1

إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات


9

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين أكمل الحمد على جميع هداياته ومعارفه وعطاياه وعوارفه وأفضل صلى الله عليه وسلم وتحياته الطيبات المباركات وإكرامه على رسوله وحبيبه وصفوته محمد الأمين خاتم النبيين والمرسلين الذي جعل الله الذلة والصغار على من خالف أمره كما ورد به الحديث المتين والقرآن المبين حيث قال رب العالمين في بعض المخالفين له في الدين سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين و صلى الله عليه وسلم وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين ورضي الله عن الصحابة أجمعين الصادقين السابقين والذين جاؤا من بعدهم من التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين

أما بعد فإني نظرت إلى شدة الخلاف واختلاف العقلاء والأذكياء وأهل الرياضات العظيمة من الرهبان وسائر أجناس أهل الأديان ثم إلى ما وقع من ذلك بين أهل الإسلام من أهل القوانين العلمية البرهانية وأهل القوانين الرياضية الرهبانية وأهل التفاسير والتآويل للآيات القرآنية وأهل الآثار والأنظار في الفروع الظنية فرأيت اختلافا كبيرا وتعاديا نكيرا وتباعدا كثيرا سبق إلى ظن الناظر فيه أنه لا طريق له مع سعة ذلك إلى تمييز المحق من المبطل والمصيب من المخطئ بالدليل الصحيح لأن التمييز الصحيح لذلك لا يحصل إلا بعد بلوغ الغاية القصوى في طرق جميع هذه الطوائف حتى يعترف له بالإمامة في كل فن من تلك الفنون كل أمام بها وعارف

ويتقن علم كل فرقة مثل اتقان كل من أئمتهم لدعواهم وحقائقهم مميزا لمعارفهم ومزالقهم والعمر أقصر من أن يتسع لذلك مع تفريغه عن


10
الشواغل المزاحمة لذلك تم الطلب الشديد له فكيف يتيسر علم جميع ذلك في أول أوقات التكليف مع الشواغل الجمة والتقصير الكثير من الأكابر المتصدرين للتعليم كيف للمتعلمين المقصرين على تلقن مذاهب أسلافهم من غير الثقات إلى الإهتمام بتحقيق أدلتهم التي تخصهم دع عنك الإهتمام بأدلة خصومهم وتحقيقها مع شدة الإشكالات ودقتها ومعارضة الأذكياء والرهبان بعضهم لبعض في كل ملة وكل فرقة ومع استمرار من ظاهره الفهم والإنصاف من أهل الإسلام على ذلك الإختلاف فعظمت هذه الفكرة عندي واهتم لها قلبي لولا ما عارضها من العلم اليقين بل الضروري بما للأكثرين من العقائد الباطلة ومعارضة الحق الواضح بالشبه الساقطة وتعرف ذلك بمطالعة كتب الملل والنحل والأهواء والتجاهل فنظرت في كيفية النجاة مع ذلك مستمدا من الله تعالى داعيا طالبا راغبا راهبا وان الله تعالى وله الحمد والشكر والثناء وفقني حينئذ إلى أوضح الطرق في علمي وأبعدها من الشبه والشكوك إلى معرفة ما تمس الضرورة إلى معرفته من الحق الذي تخاف المضرة بجهله وهو الذي جاء الإسلام بوجوب معرفته أو أمر بها أو ندب إليها من الكتاب والسنة دون معرفة ما لم يدل عقل ولا سمع على وجوب معرفته ولا ثبت في الشريعة استحبابها وبترك هذا القسم يسهل الأمر ويهون الخطب فإن الذي وسع دائرة المراء والضلال هو البحث عما لا يعلم والسعي فيما لا يدرك وطول السير والسعي في الطريق التي لا توصل إلى المطلوب والإقتداء بمن يظن فيه الإصابة وهو مخطئ والإشتغال بالبحث عن الدقائق التي لا طريق إلى معرفتها ولا يوصل البحث عنها إلى اليقين ولا إلى الوفاق ولا ظهرت للخوض فيها مع طوله ثمرة نافعة لا باليقين صادعة ولا للإفتراق جامعة ولا روي عن أحد من الأنبياء عليهم السلام ولا صح عن أحد من السلف الكرام

وربما انقطع هذا العمر القصير في تلك الطرق البعيدة قبل البلوغ إلى المقصود بها وهو معرفة الحق الواجب من الباطل المهلك ومعرفة المحق من المبطل وليس الطلب لكل علم بمحمود ولا كل مطلوب بموجود أما الثانية فوفاقية وأما الأولى فعقلا وسمعا أما العقل فإنه لا يحسن قطع


11

الأوقات في وزن الحجارة وكيل التراب ونحو ذلك مما لا يفيد والعلة أنه عبث ولعب لا يضر ولا ينفع فكيف بما يضر أو لا يؤمن أنه يضر وقد ذكر نحو ذلك القاضي جعفر رحمه الله تعالى وأما السمع فقد قال تعالى في متعلمي السحر أنهم يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم وقال تعالى فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم صلى الله عليه وسلم والآية تقتضي ذم علمهم وذمهم به

وفي الحديث أن من العلم جهلا قال ابن الأثير في النهاية قيل في تفسيره وهو أن يتعلم ما لايحتاج إليه كالنجوم وعلوم الأوائل ويدع ما هو محتاج اليه في دينه من علم القرآن والسنة وقال تعالى ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون وعلم آدم الاسماء دون الملائكة وآتانا من العلم قليلا مع قدرته على أن يؤتينا كثيرا فقال في ذلك وما أوتيتم من العلم إلا قليلا يوضحه قول الخضر لموسى عليهما السلام ما علمي وعلمك وعلم جميع الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من هذا البحر وقال لموسى أنا على علم من علم الله لا ينبغي لك أن تعلمه وأنت على علم من علم الله لا ينبغي لي أن أعمله فدل ذلك كله على أنه لا ينبغي لعاقل أن يتعرض لعلم ما لم يعلمنا الله ورسوله ويتضح معقوله ومنقوله لقول الملائكة عليهم السلام لا علم لنا إلا ما علمتنا وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي وهذه الآية دالة على أن كتب الله لا تخلو من البراهين المحتاج اليها في أمر الدين كما سيأتي في هذا المختصر مستوعبا إن شاء الله تعالى

وفي قول الملائكة لا علم لنا إلا ما علمتنا إشارة إلى ذلك بل دلالة واضحة لأنهم حين قطعوا على فساد آدم مع اخبار الله تعالى لهم أنه مستخلفه في الأرض إنما أتوا من خوضهم فيما لم يعلمهم الله تعالى إذ لو كان من تعليم الله ما أخطأوا فيه فلما تبين لهم خطأهم نظروا من أين جاءهم الخطأ على علو منزلتهم فعرفوا أنهم أخطأوا لما تعرضوا لعلم ما لم يعلمهم الله


12
سبحانه فقالوا حينئذ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا فهذا وهم أحق الخلق بالعلم والكشف للغائبات فإنهم أنوار وعقول بلا شهوات حاجبة ولا أهواء غالبة ولذلك ذم الله الذين في قلوبهم زيغ بابتغاء تأويل المتشابه ومدح الراسخين بالإعتراف بالعجز كما هو معروف عن علي عليه السلام في أمالي السيد الامام أبي طالب عليه السلام وفي نهج البلاغة على ما سيأتي تقريره والحجة عليه وذم اليهود على تعاطي ما لم يعلموا فقال تعالى ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم

ومن ذلك أن الله تعالى أرى رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر الكثير من المشركين قليلا في المنام ثم في اليقظة للمصلحة واختلف لمن الضمير في قوله تعالى يرونهم مثليهم رأي العين وقال سبحانه في الساعة أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى أي أخفي علمها الجملي وأما تعيين وقتها فقد أخفاه من الخلق كما قال ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة وكفى بذلك حجة صادعة على أن المصلحة للخلق قد تعلق بجهل بعض العلوم ومما يوضح ذلك قول عيسى عليه السلام ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه كما ذكر في الكشاف ولأن حكمة الله وحكمه الذي لا يغالب قد يقتضي ذلك عموما كما اقتضت كتم الآجال على الاكثرين

وجاء في الحديث الصحيح أن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أول رؤيا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أصبت بعضا وأخطأت بعضا فسأله بيان ما أصاب فيه وما أخطأ فأبى عليه فقال أقسمت عليك الا ما أخبرتني فقال لا تقسم فهذا مع اكرامه له وانه على خلق عظيم كما قال الله تعالى فلولا أن الجهل ببعض الأمور قد يكون راجحا أو واجبا لما تخلف


13
عن اخباره بعد هذا الالحاح الكثير من هذا الصاحب الكبير فدل على أنه ليس في كل علم صلاح العباد وأن قدرنا أنه يحصل من غير خطأ ولا تعب ولا خطر فكيف مع خوف الفوت والخطر العظيم والتعب الشديد بل هو مع تحقق ذلك في حق الأكثرين بالتجارب الضرورية

ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رفع علم ليلة القدر وسئل عنها وعسى أن يكون خيرا لكم رواه البخاري وقوله في حديث معاذ دعهم يعملوا متفق على صحته وشواهده جمة كثيرة صحيحة ومن ذلك وهو أعظمه وأشهره قصة الخضر وموسى عليهما السلام وهي شافية كافية وهي صريحة في اختلاف المصالح في العلوم ومنه قوله تعالى بعد حكاية الإختلاف بين داود وسليمان عليهما السلام وكلا آتينا حكما وعلما

وذكر الشيخ أبو القاسم البلخي في مقالاته المشهورة العامة فقال هنيئا لهم السلامة مرتين أو ثلاثا وفي شعر العلامة ابن أبي الحديد المعتزلي وقد حكى كثرة بحثه في علم الكلام حتى قال

وأسائل الملل التي اختلفت
في الدين حتى عابد الوثن

وحسبت أني بالغ أملي
فيما طلبت ومبريء شجني

فاذا الذي استكثرت منه هو
الجاني على عظائم المحن

فضللت في تيه بلا علم
وغرقت في يم بلا سفن

وقال الفخر الرازي في ذلك

العلم للرحمن جل جلاله
وسواه في جهلاته يتغمغم

ما للتراب وللعلوم وإنما
يسعى ليعلم أنه لا يعلم

وقال صاحب نهاية الاقدام

قد طفت في تلك المعاهد كلها
وسيرت طرفي بين تلك المعالم

فلم أر إلا واضعا كف حائر
على ذقن أو قارعا سن نادم

14
فهذا كلام سلاطين أئمة المعارف العقلية من فريقي الملة الإسلامية وسيأتي هذا مبسوطا في موضعه

فأما بعض الطلبة من أتباع أهل الكلام الذين قلدوا في تلك القواعد وهم يحسبون أنهم من المحققين فهم أبلد وأبعد من أن يعرفوا ما أوجب اعتراف هؤلاء الأئمة بالجهل والعجز وإنما هم بمنزلة من سمع أخبار الحروب والشجعان وهؤلاء الأئمة بمنزلة من مارس مقارعة الأبطال ومنازلة الأقران ولا يلزم من التزهيد في طلب ما لا يحصل والاشتغال بما يضر من علوم الفلاسفة والمبتدعة التزهيد في العلم النافع وسيأتي اشباع القول في عظم فضله والحث عليه بعد تقرير صحته والرد الشافي على من نفاه

ومن ها هنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم بالإقتصاد في الأمور وقال إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وهو الذي اختاره الله تعالى معلما للأميين ورحمة للعالمين وعلم بالضرورة لا بأخبار الآحاد إن ذلك كان خلقه ودينه عند العلماء النقاد فتعين حينئذ طلب الطريق القريبة الممكنة التي هي فطرة الله التي فطر الناس عليها كما نص على ذلك في كتابه الكريم وسنة رسوله عليه أفضل صلى الله عليه وسلم ولولا ما وقع فيها من التغيير لما احتاجت إلى طلب ولكنه قد وقع فيها التغيير كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته عند أهل النقل وفيه تفسير الفطرة وتقريرها من المبلغ المبين لما أنزل عليه من الهدى والنور حيث قال ( كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ) وفي ذلك يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في ممادح ربه سبحانه وتعالى التي أودعها خطبه في محافل المسلمين وأما العارفين وعلمها من حضره من خيار المؤمنين حيث قال في محامد رب العالمين لم يطلع العقول على تحديد صفته ولم يحجبها عن واجب معرفته فهو الذي يشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود وقد جود في شرحه ونصرته العلامة ابن أبي الحديد وعزاه إلى قاضي القضاة وفرق بينه وبين قول الجاحظ فقال أنا ما ادعينا في هذا المقام إلا أن العلم بإثبات الصانع هو الضروري والجاحظ


15
ادعى في جميع المعارف أنها ضرورية وأين أحد القولين من الآخر انتهى كلام الشيخ ويدل عليه قوله تعالى الم ذلك الكتاب لا ريب فيه وقوله الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه وقوله تعالى قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ولذلك كان المختار في حقيقة النظر إنه تجريد القلب عن الغفلات لا ترتيب المقدمات كما ذكره الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى فتأمل ذلك

قلت وبيان هذه الجملة في أمرين أحدهما بيان المحتاج إليه من المعارف الإسلامية في الأصول وهي سبعة أمور كلها فطرية جلية كما يأتي وعليها مدار خلاف العالمين أجمعين وإنما تدرك بالفطرة قبل التغيير أو مع الشعور بذلك التغيير فإن مداواته بعد الشعور به سهلة وذلك لأن البصيرة في المعلومات كالبصر في المحسوسات كلاهما مخلوقان في الأصل على الكمال ما لم يغيرا فمتى وقع فيهما التغيير ولم يشعر به صاحبه فحش جهله وخطأه ومتى شعر بذلك سهل علاجه واستداركه والحكم عليه بحكم العميان والله المستعان الأمر الثاني بيان أن خوض جميع المتكلمين في عقائدهم الخلافية بين الفرق الإسلامية يتوقف دائما أو غالبا على الخوض في مقدمات لتلك العقائد وجميع تلك المقدمات مختلف فيها أشد الاختلاف بين أذكياء العالم وفحول علم المعقولات من علماء الإسلام دع عنك غيرهم ومن شرط المقدمات أن تكون أجلى وأن لا تكون بالشك والإختلاف أولى فلينظر بإنصاف من كان من أهل النظر من علماء الكلام في تلك القواعد الدقيقة والمباحث العميقة والمعارضات الشديدة والمناقشات اللطيفة في أحكام القدم ومتى يصح من الله تعالى إيجاد الحوادث وما لزم كل خائض في ذلك حتى التزم بعض شيوخ الكلام نفي القدرة على تقديم الخلق عن وقته وبعضهم أن الحوادث لا نهاية لها في الابتداء كما لا نهاية لها في الإنتهاء وقال جمهورهم أنه قادر في القدم ولا يصح منه الفعل فيه مع قدرته وكذلك اختلافهم فيما تعلق به العلم في القدم وفي أحكام الوجود والموجود وهل هما شيء واحد على


16
التحقيق أو بينهما فرق دقيق وفي دعوى أبي هاشم وأصحابه أن الثبوت غير الوجود حتى جمعوا بين الثبوت والعدم دون الوجود والعدم وقضوا بأن الله تعالى لا يدخل في قدرته سبحانه أن يكون هو المثبت للأشياء الثابتة في العدم مع قضائهم بثبوت جميع الأشياء في العدم بغير مؤثر وإنما تفسير خلق الله للأشياء عندهم أن يكسبها بعد ثبوتها صفة الوجود مع مخالفة جمهور العقلاء لهم في ذلك

وفي أدلتهم عليه كما أوضحه صاحبهم أبو الحسين وأصحابه وأوضحوا أيضا مخالفتهم في اثبات الأكوان والإستدلال بها إلى أمثال لذلك كثيرة مما اشتملت عليه التذكرة لابن متويه والملخص للرازي وشرحه والصحائف الإلهية لبعض الحنفية ونحوها من جوامع هذا الفن فعلى قدر ما في تلك القواعد من الشكوك والإحتمالات تعرف ضعف ما تفرع عنها

ولعل كثيرا من النظار المتأخرين يعترف بأنها محارات ومجاهل لا هداية للعقول فيها إلى اليقين ثم يعتقد أن عقائده المبنية عليها صحيحة قطعية وهذه غفلة عظيمة فإن الفرع لا يكون أقوى من الأصل لا في علوم السمع ولا في علوم العقل ثم أن المتكلمين كثيرا ما يقفون المعارف الجليلة الواضحة على أدلة دقيقة خفية فيتولد من ذلك مفاسد منها إيجاب ما لا يجب من الإستدلال وتكلفه وتكليفه المسلمين ومنها تكفير من لا يعرف ذلك أو تأثيمه ومعاداته ومع ذلك تحريمه يؤدي إلى حرام آخر وهو التفرق الذي نص القرآن الكريم على النهي عنه ومنها تمكين أعداء الإسلام من التشكيك على المسلمين فيه وفي أمثاله ومنها الإبتداع وتوسيع دائرته وما أحسن قول أمير المؤمنين علي عليه السلام في مثل ذلك العلم نكتة يسيرة كثرها أهل الجهل

ولنذكر شيئا من ذلك نخرج به عن التهمة بدعوى ما لم يكن منهم فنقول انا لا نحتاج إلى دليل على وجوب الله تعالى بعد علمنا بالضرورة الفطرية أنه الذي أوجد الموجودات وخلق العوالم ودبرها واستحق المحامد جميعها والأسماء الحسنى كلها وأنه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم خبير وهذا هو قول الشيخ أبي الحسين وأصحابه وأكثر العقلاء وجماهير الأمة وذهب الشيخ أبو هاشم الجبائي وأتباعه إلى أنا بعد علمنا بذلك كله نشك هل هو سبحانه موجود أو معدوم بعد علمنا بأنه موجد


17
الموجودات ومدبرها القيوم بها وأنا بعد العلم بذلك ومعه نحتاج إلى النظر الدقيق في دليل يدل على أن خالقنا الكامل الأسماء والنعوت غير معدوم ولا يكفينا العلم بأنه خالقنا ومدبرنا دليلا على وجوده قط وغفلوا عن كون وجود الخالق القيوم بخلقه أقوى في التعريف بوجوده من الدليل الذي يتكلفونه على ذلك في فطر العقلاء وأنه إن أمكن الشك في هذه الفطرة أمكن الشك في دليلهم عليها إذ لا يمكن أن يكون أقوى منها بل هو أخفى بغير شك كما يعلم ذلك من وقف على أدلتهم في ذلك وقد كنت أوردتها هنا وبيان ما فيها من الشكوك ثم صنت ديباجة هذا المختصر من ذلك ونحوه من علم الجدل ورأيت أن أورد ذلك في فصل مفرد في آخر هذا المختصر إن شاء الله تعالى وإلا فهي في العواصم مجموعة وفي كتب الكلام مفرقة وإنما فعلت ذلك معا ليسلم أولا من كدورته أهل الاثر ثم ينتفع ثانيا بالنظر في الشكوك الواردة عليه أهل الكلام والنظر إن شاء الله تعالى وإنما اضطر أبو هاشم وأتباعه إلى ذلك لأنهم جوزوا للمعدوم تحققا في الخارج لا في الذهن على ما حققه الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى في الفصل الرابع في صفات الله تعالى

واعلم أن كثرة التعنت في النظر تؤدي إلى طلب تحصيل الحاصل والتشكيك فيه وقد جربنا ذلك وتأثيره في الموسوسين في الطهارة وفي النية وأمثالهما من الأمور الضرورية فإذا صح مرض العقول في الضروريات بسبب التعنت والغلو في تحصيل الحاصل فكيف إذا وقع هذا السبب في محارات العقول ودقائق الكلام وتوهم المبتلي بالوسوسة أنه لا طريق له إلى معرفة الله تعالى إلا تلك الدقائق الخفية والقواعد المختلف فيها بين أذكياء البرية ومن أمارة عدم اليقين فيها استمرار الخلاف بعد طول البحث من الأذكياء من أهل الإنصاف ومن علماء أهل الإسلام ولا تحسبن أن العلة في ذلك وقتها بل العلة عدم الطريق إلى معرفتها يوضح هذان علم الحساب والفلك وتسيير الشمس والقمر ومعرفة أوقات الكسوفيين من أدق العلوم ومع دقته فإن غالبه صحيح متفق عليه بين العارفين له وما كان منه خفيا ظنيا فهو معروف بذلك بين أهله وعكس ذلك علم أحكام النجوم


18
في حدوث الحوادث فإن غالبه باطل لأنها لم تصح منه المقدمات فدل الضعف والإختلاف على ضعف القواعد لا على دقتها ولذلك لا يختلف أهل الحساب الدقيق في الفرائض وقسمة المواريث في المناسخات ونحوها مع دقته ولذلك لا تختلف علماء العربية والمعاني والبيان في كل دقيق بل يتفقون حيث تكون المقدمات صحيحة وإن دقت ولا يختلفون إلا حيث تكون المقدمات ظنية بل المتكلمون في الحقيقة كذلك لكنهم إنما يتفقون في أمور يستغنى في معرفتها عن علم الكلام وعن معرفتها في علم الكلام ثم يختصون من بين أهل العلوم بدعوى القطع في مواضع الظنون وتركيب التعادي والتأثيم والتكفير على تلك الدعاوى إلا أفرادا من أئمتهم وأذكيائهم توغلوا حتى فهموا أنهم انتهوا إلى محارات منتهى العقول فيها الميل إلى إمارات ظنية فرجعوا إلى التسليم وترك التكفير كما سيأتي بيان ذلك عنهم ونصوصهم فيه

ومن العبر الجلية في هذا للمتأملين أن أهل الدنيا الموصوفة بأنها لعب ولهو ومتاع قد اتقنوا موازين معرفة الحق من الباطل فيما بينهم وتمييز يسير الحيف في ذلك حتى لا يستطيع أحد تدليس الباطل مع وزنهم وتمييزهم لذلك بتلك الموازين الموصلة إلى العلم اليقين القاطع لا مكان اللجاج والخلاف من المخالفين فلو استطاع أهل الكلام أن يضعوا في أمور الدين المهمة موازين حق تميز الحق من الباطل على وجه واضح يقطع الخلاف ويشفي الصدور مثل موازين أهل الدنيا ما كرهوا ذلك وهم لا يتهمون بالتقصير في ذلك وإنما أتوا من أنهم تركوا الإعتماد على تعلم الحق من الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الذي أنزله من أنزل الميزان ليتعرف به الحق بعد دلالة الإعجاز على صدقه كما يعرف الحق في الأموال بالميزان بعد دلالة العقل على صحته ولذلك جمعهما الله تعالى في قوله الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان أنزل الكتاب لتعريف الحق الديني والميزان لتعريف الحق الدنيوي فترك الأكثرون الإعتماد عليه لما سنذكره من الأسباب التي ظهرت في أعذار


19
المخالفين وان كان السبب الأكبر الذي أخبر عنه علام الغيوب حيث يقول لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون وتعرضوا لما لا يمكن من ايضاح المحارات التي لا تتضح والسير في الطرق التي لا توصل والوزن بالموازين التي لم ينزلها الله تعالى ولا علمتها رسله ولا اجتمعت عليها عقول العقلاء وفطن الأذكياء وما خرج عن ذلك كله فمن أين له الوضوح حتى يكون له ميزان يميز به الحق من الباطل عند الدقة والخفاء والإختلاف الشديد فتأمل ذلك بإنصاف

وأعجب من كل عجيب تكفير بعضهم لبعض بسبب الإختلاف في هذه المحارات الخالية من ذلك كله وقد قال الله تعالى بعد الأمر بوفاء الكيل والوزن لا نكلف نفسا إلا وسعها مع وضوح الوفاء فيهما وامكان الإحتياط فكيف حيث يدق ويتعذر فيه الإحتياط لكن قد يمكن أن لا يسامحوا في ذلك من جهة أن الضرورة بل الحاجة لم تدع إليه كالوزن هذا مع ما في التكفير للمخطئ في هذه الدقائق من المفسدة وذلك عدم جسرة الناظر على المخالفة لأنها صارت مثل الردة من الدين ولولا ذلك لاتضح كثير من الدقائق فإن أوائل أهل علم الكلام لابد أن يقصروا كما هو العادة الدائمة في كل من ابتدأ ما لم يسبق إليه فلما كفروا المخالف كتم بعضهم المخالفة وتكلف بعضهم الموافقة بالتأويل البعيد وفسد الاكثرون وقد ذكر نحو هذا في دلائل اعجاز القرآن أنه أسلوب مبتدأ جاء على الكمال فحرق العادات بذلك على أن في علم الكلام من الخطر ما لا يتعرض له حازم بعد معرفته وذلك ما ذكره السيد المؤيد بالله صلى الله عليه وسلم فانه ذكر في أواخر كتابه ما ذكره في الزيادات ما لفظه

فصل فيما يجب على العامي والمستفتي

قال صلى الله عليه وسلم والأولى عندي ترك الخوض فيما لا تمس الحاجة إلى معرفته من علم الكلام لأن الصحيح من المذهب أن الجهل قبيح ويجوز أن يصيره إلى حالة يستحق صاحبها الخلود في النار وهذا غير مأمون لو نظر في مسألة من الكلام


20
وأخطأ ولو لم يشتغل بها وترك النظر فيها أمن ذلك ولو أصاب كان ما يستحق من الثواب على الإصابة يسيرا والعاقل إذا اختار الحزم اختار الاعراض عنها دون النظر فيها إلى آخر كلامه في ذلك وأراد صلى الله عليه وسلم بالجهل القبيح الجهل الاصطلاحي عند أهل الكلام وهو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه لا الجهل اللغوي الذي هو التوقف في موضعه فهو الذي أمر به وحكم بنجاة صاحبه ومن عيوب علم الكلام تعرضهم لما لا نفع في الخوض فيه مع عدم الامان من المضرة فيه كالخوض في الروح والنفس وانهما شيء واحد أو شيئان مختلفان فان أدلتهم في ذلك كله ضعيفة ظنية وأحسن ما يستدلون به في ذلك هو التلازم وليس من الأدلة القاطعة وقد اختار ابن متويه والحاكم منهم وغيرهما أن الروح هو النفس الجاري بفتح الفاء لأجل التلازم فوهموا وهما فاحشا فان الجنين في بطن أمه لا يتنفس بعد حياته ونفخ الروح فيه بالنص والحس بل حيوان الماء لا يتنفس فيه ولو سلم لهم جواز دوام التلازم لم يكن حجة قاطعة على اتحاد النفس والروح فليحذر الخوض في أمثال ذلك لقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم ولما تقدم من كلام المؤيد بالله في ذلك وقد وافق المؤيد بالله على ذلك خلائق من أئمة العترة والامة كما ذكره صاحب الجامع الكافي عن محمد بن منصور في كتاب الجملة والالفة وحكى الحاكم المعتزلي في مختصر له جلي في معرفة الله أن جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب من أئمة الكلام رجعا عن الخوض في دقيقه وقد بالغ الغزالي في احياء علوم الدين ولا حاجة إلى التطويل بذكر ذلك وهو معروف في مواضعه

وإني لما رأيت طريق النجاة من علم الكلام مما لا يجتمع عليها أهل الكلام دع غيرهم ورأيتها ان كانت طريقا صحيحة فانها متوقفة ولا بد على التحقيق فيه والبحث العميق عن الطائفة وخوافيه المودعة في علم اللطيف الذي تذكره ابن متويه من مختصراته وجلياته وملخص الرازي من موجزاته ومتوسطاته وأئمة أهله أعي علم الكلام في غاية المباعدة


21
والمنافاة حتى أن الشيخ أبا الحسين ذكر أنه يكفي في معرفة بطلان مذاهب أصحابه البهاشمة من المعتزلة مجرد معرفة مقاصدهم مع أنهم الجميع من أئمة الاعتزال هذا مع وقوع كثير من أئمة الكلام في الشك والحيرة

فلما عرفت ذلك كله علمت من غير شك صعوبة معرفة طريق النجاة من هذا الفن على الاكثرين

وقد ألهم الله تعالى وله الحمد والشكر والثناء إلى أسهل طريق وأخصره في علمي إلى اليقين والنجاة ونصرة طريق الصحابة والسلف التي علم تقريرهم عليها بالضرورة من الدين وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها وإنما عنيت في توضيحها وتجديدها بعد درسها ومداواة ما قد وقع من تغيير المغيرين لها كما أشار إليه الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم ( فأبواه يهودانه وينصرانه ) كما تقدم

وبيان ذلك أني تأملت جميع الاختلاف الواقع بين الناس من الملل الكفرية والفرق الاسلامية فإذا هو على كثرته وتشعبه يرجع في الجملة إلى سبعة أشياء مدركها بالفطرة قريب بعون الله تعالى بل هي فطرة الله التي فطر الناس عليها

أولها اثبات العلوم الضرورية التي يبتني الاسلام على ثبوتها وثانيها ثبوت الرب عز وجل وثالثها توحيده سبحانه وتعالى ورابعها كماله بأسمائه الحسنى وخامسها ثبوت النبوات وصحتها في الجملة وسادسها الايمان بجميعهم وعدم التفريق بينهم وسابعها ترك الابتداع في دينهم بالزيادة على ما جاؤا به والنقص منه فاذا تأملت هذه الأمور السبعة بالفطرة الأولى السليمة من التغيير بالعادات والطوارئ المغيرات لم تشك أن الخطر المخوف من عقاب الآخرة مأمون في جميعها وأما الستة الأولى فمجموعها هو دين الاسلام الذي فطر الله عباده على معرفته والخلاف في كل واحد منها كفر يجمع عليه والأدلة عليها جلية وفاقية بين المسلمين ولا يمكن وجود أحوط منها ولا أولى وأحرى كما قال تعالى فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا وأما السابع وهو عدم الزيادة والنقص في الدين فهو


22
العصمة من البدع المفرقة بين المسلمين وهو لاحق بما قبله في ثبوته في الفطرة مع اضطرار كاره البدعة اليه لكن لا يثبت فيه التكفير غالبا كما ياتي شرحه في موضعه

وسر هذا الكلام أن العذاب الأكبر مخوف في المخالفة لأحد هذه القواعد السبعة الجليلة والعقل والسمع مجتمعان على حسن السعي في دفع المضار المخوفة المجوزة التجويز لمستوى الطرفين ووجوب السعي في دفع المضار المطلوبة ووجوب السعي في الاحتياط في ذلك وهذا معلوم في فطر العقلاء ومع كونه معقولا فقد ذكره الله تعالى في كتابه المبين وذكر العقلاء به إن كانوا عنه غافلين فقال في ذلك رب العالمين قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد وقال عز وجل في آية أخرى قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين وقال سبحانه حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ومنه ما حكاه الله تعالى عن مؤمن آل فرعون من قوله أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم وفي معناه قوله تعالى أيضا ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار الآيات وهو بين في هذا المعنى لأن السلامة متحققة في الايمان والخطر مأمون فيه والمهالك مخوفة في مخالفته وقد أحسن كل الاحسان في دعاء قومه ولذلك حكى الله تعالى حسن احتجاجه عليهم فينبغي تأمله والانتفاع به ولذلك أتبع الله البرهان بالتخويف بالموت الضروري


23
والمعاد إليه النظري في قوله تعالى كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون فان الكفر مع مجموع هذه الأمور أنكر الكفر وأفحشه فان البراهين تكفي العارفين والمخاوف توقظ نيام الغافلين وتلين قساوة العاتين الماردين ومع ذلك تقوى دواعي العارفين وتقاوم وساوس الشياطين ومن ذلك قوله تعالى وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وهذا القدر أعني الدخول في الاسلام على جهة الاحتياط من غير علم بصحته بالأدلة يحصل أدنى مراتب الاسلام عند كثير من علماء الاسلام كمن لا يكفر المقلدين لأهل الحق ومن يقول المعارف ضرورية وغيرهم وحجتهم على ذلك أمور منها تقرير النبي صلى الله عليه وسلم للعامة وقبول الشهادة منهم ومنها قوله تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم وآخر الآية حجة حسنة على ذلك ومنها ما صح واشتهر وتواتر في أحاديث الشفاعة من تقرير إيمان المشفوع لهم بمثاقيل الذر وأدنى أدنى أدنى من ذلك ألا ترى أنك تخاف العذاب على المخالفة في كل واحد من هذه السبعة الأمور ولا تخاف العذاب بالقول بواحد منها ولا تجد أحوط منها ولا أنجى فحينئذ علمت بالفطرة علما قريبا جليا تطمئن به القلوب وتؤمن معه من المخوف الأعظم إنه لا يمكن أن يوجد أصح ولا أنجى من المخاوف من دين الاسلام ومتابعة محمد أفضل الصلاة والسلام صلى الله عليه وسلم

فلاحظت في هذا المختصر هذه الأمور السبعة وأشبعت الكلام فيها ونصرتها بجهدي وغاية ما في قدرتي من العبارات الواضحة وضرب الأمثال البينة ثم الآيات والآثار وإن تكلمت في نصرتها من عندي متميزة بأنفسها غير ملتبسة بكلامي فما أخطأت فيه من كلامي وخالفها فعلى كل مسلم رده واجتنابه ومتابعتها دونه فانما قصدي نصرتها لا مخالفتها


24
فما أصبت فيه فمن الله سبحانه وله فيه المنة والحمد والشكر والثناء وما أخطأت فيه فالذنب مني وعلي فيه البراءة منه والتوبة والاستغفار والتحذير وأشد الكراهة لا فرق بين كراهة ما صدر مني من البدع وما صدر من غيري بل يجب أن أكون أشد كراهية لما صدر مني لأن الصادر مني ذنبي يضرني وأآخذ بسببه والله تعالى يسلمني من البدع والذنوب ويغفر لي ما أخطأت فيه إنه واسع المغفرة والرحمة وهو حسبي ونعم الوكيل لكن المحامي عن السنة الذاب عن حماها كالمجاهد في سبيل الله تعالى يعد للجهاد ما استطاع من الآلات والعدة والقوة كما قال الله سبحانه وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة

وقد ثبت في الصحيح أن جبريل عليه السلام كان مع حسان بن ثابت يؤيده ما نافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشعاره فكذلك من ذب عن دينه وسنته من بعده إيمانا به وحبا ونصحا له ورجاء أن يكون من الخلف الصالح الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين والجهاد باللسان أحد أنواع الجهاد وسبله في الحديث ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) وقد أحسن من قال في هذا المعنى شعرا

جاهدت فيك بقولي يوم يختصم الأبطال
أذفات سيفي يوم يمتصع

إن اللسان لوصال إلى طرق
في الحق لا تهتديها الذبل السرع

وقد ذكر الغزالي في المنقذ من الضلال أن الطالبين لليقين ثلاث طوائف منهم أهل الرياضة للقلوب بتصفيتها بالاقبال على الله تعالى وترك ما عداه والتخلق بالأخلاق المجمع على حسنها من الزهد والصبر والتوكل والرضا والعفو ووضع النفس قلت إلى سائر ما ذكروه من أخلاقهم وأحوالهم ومقاماتهم في عوارف المعارف وغيره وهذا لا يمكن اكتسابه بالتصنيف إنما هو بالعمل فمن عمل على موافقة السنة واجتناب البدعة


25
كان هذا المختصر وأمثاله من بداياته التي تعينه على مقصده وتوصله إلى مراده لأنهم أجمعوا على أن الشريعة لمعارفهم كاللبن للزبد ومن لا لبن له لا زبد له وهذه المقدمة للشريعة وتصفية القلوب المشبهين باللبن والزبد بمنزلة الروح الذي لولاها لما كان الحيوان ولا الزبد ولا اللبن ولكنها حاصلة في الابتداء بالفطرة من الله سبحانه وله الحمد فمن كملت فيه وسلمت من التغيير لم يحتج إلى شيء من هذا وان نظر فيه قوي ما هو عليه من الفطرة بمنزلة السقي لما يشرب بعروقه من البحر فانه لا يحتاج السقي فان سقي زاده قوة وريا والطائفة الثانية ممن ذكر الغزالي أهل التعليم من الامامية وغيرهم فانهم زعموا أن العقول لا تفي بالمعرفة من غير تعليم الامام المعصوم ولذلك تجد طالبي المعارف النظرية العقلية يتعلمون ذلك من شيوخهم ولا يمكن بالتجارب أن يستقل أحدهم بنظره وعقله من غير شيخ ثم يأتي بتلك القوانين المتقنة مجودة سالمة من المطاعن وعندهم أن هذا من التجريبات الضروريات وقد جود الغزالي الرد عليهم في المنقذ من الضلال وكفى وشفى ثم قال وعلى تسليم ما ذكروه فنحن نلتزمه ولا يضرنا لكن امامنا المعصوم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وموته لا يضرنا كما أن غيبة امامهم لا تضر عندهم بل حالنا أولى فان امامنا المعصوم مات صلى الله عليه وسلم بعد كمال التعليم وامامهم غاب عنهم قبل ذلك وفي هذا المختصر من التعليم النبوي الصحيح المتواتر والصحيح المشهور ما لا يوجد في أمثاله والطائفة الثالثة أهل النظر وقد جمعت في هذا المختصر صفوة أنظارهم وخلاصة أدلتهم ونقاوتها وقصدت تقويتها ورسوخ اليقين فيها بجمع شواهدها وبراهينها الجلية القريبة الغاسلة لأدران الشكوك والريبة النازلة من أهل الايمان بمنزلة الماء القراح من العطشان المشهورة بين أهل البيت الطيبين والصحابة والتابعين وسائر السلف الصالحين التي لا يجر الخوض فيها إلى شيء من البدعة ولا المخاطرة في الدين ولا يمكن أن يكون فيها شيء غيره أحوط منه في علمي والله المستعان والمستغاث والهادي سبحانه لا إله إلا هو وهو حسبي ونعم الوكيل

واعلم أني بنيت هذا المختصر على بيان الحق وتقريره في هذه الأمور السبعة لا سواها وما زاد على ذلك من مواهب الله وعوارفه ومعارفه


26
وبدائع لطائفه فليس بمقصود لي الكلام عليه ولا أعتب على من خالفني في شيء منه ولا يعاب التقصير فيه فان التطويل في الأمور العارضة يخرج عن المقصود كما ذلك معروف

وإنما قصرت الاهتمام على هذه الامور السبعة لأنها الفطرة التي فطر الله الناس عليها كما تطابق عليه القرآن والسنة وفي ذلك دلالة على أنها تكفي العامي كما ذهب إليه أهل المعارف ما لم تعرض له شبهة قادحة فيتمكن من حلها على طريق السلف القريبة الجلية كما نذكره في هذا المختصر مع الدعاء واللجأ إلى الله تعالى وما أقرب نفع هذا مع خلق الله القلوب على الفطرة وكثرة مواد هدايته كما ذكره في آية النور وقال الله تعالى إن علينا للهدى فأكد ذلك بمؤكدين اثنين كما تقول أن زيدا لقائم وقال وعلى الله قصد السبيل هذا للخلق عموما وللمؤمنين خصوصا ومن يؤمن بالله يهد قلبه إلى غير ذلك وإنما يؤتى أكثر الخلق من كفرهم بآيات الله البينة وبطلبهم غيرها كما قال تعالى سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب فليحذر ذلك كل الحذر من عدم القنوع بما قنع به السلف من حجج الله تعالى وياله من تخويف شديد ووعيد عظيم

ثم اعلم أن هذا المختصر لا يصلح إلا لمن وضع له كما أن الدواء الخاص بألم خاص لا يصلح لكل ألم ولا لكل أليم فمن كان يحتاج البسط إلا الحوافل الكبار من مصنفات المصنفين من أذكياء النظار وقد يكون في هذا المختصر الاشارة إلى تلك الكتب الحافلة والتنبيه عليها لمن يحتاج إلى ذلك والدال على الخير كفاعله ولكن لكل مقام مقال ولكل مجال رجال والكتب البسيطة في علم اللطيف لا تصلح لمن يخاف عليه من السبه كما أن السباحة في لجج البحار لا تصلح إلا لأهل الرياضة التامة في ذلك بعد طول


27
التجارب وأرجو إن شاء الله تعالى أن لا يخلو هذا المختصر من أحد المعاني الثمانية التي تصنف لها العلماء بل من كل واحد منها وهي اختراع معدوم أو جمع مفترق أو تكميل ناقص أو تفصيل مجمل أو تهذيب مطول أو ترتيب مخلط أو تعيين مبهم أو تبيين خطأ كذا عدها أبو حيان وتمكن الزيادة فيها

وإنما جمعت هذا المختصر المبارك إن شاء الله تعالى لمن صنفت لهم التصانيف وعنيت بهدايتهم العلماء وهم من جمع خمسة أوصاف معظمها الاخلاص والفهم والانصاف ورابعها وهو أقلها وجودا في هذه الاعصار الحرص على معرفة الحق من أقوال المختلفين وشدة الداعي إلى ذلك الحامل على الصبر والطلب كثيرا وبذل الجهد في النظر على الانصاف ومفارقة العوائد وطلب الاوابد فان الحق في مثل هذه الاعصار قلما يعرفه إلا واحدا بعد واحد وإذا عظم المطلوب قل المساعد فان البدع قد كثرت وكثرت الدعاة اليها والتعويل عليها وطالب الحق اليوم شبيه بطلابه في أيام الفترة وهم سلمان الفارسي وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهما رحمهما الله تعالى فانهم قدوة الطالب للحق وفيهم له أعظم أسوة فانهم لما حرصوا على الحق وبذلوا الجهد في طلبه بلغهم الله إليه وأوقفهم عليه وفازوا من بين العوالم الجمة فكم أدرك الحق طالبه في زمن الفترة وكم عمي عنه المطلوب له في زمن النبوة فاعتبر بذلك واقتد بأولئك فان الحق ما زال مصونا عزيزا نفيسا كريما لا ينال مع الاضراب عن طلبه وعدم التشوف والتشوق إلى سببه ولا يهجم على المبطلين المعرضين ولا يفاجئ أشباه الانعام الغافلين ولو كان كذلك ما كان على وجه الأرض مبطل ولا جاهل ولا بطال ولا غافل وقد أخبر الله تعالى أن ذرء جهنم هم الغافلون فانا لله وإنا إليه راجعون ما أعظم المصاب بالغفلة والمغتر بطول المهلة

ومن أعجب العجائب دعوى المقلدين للمعارف ودعوى المتعصبين للانصاف وأمارة ذلك أنك تجد العوالم الكثيرة في لطائف المعارف المختلف فيها على رأي رجل واحد من القدماء في الامصار العديدة والاعصار المديدة


28
فلو كانوا في ترك التقليد كالأوائل لاشتد اختلافهم في الدقائق ولم يتفقوا على كثرتهم وطول أزمانهم وتباعد بلدانهم واختلاف فطنهم كما قضت بذلك العوائد العقلية الدائمة ولو كان الجامع لفرقتهم مع كثرتهم هو الوقوف على الحقائق في تلك الدقائق لكانوا أكثر من مشايخهم الاقدمين علما وتحقيقا وانصافا وتجويدا لكن المعلوم خلاف ذلك فاياك أن تسلك هذه المسالك فان نشأة الانسان على ما عليه أهل شارعه وبلده وجيرانه وأترابه صنيع أسقط الناس همة وأدناهم مرتبة فلم يعجز عن ذلك صبيان النصارى واليهود ولا ربات القدود والنهود المستغرقات في تمهيد المهود وهذه هذه فأعطها حقها وانظر لنفسك وانج بها وطالع قصة سلمان الفارسي وأضرابه وانظر كيف كان صبرهم واعرف قدر ما أنت طالب فانك طالب لأعلى المراتب قال الله تعالى وما قدروا الله حق قدره وقال في الأخرى وسعى لها سعيها وقال خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه وليس في الوجود بأسره أعز ولا أفضل من الإيمان بالله وكتبه ورسله ومتابعتهم ومعرفة ما جاؤا به فلا تطلب ذلك أهون الطلب فإني أرى الأكثرين لا يرضون بالغبن والنقص في بيع بعض السلع وأرى طالب الأرباح الدنيوية يطلبها أشد الطلب من أبعد الأقطار بأشق الأسفار وأما طالب الكيمياء والسيمياء فإنه يبذل في طلبهما ما دون الروح بل يرتكب بعض الأخطار والمتالف الكبار مع أدنى تجويز للسلامة بل عدم التجويز أيضا عند ملكة هواه له وغلبة ظنه بأنه يدرك ما أراد ويبلغ ما قصده ويصل إلى ما إليه سعى ولكم من منفق غضارة عمره ونضارة شبابه وأبان أيامه في ذلك

وإنما طولت القول في هذا لأني علمت بالتجربة الضرورية في نفسي وغيري أن أكثر جهل الحقائق إنما سببه عدم الاهتمام بتعرفها على الإنصاف لا عدم الفهم فإن الله وله الحمد قد أكمل الحجة بالتمكين من الفهم وإنما أتى الأكثر من التقصير في الإهتمام ألا ترى أن المهتمين بمقاصد المنطقيين


29
والمتكلمين يفهمونها وإن دقت مع الصبر وطول الطلب فكيف لا يفهم طالب الحق مقاصد الأنبياء والمرسلين والسلف الصالحين مع الاهتمام بذلك وبذل الجهد في طلبه وحسن القصد ولطف أرحم الراحمين لمن هو كذلك بالنصوص والاتفاق ولا ينبغي أن يصغي إلى من يصده عن كتب الله وما أنزل فيها من الهدى والنور رحمة للمؤمنين ونعمة على الشاكرين

وليحذر كل الحذر من زخرفتهم للعبارات في ذلك وترغيبهم بأنواع المرغبات في تلك المسالك وليعتبر في ذلك بقوله تعالى لرسوله المعصوم صلى الله عليه وسلم وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا ويالها من موعظة موقظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد كما قال سبحانه وتعالى ولتعرف أهل الزيغ بذلك وأهل الحق بحلافه فإنهم كما وصفهم ربهم عز وجل في قوله ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ولا ينبغي أن يستوحش الظافر بالحق من كثرة المخالفين له كما لا يستوحش الزاهد من كثرة الراغبين ولا المتقي من كثرة العاصين ولا الذاكر من كثر الغافلين بل ينبغي منه أن يستعظم المنة باختصاصه بذلك مع كثرة الجاهلين له الغافلين عنه وليوطن نفسه على ذلك فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن هذا الدين بدا غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء ) رواه مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة ورواه الترمذي من حديث ابن مسعود وقال هذا حديث حسن صحيح ورواه ابن ماجه وعبد الله بن أحمد من حديث أنس وروى البخاري نحوه بغير لفظه من حديث ابن عمر وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه أفضل السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( طلب الحق غربة ) رواه الحافظ الأنصاري في أول كتابه منازل السائرين إلى الله من حديث جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده وقال هذا حديث


30
غريب لم أكتبه عاليا إلا من رواية علان ولذلك شواهد قوية عن تسعة من الصحابة ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد فنسأل الله أن يرحم غربتنا في الحق ويهدي ضالنا ولا يردنا من أبواب رجائه ودعائه وطلبه محرومين إنه مجيب الداعين وهادي المهتدين وأرحم الراحمين

فإن قيل قد دل السمع كتابا وسنة على أن دين الاسلام هو الفطرة المخلوقة وطلب ذلك هو تحصيل الحاصل فما هذا التهويل

قلت لأنه قد اشتد تغييرها وصلاحها بعد شدة التغيير عسير فهي كالعافية والتغيير كالأمراض التي اخترنا أسبابها فاشتدت وتمكنت حتى عسر علاجها وهذا المختصر وأمثاله كأدوية تنفع من لم يستحكم عليه التغيير دون من استحكم عليه ولا يحتاجها المعافى ويدل على ذلك حديث حزام بن حكيم ابن حزام عن أبيه وعمه أن العبادة في صدر الاسلام أفضل من العلم وأن العلم في آخر الأمر أفضل من العبادة كما سيأتي قوة اسنادها وموافقتها في المعنى للنظر العقلي ياتيان في بيان فضل العلم النافع وخامسها وهو اصعبها المشاركة في العلم أو في التمييز والفهم لأهل الطبقة الوسطى ومن يقاربهم في المنزلة حتى يتمكن بذلك من معرفته مقدار ما يقف في هذا المختصر من الفوائد من غير تقليد فيرغب فيه أو يزهد حين يقيس على ما يألف ويعهد لأنه لا يعرف مقدار الشيء إلا ذو بصيرة يعرف أن له أجناسا كثيرة فيقيسها إليه أو يقيسه إليها فيفضلها عليه ويفضله عليها وذكي القلب يتمكن من ذلك وإن لم يسلك تلك المسالك لكن بكثرة المسألة لأهل المعارف والمقايسة بين المصنفات لعارف عارف وإلا كان الواقف عليه مثل من لا يعرف الجواهر الثمينة والفصوص النفيسة يجد فصا عظيم المقدار فيضيعه أو يبيعه بثمن نزر فقد بيع يوسف الصديق بذلك حين لم يوقف له على قدر فإن عرضت لطالب الحق محنة لم يتطير بطلب الحق فيكون من الذين يعبدون الله على حرف وليثق بقرب الفرج ويتوكل على الله كما قال تعالى فتوكل على الله إنك على الحق المبين وعلم وأيقن أن الله مع الصابرين ومع الصادقين


31

وأن الله ناصر من ينصره وذاكر من يذكره وأن سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأمور عائد على متبعيه ونصره شامل لناصريه ولم أقصد بهذا المختصر هداية أهل اليقين التام من الأولياء الكرام أهل الكمال في المعارف من العلماء الاعلام ولا هداية أئمة الكفر المعاندين لأهل الاسلام أما أهل الكمال في العلم الذين بلغوا مرتبة الامامة الكبرى في علمي المعقول والمنقول وأهل اليقين التام من الأولياء الكرام نفع الله بهم فإن مهدي هذا المختصر إلى معارفهم كمهدي الحشف إلى هجرأ ونجران بل كمهدي الحضيض إلى أهل الدر والعقيان وإن كان قد ينزل عند بعضهم منزلة فاكهة البادية الطرية البرية التي هي من العلاجات الحضرية بريه فإنها قد تعجب أهل الحاضرة وإن كانت عما لديهم في النفاسة قاصرة وأما أئمة الكفر والسفه والتعلق بمذاهب الفلسفة فهم كمن استحكم الداء عليه فلا تنفعه الأدوية النافعة فالداعي لهم إلى حق حقائق الإيمان وإن جاء بأعظم برهان في اليأس منهم وعدم الطمع فيهم كالداعي للعميان إلى النور وللأموات إلى الخروج من القبور وكيف الطمع في هداية قوم قد أقام ربهم عليهم الحجة مرارا أولها بخلقهم على الفطرة وثانيها بطول المهلة وثالثها ببعثه الرسل بالمعجزات الباهرة والآيات الظاهرة إلى غير ذلك من تجديد الدلائل بخلق المخلوقات المشاهد حدوثها من الغمام والأمطار والحيوان والأشجار فجحدوا الجميع وكفروا الكفر الفظيع مع إيمانهم بأبطل البواطل التي لا يتصور الإيمان بمثلها من عاقل حتى قال الله تعالى فيهم ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله وقال تعالى فيهم قتل الإنسان ما أكفره الآيات وقال تعالى فبأي حديث بعده يؤمنون ثم أخبر عنهم علام الغيوب أنهم يجادلون في القيامة بعد بعثهم وعلمهم الضروري بصحة الربوبية فيجحدون الحق حتى تشهد عليهم جلودهم ثم يقولون بعد ذلك لم شهدتم علينا ولذلك لم نؤمر


32
بإقامة الحجة عليهم لأن الله قد أقامها وإنما أمرنا بجهادهم ودعائهم قبل قبل الجهاد على خلاف في الدعاء قبل الجهاد موضعه كتب الفقه الفرعية ولا قصدت بهذا المختصر تفهيم من ليس يفهم فأكون كمستولد العقيم أو مقوم ظل ما ليس بمستقيم وكيف يقوم الظل والعود أعوج وإنما قصدت نفع الأوساط وامتثال أمر الله تعالى فقد أمر الله تعالى بالمعاونة على البر والتقوى وصح الترغيب في الدعاء إلى الحق والخير وإن الداعي إلى ذلك يؤتى مثل أجور من اتبعه ومن أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا وإن من أمر بالصلاح ابتغاء مرضات الله وإن لم يطع فسوف يؤتيه الله أجرا عظيما وفي حديث أنس عنه صلى الله عليه وسلم ( ما من رجل ينعش بلسانه حقا يعمل به إلا جرى عليه أجره إلى يوم القيامة ثم وفاه الله ثوابه يوم القيامة ) رواه أحمد وسنده جيد وهو 387 من مسند أنس من جامع المسانيد بل قد أنزل الله سبحانه وتعالى سورة العصر وقصر السلامة من الخسر على الذين آمنوا وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ثم إني غير مدع للعصمة من الخطأ والمناقضة ولا أدعي ذلك من هو أجل مني وأكمل وأعلم وأفهم من جميع العلماء بل العقلاء وقد قال تعالى في القرآن الكريم ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فدل على لزوم ذلك لما كان من عند غير الله فمن وجد خطأ فلينبه عليه مأجورا والقصد المعاونة على الخير وفق الله الجميع على ما يحب ويرضى

واعلم أني رأيت المصنفين في علم العقيدة الدينية قد سلكوا مسلك سبيل مصنفي كتب المذاهب التي ينتصر فيها المصنف لمذهب واحد في القوي والضعيف والدقيق والجلي ولم يسلك أحد منهم مسلك مصنفي كتب الإسلام التي تذكر فيها مذاهب أهل الملة الإسلامية ويقوي فيها ما قوته الدلائل البرهانية سواء كان لقريب أو بعيد أو صديق أو بغيض وكتب العقائد أحق بسلوك هذا المسلك من كتب الفروع فأما كون الحق فيها


33
مع واحد فصحيح ولكن لا يستلزم أن يكون الصواب في جميع المواضع المتفرقة قد اجتمع لبعض الفرق إلا ما حصل فيه أحد الاجماعات القاطعة من الأئمة والعترة فيجب الترجيح له والنصرة فاستخرت الله تعالى وقصدت احياء هذه السنة الميتة التي هي ترك العصبية

ولذلك سميته إيثار الحق على الخلق جعله الله اسما موافقا لمسماه ولفظا مطابقا لمعناه وجدير أن يكون فيه ما يستدرك علي فإن كل أسلوب ابتدئ لا يكمل إلا بمعاونة جماعة وتتابعهم عليه وتكميل المتأخر لما أهمل المتقدم ولذلك كانت أوائل كل علم وأسلوب قليلة أو ناقصة فليبسط العذر الواقف على ما يستدرك فيه لما كان أسلوبا غريبا بالنسبة إلى هذه الازمنة المتأخرة

واعلم أنه ليس بصرف الاكثرين عن هذه الطريقة إلا أحد أمور أولها عدم الحرص وقوة الداعي إلى هذا كما تقدم مبسوطا قريبا في الوصف الرابع من صفات من تصنف لهم التصانيف وثانيها الخوف من شر الأشرار مع الترخيص في التقية باجماع الأمة فقد أثنى الله على مؤمن آل فرعون مع كتم إيمانه وسميت به سورة المؤمن وصح أمر عمار بن ياسر بذلك وتقريره عليه ونزلت فيه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وقد قيل من عرف الخلق جدير أن يتحامى ولكن من عرف الحق فعسير أن يتعامى والذين آمنوا أشد حبا لله وثالثها خوف الشذوذ من الجماهير والإنفراد من المشاهير وهذا يحتاج إلى نظر فإن كان جمهور السلف القدماء مع القول الشاذ المتأخر فلا يبالى بذلك الشذوذ فقد شهدت الأخبار الجمة الصحيحة بأن الدين سيعود غريبا كما بدأ وكذلك كان الحق في أواخر أهل الكتاب في شذوذ من الصالحين كما شهد بذلك حديث سلمان الفارسي حتى قالت طائفة إن إجماع المتأخرين ليس بحجة وإنما الحجة إجماع الصحابة لما ورد في الأحاديث من ذم أهل المتأخر حكاه ابن جرير الطبري وإن كانت الشهرة للقول في المتأخرين وهو لا يعرف عن أحد من السلف أو يذكر شذوذ عن بعضهم فهده عن البدع وإياها


34
فصل

ينبغي من كل مكلف أن يطرح العصبية ويصحح النية ويستعمل النظر بالفطرة التي فطر الله الناس عليها ولا يقدم عليها ما لقنه أهل مذهبه فإنه إذا نظر كذلك في كل أمرين متضادين فيما يحتاج إليه يجد ترجيح الحق منهما على الباطل بينا لا يدفع مكشوفا لا يتقنع فاقسم الأمور أولا إلى قسمين قسم لا يحتاج إلى معرفته في الدين الذي تسئل عنه في الآخرة كعلم الفلك ودقائقه وعلم الطبائع وعلم الطب وعلم الفراسة الدالة على الأخلاق الباطنة وعلم النجوم وعلم السحر وعلم الطلسمات وعلم السيمياء وعلم الكيمياء وعلم الرياضة وعلم الفلاحة وعلم الهندسة وعلم المرايا المحرقة وعلم المساحة وعلم الهيئة وعلم الارصاد وعلم الحساب وعلم الشعر وعلم العروض وعلم تجويد الكتابة وقوانينها وعلم اللطيف وعلم الزيجات من الفلك والتقاويم إلى سائر ما ذكر من علوم الأذكياء وأهل الرياضات وقد صنفت كتب في ذكر أعداد العلوم وأسمائها فبلغت مبلغا كثيرا ومن أحسن من صنف في ذلك الشيخ محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري فانه صنف في ذلك كتابا مفيدا سماه ارشاد القاصد إلى أسنى المقاصد وذكر من هذه الفنون التي لم يرد الشرع بوجوب معرفتها ولا ندب إليها قدر أربعين فنا أو تزيد من هذه العلوم وإنما أشرت إليها ونبهتك عليها لتعرف سهولة ما بقي عليك بعد تركها وتيقن صدق قول الله عز وجل يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وتحمد الحمد تعالى على ذلك وأنفعها علم الطب وعلم اللطيف أما علم الطب فنفعه بين لكن التوكل أفضل منه بالنص المتفق على صحته والأجر في الألم


35
لمن صبر عظيم وأعظم مصائب الدنيا الموت والطب لا يمنع منه وهو مهون لما دونه كما قيل في ذلك المعنى شعرا

سلي عن العيش أنا لا ندوم له
وهون الموت ما نلقى من العلل

لكن الصبر قليل فنسأل الله العافية ولا بأس بتعلم الجلي من الطب

وأما علم اللطيف فهو أساس علم الكلام وتحقيق بعض فوائده يكشف عوار كثير من البدع كما تأتي إليه الإشارة

والقسم الثاني من العلم ما يحتاج إليه في الدين وهو قسمان قسم لم يختلف في حسنه مثل النصوص في الحديث والإجماع من تفسير الإسلام والإيمان الواجب على الجميع دون ما عداه وعلم الزهد بما اشتملت عليه كتبه مما أجمع عليه دون ما اختلف فيه ومن أنفس كتبه رياض الصالحين للنووي لاقتصاره على الحديث القوي وأنفس منه الترهيب والترغيب للمنذري ونحوهما من الكتب الخالية من البدع فهذا القسم الأول لا نتعرض لذكره في هذا المختصر لعدم الاشكال فيه وإنما نتعرض لإيضاح ما فيه اشكال بأقرب الطرق أو أبعدها من الشبه ومن هذا القسم كتب الفروع التي كل مجتهد فيها مصيب أو مأجور وكتب العربية ونحو ذلك إذ لا يمكن رفع الإختلاف فيما اختلف في مثله موسى والخضر وسليمان وداود واختصم في مثله الملأ الأعلى لأنه مراد الله بالإجماع والقسم الثاني المختلف فيه اختلافا تخاف مضرته في الآخرة فما كان لا يجب شرعا


36
الخوض فيه مع عظم الخطر في الخوض فيه فاضرب عنه وطالب من دعاك إليه بالدليل الواضح على الوجوب وأعرض ما أورد عليك فيه من الأدلة على النصحاء والأذكياء من العلماء حتى تعرف الوجوب يقينا من غير تقليد ثم حرر النية الصحيحة بعد ذلك في معرفة الحق وما أوجب الله معرفته طاعة لله لا لمباهاة ولا مراآة ولا مماراة ثم استعن بالله واستغث به وانظر في الخلوات خالطا للنظر بالدعاء والتضرع والاستعاذة من الفتن فإنك ترى بذلك من العون والسهولة ما وعد الله به الداعين له الراجعين إليه فإن الله تعالى إذا أوجب أمرا أعان عليه من أراد الأدلة بنية صحيحة كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإنه قال لو صبروا عليها لطوقوها فلما نقص من تكليفهم نقص من صبرهم رواه البخاري وله شواهد والعقل يشهد لذلك أيضا ومنه كلام معاذ رضي الله عنه حين احتضر رواه الحاكم في الفتن عن يزيد بن عميرة عنه وسيأتي ولا تستعن في ذلك إلا بمن يوثق بورعه ونصحه وتقواه وما أقلهم ولكن أستعن بالنظر في تآليف العلماء الحافلة الجامعة لأدلة الفرق فإن لم تجد كتابا كافلا جامعا لأدلة الفرق طالعت المسألة في كتب الفرق ورأيت حجة كل فرقة في كتبهم لا في كتب خصومهم الذين يسمون أدلة من خالفهم شبها ويوردونها غير مستوفاة ويجيبون عنها بأجوبة محتملة للنقض ولا يذكرون ما يرد على أجوبتهم وهذا عند الإضطرار إلى ذلك ومن القواعد المقربة لك إلى النجاة أن تنظر كل قولين مختلفين يخاف الكفر والعذاب الأخروي في أحدهما دون الآخر فابعد عنه واحذره ألا تراك تخاف الكفر في جحد العلوم لا في ثبوتها وفي جحد الرب لا في الإيمان وفي جحد النبوات لا في إثباتها وفي التفريق بين الرسل كما فعلت اليهود والنصارى لا في الإيمان بجميعهم وفي عدم الإيمان بما جاء به القرآن والسنة لأن خلاف السمع المعلوم كفر اجماعا لا في خلاف العقل المعلوم لأنه ليس كفرا بالإجماع فاعرف هذه القاعدة

واعلم أن الفطرة التي خلق الله لك تدرك القوي من الضعيف في تلك


37
المباحث وإن كثرت إلا ما دق وغمض جدا كما أن عينك المبصرة تدرك جميع المبصرات وإن كثرت فما دق على فطرتك في العلوم تركته لا سيما مع دقته الشبه المعارضة له ولم تكلف فيه ما لم تعلم مثل ما إن دق على بصرك من المرئيات تركته كبعض الأهلة في أوائل الشهور سيما مع القتر والغيم
الباب الأول إثبات العلوم

فأول شيء اختلف الخلق فيه اثبات العلوم في الجملة عقلا مع اجتماع الشرائع على ثبوتها فانظر هل يخفي عليك الصواب في ذلك فإن طوائف من الفلاسفة والاتحادية من الصوفية أنكروا صحة العلوم أما الفلاسفة فرأوا البصر الصحيح يخطئ لعوارض نادرة في مواضع كرؤية النجم ساكنا وهو يتحرك قطعا بدليل انتقاله وكذلك رؤية الظل ساكنا ورؤية المستقيم في الماء أعوج ورؤية الأحول الواحد اثنين ورؤية القائم فوق الماء منكوسا في الماء ورؤية السحر والنوم والكشف والمرض وإن كان في رؤية النوم والكشف صحيح وباطل والصحيح منهما قد يحتاج التأويل ولا يكون على ظاهره بكل حال ومن ذلك قوله تعالى ولكن شبه لهم فالذين قصدوا قتل عيسى عليه السلام رأوا مثله فاعتقدوا أنه هو وكذلك قوله تعالى وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا

والجواب أنا نعلم بالضرورة أن هذه الأشياء كانت لعوارض تختص بهذه المواضع ونحوها ولا يقدح ذلك في جملة الرؤية وجميعها ولا يمكن أن نشك لذلك في وجودنا ووجود العالم وشروق النيرات وإنها تجري فوقنا وتضيئنا وإن الأعمى فاقد لهذه النعمة والأليم مخالف للمعافى ولا يمكن دفع شبههم إلا بوجدان هذا العلم المخلوق فينا نعمة علينا من الله لا بتحرير دليل لأن الدليل إنما يصبح بعد تسليم العلوم الضرورية بل نقول


38

ليس الجنون أكثر من اصغائنا إلى ذلك فلو قال أحد ما يؤمني أن يقظتي هذه نوم أو سحر أو كشف أو أن والدي وداري وأرضي شبهت لي وأن طعامي وشرابي سموم قتالة لكان إلى أن يكوى ويقيد أحوج منه إلى أن يناظر ويجادل

فإذا عرفت هذا بالفطرة مع اعتضادها بالقرآن والسنة والإجماع فاعلم أن هؤلاء إنما أتوا من شدة النظر والتدقيق فيما لا تعرفه العقول لأن دوام الفكرة في المحاورات يضعف الفهم ويمرض صحيحه ومن أمثلة ذلك المجربة بالضرورة كثرة الشك في النية والطهارة فإنه قد أورث الوسواس الفاحش مع جماعة من أكابر العلماء الفضلاء كالشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد ممن بلغ المرتبة الكبرى في العلوم وقد رأينا من أدركنا من كبار أهل العلم والصلاح من لا ينتفع بذلك بالمشاهدة وشك في الضرورة وذلك مستمر في العقلاء وهو عبرة للنظار فإن الوسواس إذا بلغ هذا المبلغ عند الإصغاء إليه فيما لا شك فيه فكيف بمن أصغى إليه فيما يشك في مثله وما أحسن قول القاسم عليه السلام في مثل هذا دواء الشك المرور عليه ولذلك ورد في الحديث المتفق على صحته الأمر بالإستعاذة من الشيطان عند حضور الوسواس أو سماعه سماعا من بعض الناس وهذا الحديث مناسب لقول الرسل صلوات الله عليهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض فيما حكاه الله عنهم في كتابه الكريم

وأما الاتحادية المدعون للتصوف وليس هم منه في شيء فهم الذين قالوا إن المكاشفة قد دلت على صحة المحال وهذا غاية التغقيل والضلال إن صح عن أحد فانه يقال لهم إن كان كذب المكاشفة محالا فقد دلت على صحته فيصح أن تكون كاذبة وإذا صح كذبها لم يوثق بها وإن كان كذبها ممكنا لم يوثق بها ولم يصح لها اسم الدلالة فثبت أنه لولا امتناع


39
المحال ما صح سمع ولا عقل ولا كشف ولا نظر ولا علم شيء ألبتة وكأن هؤلاء القوم لم يفرقوا بين المحارة والمحال فأما من عرف ما هو المحال وجوزه لم يصح منه بعد ذلك دعوى أنه محق وأن خصمه مبطل أبدا لأنه لا يمنع من كون المحق مبطلا والمبطل محقا والتوحيد شركا والشرك توحيدا إلا كون ذلك محالا والمحال لا يقع ألبتة فمن فتح باب تجويز المحال لم يمتنع شيء من ذلك وانسد باب الانكار على كل كافر وجاحد ولم يبق فرق بين أعرف العارفين وأجن المجانين فيا عجبا كيف يدعي مثل هؤلاء مراتب العارفين ولا تغني عنهم دعوى دقة التفرقة بين العلم والظن فإن الفرق بينهما في الضروريات ضروري بل من الضرورة انقسام جميع ما يمكن الخبر عنه والاعتقاد له إلى ما جمع الجزم والمطابقة والثبات عند التشكيك وإلى ما لم يجمعها فالجامع لها هو العلم وإن اختل الثبات فاعتقاد مقلد المحق أو المطابقة فالاعتقاد الفاسد أو الجزم فمع الاستواء الشك ومع الرجحان الراجح الظن والمرجوح الوهم فعلمت كلها بالضرورة وإن اختلفت العبارات عنها فإن اختلاف اللغات والعبارات لا يحيل المعاني
خاتمة المقدمة

واعلم أن منكري العلوم لم ينازعوا في حسن العمل بها بل ولا في وجوبه فإنهم انتفعوا بالابصار وتوقوا بسببها الوقوع في الماء والنار وسائر المهلكات والأخطار

ومن عجائب ما يروى عنهم أن بعضهم صنف كتابا في نفي العلوم ومات له ولد قد قارب الحلم فقال إنه إنما أسف لموت ولده قبل أن يقرأ كتابه في نفي العلوم فقيل له وما يدريك أنه كان لك ولد وأنه مات وأنه لم يقرأ وإنك موجود وإنك صنفت كتابا فلم يدر ما يقول

ومن سخف هؤلاء لم يذكر الله سبحانه الرد عليهم في كتابه ولا رسله صلوات الله عليهم وإنما قدمت ذكرهم عبرة لك حتى لا تحتفل بوجود المخالفين للحق الجلي وتظن أنه لو كان حقا جليا لم يمكن أن يكون فيه مخالف عاقل بل مدع لمرتبة الكمال في الاسلام كنفاة جميع العلوم


40
والأدلة عقلا وسمعا إلا من طريق الكشف ونفاة وجوب الرب والخلق إلا الوجود المطلق الذي هو ذات الأحد والحضرة الأحدية عندهم وما عداه من مراتب وجود الله وأسمائه الحسنى كلها وهي الحضرة الواحدية عندهم ووجود خلقه ملائكتهم ورسلهم وكتبهم وجنهم وانسهم والدنيا والآخرة كل ذلك خيال لا حقيقة له أبدا ما عدا الوجود المطلق الذي هو الأحد والحضرة الأحدية عندهم هو عدم محض لا وجود له إلا في اللفظ والذهن عند سائر المحققين من العقلاء فهو الموجود على الحقيقة عندهم وكل موجود عندهم ما عداه خيال منه كطيف الاحلام لكن أحب أن يرى نفسه فيه ونسبة كل شيء إليه نسبة صورة دحية إلى جبريل فهو هو من وجه وما هو هو من وجه فكذلك فليكن الضلال المبين وكفى في بيان ضلالهم فرقهم بين الاحد والواحد وبين الأحد وبين الله ولزوم قولهم لإلهين اثنين أحد حقيقي وواحد خيالي ولم يذكر هؤلاء الغزالي في الرد على الاتحادية في المقصد الاسنى لتأخر حدوث ضلالهم الفاحش نعوذ بالله من الغرور

فإذا تقرر أن اثبات العلوم هو الحق والاحوط وهو الذي عليه الشرائع والفطر وعمل الخلق وان الاضطرار إليه وإلى العمل به حاصل وإنه لا خطر في العمل بهذه العلوم عند جاحدها أيضا ثبت أن العمل بها نهج السلامة بغير شك ولا خلاف فهذا أولى خلاف تخلصت منه بطيبة نفس وأول حق واجب ظفرت بمعرفته لأن مخالف الحق هنا يكفر بانكار جميع المعارف الدينية المتعلقة بالقطع باثبات الربوبية والنبوات والشرائع الواجبات وهذا أيضا أول كفر نجوت برحمة الله منه والحمد لله رب العالمين وبعد ثبوت العلم نذكر شيئا من صحيح فضائله والترغيب فيه


41
فصل من فضائل العلم النافع وأهله

فمن العقل أصل النجاة والسعادة إذ هو الداعي إلى أسباب الخير الصارف عن أسباب الشر ومن خصائصه اجماع العقلاء والملل والنحل على فضله وإنه تمدح به الخالق سبحانه وأنه سبحانه مدح عباده بما وهب لهم منه وفضل آدم عليه السلام بعلم الاسماء على الملائكة واختار تفضيله به على تفضيله بالعمل بكشف الشبهة عن ملائكته وإيضاح الحجة عليهم ولم يزهد فيه بل قال لأعلم خلقه وقل رب زدني علما وحتى فضل الكلاب المعلمة على غيرها فأحل صيدها وهو الذي صال به الهدهد على سليمان عليه السلام مع عظيم ملكه وقويت حجته مع ضعفه وحقارته حيث قال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين ومن أعظم فضائله القرآنية تعليل خلق العالم به في قوله تعالى الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ثم تعليل البعث في الدار الآخرة به في قوله تعالى وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ولذلك ذم الله من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير وقال تعالى فإنها لا تعمى الأبصار الآية وقال وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وقال ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وقال تعالى ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين


42
) ومنه قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ومنه قصة موسى مع الخضر وقوله على أن تعلمن ورحلته إليه في نافلة العلم وعزمه على أن يمضي حقبا في طلب نافلته والحقب ثمانون سنة وذلك يشهد بصحة حديث عبد الله ابن عمر مرفوعا العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل الحديث خرجه أبو داود وابن ماجه ومنه قال الذي عنده علم من الكتاب

ومنه ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ومنه وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ومنه ووجدك ضالا فهدى ومنه ألم نشرح لك صدرك ومنه فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ومنه تشبيه العالم بالحي والنور والجاهل بالميت والظلمات ومنه هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ومنه فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ومنه الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان ومنه الذي علم بالقلم ومنه فبشرناه بغلام حليم ومنه قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ومنه وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين ومنه والملائكة وأولو العلم ومنه والذين أوتوا العلم درجات


43
) ومنه إن في ذلك لآية لقوم يعلمون ومنه بل أنتم قوم تجهلون وشرف الشيء يؤخذ من خساسة ضده ومنه في موسى ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ومنه كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون ومنه ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ومنه وزاده بسطة في العلم والجسم ومنه ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ومنه إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ومنه قول أهل النار لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ومنه ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا الآية إلى قوله هم الغافلون ومنه ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ومنه لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقال حكاية عن ابراهيم واسماعيل ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم فهذه نيف وأربعون آية من محكم كتاب الله تعالى مع ما في السنة من ذلك فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من أوفر عباده حظا من جميع مواهبه في العلم والعمل وهذا كله في العلم أنه هو الملك الوهاب المعطي من يشاء بغير
44
حساب وهذا كله في العلم النافع دون غيره كما تقدم بيانه بالحجة والحجة على ذلك من الكتاب والسنة والمعقول
الباب الثاني في اثبات الطرق إلى الله تعالى ( وبيان أجلاها وأوضحها على سبيل الاجمال )

اعلم أن هذا من أوضح المعارف التي دلت عليها الفطرة التي خلق الخلق عليها ولذلك قال كثير من العقلاء والعلماء والأولياء أنه ضروري لا يحتاج إلى نظر وقال آخرون إنما يحتاج إلى تذكر يوقظ من سنة الغفلة كتذكر الموت الذي تقع الغفلة عنه وهو ضروري حتى قال الله تعالى في مخاطبة العقلاء إنك ميت وإنهم ميتون وقال ثم إنكم بعد ذلك لميتون ونحو ذلك مما أشار إليه القرآن الحكيم حيث حكى الله عن الرسل الكرام قولهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض وقد تقدم قول علي عليه السلام في ذلك الذي شهد له أعلام الوجود على اقرار قلب ذي الجحود وذكر شرح ابن أبي الحديد لذلك وتجويده وقد بسطت أدلة من قال بذلك وما يرد عليهم وما يجيبون به في العواصم ولذلك شذ المخالف هنا ولم يكد الخلاف في حاجة العالم إلى مؤثر وإنما اشتد الخلاف في صفات ذلك المؤثر ونقل الرازي عن الفلاسفة اعترافهم أن خوضهم في الالهيات بالظن دون العلم

واعلم أن هذا الخلاف الشاذ المستند إلى الظن باعتراف أهله إنما وقع مع شذوذه لأنهم نظروا في معرفة الرب جل جلاله من الوجه الذي بطن منه ولم ينظروا في معرفته من الوجه الذي ظهر منه وذلك أنه سبحانه قد تسمى بالظاهر وتسمى بالباطن وثبت هذا في كتابه الكريم فثبت أن له جهة يظهر منها وجهة يبطن منها لتبقى حكمته في قوله ليبلوكم أيكم أحسن عملا وقوله في الساعة أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى فمن نظر في معرفته من الجهة التي يظهر منها ترادفت مواد


45
معرفته وكانت نورا على نور يهدي الله لنوره من يشاء كما وصف الله نور هدايته بكثرة المواد في سورة النور ومن نظر في معرفته من غير هذه الطريق كان كمن ضل الطريق واجتهد في السير بعد الضلال فلا يزال يزداد بعدا بسيره في غير طريق على أنه يحتمل أن المعنى في الظاهر والباطن أنه هو الحق فيهما معا لا أحدهما كما قد يكون بعض الأمور حقا في الباطن ولا حجة عليه ظاهرة فيكون على هذا الوجه في معنى الملك الحق المبين ويكون ذلك أعظم في قطع أعذار المعاندين والله أعلم

والطرق إلى الله تعالى كثيرة جدا ولكنا نقتصر منها على أصحها وأجلاها وأوضحها وأشفاها حتى نأمن بالسلوك فيها من الضلال في الطرق التي تبعد السائر فيها عن مقصوده والعياذ بالله وإلى تلك الطرق الاشارة بقوله تعالى ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله وقد يكون فيها ما يستلزم رد كثير من الشرائع فنقول

الباب الثالث

في بيان شيء من طرق معرفة الله تعالى على مناهج الرسل والسلف على جهة التفصيل للاجمال المتقدم في الباب الذي قبل هذا فلنذكر اشارة لطيفة على قدر هذا المختصر إلى ثلاث دلالات دلالة الانفس ودلالة الآفاق ودلالة المعجزات وكلها دل عليها القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه يهدي للتي هي أقوم أما دلالة الانفس فإنها بليغة قال الله تعالى قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره الآيات وقال تعالى وفي أنفسكم أفلا تبصرون وقال يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك وقال كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم الآية وأبسط آية في ذلك آية الحج


46

يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة الآيات إلى قوله ذلك بأن الله هو الحق إلى وأن الله يبعث من في القبور وأبطل شبهة الطبائعية بقوله من تراب لأن آدم أبو البشر وأصلهم بالتواتر الضروري لا أب له ولا أم فلزمت الحجة وبانت ووضحت ولله الحمد والثناء والمنة وكذلك الآية التي في سورة المؤمنين من قوله ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين إلى قوله فتبارك الله أحسن الخالقين وقال أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ومن ثم قيل فكرك فيك يكفيك وقد جمع الله تعالى ذكر دلالتي النفوس والآفاق في قوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق وذلك أنا نعلم بالضرورة وجودنا أحياء قادرين عالمين ناطقين سامعين مبصرين مدركين بعد أن لم نكن شيئا وأن أول وجودنا كان نطفة قذرة مستوية الأجزاء والطبيعة غاية الاستواء بحيث يمتنع في عقل كل عاقل أن يكون منها بغير صانع حكيم ما يختلف أجناسا وأنواعا وأشخاصا

أما الأجناس فكما نبه عليه قوله تعالى والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع وأما الأنواع فنبه عليها بقوله ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ومنه ثم سواك رجلا وأما الأشخاص فبقوله تعالى قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره الآيات


47

وبيانه أنه خلق من نطفة فقدره مستوية الطبيعة فكيف يكون منها ما يبصر ومنها ما يسمع ومنها ما يطعم ومنها ما يشم ومنها الصلب ومنها الرخو ومنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع كما نبه الله عليه في كتابه الكريم ونعلم أنها قد تغيرت بنا الأحوال وتنقلت بنا الأطوار تنقلا عجيبا فكنا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم لحما ودما ثم عظاما صلبة متفرقة في ذلك اللحم والدم تقويهما وعصبا رابطة بين تلك العظام صالحة لذلك الربط مما فيها من القوة والمتانة ثم تركب من ذلك آلات وحواس حية موافقة للمصالح مع ضيق ذلك المكان وشدة ظلمته وإلى ذلك الاشارة بقوله تعالى يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون والظلمات الثلاث ظلمة البطن وظلمة المشيمة وظلمة الرحم ثم انظر إلى موضع العينين ما أشبهه بهما بعيدا مما يؤذيها مرتفعا للتمكن من إدراك المبصرات في الوجه الذي لا يحتاج إلى تغطية باللباس من الجمال البديع فيهما وفي جفونهما ولو كانا في الرأس أو في الظهر أو في البطن أو غير ذلك ما تمت الحكمة ولا النعمة بهما وكذلك كل عضو في مكانه وانظر إلى ستر القذر الذي في البطن بالسواتر العظيمة بحيث لا يحس له حس ولا يظهر له ريح ولا يخرج إلا باختيارنا في موضع خال وإن من عجيب صنع الله تعالى استمساك البول في حال الغفلة بل في حال النوم حتى نختار خروجه ونرضى به من غير رباط ولا سداد في مجراه ولا مانع محسوس فتبارك الله أحسن الخالقين ثم حياتنا في بطون الأمهات من غير نفس ولو كان ثم نفس لكان ثم صوت ولو غم أحدنا بعد الخروج ساعة لمات بل كثيرون يموتون في المدافن المتخذة للحبوب مع سعتها ثم خروجنا من ذلك الموضع الضيق من غير اختيار من المولود والوالدة وهو فعل محكم صعب لابد له من فاعل مختار وعدم الموت لشدة الضغطة عند الخروج وسلامة الولد وأمه من الموت في ذلك من آيات الله كما أشار إليه في آية الحج في وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه


48
ثم احداث اللبن في ثدي الأم من يومئذ من بين قرث ودم وتربية المولود وفهمه للغة أهله ما كانت فصيحة عربية أو عبرية عجمية مع كثرة قواعد العربية وكثرة اختلاف عوامل الاعراب والعاقل المميز يقف أضعاف تلك المدة بين العرب والعجم فلا يعرف من ذلك ما عرف الصغير ولا يدري ما يقولون بمجرد المخالطة كالطفل الذي لا عقل له ولا تمييز وكذلك العجمي بين العرب ثم يترقى إلى حال التمييز وتتعاقب عليه الأحوال من الصغر والكبر والضعف والقوة والشباب والشيب والعقل والذكاء والبلادة والمرض والصحة والشهوة والنفرة والدواعي والصوارف والعسر واليسر والغنى والفقر وضده من غير اختيار منه في شيء من ذلك فلابد لهذه التغيرات من مغير قادر عليم مدبر حكيم

وقد صنفت في هذا المعنى كتب علم التشريح وبيان كيفية الخلقة وهو مما ينبغي الوقوف عليه أو على شيء منه وقد نقل ابن الجوزي منه جملة شافية في أول كتابه لقط المنافع في الطب فليطالع فيه فلو جاز أن يكون مثل هذا بغير صانع لجاز أن تصح لنا دور معمورة أو مصاحف مكتوبة أو ثياب محوكة أو حلى مصوغة بغير بان ولا كاتب ولا حائك ولا صائغ فما خص خير الخالقين بان يكفر ولا يدل عليه أثر صنعته العجيبة وخلقته البديعة ولو كان هذا الأثر للطبع كما قال كثير من الفلاسفة لكان أثرا واحدا كما لو جمدت النطفة بطبع البرد أو ذابت أو أنتنت

قال الامام المؤيد بالله في الزيادات أن الطبع ان سلمنا وجوده لا يحصل به الشيء على قدر الحاجة وإنما يكون بمقدار قوته وضعفه ألا ترى أن النار تحرق لا على قدر الحاجة بل على قدر قوتها وتنقص عن الحاجة إذا ضعفت وكذلك الماء الجاري والحكيم يجريه ويقطعه على قدر الحاجة اه كلامه وفيه تنبيه حسن على الفرق الجلي


49

فإذا عرفت هذا فانظر كيف يمكن أن يتغير المني المستوي إلى تلك الأمور المختلفة المحكمة البديعة الاحكام العجيبة الصنعة وهل ذلك إلا بمنزلة تجويز أن يصير المداد مصحفا معربا لا غلط فيه ولا لحن بطبع المداد من غير كاتب عالم بل احكام الانسان أبلغ وأعجب وقد رأيت كم جمع في الأنملة الواحدة من الاصابع من الاشياء المختلفة فوضع فيها جلدا ولحما وعصبا وشحما وعروقا ودما ومخا وعظما وبلة وظفرا وشعرا وبضعة عشر شيئا غير ذلك كل واحد منها يخالف الآخر قدرة وحياة واستواء وارتفاعا وانحدارا وخشونة ولينا وحرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة وصلابة ورخاوة ثم خلق في بعضها الحياة دون بعض كالشعر والظفر والعظم وجعلها مدركة لأمور شتى كالحرارة والبرودة واللين والخشونة والقلة والكثرة والرطوبة واليبوسة ومن لطيف الحكمة فيها اختلافها في الطول والقصر حتى تستوي عند القبض على الأشياء فتقوى بالاستواء وهذا مما تخفى فيه الحكمة جدا أعني كون الاختلاف في ذلك سبب الاستواء عند القبض ولذلك خصت بالذكر في قوله تعالى بلى قادرين على أن نسوي بنانه فتبارك الله أحسن الخالقين

وقد أشار الله تعالى إلى بطلان مذهب الطبائعيين بهذا المعنى ونبه عليه سبحانه وتعالى حيث قال في كلامه الكريم وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون وآخر الآية دليل على أن العقل يدرك بذلك بطلان قول أهل الطبائع

ومما يدل عليه عافية كثير من المرضى بعد غلبة العلة وقوتها وضعف أسباب العافية ويأس الطبيب من العلاج فقد ذكر الأطباء أن الطب لا ينفع في بعض تلك الأحوال فيتأمل ذلك كثيرا ففيه شفاء لما في الصدور وقد وقعت في ذلك فقلت فيه


50

فيا عطسات فرجت كل كربة
ولم يبق في أيدي الاساة سوى الصفق

له الحمد منشكين من غير حيلة
ولا سبب يجري لي الريق في حلقي

بكن علمت الله علم ضرورة
وكم مثلها يجلو الوساوس في الحق

فإني شارفت الموت من الإسهال فعطست ثلاث عطسات فكأنما نشطت من عقال ولم يكن للعطاس سبب طبيعي قط فكانت من الآيات العجيبة

ومما ينبغي التيقظ له في الرد عليهم أن آدم صلى الله عليه وسلم هو أبو البشر وذلك معلوم ضرورة تواتر ودلالة جلية أما التواتر فواضح وأما الدلالة فمحال أن يكون البشر من أم وأب وإلى ما لا نهاية لأن عدم التناهي في الحوادث الماضية محال فوجب أن يكون أولهم حادثا من غير أم ولا أب ولا نطفة ولا طبيعة وانه صنع حكيم وإنما علمنا من السمع أن اسمه آدم وأنه من طين فلو كانت الطبيعة تقتضي ذلك بنفسها من غير صانع لكان في كل زمان تظهر صور كثيرة من الطين كصورة آدم ثم النظر في خلق سائر الحيوان كذلك فإن انفلاق بعض الطيور عن فراخها من عجيب صنع الله وكان بعض السلف يحتج بذلك على أن الله تعالى عليم قدير لا كعلم الخلق وقدرتهم لأن قدرته أثرت فيما داخل البيضة من غير كسر لها ولا مباشرة وعلمه أحكم صنع ما في البيضة كذلك وإلى ذلك أشار القرآن الكريم حيث قال الله تعالى في سورة الحج يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب يعني أولكم وأوصلكم وليس في خلق الإنسان من التراب شبهة ألبتة لاعتراف الطبائعية بأنه خلاف العوائد الطبيعية وكذلك قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء وقد أعظم الله تعالى هذه الدلالة فقال كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم


51
) الآية وجعل عدم الإيمان بها أكفر الكفر فقال سبحانه قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ونبه بقوله سبحانه على أن الموت دع عنك الحياة مما يستدل به على الله تعالى كما أوضح ذلك في قوله فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون إلى قوله فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين وذلك أن الحي يموت بإذن الله تعالى مع اجتماع أسباب الحياة في هذا العالم الواسع كما يعيش باذن الله في بطن أمه بغير نفس يجري ولا هواء يمد روحه فسبحان من هو على كل شيء قدير ومنه المبدأ وإليه المصير وقد اختار المؤمن هذه الحجة في قوله لصاحبه الكافر المخاصم له أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا وأثنى الله تعالى عليه بذلك وخلد ذكره في أفضل كتبه فكيف لا يختاره المؤمن لتقوية يقينه ودفع وساوس خصومه وشياطينه

وأما دلالة الآفاق فما يحدث ويتجدد في العالم في طلوع القمرين والكواكب وغروبها عند دوران الافلاك الدائرات والسفن الجاريات والرياح الذاريات والنجوم الثوابت منها والمعالم والرواجم والاستدلال بالرواجم جيد لدلالته الواضحة على الفاعل المختار كما يدل على ذلك حركة القمرين الدائمة وسائر النجوم والافلاك وكذلك تغير أحوال الهواء بالغيوم والصواعق والبروق العجيبة المتتابعة المختلطة بالغيوم الثقال الحاملة للماء الكثير المطفئ بطبعه للنار المضادة له وما في الجمع بينها وانشائها وانزال الأمطار منها بالحكمة البالغة لا تختلط قطرة بأخرى ولو اشتدت الرياح العواصف وصغرت القطر وكثرت وتقاربت حتى تقع متفرقة غير ضارة ولو اجتمعت لعظم ضررها ثم نزول البرد القوي الشديد المتحجر في أوقات الخريف الذي لا يجمد فيه الماء مع أنه لا يجمد في أيام الغيم سواء كانت في الشتاء أو في غيره لرطوبة الغيم فمن أين جاء البرد المتحجر والماء


52
إذا جمد لا يكون على صفة البرد أبدا فتأتي هذه الامطار فتعم الأرض سهولها ووعورها وشعابها وشعافها لينبت العشب الكثير للنعام وسائر الهوام وتسقي المزروع وتنبت الاشجار والفواكه والازهار والثمار وتمد البحار والأنهار والآبار ثم ما في اختلاف الليل والنهار والفصول والاحوال وقد جمع الله تعالى ذلك في قوله إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إلى قوله لآيات لقوم يعقلون فالفكر في هذه الأمور هو النظر المأمور به وعلى ذلك درج السلف من غير ترتيب المقدمات على قانون أهل المنطق بل قد شهد كتاب الله على أن ذلك يفيد البيان حيث قال سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ثم توعد من زعم أن ذلك لم يفده بيانا بقوله أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد وعلى هذا قال الشيخ مختار بن محمود في كتابه المجتبى في آخر ما قيل في حقائق النظر أنه تجريد الفكر عن الغفلات وحكى عن شيخه محمود بن الملاحي أنه لا يشترط في العلم بالله أن يبتني على المقدمات المنطقيات والأساليب النظريات وكيف ينكر هذا أو يستبعد وقد حكى الله عن الهدهد وهو من العالم البهيمي أنه وحد الله واحتج على صحة توحيده بهذا الدليل المذكور في الآفاق قال الله سبحانه حاكيا عنه ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض يعني المطر والنبات فاحتج بحدوث هذين الأمرين العجيبين المعلوم حدوثهما مع تكررهما بحسب حاجة الجميع إليهما وكذلك قيل لبعض الاعراب بم عرفت ربك فقال البعرة تدل على البعير وآثار الخطا تدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج كيف لا تدل على العلي الكبير وقد أشارت الرسل عليهم السلام إلى هذا المعنى في قوله تعالى قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض
53

ومما أستجيد في هذا المعنى وتناقله السلف الصالح قول زيد بن عمرو ابن نفيل رحمه الله تعالى

رضيت بك اللهم ربا فلن أرى
أدين إلها غيرك الله ثانيا

وأنت الذي من فضل من ورحمة
بعثت إلى موسى رسولا مناديا

فقلت لموسى اذهب وهارون فادعوا
إلى الله فرعون الذي كان طاغيا

وقولا له آأنت سويت هذه
بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا

وقولا له آأنت رفعت هذه
بلا عمد أرفق إذا بك بانيا

وقولا له آأنت سويت وسطها
منيرا إذا ما جنه الليل هاديا

وقولا له من يرسل الشمس غدوة
فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا

وقولا له من ينبت الحب في الثرى
فيصبح منه البقل يهتز رابيا

ويخرج منه حبه في رؤسه
وفي ذاك آيات لمن كان واعيا
وله أيضا

وأسلمت وجهي لمن أسلمت
له المزن تحمل عذبا زلالا
وفيه يقول ورقة بن نوفل

رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما
تجنبت تنورا من النار حاميا

وتفكر في تباين القمرين في الحرارة والبرودة وبرد القمر مع استمداده في نوره من الشمس وحرارة الشمس الشديدة ومم استمدت تلك الحرارة الدائمة المتوقدة وهي في أرفع الاجواء الرطبة الباردة وكيف لم تحترق وتتلاش مع شدة حرارتها ودوامها وعدم ما تحرقه مثل سائر الناريات وقد ذكر صاحب الوظائف أن في كتاب الله تعالى من الآيات في هذا المعنى خمسمائة آية وقد ذكرت في تكملة ترجيح أساليب القرآن من ذلك ما يشفي ويكفي

ولنختم هذا المعنى بذكر آية واحدة منها وهي قوله تعالى ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره وفي آية أخرى بأنه سبحانه


54
يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده وهذه حجة أجمع عليها الكفرة مع المسلمين فإن الجميع اتفقوا على أن العالم في الهواء أرضه وسماؤه وما فيه من البحار والجبال وجميع الاثقال وقد ثبت بضرورة العقل أن الثقيل لا يستمسك في الهواء إلا بممسك وأن هذا الامساك الدائم المتقن لا يكون بما لا يعقل من الرياح كما زعمت الفلاسفة على أن الرياح تحتاج إلى خالق يخلقها ثم إلى مدبر يقدرها مستوية الانفاس موزونة القوة لا يزيد منها شيء على شيء حتى تعتدل اعتدالا أتم من اعتدال الفاعل المختار فإن الفاعل المختار لو قصد الاعتدال التام حتى يستوي على رأسه حفنة مملوءة ماء لم يستطع تمام الاعتدال إلا برياضة شديدة فكيف تعتدل عواصف الرياح وتقع موزونة وزن القراريط في الصنجات المعدلة حتى يستوي عليها ثقل الأرض والجبال من غير رب عظيم قدير عليم مدبر حكيم

وأما دلالة المعجزات فهي من أقوى الدلالات وأوضح الآيات لجمعها بين أمرين واضحين لم يكن نزاع المبطلين إلا فيهما أو في أحدهما وهما الحدوث الضروري والمخالفة للطبائع والعادات وهذا هو الذي أراه الله خليله عليه السلام حين سأل الله طمأنينة قلبه والذي احتج به موسى الكليم عليه السلام على فرعون وسماه شيئا مبينا كما حكاه الله تعالى في سورة الشعراء حيث قال فرعون لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال موسى أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين إلى قوله فألقي السحرة ساجدين وكل ما تعارضت فيه أنظار العقلاء وقدحت فيه شكوك الأذكياء فلا شك أن لأهل الاسلام من ذلك القدح المعلى في اثبات الصانع الحكيم تعالى وعلى كل حال فالنبوات وآياتها البينة ومعجزاتها الباهرة وخوارقها الدامغة أمر كبير وبرهان منير ما طرق العالم له معارض ألبتة


55
خصوصا مع قدمه وتواتره فإن آدم عليه السلام أول البشر وأبوهم نبي مرسل إلى أولاده ثم لم تزل رسل الله عز وجل لترى مبشرين ومنذرين وعاضدين لفطرة الله التي فطر الخلق عليها فلا أشفى ولا أنفع من النظر في كتبهم وآياتهم ومعجزاتهم وأحوالهم ثم اعتضد ذلك بأمرين أحدهما استمرار نصر الأنبياء في عاقبة أمرهم وإهلاك أعدائهم بالآيات الرائعة وثانيهما سلامتهم واتباعهم ونجاتهم على الدوام من نزول العذاب عليهم كما نزل على أعدائهم ولا مرة واحدة وذلك بين في القرآن وجميع كتب الله تعالى وجميع تواريخ العالم ومن غريبها الذي لا يكاد أحد ينظر فيه حفظهم مع ضعفهم من الأقوياء الاعداء وأهل القدرة مثل حفظ موسى وهارون من فرعون مع ظهور قدرته ولذلك قالا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى فقال الله تعالى لهما لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى وكذلك قال نوح لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ونحو ذا قال هود لقومه وكذلك قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ولما نزل عليه قوله تعالى والله يعصمك من الناس ترك الحرس وكان يحرس قبل نزولها وقصة إبراهيم عليه السلام في ذلك أشهر وأبهر بل على هذا درج أهل الصلاح ووضحت حماية الله لأهل الصدق في التوكل كما وعد الله تعالى به والمختصر لا يحتمل إلا الاشارة ثم يفتح الله تعالى على المتأمل ومنهم من كفاه الله بالاسباب الظاهرة الحارقة مثل ملك سليمان عليه السلام واخدام الجن مع الانس وتسخير الريح له وجميع ما حكى عنه فهذا أيضا يدل على الله تعالى أوضح الدلالة حيث جمعت قدرته الباهرة خرق العادات في نصرتهم بالأسباب الباطنة والظاهرة وكذلك عقوبات أعداء الله الخارقة كمسخ أهل السبت قردة وبمثل ذلك
56
يعلم الله ضرورة لأن مثل ذلك لا يصح بالطبع وهو متواتر مع اليهود مع ثبوته في كتاب الله وفيه ما يدل على وقوعه ضرورة لقوله تعالى ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين فلو لم يكن هذا حقا معلوما عند خصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خوطبوا بذلك ولو خوطبوا بذلك وعندهم فيه أدنى ريب لبادروا إلى التكذيب والتشنيع وكل هذا يعلم ضرورة من العوائد المستمرة وكذلك نتق الجبل وفلق البحر وقصة أصحاب الفيل وأصحاب الجنة في ن وصاحبا الجنة في الكهف وشفاء أيوب وإحياء الموتى لعيسى عليه السلام بل منه جميع المعجزات والكرامات الخارقات ومن أعظمه إحياء الموتى لعيسى عليه السلام وكلام عيسى عليه السلام في الطفولة وهو معلوم بالتواتر وسبب غلو النصارى فيه وهم خلائق يعلم بخبرهم العلم الضروري وخسف قارون وداره والخلق ينظرون ونحو ذلك وإليه الإشارة بقوله تعالى وذكرهم بأيام الله وقوله تعالى ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون

وقد نبه الله سبحانه وتعالى على هذه الدلالات الثلاث في أول سورة الأنعام فتأملها لكنه يسمي المعجزات الآيات ثم أتبعها بابطال اعتلالهم بالسحر كما سيأتي في النبوات

وينبغي ههنا مطالعة كتب قصص الأنبياء ومن أجودها كتاب ابن كثير البداية والنهاية وكتب المعجزات مثل الشفاء للقاضي عياض والمعجزات النبوية من جامع الأصول في حرف النون ولي في ذلك كتاب


57
مختصر سميته البرهان القاطع في معرفة الصانع ومن أحسن ما أشير فيه إلى المعجزات المذكورة في كتاب الله تعالى هذه الأبيات

هو الله من أعطى هداه وصح من
هواه أراه الخارقات بحكمة

بذاك على الطوفان نوح وقد نجا
به من نجا من قومه في السفينة

وغاض على ما فاض عنه استجابة
وجد إلى الجودي بها واستقرت

وسار ومتن الريح تحت بساطه
سليمان بالجيشين فوق البسيطة

وقبل ارتداد الطرف احضر من سباله
عرش بلقيس بغير مشقة

وأحمد ابراهيم نار عدوه
ومن نوره عادت له روض جنة

ولما دعا الاطيار من رأس شاهق
وقد ذبحت جاءته غير عصية

ومن يده موسى عصاه تلقفت
من السحر أهوالا على النفس شقت

ومن حجر أجرى عيونا بضربة
بها دائما سقت وللبحر شقت

ويوسف إذ ألقى البشير قميصه
على وجه يعقوب عليه بأوبة

رآه بعين قبل مقدمه بكى
عليه بها شوقا إليه فكفت

وفي آل إسرائيل مائدة من
السماء لعيسى أنزلت ثم مدت

ومن أكمه أبرى ومن وضح غدا
شفى وأعاد الطير طيرا بنفخة

وصح بأخبار التواتر أنه
أمات وأحيا بالدعا رب ميت

وأبعد من هذا عن السحر أنه
رضيع ينادي باللسان الفصيحة

ينزه عن ريب الظنون عفيفة
مبرأة من كل سوء وريبة

وقال لأهل السبت كونوا إلهنا
قرودا فكانوا عبرة أي عبرة

وصرع أهل الفيل من دون بيته
بطير أبابيل صغار ضعيفة

وأحرق روض الجنتين عقوبة
بكاف ونون عبرة للبرية

من نبوع العيون من الحجر بضرب العصا دليل سمعي خاص قاطع على خلق الماء وعلى إخراج المخلوق من العدم المحض وكذلك قوله تعالى وفار التنور وكذلك خروج الماء الكثير من أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم


58

وإنما ذكرت هذه الآيات لأن بعض الناس ذكر أنه ليس في هذا نص شرعي وإنما يدل عليه العقل والعمومات لا النصوص وقد روى الحاكم في هذا المعنى حديثا في تفسير قوله تعالى جميعا منه

تكميل

ثم يعتضد هذا بما يناسبه من كرامات الصالحين وعقوبات الظالمين المذكورة في كتاب الله تعالى والمتواترة والمشاهدة ثم ما وقع من تكرر نصر الله تعالى للحق والمحقين وإنهم وان ابتلوا فالعاقبة لهم على ما دل عليه قوله عز وجل ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون وكذلك قول الله تعالى وكان حقا علينا نصر المؤمنين وقوله إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وقوله تعالى كتب الله لأغلبن أنا ورسلي وقد جود الزمخشري هذا المعنى في تفسير قوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق وفسرها بما كان من فتوح الاسلام الخارقة في الآفاق وفسرها ببلاد العجم وفي أنفسهم وفسرها ببلاد العرب وفي ذلك حديث ابن عباس الطويل وكذلك الأنبياء تبتلى ثم تكون لهم العاقبة رواه البخاري ويشهد لصحته الاستقراء من التواريخ وقوله تعالى والعاقبة للمتقين وفي الشعراء تنبيه على ذلك في آيات كثيرة يعقبها بقوله تعالى إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم


59
فتأمل ثم ما قد وقع للإنسان من إجابة الدعوات وكشف الكربات وستر العورات وتيسير الضرورات وقضاء الحاجات وكشف المشكلات والالهام في المعارف الخفيات والاشارات المرشدات في المنامات الصادقات وفي هذا يقول ابن الفارض شعرا

وقل لي من ألقى إليك علومه
وقد ركدت منه الحواس لغفوة

وقد احتج بذلك الغزالي وعارض به الفلاسفة في إحالتهم لعلم الغيب وهذه الأشياء إذا ضمت إلى البراهين حصل من مجموعها قوة بقين كثيرة ولقد قال الغزالي أنه حصل له يقين قوي بالمعاد من مجموع براهين وقرائن وتجارب

ثم اليقين بعد هذا كله من مواهب الله تعالى فإن أنعم الله به عليك فكن من الشاكرين وإن عرض لك الشك بعد هذا كله فاحذر أن يكون ذلك عقوبة بذنب كما نبه الله على ذلك بقوله فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين وقوله سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب فافزع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار والتضرع والتذلل وطلب أسباب الرقة والتخويف العظيم لنفسك من الوقوع في الشقوة الكبرى بعذاب الآخرة فإن من طبائع النفوس الإيمان عند شدة الخوف ولذلك آمن قوم يونس لما رأوا العذاب وآمن فرعون حين شاهد الغرق وقد نبه الله على ذلك بقوله بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب ولذلك يرجع كثير من العقلاء عند الموت عن عقائد وقبائح وشبهات كانوا مصرين عليها وليس ذلك لتجلي برهان حينئذ بل لأن الطبع القاسي كان كالمعارض للبرهان فلما لأن بقي البرهان بلا معارض وكذلك لو شاهد فرعون وغيره أعظم برهان بغير خوف ما آمنوا قال الله تعالى فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين


60

وحكى ابن خلكان عن ابن سينا أنه لما عرف علة الموت أقبل على القرآن وترك ما كان عليه فانصح نفسك وذكرها وقل لها لو كان معك يقين بارتفاع التكليف ما خفت ولكنك عن قريب إن لم يرحمك مولاك تقعين في أشد العذاب وينكشف عنك هذا الارتياب وذكرها عظيم حسرة المكذبين يوم يقال انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون فإن النفس كما أنها بعيدة الايمان فإنها بعيدة الامان وخوفها أعظم الاعوان على الايمان قال الله تعالى وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون وقال تعالى وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم وقال عز وجل وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا ولأنها لوجدان الخوف عند التخويف تنزل من مرتبة القطع بالتكذيب الذي هو أول ما يروم الشيطان فإذا نزلت من ذلك وجب عليها في العقل تصديق الثقة والعمل بالظن كيف إذا جاء الثقة مع ظن صدقه بالمعجز وعضدته البراهين المقدمة وإلى هذه الطريقة الاشارة بقوله تعالى قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به إلى قوله إن الله لا يهدي القوم الظالمين وقوله تعالى قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون وقوله فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين وقوله تعالى وبدا لهم من الله


61
ما لم يكونوا يحتسبون ) فإن نفرت النفس من الايمان ببعص المحارات وتوهمت أنه من المحالات كثبوت القدم الذي لا نعرفه إلا بالتصديق أو ثبوت الحكمة في العذاب وخلق أهله فسيأتي الجواب في ذلك في اثبات حكمة الله تعالى

ومن أنفع ما يدفع الحيرة به أنه لابد من لزوم المحارة في العقول على كل تقدير والاسلام أقل المحارات من جميع الملل الكفرية وبالاسلام تندفع كلها وتخرج العقول من الظلمات إلى النور وانظر إلى هذا العالم المحسوس بالضرورة تجد المحارة العقلية لازمة لوجوده لأنه لا يخلو بالضرورة من الحدوث أو القدم فالقدم من محارات العقول والحدوث من غير محدث من محاراتها بل من محالاتها فالمحارات أقرب من المحالات لأن الممكن البعيد أقرب من الممتنع ولا ثالث لهذين الأمرين إلا الاسلام وإلى هذا أشار من قال

صورة الكون محال
وهي حق في الحقيقة

لكنه أخطأ في تسمية المحارة محالا فإن كانت المحارة لازمة للإسلام فهي لما عداه ألزم فإن كان هذا اللزوم حقا فالمحارة حق والحق لا يستوحش منه وإن كان باطلا فالباطل حقيق لا يستوحش من خشيته لأنه لا شيء حقيقة فكيف الخوف من لا شيء فمن لم يثبت الرب قديما أثبت العالم قديما ومن لم يثبت له أسماءه الحسنى بلا سبب أثبت الاحكام العجيب للعالم بلا سبب ومن لم يثبت الرب بكماله بلا سبب أثبت العالم بأحكامه وعجائبه بلا سبب ومن لم يقبل الايمان بالبرهان والقرآن قبل الكفر بلا قرآن ولا برهان

وإلى هذا آشار رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال ( لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله ) وأمرنا بالاستعاذة والانتهاء حينئذ لأنه يقال للكافر فإذا أمكن وجود العالم بغير خالق فأولى منه وجود الرب بغير خالق ودل على أنه لابد من انتهاء الموجودات الممكنة إلى واجب الوجود عز وجل


62

واعلم أن مادة هذه الوساوس عجب الانسان بعقله وعلمه وظنه أنه إذا لم يعرف شيئا فهو باطل فاعرف أنك كما قال أصدق القائلين في صفة الانسان إنه كان ظلوما جهولا ويدل على هذا من المعقول مع المنقول أمران أحدهما أن الانسان يؤثر هواه في الاقبال على دار الفناء وعلى شهواتها الضارة المضرة في العاجلة المشاهدة ويقدم المرجوح على الراجح قطعا ويتحمل من الأمانات التي هو في تحملها مختار ما يدل على صحة ما روي من تحمل آدم عليه السلام لأصلها وجميعها مثل الدخول في الديون والضمانات والحقوق الزوجية وغيرها وحقوق المخالطة والفرق بين الأحكام عند الرضا والغضب والغنى والفقر والامان والخوف وبذلك يعرف الفطين من طبع نفسه الظلم وجحد الحق عند رجحان الداعي إلى ذلك ولذلك يوجد البخل من بعض الاجواد في الاحوال والكذب من بعض الصادقين كذلك قال صالح عليه السلام يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين فبين أن الصارف لهم الهوى المحض لا الشبهة

ومن هنا نقم الله على الكفار أنهم آمنوا بالباطل فلو كان كفرهم بالحق الذي هو الله وكتبه ورسله من أجل الشبهة لكانوا لعبادة الحجارة وغيرها أشد كفرا وذلك بين في قوله تعالى والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون ونحوها قوله في قصة الخليل عليه السلام وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم فبين الخليل لهم أن خوفهم وتخويفهم


63
من أصنامهم واعتذارهم به عن الايمان شيء باطل ولو كان من قبيل خوف العقلاء المستند إلى الامارات الصحيحة أو الأدلة الواضحة لكان خوفهم من الله تعالى أولى من كل وجه صحيح

ولوضوح هذا جاء فيه بأدوات الاستنكار والاستبعاد مثل قوله وكيف أخاف ما أشركتم وقوله فأي الفريقين أحق بالأمن وهذه المعارضة وأمثالها تفيد القطع بعناد الخصم فتأملها في كتاب الله تعالى وهي جيدة مفحمة نافعة ولذلك سماها الله تعالى حجة ورفع بها خليله عليه السلام ونحوهما قوله تعالى وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا وكذلك قوله تعالى ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير وقوله تعالى أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون

وقد يقع من أهل الايمان شيء من ذلك في غير الكفر ولذلك لم تقبل شهادة المؤمن العدل لنفسه ولا على عدوه وكذلك حكى الله عن الكفار جحدهم في يوم القيامة حتى تشهد عليهم جلودهم وحتى يقولوا لها لم شهدتم علينا وذلك أنهم رأوا من عدل الله تعالى وحكمه بالبينات دون علمه ما أطعمهم في نفع ذلك لهم والطبيعة واحدة إلا ما هدى الله وأصلح فاحذر من هذه الطبيعة أن تتوهم كفرها وقساوتها وجفاوتها برهانا معارضا لبراهين الحق بل ولا شبهة أبدا ولذلك يزول شكها وريبها بمعانية الأهوال كمعاينة هول المطلع كما حكى ابن خلكان عن ابن سينا رأس الفلاسفة أنه لما عرف أنه ميت أعتق مماليكة وفعل من القرب الذي أمكنه وأقبل على التضرع إلى الله تعالى وتلاوة كتاب الله واضمحلت عنه تلك الوساوس

فهذه هذه ولذلك أكثر الله تعالى ورسله من الجمع بين الأدلة والوعيد وقصص المعذبين واعتمدها مؤمن آل فرعون فأحسن في دعاء قومه إلى


64
الايمان وتخويفهم من العذاب الأدنى المعجل في الدنيا ثم من العذاب الأكبر فقال يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد الآيات وإنما بدأ بذكر عذاب الله للكافرين في الدنيا لأنه كان معلوما لهم بالضرورة فتأثيره في النفوس أقوى كما ذكره المؤيد بالله في قوة النفع بذكر الموت والبلاء في القبور وتصور ذلك وأمثاله

والآن ظهر لك أن اثبات الرب والايمان به هو الحق والأحوط كما تبين قبل ذلك أن اثبات العلوم هو الحق بحيث لا يخاف في هذين الاعتقادين مضرة ألبتة والخوف العظيم والمضار العظيمة في عدمهما كما قال القائل

قال المنجم والطبيب كلاهما
لا تبعث الاموات قلت إليكما

إن صح قولكما فليس بضائري
أو صح قولي فالوبال عليكما
ومثل ذلك قول الآخر

ورغبني في الدين أن دليله
قوي ويخشى كل شر بجحده

وكرهني للكفر أن فساده
جلي ويخشى كل شر بقصده

بل كما قال الله تعالى قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به الآية كما تقدم والمراد ايراده من غير شك لمداواة النفوس الجامحة والوساوس الغالبة والاستعانة على تليينها بالمعارضات النافعة لتسلم العقول مما يزاحمها مما شق على الأوهام من الغيوب وتذعن لما يخالف القياس من الأحكام

الباب الرابع في اثبات التوحيد والنبوات وفروعها

ثم أن المثبتين للعلوم والربوبية اختلفوا في أمور ثلاثة أحدها توحيد الرب وقد علم بالضرورة من الدين وإن خلافه كفر ودليل السمع في


65
هذا المقام صحيح بالاتفاق مع ما عضده من الدليل العقلي الذي نبه القرآن عليه في قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ولا خفاء في ذلك ولا خلاف فيه بين المسلمين فلا يحتاج فيه إلى عناية ولا شك في قوة براهينة وسقوط المعارض لها وأنه أحوط لما في مخالفته من خوف العذاب العظيم وسيأتي تمام الكلام فيه في فروع النبوات

وأما الكلام في النبوات فاعلم أنه من أوضح المعارف وقد تطابقت دلائل المعجزات الباهرات عليه ولا شك مع ذلك أنه الاحوط لأن التكذيب بها من الكفر المعلوم الموجب للعذاب الأكبر وليس لمنكري النبوات من الشبه ما يعارض دلائل ثبوتها ولا ما ينتهض لإثارة الشكوك في هذا المقام البين وإنما قدحت البراهمة في الشرائع بنحو إباحة ذبح البهائم من غير جرائم وذلك جهل فاحش فإن الله الذي خلقها هو الذي أحلها في دار الفناء التي كتب فيها الموت على كل حي لحكمة بالغة وقد ساوى سبحانه بيننا وبينها بالموت وإن اختلفت الأسباب ولا مانع في العقل من ذلك قبل ورود الشرع على بعض الوجوه فهؤلاء البراهمة لا ينكرون تطابق العقلاء على سقي المزارع بالماء وإن مات بسبب ذلك كثير من الذر ونحوها من الحيوانات التي تكون في مجاري الماء وعلى الاستسقاء من المناهل وإن كان وسيلة إلى موت حيوان الماء وعلى إخراج دود البطن بالأدوية وإن مات ألوف كثيرة بسبب عافية انسان واحد من ألم لا يخاف منه الموت ويخرج الانسان الذباب من منزله ولو هلكن من البرد والحر ونحو ذلك وإنما أجمع أهل العقول على مثل هذا لما في فطر العقول من ترجيح خير الخيرين واحتمال أهون الشرين عند التعارض كما قيل حنانيك بعض الشر أهون من بعض

ومن ذلك استحسن العقلاء تحمل المضار العظيمة في الحروب لدفع ما هو أضر منها وقالت العرب

بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما
وبالقتل تنجو كل نفس من القتل

66
وقد جاء القرآن بذلك بأفصح عبارة وأوجزها فقال تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب والقصد أنه لا ينكر في العقول أن يغذي الحيوان الشريف بالحيوان الخسيس فتدفع بالغذاء عنه المضرة وتكمل بالغذاء له النعمة وعلى تسليم أن العقل لا يستحسن ذلك فإنه يجوز أن يحكم بحسن ذلك مالك الجميع علام الغيوب الذي لا معقب لحكمه ولا عالم بغيبه ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وتوهم معارضة ذلك بالتقبيح العقلي في غاية السقوط فإن العقلاء يختلفون فيما دق من هذا الباب وإنما يتفقون على الضروري منه الذي لم يرد الشرع به قطعا مثل ترجيح الكذب على الصدق مطلقا لا مقيدا بحال الضرورة فأي عاقل يرجح هذه الحماقة على البراهين الواضحة في النبوات

وقد جود الجاحظ الكلام في النبوات في كتاب مفرد في ذلك وتبعه في ذلك الامام المؤيد بالله عليه السلام فهذب كتابه وحسن ترصيعه وقرب متباعدة فينبغي للمسلم الوقوف عليه وحسن التأمل له فالأمر في ذلك جلي فطري وإنما ينبغي أن يذكر هنا الفروق بين الأنبياء عليهم السلام وسائر من يقع منه الخوارق من أهل السحر والطلسمات وسائر أهل الرياضات

واعلم أن المتكلمين يذكرون هنا فروقا كثيرة منها أن السحر فن معروف له شيوخ يعرفونه ويعلمونه وفيه مصنفات ومن تولع به وطالع كتبه وتتلمذ لشيوخه عرفه وإنما اختلف في تعلمه فقيل حرام وقيل فرض كفاية حتى إذا ظهر ساحر عرف سحره وهذا باطل لوجهين أحدهما أنه لم يكن في الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من يعرفه ولو كان فرضا كانوا أقوم الناس به وثانيهما أنه قد ثبت بالضرورة أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وهذا برهان يوضح لنا أن كل مدع للنبوة بعده كاذب


67
وأن كل خارقة تأتي على يد مدعي النبوة بعده فأنها غير صحيحة فإذا تقرر هذا فقد اتضح الفرق فإن النبوات لا حيلة لأحد في اكتسابها

الفرق الثاني أنه لا حقيقة للسحر ولا يبقى وفي المعجزات ما يبقى مثل الناقة في قوم صالح ومثل القرآن العظيم في معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك كان أبهر المعجزات فإنه لو أمكن فيه السحر لأمكن أن جميع أشعار العرب وتواريخ العالم وجميع كتب الدنيا سحر وهذا معلوم الفساد بالضرورة وقد أشار إليه في القرآن الكريم حيث قال الله تعالى في أول سورة الأنعام ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين فإنه سبحانه عاب عليهم الاعتذار عن الحق بالسحر في الموضع الذي لا يمكن فيه السحر قطعا في عقول العقلاء فكيف وقد جعلوه سحرا بينا لا سحرا مشكوكا فيه لشدة عنادهم يدل على ذلك أنهم جعلوه غاية ما اقترحوا تعجيزا وعنادا وعتوا حيث قالوا أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه فتأمل ذلك وكذلك أمثالهم من أعداء الاسلام وكذلك قال تعالى في سورة يونس حكاية عن موسى وقومه فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون فاكتفى موسى بتقريعهم حيث وضح عنادهم

الفرق الثالث أنه لا يكون السحر إلا بشروط مخصوصة في أوقات مخصوصة ولا يكون بحسب الاقتراح بخلاف المعجزات

قلت وهنا فروق أوضح من هذه الفروق بين الأنبياء وغيرهم وذلك من وجوه

الأول اتفاق الأنبياء في التوحيد والدعاء إلى الله تعالى والترغيب فيما لديه والترهيب من عقوبته فالأول منهم يبشر بالثاني والآخر منهم يؤمن بالأول وليس أحد منهم يخطئ أحدا ولا ينقم عليه ولا ينتقصه بخلاف سائر أرباب الخوارق وسائر العلماء والأولياء فإنه يجري بينهم المعارضة


68
الدالة على ارتفاع العصمة ألا ترى أن أهل الرياضة تكون فيهم المبتدعة بل منهم الدهرية والبراهمة وقد ذكر صاحب العوارف طرفا من ذلك في الباب السابع والأربعين وصنف شيخ الاسلام ابن تيمية مصنفا في ذلك سماه الفرق بين الأحوال الربانية والأحوال الشيطانية الوجه الثاني ما ذكره الشيخ مختار في المجتبى وهو أن صاحب المعجزات يفارق صاحب الحيل والسحر في الزي والرواء والهيبة والكلام والأفعال وفي كافة الأحوال أنوار التقوى تلألأ في وجه صاحب المعجزات وآثار الصلاح تلوح في وجوه أهل الخيرات تعرفهم بسيماهم كما قال ربهم ومولاهم شيمتهم التحلم والاصطبار ودينهم الصفح والعفو والاستغفار والجود فالسخاء والايثار والمصافاة مع المساكين والفقراء والحنو والحدب على الضعفاء والأعراض عن زخارف الدنيا وعن اتباع الشهوات والهوى

وأما أصحاب السحر والحيل فرذائل التزوير لائحة في وجوههم ومخايل الختل والغدر واضحة في جباههم قصارى همهم استمالة الأغبياء وإيثار مواطن الملوك والأمراء والأغنياء وغاية أمنيتهم نيل الجاه والعز في الدنيا والظفر بما يوافق النفس والهوى اه وقد سبقه الرازي إلى هذا المعنى بأجود من كلامه لكنه أطول فآثرت اختصار ما ذكره الرازي في كتاب الأربعين ونقلته وزدت عليه كثيرا في كتاب البرهان القاطع في معرفة الصانع وصحة الشرائع

وإلى هذا الوجه الإشارة بقوله تعالى أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون وقوله أسحر هذا ولا يفلح الساحرون كما تقدم في كلام موسى عليه السلام وقوله تعالى اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون وأمثالها وفي آية يسن اشارة إلى أن الكذب على الله وعلى الخلق في غاية القبح ونفرة العقلاء عنه متمكنة فلا يمكن صدوره من أهل العقول الراجحة والزهد المجرب لامتناع وقوع المرجوح عقلا وسمعا وهذه وأضعاف أضعافها صفات الأنبياء عليهم السلام كما أوضحته في البرهان القاطع ثم ان الله تعالى جعل في بعض أحوال


69
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فتنة للذين في قلوبهم زيغ ومرض وعمى كما قال تعالى وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا وذلك ليبقى الابتلاء الذي اقتضته الحكمة حين كان في أسماء الله المبتلى والباطن والظاهر كما مضى فمن كان نظره من الجهات المناسبة لاسمه الظاهر رشد وسعد ومن كان نظره على العكس من ذلك وقع في المحارات وبعد من مسالك النجاة فكن من ذلك على حذر وافزع إلى الله واستعذبه من ذلك وهو الهادي ولا يهدى إلا الله

الوجه الثالث أنه يظهر على كل نبي ما يميزه من السحرة وأهل الحيل مثال ذلك إيمان السحرة بموسى واعترافهم أن الذي جاء به ليس في جنس السحر واحياء عيسى للموتى وذلك ان موسى عليه السلام كان في وقت ظهر فيه علم السحر وعيسى عليه السلام كان في زمن ظهر فيه علم الطب فجاء كل واحد منهما بما يعرفه أهل عصره وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم كان في زمان ظهرت فيه الفصاحة فجاء بالقرآن العظيم الذي لا يخفى عليهم ما اشتمل عليه من وجوه الاعجاز

ثم انه ظهر لنا في حق نبينا صلى الله عليه وسلم أمور كثيرة تميزه عن السحرة والمحتالين منها ورود البشارة به في التوراة والانجيل قال الرازي في كتابه الأربعين والدليل على ذلك أنه ادعى أن ذكره موجود فيهما قال الله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وقال حكاية عن عيسى المسيح ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد وقال الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ومعلوم أنه لو


70
لم يكن صادقا في ذلك لكان هذا من أعظم المنفرات عنه لليهود والنصارى ولا يمكن أن العاقل يقدم على فعل يمنعه من مطلوبه ويبطل عليه مقصوده ولا نزاع بين العقلاء انه كان أعقل الناس وأحلمهم انتهى

ومنها ما ظهر من كراماته في أيام الحمل به وأيام الطفولية مثل ما روى مسلم في الصحيح والنسائي من حديث أنس أن جبريل أتاه وهو يلعب مع الصبيان فشق بطنه واستخرجه وجاء الغلمان يسعون إلى ظيره فقالوا ان محمدا قد قتل وهو منتقع اللون قال انس قد كنت أرى ذلك المخيط في صدره

ومنها علم جميع من آمن به من أهله وأصحابه وأهل بلده ببراءته من التهمة بالسحر ولا شك ان علمهم بذلك ضروري كما يعلم ذلك أحدنا في كثير من أهله وخاصته وجيرانه وأهل زمانه ولذلك حصل معنا العلم الضروري بذلك عن خبرهم ولو كان خبرهم عن ظن لم يحصل لنا منه علم ضروري ومن لم يحصل له هذا العلم الضروري فذلك لتقصيره في علم الحديث والسير والتاريخ على أنا غير محتاجين إلى شيء من هذا لما قدمناه من انه لا يمكن السحر في القرآن لدوامه وعظيم ما اشتمل عليه من البلاغة والعلوم ولو أمكن ذلك بالسحر لامكن الساحر أن يكون كلامه بليغا مفهوما ولما حصلت الثقة بكلام ولا كتاب على وجه الأرض

وقد بسطت القوم في هذا في البرهان القاطع وهذا كاف على قدر هذ المختصر وليس التآليف الامثل للثمار وطرح البذر في الأرض الطيبة ثم يهب الله من البركة ما يشاء وهو الفتاح العليم على أن السحر أحد الدلالات البينة على الله تعالى لان علمه من العلوم التي لا تدرك بالعقل مثل ما ذكره الغزالي في أمثاله مما يعلم قطعا انه ينتهي إلى تعليم عالم الغيب ولذلك جاء النص الصريح في كتاب الله تعالى بأنه من تعليم ملكين من ملائكة الله وأن علمه أنزل عليهما كما قال تعالى وما أنزل على الملكين ببابل الآيات ثم فيه دلالة على النبوات من جهة أخرى


71
وذلك ان الساحر يعجز عن معارضة الانبياء وعن بلوغ درجتهم في الاعجاز الحق فتبين بذلك صدقهم وتمييزهم برفيع مقامهم عن السحر والسحرة كما كان في قصة موسى عليه السلام مع السحرة فتعرف بذلك قدر النبوات معرفة مقادير المحاسن بأضدادها ولله الحكمة البالغة في كل شيء سبحانه وتعالى

ومما يقوي أمر النبوات والاسلام النظر في معارضها وضعفه فان المخالفين لذلك ضربان أحدهما أهل التجاهل المتدينون بدين الآباء وان كان عبادة الاحجار ونحو ذلك ولا يلتفت إلى هؤلاء مميز وثانيهما أهل الفلسفة وقد نقل الرازي عنهم الاعتراف بأن خوضهم في الربوبيات بالظن وأنهم لا يعلمون إلا أحكام المشاهدات والمجريات ولو لم يقروا بذلك قام الدليل القاطع عليهم بذلك وهو اختلافهم وتكاذبهم المتباعد المتفاحش الذي تميز الانبياء بالعصمة منه عن جميع أهل الدعاوي الباطلة والنظر في هذا نفيس جدا فان الشيء انما يزداد شرفا على قدر خساسة ضده وصحة على قدر ضعف معارضه وإليه الاشارة بقول يوسف عليه السلام يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار إلى آخر الآيات ويقرب منه قوله تعالى أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ثم أن الله تعالى نبه على عظيم عناد المكذبين للانبياء بقوله تعالى فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل فقوله إنما أنت نذير واضح في الرد عليهم بأن أصل القصد في النبوات اقامة الحجة على الغافلين عن الامر الجلي بمجرد ما ينبه الغافل من النذارة القائمة مقام الحاضر على القلب وذلك ما لا يحتاج إلى دليل قاطع على صدق النذير بل يكفي في النذير أن يكون ممكن الصدق غير مقطوع بكذبه في الأصل ومثله فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ولذلك ذهب إلى ذلك كثير من الامامية


72
كما ذكره صاحب كتاب الدعائم عنهم لكن الله زاد في إقامة الحجة ليقوى عدله على الكافرين وفضله على المؤمنين فأيدهم بأنواع الآيات الخارقة والامارات الصادقة وفي الآية دلالة على حسن الاحتياط في الحذر بعد سماع النذر كما هو معلوم في النظر وكما تقدمت عليه الدلالة في كلام مؤمن آل فرعون وغيره مما تقدم من الآيات الكريمة في ذلك ولله الحمد ثم أن الأمة أجمعت على انقطاع الوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لا طريق لأحد من بعده إلى معارضة ما جاء به فمن ادعى ذلك وجوز تغيير شيء من الشريعة بذلك فكافر بالاجماع
خاتمة

ثم إن المثبتين للنبوة اختلفوا في الايمان بجميع الانبياء فمنهم من فرق بين رسل الله فآمن ببعضهم وكفر ببعضهم كاليهود والنصارى ومنهم من آمن بجميع رسل الله ولم يفرق بين أحد منهم كالمسلمين فلا شك في أن إثبات النبوات أصح دليلا وأحوط ثم أن الايمان بجميع الأنبياء كذلك فان المكذب برسول واحد كالمكذب بجميع الرسل وهل أشقى ممن سلم من جميع المهالك حتى إذا لم يبق إلا مهلكة واحدة وقع فيها فانظر ما أوضح الضلال في جميع ما تقدم من انكار العلوم ثم من إنكار الربوبية ثم من إنكار التوحيد ثم من إنكار النبوات ثم من إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة وما أوضح الحق في مخالفة ذلك كله فالحمد لله رب العالمين

ومن واضحات الدلالة على اليهود أنهم مقرون برسول مبشر به في التوراة لكنه عندهم غير محمد صلى الله عليه وسلم فيقال لهم تكذيبهم بمحمد يؤدي إلى تكذيبهم بكل مدع أنه هو لأنه لا يمكن أن يأتي إلا بمعجزات وأما حديث تمسكوا بالسبت أبدا فلو كان حقا لذكروه للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن منهم أحد لكنه موضوع في زمن الراوندي ذكره صاحب التقويم في أصول الفقه ولا حجة فيه لو صح لأن المراد بذلك قد يكون مدة طويلة وإلى غاية كقوله تعالى وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده


73
فصل في تأكيد اليقين بالنبوات زيادة على ما تقدم

وذلك أن كثرتهم عليهم السلام قد علمت لأهل العلم بتواريخ العالم وأخبار الامم واشتهرت لمن كان أقل بحثا وخبرة بهذه العلوم وورد في الاخبار أنهم عليهم السلام مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا وكتب الله التي جاؤا بها مائة كتاب وأربعة كتب رواه ابن حبان والبيهقي من حديث أبي ذر بسندين حسنين وتواترت كثرتهم في الجملة ولا شك أن الجمع العظيم متى تفرقت أوطانهم وقبائلهم وأغراضهم وأزمانهم ومذاهبهم ولم يكونوا من أهل الصناعات النظرية والرياضات الفلسفية والقوانين المنطقية ثم اتفقوا على القطع بصحة أمر لا داعي له ولا مانع منه بحيث لو اجتمع عيون الفطناء وحذاق الأذكياء ومهرة العلماء على واحد منهم يشككون عليه في اعتقاده لم يرفع إليهم رأسا ولم يلتفت إليهم أصلا فعلمنا علما تجربيا ضروريا أنهم ما تواطئوا على التعمد للمباهتة والتجري على التدليس والمغالطة وأنه ما جمع متفرقات عقائدهم وألف نوافر طباعهم وربط بين جوامح مختلفات اختياراتهم وعصمهم عن متابعة سنة العقلاء في اختلاف مذاهبهم مع طول أنظارهم إلا صدق ما ادعوه من شريف علمهم وحالهم وصحة ما بنوا عليه دينهم ويقينهم من استناد هذه العوالم والخلائق والآثار والحوادث إلى رب عظيم ومدبر حكيم واضطراره لهم بالمعجزات والقرائن إلى الاجتماع على هذا الدين القويم والشأن العظيم وحينئذ لا تردد العقول ولا توقف الاذهان عن الجزم بصدقهم وثلج الصدور لصحة خبرهم فكيف إذا عضد هذا الجميع العظيم من البراهين النيرة والقرائن الواضحة والشواهد الصادقة ما لم يحصره


74

الاذكياء والعارفون على مرور الدهور والقرون حتى قال الله تعالى في كتابه المكنون فبأي حديث بعده يؤمنون

فمن ذلك ما ذكره الامام المؤيد بالله عليه السلام في كتابه في اثبات النبوات قال عليه السلام وأنتم إذا تأملتم أحوال الفترات التي كانت بين آدم ونوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ازددتم معرفة بحسن تدبير الله تعالى لخلقه بابتعاث الرسل وتجديده ما درس أو كاد يدرس من الشرائع والملل وأنه عز وجل ابتعث حين علم الصلاح في الابتعاث ومد الفترة حين علم اقتران المصلحة بها لأن الفترة على ما يقوله بعض أهل التواريخ على اختلاف بينهم فيه والله أعلم بتحقيق ذلك كانت بين آدم ونوح صلى الله عليهما سبعمائة عام وإنما كان ذلك كذلك والله أعلم على مقدار ما يلوح لنا ويبلغه مقدار أفهامنا أن آدم هبط إلى الأرض وهو أبو البشر وأول الانس ولم يكن في زمانه شيء من الكفر وعبادة الاصنام ولم يكن غيره وغير زوجته حواء وأولادهما وكانوا يعرفون حاله فلم يكن في أمره شك عندهم لوضوح أمره وظهور آياته وقلة من بعث اليهم فامتد زمان الفترة وكان بينهما مع شيث ذلك وإدريس عليهما السلام فاستحدث الناس الكفر وعبادة الأصنام واتخذوا ودا وسواعا ويغوت ويعوق ونسرا فابتعث الله عز وجل نوحا عليه السلام يدعوهم إلى التوحيد وخلع الأصنام والأنداد فلبث فيهم كما قال الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاما فغرقهم الله بالطوفان حين تمت عليهم حجته وعلم أنه لا يصلح منهم أحد كما أوحى ذلك إلى نوح عليه السلام

ثم كانت الفترة بين نوح وإبراهيم عليهما السلام نحو سبعمائة عام وإنما كانت هذه المدة نحو ذلك لأن الغرق أعاد حال نوح إلى نحو حال آدم صلى الله عليهما وسلم في ظهور أمره وابتداء البشر منه مع أنه لم يكن بقي من الكفار أحد إلا أن الناس قد كانوا عرفوا عبادة الأصنام واتخاذ الأنداد من دون الله عز وجل فأسرعوا بعده إلى الكفر وعبادة الأصنام وكان الله تعالى قد بعث هودا إلى عاد لما ازداد تمردهم وصالحا بعده إلى


75
ثمود ثم لما ازداد الكفر ظهورا وانتشارا ابتعث الله عز وجل إبراهيم فدعاهم إلى الله تعالى وكسر أصنامهم ونبههم على خطأ أفعالهم وجدد لهم الذكرى وأنزل عز وجل عليه الصحف وبعث لوطا عليه السلام إلى قوم مخصوصين حين ازداد عتوهم واستحدثوا من الفاحشة ما لم يكن قبلهم ثم كانت الفترة بينه وبين موسى صلى الله عليهما نحو أربعمائة سنة وإنما كانت كذلك والله أعلم لأن ابراهيم صلى الله عليه وسلم مضى والكفر باق بينهم ظاهر ولم تكثر أتباعه الكثرة الظاهرة على ما بلغنا وبعث الله بعده إسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام والاسباط وشعيبا قبل مبعث موسى عليه السلام وقبل أيوب وكان قد بعث قبل موسى عليه السلام وتغيرت أحوال بني إسرائيل وقل قبول الناس الحق وظهر الكفر وبلغ مبلغا لم يكن بلغه من قبل لأن فرعون ادعى الربوبية فاستعبد بني إسرائيل فعظم الأمر وازداد الكفر واتسع الخرق ونسى الحق فلذلك قصرت مدة هذه الفترة حتى بعث موسى صلى الله عليه وسلم مع تلك الآيات العظام كالعصا واليد البيضاء ومجاوزة بني إسرائيل البحر بعد أن انفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وتغريق فرعون ومن معه إلى غير ذلك من الحجر الذي انفجرت منه العيون وما كان ظهر قبل ذلك من الجراد والقمل والضفادع والدم وغير ذلك مما يطول ذكره وأنزل عليه التوراة وبين فيها الأحكام والحلال والحرام وظهر أمره أتم الظهور وإنما كانت أعلام موسى أكثر وآياته أظهر لأن بني إسرائيل كانوا والله أعلم أجهل الأمم وأغلظهم طبعا وأبعدهم عن الصواب وأبلدهم عن استدراك الحق ألا ترى أنهم بعد ما جاوز الله بهم البحر وغرق آل فرعون وهم ينظرون قالوا لموسى حين مروا على قوم عاكفين على أصنام لهم يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة واتخذوا العجل وعبدوه وظنوا أنه إلههم وإله موسى وأنه نسي فبحسب هذه الأحوال اقتضت الحكمة إيضاح الآيات والاعلام وتكثيرها لهم ثم بعث يوشع ويونس ثم بعث داود وأنزل عليه الزبور وبعث سليمان وآتاه الله الملك مع تلك الآيات العظيمة ثم بعث بعده زكريا ويحيى صلى الله عليهم وكانت الفترة بين موسى وعيسى نحو ألفي سنة لعظم آيات موسى وعظم الكتاب الذي أنزل
76
معه ولما بعث بينهما من الأنبياء عليهم السلام وهذه المدة أطول المدد التي كانت بين من ذكرنا عليهم السلام

ثم لما تزايد الكفر وتغيرت أحوال بني إسرائيل وشاع الإلحاد في الفلاسفة بعث الله عيسى عليه السلام بتلك الآيات الباهرة وبقي فيهم ما بقي ثم أكرمه الله تعالى ورفعه إليه ثم كانت الفترة بينه وبين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نحو ستمائه عام وكانت هذه المدة أوسط المدد وذلك والله أعلم لأن حجج الله تعالى كثرت فيها لبقاء التوراة والزبور والانجيل ومع ذلك كثر الضلال وقيل في المسيح قولان عظيمان أحدهما ما قالته اليهود والثاني ما قالته النصارى ثم بعث الله تعالى النبي محمدا صلى الله عليه وسلم وختم به الرسالة ونحن من مبعثه على نحو من أربعمائة عام فدل على قرب الساعة وأزوف القيامة وحقق ذلك قوله تعالى اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون وقوله تعالى اقتربت الساعة وانشق القمر وقول النبي صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه اه

قلت وهذا كلامه عليه السلام صلى الله عليه وسلم في هذا التاريخ المتقدم فكيف بنا اليوم وقد دخلنا في المائة التاسعة أكثر من ثلثها قال صلى الله عليه وسلم فانظروا رحمكم الله في حسن نظر الله عز وجل لعباده بما ذكرنا فاعتبروا به واستعدوا للدوام والبقاء فله خلقتم فكأن الواقعة قد وقعت والحاقة قد حقت فريق في الجنة وفريق في السعير فلا يصدنكم الشيطان وأتباعه عنها كما قال الله تعالى إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى وفقنا الله وإياكم لطاعته واتباع مرضاته قلت ومع قرب مبعث محمد صلى الله عليه وسلم من القيامة فلم يخل الله عباده من تجديد الآيات وما يقوم مقام تجديدها وذلك بأمور أعظمها إعجاز القرآن العظيم وبقاؤه في الأمة وحفظه له عن التغيير

وقد جود الامام المؤيد بالله عليه السلام ومن سبقه من علماء الاسلام


77
القول في ذلك وقد جمعه عليه السلام في كتابه في النبوات وجوده وإن كان قال عليه السلام أنه لم يزد على ماقالوه وإنما أوجز من كلامهم ما جعله البسط متباعد الأطراف أو بسط ما جعله الايجاز خفي الاغراض فقد أفاد وأجاد وأحسن وزاد فينبغي مطالبة كتابه في ذلك وكتاب الجاحظ فيه أيضا فانه السابق له عليه السلام إلى ذلك والمشهور بالتجويد في هذه المسالك

ومن نفيس كلامه في ذلك قوله ومن الدليل على اعجاز القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ الاتيان بهذا القرآن على غاية الاحكام والاتقان وقد ثبت جريان العادة أن كل أمر يقع على وجه لا يصح وقوعه عليه إلا بعلوم تحصل للفاعل له لا يصح وقوعه ابتداء على غاية الاحكام والاتقان وأن بلوغه الغاية يتعذر إلا على مر الدهور والأعصار وتعاطي جماعة فجماعة له وانه لا فرق في ذلك بين شيء وشيء من الأمور في منظوم الكلام ومنثوره وما يتعلق بالتنجيم والطب والفقه والنحو والصناعات التي هي النساجة والصياغة والبناء وما أشبه ذلك فإذا ثبت ذلك وثبت وقوع القرآن على الوجه الذي بيناه ثبت أنه وقع على وجه انتقضت به العادة فجرى مجرى قلب العصا حية واحياء الموتى والمشي على الماء والهواء إلى آخر ما ذكروه في ذلك ولولا أن ذكره يناقض ما قصدت من الاختصار لذكرته فهذا أعظم الآيات لبقائه في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وفناء آيات الأنبياء في أعصارهم عليهم السلام ولكن الله لما علم أن النبوة قد انقطعت جعل هذا المعجز الجليل باقيا على مر الدهور جديدا على طول العصور

الأمر الثاني ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال إن الله يبعث لأمتي من يجدد لها دينها رأس كل مائة عام وهذه إشارة إلى ما من الله تعالى به على أهل الاسلام من الأئمة الهداة للأنام عليهم السلام ومن سائر العلماء الاعلام والصالحين الكرام ومما يجعل الله تعالى فيهم من الاسرار ويجدد بهم من الآثار ويوضح بهم من المشكلات ويبين بهم


78
من الدلالات ويرد بعلومهم من الجهالات ويؤيد بهم من الكرامات وصادق المبشرات من رؤيا الحق الواردة في محكم الآيات وصحيح الروايات

الأمر الثالث نصر الله تعالى لحماة الاسلام المجاهدين وإنجازه ما وعدهم به في كتابه المبين من نصره للمؤمنين وعلى لسان رسوله الصادق الأمين من حفظه لهذا الدين على كثرة الكافرين والمفسدين والملاحدة والمتمردين ولو نذكر القليل من ذلك لطال وقد اشتملت عليه تواريخ الاسلام وتواريخ الرجال فالحمد لله رب العالمين

وأما ما يختص بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة والدلالات الواضحة فأكثر من أن يحصر وأشهر من أن يذكر وقد صنفت في ذلك مصنفات كثيرة منها كتاب الشفاء للقاضي عياض المالكي وغيره لكن تقصيها هنا مما لم تدع إليه الحاجة إذ لا منازع من أهل الاسلام في نبوته ولا شاك ولا مشكك فيها وإنما المراد هنا ارشاد المختلفين من أمته إلى أوضح الطرق وأنصفها وأهداها إلى اتباع سنته والسلامة من مخالفته ولكنا نتبرك ونتشرف بذكر شيء يسير منها على جهة الاشارة والرمز إلى جمل من ذلك على حسب ما يليق بهذا المختصر فنقول كما قال واحد من علماء الاسلام

إن معجزاته صلى الله عليه وسلم قسمان حسية وعقلية أما الحسية فثلاثة أقسام أحدها أمور خارجة عن ذاته وثانيها أمور في ذاته وثالثها أمور في صفاته

أما القسم الأول وهو الاشياء الخارجة عن ذاته فمثل انشقاق القمر وطاعة الشجر في المشي إليه وتسليم الحجر وحنين الجذع إليه ونبوع الماء من بين أصابعه واشباع الخلق الكثير من الطعام القليل وشكاة الناقة وشهادة الشاة المشوية واظلال السحاب قبل مبعثه وما كان من حال أبي جهل وصخرته حين أراد أن يضربها على رأسه وما كان من شاة أم معبد حين مسح يده المباركة على ضرعها وأمثال ذلك ولو ذكرت طرق ذلك وأسانيده لمنع عن المقصود بالاختصار وأخرج عنه إلى التآليف الكبار


79

وأما القسم الثاني وهي الأمور العائدة إلى ذاته فهو مثل ما كان من الخاتم بين كتفيه والنور الذي كان ينتقل من أب إلى أب إلى أن خرج إلى الدنيا وما شوهد من خلقته وصورته التي يحكم علم الفراسة بأنها دالة على نبوته

وأما القسم الثالث وهو ما يتعلق بصفاته فهي كثيرة ونحن نشير إلى بعضها فمن ذلك أن أحدا ما سمع منه كذبا لا في أمور الدين ولا في أمور الدنيا ولو صدر عنه شيء من ذلك مرة واحدة لاجتهد أعداؤه في نشره واظهاره

الثاني أنه ما فعل قبيحا منفرا عنه لا قبل النبوة ولا بعدها الثالث أنه لم يفر عن أحد من أعدائه لا قبل النبوة ولا بعدها وان عظم الخوف واشتد الأمر مثل يوم أحد ويوم الأحزاب الرابع أنه كان عظيم الشفقة والرحمة على أمته كما قال الله تعالى فلا تذهب نفسك عليهم حسرات وقال تعالى فلعلك باخع نفسك وقال تعالى ولا تحزن عليهم وقال تعالى عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم الخامس أنه كان في أعظم الدرجات في الكرم والسخاء حتى أن الله تعالى علمه التوسط في ذلك حيث قال له ولا تبسطها كل البسط السادس أنه ما كان للدنيا في قلبه وقع السابع أنه كان في غاية الفصاحة الثامن أنه بقي على طريقته المرضية أول عمره إلى آخره والمزور لا يمكنه ذلك وإليه الاشارة بقوله تعالى وما أنا من المتكلفين التاسع أنه صلى الله عليه وسلم كان مع أهل الغنى والثروة في غاية البعد عن المطامع والترفع عنها ومع الفقراء والمساكين في غاية القرب منهم والتواضع لهم واللطف بهم العاشر أنه كان صلى الله عليه وسلم في كل واحدة من هذه الأخلاق الكريمة في الغاية القصوى من الكمال ولا يتفق ذلك لأحد من الخلق غير أهل العصمة من الله تعالى فكان اجتماع ذلك في صفاته من أعظم المعجزات


80

وأما المعجزات العقلية فهي ستة أنواع النوع الأول أنه ظهر بين قبيلة ما كانوا من أهل العلم ومن بلدة ما كان فيها أحد من العلماء في ذلك العصر بل كانت الجهالة غالبة عليهم ولم يتفق له سفر من تلك البلدة إلا مرتين كلاهما إلى الشام وكانت مدة سفر قليلة ولم يذهب أحد من العلماء والحكماء إلى بلده حتى يقال أنه تعلم العلم من ذلك الحكيم فاذا خرج من مثل هذه البلدة ومثل هذه القبيلة رجل بارع الكمال فائق على فحول الرجال من غير أن يمارس شيئا من العلوم ولا يخالط أحدا من العلماء ألبتة ثم بلغ في معرفة الله تعالى وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه هذا المبلغ العظيم الذي عجز عنه جميع الأذكياء من العقلاء بل عجزوا عن القرب منه والمداناة له بل أقر الكل بأنه لا يمكن أن يزاد في تقرير أصول الدلائل ومهمات المعارف على ما ورد في القرآن العظيم ثم ذكر قسس الأولين وتواريخ المتقدمين بحيث لم يتمكن أحد من الاعداء العارفين بذلك أن يخطئه في شيء منها بل بلغ كلامه في البعد من الريب إلى أن قال بذلك أن يخطئه في شيء منها بل بلغ كلامه في البعد من الريب إلى أن قال عند مجادلتهم له تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين

فحادوا عن ذلك وعرفوا صدقه واجابة دعوته ولم يقدر أحد من أعدائه أن ينسب إليه أنه أخذ ذلك من مطالعة كتاب ولا صحبة أستاذ وكانت هذه الاحوال ظاهرة معلومة عند الاصدقاء والأعداء والقرباء والبعداء كما أشار إليه قوله تعالى أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون وقال وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون وقال فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون وكل من له عقل سليم وطبع مستقيم علم أن هذه الاحوال لا تتيسر إلا بالتعليم الالهي والتوفيق الرباني

النوع الثاني أنه عليه صلى الله عليه وسلم كان قبل اظهاره دعوى الرسالة غير باحث عن هذه المور ولا مشغول بها ولا جرى على لسانه حديث


81
النبوة لنفسه ودعوى الرسالة والذي يدل على ذلك أنه لو اتفق له خوض في هذه المطالب لقال الكفار أنه أفنى عمره في ذلك وفي جمع القرآن حتى قدر على ذلك بعد طول التأمل والتدبر وجاء به ولما لم يذكر هذا عن أحد من الاعداء مع شدة حرصهم على الطعن فيه وفي نبوته علمنا ذلك ومعلوم أن من انقضى من عمره أربعون سنة ولم يخض في شيء من هذه المطالب ثم أنه خاض فيها دفعة واحد وأتى بكلام عجز الأولون والآخرون عن معارضته فصريح العقل يشهد بأن هذا لا يكون إلا على سبيل الوحي من الله تعالى

النوع الثالث أنه صلى الله عليه وسلم تحمل في أداء الرسالة أنواع المتاعب والمشاق فلم يغيره ذلك عن المنهج الأول ولم يطمع في مال أحد ولا في جاهه بل صبر على تلك المشاق والمتاعب ولم يظهر في عزمه فتور ولا في اصطباره قصور ثم أنه لما قهر الأعداء وقويت شوكته ونفذت أوامره في الأموال والارواح لم يتغير عن منهجه الأول في الزهد في الدنيا والاقبال على الآخرة وكل من أنصف علم أن المزور وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذكر ذلك لا يكون كذلك فان المزور إنما يروج الكذب والباطل على الحق لكي يتمكن من الدنيا فاذا وجدها لم يملك نفسه عن الانتفاع بها لكيلا يكون ساعيا في تضييع مطلوبه بل تضييع مطلوبه بل تضييع دنياه وآخرته وذلك ما لا يفعله أحد من العقلاء

النوع الرابع من معجزاته العقلية أنه كان مستجاب الدعوة وذلك معلوم بالتواتر الضروري لمن عرف سيرته وأخباره وأحواله بل لمن طالع كتب آياته واعلامه وذلك ثابت في الكتب الست بالأسانيد المعروفة من حديث جابر بن عبد الله وأبي هريرة والسائب بن يزيد وأبي زيد ابن أخطب ويزيد ابن أبي عبيد وابن مسعود وأنس والبراء بن عازب وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم

النوع الخامس ورود البشارة به صلى الله عليه وسلم في التوراة والانجيل والدليل على ذلك أنه ادعى ذلك كما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم ومعلوم أنه لو لم يكن صادقا في ذلك لكان هذا من أعظم المنفرات لأهل الكتاب عنه ولا يصح من العاقل أن يقدم على فعل ما يمنعه من مطلوبه ويحول بينه وبين


82
ما يحاوله ولا نزاغ من العقلاء أنه كان من أوفر الناس عقلا وأحسنهم تدبيرا وأرجحهم علما قال بعض العارفين فادم كانت أوامره بنصرته لأولاده لا تحصى ونوح عهد إلى أتباعه باتباعه ووصى والخليل كان أكثرهم اجتهادا في ذلك وحرصا وبنوه تواصو به وإسماعيل أكثرهم فحصا وتوراة موسى نطقت بنعته وصفاته وأبانت عن معانيه وآياته وأوضح براهان على ذلك ودليل أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل وزبور داود أفصح بصدق معجزاته واعرب عن ظهور بيناته وإنجيل عيسى شهد بأنه الخاتم الذي يشكر دينه ويحمد وصرح به قوله تعالى ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد والأخبار ببعثه من الأحبار أكثر من أن تذكر يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر

فاسمع أنباءهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ومن صفته في التوراة على ما ثبت في صحيح البخاري ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للاميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الاسواق ولا يجزى بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم بهالملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله يفتح بها آذانا صما وأعينا عميا وقلوبا غلفا ) ذكر في تفسير قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه كما روي في تفسيرها عن علي وابن عباس رضي الله عنهما أن الله ما بعث نبيا إلا وأخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه

النوع السادس اخباره عن الغيوب وصدقه في ذلك وهذا باب واسع معلوم بالتواتر الضرورى لأهل المعرفة بالأخبار والتقصي فيه يخرجنا عما قصدناه من الاختصار فليطالع في مظانه فانما القصد الاشارة وفي القرآن منه الكثير الطيب كما ذكره المؤيد بالله عليه السلام وغيره مثل الجاحظ


83
والرازي والقاضي عياض وغيرهم وفي دواوين الاسلام من ذلك عن علي عليه السلام وجابر بن سمرة وأبي هريرة وأبي ذر وجابر بن عبد الله وحذيفة وعمرو بن أخطب وأنس وعاصم بن كليب وعائشة وأبي حميد الساعدي وثوبان وعدي بن حاتم ومما تواتر من ذلك حديث ( تقتلك يا عمار الفئة الباغية ) كما ذكره الذهبي في ترجمة عمار من النبلاء واتفق البخاري ومسلم على صحته وتخريجه من حديث أبي سعيد الخدري ولفظ البخاري ( ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ) ورواه مسلم من حديث أبي قتادة وأم سلمة وكلها عن أحمد بن حنبل في المسند ورواه الترمذي من حديث خزيمة بن ثابت والطبراني من حديث عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعمار وحذيفة وأبي أيوب وزياد وعمرو بن حزم ومعاوية وعبد الله بن عمرو وأبي رافع ومولاة لعمارة وغيرهم وقال ابن عبد البر تواترت الاخبار بذلك وهو من أصح الحديث

وقال ابن دحية لا مطعن في صحته ولو كان فيه مطعن لرده معاوية وأنكره وكذلك قال المؤيد بالله عليه السلام في كتابه في النبوات وعن أحمد ابن حنبل أنه روي من ثمانية وعشرين طريقا وإنما ذكرت طرفا من أسانيده على طريق الاجمال لوقوعه على ما أخبر به صلى الله عليه وسلم في عصر الصحابة رضي الله عنهم ولولا خشية الاطالة لذكرت الأسانيد في كل حديث

ولنختم هذا النوع بهذا الحديث الجليل والعلم الكبير من أعلام النبوة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ونذكر هنا حديث هرقل وهو قيصر ملك الروم حين جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع من بأرضه من العرب وكان فيهم أبو سفيان فسأله عن حسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه قبل دعوى النبوة وعن أتباعه وثبوتهم على دينه وعن حربه كيف هو وعن وفائه وبما يأمر الحديث بطوله خرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس


84
الباب الخامس في الاحتراز من بدع أهل الاسلام وهو قسمان مقدمات عامة جميلة ومسائل مبهمة تفصيلية

القسم الأول المقدمات والآن وقد تخلصنا من جملة الشكوك التي بين أهل الملل الخارجة عن الاسلام بأبين طريق وتحققنا بالاضطرار أنه لا يمكن أن يوجد في العالم أقوم منهجا من منهج الاسلام المشتمل على التوحيد والايمان بجميع كتب الله ورسله ولا أنزه ولا أبعد من كل مكروه في الاعمال والاقوال والأخلاق والعقائد وأن من فر من الاسلام كراهية لأمر وقع في أعظم مما فر منه من المحارات والمحالات والضلالات والشناعات فيجب علينا شكر النعمة بحسن التخلص والاحتياط والانصاف فيما وقع بين أهل الاسلام من الاختلاف لوجهين أحدهما وجوب النصيحة للمسلمين والتقرب بذلك إلى أرحم الراحمين فقد ثبت في الحديث الصحيح أن الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله قال لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين ولعامتهم وهذه كلمة اجماع من المسلمين وثانيهما الاحتراز من الهلاك بعد طول السلامة مما تقدم من ضلالات أهل الملل الكفرية والحذر من أن يكون ممن ذمهم الله تعالى بقوله فما اختلفوا حتى جاءهم العلم فلا أشفى ممن فاته رضا ربه والنجاة من عذابه بعد أن لم يبق بينه وبينه إلا اليسير فنسأل الله تمام هدايته فانه لا حول ولا قوة إلا بالله ولا هداية إلا به وهو حسبنا ونعم الوكيل

واعلم أني قد أذكر المبتدعة وأهل السنة كثيرا في كلامي فأما المبتدعة فانما أعني بهم أهل البدع الكبرى الغلاة ممن كانوا فأما البدع الصغرى فلا تسلم منها طائفة غالبا وأما أهل السنة فقد أريد بهم أهلها على الحقيقة وقد أريد بهم من تسمى بها وانتسب إليها فتأمل مواقع ذلك فأول ما ينبه طالب الحق والنجاة عليه أن يعلم أنه لا يصح أن يخفى على أهل الاسلام دين رسولهم الذي بعث اليهم وأقام بين أظهرهم يبينه لهم حتى تواترت شرائعه وصفاته مع قرب العهد من ابتداء الافتراق واتصال الاخبار وكثرة


85
العلماء والرواة بل قد تواتر اليهم ولم يخف عليهم ما لا تعلق له بالدين من صورته فانهم يعلمون ضرورة أنه لم يكن أعور ولا أعرج ولا أسود ولا فاحشا ولا ممارياولا فيلسوفا ولا شاعرا ولا ساحرا ولا منجما

فان قيل فمن أين جاء الاختلاف الشديد فاعلم أن منشأ معظم البدع يرجع إلى أمرين واضح بطلانهما فتأمل ذلك بانصاف وشد عليه يديك وهذان الامران الباطلان هما الزيادة في الدين باثبات ما لم يذكره الله تعالى ورسله عليهم السلام من مهمات الدين الواجبة والنقص منه بنفي بعض ما ذكره الله تعالى ورسله من ذلك بالتأويل الباطل

ولهذين الأمرين الباطلين أصلان عقلي وسمعي أما الأصل الأول وهو العقلي فذلك أنه عرض للمبتدعة بسبب الخوض فيما لا تدركه العقول من الخفيات التي أعرض عنها السلف نحو مما عرض للبراهمة الذين حكموا برد النبوات من إيجاب أمور سكت الشرع عن بعضها ونهى عن بعضها واستقباح أمور ورد الشرع بتحسينها لكنهم خالفوا البراهمة في أنهم صدقوا الشرع في الجملة وصدقوا هذه القوادح في تفاصيل الشرع وراموا الجمع بينهما فوقعوا لذلك في أشياء واهية كما تراه واضحا إن شاء الله تعالى في هذا المختصر ولزمهم ما التزموا من أن رسل الله عليهم السلام قصروا في البيان عمدا امتحانا للمكلفين وتعريضا للعلماء الراسخين للثواب العظيم في التأويل لكلام رب العالمين

ولا شك أن الحق في خلاف هذا فقد نص الله على أن الرسل إنما أرسلت لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وأنزل علينا في كتابه المبين على لسان رسوله الأمين اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وصح التحذير من البدع ومن الله علينا باقرار أهل البدع بذلك وانعقاد الاجماع من الجميع على تحريم الابتداع في الدين كما يأتي بيانه فوجب علينا أن نصنع في القوادح في تفاصيل الاسلام التي عرضت لبعض أهل الكلام مثل ما صنعنا


86
معا في الرد على البراهمة في القوادح التي قدحت في جملة الاسلام وذلك أن نعتقد أن الحق في تلك القوادح التفصيلية هو فيما جاء من عند الله بدليل المعجزات الباهرات ونعلم أن للبصائر أوهاما في الخفيات من الاحكام مثل ما ثبت للابصار في الخفيات من الأوهام فلا نتبع في الخفيات وهم البصائر ولا وهم الأبصار فنكون كمن قدم ضوء النجوم على ضوء النهار بل نتتبع الجلي من المعقول والمنقول ونرد اليه الخفيات على العقول وننتفع بالجلي ونقف فيما دق وخفي ونصنع في الانتفاع بالبصائر كما صنعنا في الانتفاع بالأبصار ولا نقف الجلي على الخفي ولا نرجح الخفي على الجلي فهذا ما لا يخفى ترجيحه عقلا ولا سمعا

أما العقل فلأن الانسان يحسن ما يحسنه وما لا يحسنه وما يعرفه وما يجهله كما يحسن الجوع والظمأ والبصر والعمى وأما السمع فلقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وإذا أردت معرفة هذا من غير تقليد فطالع كتاب الملخص للرازي في علم اللطيف وكتاب التذكرة لابن متويه ولا تقتصر على التذكرة فانها مختصرة مع أن كتاب الرازي معدود في الوسائط في هذا الفن لا في البسائط ومن البسائط فيه شرح الملخص هذا للكاتبي وشرح التنبيهات والاشارات للخواجه ذكر ذلك ابن ساعد الانصاري في كتابه ارشاد القاصد إلى المقاصد في ذكر أنواع العلوم والمصنفات فيها

وأما الأصل الثاني وهو السمعي فهو اختلافهم في أمرين أحدهما في معرفة المحكم والمتشابه أنفسهما والتمييز بينهما حتى يرد المتشابه إلى المحكم وثانيهما اختلافهم هل يعلمون تأويل المتشابه ثم اختلافهم في تأويله على تسليم أنهم قد عرفوا المتشابه ولنذكر سبب وقوع المتشابه على العقول من حيث الحكمة والدقة في كتب الله تعالى أولا

والمشهور أن سببه الابتلاء بالزيادة في مشقة التكليف لتعظيم الثواب وهذا أنسب بالمتشابه من حيث اللفظ وأما أنا فوقع لي أن سببه زيادة علم


87
الله على علم الخلق فان العوائد التجريبية والأدلة السمعية دلت على امتناع الاتفاق في تفاصيل الحكم وتفاصيل التحسين والتقبيح ولذلك وقع الاختلاف بين أهل العصمة من الملائكة والأنبياء كما قال تعالى حاكيا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون وحكى الله تعالى اختلاف سليمان وداود وموسى وهارون وموسى والخضر وصح في الحديث اختلاف موسى وآدم واختلاف الملائكة في حكم قاتل المائة نفس إلى أمثال لذلك قد أفردتها لبيان امتناع الاتفاق في نحو ذلك وأن علة الاختلاف التفاضل في العلم فوجب من ذلك ان يكون في أحكام الله تعالى وحكمه ما تستقبحه عقول البشر لأن الله تعالى لو ماثلنا في جميع الاحكام والحكم دل على مماثلته لنا في العلم المتعلق بذلك وفي مؤداه ولطائفة وأصوله وفروعه ولذلك تجد الأمثال والنظراء في العلوم أقل اختلافا خصوصا من المقلدين

وإنما عظم الاختلاف بين الخضر وموسى لما خص به الخضر عليهما السلام وهذه فائدة نفيسة جدا وبها يكون ورود المتشابه أدل على الله تعالى وعلى صدق أنبيائه لأن الكذابين إنما يأتون بما يوافق الطباع كما هو دين القرامطة والزنادقة وقد أشار السمع إلى ذلك بقوله تعالى ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن وقال في رسول الله صلى الله عليه وسلم لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم

وكيف يستنكر اختلاف الانسان الظلوم الجهول وعلام الغيوب الذي جمع معارف العارفين في علمه مثل ما أخذه العصفور في منقاره من البحر الاعظم بل كيف لا يختص هذا الرب الاعظم بمعرفة ما لا نعرفه من الحكم اللطيفة التي يستلزم تفرده بمعرفتها أن يتفرد بمعرفة حسن ما تعلقت به وتأويله وبهذا ينشرح صدر العارف للايمان بالمتشابه والايمان بالغيب في تأويله فلنذكر بعد هذا كل واحد من الامرين المقدم ذكرهما على الايجاز


88

أما الأمر الأول وهو اختلافهم في ماهيتهما فمنهم من قال المحكم ما لا يحتمل إلا معنى واحدا والمتشابه ما احتمل أكثر من معنى فهؤلاء رجعوا بالمحكم إلى النص الجلي وما عداه متشابه وعزاه الامام يحيى إلى أكثر المتكلمين وطوائف من الحشوية ومنهم من قال المحكم ما كان إلى معرفته سبيل والمتشابه ما لا سبيل إلى معرفته بحال نحو قيام الساعة والحكمة في العدد المخصوص في حملة العرش وخزنة النار ومنهم من قصر المتشابه على آيات مخصوصة ثم اختلفوا فمنهم من قال هي الحروف المقطعة في أوائل السور ومنهم من قال آيات الشقاوة والسعادة ومنهم من قال المنسوخ ومنهم من قال القصص والامثال ومنهم عكس فقال المحكم آيات مخصوصة وهي آيات الحلال والحرام وما عداها متشابه إلى غير ذلك حكى الجميع الامام يحيي في الحاوي واختار أن المحكم ما علم المراد بظاهره بدليل عقلي أو نقلي والمتشابه به ما لم يعلم المراد منه لا على قرب ولا على بعد مثل قيام الساعة والاعداد المبهمة

وقال شيخ الاسلام ابن تيمة في القاعدة الخامسة من جواب المسألة التدبيرية إنا نعلم ما أخبرنا الله تعالى به من وجه دون وجه لقوله تعالى أفلا يتدبرون القرآن وهذا يعم المحكم والمتشابه وجمهور الأمة على أن الوقف عند قوله تعالى إلا الله وهو المأثور عن أبي ابن كعب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وغيرهم وعن مجاهد وطائفة أن الراسخين يعلمون تأويله ولا منافاة بين القولين عند التحقيق فالتأويل على ثلاثة وجوه الأول كلام الأصوليين وهو ترجيح المرجوح لدليل الثاني أن التأويل هو التفسير وهو اصطلاح المفسرين كما أن الأول اصطلاح الاصوليين ومجاهد امام التفسير عند الثوري والشافعي والبخاري وغيرهم والثالث أن التأويل هو الحقيق التي يؤول اليها الكلام لقوله تعالى هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله فتأويل أخبار المعاد وقوعها يوم القيامة كما قال في قصة يوسف لما سجد أبواه وأخوته هذا تأويل رؤياي من قبل ومنه قول عائشة رضي الله


89
عنها كان يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن تعنى قوله فسبح بحمد ربك واستغفره

ومنه قول ابن عيينة السنة هي تأويل الأمر والنهي فان نفس الفعل المأمور به هو تأويل الامر به ونفس الموجود المخبر به هو تأويل الخبر وبهذا يقول أبو عبيدة وغيره والفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة كما ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصماء لأن الفقهاء يعلمون نفس ما أمر به ونهى عنه لعلمهم بمقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعلم اتباع بقراط وسيبويه من مقاصدهما ما لا يعلم بمجرد اللغة ولكن تأويل الأمر والنهي لابد من معرفته بخلاف الخبر

إذ عرفت ذلك فتأويل ما أخبر به الله عن ذاته المقدسة بما لها من الأسماء والصفات هو حقيقة ذاته المقدسة وتأويل ما أخبر به الله من الوعد والوعيد هو نفس الثواب والعقاب وليس شيء منه مثل المسميات بأسمائه في الدنيا فكيف بمعاني أسماء الله تعالى وصفاته ولكن الأخبار عن الغائب لا يفهم إن لم تعبر عنه الاسماء المعلوم معانيها في الشاهد ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد مع الفارق المميز وفي الغائب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كما ورد في صفة الجنة كيف بالذات المقدسة إلى قوله ومما يوضح ذلك كله أن الله تعالى وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه وفي آية أن بعضه محكم وبعضه متشابه فالأحكام الذي يعمه هو الاتقان وهو تمييز الصدق من الكذب في اخباره والغي من الرشاد في أوامره والتشابه الذي يعمه هو ضد الاختلاف المنفى عنه في قوله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وهو الاختلاف المذكور في قوله إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك فالتشابه به هنا تماثل الكلام وتناسبه بحيث يصدق بعضه بعضا فالاحكام العام في معنى التشابه العام بخلاف الاحكام الخاص والتشابه الخاص فانهما متنافيان فالتشابه الخاص مشابهة


90
الشيء لغيره من وجه ومخالفته من وجه آخر بحيث يشتبه على بعض الناس إنه هو أو هو مثله وليس كذلك والاحكام الخاص هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر يعني على من عرف ذلك الفصل وهذا التشابه الخاص إنما يكون بقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما

ثم من الناس من لا يهتدي إلى ذلك الفاصل فيكون مشتبها عليه ومنهم من يهتدي له فيكون محكما في حقه فالتشابه حينئذ يكون من الامور الاضافية فاذا تمسك النصراني بقوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر ونحوه على تعدد الآلهة كان المحكم كقوله تعالى وإلهكم إله واحد ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحدا يزيل ما هنالك من الاشتباه اه

وقد ترك الامام والشيخ وجها آخر من المتشابه الذين يحتاج إلى التأويل مما لا يعلمه إلا الله على الصحيح وذلك وجه الحكم المعينة فيما لا تعرف العقول وجه حسنه مثل خلق أهل النار وترجيح عذابهم على العفو عنهم مع سبق العلم وسعة الرحمة وكمال القدرة على كل شيء

والدليل على أن الحكمة خفية فيه تسمى تأويلا له ما ذكره تعالى في قصة موسى والخضر فان قوله سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا صريح في ذلك وهذا مراد في الآية لأن الله وصف الذين في قلوبهم زيغ بابتغائهم تأويله وذمهم بذلك وهم لا يبتغون علم العاقبة عاقبة الخبر عن الوعد والوعيد وما يؤول اليه على ما فسره الشيخ فهم الجنة والنار والقيامة وذات الرب سبحانه كما يبغيها طالب العيان إنما يستقبحون شيئا من الظواهر بعقولهم يتكلفون لها معاني كثيرة يختلفون فيها وكل منهم يتفرد بمعنى من غير حجة صحيحة إلا مجرد الاحتمال وربما خالف ذلك التأويل المعلوم من الشرع فتأولوه وربما استلزم الوقوع في أعظم مما فروا منه

والذي وضح لي في هذا وضوحا لا ريب فيه بحسن توفيق الله أمور


91
أحدها أن الكلام في ذات الله تعالى على جهة التصور والتفصيل أو على جهة الاحاطة على حد علم الله كلاهما باطل بل من المتشابه الممنوع الذي لا يعلمه إلا الله تعالى لقوله تعالى ولا يحيطون به علما ولقوله تعالى ليس كمثله شيء وانما تتصور المخلوقات وما هو نحوها ولما روي من النهي عن التفكر في ذات الله والامر بالتفكر في آلاء الله ولما اشتهر عن أمير المؤمنين عليه السلام أن ذلك مذهبه حتى رواه عنه الخصوم ومن أشهر ما حفظ عنه عليه السلام في ذلك قوله في امتناع معرفة الله عز وجل على العقول امتنع منها بها واليها حاكمها ومن التفكر في الله والتحكم فيه والدعوى الباطلة على العقول والتكلف لتعريفها ما لا تعرفه حدثت هنا البدع المتعلقة بذات الله وصفاته وأسمائه فمن أكبرها قول البهاشمة من المعتزلة أن الله تعالى عن قولهم لا يعلم من ذاته غير ما يعلمونه قال بن أبي الحديد في شرح النهج وهذا مما يصرح به أصحابنا ولا يتحاشون عنه وقد كثرت عليهم الردود حتى تولى عليهم في ذلك كثير من أصحابهم المعتزلة كابن أبي الحديد وغيره حتى قال في ذلك قصائد كثيرة بليغة منها

سافرت فيك العقول فما
ربحت إلا عنا السفر

رجعت حسري فما وقعت
لا على عين ولا أثر

فلحى الله الأولى زعموا
أنك المعلوم بالنظر

كذبوا أن الذي زعموا
خارج عن قوة البشر

فاذا كان هذا كلام إمام معارفهم والحامي عن حماهم فما ظنك بغيره من خصومهم فاعرض على فطراتك التي فطرك الله عليها هل تجد علمك بالله مثل علم الله وأنت الحكم كما قال أمير المؤمنين عليه السلام فان الانسان يعرف أحوال نفسه وعلمه وجهله مثل عافيته وألمه

وقد بسطت القول في الرد عليهم في دعوى العلم بالذات كعلمه تعالى في ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان وكفى بقول أمير المؤمنين


92
عليه السلام في ذلك ولم يعلم له مخالف في الصدر الاول وكفى به عليه السلام سلفا وقدوة وإماما وحجة في هذه المشكلة ومن أبيات في الرد عليهم كنت قلتها وهي أيضا

لي في القدم مقال غير مبتكر
سبحانه عن خيال الوهم والفكر

أجله أن يحيط الناظرون به
ذاتا وأين قوى النظار والنظر

فالعلم قسمان تصدق ومعرفة
تختص بالذات والتصديق بالخبر

ومنها

الله أكبر هذا قاطع ولنا
عليه أكبر برهان من الزبر

تنزه الرب في الذكر المنزل ان
يحيط علما به خلق من البشر

تمدحا لم يكن في الذكر مختلفا
قطعا ولا غلطا من وهم ذي نظر

وفي الحديث دلالات لنا ولنا
حديث موسى كليم الله والخضر

وفي كلام أمير المؤمنين هدى
هذا وحسبك برهانا لمنتصر

وفي وصيته ابن المصطفى حسنا
دلائل لفقيه القلب معتبر

وعن وجوه الكراسي قد رواه لنا
عبد الحميد بشرح النهج ذي العبر

وجنح القول فيه بالقصائد أمثالا
تسير مسير الشمس والقمر

تلك الأولى حكمت بالمنع قد حكمت
بها الملائك أهل القرب والنظر

والراسخين وأدنى من له أدب
وكل متعظ لله منكسر

فلا ترجح عليهم غير محتفل
شيوخ جبة إن جاوزوا فلا تجر

والفرق كالصبح لا يخفى على أحد
والخبر تميز فليس الخبر كالخبر
ولبعض الاصحاب أبيات في هذا المعنى جيدة

ومن البدع في هذا الموضع بدع المشبهة على اختلاف أنواعهم وبدع المعطلة على اختلافهم أيضا فغلاتهم يعطلون الذات والصفات والاسماء الجميع ومنهم الباطنية ودونهم الجهمية ومن الناس من يوافقهم في بعض ذلك دون بعض وقد بسطت القول في ذلك في الوهم الخامس عشر من العواصم في نحو مجلد ويأتي إلى ذلك إشارة في هذا المختصر كافية إن شاء الله


93
تعالى فالفريقان المشبهة والمعطلة إنما أتوا من تعاطي علم ما لا يعلمون ولو أنهم سلكوا مسالك السلف في الايمان بما ورد من غير تشبيه لسلموا فقد أجمعوا على أن طريقة السلف أسلم ولكنهم ادعوا أن طريقة الخلف أعلم فطلبوا العلم من غير مظانه بل طلبوا علم ما لا يعلم فتعارضت أنظارهم العقلية وعارض بعضهم بعضا في الأدلة السمعية فالمشبهة ينسبون خصومهم إلى رد آيات الصفات ويدعون فيها ما ليس من التشبيه والمعطلة ينسبون خصومهم وسائر أئمة الاسلام جميعا إلى التشبيه ويدعون في تفسيره ما لا تقوم عليه حجة والكل حرموا طريق الجمع بين الآيات والآثار والاقتداء بالسلف الاخيار والاقتصار على جليات الابصار وصحاح الآثار

وقد روى الامام أبو طالب عليه السلام في أماليه باسناده من حديث زيد بن أسلم أن رجلا سأل أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد الكوفة فقال يا أمير المؤمنين هل تصف لنا ربنا فنزداد له حبا فغضب عليه السلام ونادى الصلاة جامعة فحمد الله وأثنى عليه إلى قوله فكيف يوصف الذي عجزت الملائكة مع قربهم من كرسي كرامته وطول ولهم إليه وتعظيم جلال عزته وقربهم من غيب ملكوت قدرته أن يعلموا من علمه إلا ما علمهم وهم من ملكوت القدس كلهم ومن معرفته على ما فطرهم عليه فقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم فعليك أيها السائل بما دل عليه القرآن من صفته وتقدمك فيه الرسل بينك وبين معرفته فأتم به وأستضيء بنور هدايته فانما هي نعمة وحكمة أوتيتها فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله سبحانه فانه منتهى حق الله عليك

وقد روى السيد في الأمالي أيضا الحديث المشهور في كتاب الترمذي عن علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ستكون فتنة قلت فما المخرج منها قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وفصل ما بينكم فهو الفاصل بين الحق والباطل من ابتغى الهدى من غيره أضله الله إلى قوله من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم ب عدل ومن دعا إليه


94
هدى إلى صراط مستقيم ورواه في أماليه بسند آخر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ورواه ابن الأثير في الجامع عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهو مع شهرته في شرط أهل الحديث متلقى بالقبول عند علماء الأصول ولكن المبتدعة يرون تصانيفهم أهدى منه لبيانهم فيها على زعمهم المحكم من المتشابه فمنهم من صرح بذلك وقال أن كلامه أنفع من كلام الله تعالى وكتبه أهدى من كتب الله وهم الحسينية أصحاب الحسين بن القاسم العناني وقد حمله الامام المطهر بن يحيى على الحنون وقيل لم يصح عنه ومنهم من يلزمه ذلك وإن لم يصرح به فهذا الأمر الاول من المتشابه وهو التحكم بالنظر في ذات الله تعالى وما يؤدي اليه

الأمر الثاني من المتشابه الواضح تشابهه والمنع منه هو النظر في سر القدر السابق في الشرور مع عظيم رحمة الله تعالى وقدرته على ما يشاء وقد ثبت في كتاب الله تعالى تحير الملائكة الكرام عليهم السلام في ذلك وسؤالهم عنه بقولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ثم ساق خبر آدم وتعليمه الاسماء وتفضيله في ذلك عليهم إلى قوله ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون وفي ذلك إشارة واضحة إلى ما سيأتي بيانه من أن مراد الله بالخلق هم أهل الخير فالخلق كلهم كالشجرة وأهل الخير ثمرة تلك الشجرة واليه الاشارة بقوله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وفي حديث الخليل عليه السلام حين دعا على العصاة قال الله له كف عن عبادي إن مصير عبدي مني احدى ثلاث إما أن يتوب فأتوب عليه أو يستغفرني فأغفر له أو أخرج من صلبه من يعبدني رواه الطبراني

وقال الغزالي في كتاب العلم في الاحياء في أقسام العلوم الباطنة ولا يبعد أن يكون ذكر بعض الحقائق مضرا ببعض الخلق كما يضر نور الشمس


95
أبصار الخفافيش وكما يضر ريح الورد بالجعل وكيف يبعد هذا وقولنا أن كل شيء بقضاء من الله وقدر حق في نفسه وقد أضر سماعه بقوم حيث أوهم ذلك عندهم دلالة على السفه ونقيض الحكمة والرضا بالقبيح والظلم وألحد ابن الراوندي وطائفة من المخذولين بمثل ذلك وكذلك سر القدر لو أفشي أو هم عند أكثر الخلق عجزا إذ تقصر أفهامهم عن ادراك ما يزيل هذا الوهم عنهم

وقال في شرح اسماء الله الحسنى في شرح الرحمن الرحيم والآن أن خطر لك نوع من الشر لا ترى فيه خيرا أو أن تحصيل ذلك الخير من غير شر أولى فاتهم عقلك القاصر في كلا الطرفين فانك مثل أم الصبي التي ترى الحجامة شرا محضا والغبي الذي يرى القصاص شرا محضا لأنه ينظر إلى خصوص شخص المقتول وانه في حقه شر محض ويذهل عن الخير العام الحاصل للناس كافة ولا يدري أن التواصل بالشر الخاص إلى الخير العام خير محض لا ينبغي حكيم أن يهمله هذا أو قريب من هذا

وفي بعض كلامه نظر قد أوضحته في العواصم والسر في ذلك أن الله تعالى لا يريد الشر لكونه شرا قطعا وإنما يريده وسيلة إلى الخير الراجح كما قال ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب وكما صح في الحدود والمصائب أنها كفارات فهذا هو سر القدر في الجملة وإنما الذي خفي تفصيله ومعرفته في عذاب الآخرة وشقاوة الاشقياء فمن الناس من كبر ذلك عليه وأداه إلى الحكم بنفي التحسين والتقبيح فصرحوا بنفي حكمة الله تعالى وهم غلاة الاشعرية إلا بمعنى إحكام المصنوعات في تصويرها لا سواه ومن الناس من أداه ذلك إلى القول بالجبر ونفي قدرة العباد واختيارهم ومنهم من جمع بينهما ومن الناس من جعل الوجه في تحسين ذلك من الله عدم قدرته سبحانه على هدايتهم وهم جمهور المعتزلة لكنهم يعتذرون عن تسميته عجزا ويسمونه غير مقدور كما سيأتي ومنهم من جعل العذر في ذلك أن الله لا يعلم الغيب وهم غلاة القدرية نفاة الاقدار


96
وقد تقصيت الردود الواضحة عليهم والبراهين الفاضحة لهم في العواصم وجمعت في ذلك ما لم أسبق إليه ولا إلى قريب منه في علمي فتمت هذه المسألة في مجلد ضخم وبلغت أحاديث وجوب الايمان بالقدر اثنين وسبعين وأحاديث صحته مائة وخمسة وخمسين الجملة مائتان وسبعة وعشرون حديثا من غير الآيات القرآنية والأدلة البرهانية

وصنف ابن تيمية في بيان الحكمة في العذاب الأخروي وتبعه تلميذه ابن القيم الجوزية وبسط ذلك في كتابه حادي الارواح إلى ديار الافراح فافردت ذلك من جزء لطيف وزدت عليه ومضمون كلامهم أنه لا يجوز اعتقاد أن الله يريد الشر لكونه شرا بلا لابد من خير راجح يكون ذلك الشر وسيلة اليه وذلك الخير هو تأويل ذلك الشر السابق له على نحو تأويل الخضر لموسى وطردوا ذلك في شرور الدارين معا ونصر ذلك الغزالي في شرح الرحمن الرحيم ولنورد في ذلك حديثا واحدا مما يدل على المنع من الخوض في تعيين الحكمة في ذلك فنقول قال البيهقي في كتابه الاسماء والصفات عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس لما بعث الله موسى وكلمة قال اللهم أنت رب عظيم ولو شئت أن تطاع لأطعت ولو شئت أن لا تعصى لما عصيت وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا يارب فأوحى الله اليه لا أسأل عما أفعل وهم يسئلون فانتهى موسى ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاه إلى الطبراني وزاد فيه فلما بعث الله عزيزا سأل الله مثل ما سأل موسى ثلاث مرات فقال الله تعالى له أتستطيع أن تصر صرة من الشمس قال لا قال أفتستطيع أن تجيء بمكيال من الريح قال لا قال أفتستطيع أن تجيء بمثقال أو بقيراط من نور قال لا قال فهكذا لا تقدر على الذي سألت عنه أما أني لا أجعل عقوبتك إلا أني أمحو اسمك من الأنبياء فلا تذكر فيهم


97
فلما بعث الله عيسى ورأى منزلته سأل عن ذلك كموسى وأجيب عليه بمثل ذلك وقال الله تعالى له لئن لم تنته لأفعلن بك كما فعلت بصاحبك بين يديك فجمع عيسى من معه فقال القدر سر الله تعالى فلا تكلفوه

وروى الطبراني عن وهب عن ابن عباس أنه سئل عن القدر فقال وجدت أطول الناس فيه حديثا أجهلهم به وأضعفهم فيه حديثا أعلمهم به ووجدت الناظر فيه كالناظر في شعاع الشمس كلما ازاد فيه نظرا ازداد قلت ويشهد لهذه الآيات ما جاء في كتاب الله من قول الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها والجواب الجملي عليهم كما مر وأما أحاديث النهي عن الخوض في القدر فعشرة أحاديث رجال بعضها ثقات وبعضها شواهد لبعض كما أوضحته في العواصم وأقل من هذا مع شهادة القرآن والبرهان لذلك يكفي المنصف وما حدث بسبب الخوض من الضلالات زيادة عبرة وحيرة

الأمر الثالث من المتشابه الحروف المقطعة أوائل السور فان الجهل بالمراد بها معلوم كالألم والصحة والفرق بينها وبين أقيموا الصلاة ونحو ذلك ضروري ودعوى التمكن من معرفة معانيها تستلزم جواز أن ينزل الله سورة كلها كذلك أو كتابا من كتبه الكريمة ويستلزم جواز أن يتخاطب العقلاء بمثل ذلك ويلوموا من طلب منهم بيان مقاصدهم ونحو ذلك وهذا هو اختيار زيد بن علي عليه السلام والقاسم والهادي عليهما السلام وهو نص في تفسيرهما المجموع وكذلك الامام يحيى عليه السلام ذكره في الحاوي وقولهم أنا مخاطبون بها فيجب أن نفهمها مقلوب وصوابه أنا لا نفهمها فيجب أن لا نكون مخاطبين بفهمها وقد ذكرت في الحجة على أنها غير معلومة أكثر من عشرين حجة في تكملة ترجيح أساليب القرآن

الامر الرابع من المتشابه المجمل الذي لا يظهر معناه بعلم ولا ظن سواء كان بسبب الاشتراك في معناه أو لغرابته أن عدم صحة تفسيره في اللغة والشرع أو غير ذلك وقد وقع الوهم في المجمل لنوح عليه السلام


97
فلما بعث الله عيسى ورأى منزلته سأل عن ذلك كموسى وأجيب عليه بمثل ذلك وقال الله تعالى له لئن لم تنته لأفعلن بك كما فعلت بصاحبك بين يديك فجمع عيسى من معه فقال القدر سر الله تعالى فلا تكلفوه

وروى الطبراني عن وهب عن ابن عباس أنه سئل عن القدر فقال وجدت أطول الناس فيه حديثا أجهلهم به وأضعفهم فيه حديثا أعلمهم به وجدت الناظر فيه كالناظر في شعاع الشمس كلما ازاد فيه نظرا ازداد ا قلت ويشهد لهذه الآيات ما جاء في كتاب الله من قول الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها والجواب الجملي عليهم كما مر وأما أحاديث النهي عن الخوض في القدر فعشرة أحاديث رجال بعضها ثقات وبعضها شواهد لبعض كما أوضحته في العواصم وأقل من هذا مع شهادة القرآن والبرهان لذلك يكفي المنصف وما حدث بسبب الخوض من الضلالات زيادة عبرة وحيرة

الامر الثالث من المتشابه الحروف المقطعة أوائل السور فان الجهل بالمراد بها معلوم كالألم والصحة والفرق بينها وبين أقيموا الصلاة ونحو ذلك ضروري ودعوى التمكن من معرفة معانيها تستلزم جواز أن ينزل الله سورة كلها كذلك أو كتابا من كتبه الكريمة ويستلزم جواز أن يتخاطب العقلاء بمثل ذلك ويلوموا من طلب منهم بيان مقاصدهم ونحو ذلك وهذا هو اختيار زيد بن علي عليه السلام والقاسم والهادي عليهما السلام وهو نص في تفسيرهما المجموع وكذلك الامام يحيى عليه السلام ذكره في الحاوي وقولهم انا مخاطبون بها فيجب أن نفهمها مقلوب وصوابه انا لا نفهمها فيجب أن لا نكون مخاطبين بفهمها وقد ذكرت في الحجة على أنها غير معلومة أكثر من عشرين حجة في تكملة ترجيح أساليب القرآن

الأمر الرابع من المتشابه المجمل الذي لا يظهر معناه بعلم ولا ظن سواء كان بسبب الاشتراك في معناه أو لغرابته أو عدم صحة تفسيره في اللغة والشرع أو غير ذلك وقد وقع الوهم في المجمل لنوح عليه السلام


98
كيف لغيره وذلك قوله إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق قال يا نوح إنه ليس من أهلك

وأما المحكم فهو ما عدا المتشابه وغالبه النص الجلي والظاهر الذي لم يعارض والمفهوم الصحيح الذي لم يعارض والخاص والمقيد وإن عارضهما العالم والمطلق ويلحق بهذا فوائد الاولى الصحيح في قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله الوقف على الله بدليل ذم مبتغى تأويل المتشابه في الآية وهو اختيار الامام يحيى في الحاوي واحتج بأن أما للتفصيل على بابها والتقدير وأما الراسخون بدليل قوله تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ كما تقول أما زيد فعالم وعمرو جاهل أي وأما عمرو فجاهل يوضحه أن المخالف مسلم ان هذا هو الظاهر منها لكنه يقول أنه يجب تأويلها على أن المراد ذمهم بابتغاء تأويله الباطل فيقيد اطلاق الآية بغير حجة ويجعلها من المتشابه مع أنها الفارقة بين المحكم والمتشابه وهذا خلف

وقد روى الحاكم عن ابن عباس أنه قرأ ويقول الراسخون وقال صحيح ورواه الزمحشري في كشافه قراءة عن أبي وغيره ورواه الامام أبو طالب في أماليه عن علي علي السلام ولم يتأوله ولم يطعن فيه وهو في النهج أيضا وهو نص لا يمكن تأويله فان لفظه عليه السلام أعلم أيها السائل أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه رسوخا فاقتصر على ذلك اه بحروفه وأيضا فلا يجب علم جميع المكلفين بذلك عند الخصوم إذ في المتكلفين الامي والعجمي ونحوهم وإذا كان علم البعض يكفي ويخرج الخطاب بذلك عن العبث جاز أن يكون ذلك البعض هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء الله من ملائكته وخواص عباده والله سبحانه أعلم


99

الفائدة الثانية إذا تعارض العام والخاص فالمحكم هو الخاص والبناء عليه واجب وفيه الجمع بينهما وفي العكس طرح الخاص مع رجحانه بالنصوصية وهي قاعدة كبيرة فاحفظها ولا خلاف فيها في الاعتقاد لعدم الفائدة في التاريخ فيه ولذلك أجمعوا على اثبات الخلة للمتقين وتأويل نفي الخلة المطلق فتأمل ذلك

الفائدة الثالثة إذا كان التحسين العقلي مع بعض السمع فهو المحكم والمتشابه مخالفه لما وضح من تأويل الخضر بموافقة العقل وفي مخالفة هذه القاعدة عناد بين وضلال كبير فاعرفها واعتبر مواضعها ترشد إن شاء الله تعالى


100
فصل

إذا عرفت ما قدمت لك بما عرفته في هذا المختصر أو به ربما أرشدك إلى مطالعته مما هو أبسط منه في هذا المعنى مثل ترجيح أساليب القرآن وتكملته فاعلم أن معظم ابتداع المبتدعين من أهل الاسلام راجع إلى هذين الامرين الباطلين الواضح بطلانهما كما تقدم وهما لزيادة في الدين والنقص منه ثم يلحق بهما التصرف فيه بالعبارات المبتدعة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بأمر ثالث لأنه من الزيادة في الدين لكنه تفرد بالكلام وحده لطول القول فيه وعظم المفسدة المتولدة عنه

فمن الزيادة في الدين أن يرفع المظنون في العقليات أو الشرعيات إلى مرتبة المعلوم وهذا حرام بالاجماع وإنما يختلف الناس في التفطن لأسبابه وسيأتي ذكر أسبابه في آخر الكلام في الزيادة في الدين مقسوما موضحا في صور أربع يأتي بيانها بعون الله تعالى

ومن الزيادة في الدين أن يدخل فيه ما لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه رضي الله عنهم مثل القول بأنه لا موجود إلا الله كما هو قول الاتحادية وأنه لا فاعل ولا قادر إلا الله كما هو قول الجبرية وأمثال ذلك من الغلو في الدين وإنما وردت الشرائع بتوحيد الله في الربوبية وذلك بلا إله إلا الله له الاسماء الحسنى وتوابع ذلك المنصوصة والمجمع عليها كتوحيده بالعبادة ومن ذلك القول بأن الله تعالى صفة لم ترد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا هي من أسمائه الحسنى ولا من مفهوماتها ولوازمها وان معرفة هذه الصفة واجبة واختراع اسم لها وهي الصفة الاخص عند بعض المعتزلة ويسمونها صفة المخالفة أيضا وانها المؤثرة في سائر صفات الكمال الذاتية الاربع وهي كونه حيا قديما عالما قادرا


101
وبها تخالف ذات الله سائر الذوات وقد كفى في رد ذلك أبو الحسين وأصحابه كما ذكره مختار في الباب السادس من خاتمة أبواب العدل من كتابه المجتبى

ومن ذلك اثبات أهل الاتحاد لمثل ذلك أو نحوه فانهم يفرقون بين الله تعالى وبين اسمه الاحد فيجعلون الأحد مؤثرا في الله الواحد وفي سائر أسمائه ويجعلون الأحد سابقا في رتبة الوجود على الله ويجعلون الله في الرتبة الثانية والاحد في الأولى ويسمون الثانية هم والفلاسفة باسماء مبتدعة منها الحضرة العمائية والواحدية والأحدية ومنها حضرة الارتسام ومنها مرتبة الربوبية والألوهية ومنها الحقيقة الانسانية الكمالية ومنها مرتبة الامكان كما حققه الفرغاني في شرح نظم السلوك وكثيرا ما يكررون الفرق بين الحضرة الأحدية والحضرة الواحدية ويعنون بالأحدية الوجود المطلق وهو عندهم الحق الذي لا نعت له ولا وصف كقول الملاحدة سواء في نفي أسمائه تعالى لكنهم يثبتون الاسماء الحسنى للواحد لا للأحد وهذا يلزمهم قول الثنوية لكنهم يعتذرون عنه بأن الله وأسماءه الحسنى كلها خيالية لا حقيقة لها ولا لشيء بعدها ولا وجود لها فكل ما عدا الوجود المطلق عندهم خيال كطيف الخيال في الأحلام من الأنبياء والجنة والنار ومن صح هذا منه فهو كفر بين وجهل فاحش فانه لا ثبوت للوجود المطلق في الخارج ألبتة وإنما المعلوم وجوده عقلا وشرعا هو ما نفوا وجوده من الله الواحد الرب الذي له الاسماء الحسنى والمثل الأعلى وما نفوه من حقيقة وجود جميع كتبه ورسله وخلقه ومعاده فالله المستعان

ومن ذلك ما انفردت به الأشعرية من دوام وصف الله تعالى بالكلام ووجود ذلك في القدم والأبد وجعله مثل صفة العلم لا يجوز خلوه عنه طرفة عين وقد أوضح الجويني القدح في ذلك في مقدمة كتابه البرهان في أصول الفقه كما سيأتي تحقيقه فالشرع لم يرد إلا بأن الله تعالى متكلم وأنه كلم موسى تكليما ونحو ذلك وما زاد على هذا فبدعة في الدين قد أدت إلى التفرق المنهي عنه وإلى الزامات قبيحة كما سيأتي

ومن ذلك ما اتفقت عليه الاتحادية وبعض المعتزلة بل جمهورهم وهو


102
اثبات الذوات في القدم والأزل بل اثبات العالم كله فيهما ودعوى الفرق بين ثبوته في العدم ووجوده فيه فانهم يقولون هو ثابت غير موجود وقد جود الرد عليهم في ذلك صاحبهم الشيخ أبو الحسين وأصحابه مثل محمود ان الملاحمي في كتابه الفائق والشيخ مختار في كتابه المجتبى وكشفوا الغطاء عن بطلان ذلك وكفوا المؤنة ومن نظر في كلامهم في ذلك ما يلزم منه من الالزامات الصعبة الفاحشة تيقن مضرة الزيادة في الدين على ما جاء به سيد المرسلين

ومثال النقص من الدين قول من يقول ان الله تعالى ليس برحمن ولا رحيم ولا حليم باللام على الحقيقة بل على المجاز وقول من يقول أنه سبحانه ليس بحكيم على الحقيقة بل بمعنى محكم لمصنوعاته لا أن له في ذلك الاحكام حكمة أصلا والمقصود معرفة طريق النجاة بأمر واضح ولا يخفى على من له أدنى عقل وتمييز من المسلمين أن نجاة أهل الاسلام في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ولزوم ما جاء به من غير تصرف فيه بزيادة ولا نقصان ولا ابتداع عبارة لم تكن وسواء كانت تلك الزيادة أو النقص حقا أو باطلا فان زيادة الحق المبتدع في الدين قد يجر إلى الفضول والباطل ويوقع في التفرق المحرم في كتاب الله تعالى بل قد صار ادخاله في الدين والمراء فيه بدعة من البدع المحرمة فالحزم في ترك هذه الأمور كلها وترك التعادي عليها وفي الوقف في حكم من زاد أو نقص وتأخير الفصل معه إلى يوم الفصل لأن غير ذلك يؤدي إلى التفرق المحرم بنص كتاب الله تعالى إلا من رد المعلوم بالضرورة من الدين وهو يعلمه ونحن نعلم أنه يعلمه فانه كافر حتى كان المكلفين ولا يجوز الوقف في أمره مع تواتر ذلك عنه وتحققه منه كما سيأتي في بابه وقد نزل قوله تعالى ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق

في رغبتهم إلى غير القرآن من محض الخير كيف بالرغبة فيما لا يؤمن شره كيف ما تحقق شره وفي نحو ذلك حديث معاذ الذي خرجه أبو داود في السنة


103

وذكر الشيخ مختار في المجتبى في المسألة السادسة من خاتمة أبواب العدل ما لفظه اعلم أن شيوخ المعتزلة إلى زمن الشيخ أبي هاشم لم ينصوا على اثبات الصفات ولا على نفيها إلى أن صرح باثباتها أبو هاشم وصرح بنفيها أبو علي وأبو القاسم البلخي والاخشيد وأبو الحسين قلت وقد علم تعظيم خلفهم لسلفهم وعلم أن الاقتداء بسلفهم خير من الاقتداء بخلفهم بالنص في خير القرون ان ادعوا منهم أحدا وباقرارهم هذا لو اجتمع خلفهم على أمر وأما مع اختلاف خلفهم واجتماع سلفهم على ترك الخوض فيما خاض فيه خلفهم فأدى خوضهم فيه إلى الاختلاف والتأثيم فلا يشك منصف أن الاقتداء بسلفهم أرجح فان نفاة الصفات ألزموا المثبتين تركيب الذات وما يترتب عليه بل ألزموهم ذلك في مجرد قولهم أن الوجود غير الموجود ومن أثبت الصفات ألزم النفاة تعطيل الاسماء الحسنى ومخالفة الاجماع فلزم التمسك بما اعترفوا بأن السلف كانوا مجتمعين عليه سلفهم وسلف سائر الفرق الاسلامية وترك ما اختلفوا فيه ويسعنا ما وسع السلف الصالح للاجماع على صلاحهم

فاذا عرفت هذا في الجملة فلنعد إلى ذكر الدليل الثاني على بطلان هذين الامرين المضلين للاكثرين وهما الزيادة والنقصان في الدين ثم نتبع ذلك زيادة بيان في المنع من التصرف في الكتاب والسنة بدعوى التعبير عنهما وترك عباراتهما فنقول

أما الأمر الأول وهو الزيادة في الدين فسببه تجويز خلو كتب الله تعالى وسنن رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام عن بيان بعض مهمات الدين اكتفاء بدرك العقول لها ولو بالنظر الدقيق ليكون ثبوتها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق النظر العقلي هذا مذهب أهل الكلام ومذهب أهل الأثر أنه ممنوع والدليل على منعه وجوه

الوجه الأول قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فاذا قلنا بوجوب ما أوجبه


104
أهل الكلام لزم أنه بقي أهل الدين وأوجبه من تقرير القواعد التي يجب بها تأويل السمع وبيان التأويل على التفصيل في آيات الصفات وكثير من الاسماء الحسنى كالرحمن الرحيم الحكيم وما يؤدي إلى التفرق المنصوص على تحريمه لأنه خوض في دقائق يستحيل اتفاق الأذكياء عليها بالعادات المستمرة فانها استمرت العوائد على اختلاف العقلاء متى خاضوا في نحو ذلك حتى الطائفة الواحدة ولذلك كانت المعتزلة عشر فوق وأهل السنة كذلك أو قريبا منه وكذلك سائر الفرق حتى قيل إن الاتفاق في الضروريات فاذا كان الاتفاق في الخفيات ممتنعا كالافتراق في الضروريات وقد ثبت تحريم الافتراق لزم من ذلك تحريم الخوض في الخفيات ما لم يدل على وجوبه دليل صحيح

الوجه الثاني أنه لا نزاع أنه لا يجوز اثبات العقول لزيادة في الشريعة لا يدكها العقل وإنما النزاع فيما تدركه العقول مثل نفي الولد عن الله تعالى ونفي الثاني لكن السمع دل على أنه لا يجوز خلو كتب الله تعالى عن بيان مثل ذلك قال الله تعالى في نفي الولد عنه جل جلاله قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي وقال سبحانه في نفي الثاني قل أرأيتم ما تدعون من دون الله إلى قوله تعالى ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين فهاتان الآيتان تدلان على أنه لا يجوز خلو كتب الله تعالى وسنن أنبيائه عن أمر كبير من مهمات الدين العقلية وكذلك قوله تعالى وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون فثبت أن ما خلت عنه كتب الله تعالى فليس من مهمات الدين وإن زيادته في الدين محرمة ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذر أمته من فتنة الرجال وعظمها وأخبر عن الأنبياء كلهم أنهم حذروا أممهم منها مع أن


105
بطلان دعواه معلوم بالعقل لأنه يدعي الربوبية وهو بشر يحتاج إلى الأكل والشرب وينام ويعجز ويجهل ويمرض ويبول ويتغوط وينكح دع عنك كونه جسما مركبا من لحم ودم وعظام وعصب فلم يكلنا ربنا سبحانه وتعالى إلى معرفة عقولنا بحدوث ما كان على هذه الصفات واستحالة ربوبية الحادث بل زاد في البيان على لسان رسوله حتى أبان لنا أنه أعور وأنه مكتوب بين عينيه كافر يقرأه من يكتب ومن لا يكتب فلو كان يجوز عليه الاهمال لكان ذلك أحق ما يهمل لقوله في الاحاديث الصحيحة ما خفي عليكم من شيء فلا يخفى عليكم إن ربكم ليس بأعور لأنه قد تقرر أنه ليس كمثله شيء عقلا وسمعا فيجب أن لا يكون بشرا كاملا فكيف يكون بشرا ناقصا معيبا فدل الحديث على تأكيد ما دل القرآن عليه في الآيتين المتقدمتين

الوجه الثالث قوله وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ولا معنى للارسال إلا البيان وإلا لصح أن يرسل الله تعالى رسولا أبكم غير ناطق وقد ورد القرآن بتقبيح ارسال الاعجمي إلى العربي لذلك في قوله تعالى أأعجمي وعربي بل نص الله تعالى على أنه أرسل كل رسول بلسان قومه ليتم لهم البيان

وقد أجمعت الامة على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فكل ما لم يبين من العقائد في عصر النبوة فلا حاجة إلى اعتقاده ولا الخوض فيه والجدال والمراد سواء كان إلى معرفته سبيل أو لا وسواء كان حقا أو لا وخصوصا متى أدى الخوض فيه إلى التفرق المنهي عنه فيكون في إيجابه إيجاب ما لم ينص على وجوبه وان أدى إلى المنصوص على تحريمه وهذا عين الفساد

قالت الخصوم العقل يكفي بيانا في العقليات فلا يجب البيان فيها من الشرع


106
قلت إن أردتم الجليات التي لا يقع في مثلها التنازع أو لا يحتاج في الدين إلى معرفتها أو لا يحتاج البليد فيها إلى تفهيم الذكي أو الظنية التي لا إثم فيها على المخطئ فمسلم ولا يضر تسليمه ومن القسم الأول من هذا علم الحساب وإن دق بعضه فان طرقه معلومة الصحة عند الجميع ولذلك لم تمنع دقته من الوفاق فيه وكذلك كثير من علم الغربية والمعاني والبيان والبلاغة وإن أردتم القسم الآخر وهو ما يحتاج اليه في الدين ويكون مفروضا على جميع المسلمين من الخاصة والعامة أجمعين ويقع في مثله الخفاء والنزاع والاختلاف الكثير ويأثم المخطئ فيه ولا يسامح فغير مسلم لكم أن مثل هذا يوكل إلى عقول العقلاء وتترك الرسل بيانه لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا فلم يكتف سبحانه بحجة العقل حتى ضم اليها حجة الرسالة مع أن معرفته سبحانه ونفي الشركاء عنه من أوضح المعارف العقلية ولذلك قالت الرسل فيما حكى الله عنهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض

وقد مر بيان ذلك في مقدمات هذا المختصر وفي هذه الآية وما في معناها من السمع حجة على أن ما لم يبينه الله تعالى سمعا لم يعذب المخطئ فيه إن شاء الله تعالى لكن يخشى على من خاض فيا لم يبينه الله أن يعذب على الابتداع وقد بين الله تحريمه وبيان تحريم ذلك في قوله ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا وبقوله تعالى ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون فنسأل الله السلامة

الوجه الرابع قوله تعالى في وصف القرآن تبيانا لكل شيء وقوله سبحانه ما فرطنا في الكتاب من شيء ولا شك أنه يدخل


107
في ذلك بيان مهمات الدين الاعتقادية وإن كانت عقلية ويدخل فيه ما بنه النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ولقوله تعالى في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لتبين للناس ما نزل إليهم فهذا بيان جملي ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ( إني أوتيت القرآن ومثله معه الحديث )

ومما يصلح الاستدلال به في هذا المقام قوله تعالى وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها فلولا أن كتابها هو موضع الحجة عليها في أمور الدين ومهماته ما اختص بالدعاء اليه ونحوها قوله تعالى الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان فجعل الكتاب في بيان الدين وحفظه وتمييز الحق من الباطل كالميزان في بيان الحقوق الدنيوية وحفظها بل جعل الحق مختصا به بالنص والميزان معطوفا عليه بالمفهوم أي والميزان بالحق وقال بعد الامر بوفاء الكيل والوزن لا تكلف نفس إلا وسعها لأنه يحتاج إلى المعاملة بالكيل والوزن وإن وقع التظالم الخفي في مقادير مثاقيل الذر أو أقل منه ولم يقل ذلك بعد الأمر بلزوم كتابه واتباع رسله لأنه لا حاجة ولا ضرورة إلى البدعة في الاعتقاد

وأما الفروع العملية فلما وقعت الضرورة إلى الخوض فيها بالظنون لم يكن فيها حرج بالنص والاجماع فتأمل ذلك فانه مفيد

ومن ذلك قوله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول واتفق أهل الاسلام على أن المراد بالرد إلى الله ورسوله الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله ولو لم يكونا وافيين ببيان مهمات الدين ما أمرهم الله بالرجوع اليهما عند الاختلاف

الوجه الخامس في الدليل على منعه أيضا الاجماع على تحري البدعة في الدين وما زال الصحابة والتابعون لهم باحسان يحذرون من ذلك حتى


108
ثمت النعمة وقامت الحجة بموافقة المتكلمين والغلاة على ذلك في الجملة حتى رمى بعض المتكلمين بعضا بذلك عند الضجر من الخوض في تلك المباحث والشناعات فقال الشيخ تقي الأمة خاتمة أهل الاصول العجالي المعتزلي في آخر الرد على أصحابه المعتزلة حيث حكموا بثبوت العالم قبل خلقه في العدم المحض والازل الذي لا أول له ما لفظه

إن كل من سمع ذلك من العقلاء قبل أن يتلوث خاطره بالاعتقادات التقليدية فانه يقطع ببطلان هذه المذاهب ويتعجب أن يكون في الوجود عاقل تسمح نفسه بمثل هذه الاعتقادات ويلزمهم أن يجوزوا فيما نشاهده من هذه الأجسام والاعراض أن تكون كلها معدومة لأن الوجود غير مدرك عندهم وإلا لزم أن يرى الله تعالى لوجوده بل إنما تناوله الادراك للصفة المقتضاة عندهم وهي صفة التحيز وهيئة السواد والبياض فيهما غاية الامر أن الجوهرية عند بعضهم تقتضي التحيز بشرط الوجود لكن الترتيب في أن الوجود لا يقتضي الترتيب في العلم كما في صفة الحياة والعلم فيلزمهم أن يشكوا بعد هذه المشاهدة في وجودهما وكل مذهب يؤدي إلى هذه التمحلات والخصم مع هذا يزداد سفاهة ولجاجا فالواجب على العاقل الفطن الاعراض عنه والتمسك بقوله تعالى وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ومن ذم من السلف الكلام والمتكلمين إنما عنوا أمثال هؤلاء ظاهرا والله الموفق اه بحروفه ذكره علامة المعتزلة الشيخ مختار بن محمود في كتابه المجتبى عاضدا له ومنتصرا به فهذا كلام المتكلمين بعضهم في بعض بل كلام الطائفة الواحدة منهم بعضهم في بعض وفيه الاعتراف بذم البدعة وأهلها وصدور ذللك من السلف الصالح فسبحان من أنطقهم بالحجة عليهم كما أنطق جلود الجاحدين يوم القيامة بمثل ذلك

ولا شك أن إيجاب أمر كبير يجب من أجله التعسف في تأويل ما لا يحصى من آيات كتاب الله وتقبيح ظواهره بل تقبيح ممادحه مثل الحكم بأن الرحمن اسم ذم الله تعالى في الظاهرالسابق إلى الافهام إن لم يتأول وان نفيه عن الله مدح لائق بجلال الله من غير قرينة والقول بتكفير من لم يعرف


109
هذا واستحلال سفك دمه ووجوب دوام عذابه في الآخرة من غير أن يجري لذلك ذكر في زمن النبوة والصحابة هو من أعظم البدع وأفحشها وأنكرها

الوجه السادس الاحاديث الواردة في النهي عن البدعة ولا حاجة إلى سردها بجميع ألفاظها وأسانيدها مع الاجماع على صحة هذا المعنى كما مر في الوجه الذي قبله

الوجه السابع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اتركوني ما تركتكم فانما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ) وما في معنى ذلك مثل حديث إن الله حد حدودا فلا تعتدوها وفرض فرائض فلا تضيعوها وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير بيان فلا تتعرضوا لها وفي هذا المعنى أحاديث جمة مجموعها يفيد العلم بأن الشرع ورد بحصر الواجبات والمحرمات وأن السؤال عما لم يرد به حرام حتى ثبت في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص أن من أعظم المسلمين إثما في المسلمين من سأل عن شيء فحرم من أجل مسألته ولقد علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كيفية قضاء الحاجة وفي ذلك يقول السيد الامام يحيى بن منصور الهاروي المفضلي عليه السلام

ما باله حتى السواك أبانه
وقواعد الاسلام لم تتقرر
في أبيات له طويلة في تقرير هذا المعنى وقد كتبتها في ترجيح أساليب القرآن هي وأمثالها فان قيل هذا في غير العقائد

قلنا العقائد أولى بذلك لأنه لا يجوز أن يتجدد فيها للخلف ما لم يكن واجبا على السلف بخلاف الفروع فقد تجدد الحوادث ويقع للمتأخر فيها ما لم يقع للمتقدم

الوجه الثامن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يوصي أمته بالرجوع إلى كتاب الله عند الاختلاف والتمسك به عند الافتراق وكان ذلك هو


110
صيته عند موته وجاء ذلك عنه على كل لسان حتى اعترفت به المبتدعة كما اعترفت بورود النهي عن البدع وصحته ولله الحمد والمنة بل قد جاء ذلك صريحا في كتاب الله تعالى على أبلغ صيغ التأكيد قال الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا إلى قوله وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ويؤكده قوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما

ولا شك أن القرآن العظيم أعظم ما قضى به ودعا إليه ثم سنته التي هي تفسير القرآن وبيانه كما أجمعت عليه الأمة في تفاصيل الصلاة والزكاة وسائر أركان الاسلام وفي المواريث وغيرها ومن ذلك ما جاء فيمن لم يحكم بما أنزل الله من الآيات الكريمة في آية فأولئك هم الكافرون وفي آية الظالمون وفي آية الفاسقون وقوله تعالى إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وقوله وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون وقوله ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون وما أبلغ قوله فصلناه على علم وأعظم موقعه عند المتأملين لأن العلوم تقل وتتلاشى في جنب علم الله تعالى بما ينفع ويصلح من البراهين والأساليب وما يضر ويفسد من ذلك بل قد جاء في الحديث الصحيح أن علم الخلائق في علم الله تعالى كما يأخذه الطائر من البحر بمنقاره ومما جاء في ذلك من طريق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في القرآن الكريم فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم


111
ما بينكم من ابتغى الهدى من غيره أضله الله إلى قوله من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن دعى اليه هدى إلى صراط مستقيم الحديث بطوله كما تقدم

الوجه التاسع إن الدين قد جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وفرغ منه به ولم يبق بعد تصديقه به بدلالة المعجزات الباهرات إلا اتباع الدين المعلوم الذي جاء به لا استنباطه بدقيق النظر كما صنعت الفلاسفة الذين لم يتبعوا الرسل وعلى هذا درج السلف ولذلك قال مالك لمن جادله كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا لجدله ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وروى مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال ( أيها الناس قد سنت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتم على السنة الواضحة ليلها كنهارها إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا وروى ابن ماجه نحو هذا مرفوعا من حديث أبي الدرداء يوضحه أنه لو كان الدين مأخوذا م النظر لكنا قبل النظر غير عالمين ما هو دين الاسلام وإنما نخترعه نحن وهذا باطل ضرورة

يزيده وضوحا وجهان أحدهما الاحاديث الصحيحة المشهورة بل المتواترة في حصر أركان الاسلام والايمان والتنصيص عليها وتداول الصحابة فمن بعدهم لها يرويها سلفهم لخلفهم وخلفهم عن سلفهم واضحة جامعة لشرائط الاسلام والايمان واحترام أهلها وأنه لا يحل دم امرئ جمعها ودان بها وفي معناها من كتاب الله تعالى قوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة وكذلك قوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم وكذلك قوله تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون


112

وثانيهما اجماع الامة على تكفير من خالف الدين المعلوم بالضرورة والحكم بردته إن كان قد دخل فيه قبل خروجه منه ولو كان الدين مستنبطا بالنظر لم يكن جاحده كافرا فثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء بالدين القيم تاما كاملا وأنه ليس لأحد أن يستدرك عليه ويكمل له دينه من بعده

الوجه العاشر إن الله ذم التفرق بعد مجيء الرسل والكتب من قبلنا ولولا أن في ما جاءت به يوجب الوفاق ما خص ذمهم بتلك الحال قال الله تعالى وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وقبلها حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة الآيات إلى وذلك دين القيمة ففسر البينة بقوله رسول من الله إلى آخر الآية وقال وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم وقال ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات

الوجه الحادي عشر وهو أعجبها أن العقول بريئة أصح البراءة وأوضحها عما ادعوا عليها من معرفة وجوب ما لم يرد به كتاب من الله تعالى ومن معرفة صحة ما يناقض الآيات القرآنية فانه قد وضح للمحققين من نظار العقلاء وأذكيائهم أنه لا تعارض بين صحيح السمع وصحيح العقل وأن أصل البدع كلها يوهم التعارض بينهما في صور أربع الصورة الأولى أن جماعة من المشتغلين بعلم المعقول لم يتقنوه فيتوهمون في بعض الأمور أنه صحيح في دليل عقلي توهموه قاطعا وليس بقاطع وفي معرفة القاطع وشروطه اختلاف بين المنطقيين وبعض المتكلمين

ومن مواضع بيان ذلك مقدمة التمهيد للامام ي بن حمزة عليه السلام وسبقه إلى ذلك الرازي في مقدمة نهاية العقول وبسط أكثر منه فمن أراد معرفة صعوبة هذا القام وقلة وجود رجاله فليطالع ما ذكرته في هذين الكتابين مطالعة شافية ولو بحث عما لم يعرف من ذلك


113

ومن أشهر ما لهم في ذلك خمس قواعد أحدها أن الجسمية أمر ثبوتي مشترك بين الأجسام زائد عليها وثانيها تماثل الأجسام وجواهرها وثالثها أن كون المتحيز في المكان أمر ثبوتي زائد عليه لا وصف عدمي وسواء كان حركة أو سكونا أو اجتماعا أو افتراقا ويسمونه دليل الاكوان ورابعها قياس واجب الوجود عز وجل على ممكن الوجود في أشياء كثيرة مثل قول الملاحدة نفاة الاسماء الحسنى أن كونه تعالى على صفة دون أخرى يقتضي أن يجري مجرى الممكنات الحادثات التي تحتاج في مثل ذلك إلى تخصيص مخصص وقد أوضحت ما أورد بعضهم على بعض من الاشكالات الصعبة في ذلك في مسألة الرؤية من العواصم وربما نقلته مفردا في موضعه من هذا المختصر لينظر فيه من يفهمه إن شاء الله تعالى وخامسها أن كل موجود في الخلاء العدمي حتى الظلمة والنور فانه جسم أو حال فيه محتاج اليه

وخالفهم في القاعدة الأولى أكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم على ما نقله ابن تيمية فقالوا أن الماهية المشتركة المعروفة بالمجردات لا وجود لها ألبتة إلا في الاذهان ولم يقم على وجودها برهان في الخارج كما بسط في موضعه

وخالفهم في الثانية الرازي والشيخ أبو القاسم البلخي الكعبي وأصحابه معتزلة بغداد

وخالفهم في الثالث الشيخ أبو الحسين البصري وخلق كثير ذكرهم الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى وخالف أهل القاعدة الرابعة جمهور أهل الاسلام

وخالفهم في الخامسة أهل اللغة وأهل الأثر وبعض أهل الكلام والمعقولات والسلف الصالح من الصحابة والتابعين ظاهرا لا رواية ومستند الظهور نقل أهل اللغة وهم من أهلها بلا ريب

وخالفهم في القواعد الخمس كلها جميع أهل الآثار وسلفهم من الصحابة والتابعين ظاهرا مع من ذكرنا معهم من ذلك من أهل المعقولات والمتكلمين كما بسط في مواضعه والحمد لله


114

ومما اختلفوا فيه هل يجب بناء الدليل على الضرورة فيما انتهى اليه النظر أو على سكون النفس فعند المنطقيين وأبي الحسين من المعتزلة وأكثر المحققين أنه لابد من الانتهاء إلى الضرورة وإلا أدى إلى التسلسل أو التحكم وعند جمهور المعتزلة أنه يكفي أن ينتهي إلى سكون النفس ويرد عليهم سكون نفوس المبطلين ببواطلهم وهذا ما عارض والقصد بذكره بيان أن كون الدليل العقلي قاطعا من المواضع الدقيقة التي اختلف فيها أهل الدعوى للذكاء والكمال في التدقيق فيجوز أن يقع الخطأ على المحقق في مثل هذا وينبغي أن يحذره المنصف فان كثيرا من أهل العقول يقصر في هذا الموضع فيظن في بعض العقليات أن دليله قاطع وليس بقاطع في نفس الامر ثم يعارضه السمع فيرى في نفسه أن التأويل يتطرق إلى السمع لاحتمال اللفظ اللغوي له دون الادلة العقلية القاطعة في ظنه وزعمه أنها قاطعة ولا يدري أن قطعه بأنها قاطعة قطع بغير تقرير ولا هدى ولا كتاب منير وانه مقام صعب خطير وأنه بطول النظر والمراجعة فيه جدير ولو لم يكن في ذلك عبرة للمعتبرين إلا ما جرى لموسى الكليم عليه أفضل الصلوات والتسليم حيث قطع بالنظر العقلي على قبح ما فعله الخضر عليه السلام فانكشف له خلاف ما قطع عليه وكذلك نوح عليه أفضل الصلاة والسلام حيث قطع على أن ولده من أهله فبان له خلاف ذلك فاذا كان هذا في حق أرفع البشر مرتبة فمن الناس بعدهم فليتفطن طالب النجاة لذلك وليحذر أشد الحذر

وقد أشار إلى ذلك ابن عبد السلام في قواعده في حقوق القلوب وما يجب من معرفة الله وتقرير العامة على ما علم أنهم لم ينفكوا عنه لدقة الأمر المانع مما هم عليه وصعوبة معرفته عليهم وذلك كغلاة الاشعرية في نفي حكمة الله تعالى وتقبيح اسم الحكيم في الظاهر وإيجاب تأويله بالمحكم لصنعه من غير حكمة له في ذلك الاحكام وغلاة المعتزلة في نفي السميع البصير والمريد وتقبيحها في الظاهر وإيجاب تأويلها بالعليم لا سواه وذلك يضعف في مثل يريد الله بكم اليسر وقول الخليل لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا


115

وكذلك الجميع من الاشعرية والمعتزلة في نفي حقيقة الرحمن الرحيم وما في معناهما من الرؤوف والودود وأرحم الراحمين وحكمهم بأنها أسماء قبيحة الظواهر في حق الله تعالى وأنها لا تليق بجلاله إلا بصرفها عن ظواهرها وتعطيلها عن حقائقها إلى المجاز المحض وأن نسبة الرحمة إلى الله سبحانه كنسبة إرادة الانقضاض إلى الجدار والجناح إلى الذل وكل ذلك بمجرد ظن أن الدلالة العقلية القاطعة دلت على ذلك وستأتي الاشارة إلى تلك الأدلة وما يرد عليها على قواعد أئمة المعقولات على حسب هذا المختصر مع الارشاد إلى مواضع البسط

فأما لوازم رحمة المخلوقين المستلزمة للنقص فواجب تنزيه الله تعالى عنها قطعا وفاقا كلوازم علمهم وارادتهم ونحو ذلك كما سيأتي تحقيقه

ومن مظان بطلان ذلك النظر في كيفية بعض صفات الله تعالى اللائقة به بل الواجبة له على التفصيل المؤدي إلى القطع بتسمية تلك الصفات معاني وإلى القطع بالفرق بينهما وإلى القطع بأن ذات الله تعالى لا يصح وجود المعاني فيها ومجموع ذلك هو الذي اضطر البهاشمة إلى أنه تعالى مريد بارادة حادثة لا فيه ولا في غيره ولا يحتاج في خلقها إلى ارادة والحازم يوازن بين الممتنعات فيرد أشدها امتناعا في الفطر ولعل وجود العرض لا في محل بل لا في العالم ولا خارجه وتأثيره لمن لم يوجد فيه أبعد مما فروا منه

وقد جود ابن تيمية وغيره من أئمة العلم الجامعين بين التحقيق في هذين العلمين العقلي والسمعي الكلام في ذلك وفي المختصرات من ذلك ما يكفي المقتصد وأما من أراد الغاية في البحث فلا تكفيه المختصرات ولا النظر في كتب بعض الخصوم بل يحتاج إلى النظر في الكتب البسيطة للمعتزلة والاشعرية ومتكلمي أهل السنة وكتبهم أقل الكتب وجودا


116

ومن مشاهيرها منهاج السنة النبوية لابن تيمية على ما قيل ولم أقف عليه وفي هذه الصورة يتكلف المتكلمون كلهم التأويلات البعيدة تارة لما يمكن تأويله لو دل دليل قاطع على امتناع ظاهره ولكن لا قاطع محقق إلا مجرد دعوى وتارة لما لا يمكن تأويله إلا بتعسف شابه تأويل القرامطة وربما استلزم بعض التأويلات مخالفة الضرورة الدينية وهم لا يعلمون ولا يؤمن الكفر في هذا المقام في معلوم الله تعالى وأحكام الآخرة وإن لم نعلمه نحن وتوقفنا لشبهة التأويل وعدم علمنا بعلمهم بما أنكروه فانه لا يؤمن في حكم الله والله المستعان

فسبب الاختلاف في هذه الصورة وما يتركب عليها وهو معظم التأويل هو الاختلاف في أن الأدلة العقلية الموجبة للتأويل عند المتأولين قطعية أم لا أما من علم بطلان القطع إما بالعقل أو بالسمع القاطع أو بهما معا فعليه البيان لذلك فاذا سطع الحق وجب اتباعه من أي الجانبين كان

وأما من لم يعلم ذلك لكن علم أن أذكياء العقلاء ما زالوا يغلطون في اعتقاد القطع في مثل هذه الدقائق وان خوضه فيها أشبه شيء بركوب البحر عند هيجه واضطرابه وان الجميع قد انعقد اجماعهم على أن مخالفة العقل إذا تجرد عن السمع ليست بكفر ولا فسق وإن كان فيها مخالفة ضرورة العقل فان من اعتقد في حنظلة مرة أنها حلو يكون قد خالف ضرورة العقل ولا يكفر بل ولا يفسق لقول النبي صلى الله عليه وسلم أن كذبا علي ليس ككذب على غيري أنه من يكذب علي يلج النار وإنما هذا كاذب على نفسه ولم يكذب على الله ولا رسوله فكيف من قال بغير الحق في دقائق الكلام متأولا

وكذلك انعقد إجماعهم على أن مخالفة السمع الضروري كفر وخروج عن الاسلام وأن ذلك لا يؤمن في القول بأن الرحمن الرحيم الحكيم السميع البصير ليست بأسماء مدح الله تعالى بل أسماء ذم قبيحة يجب تأويلها وتحذير عوام المسلمين من الاغترار باطلاقها وأنها ليست أسماء حسنى لأن الحسنى جمع الاحسن لا جمع الحسن وهذه لم تدخل في الحسن كيف في أحسن الحسن فان عامة أهل الاثر رجحوا الاعتقاد الاسلم على الاعلم لأن المتكلمين قد اعترفوا بأن طريقة السلف أسلم لكن ادعوا أن طريقهم أعلم


117

ووجه الترجيح عندهم أنهم علموا من كثرة نصوص الكتاب والسنة في هذه الأسماء أنها على جهة التمدح كما يأتي في موضعه وظهور ذلك في عصر النبوة والصحابة والتابعين من غير تحذير لأحد من الاغترار بظاهرها مع اعتقاد الجميع أن الله ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته يقتضي عادة العلم الضروري بأنها أسماء مدح وأنها من الاسماء الحسنى التي لا قبح فيها وخافوا الكفر في مخالفة هذا العلم

وأما الادلة الموجبة للتأويل فسوف يأتي البيان الواضح أنها قد انتهت إلى غاية الدقة ووردت عليها الشكوك الصعبة حتى اختلف في صحتها أئمة المعقول فمخالفة الحق فيها على جهة التأويل لا يكون كفرا ولا فسقا على جميع قواعد العقلاء قالوا ولا شك أن الفوز بالامان من الكفر الموجب الخلود في النار أرجح من الفوز بالظفر بالحق في دقائق الجواهر والاعراض كما نص عليه المؤيد بالله في الزيادات من أئمة العترة وغيره منهم عليهم السلام فشد على هذه يديك ولا تغفل النظر فيها

فان قلت فما يعتقد أهل الاثر في رحمة الله وهل يجوزون أنها رحمة مثل رحمة المخلوقين

قلت كلا فان رحمة المخلوقين ممتزجة بجهلهم وعجزهم فيدخلها الحسرة والاسف والبكاء والاماني الباطلة فتغلبهم فتصرفهم عن العدل والحق وقد أجمعنا على أن العليم القدير محكمان لا يجب تأويلهما ولو قال قائل أنهما في حق الله مثلها فينا لكان كافرا بالاجماع فاذا وجب نفي التشبيه في المحكمات بالاجماع فكيف لا ننفيه في غيرها وسيأتي إيضاح ذلك وإنما بسطت القول هنا لأن أكثر التأويل يدور على هذه الصورة

فان قيل تقديم العقل على السمع أولى عند التعارض لأن السمع علم بالعقل فهو أصله ولو بطل العقل بطل السمع والعقل معا وهذه من قواعد المتكلمين

قلنا قد اعترضهم في ذلك المحققون بأن العلوم يستحيل تعارضها في العقل والسمع فتعارضها تقدير محال فانه لو بطل السمع أيضا بعد أن دل


118
العقل على صحته لبطلا معا أيضا لأن العقل قد كان حكم بصحة السمع وأنه لا يبطل فحين بطل السمع علمنا ببطلانه بطلان الاحكام العقلية وممن ذكر ذلك ابن تيمية وابن دقيق العيد والزركشي في شرح جمع الجوامع

الصورة الثانية أن يتيقن المتكلم بعض الأدلة العقلية حتى لا يشك في صحتها وهي كذلك ثم يعتقد لتقصيره في علم السمع أن السمع ورد بنقيض ذلك الأمر المعلوم عنده فيقع في الكفر الصريح كابن الراوندي وسائر من صرح بالردة لذلك ومن هؤلاء بعض الفلاسفة وأكثر البراهمة أعني أن بعضهم كفر من هذه الجهة وبعضهم كفر من جهة أخرى وذلك أن هؤلاء اجتمعت كلمتهم على أن عذاب الآخرة خال عن المصلحة والحكمة وأن ذلك لا يجوز على مختار عليم حكيم فقولهم أن التعذيب لغير حكمة لا يجوز على المختار العليم الحكيم حق وصواب لكنهم قصروا في علم السمع فظنوا أنه ورد بأن ذلك العذاب خال عن الحكمة ودعوى هذا على السمع باطلة وقد جود ابن تيمية غاليا في الرد عليهم على التفصيل كما هو مبسوط في حادي الارواح وأشار إلى مثل قولة الغزالي في المقصد الاسنى في شرح الرحمن الرحيم منه ولم يصرح وجعل ذلك من الاسرار التي لا تفشى وسيأتي طرف من ذلك وبيان المختار منه في مسألة اثبات الحكمة قريبا إن شاء الله تعالى

الصورة الثالثة قوم أسرفوا في التقصير في علم السمع تارة في طلب معرفة نصوصه وألفاظه وطرق صحتها وتارة في معانيها وتارة في كيفية الجمع بين المتعارض فيقدمون العموم على الخصوص والظواهر على النصوص ونحو ذلك حتى ظنوا في بعض الأمور أن السمع ورد به ورودا ضروريا أو قطعيا ولم يرد به السمع أصلا لا ضرورة ولا قطعا ولا ظنا ثم عارضته أدلة كثيرة جلية عقلية أو سمعية أو كلاهما كالنواصب والروافض وكثير من الوعيدية والمبالغين في التكفير والتفسيق والتقنيط والتبري من كثير من أهل الاسلام والمبتدعة الذين لهم ذنوب وهفوات لا تخرج عن الاسلام

ومن ذلك خبط كثير من الناس في مسألة القرآن وتكفير كل منهم لمن خالفه بغير برهان حتى اعتقد بعض المحدثين قدم التلاوة وجحد حدوث


119
صوت التالي مع اعترافه بحدوث التالي وحدوث لسانه ووجودهما قبل التلاوة وقد قال الغزالي إن هذا ما درى ما القديم وقال البيهقي أن من عرف معنى هذا رجع عنه وإنما كانت هفوة ممن لم يتعقل هذا وحتى قال الشيخ أبو علي الجبائي أن الله تعالى يتكلم مع التالي وأن الصوت كامن في الحروف في المصاحف وكل ذلك لاعتقادهم أن السمع ورد بان كلام الله هو المسموع في المحاريب المكتوب في المصاحف وان منكر هذا كافر

وما قالوه من أن ذلك كلام الله في الجملة حق ولكن لابد من الفرق بين التلاوة والمتلو والحكاية والمحكى وهو فرق ضروري فان المتلو المحكي كلام الله بغير شك والتلاوة والحكاية فعل لنا مقدور اختياري بغير شك ولا شك أن ما هو مقدور لنا واقع باختيارنا غير المعجز الذي لم يقدر عليه أحد فالشيخ أبو علي خاف ما خاف أهل الأثر في المرتبة الأولى من الكفر في مخالفة السمع فتكلف مخالفة المعقول في كمون الصوت في الحروف المكتوبة وفي احداث صوت من الله مع صوت كل قارئ حتى يكون السامع لكل قارئ سامعا لكلام الله على الحقيقة كما سمعه موسى عليه السلام كل هذا حتى لا يخالف الاجماع والنص حيث قال الله تعالى فأجره حتى يسمع كلام الله فأي حرج على أهل الأثر إذا تابعوا سائر السمع وخالفوا من المعقولات ما هو أدق من المعقول الذي خالفه أبو علي في هذه المذاهب التي لولا رواها عنه أصحابه لعدت من تشنيع الاعداء عليه

وأما أولئك المحدثون فلم يفرقوا بين إنكار السلف كون القرآن مخلوقا وبين كونه قديما فظنوا ما ظن أبو علي من الاجماع من السلف على قدمه وسوف يأتي الفرق بينهما في بابه وأما الروافض والنواصب والخوارج وغلاة الوعيدية فظنوا أن السمع ورد بعقائدهم فجحدوا كل ما خالف ذلك مما لم يعلموه وتأولوا ما علموه ففحش جهلهم حيث قدموا الاكاذيب المعلوم عند أهل السمع بطلانها على المتواترات وهؤلاء لا دواء لهم لأن اعتقادهم تقليد محض لاسلافهم وهو غير منكشف لهم إلا بان يشكوا فيه ويقبلوا على تعلم السمع وقراءة كتب الرجال والتواريخ والمساند حتى


120
يكونوا من أئمة السمع وينكشف لهم جهل أسلافهم أو عنادهم وهم غير ملتفتين إلى شيء من هذا بل هم في غاية العجب بعلمهم واتقانهم وغاية السخرية بخصومهم فهم أفحش الاقسام الاربعة المشهورة وهم من الذين لا يدرون أنهم لا يدرون

وقد رأيت لبعض حذاق الباطنية في كتاب الملل والنحل القدح في الاخبار بذلك فانه لم يفرق بين التواتر الحق ودعوى التواتر فقال أما التمسك بالاخبار فانه متعارض لأن كل طائفة قد تواتر لهم ما هم عليه عن أسلافهم الذين يثقون بهم ولم يعلم المغفل أن هذا مثل دعوى اليهود لقول موسى عليه السلام تمسكوا بالسبت أبدا ودعوى تواتر ذلك عنه وأنه لا فرق بين تلك الدعوى وبين ما صح عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا نبي بعدي وأنه خاتم الأنبياء وكم بين تواتر صفات الكمال في رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواتر معجزاته وفضائله للعارفين وبين تلقي صبيان اليهود لما يعارض ذلك كله عن آبائهم القوم البهت وهل يقول مميزان الامرين في التواتر سواء فجهال هذه الصورة مثل صبيان اليهود حين نشؤا على ظن السوء برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لا دواء لهم إلا أن يتركوا تقليد آبائهم في ذلك الظن السيء ويطالعوا كتب الاسلام التي فيها سيرته وأخلاقه ومعجزاته وسائر مناقبه والتواتر مما لا يمكن تعريف الجاهل به ألبتة

ولذلك يقول العلماء في ذلك أنه معلوم لمن طالع كتب الاخبار وإلا فكل مبطل معتقد لصحة باطله ولولا الفرق بين الاعتقادات الباطلة والعلوم الصحيحة ما تميز كفر من اسلام ولا شرك من توحيد ولا عالم من جاهل فالعلم الحق ما جمع الجزم والمطابقة والثبات عند التشكيك فالظنون تلتبس بالعلوم الجازمة عند كثير من العامة والاعتقادات الباطلة وإن كانت جازمة في نفوس أهلها فهي غير مطابقة في الخارج واعتقادات عوام المسلمين وإن كانت جازمة في نفوسهم مطابقة للحق فانها لا تثبت في نفوسهم عند التشكيك والعلم الحق هو ما جمع هذه الأوصاف الثلاثة والله سبحانه قد خص بالهداية له من علم منه القبول والانصاف والاهلية لذلك كما قال في إبراهيم عليه السلام وكنا به عالمين وقال معاذ إن العلم والإيمان


121
مكانهما من طلبهما وجدهما فاطلبوا ذلك من حيث طلبه إبراهيم حيث قال إني ذاهب إلى ربي سيهدين وقد تقدم الارشاد إلى طريق الظفر بالحق في هذه المقدمة من هذا المختصر

الصورة الرابعة طائفة من أهل السمع أتقنوا علم السمع وعلموا منه بعض القواعد علما صحيحا وتواتر لهم ما لم يتواتر لغيرهم لشدة بحثهم وقطعهم أعمارهم في ذلك ثم نازعهم في ذلك جماعة من علماء المعقولات المقصرين في علم السمع كبعض المعتزلة خصوصا المتأخرين في نفي الشفاعة للموحدين ونفي الرجاء للمذنبين منهم وإيجابب خلودهم في النار مع المشركين فظن أولئك الذين أتقنوا ما علموا من السمع أن العلوم العقلية هي المعارضة لما عرفوه من السمع الحق في ذلك لشبهة أن المعارضين لهم فيه يدعون التحقيق في المعقولات فيعادون علم المعقول ومن خاض فيه حتى من أهل السنة وظنوا أن الاصغاء اليه والنظر فيه يستلزم البدعة من غير بد ولو نظروا بعين التحقيق لعلموا أن خصومهم في هذه المسألة إنما أتوا من التقصير في علم السمع وإقلال البحث عنه وما شابوا به جدا لهم من المعقولات فانما ادعوا فيه على العقل ما هو بريء منه كما يدعون على العقل تقبيح خطاب الله لنا بالعموم المخصوص في العقائد من غير بيان مقترن به ولم يعلموا أنه يرد عليهم هذا بعينه في عمومات الوعد كعمومات الوعيد فلو حرم تخصيص الوعيد بالأدلة المنفصلة عنه لحرم تخصيص الوعد كذلك بل أولى وأحرى وحينئذ يحصل بطلان مقصودهم

فان قالوا في عمومات الوعد يمكن أن تخصيصها قد كان تقدمها وعلم

قلنا وكذلك يمكن في عمومات الوعيد فان قالوا في تخصيص الوعيد أنه ظني قلنا صدقتم أنه ظني عندكم لكن قد علم غيركم ما لم تعلموه من تواتره كما أوضحته في العواصم ولئن سلمنا أنه ظني فان حكم الظني أن لا يقطع بصدقه ولا كذبه لا أنه يقطع يكذبه لأنه لا طريق إلى ذلك وأنتم لم تتوقفوا في صدقه بل قطعتم بكذبه وهذا هو القطع بغير تقدير والخبط الذي ليس من العلم العقلي في قبيل ولا دبير


122

واعلم أنه لا يكاد يسلم من هذه الاغلاط إلا أحد رجلين إما رجل ترك البدعة كلها والتمذهب والتقاليد والاعتزاء إلى المذاهب والأخذ من التعصب بنصيب وبقي مع الكتاب والسنة كرجل نشأ قبل حدوث المذاهب ولم يعبر عن الكتاب والسنة بعبارة منه مبتدعة واستعان الله وأنصف ووقف في مواضع التعارض والاشتباه ولم يدع علم ما لم يعلم ولا تكلف ما لا يحسن وهذا هو مسلك البخاري وأئمة السنة غالبا في ترجمة تصدير الأبواب وفي العقائد بالآيت القرآنية والاخبار النبوية كما صنع في أبواب القدر وكتاب التوحيد والرد على الجهمية وأبواب المشيئة ورجل أتقن العلمين العقلي والسمعي وكان من أئمتهما معا بحيث يرجع اليه أئمتهما في وقائعهما ومشكلاتهما مع حسن قصد وورع وانصاف ونحر للحق فهذا لا تخلف عنه هداية الله واعانته وأما من عادى أحد هذين العلمين وعادى أهله ولم يكن على الصفة الأولى من لزوم ما يعرف وترك ما لا يعرف فانه لابد أن تدخل عليه البدع والاغلاط والشناعات

ومن أنواع الزيادة في الدين الكذب فيه عمدا وهذا الفن يضر من لم يكن من أئمة الحديث والسير والتواريخ ولا يتوقف على نقدهم فيه بحيث لا يفرق بين ما يتواتر عند أهل التحقيق وبين ما يزوره غيرهم وليس له دواء إلا اتقان هذا الفن والرسوخ فيه وعدم المعارضة لأهله بمجرد الدعاوى الفارغة وهو علم صعب يحتاج إلى طول المدة ومعرفة علوم الحديث وعدم العجلة بالدعوى وإن كان جليا في معناه فان الرسوخ فيه بعيد عن حصول العلم الضروري بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحوال السلف بحيث يعلم دينهم بالضرورة مثل ما يعلم مذهب المعتزلة والأشعرية كذلك يطول البحث في علم الكلام ويعلم ما يختلفون فيه وما لا يختلفون فيه وما يمكن القدح فيه من المنقولات المشهورة وما لا يمكن من غير تقليد ولا أقل من معرفة مثل علوم الحديث للحاكم في ذلك وهذا عندي هو الفائدة العظمى في الرسوخ في علم الحديث وليس الفائدة العظمى فيه معرفة أحاديث الاحكام في فروع الحلال والحرام كما يظن ذلك من يقتصر على قراءة بعض المختصرات في ذلك ويكتفي به في هذا العلم الجليل ولأمر ما كان أئمة الحديث الراسخون أركان الايمان


123
في الثبوت عند الفتن والامتحان وقد ذكرت أمور كثيرة يقدح بها على المحدثين وأئمة المنقولات وقد ذكرتها والجواب عنها في المجلد الأول من العواصم واشتمل ذلك على فوائد ومعارف مهمة يحتاج اليها من يهتم بالمعارف المنقولة ولله الحمد وهذا آخر ما حصر من التحذير من الزيادة في الدين والكلام في بطلان ذلك وتحريمه وهو الامر الأول

وأما الأمر الثاني وهو النقص في الدين برد النصوص والظواهر ورد حقائقها إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدل على ثبوت الموجب للتأويل إلا مجرد التقليد لبعض أهل الكلام في قواعد لم يتفقوا عليها أيضا وأفحش ذلك وأشهره مذهب القرامطة الباطنية في تأويل الاسماء الحسنى كلها أو نفيها عن الله على سبيل التنزيه له عنها وتحقيق التوحيد بذلك ودعوى أن اطلاقها عليه يقتضي التشبيه وقد غلوا في ذلك وبالغوا حتى قالوا أنه لا يقال أنه موجود ولا معدوم بل قالوا أنه لا يعبر عنه بالحروف وقد جعلوا تأويلها أن المراد بها كلها أمام الزمان عندهم وهو عندهم المسمى الله والمراد بلا إله إلا الله وقد تواتر هذا عنهم وأنا ممن وقف عليه فيما لا يحصى من كتبهم التي في أيديهم وخزائنهم ومعاقلهم التي دخلت عليهم عنوة أو فتحت بعد طول محاصرة وأخذ بعضها عليهم من بعض الطرقات وقد هربوا به ووجد بعضها في مواضع خفية قد أخفوه فيها فكما أن كل مسلم يعلم أن هذا كفر صريح وأنه ليس من التأويل المسمى بحذف المضاف المذكور في قوله تعالى واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها أي أهل القرية وأهل العير وإنما علم هذا كل مسلم تطول صحبته لأهل الاسلام وسماع أخبارهم والباطني الناشئ بين الباطنية لا يعلم مثل هذا فكذلك المحدث الذي قد طالت مطالعته للآثار قد يعلم في تأويل بعض المتكلمين مثل هذا العلم وإن كان المتكلم لبعده عن أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وأحواله وأحوال السلف قد بعد عن علم المحدث كما بعد الباطني عن علم المسلم فالمتكلم يرى أن التأويل ممكن بالنظر إلى وضع علماء الأدب في شروط المجاز وذلك صحيح ولكن مع المحدث


124
من العلم الضروري بأن السلف ما تأولوا ذلك مثل ما مع المتكلم من العلم الضروري بأن السلف ما تأولوا الاسماء الحسنى بامام الزمان وان كان مجاز الحذف الذي تأولت به الباطنية صحيحا في اللغة عند الجميع لكن له موضع مخصوص وهم وضعوه في غير موضعه كذلك المتكلم في بعض أسماء الله الحسنى كالسميع والبصير والحكيم والرحمن والرحيم فانها من الاسماء الحسنى المعلوم ورودها في كتاب الله على سبيل التمدح بها والثناء العظيم ونص الله تعالى ورسوله على أنها ثناء على الله تعالى في حديث قسمت الصلاة بيني وبين عبدي وفيه فاذا قال الرحمن الرحيم قال الله تعالى أثنى علي عبدي مع تكريرها في عهد النبوة والصحابة والتابعين لم يشعر أحد منهم في تلك الاعصار كلها بتقبيح شيء من ظواهرها ألا ترى أن الرحمن الرحيم ثابتان في السبع المثاني المعظمة متلوان في جميع الصلوات الخمس مجهور بهما في أكثرها في محافل المسلمين مجمعين على أنهما من أحسن الثناء على الله تعالى وأجمله وأفضله متقربين إلى الله بمدحه بذلك مظهر من أنه أحب الحمد اليه ولذلك كرر تكرارا كثيرا في كتاب الله سبحانه وفي بسم الله الرحمن الرحيم المكرر في أول كل سورة المتبرك به في أول كل عبادة وجمعا معا ومرجعهما إلى معنى واحد ولم يجمع اسمان في معنى واحد في موضع واحد قط كالغفار الغفور ونحو ذلك بخلاف الرحمن الرحيم فتأمل ذلك فهما الغرة والمقدمة في ممادح رب العزة في خطب المسلمين وجمعهم وجماعتهم وحوائجهم ومجامعهم ورسائلهم ومكاتباتهم وتصانيفهم وتصرفاتهم وكل أمر ذي بال كان منهم في مصادرهم ومواردهم وتضرعهم إلى ربهم ودعائهم وعند رقتهم وخضوعهم وجدهم واجتهادهم يلقنها سلف المسلمين خلفهم ويتلقنهما خلفهم عن سلفهم ويعلمهما الآباء أبناءهم ويتعلمهما الابناء من آبائهم ويتردد التشفي بذكرهما بين أصاغرهم وأكابرهم وبدوهم وحضرهم وخاصتهم وعامتهم وذكرانهم وإناثهم وبلدائهم وأذكيائهم فأي معلوم من الدين أبين من كونهما من ممادح الله تعالى وأشهر وأوضح وأظهر وأكثر استفاضة وشهرة وتواترا وعظمت الشناعة في إنكار حقيقتهما ومدحتهما حين وافق ذلك مذهب القرامطة ومذهب أسلافهم من المشركين في انكارهم الرحمن ونص القرآن على الرد عليهم
125
في ذلك والصدع بالحق فيه حيث حكى عنهم قولهم وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا فقال عز من قائل الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا وحيث قال وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو وحيث قال وهم بذكر الرحمن هم كافرون وعظم الله تعالى هذا الاسم الشريف وبالغ في تعظيمه حيث قال قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى وقال حاكيا عن خيار عباده هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا وجاءت الصوادع القرآنية مادحة لله تعالى بأعظم صيغ المبالغات في هذه الصفة الشريفة الحميدة بأن الله عز وجل خير الراحمين وأرحم الراحمين وكرر هذه المبالغة في مواضع من كتابه الكريم الذي قال فيه إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وجاءت في كلام موسى وأيوب ويعقوب ويوسف عليهم السلام

وكرر الله تعالى التمدح بالرحمة مرارا جمة أكثر من خمسمائة مرة من كتابه الكريم منها باسمه الرحمن أكثر من مائة وستين مرة وباسمه الرحيم أكثر من مائتي مرة وجمعهما للتأكيد مائة وست عشرة مرة وأكد الرحيم فجمعه مرارا مع التواب ومرارا مع الرؤوف والرأفة أشد الرحمة ومرارا مع الغفور وهي أكثر عرفت منها سبعة وستين موضعا وأخبر أنه كتب على نفسه الرحمة مرتين وأنه لا عاصم من أمره إلا من رحم وأن من لم يرحمه يكن من الخاسرين ولا يزالون مختلفين إلا من رحم وإن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم وأنه ذو رحمة واسعة إلى غير ذلك من صيغ المبالغات القاضية بأن ذلك من أحب الثناء والممادح والمحامد اليه عز وجل


126

وبالغت الملائكة الكرام في ممادح الرب سبحانه بذلك فأوردت أبلغ صيغ المبالغات فقالت ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ومدح الله ذاته الكريمة بهذه الصيغة البليغة فقال ورحمتي وسعت كل شيء وفي كتاب سليمان عليه السلام الذي حكاه الله عنه في كتابه الكريم لشرفه العظيم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم وحكى الله نحو ذلك في كتابه الكريم عن إبراهيم ويعقوب وموسى وأيوب وصالح وعيسى ابن مريم عليهم السلام للدلالة على اتفاق الأديان النبوية الأولى والآخرة على مدح الله تعالى بذلك وخاطب الأنبياء عليهم السلام بذلك الجفاة الاجلاف من المشركين ونحوهم ممن لا يفهم دقائق الكلام الصارفة إلى مقاصد أهله فقال الخليل عليه السلام في خطاب أبيه يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا وقال هارون عليه السلام لعباد العجل ما ذكره الله عنه ومدحه به حيث قال ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وكتب ذلك سليمان إلى بلقيس وقومها وأمر الله تعالى في كتابه الكريم بالفرح برحمته والفرح بها فرع التصديق بها فقال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا وفي عطفها على فضله دلالة على المغايرة بينهما وذلك خلاف ما يقول من تأولها

وفي الصحاح من ذلك الكثير الطيب وما لا تتسع له هذه التذكرة المختصرة منه حديث سلمان وأبي هريرة وجندب وابن عباس وعبادة وأبي سعيد الخدري وابن حيدة وخلاس والحسن وابن سيرين في المائة الرحمة التي لله تعالى وإنها وسعت الخلائق منها رحمة واحدة وأن هذه الرحمة التي يتراحم بها الخلائق والسباع والدواب البرية والبحرية هي


127
جزء من مائة جزء من رحمة الله وظهرت محبة الله تعالى للثناء عليه بهذه الصفة وما يشتق له منها من الاسماء الشريفة حتى كان أحب الاسماء اليه عبد الله وعبد الرحمن كما ثبت في الصحيح فكيف يقال أن ظاهرها نقص وذم وكفر وتشبيه وسب للملك الحميد المجيد الذي لا أحد أحب اليه الحمد والمدح منه ولا أعرف بما يليق بجلاله منه ثم من رسله ولا يحصى عليه ثناء هو كما أثنى على نفسه لأهليته لذلك ولذلك مدح نفسه وعلمنا مدحه ودعانا اليه وأثابنا عليه فكيف يفتتح كتبه الكريمة ويشحنها بما ظاهره السب والذم والكفر والتشبيه وبما نسبته اليه كنسبة الارادة إلى الجدار والجناح إلى الذل بل أشد بعدا من ذلك فان الجدار لا يذم بالارادة والذل لا يذم بالجناح فصار لا يوجد لذلك مثال لأنه يستلزم استعارة اسم الذم لارادة المدح كما لو مدحت بالظلم الملك العادل وبالنقص الرجل الكامل مجازا ونحو ذلك

مما لا يحسن في البلاغة بل لا يصح في اللغة ولا يوجد في كلام العامة والعجم

وقد أجمع المسلمون على حسن اطلاق الرحمة على الله من غير قرينة تشعر بالتأويل ولا توقف على عبارة التنزيل ولو كان ظاهرها القبح والذم والانتقاص لله عز وجل لم يحسن ذلك من العباد وان ورد في كلام الله أقر في موضعه على قواعد علماء الكلام على أن فطر العقول تعرف رحمة الله تعالى وسعة علمه وكمال قدرته فان العلم بضعف العباد مع تمام القدرة والممادح والمحامد وعدم المعارض يستلزم الرحمة عقلا أيضا فهي من المحكمات لامن المتشابهات على أن الله سبحانه أعلم وأحكم وأجل وأعظم وأعز في كبريائه عن أن يتخير ما ظاهره الانتقاص والذم غرة شادخة لاسمائه الحسنى مقدمة في مثاني كتابه العظمى وهو الذي بلغ كلامه أعلى درجات الاعجاز في البلاغة التي هي البلوغ إلى المراد المقصود بأوضح العبارات وأجزلها وأبينها وأجملها

وأيضا فقد ثبت أن الرحمن مختص بالله تعالى وحده ويحرم إطلاقه على غيره ولو كانت الرحمة له مجازا ولغيره حقيقة كان العكس أوجب وأولى وما المانع للمسلم من اثباتها صفة حمد ومدح وثناء كما علمنا ربنا مع نفي


128
صفات النقص المتعلقة برحمة المخلوقين عنه تعالى كما أثبتنا له اسم الحي العليم الخبير المريد مع نفي نقائص المخلوقين في حياتهم المستمرة لجواز التألم بأنواع الآلام ثم للموت الذي لابد منه لجميع الاحياء من الانام وكذلك ينزه سبحانه عما في علمهم الناقص بدخول الكسب والنظر في مباديه والاستدلال والاضطرار في منتهاه الذي يستلزم الجسمية والبينة المخصوصة والحدوث ويعرض له التغير والنسيان والخطأ والشغل ببعض المعلومات عن بعض وكذلك تنزه ارادته عما في ارادتنا من استلزام الحاجة إلى جلب المنافع ودفع المضار ونحو ذلك وكذلك كل صفة يوصف بها الرب سبحانه ويوصف بها العبد وان الرب يوصف بها على أتم الوصف مجردة عن جميع النقائص والعبد يوصف بها محفوفة بالنقص وبهذا فسر أهل السنة نفي التشبيه ولم يفسروه بنفي الصفات وتعطيلها كما صنعت الباطنية الملاحدة

ويدلك على قبح تأويل هذه الاسماء الشريفة في الفطر كلها إنك تجد المعتزلي يستقبح تأويل الاشعرية للحكيم غاية الاستقباح والاشعري يستقبح تأويل المعتزلة البغدادية للسميع البصير المريد غاية الاستقباح والسني يستقبح تأويل المعتزلة والاشعرية للرحمن الرحيم الحكيم غاية الاستقباح والكل يستقبحون تأويل القرامطة لجميع الاسماء الحسنى غاية الاستقباح ومتى نظرت بعين الانصاف وجدتهم في ذلك كما قيل

وعين الرضا عن كل عيب كليلة
ولكن عين السخط تبدي المساويا

وكذلك نجد كل واحد منهم يلزم المنكر عليه مثل ما ألزمه فان المعتزلة والاشعرية إذا كفروا الباطني بانكار الاسماء الحسنى والجنة والنار يقول لهم الباطني لم أجحدها إنما قلت هي مجاز مثل ما انكم لم تجحدوا الرحمن الرحيم الحكيم وإنما قلتم إنها مجاز وكيف كفاكم المجاز في الايمان بالرحمن الرحيم وهما أشهر الاسماء الحسنى أو من أشهرها ولم يكفني في سائرها وفي الجنة والنار مع أنهما دون أسماء الله بكثير وكم بين الايمان بالله وبأسمائه والايمان بمخلوقاته فاذا كفاكم الايمان المجازي بأشهر الاسماء الحسنى فكيف لم يكفني مثله في الايمان بالجنة والنار والمعاد يوضحه أن الاجماع منعقد على كفر من قال أن الله يأمر بالفسق والمعاصي حقيقة


129
وقد قال الزمخشري بذلك مجازا في تفسيره أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ولم يكفر بذلك وكذلك قال بعض الاشعرية أن الله تعالى يحب المعاصي مجازا ولم يكفروه بذلك ولو قالوه حقيقة كفروا فدل على أن الايمان المجازي في موضع الحقائق كلا شيء فكما لم يضره من آمن بالامر بالقبائح مجازا فكذلك لا ينفع من آمن بالرحمن الرحيم الحكيم مجازا لأنهم بمنزلة الزمخشري في إيمانه بأمر الله بالفسق مجازا مع نفيه لذلك أشد النفي واعتقاده أنه كالعدم يوضحه أنه لا شك ولا خلاف في كفر من آمن بالنبوات مجازا ونفاها حقيقة فأسماء الله الحسنى المعلوم تمدحه بها في جميع كتبه أجل وأعظم من جنته وناره وأنبيائه فلا يكفي الايمان بشيء منها مجازا إلا أن يصح في ذلك اجماع قاطع وبرهان الله أقطع في بعض المواضع يؤمن معه من الوقوع في البدعة والفرقة المنهي عنهما بالنصوص والاجماع وكذلك يقول بعضهم لبعض فيما اختلفوا فيه كما يقول لهم الباطني

وكذلك محبة الله تعالى لأنبيائه وأوليائه التي هي أعظم فضل الله العظيم عليهم وأشرف ما يرجونه من مواهبه العظام وقد نص الله تعالى على ذلك في غير آية من كتابه الكريم كقوله تعالى يحبهم ويحبونه وقوله تعالى والله يحب الصابرين وكذلك كون الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وأكبر من ذلك أن الله تعالى اتخذ ابراهيم صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم خليلا بالنص القرآني واتخذ محمدا صلى الله عليه وسلم خليلا بالنص النبوي والحلة في اللغة العربية أرفع مراتب المحبة ولم تزل هذه النصوص مقررة مجللة معتقدة مع تنزيه الله تعالى من نقائصها مثل تنزيهه من نقائص علم المخلوقين وارادتهم في العليم المريد وغيرهما حتى فشت البدعة واجتمعت كلمة المعتزلة والأشعرية على تقبيح نسبة الرحمة والحلم والمحبة والخلة إلى الله تعالى إلا بتأويل موجب لنفي هذه الأشياء عن الله بغير قرينة وموجب تحريم اطلاقها إلا مع القرينة فيجوز عندهم أن تقول إن الله غير رحيم ولا رحمن ولا حليم ولا يحب المؤمنين ولا الصابرين ولا المتطهرين


130
ولا اتخذ ابراهيم خليلا بغير قرينة ولا تأويل كما يجوز أن تقول في الجدار أنه ليس بمريد ولا يجوز ذلك الاثبات إلا بالتأويل والقرينة الدالة عليه

والمسلم بالفطرة ينكر هذه البدع وبالرسوخ في علم الحديث يعلم بالضرورة حدوثها وأن عصر النبوة والصحابة بريء منها مثل ما يعلم أن المعتزلة أبرياء من مذهب الأشعرية وأن الأشعرية أبرياء من مذهب المعتزلة وأن النحاة أبرياء من مذهب الشعوبية وأمثال ذلك فيجب تقرير ذلك وأمثاله مما وصف الله تعالى به ذاته الكريمة على جهة التمدح والحمد والثناء وسيأتي الجواب عن سبب تخلف الرحمة لكثير من أهل البلاء كما يتخلف العطاء عن كثير من الفقراء ولا يقدح ذلك في مدح الله بالجود والكرم حقيقة باجماع المسلمين لمعارضة الحكمة في الموضعين سواء وقد جود الغزالي القول في هذا المعنى في المقصد الامنى فلا حاجة إلى التطويل بنقل كلامه وموضعه معروف

والدليل على أنه لا يجوز القول بأن ظاهر هذه الاسماء كفر وضلال وأن الصحابة والسلف الصالح لم يفهموا ذلك أو فهموا ولم يقوموا بالواجب عليهم من نصح المسلمين وبيان التأويل الحق لهم أمران الأول قاطع ضروري وهو أن العادة توجب في كل ما كان كذلك أن يظهر التحذير منه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه يتواتر أعظم مما حذروا من الدجال الأعور الكذاب ولا يجوز عليهم مع كمال عقولهم وأديانهم أن يتركوا صبيانهم ونساءهم وعامتهم يسمعون ذلك منسوبا إلى الله وإلى كتابه ورسوله وظاهره الكفر وهم سكوت عليه مع بلادة الأكثرين ولو تركوا بيان ذلك ثقة بنظر العقول الدقيق لتركوا التحذير من فتنة الدجال فان بطلان ربوبيته أجلى في العقول من ذلك ألا ترى أن المتكلمين لما اعتقدوا قبح هذه الظواهر تواتر عنهم التحذير عنها والتأويل لها وصنفوا في ذلك وأيقظوا الغافلين وعلموا الجاهلين وكفروا المخالفين وأشاعوا ذلك بين المسلمين بل بين العالمين فكان أحق منهم بذلك سيد المرسلين وقدماء السابقين وأنصار الدين الثاني أنه قد ثبت في تحريم الزيادة في الدين أنه لا يصح سكوت الشرع عن النص على ما يحتاج اليه من مهمات الدين


131
وثبت أن الاسلام متبع لا مخترع ولذلك كفر من أنكر شيئا من أركانه لأنها معلومة ضرورة فأولى وأحرى أن لا يجيء الشرع بالباطل منطوقا متكررا من غير تنبيه على ذلك لا سيما إذا كان ذلك الذي سموه باطلا هو المعروف في جميع آيات كتاب الله وجميع كتب الله ولم يأت ما يناقضه في كتاب الله حتى ينبه على وجوب التأويل والجمع أو يوجب الوقف بل لم يأت التصريح بالحق المحض عند كثير منهم قط في آية واحدة تكون هي المحكمة ويرد اليها جميع المتشابه فان الله ذكر أنه نزل في كتاب آيات محكمات ترد اليها المتشابهات ولم يقل أن جميع كتابه متشابه فأين الآية المحكمة التي دلت على ما يقولون

وقد اعترف الرازي في كتابه الاربعين وهو من أكبر خصوم أهل الأثر أن جميع الكتب السماوية جاءت بذلك ولم ينص الله تعالى في آية واحدة على أنه منزه من الوصف بالرحمة والحلم والحكمة وأنه ليس برحيم ولا رحمن ولا حليم ولا حكيم ولا سميع ولا بصير وهذا خليل الله تعالى الذي مدح نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بمتابعته يقول لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا إلى قوله إن الشيطان كان للرحمن عصيا فكيف يحسن تقرير الخلاف في ذلك كله بين المعظمين من علماء الاسلام من غير تحذير منه ولا زجر عنه وأمثال ذلك على ما ادعاه علماء الاثر وهو كذلك وإن لم يعترف به وهذه الكتب السماوية موجودة كلها

وهبك تقول هذا الصبح ليل
أيعمى العالمون عن الضياء

فان قيل ورود المتشابه في القرآن معلوم مجمع عليه ولابد أن يكون ظاهر المتشابه باطلا وإلا لما وجب التأويل فما هذا التهويل

قلنا أما وروده فمعلوم لا ينكر وأما تفسيره بما يوجب أن يكون ظاهره باطلا فغير صحيح لقول الراسخين في العلم آمنا به كل من عند ربنا ولذم الله الذين في قلوبهم زيغ بابتغاء تأويله وقد تقدم هذا فلا نسلم قبح ظاهره بل هو محل النزاع بل نقول هو قسمان


132
أحدهما لا ظاهر له ولا يفهم منه شيء فلا يضل به أحد وذلك مثل حروف التهجي في أوائل السور على الصحيح كما تقدم فحكمه الوقف في معناه وكذلك المشترك الذي تجرد عن القرائن في حق من لم يعرف قرينه مرجحة لاحد معانيه وما جري هذا المجرى وقد تقدم الوجه في جواز ورود السمع بمثل هذا ولا يجوز القطع على خلوه عن الحكمة لجواز فهم البعض له ولو رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أو لجواز أن تكون الحكمة فيه غير فهم معناه ولعدم الدليل القاطع على أنا مخاطبون بهذا الجنس

النوع الثاني من المتشابه ما كان له ظاهر يسبق إلى افهام أهل اللغة ولكن خفيت الحكمة فيه على العقول مثل عدم العفو عن المشركين في الآخرة وعمن شاء الله من المذنبين مع أن العفو أرجح وأحب إلى الله تعالى في جميع كتبه وشرائعه وأحكامه وأوامره فهذا نؤمن بظاهره ولا نقول أن ظاهره باطل بل نقول أن الحكمة فيه خفية ولو أنا علمناها لعرفنا حسنه بل نقطع أنا أجهل من أن نعلم جميع حكم الله في جميع أحكامه ولو علمنا الله تعالى نصف ما يعلمه لجاز أن تكون الحكمة في هذا النصف الذي لم يعلمناه كيف وقد صح أن جميع علم الخلائق في علم الله مثل ما يأخذه الطائر بمنقاره من البحر الأعظم

وأما المجاز المعلوم أنه مجاز مثل واخفض لهما جناح الذل من الرحمة فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور فليس من المتشابه فان هذا يعرف معناه جميع أجلاف العرب ولا يصح دخول اللبس والاختلاف في معناه ولذلك لم يقل بنفي عمى الابصار لأن معنى الآية نفي عمي القلوب عن الابصار وأن عمي القلوب هو الحقيقي العظيم المضرة والابصار لا تعمى عنه إنما تعمى القلوب وكذلك الأمر بخفض جناح الذل معلوم أن المراد به الخضوع للوالدين واللطف بهما ونحو ذلك وكذلك كلما وضحت فيه احدى القرائن المجازية الثلاث


133
المعروفة اللفظية والعقلية والعرفية ولم تكن القرينة خفية مختلفا فيها كما سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى

وقد تم الكلام في بيان تحريم الزيادة في الدين والنقص منه وقلما تدخل البدعة على السني من هذين الامرين وأكثر ما تدخل عليه من التصرف في العبارات وهو الامر الثالث الذي وعدت بذكره مفردا لكثرة مضرته وإن كان في الحقيقة راجعا إلى الزيادة في الدين فأقول

الامر الثالث التصرف في عبارات الكتاب والسنة والرواية بظن الترادف في الألفاظ واعتقاد الترادف من غير يقين وقد تفاحش الأمر في ذلك ونص القرآن على النهي عن التفرق فوجب تحريم ما أدى اليه والاختلاف في معاني كتاب الله تعالى ورواية ما قال الله ورسوله بالمعنى قد أدى ذلك إلى الحرام المنصوص ولم يكن من الانصاف أن نقول الحق متعين منحصر في عبارات بعض فرق الاسلام دون بعض غير ما ثبت في إجماع الامة والعترة فوجب أن يعدل إلى أمر عدل بين الجميع فتترك كل عبارة مبتدعة من عبارات فرق الاسلام كلها سواء علمنا بالعقل أنها حق أو باطل لأنه لا يجب الاشتغال بكل حق فقد نعلم من أمور الدنيا ما لا يحصى ولا تجب علينا معرفته وتعريفه مثل ما اشتملت عليه التواريخ من حوادث الزمان وعجائب أخبار البلدان بل ما تضمن المفاسد من الحق حرم فلذلك قد يكون من الحق ما هو حرام بالاجماع والنص كالغيبة والنميمة متى أردنا بالحق مجرد الصدق والمطابقة فلذلك لا ينبغي الاشتغال ببعض العلوم وغيرها لمجرد كونها حقا حتى يرد الشرع بالأمر بذلك ليعلم بالشرع أنه حق متضمن لمفسدة راجحة أو مساوية والله أعلم وكذلك ما كان من أمور الدين التي لم ينص فرض معرفتها في كتاب الله ولا السنة المتفق على صحتها

فان قلت هذا صحيح متى ثبت أنه يجوز على العلماء والثقات الخطأ في فهم المعنى أو في التعبير عما فهموا أو فيهما معا فما الدليل على جواز ذلك على العلماء حيث لم يصح إجماعهم

قلت الدليل على ذلك أمور كثيرة أذكر منها ما حضر والله الهادى


134

منها أنه ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) وفي رواية فرب حامل فقه غير فقيه وثبت أن الفتنة وقعت بين الصحابة ما لها سبب إلا اختلافهم في الفهم وثبت في الصحيح أن عدي بن حاتم الصحابي رضي الله عنه غلط في معنى قوله تعالى حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود وجعل تحت وسادته عقالين أسود وأبيض فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لعريض القفا أو عريض الوساد وثبت في الصحيح أن ابن عمر رضي الله عنهما لما روى حديث الميت يعذب ببكاء أهله قالت عائشة ما كذب ولكنه وهل أي أخطأ في فهم ما سمع

وفي الصحيح عنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( أرأيتكم ليلتكم هذه فان على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدا ) خرجه البخاري ومسلم وزاد فيه الترمذي وأبو داود قال ابن عمر فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتحدثونه من هذه الأحاديث يعني حسبوه أراد القيامة وفي المستدرك عن علي عليه السلام نحو هذا

وأوضح من هذا كله أن النبي صلى الله عليه وسلم شرط التعمد فقال ( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) وهو حديث متواتر فلولا جواز الخطأ ما كان لذلك فائدة وثبت أيضا أن عمر رضي الله عنه شك في حديث فاطمة بنت قيس لمثل ذلك بل شك في حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه في التيمم لخوف الوهم فان عمارا لا يتهم بتعمد الكذب ولذلك أذن له في روايته مع شكه في صحته وثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال ( ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة ) أو فهم أوتيه رجل فدل على التفاوت في الفهم ويدل عليه من كتاب الله قوله سبحانه ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما

يوضح ذلك أنه قد اشتد اختلاف العلماء في أمرين أحدهما رواية الحديث بالمعنى حيث يستيقن الترادف والاستواء المحقق في العموم والخصوص والخفاء والجلاء وأن لا تنقل اللفظة المشتركة إلى لفظة غير مشتركة ولا


135
العكس ولا لفظة لها مجاز إلى لفظة لا مجاز لها ولا العكس ولا يعبر بالحقيقة عن المجاز ولا العكس ولا بالمنطوق عن المفهوم ولا العكس ولا بالمطابقة عن التضمن ولا الالتزام ولا العكس وأمثال ذلك

فاذا اجتمعت هذه الشرائط وعلم اجتماعها فهو محل الاختلاف الشديد في الرواية بالمعنى فمنهم من أجاز الرواية بالمعنى للضرورة ومنهم من منعها خوفا من المفسدة ومنهم من فصل فقال أن كان اللفظ النبوي محفوظا لم يجز سواه ومنهم من عكس وقال إن كان محفوظا جاز لأن معنى اللفظ المحفوظ معروف يتمكن من تبديله بمثله ومعنى اللفظ المنسي غير معروف إلى غير ذلك من الأقوال

ولولا ضرورة الترجمة للعجم ما شك منصف أن الأولى منع هذا سدا للذريعة إلى تحريف المعاني النبوية لأن كل أحد حسن الظن بنفسه وقد يظن بل يقطع أن المعنى واحد وليس كذلك يوضحه أن الدليل على أن المعنى واحد ليس الا عدم الوجدان لمعنى آخر لجواز الاشتراك أو لتجوز وهذا دليل ظني والظن هنا غير مفيد

فثبت أنه لا يجوز إلا للضرورة المجمع عليها كالترجمة للعجمي ولذلك كان بيان الموقوف على الصحابي من المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم واجبا ولم يحل رفع الموقوف الذي لا مجال للعقل في معرفته وإن جاز العمل به لحسن الظن بالصحابي فلا يحل رفعه وثبت عن ابن مسعود أنه كان إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبلته الرعدة وقال هكذا إن شاء تعالى أو أو ذكره الذهبي في ترجمته من التذكرة وسمى أبو بكر رضي الله عنه تفسيره للكلالة رأيا لأجل هذا رواه البغوي في تفسيره وغيره وإلا فما فسرها إلا بمقتضى اللغة العربية

فان قلت لابد من العمل بدلالة التضمن والالتزام فكيف منعت منهما

قلت لم أمنع من العمل بهما في العمليات الظنيات وإنما منعت من أمرين أحدهما تبديل المطابقة بهما فكما أنه لا يجوز لك أن تقول أن الله حرم عظام الخنزير وشعره أعني لا يجوز أن تنسب ذلك إلى قول الله ونصه


136
بدلالة التضمن وهي أن هذه الأشياء بعض الخنزير الذي حرمه الله تعالى وهو متضمن لها وان كان لك أن تذهب إلى ذلك وتعمل فيه بمقتضى ما تضمنه على أن المنصوص من تحريمه هو لحمه لا جملته وثانيهما العمل بالتضمن والالتزام في الاعتقاد القاطع لأنهما غير قاطعين ولا ضرورة اليهما فيه ولخوف الفتنة وفتح أبواب الاختلاف والتفرق المنهي عنه

وقد روى البخاري ومسلم والنسائي حديث ابن عمران الجوني عن النبي صلى الله عليه وسلم اقرأوا القرآن ما أئتلفت عليه قلوبكم فاذا اختلفتم فقوموا عنه وشواهده كثيرة فهذا في القرآن المأمور بالاعتصام به كيف بما سواه

الامر الثاني مما يدل على جواز الخطأ على أهل العلم في الفهم والتعبير أنه اشتد اختلاف فطنائهم وأذكيائهم في تعريف الامور الظاهرة بالحدود الجامعة المانعة وقد تسمى الحقائق فانه قد علم شدة اختلافهم في ذلك وقدح بعضهم على بعض وعلم اجتهادهم في تحريرها وندور الحد الذي لا يعترض مع أن كثيرا من الامور التي يتعرضون لحدها يكون جليا واضحا كالعلم والخبر وقد اشتد الخلاف في تحديدهما كما ذكره ابن الحاجب في مختصر المنتهى وشراح كتابه وغيرهم وكذلك يختلف المتكلمون والنحاة والفقهاء في نحو ذلك فثبت أن المعبرين عن المعانى كالرماة للاغراض يقل منهم المصيب ومن يفوز من الاجادة بنصيب

بل قد وضح في كتاب الله عز وجل اختلاف سليمان وداود عليهما السلام في الفهم كما مضى ونص موسى على أن أخاه هارون أفصح منه لسانا فاذا ثبت جواز الخطأ على العلماء في الفهم أولا ثم في التعبير عما فهموا ثانيا وكانوا قد اختلفوا في كثير من القرآن والسنة وعبر كل منهم بعبارة محدثة مبتدعة وقد رأيناهم متباعدي الفهم والاجادة في التعبير عن الجليات كالعلم والخبر مع جمع الخواطر على تنقيح العبارة في الحدود وحذف الفضلات واجتناب المجاز وقصد صحة الجمع لأوصاف المحدود والمنع من دخول غيره فيه والعناية التامة في تحرير الحد على جميع شرائطه المعروفة والحذر من قدح الاذكياء فيه بأدنى أمر يلمحه فطنهم الوقادة وقرائحهم النقادة فمع هذا الاحتراز الكثير وقع الخلل الكبير في


137
تعريف كثير من الجليات التي هي أفعالنا كالخبر أو صفاتنا الوجدانية كالعلم والوجود فكيف إذا وقع التعبير عن محارات العقول ومواقفها من أحكام القدم والقديم سبحانه ونعوت جلاله الاكبر الاعز الاعظم وسائر ما يتعلق به من الاسماء والاحكام ثم سائر دقائق الجواهر والاعراض وغوامض علم الكلام وما لم تعرف العقول منه إلا مجرد العبارات الرائعة والاشارات الغامضة في أسرار الاقدار والحكم الخفية وتأويل المتشابهات التي تفرد الرب سبحانه بعلمها على الصحيح والجمع بين المتعارضات والخوض في الممنوعات مثل كلامهم في الروح مع توقف النبي صلى الله عليه وسلم فيه ونزول القرآن بما يقتضي الكف عنه ورعا وأدبا وحياء من الله ورسوله حتى تجاسروا على تأويل الروح بغير دليل

ومنتهى الامر أن ما قالوه محتمل فمجرد الاحتمال لا يبيح الممنوع من غير يقين مع التساهل وعدم الاحتراز الذي ذكرناه في الحدود ومع اعتماد المجاز والاستعارات والتورية والاشارات في كثير من المواضع على أن الله تعالى قد حكى في كتابه من زجر الملائكة عن الخوض في بعض ذلك ما كان فيه كفاية وعبرة حيث تعرضوا عليهم السلام لمعرفة سر القدر في أمر واحد وهو خلق آدم وذريته بقولهم للملك العزيز العليم الحكيم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فقوبلوا من الخطاب بما لم يكن لهم في حساب حتى قيل لهم إن كنتم صادقين فيما خاطبهم به رب العالمين وأمرهم أن يكونوا لآدم ساجدين وكان إبليس بسبب تكبره عن ذلك من الكافرين وهذا كله بسبب خوضهم في السر الممنوع والامر المحجوب وكذلك موسى الكليم عليه أفضل الصلاة والتسليم وهو المقرب نجيا والوجيه عند الله نصا جليا لما تعرض لما ليس من شأنه من علم السر الذي هو تأويل المتشابه نزل إلى مقام السائل المحروم والمخطئ المكظوم وقطع على خطا الخضر عليهما السلام في موضع كان يجب عليه القطع فيه بتصويبه لما تقدم من أخبار الله تعالى له بأنه أعلم منه وسؤاله لقاءه وإجابته دعوته


138
وتبليغه بفضل الله إلى ذلك كل ذلك لما تعرض لسر التأويل وفي مثل ذلك قيل

وإن مقاما حار فيه كليمه
ولم يستطع صبرا لخير العوالم

جدير بتحقيق عظيم وريبة
من الوهم عند الجزم من كل عالم

وفي البيت الثاني تنبيه للمتكلمين وغيرهم على ما لم يزل الاكابر يقعون فيه من دعوى القطع واعتقاده من غير تحقيق فان موسى عليه السلام لولا اعتقد القطع بخطإ الخضر ما أنكر عليه

وكذلك قطع كثير من علماء الكلام على صحة أدلتهم الموجبة لتأويل كلام علام الغيوب بل هم دون الكليم المقرب الوجيه المعصوم بمسافات لا تدركها الخواطر ونسبة علم الله تعالى إلى علم جميع العالمين كما جاء في الصحيح مثل ما أخذه الطائر من البحر الزاخر

وما أحسن أدب البوني في قوله علم الخلائق في علم الله مثل لا شيء في جنب ما لا نهاية له والقصد أن من عرف منه الخطأ في الجليات فكيف يكون حاله متى خاض في هذه الخفيات وترك عبارات الحق الذي نص على أنها لا تبدل كلماته وانه لا معقب لحكمه وان كتابه لو كان من عند غيره لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وانه نور وشفاء وهدى لا ريب فيه فكيف تترك عبارات هذا المعجز الباهر وتبدل بعبارات من لا عصمة له عن الخطأ بل عن القبائح والكفر أعاذنا الله تعالى منه

ولقد تفاحش جهل أتباع المتكلمين ومقلديهم وغلوا في الدعاوى غلوا لم يسبقهم اليه غلاة قدمائهم وسباق كبرائهم فهذا أبو القاسم البلخي الكعبي إمام المعتزلة يقول في حق العامة هنيئا لهم السلامة هنيئا لهم السلامة ذكره في كتابه المقالات وقد عد العامة فرقة وحدهم فأصاب

وصنف محمد بن منصور كتاب الجملة والألفة في النهي عن تكفير المختلفين في أصول الدين وهو إمام التشيع للعترة وحتى أقوالهم وأفعالهم عليهم السلام على ذلك وأنه مذهب من أدرك من المعتزلة كالجعفرين


139
وطول في ذلك ذكره صاحب الجامع الكافي في آخر الجزء السادس وهذا العلامة ابن أبي الحديد المعتزلي مع توغله في علم الكلام يقول

تاه الانام بأسرهم
فاليوم صاحي القوم عربد

والله ما موسى ولا
عيسى المسيح ولا محمد

عرفوا ولا جبريل وهو
إلى محل القدس يصعد

من كنه ذاتك غير أنك
واحد في الذات سرمد

عرفوا اضافات ونفيا
والحقيقة ليس توجد

فليخسأ الحكماء عن
حرم له الاملاك له سجد

من أنت يا رسطو ومن
أفلاط مثلك يا مبلد

ومن ابن سينا حيث قرر
ما هذيت به وشيد

هل أنتم إلا الفراش
رأى السراج وقد توقد

فدنا فأحرق نفسه
ولو اهتدى رشدا لأبعد
وفي ذلك يقول أيضا

فيك يا أغلوطة الفكر
تاه عقلي وانقضى عمري

سافرت فيك العقول فما
ربحت الا عنا السفر

رجعت حسرى وما وقفت
لا على عين ولا أثر

فلحى الله الاولى زعموا
إنك المعلوم بالنظر

كذبوا إن الذي زعموا
خارج عن قوة البشر

وله في هذا المعنى أشياء بليغة كثيرة ذكرها في شرح نهج البلاغة في شرح قول أمير المؤمنين عليه السلام وقد ذكر عجز العقول عن معرفة ذات الرب جل جلاله فقال عليه السلام في ذلك امتنع منها بها واليها حاكمها قال ابن أبي الحديد وهو قول لم تزل فضلاء العقلاء مائلين اليه ومعولين عليه أو كما قال

وقد استكثرت من كلامه على قدر تركي البسيط في هذا المختصر لمعارضة أصحابه المعتزلة بكلامه فانهم يعترفون بعلو مرتبته فيهم


140
فأما أهل السنة ومن ينسب إلى نصرتهم من المتكلمين فهم بذلك أشهر ومما قاله الفخر الرازي

العلم للرحمن جل جلاله
وسواه في جهلاته يتغمغم

ما للتراب وللعلوم وإنما
يسعى ليعلم أنه لا يعلم

وأنشد الشهرستاني في ذلك في أول كتابه نهاية الاقدام في علم الكلام

لقد طفت في تلك المعاهد كلها
وسيرت طرفي بين تلك المعالم

فلم أر إلا واضعا كف حائر
على ذقن أو قارعا سن نادم

وصرح الغزالي بذلك في الاحياء وصنف فيه ولابن دقيق العيد فيه أبيات جيدة مع علو مرتبته في المعقولات والمنقولات

واشتهر عن الجنيد نفع الله به على علو مرتبته انه كان يقول ما يعرف الله إلا الله وجود الغزالي تفسير ذلك في مقدمات المقصد الاسنى وجود ذلك أيضا الزركشي في شرحه جمع الجوامع للسبكي ودع عنك هؤلاء كلهم فقد كفانا كتاب الله تعالى حيث يقول سبحانه ولا يحيطون به علما ولا أوضح من نص القرآن إذا أجير من التأويل بغير برهان وكيف نتأول ذلك وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم وهو المبين لكتاب الله الواسطة المختارة بين الله وبين عباد الله يقول في هذا المقام سبحانك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقال في حديث آخر تطاع ربنا فتشكر وتعصى فتغفر وتجيب المضطر وتكشف الضر ولا يجزى بآلائك أحد ولا يبلغ مدحك قائل هذا وهو أفصح وأعلم من ترجم عن ممادح ربه سبحانه وهو المؤتى في ذلك لجوامع الكلم وحسناها وأنفسها عند الله تعالى وأسناها وهو المخاطب بقول الله تعالى وعلمك


141
ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ) فاعترف عليه السلام بقصور عبارته عن بلوغ المرام في هذا المقام فكيف سائر الانام

مرام شط مرمي الوصف فيه
فدون مداه بيد لا تبيد

فان قيل كيف السبيل إلى المنع من التعبير بغير عبارة الكتاب والسنة وقد وقع التعبير في هذا الكتاب وغيره بذلك قلنا لم نمنع ذلك مطلقا إنما منعنا ذلك في مهمات الدين التي وضحت فيها عبارات الكتاب والسنة ودلت الادلة على انها منحصرة كما تقدم ولم تلجيء اليها ضرورة ولا اجتمعت شرائط اليقين في مطابقة العبارات عنها

والنكتة في ذلك منع ما يؤدي إلى الاختلاف المحرم وتمييز ما يجب قبوله وهو عبارات القرآن والسنة عما لا يجب قبوله على الجميع وهو عبارات من ليس بمعصوم وليس يخالف في حسن هذا الاختيار مميز بعد فهم معناه والمقصود به وقد يجمع بين عبارة الكتاب والسنة وعبارة أهل المعقولات إذا كان معناهما واحدا جليا لا يؤدي إلى مفسدة ولا إلى اختلاف ولكن ليكون الجمع بينهما أظهر في وضوح المعنى وتجليه لاهل العلوم المعقولات والمنقولات جميعا وآنس لهم حيث اجتمعت عباراتهم على معنى متداول متفق عليه بين أهل المعارف من أئمة الفنون كلها كما نذكره في مسألة الارادة من التعبير عن حكمة الله تعالى في المتشابه لغرض العرض تارة وبالمراد الأول تارة وبالخير المحض تارة وبالغايات الحميدة تارة وتأويل المتشابه والداعي والحكمة وداعي الحكمة وأمثال ذلك والله الهادي

فهذا الكلام انسحب على من التهى عن ترك عبارات الكتاب والسنة وتولى من لم يعصم للتعبير عنهما وما يجر ذلك من الخطأ وتوسيع دائرة الاختلاف المحرم وان ذلك أدى إلى غموض الحق وخفائه وزاد الحق غموضا وخفاء أمران

أحدهما خوف العارفين مع قلتهم من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن واجماع أهل الاسلام وما زال الخوف مانعا من اظهار الحق ولا برح المحق عدوا لاكثر الخلق


142

وقد صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في ذلك العصر الأول حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين أما أحدهما فبثثته في الناس وأما الآخر فلو أبثه لقطع هذا البلعوم وما زال الأمر في ذلك يتفاحش وقد صرح الغزالي بذلك في خطبة المقصد الاسنى ولوح بمخالفته أصحابه فيها كما صرح بذلك في شرح الرحمن الرحيم فأثبت حكمة الله ورحمته وجود الكلام في ذلك وظن أنهم لا يفهمون المخالفة لان شرح هذين الاسمين ليس هو موضع هذه المسألة ولذلك طوى ذلك واضرب عنه في موضعه وهو اسم الضار كما يعرف ذلك أذكياء النظار

وأشار إلى التقية الجويني في مقدمات البرهان في مسألة قدم القرآن والرازي في كتابه المسمى بالاربعين في أصول الدين في الكلام على تأثير الوصف العدمي في دليل الاكوان وصرح بالمخالفة في ذلك في المحصول في باب القياس لأنهم يتسامحون في المخالفة في الاصول الفقهية دون الاصول الدينية وتراه يشير في نهاية العقول الاشارة الخفية الى مخالفتهم كما صنع في دليل الاكوان بعد الاحتجاج في تماثيل الاجسام على ان الجسمية أمر مشترك حيث قال وفي هذا الكلام نظر لم يزد على هذا وقد أشار الى انه راجع الى أن ما لا دليل عليه يجب نفيه وقد بالغ في بطلانه كما أوضحته في العواصم وقد طول في مقدمات النهاية في ابطال هذه الطريقة فتأمل أمثال ذلك منه

وفي صحيح البخاري باب كيف يقبض العلم وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم انظر ما كان من حديث النبي صلى الله عليه وسلم فأكتبه فانى أخاف دروس العلم وذهاب العلماء ولا يقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وليفشوا العلم وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فان العلم لا يهلك حتى يكون سرا وأورد فيه حديث ابن عمر مرفوعا ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد وإنما يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا

قال ابن بطال معنى قوله ان الله لا ينتزع العلم من العباد انه لا يهب لهم العلم ثم ينتزعه بعد أن تفضل به عليهم وانه يتعالى عن ان يسترجع ما وهب لهم من علمه الذي يؤدي إلى معرفته والايمان به وانما يكون قبض


143
العلم بتضييع العلم فلا يوجد فيمن يبقى من يخلف من مضى وقد أنذر عليه الصلاة والسلام بنقص الخير كله وما ينطق عن الهوى

وثانيهما الاعتماد على الكتابة في حفظ العلم فانه أدى إلى كتم أهل العلم لكثير من مصونه في أول الأمر ثم لمهمات الدين في آخره وكان العلم في أول الأمر يبذل من أهله لأهله مشافهة ولو سرا وذلك النقص وهو محفوظ في الصدور غير مبذول لأهل الشرور في السطور فلما قل الحفظ وطال الأمر وكتب ليحفظ وتعذرت الصيانة وخيف العدوان من أعداء أهل الايمان كتم بعضهم فلم يظهر علمه فازداد النقص واتقي بعضهم فتكلم بالمعاريض الموهمة للباطل خوفا على نفسه ورمز بعضهم فغلط عليه فيما قصده في رمزه فتفاحش الجهل وقد أوضحت كثرة الغلط فيما أريد بيانه كيف لا فيما أريد كتمانه وما لا يجوز تفسيره إلا لمن علم من صاحبه مراده بالنص فلما كثرت أسباب غموض الحق وجب الرجوع في أصله الذي ضمن الله حفظه حيث قال إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وان يبتغي من حيث ابتغاه خليل الله عليه السلام حيث قال إني ذاهب إلى ربي سيهدين كما نص على ذلك معاذ رضي الله عنه حيث قال وأوصى به عند موته كما رواه الترمذي والنسائي معافى المناقب والحاكم في الفتن من المستدرك وصححه على شرط مسلم وهذا لفظه مختصرا عن زيد بن عمير أنه كان عند معاذ حين احتضر فكان يغشي عليه ثم يفيق حتى غشي عليه غشية ظننا انه قد قبض فيها ثم أفاق وأنا مقابله أبكى فقال ما يبكيك قلت أبكي على العلم والحلم الذي أسمع منك يذهب قال فلا تبك فان العلم والايمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما فابتغه حيث ابتغاه إبراهيم عليه السلام فانه سأل الله وهو لا يعلم وتلا إني ذاهب إلى ربي سيهدين أه ونحو ذلك ما وهب الله من اليقين والفوز العظيم لأهل الكهف وكذلك السحرة الذين آمنوا بموسى من غير طول نظر وقد غلل الله قبول النصارى للحق بان منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق


144

فمن أراد احياء هذه السنة واتباعها خلع قيود عصبيات المذاهب ورسوم عوائدهم وترك التقليد في تكفير الخصوم وترك جميع العبارات المبتدعة وأخلص لله والتجأ اليه وتضرع وتورع وتذلل وتواضع واستأنف طلب العلم النافع من الله بواسطة أهل الورع والتواضع والانصاف من علماء الطوائف كلها ولم يقلدهم في دعاوي التفسير لكتاب الله تعالى وصحيح السنة حيث يختلفون حتى ينظر بتفهم وانصاف أيهم أقوى دليلا وأوضح سبيلا مؤمنا بالله موقنا بمعونته وهدايته وصدق وعده حيث قال سبحانه ومن يؤمن بالله يهد قلبه وحيث قال على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ومن أتاني يمشي أتيته أسعى ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت اليه باعا فاذا علمنا على ذلك لوجه الله وتعاونا عليه لله وبالله نظرنا في نصوص كتاب الله وصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فان وضح الحق من غير دقة وغموض ولا تعارض بين النصوص ولم يجب التأويل بامر بين جلي مأمون الخطر باجماع أو ضرورة فلا معدل عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وان وقع التعارض المحقق وسعنا الوقف في ذلك ووكلنا علمه إلى الله تعالى امتثالا لقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وان كان التعارض غير محقق وانما هو اختلاف يمكن فيه الجمع جرينا على القواعد الصحيحة المجمع عليها في الجمع بين المختلفات وتركنا من حاد عنها بالمعاذير الخفية

وهذه القواعد هي مثل تقديم النص على الظاهر المحتمل والخاص على العام والمبين على المجمل والمعلوم على المظنون والمتواتر على الآحاد والناسخ على المنسوخ والمشهور على الغريب والصحيح على الضعيف والمتفق على صحته على المختلف في صحته وكلام أئمة كل فن على من خالفهم ممن لا يعرف ذلك الفن أو يعرف منه اليسير ولا يعرف ما عرفوه فان الأمر في ذلك كما قيل ليس العارف كالبارع في المعرفة وشتان ما بين ليلة المزدلفة وليلة عرفة وكذلك نرجع في شروط ذلك كله إلى الأدلة المقبولة

فان قيل لابد من تفسير الكتاب والسنة بغير الفاظهما وقد منعتم من


145
العبارات المبتدعة قلنا لم نمنع من ذلك مطلقا إنما منعنا منه حيث يضر ويستغني عنه بعبارات الكتاب والسنة الجليلة التي لا تحتاج إلى تفسير كما تقدم وأما التفسير فما كان من المعلومات بالضرورة من أركان الاسلام واسماء الله تعالى منعنا تفسيره لأنه جلي صحيح المعنى وإنما يفسره من يريد تحريفه كالباطنية الملاحدة وما لم يكن معلوما ودخلته الدقة والغموض فان دخله بعد ذلك الخطر وخوف الاثم في الخطأ مما يتعلق بالعقائد تركنا العبارات المبتدعة وسلكنا طريق الوقف والاحتياط إذ لا عمل يوجب معرفة معناه المعين وان لم يدخل فيه الخطر عملنا فيه بالظن المعتبر المجمع على وجوب العلم به أو جوازه والله الهادي
146
فصل في الارشاد إلى طريق المعرفة لصحيح التفسير

وأصح التفاسير عند الاختلاف بطريق واضح لا يشك أهل الانصاف في حسن التنبيه عليه والاشاد اليه

اعلم ان كتاب الله تعالى لما كان مفزع الطالب للحق بعد الايمان وكان محفوظا كما وعد به الرحمن ودخل الشيطان على كثير من طريق تفسيره وعدم الفرق بين التفسير والتحريف والتأويل والتبديل ولو كان لكل مبتدع ان يحمله على ما يوافق هواه بطل كونه فرقا بين الحق والباطل وقد ثبت انه يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق وهذا لا يتم إلا بحراسته من دعاوى المبطلين في تصرفاتهم واحتيالهم على التشويش فيه ولبس صوادعه وقواطعه بخوافيه وهذه هذه فليهتم المعظم له بمعرفتها ويتأملها حق التأمل ويتعرف على أسبابها ممن قد مارسها وقد أوضحتها فيما تقدم من هذا المختصر وذكرت الصور الابع التي يغلط فيها كثير من المتكلمين في اعتقاد وجوب التأويل بسببها أو بعضها فتأملها وجود النظر في ذلك الفصل الذي ذكرتها فيه

فاذا عرفت ذلك فلا غنى عن معرفة مراتب المفسرين حيث يكون التفسير راجعا إلى الرواية ثم مراتب التفسير حيث يكون التفسير راجعا إلى الدراية

أما مراتب المفسرين فخيرهم الصحابة رضي الله عنهم لما ثبت من الثناء عليهم في الكتاب والسنة ولان القرآن أنزل على لغتهم فالغلط أبعد عنهم من غيرهم ولانهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله عما أشكل عليهم وأكثرهم تفسيرا حبر الامة وبحرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وقد جمع


147
عنه تفسير كامل ولم يتفق مثل ذلك لغيره من الصدر الأول الذين عليهم في مثل ذلك المعول ومتى صح الاسناد اليه كان تفسيره من أصح التفاسير مقدما على كثير من الائمة الجماهير وذلك لوجوه أولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله دعا له بالفقه في الدين وتعليم التأويل أي التفسير كما تقدم تقريره في الكلام على المتشابه وصح ذلك واشتهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وله طرق في مجمع الزوائد وقال الحافظ أبو مسعود في أطرافه انه مما أخرجه البخاري ومسلم بكماله وفيهما من غير طريق أبي مسعود عند سائر الرواة اللهم علمه الكتاب والحكمة وفي رواية اللهم فقهه في الدين وفي رواية الترمذي أنه رأى جبريل عليه السلام مرتين ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالحكمة مرتين وينبغي معرفة سائر مناقبه مع ذلك في مواضعها ولولا خوف الاطالة لذكرتها

وثانيها أن الصحابة اتفقوا على تعظيمه في العلم عموما وفي التفسير خصوصا وسموه البحر والحبر وشاع ذلك فيهم من غير نكير وظهرت إجابة الدعوة النبوية فيه وقصة عمر معه رضي الله عنهما مشهورة في سبب تقديمه وتفضيله على من هو أكبر منه من الصحابة وامتحانه في ذلك

وثالثهما كونه من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة وستأتي الاشارة إلى مناقبهم الغزيرة في آخر المختصر فيكون المعظم له والموفى له حقه في ذلك قد قام بحق الثقلين وعمل بالوصية النبوية فيهما

ورابعهما أنه ثبت عنه إن كان لا يستحيل التأويل بالرأي روى عنه أنه قال من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار وفي رواية بغير علم رواه أبو داود في العلم والنسائي في فضائل القرآن والترمذي في التفسير وقال حديث حسن وشرطه فيما قال فيه حديث حسن ان يأتي من غير طريق

وخامسها أن الطرق اليه محفوظة متصلة غير منقطعة فصح منها تفسير نافع ممتع ولذلك خصصته بالذكر وإن كان غيره أكبر منه وأقدم وأعلم وأفضل مثل علي بن أبي طالب عليه السلام من جنسه وأهله وغيره من أكابر الصحابة رضي الله عنهم لكن ثبوت التفسير عنهم قليل بالنظر اليه رضي الله عنهم أجمعين


148

ثم المرتبة الثانية من المفسرين التابعون ومن أشهر ثقاتهم المصنفين في التفسير مجاهد بن جبر المكي وعطاء بن أبي رباح وقتادة بن دعامة والحسن البصري وأبو العالية رفيع بن مهران ومحمد بن كعب القرظي وزيد بن أسلم وكلهم مخرج عنهم الحديث في دواوين الاسلام الستة وغيرها والاسانيد اليهم بتفاسيرهم متصلة كما ذكره البغوي في أول تفسيره وغيره وقد نقم على بعضهم أشياء سهلة لكن ينبغي التيقظ لها عند التعارض والاختلاف فان مثلها يؤثر في الترجيح فينظر تراجمهم في تذكرة الذهبي وميزانه وأبسط منهما تهذيب شيخه المزي وكتابه النبلاء وأمثالها من كتب الرجال وتواريخ علماء الاسلام ويلحق بهؤلاء عكرمة مولى ابن عباس وهو دونهم لوقوع الخلاف فيه فان الخلاف فيه كثير بين الصدر الأول لكن أكثره راجع إلى اعتقاده لأنه كان ينسب إلى رأي الخوارج فيكون على ما يدل على مذهب الخوارج أضعف

وقد صنف جماعة في الذب عنه وجود ابن حجر في ذلك في مقدمة شرح البخاري لأن البخاري احتج به وأهل السنن والأكثرون وتجنبه الامام مالك ومسلم في صحيحه ثم بعده مقاتل بن حيان ومحمد بن زيد مهاجر احتج بهما مسلم وأهل السنن دون البخاري وتكلم فيهما بعضهم بغير حجة بينة ثم علي بن أبي طلحة وهو قريب منه احتج به مسلم وأهل السنن لكن قال أحمد له أشياء منكرات وقال الذهبي في الميزان وقد روي عن ابن عباس تفسيرا كثيرا ممتعا والصحيح عندهم أن روايته عن مجاهد عن ابن عباس وإن كان يرسلها عن ابن عباس فمجاهد ثقة يقبل وقد يعضد تفسيره وتفسير أمثاله بمفهومات من القرآن مثل تفسيره لتقدير يوم القيامة بخمسين الف سنة عن ابن عباس أنه في حق الكافر وذلك يعتضد بقوله تعالى وكان يوما على الكافرين عسيرا وبقوله تعالى على الكافرين غير يسير وبقوله تعالى يقول الكافرون هذا يوم عسر


149

وبأحاديث مرفوعة في ذلك منها ما رواه البغوي من طريق ابن ابي لهيعة عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ومنها ما يأتي الآن في النوع الثالث من مراتب التفسير ثم السدي الكبير يروى عن ابن عباس وطبقته بعد هؤلاء وهو مختلف فيه وهو اسماعيل بن عبد الرحمن القرشي الكوفي وحديثه عند مسلم وأهل السنن الأربعة وهو تابعي شيعي وربما كان الكلام فيه لمذهبه عند من يخالفه وأما السدي الصغير محمد بن مروان عن الاعمش فواه جدا ومنهم محمد بن سليمان الانباري أحد مشايخ أبي داود ورواة سننه ومنهم عطية العوفي عن أبي سعيد فيه ضعف وكذلك محمد بن السائب الكلبي ومقاتل بن سليمان واهيان لا سيما مقاتل بن سليمان فقد كذبه غير واحد ولم يوثقه أحد واشتهر عنه التجسيم والتشبيه ولذلك لم يرو عنه من أهل الكتب الستة إلا النسائي قال كان لا يكذب يعني لا يتعمد الكذب وأثنى عليه بعضهم بمعرفة التفسير وأما الكلبي فروى عنه الترمذي وحده ولم يوثقه أحد

وكذلك تنبغي معرفة من جرح وكذب من متأخري المفسرين مثل أبي بكر محمد بن الحسن النقاش توفي عام 351

وإنما سقت لك ذكرهم لما قيل أن المفسرين أكثروا من حكاية الاقوال المختلفة والحق يضيع بين قولين فصاعدا فأرشدت إلى طرف من الترجيح عند الاختلاف وبقية المفسرين مذكورون في كتب الرجال ولكن المدار على من ذكرت في الأكثر فهذه مراتب المفسرين فيما يرجع من التفسير إلى الرواية

وأما مراتب التفسير فيما يرجع منه إلى الدراية فهي ترجع إلى سبعة أنواع النوع الأول تفسير المتكررات تكريرا كثيرا مثل آيات الاسماء الربانية والصفات والمشيئة والاسماء المعروفة بالدينية وهي الاسلام والإيمان والاحسان والمسلمون والمؤمنون والمحسنون وكذلك أسماء الظالمين والفاسقين والكافرين وسائر ما يتعلق بالاعتقاد ويحتاج إلى مزيد بحث وانتقاد مما تورد فيه الادلة والشبه والورود والمعارضات


150

وهذا القسم ينبغي أن يكون مفردا في مقدمات التفسير حتى يشبع فيه الكلام من غير تكرير أو يؤخذ من مظانه من كتب الاعتقاد على الصفة التي أشرت اليها في أول هذا المختصر في الانصاف ومعرفة أدلة الجميع وفي هذا المختصر من ذلك كفاية إن شاء الله تعالى وما هو إلا كالمقدمة للتفسير فان اشتبه الصواب على أحد في هذا القسم أو خاف وقوع فتنة من الخوض فيه والبحث عنه والمناظرة ترك ذلك وكفاه الايمان الجملي لما ثبت في حديث جندب بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( اقرأوا القرآن ما أتلفت عليه قلوبكم فاذا اختلفتم فقوموا عنه ) رواه البخاري ومسلم وغيرهما وله شواهد قدر خمسة عشر حديثا والمراد الاختلاف مع التعادي والتفرق كما هو عادة أهل الكلام دون الاختلاف مع التوالي والتصويب كما هو عادة الفقهاء وسائر أهل العلوم وذلك لما في حديث عمر مع هشام ابن حكيم في اختلافهما في القراءة وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لهما على الاختلاف في القراءة ونهيهما عن الاختلاف في التخطئة والمناكرة خرجه الجماعة وهو متواتر أو مشهور عند أئمة الحديث فقد رواه ثمانية عشر صحابيا وما تقدم من حديث جندب وشواهده مما هو زيادة بيان بعد قوله تعالى ولا تفرقوا وأمثالها وهي كافية شافية مغنية عن الاحاديث لكن في اجتماع الكتاب والسنة قرة عيون المؤمنين وطمأنينة قلوب الموقنين وفي البخاري والنسائي عن ابن مسعود نحوه وقد أشار إلى هذا محمد بن منصور الكوفي وصنف فيه كتاب الجملة والالفة وذكره عن الكبراء من علماء العترة وغيرهم وأنكر على أهل الكلام ما اختصوا به من التعادي عند الاختلاف في الدقائق الخفية وهذا عارض هنا وليس هو موضعه

النوع الثاني تفسير القرآن بالقرآن وذلك حيث يتكرر في كتاب الله تعالى ذكر الشيء ويكون بعض الآيات أكثر بيانا وتفصيلا وقد جمع من هذا القبيل تفسير مفرد ذكره الشيخ تقي الدين في شرح العمدة ولم اقف عليه وقد يذكر المفسرون منه أشياء متفرقة فمنه تفسير قوله تعالى في سورة المؤمن وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم


151
بأنه العذاب الأدنى المعجل في الدنيا لقوله سبحانه في آخر هذه السورة فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون وقد تكرر هذا في كتاب الله تعالى ومنه تفسير فصل لربك وانحر بقوله تعالى إن صلاتي ونسكي ومحياي ونحو ذلك ومنه تفسير قوله تعالى ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما بأهل الكتاب كقول مجاهد لقوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ويقويه ان عصاة المسلمين لا يريدون فجور صالحيهم والآية وردت بضمير الغائب في المريدين وضمير الخطاب في المائلين فقوى ذلك ومنه تفسير من يعمل سوءا يجز به بقوله وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير فقوله فيها ويعفو عن كثير مخصص لعموم من يعمل سوءا يجز به ومقيد لاطلاقها كأنه قال الا أن يعفو بدليل هذه الآية مثل ما انها مخصصة بآيات التوبة فانه مقدر فيها إلا أن يتوبوا بالاجماع وبالنصوص في التائبين وهذه الآية دالة على اشتراط عدم العفو وعلى اعتبار مصائب الدنيا في عذاب المسلمين ووعيدهم كما دل على ذلك حديث علي عليه السلام في تفسيرها وحديث أبي بكر رضي الله عنه في تفسير من يعمل سوءا يجز به ولذلك طرق شتى وفيه أحاديث كثيرة مجمع على معناها وأحاديث الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد والسيئة بمثلها أو أعفو وطرقه صحيحة كثيرة كما يأتي في مسألة الوعد والوعيد

ومنه حمل المطلق على المقيد والعام على الخاص كنفي الخلة والشفاعة في آية مطلقا وقد استثنى الله المتقين من نفي الخلة في قوله تعالى الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين


152
) واستثنى ما أذن فيه من الشفاعة بقوله في آية من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى

ومنه الجمع بين ما يتوهم أنه مختلف كخلق بني آدم من تراب كما في الكهف ومن طين في غير آية وهو تراب مختلط بالماء ففيه زيادة على التراب المطلق وكذلك خلقه من صلصال فانه أخص من الجميع لأنه طين مخصوص ومنه تقديم المنطوق على المفهوم وأوجب منه تقديم تفصيل القول المنطوق على عموم المفهوم لأن الخاص يقدم على العام المنطوق فكيف لا يقدم على عموم المفهوم

النوع الثالث التفسير النبوي وهو مقبول بالنص والاجماع قال الله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقال لتبين للناس ما نزل إليهم وفي الحديث لا يأتي رجل مترف متكئ على أريكته يقول لا أعرف إلا هذا القرآن ما أحله أحللته وما حرمه حرمته إلا واني أوتيت القرآن ومثله معه ألا وان الله حرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ويدل على ذلك أن الاجماع قد انعقد على نسخ وجوب الوصية للوارثين بحديث لا وصية لوارث وهو حديث حسن وإذا وجب قبول ذلك في نسخ فريضة منصوصة فيه فكيف بسائر البيان والتخصيص وقبوله في نسخ وجوب الوصية اجماع العترة والأمة

وقد اشتملت على ذلك الصحاح والسنن والمسانيد وجمع بحمد الله تعالى وجمعت منه الذي في جامع الاصول ومجمع الزوائد ومستدرك الحاكم أبي عبد الله ويلحق بذلك أسباب النزول وقد أفرده الواحدي وغيره بالتأليف وهو مفيد جدا لأن العموم الوارد على سبب مختلف في تعديه عن سببه وهو نص في سببه ظني في غيره وقد يقصر عليه بالاجماع كما ثبت في قوله تعالى في ذم الذين يفرحون بما أتوا عن ابن عباس أنها نزلت في اليهود وفرحهم بما أتوا من التكذيب بالحق فلولا ذلك أشكلت وتناولت من فرح


153
بما عمله من الخير وقد صح أن المؤمن من سرته حسنته وساءته سيئته والفرح بالخير والطاعة من ضروريات الطباع والعقول

ومنه تفسير والفتنة أشد من القتل سببها وهو فتنة من أسلم حتى يعود إلى الشرك ولولا ذلك وقع الغلط الفاحش في مواضع كثيرة ومنه تخصيص العمومات مثل تحريم الصلاة على الحائض وسائر ما في السنن من أحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج وشروط قطع السارق ونحو ذلك واستيعابه في التفاسير غير معتاد

ومنه تقديم ذوي السهام على العصبات ومنع الكافر من ميراث المسلم وعكسه واسقاط الأقرب للأبعد من العصبات والاقوى للأضعف

ومنه الجمع بين آيتي الكلالة فان الاولى في الاخوة من الام والاخرى فيمن عداهم وأمثال ذلك مما لا غنى عنه ولابد ولا خلاف فيه

ومنه الزيادة في البيان كصلاة الخوف والبغوي مكثر من هذا وهو أمر مجمع عليه ودليل على المبتدعة حيث يمنعون من بيان السنة للقرآن

ومنه ما يتقوى بالشواهد ومفهومات من القرآن كحديث أبي سعيد في تخفيف طول يوم القيامة على المؤمن كما تقدم الان من رواية البغوي وقد أخرجه أحمد وأبو يعلى بسند البغوي المقدم وحسنه الهيثمي لشواهده وذكر مثله عن أبي هريرة وابن عمر وبسندين جيدين وعن ابن عمرو أيضا باسناد فيه رجل لم يعرف وقد تقدمت شواهده من القرآن

النوع الرابع الآثار الصحابية الموقوفة عليهم وأجودها ما لا تمكن معرفته بالرأي سواء رجعنا بالرأي إلى العقل أو إلى الاستنباط من اللغة وقد كانت عادتهم الاشعار بالرأي في ذلك وأمثاله كما ذكره أبو بكر رضي الله عنه حين فسر الكلالة برأيه ذكره البغوي وغيره

وقد ذكر السيد أبو طالب عليه السلام في المجزى ان عادتهم الاشعار بالرأي فاذا جزموا بالتحريم ونحوه كان دليلا على رفعه وكذلك ذهب كثير من المفسرين إلى مثل ذلك في تفاسيرهم المجزومة لا سيما من ثبت عنه تحريم


154
التفسير بالرأي كابن عباس رضي الله عنه ولذلك اشتملت على هذا النوع من تفاسيرهم تفاسير أهل السنة لكن يحتاج إلى معرفة الاسناد اليهم فيما لم يكن مصححا عنهم في دواوين الاسلام الصحيحة المشهورة ومن مظان ذلك المستدرك للحاكم ففيه من ذلك الكثير الطيب وقد نقلته بحمد الله مع التفسير النبوي

النوع الخامس ما يتعلق باللغة والعربية على جهة الحقيقة فأما المتعلقات اللغوية فهي جلية وقد صنف فيها مصنفات مختصرة على جهة التقريب مثل كتاب العزيزي وليس فيه تنقيح كثير وأوضح منه وأخصر كتاب أبي حيان في ذلك لكنه ربما أهمل بعض ما يحتاج اليه والمعتمد في ذلك كتب اللغة البسيطة دون ما يؤخذ من كثير من المفسرين كما ذكره أبو حيان في أول كتابه ونبه عليه

وأما العربية فقد جود أبو حيان في ذلك وجمع الذي في تفسيره فجاء كتابا جيدا مستقلا وهو المعروف بالمجيد في اعراب القرآن المجيد وقد اشتمل على ما في الكشاف مع زيادة أضعافه وينبغي التنبيه في هذا النوع لتقديم المعروف المشهور على الشاذ وتقديم الحقيقة الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية ومعرفة المشترك لما فيه من الاجمال وأخذ بيانه من غيره كتفسير عسعس بادبر لان عسعس مشترك بين اقبال الليل وادباره وقد قال الله تعالى والليل إذ أدبر وفي قراءة إذا أدبر فدل على ان أفضل الليل السحر كما دلت على هذا أشياء كثيرة فيفسر بذلك عسعس وان كان مشتركا ويتفطن هنا لامور

أحدها الحذر من تفسير المشترك بكلا معنييه كتفسير عسعس بأول الليل وآخره كما توهم مثل ذلك في الالفاظ العامة فانه لم يتحقق ورود اللغة بذلك ولذلك لم يقل أحد باعتبار ثلاث حيض وثلاثة أطهار جميعا في العدة لما كانت القروء مشتركة

وثانيها معرفة ما يظن انه حقيقة وهو مجاوز من مظانه كتاب أساس


155
البلاغة للزمخشري فانه جود القول فيه بل لا أعلم أحدا بين ذلك كما بينه ولذلك قيل انه من روائع مصنفاته وبدائع مخترعاته فاذا عرفت حقيقة الكلمة ومجازها لم يفسر فيهما معا أيضا

وثالثها الفرق بين دلالة المطابقة والتضمن والالتزام فالمطابقة هي اللغوية دونهما وهي دلالة اللفظ على معناه الموضوع له كدلالة غسل أعضاء الوضوء عليها جملة وان دل اللفظ على جزء المعنى فهو التضمن كدلالة آية الوضوء على غسل العين لانها بعض الوجه وما تحت الاظفار والخاتم لانه بعض اليد وان دل اللفظ على لازم ما وضع له فدلالة الالتزام كدلالة آية الوضوء على وجوبه وهما عقليتان فيقدم عليهما ما عارضهما مما هو أرجح منهما من الدلائل اللفظية على حسب القوة ألا تراهم رجحوا دلائل رفع السر والحرج على دلالة غسل العين من الوجه وكذلك اختلفوا فيما تحت الاظفار والخاتم لذلك

النوع السادس المجازي وتعتبر فيه قرائن المجاز الثلاث الموجبات للعدول اليه ولا حرم القول به والعدول اليه الاولى العقلية التي يعرفها المخاطب والمخاطب كقوله واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها أي أهملهما ومنه جناح الذل و جدارا يريد أن ينقض وهو كثير وليس هو من المتشابه بل تعرفه أجلاف العرب الثانية العرفية مثل يا هامان ابن لي صرحا أي مر من يبني لان مثله في العرف لا يبني الثالثة اللفظية نحو مثل نوره فانها دليل على أن الله غير النور يهدي الله لنوره من يشاء فانها دليل على أن المراد نور الهدى ويتيقظ هنا لما كان من جنس تأويل الباطنية فيرد وان صدر من غيرهم فقد كثر جدا

وأما الدعوى الباطلة تجردها عن أحد هذه القرائن وأما ما يدعيه أهل الكلام من الادلة التي لم يتفقوا على صحة دليل واحد منها فلا يجوز


156
تقليدهم في ذلك لا عندهم ولا عند غيرهم بل يجب البحث التام أو الامساك عن التأويل حتى يقع الاجماع كما مر موضحا

ومن العقلي الجلي المجمع عليه تخصيص وأوتيت من كل شيء على ما يناسب ملوك البشر من المعتاد في الدنيا دون العالم العلوي وأمور الآخرة والملائكة والنبوة ونحو ذلك

النوع السابع ما لم يصح فيه شيء من جميع ما تقدم ويختلف فيه أهل التفسير وأهل العلم مثل تفسير الحروف التي في فواتح السور وتفسير الروح ونحو ذلك مما لم يصح دليل لنا على تفسيره ولا معنا ضرورة عملية تلجئ إلى وجوب البحث عنه وقد يرتكب فيه مخالفة الظواهر ويبتني على أسباب مختلف في صحتها فالحزم الوقف فيه لما تقدم من حديث ابن عباس في وعيد من فسر القرآن برأيه وعن جندب مثله رواه أبو داود والترمذي وأوضح منهما قوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم

وهذا النوع السابع قسمان

قسم فيه مخاطرة كبيرة وخوف البدعة والعذاب وهو ما يتعلق بذات الله تعالى ونحوه من المتشابهات وقد تقدم القول فيه في هذا المختصر وقد بسطته في ترجيح أسباب القرآن على أساليب اليونان وقسم دونه مثل تعيين الشجرة التي أكل منها آدم واسمها وأسماء أهل الكهف وأسماء سائر المبهمات وتطويل القصص والحكايات فهذا لا بأس بنقله مع بيان انه لم يصح فيه شيء وعدم تعلق مفسدة به ولا دخول شبهة في تحليل أو تحريم والله سبحانه أعلم

وأما التأويلات التي يدعى الاجماع على وجوبها سواء كانت من اجماع الامة أو العترة فاعلم أن الاجماعات نوعان أحدهما تعلم صحته بالضرورة من الدين بحيث يكفر مخالفه فهذا اجماع صحيح ولكنه مستغنى عنه بالعلم الضروري من الدين وثانيهما ما نزل عن هذه المرتبة ولا يكون الا ظنا لانه ليس بعد التواتر الا الظن وليس بينهما في النقل مرتبة قطعية بالاجماع وهذا هو حجة من يمنع العلم بحصول الاجماعات بعد انتشار الاسلام كما


157
نص عليه الامام المنصور بالله في مجموعه والامام يحيى بن حمزة في المعيار والرازي وغيرهم بسطته في غير هذا الموضع

وهذا آخر القول في القسم الاول من هذا المختصر وهو في ذكر المقدمات العامة الجميلة ولو أفرد لاستقل بنفسه كتابا مفيدا ويتلوه القسم الثاني وهو الكلام في المبهم من المسائل التفصيلية المختلف فيها بين أهل الاسلام وذكر طرف صالح مما فيها من المباحث السمعية القريبة التي لا خطر في النظر فيها ولا غنى لاهل المرتبة الوسطى عن معرفة مثلها لتقر عقائدهم إذ يستحيل من أهل هذه المرتبة أن يطمأنوا إلى التقليد المحض وإنما يطمئن اليه من لم يدر قط ما لتقليد ولا دري انه مقلد ومعظمها مهان

المهم الأول مقام معرفة كمال هذا الرب الكريم وما يجب له من نعوته وأسمائه الحسنى وذلك من تمام التوحيد الذي لابد منه لان كمال الذات باسمائها الحسنى ونعوتها الشريفة ولا كمال لذات لا نعت لها ولا اسم ولذلك عد مذهب الملاحدة في مدح الرب بنفيها من أعظم مكائدهم للاسلام فانهم عكسوا المعلوم عقلا وسمعا فذموا الامر المحمود ومدحوا الامر المذموم القائم مقام النفي والجحد المحض وضادوا كتاب الله ونصوصه الساطعة قال الله جل جلاله ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه وقال سبحانه وتعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى فما كان منها منصوصا في كتاب الله وجب الايمان به على الجميع والانكار على من جحده أو زعم ان ظاهره اسم ذم لله سبحانه وما كان في الحديث وجب الايمان به على من عرف صحته وما نزل عن هذه المرتبة أو كان مختلفا في صحته لم يصح استعماله فان الله أجل من ان يسمى باسم لم يتحقق انه تسمى به

وعادة المتكلمين أن يقتصروا هنا على اليسير من الأسماء ولا ينبغي


158
ترك شيء منها ولا اختصاره فان ذلك كالاختصار للقرآن الكريم ولو كان منها شيء لا ينبغي اعتقاده ولا ذكره ما ذكره الله تعالي في القرآن العظيم

وعادة بعض المحدثين أن يوردوا جميع ما ورد في الحديث المشهور في تعدادها مع الاختلاف الشهير في صحته وحسبك ان البخاري ومسلما تركا تخريجه مع رواية أوله واتفاقهما علي ذلك يشعر بقوة العلة فيه كما أوضحته في العواصم ولكن الاكثرين اعتمدوا ذلك تعرضا لفضل الله العظيم في وعده من أحصاها بالجنة كما اتفق علي صحته وليس يستيقن احصاؤها بذلك الا لو لم يكن لله سبحانه اسم غير تلك الاسماء فأما إذا كانت أسماؤه سبحانه أكثر من أن تحصي بطل اليقين بذلك وكان الاحسن الاقتصار علي ما في كتاب الله وما اتفق علي صحته بعد ذلك وهو النادر كما يأتي

وقد ثبت أن أسماء الله تعالي أكثر من ذلك المروي بالضرورة والنص أما الضرورة فان في كتاب الله أكثر من ذلك كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالي وأما النص فحديث ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول صلى الله عليه وسلم وآله وسلم أنه قال ما قال عبد أصابه هم أو حزن ( اللهم اني عبدك وابن عبدك وابن امتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآنربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي ) الا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكان حزنه فرحا رواه أحمد وأبو عوانة في صحيحه وهذا اسناد أحمد قال ابن الجوزي في الحديث الاربعين من مسند ابن مسعود من جامع المسانيد أخبرنا يزيد ابن هارون انا فضيل بن مرزوق أنا أبو سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله ابن مسعود بالحديث وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه أحمد وأبو يعلا والبرار ورجال أحمد وأبي يعلا رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان والقاسم هذا هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله ابن مسعود وليس هو الدمشقي المختلف فيه بل هو ثقة لم يتكلم عليه وهو من رجال البخاري وأهل السنن ولم يذكره الذهبي في الميزان إلا للتمييز بينه وبين


159
المختلف فيه وكذلك لم يذكره ابن حجر فيمن انتقد على البخاري وأبوه عبد الرحمن من رجال الجماعة متفق عليه الا أن سماعه من أبيه ليس بمشهور فحديثه عنه في السنن الأربع وقال ابن معين والمزي قد سمع من أبيه ومن علم حجة على من لم يعلم وأبو سلمة هو الجهني وثقة ابن حبان ولم يذكره في الميزان وعدم ذكره في الميزان دليل على ثقته لا سيما مع تصحيح أبي عوانة للحديث وبقيتهم رجال الصحاح فثبت هذا الحديث

وثبت ان حصر الاسماء التسعة والتسعين لا ينال الا بتوفيق الله تعالى كساعة الاجابة يوم الجمعة لانها مجملة في أسماء الله فلنذكر هنا ما وجدناه منصوصا من الأسماء في كتاب الله باليقين من غير تقليلد فانها أصح الأسماء وأحبها إلى الله تعالى حيث اختارها في أفضل كتبه لا فضل أنبيائه والذي عرفت منها إلى الآن بالنص صريحا دون الاشتقاق في القرآن مائة وخمسة وخمسون غير الممادح السلبية كما سيأتي وفيها اسم واحد بالمفهوم المعلوم وهو الاعز ذكره ابن حجر في تلخيصه ولم أجده بنصه فذكرته فيها ولم أحسبه في العدد المذكور وهو أخذه من قوله تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين جوابا على قول المنافقين ليخرجن الاعز منها الأذل وهي هذه وهي الاعتقاد متى سأل عنه سائل

هو الله الذي لا إله إلا هو الا له الصمد الواحد الاحد الرحمن الرحيم ذو الرحمة الواسعة أرحم الراحمين خير الراحمين العفو الغفور الغافر الغفار واسع المغفرة أهل التقوى وأهل المغفرة خير الغافرين الحاكم الحكم الحكيم الاحكم أحكم الحاكمين خير الحاكمين العالم العليم الاعلم علام الغيوب الرب البر الواسع الموسع الملك المليك المالك مالك الملك الرازق الرزاق خير الرازقين الخالق الخلاق أحسن الخالقين الناصر نعم النصير خير الناصرين الحافظ الحفيظ خير الحافظين الناصر نعم النصير خير الناصرين الحافظ الحفيظ خير الحافظين القوي الاقوى ذو القوة المتين العلي الاعلى المتعال القادر القدير المقتدر نعم القادر العزيز الاعز الشاكر الشكور قابل التوب التواب المجيب القريب


160
الاقرب الحي القيوم القائم على كل نفس بما كسبت الفاعل الفعال لما يريد الوارث خير الوارثين الكريم الاكرم فالق الاصباح فالق الحب والنوى العظيم الاعظم الولي نعم المولى الشاهد الشهيد الكبير الاكبر القاهر القهار نعم القادر نعم الماهد الكفيل نعم الوكيل المستمع السميع البصير البديع الرؤوف الحليم الرشيد السريع المبين الخبير المبرم الغني الحميد المجيد الوهاب الجامع المحيط الكافي الحسيب الحاسب المقيت الرقيب كاشف الضر الفاطر الكاتب المبتلي اللطيف الصادق الحق الودود الحفي المستعان الفاتح الفتاح نور السموات والأرض الهادي رفيع الدرجات الرافع المنتقم الزارع المنزل المنشئ الاول الآخر الظاهر الباطن القدوس السلام المؤمن المهيمن الجبار المتكبر البارئ المصور مخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي جاعل الليل سكنا المنذر المرسل خير الفاصلين أسرع الحاسبين خير المنزلين عدو للكافرين ولي المؤمنين خير الماكرين المتم نوره الغالب على أمره البالغ أمره ذو الطول ذو المعارج ذو الفضل العظيم ذو العرش العظيم ذو الانتقام ذو الجلال والاكرام انتهى ما عرفته من الاسماء الحسنى نفعنا الله بها وببركاتها وهي مائة ونيف وخمسون

وقد تركت التكرار فاكتفت باسم الرب عن رب كل شيء ورب العالمين ورب العزة ورب العرش العظيم ورب الملائكة والروح واكتفيت بالواسع عن واسع المغفرة وواسع كل شيء رحمة وعلما ونحو ذلك وتركت ما كان من صفات أفعاله وأسمائه مثل شديد العقاب وسريع الحساب ونحو ذلك لأنه لم يسم نفسه بها ولا علمت أحدا عدها في أسمائه بل عدت في أفعاله سبحانه وتعالى لأنه لا فرق في المعنى بين قوله إن الله شديد العقاب وبين قوله إن عذاب الله لشديد فتأمل ذلك

وذكر الغزالي في المقصد الاسى أن ما كان يطلق على العباد من أسمائه تعالى على جهة الحقيقة مثل الزارع والكاتب لم يطلق على الله مجرد بل يطلق حيث أطلقه على لفظه مع ما يتعلق به من السياق وهذا حيث يخاف اللبس


161
والتشبيه واجب وحيث يؤمن أدب حسن واحتياط جيد والله سبحانه أعلم

وقد يدق على بعض الناس كون بعضها في القرآن كالكفيل لأنه مأخوذ من قوله وقد جعلتم الله عليكم كفيلا وكالرافع من قوله ورافعك إلي والهادي من قوله لهاد الذين آمنوا ونحو ذلك وكالمبرم لأنه لم يذكر فيه مفردا إنما ذكر بصيغة الجمع في قوله أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون وكذلك الموسع والمنزل قال تعالي وإنا لموسعون وقال أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون وكذلك الزارع في قوله تعالي أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون والمبتلي في قوله تعالي وإن كنا لمبتلين ونحو ذلك وكفى بنا حاسبين وإنا لصادقون إنا معكم مستمعون وإنا له كاتبون وهو وليهم أنت ولينا وكذلك الاقرب إنما وجدته في قوله تعالي ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وقد ذكرت القادر مرتين وليس تكرارا بل القادر الاول من القدرة ولذلك ذكرته مع القدير والمقتدر والقادر الثاني من التقدير وذلك نحو قوله تعالي فنعم القادرون وقد ذكرت فيها مخرج الحي من الميت وهو في القرآن بالياء المثناة من تحت لوجهين احدهما إني ذكرت مخرج الميت من الحي وهو في القرآن بالميم ولم أستحسن فرقة من صاحبه وملازمة خاصة


162
وهو أبهر منه وأكبر وأعظم مدحا وأكثر وثانيهما أن لفظ مخرج قد ثبت في القرآن ولم أرد الا اضافته إلي ذلك المدح الباهر والثناء الفاخر

وينبغي أن يختمها الداعي بها بحديث ابن مسعود المقدم لعمومه لما لم يذكر ومما ينبغي تلاوته لمن تعرض لرحمة الله سبحانه في فضل احصاء التسعة والتسعين اسما الحروف المقطعة في أوائل السور احتياطا لأنه قد قيل أنها أسماء الله تعالي أو رمز إلي اسماء شريفة ولم يصح وليس هذا موضعها لعدم صحة ذلك وإنما ذكرت ذلك ارشادا لمن يحب الفائدة وليس في الصحيحين مما ليس في كتاب الله تعالي إلا المقدم والمؤخر في حديث ابن عباس في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حين يقوم من الليل والوتر ومنهما من حديث أبي هريرة الذي سردت الاسماء الحسني في آخره

وزاد ابن حزم مما ادعي صحته السيد السبوح الحق الوتر الدهر المسعر المحسن المحسان الجميل الرفيق الشافي المعطي ولم ينسبها إلي حديث أبي هريرة لكن تتبعها من أحاديث متفرقة وكذلك الطبيب خرجه دوت وس باسناد علي شرط الشيخين لكن قال الترمذي أنه غريب من حديث عبد الله بن اياد عن أبي رمثة الصحابي مرفوعا ومنها مقلب القلوب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم به وزاد الترمذي في الحديث المختلف فيه مما لم أجده بنصه في القرآن خمسة وعشرين اسما وهي القابض الباسط الخافض المعز المذل العدل الجليل المحصي المبديء المعيد المحيي المميت الواجد بالجيم الماجد المقدم المؤخر الوالي المقسط المغني المانع الضار النافع الباقي الرشيد الصبور وزاد ابن ماجه علي الترمذي في حديث أبي هريرة هذا الراشد البرهان الواقي القائم الناظر السامع الابد العالم المنير التام الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد في اطلاق بعض هذه نظر مع عدم صحة الاسناد وزاد الحاكم علي الترمذي في المستدرك في هذا الحديث المختلف فيه بعينه الحنان المنان الدائم الجميل القديم الوتر المدبر الشاكر الرافع وزاد عليه أيضا بما في القرآن الاله الرب الفاطر المليك المالك الاكرم وذكرت الرفيع فيها إذ لم يجعله مثل رفيع الدرجات


163

وفي حديث آخر ان الله المسعر رواه الخمسة إلا النسائي وصحيحه الترمذي من حديث أنس ذكره صاحب المنتقي في التسعين

وفي البخاري ومسلم منها الوتر المقدم المؤخر وفي مسلم منها الرفيق وصحح ابن ماجه منها السيد السبوح الجميل المحسان المسعر القابض الباسط الشافي المعطي الدهر قال ابن ماجه بعد سردها ثم قال زهير وبلغنا عن غير واحد من أهل العلم أن راويها يفتتح بقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير لا اله الا الله له الاسماء الحسنى وأكثر هذه أو كثير منها صحيح المعنى بالاجماع فلا بأس بالحاق المجمع عليه منها بما في القرآن لما تقدم في حديث ابن مسعود من قوله صلى الله عليه وسلم أو علمته أحدا من خلقك

وأما المشتقات من الافعال الربانية الحميدة فلا تحصى وقد جمع بعضهم منها ألف اسم مثل كاتب الرحمة على نفسه المحمود العادل المعبود المحكم المنعم متم النعمة المطعم المقدر القاضي المدبر الحق الشافي الباري الماحي المثبت المؤيد الكافي القاسم العاصم القاصم الدافع المدافع المملي الآخذ المجير المزكي الموفق المصرف الممكن مقلب الليل والنهار الصانع الواقي المتكلم المريد المرجو المخوف المخشى المرهوب السابق الديان المستجار المستعاذ المعاذ الملجأ المنجا المنجي ولو ذكر منها ما كان من خواص الربوبية كان حميدا وذلك مثل المحيي المميت خاصة ما جاء في القرآن صلة للذي ونحوه كقول الخليل عليه السلام ( والذي يميتني ثم يحيين ) لأن الموصول وصلته في حكم الواحد والله أعلم

وأما أنواع الثناء من غير اشتقاق من ألفاظ القرآن فلا تحصى مثل قديم الاحسان دائم المعروف المستغاث المأمول وأمثال ذلك مما لا منع لما أجمع عليه منه والظاهر جواز هذين النوعين لأنهما من الاخبار الصادقة والله أعلم وذلك فيما كان مجمعا عليه على أنه حسن لا قبح فيه وثناء جميل لا ذم فيه ولا تمثيل ولا تشبيه والا فالاقتصار على المنصوصات عند الاختلاف لازم وهو موضوع الكتاب


164

واما الممادح السلبية في كتاب الله تعالى فاعتقادها لازم وان لم تكن أسماء في عرف أهل العربية لكنها نعوت حق واجبة بنص القرآن لله تعالى وذلك مثل قوله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد وليس له سمي فانه معلوم من قوله تعالى هل تعلم له سميا وان العباد لا يحيطون به علما كما قال في سورة طه بل لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وإنما استثنى في معلوماته المخلوقة وإما في ذاته المقدسة العزيزة فاطلق النفي ولم يستثن أحدا ولا شيئا ولو كان يريد أن يختص أحدا بذلك لاستثناه كما استثنى من الاحاطة بعلمه عز وجل

ومن ذلك أنه لا تدركه الابصار وهو يدركه الابصار وأنه لا تأخذه سنة ولا نوم وأنه وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظهما وانه خلقهما في ستة أيام وما مسه من لغوب وإنه ليس بظلام للعبيد وإنه لا يكلف نفسا إلا وسعها وما في معناها ولا يريد بنا العسر وما جعل علينا في الدين من حرج وأنه لا يجوز عليه اللعب والعبث وخلو أفعاله عن الحكمة لقوله تعالى وما بينهما لاعبين وقوله ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار وأمثال هذه الآيات في حكمته في خلق الارضين والسموات وأنه تعالى لا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد ولا يبدل القول لديه تبديلا قبيحا بخلاف التبديل الحسن لقوله تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ولآيات النسخ وانه لا يخلف الميعاد وأنه تعالى يجير ولا يجار عليه ويطعم ولا يطعم وأنه لا شريك له في الملك ولا ولي له من الذل وان هذه الآيات دلت على ما أجمعت عليه الامة اجماعا ضروريا وعلم من الدين علما ضروريا انه تعالى منزه عن كل نقص وعيب مما يقع في أسماء المخلوقين سواء كان من أسماء الذم لهم كالظلم واللعب والجهل أو من أسماء النقص فيهم كالفقر والضعف والعجز وسائر ما يجوز على الانبياء الاولياء وأهل الصلاح


165

وأما أسماء المدح التي تطلق على العباد على وجوه تستلزم النقص وتطلق على الله تعالى على وجوه تستلزم الكمال وهي صفات العلم والقدرة والرحمة والحياة ونحو ذلك فانها تطلق على الله تعالى على جهة الكمال كما اطلقها مجردة عن نقائص المخلوقين التي تعرض فيها بأسباب تخصهم دونه تعالى فهذا هو اعتقادنا واعتقاد أهل الحق والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والحمد لله رب العالمين


166
فصل في معانيها

اعلم أنه قد تكلم على معانيها جماعة من أهل العلم والتفسير وأكثرها واضح والعصمة فيها عدم التشبيه واعتقاد أن المراد بها أكمل معانيها الكمال الذي لا يحيط بحقيقته إلا الله تعالى كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى ولابد من الاشارة هنا إلى أمر جملي وهو أصل عظيم وبيان نفع معرفته في تفسير اسمين مما ورد منها اسم من صحيحها واسم من المختلف في صحته منها

أما الاصل العظيم فهو تفسير الحسنى جملة وذلك أنها جمع الاحسن لا جمع الحسن وتحت هذا سر نفيس وذلك أن الحسن من صفات الالفاظ ومن صفات المعاني فكل لفظ له معنيان حسن وأحسن فالمراد الاحسن منهما حتى يصح جمعه على حسنى ولا يفسر بالحسن منهما إلا الاحسن لهذا الوجه

مثال الاول وهو اللفظ الذي له معنيان اسم النور وقد ثبت في سورة النور الله نور السماوات والأرض وفي الصحيحين من حديث ابن عباس في دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيام الليل ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن وهذا الاسم الشريف له معنيان معلومان لا خلاف فيهما وهما نور الابصار ونور البصائر ولا خلاف بين العقلاء أجمعين دع عنك المسلمين ان نور البصائر هو أشرفهما وأكرمهما وخيرهما وأحسنهما وذلك معلوم من ضرورة العقل والدين ولذلك قال الله تعالى في بيان تعظيمه وتشريفه وتكريمه فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور أي لا تعمي الابصار العمي الضار الضر المذموم المستعاذ منه المهلك لمن وقع فيه وإنما تعمي هذا العمي العظيم المضرة القلوب التي هي محل نور البصائر


167

فاذا عرفت هذا فاعلم أن القرآن الكريم قد دل على تفسير هذا الاسم الشريف في حق الله تعالى بذلك أوضح دلالة وذلك في قوله تعالى بعد قوله الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء فدل على أنه نور الهدى لأن نور الابصار مبذول مشترك بين الكفار والمسلمين بل بين جميع الحيوانات الانسانية والبهيمية وكذلك ثبت في الحديث هذا المعنى فخرج الحاكم في المستدرك في تفسير سورة النور من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى مثل نوره كمشكاة يقول مثل نور من آمن بالله كمشكاة وقال صحيح الاسناد

قلت الوجه فيه أنه معلوم أن الله لم يرد تشبيه النور بالمشكاة نفسها وان هنا محذوفا فاما ان يكون المحذوف نور المشكاة حتى يشبه النور بالنور أو يكون المحذوف محل النور الذي يصح تشبيهه بالمشكاة نفسها حتى يشبه محل النور الذي هو المؤمن أو قلبه بالمشكاة نفسها التي هي محل تلك الأنوار الموصوفة في الآية

وقد كنت أتوقف في أي التقديرين أولى حتى وقفت على كلام ابن عباس رضي الله عنه فاتبعته لأنه منصوص على تقديمه في القرآن وتعليمه التأويل بالدعوة النبوية ثم جاء من طريقه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم تفسير القرآن بالرأي ثم ظهر لي بالنظر صحته وتبين أنه لا يمكن سواه وذلك أنا لو جعلنا المحذوف نور المشكاة لكان المشبه بنورها هو نور الله الكلي الاعظم وهو أجل من أن يشبه بنور المشكاة ويدل على ذلك أن الله تعالى شبه ذلك النور الذي شرفه باضافته اليه بالمشكاة المترادفة الانوار وهذا التشبيه لا يليق إلا متى كان المشبه قلب المؤمن لأن النور الذي فيه من مواهب الله تعالى هو نصيب الواحد من المؤمنين المخصوص به ولذلك جاز تشبيهه يوضحه أنه لا يجوز تشبيه الله ولا تشبيه شيء من صفاته بشيء من مخلوقاته

وأما أن هذا النور هو نور البصائر لا نور الابصار فبدل عليه في هذه الآيات أمران أحدهما قوله تعالى في هذه الآية يهدي الله لنوره من يشاء


168
) كما تقدم وثانيهما مقابلته لذلك بتشبيه أعمال الكفار بالظلمات المترادفة ومقابلته لقوله نور على نور في حق المؤمنين بقوله ظلمات بعضها فوق بعض في حق الكافرين ومقابلته لقوله تعالى يهدي الله لنوره من يشاء في حق المؤمنين بقوله ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) في حق الكافرين ويدل على ذلك أيضا في هذه الآيات قوله تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه فان فيها بيان أن هذا النور هو نور الهداية والاعمال الصالحة التي محلها في هذه البيوت الشريفة على الخصوص وليس بنور الكواكب والابصار التي هي تعم كل محل شريف وخسيس وكل مبصر مؤمن وكافر ويدل على ذلك من الكتاب والسنة المنفصلة عن هذه الآيات ما لا يكاد يحصى مثل قوله تعالى الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور الآية وقوله تعالى هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وقوله تعالى قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون

ومن أوضحه يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون وقوله فيه بافواههم من ترشيح الإستعارة أما نور الابصار والشمس ونحو ذلك فلم ينكر ذلك الكفار ولا يمكن أن يهموا باطفائه وقوله تعالى أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها وقوله تعالى في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراجا منيرا


169

ومن الاحاديث الصحيحة قوله صلى الله عليه وسلم الصلاة نور والصدقة برهان خرجه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي مالك الأشعري وذلك يناسب كونها تنهى عن الفحشاء والمنكر كما قال الله تعالى وهذا معنى نور الهدي والله أعلم

وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه عند أن يقوم من الليل ( اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وفي لساني نورا إلى قوله واجعل لي نورا ) قال ابن الأثير في النهاية أراد ضياء الحق وبيانه كأنه قال اللهم استعمل هذه الأعضاء مني في الحق وفي حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه تم نورك فهديت فلك الحمد رواه الجزري في العدة وفي حديث ابن مسعود المقدم من رواية أحمد وأبي عوانة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ذلك الدعاء ( اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك إلى قوله أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وفي رواية ونور بصري فكون القرآن نور البصر هنا يدل على أن المراد بصر الهدى والحق أيضا كما فسرته الرواية الأخرى في قوله ونور صري وكل هذا دليل على أن الهدى أصيل في التسمية بهذا الاسم الشريف وأنه أشرف معانيه

فظهر أن معنى النور في أسماء الله تعالى هو الهادي لكل شيء إلى مصالحه والمرشد لكل حي إلى منافعه الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى حتى هدى الطفل المولود إلى الالتقام من الثدي وامتصاص اللبن

وأعجب من ذلك هداية أولاد البهائم التي لا تحسن أمهاتها شيئا من مقدمات المعاونة على تعليم الرضاع والهداية إلى موضع اللبن فهذا من أوائل هداية الله سبحانه لمن لا هداية له ولا تمكن الاشارة إلى نهايات هداياته واختلاف أنواعها ومقاديرها

وفي كتاب العبر والاعتبار للجاحظ وكتاب حياة الحيوان من ذلك الكثير الطيب والمكثر من ذلك مقل فالهداية من الله تعالى وهو الهادي باجماع


170
المسلمين وقد خرج اسم الهادي الترمذي وابن ماجه والحاكم وغيرهم في حديث الاسماء الحسنى فالتفسير بها صحيح وان كان الله تعالى هو رب الانوار كلها أنوار الابصار وأنوار البصائر فاللفظة لا يراد بها إلا أحد معانيها على الصحيح ولم أتبع في هذا التفسير الرأي وإنما اتبعت فيه القرآن والسنة كما تقدم بيانه

قال ابن الأثير في نهايته هو الذي يبصر بنوره ذو العماية ويرشد بهداه ذو الغواية وأما حديث نور أني أراه فانه حديث معل متكلم فيه عند أكثر أئمة الحديث وهو من رواية يزيد بن ابراهيم التستري عن قتادة عن عبد الله ابن شقيق عن أبي ذرانة سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال نور أنى أراه

والقدح فيه من وجوه الأول قدح أئمة الحديث فيه وقد سئل إمام الحديث أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال ما زلت منكرا له روى ذلك عن أحمد الخلال في العلل وابن الأثير في تفسيره النور من النهاية وابن الجوزي بعد رواية الحديث في جامع المسانيد وهو الرابع والخمسون وكذلك روى ابن الجوزي وابن الأثير كلاهما عن امام الأئمة ابن خزيمة أنه قال في القلب من صحة هذا الحديث شيء وأن الله شقيق لم يكن يثبت أبا ذر ذكره ابن الأثير زاد ابن الجوزي لأنه قال أتيت فاذا رجل قائم فقالوا هذا أبو ذر فسألته الحديث

الثاني أن ابن شقيق كان ناصيا يبغض عليا رضي الله عنه كما ذكره الذهبي وذكر أن سليمان التيمي كان سيء الرأي فيه قلت وكان سليمان التيمي أحد أئمة الاسلام الكبار ورجال الجماعة وأهل المناقب المشهورة من سادات التابعين معاصرا لابن شقيق خبيرا به فقوله فيه مقبول وإنما قبله من قبله على قاعدتهم في قبول أهل الصدق من الخوارج متى ظنوا صدقهم بالتجربة في مواضع سهلة يكون في قبولهم فيها احتياط والمرجح آخر على ما هو مبسوط في الأصول وعلوم الحديث وهذا مقام عزيز ومحل رفيع لا يقبل في مثله حديث مختلف فيه


171

الثالث أن يزيد بن إبراهيم الراوي له عن قتادة ضعيف في قتادة ضعفه فيه يحيى بن معين وابن عدي وهما من أجل أئمة هذا الشأن وقد حكى ابن حجر في علوم الحديث عن الذهبي أنه ما اجتمع اثنان من أئمة هذا العلم على جرح أو توثيق إلا كان كما قالا قال ابن حجر بعد ذلك والذهبي من أهل التتبع التام قلت لعله يريد حيث لم يعارضهما أحد مثل هذا الموضع على أن ابن عدي قال أنهم أنكروا على يزيد هذا أحاديث رواها عن قتادة وكلامه هذا يدل على أنهما لم ينفردا بتضعيفه في قتادة بل فيه نسبة ذلك إلى أهل الحديث وأما أهل الصحيح فلم يخرجوا حديثه عن قتادة وسيأتي عذر مسلم في ذلك

الرابع أن الحديث معل بالاضطراب فانه رواه تارة كما تقدم وتارة رأيت نورا وهاتان روايتان متضادتان في احداهما اثبات الرؤية للنور وفي الأخرى انكار ذلك بصيغة الاستفهام وهي في هذا المقام أشد في الانكار والعلة تقدح في حديث الثقة المتفق عليه فاجتمع فيه الضعف والاعلال وأحدهما يكفي في عدم تصحيحه

الخامس أن أصح روايتي الحديث إن قدرنا صحته هي رواية رأيت نورا وليس فيها أن ذلك النور هو الله سبحانه وتعالى عن ذلك وإنما كانت أصح الروايتين لأنها رواية هشام وهمام كلاهما عن قتادة الذي هو شيخ يزيد بن ابراهيم المضعف في قتادة وهما أوثق منه مطلقا فكيف في قتادة فلم يبق لتصحيح روايته وجه

فان قلت فكيف خرج مسلم الروايتين معا في الصحيح قلت الذي عندي أنه إنما خرجهما شاهدين على قوة حديث عائشة رضي الله عنها في نفي رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم لله سبحانه ليلة الاسراء فانه خرج حديثها وطول في ذكر طرقه ثم أردفه بما يناسبه ويقوى معناه فذكر هذا الحديث من طريقيه معا أردفه بما يناسبه وذكر بعده حديث حجابه النور كما جاء صريحا في حديث أبي موسى شاهدا لهذا المعنى ومسلم يتساهل في الشواهد هو وغيره من أئمة الحديث وقد تأوله غير واحد على تقدير صحته بأن المراد حجابه النور كما جاء صريحا في حديث أبي موسى ممن تأوله ابن الأثير


172
في نهايته وابن الجوزي في جامعه بعد روايته وذكر الحجاب قرآني صحيح كما يأتي في آيات الصفات قال الله تعالى أو من وراء حجاب وقال في الكافرين كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون والحجاب حاجب للعباد لا لله سبحانه كما نبهت عليه بهذه الآية الكريمة فانه بين فيها انهم المحجبوبون لا هو وهذه نكتة شريفة فتأملها وقد طال الكلام في هذا الاسم الشريف وهو موضعه لأن الخطر من أسماء الله سبحانه جليل والكثير من البحث والتحقيق فيها قليل

ومثال الثاني اسم الضار وذلك أن الله تعالى لما ثبت بالأدلة أنه لا يصح أن يريد الشر لكونه شرا بل إنما يريده لما علم من الخير كما بينه الغزالي في المقصد الأسنى وسوف نبين أدلته في اثبات حكمة الله تعالى في جميع أفعاله من هذا المختصر ثبت أن كل ضر من الله تعالى هو خير ونفع بالنظر إلى الحكمة فيه وبذلك فسر النووي الحديث الصحيح في التوجه الخير بيديك والشر ليس اليك أي ليس بشر بالنظر إلى حكمتك فيه ومن هنا سمى الله تعالى القصاص حياة وهو قتل وقطع ونحو ذلك ومن هنا لم يستحق الطبيب الذي يكوي ويقطع اسم الضار فثبت أن كل ضر منه سبحانه وتعالى يستحق أن يسمي الله منه أسماء حسنة مثل الديان والمنتقم والمبتلى وهذه خير من اسم الضار لأنه يفهم منها المجازاة على أفعال متقدمة يستحق أهلها ذلك لأجلها بخلاف الضار وكذلك عذاب الله في الآخرة فانه مشتمل على ذلك وإلى ذلك الاشارة بقوله إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وقال تعالى قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون وقال تعالى جزاء لمن كان كفر بضم الكاف وكسر الفاء وأمثال ذلك كثير مما يدل على نفع المؤمنين بعذاب الكافرين والانتصاف لهم فيجب أن يكون في الاسم


173
المشتق لله تعالى من ذلك ما يدل على حكمته بل هنا سر لطيف أنفس من ذلك وهو أن كل ضر وشر في الدنيا والآخرة فانما هو بذنوب العباد وما تستوجبه وتستدعيه من العقوبات

أما شرور الدنيا فلقوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وفي قراءة بما كسبت أيديكم وقوله تعالى وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور وفي آية إذا هم يقنطون وفي قوله ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون مع ما في الحديث من ذلك

وأما عذاب الآخرة فلقوله تعالى وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون وقوله ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون فسماه كسبا لهم وعملا ومنه قول أيوب عليه السلام أني مسني الشيطان بنصب وعذاب لما كان عقوبة ذنبه ومنه قوله تعالى فأخرجهما مما كانا فيه فنسب الاخراج إلى الشيطان لذلك

ومن أجل ذلك صح أن يقال أن العذاب ظلم وضر من العباد لأنفسهم كما قال تعالى وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون وأما من الله تعالى فانما هو منه عدل وحكمة أما العدل فلوقوعه جزاء وفاقا بعد التمكن والانذار وقطع الاعذار والاشهاد والكتابة والوزن بموازين الحق وأمثال ذلك وأما الحكمة فللنص على حاجة المتشابه إلى التأويل

وفي قصة موسى والخضر عليهما السلام بيان أن التأويل بيان وجوه خفية تناسب عقول العقلاء وسيأتي هذا المعنى مبسوطا واضحا في مسألة


174
الحكمة من هذا المختصر إن شاء الله تعالى وسيأتي في مسألة الافعال بيان أن المعاصي من العباد وما ورد في ذلك من نصوص القرآن والسنة الجمة التي لا نزاع فيها ولا معارض لها ومجموع ذلك يقتضي نسبتها ونسبة جميع ما يترتب عليها ويتفرع عنها من شرور الدارين إلى العباد المستحقين للذم والعذاب عليها بالنصوص والاجماع

وأما تقدير الله تعالى لوقوعها باختيار العباد لحكمة فهو مثل سبق علمه بذلك لا يوجب لله تعالى إلا وصف القدرة والعزة كما يأتي أيضا مبسوطا في موضعه من هذا المختصر إن شاء الله تعالى

فان قيل فكيف جاز اطلاق الضار عليه سبحانه فالجواب من وجهين أحدهما أن اسم الضار لم يرد في القرآن ولا في حديث متفق على صحته فمن لم يتحقق الاذن فيه ولم يصح له كالبخاري ومسلم ومن شرط في الصحة شرطهما لم يجب عليه ادخاله في الاسماء الحسنى وقد بسطت القول فيه في العواصم في آخر مسألة العباد وذكرت فوائد تستحق الرحلة اليها إلى أبعد مكان فلتطلب من مكانها وثانيهما على تقدير صحة أن اسم الضار لا يجوز افراده عن النافع فحين لم يجز افراده لم يكن مفردا من أسماء الله تعالى وإذا وجب ضمه إلى النافع كانا معا كالاسم الواحد المركب من كلمتين مثل عبد الله وبعلبك فلو نطقت بالضار وحده لم يكن اسما لذلك المسمى به ومتى كان الاسم هو الضار النافع معا كان في معنى مالك الضر والنفع وذلك في معنى مالك الأمر كله ومالك الملك وهذا المعنى من الأسماء الحسنى وهو في معنى قوله تعالى قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير الآية وهو في معنى القدير على كل شيء

وميزان الاسماء الحسنى يدور على المدح بالملك والاستقلال وما يعود إلى هذا المعنى وعلى المدح بالحمد والثناء وما يعود إلى ذلك وكل اسم دل هذين الأمرين فهو صالح دخوله فيها والضار النافع يرجع إلى ذلك مع على الجمع وعدم الفرق ومع القصد فيلزم من أطلقه قصد ذلك مع الجمع


175

وقد ذكر غير واحد من العلماء أنه لا يجوز افراد الضار ولم يلخصوا هذا التلخيص وقد وفق الله له من كره الشذوذ عن الجمهور في قبوله وإن لم يكن من الاسماء القرآنية ولا مما صح سنده والله المستعان والهادي لا إله إلا هو

فائدة هل يجوز تسمية محامد الرب تعالى وأسمائه الحسنى صفات له سبحانه وتعالى قال الله تعالى ولله المثل الأعلى وذكر أهل التفسير واللغة أنه الوصف الا على وكذلك جاء في كلام علي عليه السلام أنه قال فعليك أيها السائل بما دل عليه القرآن من صفته ذكره السيد أبو طالب في الأمالي باسناده والسيد الرضي في النهج كلاهما في جوابه عليه السلام على الذي قال له صف لنا ربنا وهذا لا يعارض قوله عز وجل سبحانه وتعالى عما يصفون لأنه لم ينزه ذاته عن الوصف مطلقا حتى يعم الوصف الحسن وإنما ينزه عن وصفهم له بالباطل القبيح

ومما يحتاج إلى ذكر الشاهد في هذه الاسماء المختلف في صحة سندها اسم الصبور لأنه ليس في كتاب الله تعالى وقد خرج البخاري ومسلم في حديث أبي موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله عز وجل إنه ليشرك به ويجعل له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم ذكره ابن الأثير في آخر كتاب الصبر من حرف الصاد من جامعه ويشهد لذلك ما ورد في القرآن الكريم من نسبة الغضب فعلا لا اسما إلى الله تعالى وكل ذلك مع القطع بانتفاء نقائص المخلوقين اللازمة لهذه الامور عن جلال الله عز وجل باجماع المسلمين في المعنى وإن اختلفت عباراتهم

والذي في كتاب الله تعالى اسم الحليم وهما في المعنى متقاربان قال ابن الأثير في النهاية هو الذي لا يعاجل العصاة ومعناه قريب من معنى الحليم والفرق بينهما أن المذنب لا يأمن العقوبة كما يأمنها في صفة الحليم كذا قال وفيه نظر فانه لا أمان لمذنب من العقوبة بالاجماع من الوعيدية وأهل الرجاء واهل الارجاء لجهل الخواتم والنصوص كقوله تعالى إن عذاب ربهم غير مأمون وفي آية إن عذاب ربك كان محذورا


176

ولقوله تعالى وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وغير ذلك والله أعلم ولذلك قالت المرجئة ببقاء الخوف في حال التكليف

وأما المنان فقال ابن الاثير في النهاية وغيره أنه المنعم من المن وهو الاحسان الذي لا يطلب عليه جزاء لا من المنة وهو من تفسير اللفظ المشترك بأحسن معانيه لما قدمته وإن كانت المنة حسنة من الله تعالى كما قال بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ولكن الاسماء الحسنى جمع الاحسن لا جمع الحسن كما تقدم فتأمل ذلك يفتح لك باب الفقه في أسماء الله سبحانه وتعالى


177
فصل

في التعريف بالقصور عن الاحاطة بحقيقة معرفة الله تعالى ومعرفة أسمائه ونعوته الجليلة من جميع الوجوه على مقتضى ما أرشدنا اليه ربنا سبحانه وتعالى في قوله عز وجل ولا يحيطون به علما وكما اشتهر عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام حتى روته الخصوم عنه وكفى به أسوة وسلفا صالحا في ذلك كيف ولا يعرف له مخالف من أهل عصره ومن بعدهم بل اعترف العلامة ابن أبي الحديد المعتزلي أنه قول لم تزل فضلاء العقلاء مائلين اليه وقد اخترت ايراد كلام الغزالي في المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى لحسن عبارته ووضوح أمثاله في ذلك فأقول

قال الغزالي في الفصل الرابع من مقدمات المقصد الأسنى وقد حث على الترقي في المراتب الشريفة الكمالية من العلم والرحمة ونحو ذلك مما فيه تخلق ببعض أسماء الله عز وجل

فان قلت ظاهر هذا الكلام يشير إلى مشابهة بين العبد وبين الله تعالى والله تعالى ليس كمثله شيء

فأقول مهما عرفت معنى المماثلة المنفية عن الله تعالى عرفت أنه لا مثل له وينبغي أن لا تظن أن المشاركة بأي لفظ توجب المماثلة ألا ترى أن الضدين بينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون فوقه بعد وهما متشاركان في أوصاف كثيرة فالسواد يشارك البياض في كونه عرضا وفي كونه مدركا وفي كونه لونا في كونه موجودا ومرئيا ومعلوما وفي أمور أخر إلى قوله


178
ولو كان الأمر كذلك لكان الخلق كلهم مشبهة إذ لا أقل من إثبات المشاركة في الوجود بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية فالفرس وإن كان بالغا في الكياسة لا يكون مثلا للانسان لأنه مخالف له بالنوع وإنما يشابهه بالكياسة التي هي عارضة خارجة عن الماهية المقومة للذات الانسانية والخاصية الالهية أنه سبحانه الموجود الواجب الوجود بذاته التي عنها يوجد ما في الامكان وجوده على أحسن الوجوه في النظام والكمال وهذه الخاصة لا يتصور فيها مشاركة ألبتة والمماثلة لا تحصل إلا بها فكون العبد صبورا شكورا لا يوجب المماثلة ككونه سمعيا بصيرا عالما قادرا حيا فاعلا بل أقول خاصية الالهية ليس إلا لله عز وجل ولا يعرفها إلا الله ولا يتصور أن يعرفها إلا هو أو مثله لو كان له مثل فحين لم يكن له مثل فلا يعرفها غيره فاذا الحق ما قاله الجنيد رحمه الله تعالى لا يعرف الله إلا الله إلى قوله بل أزيد فأقول لا يعرف أحد حقيقة الموت والجنة والنار إلا بعد الموت ودخول الجنة والنار لأن الجنة عبارة عن أسباب ملذة ولو فرضنا شخصا لم يدرك قط لذة لم يمكننا أصلا أن نفهمه الجنة تفهيما يرغبه فيها وكذلك إذا أدرك شيئا من اللذات فغايتنا أن نفهمه الجنة بأعظم ما ناله من تلك اللذات فان كان في الجنة لذة مخالفة لهذه اللذات فلا سبيل إلى تفهيمها أصلا إلا بالتشبيه بهذه المخالفة لها كما ذكرناه في تشبيه لذة النكاح بحلاوة السكر متى طالبنا الصغير ومن لا يشتهي النكاح أن نعرفه ذلك بل العبارة الصحيحة عن الجنة أنها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر

فكيف يتعجب من قولنا لم يحصل أهل السموات والأرض من معرفة الله تعالى إلا على الاسماء إلى قوله فان قلت فاذا لم يعرف حقيقة ذاته فهل تعرف حقائق الاسماء قلنا هيهات ذلك لا يعرفه بالكمال إلا هو لأنا إذا علمنا ذاتا عالمة فقد علمنا شيئا مجملا لا ندري ما حقيقته لكن ندري أن له صفة العلم فان كانت صفة العلم معلومة لنا حقيقة كان علمنا بها علما تاما وإلا فلا ولكنه لا يعرف أحد حقيقة علم الله إلا من له مثل علمه وليس ذلك إلا له وإنما يعرفه غيره بالتشبيه بعلم نفسه وعلم الله لا يشبهه علم الخلق ألبتة فلا يكون معرفتهم بعلمه معرفة تامة بل إلهامية تشبيهية فلا تعجبن من


179
هذا بل أقول لا يعرف الساحر إلا الساحر نفسه أو ساحر مثله أو فوقه انتهى كلامه

والقصد تقريب الافهام من معنى قول الله سبحانه ولا يحيطون به علما وعن أمير المؤمنين عليه السلام في عجز العقول عن ذلك امتنع عنها بها واليها حاكمها وقد ذكرت كلام العلامة ابن أبي الحديد المعتزلي عنها في ذلك وأشعاره ومبالغته في نصرته قريبا وكذلك نض الامام المؤيد بالله يحيى بن حمزة في شرحه لنهج البلاغة واحتج بكلامه عليه السلام على ضعف كلام أبي هاشم

وحكى الرازي قول علي عليه السلام عن جمهور المحققين وابن أبي الحديد عن فضلاء العقلاء وهو قول الباقلاتي وإمام الحرمين الجويني والكيا الهراسي والغزالي والصوفية حكى ذلك الزركشي في شرح جمع الجوامع وجود الكلام احتجاجا وجوابا وقد نقلته وزدت عليه في ترجيح أساليب القرآن ويدخل فيما ذكرته مسألة القرآن ومسألة الرؤية وقد بسطت القول فيهما في العواصم في المجلد الثاني في مقدار ثمانين ورقة وجودت القول في أدلة الفريقين على الانصاف ولله الحمد وتقصيت كلام أهل المعقولات ومعارضة بعضهم بعضا ونقلته من كتبهم الحافلة التي هي النهاية في ذلك ليخرج الواقف على ذلك من ظلمات التقليد والعصبية وهو يأتي جزءا مفردا لمن أحب أن يضمه إلى هذا أو مجلدا واحدا مع هذا لمن أحب

ويلحق بهذا الاشارة إلى مذهب أهل السنة في معنى قوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير قالوا المراد نفي التشبيه بتعظيم الاسماء الحسنى واثباتها لا بنفيها كما قالت القرامطة مثاله أنه عليم لا يعرب عن علمه شيء ولا يزول علمه ولا يتغير ولا يكتسب بالنظر الذي يجوز فيه الخطأ ويتعلق بالماضي والمستقبل والغيب والشهادة ويعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور ولا تأخذه سنة ولا نوم وأمثال ذلك في كل اسم


180

ويدل على قولهم وجوه الأول قوله في آخر الآية وهو السميع البصير وهو أوضح دليل على ذلك الثاني تمدحه تعالى بكل اسم على انفراده الثالث قوله تعالى ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم وقوله تعالى وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم أي الوصف الاعلى على ألسنة أهل السموات والارض وهو كمال الثناء بأسمائه الحسنى كما ذكره المفسرون والقرآن يفسر بعضه بعضا وأما نفي الاسماء عنه وتأويلها فلا يدل عليه عقل ولا سمع بل هو خلاف المعلوم ضرورة من الدين وليس فيه من الشبهة غير تسميتهم له تنزيها وهو اسم حسن على مسمى قبيح فالواجب تنزيه الله تعالى منه

الرابع اجماع أهل الاسلام على مدحه تعالى باثبات الاسماء الحسنى لا بنفيها فان تسمية الملاحدة نفيها تنزيها لله تعالى من مكائدهم للاسلام والمسلمين وكم فعلت الزنادقة في الاسلام من نحو ذلك يسترون قبائح عقائدهم بتحسين العبارات قاتلهم الله تعالى وبذلك تم الكلام في الذات والاسماء الحسنى والله الهادي وهو حسبنا ونعم الوكيل ويتلوه الكلام في الحكمة والمشيئة والقضاء والقدر وأفعال العبادة وتمكينهم والاسماء الدينية والوعد والوعيد والتكفير والتفسيق وما يجب من حب القرابة والصحابة وسائر المؤمنين

تم الجزء المبارك من إيثار الحق على الخلق والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم


181
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده المهم الثاني الكلام في حكمة الله تعالى تم في مشيئته ومحبته وأفعال العباد وما يتعلق بها من الكفر والفسق والوعد والوعيد

وهذا المهم يختص بمن قد عرف من علم الكلام والاختلاف ما أمرض قلبه أو منع يقينه بالاعتقاد الجملي أو من رسخت في قلبه العصبية ولم يستطع دفعها من غير حجة حين بقيت بلا معارض أو من ضل بالتقليد ومن كان في عافية من ذلك فلا يحتاج اليه والله أعلم

ولنبدأ بالقول في الحكمة لأنها الاساس فانها نوع مخصوص من علم الله تعالى بالمنافع الخفية والعقول الحميدة والمصالح الراجحة وبها تبرز أفعاله تعالى من القدرة إلى الوجود ويتبين عجز العقول عن مدارك جميع ما له سبحانه وتعالى من الحكمة والكرم والجود فنقول وبالله نستعين وهو حسيبنا ونعم الوكيل

المسألة الأولى في إثبات حكمة الله تعالى في جميع أفعاله وأن ذلك أحوط ومعناها ههنا العلم بأفضل الاعمال والعمل بمقتضى ذلك العلم مثاله العلم بأن الصدق أولى من الكذب والعدل أولى من الجور والجود أولى من البخل والاحسان أولى من الاساءة ولا خلاف في تسمية هذا الذي ذكرته حكمة في حق الحكماء والعلماء من الخلق وإنما ادعى بعض الغلاة أن مثل ذلك منها محال في حق الرب عز وجل كما يأتي فساده وتختلف العبارات عما ذكرنا والمعنى واحد

وقد ذكر ابن الاثير في النهاية في غريب الحديث أن الحكمة العلم


182
بأفضل الاعمال ومنه قوله تعالى ويعلمهم الكتاب والحكمة فان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلمهم الصناعات بالاجماع وإنما كان يعلمهم أفضل الأعمال من أحسن الأخلاق وعلى هذا التفسير قوله تعالى حكمة بالغة فما تغن النذر وقوله تعالى ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه وقوله تعالى وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به وكذلك قوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم وقول عيسى عليه السلام وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فانه لا يصح تأويل الحكيم في هاتين الآيتين وغيرهما بالمحكم لعدم المناسبة كما سيأتي

وعبارة أهل الكلام في تفسير الحكمة أنها اثبات داع راجح إلى جميع ما فعله الله وأراده وان خفي على خلقه أو كثير منهم والمرجع بهذا الداعي إلى علم الله تعالى بالمصالح والغايات الحميدة وسبب وقوع الخلاف في ذلك أن قوما ممن أثبت الحكمة غلوا في ذلك فأوجبوا معرفة العقول للحكمة بعينها على جهة التفصيل فجاؤا بأشياء ركيكة فرد عليهم ذلك طائفة من الاشعرية وغلوا في الرد وأرادوا حسم مواد الاعتراض بنفي التحسين العقلي واستلزم ذلك نفي الحكمة فتجاوزوا الحد في الرد فوقعوا في أبعد مما ردوه وأشد وخير الامور أوسطها

والقول بحكمة الله تعالى أوضح من أن يروى عن صحابي أو تابعي أو مسلم سالم من تغيير الفطرة التي فطر الله خلقه عليها ولذلك تقر به العوام من كل فرقة ويقر به كل من لم يتلقن خلافه من اتباع غلاة بعض المتكلمين على ما فيهم من الشذوذ وقد اجتهدوا واحتالوا في تحسين مذهبهم بمجرد عبارات مزخرفة ليس تحتها أثارة من علم مثل تسمية الحكمة العلة وإبهام


183
أن القول بالحكمة يقدح في كون الله غنيا وهذا من أبطل الباطل ولو كان ذلك يقدح في غناه وجب أن يقدح في غناه وجوب وصفه بكونه عليما قديرا سميعا بصيرا إلى سائر أسمائه الحسنى خصوصا كونه تعالى مريدا ولزم مذهب الملاحدة في نفي جميع أسمائه وكان المعدوم والجماد أغنى الأغنياء وقد تقرر في قواعد أهل الاسلام نفي التشبيه عن ذات الله تعالى وصفات وأفعاله وتقرر أن المراد بنفي التشبيه تعظيم الرب جل وعز في ذاته وصفاته وأفعاله لا نفي الصفات والاسماء والممادح

فمن الواجب في نفي التشبيه عن أفعاله أن تكون أكمل من أفعال المخلوقين من جميع الوجوه لا أنها تكون أخس ولا أنقص في وجه واحد من الوجوه المحمودة

ولا ريب ولا شبهة أن قاعدة الكمال في الافعال أن يكون صدورها عن الحكمة البالغة في توجيهها إلى المصالح الراجحة والعواقب الحميدة فكلما ظهر ذلك فيها كانت أدل على حكمة فاعلها وعلمه وحسن اختياره ومحامده وكلما بعدت عن ذلك كانت أشبه بالآثار الاتفاقية وما يتولد عن العلل الموجبة وأشبهت أفعال الصبيان في ملاعبهم والمجانين في خيالاتهم فلا يوجد في أفعال المخلوقين أخس ولا أنقص من أفعال الصبيان والمجانين لخلوها عن الحكمة مع أنها لم تخل من موافقة شهواتهم ولم تجرد عن كل داع فمن نفي عن أفعال الله كل داع وحكمة فقد جعلها من هذه الجهة أنقص قدرا من أفعال الصبيان والمجانين في ملاعبهم وجنونهم

وأصل أهل الاسلام تحريم تشبيه أفعال الله بأفعال العقلاء والحكماء في كمالها وعدم مداناتهم لها في ذلك لزيادتها في الكمال في ذلك وبلوغها في الزيادة إلى منزلة لا تبلغها عقول الاذكياء والحكماء كما أن الحيوان البهيمي لا يبلغ بما له من الالهام إلى تعرف حكمة الحكماء وتصانيف الأذكياء ومعارف الفطناء ولا يتمكن من معرفة مقدار زيادتهم عليه فكذلك الحكماء لا يعرفون جميع حكمة الله تعالى ولا يستطيعون أن يعرفوا مقدار زيادتها على حكمتهم كما وضح في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام ولله


184
المثل الأعلى وكيف تجعل أفعال أحكم الحاكمين أنقص رتبة في خلوها عن الحكمة وأبعد عنها من مرتبة أفعال الصبيان والمجانين والساهين

وإنما قلنا أنهم جعلوها أنقص في ذلك لوجهين أحدهما أنهم قطعوا بخلوها كلها عن كل حكمة وداع وسبب ومنعوا أن تكون أفعاله كلها أرجح من أضدادها إلا في الاقوال فأوجبوا الصدق في أقوال الله تعالى ومنعوا ضده وهو الكذب ولزمهم بذلك الموافقة على ثبوت مثل ذلك في الافعال إذ لم يفرقوا بين الأفعال والأقوال بحجة بينة ولكن خافوا من تجويز الكذب على الله صريح الكفر وإنما الاقوال نوع من الأعمال

وقد أجمعت الامة على دخول الاقوال والاعمال في الوعد والوعيد على الاعمال وفي الصحيح أن أفضل العلم شهادة أن لا إله إلا الله وقال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة أنه لا تردد في دخول الاقوال في حديث ( الأعمال بالنيات ) وأمثال ذلك كثيرة جدا هذا في اللغة والنص والاجماع وأما العقل فلا ريب في تساويهما في ذلك فما بالهم أوجبوا صيانة الاقوال الربانية عن النقائص وأما في الأفعال الربانية فحكموا بأنه تعالى لو عكس الحكم في جميع أوامره العادلة المصلحة الحكيمة في شرائعه وأحكامه في الدنيا وكذلك في يوم القيامة أو عذب الأنبياء والأولياء وأهانهم وأخزاهم بذنوب غيرهم ثم أدخل أعداءه وأعداءهم الجنة بحسناتهم واكرامهم وعظمهم ما كان هذا الحال عليه بأبعد عن حكمته ومحامدة في العقل والسمع مما هو فاعله سبحانه وتعالى مما تمدح به وسماه حقا وعدلا وحكمة وصوابا وتمدح لذلك بأنه لا معقب لحكمه ولا مبدل لكلماته وبأنه إذا بدل آية مكان آية لا يبدلها إلا بما هو خير منها أو مثلها فزعموا أن التسوية بين أحكامه وأضدادها هو مقتضى العقول والشرائع لكن الشرائع وردت بالخبر عن وقوع أحد الجائزين المتماثلين في الحكمة مثل تماثلهما في القدرة بل المتماثلين في القدرة بلا حكمة عندهم إلا الصدق في الخبر فواجب وحده فانا لله إن كانت ذهبت العقول فأين الحياء من الله تعالى وكتبه ورسله والمسلمين

ومن العجب ظنهم أن هذا كله جائز عليه في أفعاله عقلا ولا يجوز في أقواله عقلا أدنى نقص ولا لغب وهو كما قالوا في الأقوال لكن الصواب


185
صيانة أفعاله كأقواله من الاهمال بل إهمال الافعال من الحكمة أضر وأقبح من إهمال الأقوال وكم بين التخليد في عذاب جهنم بلا ذنب بل بذنب الغير وبين الخلف في وعد بمثوبة عند جميع العقلاء فمن لم يجز عليه هذا الخلف كيف يجوز عليه ذلك التعسف

وثانيهما أنهم جعلوا صدور الافعال منه تعالى عن حكمة محالا عليه غير ممكن له ولا داخل في مقدوره كاحالة الأكل والشرب عليه وصدورها عن حكمة غير محال في حق الصبيان والمجانين والغافلين والنائمين والمفسدين عند الجميع بل يلزمهم أن الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا لو عكس الصدق والحق وبعث الكاذبين المفسدين وأيدهم بالمعجزات ما كان أولى من عكس ذلك ولم ينفصلوا عن هذا الالزام بوجه بين وإنما خرموا قاعدتهم فيه خوفا من صريح الكفر فقال بعضهم إنما يمتنع الكذب في كلام الله تعالى لأنه قديم وهذا قد جوز أن الكذب من حيث هو كذب قبيح لكنه مع ذلك نسب إلى الله تعالى عدم القدرة عليه فجمع بين تجويزه نقصين نقص الكذب لو دخل في قدرة الله تعالى ونقص العجز عنه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا

ولذلك أبطله الرازي بأن القدم يختص الكلام النفسي لا الأصوات عندهم وقال الرازي إنما يمتنع الكذب على الله تعالى لأن صفة النقص لا تجوز على الله تعالى وهذا كلام صحيح لكن كون الكذب صفة نقص اعتراف بالتحسين والتقبيح وثبوت الحكمة عقلا وإذا وقع الاجماع على أن الكذب صفة نقص وعلى أنه إنما امتنع على الله لكونه صفة نقص فكذلك تعذيب الانبياء بذنوب أعدائهم وإثابة أعدائهم بحسناتهم في يوم القيامة ويوم الدين والحق والعدل فانه محال على الله تعالى عقلا وسمعا من الجهة التي استحال عليه الكذب منها ومن زعم أن بينهما فرقا في النقص على العدل الحكيم فقد أبطل والله يحب الانصاف على أن بعثة الرسل الصادقين دون الكذابين من محسنات الافعال التي نازعوا فيها وليست من صدق الاقوال الذي أوجبوه فلزمهم تجويز بعثة الكذابين وتأييدهم بالمعجزات ولذلك لما قرر هذا بعض أئمة المعقولات منهم لم ينفصل عنه إلا بالزام


186
خصومهم مثله وترك ذلك كذلك غنيمة باردة للزنادقة والملاحدة متى وقفوا عليه أو ظفروا به والله المستعان

وقد أجمعت الامة وعلم من الدين ضرورة أن الله تعالى تمدح بأنه الملك الحميد وإلى هذين الاسمين الشريفين ترجع متفرقات أسمائه الحسنى فما كان منها يقتضي كمال العزة والقدرة والجبروت والاستقلال والجلال دخل في اسم الملك وعاد اليه وما كان منها يقتضي الجود والرحمة واللطف والصدق والعدل وكشف الضر وأمثال ذلك من الممادح دخل في اسم الحميد وعاد اليه وربما عبر عنهما بما رادفهما أو أحدهما مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم أهل الثناء والمجد وقوله إنك حميد مجيد فان المجد هو الملك والثناء هو الحمد فمن الناس من نظر إلى اسم الملك فعظمه ووفاه حقه بالنظر إلى معارف البشر وقصر في اسم الحميد ومعناه بنفي الحكمة عن أفعاله كلها كما أن من الناس من عكس فبالغ في اسم الحميد وقصر في تعظيم ملكه وقدرته وعزته فلم يجعل له قدرة على اللطف بعبد واحد من جميع عباده العصاة كما سيأتي في مسألة المشيئة وجميع أئمة الاسلام العارفين جمعوا بين تعظيم هذين الاسمين الشريفين ووفوا كل واحد منهما حقه على حسب قوى البشر في ذلك ومما قلته في ذلك في الاجادة

فمن قاصد تنزيهه لو رعى له
من الجبروت الحق عز التعاظم

ومن قاصد تعظيمه لو رعى له
محامد ممدوح بأحكم حاكم

وحافظ كل العارفين عليهما
وهذا الصراط المستقيم لقائم

ذلك أن اسم الملك يقتضي تفرده بالخلق والامر والعزة وعلم الغيوب والقدرة على كل شيء ثم أن الكمال الاعظم في ذلك كله يقتضي نفوذ المشيئة وسبق القضاء من غير جبر كيلا يفوت عليه سبحانه مراد واسمه الحميد يقتضي كمال الحمد والعدل والحكمة والفضل والصدق والجود والثناء والتسبيح والتقديس ثم أن الكمال الأعظم في ذلك كله يقتضي أوفر نصيب لأفعاله الحميدة وأحكامه العادلة من التنزيه عن اللعب والعبث والخلو عن الحكمة والمساواة بينها وبين أضدادها وهذا ما لا شبهة


187
فيه ولذلك نص عليه كثير من أئمة الآثار بل من علماء الكلام الذين ربما اتهمهم خصومهم أنهم من نفاة الحكمة

وأنا أورد من ذلك اليسير على قدر هذا المختصر فمن ذلك أن ابن الحاجب جزم في كتابه مختصر منتهى السؤل والامل باجماع الفقهاء على أن أفعال الله تعالى في الشرائع معللة ذكره في دليل العمل بالسير وتخريج المناط من القياس وذكر في مسالك العلة أنها صريح وتنبيه وإيماء فالصريح مثل لعلة كذا أو بسبب أو لاجل أو لكي أو اذن أو مثل لكذا أو ان كان كذا أو بكذا أو مثل فانهم يحشرون أو فاقطعوا أيديهما ومثل سها فسجد ثم ذكر أقسام التنبيه والايماء بعد ذلك وجميع الاشعرية يتابعونه على ذلك في أصول الفقه كالرازي في المحصول والغزالي في المستصفى وجميع من أثبت القياس في الفروع وكذلك شراح كتابه منهم ومن غيرهم مع كثرتهم وأكثرهم أشعرية قرروا ذلك ولم يعترضوه وقد قيل أنه شرح بسبعين شرحا

وأما قول عضد الدين في شرحه وجوبا عند المعتزلة وتفضلا عند غيرهم فانما أراد ارسال الرسل لا تعليل الاحكام الشرعية وإلا بطل القياس ولأن هذا النقل عن المعتزلة وغيرهم باطل في تعليل الاحكام الشرعية وكذلك ذكر الحافظ أسعد بن علي المعروف بالزنجاني أن ذلك مذهب أهل السنة وهو من أئمة الشافعية ذكره في شرح قصيدته الشهيرة في الحث على السنة وهي التي أولها ( تمسك بحبل الله واتبع الخبر ) وذكر الذهبي في ترجمة عكرمة من الميزان ما يدل على ذلك وكذلك الامام الخطابي والعلامة الدميري من أئمة الشافعية وأهل السنة ذكرا حكمة الله تعالى في خلق الداء والدواء في جناحي الذباب والهامة تقديم ما فيه الداء وتأخير ما فيه الدواء ردا على من من طعن في الحديث بذلك ونصا على أن لله حكمة في كل شيء وطولا في ذلك ذكره الدميري في كتابه حياة الحيوان في ذكر الذباب من حرف الذال

وشرح ابن الأثير الحكيم بالحاكم وبذى الحكمة معا ولم ينكر تفسيره بذي الحكمة ويجعله من البدع وفسر الحكمة بمعرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم فجعل الاشياء متفاضلة في أنفسها والحكمة معرفة ذلك وهذا هو المراد وإذا كان للاسم الشريف معنيان صحيحان مشتملان على الحمد


188
والثناء لم يصح منع أحدهما على أن تفسير الحكيم بالحاكم مطلقا مما لم أره في كتب اللغة ولعل ابن الأثير قلد فيه بعض المتكلمين وهذه كتب اللغة موجودة والله يحب الانصاف

وذكر ابن كثير في الأول من البداية والنهاية في قصة نوح عليه السلام في تفسير قوله تعالى ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون قال ابن كثير أي من يرد الله فتنته فلن يملك أحد هدايته هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الفعال لما يريد وهو الحكيم العليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة اه بحروفه هو إشارة إلى قوله تعالى وما يضل به إلا الفاسقين كما ذكره الذهبي

فالزنجاني والذهبي وابن كثير من أئمة الاثر وأئمة الشافعية وأهل السنة وقد تطابقوا على تعليل أفعال الله بالحكمة من غير حكاية خلاف في ذلك بل ذكر ذلك الغزالي مع توغله في علم الكلام ذكره في المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى في شرح الرحمن الرحيم وكذلك ذكر مثل ذلك في الاحياء في سر القدر كما تقدم

ومن كلامه في المقصد الاسنى ما لفظه ولذلك قال الله سبقت رحمتي غضبي فغضبه ارادته الشر والشر بارادته ورحمته ارادته الخير والخير بارادته ولكن أراد الخير للخير نفسه وأراد الشر لا لذاته بل لما تضمنه من الخير إلى قوله فلا تشكن أصلا في أن الله أرحم الراحمين وانه سبقت رحمته غضبه ولا تستريبن في أن مريد الشر للشر لا للخير غير مستحق اسم الرحمة إلى آخر ما ذكره وهو كلام طويل متداول بين أهل السنة وكذلك قال النووي في شرح مسلم في حديث والشر ليس اليك أي ليس بشر بالنظر إلى حكمتك فيه وإنك لا تفعل العبث وذكره في الاذكار أيضا

وذكر ذلك الفقيه ابن العربي المالكي في شرح الترمذي ومن كلامه فيه ما لفظه فان البارى لا يجوز عليه الاهمال بحال ولا بوجه قال


189
وقد وهم في ذلك المتكلمون من علمائنا في بعض الاطلاقات على الله وذلك قبيح فلا تلتفتوا اليه ذكره في أول كتاب الصيام بل قال الرازي في مفاتيح الغيب إن مسألة الافعال وقعت في حيز التعارض بحسب تعظيم الله تعالى نظرا إلى قدرته وبحسب تعظيمه سبحانه نظرا إلى حكمته إلى آخر كلامه كما سيأتي في مسألة الافعال ويعضده كلامه في وصيته وفي أصول الفقه

وقال الامام العلامة محمد بن جرير الطبري إمام السنة ما لفظه ( فان قال قائل ) فما معنى قوله عليه السلام اعملوا فكل ميسر لما خلق له إن كان الامر كما وصفت من أن الذي سبق لأهل السعادة والشقاء لم يضطر واحدا من الفريقين إلى الذي كان يعمل ولم يجبره عليه ( قيل ) هو أن أهل كل فريق من هذين مسهل له العمل الذي اختاره لنفسه مزين له ذلك كما قال جل ثناؤه ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم وأما أهل الشقاوة فانه زين لهم أعمالهم لإيثارهم لها على العمل بطاعته كما قال جل ثناؤه إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون إلى قوله لأن المضطر إلى الشيء لا شك أنه مكره عليه لا محب له بل هو له كاره ومنه هارب والكافر يقاتل دون كفره إلى آخر ما ذكره وهو كلام جيد مطول ذكره بكماله العلامة ابن بطال في أبواب القدر من شرح صحيح البخاري محتجا به على بطلان قول الجبرية الجهمية وموضحا لبراءة أهل السنة منهم والحجة فيه هنا قوله لإيثارهم لها على طاعته

وفي الواحدي في تفسير قوله تعالى وأضله الله على علم عن سعيد بن جبير على علمه فيه وهو من هذا القبيل وإلا لم يكن مناسبا واحتاج إلى تفسير آخر وقال ابن الجوزي في مواعظه بث الحكم فلم يعارض بلم وقال ابن قيم الجوزي الحنبلي في حادي الأرواح ما لفظه محال على أحكم الحاكمين وأعلم العالمين أن تكون أفعاله معطلة عن الحكم


190
والمصالح والغايات الحميدة والقرآن والسنة والعقول والفطر والآيات شاهدة ببطلان ذلك

وقال في الجواب الكافي وما قدروا الله حق قدره من نفي حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله وكذلك نصر ذلك شيخه ابن تيمية وبالغ في نصرته وذكر الزركشي في شرح جمع الجوامع نحو ذلك عن الحنفية وأنهم رووه عن ح قال وهو الذي حكاه الزنجاني من أصحابنا وأبو الخطاب من الحنابلة وهو المنصور لقوته من حيث الفطرة وآيات القرآن المجيد وسلامته من الوهن والتعارض

فهؤلاء سبعة عشر من أكابر الاشعرية وأهل الكلام وأهل السنن والآثار من المتأخرين تيسر لي النقل عنهم الآن مع بعدي عن ديارهم دع عنك قدماء السلف الذين صانهم الله وصان أزمنتهم عن البدع فلو ادعى مدع اجماع المتأخرين مع اجماع المتقدمين من المسلمين على ذلك لما بعد عن الصواب والله الهادي

أما القدماء من الصحابة والتابعين فقد علم ضرورة أنهم لم يتأولوا اسم الله الحكيم وأما المتأخرون فأما طوائف الفقهاء وأهل الأثر والشيعة والمعتزلة على كثرة فرقهم فقد اتفقوا على ذلك أما أهل الأثر فقد تقدم نقله عنهم من غير معارضة وأما طوائف الفقهاء فقد نقله عنهم ابن الحاجب عموما وادعى اجماعهم وأما كل طائفة منهم خصوصا فقد تقدم نقله عن أبي حنيفة وأصحابه وأما الشافعية فذكر منهم جماعة عرفت منهم وقت هذا التعليق عشرة الخطابي وعلي بن خلف بن بطال والزنجاني وابن كثير والذهبي والغزالي والنووي وابن الأثير والزركشي والدميري وتركت الرازي لتعارض كلامه في ذلك وأما المالكية فذكر منهم ابن الحاجب وابن العربي وصدع بالحق في هذا الموضع ونص على قبح ذلك ممن قال به من متكلميهم وأما الحنابلة فذكر منهم أربعة ابن الجوزي وأبو الخطاب وابن قيم الجوزيه وشيخه ابن تيمية وبالغا في نصرته


191
فصل في ذكر الادلة على ذلك

واعلم أن هذه المسألة الجليلة وإن كانت جلية فقد أحوج أهل اللجاج والتمسك بالمتشابهات إلى التطويل فيها لما يتفرع عنها ويبتني عليها من القواعد وقد بسطت الادلة عليها في العواصم ولكن لابد من التبرك بذكر طرف صالح غير المشهور في علم الكلام يدفع الله به في نحو المخالفين

فمن ذلك ما ورد في تعليل خلق السموات والأرض كقوله تعالى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون وقال تعالى أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وفي هذه الآية الكريمة دلالة على أن الفكرة العقلية الصحيحة تثمر المعرفة بحكمة الله والقطع على تنزيه الله من العبث واللعب كما أن الادلة الشرعية جاءت بذلك وذلك واضح في قوله تعالى أو لم يتفكروا في أنفسهم فهي حجة على إثبات التحسين العقلي كقوله أم تأمرهم أحلامهم بهذا وقال تعالى وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار وقال هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون إلى غير ذلك

وبوب البخاري بابا في ذلك فقال في التوحيد والرد على الجهمية


192
باب قول الله عز وجل وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ثم روى حديث ابن عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو من الليل وذكر دعاءه وفيه أنت الحق وقولك الحق ووعدك الحق والجنة حق والنار حق والساعة حق وذلك من البخاري إشارة إلى مذهب أهل السنة في إثبات الحكمة

ومن ذلك ما ورد في تعليل العذاب بالاعمال والاستحقاق مثل جزاء بما كانوا يعملون وهو أصرح وأكثر وأشهر من أن يذكر بل هو من المعلومات من ضرورة الدين وكذلك جاء صريح التعليل في الأحكام كقوله تعالى من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل الآية وقد ذكرت في العواصم في هذه أكثر من مائة آية من كتاب الله مما تقشعر الجلود لمخالفة آية واحدة منها وإنما اقتصرت على ما هنالك خوفا من الاملال وقد ذكر ابن قيم الجوزية في الجواب الكافي أن في ذلك قدر ألف آية من كتاب الله ذكره في فائدة العمل مع القدر في ترتيب الاشياء على الاسباب في حكمة الله تعالى

ومن ذلك قول نوح عليه أفضل السلام إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين فان لفظة أحكم هنا مبالغة في الحكمة التي هذا موضعها لما في كلامه من التلطف بتنزيه الله عن الخلف في الميعاد ولا يصح أن يكون أحكم هنا مبالغة في الاحكام إذ لا مناسبة لذلك بهذا المقام ولذلك كان الجواب على نوح عليه السلام بأنه عمل غير صالح فبينت له الحكمة على التعيين لتقرير اعتقاده الجملي لها فكشف له بها أن الوعد سبق له متعلق بأهله الصالحين وقد روى أت الوجه في اشتباه ذلك على نوح أن ابنه كان منافقا وكان علم نفاقه من علم الغيب الذي يختص الله به ولو كان عدم صلاحه بأمر بين لم يخف ذلك عليه وهذا وجه جيد والله أعلم ومن ذلك قوله تعالى أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون


193

ومن ذلك قوله تعالى حاكيا عن الأشقياء لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير وقوله في غير آية أفلا تعقلون وأنتم تعلمون فانها وأمثالها تدل على معرفتهم بعقولهم قبح ما هم عليه وبطلانه معا إذ لو عرفوا بطلانه بها دون قبحه لم تقم عليهم الحجة وإنما أرسلت الرسل لقطع عذرهم لكيلا يقولوا ما حكى الله تعالى عنهم وذلك لزيادة الاعذار لأنه لا أحد أحب اليه العذر من الله تعالى لا لأنه لا حجة عليهم قبل الرسل أصلا ولذلك صح عند أهل السنة أن تقوم حجة الله بالخلق الاول في عالم الذر على ما سيأتي بيانه وذلك قبل الرسل ولم يختلفوا في صحته وإنما اختلفوا في وقوعه

ومن ذلك سؤال الملائكة عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته ولولا اعتقادهم للقطع بالحكمة ما استغربوا ذلك ولا سألوا عنه ولذلك كان الجواب عليهم بقوله تعالى إني أعلم ما لا تعلمون ولم يقل اني يصدر مني ما يفعل المفسدون وأوضح من هذا كله ما جرى بين موسى والخضر عليهما السلام فانه مناد نداء صريحا على اشتمال أفعال الله تعالى على المصالح والغايات المحمودة ولولا اعتقادهما لذلك ما استنكر موسى ولا أجاب الخضر بوجوه الحكمة الراجعة إلى المصالح ولا قنع موسى بذلك الجواب والخصم يعتقد أن المفسدة البينة الفساد في البداية والنهاية الخالية عن الحكمة والمصلحة باطنا وظاهرا جائزة على ا تعالى بل مساوية للمصلحة البينة الصلاح باطنا وظاهرا بل لا يجوز أن يعلل شيء من أفعاله بحكمة بل يجب القطع بخلوهاعن ذلك بل يجب القطع بأن ذلك هو الأولى في ممادح الرب تعالى حتى صرخوا بتأويل اسمه الحكيم بمعنى المحكم لخلق المخلوقات لا سواه لا أن له في ذلك الأحكام حكمة ألبتة ولو كان كذلك لم يقع منه الاحكام لأنه لا يكون أولى به من عدمه وإن لم يكن أولى به فلا ولا أكثر وقوعا في مخلوقاته بل لو كان كذلك لارتفع التحسين والتقبيح في الشرع ولم يكن الامر بالشيء أولى من النهي عنه ولا العكس لأن الممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح ولا مرجح في ذلك كله إلا داعي الحكمة والعلم بفضل بعض الأمور على بعض


194

ثم إنا قد علمنا أن الشيطان محكم لأسباب فساده ووسواسه أشد الاحكام مع أنه في غاية القبح لخلوه عن الحكمة وكذلك المشركون أحكموا حربهم وسبهم للأنبياء وقالوا في ذلك القصائد المحكمة وإنما قبح ذلك كله وسخف قائله لخروجه عن الحكمة فكيف يرد اسم الحكيم إلى مثل ذلك

وقد نقل تفسير الحكيم بالمحكم من لم يفهم هذه الغائلة من شراح الاسماء الحسنى حتى نقله البغوي في تفسيره ومصنف سلاح المؤمن وأما ابن الأثير في النهاية فنقل التفسيرين معا وأما الغزالي في المقصد الأسنى فانه اتقى فيه من المخالفين بغير شك لأنه صرح بمخالفتهم في شرح الرحمن الرحيم لكنه تلطف في إخفاء المخالفة على الأكثرين بكونه جعلها في الموضع الذي لم يشتهر فيه الخلاف بينهم وبين خصومهم وهو تعظيم رحمة الله تعالى وسعتها وقد أشار إلى مخالفة الأكثرين للحق في خطبة هذا الكتاب بل صرح بذلك وأيضا فيلزم أن لا يكون الجود ونحوه أولى بالله من أضدادها وأيضا كل مقدور ممكن الوجود والبقاء على العدم ولا يترجح أحد الممكنين إلا بمرجح ولا مرجح إلا الدعي وأيضا فيلزم أن لا يحتاج المتشابه إلى تأويل

ومن ذلك أنه يتعذر على من نفى حكمة الله تعالى أن يقطع على صدقه سبحانه وصدق رسله الكرام عليهم السلام كما تقدمت الاشارة اليه وهذا مبسوط في كتب الكلام ولا يصح لهم عنه جواب إلا ما يلزمهم معه ثبوت الحكمة في الافعال والاقوال معا كما تقدم

ومن ذلك أنهم إنما أن يحسنوا نفي الحكمة بغير حجة أو لا يحسنوه إلا بحجة إن حسنوه بغير حجة أكذبهم قوله تعالى قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين وإن لم يحسنوه إلا بحجة اعترفوا بالتحسين العقلي

ومن ذلك أنهم اعترفوا بأن العقل يعرف الحق من الباطل فيقال لهم فاذا تقرر ذلك فالمعلوم في الفطر ترجيح الحق على الباطل وقد اجتمعنا في الاقوال على ترجيح الصدق على الكذب بخصوصه والصواب ترجيح الحق على الباطل بعمومه في الافعال كالأقوال والله يحب الانصاف


195
فصل في الجواب عما اغتروا به في ذلك

فمن ذلك أنه ورد في السمع ما يتوهم الجهال منه إن الله تعالى يريد الشر المحض لكونه شرا لا لحكمة فيه ولا غاية محمودة وهذه هي معظم ما جرأهم على ذلك بل ليس لهم كبير شيء سواها وهي شبهة الملاحدة التي يصولون بها على السفهاء والضعفاء وذلك مثل آلام الاطفال والبهائم وعذاب الآخرة الدائم والجواب عن ذلك يتضح بذكر أمور

الامر الأول أن الاستقباح الذي يوجد في العقول لذلك إنما هو بالنسبة إلى من لا يعلم تأويلها تفصيلا ولا جملة لكن الله تعالى قد أعلمنا جملة أن لها تأويلا أو أن لها تأويلا لا يعلمه سواه وهو الصحيح على ما مضى تقريره في هذا المختصر فاذا ذلك الاستقباح الموجود في عقول البشر صحيح بالنظر إلى علومهم القاصرة وعقولهم الحائرة لكن الراكن اليه غفل عن كون ما أنكر صدر عمن ثبتت حكمته وثبت استبداده بعلم الغيوب والحكم وانه يعلم ما لا نعلم من الغيوب والحكم وقد أخبرنا في كلامه الحق أن للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا هو ولو كان ما تشابه علينا حسنا في عقولنا لم يحتج إلى تأويل ولو لم تكن أفعاله موقوفة على الحكمة لم يرد بذلك التنزيل بل ورد السمع بما يدل على أن الله تعالى فعل ذلك للابتلاء كما قال تعالى في تحويل القبلة وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه إلى قوله وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وفي نحو هذا يقول عز وجل بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين فبين سبحانه أن التكذيب بما لم


196
يعلم تأويله هو عادة جميع الكافرين الاولين والآخرين وان سبب كفرهم وتكذيبهم به إنما هو جهلهم وعدم احاطتهم بعلمه فليحذر ذلك كل الحذر فان طباع الخلق واحدة إلا ما سلم الله تعالى نسأل الله الهداية والسلامة

فعلى هذا يكون الايمان به أفضل الايمان بل محك أهل اليقين والاحسان ويكون الخوف على المرتابين بسببه من مكر الله خوفا عظيما نسأل الله أن يثبتنا ولذلك خص الله الراسخين بالاستعاذة من الزيغ بعد ذكر إيمانهم بالمتشابه كأن ذكره ذكرهم ذلك فليطلب العاقل من طبعه اللجوج ونفسه الجاهلة المهلة اليسيرة حتى ينكشف في الآخرة ذلك التأويل كما انكشف لموسى تأويل الخضر بعد القطع على بطلانه ألا ترى إذا رأيت رجلا مطيقا يضرب ولدا ضعيفا ضربا مؤلما أنه أول ما يسبق إلى طبعك رحمة الصغير والانكار على الكبير حتى تعلم أن الكبير أبو ذلك المضروب وأنه ساع في صلاحه وخبير به فيزول عنك ما كان سبق إلى طبعك

وقد جود هذا الوجه الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى وفي البحث السادس من مسألة الارادة تمام لهذا فيه تقرير ورود السمع بأن الله تعالى في جزاء الاشقياء حجتين حجة ظاهرة وهي العمل وحجة خفية وهي الحكمة الباعثة على الجزاء دون العفو ثم أن تأويل الخضر لموسى دل على أن تأويل المتشابه يرجع إلى رده إلى المحكم الذي تحسنه العقول ولا تنكره وهو جلب المنافع والمصالح ودفع المضار والمفاسد ويدل على لزوم هذا في التأويل أنه لو ورد بخلافه كان متشابها آخر يحتاج إلى التأويل ولم يستحق اسم التأويل وهذه حجة قاطعة ولله الحمد

واعلم أن الطبع في هذه المسألة غالب بقوته على من لم يعارضه بتذكر كمال الربوبية ونقص العبودية ويتضرع إلى الله في امداده بهدايته ألا ترى إلى قوله تعالى بعد ذكره لتحويل القبلة وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله نسأل الله هدايته وإن لا يكلنا إلى نفوسنا طرفة عين


197

الوجه الثاني أن يتذكر الانسان ما يعلمه من نفسه من شدة الجهل وقلة العلم وتردده في الامور وحيرته في أشياء سهلة ورجوعه عما كان عليه مرارا ووجدانه للشيء بعد الطلب الشديد الطويل واليأس من وجدانه فان علم الانسان بأحوال نفسه ضروري وهو حجة عليه كما قال تعالى بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره وقد وصفه ربه العليم الخبير بأنه ظلوم جهول في كتابه الحق ويعلم من التجربة المستمرة ومن قصة موسى والخضر التفاوت العظيم بين الخلق في البلادة والذكاء ومعرفة الدقائق وخفيات الحكم ومحكمات الآراء وحدس عواقب الامور فكيف التفاوت بين الخلق وخالقهم سبحانه وتعالى ولو وهب الله عز وجل لبعض خلقه نصف علمه سبحانه لجاز أن يكون ذلك التأويل في النصف الآخر كيف وقد صح في حديث ابن عباس أن الخضر قال لموسى ما علمي وعلمك وعلم جميع الخلائق في علم الله إلا مثل ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر

والفرق بين هذا الوجه والذي قبله إن هذا راجع إلى كسره لعجبه بنفسه فان الاعتراض على الله سبحانه إنما ينشأ من ذلك والوجه الأول مبني على تسليم صحة إنكاره في المتشابهات لكن بالنسبة إلى عقولنا ومعارفنا والغرض به اقناع الخصم كيلا يعتقد فينا العناد بانكار المدارك العقلية فانا لا ننكرها لكن ندعي أنه قد ينكشف خلاف السابق إلى الوهم العقلي والحسي كما أن الانسان أول ما يرى النجوم يعتقد أنها ساكنة حتى تنكشف له حركتها بالبرهان لا بالبصر وقد يراها متحركة حركة سريعة مع حركة السحاب الرقيق وينكشف له بالبرهان عدم ذلك

الوجد الثالث وهو القالع لآثار هذه الوساوس أن يعلم الانسان أنه ما زال الاختلاف بين أهل الفطن والعلوم من المسلمين فيما بينهم والفلاسفة فيما بينهم وسائر الخلائق حتى حكى الله تعالى الاختلاف اليسير الذي لا يضر فيما عن الملائكة وبعض الأنبياء عليهم السلام فقال تعالى ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون


198
) وحكى سبحانه ما جرى بين داود وسليمان عليهما السلام من الاختلاف في حكم الغنم إذ نفشت في زرع قوم إلى قوله تعالى ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وحكى ما جرى بين موسى وهارون عليهما السلام حتى حكى قول هارون لموسى لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي و فلا تشمت بي الأعداء وثبت في الحديث اختصام ملائكة الرحمة وملائكة العذاب في حكم الذي قتل مائة نفس ثم تاب وبعث الله ملكا يحكم بينهم فحكم لملائكة الرحمة وثبت أيضا محاجة آدم وموسى في الخروج من الجنة لا في المعصية كما يظنه كثير من الناس كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى فصار مجموع ذلك دليلا قاطعا على أن العادة قد استمرت على وجوب الاختلاف في الاحكام عند التفاضل في العلم والحكمة وذلك يوجب استقباح الجاهل لبعض أفعال الأعلم على قدر ما بينهما من التفاوت فأولى وأحرى أن يوجب استقباح الجاهل لبعض أفعال الاعلم

ولما كان التفاوت بين علم المخلوقين وعلم خالقهم عز وجل لا يقدر بمقدار ولا يتوهم بقياس وجب أن يكون بينهم في التحسين والتقبيح لتفاصيل الاحكام أعظم الاختلاف وجوبا عاديا يستحيل خلافه حتى لو قدرنا ما لا يتقدر من موافقتهم لجميع أحكام الله تعالى على جهة التفصيل لكان هذا محارة عظمى لعقول جميع العقلاء والأذكياء بل محالا ممتنعا في معارف الفطناء والعلماء ولكان ذلك الاتفاق أعظم شبهة قادحة في زيادة علم الله عليهم ومن أدق المتشابه المحير لفطنائهم فلما جاء السمع بالمتشابه عليهم على القاعدة المألوفة والعادة المعروفة في أن الاعلم إذا تميز شيئا قليلا عن أجناسه وأشباهه لم يكن بد من أن يأتي بما لا يعرفون ويفعل ما لا يقولون ويستحسن بعض ما يستقبحون حتى قيلت في هذا الاشعار وضربت فيه الامثال وحتى قيل أن الاجتماع في الخفيات محال مثلما أن الاختلاف في الجليات محال وقد أجاد في هذا المعنى من قال


199

تسل عن الوفاق فمر بنا قد
حكى بين الملائكة الخصاما

كذا الخضر المكرم والوجيه المكلم
إذ ألم به لماما

تكدر صفو جمعهما مرارا
وعجل صاحب السر الصراما

ففارقه الكليم كليم قلب
وقد ثنا على الخضر الملاما

فدل على اتساع الامر فيما
الكرام فيه خالفت الكراما

وما سبب الخلاف سوى اختلاف
العلوم هناك بعضا أو تماما

فكان من اللوازم أن يكون الاله
مخالفا فيها الاناما

فلو لم نجهل الاسرار عنها
بلغنا مثله فيها المراما

فصار تشابه الاحكام منه
عليه شاهدا ولنا لزاما

فلا تجهل لها قدرا وخذها
شكورا للذي يحيى العظاما

وحاذر أن تكون لها نسيا
وتنظر في المواقف أو تراما

فلو لم ينسها موسى عليه السلام
قضى من الخضر المراما

ولو لم تنسها الاملاك في آدم
كانوا بها اعتصموا اعتصاما

وإن محارة قد حار فيها
الملائك والكليم ولن يسامى

لقاطعة القلوب حرية أن
يكون الابتداع بها حراما

ولا تعجب بفضل الله يوما
فان العجب يورثك السقاما

وكن لنعال خلق الله تربا
إذا ما شئت للنعمى دواما

الوجه الرابع

تدبر كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترى إلى قوله تعالى إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما فعقب ذكر هذا العذاب العظيم بذكر موجبه من عزته وحكمته التي هي تأويل المتشابه وكذلك قوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم


200
) وكذلك قال عيسى عليه السلام وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ولا يخفى ما في تأويل الحكيم بالمحكم هنا من التعسف الباطل وما في التأويل من غير موجب من فتح أبواب البدع والمجاهل

وفي هذه الآيات وأمثالها نكتة لطيفة في جمعه بين العزة والحكمة وذلك أن اجتماعهما عزيز في المخلوقين فان أهل العزة من ملوك الدنيا يغلب عليهم العسف في الاحكام فبين مخالفته لهم في ذلك فان عظيم عزته لم يبطل لطيف حكمته ورحمته سبحان من له الكمال المطلق والمجد المحقق

وبعد فان اثبات حكمة الله تعالى معلوم في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين لا يدفع مكشوف لا يتقنع مدحا وثناء كما اشتملت عليه النصوص القرآنية والاسماء الحسنى وأسئلة وجوابات كما تبين في قصة موسى والخضر وآدم وملائكة السموات ألا ترى أنك إذا تأملت سؤال الملائكة وما أجيب عليهم به عرفت فيه ما اتفق عليه العقلاء من تقبيح الشر المحض الذي لا خير فيه ولا في عواقبه وغاياته دون الشر المراد لاجل الخير وذلك بين في اظهار الله تعالى لهم صلاح آدم عليه السلام وعلمه وتقدمه في القرب من الله تعالى ألا تراه سبحانه وتعالى يقول لهم بعد بيان ذلك لهم ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون فبين لهم أن خلقا فيهم مثل هذا العبد الصالح والنبي المكلم المقرب المستخلف المعلم لا يحكم عليه بأنه شر محض ولا حكمة فيه ولا خير يقصد به وإنه لا نكارة في شر يكون للخير كالصف للدر والترب للبر والفصاد للعافية والقصاص للحياة وأمثال ذلك مما هو صحيح شهير في حكمة الحكماء وعقول الفطناء

ولذلك قيل أن العالم كالشجرة وأهل الخير منهم كالثمرة من تلك الشجرة وهو أحد الوجوه في تفسير قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أي ليعبدني العابدون منهم وقد جاء نحو


201
ذلك في حديث الخليل عليه السلام حين جعل يدعو علي من رآه يعصي الله فوحي الله اليه يا إبراهيم دع عبادي فان قصر عبدى مني احدي ثلاث اما أن يتوب فأتوب عليه أو يستغفرني فأغفر له أو أخرج من صلبه من يعبدني رواه الهيثمي في مجمع الزوائد والطبراني

فثبت أن الانسان ما يؤتي في توهمه نفي حكمة الله إلا من جهة جهله لقدر علمه وقدر علم الله تعالي وإنما كره علم الكلام لما يؤدي اليه الخوض فيه من المحارات ومخالفة الضرورات أو المشهورات ألا تري أن المتكلمين لما توغلوا في هذه المباحث أدي ذلك طائفة منهم إلي القدح في الحكمة وطائفة إلي القدح في القدرة علي هداية العصاة وطائفة إلي القدح في دوام العذاب ورجحت كل طائفة تأويلها

أما غلاة الأشعرية الذين قدحوا في معني الحكمة فرجحوا ذلك لصعوبة النظر في حكمة الله تعالي في جميع الشرور الدنيوية والأخروية وعجز العقول عن درك ذلك وأما غلاة المعتزلة فرجحوا قدحهم في القدرة على اللطف أنه قد خاض في أمر معين يحتمل أنه محال ولا بد من اخراج المحال من المقدورات بالاجماع وإلا أدي إلي تجوير قلب القديم حادثا والحادث قديما وغير ذلك مما يستقبح ذكره وقد أشار الغزالي إلي مثل كلامهم في شرح الرحمن الرحيم من المقصد الأمني

وأما الأشعرية فقدحوا في الحكمة بأسرها فكان ما ذهبت اليه المعتزلة أهون من هذه الجهة

وأما ابن تيمية وأصحابه فرأوا أن القدح في الحكمة والقدرة يتطرق إلي النقص في كمال الربوبية وذلك يحتمل الكفر ويضارعه أو يقرب منه وأما دوام العذاب فالقدح فيه عندهم سهل بعد ورود الاستثناء في غير آية وحديث وأثر ومنتهاه تخصيص عموم بما يقتضي زيادة الرحمة والحكمة والعدل والثناء

ولي علي الجميع كلام طويل وقد أشرت إلي أقوالهم وشبههم في الإجادة بأقصر عبارة فقلت في ذلك شعرا


202

تحير أرباب النهي ما المراد بالعصاة
من الجن وأولاد آدم

أخيرا أراد الله بالخلق أولا
أم الشر مقصود لا حكم حاكم

فان كان خيرا هل يجوز فواته
علي مالك ما شاء بالغيب عالم

وإن كان شرا هل أريد لنفسه
أم الخير مقصود به باللوازم

وهل سبق قصد الخير بالشر يقتضي
تطابق ذاك القصد حكم الخواتم

ولما أتي ذكر الخلود بناره
علي جوده في ذكره والجوازم

تعاظم شأن الخلد في النار كل من
تفكر في أسماء رب العوالم

فلا هو مغلوب ولا هو جاهل
ولا عابث قطعا ولا غير راحم

فعاد إلي التسليم كل محقق
لما قاله في الذكر رب العوالم

سواء قضي بالخلد بالنار أو قضي
بأن عذاب الأشقياء غير دائم

ولما أتي استثناؤه في كتابه
من الخلد جهرا فل حد التعاظم

وعاد مجال القول في ذاك واسعا
وقد كان ضاق الأمرضيق الخواتم

ورد شكوك الملحدين خواسئا
ومد بحار العارفين الاكارم

فمن قائل بالخلد من أجل كثرة
الوعيد به المنزلات القواصم

ومن قائل أن الخصوم مقدم
وساعده أسماء أحكم حاكم

وثالثها المنصور يرجي لمسلم
ومن عاند الاسلام ليس بسالم

ومن لائم من خاض في ذاك حائر
ومن واقف في ذاك ليس بلائم

ومن خائض فيه يكفر خصمه
علي مثل ما يأتي فاليس بسالم

ولا كفر في الأقوال بعد تعارض
الصوادع في تنزيل أعلم عالم

ولكنه يخشي بتكفير غيره
يبوء به أو باقتراف المآثم

فلولا أراد الله توسيع حكمه
لما خصه في ذكره غير كاتم

وفي الجنة استثني وعقبة بما
يدل علي خلد الجنان الدوائم

علي أن وصف الجود لله دائم
ومستلزم قطعا دوام المكارم

وكيف يدوم الملك والجود والثنا
وينقطع المعروف في قول عالم

وجاءت أحاديث الصحاح توافق
العقول بثنيا الرب أرحم راحم

203

إذا وردت بعد الثواب فانها
لما زاد جودا في ثواب الاكارم

وإن وردت بعد الوعيد فانها
لعفو وصفح عن عقاب الجرائم

ووافقها في الذكر ذكر زيادة
وذكر مزيد في النصوص الجوازم

وطول في الثاني اين تيمة فقف
علي علمه في كتبه والتراجم

وأسنده عن ستة نص قولهم
أكابر من صحب النبي الاكارم

فلا تعتقد ان لم يصح مقالهم
وبان ضعيفا ساقطا كفر عالم

فما هو الا حسن ظن فان يجب
فما ينقص الرحمن رجوى المراحم

وقول خليل الله ثم ابن مريم
دليل على بطلان لوم اللوائم

وقد كاد جل الخلق يكفر ضلة
بذلك لولا فضل أرحم راحم

فمن قاصد تنزيهه لو رعى له
من الجبروت الحق عز التعاظم

ومن قاصد تعظيمه لو رعى له
محامد ممدوح بأحكم حاكم

وحافظ كل العارفين عليهما
وهذا الصراط المستقيم لقائم

وهذا مقام لا يخاطر عاقل
به وله قد كان خلق العوالم

لتعليل خلق السبع والسبع كلها
بتعريف وصفيه قدير وعالم

وإن مقاما حار فيه كليمه
ولم يستطع صبرا لخير العوالم

جدير بتحقيق عظيم وريبة
من الوهم عند الجزم من كل عالم

ألم تر ما أدى اليه الكلام من
فريقيه لما لججوا في الخضارم

نفوا حكمة الرحمن في العدل والجزا
وقدرته عن هدى أحقر ظالم

فوهى فريق عز أقدر قادر
ووهى فريق قدس أحكم حاكم

وذا عذرهم في ذي الأقاويل أنها
لمنكرة في قول جل الأكارم

كأنهم راموا مساعدة النهى
وثلج نفوس بالغيوب هوائم

فلم يجدوا إلا التأول مخرجا
لاحدى ثلاث في العلوم عظائم

لحكمة رب الخلق أو لاقتداره
على اللطف أو تخليد أهل الجرائم

وأحسن من ذا الوقف فيه لقطعنا
جميعا بحسن الحكم من خير حاكم

وذلك مغن إذ سلامة جارم
لدى الخوف أولى من اصابة جاز

204

وأثن ولا تستثن شيئا من الثنا
ودع بدعا أضحت كأضغاث حالم

ولا تخش من عجز ولا جهل حكمة
ولا غيظ مظلوم ولا عسف ظالم

ولا أنه في بره غير قادر
عزيز ولا في عزه غير راحم

ولا أنه في حكمه غير عادل
حكيم لما لم يعلم الخلق عالم
انتهت على الاختصار في هذا المختصر

فهذه نبذة مختصرة من أول الاجادة في الارادة وهي قدر ألف ومائتي بيت أو تزيد علي ذلك قلتها أيام النشاط إلي البحث استعظاما لخوف الوقوع في الخطأ أو الخطر في هذه المسألة العظمي فاسأل الله التوفيق والعصمة مما خفت منه انه حسبي ونعم الوكيل

وقد أفردت هذه المسألة في مصنفات حافلة منها لابن تيمية ومنها لتلميذه شمس الدين ومنها للذهبي ومنها لي فمن أحب الاستقصاء في المباحث وقف عليها ونظر فيها هنالك والله الموفق ويأتي في الارادة بضعة عشر وجها مما غالبه منصوص من الحكم الربانية في خلق الاشقياء وكان هذا الموضع يليق بها فلتنظر هنالك في البحث السادس من مباحث الارادة

فهذا المعظم المهم مما خدشت به الملاحدة في الاسلام والمبتدعة في حكمه الملك الحميد الحكيم العلام ولم يبق إلا أمور يسيرة منها تعلقوا بآلام الاطفال والبهائم ومن لا ذنب له وكل ما أبيح في الشرع من ذبح البهائم وتحميلها والعمل بها

والجواب عن ذلك كله هو ما تقدم من البراهين الصحيحة على ان الله تعالى حكيم عليم بل على انه سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين

ولعلماء الاسلام في هذا المقام أجوبة مختلفة على حسب قواعدهم وعقائدهم وفطنهم وقرائحهم وقد رأيت أن أقتصر ههنا على كلام الغزالي في المقصد الاسنى لوجهين أحدهما ليعرف الاشعري ان جمهور أصحابه على القول بحكمة الله تعالى ان لم يكن ذلك اجماع المسلمين وثانيهما لحسن عبارة الغزالي في الاستدلال وضرب الامثال فأقول


205
قال في شرح الرحمن الرحيم من الاسماء الحسنى ما لفظه ( سؤال وجوابه ) لعلك تقول ما معنى كونه رحيما وأرحم الراحمين والدنيا طافحة بالامراض والمحن والبلايا وهو قادر على ازالة جميعها وتارك عباده ممتحنين فجوابك ان الطفل المريض قد ترثى له أمه فتمنعه من الحجامة والأب العاقل يحمله عليها قهرا والجاهل يظن ان الرحيم هو الام دون الاب والعاقل يعلم ان ايلام الاب بالحجامة من كمال رحمته وان الام عدوله في صورة صديق فان ألم الحجامة القليل إذا كان سببا للذة الكثيرة لم يكن شرا بل كان خيرا والرحيم يريد الخير بالمرحوم لا محالة وليس في الوجود شر إلا وفي ضمنه خير ولو رفع ذلك الشر لبطل الخير الذي في ضمنه وحصل ببطلانه شر أعظم من الشر الذي يتضمن ذلك الخير

قلت وما أبين هذا المعنى في كتاب الله تعالى ولو لم يرد فيه إلا قوله سبحانه وتعالى ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون وقوله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وقوله تعالى ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض وقوله تعالى كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى وقوله تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة وقوله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين وقوله تعالى في تعليل أفعاله بالحكم في الآخرة ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه افحاما لسائلي ذلك ومرة أجاب عليهم بقوله تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين


206

ولا خفاء أن قوله حق القول واضح في مواقفه الحكمة والا لما كان بان يحق أكمل في الثناء على الله تعالى من أن لا يحق فتأمل ذلك يوضحه قوله تعالى وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين الآية إلى سائر ما تقدم في هذا

قال الغزالي واليد المتأكلة قطعها في الظاهر وفي ضمنه الخير الجزيل وهو سلامة البدن ولو ترك قطعها لحصل هلاك البدن ولكن قطعها لسلامة البدن شر وفي ضمنه الخير لكن المراد الأول السابق إلى نظر القاطع هو السلامة التي هي خير محض وهي مطلوبة لذاتها ابتداء والقطع مطلوب لغيره ثانيا لا لذاته فهما داخلان تحت الارادة لكن أحدهما يراد لذاته والآخر يراد لغيره فالمراد لذاته قبل المراد لغيره ولاجل ذلك قال الله تعالى ? < سبقت رحمتي غضبي > ? فغضبه ارادته الشر والشر بارادته ورحمته ارادته الخير والخير بارادته ولكن اراد الخير للخير نفسه وأراد الشر لا لذاته فالخير مقتضى بالذات والشر مقتضى بالعرض وكل بقدر وليس ذلك مما ينافي الرحمة أصلا والآن ان خطر لك نوع من الشر لا ترى فيه خيرا أو خطر لك انه كان يمكن حصول ذلك الخير لا في ضمن ذلك الشر فاتهم عقلك القاصر في كلا الطرفين

أما قولك ان بعض الشر لا خير تحته فان هذا مما تقصر العقول عن معرفته مثل أم الصبي التي ترى الحجامة شرا محضا ومثل الغبي الذي يرى القتل قصاصا شرا محضا لانه ينظر إلى خصوص شخص المقتول وأن القتل في حقه شر محض ويذهل عن الخير العام الحاصل للناس كافة ولا يدري ان التوصل بالشر الخاص إلى الخير العام خير محض لا ينبغي لحكيم ان يهمله فاتهم خاطرك

وأما الثاني وهو قولك انه كان يمكن تحصيل ذلك الخير لا في ضمن ذلك الشر فان هذا أيضا دقيق فليس كل محال وممكن مما يدرك استحالته وامكانه بالبديهية ولا بالنظر القريب بل يعرف ذلك بنظر غامض دقيق يقصر عنه الاكثرون فاتهم عقلك في هذين الطرفين ولا تشكن أصلا في


207
انه تعالى أرحم الراحمين وانه تعالى سبقت رحمته غضبه ولا تستريبن في أن مريد الشر للشر أي لكونه شرا فقط لا للخير غير مستحق اسم الرحمة وتحت هذا سر منع الشرع من افشائه فلا تطمع في الافشاء ولقد نبهت بالايماء والرمز ان كنت من أهله فتأمل ارشدك الله

لقد أسمعت لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي
انتهى كلامه

وللشيخ مختار قريب منه في كتاب المجتبى لكن بغير عبارته بل للامام القاسم بن ابراهيم عليه السلام نحو هذا المعنى في الجواب على الملحد المعروف بابن المقفع فهذا معنى حسن شهد له القرآن والحكمة وفي الحديث النص أن كل ما قضاه الله تعالى للمؤمن فهو خير له مما يحب أو يكره رواه أحمد ومسلم بنحوه واعتقاده هذا من حسن الظن بالله تعالى وفي الحديث ان حسن الظن بالله تعالى هو من حسن العبادة وفي الصحيح يقول الله تعالى انا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء وذلك يناسب قوله تعالى واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم وهي المحكم هنا وما فيه المدح من غير ذم بالاجماع

وأما السر الذي ذكر أن الشرع منع من افشائه فلعله أراد سعة الرجاء لرحمة الله تعالى كما جاء عن علي عليه السلام لولا أخاف ان تتكلوا عن العمل لاخبرتكم بما لكم من الاجر في قتلهم يعني الجوارح وفي حديث معاذ لاتخبرهم دعهم يعملوا وقد تبين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ذلك مرارا ولم يكتمه دائما وكثير منه في كتاب الله تعالى واستقر الاجماع بعد على تدوينه في كتب الاسلام

ثم ان ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية قد صنفا في هذا مصنفات ممتعة وللذهبي معارضة لهم ولي توسط بينهم والله تعالى يمدنا بهدايته وتوفيقه ولي أيضا تكملة على كلام الغزالي هذا ومناقشة لطيفة تتعلق بآخره


208
في أمر محتمل وما أظنه أراد فيه إلا الصواب وقد ذكرته في العواصم ونفسه في هذا المقام نفس طيب قرآني أثري فأين هو من قول بعض المتأخرين عنه من المتكلمين من أصحابه وممن كان يظن انه أقرب إلى السنة منه حيث قال في بعض كتبه ما لفظه

فان قال بعض الأشقياء انما فعل ذلك ليثيبهم عليه يعني الآلام والمصائب التي تصيب الصبيان ومن لا ذنب له

قلنا له قد ضللت عن سواء السبيل أما كان في قدرة رب العالمين ان يحسن اليهم عوضا عن تعذيبهم أه فانظر إلى ما في هذا الكلام من البعد عن القرآن والسنة والآثار فأول ما بدأ به أنه سمي القائل بذلك بعض الأشقياء وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم تواترت عنه بذلك الأحاديث الصحيحة التي لا يجهل مثلها مميز والتي اتفق أهل البصر بهذا الشأن على صحة طرقها وتواترها ودونوها في الصحاح والمسانيد وكتب الزهد والرقائق وليس هي من الآحاد بل هي باب كبير من أبواب الدين الذي لم تزل الصحابة فمن بعدهم من طبقات المسلمين يروونها قرنا بعد قرن يروى ذلك السلف للخلف والاكابر للاصاغر ويعزى به العلماء أهل المصائب حتى قال العلامة أبو عمر ابن عبد البر في هذا الباب في كتابه التمهيد ان ذلك أمر مجمع عليه وهي دالة على حسن التعليل بذلك وان لم يرد في المحل الذي ذكره على انفراده أعني الصبيان والبهائم فان الخصم انما أنكر حسن التعليل بذلك ومتى صح التعليل به في موضع صح في غيره وبطل قطعه ببطلانه فتأمل ذلك فان العلل العقلية لا تخصص ولا توجد غير مؤثرة مع ان كثيرا من الأحاديث تعم الصغار والكبار والمكلفين وغيرهم ولنذكر من ذلك اليسير تنبيها على الكثير ليعرف الحامل على هذا النكير

فمن ذلك ما خرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وأحمد في المسند وغيرهم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم


209

لا تصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وخط عنه بها خطيئة هذا لفظ مسلم وفيه روايات كثيرة وروى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود قلت يا رسول الله انك توعك وعكا شديدا قال أجل اني أوعك كما يوعك رجلان منكم قلت ذلك بان لك أجرين قال أجل ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه الا حط الله سيئاته كما تحط الشجرة ورقها ولمسلم نحو من ذلك من حديث جابر وللبخاري ومسلم هذا المعنى من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ولمالك عن يحيى بن سعيد وروى الترمذي عن أنس حديثين ومتن أحدهما عن انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان عظم الجزاء مع عظم البلاء وان الله اذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط والآخر للترمذي عن جابر ولفظه يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطي أهل البلاء ثوابهم لو ان جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض وروى مالك والترمذي عن أبي هريرة وأبو داود عن محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده وله صحبة والترمذي عن مصعب بن سعيد ولفظه أشد الناس بلاء الانبياء ثم الامثل فالامثل ومالك والبخاري عن أبي هريرة ولفظه من يرد الله به خيرا يصب منه والبخاري عن أبي هريرة ولفظه ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه الا الجنة

ولهذا المعنى ثلاثة شواهد في تفسير قوله تعالى من يعمل سوءا يجز به عن أبي بكر وعائشة وأبي هريرة وان كانت هذه تختص بالمذنبين وهذا في جنس الآلام كلها وفي أنواعها الخاصة أحاديث كثيرة مثل ما جاء فيمن مات له ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث أو اثنان لم تمسه النار الا تحلة القسم رواه البخاري ومسلم من حديث أبى سعيدو أبي هريرة معا والترمذي عن ابن مسعود والبخاري والنسائي عن انس والنسائي عن أبي ذر ومالك عن النضر السلمي والنسائي عن معاوية بن قرة والترمذي عن ابن عباس

فهذه نيف وعشرون حديثا من دواوين الاسلام المشهورة وفي فضل الفقر وأجره خمسة وعشرون حديثا تركتها اختصارا وفي سياق الجميع ما


210
يشهد بان ذلك تعليل مناسب للعقول ولذلك قبله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكروه وهم أوفر عقولا وأصح اذهانا وأسلم من تغير الفطرة التي فطر الله خلقه عليها وعند الخصم ان ذلك التعليل غير مناسب وأنه ونقيضه سواء مثل أن يؤلمهم الله في الدنيا ليعاقبهم على آلامهم في الآخرة فان اعترف بالفرق لزمه مناسبة الأول الذي جاءت به السنة وتلقته الصحابة بالقبول وان ادعى انهما سواء فقد عاند وجنى على المسموع والمعقول فكيف يترك النظر في ذلك كله عالم من علماء الاسلام ويعارضه بقوله أما كان في قدرة رب العالمين ان يحسن اليهم عوضا عن تعذيبهم

وجواب أهل الحق على من ابتلى بهذه الوساوس هو قوله تعالى فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون وذلك أن الأنظار العقلية انما تورد على العلل العقلية وأما العلل السمعية فانها صدرت عمن يعلم ما لا نعلم وليت شعري اذا أنكر الخصوم هذا المعنى ما يكون تفسير العلم الذي خص الله تعالى به الخضر دون موسى عليهما السلام وقد أوضح الله تعالى أنه علم الحكمة الخفية في مثل ذلك

وقد أجاب بعض المتكلمين بجواب مناسب فقال ان الثواب على هذه الاشياء جزء من الحكمة المسماة بالعلة في عرف المتكلمين وليس هو كلها والجزء الثاني هو الاعتبار بذلك وهذا معنى مناسب وقد ورد ما يدل عليه من الحديث وذلك ما رواه الحافظ ابن كثير من طرق في خلق آدم من أول الجزء الأول من البداية والنهاية ان الله لما أخرج ذرية آدم ورآهم آدم رأى فيهم الغنى والفقير والصحيح والسقيم فقال يا رب هلا سويت بين ذريتي فقال تعالى اني أردت أن تشكر نعمتي الى غير ذلك وكفى بقوله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وفي آية أخرى فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا وهي شاهدة لقول أهل المعقولات انه لا يكون في مخلوقات الله تعالى ما هو شر محض من جميع


211
الوجوه لان ما كان كذلك لم يمكن تجويز أنه خير ولا أن فيه خيرا فافهم ذلك

وفي الآلام ما لا يحصى من الالطاف بالمكلفين والتزهيد في دار الغرور ونعيمها الزائل والترغيب في خير الآخرة المحض الخالص من المكدرات وتهذيب الاخلاق ورحمة أهل البلاء والتدريب على الصبر الذي هو أساس الفضائل ومعرفة قدر النعم بالذوق وتخديد الشكر عليه وحسبك في ذلك قول الله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين وفي ذلك من معرفة الانسان بعجزه وذله وجمع القلب على الله واقباله على الدعاء واللجأ والتضرع ومعرفته باجابة الدعاء وكشف الضر وزيادة اليقين به إلى أمثال ذلك من الغايات المحمودة والمصالح المقصودة ما عرفته العقول الصحيحة وقضت به التجارب الدائمة حتى ذكر صاحب عوارف المعارف ما معناه ان العبد مخلوق ليكون ملتجئا إلى الله سبحانه على الدوام فما دام كذلك فهو في عافية ومتى غفل عن ذلك ساقه الله إلى ذلك ببعض المصائب وذكر في موضع آخر أن سبب فضيلة الفقراء أنهم يذوقون الافتقار إلى الله تعالى بقلوبهم وان تلك من أقرب المنازل إلى الله تعالى

وروى ابن قيم الجوزية في حادي الأرواح ان نبيا من الأنبياء عليهم السلام رأى مبتلى فقال اللهم ارحمه فقال الله تعالى ? < كيف أرحمه مما به أرحمه هم عبادي ان أحسنوا فأنا حبيبهم وان أساؤا فأنا طبيبهم ابتليتهم بالمصائب لاطهرهم من المعائب

ومن ذلك الابتلاء بالايمان وبالثبات عليه عند رؤية ذلك فان ذلك يمير الله به الخبيث من الطيب كما نص عليه في ابتلاء المسلمين بتحويلهم من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة ونجم عن ذلك نفاق بعض المنافقين ونزل قوله تعالى > ? سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها الآيات وكم عسى أن يكتب الكاتب ويحسب الحاسب من حكم الله سبحانه وفوائده وفوائد أفعاله الحكيمة وتقديراته اللطيفة فهذا يخرج عن المقصود ويمنع مما قصدته من الاختصار على ان المعترض


212
لمناسبة هذه العلة الشرعية والاحاديث النبوية أتى بما يضحك السامعين ويخالف الاذكياء والبلداء من العقلاء أجمعين فزعم ان الله عذب من لا ذنب له من الصغار والبهائم بغير علة ولا سبب ولا حكمة ولا داع فيا هذا المغفل اذا لم يحز على الله الاحسان العظيم الدائم على سبب وحكمة لم تعقلهما كيف أجزت عليه التعذيب العظيم بغير سبب وحكمة واذا أوجبت تنزيه الله تعالى من الاحسان العظيم الدائم على سبب وحكمة كيف قبحت على غيرك تنزيهه من التعذيب العظيم الدائم بغير سبب وحكمة واذا اعترفت ان من اعترض على الله تعالى في العذاب بغير ذنب فقد زاد شقاؤه وعظم بلاؤه فمن أباح لك اعتراضه في أسباب احسانه حين لم توافق فهمك الذي اختار نفي الحكمة عن جميع الأفعال الربانية وجعل كمال الحكمة نقصا وعكسها عكسا فجعل زينها شيئا وحمدها ذما فكيف اتسع عقله لتجويز تعذيب من لا ذنب له في طبقات النيران إلى ما لا نهاية له من الملك الغني الحميد المجيد الحكيم الرحمن الرحيم الحليم ثم ما اتسع عقله أن يعلم ان الله تعالى في ترتيب الثواب على المصائب وجه حكمة لم يعلمها هو ومنتهى ما في الأمر أن ترتيب ذلك الثواب على تلك المصائب قبيح في منتهى معارف العقول أو عبث لا في علم الله تعالى فهلا آمنت به مع صحته في المعقول والمنقول مثل ما آمنت بتعذيب ذنب من لا ذنب له مع قبحه في المعقول وعدم صحته في المنقول

واعلم ان من عادة بعض المخالفين في هذه المسألة أن يوردوا صورا تحسن من الله تعالى وتقبح من عباده ويوهمون بذلك ان هذا محل النزاع وليس كذلك وكفى حجة على من نازع في هذا قصة الخضر وموسى عليهما السلام ولهذا تجد كثيرا من أهل السنة يظنون ان هذا القدر هو محل النزاع فيرجحون قول من ينفي التحسين العقلي وليس محل النزاع الا في نفي الحكمة عن علم الله تعالى لا عن معارف عقول العقلاء

ومن الخطأ البين ما يفعله كثير من المخالفين من تقدير صور في غاية القبح في الشاهد ثم تقدير أن الله يفعلها فيجب تحسينها منه لو فعلها وموضع القبح بين في وجهين أحدهما في ضرب الأمثال لله والله تعالى يقول


213
فلا تضربوا لله الأمثال وثانيهما في تجويز ان الله يفعل تلك الصور الشنيعة الفاحشة الشناعة وأنا أذكر من ذلك صورة واحدة قد ختم بها هذا الشيخ المدقق كلامه فجعل ثواب الله العظيم على فقر عباده وبلائهم بمنزلة رجل يقلع عيني فقير مسكين مجذوم مقطوع الاطراف ليطعمه لقمة واحدة فاساء الأدب وأبطل في المثل ولله المثل الاعلى والأسماء الحسنى والله تعالى جعل ثواب العبد على ذهاب بصره الخلود الذي لا آخر له في نعيم الجنان الذي لا مثل له بحيث ان من غمس غمسة واحدة فيه من أهل البلاء يقال له هل رأيت بؤسا قط فيقول ما رأيت بؤسا قط فهذا في أول غمسة كيف في الدوام الابدي فيما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر في مقعد صدق عند مليك مقتدر مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا

وكل عاقل يشترى هذا بان يقطع إربا أربا في كل حين ولذلك قال الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة الآية وورد في البخاري ومسلم عن أنس أنه لا يحب الرجوع الى الدنيا أحد من أهل الجنة الا الشهيد فانه يحب أن يعود فيقتل عشر مرات لما رأى من عظيم الأجر على الشهادة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل رواه البخاري وهذا لفظه ومسلم ومالك وغيرهم وفي صحيح مسلم ان الله ليغفر للعبد بالشربة يشربها فيشكر عليها والأكلة يأكلها فيشكر عليها وفيه ان سبحان الله نصف الميزان وسبحان الله والحمد لله يملآن ما ما بين السموات والارض

فهذا بعض ما صح ويسير من كثير بل قطرة من بحار فضل الله العظيم الذي لا يقدر بمقدار ولا تمده لو كتب الانهار ولا البحار فكيف بقدر لقمة واحدة يطعمها فقير مسكين حيران لقلع عينيه

وقد أجاد الشيخ مختار في المجتبى حيث أشار الى الفرق بين الجزاء


214
العظيم وغيره في تقبيح هذه الامور وتحسينها ولو كان يقبل مثل ذلك الاعتراض على العلل السمعية والحكم الالهية لو رد على قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وقيل أما كان في قدرة رب العالمين أن يدخلهم الجنة عوضا عن بذلهم أنفسهم وأموالهم الحقيرة مع انها من مبادي مواهبه ولو كان هذا من العلم المحمود لسبق اليه السلف الذين هم خير أمة أخرجت للناس رضي الله عنهم

ومن ذلك احتجوا بقوله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون

والجواب من وجهين أحدهما ان هذه الآية في اثبات عزة الله تعالى وهي كلمة اجماع بين المسلمين والله أعز من أن يسئل وليس ذلك يقتضي أنه غير حكيم فقد تمدح بالعزة بل تمدح بسؤاله وعده الصادق للمتقين حيث قال سبحانه في كتابه المبين قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا لهم فيها ما يشاؤون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا فوجب الايمان بهما معا فهو العزيز الحكيم كما جمعهما سبحانه وتعالى كثيرا في التمدح بهما معافي غير موضع واحد وذلك اشارة الى انهما اخوان لا يفترقان لا ضدان لا يجتمعان ولذلك بوب البخاري عليهما مجموعين بابا في كتاب التوحيد من صحيحه وثانيهما أن هذه الآية في الدلالة على بطلان الشركاء الذين عبدهم المشركون والمراد انهم يسئلون يوم القيامة عن ذنوبهم ويعذبون عليها كقوله ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ومن كان كذلك فهو مربوب لا رب وانما الرب الحق الذي يسأل عباده يوم القيامة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء لا من يخاف العذاب ويحاسب أشد الحساب وسياق الآية من أولها واضح في ذلك فالاحتجاج بها على نفي الحكمة غفلة عظيمة وانما هي لنفي شريك مغالب يلزم اظهار الحكمة ويعاقب على ترك البيان لها ونحو ذلك وقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ان يسأله الزيادة من العلم ولم يعلم موسى


215
على طلب ذلك من الخضر عليهما السلام والله يحب أن يسئل ومن لم يسأل الله يغضب عليه فمن سأل الله من أنبيائه عن خفي حكمته لم يدخل في الآية كما سأله آدم عليه السلام هلآ سويت بين ذريتي فقال فعلت ذلك لتشكر نعمتي وانما يلام من سأل اعتراضا أوشكا أو استبعادا والله سبحانه أعلم

ومن ذلك شبهة الثلاثة الاطفال الذين فرضوا أن أحدهم مات صغيرا فدخل الجنة وأحدهم كبر ووحد الله وعبده ودخل الجنة وأحدهم كبر وكفر ودخل النار فرأى الصغير منزلة المؤمن الكبير فوقه في الجنة فقال يا رب هلا بلغتني منزلة هذا فيقول الله تعالى له اني علمت انك لو كبرت كفرت ودخلت النار فيقول الذي في النار فهلا أمتني صغيرا وهذه هي مسألة خلق الاشقياء بعينها لكن غيروا العبارة فيها

والجواب ان هذا التقدير خطأ فاحش فان العلة في امانة الصغير ليس هي علم الله بانه لو كبر كفر ولو كانت هذه هي العلة لأمات جميع الكفرة والاشقياء كلهم صغارا بل لما خلقهم صغارا حتى يميتهم فان ترك خلقهم أولى من استدراك الفساد بموتهم بعد خلقهم ولو كانت هذه هي العلبة لصاحت الوحوش والطيور وجميع أنواع الدواب وقالت يا رب هلا جعلتنا من بني آدم ولصاح المؤمنون كلهم وقالوا ربنا هلآ عصمتنا وبلغتنا مراتب الأنبياء بل جعلتنا كلنا أنبياء يوحى الي كل واحد منا ويسري بنا الى السماء وقالوا جميعا هلا جعلتنا ملائكة كراما ولقالت الأنبياء هلا ساويت بيننا فانه نص انه فضل بعض الرسل على بعض ولقالت مثل ذلك الملائكة فانه فضل بينهم ولو انفتح هذا الباب لاعترض تفضيل يوم الجمعة والعيد وليلة القدر ولم تكن هذه الأوقات المخصوصات اولى بذلك من غيرها ولاعترض تخصيص السموات باماكنها والارضين بسكانها ولاعترض تخصيص ايجاد العالم وكل فرد ممن فيه بوقت دون وقت وتخصيص جميع ما فيه بقدر دون قدر في جميع أفعال الله تعالى ومقادير الاعمال والاجساد والارزاق والنعم والقوى والالوان والتقديم والتأخير والتقليل والتكثير ولما انتهى ذلك الى حد ولا وقف على مقدار الا والاعتراض فيه قائم والسؤال عليه وارد ولقالت القباح هلا جعلتنا حسانا والنساء هلا جعلتنا رجالا وأمثال ذلك مما لا يحصى وذلك مما يؤدي إلى عدو وجود


216
شيء من الموجودات بل الى استحالة وجود الممكنات من جميع المخلوقات لعدم رجحان وقت على وقت ومكان على مكان وقدر على قدر فيلحق القادر حينئذ بالعاجز ويتعذر الاختيار على جميع المختارين وانتهينا الى مسألة لا تنتهي لتعارض الدواعي المستدعية للوقف وترك جميع الأفعال وهذا خروج من المعقول فان العاطش الجيعان لو حضر عنده كيزان كثيرة ورغفان كثيرة وهو لا يأكل معتذرا بان الدواعي الى تخصيص كل كوز وكل رغيف تعارضت عليه حتى لم يتمكن من الاكل والشرب ودفع الضرر العظيم لعد من المجانين

والجواب عن هذه الوساوس ان الله يختص برحمته من يشاء وانه في ذلك العليم الحكيم الخبير البصير ومتى دعت الحكمة الى أحد الامرين المستويين بادر جميع العقلاء الى تخصيص أحدهما محمودين على ذلك غير ملومين سواء كان ذلك التخصيص مستندا الى مرجح خفي أم الى الحكمة الاولى

ومن ذلك الحديث المقلوب الذي خرجه البخاري في التوحيد في الباب الخامس والعشرين في قوله عز وجل إن رحمة الله قريب من المحسنين فانه خرج فيه عن عبادة حديثا مرفوعا انما يرحم الله من عباده الرحماء وحديث انس مرفوعا ليصيبن أقواما سفع من النار بذنوب أصابوها ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته ثم أراد تأكيد هذين الحديثين في رحمة الله تعالى بحديث ثالث لابي هريرة وقد رواه على الصواب قبل هذا الموضع من طريق اتفق على صحتها هو ومسلم وغيرهما ثم جاء به في هذا الموضع من طريق أخرى لم يوافقه عليها مسلم ولا غيره من أهل السنن وانما أراد تقوية أصل الحديث وما فيه من معنى الرحمة المتفق عليها فقال حدثنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنا يعقوب يعني ابن ابراهيم بن سعد الزهري قال حدثنا أبي عن صالح بن كيسان عن الاعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اختصمت الجنة والنار الى ربهما فقالت الجنة يا رب مالها لا يدخلها الا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار فقال للجنة أنت رحمتي وقال للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها


217
قال فاما الجنة فان الله لا يظلم من خلقه أحدا وانه ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ثلاثا حتى يضع قدمه فيها فتمتلئ ويرد بعضها الى بعض وتقول قط قط قط فهذا حديث مقلوب انقلب على بعض رواته كما خرج مسلم من حديث أبي هريرة في ذلك السبعة الذين يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة يوم لا ظل الا ظله فذكر منهم رجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله خرجه مسلم وانما انقلب على بعض الرواة وصوابه ما خرجاه معا عن أبي هريرة في هذا الحديث بعينه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه فحكم كل عارف بانقلابه لما اتفقا عليه في ذلك ولانه المناسب فان اليمين هي المنفقة فخرجه مسلم كذلك لتقوى أصل الحديث بهذا الاسناد لا لكونه ظن صحة هذا المتن المقلوب مع مخالفته للمنقول والمعقول ولم يتهم أحد مسلما بجهل ذلك

وكذلك حديث الجنة والنار فانهما اتفقا على اخراجه على الصواب من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحاجت النار والجنة فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة ما لي لا يدخلني الا ضعفاء الناس وسقطهم فقال الله تعالى للجنة انت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول قط قط قط فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها الى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدا وأما الجنة فان الله ينشئ لها خلقا خرجه البخاري في التفسير في تفسير ق ومسلم في صفة النار نعوذ بالله منها وفي صفتها خرج مسلم حديث أنس والبخاري في التوحيد في الباب السابع منه في قول الله عز وجل وهو العزيز الحكيم فخرج منه حديث شعبة وسعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة عن أنس قال لا يزال يلقى فيها وهي تقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العالمين قدمه فيزوي بعضها الى بعض ثم تقول قد قد بعزتك وكرمك ولا تزال الجنة تفضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم الله فضل الجنة هذا لفظ البخاري في التوحيد ورواه مسلم من طريق سعيد عن قتادة بمثله الا


218
انه قال قط قط ثم رواه من طريق أخرى فقال نازهير بن حرب ناعفان ناحماد يعني ابن سلمة ناثابت قال سمعت أنسا يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يبقي من الجنة ما شاء الله ان يبقى ثم ينشئ الله لها خلقا مما يشاء وخرج مسلم أصل الحديث من طريق أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في محاجة الجنة والنار الى قوله لكل واحدة منكما ملؤها فلم يذكر ما بعده من الزيادة

فقد تبين بهذا ان حديث ابراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن الاعرج عن أبي هريرة حديث منقلب لم يتابع عليه فأما أبو هريرة فقد تخلص من الوهم برواية الثقات للحديث عنه على الصواب وكذلك الاعرج قد خرجه عنه مسلم من طريق أبي الزناد عن أبي هريرة بغير ذكره لتلك الزيادة المنكرة وأبو الزناد في الأعرج من ابراهيم فانه راويه المشهور وفي كتب الجماعة الستة عنه قدر ثلاثمائة حديث وليس لابراهيم عن صالح عنه الا سبعة أحاديث لم يتفقا على واحد منها خرج البخاري ثلاثة منها أحدها في الابراد بالصلاة في شدة الحر وهو معروف من غير طريقه والثاني لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك وهو كذلك والثالث هذا الحديث وغيره فيه أثبت منه وأحفظ له كما نبين لك ان شاء الله وأما مسلم فلم يخرج له عن صالح عن الاعرج الا في الفضائل ثلاثة أحاديث والسابع من هذه الترجمة خرجه ابن ماجة في رفع اليدين عند التكبير وهو معروف

وقد ذكر ابن حجر ابراهيم بن سعد فيمن اختلف فيه من رجال البخاري وحكى بعد توثيقه عن ابن عدي انه روي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه انه ذكر ابراهيم بن سعد عند يحيى بن سعيد فجعل يقول ابراهيم بن سعد كأنه يضعفه وقال ابن عدي كلام من تكلم فيه تحامل فأفاد انه قد تكلم فيه وقال ابن دارة كان صغيرا حين سمع من الزهري فهذا ما ذكره ابن حجر في ترجمته ولم يذكره الذهبي في الميزان والاعلال والحكم بالانقلاب والادراج ونحو ذلك لا يختص بالضعفاء بل يجوز الحكم به بمخالفة الاوثق والاكثر مع القرائن وقد اجتمع ذلك كله بل ذكر ابن قيم الجوزية في حادي الارواح ان ذلك من المقلوب وان البخاري قد نبه


219
على ذلك قال والروايات الصحيحة ونص القرآن يرده فان الله تعالى أخبر أنه يملأ جهنم من إبليس وأتباعه وأنه لا يعذب الا من قامت عليه الحجة وكذب رسله قال تعالى كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء

قلت ويدل على هذا وجوه منها ان راوي هذا الحديث المقلوب جعل تنزيه الله تعالى من الظلم عند ذكره الجنة فأوهم بذلك ان من أدخله الله تعالى الجنة بغير عمل كان ظلما وهذا من أفحش الخطأ فان الحور العين في الجنة والاطفال بغير عمل وهذا هو الموضع الذي لا يسمى ظلما عند أحد من المسلمين ولا من العقلاء أجمعين ولا أشار الى ذلك شيء من الحديث ولا من السنة ولا من اللغة ولا من العرف وانما ذكر هذا في النار اشارة الى أن التعذيب بغير ذنب هو شأن الظالمين من الخلق والله تعالى حرم الظلم على نفسه وجعله بين خلقه محرما كما رواه أبو ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل في الحديث الصحيح بل كما تمدح بذلك رب العالمين في كتابه المبين

الوجه الثاني انه قصر في سياقه المتن فقال وقالت النار ولم يذكر ما قالت ولا سكت من قوله قالت قال ابن بطال في شرحه وهو كذلك في جميع النسخ وذكر هذا الراوي قول الله تعالى للجنة أنت رحمتي ولم يتمم قولها لها أرحم بك من أشاء من عبادي والنقص في الحفظ والركة في الرواية بين على حديثه

الوجه الثالث تجنب المحدثين لاخراج هذه الرواية مثل مسلم والنسائي مع روايتهما الحديث ومثل أحمد بن حنبل في مسنده مع توسعه فيه وكذلك ابن الجوزي في جمعه أحاديث البخاري ومسلم ومسند أحمد وكذلك ابن الاثير في جامع الاصول وهو يعتمد الجمع بين الصحيحين للحميدي والحميدي انما يترك ما ليس على شرط البخاري مما ذكره في صحيحه مثل حديث الفخذ عورة فانه ترك ذكره لذلك كما ذكر ابن الصلاح في علوم


220
الحديث والامر أوضح من أن يطول في بيانه وانما ذكرت هذا لان صاحب القواعد احتج به ونسبه الى الصحيح ولم يذكر فيه شيئا أصلا وكذلك المهلب فعرفت انهما قد غلطا في ذلك كيف من هو أقل معرفة منهما بسبب ذكره في صحيح البخاري وقد رأى ذكره في صحيح البخاري

وقد ذكر ابن الصلاح وغيره ان في البخاري أحاديث كثيرة على غير شرطه ولا شرط غيره من أهل الصحيح وان ذلك معلوم وذكر من ذلك حديث بهز بن حكيم في ان الفخذ عورة وقد ذكر غيره من ذلك شيئا كثيرا فقد ذكر ابن حجر في مقدمة شرح البخاري بعض ما اعترض على البخاري فذكر مائة حديث وعشرة أحاديث وانما قلت انه البعض لانه ذكر ان من ذلك عنعنة المدلسين التي في الصحيح وأحاديث الرجال المختلف فيهم وذلك شئ كثير

الوجه الرابع انه قد ثبت بالنصوص والاجماع ان سنة الله تعالى انه لا يعذب أحدا بغير ذنب ولا حجة كما قال تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال تعالى ذكرى وما كنا ظالمين وفي الصحيحين لا أحد أحب اليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب ومن جحدان هذه سنة الله فقد جحد الضرورة وإذا تقرر أنها سنة الله تعالى فقد قال تعالى ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا وقال تعالى واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم وأحسن ما أنزل الله الينا هو الثناء عليه وتسبيحه وتقديس أفعاله وأقواله من جميع صفات النقص فكيف يعدل عن هذا كله مع موافقة الرواية الصحيحة له إلى رواية ساقطة مغلوطة مقلوبة زل بها لسان بعض الرواة كما زل لسان الذي اراد أن يقول اللهم أنت ربي وأنا عبدك فغلط من شدة الفرح بوجود راحلته عليها طعامه وشرابه بعد اليأس كما ورد في الأحاديث الصحاح ولو كان


221
الغلط يحكم به لوجب كفر ذلك الغالط وتكفيرنا له لأجل غلطه وعكسه ما أراد ونجعله مذهبا له

الوجه الخامس أنه لو قدر ما لا يتقدر من ورود حديث صحيح بذلك الغلط لم يدل على مخالفة جميع ما عارضه من الأدلة القاطعة والحجج الساطعة لأنه محتمل لموافقتها فانه لم يصرح فيه بأنه ينشيء للنار خلقا لا ذنوب لهم ولا قال فيدخلهم النار قبل أن يذنبوا ويستحقوا العذاب وإذا لم ينص على ذلك وجب تقدير ذلك لموافقة سنة الله تعالى التي لا تبديل لها ولا تحويل وذلك على أحد وجهين إما أن يكون هؤلاء الذين أنشأهم الله لها هم قوم من كفار بني آدم الذين تقدم كفرهم وقدم ادخارهم لها بعد كفرهم وسمى اعادتهم لها انشاء لأنها انشاء حقيقي لصورهم وردهم على ما كانوا أو لأنه كان قد أعدمهم وهذا اختيار كثير من أهل السنة بل من الأشعرية فقد نص عليه ابن بطال في شرح البخاري في شرح هذا الحديث فأصاب في وجه وأخطأ في وجه أما صوابه ففي تنزيهه الله تعالى مما توهمه غيره جائزا على الله سبحانه وأما خطأه ففي إيهامه أن الحديث صحيح وهو مقلوب بغير شبهة وإنما خفي ذلك عليه لأنه لم يكن من أئمة الحديث وإنما كان من علماء الفقه والكلام وإما أن يكون الله تعالى خلق للنار خلقا مستأنفا فكلفهم بعد خلقهم فكفروا فاستحقوها كما ورد في بعض أحاديث الاطفال وفي هذا مباحث قد استوفيت هنالك وإما أن يكون خلق لها خلقا لا يتألم بها أو يتلذذ بها أو من الجمادات كما قال الله تعالى وقودها الناس والحجارة وجاء فيها بضمير العقلاء لأنهم بدل منهم كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين أو لغير ذلك ومع الاحتمال بعض هذه الوجوه في بيان غلط بعض الرواة الذي قامت الأدلة على غلطه كيف يعدل إلى ظاهره ويسمى صحيحا ويحتج به مثل المهلب وصاحب القواعد وغيرهما فالله المستعان


222

ومن ذلك قالوا الاسباب والدواعي خلق الله فلو كان الله لا يفعل إلا لها لم يخلقها إلا لمثلها داع وسبب وأدى هذا إلى التسلسل أو إلى تعجيز الله تعالى من خلق شيء بغير داع

والجواب أن هذا من أفحش الوهم والغلط فان المرجع بالأسباب والدواعي والحكم إلى الله تعالى بذلك وما كان من المخلوقات خيرا محضا فانه يراد خلقه لنفسه لا لمعنى آخر ولا لسبب ثان وما كان شرا فانه يراد لخير فيه أو خير يستلزمه أو يتعقبه لما اجتمعت عليه الفطر وأقرته الشرائع من قبح ارادة الشر لكنه شرا وأما تعجيز الرب عز وجل فأعظم فحشا في الوهم وأين نفى القدرة من نفي الفعل وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله تعالى بيده الملك وهو على كل شيء قدير ولم يقل وهو لكل شيء فاعل فنحن لم نقل أن الله لا يقدر على العبث ولا اللعب ولا الظلم وإنما قلنا أنه لا يفعلها ومدحناه بذلك كما مدح به نفسه في كتابه الكريم ولو لم يكن قادرا على ذلك لم يكن ممدوحا بتركه كما أن الجمادات غير ممدوحة بترك ذلك وهي لا تفعله وإنما لم تمدح بتركه مع عدم فعلها له لعجزها عن فعله وتركه وهذا شيء تفهمه العرب في جاهليتها والعوام في أسواقها وباديتها والعجب من قوم ادعوا كمال المعرفة بالحقائق والغوص على لطائف الدقائق ثم عموا أو تعاموا عن هذه الأحكام الظاهرة والأدلة الباهرة نسأل الله العافية لنا ولجميع المسلمين

وأما بيان أن القول بحكمة الله تعالى أحوط في الدين من النفي لها والتأويلات المتعسفة فلا شك فيه لوجوه

الوجه الأول أن وصف الله تعالى بالحكيم معلوم ضرورة من الدين متكرر النص عليه في كتاب الله تعالى تكرارا كثيرا ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف المجمع عليهم ما تأولوه ومعلوم تمدحه سبحانه وتعالى


223
بالحكمة كما قال الله تعالى ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر وأمثالها وهي مانعة من تأويلهم الحكيم بأنه ذو الأحكام في المخلوقات لا ذو الحكمة فيها ولا شك أن إثبات الحكيم بأنه ذو الأحكام في المخلوقات لا ذو الحكمة فيها ولا شك أن إثبات الأحكام لها والحكمة فيها أكثر مدحا وأنه تعالى أولى بكل مدح

الوجه الثاني أنه لا بدعة في إثبات الحكمة لله تعالى وعدم تأويل الحكيم بالاجماع لأن البدعة احداث ما لم يعهد في عصر النبوة والصحابة وما كان منصوصا في كتاب الله تعالي فهو موجود في عصرهم ضرورة وإنما الذي لم يوجد في عصرهم نفي ذلك أو تأويله والقول بأنه صفة ذم أو يستلزم ذلك

الوجه الثالث أنه يخاف الكفر بجحد ذلك لما قررناه من أنه معلوم ضرورة وكذلك يخاف الكفر في تأويله وإن كنا لا نكفرهم احتياطا للاسلام وأهله لما سيأتي ولمعارضة الأدلة الموجبة لاسلامهم كما تقدم ولأن قصدهم إنما هو حسم مواد الاعتراض علي الله تعالي لكنهم أساؤا النظر بالتزام مثل ما فروا منه وأما القول بذلك فلا وجه لخوف الكفر فيه أبدا حتي عند نفاة الحكمة لأن الكفر هو جحد الضرورات من الدين أو تأويلها ولم تأت في نفيها آية قرآنية ولا حديث آحادي فضلا عن متواتر وأما مخالفة غلاة المتكلمين في دقائقهم فلم يقل أحد أنها كفر وإلا لوجب تكفير أكثر أهل الاسلام بل خيرهم

وإنما أوضحت هذا لأتي بنيت هذا الكتاب علي لزوم الأحوط في الدين مهما وجدت اليه سبيلا وترك كل ما يخاف من القول به العذاب أجارنا الله تعالي منه وعلي تقديم عبارة القرآن ونصه ولفظه لقوله تعالي إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وقوله تعالي اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ولأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد


224
ولأنه أشرف وأبرك وأصح وأنجي وأولي وأحري وأعلي وأهدي بالاجماع

فان قبل تجويز بعض ما يستقبح في عقول العقلاء لحكمة لا يعلمونها يستلزم تجويز بعثة الكذابين والكذب والخلف في الوعد والوعيد ونحو ذلك لحكمة لا يعلمها إلا الله تعالي

قلنا هذا ممنوع لوجهين الوجه الاول أن تقبيح العقول ينقسم إلى قسمين ضروري وظني ونحن ما جوزنا أن يصدر من الله تعالى كل قبيح على الاطلاق لحكمة خفية إنما جوزنا ذلك في القسم الذي التقبيح فيه ظني يقع في مثله الاختلاف بين الجاهل والعالم وبين العالم والاعلم ولا شك أن اختيار الكذب وبعثه الكذابين بالمعجزات والخلف في الوعد بالخير ممن هو على كل شيء قدير وبكل غيب عليم وترجيحه على الصدق وبعثة الصادقين مع أن قدرته عليهما على السواء قبيح قبحا ضروريا قبحا أشد القبح في عقول العقلاء أما أن لم يجوز في ذلك خير فظاهر وأما أن جوز فيه شيء من الخير فلا شك أن الصدق وبعثة الصادقين أكثر خيرا ودفعا للفساد والمفاسد وجلبا للصلاح والمصالح وتجويز خلاف ذلك يؤدي إلى أن لا يوثق لله تعالى بكلام ولا لأحد من رسله الكرام في دين ولا دنيا ولا جد ولا هزل ولا حلال ولا حرام ولا وعد ولا وعيد ولا عهد ولا عقد ولا أعظم فسادا مما يؤدي إلى هذا بحيث أن كثيرا من السفهاء والظلمة والمفسدين لا يرضون لنفوسهم بمثل ذلك

الوجه الثاني إن الذي يحسن حينئذ لبعض القبائح لبعض العقلاء إنما هو الاضطرار إلى عدم الخلاص من أحد قبيحين فيختار حينئذ الأهون منهما قبحا كما قيل حنانيك بعض الشر أهون من بعض مثاله من لم يستطع حقن دم معصوم أو مسلم مظلوم إلا بكذب أو خلف وعد أو نحو ذلك حسن منه دفع الشر الأعظم بالشر الأقل ومثل هذا لا يتصور في حق الرب جل جلاله لما ثبت من أنه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم وأما الخلف في الوعيد فليس هو في مرتبة القبيح الضروري لشهرة الخلاف فيه بين العقلاء وصحة تسميته في اللغة عفوا لا خلفا كما قال كعب بن زهير في قصيدته المعروفة


225

نبئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول

ولم يقل والخلف عند رسول الله مأمول وفي الصحيح من حديث جماعة من الصحابة ابن عباس والخدري وأبي ذر وأبي رزين العقيلي لكن حديثه عند أحمد ولقيط بن صبرة وحديثه عند الطبراني وعبد الله بن أحمد وله مسندان مسند ومرسل ورجال المسند ثقات ذكره الهيثمي في باب جامع في البعث وعن سلمان عند البزار برجال مختلف في بعضهم ذكر في باب حسن الظن بالله تعالى من مجمع الزوائد أن الله تعالى يقول الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد والسيئة بمثلها أو أعفو ويشهد لذلك حديث معاذ الذي فيه دعهم يعملوا

وعن علي عليه السلام نحوه في فضل قتال الخوارج ومثل حديث إبراهيم الخليل عليه السلام في التعرض يوم القيامة للشفاعة لأبيه آزر وقول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن أمه أن ربي وعدني مقاما محمودا وأمثال ذلك مما قد جمع في غير هذا الموضع

ويشهد له من كتاب الله تعالى قول الخليل فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم وقول عيسى عليه السلام إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم لكن عارض هذه الادلة قوله تعالى ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد وقوله تعالى وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته ولله تعالى من كل حسن أحسنه فلما كان العفو بعد الوعيد حسنا كان العفو قبل الوعيد القاطع أحسن كان الاحسن أولى بالله تعالى من الحسن لكنا نقول أن الله تعالى قد اشترط عدم العفو في الوعيد في آيات كثيرة وفي أخبار كثيرة والشرط الواحد في آية واحدة وحديث واحد كاف في الخروج من ذلك مثاله قوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقوله تعالى خالدين فيها إلا ما شاء الله والأحاديث المتقدمة وكلام الخليل والمسيح عليهما السلام


226
وأما المرجئة وغيرهم من أهل السنة فقد أجابوا عن قوله تعالى ما يبدل القول لدي بأنها عموم مخصوص بقوله تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية وأمثالها كما أن قوله تعالى لا مبدل لكلماته مخصوص بها وعضدوا ذلك في قوله تعالى ما يبدل القول لدي بأنها في خطاب الكفار كما هو معلوم من الآيات التي قبلها قالوا وتعدية ما له سبب إلى غير سببه ظنية بالاجماع لكن يقوي ويضعف على حسب القرائن والأحاديث المتقدمة وكلام الخليل والمسيح قرائن تقوى عدم التعدية والجمع بذلك بينهما أولى من الطرح وعضدوا ذلك بأن التبديل لم يقبح لذاته ولا لأنه تبديل قول مطلقا لأنه تبديل قول مخصوص فقد قال تعالى فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وقال ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها والنسخ من تبديل القول لقوله تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية وقد بدل الله ذبح اسماعيل بالكبش وضرب امرأة أيوب بالضغث وبدل صورة عيسى بمثلها مرتين في الدنيا وفي يوم القيامة وبدل استقبال بيت المقدس بالكعبة وذم من قبح ذلك وسماهم سفهاء حيث قال سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها

يوضحه النصوص المتفق على صحتها والاجماع من أهل العلم المشاهير من جميع المذاهب على أن من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها فالمستحب له أن يفعل الذي هو خير ويكفر عن يمينه استحبابا لا وجوبا وهي مسألة اخلاف الوعيد بعينها فتأمل ذلك يوضحه أحاديث لم تمسه النار إلا تحلة القسم وقوله صلى الله عليه وسلم فيها واثنان بعد قوله ثلاثة فدل على أن التبديل المذموم تبديل مخصوص لا كل تبديل يوضحه أنه قد ثبت أن عذاب الكفار راجح قطعا للاجماع على عدم تجويز العفو المطلق عنهم ولما فيه من حقوق الأنبياء والمؤمنين ونصرهم عليهم وشفاء غيظ قلوبهم منهم ولم يثبت مثل ذلك في عذاب المسلمين لقوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء


227

وللاحاديث المخصصة للعمومات المتواترة عند أهل الحديث ولأن الأنبياء والمؤمنين شفعاؤهم لا خصماؤهم وأما قصة قوم يونس فتأتي في مسألة الوعيد

فان قيل إنما يحسن الخلف في الوعيد منا للجهل بالغيب مع نية الصدق فاما عالم الغيب فلو أخلف لم يصح ارادة الصدق عند الوعيد لعلمه بالعاقبة فلو أخلف كان كذبا قبيحا وهذا السؤال قوي إلا أن قوة التباسه بالانشاء هو الذي غرهم فالأولى ترك تجويز ذلك ولسنا نحتاج في هذه المسألة إلى تجويزه لا سيما وهذا الكتاب مبني على الأسلم والأحوط فقس ذلك على هذه القاعدة ولا تعدها فمن نهج السلامة نال السلامة وكثيرا ما يلتبس التخصيص بالخلف على من بعد عن تأمل السمع فأفرق بينهما فهو واضح

والكلام في هذه المسألة طويل وموضعه مسألة الوعد والوعيد وهو يأتي في آخر هذا المختصر إن شاء الله تعالى ومع ما قدمته من وقوع الشرط في الوعيد لا يحتاج إلى هذا ولا يمكن تقبيح العفو من أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين عن أحد من الموحدين والحمد لله رب العالمين لكنه لا سبيل إلى الأمان لأنه وسيلة إلى الفساد والطغيان والله أحكم من أن يؤمن المفسدين من تبوء الجزاء في الآخرة كما لم يسمح لهم الحدود في الدنيا بل أوجب قطع يد السارق في ربع الدينار لحفظ الأموال ومصلحة الخلق في ذلك وهو الحكيم العليم الحميد المجيد الفعال لما يريد

وبهذا السؤال وجوابه تعلم سبب الخلاف في دوام العذاب فمن توهمه من المرجوحات الضرورية في عقول العقلاء وحكمة الحكماء رجح الخصوص الذي هو قوله تعالى إلا ما شاء ربك على عمومات الوعيد بالخلود ومن ذهب إلى أنه من المرجوحات الظنية المستندة إلى مجرد الاستبعاد رجح العمومات وعضدها بتقرير أكثر السلف لها على ما تكرر أن ما لم يتأولوه فتأويله بدعة ولما كان تأويلهم لذلك في حق المسلمين متواترا عنهم وأدلته متواترة عند البعض صحيحة شهيرة عند الجميع كان هو المنصور وسيأتي في موضعه الوجه في أنه أحوط الأقوال والله سبحانه أعلم


228
الكلام على مسألة الارادة وفيها مباحث

البحث الأول في معناها وهي الأمر الذي يقع به فعل الفاعل المختار على وجوه مختلفة في الحسن والقبح وعلى مقادير مختلفة في الكثرة والقلة وسائر الهيئات والأشكال من السرعة والبطؤ وموافقة الغرض ومنافرته في أوقات مختلفة في التقديم والتأخير وهذا هو القدر المجمع عليه في معناها وبقية المباحث فيها في علم اللطيف وكلها مما لا تكليف في الخوض فيه ولا حاجة اليه بل هو يؤدي إلى محارات أو محالات

البحث الثاني في معرفة ما ورد في السمع مما يتعلق بالارادة ويظن فيه أنه متعارض وبيان أنه غير متعارض وأن اتباعه أحوط وهو نوعان

النوع الأول وردت النصوص المعلومة بالضرورة من كتاب الله تعالى أنه يكره المعاصي ولا يحبها وذلك واضح قال تعالى بعد ذكر كثير منها كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها وقال والله لا يحب الفساد وقال ولا يرضى لعباده الكفر وقال وإن تشكروا يرضه لكم فهذا النوع من السمع معلوم وقد قال به أهل الأثر وجماهير أهل النظر واتفقت عليه الأشعرية والمعتزلة

النوع الثاني ما ورد من التمدح بكمال قدرة الله تعالى على هداية العصاة خصوصا وعلى كل شيء عموما والتمدح بنفوذ ارادته كقوله تعالى ولو شاء الله ما أشركوا ولو شاء الله ما فعلوه فلو شاء لهداكم أجمعين وما شاء الله كان وجودا وعدما وهو المعلوم من القرآن ويلزم منه إن شاء لم يكن وهو أصح من قولهم وما لم يشأ لم يكن إلا أن يصح الحديث الذي فيه وفيه أحاديث لم يخرج البخاري


229
ولا مسلم منها شيئا عاما وإنما خرجا حديث أبي هريرة في قصة يمين سليمان عليه السلام وهي خاصة بتلك الواقعة ولذلك اخترت في العبارة في الاعتقاد ما شاء الله كان وما شاء لم يكن ومعناهما ما شاء أن يكون كان وما شاء أن لا يكون لم يكن وهذا معلوم من السمع وفيه ما لا يحتمل التأويل بالإكراه دون غيره كقوله تعالى لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين وقوله تعالى جوابا على من قال ارجعنا نعمل صالحا ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وغيرهما مما ذكره يطول

وقد أوضحت الوجه في امتناع تأويلهم لهذه الآيات بمشيئة القسر والالجاء في كتاب العواصم وهو لا يخفى على النبيه إن شاء الله تعالى والعقل يعضد السمع في قدرة الله تعالى على ذلك كما أوضحته هنالك وقد رجعت اليه المعتزلة كما سيأتي في هذه المسألة حيث نبين أن الأمة رجعت إلى الاجماع في هذه المسألة العظمى بعد إيهام الاختلاف الشديد وهو اختيار الامام المؤيد بالله يحيى بن حمزة عليه السلام أعني قدرة الله على اللطف بالعصاة وأنه غير واجب عليه فتبقى الآيات في التمدح بذلك على ظاهرها ذكره الامام في كتاب التمهيد في أوائل الباب السابع في النبوات واحتج عليه وهو قول الامام الناصر محمد ابن علي عليهما السلام وهو قول قدماء العترة كما ذكره صاحب الجامع الكافي ويعتضد بوجهين أحدهما قوله تعالى فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله وحديث كل مولود يولد على الفطرة ومذهب المعتزلة مبني على أن اللطف إنما تعذر في حقهم لأن الله بناهم بنية لا تقبل اللطف وثانيهما أن تجويز خلق الله لهم على هذه البنية يناقض إيجابهم اللطف بل يجوز فعل المفاسد

وأما قوله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون فالجواب عن الاحتجاج بها على مذهبهم من وجوه


230

الاول أنها في الكافرين الذين قد غيروا الفطرة واستحقوا العقوبة بالخذلان وسلب الالطاف فهي كقوله تعالى صم بكم عمي فهم لا يرجعون ونحوها وكلامنا إنما هو في المكلف في أول أحوال تكليفه وابتلائه وهذا بين

الثاني أنها خبر عن صفتهم التي هم عليها وليس فيها نفي قدرة الله تعالى على تغيير صفتهم بالطافه الخفية وهو اللطيف لما يشاء القائل قل كونوا حجارة أو حديدا الآية المتمدح بأنه لو شاء لجعل منهم ملائكة وجعل الناس أمة واحدة ونحو ذلك والآية تقتضي أن الله ما علم فيهم خبرا لا أنه ما علم أنه يقدر على هدايتهم وكم بين الأمرين وأين أحدهما من الآخر

الثالث أن الآية لهم فيجب حملها على ما يرجع إلى كسبهم الاختياري من الاصرار والعناد الذي يستحقون الذم عليه لا على ما يرجع إلى خلقتهم التي هي فعل الله تعالى يغيرها كيف يشاء ولا ذم عليهم فيها جمعا بينهما وبين جميع ما تقدم من نحو قوله تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة وقوله تعالى فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم وقد مر مستوفى

الرابع سلمنا أن الآية تحتمل ما ظنوا وما ذكرنا يمتنع لكن ما ذكروه بسائر الآيات المبينات لقدرة الله تعالى على كل شيء ولكونه ما يضل إلا الفاسقين ولكونه خلق الخلق على الفطرة حتى غيرهم آباؤهم ولا يجوز العدول عن هذه الأمور الثلاثة البينة بمجرد احتمال لا حجة عليه والله أعلم

وهنا ظن بعض الأشعرية أن الآيات التي في نفوذ المشيئة في قوة أن الله تعالى مريد للموجودات بأسرها سواء كانت حسنة أو قبيحة وأنه غير مريد لما لم يوجد سواء كان حسنا أو قبيحا وليس هو تحقيق مذهبهم كما أن عدم قدرة الرب على اللطف بالعصاة ليس هو تحقيق مذهب المعتزلة وإنما قال بعض الاشعرية المعاصي مرادة مجازا لا حقيقة عندهم يعني أن أسبابها التي هي أفعال الله تعالى مرادة لله تعالى مثل القدرة والدواعي فتنزلت المعاصي


231
عندهم منزلة غرض الغرض وهذا أيضا ليس تحقيق مذهبهم لوجهين أحدهما أن كثيرا منهم لا يجيزون الاغراض على الله تعالى كما ذكر في مسألة الحكمة وثانيهما أن غرض الغرض لا يكون إلا خيرا محضا كالحياة في القصاص والعافية في الفصاد والقبائح أو وقوعها لا يصح أن يكون غرض الغرض لحكيم قط كيف أحكم الحاكمين فلابد أن يكون غرض الغرض في عدم اللطف الزائد بالعصاة هو خير محض وهو تأويل المتشابه الذي لا يعلمه على التفصيل إلا الله على الصحيح كما تقدم في مقدمات هذا المختصر

ومثال الغرض الأول قول الخضر عليه السلام فأردت أن أعيبها وغرض الغرض هو سلامتها لأهلها من أخذ الملك لها ومن أدب الخضر عليه أفضل السلام إضافة هذا الغرض لنفسه دون الله سبحانه وتعالى

ومثال غرض الغرض هو ما أضافه الخضر إلى ربه تعالى حيث قال فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما ومثاله أيضا ما ثبت في الصحيح عن أبي أيوب وأبي هريرة كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم وله شواهد عن جماعة من الصحابة فلم يجعل الذنوب القبيحة غرض الغرض بل جعله مغفرتها بالاستغفار ومن لا يغفر له فقد دل القرآن على أن غرض الغرض في عذابه الانتصاف للمؤمنين من أعدائهم الكافرين ونحو ذلك من المصالح والعواقب الحميدة كما يأتي بيانه والمراد المحقق هو غرض الغرض وهو الثاني في الوقوع والأول في الارادة ألا ترى أن أول ما وقع في همة الخضر عليه السلام سلامة السفينة ثم عابها لتسلم فالمراد المحقق هو سلامتها لا عيبها فاعتبر ذلك في جميع المتشابه من هذا الجنس تجده بينا واضحا ولله الحمد

فهذا كله إذا ثبت أن شيئا من الشر مراد فانه لا يجوز أن يكون الشر مراد الحكيم لكونه شرا فقط وأما الخير فيراد لنفسه لا لشيء آخر فلا يلزم فيه غرض الغرض وإن جاز من غير لزوم لزيادة الخير مثل أن يراد


232
خير لأنه يؤدي إلى اضعافه من الخيرات ولو أريد لنفسه كان صحيحا

فاذا تقرر هذا فاعلم أن تلك الآيات في قوة التمدح بكمال القدرة لا بارادة القبائح ومرادنا بالقوة هنا هو ما سيقت لافادته وهو المعنى اللغوي الذي يسميه أهل المعاني دلالة المطابقة فقد وهم من ظن أنها في قوة أن القبائح مرادة لله تعالى وأفحش منه غلطا من ظن أنها مرادة لله تعالى وأن المرادة في قوة المحبوب فاطلق القول بأن المعاصي محبوبة لله تعالى

فأما أهل الآثار فلا يقول بهذا منهم أحد لأن المحبة عندهم غير الارادة حقيقة ولا يطلق أحدهما حيث يطلق الآخر إلا بدليل خاص

وأما بعض الأشعرية فقد أجاز ذلك بناء على أنه مجاز لأن المحبة عندهم لا تجوز على الله تعالى إلا مجازا كما تقوله المعتزلة وهذا وإن كان أهون في القبح إلا أنه خطأ وقبيح لوجهين أحدهما أن شرط المجاز هنا مفقود وهو العلاقة المسوغة المقتضية للتشابه ولولا ذلك لصح تسمية البخيل غيثا وبحرا كالجواد والجبان أسدا كالشجاع يوضحه أن المعاصي مسخوطة من حيث كانت معاصي بالاجماع وأهلها إنما يغضب الله عليهم من هذه الجهة المسخوطة فلا يصح أن تكون المعاصي مرضية محبوبة مجازا من هذه الجهة بعينها قطعا باجماع من يعرف المجاز وشروطه المخرجة له عن الكذب والمناقضة وتجويز ذلك خروج عن قانون اللغة وتجويزه يؤدي إلى تجويز مجازات الملاحدة

وقد أخطأ من روى عنهم ذلك على الاطلاق ولم يقيده بانه مجاز عندهم ومن أخطأ في رواية ذلك منهم افحش غلطا في الخطأ والغلط ممن رواه من خصومهم وهذا مع دقته قد وقع فيه بعض المعتزلة بل علامتهم في علم البلاغة والادب الزمخشري ولذلك زعم في تفسير قوله تعالى وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أي أمرناهم بالفسق مجازا فالامر بالفسق مجازا أبعد من الرضا به مجازا وغلط الزمخشري فيه بينته في العواصم والمختار فيه أمرناهم بالتكليف على السنة الرسل كقوله


233
تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وثانيهما ان قوما من الجهلة الاتحادية قد ظنوا قول بعض الاشعرية ان المعاصي مرادة والمراد في قوة المحبوب فهي محبوبة مرضية على الحقيقة فزادوا على هذا انه يستحيل في المراد المحبوب ان يكون معصية لمن أراده وأحبه فزعموا انه لا يصح وجود معصية لله وان معنى سابقوا إلى مغفرة من ربكم أي الى الكبائر والفواحش لان المغفرة لا تتم إلا بذلك وكان بعضهم يقول كفرت برب يعصى وأنشد بعضهم في ذلك

أصبحت منفعلا لما تختاره
مني ففعلي كله طاعات

وهذا إلحاد في الدين صريح وانما وقع فيه أهله من ترك عبارات الكتاب والسنة وتبديلها بما ظنوه مثلها وليس مثلها

والسر في ذلك أن المراد المطلق هو المراد لنفسه من جميع الوجوه الذي لا يكره من وجه قط والمعاصي ليست من هذا بالاجماع فان كراهة المكلفين لها واجبة وفاقا مع وجوب الرضى عليهم بقضاء الله تعالى ولان الله تعالى يكره المعاصي بالنص فلم تكن المعاصي من هذا الجنس من المرادات ولكن الذين قالوا انها مرادة والمراد بها غيره عنوا نوعا آخر من المرادات التي يراد لغيره ويكره لنفسه فهو مكروه حقيقة والمراد به غير كاليمين الغموس كما يأتي ولما لم يوضحوا ذلك دائما ويكثروا من ذكره وبيانه أوهموا عليه الخطأ ولذلك لم يرد السمع بذلك ألا نصا ولا نص عليه السلف الصالح ألا ترى ان إرادة القبيح ليست صفة مدح بالاجماع بخلاف ما ورد السمع به من نفوذ المشيئة في كل شيء

وقد نص أئمة الاشعرية أن الله تعالى لا يوصف بصفة نقص ولا بصفة لا مدح فيها ولا نقص فارادة القبيح لغير وجه حسن ان لم تكن نقصا كانت مما لا مدح فيه قطعا فيجب ان لا يوصف بها الرب عز وجل على قواعد الجميع


234

وقد بنيت هذا الكتاب على المنع من ذلك لان عبارة الكتاب والسنة ان كانت واضحة فهي أحق أن يعبر بها وأولى ولا حاجة الى تركها وتبديلها بعبارة واضحة مثلها وان كانت خفية لم تبدل أيضا بعبارة واضحة لانه لا يؤمن الغلط في تبديلها الا ترى أن بعض الاشعرية لما بدل ولو شاء لهداكم أجمعين بان المعاصي مرادة بدل بعضهم المراد بالمرضى المحبوب مجازا ثم جاء من بدل المرضي المحبوب مجازا بالمرضي المحبوب حقيقة ثم بالطاعة المأمور بها فحرم التبديل هنا كما تحرم الرواية بالمعنى الجلي حيث يكون المعنى خفيا بالاجماع بل هنا أولى لانه من مهمات الاسلام وذلك في فروعه وأيضا فان الرضاء بمراد الله واجب كالرضاء بفعله ولان كراهة ما أراد مضادة له تعالى ومعارضة وذلك خلاف مقتضى العبودية والرضاء بالمعاصي حرام بالاجماع القاطع من الجميع والنصوص الجمة فيلزم من ذلك ان لا تكون المعاصي مرادة لله تعالى وهذا معيار صدق وميزان حق في مضايق هذه المسائل كما يأتي بيانه في مسألة الأفعال ان شاء الله تعالى

البحث الثالث في كيفية الجمع بين السمع الوارد في هذه المسألة وهو أنواع فنوعان تقدما وهما ما يدل على كراهية الله تعالى للقبائح ومحبته للخيرات وما يدل على قدرته على هداية العصاة ونوعان نذكرهما هنا وهما عام وخاص

أما العام فهو أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وهو معلوم كثير وهو بمنزلة يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء في انهما مجملان قد علم في القرآن بيانهما بالنصوص الكثيرة البينة الواضحة فلله الحمد ومن عجائب أهل التأويل تكلف وجه يحسن ذلك من ابائهم وترك الوجه المنصوص وهو العقوبة كما نذكره الآن وتبديل لفظة بلفظة وهما على سواء في المعنى كتأويل الاضلال بالخذلان لم يبعد ان يبدلوه بلفظ آخر ولا أصح من لفظ القرآن ولا أبرك ولا أطيب

وأما الخاص فمثل قوله تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ومنه كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون


235
) وقوله تعالى وما يضل به إلا الفاسقين وقوله تعالى فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم وقوله تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وقوله تعالى ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وقد خلقوا على الفطرة بدليل الكتاب والسنة وفي الرعد نحوها وأيضا فالهدى أعظم النعم وقد قال الله تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون مع قوله إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا وقوله إن علينا للهدى وقوله ثم السبيل يسره وقوله وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وقوله وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر فالهداية أعظم النعم وأول الحجج على العبد ومن ذلك قوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون وقوله تعالى في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقوله فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله مع حديث كل مولود يولد على الفطرة وهو متفق على صحته من حديث أبي هريرة ومعه حديث عياض بن حماد المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته ألا ان ربي عز وجل أمرني عليكم أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني الى قوله حاكيا عن الله تعالى وانى خلقت عبادي حنفاء كلهم وانهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم
236
وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا الحديث رواه م و س من حديث جماعة عن قتادة عن مطرف بن عبد الله الشخير عنه ومرة عن جماعة ذكر منهم ثقتين عن مطرف عنه قوله تعالى فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية وقوله تعالى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وقوله إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون وقوله فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين وقوله وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم وفيها رد قولهم انها غلف في أصل الخلقة حتى عوقبوا على الكفر واستحقوا العقوبة وقوله أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة وما أحسن هذه العبارة وأبلغها مع تقدم التمكين واقامة الحجة وقطع الأعذار ومن ذلك قوله تعالى ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون وقوله فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ومنه فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ومنه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ومنه يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين وقوله بعدها ويفعل الله ما يشاء دليل على ان المبين لا يناقض المجمل وهي
237
كآية الحج بعد السجدة لا تقتضى خلاف ما قبلها قال البغوي ما يشاء من التوفيق والخذلان والتثبيت وعدمه

والوجه فيه عندي أن يفسر اجماله بالآيات البينات في القرآن مثل ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء ومثل ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء بعد ذكر الكافرين

ومنه الأحاديث الصحيحة الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد والسيئة بمثلها أو أعفو والمعني انه لما قال ويضل الله الظالمين استثنى من ذلك من يشاء أن يتوب عليه وهذا من تفسير القرآن بالقرآن وهو الذي يناسب جلال عدله وجمال فضله وحسن أسمائه وليس لأحد أن يفسره بما لم يشهد له كتاب الله بل بما صرح بتنزيهه عنه من نفي الحكمة في أفعاله وما سمى لعبا وعبثا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وأمثال ذلك مما يطول ذكره وبذلك جاءت السنة كما احتج رسول الله صلى الله عليه وسلم على القدر بالآية في سورة الليل المقدمة وهي مصرحة بتأخير التيسير لليسرى عن العصيان حتى وقع التيسير بعد العصيان عقوبة عليه وكما قال في حديث الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه وكل ذلك في البخاري ومسلم وعند مسلم من حديث عياض المجاشعي يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فجاءت الشياطين فاجتالتهم الحديث كما مضى وعنده أيضا حديث أبي ذر فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه وعند مسلم أيضا من حديث علي عليه السلام الخير بيديك والشر ليس إليك وسنده على شرط الجماعة وله شاهد آخر أخرجه الحاكم أحسبه من حديث أبي بكر رضي الله عنه ومعنى ذلك ليس اليك الذم عليه واللوم فيه كقوله ومن وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه فان الله مكن بالقدرة وبين بالعقل والرسل وأزاح العلل وقطع الاعذار

وفي الصحيحين لا أحد أحب اليه العذر من الله تعالى من أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل وهذا كله متطابق تطابقا يفيد العلم على أن الله


238
تعالى لا يريد الشر لكونه شرا وانه عدل حكيم فيما أمر ونهى وما علمنا وما جهلنا كما مضى في مسألة حكيم فيجب أن يبنى العام على الخاص في هذه الآيات كما يبني في آيات الوعد والوعيد ألا ترى أنه قال فيها يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ثم فسر من يعذبه بالمشركين ونحوهم ومن يغفر له بالمؤمنين فلم يجز بعد تفسيره أن تخلى المشيئة مطلقة حتى تخاف العذاب على الانبياء ونرجو الرضوان لمن مات مشركا وكذلك في آيات الضلال والهدى الخاص الزائد على الفطرة لما بينها الله تعالى وبين أن هذا الهدى الخاص مثل الثواب يختص أهل الخير بالوعد الحق ومن شاء الله من غيرهم بمحض الرحمة والفضل وان الضلال يختص بمن يستحقه من الأشرار وجب أن يحكم بأن الله تعالى لا يضل المهتدين ولا يضل أحدا إلا الفاسقين كما دل عليه في كتابه المبين والعمل على هذا من قواعد علماء الاسلام المعلومة

وأما كراهة القبائح فعلى ظاهرها وأما ارادتها ومحبتها فلم يرد به سمع منصوص جلي ولا قرآن ولا سنة ولا متواتر ولا آحاد فلا تعارض هنا ألبتة بل جاء في كتاب الله تعالى أن الله لا يريد ظلما للعباد وفي آية أخرى للعالمين وإن كان أظهر التفسيرين أن المعنى لا يريد سبحانه ظلما منه لهم تعالى عن ذلك علوا كبيرا وذلك مثل تمدحه جل جلاله بأنه ليس بظلام للعبيد وقد أوضحت وجهه في العواصم في البحث العاشر من هذه المسألة لكنه يقال أنه تعالى إنما نفي أرادته ظلم العباد لفبح الظلم وقبح ارادته لا لكونه محالا في قدرته لأنه لا معنى للتمدح بترك المحال في القدرة لان المحال لا تنبغي ارادته وصحته وبكل حال فقواعد أهل السنة تقتضي الايمان بهاتين الآيتين وقول من يقول أن الله يريد الظلم الواقع وسائر القبائح يخالف مفهومهما فيتعين تركه احتياطا ومحاذرة من مخالفة مفهوم كتاب الله تعالى الذي لم يعارضة منطوق صريح في العقائد التي لا ضرورة بنا إلى النص فيها على ما لم ينصه الله تعالى ورسوله وسيأتي أن من ادعى أن المعاصي مراده إنما أطلق ذلك مجازا على ما سيأتي من نصوص الأشعرية عليه

والحاصل في الجمع وجوه الوجه الاول دعوى عدم التعارض الموجب للجمع على وجه دقيق وإنما هو من قبيل العام والخاص وهو جلي لا يسمى متشابها لوضوحه


239

الوجه الثاني التعبير بعبارة الكتاب والسنة عموما وخصوصا وترك الابتداع بالنص في موضع العموم مثاله تقول أن الله تعالى خلق كل شيء على العموم وتترك ما اختلف فيه من خلق القرآن وخلق أفعال العباد لأن الله تعالى لم ينص عليهما وقد قال بكل منهما طائفة وتمسكوا بالعموم والانصاف إن تمتنع من مساعدة كل من الطائفتين على ما ابتدع النص عليه فان النص على جزيئات العام إنما يحتاج اليه في العمليات لضرورة العلم وأما هنا فقد نص علماء المعاني واللغة على أن دلالة المطابقة اللغوية في العموم لا تدل على أبعاضه وجزئياته كما تدل على جملته وأن فهم تلك الأبعاض الجزئية هو من دلالة التضمن وأنها عقلية لا لغوية

فالواجب في مسائل الاعتقاد التي يقع فيها الاختلاف وتجوز المخصصات المانعة لبعض الأجزاء من الدخول في العموم الاقتصار على دلالة المطابقة اللغوية العربية التي قصدها المتكلم قطعا وكم للناس في هذا من الأوهام ألا ترى أن كثيرا من الناس يتوهم أن آيات المشيئة تدل على مذهب الجبرية ما لم تصرف بالتأويل عن ظاهرها مثل فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وليس كذلك وكذلك قولنا ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن

بيان أن ذلك لا يلزم إلا لو تبين بدليل آخر أن الله شاء أن يكون العباد مجبورين على أفعالهم لكنه قد ثبت أنه شاء أن يكونوا مختارين فبهما بمشيئتهم لها لقوله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ولم يقل وما تشاؤون من غير استثناء كما قالت الجبرية فقد كان الاختيار الذي شاء الله أن يكون العباد عليه لكن بعد مشيئة الله تعالى لذلك ولم يكن الجبر الذي لم يشأ الله تعالى فتأمل غلطهم في ذلك بل قد وهم نوح عليه السلام بسبب عدم النظر إلى احتمال العموم للتخصيص حيث قال إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق فكيف بغيره وقد نقم الله تعالى على المشركين جدالهم لعيسى عليه السلام حين نزل إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون وقال ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون


240
) فليتق طالب الحق أمثال ذلك وليكن منه على أشد حذر

ولذلك تجد هذا الجنس متمسك أكثر أهل الضلالات ولا تجد صاحب باطل ولا تجد في العمومات ما يساعده حتى منكري الضرورات كغلاة الاتحادية فانهم قد تمسكوا بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم لقوله لبيد

ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وكل نعيم لا محالة زائل

وقد اختار هذا صاحب الفقه الأكبر ونسبه إلى الشافعي وهو على مذهب الأشعرية وعقد له فصلا قال فيه لا يقال أن الله تعالى يريد الكفر وسائر المعاصي على الاطلاق لأنه يوهم الخطأ لكن نقول أن جميع ما يجري في سلطانه بارادته إلى قوله ويجب الاحتراز عما يوهم الخطأ كما يجب عن الخطأ نفسه وما أحسن هذا لو لزم عبارة الكتاب والسنة فقال ولو شاء الله ما فعلوه مكان قوله جميع ما يجري في سلطانه بارادته لأن كلام الله تعالى يستلزم كمال العزة والقدرة وكلامه يستلزم ارادة الكفر وذلك عين ما فر منه وهو يستلزم حب الكفر والرضا به أو يوهمه وذلك يستلزم الامر به وإباحته أو يوهمه كما مر تحقيقه في البحث الثاني فراجعه منه وقد صرح بوجوب الاجتناب لما يوهم الخطأ كوجوب الاجتناب للخطأ نفسه ولا شك أن عبارته توهم الذي خافه وفر منه بل يستلزمه تحقيقها وذلك لأنها مبتدعة فلزم ما ذكرناه من ترك البدع ألا ترى كيف ورد النص والاجماع بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ولم يرد أنه لا كفر ولا معصية إلا بالله فبين العبارات أبعد مما بين الارضين والسموات وحديث ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن محمول على ما تمكن مشيئته له ولا تمتنع ولفظه يعطي ذلك

وإنما أحببت أن أنبه عليه وعلى أنه إجماع في صورتين احداهما أنه لا يدخل في ذلك المحال في نفسه كوجود ثان في الربوبية وجعل أنه لا يدخل في ذلك المحال الحوادث بعد حدوثها قديمة ونحو ذلك وثانيهما


241
أنه لا يدخل فيه ما تمنع منه الحكمة من قلب صدق الاقوال الربانية إلى الكذب وبعثة الرسل كذا بين على ما مر محققا في إثبات الحكمة وان الامة أجمعت على امتناع النقص في كلام الله تعالى وامتناع ارادته وأن ذلك يستلزم امتناع النقص في أفعاله كامتناعه في أقواله

ويوضحه اجتماع الكلمة من الأشعرية والمعتزلة على أن الله تعالى لا يوصف إلا بما يستلزم المدح دون ما يستلزم الذم أو ما لا يستلزم لا مدحا ولا ذما أما الأشعرية فنصوا على ذلك وأما المعتزلة فنصوا على امتناع العبث واللعب على الله تعالى وعلى اعتبار التحسين العقلي وهما يستلزمان ذلك والله سبحانه أعلم

الوجه الثالث من وجوه الجمع توجيه الجمع إلى الوقوع والواقع وهو مثل الفرق بين الوقوع والواقع وهو مثل الفرق بين التلاوة والمتلو والحكاية والمحكي كما أوضحت بيانه في مسألة القرآن وهو قول الامام المنصور بالله عليه السلام وبين ذلك الفرق بين الوقوع والواقع أنه لما ورد الشرع بجواز ارادة اليمين الغموس الفاجرة من جاحد الحقوق الواجبة عليه في الأموال والدماء والقسامة واللعان ونحو ذلك فانه يجوز لصاحب الحق ارادة هذه اليمين من حيث أنها حق له واجب وان كان يعلم أنها يمين فاجرة معصية لله تعالى ومع ذلك فلا يجوز له أن يحبها ويرضاها من حيث أنها قبيحة معصية لله تعالى

فتبين أن هذه اليمين ذات وجهين وجه جازت منه ارادتها ووجه وجبت منه كراهتها فالوجه الذي جازت منه ارادتها وقوعها من خصمه الظالم من حيث هي حق له على من ظلمه على جهة العقوبة للظالم والوجه الذي وجبت منه كراهتها هو ذاتها الواقعة معصية لله تعالى فافترقت الجهتان اللتان يتوهم عدم افتراقهما بذلك فمتى وردت النصوص مختلفة في نحو ذلك أمكن حملها على مثل ذلك

مثال ذلك قوله تعالى في المستحقين للعقوبة دون غيرهم ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم


242
في المرحومين من العباد لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون كي يغفر لهم رواه مسلم من حديث أبي أيوب وروى مسلم من حديث أبي هريرة نحوه بزيادة وهي كي يستغفروا فيغفر لهم وله شواهد عن جماعة من الصحابة ذكرتها في العواصم

وهذا القسم أوضح القسمين في الحكمة أعني قسم المرحومين من الخلق فهذه الآية المتقدمة ظاهرها ارادة وقوع الضلال منه مع أنه عبارة عن المعاصي المكروهة بنص قوله تعالى كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها فجعلوا معاصي المعاقبين ذات وجهين كاليمين الغموس الواجبة في الحقوق وهي حرام ووجوبها وتحريمها مجمع عليهما وذلك يوجب صحة اعتبار الجهتين في هذه الأمور لأن الوجوب والقبح ضدان يستحيل أن يتوهما إلى جهة واحدة

والجواب أن الآية غير نص فيما قالوا لاحتمال أن المراد هو جعل صدره ضيقا حرجا وذلك هو فعل الله تعالى وهو حسن لا قبح فيه لأنه عقوبة مستحقة بل ذلك بين فان الاضلال غير المعاصي بل سبب لها وفاعله غير فاعلها لكن ظنوا أنها غرض الغرض وقد مر بطلانه في البحث الثاني وسيأتي أن مذهب أهل السنة أن الارادة لا تعلق بفعل الغير وإنما تتعلق به المحبة وتسمى ارادة مجازا وقد بنيت هذا الكتاب على أنا لا نبدل الظواهر بالنصوص ألا ترى أن اضلاله الذي نص على ارادته لا يجوز أن يفسر إلا بفعل أشياء من أفعال الله الحسنة يقع عندها منهم معاص قبيحة كما ذكره الله تعالى في بسط الرزق في آيات كثيرة وكذلك الحديث النبوي ليس بنص فيما ذكروه لجواز أن المراد مثل ذلك من أفعال الله الحسنة التي تكون وسيلة إلى أفضل أخلاق الدنيا والآخرة وهو العفو بعد الاساءة والاحسان إلى المسيء كما أوضحته واستوعبت ما ذكر فيه في العواصم والحمد لله رب العالمين ومن ذلك ارادة خلق الكفار وبقاؤهم مع كراهته لهم فانهما لم يتناقضا لاختلاف الجهات التي تعلقت بها ومن ذلك أنه حسن من المذنب


243
المسلم أن يكره عذاب الله تعالى له مع أنه يعتقد حسنه من الله تعالى وعدل الله فيه لكنه لم يكرهه من هذه الجهة إنما كرهه من حيث أنه لا يصبر عليه ولا يقوى له ونحو ذلك فوجه بعض أهل النظر كراهة الله تعالى للمعاصي والقبائح إلى ذواتها الواقعة من العصاة وارادتها إن قدرنا ورود شيء من السمع بها إلى الوقوع لحكمة من عقوبة وسخط على من استحق ذلك أو غير ذلك وهذا جيد في النظر لولا أنا لم نضطر اليه لعدم صحة ورود السمع بارادة المعاصي ولا شيء منها وان ظن ذلك من لم يكثر النظر والتأويل التام لمعاني الآيات القرآنية والله الهادي

وأقرب الآيات منه قوله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وقول موسى عليه السلام ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ومن الحديث حديث جبريل عليه السلام حيث روي أنه جعل يأخذ من حال البحر فيدخله في فم فرعون خشية أن يقول لا إله إلا الله فتدركه الرحمة وإذا صح ورود السمع بهذا فالدليل على من ادعى قبحه لأن قبحه ليس بضروري بالاجماع

وتلخص أن حسن ذلك أن ورد به النص مشروط بثلاثة أمور أحدها أن يتعلق بالوقوع دون الواقع مثل ما ذكرنا في اليمين الغموس وثانيها أن يكون بعد استحقاق العقوبة لقوله تعالى وما يضل به إلا الفاسقين ونحوها مما ذكرناه وثالثها أن لا يجعل ذلك غرض الغرض الذي هو تأويل المتشابه وإن لاح لنا منه شيء لم نقصر عليه التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى الذي هو المراد على الحقيقة وإنما أراد الله تعالى بما قبله أن يكون سببا له لحكمة الله تعالى في ترتيب المسببات على أسبابها فتأمل ذلك حتى تخلص به من ارادة القبائح وارادة وقوعها جميعا كما تقدم في قول الخضر فأردت أن أعيبها أي أجعل عيبها سبب سلامتها من الملك الظالم وإلا فالمراد المحقق سلامتها لاعيبها


244
الوجه الرابع أن قوله تعالى وما يضل به إلا الفاسقين وما في معناها من آيات هذا النوع كلها أدلة خاصة تدل على أن أول ما يقع من المكلف من الذنوب كائن بالتخلية بينه وبين نفسه لاقامة الحجة حجة العدل عليه وقطع أعذاره الباطلة من دون اضلال من الله تعالى في هذه الحال ولا تيسير للعسرى ولم يبق من الله تعالى في مثل هذا الحال إلا القدرالذي بمعنى العلم والكتابة وارادة العاقبة المستحقة بالعمل وارادة اقامة الحجة على العبد في تلك العاقبة كما يذكر في تفسير قوله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس فان ارادة الله تعالى عذابهم لم تعلق به إلا حين يكون حقا مستحقا عليهم بذونهم بالاجماع وإنما الخلاف في جواز تقدم الارادة للعقاب المستحق لا في أنها تعلقت بغير مستحق فمن فسر الارادة بالعلم من المعتزلة كالبغدادية وأبي الحسين لا يمكنهم تقبيح تقدمها وكذلك من يجعل تقدمها أمرا واجبا مستحيلا خلافه كالأشعرية

وقولنا أنه لا يجوز الاضلال في أول أحوال التكليف حتى يستحق العبد ذلك بالمعاصي يناسب قول أبي علي بالمنع من الزيادة في الدواعي إلى القبيح التي يعلم الله تعالى عندها أن المكلف يختار القبيح بخلاف أبي هاشم فانه يجيز ذلك كالأشعرية لكن لا يسميه اضلالا إنما يسميه امتحانا وابتلاء لكنا لم نقل ذلك بالنظر العقلي وإنما قلناه بتأمل كتاب الله تعالى وقضينا بأنه محكم القرآن لموافقة العقل والنظر فهو محكم عقلا وسمعا أما العقل فلأنه من قبيل الجزاء والعذاب الاخروي وقد ورد السمع بجواز تقديم بعضه وهو المسمى بالعذاب الأدنى في كتاب الله تعالى ونص على ذلك الامام المنصور بالله من الأئمة وأما أحكامه سمعا فلأنه المنصوص فان قوله تعالى وما يضل به إلا الفاسقين نص في ذلك والمعارض له غير صحيح في ارادة الله تعالى وقوع ذنب العبد قبل استحقاقه العقوبة بذلك

وهنا تلخيص جيد مفيد وهو أنه لا خلاف أن الله تعالى لا يعاقب إلا بعد الاستحقاق بالمعصية لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ولقوله تعالى وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول


245
) الآية فمن فهم من الاضلال أنه من جنس العقوبات لم يجزه إلا بعد الذنوب ومنع أن يقع من الله تعالى ابتداء قبل أول معصية وسمى ما يقع في ذلك الوقت من أسباب المعاصي ابتلاء وامتحانا إن كان ممن يجيزه وهم الأشعرية وجمهور المعتزلة ومن فهم من الاضلال معنى الابتلاء والامتحان اجازه مطلقا قبل الذنوب وبعدها لكن الآيات المتقدمة ظاهرة في الدلالة على أنه من جنس العقوبات مثل قوله تعالى وما يضل به إلا الفاسقين وقوله تعالى فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم إلى سائر ما تقدم والله أعلم

وجميع المعارضات لذلك نوعان أحدهما يختص بغير المعاصي عند التأمل كقوله تعالى ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى الآية فانها في امتناع الايمان إلا بمشيئة الله تعالى وعونه ولطفه وذلك صحيح ودليل ذلك قوله تعالى في آخرها ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله وكذلك قوله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله فانها في مشيئة الطاعة لقوله تعالى في أولها لمن شاء منكم أن يستقيم وفي ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه بل قال الله تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء وقال يختص برحمته من يشاء

فان قيل قوله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله عام في لفظه وخصوص أول الآية لا يستلزم خصوص العام الذي في آخرها كما أن خصوص السبب لا يستلزم خصوص العموم في أحد القولين

فالجواب من وجوه أربعة الأول أنا لا نسلم أن آخرها عام منطوق لأن مفعول يشاء الله تعالى محذوف وتقديره المذكور في أول الآية والمذكور في أولها يختص بالطاعات وهذا جيد جدا فتأمله

الثاني أنا لو سلمنا العموم اللفظي لما سلمنا جواز اعتقاد معناه هنا لأن في العام الوارد على سبب خلافا


246
قويا في الظنيات العمليات فكيف هذا وهو أولى بالوقف فيه لوجوه ثلاثة أحدها أن هذا في الاعتقاد القاطع في أصول الاديان وثانيها أن خصوص أول الآية أقوى في هذا من مجرد نزولها على سبب خاص وثالثها أن هذا من عموم المفهوم وفيه خلاف الثالث من الأصل أنا لو سلمنا العموم لم يكن لنا اعتقاد هذا لما ذكرنا من أنه من دلالة التضمن لا من دلالة المطابقة اللغوية وقد مر تحقيقه الرابع أنه معارض لقول إبراهيم عليه أفضل السلام لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فاكتفى في وقوع ضلاله بفقد هداية الله تعالى وإن لم تحصل ارادة ضلال ولا ارادة قبائح الافعال

ولذلك نظائر في الآيات كقول آدم عليه السلام وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وقول نوح عليه السلام وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ومنه حديث داود عليه السلام في سبب ذنبه وقول الرب عز وجل له وعزتي وجلالي لأكلنك إلى نفسك يوما فأصابته السيئة ذلك اليوم رواه الحاكم من حديث ابن عباس وصححه فلم يقف خسراننا على ارادته بل على عدم رحمته ونحو ذلك كثير جدا وهو بعمومه معارض بما يستلزم من استلزام الآيات لعمومها لارادة الله القبائح فوجب الوقف في ذلك

وثمرة هذا التحقيق أن القدر المتيقن أن وقوع المعاصي متوقف على عدم القدرة امتحان الفرد بعدم اللطف الزائد لا بارادة ذنوبه ولا محبتها كما ظن أنه مقتضى الآيات وظن أنه قول أهل السنة ولا متوقف على عدم القدرة والعجز كما ظن أنه قول المعتزلة

فان قيل ينتفض هذا بقوله تعالى وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا لأن هذا الكلام كلام نبي مرضي لا يستحق العقوبة بالاضلال وقد جوز أن يشاء الله ذلك فيقع بمشيئته


247

قلنا لا نسلم ذلك بل هذا من شديد خوف الأنبياء عليهم السلام لأنهم أعلم الخلق بالله تعالى واعلمهم به أخشاهم له كما قال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء ألا ترى إلى قول الراسخين ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا بل إلى قوله تعالى فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وسبب خوف العلماء أنه قد أخبرنا أنه خلقنا ليبلونا أينا أحسن عملا وكل أحد يبتلي على قدر صبره وحاله وكمال الابتلاء لا يحصل إلا بذلك ولذلك ابتلى ابراهيم الخليل عليه السلام بالامر في المنام بذبح ولده فخاف هذا النبي الكريم أن يكون له ذنب يستحق عليه العقوبة ببلوى توقعه في أعظم الذنوب خوف هيبة وقمع نفس من العجب والأمان لا خوف تجويز كما فسر به خوف الملائكة ويؤيد ذلك أن كلامه خرج مخرج التعظيم لله تعالى في عدم القطع بالنجاة دون مشيئته وعد القطع على براءة نفسه من الذنوب الموجبة للعقوبة بالخذلان فقد عوقب آدم وداود حين وثقا بأنفسهما فأذنبا ولذلك أتبع بذكر التوكل

النوع الثاني مما يتوهم معارضته لقوله تعالى وما يضل به إلا الفاسقين كله عمومات مثل قوله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله يوضحه أنها نزلت على سبب غير قبيح وفي العلماء من يقصر العموم على سببه وتناول العموم لغير سببه ظني بالاجماع وأما قوله تعالى إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم فلا يرد علينا هنا لأنها في كفار بعد البعثة والتمادي على التكذيب فهم يستحقون الاغواء والاضلال وأما كلامنا هنا في أول ذنب

وأما أحاديث القدر وما فيها من قوله صلى الله عليه وسلم كل ميسر لما خلق له فلا نص فيها على أول أحوال التكليف بل قد جاء بعضها صريحا في أن ذلك يكون عند الخاتمة وهي وقت الاستحقاق للجزاء وحديث كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه يدل على ذلك بل قوله تعالى فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله فيحتمل أن


248
يكون أراد بالتيسير في العصاة بعد العصيان لقوله تعالى وما يضل به إلا الفاسقين ولآية سورة الليل التي احتج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على القدر فيحتمل أن تكون التخلية تيسيرا لما يقع بعدها باختيار المكلف وحده لما كانت سببا في اختياره فيكون للقدر تفسيران أحدهما عام لكل حال ولكل شيء وهو العلم والكتابة ونحوهما مما تقدم كمشيئة العاقبة المستحقة بالمعاصي على ما سيأتي في قوله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس وثانيهما الاضلال بعد الاستحقاق له عقوبة من غير اجبار ولا سلب للاختيار وهو خاص بمن قد امتحن حتى عصى عند أهل الجمع بهذه الطريقة

الوجه الخامس أن الارادة دائرة بين معنيين إما أن تكون حقيقة فيهما معا أو في الأول منهما حقيقة وفي الآخر مجازا

المعنى الأول الارادة الملازمة للمحبة للمراد والامر به والتحسين له أو شيئا مما يقارب هذا المعنى وهي الارادة الشرعية للواجبات والمستحبات وهذه هي ارادة الشيء لنفسه من غير معارضة كراهة لها بوجه من الوجوه المتعلقة بذلك الشيء المراد وهذه هي الارادة الحقيقية بالاجماع فالقبائح لا تكون مرادة بهذا المعنى وكان المعتزلة لم يعرفوا أو لم يعترفوا بغير هذا المعنى للارادة ولذلك منعوا تعلقها بجميع القبائح وتقدم في الصفات الدليل على جواز اطلاق المحبة على الله تعالى من غير تشبيه كالارادة

المعنى الثاني للارادة الارادة الدالة على نفي ما يستلزم العجز من وقوع ما يكره الله تعالى وقوعه في ملكه من غير سبق قدر منه أو تخلية مرادة لحكمة أو نحو ذلك وذلك لكمال قدرته ونفوذ مشيئته وعموم ربوبيته وكبرياء عظمته بحيث لا يجوز عليه عدم القدرة على اللطف بالعصاة ولا البداء والرجوع عما قد قدره وقضاه وانه لو شاء لهدى الناس جميعا ولجعلهم أمة واحدة كما تمدح بذلك في كتابه الكريم ولكن حكمته اقتضت تمكين العباد وتكلفيهم وابتلاءهم كما أخبر في كتابه وسبقت أقداره بكل ما هو كائن عن علم لا يتغير وحكمة بالغة وحجة دامغة فوقوع المعاصي بالنظر إلى هذه المعاني هو معنى القضاء والقدر والتقدير عند الجميع وعند طائفة لا مانع


249
من أن يسمي ذلك الوقوع مرادا حقيقة أو مجازا ولا تسمى المعاصي الواقعة مرادة مثل وقوعها بل تسمى مكروهة حقيقة وارادة وقوع المعاصي المكروهة هذه تسمى عند من يجيزها ارادة ارادة كونية لا شرعية في عرفهم وإنما الشرعية في عرفهم هي النوع الأول المختص بالطاعة

وأعلم أن تمسيتهم لهذه ارادة لم يثبت بالنص وإنما ثبت أن ذلك مقدر ولم يرد النص أن كل تقدير مراد وإن كان ذلك هو الظاهر في بادئ الرأي فالتحقيق في النظر والاحتياط يخالفه أما التحقيق في النظر فان المعاصي بالنصوص مكروهة لانفسها فلا تسمى مرادة لأنفسها لتضاد ذلك وعدم الدليل عليه وإنما يجوز أن تراد لغيرها ومتى أريدت لغيرها كانت هذه العبارة مجازية تحقيقها أن المراد هو ذلك الغير لا هي وحينئذ فلا يجوز أن تسمى مرادة مطلقا لوجهين أحدهما أن ذلك يوهم أنها مرادة لنفسها محبوبة وثانيهما أنها مكروهة لنفسها حقيقة ولا يجوز أن تسمى مرادة إلا لغيرها وتسمية الشيء بوصف نفسه أولى من تسميته بوصف غيره فان سمي بوصف غيره فمع قرينة تشعر بذلك وإلا أدى إلى قلب المعاصي وأما الاحتياط فلما بنينا عليه هذا الكتاب من الوقوف على النصوص كما تقدم

ومن أقرب الأمثلة إلى هذا الذي ذكروه ما حكى الله عن موسى عليه السلام من قوله ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم فكره وقوع الايمان منهم عند الغضب عليهم لله تعالى وهو لا يتهم في محبة الايمان بالله في الجملة وابن تيمية كثير التعويل على الفرق بين الارادة الشرعية وبين الارادة الكونية وكلامه في هذا طويل وليس هذا مما تعلم صحته ولا بطلانه بالنصوص الشرعية ولا بالبداية العقلية فالاعتصام بالاعتقاد الجملي أحوط منه وأولى وهو أن الله يكره القبائح ولا يحبها وأنه على كل شيء قدير فلو شاء لهدى الناس جميعا وإن له الحكمة البالغة فيما فعل وترك وقدر وقضى وإن ذلك غير متناقض ولذلك ظهر اعتقاد ذلك الجميع عن السلف من غير إشكال فيه


250

البحث الرابع اتفق أهل السنة من أهل الاثر والنظر والأشعرية على أن الارادة لا يصح أن تضاد العلم ولا يريد الله تعالى وجود ما قد علم أنه لا يوجد وهذه الارادة التي المقصود بها إيجاد المراد لا إرادة المحبة التي تعلق بالذات لا بايجاد الذات فافهم ذلك

واحتجوا على ذلك بوجوه منها قوله تعالى أتريدون أن تهدوا من أضل الله ولا وجه لإنكار هذه الارادة إلا تعلقها بما لا يقع في العلم ومنها أن امتناع ذلك مدرك عقلي جلي يدرك بالوجدان من النفس كما يدرك الالم واللذة فانا ندرك من أنفسنا امتناعها مثل أن نريد من الله تعالى ما يقدر عليه سبحانه مما نعلم أنه لا يفعله مثل ان لا يذيقنا الموت أبدا وأن يدخلنا الجنة من غير موت ولا حشر مع قدرة الله تعالى على ذلك ومحبتنا لذلك وإنما امتنع أن نريد ذلك من الله تعالى لعلمنا أن الله تعالى قد كتب الموت والحشر على جميع العباد ولا شك أن هذا هو الفطرة ولذلك لا ترى عاقلا في الدنيا يسعى فيما يعلم أنه لا يحصل فلا نرى شيخا فانيا يطلب دواء لعود أيام الشباب ولا نحو ذلك وإنما خالفت المعتزلة لشبهة الامر بخلاف المعلوم فان الله تعالى يأمر بما يعلم أنه لا يقع وصحة هذا إجماع لكن ظنت المعتزلة أن الأمر يلازم الارادة وإنما ظنوا ذلك لأنه الأكثر في الشاهد في حق من لا يعلم الغيب

والتحقيق أن الأمر مع الارادة ينقسم ثلاثة أقسام

القسم الأول الأمر الملازم للارادة وذلك في حق من غرضه بالأمر تحصيل المطلوب وشرط هذا الأمر أن يصدر ممن يعلم أن المطلوب سيحصل أو يكون جاهلا بعلم الغيب

القسم الثاني لا تصحبه الارادة قط ولا محبة المطلوب وهو أمر الاختيار للغير بالعزم على الطاعة مثل أمر الخليل عليه السلام بذبح ولده فان الله تعالى لم يرد ما أمر به من الذبح ولا أحبه وإنما ابتلى خليله بالعزم كما قال فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين


251

القسم الثالث لا تصحبه ارادة الحصول وتصحبه محبة المطلوب دون ارادة وقوعه من المأمور وذلك مثل أمر الكافر بالايمان مع علم الله تعالى أنه لا يؤمن أبدا مثال ذلك قوله تعالى ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم مع أن الانبعاث معه عليه السلام مأمور به لكن كره من وجه آخر لا من الوجه المأمور به لأجله

وفي هذا المقام يذكر أهل السنة علم الغيب وما ورد في القدر والقضاء وأنهما بمعزل عن الجبر والاكراه ونفي الاختيار وقد تقصيت ما ورد في ذلك فبلغت أحاديث الأقدار وثبوتها مائة حديث وخمسة وخمسين حديثا وأحاديث وجوب اعتقاد ذلك اثنين وسبعين حديثا صار الجميع مائتي حديث وسبعة وعشرين حديثا من غير الآيات القرآنية والقدرية المجمع على ذمهم عند أهل السنة من يقول من قدماء المبتدعة أن الله لا يعلم الغيب ولا يوجد الآن من هؤلاء أحد وسياتي الكلام في تفسير القدرية

البحث الخامس وهو أنفس هذه المباحث ومغن عنها وذلك أن ظواهر عبارات المعتزلة والأشعرية في هذه المسألة في غاية المنافرة وتحقيق مذاهبهم يقضي باجتماع كلمتهم على أن الله تعالى قادر على هداية من يشاء باللطف والتيسير وعلى أن الله تعالى لا يريد المعاصي والقبائح وهذا عجيب لا يكاد أحد يصدق به إلا بعد شدة البحث والتنقير وسبب اجتماعهم في المعنى أن الخطأ منهم الجميع لما فحش من الجانبين لم يخف عليهم وما زالوا ينظرون ويناظرون ويعتذرون عن شنيع العبارات حتى اجتمعوا وهم لا يقصدون ذلك الاجتماع وأنا أبين ذلك من نصوصهم وكتبهم المعروفة

فأما المعتزلة فاعترفوا بقدرة الله تعالى على ذلك عندهم وعلى أصولهم في مسألتين

احدهما أن اللطف إنما امتنع في حق بعض المكلفين لأجل البنية التي خلقهم الله تعالى عليها وهي بنية مخصوصة فيها غلظة وقساوة وهو قادر عند جميع المعتزلة على تغيير بنيتهم وخلقهم على بنية الانبياء والملائكة ذكر ذلك ابن الملاحمي في كتابه الفائق وقد ذكرت الوجه في لزوم ذلك على أصول


252
المعتزلة من العقل والسمع وتقصيته في العواصم قال تعالى ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون وقال تعالى عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم وقال تعالى وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم وفيها حجة على ثبوت حكمة الله تعالى فيما تعرف العقول حسنه من هدايتهم وما لا تعرفه من تركها مع القدرة عليها فانها لا تعرف حسن ذلك كما عرفناه الآن إلا بتعريف الشرع كما مضى في مسألة الحكمة لأن كل بنية قابلة للطف أو غير قابلة فانها عارضة يمكن تغييرها لا ذاتية ولأن الاجسام عندهم كلها متماثلة في ذواتها وإنما تختلف بالصفات والأحوال العارضة وتغيير ذلك كله ممكن لله تعالى ولأن قدرة الله تعالى على كل شيء عموما وعلى هداية كل أحد خصوصا منصوصة قطعية معلومة من الدين ومن إجماع المسلمين

قال ابن الملاحمي فان قيل فلم خلقه الله تعالى على هذه البنية التي لا تقبل اللطف قلنا لحكمة لا نعلمها ويكفينا علمنا بأنه أو كما قال وهنا نعلم أن الخلاف لفظي لأن تغيير هذه البنية يسير على من هو على كل شيء قدير وإنما هو تليين تلك القلوب القاسية أو تعليم تلك النفوس الجاهلية ولو أراد الله تعالى قلب جبال حديد ماء عذبا أو هباء منثورا لم يزد على أن يقول لذلك كن فيكون كيف وليس إلا تقليب القلوب القاسية وتليين القساوة وترقيق الطبع الغليظ فثبت أن الله تعالى قادر عندهم على هداية العصاة عند الجميع لكن المعتزلة شرطوا أن تكون هدايتهم بتغيير بنيتهم وسائر الناس قالوا إن ذلك ممكن من غير تغيير بنية

وثانيتهما قالت المعتزلة إلا أبا علي الجبائي أنه يجوز أن يزيد الله تعالى في شهوات المكلفين ويخلق من أسباب المعاصي ما يعلم أن المعاصي تقع عنده ولو لم يخلقه لم تقع وقاسوا ذلك على ابتداء التكليف فان الله تعالى كلف أهل النار وهو يعلم أن تكليفهم يكون سببا لوقوع معاصيهم ولو لم يكلفهم لم تقع منهم المعاصي وعلى هذا يجوز أن جميع المعاصي ما وقعت إلا


253
لزيادات في الشهوات والدواعي وقع الامتحان بها لشدة الابتلاء ومن ذلك خلق الشياطين عند هؤلاء وحينئذ تجويز أن الله تعالى قادر على هداية من وقعت منه المعاصي بتسبب هذه الزيادات والقدرة ووجه القدرة على اللطف به واضح وذلك أن يترك الله هذه الزيادات وتجويز قدرة الله تعالى على اللطف بهذا المعنى بين فثبت أن تأويلهم لآيات المشيئة بالاكراه ومحافظتهم على ذلك وقطعهم بتعينه وعدم احتمال غيره مجرد لجاج مع الخصوم وزيادة في المراء المذموم والله المستعان

وأما موافقة الاشعرية وأهل الأثر لهم في أن الله تعالى لا يريد المعاصي فان ذلك ثبت بالنص منهم والاقرار لا بالالزام والاستنباط وذلك أن إمام علومهم العقلية صاحب نهاية الاقدام المعروف بالشهرستاني ذكر في كتابه هذا أن ارادة الله تعالى عندهم لا يصح أن تعلق إلا بأفعاله سبحانه دون كسب العباد سواء كان طاعة أو معصية وأن معنى قولنا إن الطاعات مرادة ومحبوبة ومرضية هو أن الله تعالى يريد أفعاله التي تعلق بها وهي الأمر والثناء في الدنيا والثواب والثناء في الآخرة ومعنى قولنا أن المعاصي مكروهة ومسخوطة هو أن الله تعالى يريد أفعاله المتعلقة بها وهي النهي والذم في الدنيا والعقاب والذم في الآخرة وطول في هذا واحتج عليه بأن الارادة هي التي تخصص الفعل بوقت دون وقت وقدر دون قدر ووجه دون وجه قال ويستحيل أن تخصص فعل الغير وأن تقع غير مخصصة فيختلف عنها أثرها وذلك محال ثم قال وأنت إذا عرفت هذا هانت عليك تهويلات القدرية وتمويهات الجبرية وبين أيضا وميز فعل العبد الذي هو كسبه عن فعل الله تعالى الذي هو خلقه كما سيأتي إن شاء الله تعالى في مسألة الافعال

واعلم أن كلامه في ذلك قوي لأنه لو صح تعلق الارادة بفعل الغير لصح أن ينوي للغير لأن النية ارادة مقارنة وكذلك كان يلزم أن يعزم له لأن العزم ارادة متقدمة

فان قيل فنحن نحس ارادة فعل الغير بالضرورة قلنا تلك محبة لا إرادة لكن المحبة قد تسمى ارادة كما قال الشاعر


254

يريد المرء أن يعطي مناه
ويأبى الله إلا ما أرادا

والبيت عربي فصيح من شعر الحماسة وعلى الجملة أن هذا نقل لمذهب الأشعرية من بصير به بل من إمام فيه فقد صح أن هذا مذهبهم سواء كان صحيحا أو باطلا قويا أو ضعيفا وعبارتهم في جميع تصرفاتهم في تأويل الآيات والأحاديث مخالفة لهذا ومصرحة بارادة المعاصي فحين علمنا أن هذا حقيقة قولهم وإن ذلك مجاز لم نوجب حملها على الحقيقة بل لم نجوز ذلك كما أن الزمخشري قال إن الله يأمر بالفسق مجازا في تفسير قوله تعالى وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ومع ذلك لا يحل لمسلم أن يحمله على الحقيقة لما كان قد نص على أن ذلك مجاز فكذلك هؤلاء ولكن هذا منهم مجرد لجاج وشدة مراء وجدل قابلوا به ما وقع من خصومهم من مثل ذلك وقد نهى الله تعالى عن التفريق بنص القرآن وإجماع المسلمين فواجب على كل من عرف هذا من الفريقين ترك هذه العادة المكروهة في ابتداع العبارات المفرقة بين الجماعة والمخالفة للطاعة ولذلك نهى الامام ابراهيم بن عبد الله بن الحسن عن تسمية الفرق بهذه الاسماء المبتدعة وأمر أن يسموا بالمسلمين فانهم إذا اجتمعوا في ذلك بهذه الاسماء المبتدعة وأمر أن يسموا بالمسلمين فانهم إذا اجتمعوا في ذلك كان أدعى إلى محو آثار الحمية وترك التعادي والعصبية ولذلك أثنى الله تعالى على الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم

وقد كنت هممت أن أقتصر على هذا البحث في هذه المسألة ثم رجوت أن يكون في ذكر سائر المباحث مزيد فائدة وإلا فهذا أنفعها وأجلها وهو يكفي صاحب الجمل إن شاء الله تعالى وقد بالغ في تحريم التفرق وترك التكفير بالاختلاف في مسائل الكلام محمد بن منصور الكوفي محب أهل البيت وصنف فيه كتاب الجملة والالفة فأجاد رحمه الله تعالى ونقل فيه القول المفيدة عن كبراء أهل البيت عليهم السلام باختيار ذلك ونقل صاحب الجامع الكافي منه جملة شافية في آخره ينبغي معرفتها ذكرها في مسألة القرآن ومذاهب الناس فيه


255

وهنا تحقيق بالغ وهو أن مراد أهل السنة في مسألة الارادة أن يكون الله تعالى غالبا غير مغلوب كما قال تعالى والله غالب على أمره ولم يصادم هذه القدرة المعتزلة إنما خالفوا في العبارة حيث قالوا إن الله تعالى إنما أراد مجرد تعريض الاشقياء للخير فقد حصل مراده الذي هو التعريض فلم يكن مغلوبا على مراده كما مضى وما يرد عليه قالوا وأراد تمكين العباد مع علمه بأنه يكون وسيلة إلى المعاصي فقد أراد عندهم سببها لعلمه بذلك بل أجاز جمهورهم أن يبتلي الله تعالى المكلفين بعد تمام التكليف بزيادة في خلق الشهوات والشياطين ومضلات الفتن بحيث تقع عندها المعاصي وهو يعلم أنه لو لم يفعل ذلك أطيع وما عصى وهذا هو الاضلال الذي تجيزه الأشعرية وتظن المعتزلة أنها تمنعه وهو الذي قد يسميه بعض الأشعرية ارادة لوقوع المعاصي أولها وإنما اختلفت عباراتهم فانهم الجميع قد اتفقوا على نفي الجبر وعلى ثبوت الاختيار وعلى أن الله تعالى ملك عزيز غالب غير مغلوب وعلى أن الاضلال إن كان من جنس العقوبات لا من جنس الابتلاء والامتحان لم يكن إلا بعد الاستحقاق بالذنوب كعقاب الآخرة لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا فلولا اللجاج في المراء وتمكن التعادي في القلوب لكانوا فرقة واحدة واجتمعوا على جهاد أعدائهم من الكفار الملاحدة

وسر هذا التحقيق أنه لا خلاف أن سبب المعاصي مراد وهو خلق القدرة والتمكين والتكليف لكنه ليس بجبر محض بل الظاهر في سبب الشر أنه شر فمن نفى الحكمة قال هو مراد لنفسه ومن أثبتها قال لابد من مراد آخر وهو المسمى المراد الأول وغرض الغرض فمن قال هو الجنة في حق الكفار ورد عليه أن علم الغيب يمنع من طلب حصول ما علم أنه لا يحصل ومن قال هو التعريض لذلك ورد عليه أن التعريض ليس بخير محض مع العلم أنه سبب حصول نقيض المقصود ومن قال المعاصي فهو أجهل لأن سببها لم يكن شرا إلا لأجلها فثبت أنه اقامة الحجة في الظاهر وتأويل المتشابه في الباطن والحق أنه لا يعلمه إلا الله كما تقدم بدلائله


256
البحث السادس في ذكر الفائدة في التكليف بالأعمال مع سبق الاقتدار وقد يذكر هذا جوابا على من قدح في صحة أحاديث الاقدار من المبتدعة فيقال الفائدة في العمل مع القدر مثل الفائدة في العمل مع سبق العلم إذ كل منهما غير مزيل للقدرة ولا مؤثر فيها ولو كان شيء من ذلك يؤثر فيها لما تعلق جميع ذلك بأفعال الله تعالى وهو متعلق بها وهي اختيارية بالنص والاجماع ألا ترى إلى قوله تعالى كان على ربك حتما مقضيا وأنه سبحانه قد علم وقت وقوع ذلك بعينه وهو موصوف بالقدرة على تقديمه وتأخيره بل على تركه لكنه لا يتركه

وقد قال الرازي أن القول بأن سبق العلم والقدر ينفي الاختيار يستلزم ذلك في حق الله تعالى وذلك يؤدي إلى رفع أثر القدرة وإلى أن تقع الأشياء بالعلم دون القدرة فينقلب العلم قدرة وذلك محال وقد يذكر هذا على سبيل التقوية للايمان الجملي بحكمة الله تعالى وقد ذكرت في ذلك وجوه كثيرة بسطتها في العواصم ولنقتصر على شيء يسير من الوارد في القرآن والسنة وفي الفطرة

أما القرآن فورد بان التكليف في حق الاشقياء اقامة الحجة وقطع العذر قال الله تعالى فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا وقال لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى وهذا المعنى كثير وفيه سر لم أر أحدا تنبه له وذلك أن لله تعالى حججا مناسبة لعرف العقلاء وحكمة مناسبة لعلمه الحق الذي تقصر عنه عقول العقلاء وهذه الآيات التي ذكرناها من القسم الاول ومنه إقامة الموازين القسط ليوم القيامة وإشهاد الملائكة والجوارح وكتابة الاعمال مع الغنى عن ذلك كله بعلم الله تعالى

فأما الحكمة المناسبة لعلمه الحق فهي الحكمة الداعية إلى إظهار هذه الحجج القاطعة للاعذار الباعثة على هذا العدل وهي التي لم يعلمها سني ولا


257
مبتدع ولا أثري ولا متكلم ومن تعرض لها لم يحظ بطائل وقد يرد القرآن بهذه الحجة الظاهرة المناسبة لعرف العقلاء وحدها مثل آيات الوعيد وقد يرد بما يقتضي التعليل بحكمته الحقيقية المناسبة لعلمه الحق وحدها كقوله تعالى في سورة هود وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وكذلك قوله تعالى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا فانا نعلم أن هذه لم تكن سدى خالية عن الحكمة وقد يرد القرآن بهما جميعا كقوله تعالى جوابا على من قال فارجعنا نعمل صالحا قال تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون فجمع بينهما حيث أجاب على الكفار قولهم أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل استدراكا منهم لما فات فأخبرهم أنه كان قادرا على تحصيل ذلك منهم فيما مضى ولو أرادوه لم يفته حتى يحتاج إلى الملافاة والاستدراك وحين علمنا حكمته في ذلك حسن أن نشير اليها في الجملة من غير بيان معين كما قال سبحانه وتعالى للملائكة إني أعلم ما لا تعلمون جوابا على قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها

وأما ما ورد في ذلك من السنة فأنواع

منها حديث لا أحد أحب اليه العذر من الله تعالى من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب

ومنها عملهم بمقتضى قوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وقوله وخذوا حذركم


258

ومنها حديث أبي خزامة قلت يا رسول الله أرأيت رقي نسترقي بها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال هو من قدر الله تعالى رواه الترمذي وابن ماجه من طرق عن ابن عيينة عن الزهري عنه قال المزي في أطرافه وكذلك رواه مالك ويونس بن يزيد وعمرو ابن الحارث والاوزاعي عن الزهري

ومنها أن هذا السؤال مما سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتولى جوابه كما ثبت في أحاديث الاقدار فقال في الجواب اعملوا فكل ميسر لما خلق له وقرأ قوله تعالى فأما من أعطى واتقى الآيتين والمعنى في الجواب النبوي أن الله تعالى قدر الجزاء وأسبابه وقدر أن تكونه أسبابه اختيارية من أفعال العبد وما قدره الله لابد أن يقع كما قدره فارتفع توهم الاشكال فانا لو لم نعمل مع سبق العلم بعملنا وسبق المقادير لكان محارة للعقول بل محالا فيها فوجب أن لا يكون العمل محارة ولا محالا ولا موضع شبهة فلا اشكال

وأما ما دلت عليه الفطرة من ذلك فهو أن الله تعالى قدر الجزاء في الآخرة مرتبا على أسباب وقدر وقوع تلك الأسباب على اختيارنا في الأعمال وتارة على اختياره تعالى في أسباب الاعمال وفي الآلام ونحوها وذلك كما قدر السبع بالأكل والري بالشرب وهما عملان اختياريان وكذلك قدر الولد بالوطئ وحصول الزرع بالبذر وخروج روح الحيوان بالذبح ذكر ذلك الغزالي مختصرا وابن قيم الجوزية وطوله وجوده هذا المعنى اسماعيل المقرى من علماء الشافعية في قصيدة له وعظية بليغة فقال وأجاد

تقول مع العصيان ربي غافر
صدقت ولكن غافر بالمشيئة

وربك رزاق كما هو غافر
فلم لم تصدق فيهما بالسوية

فانك ترجو العفو من غير توبة
ولست براجي الرزق إلا بحيلة

على أنه بالرزق كفل نفسه
لكل ولم يكفل لكل بجنة

فثبت أنه يلزم في قضية العقل من احتج بسبق القدر وسبق العلم على


259
ذنوبه وتفريطه في عمل الخير إن يترك الاكل والشرب والبذر والوطئ والتوقي من الحر والبرد وسائر المضار وإلا فقد فضل الدنيا على الآخرة حيث توكل في الآخرة وما سعى لها سعيها وترك التوكل في الدنيا وسعى لها أكثر من سعيها ثم احتج على ضلاله بالباطل وهيهات

ثم أنه لابد مع التوكل من السعي كما قال الله تعالى وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله وذكر الزركشي في شرح جمع الجوامع عن الجنيد رحمه الله أنه قال كلمت يوما رجلا من القدرية فلما كان في الليل رأيت في النوم كأن قائلا يقول ما ينكر هؤلاء القوم أن يكون الله قبل خلقه للخلق علم أنه لو خلق الخلق ثم مكنهم أمورهم ثم رد الاختيار اليهم للزم كل امرئ منهم بعد أن خلقهم ما علم أنهم له مختارون

قلت بل قد أوجب ذلك الرازي بنظر عقلي معناه أن العلم تابع للمعلوم في الرتبة لا في الوجود مثل تبع حركة الخاتم للاصبع فلا يتصور حصول العلم متعلقا بالمعلوم إلا وللمعلوم ثبوت في الذهن لا في الخارج والنكتة في هذا أن الله تعالى غير مختار في علمه إجماعا فان كونه قادرا عالما من صفات الكمال اللازمة الواجبة وإنما يختار سبحانه في كونه فاعلا فان شاء فعل وإن شاء ترك وليس يقال إن شاء علم وإن شاء جهل فكذلك لا يقال إن شاء علم الموجود معدوما والمعدوم موجودا ونحو ذلك إنما يقال لو شاء لجعل ذلك كذلك لكنه لا يشاء خلاف ما علم كما سبق تقريره لكنه يقال إن كان المعلوم أسبق في الرتبة فانه راجع إلى أفعال الله تعالى وهي اختيارية وكان الاختيار تابعا للحكمة فهي أسبق في الرتبة وهذا نفيس جدا فتأمله

وسبق في مسألة الحكمة طرف صالح من الكلام في الحكمة في خلق الاشقياء فيراجع من هنالك ومن ذلك أن يقال انما يلزم في قضية العقل قطع أعذار الخلق في الربوبية وتقديسها عن كل عيب ونقص وظلم وعبث ولعب فمن أنكر شيئا من ذلك قامت عليه البراهين كما تقدم ومن اعترف بهذين الامرين فقد اعترف بان الله حكيم نافذ المشيئة غني كريم فلا يصح منه بعد هذا ان ينازع ربه تعالى في حكمة خفية لوجهين


260
أحدهما أن علمه الجملي بحكمة ربه كاف شاف وثانيها ان علمه بكمال ربه في جميع أسمائه الحسنى مع نقص العبد في كل معنى وكثرة جهالاته وظلمه وخبث كثير من طباعه وغلبتها عليه يكفيه وازعا عن اتباع سنة الشيطان لعنه الله تعالى حيث نازع ربه تعالى في حسن سجوده لآدم وهذه هي سنة السفهاء من الناس الذين قالوا ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ولو كانت تجب ازاحة كل عذر باطل لازاح الله تعالى اعذارهم حيث قالوا فارجعنا نعمل صالحا واقتراحهم على الرسول أن يكون ملكا وان يفجر لهم الأنهار تفجيرا ونحو ذلك على ان الله تعالى لم يخل كتابه الكريم من الاشارة الى ما تحمله عقول البشر ويليق بعلومهم من ذلك فنقول بقدر ما وهب الله لنا من ذلك ان الله تعالى خلق الاشياء لحكم كثيرة شاهدة له سبحانه وتعالى بالنزاهة من الظلم واللعب والعبث بل شاهدة له سبحانه وتعالى بالحكمة البالغة والنعمة السابغة والحجة الدامغة فمن قال ان الله تعالى ما خلق الاشقياء الا لعمل القبائح في الدنيا وللعذاب في الآخرة أو كانت عبارته توهم ذلك فما أصاب الحق ولا أحسن الترجمة عن الكتاب والسنة ومن أراد اصابة الحق في ذلك تتبع متفرقات الحكمة المنصوصة بألفاظها وأداها بها والمعقولة بمعانيها وجمعها بل جمع ما يسر الله له منها لا يمكن البشر الاحاطة بجميعها

والذي حضرني منها سبعة أمور تفصيلية لفظية ومعنوية وأمر جملي يعمها

أما الأمر الجملي فما تقرر بالبراهين الجمة سمعا وعقلا من حكمة الله تعالى كما قال للملائكة إني أعلم ما لا تعلمون قال في هذا المعنى أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين وأما التفصيلية فانها وان رجعت في المعنى الى أقل من ذلك العد فقد أديت ما أمكنني تأديته بلفظه عسى أن أنال الدعوة النبوية لمن أدى ما سمع كما سمع من الأحاديث الثابتة في ذلك


261

الأول خلق الله تعالى الاشقياء لعبادته بالنظر إلى أوامره اجماعا ونصا وبالنظر الى محبته للخير من حيث هو خير على الصحيح كما مر في اثبات الحكمة وقد أوضحت هذا في العواصم في تفسير قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وهو مذهب جمهور أهل السنة في قوله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر وقوله تعالى والله لا يحب الفساد فانهم أقروهما وفرقوا بين الرضى والمحبة ومعنى الارادة والمشيئة ولذلك قال السبكي في جمع الجوامع في آخره في الاعتقاد ما لفظه والمحبة غير المشيئة والارادة فلا يرضى لعباده الكفر ولو شاء ربك ما فعلوه ولم يحك خلافا لشذوذه عنده ومن لم يبحث حوافل أهل السنة يظن ان هذا يخالف قواعدهم

الثاني الابتلاء بالنظر الى عدله وحجته كما يظهر من قوله تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا كما مر في الحكمة في العمل مع القدر

الثالث لما يوجب عليهم شكره من احسانه اليهم بعظيم نعمه وسوابع مواهبه بالنظر الى تكليفهم شكر نعمته وقد ذكر غير واحد من الائمة الأذكياء ان فرار الحيوانات من الموت وحرصها على الحياة من أعظم الأدلة على عظم النعمة بها وعلى وجوب الشكر عليها ثم نعمة العافية والتمكين من الخير والمعارف باكمال العقول والاسماع والابصار والأيدي والبنية السوية الصحيحة والانفاس والارزاق الجارية

الرابع لما شاء بالنظر الى عزة ملكه وعظيم سلطانه وقاهر قدرته

الخامس لما لم يحط بجميعه الا هو سبحانه وتعالى بالنظر الى واسع علمه ورحمته

السادس للعذاب المستحق بكفر نعمته وجحد حجته بالنظر الى علمه واختياره وقدرته وقضائه وكتابته


262

السابع الحكمة المرجحة فيهم بعقابه على عفوه وعدله على فضله الراجعة بعدله الى فضله التي هي تأويل المشابه وهو الخير المقصود بما ظهر للعقلاء من ارادة وقوع ما قبلها من المتشابه وهو الشرور التي لا يعلم فيها خير ان سلم وقوع ذلك

وهذا النوع السابع هو بالنظر الى خفي حكمته منتهى متعلق ارادته ومشيئته الذي هو المراد الاول وهو تأويل المتشابه الذي لا يعلمه الا هو على المختار كما سبق بيانه ودليله في مقدمات هذا المختصر

وزادت المعتزلة على هذه الامور السبعة ثلاثة انفردت بها دون أهل السنة

أحدها تعريض الاشقياء لدرك ثوابه العظيم وسكون جنات النعيم فان التعريض لذلك نعمة وان لم يقبلوها كما ورد في حديث رواه البخاري عن أبي هريرة كل أمتي يدخلون الجنة الا من أبي قالوا ومن يأبى ذلك يا رسول الله قال من عصاني فقد أبى

وثانيها ارادة وقوع الطاعة منهم لظاهر قوله تعالى ( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ) ومنعت هذين الاشعرية وغيرهم كما تقدم

وثالثها مصلحة الخوف لان العقلاء اذا علموا ان الله ما يخلق الا سعيدا غير معذب تجرؤا على الفساد والفسوق ذكرته البغدادية منهم وما هو بالضعيف ولا بالمخالف للقواعد فقد نص الله تعالى على أن بسط الرزق مفسدة للعباد فكيف يرفع الخوف والامان من التبعات في الدارين كذلك نص على أنه تخصيص الكافرين بالتوسيع الكثير في الغنى مفسدة وانه انما تركه لذلك كما في سورة الزخرف ولذلك قال ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فابهم المغفور له ليبقى الخوف وكذلك قال في حق الكفار أيضا في التوفيق للتوبة في الدنيا لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين فلم يقنطهم الجميع ولم يؤمنهم لانهما جميعا مفسدتان وتركهم في محل الخوف والرجاء لانهما جناحا الدواعي الناهضة للعباد الى طاعة ربهم وفيها الحجة الدامغة لمن عصى


263
منهم وورد في السنة النبوية مع ذلك كله غيره مما لا غنى عن ذكره فان الشيء قد يحسن مع غيره ولا يحسن وحده كما ذكره كثير من أهل العلم في جميع الآلام والمصائب لعظيم الجزاء مع عظيم الاعتبار

فمن أحسن ما ورد في ذلك في السنة حديث فداء كل مسلم من النار بيهودي أو نصراني خرجه مسلم واسناده على شرط الجماعة كلهم وله طرق جيدة كما أوضحته في العواصم والاجادة وغيرهما وأوضحت ما فيه من الحكمة والعدل واجماع العقلاء على نظائره

فمن العدل في ذلك أن اليهود والنصارى عادوا المسلمين في الدنيا وظلموهم وكذبوهم وفعلوا ما أمكنهم من مضارهم ومن لم يستطع ذلك منهم ورد انه تمكن منه وأنه فعله ووالى من فعله من أصحابه وقد ثبت وجوب القصاص بين المسلمين بعضهم من بعض بل بين الشاة الجماء والشاة القرناء فكيف لا ينتصف للمسلمين من أكفر الكافرين المكذبين البغضاء المعتدين والله تعالى يقول إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وقد صح في الأحاديث الثابتة ان القصاص بالحسنات والسيئات ان كان للظالم حسنات أخذ منها للمظلوم وان لم يكن حمل الظالم من ذنوب المظلوم بقدر مظلمته وهذا عدل معقول وليس فيه مناقضة لقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى لان المعنى انها تظلم لا بتحميلها وزر الاخرى لا انه لا ينتصف منها بالحق وان شق فما كان على وجه الانتصاف من الظالم للمظلوم لم يكن من تحميل الذنوب من لم يفعلها ظلما وعدوانا بل هو من العدل الوارد في السمع المعلوم لقوله تعالى وأثقالا مع أثقالهم وقول ابن آدم الصالح لأخيه الكافر إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك وهذه أدلة خاصة مفسرة لما أجمل من قوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى وكذلك وردت الأحاديث الصحاح بأن من سن سنة سيئة كان عليه اثمها واثم من عمل بها من غير أن


264
ينقص من آثامهم وان على ابن آدم اثم من قتل الى يوم القيامة لانه أول من سن القتل بل قد أشار القرآن العظيم الى هذا الحديث العظيم الى هذا حيث قال تعالى من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا وكذلك لا يناقض هذا قوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى لانه عموم مخصوص بالاجر على الآلام والاقتصاص من الظالم ويجوز أن يفضل الرب سبحانه وتعالى على من يشاء كما قال ويزيدهم من فضله لان فضله ليس هو مما هو حق لهم حتى يدخل في قوله وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فهذا ما في فداء المسلمين بالكافرين من العدل

وأما ما فيه من الحكمة ففيه صدق وعيد العصاة من المسلمين بذلك وعدم الخلف كما أشار اليه قوله تعالى وفديناه بذبح عظيم فانه لا معنى للفداء الا انه قد كان لزم ذبحه بالامر لان البداء لا يجوز على الله سبحانه وذبح الفداء يقوم مقام ذبح الذبيح عليه السلام ومنه فداء والد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة من الابل كما هو مذكور في السيرة النبوية منه قوله تعالى ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل أي فدية لكنها في الكافرين كما قال سبحانه في سورة الحديد في خطاب المنافقين فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا وفي تخصيصهم بالذكر اشارة الى القبول من المسلمين بمقتضي مفهوم الصفة والمسلمون أيضا باقون على الإصل في حسن ذلك كما قرر في موضعه ويأتي منه في هذا المختصر ما فيه كفاية وقد استوفيت مطابقة ذلك لعمل الحكماء والعقلاء من جميع المسلمين بل من جميع الناس أجمعين في كتاب العواصم

ومما جاء في السنة من حكمة الله تعالى في خلق الكافرين في الدنيا ونفع المسلمين بهم ما رواه النسائي من حديث سلمة بن نفيل الكندي قال كنت


265
جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل أزال الناس الخيل ووضعوا السلاح وقالوا لا جهاد قد وضعت الحرب أوزارها فاقبل رسول الله بوجهه صلى الله عليه وسلم وقال كذبوا الآن جاء القتال ولا تزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق ويزيغ الله قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة وحتى يأتي وعد الله الخيل معقود في نواصيها الخير الى يوم القيامة الحديث قال المزي في أطرافه رواه النسائي في السير وفي الخيل باسنادين الى أبي علقمة والوليد بن عبد الرحمن الجرشي كلاهما عن جبير بن نفيل عن سلمة

قلت واسناد النسائي جيد قوي رواه أحمد بن حنبل في المسند بطريق أخرى الى الوليد بن عبد الرحمن فصح الحديث ولله الحمد والمنة ويشهد لذلك من كتاب الله تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا وما استأثر الله تعالى بعلمه في ذلك من الحكم والعنايات الحميدة أكثر وأعظم والله سبحانه أعز وأعلم وأجل وأحكم آمنا به وبجميع أسمائه ومحامده وله المنة علينا في ذلك وله الحمد والشكر والثناء

البحث السابع قد ظهر من جماعة من المتكلمين استقباح الظواهر السمعية مثل قوله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس فأوجبوا تأويلها وأمثالها وشنعوا على من آمن بها من غير تأويل الا التأويل الذي استأثر الله بعلمه على ما تقدم والعجب من المقبحين لذلك من المخالفين أنهم قبحوا خلق أهل النار لها وارادة ذلك لهم في الابتداء مع تحسينهم لفعل ذلك بهم في الانتهاء بل أوجبوا ذلك على الله تعالى في الانتهاء وأوجبوا عليه تخليدهم في النار وقبحوا منه العفو عن أحد منهم فكيف قبحوا ارادة ذلك الواجب عندهم في الابتداء مع ان الارادة لا تزيد على المراد في الحسن والقبح عقلا وشرعا فان كان عذاب الآخرة من الحق الراجح المشتمل على العدل والمصالح كما هو الحق عقلا وسمعا كما يأتي فلا ينبغي تقبيح ارادته ولا تقبيح خلق أهله له في الابتداء لان ما حسن فعله حسنت ارادته فكيف بما وجب


266
فعله والارادة أهون من التعذيب نفسه وأقل مضرة منه فكيف يعقل أن يكون التعذيب واجبا على الله تعالى وارادته منه قبيحة

فان قالوا انما قبحناها اذا وقعت متقدمة لمعاصيهم لانهم حينئذ غير مستحقين لذلك قلنا انها لم تعلق بهم حينئذ وانما تعلقت بهم حين الاستحقاق لانه لم يرد أن يوقع بهم العذاب قبل ذلك بل بعده والعزم على مثل ذلك من مثلنا حسن عقلا فكذلك الارادة المتقدمة في حقه تعالى وقد ورد السمع بتقدمها والدليل على من ادعى قبح ذلك

والقول بان عذاب الآخرة حق راجح مشتمل على العدل والمصالح التي هي تأويل المتشابه هو قول البغدادية وطائفة كثيرة من السلف والخلف ومن تبعهم من أهل السنة كما نصره ابن تيمة وأصحابه وأجاز ذلك الغزالي في المقصد الاسنى واحتج عليه كما تقدم ويدل على ذلك اقسام الله تعالى في غير آية على وقوعه وتسميته حقا في قوله تعالى ولكن حق القول مني لأملأن جهنم وانما يختلف هؤلاء في قدر العذاب المشتمل على المصالح الراجحة فمنهم من جوز ذلك فيه مطلقا ولو مع الخلود والدوام الذي لا نهاية له ومنهم من جوزه فيه مطلقا الا في الخلود

واختلفوا أيضا هل دلالة السمع على الخلود قاطعة أم لا لورود الاستثناء فيه في القرآن والحديث الا تحلة القسم ولغير ذلك كما تقدمت اليه الاشارة في مسألة الحكمة وهو مبسوط في مواضعه فقد صنفت في هذه المسألة مصنفات مستقلة

والعجب منهم كيف يمنعون تقدم إرادته مع مثل هذه الأقسام المؤكدة السابقة من الله تعالى على فعله وتسميته حقا ولم يبق بينهم خلاف وبين أهل السنة الا في تجويز تقدم ارادته لذلك والنصوص شاهدة لاهل السنة بتقدمها وكذلك العقول

أما النصوص فمثل قوله تعالى وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا


267
) وهي واضحة في تقدم الارادة قبل وقت قطع الاعذار والعذاب لا يقع قبل ذلك في حكم الله تعالى لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وكذلك قوله تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وفي آية أخرى وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وفي آية اخرى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا الاية وفي هذه الآيات الثلاث دلالة واضحة على أن عذاب الاخرة من قبيل الحق الراجح المتضمن للمصالح وهذه العبارات المؤكدة في وقوعه كلام من قد أراد ذلك فكيف يقسم عليه وهو لا يريده

وأما دليل العقول على ذلك فلان الارادة انما تتأخر في حقنا لتأخر العلم بالمرجحات وعدم العلم بانتفاء الموانع والمعارضات ولذلك قال أبو الحسين انها هي الداعي الراجح الراجع الى العلم لملازمة الفعل لذلك ولملازمة الارادة له وذلك منه يفضي الى نحو قول الاشعرية في قدم الارادة وأما الاثري السني فلا حاجة له الى الخوض في ذلك كما تقدم

البحث الثامن ان ارادة الله تعالى نافذة وانه لا راد لما أراد وقد تقدم كثير منها ولكن في هذا البحث فوائد مهمة لم تقدم ولا بأس ببعض التكرار للتأكيد والفائدة ولذلك ورد به كتاب الله تعالى وهو أكثر الكتب حكمة وأحكاما

وهذا البحث مبني على ان الله تعالى على كل شيء قدير وهذا ما لا شك فيه ولكن أكثر المعتزلة زعموا ان الله تعالى مريد لفعل جميع ما يقدر عليه من هداية المكلفين واللطف بهم بل اعتقدوا ان ذلك واجب عليه ولاجل اعتقادهم وجوبه عليه قطعوا حين لم يفعله انه غير قادر عليه تنزيها له من الاخلال بالواجب


268

وقد صرح الامام يحيى بن حمزة بابطال قولهم في كتابه التمهيد في أوائل الباب السابع من النبوات على ذلك وهو قول جماعة من قدماء محمد بن منصور الكوفي والسيد أبو عبد الله الحسيني في كتابه الجامع الكافي وهو قول غير واحد ممن عاصرت من أئمتهم عليه السلام

وهذه المسألة هفوة المعتزلة الكبرى في مقابلة هفوة الجبرية في نفسى الاختيار وبها تمكن خصومهم منهم ومن سلم منهم من هذه المسألة قارب أهل السنة في مسألة الأفعال بل كان منهم فان أمام الحرمين الجويني ما وافق أهل السنة في مسألة الأفعال الا فيها فعدوه من أئمتهم ولم يختلفوا في ذلك ولا شك في صحة قدرته على هداية الخلق أجمعين باللطف والاختيار عقلا وسمعا ولا شك انه أحوط وأولى من قول المعتزلة فانه يمكن في العقل أن يكون الله تعالى انما ترك ذلك لحكمة استأثر بعلمها مثل حكمته في خلق أهل النار والعقول تقصر عن الاحاطة بجميع حكمة الله تعالى ومعلوماته فيحسن في بعض ما لا تعرف العقول حسنه أن يكون حسنا عند الله لحكمة اختص بعلمها فيجب قصر استقباح العقول على من لم يعلم من الحكم في الغيوب المحجوبة الا ما يعلمه وليس يحسن أن يقال ان الله لا يقدر على شيء لوجه حسن استأثر الله بعلمه ولا نحو ذلك من الاعذار لان عدم القدرة نقص في الربوبية وان مثل الجهل ببعض الامور وأما التحسين والتقبيح فبابه واسع وتفاوت المعارف فيه غير واقف على حد ولا نهاية لانه موقوف على الوجوه والاعتبارات ومعرفة العواقب الحميدة والغاية الغيبية البعيدة

والمرجحات الخفية عند تعارض المصالح والمفاسد وهذا باب واسع يدخله التأويل القريب والبعيد بل قد اختلفوا في هذا أحوال المخلوقين كما أخبر الله تعالى عن موسى والخضر عليهما السلام ولا يزال العالم ينكر على الاعلم كيف الجاهل على العالم كيف المخلوق الظلوم الجهول على علام الغيوب كما تقدم في الحكمة في خلق الأشقياء فكما أن الحكمة في خلق الأشقياء لما خفيت لم يحسن من أحد أن يقول انه تعالى غير مختار في وجودهم ورد أهل الاسلام ذلك على الفلاسفة فكذلك في مسألتنا


269

ثم ان المعتزلة رجعوا إلى قول أهل السنة في هذا بعد التعسف الشديد في تأويل القرآن والسنة واجتمعت الكلمة في الحقيقة على ان الله تعالى على كل شيء قدير وعلى ما يشاء لطيف وما بقي الا اللجاج في المراء بين أهل الكلام كما أوضحت ذلك في البحث الخامس من هذه المسألة أعني مسألة الارادة

ونزيد هنا وجها لم نذكره هناك وهو ان الله تعالى قد نص على دين الاسلام انه الفطرة قال تعالى فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم واتفق أهل الحديث على صحة حديث أبي هريرة في ذلك وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة وانما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه وقد ذكر البغوي في تفسير هذه الآية عن أكثر أهل السنة أن الآية على عمومها في السعداء والاشقياء واحتج لهم بحديث أبي هريرة في ذلك وغيره وكيف لا يكون كذلك وقوله صلى الله عليه وسلم وانما يهودانه وينصرانه ويمجسانه انما هو في الاشقياء فلزم المعتزلة أن يقولوا به ويتركوا قولهم ان الله بني الاشقياء على بنية علم معها انه لم يبق لهم لطف في مقدوره ولزم أهل السنة أن يقولوا به ولا يعتقدوا ان أحاديث القضاء والقدر مبطلة للاختيار ولا لحجة الله تعالى وفي الحقيقة ان الجميع قد فعلوا بمقتضاه لكن أهل السنة بالنصوص الصريحة الكثيرة والمعتزلة في بعض المواضع كما تقدم في البحث الخامس على ان هذه الآية وهذا الحديث عند المعتزلة مما يصولون به على أهل السنة وليس كذلك بل هما على المعتزلة لا لهم

وانما ظنوا ذلك لانهما حجتان على الجبرية وهم يعتقدون الا العارفين منهم ان أهل السنة كلهم جبرية فهذا سبب وهمهم وأما كونهما على المعتزلة فلقولهم ان اللطف غير مقدور لله تعالى وتعليلهم ذلك بانه تعالى بنى الاشقياء على بنية لا تقبل اللطف ثم ان أهل السنة يلزمونهم تعجيز الرب تعالى بذلك وهم يأبون ذلك ويقولون انه غير قادر على اللطف ولا يوصف بالعجز وانما قالوا ذلك لاعتقادهم أن اللطف بالاشقياء محال كوجود ثان لله تعالى عن ذلك


270
والقادر على كل شيء لا يوصف بالقدرة على المحالات لانها ليست بشيء والا لزم أن يوصف بالقدرة على لا شيء

وقولهم هذا ضعيف لان الاحالة لم تبين في اللطف بالعصاة ولو تبين ذلك لقبح تكليفهم على أصول المعتزلة فان خلقهم على تلك البنية مفسدة في التكليف وهم لا يجيزون المفسد فيه ولو جوزوها فيه ما أوجبوا اللطف فيه والا لتناقض انما المحال ما لا يمكن تصوره مثل كون الشيء قديما حادثا كما في تقديرهم ان الله لو خلق مثله تعالى عن ذلك لم يكن مثله قط لان المخلوق حادث مربوب بالضرورة والله تعالى رب قديم فقياس هذا باللطف بالعصاة واه لا يرضى في الفروع الظنية

وقد اعتذرت الفلاسفة بمثل عذرهم في هذا في قول الفلاسفة انه ليس في مقدورالله تعالى أحسن من هذا العالم مع انه على كل شيء قدير لانهم زعموا انه لو كان في مقدوره لا وجده على الفور والا كان بخيلا تعالى عن ذلك وأجيب عليهم بمثل ما أجيب على المعتزلة من ان حكمة الله تعالى أعظم من أن يحيط بها خلقه وانه قد بين منها انه يبلو عباده ليميز الخبيث من الطيب كما صرحت به الآيات القرآنية

واعلم ان قول أهل السنة في المشيئة والقضاء والقدر وسبقها للاعمال لا يقتضي الجبر كقول الجميع في سبق العلم بل كثير من أهل السنة فسروا القضاء والقدر بعلم الغيب السابق منهم القاضي عياض في شرحه لمسلم والنووي في شرحه له وابن بطال في شرح البخاري وغيرهم وانما وقع الخلاف فيما تعلق به الارادة السابقة كما تقدم تحقيقه في المباحث المتقدمة وانما مقصود أهل السنة بذلك نفي العجز والقصور عن قدرة الله تعالى فقد وقع الاتفاق على نفيه في الحقيقة ان شاء الله تعالى

وقد وضح بذكر هذه المباحث للخلاف هنا خمس مراتب قد بسطتها في العواصم ولا غنى عن الرمز اليها على سبيل الايجاز الكثير

الخلاف الأول هو الخلاف في قدرة الله تعالى على هداية الله العصاة ما داموا على بنيتهم التي خلقوا عليها حتى يغيرها الله تعالى وهو الذي فرغنا


271
من ذكره وبيان الحجة على بطلانه وعلى ان المخالف فيه أخطأ في العبارة ووافق في المعنى لا قدرته تعالى على تغيير البنية هي قدرته على اللطف بعينها فارتفع الخلاف ولله الحمد

الخلاف الثاني القول بنفي قدرته تعالى على ذلك مطلقا ادعاه بعض أهل العصر على أصحاب أبي هاشم المعتزلي ولم ينصوا عليه وهو مما لا ينبغي ان يصدق عليهم حتى ينصوا عليه لمخالفته الأدلة الجلية من المعقول والمنقول كما أوضحته في العواصم وانما حمل هذا على دعواه ما رأى في اعتراف المعتزلة بخلافه من لزوم موافقة أهل السنة ففر من موافقة خصومه الى ما هو شر منها كالمستجير من الرمضاء بالنار

وقد تمدح الرب سبحانه وتعالى بانه لو شاء لجعل منا ملائكة وقال إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وقال كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة وقد علم من الدين واجماع المسلمين انه تعالى قادر على تغيير صفات الأجسام مثل قلب خبث الحديد فضة أو ذهبا وقلب البهائم ناسا والناس بهائم مثل ما خسف باليهود قردة بقوله لهم كونوا قردة خاسئين فكذلك لو شاء خلق من الاشقياء أنبياء وملائكة وما السر في تغيير شيء منهم الا تليين قساوة قلوبهم كما أوضحته في العواصم فليراجع اذا احتيج الى ذلك

الخلاف الثالث خلاف من منع عقوبة العصاة بالاضلال وقد توهم كثير منهم أن ذلك يؤدي الى الجبر فيتأولونه بالخذلان ولا يعلم أن الاضلال ليس من الجبر في شيء انما هو الخذلان وسلب الالطاف ألا ترى أن من هداه الله تعالى فلم يقهره ولم يجبره على الهدى فكذلك من أضله فلم يقهره ولم يجبره على الضلال انما هو التيسير للعسرى عقوبة كما ان الهدى هو


272
التيسير لليسرى مثوبة وأما من خالف في هذا فلانه لم يستحسن ارادة وقوع الذنب عقوبة مع كراهة الذنب نفسه وقد تقدم القول فيه مستوفي في الوجه الثالث من المبحث الثالث

الخلاف الرابع خلاف من يخالف في تجويز ارادة وقوع الذنب مع كراهة الواقع ليظهر كثير من اسمائه تعالى الحسنى مثل اسمائه تعالى العفو الغفور التواب الواسع الحليم الرحمن الرحيم وقد صحت النصوص النبوية بما يقتضي هذا كما خرجه مسلم عن أبي أيوب الانصاري وعن أبي هريرة كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون كي يغفر لهم وفي حديث أبي هريرة كي يستغفروا فيغفر لهم وروى عن جماعة من الصحابة غيرهما كما ذكرته في العواصم وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وبعد ورود السمع بهذا فالحجة على من ادعى قبحه لان قبحه لا يعلم بالضرورة بالاجماع فإن الاجماع انما ينعقد على مثل قبح الكذب الضار وحسن الصدق النافع أما مثل الكذب النافع والصدق الضار فانه استدلالي والسمع فيه مقدم مقبول

الخلاف الخامس قال أهل السنة وأبو هاشم وجمهور المعتزلة يجوز أن يبتلي الله تعالى العبد في أول أحوال تكليفه قبل أن يعصي ويستحق العقوبة بما يعلم انه يعصي عنده مختارا لحكمة لا يعلمها الا هو كما يحسن ان يكلفه وهو يعلم ان يعصي حينئذ ولو لم تقع منه المعاصي ولم يفرقوا بينهما وخالف في ذلك أبو علي الجبائي من المعتزلة وغيره وهذه مسائل الخلاف بين أبي علي وبين ولده أبي هاشم فانه في هذه وأصحابه مع أهل السنة والمراد بهذا التجويز انه لو ورد به نص لا يحتمل التأويل وجب قبوله ولو ورد به ظاهر يحتمل التأويل لم يجب تأويله بل لم يحل وقيل في هذا ما دل عليه السمع والسمع أقوى الادلة في مثل هذه المحتملات في العقول وقيل انه لا يجوز في هذه الحال من الله تعالى الا التخلية بين العبد وبين نفسه بعد التمكين ومعنى التخلية ترك اللطف والخذلان معا وقد دل السمع على ان العبد لا يختار حينئذ إلا المعصية ودل على ان فعل اللطف حينئذ فضل من الله يؤتيه من يشاء كما يختص برحمته من يشاء بالنص وذلك التخصيص لحكمة بالغة


273

ويدل على ذلك قول يوسف عليه السلام وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين بل قول الله تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء وقوله تعالى فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين وأبو علي يحمل ذلك في الابتداء على فضله العام بخلقه

وروى الحاكم في تفسير سورة ( ص ) من حديث ابن عباس ان سبب ذنب داود عليه السلام انه قال اللهم انك تعلم انه لا يمضي ساعة من ليل أو نهار الا وهو يصعد اليك عمل صالح من آل داود يعني نفسه فعتب الله تعالى ذلك عليه وقال أما علمت انه لولا اعانتي لك الحديث وروى نحو ذلك في سبب ذنب آدم عليه السلام وروي الحاكم وأحمد من حديث زيد بن أرقم مرفوعا وان تكلني الى نفسي تكلني الى ضيعة وضعف وذنب وخطيئة وقال الحاكم فيها كلها انها صحاح والقرآن يدل على ذلك ويغني عنه كما تقدم وهذه التخلية في الابتداء لا تسمى اضلالا لقوله تعالى وما يضل به إلا الفاسقين ولقوله تعالى فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم كما تقدم وانما تسمى ابتلاء كما قال تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا والله تعالى لم يقل انه لا يبتلي به إلا الفاسقين انما قال وما يضل به إلا الفاسقين كما انه لا يعذب غيرهم فالاضلال من جنس العقاب وقد دل السمع على ان الله خلق الخلق في الابتداء على الفطرة نعمة ورحمة للأوليائه ونقمة وحجة على اعدائه كما خلقهم كذلك في الخلق الأول في عالم الذر كما جاء في الاحاديث التي لا مانع من صحتها وقد أوضحتها في كتاب العواصم في الوهم الثلاثين منه في تفسير قوله تعالى وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ثم دل القرآن على ان الله تعالى يبدأ باللطف ثم يعاقب من يشاء ممن لم يقبل اللطف


274
قال الله تعالى إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا وقال ثم السبيل يسره وقال وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وقال تعالى في بيان ذلك وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ودل السمع أيضا على انه تعالى يبتدي بالاحسان من غير استحقاق ولا يبتدي بالعقوبة من غير استحقاق بل يمهل بعد الاستحقاق ويحكم ويكرر الحجة ويعذر ويعفو عن كثير كما قال تعالى ثم ينتقم ممن يشاء بالحكمة البالغة ويعفو عمن يشاء بالرحمة الواسعة كما قال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير والمصيبة في الدين أعظم المصائب وقد جاء ذلك في أمور الدين منصوصا في قوله فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وجعلنا قلوبهم قاسية وقوله وأضله الله على علم أي علم باستحقاقه الاضلال وأصرح من ذلك قوله وما يضل به إلا الفاسقين فما كان على جهة العقوبة لم يفعله الله به ابتداء قبل الاستحقاق وما كان على جهة الابتداء الذي لا يصح التكليف إلا به فعله وما زاد على ذلك مما يقع عنده المعاصي فهو مسألة الخلاف

فان قيل إن القول ان العبد يضل في الابتداء باختياره بغير اضلال من الله يؤدي إلى أنه يملك لنفسه نفعا وضرا على جهة الاستقلال وهذا مما يمنعه السمع

فالجواب من وجهين الأول أنه لا يؤدي إلى ذلك إلا لو قلنا أنه الذي خلق نفسه فسواها فألهمها فجورها وتقواها وخلق قدرته وتمكنه وقدر لنفسه أفعاله ومبدأه ومصيره وهداها النجدين ومكنها الأمرين وأما إذا


275
كان ذلك فعل الله فمن أين له الاستقلال ولله الخلق والأمر واليه يرجع الأمر كله ولكن الله قد استثنى من تعجيز العباد حيث قال قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله وهذا الاستثناء هو الذي رددنا به قول الجبرية حيث احتجوا بقوله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله فانهم تمسكوا بنفي المشيئة ونسوا الاستثناء وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك وقال موسى عليه السلام رب إني لا أملك إلا نفسي وذلك مثل كوننا لا نعلم إلا ما علمنا يؤتي الحكمة من يشاء ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ول يؤد إلى استقلال العبد في العلم فلا بدعة في القول بأن العبد يملك بعض الامور بتمليك الله له ذلك لاقامة حجته أو سعة رحمته أو خفي حكمته

والقطع بأن ذلك محال غير ممكن يؤدي إلى تعجيز الله عنه ورجوع القهقري من مذهب السنة والمسلمين فانظر إلى الغلو في الأمور كيف ينتهي إلى الوقوع فيما كان الفرار منه فان السني إنما يحاول البقاء على تعظيم القدرة لله عز وجل فاذا غلا في مذهب رجع إلى تعجيز الله الذي كان يشنع به على المبتدعة فصار هذا التمليك من الله تعالى لمن يشاء من عباده من جملة أحكام ملكه وعطاياه التي لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع على معنى ما كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا من أمرنا ما شئنا وإنما نأخذ ما أعطينا فجعل أخذهم ما أعطاهم الله تعالى من فعلهم ليكون فرق بين الحيوان المختار والجماد المسخر وهو فرق معلوم ضرورة وعقلا وشرعا مدرك بالفطرة التي فطر الله الخلق ولن تجد لسنة تبديلا فنسأل الله الاعتدال وترك بدع الجبر والاعتزال وهو حسبنا ونعم الوكيل

الوجه الثاني إن العبد لا يستقل في الخير لقول الله تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولحديث أبي ذر رضي الله عنه من وجد خيرا فليحمد الله وأمثال ذلك كثير وأما الشر فسيأتي تحقيقه في مسألة الأفعال والظاهر أن اللطف


276
ينقسم فمنه لطف هداية ومنه لطف حجة وازاحة عذر فمن وضح له في هذه المرتبة الخامسة من مواقع الخلاف شيء قال به وإلا فالموقف مع القطع بصحة القواعد الثلاث وهي عموم قدرة الله تعالى ونفوذ مشيئته وكمال حجته بالتمكين والبيان

وبالجملة فلله الحجة البالغة على العصاة في الابتداء والانتهاء علمنا تفاصيلها أو لم نعلمها مع ما له عليهم من النعم وله سبحانه وتعالى المنة البالغة على المطيعين في الابتداء والانتهاء علمنا تفاصيلها أو لم نعلمها مع تجاوزه عنهم من الذنوب وكل هذا معلوم من الدين وإنما نسعى في تقريره في القلوب وزيادة اليقين به ونفي الشبهات عنه ورفع الخصومات فيه والله سبحانه وتعالى أعلم

واعلم أن طريق المتكلمين في مثل هذه المشكلات المسارعة إلى القطع بأحد الاحتمالين وان خفي الامر والأولى عندي عدم المسارعة إلى ذلك وعدم الجراءة عليه لما ذكره المؤيد عليه السلام أن الخطأ في ذلك قد ينتهي إلى حد الكفر والخلود في العذاب وهذا خطر عظيم لا يسارع إلى ما يحتمله أدنى احتمال عاقل فان كان لابد من اختيار كان القول المختار أكثر الاقوال ملاءمة للسمع وأكثرها ثناء على الله تعالى وأبعدها من المتشابهات لقوله تعالى واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم وقد ذكرت هذا غير مرة

البحث التاسع في الفرق بين المحبة والرضى والارادة والمشيئة فاعلم أن الفرق بينهما في اللغة واضح فالمحبة والرضى نقيض الكراهة والارادة والمشيئة معناهما واحد وهو ما يقع الفعل به على وجه دون وجه كما تقدم في أول المباحث

بيان ذلك أن الصائم العاطش يحب شرب الماء في حال صومه بالطبيعة ولا يريده بالعزيمة ونحو ذلك فاذا عرفت ذلك فاعلم أن المحبة قد يعبر عنها بالمشيئة والارادة كما تقدم قول الشاعر


277

يريد المرء أن يعطي مناه
ويأبى الله إلا ما أراد

أي يحب أن يعطى مناه فتأمل ذلك لتعرف مواضعه حيث يتعارض السمع فانه قد تقدم قول الشهرستاني أن الارادة المحضة التي ليست بمعنى المحبة لا تعلق بأفعال الغير وإنما تعلق من كل مريد بأفعال نفسه وأن الارادة التي تعلق بفعل الغير هي المحبة لكن أهل الكلام من الأشعرية والمعتزلة لا يجيزونها على الله تعالى وأهل السنة والمتكلمون منهم كابن تيمية ومن تابعه يجيزونها مجردة من نقائصها المختصة بالمخلوقين كسائر الصفات صفات الله تعالى اتباعا منهم لنصوص الكتاب والسنة والسلف وقد تقدم طريق أهل السنة في هذا وأمثاله عند الكلام على الرحمن الرحيم وسائر الأسماء الحسنى وإن مجرد الاشتراك في لفظ مع الاختلاف في المعنى لا يقتضي التشيبه

وقد تقدم كلام الغزالي في ذلك المنقول من المعصد الأسنى وهو كلام مجود وأجود منه كلام ابن تيمية في ذلك ومثال ذلك صفة الوجود والحي فانهما يطلقان على الله تعالى على صفة الكمال الذي لا يستلزم صفة نقص وعلى عباده على وجوه تستلزم جواز الفناء والموت والمرض واعتراض الآفات والعلل ولم يستلزم ذلك تشبيها وكذلك محبة الله تعالى ورحمته وسائر ما ورد منصوصا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام سلف هذه الأمة الصالح وشاع بينهم وذاع وكثر واستمر من غير تأويل ولا تحذير من اطلاقه بغير قرينة الله سبحانه أعلم

وأما موضع الاحتياط في هذه المباحث فانه ملاحظة إثبات صفات الكمال لله تعالى ونفي صفات النقص بتبين وفي الوقف حيث يخفى فمن صفات الكمال البينة المعلومة من الدين ومن إجماع المسلمين أن الله على كل شيء قدير وإن ما شاء كان وانه يهدي من يشاء وأن له الحجة الدامغة والحكمة البالغة ومن صفات النقص المنفية عنه سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر وليس بظلام للعبيد ولا يريد ظلما للعباد ولا يريد ظلما للعالمين كما قال في ذلك كله وانه لم يخلق السموات والارض باطلا ولا لعبا ولا عبثا بل خلق ذلك وغيره بالحق


278
وللحق ويقضي الحق ولذلك تسمى سبحانه وتعالى بالحق وكان قوله الحق وحكمه الحق فهو سبحانه وتعالى الحق اسما ومعنى وقضاء وقصصا وفعلا وقولا وخلقا وأمرا وعدلا وفصلا وابتداء وانتهاء ودنيا وآخرة كل ذلك حقيقة لا مجازا ولا تخبيلا ولا استعارة ولا مبالغة وتفاصيل ذلك ما لا يحصيه الحاسبون ولا يجمعه الكاتبون ولا يحيط به الراسخون ولا يبلغه العارفون ولايستقصيه الحامدون

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك فهذا كلام سيد ولد آدم والذي تقدم للشفاعة حين تأخر من تقدم فكيف أيها العقلاء يكون هذا كلامه صلى الله عليه وسلم وهو إمامنا وقدوتنا ومعلمنا ورسوله ثم نتأول ممادح الرب الحميد المجيد نحن ونقول أنها تقتضي بحقائقها الذم وهو الذي لا أحد أحب اليه المدح منه ولذلك مدح نفسه فاتقوا الله وتأدبوا مع كتب الله ولا تضربوا بعضها ببعض ولا تبادروا إلى القدح في ظواهرها والتحكم في تأويلاتها والله سبحانه وتعالى هادينا الجميع وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهذا آخر الكلام في مسألة الارادة ومباحثها على حسب هذا المختصر والحمد لله رب العالمين

ويتعلق بهذه المسألة الكلام في القضاء والقدر وأنه لا يدل على الجبر بالنص والاجماع وقد كثرت الاحاديث في وجوب الايمان به كثرة توجب التواتر فقد ذكرت منها في العواصم أكثر من سبعين حديثا وذكرت مع ذلك نحو مائة وخمسين حديثا في صحة ذلك مما ليس فيه ذكر وجوب الايمان به وذكرت مما ورد من كتاب الله تعالى نحو مائة آية منها قوله تعالى إنا كل شيء خلقناه بقدر وقوله تعالى وكل شيء عنده بمقدار وقوله تعالى إلا امرأته قدرناها من الغابرين وفي آية أخرى قدرنا إنها لمن الغابرين وقوله تعالى


279
كان على ربك حتما مقضيا وقوله تعالى وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا وقوله تعالى وأهلك إلا من سبق عليه القول وقوله قضي الأمر الذي فيه تستفتيان وقوله في هود وفي السجدة لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وقوله وكان أمر الله قدرا مقدورا وقوله ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء وقوله تعالى ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وقوله تعالى ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا وقال تعالى وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم وأمثال ذلك وإنما المهم من ذلك معرفة معنى القضاء والقدر وأن أحدا لم يقل أن معناهما هو الجبر وسلب الاختيار وكيف يكون كذلك وقد ثبت تعلق القضاء والقدر بأفعال الله تعالى كما قال كان على ربك حتما مقضيا وهو سبحانه مختار بغير شك ولا خلاف

واعلم أن أكثر الاخبار وأقوال السلف تدل على أن القضاء يرجع إلى كتابة ما سبق في علم الله تعالى وتيسير كل لما خلق له على ما جاء في قوله تعالى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى على ما مضى تفصيله في الخلاف الخامس من المبحث الثامن في الارادة

وقد ذكر الطبري أن الجبر هو الاكراه على الشيء كالمسحوب على وجهه وأن أهل المعاصي يأتونها برغبتهم اليها وهم مستلذون بها بل منهم من يقاتل من دفعه عنها وهذا نقيض الجبر في اللغة وبطلان الجبر معلوم بالضرورة على الصحيح وهو قول أبي الحسين من المعتزلة وأكثر أهل السنة والله سبحانه وتعالى أعلم وسيأتي في مسألة الافعال بيان ذلك إن شاء الله


280
تعالى ثم أنه ورد النهي عن الخوض في القدر وفي أحاديث عرفت منها عشرة وليس فيها شيء متفق على صحته ولا خرج البخاري ولا مسلم منها شيئا لكن خرج أحمد بن حنبل منها حديثا من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهي طريق مختلف فيها اختلافا كثيرا وهو يصلح مع الشواهد وخرج الترمذي منها حديثا عن أبي هريرة وقال غريب وفي سنده صالح المزي لكن خرج البزار له اسنادين آخرين قال الهيثمي رجال أحدهما رجال الصحيح غير عمر بن أبي خليفة وهو ثقة وإن لم يكن من رجال الصحيح وخرج الطبراني في المعجمين الاوسط والكبير والحاكم حديث ابن عباس في ذلك وقال الحاكم صحيح على شرطهما ولا نعلم له علة

قلت رواه السبكي موقوفا ولم يذكر رفعه وإن سلم من الاعلال بذلك كان أصلحها اسنادا ومعنى ذلك إذا صح إن شاء الله تعالى التحذير من مجاراة المبتدعة في القدر والمراء بغير علم على وجه يؤدي إلى إثارة الشر والشك كما هو ظاهر حديث أبي هريرة وأخر الكلام في القدر لشرار أمتي في آخر الزمان فالذي أخر هو ما ذكرته فأما الخوض فيه على جهة التعلم والتعرف لما جاءت به الشريعة ثم الايمان به بعد معرفته على الوجه المشروع فان هذا لم يؤخر لشرار الامة بل قد تواتر أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم وخاضوا في معرفته وفي وجوب الايمان به فلم يزجرهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك القدر ولم يترك الجواب عليهم بالقدر الواجب على بيان ذلك

وقد احتج ابن عبد البر في التمهيد على ذلك بمحاجة آدم وموسى وهو من أثبت الاحاديث وأصح ما قيل في معناه أن لوم موسى لآدم كان على الخروج من الجنة واخراجه ذريته منها على جهة الأسف على فوات هذه النعمة وتلك في الحقيقة مصيبة من فعل الله قدرها بسبب ذنب آدم عليه السلام لحكمته في ذلك ولما قد علمه وقضاه من خلافة آدم عليه السلام في الأرض وإلا فذنب آدم عليه السلام صغير لأنه نبي معصوم عن الكبائر وقد تاب أيضا والمذنب التائب لا تجب عليه العقوبة بالخروج من داره ولا بغير ذلك فاحتج آدم بسبق القضاء في الخروج الحسن لأنه من فعل الله تعالى


281
ولم يحتج به على حسن ذنبه أبدا وهو الذي قال ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين

وقد أجمع أهل الاسلام على أن القدر يتعزى به أهل المصائب ولا يحتج به في المعائب فهذا معنى الحديث ووجهه وقد بسط في موضعه وحديث القدرية مجوس هذه الأمة ضعيف عند المؤيد بالله عليه السلام وعند المحدثين وقول الحاكم أنه صحيح على شرطهما إن صح سماع أبي حازم مع ابن عمر شره في التصحيح فانه لم يصح ذلك وتصحيح كل ضعيف على شروطه معدوم وإن فسر القدر بالعلم ونحوه فالمذموم من نفاه وإن فسر بالجبر والاكراه فالمذموم من أثبته وقد بسط هذا في موضعه

القول في مسألة الأفعال

وهي مسألة خلية عن الآثار وإنما خلت عنها لأن لها طرفين أحدهما جلي وكانوا لا يسألون عن الجلي لجلائه والآخر خفي وكانوا لا يتعرضون لأمثاله تارة لعدم الحاجة اليه وتارة لعدم الوقوف عليه ولأن ما لا يوقف عليه لا يحتاج اليه وهما داخلان في البدعة التي نهوا عنها وكانوا أبعد الناس منها ولأن الاشتغال بتقرير قواعد الاسلام وجهاد أعدائه الطغام وعبادة الملك العلام وأمثال هذه المهمات العظام كانت قد استغرقت السلف رضي الله عنهم وأعاد علينا من بركاتهم وردنا عن الزيغ والغلو إلى الاقتداء بهم

وأنا أذكر إن شاء الله تعالى طرفا صالحا من بيان هذين الطرفين وبيان أقوال الناس في هذه المسألة لفائدتين في الدين احداهما معرفة ما ابتدع في ذلك من الأقوال حتى يجتنب عن بصيرة فربما ظن بعض الناس في بعض البدع أنها سنة لعدم اهتمامه بتمييز السنة من البدعة وعدم تفرغه أو صلاحيته للبحث عن ذلك وثانيتهما ليترك الجاهل التكفير من غير بصيرة حين يعلم


282
أنه لم يحط علما يقينا بماهية الاقوال أو يحكم بعلم حين يتحقق ذلك والله الموفق وفي حديث ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أفضل الناس أفضلهم عملا إذا فقهوا في دينهم وأعلمهم أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العلم وإن كان يزحف على أسته الحديث خرجه الناس وإن كان مقصرا في العمل وإن كان يزحف على أسته الحديث خرجه الحاكم في التفسير في سورة الحديد وقال صحيح الاسناد وهو كما قال والله سبحانه أعلم

فأما الطرف الجلي الذي لم يبحثوا عنه لجلاله فهو أن لنا أفعالا متوقفة على همنا بها ودواعينا اليها واختيارنا لها ولذلك شذ المخالف لذلك من الجبرية ونسب إلى مخالفة الضرورة ولم يخالف في ذلك أحد من أهل السنة ولا من طوائف الأشعرية بل نسب الرازي الجبرية إلى البراءة من ذلك وانما أراد من تسمى باسم الجبرية من الاشعرية وهو شيء يختص به الرازي وحده فيما علمت فانه يصحح الجبر في كثير من عباراته ويعنى به وجوب وقوع الراجح من الفاعل المختار وصرح ببقاء الاختيار مع تسميته جبرا

وأما الخفي الذي عظم فيه الاختلاف ودق وكثر فهو معرفة حقيقة أفعال العباد على جهة التعيين والتمييز لها عن سائر الحقائق وقد اختلف في ذلك على أربعة عشر قولا أو يزيد للمعتزلة منها ثمانية وللسنية والاشعرية أربعة وللجبرية قولان وهي هذه مسرودة

الأول من أقوال المعتزلة أن الذوات كلها ثابتة في العدم أزلية غير مقدورة لله تعالى ولا بخلقه الاجسام منها والاعراض وذوات أفعال الله تعالى وذوات أفعال العباد أعني ذوات الحركات والسكنات وأنها في العدم والأزل ثابتة ثبوتا حقيقيا في الخارج ثبوتا يوجب تماثلها فيه واختلافها عنه وأن المقدور لله تعالى ولعباده أمر آخر غير الذات ولا وجودها ولا مجموعهما بل جعل الذات على صفة الوجود وقد ادعى الرازي وغيره من أصحاب أبي الحسين من المعتزلة أنه غير معقول فانه لا يتصور إلا برده إلى أحد الأمور الثلاثة وهو أيضا يبتني على ثبوت الذوات في الازل والعدم وعلى الفرق بين الثبوت والوجود وعلى ثبوت الدليل القاطع على أن الوجود أمر


283
حقيقي زائد على الموجود وعلى أن الأكوان من الحركة والسكون ذوات حقيقية لا صفات اضافية في ذلك كله نزاع طويل كثير دقيق بين العقلاء جملة تم بين المسلمين ثم بين المعتزلة وقد جود أبو الحسين منهم وأصحابه رد ذلك على أصحابهم من البهاشمة في كتبهم

الثاني لهم أيضا أن فعل الله تعالى وفعل العباد هو صفة الوجود لا ذات الموجود وهؤلاء مثل الأولين إلا أنهم اشتركوا في اثبات الامر الرابع الذي عده خصومهم محالا فعينوا مقدور القادر وبقي عليهم سائر ما يرد على أصحابهم وقد ألزموا جميعا أن الله تعالى لا يخلق شيئا قط على أصولهم لأن الشيء عندهم هو الثابت في الأزل والقدم وصفة الوجود عندهم ليست شيئا لأنهم قضوا بالأزلية في القدم للشيء وللذات ولصفاتها الذاتية ولم يبق إلا صفاتها المقتضاة وهي التحيز ثم اختلفوا فيه فمنهم من قضى أنه ثابت في الأزل أيضا حكاه مختار في المجتبى وابن متويه في التذكرة ولم يقبحه على قائله منهم والقائل به منهم جرى على مقتضى دليلهم العقلي وذلك لأن الصفة المقتضاة لا تخلف عن مقتضيها وتخلفها عنه محال ألا ترى أن صفات القادرية والعالمية ونحوها لما كانت مقتضاة عندهم من الصفة الاخص لم تخلف عنها كانت غير حادثة فكذلك هذا لكنهم خافوا أن يتفاحش الامر هنا بلزوم قدم العالم جهارا فاعتذروا بأن هذا التحيز لا يظهر إلا بشرط الوجود والوجود بالفاعل وهو الله تعالى فقد زعموا أن التحيز في الاجسام ليس به تعالى فلذلك لزمهم أن الله غير خالق لشيء ولا مؤثر فيه

وقد حاول ابن متويه الجواب عن هذا في تذكرته بأن خلق الشيء واحداثه هو إيجاده والله هو الذي حصل له صفة الوجود وهذا الجواب غير مخلص لأن معنى الالزام ان اتصاف الشيء عندهم بأنه محدث ومخلوق على قواعدهم مجاز لا حقيقة لأن الشيء عندهم ثابت في الازل غير مقدور لله عز وجل وإنما المخلوق المقدور حدوثه ووجوده وليسا بشيء عندهم لأنهما لو كانا شيئا كانا ثابتين في الازل وذلك تصريح بقدم العالم فلذلك قضوا أنهما ليسا بشيء ولذلك صرح الزمخشري في أساس البلاغة أن الله لا يسمى خالقا إلا مجازا وكل هذا مما يعترفون به ويذكرونه في مصنفاتهم


284
وحكى هذين القولين عنهم ابن المطهر الحلي في شرح مختصر منتهى السؤل في الكلام على الاشتقاق لاسم الفاعل مما لم يقم به وأما قولهم ان ثبوت الأشياء في الأزل حقيقي في الخارج لا في الذهن فذكره منهم الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى في الفصل الرابع من الصفات الذاتية وهو عنهم صحيح وكلماتهم توافقه لكن بغير هذه العبارة

الثالث لهم أنه لا فعل للعبد إلا الارادة قاله الجاحظ وثمامة بن الأشرس

الرابع لهم أن أفعال العباد حوادث لا محدث لها وهذا والذي قبله مع غرابتهما معروفان في كتب المعتزلة من روايتهم عن شيوخهم لا من رواية خصومهم

الخامس أن أفعال العباد لا تتعدى محل القدرة والمتعدي فعل الله تعالى وإنها حركات كلها وأن السكون حركة اعتماد والعلوم والارادات حركة النفس حكاه الشهرستاني في الملل والنحل عن النظام قال ولم يرد بالحركة النقلة وإنما الحركة عنده مبتدأ كل تغير وهو قول المطرفية من الزيدية دون الحركات

السادس مثل الذي قبله لكن قالوا أن المتولدات أفعال لا فاعل لها

السابع مثل الثالث أنه لا فعل للعبد إلا الارادة لكن قالوا فيما عدا الارادة أنها حدث لا محدث لها وأهل الثالث نسبوا ذلك إلى الله تعالى فهم كغلاة الاشعرية الذين يسميهم الرازي جبرية أعني أهل القول الثالث من المعتزلة وهذان القولان السادس والسابع حكاهما الشهرستاني عن ثمامة أيضا فكان له أقوال ثلاثة

الثامن قول أبي الحسين وأصحابه وابن تيمية وأصحابه أن أفعال العباد هي الاكوان أعني الحركة والسكون والاجتماع والافتراق وأنها ليست أشياء حقيقية وأنها لا ثبوت لها ولا لشيء من الاجسام في الازل والعدم وإن الثبوت والوجود شيء واحد وكذلك الازل والقدم وهو مذهب أكثر أهل البيت قال الشيخ مختار وهو مذهب أكثر المشايخ وممن نص على


285
اختياره من أهل البيت الامام يحيى بن حمزة وهو الذي في فطرة كل عاقل لم تغير فطرته بتغيير المشايخ والله أعلم

التاسع وهو أول أقوال أهل السنة والأشعرية مثل الذي قبله سواء إلا أن الأكوان عندهم ذوات حقيقية وهو قول الجويني وأصحابه وهو أقرب فوق الأشعرية إلى المعتزلة في هذه المسألة

العاشر القول بمقدور بين قادرين مع عدم تمييزه إلا بالوجوه والاعتبارات

الحادي عشر قول أهل الكسب أن الأكوان ذوات ثبوتية هي فعل الله تعالى وفعل العبد كسب يتعلق بها وهي متميزة منه وسيأتي تحقيقه

الثاني عشر أنه لا فعل للعبد إلا الاختيار فمتى اختار الطاعة خلقها الله عقيب اختياره وكذلك المعصية وسيأتي بيانه أيضا

الثالث عشر قول الجهمية وهم الجبرية وحدهم فانهم زعموا أن للعبد قدرة غير أنه لا أثر لها ألبتة وأفعاله مخلوقة لله وحده ولم يثبتوا كسبا للعبد ولا مقدورا بين قادرين

الرابع عشر أنه لا قدرة للعبد ولا فعل ألبتة وإنما حركته منسوبة اليه مثل نسبة حركة الشجرة اليها وهذا ما حكاه الشهرستاني في الملل والنحل عن غلاة الجبرية وأما الشيخ مختار في المجتبى فأنكر وجود من يقول بذلك

فهذه الاقوال التي عرفت في تفاصيل هذه المسألة لاهل الملة وسيأتي ذكر مذهب الفلاسفة وأهل القول العاشر ومن بعدهم يطلقون على أفعال العباد أنها مخلوقات وإن اختلفوا في تفسير ذلك وتفصيله كما يأتي

وقد ظهر أن تحقيق المقاصد في أكثرها يبتني على مسائل صعبة غامضة من مسائل علم اللطيف كالفرق بين الذوات والصفات والاحوال وبين الحقائق والاضافات وبين الثبوت والوجود وما الذي يصح منهما في العدم الفرق بين الوجود والموجود وبين الارادة والاختيار وهو يتوقف على


286
معرفة الارادة وأقسامها ومعرفة الاسباب والمسببات والفرق بين الأسباب المؤثرة المولدة وغيرهما

فمدار الخلاف وأصله في أن الافعال هل هي ذوات أو صفات أو أحوال أو مجموع أمرين من ذلك أو أمر رابع غير ذلك أو أسباب فقط مؤثرة كالقتل أو غير مؤثرة كالارادة وهي أسباب ومسببات أو متعدية أو لازمة أو هي تسمى مخلوقة أولا وإذا كانت تسمى بذلك فمن الخالق لها وهل يصح مقدور بين قادرين أو هو محال وإذا كان يصح فهل أفعال العباد منه أو لا وإذا كانت منه فهل أحد الفعلين المقدورين متميز عن الآخر في أفعال العباد وكسبهم مع خلق الله تعالى بالذات أو بالوجود وهل يصح حادث لا محدث له أم لا وإذا صح هل الموصوف بذلك أفعال العباد كلها غير الارادة أم المتولدات فقط أم جميع أفعال العباد من غير استثناء وإذا كانت ذوات فما هي هل هي حركات كلها أو أكون مختلفة وإن كانت صفات فهل هي حقيقية أو اضافية وهل القدرة متقدمة أو مقارنة وتصلح للضدين أم لا

والقصد بذكرها معرفة البدعة منها ومعرفة بطلانها وذلك لا يصح ممن لم يعرف حقائق مقاصدهم ومن لم يرسخ في علم اللطيف لم يعرف ذلك ومن لم يعرف ذلك كيف يتمكن من معرفة أن هذا القول كفر أو غير كفر وهو لم يتحقق ماهية القول ومعناه

القول في بيان أن مراد من قال أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وانها مع ذلك واقعة على اختيار العباد جملة ثم بيان اختلافهم في القدر المخلوق منها وفي تفسير الخلق وبيان الاحوط في هذه المسألة

أما مرادهم الاول الذي اتفقوا عليه جملة فهو الايمان بمقتضى ما تقدم في مسألة المشيئة من الآيات والأحاديث المصرحة بأن ما شاء الله كان وما شاء أن لا يكون لم يكن وإنه لو شاء ما عصى وإنه يهدي من يشاء باللطف والاختيار

ثم أنه تعارض عند هؤلاء السمع في نسبة كسب الافعال إلى العباد


287
ونسبة تقديرها إلى الله تعالى هذه معارضة خاصة من الجانبين ثم معارضة أخرى وهي نسبة أفعال العباد بخصوصها اليهم ونسبتها إلى الله تعالى مدرجة في عمومات أن الله تعالى خالق كل شيء وربما تتوهم بعضهم النصوصية في قوله تعالى والله خلقكم وما تعملون وليس كذلك كما سيأتي فتعارضت عندهم الدلائل السمعية وكذلك الأنظار العقلية فان وقوف الافعال على الدواعي معلوم صحيح البرهان بل وفاقي على الصحيح وهو دليل المعتزلة على أن الله تعالى عدل لا يفعل القبيح والدواعي هي العلوم بالمصالح والمنافع والمضار والظنون لذلك والشهوة والنفرة والمرجع بها إلى فعل الله تعالى تارة بواسطة وتارة بغير واسطة

ويعارض هذا أن الفرق بين حركة المختار وحركة المفلوج والمسحوب على وجهه فرق ضروري وهو يقتضي اختيار العباد وبطلان الجبر بالضرورة وزاد وضوحا أن الجبر في اللغة هو الاكراه الذي ينافي اللذة والشهوة والرضا وأهل المعاصي يفعلونها متلذذين بها مشتهين لها راضين مسرورين وهذا كله يضاد الجبر والاكراه وينافيه بالضرورة قال الله تعالى ائتيا طوعا أو كرها ففرق بينهما والجبر يؤدي إلى عدم ذلك

فأما الجبرية فتركوا الجمع بين الظواهر وركبوا اللجاج الشديد والعناد البعيد وجحدوا الضرورات العقلية والبينات السمعية وأجمع أهل السنة وأهل الكلام من الشيعة والأشعرية والمعتزلة على ضلالهم والرد لقولهم لأنهم نفوا مشيئة العبد والله تعالى لم ينفها مطلقا لكن جعلها بعد مشيئته فقال تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله والجبرية نفوها واطرحوا قوله إلا أن يشاء الله وكذلك قولنا ما شاء الله كان يقتضي ذلك لأنه قد شاء وكذلك نفوا أن يكون المكلفون مختارين غير مجبورين فكان ما شاء من اختيارهم

وأما الأشعرية فراموا الجمع بين هذه المتعارضات بنسبة الفعل إلى الله تعالى من وجه وإلى العباد من وجه آخر كالمفسرين بذلك لما ورد السمع به ومن ذلك التعارض المتقدم وأمثاله مثل قوله تعالى إنه من عبادنا المخلصين


288
) بفتح اللام وكسرها فالفتح نسبة إلى الله تعالى والكسر نسبة إلى العبد وقوله تعالى وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وقوله فأخرجناهم من جنات وعيون مع أنهما فعل قوم فرعون حقيقة وقوله تعالى ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء وقوله تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء وقول الله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين مع قوله لولا أن رأى برهان ربه وقوله قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم وقوله تعالى ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا وقوله تعالى واصبر وما صبرك إلا بالله وقوله تعالى وقال الذين أوتوا العلم والإيمان مع نسبة الايمان إلى فعل المؤمنين في آيات كثيرة وهذا باب واسع في السمع وهو صريح في الطاعات كما تقدم تحقيقه وأما في المعاصي فالذي تحقق في السمع أنه لو شاء ما عصى على ما مر ملخصا في الارادة وإضافة أفعال العباد اليهم أكثر وأوضح فأرادوا الجمع بنسبة ما يسى خلقا إلى الله تعالى ونسبة ما يسمى كسبا وطاعة ومعصية إلى العباد ولم يريدوا بكون الافعال خلق الله تعالى نفي كونها أفعال العباد كما لم يريدوا بكونها كسبا للعباد نفي أنها خلق الله

وبالجملة فلم يريدوا نسبتها إلى الله تعالى وحده من كل جهة إذ لم تكن كسبا ولا طاعة ولا معصية فان الطاعة والمعصية من الله تعالى وحده محالان ولا أرادوا نسبتها إلى العباد وحسم لاعتقادهم أنها تسمى مخلوقة وأن الخلق من العباد محال


289

قال الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى قال صاحب المعتمد يعني أبا الحسين أن الجهم بن صفوان ذهب إلى أن الله تعالى خالق لأفعال العباد فيهم وليسوا محدثين لها ولا مكتسبين لها وذهب النجار والاشعري إلى أنه خالقها وهم يكسبونها وهو المشهور من مذهبهم وبه قال أكثر أهل السنة فنفرد لكل طائفة من الجبرية الخالقية والكسبية مسألة على حدة

والحاصل أن المخالفين كلهم قالوا بقدرة العبد لكن الفلاسفة زعموا أن القدرة هي علة الفعل مع الداعي والاسفرايني زعم أنها جزء من علة الفعل الموجود بالقدرتين والباقلاني زعم أنها علة الكسب والجهم زعم أنها معنى لا تأثير له في الفعل أصلا لكنه يوجد متعلقا به اه وفيه تحقيق بالغ كما سيأتي بيانه ومثله ذكر ابن بطال في شرح البخاري فانه يسمي الجبرية جهمية ويخص الجهمية بالجبر ويوجه الردود اليهم خاصة كما هو معروف في شرحه لأبواب القدر

وقال الرازي في تفسيره مفاتح الغيب ان اثبات الاله يلجئ الى القول بالجبر واسال الرسل يلجئ الى القول بالقدر بل ههنا سر آخر وهو فوق الكل وهو أنا لما رجعنا الى الفطرة السليمة والعقل الأول وجدنا ما استوى الوجود والعدم بالنسبة اليه لا يترجح أحدهما الا بمرجح وهذا يقتضي الجبر ونجد أيضا تفرقه بديهية بين الحركات الاختيارية والاضطرارية وجزما بديهيا بحسن المدح والذم والامر والنهي وذلك يقتضي مذهب المعتزلة فكان هذه المسألة وقعت في حيز التعارض بحسب العلوم الضرورية وبحسب العلوم النظرية وبحسب تعظيم الله تعالى نظرا الى قدرته وبحسب تعظيمه سبحانه وتعالى نظرا الى حكمته وبحسب التوحيد والنبوة وبحسب الدلائل السمعية فلهذا الذي شرحناه والاسرار التي كشفنا حقائقها صعبت المسألة وعظمت فنسأل الله العظيم أن يوفقنا للحق

وقال البيضاوي في كتابه طوالع الأنوار وقد ذكر احتجاج المعتزلة


290
بالآيات الدالات على أن أفعال الله تعالى لا توصف بصفات أفعال العباد من الظلم ونحوه فيجب الفرق بينهما ثم قال ما لفظه واجيب بان كونه ظلما اعتبار يعرض في بعض الأحوال بالنسبة الينا لقصور ملكنا واستحقاقنا وذلك لا يمنع صدور أصل الفعل عن الباري تعالى مجردا عن هذا الاعتبار

وأعلم أن أصحابنا لما وجدوا تفرقة بديهية بين ما نزاوله وبين ما نحسه من الجمادات وزادهم قائم البرهان عن اضافة الفعل الى العبد مطلقا جمعوا بينهما وقالوا الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد على معنى أن العبد إذا صمم العزم فالله يخلق الفعل فيه وهو أيضا مشكل ولصعوبة هذا المقام أنكر السلف على الناظرين فيه ا ه بحروفه

وأعلم أن تسمية الرازي لمذهب الأشعرية جبرا شيء تفرد به دونهم ودون غيرهم وهو خلاف منه في العبارة فقد صرح في نهاية العقول ببقاء اختيار العبد مع هذا الذي يسميه جبرا والمرجع به عنده إلى وقوع الراجح بالدواعي فانه في النهاية لما ذكر انه يلزمهم قبح المدح والذم والامر والنهي أجاب بان مذهبهم ان الاختيار الى العبد فان اختار الطاعة خلقها الله فيه عقيب اختياره وكذلك المعصية كما تقول المعتزلة في المسببات كلون المداد وصبغ الثياب وازهاق الارواح والسحر ونحو ذلك وقد تطابق الرازي والبيضاوي والشهرستاني على نسبة هذا الى الاشعرية قال الرازي وهو الوجه في توجيه الأمر والنهي اليهم فقد أجمعوا بنقل أئمة مذهبهم هؤلاء على ثبوت الاختيار للعبد وان كان الاختيار واجبا بالداعي قال الرازي مثل ما أجمعت المعتزلة على ثبوت الاختيار لله تعالى وان كانت أفعاله واجبة بالدواعي فانه لا يجوز عليه اخلال بواجب ولا فعل لقبيح قطعا مع ثبوت الاختيار منه في ذلك

واعلم أن هذا القدر كاف في هذه المسألة دون زيادة عليه أعني معرفة اختيار العباد وتمكين الله تعالى لهم وقيام حجته بذلك عليهم مع سبق قضائه وقدره وقدرته على هدايتهم أجمعين وحكمته في ذلك كله

وأما بيان أقوالهم التفصيلية في ذلك فاعلم انهم اختلفوا في القدر المقابل بالجزاء والقدر المخلوق على قولين

القول الأول ان فعل العبد الاختياري كسب للعبد مخلوق لله تعالى


291
مقدور بين قادرين وكذلك اختياره لذلك الكسب وهو مخاطب بالامر والنهي مجازى على أفعاله بالثواب والعقاب لما له في فعله واختياره من الكسب الاختياري لا لما الله فيهما من الخلق والتقدير السابق من غير تمييز للقدر المكسوب من القدر المخلوق الا بالوجوه والاعتبارات فان الفرق بها ضروري لان معنى ذلك ان العبد فعل ما فعله من ذلك طاعة وعصيانا ولولا انه اوقفه على ذلك بارادته لذلك ونيته لم يوصف بذلك ولا تميزت الطاعة من المعصية والله سبحانه فعل ما فعل من ذلك امتنانا وامتحانا على ما يأتي ولو فعله على الوجه الذي فعله العبد لسمى مطيعا وعاصيا وذلك محال في حقه وانما يسمى بأفعاله خالقا ومحسنا ومبتليا وحكيما وانما قالوا ذلك وتركوا التمييز جمعا بين الأدلة المتعارضة المتقدمة وفرارا من الخوض فيما لم يخض فيه السلف من الفروق الدقيقة بين هذه المعاني على نحو قول أبي علي الجبائي في تلاوتنا للقرآن انه كلام الله تعالى حقيقة وكلامنا حقيقة وأن الله يتكلم مع كل قارئ سواء كان صادق النية مطيعا أو مرائيا عاصيا قال بذلك جمعا بين الادلة أدلة العقل على ان التلاوة فعلنا وكلامنا ودلالة الاجماع على ان كلام الله تعالى هو المتلو في المحاريب المكتوب في المصاحف ولذلك التزم أن كلام الله في المصاحف حقيقة وان الصوت كامن في الحروف كما نقله عنه ابن متوية في التذكرة وغيره فلم تلزمه المعتزلة الجبر بذلك ولا الضلال والكفر فكذلك كثير من أهل الحديث والاثر اعتقدوا مثل ذلك في سائر أفعال العباد على جهة الايمان بأن الله خالق كل شيء

واختار هذا من متكلميهم جماعة وهو ظاهر عبارة البيضاوي في الطوالع والسبكي في جمع الجوامع والغزالي في الاحياء فانه نص فيه على بطلان الجبر بالضرورة وعلى خلق الاختيار والفعل وروى هذا صاحب الجامع الكافي من علماء أهل البيت المتقدمين عن الامام أحمد بن عيسى بن زيد بن علي عليهم السلام وروى فيه عن أحمد بن عيسى انه روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ان رجلا سأله عن أفعال العباد فقال هي من الله خلق ومن العباد فعل لا تسأل عنها أحدا بعدي قال أحمد بن عيسى بعد روايته انما يعذب الله العباد على فعلهم لا على خلقه


292

قلت رواه منقطعا بغير اسناد ولو صح مثل هذا عن علي عليه السلام أو عن غيره من الصحابة رضي الله عنهم ما غفل عن تدوينه أهل الحديث قاطبة وظاهر كلام السيد أبي عبد الله الحسني في الجامع الكافي ان هذا مذهب أهل ذلك العصر من أهل البيت وشيعتهم فانه ذكر ذلك عن محمد بن منصور عن أحمد ابن عيسى ولم يذكر خلافا لأحد

فاما الطاعة والخير فلا نكارة في مشاركة الرب لعبده فيه كما قال تعالى إياك نعبد وإياك نستعين وقال تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء ولكن لا حجة لهم في ذلك على عدم تمييز فعل العبد من فعل الله أصلا بل ظاهر الآيات يعطي التمييز بينهما وأكثر ما يلتبس مثل قول عيسى عليه السلام وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ولا شك ان الذي من عيسى عليه السلام انما هو الدعاء الى الله تعالى أو الأمر لهن بذلك كما قال لابراهيم عليه السلام ثم ادعهن يأتينك سعيا بل كما قال عيسى فانفخ فيه طائرا باذن الله فميز فعله الذي هو النفخ في الصورة فقط

وأما في المعاصي فهو المشكل والذي وجهوا فيه انه يمكن من طريق الابتلاء ان يفعل الله من ذلك ما يتم به تمكين العبد من فعل القبيح كخلقه للقدرة عند الجميع لكن عند هؤلاء انه لا يتم التمكين بها وحدها لاستحالة ذلك عندهم عقلا وسمعا فلابد من أمر زائد على خلق القدرة لحكمة الله تعالى في تمام الابتلاء ومثال ذلك قوله في السحر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله وقوله وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وقوله تعالى فأخرجناهم من جنات وعيون وتسمى في المعاصي ابتلاء وامتحانا وفي الطاعات لطفا ومعونة ومثال ذلك عند الجميع فعل


293
السبب بالنظر الى المسببات التي هي غير مقدورة لنا كالمداد ونحوه وقد يكون عمله قبيحا كالمغصوب وعمله للظلمة وسيأتي الفرق بين قول هؤلاء وبين قول الاشعرية الكسبية في آخر المذهب الثالث من القول الثاني بعد هذا

وهذا القول على انه أقل أفواههم تكلفا لم يصح فيه نص من كتاب ولا سنة ولا اجماع الصحابة ولا قول واحد منهم وقد ادعى فيه اجماع المتأخرين وذلك أبعد فقد خالفهم أبو المعالي الجويني امام الحرمين وأصحابه والشيخ أبو اسحاق وكلاهما من أجل ائمتهم فكيف غيرهم وسيأتي كلام ابن الحاجب الدال على تفرد الاشعري بذلك وعلى انه أول من قال به فلا يسلم هذا المذهب من تسميته بدعة لانه لا معنى للبدعة الا ما حدث من العقائد بعد الصحابة والتابعين ولم يصح عنهم فيه نص

وأما الاستناد الى العمومات ونحوها فلا يكفي في ثبوت السنن والا لاكتفت المعتزلة بقوله خالق كل شيء على ان القرآن مخلوق وان القول بذلك سنة فافهم هذه النكتة فانها نفيسة جدا فان السنة ما اشتهر عن السلف وصح بطريق النصوصية ولولا هذا لكانت البدع كلها من السنن لانه ما من بدعة الا ولأهلها شبه من العمومات والمحتملات والاستخراجات الا ترى أن الاتحادية أبعد المبتدعة من السنة واشنعهم بدعة وافحشهم مقالا وهم مع ذلك يحتجون بقوله تعالى إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله وبقوله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وبقول النبي صلى الله عليه وسلم ان أصدق كلمة قالها لبيد الشاعر ألا كل شيء ما خلا الله باطل متفق على صحته ونحو ذلك كثير ولو كان في اعتقاد خلق الافعال خير ما سكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه ولاسبقهم المتأخرون الى اشاعته والزام المسلمين باعتقاده وتعريفهم بوجوبه وكان معدودا في أركان الدين والاسلام المعدودة المنصوصة والله يحب الانصاف وسيأتي بقية ادلتهم والجواب عنها قريبا ان شاء الله تعالى


294

القول الثاني للاشعرية من أهل الكلام ان فعل العبد المقابل بالجزاء متميز عن القدر المخلوق لله تعالى ومغاير له وهو قول الاشعرية وأكثر متكلميهم ذكروه كما ذكره الشيخ مختار المعتزلي ورواه عن شيخ الاعتزال ابي الحسين البصري واختلف هؤلاء في كيفية تمييز كسب العبد عن خلق الرب على مذاهب

المذهب الأول مقابل للقول الأول هو ما ذكره الشهرستاني في نهاية الاقدام والرازي في نهاية العقول وغيرهما عن امام الحرمين أبي المعالي الجويني انه أثبت لقدرة العبد أثرا هو الوجود يعني ايجاد الحركة والسكون مع اعتقاد الجويني انهما شيء حقيقي وهذا لفظ الشهر ستاني قال وغلا امام الحرمين حيث أثبت للقدرة الحادثة أثرا هو الوجود الا انه لم يثبت للعبد استقلالا بالوجود ما لم يستند الى سبب آخر يعني الدواعي قال وانما حمله على تقدير ذلك الاحتراز عن ركاكة الجبر وقال الرازي في نهاية العقول ان الجويني صرح بذلك في كتابة النظامي ونسبه الرازي أيضا الى الشيخ أبي اسحق

وقال أبو نصر السبكي في جمع الجوامع عن الجويني انه يقول الطاعة مخلوقة والرواية الاولى أصح وأشهر وهي المنصوصة في مصنفاته ففي مقدمات كتابه البرهان التصريح بان الكسب تمويه لان المكلف هو المتمكن وان التكليف لا يكون الا بالممكن وان تكليف ما لا يطاق باطل وأمثال هذا والجويني مع هذا لا يخالف في ان أفعال العباد مخلوقة بمعنى آخر أي مقدرة فان الخلق بمعنى التقدير حقيقة لغوية صحيحة ومع خلاف الجويني هذا لم يكن خارجا من أهل السنة وكذلك الشيخ أبو اسحق بل هما معدودان من أجل أئمتهم والدعاة الى السنة والحماة عنها وذلك لما قدمت في مسألة الارادة ان مدار الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة عليها في مسألة الافعال فمن قال ان مشيئة الله تعالى نافذة وقدرته عامة ولو شاء لهدى الناس جميعا فهو على السنة وان خالف في مسألة خلق الافعال لان القدر المجمع عليه بين أهل السنة أن العبد فاعل مختار مستعين بالله غير مستقل بنفسه طرفة عين على ما يقتضيه قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين وأمثالها كما تقدم وتكرر ذكره


295

المذهب الثاني لأهل السنة مذهب شيخ الاسلام ومتكلم أهل الآثار أحمد بن تيمية الحراني وهو مثل مذهب الجويني سواء الا أنه لا يرى الاكوان أمورا حقيقية بل يراها صفات اضافية كأبي الحسين البصري والامام يحيى بن حمزة عليه السلام على ما مضى في أول المسألة وهذا أقوى من قول الجويني أدلة لما يرد على مثبتي الاكوان من الاشكالات الصعبة وهو أنسب لمذهب أهل السنة لان صاحبه لم يجعل للقدرة الحادثة أثرا في اخراج شيء حقيقي من العدم إلى الوجود والقول بان الاكوان صفات اضافية قول جماعة من المحققين وعزاه الشيخ مختار في المجتبى الى المحققين وهو يوافق قول الاشعرية كله في هذه المسألة الا قولهم ان الاكوان أشياء حقيقية وهو أقوى هذه التفاصيل وأقربها الى الفطرة وأسلمها من البدعة لانه لا بدعة في اثبات الحركة والسكون ولا في انهما صفتان للاجسام ولا في انهما فعلان للعباد مقدران لهم ونحو ذلك ولم يتوقف شئ من هذا على النظر الدقيق والبحث العميق

المذهب الثالث قول الأشعرية الكسبية وقد اجمعوا على ان القدر المقابل بالجزاء من فعل العبد غير مخلوق لله تعالى وقد جود بيان هذا منهم الشهرستاني في نهاية الاقدام ونقلت كلامه على طول الى العواصم لنفاسته وحسن سياقه وبيانه وهم مع هذا يطلقون القول بان أفعال العباد مخلوقة وانما يريدون ذوات الاكوان التي هي الحركة والسكون مجردين عن الوجوه والاعتبارات وسائر الاحوال التي هي أثر قدرة العباد عندهم والاحوال عبارة عما تختلف به الاكوان المتماثلة ألا ترى أن الحركات متماثلة من حيث أنها حركات وحوادث ثم هي مختلفة في الحسن والقبح والاصابة والخطأ والسرعة والبطئ متمايزة في أنه بعضها حركة كتابة وبعضها حركة صياغة وبعضها حركة غياصة ولاختلاف أحوالها وتمايزها كان بعضها مجونا مضحكا وبعضها هائلا مفزعا وبعضها خارقا معجزا وبعضها محكما متقنا إلى غير ذلك ولا شك أن القدر الذي اختلفت فيه غير القدر الذي اتفقت فيه وهو مجرد الانتقال والحدوث فاضافوا هذه الاحوال المقدورة للعباد اليهم وأضافوا ذات الحركة وحدوثها إلى الله تعالى والذي ألجأهم إلى ذلك أن الحركة


296
والسكون عندهم من الاشياء الحقيقية مثل الأجسام وأنه لا يقدر على إيجاد الأشياء الحقيقية إلا الله وتأولوا على ذلك قوله تعالى هل من خالق غير الله أي للاشياء الحقيقية ولم يجعلوا من ذلك الأشياء اللغوية المسماة في عرفهم بالاحوال وبالوجوه وبالاعتبارات وبالاضافات وبالمعاصي والطاعات

ولا خلاف بين علماء اللطيف أن الطاعة والمعصية ليسا بشيء حقيقي كالاجسام بل هما معقولان حتى في التروك التي هي عدم الافعال على الصحيح فانا نعقل قبح الترك لقضاء الدين وترك رد الوديعة وترك الصلاة ونعقل حسن ترك المظالم وترك العدوان على المساكين قبل أن نعقل أن الترك كف النفس عن الفعل أو عدم محض فالواقع عندهم بقدرة الله تعالى هو الحركة من حيث هي حركة مجردة ولا قبح فيها من هذه الجهة إجماعا وكذلك لا قبح فيها من حيث هي حادثة فلذلك نسبوا الحركة وحدوثها إلى الله تعالى والواقع بقدرة العبد هو كون الحركة طاعة أو معصية أو حجا أو صلاة أو ظلما أو قتلا أو نحو ذلك من الأحوال

قالوا ولذلك يشتق من هذه الأشياء أسماء الفاعلين لها دون الله تعالى فقد بالغ الشهرستاني في نهاية الاقدام في رد مذهب المعتزلة المتقدم في حكاية الأقوال في هذه المسألة وعارضهم بمعارضات جدلية معارضة عارف لمذهبهم محقق لمقاصدهم من ذلك قال ان الحدوث والوجود صفة غير مطلوبة من العبد ولا ممنوعة ولا محمودة ولا مذمومة من هذه الجهة لأنها مشتركة بين الحسن والقبيح إذ كل منهما حادث موجود قال وإنما ينبغي أن يضاف إلى العبد ما طلب منه أو نهي عنه وهو أمر أخص من ذلك وهو كون ذلك الحدوث طاعة أو معصية وهما أثر قدرة العبد عند الأشعرية وهما المقابلان بالجزاء قال وعند المعتزلة أثر قدرة العبد من أثر قدرة الرب عز وجل عند من يطلق أن أفعال العباد مخلوقة ومن الأمثلة التي يظهر فيها المقدور بين قادرين حمل العرش فان الله تعالى قد نسبه إلى حملته من الملائكة من أن الله تعالى حامل لهم ولما استقروا عليه من سماء وأرض والحامل للقرار حامل


297
لما عليه قطعا فثبت أن العرش محمول لله تعالى مع أنه محمول لحملته عليهم السلام

والفرق بين قول هؤلاء وبين أهل القول الأول أن هؤلاء يجعلون ذات الحركة خلقا لله تعالى وحده وعندهم تأثير قدرة العبد فيها محال مطلقا وعند الطائفة الأولى أن قدرة العبد تؤثر في ذات الحركة مع خلق الله تعالى للحركة لا مستقلا منفردا فالفرق أن الذي اختص الله تعالى به عند هؤلاء هو عدم الاستقلال بالايجاد وعند الأشعرية الكسبية هو الايجاد مطلقا وأما الوجوه والاعتبارات فاتفقوا كلهم على أنها من أثر قدرة العباد فلا يسمى العبد خالقا عند الأولين لعدم استقلاله


298
فصل

في بطلان القول بأن المعاصي من الله تعالى الله عن ذلك على جميع هذه المذاهب الأربعة عشر مذهبا إلا على مذهب الجهمية الجبرية وهذا أوضح من أن يحتج عليه ويوضح الاجماع عليه أنه لا خلاف بين أحد من أهل الاسلام في وجوب كراهة معاصي الله تعالى ومساخطة من الاعمال ولا في وجوب الرضى والتحسين لجميع ما كان منه سبحانه وتعالى وذلك يوجب أن القبائح كلها ليست منه عز وجل كما سيأتي بيانه بعون الله تعالى ولكن فرق أهل السنة الاربع لما كانوا يحتجون مع فرقة الجبرية الجهمية في رد كثير من مذاهب المعتزلة المقدمة في مسألة المشيئة وفي هذه المسألة أخذ بعضهم من عبارات بعض وقل من يدرك التفاوت بين العبارات كما قدمت ذكره مطولا في مقدمات هذا المختصر وكانت هذه العبارة من عبارات الجبرية الجهمية وربما يوجد في كلام بعض السلف أن الخير والشر من الله يعنون به الصحة والسقم والغنى والفقر ونحو ذلك فجاء من بدل ذلك من الجهلة بالطاعات والمعاصي كما يدل ولو شاء الله ما أشركوا بأنه مريد للشرك وبدل مريدا براض محب وبدلت الاتحادية راض محب بآمر مثيب كما تقدم وكم وقع من الضلال العظيم من تبديل العبارات وظن تماثلها ولذلك بنيت هذا المختصر على منع ذلك بالمرة فلما كثر القول من الجهمية بأن المعاصي من الله تعالى ظن كثير من متكلمي السنة أنها في قوة أن المعاصي مقضية مقدرة سابقة في علم الله تعالى وقضائه وقدره الذي لا مرد له مع اختيار العباد في فعلها وقدرتهم عليها خصوصا من لم يكن منهم من أئمة علم العربية الذين ربما زادهم رسوخهم فيه عن مثل هذا الوهم الفاحش


299
مثل الغزالي فانه اعترف أنه لم يعرف من العربية إلا القدر الذي يميز به شنيع اللحن ولذلك أكثر من التصريح بأن جميع المعاصي والكفر والفواحش من الله تعالى ولولا أنه صرح مع ذلك القول بالكسب وأن الجبر باطل بالضرورة ما استربت في أنه جبري وأكثر المغترون به من أهل السنة وعوامهم من ذلك حتى حملني ذلك على جمع شيء كثير في التعريف ببطلان ذلك وقد أودعته العواصم وإنما اختصرت منه اليسير واذكره هنا لعل الله ينفع به من بقيت فيه بقية من التمييز ولبيان الخطأ في هذه العبارة ذكرت المذاهب والفروق بينها وعنيت في تمييز بعضها من بعض وطولت في تلخيص ذلك ليتضح الحق من الباطل لأنه أعظم ما طلبه الله تعالى من عباده وأكثر ما بعثت له الرسل الكرام كما أقسم الله عليه في سورة العصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وكما قال تعالى بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق وكما قال الله تعالى الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ولو لم ينزل في شرف العلم سواها لكانت كافية

أقول وبالله التوفيق الدليل على بطلان ذلك العقل والسمع

أما العقل فلأن القبائح عنده إما أن تكون من الله تعالى وحده تعالى عن عن ذلك علوا كبيرا ولا أثر فيها من العباد فهذا محض الجبر وقد اعترف أن الجبر باطل بالضرورة ولولا ذلك لذكرنا هنا ما يخزي الجبرية ويفضحهم ويعرف بأنهم من سقط المتاع الذين لا يستحقون مناظرة العلماء العارفين والاذكياء البارعين وإنما حقهم أن يجري عليهم أحكام أئمة العدل على حسب آرائهم من تنكيل وتطريد أو قتل فحين اعترف بالحق وناقضه في عبارته لم يكن له بد من أن يجعل لقدرة العبد نصيبا وأثرا وهو قوله فاما أن يجعله الكسب القبيح دون الخلق الحسن الذي هو من الله تعالى كما هو مذهب أصحابه الاشعرية وصح الامر في غلطه في قبح عبارته أو يجعل


300
نصيب العبد من الفعل وحظه وأثر قدرته أمرا آخر غير المعاصي والقبائح وغير الخلق والايجاد فهذا شيء لا يعقل ولا يتصور فان ظن أن ذلك يصح على المذهب الأول من مذاهب أهل السنة وهو مذهب من لا يميز أثر قدرة العبد بالذات فقد غلط وأفحش في الجهل فقد ذكرنا قبل أنهم يميزون بينهما بالوجوه والاعتبارات وأنهم لا يميزون بينهما بالذات ومعنى ذلك أنهم يقولون أن العبد فعل مقدوره على جهة المخالفة لمولاه غير مستقل بنفسه فكان من هذا الوجه معصية والرب عز وجل فعل ذلك المقدور بعينه مستقلا على وجه الامتحان والابتلاء لحكمته البالغة وحجته الدامغة فلذلك يشتق له تعالى من فعله ذلك من الاسماء ما لا يشتق لعبده من نحو الخالق المبدع الحكيم المبتلي في المعاصي المعين في غيرها ويشتق للعبد من ذلك المقدور بعينه ما يستحيل على الله تعالى من الظالم الفاسق العاصي الخبيث العاجز المفتقر ونحو ذلك فلو لم تفترق الافعال بالوجوه والاعتبارات لم تفترق الاسماء المشتقات مع فرض اتحاد الوجوه والذات جميعا فان كان أراد بذلك الترجمة عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأصول الأشياء فكان يلزمه الاقتصار على عبارتهما فانها أصح وأشرف وأبرك وأسلم وإن كان أراد الترجمة عن مذهب الأشعرية فقد عظمت جنايته عليهم فان الرجال صرحوا بأن الأفعال لا تضاف إلى الله تعالى إلا خلقا وإيجادا وابداعا وذواتا وأعيانا مجردة عن الوجوه التي تعلق بها قدر العباد ويوقعونها عليها فتكون لأجلها معاصي قبيحة مستلزمة للذم والنقص في المنهيات وللذلة والخضوع في العبادات وللافتقار والحاجة إلى الله تعالى في التمام وقضاء الحاجات ونحو ذلك مما لا يجوز على بارئ البريات فكيف نجعلها من الله تعالى حيث تكون واقعة على هذه الوجوه والاعتبارات ولولا تنزيههم لله تعالى ما تكلفوا القول بالكسب ولا فارقوا أهل الجبر وردوا عليهم وترفعوا عن خسيس مقامهم وشنيع ضلالهم

ولو كانت المعاصي من الله تعالى كان عاصيا وقد تمدح بالمغفرة ولا تصح المغفرة منه لنفسه ولا لمن ليست الذنوب منه قطعا ولذلك قال تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم فمدحهم بذلك وصح في سيد


301
الاستغفار أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي وأجمع أهل اللغة والغريب أن المعنى أقر واعترف بذنبي ومن المحال أن يكون المعنى أقر واعترف أنه ليس مني فان هذا مناقضة للاقرار والاعتراف

ومن زعم أن المفر المعترف بالذنب هو المتبرئ أن يكون منه ألبتة لم يكن أهلا للمناظرة ألا ترى أن المستغفرين إذا قالوا اللهم اغفر لنا ما كان منا كانت عبارة صحيحة بالاجماع بل بالضرورة ولو قالوا اللهم اغفر لنا ما كان منك كانت عبارة باطلة بالاجماع بل بالضرورة بل قد صرح القرآن بذلك في الطاعات التي تحسن اضافتها إلى الله تعالى كما يحسن منه تعالى أن يتفضل بالهداية اليها قال الله تعالى حكاية عن الخليل والذبيح عليها السلام ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ولم يقل ربنا تقبل منك وأمثال هذا كثير فكيف باضافة الفواحش والمخازي إلى السبوح القدوس بهذه العبارة جل وعز وتبارك وتعالى عن ذلك وتقدست أسماؤه الحسنى وله المثل الأعلى

وقد تتبعت القرآن والسنة النبوية والآثار الصحابية فلم أجد لما أدعوه في ذلك أصلا بل وجدت النصوص في جميع هذه الاصول رادة لهذه البدعة فمن القرآن قوله تعالى فلما أحس عيسى منهم الكفر فمن خاف من موص جنفا أو إثما فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله قل هو من عند أنفسكم وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأما قوله تعالى قبلها قل كل من عند الله فلأن المراد بالسيئة عقوبة الذنب وبالحسنة المثوبة على الحسنة ولذلك قال ما أصابك ولم يقل ما اصبت ولكنها تضاف إلى العبد اضافة المسبب إلى فاعل السبب كقول أيوب أني مسني الشيطان بنصب وعذاب لما كان عقوبة على ذنبه وقوله


302
تعالى ذوقوا ما كنتم تعملون وفي آية تكسبون فالسيئة التي هي كسب العبد لا تضاف إلا اليه والسيئة التي هي عقوبة تجوز اضافتها الله تعالى وإلى فاعلها وإنما رد عليهم بقوله قل كل من عند الله اضافتهم العقوبة على الشرك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تشاء مؤابة فلم يضيفوها إلى خالقها سبحانه وتعالى ولا إلى فاعل سببها

ومن الآيات في الباب الذي نحن فيه حسدا من عند أنفسهم ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم إلا بحبل من الله وحبل من الناس ففرق بين ما هو من الله وما هو من الناس إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم وهذا الحلال كيف الحرام ولا تزال تطلع على خائنة منهم وإما تخافن من قوم خيانة ولكن يناله التقوى منكم كبرت كلمة تخرج من أفواههم فإن أتممت عشرا فمن عندك وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فتصيبكم منهم معرة بغير علم لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وهاتان الآيتان الاخيرتان مصدرتان بأنما التي تفيد الحصر وقصر هذا على أنه من الشيطان دون غيره على جهة الذم لما كان منه والكراهة له والبراءة منه من ذمه وخبثه وشرعه والامر به


303
بل من كل وجه إلا ما اقتضته الحكمة من خلق المختارين له واقدارهم عليه وتقدير وقوعه منهم للحكمة البالغة والحجة الدامغة

وفي القرآن الكثير مما يقوم مقام هذا لكن بغير لفظ من كقوله تعالى فإنه فسوق بكم ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وقد ذكرت في العواصم من ذلك خمسة وعشرين نوعا وذكرت هناك من الأحاديث الصحيحة الشهيرة قدر خمسة عشر حديثا ونسبتها إلى رواتها من الصحابة ومن خرجها من الأئمة مثل حديث التثاؤب من الشيطان وحديث إن تقليب الحصى وقت الخطبة في الجمعة من الشيطان وحديث إن تفرقكم في الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان وحديث الاناة من الله والعجلة من الشيطان وحديث كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه وحديث الرؤيا الصالحة من الله تعالى والحلم من الشيطان رواه الجماعة عن أبي قتادة ولمسلم مثله بل أبين عن أبي هريرة وروى البخاري والنسائي مثل ذلك عن أبي سعيد الخدري وقال إنما هي من الشيطان بالحصر وخرج ابن ماجة وابن عبد البر في التمهيد مثل حديث أبي هريرة عن عوف بن مالك وكلها مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما تواترت النصوص في الرؤيا أكثر من غيرها لأن الأمر يشتبه فيها هل هي من الله تعالى أو من الشيطان ولا يتميز إلا بالنص وأما الفواحش والقبائح الصادرة من المنهيين عنها المذمومين عليها فلم يشتبه الامر في ذلك حتى يرتفع الاشتباه فيه بالنصوص ولو وقع في ذلك غلط في ذلك العصر لتواترت النصوص في الرد على صاحبه

وإنما أوضحت رواة أحاديث الرؤيا وحدها كيلا يتوهم أنه حديث واحد ومن ذلك حديث المستحاضة وقوله فيه إنما ذلك ركضة من الشيطان قال ابن الأثير في نهايته والمعنى أن الشيطان قد وجد سبيلا إلى التلبيس عليها في أمر دينها ذكره في خرف الراء مع الكاف وعندي فيما قاله نظر لأنه لو أراد ذلك لقال إنما ذلك من الشيطان ولم يذكر أنه ركضة من ولا مانع من تمكينه من ركضته بعض العروق حتى تنقطع ليلبس بذلك عليها أمر دينها


304
فانه يجري من ابن آدم مجرى الدم مثل ما جاء أنه ينفخ في الدبر فلا ينصرف أحدكم حتى من صلاته حتى يجد ريحا أو يسمع صوتا فكما لا يتأول نفخه فكذلك لا يتأول ركضه

ومن ذلك لا تأكل الشريقة فانها ذبيحة الشيطان فيه حديثان حديث عن ابن عباس وحديث عن أبي هريرة كلاهما في مسند أحمد وفي حديث لابن عباس ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال مهلا يا عمر إنه ما كان من العين والقلب فمن الله تعالى وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان رواه أحمد وابن تيمية في المنتقى

فهذه نحو خمسة عشر حديثا عن أبي هريرة منها ستة وعن ابن عباس حديثان وبقيتها عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعائشة وأبي ثعلبة وسهل ابن سعد وأبي قتادة وأبي سعيد الخدري وعوف بن مالك وحمنة بنت جحش من غير الآثار الموقوفة على أكابر الصحابة والتابعين رضي الله عنهم كما نوضح الآن طرفا منه

فمن ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال ابن سيرين لم يكن أحد أهيب لما لا يعلم من أبي بكر وإنها نزلت به فريضة لم يجد لها في كتاب الله أصلا ولا في السنة أثرا فقال أقول فيها برأيي فان يكن صوابا فمن الله تعالى وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله رواه الحافظ العلامة ابن حجر الشافعي في القضاء من كتابه التلخيص الكبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير وذكر سنده عن عبد الله بن مهدي عن حماد بن زيد عن محمد بن سيرين به كما تقدم قال وأخرجه قاسم بن محمد في كتابه الحجة والرد على المقلدين

قلت ورواه البغوي في تفسيره في آية الكلالة وجعل كلام أبي بكر رضي الله عنه الذي قاله هو القول عنده في الكلالة وجاء بذلك البغوي من طريق الشعبي عن أبي بكر فازداد قوة لاختلاف طرقه وكذلك رواه الدامغاني في رسالته المشهورة في المذاهب


305

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصرح من ذلك وأبين وأوضح وذلك ما رواه ابن حجر في كتابه المذكور وأسنده إلى الحافظ البيهقي أنه رواه من طريق الثوري عن السفياني عن أبي الضحى عن مسروق قال كتب كاتب لعمر هذا ما أراه الله تعالى أمير المؤمنين فانتهره عمر وقال بل أكتب هذا ما رآه عمر فان كان صوابا فمن الله تعالى وإن كان خطأ فمن عمر قال الحافظ ابن حجر اسناده صحيح وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في ترجمة عمار بن ياسر من كتاب النبلاء ما لفظه الاعمش عن حبيب بن أبي ثابت قال سألهم عمر عن عمار فأثنوا عليه وقالوا والله ما أنت أمرته علينا ولكن الله أمره فقال عمر اتقوا الله وقولوا كما يقال فوالله لأنا أمرته عليكم فان كان صوابا فمن قبل الله وإن كان خطأ أنه لمن قبلى اه بحروفه والاعمش وحبيب من رجال البخاري ومسلم وسائر الجماعة

قلت رضي الله عن عمر ما كان أصدعه بالحق وأخشنه فيه وأغيظه للشيطان وأعرفه بما ينافيه وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه نحو ذلك ذكره ابن حجر في كتابه وأحال ألفاظه الشريفة إلى كلامه عليه السلام في حكم أم الولد ولم أجد ألفاظه في ذلك ولو وجدتها لسطرتها وصدرتها فمن وجدها فيلحقها وهذا المعنى عنه عليه السلام مشهور كثيرا وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال في قصة بروع بنت واشق أقول فيها بجهد رأي فان كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء رواه إمام أهل السنة أحمد بن حنبل في مسند الجراح بن أبي الجراح من المسند وأبو داود والترمذي والنسائي وهذا لفظه ولفظ أبي داود بريئان ورواه ابن ماجه وابن الأثير في جامعه في كتاب الصداق والحافظ أبو الحجاج المزي الشافعي في أطرافه في مسند معقل بن سنان وإمام الشافعية ابن النحوي في كتابه الشهير المسمى بالبدر المنير وقال صحيح ورواه أحمد والأربعة وابن حبان والحاكم في صحيحيهما وقال الحاكم على شرط مسلم وقال ابن حزم لا مغمز فيه لصحة


306

قلت وهذا الكلام كله في المرفوع أما كلام ابن مسعود المقدم في أن الخطأ من الشيطان فهو صحيح بالاتفاق على شرط الجماعة كلهم رواه الكبراء والنبلاء من أئمة التابعين ومن بعدهم منهم الشعبي وابراهيم التيمي ومنصور ابن المعتمر وزائدة وهشام ويحيى القطان ويزيد بن هارون وابن مهدي وخلاس بن عمرو وأبو حسان وداود بن أبي هند وعلي بن مسهر وعلي بن حجر وعثمان بن أبي شيبة وغندر وسفيان الثوري وشعبة وبندار وعبد الرزاق وكلهم رجال البخاري ومسلم معا إلا اثنين فانفرد مسلم بهما وكل هؤلاء رووه ولم ينكروه ولم يشككوا على معناه ولم يتأولوه ولم يحذروا من ظاهره

وفي ظهور هذه الأخبار والآثار بين السلف من غير مناكرة أوضح دلالة على إجماعهم رضي الله عنهم على ذلك هذا ولم يوجد مخالف لهم توجب مخالفته الاكثار من صدور النصوص منهم في الرد عليه

وذكر الامام العلامة إمام أهل السنة أبو عمرو بن الصلاح عن أبي القاسم الصيمري أنه قال وكان بعض السلف إذا أفتى يقول إن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني قال وهذا معنى كره في هذا الزمان لأن فيه إضعاف نفس السائل وإدخال قلبه الشك في الجواب اه بحروفه وقرره ابن الصلاح فلم يقل أحد منهم أن ذلك ترك لأن الحقيقة أن الخطأ من الله تعالى الله عن ذلك وأجمعوا على نقل ذلك عن بعض السلف من غير مناكرة بين السلف والخلف في حسن ذلك وصحته ولو كان مخالفا في ذلك ما تركوا ذكره وقد تعرضوا لجميع أقوال علماء الاسلام في ذلك واليهم المنتهى في معرفة الخلاف والوفاق والسنة والبدعة ولذلك لم يتعقبهم أحد وينسبهم إلى التقصير والحمد لله ذكره ابن الصلاح في كتابه في المفتى والمستفتى في المسألة السادسة من القول في كيفية الفتوى وآدابها وأبو القاسم الصيمري شيخ أبي الحسن الماوردي صاحب الحاوي ذكره ابن الصلاح وتلميذ أبي


307
حامد المروزي وسماه ابن الصلاح الامام أبا القاسم الصيمري في المسألة الثالثة عشرة من هذا الباب وقال في مقدمة الكتاب أنه أحد أئمة الشافعية

وأما قولهم أن ذلك كره في هذا الزمان فانه متعقب من وجهين أحدهما أنه لا يسلم صحة الكراهة من بعض الخلف لما فعله بعض السلف وسكت عنه بقية السلف لا سيما إذا كان الفاعل من قدمنا من خلفائهم وكبرائهم والاجماعات المروية عنهم ما تزيد على هذا شيئا كما تقدم تقريره وقولنا فيما هذا حاله أنه مكروه بدعة مكروهة لما فيه من نسبتهم إلى المكروه كما لو قال أنه بدعة وهم أعرف بالمكروهات والمحذورات وثانيهما أنهم لم يقولوا ذلك في مواقع النصوص بل في مواقع الرأي التي ينبغي فيها إشعار المستفتي بها ليأخذ لنفسه بالوثيقة من الاحتياط فان ترخص تضرع إلى الله تعالى في المسامحة والقبول واستغفر وينبغي اشعار المستفتى بما هذا حاله كيلا يكون على ظن ضعيف مختلف فيه وهو معتقد أنه على أثر معلوم من الدين فانه طالب للهداية لا للعماية والله تعالى يحب الانصاف وكان أقل الأحوال في أدب الخلف مع السلف أن يقال في فعلهم ثم ترك ولا يقال كره مع أن الاولى بالخلف التسليم للسلف والمتابعة ولا معنى لمذهب أهل السنة إلا ذلك

فان قال قائل إن هذا كله محمول على مجرد الادب في حسن الخطاب كقول الخليل عليه السلام وإذا مرضت فهو يشفين وكما لا يقال لله تعالى يا رب الكلاب والخنازير

فالجواب أن هذا ليس مثل ذلك لوجوه

الوجه الأول إن خلق الله تعالى للكلاب والخنازير معلوم ضرورة من الدين ومن إجماع المسلمين وأنه لا نقص فيه على الله تعالى فلم يكن في حسن العبارة مع حسن الاعتقاد قبح ولا مخاطرة ولا بدعة في الدين لأن البدعة هناك مأمونة ويمكن أن يكون قبح ذلك من أجل مفهوم اللقب فانه يقتضي نفي الربوبية لما سواها حيث يخصص بالذكر من غير وجه ظاهر


308
للتخصيص ولذلك قال به الدقاق والصيرفي وبعض الحنابلة وغيرهم وربما كان قبح هذه الصورة وأمثالها من أدلتهم على ذلك بخلاف ما نحن فيه وأيضا فأسماء الله وصفاته توقيفية شرعية وهو أعز من أن يطلق عليه عبيده الجهلة ما رأوا من ذلك فلا يجوز تسميته رب الكلاب والخنازير ونحو ذلك من غير إذن شرعي وإنما يسمى بما سمى به نفسه ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه وأما الآلام فيمكن أن تكون عقوبات على ذنوب فتحسن نسبتها إلى المذنب كقول أيوب عليه السلام أني مسني الشيطان بنصب وعذاب وقال تعالى وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون وفي آية أخرى ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون فسمى عقوباتهم كسبا لهم وعملا وقال ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون إلى غير ذلك مما تقدم في آخر الكلام في الاسماء الحسنى وهذا يدل عليه كثير من الكتاب والسنة كقوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وفي قراءة فبما كسبت أيديكم وجاء ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في تفسير قوله تعالى من يعمل سوءا يجز به جاء من وجوه شتى قاله أبو عمر بن عبد البر في التمهيد وقد طولت في هذا وجودته في العواصم وهو صحيح فقف عليه هنالك وعلى ما فيه من الآيات القرآنية الكثيرة فلكلام الخليل حينئذ وجه لطيف غير مجرد حسن الخطاب وأما إضافة المعاصي إلى الله تعالى وتسميته خالقها فهو عكس ذلك كله من كل وجه ولا هو معلوم من ضرورة الدين ولا من إجماع المسلمين ولا من الأدلة القاطعة ولا من الأدلة الظاهرة ولا البدعة فيه مأمونة بل ولا هو من المسكوت عنه حتى تكون البدعة فيه لغوية والدلالة ظنية بل مصادم النصوص كتابا وسنة وإجماعا من خير الامة وكونه نقصا مضادا للمادح الربانية ظاهر منه غير خاف فيه فوجب فيه لزوم عبارات
309
الكتاب والسنة والسلف وعدم التمحل لتأويلاتها البعيدة المتعسفة المشكرهة

الوجه الثاني أن الدلالة على بطلان الجبر قاضية بصحة ما ذكرنا من إضافة القبائح والفضائح إلى فاعلها الراغب فيها المختار لعارها وما فيها من الذم والخزي وقبح اضافتها إلى السبوح القدوس المحرم لها الناهي عنها الكاره لها البريء من لومها وذمها ونقصها أصح البراءة ظاهرا وباطنا وحقا وصدقا لا كأكاذيب المداهنين للظلمة المطرين لهم بالممادح الكاذبة فان ذلك إلى الذم أقرب منه إلى المدح لما فيه من التذكير بصحيح القدح ولذلك قيل شعرا

إذا أثنى عليك المراء يوما
بما هو ليس فيك فذاك هاجي

فكيف برد تمدح الرب عز وجل بالبراءة من ذلك ونسبته إلى أعدائه وتسميته بالسبوح القدوس إلى نحو ذلك

الوجه الثالث إنا قد قررنا غير مرة أن العادة تحيل وقوع مثل هذا وظاهره الخطأ والقبح ولا يظهر تأويله ولا تعارض فيه الاقوال وذلك إن كل ما كثر وتكرر من كلام السلف ولم تعارض فيه الاقوال ولم ينبهوا على تأويله ولم يحذروا من ظاهره ومفهومه وجب أن يكون على ظاهره كأحاديث الاقدار وآيات الارادة ونفوذ المشيئة ومن ذلك كون المعاصي والقبائح والفواحش والفضائح من عبيد السوء المذمومين بها في الدنيا والموعودين بالجزاء في الآخرة عليها

الوجه الرابع إن في ما ذكرناه عن السلف الصالح التصريح بنفي القبائح عن الله تعالى في قول ابن مسعود رضي الله عنه وإن كان خطأ فمن الشيطان والله ورسوله منه بريئان وذلك دليل الحقيقة ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال على جهة الادب أن الكلاب والخنازير ليست من خلق الله تعالى ولا هو ربها وخالقها ومن قال ذلك كفر باجماع المسلمين وهو نظير قول ابن مسعود والله ورسوله منه بريئان أترى ابن مسعود يكون كافرا ويصرح بالكفر بين خير أمة أخرجت للناس وهم سكوت ثم يدونه أئمة المسلمين مقررين له غير منكرين له وابن مسعود هو الذي رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ما رضي لهم والذي قال فيه عليه السلام إن الله أجاره من


310
الشيطان على أنا لم نقل أن المعاصي من العباد على جهة المغالبة لارادته وإنما قلنا أنها منهم أفعال وذنوب وسوء اختيار كما اجتمعت عليه كلمة أهل السنة والمعتزلة كما علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقول في حديث أبي ذر الذي خرجه مسلم وغيره في الصحاح فيه فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه ولكنا لا نقول كما تقول المبتدعة أنه لا يقدر على هداية أهل الضلال بل نقول كما قال الله تعالى قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين كما تقدم مبسوطا في مسألة المشيئة

الوجه الخامس ان ذلك ان كان أدبا حسنا وثناء مناسبا لاسماء الله الحسى كان نقيضه حراما فقد تقرر عند الأشعرية أنه لا يضاف إلى الله تعالى إلا المدح والثناء دون ما فيه نقص أو ما ليس فيه نقص ولا ثناء وليس في ذلك ثناء ولذلك اعترفوا بأن الأدب تركه وتجنبه وكل ما كان كذلك حرم ولا معنى للادب باللسان دون الجنان وقد تقدم أن ذلك خلاف مذهب الأشعرية وجناية عليهم ولا يجوز خلاف ذلك إلا بدليل صحيح بخلق الكلاب والخنازير على وجه لا يوهم الخطأ

الوجه السادس أن تأويل ذلك على الادب مع الله تعالى لا يحتمل إلا فيما صدر من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه رضي الله عنهم على أنا قد ذكرنا ما يمنع من ذلك في حقهم أيضا لكن على تسليمه فانا قد ذكرنا من كلام الله تعالى في كتابه الكريم اثنتين وعشرين آية ولا يجوز حملها على ذلك لأن الادب من خواص العباد ولذلك ولا يجوز أن يسمى الله تعالى أديبا كما لا يسمى الادب من خواص العباد ولذلك لا يجوز أن يسمى الله تعالى أديبا كما لا يسمى عاقلا ولا فاضلا بالاجماع فانه أرفع وأعلى من ذلك جل وعلا

الوجه السابع أنه انعقد اجماع المسلمين على وجوب الرضى بما كان من الله تعالى وعلى تحريم الرضى بالمعاصي ووجوب كراهتها وهذا على الحقيقة لا يمكن حمله على الادب وهذا الوجه كان شاف في هذه المسألة وقد اعترف الغزالي به وهو أعظم حجة عليه وقال إنما يجب الرضى بالقضاء بالمعاصي لا بالمعاصي وطول فيه في باب الرضى بالقضاء


311
فصل في تفسير خلق الافعال ( والاختلاف في ذلك وبيان الأحوط فيه لطالب السنة )

اعلم أنا قد بينا فيما تقدم أن السنة هي ما صح واشتهر واستفاض في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وتابعيهم وبلغنا متواترا أو مشهورا من غير معارضة ولا شبهة مثل الايمان بالاقدار لتواتره في الأخبار والآثار فليس خلق أفعال العباد من هذا ولا هو قريب منه فلا وجه لكونه من السنة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين علم أركان الاسلام والايمان والاحسان لم يذكره ثم لم يصح فيه حديث واحد ولا أثر وأما أخذه من خالق كل شيء فهو خلاف الاحتياط في مواضع الخطر حيث لا ضرورة وهو مثل أخذ المعتزلي من ذلك أن القرآن مخلوق وأمثال هذا مما لا يحصى ويوضح ذلك وجوه

الوجه الأول إن الخلق لفظة مشتركة وأشهر معانيها التقدير ولا نزاع في ذلك والافعال مخلوقة بهذا المعنى بلا نزاع كما هو قول الامام الجويني والشيخ أبي إسحاق واصحابهما من أهل السنة بل هو قول المعتزلة والشيعة ولم يذكر الجوهري في صحاحه للخلق معنى فيما نحن فيه إلا التقدير وكذلك ابن الأثير في نهاية الغريب فانه قال أصل الخلق التقدير ثم فسر خلق الله الاشياء بعد أن لم تكن وانه تعالى يسمى الخالق باعتبار تقدير وجود الأشياء منه أو باعتبار الايجاد على وفق التقدير هذا مع توسعه في النقل وعدم تهمته بعصبية ولا جهل فانه نقل كتابه من ستة عشر مصنفا لأئمة اللغة وهم أبو عبيدة والمازني والاصمعي والقاسم بن سلام وابن قتيبة وثعلب


312

وشمر به حمدويه والأنباري وأحمد بن الحسن الكندي وأبو عمرو الزاهد والخطابي والهروي والأزهري والزمخشري والأصفهاني وابن الجوزي قال وغير هؤلاء من أئمة اللغة والنحو والفقه ولكن لا معنى لتسمية الافعال مخلوقة بهذا المعنى أعني إيجاب اعتقاد ذلك على كل مسلم وإيهام اختصاص أهل السنة به لوجهين أحدهما أنه لا ثمرة له لا خلافية ولا وفاقية وإنما هو مثل تسميتها معلومة ومكتوبة وثانيهما أن عبارات الكتاب والسنة هنا وردت بألفاظ بينة المعاني غير مشتركة بين ما يصح وما لا يصح وقد أجمعت الامة على أنه لا تجوز الرواية بالمعنى والتبديل لألفاظ المعصوم إلا عند الاستواء والمعلوم باليقين حتى لا يجوز تبديل الخفي بالجلي ولا العكس ولا الظاهر الظني بالنص القاطع ولا ما لا اشتراك فيه بالمشترك ولا العكس

الوجه الثاني ما تقدم الآن من اعتبار ما تجب كراهيته ويحرم الرضى به في دقائق هذه المسألة ومضائقها فانه ميزان حق ومعيار صدق وأنت إذا اعتبرته هنا وضح لك الصواب وانكشف لك الارتياب فانه يجب الرضى بخلق الله تعالى الذي هو فعله بالاجماع فلو كانت المعاصي من حيث هي معاص خلقا له وفعلا وجب الرضى بها وفاقا لكن الرضى بها حرام بالنصوص الجمة والاجماع المعلوم من الجميع وهذا وجه واضح لا غبار عليه ولا ريب فيه والحمد لله رب العالمين

الوجه الثالث إن أهل السنة كلهم قد وافقوا على أن أفعالنا لا تسمى مخلوقة من حيث نسبت الينا وإنما تسمى بذلك من حيث نسبت إلى الله تعالى ففارقوا الجبرية في المعاني مفارقة بعيدة وقاربوهم في العبارات مقاربة كثيرة حتى غلط عليهم خصومهم بسبب ذلك ونسبوهم إلى الجبر فينبغي منهم وممن ينصر مذهبهم تجنب العبارات التي توهم مذهب الجبرية ليتم بذلك نزاهتهم منه حتى لا يحتج عليهم بتلك العبارات جبري ولا معتزلي ولا يغلط بسببها عامي ولا سني فقد وقع بسببها خبط كثير وغلط فاحش وقد قال الله تعالى لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا لما وقع في أحد اللفظين من المفسدة دون اللفظ الآخر فلنتكلم مع كل فرقة من فرقهم


313
فأما إمام الحرمين والشيخ أبو إسحاق ومن تابعهم فقد وافقونا بحمد الله تعالى

وأما الجبرية الجهمية فليس هم من فرق أهل السنة على الحقيقة ولكن نتكلم معهم لنستقصي القول في هذه المسألة فنقول لهم قولكم أن فعل العبد مخلوق لله تعالى وحده لا يشركه العبد فيه خلاف الضرورة العقلية والسمعية ويلزمكم على هذا أن لا تصح تسميته فاعلا ألبتة وذلك يستلزم أن لا يكون مطيعا ولا عاصيا لأن كونه مطيعا وعاصيا فرع على كونه فاعلا والالزم أن يكون اليهود الممسوخون قردة مطيعين بكونهم كانوا قردة هذا على جهة النافلة وإلا فالمختار عدم مناظرة من بلغ في الجهل والعناد إلى هذا الحد

وأما الاشعرية الذين قالوا أن فعل العبد الذي هو كسب متميز من فعل الله الذي هو خلق فان الحجة عليهم واضحة وذلك أن الأصل المعلوم أن لا يضاف إلى كل فاعل إلا ما هو أثر قدرته ولما كان أثر قدرة الله تعالى عندهم هو الذوات والأعيان وأثر قدرة العبد هو الاحوال والوجوه والاعتبارات لم يصح ولم يحسن أن يضاف فعل العبد إلى الله ولا فعل الله إلى العبد لأنه من قبيل الكذب الصريح المتفق على تحريمه ولو جاز أن يضاف فعل العبد القبيح إلى ربه الحميد المجيد لجاز أن يضاف فعل الله تعالى إلى عبده فيسمى العبد خالقا فأما تسمية أفعال العباد مخلوقة حقيقة فقد تعذروا واستحال على مذهبهم وأما تسميتها مخلوقة مجازا فهو الذي يمكن أن يقع فيه الغلط أو الغلاط والحق أنه ممنوع ودليل منعه وجوه

أولها أن للمجاز شرائط معلومة عند علماء المعاني والبيان من أوجبها الاشتراك في أمر جلي غير خفي يوجب المقاربة أو المشابهة بين الأمرين كاشتراك الشجاع والاسد في قوة القلب والكريم والبحر في كثرة النفع ونحو ذلك ولا مناسبة بين أفعال الرب السبوح القدوس الحكيم العليم وبين أفعال الشياطين والسفلة والسفهاء وأخبث الخلق

وثانيها أن جناب الملك العزيز أرفع مرتبة وأبعد قدرا من أن يجوز لنا أن نتصرف فيه مثل هذا التصرف من غير إذن شريف


314

وثالثها انا متفقون على أن مثل هذا ممنوع وأن هذا المقام غير مباح ولا مسكوت عنه وذلك من جهتين الجهة الأولى أن البدعة ممنوعة والجهة الثانية أن الله تعالى لا يوصف إلا بما قد تحقق فيه أنه مدح وثناء دون ما فيه نقص أو ما ليس فيه نقص ولا ثناء

ورابعها أن هذا من قبيل اثبات اللغة بالنظر العقلي واللغة لا تثبت إلا بالنقل الصحيح عن أئمتها عند الجمهور في الحقائق الوضعية وعند طائفة في الحقائق والمجاز معا ولم ينقلوا في ذلك شيئا وهذه كتب اللغة موجودة وقد ذكرت فيما تقدم قريبا أن الجوهري لم يذكر في صحاحه للخلق معنى إلا التقدير أعني في هذا المعنى الذي نحن فيه وإن كان قد ذكر معاني أخر كالخلق بمعنى الكذب فافهم هذه النكتة

وخامسها أن أهل اللغة ولو أجازوا شيئا في أسمائنا وأحوالنا فان أسماء الله تعالى توقيفية ولذلك لا يسمى عاقلا ولا فاضلا ولا يجوز نحو ذلك لا حقيقة ولا مجازا بالاتفاق مع أنهما من أجل الاسماء وأحمدها وأشرفها فكيف يسمى خالق القبائح والفواحش والفضائح من غير إذن سمعي ممن لا يجيز عليه أن يوصف بوصف لا ذم فيه ولا مدح وما الملجئ إلى هذا والداعي اليه والله تعالى هو الملك العزيز الذي ليس لعبيده أن يتصرفوا في أنفسهم إلا باذنه فكيف في صفاته وأسمائه

وسادسها أن هذا ممنوع بالبرهان فلا يجوز التجوز فيه كما لا يجوز أن يسمى سبحانه وتعالى ظالما مجازا وذلك البرهان هو إخبار كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه عن حسن جميع مخلوقات الله وذلك قوله عز وجل ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين وقال تعالى فتبارك الله أحسن الخالقين فكيف يضاف إلى الحميد المجيد السبوح القدوس الذي تمدح بأنه أحسن الخالقين وأنه أحسن كل شيء خلقه بغير إذن منه أنه خالق جميع من في العالم من كل كذب


315
وظلم وخبث وكفر وفحش وقد نص تعالى في كتابه الكريم على أن أسماءه كلها حسنى والحسنى تأنيث الاحسن والحسن الراجع إلى الحكمة أنسب أولى بكل مخلوقات الله الحسنة من الحسن الراجع إلى الصورة فما كان من الصورة الحسنة جمع الحسنين كما قال تعالى وصوركم فأحسن صوركم وما لم يظهر فيه حسن الصورة من الحجارة والتراب والجبال لم يخل من حسن الحكمة والله سبحانه وتعالى أعلم

ألا ترى أن جميع عبارات الكتاب والسنة وأهل اللغة في الجاهلية والاسلام والمسلمين من أهل السنة والبدعة من العامة والخاصة والصحابة والتابعين بل والجبرية الجهمية المبتدعة كلهم عبروا عن أفعال العباد بأسمائها الخاصة بها ويكسب العباد لها وفعلهم واختيارهم دون خلق الله تعالى لها فيهم فيقولون إذا زنى الزاني مختارا غير مكره وجب عليه الحد وكذلك إذا قتل وجب عليه القصاص وإذا كفر وجب جهاده ونحو ذلك ولا يقول أحد منهم حتى الجبرية الضلال إذا خلق الله الزنا في الزاني جلد وإذا خلق القتل في القاتل قتل وإذا خلق الكفر في الكافر حورب وهذه كتبهم شاهدة بذلك ولو أن أحدا قال ذلك وحافظ عليه فلم ينطق بمعصية منسوبة إلى فاعلها وبدل نسبة المعاصي إلى أهلها بنسبتها إلى خلق الله تعالى في أهلها في جميع كلامه أو كثير منه لكان ذلك من أوضح البدع وأشنع الشنع وشر الأمور المحدثات البدائع

وأما سائر من قال أن أفعال العباد مقدور بين قادرين من غير تمييز بالذات فالكلام معهم مثل الكلام مع الاشعرية لأنهم وإن لم يفرقوا بين فعل الرب عز وجل وفعل العبد بالذات فانهم يفرقون بينهما بالوجوه والاعتبارات وذلك أمر ضروري فانهم لابد أن يقولوا أن العبد فعل الطاعة على وجه الذلة والخضوع والامتثال والتقرب والرغبة والرهبة وإن الله تعالى منزه عن جميع هذه الوجوه وإن الله تعالى فعل ذلك الفعل إما لغير علة كما هو قول بعضهم وإما على جهة الحكمة والرحمة والنعمة أو على جهة الحكمة والابتلاء والامتحان فثبت بهذا أن فعل العبد مركب من أمرين اثنين أحدهما من


316
الذات التي هي مقدور بين قادرين وثانيهما من تلك الوجوه والاعتبارات التي يكفر من أجازها على الله سبحانه أو سماه بها بالاجماع والله تعالى ما شارك العبد إلا في أجمل هذين الامرين وأحمدهما فكيف ينسب اليه أخبثهما وشرهما وأقبحهما بغير إذن منه وهم إنما فروا الجميع من قول الجبرية لما يلزم فيه من نحو هذه الأشياء فيجب عليهم أن يتموا النزاهة عن خبائث مذهب الجبرية وما يقاربه ويضارعه مما لم ترد النصوص الشرعية بوجوبه على المسلمين ودخوله في أركان الدين

واعلم أنه قد تقرر بالاتفاق أن اسم الخلق لا يطلق على شيء كالتخليق قال تعالى في المضغة مخلقة وغير مخلقة أي مصورة وغير مصورة ولذلك قال أهل السنة أن القرآن لا يدخل في قوله تعالى خالق كل شيء لقوله تعالى ( ألا له الخلق والأمر ) وهما شيئان فدل على أن قوله تعالى خالق كل شيء مخصوص بكل شيء يسمى مخلوقا وأن هذه الآية في عالم الخلق دون عالم الأمر فثبت أنه لا حجة لمن سمى الله خالقا لمعاصي العباد في قوله تعالى خالق كل شيء حتى يدل على أنها تسمى مخلوقة في اللغة وكيف وقد اتفقنا على انها تسمى كسبا وعملا وفعلا لا خلقا

ألا ترى أن من جعل العبد من أهل السنة مؤثرا في الذات باعانة الله تعالى لا يسميه خالقا باعانة الله تعالى ما ذلك إلا لأن هذه الذات هي الأكوان وكونها ذوات غير صحيح في لغة العرب وفي النظر الصحيح عند محققي أهل المعقول وتسمية الأشعرية لها خلقا لله تعالى لم تصح لغة يوضحه أن إمام الحرمين الجويني والشيخ أبا إسحاق ومن تابعهما من أهل السنة لم يسموا العبد خالقا مع أنهم يقولون أن قدرته هي التي أثرت في ذات فعله وحدها بتمكين الله تعالى ومشيئته تعالى من غير زيادة مشاركة بينه وبين قدرة الله تعالى في تلك الذات التي هي فعله وكسبه

فثبت أن المعنى أن الله خالق كل شيء مخلوق أي يسمى مخلوقا


317
في لغة العرب التي نزل عليها القرآن ولم يكن أحد منهم يقول خلقت قياما ولا كلاما ولا صلاة ولا صياما ونحو ذلك ولذلك ورد الوعيد للمصورين المشبهين بخلق الله تعالى فلو كانت أفعالنا خلق الله تعالى لم يحرم علينا التشبيه بخلق الله تعالى وكذلك لعن الواشمات المغيرات خلق الله تعالى ولا شك في جواز تغييرنا لكثير من أفعالنا ووجوب ذلك في كثير منها وكذلك قال الله تعالى بعد ذكر مخلوقاته من الاجسام وتصويرها وسائر ما لا يقدر العباد عليه من الاعراض هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه وإنما يعرف الخلق في اللغة لايجاد الاجسام ويدل على ما ذكرته ما حكاه الله تعالى وذم الشيطان به من قوله ولآمرنهم فليغيرن خلق الله فدل على أن التغيير الذي هو فعلهم ليس هو خلق الله تعالى بل هو مغاير له ولذلك نظائر كثيرة ذكرتها في العواصم

وقد احتج البخاري في جامعه الصحيح بمثل هذا على أن الكلام لا يسمى مخلوقا فقال في باب قول الله عز وجل ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ولم يقل ما ذا خلق ربكم ذكره في آخر كتابه الجامع الصحيح في الباب الثاني بعد الثلاثين من أبواب الرد على الجهمية وقالت البغدادية الخلق اسم يختص الايجاد بغير مباشرة

فان قال جاهل حجة الاشعرية على أن أعمالنا مخلوقة أنها ذوات لا صفات ولا أحوال ولا يقدر على شيء من الذوات إلا الله تعالى

فالجواب من وجوه الأول أوضحها وهو أنهم لا يقولون بذلك بل يقولون أن أفعالنا هي الاحوال والوجوه والاعتبارات المتعلقة بتلك الذوات وذلك هو معنى الكسب كما تقدم

وثانيها أنهم منازعون في أن الأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ذوات بل هي صفات أو أحوال كما ذهبت اليه


318
الجماهير وأهل التحقيق كابن تيمية وأصحابه منهم وأبو الحسين وأصحابه من المعتزلة ومن لا يحصى كثرة من سائر طوائف الشيعة والمتكلمين وثالثها أنه لا يسلم لهم أنه لا يقدر على شيء من الذوات إلا الله تعالى بل قد خالفهم في ذلك امامهم الكبير أبو المعالي الجويني والشيخ أبو إسحاق وأصحابهما فقالوا أنه يقدر على ذلك من أقدره الله تعالى عليه ومكنه منه وأراده له كما تقدم

إذا تقرر هذا فلنكمل الفائدة بما بقي لهم من الأدلة التي يمكن أن يغتر بها أحد فمن ذلك قول الخليل عليه السلام في مجادلة عباد الاصنام وذلك قوله تعالى حكاية عنه قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون وقد احتج بها أبو عبيد لهم وأنكر عليه ابن قتيبة كما ذكره في مشكل القرآن وكلاهما من أهل السنة وقال ابن كثير الشافعي في أول البداية والنهاية في قصة إبراهيم عليه السلام وسواء كانت ما مصدرية أو بمعنى الذي فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون والاصنام مخلوقة فكيف عبادة مخلوق لمخلوق فأشار إلى مثال الخلاف ولم يتعرض لترجيح

واعلم أن من يتأمل هذا توهم أن الآية من النصوص على خلق الافعال ولذلك يستروح كثير من القائلين بذلك اليها ويستأنسون بها ولو أنصفوا ما استحلوا ذلك فان القول في تفسير كتاب الله تعالى بغير علم حرام بالنص وفيه حديثان معروفان عن ابن عباس وجندب بن عبد الله ولا خلاف في أن في الآية اجمالا واشتراكا بالنظر إلى لفظة ما تعملون فانها محتملة أن تكون بمعنى الذي تعملون كقوله تعالى في سورة يس ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم فجعل ما عملته أيديهم مأكولا وكل مأكول مخلوق لله وحده لا عمل للعبد فيه ألبته وقد سماه معمولا لأيديهم لمباشرتهم له وأن تكون مصدرية بمعنى وعملكم ولما كان ذلك كذلك ولم يحل أن يتقول على الله تعالى إلا بوجه صحيح وإلا وجب الوقف ورد ذلك إلى الله تعالى لقوله ولا تقف ما ليس لك به علم لكن هنا وجوه ترجح أنها بمعنى الذي تعملون وهو الاصنام التي خلقها الله تعالى حجارة وعملونا أصناما


319
فهي معمولة مصنوعة حقيقة وقد يسمى المعمول عملا مجازا وحقيقة عرفية ولا حاجة بنا إلى ذلك فكونها معمولة كاف في ذلك

وأصل ذلك أن فعل العبد ينقسم إلى ما يكون لازما في محل القدرة مثل حركة يد الصانع وإلى ما يتعدى إلى مخلوقات الله تعالى مثل تصوير الصانع الذي يبقى أثره في الحجارة وغيرها وهو الذي منع ثمامة المعتزلي والمطرفية أن تكون فعلا للعبد فالآية تحتمل بالنظر إلى لفظها ثلاثة أشياء أحدها أنه تعالى خلق جميع أفعال العباد على العموم كما قال المخالف الثاني أنه خلق الاصنام التي هي معمولات العباد ومصنوعاتهم لما فيها من أثر تصويرهم وتشكيلهم

الثالث أنه خلق الاصنام التي فيها عملهم وتصويرهم وعلى هذا الثالث يكون التقدير وما تعملون فيه والثاني من هذه الاحتمالات هو الراجح لوجوه

الوجه الأول أن الله تعالى ساق الآية في حجاج الخليل عليه السلام للمشركين وأورد حجته عليهم في بطلان ذلك وتقبيحه وليس في كون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى حجة على ذلك من هذه الجهة قط وفي كون الاصنام مخلوقة لله تعالى ذواتا وأعيانا معمولة للعباد نحتا وتصويرا أوضح برهان على بطلان ربوبيتها

الوجه الثاني أن الله تعالى نص على هذا المعنى في غير هذه الآية والقرآن يفسر بعضه بعضا وذلك في قوله تعالى في سورة الفرقان واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون وقال في سورة النحل والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون

الوجه الثالث أنه قد ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقتضي ذلك وقد أجمع أهل التفسير ومن يحتج به من الجماهير إلى الرجوع إلى مثل ذلك في مثل هذه المواضع المجملة من كتاب الله تعالى وذلك ما أخرجه الحاكم أو عبد الله في المستدرك في أول كتاب البر منه فقال أخبرنا


320
أبو عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد الاصبهاني أخبرنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل أخبرنا إبراهيم بن يحيى بن محمد المدني السجزي حدثني أبي عن عبيد بن يحيى عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه رفاعة ابن رافع وكان قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج وابن خالته معاذ بن عفراء حتى قدما مكة فلما هبطا من الثنية رأيا رجلا تحت الشجرة إلى قوله قلنا من أنت قال انزلوا فنزلنا فقلنا أين الرجل الذي يدعي ويقول ما يقول فقال أنا فقلت له فاعرض علي فعرض علينا الاسلام فقال من خلق السموات والجبال فقلنا الله فقال فمن خلقكم قلنا الله قال فمن عمل هذه الاصنام قلنا نحن قال فالخالق أحق بالعبادة أم المخلوق فأنتم عملتوها والله أحق أن تعبدوه من شيء عملتموه قال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم مخلوقة لله ومعمولة للعباد حيث قال إن الخالق أحق بالعبادة من المخلوق وقال إن الله أحق بالعبادة من شيء عملتموه فناسب حجة أبيه ابراهيم عليهما السلام وماثلها ففرق بين الخلق والعمل وجعل الاصنام مخلوقة من حيث هي من الجبال التي قد قرر عليهم أنها مخلوقة وجعلها معمولة من حيث أنها لا تسمى أصناما إلا بعد تصويرهم وتشكيلهم لها

الوجه الرابع أن المعنى إذا كان على ما ذكرنا حصل منه تنبيه المشركين على أنهم مثل الاصنام في كونهم مخلوقين وليس ينبغي أن يكون العبد والرب من جنس واحد لا سيما والعابد منهما أشرف من المعبود بالضرورة من جهتين الجهة الأولى أنه حي والصنم جماد والثانية أنه الذي عمل صورة معبودة من الأصنام ونحته وشابه صورته بخلق الله تعالى وهو من هذه الجهة يسمى معمولا له ومصنوعا كما يقال هذا السيف صنعة فلان وعمله وما أشبه ذلك من تصرف الصناع في خلق الله تعالى في الحلى والاصباغ وسائر المسببات وهي حقائق عرفية ولم ينكرها إلا ثمامة والمطرفية على ما تقدم بيانه

الوجه الخامس أن قرينة الحال وصيغة البيان تقتضي أن يكون قوله وما تعملون موافقا في المعنى لقوله تعالى ما تنحتون في أولها لأنه


321
صدر الآية الكريمة بانكار عبادة المنحوت ثم أكد ذلك الانكار بكون العبادة له وقعت في حال خلق الله له لكنه سماه في آخر الآية معمولا وفي أولها منحوتا لكراهة تكرير الألفاظ المتقاربة في بلاغة بلغاء العرب كما خالف اللفظ في قوله فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين مع أن المسلمين في آخر الكلام هم المؤمنون المذكورون في أوله والذي يدل على ذلك أن الواو حالية في قوله تعالى والله خلقكم وما تعملون فالمعنى كيف غفلتم عن قبح عبادتكم لها والحال هذه

وأنت إذا نظرت في طباق الكلام وسياقه لم يحسن قط أن يكون المعمول غير المنحوت ووجب أن يكون هو إياه أما أنه لا يحسن فلان الجملة الحالية تقتضي شدة النكارة في مثل هذا الموضع ولن يصح أن تقتضيها إلا بذلك كما تقول أتجفو زيدا وهو أبوك فلا يجوز أن يكون الأب غير زيد كما لا يجوز أن تقول أتجفو زيدا وأبوك خالد حيث لا يكون بينهما ما يوجب زيادة النكارة ولو كان المعمول غير المنحوت لم يكن الشرك معه أقبح إذا كان المعمول هو المنحوت كان الشرك معه أقبح وكذلك يكون الشرك أقبح مع عدم خلق الأعمال بخلاف الشرك مع خلق الاعمال فانه ليس بأقبح منه مع عدم خلقها بل يلزم أن لا يقبح وأما أنه يجب أن يكون المعمول هو المنحوت فلما في ذلك من زيادة قبح الشرك لأنه لا يخفي على عاقل أن أقبح الشرك أن يجعل العبد المخلوق شريكا لربه الخالق له وذلك الشريك مخلوق لربه باقرار العبد ولا سيما وذلك الشريك المخلوق جماد مسخر للعبد مصنوع له ينحته ويكسره ويشكله ويطمسه ويضعه ويرفعه ويدنيه ويقصيه ويتصرف أنواع التصرف فيه

الوجه السادس أن الآية الكريمة نزلت في خلق المفعول به المنفصل عن محل قدرة العبد لا في الفعل نفسه لقوله تعالى ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم ولا خلاف بين المعتزلة والأشعرية أنه مخلوق لله تعالى وكذلك صنعة المداد وسائر الاصباغ والمسببات مثل ازهاق الأرواح


322
بالجراح والتغريق والتحريق ومثل السحر وآثاره ولذلك احتج الشهرستاني وغيره بهذه الصورة على المعتزلة حين أنكروا مقدورا بين قادرين مع اختلاف الوجوه على أنه لا يصح عنهم انكار مثل ذلك ومع نزول الآية في هذا بالاجماع كما ذكره ابن كثير بل كما هو معلوم فلا وجه للقطع بتعديتها بل لا يصح ظهور ذلك على جهة الظن لما في عموم ما من الخلاف ولما في تعدية العموم على غير ما نزل فيه من ذلك ولما في خلاف ذلك من المرجحات ولذلك وأمثاله لم تكن الآية نصا ولا ظاهرا بين الظهور في هذه المسألة

الوجه السابع أن النص على أن أعمالهم مخلوقة لله تعالى ينافي توبيخهم عليها والاستنكار الشديد لصدورها عنهم لأنه لا يخلو إما أن يكون ورد على مثل الشهرستاني والباقلاني من أئمة الأشعرية الذي عرفوا الكلام في اللطيف واعتقدوا صحة مقدور بين قادرين وأن أفعال العباد لا تنسب اليهم وحدهم لنقصان قدرتهم عن الاستقلال ولا إلى الله وحده لكمال حجته عليهم وقدسه عن نقائصهم فهؤلاء لو ورد عليهم النص على خلق الاعمال لم يشكل عليهم ظاهره ولكن يكون ذكره في هذا الموضع غير مناسب للبلاغة لأن الكلام البليغ لابد أن يناسب مقتضى الحال ومقتضى الحال هنا زيادة التقبيح والتوبيخ وهو لا يزيد على هذا التقدير ولكن هذا التقدير معلوم البطلان عند الجميع واما أن يكون الخطاب بهذا النص على خلق الاعمال ورد على أجهل العوام الطغام الذين عبدوا لشدة غباوتهم الاصنام فانهم إذا خوطبوا بأن أعمالهم مخلوقة لله تعالى لا يسبق إلى أفهامهم إلا أنه سبحانه وتعالى مستقل بها غير مشارك فيها وحينئذ ينقص ذلك التقبيح أو يبطل أو يتناقض الكلام وينفتح باب الاعتراض على الخليل عليه السلام حينئذ لاعدائه ويرفع الشيطان رأسه إلى الهامهم الزام الاحتجاج على الرسل بالقدر وافحامهم بذلك كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في غير آية وكل عاقل يريد افحام خصمه أو ارشاده لا يورد عند جداله أعظم شبه الخصم في حال الصولة عليه بالحجة القاطعة فلم يكن الخليل عليه السلام يلقنهم في هذه الحال أعظم شبههم التي ضل بها كثير من المسلمين بعد الاسلام ودق النظر عن جوابها على كثير من العلماء الاعلام مع ما أوتي الخليل


323
عليه السلام من حسن العبارة وإيضاح الحجة ألا ترى إلى قوله عليه السلام فيما حكى عنه من حجاجهم في سورة العنكبوت إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا كيف عقب بطلان ما هم عليه ما يدل على سوء اختيارهم في اختلافهم الافك افتراء من عند أنفسهم فهذا هو المناسب لحال المناظرة ألا تراه لا يصلح أن يقول عوض قوله وتخلقون افكا والله الذي خلق هذا الافك فيكم وأراده منكم لأنه يكون بذلك كالمعتذر لهم في حال النكير عليهم فيكون مناقضا لقصده فكذلك لو جعلنا الخلق بمعنى انشاء العين في قوله والله خلقكم وما تعملون والقرآن يفسر بعضه بعضا كما قال المفسرون في تفسير قوله تعالى كتابا متشابها أي يشبه بعضه بعضا في معانيه وأحكامه فهذه الوجوه ترجح أن ما تعملون بمعنى لذي تعملون على أحد وجهين إما أن تجعل الأصنام هي المعمولة لأنها لا تسمى أصناما الا بعد عملهم أو على أن تجعل معمولا فيها ولولا ما شهد لذلك من القرآن والسنة والمرجحات الضرورية ما رضيت أن أتكلم في كتاب الله تعالى بغير علم وأقصى ما في الباب أن يكون الذي ذكرته محتملا غير راجح فكيف يجوز القطع بأنه غير مراد الله تعالى والقطع على أن نقيضه هو المراد والاحتجاج بذلك على مسألة كبرى قطعية من مهمات مسائل الاعتقاد التي أوقعت الفرقة بين المسلمين والعداوة والله تعالى يوفق الجميع إلى ما أمرنا به ربنا سبحانه وتعالى من الاجتماع ويعصمنا عما نهانا عنه من التفرق ولن يوجد إلى ذلك سبيل أوضح من ترك ما لم يتضح والرجوع إلى ما استبان من الكتاب والسنة والتقديم له على ما وقع فيه الاحتمال والاختلاف والله عند لسان كل قائل ونيته وهو حسبنا ونعم الوكيل

وقد أوضحت في العواصم بقية المباحث وبطلان دعوى الاجماع على خلق الأعمال إلا بمعنى التقدير وسبق القضاء وجفوف الاقلام كما قد ورد في كتاب الله تعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفقت الامة المرحومة المعصومة على صحة معناه أنه لا يقتضي افحام الرسل ولا يناقض كمال


324
حجة الحكيم العليم على ما عصاه من عباده وذكر ذلك كله هنا يخرجنا عن قصد الاختصار بالمرة

ولا نزاع في أن الأفعال مخلوقة بمعنى مقدرة وأما بغير ذلك المعنى فان سلمنا أن ذنوبنا تسمى مخلوقة لله تعالى في اللغة بغير ذلك المعنى مع صدورها منا باختيارنا على وجه تقوم الحجة به علينا فلا وجه لادخال ذلك في مسائل الاعتقاد وأركان الاسلام وواجبات الايمان ولا حجة على ذلك ولا شبهة ولا حرج على من لم يؤمن بذلك لجهله به فليس كل حق يجب أن يدخل ذلك من وجود الموجودات وعدم المعدومات وقد علمنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ديننا كما علمه ربه عز وجل وحصر لنا أركان الاسلام وعلمنا الايمان والاحسان فما عد فيه خلق الافعال وإنما عد فيه سبق الاقدار كما تواتر في الاخبار ولذلك لم يذكره مالك في الموطأ كما ذكر القدر وغيره في أواخره ثم انظر مع تسليم نفي الجبر وتسليم قيام الحجة لله تعالى بخلق القدرة وتمكين المكلفين أي ثمرة تبقي لاعتقاد أن الأفعال مخلوقة وإنما حافظ على ذلك في الأصل من يقول بالجبر ثم ظن كثير من أهل الكلام والحديث بعد ذلك أنه من لوازم عقائد السنة فقالوه مع نفي الجبر ولذلك ذكر ابن الحاجب في مختصر المنتهى أن الأشعري ألزم من قوله بذلك القول بتكليف ما لا يطاق وفي كلامه هذا دلالة على أن القول مما يختص بالأشعري وحده في أول الأمر والله أعلم

وعلى تسليم ذلك كله فاعتقاد أنها مخلوقة بمعنى مقدرة يكفي وهو صحيح بالاجماع كما تقدم وفيه الحيطة والعصمة عن تعديه إلى مواقع الخلاف ومظان البدعة ولكن يعبر عنها بأنها مقدرة لأنها صريح عبارة الكتاب والسنة والصحابة والتابعين ولا يعبر عنها بأنها مخلوقة لأنها توهم خلاف الصواب ولأنها عبارة الجبرية وأهل الكلام المتأخرين عن عصر الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين ولأنها مختلف فيها وقد نهينا عن الاختلاف واختياره مع التمكن من تركه وقد نهى الله تعالى عن قولهم راعنا وأمر أن يقولوا مكانه انظرنا لمصلحة يسيرة كيف ما نحن فيه والله الهادي والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم


325
المسألة الرابعة أن الله تعالى لا يكلف ما لا يطاق

وهو قول الجماهير من جميع طوائف المسلمين وإجماع العترة والشيعة والمعتزلة ورواه ابن بطال في شرح البخاري عن الفقهاء أجمعين ونسب السبكي المنع منه إلى الغزالي والشيخ أبي حامد والشيخ تقي الدين الشهير بابن دقيق العيد وإمام الحرمين أبي المعالي الجويني والآمدي على تفصيل ذكره في الفرق بين المحال لذاته ولغيره

واعلم أن هذا ما لا شك فيه ولا ريب وإنما يتعجب من وقوع الخلاف الشاذ في ذلك وأي شك في ذلك والله تعالى قد نص في كتابه الكريم على ذلك في غير موضع كقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وفي آية أخرى ( لا نكلف نفسا إلا وسعها ) بالنون وفي آية أخرى إلا ما آتاها ومنه أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون ومنه قوله تعالى مكناهم في الأرض وفي آية ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة الآية وأمثال ذلك مما لا يحصى

والمراد بالاحتجاج بهذه الآيات ونحوها أنها شاهدة على اعتبار ما يسمى حجة في عرف العقلاء وامتناع نقيض ذلك على أحكم الحاكمين وأن هذا معلوم ضرورة من كتب الله تعالى وأديان رسله عليهم السلام ونص على ما يستلزم ذلك مما لا يحصى كثرة من سعة رحمته وظهور عدله وعظيم فضله وعدل أحكامه وظهور حكمته وشمول نعمته وقوله من أتاني يمشي أتيته أسعى ومن تقرب إلي شبرا تقربت اليه ذراعا بل سمح سبحانه من الوسع الممكن المقدور ما لا يحصى ونص على ذلك فقال تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج وقال يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر


326
) فسمح سبحانه وتعالى مما يطاق الكثير الذي لا يعلم مقداره إلا هو ولم يبق من التكاليف إلا ما جعله سببا لرحمته وفضله وكرامته كما جعل البذر في الدنيا سببا للزرع الذي لا ينميه ويتمه سواه وبشر سبحانه ويسر ونهى عن التعسير والتنفير وجاء على لسان نبيه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم أنه المبعوث بالحنيفية السمحة وتلقى ذلك علماء الاسلام بالتصديق والاشاعة وعملوا في الاحكام بحسب ذلك واحتجوا به وشاع فيما بينهم وذاع وانعقد على عدم انكاره الاجماع ولم يعارض ذلك عقل ولا شرع ولا نص ولا ظاهر وناسب هذا كله تمدح أصدق القائلين بأنه أرحم الراحمين وخير الراحمين وأكرم الأكرمين ولا يختص المؤمنين من رحمته تعالى إلا كتابتها ووجوبها لهم ونحو ذلك دون سعتها فانها لكل شيء كما تبين في قوله تعالى ورحمتي وسعت كل شيء الآية ومن حرمها فذلك لاستحقاقه ولحكمه بالغة وهي تأويل المتشابه على ما نص على أن الخصوم جوزوا تكليف المؤمنين المرحومين بما لا يطاق عقلا وسمعا بل جوزوا عقلا عقابهم بذنوب أعدائهم المشركين بل جوزوا ذلك في حق الأنبياء والمرسلين والله تعالى تمدح بضد ذلك وبأن له الأسماء الحسنى وله أعظم الحمد والمجد والشكر والثناء دع عنك العدل في الحكم والجزاء وعضد ذلك الثناء العظيم من رسوله الكريم بأنه لا أحد أحب اليه العذر منه سبحانه وتعالى من أجل ذلك أرسل رسله إلى العالمين وأنزل كتبه على المرسلين وجعل رسله تترى إلى خلقه مبشرين ومنذرين ومعلمين ومحتجين وميسرين غير معسرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل

والعجب ممن يدعي الفقه والفهم بل الامامة العظمى في العلم كيف لم يعلم أن مراد الله تعالى هو أطيب الثناء وأحسن الأسماء وأجمل الحمد وأتم العدل وأحمد الأمور كلها أو قد فهم هذا كله ولكن ظن أن تكليف ما لا يطاق وطلب تنجيزه من العبد الضعيف وعقوبته عليه أشد العقوبة وأدومها هو أنسب بأطيب الثناء والممادح الربانية والمحامد الرحمانية من


327
عكس ذلك كأنه لم يعرف القرآن والسنة قط قال سبحانه وتعالى في ذلك ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى وقال عز وجل أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين وقال في الزمر أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت الآيات إلى قوله بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين وقال تعالى ذكرى وما كنا ظالمين وقال تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم فجعل القسط الذي هو العدل مما هو لازم لتوحيده في الالهية ومما هو قائم به ومما شهد به لنفسه وشهد له به خواص خلقه وأهل معرفته والعدل هو ضد الجور والعنف والعسف وذلك كله دون تكليف ما لا يطاق فانه قد وصف بذلك كثير من ملوك الجور ولم يوصف أحد منهم قط بتكليف ما لا يطاق كما يأتي تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا أفلا يخاف المخالف أن لا يكون من العلماء الذين شهدوا لله بهذه الشهادة إلى غير ذلك

وأوضح من ذلك أنه سبحانه وتعالى كتب الاعمال في الكتب وأشهد على خلقه ملائكته الكرام ثم نصب الموازين القسط ليوم القيامة وأنطق الجلود والاعضاء بعد شهادة الملائكة وصالحي خلقه بعد رسله عليهم السلام كل ذلك ليقيم الحجة حجة عدله وعظيم فضله ويقطع اعذار المعاندين والجاهلين والمتجاهلين وكم احتج الله تعالى بذلك وتمدح به في كريم كتابه كقوله تعالى ثم السبيل يسره وقوله تعالى وهديناه النجدين وقوله عز سلطانه إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا بل نفى سبحانه وتعالى ما يستلزم ذلك أو يقاربه


328
كما قال سبحانه وتعالى أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون فأوضح أنه لم يبق لهم عذرا يتعللون به إذ لا معنى لنفي المغرم الثقيل مع وجود التكليف الممتنع لذاته المستحيل ثم تمدح سبحانه وتعالى بالقضاء الحق يوم القيامة في غير آية

فالعجب ممن لم يفهم أن ذلك ينافي تكليف ما لا يطاق ويضاده ممن يدعي الانصاف وفهم الدقائق والغوص على غوامض الحقائق وأنه في رتبة الذب عن الاسلام ونحو ذلك كثير جدا في كتاب الله تعالى فكيف يقدم على هذا كله مفهوم ظني مرجوح مختلف في معناه كما ذكره الغزالي في قوله تعالى حاكيا عن عباده ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به والله تعالى يقول واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ويقول فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ولا شك في وضوح الآيات في نفي ذلك وحسنها سمعا وعقلا وفضلا وعدلا

وأما الآية التي احتج بها فقد ذكر البغوي وغيره من هل السنة اختلاف المفسرين في معناها وفيها احتمالان لا دافع لهما وأيهما كان تفسيرها فالثاني تفسير التي قبلها فافهم أحدهما أن يكون المراد التكاليف الشاقة مع دخولها تحت القدرة وقد دل على ذلك حديث أبي قتادة رضي الله عنه خرجه مسلم في الصحيح وغير مسلم وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عمن يصوم الدهر فقال لا صام ولا أفطر فقيل كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوما قال أو يطيق ذلك أحد إلى قوله فيمن يصوم يوما ويفطر يوما وددت أني طوقت ذلك

وقد نص ابن الأثير في النهاية على أنه صلى الله عليه وسلم لم يعجز عن ذلك لضعف


329

وأعظم من ذلك نفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطيق أحد على صوم يومين وفطر يوم وذلك واضح في أنه صلى الله عليه وسلم فسر الطاقة هنا بما لا مشقة فيه ولا حرج فدل على أن الشاق يسمى غير مطاق في عرفهم ولا أصح من اثبات اللغة بالسند الصحيح بل المتفق على صحته من طريق تلقتها الامة بالقبول وادعى الاجماع على صحتها باطنا وظاهرا عدد كثير من أئمة الاسلام وعادة اللغويين والمفسرين الاكتفاء في مثل ذلك برواية بعض أهل اللغة بغير سند ولا توثيق

الاحتمال الثاني أن يكون من تحميل عقوبات الذنوب في الدارين مثل المصائب في الدنيا وعذاب القبر في البرزخ وعذاب النار في الآخرة ومن ذلك قوله تعالى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى وهذا صريح في هذا المعنى والحمد لله رب العالمين وكذلك قوله تعالى ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء

ومنه حديث عبد الملك في ابن الزبير وددت أني تركته وما يحمل من الاثم في هدمها وبنائها ذكره ابن الأثير في نهاية الغريب في مادة ح م ل وهو معنى صحيح فصيح وقد فسر بهذا المعنى العلامة المتفق على علمه وجلالته عبد الملك بن جريج فقال هو مسخ القردة والخنازير رواه البغوي عنه في تفسير هذه الآية فجعله من قبيل ما لا يطاق من عقوبات الذنوب وجعله كثير من المفسرين من الاول أعني الشاق فقال مجاهد هو الغلمة وقال ابراهيم هو الحب وقيل شماتة الأعداء وقال محمد بن عبد الوهاب العشق وقيل هو الفرقة والقطيعة ذكر ذلك كله البغوي ولم يذكر قط عن أحد من المفسرين أنه تكليف المحال وهو من أهل السنة فكيف يرى هذا المعنى المتسع لمثل هذه الاحتمالات والمعاني المختلفة يقدم على النص الجلي الذي أثنى الله تعالى به على نفسه وتمدح به من قوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وما في معناها وما في معنى ذلك من أسماء الله الحسنى وما ذكرناه من الحديث ولا سيما ونزول قوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها كل ذلك مع قوله تعالى ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به


330
) في آية واحدة وفي وقت واحد فلا يجوز أن يتناقض فيكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا وكونهما نزلا معا أمر ثابت في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن أبي هريرة كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنا لو سلمنا لمن احتج بها ما توهمه من أن المراد لا تحملنا ما لا نطيقه من التكاليف المحال وقوعها لما سلمنا أن الدعاء بذلك يستلزم جواز وقوعه من الله تعالى فقد دل الدليل على جواز الدعاء بما لا يجوز على الله تعالى خلافه كقوله تعالى قال رب احكم بالحق فانه دعاء إلى الله تعالى بما لا يقع سواه وكذلك قوله تعالى قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين فانه معلوم أن الله تعالى لا يجعل رسوله الكريم عليه الحبيب اليه مع خصومه المكذبين به المعاندين له فيه وكذلك استغفاره صلى الله عليه وسلم من ذنوبه فانه مأمور به في سورة النصر وهي نزلت بعد قوله تعالى في سورة الفتح ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فهو سؤال لما لا يقع وكذلك قال صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر الله لك مع أنه مغفور لك رواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة من حديثه عليه السلام فيكون الدعاء حينئذ عبادة يحصل بها الثواب والتشريف للعبد والتقريب وتحصيل المسؤول بسببين لما لله تعالى في ذلك من الحكمة فأولى وأحرى قوله تعالى ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وهذا أمر شهير كثير جدا ومنه قول القائل

وهذا دعاء لو سكت كفيته
لأني سألت الله ما هو فاعل

وأعجب من ذلك قول الغزالي في الاحياء أن ذلك وقع جازما به محتجا عليه بتكليف أبي لهب بالإيمان مع قوله تعالى سيصلى نارا ذات لهب وقد رد هذا ابن الحاجب في مختصر المنتهى بأنه مثل خبر قوم نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن قلت بل هو والعلم السابق سواء والكل مسألة واحدة وهي المعروفة في علم الأصول بالممتنع لغيره لا لذاته والتكليف بذلك جائز بالاجماع ولا يسمى محالا وفاقا


331

وقد بين الحلي المعتزلي الشيعي في مختصر المنتهى أن ذلك هو الذي جوزه الغزالي وابن الحاجب لا المحال لنفسه قلت بل ذلك جائز عند المعتزلة وجميع المسلمين أجمعين إلا من زعم أن الله تعالى لا يعلم الغيب ممن يدعي الاسلام من الغلاة في نفي القدر وقد بين ذلك العلامة ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة في شرح قوله عليه السلام اقتلوه ولن تقتلوه فكيف أوهم الغزالي في الاحياء أنه يجوز التكليف بالمحال مطلقا وأوهم أن ذلك وقع

وقد قال السبكي في جمع الجوامع والحق وقوع الممتنع بالغير لا بالذات وتسميتهم لهذا الجنس بالممتنع من قبيل المجاز وهو مما لا يجوز إلا مع البيان لأن العلم غير مانع بنفسه عند جميع المحققين

وقد نص الشهرستاني من كبار الأشعرية على أن العلم غير مؤثر بالاجماع وصحح ذلك غير واحد منهم دع عنك المعتزلة واحتج الجويني على ذلك بأنه لو كان العلم يؤثر في المعلوم لما تعلق العلم بالقديم نفسه سبحانه وتعالى لأنه لا يصح أن يؤثر في الله تعالى شيء

واحتج الرازي على ذلك بوجوه كثيرة منها أن ذلك يؤدي إلى نفي قدرة الله تعالى وذلك كفر بالاجماع وإنما كان يؤدي إلى ذلك لأن علم الله تعالى متعلق بجميع أفعاله وتروكه فكان يلزم أن ما علم الله أنه يفعله في وقت لم يوصف بالقدرة على تركه ولا تقديمه ولا تأخيره وما علم أنه يتركه لم يوصف بالقدرة على فعله وذلك يستلزم استقلال العلم بالتأثير واستغناء العالم عن القدرة وذلك يستلزم انقلاب العلم قدرة وانقلاب الفاعل المختار غير مختار وذلك محال

وذكر ابن الحاجب أن مثل هذا يؤدي إلى أن التكاليف كلها تكليف بالمحال قال وذلك خلاف الاجماع وقال أيضا أن الممكن لا يخرج عن امكانه بخبر أو علم انتهى


332

واعلم أنهم إنما أرادوا أن العلم لا يؤثر تأثير القدرة في إيجاد المعلومات وفعل المأمورات ولم يريدوا نفي كل تأثير للعلم مطلقا فان العلم يؤثر تأثير الدواعي والصوارف مثاله أن من علم أن العقاب يحصل على ترك الصلوات والثواب العظيم يحصل على فعلها كان علمه ذلك مرجحا لفعلها على تركها مؤثرا في وقوعها من العالم بذلك ألا تراه لا يتركها مع أن تركها أسهل ما ذاك إلا لترجيح العلم نعم وقد ذكرت في العواصم غير هذه الوجوه في أن العلم غير مؤثر تأثير القدرة وكذلك الشيخ مختار في المجتبى جود الكلام في ذلك وذكرت في العواصم وجها حسنا في افحام من يحتج على الله تعالى بالعلم من المبتدعة والملاحدة وذلك أنا لو سلمنا تسليم جدل أنه مؤثر ومانع من خلافه منع استحالة لزم أن تكون حجة الله تعالى على عذاب العصاة لأن العلم بأفعال الله تعالى كما يتعلق بأفعال عباده إجماعا فكما أنهم لا يستحسنون من الله تعالى يوم القيامة أن يقول إنما عذبتكم لسبق علمي بذلك فكذلك لا يحسن منهم أن يقولوا إنما عصيناك لسبق علمك بذلك وإن حسن ذلك منهم كان من الله أحسن

ويلحق بهذه أمور يشتد تعجب العاقل منها

أحدها أن مذهب الغزالي نفسه أن التكليف بالمحال لذاته لا يجوز على الله وهو مشهور عنه في شرح المنتهى وجمع الجوامع وغيرهما حتى ذكروا أن حجته على ذلك هي حجة ابن الحاجب وإنما أراد الغزالي بالوصية بذلك في إحياء علوم الدين الموافقة لعقيدة الاشعرية على أن ذلك لم يصح قط عن الاشعري ولا لذلك عنه أصل صحيح كما أوضحته في العواصم ولذلك صدر ابن الحاجب المسألة بأن التكليف بالمحال لا يجوز ثم قال ونسب خلافه إلى الاشعري على صيغة ما لم يسم فاعله ثم ذكر أن ذلك نسب إلى الأشعري على جهة الالزام له لا أنه نص على ذلك ثم تعصب أصحاب الاشعري له على توهم أنه مذهبه وقدموه على نصوص كتاب الله تعالى ونصوص رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى البراهين العقلية فانا لله وإنا إليه راجعون

وثانيهما أن الغزالي ذكر في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد تأويل ذلك بما يخرجه عن محل النزاع ويقتضي جمع الكلمة على نفيه عن الله سبحانه


333
وتعالى فلله الحمد وذلك أنه ذكر فيه أن المراد بذلك مجرد اعتقاد المكلف أنه مخاطب بذلك لا أنه مطلوب منه لكن خوطب به ليعتقد توجه الطلب اللفظي اليه لا أنه أريد منه فعله ولا يجب عليه إلا مجرد ذلك الاعتقاد

قلت وهذا على نحو قول الله تعالى للمصورين يوم القيامة أحيوا ما خلقتم للتعجيز لا لطلب ذلك منهم ومنه حديث من كذب في حلمه كلف يوم القيامة عقد شعيرة وقد أشار إلى هذا الجويني في مقدمات البرهان فقال إن كان المراد ورود صيغة الامر لا حقيقته فذلك جائز كقوله تعالى كونوا قردة خاسئين فان معناه كوناهم قردة فكانوا كما شئنا وإن كان المراد تحصيل المأمور به فذلك ممتنع قلت قد صرح الغزالي في الاقتصاد أن الأول هو المراد وعلى هذا فلا يكون اعلام أبي لهب بأنه سيصلي نارا ذات لهب بعد كفره العظيم محل النزاع لوجوه

الوجه الأول إن النزاع إنما هو في تكليف يقع عليه الجزاء والعقوبة وحده كما لو كلف أعمى بنقط مصحف على الصواب ولم يكلفه الله تعالى بغير ذلك ولا عاقبة على سواه وكان الاعمى يود أنه تمكن من ذلك وامتثل ثم يخلد في عذاب النار بترك ذلك فهذا ما لم ينسبه أحد إلى معبوده من جميع العقلاء بل هذا ما لم ينسبه إلى أحد من رؤساء المخلوقين حتى تفاحشت البدع ورذلت حتى تكلم في مهمات قواعد الإسلام بالآراء والأوهام وضربت فيها المقاييس والأمثال وتجارى فيها أهل الاهواء مجاراة المتنافسين وتجاروا على ذلك مجاراة المتعادين فظن بعضهم أن هذا ليس بصفة نقص عقلا مع موافقتهم على أن الكذب صفة نقص عقلا والكذب دون هذا النقص بكثير لا سيما الكذب النافع ثم تجاسروا بعد ذلك على تجويزه على الله تعالى ثم ادعوا وقوعه من الله تعالى

واعلم أنه لا استبعاد أن يعاقب الله تعالى بذلك في الآخرة من جوز عليه التكليف بالمحال الذي لا يطاق كما صح أن يقال للمصورين يوم


334
القيامة أحيوا ما خلقتم وأن الكفار يؤمرون بالسجود ويحال بينهم وبينه فلا يستطيعون بل مجوز ذلك على الله تعالى في دار التكليف أولى بهذه العقوبة لما ثبت عن جماعة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما أن الله تعالى يقول أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء ولما ثبت من مناسبة العقوبات للمعاصي حتى أن من تردى من جبل فهو يتردى في النار من جبل ومن طعن نفسه بحديدة فهو يطعنها في النار بحديدة وحتى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله امرأة حبست هرة حتى قتلتها والهرة تنهشها في النار وحتى ثبت أن الله تعالى يقول أليس عدلا مني أن أولى كلاما تولى فيقول الخلق بلى فيرى كل عابد لغير الله معبوده ويأمره باتباعه حتى يوردهم النار ويمثل لمن عبد عيسى صورة عيسى عليه السلام وأمثاله من الصالحين كذلك وحتى قيل للمصورين أحيوا ما خلقتم وحتى يكفر من قال الآخر يا كافر وليس كذلك ويعفى يوم الخميس والاثنين عن كل مسلم إلا المتهاجرين حتى يصطلحا لأنهما أختارا عدم العفو مذهبا ونحو ذلك فليحذر من هذه العقوبة الخاصة مع سائر أنواع العذاب صاحب هذا المذهب بل يحذر من أهون من هذا وهو أن يناقشه الله تعالى الحساب على جميع ما أقدره عليه ومكنه منه ولا يسامحه في قليل ولا كثير ويقول له أنت جوزت مني تكليف ما لا يطاق وظننت ذلك في فلا أقل من أن أحاسبك على التكليف الذي لا يطاق ولا أسامحك بشيء منه وفي ذلك هلاكه كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال ( من نوقش الحساب عذب وشواهده معلومة ) وكفى بقول الله تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة وفي آية أخرى ما ترك عليها

الوجه الثاني أن الله لم يعلم أبا لهب بذلك بالنص ولا ظاهر القرآن يقتضي ذلك أيضا وإنما أعلم رسوله صلى الله عليه وسلم وآله بذلك فمن أين أن أبا لهب علم ذلك يقينا والله قادر على أن لا يعلمه ذلك لتزداد الحجة عليه وقد ذكر هذا ابن الحاجب وقال أنه مثل إعلام نوح عليه السلام أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن


335

الوجه الثالث أنه وإن علم ذلك فانه خارج مخرج الوعيد لا مخرج الاخبار المحض والفرق بينهما واضح فان الوعيد مشروط بعدم التوبة مثل وعيد جميع الكافرين

الوجه الرابع أنه لا مانع من أن يكون الخبر والقضاء والقدر والكتابة في مثل ذلك مشروطة ويكون مما يجوز أن يدخل في قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ويدل عليه حديث لا يرد القضاء إلا الدعاء رواه الحاكم وفي الباب عن معاذ وعائشة وأبي هريرة ذكرها الهيثمي وروي عن أبي قلابة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول اللهم إن كنت كتبتني في أهل الشقاء فامحني وأثبتني في أهل السعادة وقال رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا قلابة لم يدرك ابن مسعود وهذا باب واسع وقد ذكره الغزالي وغيره في الجواب على ما من قال ما فائدة الدعاء والعمل مع سبق الاقدار وجوده ابن قيم الجوزية في الجواب الكافي ونقلته في العواصم وزدت عليه زيادات مفيدة

الوجه الخامس أنه ليس في الخبر أنه لا يؤمن فيجوز أبو لهب في نفسه حين يسمعه أن يكون لو آمن من المؤمنين العصاة وأن يدخل النار بذلك ويطمع في العفو بعد دخولها على الاصل في حسن ذلك عقلا أو لسماعه أن السمع ورد بذلك فانه لا مانع من ذلك فاذا جوز أبو لهب ومن في حكمة هذه الأمور أو بعضها قامت عليه الحجة والعذر الحق الذي هو سنة الله تعالى في عدله وحكمته يوم القيامة فكيف مع هذه الأمور واحتمالها يجوز للعاقل أن يقطع على أن تكليف المحال قد وقع والتقول على الله بما لم يقل كالكذب عليه والتوصل إلى ذلك بالشبه الواهيات صنيع المخذولين من أهل الضلالات فان الاجتراء على الابتداع في الدين ذنب عظيم وربما أدى صاحبه إلى الكفر والعياذ بالله وهل ذلك إلا كالاحتجاج على تجويز الولد بقوله تعالى قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين مع وجود النصوص الجمة على بطلان ذلك وتعظيم تقبيحه بنحو قوله تعالى


336
وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا الى آخر الآيات ولو سلمنا أن النصوص تعارضت في مثل هذه المسألة كان الواجب على العالم أن يرجح منها المحكم الموافق الاكثر ثناء على الله تعالى ومدحا لله تعالى ومناسبة لاسمائه الحميدة المحكمة الحسنى لقوله تعالى واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم وقوله تعالى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب فما الموجب لترجيح تشبيه أفعال أحكم الحاكمين بأفعال المجانين والاطفال حين لاح لذلك أدنى خيال وتقديم أضعف الأوهام وأبعد الاحتمالات والجزم بوقوع ذلك دون نقيضه الذي هو منطوق به في نصوص القرآن الصادعة معلوم احكامه واثباته في البراهين القاطعة داخل في الأسماء الحسنى غرة في الحمد والمدح والثناء وأعجب من ذلك كله المحافظة من الغزالي على الوصية باعتقاد ذلك لأهل الجمل في الاعتقاد من المتعبدين والزهاد والذين لم يعرفوا الخلاف في دقائق الكلام مع نهي الغزالي عن علم الكلام وذكر مساويه وما يؤدي اليه الخوض فيه لأنه ذكر هذا في الرسالة القدسية من مقدمات الاحياء الذي بالغ فيه في ذم علم الكلام لما جر اليه من البدع فاي بدعة بديعة ومحدثة شنيعة أبدع وأشنع من وصية الزهاد والصالحين من عوام المسلمين باعتقاد ذلك في أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وإيهامهم أن اعتقاده من الفرائض المؤكدة في دين الله تعالى وان من لم يعتقد ذلك كان على أعظم خطر من عذاب الله ولقد مضى أكثر عمر الدنيا على مالا يحصى من الظلمة والفجرة والفسقة والكفرة والخلفاء والسفهاء فما علم أن أحدا منهم فعل ذلك على الوجه الذي جوزه المخالف على الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وإنما كانوا يعاقبون من لا ذنب له لحاجتهم إلى تحصيل الاموال أو لدفع المضار أو لمجموعهما أو تشفيا من عدو مضر انتصافا منه ونقما للثأر ونحو ذلك مما ألف وعرف من عادات الفجار وهذا أيضا غير تكليف المحال إنما هذا أنزل المضار ممن لا يستحقها وأما ان أحدا من جميع ما ذكرناه من أنواع الاشرار
337
وجد مريضا ليس بينه وبينه عداوة ولا له في تعذيبه حاجة ألبتة ولا غرض له ولا داعي ولا له ذنب ولا عليه حجة فأمر بتكليفه حمل الجبال أو ما لا يطيق من الاحمال ومسابقة الرياح والحيل السابقة فان لم يفعل ما لا يطيق من ذلك عذب أشد العذاب وعوقب أفحش العقاب فما كان هذا من فاجر ولا كافر ولا خليع ولا سخيف ولا يجوز أن يكون منهم ولو فعل مخلوق لكان الله تعالى هو الذي يشتد عليه غضبه وسخطه ويتولى عقوبته وملامته وإذاقته أعظم الخزي الهوان والمقت والفضوح فكيف ينسب جواز ذلك بل وقوعه وتجويز أفحش ما يكون من جميع أنواعه الفاحشة إلى الملك العلي الحميد الصمد المجيد السبوح القدوس الذي كره ذلك وسخطه وحرمه ويعادي على أقل منه كل جبار عنيد وقال في كتابه المجيد وما ربك بظلام للعبيد وقال على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وآله يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظلموا كما رواه مسلم في الصحيح عن حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه

ومن الشبه في ذلك قوله تعالى فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني قالوا فحرم عليها الخوف والحزن في هذه الحال وكلفها اعدامهما عن قلبها وهي لا تستطيع ذلك

والجواب أن النهي هنا لم يرد للتحريم فقد ذكر السبكي في جمع الجوامع للنهي ثمانية معان أحدها بيان العاقبة كما في هذه الآية الشريفة وذلك أن النهي فيها إنما ورد للبشرى بوقوع ما لا ينبغي عنده الخوف والحزن فانه مقام تكريم لا مقام تكليف ولذلك عقبه بقوله إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين وهاتان بشارتان عظيمتان ممن علمت صدقه في كل خبر وقدرته على كل شيء واحاطة علمه بكل غيب فهي تقابل ما في طبعها البشري مع ما ذكره الله تعالى بعد ذلك من ربطه على قلبها

يوضحه أنه مقام لطف وتشريف لا مقام تحريج وتعنيف ولو سلمنا أنه نهي تحريم لوجب في حكمة الله تعالى وعوائده مع عباده المؤمنين


338
أن يمكنها من مفارقه ما نهاها عنه كما ذكره وابن عباس رضي الله عنه في تكليف الواحد بقتال عشرة أنهم لو صبروا عليها لطوقوها رواه البخاري ولو سلمنا أن ظاهر التحريم توجه إلى ما لا يطاق لوجب تأويله لوضوحه لأنه متشابه على ما يوافق المحكم الذي هو أم الكتاب كما ثبت في تحريم النياحة أنه لا يؤاخذ بما كان من العين والقلب فثبت أن سلمنا أنه للتحريم أن المراد النهي عن الاسترسال مع الطبيعة البشرية ومقابلتها ومدافعتها بما علمنا الله تعالى من نحو قوله وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وتذكير عظيم ثوابه وخفي ألطافه وصدق مواعيده وأنه كاشف الكروب علام الغيوب وما يحصل به الرضا لدون أم موسى

وقد ذكر بعض المفسرين نحو هذا الوجه الثالث في تفسير خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون فقال أنهم أقدروا ومكنوا من مدافعه الطبيعة المخلوقة فلذلك نهوا عن الاستعجال وقد خلقوا على هذه الطبيعة كما أن المخلوق على طبع الشح مأمور باخراج الزكاة ممكن من ذلك فانه يتصرف في شهواته أضعافها

وإنما ذكرت مثل هذه الأشياء على جهة التقرب إلى الله وإلا فجوابها لا يخفى على أهل الممارسة للجمع بين المتعارضات ورد الفروع الى الأصول والمظنون إلى المعلوم


339
المختصرات عموم المسلمين فيوهمون أن ذلك من أركان الاسلام فلولا أن هذا قد وقع منهم ما كان العاقل يصدق بوقوعه ممن هو دونهم فنسأل الله تعالى العافية

وإنما أوضحت هذا الكلام أيها السنى لتغتبط بعلم القرآن والاثر ولتصونه عن شوبه بأمثال هذا من بدع أهل الدعاوى للحذق في النظر فقد صارت أقوالهم في الركة أمثالا وعبرا لمن اعتبر وجميع ما يرد على هذا من الأسئلة وأجوبتها تقدم في المسألة الأولى في إثبات حكمة الله تعالى فخذه إن احتجت اليه والحمد لله رب العالمين

خاتمة تشتمل على فائدة نفيسة

وهي أن هذه المسألة وأمثالها مما بالغت في نصرته مثل اثبات حكمة الله تعالى وتعظيم قدرته عز وجل من قبيل الثناء الحسن بحيث لو قدرنا الخطأ في شيء منها ما كان يخاف منه الكفر والعذاب قطعا وأما أضدادها فانه يخاف ذلك عند تقدير الخطأ فيها لاستلزامها ما لا يجوز على الله تعالى من النقص المضاد لاسمائه الحسنى التي هي جمع تأنيث الاحسن من كل ثناء لا جمع تانيث الحسن كما مر تقريره فاعرض هذه الفائدة النفيسة على كل عقيدة لك وشد عليها يديك في كل ما لم يعارض المعلوم ضرورة من الدين والله الموفق والهادي إلى الصواب

المسألة الخامسة أن الله تعالى لا يعذب أطفال المشركين بذنوب آبائهم ولا بغير ذنب وهذه من فروع اثبات الحكمة وهي أخت التي قبلها وهو مذهب جماهير الاسلام بل لم يعرف فيه خلاف بين السلف فانهم كانوا مجمعين على عدل الله تعالى وحكمته في الجملة والاجماع على ذلك يتقضي المنع من كل ما يضاده وممن صرح باختيار هذا البخاري في صحيحه والنووي في شرح مسلم وقواه واحتج عليه ونسبه إلى المحققين وكذلك اختاره علي بن عبد الكافي الشهير بالسبكي في كتاب جمعه في هذه المسألة وهما من عيون أئمة السنة والطائفة الشافعية وكذلك اختار ذلك العلامة أبو


340
عمر بن عبد البر في كتابه التمهيد وهو من أئمة السنة واختاره غير واحد منهم دع عنك خصومهم في ذلك من الشيعة والمعتزلة

واحتج النووي وغيره على ذلك بقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وبما رواه البخاري في صحيحه عن سمرة في حديثه الطويل وفيه ذكر رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وآله وفيها ما لفظه والشيخ في أصل الشجرة ابراهيم عليه السلام والصبيان حوله أولاد قالوا يا رسول الله وأولاد المشركين قال وأولاد المشركين وهذا نص في موضع النزاع من أصح كتب الاسلام عند أئمة الحديث وأما كونه رؤيا فلا يضر لوجهين أحدهما أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي وحق ولذلك عزم الخليل عليه السلام على ذبح ولده بسببها وهذا إجماع وثانيهما أن هذا السؤال عن أولاد المشركين وجوابه كان في اليقظة لا في الرؤيا

وقد أوضحت في العواصم أنه لم يصح في تعذيب الأطفال بغير ذنب منهم حديث قط ولا صح ذلك عمن ينظر اليه من أئمة السنة وإنما قالت طوائف منهم بأقوال محتملة منها أن الله تعالى يكمل عقول الصبيان ويكلفهم في عرصة من عرصات يوم القيامة بتكيلف يناسب ذلك اليوم مثل ما روى أنه يخرج لهم عنقا من النار فيأمرهم بورودها فمن كان سعيدا في علم الله تعالى لو أدرك العمل وردها فكانت عليه بردا وسلاما ومن كان شقيا في علم الله تعالى لو أدرك العمل امتنع وعصى فيقول الله تعالى لهم عصيتموني اليوم كيف رسلي لو أتتكم أو كما ورد

وسبب مصير من صار منهم إلى هذا القول أحاديث كثيرة وردت بذلك منها عن أبي سعيد وأنس ومعاذ والاسود بن سريع وأبي هريرة وثوبان وروى ذلك أيضا أحمد بن عيسى بن زيد بن علي عليه السلام عن جده زيد بن علي ذكره صاحب الجامع الكافي وقال السبكي في كتابه في ذلك أن أسانيد هذه الأحاديث صالحة

قلت وفسروا بهذه الاحاديث حديث الله أعلم بما كانوا عاملين وهو الذي اتفق على صحته في الباب وسنة الله في إقامة الحجج على خلقه


341
لا تحيل هذا احالة قاطعة كما تحيل تكليف المحال ولا حجة واضحة على أن هذه الاحاديث موضوعة يجوز الجزم بتكذيبها وقد قال الله تعالى يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون فأثبت تكليفا بذلك السجود يوم القيامة وصح وتواتر أن الميت يمتحن في قبره في المسألة عن الشهادتين وأن المؤمن يثبت فيقولهما والكافر والمنافق يتلجلج أو يقول لا أدري

وفي الصحيحين من حديث البراء أن قوله تعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة نزلت في ذلك وكذلك أجمع أهل السنة على أن للبرزخ حكما بين حكم الدنيا والآخرة ومنه أن موسى عليه السلام كان يصلي في قبره رواه مسلم ومنه ضمة القبر ونحوها فنكل علم تلك الاخبار إلى الله ولا نجوز على الله تعالى ظلما لأحد من عباده ولا عبثا ولا لعبا ولا مباحا لا يستحق عليه الثناء والحمد وإنما نجوز عليه ما يستحق عليه الثناء والحمد سواء علمنا وجهه أم لا وكذلك لا نجوز عليه تعذيب الميت ببكاء أهله عليه من غير حكمة ولا ذنب ولا عوض لكن قد روى ذلك ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله وردته عليه عائشة رضي الله عنها ورواه جماعة من الصحابة رضي الله عنهم غير ابن عمر فاحتمل تأويله على أحد وجوه

الوجه الأول أن يكون الميت أوصى بذلك وعلى ذلك حمله البخاري وغيره لأن ذلك كان عادتهم وهي قرينة قوية لهذا التأويل

الوجه الثاني أن يكون العذاب مستحقا للميت على ذنوبه لما ثبت في الصحيح أن من نوقش الحساب عذب وأن أحدا لا يدخل الجنة بعمله وإنما يدخلها برحمة الله تعالى وإن الباء في قوله تعالى ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون باء السبب لا باء الثمن جمعا بين النصوص وهو من حمل المشترك على أحد الحقيقتين بالحجة لا من صرف الظاهر إلى


342
المجاز والعقول والفطرة ترجح ذلك فان سبحان الله تملأ الميزان والله أكبر تملأ ما بين السماء والارض بل قد صحت النصوص قرآنا وسنة أن السيئة بمثلها أو يعفو الله عنها والوحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والله يضاعف لمن يشاء والصبر والصوم بغير حساب

فاذا تقرر ذلك جاز أن يكون البكاء المحرم المغضب لله عز وجل سببا لمؤآخذة الميت بما يستحقه من العقوبة على ذنوبه التي قدمها ونسب التعذيب إلى البكاء لهذه السببية مع حسن تعذيبه لو لم يبك عليه بذلك ويكون هذا التعذيب والاخبار به زاجرا عن الاصرار على سنة الجاهلية المستحكمة في طباعهم المقوية للدواعي إلى إظهار الجزع ولطم الخدود وشق الجيوب وحلق الشعور وإن لم يبكوا امتثالا لأمر الله عفا الله عن ميتهم وترك تعذيبه المستحق بذنوبه مع ثوابهم على امتثالهم ويكون هذا العفو والاخبار به داعيا ومرغبا ولطفا في فعل هذه الطاعة

الوجه الثالث أن يكون عذاب القبر مثل الآلام الدنيوية للعوض والاعتبار مثل ما صح من ضمة اللحد ويكون مع بكاء فقط وإن ترك البكاء لم يزد على ضمة اللحد وهذا أشار اليه الذهبي وذكر أن للبرزخ حكما بين حكم الدنيا والآخرة وأنه ليس مثل الحال بعد اقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار والحجة في ذلك من الكتاب والسنة كما مضى وادعى الاشعري أنه اجماع أهل السنة ذكره ابن كثير في البداية والنهاية والله أعلم

المسألة السادسة في التحسين العقلي ويدل عليه قوله تعالى أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وتقدم طرف من ذلك في المسألة الأولى في إثبات حكمة الله تعالى ونزيد هنا فنقول اختلف الناس في ذلك اختلافا ظاهره التباعد الكثير ومع تلخيص محل النزاع والتوسط يسهل الامر ويقرب من الاتفاق فقد ذكر الرازي وغيره من متكلمي الأشعرية أنه لا خلاف فيه باعتبارات ثلاثة


343

أحدها باعتبار الشهوة والنفرة وثانيها باعتبار جلب النفع ودفع الضر وثالثها باعتبار صفة النقص كالكذب والجهل وصفة الكمال كالصدق والعلم وعنوا بالكذب الذي لم تدع اليه ضرورة وبالصدق الذي ليس بضار

ومن هنا لم يجوزوا وقوع الكذب في كلام الله تعالى لأنه صفة نقص قالوا وإنما الخلاف في معرفة العقل لوجوب استحقاق الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة على فعل صفة النقص لا جوزها من غير وجوب وكذلك معرفة العقل لوجوب استحقاق الثناء في الدنيا والثواب والثناء في الآخرة على فعل صفة الكمال لا جواز ذلك من غير وجوب ولذلك حكى الزركشي في شرحه لكتاب السبكي المسمى جمع الجوامع أن قوما توسطوا فقالوا إن القبح واستحقاق الذم عليه ثابت بالعقل وأما العقاب فمتوقف على الشرع قال وهو الذي ذكره أسعد بن علي الزنجاني من أصحابنا الشافعية وأبو الخطاب من الحنابلة وذكرته الحنفية وحكوه عن أبي حنيفة قال وهو المنصور لقوته من حيث الفطرة وآيات القرآن المجيد وسلامته من الوهن والتناقض اه

وقد تقدم في المسألة الأولى أن تسليم هذا القدر من التحسين العقلي يوجب الموافقة على إثبات الحكمة في أفعال الله تعالى وأنه لا فرق في التحسين بين الأقوال والأفعال وقد ثبت وقوف الأقوال على الحكمة حيث وجب القطع بأن الله تعالى يختار الصدق على الكذب في جميع كلامه وكتبه والموجب ذلك هو بعينه يوجب مراعاة الحكمة في الأفعال وهذه فائدة مهمة وحجة بينة ينبغي التعويل عليها في دعاء من ينكر الحكمة إلى الحق والله الهادي

وقول الزركشي أن ذلك هو المنصور لموافقته الفطرة وآيات القرآن المجيد قول صحيح وأراد بآيات القرآن المجيد ما ورد في ذلك مثل ما قدمنا من قوله تعالى أو لم يتفكروا في أنفسهم الآية ومثل قصة موسى والخضر عليهما السلام فانها صريحة في ذلك والحجة فيها من وجهين


344
أحدهما أن موسى عليه السلام إنما أنكر ذلك بالفطرة العقلية بدليل أن الله تعالى قد كان أعلمه أن الخضر أعلم منه والتفاضل إنما هو في الشرعيات ودقائق العقليات فلما كان ما أنكره موسى من جليات العقليات حسب موسى أنه لا مفاضلة فيها إذ كانت معرفتها بالبصيرة مخلوقة مثل خلق الاسماع والابصار أو حسب أن تفضيله لم يكن في ذلك لأن موسى لم يدع أنه أعلم الناس بالعقليات والحجة من هذا الوجه تحتمل النزاع البعيد

وثانيهما وهي الحجة القاطعة أن الخضر لم يحتج على موسى بمجرد ورود أمر الله تعالى بذلك وان الامر الشرعي هو المحسن بذلك بمجرده وأن تقبيح العقول لما يقبحه باطل بل جعل الجواب الشافي عن ذلك الرافع للريب عن موسى عليه السلام هو بيان الحكمة الخفية المناسبة لمقتضى العقول في الموازنة بين المضار والمصالح وتقديم ما ثبت من ذلك أنه الراجح وتحسين المضار متى اشتملت على المصالح الراجحة وأدت إلى الغايات الحميدة وهذا عين مسألتنا ومحل النزاع ولكن العقول أقل وأجهل وأدنى وأحقر من أن تحيط بجميع حكم الله تعالى وأسراره وغايات ارادته في قضاياه وأقداره فلا يمكن الجزم بقبح شيء معين من أفعال الله تعالى لأن أفعاله سبحانه وتعالى واضحة الحكمة بينة النفع والصلاح للمتفكرين في ذلك وما كان منها متشابها وهو القليل فهو محتمل للحكم الخفية وليس في أفعاله سبحانه وتعالى ما هو معلوم القبح للعقول بالضرورة ألبتة

وبيان ذلك أن المعلوم قبحه بالضرورة هي المضار التي لا نفع فيها بوجه من الوجوه ولا فيها احتمال لذلك عاجلا ولا آجلا ألبتة وكيف يمكن أن تحيط العقول بذلك في شيء من أفعال الحكيم العليم وهو سبحانه وتعالى يقول وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون وقد صرح الزمخشري بهذا المعنى في تفسير قوله تعالى هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن


345
) ومثال القبيح بالضرورة الذي لا يجوز على الله بعثة الكذابين لما فيه من الفساد المتفاحش وهو عدم الثقة بكلام الله تعالى وكلام جميع رسله عليهم السلام لا في دين ولا في دنيا ولا في حد ولا في مهم ولا ترغيب ولا ترهيب وهذا هدم للمصالح كلها والصلاح أجمع ولذلك كان الله أصدق القائلين وكان من أبغض الخلق اليه الملك الكذاب لأن الذي قد يهون قبح الكذب في بعض المواضع ويعارض ما فيه من الفساد هو الضرورة الملجئة اليه كخوف المضار ونحو ذلك والملوك أبعد الناس منها لقدرتهم على دفع المضار وإن كانت قدرتهم قاصرة فكيف بملك الملوك الذي هو على كل شيء قدير وعن كل شيء غني وإنما يجوز عليه ما تخفى فيه الحكمة على الخلق لقصور علومهم من الامور المحتملة مثل ما سألت عنه الملائكة عليهم السلام من الحكمة في خلق آدم وذريته لظنهم أنهم كلهم أشرار لا خير في أحد منهم والشر المحض الذي لا خير فيه ألبتة لا عاجلا ولا آجلا قبيح في العقول وأما الشر المشتمل على الخير والغايات الحميدة أو المجوز فيه شيء من ذلك فلا مجال للعقول في القطع بقبحه ولذلك أجاب عليهم بقوله تعالى إني أعلم ما لا تعلمون ولم يقل إنه يحسن مني كل ما تستقبحون وكل ما تستقبحه العارفون ولو كانت أفعال الله معطلة من الحكم لم يكن لذكر علمه وزيادته على علمهم معنى في هذا الموضع لأن الحكمة على قول الخصم ممتنعة الامكان في حق الله تعالى فلم يتعلق بها علمه كما لا يتعلق برب ثان مشارك له في الربوبية ومن ثم أظهر الله تعالى بعد ذلك فضل آدم بعلم الاسماء ولو كان كما زعموا من تعطيل أفعاله من الحكم لفضله بغير سبب فدل على أنه أراد ببيان شيء من الخير الذي أحاط به علمه في خلق آدم عليه السلام وذريته ولم يحيطوا بشيء من الخير في ذلك فبين لهم أن فيه خيرا كثيرا وبان بذلك أن الشر المحض لا يكون من أفعاله تعالى بخلاف الشر المشتمل على الخير فيكون فيها ويكون ذلك الخير هو المقصود وهو المسمى تأويل المتشابة في لسان الشرع وغرض الغرض في لسان الحكماء ولذلك قال تعالى لهم بعد ذلك إنه يعلم غيب السموات والأرض ويعلم ما لا يعلمون وهذا يدل على ما قيل أن العالم كله كالشجرة وأهل الخير من الخلق هم ثمرة تلك الشجرة ويدل عليه
346
قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أي ليعبدني العابدون منهم على أحد التفاسير كما قررته بشواهده في العواصم

يوضح ذلك حديث الخليل عليه السلام وفيه نهيه عن الدعاء على من رآه يعصي الله وفيه ان الله تعالى قال له إن قصر عبدي مني إحدى ثلاث إما أن يتوب إلي فأتوب عليه أو يستغفرني فأغفر له أو أخرج من صلبه من يعبدني رواه الطبراني ثم الهيثمي في مجمع الزوائد وهذه الاشارة مع الفطرة تكفي بحسب هذا المختصر إن شاء الله تعالى وتقدمت بقية المباحث في المسألة الأولى في إثبات حكمة الله تعالى

المسألة السابعة في الوعد والوعيد والاسماء الدينية وليس في هذه المسألة تكفير ولا تفسيق باتفاق الفريقين فيما علمت إلا ما يأتي ذكره في إحدى صورتين لا يقع فيهما أحد من أهل العلم والخير وهما التكذيب بعد التواتر وتجويز الخلف على الله تعالى في الوعد بالخير لأن الفريقين متفقون على وجوب صدق الله تعالى وإنما اختلفوا عند تعارض بعض السمع في كيفية الجمع بين المتعارضات والترجيح لبعضها على بعض فيما يصح فيه الترجيح أو الوقف عند عدم التمكن من الجمع والترجيح وقد صح بعض الاختلاف بين الملائكة عليهم السلام كما دل عليه قوله تعالى ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون كما تقدم شواهده في مسألة اثبات الحكمة وورد في الحديث الصحيح اختلاف الملائكة في هذه المسألة بعينها وذلك حيث اختلفوا في حكم النادم المهاجر بعد قتل مائة نفس حتى جاءهم ملك فحكم بينهم فكانت الاصابة لملائكة الرحمة ولله الحمد والمنة والحديث طويل رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ولا يصح تأثيم أحد منهم بالاجماع لأن الذين أرادوا عذابه إنما اشتد غضبهم لله تعالى والذين أرادوا نجاته إنما رجوا له سعة رحمة الله تعالى فكذلك علماء الاسلام في هذه المسألة إنما خاف بعضهم من مفاسد الامان وخاف بعضهم من مفاسد القنوط ومن مفسدة تكذيب البشرى ومفسدة ثقة الانسان بنفسه وحوله وقوته وعلمه ونحو ذلك ومن نظر بعين التحقيق وجد القول الحق الوارد في السنة خاليا من جميع هذه المفاسد


347

ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله مبين لكتاب الله عز وجل أمين على تأويله وأن المرجع في بيان كتاب الله تعالى إلى السنة الصحيحة فليس في كتاب الله تعالى من تفاصيل الصلاة والزكاة والصوم والحج وأمثالها إلا اليسير ولا شك أن الاستثناء من الوعد والوعيد وتخصيص العمومات بالأدلة المتصلة والمنفصلة مقبول إما على جهة الجمع ولا شك في جوازه وصحته وحسنه والاجماع على ذلك وكثرة وقوعه من سلف الامة وخلفها بل لا شك في تقديمه في الرتبة والبداية بذلك قبل الترجيح فان تعذر الجمع فالترجيح فان وضح عمل به وإن لم يتضح وجب الوقف لقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم ولذلك اخترت الوقف في حكم قاتل المؤمن بعد الانتصاف منه للمظلوم والقطع على أنه فاسق ملعون واجب قتله والبراءة منه والقطع أن جزاءه جهنم خالدا فيها كما قال الله تعالى على ما أراد وإنما وقفت في محل التعارض الذي أوضحته في العواصم لا على حسب ما قيل في أن الله تعالى في هذه الآية هل بين جزاءه الذي له أن يفعله إن شاء أو بين جزاءه الذي تخير له في تنجيزه حين لم يبق إلا حقه بعد استيفاء حق المظلوم المقتول والله سبحانه أعلم

فمن رجح الجمع بين وعيد القاتل وبين قوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وسائر آيات الرجاء وأحاديثه قال بالاول ومن رجح وعيد القاتل في هذه الآية وفي الاحاديث المخصصة لقتل المؤمن بقطع الرجاء كما أوضحته في العواصم رجح وعيد القاتل ومن تعارضت عليه ولم ير في تنجيز الاعتقاد مصلحة ولا له موجبا ولا اليه ضرورة رجح الوقف والله عند لسان كل قائل ونيته

ولا شك في ترجيح النص الخاص على العموم وتقديمه وعليه عمل علماء الاسلام في أدلة الشريعة ومن لم يقدمه في بعض المواضع لم يمكنه الوفاء بذلك في كل موضع واضطر إلى التحكم والتلون من غير حجة بينة وقد أجمع من يعتد به من المسلمين على تخصيص الصغائر من آيات الوعيد العامة على جميع المعاصي متى كان أهل الصغائر من المسلمين ولم يلزم من ذلك خلف في آيات الوعيد ولا كذب ولا تكذيب لشيء منها فكذلك


348
سائر ما صح من أحاديث الرجاء ليس فيه مناقضة لعمومات آيات الوعيد ولا يستلزم تجويز الخلف على الله تعالى وذلك باب واحد ولذلك اشتهرت أحاديث الرجاء في عصر الصحابة والتابعين ولم ينكرها أحد بل رواتها أكابرهم وأئمتهم

وفي العواصم من ذلك عن علي عليه السلام بضعة عشر أثرا بل المخصصات للعمومات في ذلك قرآنية وعمومات الوعد مانعة قبل تخصيص الوعيد من الجزم على وقوع عمومه دون عموم الوعد على أن الخلف عند جماعات كثيرة لا يكون إلا عدم الوفاء بالوعد بالخير وأما الوعيد بالشر فقد اختلف في تركه وأجمعوا على أنه يسمى عفوا كما قال كعب ابن زهير

أنبئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول

وإنما اختلفوا مع تسميته عفوا هل يسمى خلفا أم لا ومن منع من ذلك منع صحة النقل له لغة واحتج على امتناعه بأنه لا يصح اجتماع اسم مدح واسم ذم على مسمى واحد وقد تقدم زيادة في هذا في مسألة الحكمة فلينظر هناك

ويستثنى من هذا كل وعيد جعله الله تعالى نصر للانبياء والمؤمنين ووعدهم به فانه يكون حينئذ وعدا لا يجوز خلفه كما قال صالح عليه السلام لقومه تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ولذلك سماه وعدا

وأما قصة يونس عليه السلام فقد تقدم الكلام عليها في مسألة الحكمة وكذلك اختلفوا في قوله تعالى ما يبدل القول لدي هل هي خاصة فيمن نزلت فيه من الكفار وهل فيها شيء من ذلك لقوله تعالى إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد


349
أم لا فمن قال بعمومها لم ينظر إلى سبب نزولها في الكفار وجعلها كقوله تعالى وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ومن قصرها عليهم نظر إلى الجمع بين هاتين الآيتين وبين قوله تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية وقوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها وخاصة إذا جوز أن نفي التبديل مقيد بيوم نقول لجهنم هل امتلأت وأنه ظرف له فهؤلاء فهموا من مجموع الآيات أن التبديل ينقسم إلى مذموم ومحمود فالمذموم ما كان من خير إلى شر والمحمود ما كان من شر إلى خير أو من خير إلى خير أفضل منه أو مثله وجعلوا العفو خيرا من العقوبة في حق المسلمين لما ورد في الاحاديث في هذا بعينه وفي من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها وأجمعت عليه الأمة في من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها

وينبغي هنا تحقيق النظر في الفرق بين الوعيد والخبر المحض عن الواقع في المستقبل وذلك أن الوعيد يحسن ممن لا يعلم الغيب بخلاف الخبر المحض وإذا لم يفعله لتوبة أو رحمة لم يعد في لغة العرب من الكذابين المذمومين فكيف إذا كان إنما بين مراده ولم يرجع عنه لأنه عند هؤلاء في خطاب المسخوطين خاصة كقول يوسف معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون ولو كان له رغبة في رحمتهم وإسعادهم وجد اليه السبيل والله سبحانه أعلم وأحكم

ومن أمثلة ذلك الحالف على أن لا يفعل ما يستحب فعله فان كان له حكمة مرجحة لتركه وهو يخفيها كان له في اليمين عذر وإن أحب أن يفعل المستحب كان له فيه المخرج ولله تعالى من ذلك كله أجمله وأحسنه وأكثره حمدا وثناء

وقد ذكرت في العواصم من أحاديث الرجاء المبينة للمراد في عمومات الوعيد أكثر من أربعمائة حديث من دواوين الاسلام المعروفة مع ما شهد لها من الآيات القرآنية ومن أعظمها بشرى حديث معاذ المتفق عليه وفيه


350
أنه قال أفلا أبشر الناس قال دعهم يعملوا فدل على أنه على ظاهره وعلى أن جانب الرجاء مكتوم للمصلحة يوضحه حديث من مات له ثلاثة لم تمسه النار قالوا واثنان قال واثنان فقد كان أوهمهم بمفهوم العدد أن الرجاء يختص بالثلاثة ولم يبدأهم بالبشرى بالاثنين لمصلحة التخويف ومنه قوله في ذلك لم تسمه النار إلا تحلة القسم فدل على أن القدر الواجب المقسم عليه مجرد الورود في حق المسلمين ولله الحمد

ومن ذلك أحاديث خروج من دخل النار من الموحدين برحمة الله تعالى ثم بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وشفاعته من رحمة الله تعالى والذي حضرني الآن من الأحاديث المصرحة بخروجهم من النار أحاديث كثيرة جدا عن أكثر من عشرين من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله من ذلك في علوم آل محمد صلى الله عليه وسلم وآله عن علي بن أبي طالب عليه السلام في باب ما يقال بعد الصلاة وفي مسند أحمد عن أبي بكر رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنهما وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وأبي هريرة وفي البخاري وحده عن عمران بن حصين وفي صحيح مسلم وحده عن ابن مسعود وجابر بن عبد الله وفي مستدرك الحاكم عن أبي موسى عشرتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله بذلك بألفاظ صريحة ضرورية لا تحتمل التأويل

وفي مجمع الزوائد مثل ذلك عن عشرة من الصحابة غير هؤلاء الذين ذكرتهم ذكرتهم في العواصم والتواتر يحصل بهذا بل بدون ذلك ولا يشترط في رجاله العدالة كيف وقد اجتمعا غالبا وما زالوا يروون ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وبعده لا ينكره منكر ولا يزجر عنه أحد ثم وافقهم جماعة كثيرة على هذا المعنى لكن بغير لفظ الخروج من النار وذلك كثير جدا منهم من روى أن الشفاعة نائلة من مات لا يشرك بالله شيئا كعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبي ذر الغفاري وعبد الله بن عمرو وعوف بن مالك وأبي هريرة وابن عباس ومعاذ وأبي موسى وأنس وأبي أيوب وأبي سعيد ومنهم من روى حديث شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي كما ثبت ذلك من حديث جابر بن عبد الله


351

وأنس بن مالك وابن عمرو رواه الحاكم في المستدرك من حديث جعفر ابن محمد الصادق عن أبيه الباقر عن جابر وفي حديث ابن عمر حرب بن شريح وثقه جماعة وفيه خلاف يسير ينجبر بالشواهد وروى عنه نحو ذلك بغير لفظه من طريق النعمان بن قراد وهو ثقة رواهما الهيثمي في مجمعه ولفظ حديث النعمان أن شفاعتي ليست للمؤمنين المتقين لكنها للمذنبين الخاطئين المتلوثين وروى الهيثمي نحو ذلك عن أم سلمة وعبد الله ابن بسر وأبي أمامة ومنهم من روى أن الله يفدي كل مسلم بكافر كما رواه مسلم من حديث أبي موسى بأسانيد على شرط الجماعة

ومن ذلك ما ورد فيمن كان آخر كلامه لا أله إلا الله وقد تقصاها الحافظ ابن حجر في تلخيصه في كتاب الجنائز ثم ما ورد في الرجاء لأهل الأمراض والفقر والمصائب وفي موت الاولاد والاصفياء وفي هذا النوع وحده عن ثمانية عشر صحابيا ثم ما جاء في فضائل الايمان والاسلام والوضوء والصلوات والصدقة والصلة والجهاد والشهادة والاذكار وسائر الاعمال الصالحة مع ما شهد لذلك من سعة رحمة الله تعالى المنصوصة في الكتاب والسنة وأنها الموجبة دخول الجنة لا العمل في أربعة عشر حديثا ويشهد لها أن الله تعالى سمى الجنة فضله في غير آية وأن المائة الرحمة أعدت ليوم القيامة في عشرة أحاديث ويشهد لها قوله تعالى كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه وما دل على جواز ورود ذلك من آيات القرآن الكريم وهي أنواع كثيرة

منها قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وهي أبين آية في الوعد والوعيد وقد جودت الكلام عليها في العواصم بحمد الله تعالى


352

ومنها قوله تعالى بعد ذكر المتقين والفراغ منه ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا

ومنها قوله تعالى ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن في أربع آيات فانها أخص وأبين من وصف المؤمنين بعمل الصالحات إذ لا يمكن إحاطة الواحد منهم بها كلها كما اعترف بها الزمخشري وإن المعنى في عملها عمل بعضها فأما قول الكوفيين إن من قد تكون زائدة في الاثبات فلا يقطع الرجاء لو سلم لأن الاكثر أنها فيه للتبعيض عند الجميع ومجرد تجويز أنها للتبعيض يوجب الرجاء لو كان نادرا كيف وهو الأكثر إذ لا يجوز القطع في موضع الاشتراك بغير قاطع فثبت الرجاء على كل تقدير ويعضده الوعد على الواحد منها كقوله تعالى ومن يوق شح نفسه و إن تقرضوا الله قرضا حسنا مع شهادة السنة لذلك مثل حديث أربعين خصلة وحديث اتقوا النار ولو بشق تمرة وقد بسط في العواصم

ومنها قوله تعالى خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وقد أوضحت هنالك وفي الاجادة أن الاستثناء من الشر للنقصان ومن الخير للزيادة لقوله في أهل الحسنى لهم الحسنى وزيادة وفي آية لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد وفي أخرى ويزيدهم من فضله

وفي دواوين الاسلام الصحاح من غير طريق يقول الله الحسنة بعشرة أمثالها أو أزيد والسيئة بمثلها أو أعفو رواه ابن عباس وأبو سعيد وأبو ذر وأبو رزين أربعتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ولذلك قال الله تعالى بعد الاستثناء من خلود أهل الجنة عطاء غير مجذوذ فأشار إلى أن الاستثناء فيها للزيادة كما ثبت في سائر الآيات والأحاديث وكما


353
قال بعد ذكر ثواب المؤمنين بالجنة ورضوان من الله أكبر ويشهد لذلك قوله تعالى وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ولم يقل هنا إلا هو كما قال في كشف الضر وهذا من لطف هذا الباب وأوضح منه قوله تعالى ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما ولم يقل ليجزي الصادقين إن شاء كما قال في العذاب وفي سورة الليل تخصيص الحسنى وهي الجنة بالوعد على التصديق بها والوعيد على التكذيب بها وفي الصحيح المتفق على صحته حديث لم تمسه النار إلا تحلة القسم وفيه مأخذ قوي في معرفة القدر المقسم عليه منه والله أعلم

ولهذا شواهد في القرآن والسنة يحصل بمجموعها قوة كثيرة ومما قيل أنه وقع من ذلك قصة يونس لقوله تعالى إلا قوم يونس الآية والوقوع فرع الصحة وأدل منها فكم من ممكن لم يقع ولا يقع ويستحيل فيما وقع أن يكون غير ممكن وقد جود القرطبي الكلام في قصتهم في تذكرته وقال إن توبة الله عليهم محض التفضل لأنهم قد كانوا مضطرين إليها بمشاهدتهم العذاب الذي وعدهم به يونس صلوات الله وسلامه عليه والله سبحانه أعلم لكن يعارض ما ذكره قصة فرعون فانه لم يقبل إيمانه حينئذ بل قال الله تعالى له آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين

والحق أن الله لا يخلف الوعيد الا أن يكون استثنى فيه وليس كل من شاهد العذاب اضطر إلى الايمان لأنه قد يشك في أنه عذاب من الله أو من مصائب الدنيا كما كان من ابن نوح فانه قال بعد مشاهدة الغرق الخارق والوعيد به سآوي إلى جبل يعصمني من الماء فدل علي


354
اختلاف أحوال الخلق في ذلك وبعد فالاضطرار فعل الله تعالي بالاتفاق فلا ينكر أنه يفعله لبعض دون بعض

وأصح التفسير تفسير القرآن بالقرآن ثم بالحديث فاذا اجتمعا وكثرت الأحاديث وصحت كان ذلك نورا علي نور يهدي الله لنوره من يشاء وكل ذلك رجاء مقرون بالخوف مقطوع عن الامان لجهل الخواتم ولقوله تعالي لمن يشاء بعد قوله ويغفر ما دون ذلك ولقوله في الصالحين والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون وفي آية إن عذاب ربك كان محذورا فلا يقتضي شيء من ذلك الاغراء والفساد لأن الشفاعة إنما هي شفاعة من النار بعد دخولها وذلك من أعظم الصوارف عن المعاصي مع ما يقع بسبب المعاصي في الدنيا والقبر ويوم القيامة من المؤاخذة علي ما شهدت به الآيات والأخبار وكفي بقوله تعالي في مصائد الدنيا وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وفي قراءة فبما كسبت أيديكم

وقد ذكرت في العواصم في التخويف أكثر من عشرين آية من كتاب الله تعالي مما يختص بعصاة المسلمين وذكرت هنالك أيضا حديثا كثيرا في التحذير من مكر الله وشديد عقابه أعاذنا الله منه وختمت بذلك الكلام في الرجاء كيلا يظن الجهال أن المقصود بالرجاء هو الامان والتفريط وتضييع الاعمال واطراح التقوي وقد جود الكلام في هذا المعني الشيخ العلامة الشهير بابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الاسلام ابن تيمية في كتابه الجواب الكافي فليطالع فانه مفيد جدا

والجمع بين الخوف والرجاء سنة الله وسنة رسله عليهم السلام وسنة دين الاسلام والاولي للانسان تغليب الخوف في حق نفسه إلا عند اقتراب الاجل الاقتراب الخاص أعني عند ظهور امارات الموت في المرض الشديد


355
وإلا فالموت قريب غير بعيد وذلك لما صح أن الله تعالي يقول أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء ولهذا الحديث لم يكن تقديم عمومات الوعيد أولي من تقديم خصوص آيات الرجاء وأحاديثه مع ما عضد هذا الحديث من نحو قول الملائكة عليهم السلام للخليل عليه السلام فلا تكن من القانطين وقوله في جوابهم ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون مع ما ورد في كتاب الله تعالي من شواهد ذلك كقوله تعالي يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون هذه الآية تفسير قوله إنما يخشى الله من عباده العلماء لأنه قصر الخشية عليهم حيث علموا الدار الآخرة دون الكافرين كما دل عليه أول الآية ولم يقصرهم علي الخشية دون الرجاء كما دل عليه وصفهم برجاء رحمة الله تعالي في غير آية وقوله تعالي لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وقوله تعالي أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم وقوله تعالي يرجون تجارة لن تبور وقوله تعالي ما لكم لا ترجون لله وقارا وقوله تعالى والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين وقوله تعالي وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين إلي بما قالوا وقوله تعالى وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين فأكد الطمع بقوله إن رحمت الله قريب من المحسنين وهم المخلصون لإيمانهم من النفاق كما قرر في موضعه وقوله تعالى ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين فأكد الرهب بذكر الخشوع فبين أنه المقصود لا القنوط
356
وقول الخليل عليه السلام ومن عصاني فإنك غفور رحيم وقول عيسي عليه السلام وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم وفي الخوف أكثر من ذلك كقوله ولمن خاف مقام ربه جنتان وقوله تعالي ذلك لمن خشي ربه وقوله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء وقوله تعالي في الملائكة يخافون ربهم من فوقهم وقوله تعالى في الصالحين إن عذاب ربهم غير مأمون وقوله تعالى وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله والله إني لأخشاكم لله وأمثال ذلك مما يطول ذكره

والجمع بين الرجاء والخوف من وجهين أحدهما أن يرجو حين يذكر صفات ربه ويخاف حين يذكر صفات نفسه لقوله تعالى من خشي الرحمن فسماه بالرحمن في حال خوفه وثانيهما أن يخاف على نفسه ويرجو لغيره وتأمل قول الخليل عليه السلام في خوفه على نفسه والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ولم يقل والذي يغفر لي كما قال والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين وكذا قوله عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا وقال عليه السلام في حق غيره ومن عصاني فإنك غفور رحيم فانظر ما أشد خوفه على نفسه وأوسع رجاءه لغيره وهذا عكس ما عليه الاكثرون والله المستعان

فان قيل هذا الكتاب مبني على الاحتياط ومذهب الوعيدية أحوط فكيف لم تلتزمه في هذه المسألة

فالجواب أن الاحتياط باق مع الرجاء والخوف لوجهين أحدهما أن المفسدة إنما هي في الأمان لكن من لم يتأمل لم يفرق بين الامان والرجاء والفرق بينهما واضح ولذلك قيل من رجا خاف ومن خاف رجا ومن قديم ما قلت في هذا المعني هذه الأبيات


357

عذلي عابوا رجائي
عذلي جاروا وتاهوا

كيف لا أرجو الذي لا
يغفر الذنب سواه

جاء في القرآن منصوصا
وكل قد رواه

وهو أعلي رتب المجد
بعفو هو ما هو

قصر المدح عليه
فانظروا ذا المدح ما هو

هو حق أو محال
أو صحيح أو سواه

لا ومن لا يغفر الذنب
وإن جل سواه

إنه للحق صدقا
وصدوق من رواه

وسعيد من تلقا
بصدق ورجاه

وظلوم من يسميه
مني خاب مناه

الاماني رده الحق
اجتهادا بهواه

أو يري أهدي من
القرآن نهجا ما رآه

ويري الباطل في
مفهومه مهما تلاه

غير أن الله للعبد
بخوف ابتلاه

لصلاح فيه لا يغني
عن الخوف سواه

نحمد الله علي الخوف
فمولانا قضاه

لو محا الخوف رجائي
لمحا الخوف قضاه

من رجا خاف من الله
ومن خاف رجاه

ولذا اختص أولو العلم
ومن قد اصطفاه

بمزيد الخوف لله
مع وعد رضاه

لو رجا الكافر أوخاف
وقاه وكفاه

ذا رجائي فيه وإلا
رجاء زور لا أراه

فاعرف الارجاء تعلم
أن رجواه سواء

وثانيهما أن الاحتياط إنما هو بالعمل الصالح فان العمل الصالح هو موضع الاحتياط فاما مجرد الاعتقاد فلا يمكن أن يكون أحد الاعتقادين


358
أحوط ههنا لأنه من قبيل التصديق وهو واجب في الموضعين بل هو في الرجاء أوجب اجماعا وإنما يمكن اعتقاد الاصح ولذلك اختلفت الملائكة عليهم السلام وكان الصواب مع من رجا منهم كما تقدم في أول هذه المسألة

ويدل علي ذلك وجوه

الوجه الأول أن المقتضي للرجاء تقديم الخاص على العام عند تعارض السمع في ذلك وذلك واجب ولا يمكن أن يكون ترك الواجب أحوط لأن تركه حرام وارتكاب الحرام يناقض الاحتياط وينافيه فلم يمكن الاحتياط إلا في العمل فان زعموا ان العموم في مسائل الاعتقاد قطعي فلا يجوز تخصيصه فالجواب من وجوه أولها أنه يلزمهم مثله في عمومات الوعد بالمغفرة كقوله تعالى يغفر لمن يشاء وقوله تعالى إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم وقوله تعالى ( ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ) في ثلاث آيات وقوله تعالى يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا وقوله تعالى أعدت للكافرين وفي الجنة أعدت للذين آمنوا بالله ورسله وغير ذلك مما يطول ذكره وتقدم بعضه بل المحافظة على الصدق في الوعد أوجب لأن الخلف فيه قبيح ضرورة وإجماعا وفي الوعيد لا ضرورة فيه ولا إجماع وثانيها ان المخصصات قواطع كقوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقوله تعالى أعدت للكافرين وقوله أن العذاب على من كذب وتولى وقوله لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وغير ذلك وقد بسطت الردود على مطاعن المخالف في الاحتجاج بها وغايتها ظواهر مثل عموماتهم فان وجب الجزم على ما يفهم من عموماتهم لعلة وجب الجزم على ظواهر هذه لتلك العلة بعينها بل البعد عن الخلف في الوعد أوجب لما تقدم وإن جاز حمل هذه على غير ظاهرها لدليل منفصل جاز في عمومات الوعيد مثل


359
ذلك وكانت هذه هي الادلة المنفصلة وإن لم يسلموا أنها قاطعة كانت معارضة توجب الوقف وأحاديث الشفاعة المصرحة بخروج الموحدين من النار قاطعة في معناها بالاجماع وهي قاطعة في ألفاظها كما أوضحناه فيما تقدم لورودها عن عشرين صحابيا أو تزيد في الصحاح والسنن والمسانيد وأما شواهدها بغير لفظها فقاربت خمسمائة حديث فيها كثير من طريق أهل البيت عليهم السلام كما مضى ورابعها أنه لا يمكن القطع على تكذيب رواتها خاصة ومنهم جماعة من أهل البيت عليهم السلام ومتى لم يمكن حصل التجويز ومتى حصل وجب قبول الثقة وخامسها أن المخالف وافق على قبول الآحاد في مثل ذلك حيث يحتاجه كما قبلوا استثناء الدين من المغفرة للشهيد وهي قرآنية واستثناء علي عليه السلام من قوله تعالى فإن لم تفعلوا في آية النجوى وغير ذلك وسادسها أنهم أهل الدعوى والحجة عليهم وليس بأيديهم إلا ظواهر معارضة بأمثالها وفي الموضع الثاني من الفصل الثالث من الجوهرة في أقسام الخصوص أنه لا وجه للمنع من تخصيص الاخبار مع القرائن والاحتجاج على الجواز بالعقل والسمع

قلت ومن الأدلة قوله تعالى في ريح عاد ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وقوله تعالى فيها تدمر كل شيء بأمر ربها مع قوله تعالى فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم فخص مساكنهم

وقال في سورة القمر إلا آل لوط نجيناهم بسحر وخص امرأته من هذا العموم في الحجر والنمل خصوصا منفصلا وأمثال ذلك كثير

وأما الاشعار الجملي بأن هذا العموم مخصوص فلو كان لوجب أن ينقل عادة لكثرة العمومات المخصوصة فلما لم ينقل ألبتة علم بالعوائد أنه لم يكن فلم يبق إلا أن كثرة وقوع التخصيص بعد العموم في اللغة والشرع تنزل منزلة الاشعار بأن صيغة العموم ظنية لا يجوز استناد الاعتقاد القاطع


360
اليها وكان هذا بمنزلة القرينة الصارفة عن القطع كما فهمت ذلك الصحابة على ما شرح مطولا في العواصم لذلك جعلوا الاسباب في كثير من المواضع قرائن قاصرة للعموم بل لأجل هذه الكثرة في تخصيصه قال المرتضى الموسوي أنه مشترك بين العموم والخصوص ومتى لم يجد الوعيدي شفاء في هذه الادلة فلينظر في عمومات الوعد التي هي أوجب صدقا من عمومات الوعيد وكيف أجتزئ فيها باليسير من هذا ولم يجتزأ منه بشيء في حق خصمه فيعرف طبيعة العصبية الغالبة فربما خفيت على المنصف حتى يتأملها حق التأمل والله الهادي وفي الموضع الرابع في وقت بيان الخطاب من الفصل الثاني في الكلام في المجمل والمبين من الجوهرة أيضا أن ذلك يعني تجويز تخصيص الاخبار يؤدي إلى الاغراء بالقبيح واعترضه القاضي في تعليقه بما حاصله أن الجزم في موضع الظن خطأ من المكلف وقع منه باختياره القبيح ولا ملجئ اليه وإن كان يكفيه اعتقاد أن ظاهر ذلك العموم حقيقة لا مجاز ما لم يرد مخصص مع اعتقاده أيضا لاحتمال العموم حين ورد للتخصيص كما هو مقتضى اللغة التي نزل علها القرآن وكما هو معتقده في عمومات الوعد وقد بسط هذا بسطا شافيا في العواصم في مقدار مجلد كبير لمن أحب التوسع في معرفة ما ورد في هذه المسألة

الوجه الثاني من الأصل أن المرجح له الاحتراز من تجويز الخلف على الله تعالى في الوعد بالخير لأنه متفق على المنع منه عقلا وشرعا وإجماعا من الامة الاسلامية وسائر الملل والرجح للوعيد المحافظة على الصدق في الوعيد بالعقوبة وقد تقدم ما فيه من الخلاف والاحتمال والتعارض في الأدلة وأنه قد يسمى عفوا لا خلفا وأنه من التبديل إلى ما هو خير ونحو ذلك مع أنه قد اقترن به ما يمنع أن يكون خلفا وفاقا من شرط المشيئة ومن الفداء لكل مسلم بكافر ونحو ذلك ولا شك في ترجيح الأول على الثاني لأن من تعمد القول بتجويز الخلف على الله في الوعد بالخير فقد كفر بالاجماع والخطأ فيما عمده كفر بالاجماع أشد قبحا والاحتراز منه أوجب عقلا وسمعا وقد قال الله تعالى واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم


361
) وقال فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ولا شك أن تغليب جانب الرحمة وما يناسبها أكثر ثناء على الله تعالى ولذلك كتبها على نفسه وتمدح بها وكثر اسماءه المشتقة منها ومدح العافين والكاظمين كما يجيء في الوجه السابع إن شاء الله تعالى

الوجه الثالث أنه قد ورد الوعيد الشديد على سوء الظن بالله تعالى وعلى عدم قبول البشرى كما تقدم قريبا في نهي الملائكة للخليل عليه السلام عن القنوط وفي جوابه عليهم وقال الله تعالى في ذلك والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم فخص الكافرين باليأس من رحمته وتوعدهم عليه بأليم عقابه وقال تعالى إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وقال إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم بفتح أنه وهي قراءة وبذلك وردت السنة الصحيحة المفسرة للقرآن فصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال ( يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء ) وحديث الأمر بقبول البشرى وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم وآله قال لأعرابي أبشر فقال قد أكثرت علي من أبشر فأقبل على بعض أصحابه وقال إن هذا رد البشرى فأقبلا أنتما رواه البخاري وفي المستدرك ومسند أحمد من حديث عكرمة بن عمار عن صمضم بن جوسي اليمامي عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله يقول كان في بني إسرائيل رجلان كان أحدهما مجتهدا في العبادة وكان الآخر مسرفا على نفسه وكانا متآخيين فكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب فيقول يا هذا أقصر فيقول خلني وربي أبعثت علي رقيبا قال إلى أن رآه يوما على ذنب استعظمه فقال له ويحك أقصر فقال خلني وربي أبعثت علي رقيبا فقال والله لا يغفر لك فبعث الله اليهما ملكا فقبض أرواحهما فاجتمعا عنده فقال للمذنب اذهب فادخل الجنة برحمتي


362
وقال للآخر أكنت بي عالما أكنت على ما في يدي قادرا اذهبوا به إلى النار قال فوالذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أذهبت دنياه وآخرته اه ويشهد له أحاديث ذم التألي على الله تعالى والنهي عن ذلك كما ذكره ابن الأثير في النهاية ويعضده الحديث الصحيح صدفة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته

وقد جمعت في هذا المعنى مصنفا مفردا سميته قبول البشرى وشرط الاحتياط أن لا يكون فيه مخافة وفي القنوط واليأس من رحمة الله تعالى وتقنيط الناس منها مع نصه على أنها كالعلم في سعتها أعظم مخافة فامتنع أن يكون ذلك وما يستلزمه أو شيء منه أو يقاربه هو الاحوط خصوصا وقد ينتهي ذلك إلى الكفر في صورتين أحدهما أن يرد ذلك أحد بعد التواتر له ومعرفته بتواتره عنادا لخصمه ويقرب منه من يكذب مع تجويزه أنه صدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله فانه لا يؤمن مع صحته أن يكون كفرا على اعتبار الانتهاء كمن يستخف بمصحف وقد أخبر أنه مصحف وهو يجوز صدق من أخبره ولأن فيه مضارعة للاستهانة بأمر النبوة حين أقدم على التكذيب من غير ملجئ اليه مع تجويز أنه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ولذلك حرم تكذيب ما يجوز صدقه من أخبار أهل الكتاب لكن لا يقطع أنه كفر لا مكان أن يكون الحق اعتبار الابتداء دون الانتهاء أو يسامح فيه لعدم تحققه

الوجه الرابع أنه لو اعتبر الاحتياط على ما توهمه السائل لكان الاحوط هو مذهب الخوارج من الوعيدية لأنهم يجعلون الصغائر المتعمدة كبائر ويجعلون جميع المعاصي كفرا إلا لسهو ونحوه وبه فسروا الصغائر وبعضهم يستثنى من ذلك ما فيه حد لأن الكفر لا يجب معه حد لكن الأدلة قامت على بطلان قولهم والنصوص تواترت بمروقهم والامر بقتلهم فصح أن الأحوط اتباع البراهين الصحيحة دون مجرد التشديد


363
أحاديث الرجاء في كتب أهل البيت وجميع فرق الاسلام كما تقدم واختلفت الملائكة فيها وكان الحق فيها مع ملائكة الرحمة كما مضي

الوجه السادس أن الرجاء شرع للمصلحة الدينية لا للمفسدة وما شرع للمصلحة الدينية لم يكن تركه أحوط وتلك المصلحة هي قوة دعاء الرغبة الممدوح في قوله تعالى ويدعوننا رغبا ورهبا وتضعيف مفسدة القنوط المذموم بالنص والاجماع وعدم الكبر على العصاة المذموم بالنص في تفسير الكبر والتخلق بأعدل الاخلاق وأدلها على الانصاف وهو تغليب الرجاء على الخوف في حق الغير وتغليب الخوف على الرجاء في حق النفس وهذا هو معظم المصلحة فيه وإنما يلزم الفساد لو عكسنا ذلك وجعلناه وسيلة إلي المعاصي وأما مع إثبات الخوف وترجيحه في حق النفس فهو سبب الصلاح للأخلاق والاعمال وسنة الانبياء والأولياء

بيان ذلك أن الخليل عليه السلام جادل عن قوم لوط على جهة الرجاء لفضل الله ورحمته لعله يمهلهم حتى يتوبوا اليه أو غير ذلك مما كان يسوغ ويحتمل في شريعته عليه السلام فمدحه الله تعالى بذلك وقال في ذلك إن إبراهيم لحليم أواه منيب مع خوفه على نفسه كما تقدم حيث قال والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ولم يقل والذي يغفر لي وكذلك قال عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا وكذالك قال عيسى عليه السلام فيمن أشرك بعبادة عيسى إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم وقال إبراهيم عليه السلام أيضا ومن عصاني فإنك غفور رحيم فدل على أن سعة الرجاء للخلق مع التجويز لا تخالف الاحوط وأنه لا ذم فيه ولا شبهة لأنه لا أبعد من الذم والشبهة من مثل خليل الله وروحه عليهما السلام ولذلك قال علي عليه السلام الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم مكر الله تعالى

الوجه السابع إن الرجاء مقتضي اسماء الله تعالى وممادحة الغالية السابقة المكتوبة الواجبة أسماء الرحمة المحكمة والفضل العظيم التي هي


364
أم الكتاب والمقصود الأول باجماع الحكماء والسلف الصالح كما تقدم في إثبات حكمة الله تعالى وإن الخبر هو المراد لذاته والمراد الأول كما بسط في أواخر حادي الأرواح فينظر فيه فانه من أنفس المصنفات في ذلك والخوف إنما وجب لأمر عارض وهو خوف فساد العبد وغلبة هواه عليه فجعل وازعا له عنه أو صارفا ولذلك كره عند أمان المعصية عند النزع وترقب لقاء الله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم وآله لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه فعلى قدر الخوف من الوقوع في المعاصي يحسن تقوية الخوف من العذاب ولا شك في غلبة الهوى للابتلاء فيجب تقوية الخوف واللجأ إلي الله تعالى في ذلك وهو نعم المعين

ثم إن هذه المسألة مما لا تجب معرفتها على كل مكلف لكن من عرف الحق فيما لا يجب لم يحل له جحده ولا يصح أن يسمى جحده احتياطا وإن كان قد سوغ كتمه في هذه المسألة في بعض المواضع حيث يخاف منه مفسدة كما ورد في بعض الاخبار ولا يجوز أن يقال أنه مفسدة مطلقا لأن ذلك يكون ردا على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وآله وقد سمعه أصحابه والتابعون من أصحابه ولم يفسدوا به بل قد بشر بالجنة منهم جماعة بأسمائهم فلم يفسدوا بذلك فمن فسد فبسوء اختياره ونسبته لفساده إلي بشرى الله ورسوله وحسني أسمائه جناية أعظم من جنايته وذلك بمنزلة من يقول من الخوارج إن اثبات الصغائر مفسدة أو يمنزلة من يقول إن قبول التوبة مفسدة

فان قيل إن الرجاء يؤدي إلي تجويز أن الايمان قول بلا عمل وأن الجنة ترجى بغير استحقاق لها بالعمل ولاول مذموم عند الجمهور والثاني خلاف النص في قوله تعالى ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون

فالجواب أن هذا غلط فاحش لأن القول من الاعمال نصا وإجماعا إذ لا خلاف معتبر إن النار لا تدخل بغير عمل ونصوص القرآن في ذلك لا تحصى وإن الشرك بالقول عمل موجب لعذاب النار فمن قال بذلك كيف يستطيع ان ينكر أن يكون التوحيد عملا مثل ما ان الشرك عمل هذا مع ما ورد في الحديث الصحيح أن لا إله إلا الله أفضل العمل وأجمعت


365
الامة على ذلك حيث يموت من قالها عقيب قولها وعلى أنه لا يرد عليه هذا السؤال بل هو معلوم ضرورة من دين الإسلام وأما قول القائل أن الجنة لا تدخل ألا بالاستحقاق بالعمل بالنص فهذا كلام من لم يعرف النص لأن شرطه عدم الاشتراك والاشتراك في معنى الباء معلوم فقد تكون للثمن وللسبب وهو أولى هنا للحديث المتواتر ولتسمية الجنة فضل الله في كثير من الآيات كما بين في موضعه فالخلاف إذا في كيفية الجمع بين الآيات ونحوها
366
فصل في ذكر من يقول بالرجاء ومن يقول بالارجاء والفرق بينهما

ثم إن القول بالرجاء مشهور في كل مذهب ذكره الحاكم في شرح العيون عن جماعة من المعتزلة وذكر أن المعتزلي ليس هو الذي لا يقول بذلك ونسب ما يقتضي ذلك إلى زيد بن علي عليه السلام في ترجمة له غير ترجمته المبسوطة وتقدم شهرة ذلك أو تواتره عن علي عليه السلام لروايته عنه من بضعة عشر طريقا

وفي تذكرة القاضي شرف الدين الحسن بن محمد النحوي عن زيد بن علي ما يدل على ذلك وهو قوله بالصلاة على الفاسق وفي اللمع في الصلاة على الملتبس حاله إن المصلي عليه يقول في الدعاء له اللهم إن كان محسنا فزده إحسانا وإن كان مسيئا فأنت أولى بالعفو عنه وهذا تجويز للعفو عنه بل تحسين له وترجيح لا يوافق قول الوعيدية بل هو عين الرجاء ولذلك اعترضه بعض الوعيدية المتأخرين وفي التذكرة أيضا أن الارجاء ليس بكفر ولا فسق ذكره حيث ذكر أن المبتدع بما لا يتضمن الكفر والفسق مقبول الشهادة ومثل ذلك بالارجاء مع أن الارجاء غير الرجاء فان الارجاء عند أهل السنة مذموم وإن لم يصح في ذمه حديث

وقال الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى في الكلام في التكفير في المسألة السابعة ما لفظه لم تكفر شيوخنا المرجئة لأنهم يوافقونهم في جميع قواعد الاسلام لكنهم قالوا عني الله بآيات الوعيد الكفرة دون بعض الفسقة أو التخويف دون التحقيق وإن ذلك ليس بكفر اه وذكر نحو ذلك الحاكم في شرح العيون وذكره نحوه القاضي عبد الله بن حسن الدواري في


367
تعليقه على الخلاصة وقيل في توجيه ذلك أن معناه أنه لا خلاف أن الوعيد مشروط لكن عند الوعيدية أنه مشروط بعدم التوبة من المعاصي لا سواء وعند أهل السنة بعدم التوبة أو عدم العفو وعند المرجئة بعدم الاسلام ولا قائل منهم بتجويز الكذب ألا ترى أن علماء التفسير وعلماء الاسلام قد يختلفون في بعض ما أخبر الله عنه أنه يفعله لاختلافهم في توقف ذلك الخبر على شرط منفصل كما اختلفوا في انزال المائدة مع قوله تعالى إني منزلها عليكم من غير تجويز كذب على الله تعالى كما اشتملت عليه كتب التفسير والله تعالى أعلم بل قد وعد الله الداعين بالاجابة في كتابه ووردت السنة بشروط في ذلك منها أن لا يعجل الداعي ويقول قد دعوت فلم أجب ونحو ذلك

وكذلك أجمعوا على أن الوعد يتوقف على شرط في كثير كوعد من أقرض الله قرضا حسنا بالمغفرة والمضاعفة فانه لابد فيه من شرط الموت على الاسلام اجماعا فلذلك لم يكن القول بتوقيف الوعيد على شرط منفصل كفرا لأنه ليس فيه نسبة قبيح إلى الله تعالى

ويدل على قول أهل السنة أن الوعيد مشروط بعدم التوبة وعدم العفو جميعا قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وهي أخص من قوله تعالى من يعمل سوءا يجز به وأبين فيجب تقييدها بعدم العفو مثل تقييدها بعدم التوبة سواء وخاصة مع ما ورد بتفسيرها بذلك من حديث علي عليه السلام وفي تفسير من يعمل سوءا يجز به من حديث أبي بكر رضي الله عنه وما صح وتواتر من قول الله تعالى الحسنة بعشرة أمثالها أو أزيد والسيئة بمثلها أو أعفو والله أعلم

وممن روى عنه الارجاء من المعتزلة في كتب المعتزلة محمد بن شبيب وغيلان الدمشقي رأس الاعتزال ومويس بن عمران وأبو شمر وصالح قبه والرقاشي واسمه الفضل بن عيسى والصالحي واسمه صالح بن عمرو والخالدي وغيرهم ذكرهم القاضي في تعليق الخلاصة وزاد الشهرستاني


368
مع هؤلاء من المعتزلة بشار بن عتاب المريسي والغياثي وقال القاضي في تعدادهم ومن الفقهاء القائلين بالعدل سعيد بن جبير وحماد بن سليمان وأبو حنيفة وأصحابه وأبو القاسم البستي من أصحاب المؤيد بالله وهو مذهب الامام الداعي إلى الله تعالى من أئمة الزيدية ذهب اليه واعترض عليه به

ورواه عنه السيد صلاح ابن الجلال رحمه الله تعالى وكذلك غير الامام الداعي من الزيدية مثل الفقيه محمد بن حسن السودي الصالح والسيد العلامة داود بن يحيى والفقيه العلامة علي بن عبد الله بن أبي الخير وغيرهم ممن عاصرته وأدركته

وفي الجامع الكافي على مذهب الزيدية عن محمد بن منصور في هذه المسألة أنه قال المؤمن المذنب لله تعالى فيه المشيئة إن غفر له فبفضله وإن عذبه فبعدله قلت فهذا رجاء لا ارجاء والرجاء مذهب أهل السنة والسلف وفي كتب الرجال نسبة الارجاء المذموم إلى جماعة من رجال البخاري ومسلم وغيرهما من الثقات الرفعاء منهم ذر بن عبد الله الهمداني أبو عمرو التابعي حديثه في كتب الجماعة كلهم وقال أحمد هو أول من تكلم في الارجاء وأيوب بن عائذ الطائي حديثه خ م ت د وسالم بن عجلان الافطس في ( خ د س ق ) وكان داعية إلى الارجاء وشبابة بن سوار أبو عمرو المديني وكان داعية وقيل أنه رجع عنه وابن عبد الرحمن أبو يحيى الحماني الكوفي حديثه عند خ م ت ق وكان داعية إلى ذلك وعثمان بن غياث الراسبي البصري في خ م د س وعمرو بن ذر الهمذاني الكوفي من كبار الزهاد والحافظ وكان رأسا في الارجاء حديثه في خ ت د س وعمرو بن مرة الجملي أحد الاثبات من كبار التابعين حديثه عند الجماعة كلهم وابراهيم بن طهمان الخراساني أحد الائمة حديثه عندهم وقيل رجع ومحمد بن خازم أبو معاوية الضرير أثبت أصحاب الاعمش حديثه عندهم وورقاء بن عمرو الكوفي اليشكري حديثه عندهم ويحيى بن صالح الوحاظي الحمصي حديثه عند خ م ت د ق وعبد العزيز بن أبي رواد الحمصي خرج له الاربعة واستشهد به البخاري فهؤلاء ممن ذكره ابن حجر في مقدمة شرح البخاري والذهبي في الميزان فكيف لو تتبع سائر الرواة من كتب الرجال الحافلة فلقد ذكر الذهبي في ترجمة هشام ابن


369
حسان من الميزان على هدبة بن خالد أحد رجال البخاري ومسلم أنه يقول عن شعبة بن الحجاج على جلالته أنه يرى الارجاء دع عنك الرجاء بل ذكر الذهبي في ترجمة الفضل بن دكين عن ابن معين أن الفضل إذا قال في رجل كان مرجئا فانه صاحب سنة لا بأس به وإذا أثنى على رجل أنه جيد فهو شيعي قال الذهبي هذا القول من يحيى يدل على أنه كان مائلا إلى الارجاء وهو خير من القدر بكثير

قلت وهو يحتمل ان ابن معين يعني أن الفضل كان يسمي الرجاء ارجاء تحاملا على أهل السنة أو عدم معرفة بالفرق بينهما كما هو عمل كثير من المتأخرين بل هذا الاحتمال أقوى والالزم أن يكون ابن معين يعتقد أن الارجاء مذهب أهل السنة كلهم وهذا باطل بالضرورة فقد رد كل واحد من أهل دواوين الاسلام الستة على المرجئة في كتبهم المشهورة

وأما أول من تكلم فيه فقيل ذر بن عبد الله كما تقدم عن أحمد وقيل الحسن بن محمد بن الحنفية كما في الملل والنحل وفي تهذيب المزي وفي غيرهما وفي البخاري ومسلم عن ابن مسعود ما يقتضي أنه تكلم فيه فان فيهما عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله كلمة وقلت الثانية قال من مات يشرك بالله دخل النار وقلت من مات لا يشر بالله دخل الجنة وفي رواية فيهما أنه يرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ذكرهما ابن الأثير في جامعه ونسب ذلك الشهرستاني إلى سعيد بن جبير وجماعة غير من ذكرت هنا والله أعلم من يصح عنه الارجاء ومن غلط عليه في تسمية الرجاء ارجاء فان الرجاء هو القول بان الله تعالى لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء على الاجمال في المغفور لهم لا في المغفور كما أوضحته في العواصم وجودت الكلام على هذه الآية في أكثر من كراس كبير

وأما الارجاء فهو القول بأن الله تعالى يغفر ما دون ذلك لأهل التوحيد قطعا وحملوا وحملوا الأحمال على أنه جاء لاخراج مغفرة الكبائر التي دون الشرك للمشركين فانه لو لم يجمل ذلك بالشرط المذكور لزم ذلك وزعموا أن بيان ذلك ورد في السنة وأن الخوف صحيح ولكن زعموا أنه لسوء الخاتمة


370
وخوف الموت على غير الاسلام وهذا القول الذي قالوه اسراف في القول ويخاف منه أن يقوي جانب الامان كما أن قول الوعيدية يخاف منه أن يقوي جانب القنوط وخير الأمور أوساطها والذي جاء في السنة مما يقتضي مذهب الارجاء معارض بأحاديث الشفاعة وفيها التصريح بدخول عصاة الموحدين النار ثم بخروجهم منها بالشفاعة والجمع بينها وبين تلك الأحاديث مذكور في العواصم فقد جاءت هذه المسألة فيه في مجلد ونسأل الله تعالى أوفر حظ ونصيب من خوفه ورجائه وطاعته وفضله العظيم ورحمته الواسعة السابقة الغالبة التي كتبها على نفسه أنه هو الغفور الرحيم

المسألة الثامنة في الولاء والبراء والتكفير والتفسيق وما يتعلق بذلك على طريق الاختصار قال الله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون وهي من قواعد هذا الباب والدواعي إلى المحافظة عليه وقال تعالى ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون وصح بلا خلاف حديث المرء مع من أحب وشواهده وطرقه كثيرة

وفي سنن أبي داود من حديث أبي ذر مرفوعا أفضل الاعمال الحب في الله تعالى والبغض في الله تعالى وللحاكم من حديث عائشة مرفوعا الشرك في هذه الامة أخفى من دبيب النمل وأدناه أن يحب على شيء من الحور ويبغض على شيء من العدل وهل الدين إلا الحب والبغض رواه الحاكم في تفسير آل عمران من المستدرك وقال صحيح الاسناد وفي مسند البراء من مسند أحمد حدثنا اسماعيل هو ابن ابراهيم بن علية قال حدثنا ليث عن عمرو بن مرة عن معاوية بن سويد بن مقرن عن البراء ابن عازب قال كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم وآله فقال أي عرى الاسلام


371
أوثق قالوا الصلاة قال حسنة وما هي بها قالوا الزكاة قال حسنة وما هي بها قالوا صيام رمضان قال حسن وما هو به قالوا الحج قال حسن وما هو به قالوا الجهاد قال حسن وما هو به قال إن أوثق عرى الاسلام أن تحب في الله وتبغض في الله عز وجل

وفي هذا فروع مفيدة الاول أن هذا كله في الحب الذي هو في القلب وخالصة لأجل الدين وذلك للمؤمنين المتقين بالاجماع وللمسلمين الموحدين إذا كان لأجل اسلامهم وتوحيدهم عند أهل السنة كما يأتي وأما المخالفة والمنافعة وبذل المعروف وكظم الغيظ وحسن الخلق واكرام الضيف ونحو ذلك فيستحب بذله لجميع الخلق إلا ما كان يقتضي مفسدة كالذلة فلا يبذل للعدو في حال الحرب كما اشارت اليه الآية لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين كما يأتي وأما التقية فتجوز للخائف من الظالمين القادرين وأما الفرق بين ما يجوز من المنافعة والمداهنة وما لا يجوز من الرياء فما كان من بذل المال والمنافع فهو جائز وهو المنافعة وربما عبر عنه بالمداهنة والمداراة والمخالفة وما كان من أمر الدين فهو الرباء الحرام ويأتي ما يدل على ذلك في الأدلة المذكورة في هذه المسألة

ومن كلام الامام الداعي إلى الله تعالى يحيى بن المحسن عليه السلام في الرسالة المخرسة لأهل المدرسة لا يجوز أن تكون الموالاة هي المتابعة فيما يمكن التأويل فيه لأن كثيرا من أهل البيت عليهم السلام قد عرف بمتابعة الظلمة لوجه يوجب ذلك فتولى الناصر الكثير منهم وصلى بهم الجمعة جعفر الصادق وصلى الحسن السبط على جنائزهم وأقام علي بن موسى الرضا مع المأمون وكثر جماعته وتزوج ابنه محمد ابنة المأمون وغير ذلك والوجه فيه أن الفعل لا ظاهر له فتأويله ممكن وذكر الامام المهدي محمد بن المطهر عليهما السلام أن الموالاة المحرمة بالاجماع هي موالاة الكافر لكفره والعاصي لمعصيته ونحو ذلك

قلت وهو كلام صحيح والحجة على صحة الخلاف فيما عدا ذلك


372
أشياء كثيرة منها قوله تعالى في الوالدين المشركين بالله وصاحبهما في الدنيا معروفا ومنها قوله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون وفي الحديث أنها نزلت في قتيلة أم أسماء بعد آيات التحريم رواه أحمد والبزار والواحدي وتأخرهما واضح في سياق الآيات وقرينة الحال مع هذا الحديث ومع حديث ابن عمر الآتي ولو لم يصح تأخر ذلك في هذين الحديثين وغيرهما فالخاص مقدم على العام عند جهل التاريخ عند الجمهور ورجحه ابن رشيد في نهايته بالنصوصية على ما هو خاص فيه ويدل عليه ما ثبت في القرآن والسنة الصحيحة المتفق عليها من حديث علي عليه السلام في قصة حاطب على ما ذكره الله تعالى في أول سورة الممتحنة وذكره أهل الحديث وأهل التفسير جميعا فان رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله قبل عذره بالخوف على أهله في مكة والتقية بما لا يضر في ظنه

فان قيل القرآن دال على أنه قد أذنب لقوله ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل فكيف يقبل ما جاء من قبول عذره

قلت إنما قبل عذره في بقائه على الايمان وعدم موالاة المشركين لشركهم ولذلك خاطبه الله بالايمان فقال يا أيها الذين آمنوا والعموم نص في سببه فاتفق القرآن والحديث وأما ذنبه فانه لا يحل مثل ما فعله لأحد من الجيش إلا باذن أميرهم لقوله تعالى وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به الآية ولأن تحريم مثل ذلك بغير إذن الأمير إجماع ومع إذنه يجوز فقد أذن في أكثر من ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآله حيلة في حفظ المال فلو كان مثل ذلك موالاة لم يأذن فيه صلى الله عليه وسلم وآله فدل


373
على أن ذنب حاطب هو الكتم لما فيه من الخيانة لأنفس الفعل لو تجرد من الكتم والخيانة والله أعلم

ويدل عليه قوله تعالى أشداء على الكفار رحماء بينهم وقوله تعالى فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون فأمره بالبراءة من عملهم القبيح لا منهم وكذلك تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم وآله مما فعل خالد بن الوليد ولم يبرأ منه بل لم يعزله من امارته ولأن الله تعالى علل تحريم الاستغفار للمشركين بقوله من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم فكل ذنب يستغفر أو نحو ذلك فيه لم تلزم لذنب الشرك في ذلك حتى احتج بها بعضهم على جواز الاستغفار للمشركين قبل أن يموتوا على الشرك وتأولوا عليه حديث اللهم اغفر لقومي فانهم كانوا جاهلين وهو في خ م وحديثا آخر لعلي عليه السلام في تأويل استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه كذلك رواه أحمد ويدل عليه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم عن ابن عباس هم الذين منعهم أهلهم عن الهجرة لما هاجروا ورأوا الناس قد فقهوا هموا أن يعاقبوا أهليهم الذين منعوهم ومن قال كانوا مشركين فليس بشيء لأنها مدنية وقد كان حرم نكاح الكوافر وفيه نظر ويدل عليه ما تقدم في حديث الحب على شيء من الجور والبغض على شيء من العدل ويدل عليه جواز نكاح الفاسقة بغير الزنا وفاقا ونكاح الكتابية عند الجمهور وظاهر القرآن يدل عليه وفعل الصحابة ومنه امرأة نوح وامرأة لوط وقوله للكفار هؤلاء بناتي هن أطهر لكم

ومن ها هنا أجاز المشددون في الولاء والبراء أن يحب العاصي لخصلة خير فيه ولو كافرا كأبي طالب في أحد القولين وعلى الآخر حب النبي صلى الله عليه وسلم وآله له قبل إسلامه وهو مذهب الهادوية ويدل لهم في المسلم حديث شارب الخمر الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم وآله عن سبه بعد حده وقال ( لا تعينوا


374
الشيطان على أخيكم أما أنه يحب الله ورسوله رواه البخاري وكذلك حديث ضمضم عن أبي هريرة في المتآخيين المجتهد في العبادة والمسرف على نفسه كما تقدم في المسألة السابعة بل يدل عليه في حق أهل لاسلام قوله تعالى وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده فجعل الايمان بالله وحده غاية ينقطع عندها وجوب العداوة والبغضاء ومنه استئذانه صلى الله عليه وسلم وآله في زيارة قبري والديه وزيارته لهما وشفاعة إبراهيم لأبيه فان الباعث على تخصيصهم بذلك هو الحب للرحامة ومنه فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فلعلك باخع نفسك لشدة شفقته ورفقه ومن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنه قال كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء قال يعني النبي صلى الله عليه وسلم وآله اني ادخرت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا بعد ورجونا رواه في مجمع الزوائد في موضعين من خمس طرق أحدها صحيح وله شاهد عن ابن مسعود بل أحاديث الشفاعة المتواترة تشهد له والله أعلم

فيه وفي آية الممتحنة فائدة نفيسة هي أن ذلك آخر الامرين إن روى ما يعارض هذه الأدلة وقد ذكرت في العواصم أدلة كثيرة على تأخر ذلك في أول مسألة الوعد والوعيد وهي مفيدة جدا ثم وجدته قد ذكره النووي وقواه في شرح مسلم ويعضده ما نص عليه من العفو عمن فر يوم أحد ومن حديث أهل الافك إلا الذي تولى كبره منهم لأنه عبد الله بن أبي بن سلول وهو منافق ومنه حديث مسطح ونزول الآية فيه ومنه تحريم المشاحنة والمهاجرة بل جعلها كالشرك في منع المغفرة للمتهاجرين حتى يصطلحا كما صح ذلك من حديث أبي هريرة وله شواهد كثير عن أبي بكر وعوف بن مالك وعبد الله بن عمر ومعاذ وأبي ثعلبة وأسامة وابن مسعود وجابر ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد في شحناء الرجل على أخيه والاخ يطلق على المسلم لقوله تعالى فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي إلى قوله إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم فسمى الباغي أخا ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله في المحدود


375
في الخمر لا تعينوا الشيطان على أخيكم كما تقدم ولأن العمل بذلك في أحاديث الشحناء وحقوق المسلم على المسلم هو الأظهر والأحوط ما لم يؤد إلى الفساد في الدين والتهوين لمعاصي رب العالمين ويخرج من هذا أهل النفاق بالنصوص والاجماع فلذلك قال أهل السنة تجب كراهة ذنب المذنب العاصي ولا تجب كراهة المسلم نفسه بل يجب لاسلامه قلت حبا لا يوقع في معصية ولا يؤدي إلى مفسدة ويكره ذنبه وهو قول أحمد بن عيسى من أهل البيت ذكر معناه عنه صاحب الجامع الكافي في ولاية علي عليه أفضل السلام

الفرع الثاني أن يسير الاختلاف لا يوجب التعادي بين المؤمنين وهو ما وقع في غير المعلومات القطعية من الدين التي دل الدليل على تكفير من خالف فيها والاصل في الامور المختلف فيها هو عدم العلم الضروري الذي يكفر المخالف فيه حتى يدل الدليل على ذلك وفي إثبات مسائل قطعية شرعية لا ظنية ولا ضرورية خلاف والصحيح أنه لا واسطة بينهما مثلما أنه لا واسطة بين التواتر والظن في الاخبار وفاقا وعلى هذا نقل التكفير والتأثيم والذي يدل على أنه معفو عن يسير الاختلاف وجوه

أحدها أنه وقع بين الملائكة عليهم السلام قال تعالى ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون وفي حديث البخاري ومسلم عن الخدري في حديث القاتل مائة نفس أنها اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب حتى أرسل الله ملكا يحكم بينهم

وثانيها ثبت في كتاب الله تعالى حكاية الاختلاف بين موسى والخضر وبين موسى وهارون وبين داود وسليمان وهو صريح ما نحن فيه لأن اختلافهما في حادثة واحدة في وقت واحد في شريعة واحدة

وثالثها ما رواه ابن مسعود قال سمعت رجلا قرأ آية وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله يقرأ خلافها فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهة فقال ? < كلاكما محسن ولا تختلفوا فان من قبلكم اختلفوا فهلكوا


376

رواه البخاري والنسائي وعن عمر بن الخطاب مثله في قضيته مع هشام بن حكيم رواه الجماعة كلهم ولهذا المعنى طرق جمة تقتضي تواتره ذكرتها في العواصم وفي خ م س عن جندب مرفوعا اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فاذا اختلفتم فقوموا عنه فهذا الخلاف الذي نهى عنه وحذر منه الهلاك هو التعادي فأما الاختلاف بغير تعاد فقد أقرهم عليه ألا تراه قال لابن مسعود كلاكما محسن حين أخبره باختلافهما في القراءة ثم حذرهم من الاختلاف بعد الحكم باحسانهما في ذلك الاختلاف فالاختلاف المحذر منه غير الاختلاف المحسن به منهما فالمحذر منه التباغض والتعادي والتكاذب المؤدي إلى فساد ذات البين وضعف الاسلام وظهور أعدائه على أهله والمحسن هو عمل كل أحد بما علم مع عدم المعاداة لمخالفة والطعن عليه وعلى ذلك درج السلف الصالح من أهل البيت والصحابة والتابعين وصنف محمد بن منصور في هذا كتاب الحملة والالفة وحكى فيه عن قدماء المعتزلة التوالي مع الاختلاف في بعض العقائد بل حكى ذلك عن قدماء العترة أيضا وقد نقلت كلامه في ذلك بحروفه إلى مسألة القرآن من العواصم

الفرع الثالث في التكفير والتفسيق بالتأويل لأنه لا يفيد إلا الظن وفي التكفير بالتأويل أربعة أقوال الأول أنه لا كفر بالتأويل الثاني أنه يكفر به ولكن لا تجري عليهم أحكام الكفار في الدنيا الثالث أن أمرهم إلى الامام في الاحكام الرابع أنه كالكفر بالتصريح فيكون قتالهم إلى آحاد الناس على الصحيح في الكفار بالتصريح واختلف في كفار التأويل من هم على أربعة أقوال أيضا الأول أنهم من أهل القبلة الثاني من ذهب إلى مذهب وهو فيه مخطئ بشبهة يعلم بطلانها دلالة من الدين والصريح بخلافه الثالث من ذهب إلى الخطأ بشبهة والصريح بخلافه الرابع من ورد فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أنه كافر والصريح بخلافه

واعلم أن أصل الكفر هو التكذيب المتعمد لشيء من كتب الله تعالى المعلومة أو لأحد من رسله عليهم السلام أو لشيء مما جاؤوا به إذا كان ذلك الأمر المكذب به معلوما بالضرورة من الدين ولا خلاف أن هذا القدر


377
كفر ومن صدر عنه فهو كافر إذا كان مكلفا مختارا غير مختل العقل ولا مكره وكذلك لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار وإنما يقع الاشكال في تكفير من قام بأركان الاسلام الخمسة المنصوص على اسلام من قام بها إذا خالف المعلوم ضرورة للبعض أو للاكثر لا المعلوم له وتأويل وعلمنا من قرائن أحواله أنه ما قصد التكذيب أو التبس ذلك علينا في حقه وأظهر التدين والتصديق بجميع الأنبياء والكتب الربانية مع الخطأ الفاحش في الاعتقاد ومضادة الادلة الجلية عقلا وسمعا ولكن لم يبلغ مرتبة الزنادقة المقدمة وهؤلاء كالمجبرة الخلص المعروفين بالجهمية عند المحققين وكذلك المجسمة المشبهة في الذات التشبيه المجمع على أنه تشبيه احترازا عما لا نقص فيه مجمع على أنه نقص مع اثبات كمال الربوبية وخواصها وجميع صفات الكمال وإلا كان كفرا صريحا مجمعا عليه وكذلك القدرية على كلا التفسيرين فان القدران فسر بعلم الغيب السابق فهم من نفاه ونفيه كفر بالاجماع وإن فسر بالجبر ونفى الاختيار عن العباد ونفى التمكين لهم فهم من أثبته كما تقدم بيانه فهؤلاء المشبهة والمجبرة معا اختلف علماء الاسلام في تكفيرهم بعد إجماعهم على تقبيح عقائدهم وانكارها فذكر الامام يحيى في التمهيد أنههم غير كفار واحتج على ذلك وجود القول فيه وذكر الشيخ مختار في كتابه المجتبى عن الشيخ أبي الحسين من رؤوس المعتزلة وعن الرازي من رؤوس الأشعرية أنهما معا لم يكفراهم قال لأن حجة من كفرهم القياس على المشركين المصرحين وهما قد قدحا في صحة هذا القياس دع عنك كونه قطعيا وذلك القدح هو بوجود الفارق الذي يمنع مثله من صحة القياس وهو إيمان هؤلاء بجميع كتب الله تعالى وجميع رسله بأعيانهم وأسمائهم إلا من جهلوه وإنما يخالفون حين يدعون عدم العلم ثم ظهر عليهم ما يصدق من ذلك من اقامة أركان الاسلام وتحمل المشاق العظيمة بسبب تصديق الأنبياء عليهم السلام ولأن القياس عند المحققين من علماء المعقولات لا يكون قاطعا لأن الأمرين إن استويا في جميع الوجوه لم يكن قياسا وإن وجد بينهما فارق جاز أن
378
يكون مؤثرا في عدم استوائهما في الحكم ولم يقم دليل قاطع على أنه وصف ملغى لا تأثير له وبيان ذلك أنهم قالوا أن المبتدعة حين غلطوا في صفات الله تعالى فقد عبدوا غير الله فيكون قياسا على المشركين فان بعضهم عبد الرب الذي يشبه العباد وهم المشبهة وبعضهم عبد الرب الذي يجبرهم وهم المجبرة ونحو ذلك

والجواب أنهم عبدوا الرب الذي خلق الخلق وغلطهم في بعض صفاته لا يخرجهم عن عبادته ويصيرهم كمن يعيد الاصنام لوجهين أحدهما أن علماء الكلام يختلفون في كثير من الصفات كالمدرك والوصف الأخص والمريد بل كالسميع والبصير ولم يلزم بعضهم بعضا ذلك ولو كان حقا لزمهم وثانيهما أن من شهد أن محمدا رسول الله وغلط في بعض صفات جسده أو نسبه لم يكفر قطعا فدل على أن من غلط في وصف شيء لم يكن مثل جاحده وربما قالوا إن ذلك نقص له فيكون كفرا قياسا على من تعمد انتقاصه بما هو نقص بالاجماع قلنا الخطأ فارق مؤثر شرعا كالاكراه والنسيان كما سيأتي ومن اعتقد حسن القبيح وأضافه اليه لحسنه عنده لا لقبحه لا يكون كمن عكس ودليله اختلافهم في الاعراض وفي الوجه فيها من غير تكفير وبعضهم يلزمه نسبة الظلم اليه وبعضهم يلزمه نسبة العبث اليه عز وجل عن ذلك وقد جود الرد عليهم صاحبهم الشيخ مختار في المسألة التاسعة من التكفير من كتابه المجتبى وفيما قبلها وبعدها فليطالع فيه وقد نقلته بألفاظه أو معظمه إلى مواضعه من العواصم

قلت وأما بقية أدلتهم السمعية فلا تخلو من الظن في معانيها إن لم تكن ظنية اللفظ والمعنى معا كما يعرف ذلك النقاد من أهل الأصول الفقه لأنها إما عمومات وظواهر ومعناها ظني وإن كانت ألفاظها قرآنية معلومة ولها أو لأكثرها أسباب نزلت عليها تدل على أنها نزلت في المشركين المصرحين وتعديتها عن أسبابها ظنية مختلف فيها أو نصوص جلية لكن ثبوتها ظني لا ضروري ثم لا تخلو بعد ذلك مما يعارضها أو يكون أظهر في المعنى منها من الأحاديث الدالة على اسلام أهل الشهادتين أو الاكتفاء بهما حتى في أحاديث فتنة القبر مع كثرتها وصحتها وتلقيها بالقبول واتفاق الفرق على


379
روايتها وقد ذكرت منها كثيرا في آخر العواصم في أحاديث الرجاء ولولا خوف الاطالة لذكرتها هنا وكذلك ما جاء في من آمن بالله ورسله كقوله تعالى في الجنة أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ونظائرها مما ذكرته في العواصم ومثل قوله تعالى فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ومثل أحاديث الشفاعة وقد تقدمت الاشارة إلى تواتر معنى ذلك في مسألة الوعد والوعيد في هذا المختصر وبسطتها في العواصم فقاربت خمسمائة حديث مع ما في القرآن العظيم مما يغني عنها لو لم ترد

ويشهد لها بعد ورودها على ما قدرته في العواصم في الكلام على قوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فهم الصحابة للبشرى فيها وفرحهم بها وإقرار المتأولين لها برواية ذلك عنهم وذلك يدل على عدم تأويلها ومنهم علي عليه السلام وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وقد جودت الكلام عليها هنالك بحمد الله وحسن هدايته وتوفيقه

ومن ذلك ما جاء فيمن أقام الاركان الخمسة ونحو هذه الأمور وهي أنواع كثيرة جدا معناها متواتر ضروري معارض لما يفهم منه تكفير المبتدعة من هذه الأمور ومن أقبح التكفير ما كان منه مستند إلى وجه ينكره المخالف من أهل المذهب مثل تكفير أبي الحسين وأصحابه بنفي علم الغيب وهم ينكرونه وتكفير الاشعرية بالجبر الخالص الذي هو قول الجهمية الجبرية وهم ينكرونه والله تعالى يقول ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا

ومن العجب أن الخصوم من البهاشمة وغيرهم لم يساعدوا على تكفير النصارى الذي قالوا إن الله ثالث ثلاثة ومن قال بقولهم مع نص القرآن على كفرهم إلا بشرط أن يعتقدوا ذلك مع القول وعارضوا هذه الآية الظاهرة بعموم مفهوم قوله ولكن من شرح بالكفر صدرا كما سيأتي بيانه وضعفه مع وضوح الآية الكريمة في الكفر بالقول عضدها حديثان


380
صحيحان كما احتج بهما الامام المنصور بالله عليه السلام حديث ع عن ثابت بن الضحاك من حلف بملة غير الاسلام كاذبا فهو كما قال وحديث مس دق على شرط م عن بريدة من حلف قال إني بريء من الاسلام فان كان كاذبا فهو كما قال وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الاسلام سالما وعن أنس سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله رجلا يقول أنا إذا يهودي فقال وجبت وعن ابن عمر قال صلى الله عليه وسلم وآله من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك وفي مجمع الزوائد لذلك شواهد وفي النسائي عن سعد أنه حلف وهو قريب عهد بالجالية فقال واللات والعزى فقال له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ما نراك إلا قد كفرت فسأل النبي صلى الله عليه وسلم وآله فأمره أن يشهد أن لا إله إلا الله ثلاث مرات ثم لا يعود إلى ذلك وهذا أمر بتجديد الاسلام ثم لم يرضوا بجميع ما ذكرنا معارضا لما استنبطوه فتأمل ذلك وعلى هذا لا يكون شيء من الافعال والاقوال كفرا إلا مع الاعتقاد حتى قتل الأنبياء والاعتقاد من السرائر المحجوبة فلا يتحقق كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص شخص ولا يدل حرب الانبياء على ذلك لاحتمال أن يكون على الظاهر كقوله فمن حكمت له بمال أخيه فانما أقطع له قطعة من النار

ومع نكارة هذا فالملجئ اليه عموم مفهوم ظني ضعيف يأتي وقد مر اختيار الامام يحيى وأبي الحسين والرازي في ذلك ونكل وهو قول الطبق الادهم من السلف وعلماء الاسلام وأهل الاثار كما رواه السيد أبو عبد الله الحسني في كتابه الجامع الكافي عن محمد بن منصور الكوفي عن سلف أهل البيت عليهم السلام وغيرهم وصنف فيه كتاب الجملة والالفة وهو قول الامام السيد المؤيد بالله في الجبرية نص عليه في آخر كتاب الزيادات

ومذهب السلف الصالح في ذلك هو المختار مع أمرين أحدهما القطع بقبح البدعة والانكار لها والانكار على أهلها وثانيهما عدم الانكار على من كفر كثيرا منهم فانا لا نقطع بعدم كفر بعضهم ممن فحشت بدعته بل نقف في ذلك ولكل علمه والحكم فيه إلى الله سبحانه وذلك لوجوه

الوجه الأول خوف الخطأ العظيم في ذلك فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم


381
وآله تعظيم ذلك بل تواتر ذلك لأهل البحث عن طرق الحديث حتى تواتر أنه كفر روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أبو ذر وأبو هريرة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو سعيد الخدري خمستهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله مع كثرة الطرق عنهم من غير ما لحديثهم من الشواهد الجمة بألفاظ مختلفة مثل ما ورد في الخوارج والروافض وهذا بيان طرف يسير على جهة الاختصار الكثير فنقول

أما حديث أبي ذر فرواه البخاري ومسلم ولفظه ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه أي رجع وأما حديث أبي هريرة فرواه البخاري ولفظه إذا قال المسلم لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما وأما حديث ابن عمر فرواه البخاري ومسلم والترمذي وقال حديث حسن صحيح ولفظه مثل لفظ حديث أبي هريرة وأما حديث عبد الله بن مسعود فرواه الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ولفظه ما من مسلمين إلا وبينهما ستر من الله فاذا قال أحدهما لصاحبه هجرا هتك الله ستره وإذا قال يا كافر فقد كفر أحدهما قال الهيثمي رواه الطبراني والبزار باختصار من حديث يزيد بن أبي زياد وحديثه حسن ورجاله ثقات قلت يزيد هذا أحد علماء الكوفة المشاهير وهو من رجال السنن الاربعة وممن قواه شعبة على تعنته في الرجال وبالغ حتى قال لا يبالي إذا سمع الحديث منه ألا سمعه من سواه وقال ابن فضيل هو من أئمة الشيعة الكبار وأما حديث أبي سعيد الخدري في ذلك فرواه ابن حبان في صحيحه وذكره الحافظ ابن حجر في كتابه التلخيص الخبير وسيأتي حديث عن ابن عمر مرفوع نحو هذا ولكن بغير هذا اللفظ قال النووي في شرح مسلم وروى أبو عوانة حديث ابن عمر المتقدم فقال إن كان كما قال والاباء بالكفر وفي رواية فقد وجب الكفر على أحدهما اه

وأما شواهد هذه الاحاديث الخمسة بغير لفظها فكثيرة متواترة منها أحاديث مروق الخوارج من الاسلام وكان دينهم الذي اختصوا به من بين الداخلين في الفتن هو تكفير بعض المسلمين بما حسبوه كفرا فوردت الاحاديث بمروقهم بذلك وتواترت وهي في دواوين الاسلام الستة عن علي


382
عليه السلام وسهل بن سعد وأبي سعيد الخدري وابن عمر ابن الخطاب وأبي ذر ورافع بن عمرو الغفاري وجابر بن عبد الله الانصاري وابن مسعود وأبي برزه الاسلمي وأبي أمامة وفي حديثه مرفوعا كانوا مسلمين كفارا واسناده حسن ورواها غير هؤلاء بما هو معروف في مجمع الزوائد وكتب الاسلام من المسانيد والتواريخ وغيرها

ومنها أحاديث كفر الروافض وقد رويت من طرق كثيرة على غرابتها وخلو دواوين الاسلام الستة منها فرويت عن علي عليه السلام وفاطمة والحسن عليهما السلام وابن عباس وأم سلمة رضي الله عنهما وروى الامام الهادي عليه السلام منها حديث الحسن عليه السلام في كتاب الأحكام في كتاب الطلاق منه في باب من طلق ثلاثا وقد ذكر الامامية فقال ما لفظه وفيهم ما حدثني أبي وعمي محمد والحسن عن أبيهم القاسم عن أبيه عن جده عن ابراهيم بن الحسن عن أبيه عن جده الحسن بن علي بن أبي طالب عليه وعليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال ( يا علي يكون في آخر الزمان قوم لهم نبز يعرفون به يقال لهم الرافضة فان أدركتهم فاقتلهم قتلهم الله تعالى فانهم مشركون اه بحروفه ولا أعلم في الاحكام اسنادا متصلا مسلسلا بأهل البيت عليهم السلام سواه الا ن يكون مرسلا أو مقطوعا أو مدخلا فيه غيرهم من الرواة

وقد أحببت سياق هذا الاسناد الشريف لهذا المتن لجلالة رواته واختصرت أسانيد سائر الاحاديث فأما حديث علي عليه السلام بمثل ذلك فرواه الهيثمي في مجمع الزوائد وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند والبزار في مسنده وابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس من طريق أبي حباب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني عن علي عليه السلام والذهبي في كتابه ميزان


383
الاعتدال في نقد الرجال من طريق أخرى في ترجمة كثير بن إسماعيل النو ولكن لفظه في الميزان يكون بعدي قوم من أمتي يسمون الرافضة يرفضون الاسلام وأما حديث فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وآله فرواه الهيثمي في مجمع الزوائد وأبو يعلى وصاحب الفصول السبعة والعشرين في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام في الفصل الحادي والعشرين منه والذهبي في موضعين من كتابه الميزان

أحدهما في ترجمة تليد بن عبد الرحمن سليمان الكوفي الشيعي وثانيهما في ترجمة أبي الجارود زياد بن المنذر الشيعي وقال الهيثمي رواته ثقات ولفظ رواية تليد في الميزان نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله إلى علي عليه السلام فقال هذا في الجنة وإن من شيعته قوما يلفظون الاسلام لهم نبز يسمون الرافضة من لقيهم فليقتلهم فانهم مشركون ولفظ أبي الجارود أما أنك يا ابن أبي طالب وشيعتك في الجنة وسيجيء أقوام ينتحلون حبك يقال لهم الرافضة فان لقيتهم فاقتلهم فانهم مشركون وأما ابن عباس فمنه حديثان أما أحدهما فرواه الطبراني والهيثمي وقال اسناده حسن وأما الحديث الثاني فرواه أبو يعلي والبزار والطبراني والهيثمي وقال في بعض رجاله خلاف قلت ومثل ذلك ينجبر بحديثه الآخر بل بجميع أحاديث هذا الباب وأما حديث أم سلمة فرواه الطبراني والهيثمي من طريق الفضل ابن غانم وفي ترجمة أبي بكر بن عياش من الميزان أن هارون الرشيد سأله عن صحة هذا الحديث وذلك دليل شهرته فهذه شواهد جميلة لأن معظم ذنوب الخوارج والروافض هو التكفير

وأما الشواهد التفصيلية فكثيرة جدا وهي أنواع مختلفة منها حديث ثابت بن الضحاك مرفوعا وفيه من قذف مؤمنا بكفر فهو كقاتله قال ابن الجوزي في جامع المسانيد خرجاه في الصحيحين قلت وهو طرف من حديثه الطويل فيهما الذي فيه من حلف بملة غير الاسلام وغير ذلك


384
ورواه الترمذي وقال حسن صحيح فهو يشهد للتغليظ في تكفير المؤمن وأنه أغلظ من السباب المطلق لأنه قد ثبت أن سبابه فسوق وقتاله كفر والقتل أعظم من القتال ومنها حديث أبي هريرة مرفوعا المؤمن أكرم على الله من بعض ملائكته رواه ابن ماجه في الفتن وهو يستلزم ذلك لأن من كفر ملكا كفر ومن الشواهد على ذلك أحاديث المستبين ما قالا فعلى البادئ منهما فيه عند مسلم وغيره عن أبي هريرة وأحاديث التحذير من فتن يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ومنها ما رواه الحاكم في المستدرك من حديث الاعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود يرفعه لو أن رجلين دخلا في الاسلام فاهتجرا كان أحدهما خارجا عن الاسلام حتى يرجع الظالم وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم فهذا في المهاجرة محمول على الخروج عن الاسلام الكامل فاذا كان مجرد المهاجرة يبلغ هذا الحد في التغليط لم يستبعد أن يكون التكفير كفرا على الحقيقة

ولحديث ابن مسعود شواهد متواترة في تغليظ تحريم المهاجرة وإنها فرنت بالشرك في المنع من العفو عن صاحبها دون سائر الكبائر من ذنوب أهل الاسلام ففي الموطأ لمالك ومسند أحمد من ثلاث طرق وفي سنن أبي داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله تعرض الاعمال في كل خميس واثنين فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول اتركوا هذين حتى يصطلحا وفي رواية إلا المتهاجرين وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله تعرض الاعمال يوم الاثنين ويوم الخميس فمن مستغفر فيغفر له ومن تائب فيتاب عليه وترد أهل الفضائل وضغائنهم رواه الطبراني في الاوسط والهيثمي وقال رجاله ثقات وعن ابن مسعود وأسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله نحو ذلك رواهما الطبراني والهيثمي وعن أبي أيوب الانصاري نحو ذلك رواه الهيثمي ويأتي حديث ابن مسعود في ذلك في الوجه السابع وفيه فأولهما فيأ يكون سبقه بالفيء كفارة له وإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعا رواه أحمد باسناد صحيح وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه إذا كان ليلة النصف من شعبان غفر الله تعالى لعباده إلا ما كان من


385
مشرك أو مشاحن لأخيه رواه البزار والهيثمي وعن أبي هريرة مثله وعن عوف بن مالك مثله وعن معاذ مثله ورجاله ثقات وعن أبي ثعلبه الخشني نحوه وعن عبد الله بن عمر نحوه فهذه بضعة عشر حديثا في ذلك وفي تحريم المهاجرة فوق ثلاث نحو ذلك ولكن استثنى فيها ما دون الثلاث رحمة للمسلمين لما في الطباع من قوة الداعية إلى ذلك في بعض الأحوال وذلك عند الغفلة من هذا الوعيد الشديد بعدم العفو عن هذا الذنب بخصوصه حين يعفي عن سائر الذنوب وذلك لأن من عدل الله تعالى ولطيف جزائه يوم الدين أن يعامل كل عامل على حسب اختياره واعتقاده ومذهبه فلما كان المهاجر المشاحن قد اختار ترك العفو عن أخيه مذهبا له وحكم بحسنه جوزي بذلك جزاء وفاقا كما يشهد له قوله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى الآية في قصة أبي بكر مع مسطح ونظائر ذلك كثيرة وصحيحة نسأل الله العافية من ذلك وفي سنن أبي داود باسناد صحيح هجر المسلم سنة كسفك دمه وسيأتي في الوجه السابع ما يناسب هذا من الحث على اصلاح ذات البين وتسمية التفرق والتباغض الحالقة للدين

وفي مجموع ذلك ما يشهد لصحة التغليظ في تكفير المؤمن وإخراجه من الاسلام مع شهادته بالتوحيد والنبوات وخاصة مع قيامه بأركان الإسلام وتجنبه للكبائر وظهور أمارات صدقه في تصديقه لأجل غلطة في بدعة لعل الكفر له لا يسلم من مثلها أو قريب منها فان العصمة مرتفعة وحسن ظن الانسان بنفسه لا يستلزم السلامة من ذلك عقلا ولا شرعا بل الغالب على أهل البدع شدة العجب بنفوسهم والاستحسان لبدعتهم وربما كان أجر ذلك عقوبة على ما اختاروه أول مرة من ذلك كما حكى الله تعالى ذلك في قوله وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم وهي من عجائب العقوبات الربانية والمحذرات من المؤخذات الخفية ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين

وقد كثرت الآثار في أن اعجاب المرء بنفسه من المهلكات كما في


386
حديث أبي ثعلبة الخشني عند دت وعن ابن عمر مرفوعا ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه وعن أنس وابن عباس وابن أبي أوفى كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله مثل ذلك رواها الهيثمي في مجمعه ودليل العقوبة في ذلك انك ترى أهل الضلال أشد عجبا وتيها وتهليكا للناس واستحقارا لهم نسأل الله العفو والمعافاة من ذلك كله

وفي ذلك حديث حذيفة الصحيح عند مسلم المشهور عنه صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال ( تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى يصير على قلبين أبيض مثل الصفا فلا تضره فننة ما دامت السموات والارض والآخر أسود مربادا الكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه فينبغي من كل حازم لبيب إيقاظ خاطره والحذر العظيم عن الامور التي تواترت النصوص من الصحاح وتواترت بأنها كفر وخروج عن الاسلام أو نحو ذلك مما لم يحصل دليل قاطع على أنه متأول من إجماع صحيح أو نص معارض لذلك صحيح وذلك مثل ما قدمنا من تكفير من يجوز أنه مسلم بمجرد الالزامات والتمحلات التي متى سلمت عارضها مثلها أو أقوى منها كما تقدم

فان قيل أليس قد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يكفر من كفر مسلما على الاطلاق

فالجواب أن ذلك صحيح ولكن لا حجة فيه توجب تقديمه على النصوص حيث لم يكن تأويلها إجماعا فقد حكى الخلاف في ذلك الشيخ تقي الدين في شرح العمدة حيث شرح حديث أبي ذر المقدم ذكره في كتاب اللعان فقال وهذا وعيد عظيم لمن يكفر أحدا من المسلمين وليس كذلك وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق من المتكلمين ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث وخرق حجاب الهيبة في ذلك جماعة من الحشوية وقد اختلف الناس في التكفير وسببه حتى صنف فيه مفردا إلى قوله والحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة إلا بانكار متواتر فانه حينئذ يكون مكذبا للشرع وليس مخالفة القواطع مأخذا للتكفير وعبر بعض أهل الاصول عن هذا بما معناه


387
أن من أنكر طريق اثبات الشرع لم يكفر كمن أنكر الاجماع ومن أنكر الشرع بعد الاعتراف بطريقه كفر لأنه مكذب قال وقد نقل عن بعض المتكلمين أنه قال لا أكفر إلا من كفرني وربما خفى سبب هذا القول على بعض الناس وحمله على غير محمله الصحيح والذي ينبغي أن يحمل عليه أنه قد لمح هذا الحديث الذي قتضي أن من دعا رجلا بالكفر وليس كذلك رجع عليه الكفر وكذلك قال صلى الله عليه وسلم وآله ( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما وكأن هذا المتكلم يقول هذا الحديث دل على أنه يحصل الكفر لأحد الشخصين فاذا كفرني بعض الناس فالكفر واقع بأحدنا وأنا قاطع بأني لست بكافر فالكفر راجع اليه اه وفيه ا ترى من تقرير الخلاف في الأخذ بظواهر النصوص مما يؤمن المكفر لغيره أن يخطئ في نظره في طريق التكفير كما ذلك عادة الفطناء والأذكياء أعني الخطأ في مثل هذه المزالق ولو كان خطأ الأذكياء في ذلك نادرا وأنت منهم لم تأمن أن تقع في ذلك النار كيف وخطأهم فيه كثير غالب وأنت على غير يقين بأنك منهم فأما دفع الكفر بأنه حديث أحادي فانه غرور من وجوه

الأول أنا قد بينا من طرقه ما يدل على أنه متواتر عند أهل الاطلاع والمعلوم لا يكون ظنيا لجهل الجاهلين له

الثاني أن غرضنا الاحتراز على الاسلام مما تجوز صحته في علم الله تعالى وحديث الواحد وإن لم تعلم صحته فقد يكون صحيحا ونحن لا نعمل والصحيح جواز كفر لا دليل عليه كما هو معروف في مواضعه

الثالث أن الفقيه حميدا في العمدة جوز العمل بالحديث الواحد في التكفير من غير اعتقاد وذكر أنه مذهب المنصور بالله والمحققين واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم وآله هم بالغزو لخبر الوليد بن عقبة فنزلت الآية فامتنع لفسقه لا لأنه خبر واحد والله سبحانه أعلم

ويحتج لهم بقبول الشهادة على الردة والكفر والحدود في الفسق ثم من العبر الكبار في ذلك أن الجمهور لم يكفروا من كفر المسلم متأولا في تكفيره غير متعمد مع أن هذه الأحاديث الكثيرة تقتضي ذلك والنصوص


388
أصح طرق التكفير فاذا تورع الجمهور من تكفير من اقتضت النصوص كفره فكيف لا يكون الورع أشد من تكفير من لم يرد في كفره نص واحد فاعتبر تورع الجمهور هنا وتعلم الورع منهم في ذلك

فان قيل لم تورعوا هنا مع هذه النصوص الصحيحة المتواترة لصريحة

قلت لوجوه

أحدها ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من عدم تكفير الخوارج مع بغضهم له وبغضه نفاق بل مع تكفيرهم له عليه السلام وهو سيد المسلمين وإمام المتقين وأبعد الخلق أجمعين عما افتراه من ذلك كذبة المارقين وقد ذكر الفقيه حميد في كتابه عمدة المسترشدين أن ذلك هو المشهور عنه عليه السلام وروى هو أنه عليه السلام لما سئل عن كفرهم قال من الكفر فروا ولما سئل عن إيمانهم قال لو كانوا مؤمنين ما حاربناهم قيل فما هم قال اخواننا بالأمس بغوا علينا فحاربناهم حتى يفيئوا إلى أمر الله قال الفقيه حميد وهذا تصريح بالمنع من كفرهم وأقرته الصحابة

قلت ومن ههنا ادعى هو والخطابي وابن جرير قبلهما الاجماع على عدم تكفيرهم وكأن الناس تابعوه عليه السلام في ذلك لشهرته وعدم منازعة الصحابة ولا بعضهم له عليه السلام كما احتج به الفقيه حميد على أنه إجماع قال ولأن من كفر إماما وحاربه لم يكفر اه كلامه

وقد روى ابن بطال في شرح البخاري كلام ابن جرير ودعواه الاجماع على ذلك في الكلام على الخوارج وكان في ابن جرير تشيع وموالاة ذكره الذهبي في الميزان في الذب عنه فقال إن ذلك مروي عن علي عليه السلام من طرق وذكر نحو ما تقدم وزاد في روايته قيل له عليه السلام فمنافقون فقال لو كانوا منافقين لم يذكروا الله إلا قليلا ثم قال روى وكيع عن مسعر عن عامر بن شقيق عن أبي وائل عن علي عليه السلام أنه قال لم نقاتل أهل النهر وان على الشرك اه ومراده على الكفر بالقرينة كحديث


389
جابر مرفوعا بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة رواه مسلم بهذا اللفظ وكذا ذكره عنه ابن الأثير في جامعه وقبله الحميدي في جمعه بين الصحيحين

يوضحه أن ترك الخوارج للشرك الذي هو عبادة الاصنام وعبادة المخلوقين كان معلوما بالضرورة فلم يكن ليخبر بذلك وإنما خرج كلامه مخرج حديث جابر ومخرج حديث ابن عباس حيث قال إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وآله يصلي إلي غير جدار أي غير سترة وهذا هو النوع المسمي بالخاص يراد به العام ومنه فلا تقل لهما أف أي لا تؤذهما بذلك ولا بغيره ونظائره كثيرة ويقوي صحة ذلك عنه عليه السلام أنه رد على أهل النهروان أموالهم قال ابن حجر رواه البيهقي من طرق فانضمت هذه الطرق إلى تلك الطرق التي ذكرها ابن بطال وأشار اليها الفقيه حميد

وثانيها ما أشار اليه البخاري في صحيحه وترجم عليه من أن ذلك فيما إذا كفر أخاه متعمدا غير متأول محتجا بأن النبي صلى الله عليه وسلم وآله لم يكفر عمر في قوله لحاطب أنه منافق ولا معاذا في قوله للذي خرج من الصلاة حين طول معاذ أنه منافق وأمثال ذلك مع التأويل كثيره شهيرة وأشار الفقيه حميد في عمدة المسترشدين إلي اختيار هذا وصرح الغزالي في المستصفى باختياره وطول الكلام فيه ووجهه وجوده ولولا خوف الاطالة الكثيرة لنقلته

وهذه فائدة جيدة تمنع من القطع بتكفير من أخطأ في التكفير متأولا فانا لو كفرنا بذلك لكفرنا الجم الغفير فالحمد لله على التوفيق لترك ذلك والنجاة منه والبعد عنه على أنه يرد عليهم أن الاستحلال بالتأويل قد يكون أشد من التعمد مع الاعتراف بالتحريم وذلك حيث يكون المستحل بالتأويل معلوم التحريم بالضرورة كترك الصلاة فان من تركها متأولا كفرناه بالاجماع وإن كان عامدا معترفا ففيه الخلاف فكان التأويل هنا أشد تحريما فلذلك ينبغي ترك التكفير المختلف فيه حذرا من الوقوع فيه والله المسلم

وثالثها آن قد جاء كفر دون كفر كقوله تعالى ومن لم


390
يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون ) ومنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وآله لما وصف النساء بالكفر قال أصحابه يا رسول الله ( يكفرن بالله تعالى قال لا يكفرن العشير

أي الزوج وهو متفق على صحته فلم يحملوا الكفر على ظاهره حين سمعوه منه صلى الله عليه وسلم وآله لاحتمال معناه ووجود المعارض وهو إسلام النساء وإيمانهن ولم ينكر الني صلى الله عليه وسلم وآله عليهم التثبت في معنى الكفر والبحث عن مراده به وكذلك تأولوا أحاديث سباب المؤمن فسوق وقتله كفر ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض مع الاتفاق على صحتها وكثرتها وللاجماع المعلوم والنص المعلوم على وجوب القصاص ولو كان كفرا على الحقيقة لأسقط القصاص وكذلك تأول كثير من علماء الاسلام حديث ترك الصلاة كفر مع ما ورد فيه من لفظ الشرك في صحيح مسلم وغير ذلك وكذلك حديث النياحة كفر وحديث الانتساب إلى غير الأب كفر قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة في اللعان في هذا بخصوصه إنه متروك الظاهر عند الجمهور وفيه إشارة إلى وجود خلاف فيه وإلا لقال إجماعا ولم يقل كذا في تكفير المسلم أخاه فدل على أن الخلاف فيه ليس بشاذ فاعرف ذلك

ورابعها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأله أنه قال ( إذا قال الرجل للرجل يا يهودي فاضربوه عشرين سوطا ) رواه الترمذي من طريق ابراهيم ابن اسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وضعفه الترمذي بابراهيم هذا وكذلك ضعفه النسائي والدار قطني بابراهيم وبعض الرواة عنه شك في رفعه ذكره الذهبي في الميزان لكن وثقه أحمد وكان عابدا وهذا الجرح فيه أقوى ويقدم على قول من يقدم الجرح ومن يقول بالترجيح خصوصا مع تلك المعارضات المتواترة عند أئمة الحديث الصحيحة بلا ريب على أن ابن ماجه والذهبى جعلوا متن الحديث من قال لرجل يا مخنث زاد ق بالوطي فاضربوه عشرين سوطا ولم يذكروا السب باليهودية وقال المزي رواية ق أتم رواه ابن ماجه من طريق دحيم الحافظ واسمه عبد الرحمن بن ابراهيم عن ابن أبي فديك ورواه الترمذي عن محمد ابن رافع عن ابن أبي فديك وكانت العبادة أغلب على محمد بن رافع من الحفظ فالبخاري لذلك يتخير من حديثه


391
القليل ولا يستوعبه ومع هذا الضعف والاعلال لا يعارض ما صح وتواتر ولكن سلك الجمهور مسلك الاحتياط فاقتد بهم في ذلك

فاذا ثبت أن النص على الكفر غير قاطع فما ظنك بغيره فلهذه الوجوه الاربعة لم يعمل الجمهور بظاهر هذه الأحاديث

وأما من كفر أخاه متعمدا غير متأول فاختلفوا فيه من تقدم إلي كفره ووجهه الغزالي بأنه لما كان معتقد الاسلام أخيه كان قوله إنه كافر قولا بأن الذي هو عليه كفر والذي هو عليه كفر دين الاسلام فكأنه قال إن دين الاسلام كفر وهذا القول كفر من قائله وإن لم يعتقد ذلك على أن أبا هاشم وأصحابه من المعتزلة لا يكفرون من تعمد النطق بالكفر من غير إكراه عليه وإن كانا يفترقان في الاثم كما تقدم وهذا بعد كثير من التكفير في هذه الصورة فلو طردوا الاحتياط لتركوا التكفير بالقياس ومآل المذهب لكنهم كفروا بهما وهو أضعف من التكفير بتعمد النطق بالكفر اختيارا بلا إكراه وأما النووي فقال في شرح مسلم في هذا الحديث الذي يقتضي كفر من كفر أخاه هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات فان مذهب أهل الحق أن المسلم لا يكفر بالمعاصي وهذا منها فقيل في تأويله وجوه الاول أنه محمول على المستحل لذلك وبهذا يكفر إن الثاني أن المعنى رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره الثالث أنه محمول على الخوارج ورواه ابن بطال أيضا عن مالك قال فقيل له فيكفرون قال لا أدري اه كلام ابن بطال قال النووي وهو ضعيف لمخالفته الاكثرين والمحققين في كفر الخوارج قال النووي الرابع أنه محمول على أنه يؤول به إلي الكفر فان المعاصي بريد الكفر واحتج عليه برواية أبي عوانة والاباء بالكفر وفي رواية فقد وجب الكفر على أحدهما ا ه والظاهر أن هاتين الروايتين حجة عليه لا له الخامس أن معناه فقد رجع عليه تكفيره وليس الراجع عليه حقيقة الكفر بل التكفير لكونه جعل أخاه المسلم كافرا فكأنه كفر نفسه إما لأنه كفر من هو مثله وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان الاسلام وهذا هو الذي ذكره ابن بطال في توجيه كلام البخاري في الفرق بين العامد والمتأول


392
وترك النووي القول السادس وهو اختيار البخاري والغزالي والفقيه حميد في تأويل الحديث بالعامد دون المتأول بهذا التوجيه المذكور وترك أيضا القول السابع وهو أن الحديث على ظاهره من غير تأويل وهو الذي حكاه الشيخ تقي الدين في شرح العمدة كما سلف ولا حجة قاطعة مانعة من صحته وعدم الحجة القاطعة المانعة من صحة ظاهره يوجب الاحتياط البالغ بتركه احتياطا للاسلام وتعظيما له عن المخاطرة به وتعريضه لما لا يؤمن أن يبطله ويسلب نعمته العظمى وينظم صاحبه في جمله أهل الكفر والعمى

تنبيه وذلك أن هذا الكلام في التحذير من تكفير المبتدعة الذين لم نستيقن أن بدعتهم كفر مع قبحها وفحشها وكراهتنا لها وأمر تكفير عوام المسلمين لأنهم لم يعرفوا الله تعالى بدليل قاطع على شروط أهل علم الكلام فانه يزداد الامر قوة في كفر من كفرهم لأن الحكم باسلامهم معلوم ضرورة من الدين وتكفيرهم جحد ذلك وقد دل وقد دل القرآن على صحة اسلامهم حيث قال تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم وقد تقدمت الأدلة على هذا في أول الكتاب هذا فليراجع وهذا لجلائه لا يحتاج إلى بسط وبهذا الكلام تم الكلام في الوجه الاول من مرجحات ترك التكفير

الوجه الثاني من مرجحات ترك التكفير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله بذلك في هذه المسألة بالنصوصية والخصوصية وهذا من أوضح المرجحات وفي ذلك أحاديث منها حديث أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ثلاث من أصل الايمان الكف عمن قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الاسلام بعمل الحديث رواه أبو داود في كتاب الجهاد من السنن ورواه أبو يعلى من طريق أخرى وليس فيها من ضعف إلا يزيد الرقاشي العبد الصالح ضعف من قبل حفظه وقد أثنى عليه الحافظ ابن عدي ووثقه وقال عنده أحاديث صالحة عن أنس أرجو أنه لا بأس به هذا مع الثناء النبوي على عموم التابعين فأقل أحواله أن يقوي طريق أبي داود ويشهد لها الحديث الثاني عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله نحو حديث أنس


393
بمعناه رواه أبو داود الحديث الثالث عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله كفوا عن أهل لا إله إلا الله لا تكفروهم بذنب من كفر أهل لا إله إلا الله فهو إلى الكفر أقرب رواه الطبراني في الكبير من حديث الضحاك ابن حمزة عن علي بن زيد وحمزة بالحاء والراء المهملتين بينهما ميم قال الهيثمي مختلف في الاحتجاج بهما قلت لكن حديثهما يصلح في الشواهد ويقوى بما تقدم

وفي الباب عن علي بن أبي طالب عليه السلام وأبي الدرداء وأبي أمامة ووائلة وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وعائشة رضي الله عنها وعنهم سبعتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله بمثل ذلك لكن في أسانيدها مجاريح لكن بمجموعها مع ما تقدم قوة ولحديث علي عليه السلام شواهد عنه وهو ما تقدم من عدم تكفيره الخوارج من طرق ومن رده لأموالهم من طرق ويعضد ذلك عمل الصحابة فعن جابر أنه قيل له هل كنتم تدعون أحدا من أهل القبلة مشركا قال معاذ الله ففزع لذلك قال هل كنتم تدعون أحدا منهم كافرا قال لا رواه أبو يعلي والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح والحديث إذا اشتهر العمل به في الصحابه دل على قوته وهذه الشواهد السبعة والحديث الذي قبلها كلها في مجمع الزوائد في أوائله

الوجه الثالث أنها قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ والظاهر أن أهل التأويل أخطأوا ولا سبيل إلى العلم بتعمدهم لأنه من علم الباطن الذي لا يعلمه إلا الله تعالى قال الله تعالى في خطاب أهل الاسلام خاصة وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وقال تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا وصح في تفسيرها أن الله تعالى قال قد فعلت في حديثين صحيحين أحدهما عن ابن عباس والآخر عن أبي هريرة وقال تعالى ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون فقيد ذمهم بعلمهم وقال في


394
قتل المؤمن مع التغليط العظيم فيه ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم فقيد الوعيد فيه بالتعمد وقال في الصيد ومن قتله منكم متعمدا وجاءت الاحاديث الكثيرة بهذا المعنى كحديث سعد وأبي ذر وأبي بكرة متفق على صحتها فيمن ادعى أبا غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فشرط العلم في الوعيد ومن أوضحها حجة حديث الذي أوصى لإسرافه أن يحرق ثم يذري في يوم شديد الرياح نصفه في البر ونصفه في البحر حتي لا يقدر الله عليه ثم يعذبه ثم أدركته الرحمة لخوفه وهو حديث متفق على صحته عن جماعة من الصحابة منهم حذيفة وأبو سعيد وأبو هريرة بل رواته منهم قد بلغوا عدد التواتر كما في جامع الاصول ومجمع الزوائد وفي حديث حذيفة أنه كان نباشا وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد لذلك خاف العقاب وأما جهله بقدرة الله تعالى على ما ظنه محالا فلا يكون كفرا إلا لو علم أن الأنبياء جاؤا بذلك وأنه ممكن مقدور ثم كذبهم أو أحدا منهم لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل ويعضد ما تقدم بأحاديث أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء وهي ثلاثة أحاديث صحاح ولهذا قال جماعة جلة من علماء الاسلام أنه لا يكفر المسلم بما يندر منه من ألفاظ الكفر إلا ان يعلم المتلفظ بها أنها كفر قال صاحب المحيط وهو قول أبي علي الجبائي ومحمد والشافعي قال الشيخ مجتبى وبه يفتى ولعل هذا الحديث الصحيح بل المتواتر حجتهم على ذلك وهذا خلاف متجه بخلاف قول البهاشمة لا يكفر وإن علم أنه كفر حتى يعتقده

ومما يقوي العفو عن أهل الخطأ أنه قد يكون في الأدلة ومقدماتها ولذلك كان المشهور في القتلى في فتن الصحابة سقوط القصاص كما هو المشهور في سيرة على عليه السلام كما تقدم وروي الشافعي عن الزهري أنه قال أدركت الفتنة الأولى في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وكانت فيها دماء وأموال فلم يقتص فيها من دم ولا مال ولا قدح أصيب بوجه التأويل إلا أن يوجد مال رجل بعينه فيدفع إلى صاحبه


395

قال ابن كثير في ارشاده وهو ثابت عن الزهري وهو عام في أهل العدل والبغي وإن واحدا من الفريقين لا يضمن للآخر شيئا وهو الذي صححه الشيخ أبو إسحاق من قولي الشافعي فدل على دخول الخطأ في أفعال القلوب كأفعال الخوارج كما هو واضح في قوله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكذلك قوله تعالى في سورة النحل إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم فقوله في هذه الآية الكريمة ولكن من شرح بالكفر صدرا يؤيد أن المتأولين غير كفار لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعا أو ظنا أو تجويزا أو احتمالا

وقد يشهد لهم بذلك كلام أمير المؤمنين عليه السلام وهو الصادق المصدوق في المشهور عنه حيث سئل عن كفر الخوارج فقال من الكفر فروا فكذلك جميع أهل التأويل من أهل الملة وإن وقعوا في أفحش البدع والجهل فقد علم منهم أن حالهم في ذلك هي حال الخوارج وقد بالغ الشيخ أبو هاشم وأصحابه وغيرهم فقالوا هذه الآية تدل على أن من لم يعتقد الكفر ونطق بصريح الكفر وبسب الرسل أجمعين وبالبراءة منهم وبتكذيبهم من غير إكراه وهو يعلم أن ذلك كفر لا يكفر وهو ظاهر اختيار الزمخشري في كشافه فانه فسر شرح الصدر بطيب النفس بالكفر وباعتقاده معا واختاره الامام يحيي عليه السلام والامير الحسين بن محمد

وهذا كله ممنوع لأمرين أحدهما معارضة قولهم بقوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة فقضي بكفر من قال ذلك بغير شرط فخرج المكره بالنص والاجماع وبقي غيره فلو قال مكلف مختار غير مكره بمقالة النصاري التي نص القرآن على أنها كفر ولم يعتقد صحة


396
ما قال لم يكفره مع أنه لعلمه يقبح قوله يجب أن يكون أعظم إنما من بعض الوجوه لقوله تعالى وهم يعلمون فعكسوا وجعلوا الجاهل بذنبه كافرا والعالم الجاحد بلسانه مع علمه مسلما الامر الثاني أن حجتهم دائرة بين دلالتين ظنيتين قد اختلف فيهما في الفروع الظنية احداهما قياس العامد على المكره والقطع على أن الاكراه وصف ملغى مثل كون القائل بالثلاثة نصرانيا وهذا نازل جدا ومثله لا يقبل في الفروع الظنية وثانيتهما عموم المفهوم ولكن من شرح بالكفر صدرا فانه لا حجة لهم في منطوقها قطعا وفاقا وفي المفهوم خلاف مشهور هل هو حجة ظنية مع الاتفاق على أنه هنا ليس بحجة قطعية ثم في إثبات عموم له خلاف وحجتهم هنا من عمومه أيضا وهو أضعف منه

بيانه أن مفهوم الآية ومن لم يشرح بالكفر صدرا فهو بخلاف ذلك سواء قال كلمة الكفر بغير إكراه أو قالها مع إكراه فاحتمل أن لا يدخل المختار بل رجح أن لا يدخل لأن سبب النزول في المكره والعموم المنطوق يضعف شموله بذلك ويختلف فيه فضعف ذلك في الظنيات من ثلاث جهات من كونه مفهوما وكونه عموم مفهوم وكونه على سبب مضاد لمقصودهم قال قتادة نزلت فى عمار بن ياسر ذكره الذهبي في ترجمته من النبلاء ورواه الواحدي عن ابن عباس فكيف يقدم مع ذلك كله على منطوق لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وإذ قد فعلوا ذلك هنالك لما فيه من أدني احتمال لعدم شرح الصدر من العامد المختار في كلمات الكفر كلها من غير اكراه ولا جهل لا خطأ ولا عذر أصلا فكيف بأهل التأويل الذين علم منهم السعي في تعميم شعائر الاسلام والأنبياء ومحبتهم ومحبة مناصرتهم والمرء مع من أحب وتحمل المشاق العظيمة لله تعالى والاحتجاج الطويل على مخالفي الاسلام حتى قال الرازي في وصيته اللهم إن كنت تعلم إني آثرت هواي على الحق فيما صنعته فلا كذا وكذا ودعا بعدم المغفرة أو كما قال

ولما ذكر الذهبي في النبلاء تجويد الجاحظ في كتاب النبوات ترحم عليه وقال فكذلك فليكن المسلم مع أنه من خصومه وهذا شيء يعلمه العاقل


397
من قرائن أحوال المتأولين وأقل الاحوال أن يكون هذا محتملا مجرد احتمال مع سعة رحمة الله سبحانه وعظيم عفوه وغفرانه ومع ما ورد في أحاديث الشفاعة المتواترة كما مضى بيانه في موضعه ولذلك ساوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخطأ والنسيان والاكراه في أحاديث كثيرة جدا مجتمعة على ا أن الله تعالى تجاوز لأمته عليه أفضل الصلاة والسلام الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وقد تقصيت طرقها وشواهدها من القرآن في ديباجة كتاب العواصم

وقد أجمعت الأمة على العمل بمقتضى النصوص في الاكراه والنسيان فكذلك أخوهما وثالثهما وهو الخطأ أن شاء الله تعالى بل هو أكثر منهما ذكرا وشواهد في الكتاب والسنة والبلوى به أشد والرخصة إنما تكون على قدر شدة البلوى

واما كفار التصريح فلا نسلم أن كفرهم خطأ لوجهين

أحدهما أن مرادنا بالخطأ هو خطأ مخصوص وهو الخطأ في تحري مراد الله تعالى ورسوله فيما ظاهره التعارض والتشابه وكفار التصريح تعمدوا تكذيب الله تعالى الله عن ذلك وتكذيب رسله ولم يقعوا في ذلك خطأ من غير اعتماد

وثانيها أن الله تعالى قد أخبر رسله الكرام بعنادهم واستحقاقهم العداوة والعذاب العظيم ولو في أول مرة كما قال في ذلك كما لم يؤمنوا به أول مرة وقد تقدم ذكر ذلك وكلام ابن أبي الحديد فيه في شرح قول علي عليه السلام الذي شهدت له أعلام الوجود على اقرار قلب ذي الجحود وهذا تصريح بعناد كفار التصريح حين انكروا فطرة الله التي فطر الناس عليها واجتمعت عليها جميع كتبه ورسله وأتباعهم ولم يختلفوا فيها وليحذر من أمن الخطأ وقطع على عدم مسامحة أهله في العقائد من المؤاخذة له فيما أخطأ فيه وعدم المسامحة له كما ذكرته في تحذير من قال بتكليف ما لا يطاق أن يحمله الله تعالى من العقوبات على قولها ما لا يطيقه فان جزاء الله تعالى لعباده من جنس أفعالهم وأقوالهم جزاء وفاقا وكما تدين تدان وقد مر ما ورد في ذلك أو بعضه في التحذير من تجويز التكليف بما لا يطاق على أعدل العادلين وأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين


398

الوجه الرابع أن مؤاخذة المخطيء لا تخلو إما أن تكون من تكليف ما لا يطاق أو من أعظم المشاق فان كانت من الأول فهو لا يجوز على الله تعالى كما تقدم القول فيه مبسوطا بسطا شافيا وإن لم تكن منه كانت من أعظم المشاق وقد نفي الله تعالى وجود ذلك في دينه

أما أنه قد نفى ذلك في دينه فالمنصوص فيه كثيرة قال الله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج وقال يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وتواتر هذا المعنى في السنة وقد جمعته في مؤلف مفرد ذكرت فيه أكثر من ثلاثين آية من كتاب الله تعالى وأزيد من مائة وثمانين حديثا فلا نطول بذكره لوضوحه

وأما أن ذلك من أعظم الحرج والمشاق فالأمرين

الأمر الأول أن العاقل المعظم لأمر الله تعالى المؤثر لمرضاته لو خير بين أمرين أن يكلف الصبر على القتل عند الاكراه على كلمة الكفر أو الاحتراز من الخطأ بعد تقرير أن الخطأ كفر لا يغفر ويوجب الخلود في النار لاختار الصبر على القتل لأنه يفضي به إلى الجنة وإنما هو صبر ساعة وهو لا يأمن أن يقع في الخطأ الذي يكفر به ولا يغفر له مع عدم العصمة وعدم المسامحة لأن الخطأ قد جربت كثرة وقوعه من الأذكياء والافراد في المعارف الذين ضربت الأمثال بهم في العقل والذكاء والفهم والعلم وذلك عند تعار ض الأنظار والآيات والآثار والمتشابهات والمحتملات وتخصيص أكثر العمومات حتى وقع بعض الأنبياء في شيء من ذلك مع العصمة والتأييد الرباني هذا نوح عليه السلام ظن أن ابنه داخل في عموم أهله الذين وعده الله تعالى بنجاتهم ولم يعلم تخصيص هذا العموم ولو علمه ما سأل وقد قيل في الوجه في ذلك أن ابنه كان منافقا وهذا موسى عليه السلام راعه ما وقع من الخضر عليه السلام من المتشابهات حتى عيل صبره وأخلف وعده

الأمر الثاني أنه لم يتحقق ورود الشرع بعقوبة المخطيء بعد الرغبة في معرفة الصواب وحسن النية في تعرفه وإن لم يبلغ جميع ما يمكن البشر في علم الله تعالى أما مع بلوغه ذلك فلا شك في العفو عنه وأما المشاق


399
العظيمة فقد يرد الشرع بها نادرا في هذه الشريعة تخصيصا لعموم المسامحة فيما شق حيث تقتضي ذلك الحكمة كما في وجوب الصبر للقصاص في القتل وقطع الاعضاء والرجم في عقوبة الزاني وكان هذا أكثر في شرائع من قبلنا لقوله تعالى ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ومنه وجوب القتل في توبة بني إسرائيل ونحو ذلك فثبت أن المشاق العظيمة قد تحقق ورودها في الشرائع نادرا حيث يقتضي ذلك المصلحة وإن عقاب المخطيء بعذاب النار لم يتحقق وروده في شريعة من الشرائع فثبت أنه أحق المشاق بأن يسمحه اكرام الاكرمين وخير الغافرين سبحانه وتعالى ولا برهان قاطع على أن المكفرين من أهل التأويل لا يسمون مخطئين ولا على خروجهم من الأدلة الدالة على العفو عن المخطئين

االوجه الخامس أن أخوة يوسف لما قالوا إن أبانا لفي ضلال مبين وقالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم لم يكفروا بذلك لما كانوا باقين على شهادة أن لا إله إلا الله وأن يعقوب رسول الله معتقدين مع ذلك صحة نبوته ودينه وإنما جوزوا عليه مع ذلك الضلال في حب يوسف لأنه عندهم من الضلال في الرأي ومصالح الدنيا وقد قاربوا الاستهانة وعدم التوقير لولا جلالة بقائهم على الشهادتين وإيمانهم بالله تعالى ورسله فثبت أن للبقاء على ذلك أثرا عظيما فان الامارات لا تقاومه وإن الشرع ورد بتعظيم ذلك وطرح المعارض له ولذلك عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله على أسامة بن زيد قتل الكافر الذي ضربه فلما قدر عليه أسلم وعظم على أصحابه الكلام في بعض من كانوا يعدونه من المنافقين وقال أليس يشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله ويصلي قالوا بلى ولا شهادة له ولا صلاة قال إني لم أومر أن أفتش على قلوب الناس وأمثال ذلك كثيرة صحيحة

الوجه السادس أن الخارجي الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآله اعدل يا محمد والله إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تكلم بكلام من أقبح الكلام وظن ظنا من أسوأ الظنون ولم يحكم النبى صلى الله عليه وسلم بكفره مع ذلك مع أنه لو


400
كفر لوجب قتله بالردة إلا أن يتوب ولم تنقل له توبة بل جاء في الحديث ما معناه أنها تخرج من ضئضئة الخوارج وإنما لم يكفر والله أعلم لأنه بقي على شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وإنما جوز عليه أن يذنب كذنوب الانبياء كما قال تعالى وعصى آدم ربه فغوى وهذا يدل على تعظيم حرمة الشهادتين مع عظم الخطأ وكذلك لم يكفر حاطب ابن أبي بلتعة مع خيانته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وما نزل فيه أول سورة الممتحنة وقوله تعالى فيه تلقون إليهم بالمودة و تسرون إليهم بالمودة وقد قال تعالى ومن يتولهم منكم فإنه منهم ومع ذلك وصفه بالايمان في أول السورة حيث قال يا أيها الذين آمنوا وإنما قلنا أنه داخل فيمن خوطب بذلك لأن العموم نص في سببه بالاجماع ولذلك أدخله الله مع المؤمنين وخاطبه بأجمل الخطاب حيث قال لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء وكذلك ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله قبل عذره وذلك كله يدل على ما قاله الامام المهدي محمد بن المطهر عليه السلام أن الموالاة المحرمة بالاجماع هي أن تحب الكافر لكفره والعاصي لمعصيته لا لسبب آخر من جلب نفع أو دفع ضرر أو خصلة خير فيه والله أعلم

الوجه السابع أن الله تعالى نص على تحريم التفرق في كتابه الكريم وجاء ذلك بعبارات كثيرة في الكتاب والسنة ولا أفحش في التفرق من التوصل إل التكفير بأدلة محتملة تمكن معارضتها بمثلها ويمكن التوصل بها إلى عدم التكفير وإلى جمع الكلمة وإنما قلنا أنه لا أفحش من ذلك في التفرق المنهي عنه لما فيه من أعظم التعادي والتنافر والتباين وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله في حق المحدود في الخمر مرارا حيث لعنوه بسبب ذلك لا تعينوا الشيطان على أخيكم أما أنه يحب الله ورسوله ولا شك أن في التفرق ضعف الاسلام وتقليل أهله وتوهين أمره قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وقال بعدها بآية


401
واحدة ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وقد تقدم في حديث ابن مسعود أن الاختلاف المنهى عنه هو التعادي لا الاختلاف في مجرد الافعال والاقوال مع عدم التعادي وأن بعض ذلك قد وقع بين الملأ الاعلى وبين رسل الله الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام يوضحه قوله تعالى ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وقال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه وقال تعالى ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وقال تعالى وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم وفي الحديث أن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصوم وفيه أن فساد ذات البين هي الحالقة اما اني لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين

وقد تقدم في هذا الباب ما جاء في المشاحنة والمهاجرة من الوعيد الشديد والأحاديث المتواترة منها حديث هشام بن عمار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله لا يحل لمسلم أن يهجر مسلما فوق ثلاث فانهما ناكبان عن الحق ما داما على صرامهما وأولهما فيأ يكون سبقة بالفيء كفارة له وإن سلم ولم يقبل ردت عليه الملائكة وإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعا أبدا رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح وقد مر في الوجه الأول من هذه الوجوه ما له من الشواهد المتواترة الرائعة في تحريم ذلك وانه مقرون بالشرك في حرمان صاحبه الغفران وهذا أمر مجمع على تحريمه في الأصل فيجب مراعاة أسبابه ومقوياته فكلما كان أقرب إلى الاجتماع كان أرجح وكلما كان أقرب إلى التفرق وادعى اليه وإلى اثارته كان أفسد وأبطل وكم بين إخراج


402
عوام فرق الاسلام أجمعين وجماهير العلماء المنتسبين إلى الاسلام من الملة الاسلامية وتكثير العدد بهم وبين ادخالهم في الاسلام ونصرته بهم وتكثير أهله وتقوية أمره فلا يحل الجهد في التفرق بتكلف التكفير لهم بالأدلة المعارضة بما هو أقوى منها أو مثلها مما يجمع الكلمة ويقوي الاسلام ويحقن الدماء ويسكن الدهماء حتى ينضح كفر المبتدع اتضاح الصبح الصادق وتجتمع عليه الكلمة وتحقق إليه الضرورة مثل كفر الزنادقة والملاحدة الذين أنكروا البعث والجزاء والجنة والنار وتأولوا الرب جل جلاله وجميع أسمائه بامام الزمان وسموه باسم الله تعالى وفسروا لا إله إلا الله أي لا إمام إلا إمام الزمان في زعمهم خذلهم الله تعالى وتلعبوا بجميع آيات كتاب الله عز وجل في تأويلها جميعا بالبواطن التي لم يدل على شيء منها دلالة ولا امارة ولا لها في عصر السلف الصالح اشارة وكذلك من بلغ مبلغهم من غيرهم في تعفية آثار الشريعة ورد العلوم الضرورية التي نقلتها الامة خلفها عن سلفها والله يحب الانصاف قطعا

الوجه الثامن أن الخطأ لما كان منقسما إلي مغفور قطعا كالخطأ في الاجتهاديات على الصحيح وغير مغفور قطعا كالخطأ في نفي البعث والجنة والنار وتسمية الامام بأسماء الله تعالى إلي غير ذلك ومختلف فيه محتمل للالحاق بأحد القسمين نظرنا لأنفسنا في الاقدام على تكفير أهل التأويل من أهل القبلة وفي الوقف عنه عند الاشتباه فوجدنا الوقف عنه حينئذ مع تقبيح بدع المبتدعة لا يحتمل أن يكون كفرا ولا خطأ غير معفو عنه لأنه لا يدل على ذلك برهان قاطع ولا دليل ظاهر بل الأدلة واضحة في العفو حينئذ على تقدير الخطأ كما تقدم بيانه في الوجه الرابع وأما الاقدام على التكفير فعلى تقدير الخطأ فيه لا نأمن أن يكون كفرا أو خطأ غير معفو عنه كخطأ الخوارج لورود النصوص الصحيحة الكثيرة بذلك وعدم الإجماع على تأويلها كما تقدم في الوجه الأول فوجدنا الوقف حينئذ أحوط للدين والدار الآخرة حتى لو قدرنا والعياذ بالله تعالى أن الخطأ في كل واحد منهما ذنب غير مغفور لكان الخطأ في الوقف أهون من الخطأ في التكفير وفي الحديث والعقول دلائل على ذلك كثيرة ولذلك قيل أن للشر خيارا ومنه قولهم حنانيك بعض الشر أهون من بعض


403
الوجه التاسع أن الوقف عن التكفير عند التعارض والاشتباه أولى وأحوط من طريق أخرى وذلك أن الخطأ في الوقف على تقديره تقصير في حق من حقوق الغني الحميد العفو الواسع أسمح الغرماء وأرحم الرحماء وأحكم الحكماء سبحانه وتعالى والخطأ في التكفير على تقديره أعظم الجنايات على عباده المسلمين المؤمنين وذلك مضاد لما أوجب الله من حبهم ونصرهم والذب عنهم

وقد روى في ذلك من حديث أمير المؤمنين علي عليه السلام ومن حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال

( الدواوين عند الله ثلاثة ديوان لا يغفره الله وهو الشرك بالله تعالى وديوان لا يتركه وهو حقوق المخلوقين وديوان لا يبالي به وهو ما بينه سبحانه وتعالى وبين عبده فالتارك للتكفير إن قدرنا خطأه فانما أخل بح من حقوق الله تعالى وهو إجراء الاحكام عليهم وهو ههنا لم يتركه إلا لعدم شرط جوازه وهو تحقق الموجب له وأما للكفر إن قدرنا خطأه فقد أخل بحق المخلوق المسلم بل تعدى عليه وظلمه أكبر الظلم وأفحشه فأخرجه من الاسلام وهو يشهد أن لا أله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن جميع رسله وكتبه وما جاء فيها عن الله عز وجل حق لا شك فيه ولا ريب في شيء منه على الجملة وإنما أخطأ في بعض التفاصيل وقد صرح بالتأويل فيما أخطأ فيه فان وصف الله بوصف نقص فلاعتقاده أنه وصف كمال وان نسب إليه قبحا فلاعتقاده أنه حسن وان تعمد القبيح في ذلك فمحل التعمد هو القلب المحجوب عنا سرائره والحاكم فيه علام الغيوب وقد عوقبت الخوارج أشد العقوبة وذمت أقبح الذم على تكفيرهم لعصاة المسلمين مع تعظيمهم في ذلك لمعاصي الله تعالى وتعظيمهم لله تعالى بتكفير عاصية فلا يأمل المكفر أن يقع في مثل ذنبهم وهذا خطر في الدين جليل فينبغي شدة الاحتراز فيه من كل حليم نبيل ولأجل هذا الخطر عذر المتوقف في التكفير وكان هذا هو الصحيح عند المحققين كما ذكره الفقيه حميد واختاره في عمدة المسترشدين بل كما قامت عليه الدلائل والبراهين

الوجه العاشر أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لم يكفر


404
أهل الجمل وصفين لم يسر فيهم السيرة في الكافرين مع صحة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ( لايحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ) والمنافق إذا أظهر النفاق وحارب وكانت له شوكة جرت عليه أحكام الكفار بالاجماع بل قد صح أن سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر فكيف بسيد المسلمين ومولاهم الامام بل خلاف بينهم الواجب محبته وطاعته عليهم

وفي مسند أحمد عن أم سلمة أنها قالت أيسب رسول الله فيكم قيل لها معاذ الله قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سب عليا فقد سبي رجاله رجال الجماعة كلهم إلى أبي عبد الله الحدلي التابعي الراوي عنها وهو ثقة ولم يكفرهم عليه السلام مع هذا وأمثاله فدل ذلك على أنه عليه السلام بعد عن التكفير لأجل المعارضات التي أشرنا اليها في حكم أهل الشهادتين أو فيمن قام بأركان الاسلام ولجوازان يراد كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وهذا الوجه مفارق للوجه الأول المتعلق بالحوارج لأن النزاع في كفر الخوارج ممكن أو مشهور وأما هؤلاء فلا خلاف بين أهل النقل والبصر وبالتواريخ أنه عليه السلام سار فيهم السيرة في البغاة على إمام الحق ولم يسر فيهم السيرة في أهل الكفر ولهذا قال الامام أبو حنيفة أنه لولا سيرته عليه السلام في ذلك ما عرفت أحكام البغاة أو كما قال رحمه الله تعالى وإنما كان فعله فيهم حجة على البعد عن التكفير لأنه تركه مع وجود النصوص الصحيحة بكفرهم ونفاقهم كما ذكرناه في الحديثين الشهيرين وشواهدهما بل كما في قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وعدل إلى ترجيح معارضتهما ولا معنى للعبد عن التكفير إلا ذلك

الوجه الحادي عشر

أنه قد يدق مراد المخالف ويخفي جدا ويحتمل الوقف فيفسر بما لم يقصده كما تقدم في هذا المختصر في اختلاف الناس في تحقيق فعل العبد إلى بضعة عشر قولا أكثرها غامضة وكما دق مذهب الاشعرية في الرؤية حتى قال الرازي أن مرادهم أنه ينكشف لله تعالى صفة في الآخرة هي بالنسبة اليه كالرؤية بالنسبة إلى غيره وقد ينقل عنه ما لم يقل لتوهم أنه لازم له وليس بلازم كما نسب تكليف ما لا يطاق إلى


405
الاشعري أو لازم ولكن اللازم الذي لم يقل به بل تبرأ منه ومن لزومه كالذي قاله وكم يختلف أتباع العالم في كثير من مقاصده ويلزم ما لم يقصده كما يختلف في كثير من الآيات والأحاديث وقد تقدم هذا في سبب الابتداع في الدين بتبديل العبارات وعليه بنيت هذا المختصر فاذا تقرر هذا فمن العجب تكفير كثير ممن لم يرسخ في العلم لكثير من العلماء وما دروا حقيقة مذاهبهم وهذه هذه وما يعقلها إلا العالمون

الوجه الثاني عشر

أن في الحكم بتكفير المختلف في كفرهم مفسدة بينة تخالف الاحتياط وذلك اسقاط العبادات عنهم إذا تابوا وإسقاط جميع حقوق المخلوقين من الأموال والدماء وغيرهما وإباحة فروج نسائهم إذا لم يتوبوا وسفك دمائهم مع قيام الاحتمال بشهادة وجود المخالفين الجلة من أئمة الملة ووجود المعارضات الراجحة الواضحة الادلة وقد أشار إلى هذا الوجه شيخ الاعتزال المعروف بمختار في المسألة الثانية عشرة من مسائل هذا الباب في كتابه المجتبى قال فيه وعن بعض السلف أنه كان يكتب في الفتوى في هذا لا يكفر وغيري يخالفني

الوجه الثالث عشر

أن الخطأ في العفو خير الخطأ في العقوبة نعوذ بالله من الخطأ في الجميع ونسأله الاصابة والسلامة والتوفيق والهداية لكنا وجدنا الله تعالى لم يذم من أخطأ في نحو ذلك ألا تراه أثنى على خليه عليه السلام حين جادله في قوم لوط فقال إن إبراهيم لحليم أواه منيب وقال عز وجل فيه بعد حكايته استغفاره لأبيه إن إبراهيم لأواه حليم وإنما كان جداله واستغفاره فيما يحتمل الجواز في شريعته لا فيما لا يجوز بالنص فانه منزه عن ذلك ولا فيما يجوز بالنص فانه لا يعاقب في ذلك ولا يحتاج إلى الاعتذار له فيه ونحو هذا من وجه آخر قوله عليه السلام ومن عصاني فإنك غفور رحيم وقول عيسى عليه السلام وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم وصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله على عبد الله بن أبي بعد نزول قوله تعالى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وقوله في تفسيرها ان الله خيرني ولم ينهني ولو أعلم انه يغفر لهم اذا زدت على السبعين لزدت


406
عليها وثبت انه عليه الصلاة والسلام ما خير بين أمرين الا اختار أيسرهما ما لم يكن اثما وتواتر ذلك من اخلاقه الكريمة كما جمع في مصنف مفرد ويشهد له بذلك القرآن الكريم حيث قال تعالى وإنك لعلى خلق عظيم هذا مع انا نقف فيمن تفاحشت بدعته وقاربت الكفر ولا نواليه ولا ندعوا له بالرحمة والمغفر الا بشرط ان يكون من المسلمين محاذرة من ان نوالي من هو عدو لله في الباطن وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله بنحو هذا في حديث أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم حذرا من تكذيب الحق وتصديق الباطل فنعوذ بالله من موالاة أعداء الله بل ننكر بدعهم وننهي عنها ما استطعنا ونكرهها ونتبرأ منها ونشهد الله تعالى انا نعادي من عاداه علمناه أو جهلناه فقد دل في الحديث على نفع هذا الاعتقاد الجملي وهو حديث زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وفيه ( اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت وما لعنت من لعنة فعلى من لعنت ) رواه أحمد والحاكم وقتال حديث صحيح ويشهد لصحته ما تقدم عن ابراهيم الخليل عليه السلام من الجدال عن قوم لوط والاستغفار منه لابيه ولم يكن موالاة منه لهم ولا رضى بذنوبهم ولا ذم به بل بين الله تعالى عذره في بعض ذلك وعده من سعة حلمه في بعضه وهذا كله في حق الكافرين وأما أهل الاسلام المؤمنين الخاطئين فلا نص على تحريم ذلك فيهم فيما علمت وينبغي الاشتراط فيما شك فيه من الدعاء لبعضهم ان يكون موافقا لمراد الله تعالى في الشريعة النبوية
407
فصل في الفسق

وهو أقسام باعتبار العرف الاول والآخر واسم الفاعل واسم الفعل وباعتبار التصريح والتأويل

فاما العرف الأول في اسم الفاعل فانه يدل ان الفاسق من الكفار من لا حياء ولا مروءة ولا عهد ولا عقد له كما فسره بذلك الزمخشري في بعض الآيات الدالة على ذلك فان الله تعالى يقول في الكفار من اليهود وغيرهم وأكثرهم فاسقون وفي بعض الآيات وكثير منهم فاسقون كما أوضحته في الاول من العواصم مبسوطا بسطا شافيا زائدا على ما يعتاد في ذلك من البسط

وأما باعتبار اسم الفعل ففيه قوله تعالى وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر في أحاديث كثيرة متفق على صحتها

وأما العرف المتأخر فالفسق يختص بالكبيرة من المعاصي مما ليس بكفر والفاسق يختص بمرتكبها وعند المعتزلة لا يسمي كافرا ولا مؤمنا ولا مسلما وعند أهل الحديث والاشعرية لا يسمى كافرا وأما اسم الاسلام فان اعتبرنا تمامه وكماله لم نسمه مؤمنا ولا مسلما وان اعتبرنا أقله سميناه مؤمنا ومسلما الا ان تسميته مسلما اعتبارا بالاقل من مراتب الاسلام هو العرف الاكثر بخلاف تسميته مؤمنا وفي ذلك من الآيات والأحاديث ما لا يحتمله هذا المختصر وقد استوفيت الكلام فيه في مسألة الوعد والوعيد في آخر العواصم


408

وأما انقسام ذلك باعتبار فسق التصريح والتأويل فهو متفق عليه أما فسق التصريح فلا داعي الى ذكره هنا وهو يرجع الى معرفة الكبائر وهي منصوصة في أحاديث كثيرة وفي بعضها زيادة على بعض وقد جمعها ابن الحاجب في مختصر المنتهى وتكلم ابن كثير على طرقها ومنهم من زاد عليها ما هو أكثر منها قطعا عملا بمفهوم الموافقة المسمى فحوى الخطاب

مثاله ان قتل المؤمن كبيرة بالنص فأولى منه بذلك دلالة الكفار على نقب في مصر عظيم من أمصار المسلمين يدخلون منه فيقتلون جميع من فيها ويستحلون المحارم من النسوان والصبيان ونحو ذلك وهذا قسمان منه ما يكون معلوما كما يعلم تحريم ضرب الوالدين من تحريم التأفيف فلا يكون قياسا ومنه قياس واختلف فيما يكون قياسأ فاجازته طائفة منهم الهدوية ففسقوا من غصب عشرة دراهم قياسا على من سرقها ومنعته طائفة منهم المؤيد بالله عليه السلام واحتج عليهم بالاجماع على ان الغاصب لا يقطع ومنهم من قال الكبيرة ما كان فيه حد من حدود الله تعالى أو قال الله تعالى فيه إنه عظيم أو كبير ومنهم من قال ما توعد الله عليه بخصوصه بالعذاب

وأما فسق التأويل فهو الذي أردت أن أذكره هنا واعلم ان ما دخله التأويل مما يتعلق بالكبائر ولم يعلم انه منها سوى قتل المسلمين وقتالهم فانه يصير ظنا من الفروع الاجتهاديات عند جماهير العلماء من الفرق أو عند جميعهم كالربويات المختلف فيها والانكحة المختلف فيها مثال ذلك وأما قتل المسلمين وقتالهم والبغي على أئمتهم العادلين فاختلف فيه فقالت الشيعة والمعتزلة لا يعذر المجتهد ان أخطأ فيه ويكون فاسق تأويل وقيل يعذر مثل التأويل فيما تقدم وسبب الاختلاف أمران

أحدهما تعارض الوعيد على ذلك والوعد بالعفو عن أهل الخطأ وقد تقدم ما في ذلك قريبا في الوجه الثالث في الكلام على تكفير أهل التأويل

وثانيهما اختلافهم هل يوجد دليل قاطع شرعي وليس بضروري من الدين أم لا ومعنى ذلك أن القطعي الشرعي هو المعلوم لفظه المعلوم


409
معناه فأما العلم بلفظه فلا يكون إلا ضروريا بالاجماع لانه نقل محض ما لم يبلغ مرتبة الضرورة فيه كان ظنيا ولا واسطة فيه بين الضرورة والظن وفاقا فالضرورة هو التواتر والظن آحاد وان كثرت رواته وأما العلم بمعنى القطعي الشرعي فهو محل الخلاف فعند المعتزلة وكثير من الشيعة يدخله القطع من غير ضرورة وعند المخالفين لهم انه راجع الى لنقل المحض إما عن أهل اللغة أو عن أهل الشرع فلا يكون الا ضروريا فيكفر المخالف فيه أو ظنيا فيعذر

وعضدوا هذا بوجوه منها قياس القتل والقتال على سائر ما تقدم مما يتعلق بالكبائر فان هذا حكمها عند الجميع ومنها قياس ذلك على كلام العلماء في مسائل الخلاف في القصاص في النفوس كالحر بالعبد والذكر بالانثى والقصاص بين المسلم والذمي والخلاف في عمد الخطأ وكذلك كلامهم في الحدود التي يجب فيها القتل أو العفو والعقد الاجماع في ذلك كله على عدم تأثيم المخالف مع انه خلاف في سفك الدماء وقتل المؤمنين بالتحري للعدل المأمور به لدفع الفساد قالوا فكذلك من أخطأ من المجتهدين في الفتن وهو على هذه النية ومنها قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا مع أحاديث خاصة وردت في الخطأ في الفتن بخصوصها

وفي ذلك أحاديث

الاول عن سعيد بن زيد أحد العشرة رضي الله عنهم قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله فذكر فتنة عظم أمرها فقلنا أو قالوا يا رسول الله لئن أدركتنا هذه الفتنة لنهلكن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله كلا ان يحسكم القتل قال سعيد فرأيت أخواني قتلوا رواه أبو داود في الفتن من كتاب السنن عن مسدد عن أبي الاحوص سلام ابن سليم عن منصور بن المعتمر أحد أئمة الكوفة عن هلال بن يساف الاشجعي الكوفي عن سعيد بن زيد وكلهم نبلاء ثقات من رجال البخاري ومسلم وسائر الجماعة الا أن البخاري لم يخرج حديث هلال ابن يساف وحده لغبر طعن فيه فانه لم يذكر في الميزان ورواه أحمد بن حنبل في مسنده بإسناد آخر رجاله كله ثقات الى هلال بن


410
يساف عن سعيد ولفظه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله فتنا كقطع الليل المظلم أراه قال قد يذهب فيها الناس أسرع ذهاب قال فقيل أكلهم هالك أم بعضهم فقال حسبهم أو بحسبهم القتل وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ولفظه فقلنا إن أدركنا ذلك هلكنا فقال بحسب أصحابي القتل ورواه الطبراني باسانيد ورجال أحدها ثقات ورواه البزار كذلك

الحديث الثاني عن أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله انه قال رأيت ما تلقى أمتي بعدي وسفك بعضهم دماء بعض فسألته أن يؤتيني شفاعة يوم القيامة فيهم ففعل رواه أحمد والطبراني في الاوسط ورجالهما رجال الصحيح الا أن رواية أحمد عن انس عن أم حبيبة ورواية الطبراني عن الزهري عن أنس رواه في مجمع الزوائد ولم أجده في جامع ابن الجوزي ولكنه لا يستوفى والله أعلم

الحديث الثالث عن طارق بن أشيم انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وآله يقول بحسب أصحابي القتل

الحديث الرابع عن أبي بردة عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله انه قال عقوبة هذه الأمة السيف رواه الطبراني برجال الصحيح

الحديث الخامس عن أبي بردة عن عبد الله بن زيد انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول جعل الله عذاب هذه الأمة في دنياهم

الحديث السادس عن معقل بن يسار مرفوعا نحو ذلك رواه الطبراني من حديث عبد الله بن عيسى الخزاز

الحديث السابع عن أبي هريرة نحوه رواه الطبراني في الأوسط من حديث سعيد بن مسلمة الأموي وعضدوا هذه الأخبار بما رواه زيد بن أبي الزرقاء عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الاصم قال قال علي عليه


411
السلام قتلاي وقتلى معاوية في الجنة رواه الذهبي في ترجمة معاوية من النبلاء وجعفر ويزيد من رجال مسلم وزيد من رجال النسائي قال في الكاشف صدوق وكذلك قال في الميزان وفيه عن ابن معين لا بأس به ولم يورد فيه جرحا الا قول ابن حبان انه يغرب وليس ذلك بجرح وقال فيه انه صدوق مشهور عابد وإن ابن عمار قال ما رأيت في الفضل مثله ومثل المعافي وقاسم الجرمي رحمهم الله تعالى

وهذا من أحسن ما في الباب وانما أخرته لانه موقوف ومع ذلك فله قوة المرفوع والله أعلم بصحة ذلك عنه ومنه أحاديث النهي عن مدافعة أهل التأويل ومنها اعتقادهم أن هذه الادلة أخص وأن ادلة المعتزلة والشيعة عامة وهو في الحقيقة موضع النزاع كما سيأتي في ادلة المعتزلة فينبغي تحرير النظر فيه لان الخاص مقدم على العام ومنها عدم ترجيح عدم التفسيق بالمرجحات المتقدمة لعدم التكفير الحكم فيها متقارب وان كان التكفير أخطر

وقد نص أبو ذر رضي الله عنه على رواية ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه المتقدم فقال من قال لاخيه كافر أو قال عدو الله وليس كذلك الا حار عليه متفق على صحته كما مضى

وأما الشيعة والمعتزلة فاحتجوا على قولهم بانواع من السمع كثيرة منها قوله تعالى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله وأهل التأويل من البغاة داخلون في هذه الآية وان كان سبب النزول في المصرحين فيما أحسب فالآية عامة عند الشيعة والمعتزلة أو عند أكثرهم ومنها حديث أبي هريرة موفوعا في الفتن ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل ولا يدري المقتول في أي شيء قتل قيل وكيف ذاك قال الهرج القاتل والمقتول في النار أخرجه مسلم وعن عبد الله بن عمرو موفوعا ستكون فتنة تستنظف العرب قتلاها في النار رواه أبو داود والترمذي ومنها حديث اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال انه كان حريصا على قتل صاحبه رواه خ و م و د و س من حديث أبي بكرة و س من حديث أبي


412
موسى ومنها أحاديث سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر ومنها أحاديث لا ترجعوا بعدي كفرا يضرب بعضكم رقاب بعض ومنها بادروا بالاعمال فتنا يصبح الزجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ومنها وهو من أصرحها حديث عمار وهو صحيح متواتر ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى النار أخرجه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم وقال ابن الجوزي في جامع المسانيد أخرجه البخاري ومسلم وكذلك ابن الأثير في جامع الاصول

قال الحميدي أخرجه كذلك أبو بكر البرقاني وأبو بكر الاسماعيلي قبله وذكره ابن حجر في قتال البغاة من تلخيصه عن اثني عشر صحابيا وذكر عن ابن عبد البر انها تواترت به الاخبار وان أصح الحديث وعن أحمد بن حنبل انه روي من ثمانية وعشرين طريقا وذكر الذهبي في ترجمة عمار من النبلاء كثيرا من طرقه وحكم بصحته بل بتواتره وذكر ان يعقوب بن أبي شيبة الامام الثقة الحافظ سمع أحمد بن حنبل سئل عنه فقال فيه حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى الذهبي مع ذلك أحاديث أخر قاتل عمار وسالبه في النار بل ان الله يعادي عدو عمار ويغضب لغضب عمار رضي الله عنه وحديث عمار هذا من اعلام النبوة الكبار ولذلك ذكره جمهور من صنف في المعجزات النبوية واحتجوا على انه معلوم بالضرورة بان معاوية وأهل الشام حين سمعوه لم ينكروه وذكر القرطبي في تذكرته والحاكم في علوم الحديث ان القول بمقتضاه اجماع أهل السنة يعني ان من حارب عليا عليه السلام فهو باغ عليه وانه عليه السلام صاحب الحق في جميع تلك الحروب ومنها ما ورد في تخصيص قتل المسلم وقتاله من الوعيد الشديد وان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الله أبي علي في القاتل وفي حديث ابن عمر لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما رواه البخاري وروي من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا من قتل مؤمنا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا قال د في حديث عبادة عن يحيى بن يحيى الغساني في معنى اغتبط بقتله قال الذين يقاتلون في الفتنة فيقتل أحدهم فيرى انه على هدى لا يستغفر الله تعالى يعني من ذلك والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى


413

وقد ذكرت في العواصم في مسألة الوعيد أحاديث كثيرة رائعة في تعظيم القتل وذكرها هنا يخرجنا على معنى الاختصار ومنها وهو أقوى من هذه الأشياء انه تواتر عن الصحابة انهم كانوا يعتقدون في الباغي على أخيه المسلم وعلى امامه العادل انه عاص آثم وأن التأويل في ذلك مفارق للاجتهاد في الفروع فانهم لم يتعادوا على شيء من مسائل الفروع وتعادوا على البغي وكذلك أجمعت الأمة على الاحتجاج بسيرة علي عليه السلام في قتالهم وليس المجتهد المعفو عنه يقاتل على اجتهاده ويقتل ويهدر دمه

وأما الاحاديث التي تقدمت في معارضة هذه فلا تبلغ مرتبتها في الصحة والشهرة ولو بلغت لم تعارضها فانها دالة على اثم أهل الفتن وانما فيها انه خفف على هذه الأمة عذابها في ذلك الذنب وجعل عذابها بالسيف في دنياها وهذا أولى أن يكون حجة على تحريم ذلك وعدم قبول الاجتهاد فيه فانه لو قبل منه لم يستحقوا عليه عذابا لا في الدنيا ولا في الآخرة بالاجماع بل يستحقون عليه المثوبة والثناء من الله سبحانه وتعالى

وأما الرجاء والشفاعة للمسلمين فقد تقدم ما فيه من القرآن والتواتر الا في قاتل المؤمن متعمدا ومنها ان النبي صلى الله عليه وسلم سمي فساد ذات البين الحالقة تحلق الدين لا تحلق الشعر ولو كان الاجتهاد فيها سائغا لم يصح ذلك ومنها أن الفريقين اجتمعوا على تهليك الخوارج والنصوص دلت على ذلك

فان قيل انما هلكوا بمجرد اعتقادهم التكفير

قيل لا سبيل الى القطع بذلك بل قد ورد ما يدل على ان القتل أعظم من التكفير وذلك حديث ثابت بن الضحاك مرفوعا وفيه ومن قذف مؤمنا بكفر فهو قاتله وتقدم القول في صحته وشواهده كثيرة قالوا وأما أحاديث النهي عن دفاع المتأولين فليس العلة فيها قبول اجتهادهم ألا تراه يقول فيها كن كخير ابني آدم يبوء باثمة واثمك فيكون من أصحاب النار رواه مسلم من حديث أبي بكرة ولم يكن ابن آدم القاتل لأخيه معفوا عنه والله تعالى يقول عن أخيه إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك


414
) بل هذا من أخص أدلة المعتزلة وأقواها لانه في أهل التأويل بالاتفاق والاثم منصوص

وقد جود ابن جرير الطبري الكلام في هذا الفصل ونقله ابن بطال في شرح البخاري وأما قوله ومن يقتل مؤمنا متعمدا وحديث كل ذنب عسى الله أن يغفره الا الرجل يقتل المؤمن متعمدا فالمراد الاحتراز من خطأ اليد لا خطأ الاستحلال بدليل ما ذكرناه وبدليل سياق الآيات من أولها في قتل الخطأ وكلام المعتزلة مع كثرة شواهده غير نص في محل النزاع فانه يمكن أن يكون هذا الوعيد بالنار في الفتن مختصا بالفتن التي الداعي اليها هو الهوى والكبر وحب الرياسة والمنافسة في الدنيا بل هو الظاهر في كثير من الأحاديث ومن أحوال أهل تلك الفتن ولو اجتهدوا لعرفوا الحق لاهله ومنتهى الامر ان يؤديهم الاجتهاد الى الوقف

وروى الحاكم في المستدرك في مناقب عمار والذهبي في النبلاء في مناقبه أيضا عن ابن عمر ما يدل على ذلك وانما الكلام مفروض فيمن وفي الاجتهاد حقه ولذلك أجمعت الأمة على العفو عن المجتهدين من أئمة العلم في معرفة أحكام الدماء والقتل في الحدود والقصاص في مسائل الفروع المختلف فيها المعمول فيها بأقوالهم كالخلاف في قتل تارك الصلاة وقتل الحر بالعبد ونحو ذلك حيث لم يكن الهوي سبب اختلافهم وظهر منهم التحري في الصواب وبذل الجهد في تعرفه وتوفية الاجتهاد حقه وهذا زبدة ما عرفته من أدلة الفريقين على جهة الاشارة والله الهادي والموفق الى الصواب


415^416
خاتمة

في حب من أحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأمر بحبه من القرابة والصحابة وقد دلت النصوص الجمة المتواترة على وجوب محبتهم وموالاتهم وأن يكون معهم ففي الصحيح ( لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا وفيه المرء مع أحب )

ومما يخص أهل بيت رسول لله صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا كما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وقوله تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى كما روى تفسيرها مرفوعا امام أهل الحديث أحمد بن حنبل والملا في سيرته والطبراني في معجمعه الكبير والاوسط من حديث حبر الامة وبحرها عبد الله بن العباس رضي الله عنهما

ويعضد ذلك من كتاب الله تعالى قوله عز وجل ألحقنا بهم ذريتهم وقوله تعالى وكان أبوهما صالحا واجماع الامة وتواتر الاخبار بشرع الصلاة عليهم في تشهد الصلاة واختصاصهم به أو بالاجماع على دخولهم فيه فيجب لذلك حبهم وتعظيمهم وتوقيرهم واحترامهم والاعتراف بمناقبهم فانهم أهل آيات المباهلة والمودة والتطهير وأهل المناقب الجمة والفضل الشهير

وقد ذكر مناقبهم امام أهل الحديث والسنة في عصره المحب الطبري وصنف في ذلك كتابه ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ويا له من


417
كتاب وافق اسمه مسماه وصدق لفظه ومعناه وكذلك دلت النصوص المتواترة على وجوب حب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ورضي الله عنهم وأرضاهم وتعظيمهم وتكريمهم واحترامهم وتوقيرهم ورفع منزلتهم والاحتجاج باجماعهم والاستنان بآثارهم واعتقاد ما نطق به القرآن الكريم والذكر الحكيم من انهم خير أمة أخرجت للناس وفيهم يقول الله تعالى والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود الآية

وفي تعظيم حق أهل البيت يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ستة لعنتهم لعنهم الله وذكرهم الي أن قال والمستحل من عترتي لما حرم الله تعالى رواه الترمذي والحاكم من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها

وفي تعظيم حق الصحابة رضي الله عنهم يقول صلى الله عليه وسلم( اذا سمعتم من يلعن أصحابي فقولوا لعنة الله على شركم ) رواه الترمذي

وكذلك يجب حب المؤمنين علمائهم وعامتهم ونصيحتهم واكرامهم لما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يؤمن أحدكم حتى يحب لاخيه المؤمن ما يحب لنفسه وقد تقدم في مسألة الوعد والوعيد فوائد تعلق بحكم الخالطين من المسلمين وخصوص المؤمنين والتحذير من مشاحنتهم واضمار الغل لهم والمحافظة على ذلك والتواصي به على مقتضى ما وصف الله تعالى به المؤمنين من التواصي بالحق والصبر والمرحمة جعلنا الله من العاملين بذلك وهو الهادي لا اله الا هو نعم المولى ونعم النصير له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وهو حسبنا ونعم الوكيل

والاولى لكل حازم أن يشترط في كل ما يعتقده من المشكلات المختلف فيها ان يكون موافقا لما هو الحق عند الله تعالى وأن لا يكون فيه مخالفة لشيء من كتب الله تعالى ولا لما جاءت به رسل الله تعالى عليهم أفضل الصلاة والسلام وان كان الوقف حيث يجوز أحزم وأسلم فان العصمة مرتفعة والثقة بالفهم أو الانصاف غير مفيد للعلم الضروري بالسلامة من ذلك


418
وقد ورد في الحديث ما يدل على نفع ذلك كما تقدم في حديث زيد بن ثابت في آية آخر مسألة التكفير والتفسيق ولو لم يكن الا ان هذا الاشتراط آخر ما في الوسع من طلب النجاة

وأنا أشهد الله عز وجل باني مشترط لذلك في كل ما يحسن مني اشتراطه فيه وبكون أحوط لي في ديني وأقرب الى رضوان ربي سبحانه وتعالى مع اختيار الوقف في المشكلات المختلف فيها حيث لا يجب القطع بأحد الاحتمالين تقبل الله ذلك مني وثبتني وهداني ولا وكلني الى نفسي طرفة عين ولا حول ولا قوة الا بالله عليه توكلت واليه أنيب

وهذا آخر هذا المختصر المبارك إن شاء الله تعالى وأما الكلام في الخلافة ومناقب القرابة والصحابة فلا يتسع له هذا المختصر فان الكلام فيه كثير جدا وإفراده بمجلد يحق له بل يقل له عند من يعرف ما ورد في ذلك وما قاله أهل العلم فيه وإنما أوردت في هذا المختصر ما يصلح أن يكون مقدمة من مقدمات تفسير كتاب الله تعالى كما ذكرته في هذا المختصر من أنواع التفسير منه في النوع الأول منها والله تعالى يتقبل مني ما وهب من ذلك ويبارك فيه ربنا تقبل منا انك أنت السميع العليم فانما البركة والخير كله بيده سبحانه ومنه وبه وله فله الحمد كله كما ينبغي لكريم وجهه وله الشكر وله الثناء لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه سبحانه وتعالى

ثم اني أختم هذا المختصر المبارك باني أستغفر الله وأسأله التجاوز عني والمسامحة في كل ما أخطأت فيه من هذا المختصر وغيره فاني محل الخطأ والغلط والجهل وأهله وهو سبحانه وتعالى أهل المغفرة والسعة والمسامحة والغنى الأعظم والكريم الأكرم عن مضايقة المساكين والجاهلين اذ كان تعالى عز وجل غنيا عن عرفان العارفين غير متضرر بجهل الجاهلين وآخر كلامي كاف له أن الحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله الطاهرين الطيبين وصحبه الراشدين ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم