بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة

لابن تيمية 21


1


169

بسم الله الرحمن الرحيم

و صلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد صدر الكتاب سئل شيخ الإسلام علم العلماء الأعلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني رحمهم الله تعالى

ما تقول السادة العلماء أئمة الدين في الحديث المروي الذي لفظه

أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتي ما خلقت خلقا أكرم علي منك فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب والعقاب

والحديث الآخر الذي لفظه كنت كنزا لا أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ليعرفوني فبي عرفوني


170

والحديث الثالث الذي لفظه كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان

هل هذه الأحاديث صحيحة أم سقيمة أو بعضها صحيح وبعضها سقيم وما الصحيح منها وهل فيها زيادة الراوي العدل أم لا وما معناها على الإطلاق

وكان يخط الكاتب في الحاشية وما نصه رواية الشيخ

والمقصود بيان ما بنى على هذه الأحاديث من مقالات القائلين بوحدة الوجود وما يتصل بذلك من أقاويل الفلاسفة والقرامطة الباطنية ونحو ذلك وبيان الحق من الباطل وبالله تعالى التوفيق


171

أجاب رضي الله عنه وأرضاه

الحمد لله رب العالمين أما الحديث الأول فهو باللفظ المذكور قد رواه من صنف في فضل العقل كداود بن المحبر ونحوه واتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ضعيف بل هو موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقد ذكر الحافظ أبو حاتم البستي وأبو الحسن الدارقطني


172
والشيخ أبو الفرج ابن الجوزي وغيرهم أن الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في العقل لا أصل لشيء منها وليس في رواتها ثقة يعتمد

فقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي في كتابه المعروف عن هذه الأحاديث الموضوعات عامة ما روي في العقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى القزاز عن الحافظ أبي بكر الخطيب

حدثني محمد بن علي الصوري سمعت عبد الغني بن سعيد


173
الحافظ يقول أنا أبو الحسن علي بن عمر يعني الدارقطني كتاب العقل وضعه أربعة أولهم ميسرة بن عبد ربه ثم سرقه منه داود بن المحبر فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسره وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء فركبه بأسانيد أخر

ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخر

قال وهو على ما قال الدارقطني

وقد رويت في العقل أحاديث كثيرة ليس فيها شيء يثبت


174
منها ما يرويه مروان بن سالم وإسحاق بن أبي فروة وأحمد بن بشير ونصر بن طريف وابن سمعان وسليمان بن عيسى


175
وكلهما متروكون وقد كان بعضهم يضع الحديث ويسرقه الآخر ويغير إسناده فلم نر التطويل بذكرها قلت ومع هذا فقد روى أبو الفرج هذا الحديث من طريق سيف بن محمد عن سفيان الثوري عن الفضل بن عثمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما خلق الله العقل قال له قم فقام ثم قال له أدبر فأدبر ثم قال له أقبل فأقبل ثم قال له أقعد فقعد فقال ما خلقت خلقا هو خير منك ولا أكرم علي منك ولا أحسن منك بك آخذ وبك أعطي وبك أعرف وبك الثواب وعليك العقاب


176

قال أبو الفرج هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقال يحيى بن معين الفضل رجل سوء

وقال ابن حبان وحفص بن عمر يروي الموضوعات لا يحل لأحد الاحتجاج به وأما سيف فكذاب بإجماعهم


177

ورواه أيضا من كتاب أبي جعفر العقيلي من حديث سعيد بن الفضل القرشي

حدثنا عمر بن أبي صالح العتكي عن أبي غالب عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل


178
ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتي ما خلقت خلقا هو أعجب إلي منك فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وعليك العقاب

قال أبو الفرج هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أن سعيدا وعمرا مجهولان

قال وقد روى من طريق علي وأبي هريرة وليس فيها شيء يثبت

قال أحمد بن حنبل هذا الحديث موضوع ليس له أصل

قال العقيلي لا يثبت في هذا الباب شيء فهذا اتفاق أهل المعرفة على بطلان هذا الحديث مع أن أكثر ألفاظه لما خلق العقل قال له وهذا بمنزلة قوله


179

أول ما خلق الله العقل بالنصب لكن هذا اللفظ يمكن هؤلاء الملحدون أن يغيروا إعرابه بخلاف ذلك اللفظ فإنه لا حيلة لهم في إعرابه

ثم إنه من العجب أن هذا الحديث قد جعله عمدتهم في أصول الدين والمعرفة والتحقيق من يروم الجمع بين الشريعة الإلهية والفلسفة اليونانية المشائية وكل هؤلاء غيروه وإن كان موضوعا فرووه أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل وجعلوا هذا حجة وموافقا لما يقوله


180
الفلاسفة المشاؤون أتباع أرسطو من قولهم أول الصادرات عن واجب الوجود هو العقل الأول

وقد شاع هذا في كلام كثير من المتأخرين بعد أن رأوه في كتب رسائل إخوان الصفا فإن هذه الرسائل هي عمدة لهؤلاء


181

ووجدوا نحو هذا في كلام أبي حامد في مواضع وإن قيل إنه رجع عن ذلك

ثم وقع بعده في كلام من سلك هذه السبيل من الجهمية والمتفلسفة من القائلين بوحدة الوجود وغيرهم وهذا باطل من وجوه كثيرة أحدها أن هذا الحديث بهذا اللفظ والإعراب لم يروه أحد من رواة الحديث لا بإسناد صحيح ولا سقيم بل الحديث المروي وإن كان بإسناد سقيم لفظه أول ما خلق الله العقل بنصب أول والعقل وذلك لا حجة فيه على أن العقل أول مخلوق خلق إذ لفظه أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل فهو نصب على الظرف إذ ما هي المصدرية وهي والفعل بتأويل المصدر الذي يجعله ظرفا كما يقال أول ما لقيت فلانا سلمت عليه أي في أول أوقات لقيه سلمت عليه

وإذا كان معناه أنه قال له في أول أوقات خلقه هذا القول لم يدل على أنه أول مخلوق بل هو دليل على أنه خلق قبله غيره


182

إذ قد قال له في أول أوقات خلقه ما خلقت خلقا أكرم علي منك وإن كان قد تحذلق من تحذلق من الجهميين القائلين بوحدة الوجود وغيرهم ففسروا الإقبال والإدبار بما لا يدل عليه اللفظ واختلفوا في ذلك حتى أن صاحب البيد يفسر الإقبال والإدبار بما يرجع محصوله إلى أصله الفاسد من أن وجوده وجود الحق

فمعلوم أن هذا ليس هو قول هؤلاء الفلاسفة ولكن أرسطو حكى عن بعض قدماء الفلاسفة أنه كان يقول الوجود واحد ورد ذلك عليه


183
00 فقول هؤلاء يواطئ هذا القول الذي لم يرضه هؤلاء الفلاسفة وقد كان صاحب البيد يقول عن صاحب الفصوص والفتوحات المكية إن كلامه فلسفة مخموجة أي عفنة فيكون كلامه هو فلسفة منتنة وسواء كان قولهم أو لم يكن فمعلوم أن اللفظ المذكور لا يدل على ما فسره به بوجه من وجوه دلالات اللفظ ولكن هؤلاء سلكوا مسلك القرامطة الباطنية وهم من المتفلسفة المنتسبين إلى الإسلام وكان ابن سينا يقول كان أبي من أهل دعوتهم ولذلك قرأت كتب الفلاسفة ومعلوم أن مقالات هؤلاء من ابعد المقالات عن الشرع والعقل فإنهم يسفسطون


184

في العقليات ويقرمطون في السمعيات فيحرفون الكلم عن مواضعه أعظم من التحريف الذي عيب به اليهود والنصارى إلا من تقرمط من الأميين من متفلسفيهم فإنه شبيه بهم

وقد علم بالاضطرار أن ما يفسرون به كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بل وكلام غيرهما ليس داخلا في مرادهم فضلا عن أن يكون هو المراد بل غالب تفاسيرهم منافية لما أراده الله تعالى إما من ذلك اللفظ وإما من غيره وإن كان طوائف من المشهورين بالفقه والتصوف يطلقون هذه العبارات الإسلامية بالتفاسير الفلسفية القرمطية فقد صرحوا بأن ذلك مأخوذ عن هؤلاء كما ذكر أبو حامد في كتابه معيار العلم لما تكلم على الحدود قال


185

ولكنا أوردنا حدودا مفصلة لتحصل الدربة بكيفية تحرير الحد وتأليفه فإن الإمتحان والممارسة للشيء تفيده قوة عليه لا محالة

والثاني لأن يقع الإطلاع على معاني أسماء أطلقها الفلاسفة وقد أوردناها في كتاب تهافت الفلاسفة إذ لم يمكن مناظرتهم إلا بلغتهم وعلى حكم اصطلاحهم وإذا لم نفهم ما أوردناه في اصطلاحهم لا يمكن مناظرتهم

فقد أوردنا حدود ألفاظ أطلقوها في الإلهيات والطبيعيات وشيئا قليلا من الرياضيات فلتؤخذ هذه الحدود على أنها شرح الاسم

فإن قام البرهان على أن ما شرحوه هو كما شرحوه اعتقد حدا وإلا اعتقد شرحا للاسم وإنما قدمنا هذه المقدمة لتعلم أن ما نورده من الحدود شرح لما أراده الفلاسفة بإطلاق لا حكم بأن ما ذكروه على ما ذكروه فإن ذلك إنما يتوقف على النظر في موجب البرهان عليه


186

قال والمستعمل في الإلهيات أربع عشرة لفظة وهو

الباري تعالى وهو المسمى بلسانهم المبدأ الأول

والعقل

والنفس

والعقل الكلي

وعقل الكل

والنفس الكلي

ونفس الكل

والملك

والعلة

والمعلول

والإبداع

والخلق

والإحداث

والقديم

إلى أن قال

العقل الكلي وعقل الكل والنفس الكلي ونفس الكل وبيانه أن الموجودات عندهم يعني الفلاسفة ثلاثة أقسام

أجسام وهي أخسها

وعقول فعالة وهي أشرفها لبرائتها عن المادة وعلاقة المادة حتى أنها لا تحرك المواد أيضا إلا بالشوق


187

وأوسطها النفوس وهي التي تنفعل عن العقل وتفعل في الأجسام فهي واسطة

ويعنون بالملائكة السماوية نفوس الأفلاك فإنها حية عندهم

وبالملائكة المقربين العقول الفعالة

فالعقل الكلي يعنون به المعنى المعقول المقول على كثيرين مختلفين بالعدد من العقول التي لأشخاص الناس ولا وجود لها في القوام بل في التصور فإنك إذا قلت الإنسان الكلي أشرت به إلى المعنى المعقول من الإنسان الموجود في سائر الأشخاص الذي هو في العقل صورة واحدة تطابق سائر أشخاص الناس ولا وجود لإنسانية واحدة هي إنسانية زيد وهي بعينها إنسانية عمرو ولكن في العقل نحصل صورة الإنسان من شخص واحد مثلا وتطابق سائر أشخاص الناس كلهم فيسمى ذلك الإنسانية الكلية فهذا ما يعني بالعقل الكلي

وأما عقل الكل فيطلق على معنيين لأن الكل يطلق على معنيين

أحدهما وهو الأوفق للفظ أن يراد بالكل جملة العالم فعقل الكل على هذا المعنى بمعنى شرح اسمه أنه جملة الذوات المجردة عن المادة من جميع الجهات التي لا تتحرك لا بالذات ولا بالعرض ولا تتحرك إلا بالشوق وآخر رتبة هذه الجملة هو العقل الفعال


188
المخرج للأنفس الإنسانية في العلوم القلية من القوة إلى الفعل وهذه الجملة هي مبادئ الكل بعد المبدأ الأول

والمبدأ الأول هو مبدع الكل

وأما الكل بالمعنى الثاني فهو الجرم الأقصى أعني الفلك التاسع الذي يدور في اليوم والليلة فيتحرك بحركته كل ما هو حشوه من السموات كلها فيقال لجرمه جرم الكل ولحركته حركة الكل وهو اعظم المخلوقات وهو المراد بالعرش عندهم فعقل الكل بهذا المعنى جوهر مجرد عن المادة من كل الجهات وهو المحرك لحركة الكل على سبيل التشويق لنفسه ووجوده أول وجود مستفاد عن الأول ويزعمون أنه المراد بقوله عليه الصلاة والسلام أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل الحديث إلى آخره

قال وأما النفس الكلي فالمراد به المعنى المقول على


189
كثيرين مختلفين بالعدد في جواب ما هو أي التي كل واحد منها نفس خاصة لشخص كما ذكرنا في العقل الكلي ونفس الكل على قياس عقل الكل جملة الجواهر الغير جسمانية التي هي كمالات مدبرة للأجسام السماوية المحركة لها على سبيل التشويق والاختيار العقلي

ونسبة نفس الكل إلى عقل الكل كنسبة أنفسنا إلى العقل الفعال

ونفس الكل هو مبدأ قريب لوجود الأجسام الطبيعية ومرتبته في نيل الوجود بعد مرتبة عقل الكل ووجوده فائض عن وجوده

وقد قال أبو حامد قبل هذا

وأما العقول الفعالة فهي نمط آخر

والمراد بالعقل الفعال كل ماهية مجردة عن المادة اصلا فحد العقل الفعال أما من جهة ما هو عقل أنه جوهر صوري ذاته ماهية مجردة عن ذاتها لا بتجريد غيرها عن المادة وعن علائق المادة بل هي ماهية كل موجود

فأما من جهة أنه فعال فإنه

جوهر بالصفة المذكورة ومن شأنه أن يخرج العقل الهيولاني من القوة إلى الفعل بإشراقه عليه


190

وليس المراد بالجوهر المتحيز كما يريده المتكلمون بل هو قائم بنفسه لا في موضوع

والصوري احتراز عن الجسم وما في المواد

وقولهم لا بتجريد غيره احتراز عن المعقولات المرتسمة في النفس من أشخاص الماديات فإنها تتجرد بتجريد العقل إياها لا بتجريدها بذتها إذ العقل الفعال المخرج لنفوس الآدميين بالعلوم من القوة إلى الفعل فنسبته إلى المعقولات والقوة العاقلة كنسبة الشمس إلى الإبصار والمبصرات والقوة الباصرة إذ يخرج الإبصار من القوة إلى الفعل

وقد يسمون هذه العقول الملائكة

وفي وجود جوهر على هذا الوجه يخالفهم المتكلمون إذ لا وجود لعالم بنفسه غير متحيز إلا الله وحده

والملائكة عندهم أجسام لطيفة متحيزة عند أكثرهم

وتصحيح ذلك بطريق البرهان وما ذكرناه شرح الاسم ثم قال حد النفس هو عندهم اسم مشترك يقع على معنى يشترك فيه الإنسان والحيوان والنبات وعلى معنى آخر يشترك فيه الإنسان والملائكة السماوية عندهم

فحد النفس بالمعنى الأول عندهم أنه


191

كمال جسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة

وحد النفس بالمعنى الآخر أنه

جوهر غير جسم وهو كمال للجسم متحرك محرك له بالاختيار عن مبدأ قطعي أي عقلي بالفعل أو بالقوة

فالذي بالقوة هو فصل للنفس الإنسانية

والذي بالفعل هو فصل للنفس الملكية

قلت قوله عنهم إن نفس الكل هو مبدا قريب للأجسام الطبيعية فيه كلام بينهم من جهة أن أكثرهم يقولون أن العقل نفسه هو المبدأ للأجسام

وكذلك قوله العقول الفعالة فيه كلام من جهة أن المسمى بالعقل الفعال عندهم هو الآخر العاشر كما قد بينه أنه هو الذي يخرج نفوس الآدميين من القوة إلى الفعل


192

وما ذكره عنهم من الفرق بين العقول والنفوس وبين الأجسام بأن تلك مجردة عن المادة والأجسام في المادة منبئ على أن للجسم مادة هي جوهر قائم بنفسه وهو من أعظم الباطل

وما ذكروه من التجريد واحترازهم عن المعقولات بقوله

لا بتجريد غيره يقتضي الاشتراك في مسمى العقل

وهذا العقل عرض من الأعراض وذاك جوهر قائم بنفسه

ولا ريب أن كلامهم في إثبات ذلك وإن كان مهيبا عند من لم يمعن النظر فيه فهو عند التحقيق في غاية الفساد والتناقض والاضطراب كما قد أوضحناه في غير هذا الموضع

وكذلك ما ذكره عن المتكلمين في المتحيز فإن لهم في ذلك نزاعا وفيه تفصيل ليس هذا موضعه


193

لكن ليس المقصود هنا إلا أن أبا حامد وأمثاله يقرون بأن جعل هذه المعاني الفلسفية مسميات بهذه الأسماء النبوية هو من كلام هؤلاء المتفلسفة

فإذا وجد مثل ذلك في كلام واحد من هؤلاء علم أنه احتذى حذوهم لئلا يغتر بذلك من قد ينازع في ذلك أو يرتاب فيه أو لا يخطر بقلبه لحسن ظنه بمن يتكلم بالعبارات الإسلامية النبوية أنه لا يريد بها ما يعنيه هؤلاء المتفلسفة وما أحسن ما قال شيخ الإسلام الهروي فيمن هو أحسن حالا من هؤلاء من أهل الكلام قال أخذوا مخ الفلسفة فلبسوه لحاء السنة

وبسبب هذا ضل طوائف ممن لم ينكشف لهم حقيقة مقاصد الناس فلا يفهمون ما يقصده الأنبياء والرسل ولا ما يقصده هؤلاء حتى يقابلوا بين هذه المعاني وتلك فيعلمون هل هي متفقة متشابهة ام مختلفة بل متضادة بل قد يحرفون كلام أئمتهم إذا ظهر المسلمون فيصرفونه إلى ما يقبله المسلمون وكذلك ذكر الكاشفون لأسرار القرامطة والهاتكون لاستارهم كالقاضي أبي بكر الطيب والقاضي أبي يعلى


194

وطوائف كثيرة ما وجدنا مصداقه في كتب القرامطة من أنهم وضعوا لأنفسهم اصطلاحات روجوها على المسلمين ومقصودهم بها مقصود الفلاسفة الصابئين والمجوس الثنوية كقولهم السابق والتالي يعنون به العقل والنفس

ويقولون هو اللوح والقلم

وأصل دينهم مأخوذ من دين المجوس والصابئين

وكذلك السهروردي الحلبي المقتول كلامه في الباطن يأخذه من


195
مادة الفلاسفة الصابئين والمجوس وبهذه المعاني يتميز عن غيره من الفلاسفة المشائية ولهذا يعظم الأنوار وهؤلاء الذين سلكوا مسلك فارس والروم هم من الداخلين في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح

لتأخذن مآخذ الأمم قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا يا رسول الله فارس والروم قال ومن الناس إلا هؤلاء

وقد بسطنا ما يتعلق بهذا في غير هذا الموضع

ثم إنهم مع إقرارهم بأن جعل هذه المعاني الصابئية الفلسفية هي مسميات هذه الأسماء النبوية او التي يقال إنها نبوية هو من كلام هؤلاء المتفلسفة يقطعون بذلك في مواضع أخر بل فيما يجعلونه من أشرف العلوم والمعارف حتى إنهم يجعلونه من العلوم التي يضن بها على غير


196
أهلها ومن العلم المكنون الذي ينكره أهل الغزة بالله ولا يعرفه إلا أهل العلم بالله وهذا موجود في مواضع كثيرة كما في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة لما ذكر أن الكفر هو تكذيب الرسول في شيء مما جاء به وقيل مع ذلك أن التصديق أنه ينظر أن الخبر وحقيقته الاعتراف بوجود ما أخبر الرسول بوجوده إلا أن للوجود خمس مراتب ذاتي وحسي وخيالي وعقلي وشبهي

والكلام على هاتين المقدمتين وما في الأولى من التفريط والتقصير عن الحق وما في الثانية من العدوان والزيادة على الحق له مواضع غير هذا لكن المقصود أنه قال

وأما الوجود العقلي فأمثله كثيرة إلى أن قال

المثال الثاني قوله عليه الصلاة والسلام إن الله تعالى خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا

فقد أثبت لله تعالى يدا ومن قام عند البرهان على استحالة يد الله تعالى هي جارحة محسوسة أو متخيلة يثبت لله تعالى يدا روحانية


197
عقلية أعني أنه يثبت معنى اليد وحقيقتها وروحها دون تصورها إذ روح اليد ومعناها ما يبطش به ويفعل ويعطي ويمنع والله تعالى يعطي ويمنع بواسطة الملائكة كما قال عليه السلام اول ما خلق الله العقل فقال بك أعطي وبك أمنع

ولا يمكن أن يكون المراد بذلك العقل عرضا كما يعتقده المتكلمون إذ لا يمكن أن يكون العرض أو مخلوق بل يكون عبارة عن ذات ملك من الملائكة سمي عقلا من حيث يعقل الأشياء بجوهره وذاته من غير حاجة إلى تعلم

وربما يسميها قلما باعتبار أنه ينقش به حقائق العلوم في ألواح قلوب الأنبياء والأولياء وسائر الملائكة وحيا وإلهاما فإنه روى من حديث أن أول ما خلق الله القلم فإن لم يرجع ذلك إلى العقل تناقض الحديثان ويجوز أن يكون لشيء واحد أسماء كثيرة باعتبارات مختلفة فسمي عقلا باعتبار ذاته وملكا باعتبار نسبته إلى الله تعالى في كونه واسطة بينه وبين الخلق وقلما باعتبار إضافته إلى ما يصدر منه من نقش العلوم بالإلهام والوحي كما سمي جبريل روحا باعتبار ذاته وأمينا باعتبار ما أودع من الأسرار وذا قوة باعتبار قدرته وشديد القوى باعتبار كمال قوته


198
ومكينا عند ذي العرش باعتبار قرب منزلته ومطاعا باعتبار كونه متبوعا في حق بعض الملائكة

وهذا القائل يكون قد أثبت قلما عقليا لا حسيا وخياليا لا كونيا وكذلك من ذهب إلى أن اليد عبارة عن صفة لله تعالى إما القدرة وإما غيرها كما اختلف فيه المتكلمون

فقد جعل في تأويل هؤلاء اليد والقلم والعقل عبارة عن شيء واحد وجعله هو المراد بذلك عندهم في هذه الأسماء الواردة في الكتاب والسنة

وكذلك قال في كتاب مشكاة الأنوار لما تكلم على المشكاة والمصباح والزجاجة والشجرة والزيت والنار وجعل المشكاة هو الروح الحسي والزجاجة الروح الخيالي والمصباح العقل والشجرة الروح الفكري والزيت الروح القدسي النبوي الذي يختص به الأنبياء وبعض الأولياء وهذا الكتاب كالعنصر لمذهب الاتحادية القائلين بوحدة الوجود وإن كان صاحب الكتاب لم يقل بذلك بل قد يكفر من يقول بذلك لكن ذاك لما فيه من الإجمال تارة ومن التفلسف وإبراز مقاصد الفلاسفة في الألفاظ النبوية وتأويلها عليها تارة ومن المخالفة لما دل عليه الكتاب


199
والسنة والإجماع تارة بل ومن المخالفة لما علم بالعقل الصريح تارة ولما فيه من الأمور التي يقولون إنها تستلزم قولهم

ولهذا عظم إنكار أئمة الاسلام لهذا الكتاب ونحوه حتى جرت في ذلك فصول يطول وصفها

وقد جعل الكتاب ثلاثة فصول

الفصل الأول في بيان أن النور الحق هو الله تعالى وأن اسم النور لغيره مجاز محض لا حقيقة له وعاد كلامه إلى أن النور بمعنى الوجود وقد سلك ابن سينا قبله نحوا من ذلك مما جمع به بين الشريعة والفلسفة وكذلك سلك الاسماعيلية الباطنية في كتابهم الملقب برسائل إخوان الصفا وكذلك فعل ابن رشد بعده

وكذلك الاتحادية يجعلون ظهوره وتجليه في الصور بمعنى وجوده فيها

والكلام على هذا واسع مذكور في غير هذا الموضع إذ الغرض هنا بيان ما يعلم به من كلامهم من متابعتهم للمتفلسفة الصابئين


200

والتعبير عن تلك المعاني بألفاظ الأنبياء والمرسلين مع العلم من كل من اوتي العلم والإيمان بل من كل مؤمن بأن ما في هؤلاء من مخالفة كتاب الله تعالى ورسله ودينه أعظم مما في اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل

ثم قال الفصل الثاني في بيان مثال المشكاة المصباح والزجاجة والشجرة والزيت والنار

ومعرفة هذا تستدعي تقديم قطبين يتسع المجال فيهما إلى غير حد محدود

الأول في بيان سر التمثيل ومنهاجه ووجه ضبط أرواح المعاني بقوالب الأمثلة

والثاني في بيان مراتب الأرواح البشرية النورانية إذ بمعرفتها تعرف أمثلة القرآن

وأما الفصل الثالث ففي معنى قوله صلى الله عليه وسلم إن لله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره

وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعين ألفا

قلت وقد بسطنا الكلام على هذه الآية واسم الله النور والحجب


201
وما يتعلق بذلك في غير هذا الموضع وتكلمنا على ما ذكره هو وأبو عبد الله الرازي وأمثالهما في ذلك وبينا أن هذا الحديث بهذا اللفظ كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة بالحديث لا يوجد في شيء من دواوين الحديث وذكرنا الحديث الذي في الصحيح حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه وذكرنا الأحاديث والآثار في الحجب وكلام السلف والأئمة في ذلك وبينا مخالفة الجهمية من المتفلسفة وغيرهم وأشباههم للنصوص المتواترة في ذلك مع مخالفتهم للعقل


202
الصريح ولكن من لم يكن له عناية تامة باتباع المرسلين واقتفاء آثارهم والاهتداء بأعلامهم ومنارهم واقتباس النور من مشكاة أنوارهم فإنه يجعل الحديث الصحيح ضعيفا والضعيف صحيحا والمعنى الحق باطلا والباطل حقا صريحا كما يوجد في كلام سائر الخارجين عن منهاج السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان المبتدعين فيما فارقوا به طريق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة وهم الطائفة المهدية المنصورة إلى قيام الساعة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة

ولما تكلم صاحب مشكاة الأنوار على طريق هؤلاء في الباطن بألفاظ الكتاب والسنة في الظاهر وإن كان قد روى أنه رجع عن ذلك كله ومن الناس من يطعن في إضافة هذه الكتب إليه والمقصود التنبيه على ما في هذه الكتب المخالفة للكتاب والسنة من الضلال لئلا يغتر بها وبنسبتها إلى المعظمين أقوام جهال

قال القطب الأول في سر التمثيل ومنهاجه اعلم أن العالم عالمان روحاني وجسماني وإن شئت قلت حسي وعقلي وإن


203
شئت قلت علوي وسفلي والكل متقارب وإنما يختلف باختلاف العبارات فإن اعتبرتهما في أنفسهما قلت جسماني وروحاني وإذا اعتبرتهما بالإضافة إلى العين المدركة لهما قلت حسي وعقلي وإذا اعتبرتهما بإضافة أحدهما إلى الآخر قلت علوي وسفلي وربما سميت احدهما عالم الملك والشهادة والآخر عالم الغيب والملكوت ومن يطلب الحقائق من الألفاظ ربما تحير عند كثرة الألفاظ وتخيل كثرة المعاني والذي تنكشف له الحقائق يجعل المعاني أصلا والألفاظ تبعا وأمر الضعيف بالعكس منه إذ يطلب الحقائق من الألفاظ وإلى الفريقين الإشارة بقوله تعالى أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم

وإذا عرفت معنى العالمين فاعلم أن العالم الملكوتي عالم غيب إذ هو غائب عن الأكثرين والعالم الحسي عالم شهادة إذ تشهده الكافة والعالم الحسي مرقاة إلى العالم العقلي ولو لم يكن بينهما اتصال ومناسبة لا نسد طريق الترقي إليه ولو تعذر ذلك لتعذر السفر إلى الحضرة الربوبية والقرب من الله تعالى فلن يقرب من الله أحد ما لم يطأ بحبوحة حظيرة القدس


204

والعالم المرتفع عن إدراك الحس والخيال وهو الذي نعنيه بعالم القدس وإذا اعتبرنا جملته بحيث لا يخرج منها شيء ولا يدخل فيها ما هو غريب منه سميناه حظيرة القدس وربما سميناه الروح البشري الذي هو مجرى لوائح القدس الوادي المقدس ثم هذه الحظيرة فيها حظائر بعضها أشد إمعانا في معاني القدس ولكن لفظ الحظيرة يحيط بجميع طبقاتها فلا تظنن أن هذه الألفاظ معقولة عند غير أرباب البصائر

واشتغالي الآن بشرح كل لفظ مع ذكره يصدني عن المقصد فعليك بالتشمير لفهم الألفاظ فأرجع إلى الغرض فأقول

لما كان عالم الشهادة مرقاة إلى عالم الملكوت فكان سلوك الصراط المستقيم عبارة عن هذا الترقي وقد يعبر عنه بالدين وبمنازل الهدى ولو لم يكن بينهما مناسبة واتصال لما تصور الترقي من احدهما إلى الآخر فجعلت الرحمة الإلهية عالم الشهادة على موازنة عالم الملكوت فما من شيء من هذا العالم إلا وهو مثال لشيء في ذلك العالم وربما كان الشيء الواحد مثالا لأشياء من عالم الملكوت وربما كان للشيء الواحد من الملكوت أمثلة كثيرة من عالم الشهادة وإنما يكون


205
مثالا إذا ماثله نوعا من المماثلة وطابقه نوعا من المطابقة وإحصاء تلك الأمثلة يستدعي استقصاء جميع موجودات العالمين بأسرها ولن تفي به القوة البشرية فغايتي أن أعرفك فيها أنموذجا لتستدل باليسير منها على الكثير وينفتح لك باب الاستبصار بهذا النمط من الأسرار فأقول

إن كان في عالم الملكوت جواهر نورانية شريفة عالية يعبر عنها بالملائكة منها تفيض الأنوار على الأرواح البشرية ولأجلها قد تسمى أربابا ويكون الله تعالى رب الأرباب لذلك ويكون لها مراتب في نورانيتها متقاربة فالبحري أن يكون مثالها في عالم الشهادة الشمس والقمر والكواكب والسالك للطريق أولا ينتهي إلى ما درجته درجة الكواكب فيتضح له إشراق نورها وينكشف له أن العالم الأسفل بأسره تحت سلطانه وتحت إشراق نوره ويلوح له من كماله وعلو درجته ما يبادر فيقول هذا ربي ثم إن اتضح ما فوقه مما رتبته رتبة القمر رأى أفول الأول في مغيب الهوى بالإضافة ألى ما فوقه فقال لا لا أحب الآفلين وكذلك يترقى حتى ينتهي إلى ما مثاله الشمس فيراه أكبر وأعلى فيراه قابلا للمثال بنوع مناسبة له معه والمناسبة مع ذي النقص نقص وأفول أيضا فمنه يقول وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا ومعنى الذي إشارة مبهمة لا


206
مناسبة لها إذ لو قال قائل ما مثال مفهوم الذي لم يتصور إن يجاب عنه فالمنزه عن كل مناسبة هو الأول الحق

إلى أن قال فأقول علم التعبير يعرفك أيضا منهاج ضرب الأمثال لأن الرؤيا جزء من النبوة أما ترى أن الشمس في الرؤيا تعبيرها السلطان لما بينهما من المشاركة والمماثلة في معنى روحاني وهو الاستيلاء على الكافة مع فيضان الآثار على الجميع والقمر تعبيره الوزير لإفاضة الشمس نورها بواسطة القمر على العالم عند غيبتها عنه كما يفيض السلطان آثاره بواسطة الوزير على من يغيب عن حضرة السلطان وأن من رأى في يده خاتما يختم به أفواه الرجال وفروج النساء فتعبيره أنه مؤذن يؤذن قبل الصبح في رمضان وأن من يرى أنه يصب الزيت في الزيتون فتعبيره أن تحته جارية هي أمه وهو لا يعرف وباستقصاء ابواب التعبير تزيدك أنسا بهذا الجنس فلا يمكن اشتغال بعددها بل أقول

كما أن في الموجودات العالية الروحانية ما مثاله الشمس والقمر


207
والكواكب فكذلك فيما له أمثلة أخرى إذا اعتبرت منه أوصاف أخر سوى النورانية فإن كان في تلك الموجودات ما هو ثابت لا يتغير وعظيم لا يستصغر ومنه تتفجر إلى أودية القلوب البشرية مياه المعارف ونفائس المكاشفات فمثاله الطور وإن كان ثم موجودات تتلقى تلك النفائس أولا بعضهم بعد البعض فمثاله الوادي وإن كانت تلك النفائس بعد اتصالها بالقلوب البشرية تجري من قلب إلى قلب فهذه القلوب أيضا أودية ومفتتح الوادي قلوب الأنبياء ثم العلماء ثم من بعدهم فإن كانت هذه الأودية دون الأول ومنه تغترف فبالحري أن يكون الأول هو الوادي الأيمن لكثرة يمنه وبركته وعلو درجته وإن كان الوادي الأدون يتلقى من آخر درجات الوادي الأيمن فمغترفه شاطئ الوادي الأيمن دون لجته وبيدائه وإن كان روح النبي سراجا منيرا أو كان ذلك الروح مقتبسا بواسطة وحي كما قال تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا فما منه الاقتباس مثاله النار وإن كان المتلقنون من الأنبياء بعضهم على محض التقليد لما يسمعه وبعضهم على حظ من البصيرة فمثال حظ المقلد الخبر ومثال خظ المستبصر الجذوة والقبس والشهاب فإن صاحب الذوق مشارك للنبي في بعض الأحوال ومثال تلك


208
المشاركة الاصطلاء وإنما يصطلي بالنار من معه النار لا من يسمع خبرها وإن كان أول منازل الأنبياء الترقي إلى العالم المقدس عن كدورة الحس والخيال فمثال ذلك المنزل الوادي المقدس وإن كان لا يمكن وطء ذلك الوادي المقدس إلا بإطراح الكونين أعني الدنيا والآخرة والتوجه إلى الواحد الحق وكانت الدنيا والآخرة متقابلتين متحاذيتين وهما عارضان للجوهر النوراني البشري يمكن إطراحهما مرة والتلبس بهما مرة أخرى

فمثال إطراحهما عند الإحرام للمتوجه إلى كعبة القدس خلع النعلين بل يترقى إلى الحضرة حضرة الربوبية مرة أخرى ونقول إن كان لتلك الحضرة شيء بواسطته تنتقش العلوم المفضلة من الجواهر القابلة لها فمثاله القلم وإن كان في تلك الجواهر القابلة لها ما بعضها سابقة التلقي ومنها ما ينتقل إلى غيرها فمثاله اللوح المحفوظ والكتاب والرق المنشور وإن كان


209
فوق الناقش للعلوم شيء هو مسخر فمثاله اليد وإن كان لهذه الحضرة المشتملة على اليد واللوح والقلم والكتاب ترتيب منظوم فمثاله الصورة الأنسية وإن كان يوجد للصورة الأنسية نوع ترتيب على هذه المشاكلة فهي على صورة الرحمان وفرق بين أن يقال على صورة الرحمان وبين أن يقال على صورة الله لأن الرحمة الإلهية هي التي صورت الحضرة الإلهية بهذه الصورة

ثم أنعم على آدم فأعطاه صورة مختصرة جامعة لجميع أصناف ما في العالم حتى كأنه كل ما في العالم فهو نسخة من العالم مختصرة

وصورة آدم أعني هذه الصورة مكتوبة بخط الله تعالى وهو الخط الالهي الذي ليس برقم وحروف إذ تنزه خطه عن أن يكون رقما وحروفا كما تنزه كلامه عن أن يكون صوتا ولفظا وقلمه عن أن يكون خشبا أو قصبا ويده عن أن تكون لحما وعظما ولولا هذه الرحمة لعجز الآدمي عن معرفة ربه إذ لا يعرف ربه إلا من عرف نفسه فلما كان هذا في آثار الرحمة كان على صورة الرحمان لا


210
على صورة الله فإن حضرة الإلهية غير حضرة الرحمة وغير حضرة الملك وغير حضرة الربوبية ولذلك أمر بالعياذ بجميع هذه الحضرات فقال قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس

ولولا هذا المعنى لكان قوله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورة الرحمان غير منظوم لفظا بل كان ينبغي أن يقول على صورته واللفظ الوارد في الصحيح الرحمان ولأن تمييز حضرة الملك من حضرة الربوبية يستدعي شرحا طويلا فلنتجاوزه ويكفيك من الأنموذج هذا القدر فإن هذا بحر لا ساحل له وإن وجدت في نفسك نفورا عن هذه الأمثال فآنس قلبك بقوله تعالى أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها الآية وأنه كيف ورد في التفسير أن الماء هو المعرفة والقرآن والأودية القلوب

ثم قال خاتمة واعتذار

لا تظنن من هذا الانموذج وطريق ضرب المثال رخصة مني في


211
رفع الظواهر واعتقادا في إبطالها حتى أقول مثلا لم يكن مع موسى نعلان ولم يسمع الخطاب بقوله فاخلع نعليك حاشا لله فإن إبطال الظواهر رأي الباطنية الذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد العالمين ولم يعرفوا الموازنة بينهما ولم يفهموا وجهه

كما إن إبطال الأسرار مذهب الحشوية فالذي يجرد الظاهر حشوى والذي يجرد الباطن باطني والذي يجمع بينهما كامل لذلك قال عليه السلام للقرآن ظاهر وباطن وحد ومطلع وإنما نقل هذا عن علي بن أبي طالب موقوفا عليه بل أقول فهم موسى من الأمر بخلع النعلين إطراح الكونين فامتثل الأمر ظاهرا بخلع النعلين وباطنا بإطراح العالمين فهذا هو الاعتبار أي العبور من الشيء إلى غيره ومن الظاهر إلى السر وفرق بين من سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخل


212
الملائكة بيتا فيه كلب فيقتني الكلب في البيت ويقول ليس الظاهر مرادا بل المراد تخلية بيت القلب عن كلب الغضب فإنه يمنع المعرفة التي هي من أنوار الملائكة إذ الغضب غول العقل وبين من يمتثل الأمر في الظاهر ثم يقول الكلب ليس كلبا لصورته بل لمعناه وهو السبعية والضراوة وإذا كان حفظ البيت الذي هو مقر الشخص والبدن واجبا عن صورة الكلب فلأن يجب حفظ بيت القلب وهو مقر الجوهر الحقيقي الخاص عن شر الكلبية أولى فأنا أجمع بين الظاهر والسر جميعا فهذا هو الكامل وهو المعنى بقولهم الكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ولذلك ترى الكامل لا تسمح نفسه بترك حد واحد من حدود الشرع مع كمال البصيرة وهذه مغلطة بسببها وقع


213
بعض السالكين في إباحة وطى بساط الأحكام ظاهرا حتى أنه ربما ترك أحدهم الصلاة وزعم أنه دائما في الصلاة بسره وهذا أسوأ بغلطه من الحمقى الإباحية الذين تأخذهم الترهات كقول بعضهم إن الله غني عن عملنا وقول بعضهم إن الباطن مشحون بالخبائث وليس يمكن تزكيتها ولا مطمع في استئصال الغضب والشهوة لظنه أنه مأمور باستئصالهما وهذه حماقات

وقد أبطلنا جميع ذلك في كتاب الجام العوام ومنشأ الرسالة في أحكام الزيغ والضلالة

وأما ما ذكرناه فهو كبوة جواد وهفوة سالك جره الشيطان فدلاه


214
بحبل غرور وأرجع إلى حديث النعلين فأقول ظاهر خلع النعلين منبه على ترك الكونين فالمثال في الظاهر حق وأداؤه إلى السر الباطن حقيقة ولكل حق حقيقة وأهل هذه المرتبة هم الذين بلغوا درجة الزجاجة كما سيأتي معنى الزجاجة لأن الخيال الذي من طينته يتخذ المثال صلب كثيف يحجب الأسرار ويحول بينك وبين الأنوار ولكن إذا صفى حتى صار كالزجاج الصافي صار غير حائل عن الأنوار بل صار مع ذلك حافظا للأنوار عن الانطفاء بعواصف الريح وسيأتيك قصة الزجاجة

فاعلم أن العالم الكثيف الخيالي السفلي صار في حق الأنبياء زجاجة ومشكاة للأنوار ومصفاة للأسرار ومرقاة إلى العالم الأعلى وبهذا تعرف أن المثال الظاهر حق ووراءه سر وقس على هذا الطور والنار وغيرهما

قلت ليس المقصود هنا الكلام المفصل على ما في هذا الكلام وأمثاله فإن علماء المسلمين قد بينوا من ذلك ما فيه كفاية


215

وقد تكلمنا في غير هذا الموضع على ما شاء الله تعالى من ذلك

والكلام الجملي إن مثل هذا الكلام يشتمل على أمور باطلة من جهة النقل كقوله إن في الصحيح إن الله خلق آدم على صورة الرحمان وقوله على صورته ليس في الصحيح فهذا من أبين الباطل فإن اللفظ الذي في الصحيح من غير وجه على صورته

وأما قوله على صورة الرحمان فيروى عن ابن عمر وفيه كلام قد ذكرناه مع ما قاله عامة طوائف الناس في هذا الحديث في غير هذا الموضع ويشتمل على أمور باطلة وهي في أنفسها مخالفة للشرع والعقل مثل ما فيه من أن ملكا من الملائكة وهو العقل الفعال مبدع لجميع ما تحته من المخلوقات أو أن الملائكة يسمونها العقول والنفوس أبدع بعضها بعضا أو أن عالم الشهادة هو المحسوسات وعالم الغيب المعقولات أو أن تفسير القرآن هو مثل تعبير الرؤيا وأمثال ذلك مما ليس


216
هو من قول المسلمين واليهود والنصارى بل من أقوال الملاحدة من الصابئين والفلاسفة والقرامطة

وفيها ما هو من جنس الإشارة والاعتبار الذي سلكه الفقهاء والصوفية كما في قوله إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب فإذا قيس على تطهير القلب عن الأخلاق الخبيثة كان هذا من جنس إشارات الصوفية وقياس الفقهاء

ومنه ما هو من جنس القياس الفاسد كما ذكر من أن موسى أمر مع خلعه للنعلين بخلع الدنيا والآخرة وأن ما ينزل على قلوب أهل المعرفة من جنس خطاب تكليم موسى وتكليمه بهذا باطل باتفاق سلف الأمة وأئمتها وهو مبسوط في غير هذا الموضع وما فيه من تعظيم الأمر


217
والنهي وقتل من يبيح المحرمات كلام حسن فإن أبا حامد هو في علم المعاملة والأمر والنهي كلامه من جنس كلام أمثاله من أهل التصوف والفقه وأما ما سماه هو علم المكاشفة فكلامه فيه ألوان فتارة يذكره بصوت أهل الفلسفة وتارة بصوت الجهمية وتارة بصوت هو من تصويت أهل الحديث والمعرفة وتارة يطعن على هؤلاء وتارة يذكر ما هو غير ذلك

وكلامنا في هذا الجواب إنما كان على فساد ما احتجوا به في قوله أول ما خلق الله العقل فبينا فساد كلامهم من وجوه

الأول أن كلام ابن الجوزي على حديث العقل قد تقدم حيث بدأنا بالحديث وذكرنا ما قال فيه أئمة العلم وانقضى


218

الثاني أن هؤلاء لا يجعلون العقول والنفوس التي يثبتها الفلاسفة من عالم الخلق بل يفسرون عالم الخلق بعالم الأجسام بناء على أن الخلق التقدير وأن الأجسام هي ذوات المقدرات

ويقولون بناء على أصل هؤلاء الفلاسفة والذين وافقهم عليه هؤلاء أن العقول والنفوس ليست أجساما بل هي عالم الأمر عندهم كما يقولون ما يذكره أبو حامد في مواضع الفرق بين عالم الملك والملكوت والجبروت

ويفسرون عالم الملك بعالم الأجسام

وعالم الملكوت بعالم النفوس لأنها باطن للأجسام

وعالم الجبروت بالعقول لأنها غير متصلة بالأجسام ولا متعلقة بها ومنهم من يعكس

وقد يجعلون الإسلام والإيمان والإحسان مطابقا لهذه الأمور ومعلوم أن ما جاء في الكتاب والسنة من لفظ الملكوت كقوله تعالى بيده ملكوت كل شيء

وقوله صلى الله عليه وسلم في ركوعه سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة لم يرد به هذا باتفاق المسلمين ولا دل كلام أحد من السلف والأئمة على التقسيم الذي يذكرونه بهذه الألفاظ وهم يعبرون بهذه العبارات المعروفة عند المسلمين عن تلك المعاني التي تلقوها عن الفلاسفة


219
وضعا وضعوه ثم يريدون أن ينزلوا كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على ما وضعوه من اللغة والاصطلاح وهذا لو كانت تلك المعاني التي يذكرها الفلاسفة صحيحة ما جاز بل كان من الكذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم أنه يقال أنه أرادها فكيف وأكثر تلك المعاني باطلة ومضطربة وما يذكرونه من الأقيسة العقلية على ثبوتها أقيسة ضعيفة بل فاسدة وقد اعترف أساطين الفلاسفة بأنها لا تفضي إلي اليقين وكل منهم يعبر عن المعاني الفلسفية بعبارات إسلامية ومنهم من لا يبين لأكثر الناس أن مراده ذلك ومنهم من يزعم أن تلك المعاني حصلت له بطريق الكشف والمشاهدة كما يزعمه صاحب الفتوحات المكية وأشباهه وقد يقول عن الملائكة أنوار في أنوار وأنوار في ظلال وأنوار في ظلمه

والأول هي العقول

والثاني هي النفوس الفلكية

والثالث النفوس الطبيعية

ومعلوم أن الملائكة الذين وصفهم الله تعالى في الكتاب والسنة لا ينطبقون على هذه العقول العشرة والنفوس التسعة التي يذكرونها كما قد بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا الموضع

ولهذا يؤول بهم الأمر إلى أن يجعلوا الملائكة والشياطين أعراضا تقوم بالنفس ليس أعيانا قائمة بنفسها حية ناطقة ومعلوم بالاضطرار أن هذا خلاف ما أخبرت به الرسل واتفق عليه المسلمون وإن كان قد يعني بالشيطان العاتي المتمرد من كل نوع وقد يعني به بعض الناس عرضا


220

وهذا كما يجعلون كلام الله ما يفيض على نفس النبي من غير أن يثبتوا لله تعالى كلاما خارجا عما في نفس النبي وعند التحقيق فلا فرق عندهم بين الفيض على نفس النبي وسائر النفوس إلا من جهة كونها أصفى وأجمل وحينئذ فيكون القرآن كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهذا حقيقة قول الوحيد الذي قال في القرآن إن هذا إلا قول البشر كما قد بينا في غير هذا الموضع

ولهذا يقولون إنه لم يسجد لآدم إلا الملائكة الأرضية ويعنون بالسجود انقياد هذه القوى للبشر كما في جواهر القرآن

قال وأما الأفعال فبحر متسع أكنافه ولا ينال بالاستقصاء أطرافه بل ليس في الوجود إلا الله وأفعاله فكل ما سواه فعله لكن القرآن اشتمل على الخلق منها الواقع في عالم الشهادة كذكر السموات والكواكب والأرض والجبال والبحار والحيوان والنبات وإنزال


221
الماء الفرات وسائر أصناف النبات والحيوان وهي التي ظهرت للحس وأشرف أفعاله وأعجبها وأدلها على جلالة صانعها مالا يظهر للحس بل هو من عالم الملكوت وهي الملائكة الروحانية والروح والقلب أعني العارف بالله تعالى من جملة أجزاء الآدمي فإنها أيضا من جملة عالم الغيب والملكوت وخارج عن عالم الملك والشهادة ومنها الملائكة الأرضية الموكلة بجنس الإنسان وهي التي سجدت لآدم عليه السلام

ومنها الشياطين المسلطة على جنس الإنسان وهي التي امتنعت عن السجود لآدم

ومنها الملائكة السماوية وأعلاهم الكروبيون وهم العاكفون في حظيرة القدس لا التفات لهم إلى الآدميين بل لا التفات لهم إلى غير الله تعالى لاستغراقهم بجمال الحضرة حضرة الربوبية وجلالها فهم قاصرون عليه لحاظهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا تستبعد أن يكون في عباد الله من يشغله جلال الله تعالى عن الالتفات إلى آدم وذريته ولا يستعظم الآدمي إلى هذا الحد فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله أرضا بيضاء تسير الشمس فيها ثلاثين يوما هي مثل أيام الدنيا ثلاثين مرة مشحونة خلقا لا يعلمون أن الله تعالى خلق آدم وإبليس رواه ابن عباس فاستوسع مملكة الله تعالى


222

قلت فهذا الكلام سيعظمه في بادئ الرأي أو مطلقا من لم يعرف حقيقة ما جاء به الرسول ولم يعلم حقيقة الفلسفة التي طبق هذا الكلام عليها وعبر عنها بعبارات المسلمين

فأما قول القائل إن القرآن اشتمل على الخلق وهي التي ظهرت للحس وأشرف أفعال الله ما لم يظهر للحس يعني ولم يشتمل القرآن عليه فهذا مع ما فيه من الغض بالقرآن وذكر اشتماله على القسم الناقص دون الكامل وتطرق أهل الإلحاد إلى الاستخفاف بما جاءت به الرسل هو كذب صريح يعلم صبيان المسلمين أنه كذب على القرآن

فإن في القرآن من الأخبار عن الغيب من الملائكة والجن والجنة والنار وغير ذلك ما لا يخفى على أحد وهو أكثر من أن يذكر هنا وفي القرآن من الأخبار بصفات الملائكة وأصنافهم وأعمالهم ما لا يهتدي هؤلاء إلى عشره إذ ليس عندهم من ذلك إلا شيء قليل مجمل بل الرسول إنما بعث ليخبرنا بالغيب والمؤمن من آمن بالغيب

وما ذكره من المشاهدات فإنما ذكره آية ودلالة وبينة على ما أخبر به من الغيب فهذا وسيلة وذلك هو المقصود

ثم يقال إنه إنما ذكر الوسيلة يا سبحان الله إذا لم يكن الإخبار عن هذا القسم في هذا الكتاب الذي ليس تحت أديم السماء كتاب أشرف منه وعلم هذا لا يؤخذ عن الرسول الذي هو أفضل خلق الله تعالى في كل شيء في العلم والتعليم وغير ذلك أيكون ذكر هذا في كلام أرسطو وذويه وأصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثال هؤلاء الذين يثبتون ذلك بأقيسة مشتملة على دعاوى مجردة لا نقل صحيح ولا عقل صريح بل تشبه الأقيسة الطردية الخالية عن التأثير وتعود عند التحقيق إلى خيالات لا حقيقة لها في الخارج كما سننبه عليه


223

وكذلك روح الإنسان وقلبه في الكتاب والسنة من الإخبار عن ذلك ما لا يكاد يحصيه إلا الله تعالى

ثم قوله بعد ذلك ومنها الملائكة الأرضية الموكلة بجنس الإنسان وهي التي سجدت لآدم وزعم أن ملائكة السموات والكروبيين لم يسجدوا لآدم هو أبعد قول عن أقوال المسلمين واليهود والنصارى فإن القرآن قد أخبر أنه سجد الملائكة كلهم أجمعون فأتى بصيغة العموم ثم أكدها تأكيدا بعد تأكيد

فليت شعري إذا أراد المتكلم الأخبار عن سجود جميع الملائكة هل يمكنه أبلغ من هذه العبارة لكن من يفسر الملائكة بقوى النفوس لا يستبعد أن يقول مثل هذا والملائكة السماوية عندهم هي النفوس الفلكية

والكروبيون على أصطلاحهم هم العقول العشرة

ومعلوم أن هذا كله ليس من أقوال أهل الملل اليهود والنصارى فضلا عن المسلمين

وقول القائل إن اولئك لا يلتفتون إلى الادميين هو من أقوال الفلاسفة الضالين

والمشهور عند أهل السنة والجماعة أن الأنبياء والأولياء أفضل من جميع الملائكة


224

وقد قال عبد الله بن سلام ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم فقيل له يا أبا يوسف ولا جبرائيل ولا ميكائيل فقال يا ابن أخي أو تعرف ما جبرائيل وميكائيل إنما جبرائيل وميكائيل خلق مسخر مثل الشمس والقمر ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد

وثبت بالإسناد الذي على شرط الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه قال قالت الملائكة يا ربنا قد جعلت لبني ادم الدنيا ياكلون منها ويشربون فاجعل لنا الاخرة كما جعلت لهم الدنيا فقال لا افعل ثم اعادوا عليه فقال لا افعل ثم اعادوا عليه فقال وعزتي لا اجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان


225

وروى هذا عبد الله بن احمد في كتاب السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم باسناد مرسل والمرسل يصلح للاعتضاد بلا نزاع وقد تكلمت عن هذه المسألة بكلام مبسوط كتبناه من سنين كثيرة

وأما قوله ومنها الشياطين المسلطة على جنس الإنسان وهي التي امتنعت عن السجود فغلط ايضا فأنه لم يؤمر بالسجود من جنس هؤلاء الا إبليس ولم يؤمر بالسجود لادم إحد من ذريته فكيف يوصفون بالامتناع المذكور

وإذا كان رب العباد يسمع كلام عباده ويجيب دعاءهم عند المسلمين فأي نقص على الملائكة إذا استغفروا لهم

بل كان من قولهم إن الله لا يجيب داعيا ولا يقدر على تغيير ذرة


226
في العالم وإنما دعاء العباد تصرف نفوسهم في هيولى العالم وأن العالم لازم لذاته لا يمكنه دفعه عن هذا اللزوم بل أئمتهم على أنه لا يشعر بأعيان خلقه وإذا كانوا كذلك لم يستنكر لهم أن يقولوا في ملائكته هذا

وأما قوله مستغرقون بجمال الحضرة وجلالها

فهذا الكلام من جنس الطامات فإن هذا من جنس ما يسميه بعض الصوفية الفناء وهو استغراق القلب في الحق حتى لا يشعر بغيره ومعلوم باتفاق الناس أن حال البقاء أكمل من الفناء وهذه حال الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين


227

ومعلوم أن الرسل أفضل الخلق وهم يدعون العباد إلى الله تعالى ويعلمونهم ويجاهدونهم ويأكلون الطعام ويمشون في الأسواق فلو كانت تلك الحال أكمل لكان من لم يرسل أكمل من الرسل

وهذا خلاف دين المسلمين واليهود والنصارى لكنه يوافق دين غالية الصابئة من المتفلسفة الذين يفضلون الفيلسوف على النبي والرسول وحال


228
الجهمية الاتحادية الذين يفضلون الولي أو خاتم الأولياء على الرسل ومعلوم أن هذا باطل وكفر عند المسلمين

وأما قوله ولا تستبعد أن يكون في عباد الله تعالى من يشغله جلال الله تعالى عن الالتفات إلى آدم وذريته فهذا ليس صفة كمال بل الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون وهم مع ذلك يدبرون من أمر الخلق ما أمروا بتدبيره وقد أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس


229

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهم أهل الدنيا النفس

ومعلوم أن النفس لا يشغل الإنسان عما يزاوله من الأعمال فحينئذ كان التسبيح والمشاهدة لجلال الله تعالى لا يشغلهم عن التدبير الذي وكلوا به وهذا الجمع أكمل لا سيما وهم يقولون كمال الإنسان التشبه بالإله على حسب الطاقة وقد وافقهم هؤلاء على هذا المعنى

وكذلك قولهم في الملأ الأعلى وإذا كان ذلك فمعلوم أن الله تعالى لا يشغله ما يفعله عن معرفته ولمه وذكره شيء بل هو سبحانه لا يشغله ما سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بالحاح الملحين

وإن كان قولهم في الله تعالى موافقا لقول المسلمين في علمه وقدرته ومشيئته فالكلام مع من يذكر مطابقة الكتاب والسنة لقولهم وهذا لا يكون إلا مسلما فلا يمكن ذكره المطابقة مع المخالفة لأصول المسلمين

وأما مع من لا يبالي بدين الرسول أو يفضل الفيلسوف على النبي فهذا لكلامه مقام آخر يستقصي فيه هذا الاستقصاء كما بسط تناقض أقوالهم على أصولهم وفسادها على كل أصل في غير هذا الموضع وقد قال الله تعالى الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم


230
الآيتين

ومعلوم أن حملة العرش ومن حوله من أعظم المقربين من الملائكة بل قد ذكر من ذكر من المفسرين أن الملائكة المقربين هم حملة العرش والكروبيون من الملائكة مشتقون من كرب إذا قرب فالمراد وصفهم بالقرب لا بالكرب الذي هو الشدة كما يظن ذلك طوائف من هؤلاء ويفرقون بين الكروبيين والروحانيين بأن أولئك في عالم الجلال وهؤلاء في عالم الجمال فإن هذا توهم وخيال لم يقله أحد من علماء أهل الملل المتلقين ما يقولونه عن الرسل صلى الله عليهم وسلم أجمعين والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة ليس هذا موضع ذكرها

والحديث الذي ذكره عن ابن عباس من الموضوعات المكذوبات باتفاق أهل العلم ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة وإنما يوجد هذا الكلام أو نحوه في جزء فيه التفكر والاعتبار لابن أبي الدنيا


231

وأيضا فهؤلاء يعتقدون من جهة علم الهيئة أن هذا الحديث باطل فإذا كان هؤلاء يفسرون عالم الخلق بعالم الأجسام وعالم الأمر بعالم العقول والنفوس ويزعمون أنها ليست أجساما وعندهم هذا العالم لا يقال فيه أنه مخلوق بل هو مبدع بطل قولهم إن أول مخلوق هو العقل

وإن كان هذا التقسيم هو خلاف إجماع المسلمين إذ هم مجمعون على أن الله تعالى خالق كل شيء وأن كل ما سواه فهو مخلوق وصفاته ليست خارجة عن مسمى اسمه بل القرآن كلام الله غير مخلوق

وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم

وإن كان بعضهم قد نازع في بعض الأعراض كما في أفعال العباد التي تنازع فيها القدرية ولم ينازعوا في الأعيان والملائكة من


232
الأعيان لا من الأعراض فهي من المخلوقات باتفاق المسلمين وليس بين أهل الملل خلاف في أن الملائكة جميعهم مخلوقون ولم يجعل أحد منهم المصنوعات نوعين عالم خلق وعالم أمر بل الجميع عندهم مخلوق

ومن قال إن قوله تعالى ألا له الخلق والأمر أريد به هذا التقسيم الذي ذكره فقد خالف إجماع المسلمين

وأما نظارهم الذين يتكلمون بلفظ الجوهر والجسم والعرض فمتفقون على أن جميع الملائكة أجسام بل متفقون على أن كل ممكن إما أن يكون جسما أو عرضا مع تنازعهم في الجسم هل هو منقسم إلى الأجزاء التي لا تنقسم أو غير منقسم وممتنع عندهم وجود قائم بنفسه وليس بجسم وهم متنازعون في الوجود مطلقا

ومن ذكر من المتأخرين كالشهرستاني والرازي والآمدي ونحوهم


233
أنهم تكلموا في حدوث الأجسام ولم يعتمدوا دليلا على نفي ما ليس بجسم كالعقول والنفوس التي تثبتها الفلاسفة بل سكتوا عن ذلك فليس الأمر كما ذكروا بل قد صرح أئمة المتكلمين بأن نفي ذلك معلوم بالضرورة المستغنية عن الدليل وكثير منهم يقول إن كل موجودين فإما متباينان وإما متحايثان وأن هذا معلوم بالضرورة

وأما الممكنات فمتفقون على أن هذا التقسيم ثابت فيها بالضرورة وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع

فإذا قيل لفظ الخلق مشترك في اصطلاحهم كما ذكره أبو حامد عنهم فقال وحد الخلق هو اسم مشترك قد يقال خلق لإفادة وجود كيف كان وكذلك قد يقال خلق لإفادة وجود حاصل عن مادة وصورة كيف كان وقد يقال خلق هذا المعنى الثاني لكن بطريق الاختراع من غير سبق مادة فيها قوة وجوده وإمكانه

وإذا كان لفظ الخلق مشتركا عندهم بين مطلق الإيجاد وبين الإيجاد المختص بالأجسام العنصرية أمكن أن يحمل قوله أول ما خلق الله العقل على المعنى الأول


234

وما ذكروه من نفي الخلق عن العقول والنفوس فهو على الاصطلاحين الآخرين اللذين قد تكلم بهما أبو حامد تارة ذاكرا وتارة أثرا

قيل لا ريب أن القوم لهم أوضاع واصطلاحات كما لكل أمة ولكل أهل فن وصناعة ولغتهم في الأصل يونانية وإنما ترجمت تلك المعاني بالعربية ونحن نحتاج إلى معرفة اصطلاحهم لمعرفة مقاصدهم وهذا جائز بل حسن بل قد يجب أحيانا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود وقال لا آمنهم

قال البخاري في صحيحه وقال خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب يهود حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم كتبه


235
وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه فإذا كان هذا في كتب الأعاجم بألسنتهم ومعرفتنا بلغات الناس واصطلاحاتهم نافعة في معرفتنا مقاصدهم ثم نحكم فيها كتاب الله تعالى فما وافقه فهو حق وما خالفه فهو باطل كما قال الله تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم

والاختلاف نوعان

نوع في جنس اللغة كالعربية والفارسية والرومية واليونانية ويقال هي ونوع في أصنافهم إذ قد يكون في الألفاظ العرفية العامة والاصطلاحية الخاصة نظير ما في لغة العرب

ولغة هؤلاء المصنفين منهم كانت من هذا النمط فأما الألفاظ التي أنزل الله بها القرآن الذي تلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين وأخذوا عنه لفظه ومعناه وتناقل ذلك أهل العلم بالكتاب والسنة بينهم خلف عن سلف فهذه لا يجوز أن يرجع في معانيها إلى مجرد أوضاعهم ولا ريب أن القوم أخذوا العبارات الإسلامية القرآنية والسنية فجعلوا يضعون لها معاني توافق معتقدهم ثم يخاطبون بها ويجعلون مراد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من


236
جنس ما أرادوا فحصل بهذا من التلبيس على كثير من أهل الملة ومن تحريف الكلم عن مواضعه ومن الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته ما الله به عليم ولهذا قد يوافقون المسلمين في الظاهر ولكنهم في الباطن زنادقة منافقون

وهذا كما جاءوا إلى لفظ المحدث وفي القديم فقالوا

الإحداث هو مشترك يطلق على وجهين

أحدهما زماني

والآخر غير زماني

فمعنى الإحداث الزماني الإيجاد للشيء بعد أن لم يكن له وجود في زمان سابق

ومعنى الإحداث غير الزماني هو إفادة الشيء وجودا وذلك الشيء ليس له في ذاته ذلك الوجود لا بحسب زمان دون زمان بل بحسب كل زمان

وغرضهم بهذا الوضع حتى يطلقوا بين المسلمين أن السماوات والأرض وما بينهما محدث مخلوق فيظن الظان أنهم لا ينازعون في كون ذلك محدثا مخلوقا مع العلم الضروري أن قولهم فيها ليس ما أخبرت به الرسل واتفق عليه أهل الملل


237

وكذلك أيضا قولهم إن الإبداع رسم مشترك لمفهومين أحدهما ما ينشؤه الشيء لا عن شيء ولا بواسطة شيء

والمفهوم الثاني أن يكون للشيء وجود مطلق عن سبب ترتب بلا متوسط وله في ذاته أن لا يكون موجودا وقد أفقد الذي في ذاته إفقادا تاما

قالوا وبهذا المفهوم العقل الأول مبدع في كل حال لأنه ليس وجوده من ذاته فله في ذاته العدم وقد أفقد ذلك إفقادا تاما

ومعلوم أن هذا المعنى ليس هو المعروف من لفظ الإبداع في اللغة التي نزل بها القرآن كما في قوله تعالى بديع السماوات والأرض ونحو ذلك ولفظ الخلق أبعد عن هذا المعنى فإن مثل هذا المعنى يعلم بالاضطرار أنه ليس هو المراد بلفظ الخلق في القرآن والسنة

وقد فسروا لفظ الخلق بثلاثة معان ليس فيها واحد هو المراد في كلام الله تعالى ورسوله والمؤمنين فإن ما يذكرونه من إفادة وجود الملائكة بالمعنى الأول وما يذكرونه في اختراع الأفلاك والعناصر بالمعنى الثاني لم يرد واحدا منها الأنبياء والمؤمنون وذلك معلوم بالاضطرار والتواتر والإجماع


238

أما المعنى الثالث فكذلك فليس في كلام الرسل ما يثبت أن الخلق حاصل في أجسام هي مادة وصورة بل كلامهم ينفي ذلك وهذا بين فقد تبين أن أهلل الملل المتفقين على أن الله تعالى خلق الملائكة لا يريدون خلقهم بالمعنى الأول وهو الذي يريده الفلاسفة كما في قوله تعالى فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون وقوله تعالى وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون وقوله تعالى جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير وقد أخبر الله تعالى في كتابه أن من أعمال الملائكة وعبادتهم وحركاتهم وكلامهم وأصنافهم ما ينافي أصولهم ويبطلها وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من نار وخلق آدم مما وصف لكم

وقد بين في غير هذا الموضع أن قولهم بصدور العقول والنفوس عنه هو نظير قول من جعل له بنين وبنات كما قال تعالى وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير

وتبين أيضا أن قولهم بتولد ذلك عنه هو كقول من يقول يتولد الملائكة


239
أو المسيح عنه وقد قال تعالى لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا وقال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا الآية وقال تعالى وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون وقال تعالى ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون

وهذا باب واسع ليس هذا موضعه قد بسطناه في غير هذا الموضع وأما خلق السماوات والأرض فقد نص القرآن والتوراة أنه خلق ذلك في ستة أيام وتواترت بذلك الأحاديث ثم اتفق عليه أهل الملل فكيف يجوز أن يفسر بالاختراع اللازم لذاته من غير سبق مادة كما ذكروه في المعنى الثالث


240

ولفظ الخلق المذكور في القرآن يتضمن معنيين كلاهما يناقض قولهم

يتضمن الإبداع والإنشاء المعروف ويتضمن التقدير

وعندهم العقول والنفوس ليس لها مقدار ولا هي أيضا مبدعة الإبداع المعروف

والسماوات ليست مبدعة الإبداع المعروف وقد قال تعالى وخلق كل شيء فقدره تقديرا

فذكر لفظ الخلق لكل شيء وذكر أنه قدر كل شيء تقديرا والملائكة عندهم لم تقدر بل ولم تخلق الخلق المعروف عند المسلمين وهذا يدل على مناقضتهم للرسل أيضا مع كثرة أدلة ذلك باللغة التي خوطبوا بها فهذا أصل

الأصل الثاني أن يقال لفظ الخلق المذكور في القرآن ليس مشتركا بالضرورة والاتفاق ولم يقل أحد من المسلمين أن قوله صلى الله عليه وسلم خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم مما


241
وصف لكم يدل على معاني متباينة كلفظ العين والقرء ونحو ذلك

فإن زعموا أن لفظ الخلق في القرآن والسنة متضمن للتقدير حتى يفرقوا بين عالم الخلق والأمر بطل قولهم أول مخلوق العقل فإنه على هذا الاصطلاح لا يكون مخلوقا

وإن زعموا أنه يتضمن الإيجاد كيفما كان بطل تقسيمهم لعالم الخلق وعالم الأمر ومنعهم أن تكون الملائكة مخلوقة مع أن فساد هذا معلوم بالاضطرار من دين المسلمين فإنه ليس لأحد أن يقول أن الملائكة ليست مخلوقة ولا يقبل منه تفسير ذلك بحال مع النفي وهذا يدل على مناقضتهم للرسل مع كثرة أدلة ذلك

الوجه الثالث

أن هؤلاء يدعون أن العقل الأول صدر عنه جميع ما تحته فصدر عنه عقل ونفس وفلك وعن العقل عقل ونفس وفلك إلى العقل الفعال فإنه صدر عنه جميع ما تحته من المواد والصور ويسمون هؤلاء الأرباب الصغرى والآلهة الصغرى

ومعلوم بالاضطرار من جميع أهل الملل من المسلمين واليهود


242
والنصارى أن شيئا من الملائكة ليس هو فاعلا لجميع المصنوعات ولا أنه مبدع لجميع ما تحت فلك القمر بل قال الله تعالى

ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون

وقال الله تعالى وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى

وقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا

وقال الله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير

وقال تعالى لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا وقال الله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين وقال الله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا


243

ولأن ما اتفق عليه أهل الملل من أن الملائكة سجدوا لآدم يبطل قول هؤلاء إن أضعف العقول التي هي الملائكة عندهم هو مبدع جميع البشر ورب كل ما تحت فلك القمر

الوجه الرابع

إن من تدبر الكتب المصنفة في العقل لأهل الآثار تبين له تحريف هؤلاء مع ضعف الأصل ومن أشهرها كتاب العقل لداود بن المحبر وهو قديم في أوائل المائة الثالثة روى عنه الحارث بن أبي أسامة ونحوه وكذلك مصنفات غيره رووا فيها عن ابن عباس أنه دخل على أم المؤمنين عائشة فقال يا أم المؤمنين أرأيت الرجل يقل قيامه ويكثر رقاده وآخر يكثر قيامه ويقل رقاده أيهما أحب إلى الله قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألتني عنه فقال أحسنهما عقلا فقلت يا رسول الله إنما أسألك عن عبادتهما فقال يا عائشة إنهما لا يسئلان عن عبادتهما إنما يسئلان عن عقولهما فمن كان أعقل كان أفضل في الدنيا والآخرة


244

ورووا فيها عن البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لكل إنسان سبيل مطية وثيقة ومحجة واضحة وأوثق الناس مطية وأحسنهم دلالة ومعرفة بالحجة الواضحة أفضلهم عقلا

ورووا فيها عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليكون من أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الحج وأهل الجهاد فما يجزىء يوم القيامة إلا بقدر عقله


245

وعن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لقد سبق إلى جنات عدن أقوام ما كانوا بأكثر الناس صلاة ولا صياما ولا حجا ولا اعتمارا ولكنهم عقلوا عن الله تعالى مواعظه فوجلت منه قلوبهم واطمأنت إليه النفوس وخشعت منهم الجوارح ففاقوا الخليفة بطيب المنزلة وحسن الدرجة عند الناس في الدنيا وعند الله في الآخرة

فهذه الأحاديث ونحوها هي مما روي بالأسانيد في العقل

وف ضمن هذه الأحاديث ونحوها رووا الحديث المتقدم أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل وقال له أدبر فأدبر فقال وعزتي ما خلقت خلقا أكرم علي منك فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وعليك العقاب

فهل يشك من سمع هذه الأحاديث أن المراد بذلك عقل الإنسان ليس المراد ما هو أعظم المخلوقات الموجودات بعد الباري عندهم وهو عندهم أبدع كل ما سواه وأن الاستدلال بهذا الحديث ونحوه على إرادة هذا المعنى من أعظم الضلال وأبعد الباطل والمحال هذا لعمري لو كان ذلك ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال أبو حاتم بن حبان البستي لست أحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرا صحيحا في العقل لأن أبان بن أبي


246
عياش وابن وردان وعمير بن عمران وعلي بن زيد والحسن بن دينار وعباد بن كثير وميسرة بن عبد ربه وداود بن


247
المحبر ومنصور بن سقير وذويهم كلهم ضعفاء هذا مع أن أبا حاتم هذا مع فضيلته وبراعته وحفظه كان يتهم بأن في كلامه من جنس الفلسفة أشياء حتى جرت له بسبب ذلك قصة معروفة عند العلماء بحاله

وقد تقدم كلام سائر أهل المعرفة في أحاديث العقل واتفاقهم على ضعفها كما قال أبو الفرج بن الجوزي

وقد قال أبو الفرج بن الجوزي في ذم الهوى وغيره المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل العقل كثير إلا أنه بعيد الثبوت

وقال أبو جعفر العقيلي لم يثبت في هذا المتن شيء من هذا النحو وهذا الذي قالاه هما ونحوهما معروف لمن كان له خبرة بالآثار


248

بل لفظ العقل اسم ليس له وجود في القرآن وإنما يوجد ما تصرف منه لفظ العقل نحو يعقلون وتعقلون وما يعقلها إلا العالمون وفي القرآن الأسماء المتضمنة له كاسم الحجر والنهي والألباب ونحو ذلك

وكذلك في الحديث لا يكاد يوجد لفظ المصدر في كلام النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح إلا في مثل الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار فقلن وبم يا رسول الله


249

فقال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن قلن وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله فقال أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل قلن بلى قال هذا من نقصان عقلها قال وإذا حاضت لم تصل ولم تصم قلن بلى قال فهذا من نقصان دينها وهذا الحديث ونحوه لا ينقض ما ذكره الحافظ أبو حاتم وأبو الفرج والعقيلي وغيرهم إذ ليس هو في فضل العقل وإنما ذكر فيه نقصان عقل النساء

وذلك أن العقل مصدر عقل يعقل عقلا إذا ضبط وأمسك ما يعلمه

وضبط المرأة وإمساكها لما تعلمه أضعف من ضبط الرجل وإمساكه ومنه سمي العقال عقالا لأنه يمسك البعير ويجره ويضبطه وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم ضبط القلب للعلم بضبط العقال للبعير فقال في الحديث المتفق


250
عليه استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم من عقلها

وقال مثل القرآن مثل الإبل المعقلة إن تعاهدها صاحبها أمسكها وإن أرسلها ذهبت

وفي الحديث الآخر أعقلها وأتوكل أو أرسلها بل قال اعقلها وتوكل

فالعقل والإمساك والضبط والحفظ ونحو ذلك ضد الإرسال والإطلاق والإهمال والتسييب ونحو ذلك وكلاهما يكون بالجسم الظاهر للجسم الظاهر ويكون بالقلب الباطن للعلم الباطن فهو ضبط العلم وإمساكه وذلك مستلزم لاتباعه فلهذا صار لفظ العقل يطلق على


251
العمل بالعلم كما قد بسطنا الكلام على مسمى العقل وأنواعه في غير هذا الموضع

إذا الغرض هنا بيان كذب هؤلاء على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم

الوجه الخامس

أن العقل في لغة المسلمين كلهم أولهم عن آخرهم ليس ملكا من الملائكة ولا جوهرا قائما بنفسه بل هو العقل الذي في الإنسان ولم يسم أحد من المسلمين قط أحدا من الملائكة عقلا ولا نفس الإنسان الناطقة عقلا بل هذه من لغة اليونان ومن المعلوم أن حمل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كلام الله تعالى على ما لا يوجد في لغته التي خاطب بها أمته ولا في لغة أمته وإنما توجد في لغة أمة لم يخاطبهم بلغتهم ولم تتخاطب أمته بلغتهم فهذا يبين أن الذين وضعوا الأحاديث التي رويت في ذلك ليس المراد بها عند واضعيها ما أثبته الفلاسفة من الجوهر القائم بنفسه فهؤلاء المستدلون بهذه الأحاديث على قول المتفلسفة لم يفهموا كلام الكاذبين الواضعين للحديث بل حرفوا معناها كما حرفوا لفظها فإذا كان هذا حالهم في الحديث الذي استدلوا به فكيف في غيره فتبين أن استدلالهم باطل قطعا

الوجه السادس

أن العقل في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والأئمة لا يراد به جوهر قائم بنفسه باتفاق المسلمين وإنما يراد به العقل الذي في الإنسان الذي


252
هو عند من يتكلم في الجوهر والعرض من قبيل الاعراض لا من قبيل الجواهر

وهذا العقل في الأصل مصدر عقل يعقل عقلا كما يجيء في القرآن وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون

أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير

وهذا كثير وهذا مثل لفظ السمع فإنه في الأصل مصدر سمع يسمع سمعا وكذلك البصر فإنه مثل الإبصار ثم يعبر بهذه الألفاظ عن القوى التي يحصل بها الإدراك فيقال للقوة التي في العين بصر والقوة التي يكون بها السمع سمع وبهذين الوجهين يفسر المسلمون العقل

ومنهم من يقول العقل هو من جنس العلم كما يقوله القاضي أبو بكر بن الباقلاني وأبو الطيب الطبري وأبو يعلى بن الفراء وغيرهم


253

ومنهم من يقول هو الغريزة التي بها يتهيأ العلم كما نقل ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي ويدخل ذلك في العقل العملي وهو العمل بمقتضى العلم

وأما تسمية الشخص العاقل عقلا أو الروح عقلا فهذا وإن كان يسوغ نظيره في اللغة فقد يسمون الفاعل الشخص بالمصدر فيسمى


254
عدلا وصوما وفطرا فليس هذا من الأمور المطردة في كلامهم فلا يسمون الآكل والشارب أكلا وشربا ولو كان ذلك مما يسوغ في القياس بحيث يسوغ أن يسمى كل فاعل باسم مصدره فهذا إنما يسوغ في الاستعمال لا في الاستدلال فليس لأحد أن يضع هو مجازا لنفسه يحمل عليه كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وكلام من تكلم قبله إذ المقصود بالكلام هو فهم مراد المتكلم سواء كان لفظه يدل على المعنى وهو الحقيقة أو لا يدل إلا مع القرينة وهو المجاز

فليس لأحد أن يسمى الجوهر القائم بنفسه عقلا ثم يحمل عليه كلام النبي صلى الله عليه وسلم

ومعلوم بالاضطرار لمن يعرف لغة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين يتكلمون بلغته أن هذا ليس هو مراد النبي صلى الله عليه وسلم في اسم العقل فليس هذا مراد المسلمين باسم العقل ولا يوجد ذلك في استعمال المسلمين وخطابهم

وإذا كان كذلك لم يجز أن يتمسكوا بشيء من كلام الرسول الذي فيه لفظ العقل لو كان ثابتا على إثبات الجوهر الذي يسمونه عقلا

ومن تدبر ما يوجد من كلام المسلمين عامتهم وخاصتهم سلفهم وأئمتهم وفقهائهم ومحدثيهم وصوفيتهم ومفسريهم ونحاتهم ومتكلميهم لم يجد في كلام أحد منهم لفظ العقل مقولا على ما يزعمه هؤلاء من المتفلسفة ولا على ما يقال أنه ملك من الملائكة


255

ولا يسمون أحدا من الملائكة عقلا ولا الله تعالى عقلا إلا من أخذ ذلك عن الفلاسفة

هذا مع أنه مذكور في كتب الأصول والكلام في ذلك فيه من النزاع أقوال كثيرة تنازع فيها أهل الكلام وأهل النظر المنتسبين إلى الإسلام ثم إن قول المتفلسفة عندهم قول آخر

واعلم أن المقصود في هذا المقام أن لفظ العقل لا يعبر به عن جوهر قائم بنفسه لا عن ملك ولا غيره في عبارة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين وسائرعلماء المسلمين فلا يجوز أن يحمل شيء من كلامهم المذكور فيه لفظ العقل على مراد هؤلاء المتفلسفة بالعقول العشرة ونحو ذلك فينقطع دابر من يجعل لهم عمدة في الشريعة من هذا الوجه

ثم بعد هذا النزاع بين الناس في فرعين

أحدهما أن العقل الذي هو الإنسان ما هو

الثاني أن ما يعنيه المتفلسفة بلفظ العقل هل له وجود أم لا

وقد ذكروا في كتب الأصول النزاع في ذلك جملة كما يذكره القاضي أبو بكر الباقلاني والقاضي أبو الطيب والقاضي أبو يعلى وأبو الوفاء بن عقيل


256
وأبو المعالي الجويني وأبو الخطاب وأبو الحسن بن الزاغوني والقاضي أبو بكر بن العربي المعافري وأكثر أهل الكلام

فإن هؤلاء يختارون أن العقل الذي هو مناط التكليف هو ضرب من العلوم الضرورية كالعلم باستحالة اجتماع الضدين وكون الجسم في مكانين ونقصان الواحد عن الاثنين والعلم بموجب العادات فإذا أخبره


257
مخبر بأن الفرات يجري دراهم لا يجوز صدقه ومن أخبر بنبات شجرة بين يديه وحمل ثمرة وإدراكها في ساعة واحدة لا ينتظر ذلك ليأكل منها وإذا أخبر بأن الأرض تنشق ويخرج منها فارس بسلاح يقتله لا يهرب فزعا فإذا حصل له العلم بذلك كان عاقلا ولزمه التكليف

ثم قد نقل عن طوائف من الأئمة والعلماء ما يقتضي أنه القوة التي يعقل بها

وعن طوائف ما يقتضي أنه قد يكون مكتسبا فروى أبو الحسن التميمي في كتاب العقل عن محمد بن أحمد بن مخزوم عن إبراهيم الحربي عن أحمد بن حنبل أنه قال العقل غريزة والحكمة فطنة والعلم سماع والرغبة في الدنيا هوى والزهد فيها عفاف


258

وقد فسر القاضي أبو يعلى ذلك بأن قوله غريزة أنه خلق لله ابتداء وليس باكتساب

وذكر عن أبي محمد البربهاري أنه قال ليس العقل باكتساب إنما هو فضل من الله

وذكر عن أبي الحسن التميمي أنه قال في كتاب العقل ليس بجسم ولا صورة ولا جوهر وإنما هو نور فهو كالعلم

وعن بعضهم أنه قال هو قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات

وعن أبي بكر بن فورك أنه قال هو العلم الذي يمتنع به من فعل القبيح

وعن بعضهم أنه ما حسن معه التكليف


259

ثم قال القاضي ومعنى ذلك كله متقارب ولكن ما ذكرناه أولى لأنه مفسر خلافا لما حكي عن قوم من الفلاسفة أنه اكتساب وقال قوم هو عرض مخالف لسائر العلوم والأعراض وعن قوم هو مادة وطبيعة

وقال آخرون هو جوهر بسيط

قلت وبعض هذه الأقوال التي خالفها هي نحو من الأقوال التي جعلها متقاربة

فإن من قال هو العلم الذي يمتنع به من فعل القبيح لم يحد العقل الذي هو مناط التكليف الذي يفرق به بين العاقل والمجنون الذي حدوه هم وجعلوه ضربا من العلوم الضرورية بل هذا العقل هو من مناط النجاة والسعادة وهو من العقل الممدوح الذي صنفت الكتب فضل في فضيلة

والذي حدوه أولا قد يفعل صاحبه أنواع القبائح ويكون ممن قيل فيه لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير


260

وهذا العقل الممدوح قد يكون اكتسابا

وأيضا من قال هو عرض مخالف لسائر العلوم والأعراض فقوله موافق لقول من قال هو قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات وقول أحمد هو غريزة يتناول هذه القوة ولهذا فرق بين ذلك وبين العلم

وأبو الحسن التميمي قال هو كالعلم ولم يقل هو من العلم فهنا أمور

أحدها علوم ضرورية يفرق بها بين المجنون الذي رفع القلم عنه وبين العاقل الذي جرى عليه القلم فهذا مناط التكليف

والثاني علوم مكتبسة تدعو الإنسان إلى فعل ما ينفعه وترك ما يضره فهذا أيضا لا نزاع في وجوده وهو داخل فيما يحمد بها عند الله من العقل ومن عدم هذا ذم وإن كان من الأول وما في القرآن من مدح من يعقل وذم من لا يعقل يدخل فيه هذا النوع وقد عدمه من قال لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير

الثالث العمل بالعلم يدخل في مسمى العقل أيضا بل هو من أخص ما يدخل في اسم العقل الممدوح

وهذان النوعان لم ينازع الأولون في وجودهما ولا في أنهما يسميان عقلا ولكن قالوا كلامنا في العقل الذي هو مناط التكليف للفرق بين العاقل والمجنون وهذان لا يدخلان في ذلك فالنزاع فيهما لفظي

الأمر الرابع

الغريزة التي بها يعقل الإنسان فهذه مما تتوزع في وجودها فأنكر كثير من الأولين أن يكون في الإنسان قوة يعلم بها غير العلم أو قوة


261
يبصر بها غير البصر أو قوة يسمع بها غير السمع وجعلوا إثبات ذلك من جنس قول الفلاسفة والطبائعية الذين يجعلون في الإنسان قوى يفعل بها وقد بالغ في ذلك طوائف منهم القاضي أبو بكر بن العربي في العواصم والقواصم وأصل ذلك تقريرهم أن الله خالق كل شيء ولا خالق غيره وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة وهو أحسن ما امتاز به الأشعري عن طوائف المتكلمين وبالغ في ذلك حتى جعل أخص أوصاف الرب القدرة على الاختراع وزعم أن هذا معنى الإلهية وفي الأصل رد على القدرية القائلين بأن الله تعالى لم يخلق أفعال الحيوان وعلى الفلاسفة وأتباعهم من أهل النجوم والطبع القائلين بفاعل غير الله لكن زاد من زاد منهم في ذلك أشياء ليست من السنة بل تخالف السنة حتى ردوا بدعة ببدعة فدخل بعضهم في إثبات الجبر الذي أنكره السلف والأئمة حتى توسل بذلك قوم إلى إسقاط الأمر والنهي والوعد والوعيد وأنكر من أنكر منهم ما جعله الله تعالى من


262
الأسباب حتى خرجوا عن الشرع والعقل وقالوا إن الله يحدث الشبع والري عند وجود الأكل والشرب لا بهما وكذلك يحدث النبات عند نزول المطر لا به ونحو ذلك وهذا خلاف ما جاء به الكتاب والسنة قال الله تعالى وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات وقال الله تعالى وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وقال تعالى وأحيينا به بلدة ميتا وقال تعالى يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وقال يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ومثل هذا كثير ونفى هذه الأسباب أن تكون أسبابا في الأمور المخلوقة هو شبيه بنفي طوائف من المتصوفة ونحوهم لما يأمرون به من أعمال القلوب وغيرها من الأمور المشروعة نظرا إلى القدر ودعوى التوكل كما بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا الموضع

ولهذا قال من نظر إلى هذين الانحرافين كابي حامد وابي الفرج بن الجوزي وغيرهما في كتاب التوكل اعلم أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا تغيير في وجه العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع


263

والسلف والأئمة متفقون على إثبات هذه القوى فالقوى التي بها يعقل كالقوي التي بها يبصر والله تعالى خالق ذلك كله كما أن العبد يفعل ذلك بقدرته بلا نزاع منهم والله تعالى خالقه وخالق قدرته فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله

والحول اسم لكل تحول من حال إلى حال والقوة عام في كل قوة على الحول فنفي القوة كنفي الحول وقد بسطنا الكلام في غير هذا الموضع فيما يقع من الاشتباه والنزاع في قدرة العبد هل هي مؤثرة في الفعل أو في بعض صفاته أو غير مؤثرة بحال

وقد وقع تسمية هذه القوة عقلا في كلام طوائف منهم أبو المعالي الجويني ذكر في أصول الفقه أن العقل معنى يدرك به العلم وجملة صفات الحي وكان يقول في التعليق أنه تثبيت سمة إدراك النفس


264

وقد خالفه صاحبه أبو القاسم الأنصاري وقال هذا فيه نظر فاعلموه وقال المحققون من أئمتنا العقل هو العلم بدليل أنه يقال عقلت وما علمت أو علمت وما عقلت وإن كان فرق بين اللفظين ففي إطلاق أهل العرف وتقييدهم وهذا كما أن العالم في الحقيقة ذو العلم سواء كان العلم علم الشريعة والدين أو غيره من العلوم وإذا أطلق مطلق فقال رأيت العلماء أو جاءني عالم فلا يفهم من إطلاقه أصحاب الحرف والصناعات بل لا يفهم منه إلا علماء الشريعة

وكذلك العقل إذا أطلق فإنما يراد به عقل التكليف وهو ما به يمكن التمييز والاستدلال على ما وراء المحسوس ويخرج به صاحبه عن حد المعتوهين وتسمية العقلاء عاقلا وهذا قول أبي الحسن وإنما قاله لأن النحل تراه ينسج أشكالا مسدسة يعجز عنها كثير من العقلاء وكذلك غير النحل من البهائم والجعل فلهذا قال العاقل من تسميه العقلاء عاقلا

والعقل المقيد يتناول جنس العلم فلهذا قال الشافعي رحمة الله عليه الحمام أعقل الطائر عنى به أكيس الطير

وقد ذكر أبو بكر بن فورك عن الأئمة في العقل أقوالا ثم زيفها وحملها على محامل

فنقل عن الشافعي وأبي عبد الله بن مجاهد أنهما قالا العقل آلة التمييز


265

وحكى عن أبي العباس القلانسي قال العقل قوة التمييز

وعن الحارث المحاسبي أنه قال العقل أنوار وبصائر

ثم قال الوجه أن لا يصح ما ينقل عن هؤلاء الآئمة فإن الآلة تستعمل في الأجسام المبنية واستعمالها في الأعراض مجاز على أنا نقول كل حاسة من الحواس آلة التمييز وليس عقلا ولا المؤمنون بها عقلاء والكفار معهم عقول ومعهم آلة التمييز ثم لا يميزون بين الحق والباطل

فإن قالوا أردنا بذلك انه يصح بها التمييز والاستدلال والكفار يصح منهم ذلك

قلنا هذا يبطل بالدليل والنظر وقول الرسول والمفتي فإن كان واحد ممن ذكرناه يميز به بين الأحكام وليس ذلك من العقل في شيء فإن صحت هذه الحكاية فإن المعنى بها ما يقع به التمييز ويمكن معه الاستدلال على ما وراء المحسوس والخلاف يرجع إلى


266
العبارة قال والشافعي رحمه الله تعالى لم يسلك مسالك المتكلمين ولم يراع ما راعوه وكذلك لا يعقل من القوة إلا القدرة

والقلانسي أطلق ما أطلقه توسعا في العبارة وكذلك المحاسبي إذ العقل ليس ببصيرة ولا نور ولكن يستفاد به الأنوار والبصائر

قال أبو القاسم الأنصاري ولا اختلاف بين أصحابنا في المعنى فقد سمى الله تعالى الإيمان نورا فقال أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه

وشيخنا الإمام يعني أبا المعالي أطلق ما أطلقه توسعا ولو كان العقل معنى يدرك به العلم فما العلم الذي يدرك به العقل وكيف يتميز أحدهما عن الآخر لا سيما والعلم عنده خارج عن قبيل الاعتقاد

قلت لا يخفى ما في هذا الكلام من الغض عن الأئمة الذين هم أحق بالحق منهم وكلامهم سديد فإن القوة التي جعل الله بها العلم والعمل لم ينكرها من العقلاء إلا من وافق هؤلاء على نفيها

وقول الشافعي وأحمد والمحاسبي ومن وافقهم قول واحد وإنما رد قولهم بالباطل

فأما قوله إن الآلة إنما تستعمل في الأجسام وهي من الأعراض مجاز فيقال له هذا ممنوع ثم الشافعي إنما استعملها مقيدة بالإضافة


267
فلو كانت عند الإطلاق لا تتناول إلا جسما لكانت مع الإضافة التي ذكرها كقولهم أبرة الذراع وأرنبة الأنف وإنسان العين وقلب الأسد وقلب العقرب ونحو ذلك مما أحدثت فيه الإضافة فمن الناس من يقول هذا مجاز

والمحققون يعلمون أن هذا وضع جديد لم يستعمل فيه اللفظ في غير موضوعه إذ هذا المضاف لم يكن موضوعا لغير هذا المعنى ثم هب أن ذلك مجاز فأي عيب في ذلك إذا ظهر المقصود ومن الذي قال إن الحد والدليل لا يستعمل فيهما المجاز المقرون بما يبين معناه دع ما ليس حدا

وأما قوله فعلى طريقة من يفرق بين الحد والرسم وأما من يجعل المقصود بالحد هو التمييز بين المحدود وغيره كما هو مذهب المتكلمين فالجميع يسمى عنده حدا

وأما قوله كل حاسة من الحواس آلة التمييز فليس كذلك لأن الحاسة لا يميز بها بين الأشياء بل مجرد السمع الذي يدرك الصوت لا يميز بين الصوت وغيره بل يحس الصوت

ثم الحكم على الصوت بأنه غير اللون يعرف بغير الحاسة وهو العقل وبه يعرف غلط الحس إذا الأحول يرى الوحد اثنين والممرور يجد الحلو مرا لكن العقل به يميز سلامة الحس من فساده إذ


268
قد استقر عنده ما يدرك بالحس السليم فإذا رأى من له عقل حسا يدرك به خلاف ذلك علم فساده ونظر في سبب فساده وكذلك المجنون قد يرى أحمر وأحمر وأبيض وأبيض ولا يميز بين الدينار وبين الدرهم وغيره ولا بين الأيام ولا بين ثوبه وثوب غيره وفعله وفعل غيره مع وجود حسه

وأما الكفار فلهم التمييز الذي يصح معه التكليف الذي به فارقوا المجنون وليس من شرط عقل الكل تمييز كل حق من كل باطل بل هذا لا يوجد لعامة الخلق

وأما نقضه بالدليل والنظر فذلك يميز به شيء بعينه ليس هو آلة لكل تمييز والعقل آلة لكل تمييز فيه يميز بين دليل ودليل ونظر

وأما قول أبي القاسم لو كان العقل معنى يدرك به العلم فبم يميز العلم عنه فقول ضعيف

فإنه إذا كان يميز بين أنواع العلم فيميز بين الضروري وغيره وما يحصل بالحواس وغيره فكيف لا يميز بينه وبين القوة التي بها يحصل كما يميز بين الإبصار وقوة البصر فإنا نعلم أن في العين قوة فارقت بها قوة اليد حتى كأن هذه يرى بها وهذا لا يرى بها

ونعلم أن في العاقل قوة فارق بها المجنون حتى كان هذا يعقل وهذا لا يعقل وأن قدر أنه ساه عن العلم

وعمدة جمهور الذين قالوا ليس العقل إلا ضرب من العلوم الضرورية أنهم قالوا ليس بجوهر لأن الدليل قد دل على أن الجواهر


269
كلها من جنس واحد خلافا للملاحدة في قولهم إنها مختلفة لأن معنى المثلين فاسد أحدهما مسد صاحبه وناب منابه والجواهر على هذا لأن كل واحد منها متحرك وساكن وعالم فلو كان العقل جوهرا لكان من جنس العاقل ولا يستغني العاقل بوجود نفسه في كونه عاقلا عن وجود مثله وما هو من جنسه وقد ثبت أنه ليس بعاقل بنفسه فمحال أن يكون عاقلا بجوهر من جنسه ولأنه لو كان جوهرا لصح قيامه بذاته ووجوده لا بعاقل ولصح أن يفعل ويكلف لأن ذلك مما يجوز على الجواهر وفي امتناع ذلك دليل على أنه ليس بجوهر

وثبت أنه غير عرض

قالوا ومحال أن يكون عرضا غير سائر العلوم حتى يكون الكامل العقل غير عالم بنفسه ولا بالمدركات ولا بشيء من الضروريات إذ لا دليل يوجب تضمن أحدهما للآخر وذلك نهاية الإحالة

ومحال أن يكون اكتسابا لأنه يؤدي إلى أن الصبي ومن


270
عدمت منه الحواس الخمس ليسوا بعقلاء لأنه لا نظر لهم ولا استدلال يكسبون به العقل وفي الإجماع على حصول الحي العاقل منهم دليل على فساد هذا ولا يجوز أن يكون العقل هو الحياة لأن العقل يبطل ويزول ولا يخرج الحي عن كونه حيا وقد يكون الحي حيا وإن لم يكن عالما بشيء أصلا ولا يجوز أن يكون هو جميع العلوم الضرورية ولا العلوم التي تقع عقيب الإدراكات الخمسة لأن هذا يؤدي إلى أن الأخرس والأطرش والأكمه ليسوا بعقلاء لأنهم لا يعلمون المشاهدات والمسموعات والمدركات التي تعلم باضطرار لا باستدلال

ولا يجوز أن يكون العلم تحسين حسن وتقبيح قبيح ووجوب واجب وتحريم محرم ومن جملة العلوم التي هي عقل لأن هذه الأحكام كلها معلومة من جهة السمع دون قضية العقل فوجب أن يكون بعض العلوم الضرورية وهو ما ذكره وما كان في معناه من أن الموجود لا يخلو من أن يكون لوجوده أول وأن الموجود لا يكون موجودا معدوما في حال واحدة وأن المتحرك عن المكان لا يجوز أن يكون ساكنا فيه في حال واحدة وأن الذات الواحدة لا يجوز أن تكون حية ميتة ونحو ذلك من الأوصاف المتضادة فهذا الدليل هو عمدتهم كلهم في الجملة هذه الفاظ القاضي أبي يعلى الفراء

وهذا القول قالته المعتزلة قبل المتكلمة الصفاتية ومن اتبعهم ولكن أدخلوا فيه العلم بحسن أفعال وقبحها


271

قال أبو علي الجبائي العقل عشرة أنواع من العلم وعد منها العلوم البديهية والعلوم الصادرة عن الحواس العلم بحسن الشيء وقبحه ووجوب شكر المنعم وقبح الكفر والظلم والكذب

والمتكلمة الصفاتية الذين قالوا أنه بعض العلوم الضرورية لم يميزوه بتمييز مضبوط بل كبيرهم القاضي أبو بكر قرر أنه بعض العلوم الضرورية كما تقدم وملخص تلك الحجة أنه لا يجوز الاتصاف بالعقل مع الخلو عن جميع العلوم أو بعضها فثبت أنه من العلوم وليس هو من العلوم النظرية إذ شرط ابتداء النظر تقدم العقل فانحصر العقل إذا في العلوم الضرورية ويستحيل أن يقال هو جميع العلوم الضرورية فإن الضرير ومن لا يدرك يتصف بالعقل مع انتفاء علوم ضرورية عنه

فاستبان بذلك أن العقل من العلوم الضرورية وليس كلها وسبيل تعيينه والتنصيص عليه أن يقال كل علم لا يخلو العاقل منه عند الذكر ولا يشاركه فيه من ليس بعاقل إشارة إلى العلوم الصادرة عن الحواس والعلوم


272
بالآلام واللذات فإنه يستوي في دركها العقلاء وغيرهم من الأطفال والبهائم وهذا إذا قلنا للبهائم علوم بالمحسوسات فيخرج من مقتضى السبر أنه العلوم الضرورية بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات والعلم بأن المعلوم لا يخلو عن نفي أو إثبات والموجود لا يخلو من القدم والحدوث والخبر لا يخلو من الصدق والكذب وعد القاضي من ذلك العلم بمجاري العادات

وهذه الحجة التي احتجوا بها ليست صحيحة وإن كانت في بادئ الرأي مهيبة إذ مدار الحجة على أنه لو لم يكن من العلوم لأمكن وجوده بدون العلم لعدم الدليل على تلازمهما

وهم يعبرون عن هذه النكتة بعبارات تارة يقولون إذا كانا خلافين غير ضدين أمكن وجود أحدهما مع ضد الآخر كالحياة والعلم والقدرة

وتارة يقولون ما تقدم

وتارة يجعلون ذلك كأنه مقدمة بينة أو مسلمة فيقولون لو لم يكن من العلم لجاز أن يخلو العاقل عن جميع العلم وكل هذا ضعيف فإنه ليس كل خلافين يجوز وجود أحدهما مع ضد الآخر بل الخلافين قد يكونان متلازمين من الطرفين أو من أحدهما كالحس مع الحركة الارادية وكالحس مع العلم الحاصل عقيب الإحساس بل هذا شأن كل سبب تام بسببه وكل معلول عله وكل متضايفين كالأبوة والبنوة فإنهما خلافان ومع هذا فهما متلازمان لا يجوز وجود أحدهما مع عدم الآخر فضلا عن ضده


273

وقولهم لا دليل حينئذ على تضمن أحدهما الآخر ليس بسديد لوجهين أحدهما أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه في نفس الأمر فلا يكفي في نفي تلازمهما مجرد عدم دليله

الثاني إذا قدر أن العقل هو الغريزة كان العلم باستلزامه للعلم ضروريا لا يحتاج إلى دليل فإن وجود العلم مستلزم للقوة التي هي شرط في العلم كما أن وجود السمع والبصر مستلزم للقوة التي بها يسمع ويبصر والمشروط بدون شرطه محال وإن كان هذا شرطا في العادة والله قادر على خرق العادة فإن الكلام في الواقع لا فيما يمكن وقوعه

وأيضا فإذا قيل إن العقل اسم لمجموع الغريزة والعلم الحاصل بها كان ما ذكروه بعض مسمى العقل فلا يوجد اسم العقل إلا مع وجوده وإن لم يكن هو مجموع العقل

وأيضا فمن المعلوم أنه يدخل في مسمى العقل العمل الذي يختص به العقلاء من جلب المنفعة ودفع المضرة وهذا مما يفرق به بين العاقل والمجنون في عرف الناس كما يفرق بينهما بعلوم ضرورية فليس جعله اسما للعلوم الضرورية بأولى من جعله اسما للأعمال الضرورية التي لا يخلو العاقل منها فإنه من رؤى يلقى نفسه في نار أو ماء فيغرق أو نحو ذلك من المضار التي لا فائدة فيها ونحو ذلك من الأفعال الخارجة عن أفعال العقلاء سلب عنه العقل حتى ينتهي به إلى حد المجنون وإذ كان كذلك فهم بين أمرين


274

إن جعلوا هذه الأعمال وأعمال العقلاء داخلة في مسمى العقل بطل قولهم هو من جنس العلم فقط

وإن قالوا أفعال العقلاء دليل على العلم الذي هو عقل وكذلك أفعال المجانين دليل على فوات هذه العلوم

قيل لهم فحينئذ قد صار العقل يستلزم أمورا ليست داخلة في مسماه فلا يمتنع حينئذ أن يقال هو الغريزة المستلزمة لهذه العلوم كما قلتم هو العلوم المستلزمة لهذه الأعمال

الوجه السابع

إن هذا مما يبين كذب هذا الحديث المروى كما رووه فإن العقل إذا كان في لغة المسلمين هو عرض قائم بغيره لم يكن مما يخلق منفردا عن العاقل وإنما يخلق بعد خلق العقلاء

وأيضا فإن مثل هذا لا يخاطب ولايقبل ولايدبر

وأيضا فقوله ما خلقت خلقا أكرم علي منك لا يجوز أن يضاف إلى الله تعالى فإنه من المعلوم أن الأنبياء والملائكة أكرم على الله منه إذ كان في بعض صفانهم

ولو قدر أن العقل في لغتهم يكون جوهرا أو ملكا وقدر أن هذا اللفظ قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجز أن يراد به ما يقوله الفلاسفة ومن سلك سبيلهم لما بينا أنه يدل على أنه خلق قبله خلقا آخر

وأيضا فقوله بك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وبك العقاب


275
خصه بهذه الأعراض وعندهم هو المبدع لكل ما سواه من العقول والنفوس والأفلاك والنفوس البشرية والعناصر والمولدات فكيف يخصه بأربعة أعراض وأيضا فقوله لما خلقه قال له أقبل فأقبل يقتضي أنه خاطبه في أول أوقات خلقه وعندهم يمتنع أن يكون خلقه في زمان بل يمتنع أن يكون مخلوقا عندهم كما تقدم

الوجه الثامن أن هؤلاء سمعوا في الحديث أن أول ما خلق الله القلم وهذا الحديث معروف ليس مثل الأول رواه أبو داود في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن ابن عباس وغيره من الصحابة لكن السلف متنازعون


276

هل المراد بذلك أول ما خلقه من هذا العالم الذي خلقه في ستة أيام وكان عرشه على الماء كما قال وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء

وعلى هذا القول فالعرش كان مخلوقا قبل ذلك

أو هو مخلوق قبل العرش على قولين ذكرهما الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره والأحاديث الصحيحة تدل على القول الأول فقال هؤلاء أن ذلك الذي تسميه الفلاسفة العقل الأول هو القلم وهذا كثير في كلامهم وفي كلام صاحب جواهر القرآن وهو من نوع كلام القرامطة


277

قال في الجواهر واعلم أن القرآن والأخبار تشتمل على كثير من هذا الجنس فانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمان فإن روح الأصبع القدرة على سرعة التقليب وإنما قلب المؤمن بين لمة ملك ولمة شيطان هذا يهديه وهذا يغويه والله تعالى بهما يقلب قلوب العباد كما تقلب أنت الأشياء بأصبعيك وانظر كيف تشارك نسبة الملكين المسخرين إلى الله تعالى أصبعك في روح الأصبيعة وخالف في الصورة واستخرج من هذا قوله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورته وسائر الآيات والأحاديث الموهمة عند الجهلة للتشبيه والذكي يتنبه بمثال واحد والبليد لا يزيده التكثير إلا تحيرا ومهما عرفت معنى الأصبع أمكنك الترقي إلى


278
القدم واليد واليمين والوجه والصورة وأخذت لجميعهاأمرا روحانيا لا جسمانيا فتعلم أن روح القلم وحقيقته التي لا بد من تحقيقها إذا ذكرت حد القلم وهو الذي يكتب به وإن كان في الوجود شيء يسطر بواسطته نقش العلوم في ألواح القلوب فأخلق به أن يكون هو القلم فإن الله تعالى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم وهذا القلم روحاني إذ وجد فيه روح القلم وحقيقته ولم يعوزه إلا قالبه وصورته وكون القلم من خشب أو قصب ليس من حقيقة القلم ولذلك لا يوجد في حده الحقيقي ولكل شيء حد وحقيقة هي روحه فإذا اهتديت إلى الأرواح صرت روحانيا وفتحت لك أبواب الملكوت وأهلت لموافقة الملأ الأعلى وحسن أولئك رفيقا

ولا تستبعد أن يكون في القرآن إشارات من هذا الجنس فإن كنت لا تقدر على احتمال ما يقرع سمعك من هذا النمط ما لم يسند التفسير إلى الصحابة فإن التقليد غالب عليك فانظر إلى تفسير قوله تعالى على ما قاله المفسرون أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله الآية


279

وأنه كيف مثل العلم بالماء والقلوب بالأودية والينابيع والضلال بالزبد ثم نبهك في آخرها فقال كذلك يضرب الله الأمثال ويكفيك هذا القدر من هذا المعنى فلا تطيق أكثر منه

وبالجملة فاعلم إن كل ما لا يحتمله فهمك فإن القرآن يلقيه إليك على الوجه الذي لو كنت في النوم مطالعا بروحك اللوح المحفوظ لتمثل لك ذلك بمثال مناسب يحتاج إلى التعبير واعلم أن التأويل يجري مجرى التعبير انتهى كلامه

فهذا الكلام ونحوه من جنس كلام الفلاسفة القرامطة فيما أخبر الله به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر ويجعلون ذلك أمثالا مضروبة لتفهيم الرب والملائكة والمعاد وغير ذلك والكلام عليهم مبسوط في غير هذا الموضع

وصاحب الجواهر لكثرة نظره في كلامهم واستمداده منهم مزج في كلامه كثيرا من كلامهم وإن كان قد يكفرهم بكثير مما يوافقهم عليه في موضع آخر وفي أواخر كلامه قطع بأن كلامهم لا يفيد علما ولا يقينا بل وكذلك قطع في كلام المتكلمين وآخر ما اشتغل به النظر في صحيحي البخاري ومسلم ومات وهو مشتغل بذلك


280

وإنما المقصود هنا التنبيه على ما ذكروه فإن كثيرا اغتروا بهذا لأنهم وجدوه في كلامه وحرمته عند المسلمين ليست مثل حرمة من لم يدخل في الفقه والتصوف دخوله ولهذا كثر فيه كلام أئمة طوائف الفقهاء والصوفية مثل أبي بكر الطرطوشي وأبي عبد الله المازري المغربي وغيرهما من المالكية


281

مثل أبي الحسن المرغيناني وأبي البيان القرشي وأبي عمرو بن الصلاح وابن شكر وأولاد القشيري وغيرهم من الشافعية ومثل أبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي بن الحنبلية مع أن هذين أقرب إلى مذاهب النفاة من غيرهما من الحنبلية


282

وأما الحنفية فكلامهم فيه لون آخر وكانت قد جرت له قصة معروفة معهم ومع أصحاب الشافعية

وهذا الذي ذكره باطل من وجوه كثيرة

منها أن القلم إذا كان أول مخلوق وهو العقل عندهم لم يصح تفسيره بما ينقض العلم في قلوب بني آدم لأن ذلك عندهم إنما هو العقل الفعال وهو العاشر وأول مخلوق على زعمهم هو العقل الأول

الثاني أن تسمية الملائكة التي يجعلونها هي العقول أقلام إذ تسمية بعضهم قلما شيء لا يعرف في كلام أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازا أصلا فالتعبير بلفظ القلم عن ملك يكون عندهم قد أبدع هذا الوجود من أبطل الباطل

الثالث أن الذي في الحديث أن الله خلق القلم وأمره أن يكتب في اللوح قبل خلق بني آدم بل في صحيح مسلم أن الله تعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء فكيف يكون إنما سمي قلما لأنه ينقش العلوم في قلوب بني آدم

الرابع أن خاصية القلم كونه يكتب به فإذا قدر أن خاصية شيء


283
من الأشياء أن يكتب له أمكن تشبيهه بالقلم أما إذا كانت له أفعال عظيمة غير ذلك فليس تشبيهه بالقلم بأولى من تشبيهه بغير ذلك

والعقل عندهم قد صدرت عنه الجواهر والمواد والصور وما تقوم به النفوس والأجسام من جميع الأعراض كالحياة والعلم والقدرة والكلام والأكوان والألوان والطعوم والروائح وغير ذلك فلأي شيء يسمى باسم عرض من الأعراض التي تصدر عنه دون أن يسمى بما تقتضيه سائر الأعراض بل والجواهر التي صدرت عنه وهو عندهم قد فاض عنه الألواح التي يكتب فيها فهل يكون القلم مبدعا للوح وهل في الحديث أن اللوح تولد عن القلم أو ما يشبه ذلك

ولئن جاز تسمية هذا قلما فتسمية لسان الإنسان قلما أقرب فإنه جسم مستطيل مستدق الرأس يشبه القلم وهو إذا خاطب بالعلم نقش العلم في القلب وخاصيته هي التفهيم دون سائر الأفعال

وقد يقال للقلم أحد اللسانين فتسمية اللسان قلما أشبه وأنسب ومع هذا فلم يسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم أو واحدا من الصحابة أراد بلفظ القلم اللسان كلسانه أو لسان الملك الذي نزل عليه فكيف إذا عبر به عما هو أبعد من ذلك

الخامس أن المسلمين يعلمون بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بالقلم ما تريده الفلاسفة بلفظ العقل


284

السادس أنه من الذي قال ما يوجد في قلوب بني آدم من العلم إنما هو من فيض العقل الفعال الذي تقوله الفلاسفة فإن دليل الفلاسفة على ذلك ضعيف بل باطل والكتب الإلهية لم تخبر بذلك بل الأخبار الإلهية تدل على تعدد ما يلقى في قلوب بني آدم وأنه ليس ملكا واحدا بل ملائكة كثيرون وقد وكلت بهم أيضا الشياطين فامتنع أن يكون في الوجود ما يلقى العلم في القلوب على ما ذكروه

السابع أن ما ذكره في حد القلم ليس مستقيما إذ لو صح لصح تسمية كل من علم العلم قلما وإن كان القلم لا يشترط في تسمية أن يكون من مادة مخصوصة فلا بد له من صورة من أي مادة كانت كما قال تعالى ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام وقال تعالى إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم

الثامن قوله لكل شيء حد وحقيقة هي روحه وهو إنما عنى به مثلا كونه كاتبا كما جعل حقيقة القلم وحده كونه ينقش العلم وجعل هذا الحد والحقيقة موجودة في العقل ومعلوم بطلان هذا بالاضطرار فإن حقيقة الجوهر الموجودة لا يكون مجرد كونه موصوفا بفعل منفصل عنه أو متصل به ولو قدر أن تلك الصفة توجد في حده لكانت فصلا تميزه عن غيره مع مشاركة غيره له في الجنس المشترك وذلك يمنع ثبوت الحقيقة لغيره أما أن يجعل هي الحد والحقيقة وحدها فهذا ظاهر البطلان


285

التاسع أنه قد ذكرنا أن للسلف في العرش والقلم أيهما خلق قبل الآخر قولين كما ذكر الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره

أحدهما أن القلم خلق أولا كما أطلق ذلك غير واحد وذلك هو الذي يفهم في الظاهر في كتب من صنف في الأوائل كالحافظ أبي عروبة بن أبي معشر الحراني وأبي القاسم الطبراني للحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن عبادة بن الصامت أنه قال يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فقال يا رب وماذا أكتب قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من مات على غير هذا فليس مني

والثاني أن العرش خلق أولا قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في مصنفه في الرد على الجهمية


286

حدثنا محمد بن كثير العبدي حدثنا سفيان الثوري حدثنا أبو هاشم عن مجاهد عن ابن عباس قال إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فكان أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب ما هو كائن وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه ورواه أيضا أبو القاسم اللالكائي في كتابه في شرح أصول السنة من حديث يعلى عن سفيان عن أبي هاشم عن مجاهد قال قيل لابن عباس إن أناسا يقولون في القدر قال يكذبون لئن أخذت بشعر أحدهم لا نصونه أي لآخذن بناصيته إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فخلق القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه


287

وكذلك ذكر الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الأسماء والصفات لما ذكر بدء الخلق فذكر حديث عبد الله بن عمرو وعمران بن حصين وغيرهما وسنذكر هذين الحديثين إن شاء الله تعالى ثم ذكر حديث الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير أنه سئل عن قوله تعالى وكان عرشه على الماء على أي شيء كان الماء قال على متن الريح


288

وروى حديث القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أن أول شيء خلقه الله القلم وأمره فكتب كل شيء يكون

قال البيهقي ويروى ذلك عن عبادة بن الصامت مرفوعا قال البيهقي وإنما أراد والله أعلم أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش القلم وذلك بين في حديث عمران بن حصين ثم خلق السماوات والأرض

وفي حديث أبي ظبيان عن ابن عباس موقوفا عليه ثم خلق النون فدحا الأرض عليها


289

وروى بإسناده الحديث المعروف عن وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال أول ما خلق الله عز وجل من شيء القلم فقال له اكتب فقال يا رب وما أكتب قال اكتب القدر قال فجرى بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة قال ثم خلق النون فدحا الأرض عليها فارتفع بخار الماء ففتق منه السموات واضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال وأن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة قلت حديث عمران بن حصين الذي ذكره هو ما رواه البخاري من غير وجه

منها ما رواه في كتاب التوحيد في باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم


290

قال أبو العالية استوى إلى السماء ارتفع

وقال مجاهد استوى علا على العرش

وذكر من حديث أبي حمزة عن الأعمش عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال إني عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه قوم من بني تميم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم فقالوا بشرتنا فأعطنا فدخل ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم فقالوا قبلنا جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر


291
ما كان قال كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء ثم أتاني رجل فقال يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت فانطلقت أطلبها فإذا السراب ينقطع دونها وأيم الله لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم

ورواه البيهقي كما رواه محمد بن هارون الروياني في مسنده وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما من حديث الثقات المتفق على ثقتهم عن أبي إسحاق الفزاري عن الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فعقلت ناقتي بالباب ثم دخلت فأتاه نفر من بني تميم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا بشرتنا فأعطنا فجاءه نفر من أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذا لم يقبلها إخوانكم من بني تميم فقالوا قبلنا يا رسول الله أتيناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول


292
هذا الأمر كيف كان قال كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ثم كتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض قال ثم أتاني رجل فقال أدرك ناقتك فقد ذهبت فخرجت فوجدتها ينقطع دونها السراب وأيم الله لوددت أني كنت تركتها

ففي الحديث الصحيح بيان أنه كتب في الذكر ما كتبه بعد أن كان عرشه على الماء وقبل أن يخلق السماوات والأرض

وأما حديث عبد الله بن عمرو فقد رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن وهب أخبرني أبو هانىء الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين


293
ألف سنة وعرشه على الماء رواه مسلم أيضا من حديث حيوة ونافع بن يزيد كلاهما عن أبي هانىء الخولاني مثله غير أنهما لم يذكرا وعرشه على الماء وقد رواه البيهقي من حديث حيوة بن شريح أخبرني أبو هانىء الخولاني أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ورواه البيهقي أيضا من حديث ابن أبي مريم حدثنا الليث


294
ونافع بن يزيد قالا حدثنا أبو هانىء عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات والأرض وعرشه على الماء بخمسين ألف سنة

ففي هذا الحديث الصحيح ما في ذلك من أنه قدر المقادير وعرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض لكن بين فيه مقدار السبق وأن ذلك قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وقد ضبط هذه الزيادة الإمامان الفقيهان الليث بن سعد وعبد الله بن وهب

فقوله في الحديث فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات والأرض وعرشه على الماء بخمسين ألف سنة يوافق حديث عبادة الذي في السنن أنه لما خلق الله القلم قال له اكتب قال وما أكتب قال ما هو كائن إلى يوم القيامة وكذلك في حديث ابن عباس وغيره وهذا يبين إنما أمره حينئذ أن يكتب مقدار هذا الخلق إلى قيام الساعة لم يكتب حينئذ ما يكون بعد ذلك وهذا يؤيد حجة من جعله أول المخلوقات من هذا الخلق الذي أمره بكتابته فإنه سبحانه كتبه وقدره قبل أن يخلقه بخمسين ألف سنة

وبكل حال فهذه الأحاديث التي في الصحاح والسنن والمسانيد والآثار التي عن الصحابة والتابعين تبين أن هذا القلم ليس ما يدعيه هؤلاء أنه الذي يسمونه العقل الأول أو الفعال فإنه أمره أن يكتب فقط لا أن يفعل شيئا غير ذلك


295

والعقل عندهم أبدع جميع الكائنات وأمره أن يكتب في الذكر وهو اللوح فيكون اللوح قد خلق قبل أن يكتب القلم شيئا إذ الكتابة لا تكون إلا في اللوح وأيضا فإنه أمره بالكتابة ففرغت تلك الكتابة كما قال فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات والأرض وعندهم القلم إذا فسروه بالعقل الذي ينقش العلوم في قلوب بني آدم كتابته دائمة كلما حدث إنسان كتب في قلبه ما يكتبه إلى موته

وكذلك إن فسروه بالعقل الأول فإن كتابته دائمة وأيضا فإنه كتب في الذكر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة

وعندهم أن العقل مقارن للسماوات لم يتقدمها وأيضا فإخباره في الحديثين الصحيحين بما يوافق القرآن من أن العرش كان على الماء قبل خلق السماوات والأرض وذكره فيهما أن التقدير وهو الكتابة بالقلم كان بين ذلك كما جاء عن الصحابة يبطل أن يكون العقل الأول هو أول المخلوقات وإن سموه هم قلما بل يبطل أن يكون القلم الذي ذكره السلف أيضا مخلوقا قبل العرش وفي ذلك آثار متعددة قال عثمان بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن مجاهد قال بدء الخلق العرش والماء


296

وقال أيضا حدثنا عبد الله بن صالح المصري حدثنا ابن لهيعة ورشدين بن سعد عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال لما أراد الله تبارك وتعالى أن يخلق شيئا إذ كان عرشه على الماء وإذ لا أرض ولا سماء خلق الريح فسلطها على الماء حتى


297
اضطربت أمواجه وأثار ركامه فأخرج من الماء دخانا وطينا وزبدا فأمر الدخان فعلا وسما فخلق منه السماوات وخلق من الطين الأرضين وخلق من الزبد الجبال وروى البيهقي من حديث الأشيب حدثنا أبو هلال محمد بن سليم حدثنا خباب الأعرج قال كتب يزيد بن أبي مسلم إلى جابر بن زيد يسأله عن بدء الخلق قال العرش والماء والقلم والله أعلم أي ذلك بدأ قبل


298

وروى من حديث سعيد بن منصور حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن مجاهد قال بدء الخلق العرش والماء والهواء وخلقت الأرض من الماء وقال بدء الخلق يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء وخلق الأقوات ونبات الأرض يوم الخميس وجميع الخلق يوم الجمعة وتهودت اليهود يوم السبت ويوم من الستة كألف سنة مما تعدون وروى بإسناده عن الشيباني عن عون بن عبد الله عن أخيه


299
عبيد الله عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن في الجمعة ساعة لا يوافقها أحد يسأل الله عز وجل فيها شيئا إلا أعطاه إياه قال وقال عبد الله بن سلام إن الله ابتدأ الخلق فخلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق السماوات يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وخلق الأقوات وما في الأرض يوم الخميس ويوم الجمعة إلى صلاة العصر وهي ما بين صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس والآثار في هذا كثيرة وإن كان قد تنوزع هل كانء بدء خلق هذا العالم يوم السبت أو يوم الأحد

وقد روى في ابتدائه يوم السبت حديث رواه مسلم فالذي عليه الجمهور وعامة الأحاديث أن ابتداءه يوم الأحد فإذا ثبت بالنصوص الصحيحة أن العرش خلق أولا وأن التقدير كان لهذا الخلق بطل أصل حجتهم

ومما يوضح ذلك ما ذكره البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق فقال


300

وروى عيسى عن رقبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال سمعت عمر رضي الله عنه يقول قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه

فهو قد ذكر المبتدأ وجعل المنتهى دخول الدارين ومعلوم أن ما


301
يكون بعد ذلك من تفاصيل أحوال أهل الدارين لم يدخل في هذا فعلم أنه أريد هذا الخلق

وذكر البخاري أيضا الحديث الذي في الصحيحين عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي

فقوله لما قضى الله الخلق أي أكمله وأتمه كما قال فقضاهن سبع سماوات في يومين


302

ومعلوم أن المراد بالخلق هنا خلق هذا العالم لا خلق الدار الآخرة وهو الإعادة فإنه قال سبحانه وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهذا كله يشهد لأن هذا الخلق هو المقدر بالقلم كما تقدم

فإن قيل فقد احتج طوائف من أهل السنة على أن القرآن غير مخلوق بهذه الآثار وهي قوله أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قالوا فبين أنه أول مخلوق وإن خاطبه بالكتابة ولو كان كلامه مخلوقا لكان يفتقر إلى محل يقوم به ولكان كلامه مخلوقا قبل القلم فإنه خلقه بكلامه

قيل قد يقال حجتهم مستقيمة وإن كان العرش قبله فإن الذين يقولون القرآن مخلوق يقولون هو مخلوق من المخلوقات في هذا العالم كسائر ما خلق فيه من الجواهر والأعراض

وهو عند أكثرهم عرض خلقه قائما ببعض أجسام العالم كما يخلق أصوات الرياح ونحوها

وعند بعضهم هو جسم

وعلى التقديرين هو عندهم جزء من هذا العالم

فإذا ثبت أن أول ما خلقه من هذا العالم القلم بطل أن يكون خلق قبله شيئا من هذا العالم


303

الوجه العاشر

أن النصوص والآثار المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين متطابقة على ما دل عليه القرآن من أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام وإن كان العرش مخلوقا قبل ذلك

وهذا أيضا متفق عليه بين أهل الملل كاليهود والنصارى وهو مذكور في التوراة وغيرها كما ذكر في القرآن

ولهذا شرح الله لأهل الملل اجتماع أهل المدينة في كل أسبوع يوما يعبدون الله فيه ويتخذونه عيدا وجعل للمسلمين يوم الجمعة الذي جمع فيه الخلق ففي الصحيحين واللفظ للبخاري عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد


304

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وحذيفة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت وكان للنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد وكذلك هم لنا تبع يوم القيامة نحن الآخرون في أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق وفي لفظ المقضي بينهم

وفي المسند عن أبي هريرة قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لأي شيء سمي يوم الجمعة قال لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له

وفي المسند أيضا عن سلمان الفارسي قال قال لي النبي صلى الله عليه وسلم أتدري ما يوم الجمعة قلت هو اليوم الذي جمع الله فيه أبوكم قال لكن أدري ما يوم الجمعة لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره ثم يأتي الجمعة


305
فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كان كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة وفي السنن الثلاثة والمسند عن أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم عليه السلام وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي قالوا يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت أي يقولون قد بليت أي صرت رميما فقال إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء صلوات الله عليهم

ولما ثبت بهذه الأحاديث التي في الصحاح والسنن والمسانيد


306
وغيرها أن آدم خلق يوم الجمعة وثبت أنه آخر المخلوقات بلا نزاع علم أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد لأن القرآن قد أخبر أن الخلق كان في ستة أيام وبهذا النقل المتواتر مع شهادة ما عند أهل الكتاب على ذلك وموافقة الأسماء وغير ذلك علم ضعف الحديث المعارض لذلك مع أنه في نفسه متعارض

والحديث قد رواه عن طريق بن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق


307
المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل

فهذا الحديث قد بين ما يوافق سائر الأحاديث من أن آدم خلق يوم الجمعة وأنه خلق آخر الخلق

ومعلوم بنصوص القرآن أن الخلق كان في ستة أيام وذلك يدل على ما وقع فيه من الوهم بذكر الخلق يوم السبت

والمقصود هنا أنه من المعلوم أن الأسبوع ليس له حد موجود في السماء كما يوجد في اليوم والليلة والشهر بل إنما يعد عدا لأن الله خلق هذا الخلق في ستة أيام ثم استوى على العرش فانتشرت أيام الأسبوع في العالم من جهة إخبار الأنبياء ولم يعلم ذلك إلا من أخذ عنهم ولهذا كانت الأمم الذين لم يتلقوا ذلك ليس لأيام الأسبوع في لغتهم ذكر بحال كالترك والبربر وإذا نطقوا بها نطقوا بلغة الفرس مثلا أو العرب فكان في هذا الاجتماع العام حفظ لأيام الأسبوع وفيه تذكير بالأسبوع الأول الذي خلق الله فيه الخلق ومعلوم أن هذا الاجتماع والإخبار بالخلق في ستة أيام معلوم بالاضطرار من دين أهل الملل

وهؤلاء عندهم أن هذه السماوات ما زالت هكذا ولا تزال هكذا متحركة على هذا الوجه من الأزل إلى الأبد ولا يزال العقل الأول أو الفعال الذي يسمونه بالقلم هذا أو هذا مقارنا لها

وليس عندهم قيامة تنشق فيها السماوات وتنفطر


308

ويستحيل عندهم أن تكون السماوات مسبوقة سبقا زمانيا بشيء من الأشياء لا بربها ولا بعرشه ولا بغير ذلك فضلا عن أن تكون مسبوقة بتقدير مقاديرها بخمسين ألف سنة فهل يمكن أن يكون ما أخبر به الأنبياء مطابقا لقولهم وأن يكون نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أراد بما أخبر به ما يريده هؤلاء بما يذكرونه من فلسفتهم هذا مما يعلم كل من فهم الكلامين أنه باطل بالاضطرار وأن الكلامين متنافيان قطعا وإن كان في بعض ما يقولونه ما هو موافق لما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا لا بد منه في كلام كل طائفة بل نحن نعلم بالاضطرار أن اليهود والنصارى كفار في دين الإسلام ونعلم بالاضطرار أنهم أكثر موافقة لما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ولما أمر به من هؤلاء فكيف يمكن دعوى موافقة هؤلاء له بل هذا من أعظم الجهل والنفاق والمنافقون في الدرك الأسفل من النار وإن كان قد تحقق بعض الكفر والنفاق على بعض المؤمنين ويغفر الله له إذا كان مؤمنا إيمانا صحيحا مع جهله ببعض ما أخبر به الرسول

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم عن معمر قال الزهري ألا أحدثك بحديثين عجيبين قال الزهري أخبرني


309
حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا قال ففعلوا ذلك به فقال للأرض أدي ما أخذت فإذا هو قائم فقال له ما حملك على ما صنعت قال خشيتك يا رب أو قال مخافتك فغفر له بذلك

وقال الزهري وحدثني حميد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت قال الزهري ذلك لئلا يتكل رجل لا ييأس رجل


310

وفي الصحيح أيضا من حديث مالك وغيره عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا أنا مت فحرقوه ثم اذروا نصفي في البر ونصفي في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحد من العالمين فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم فامر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له

وقد بسطنا الكلام على هذا الحديث في مسألة التكفير وما فيها من اضطراب الناس في غير هذا الموضع وبينا أن من تأول قوله في هذا الحديث قدر بمعنى ضيق أو بمعنى قضى فلم يصب مقصود الحديث


311
وبينا أن المؤمن الذي لا ريب في إيمانه قد يخطىء في بعض الأمور العلمية الاعتقادية فيغفر له كما يغفر له ما يخطىء فيه من الأمور العملية وأن حكم الوعيد على الكفر لا يثبت في حق الشخص المعين حتى تقوم عليه حجة الله التي بعث بها رسله كما قال تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وأن الأمكنة والأزمنة التي تفتر فيها النبوة لا يكون حكم من خفيت عليه آثار النبوة حتى أنكر ما جاءت به خطأ كما يكون حكمه في الأمكنة والأزمنة التي ظهرت فيها آثار النبوة وذكرنا حديث حذيفة الذي فيه يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا صوما ولا حجا إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولان أدركنا آباءنا وهم يقولون لا إله إلا الله فقيل لحذيفة ما يغني عنهم قول لا إله إلا الله وهم لايعرفون صلاة ولا زكاة ولا صوما ولا حجا قال تنجيهم من النار تنجيهم من النار وذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا دعاء قد استجابه الله كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وابن عباس ففي صحيح مسلم عن العلاء بن عبد الرحمن عن


312
أبيه عن أبي هريرة قال لما أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير قال فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله عز وجل لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال نعم ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا قال نعم ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به


313
قال نعم واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين قال نعم

وفي صحيح مسلم أيضا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا قال فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال قد فعلت واغفر لنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا قال قد قعلت وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين قال قد فعلت

الوجه الحادي عشر

قوله لا تستبعد أن يكون في القرآن إشارات من هذا الجنس إن أراد أن مثل هذه الإشارة تكون هي معنى الكلام ومقصوده فهذا تحريف الكلم عن مواضعه وإلحاد في آيات الله من جنس ضلال القرامطة وأمثالهم من الملاحدة

وإن أراد أن الآية مع دلالتها على المعنى الذي يدل عليه لفظها قد يكون فيها إشارة إلى معنى آخر يناسبه فهذا هو القياس والاعتبار فالذي


314
تريده الصوفية بالإشارة هو الذي يريده الفقهاء بالقياس والاعتبار وهذا صحيح إذا روعيت شروطه عند أكثر العلماء

ومعلوم أن مراده هنا هو القسم الأول فهو من جنس كلام القرامطة الملاحدة

وأما ما استشهد به من قوله تعالى أنزل من السماء ماء فيقال لا خلاف بين المسلمين أن في القرآن أمثالا في هذه الآية وفي غيرها بل يقال فيه أكثر من أربعين مثلا ومعلوم أن الممثل ليس هو الممثل به بل يشبهه من جهة المعنى المشترك وهذا شأن كل قياس وتمثيل واعتبار كما في قوله تعالى مثلهم كمثل الذي استوقد نارا

وقوله مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله الآية وقوله فمثله كمثل صفوان عليه تراب الآية وأمثال ذلك وقوله الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح الآية وهذه الآية وهي قوله أنزل من السماء ماء وهي أيضا على ظاهرها كسائر الآيات مع تضمنها للمثل المذكور فإنه سبحانه قال أنزل من السماء ماء وهو على ظاهره وهو الماء المعروف فإنه أخبر بإنزاله ثم أخبر بعد ذلك بالزبد الذي يخرج مما يوقد عليه النار ابتغاء حلية أو متاع ثم قال بعد ذلك كذلك يضرب الله الحق والباطل فلما ذكر المثل والتشبيه وهذا من الأمثال الذي قال في آخرها كذلك يضرب الله الأمثال فقد صرح فيها بأنه يضرب الأمثال كما ضرب هذا المثل وقد بين سبحانه الأصل المشبه به ثم ذكر المشبه فانطبق الكلام على حقيقته وظاهره ومن توهم أنه أراد مجرد العلم كما توهمه المتوهم فقد غلط لكنه أراد به أولا هذا الماء وجعله مثلا مضروبا للعلم كما في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مثل ما بعثني الله به


315
من الهدى والعلم كمثل غيث كثير أصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس وسقوا وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به

فهذا الحديث مثل هذه الآية كلاهما بين فيه الممثل والممثل به وهل يجوز أن يراد بالكلام ما مثل به ولا يراد به عين المسمى باللفظ من غير دلالة ينصبها على ذلك ومعلوم أن هذا من جنس الاستعارة والتشبيه فهل يحمل اللفظ على ذلك بمجرده وإن ساغ ذلك ساغ أن يقال وكل شيء أحصيناه في إمام مبين أنه علي بن أبي طالب وغيره

ويقال في اللؤلؤ والمرجان أنهما الحسن والحسين لأن هذا مات مسموما وهذا مات مقتولا وأمثال ذلك من تأويلات القرامطة الذين يحملون اللفظ على غير مسماه المعروف بمجرد شبه بينهما من غير دلالة بل ولا استعمال لذلك اللفظ في ذلك المعنى الثاني في اللغة


316

الوجه الثاني عشر

قوله وإن القرآن يلقيه إليك على الوجه الذي لو كنت في النوم مطالعا بروحك اللوح المحفوظ لتمثل لك ذلك بمثال مناسب يحتاج إلى التعبير يتضمن أصلين فاسدين ليسا من أصول المسلمين بل من أصول الفلاسفة الضالة وهي أن ما يخبر به نبينا ص وغيره من الأنبياء من أمور الغيب إنما هو من جنس المنامات التي يراها الناس فإن النائم تضرب له الأمثال في منامه بنوع يشابه تأويل الرؤيا ولهذا كان مدار تأويل الرؤيا على معرفة القياس والاعتبار والرؤيا الصادقة وإن كانت جزأ من ستة وأربعين جزءا من أجزا النبوة وفي الصحيحين كان أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح فرؤيا الأنبياء كمال قال ابن عباس وحي


317

وقد لا تحتاج إلى تعبير كما رأى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذبح ولده فأصبح يريد أن يذبحه حتى فداه الله وهذا قول المسلمين واليهود والنصارى خلاف ما يزعمه بعض الملاحدة كصاحب الفصوص من أن رؤياه كان تعبيرها ذبح الكبش وأن إبراهيم غلط في ذلك فلم يعرف تعبير الرؤيا حتى فداه ربه من وهم إبراهيم ما هو فداء في نفس الأمر وأنه قال إن هذا لهو البلاء المبين

أي الاختيار المبين أي الظاهر يعني الإختبار في العلم هل يعلم ما يقتضيه موطن الرؤيا من التعبير أم لا لأنه يعلم أن موطن الخيال يطلب التعبير

قال فغفل إبراهيم فما وفى الموطن حقه

ومعلوم عند كل مسلم أن هذا ليس من أقوال من يؤمن بالرسل ويقدر قدرهم لا سيما إبراهيم الخليل خير البرية بعد محمد صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في


318
الحديث الصحيح أنه خير البرية ورواه مسلم في صحيحه وهو الأمة أي القدوة لجميع المؤمنين بعده

وهو الذي جعله للناس إماما واتخذه خليلا

وقد قال ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا

بل من رؤيا المؤمنين ما يكون مطابقا للظاهر لا يحتاج إلى تأويل فإذا كان في رؤيا المؤمنين والأنبياء ما لا يحتاج إلى تعبير بل يكون المرئي في المنام هو الموجود في اليقظة فكيف يكون القرآن كلام الله الذي أنزله بلسان عربي مبين وجعل هدى وبيانا مشتملا على ما هو من جنس أحاديث الرؤيا المفتقرة إلى التعبير ثم كيف يكون ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة والتابعون لم يتأولوا القرآن ولم يعبروه بما يخالف مقتضاه ودلالته كما كانوا كثيرا ما يعبرون الرؤيا بما يخالف الظاهر المعروف منها والحقائق المخبر بها الظاهرة المعروفة في القرآن من أمر اليوم الآخر ونعوت الربوبية وإن كانت ليست مماثلة في الحقيقة الحقائق الموجودة في الدنيا كما قال ابن عباس ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء رويناه من حديث وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس


319

فذلك لايقتضي أن لا يكون الكلام دل عليها بطريق الحقيقة بل لا يمنع أن تكون هي الأسماء المذكورة في القرآن أحق من مسميات الدنيا حتى يقال إن دلالتها على مدلولها لا حقيقة له إلا ما يدل عليه بطريق التعبير كالرؤيا إذ من المعلوم أن ما رآه يوسف من سجود القمرين والكواكب ورؤيا الملك من البقر والسنبل لم يكن موجودا في الخارج وإنما هو في نفسه ومدلوله في الخارج سجود أبويه وإخوته وسنين الخصب والجدب فهل يقول من يؤمن بالله ورسله أن ما أخبر به الرسول من صفات ربه وصفات الملائكة واليوم الآخر وغير ذلك إنما هي أمور ذهنية لا وجود لها في الخارج بل لها تعبير كالرؤيا

وهل هذا إلا نسبة الرسل إلى الكذب الصريح فإن الخبر الذي يقوله الرائي لو أطلقه ولم يقل في المنام وأراد به تأويل الرؤيا لكان كاذبا باتفاق العقلاء

فلو قال مخبرا سجد لي الشمس والقمر والكواكب ولم يقل في المنام أو قال رأيت سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ولم


320
يقل في المنام لكان كاذبا وكذبه جميع الناس إذ اللفظ لا يدل على ذلك لا حقيقة ولا مجازا ولو كان مجازا لم يجز ذكره إلا بقرينة تبين المراد

وإذا قال رأيت هذا في المنام كان مصدقا في أنه رأى في المنام كذلك وإن لم يكن تأويله في اليقظة كذلك لعلم الناس أن ما يرى في المنام لا يجب أن يكون هو التأويل في اليقظة بل يكون مشابها له من بعض الوجوه ولم يقل أحد من الأمم أن مجرد المشابهة التي بين المرئي في المنام وبين تأويل الرؤيا يكفي في استعمال اللفظ على وجه الاستعارة بل لو تخاطب الناس بمثل هذا لم يفهم أحد ما أراد غيره وللاستعارة والتشبيه حدود معروفة في الخطاب

وأما الرؤيا وتأويلها فباب لا ينضبط له حد وقد يكون تأويلها لا يشبهها إلا بوجه بعيد لا يهتدي له إلا حذاق المعبرين

ولا ريب أن هذا الذي ذكره هو من أصول الفلاسفة القرامطة الباطنية في ردهم ما أخبر به الرسول من المعاد وغيره إلى أمثال مضروبة لكن أهل الملل يعلمون بالاضطرار أن هذا باطل وأن هذا نسبة للأنبياء إلى الكذب الصريح ويعلمون بالاضطرار أن الرسل لم تقصد مجرد ما يذكرونه ثم من المعلوم أن الرؤيا إن لم يعلم تعبيرها لم يكن فيها فائدة بل قد يضل الرائي إذا حملها على ظاهرها فإذا كان القرآن ونحوه كذلك لا بد له من مثل هذا التعبير وهو التأويل عند هؤلاء القرامطة فأحق الناس بمعرفة ذلك الصحابة ولا بد أن يبينه الرسول ولو لخواصهم بل يجب أن يبين أيضا لعوامهم وإلا كان ذلك إضلالا لهم ودعاء لهم إلى العقائد الفاسدة


321

ومن المعلوم بالتواتر علما ضروريا لمن له خبرة متوسطة بأحوال الصحابة أنهم كانوا أعظم الخلق منافاة لمثل هذه التحريفات التي يسمونها التعبير والتأويل خاصتهم وعامتهم وأن جميع ما ينقل عنهم مما يخالف الظاهر المعروف فهو كذب مفترى مثل ما يزعم أهل البطاقة والجفر ونحو ذلك مما يدعونه من العلوم الباطنة المنقولة عن علي كرم الله وجهه وأهل البيت رضي الله عنهم وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن علي رضي الله عنه المتلقاة بالقبول ما يكذب ذلك كقوله لما قيل له هل عهد


322
إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا لم يعهده إلى الناس فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة فكان فيها العقل يعني عقل القتيل وهو أسنان الديات وفيها افتكاك الأسير وفيها لا يقتل مسلم بكافر

وكذلك في الصحيح عنه أنه قال ما عندنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة وفيها المدينة حرام ما بين عير إلى ثور من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ونحو ما تقدم ومثل هذا عن علي رضي الله عنه كثير

وكذلك ما يذكره بعض الناس عن عمر أنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما

فإن هذا كذب باتفاق أهل المعرفة لم يروه أحد منهم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا يذكره إلا من هو من أجهل خلق الله بأحوال الصحابة رضي الله عنهم وإن كان فيمن يذكره من ينتسب إلى التحقيق والتوحيد والعرفان

وأما حديث أبي هريرة حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين


323
أما أحدهما فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا البلعوم فهذا صحيح لكن الذي كان في الجراب الآخر إنما هو الإخبار عن الفتن التي تكون في الأمة كما قال ابن عمر لو حدثكم أبو هريرة أنكم تقتلون خليفتكم وتخربون بيت ربكم وتفعلون كذا وكذا لقلتم كذب أبو هريرة

ولم يكن في الجراب باتفاق العلماء ما يدعيه هؤلاء ولا كان أبو هريرة عندهم من الخواص الذي ينفرد بعلم أسرارهم وحقائقهم وإنما الذي يذكر عنه أنه صاحب السر الذي لا يعلمه غيره فهو حذيفة وكان ذلك السر معرفته بأعيان المنافقين وكان أحفظهم لأحاديث الفتن لا لأنه خص بعلمها بل لأنه اعتنى بها كما ثبت ذلك عنه


324

ثم كيف يصح أن يكون القرآن بمنزلة أحاديث الرؤيا هذا والقرآن موصوف بأنه هدى وبيان للناس وأن على الرسول البلاغ المبين وأي بيان أو بلاغ مبين فيما هو من جنس الرؤيا التي لها تعبير ولم يخبر بتعبيرها ومن المعلوم أن هذه الأحاديث النبوية المتواترة وآثار الصحابة والتابعين كلها توافق ما يفهم من القرآن وتمنع أن يكون المراد ما يراد بالرؤيا من التعبير ثم هل يقول مؤمن عاقل إن الشمس والقمر والنجوم في قوله والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره تأويلها من جنس تأويل قول يوسف رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين وأن السنبل في قوله مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل من جنس السنبلة في قول الملك وسبع سنبلات خضر

وأن البقرة في قوله تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة وقوله ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين كالبقر في قول الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وأن المراد بالخمر في قوله إنما الخمر والميسر كالمراد بالخمر في قول أحد صاحبي السجن إني أراني أعصر خمرا وأمثال ذلك

ولكن من زعم أن ما رآه الخليل من الكواكب والشمس هي إشارة


325
إلى أمور من هذا الجنس كالنفس والعقل لم ينكر أن يقول ما يتشأبه هذا ومن طرد هذا القياس جعل المراد بالصلاة معرفة أسرارهم والمراد بالصوم كتمان أسرارهم والمراد بالحج قصد شيوخهم المقدسين ويدي أبي لهب أبو بكر وعمر واللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين و علمت نفس ما قدمت وأخرت علم جبرائيل بتقديم محمد وتأخير علي وأئمة الكفر طلحة والزبير و لئن أشركت ليحبطن عملك لئن أشركت بين أبي بكر وعلي في الولاية ونحو ذلك من تأويلات القرامطة فإنهم أئمة هذا الباب الذي كانوا به أضل الناس عن سواء السبيل وهو في الأصل إنما صدر عن زنادقة منافقين أرادوا التلبيس به على جهال المسلمين في الظاهر وخالفوهم في الباطن وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون


326
وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون

وذكر مثل هذا طويل ليس هذا موضع استقصائه

الأصل الثاني من الأصلين الفاسدين كون روح العبد تطالع اللوح المحفوظ فإن هذا هو قول هؤلاء من المتفلسفة القرامطة أن اللوح المحفوظ وهو العقل الفعال أو النفس الكلية وذلك ملك من الملائكة وأن حوادث الوجود منتقشة فيه فإذا اتصلت به النفس الناطقة فاضت عليها

وكل من علم ما جاء به الرسول يعلم بالاضطرار أن مراده باللوح المحفوظ ليس هو هذا ولا اللوح المحفوظ ملك من الملائكة باتفاق المسلمين بل قد أخبر أنه قرآن مجيد في لوح محفوظ وقال إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون كما قال في الآية الأخرى فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة

وقال وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم وقال وكل شيء أحصيناه في إمام مبين وقال ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون وقال وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء


327
على أصح القولين وقال تعالى ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير وقال ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير

ولم يقل أحد من علماء المسلمين أن أرواح كل من رأى مناما تطلع على اللوح المحفوظ بل قد جاء في الحديث أنه لاينظر فيه غير الله عز وجل في حديث أبي الدرداء

ثم اللوح المحفوظ فوق السماوات والنفس والعقل اللذان يذكرونهما متصلان بفلك القمر دون ما فوقهما من العقول والنفوس

وقوله إن كنت لا تقوى على احتمال ما يقرع سمعك من هذا النمط ما لم تسند التفسير للصحابة فإن التقليد غالب عليك

يقال له إنما لم أحتمل هذا النمط لأني أعلم بالاضطرار أنه باطل وأن الله لم يرده فردي للقرمطة في السمعيات كردي للسفسطة في العقليات وذلك كردي لكل قول أعلم بالاضطرار أنه كذب وباطل ولو نقل مثل هذا النمط عن أحد من الصحابة والتابعين لعلمت أنه كذب عليهم ولهذا تجد القرامطة ينقلون هذا عن علي عليه السلام ويدعون أن هذا العلم الباطن


328
المخالف لما علم من الظاهر مأخوذ عنه ثم لم يستفيدوا بهذا النقل عن علي عليه السلام عند المسلمين إلا زيادة كذب وخزي فإن المسلمين يعلمون بالإضطرار أن عليا لا يقول مثل هذا وأهل العلم منهم قد علموا بالنقول الصحيحة الثابتة عن علي ما يبين كذب هذا ويبين أن من ادعى على علي أنه كان عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم علم خصه به فقد كذب كما هو مبسوط في غير هذا الموضع

وقد دخل كثير من هذه القرمطة في كلام كثير من المتصوفة كما دخل في كلام المتكلمة وقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب حقائق التفسير قطعة من هذا الجنس عن جعفر الصادق رضي الله عنه

وأهل العلم بجعفر وأحوال يعلمون قطعا أن ذلك مكذوب على جعفر كما كذب عليه الناقلون عنه الجدول في الهلال وكتاب الجفر والبطاقة والهفت واختلاج الأعضاء والرعود والبروق ونحو ذلك مما هو من كلام أهل النجوم والفلسفة ينقلونه عن جعفر وأهل العلم بحاله يعلمون


329
أن هذا كله كذب عليه بل أعجب من ذلك ظن طوائف أن كتاب رسائل إخوان الصفا هو عن جعفر الصادق وهذا الكتاب هو أصل مذهب القرامطة الفلاسفة فينسبون ذلك إليه ليجعلوا ذلك ميراثا عن أهل البيت وهذا من أقبح الكذب وأوضحه فإنه لا نزاع بين العقلاء أن رسائل إخوان الصفا إنما صنفت بعد المائة الثالثة في دولة بني بويه قريبا من بناء القاهرة

وقد ذكر أبو حيان التوحيدي في كتاب الإمتاع والمؤانسة من كلام أبي الفرج بن طراز مع بعض واضعيها ومناظرته لهم ومن كلام أبي


330
سليمان المنطقي فيهم وغير ذلك ما يتبين به بعض الحال وفيها نفسها بيان أنها صنفت بعد أن استولى النصارى على سواحل الشام ومن المعلوم بالتواتر أن استيلائهم على سواحل الشام كان بعد المائة الثالثة وجعفر رضي الله عنه توفي سنة ثمان وأربعين ومائة قبل وضع هذه الرسائل بنحو مائتي سنة فهذا وأمثاله يبين أن نقل مثل هذه التحريفات التي قد سماها تأويلا وتعبيرا عن الصحابة وأهل البيت والمشايخ لا يزيدها عند أهل العلم والإيمان إلا علما بكذب منتحليها وعلما بجهلهم وضلالهم فلا يظن أن مجرد النقل والرواية ينفق الباطل عند أهل العلم والإيمان كما قد ينفق عليه وعلى أمثاله من النقول الباطلة ما لا يعلمه إلا الله لقلة علمهم بالحديث والآثار وأحوال السلف وعلومهم كما ينفق عليهم من المقولات الفاسدة ما لا يعلمه إلا الله تعالى فإن أهل العلم والإيمان مؤيدون بصحيح المنقول وصريح المعقول

وأما التفسير الثابت عن الصحابة والتابعين فذلك إنما قبلوه لأنهم قد علموا أن الصحابة بلغوا عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظ القرآن ومعانيه جميعا كما ثبت ذلك عنهم مع أن هذا مما يعلم بالضرورة عن عادتهم فإن الرجل لو صنف


331
كتاب علم في طب أو حساب أو غير ذلك وحفظه تلامذته لكان يعلم بالإضطرار أن هممهم تشوق إلى فهم كلامه ومعرفة مراده وإن بمجرد حفظ الحروف لا تكتفي به القلوب فكيف بكتاب الله الذي أمر ببيانه لهم وهو عصمتهم وهداهم وبه فرق الله بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي وقد أمرهم بالإيمان بما أخبر به فيه والعمل بما فيه وهم يتلقونه شيئا بعد شيء كما قال تعالى وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا الآية وقال تعالى وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا

وهل يتوهم عاقل أنهم كانوا إنما يأخذون منه مجرد حروفه وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم ولا ما يقرؤونه ولا تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول ولا يسألونه عن ذلك ولا يبتدىء هو بيانه لهم هذا مما يعلم بطلانه أعظم مما يعلم بطلان كتمانهم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله

ومن زعم أنه لم يبين لهم معاني القرآن أو أنه بينها وكتموها عن التابعين فهو بمنزلة من زعم أنه بين لهم النص على علي وشيئا آخر من الشرائع والواجبات وأنهم كتموا ذلك أو أنه لم يبين لهم معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك مما يزعم القرامطة أن له باطنا يخالف الظاهر كما يقولون إن الصلاة معرفة أسرارهم والصيام كتمان أسرارهم والحج زيارة شيوخهم وهو نظير قولهم أن أبا بكر وعمر كانا منافقين


332
قصدهما إهلاك الرسول وأن أبا لهب أقامهما لذلك وأنهما يدا أبي لهب وهو المراد في زعمهم بقوله تبت يدا أبي لهب وتب وقولهم إن الإشراك الذي قال الله لئن أشركت ليحبطن عملك هو إشراك أبي بكر وعلي في الولاية وأن الله أمره بإخلاص الولاية لعلي دون أبي بكر وقال لئن أشركت بينهما ليحبطن عملك ونحو ذلك من تفسير القرامطة

فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم وأنهم علموا معنى ما أنزل الله على رسوله تلقيا عن الرسول فيمتنع أن نكون نحن مصيبين في فهم القرآن وهم مخطئون وهذا يعلم بطلانه ضرورة عادة وشرعا

الوجه الثالث عشر

أن أبا حامد في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة مع أنه قد توسع فيه في تأويلات المحرفين غاية التوسع وذكر فيه من الأمور ما قد بسطنا الكلام عليه في غير هذا الموضع جزم بكفر هؤلاء كما جزم به سائر علماء المسلمين كما جزم بكفرهم في التهافت وغيره ورد أيضا التأويلات التي ذكرها في مشكاة الأنوار وغيره فقال


333

فصل من الناس من يبادر إلى التأويل بغلبات الظنون من غير برهان قاطع ولا ينبغي أن يبادر إلى تكفيره في كل مقام بل ينظر فيه فإن كان تأويله في أمر لا يتعلق بأصول العقائد ومهماتها فلا نكفره وذلك كقول بعض الصوفية إن المراد برؤية الخليل عليه السلام الكوكب والقمر والشمس وقوله هذا ربي غير ظاهرها بل هي جواهر روحانية ملكية ونورانيتها عقلية لا حسية ولها درجات متقاربة في الكمال ونسبة ما بينها من التفاوت كنسبة الكواكب والقمر والشمس ويستدل عليه بأن الخليل عليه السلام أجل من أن يعتقد في جسم أنه إله حتى يحتاج إلى أن يشاهد أفوله افترى أنه لو لم يأفل أكان يتخذه إلها ولو لم يعرف استحالة الإلهية من حيث كونه جسما مقدرا واستدل بأنه كيف يمكن أن يكون أول ما رأى الكوكب والشمس هي الأظهر وهي أول ما تبدو واستدل بأن الله تعالى قال أولا وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ثم حكى هذا القول فكيف يمكن أن يتوهم ذلك بعد كشف الملكوت له وهذه دلالات ظنية وليست براهين قاطعة

أما قوله هو أجل من ذلك فقد قيل إنه كان صبيا لما جرى له ذلك ولا يبعد أن يخطر لمن سيكون نبيا في صباه مثل هذا الخاطر ثم يتجاوزه


334
على قرب ولا يبعد أن تكون دلالة الأفول على الحدوث عنده أظهر من دلالة التقدر والجسمية وأما رؤية الكوكب أولا فقد روي أنه كان في صباه محبوسا في غار وإنما خرج بالليل

وأما قوله تعالى أولا وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض فيجوز أن يكون الله تعالى قد ذكر حال نهايته ثم رجع إلى حال بدايته فهذه وأمثالها ظنون يظنها براهين من لا يعرف حقيقة البرهان وشرطه فهذا جنس تأويلهم

وقد تأولوا في العصا والنعلين في قوله تعالى لموسى فاخلع نعليك وقوله تعالى وألق ما في يمينك ولعل الظن في مثل هذه الأمور التي لا تتعلق بأصول الاعتقاد تجري مجرى البرهان في أصول الاعتقاد فلا يكفر فيه ولا يبدع نعم إن كان فتح هذا الباب يؤدي إلى تشويش قلوب العوام فيبدع فيه صاحبه في كل ما لم يؤثر عن السلف ذكره ويقرب منه قول بعض الباطنية أن عجل السامري مؤول إذ كيف يخلو خلق كثير عن عاقل يعلم أن المتخذ من الذهب لا يكون إلها وهذا أيضا ظن إذ لا يستحيل أن تنتهي طائفة من الناس إليه كعبدة الأوثان وكونه نادرا لا يورث يقينا

قال فأما ما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة فيجب


335
تكفير من يغير الظاهر بغير برهان قاطع كالذي ينكر حشر الأجساد وينكر العقوبات الحسية في الآخرة بظنون وأوهام واستبعادات من غير برهان قاطع فيجب تكفيره قطعا إذ لا برهان على استحالة رد الأرواح إلى الأجساد ورد ذلك عظيم الضرر في الدين فيجب تكفير كل من تعلق به وهو مذهب أكثر الفلاسفة

ويجب تكفير من قال منهم إن الله عز وجل لا يعلم إلا نفسه أو لا يعلم إلا الكليات فأما الأمور الجزئية المتعلقة بالأشخاص فلا يعلمها لأن ذلك تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم قطعا وليس من قبيل الدرجات التي ذكرناها في التأويل إذ أدلة القرآن والأخبار على تفهيم حشر الأجساد وتفهيم تعلق علم الله تعالى بكل ما يجري على الإنسان مجاوزة حدا لا يقبل التأويل وهم معترفون بأن هذا ليس من التأويل ولكن قالوا لما كان صلاح الخلق في أن يعتقدوا حشر الأجساد لقصور عقولهم عن فهم المعاد العقلي وكان صلاحهم في أن يعتقدوا أن الله تعالى عالم بما يجري عليهم ورقيب عليهم ليورث ذلك رغبة رعبة في قلوبهم جاز للرسول صلى الله عليه وسلم أن يفهمهم ذلك قالوا وليس بكاذب من أصلح غيره فقال ما فيه صلاحه وإن لم يكن كما قاله

وهذا القول باطل قطعا لأنه تصريح بالتكذب ثم طلب عذرا في أنه لم


336
يكذب ويجب إجلال منصب النبوة عن هذه الرذيلة ففي الصدق وإصلاح الخلق به مندوحة عن الكذب وهذه أول درجات الزندقة وهي رتبة بين الاعتزال وبين الزندقة المطلقة فإن المعتزلة تقرب مناهجهم من مناهج الفلاسفة إلا في هذا الأمر الواحد وهو من المعتزلي لا يجوز الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا العذر بل يؤول الظاهر مهما ظهر له بالبرهان خلافه والفلسفي لا تقتصر مجاوزته للظواهر على ما يقبل التأويل على قرب أو على بعد

وأما الزندقة المطلقة فهو أن ينكر أصل المعاد عقليا وحسيا وينكر الصانع للعالم أصلا ورأسا

وأما إثبات المعاد بنوع عقلي مع نفي الآلام واللذات الحسية وإثبات الصانع مع نفي علمه بتفاصيل الأمور فهي زندقة مقيدة بنوع اعتراف بصدق الأنبياء وظاهر ظني والعلم عند الله أن هؤلاء هم المرادون بقوله صلى الله عليه وسلم ستفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا الزنادقة


337
وهي فرقة هذا لفظ الحديث في بعض الروايات ولفظ الحديث يدل على أنه أراد به الزنادقة من أمته إذ قال ستفترق أمتي ومن لم يعترف بنبوته فليس من أمته والذين ينكرون أصل المعاد وأصل الصانع فليسوا معترفين بنبوته إذ يزعمون أن الموت عدم محض وأن العالم لم يزل كذلك موجودا بنفسه من غير صانع ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وينسبون الأنبياء إلى التلبيس فلا يمكن نسبتهم إلى الأمة فإذا لا معنى لزندقة هذه الأمة إلا ما ذكرناه

قلت أما هذا الحديث فلا أصل له بل هو موضوع كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث ولم يروه أحد من أهل الحديث المعروفين بهذا اللفظ

بل الحديث الذي في كتب السنن والمساند عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه قال ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار


338

وروي عنه أنه قال هي الجماعة

وفي حديث آخر هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي

وأيضا فلفظ الزندقة لا يوجد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما لا يوجد في القرآن وهو لفظ أعجمي معرب أخذ من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام وعرب وقد تكلم به السلف والأئمة في توبة الزنديق ونحو ذلك فأما الزنديق الذي تكلم الفقهاء في قبول توبته في الظاهر فالمراد به عندهم المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر وإن كان مع ذلك يصلي ويصوم ويحج ويقرأ القرآن وسواء كان في باطنه يهوديا أو نصرانيا أو مشركا أو وثنيا وسواء كان معطلا للصانع وللنبوة أو للنبوة فقط أو لنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم فقط فهذا زنديق وهو منافق وما في القرآن والسنة من ذكر المنافقين يتناول مثل هذا بإجماع المسلمين ولهذا كان هؤلاء مع تظاهرهم بالإسلام قد يكونون أسوأ حالا من الكافر المظهر كفره من اليهود والنصارى مثلا كما قال تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما


339

ومثل هؤلاء المنافقين كفار في الباطن باتفاق المسلمين وإن كانوا مظهرين للشهادتين والإقرار بما جاء به الرسول ومؤدين للواجبات الظاهرة فإن ذلك لا ينفعهم في الآخرة إذ لم يكونوا مؤمنين بقلوبهم باتفاق أئمة المسلمين

وبهذا يظهر ضعف ما ذكره من أنه لا معنى لزندقة هذه الأمة إلا ما ذكره من الزندقة المقيدة التي هي مذهب الفلاسفة المشائين فإن الزندقة في هذه الأمة وغيرها باتفاق أئمة المسلمين أعم من هذا كما يذكره الفقهاء كلهم في باب توبة الزنديق وسائر أحكامه وإن لم يكن لفظ الزنديق واردا في الكتاب والسنة بل معناه عندهم المنافق وقد قال تعالى يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير

وقال تعالى يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير


340

وقال تعالى المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم

وقال تعالى إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا

وفي القرآن من ذكر المنافقين في عامة السور المدنية كالبقرة والنساء والتوبة وغيرها ما لا يمكن استقصاؤه بل جميع من بلغته دعوة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم ثلاثة أصناف مؤمن وكافر ومنافق هو كافر في الباطن مسلم في الظاهر وقد أنزل الله وصف الأصناف الثلاثة في أول سورة البقرة فأنزل أربع آيات في المؤمنين وآيتين في الكافرين وبضع عشرة آية في المنافقين فقال تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون


341

وبالجملة فقد ذكر الله تعالى من أمور المنافقين في السور المدنية كما أومأنا إليه كسورة البقرة والنساء والتوبة والأحزاب والفتح وغيرها ما يطول ذكره وعامة ما يوجد النفاق في أهل البدع فإن الذي ابتدع الرفض كان منافقا زنديقا وكذلك يقال عن الذي ابتدع التجهم وكذلك رؤوس القرامطة والخرمية وأمثالهم لا ريب أنهم من أعظم المنافقين وهؤلاء لا يتنازع المسلمون في كفرهم


342

وأما تكفير من لم يكن منافقا فهذا فيه تفصيل قد بسطناه في غير هذا الموضع وبينا الفرق بين من قامت عليه الحجة النبوية التي يكفر تاركها وبين المخطىء المجتهد في اتباع الرسول إذا اقتضى خطؤه نفى بعض ما أثبته أو إثبات بعض ما نفاه حتى نفس المقالة الواحدة يكفر بتكذيبها من قامت عليه الحجة دون من لم تقم كالذي قال إذا مت فاسحقوني ثم اذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين

فإن الإيمان بقدرة الله على كل شيء ومعاد الأبدان من أصول الإيمان ومع هذا فهذا لما كان مؤمنا بالله وأمره ونهيه وكان إيمانه بالقدرة والمعاد مجملا فظن أن تحريقه يمنع ذلك فعل ذلك ومعلوم أنه لو كان قد بلغه من العلم أن الله يعيده وإن حرق كما بلغه أنه يعيد الأبدان لم يفعل ذلك

وقد بسطنا الكلام في مقالات الناس في التكفير وبيان الصواب في غير هذا الموضع

والمقصود أن أبا حامد ذكر هنا أن هذه التأويلات التي أشار إليها في مشكاة الأنوار لم يقم دليل قاطع يقتضيها وتكلم في تبديع أهلها بما تقدم وذكر أن ما يتعلق بأصول العقائد فيجب تكفير من بغير الظاهر فيه بغير برهان قاطع وقطع بتكفير الفلاسفة كما تقدم كما قطع بتكفيرهم في تهافت الفلاسفة


343

وقال بعد ذلك في قانون التكفير

هو أن تعلم أن النظريات قسمان قسم يتعلق بأصول العقائد وقسم يتعلق بالفروع

وأصول الإيمان ثلاثة الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وما عداه فروع قال واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلا لكن في بعضها تخطئة كما في الفقهيات وفي بعضها تبديع كالخطأ المتعلق بالإمامة وأحوال الصحابة

إلى أن قال ومهما وجد التكذيب وجد التكفير ولو كان في الفروع فلو قال قائل مثلا البيت الذي بمكة ليس هي الكعبة التي أمر الله بحجها فهذا كفر إذ قد ثبت تواترا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافه ولو أنكر شهادة الرسول لذلك البيت بأنه الكعبة لم ينفعه إنكاره بل يعلم قطعا أنه معاند في إنكاره إلا أن يكون قريب عهد من الإسلام ولم يتواتر عنده ذلك وكذلك من نسب عائشة رضي الله عنها وعن أبيها إلى الفاحشة وقد نزل القرآن ببراءتها فهو كافر لأن هذا وأمثاله لا يمكن إنكاره إلا


344
بتكذيب الرسول أو إنكار التواتر والمتواتر ينكره الإنسان بلسانه ولا يمكنه أن يجهله بقلبه نعم لو أنكر ما ثبت بأخبار الآحاد فلا يلزمه به الكفر ولو أنكر ما ثبت بالإجماع فهذا عندي فيه نظر لأن معرفة كون الإجماع حجة مختلف فيه فهذا حكم الفروع

فأما الأصول الثلاثة وكل ما لم يحتمل التأويل في نفسه وتواتر نقله ولم يتصور أن يقوم برهان على خلافه فمخالفته تكذيب محض ومثاله ما ذكرناه من حشر الأجساد والجنة والنار وإحاطة علم الله تعالى بتفاصيل الأمور وما يتطرق إليه احتمال تأويل ولو بالمجاز البعيد فينظر فيه إلى البرهان فإن كان قطعيا وجب القول به لكن إن كان في إظهاره مع العوام ضرر لقصور فهمهم فإظهار بدعة وإن لم يكن البرهان قطعيا لكن يفيد ظنا غالبا وكان مع ذلك لا يعم ضرره في الدين كنفي المعتزلي الرؤية عن الباري تعالى فهذه بدعة وليس بكفر

وأما ما يظهر له ضرر فيقع في محل الاجتهاد والنظر فيحتمل أن يكفر وأن لا يكفر ومن جنس ذلك ما يدعيه بعض من يدعي التصوف أنه قد


345
بلغ حالة بينه وبين الله تعالى أسقطت عنه الصلاة وحل له شرب الخمر والمعاصي وأكل مال السلطان فهذا ممن لا أشك في وجوب قتله وإن كان في الحكم بخلوده في النار نظر وقتل مثل هذا أفضل من قتل مائة كافر إذ ضرره في الدين أعظم ويفتح به باب من الإباحة لا يسد فضرر هذا فوق ضرر من يقول بالإباحة مطلقا فإنه يمتنع من الإصغاء إليه لظهور كفره وأما هذا فإنه يهدم الشرع من الشرع ويزعم أنه لم يرتكب فيه إلا تخصيص عموم الكتاب إذ خصص عموم آيات التكليفات لمن ليس له مثل درجته في الدين وربما يزعم أنه يلابس الدنيا ويفارق المعاصي بظاهره وهو بباطنه برىء عنها ويتداعى هذا إلى أن يدعي كل فاسق مثل حاله وينحل به عصام الشرع ولاينبغي أن يظن أن التكفير ونفيه ينبغي أن يدرك قطعا في كل مقام بل التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدماء والحكم بالخلود في النار فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية فتارة يدرك بيقين وتارة يدرك بظن غالب وتارة يتردد فيه ومهما حصل تردد فالتوقف عن التكفير أولى والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل


346

ولا بد من التنبيه لقاعدة أخرى وهي أن المخالف قد يخالف نصا متواترا ويزعم أنه مؤول ولكن ذكر تأويله لا انقداح له أصلا عن اللسان لا على قرب ولا على بعد فذلك كفر وصاحبه مكذب وإن كان يزعم أنه مؤول

مثاله ما رأيته في كلام بعض الباطنية أن الله تعالى واحد بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها وعالم بمعنى أنه يعطي العلم ويخلقه لغيره وموجود بمعنى أنه يوجد غيره

فأما أن يكون في نفسه واحدا أو موجودا وعالما بمعنى اتصافه به فلا وهذا كفر صراح لأن حمل الوحدة على إيجاد الوحدة ليس من التأويل في شيء ولا تحتمله لغة العرب أصلا ولو كان خالق الوحدة يسمى واحدا لخلقه الوحدة لسمى ثلاثا أو أربعا لأنه خلق الأعداد أيضا فأمثلة هذه المقالات تكذيبات إن عبر عنها بالتأويلات

ثم قال فصل

قد تكلمت في هذه التقسيمات أن النظر في التكفير يتعلق


347
بأمور أحدها أن النص الشرعي إذا عدل به عن ظاهره هل يحتمل التأويل أم لا وإذا احتمل التأويل فهو قريب أو بعيد

الثاني في النص المتروك أنه لو ثبت تواترا أو آحادا أو ثبت بالإجماع المجرد

الثالث في أن صاحب المقالة هل تواتر عنده الخبر أو بلغه الإجماع إذ كل من يولد لا تكون الأمور عنده متواترة ولا مواضع الإجماع عنده متميزة عن مواضع الخلاف

الرابع النظر في دليله الباعث له على مخالفة الظاهر أهو على شرط البرهان أم لا

الخامس في أن ذكر تلك المقالة هل يعظم ضررها في الدين أم لا

قلت ليس المقصود هنا تعقب كلامه في التكفير فإن هذه مسألة كبيرة وفيها اضطراب عظيم لا يحتمله هذا الموضع وإنما المقصود الكلام


348
على تصويب التأويل وتخطئته والقطع بذلك فإنه قد ذكر أن من النصوص ما لا يحتمل التأويل وجعل أمثال تلك التأويلات تكذيبات ومن تدبر هذا وجد جمهور ما تذكره الفلاسفة بل والمعتزلة في التأويل هو من هذا الباب ولا ريب أن المعتزلة أقرب إلى الإسلام من الفلاسفة ومن أشهر مسائلهم التي امتحنوا الناس عليها قولهم إن القرآن مخلوق وقالوا معنى أن الله متكلم وأنه تكلم أنه خلق في غيره كلاما

وقد قال هنا أن حمل الوحدة على إيجاد الوحدة ليس من التأويل في شيء ولا تحتمله لغة العرب أصلا ولو كان خالق الوحدة واحدا لخلقه الوحدة لسمي ثلاثا وأربعا لأنه خلق الأعداد أيضا

ومثل هذا يقال في الكلام والإرادة والرضا والغضب وأشباه ذلك مما تقول الجهمية من المعتزلة وغيرهم أنه خلقه في غيره فتسمى واتصف به فإن حمل المتكلم على الذي أوجد الكلام في غيره بمنزلة حمل العالم والقادر والسميع والبصير على الذي أوجد العلم والقدرة والسمع والبصر في غيره ولو كان متكلما بما يخلقه في غيره لكان ما تنطق به


349
الأيدي والجلود التي قالت أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء متكلما به وكان ذلك كلام الله ولم يكن فرق بين أن يقول هو وبين أن ينطق غيره ثم إنه إذا قام الدليل على أنه خالق أفعال العباد لزم أن يكون هو المتكلم بكل ما يوجد من الكلام كما قاله بعض الاتحادية

وكل كلام في الوجود كلامه
سواء علينا نثره ونظامه

وحينئذ لا فرق بين قول فرعون أنا ربكم الأعلى و ما علمت لكم من إله غيري وبين القول الذي يسمعه موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري

وهكذا تصرح به هؤلاء الجهمية الإتحادية كما وجدته في كتبهم وكما شافهني بذلك حذاقهم ومحققوهم وشيوخهم

ويقولون إنه هو المتكلم على لسان كل قائل لا يكتفون بأن يكون هو الذي أنطق كل شيء كما يقول المسلمون

بل يقولون إنه الناطق في كل شيء فلا يتكلم إلا هو ولا يسمع إلا هو حتى قول مسيلمة الكذاب والدجال وفرعون يصرحون بأن أقوالهم هي قوله وخاطبت بذلك بعضهم فذكرت له الدجال فقال يكون الدجال مستثنى من ذلك الشرع

فقلت له هذا لا يمكن على أصلكم في الوحدة فتحير وبقي في حيرة


350

ومن أصولهم الجمع بين النقيضين والضدين

وقول هؤلاء هو في الحقيقة قول الجهمية الذين كفرهم السلف والأئمة لكن أولئك ظهر عنهم أنهم قالوا إن الله بذاته في كل مكان وكل من القائلين للقولين قد يقول مقالة الآخر كما بينته في غير هذا الموضع

فإن هؤلاء يقولون بالمظاهر وإنه ظهر في الأشياء

فقلت لبعضهم فالمظاهر وجود أو عدم

قال وجود

قلت فهي غيره أم لا فإن قلتم غيره فقد قلتم بموجودين وإن قلتم لا بطل ما قررتموه فتحير

ولهذا لما فهم السلف حقيقة قول هؤلاء كفروهم كما قال عبد الله بن المبارك ما ذكره البخاري في كتاب خلق الأفعال قال وقال ابن مقاتل سمعت ابن المبارك يقول من قال إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني مخلوق فهو كافر ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك


351

قال وقال ابن المبارك لا نقل كما قالت الجهمية انه في الأرض هاهنا بل على العرش استوى

وقيل له كيف نعرف ربنا فقال فوق سماواته على عرشه وقال لرجل منهم أبطنك خال منه فبهت الآخر

وقال من قال لا إله إلا هو مخلوق فهو كافر وإنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية قال البخاري وقال علي بن عاصم ما الذين قالوا إن لله ولدا أكفر من الذين قالوا إن الله لا يتكلم

قال البخاري وقال أبو الوليد سمعت يحيى بن سعيد وذكر له


352
أن قوما يقولون القرآن مخلوق قال فقال كيف يصنعون بقوله قل هو الله أحد كيف يصنعون بقوله إنني أنا الله لا إله إلا أنا

قال وقال سليمان بن داود الهاشمي من قال القرآن مخلوق فهو كافر وإن كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال أنا ربكم الأعلى حيث زعموا أن هذا مخلوق

والذي قال إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني هذا أيضا قد ادعى ما ادعى فرعون فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار من هذا وكلاهما عنده مخلوق فأخبر بذلك أبو عبيد فاستحسبه وأعجبه


353

قلت المقصود التنبيه على أن السلف فهموا حقيقة قول هؤلاء الجهمية الذي هو حقيقة قول القرامطة ومن وافقوه من الفلاسفة فإنهم ينفون الصفات وهم في الحقيقة ينفون الأسماء أيضا لكن يحتاجون إلى إطلاقها في الظاهر لأجل تظاهرهم بالإسلام ويتأولونها على أنه خلق معانيها في غيره وهذه هي القاعدة المعروفة وهو أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره ووجب أن يشتق لذلك المحل من لفظها اسم ولا يشتق لغيره الاسم والمعتزلة تنازع أهل الإثبات في بعضها كما تنازعهم القرامطة في بعضها وطرد ذلك في أسماء الأفعال كالعادل ونحوه فإن المفهوم من مذهب الفقهاء وأصحاب الأئمة الأربعة وأهل الحديث والصوفية وطوائف من أهل الكلام طرد ذلك ومن لم يطرده انتقضت حجته ولا فرق في ذلك بين نوع ونوع في الحقيقة ولكن من المذاهب ما قل قائله وخفي وظهر مخالفته لما استقر في قلوب المسلمين ومنها ما كثر قائله وبقي نفور القلب عن ذلك القول ومفتتحه أعظم ولو فرض أن شخصا مؤمنا باطنا وظاهرا ولكن جهل وضل في صفة القدرة أو العلم حتى ظن أن القدرة تقوم بغيره والعلم بغيره كما هو قول الباطنية لكان حاله كحال من هو مؤمن باطنا وظاهرا وقد جهل وضل حتى اعتقد أن الكلام لا تقوم به بل بغيره وكثير من أهل المقالات قد أخرج بعض الموجودات عن قدرته ومنع قدرته عن أشياء كحال الذي قال لولده ما قال فهذه المقالات هي كفر لكن ثبوت التكفير في حق الشخص المعين موقوف على قيام الحجة التي يكفر تاركها وإن أطلق القول بتكفير من يقول ذلك فهو مثل إطلاق القول بنصوص الوعيد مع أن ثبوت حكم الوعيد في حق الشخص المعين موقوف


354
على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه ولهذا أطلق الأئمة القول بالتكفير مع أنهم لم يحكموا في عين كل قائل بحكم الكفار بل الذين استمحنوهم وأمروهم بالقول بخلق القرآن وعاقبوا من لم يقل بذلك إما بالحبس والضرب والإخافة وقطع الرزق بل بالتكفير أيضا لم يكفروا كل واحد منهم وأشهر الأئمة بذلك الإمام أحمد وكلامه في تكفير الجهمية مع معامتله مع الذين امتحنوه وحبسوه وضربوه مشهور معروف

وإنما القصد هنا التنبيه على أن عامة هذه التأويلات مقطوع ببطلانه وأن الذي يتأوله أو يسوغ تأويله فقد يقع بالخطأ في نظيره أو فيه بل قد يكفر من يتأوله ونحن قد بسطنا الكلام في هذه الأبواب في غير هذا الموضع وإنما الغرض في هذا الجواب التنبيه على مخالفة أقوال هؤلاء المتفلسفة لدين الإسلام وأن أقوالهم هذه التي أدخلها من أدخلها من المتكلمة والمتصوفة في دين الإسلام ليست موافقة لأقوال الرسل بل نقطع بمخالفتها وأنا أنبه على نكت فيما ذكره

الوجه الرابع عشر

إن ما ذكره في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام من أنه أراد بالكوكب القمر والشمس ما يذكره المتفلسفة من العقول والنفوس كما في المشكاة


355

وأن الشمس هي العقل لكونه هو المفيض على النفس كالشمس مع القمر وهم مضطربون في هذا التأويل فإن العقول عندهم عشرة والنفوس تسعة والشمس والقمر إثنان والكواكب كثيرة فلاينطبق هذا على هذا

ولهذا كلامهم في المطابقة مضطرب كما تقدم

وملخصه أنه جعل الكواكب من النفوس المتعددة

وجعل القمر كنفس الفلك التاسع وجعل الشمس هي العقل

لكن المقصود أن هذا مما يعلم بالإضطرار أنه ليس هو المراد بالآية ولم يقله أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين بل قد اتفق كل من تكلم في تفسير القرآن من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين على أن المراد بالكوكب والقمر والشمس ما هو معروف من مسميات هذه الأسماء وهذه الأعيان المشهودة المستكثرة ولا كان أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين يثبت العقول والنفوس كما يثبتها هؤلاء المتفلسفة ولا الملائكة المذكورون في الكتاب والسنة على الصفة التي ينص هؤلاء عليها وما يذكرونه من العقول والنفوس فضلا عن أن تسميها عقولا ونفوسا بل بينهما من الفروق والمخالفات ما لا يكاد يحصيه إلا الله

ولفظ الكوكب والشمس والقمر معرفا بلام التعريف والبزوغ والأفول لا يحتمل ما يذكرونه من العقول والنفوس في لغة العرب بوجه من الوجوه

والذين نقلوا القرآن لفظه ومعناه عن الرسول قد علم بالتواتر


356
والإضطرار عنهم أن المراد بالشمس والقمر الشمس والقمر كما أن ذلك هو المراد بهذين الاسمين في عامة القرآن كقوله تعالى ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون

وقوله والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون

وقوله وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم

وقوله إذا الشمس كورت

وقوله في وصف القمر والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل الآية ولكن هذا من جنس تأويل القرامطة كالسهروردي الحلبي وأمثاله إن المراد بالشمس هنا عقل الإنسان والنجوم حواسه وبالجبال أعضاؤه ونحو ذلك مما يتأول فيه نصوص القيامة على موت الإنسان وهو كتأويل بعض كبار الإتحادية الذين يفسرون طلوع الشمس من مغربها بطلوع كلامهم وبطلوع النفس من البدن ولنزول عيسى بن مريم من السماء بنزول روحانيته أو جزئها على هذا الشخص وكان اسم أمه مريم وأمثال ذلك


357

ومعلوم أن حمل كلام الله ورسوله على معنى من المعاني لا بد فيه من شيئين

أحدهما أن يكون ذلك المعنى حقا في دين الإسلام يصلح إخبار الرسول عنه

الثاني أن يكون قد دل عليه بالنص لفظ يدل عليه دلالة لفظ على معناه وكل من المقدمتين هنا معلوم انتفاؤه قطعا بالاضطرار فإن من فهم ما يقوله هؤلاء من العقول والنفوس وإن سموها ملائكة وفهم ما جاءت به الرسل عن الأخبار بملائكة الله واعتبر أحد القولين بالآخر علم بالإضطرار أن قول هؤلاء من أعظم الأقوال منافاة لأقوال الرسل وأن ذلك من أعظم الكفر في دين الرسل وأن حقيقته حقيقة قول من يقول ولد الله وإنهم لكاذبون ومن خرق له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون وحقيقة قوله الذي أخبر عنه رسوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح حيث قال يقول الله تعالى شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي فقوله إني اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته


358

وهذا الحديث منطبق على هؤلاء المتفلسفة فإن قولهم في المبدأ بالتوليد عنه وفي المعاد بعود النفس إلى عالمها من دون إعادة الخلق يتضمن من شتم الله وتكذيبه ما أخبر به رسوله وهذا باب واسع

لكن المقدمة الثانية أغرب وهو كون لفظ الكواكب والقمر والشمس في القرآن أريد بالكواكب النفوس الكلية وبالقمر نفس الكل وبالشمس العقل فإن هذا مما يعلم بالإضطرار أن لفظ القرآن لا يحتمله لا حقيقة ولا مجازا كما لا يحتمل أن يراد بلفظ الشمس والقمر والكواكب آدم وحواء وأولادهما ولا هم أبو إبراهيم وأخوته كما كان مثل ذلك التأويل في رؤيا يوسف كما لا يحتمل أنه أراد بالشمس والقمر والكواكب سلطان وقته ووزيره وأعوانه وشبه ذلك مما قد يعبر به العابر في من رأى الشمس والقمر والكواكب ثم الرائي كيوسف الصديق إنما مثله له في منامه سجود هذا الشمس والقمر والكواكب لكن لم تكن هي الساجدة في الخارج بل قيل له ذلك في نفسه وهؤلاء يزعمون أن إبراهيم لم يرد هذا الشمس والقمر والكواكب لا في نفسه ولا في الخارج فكيف إذا حمل على ما هو أبعد وهذا الجواب لا يحتمل البسط

الوجه الثالث

أن يقال قصة إبراهيم الخليل التي قصها الله تعالى في كتابه مع أنها من أعظم سبل الإعتبار لتحقيق التوحيد فقد ضل بها فريقان من الناس


359
وأضل ضلالتهم أنهم اعتقدوا أن إبراهيم لما قال هذا ربي في الثلاثة مخبرا أو مستفهما أو مقدرا أراد أن هذا هو الذي خلق السماوات والأرض وأنه رب العالمين ثم أنهم لما ظنوا أنه أراد هذا سلك هؤلاء سبيلا وهؤلاء سبيلا ولو تدبروا القصة لعلموا أنها تدل على نقيض قولهم

فالفريق الأول طوائف من أئمة أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم من غيرهم حتى مثل ابن عقيل وأبي حامد وغيرهم قالوا إن هذا الذي سلكه إبراهيم هو الدليل الذي سلكه هؤلاء في حدوث الأجسام حيث استدلوا على ذلك بما قام بها من الأعراض الحادثة كالحركة وأثبتوا حدوث الأعراض أو بعضها ولزومها للجسم أو بعضها ثم قالوا وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث ثم منهم من أخذ ذلك مسلما ومنهم من تفطن للسؤال الوارد هنا وهو الفرق بين ما لا ينفك عن عين المحدث أو نوعه فإن المحدث المعين إذا قدر أنه لازم لغيره فلا ريب أنه حادث هذا معلوم بالضرورة والإتفاق واما ما يستلزم نوع المحدث فإنما يعلم حدوثه إذا قدر امتناع حوادث لا أول لها فخاضوا في تقرير هذه المقدمة بما ذكروه

والمقصود هنا أن من هؤلاء من جعل هذا هو دليل إبراهيم الخليل على إثبات الصانع وهو أنه استدل بالأفول الذي هو الحركة والانتقال على حدوث ما قام به ذلك ولو تدبروا لعلموا أن قصة إبراهيم هي على نقيض مطلوبهم من الأفول أما أولا فإن إبراهيم إنما قال لا أحب الآفلين والأفول هو المغيب والاختفاء بالعلم القائم المتواتر الضروري في النفس واللغة ولم ينقل أحد أن الأفول مجرد الحركة

وأما ثانيا فإنه قد قال فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون


360

ومعلوم أنه من حين البزوغ ظهرت فيه الحركة فلو كانت هي الدليل على الحدوث لم يستمر على ما كان عليه إلى حين المغيب بل هذا يدل على أن الحركة لم يستدل بها أو لم تكن تدل عنده على نفس مطلوبة

وأما ثالثا فإنا قال لا أحب الآفلين فنفى محبته فقط ولم يتعرض لما ذكروه

وأما رابعا فمن المعلوم أن أحدا من العقلاء لم يكن يظن أن كوكبا من الكواكب دون غيره من الكواكب هو رب كل شيء حتى يكون رب سائر الكواكب والأفلاك والشمس والقمر وقد بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا الموضع

والفريق الثاني من فسر ذلك من متفلسفة الصوفية أنه هو النفوس والعقول كما ذكره أبو حامد

ومعلوم أن هذا أفسد من الأول بكثير مع أنه في المشكاة رجح حال من يعتقد إلهية هذه فيما رأى على طوائف المسلمين الصفاتية المقرين برب العالمين فإنه لما ذكر الحجة ثم أخذ في تفسير الحديث المكذوب أن لله


361
سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدركه بصره

وفي بعضها سبعمائة وفي بعضها سبعين ألف حجاب فقسم الحجب والمحجوبين ثلاثة أقسام

الأول المحجوبون بمحض الظلمة وهم المعطلة للصانع

الثاني المحجوبون بنور مقرون بظلمة وهي ثلاثة انواع

حسية وخيالية وعقلية

فالحسية كطوائف من المشركين والمجوس

والخيالية كطوائف من المسلمين من المجسمة والكرامية والعقلية قال هم المحجوبون بالأنوار الإلهية يعرفون مقامات عقلية فعبدوا إلها سميعا بصيرا متكلما عالما قادرا مريدا حسيا منزها عن الجهات فكن فهموا هذه الصفات على حسب مناسبة صفاتهم وربما صرح


362
أحدهم فقال كلامه صوت ككلامنا وربما ترقى بعضهم فقال لا بل هو كحديث أنفسنا ولا صوت ولا حرف ولذلك إذا طولبوا بحقيثة السمع والبصر رجعوا إلى التشبيه من حيث المعنى وإن أنكروها باللفظ إذ لم يدركوا أصل معاني هذه الإطلاقات في حق الله تعالى وكذلك قالوا في إرادته أنها حادثة مثل إرادتنا وأنها طلب وقصد مثل قصدنا

وقال وهذه مذاهب مشهورة فلا حاجة إلى تفصيلها فهؤلاء محجوبون بجملة الأنوار مع ظلمة المقامات العقلية فهؤلاء كلهم أصناف القسم الثاني المحجوبون بنور مقرون بظلمة

القسم الثالث المحجوبون بمحض الأنوار وهم أصناف لا يمكن إحصاؤهم فأشير إلى ثلاثة أصناف منهم

فالأول طائفة عرفوا المعاني والصفات تحقيقا وأدركوا أن


363
إطلاق اسم الكلام والإرادة والقدرة والعلم وغيرها على صفاته ليس مثل إطلاقه على البشر فتحاشوا عن تعريفه بهذه الصفات وعرفوه بالإضافة إلى المخلوقات كما عرف موسى صلى الله عليه وسلم في جواب قول فرعون وما رب العالمين فقالوا إن الرب المقدس المنزه عن المفهوم الظاهر من معاني هذه الصفات هو محرك السماوات ومدبرها

والصنف الثاني ترقوا عن هؤلاء من حيث ظهر لهم أن في السموات كثرة وأن محرك كل سماء خاصة موجود آخر يسمى فلكا وفيهم كثرة وأما نسبتهم إلى الأنوار الإلهية فنسبة الكواكب إلى الأنوار المحسوسة ثم لاح لهم أن هذه السماوات في ضمن فلك آخر يتحرك الجميع بحركته في اليوم والليلة مرة وقالوا الرب هو المحرك للجرم الأقصى المنطوي على الأفلاك كلها إذا الكثرة منتفية عنه

والصنف الثالث ترقوا عن هؤلاء وقالوا إن تحريك الأجسام بطريق المباشرة ينبغي أن يكون خدمة لرب العالمين وعبادة له وطاعة من عبد من عباده يسمى ملكا نسبته إلى الأنوار الإلهية المحضة نسبة القمر إلى الأنوار


364
المحسوسة فزعموا أن الرب هو المطاع من جهة المحرك ويكون الرب تعالى محركا للكل بطريق الأمر لا بطريق المباشرة ثم في فهم ذلك الأمر وماهيته غموض يقصر عنه أكثر الأفهام ولا يحتمله هذا الكتاب

فهؤلاء كلهم أصناف محجوبون بالأنوار المحضة وإنما الموحدون الواصلون إلى حضرة الحق صنف رابع تجلى لهم أيضا أن هذا المطاع موصوف بصفة تنافي الوحدانية المحضة والكمال المبلغ كثير لا يحتمل هذا الكتاب كشفه وإن نسبة هذا المطاع نسبة الشمس إلى الأنوار المحسوسة فتوجهوا من الذي يحرك السماوات ومن الذي أمر بتحريكها إلى الذي فطر السماوات والأرض

وفطر الأمر بتحريكها فوصلوا إلى موجود منزه عن كل ما أدركه بصر من قبلهم فأحرقت سبحات وجهه الأزلي الأعلى جميع ما أدركه بصر الناظرين وبصيرتهم إذ وجدوه مقدسا منزها عن جميع ما وصفه من قبل ثم هؤلاء انقسموا فمنهم من احترق منه جميع ما أدركه بصره وانمحق


365
وتلاشى لكن بقي هو ملاحظا للجمال المقدس وملاحظا ذاته من جماله الذي ناله بالوصول إلى الحضرة الإلهية فانمحقت منه المبصرات دون البصر وجاوز هؤلاء طائفة هم خواص الخواص فأحرقتهم سبحات وجهه من أنفسهم وغشيهم سلطان الجلال فانمحقوا وتلاشوا في ذواتهم ولم يبق لهم لحاظ إلى أنفسهم لغيابهم عن أنفسهم ولم يبق إلا الواحد الحق وصار معنى قوله كل شيء هالك إلا وجهه لهم ذوقا وحالا وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول وذكرنا أنه كيف أطلقوا الاتحاد وكيف ظنوه فهذه نهاية الواصلين

ومنهم من لم يتدرج في الترقي على التفصيل الذي ذكرناه ولم يطل عليهم الطريق فسبقوا من أول مرة إلى معرفة القدس وتنزيه الربوبية عن كل ما يجب تنزيهه فغلب عليهم أولا ما غلب على آخر الآخرين إذ هجم عليهم التجلي دفعة فأحرقت سبحات وجهه جميع


366
ما يمكن أن يدركه بصر حسي وبصيرة عقلية من غير تدرج ويشبه أن يكون الأول طريق الخليل والثاني طريق الحبيب صلوات الله عليهما والله أعلم بأسرارهما وأنوار غاياتهما فهذه إشارة إلى المحجوبين بالنور والظلمة ولا يبعد أن يبلغ عددهم إذا فصلت المقامات وتتبع حجب السالكين سبعين ألفا ولكن إذا فتشت لا تجد واحدا منهم خارجا عن الأقسام التي حصرناها فإنهم إما محجوبون بصفاتهم البشرية أو بالحس أو بالخيال أو بمقايسة العقل أو بالنور المحض كما سبق وهذا آخر الكتاب

فهذا الكلام مع ما فيه من تصويب نفاة الصفات من المتفلسفة والقرامطة ونحوهم وتخطئة الصفاتية الذين هم سلف الأمة وأئمتها وأهل الحديث والتصوف والفقه وحذاق أهل الكلام من الكلابية


367
والأشعرية والكرامية والهشامية وغيرهم

ويتضمن أيضا تفضيل الذين يعتقدون في أحد النفوس والعقول أنه رب العالمين وغايتهم أن يجعلوا ذلك هي الملائكة

ويتضمن تفضيل من يعتقد في ملك من الملائكة أنه رب العالمين على من يقر برب العالمين من الصفاتية المسلمين واليهود والنصارى وإذا كان معلوما بالإضطرار من دين الرسل كلهم أن الفلاسفة الصابئة الذين يعبدون الملائكة مع قولهم أنهم مخلوقون هم أسوأ حالا من أهل الكتاب اليهود والنصارى مع ما وصف الله به هؤلاء من المقالات الغالية من التجسيم والتعطيل وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز عن اليهود أنهم قالوا يد الله مغلولة وأنهم قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء


368

وذكر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب لما قال من قال من اليهود أنه استراح يوم السبت فنزه نفسه عن أن يمسه لغوب وذكر قول النصارى أن المسيح هو الله وأنه ابن الله وأن الله ثالث ثلاثة

ومع هذا فالمشركون الذين يعبدون الملائكة أو غيرها أسوأ حالا من هؤلاء باتفاق المسلمين مع إقرارهم برب العالمين فكيف بتفضيل من يقول أن ملكا هو رب العالمين على طوائف المسلمين واليهود والنصارى الذين يثبتون الصفات ولو فرض أن بعضهم أخطأ في بعض ذلك هذا شبيه ما ذكره الله بقوله ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ومنشأ


369
هذا الضلال الذي وقع في قصة إبراهيم ما تقدم ذكره من ظنهم أنه قال إن الكوكب أو القمر أو الشمس رب العالمين وليس الأمر كذلك بل إبراهيم عليه السلام خاطب قومه المشركين الذين كانوا مع إقرارهم برب العالمين يعبد أحدهم ما يستحسنه ويهواه ويراه نافعا له فهذا يعبد المشتري وهذا يعبد الزهرة وهذا يعبد غيرهما كما كانت الكواكب تعبد وكان أعظم ما يعبد من ذلك الشمس والقمر لظهور تأثيرهما في العالم وكانوا ينسبون هياكل العبادات لهذه المعبودات فيقولون هيكل الشمس هيكل القمر هيكل زحل هيكل المشتري هيكل المريخ هيكل الزهرة هيكل عطارد

وقد ذكر المصنفون لأخبارهم أن أحد مسجدي دمشق وحران كان هيكل المشتري والآخر هيكل الزهرة وكان إبراهيم عليه السلام قد ولد بحران كما هو معروف عند أهل الكتاب وجمهور المسلمين وكان أبوه


370
في ملك النمروذ وكان قد استولى على العراق وغيرها وكانوا صابئة فلاسفة يعبدون الكواكب

وقد صنف من صنف في مخاطبة الكواكب والسحر على مذهبهم مثل كتاب السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم ونحو ذلك مما يذكر فيه مذهب الكلدانيين والكشدانيين وكانوا مع بنائهم هياكل النجوم


371
يبنون هيكل العلة الأول وهيكل العقل وهيكل النفس ويفرقون بين هذا وهذا وبقوا بحران وواسط أكثر من ثلاثمائة سنة في مدة الإسلام وتنازع الفقهاء في قبول الجزية منهم ومنهم من جعل للشافعي وأحمد قولين فيهم

واستقراء القول فيهم على التفصيل بأن من دان منهم بدين أهل الكتاب ألحق بهم وإلا فلا فدخلوا في النصرانية وشرح حالهم يطول


372

والمقصود أن مخاطبة الخليل عليه السلام تضمنت الرد على الفلاسفة الصابئين المشركين وأمثالهم فإن أحدهم كانت عبادته تابعة لما يحبه ويهواه فإنهم إنما يتبعون الظن وما تهوى الأنفس وأحدهم يظن أن عبادة هذا الكوكب ومخاطبته تنفعه يجلب منفعة ودفع مضرة فيتخذه إلها مع إقراره بأنه مربوب ليس هو رب العالمين وهؤلاء أحد أنواع المشركين وكانوا تارة يتخذون لهذه الكواكب أجساما على ما يظنونه موافقا لطبائعها كما يلبسون لها من اللباس ويتختمون لها بالخواتيم ويتحرون لها من الأيام ما يظنونه موافقا لطبائعها وقد سمي ذلك علم الإستخدام والروحانيات وقد يتمثل لأحدهم شيطان يخاطبه فيقول هذه روحانية الكوكب أو خادمه كما كان لأصنام العرب شياطين تخاطبهم

وكذلك في بلاد الترك والهند من الشياطين التي تخاطب المشركين ما


373
هو معروف ولهذا قال الخليل في آخر أمره إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين فتبرأ عما كانوا يشركونه بالله وذكر أنه وجه قصده وعبادته للذي فطر السماوات والأرض وهذه الحنيفية ملة إبراهيم التي بعث الله بها الرسل وهي عبادة الله وحده لا شريك له وليس في لفظه إحداث إقرار الصانع بل كان الإقرار بالصانع ثابتا عندهم لهذا قال في الآية الأخرى قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين

وقا أيضا قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده وقال تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون

فبهذا وغيره يتبين أن القوم كانوا مشركين بالله مثل ما كان مشركوا العرب قال تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون فهم يجعلون معه آلهة أخرى يعبدونها مع اعترافهم أنه وحده رب العالمين كما ذكر الله تعالى ذلك في غير موضع في القرآن في مثل قوله قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون


374

وكانوا يتخذونهم شفعاء وشركاء كما أخبر القرآن بذلك ولهذا قال الخليل لا أحب الآفلين

فذكر أنه لا يحب الآفلين لأنهم كانوا على عادتهم على عادة المشركين يعبد أحدهم ما يحبه ويهواه ويتخذ إلهه هواه

وقوله لا أحب الآفلين كلام مناسب ظاهر فإن الآفل يغيب عن عابده فلا يبقى وقت أفوله من يعبده ويستعينه وينتفع به ومن عبد ما يطلب منه المنفعة ودفع المضرة فلا بد أن يكون ذلك في جميع الأوقات فإذا أفل ظهر بالحس حينئذ أنه لا يكون سببا في نفع ولا ضر فضلا عن أن يكون مستقلا

ولهذا قال إبراهيم في مناظرته لهم وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون

وهذه محاجة قوم كانوا يخوفونه بآلهتهم كما هي عادة المشركين يخوفون من يكفر بطواغيتهم أي مضرة ذلك فقال الخليل وكيف أخاف ما أشركتم فعدلتموه بالله تعبدونه كما يعبد الله ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فإن الله لم ينزل كتابا من السماء ولم يرسل رسولا بعبادة شيء سواه كما قال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون


375

وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون

وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت

وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال لما نزلت هذه الآية الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا أينا لم يظلم نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح إن الشرك لظلم عظيم

وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع ولكن نبهنا على المقصود

الوجه الخامس عشر

قوله فأقول إن كان في عالم الملكوت جواهر نورانية شريفة علية يعبر عنها بالملائكة فيها تفيض الأنوار على الأرواح البشرية ولأجلها قد تسمى أربابا ويكون الله رب الأرباب لذلك ويكون لها مراتب في نورانيتها متفاوتة


376
فبالحري أن يكون مثالها في عالم الشهادة الشمس والقمر والكواكب إلى آخر الكلام

فيقال لاريب أن تسمية هذه أربابا هو كلام اليونانيين وأمثالهم من المشركين فأنهم يصرحون في كتبهم بتسمية هذه المجردات التي يقولون أنها الملائكة أربابا وآلهة ويقولون هي الأرباب الصغرى والآلهة الصغرى وهؤلاء المتفلسفة الصابئة يعبدون الملائكة والكواكب

وأما الرسل وأتباعهم الموحدون فقد قال الله تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون

وقال تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا

وقال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين


377

وقال تعالى وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى

وقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا

وقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير وأمثال ذلك كثير

ثم هذا معلوم بالاضطرار أن الملائكة ليست أربابا ولا تسمى في الشريعة أربابا

فقول القائل ولأجلها قد تسمى أربابا

يقال هذه التسمية هي من التسمية المذكورة في قوله تعالى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان

وكما قال يوسف الصديق يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان

بل لا رب إلا الله ربنا ورب آبائنا الأولين

وإذا قيل في البشر رب كذا فإنما يضاف إلى غير المكلف كما


378
يقال رب الدار ورب الثوب وكما قال صلى الله عليه وسلم لأبي الأحوص الجشمي أرب إبل أنت أم رب غنم

وكما قال إذا اختلف البيعان فالقول ما قال رب السلعة وهذا مما يبين ضلال بعضم أن يتأول كلام شيوخ الإتحادية فإنه لما قال في الفصوص فصح قول فرعون أنا ربكم الأعلى وإن كان عين الحق زعم بعض أتباعه بقوله إنما صح قوله كما يقال رب الثوب ورب الدار ونحو ذلك


379

وأعجب من ذلك قول بعض أكابرهم أنه أراد رب كم

ومعلوم أن هذه الأقوال لولا أنه يقولها بعض المسرفين من الشيوخ ويضلون بها أكابر من الناس لكان المؤمن في غنية عنها وعن حكايتها وردها لظهور فسادها لكل أحد

فيقال لهذا إن صاحب الفصوص عنده قد صرح بمذهبه تصريحا أزال الشبهة في غير موضع فلا حاجة إلى هذا التكليف وقد قال

لما كان فرعون في منصب التحكم وأنه الخليفة بالسيف وإن جار في العرف الناموسي لذلك قال أنا ربكم الأعلى أي إن كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيكم قال ولما علمت السحرة صدقه فيما قاله لم ينكروه وأقروا له بذلك وقالوا له اقض ما أنت قاض فالدولة لك فصح قوله أنا ربكم الأعلى وإن كان عين الحق فقد صرح أنه عين الحق وأن قوله أنا ربكم الأعلى صح مع كون الجميع أربابا بنسبة ما فالعبد عنده هو الرب


380

ثم يقال له فرعون قد قال ما علمت لكم من إله غيري وقال لموسى وما رب العالمين فأنكر الصانع وذكر الله ذلك عنه فلا حاجة إلى تأويل كلامه

ويقال له الله سبحانه ذكر هذا الكلام عنه منكرا له غاية الإنكار مبينا لعقوبته فقال هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فأراه الآية الكبرى فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى

فقد صح من الله سبحانه أنه أخذ نكالا على ذلك وجعله في ذلك عبرة وجعل المناداة بهذه الكلمة عينها عين الكفر حيث قال فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى

وقد قالوا إن قوله الآخرة والأولى أي كلمته الأولى وهي قوله ما علمت لكم من إله غيري

وكلمته الأخرى وهي قوله فقال أنا ربكم الأعلى فإن هذه أعظم من تلك ثم يقال أوجب ذلك إنه لا يجوز لأحد أن يقول للإنس والجن أنا ربكم غير الله تعالى ولا يجوز لأحد أن يجعل غير الله ربا كما لا يجوز أن يوصف بالربوبية مطلقا إلا الله وحده لا شريك له

الوجه السادس عشر

ما ذكر في تفسير قصة موسى والوادي المقدس وتفسير ذلك


381

فنقول هؤلاء المتفلسفة في العقول والنفوس قد أشملوا هذا من الأصول المخالفة لدين المسلمين واليهود والنصارى ما لا يتسع هذا الموضع لذكره مع أن دلالة هذه الألفاظ على تلك المعاني أفسد مما رده من التأويلات ونحن نعلم بالإضطرار من ملة المسلمين واليهود والنصارى أن الطور الذي كلم الله عليه موسى هو جبل من الجبال والطور الجبل وعلم بالاضطرار من دين أهل الملل والنقل بالتواتر أن الله لما كلم موسى كلمه من الشجرة وأنه كان يخرج منها نار محسوسة وأن موسى عليه السلام لما ضرب امرأته المخاض قال لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى طلب أن يجيء بجذوة نار أو يجد من يخبره وأنه سبحانه وتعالى كلمه وهو بالوادي المقدس طوى وعلم أن هذا التكليم الذي كلمه موسى لم يكلم غيره من الأنبياء والرسل إلا ما يذكر من مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج وعلى ما ذكروه فلا فرق بين موسى وغيره من الأنبياء بل وغير الأنبياء قال تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل

وقال تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات

وقال تعالى ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين


382

وقال تعالى في سباق ذكر الأنبياء واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا

وقد ذكر مناداته له ومناجاته إياه في مواضع من القرآن ولم يذكر أنه فعل ذلك بغيره من الأنبياء وهذا مما أجمع عليه المسلمون وأهل الكتاب أن تكليم الله تعالى لموسى من خصائصه التي فضيلة بها على غيره من الأنبياء والرسل

وفي الصحاح من الأحاديث مثل حديث الشفاعة ومحاجة آدم موسى وذكر فضيلته بتكليم الله تعالى إياه


383

وكذلك في حديث المعراج من رواية شريك عن أنس وهو في الصحيحين وهذا يطول

ثم السلف والأئمة ضللوا بل كفروا من قال إن الله خلق كلاما في الشجرة أو الهواء فسمعه موسى كما يقول الجهمية من المعتزلة وغيرهم

ومعلوم أن هذا أقرب إلى أقوال الرسل من قول هؤلاء المتفلسفة الذين


384
يزعمون أن ذلك فيض فاض من العقل على نفس النبي كما يفيض على سائر الأنبياء وغيرهم فإن هذا ليس من مقالات أهل الملل لا سنيهم ولا بدعيهم لكن من مقالات الصابئة المتفلسفة الذين ليس عندهم في الحقيقة لله كلام ولا ملائكة تنزل بكلامه بل عندهم لا تمييز بين موسى وهارون ولا بينهما وبين فرعون

فكيف يتصور على أصلهم أن يختص موسى برسالاته وكلامه غايته أن القلوب عندهم مثل آنية توضع تحت السماء فيقع فيها المطر أو نبات تنبسط عليه الشمس فتجففه فيكون ذلك بحسب القابل ولهذا يمكن عندهم أن يكلم كل واحد كما كلم موسى

وعندهم قد يسمع أحدهم ما سمعه موسى وقد ذكر ذلك صاحب المشكاة في غير هذا الموضع

وهذا القول لا ريب أنه يعلم بالإضطرار من دين الإسلام أنه باطل وقد بينا في غير هذا الموضع الشبهة الباطلة التي قالها من قالها من المتكلمين في سماع كلام الله ورؤيته حيث قالوا إن ذلك ليس إلا مجرد إدراك يحصل في نفس العبد من غير أسباب منفصلة عنه


385

وهذا مما أوقع الطائفة الاتحادية وغيرهم من المبتدعة في دعوى رؤيته في الدنيا

وهو أيضا مما يجريهم على دعوى مقام التكليم نعوذ بالله من الضلالة ونسأله الهدى والثبات عليه

وتجدهم قد فتحوا هذه الجرأة على الله فلا يزال أحد هؤلاء يدعي ما خص به المكلم في شريف مقامه الجليل ولا يميزون لضلالهم ونفاقهم بين ما يوحيه الله تعالى إلى أنبيائه وبين أوليائه من الإلهام والحديث الذي يجب عرضه على الكتاب والسنة وبين تكليمه لنبيه موسى من وراء حجاب كما قال تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم

ففرق بين ما يوحيه والإيحاء الإعلام الخفي السريع وبين تكليمه لموسى من وراء حجاب نداء ونجاء وقد قال تعالى

وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي

وقال وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قد كان في الأمم قبلكم


386
محدثون فإن يكن في امتي فعمر فهذا وأمثاله مما يكون لغير الأنبياء

فأما تكليم الله تعالى لموسى فإنه لم يكن لعامة الرسل والأنبياء فضلا عمن سواهم

ولما كان هؤلاء المتفلسفة ومن سلك سبيلهم يجعلون كلام الله كله لموسى وغيره من الأنبياء ما يفيض على نفوسهم من العقل الفعال زادت الإتحادية درجة أخرى فجعلوا كلامه كل ما يظهر من شيء من الموجودات

وهؤلاء يصرح أحدهم بأن ما يسمعه من بشر مثله أعظم من تكليم الله لموسى لأن ذلك بزعمهم كلام الله من الشجرة وهي جماد وهذا كلام الله من الحيوان والحيوان أعظم من الجماد

وطائفة أخرى منهم يقولون إن الإلهام المجرد وهي المعاني التي تتنزل على قلوبهم أعظم من تكليم الله موسى لأن هذا بزعمهم خطاب محض بلا واسطة ولا حجاب وموسى خوطب بحجاب الحرف الصوت وأمثال هذا الكلام الذي يتضمن ترفع أحدهم عن تكليم الله لموسى الذي علم بالإضطرار من دين أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى أنه أعظم من خطابه وإيحائه لسائر الأنبياء والمرسلين ولهذا يقولون إن الولاية أعظم من النبوة والنبوة أعظم من الرسالة وينشدون

مقام النبوة في برزخ
فويق الرسول ودون الولي


387

ويقولون إن ولاية النبي أعظم من نبوته ونبوته أعظم من رسالته ثم قد يدعي أحدهم أن ولايته وولاية سائر الأولياء تابعة لولاية خاتم الأولياء وأن جميع الأنبياء والرسل من حيث ولايتهم هي عندهم أعظم من نبوتهم ورسالتهم وإنما يستفيدون العلم بالله الذي هو عندهم القول بوحدة الوجود من مشكاة خاتم الأولياء وشبهتهم في أصل ذلك أن قالوا الولي يأخذ عن الله بغير واسطة والنبي والرسول بواسطة ولهذا جعلوا ما يفيض في نفوسهم ويجعلونه من باب المخاطبات الإلهية والمكاشفات الربانية أعظم من تكليم موسى بن عمران وهو في الحقيقة إيحاءات شيطانية ووساوس نفسانية وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ولو هدوا لعلموا أن أفضل ما عند الولي ما يأخذه عن الرسول لا ما يأخذه عن قلبه وأن أفضل الأولياء الصديقون وأفضلهم أبو بكر وكان هو أفضل من عمر مع أن عمر كان محدثا كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر

وفي الترمذي لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر وقال إن


388
الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه ومع هذا فالصديق إنما كان يتلقى من مشكاة النبوة فهو أفضل مطلقا لأن ما يأخذه عن معصوم من الخطأ والمحدث ليس بمعصوم بل يقع له الصواب والخطأ ولهذا يحتاج أن يزن بالميزان النبوي المعصوم جميع ما يقع له أي لغير الأخذ من مشكاة النبوة فهذا حال محدث السابقين الأولين وهو عمر بن الخطاب وهو أفضل من غيره والصديق أكمل منه وأتم مقاما فهذا حال خير السابقين الأولين وأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين فكيف بهؤلاء الذين فيهم من الباطل والضلال ما لا يعلمه إلا ذو الجلال والإكرام وكذلك جعله أمره بخلع النعلين يتضمن ترك الدنيا والآخرة أمر لا يدل عليه لا حقيقة اللفظ ولا مجازه إن صح المجاز ولم يذكر عن أحد من المسلمين لا من الصحابة ولا التابعين ولا من غيرهم إن ذلك مرادا من هذا اللفظ بل قد ذكروا أن سبب


389
الأمر بخلعهما كونهما كانا من جلد حمار غير ذكي ثم هذا الخلع صار سنة اليهود عند عباداتهم ونحن قد أمرنا بمخالفتهم في ذلك فكيف يجعل مضمون هذا الخلع مشروعا لنا ونحن نأباه

وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم

وفي الصحيحين عن أنس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه

وفي المسند وسنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال ما حملكم على إلقائكم نعالكم قالوا رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا

وقال إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما


390

وفيهما أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا وطىء أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب له طهور

وفي رواية إذا وطىء الأذى بخفيه فطهورهما التراب

فكثير من الناس يقول في تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما مضمونه إن موسى أمر بخلع نعليه بالوادي المقدس ونبينا لم يؤمر بشيء ليلة المعراج مع علو درجته على موسى

ولو كان في ذلك أمر بترك الدنيا والآخرة لكان محمد صلى الله عليه وسلم مأمور بذلك وكان ذلك شرعا لنا

والتعبير عن هذه المعاني بهذه العبارات مع دعوى أنه بهذا المنزل حصل له الخطاب وهو الذي يوقع طوائف في بيداء الضلالات ظنا أن هذا المقام وما يشبهه ينال بالزهد أو غيره فيطلب أحدهم ما لا يصلح للأنبياء فضلا عن أن يصلح لأمثاله حتى يقع فيما هو من جنس حال أعظم المبتدعة بل حال الكفار والمنافقين قال أبو مجلز لاحق بن حميد في قوله ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين

قال إن يسأل الإنسان منازل الأنبياء


391

وبمثل هذا ضل ابن قسي صاحب كتاب خلع النعلين

حتى ذكر في كتابه من أنواع الباطل ما ذكره وشرحه ابن عربي صاحب الفصوص فتارة يشتمه ويسبه ويقول إنه من أجهل الناس وتارة يجعل كلامه في نهاية التحقيق والعرفان

ومن المعلوم أنه لا بد في كلامه وكلام غيره من أمور صحيحة ومعان حسنة لكن هي متضمنة من الباطل والضلال ما يفوق الوصف

فإن أحد هؤلاء إن أمكنه أن يدعي الإلهية أو النبوة ولو بعبارة غريبة لا ينفر عنه الناس فعل حتى كان في زماننا غير واحد ممن اجتمع بي وأنكرت عليه وجرى لنا في القيام عليهم فصول ممن يدعي الرسالة ظانا أن هذا يسلم له إذا لم تسلم له النبوة فيدعون الرسالة فإذا جاء من يخاف منه من العلماء


392
ادعى أحدهم الإرسال العام الكوني كإرسال الرياح وإرسال الشياطين وتارة يدعي إرسال الرسل كقصة صاحب يس أي في فترة صاحب يس

وقد وضح للعالم أن الرسالة التي وصف بها الأنبياء ممنوعة إذ هي أخص من النبوة وعلم أن النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم منفية بقوله صلى الله عليه وسلم إن الله ختم بي النبوة والرسالة

وأما الإرسال الثاني فلا يكون مع مشافهة الرسول إلا في حياته وأما بعد موته فتبليغ القرآن والإيمان والسنة أمر مشترك

وتارة يدعي أحدهم أنه خاتم الأولياء ظانا أن خاتم الأولياء أفضلهم قياسا على خاتم الأنبياء ثم يدعون لخاتم الأولياء ما هو أعظم من النبوة والرسالة

وخاتم الأولياء كلمة لا حقيقة لفضلها ومرتبتها وإنما تكلم أبو عبد الله الترمذي بشيء من ذلك غلطا لم يسبق إليه ولم يتابع عليه ولم يستند فيه إلى شيء


393

ومسمى هذا اللفظ هو آخر مؤمن يبقى ويكون بذلك خاتم الأولياء وليس ذلك أفضل الأولياء باتفاق المسلمين بل أفضل الأولياء سابقهم وأقربهم إلى الرسول وهو أبو بكر ثم عمر إذ الأولياء يستفيدون من الأنبياء فأقربهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل بخلاف خاتم الرسل فإنه الله أكرمه بالرسالة ولم يحله على غيره فقياس مسمى أحد اللفظين على الآخر في وجوب كونه أفضل من أبعد القياس

وتارة يدعي أحدهم المهدية أو القبطية ويقول أنا القطب الغوث الفرد الجامع ويدخل في هذه الأسماء ما هو من خصائص الربوبية مثل كونه


394
يعطي الولاية من يشاء ويصرفها عن من يشاء والله يقول لسيد ولد آدم إنك لا تهدي من أحببت

وقال ليس لك من الأمر شيء

وقد بسطنا الكلام في هذه الأمور لحاجة الناس إلى ذلك في غير هذا الموضع

فصل

وهذا كله إذا ميز وجود القلم وغيره من المخلوقات عن وجود الرب تعالى كما عليه أهل الملل وجمهور العقلاء من غيرهم

وأما على قول هؤلاء المدعين التحقيق الذين يدعون أن الوجود


395
واحد فلا يتميز وجود مبدع عن وجود مبدع ولا وجود خالق عن وجود مخلوق وهم يصرحون بهذا في كتبهم وفي كلامهم ولكنهم في حيرة وضلال فإنهم إذا يشهدون أن بين الموجودات تباينا وتفرقا فيريدون أن يجمعوا بين ما ادعوه من وحدة الوجود وبين التعدد للموجود فاضطربوا في ذلك

فأما صاحب الفصوص فكلامه يدور على أصلين

أحدهما أن الأشياء كلها ثابتة في العدم مستغنية بنفسها نظير قول من يقول المعدوم شيء ولكن هذا لا يفرق بين ذات الخالق وذات المخلوق إذ ليس عنده ذات واجبة متميزة بوجودها عن الذوات الممكنة وإن كان قد يتناقض في ذلك قولهم فإنهم كلهم يتناقضون وكل من خالف الرسول فلا بد أنه يتناقض قال تعالى إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك وقال ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا

الأصل الثاني

أن الوجود الذي لهذه الذوات الثابتة هو عين وجود الحق الواجب ولهذا قال في أول الفصوص في الشيثية


396
ومن هؤلاء يعني الذين لا يسألون الله من يعلم أن علم الله به في جميع أحواله هو ما كان عليه من حال ثبوت عينه قبل وجودها ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه من حال ثبوته فيعلم علم الله به من أين حصل وما ثم صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف فهم الواقفون على سر القدر وهم على قسمين منهم من يعلم ذلك مجملا ومنهم من يعلم ذلك مفصلا والذي يعلمه مفصلا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملا فإنه يعلم ما في علم الله فيه إما بإعلام الله إياه مما أعطاه عينه من العلم به وإما بأن يكشف له عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناها وهو وأعلى فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به لأن الأخذ من معدن واحد هذا لفظه فهو مع كونه جعل عينه ثابتة قبل الوجود زعم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به فجعل الحق تعالى عاجزا لا يقدر إلا على ما كانت عليه عينه وجعله لا يعلم بمخلوقاته من جهة نفسه بل يراها في حال ثبوتها التي لا تفتقر فيه إليه فيعلم أحوالها حينئذ وزعم أن العبد قد يساويه في هذا العلم ولهذا صرح بحدوث علم الله ومساواة العبد له في ذلك فقال لأن الأخذ من معدن واحد إلا أنه من جهة العبد عناية من الله تعالى سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ذلك أي على أحوال عينه


397

إلى أن قال فبهذا القدر نقول إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم ومن هنا يقول الله تعالى حتى نعلم وهي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له في هذا المشرب شرب

فبين مساواة العبد له في العلم وإن علم الله حادث كما أن علم العبد حادث وهذا أصل مذهبه أن كل واحد من وجود الحق وثبوت الخلق يساوي الآخر ويفتقر إليه كما ذكره في الخليلية وغيرها ولهذا يقول

فيعبدني وأعبده
ويحمدني وأحمده

ويقول إن الحق يتصف بجميع صفات العبد المحدثات وإن المحدث يتصف بجميع صفات الرب مع أنه يقول إنهما شيء واحد إذ لا


398
فرق في الحقيقة بين الوجود والثبوت فهو يقول في الكون كله نظير ما قالته الملكانية من النصارى في المسيح لكنه يزيد عليهم بأن يسوي بين الحق والخلق وأن الحق مفتقر إلى الخلق وأن الأمر عنده لم يزل كذلك مع زيادته عليهم فإنه قال في جميع المخلوقات أعظم مما قالوه في المسيح ثم أخذ يتكلم في منح الحق ذاته وبين أنه إذا منح العبد وجوده فإنما يكون بحسب ما عليه ذواتهم ولا يرون إلا صورة ذواتهم في وجوده ولا يرون الحق أبدا ولا يمكن أن يروه لا في الدنيا ولا في الآخرة إذ ليس له وجود سوى وجود ذوات المخلوقات وما سوى وجود المخلوقات فعدم

قال فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا عن تجلي إلهي والتجلي من الذات لا يكون إلا بصورة استعداد المتجلي له وغير ذلك لا يكون فإذا المتجلي له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق ولا يرى الحق ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه كالمرآة


399
في الشاهد إذا رأيت الصور فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها فأبرز الله تعالى ذلك مثالا نصبه لتجليه للذوات ليعلم المتجلي له أنه ما رآه وما ثم مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والمتجلى من هذا وأجهد في نفسك عندما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدا البتة إلى أن قال وإذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن تترقى في أعلى من هذا الدرج فما هو ثم أصلا وما بعده إلا العدم المحض فهو مرآتك في رؤيتك نفسك وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه فاختلط الأمر وأنبهم فمنا من جهل في علمه وقال والعجز عن درك الإدراك إدراك ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول بل أعطاهم العلم السكوت ما أعطاه العجز وهذا هو أعلى عالم بالله هذا لفظه

ثم أنه لم يكتف بهذا الذي ذكره مما حقيقته جحود الخالق وأنه ليس ثم موجود سوى المخلوقات وهو حقيقة قول فرعون فجعل العالم بذلك أعلى عالم بالله حتى جعل الرسل جميعهم والأنبياء يستفيدون هذا العلم من مشكاة الذي جعله خاتم الأولياء وجعله أفضل من خاتم الرسل من جهة الحقيقة والعلم به وأنه يأخذ عن الأصل من حيث يأخذ الملك الذي يوحي إلى خاتم الرسل وأن خاتم الرسل إنما هو سيد في الشفاعة فسيادته في هذا المقام الخاص لا على العموم


400

فقال وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء حتى أن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء وأن الرسالة والنبوة أعني نبوة الشرائع ورسالته ينقطعان والولاية لا تنقطع أبدا فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فكيف من دونهم من الأولياء وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه فإنه في وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلا وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم وفي تأبير النخل مما يلزم الكامل أن يكون له التقدم


401
في كل شيء وفي كل مرتبة وإنما نظر الرجال إلى التقدم في رتبة العلم بالله هنالك مطلبهم وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها ولما مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن وقد كمل سوى موضع لبنة فكان النبي صلى الله عليه وسلم تلك اللبنة غير أنه صلى الله عليه وسلم لا يراها إلا كما قال لبنة واحدة فكان يرى نفسه موضع تلك اللبنة وأما خاتم الأولياء فلا بدله من هذه الرؤية فيرى ما مثل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرى في الحائط موضع لبنتين من ذهب وفضة فيرى اللبنتين اللتين ينقص الحائط بهما ويكمل بهما لبنة ذهب ولبنة فضة ولا بد أن يرى نفسه منطبعا


402
في موضع تينك اللبنتين فيكون خاتم الأولياء تلك اللبنتين فيكمل الحائط والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو موضع اللبنة الفضة وهو ظاهر وما يتبعه فيه من الأحكام كما هو آخذ عن الله في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه لأنه يرى الأمر على ما هو عليه فلا بد أن يراه هكذا وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسل فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع فكل بني من أن لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين وإن تأخر وجود طينته فإنه بحقيقته موجود وهو قوله كنت نبيا وآدم بين الماء والطين وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين بعث وكذلك خاتم الأنبياء كان وليا وآدم بين الماء والطين وغيره من الأولياء ما كان وليا إلا بعد تحصيل شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الإتصاف بها من كون الله تعالى تسمى بالولي الحميد فخاتم الرسل من حيث ولايته نسبته مع الختم الولاية نسبة الأنبياء والرسل معه فإنه الولي الرسول النبي وخاتم


403
الأولياء الولي العارف الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب وهو حسنة من حسنات خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم مقدم الجماعة وسيد ولد آدم في فتح باب الشفاعة فعين حالا خاصا ما عمم وفي هذا الحال الخاص مقدم على الأسماء الإلهية فإن الرحمن ما شفع عند المنتقم في أهل البلاء إلا بعد شفاعة الشافعين ففاز محمد صلى الله عليه وسلم بالسيادة في هذا المقام الخاص فمن فهم المراتب والمقامات لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام إلى أن قال وبهذا العلم سمي شيث لأنه معناه هبة الله فبيده مفتاح العطايا على اختلاف أصنافها ونسبها فإن الله وهبه لآدم أول ما وهبه وما وهبه إلا منه لأن الولد سر أبيه فمنه خرج وإليه عاد فما أباه غريب لمن عقل عن الله وكل عطاء في الكون على هذا المجرى فما في أحد من الله شيء وما في أحد من سوى نفسه شيء وإن تنوعت عليه الصور وما كل أحد يعرف هذا وإن الأمر على ذلك إلا آحاد من أهل الله فإذا رأيت من يعرف ذلك فاعتمد عليه وذلك هو عين صفات خلاصة خاصة الخاصة من عموم أهل الله تعالى فأي صاحب كشف شاهد صورة تلقى إليه ما لم يكن عنده من المعارف وتحنه ما لم يكن قبل ذلك في يده فتلك الصورة عينه لا غيره فمن شجرة نفسه جنى ثمرة غرسه


404

وقال أيضا في الإدريسية من أسمائه الحسنى العلي على من وما ثم إلا هو فهو العلي لذاته أو عن ماذا وما هو إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجوات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو فهو العلي لا علو إضافة لأن الأعيان التي لها العدم الثابتة فيه ما شمت رائحة من الوجود فهي على حالها مع تعداد الصور في الموجودات والعين واحدة من المجموع في المجموع فوجود الكثير من الأسماء وهي النسب وهي أمور عدمية وليس إلى العين التي هي الذات فهو العلي لنفسه لا بالإضافة فما في العالم من هذه الحقيقة علو إضافة لكن الوجوه الوجودية متفاضلة فعلو الإضافة موجود في العين الواحدة من حيث الوجوه الكثيرة لذلك يقول فيه هؤلاء هو أنت لا أنت قال أبو سعيد الخراز وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه بأن الله تعالى لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها فهو الأول والآخر والظاهر والباطن فهو عين ما ظهر في حال


405
بطونه وهو عين ما بطن في حال ظهوره وما ثم من يراه غيره وما ثم من ينطق عنه فهو ظاهر لنفسه باطن عنه وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات

إلى أن قال ومن عرف ما قررناه في الأعداد وأن نفيها عين إثباتها علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه وإن كان قد تميز الخلق من الخالق بالأمر الخالق المخلوق والأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين واحدة لا بل هو العين الواحدة وهو العيون الكثيرة فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر والولد عين أبيه فما رأى يذبح سوى نفسه وفداه بذبح عظيم فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان وظهر بصورة والد لا بل بحكم ولد والوالد من هو عين الوالد وخلق منها زوجها فما نكح سوى نفسه فمنه الصاحبة والولد والأمر واحد في العدد فمن الطبيعة ومن الظاهر فيها وما رأيناها نقصت بما ظهر فيها ولا زادت بعد ما ظهر وما الذي ظهر غيرها وما هي عين


406
ما ظهر لاختلاف الصور بالحكم فهذا بارد يابس وهذا حار يابس فجمع بين اليبسين وأبان بغير ذلك والجامع الطبيعة لا بل العين الطبيعية بل معالم الطبيعة صور في مرآة واحدة لا بل صورة واحدة في مراء مختلفة فما ثم إلا حيرة لتفرق النظر ومن عرف ما قلناه لم يحر وإن كان في مزيد علم وليس الأمر إلا حكم المحل والمحل عين العين الثابتة فيها يتنوع الحق في المحل بتنوع الأحكام عليه فيقبل كل حكم وما يحكم عليه إلا عين ما تجلى فيه ما ثم إلا هذا ثم أنشد

فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا
وليس خلقا بذاك الوجه فلاذكروا

من يدر ما قلت لم تخذل بصيرته
وليس يدريه إلا من له بصرو

جمع وفرق فإن العين واحدة
وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر

فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي فيه تستغرق جميع


407
الأمور الوجودية والنسب العدمية بحيث لا يمكن أن يفوته نصيب منها وسواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك إلا لمسمى الله تعالى خاصة

فهذا وغيره من كلامه يبين أن الوجود عنده واحد وليس للخالق وجود مباين لوجود المخلوقات بل وجودها عينه ثم يذكر الظاهر الخيالي والمراتب وهي عنده الذوات الثابتة في العدم المساوية للوجود

وأما أسماء الله تعالى فهي عنده النسبة التي بين الوجود وبين هذه المراتب وهي في الحقيقة أمور عدمية وكل من الوجود والثبوت لا ينفك عن الآخر ولا يستغني عنه وهو شبيه بقول من يقول الوجود غير الماهية وهو ملازم لها والمادة غير الصورة وهي ملازمة لها


408

لكن صاحب الفصوص يجعل وجود هذا الوجود الحق الذي هو وجود كل شيء فهو الموصوف عنده بجميع صفات النقص والذم والكفر والفواحش والكذب والجهل كما هو الموصوف عنده بصفات المدح والكمال فهو العالم والجاهل والبصير والأعمى والمؤمن والكافر والناكح والمنكوح والصحيح والمريض والداعي والمجيب والمتكلم والمستمع هذا كله يذكره في مواضع من كلامه وهذا عنده غاية الكمال وفي هذا المعنى ينشدون

وكل كلام في الوجود كلامه
سواء علينا نثره ونظامه

وهو عنده هوية العالم ليس له حقيقة مباينة للعالم وقد يقول لا هو العالم ولا غيره وقد يقول هو العالم أيضا وهو غيره وأمثال هذه المقالات التي يجمع فيها من المعنى بين النقيضين مع سلب النقيضين إذ ليس مذهبه في الغيرين مذهب الصفاتية


409
فصل

وأما صاحبه القونوي فقد كان التلمساني صاحب القونوي وكان هو أحذق متأخريهم يقول إنه كان أتم من شيخه ابن عربي وكان ابن سبعين يقول عن التلمساني إنه أتم تحقيقا من شيخه القونوي

والقونوي أعرض عن كون المعدوم ثابتا في العدم فإن هذا القول معلوم الفساد عند الأئمة في المعقول والمنقول ولكن سلك طريقا هي أبلغ


410
في التعطيل مضمونها أن الحق هو الوجود المطلق والفرق بينه وبين الخلق من جهو التعيين فإذا عين كان خلقا وإذا أطلق الوجود كان هو الحق

هذا وقد علم أن المطلق بشرط إطلاقه لا وجود له في الخارج عن محل العلم فليس في الخارج إنسان مطلق بشرط الإطلاق ولا حيوان مطلق بشرط الإطلاق

فإذا قال إن الحق تعالى هو الوجود بشرط الإطلاق فهذا لا وجود له في الخارج وإنما الذهن يقدر وجودا مطلقا كما يقدر حيوانا مطلقا وإنسانا مطلقا وفرسا مطلقا وجسما مطلقا

وإن قال إنه المطلق لا بشرط فهذا إما أن يقال أنه لا وجود له في الخارج أيضا

وأما أن يقال هو موجود في الخارج لكن بشرط التعيين إذ ليس في الخارج إلا وجود معين

فعلى أحد التقديرين يكون وجود الحق هو الوجود المعين المخلوق وعلى الآخر لا وجود له في الخارج

وكلامهم كله يدور على هذين القطبين إما أن يجعلوا الحق لا وجود له ولا حقيقة في الخارج أصلا وإنما هو أمر مطلق في الأذهان

وأما أن يجعلوه عين وجود المخلوقات فلا يكون للمخلوقات خالق غيرها أصلا ولا يكون رب كل شيء ولا مليكه وهذا حقيقة قول القوم وإن كان بعضهم لا يشعر بذلك


411

ولما كان هؤلاء نسخة الجهمية الذين تكلم فيهم السلف والأئمة مع كون أولئك كانوا أقرب إلى الإسلام كان كلام الجهمية يدور أيضا على هذين الأصلين فهم يظهرون للناس والعامة أن الله بذاته موجود في كل مكان أو يعتقدون ذلك

وعند التحقيق إما يصفونه بالسلب الذي يستوجب عدمه كقولهم ليس بداخل العالم لا خارجه ولا مباين له ولا محايث له ولا متصل به ولا منفصل عنه وأشباه هذه السلوب

فكلام أول الجهمية وآخرهم يدور على هذين الأصلين

إما النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه

وإما الإثبات الذي يقتضي أنه هو المخلوقات أو جزء منها أو صفة لها وكثير منهم يجمع بين هذا النفي وهذا الإثبات المتناقضين وإذا حوقق في ذلك قال ذاك السلب مقتضى نظري وهذا الإثبات مقتضى شهودي وذوقي

ومعلوم أن العقل والذوق إذا تناقضا لزم بطلانهما أو بطلان أحدهما وأما ابن سبعين فقوله يشبه هذا من وجه وهذا من وجه وهو إلى قول القونوي أقرب لكنه يجعله الوجود الثابت الذي يختلف على صور الموجودات فإنه يقول بثبوت الماهيات المطلقة في الموجودات المعينة ولا يقول بانفكاكها عن الوجود وهذا قول ابن سينا وأمثاله من الفلاسفة

وهذا كما ترى مع موافقته لقول من يقول المعدوم شيء فهو يخالفه من هذين الوجهين ويقول مع ذلك إن وجوده هو تصور الماهيات فهو


412
تارة يجعله بمنزلة المادة الجسمية والأشياء بمنزلة صورها والقول بأن الجسم مركب من المادة والصورة قول الفلاسفة المشائين وابن سبعين يحتذي حذوهم ويقول إنه مقدم عليهم وعلى غيرهم ويقول إنه أنشأ الحكمة التي رمز إليها هرامس الدهور الأولية وبين العلم الذي رامت إفادته الهداية النبوية وقد تنازعوا في إمكان انفراد المادة عن الصورة


413

فأرسطو وأصحابه على أنه يمكن انفكاكها عنها بخلاف أفلاطون ويزعمون أن المادة جوهر روحاني قائم بنفسه وأن الصورة الجسمية جوهر قائم بها وأن الجسم يتولد من هذين الجوهرين

والعقلاء والمحققون يعلمون أن هذا باطل كما قد بسطناه في غير هذا الموضع

والهيولى عندهم أربعة أقسام الصناعية والطباعية والكلية والأولية

فالصناعية كالدرهم الذي له مادة وهي الفضة وصورة وهي الشكل المعين وكذلك الدينار والخاتم والسرير والكرسي ونحو ذلك وهذا القسم لا نزاع فيه بين العقلاء ولكن هذه الصورة عرض من أعراض هذا


414
الجسم وصفة له ليست جوهرا قائما بنفسه وهذا أمر معلوم بالضرورة حسا وعقلا

وأما الطباعية فكصور الحيوان والنبات والمعدن فإنه أيضا مخلوق من مادة كالهواء والماء والتراب وهذا أيضا لا نزاع فيه لكن هذه الصورة جوهر قائم بنفسه مستحيل عن تلك المواد ليست هي صفة له كالأول

وإذا تدبر العاقل هذين النوعين علم فساد قول من يجعل الصورة في النوعين جوهرا كما يقوله من يقوله من المتفلسفة ومن يجعل الصورة في الموضعين صفة وعرضا كما يقوله من يقوله من المتكلمة الجسمية

وأما القسم الثالث الذي هو الكلي فهو دعواهم أن الجسم له مادة هي جوهر قائم بنفسه لا يحس وإنما هي مورد الإتصال تارة والإنفصال العارضيين للجسم تارة وأن هناك شيء هو غير الجسم الموصوف بالإتصال تارة والإنفصال أخرى وهذه المادة باطلة عند جماهير العقلاء كما قد بيناه في غير موضع وإن كان أيضا تركيب الجسم من الجواهر الفردة باطل أيضا عند جماهير العقلاء فلا هذا ولا هذا

ثم هذه المادة قد ذكروا عن أفلاطون أنه قال يمكن انفرادها عن الصورة كما يحكون عنه نظير ذلك في المدة وهي الدهر وفي المكان وهو الخلاء إنهما جوهران قائمان خارجان عن أقسام العالم وفي المثل المعلقة الأفلاطونية المكان والزمان والمادة والصور قول متشابه


415

وجمهور العقلاء يعلمون أن هذا الذي أثبته في الخارج إنما هو في الأذهان لا في الأعيان

ومن المعلوم أن قول من يقول أن هذه المادة المدعاة أنها جزء للجسم يمكن تجردها عن الصورة شبيه بقول من يقول المعدوم شيء ثابت ثبوتا مجردا ليس وجوده

وفي ذلك المناظرة المعروفة لأبي إسحاق الإسفرائيني مع الصاحب إسماعيل بن عباد رفيق القاضي عبد الجبار وكلاهما تلميذا أبي عبد الله


416
البصري الملقب القائم بنصر طريقة أبي علي وأبي هاشم لما ذكر له ابن عباد إن الفلاسفة القائلين بقدم الهيولي أعقل من أن يريدوا بذلك الوجود وإنما أرادوا ثبوت الذوات التي تقوله المعتزلة فعارضه الإسفرائيني بأن قال المعتزلة أعقل من أن يريدوا بقولهم إن المعدوم شيء ثابت إلا ما أراده أولئك بقولهم بأن المادة قديمة موجودة فتكون المعتزلة قائلة بقدم المواد التي هي الأجسام

ومن هنا ذكر الشهرستاني وغيره تقارب القولين وإن كان كلاهما باطلا وإن كان قول هؤلاء الفلاسفة أشد بطلانا إذ هو باطل مكرر فإن دعوى تركيب الأجسام من المادة والصورة اللذين هما جوهران قائمان بأنفسهما دعوى باطلة كما هو قول أرسطو وذويه


417

ثم دعوى انفرادها باطل على باطل

وأيضا فإن هؤلاء المتفلسفة قد يقولون وجود الأشياء زائد على ذواتها في الخارج ويفرقون بين الواجب والممكن بأن الوجود الواجب هو الوجود المقيد بقيد كونه غير عارض لشيء من الماهيات بخلاف الممكن كما يذكره ابن سينا وغيره عن مذهبهم

وحينئذ فيكون قد جمعوا في هذا أنواع الباطل من الممكن وجعلوا الواجب هو الوجود المطلق الذي لا يتحقق إلا في الأذهان لا في الأعيان وهو في الحقيقة تعطيل لوجود الواجب

وعلى هذا فقول القائلين من المعتولة والمتفلسفة بأن الوجود ماهية موجودة في الخارج زائدة على الوجود في الخارج الذي هو الموجود في الخارج وأن الوجود قائم بتلك الماهية هو شبيه بقول من يقول إن الجسم مادة هي جوهر قائم بنفسه وهو محل الصورة الجسمية التي هي أيضا جوهر وهؤلاء يعمدون إلى الشيء الواحد المعلوم واحدا بالحس والعقل يجلعونه اثنين إذ كان له وجود عيني ووجود ذهني فظنوا أن الذهني خارجي

ثم جاء المدعون أنهم محققوهم إلى ما يعلم أنهما متباينان وهو وجود الخالق سبحانه البائن المتميز عن وجود المخلوق فزعموا أنه هو وأن الوجود واحد لا يتميز منه وجود الخالق

فقول ابن سبعين يشبه قول ابن عربي من حيث أن قوله يشبه قول أهل


418
المادة والصورة كما يشبه قول ذلك قول أهل الثبوت والوجود المفرقين بينهما الذين يقولون المعدوم شيء لكن ابن عربي يجعل الوجود الذي هو حال في الثبوت والثبوت محل له هو وجود الحق كما تقدم

فهو وإن كان يقول بأن الوجود واحد فهو يقول بالإتحاد والحلول من هذا الوجه

ولا ريب أن القولين متناقضان وهو يذكر تناقض ذلك ويشير إلى أن ذلك هو الحيرة وهو أعلى العلم

وابن سبعين يجعل وجود الحق هو الثابت بدءا الذي هو كالمادة والخلق هو المنتقل الذي هو الصورة فهو وإن قال بأن الوجود واحد فهو يقول بالإتحاد والحلول من هذه الوجه لكن الحق عنده محل للخلق وعلى قول ابن عربي حال في الخلق وقد تقدم ذكر بعض قول ابن عربي

وأما ابن سبعين ففي بعض ألواحه يقول قد رأى الصورة المحيطة بجميع الصور لها اسم من حيث هي صورة في متصور قائم بذاته وهي قائمة به وللمتصور من حيث هو موصوف بها اسم ولما ارتبطا ارتباطا لا يصح انفكاكه أبدا دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ولم يصح الأخبار عن مطلق الصورة إلا ومطلق المتصور ضمنا ولا


419
عن محيط المتصور إلا والصورة ضمنا فالمتصور بالصورة يسمى بظاهر الصورة ظاهرا وبباطنها باطنا ويحكم عليه حكم قبلته الصورة من إطلاق وحصر وغيبة وحضور وأحدية وكثرة وجمع وتفرقة وسذاجة ولون وحركة وسكون إلى ما لا ينضبط كثرة من الأسماء والصفات فللصورة من حيث هي جميع التعددات والتنقلات والتحولات والتفاضل وللمتصور من حيث هو لا من جهتها لا وصف ولا نعت ولا اسم ولا رسم ولا حد وإن كان له شيء من ذلك كله ولكن بأول مرتبة صورية إطلاقية فله الإطلاقات الأحديه والجمع والسذاجة والسكون والثبوت وشبه ذلك وللصورة لا من حيث هي لكن من تقدير قيامها بفايض هذه ولا حدثت عنها ولا عنه إلا بقيد ارتباط بعضها ببعض ولو في أول مرتبة من مراتب الإرتباط بفائض ذلك وهي الحضرة والكثرة والتفرقة والألوان والحركات والتنقلات لكن لا يقع الحديث أبدا إلا عنهما


420
معا وإن كان الكثرة والتعداد وأخواتها فتأمل كل كلام منطوق به فأي القسمين غلب عليه فاحكم به فإن كان الكثرة والتعدد وأخواتها فاعلم أن المخاطب به هو الصورة والخلق يتصورها وصفا وإن غلبت الوحدة وأخواتها فالمخاطب بذلك المتصور الحق فإذا رأيت التعدد والتنقل والحركة والولادة فذلك للصورة والخلق وإذا رأيت الوحدة والثبوت ولم يلد ولم يولد فذلك للحق القائم على كل نفس بما كسبت وكل شيء هالك إلا وجهه فهو الحق القائم على كل شيء لأن الأعراض وهي الصورة لا تبقى زمانين أصلا بل تتبدل في كل نفس إما بمثل أو بضده أو خلاف لأنها لذاتها فانية وإنما المسمى بقاء هو توارد الأمثال في كل نفس فيظن أن الثاني عين الأول وليس كذلك ولا ينبغي ذلك لأن القائم به كل يوم هو في شأن يريد تعالى كل نفس فيرد المثل بعد المثل ولا يشعر بذلك المحجوب فيظن أن ذلك الأول باق وهيهات لا بقاء إلا لله وحده والفناء لكل ما سواه بالذات في كل نفس والصورة الجزئية تبقى بتوالي الأمثال إلى أن قال وأما مطلق الصورة


421
فبقاؤها بعد الخلو عن الصور سواء كانت أمثالا لها أو مضادة أو مغايرة لمقصود عمران مطلق الصورة الوجودية صورا فالوجود واحد وهو القائم بجميع الصور غير الخالي عنها على التعاقب والصور هي الهالكة دواما المتعاقبة دواما كائنة فانية شاهدة غائبة قديمة حديثة موجودة معدومة

فابن سبعين في هذا الكلام جعله كالمادة وجعل المخلوق كالصورة وهما مرتبطان لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر

وفي هذا من الباطل والكفر ما لا يخفي على عاقل مع ما في الكلام غير ذلك مثل قوله عن الصور إنها أعراض والعرض لا يبقى زمانين

فإن الذين قالوا إن العرض لا يبقى زمانين وإن كان أكثر العقلاء على خلافه لم يقصدوا الصورة التي هي الجسم وإنما قصدوا الأعراض القائمة بالجسم ولكن يحكي عن النظام أنه قال الأجسام لا تبقى زمانين فهذا يشبه قول النظام


422

وفي كلام ابن عربي ما يشبه هذا

وتارة يجعله الوجود المطلق الذي تتعاقب عليه الموجودات المعينات ويجعل الموجودات المعينة بمنزلة الماهيات وإن لم يجعلها ثابتة في العدم كما قال في لوح آخر أجل عند أصحابه من ذلك اللوح وهو عندهم نهاية التحقيق حتى قد يجعلونه في رؤوسهم مبالغة في حفظه وتذكرة قال هو الكل بك معينا وكل الكل بك لا معينا وأنت الجزء به معينا وجزء الجزء به لا معينا وأنت لا به لا شيء وهو لا بك ثابت أبدا فالكمال له بك معينا وكمال الكمال له لا بك لا معينا وبدونك لا وصف له إلا الثبوت وهو الوجود في كل موجود وهو مع كل شيء ومتى سرى في ذلك الشيء حكم إلى غيره فمنه لا من ذلك الشيء فله هو


423
في ذلك الحكم إيجاده وللشيء فيه الشبه فقط لأنه في الماء ماء وفي النار نار وفي الحلو حلو وفي المرمر فهما سرى حكم من شيء إلى شيء فله هو في ذلك الحكم إيجاده وللشيء فيه التشبه فهذا الكلام يتضمن أنه هو وجود العالم وكل جزء من العالم إما أن يوجد معينا كهذا الإنسان وهذا النبات أو مطلقا كالإنسان والنبات فكل جزء إذا أخذ غير معين فهو جزء من وجود العالم فهو والعالم هو الكل للجزء إذا عين وإذا أطلق ولم يعين فهو كل النوع الذي هو كل المشخص

واعلم أنا لم نقصد في هذا الجواب الرد على هؤلاء وبيان ما في كلامهم من الكفر والباطل والضلال فقد أوضحنا ذلك في غير هذا الموضع وبيناه بيانا شافيا

وإنما القصد هنا التنبيه على جمل أقوالهم لتتصور فإن تصورها يكفي في بيان بطلانها فإن هذا الكلام وإن تضمن أنه ليس غير العالم وتضمن تعطيل أن يكون للعالم خالق مباين له كما هو معلوم بالضرورة من دين جميع أهل الملل بل من دين كل من يقر بالصانع وهم يصرحون بذلك كما يقول ابن عربي إن العالم صورته وهويته فإنه متناقض باطل في نفسه فإن الناس يعرفون انقسام الكلي إلى جزئياته كانقسام الجنس إلى أنواعه وإلى أشخاص أنواعه كانقسام الحيوان إلى الناطق والأعجم وانقسام الناطق إلى العربي والعجمي وانقسام الكلمة الإصطلاحية إلى الإسم والفعل والحرف


424
وانقسام الماء إلى الطهور والطاهر والنجس وأشباه ذلك وهنا اسم المقسوم يصدق على الأقسام وانقسام الكل إلى أجزائه كقسمة الميراث بين الورثة والعقار وغيره بين الشركاء ومنه ونبئهم أن الماء قسمة بينهم ومنه انقسام الدار إلى السقف والأرض والحيطان وأعضاء الوضوء إلى مغسول وممسوح

وهذا القسم هو الذي أراده من قسم الكلام إلى الاسم والفعل والحرف وإذا كان كذلك فهؤلاء تارة يجعلون الحق تعالى لأجزاء العالم كالكل لأجزائه فيجعلون كل شيء من العالم بعضا منه وجزءا له كأمواج البحر من البحر وينشدون

وما البحر إلا الموج لا شيء غيره
وإن فرقته كثرة بالتعدد

وتارة يجعلونه هو الوجود المطلق المنقسم إلى قائم بنفسه وغيره وربما يجعلونه الوجود من حيث هو المنقسم إلى واجب وممكن

فإذا أرادوا الأول كان هو نفس العالم إذ العشرة ليست غير الآحاد لكن لها صورة الإجتماع وكما أن أعضاء الوضوء ليست غير الممسوح والمغسول ولكن لا وجود للجملة إلا بأجزائها


425

ثم من العجائب أنهم يبنون كلامهم على غاية النفي والتنزيه الذي هو محض التعطيل فينفون الصفات لأن الصفات تستلزم في زعمهم التركيب والمركب مفتقر إلى أجزائه وأجزاؤه غيره والمفتقر إلى غيره ممكن ليس بواجب بنفسه فهذه هي عمدتهم في نفي صفاته الثبوتية

وقد بسطنا الكلام على فساد هذه الحجة في غير هذا الموضع بسطا تاما وبينا أن عامة ما فيها وفي أمثالها من المقدمات إنما هي قضايا سفسطائية قد ألفت من ألفاظ مجملة متشابهة تشتمل على حق وباطل كما قال الإمام أحمد في هؤلاء يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم

فإن لفظ التركيب المعروف في اللغة وهم يريدونه لذلك وكذلك لفظ الجزء والافتقار والغير وإنما يعنون بلفظ التركيب معاني اصطلحوا على تسميتها تركيبا وهي نوعان

الصفات والمقادير

فالأول كقولهم الإنسان مركب من الحيوان والناطق

والإنسانية مركبة من الحيوانية والناطقية

ومعلوم أن الحيوان والناطق صفتان للإنسان والصفة لا توجد بدون الموصوف وأما تسمية الحيوان والناطق غيرين للإنسان فتسمية إصطلاحية أيضا

وأما قولهم إن المركب مفتقر إلى جزئه فتسمية هذا افتقار أيضا لفظ اصطلاحي وإنما هو ملازم فإن هذا الموصوف لا يوجد بدون وصفه فهما متلازمان ليس هناك شيء ثابت غير الحيوان والناطق حتى يوصف بأنه مفتقر


426
إلى الحيوان والناطق بل المقصود أن حقيقة الإنسان مستلزمة لأن يكون حيوانا ناطقا وقولهم إن أجزائه غيره فإنه اصطلاح طائفة فإن للناس في لفظ الغير إصطلاحين مشهورين

أحدهما اصطلاح المعتزلة والكرامية ونحوهم ممن يقول الصفة غير الموصوف وهؤلاء فيهم من ينفي الصفات كالمعتزلة ومنهم من يثبتها كالكرامية وهم يقولون إن الغيرين هما الشيئان أو هما ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر

والثاني اصطلاح أكثر الصفاتية من الأشعرية وغيرهم إن الغيرين ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بوجود زمان أو مكان ومن هؤلاء من يقول ما جاز مفارقة أحدهما الآخرولهذا يقولون إن الصفات لا هي الموصوف ولا هي غيره وكذلك جزء الجملة كالواحد من العشرة واليد من الإنسان قد يقولون فيها ذلك والأولون يقولون الصفة غير الموصوف

وأما حذاق الصفاتية من الكلابية وغيرهم فهم على منهاج الأئمة كما ذكر الإمام أحمد في الرد على الجهمية لما سألوه عن القرآن أهو الله أم غير الله لا يقولون الصفة لا هي الموصوف ولا هي غيره بل لا يقولون الصفة هي الموصوف ولا يقولون هي غيره فيمتنعون عن الإطلاقين ولا ينفون الإطلاقين وهذا سديد فإن لفظ الغير لما كان فيه إجمال لم يطلق نفيه حتى يتبين المراد فإن أريد بأنه غير مباين له فليس هو غيره وإن أريد أنه ليس هو إياه أو أنه يمكن العلم به دونه فنعم هو غيره وإذا فصل المقال زال الأشكال فإذا قيل إن الصفة أو الجزء غيره بأحد الاصطلاحين كان باطلا وإذا قيل إنها غيره بالاصطلاح الآخر لم يمتنع أن يكون لازما


427
للموصوف وحينئذ فيكون الموصوف مستلزما لصفة لا توجب أن يكون مفتقرا إلى حقيقة مستغنية عنه كافتقار الممكنات إلى واجب الوجود

والذي علم بصريح العقل أن ما كان واجب الوجود بذاته لا تكون حقيقته مفتقرة إلى حقيقة أخرى مباينة لذاته لأن ذلك يمنع أن يكون واجبا بذاته ولذلك انحصرت قسمة الموجود إلى واجب بذاته وممكن بذاته وكان الإعتراف بالموجود الواجب أمرا ضروريا لا يمكن دفعه وليس من الاعتراف به اعتراف بصانع العالم بل فرعون وأمثاله ممن ينكر الخالق تعالى لا يدفع وجود موجود واجب الوجود وإنما الشأن في تعيينه فقد يقربه ويزعم أنه العالم كما هو حقيقة قول هؤلاء

ولهذا لما كان متكلمة الصفاتية أقرب إلى الحق الذي جاءت به الرسل كان الغالب على عباراتهم لفظ الصانع فإنه شبيه بلفظ الرب والخالق ونحو ذلك مما كثر لفظه في الكتاب والسنة ولما كان الأقرب إلى الحق بعدهم المعتزلة كان الغالب على كلامهم لفظ قديم فيقولون القديم والمحدث لأنهم أثبتوه بناء على حدوث الأجسام والمحدث لا بد له من محدث

وأما هؤلاء المتفلسفة فلما كانوا أبعد عن طريقة الرسل كان الغالب على كلامهم واجب الوجود

ولا ريب أن تقرير ذلك يسهل فإن الوجود أمر محسوس مشهود والموجود إما أن يكون من حيث ذاته قابلا للعدم وإما أن لا يكون

فالثاني هو الواجب والأول إذا كان موجودا فقد يمكن الوجود والعدم وحينئذ فيمتنع أن يكون وجوده من ذاته فإنها لا تختص بوجود ولا عدم بل التحقيق أنه ليس له بدون وجوده ذات يحكم عليها إلا ما يقدر


428
في الذهن ومتى قدر وجود ليس وجوده من ذاته تعين أن يكون وجوده من غيره فكل موجود وجوده إما بنفسه وإما بغيره وإذا كان كل ممكن موجود بغيره لزم قطعا وجود موجود ليس بممكن وكل موجود ليس بممكن فوجود الواجب لازم على التقديرين ضرورة

فهذا الوجود الواجب الذي يشهد به هذا البرهان الذي يذكرونه وإن تنوعوا في تصويره يمتنع أن يفتقر إلى ما هو مباين لذاته فإنه حينئذ لا يكون موجودا بنفسه بل به أو بذلك الغير فقط وهو خلاف ما دل عليه البرهام من أنه لا بد من موجود بنفسه لا يتوقف على غيره لأن وجوده بنفسه يناقض كونه متوقفا عليه وتوقفه عليه يناقض كونه واجبا بنفسه فيكون واجبا بنفسه لا واجبا بنفسه وهو جمع بين النقيضين ولأنه ان كان ذلك الغير واجبا بنفسه كان هو الواجب وكان الأول ممكنا وإن كان ذلك الغير ممكنا فهو مفتقر إلى الواجب فلو كان كل منهما مفتقرا إلى الآخر والمراد بالافتقار هنا افتقار المعلول إلى علته لزم أن يكون كل منهما علة الآخر والمعلول متوقف على علته فيلزم أن يكون كل منهما متوقفا على معلوله التوقف على ذاته فتكون ذاته مستلزمة التقدم على ذاته ومستلزمة التأخر على ذاته وذلك مستلزم كونها موجودة معدومة في الحال الواحد وهو جمع بين النقيضين وهذا هو الدور القبلي وهو ممتنع لذاته

وأما الدور المعي وهو كون كل واحد من الشيئين لا يوجد إلا مع الآخر فهذا ليس بممتنع وهو دور الشروط مثل الأمور المتقارنة فإن الأبوة لا توجد إلا مع البنين ومعلولا العلة لا يوجد أحدهما إلا مع الآخر وأمثال ذلك من الأمور المتلازمة فواجب الوجود يمتنع أن يقف وجوده على


429
شيء مباين له توقف المعلول على العلة وأما كون ذاته مستلزمة لصفاته فهذا لا يقتضي أن يكون متوقفا على مباين له توقف المعلول على العلة أكثر ما يقال إن ذاته لا توجد إلا مع هذا وهذا لو كان مباينا له منفصلا عنه لم يكن ما ذكروه من إثبات واجب الوجود تابعا له كيف وهم يزعمون أنه مستلزم لوجود العالم والعالم لازم له لا يمكن مفارقته له فمن يكون قوله في واجب الوجود بهذا الحال كيف يمتنع أن تكون له صفات تستلزم ذاته سواء سمي ذلك تركيبا أو لم يسم إذ لا عبرة بالعبارات والمعاني الذي يقوم الدليل على نفيها وإثباتها فكيف والصفات ليست مباينة له ولا منفصلة عنه

وإذا قيل إن حقيقته أو وجوده أو نحو ذلك يتوقف عليها فغايته أن يفسر بالتلازم وهو توقف أحد المتلازمين على الآخر أو توقف المشروط على شرطه ليس هو توقف المعلول على علته وهذا لا يمنع كونه واجب الوجود بمعنى أن ذاته ليست لها علة منفصلة عن ذاته وهذا هو الذي أثبته البرهان ولهذا كان هذا بمنزلة أن يقال هو متوقف على ذاته أو مفتقر إلى ذاته كما يقال هو واجب لذاته وموجود بذاته وهذا لا ريب فيه وإذا فسر القائل قوله إنه مفتقر إلى ذاته بهذا المعنى كان هذا المعنى حقا وإن كان في العبارة ما فيها وإذا لم يكن هذا ممتنعا بل كان هذا واجبا فإذا قيل هو مفتقر إلى ما تجعلونه جزأه أو صفته وكان المراد بذلك استلزام ذاته لذلك وامتناع وجود ذاته بدون ذلك كان هذا أولى بالجواز وأبعد عن الامتناع وقد بسطنا الكلام على شبه هذه المقامات العظيمة التي تحل شبه هؤلاء وغيرهم في غير هذا الموضع

والمقصود هنا أنهم إذا كانوا يقولون بمنع الصفات وغيرها مما هو مستلزم للتعطيل حذرا من هذا المعنى الذي يسمونه تركيبا وليس هو


430
تركيبا ثم يجعلونه جملة العالم التي لها أجزاء حقيقية غيرها وهو مركب منها وكل جزء مباين للآخر منفصل عنه فمعلوم أن هذا هو التركيب وأن كل ما نفوه ونزهوه عنه أثبتوه في ثاني الحال على أقبح الوجوه مع التعطيل المحض ولهذا كانوا يرون الجمع بين كل نفي وتنزيه وإن استلزم التعطيل وبين كل تشبيه وتمثيل ويرون ذلك هو الكمال ومعلوم أن ذلك مع ما فيه من الكفر من الجانبين فهو مشتمل على الجمع بين النقيضين من وجوه لا تحصى وهو حقيقة مذهب القوم وهم يصرحون بذلك ثم من المعلوم أن بعض أجزاء العالم يشاهد عدمه بعد الوجود ووجوده بعد العدم كصور الحيوان والنبات والمعدن وأنواع من الأعراض وهذا معلوم بالحس أنه ليس واجب الوجود بل هو ممكن الوجود لقبوله العدم وما كان واجب الوجود لذاته لا يقبل العدم إذ لو قبل العدم لكان ممكن الوجود وممكن العدم وهذا ليس بواجب الوجود بذاته وإذا كانت هذه الأجزاء التي شوهد عدمها يمتنع اتصافها بوجوب الوجود لم يمكن أن يقال أن الكل واجب الوجود بل أكثر ما يقول هذا المفتري ما تقوله المعطلة الدهرية إن منه ما هو واجب


431
الوجود ومنه ما ليس بواجب الوجود وأن واجب الوجود هو الأفلاك مثلا أو العناصر أو العقول والنفوس مع ذلك وهذا وإن كان هذا القول يؤذن بتعطيل الصانع وهو غاية الكفر باتفاق كل ذي عقل ودين فمعلوم أنه أقرب من قول أن كل العالم هو واجب الوجود فتبا لطائفة تدعي التحقيق والعرفان ويكون قولها أقبح وأعظم كفرا وضلالا من قول أكفر الخلق بالرحمن

ولولا أن في هؤلاء القوم من يظن أنه مقر بالله وأنه معظم لله وأن هذا الذي يقوله تعظيم للحق لكانوا أكفر من هؤلاء من كل وجه لكنهم اجهل منهم قطعا

وتارة بجعله هؤلاء كالكلي المنقسم إلى جزئياته فيجعلونه الوجود أو الموجود المطلق

ومعلوم إن المطلق لا وجود له في الخارج ولا يوجد إلا معينا وهذا من أوائل ما في المنطق عندهم والمطلق بشرط إطلاقه قد اتفقوا على أنه لا يوجد في الخارج

وأما المطلق لا بشرط فقد غلط فيه بعضهم كالرازي وادعى وجوده في الخارج وأنه جزء من المعين

والجمهور يعلمون أن ما يوجد في الخارج ليس إلا معينا ليس مطلقا أصلا وابن سبعين يجعله تارة في كلامه الكلي وأجزاء العالم أجزاؤه وتارة يجعله الكلي الذي هو الوجود فلا يكون له وجود في


432
الخارج بحال ولكن كلامه يقتضي أنه يجعل الكلي المطلق موجودا في المعين على القول الضعيف وإذا نزلنا معه على هذا التقدير يكون الرب تعالى عندهم جزءا من كل موجود مخلوق

فهم بين أن يجعلوه جملة المخلوقات أو جزءا من كل مخلوق أو صفة لكل مخلوق أو يجعلونه عدما محضا لا وجود له إلا في الأذهان لا في الأعيان ثم هم مع هذا التعطيل الصريح والإفك القبيح يتناقضون ولا يثبتون على مقام ولهذا رأيت كلامهم كله مضطربا لا ينضبط لما فيه من التناقض ولكن لما كنت أبينه وأوضحه أذكر القواعد العلمية التي يعرف الناس حقيقة ما يمكن حمل كلامهم عليه وميزت بين قول هذا وقول هذا وبينت ما فيه من التناقض حتى أطلع الناس على ما هم فيه من الكفر والهذيان مع دعواهم التحقيق والعرفان وتعظيم الناس لهم وهيبتهم لهم وظنهم أنهم من كبار أولياء الله العارفين وسادات المحققين وإنما هم بالنسبة إلى هؤلاء كالمنتسبين إلى الأئمة الصادقين


433

فابن سبعين وذووه لا وصف له عندهم بسوى الثبوت بناء على أصلهم الفاسد وهو أن الوجود من حيث هو وجود مع قطع النظر عن الموجود الواجب والممكن هو ثابت وقد خاطبني في ذلك أفضل هؤلاء فقلت له الوجود من حيث هو وجود لا حقيقة له في الخارج وإنما هو أمر يقدره العقل كالإنسان من حيث هو إنسان والحيوان من حيث هو حيوان والجسم من حيث هو جسم وأمثال ذلك فإن الخارج لا يوجد فيه شيء إلا معينا متميزا عما سواه لا يوجد فيه حقيقة من الحقائق من حيث هي هي مجردة عن كل تعين وتميز

وهذا الموضع الذي هو أصل ضلال هؤلاء قد سبقهم إليه طوائف من أهل الفلسفة والكلام وهؤلاء حذوا حذوهم وزادوا عليهم فظن أولئك أن المطلق يكون موجودا في الخارج ثابتا في الأعيان المقيدة الخاصة وهو الذي يسمونه الكلي الطبيعي ويجعلونه موجودا في الخارج كالإنسان بلا قيد ولا شرط والحيوان بلا قيد ولا شرط والجسم بلا قيد ولا شرط والوجود بلا قيد ولا شرط


434

ولا ريب أن الفرق بين المطلق لا بشرط وبين المطلق بشرط الإطلاق فرق معقول فإن المطلق بشرط الإطلاق ضد المقيد لا يتناول المقيد بحال ولهذا اتفقوا على أن هذا لا يكون وجوده إلا في الذهن

وأما المطلق لا بشرط فهم يسلمون أيضا أنه لا يوجد إلا معينا مقيدا إما بقيد كونه في الذهن أو في الخارج أو بقيد كونه واحدا أو كثيرا ونحو ذلك ولكن كثيرا من أئمتهم يدعون أنه يوجد في الأعيان كما اتفق الناس على أنه يوجد في الأذهان مع أن حقيقته من حيث هي هي ليست مقيدة بقيد كونها في الأذهان أو في الأعيان مع أنها لن تخلو عن أحدهما ففرق بين ما هو داخل في الحقيقة وبين ما هو لازم لها

كما أن من هؤلاء من ادعى ثبوت هذه الحقائق مجردة عن الأعيان كما يقوله أصحاب المثل الأفلاطونية

وقولهم بإثبات هذه الماهيات المطلقة مع قول فريق بانفصالها عن الأعيان هو شبيه بقولهم بإثبات المادة الطبيعية جوهرا مجردا ثابتا في الجسم عن صورته مع قول فريق منهم بإمكان انفصال هذه المادة عن الصور جميعها وقد بسطنا القول في هذا وذكرنا ألفاظ أئمتهم في هذا وبينا ما وقع في ذلك من الغلط البين المبين لكل عاقل يفهم ما يقال بيانا يقينا ضروريا وذكرنا الصواب الذي عليه جمهور العقلاء بأنه ليس في الأعيان الموجود في الخارج شيء مطلق أصلا بحال وأنه إنما هو عين الأعيان أشير إليه فقيل هذا الإنسان فإنه يعلم بالحس والعقل إنه ليس فيه شيء مشترك بينه وبين غيره ولا شيء مطلق سواء قيل مطلق لا بشرط أو مطلق


435
بشرط الإطلاق وتكلمنا على ما يذكرونه من هذه الموارد واللواحق والأعراض حواش غريبة عرضت للحقيقة وأنها خرجت عن الحقيقة وبسطنا الكلام في ذلك بسطا تبين به أنه اشتبه على القوم ما يكون في الذهن والخيال بما يكون في الوجود والخارج فظنوا ما يتخيلونه في أنفسهم من هذه الحقائق كالموجود المطلق والإنسان المطلق موجودا في الخارج فهم في الوهم والخيال الذي ليس بمطابق للحقائق مع كونهم قد ينكرون ما كان من الوهم والخيال حقا مطابقا للخارج كما قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع

وقول هؤلاء بإثبات الماهيات المطلقة المجردة وبالمواد المجردة وإثباتها في الأعيان هو شبيه بقول من يثبت الأحوال ثابتة في الأعيان وقول من يجعل لكل معين من الموجودات ماهية ثابتة في العدم ويجعل الماهيات غير مجعولة وهؤلاء يقولون وجود كل شيء زائد على ماهيته ولكن نريد بالماهية الماهية الشخصية التي لا تكون لغيره كما يقوله من يقوله من المعتزلة والرافضة وأولئك يقولون بنحو ذلك لكن يقولون بإثبات الماهية النوعية الكلية وكل هذه الأمور إنما هي ثابتة في الأذهان لا في الأعيان وإن كان بعضهم ينكر على غيره أشد الإنكار قوله الذي قال ما هو نظيره وأبلغ منه أو هو في الحقيقة كما ينكر طائفة من متكلمي الصفاتية القائلين بالأحوال كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى على من يقول المعدوم شيء حتى يكفروه بذلك


436
وقولهم بإثبات الأحوال هو من نمط قولهم حيث يقرون بإثبات ثابت لا موجود ولا معدوم وكما ينكر الفلاسفة على من يقول بالأحوال وبأن المعدوم شيء

فقولهم بإثبات الماهيات المطلقة في الأعيان مع قولهم بإثبات المواد للجسم وتركب الجسم من جوهرين مادة وصورة هو مع كونه من نمط هذا القول فهو إن لم يكن أبعد منه فليس دونه في الضعف إذ جعله حقيقة مطلقة لا تتقيد ثابتة في شيء مقيد وحاصلة له مع أن تلك تنقسم إلى واحد وكثير وهذا لا ينقسم إن هذا من العجب فهل يجعل مورد التقسيم جزءا من القسمين ثابتا في الأعيان وهل هذا إلا تسوية بين قسمة الكلي إلى جزيئاته والكلي إلى اجزائه مع أنهم يفرقون بينهما وغاية ما قد يجيبون به عن هذا أن يقولوا المطلق من حيث هو لا يوصف لا بنفي ولا بإثبات فلا يقال هو واحد ولا كثير ولا ينقسم ولا لا ينقسم ونحو ذلك مع أن محققيهم كإبن سينا يقول إنه لا يوجد إلا موجودا في الأعيان أو في الذهن وعلى هذا فيكون الوجود المطلق لا يوجد إلا في الأعيان الموجودة فلو كان وجود الرب هو المطلق للزم أن يكون جزءا من أعيان المخلوقات مع أنه يلزمه أن يكون ثابتا في الوجود الواجب والوجود الممكن فلا يكون هو واجب الوجود وهذا تناقض كما قد بسطناه في غير هذا الموضع

ومعلوم أن هذا الجواب لم يقصد فيه بيان هذه المسائل تصويرا


437
وتحريرا وتقريرا وإنما نبهنا على النكت التي ضل بها هؤلاء الذين يدعون أنهم أفضل العالم وأكمل الناس وهم في الحقيقة يندرجون في قوله تعالى وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون وفي قوله تعالى فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون

وكذلك قال بعد ذلك وهو الوجود في كل موجود وهو مع كل شيء وقد بينا أن هذا الكلام يشبه قول من يجعل الوجود زائدا على الماهية وهو يشبه قول ابن عربي من هذا الوجه لكن ابن عربي يشبه قول قول المعتزلة والرافضة القائلين بأن المعدوم المشخص شيء وهذا يشبه قول المتفلسفة الذين يقولون إن الماهيات الكلية المطلقة ثابتة في الأعيان وما تقدم في ذلك اللوح يخالف قول ابن عربي كما تقدم وهو في هذا اللوح جعله بمنزلة الصورة ووجود الماهية وهنالك جعله بمنزلة المادة للصورة ولهذا قالوا وهو مع كل شيء ومتى سرى من ذلك الشيء حكم إلى غيره فمنه لا من ذلك الشيء فجعل الشيء للشيء ليس هو إياه


438

ثم قال فله في ذلك الحكم إيجاده وللشيء منه الشبه فقط لأنه في الماء ماء وفي النار نار وفي الحلو حلو وفي المر مر فجعله وجود الذوات

ومعلوم أن من قال الماهيات الكلية ثابتة في الأعيان أو من قال إن وجود كل شيء زائد على ماهيته يقول إن الماهية المطلقة المعينة والماهية المشخصة منه وجودها ولهذا قال فهو في الماء ماء وفي النار نار

وهذا من جنس قول ابن عربي وهو متضمن أصلين فاسدين

أحدهما أن في الماء والنار والحلو والمر حقيقتين

إحداهما وجودهما

والثاني ذاتهما المغايرة لوجودهما سوداء قيل هي ماهية معينة أو مطلقة

وهذا وإن كان باطلا فهو قول مشهور لطوائف من المعتزلة والرافضة وطوائف من الفلاسفة

والثاني أن الله هو ماء في الماء وهو نار في النار وهو حلو في الحلو ومر في المر إذ هو عنده نفس وجود الموجودات وهذا من أبطل الباطل وأعظم الكفر والضلال ثم ضرب لذلك مثلا فاسدا فقال مثال


439
ذلك هو مع السراج نور بصورته فتسرج منه سرج كثيرة شبهه والإيجاد لمن هو مع كل شيء بصورة ذلك الشيء ولو كانت تلك السرج التي أوقدت من السراج من ماهيته هو لفنيت مادته بإيقاد جملة من السرج وكان يظهر فيه الضعف قليلا حتى يفنى وإنما الإستمداد من الأمر الذي هو مع كل شيء بصورة ذلك الشيء ولا صورة له هو إذ لو قيدته صورة ما لم يكن مع كل شيء إلا معها فقط تعالى وتقدس فهو الوجود كله ولا وجود لشيء معه إلا لعلمه به

فذكر أن الإيقاد من وجود السراج لا من ماهيته وأنه هو وجود السراج وهو مع الماهية بصورة الماهية والفرق بين وجود السراج وماهيته باطل

وأما قوله لو كانت تلك السرج من ماهيته لفنيت

فيقال له وكذلك لو كانت من وجوده لو قدر هناك وجود غير ماهيته فكيف وليس هناك شيء إلا السراج المحسوس وهو حقيقة السراج وذاته وماهيته في الخارج وما الفرق بين الإيقاد من ماهيته ومن وجوده إن قدرناهما شيئين

فإن قال لأن وجوده في الواجب


440

قيل له فهذه الدعوى لا تكون هي الدليل وأنت ذكرت هذا دليلا على أن الإستمداد من وجود مقارن للماهية بصورتها

ثم يقال إذا قيل أوقدت هذه السرج من هذا السراج فمن إما أن تكون للتبعيض وإما أن تكون لابتداء الغاية

والأول باطل فإن السراج لم يزل فيه شيء أصلا ولا تبعض ولا نقص من ذاته شيء أصلا ولو كانت للتبعيض للزم أن يزول بعض الوجود والماهية إن قيل بالفرق بينهما

وأما الثاني إذا قيل هي لابتداء الغاية فهذا لا محذور فيه سواء قيل إن الإيقاد من ماهية السراج أو من وجوده أو منهما إن فرق بينهما أو قيل إنما هنالك شيء واحد والإيقاد منه كما هو قول أهل الحق وذلك أن ذبالة المصباح بتقريبها إلى المصباح ومجاورتها له يحدث الله فيها ذلك النور من غير أن ينقص من ذلك النور الأول شيء ولهذا يشبهون العلم بهذا فيقولون كل أحد يستفيد من علم العالم من غير أن ينقص منه شيء بل المتعلم يجعل الله في نفسه نظير ما في نفس المعلم من غير أن ينقص ما في نفس المعلم وكذلك يجعل الله في رأس الذبالة من النور من جنس ما في الذبالة الأولى وتكبر وتصغر وتقوى وتضعف بحسب ذلك وسواء كان هذا هو الهواء المحيط استحال ناراكما قد تستحيل النار هواء أو غير ذلك فليس هو شيء نقص من الأول فبطل تمثيله هذا وهو يزعم الفلسفة

والمتلسفة تعلم ذلك وتقول إن الهواء استحال نارا ومن هنا نظير من في قوله تعالى وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه


441

وقوله وما بكم من نعمة فمن الله

وقوله إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه

وقوله إنما الاستمداد من الأمر الذي هو مع كل شيء بصورة ذلك الشيء ولا صورة فهو يقتضي ثبوت شيئين وجود وشيء والحق أن الإستمداد أنه ليس هناك إلا شيء واحد وبكل حال فالاستمداد من خالق ذلك الشيء وربه ومليكه الذي ليس هو إياه بوجه من الوجوه بل هو ربه وخالقه ومليكه وليس الله مع كل شيء بصورة ذلك الشيء أصلا تعالى الله عن ذلك

ومن العجب أن هؤلاء يفرون بزعمهم من التشبيه والتجسيم وقد صنف ابن سبعين في ذلك ورد فيه على بعض من كان ينكر عليه من شيوخ أهل مكة بأشياء له إلى غير ذلك ثم يزعمون أنه يشبه كل شيء بصورته وأنه جزء من كل جسم فلم يجعلوه جسما تاما بل جزء جسم كما قد يجعلونه في موضع آخر وجود كل جسم وإن لم يكن للجسم الجزء الذي أثبتوه وجعلوه شبيها للجماد والحيوان والنبات بل هو عين وجود الجماد والحيوان والنبات

ثم قال فهو الوجود كله لا وجود لشيء معه إلا لعلمه به أنت


442
علمه فأنت به ثابت من حيثية تغايره وعلمه إياه وهو التعيين وبه هو موجود من حيثية أن علمه عين ذاته وهي أن لا تعيين وأنت العين من حيث أنت صورة في العلم لا من حيث إطلاق العلم فهذا يتضمن أن الأشياء التي جعلها موجودة ووحودها عين الحق هي علم الحق

وليس هذا قول أهل السنة الذين يقولون إن الأشياء ثابتة في علم الله قبل وجودها ليست ثابتة في الخارج فإن هؤلاء لا يقولون إن الأشياء الموجودة عين علمه ولا يقولون إن الأشياء المحسوسة بعد وجودها هي كما كانت في العلم بل يقولون إن الله علمها وقدرها قبل أن تكون والمخلوق قد يعلم أشياء قبل أن تكون كما نعلم نحن ما وصف لنا من أشراط الساعة وصفة القيامة وغير ذلك قبل أن يكون ومن المعلوم أن علمنا بذلك ليس هو من جنس الحقيقة الموجودة في الخارج فإنا إذا علمنا الماء والنار لم يكن في قلوبنا ماء ونار ولكن علمه بذلك يطابقه مطابقة العلم المعلوم ثم اللفظ يطابق العلم مطابقة اللفظ المعنى ثم الخط يطابق اللفط وهذه المراتب الأربع المشهودة هي الوجود العيني والعلمي واللفظي والرسمي وجود في الأعيان وفي الأذهان وفي اللسان وفي البنان وقد تشبه هذه المطابقة مطابقة الصورة التي في المرآة للوجه ومطابقة النقش الذي في الشمعة والطين لنقش الخاتم الذي يطبع ذلك له

وليس هو أيضا قول من يقول إن المعدوم شيء ثابت في الخارج مستغن عن الله فإنه قد قال وأنت لا به لا شيء وهذا يخالف فيه ابن عربي والصواب معه فيه وإن كان أضل من وجه آخر بل قوله لون آخر


443
فإنه جعل علمه بالأشياء عين الأشياء إذ جعل لا وجود معه إلا لعلمه بذلك الشيء وجعل نفس الأشياء علمه ولهذا أثبت التغاير من وجه وعدمه من وجه وقال فأنت به ثابت من حيثية متغايرة ومن حيثية أن علمه عين ذاته

وهذا الثاني يشبه قول الفلاسفة الذين يقولون إنه عاقل ومعقول وعقل وأن ذلك واحد

ويقال إن أبا الهذيل العلاف يقرب إلى مذهبهم

وفساد هذا القول معلوم قد بسط في غير هذا الموضع لكن هو لما التزم أن يكون وجود الأشياء غي ماهيتها وهو عندهم عين وجود الأشياء ولا


444
بد من إثبات مغايرة الأشياء واستقبح أن يجعل الأشياء ثابتة في الأعيان جعلها عين علمه فوقع في شر مما فر منه حيث جعل نفس الأشياء الثابتة في الخارج عين علمه وهذا من جنس قوله أنه عين وجود الأشياء وهو في الحقيقة تعطيل لنفسه ولعلمه إذ جعل وجوده وجود الأشياء وعلمه هو الأشياء ثم يقول إن علمه عين ذاته فهذه ثلاث عظائم

ثم قال فإن عرفته في كل شيء عين كل شيء إلا الصورة المعينة لم تجهله في صورة أصلا ولم تكن فيمن يتجلى له في غير الصورة التي يعرفها وسيعود منه حتى يتجلى له في الصورة التي يعرفها فيتبعه وهذا وإن كان من السعداء فهو بعيد من أهل العلم بالله جدا وأي معرفة لمن يعرف المطلق مقيدا بصورة ما فهذا إلى الجهل أقرب منه إلى العلم غير أن بركة الإيمان وسعادته شملته فتنعم في الجنة من وراء غيب الإيمان ويشفع له النبي صلى الله عليه وسلم والذي صدقه فرفعت له الحجب وقتا ما فتنعم بالمشاهدة حسب حاله وعلى قدر نصيبه من رسوخه في الإيمان وأخذه بنصيبه من مقام الإحسان فإذا هو كأنه يراه لا أنه يراه وأين هذا المقام من مقام من رآه منذ عرفه في كل شيء عين كل


445
شيء سوى تقييد الشيء وتعينه بأنه هذا فإنه لا يجوز إليه الإشارة لأنه لم تقيده صورة قط فمن عرفه كما قلنا ورآه في كل شيء لم ينسه قط ولم ينسحب عليه من عقاب الآية شيء وهي قوله تعالى نسوا الله فنسيهم حاشاهم من ذلك بل ذكروه دائما فذكرهم ورأوه في كل شيء ومع كل شيء فشاهدهم كذلك وشهد لهم بالكمال

قلت وهذا الكلام الذي ذكره من تجليه تارة في غير الصورة التي يعرفها المتجلي له حتى يتعوذ منه وما ذكره من أن هذه الحال ناقصة أخذه من كلام ابن عربي وابن عربي يحتج في ذلك بالحديث المأثور في ذلك فإن ابن عربي كان أعلم بالحديث والتصوف من هذا وإن كان كلاهما من أبعد الناس عن معرفة الحديث والتصوف المشروع بل هما أقل الناس معرفة بالكتاب والسنة وآثار سلف الأمة وابن سبعين أعلم بالفلسفة من ابن عربي


446

وأما الكلام فكلاهما يأخذه من مشكاة واحدة من مشكاة صاحب الإرشاد وأتباعه كالرازي فإن ابن عربي ذكر في أول الفتوحات المكية ثلاث عقائد ورمز إلى الرابعة وذكر العقيدة التي في كلام صاحب الإرشاد مجردة ثم ذكرها مع الدليل الكلامي الذي ذكره ثم انتقل إلى عقيدة فلسفية أبعد عن اعتقاد أهل الإثبات ثم رمز إلى هذا التوحيد الذي أفصح به في الفصوص وعاد قولهم إلى تحقيق التعطيل الذي هو حقيقة قول فرعون وكان نقلهم لكلام المتكلمة والمتفلسفة من كلام الرازي في المحصل وغيره وهو يذكر أن ذلك حصل له بالكشف حتى كان القاضي بهاء الدين ابن الزكي يذكر أنه كان يقع بينه وبين والده منازعة في كلامه إذ كان من الغلاة فيه المعظمين لأمره حتى حدثني محي الدين بن


447
المصري وكان من أخص أصحابه أنه قال في معرض كلام له أفضل الخلق عندي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم علي وفاطمة والحسن والحسين ومحي الدين ابن عربي وكان يقول إن كلامه حصل له على طريق الكشف قال فوجدت نسخة من المحصل بخطه رخيصة جدا فجئت بها إلى والدي وقلت نسخ المحصل فلولا شدة رغبته في معرفة كلام هذا الرجل لما كان كتبها بخطه أو كلاما نحو هذا

وأما ابن سبعين فأصل مادته من كلام صاحب الإرشاد وإن أظهر تنقصه ونحوه من الكلام ومن كلام ابن رشد الحفيد ويبالغ في تعظيم ابن الصائع الشهير بابن باجة وذويه في الفلسفة وسلك طريقة الشوذية في


448
التحقيق وأخذ من كلام أبن عربي وسلك طريقا في تحقيقهم مغايرا لطريق غيره وإن كان مشاركا لهم في الأكثر وهما وأمثالهما يستمدان كثيرا مما سلكه أبو حامد في التصوف المخلوط بالفلسفة ولعل هذا من أقوى الأسباب في سلوكهم هذا الطريق

وأبو حامد مادته الكلامية من كلام شيخه في الإرشاد والشامل ونحوهما مضموما إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني لكنه في أصول الفقه سلك في الغالب مذهب ابن الباقلاني مذهب الواقفة وتصويب المجتهدين ونحو ذلك وضم إلى ذلك ما أخذه من كلام أبي زيد الدبوسي وغيره في القياس ونحوه وأما في الكلام فطريقته طريقة شيخه دون القاضي أبي بكر وشيخه في أصول الفقه يميل إلى مذهب الشافعي وطريقة الفقهاء التي هي أصوب من طريقة الواقفة


449

ومادة أبي حامد في الفلسفة من كلام ابن سينا ولهذا يقال أبو حامد أمرضه الشفاء ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك وأما في التصوف وهو أجل علومه وبه نبل فأكثر مادته من كلام الشيخ أبي طالب المكي الذي يذكره في المنجيات في الصبر والشكر والرجاء والخوف والمحبة والإخلاص فإن عامته مأخوذ من كلام أبي طالب المكي لكن كان أبو طالب أشد وأعلى

وما يذكره في ربع المهلكات فأخذ غالبه من كلام الحارث المحاسبي


450
في الرعاية كالذي يذكره في ذم الحسد والعجب والفخر والرياء والكبر ونحو ذلك

وأما شيخه أبو المعالي فمادته الكلامية أكثرها من كلام القاضي أبي بكر ونحوه واستمد من كلام أبي هاشم الجبائي على مختارات له وكان قد فسر الكلام على أبي قاسم الأسكاف عن أبي إسحاق الإسفرائيني ولكن القاضي هو عندهم أولى

ولقد خرج عن طريقة القاضي وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة وأما كلام أبي الحسن نفسه فلم يكن يستمد منه وإنما ينقل كلامه مما يحكيه عنه الناس

والرازي مادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني فإن الشهرستاني أخذه عن الأنصاري النيسابوري عن أبي المعالي وله مادة قوية من كلام أبي الحسين البصري وسلك طريقته في أصول الفقه كثيرا وهي أقرب إلى طريقة الفقهاء من طريقة الواقفة


451

وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني أيضا ونحوهما وأما التصوف فكان فيه ضعيفا كما كان ضعيفا في الفقه

ولهذا يوجد في كلام هذا وأبي حامد ونحوهما من الفلسفة ما لا يوجد في كلام أبي المعالي وذويه

ويوجد في كلام هذا وأبي حامد ونحوهما من الفلسفة ما لا يوجد في كلام أبي المعالي وذويه

ويوجد في كلام هذا وابي المعالي وأبي حامد من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه ويوجد في كلام أبي الحسن من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقه ويوجد في كلام ابن كلاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة ما لا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة وإذا كان الغلط شبرا صار في الأتباع ذراعا ثم باعا حتى آل هذا المآل فالسعيد من لزم السنة

فصل

ومن تدبر الحديث وألفاظه على أنه حجة على هؤلاء الإتحادية الجهمية لا لهم وأنه مبطل لمذهبهم مع أنهم يجعلونه عمدتهم في دعواهم ظهوره في كل صورة من الصور المشهودة في الدنيا والآخرة حتى في الجمادات والقاذورات

والحديث مستفيض بل متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث طويل فيه قواعد من أمور الإيمان بالله وباليوم الآخر أخرجاه في الصحيحين من غير وجه من


452
حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد عن أبي هريرة وأبي سعيد

وأخرجاه أيضا من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ورواه مسلم عن جابر موقوفا كالمرفوع وهو معروف من حديث ابن مسعود وغيره ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن أناسا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا لا يا رسول الله قال هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد


453
شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجز ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم اللهم سلم وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان قالوا نعم يا رسول الله قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم فمنهم الموبق بعمله ومنهم المخردل أو المجازي حتى ينجي حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد أن يرحمه ممن كان يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا اثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار وقد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون


454

وفي لفظ البخاري منه كما تنبت الحبة في حميل السيل ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار وهو آخر أهل الجنة دخولا إلى الجنة فيقول أي رب أصرف وجهي عن النار فإنه قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها فيدعوا الله ما شاء أن يدعوه ثم يقول الله تبارك وتعالى هل عسيت أن فعلت ذلك بك أن تسأل غيره فيقول لا يا رب لا أسألك غيره ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله فيصرف الله وجهه عن النار فإذا اقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت ثم يقول أي رب قدمني إلى باب الجنة فيقول الله له أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير الذي أعطيتك ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول أي رب ويدعو الله حتى يقول له فهل عسيت أن أعطيتك ذلك أن تسأل غيره فيقول لا وعزتك فيعطي ربه ما شاء من عهود ومواثيق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا قام على باب الجنة انفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الخير والسرور فيسكت ما شاء الله أن يسكت ثم يقول أي رب


455
أدخلني الجنة فيقول الله له أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيتك ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول أي رب لا أكون أشقى خلقك فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله تبارك تعالى منه فإذا ضحك الله منه قال أدخل الجنة فإذا دخلها قال الله له تمنه فيسأل ربه ويتمنى حتى أن الله ليذكره من كذا ومن كذا حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله ذلك لك ومثله معه

قال عطاء بن يزيد وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئا حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرجل ومثله معه

قال أبو سعيد وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة

قال أبو هريرة ما حفظت إلا قوله ذلك لك ومثله معه

قال أبو سعيد أشهد أني حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ذلك لك وعشرة أمثاله

قال أبو هريرة وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة

وهذا الحديث من أصح حديث على وجه الأرض معروف من حديث


456
ابن شهاب الزهري أحفظ الأمة للسنة في زمانه كان عنده عن سعيد بن المسيب أفضل التابعين وعن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة فكان تارة يحدث به عنهما وتارة عن أحدهما كما هو عادة الزهري في أحاديث كثيرة

وهذا الذي ذكرنا رواية إبراهيم بن سعد عنه عن عطاء بن يزيد ومنه رواه مسلم كما ذكر وعطف عليه رواية شعيب عنه عن سعيد بن المسيب وعطاء قال وساق الحديث بمثل معنى حديث إبراهيم وأما البخاري فرواه من حديث شعيب عن الزهري عنهما مرتين ورواه من حديث إبراهيم بن سعد أيضا الذي ساقه مسلم

ورواه من حديث معمر أيضا عن الزهري عن عطاء


457

وفي الصحيحين أيضا من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن ناسا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال ما تضارون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ليتبع كل أمة ما كانت تعبد ولا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغير أهل الكتاب فتدعي اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد عزيز ابن الله فيقال كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون قالوا عطشنا يا رب فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار ثم


458
تدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد المسيح بن الله فيقال لهم كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فيقال لهم ماذا تبغون فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال ما تنتظرون فيتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى أن بعضهم ليكان أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله تعالى من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فقال أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم قيل يا رسول الله وما الجسر قال دحض مزلة فيه خطا طيف وكلاليب


459
وحسك تكون فيها شوكة يقال له السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاود الخيل والركبان فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد منا شدة الله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربما كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم اخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربما لم نذر فيها أحد ممن أمرتنا ثم يقول أرجوا فمن وجدتم في قلبه نصف دينار فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فأخرجوا من وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا

وكان أبو سعيد يقول إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤا إن شئتم إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفعت النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج قوما


460
لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيهم في نهر في افواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل فيكون أبيض فقالوا يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم تعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله تعالى الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ثم يقول أدخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول لكم عندي أفضل من هذا فيقولون يا ربنا أي شيء أفضل من هذا فيقول رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدا وهذا سياق مسلم من حديث حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم ثم أتبعه برواية الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن


461
أسلم قال نحو حديث حفص بن ميسرة وزاد بعد قوله بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه

قال أبو سعيد بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف وليس في حديث الليث فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين

ثم رواه من حديث هشام بن سعد قال حدثنا زيد بن أسلم نحو حديث حفص وقد زاد ونقص شيئا

وأخرجه البخاري من حديث زيد أيضا


462

وفي صحيح مسلم من حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود فقال نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا

قلت صوابه على تلخيص كما جاء مفسرا أظن أن ذلك فوق الناس


463

قال فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول ما تنتظرون فيقولون ننتظر ربنا فيقول أنا ربكم فيقولون حتى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك قال فينطلق بهم ويتبعونه ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب أو حسك تأخذ من شاء الله ثم يطفىء نور المنافقين ثم ينجو المؤمنون فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفا لا يحاسبون ثم الذين يلونهم كأضوإ نجم في السماء ثم كذلك ثم تحل الشفاعة ويشفعون حتى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة فيجعلون بفناء الجنة ويجعلون أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل وتذهب حراقه ثم يسأل حتى يجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها

فهذه الأحاديث ونحوها اعتمدها هؤلاء الجهمية الإتحادية في قولهم أن الله يظهر في الصور كلها ويجعلونه ظاهرا في كل صورة من حيوان ونبات ومعدن وغير ذلك ليظهر في الصور كلها إذ هو الوجود كله عندهم وعندهم أن ذاته لا ترى بحال كما قال صاحب الفصوص في الحكمة الياسية


464
قال العقل إذا تجرد لنفسه من حيث أخذه العلوم عن نظره كانت معرفته بالله على التنزيه لا على التشبيه وإذا أعطاه الله المعرفة بالتجلي كملت معرفته بالله فنزه في موضع وشبه في موضع فرأى سريان الحق في الصور الطبيعية العنصرية وما بقيت له صورة إلا ويرى عين الحق عينها وهذه المعرفة التامة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند الله وحكمت بهذه المعرفة الأوهام كلها ولذلك كانت الأوهام أقوى سلطانا مما في هذه النشأة من العقول لأن العاقل لو بلغ ما بلغ في عقله لم يخل عن حكم الوهم عليه والتصور فيما عقل فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه الصورة الكاملة الإنسانية وبه جاءت الشرائع المنزلة فشبهت ونزهت شبهت في التنزيه بالوهم ونزهت في التشبيه بالعقل فارتبط الكل بالكل فلم يتمكن أن يخلو تنزيه عن تشبيه ولا تشبيه عن تنزيه قال تعالى ليس كمثله شيء فنزه وهو السميع البصير فشبه وهي أعظم آية أنزلت في التنزيه ومع ذلك لم تخل عن التشبيه بالكاف وهو أعلم


465
العلماء بنفسه وما عبر عن نفسه إلا بما ذكرناه ثم قال سبحان ربك رب العزة عما يصفون وما يصفونه إلا بما تعطيه عقولهم فنزه نفسه عن تنزيههم إذ حددوه بذلك التنزيه وذلك لقصور العقول عن إدراك مثل هذا ثم جاءت الشرائع كلها بما تحكم به الأوهام فلم يخل الحق عن صفة يظهر فيها كذا قالت وبذا جاءت الرسل فعملت الأمم على ذلك فأعطاها الحق التجلي فلحقت بالرسل وراثة فنطقت بما نطقت به رسل الله وبعد أن تتصور هذا فترخى الستور وتدلى الحجاب على عين المنتقد والمعتقد والصور وإن كانت من بعض صور ما تجلى فيها الحق ولكن قد أمرنا بالستر ليظهر تفاضل استعداد الصور وأن المتجلي في صور بحكم استعداد تلك الصورة فينسب إليه ما تعطيه حقيقتها ولوازمها لا بد من ذلك إلى أن قال قال الله تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان إذ لا يكون مجيبا إلا إذا كان من يدعوه وإن كان عين الداعي المجيب فلا خلاف في اختلاف الصور فهما صورتان بلا مثل وتلك الصور كلها كالأعضاء لزيد فمعلوم أن زيدا حقيقة واحدة


466
مشخصة وإن يده ليست صورة رجله ولا رأسه ولا عينه ولا حاجبه فهذا تكثير الواحد المكثر بالصور الواحد بالعين وكالإنسان واحد بالعين فلا شك أن عمرا ما هو زيد ولا خالد ولا جعفر وأن أشخاص هذه العين الواحدة لا تتناهى وجودا فهو وإن كان واحدا بالعين فهو كثير بالصور والأشخاص وقد علمت قطعا إن كنت مؤمنا أن الحق عينه يتجلى في القيامة في صورة فيعرف ثم يتحول في صورة فينكر ثم يتحول عنها في صورة فيعرف وهو هو المتجلي وليس غيره في كل صورة ومعلوم أن هذه الصورة ما هي تلك الصورة الأخرى فكأن العين الواحدة قامت مقام المرآة فإذا نظر الناظر فيها إلى صورة معتقدة في الله عرفه فأقر به وإذا اتفق أن يرى فيها معتقد غيره أنكره كما يرى في المرآة صورته وصورة غيره فالمرآة عين واحدة والصور كثيرة في عين الرائي

وهذا الحديث يبين فساد مذهبهم بضد ما توهموه من وجوه

أحدها أن ناسا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يرون ربهم يوم القيامة ولم يسألوه عن رؤيته في الدنيا فإن هذا كان معلوما عندهم أنهم لا يرونه في الدنيا وقد أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كما روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه


467
منها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث يونس وصالح عن ابن شهاب أن سالم بن عبد الله أخبره أن عبد الله بن عمر أخبره أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من أصحابه قبل ابن صياد حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم فلم يشعر حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ظهره بيده ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صياد أتشهد أني رسول الله فنظر إليه ابن صياد


468
فقال أشهد أنك رسول الأميين فقال ابن صياد لرسول الله أتشهد أني رسوله الله فرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال آمنت بالله وبرسله ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا ترى فقال ابن صياد يأتيني صادق وكاذب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خلط عليك الأمر ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إني قد خبأت لك خبأ فقال ابن صياد هو الدخ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اخسأ فلن تعدو قدرك فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذرني يا رسول الله أضرب عنقه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يكن هو فلن تسلط عليه وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله وقال سالم بن عبد الله سمعت عبد الله بن عمر يقول انطلق بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد حتى إذا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل طفق يتقي بجذوع النخل وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه ابن صياد فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على فراش في قطيفة له فيها زمزمة فرأت أم ابن صياد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتقي بجذوع النخل فقالت لابن صياد يا صاف هو اسم ابن صياد هذا محمد فسار ابن صياد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تركته بين


469

قال سالم قال عبد الله بن عمر فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال إني لأنذركموه ما من نبي إلا وقد أنذره قومه لقد أنذره نوح ولكن أقول لكم قولا لم يقله نبي لقومه تعلموا إنه أعور وأن الله ليس بأعور

قال ابن شهاب وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري أنه أخبر بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حذر الناس الدجال أنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه من كره عمله أو يقرؤه كل مؤمن وقال تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت

وقد روي هذا المعنى من وجوه أخر عن النبي صلى الله عليه وسلم ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بين ما قبل الموت وما بعده وأخبر أنه لن يراه أحد قبل الممات في سياق بيانه لهم أن الدجال ليس هو الله كما ذكر لهم أنه أعور وأن ربهم ليس بأعور وذكر لهم مع ذلك أنهم لا يرون ربهم في الدنيا ليعلموا أن كل ما يرى في الدنيا ليس هو الله وهذا يرفع قول بعض الجهال المتقرمطة من هؤلاء أنه لن يرى ربه حتى يموت أي تموت نفسه وهواه فإن هذا وإن لم يكن هو مدلول اللفظ ولا يحتمله مثل هذا اللفظ فلو كان حقا لم يصح أن يكون دليلا لهم


470
على أن الدجال ليس هو ربهم فإنه إذا جوز عند موت هوى النفس أن يرى بعينه الله لم يصح حينئذ أن يكون ينفي عن كل مرئي بالعين في الدنيا أنه الله

واعلم أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وأهل السنة من جميع الطوائف متفقون على أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة عيانا كما يرون الشمس والقمر كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ومتفقون على أنه لا يراه أحد بعينه في الدنيا كما ذكر أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن حنبل عن إسحاق بن حنبل قال سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول إن الله لا يرى في الدنيا ويرى في الآخرة ثبت في القرآن وفي السنة وعن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين

وأما رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وتنازع عائشة وابن عباس فقد بسطنا الكلام فيه في غير هذا الموضع وبينا أن الثابت عن ابن عباس ثم عن الإمام أحمد هو شيء واحد وهو إما إطلاق الرؤية وإما تقييدها بالفؤاد وأما التقييد بأنه رآه بعينه فلم يثبت لا عن ابن عباس ولا عن أحمد بن حنبل ونحوهما


471

وأما الأحاديث التي يرويها بعض الناس في أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بالطواف أو بعرفة أو في بعض سكك المدينة فكلها كذب موضوعة باتفاق أهل العلم

وتنازع المتأخرون المنتسبون إلى السنة في الكفار هل يحجبون عنه في الآخرة مطلقا أو يرونه ثم يحجبون على ثلاثة أقوال

فقال طوائف من أهل الكلام والفقه وغيرهم من أصحاب مالك لا يرونه بحال وقالت طائفة منهم أبو الحسن بن سالم وغيره بل يرونه ثم يحجب عنهم كما يدل على ذلك أحاديث معروفة

وقال أبو بكر بن خزيمة بل يراه المنافقون من هذه الأمة دون غيرهم


472

وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع

وأما من سوى أهل السنة فلهم قولان متطرفان

أحدهما وهو قول الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة والمتفلسفة وغيرهم أنه لا يرى بحال بل رؤيته ممتنعة عندهم

والثاني قول بعض المتكلمين وبعض جهال الصوفية أنه يرى في الدنيا وقد ذكر ذلك أبو طالب المكي عن بعض الصوفية ورد عليه

وكذلك حكاه الأشعري في المقالات عن طائفة منهم

ومن الناس من يجعل للأشعري نفسه في هذه المسألة قولين وبعض أصحابه جوزوا وقوع ذلك


473

وليس النزاع في إمكان ذلك وقدرة الله عليه فإن هذا لا نزاع فيه بين مثبتي الرؤية وإنما النزاع هل يقع ذلك في الدنيا فمن أصحابه من يسوغ وقوعه بحسب ما تدعو إليه الدواعي وقد يحصل ذلك لبعض الناس وهذا باطل مخالف للنصوص ولإجماع السلف والأئمة بل نفاة الرؤية مع كونهم مبطلين أجل من هؤلاء وهؤلاء أقرب إلى الشرك منهم وأما هؤلاء الاتحادية فهم يجمعون بين النفي العام والإثبات العام فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس لها اسم ولا صفة ولا نعت إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له ويقولون إنه يظهر في الصور كلها وهذا عندهم هو الوجود الأسمى لا الذاتي ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء ويتجلى في كل موجود لكنه لايمكن أن ترى نفسه بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي ترى الأشياء فيه وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور

وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى وهم جميعا يحتجون بالحديث وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقا بلا ريب فلم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود

وقد تقدم قول صاحب الفصوص في الفص الشيثي وأن المتجلي


474
له لا يرى إلا صورته في مرآة الحق ولا رأى الحق ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه كالمرآة في الشاهد ترى الصورة فيها وهي لا ترى مع علمك أنك ما رأيت الصورة إلا فيها

وزعم أنك إذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن تترقى في أعلى من هذه الدرج فما هو ثم أصلا وهذا تصريح بامتناع الرؤية وهو حقيقة قولهم إذ هم من غلاة الجهمية ثم مع ذلك يجعلونه نفس الموجودات كما يقول صاحب الفصوص ومن أسمائه الحسنى العلي على من وما ثم إلا هو أو عن ماذا وما هو إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لنفسها وليست إلا هو وكذلك ابن سبعين يقول فعين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى

واعلم أن طائفة ممن يثبت الرؤية من أصحاب الأشعري بل وبعض المنتسبين إلى الإمام أحمد يفسرون الرؤية بنحو تفسير الجهمية كالمريسي والمعتزلة فيقولون هي زيادة علم وانكشاف بحيث نعلم ضرورة ما كان يعلم نظرا وهؤلاء يجعلونها من جنس العلم


475

وأرفع منهم من يجعلها مع تعلقها بالعين وكونها مشروطة بوجود المرئي من هذا النمط فيقول هي مجرد خلق إدراك في العين وأنه لا حجاب إلا المانع المضاد لها في محل الرؤية فإذا أزيل حصلت الرؤية كما أنه لا مانع من العلم إلا الجهل المضاد فإذا زال حصلت الرؤية ولضرار وحفص الفرد والنجار في نفس الرؤية أقوال قريبة من هذا ليس هذا موضعها وكل ذلك فرارا مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من الرؤية


476
العيانية وهو صلى الله عليه وسلم قد أفصح بها غاية الإفصاح وأوضحها غاية الإيضاح وبين لهم أعظم رؤية يعرفونها وأنه يرونه كذلك فزالت الشبهة

وقد ناظرت غير واحد من هؤلاء من نفاة الرؤية ومحرفيها من شيعي ومعتزلي وغيرهما وذكرت لهم الشبهة التي تذكرها نفاة الرؤية فقلت هي كلها مبنية على مقدمتين

إحداهما أن الرؤية تستلزم كذا وكذا كالمقابلة والتحيز وغيرهما

والثاني أن هذه اللوازم منتفية عن الله تعالى فكل ما يذكره هؤلاء فأحد الأمرين فيه لازم إما أن لا يكون لازما بل يمكن الرؤية مع عدمه وهذا المسلك سلكه الأشعري وطوائف كالقاضي أحيانا وابن عقيل وغيرهم لكن أكثر العقلاء يقولون إن من ذلك ما هو معلوم الفساد بالضرورة

وإما أن يكون لازما فلا يكون محالا فليس في العقل ولا في السمع ما يحيله بل إذا قدر أنه لازم للرؤية فهو حق لأن الرؤية حق قد علم ذلك بالإضطرار عن خير البرية أهل العلم بالأخبار النبوية

وهؤلاء الاتحادية لما فهموا قول هؤلاء الذين لا حقيقة للرؤية عندهم إلا زوال حجاب في الإنسان كالآفة التي فيه المانعة من الرؤية قالوا إنه يمكن زوال هذا الحجاب فتحصل المشاهدة وضموا ذلك إلى بقية أصولهم الفاسدة من أنه لي مباينا لعباده بل هو الوجود المطلق فقالوا يرى


477
في الظاهر وإن كانت ذاته لا ترى بحال

وهذا الكلام هو تعطيل للخالق ولرؤيته ودعوى الربوبية لكل أحد كما قال صاحب الفصوص ولما كان فرعون في منصب التحكم وأنه الخليفة بالسيف وإن جار في العرف الناموسي لذلك قال أنا ربكم الأعلى أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيهم ولما علمت السحرة صدقه فيما قاله لم ينكروه وأقروا له بذلك وقالوا له إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فاقض ما أنت قاض فالدولة لك فصح قوله أنا ربكم الأعلى وإن كان عين الحق

فإذا كان قد جعل فرعون صادقا في قوله أنا ربكم الأعلى وهو عنده عين الحق فالدجال أيضا أحق بهذا الصدق فإنه يقول للسماء أمطري فتمطر وللأرض أنبتي فتنبت وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج الخربة كنوزها تتبعه

ففي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل فلما رجعنا إليه عرف ذلك فينا فقال ما شأنكم قلنا يا رسول الله ذكرت الرجال فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل فقال غير الدجال أخوفني عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم


478
فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم إنه شاب قطط عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ فواتح سورة الكهف إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض قال أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلوات يوم قال لا أقدروا له قدره قلنا يا رسول الله وما إسراعه في الأرض قال كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا وأشبعه ضروعا وأمده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ويمر بالخربة فيقول أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ثم يدعو رجلا ممتلأ شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل ويهلل ووجهه يضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا


479
كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله ثم يأتي عيسى قوما قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجات في الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أن قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد أن يقاتلهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله وأصحابه فيرسل الله عليهم النفف في رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرا كأعناق البخت


480
فتطرحهم حيث شاء الله ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض كلها حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون تحتها ويبارك في الرسل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت أباطهم فتفيض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة

وفي الصحيحين من حديث ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أبا سعيد الخدري قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما حديثا طويلا عن الدجال فكان فيما حدثنا قال يأتي وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس فيقول له أشهد أنك الدجال الذي حدثنا


481
رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر فيقولون لا فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحييه والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن قال فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه

وفي صحيح مسلم من حديث أبي الوداك واسم أبي الوداك جبر بن نوف عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج الدجال فيتوجه قبله رجل من المؤمنين فتلقاه مشايخ الدجال فيقولون له أين تعمد فيقول اعمد إلى هذا الذي خرج قال فيقولون له أو ما تؤمن بربنا فيقول ما هو بربنا حقا فيقولون اقتلوه فيقول بعضهم لبعض أليس قد نهاكم ربكم من أن تقتلوا أحدا دونه قال فينطلقون به إلى


482
الدجال فإذا رآه المؤمن قال يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر الدجال به فيشبح فيقول خذوه واشبحوه فيوسع ظهره وبطنه ضربا فيقول أو ما تؤمن بي قال فيقول أنت المسيح الكداب قال فيؤمر به فيوشر بالميشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه قال ثم يمشي الدجال بين القطعتين قال ثم يقول له قم فيستوي قائما ثم يقول أتؤمن بي فيقول ما ازددت فيك إلا بصيرة قال ثم يقول أيها الناس إنه لا يفعل هذا بعدي بأحد من الناس قال فيأخذ الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسا فلا يستطيع إليه سبيلا قال فيأخذه بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس إنما قذفه في النار وإنما ألقي في الجنة

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين فإذا كان فرعون صادقا في قوله أنا ربكم الأعلى مع أنه لم يأت بشبهة


483
صادقة فالدجال أحق أن يكون صادقا على قول هؤلاء ويكفيك بقوم ضلالا أن يكون فرعون والدجال صادقين على مذهبهم وهما أعظما عدو لله من الإنس وأعظم الخلق فرية في دعوى الإلهية ولهذا أنذرت الرسل جميعها بالدجال وأما فرعون فلم يذكر الله في القرآن قصة كافر عدو له أكثر وأكبر من قصته ومعلوم أن موسى وعيسى هما الرسولان الكريمان صاحبا التوراة والإنجيل وموسى أرسل إلى فرعون وعلى يديه كان هلاكه والدجال ينزل الله إليه عيسى بن مريم فيقتله فيقتل مسيح الهدى الذي قيل أنه الله مسيح الضلالة الذي يزعم أنه الله ولما كانت دعواه الربوبية ممتنعة في نفسها لم يكن ما معه من الخوارق حجة لصدقه بل كانت محنة وفتنة يضل الله بها من يشاء ويهدي من يشاء كالعجل وغيره لكنه أعظم فتنة وفتنته لا تختص بالموجودين في زمانه بل حقيقة فتنته الباطل المخالف للشريعة المقرون بالخوارق فمن أقر بما يخالف الشريعة لخارق فقد أصابه نوع من هذه الفتنة وهذا كثير في كل زمان ومكان لكن هذا المعين فتنة أعظم الفتن فإذا عصم الله عبده منها سواء أدركه أو لم يدركه كان معصوما مما هو دون هذه الفتنة فكثير يدعون أو يدعى لهم الإلهية بنوع من الخوارق دون هذه

وآخرون يدعون النبوة وآخرون يدعون الولاية أو المهدية أو ختم الولاية أو الرسالة أو المشيخة وقد رأيت من هؤلاء طوائف

وفي الصحيحين من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي


484
هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله

وفي الصحيح عن سماك عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن بين يدي الساعة كذابين

قال سماك وسمعت أخي يقول قال جابر فاحذروهم

وقد روى مسلم في أوائل الصحيح من وجهين عن مسلم بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم


485

وهذا كما يدخل فيه من يحدث عن غيره فالذي يقول إنه يحدث عن قلبه عن ربه أو أنه يأخذ عن الله بلا واسطة وأنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذي يوحى به إلى الرسول وأنه يحدث بمقتضى الأقيسة القطعية أولى فإن هذا يدعي ما هو عنده أعلى وإن كان له نصيب من قوله تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله

وقد سأل بعضهم مالكا عن بعض من كان بالعراق من هؤلاء المبطلين فقال كلمة أو كلاما فيه هؤلاء الدجاجلة قال ما سمعت جمع دجاجلة إلا من مالك

وأصل الدجل التغطية والتمويه والتلبيس ومعلوم أن أتباع مسيلمة


486
الكذاب والأسود العنسي وطليحة الأسدي وسجاح كانوا مرتدين وقد قاتلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن مسيلمة إنما ادعى المشاركة في النبوة لم يدعي الألوهية ولا أتى بقرآن يناقض التوحيد بل جاء بكلام يتضمن ما ادعاه من الشركة في الرسالة وأسجاع من الكلام الذي لا فائدة فيه ولهذا قال أبو بكر لبعض بني حنيفة وقد استقرأهم شيئا من قرآن مسيلمة فلما قرأوه قال ويحكم أين يذهب بعقولكم إن هذا الكلام لم يخرج من إل


487

وذلك نحو قوله يا ضفدع بنت ضفدعين نقي ما تنقين لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين رأسك في الماء وذنبك في الطين

وقوله والزارعات زرعا والحاصدات حصدا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا أهالة وسمنا إن الأرض بيننا وبين قريش نصفين ولكن قريش قوم لا يعدلون

وقوله والفيل وما أدراك ما الفيل له زلوم طويل إن ذلك من خلق ربنا الجليل

ولما كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد فإني أشركت في الأمر معك فكتب النبي صلى الله عليه وسلم يقول من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد فإنك لو سألتني بياض هذه ما أعطيتك إياه

فمن ادعى أنه مؤمن بما يقوله هؤلاء وإن اتبع الرسول في الشرائع مع مشاركته له في مشاهدة ذلك فهو فوقه في التحقيق والعلم بالله لأنه يأخذ من حيث الملك الذي يوحي به إلى الرسول

فلا ريب أن هذا القول أعظم فرية من قول مسيلمة الكذاب لكن هؤلاء لم يكونوا طائفة ممتنعة يدا ويحاربون فيها المسلمون بل هم موافقون


488
في الظاهر على أنه لا رسول إلا محمد صلى الله عليه وسلم وأكثر أتباعهم لا يعلمون أن هذا قول رئيسهم

ثم منهم قوم منافقون لا يجهرون بذلك بين المسلمين كما كان مسيلمة يجهر بدعواه النبوة حتى كان مؤذنه يقول أشهد أن محمدا ومسيلمة رسولا الله ومن هؤلاء من هو في الباطن أكفر من المشركين فضلا عن أهل الكتاب ومنهم قوم يقرأون الكتب المتضمنة لذلك علانية وقد لا يفهمون ما فيها من الكفريات

وقد قال لي أفضل شيوخ هؤلاء بالديار المصرية لما أوقفته على بعض ما في هذا الكتاب مثل هذا الموضع وغيره فقال هذا كفر وقال لي في مجلس آخر هذا الكتاب عندنا من أربعين سنة نعظمه ونعظم صاحبه ما أظهر لنا هذه المصائب إلا أنت

ومنهم طائفة قد لا يكونون متعمدين الكذب لكنهم ملبوس عليهم الضلالة بحيث يظنون أن الرسول لم يعلم الحقائق وإنما علم الأعمال الظاهرة ويشركون في ذلك إخوانهم من المتفلسفة في نحو ذلك وتجد هؤلاء لا يعتمدون على الأمور العلمية والمسائل الخبرية عن الله تعالى وأسمائه وصفاته على كلام الله ورسوله وهذا من أصول الضلال التي وقع فيها أو في بعضها طوائف من أهل الزيغ والمنافقين

ومنهم طائفة يتأولون بعض هذه المقالات الكفرية إذا خاطبهم الجاهل الذي لا يفهم ما فيها أو يفوضون علمها إلى الشيخ ويقولون الشيخ أعلم


489
بما قال كأنه نبي معصوم مع كثرة ما في كلامه من الباطل والكذب والجهل وإن لم يكن كفرا مع ما فيها من الكفر بل قول هؤلاء يتضمن تعطيل التوحيد وحقيقة الرسالة وهما أصلا الإسلام

وقد تتضمن أيضا تعطيل الإيمان بما في اليوم الآخر من الثواب والعقاب بل ويتضمن أيضا تعطيل ما جاءت به الرسل من الأمر والنهي فهذه أصول الإيمان في كل ملة وزمان الإيمان بالله ورسله وباليوم الآخر والعمل الصالح قال تعالى إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون

وقال تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين

وقال تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله

وفي حديث جبريل الذي في الصحيح من حديث أبي هريرة في مسلم ومن حديث عمر وهو طويل في أول مسلم قال ما الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره


490
وشره وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة

وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون

وقال تعالى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى

ولما كان هؤلاء من إخوان القرامطة الفلاسفة الباطنية وأولئك بدلوا الأصول الثلاثة التي هي أصول السعادة في كل ملة الإيمان بالله وباليوم الآخر والعمل الصالح كما ذكر ذلك في سورة البقرة والمائدة فذكر الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين بقوله تعالى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون وفي البقرة فلهم أجرهم عند ربهم

فالقرامطة فالقرامطة الذين يضاهئون الصابئة الفلاسفة والمجوس الثنوية عطلوا وحرفوا الإيمان بالله وكذلك الإيمان باليوم الآخر وكذلك العمل الصالح حتى جعلوا ما جاءت به الشريعة من أسماء الأعمال إنما هي رموز


491
وإشارات إلى حقائقهم كقولهم إن الصلاة معرفة أسرارنا والصيام كتمان أسرارنا والحج زيارة شيوخنا المقدسين وأمثال ذلك كان في كلام هؤلاء من التعطيل والتحريف للإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ما ضاهوهم به وكما أن مذهب القرامطة وإلحادها ونفاقها لم يكن يظهر ابتداء لمن اتبعهم من الشيعة بل كانوا أولئك يظنون أنهم متبعون للشريعة وكان في الشيعة من البدعة من والوهم عليه مع تمسك الشيعة بما هم عليه من الإسلام كذلك قول هؤلاء لا يظهر ابتداء لمن اتبعهم من مفرط في معرفة السنة من متجهم ضعيف في التصوف أو في التفقه بل يكون فيه من البدعة والأهم عليه وهو متمسك بما هو عليه من الإسلام ولكن المحققون منهم لطريقهم هم الذين يصيرون مثل القرامطة كما قيل لأفضل محققيهم وقد قرىء عليه الفصوص هذا يخالف القرآن فقال القرآن كله شرك وإنما التوحيد في كلامنا

وقال لا فرق بين الزوجة والأم عندنا ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا عليكم

ولهذا تجد المحقق منهم يستحل المحرمات من الخمر والفواحش وترك


492
الصلوات والكذب وموالات اليهود والنصارى بل يكون أعظم شرا في الباطن من اليهودي والنصراني المتمسك بشريعته المبدلة المنسوخة ولكن في اليهود والنصارى من هو شر منهم لموافقته لهم على هذا الإلحاد ولما كانت القرامطة إنما لبسوا على الناس بدخولهم من باب موالاة أولياء الله من أهل البيت كذلك دخل هؤلاء من من باب موالاة أولياء الله ولما كان في غلاة الشيعة من يعتنق نبوة علي أو ألوهيته وكان أيضا في غلاة المتنسكة من يعتقد في بعض المشايخ إلاهية أو نبوة كان هؤلاء كذلك وزادوا على ذلك حيث جعلوا خاتم الأولياء أعلى من جميع الأنبياء والرسل حتى خاتم الرسل وجعلوا الإلهية في كل شيء

ولما كان للقرامطة في الدعوة مراتب كذلك لهؤلاء في إلحادهم مراتب فأول ذلك زعمهم أن الولاية أفضل من النبوة والنبوة أفضل من الرسالة وينشدون

مقام النبوة في برزخ
فويق الرسول ودون الولي

وهذا مما يبوحون به لعوامهم ويناظرون الناس عليه ويقولون ولاية النبي أفضل من نبوته ونبوته أفضل من رسالته لأن ولايته اتصاله بالله والنبوة إخبار الحق له والرسالة تبليغه للناس والأول أرفع فهذه مقدمة

ثم يقولون والولاية باقية إلى يوم القيامة وتلك الولاية بعينها التي


493
كانت للرسول هي باقية في أمته فتارة يقولون هي في كل زمان لشخص وتارة يقولون هي لخاتم الأولياء

وهؤلاء قد يعظمون الإمام أحمد جدا والشيخ عبد القادر جدا فإن ابن عربي يعظم هذين جدا وينتسب في الخرقة إلى الشيخ عبد القادر وهم يغلون في ذلك حتى أنه كان كثير من شيوخهم له غلو في الشيخ عبد القادر فأخذ يفسر ما ينقل عنه من أنه قيل له يا سيد الخلق بعد الحق وأصحابه المقتصدون يفسرون ذلك بسيد أهل زمانه فزعم هذا الشيخ أنه سيد الخلق مطلقا بناء على أن الولاية المحمدية قائمة به ومن اتصف بها كان السيد مطلقا وجرى هذا بمجلس كنت فيه وكان فيه أحد المشايخ من أولاد الشيخ عبد القادر وهو رجل مسلم لا يعتقد شيئا من هذا لكن ذكر صاحب المجلس هذا عن ذلك الشيخ الغالي وأن آخر رد عليه وكان هذا الراد قد اعتدى علينا فقلت الصواب مع هذا الراد كائنا من كان فإن الحق يجب اتباعه من كل أحد والباطل يجب رده على كل أحد وهذا باطل ما يقوله مسلم فإن الولاية القائمة بالنبي صلى الله عليه وسلم هي بعينها لا تنتقل إلى أحد وأما مثلها فلم يحصل لأبي بكر وعمر ولا لأحد من الأنبياء والرسل


494
فضلا عن أن تحصل للشيخ عبد القادر أو غيره وهذا من جنس ما تدعيه الرافضة الإمامية من العصمة عن علي وغيره ويجعلونهم مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بالشام طائفة منهم سألوا مرة أبا البقاء خلف بن يوسف النابلسي الشيخ المحدث المشهور فقالوا يا زين الدين أنت تقول إن مولانا أمير المؤمنين عليا ما كان معصوما فقال ما أخفيكم شيئا وكان يقول مثل هذا كثيرا أبو بكر وعمر عندنا خير منه وما كانا معصومين

وأقبح من غلو هؤلاء ما كان عليه المتسمون بالموحدين في متبوعهم الملقب بالمهدي محمد بن التومرت الذي أقام دولتهم بما أقامها به من الكذب والمحال وقتل المسلمين واستحلال الدماء والأموال فعل الخوارج المارقين ومن الإبتداع في الدين مع ما كان عليه من الزهد والفضيلة المتوسطة ومع ما ألزمهم به من الشرائع الإسلامية والسنن النبوية فجمع بين خير وشر لكن من أقبح ما انتحلوه فيه خطبتهم له على المنابر بقولهم الإمام المعصوم والمهدي المعلوم

وبلغني أن بعض عقلاء خلفائهم جمع العلماء فسألهم عن ذلك فسكتوا


495
خوفا لأنه كان من تظاهر بإنكار شيء من ذلك قتل علانية إن أمكن وإلا قتل سرا ويقال أنهم قتلوا القاضي أبا بكر بن العربي والقاضي عياضا السبتي وغيرهما

وجهالهم يغلون في ابن التومرت حتى يجعلوه مثل النبي صلى الله عليه وسلم وينشدون

إذا كان من بالشرق في الغرب مثله
فللوا له المشتاق أن يتحيرا

وهم يقولون في الخطبة الذي أيد بالحكمة فكان أمره حتما واكتنف بالعدل اللائح والنور الواضح الذي ملأ الأرض فلم يدع فيها ظلاما ولا ظلما

وقد اتفق المسلمون على أنه ليس من المخلوقين من أمره حتم على الإطلاق إلا الرسل الذين قال الله تعالى فيهم وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله وأما من دونهم فيطاع إذا أمر بما أمروا به وأما إذا أمربخلاف ذلك لم يطع كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من


496
أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني

وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث أميرا على سرية قال على المرء السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية الله فإذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة

وقد قال الصديق رضي الله عنه لما تولى أيها الناس القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق والضعيف فيكم القوي عندي حتى آخذ له الحق

وقال أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم وبلغني أن ذلك المستخلف لما جمع العلماء وسألهم عن قولهم المعصوم وأمسك الأكثرون قام بعضهم فقال قد أجمع المسلمون وأهل السنة أو العلماء أو كما قال على أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وأجمعوا أنه لم يكن معصوما وانفض المجلس على بطلان قولهم المعصوم وأزيلت من المنابر إما من ذلك المجلس أو غيره وقد اتفق أئمة الدين على أنه لا معصوم في الأمة غير رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقول بعضهم النبي معصوم والولي محفوظ إن أراد بالحفظ ما يشبه العصمة فهو باطل وهذا باب دخل منه الضلال على طوائف ضاهوا النصرانية


497
كما قال تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فكانت تلك عبادتهم

وقال تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا هذا حق الخالق

ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله وهذا حق المخلوق فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون

فتارة يجعلون في المعظمين من البشر نوعا من الإلهية وهذا قد ظهر قبحه وبطلانه أكثر من القسم الثاني وهو أنهم يضاهون بالرسل المعظمين من غير الرسل وكل من هذين خلل في الشهادتين اللتين هما أصل الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين والمرسلين


498

وأما الغلاة من الرافضة وأشباههم الذين يصرحون بعصمة من يعظمونه من الأئمة والمشايخ والعلماء فضلا لهم أظهر من ضلال طائفة أخرى وهم لا يقولون أنهم معصومون لكن يعاملونهم معاملة المعصوم حتى قد يعادى أحدهم من يقول عن أحدهم أنه أخطأ وإن كان القائل معظما لمن قال ذلك فيه مكرما له مجلا له ولم يقل ذلك على وجه الانتقاص ولكن البيان أنه لا معصوم إلا رسول الله وأن من سواه يصيب ويخطىء بل قد يستحل عقوبته أو أذيته للقول الذي أجمع أئمة الدين على أنه الحق الذي يجب اعتقاده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في تعبير الرؤيا أصبت بعضا وأخطأت بعضا والحديث في الصحيحين وكما قال صلى الله عليه وسلم لما ذكرت له سبيعة عن أبي السنابل بن بعكك أنه قال ما أنت بناكحة حتى تعتدي الأجلين فقال كذب أبو السنابل حللت فانكحي

وهذه الفتيا قد أفتى بها علي وابن عباس


499

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر

وقال إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه وفي الترمذي لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر وقال ابن عمر ما سمعت عمر يقول لشيء كذا وكذا إلا كان كما كان يقول

وقال علي كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر

ومع هذا فقد كان الصديق الذي هو أفضل منه يقومه في أشياء كثيرة كما قومه يوم صلح الحديبية ويوم موت النبي صلى الله عليه وسلم بل كان آحاد الناس يبين


500
له الصواب فيرجع إلى قوله كما راجعته امرأة في قوله لئن بلغني أن أحدا زاد على صداقه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته إلا رددت الفضل في بيت المال فقالت له امرأة لم تحرمنا شيئا أعطانا الله إياه وقرأت قوله تعالى وآتيتم إحداهن قنطارا فرجع إلى قولها وأمثال هذا ولما كان أهل العراق يحتجون على الشافعي بقول علي وعبد الله جمع كتاب اختلاف علي وعبد الله وذكر كثيرا من المسائل التي ترك الناس فيها قولهما والسنة بخلاف ذلك وأعظم الناس موافقة للسنة أبو بكر الصديق فإنه لا يكاد يحفظ له مسألة يخالف بها النص كما حفظ لغيره من الخلفاء والصحابة ومع هذا فقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم ذكره وهذا كله لاينازع فيه أحد من أهل العلم والدين ولكن ابتلى المسلمون بجهال وضلال يدعون الحقائق والأحوال وهم لم


501
يعرفوا معرفة عموم المسلمين من النساء والرجال

وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فعصمته فيما استقر تبليغه من الرسالة باتفاق المؤمنين كما قال الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم

وليس هذا موضع ذكر تنازع الناس هل كان الإلقاء في السمع أو في اللفظ إذ لا نزاع بين الأئمة في أنه لا يقر على ما هو خطأ في تبليغ الرسالة فإن معصوم الرسالة لا يحصل مع تجويز هذا

وأما تنازع الناس في غير هذا كتنازعهم في وقوع الخطأ والصغائر فإنهم أيضا لا يقرون على ذلك فإذا قيل هم معصومون من الإقرار على ذلك كان في ذلك احتراز من النزاع المشهور بل إذا كان عامة السلف والأئمة وجمهور الأمة يجوز ذلك على الأنبياء ويقولون هم معصومون من الإقرار على الذنوب ويقولون وقوع ما وقع إنما كان لكمال النهاية لا لتفضيل البداية فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين كما دل الكتاب والسنة والآثار على ذلك

وما في ذلك من التأسي والاقتداء بهم فكيف يغيرهم لكن غيرهم ليس معصوما من الإقرار على خطأ إذ أفضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون ولا يقدح في صديقيتهم وقوع الخطأ منهم بل لولا ذلك لكان الصديق


502
بمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم والذين يغلون في هؤلاء هو أن قصد تعظيمهم بذلك فيه غض ونقص بمن هو خير منهم وهم الأنبياء والرسل كما أن الذي يغلو في الأنبياء والرسل يكون غلوه عيبا وغضا بالألوهية كما قال تعالى ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون

وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله

وقال تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا

وقال تعالى قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل


503
وهؤلاء يسبون الله كما كان معاذ بن جبل يقول لا ترحموهم فقد سبوا الله مسبة ما سبه بها أحد من البشر

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله يجعلون له ولدا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم وفي الصحيح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي فقوله أن لي ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته

والله سبحانه وتعالى له حقوق لا يشركه فيها أحد ورسله لهم حقوق لا يشركهم فيها غير الرسل والإقرار بهذين هو أصل الإسلام فحق الله تعالى أن نعبده ولا نشرك به شيئا كما في الصحيحين عن معاذ بن جبل قال


504
قال النبي صلى الله عليه وسلم يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده قلت الله ورسوله أعلم قال حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت الله ورسوله أعلم قال أن لا يعذبهم وقد أخبر الله سبحانه عن كل من المرسلين كنوح وهود وصالح أنه قال اعبدوا الله ما لكم من إله غيره وقال فاتقوا الله وأطيعون وقال ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون فالطاعة لله ولرسله المبلغين عنه كما قال تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله

وأما الخشية والتقوى فلله وحده وقال تعالى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا فالتسبيح لله وحده والتعزير والتوقير للرسول والإيمان بالله ورسوله وقال تعالى إياك نعبد وإياك نستعين وقال تعالى فلا تخشوا الناس واخشون


505
وقال إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين وقال عن إبراهيم فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له وقال تعالى اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون

وقال فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب وقال تعالى وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وقال قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له وقال تعالى من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وقال ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وقال ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع وقال قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا وقال تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله

ومثل هذا في القرآن كثير بل هذا هو أصل المقصود بالقرآن وأما


506
الرسول فقد قال تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم

وقال تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره وقال تعالى يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه وقال تعالى ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله

ففي التوكل قالوا حسبنا الله ولم يقولوا ورسوله وفي الإيتاء قالوا سيؤتينا الله ورسوله لأن الإيتاء المحمود لا بد أن يكون مما أباحه الرسول وأذن فيه مبلغا عن الله وإلا فمن أوتي ملكا أو مالا غير مأذون له فيه شرعا كان معاقبا عليه وإن جرت به المقادير إذ يجب الفرق بين الإيتاء الكوني والديني كما يجب الفرق بين القضاء الكوني والديني والأمر الكوني والديني والحكم الكوني والديني والإرادة الكونية والدينية والكلمات الكونية والدينية والإذن الكوني والديني والبعث الكوني والديني والإرسال الكوني والديني وأشباه ذلك مما دل القرآن على الفرق بينهما فما كان موافقا للشريعة التي بعث بها رسوله فهو الدين الذي يقوم


507
به المؤمنون وما كان مخالفا لذلك وإن كان قدره الله ويكون شرا في حق صاحبه وعقوبة وكان عاقبته فيه عاقبة سوء فإن العاقبة للمتقين ولا حجة لأحد بالقدر بل المحتج به حجته داحضة والمعتذر به عذره غير مقبول وقال تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون وقال تعالى يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول

وقال تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير

وقال تعالى ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب

وقد ذكر طاعة الرسول في أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن فهذا وأمثاله من حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم

وأما المؤمنون وولاة الأمور من العلماء والأمراء ومن يدخل في ذلك من المشايخ والملوك فلهم حقوق بحسب ما يقومون به من الدين فيطاعون في طاعة الله ويجب له من النصيحة والمعاونة على البر والتقوى وغير ذلك ما هو


508
من حقوقهم لعموم المؤمنين أيضا من المناصحة والموالاة وغيرها من الحقوق ما دل عليه الكتاب والسنة وليس هذا موضع تفصيل ذلك

وكل من جعل غير الرسول بمنزلة الرسول في خصائص الرسالة فهو مضاه لمن جعل معه رسولا آخر كمسيلمة ونحوه وإن افترقا في بعض الوجوه ثم يكون هؤلاء شرا إذا فضلوا متبوعهم على الرسول وقد يكون اتباع مسيلمة شرا إذا كان متبوع هؤلاء مؤمنا بالله ورسوله ولم يفضلوه على الرسول

ولما أظهرت ما في كتب هؤلاء من النفاق والإلحاد أخذ بعض من يقول بتفضيل الولي على الرسول ونحو ذلك يتأولون ذلك على ما تقدم ذكره من تفضيل ولاية الرسول على نبوته ورسالته حتى خاطبني في ذلك بعضهم وأخذ يتأول كلام ابن عربي في استفادة الأنبياء والرسل من مشكاة ناره لأنه هو ولاية الرسول والرسل يستفيدون من مشكاة خاتم الرسل فيلزم أنهم يستفيدون من مشكاة خاتم الأولياء فأخذت أولا أوقفه على ألفاظ ابن عربي المتقدمة التي كتبتها هنا حيث ذكر فيها إن هذا العلم الذي هو تحقيقهم وتوحيدهم وحقيقته التعطيل ليس إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة خاتم الأولياء حتى أن الرسل لا يروونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فإن الرسالة والنبوة أعني نبوة التشريع ورسالته ينقطعان والولاية لا تنقطع أبدا فالمرسلون من كونهم أولياء لا


509
يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فكيف بمن دونهم من الأولياء وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فلذلك لا يقدح في مقدمه ولا يناقض ما ذهبنا إليه فإنه من وجه يكون أعلى ومن وجه يكون أنزل

فقد صرح في هذا الكلام بعد أن زعم أن الأنبياء والرسل لا يرونه إلا من مشكاة خاتم الرسل وأن الأنبياء والرسل أيضا لا يرونه أيضا إلا من مشكاة خاتم الأولياء لكونهم أيضا أولياء ثم أعاد قوله فقال فالمرسلون من كونهم أيضا أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء

وهذا تصريح بأن ولايتهم القائمة بهم دون ولاية خاتم الأولياء ضد ما يتظاهرون به ثم صرح بأن خاتم الأولياء أعلى من خاتم الأنبياء من وجه وصرح فيما بعد بأنه موضع لبنتين

فقال فهو موضع اللبنة الفضية وهو ظاهره ومايتبعه فيه من الأحكام كما هو آخذ عن الله في السر ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه فإنه يرى الأمر على ما هو عليه فلا بد أن يراه هكذا

فزعم أنه مع متابعته له في الأحكام الظاهرة يأخذ عن الله في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه وهذا مقام مسيلمة الكذاب


510

ولا ريب أن هارون وإن كان نبيا مع موسى فلم يكن معه بهذه المنزلة بل كان موسى يبلغه عن الله ما لم يكن يأخذه هارون عن الله وهذا ادعى أنه مع محمد فوق ما كان هارون مع موسى ولم يرض بذلك بل هذا في الأحكام الظاهرة فقط وهذا أيضا مقام الذين إذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله وهذا يزعم أنه قد أوتي مثل ما أوتي رسل الله

ثم قال وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول

فزعم أنه يأخذ من فوق الملك والرسول يأخذ من الملك فهو أعلى منه في أعلى القسمين وهو علم التحقيق والمعرفة كما قال في أثناء كلامه فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء وفي كل مرتبة وإنما نظر الرجال إلى التقدم في رتبة العلم بالله فهناك مطلبهم وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها

وإذا كان متقدما على الرسول في أعلى القسمين وهو العلم ومشارك له في العلم بالأحكام فمعلوم أن مسيلمة الكذاب لم يدع مثل هذا ولا


511
المختار بن أبي عبيد الكذاب الذي ثبت فيه الحديث الذي في صحيح مسلم عن أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وسيكون في ثقيف كذاب ومبير

فالمبير كان هو الحجاج

والكذاب هو المختار بن أبي عبيد

وقد قيل لابن عمر أو لابن عباس أن المختار يزعم أنه يوحى إليه فقال صدق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون

وقيل لآخر إن المختار يزعم أنه ينزل عليه فقال صدق هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم

فلما اربت هذا لمن كان يعظمهم غاية التعظيم ويتأول كلامهم على


512
ما تقدم انبهر حيث رآه قد صرح بالتفضيل على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء وأنهم يأخذون من مشكاة ولاية نفسه لا من ولاية الرسول ثم بينت له بطلان تلك الأصول بأن أحدا من الرسل لم يأخذ عن الآخر هذا العلم لوجهين

أحدهما أن هذا إلحاد وتعطيل لا يعتقده إلا زنديق فكيف يعتقده رسول

الثاني أن الرسل أوصى الله إليهم وعلمهم ما علمهم لم يحلهم في ذلك على من يخلق بعد فقد تيقن أن قول هؤلاء يستلزم قول الدجال بخلاف مسيلمة ونحوه ممن تعمد للكذب وبخلاف القرامطة وما استلزم الباطل فهو باطل

وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليستعذ بالله من اربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال

وفي لفظ له وإذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال

وفي رواية طاوس سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عوذوا


513
بالله من عذاب النار عوذوا بالله من عذاب القبر عوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال عوذوا بالله من فتنة المحيا والممات وروى الأعرج عن أبي هريرة مثله

وفي إفراد مسلم عن أبي الزبير عن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول قولوا اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات

قال مسلم بلغني أن طاوسا قال لابنه دعوت بها في صلاتك قال لا قال أعد صلاتك

وهذا الذي ذكره عن طاوس قول طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم يرون وجوب هذا الدعاء ولا ريب أنه أوكد الأدعية المشروعة في هذا الموضع فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه أمر بدعاء بعد التشهد إلا هذا الدعاء وإنما نقل عنه أنه كان يقول أدعية مشروعة وأمره


514
أوكد من فعله باتفاق المسلمين ولهذا كان الذين ذكروا هذا الدعاء في هذا الموضع من المصنفين أعلم بالسنة واتبع لها ممن ذكر غيره ولم يذكره

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه بهذا التعوذ خارج الصلاة أيضا وقد جاء مطلقا ومقيدا في الصلاة ومعلوم أن ما ذكر معه من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات أمر به كل مصل إذ هذه الفتن مجرية على كل أحد ولا نجاة إلا بالنجاة منها فدل على أن فتنة الدجال كذلك ولو لم تصب فتنته إلا مجرد الذين يدركونه لم يؤمر بذلك كل الخلق مع العلم بأن جماهير العباد لا يدركونه ولا يدركه إلا أقل القليل من الناس المأمورين بهذا الدعاء وهكذا إنذار الأنبياء إباه أممهم حتى أنذر نوح قومه يقتضي تخويف عموم فتنته وإن تأخر وجود شخصه حتى يقتله المسيح بن مريم عليه السلام وكثيرا ما كان يقع في قلبي أن هؤلاء الطائفة ونحوهم أحق الناس باتباع الدجال فإن القائلين بالإتحاد أو الحلول المعين كقول النصارى في المسيح والغالية الهالكة في علي أوفيه وفي غيره كما ذهب إلى ذلك طوائف من غلاة الشيعة وغلاة المتصوفة لا يمتنع على قولهم أن يكون الدحال ونحوه هو الله فكيف القائلون بالوحدة أو الإتحاد أو الحلول المطلق الذين يجعلون فرعون والعجل والأصنام وغير ذلك هي عين الحق كما تقدم

وقد كان يعرض لكثير من الناس إشكال في كون النبي صلى الله عليه وسلم قال في الدجال أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور فقالاي حاجة إلى نفي ربوبيته


515
بدليل العور مع كثرة الأدلة التي يعلم بها كذبه وكذب كل بشر قال إنه الله حتى أن طائفة من أهل الكلام إخوان أولئك الإتحادية في النفي كالرازي كذبوا هذا الحديث وقالوا النبي صلى الله عليه وسلم أجل من أن يحتاج في نفي الربوبية إلى أن يدل أمته بهذا

واعلم أن الحديث ثابت متفق عليه مستفيض من وجوه

منها حديث ابن عمر المتقدم الذي سقناه في مسلم وهو في الصحيحين وفيه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو له أهل ثم ذكر الدجال فقال إني لأنذركموه ما من نبي إلا وقد أنذره قومه لقد أنذره نوح قومه ولكني أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور وفي لفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال بين ظهراني الناس فقال إن الله ليس بأعور ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من نبي إلا قد أنذر أمته الأعور الكذاب إلا إنه أعور وأن ربكم ليس بأعور بين عينيه ك ف ر


516

وفي رواية مكتوب بين عينيه ك ف ر أي كافر

وفي رواية الدجال ممسوح العين مكتوب بين عينيه كافر أتهجاها ك ف ر يقرؤه كل مسلم

وفي الصحيح من حديث حذيفة إن الدجال مسموح العين عليها ظفرة غليظة مكتوب بين عينه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب

واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور لأن ذلك وحده هو الدليل على كذبه وامتناع دعواه وأنه لولا العور لم تكن هناك أدلة أخرى يبين ذلك أنه قال لأقولن لكم فيه قولا لم يقله نبي لأمته أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور

ولو كان هذا هو الدليل وحده على نفي ربوبيته لم يعلم كذبه بدون ذلك لوجب على الأنبياء كلهم أن يبينوا ذلك لوجوب بيان كذبه عليهم بل قد ذكر مع ذلك أدلة أخرى منها

أنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن

ومنها أن أحدا منا لن يرى ربه حتى يموت


517

ومنها أن جنته نار وناره جنة كما في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم عن الدجال حديثا ما حدث به نبي قومه إنه أعور وأنه يجيء معه مثل الجنة والنار فالتي يقول إنها الجنة هي النار وإني أنذركم به كما أنذر به نوح قومه

وفي الصحيح أيضا عن حذيفة وعقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدجال يخرج وأن معه ماء ونارا فالماء الذي يراه الناس ماء فنار تحرق وأما الذي يراه الناس نارا فماء بارد وعذب من أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارا فإنه ماء عذب طيب

ذكر صلى الله عليه وسلم هذه العلامات الظاهرة فإن فتنة الدجال أعظم فتنة تكون في الدنيا

وفي الصحيح عن هشام بن عامر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال وهو يخرج بعد


518
بلاء شديد يصيب الناس وشبهات عظيمة مع رغبة عظيمة ورهبة عظيمة ويتبعه أكثر الناس حتى اليهود مع دعواهم الكتاب هم أكثر الناس تبعا له

كما جاء في الصحيح عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون الفا عليهم الطيالسة

وإذا كان قوم موسى قد عبدوا العجل واعتقدوا أنه الله وفيهم هارون نبي الله نهاهم فلم ينتهوا حتى رجع إليهم موسى وألقى الألواح

والنصارى فهم متفقون على أن المسيح هو الله تعالى الله علوا كبيرا ويقولون مع ذلك هو ابن الله

أيضا فكيف يمتنع على قولهم أن يقال ذلك في بشر

وهؤلاء الذين يدعون الفلسفة والكلام والتصوف وهم يدعون أنهم أكمل الناس معرفة بالتوحيد والتحقيق وأتبع الناس للشريعة وغيرها ويفضلون أنفسهم على الرسل ولا ريب أنهم من أحذق الناس في الفلسفة ويقولون أنه يظهر في كل صورة ويقولون أن عباد العجل ما عبدوا إلا الله كما قال ابن عربي في الفصوص ثم قال هارون لموسى عليهما السلام إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل فتجعلني سببا في تفريقهم فإن عبادة العجل ظهرت بينهم فكان فيهم من عبده إتباعا للسامري


519
وتقليدا له ومنهم من توقف عن عبادته حتى يرجع إليهم موسى فيسألونه عن ذلك فخشي هارون أن ينسب ذلك التفريق بينهم إليه فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه وما حكم الله بشيء إلا وقع فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فإن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء

إلى أن قال فكان عدم قوة أرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسلط على العجل كما تسلط موسى عليه حكمة من الله تعالى ظاهرة في الوجود ليعبد في كل صورة وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية فإذا كان الأمتان الكتابيتان اليهود والنصارى اعتقدوا ما تقدم في إنسان وعجل

وكذلك الغلاة من هذه الأمة المضاهون لكفار أهل الكتاب وهؤلاء الصابئة الفلاسفة وإن انتسبوا إلى الملل يقولون ما هو أبلغ من ذلك من ظهوره في كل صورة فيكيف بمن هو أبعد من هؤلاء الطوائف عن العلم والإيمان ولهذا لا يخلص من فتنة الدجال إلا المؤمنون صرفا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم


520

وقد كان عندنا بدمشق الشيخ المشهور الذي يقال له ابن هود وكان من أعظم من رأيناه من هؤلاء الإتحادية زهدا ومعرفة ورياضة وكان من أشد الناس تعظيما لابن سبعين ومفضلا له عنده على ابن عربي وغلامه ابن إسحاق وأكثر الناس من الكبار والصغار كانوا يطيعون أمره وكان أصحابه الخواص به يعتقدون فيه أنه الله وأنه أعني ابن هود هو المسيح بن مريم ويقولون إن أمه كان اسمها مريم وكانت نصرانية ويعتقدون أن قول النبي صلى الله عليه وسلم ينزل فيكم ابن مريم هو هذا وأن روحانية عيسى تنزل عليه

وقد ناظرني في ذلك من كان أفضل الناس إذ ذاك معرفة بالعلوم الفلسفية وغيرها مع دخوله في الزهد والتصوف وجرى لهم في ذلك مخاطبات ومناظرات يطول ذكرها جرت بيني وبينهم حتى بينت لهم فساد دعواهم بالأحاديث الصحيحة الواردة في نزول عيسى بن مريم وأن ذلك الوصف لا ينطبق على هذا وبينت فساد ما دخلوا فيه من القرمطة حتى ظهرت مباهلتهم وحلفت لهم أن ما ينتظرونه من هذا لا يكون ولا يتم وأن الله لا يتم أمر هذا الشيخ فأبر الله تلك الأقسام والحمد لله رب العالمين هذا مع تعظيمهم لي


521
بمعرفتي عندهم وإلا فهم يعتقدون أن سائر الناس محجوبون جهال بحقيقتهم وغوامضهم وإلا فمن كان عند هؤلاء يصلح أن يخاطب بأسرارهم إنما الناس عندهم كالبهائم حتى قال لي شيخ مشهور من شيوخهم لما بنت له حقيقة قولهم فأخذ يستحسن ويعظم معرفتي بقولهم وقال هؤلاء الفقهاء صم بكم عمي فهم لا يعقلون فقلت له هب أن الفقهاء كذلك أبا لله أهذا القول موافق لدين الإسلام فيتحير المجتهدون ويضطربون إذا شبه عليهم

وقال لي بعض من كان يصدق هؤلاء الإتحادية ثم رجع عن ذلك فكان من أفضل الناس ونبلائهم وأكابرهم ما المانع من أن يظهر الله في صورة بشر والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الدجال أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور فلولا جواز ظهوره في هذه الصورة لما احتاج إلى هذا في كلام له وأخذ يحتج بذلك على إمكان أن يكون ابن هود الله فبينت له امتناع ذلك من وجوه وتكلمت معه في ذلك بكلام طال عهدي به لست أضبطه الآن حتى تبين له بطلان ذلك وذكرت له أن هذا الحديث لا حجة فيه والله سبحانه قد بين عبودية المسيح وكفر من ادعى فيه الإلهية بأنواع غير ذلك كقوله تعالى ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام فأكل الطعام لازم لكل بشر


522

وقال تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا

وقال تعالى لا تأخذه سنة ولا نوم

وقال تعالى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وأمثال ذلك واعلم أن ما تذكره النفاة المدعون للتنزيه من المتفلسفة والمتكلمة على نفي كونه جسما أو جوهرا أو متحيزا أو منقسما أو كونه في جهة أو متحركا ونحو ذلك لم يفدهم شيئا من هذا العام ولا أوجب اعتقاد نفي الإلهية في المسيح والدجال فإن هؤلاء بعينهم هم الذين يعتقدون إلاهية المسيح الدجال والمسيح بن مريم ونحوهما مع تصريحهم بوصف الرب بتلك الصفات السلبية وذلك أنهم إما أن يقولوا تدرع اللاهوت بالناسوت وحل به أو ظهر فيه أو هذه مظاهر ومجالي الإلهية أو تعات الحق أو نحو ذلك من مقالات الإتحاد والذي شاهدناه أن أحذق الناس في الفلسفة والنفي والتنزيه كان أتبع الناس لهؤلاء إذ هم بزعمهم يجمعون بين التنزيه والتشبيه في كل ما يصفونه به حتى وصفوه بكل عيب وكل نقص وكل صفة لمحدث كما قال صاحب الفصوص ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص وبصفات الذم ألا ترى


523
المخلوق يظهر بصفات الحق من أولها إلى آخرها وكلها حق له كما هي صفات المحدثات حق للحق

وقال أيضا ومن أسمائه الحسنى العلي على من وما ثم إلا هو فهو العلي لذاته أو عن ماذا وما هو إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو إلى أن قال فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره وما ثم من يراه غيره وما ثم من يبطن عنه فهو ظاهر لنفسه باطن عنه وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات إلى أن قال ومن عرف ما قررناه في الأعداد وأن نفيها عين إثباتها علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه وإن كان قد تميز الخلق من الخالق فالأمر الخالق المخلوق والأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين واحدة لا بل هو العين الواحدة وهو العيون الكثيرة فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر والولد عين أبيه فما رأى يذبح سوى نفسه وفديناه بذبح عظيم فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان وظهر بصورة ولد لا بل بحكم ولد من هو عين الوالد وخلق منها زوجها فما


524
نكح سوى نفسه إلى أن قال فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية بحيث لا يمكن أن يفوته نعت منها وسواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك إلا لمسمى الله تعالى خاصة

فصرح بأن الحق المنزه هو الخلق المشبه وصرح بأنه المنعوت بكل نعت مذموم ومحمود وصرح بأنه أبو سعيد الخراز وغيره من أسماء المحدثات كما صرح بأن المسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو وقال أيضا اعلم أن التنزيه عند أهل الحقائق هو في الجناب الإلهي عين التحديد والتقييد فالمنزه إما جاهل وإما صاحب سوء أدب ولكن إذا أطلقناه وقالا به فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نزه ووقف عند التنزيه ولم ير غير ذلك فقد أساء الأدب وكذب الحق والرسل صلوات الله عليهم وهو لا يشعر ويتخيل أنه في الحاصل وهو في الفائت وهو كمن آمن ببعض وكفر ببعض ولا سيما وقد علم أن ألسنة الشرائع الإليهة إذا نطقت عن الحق تعالى لما نطقت به إنما جاءت به في العموم على المفهوم الأول


525
وعلى الخصوص على كل مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ ثان إن كان في وضع ذلك اللسان فإن للحق في كل خلق ظهورا فهو الظاهر من كل مفهوم وهو الباطن عن كل فهم إلا عن فهم من قال إن العالم صورته وهويته إلى أن قال وهو الإسم الظاهر كما أنه بالمعنى روح ما ظهر فهو الباطن فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبر للصورة فيوجد في حد الإنسان مثلا ظاهره وباطنه وكذلك كل محدود فالحق تعالى محدود بكل حد وصور العالم لا تنضبط ولايحاط بها ولا يعلم حدود كل صورة منها إلا على قدر ما حصل لكل عالم من صورة فكذلك يجهل حد الحق فإنه لا يعلم حده إلا بعلم حد كل صورة وهذا محال حصوله فحد الحق محال وكذلك من شبهه وما نزهه فقد قيده وحدده وما عرفه ومن جمع في معرفته بين التنزيه والتشبيه ووصفه بالوصفين على الإجمال لأنه يستحيل ذلك على التفصيل


526
لعدم الإحاطة بما في العالم من صور فقد عرفه مجملا لا على التفصيل كما عرف نفسه مجملا لا على التفصيل وكذلك ربط النبي صلى الله عليه وسلم معرفة الحق بمعرفة النفس فقال من عرف نفسه فقد عرف ربه وقال تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وهو ما خرج عنك وفي أنفسهم وهو عينك حتى يتبين لهم أي للناظر أنه الحق من حيث أنك صورته وهو روحك فأنت له كالصورة الجسمية لك وهو لك كالروح المدبر لصورة جسدك والحد يشمل الظاهر والباطن منك فإن الصورة الباقية إذا زال عنها الروح المدبر لها لم تبق إنسانا ولكن يقال فيها أنها صورة تشبه صورة الإنسان فلا فرق بينها وبين صورة من خشب أو حجارة ولا ينطلق عليها إسم إنسان إلا بالمجاز لا بالحقيقة وصورة العالم لا يمكن زوال الحق عنها أصلا فحد الألوهية له بالحقيقة لا بالمجاز كما هو حد الإنسان إذا كان حيا وكما أن ظاهر صورة الإنسان تثنى بلسانها على روحها ونفسها والمدبر لها كذلك جعل الله صورة العالم تسبح بحمده ولكن لا نفقه تسبيحهم لأنا لا نحيط بما في العالم من الصورة فالكل ألسنة للحق


527
ناطقة بالثناء على الحق ولذلك قال الحمد لله رب العالمين أي إليه ترجع عواقب الثناء فهو المنزه المثنى عليه وأنشد

فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدا
وإن قلت بالتشبيه كنت محددا

وإن قلت بالأمرين كنت مسددا
وكنت إماما في المعارف سيدا

فمن قال بالإشفاع كان مشركا
ومن قال بالإفراد كان موحدا

فإياك والتشبيه إن كنت ثانيا
وإياك والتنزيه إن كنت مفردا

فما أنت هو بل أنت هو وتراه
في عين الأمور مسرحا ومقيدا

إلى أمثال هذا الكلام الذي يقوله هؤلاء الدجالون الكذابون ويقولون تارة إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم إياه وتارة أنهم أخذوا عن الله بلا واسطة والنبي صلى الله عليه وسلم وسائر الرسل يستفيدون منهم وتارة أنهم والحق أخذوه من معدن واحد

ومع هذا فقد جرى للمؤمنين مع أتباعهم من المحنة ما هي أشهر المحن الواقعة في الإسلام ومعلوم أن هذه المحنة هي نتيجة محنة الدجال بل هذه النتيجة أقرب إلى محنة الدجال من غيرها لأن النزاع في مثل دعوى الدجال قد سموا بعد وقد انتصروا غاية الإنتصار لما هو قول فرعون والدجال وعادوا من خالفهم ما هو أعظم من معاداة الدجال مع معرفة حذاقهم بأنه قول فرعون وقوله إنا على مذهب فرعون وزعمهم مع ذلك أنهم أكمل الخلق وأعظمهم معرفة وتحقيقا وتوحيدا


528

فإذا كان هذا حال بني آدم عوامهم وخواصهم من جميع الأصناف في الإنسان ظهر أن ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من الدلائل على نفي ربوبية الدجال كان من أحسن الأدلة وأثبتها وأنفعها للعامة والخاصة وظهر بهذا أن غيره من الأنبياء وإن لم يقلها لكون الأدلة متعددة فالذي قالها كان أعلم بما ينفع الناس وأحرص عليهم وأرحم بهم كما قال تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم فإن الدليل الوضح الظاهر عند اضطراب القلوب واشتباه الحق وافتتان كثير من الخلق أو أكثرهم ينفع ويظهر الحق ويدفع الباطل ما لا تسعه الأدلة الحسية وإن كانت قطعية يقينية والمقصود من الأدلة والأعلام هدى العباد وإرشادهم فكل ما كان من الأدلة أدل على الحق وأنفع للخلق كان أرجح مما ليس كذلك

والحمد لله الذي بعث إلينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة فهذا هو الوجه الأول وبيان أن أحدا من الناس لا يرى الله في الدنيا بعينه لا في صورة ولا في غير صورة وأن الحديث الذي احتج به الإتحادية على تجليه لهم من الصور في الدنيا يدل على نقيض ذلك

الوجه الثاني

إنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم هل نرى ربنا يوم القيامة فقال هل تضامون في رؤية الشمس صحوا ليس دونها سحاب قالوا لا قال فهل تضامون في رؤية القمر صحوا ليس دونه سحاب قالوا لا قال فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر


529

ولو كانت الرؤية هي تجليه في صور المخلوقات كلها كما يقوله الإتحادية لقال لهم إنكم ترون ربكم في هذه الصور إذ هم لا يرتقبون عندهم في القيامة تجليا غير هذا التجلي الذي في الدنيا وإنما تفاوت الناس عندهم بقدر تجرد أنفسهم حتى يشهدوا الوجود الساري في كل شيء لا فرق في ذلك عندهم بين دار ودار

وهذا ايضا حجة على من يجعل أنه لا مانع للرؤية إلا عدم الإدراك في العين فإنه على قوله لا فرق

وعلى كل من القولين فإنهم لا يرونه كما يرون الشمس والقمر وإن كان تشبيها للرؤية لا للمرئي بالمرئي إذ كاف التشبيه دخلت على ما المصدرية فإنه على قول الإتحادية هو موجود فيهم كوجوده في الشمس والقمر والكواكب والجبل والحيوان والنبات فيمتنع أن يروه كما يرون الشمس والقمر مباينا لهم منفصلا عنهم وعن غيرهم من الموجودات

وعلى قول أولئك لا يرونه مواجهة عيانا وإنما الرؤية من جنس العلم أو نوع منه وقولهم قول الإتحادية في رؤية الوجود المطلق وفي البخاري إنكم ترون ربكم عيانا

ومما يبين ذلك أنه ليس في الموجودات المرئية في الدنيا أعظم من هذين ولا يمكن أن يراهما الإنسان أكمل من الرؤية التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يبين أن المؤمنين يرون ربهم أكمل ما يعرف من الرؤية


530

وعلى قول هؤلاء إنما يرى أخفى ما يكون أو يرى على وجه تستوي الموجودات كلها في رؤيته فإنهم إذا جعلوه الوجود المطلق ووصفوه بالسلوب كانت الرؤية من جنس العلم إن هذا ونحوه لا يرى بالعين وإن جعلوه الوجود الذي في المخلوقات جعلوا رؤيته كرؤية كل موجود من خفي وجلي وعلى التقديرين فهم مخالفون للنصوص السلبية التي احتجوا بها

الوجه الثالث

إنه قال لا تضامون في رؤيته ولا تضارون في رؤيته أي لا يلحقكم ضير ولا ضيم

وروى لا تضارون ولا تضامون أي لا يضر بعضكم بعضا ولا ينضم بعضكم إلى بعض كما جرت عادة الناس بالإزدحام عند رؤية الشيء الخفي كالهلال ونحوه وهذا كله بيان لرؤيته في غاية التجلي والظهور بحيث لا يلحق الرائي ضرر ولا ضيم كما يلحقه عند رؤية الشيء الخفي والبعيد والمحجوب ونحو ذلك

وعلى قول هؤلاء الجهمية الأمر بالعكس فإنهم إذا قالوا يتجلى في كل صورة من صورة الذباب والبعوض والبق والهلال والسها ونحو ذلك من الأجسام الصغيرة فمعلوم ما يلحق في رؤيتها من الضيم لا سيما وعند صاحب الفصوص لا يراه إنما يرى الذوات التي يتجلى فيها وأما إذا جعل الرؤية من جنس العلم فجنس هذه لا يبقى فيها ضرر ولا ضيم ولا يلحق فيها زحمة ولا مشقة فتكون بين ذلك مما هو علم أو كالعلم عديم الفائدة بعيد


531
المناسبة لا يليق بمن هو من آحاد الناس فضلا عن أكمل الخلق وأعظمهم معرفة وبيانا صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين

تم الجزء الأول من بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والإتحاد من كلام الإمام شيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن تيمية الحراني رحمه الله تعالى وأسكنه الفردوس برحمته آمين ويتلوه الجزء الثاني إن شاء الله تعالى

الوجه الرابع أنه قال في الحديث يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه إلى آخره والحمد لله رب العالمين وصلى الله على عبده ونبيه ورسوله وخيرته وصفوته محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا