فهرست عناوين
خـلافة الرسول بين الشورى والنص
فهرست عناوين
      تمهيد9
الشورى13
الشورى في الكتاب والسُنّة15
      النصّ الاَول :15
      النصّ الثاني : 16
      موضوع الشورى وأهدافها : 17
      البعد الاَول :19
      البعد الثاني :26
      النصّ الثالث :27
      شورى الحاكم أيضاً :29
الشورى في التاريخ والفقه السياسي30
      أول ظهور لمبدأ الشورى30
الشورى في اطارها النظري35
      الشورى أم السيف ؟39
      مصير شروط الاِمامة :41
      التبرير :43
      صورتان :46
      الصورة الثانية : الخارج المأجور48
الــنــص 51
      ضرورة النصّ بين الخليفة والنبيّ :53
      إقرار بقدر من النصّ :56
      وقفة مع هذا النصّ :58
      ضرورة التخصيص في النصّ :60
      نوعان من التخصيص :62
      نتيجة البحث :64
الرجوع إلى النصوص المباشرة في تعيين الخليفة66
      الاتجاه الاَوّل : النصوص الدالّة على خلافة أبي بكر:69
      أوّلاً ـ نصوص من السُنّة :69
      الاِثارة الاَُولى : إنّ القول بعدم الفصل بين إمامة الصلاة والاِمامة العامة 69
      الاِثارة الخامسة : نتابعها في النقاط التالية :72
      نصوص أُخر :75
      ثانياً ـ نصوص من القرآن الكريم :83
      الاتجاه الثاني : النصوص الصحيحة الحاكمة90
      الخطاب الجامع.. مفترق الطرق :99
      أهل البيت أوّلاً :104
      سلوك النبيّ في ابلاغ إمامة عليّ :107
      الصحابة والمعرفة بالتعيين :111
      النصّ في حديث عليّ :119
      في حقّه خاصّة :120
      في أهل البيت :124
الخاتمة129


9

تمهيد

لا تزال مشكلة (أساس نظام الحكم في الاِسلام) تُعدّ من اُمّهات المشاكل التي لم يُحسم فيها القول بين المسلمين بعد..

إنّها واحدة من المشاكل الكبرى التي تعرّضت دائماً لاِشكالات الرُؤى المذهبية ، شأنها شأن أخواتها من المشكلات التاريخية والعقيدية .

ليس النزاع في أصل النظام ، فإنّ أحداً لا يستطيع أن يتصوّر أُمّة تحيا بلا نظام ، ونظاماً يسود بلا قيادة..

وقديماً تحدّث الفقهاء وفلاسفة السياسة المدنية عن هذا الاَصل :

ـ فأحمد بن حنبل يُعرّف الفتنة بأنها حال الاُمّة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر الناس .

ـ وتحدّث المسعودي عن حاجة الدين إلى الملك ، وحاجة الملك إلى الدين ، ورأى أنّه لا غنى لاَحدهما عن الآخر..

ـ ورأى ابن حزم أنّ ذلك معلوم بضرورة العقل وبديهته ، وأنّ قيام الدين ممتنع غير ممكن إلاّ بالاسناد إلى واحد يكون على رأس هذا النظام.

ـ وعبّر ابن خلدون عن هذا النظام بأنّه قوانين سياسية مفروضة يسلّمها الكافة وينقادون إلى أحكامها ، فإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها ولم يتم استيلاؤها ( سُنّة الله في الذين خَلَوا من قبل ) (1).

(1) الأحزاب 33 : 38.


10

وقبل هذا كلّه قد تعامل المسلمون مع هذا الاَصل كضرورة واقعية إثر وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

أما النزاع الدائر فهو في أساس ذلك النظام.. في الاسلوب الذي يقود رأس النظام إلى موقع الرئاسة..

لقد حاول البعض على امتداد تاريخنا السياسي التركيز على نظرية الشورى أصلاً في النظام ، مستنداً على أمثلة تاريخية معدودة ، صاغ منها اُنموذجاً للشورى في الاِسلام .

وتناولت ذلك كتب العقائد والاَحكام السلطانية ثم تقدّمت به خطوة أُخرى إلى أمام لتنتزع لهذه النظرية أصالتها من مصادر التشريع الاِسلامي ؛ القرآن والسُنّة.. لتكتسب نظرية الشورى بعد ذلك أصالة دينية متقدمة على شهودها التاريخي ، بل ومبرّرة له .

وكلّ ذلك يدور حول الخلافة الاُولى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم .. فشكّل الاتجاهان ـ دراسات التاريخ السياسي ، والدراسات العقيدية ـ وحدة موضوعية كافحت على امتداد هذا الزمن الطويل من أجل تدعيم تلك النظرية وتأصيلها..

لكن هل استطاعت هذه المسيرة المتوحّدة أن تُقدّم الكلمة الاَخيرة في الموضوع ، وتضع الحل الحاسم للاَسئلة التي تثار حوله ؟

هل استطاعت أن تثبت أصالة الشورى طريقاً إلى خلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؟

هل استطاعت أن تثبت ما هو أوسع من ذلك ؛ أصالة الشورى في حل


11

مشكلة النظام السياسي في الاِسلام ؟

هل استطاعت أن تنفي الاُطروحات الاُخر المزاحمة للشورى ، من قبيل : النصّ ، والغلبة وغيرها ؟

ما هو مستوى النجاح الذي حققّته في كلِّ واحد من هذه الميادين ؟

وماذا عن قدرة الاطروحات الاُخرى على منازعة نظرية الشورى والحلول محلّها بديلاً في تعيين أساس نظام الحكم في الاِسلام ؟

مواضيع عديدة تتفرّع عن هذه الاَسئلة الكبيرة تبنّى هذا البحث المقتضب دراستها ومناقشتها ، مناقشة موضوعية عُمدتها البرهان العلمي والدليل الحاسم ، بعيداً عن الالتفاف على النصوص ، وتحويل القطعي إلى ظنّي ، والصريح إلى مؤوّل ، والخاص إلى العام ، والصحيح إلى ضعيف ، ونحو ذلك من أساليب الجدل..

ويقع البحث في قسمين رئيسيين ؛ يتناول القسم الاَول نظرية الشورى من جميع وجوهها ، فيدرس الشورى في القرآن والسنة ، ثم الشورى في واقعها التاريخي وفي الفقه السياسي ، مع أهم ما يتّصل بهذه العناوين من مباحث .

فيما يتناول القسم الثاني (نظرية النصّ) وفق المنهج نفسه ، مستوفياً ما يتعلّق بهذا الموضوع بحثاً ونقداً .

ليخلص إلى النتيجة التي يقررّها البحث في كلا قسميه..

والله المسدّد للصواب


12


13

الشورى


14


15

الشورى في الكتاب والسُنّة

ثلاثة نصوص في القرآن الكريم تتحدث عن الشورى ، ولكن على مستويات مختلفة :

النصّ الاَول :

قوله تعالى في شأن الرضاع : ( والوالدات يرضعنَ أولادهنّ حولين كاملين لمن أراد أن يتمّ الرضاعة وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف... فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاور فلا جناح عليهما ) (1).

وهذا حديث في أجواء الاُسرة الواحدة ، يتشاور الاَبوان في شأن وليدهما الرضيع ، هل تُتمّ اُمّه رضاعه إلى الحولين ، أم تفصله عن الرضاع؟ تفاهم ثنائي في مسألة على ضوء المعرفة بحال الاَم وحال الرضيع ، وجوّ الاُسرة العامّ ، ينتهي إلى قرار مشترك لا إكراه فيه .

وربما انتهى قرارهما بعد التشاور إلى أن يسترضعا له مرضعة غير اُمّه ، قال تعالى (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلّمتم ما آتيتم بالمعروف واتّقوا الله واعلموا أنّ الله بما تعملون بصير ) (2).

(1) البقرة 2 : 233 .

(2) البقرة 2 : 233 .


16

فهذه الآية الشريفة تعالج قضيّةً من قضايا الاُسرة ، وما يتعلّق منها بالرضيع خاصّة ، ضماناً لمصلحته ، وحفاظاً على سلامة الجوّ الاُسري الذي قد يحطّمه استبداد أحد الزوجين بالامر كلّه (1).

النصّ الثاني :

في الحديث عن غزوة اُحد وما انتهت إليه من هزيمة القسم الاَعظم من جيش المسلمين وتركهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع بضعة نفر من أصحابه يكافحون العدوّ لوحدهم ، ممّا هو مدعاة لاِشعارهم بتقصيرهم الشديد وذنبهم الكبير الذي ارتكبوه ، خصوصاً وأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج إلى اُحد إلاّ برأيهم ورغبتهم وإلحاحهم ، لكنّ الذي وجدوه من النبيّ القائد صلى الله عليه وآله وسلم هو عكس ما يظنّون ممّا هو معتاد لدى القادة إزاء الجند المنهزم عن قائده ساعة الحرب ! وجدوا منه صلى الله عليه وآله وسلم ليناً معهم وإكراماً زادهم شعوراً بالتقصير حين لم يلجئهم إلى التماس الاَعذار ، أو التذلّل .

فبارك الله تعالى هذا الخُلق الكريم ، وهذا السلوك الحكيم ، إذ جاء التنزيل : ( فبما رحمةٍ من الله لِنتَ لهم ولو كنتَ فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك ) (2) فإنّما كان لينك معهم وغضّك عن ذنبهم برحمة من الله تعالى ، وأيّ رحمة ، أيّ رحمةٍ هذه التي جعلتك تلين لجند أخرجوك إلى القتال برأيهم ، فلمّا حمي الوطيس فرّوا عنك ونجوا بأنفسهم ؟!

وإتماماً لهذه الرحمة الواسعة ، تنزّل الاَمر الالهي بما يدعو إلى إعادة

(1) راجع تفسير ابن كثير 1 : 285 ، فتح القدير 1 : 246 ـ 247، الميزان في تفسير القرآن 2: 253 .

(2) آل عمران 3 : 159 .


17

المجتمع الاسلامي إلى تماسكه الاَوّل ، بل أكثر ، وإعادة هذا الرعيل الكبير إلى موقع إجتماعي طبيعي يستطيع من خلاله أن يستأنف نشاطه ويصحح عثرته ، فقال تعالى : ( فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الاَمر) (1) فلم تقف الرحمة عند اللين والعفو والاستغفار ، بل امتدت إلى مشاورتهم في الاُمور التي تصحّ المشاورة فيها ، عندئذٍ فقط سيجدون أنفسهم أعضاء فاعلين في هذا البناء الاجتماعي الذي ينشده الاِسلام .

لكنّ التنزيل لم يترك الاَمر بالمشورة مرسلاً ، بل وضع له نظاماً واضح المعالم ، فالنبيّ القائد المستشير حين يعزم على أمرٍ فيه الصواب والصلاح ينبغي أن ينفذ فيه ، سواء كان موافقاً لآراء المستشارين أو مخالفاً لها : ( فإذا عزمت فتوكّل على الله ) (2).

موضوع الشورى وأهدافها :

الشورى التي دعت إليها هذه الآية الكريمة ما هو موضوعها ؟ وما هي أهدافها ؟ بعد أن عرفنا أنّ الشورى في المورد الاَوّل كان موضوعها الرضاع، وأهدافها : ضمان مصلحة الرضيع ، وسلامة المحيط الاُسري .

إنّ الشورى هنا مختلفة عن الاُولى ، فالمستشير هنا هو النبيّ القائد صلى الله عليه وآله وسلم ، والمستشار هم جمهور الناس من أصحابه .

فما هي الاُمور التي كان صلى الله عليه وآله وسلم مدعوّاً لاستشارتهم فيها ؟ أهي أمور الدين ، أم اُمور الدنيا ؟

(1) آل عمران 3 : 159 .

(2) آل عمران 3 : 159 .


18

ولاَي شيءٍ هذه المشورة ، ألاَجل أن يستنير بآرائهم ويهتدي بها إلى الصواب ؟ أم ماذا ؟ للمفسّرين هنا كلام تتّفق معانيه وأدلّته كثيراً ، وتختلف قليلاً ، فمّما اتّفقوا فيه كلامهم في حدود الاجابة عن سؤالنا الاَوّل ؛ أيّ الاُمور هذه التي يستشيرهم فيها ؟

قال الشوكاني ـ وقوله جامع لاَقوال المفسّرين ـ : ( إنّ المراد أيّ أمرٍ كان ممّا يشاوَر في مثله ، أو في أمر الحرب خاصّة كما يفيده السياق... والمراد هنا المشاورة في غير الاُمور التي يرد الشرع بها ) (1).

فالمشاورة إذن ليست في أمور الدين والاَحكام ، فهذه من شأن التنزيل وحده ، وليست محلاًّ للرأي والنظر .

فموضوع المشاورة إذن هو أمور الدنيا ، وقد تقدّم أنّ السياق يدلّ على أنّ المراد هو شأن الحروب وخططها ، وليس السياق وحده يدلّ على هذا، بل التاريخ أيضاً أثبت أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد استشار أصحابه في بعض شؤون الحرب ، كالذي حدث في اختيار لقاء العدوّ يوم بدر ، وفي اُسارى بدر ، وفي الخروج إلى اُحد ، وفي الخندق .

أمّا وراء شؤون الحرب ، فإن حصل فنادرٌ جدّاً ، وحتى شؤون الحرب لم تكن كلّها خاضعة للشورى ، بل كان قرار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في اختيار الحرب وتحديد مكانها وزمانها حاسماً وسابقاً لاَيّ مستوى من مستويات الشورى ، وهو قرار باق وحاكم حتّى لو كثر فيه الخلاف ، كما هو واضح جدّاً في بعثة اُسامة ، وفي اختيار زيد بن حارثة أميراً على جيش مؤتة ولو

(1) فتح القدير 1 : 393 .


19

بعد جعفر بن أبي طالب ، وفي عقد الصلح في الحديبية مع مشركي قريش، وغير ذلك كثير .

وسوف يطلّ علينا البحث في أهداف هذه الشورى بمزيد من الوضوح في موضوع الشورى ومساحتها .

أمّا أهداف هذه الشورى :

فتطالعنا بها أحاديث مرفوعة إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وأقوال لقدماء المفسّرين أو متأخّريهم.. ومن مجموع ما ورد يظهر لهذه الشورى بعدان :

البعد الاَول :

نكتشفه في النصوص الآتية :

ـ عن قتادة ، قال : ( أمر الله نبيّه أن يشاور أصحابه في الاُمور ، وهو يأتيه وحي السماء ، لاَنّه أطيب لاَنفس القوم ، وأنّ القوم إذا شاور بعضهم بعضاً وأرادوا بذلك وجه الله عزم لهم على الرشدة )(1).

إنّه إذن أمر للقائد أن يشاور قومه وأصحابه ، لما في ذلك من المنافع المذكورة .

ـ وعن الحسن ، قال : ( قد علم الله أنّه ما به إليهم من حاجة ، ولكن أراد أن يستنّ به من بعده )(2).

فهي إذن سنّة من السنن المُلزمة للقائد ، مارسها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ليكون من

(1) الدر المنثور 2 : 358 .

(2) الدر المنثور 2 : 358 .


20

بعده من القادة أولى بممارستها والرجوع إليها .

ـ قال الرازي : ( ليقتدي به غيره في المشاورة ، ويصير سنّة في اُمّته ) (1).

فنحن مازلنا في دائرة واحدة ، وهي دائرة الشورى التي يمارسها القائد في تخطيطه السياسي والاجتماعي والتنظيمي ، مع قواعد شعبية واسعة ، أو مع طليعة ممتازة ، أو مع واحد تميّز بخبرة خاصّة في شأن من الشؤون التي يمكن أن تتسع لها الشورى ، من غير الاحكام والتشريعات وما تخصّصت النصوص الشرعية في بيانه .

إذن نحن إزاء شورى يمكن أن نطلق عليها اسم (شورى الحاكم) .

هل اتّخذت هذه الشورى نظاماً ثابتاً ؟ :

منذ أن نزلت هذه الآية الكريمة وحتّى وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، هل اتّخذت الشورى شكلاً معيناً ونظاماً ثابتاً ؟

ومن كافّة أمثلة الشورى وتطبيقاتها ـ ومعظمها في شؤون الحرب ـ نجد أنّ النبيّ القائد صلى الله عليه وآله وسلم كان يختار للمشورة أحياناً من يشاء ، وأحياناً يستمع إلى مشير يبدي رأيه ابتداءً ، دون أن ينتخب أشخاصاً بأعيانهم للمشاورة في النوازل..

ـ فيوم الخندق ؛ أشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر خندق حول المدينة ، فأخذ برأيه ، وأمر بحفر الخندق ، فحُفر ، وعاد على الاِسلام والمسلمين بكلِّ خير.. (2).

(1) تفسير الرازي 9 : 66 .

(2) تاريخ الطبري 2 : 566 عن الواقدي ، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم ، دار التراث .


21

ـ وأيّام الخندق ذاتها ؛ أراد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يفتّ في عضد الاحزاب ويفرّق شملهم ليخفّف على أهل المدينة ضنك الحصار ، بأن يصالح كبير غطفان عيينة بن حصن على سهم من ثمر المدينة لينسحب بمن معه من غطفان وهوازن ويخذل الاَحزاب ، فدعا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لذلك الاَمر سيّدي الاَوس والخزرج من الاَنصار : سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، فاستشارهما في ذلك ، فقالا : يا رسول الله ، إن كنت اُمرتَ بشيء فافعله وامضِ له ، وإن كان غير ذلك فوالله لا نعطيهم إلاّ السيف .

فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «لم اُؤمر بشيء ، ولو اُمرت بشيء ما شاورتكما.. بل شيء أصنعه لكم ، والله ما أصنع ذلك إلاّ لاَنّني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، وكالبوكم من كلِّ جانب ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمرٍ ما» . وسُرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقولهما ، فقال لعيينة بن حصن ، ورفع صوته بها «ارجع ، فليس بيننا وبينكم إلاّ السيف» (1).

وفي هذا كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد اختبر صبر الانصار وثباتهم وصدق إيمانهم .

كما كشف هذا الحوار صراحةً أنّه لا محلّ للشورى في ما كان عن أمر من الله ورسوله .

ـ وفي حدثٍ ثالث كان المستشار علي عليه السلام وزيد بن حارثة ، ذلك حين كان حديث الاِفك .

ـ وفي حدثٍ رابع استمع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى مشورة امرأة واحدة ، هي اُمّ

(1) سيرة ابن هشام 3 : 234 ، الاستيعاب 2 : 37 ، تاريخ الطبري 2 : 573 عن الزهري .


22

المؤمنين اُمّ سَلَمة ، ذلك يوم الحديبية ، بعد إمضاء الصلح ، إذ أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه أن ينحروا ما معهم من الهدي الذي ساقوه ، فلم ينحر أحد ، فبان الغضب بوجه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعاد إلى خيمته ، فقالت له اُمّ سَلَمة، لو نحرتَ يا رسول الله ، لنحروا بعدك.. فنحر صلى الله عليه وآله وسلم هديه ، فنحروا بعده (1) .

هذه هي أشهر نماذج الشورى التي يعرضها التاريخ ، بغضّ النظر عن صحّة أسانيدها أو ضعفها ، منذ نزلت آية الشورى هذه حتّى قُبض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .. فليس هناك شيء أكثر ممّا كان قبل نزولها.. وليس هناك نظام محدّد ، ولا أشخاص معيّنون.. ليس هناك أثر لما دعاه البعض (هيئة العشرة)..

تلك هيئة ليس لها أثر أيّام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كلّها ، ولا استطاع مدّعيها (2)أن يأتي بشاهد تاريخي واحد على وجودها في أيام النبيّ ( ص ) ، ولا يستطيع أن يأتي بشاهد واحد يؤيّدها من حياة أبي بكر كلّها وحياة عمر كلّها ، حتّى اختياره الستة المعروفين لشورى الخلافة !

وأضعف من هذه الدعوى ما جاء في محاولة البرهنة عليها من أشياء متكلَّفة ، واُخرى لا واقع لها ، واُخرى تفيد نفيها بدلاً من إثباتها !

ومن أنكر وأغرب ما استدلّ به ، وهو يراه أقوى أدلّة الاِثبات ، ثلاثة أشياء ، هي :

(1) تاريخ الطبري 2 : 637 عن الزهري .

(2) محمد عمارة ، الخلافة ونشأة الاَحزاب الاِسلامية : 54 .


23

الاَول : قوله : يتحدّث سعيد بن جبير عن هذه الحقيقة الهامّة ، فيقول : (وكان مقام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبدالرحمن بن عوف وابي عبيدة وسعيد بن زيد ، كانوا أمام رسول الله في القتال ووراءه في الصلاة) . ثم يستنتج من هذا القول أنّ هؤلاء العشرة لم يكونوا فقط وزراء الرسول ومجلس شوراه ، وانّما كانوا يديمون الوقوف خلفه مباشرة في الصلاة ، كما يلتزمون الوقوف أمامه عند الحرب والقتال (1)!!

إننا بغضّ النظر عن صحّة نسبة مثل هذا القول إلى سعيد بن جبير ، أو عدمها ، لو سألنا الباحث أن يكتشف لنا حرباً واحدةً فقط من حروب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقف فيها هؤلاء العشرة أمام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقت القتال ، لعاد بعد بحث طويل في خيبة أمل !

الثاني : قوله : هؤلاء العشرة فيهم أوّل ثمانية دخلوا في دين الاِسلام ، فهم أوّلون في الاِسلام ، ومهاجرون (2). وهذا كلام مع ما فيه من تهافت فهو دعوى غير صحيحة أيضاً.. فهل كان سبق الثمانية إلى الاِسلام هو الذي رفع الاثنين الآخرين ؟!

ثمّ أين هذا السبق ، وكلّهم ـ ما خلا عليّ ـ مسبوق ؟! إنّهم ، غير الإمام علي عليه السلام، مسبوقون إلى الاِسلام ، سبقتهم خديجة ، وجعفر بن أبي طالب ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وأخوه عثمان ، وسبقهم زيد بن حارثة ، وسبقهم أبو ذرّ الغفاري خامس الاِسلام ، وسبقهم آخرون (3).

(1) الخلافة ونشأة الاَحزاب الاِسلامية : 57 .

(2) الخلافة ونشأة الاَحزاب الاِسلامية : 58 .

(3) اُنظر : البداية والنهاية 3 : 34 ـ 38 ، ترجمة أبي ذرّ في : الاستيعاب ، اُسد الغابة ، الاصابة ، سِيَر أعلام النبلاء .


24

الثالث : وهو أكثرها نكارة ، ما نقله عن المستشرق فان فلوتن ، بعد أن قدّم له بسؤال مثير ، فقال : (ولكن هل خرجت الشورى على عهد رسول الله من النطاق الفردي غير المنظّم ، إلى نطاق التنظيم المحكوم بمؤسّسة من المؤسّسات ؟ ).

فلمّا لم يجد لهذا التساؤل الهام جواباً من التاريخ ، تعلّق بالخطأ الذي وقع فيه فان فلوتن لسوء فهمه لمفردات العربية ، فحين قرأ عن أصحاب الصفّة وهم المقيمون في المسجد على صفّة كبيرة فيه ، والبالغ عددهم سبعين رجلاً ، ظن أنّ الصفّة تعني (الصفوة) ! فظنّ أنّ صفوة الصحابة كانوا سبعين رجلاً لا يفارقون المسجد كمؤسّسة استشارية تتّخذ من المسجد مقرّاً لها ، ولم يفهم أنّ أصحاب الصفة هؤلاء هم أضعف المسلمين حالاً ، لا يملكون مأوىً لهم فاتخذوا المسجد مأوى !!

وليس هذا بمستغرب من مستشرق لا يتقن العربية ، ولا تعنيه فداحة الخطأ العلمي بقدر ما يعنيه الادلاء برأيه.. لكنّ المستغرب أن يأتي باحث كبير كالشيخ محمد عمارة فيعتمد هذا الخطأ العلمي مصدراً لتثبيت قضية هامّة كهذه ، قائلاً : (نعم ، فهناك ما يشير إلى وجود مجلس للشورى في عهد الرسول كان عدد أعضائه سبعين عضواً) ويصرّح أن مصدره فان فلوتن (1) !

أنتم أعلم باُمور دنياكم ! :

هذا وجه آخر من وجوه تفسير مشاورة الرسول أصحابه : إنّ علوم الخلق متناهية ، فلابدّ أن يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح مالا يخطر

(1) الخلافة ونشأة الاَحزاب الاِسلامية : 53 .


25

بباله صلى الله عليه وآله وسلم لا سيّما في ما يُفعل من اُمور الدنيا ، ولذلك قال : «أنتم أعلم بأمور دنياكم» (1)!

لكنّ هذا وجه مردود من أوّل نظرة ، حتّى على فرض صحّة الحديث «أنتم أعلم بأمور دنياكم».. ذلك أنّ هذا كان في واقعة محدّدة ، هي قضية تأبير النخل في عام من الاَعوام ، وقضية مثل هذه لا تدخل في شؤون النبوّة ولا في شؤون القيادة السياسة والاجتماعية ، فلم يكن قائد من قوّاد الاُمم مسؤولاً عن نظام تأبير النخل ! أو عن إصلاح شؤون بيوت الناس من ترتيب أثاثها وترميم قديمها ! أو كيفية خياطة الثياب ! أو طريقة رصف السلع في الاَسواق !

هذه هي أمور دنيا الناس التي يباشرونها بأذواقهم وبخبراتهم الخاصة الخاضعة لظروفها الزمانية والمكانية .

أمّا أن يقال إنّ من الناس من هو أعلم من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بشؤون سياسة الدولة ، وأقدر منه على تقدير مصالحها وحفظها ، فهذا من الفكر الشاذّ الذي لا يستقيم ومبادئ الاِسلام .

فمن المستنكر جدّاً أن يستفاد من حديث «أنتم أعلم باُمور دنياكم» انّهم أعلم منه بسياسة البلاد وبتخطيط النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية !

إنّه لا يتجاوز في معانيه تلك الاَمثلة المتقدّمة في شؤون الناس الخاصّة التي يتعاهدونها بأنفسهم ، وليس القائد ـ نبيّاً أو غيره ـ بمسؤول عن

(1) تفسير الرازي 9 : 66 .


26

تنظيمها .

إذن فخلاصة ما وقفنا عليه في هذا البعد الاَول : أنّ الشورى التي اُمر بها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وزاولها إنّما هي شورى الحاكم ، القائد ، يشاور من يشاء من أهل الخبرة أو أهل الصلة المباشرة بالاَمر ، وليس هناك ما يشير من قريب أو بعيد إلى اعتماد الشورى في تعيين رأس النظام السياسي والاجتماعي في الاِسلام ، هذا حتّى لو تحقّق في التاريخ وقوع مشاورة في ما يتّصل بخطط سياسية أو اجتماعية .

البعد الثاني :

ثمّة بُعد ثانٍ للشورى هو أبعد من الاَوّل عن شؤون النظام السياسي ؛ إنّه البعد الاجتماعي ، المتمثّل بمزاولة الناس للشورى في شؤونهم الخاصّة ، ولم نقل إنّها ذات بعد شخصي فقط ، ذلك لاَنّها علاقة بين طرفين ، المشير والمستشار ، وعلى الثاني مسؤوليته في النصح والصدق والاَمانة ، فعادت علاقة اجتماعية ، ذات أثر اجتماعي هامّ .

ـ فقد روى ابن عباس أنّه لما نزلت ( وشاورهم في الاَمر ) (1)قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «أما إنّ الله ورسوله لغنيّان عنها ، ولكن جعلها الله تعالى رحمةً لاُمّتي ، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً ، ومن تركها لم يعدم غيّاً» (2).

فلم يكن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم محتاجاً إلى الشورى في اُمور الدنيا ليستنير برأيٍ ويهتدي إلى صواب ، بل كان غنيّاً عن ذلك ، وإنّما هي رحمة للعباد لئلاّ يركبوا رؤوسهم في شؤونهم وأعمالهم ويتمادوا بالغطرسة والاعتداد

(1) آل عمران 3 : 159 .

(2) الدر المنثور 2 : 359 .


27

بالرأي الذي يوردهم المهالك ! ويوضّحه الحديث الشريف عنه ( ص ): «ما تشاور قوم قط إلاّ هدوا وأرشدَ أمرُهم» (1).

والحديث الشريف : «استرشدوا العاقل ترشدوا ، ولا تعصوه فتندموا»(2) .

وقد ورد حديث كثير في الحثّ على المشورة بهذا المعنى ، وحديث يخاطب المستشار بمسؤوليته : «المستشار مؤتمن» (3).

«من استشاره أخوه فأشار عليه بغير رشده فقد خانه» (4).

هذا البعد الاجتماعي للشورى هو الذي يبرز في خطاب النصّ الثالث من نصوصها..

النصّ الثالث :

قوله تعالى : ( وأمرهم شورى بينهم ) (5).

جاءت هذه الآية الكريمة ضمن سياق عام يتحدّث عن خصائص المجتمع الاَمثل ، قال تعالى :

(... وما عند الله خيرٌ وأبقى للذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون *

(1) أخرجه عبد بن حميد ، والبخاري في الاَدب المفرد ، الدر المنثور 7 : 357 .

(2) أخرجه الخطيب في (رواة مالك) ، الدر المنثور 7 : 357 .

(3) مسند أحمد 5 : 274 .

(4) مسند أحمد 2 : 321 .

(5) الشورى 42 : 38 .


28

والذين يجتنبون كبائر الاَثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون * والذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون * والذين إذا أصابهم البغيُ هُم ينتصرون ) (1).

فهي ناظرة إلى ظواهر يتميّز بها المجتمع الاِسلامي التي تمثّل أهداف الاِسلام وآدابه ، فمع ما يتحلّون به من الايمان ، وحسن التوكّل على الله تعالى ، واجتناب الكبائر والفواحش ، والعفو والمسامحة ، والاستجابة لاَمر ربّهم ، واحياء الصلاة ، وردّ البغي والعدوان ، فهم أيضاً (شأنهم المشاورة بينهم.. ففيه الاِشارة إلى أنّهم أهل الرشد واصابة الواقع ، يمعنون في استخراج صواب الرأي بمراجعة العقول . فالآية قريبة المعنى من قوله تعالى : ( يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ))(2).

وهذه نصوص تؤكد على اهمية التشاور والاسترشاد:

وعلى هذا انطلق المفسّرون في ظلال هذا النصّ يتحدّثون عن استحباب مشاورة الناس لمن أهمّه أمر ، والاسترشاد بعقول الآخرين وآرائهم الناضجة ، دائرين في دائرة ذلك البعد الاجتماعي الذي تقدّم آنفاً..

«ما تشاور قوم قطّ إلاّ هُدوا وأرشد أمرهم» .

«استرشدوا العاقل ترشدوا ، ولا تعصوه فتندموا» .

«من أراد أمراً فشاور فيه ، اهتدى لاَرشد الاُمور» (3).

(1) الشورى 42 : 36 ـ 39 .

(2) الميزان في تفسير القرآن 18 : 65 ، والأية من سورة الزمر 39 : 18.

(3) الدر المنثور 7 : 357 .


29

شورى الحاكم أيضاً :

في حديث واحد ممّا قيل في ظلال هذا النصّ ، أخرجه السيوطي ، منسوباً إلى الإمام عليّ عليه السلام قال : «قلتُ : يا رسول الله ، الاَمر ينزل بنا بعدك ، لم ينزل فيه قرآن ، ولم يُسمَع منك فيه شيء ؟

قال : اجمعوا له العابد من اُمّتي ، واجعلوه بينكم شورى ، ولا تقضوه برأي واحد» (1) .

والبحث فيه على فرض صحّته ، علماً أنّه لم يرد في شيء من مصادر الحديث المعتمدة..

فهو حديث عن أمر لم ينزل فيه قرآن ، ولم يرد فيه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ممّا قد يستجدّ بعده من اُمور لم يكن لها موضوع ، أو ضرورة تدعوه لطرقها وتقديم الاِرشاد فيها.. وهذا موضوع عام لسائر مستجدّات الحياة المدنية والاجتماعية والتنظيمية..

ثمّ يأتي جواب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيه موجّهاً إلى جهة تتولّى مهامّ القيادة ، وتقع عليها مسؤولية الحكم : «اجمعوا له العابد من اُمّتي» فهناك جهة مسؤولة هي التي تتولّى مهمّة جمع الصالحين من المؤمنين للمشاورة .

أمّا إذا كان الاَمر قد ورد فيه شيء عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقوله نافذ ، ولا محلّ للشورى والرأي فيه .

والبحث في هذا الحديث انما كان على فرض صحته ، والثابت أنّه لم

(1) الدر المنثور 7 : 357 ، وقال : أخرجه الخطيب في (رواة مالك) .


30

يصحّ وليس له أصل ، قال فيه ابن عبد البر : هذا حديث لا أصل له ! وقال الدارقطني : لا يصحّ ! وقال الخطيب : لا يثبت عن مالك (1)!

(1) لسان الميزان 3 : 78 | 283 ترجمة سليمان بن بزيع.

الشورى في التاريخ والفقه السياسي

الذي يتركّز عليه البحث في التاريخ وفي الفقه السياسي هو موضوع الشورى في اختيار الحاكم (خليفة الرسول) .

وقد ثبت في البحث المتقدّم أنّ شيئاً ما لم يرد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ممّا يمكن أن يُلتمس منه ايكال أمر اختيار خليفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الشورى ، بل الاَدلة الثابتة من الكتاب والسُنّة قائمة على عدم إيكاله إلى أحدٍ من الاَُمة مطلقاً . ومما يشهد بذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما عرض الاِسلام على القبائل اشترط عليه بعضهم أن يكون الاَمر لهم من بعده ، فرفض في تلك الظروف الصعبة هذا الشرط قائلاً : «إنَّ الاَمر لله يضعه حيثُ يشاء» (1).

وعدم ورود شيء عن النبيّ (ص) في هذا الموضوع ، قضية مفروغ منها ، متّفق عليها ، لا نزاع فيها.. فمتى ولد التفكير في اسناد هذا الامر إلى الشورى ؟

أول ظهور لمبدأ الشورى

هذا أمر اثبته أصحاب التاريخ وأصحاب الحديث ، بلا نزاع فيه ولا خلاف.. اتفقوا على أنّ ذلك مبدأ سنّه عمر بن الخطاب قبل وفاته ، وليس

(1) ذكرهُ أصحاب السيرة ، اُنظر منها : انسان العيون 2 : 154 .


32

له قبل هذا التاريخ أثر..

قال القرطبي ، بعد كلام في استحباب الشورى : (وقد جعل عمر بن الخطاب الخلافةَ ـ وهي أعظم النوازل ـ شورى) (1).

وقال ابن كثير : ( وأمرهم شورى بينهم ) أي لا يبرمون أمراً حتّى يتشاوروا فيه ، ليتساعدوا بآرائهم ، في مثل الحروب وما جرى مجراها ، كما قال تبارك وتعالى : ( وشاورهم في الاَمر ) ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها ليطيّب بذلك قلوبهم . وهكذا لمّا حضرت عمر بن الخطاب الوفاة حين طعن جعل الاَمر بعده شورى (2).

فانظر إلى هذا التحوّل الكبير في المدى الذي حدث قبل وفاة عمر ، ولم يكن له قبلها أثر ! أمّا كيف حدث هذا التحوّل الكبير ؟ وتحت أيّ دافع؟

فهذا سؤال هام أجاب عنه عمر بن الخطاب بنفسه في ذات الوقت الذي جعل فيه الخلافة شورى ، ذلك في خطبته الشهيرة التي ذكر فيها السقيفة وأخبارها ، ثم قال : (لا يغترنّ أمرؤ أن يقول إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت ، ألا إنّها قد كانت كذلك ، ولكن وقى الله شرّها ! فمن بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه ، تغرّةً أن يُقتلا) (3) .

(1) تفسير القرطبي : 161 ـ 162 .

(2) تفسير ابن كثير 4 : 119 .

(3) صحيح البخاري ـ كتاب الحدود ـ باب رجم الحبلى من الزنا | 6442 ، مسند أحمد 1 : 56 ، سيرة ابن هشام 4 : 308 ، تاريخ الطبري 3 : 200 .


33

أمّا سبب هذه الخطبة التي أفرزت (الشورى) مبدءاً في اختيار الخليفة لاَوّل مرّة ، فيحدّثنا عنه القسطلاني وهو يفكَ ألغازها..

فبعد أن يأتي باسنادها الذي أورده البخاري عن ابن عباس ، وفيه أنّ عبدالرحمن بن عوف جاء إلى ابن عباس في موسم الحجّ وكان يتعلّم عنده القرآن ، فقال له : لو سمعت ما قاله أمير المؤمنين ـ يعني عمر بن الخطاب ـ إذ بلغه أنّ "فلاناً" قال : لو قد مات عمر لبايعت "فلاناً" فما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة ، فهمّ عمر أن يخطب الناس ردّاً على هذا القول ، فنهيته لاجتماع الناس كلّهم في الحج وقلت له إذا عدت المدينة فقل هناك ما تريد ، فإنّه أبعد عن اثارة الشغب.. فلمّا رجعوا من الحجّ إلى المدينة قام عمر في خطبته المذكورة..

فمن هو "فلان" القائل ؟ ومن هو "فلان" الآخر ؟

حين تردّد بعض الشارحين في الكشف عن هذين الاسمين ، استطاع ابن حجر العسقلاني أن يتوصل إلى ذلك بالاِسناد الصحيح المعتمد عنده، والذي ألغى به كل ماقيل من أقوال أثبت ضعفها ووهنها ، فقال : وجدته في الاَنساب للبلاذري بإسناد قويّ ، من رواية هشام بن يوسف ، عن معمر ، عن الزهري ، بالاسناد المذكور في الاصل ، ولفظه : (قال عمر : بلغني أنّ الزبير قال : لو قد مات عمر لبايعنا عليّاً..) الحديث (1)!!

فذلك إذن هو السرّ في ثورة عمر !

(1) مقدمة فتح الباري بشرح صحيح البخاري : 337 . وتبعه القسطلاني في ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري 10 : 19 .


34

وذلك هو السرّ في ولادة مبدأ الشورى في الخلافة !

الشورى التي سنتحدّث عن تفاصيلها وأحكامها وما قيل فيها ، باستيعاب يتناسب مع حجم هذا الكتاب .


35

الشورى في اطارها النظري

إنّ الاَساس الذي قامت عليه نظرية الشورى هو أنّ أمر الخلافة متروك إلى الاَُمّة.. ومن هنا ابتدأت الاَسئلة تنهال على هذه النظرية ؛ عند البحث عن الدليل الشرعي في تفويض هذا الامر إلى الاَُمّة.. وعند محاولة إثبات شرعية الاسلوب الذي سوف تسلكه الاَُمّة في الاختيار..

لقد رأوا في قوله تعالى : ( وأمرهم شورى بينهم ) (1)أفضل دليل شرعي يدعم هذه النظرية ، ومن هنا قالوا : إنّ أوّل وجوه انتخاب الخليفة هو الشورى .

لكن ستأتي الصدمة لاَوّل وهلة حين نرى أنّ مبدأ الشورى هذا لم يطرق أذهان الصحابة آنذاك .

فانتخاب أوّل الخلفاء كان بمعزل عن هذا المبدأ تماماً ، فإنّما كان "فلتةً" كما وصفه عمر ، وهو الذي ابتدأه وقاد الناس إليه !

ثمّ كان انتخاب ثاني الخلفاء بمعزلٍ أيضاً عن هذا المبدأ !

نعم ، ظهر هذا المبدأ لاَوّل مرّة على لسان عمر في خطبته الشهيرة التي ذكر فيها السقيفة وبيعة أبي بكر فحذّر من العودة إلى مثلها ، فقال : (فمن بايع رجلاً من غير مشورةٍ من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه ، تغرَّة

(1) الشورى 42 : 38 .


36

أن يُقتلا) (1) . ذلك القول الذي عرفنا قبل قليل أنّه ما قاله إلاّ ليقطع الطريق على الإمام عليّ عليه السلام ومن ينوي أن يبايع له !

لكنّه حين أدركته الوفاة أصبح يبحث عن رجل يرتضيه فيعهد إليه بالخلافة بنصّ قاطع بعيداً عن الشورى !

فقال : لو كان أبو عبيدة حيّاً لولّيته (2).

ثمّ قال : لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لولّيته (3).

ثمّ قال : لو كان معاذ بن جبل حيّاً لولّيته (4).

إذن لم يكن عمر يرى أنّ الاَصل في هذا الاَمر هو الشورى ، وإن كان قد قال بالشورى في خطبته الاَخيرة إلاّ أنّه لم يعمل بها إلاّ اضطراراً حين لم يجد من يعهد إليه !

لقد أوضح عن عقيدته التامّة في هذا الاَمر حين قال قُبيل نهاية المطاف : (لو كان سالمٌ حيّاً ماجعلتها شورى) (5)!!

ثمّ كانت الشورى..

وأيّ شورى !!

إنّها شورى محاطة بشرائط عجيبة لا مجال للمناقشة فيها ! وجملتها :

(1) صحيح البخاري ـ كتاب المحاربين 6 | 6442 ، مسند أحمد 1 : 56، سيرة ابن هشام 4 : 308.

(2) الكامل في التاريخ 3 : 65 ، صفة الصفوة 1 : 367 .

(3) الكامل في التاريخ 3 : 65 ، صفة الصفوة 1 : 383 ، طبقات ابن سعد 3 : 343 .

(4) صفة الصفوة 1 : 494 .

(5) طبقات ابن سعد 3 : 248 .


37

1 ـ إنّها شورى بين ستّة نفر ، وحسب ، يعيّنهم الخليفة وحده دون الاَُمّة !

2 ـ أن يكون الخليفة المنتخب واحداً من هؤلاء الستّة ، لا من غيرهم !

3 ـ إذا اتّفق أكثر الستّة على رجل وعارض الباقون ، ضُربت أعناقهم !

4 ـ إذا اتّفق اثنان على رجل ، واثنان على آخر ، رجّحت الكفّة التي فيها عبد الرحمن بن عوف ـ أحد الستّة ـ وإنْ لم يُسَلّم الباقون ضُربت أعناقهم !

5 ـ ألاّ تزيد مدّة التشاور على ثلاثة أيّام ، وإلاّ ضُربت أعناق الستّة أهل الشورى بأجمعهم !!

6 ـ يتولّى صهيب الرومي مراقبة ذلك في خمسين رجلاً من حَمَلَة السيوف ، على رأسهم أبو طلحة الاَنصاري (1)!

فالحقّ أنّ هذا النظام لم يترك الاَمر إلى الاَُمّة لتنظر وتعمل بمبدأ الشورى، بل هو نظام حدّده الخليفة ، ومنحه سمة الاَمر النافذ الذي لامحيد عنه ، ولاتغيير فيه ، ولايمكن لصورة كهذه أن تُسمّى شورى بين المسلمين ، ولابين أهل الحلّ والعقد .

لقد كانت تلك الظروف إذن كفيلة بتعطيل أوّل شورى في تاريخ الاِسلام عن محتواها ، فطعنت إذن في تلك القاعدة الاَساسيّة المفترضة (قاعدة الشورى) .

(1) الكامل في التاريخ 3 : 66 ـ 67 .


38

والحقّ أنّ هذه القاعدة لم يكن لها عين ولا أثر من قبل.. فلم يكن أبو بكر مؤمناً بمبدأ الشورى قاعدةً للنظام السياسي وأصلاً في انتخاب الخليفة ، ولا مارس ذلك بنفسه ، بل غلّق دونها الاَبواب حين سلب الاَُمّة حقّ الاختيار وممارسة الشورى إذ نصّ على عمر خليفةً له ، ولم يُصغ إلى ماسمعه من اعتراضات بعض كبار الصحابة على هذا الاختيار .

علماً أنّ اعتراض هؤلاء الصحابة المعترضين حينذاك لم يكن على طريقة اختيار الخليفة التي مارسها أبو بكر ، ولا قالوا : إنّ الاَمر ينبغي أن يكون شورى بين الاَُمّة ، ولا احتجّ أحدهم بقوله تعالى : ( وأمرُهم شورى بينهم) ، وإنّما كان اعتراضهم على اختياره عمر بالذات ، فقالوا له : استخلفت على الناس عمر ، وقد رأيت مايلقى الناس منه وأنت معه ، فكيف به إذا خلا بهم ؟! وأنت لاقٍ ربّك فسائلك عن رعيّتك (1)!

بل كان عمر صريحاً كلّ الصراحة في تقديم النصّ على الشورى ، ذلك حين قال : (لو كان سالمٌ حيّاً لَما جعلتها شورى) (2)!!

إنّ عهداً كهذا ليلغي رأي الاَُمّة بالكامل ، وحتّى الجماعة التي يُطلق عليها (أهل الحلّ والعقد) !

قالوا : إذا عهد الخليفة إلى آخر بالخلافة بعده ، فهل يُشترط في ذلك رضى الاَُمّة ؟

فأجابوا : إنّ بيعته منعقدة ، وإنَّ رضى الاَُمّة بها غير معتبر ، ودليل

(1) الكامل في التاريخ 2 : 425 .

(2) طبقات ابن سعد 3 : 248 .


39

ذلك: أنّ بيعة الصدّيق لعمر لم تتوقّف على رضى بقيّة الصحابة (1)!

لم يكن إذن لقاعدة الشورى أثر في تعيين الخليفة !!

لعلّ هذه الملاحظات هي التي دفعت ابن حزم إلى تأخير مبدأ الشورى وتقديم النصّ والتعيين الصريح مِن قِبَل الخليفة السابق ، فقال : (وجدنا عقد الاِمامة يصحّ بوجوه ، أوّلها وأصحّها وأفضلها : أن يعهد الاِمام الميّت إلى إنسان يختاره إماماً بعد موته) (2)!

الشورى أم السيف ؟

لقد أدركنا جيّداً هبوط مبدأ الشورى في الواقع عن المرتبة التي احتلّها في النظريّة ، فتنازلنا عنه تنازلاً صريحاً ـ بعد إقراره ـ حين ذهبنا إلى تصحيح واعتماد كلّ ماحدث على السّاحة رغم منافاته الصريحة لمبدأ الشورى .

ولم نكتف بهذا ، بل ذهبنا إلى تبرير تلك الوجوه المتناقضة بلا استثناء، وبدون الرجوع إلى أيّ دليل من الشرع ، ودليلنا الوحيد كان دائماً : (فعل الصحابة) رغم أنّنا نعلم علم اليقين أنّ الصحابة لم يجتمعوا على رأي واحد من تلك الآراء والوجوه .

كما أنّنا نعلم علم اليقين أيضاً أنّ خلاف المخالفين منهم وإنكار المنكرين كان ينهار أمام الحكم الغالب .

ورغم ذلك فقد عمدنا إلى القرار الغالب والنافذ في الواقع ، فمنحناه

(1) مآثر الاِنافة 1 : 52 ، الاَحكام السلطانية ـ للماوردي ـ : 10 ، الاَحكام السلطانية ـ للفرّاء ـ : 25 ـ 26 .

(2) الفصل 4 : 169 .


40

صبغة الاِجماع ، بحجّة أنّه لم يكن لينفذ في عهدهم إلاّ بإجماعهم عليه ، أو إقرارهم إيّاه .

وبهذا تنكّرنا لحقيقة أنّ القرار النافذ كان يبتلع كلَّ ماصادفه من أصوات المخالفين والمنكرين ، ولايلقي لها بالاً ، وهذا هو الغالب على كلّ مايتّصل بالخلافة والمواقف السياسية الكبرى .

فماذا أغنى اعتراض بني هاشم ومَن معهم مِن المهاجرين والاَنصار على نتائج السقيفة ؟!

وما أغنى إنكار الصحابة على أبي بكر يوم استخلف عمر ؟!

وما أغنى إنكار الصحابة سياسة عثمان في قضايا كثيرة كتقديمه بني أُميّة على خيار الصحابة مع ماكان عليه أُولئك من حرص على الدنيا وبُعدٍ عن الدِين ؟!

ثمّ لم يشتدّ هذا الاِنكار ويعلو صداه حتّى تغلّب على شؤون الاَُمّة والخليفة غلمانُ بني أُميّة ممّن اتفق الكل على أنّه لم يكن معهم من الدين والورع لا كثير ولا قليل ، كمروان بن الحكم وعبد الله بن سعد بن أبي سرح والوليد بن عقبة ، ومعاوية .

ومع هذا فلم يكن إنكارهم عندنا حجّة ، بل كانوا به ملومين !

فمتى إذن كان إنكار الصحابة حجّة ، ليكون سكوتهم إقراراً ؟!

فإذا كانت الخطوة الاَُولى في التراجع عن مبدأ الشورى هي القبول بتسليم الاَمر إلى الخليفة القائم ليستخلف بعده من يشاء ، فإنّ الخطوة الثانية كانت خطوة مُرّةً حقّاً .


41

فلمّا تجنّب الخلفاء مبدأ الشورى ومبدأ النصّ والاستخلاف معاً ، واختاروا مبدأ القهر والاستيلاء والتغلّب بالسيف ، قبلنا به واحداً من طرق الخلافة !

فكم بين الشورى ، والتغلّب بالسيف ؟!

إنّ إقرار مبدأ التغلّب بالسيف لَيُعدّ أكبر انتكاسة لمبدأ الشورى !

وإذا كانت الشورى مستمدّة من القرآن ، فمن أين استمدّت قاعدة التغلّب بالسيف ؟!

وثَمَّ سؤال أشدّ إحراجاً من هذا :

فإذا كانت الشورى هي القاعدة الشرعية المستمدّة من القرآن ، فماذا عن عهود الخلافة التي لم تتمّ وفق هذه القاعدة ؟!

وحين لم يتوفّر الجواب الذي ينقذ هذه النظرية من هذا المأزق الكبير ، رأينا أنّ المهرب الوحيد هو أن نبرِّر جميع صور الخلافة التي تحقّقت في الواقع : فمرّةً بعقد رجل واحد ومتابعة أربعة ، ومرّة بنصّ من الخليفة السابق، ومرّة في ستّة يجتمعون لانتخاب أحدهم ، ومرّة بالقهر والاستيلاء، حتّى أدّى هذا المبدأ الاَخير إلى أن تصبح الخلافة وراثة بحتة لا أثر للدِين فيها .

مصير شروط الاِمامة :

إنّ هذه الطريقة في تبرير الاَمر الواقع لم تسقط الشورى وحدها ، بل أسقطت معها أهمّ شروط الاِمامة الواجبة لصحّة عقدها ، والتي منها :


42

1 ـ العدالة : إذ قالوا أوّلاً في بناء نظرية الخلافة : لاتنعقد إمامة الفاسق ؛ لاَنّ المراد من الاِمام مراعاة النظر للمسلمين ، والفاسق لم ينظر لنفسه في أمر دينه ، فكيف ينظر في مصلحة غيره (1)؟!

وقالوا : إنّ هذا الفسق يمنع من انعقاد الاِمامة ، ومن استدامتها ، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها (2).

2 ـ الاجتهاد : إذ عدّوا في شروط الاِمام : أن يكون من أفضلهم في العلم والدين ، والمراد بالعلم هو العلم المؤدّي إلى الاجتهاد في النوازل والاَحكام ، فلاتنعقد إمامة غير العالم بذلك ، لاَنّه محتاج لاَنْ يصرّف الاَُمور على النهج القويم ويُجريها على السراط المستقيم ، ولاَنْ يعلم الحدود ويستوفي الحقوق ويفصل الخصومات بين الناس ، وإذا لم يكن عالماً مجتهداً لم يقدر على ذلك (3).

لكن سرعان ما انهار هذان الشرطان حين تغلّب على الخلافة رجال لم يكن فيهم شيء منها ، لا العدالة ، ولا العلم المؤدّي إلى الاجتهاد..

قال الفرّاء : قد روي عن أحمد ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل ، فقال : (ومن غلبهم بالسيف حتّى صار خليفةً وسمّي أمير المؤمنين ، فلا يحلّ لاَحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً عليه ، برّاً كان أو فاجراً ، فهو أمير المؤمنين) (4)!

(1) مآثر الاِنافة 1 : 36 ، الاَحكام السلطانية ـ للماوردي ـ : 6 ، الاَحكام السلطانية ـ للفرّاء ـ :20.

(2) الاَحكام السلطانية ـ للماوردي ـ : 17 .

(3) مآثر الاِنافة 1 : 37 ، الاَحكام السلطانية ـ للفرّاء ـ : 20 .

(4) الاَحكام السلطانية ـ للفرّاء ـ : 20 .


43

وقال القلقشندي : ( إن لم يكن الخليفة المتغلّب بالقهر والاستيلاء جامعاً لشرائط الخلافة ، بأن كان فاسقاً أو جاهلاً ، فوجهان لاَصحابنا الشافعية ، أصحّهما : انعقاد إمامته أيضاً ) (1)!

التبرير :

إنّ مثل هذا الرأي الذي ينقض شرائط الخلافة بعد أن نقض أساسها ، لابُدّ له من تبرير مقبول .

والتبرير الذي قدّمته هذه النظرية هنا هو : (الاضطرار) !

لاَنّا لو قلنا : لاتنعقد إمامته ، لزم ذلك بطلان أحكامه كلّها المالية والمدنيّة، فيتعيّن على الخليفة الذي يأتي بعده وفق الشروط الشرعية أن يقيم الحدود ثانياً ، ويستوفي الزكاة والجزية ثانياً ، وهكذا (2).

والضرورة أيضاً تقتضي صحّة خلافته : لحفظ نظام الشريعة ، وتنفيذ أحكامها (3) ، ولاَنّه لابُدّ للمسلمين من حاكم (4).

إذن قبولها على هذه الصورة يستدعي السعي الدائم لاِزاحتها وإرجاع الاَمر إلى صيغته الشرعية متى ما وجدت الاَُمّة سبيلاً إلى ذلك .

هذا ماذهب إليه الشيخ محمّد رشيد رضا وقد استعرض هذه الآراء ، فقال : ( معنى هذا أنّ سلطة التغلّب كأكل الميتة ولحم الخنزير عند

(1) مآثر الاِنافة 1 : 58 .

(2) اُنظر : مآثر الاِنافة 1 : 58 .

(3) مآثر الاِنافة 1 : 71 .

(4) الاَحكام السلطانية ـ للفرّاء ـ : 24 .


44

الضرورة، تنفذ بالقهر ، وتكون أدنى من الفوضى !

ومقتضاه أنّه يجب السعي دائماً لاِزالتها عند الاِمكان ، ولايجوز أن توطّن الاَنفس على دوامها ، ولا أن تجعل كالكرة بين المتغلّبين يتقاذفونها، ويتلقّفونها كما فعلت الاَُمم التي كانت مظلومة وراضية بالظلم )(1) .

لكنَّ الواقع كان على العكس من ذلك ، فقد حرّموا دائماً الخروج على السلطان الجائر والفاسق ، وعدّوا أيّ محاولة من هذا القبيل من الفتن التي نهى عنها الدين وحرّم الدخول فيها..

يقول الزرقاني : ( أمّا أهل السُنّة فقالوا : الاختيار أن يكون الامام فاضلاً عادلاً محسناً . فإن لم يكن فالصبر على طاعة الجائر أوْلى من الخروج عليه ، لِما فيه من استبدال الخوف بالاَمن ، وإهراق الدماء ، وشنّ الغارات، والفساد، وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه ) (2)!

كما ثبت عن أحمد بن حنبل أنّه قال : (الصبر تحت لواء السلطان على ماكان منه من عدلٍ أو جور ، ولايُخرَج على الاَُمراء بالسيف وإنْ جاروا)(3).

استعرض الشيخ أبو زهرة هذين القولين ، ثمّ قال : ( وهذا هو المنقول عن أئمّة أهل السُنّة ؛ مالك ، والشافعي ، وأحمد ) (4).

(1) الخلافة : 45 ، عنه : نظام الحكم والاِدارة في الاِسلام : 126 .

(2) شرح الموطّأ 2 : 292 ، عنه : المذاهب الاِسلامية : 155 .

(3) المذاهب الاِسلامية : 155 .

(4) المذاهب الاِسلامية : 155 .


45

فهل ينسجم هذا الاعتقاد مع أحكام الاضطرار والاِكراه ؟!

لقد طعن الشيخ محمّد رشيد رضا هذه العقيدة في الصميم حين قال :

«وقد عُني الملوك المستبدّون بجذب العلماء إليهم بسلاسل الذهب والفضّة والرُتَب والمناصب ، وكان غيرهم أشدّ انجذاباً ، ووضع هؤلاء العلماء الرسميّون قاعدة لاَُمرائهم ولاَنفسهم هدموا بها القواعد التي قام بها أمرُ الدِين والدنيا في الاِسلام ، وهي : أنّه يجوز أن يكون أولياء الاَُمور فاقدين للشروط الشرعية التي دلّ على وجوبها واشتراطها الكتاب والسُنّة، وإنْ صرّح بها أئمّة الاُصول والفقه ، فقالوا : يجوز ، إذا فُقِدَ الحائزون لتلك الشروط .

مثال ذلك : إنّه يشترط فيهم العلم المعبَّر عنه بالاجتهاد ، وقد صرّح هؤلاء بجواز تقليد الجاهل ، وعدّوه من الضرورة ، وأطلق الكثيرون هذا القول ، وجرى عليه العمل . وذلك من توسيد الاَمر إلى غير أهله الذي يقرّب خطوات ساعة هلاك الاَُمة ، ومن علاماتها : ذهاب الاَمانة ، وظهور الخيانة.. ولا خيانة أشدّ من توسيد الاَمر إلى الجاهلين..

روى مسلم وأبو داوود حديث ابن عبّاس : ( من استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أنّ فيهم أوْلى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسُنّة نبيّه ، فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين )(1).

وطعنها أيضاً في قوله : ( ما أفسد على هذه الاَُمّة أمرها وأضاع عليها ملكها إلاّ جعل طاعة هؤلاء الجبّارين الباغين واجبة شرعاً على الاِطلاق ،

(1) تفسير المنار 5 : 215 ـ 216 باختصار .


46

وجعل التغلّب أمراً شرعيّاً كمبايعة أهل الحلّ والعقد للاِمام الحقّ ، وجعل عهد كلّ متغلّب باغٍ إلى ولده أو غيره من عصبته حقّاً شرعياً وأصلاً مرعياً لذاته ) (1) !

وهذه حقيقة تاريخية ، وليست دعوى مجازفٍ أو متهاون .

صورتان :

صورتان نقف عندهما يسيراً بعد هذا الشوط المضني ، لنواصل بعدهما المشوار..

الصورة الاَولى : مذهب عظماء السَلَف ؟!

لقد أسقط مذهب الكثير من عظماء السلف وأشرافهم فلا يُذكر لهم اسم ، ولايُشرَك لهم قول في هذه النظرية .

فلا ذكر للسبط الشهيد الاِمام الحسين بن عليّ ( ع ) وثورته (2)... ولا لمئات المهاجرين والاَنصار وبقيّة الصحابة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونهضتهم على يزيد بن معاوية (3).. ولا عبد الله بن الزبير.. ولا الشهيد زيد بن عليّ بن

(1) الخلافة : 51 ، عنه : نظرية الحكم والاِدارة في الاِسلام : 126 .

(2) قُتل الاِمام الحسين عليه السلام مع نيّف وسبعين من أهل البيت والتابعين وفيهم الصحابي أنس بن الحارث الذي روى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم : «إنّ ابني هذا ـ يعني الحسين ـ يُقتل بأرض يقال لها كربلاء ، فمن شهد منكم ذلك فلينصره» البداية والنهاية 8 : 201 ، أُسد الغابة ، والاِصابة : ترجمة أنس بن الحارث .

(3) قُتل منهم ثمانون صحابياً ولم يبق بدريّ بعد ذلك ، وقتل من قريش والاَنصار سبع مئة ، ومن التابعين والعرب والموالي عشرة آلاف ، وأُبيحت المدينة ثلاثة أيّام وانتُهكت الاَعراض حتّى ولدت الاَبكار لايُعرَف من أولدَهنّ !

أُنظر تفاصيل وقعة الحرّة في أحداث سنة 63 هـ في : المنتظم لابن الجوزي ، تاريخ الطبري ، وانظر تاريخ الخلفاء للسيوطي : 195 .


47

الحسين ( ع ) .. ولا الصحابي سليمان بن صُرَد الخزاعي ومن معه أصحاب ثورة التوّابين.. ولا القُرّاء في الكوفة وثورتهم !

كما أُسقط أيضاً مذهب أبي حنيفة من بين أئمّة أهل السُنّة ، وذلك لاَنّه ـ كما جاء في غير واحدٍ من المصادر ـ كان يساند الثائرين على خلفاء الزور فساند زيد الشهيد ابن الإمام زين العابدين عليه السلام وساند ثورات أولاد الامام الحسن عليه السلام حتّى مات في السجن وهو على موالاتهم ، وكان يسمّي خلفاء بني أمية وبني العباس (اللصوص)(1)!

كلّ أُولئك أُسقطوا من هذه النظرية ، فأُخرجوا عن دائرة أهل السُنّة !!

لقد بالغ بعض كبار المتكلّمين باسم أهل السُنّة في النَيْل من أُولئك العظماء الاَشراف ، ووجوه القوم وكبارهم ، ولعلّ من أشهرهم ابن تيميّة الذي ذهلته العصبية حتّى تمرّد على جميع الضوابط الدينية والقيم الخُلقية ، فوصف نهضة سيّد شباب أهل الجنّة سبط الرسول وريحانته بأنّها فساد كبير ! ولايرضى بها الله ورسوله ! وكذا وصف نهضة بقيّة المهاجرين والاَنصار في المدينة المنوّرة ، ثمّ بالغ في إعذار يزيد في التصدّي لهم وقتلهم جميعاً لاَجل حفظ ملكه ؛ ولم ينكر على يزيد إلاّ أنّه أباح المدينة ثلاثة أيام (2).

وقال في هذا الاَمر أيضاً : ( ممّا يتعلّق بهذا الباب أن يُعلَم أنّ الرجل العظيم في العلم والدِين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم

(1) اُنظر : الملل والنحل 1 : 140 ، الكشاف للزمخشري : عند تفسيره الآية 124 من سورة البقرة ( لا ينال عهدي الظالمين ).

(2) اُنظر : منهاج السُنّة 2 : 241 ـ 243 و 253 ، الوصيّة الكبرى : 54 .


48

القيامة، أهل البيت وغيرهم ، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقروناً بالظنّ ونوع من الهوى الخفيّ ، فيحصل بسبب ذلك ما لاينبغي اتّباعه فيه وإنْ كان من أولياء الله المتّقين ، ومثل هذا إذا وقع صار فتنة ) (1)!!

تُرى لماذا كان ابن تيميّة أعلم بمداخل الفتنة وأبعد عن الهوى الخفيّ من أُولئك العظماء من الصحابة وأهل البيت ؟! هل لاَنّه رضي إمامةَ الفاجر والجاهل ، ورفضَها أُولئك ؟!

هكذا تُلقي هذه النظرية بنفسها في مأزقٍ حرج حين تُعرِض عن ذلك الاَثر الضخم من آثار عظماء السَلَف وأئمّتهم .

الصورة الثانية : الخارج المأجور

مازال إظهار الخلاف للحاكم محرَّماً ، والخروج عليه فتنةً وفساداً كبيراً، مازال هذا الحكم ثابتاً لا يتزحزح..

إذن لماذا أصبح الخارج على الاِمام ، مرّةً واحدة فقط في تاريخ الاِمامة، مأجوراً ؟!

حين كان الاِمام هو عليٌّ بن أبي طالب ، أخصّ الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكثرهم علماً وجهاداً وأوْلاهم بالعدل ، عندئذٍ فقط حقَّ للناس أن يخرجوا على الاِمام !

وسوف لايكون خروجهم ـ هذه المرّة ـ فتنة وفساداً ، بل هو اجتهاد ، وهم مأجورون عليه ، مثابون لاَجله وإن أخطأوا !!

(1) منهاج السُنّة 2 : 245 .


49

إنّها صور لو عرضتَ أيّاً منها على تلك النظرية لوجدت فتقاً لايُرتَق إلاّ بتكلّفٍ ظاهر ، والتواءٍ سافر .


50


51

الــنــص


52


53

ضرورة النصّ بين الخليفة والنبيّ :

لانزاع بينهم في ثبوت حقّ الخليفة في النصّ على مَن يخلفه ، ولافي نفوذ هذا النصّ ؛ لاَنّ الاِمام أحقّ بالخلافة ، فكان اختياره فيها أمضى ، ولا يتوقّف ذلك على رضى أهل الحلّ والعقد (1).

وإنّما صار ذلك للخليفة خوفاً من وقوع الفتنة واضطراب الاَُمّة (2).

فمن أجل ذلك كان بعض الصحابة يراجع عمر ويسأله أن ينصّ على من يخلفه (3) .

تُرى ، لماذا لا يكون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أوْلى بالتفكير في ذلك ، وبرعاية هذه المصلحة ؟!

إنّه الرحمة المهداة ، بلا شكّ.. أليس من تمام الرحمة وجمالها أن يُجنّب أُمّته المحذور من الاختلاف بعده ؟!

لقد أحبّ أُمّته وحرص عليها ( عزيزٌ عليه ماعنِتّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) (4).

وأيضاً: فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أنّنا سوف لاننتظر بعده نبيّاً يُعيد نظمَ أمرنا!

(1) الاَحكام السلطانية ـ للفرّاء ـ : 10 ، الاَحكام السلطانية ـ للبغوي ـ : 25 ـ 26 .

(2) الفِصَل 4 : 169 ، تاريخ الاَُمم الاِسلامية ـ للخضري ـ : 1 : 196 .

(3) الكامل في التاريخ 3 : 65 .

(4) التوبة 9 : 128 .


54

لقد بصر ابن حزم بذلك ، فحاول أن يتداركه ، فقال : وجدنا عقد الاِمامة يصحّ بوجوه : أوّلها وأصحّها وأفضلها أن يعهد الاِمام الميّت إلى إنسان يختاره إماماً بعد موته ، سواء جعل ذلك في صحّته أو عند موته ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأبي بكر ، وكما فعل أبو بكر بعمر ، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز .

قال : وهذا هو الوجه الذي نختاره ، ونكره غيره ، لِما في هذا الوجه من اتّصال الاِمامة ، وانتظام أمر الاِسلام وأهله ، ورفع مايتخوّف من الاختلاف والشغب ممّا يُتوَقّع في غيره من بقاء الاَُمّة فوضى ، ومن انتشار الاَمر وحدوث الاَطماع (1).

لقد لحظ ابن حزم أكثر من ثغرة في تلك النظرية ( الشورى ) ، فأظهر مهارةً في محاولة رتقها ، بأنْ جمع بين الضرورات الدينية والعقلية والاجتماعية وبين الاَمر الواقع ، ليخرج بصيغة أكثر تماسكاً .

فتَرْكُ الاَُمّة دون تعيين وليّ الاَمر الذي يخلف زعيمها يعني بقاء الاَُمّة فوضى ، وتشتّت أمرها ، وظهور الاَطماع في الخلافة لا محالة.. وهذا ممّا ينبغي أن يدركه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيبادر إلى تلافيه ، ولو في مرضه الذي توفّي فيه .

وتعيين الخليفة بهذه الطريقة سيضمن اتّصال الاِمامة ، وانتظام أمر الاِسلام .

وإذا كان أبو بكر قد أدرك ذلك فنصَّ على مَن يخلفه ، وأدركه أيضاً

(1) الفِصَل 4 : 169 .


55

عمر ، وأدركه سليمان بن عبد الملك ، فكيف نظنّ بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قد أغفل ذلك ؟!

إنّها إثارات جادّة دفعته إلى حلٍّ وحيد يمكنه أن ينقذ هذه النظرية ، كما ينقذ الاَمر الواقع بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وتمثّل هذا الحلّ عنده بنصّ النبيّ على أبي بكر بالخلافة !

إذن فلا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد ترك هذا الاَمر للاَُمّة ، أو تركها فوضى ، ولا كانت بيعة أبي بكر فلتة !

إنّها أُطروحة متينة ، كفيلة بقطع النزاع ، لو تمّت.. !

ولكنّها ـ للاَسف ـ لم تكن سوى مجازفة ، فمن البديهي عندئذٍ أن تكون عاجزةً عن تحقيق الاَمل المنشود منها !

فلا هي تداركت تلك النظرية وعالجت ثغراتها ، ولا هي أنقذت الاَمر الواقع !

وذلك لسبب بسيط ، وهو أنّ النصّ على أبي بكر لم يثبت ، بل لم يدّعِ وجوده أحد ، بل تسالمت الاَُمّة على عدمه .

فمن أراد أن يثبت مثل هذا النصّ على أبي بكر بالخصوص ، فعليه أن ينفي حادثة السقيفة جملةً وتفصيلاً .

عليه أن يكذّب بكلّ ماثبت نقله في الصحاح من كلام أبي بكر وعمر وعليٍّ والعبّاس والزبير في الخلافة..

عليه أن يهدم بعد ذلك كلّ ماقامت عليه نظرية أهل السُنّة في الاِمامة ، فلم تُبْنَ هذه النظرية أوّلاً إلاّ على أصل واحد ، وهو البيعة لاَبي بكر بتلك


56

الطريقة التي تمّت في السقيفة وبعدها !!

عليه أن ينفي ماصرّحوا به من (الاِجماع على أنّ النصّ منتفٍ في حقّ أبي بكر) (1) !

ولم يكن هذا الطرح منسجماً مع هذه المدرسة ومبادئها ، وإنّما هو محاولة لسدّ ثغراتها ، ومقابلة للاِلحاح الذي تُقدّمه النظرية الاُخرى القائمة على أساس النصّ ، ولقطع دابر النزاع ، كما ذكر ابن حزم .

إنّه كان مقتنعاً بضرورة النصّ ، ولكنّه أراد نصّاً منسجماً مع الاَمر الواقع، وإنْ لم يسعفه الدليل !!

إقرار بقدر من النصّ :

لم يختف النصّ إلى الاَبد في هذه النظرية ، والشورى هنا ليست مطلقة العنان ، فليس لاَهل الحلّ والعقد أن ينتخبوا من شاءوا بلا قيد .

إنّ هناك حدّاً تلتزمه الشورى ، وهذا الحدّ إنّما رسمه النصّ الثابت .

قالوا : إنّ من شرط الاِمامة : النَسَب القرشي ، فلا تنعقد الاِمامة بدونه.. وعلّلوا ذلك بالنصّ الثابت فيه ، فقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : «الاَئمّة من قريش» .

وقال : «قدّموا قريشاً ولا تتقدّموها» . وليس مع هذا النصّ المسلَّم شبهةٌ لمنازع ، ولا قول لمخالف (2).

(1) شرح المقاصد 5 : 255 ، ومصادر أُخرى .

(2) الاَحكام السلطانية ـ للماوردي ـ : 6 .


57

واشترطوا لهذا القرشي أن يكون قرشيّاً من الصميم ، من بني النضر بن كنانة ، تصديقاً للنصّ (1).

وقال أحمد : (لا يكون من غير قريش خليفة) (2).

واستدلّوا على تواتر هذا النصّ بتراجع الاَنصار وتسليمهم الخلافة للمهاجرين القرشيّين حين احتجّوا عليهم بهذا النصّ في السقيفة (3).

وقال ابن خلدون : ( بقي الجمهور على القول باشتراطها ـ أي القرشية ـ وصحّة الخلافة للقرشيّ ولو كان عاجزاً عن القيام بأُمور المسلمين ) (4).

وهكذا ثبت النصّ الشرعي ، وثبت تواتره ، وثبت الاِجماع عليه .

وحين تراجع بعضهم عن الالتزام بهذا النصّ ـ كأبي بكر الباقلاّني ـ فسّر ابن خلدون سرّ تراجعه ، وردّ عليه ، فقال : لمّا ضعف أمر قريش ، وتلاشت عصبيّتهم بما نالهم من الترف والنعيم ، وبما أنفقتهم الدولة في سائر أقطار الاَرض ، عجزوا بذلك عن أمر الخلافة وتغلّبت عليهم الاَعاجم ، فاشتبه ذلك على كثير من المحقّقين حتّى ذهبوا إلى نفي اشتراط القرشية ، وعوّلوا على ظواهر في ذلك مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «اسمعوا وأطيعوا وإنْ وليَ عليكم عبدٌ حبشي» (5).

(1) الاَحكام السلطانية ـ للفرّاء ـ : 20 ، الفِصَل 4 : 89 ، مآثر الاِنافة 1 : 37 ، مقدّمة ابن خلدون : 214 فصل 26 .

(2) الاَحكام السلطانية ـ للفرّاء ـ : 20 .

(3) الفِصَل 4 : 89 .

(4) المقدّمة : 215 .

(5) والخوارج أيضاً احتجّوا بهذا حين لم يجدوا بينهم قرشياً يسندون إليه الزعامة فيهم !


58

قال : وهذا لاتقوم به حجّة في ذلك ، لاَنّه خرج مخرج التمثيل ، للمبالغة في إيجاب السمع والطاعة (1).

وثبت النصّ واستقرّ ، ولا غرابة ، فهو نصّ صحيح ، بل متواتر .

وهو فوق ذاك ينطوي على فائدة أُخرى ، فهو النصّ الذي يعزّز أركان هذه النظرية ، إذ يضفي الشرعية على الخلافة في كافة عهودها ، ابتداءً من أوّل عهود الخلافة ! وانتهاءً بآخر خلفاء بني العبّاس ، فهذا كلّ مايتّسع له لفظ القرشيّة هنا .

لمّا تغلب معاوية بالسيف بلغه أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص يُحدِّث أنّه سيكون ملك من قحطان ، فهبّ معاوية غضباً فجمع الناس وخطبهم قائلاً : أمّا بعد ، فإنّه بلغني أنّ رجالاً منكم يحدّثون أحاديث ليست في كتاب الله ولاتؤثر عن رسول الله ، أُولئك جهّالكم ! فإيّاكم والاَمانيّ التي تضلّ أهلها ، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : «إنّ هذا الاَمر في قريش، لايعاديهم أحد إلاّ كبّه الله في النار على وجهه» (2).

وقفة مع هذا النصّ :

عرف المهاجرون القرشيّون الثلاثة ـ أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ـ هذا النصّ فاحتجّوا به على الاَنصار في السقيفة ، فأذعن الاَنصار ، وعاد القرشيّون بالخلافة ، أبو بكر ، ثمّ عمر ، ثمّ مالت عن أبي عبيدة ، لا لعدم كفاءته وهو القرشيّ المهاجر ، بل لاَنّه قد توفّي في خلافة عمر ، فلمّا حضرت عمر الوفاة تأسّف عليه ، وقال : (لو كان أبو عبيدة حيّاً

(1) مقدّمة ابن خلدون : 214 ـ 215 فصل 26 .

(2) صحيح البخاري ـ كتاب الاَحكام ـ باب 2 | 6720 .


59

لولّيتهُ)(1).. والاَمر ماضٍ مع النصّ .

ولكن حين لم يكن أبو عبيدة حيّاً كاد ذلك المبدأ ـ النصّ ـ أن ينهار ، وكاد ذلك النصّ المتواتر أن يُنسى ، كلّ ذلك على يد الرجل الذي كان من أوّل المحتجّين به على الاَنصار ، عمر بن الخطاب ! إنّه لمّا لم يجد أبا عبيدة حيّاً ، قال : (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لولّيتُه) (2).

ولمّا لم يكن سالم حيّاً ، قال : (لو كان معاذ بن جبل حيّاً لولّيتُه) (3).

فهل كان سالم قرشياً ؟! أم كان معاذ كذلك ؟!

أمّا سالم : فأصله من إصْطَخْر ، من بلاد فارس ، وكان مولىً لاَبي حذيفة(4) !

وأمّا مُعاذ : فهو رجل من الاَنصار الّذين أغار عليهم القرشيّون الثلاثة في السقيفة ، وفيهم عمر ، واحتجّوا عليهم بأنّ الاَئمّة من قريش ، وهيهات أن ترضى العرب بغير قريش ! هذا الكلام قاله عمر في خطابه للاَنصار في السقيفة ، ثمّ واصل خطابه قائلاً : (ولنا بذلك الحجّة الظاهرة ، مَن نازعنا سلطانَ محمّد ونحن أولياؤه وعشيرتُه ، إلاّ مُدْلٍ بباطلٍ ، أو متجانفٍ لاِثم ، أو متورّط في هَلَكة) (5)؟!

إنّ تعدّد هذه المواقف المختلفة أضفى كثيراً من الغموض على عقيدة

(1) مسند أحمد 1 : 18، الكامل في التاريخ 3 : 65، صفة الصفوة 1 : 367 ، سير أعلام النبلاء 1 : 10.

(2) الكامل في التاريخ 3 : 65 ، صفة الصفوة 1 : 283 ، طبقات ابن سعد 3 : 343 .

(3) مسند أحمد 1 : 18، صفة الصفوة 1 : 494، طبقات ابن سعد 3 : 590، سير أعلام النبلاء 1 : 10.

(4) سير أعلام النبلاء 1 : 167 .

(5) راجع : الكامل في التاريخ 2 : 329 ـ 330 ، الاِمامة والسياسة : 12 ـ 16 .


60

عمر في الخلافة ، ممّا يزيد في إرباك نظرية الخلافة والاِمامة إذا ماأرادت أن تُساير جميع المواقف ، من هنا اضطرّوا إلى الضرب على اختلافات عمر حفاظاً على صورة أكثر تماسكاً لهذه النظرية ، كلّ ذلك لاَجل تثبيت هذا المبدأ القائم على النصّ الشرعي : «الاَئمّة من قريش» .

واضح إذن كيف تمّ الانتصار للنصّ على الرأي المخالف !

وواضح أيضاً كيف كان قد تمّ الانتصار لمبدأ النصّ على مبدأ الشورى ، وذلك حين رأى الخليفة ضرورة النصّ على من يخلفه ، هذا بغض النظر عن السر الذي ذكرناه في طرح نظرية الشورى !

فدخل النصّ إذن في قمّة النظام السياسي !

إذن ، ثبت لدينا نصّ صريح صحيح وفاعل في هذه النظرية ، وهو الحديث الشريف «الاَئمّة من قريش» وقد أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن والسير بألفاظ مختلفة .

ضرورة التخصيص في النصّ :

1 ـ إنّ قراءةً سريعة في تاريخنا السياسي والاجتماعي توقفنا على حقيقة أنّ النصّ المتقدّم «الاَئمّة من قريش» بمفرده لايحقق للاِمامة الاَمل المنشود منها في حراسة الدين والمجتمع .

وأوّل من لمس هذه الحقيقة هم الصحابة أنفسهم منذ انتهاء عصر الخلفاء الاَربعة ، ثمّ أصبحت الحقيقة أكثر وضوحاً لدى من أدرك ثاني ملوك بني أُميّة ـ يزيد بن معاوية ـ ومَن بعده .

ففي صحيح البخاري : لمّا كان النزاع دائراً بين مروان بن الحكم وهو


61

بالشام ، وعبد الله بن الزبير وهو بمكّة ، انطلق جماعة إلى الصحابي أبي برزة الاَسلمي رضي الله عنه فقالوا له : ياأبا برزة ، ألا ترى ماوقع فيه الناس ؟! فقال : إنّي أحتسب عند الله أنّي أصبحتُ ساخطاً على أحياء قريش ، إنّ ذاك الذي بالشام والله إنْ يقاتل إلاّ على الدنيا ، وإنّ الذي بمكّة والله إنْ يقاتل إلاّ على الدنيا (1) !!

2 ـ وأهمّ من هذا أنّه ثمّة نصوص صحيحة توجب تضييق دائرة النصّ المتقدّم..

لقد حذّر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الاغترار بالنسب القرشي وحسب ، وأنذر بأنّ ذلك سيؤدّي إلى هلاك الاَُمّة وتشتّت أمرها !

ففي صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : «هَلَكَةُ أُمّتي على يَدَي غلمةٍ من قريش» (2) .

كيف إذن سيتمّ التوفيق بين النصّين : «الاَئمّة من قريش» و «هَلَكة أُمّتي على يدي غلمة من قريش» ؟!

أليس لقائل أن يقول : ماهو ذنب الاَُمّة ؟! إنّها التزمت نصّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

(1) صحيح البخاري ـ الفتن ـ باب 20 | 6695 .

(2) صحيح البخاري ـ الفتن ـ باب 3 | 6649 ، فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13 : 7 ـ8. ومما يثير الدهشة أن تجد هذه الاَحاديث وأكثر منها في آل أبي سفيان وآل مروان ، تجدها في كتاب (البداية والنهاية) لابن كثير تحت عنوان (إخباره صلى الله عليه وآله وسلّم لما وقع من الفتن من بني هاشم بعد موته) !! 6 : 255 ـ ط. دار التراث العربي ـ سنة 1992 م ، و 6 : 227 ـ ط . مكتبة المعارف ـ سنة 1988 م . علماً أنّه وضعها وفق ترتيبه التاريخي في أحداث العهد الاَموي!! ولعل المتهم في هذا ناسخ أمويّ الهوى غاضه ذكر بني أُمية في هذا العنوان فقلبه على بني هاشم !


62

«الاَئمّة من قريش» فقادها هذا النصّ إلى هذا المصير حين ذُبح خيار الاَُمّة بسيوف قريش أنفسهم !

أليس النصّ هو المسؤول ؟!

حاشا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يضع أُمّته على حافة هاوية ، وهو الذي كان قد استنقذها من الهاوية .

إنّهم أرادوا أن يحفظوا الرسول بحفظ جميع الصحابة وإضفاء الشرعية حتّى على المواقف المتناقضة تجاه القضيّة الواحدة ، فوقعوا في مافرّوا منه !

بل وقعوا في ماهو أكبر منه حين صار النصّ النبويّ هو المسؤول عمّا آل إليه أمر الاَُمّة من فتن ، ثمّ هَلَكة !

فهؤلاء الغلمة إنّما يكون هلاك الاَُمّة على أيديهم عندما يملكون أمر الاَُمّة ، لكنّ الاَُمّة إنْ رضيت بهم فإنّما كان اتّباعاً للنصّ الاَوّل «الاَئمّة من قريش» فهل يكون هذا إلاّ إغراء ؟!

حاشا لرسول الله أن يكون ذلك منه ، وإنّما هو من علامات التهافت في هذه النظرية التي أغضت عن كلّ ماورد في السُنّة ممّا يفيد تخصيص ماورد في حقّ قريش .

نوعان من التخصيص :

ورد في السُنّة نوعان من التخصيص في أمر قريش ؛ تخصيص سلب ، وتخصيص إيجاب .


63

1 ـ تخصيص السلب : ثمّة نصوص صريحة تستثني قوماً من قريش ، فتبعدهم عن دائرة التكريم ، ناهيك عن التقديم : قال ابن حجر الهيتمي : في الحديث المرويّ بسندٍ حَسَن أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : «شرّ قبائل العرب : بنو أُميّة وبنو حنيفة وثقيف» .

قال : وفي الحديث الصحيح ـ قال الحاكم : على شرط الشيخين ـ عن أبي برزة رضي الله عنه أنّه قال : ( كان أبغض الاَحياء ـ أو الناس ـ إلى رسول الله بنو أُميّة ) (1) .

والذي ورد في ذمّ آل الحَكَم ـ أبو مروان ـ خاصّة كثير ومشهور .

فهل يصحّ أن تُسند الاِمامة إلى شرّ قبائل العرب ، وأبغض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟!

ومن دقائق النصّ الاَوّل إقرانه بني أُميّة ببني حنيفة ، وبنو حنيفة هم قوم مسيلمة الكذّاب !!

فإذا أصبح هؤلاء هم الحكّام في الواقع فعلينا أن نشهد أنّ هذا الواقع منحرف عن النصّ ، بدلاً من أن نسعى لتبريره وإخضاعه للنصّ .

2 ـ تخصيص الاِيجاب : الحديث الذي ميّز قريشاً بالاصطفاء على سائر القبائل لم يقف عند دائرة قريش الكبرى ، بل خصّ منها طائفةً بعينها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «إنّ الله اصطفى كنانة من وُلد إسماعيل ، واصطفى قريشاً من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم»(2).

(1) تطهير الجنان واللسان : 30 .

(2) صحيح مسلم ـ كتاب الفضائل ـ | 1 .


64

وهذا تقديم لبني هاشم على سائر قريش ..

ساق ابن تيميّة هذا الحديث الصحيح ، وأضاف قائلاً : وفي السنن أنّه شكا إليه العبّاسُ أنّ بعض قريش يحقّرونَهم ! فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «والذي نفسي بيده لايدخلون الجنّة حتّى يحبّوكم لله ولقرابتي» وإذا كانوا أفضل الخلائق ، فلا ريب أنّ أعمالهم أفضل الاَعمال.. ففاضلهم أفضل من كلّ فاضل من سائر قبائل قريش والعرب ، بل وبني إسرائيل وغيرهم (1).

وليس المقام مقام تفضيل وحسب ، بل إنّ قريشاً لا يصحّ لها إيمان مالم تحبّ بني هاشم حُبّين : لله ، ولقرابة الرسول !

فهل يصحّ أن تكون قريش كلّها سواء في حقّ التقدّم والاِمامة ، وفيها بنو هاشم الّذين رفعهم النصّ إلى أعلى منزلة ، وفيها بنو أُميّة الّذين خفضهم النصّ إلى أردى الرتب ؟!

إذا كان الواقع قد آل إلى هذه الحال ، فعلينا أن نشهد أنّه واقع منحرف عن النصّ ، لا أن نسعى إلى تبريره .

نتيجة البحث :

ممّا تقدّم يبدو بكّل وضوح أنّنا هنا قد أخفقنا في تحقيق نظرية منسجمة متماسكة في موضوع الاِمامة ، وأنّ السبب الحقيقي لهذا الاِخفاق هو متابعة الاَمر الواقع والسعي لتبريره وجعله مصدراً رئيساً في وصف النظام السياسي .

وتلك الوجوه المتناقضة كلّها من المستحيل أن تجتمع في نظرية

(1) ابن تيميّة ، رأس الحسين : 200 ـ 201 مطبوع مع استشهاد الحسين ـ للطبري .


65

واحدة ، فتكون نظرية منسجمة وذات تصوّر واضح ومحدّد ومفهوم .

هذا كلّه ، وبقدر مايثيره من شكوك حول صلاحية هذه النظرية ، فإنّه يرجّح الرأي الآخر الذي يذهب إلى اعتماد النصّ الشرعي في تعيين خليفة الرسول .

إلى هذه النتيجة أيضاً خلص الدكتور أحمد محمود صبحي وهو يدرس نظرية الاِمامة ، إذ قال : (أمّا من الناحية الفكرية فلم يقدّم أهل السُنّة نظرية متماسكة في السياسة تُحدّد مفاهيم البيعة والشورى وأهل الحلّ والعقد ، فضلاً عن هوّة ساحقة تفصل بين النظر والتطبيق ، أو بين ماهو شرعي وبين ما يجري في الواقع .

لقد ظهرت نظريات أهل السُنّة في السياسة في عصر متأخّر بعد أن استقرّ قيام الدولة الاِسلامية على الغَلَبة.. كما جاء أكثرها لمجرّد الردّ على الشيعة.. والتمس بعضها استنباط حكم شرعي من أُسلوب تولّي الخلفاء الثلاثة الاَوائل .

وإنّ الهوّة الساحقة بين تشريع الفقهاء وبين واقع الخلفاء ، فضلاً عن تهافت كثير من هذه الآراء وإخفاقها في استنباط قاعدة شرعية ، هو ما مكّن للرأي المعارض ـ القول بالنصّ ـ ممثّلاً في حزب الشيعة) (1).

(1) الزيدية : 35 ـ 37.

66

الرجوع

إلى النصوص المباشرة في تعيين الخليفة

لقد أحسّ الكثير من المتكلّمين وأصحاب الحديث إذن بالحاجة إلى النصّ في تعيين أوّل الخلفاء على الاَقلّ ، لتتّخذ الاَدوار اللاحقة له شرعيّتها من شرعيّته.

وليس غريباً أن تتعدّد أوجه الاستدلال بتعدّد المتكلّمين وتعدّد أساليبهم ، وتعدّد النصوص التي يعتمدونها ، وكثيراً ما يتعلّق المتكلّمون بما يشفع لمذاهبهم وإنْ كانوا يلمحون فيه علامات الوضع !

وسوف يدور الحوار هنا في اتّجاهين توزّعت عليهما النصوص المطروحة في هذا الباب..


68


69

الاتجاه الاَوّل : النصوص الدالّة على خلافة أبي بكر:

لقد عرض بعض المتكلّمين في تثبيت خلافة أبي بكر نصوصاً من القرآن ونصوصاً من السُنّة ، نستعرض أهمّها بتركيز وإيجاز مبتدئين بنصوص السُنّة لكونها أكثر تصريحاً ، ولاَنّ النصوص القرآنية اعتُمِدت في تصحيح خلافته لا في إثبات النصّ عليه .

أوّلاً ـ نصوص من السُنّة :

النصّ الاَوّل : قوله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي توفّي فيه : «مُروا أبا بكر فليصلّ بالناس» .

فرأى بعضهم في هذا الحديث نصّاً على الخلافة وإن كان خفياً ؛ لعدم الفصل بين إمامة الصلاة والاِمامة العامّة .

واستدلّوا لذلك بقول بعض الصحابة لاَبي بكر : إرتضاك رسول الله لديننا ، أفلا نرضاك لدنيانا ؟! وأهمّ شيء في هذا القول الاَخير أن ينسب إلى عليّ بن أبي طالب (1)!!

غير أنّ جملةً من الاِثارات تحيط بهذا النصّ وبهذه الواقعة ، قد تبتلع كلّ ما يُبنى عليهما من استنتاجات :

الاِثارة الاَُولى : إنّ القول بعدم الفصل بين إمامة الصلاة والاِمامة العامة

(1) شرح المواقف 8 : 365 .


70

قول غريب ، وأغرب منه قول الجرجاني : (لا قائل بالفصل) (1)!

فابن حزم يقطع بأنّ هذا قياساً باطلاً ، ويقول : (أمّا من أدّعى أنّه إنّما قُدِّم قياساً على تقديمه إلى الصلاة ، فباطل بيقين ؛ لاَنّه ليس كلّ من استحقّ الاِمامة في الصلاة يستحقّ الاِمامة في الخلافة ، إذ يستحقّ الاِمامة في الصلاة أقرأ القوم وإن كان أعجمياً أو عربياً ، ولايستحقّ الخلافة إلاّ قرشيّ ، فكيف والقياس كلّه باطل) (2)؟!

والشيخ أبو زهرة ينتقد هذا النوع من القياس ووجه الاستدلال به ، فيقول : ( اتّخذ بعض الناس من هذا ـ النصّ ـ إشارة إلى إمامة أبي بكر العامّة للمسلمين ، وقال قائلهم : (لقد رضيه عليه السلام لديننا ، أفلا نرضاه لدنيانا) ولكنّه لزوم ماليس بلازم ؛ لاَنّ سياسة الدنيا غير شؤون العبادة ، فلا تكون الاِشارة واضحة.. وفوق ذلك فإنّه لم يحدث في اجتماع السقيفة ، الذي تنافس فيه المهاجرون والاَنصار في شأن القبيل الذي يكون منه الخليفة ، أن احتجّ أحد المجتمعين بهذه الحجّة ، ويظهر أنّهم لم يعقدوا تلازماً بين إمامة الصلاة وإمرة المسلمين ) (3).

والذي يُستشفّ من كلامه استبعاد صحّة نسبة هذا الكلام إلى الاِمام عليّ عليه السلام ؛ فهذه النسبة لاتحتمل الصحّة ، لِما ثبت في الصحاح من أنّ عليّاً عليه السلام لم يبايع إلاّ بعد ستّة أشهر (4)، كما أنّ الصحيح المشهور عن

(1) شرح المواقف 8 : 365 .

(2) الفِصَل 4 : 109 .

(3) المذاهب الاِسلامية : 37 .

(4) صحيح البخاري ـ باب غزوة خيبر | 3998 ، صحيح مسلم ـ كتاب الجهاد والسِيَر 3 : 1380 | 52 ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 6 : 300 ، تاريخ الطبري 3 : 202 ، الكامل في التاريخ 2 : 331 .


71

عليّ عليه السلام خلاف ذلك ، فجوابه كان حين بلغه احتجاج المهاجرين بأنّ قريشاً هم قوم النبيّ وأوْلى الناس به ، قال عليه السلام : «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة» (1) !

الاِثارة الثانية : إنّ إمامة الصلاة وفقاً لفقه هذه المدرسة لايترتّب عليها أيّ فائدة في التفضيل والتّقديم ، فالفقه هنا يُجيز مطلقاً إمامة المفضول على الفاضل ، بل يُجيز إمامة الفاسق والجائر لاَهل التقوى والصلاح ، « صلّوا وراء كلّ برٍّ وفاجر » !

الاِثارة الثالثة : أخرج أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنسائي : أنّ عبد الرحمن بن عوف قد صلّى إماماً بالمسلمين وكان فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2). وهذه الرواية أثبت ممّا ورد في تقديم أبي بكر ـ كما سيأتي ـ فالحجّة فيها إذن لعبد الرحمن بن عوف أظهر ، فتقديمه أوْلى وفقاً لذلك القياس (3).

الاِثارة الرابعة : في صحيح البخاري : كان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين الاَوّلين وأصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد قباء ، وفيهم : أبو بكر، وعمر ، وأبو سلمة ، وعامر بن ربيعة (4).

وكان عمرو بن العاص أميراً على جيش ذات السلاسل ، وكان يؤمّهم

(1) نهج البلاغة : 97 الخطبة 67 ، واُنظر : الاِمامة والسياسة ـ لابن قتيبة ـ : 11 .

(2) مسند أحمد 4 : 248 ـ 251 ، صحيح مسلم : الطهارة ـ باب المسح على الناصية والعمامة ، سنن أبي داود : المسح على الخفّين | 149 و 152 ، سنن ابن ماجة : |1236 ، سنن النسائي : الطهارة | 112 .

(3) أُنظر : ابن الجوزي ، آفة أصحاب الحديث : 99 .

(4) صحيح البخاري : كتاب الاَحكام | 6754 .


72

في الصلاة حتّى صلّى بهم بعض صلواته وهو جنب ، وفيهم : أبو بكر ، وعمر ، وأبو عبيدة (1).

فهل يُستدلّ من هذا أنّ سالماً وعمرو بن العاص أفضل من أبي بكر وعمر وأبي عبيدة ، وأوْلى بالخلافة منهم ؟!

الاِثارة الخامسة : نتابعها في النقاط التالية :

أ ـ ثبت في جميع طرق هذا الحديث بروايته التامّة أنّه بعد أن افتتح أبو بكر الصلاة ، خرج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتهادى بين رجلين ـ عليّ والفضل بن العبّاس ـ فصلّى بهم إماماً وتأخّر أبو بكر عن موضعه مؤتمّاً بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن يمينه .

أثبت ذلك تحقيقاً أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب صنّفه لهذا الغرض ، فقسّمه إلى ثلاثة أبواب : فجعل الباب الاَوّل في إثبات خروج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى تلك الصلاة وتأخيره أبا بكر عن إمامتها ، وخصّص الباب الثاني في بيان إجماع الفقهاء على ذلك ، فذكر منهم : أبا حنيفة ، ومالك ، والشافعي، وأحمد ، وأثبت في الباب الثالث وَهَن الاَخبار التي وردت بتقدّم أبي بكر في تلك الصلاة ، ووصف القائلين بها بالعناد واتّباع الهوى(2)!

وقال العسقلاني : تضافرت الروايات عن عائشة بالجزم بما يدلّ على أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان هو الاِمام في تلك الصلاة (3).

(1) سيرة أبن هشام 4 : 272 ، البداية والنهاية 4 : 312 .

(2) أبو الفرج ابن الجوزي ، آفة أصحاب الحديث ـ الباب الاَوّل ، والثاني ، والثالث .

(3) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 2 : 123 .


73

ومن هنا قال بعضهم : متى نظرنا إلى آخر الحديث احتجنا إلى أن نطلب للحديث مخرجاً من النقص والتقصير ، وذلك أنّ آخره : أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمّا وجد إفاقةً وأحسّ بقوّة خرج حتّى أتى المسجد وتقدّم فنحّى أبا بكر عن مقامه وقام في موضعه . فلو كانت إمامة أبي بكر بأمره صلى الله عليه وآله وسلم لَتَركه على إمامته وصلّى خلفه ، كما صلّى خلف عبد الرحمن بن عوف (1).

ب ـ ممّا يعزّز القول المتقدّم ماورد عن ابن عبّاس من أنّه قبل أن يؤذّن بلال لتلك الصلاة قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : «أُدعوا عليّاً» . فقالت عائشة : لو دعوت أبا بكر ! وقالت حفصة : لو دعوت عمر ! وقالت أُمّ الفضل : لو دعوت العبّاس ! فلمّا اجتمعوا رفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه فلم ير عليّاً (2)!!

ج ـ ويشهد لذلك كلّه ماثبت عن عليّ عليه السلام من أنّه كان يقول : «إنّ عائشة هي التي أمرت بلالاً أن يأمر أباها لِيُصَلّ بالناس ؛ لاَنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ليصلِّ بهم أحدهم ولم يعيّن» !! وكان عليٌّ عليه السلام يذكر هذا لاَصحابه في خلواته كثيراً ، ويقول عليه السلام : «إنّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل : إنّكنّ لَصُويحبات يوسف إلاّ إنكاراً لهذه الحال ، وغضباً منها لاَنّها وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما، وأنّه صلى الله عليه وآله وسلم استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب» (3).

فهذه صور منسجمة ومتماسكة لاتُبقي أثراً للاستفادة من هذا النصّ أو تلك الواقعة ، ويمكن أن يضاف إليها ملاحظات أُخر ذات قيمة لايُستهان بها :

(1) ابن الاِسكافي ، المعيار والموازنة : 41 ـ 42 .

(2) مسند أحمد 1 : 356 ، وأخرجه الطبري في تاريخه 3 : 196 ولم يذكر فيه قول أُمّ الفضل .

(3) ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة 9 : 197 .


74

منها : الاختلاف الشديد والتعارض بين روايات هذه الواقعة ، وقد صرّح بهذا ابن حجر العسقلاني ، ثمّ حاول التوفيق بينها بعد جهد (1).

ومنها : ملاحظة بعض نقّاد الحديث أنّ هذا الحديث لم يصحّ إلاّ من طريق عائشة ، لذا لم تقم حجّته (2).

ومنها : أنّ ابن عبّاس قد طعن هذا الحديث طعناً عبقريّاً لم يتنبّه له الرواة ، إذ كانت عائشة تقول في روايتها لهذا الحديث : (خرج النبيّ يتهادى بين رجلين ، أحدهما الفضل بن العبّاس) ولاتذكر الرجل الآخر ، فلمّا عرض أحدهم حديثها على عبد الله بن عبّاس ، قال له ابن عبّاس : فهل تدري مَن الرجل الذي لم تُسَمِّ عائشة ؟

قال : لا .

قال ابن عبّاس : هو عليّ بن أبي طالب ، ولكن عائشة لاتطيبُ نفساً له بخير (3) !

الاِثارة السادسة : أثبت جلُّ أصحاب التاريخ والسِيَر أنّ أبا بكر كان أيّام مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الاَخير هذا ، مأموراً بالخروج في جيش أُسامة، وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يشدّد كثيراً بين الآونة والاَُخرى على التعجيل في إنفاذ هذا الجيش.. فكيف ينسجم هذا مع الاَمر بتقديمه في الصلاة ؟! ناهيك عن قصد الاِشارة إلى استخلافه !

(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 2 : 122 ـ 123 .

(2) المعيار والموازنة : 41 .

(3) عبد الرزّاق ، المصنّف 5 : 429 ـ 430 ، فتح الباري بشرح صحيح البخاري 2 : 123 .


75

لقد أدرك ابن تيميّة مابين الاَمرين من منافاة وتعارض صريحين ، فنفى نفياً قاطعاً كون أبي بكر ممّن سُمّي في بعثة أُسامة (1)!!

لكنّ مثل هذا النفي لاينقذ الموقف ، خصوصاً وأنّ ابن تيميّة لم يقدّم برهاناً ولا شبهةً في إثبات دعواه ، فيما جاء ذِكر أبي بكر في مَن سُمّي في ذلك الجيش في مصادر عديدة وهامّة ، أصحابها جميعاً من القائلين بصحّة تقدّم أبي بكر (2).

أمّا نفي ذلك ، أو تحرّج بعض المؤرّخين عن ذِكره ، فإنّما مرجعه إلى الاختيار الشخصي في مساندة المذهب ، لاغير ، حين أدركوا بيقين أنّ شيئاً ممّا استدلّوا به على إمامته سوف لايتمّ لو كان أبو بكر في مَن سُمّي في جيش أُسامة ، إذ هو مأمور بمغادرة المدينة المنوّرة أيّام وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، تحت إمرة أُسامة بن زيد الشابّ ابن الثمان عشرة سنة (3)!

نصوص أُخر :

لم يقف القائلون بالنصّ عند النصّ المتقدّم ، بل رجعوا إلى مارأوا فيه نصّاً جليّاً على الخلافة ، لكنّها في الحقيقة نصوص تثير على نفسها بنفسها شكوكاً كثيرة لاتُبقي احتمالاً لصحّتها ، شكوكاً تثيرها الاَسانيد والمتون معاً.. وأهمّ هذه النصوص :

(1) ابن تيميّة ، منهاج السُنّة 3 : 213 .

(2) الطبقات الكبرى 4 : 66 ، فتح الباري بشرح صحيح البخاري 8 : 124 ، تهذيب تاريخ دمشق 2 : 395 و 3 : 218 ، مختصر تاريخ دمشق 4 : 248 رقم 237 و 5 : 129 رقم 56 ترجمة أُسامة بن زيد وأيّوب بن هلال ، تاريخ اليعقوبي 2 : 77 ، تاريخ الخميس 2 : 172 ، شرح نهج البلاغة 1 : 159 و 220 و 9 : 197 .

(3) الطبقات الكبرى 4 : 66 .


76

1 ـ إنّ أمرأةً سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً ، فأمرها أن ترجع إليه ، فقالت : يا رسول الله ، أرأيتَ إنْ جئتُ فلم أجدك ؟ ـ كأنّها تُريد الموت ـ فقال : «فإن لم تجديني فأتي أبا بكر» (1).

وهذا الحديث متّحد عند الشيخين في سلسلة واحدة ، وهي : إبراهيم ابن سعد ، عن أبيه ، عن محمّد بن جُبير بن مطعم ، عن أبيه جُبير بن مطعم: أنّ أمرأةً سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ...

فلم يروه من الصحابة إلاّ جُبير بن مطعم ، ولم يروه عن جُبير إلاّ ولده محمّد ، ولم يروه عن محمّد غير سعد (وهو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف) ولم يروه عن سعد غير ولده إبراهيم ! ثمّ أخذه الرواة عن إبراهيم بن سعد !

مناقشة الاِسناد : نظرة واحدة في هذا الاِسناد ، بعيداً عن التقليد ، تُحبط الآمال التي يمكن أن تُعقد عليه :

فجبير بن مطعم : من الطلقاء ، وهو صاحب أبي بكر ، تعلّم منه الاَنساب وأخبار قريش (2)، وكانت عائشة تُسمّى له وتُذكر له قبل أن يتزوّجها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3)، وذكره بعضهم في المؤلّفة قلوبهم . وكان شريفاً في قومه بني نوفل وهم حلفاء بني أُميّة في الجاهلية والاِسلام . وهو أحد الخمسة الّذين اقترحهم عمرو بن العاص على أبي موسى الاَشعري

(1) أخرجه البخاري ومسلم في باب فضائل أبي بكر ، فتح الباري بشرح صحيح البخاري 7 : 14 ـ 15 ، صحيح مسلم بشرح النووي 8 : 154 ، وانظر : تثبيت الاِمامة وترتيب الخلافة : 90 رقم 56 .

(2) ترجمة جبير بن مطعم في : سير أعلام النبلاء 3 : 95 رقم 18 ، الاِصابة 1 : 226 رقم 1092.

(3) ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة 14 : 22 .


77

للمشورة في التحكيم ـ وهم : جبير بن مطعم ، وعبدالله بن الزبير ، وعبدالله بن عمرو بن العاص ، وأبو الجهم بن حذيفة ، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام بن المغيرة ـ وكلّهم مائل عن عليّ عليه السلام ، فابن الزبير وعبد الرحمن بن الحرث كانا في أصحاب الجَمل الّذين قاتلوا عليّاً في البصرة ، وعبدالله بن عمرو مع أبيه عمرو بن العاص في أصحاب معاوية ، وجبير وأبو الجهم من مسلمة الفتح هواهما مع بني أُميّة (1)!

محمّد بن جبير بن مطعم : وهو القائل لعبد الملك بن مروان وقد سأله : هل كنّا نحن وأنتم ـ يعني أُميّة ونوفل ـ في حلف الفضول (2)؟ فقال له محمّد بن جُبير بن مطعم : لا والله يا أمير المؤمنين ، لقد خرجنا نحن وأنتم منه ، ولم تكن يدنا ويدكم إلاّ جميعاً في الجاهلية والاِسلام (3)!

وقد اعتزل محمّد عليّاً والحسن عليهما السلام في حربهما مع معاوية ، فلمّا تمّ الصلح كان محمّد ممثَّلاً في وفد المدينة إلى معاوية للبيعة (4).

وأمّا سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف : فقد كان قاضياً لبعض ملوك بني أُميّة على المدينة (5).

وأمّا ولده إبراهيم بن سعد : فهو صاحب العُود والغناء ، كان يعزف

(1) راجع تراجمهم في : الاستيعاب ، وأُسد الغابة ، والاِصابة ، ومختصر تاريخ دمشق ، وسير أعلام النبلاء .

(2) حلف الفضول : حلف جمع بني هاشم وزُهرة وتَيم ، اجتمعوا عند عبد الرحمن بن جدعان فتحالفوا جميعاً على دفع الظلم واسترداد الحقّ من الظالم وإعادته إلى صاحبه المظلوم .

(3) الاَغاني 17 : 295 .

(4) أُنظر : فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13 : 98 .

(5) تاريخ بغداد 6 : 83 ، الاَغاني 15 : 329 .


78

ويغنّي ، جاءه أحد أصحاب الحديث ليأخذ عنه ، فوجده يغنّي ، فتركه وانصرف ، فأقسم إبراهيم ألاّ يحدّث بحديث إلاّ غنّى قبله ! وعمل والياً على بيت المال ببغداد لهارون الرشيد (1).

هذا النصّ ، الذي جاء بهذه السلسلة الوحيدة ، هو الذي رأى فيه ابن حزم وغيره نصّاً جليّاً على خلافة أبي بكر (2)! غير أنّ الجرجاني والتفتازاني لم يذكراه ، فيما ذكرا نصوصاً كثيرة أضعف منه سنداً ، وأقلّ منه دلالة (3) !

مناقشة المتن : وخطوة أُخرى إلى الاَمام في التحقيق تضعنا أمام صورة أكثر وضوحاً حيث تُرينا كيف حلّ هذا الحديث محلّ الحديث الصحيح الوارد في عليّ عليه السلام بعين هذا المتن !

لمّا حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت صفيّة أُمّ المؤمنين : يا رسول الله ، لكلّ امرأةٍ من نسائك أهل تلجأ إليهم ، وإنّك أجليت أهلي ، فإنْ حَدَثَ حَدَثٌ فإلى مَن ؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم : «إلى عليّ بن أبي طالب» . أخرجه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح (4).

إنّ الظروف السياسية الغالبة منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحتى عصر

(1) تاريخ بغداد 6 : 81 ـ 86 ، الاَعلام 1 : 40 .

(2) الفِصَل 4 : 108 . انظر أيضاً : تثبيت الاِمامة وترتيب الخلافة : 90 ـ 91 رقم 56 ، نظام الخلافة بين أهل السُنّة والشيعة : 39 .

(3) أُنظر : الجرجاني ، شرح المواقف 8 : 364 ـ 365 ، التفتازاني ، شرح المقاصد 5 : 263 ـ367.

(4) مسند أحمد 6 : 300 ، مجمع الزوائد 9 : 113 .


79

تدوين جوامع الحديث ، هي السبب الوحيد في ظهور الحديث الاَول ودخوله في كتب الشيخين وغيرهما دون الحديث الثاني !

2 ـ قالت عائشة : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه : «ادعي لي أبا بكر أباك ، وأخاكِ ، حتّى أكتب كتاباً ، فإنّي أخاف أن يتمنّى متمنٍّ ويقول قائل : أنا أوْلى ، ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر» (1).

أسند مسلم هذا الحديث كما يلي : عبيدالله بن سعيد ، عن يزيد بن هارون ، عن إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة .

فقد ظهر إبراهيم بن سعد في هذا الحديث أيضاً ، وهو صاحب الحديث المتقدّم ، صاحب العود والغناء ، صاحب هارون الرشيد .

أمّا الزهري وعروة وعائشة فهم من أشدّ الناس ميلاً وانحرافاً عن عليّ عليه السلام ، وموقفهم من الخلافة ومن عليّ عليه السلام خاصّة وبني هاشم عامّة معروف جدّاً !

وأورده البخاري من طريق آخر ينتهي أيضاً إلى عائشة ، فهي وحدها رأس هذا الحديث في جميع طرقه !

ولعلّ أقوى مايُثار هنا : أنّ هذه الاَحاديث قد رواها الشيخان ، فكيف يمكن طعنها والشكّ فيها ؟!

وما أيسر الجواب لمن تجرّد للحقيقة دون سواها ، الحقيقة التي كشف

(1) صحيح البخاري ـ كتاب الاَحكام ـ باب الاستخلاف 6 | 6791 ، صحيح مسلم ـ باب فضائل أبي بكر 5 | 2387 والنصّ منه .


80

عنها النقاب مؤرّخون وأئمّة لاشك في وثاقتهم وصدقهم :

ـ قال نفطويه في تاريخه : ( إنّ أكثر الاَحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة اختُلِقت في أيّام بني أُميّة تقرّباً إليهم في مايظنّون أنّهم يُرغِمون به أُنوف بني هاشم ) !

ـ وقال المدائني في كتابه في الاَحداث : ( فرُوِيَتْ أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة ، لا حقيقة لها .. حتّى انتقلت تلك الاَخبار والاَحاديث إلى الديّانين الّذين لايستحلّون الكذب والبهتان ، فقبلوها ورووها وهم يظنّون أنّها حقّ ، ولو علموا أنّها باطلة مارووها ولا تديّنوا بها ) !

ـ وقال الاِمام الباقر عليه السلام : «حتّى صار الرجل الذي يُذكر بالخير ، ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً ، يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض مَن قد سلفَ من الولاة ، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها ، ولا كانت وقعت ، وهو يحسب أنّها حقّ لكثرة من رواها ممّن لم يُعرف بالكذب ولابقلّة ورع»(1)!

فليس بمستنكَرٍ إذن أن تنفذ هذه الاَخبار إلى الصحيحين وغيرهما.. فمن أين يأتي الاستنكار وهم مارووها إلاّ وهم يعتقدون صحّتها ؟!

وهذا الحديث بالذات ممّا شهد المعتزلة بأنّ البكرية وضعته في مقابل الحديث المرويّ عنه صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه : «ائتوني بدواةٍ وبياض أكتب لكم كتاباً لاتضلّوا بعده أبداً» فاختلفوا عنده ، وقال قوم منهم : لقد غلبه

(1) ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة 11 : 43 ـ 46 .


81

الوجع، حسبنا كتاب الله (1)!

وممّا يشهد لهذا القول ، بل يجعله يقيناً لا شكّ فيه ، ماثبت عن ابن عبّاس في وصف اختلافهم عند النبيّ ( ص ) الذي حال دون كتابة ذلك الكتاب ، فقد كان ابن عبّاس يصف هذا الحديث بأنّه (الرزيّة ، كلّ الرزيّة) ويذكره فيقول : (يوم الخميس ، وما يوم الخميس ! قالوا : وما يوم الخميس ؟! قال: اشتدّ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه فقال : «ائتوني أكتب لكم كتاباً لاتضلّوا بعدي» فتنازعوا ، وماينبغي عند نبيٍّ تنازع ! وقالوا : ماشأنهُ ! أهَجَر ؟ استفهموه !! فقال : «دعوني ، فالذي أنا فيه خير» قال ابن عباس : إن الرزيّة كلّ الرزيّة ماحال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب ، من اختلافهم ولغطهم) . ويبكي حتّى يبلّ دمعُه الحصى (2).

فلو كان الاَمر كما وصفه الحديث المنسوب إلى عائشة «يأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر» لم تكن ثمّة رزية يبكي لها ابن عبّاس كلّ هذا البكاء ويتوجّع كلّ هذا التوجّع .

إنّ بكاء ابن عبّاس وتوجّعه الشديد لهذا الحديث لهو دليلٌ لاشيء أوضح منه على أنّ الذي أراده النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك الكتاب لم يتحقّق ، بل تحقّق شيء آخر غيره لم يكن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أراده ولا أشار إليه أدنى إشارة .

وتزداد هذه الحقيقة رسوخاً حين ندرك أنّ ابن عبّاس هو واحد من

(1) ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة 11 : 49 .

(2) صحيح البخاري ـ كتاب المرضى ـ باب 17 | 5345 وفيه أن الذي اعترض على الرسول هو عمر ، صحيح مسلم ـ كتاب الوصيّة | 15 و 21 و 22 ، مسند أحمد 1 : 324 ، السيرة النبوية ـ للذهبي ـ : 384 ، البداية والنهاية 5 : 248 .


82

سادة بني هاشم الّذين لم يبايعوا لاَبي بكر إلاّ بعد ستّة أشهر (1)!

فمع هذه الثوابت لايبقى احتمال لصحّة الحديث المنسوب إلى عائشة!

3 ـ حديث : «اقتدوا باللَّذَين مِن بعدي ، أبي بكر وعمر» .

أخرجه الترمذي وابن ماجة (2)، واعتمده كثيرون في إثبات النصّ على أبي بكر وعمر ، أو في إثبات صحّة خلافتهما (3).

لكنّ ابن حزم استهجن كثيراً الاستدلالَ بهذه الرواية ، وعدّه عيباً يترصّدُ أمثالَه الخصوم ، فقال مانصّه : (ولو أنّنا نستجيز التدليس والاَمر الذي لو ظفر به خصومنا طاروا به فرحاً ، أو أبلسوا أسفاً ، لاحتججنا بما روي « اقتدوا باللَّذَين من بعدي أبي بكر وعمر » ولكنّه لايصحّ ، ويُعيذنا الله من الاحتجاج بما لايصحّ) (4).

4 ـ نصوص أُخر نُسبت إلى عليّ عليه السلام ، إمعاناً في سدّ الثغرات ، وقطع الطريق على الخصم ، استبعد المحبّ الطبري صحّة شيءٍ منها لتخلّف عليٍّ عن بيعة أبي بكر ستّة أشهر ، ونسبته إلى نسيان الحديث في مثل هذه المدّة أمر بعيد (5).

(1) السنن الكبرى 6 : 300، تاريخ الطبري 3 : 208 ، مروج الذهب 2 : 316 ، الكامل في التاريخ 2 : 331 ، جامع الاَُصول 4 : 482 .

(2) سنن الترمذي ـ مناقب أبي بكر 5 | 3662 ، سنن ابن ماجة 1 : 97 .

(3) شرح المواقف 8 : 364 ، شرح المقاصد 5 : 266 ، تثبيت الاِمامة : 92 رقم 59 .

(4) الفِصَل 4 : 108 .

(5) الرياض النضرة : 48 ـ 49 .


83

وهذا حقٌّ يؤيّده ما اشتهر عن عليّ عليه السلام من ذِكر حقّه في الخلافة (1).

هذه جملة مااعتمدوه من النصوص الحديثية في النصّ على أبي بكر وتقديمه .

ثانياً ـ نصوص من القرآن الكريم :

1 ـ قوله تعالى : ( وَعَدَ اللهُ الّذينَ آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلِفنّهم في الاَرض كما استخلف الّذين من قبلهم وليمكّنَنّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم ) (2).

قالوا : الخطاب هنا للصحابة ، فوجب أن يوجد في جماعة منهم خلافة يتمكّن بها الدين ، ولم يوجد على هذه الصفة إلاّ خلافة الخلفاء الاَربعة ، فهي التي وعد الله بها (3). حتّى صرّح بعضهم بأنّ الآية نازلة فيهم ، أو في أبي بكر وعمر خاصّةً (4).

وهذا الاستدلال ضعّفه المفسّرون بأمرين :

الاَوّل : إنّ المراد في هذه الآية هو (الوعد لجميع الاَُمّة في ملك الاَرض كلّها تحت كلمة الاِسلام ، كما قال عليه الصلاة والسلام : «زُوِيَتْ لي الاَرض ، فرأيت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ مُلك أُمّتي مازُوِيَ لي منها»). وأنّ (الصحيح في هذه الآية أنّها في استخلاف الجمهور ،

(1) سيأتي في هذا البحث .

(2) سورة النور 24 : 55 .

(3) شرح المواقف 8 : 364 ، شرح المقاصد 5 : 265 .

(4) تفسير القرطبي 12 : 195 .


84

واستخلافهم هو أن يملّكهم البلاد ويجعلهم أهلها...

ألا ترى إلى إغزاء قريش المسلمين في أُحد وغيرها ، وخاصّةً الخندق، حتّى أخبر الله تعالى عن جميعهم فقال : ( إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفلَ منكم وإذ زاغت الاَبصار وبلغت القلوبُ الحناجر وتظنّون بالله الظنونا * هنالك أبتليَ المؤمنون وزُلزلوا زلزالاً شديداً ) (1). ثمّ إنّ الله ردّ الكافرين لم ينالوا خيراً ، وأمّن المؤمنين وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم ، وهو المراد بقوله : ( لَيستخلِفنّهم في الاَرض ) . وقوله : ( كما استخلف الّذين من قبلهم ) يعني بني إسرائيل ، إذ أهلك الله الجبابرة بمصر ، وأورثهم أرضهم وديارهم .. وهكذا كان الصحابة مستضعَفين خائفين ، ثمّ إنّ الله تعالى أمّنهم ومكّنهم وملّكهم ، فصحّ أنّ الآية عامّة لاَُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم غير مخصوصة ، إذ التخصيص لايكون إلاّ بخبر ممّن يجب له التسليم ، ومن الاَصل المعلوم التمسّك بالعموم) (2).

والثاني : ماذكروه في سبب نزول الآية ، فإنّه منطبق تماماً على ماذُكر آنفاً ، لايُساعد على تخصيصها في الخلفاء الاَربعة أو بعضهم ، وإنْ كان فيه مايفيد تخصيصها بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه (3).

ففي رواية البراء ، قال : فينا نزلت ونحن في خوف شديد .

(1) سورة الاَحزاب 33 : 10 و 11 .

(2) تفسير القرطبي 12 : 196 ـ 197 ، تفسير الشوكاني (فتح القدير) 4 : 47 . وانظر أيضاً : الميزان في تفسير القرآن 15 : 167 .

(3) كما تقدّم في آخر الكلام المنقول عن القرطبي ، وهو ماذهب إليه محمّد جواد مغنية في تفسيره الكاشف 5 : 436 .


85

وفي رواية أبي العالية ، يصف حال أصحاب الرسول وهم خائفون ، يُمسون في السلاح ويُصبحون في السلاح ، فشكوا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله الآية ، فأظهر الله نبيّه على جزيرة العرب ، فأمنوا ووضعوا السلاح.

ومثلها رواية أُبيّ بن كعب ، وقوله في رواية ثانية عنه : لمّا نزلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ( وَعَدَ اللهُ الّذين آمنوا وعملوا الصالحات ) الآية ، بشّر هذه الاَُمّة بالسَنا والرفعة والدين والنصر والتمكين في الاَرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب (1).

أمّا رواية عبد بن حُميد عن عطيّة ففيها تخصيص آخر مخالف للتخصيص المذكور في الخلفاء الاَربعة ، إذ قال عطيّة : هم أهل بيتٍ هاهنا! وأشار بيده إلى القِبلة (2).

وفي هذا عطف على ماذهب إليه غالب مفسّري الشيعة من أنّ المراد بالّذين آمنوا وعملوا الصالحات هنا : النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والاَئمّة من أهل بيته عليهم السلام . وأنّ هذه الآية تبشّر بالمهدي الموعود من أهل البيت ودولته(3).

فمع هذا القول ، أو مع ظهور ما تقدم من إفادتها العموم ، لا يبقى وجه للتمسّك بها هنا .

2 ـ قوله تعالى ( قُل للمخلَّفين من الاَعراب ستُدعون إلى قوم أُولي بأسٍ

(1) الدر المنثور 6 : 215 ـ 216 .

(2) الدر المنثور 6 : 216 .

(3) مجمع البيان 4 : 152 ، الميزان 15 : 166 ـ 167 ، الاِفصاح في الاِمامة : 102 .


86

شديد تقاتلونهم أو يُسلمون فإنْ تُطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً ) (1). فقد جعل الداعي مفترض الطاعة ، والمراد به أبو بكر وعمر وعثمان ، فوجبت طاعتهم بنصّ القرآن ، وإذ قد وجبت طاعتهم فرضاً فقد صحّت إمامتهم وخلافتهم (2) .

والصحيح الذي يوافق تاريخ نزول الآية الكريمة ، ويوافق الوقائع ، هو ماذكره الرازي من أنّ الداعي هو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3)، إذ كانت الآية المذكورة نازلة في الحديبية بلا خلاف ، وهي في سنة ستّ للهجرة ، وبعدها غزا النبيّ هوازن وثقيف وهم أُولو بأس شديد ، في وقعة حنين الشهيرة وذلك بعد فتح مكّة في السنة الثامنة للهجرة ، وفتح مكّة هو الآخر دعوة إلى قتال قوم أُولي بأس شديد قاتَلوا الاِسلام وأهله حتّى أظهره الله عليهم في الفتح، ثمّ كانت غزوة مؤتة الشديدة ، ثمّ غزوة تبوك وهي المعروفة بجيش العسرة ، التي استهدفت محاربة الروم على مشارف الشام ، ثمّ دعاهم مرّةً أُخرى لقتال الروم في جيش أُسامة الذي جهّزه وأمر بإنفاذه وشدّد على ذلك في مرضه الذي توفّي فيه .

فكيف يقال إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يَدْعُهُم إلى قتال بعد نزول الآية ؟!

ولاَجل الفرار من هذا المأزق ذهبوا إلى آية سورة التوبة النازلة في المخلَّفين : ( فإنْ رَّجَعَكَ اللهُ إلى طائفةٍ مِنهُم فَاستَأذَنُوكَ لِلخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخرُجُوا مَعِيَ أبَداً وَلَن تُقاتِلوا مَعِيَ عَدُوّاً إنَّكُم رَضِيتُم بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فَاقعُدُوا

(1) سورة الفتح 48 : 16 .

(2) الفِصَل 4 : 109 ـ 110 ، شرح المواقف 8 : 364 ، شرح المقاصد 5 : 266 .

(3) تفسير الرازي 28 : 92 ـ 93 .


87

مَعَ الخَالِفِينَ ) (1).

قال ابن حزم بعد أن ذكر هذه الآية ما نصّه : ( وكان نزول سورة براءة التي فيها هذا الحكم بعد غزوة تبوك بلا شكّ التي تخلّف فيها الثلاثة المعذورون الّذين تاب الله عليهم في سورة براءة ، ولم يغزُ عليه السلام بعد غزوة تبوك إلى أن مات . وقال تعالى أيضاً : ( سيقول المخلَّفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتّبعكم يريدون أن يبدّلوا كلام الله قُل لن تتّبعونا كذلكم قال الله من قبل ) (2) فبيّن أنّ العرب لايغزون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد تبوك )(3)!

وهذا أوّل التهافت ! فالآية الثانية ، آية سورة الفتح ، نزلت في الحديبية سنة ستّ للهجرة بلا خلاف ، أي قبل تبوك بثلاث سنين ! ويتّضح التهافت جليّاً حين يواصل القول مباشرةً : (ثمّ عطف سبحانه وتعالى عليهم إثر منعه إيّاهم من الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغلق باب التوبة فقال تعالى : (قُل للمخلَّفين من الاَعراب ستُدعونَ إلى قومٍ أُولي بأسٍ شديد تقاتلونهم أو يُسلمون ) فأخبر تعالى أنّهم سيدعوهم غير النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى قومٍ يقاتلونهم أو يُسلمون) (4) .

وهكذا قلب ترتيب الآيات ، فقدّم آية التوبة النازلة بعد تبوك سنة تسع، وأخّر آية الفتح النازلة في الحديبية سنة ستّ ، ليتّفق له مايريد !!

(1) سورة التوبة 9 : 83 .

(2) سورة الفتح 48 : 15 .

(3) الفِصَل 4 : 109 .

(4) الفِصَل 4 : 109 .


88

وهذا هو الخطأ الاَوّل ، فكيف يكون مانزل سنة تسع من الهجرة مقدَّماً على مانزل سنة ستّ ؟!

وأمّا الخطأ الثاني فليس بأقلّ ظهوراً من الاَوّل : فآية سورة الفتح النازلة في الحديبية في السنة السادسة قد جاء فيها الاِخبار عن وقوع الدعوة ، وتعليق الثواب والعقاب بالطاعة والعصيان منهم ، فنصّ الآية يقول : (ستُدعون إلى قوم أُولي بأسٍ شديد... ) وقد وقعت الدعوة منه صلى الله عليه وآله وسلم حقّاً في حُنين ومؤتة وتبوك .

أمّا آية سورة التوبة في المخلَّفين المنافقين فقد أغلقت عليهم طريق التوبة ومنعت خروجهم مع النبيّ ومع غيره أيضاً ، إذ كيف يدعوهم أبو بكر أو عمر إلى جهاد الكفّار وهم قد شهد عليهم الله ورسوله بالكفر والموت على الضلال ؟! فقال تعالى في تلك الآية نفسها : ( فإنْ رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معيَ عدوّاً إنّكم رضيتم بالقعود أوّل مرّة فاقعُدوا مع الخالفين * ولا تُصلِّ على أحدٍ منهم مات أبداً ولا تَقُم على قبره إنّهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) (1) .

وهذا صريح في حكم الله تعالى عليهم بالكفر وقت نزول الآيات ، وأنّهم يموتون على الكفر والضلال ، وأكّد ذلك بقوله في الآية التالية مباشرة : ( ولاتُعجبك أموالهم وأولادهم إنّما يريدُ اللهُ أن يعذّبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) (2).

(1) سورة التوبة 9 : 83 ـ 84 .

(2) سورة التوبة 9 : 85 .


89

فهؤلاء إذن المقطوع بكفرهم وموتهم على الكفر ، غير أُولئك الّذين ذكرتهم سورة الفتح ووعدتهم بالثواب إنْ هم استجابوا للداعي !

ثمّة التفاتة هامّة جدّاً ، وهي : أنّه في ذات الواقعة التي نزلت فيها الآية الاَُولى : ( قُل للمخلَّفين من الاَعراب ستُدعَون إلى قوم أُولي بأسٍ شديد تقاتلونهم أو يُسلمون فإنْ تُطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً... ) أي في الحديبية ذاتها ، قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لوفد قريش : «يا معشر قريش ، لَتنتهنَّ أو لَيبعثنَّ اللهُ عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين ، قد امتحن قلبه على الاِيمان» قالوا : من هو يا رسول الله ؟ فقال أبو بكر : من هو يا رسول الله ؟ وقال عمر : من هو يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : «خاصف النَعل» وكان قد أعطى عليّاً نعلاً يخصفها .

أخرجه الترمذي والنسائي وابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة (1).

ونحو هذا تماماً قاله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لوفد ثقيف ، قال : «لَتُسلمُنَّ أو لاَبعثنَّ عليكم رجلاً منّي ـ أو قال : مثل نفسي ـ ليضربنّ أعناقكم ، وليسبينّ ذراريكم ، وليأخذنّ أموالكم» قال عمر : فو الله ماتمنّيت الاِمارة إلاّ يومئذٍ، فجعلتُ أنصب صدري رجاء أن يقول : هو هذا . فالتفتَ إلى عليٍّ فأخذ بيده وقال : «هو هذا ، هو هذا» (2).

ونحوه ما أخبر به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه واقعٌ بعده ، فقال : «إنّ منكم من يقاتل

(1) سنن الترمذي 5 | 3715 ، سنن النسائي 5 | 8416 ، كتاب الخصائص ـ بتخريج الاَثري | 30 ، المصنّف ، ابن أبي شيبة ـ فضائل عليّ ـ 7 | 18 .

(2) أخرجه : عبد الرزّاق ، المصنّف 11 : 226 | 20389 ، المصنّف ، ابن أبي شيبة ـ فضائل عليّ ـ 7 | 23 و 30، النسائي ، السنن ـ كتاب الخصائص ـ | 8457 ، ابن عبد البرّ ، الاستيعاب 3 : 46 .


90

على تأويل القرآن كما قاتلتُ على تنزيله» فاستشرف له القوم ، وفيهم أبو بكر وعمر ، فقال أبو بكر : أنا هو ؟ قال : «لا» . قال عمر : أنا هو ؟ قال : «لا ، ولكن خاصف النعل» وكان عليٌّ يخصف نعل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (1).

وهذه نصوص اجتمعت صراحةً على نفي وإثبات :

نفت صراحةً أن يكون الداعي أبو بكر أو عمر..

وأثبتت صراحةً أنّ الداعي بعد الرسول ( ص ) هو الإمام عليّ ( ع )!

وبعد وجود هذه النصوص الموثّقة المتضافرة فلا مسوِّغ للرجوع إلى مداخلات المتكلّمين .

(1) مسند أحمد 3 : 82 ، الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 9 : 46 رقم 6898 ، المصنف ، ابن أبي شيبة ـ فضائل عليّ ـ 7 / 19، المستدرك 3 : 123 ، البداية والنهاية 7 : 398.

الاتجاه الثاني : النصوص الصحيحة الحاكمة

نصوص أيقن بها طائفة من الصحابة ، على رأسهم عليّ ، يقيناً لا يسمح أن يتسرّب إلى مدلولها شكّ.. يقيناً دفع عليّاً عليه السلام أن يردّ بدهشة على من دعاه لتعجيل البيعة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، قائلاً : «ومن يطلب هذا الاَمر غيرنا» (1)؟!

لكنّ تسارع الاَحداث تلك الاَثناء ، وإحكام القبضة ، لم يتركا لشيء من تلك النصوص موقعاً يرتجى ، أمّا حين تحقّقت بارقة أمل يوم اجتماع الاَصحاب الستّة للشورى ولم يُبَتّ في الاَمر بعد ، فلم يتوانَ عليٌّ عليه السلام عن التذكير بطائفة منها (2).

وبعد أن تمّت له البيعة كانت الاَذهان أكثر استعداداً للاِصغاء ، وأوسع فسحةً للتأمّل.. فبالغ في التذكير ببعضها ، نصّاً أو دلالةً ، حتّى امتلاَت بها خطبه الطوال والقصار ، وكان لايخلو تذكيره أحياناً من تقريع ، ظاهر.. أو خفيّ!

وبواحد من مواقفه نستهلّ هذه الطائفة من النصوص :

1 ـ قوله ( ص ) : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» :

خطب الإمام عليٌّ عليه السلام في الناس ، فقال : أنشدُ اللهَ مَن سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

(1) الاِمامة والسياسة : 12 .

(2) أُنظر : الاستيعاب بحاشية الاِصابة 3 : 35 ، شرح نهج البلاغة 6 : 167 ـ 168 .


92

يقول يوم غدير خُمّ : «مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» لَما قام فشهد !

فقام اثنا عشر بدرياً ، فقالوا : نشهد أنّا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم غدير خُمّ : «ألستُ أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم» ؟ قلنا : بلى ، يا رسول الله.

قال : «فمَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، اللّهمّ والِ مَن والاه ، وعادِ مَن عادا»(1).

وحديث غدير خمّ لم يرد في مسند أحمد أكثر منه طُرُقاً إلاّ حديثاً واحداً (2)! أمّا في كتاب (السُنّة) لابن أبي عاصم ( ت /287 هـ) وتاريخ ابن كثير، فلا يضاهيه حديث (3)!! ورواه غيرهم بأسانيد صحيحة ، كالترمذي وابن ماجة ، والنسائي ، وابن أبي شيبة ، والحاكم (4). ونَصَّ الذهبي على تواتره (5).

(1) مسند أحمد 1 ، 84 و 88 و 118 و 119 ـ مرّتان ـ ، سنن النسائي ـ كتاب الخصائص ـ | 8542، البداية والنهاية 5 : 229 ـ 232 و 7 : 383 ـ 385 من نحو عشرين طريقاً .

(2) أخرج أحمد حديث الغدير من تسع عشرة طريقاً ، المسند 1 : 84 و 88 و 118 ـ ثلاث مرّات ـ و 119 ـ مرّتان ـ و 152 و 331 ، و 4 : 281 و 368 و 370 و 372 ـ مرّتان ـ و 5 : 347 و 358 و 361 و 362 و 419 .

ولا يضاهيه إلاّ حديث «مَن كذب عليَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار» فقد خرّجه من نحو 25 طريقاً.

(3) أُنظر : البداية والنهاية 5 : 228 ـ 233 و 7 : 383 ـ 386 ، فقد خرّجه من نحو 40 طريقاً ، بما فيها طرق حديث المناشدة المتقدّمة .

(4) سنن الترمذي 5 | 3713 ، سنن ابن ماجة 1 | 116 و 121 ، الخصائص ـ للنسائي بتخريج الاَثري ـ | 80 و 82 ـ 85 و 90 و 95 و 153 ، المصنّف ، ابن أبي شيبة ـ باب فضائل عليّ ـ 7 | 9 و 10 و 29 و 55 ، المستدرك 3 : 109 ـ 110 .

(5) أُنظر : البداية والنهاية 5 : 233 .


93

لكن بعد هذا جاء دور المتكلّمين ، فبذلوا جهوداً مضنيةً في تأويله وصرفه عن معناه ، بل تجريده من كلّ معنىً !!

فحين رأوا أنّ الاِقرار بدلالته على الولاية العامّة يفضي إلى إدانة التاريخ وتخطئة كثير من الصحابة ، ذهبوا إلى تأويله بمجرّد النصرة والمحبّة ، فيكون معنى الحديث : يا معشر المؤمنين ، إنّكم تحبّونني أكثر من أنفسكم، فمن يحبّني يحبّ عليّاً ، اللّهمّ أحبّ من أحبّه ، وعادِ من عاداه(1)!

وحين رأوا أنّ جماعة من الصحابة قد عادَوه وحاربوه ، ومنهم : عائشة وطلحة والزبير ، وأنّ آخرين قد أسّسوا دينهم ودنياهم على بغضه ، ومنهم: معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة ومروان وعبد الله بن الزبير.. ذهبوا إلى حقّ هؤلاء في الاجتهاد مقابل ذلك النصّ ، فهم معذورون وإن أخطأوا ، بل مأجورون أجراً واحداً لاَجل اجتهادهم (2)!!

وهكذا أصبح الخروج على نصوص الشريعة حتّى في مثل تلك الطرق السافرة ، اجتهاداً يُثاب صاحبه ، وليس بينه وبين الآخر الذي تمسّك بالشريعة وقاتل دونها إلاّ فرق الاَجر ! فالذي قاتل الشريعة له نصف أجر الذي قاتل دونها !!

لقد كان الاَوْلى بهم أن يتابعوا سُنّة الرسول ، ويوقِّروا نصّه الشريف الثابت عنه ، بدلاً من إفراطهم في متابعة الاَمر الواقع الذي ظهر فيه اختلاف كثير..

(1) الآلوسي ، روح المعاني 6 : 195 وما بعدها .

(2) أُنظر : الفِصَل في الملل والنحل 4 : 161 و 163 ، البداية والنهاية 7 : 290 ، الباعث الحثيث : 182 .


94

فالحقّ أنّ هذا نصٌّ صريح في ولاية الإمام عليٍّ عليه السلام، لا يحتمل شيئاً من تلك التأويلات التي ما كانت لتظهر لولا الانحياز للاَمر الواقع ومناصرته .

وممّا يزيد في ظهور هذا النصّ نصوص أُخرى تشهد له وتبيّنه ، كما نرى في النصوص الآتية :

2 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «إنّ عليّاً منّي وأنا منه ، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي» . حديث صحيح (1)؟ .

3 ـ ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم في عليّ : «إنّه منّي وأنا منه ، وهو وليّكم بعدي.. إنّه منّي وأنا منه وهو وليّكم بعدي» يكرّرها (2).

4 ـ ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعليٍّ : «أنت وليّي في كلّ مؤمن بعدي» . أو : «أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي ومؤمنة» (3).

وبعد اليقين بصحّة هذه الاحاديث ، لايمكن أن تفسّر بحسب ظاهرها فتدين الواقع التاريخي !

فلمّا أرادوا تفسير الولاية هنا أيضاً بالنصرة والمحبّة ، نظير ما في قوله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) (4)، صدمهم قوله : «بعدي» الذي لا يمكن أن يتشابه معناه !

(1) مسند أحمد 4 : 437 ـ 438 ، سنن الترمذي 5 | 3712 ، الخصائص ـ للنسائي بتخريج الاَثري ـ | 65 و 86، المصنّف ، ابن أبي شيبة ـ فضائل عليّ ـ 7 | 58 ، الاِحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 9 : 41 | 6890.

(2) مسند أحمد 5 : 356 ، الخصائص ـ بتخريج الاَثري : | 87 .

(3) مسند أحمد 1 : 331 ، الخصائص ـ بتخريج الاَثري : | 23 ، المستدرك 3 : 134 .

(4) سورة التوبة 9 : 71 .


95

ولمّا كانت قدسية الرجال أعظم من قدسية النصّ ، رغم ثبوت صحّته عندهم ، شهروا سيف التكذيب ، فقالوا : إسناده صحيح مع نكارة في متنه لشذوذ كلمة ( بعدي ) !

ولمّا أرادوا البرهان على هذه النكارة والشذوذ فمن اليسير جدّاً أن يرموا بها «شيعيّاً» ورد في إسناد بعضها (1)!

لكن من البديهي أنّ مثل هذا البرهان الاَخير يحتاج إلى توثيق ، خصوصاً إزاء حديث يرِد بأسانيد صحيحة متعدّدة ، فكيف وثّقوه ؟!

ليتهم لم يوثّقوه ، ليتهم تركوه مجازفةً كمجازفات الكثير من أصحاب الاَذواق !!

قالوا في توثيقه : يؤيّده أنّ الاِمام أحمد روى هذا الحديث من عدّة طرق ليست في واحدة منها هذه الزيادة (2)!

إنّها مقالةُ مَن لايخشى فضيحة التحقيق !!

فالنصوص الثلاثة التي ذكرناها لهذا الحديث ، وفي جميعها كلمة ( بعدي ) جميعها في مسند أحمد (3)!

وأغرب من هذا أنّ المحقّق الذي ينقل قولهم المتقدّم ويعتمده ، يخرّج بعضها على مسند أحمد نفسه (4)!!

(1) علماً أنّ التشيّع في مصطلحهم : هو تفضيل عليٍّ على عثمان ، لا غير، والطعن على ملوك بني أُميّة !

(2) أُنظر : أبا إسحاق الاَثري في تخريجه الحديث 60 من كتاب (الخصائص) .

(3) مسند أحمد 1 : 331 ، 4 : 438 ، 5 : 356 . وقد ذكرناها في تخريج النصوص كلٌّ في محلّه .

(4) الاَثري ، كتاب (الخصائص) للنسائي | 87 .


96

ومرّة أُخرى ينهار ذلك البرهان وتوثيقه أمام الحديث الذي رواه أحمد في مسنده وفيه قوله ( ص ) : «أنت وليّي في كلّ مؤمن بعدي» (1)، وليس في إسناده واحد من أُولئك (الشيعة) الّذين اتُّهِموا به ! بل اتّفق على صحّته الحاكم والذهبي والاَلباني (2)!

إنّ هذه الدلائل ليست فقط تثبت صحّة قوله «بعدي» ، إنّما تثبت أيضاً أنّ الرواية التي وردت في مسند أحمد أو غيره وليس فيها كلمة «بعدي» إنّما قام (بتهذيبها) أنصار التاريخ الّذين نصروه حتّى في أوج انحرافه عن السُنّة..

كيف لا ؟! وهي إدانة صريحة لمساره المنحرف الذي صار عقيدةً يتديّنون بها ، ويضلِّلون مَن خالفهم فيها !

5 ـ الحديث الذي غاب عن (السنن) وأظهره أصحاب التاريخ والتفسير:

قوله ( ص ) : « إنّ هذا أخي ، ووصيّي ، وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا» (3).

فإذا كان الذي دهش قريشاً في جاهليّتها هو أن يؤمر أبو طالب بأن

(1) مسند أحمد 1 : 331 من حديث ابن عبّاس .

(2) المستدرك 3 : 133 ـ 134 وتلخيصه للذهبي في الصفحة ذاتها ، كتاب السُنّة لابن أبي عاصم ـ بتخريج الاَلباني ـ : 552 .

(3) تاريخ الطبري 2 : 217 ، الكامل في التاريخ 2 : 62 ـ 64 ، السيرة الحلبية 1 : 461 ، شرح نهج البلاغة 13 : 210 و 244 وصحّحه ، مختصر تاريخ دمشق ـ لابن عساكر ـ ، ابن منظور 17 : 310 ـ 311 ، تفسير البغوي (معالم التنزيل) 4 : 278 ، تفسير الخازن 3 : 371 ـ 372 نقلاً عن سيرة ابن إسحاق ، المنتخب من كنز العمّال ـ بهامش مسند أحمد ـ 5 : 41 ـ 42 .


97

يسمع لابنه ويطيع (1)، فقد دهشها بعد الاِسلام أن يؤمر كلّ الصحابة بذلك !

قال ابن كثير : ذكروا في إسناد هذا الحديث عبد الغفّار بن القاسم ، وهو كذّاب ، شيعي ، اتّهمه عليّ بن المديني بوضع الحديث ، وضعّفه الباقون(2).

لكنّ أبو مريم ، عبد الغفّار بن القاسم ، قد حفظ له التاريخ غير ما ذكر ابن كثير !

حفظ لنا خلاصة سيرته ، وصلته بالحديث ، ومنزلته فيه ، ثمّ حفظ علّة تركهم حديثه :

قال ابن حجر العسقلاني : (كان ـ أبو مريم ـ ذا اعتناء بالعلم وبالرجال.. وقال شعبة : لم أرَ أحفظ منه.. وقال ابن عديّ : سمعتُ ابن عقدة يثني على أبي مريم ويُطريه ، ويجاوز الحدّ في مدحه ، حتّى قال : لو ظُهر على أبي مريم مااجتمع الناس إلى شعبة) (3)!!

إذن لاَمرٍ ما لم يُظهَر على أبي مريم ! قال البخاري : عبد الغفّار بن القاسم ليس بالقويّ عندهم.. حدّث بحديث بُرَيدة «عليٌّ مولى مَن كنتُ مولاه» (4) !

(1) حين قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك لعليّ ، قام الناس يضحكون ويقولون لاَبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع !

(2) البداية والنهاية 3 : 38 ـ 39 .

(3) لسان الميزان 4 : 42 رقم 123 .

(4) لسان الميزان 4 : 43 .


98

لكنّ حديث بريدة هذا قد أخرجه ابن كثير نفسه من طريق آخر وصفه بأنّه إسناد جيّد قويّ ، رجاله كلّهم ثقات (1)!

ذلك هو أبو مريم !

6 ـ خلاصة وصيّة النبيّ لاَُمّته في حفظ رسالته ، قال ( ص ) : «ألا أيُّها الناس ، إنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأُجيب ، وأنا تاركٌ فيكم الثَقَلَين : أوّلهما كتاب الله ، فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به.. وأهل بيتي ، أُذكّركم الله في أهل بيتي ، أُذكّركم الله في أهل بيتي ، أُذكّركم الله في أهل بيتي» (2).

ـ «إنّي تاركٌ فيكم ماإنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الاَرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض.. فانظروا كيف تخلفوني فيهما» (3).

ـ «إنّي تارك فيكم خليفتين : كتاب الله ، وأهل بيتي...» (4).

تلك خلاصة رسالة السماء... ومفتاح المسار الصحيح الذي أراده النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لشريعته .

وهذا كلام لا يختلف في فهمه عامّيٌّ وبليغ.. فمن أين يأتيه التأويل ؟!

إنّه لو قُدِّر أن تتحقّق الخلافة لعليٍّ أوّلاً ، لَما ارتاب أحد في هذا النصّ

(1) البداية والنهاية 5 : 228 .

(2) صحيح مسلم 4 | 2308 من عدّة طرق .

(3) سنن الترمذي 5 | 3788 ، مسند أحمد 3 : 17 .

(4) مسند أحمد 5 : 182 و 189 .


99

الصريح الصحيح .. لكنّ اختلاف المسار الجديد عنه ، وتقديس الرجال ، هما وراء كلّ ما نراه من ارتياب وتجاهل لنصّ لا شيء أدلّ منه على تعيين أئمّة المسلمين ، خلفاء الرسول !!

إنّ أغرب ما جاء في (تعطيل) هذا النصّ قولٌ متهافتٌ ابتدعه ابن تيميّة حين قال : (إنّ الحديث لم يأمر إلاّ باتّباع الكتاب ، وهو لم يأمر باتّباع العترة، ولكن قال : أُذكّركم الله في أهل بيتي) (1)!

فقط وفقط ، ولا كلمة واحدة !!

ولهذا القول المتهافت مقلِّدون ، والمقلِّد لا يقدح في ذهنه ما يقدح في أذهان البسطاء حتّى ليعيد على شيخه السؤال : أين الثقل الثاني إذن ؟! أين الخليفة الثاني إذن ، والنبيّ يقول «الثقلين .. خليفتين» ؟! ومَن هذان اللذان لن يفترقا حتّى يردا الحوضَ معاً ؟!

«كتاب الله» و «عترتي أهل بيتي» إنّهما المحوران اللذان سيمثّلان محلّ القُطب في مسار الاِسلام الاَصيل غداً بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

وليس بعد هذا الحديث ، وحديث غدير خمّ ، مايستدعي البحث عن نصوص أُخر لمن شاء أن يؤمن بالنصوص ..

الخطاب الجامع.. مفترق الطرق :

في حديث صحيح ، جمع الخطاب وأوجز :

قال الصحابي زيد بن أرقم : لمّا دفع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من حجّة الوداع ونزل

(1) منهاج السُنّة 4 : 85 ، الفرقان بين الحقّ والباطل : 139 .


100

غدير خمّ ، أمر بدوحاتٍ فقُمِمْن (1)، ثمّ قال : «كأنّي دُعيتُ فأجبتُ ، وإنّي تارك فيكم الثَقَلين ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي. فانظروا كيف تخلفوني فيهما ! فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض» .

ثمّ قال : «إنّ الله مولاي ، وأنا وليّ كلّ مؤمن» ثمّ أخذ بيد عليّ رضي الله عنه ، فقال: «مَن كنتُ وليّه فهذا وليّه ، اللّهمّ والِ مَن والاه ، وعادِ مَن عاداه» .

قال أبو الطفيل : قلتُ لزيد : سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟!

قال : نعم ، وإنّه ما كان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينه وسمعه بأُذنيه(2)

ص.

هذا الخطاب ، على نحو مائة ألف من المسلمين شهدوا حجّة الوداع ، وعند مفترق طرقهم إلى مدائنهم ، لم يعِشِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعده إلاّ نحو ثمانين يوماً (3) ، ليكون هذا الخطاب ذاته بعد اليوم الثمانين مفترق الطرق بين المسلمين ، وحتّى اليوم !!

ثمانون يوماً لا تكفي لنسيانه !!

(1) أي : كُنِسْنَ .

(2) أخرجه : النسائي ، السنن 5 | 8464 ، الاَثري ، تخريج خصائص عليّ عليه السلام | 76 وذكر له عدّة مصادر ، منها : مسند أحمد 1 : 118 ، البزّار | 2538 ـ 2539 ، وابن أبي عاصم : 1365 ، والحاكم ، المستدرك 3: 109 ، وأخرجه ابن كثير ، البداية والنهاية 5 : 228 وقال: قال شيخنا الذهبي : هذا حديث صحيح ، وأخرجه اليعقوبي ، التاريخ 2 : 112 .

(3) كانت خطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خمّ يوم 18 ذي الحجّة سنة 10 هـ ، ووفاته صلى الله عليه وآله وسلم يوم 2 أو 12 ربيع الاَوّل من سنة 11 هـ ، حسب اليعقوبي والطبري والكليني ، أو 28 صفر ، حسب الطبرسي .


101

ودواعي الذكرى التي أحاطت به لا تسمح بتناسيه !!

لكن لم يحدّثنا التاريخ أنّ أحداً قد ذكره في تلك الاَيّام الحاسمة التي ينبغي ألاّ تعيد الاَذهان إلى شيء قبله ، فهو النصّ الذي يملأ ذلك الفراغ ، ويسكن له ذلك الهيجان ، وتنقطع دونه الاَمانيّ ، أو فرص الاجتهاد..

«إنّي يوشك أن أُدعى فأُجيب..

وإنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي..

مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه..» .

والعهدُ ، بعدُ ، قريبٌ ، جدُّ قريب..

فإذا وجدنا اليوم من لم يؤمن بالنصّ على خليفة النبيّ ( ص )، فليس لاَنّ النبيّ لم يَقُلْه ، بل لاَنّ الناس يومئذٍ لم يذكروه !!

7 ـ قوله ( ص ) :«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» .

حديث متواتر لا خلاف فيه (1)، لكنّ الكلام في تأويله ، وما أغنانا عن التأويل الذي ما أبقى من النصّ إلاّ حروفه !!

غريب جدّاً ما ذهب إليه المتأوَّلون من أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يَقُلْهُ إلاّ تطييباً لخاطر عليٍّ وترغيباً له في البقاء في المدينة لمّا أرجف به المنافقون وقالوا: خلّفك مع النساء والصبيان ! وليس فيه من تشابه المنزلتين إلاّ

(1) مسند أحمد 1 : 173 و 175 و 182 و 184 و 331 ، صحيح البخاري ـ فضائل عليّ ـ | 3503، صحيح مسلم ـ فضائل عليّ ـ | 2404 ، مصنّف ابن أبي شيبة ـ فضائل عليّ ـ 7 : 496 | 11 ـ 15 .


102

القرابة (1) !

غريب في نسبة هذه الاغراض إلى حديث نبويّ ظاهر ، إلى حديث النبيّ ( ص ) الذي لا يقول إلاّ حقّاً ، ومع عليٍّ ( ع ) بالذات ، ربيب النبيّ وبطل الملاحم !!

وغريب في تناسي القرآن ، وكأنّ القرآن لم يذكر شيئاً من منزلة هارون من موسى !!

وغريب في الغفلة عمّا يضفيه هذا التأويل إلى الإمام عليّ ( ع ) وسعد وابن عبّاس، على الاَقلّ ، من سذاجة في التفكير وقصور في الفهم !!

ألم يكن الإمام عليٌّ ( ع ) يعرف قرابته من رسول الله ( ص ) قبل ذلك اليوم ؟!

أم كان سعد لم يتمنّ إلاّ هذه القرابة وهو يقول : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في عليٍّ ثلاث خصال لئن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليَّ من حمر النعم ، سمعته يقول : «إنّه منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي...» (2)؟! فهل فهم منه القرابة ، لا غير ؟!

أم كان ابن عبّاس لا يريد إلاّ القرابة حين يذكر لعليٍّ ( ع ) عشر خصال ليست لاَحدٍ من الناس ، فيعدّ فيها هذا الحديث (3)؟! فهل كان النبيّ ( ص ) ليس له ابن عمّ إلاّ عليّ ( ع )؟!

(1) ابن حزم ، الفِصَل 4 : 94 ، ابن تيميّة ، منهاج السُنّة 4 : 87 ـ 88 .

(2) صحيح مسلم ـ فضائل عليّ ـ | 32 ، الخصائص ـ بتخريج الاَثري ـ | ح 9 و 10 و 43 و 52 ، المصنّف ، ابن أبي شيبة ـ فضائل عليّ ـ | 15 .

(3) مسند أحمد 1 :331 ، الخصائص ـ بتخريج الاَثري ـ | 23 ، المستدرك 3 : 132 ـ 133 ـ ويأتي لاحقاً .


103

لقد كان لابن عبّاس من قرابة النبيّ ( ص ) مثل مالعليّ عليه السلام فكلاهما ابن عمّه صلى الله عليه وآله وسلم !! ويساويهما في هذه القرابة كلّ أولاد أبي طالب وأولاد العبّاس وأولاد أبي لهب !

ولا يخفى أيضاً أنّ قرابة عليٍّ للرسول ليست كقرابة هارون لموسى ( صلوات الله عليهم أجمعين )، فليست هي المعنيّة في النصّ قطعاً..

وغريب أن يخفى على هؤلاء ما هو ظاهر لمن هو دونهم : فقوله ( ص ) : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» ظاهر في عمومه واستيعابه جميع مصاديق تلك المنزلة ، ومن هنا استثنى النبوّة ، فقال ( ص ) : «إلاّ أنّه لانبيَّ بعدي» فلمّا استثنى النبوّة فقد نصّ على ثبات المصاديق الاَُخر ، وهي : ( الوزارة والخلافة ) .

فلو لم يرد النصّ إلاّ في غزوة تبوك ، لَما أفاد ذلك تخصيصه بتلك الغزوة مادام الحديث نصّاً في العموم .

ولقد ورد هذا النصّ نفسه في غير غزوة تبوك أيضاً ، كما رواه ابن حبّان وغيره في خبر المؤاخاة في السنة الاَولى من الهجرة النبوية (1).

8 ـ قوله ( ص ) : «يكون بعدي اثنا عشر خليفة ، كلّهم من قريش» .

متواتر ، لانزاع فيه (2)!

(1) السيرة النبوية ، لابن حبّان : 149 ، وصحّحه سبط ابن الجوزي ، تذكرة الخواصّ : 23 نقله عن الاِمام أحمد في المناقب ، وقال : رجاله ثقات .

(2) صحيح البخاري ـ الاَحكام | 8461 ، صحيح مسلم ـ الاِمارة ـ | 1821 و 1822 ، مسند أحمد 1 : 398 و 406 ، سنن أبي داود | 4280 ، سنن الترمذي ـ كتاب الفتن 4 | 2223، مصابيح السُنّة 4 | 4680 . لذا فإنّ قول الدكتور النشّار ، نشأة الفكر الفلسفي في الاِسلام 1 : 448 و 2 : 218 : (إنّ فكرة 12 خليفة لا وجود لها في الاِسلام) إنّما هي كبوة فارس !


104

أهل البيت أوّلاً :

يقول ابن تيميّة : إنّ بني هاشم أفضل قريش ، وقريش أفضل العرب ، والعرب أفضل بني آدم ، كما صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قوله في الحديث الصحيح : «إنّ الله اصطفى بني إسماعيل ، واصطفى كنانة من بني إسماعيل ، واصطفى قريشاً من كنانة ، واصطفى بني هاشم من قريش»..

ويمكن أن يضاف إلى هذا كثير :

أ ـ «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي ، فأذهِب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً» عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام )، ولا أحد سواهم، ذلك حين نزل قوله تعالى: ( إنّما يريد اللهُ ليُذهِبَ عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)(1) فأدار عليهم الكساء وقال فيهم قوله المتّفق عليه هذا (2)!

ب ـ «نحن بنو عبد المطّلب سادة أهل الجنّة : أنا ، وحمزة ، وعليّ ، وجعفر ، والحسن ، والحسين ، والمهديّ» (3).

جـ ـ «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة» (4).

(1) الاحزاب 33 : 33 .

(2) صحيح مسلم ـ فضائل الصحابة ـ | 2424 ، سنن الترمذي | 3205 و 3787 و 3871 ، مسند أحمد 4 : 107 و 6 : 291 و 304 ، مصابيح السُنّة 4 : 183 | 4796 ، أسباب النزول: 200 ، وسائر كتب التفسير عند هذه الآية من سورة الاَحزاب .

(3) سنن ابن ماجة 2 | 4087 .

(4) مسند أحمد 3 : 3 و 62 و 64 و 80 و 82 .


105

د ـ «المهديّ من عترتي ، من وُلْد فاطمة» (1).

فلم يبق في الاَمر أدنى غموض ، بعد تقديم بني هاشم الصريح ، وتقديم أهل البيت خاصّة على سائر بني هاشم ، وصراحة النصوص المتقدّمة ، لا سيّما الغدير والولاية والثقلين ، وببساطة كبساطة هذا الدين الحنيف ، وبعيداً عن شطط التأويل بُعد هذا الدِين عن التعقيد والتنطُّع ، تبدو عندئذٍ كم هي ظاهرةٌ إمامة اثني عشر سيّداً من سادة أهل البيت عليهم السلام .. وتحديداً : أوّلهم عليّ ، فالحسن ، فالحسين ، وآخرهم المهديّ (عليهم السلام) .

ومن لحظ الاضطراب الشديد والتهافت الذي وقع فيه شرّاح الصحاح عند حديث الخلفاء الاثني عشر (2)، ازداد يقيناً في اختصاص سادة أهل البيت بهذا الحديث ، دون سواهم .

وقد اهتدى إلى هذا المعنى بعض من شرح الله صدره للاِسلام من أهل الكتاب لمّا رأوا في أسفارهم الخبر عن اثني عشر إماماً يكونون بعد النبيّ العظيم من وُلْد إسماعيل (3)، فناقضهم ابن كثير ، نقلاً عن شيخه ابن تيميّة، ليجعل هؤلاء العظماء هم الخلفاء الّذين يعدّون فيهم معاوية ويزيد ومروان وعبد الملك وهشام ، أو الّذين لا يدرون من هُم (4).

(1) سنن أبي داود | 4284 ، تاريخ البخاري 3 : 346 ، مصابيح السُنّة | 4211 .

(2) أُنظر : فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13 : 180 ـ 183 ، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 15 : 212 ـ 213 ، صحيح مسلم بشرح النووي 12 : 201 ـ 203 ، البداية والنهاية 6 : 278 ـ 281 .

(3) العهد القديم ـ سفر التكوين ـ إصحاح 17 : آية 20 .

(4) أُنظر : البداية والنهاية 6 : 280 .


106

وأهل البيت أوّلاً :

لو لم يكن ثمّة نصّ في الاِمامة ، وكان للاَُمّة أن تُرشّح لها أهلها ، وبعد ما تقدّم في تفضيل بني هاشم ، وأهل البيت خاصّة ، فهم الاَوْلى بالاِمامة بلا منازع .

وأهل البيت أوّلاً :

لو كانت الخلافة محصورة في قريش ، إمّا لنصّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، أو لقول المهاجرين في السقيفة ، (أنّ قريشاً أولياؤه وعشيرته) ، (وقومه أوْلى به) ، (وهيهات أن يجتمع سيفان في غمد) ، (ولا تمتنع العرب أن تولّي أمرها مَن كانت النبوّة فيهم) .

وأخيراً : (فمَن ينازعنا سلطان محمّد ونحن أولياؤه وعشيرته ، إلاّ مُدلٍ بباطلٍ ، أو متجانف لاِثمٍ ، أو متورّط في هَلَكة) (1)؟!

فإنّ هذا كلّه لا يرشّح أحداً قبل بني هاشم ، فإذا كان قومه أوْلى به فلا ينازعهم إلاّ ظالم ، فما من أحد أوْلى به من بني هاشم ، ثمّ أهل البيت خاصّة !

فبنو هاشم ، دون سواهم من بطون قريش ، هم المعنيّون بآية الاِنذار في بدء الدعوة النبوية : ( وأنذر عشيرتك الاَقربين ) (2).

وبنو هاشم هم المعنيّون بالمحاصرة في شعب أبي طالب ثلاث سنين، وليس معهم إلاّ بني المطّلب ، أمّا بطون قريش الاَُخر ، تَيم وعديّ

(1) أُنظر : الاِمامة والسياسة : 12 ـ 16 ، الكامل في التاريخ 2 : 329 ـ 330 .

(2) سورة الشعراء 26 : 214 .


107

وأُميّة ومخزوم وزهرة وغيرها ، فهم الّذين تحالفوا على محاصرة عشيرة محمّد الاَقربين ، بني هاشم وبني المطّلب !!

فهل خفي هذا على أحد ، لو خفيت عليه النصوص ؟!

فالذي جادل في النصوص ودَفَعها بأنّها لو صحّت ، أو لو أفادت الخلافة ، لَمّا خفيت على عظماء الصحابة وجمهورهم .. عليه أن يقف أمام هذه الحقيقة ، كيف خفيت عليهم ؟!

سلوك النبيّ في ابلاغ إمامة عليّ :

عمليّاً كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يمارس إعداد الإمام عليّ ( ع ) لخلافته ، ومنذ بدء الدعوة ، ويُظهر لصحبه وللناس أنّه ينصبه لذلك ، عملاً مشفوعاً بالقول أحياناً ، مصرحاً بين الحين والحين بأنّ ذلك من الله تعالى وبأمره..

منذ البدء ، نشأ عليٌّ ( ع ) في بيت النبيّ ( ص ) يتبعه اتّباع الظلّ ، حتّى بُعث صلى الله عليه وآله وسلم فكان عليٌّ أوّل من آمن به مع زوجته خديجة (1).

وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يخرج إلى البيت الحرام ليصلّي فيه ، فيصحبه عليٌّ ( ع ) وخديجة فيصلّيان خلفه ، على مرأىً من الناس ، ولم يكن على الاَرض من يصلّي تلك الصلاة غيرهم (2).

(1) الطبقات الكبرى 3 : 21 ، سيرة ابن هشام 1 : 228 ، كتاب الاَوائل : 91 ـ 93 ، البدء والتاريخ 4 : 145 ، السيرة النبوية ، ابن حبّان : 67 ، جوامع السيرة ، ابن حزم : 45 ، السيرة النبوية ، الذهبي : 70 ، الاِصابة 4 : 269 .

(2) مسند أحمد 1 : 209 ، المستدرك 3 : 183 وتلخيصه للذهبي ، الخصائص ـ بتخريج الاَثري ـ | 2 و 3 ، تاريخ الطبري 2 : 311 ، مجمع الزوائد 9 : 103 .


108

وكان الإمام عليٌّ ( ع ) يصف أيّامه تلك ، فيقول : «وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حِجره وأنا ولد، يضمّني إلى صدره... وكان يمضغُ الشيء ثمّ يُلقمنيه ، وما وجد لي كذبةً في قول ، ولا خَطلةً في فِعل... ولقد كنتُ أتّبعه اتّباع الفصيل أثَرَ أُمّه، يرفعُ لي في كلّ يوم من أخلاقه عَلَماً ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كلّ سنةٍ بحِراء فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذٍ في الاِسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشمّ ريح النبوّة...» (1).

ويوم أنذر عشيرته الاَقربين ، رفع شأن عليٍّ عليهم جميعاً ، وخصّه بمنزلة لا يشركه فيها غيره .

ويوم هجرته إلى المدينة ، اختار عليّاً يبيت في فراشه ، ثمّ يؤدّي ما كان عند النبيّ ( ص ) من أمانات ، ثمّ يهاجر بمن بقي من نساء بني هاشم .

ثمّ اختصّه بمصاهرته في خير بناته سيّدة نساء العالمين (2)، بعد أن تقدّم لخطبتها أبو بكر ثمّ عمر فردّهما صلى الله عليه وآله وسلم (3)! وقال لها : «زوّجتك أقدم أُمّتي سلماً ، وأكثرهم علماً ، وأعظمهم حلماً» (4).

وآخى بين المهاجرين والاَنصار ، ثمّ اصطفى عليّاً ( ع ) لنفسه فقال له : «أنت

(1) نهج البلاغة ـ شرح صبحي الصالح ـ : 300 ـ 301 خطبة 192 .

(2) الخصائص ـ بتخريج الاَثري ـ | 127 و 128 و 129 .

(3) الخصائص ـ بتخريج الاَثري ـ | 120 .

(4) مسند أحمد 5 : 26 .


109

أخي في الدنيا والآخرة» ، أو : «أنت أخي وأنا أخوك» (1). فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيّد المرسلين وإمام المتّقين ورسول ربّ العالمين الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد ، والإمام عليّ بن أبي طالب ( ع )، أخوَين (2).

وفي سائر حروبه كان لواؤه صلى الله عليه وآله وسلم أو راية المهاجرين بيد الامام عليٍّ عليه السلام (3).

وفي خيبر بعث أبا بكرٍ براية ، فرجع ولم يصنع شيئاً ، فبعث بها عمر ، فرجع ولم يصنع بها شيئاً ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «لاَُعطينَّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله ، لا يخزيه الله أبداً ، ولا يرجع حتّى يفتح عليه» فدعا عليّاً ( ع ) ودفع إليه الراية ودعا له ، فكان الفتح على يديه (4).

وفي عبارة بعضهم : بعث أبا بكر فسار بالناس فانهزم حتّى رجع إليه ، وبعث عمر فانهزم بالناس حتّى انتهى إليه (5). وفي عبارة بعضهم : فعاد يُجبِّن أصحابه ويجبّنونه (6)!

ويقول صلى الله عليه وآله وسلم لاَصحابه : «إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلتُ على تنزيله» فيستشرفون له ، كلٌّ يقول : أنا هو ؟ وفيهم أبو بكر

(1) مسند أحمد 1 : 230 ، سنن الترمذي 5 | 3720 ، مصابيح السُنّة 4 | 4769 ، الطبقات الكبرى 3 : 22 ، البداية والنهاية 7 : 371 ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ 4 : 209 .

(2) سيرة ابن هشام 2 : 109 .

(3) الاِصابة 2 : 30 ترجمة سعد بن عبادة .

(4) المصنّف لابن أبي شيبة ـ فضائل علي ـ 7 | 17 ، سنن النسائي 5 | 8402 ، الخصائص ـ بتخريج الاَثري ـ | 14 وصحّحه ، المستدرك 3 : 37 وصحّحه ووافقه الذهبي ، سيرة ابن هشام 3 : 216 ، تاريخ الطبري 3 : 12، الكامل في التاريخ 2 : 219 ، البداية والنهاية 7 : 373 .

(5) ابن أبي شيبة ، المصنّف 7 : 497 | 17 فضائل عليّ .

(6) الحاكم والذهبي ، المستدرك 3 : 37 وتلخيصه .


110

وعمر ، فيقول : «لا ، لا ، لكنّه عليّ» (1).

ويبعث أبا بكر بسورة براءة أميراً على الحجّ ، ثمّ يبعث خلفه الإمام عليّاً ( ع ) فيأخذها منه ، فيعود أبو بكر إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيقول : أحَدَث فيَّ شيءٌّ ، يارسول الله ؟!

فيقول صلى الله عليه وآله وسلم : «لا ، ولكنّي أُمرتُ ألاّ يبلّغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي»(2)!

وكان لبعض الاَصحاب أبواب شارعة في المسجد ، فقال لهم ( ص ) : «سدّوا هذه الاَبواب ، إلاّ باب عليّ» (3).

وكان الصحابة عنده في المسجد ، فدخل عليٌّ ( ع )، فلمّا دخل خرجوا ، فلمّا خرجوا تلاوموا ! فرجعوا ، فقال لهم صلى الله عليه وآله وسلم : «والله ما أنا أدخلته وأخرجتكم ، بل الله أدخله وأخرجكم» (4).

ودعاه يوم الطائف يناجيه ، فقال بعضهم : لقد طال نجواه مع ابن عمّه!!

(1) مسند أحمد 3 : 82 ، صحيح ابن حبّان 9 : 46 | 6898 ، المصنّف لابن أبي شيبة ـ فضائل عليّ ـ 7 | 19 ، البداية والنهاية 7 : 398 .

(2) مسند أحمد 1 : 3 و 331 و 3 : 212 و 283 و 4 : 164 و 165 ، سنن الترمذي 5 | 3719 ، سنن النسائي 5 | 8461، الخصائص ـ بتخريج الاَثري ـ | 23 و 72 و 73 وصحّحها جميعاً، البداية والنهاية 7 : 374 و 394، تفسير الطبري 10 : 46 .

(3) مسند أحمد 1 : 331 ، سنن الترمذي 5 | 3722 ، الخصائص ـ بتخريج الاَثري ـ | 23 و 41 ، البداية والنهاية 7 : 374 و 379 ، فتح الباري 7 : 13 ، الاِصابة 4 : 270 .

(4) الخصائص ـ بتخريج الاَثري ـ | 38 .


111

فقال لهم صلى الله عليه وآله وسلم : «ما أنا انتجيته ، ولكنّ الله انتجاه» (1).

في حجّة الوداع أشركه في هديه ، دون غيره من أصحابه أو ذوي قرباه(2) .

وفيها خطب خطبته الشهيرة في عليٍّ وأهل البيت عليهم السلام بغدير خمّ ، وتقدّم نصّها آنفاً .

وخصّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مدّة حياته الشريفة بمنزلةٍ ليست لاَحد ! خصّه بساعةٍ من السحر يأتيه فيها كلّ ليلة (3).

وإذ نزل قوله تعالى : ( وَأْمُرْ أهلَك بالصلاة ) (4) كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يأتي باب عليٍّ صلاة الغداة كلّ يوم ، ويقول : «الصلاة ، رحمكم الله ، إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً» (5).

وحين يُتوَفّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخصُّ عليّاً بميراثه دون عمّه العباس ، فسُئل وُلْدُ العبّاس عن ذلك فقالوا : إنّ عليّاً كان أوّلنا به لحوقاً ، وأشدّنا به لصوقاً (6) .

وغير هذا كثير ، وقد عرفه الصحابة في حياة الرسول ( ص )..

(1) سنن الترمذي 5 / 3726 ، مصابيح السنة 4 / 4773 ، جامع الاصول 9 / 6493 ، البداية والنهاية 7 : 369.

(2) الكامل في التاريخ 2 : 302 ، وانظر حجة الوداع في سائر كتب السنن المفصّلة.

(3) الخصائص ـ بتخريج الأثري ـ / 112 ـ 113 ، وخرجه على النسائي وابن ماجة وابن خزيمة من وجوه.

(4) طه 20 : 132.

(5) تفسير القرطبي 11 : 174، تفسير الرازي 22 : 137 ، روح المعاني 16 : 284 والنصّ عنه.

(6) السنن الكبرى 5 : 139 / 8493 و 8494.

الصحابة والمعرفة بالتعيين :

سمع الصحابة وشهدوا نصوص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسلوكه في نصب الإمام عليٍّ عليه السلام وتعيينه لخلافته مباشرةً ، فأدركوا ذلك ووعوه ، حتّى ظهر في أقوال بعضهم ، وظهر عند آخرين قولاً وعملاً .

فاشتهر عن بعضهم تمنّيه أن لو كانت له واحدة من تلك الخصال التي خُصَّ بها عليٌّ عليه السلام ، كما عُرف ذلك عن : عمر بن الخطّاب ، وسعد بن أبي وقّاص ، وعبد الله بن عمر (1).

واشتهر عن آخرين متابعتهم له حتّى عُرفوا في ذلك العهد بشيعة عليّ ( ع )، منهم : أبو ذرّ ، وعمّار ، وسلمان ، والمقداد (2).

بل كان عامّة المهاجرين والاَنصار لا يشكّون في أنّ عليّاً عليه السلام هو صاحب الاَمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (3).

وأبو بكر سمع بنفسه قول ابنته عائشة لرسول الله ( ص ) بصوت عال : «والله لقد علمتُ أنّ عليّاً أحبّ إليك من أبي» ! فأهوى إليها ليلطمها ، وقال : ياابنة فلانة ، أراكِ ترفعين صوتك على رسول الله (4).

(1) منهاج السُنّة 3 : 11 ـ 12 ، المستدرك 3 : 125 ، مجمع الزوائد 9 : 130 ، الصواعق المحرقة : 127 باب 9 فصل 1 ، تاريخ الخلفاء : 161 .

(2) أبو حاتم الرازي : كتاب الزينة : 259 تحقيق عبد الله سلّوم السامرّائي ، محمّد كرد علي : خطط الشام ، تاريخ ابن خلدون 3 : 214 ـ 215 .

(3) الاستيعاب 3 : 55 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 124 ، تاريخ الطبري 3 : 202 ، الكامل في التاريخ 2 : 335 ، شرح نهج البلاغة 6 : 21 .

(4) أخرجه النسائي بإسناد صحيح في السنن الكبرى 5 : 139 | 8495 .


113

قال معاوية بن أبي سفيان في رسالته إلى محمّد بن أبي بكر ، وهي الرسالة التي أشار إليها الطبري ثمّ قال : ( كرهتُ ذِكرها لاَُمور لا تحتملها العامّة (1) ! قال فيها معاوية مخاطباً محمّد بن أبي بكر : «قد كنّا وأبوك معنا في حياة نبيّنا نرى حقّ ابن أبي طالب لازماً لنا ، وفضله مبرَّزاً علينا»(2) .

وشهيرةٌ كلمة عمر بن الخطّاب يوم غدير خمّ : «هنيئاً لك يابن أبي طالب ، أصبحتَ مولى كلّ مؤمن ومؤمنة» (3).

علماً أنّ هذه الكلمة «مولى» و «وليّ» لم تُعرف لاَحد من الصحابة إلاّ لعليٍّ عليه السلام في جملة من الاَحاديث النبويّة الشريفة كما تقدّم آنفاً .

بل في القرآن أيضاً : ( إنّما وليّكم الله ورسوله والّذين آمنوا الّذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) (4).

قال الآلوسي : ( غالب الاَخباريّين على أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب(5)، وعليه شِبهُ إجماعٍ لدى المفسِّرين (6)، وطائفة من أصحاب

(1) تاريخ الطبري 4 : 557 .

(2) مروج الذهب 3 : 21 ، وقعة صِفّين : 118 ـ 120 ، شرح نهج البلاغة 3 : 188 . وللرسالة تتمّة تأتي في محلّها من بحث لاحق .

(3) مسند أحمد 4 : 281 ، تفسير الرازي 12 : 49 ـ 50 ، سبط ابن الجوزي ، تذكرة الخواصّ : 29 ـ 30 .

(4) سورة المائدة 5 : 55 .

(5) روح المعاني 6 : 167 .

(6) معالم التنزيل ـ للبغوي ـ 2 : 272 ، الكشّاف 1 : 649 ، تفسير الرازي 12 : 26 ، تفسير أبي السعود 2 : 52 ، تفسير النسفي 1 : 420 ، تفسير البيضاوي 1 : 272 ، فتح القدير ـ للشوكاني ـ 2 : 53 ، أسباب النزول ـ للواحدي ـ : 114 ، لباب النقول ـ للسيوطي ـ : 93 .


114

الحديث ) (1).

وهذا كلّه كان يعرفه الصحابة من المهاجرين والاَنصار خاصّة لقربهم من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .

ومن قول محمّد بن أبي بكر في رسالته إلى معاوية ، يصف عليّاً عليه السلام : (وهو وارث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيّه ، وأبو وُلْده ، أوّل الناس له اتّباعاً ، وأقربهم به عهداً ، يخبره بسرّه ، ويُطلعه على أمره) (2).

وعبد الله بن عبّاس ، حبر الاَُمّة ، يصفه أيضاً لمعاوية ، فيسميّه (سيّد الاَوصياء) (3).

والحسن السبط عليه السلام خطب خطبته الاَُولى بعد وفاة أبيه فذكر : «عليّاً خاتم الاَوصياء» (4).

وخزيمة بن ثابت ، ذو الشهادتين ، يصفه لعائشة ، فيقول :

وصيّ رسول الله من دون أهلِه * وأنتِ على ما كان مِن ذاكَ شاهِدَهْ(5)

وهكذا ثبت لقب (الوصي) لعليٍّ عليه السلام عن عدد من الصحابة غير من ذكرنا ، منهم : أبو ذر الغفاري ، وحذيفة بن اليمان ، وعمرو بن الحمق

(1) أخرجه : عبد الرزّاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والخطيب في (المتّفق والمفترق) . أُنظر : فتح القدير ـ للشوكاني ـ 2 : 53 .

(2) مروج الذهب 3 : 21 ، وقعة صِفّين : 118 ، شرح نهج البلاغة 3 : 188 .

(3) مروج الذهب 3 : 8 .

(4) مجمع الزوائد 9 : 146 .

(5) شرح نهج البلاغة 1 : 143 ـ 150 .


115

الخزاعي ، وحُجر بن عَدي ( حجر الخير ) ، وأبو الهيثم بن التيّهان وغيرهم(1)؟ .

فكما عرفوه «وليّاً» عرفوه «وصيّاً» أيضاً ، وذو الشهادتين حين أدلى ، في حديثه المتقدّم ، بشهادتيه على أنّ عليّاً وصيّ النبيّ ، لم يقف عند هذا الحدّ ، بل ألزم عائشة أيضاً الشهادة على ذلك .

إذن لم يكن لقب «الوصيّ» محدَثاً كما صوّره بعض الدارسين الّذين أغفلوا شهادة التاريخ ثمّ أسقطوا نزعاتهم الشخصية على المفاهيم ، وعلى التاريخ كلّه ، فصوّروا «الوصيّ» وكأنّه من صنع اليهود ، ومنهم انتقل إلى المسلمين (2)»؟ ، عن طريق عبد الله بن سبأ المزعوم أو غيره (3)، أو هو من صنع الشيعة ابتدعه هشام بن الحكم ( ت /191 هـ) ولم يكن معروفاً قبله لا من ابن سبأ ولا من غيره (4)! فالاَشعار والنصوص المتقدّمة المحفوظة عن الصحابة سبقت ميلاد هشام بن الحكم بنحو ثمانين سنة !

كلاّ ، بل ذاك ممّا عرفه الصحابة أو بعضهم لعليٍّ ( ع ) ، وحفظه تاريخهم ، لهم أو عليهم !

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 171 ، وقعة صفين : 103 ـ 104 ، شرح نهج البلاغة 3 : 81 ـ 82 ، وأيضاً 1 : 143 ـ 150 ، فصل (ما ورد في وصايا عليّ من الشِعر) أورد فيه أربعاً وعشرين مقطوعةً للصحابة والتابعين، ثمّ قال : والاَشعار التي تتضمّن هذه اللفظة كثيرة جدّاً ، تجلّ عن الحصر ، وتعظم عن الاِحصاء والعدّ .

وانظر أيضاً : الكامل ـ للمبرّد ـ 2 : 170 ـ 171 في رثاء عليّ بن أبي طالب .

(2) د. مصطفى حلمي ، نظام الخلافة : 157 .

(3) كما نقله الكشّي في رجاله ، ترجمة عبد الله بن سبأ .

(4) د. محمّد عمارة ، الخلافة ونشأة الاَحزاب الاِسلامية : 155 .


116

ربّما يقال إنّ في تلك المصادر نزعة شيعية ، والشيعة ليس من حقّهم أن يساهموا في كتابة التاريخ ، بل ليس من حقّهم أن يكتبوا تاريخهم الخاصّ أيضاً !

لكن هل يقال هذا في ابن حجر العسقلاني ؟!

ففي شرحه لصحيح البخاري يُثبت ابن حجر أنّ (الشيعة) كانوا يتداولون أحاديث الوصيّة ، فنهضت عائشة في مواجهة ذلك التيّار بحديثها الذي أثبته البخاري ، تقول فيه إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لمّا نزل به الموت ورأسه على فخذي غُشِيَ عليه ثمّ أفاق ، فقال : «اللّهمّ الرفيق الاَعلى» فكانت آخر كلمة تكلّم بها «اللّهمّ الرفيق الاَعلى» .

قال العسقلاني نقلاً عن الزهري في ما يرويه عن جماعة من أهل العلم فيهم عروة بن الزبير : كأنّ عائشة أشارت إلى ما أشاعته الرافضة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم أوصى إلى عليٍّ ( ع ) بالخلافة وأن يوفي ديونه (1)!

لكن لا العسقلاني ولا الزهري ولا جماعة أهل العلم يشاءون أن يتقدّموا في التحقيق خطوة واحدة إلى الاَمام ؛ لاَنّ الخطوة اللاحقة سوف تنفض أيديهم ممّا وضعه فيها حديث عائشة !

فالسيّدة أُمّ سَلَمة أقسمت على كذب الحديث المرويّ عن عائشة ، حين أقسمت أنّ آخر الناس عهداً بالنبيّ هو عليّ بن أبي طالب ! قالت : (والذي أحلف به ، إنْ كان عليٌّ لاَقرب الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عُدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غداةً بعد غداة يقول : «جاء عليّ» ؟ مراراً ، فجاء

(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 8 : 122 .


117

بعد، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب وكنتُ من أدناهم إلى الباب ، فأكبّ عليه عليٌّ ، فجعل يُسارّه ويناجيه ، ثمّ قُبض صلى الله عليه وآله وسلم من يومه ذاك وكان أقرب الناس به عهداً) (1).

فالصحابة كانوا يعرفون ذلك وإنْ أنكرته عائشة ، فدخل حديثها صحيح البخاري دون حديث أُمّ سلمة الذي كان رجاله من رجال الصحيح!

والحوارات التي أدارها عمر بن الخطّاب مع ابن عبّاس هي الاَُخرى حوارات كاشفة عن هذا المعنى :

ففي أحدها : يكشف عمر عن معرفته بذلك فيقول : (لقد كان النبيّ يَربَع في أمره وقتاً ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه ، فمنعتُ من ذلك ، إشفاقاً وحيطةً على الاِسلام ! وربِّ هذه البَنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً) .

أمّا ابن عبّاس فيؤكّد أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد نصّ على عليٍّ ( ع ) ، وأنّه سمع ذلك من عليٍّ والعبّاس (2).

وفي أُخرى : يؤكّد عمر إرادة قريش ، فيقول : كرهت قريش أن تجتمع فيكم النبوّة والخلافة فتجخفوا جخفاً (3)، فنظرتْ قريش لنفسها فاختارت!!

(1) مسند أحمد 6 : 300 ، وصحّحه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 112 .

(2) شرح نهج البلاغة 12 : 21 عن أحمد بن أبي طاهر في (تاريخ بغداد) .

(3) الجخف : التكبّر .


118

لكنّ ابن عبّاس يحمل على هذه الحجّة حملاً عنيفاً ، متسلّحاً بآي القرآن هذه المرّة ، فيقول : (أمّا قولك : كرهت قريش ! فإنّ الله تعالى قال لقوم : ( ذلك بأنّهم كرهوا ما أنزل اللهُ فأحبط أعمالهم ) (1).

وأمّا قولك : إنّا كنّا نجخف ! فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة ، لكنّا قوم أخلاقنا مشتقّة من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال له الله تعالى : (وإنّك لَعلى خُلُقٍ عظيم ) (2)وقال له : ( واخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين ) (3) .

وأمّا قولك : فإنّ قريشاً اختارت ! فإنّ الله تعالى يقول : ( وربّك يخلقُ ما يشاء ويختار ما كانَ لهم الخِيَرة ) (4).

وقد علمتَ يا أمير المؤمنين أنّ الله اختار من خَلقه لذلك مَن اختار ! فلو نظرتْ قريش من حيث نظر الله لها لَوُفِّقَت وأصابت) !!

ولهذا الحوار مصادره المهمّة أيضاً (5).

وهذه هي نظريّة النصّ في إطارها التامّ : ( وربّك يخلقُ ما يشاء ويختار ما كانَ لهم الخِيَرة ) ، وإنّ الله اختار مِن خلقه لهذا الاَمر مَن اختار..

والحوار الطويل الذي أداره عثمان أيّام خلافته مع ابن عبّاس ، يكشف

(1) سورة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم 47 : 9 .

(2) سورة القلم 68 : 4 .

(3) سورة الشعراء 26 : 215 .

(4) سورة القصص 28 : 68 .

(5) تاريخ الطبري 4 : 223 ، الكامل في التاريخ 3 : 63 ـ 65 ، شرح نهج البلاغة 12 : 53 ـ 54.


119

عن وضوح تامّ لهذه القضيّة ، إذ يختم عثمان حديثه بقوله : (ولقد علمتُ أنّ الاَمر لكم ، ولكنّ قومكم دفعوكم عنه ، واختزلوه دونكم) !

فأكّد ابن عبّاس هذا المعنى في جوابه ، وذكر العلّة فيه كما يراها ، ويرى أنّها لم تكن خفيّةً أيضاً على عثمان ، فيقول : (أمّا صَرفُ قومِنا عنّا الاَمرَ فعن حسدٍ قد والله عرفتَه...) (1).

هذا كلّه وكثير غيره عرفه الصحابة ، وحفظه التاريخ ، لهم أو عليهم !

فحقَّ إذن لقائل أن يقول : إنّ غالبية المسلمين حين توفّي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كانوا مع الاتّجاه الذي يمثّله الامام عليٌّ بن أبي طالب ( ع ) وأصحابه ، لاَنّ النبيّ ( ص ) كان زعيم هذا الاتّجاه (2).

لقد كان عامّة المهاجرين والاَنصار لا يشكّون في أنّ الامام علياً هو صاحب الاَمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

النصّ في حديث عليّ :

واضح جدّاً في قراءة تلك الحقبة من التاريخ أنّ عليّاً عليه السلام هو أكثر مَن تبنّى إظهار النصوص والاِشارات الدالّة على اختياره من الله لخلافة الرسول ، أو النصّ عليه بالاسم .

فكلماته دالّة على ثبوت الخلافة له بعد الرسول بلا فصل ، وأنّ انتقال

(1) أخرجه الزبير بن بكّار في (الموفّقيّات) ، وعنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 9 : 9 .

(2) أحمد عبّاس صالح ، مجلّة (الكاتب) القاهرية ـ يناير 1965 م ، وعنه محمّد جواد مغنية ، الشيعة في الميزان : 431 .


120

الخلافة إلى غيره كان بغير حقّ ، بل استئثار وغلَبَة ، بل كلماته نصوص صريحة في هذه المعاني كما سنرى هنا .

في حقّه خاصّة :

الامام عليّ عليه السلام هو الذي أعاد إلى الاَذهان أحاديث نبويّةً تبرز حقّه في الخلافة بلا منازع ، لم يكن مأذوناً بها أيّام الخلفاء ، إذ منعوا من الحديث إلاّ ما كان في فريضة ، يريدون بها الاَحكام وفروع العبادات :

1 ـ فقد جمع الناس أيّام خلافته فخطبهم خطبته المنقولة بالتواتر ، يناشد فيها أصحاب رسول الله مَن سمع منهم رسولَ الله بغدير خمّ يخطب فيقول : «مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه» إلاّ قام فشهد (1).

2 ـ وعليٌّ ( ع ) هو الذي أعاد نشر حديث آخر يقدّمه على أبي بكر وعمر خاصّة ، إذ أخبر النبيّ أنّ مِن أصحابه مَن يقاتل بعده على تأويل القرآن كما قاتل هو صلى الله عليه وآله وسلم على تنزيله ، فتمنّى أبو بكر أن يكون هو ذلك الرجل ، فلم يصدّق النبيّ أُمنيّته ، بل قال له «لا» ! فتمنّى ذلك عمر لنفسه فلم يكن أحسن حظّاً من أبي بكر ، ثمّ قطع النبيّ الاَمانيّ كلّها حين أخبرهم أنّه عليٌّ، لا غير (2)!

هذه الاَحاديث وغيرها وإنْ رُويت عن غيره إلاّ أنّ روايتها عنه امتازت بكونها خُطَباً على جمهور الناس ، لا حديثاً لواحد أو لبضعة نفر ، وهذا أبلغ في التأكيد على حقّه الثابت له ، وأيقن بأنّ كثيراً من الصحابة كانوا يعرفونه ولا يجهلونه !

(1) تقدّم مع مصادره ، راجع صفحة 91 .

(2) سنن الترمذي 5 | 3715 ، السنن الكبرى ـ للنساني ـ 5 | 8416 . وقد تقدّم .


121

3 ـ وعليٌّ ( ع ) جدّد التذكير أيضاً بما يبرز حقّه فوق أبي بكر خاصّة ، حين ذكّر الناس بقصة أخذه بسورة براءة من أبي بكر ! روى النسائي بإسناد صحيح عن عليٍّ عليه السلام : أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث ببراءة إلى أهل مكّة مع أبي بكر ، ثمّ أتبعه بعليٍّ فقال له : «خذ الكتاب فامض به إلى أهل مكّة» قال: فلحقته فأخذتُ الكتاب منه ، فانصرف أبو بكر وهو كئيب ، فقال : يا رسول الله ، أَنَزَلَ فيَّ شيء ؟! قال : «لا ، إنّي أُمرت أن أُبلّغه أنا أو رجل من أهل بيتي» (1).

وفي كلّ واحد من هذه الاحاديث ردٌّ على مَن يقول إنّ عليّاً لم يذكر شيئاً يدلّ على أحقّيّته في الخلافة ! هذا ولمّا ندخل بعد رحاب (نهج البلاغة) .

4 ـ خطبته الشقشقيّة التي حظيت دائماً بمزيد من التوثيق (2)، وهي من أكثر كلماته ( ع ) المشهورة وضوحاً ودلالة وتفصيلاً :

(1) سنن النسائي 5 : 128 | 8461 .

(2) نقل ابن أبي الحديد عن بعض مشايخه قوله : والله لقد وقفتُ على هذه الخطبة في كتب صُنِّفت قبل أن يُخلق الرضيّ بمائتي سنة (والشريف الرضي هو الذي جمع خطب الاِمام علي عليه السلام ورسائله في نهج البلاغة) ! ثمّ قال : وقد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديّين من المعتزلة (مولده سنة 279 هـ ووفاته سنة 317 ، علماً أنّ الشريف الرضي وُلد سنة 360 هـ) . شرح نهج البلاغة 1 | 69 .

ونقلها سبط ابن الجوزي من مصادر غير التي اعتمدها الشريف الرضي ، فقال : خطبة أُخرى وتعرف بالشقشقية ، ذكر بعضها صاحب (نهج البلاغة) وأخلَّ بالبعض ، وقد أتيتُ بها مستوفاة ، أخبرنا بها شيخنا أبو القاسم النفيس الاَنباري بإسناده عن ابن عبّاس.. تذكرة الخواصّ : 124 .

وأسندها الراوندي (ت/ 573 هـ) في شرحه إلى الحافظ ابن مردويه، عن الطبراني؛ بإسناده إلى ابن عبّاس . منهاج البراعة 1 : 131 ـ 132 .


122

«أما والله لقد تقمّصها فلان ، وإنّه لَيعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى ، ينحدر عنّي السيل ، ولا يرقى إليَّ الطير..

فسدلتُ دونها ثوباً ، وطويت عنها كَشحاً ، وطفقتُ أرتئي بين : أن أصولَ بيدٍ جذّاء ، أو أصبر على طخيةٍ عمياء !... فرأيتُ أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرتُ وفي العين قذىً ، وفي الحلق شجاً ، أرى تراثي نَهْباً!

حتّى مضى الاَوّل لسبيله ، فأدلى بها إلى فلان بعده..

فيا عجباً ! بينا هو يستقيلها (1)في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته !!

لشدَّ ما تشطّرا ضَرعيها !..

فصبرتُ على طول المدّة ، وشدّة المحنة.. حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعةٍ زَعَم أنّي أحدهم ! فيالله وللشورى ! متى اعترضَ الريبُ فيَّ مع الاَوّل منهم حتّى صرتُ أُقرن إلى هذه النظائر ؟!..» (2).

إذن أبو بكر أيضاً كان يعلم أنّ محلّ عليٍّ من الخلافة محلَّ القطب من الرحى !

وقد يبدو هذا في منتهى الغرابة لمن أَلِفَ التصوّر القدسي لتعاقب الخلافة ، ذاك التصوّر الذي صنعه التاريخ وفق المنهج الذي قرأناه في البحوث المتقدّمة ، ومن هنا استنكروه ، كما استنكروا سائر كلامه في الخلافة ، وقبله استنكروا جملة من الحديث النبوي الشريف الذي يصدم

(1) إشارة إلى قول أبي بكر : أقيلوني ، أقيلوني .

(2) نهج البلاغة ـ تحقيق د. صبحي الصالح ـ : الخطبة 3 .


123

تلك القداسة !

لكنّ الحقيقة ، كلّ الحقيقة ، أنّك لو تلمّست لذلك التصوّر القدسي شاهداً من الواقع مصدّقاً له لعدت بلا شيء .

لم يألف التاريخ الاِصغاء لعليّ !!

التاريخ الذي أثبت ، بما لا يدع مجالاً لشبهة ، أنّ عليّاً لم يبايع لاَبي بكر إلاّ بعد ستّة أشهر ، صمّ آذانه عن سماع أيّ حجّةٍ لعليٍّ في هذا التأخّر !

تناقضٌ لم يستوقف أحداً من قارئي التأريخ !

وكيف يستوقفهم على عيوب نفسه ، وهو وحده الذي صاغ تصوّراتهم وثقافتهم ؟!

5 ـ من كلام له ( ع ) بعد الشورى ، وقد عزموا على البيعة لعثمان :

«لقد علمتم أنّي أحقّ بها من غيري ، ووالله لاَُسلِّمنَّ ما سلمت أُمور المسلمين ولم يكن فيها جَورٌ إلاّ علَيَّ خاصّة ؛ التماساً لاَجر ذلك وفضله، وزهداً في ما تنافستموه من زخرفه وزبرجه» (1).

6 ـ « وقوله ( ع ) وقد قال قائل : إنّك على هذا الاَمر يابنَ أبي طالب لحريص .

فقلتُ : بل أنتم والله لاَحرص وأبعد ، وأنا أخصّ وأقرب ، وإنّما طلبتُ حقّاً لي ، وأنتم تحولون بيني وبينه ، وتضربون وجهي دونه !

فلمّا قرّعته بالحجّة في الملاَ الحاضرين هبَّ كأنّه بُهِتَ لا يدري

(1) نهج البلاغة ـ تحقيق د. صبحي الصالح ـ : 102 الخطبة 74 .


124

مايجيبني به» (1)!!

والقائل إمّا سعد بن أبي وقّاص يوم الشورى على قول أهل السُنّة ، أو أبو عبيدة بعد يوم السقيفة على قول الشيعة ، وأيّاً كان فهذا الكلام مشهور يرويه الناس كافّة كما يقول المعتزلي السُنّي ابن أبي الحديد (2).

7 ـ وقوله ( ع ) : «اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومَن أعانهم ، فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي ، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي ، ثمّ قالوا : ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه وفي الحقّ أن تتركه» (3)!

8 ـ وقوله ( ع ) : «أمّا بعد.. فإنّه لمّا قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم قلنا : نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس ، لا ينازعنا سلطانه أحد ، ولا يطمع في حقّنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبيّنا ، فصارت الاِمرة لغيرنا...».

هذه هي مقدّمة خطبته في المدينة المنوّرة في أوّل إمارته ولمّا يمض على إمارته أكثر من شهر (4)!

في أهل البيت :

مثل ما ظهر هناك من وضوح وتركيز في استعراض حقّه خاصّة ، يظهر هنا في شأن أهل البيت في جملة من كلماته ( ع ) :

(1) نهج البلاغة ـ تحقيق د. صبحي الصالح ـ : 246 الخطبة 172 .

(2) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 9 : 305 .

(3) نهج البلاغة ـ تحقيق د. صبحي الصالح ـ : 246 الخطبة 172 .

(4) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 1 : 307 عن المدائني .


125

1 ـ «لا يُقاسُ بآل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الاَُمّة أحد.. هم أساس الدِين ، وعماد اليقين.. ولهم خصائص حقّ الولاية ، وفيهم الوصيّة والوراثة..»(1).

فبعد ذِكر حقّ الولاية ، هذا واحد من مواضع يذكر فيها الوصيّة تصريحاً أو تلميحاً (2)، ثمّ هو الموضع الاَكثر صراحةٍ في نسبة الوصيّة إلى نفسه وأهل البيت ( ع ) ، مع هذا فهو الموضع الذي أهمله الدكتور محمّد عمارة وهو يستقصي هذه المفردة في كلام الامام عليٍّ ( ع )، أو غفل عنه ، لاَجل أن يقول : (إنّنا لا نجد في خطب عليٍّ وكلامه ومراسلاته ـ التي ضمّها نهج البلاغة ـ وصفه بهذا اللفظ) !

هذا كلّه لاَجل أن يدعم مقالةً حلّق فيها بدءاً حين نسب كلمة (وصيّ) في الحديث النبوي «أنت أخي ووصيّي» إلى صنع الشيعة الّذين وضعوها بدلاً من كلمة «وزيري» (3)! مع أنّ الرواية السُنّية للحديث لم تعرف غير كلمة «وصيّي» (4)!

2 ـ قوله ( ع ) : «إنّ الاَئمّة من قريش ، غُرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم» (5).

(1) نهج البلاغة ـ تحقيق د. صبحي الصالح ـ : 47 الخطبة 2 .

(2) أُنظر : نهج البلاغة ـ تحقيق د. صبحي الصالح ـ : الخطبة 88 و 182 .

(3) د. محمّد عمارة ، الخلافة ونشأة المذاهب الاِسلامية : 33 و 157 ـ 158 .

(4) معالم التنزيل ـ للبغوي ـ 4 : 278 ، تاريخ الطبري 2 : 217 ، تفسير الخازن 3 : 371 ـ 372 ، مختصر تاريخ دمشق 17 : 310 ـ 311 ، شرح نهج البلاغة 13 : 210 ، 244 ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5 : 41 ـ 42 .

(5) نهج البلاغة ـ تحقيق د. صبحي الصالح ـ : 201 الخطبة 144 .


126

وقد وقفنا قبلُ على طائفة من النصوص الصحيحة التي اصطفت بني هاشم من قريش وقدّمتهم عليهم ، وطائفة من الوقائع وأحداث السيرة التي قدّمت بني هاشم على سواهم ، فلا تحتجّ قريش بحجّة إلاّ وكان بنو هاشم أوْلى بها .

3 ـ قوله ( ع ) : «أين تذهبون ؟! وأنّى تؤفكون ؟! والاَعلام قائمة ، والآيات واضحة، والمنار منصوبة ، فأين يُتاه بكم ؟!

وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيّكم وهم أزمّة الحقّ ، وأعلام الدين ، وألسنة الصدق ؟!

فأنزِلوهم بأحسن منازل القرآن ، ورِدُوهم ورود الهيم العطاش .

أيّها الناس ، خذوها عن خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم : إنّه يموت من مات منّا وليس بميّت ، ويبلى من بلي منّا وليس ببالٍ» (1).

استنكار لاذع ، وأسف على هؤلاء الناس الّذين تركوا عترة نبيّهم ، رغم وضوح الدلائل على لزوم اتّباعهم !

4 ـ قوله ( ع ) : «إنّا سنخُ أصلاب أصحاب السفينة ، وكما نجا في هاتيك من نجا، ينجو في هذه مَن ينجو ، ويلٌ رهينٌ لمن تخلّف عنهم.. وإنّي فيكم كالكهف لاَهل الكهف ، وإنّي فيكم باب حطّة ، مَن دخل منه نجا ومن تخلّف عنه هلك ، حجّةٌ من ذي الحجّة في حجّة الوداع : إنّي تركت بين أظهركم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً : كتاب الله وعترتي أهل

(1) نهج البلاغة ـ تحقيق د. صبحي الصالح ـ : 119 الخطبة 87 .


127

بيتي» (1) .

5 ـ قوله ( ع) : «انظروا أهل بيت نبيّكم ، فالزموا سَمْتَهم ، واتّبعوا أثَرهم ، فلن يخرجوكم من هدىً ، ولن يعيدوكم في ردى .. فإنْ لَبَدوا فالبدوا ، وإنْ نهضوا فانهضوا.. ولا تسبقونهم فتضلّوا ، ولا تتأخّروا عنهم فتهلكوا» (2).

6 ـ قوله ( ع) : «.. ألم أعمل فيكم بالثَقَل الاَكبر ، وأتركَ فيكم الثَقَل الاَصغر»(3) ؟!

الثَقل الاَكبر : القرآن الكريم ، والثَقل الاَصغر : الحسن والحسين عليهما السلام .

7 ـ قوله ( ع ) : «المهديّ منّا أهل البيت ، يصلحه الله في ليلة» (4).

8 ـ قوله ( ع ) : «المهديّ منّا ، من وُلْد فاطمة» (5).

وهكذا تقسّمت كلمات الامام عليٍّ ( ع ) هذه بين حديث نبويّ بحرفه أو بمضمونه ، وبين وصف أو تقييم لحدثٍ تاريخيّ حاسم ، وليس في هذا كلّه على الاِطلاق ما يشذّ عن وقائع التاريخ في صغيرة ولا كبيرة .

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 211 ـ 212 .

(2) نهج البلاغة ـ تحقيق د. صبحي الصالح ـ : 143 الخطبة 97 .

(3) نهج البلاغة ـ تحقيق د. صبحي الصالح ـ : 119 الخطبة 87 .

(4) مسند أحمد 1 : 84 .

(5) السيوطي ، مسند فاطمة : 94 | 224 . المطبعة العزيزية ـ حيدر آباد ـ الهند ـ ط1 ـ1406هـ ، 1986 م ، تصحيح الحافظ عزيز بيك مدير لجنة أنوار المعارف بحيدر آباد .


128

خلاصة اليقين بحق علي :

وإنّ تلك الكثرة من الاَدلة الرصينة لا تدع للناظر اليها بعين الانصاف مجالاً للريب في حقّ علي في الخلافة...

لقد أيقن جميع المنصفين بحقّه في الخلافة يقيناً من موقعه الممتاز عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن حياته الخالصة في الاِسلام ، وكذلك كان هو.. فلقد كان ( ع ) في حياة الرسول ( ص ) يقول : «إنّ الله يقول : ( أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ) (1)واللهِ لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ، واللهِ لئن مات أو قُتل لاَُقاتِلنَّ على ما قاتل عليه حتّى أموت ، واللهِ إنّي لاَخوه ووليّه وابن عمّه ووارث علمه ، فمن أحقّ به منّي» (2)؟!

لكنّه (أراده حقّاً يطلبه الناس ، ولا يسبقهم إلى طلبه) (3).

* * *

(1) آل عمران 3 : 144 .

(2) المستدرك 3 : 126 ، مجمع الزوائد 9 : 134 وقال : رجاله رجال الصحيح .

(3) العقّاد ، فاطمة الزهراء والفاطميّون .


129

الخاتمة

هذه هي خلاصة قصّة الخلافة في الاِسلام :

ـ هي شرط لازم لقيام النظام ؛ نظام الدين أو نظام الدنيا ، وشرط لازم لحفظه أيضاً..

ـ وهي قضيّة شرعية ، تولّى الله تعالى بذاته أمرها ، فنصب لعباده أئمّة يهدون إلى سبيله :

( إنّي جاعلك للناس إماماً ).. (1).

( إنّا جعلناك خليفةً في الاَرض فاحكم بين الناس بالحقِّ ).. (2).

( وجعلنا منهم أئمّةً يهدون بأمرنا ).. (3).

وأمر عباده بطاعتهم :

( وما أرسلنا من رسول إلاّ ليُطاع بإذن الله ).. (4).

(1) البقرة 2 : 124 .

(2) ص 38 : 26 .

(3) السجدة 32 : 24 .

(4) النساء 4 : 64 .


130

( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الاَمر منكم ).. (1).

ـ واختار جلّ جلاله لهذه الاَُمّة بعد نبيّه أئمّةً يهدون بهديه ..

أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً..

وجعل الصلاة عليهم واجبةً مع الصلاة على سيّد رسله وخاتم أنبيائه ، بل جعلها جزءاً من شعيرة الصلاة ، فرضاً كانت أو نفلاً ، فلا تقبل الصلاة لمن ترك الصلاة عليهم عامداً..

وجعل الحق معهم ، يدور حيثُ داروا..

وجعلهم مع القرآن ، لا يفارقهم ولا يفارقونه..

وجعل الهداية منوطة باتّباعهم..

فهم الاَئمّة ، سواء أجمع الناس على طاعتهم ، أو أجمعوا على خلافهم ، فالاِجماع لا يغيّر من واقع الاَمر شيئاً.. فهذه قمّة إفِرِستْ أعلى القمم ، فهل صارت أعلى القمم بالاِجماع ، أم لاَن واقعها كذلك ؟ وهل سيغيّر من حقيقة علوّها إجماع أهل الاَرض على أنّ هضبة الجولان هي أعلى القمم ؟

إذا كان ذلك يغيّر من الواقع شيئاً ، فماذا يقال في أنبياء الله الذين أجمعت أقوامهم على تكذيبهم وقتلهم أو إقصائهم ؟!

أمّا «الشورى» في الاِمامة : فقد ثبتت صحّة ما صرّح به القرطبي وابن

(1) النساء 4 : 59 .


131

كثير من أنّها اُطروحة ابتكرها عمر بن الخطاب قبل وفاته ، وأمر بها ، ولم تكن معروفة قبل ذلك..

كما أثبت البحث التاريخي أنّ عمر إنّما أمر بها ليقطع الطريق على الصحابة الذين عزموا على المبايعة لعليّ عليه السلام بعد وفاة عمر ، فلم يكتف عمر بتقديم اُطروحة الشورى حتّى دعّمها بالتحريض على قتل من بايع لرجل على الطريقة التي تمّت فيها البيعة لاَبي بكر ! بل قتل مَن تتمّ له البيعة كذلك !!

( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا )