فهرست عناوين
تكملة العروة الوثقى(ط.ق)

1

فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى (القرآن الحكيم) العروة الوثقى تأليف الفقيه الاعظم آية الله الكبرى المرحوم السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي قدس سره الجزء الثالث وهو يشتمل على مهمات كتاب القضاء أشرف على طبعه وتصحيحه وتدقيقه حفيد المؤلف السيد محمد حسين الطباطبائي طبع في سنة 1378 ه‍ مطبعة الحيدري بطهران

فهرست عناوين
كتاب القضاء 0
تعريف القضاء 2
أن القضاء واجب كفائى وكذا مقدماته وفروعه 3
الفصل الاول 0
شرائط القاضى وفروعه 4
فيما إذا كان في البلد مجتهدان متساويان 8
عدم جواز الترافع إلى قضاء الجور إختيارا وفروع الحكم 9
إذا توقف استنقاذ حقه المعلوم على الحلف جاز ، وجواز استنابة المجتهد غيره في بعض مقدماته 11
شرائط القاضى وأحكامه 12
لو تعدد الحكام واختار كل من المتنازعين واحدا منهم 14
في أحكام الحاكم وشرائط 16
نفوذ حكم الحاكم على من لا يقبل شهادته عليه 18
عدم جواز أخذ الاجرة على الوجبات للحكم وفروع المسألة 19
تحريم لارشوة وفروع المسألة 22
لا يجوز للمحكوم عليه بعد تمام المرافعة تجديدها عند حاكم آخر 26
جواز امضاء حكم الحاكم وفروع المسألة 27
عدم جواز حكم الحاكم على طبق حكم الحاكم الآخر من دون بحث ، لو تبين خطأ الحاكم أو فقدان بعض شرائط الحاكم في حكمه 28
طلب الخصم من الحاكم إحضار خصمه 30
جواز حكم الحاكم بعلمه 31
حكم النزاع بين المتخاصمين 32
فروع حكم الحاكم بعلمه 33
جواز حكم الحاكم على طبق حكمه السابق 34
الفصل الثاني 0
تعريف المدعى وشروطه وأحكامه 34
سماع دعوى الاقرار 39
سماع دعوى المدعى وفروعه وشروطه 40
وجوب الجزم في الدعوى وفروع المسألة 42
الدعوى على الغائب وفروعه 45
جواب المدعى عليه 47
الفصل الثالث 0
الجواب بالاقرار 48
الفرق بين البينه والاقرار 49
في بيان معنى الحكم ، ووجوب كتابة الحكم 50
جواز عقوبة الممتنع عن أداء الدين 51
أحكام الحبس وفروعه 52
دعوى الاعسار 53
مسائل الحبس 55
إذا ثبت اعسار الديون 56
وجوب التكسب لاداء الدين وعدمه 57
الفصل الرابع 0
إذا أجاب المدعى عليه بالانكار 58
اليمين على المنكر مع عدم البينة 59
عدم جواز المقاصة بعد اليمين 60
ان اليمين حق للمدعي له اسقاطه وفروع الحكم 62
فروع رد اليمين وأحكام النكول 64
اليمين المردوده وفروعه 66
رجوع الناكل عن نكوله 68
الفصل الخامس 0
الحكم بالبينة 69
تخيير المدعي بين إقامة البينة وبين احلاف المنكر 70
أحكام الجرح والتعديل وفروعه 71
ما تثبت به العدالة 74
فروع الجرح والتعديل 75
أحكام الشهود 77
يمين الاستظهار 78
الفصل السادس 0
الدعوى على الميت 79
الفرق بين دعوى العين والدين ودعوى ورثة الميت حقا لمورثهم 80
دعوى غير صاحب الحق كالوكيل وغيره وفروعه 83
يمين الاستظهار ومواضع لزومه 85
المقاصة من مال الميت ودعوى الوصية من الميت 88
الفصل السابع 0
الشاهد واليمين 89
موارد قبول الشاهد واليمين 90
مالمراد بالدين وشرائط قبول الشاهد واليمين 92
دعوى الدين المشترك 93
ما تثبت به الوصية التملكيه والعهديه 96
صور دعوى الوقف 97
لو حلف بعض الورثة أو بعض أرباب الوقف دون الآخر 98
يمين طبقات الوقف المتجدد 99
دعوى عتق العبد وام الولد وشهادة أربع نساء 100
الفصل الثامن 0
سكوت المدعى عليه عن الجواب وفروعه 101
فيما أجاب المدعى عليه بعدم العلم 104
اليمين على عدم العلم 105
الفصل التاسع 0
جواب المدعى بأن العين ليست له 107
لو اختلف المقر مع ذى اليد 109
الفصل العاشر 0
صور جواب المدعى 110
شروط سماع الدعوى على الورثة 111
دعوى عدم العلم واليمين عليها 112
الدعوى على العبد باقسامه 113
الدعوى على الولى والوكيل ونحوهما 116
دعوى الولى والوكيل 117
فيما إذا كان صاحب الحق هو الامام (ع) 118
الفصل الحادى عشر 0
امارة اليد على ملكية المنافع وعلى الحقوق 121
حكم يد الاثنين على الشيء الواحد ، وفي يد الوكيل والأمين وغيرهما 122
ان الاستيلاء لا يدل على الاختصاص 123
الفصل الثاني عشر 0
لو كانت العين بيد ثالث 125
بعض مسائل التداعى وبيان بينة التداخل 126
لو علم بكذب البينة وحكم يد الكافر 129
لو كانت الدار بيد اثنين وتداعيا عليها 130
لو ادعى اثنان عينا في يد ثالث 131
عكس المسألة السابقة 132
تعدد الدعوى على العين الواحدة 133
الدعوى على العبد 134
في الاقرار بالرقية وفروعه 135
الدعوى على مال لا معارض له فيه 138
الدعوى على مجهول المالك ونحوه 139
تنازع الزوجان على متاع البيت 141
دعوى كل شريكين في محل ما فيه من المتاع 144
الفصل الثالث عشر 0
في تعارض اليدين والبينتين 145
تعارض اليد والاستصحاب 146
تعارض البينات ونقل أخبار المسألة 147
ترجيح أحد البينتين على الاخرى 152
قبول بينة ذى اليد 153
الأقوال في تقديم بينة الداخل أو الخارج 155
تعارض البينتين واحلاف الطرفين 156
في بيان القرعة 159
الحلف مع تعارض البينتين 160
الفصل الرابع عشر 0
النزاع على الجدار ونحوها 163
تنازع المؤجر والمستأجر ونحوه 164
الفصل الخامس عشر 0
الاختلاف في العقود 165
اختلاف المؤجر والمستأجر في مقدار الاجرة وغيرها 166
الاختلاف في نوع العقد أنه بيع أو غيره 173
التنازع في الاجارة والعارية 174
النزاع أنها وديعة أو مبيعة 176
التنازع أن الشيء رهن أو وديعة 177
في أخذ الدين من الرهن إذا خاف جحود الوارث 178
التنازع في صحة المعاملة وفسادها 179
التنازع في صحة العقد وفساده 180
التنازع أن العقد دائم أو منقطع 181
في بيع المرهون بالاذن ثم الرجوع 182
نزاع الورثة في تقدم موت بعضهم وتأخره 184
فيما لو مات أخوان وشك في التقدم والتأخر وفروع المسألة 185
فيما لو ادعى أحد الوراثة أو انحصار الوارث به 188
استطراد وجوب الفحص في الشبهاة الموضوعية 189
لو تنازع عينا في يد ثالث 190
الفصل السادس عشر 0
اختلاف الزوجان في الطلاق ، وفي الدخول وعدمه 193
اختلافهما في بقاء العدة وانقضائها 194
التنازع في كون الطلاق كان بائنا أو رجعيا ، وفي الرجوع وعدمه 195
التنازع في الولد وفروعه 196
في بيان الفراش والأخبار الوارده فيه 198
الفصل السابع عشر 0
في أحكام اليمين القاطعة 199
الحلف بالله تعالى والحلف بغيره 200
كيفية يمين الأخرس 201
فروع في كيفيت الحلف 202
التغليظ في اليمين 203
في فروع الحلف 204
الفصل التاسع عشر 0
في المقاصة ودليلها وفروعها 208
في جواز المقاصة من الوديعة 211
في فروع المقاصة 212
لزوم اذن الامام (ع) في القصاص 217
فصل 0
في مسائل القسمة 218
في اجرة القسام من بيت المال 219
في القسم والقرعة وأحكامها وفروعها 220

2

(كتاب القضاء) بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد والصلاة على محمد وآله الطيبين كتاب القضاء: وهو الحكم بين الناس عن التنازع والتشاجر، ورفع الخصومة، وفصل الامر بينهم، ولا وجه لما عن جماعة في تعريفه بان ولاية الحكم شرعا ممن له أهلية الفتوى على أشخاص معينين.

نعم كونه منصوبا للفصل ورفع النزاع ولاية ومنصب من المناصب الشرعية.

وأما ما قد يحتمل من عدم كونه ولاية، بل هو حكم شرعى كسائر الواجبات الشرعية مثل وجوب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، بل كونه من بعض أنواعها فلا وجه له، إذا المستفاد من قوله (ع) (1): " فانى قد جعلته حاكما أو قاضيا " كونه ولاية إذ الولاية هي الامارة والسلطنة على الغير في نفسه أو ماله أو أمر من أموره، وهي متحققة فيه، فهو نظير ولاية الاب والجد في مال الصغير ونفسه ونحوها، والا فيمكن هذه الدعوى في ساير الولايات.

ثم: انه منصب جليل، ومرتبة عالية، فانه إمارة شرعية وغصن من دوحة الرياسة العامة الثابتة للنبي صلى الله عليه وآله، والائمة (ع) وخلافه عنهم (ع) لكن خطره أيضا عظيم، إذ القاضى على شفير جهنم، وفي الخبر قال: أمير المؤمنين (ع): " يا شريح قد جلست مجلسا لايجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي " وفي آخر: " القضاة أربعة ثلاثة في النار وواحد في


3

الجنة " وعن النبي صلى الله عليه وآله: " من جعل قاضيا ذبح بغير سكين " وفي المرسل: " من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله عزوجل فقد كفر بالله " وفي آخر: " من حكم في درهمين فأخطأ كفر " وعن النبي صلى الله عليه وآله: " لسان القاضي بين جمرتين من نار حتى يقضى بين الناس فاما في الجنة وإما في النار " إلى غيرذلك.

مسألة 1: القضاء واجب كفائى، وكذا مقدماته التى منها تحصيل العلم والاجتهاد، وقد يكون عينيا كما إذا لم يكن في بلده أو ما يقرب منه مما لا يتعسر الرجوع إليه في المرافعة من له أهلية غيره، فانه يجب عليه حينئذ عينا مع فرض حاجتهم إلى القاضى وعدم إمكان رفع التنازع بالمصالحة ونحوها، وكذا إذا كان غيره لكن لم يكن بقدر كفايتهم، أو كان ولكن لم يكن ممن يعرفه الناس ولم يكن تعريفه لهم، أو كانوا يعرفونه بعدم الاهلية لفقد شرط من شروطها فحينئذ أيضا يجب عليه عينا.

مسألة 2: إذا علم من نفسه عدم العدالة أو عدم الاجتهاد حرم عليه التصدي وإن اعتقد الناس عدالته واجتهاده.

مسألة 3: إذا كان في بلده من يكون متصديا للقضاء والناس يترافعون إليه فان علم بكونه أهلا فلا اشكال في عدم وجوبه عليه عينا، وإن علم بعدم أهليته لعدم عدالته أو عدم كونه مجتهدا، أو نحو ذلك وجب عليه إعلامهم بخطئهم مع جهلهم بالحال، وإرشادهم إلى نفسه، ونهيهم عن المنكر مع علمهم وتعمدهم، وإن لم يعلم كونه أهلا أولا؟ حمل على الصحة، ولم يجب عليه التصدي عينا، لكن ليس له إمضاء حكم ذلك المتصدي مع جهله بحاله، وهل يجوز له ترتيب الاثر على حكمه بشراء ما حكم بكونه للمدعي مثلا أولا؟ فيه إشكال، وإن كان الظاهر جوازه.

مسألة 4: إذا كان من له الاهلية متعددا لكن الناس أو خصوص المتنازعين إختاروا واحدا منهم مع العلم بأهلية الباقين فهل يتعين عليه أولا؟ الظاهر عدم التعين، بل وكذا مع عدم علمهم بأهلية غيره وإمكان الفحص لهم والعثور عليه.

مسألة 5: الظاهر عدم الفورية في القضاء إذا ترافع إليه المتنازعان إلا مع تضررهما أو تضرر أحدهما بالتأخير فأن الظاهر وجوب المبادرة إليه حينئذ إذا لم يكن له عذر.


4

مسألة 6: ذكر جماعة أن القضاء وإن كان واجبا كفائيا في صورة تعدد من به الكفايةلكن توليه مستحب عينى لكل من يثق من نفسه القيام بشرائطه، لعظم ما يترتب عليه من الفوائد المعلوم رجحانها عقلا ونقلا، كما أن الاولى تركه ممن لا يثق من نفسه مع وجود من به الكفاية لما فيه من الخطر العظيم، واستشكل فيه بعدم جواز إجتماع الاستحباب والوجوب وإن كان كفائيا فما دام واجبالا يتصور كونه مستحبا عينا.

" ودعوى " إمكانه فيما إذا تلبس به بعض من يقوم به الكفاية فانه حينئذ يسقط وجوبه بالنسبة إلى الباقين فلا مانع حينئذ من إستحباب توليه لهم لعدم لزوم الاجتماع " مدفوعة " أولا، بعدم صحة إطلاق الاستحباب عينا إذ حينئذ يختص بهذه الصورة.

وثانيا، بمنع سقوط الوجوب عن الباقين بمجرد تلبس البعض به، ولذا إذا تصدى له غيره قبل أن يفصل الامر كان آتيا بالواجب فيبقى المحذور.

نعم يمكن أن يجاب عن الاشكال بان المراد من إستحبابه العينى، إستحباب المبادرة إليه والمسابقة على الغير فيختلف موضع الحكمين، لكن يبقى إشكال آخر وهو أنه كيف يعقل إستحباب المبادرة من كل أحد عينا مع كون الفعل واحدا لا يقبل التكرار؟ بل لا يتصور إستحباب مثله عينا وإن لم يكن وجوب، ويمكن أن يقال: إن مرادهم من التولى ليس مجرد المباشرة بل تولى منصب القضاوة وصيرورته قاضيا في البلد، فموضوع الاستحباب غير موضوع الوجوب.

الفصل الاول في شرائط القاضى وصفاته وآدابه، وشروطه أمور الاول والثاني: البلوغ والعقل فلا ينفذ قضاء الصبى وإن كان مراهقا، بل ومجتهدا جامعا للشرايط، بل وإن كان أعلم من غيره، ولا المجنون ولو كان أدواريا في دور جنونه، وإن كان عالما عارفا بالاحكام وكان جنونه في غير هذا، فان الجنون فنون، للاجماع كما عن جماعة؟ وإنصراف الاخبار مضافا إلى التقييد بالرجل في خبري أبي خديجة مع


5

كون نفوذ الحكم وترتب الآثار من عدم جواز نقضه ورده علي خلاف الاصل، والقدر المتقين من الخارج منه هو البالغ العاقل، وأما التعليل بسلب أفعالهما وأقوالهما وكونهما مولى عليهما، ففيه، منع سلب أفعال وأقوال الصبى مطلقا، وعدم المنافاة بين كونهما مولى عليهما وبين صحة القضاء منهما بعد إذن الولى، والعمدة الاجماع والاصل.

الثالث والرابع: الاسلام والايمان للاجماع، وقوله (ع): " انظروا إلى رجل منكم.

ألخ " وقوله تعالى: [ لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ] والاخبار المتواترة المانعة من الرجوع إلى غير المؤمن في رفع التنازع.

الخامس: العداله، للاجماع، والمنع من الركون إلى الظالم، إذ هو ظالم لنفسه، ولقصوره عن مرتبة الولاية على الصبى والمجنون فكيف بهذه المرتبة الجليلة.

السادس: طهارة المولد لفحوى مادل على عدم قبول شهادته وعدم صحة إمامته.

السابع: الذكورة فلا يصح قضاء المرأة ولو للنساء للاجماع، والنبوي صلى الله عليه وآله: " لا يفلح قوم ولتهم إمرأة ".

وقوله (ع): " ليس على النساء جمعة ولا جماعة، إلى أن قال: ولا تولى القضاء ".

وفي خبر آخر: " لا تولى المرأة القضاء ولا تولى الامارة ".

مضافا إلى التقييد بالرجل في الخبرين والانصراف في ساير أخبار الاذن.

الثامن: العلم بأحكام القضاء التاسع: الحرية عند جماعة بل نسب إلى الاكثر ولا دليل على إعتبارها، إلا دعوى كون المملوك مولى عليه، وقصوره عن هذا المنصب، وكون أوقاته مستغرقة في خدمة المولى، وهي كما ترى، فالاظهر عدم إشتراطها إذا أذن المولى.

العاشر: الاجتهاد فلا ينفذ قضاء غير المجتهد، وإن بلغ من العلم والفضل ما بلغ، للاجماع كما عن جماعة، ولان نفوذ الحكم وترتيب آثاره على خلاف الاصل والقدر المتيقن هو حكم المجتهد، وأيضا يظهر من الآيات والاخبار أن منصب القضاء مختص بالنبي صلى الله عليه وآله


6

والائمة (ع) كقوله تعالى [ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم.

الاية ] وقوله تعالى: [ فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول.

الاية ] وقوله تعالى: [ انا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس.

الاية ] وقوله (ع): " اتقوا الحكومة فان الحكومة إنما هي للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبى أو وصي نبى ".

وقول أمير المؤمنين (ع) لشريح: " يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبى أو وصي نبى أو شقي ".

فيتوقف جوازه من غيرهم على الاذن منهم، والاخبار الدالة على الاذن مختصة بالعلماء ورواة الاخبار الظاهر في القادر على إستنباط الحكم منها كمقبولة عمر بن حنظلة: " انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوبه حكما.

الخ ".

والتوقيع الرفيع: " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتى عليكم وأنا حجة الله عليهم ".

وخبر تحف العقول: " مجارى الامور والاحكام على أيدى العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه ".

وخبر أبي خديجة: " أنظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فانى قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه " وخبره الآخر: " إجعلوا بينكم رجلا ممن عرف حلالناوحرامنا فانى قد جعلته قاضيا ".

والمرسل: " اللهم ارحم خلفائي قيل يارسول الله صلى الله عليه وآله من


7

خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون بعدى يروون حديثى وسنتى ".

والمروى في الفقه الرضوي (ع): " منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الانبياء في بنى إسرائيل ".

إلى غير ذلك، إذ من المعلوم أن العامي لا يصدق عليه إسم العالم ولا الراوى، ولا يصلح أن يكون خلفية رسول الله صلى الله عليه وآله: ولا أن يكون بيده مجارى الامور، ولا أن يكون بمنزلة الانبياء.

فمقتضى هذه الاخبار عدم جواز تصدى غير المجتهد للحكم والمرافعة من غير فرق بين أن يكون من أهل العلم مع عدم بلوغه حد الاجتهاد ويحكم بمقتضى ظاهر الاخبار وكلمات الفقهاء أو كان مقلدا لمجتهد جامع للشرائط ويحكم بمقتضى فتوى ذلك المجتهد بعد إطلاعه على جميع ما يتعلق بتلك الواقعة بالتقليد.

ولا وجه لما قد يقال: من أن المستفاد من الكتاب والسنة صحة الحكم بالحق وبالعدل والقسط من كل مؤمن كقوله تعالى: [ ان الله يأمركم أن تأدوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكوا بالعدل.

الاية ] وقوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط.

الاية) ومفهوم قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاصقون.

الاية) كمافي آية، أوهم الكافرون كما في أخرى، وقوله (ع): " القضاة أربعة، إلى أن قال: ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة ".

وغير ذلك وإذا علم بالتقليد أن الحق كذا فله أن يحكم بمقتضاه ويصدق أنه حكم بالقسط والعدل والحق ويكون حكمه حكم مجتهده وحكم مجتهده حكم الائمة (ع) وحكمهم حكم الله، إذ فيه أن الاخبار المتقدمة مقيدة لهذه الآيات والاخبار مع أن الظاهر من هذه إرادة الامر بالمعروف ومقام جواب السؤال عن الحكم في المسألة، وعلى فرض شمولها لمقام الحكم لا دلالة فيها على وجوب ترتيب جميع آثار الحكم من وجوب قبوله وعدم جواز نقضه حتى من مجتهد آخر، وجواز إحلافه ونحو ذلك مع أن التفات المقلد إلى جميع المزايا والدقايق والخصوصيات المتعلقة بالوقايع وما فيها من الاحكام في غاية البعد، بل قريب من المحال، ثم ظهر مما ذكرنا أن المقلد لا


8

أهلية له للتصدى للمرافعة وإن أذن له مجتهد أو نصبه قاضيا فان نصبه له لا ينفعه في أهليته، فما قد يقال: من أن مقتضى عموم ولاية المجتهد جواز نصب القاضى كما كان للائمة (ع) لا وجه له، لان المفروض أن إذن الامام (ع): شرط وهو مختص بمن يقدر على الاستنباط وكون مجتهدا، وكذا لا وجه لما قاله بعضهم من انه لا يبعد جواز إرجاع المجتهد بعدترافع الخصمين إليه الامر إلى مقلده العادل العالم بجميع أحكام الواقعة الخاصة فعلا أو بعد السؤال في تلك الواقعة وأمره بأن يفتش عن حقيقة الواقعة ويحكم، لصدق كون الترافع عند المجتهد، والحاصل انه لا فرق في عدم جواز قضاء غير المجتهد بين أن يكون من أهل العلم ولم يكن بالتقليد من مجتهد أو يكون بفتوى مقلده، وبين أن ينصبه المجتهد للقضاء أولا، وبين أن يكون المترافعان رفعا أمرهما إلى المجتهد في خصوص واقعة وأرجعهما إلى مقلده العادل العالم بفتاواه وغيره، وأما المتجزئ بناء على إمكانه فالا حوط عدم نفوذ قضائه خصوصا مع وجود غيره وإن كان لا يبعد جوازه إذا كان مجتهدا في أحكام القضاء لخبري أبى خديجة، وقد يذكر شروط اخر كالضبط وعدم كونه كثير الاشتباه أو النسيان والكتابة والنطق والبصر والسمع، ولا دليل على إعتبارها بالخصوص إلا دعوى إنصراف أدلة الاذن كما لا يبعد في الضبط ونحوه أو الشك في الشمول حيث أن الاصل عدم الاذن، ويستحب كونه متصفا بالكمالات النفسانية من الورع والتقوى والزهد والعفة والحلم ونحو ذلك مسألة 1: إذا كان في البلد أو ما يقرب منه مما لا يتعسر إرجاع الترافع إليه مجتهدان متساويان فلا إشكال في تخيير المترافعين في الرجوع إلى أيهما شاء مع تراضيهما، ومع إختياركل منها واحدا سيأتي حكمه، وإن كان أحدهما أعلم من الآخر ففي تعين الرجوع إليه وعدمه قولان، فعن جماعة التخيير أيضا للاصل وإطلاقات أخبار النصب والسيرة المستمرة في زمان النبي صلى الله عليه وآله والائمة (ع) في الرجوع والارجاع إلى آحاد الصحابة من غير ملاحظة الاعلمية مع إختلافهم في الفضيلة وعدم الانكار عليهم، وعن أخرى بل وهو الاشهر كما في المسالك تقديم الاعلم، والظاهر أن مرادهم الاعلم في البلد أو ما يقرب منه لا الاعلم مطلقا، ولا يبعد قوة هذا القول، لكون الاطلاقات مقيدة بالاخبار الدالة على الرجوع إلى


9

المرجحات عن إختلاف الحاكمين من الافقهية، والاصدقية، والاعدلية، مع إمكان دعوى عدم كونها إلا في مقام بيان عدم جواز الرجوع إلى قضاة الجور فلا إطلاق فيها، وأيضا الظن الحاصل من قول الا علم أقوى نوعا فبالاتباع أحرى، فان أقوال المجتهدين كالادلة للمقلدين، وأيضا مقتضى مذهبنا ومبناه قبح ترجيح المفضول على الافضل، والسيرة المذكورة غير معلومة الحال، إذ لعل كل واحد بالنسبة إلى مكان مخصوص لا يكون أعلم منه في ذلك المكان مع أن باب العلم كان مفتوحا لهم وكان الحكم معلوما عندهم بخلاف زماننا، وأما التمسك بالاصل فلا وجه له، إذ مقتضاه عدم النفوذ.

" ودعوى " أن مورد أخبار المرجحاتالتي هي العمدة في المقام خصوص صورة إختياره كل من المترافعين حاكما أو صورة رضاهما بحكمين فاختلفا فلا دلالة فيها على وجوب الرجوع إلى الاعلم مطلقا.

" مدفوعة " بان الظاهر منها أن المدار على الارجح عن التعارض مطلقا كما هو الحال في الخبرين المتعارضين، بل في صورة عدم العلم بالاختلاف أيضا، لوجوب الفحص عن المعارض، لكن هذا إذا كان مدرك الحكم هو الفتوى وكان الاختلاف فيها بأن كانا مختلفين في الحكم من جهة إختلاف الفتوى، وأما إذا كان أصل الحكم معلوما وكان المرجع إثبات الحق بالبينة واليمين والجرح والتعديل ونحو ذلك فلا دلالة في الاخبار على تعين الاعلم.

مسألة 2: لا يجوز الترافع إلى قضاة الجور إختيارا ولا يحل ما أخذه بحكمهم إذا لم يعلم بكونه محقا إلا من طرف حكمهم وأما إذا علم بكونه محقا واقعا فيحتمل حليته، ويحتمل الفرق بين العين والدين، حيث أن الدين كلي في الذمة ويحتاج في صيرورة المأخوذ ملكا له إلى تشخيص المديون بخلاف العين، وظاهر المقبولة حرمته مطلقا عينا كان أن دينا لقوله (ع): " فان ما يأخذه سحت وإن كان حقه ثابتا ".

لكنه مشكل خصوصا في العين، وربما يحمل الخبر على ما إذا كان حقه ثابتا بمقتضى حكمهم لا في الواقع وهو بعيد، لان ظاهره الثبوت واقعا.

نعم يمكن حمله علىأنه بمنزلة السحت في العقاب، لا أنه يحرم التصرف فيه، أو أن التصرف فيه محرم بالنهي السابق نظير حرمة الخروج عن الدار المغصوبة حيث أن التحقيق أنه محرم


10

بالنهي السابق على الدخول، وأما احتمال خروج العين عن ملكه وعدم دخول الدين في ملكه فبعيد جدا خصوصا الاول، إلا أن يقال: باق على ملكه لكن يحرم التصرف فيه إلا باذن الحاكم الشرعي.

هذا بالنسبة إلى ما أخذ بالترافع إلى قضاة الجور، وأما المأخوذ بالترافع إلى غيرهم ممن ليس من أهل الحكم أو بالاستعانة من ظالم في استنقاذ حقه مع عدم توقفه على ذلك وإمكان الاخذ بالحكم ا لشرعي فانه وإن فعل حراما إلا أن حرمة ما يأخذه من حقه عينا أو دينا غير معلومة، فيعاقب على فعله لا على التصرف في المأخوذ، والخبر مختص بقضاة الجور، بل بالمنصوبين منهم للقضاء والشموله لغيرهم غير معلوم.

مسألة 3: إذا توقف إستنقاذ حقه المعلوم واقعا على الترافع إلى غير الاهل من قضاة الجور أو غيرهم، إما لعدم رضى الطرف المقابل إلا بالترافع إليهم، أو لعدم وجود الحاكم الشرعي، أو لعدم إمكان إثبات الحق عنده، أو نحو ذلك فالظاهر جوازه وحلية ما يأخذه، لان الاخبار المانعة منصرفة عن هذه الصورة، بل ظاهرها صورة إمكان الرجوعإلى الاهل " دعوى " أنه إعانة على الاثم كما عن الكفاية " مدفوعة " بمنع صدق الاعانة، وعلى فرضه يمكن منع حرمتها في الصورة المفروضة مع أنها معارضة بقاعدة الضرر، بل هي حاكمة على قاعدة جرمة الاعانة، ويؤيدها الاخبار الدالة على جواز الحلف كان بالحفظ مال نفسه أو غيره كخبر زرارة قال الباقر (ع): " إنا نمر بالمال على العشارين فيطلبون منا أن نحلف لهم ويخلون سبيلنا ولا يرضون منا إلا بذلك.

فقال (ع): احلف لهم فهو أحلى من التمر والزبد ".

وعن الصادق (ع): " أنه قال في رجل خلف تقية: إن خشيت على دمك أو مالك فاحلف ترده عنك بيمينك ".

وفي خبر محمد بن أبى الصباح: " أنه سأل أبا الحسن (ع) أن أمه تصدقت عليه بنصيب لها في داره فكتبه شراء فاراد بعض الورثة أن يحلفه على أنه نقدها الثمن ولم ينقدها شيئا فقال (ع) احلف له ".

وبالجملة فلا ينبغى الاشكال في الجواز وحلية ما يؤخذ، خصوصا إذا كان الخصم منهم.

وفي الجواهر: ولعله المراد من خبر علي بن محمد قال: " سألته هل نأخذ في أحكام المخالفين مما يأخذون منا في أحكامهم؟ فكتب يجوز ذلك إن شاء الله إذا كان مذهبكم فيه التقية والمدارة لهم ".

بناء على ما في الوافي من أن المراد هل يجوز لنا أن نأخذ حقوقنا منهم بحكم قضاتهم؟ يعنى إذا


11

اضطروا إليه كما إذا قدمه الخصم إليهم.

لكن الظاهر أن المراد المعاملة معهم كمعاملتهم معنا في مثل مسألة الشفعة بالجوار، وتوريث العصبة ونحو ذلك، فلا دخل له بما نحن فيه.

هذا إذا كان الحق معلوما واقعا، ومثله ما إذا كان معلوما في ظاهر الشرع كما إذا شهدت البينة بأن أباه كان له على فلان كذا، أو كان مقتضى فتوى مقلده كونه ذا حق، وأما مع عدم العلم واقعا ولا ظاهرا فلا يجوز الترافع إليهم وعلى فرضه وحكمهم فلا يجوز أخذه.

مسألة 4: إذا توقف إستنقاذ حقه المعلوم على الحلف كاذبا جاز لما مر من الاخبار.

وهل يجوز إقامة الشاهد الجعلى بدفع الرشوة مثلا مع ثبوت حقه واقعا؟ فيه اشكال من كون إعانة على الاثم ببعث الشاهدين على الشهادة مع عدم العلم لهما بالحق، ومن أن المفروض ثبوت الحق وعدم كون الشهادة على خلاف الواقع غايتها كونها تجرءا، والاحوط الترك لان بعث الغير على التجرؤ أيضا مشكل مع أن الظاهر أن الشهادة من غير علم أو مع إعتقاد كونها كذبا حرام واقعا، لاأن يكون على فرض المطابقة للواقع تجرءا لانه يشترط في جوازها كون المطلب معلوما عنده.

نعم: لو شبه الامر على الشهود على وجه صاروا معذورين فالظاهر انه لا بأس به.

مسألة 5: يجوز للمجتهد أن يستنيب في بعض مقدمات وأجزاء القضاء مما لا يتوقف على الاجتهاد، سواء كان النائب مجتهدا أو عاميا مثل سماع البينة ونقلها إليه فيما إذا علم مثلا بعدالة زيد وعمرو وأنهما يشهدان بكذا فوكل من يسمع شهادتهما وينقلها إليه، وأما توكيله في أصل تعيين الشاهدين والجرح والتعديل من دون أن يعرفهما المجتهد ويعرف عدالتهما فلا يجوز.

وهذا ونظير شاهد الفرع حيث أن في سماعة يشترط أن يسمى الاصل ويعرف الحاكم عدالته ولا يكفى أن يقول شهد عادل بكذا.

ولا يخفى أن ما نحن فيه ليس من شاهد الفرع حتى يعتبر فيه ما يعتبر فيه، إذ هو نائب عن الحاكم في السماع، وشاهد الفرع نائب عن الشاهد، وكذا يجوز التوكيل في التحليف عند أول الامر إليه، وأما التوكيل في الحكم فجوازه مشكل، ففي المسالك: لا يجوز، وفي الجواهر: لا مانع من إجراء الوكيل


12

صيغة الحكم بأن يوكله في قوله حكمت بكذا إن لم يكن إجماع على عدم جوازه، وأما التوكيل في أصل القضاء فيظهر من المسالك وغيره عدم جوازه لانه يشترط في القاضى أن يكون مجتهدا ومعه لا فرق بين النائب ولمستنيب في ثبوت ولاية القضاء له، فلا معنى لكون أحدهما وكيلا عن الآخر فهو نظير توكيل أحد الوليين أو الوكيلين أو الوصيين للآخر،إلا إذا قلنا بعدم صحة قضاء المفضول مع وجود الافضل، إذ حينئذ يمكن توكيل الافضل للمفضول، لكنه أيضا مشكل، لانه إذا لم يصح حكمه فلا يصح كونه وكيلا أيضا، لكن يمكن أن يقال: قد يكون هناك ما يوجب الحاجة إلى التوكيل كما إذا لم يرض المترافعان إلا بالرجوع إلى مجتهد وكان له عذر في المباشرة فحينئذ يوكل مجتهدا آخر مع فرض عدم رضاهما بالارشاد إلى ذلك الآخر، وقالا إنا نريد أن تكون أنت الفاصل بيننا بالمباشرة أو التسبيب، وهل على النائب حينئذ أن يقضى في المسائل الخلافية بمقتضى رأيه أو برأى المستنيب؟ يظهر من المسالك تعين الاول وانه لا يجوز أن يقضى إلا برأيه، والظاهر جواز الامرين وكونه تابعا لكيفية التوكيل، فان وكله في أصل القضاء بان فوض إليه أمر

فصل

الخصومية بين الشخصين على الوجه الشرعي فيعمل برأيه، ويكون كما لو كانا ترافعا إليه بلا واسطة، وإن كله في القضاء بينهما بمقتضى رأيه جاز أيضا.

" ودعوى " أنه كيف يجوز للحاكم أن يحكم بمقتضى رأى غيره مع انه خلاف ما أنزل الله بمعتقده.

" مدفوعة " بان رأى موكله أيضا حكم الله، لان دليل حجية ظن المجتهد متساوي النسبة إلى جميع المجتهدين، ومن هنا ينفتح باب وهو جواز أن يقولا للمجتهد الذى ترافعا إليه أن يحكم بينهما بمقتضى رأى الاعلم من المجتهدين في جميع جزئيات مسائل القضاء وإن كانتخلاف رأى نفسه.

مسألة 6: يجوز للمترافعين أن يختارا مجتهدين أو أزيد للمحاكمة بينهما على وجه الانضمام وحينئذ فلا ينفذ الحكم منهما إلا مع إتفاقهما فيه، ولو طلب أحدهما ذلك فهل يجب على الآخر إجابته أو لا؟ الظاهر عدم وجوبها خصوصا إذا كان الجمع بينهما متعسرا ومحتاجا إلى زيادة مؤنة، ويحتمل وجوب الاجابة إذا كان الطالب التعدد هو المدعي.

مسألة 7: لابد من ثبوت إجتهاد القاضى عند كل من المترافعين فلا يكفي ثبوته


13

عند أحدهما، ويثبت ذلك بالعلم الحاصل من الاختبار لمن كان من أهل الخبرة أو الحاصل من القرائن، أو الحاصل بالشياع والاستفاضة، وبشهادة العدلين من أهل الخبرة من المجتهدين أو القريبين من الاجتهاد، وإن كان في الغالب لا يعرف ذا الفضل من الناس إلا ذووه، وهل يثبت بالشياع الظنى؟ الاقوى عدمه، وإن كان الظن الحاصل منه متاخما للعلم، وفاقا للاكثر، وعن جماعة كفايته لوجوه ضعيفة، وقد يستدل بصحيحة حريز عن الصادق (ع) في قوله (ع) لابنه إسماعيل: " إذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم " ولا دلالة فيه كما يظهر من ملاحظة مجموع الخبر، ولذا لا يثبت بالاجازة من مجتهد واحد إذا لم يحصل منها العلمفضلا عن إدعاء نفسه وإن كان عادلا.

مسألة 8: ما ذكرنا سابقا من ان المدار على أعلم بلد المترافعين أو ما يقرب منه بناء على وجوب الرجوع إلى الاعلم، إنما هو على القول بعدم جواز قضاء الحاكم إلا برأى نفسه، وأما إذا قلنا بجواز القضاء بفتوى مجتهد آخر إذا أراد المترافعان فيمكن أن يكون المدار على الاعلم كما في الفتوى إذ حينئذ يمكن أن يقضى المجتهدون في ساير البلاد بمقتضى رأى ذلك الاعلم كما انه ينقلون فتاواه لمقلديه في سائر البلاد.

مسألة 9: إذا لم يكن في البلد مجتهد يترافعون إليه يجوز لمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد من أهل العلم الفصل بين المتنازعين من باب الامر بالمعروف إذا حصل له العلم القطعي بكون الحق لاحدهما من القرائن أو شهادة جماعة من غير العدول يحصل من شهادتهم العلم، بل وكذا إذا شهد عنده عدلان بناء على عموم حجية البينة لكل احد ولكن لا يجوز له تحليف المنكر إذا لم يكن علم ولا بينة لانه من وظيفة المجتهد، وحينئذ فله السعي في ايقاع الصلح بينهما، ومع عدم رضى المدعى إلا بحلف المنكر قد يتخيل جواز ايقاع الصلح بينهما بجعل الحلف عوضا عن حق المدعي بان يصالح عن حقه بحلف المنكر أو بشئ جزئي ويشترط عليه أن يحلف وحينئذ فيسقط دعواه بالمصالحة، ولكنه مشكل، لانالعوض في الصلح أو الشرط فيه لابد أن يكون مما يمكن ان يملكه المصالح ويستحقه و باعتقاد المدعى المنكر كاذب، وحلفه حرام، فلا يصلح للعوضية، ولا يمكن أن يملكه عليه


14

من غير فرق بين أن يكون المنكر عالما عامدا أو كان معذورا في حلفه لجهل أو نسيان، لانه يكفي في عدم إستحقاق المدعى له كونه حراما واقعا، وهذا بخلاف تحليف الحاكم للمنكر فانه ليس عالما بكذبه مع أنه لا يلزمه بالحلف إذ هو مخير بين أن يحلف أو يقر أو ينكل أو يرد على المدعى مع أنه ورد التعبد به.

نعم لو صالحه على وجه لم يكن عوضا ولا شرطا بحيث يكون ملزما به لا مانع منه، كما إذا قال: صالحتك عن حقي بورقتين، مثلا بشرط أن يكون لي الفسخ إن لم تحلف ببرأتك.

إذ حينئذ لا يكون ملزما بالحلف إذ له أن يقضى عنه بالاقرار أو النكول، وعليه فإذا حلف لزمت المصالحة وسقط حق المدعى، بل لو انكشف بعد ذلك كذبه وكونه الحق مع المدعى لم يكن له المطالبة إلا أن يكون قد اشترط عليه في الصلح أن يكون لي الفسخ على تقدير كشف الحال بان يقول صالحتك عن حقى بكذا بشرط ان يكون لى الفسخ إن لم تحلف أو انكشف كونه كاذبا، هذا إذا كانت الدعوى على وجه الجزم بأن يكون المدعى جازما بالحق وأن المنكر كاذب، وأماإذا كانت ظنية ومن باب التهمة بناء على سماعها فلا مانع من جعل الحلف عوضا في الصلح أو شرطا فيه لعدم علمه حينئذ بكون المنكر كاذبا، وكون حلفه حراما فيصح إلزامه به بعد إدعائه صدقه فيه، ويمكن إستحقاقه عليه.

نعم إذا انكشف بعد ذلك كذبه انكشف بطلانه إذا جعل عوضا لتبين كونه غير صالح للعوضية لحرمته ويثبت له الخيار في الفسخ إذا كان العوض غيره، وجعل شرطا لتبين كونه حراما، ويمكن الفصل بالحلف بغير المصالحة أيضا بأن يقول المدعى: إن حلف فانت برئ بناء على صحة الابراء المعلق وعدم كون التعليق مضرا فيه، هذا كله إذا اريد سقوط الدعوى بحيث لم يبق للمدعى حق شرعا بعد الحلف، وأما إذا كان بناء المدعي على رفع اليد عن حقه إذا حلف المنكر وأن لا يدعي عليه، وإن كان له ذلك شرعا فلا حاجة إلى الصلح ونحوه فيقول له: إن حلفت لا أطالبك بعده.

فلا مانع منه إذا لم يقصد به الحلف القاطع للخصومة الذي هو وظيفة المجتهد.

مسألة 10: ذكروا انه لو تعدد الحاكم واختار كل من المتنازعين واحدا يقدم مختار المدعي، وفي المستند دعوي الاجماع عليه، واستدل عليه مضافا إليه بانه المطالب بالحق ولا حق لغيره أولا فمن طلب منه المدعى استنقاذ حقه يجب عليه الفحص فيجب


15

اتباعه ولا وجوب لغيره، وفيه، أن كون الحق له غير معلوم، وإن أريد أن حق الدعوى له حيث أن له أن يدعي وله أن يترك، ففيه، أن مجرد هذا لا يوجب تقدم مختاره إذ بعد الدعوي يكون للآخر أيضا حق الجواب، مع أنه يمكن أن يسبق المدعى عليه بعد الدعوى إلى حاكم ويطلب منه تخليصه من دعوى المدعى فمقتض القاعدة مع عدم أعلمية أحد الحاكمين هو القرعة إلا إذا ثبت الاجماع على تقديم مختار المدعي، هذا إذا كان أحدهما مدعيا والآخر منكرا، وأما مع تداعيهما بأن يكون كل منهما مدعيا من وجه، واختار كل منهما غير ما اختاره الآخر مع فرض تساويهما فلا ينبغى الاشكال في القرعة، كما إذا زوجت الباكرة الرشيدة نفسها من رجل وزوجها أبوها من آخر فتنازع الرجلان في زوجيتها، أو تنازع الولد الاكبر مع سائر الورثة في كون الحبوة مجانية أو بعوض الارث، أو تنازعا إثنان فيما في يد ثالث أو فيما لايد لاحد عليه فمع إختيار كل من المتنازعين حاكما للترافع إليه وإصرارهما على ذلك يكون المرجع هو القرعة.

لكن: ذكر في المستند ما محصلة: انه لو سبق أحدهما إلى مجتهد فحكم له بناء على جواز الحكم على الغائب يقدم لانه حاكم حكم لذى حق مطالب فيجب إتباعه ويحرم الرد عليه، ولو استبق كل منهما إلى حاكم فحكم له يقدم من حكمه أسبق وإن تقارنالم ينفذ شئ منهما وإن اشتبه السابق كان المرجع القرعة، وكذا إن لم يحكم واحد منهما لعدم جواز الحكم على الغائب عنده.

وفيه: ان المفروض أن بناء المتنازعين على الترافع وأن إختلافهما انما هو في تعيين من يرجعان إليه، فإذا سبق أحدهما إلى حاكم من دون رضي الآخر ليس له الحكم له من غير حضور خصمه من باب الحكم على الغائب فان المفروض حضوره في البلد وللترافع، وإن كان المراد أنه يأمر باحضاره وإن امتنع يحكم على لسقوط حق حضوره، ففيه، أن اللازم حضوره للمرافعة وهو حاضر لها، وأما وجوب حضوره عند هذا الحاكم الذى اختاره خصمه فلا دليل عليه ولا يوجب إمتناعه سقوط حقه فلا يتصور السابق واللاحق حتى يقدم الاول.

نعم: إنما يتصور ذلك فيما إذا كان كل من المتداعيين في بلد ورجع إلى حاكم ذلك


16

البلد فحكم له من باب الحكم على الغائب، ففي هذه الصورة يمكن أن يقال: بتقدم أسبق الحكمين ومع الشك في السابق بالقرعة ومع التقارن بعدم نفوذ واحد منهما مع أن سقوطهما مع التقارن أيضا يمكن منعه فان الحكمين نظير الخبرين المتعارضين، لا السببين المتمانعينكعقد الاب لواحد والجد لآخر في آن واحد، إلا أن يقال: حيث لا يمكن التخيير يحكم بسقوطهما أو أن الادلة منصرفة عن صورة تعارضهما، مع أنه يمكن أن يقال: للحاكم الثالث ان يختار واحدا منهما.

ثم إنه قدس سره قيد المثال الاول بما إذا لم تكن عين الحبوة في يد أحدهما، والثانى بان لا تكون الزوجة تحت أحدهما، قال: وإلا كان من باب المدعي والمنكر.

وفيه: أن المفروض العلم بكون المال من الحبوة فلا فرق بين كونه في يد الاكبر أو في يد سائر الورثة، وكذا المفروض كون المرأة مزوجة من شخصين فلا فرق بين كونها تحت هذا الزوج أو ذاك فلا وجه للتقييد المذكور.

مسألة 11: إذا تراضيا بالترافع إلى حاكم ثم أرادا العدول عنه قبل تمامه جاز لهما ذلك، بل يجوز ما لم يحكم بينهما، وهل يجوز لاحدهما ذلك مع عدم رضى الآخر أم لا؟ الظاهر عدمه.

مسألة 12: إذا اختار المدعي حاكما بناء على تقديم مختاره فادعى المنكر عدم كونه أهلا للمرافعة لم يجز له إجباره إلا بعد إثبات كونه أهلا.

مسألة 13: إذا كان للحاكم منازعة مع غيره لا ينفذ حكمه لنفسه على ذلك الغيرولو بأن يوكل غيره في المرافعة معه فترافعا إليه بل يلزم الرجوع إلى حاكم آخر بالاجماع وأخبرا رجوع المتنازعين إلى من عرف أحكامهم ونظر في حلالهم وحرامهم، فاللازم أن يكون الحاكم غيرهما نعم له أن ينقل حقه إلى غيره ثم يرجع ذلك الغير مع الخصم إليه، فانه حينئذ ينفذ حكمه لذلك الغير إن انتقل إليه بعد ذلك باقالة ونحوها، بل الظاهر جواز ذلك وإن كان النقل إلى الغير بشرط الخيار لنفسه في الفسخ، وكذا لا ينفذ حكمه لمن له عليه ولاية خاصة كالابوة والوصاية لانه هو المنازع في الحقيقة وإن وكل غيره في المرافعة فترافعا إليه.


17

نعم لو كان المنازع شريك المولى عليه لجهة مشتركة بينهما كالارث فحكم للشريك وانه انتقل إليه من مورثه فالظاهر نفوذه للمولى عليه أيضا وإن كان يرجع أمره إليه بالولاية بل يثبت لسائر الورثة من الكبار أيضا إلا إذا كان ثبوت حق الشريك عنده بشاهد ويمين فانه لا يثبت الحق لغير الحالف صغيرا كان أو كبيرا، وأما المولى عليه بالولاية العامة كسائر الايتام والمجانين والغيب والفقراء بالنسبة إلى الخمس والزكاة والوقف إذا كان النزاع في ثبوتها وعدمه ففي نفوذ حكمه لهم وعدمه قولان، فيظهر من المحكي عن التحريرنفوذه حيث قال: " ولو تولى وصي اليتيم القضاء فهل يقضي له؟ فيه نظر ينشاء من كونه خصما في حقه كما في حق نفسه ومن أن كل قاض ولى الايتام " فان ظاهر قوله: كل قاض ولى الايتام كون قضائه نافذا لهم وإن كان هو الولي عليهم، واختاره صاحب الجواهر أيضا قال: انه لا يمنع من قبول حكمه.

وظاهر أنه ولو كان هو أو وكيله طرف المنازعة.

وفصل: صاحب المستندين ما إذا كان هو المنازع فلا ينفذ أو كان المنازع غيره من قيم من حاكم غيره، بل أو قيم نصبه هو فان القيم غير الوكيل، وما ذكره هو الاحوط لكن الاقوى الاول من نفوذ حكمه وإن كان هو المنازع أو وكيله خصوصا إذا وكله قبل حصول المنازعة في جميع أموره فاتفق بعد ذلك وقوع المنازعة فترافعا إليه بل في المولى عليه بالولاية الخاصة كالابوة والوصاية أيضا يمكن أن يقال: بنفوذ حكمه إذا كان المنازع وكيله الكذائي أي الذى وكله قبل حصول المنازعة في تصدي جميع أمور المولى عليه فاتفق حصول المنازعة لكن الاحوط إرجاع الامر إلى حاكم آخر أو نقل حق المولى عليه إلى غيره مع خيار الفسخ إلى مدة معلومة ثم الفسخ بعد الحكم.

مسألة 14: إذا كان للحاكم شركة مع غيره في مال ووقع النزاع فيه بينهما وبين غيرهما نفذ حكمه في حصة شريكه لا في حصة نفسه مثلا: إذا تنازع أخوه مع غيره في مالمشترك بينه وبين أخيه من طرف الارث وترافعا إليه فحكم لاخيه نفذ في حصة أخيه ولا ينفذ في حصة نفسه، ولا يشترك مع أخيه في تلك الحصة التي ثبت لاخيه إلا إذا كانت الدعوى في عين وقد قسمها أخوه مع ذلك الغير وأفرز حصته، إذ حينئذ يشترك معه في تلك الحصة لاقراره بالشركة، وأما قبل القسمة فلا يشترك معه فلاخيه أن ينقلها إلى غيره


18

على إشاعتها، وأما إذا كانت الدعوى دينا فلا يشاركه مطلقا ولو بعد القبض على الاقوى والمسألة نظير ما إذا تنازع جماعة مشتركون في عين أو دين مع غيرهم فأقاموا شاهدا واحدا وحلف بعضهم دون بعض فانه يثبت حصة الحالف دون غيره ولا يشاركه من لم يحلف في حصته، إلا إذا كانت الدعوى في عين وقد قبضها من الخصم كما سيأتي تفصيله وبيان الخلاف فيه.

مسألة 15: لو أجرى الحاكم عقدا من نكاح أو بيع بوكالة غيره ثم حصل النزاع فيه بين الطرفين نفذ حكم ذلك الحاكم للموكل ولا يضر كونه وكيلا سابقا لانه حين النزاع وحين الحكم ليس بوكيل، وكذا إذا تصرف بعنوان ولايته فيما هو محل الخلاف في أن ا لامر فيه راجع إلى الحاكم أو لا؟ كما إذا باع مال مجنون كان جنونه بعد بلوغه ورشده من شخص وباع أبومن شخص آخر حيث انه محل الخلاف في أن ولايته للحاكم أو للاب والجد فإذا تنازع المشتريان وترافعا إليه نفذ حكمه لمن اشترى منه لانه حينئذ ليس طرفا للمنازعة.

مسألة 16: ذكر جماعة انه لا ينفذ حكم الحاكم على من لا تقبل شهادته عليه كحكم الولد على والده، أو العبد على مولاه، أو حكمه على خصمه، وكذا لا ينفذ حكمه لمن لا يقبل شهادته له كحكمه لمن يجر بحكمه له نفعا، ولا دليل لهم على ذلك إلا دعوى أن الحكم شهادة وزيادة، وهو كما ترى، فالاقوى عدم المانع لشمول الاطلاقات إلا أن يكون إجماع وهو غير معلوم، والقياس على الشهادة لا وجه له.

ثم إن جميع ما ذكرنا في هذه المسائل إنما هو بناء على إطلاق الاجماع المدعى على عدم نفوذ حكم الحاكم في حق نفسه أو تمامية إنصراف أخبار نفوذ حكم الحاكم إلى غير صورة رجوع الحكم إلى نفسه، لكن القدر المتيقن من الاجماع والانصراف ما إذا كان هو الطرف للمنازعة، أو كان الطرف وكيله مع كون النزاع في أن الشئ الفلاني له أو لا؟ وأما إذا كان النزاع في مال غيره ولو كان هو الولي له بالولاية الخاصة، أو كان الطرف شريكه، أو كان النزاع مع غيره، وإن كان الحق راجعا إليه فمقتضى عمو

م نفوذ حكم الحاكم وعدم جواز الرد عليه

نفوذه، ففي صورة النزاع فيمال المولى عليه يمكن أن يقال: بنفوذ حكمه إذا وكل وكيلا، وكذا إذا كان النزاع


19

مع شريكه أو شريك المولى عليه، أو إذا كان الطرف غيره بحسب عنوان المنازعة وإن كان المال راجعا إليه، كما إذا نذر شخص داره أو أوصى بها له، وحصل منازع مع ذلك الشخص فترافعا إليه في تلك الدار فانه لا مانع من نفوذ حكمه له خصوصا إذا لم يكن حال الحكم عالما بأن تلك الدار له من طرف النذر أو الوصية.

" والحاصل " أن الدليل إذا كان منحصرا في الاجماع والانصراف فمقتضى هما ليس أزيد مما ذكرناه.

مسألة 17: إختلفوا في جواز أخذ الاجرة على القضاء من المتخاصمين، أو أحدهما، أو غيرهما، مطلقا أو مع الضرورة، أو مع عدم التعين عليه، أو مع الامرين، وعدم جوازه مطلقا على أقوال.

فعن جماعة الجواز مطلقا كما حكي عن القواعد والنهاية والقاضى، وعن المفاتيح نقله عن بعضهم، وعن شرحه اسناد جواز الاخذ إلى المشهور، وظاهره إطلاق الجواز، وعن جماعة المنع مطلقا، بل عن المبسوط أنه قال: عندنا لا يجوز بحال.

وظاهره الاجماع عليه، وعن المعتمد الاجماع عليه مع عدم الحاجة، وعن الكفاية نفى الخلاف فيه مع وجود الكفاية من بيت المال قال: ومع عدمها ووجود الحاجة قولان أشهرهما المنع.

وكذا عن المسالك، وعن بعضهم الجواز مع عدم التعين والضرورة، ومع التعين الكفاية لا يجوز قولا واحدا، وفي المستند دعوى ظهور الاجماع على عدم الجواز مع الكفاية.

والاقوى: هو الجواز مطلقا، للاصل والاطلاقات، وعدم الدليل على المنع سوى دعوى الاجماع والشهرة أو عدم الخلاف، ولا حجية في شئ منها لا سيما مع ما مر من وجود الخلاف، بل دعوى الشهرة على الجواز، وسوى ما هو المشهور المدعى عليه الاجماع من المحقق الثاني من عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات، وقد بين في محله عدم الدليل عليه لمنع الاجماع - مع أن القدر المتيقن منه على فرضه الواجب العينى التعينى التعبدى، ولضعف سائر ما استدلوا به عليه " إذمنها " أنه مناف لقصد القربة، وفيه المنع أولا، كما بين في محله وإختصاصه على فرض تماميته بما يعتبر فيه القربة فلا يشمل المقام - مع أن لازمة عدم جواز الاخذ على المستحب التعبدى أيضا.

ومنها: ان التنافي بين صفة الوجوب والتملك ذاتي لان المملوك المستحق لا يملك ولا يستحق ثانيا فإذا كان العمل واجبا كله لله ولم يجز تركه نظير العمل المملوك


20

للغير فيكون كما لو آجر نفسه لشخص لعمل ثم آجر نفسه ثانيا من شخص آخر ذلكالعمل، ومن المعلوم عدم صحته.

وفيه: أيضا " أولا " أنه مختص بالواجب العينى، " وثانيا " مع كون الوجوب من الله تعالى موجبا للملكية نظير الملكية للناس، " وثالثا " لا مانع من إجتماع المالكين إذا كان إحدى الملكيتين في طول الاخرى فأن الله تعالى مالك لذلك الفعل والمستأجر أيضا مالك له، لكن لا لنفسه بل لله تعالى.

ومنها: أن أخذ الاجرة على ما يكون الشخص مقهورا في إتيانه إكل للمال بالباطل " وفيه ": مع إختصاص أيضا بالواجب العينى التعييني إمكان أن يكون للمستأجر غرض عقلائي في ذلك، لا أقل من حب كون معبوده مطاعا.

بالجملة: فلا دليل على عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات خصوصا الكفائي منها ولا سيما إذا لم يكن مشروطا بالقربة " ومنها " عدم جواز توقيف الواجب على شرط كما تمسك به المحقق القمي (قده) في الغنائم في هذه المسألة قال: لا يجوز أخذ الاجرة والجعالة من الخصوم وغيرهم على القضاء لانه واجب ولا يجوز توقيف الواجب على شرط عينيا كان أو كفائيا، وتمسك به النراقيان في المعتمد والمستند، لكن في خصوص صورة العيين.

" وفيه " أن أخذ الاجرة لا يلزم أن يكون بالاجارة بل يمكن أن يكون بالجعالة ولا شرط فيها بلبالاجارة أيضا يمكن أن يكون من غير شرط بأن يكون بانيا على العمل مطلقا.

ومع ذلك أستأجره شخص عليه ولا يلزم في الاجارة ان لا يكون الشخص بانيا على العمل فيمكن أن يستأجره على عمل لو لم يستأجره أيضا كان يأتي به.

نعم: ربما تستدل على عدم الجواز في المقام بالصحيح " عن قاض بين فريقين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق، فقال: ذلك السحت " وفيه أن ظاهره خلاف الاجماع فانه لا مانع من إرتزاقه من بيت المال.

ودعوى: أن الظاهر من قوله: على القضاء.

كونه عوضا عنه لاإرتزاقا كما ترى،


21

فهو إما محمول على الكراهة وإن كان بعيدا أو على كونه من قضاة الجور وكون حرمة إرتزاقه من جهة عدم أهليته للقضاء، وعليه يحمل أيضا الخبر المروى في الخصال: " السحت أنواع كثيرة ومنها أجور القضاة " هذا مع أن عدم جواز الاخذ في صورة الضرورة والحاجة مستلزم للضرر من حيث تعطليه عن تحصيل معاشه مع فرض عدم الكفاية من بيت المال أيضا، فيحصل التعارض بين دليل الحرمة وقاعدة الضرر وهي حاكمة على ذلك الدليل على فرض وجوده، إلا أن يقال: بسقوط وجوبه حينئذ لا جواز الاخذ فلا مانع من عموم عدمالجواز وإن كانت نتيجته سقوط الوجوب.

لكن فيه: أنه على هذا يلزم من حرمة الاخذ عدم حرمته فانه إذا اخرج القضاء عن الوجوب لا مانع من أخذ الاجرة عليه بناء على كون الحرمة من جهة حرمة اخذ الاجرة على الواجبات.

هذا ومع ذلك كله فالاحوط عدم الاخذ مع وجود الكفاية ولو من بيت المال لاحتمال إستفادة المجانية من أدلة وجوب القضاء.

مسألة 18: يجوز إرتزاق القاضى من بيت المال مع حاجته بالاجماع لانه معد لمصالح المسلمين وهذا منها لتوقف إنتظام أمور المسلمين عليه، بل الاقوى جوازه مع عدم حاجته أيضا كما هو المسند إلي المشهور حيث قالو: بكراهته مع عدم الحاجة وأن الاولى تركه توفيرا على سائر المصالح، ويدل عليه إطلاق مرسلة حماد الطويلة وفيها: " ويأخذ الباقي فيكون ذلك أرزاق أعوانه على دين الله وفي مصلحة ما ينوبه من تقوية الاسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد وغير ذلك مما فيه مصلحة العامة ".

وإطلاق خبر الدعائم.

عن على (ع): انه قال: " لابد من إمارة ورزق للامير ولابد من عريف ورزق للعريف ولابد من حاسب ورزق للحاسب ولابد من قاض ورزق للقاضى وكره أن يكون رزق القاضى على الناس الذين يقضى لهم ولكن من بيت المال " فما عن بعضهم من عدم جواز الاخذمع عدم الحاجة، بل في المسالك انه الاشهر لوجوب القضاء عليه فلا يجوز له أخذ العوض كما في سائر الواجبات لا وجه له، لان الارتزاق غير الاجرة فانها عوض العمل بخلافه فانه بسبب كون الشخص قاضيا مثلا أو مؤذنا أو نحو ذلك.


22

هذا ودعوي: أن المسلم جواز الارتزاق مع الحاجة ولو بسبب القيام بالمصالح المانع له من التكسب.

" محل منع " كدعوى أن بيت المال معد للمحاويج فانه أيضا محل منع مع أن الخبرين مطلقان.

نعم إنما يختص جواز الارتزاق ببيت المال وأما سائر الوجوه التى مصرفها الخير أو سبيل الله فيشكل جواز إرتزاقه منها بدون الحاجة والضرورة.

مسألة 19: تحريم الرشوة وهى ما يبذله للقاضى ليحكم له بالباطل أو ليحكم له حقا كان أو باطلا، أو ليعلمه طريق المخاصمة حتى يغلب على خصمه، ولا فرق في الحرمة بين أن يكون ذلك لخصومه حاضرة أو متوقعة ويدل على حرمتها إجماع المسلمين، بل هي من ضروريات الدين، ويدل على حرمتها الكتاب المبين قال تعالى: [ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم وانتم تعلمون ] بل في جملة من الاخبار أن الرشاء في الاحكام كفر بالله.

وفي بعضها انهشرك.

ففي خبر عمار بن مروان: " وأما الرشاء في الاحكام يا عمار فهو الكفر بالله العظيم " وفي موثقة سماعة: " إن الرشاء في الحكم هو الكفر بالله " وفي مضمرته: " وأما الرشاء في الحكم فهو الكفر بالله العظيم " وفي خبر الاصبغ بن نباته عن أمير المؤمنين (ع) انه قال: " أيما وال إحتجب عن حوائج الناس إحتجب الله عنه يوم القيامة عن حوائجه وإن أخذ هدية كان غلولا وإن أخذ رشوة فهو شرك " وفي رواية يوسف بن جابر: " لعن رسول الله صلى الله عليه وآله من نظر إلى فرج إمرأة لا تحل له ورجلا خان أخاه في إمرأته ورجلا إحتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة " ولافرق أن يكون ذلك بالمشارطة منهما صريحا أو كان من قصدهما ضمنا أو كان من قصد الباذل إذا أثر ذلك في القاضى، بل وإن لم يؤثر بأن يكون قصده الحكم له وإن لم يعطه الرشوه، أو كان قصده الحكم بالحق لكل من كان، فما قيل من عدم البأس بالاخذ إذا لم يكن مؤثرا فيه لاوجه له لصدق الرشوة بقصد الباذل فيشمله الاخبار.

مسألة 20: كما يحرم الاخذ على الآخذ كذا يحرم البذل على الباذل لقوله (ع): " لعن الله


23

الراشي والمرتشي " ولكونه إعانة على الاثم.

نعم لو كان مكرها في الدفع لا حرمة عليه وكذا لو توقف إستنقاذ حقه على ذلك وإن كان محرما على الآخذ، وكذا يحرم التوسط في الايصالكما أنه يحرم التوسط في الاستزادة والاستنقاص ويسمى المتوسط لذلك بالرائش.

مسألة 21: الرشوة قد تكون مالا من عين أو منفعة، وقد تكون عملا للقاضى كخياطة ثوبه أو تعمير داره أو نحوهما وقد تكون قولا كمدحه والثناء عليه لاماله قلبه إلى نفسه ليحكم له، وقد تكون فعلا من الافعال كالسعي في حوائجه وإظهار تعظيمه وتبجيله ونحو ذلك، فكل ذلك محرم، إم الصدق الرشوة عليها أو للالحاق بها.

مسألة 22: من الرشوة أو يلحق بها الهبة أو الهدية أو المصالحة أو البيع محاباة لغرض الحكم له بالباطل، وفي صحة المذكورات وعدمها وجهان، إختار في الجواهر عدمها قال: " ثم إن المتجه بناه على أن من أفرادها عقود المحاباة مثلا بطلان العقد الذى وقع على جهة الرشوة لما عرفت من النصوص الدالة على بقاء المال على ملك الراشى بأى طريق كان بعد فرض اندراجه في الرشوة " وكذا المحقق الانصاري (قده) قال: " وفي فساد المعاملة المحابى فيها وجه قوى " مع أنه اختار في مسألة الاعانة على الاثم عدم فساد البيع بقصد توصل الغير إلى المحرم مثل بيع العنب ليعمل خمرا، قال: " لتعلق النهي بما هو خارج عن المعاملة وهو الاعانة، ويحتمل الفساد لاشعار قوله (ع) في رواية تحف العقول بعد قوله: " وكل بيع ملهوبه ": " وكل منهي عنه مما يتقرب به لغير الله أو يقوى به الكفر والشرك في جميع وجوهالمعاصي أو باب يوهن به الحق فهو حرام محرم بيعه وشراؤه وإمساكه " بناء على أن التحريم مسوق لبيان الفساد في تلك الرواية كما لا يخفى لكن في الدلالة تأمل، ولو تمت لثبت الفساد مع قصد المشترى خاصة للحرام لان الفساد لا يتبعض " انتهى.

والاوجه: عدم الفساد لما ذكر من تعلق النهى بأمر خارج عن المعاملة ولا فرق بين المقام وبين مسألة الاعانة ولانسلم ما ذكره صاحب الجواهر (قده) من بقاء المال على ملك الراشى بأى طريق كان وإنما هو مسلم في صورة البذل عن غير أن يكون بعقد من العقود.

نعم لو لم يقصد من المعاملة إلا المحاباة التى في ضمنها، أو قصد المعاملة ولكن قصد الرشوة بالمحاباة


24

فيهالا باصلها بطلت لعدم قصد المعاملة في الاول واستلزام بطلان مقدار المحاباة لبطلان أصل المعاملة في الثاني.

نعم: يمكن أن يقال: أنه إذا قصد الرشوة بالمعاملة المحاباتيه يصدق عرفا أن العين الموهوبة مثلا رشوة فتكون حراما ولازمه بطلان المعاملة، وهذا هو الفارق بين المقام وبين مسأله الاعانة وعليه لابد أن بفصل بين المذكورات وبين البيع بثمن المثل بقصد الرشوة فيما إذا كان للقاضى غرض في المبيع ولو بعوض مثله.

مسألة 23: لا تختص الرشوة بما يبذل للقاضى ليحكم له، بل تجرى في غير الحكم أيضا كما إذا بذل شيئا لحاكم العرف أو لظالم أو رئيس ليعينه على ظلم أو غيره من المعاصي، ونحو ذلك فتكون حراما ولا تختص بالمحرم، بل قد لا تكون حراما كما إذا بذل شيئا ليعينه على إحقاق أو دفع ظلم أو أمر مباح، ففى الصحيح عن رجل يرشو الرجل على أن يتحول من منزلة فيسكنه، قال: لا بأس " والظاهر أن المراد المنزل المشترك كالمدرسة والمسجد والسوق ونحو ذلك.

مسألة 24: لا يملك المرتشي الرشوة المحرمة التى ليست بعنوان العقود المحاباتيه فيجب عليه ردها مع بقائها، وأما مع تلفها في يده أو إتلافه إياها فهل يضمن أو لا؟ صرح جماعة بضمانه، بل عن بعضهم نفي الخلاف فيه، وعن ظاهر مسالك إجماعنا عليه، ولعله لان الراشى إنما بذل في مقابلة الحكم فيكون إعطاؤه بعنوان المعاوضة، ويدخل في قاعدة: ما يضمن يصحيحه يضمن بفاسده - لكن " فيه أولا " أنه أخص من المدعى، إذ قد يكون لا بعنوان المعاوضة، بل إنما يعطي مجانا، وغرضه جلب قلب القاضى فلا يكون في مقابلة الحكم، والغرض غير العوض، " ثانيا " لا دليل على القاعدة المذكورة - كما بين في محله " وثالثا " المفروض أن الراشى راض باتلاف المرتشي إياها فيكون هو الهاتك لحرمة ماله،حيت أنه سلطه عليه مع علمه بعدم ملكيته وحرمته عليه، فرضاه وإن كان مقيدا بالعوض الذي هو الحكم إلا أن قيده حاصل بعد فرض الحكم له، فحاله حال ساير المقبوضات بالعقود الفاسدة وقد بينا فيها عدم الضمان مع التلف.

نعم لو كان رضاه مقيدا بالحكم له ولم يحكم له، يمكن أن يقال: فيه بالضمان، لان المفروض أن رضاه كان مقيدا والقيد


25

لم يحصل، وأما لو كانت الرشوة بعنوان العقود المحاباتية، فان قلنا بصحتها فلا يجب ردها مع بقائها فضلا عن عوضها مع تلفها، وإن قلنا ببطلانها فمع البقاء يجب الرد ومع التلف لا يجب في مثل الهبة والهدية والصلح - حتى بناء على العمل بقاعدة ما يضمن - لعدم الضمان في صحيحها فلا يضمن في فاسدها، وفي مثل البيع المحاباتى لا يضمن على المختار ويضمن بناء على تلك القاعدة.

مسألة 25: لا ينفذ حكم الحاكم الآخذ للرشوة وإن كان على القاعدة وبالحق لصيرورته فاسقا بأخذها.

نعم لو تاب بعد الاخذ ثم حكم بالحق بعد التوبة صح ونفذ.

مسألة 26: لو دفع إلى الحاكم خمسا أو زكاة بقصد الرشوة لم تبرأ ذمته منهما لاعتبار القربة فيهما.

مسألة 27: إذا أهدى إليه هدية وشك في أنه قصد بها الرشوة أو لا؟ فالظاهر جواز أخذها حملا لفعله على الصحة إلا إذا كانت هناك قرينة على إرادته منها الرشوة كما إذا لم يكن من عادته ذلك قبل المرافعة، والاولى عدم أخذها مطلقا، ويمكن أن يقال: بحرمتها حال المرافعة لانه يصدق عليها الرشوة عرفا، بل يمكن أن يقال: بحرمتها تعبدا لما في بعض الاخبار أن هدايا العمال غلول أو سحت.

مسألة 28: إذا شك في كون شئ رشوة أولا؟ من حيث الحكم بأن كان من الشبهة الحكمية الموضوعية، كما إذا شك في أن البذل للحكم له بالحق رشوة محرمة أو لا؟ أو شك في أن الاخذ مع عدم التأثير رشوة أولا؟ فالاصل البراءة من حرمته.

مسألة 29: الفرق بين الرشوة والهدية أن الغرض من الرشوة جلب قلبه ليحكم له، ومن الهدية الصحيحة القربة أو إيراث المودة لالداع، أو الداعي عليها حبه له لوجود صفة كمال فيه من علم أو ورع أو نحوهما.

مسألة 30: إذا اختلف الدافع والقابض في أن المبذول كان هبة صحيحة أو بقصد


26

الرشوة فادعى القابض الاول والدافع الثاني قدم قول القابض للحمل على الصحة، وأصلالبراءة من الضمان - بناء على الضمان على فرض كونه رشوة - وأما إحتمال تقديم قول الدافع لانه أعرف بينته، أو لان الاصل في اليد الضمان فلا وجه له، لعدم الدليل على الاول، ومع كون الاصل الضمان لعدم الدليل عليه إلا عموم على اليد وهي مختصة باليد العادية، ومع الاغماض عنه الشبهة مصداقية، وعلى فرض التمسك بالعموم فيها الحمل على الصحة مقدم عليه.

هذا إذا دار الامر بين الهبة الصحيحة والفاسدة، وأما لو اختلفا في أنه مبذول رشوة من غير عقد أو أنه هبة صحيحة، فالا قوى أنه كذلك، وقد يحتمل عدمه لعدم عقد مشترك حتى يحمل على الصحة فالدافع منكر لاصل العقد لا لصحته.

وفيه: أن تمليكه محمول على الصحة ولا يلزم في الحمل على الصحة أن يكون هناك عقد مشترك، فأصالة عدم الهبة معارضة بأصالة عدم التملك رشوة.

مسألة 31: ليس للمحكوم عليه بعد تمام المرافعة والحكم مطالبة تجديدها عند حاكم آخر، أو عند الاول، وهل يجوز ذلك مع رضى الطرفين أولا؟ قولان، أقواها الاول - كما إختاره في الجواهر - إذ الظاهر عدم صدق رد الحكم خصوصا إذا كان لاحتمال خطأ الحاكم.

لاسيما إذا كان الحاكم أيضا أراد تجديد النظر في مقدمات الحكم، وفي المستند إختار عدم الجواز.

هذا إذا لم يدع خطأ الحاكم الاول في حكمه أو عدم كونه أهلا أو عدم إجتهادهأو نحو ذلك.

مسألة 32: إذا حكم حاكم بحكم في قضية ثم ترافعا إلى غيره لا يجب عليه البحث عن صحة حكمه وعدمها.

نعم يجوز له ذلك وحينئذ فان تبين كون صوابا أو لم يتبين خطاه يجوز له إمضاؤه مع كونه أهلا عنده، بل قد يجب، كما أنه يجوز له إمضاؤه عن غير فحص عن صحته وعدمها مع فرض كونه أهلا، ولا يجوز له نقضه إلا إذا علم علما قطعيا بمخالفته للواقع بأن كان مخالفا للاجماع المحقق أو الخبر المتواتر أو إذا تبين تقصيره في الاجتهاد، ففي غير هاتين الصورتين لا يجوز له نقضه وإن كان مخالفا لرأيه، بل وإن كان مخالفا لدليل قطعي نظرى كاجماع إستنباطى أو خبر محفوف بقرائن وأمارات قد توجب القطع مع إحتمال عدم حصوله للحاكم الاول فان مقتضى إطلاق عدم جواز رد حكم الحاكم عدم جواز نقضه حينئذ


27

أيضا إلا إذا حصل القطع بكونه خلاف الواقع فلا يكفي في جواز النقض كون الدليل علميا لبعض دون بعض.

مسألة 33: لا فرق في جواز إمضاء حكم الحاكم بين أن يكون حيا أو ميتا باقيا على الاهلية أوصار فاسقا أو مجنونا أو نحو ذلك.

" وربما ": يقال بالفرق بين ما إذا مات أو فسقفيجوز الامضاء في الاول دون الثاني ولاجه له.

مسألة 34: يشترط في جواز الامضاء على الحاكم الثاني علمه بصدور الحكم من الحاكم الاول إما بكونه حاضرا في مجلس حكمه، وإما بخبر متواتر أو محفوف بقرائن توجب القطع، والظاهر كفاية إقرار المدعى عليه بانه حكم عليه ولا يكفي الظن بصدور الحكم منه حتى لو كان برؤيته صورة حكمه بخطه، بل ولو كتب إليه: إنى حكمت بكذا إذا لم يحصل منه العلم، ويدل عليه - مضافا إلى الاصل - رواية طلحة والسكونى " أن عليا (ع) كان لا يجيز كتاب قاض في حد ولا غيره حتى وليت بنوا امية فاجازوا بالبينات " بل الظاهر عدم كفاية قوله مشافهة: إنى حكمت بكذا.

إذا لم يحصل منه العلم لانه خبر واحد، وهل يكفي قيام البينة على حكمه؟ فيه أقوال ثالثها الفرق بين ما إذا أشهدهما على حكمه وبين غيره فيكفي في الاول دون الثاني والمسألة مبنية على ثوبت عموم حجية البينة كما لا يبعد.

مسألة 35: كما لا يجوز نقض الحكم بالحكم كذلك لا يجوز نقضه بالفتوى إلا في الصورتين المذكورتين، وأما الفتوى فيجوز نقضها بالفتوى وبالحكم، أما الاول فكما إذا مات مجتهده أو تغير رأيه فانه يجب عليه وعلى مقلديه العمل بالفتوى الثانية فيما يأتي دون ما مضى فانهصحيح فالا عمال السابقة محكومة بالصحة، بل إذا كان ما مضى عقدا أو ايقاعا أو نحوهما مما من شأنه الدوام والاستمرار يبقى على صحته فيما يأتي أيضا بالنسبة إلى تلك الواقعة الخاصة فإذا تزوج بكرا باذنها - بناء على كون أمرها بيدها - ثم تبدل رأيه أو رأي مجتهده إلى كون أمرها بيد أبيها تكون باقية على زوجيته وإن كان لا يجوز له نكاح مثلها بعد ذلك، وأما الثاني فكما إذا كان مذهبه إجتهادا أو تقليدا نجاسة الغسالة أو عرق الجنب من الحرام مثلا


28

واشترى مايعا فتبين انه كان ملاقيا للغسالة أو عرق الجنب من الحرام فتنازع مع البايع في صحة البيع وعدمها وترافعا إلى مجتهد كان مذهبه عدم النجاسة وصحة البيع فحكم بصحته، فان اللازم على المشتري العمل به وجواز التصرف في ذلك المايع، ففى خصوص هذا المورد يعمل بمقتضى الطهارة ويبنى عليها وينقض الفتوى بالنسبة إليه بذلك الحكم وأما بالنسبة إلى سائر الموارد فعلى مذهبه من النجاسة حتى أنه إذا لاقى ذلك المايع بعد الحكم بطهارة الغسالة أو عرق الجنب يبقى على تقليده الاول فيبنى على نجاسة وهكذا في سائر المسائل الظنية في غير الصوريتن المذكورتين.

مسألة 36: لا يجوز للحاكم أن يحكم على طبق حكم حاكم آخر من غير أن يبحث عنهويتبين كونه على طبق رأيه وإن علم بأهليته وكون حكمه نافذا لان المفروض عدم الثبوت عنده، وأيضا لعل حكمه مبنى على فتوى يخالف رأيه فغاية الامر جواز أو وجوب إمضائه بمعنى تنفيذ هو غير الحكم من نفسه على طبقه، فما في المستند من جواز ذلك بعد كونه حكم الله وعدم جواز رده لثبوت الملازمة بين جواز إمضائه والحكم بمقتضاه، كما ترى.

" نعم " إذا فحص عنه وتبين عنده صحته وكان موافقا لرأيه جاز لة الحكم على طبقة مع مطالبة من له الحكم، فبدون ذلك ليس له إلا التنفيذ بمعنى إيجاب العمل على طبقة من حيث أنه حكم صادر من أهله وإن علم كونه مبينا على ما يخالف رأيه.

مسألة 37: لا يجوز إمضاء الحكم الصادر من الحاكم المقصر في الاجتهاد وإن علم كونه مطابقا للقواعد من باب الاتفاق، وكذا الصادر من غير الاهل مع إتفاق كونه مطابقا للقواعد.

مسألة 38: إذا استفرغ الحاكم وسعه في الاجتهاد ولم يكن مقصرا في الفحص عن الدليل وكان هناك خبر معتبر بلا معارض أو دليل ظنى آخر وكن بحيت لو عثر حين الحكم عليه لحكم على طبقه لكنه لم يعثر عليه فحكم بخلافه، فالظاهر نفوذ حكمه مع عدم العلم بكونه خلاف الواقع وإن كان مخالفا لذلك الخبر أو الدليل الظنى، فلا يجوز له ولا لغيرهنقضه لان ما أدى إليه إجتهاده مع فرض عدم تقصيره حجة شرعية وحكمه حكم الله تعالى.

مسألة 39: لو تبين خطأ الحاكم في حكمه إنتقض وحينئذ فان كان قبل العمل به


29

فلا إشكال وإن كان بعده فاما أن يكون في قتل أو قطع، وإما أن يكون في مال، ففي الاول إذا لم يكن مقصرا ولا جائرا في حكمه فلا قصاص عليه قطعا وتكون الدية من بيت المال لخبر الاصبغ بن نباتة: " ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فعلى بيت مال المسلمين ".

نعم لو كان المحكوم له عالما بفساد دعواه ومع ذلك أقدم عليها كان عليه القصاص، وفي الثاني إذا كان المال موجودا إسترد وإن كان تالفا فان كان قد أخذه المحكوم له ضمن عوضه وإن لم يكن أخذه لعدم كونه مما يرجع إليه فان كان عالما بفساد دعواه فكذلك لكونه السبب في إتلافه على المحكوم عليه، وإن لم يكن عالما بذلك، فعن جماعة انه على بيت المال لكنه لا يخلو عن إشكال لاختصاص الخبر بالدم والقطع وحينئذ فلا ضمان على المحكوم له لعدم ثبوت يده عليه ولا على الحاكم لكونه ماذونا شرعا، إذ المفروض عدم جوره وعدم تقصيره، وربما يحتمل ضمانه لصحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال: " كان أبو عبد الله (ع) قاعدا في حلقة ربيعة الراى فجاء أعرابي فسأل ربيعة الراى فأجابه فلما سكت قال: له الاعرابي هو في عنقك فسكت ربيعة ولم يرد شيئافاعاد المسألة عليه فأجابه بمثل ذلك فقال الاعرابي هو في عنقك فسكت عنه ربيعة فقال أبو عبد الله (ع): هو في عنقه قال: أو لم يقل وكل مفت ضامن " لكنه ضعيف، والمراد من الضمان في الخير هو الاثم على تقدير التقصير أو عدم الاهلية أو ضمان العوض إذا كان سببا لاتلافه بفتواه مع كونه مقصرا أو غير أهل، وأما إن كان حكم الحاكم عن جور أو تقصير في الاجتهاد أو في مقدمات القضاء وكانت الدعوى في قتل أو قطع كان الضمان عليه إلا إذا كان المحكوم له ظالما في دعواه وكان هو المباشر للقتل أو القطع، فحينئذ يكون القصاص عليه لان المباشر أقوى من السبب، وإن كان المباشر غير بتسبيب منه فالمحكوم عليه أو وليه مخير بين القصاص منه أو من الحاكم، وإن كانت الدعوى مالا وكان تالفا كان الضمان على الحاكم.

نعم لو كان المحكوم له ظالما في دعواه تخير المحكوم عليه بين الرجوع عليه أو على الحاكم.

مسألة 40: إذا ادعى المحكوم عليه على المحكوم له بعد تمام المرافعة والحكم عدم أهلية الحاكم لعدم إجتهاده أو فسقه أو ادعى خطأه في الحكم أو تقصيره في مقدماته أو جوره فيه أو فسق الشهود فمقتضى عموم قوله صلى الله عليه وآله: " البينة على المدعى واليمين على من أنكر "


30

ونحوه، سماع دعواه سواء كان له بينة أو لا؟ وما عن بعضهم عن عدم سماعة مطلقا أو مع عدم البينةلانه أمين الامام (ع)، وأيضا فتح هذا الباب موجب للطعن في الحكام لا وجه له، وحينئذ ففي دعوى عدم أهليته يكون المدعى هو المحكوم له فعليه إثبات الاهلية.

نعم لو كان المحكوم عليه هو الذي اختاره للترافع عنده أو كان مختارا في الرجوع إليه يكون هو المدعى لحمل فعله على الصحة وكون الحاكم أهلا، وفي دعوى خطاه أو جوره أو فسق الشهود أو تقصيره يكون المدعى هو المحكوم على فيكون الاثبات عليه.

وكذا الحال لوادعى على الحاكم لاثبات تغريمه فعليه إثبات إجتهاد نفسه وكونه عادلا إلا في صورة كونه مختارا له في الرجوع إليه وعلى المحكوم عليه إثبات خطاه أو جوره أو تقصيره أو فسق الشهود.

مسألة 41: ذكروا انه لو

طلب الخصم من الحاكم إحضار خصمه

للمرافعة معه وجب عليه إجابته وإحضاره إما بختم يكتب فيه: أجب الحاكم.

وإما بارسال من يأتي به، وأنه يجب عليه الحضور ولو امتنع إستعان عليه بأعوان السلطان، وادعى بعضهم عدم الخلاف فيه، بل عن الكفاية نسبته إلى مذهب الاصحاب، وعن جماعة منهم صاحب المسالك الاجماع عليه قالوا: " ولا فرق بين أن يكون قبل تحرير الدعوى أو بعده في صوره كونه حاضرا في البلد ولم يكن له عذر وأما إن كان غائبنا فبعد تحرير الدعوى وكونه مسموعة والفرق لزوم المشقة على الغائب دون الحاضر " وذكر بعضهم أنه لو اختفى أمر الحاكم بأن ينادى على باب داره انه لو لميحضر إلى ثلاثة أيام يسمر بابه ويختم عليه، وأما إن كان له عذر مانع عن الحضور كالمرض أو الخوف من العدو أو نحوهما بعث إليه من يحكم بينهما أو يكلفه بنصب وكيل عنه للمرافعة، وكذا إذا كان الخصم إمرأة مستورة غير برزة، وأما إن كانت برزة فحكمها كالرجال.

ثم مقتضى إطلاقهم عدم الفرق في وجوب الحضور بين الوضيع والشريف وإن كان قبل تحرير الدعوى، لكن ألحق بعضهم الشريف بالغائب في إختصاص وجوب إحضاره بما إذا كان بعد التحرير،


31

وبعضهم ألحقه بالمعذور عن الحضور، هذا ولا دليل على شئ مما ذكروه إلا دعوى توقف الحكم بينهما على ذلك أو أن الحاكم منصوب لاستيفاء الحقوق وترك الاحضار تضييع لها، وهما كما ترى خصوصا إذا كان قبل تحرير الدعوى وتحقق كونها مسموعة فانه ايذاء للمدعى عليه.

لا سيما إذا كان من أرباب الشرف، بل ما ذكروه مناف لما هو المشهور بينهم من جواز الحكم على الغائب عن البلد أو عن مجلس الحكم وإن كان في البلد، ولذا إستشكل في الحكم المذكور جماعة، واستقرب بعضهم كصاحب المستند تخيير الحاكم بين الاحضار أو الحكم عليه غائبا.

والاقوى عدم وجوب إحضاره حتى بعد التحرير وعدم وجوب حضوره بناء على جواز الحكم على الغائب عن البلد بل الحاضر فيه إذا اسقط حق حضوره.

مسألة 42: المشهور أنه يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه من دون بينة أو إقرار في حقوق الناس وحقوق الله، بل عن جماعة كالخلاف والانتصار والغنية ونهج الحق وظاهر السراير الاجماع عليه، وعن الاسكافي عدم جوازه مطلقا، وعن إبن حمزة تخصيص الجواز بحقوق الناس، ويحكى عن الاسكافي في مختصره الاحمدي تخصيصه بحقوق الله عكس إبن حمزة، والاقوى ما هو المشهور لاستلزام عدمه إما فسق الحاكم إن حكم بخلاف علمه أو ايقاف القضاء لا لموجب واستلزامه عدم وجوب إنكار المنكر وعدم وجوب إظهار الحق، ولعموم ما دل على الحكم بالحق، والقسط والعدل وما أنزل الله من الآيات والاخبار عموم أدلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وربما: يستدل عليه أيضا بخبر حسين بن خالد: " الواجب على الامام (ع) إذا نظر إلى رجل يزنى أو يشرب خمرا أن يقيم عليه الحد ولا يحتاج إلى بينة مع نظره لانه امين الله في خلقه وإذا نظر إلى رجل يسرق فالواجب عليه أن يزجره وينهاه ويمضى ويدعه قال: فقلت كيف ذاك فقال: لان الحق إذا كان لله تعالى فالواجب على الامام (ع) إقامته وإذا كان للناس فهو للناس " بتقريب أنه علل وجوب الحد على الامام (ع) بكونه امين الله وهو جار في الاحكام أيضا لجملة من الاخبار كخبر إسماعيل بن جابر: " العلماء أمناء " وخبر السكوني:" الفقهاء أمنا الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا " وخبر تحف العقول: " مجارى الامور على أيدى العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه " لكنه لا يخلو عن إشكال.


32

واستدل: للقول بعدم الجواز بانه موضع التهمة، وهو كما ترى، مع أنه قد يكون مع البينة أيضا كذلك، وبالنبوى (ص) في قضية الملاعنة: " لو كنت راجما لغير بينة لرجمتها " وفيه: أنه لم يثبت من طرقنا، وبالحصر المستفاد من قوله صلى الله عليه وآله: " البينة للمدعى واليمين على من أنكر " وقوله (ع): " إستخراج الحقوق بأربعة وجوه بشهادة رجلين عدلين فان لم يكونا فرجل وامرأتان فان لم تكن إمرأتان فرجل ويمين المدعى فان لم يكن شاهد فاليمين على المدعى عليه " والجواب أنه منزل على الغالب من عدم العلم للحاكم.

نعم يمكن أن يقال: ان الجواز مختص بالعلم الحاصل من الاسباب العادية لا الحاصل من الجفر أو الرمل أو النوم أو نحو ذلك، وعن المسالك إستثناء صور من القضاء بالعلم عن محل الخلاف بمعنى جوازه حتى على القول بالمنع.

منها: تزكية الشهود وجرحهم وإلالزم الدور أو التسلسل: ومنها: الاقرار في مجلس القضاء وإن لم يسمعه غير الحاكم وقيل يستثنى إقرارالخصم مطلقا.

ومنها: العلم بخطأ الشهود وكذبهم يقينا.

ومنها: تعزير من أساء أدبه في مجلسه وإن لم يعلم غيره من ضرورة إقامته ابهة القضاء.

ومنها: أن يشهد معه آخر فانه لا يقصر عن شاهد واحد، وفي الاستثناء نظر كما لا يخفى.

مسألة 43: إذا كان النزاع بين المتخاصمين في أمر يكون محلا للخلاف بين العلماء كما إذا تنازع الولد الاكبر مع سائر الورثة في كون الحبوة مجانا أو بعوض الارث، أو تنازع البكر مع الاب في إستقلالها، أو البايع والمشترى في مايع لاقي ما هو محل الخلاف في نجاسته وعدمها، أو نحو ذلك فترافعا إلى الحاكم فاما أن يكون نزاعهما قبل بنائهما على تقليد مجتهد أو بعد تقليد كل منهما لمن كان فتواه مطابقا لما يدعيه، أو بعد كونهما مقلدين لمجتهد واحد، فعلى الاول الحاكم يحكم برأيه في تلك الواقعة وافق أحدهما أو خالفهما إذا يثبت في حقهما حكم، وكذا على الثاني لعدم ترجيح فتوى مجتهد أحدهما على فتوى الآخر، وعلى الثالث يحكم بينهما بفتوى مجتهدهما لانه حكم شرعى لهما بعد تقليدهما له وهو صحيح عند هذا الحاكم لصحة إجتهاد كل مجتهد وكون فتواه حكما شرعيا


33

في حقه وحق مقلديه حتى عند من خالفه من المجتهدين بخلاف الصورة الثانية، فان فتوى المجتهدين لهما وإن كان حكما شرعيا أيضا إلا أنه مزاحم بالآخر ولا ترجيح، ولا فرق فيهما بين أن يكون أحدهما قد عمل بمقتضى فتوى مجتهده في تلك الواقعة أو لا؟ فلو أخذ الولد الاكبر الحبوة بعنوان المجانية بتقليده من يقول بذلك يسترد منه.

وهكذا، لكن ذكر صاحب المستند في مسألة الاختلاف في استقلال البكر أو الاب: أنه لو تزوج البكر نفسها من شخص بتقليدهما لمن يقول باستقلالها صح ويكفي تقليدها وليس للاب مزاحمتها فإذا رجعا إلى الحاكم يحكم لها.

فانه بعدما حكم بأن الحاكم يحكم برأيه في الصورة الثانية وانه لا يكفي تقليد أحدهما، قال: نعم لو لم يكن الواقعة مما يكون الاثر المترتب على العمل بين المتنازعين فيكفي تقليد أحدهما كمسألة عقد البكر أو الولى فلو عقدت البكر نفسها لزوج بتقليد مجتهد يرى إستقلالها وقبله الزوج بتقليده أيضا، ثم تنازع الولى عند من يرى إستقلاله يجب الحكم بصحة العقد، إذ لا تعلق للولى في أثر العقد الذى هو حلية البضع ولا يحتاج تقليد البكر إلى رضى الولى أيضا.

" انتهى " وأنت خبير بما فيه، لان كون الاثر - وهو حلية البضع بين الزوج والزوجة - لا يمنع من كون الولي أيضا ذا حق في التزويج فلا فرق بينه وبين سائر الموارد في عدم ترجيح تقليد أحدهما على الآخر.

مسألة 44: بناء على ما مر من جواز حكم الحاكم بعلمه هل يجب عليه ذلك لو ترافعا إليه؟ أو يجوز له ترك التصدى للمرافعة بينهما، الظاهر جواز الترك إذا كان هناك غيره ممن كان أهلا للمرافعة، وأما مع الانحصار فيه فلا يجوز تركه كما انه لا يجوز له الايقاف على البينة واليمين لاستلزامه العمل بالبينة ولو على خلاف علمه فيكون حكما بغير ما أنزل الله أو إحلاف من يعلم كونه كاذبا في حلفه، بل لا يجوز له طلب البينة وإن علم أنهما يشهدان على طبق علمه، لانه إلزام بغير موجب إلا أن يكون تركه موجبا لاتهامه.

نعم لا بأس بأن يقول للمدعى: إن أردت إقامتها فلك ذلك.

كما أن لا بأس تحليف المنكر مع كونه عالما بصدقه في حلفه إذا كان برضاه.

وقد يقال: بعدم جوازه ولو برضاه لانه موقوف على الرخصة وهي في المقام مفقودة.

وفيه: أنه لا دليل على حرمته ومقتضى الاصل جوازه إلا أن يقال: نعم ولكن لا يترتب


34

عليه حكم الحلف القاطع للدعوى لعدم توقف الحكم عليه بعد علم الحاكم بكون الحق معه.

مسألة 45: إذا ترافعا إليه في واقعة قد حكم فيها سابقا يجوز له أن يحكم على طبقه فعلا إذا تذكر مستند حكمه السابق، بل وإن لم يتذكر مستنده لان حكمه حجةتامة فيصلح أن يكون مستندا لحكمه فعلا.

هذا إذا تذكر حكمه سابقا، وأما إن لم يتذكر كن شهد به عدلان فهل له أن يحكم على طبقة أم لا؟ قولان فعن بعضهم عدم جوازه لانه يتمكن من تحصيل العلم باستيناف المرافعة، وعن بعضهم جوازه لعموم حجية البينة وعدم وجوب تحصيل العلم بعد حجيتها مع ان حصوله بالاستيناف غير معلوم، ولا فرق في جواز الحكم فعلا على طبق حكمه السابق بين أن يكون عالما بتبدل رأيه في حكم تلك الواقعة أو بعدمه أو شك في ذلك، لان التبدل لا يوجب بطلان الحكم السابق إلا إذا علم كون الواقع على خلافه، وكذا لا فرق بين بقاء الشهود على العدالة أو طرؤ الفسق عليهم، لان المناط العدالة حال الحكم، وأما إذا لم يتذكر الحكم السابق ولم يشهد به عدلان لكن رأى خطه وخاتمه فلا يجوز له الحكم إلا أن ينضم إليه قرائن توجب العلم.

مسألة 46: إذا ترافعا إليه في واقعة تذكر أنه ثبت عنده الحق ولكن لم يصدر منه الحكم على طبقه، فان تذكر مستند الثبوت أو شهد به عدلان جاز له الحكم فعلا لعم لزوم مقارنة الحكم للثبوت لكن بشرط عدم تبدل رأيه في بعض مدارك الثبوت، وإلا فلا يجوز لوجوب كون الحكم على وفق الفتوى فعلا ومجرد الثبوت السابق بدون الحكم لا يكفي كما أنه لا يجوز لو لم يتذكر مستند الثبوت ولا شهد به عدلان، وكذا لا يجوز لو شك فيتبدل رأيه وعدمه.

مسألة 47: لو ترافعا إليه في واقعة شهد عدلان أنه سابقا شهد بان الحق لفلان فهل يجوز له الحكم فعلا بشهادة السابقة الثابتة بشهادة عدلين أو لا؟ فيه قولان أقواهما عدم الجواز.

الفصل الثاني في تعريف المدعى وشروطه مسألة 1: عرف المدعى بتعاريف " أحدها ": أنه من لو ترك ترك، وبعبارة اخرى:


35

من لو سكت يسكت عنه.

والظاهر أن المراد تركه في تلك الدعوى لا مطلقا فلو كان مديونا وادعى الوفاء أو كان عنده مال من غيره فادعى الرد يكون مدعيا، لانه لو ترك هذه الدعوى ترك فيها فيكون الدين باقيا في ذمته أو المال باقيا عنده ولا ينافي عدم تركه من هذه الحيثية.

الثاني: أنه من يدعى خلاف الاصل، والظاهر أن المراد منه أعم من الاصل العملي والامارات المعتبرة كاليد ونحوها وهذا بحسب المصاديق مساوق للاول.

الثالث: أنه من يكون في مقام إثبات قضية على غيره وهذا أيضا يساوق الاولين.

الرابع: أن المرجع فيه هو العرف وهذا أيضا بحسب المصاديق يرجع إلى المذكورات، وقد يعرف بانه من يدعى خلاف الاصل أو الظاهر فان كان المراد من الظاهر الظاهر المعتبر شرعا فيرجع إلى المذكورات وإلا فلا وجه له، كما أنه لا وجه لتعريفه بأنه من يدعى خلاف الظاهر، لمنع صدقه على كل من يدعى خلاف الظاهر وإن لم يكن معتبرا شرعا مع أن من يدعى خلاف الاصل يصدق عليه المدعى قطعا، وأيضا يختلف الظهور و الخفاء بالنسبة إلى الاشخاص فيلزم أن يكون شخص واحد في دعوى واحدة مدعيا عند حاكم ومنكرا عند آخر، وكذا لا وجه لما قد يقال: المدعى من يطلب منه البينة بخلاف المنكر.

إذا الكلام في تعيين المدعى حتى يطلب منه البينة - مع أنه قد يصدق المدعى ولا يطلب منه البينة، بل يقدم قوله للدليل كما في الودعى إذا ادعى الرد أو التلف، وقد يطلب منه الحلف كما في اليمين المردودة واليمين مع الشاهد الواحد.

ثم إنه لا يخفى: أنه ليس المراد من هذه التعريفات بيان معنى لفظ المدعى والمفهوم العرفي منه، بل المراد بيان مصاديقه فلا وجه للايراد عليها بانه لم يثبت حقيقة شرعية في لفظ المدعى ولا مجاز شرعى، وإلا فمن المعلوم أن مفهومه غير المذكورات إذ هو مشتق من الدعاء أو الدعوة بمعنى الطلب وهى تختلف بحسب المتعلق فيقال: دعى زيدا أي طلب منه.

ودعى له أي طلبأمرا خيرا له.

ودعى عليه أي طلب سواء عليه.

ودعى منه أي طلب منه.

وإدعى أي أخبر بمطلب كما إذا قال: السماء فوقنا.

وادعى عليه أي طلب منه شيئا على ضرره.

مسألة 2: لا يخفى انه قد يختلف صدق المدعى والمنكر بحسب مصب الدعوى، مثلا إذا اختلفا في انه باعه كذا أو وهبه إياه فان لم يكن نظرهما إلا إلى تعيين أن


36

الواقع هو البيع أو الهبة يكون كل منهما مدعيا ومنكرا وإن كان مصب الدعوى والغرض منها ثبوت العوض وعدمه فبناء على جريان قاعدة إحترام المال وانه لا يذهب عبثا يكون المدعى من يقول بالهبة، وبناء على عدم ثبوتها وجريان أصالة البراءة عن الشغل بالعوض يكون المدعى من يقول بالبيع، وإن كان مصبها جواز إسترداد ذلك المال وعدمه يكون المدعى من يقول بالهبة فانه يدعى جواز الرجوع، وإن كان مصبهاضمان العين وعدمه إذا تبين فساد المعاملة وقد تلف العين كان المدعى من يقول بالبيع لانه يدعى الضمان بمقتضى قاعدة ما يضمن والاصل البراءة عن العوض.

نعم: لو قلنا بجواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية مطلقا أو في مورد يكون العام مقتضيا كما في اليد المقتضية للضمان يكون المدعى من يقول بالهبة لان مقتضى عمومعلى اليد الضمان وهو مقدم على أصل البراءة.

مسألة 3: يشترط في سماع دعوى المدعى أمور.

أحدهما: الكمال بالبلوغ والعقل فلا تسمع من المجنون وغير البالغ وإن كان مميزا مراهقا بلا خلاف، بل ادعى بعضهم الاجماع عليه لاصالة عدم ترتب آثار الدعوى من وجوب السماع وقبول البينة والاقرار وسقوطها بالحلف ونحو ذلك، ولان المتبادر من الادلة هو البالغ العاقل، ولما دل من الاخبار على انه لا يجوز أمر الصبى حتى يبلغ " قيل " و لكونهما مسلوبى العبارة.

هذا ولكن القدر المتيقن من الاجماع وغيره عدم سماع دعوى الصبى فيما يوجب تصرفا في مال أو غيره مما هو ممنوع منه وإلا فمقتضى عمومات وجوب الحكم بالعدل والقسط ونحوها سماعها في غير التصرفات الممنوعة كما إذا ادعى على شخص أنه جنى عليه أو سلبه ثوبه أو أخذ منه ما في يده، بل لو ادعى أنه غضب دابته أو نحو ذلك وأتى بشهود على مدعاه فلا دليل على عدم سماع دعواه خصوصا إذا كان الخصم ممن يخاف منه الفرار أو كان من المسافرين لكن لا يجوز له التحليف ولا الحلف ولا يسمع


37

إقراره، ولا يدفع إليه ما ثبت كونه ماله.

نعم: إذا لم يكن له ولي فللحاكم مع عدمالبينة إحلاف المنكر مع المصلحة ولا يلزم في سماع الدعوى ترتيب جميع آثارها من الاحلاف والحلف ونحوهما.

الثاني: كونه رشيدا فلا تسمع من السفيه، كما عن الاردبيلى وبعض آخر، بل عن المعتمد دعوى الاجماع عليه، ولعل مرادهم عدم السماع في الدعاوي المتعلقه بالمال وإلا فلا مانع من سماع ما يتعلق بغيره كالقذف والجناية والنكاح ونحو ذلك، بل في الدعاوى المالية أيضا لا مانع من سماعها ما لم ينته إلى تصرف مالى إذا لا دليل على عدم سماع دعواه إلا دعوى الاجماع، والظاهر أن مراد المجمعين عدم السماع في الدعاوى المالية لا مطلقا.

الثالث: كون ما يدعيه لنفسه أو لموكله أو لمن يكون له عليه ولاية من أبوة أو وصاية أو قيمومة أو حكومة أو كونه متعلق حقه من رهانة أو أمانة أو إعارة أو التقاط أو نحو ذلك، فلا تسمع دعوى مال الغير من دون تعلق له به لاصالة عدم وجوب السماع منه وعدم وجوب الجواب على المدعى عليه، وعدم جواز إجباره على الجواب، وعدم ترتب سائر آثار المرافعة، وإنصراف العمومات الدالة على وجوب الفصل بين المتخاصمين والحكم بالحق والقسط والعدل عن مثل ذلك.

نعم الظاهر سماع الدعاوى الحسبية من المحتسبين كما إذا ادعى شخص على ميت له صغار بدين، وهو يعلم أنه أوفاه وذمته برئية وله شهودبذلك، أو ادعى على صديقه أو جاره الغائبين وهو يعلم برائتهما ونحو ذلك، خصوصا إذا كان المدعى بحيث لو أثبت دعواه وأخذ ما يدعيه لم يمكن إسترداده منه لعدم إنصراف العمومات عن أمثال ذلك، وهل يشترط في سماع دعوى الوكيل والولى ثبوت وكالته أو ولايته أو لا؟ بل يكفي إدعاؤه لذلك وجهان، بل قولان أظهرهما الاشتراط.

مسألة 4: لو ترافع بعنوان الولاية أو الوكالة وأثبت ما يدعيه للمولى عليه أو للموكل ثم تبين عدم كونه وليا أو وكيلا يلحقه حكم الدعوى التبرعية.

مسألة 5: إذا ادعى أن المال الذي بيده لزيد وأنه رهن عنده وأثبت ذلك بالشهود فحكم الحاكم له فهل بثبت بذلك ملكية زيد لذلك المال أو لا؟ فيه وجهان أوجههما الثبوت لعدم عدها بالنسبة إليه تبرعية.


38

الرابع: أن يكون ما يدعيه أمرا ممكنا فلا تسمع دعوى محال عقلا أو عادة أو شرعا وأن يكون لازما بحيث يمكن الزام المدعى عليه به على فرض ثبوته، فلا تسمع إذا كان أمرا يجوز له الرجوع فيه، لا لان إنكاره رجوع كما قيل، لانه ممنوع، بل لان من لوازم الدعوى ان يكون المدعى عليه ملزما بما ثبت عليه بحيث يمكن إجباره عليه ومع الجوازلا يكون كذلك فلو ادعى الوقف أو الهبة أو الرهن أو نحو ذلك مما يشترط فيه القبض و الاقباض، لا تسمع واستشكل بعضهم في الشرط المذكور بأن أصل الملك شئ آخر ولكل منهما آثار فيمكن دعوى أحدهما دون الآخر - مع أن لازمه عدم سماع دعوى البيع من دون دعوى إنقضاء زمان الخيار وعدم سماع دعوى الهبة إذا كان المتهب أجنبيا وهكذا - مع أن لا قائل به، ويظهر من صاحب الجواهر أن المراد من اللزوم ليس كونه بحيث لا يكون للمدعى عليه الرجوع أو الفسخ، بل المراد إستحقاق المدعى بعد الاثبات لا مجرد تهيئه له كما في الوقف ونحوه فلا يرد النقض بالبيع ونحوه، لانه إذا أثبته يستحق المبيع ويملكه وإن كان للمدعى عليه فسخه.

قلت: والاقوى سماع الدعوى إذا كان للمدعى غرض عقلائي فيما يدعيه وإن لم يكن صحيحا أيضا، إذ يمكن أن يكون غرضه ثبوت البيع ولو كن باطلا.

الخامس: أن يكون ما يدعيه مما يصح تملكه فلو ادعى عليه خمرا أو خنزيرا أو نحوهما مما لا يملكه المسلم لا تسمع ولو كانت الدعوى على كافر، إلا أن يكون في مقام يثبت له حق الاختصاص.

السادس: أن يكون المدعى به معلوما بالجنس والنوع والوصف والقدر - كما عن الشيخ أبى الصلاح وإبنى زهرة وحمزة وإدريس والفاضل في التحرير والتذكره والدروس، فلاتسع إذا كان مجهولا كأن ادعى فرسا أو دابة أو ثوبا أو شيئا، وعلل ذلك بعدم الفائدة لو أقربه المدعى عليه، وهو ممنوع، ولذا ذهب جماعة إلى السماع، بل نسب إلى الاكثر، وهو الاقوى، لعدم الدليل على ما ذكروه بعد منع عدم الفائدة - مع أنهم ذكروا سماع الاقرار بالمجهول وإلزام المقر بالتفسير، وأيضا ذكروا سماع الوصية بالمجهول بل سماع دعوى الوصية بالمجهول، وعلى ما ذكرنا فان ثبت المدعى بالاقرار أو البينة يلزم المدعى عليه بالتعيين ويقبل منه مسمى المدعى ويحلف على نفى الزايد أو نفى العلم به إن ادعى عليه


39

العلم، وإن ادعى عليه الجهل أو أصر على الامتناع من البيان يؤخذ منه القدر المتيقن بحسب القدر، وأقل الافراد بحسب الوصف والقيمة.

نعم لو كان المدعى به مجهولا مطلقا مرددا بين ماله قيمة وما ليس له قيمة لا تسمع دعواه.

مسألة 6: لا يشترط في سماع الدعوى ذكر سبب إستحقاق المدعى به وكشف الحال في أنه من أي وجه وبأى كيفية فيكفي الاطلاق مجردا عن ذكر السبب من غير فرق بين أن يكون المدعى به عينا أو دينا أو عقدا من العقود حتى في عقد النكاح، والظاهر عدم الخلاف في ذلك بيننا.

نعم إشترط بعضهم ذلك كم في دعوى القتل، وأنه لابد فيه منبيان أنه من عمد أو خطأ، وأنه بالمباشرة أو التسبيب، وكونه قاتلا وحده أو بشركة الغير ونحو ذلك، وعن المبسوط دعوى الاجماع عليه، وعلل ذلك بأن أمره شديد وفائته لا يستدرك وبالخلاف في أسبابه، والاقوى عدم الاشتراط وكفاية الاجمال في السماع، نعم للحاكم أن يستفصل ولو لم يعلم التفصيل لم تسمع، وإن كان يمكن أن يقال مقتضى النصوص الدالة على انه لا يطل دم امرئ مسلم، ثبوت الدية في كلي القتل بعد ثبوته، وتمام الكلام في محله.

مسألة 7: إستشكل بعضهم في

سماع دعوى الاقرار

ولو كان بالمعلوم، لانه لا يثبت الحق في الواقع، بل إنما يؤخذ به في الظاهر من باب أن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " وفيه ": أن ثبوت الحق ظاهرا يكفي في وجوب السماع فلو ثبت إقراره بالاقرار أو بالبينة يحكم عليه ظاهرا ولا ينبغى التأمل فيه.

السابع: أن تكون الدعوى صريحة في إستحقاق المدعى وإلا فلا تسمع، لعدم الفائدة لو ثبت ما يدعيه بالاقرار أو البينة، مثلا إذا قال: هذه الامة التى عندك إبنة أمتى.

لا تسمع إلا مع ضم قوله وهي الآن لى، وإلا فيمكن كون الامة حرة أو ملكا للغير، وكذا لو قال:


40

هذا التمر من نخلى.

لاحتمال كونه لغيره مع كون النخل له، وكذا لو قال: هذه الامة تولدت من أمتى في ملكي.

لاحتمال كونها لغيره وإن تولدت من مملوكته فلا تكون الدعوى صريحة في إستحقاقه لها إلا مع الضميمة المذكورة.

ودعوى: أن مقتضى التبعية كونها تابعة لامها " مدفوعة " بان المفروض أنها في يد المدعى عليه وهي مقدمة على قاعدة التبعية - مع أنها لا تنفع في صراحة الدعوى، ولذا لو أقر من بيده الامة أنها بنت مملوكة فلان لا يكون إقرار بانها له.

قالوا ولا كذلك لو قال: هذا الغزل من قطن فلان أو هذا الدقيق من حنطة فلان.

فانه إقرار بانه له، وعلى هذا فلو ادعى على أن هذا الغزل من قطني أو هذا الدقيق من حنطتي تسمع دعواه ففرق بين مثال الامة والبنت والنخل والتمر، وبين مثل القطن والغزل والحنطة والدقيق والدبس والتمر.

قلت: يشكل ما ذكروه من الاشتراط المذكور أي الصراحة في الاستحقاق، إذ الظهور أيضا كاف في صدق الدعوى ومن المعلوم أن الدعاوى المذكورة ظاهرة في إرادة الاستحقاق الفعلى فلا حاجة إلى ضم الضميمة المذكورة، فما ذكروه من عدم السماع إنما يتم إذا قال المدعى: هذه دعواى لا أزيد.

وأما إذا قال: أتمم الدعوى بعد حصول البينةلى.

فلا وجه لعدم سماعها بل لو أطلق لزم السماع، إذا الاصل في الدعوى وجوب السماع إلا أن يعلم عدم الفائدة فيها.

ثم لا فرق بين المذكورات وبين دعوى أن هذا الغزل من قطني أو هذا الدقيق من حنطتي، إذ غاية الامر أن مقتضى تبعية الفرع للاصل كونه له لكن يمكن أن يكون المدعى عليه قد اشترى منه ذلك الغزل فليست صريحة في الاستحقاق إلا مع ضم قوله: فهو لى.

وكذا لو قال المدعى عليه: إن الغزل من قطنك لكنه لى.

لا يعد إنكارا بعد إقرار.

مسألة 8: لو ادعت إمرأة زوجيتها لرجل سمعت دعواها من غير حاجة إلى ضم دعوى شئ من حقوق الزوجية، لان هذه الدعوى تتضمن دعوى لوازمها.

وكذا ادعى رجل زوجية إمرأة، والظاهر أن من هذه القبيل لو ادعى أن فلانا غصب دارى أو اشترى منى ضيعتي أو اقترض منى كذا مقدارا فلابد من سماعها وإن لم يضم إليها دعوى إستحقاق رد الغصب أو


41

أداء الثمن أو عوض ما اقترض، لكون الدعاوى المذكورة متضمنة لدعوى هذه اللوازم فلا وجه لما في المستند من عد هذه الدعاوى مما لا يجب سماعها إلا مع الضميمة - مع أنه صرح بسماع دعوى الزوجية من غير حاجة إليها.

مسألة 9: من الدعاوى التى لا تسمع من جهة عدم الفائدة، دعو المحكوم عليه على الشاهد بأنه يعلم فسق نفسه لان المناط ثبوت عدالته عند الحاكم مع أنه أو أقر بفسق نفسه لا يكون عليه شئ من طرف شهادته.

الثامن: أن يكون للمدعى طرف يكون بينهما مخاصمة ومنازعة فعلا فلو لم يكن له طرف موجود فعلا وأراد إثبات مطلب وإصدار عليه ليكون قاطعا لدعوى محتملة فيما سيأتي كما إذا كان هناك وقف على كيفية صحيحة عند بعض العلماء دون بعض فاراد إصدار الحكم ممن يقول بصحته دفعا لادعاء بعض البطون اللاحقة ونحو ذلك مما هو محل الخلاف أو كان له طرف لكن لم يكن بينهما منازعة فعلا كأن يكون معترفا بحقه لكن أراد إثبات حقه وأخذ الحكم دفعا لما يحتمل من جحوده بعد ذلك لا يجب على الحاكم سماعها، ولو سمعها وثبت عنده بالبينة أو الاقرار وحكم به لا يترتب عليه آثار الحكم من وجوب العمل به وحرمة نقضه، لان المتبادر مما دل على وجوب السماع وترتب آثار الحكم صورة وجود المنازعة فعلا كذا قاله بعضهم.

قلت: وهو كذلك بالنسبة إلى وجوب السماع وعدمه وأما بالنسبة إلى ترتب الآثار لو سمع وحكم فيمكن دعوى ترتبها لعموم ما دل على وجوب العمل على طبق الحكم وعدمجواز نقضه، ودعوى الانصراف من هذه الجهة محل منع، ويظهر ذلك من صاحب الجواهر أيضا - حيث أنه بعدما نفى الاشكال في صحة الحكم بالهلال والحدود التى لا خصومة فيها قال: " وعليه حينئذ فإذا أنشأ الحكم بصحة تزويج المرتضعة معه عشر رضعات مثلا لم يكن لهما الخصومة بعد ذلك من هذه الجهة فتأمل، انتهى.


42

التاسع: الجزم في الدعوى على المشهور فلا تسمع الدعوى الظنية والوهمية، وعن جماعة عدم الاشتراط مطلقا فتسمع ولو كانت إحتماليه، وعن بعضهم تخصيص السماع بصورة التهمة، وعن بعضهم بصورة الظن، وعن آخرين السماع فيما يخفى ويعسر الاطلاع عليه كالقتل والسرقة ونحوهما دون مالا يخفى، وعن صاحب المعتمد تخصيص السماع بصورة إحتمال الاقرار أو وجود البينة أو إدعاء المدعى أحدهما فان تحقق وإلا سقطت، كما أنها تسقط مع عدم إحتمال شئ منهما من الاول، واستدل للقوم بالاشتراط بان المتبادر من الدعوى ما كان بالجزم.

وفيه، أولا أنه ممنوع، وثانيا أنه يكفى صدق المخاصمة والمنازعة فيشمله ما عدى قوله صلى الله عليه وآله: البينة على الدعى.

الخ.

من العمومات كقوله (ع): إستخراج الحقوق بأربعة.

الخ.

ونحوه، وبان السماع ضرر على المدعى عليه من حيث إلزامه بالاقرار والحلف أو التعزير" وفيه " بعد المنع المعارضة بضرر المدعى مع عدم السماع، وبان لازم السماع القضاء بالنكول أو يمين المدعى في صورة عدم الاقرار والبينة وكلاهما مشكل لعدم جواز أخذ المدعى به مع عدم علمه بالحق وإنكار المدعى عليه، وإحتمال كون نكوله عن الحلف للتعظيم أو نحوه، وكذا عدم جواز حلف المدعى بدون العلم " وفيه " بعد تسليم عدم جواز ترتيب أثر النكول أن هذا لا يمنع أصل السماع غاية ما يكون عدم ترتيب جميع آثار القضاء والدعاوى التى لا يترتب عليها جميع الآثار الكثيرة.

والاقوى أن المناط صدق الدعوى والمخاصمة والمنازعة عرفا وهى إنما تصدق في صورة وجود التهمة وهى أعم من الظن والاحتمال بمعنى أن قد تصدق وإن لم يكن ظن ولا تسمع بدون صدقهما وإن حصل الظن، ومع صدق المذكورات يشملها العمومات مثل قوله (ع): البينة على المدعى.

الخ وقوله (ع): إنما أقضى بينكم.

الخ و قوله (ع): إستخرج الحقوق بأربعة.

الخ وأما التمسك لعدم الاشتراط بأصالة عدمه


43

فلا وجه له، إذ مع قطع النظر عن الصدق الدعوى وشمول العمومات الاصل عدم وجوب السماع، وكذا لاوجه للتمسك بعموم ما دل على وجوب الحكم بما أنزل الله والقسط والعدل، إذ لعل ما أنزل الله إيقاف الدعوى إلا حصول الجزم.

نعم: يمكن تأييد المدعى بالاخبار الواردة في إستحلاف الامين مع التهمة كخبر بكر بن حبيب: " قلت لابي عبد الله (ع): أعطيت جبة إلى القصار فذهبت بزعمة.

قال (ع): إن اتهمته فاستحلفه وإن لم تتهمه فليس عليه شئ " وخبره الآخر عنه (ع) أيضا: " لا يضمن القصار إلا ما جنت يداه وإن اتهمته أحلفته " وخبر أبى بصير عنه (ع) أيضا: " لا يضمن الصائغ ولا القصار ولا الحائك إلا أن يكونوا متهمين فيخوف بالبينة ويستحلف لعله يستخرج من شيئا " وهي وإن كانت مختصة بصورة تحقق اليد المقتضية للضمان من حيث هي فلا يشمل سائر الدعاوى الظنية من غير تحقق اليد إلا أنه يمكن أن يستفاد منها جواز الاحلاف مع التهمة مطلقا، ثم على السماع في صورة التهمة أو مطلقا إذا ثبتت الدعوى بالاقرار أو البينة فلا إشكال، وإلا فان حلف المدعى عليه سقطت الدعوى كذلك، وإن لم يحلف فليس له الرد على المدعى، لان الاخبار الدالة على تخيير المدعى عليه بين الحلف والرد ظاهرها أو القدر المتيقن منها صورة إمكان الحلف من المدعى بان يكون جازما في الدعوى فلا تشمل المقام، وحينئذ فان قلنا بالقضاء بالنكول يلزم المدعى عليه بالحق، وإلا فتوقف الدعوى.

نعم: لو قلنا بشمول الاخبار المذكورة لجميع أفراد التهمة من غير إختصاص بمواردهامما فيها اليد المقتضية للضمان أمكن دعوى الالزام بالحق مع النكول وإن لم نقل بالقضاء به في ساير المقامات، لان الظاهر من الاخبار المذكورة ثبوت الحق مع عدم اليمين، لكن الاشكال في التعدي عن موردها - ومع ذلك يمكن أن يقال: بعد صدق الدعوى والمخاصمة والمنازعة والمشاجرة في صورة التهمة وبعد عدم شمول أخبار رد اليمين على المدعى للمقام، وإنصرافها إلى صورة إمكان الحلف منه: مقتضى عمومات وجوب الفصل بين المتخاصمين وكون


44

الميزان في الفصل البينة واليمين لقوله صلى الله عليه وآله: " إنما أقضى بينكم بالبينات والايمان " لزوم اليمين على المنكر، وأنه إذا حلف برئ، وإذا لم بحلف، يلزم بالحق، بل يمكن أن يقال: مقتضى قوله صلى الله عليه وآله: " البينة للمدعى واليمين على من أنكر " أيضا ذلك - يعنى أن الفاصل مع عدم البينة هو الحلف - وأنه إذا حلف برئ وإذا لم يحلف يلزم بالحق، وإنما خرج عنه صورة إمكان رد اليمين بالاخبار، وإلا فمقتضاه أن الفاصل عند عدم البينة هو اليمين وجود أو عدما، فايقاف الدعوى خلاف مقتضى القاعدة، وإنما ثبت في صورة الدعوى على الصبى والغائب ونحو هما مما له أمد يرتقب، لا مثل المقام الذى لا أمد يرتقب، فمن هذا مع التأيد بأخبار إستحلاف الامين الظاهرة في الالزام بالحق مع عدم الحلف وعدم البعد في التعدي عن موردهايمكن أن يقال: بالزام المدعى عليه بالحق في صورة التهمة إذا نكل عن اليمين، لا ايقاف الدعوى مع عدم أمد له يرتقب.

مسألة 10: إذا قلنا باشتراط الجزم في سماع الدعوى هل يجوز لغير الجازم أن يبرز الدعوى بصورة الجزم لتسمع دعواه؟ الظاهر عدم الجواز، كما أنه يشكل جواز الابراز بصورة الظن والتهمة مع كونه جازما، لبعض الاغراض على القول بسماعها مع التهمة بأن يكون غرضه عدم رد الحلف عليه.

العاشر: تعيين المدعى فلو ادعى أحد الشخصين أو الاشخاص مرددا بان قال: " لى كذا على زيد أو على عمرو " أو قال: " قتل إبنى أحد هذين " لم يسمع دعواه لعدم الفائدة إذا ثبت ذلك بالبينة أو باقراراهما على وجه الترديد بأن قالا: نعم واحد منا مديون لكن لا ندرى المعين، إذا الاصل براءة كل منهما - كما في الجناية المرددة - كذا يظهر من بعضهم، لكن يمكن أن يقال: بالسماع، وفائدته ثبوت الحق لو علم بعد ذلك براءة أحدهما ولو باقرار الآخر.

هذا مع أن يمكن أن يقال: إذا فرض العلم باشتغال ذمة أحد الشخصين لشخص بمقدار لا يجرز إجراء أصالة البراءة من كل منهما لانه مستلزم للضرر على ذلك الشخص، بل اللازم توزيع ذلك المقدار عليهما أو القرعة بينهما كما أن في العكس بان علم شخصباشتغال ذمته لاحد الشخصين لا يجب عليه الاحتياط بدفع المقدار المعلوم إلى كل منهما لانه ضرر على ذلك الشخص بل يوزعه عليهما أو يقرع بينهما، وحينئذ يمكن أن يقال - بعد صدق


45

الدعوى والمنازعة والمخاصمة - مقتضى عمومات وجوب الفصل بين المتنازعين وكون ميزانه البينة واليمين سماع الدعوى، فان ثبت بالاقرار أو البينة إشتغال ذمة أحدهما يوزع عليهما أو يقرع بينهما، وإن لم يثبت فعليهما الحلف فان حلفا براء، وان حلف أحدهما ونكل الآخر إلزم بالحق، وإن نكلا يوزع عليهما أو يقرع بينهما ويظهر: من المحقق في الشرايع في باب القصاص السماع مع الترديد في المدعى عليه، قال: " ولو قال قتله أحد هذين سمع إذ لا ضرر في إحلافهما ولو أقام بينة سمعت لاثبات اللوث " وتبعه جماعة منهم العلامة " رحمه الله " في القواعد بل قال: " وكذا دعوى الغصب و السرقة وأما القرض والبيع وغيرهما من المعاملات فاشكال ينشأ من تقصيره بالنسيان والاقرب السماع أيضا " انتهى.

ولا يخفى أن لازم جواز إحلافهما جواز ترتيب أثره وهو الالزام بالحق مع النكول منهما أو من أحدهما، وإلا لزم لغوية حق الاستحلاف لانه على هذا لكل منهما الامتناع عن الحلف والمفروض عدم شئ عليهما حينئذ والرد على المدعى أيضا لا ينفع إذاحلف على الترديد - بناء على ما هم عليه من عدم ثبوت شئ إذا ثبت بالبينة على وجه الترديد - وتمام الكلام معهم في مقام آخر.

مسألة 11: كما أن الاقوى سماع الدعوى مع الترديد في المدعى عليه كذلك تسمع مع الترديد في من له الحق، فلو ادعى إثنان أن، لاحدهما على واحد كذا.

تسمع وبعد الاثبات بالاقرار على وجه الترديد أو البينة كذلك يقتسمان على وجه الصلح القهري أو يعينان بالقرعة، وإذا وكل أحدهما الآخر أو وكلا ثالثا جاز وارتفع إشكال الترديد.

مسألة 12: إذا ادعى على جماعة غير محصورين لا تسمع لعدم الفائدة.

مسألة 13: تسمع الدعوى على الغائب ويجوز الحكم عليه مع البينة إذا لم يكن في البلد بأن كان مسافرا أو من أهل بلد آخر قريبا كان أو بعيدا على المشهور المدعى عليه الاجماع.

ويدل عليه مرسل جميل: " الغائب يقضى عليه إذا قامت البينة ويباع ماله ويقضى عنه دينه وهو غائب ويكون الغائب على حجته إذا قدم ولا يدفع المال إلى الذى أقام البينة إلا بكفلاء إذا لم يكن ماليا " وخبر محمد بن مسلم وهو مثله إلا قوله: إذا لم يكن مليا.

والخبر عن أبى موسى الاشعري: " كان النبي صلى الله عليه وآله إذا حضر عنده خصمان فتواعدا الموعد


46

فوفى أحدهما ولم يف الآخر قضى للذى وفي على الذى لم يف أي مع البينة " وقد استدل أيضا بقوله صلى الله عليه وآله لهند زوجة أبى سفيان - بعد ما ادعت أن أبا سفيان رجل شحيح وأنه لا يعطيها ما يكفيها وولدها -: " خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف " وفيه أنه ليس من باب الحكم، بل بيان الفتوى مع كون أبى سفيان غائبا عن البلد غير معلوم.

وأما ما في خبر قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه عن علي (ع): " لا يقضى على الغائب " فهو محمول على إرادة عدم الجزم في الحكم بحيث لا يكون على حجته فلا إشكال في المسألة في الجملة، ومقتضى إطلاق الخبرين عدم الفرق بين تيسر حضوره وتعسره.

وبين إمكان إعلامه وعدمه، فيكفي كونه غائبا عن البلد، لكنه مشكل والقدر المتيقن ما إذا لم يمكن إعلامه، إذ لعله يريد أن ينصب وكيلا عنه، أو أن يحضر بنفسه.

وأما: إذا كان في البلد لكن كان غائبا عن مجلس المرافعة فالمشهور أنه يجوز الحكم عليه إذا تعذر عليه الحضور، بل يظهر من بعضهم الاجماع عليه، لكنه مشكل بدون إعلامه.

نعم: لو امتنع عن الحضور من غير عذر جاز الحكم عليه، كما أنه إذا كان يمكنه الحضور ولم يكن ممتنعا لا ينبغى الاشكال في عدم جواز الحكم عليه، وإن لم يعلم إمتناعه وعدمه ففيه خلاف، فعن جماعة جواز الحكم عليه، بل ربما ينسب إلى المشهور، وعن الشيخ عدمجوازه ومال إليه الاردبيلى، وهو الاقوى، كما أنه لو كان حاضرا في مجلس المرافعة لا يجوز الحكم عليه بعد قيام البينة بدون إعلامه.

ثم: مقتضى الاطلاق عدم الفرق في جواز الحكم على الغائب بين أن يدعى المدعى جحوده عن الحق أو لا؟ فما قد يدعى من إشتراط سماع دعواه بادعاء جحوده لا دليل عليه.

نعم لو قال: " إن الغائب معترف بحقى " يمكن أن يقال: بعدم سماع دعواه بناء على إعتبار تحقق المنازعة في سماع الدعوى، ومع إعترافه باعتراف المدعى عليه بالحق لا يصدق النزاع والمخاصمة، لكنه أيضا ممنوع، لشمول عمومات الحكم بالقسط والعدل والقضاء بالبينات والايمان.

ثم: الظاهر كفاية قيام البينة في الحكم على الغائب وعدم الحاجة إلى ضم اليمين لعدم الدليل عليه مع إطلاق الخبرين، لكن المحكى عن المشهور الحاجة إليه كما في الدعوى


47

على الميت وسيأتى الكلام معهم في تلك المسألة.

ثم مقتضى الخبرين دفع الحق الثابت بالبينة من مال المدعى عليه إلى المدعى، لكن بكفيل إلا إذا كان المدعى مليا كما هو مقتضى الجمع بين الخبرين، ولا يبعد أن يكون المناط حصول الاطمينان بعدم الضرر على المدعىعليه لو حضر وأثبت الخلاف، وإن توقف الدفع على بيع مال جاز للحاكم بيعه ودفع ثمنه إلى المدعى، ولا فرق في وجوب أخذ الكفيل بين ما لو قلنا بوجوب الحلف على المدعى منضما إلى البينة أو لا؟ وربما يقال: بعدم الوجوب لو قلنا بوجوب ضم اليمين ولا وجه له.

ثم: إنه لا إشكال في أن الغائب على حجته من جرح الشهود ونحوه من عدم أهلية الحاكم أو وجود بينة معارضة لبينة المدعى، والظاهر جواز إعادة المرافعة برضاهما عند الحاكم الاول أو غيره، ولا يكون ذلك نقضا للحاكم الاول، لعدم تماميته بعد كون الحجة باقية.

ثم: إن المشهور إختصاص الجواز بحقوق الناس فلا يجوز الحكم على الغائب في حقوق الله تعالى مثل الزنا واللواط ونحوهما، بل الظاهر عدم الخلاف، فيه للاصل وقاعدة درء الحدود بالشبهة وبنائها على التخفيف، ولو اشترك الحق بين الناس وبين الله تعالى، كما في السرقة من حيث المال، والقطع يثبت في الاول دون الثاني، وتردد المحقق في ذلك لانهما معلولا علة واحدة، فلا وجه للتبعيض " وفيه " منع كون العلة في القطع هو السرقة فقط، بل مع ثبوتها تحضور المدعى عليه.

وأما الجواب بأن العلل الشرعية معرفات لا أنها علل حقيقة " ففيه " أنها بعد الجعل كالعلل العقلية.

الكلام في

جواب المدعى عليه

وهو إما إقرار أو إنكار أو سكوت، وعده جوابا مسامحة حيث أنه بمنزلة الانكار، أو يقول: لا أدرى، أو يقول: أديت، أو رددت، أو أنت أبرأتني، أو نحو ذلك مما يكون منافيا لدعوى المدعى، أو يقول: ليس لى، واللازم بيان حكم كل من هذه.


48

الفصل الثالث في

الجواب بالاقرار

مسألة 1: إذا أقر المدعى عليه بالحق عينا أو دينا وكان جامعا لشرايط صحة الاقرار إلزم به بعد حكم الحاكم.

وعن المسالك جواز إلزامه به قبل الحكم أيضا لنفوذ إقرار العقلاء على أنفسهم.

وهذا بخلاف ما إذا ثبت الحق بالبينة فانه لا يلزم إلا بعد الحكم، والفرق أن البينة منوطة بنظر الحاكم في قبولها وردها وهو غير معلوم، بخلاف الاقرار.

قيل ويظهر الثمرة في صورة كون الدعوى ظنية أو إحتمالية، فانه يجوز للمدعى المقاصة من ماله مع الاقرار لا مع البينة، فانه لا يجوز معها المقاصة إلا بعد حكم الحاكم، وأما في الدعوى الجزمية فتجوز المقاصة ولو مع عدم الاقرار والبينة، وقد يقال: يظهر الثمرة أيضا في جواز إلزام كل أحد له على دفع الحق بعد الاقرار من باب النهى عن المنكر، بخلافالبينة فانه لا يجوز إلا بعد الحكم، وأيضا يجوز حكم حاكم آخر إذا ثبت عنده الاقرار عند الحاكم المترافع إليه بخلاف البينة فانه لا يجوز الحكم بها مجرد ثبوت قيامها عند حاكم، بل لابد من قيامها عند نفسه.

وحاصل: كلام صاحب المسالك ومن تبعه أن الاقرار حجة مطلقا بخلاف البينة فان حجيتها موقوفة على حكم الحاكم، والتحقيق عدم الفرق بينهما، أما من حيث فصل الخصومة فهو موقوف على حكم الحاكم فيهما، وأما من حيث ثبوت الحق وعدمه وجواز المطالبة والالزام وعدمه فكذلك أيضا بناء على عموم حجية البينة لكل من قامت عنده أو سمع الشهادة منهما إذ على هذا كما أنه يجوز لكل من سمع الاقرار مع تحقق شرائط أن يلزم المقر بالحق كذلك يجوز لكل من سمع شهادة الشاهدين مع علمه بعدالتهما أن المدعى عليه بما شهدا به، وكما أن في البينة إذا قامت عند الحاكم وكانت معتبرة عنده لا يجوز لمن لم يسمع الشهادة أو سمعها ولم يعلم عدالة الشاهدين أن يلزم المدعى عليه بالحق إلا بعد حكم الحاكم، فكذلك إذا تحقق الاقرار عند الحاكم ولم يسمعه أو لم يفهمه شخص لا يجوز له ترتيب الاثر بمجرد ذلك، بل لابد من حكم الحاكم، وكما أن في الدعوى غير الجزمية يجوز للمدعى المقاصة بعد الاقرار فكذلك بعد البينة بناء على عموم حجيتها،فالفرق بينهما إنما يتحقق على القول الآخر من عدم حجية إلا للحاكم، فانه لا


49

يثبت الحق إلا بعد حكمه، وهذا بخلاف الاقرار فان حجيته معلومة لكل أحد ولو مع قطع النظر عن قوله: إقرار العقلاء على أنفسهم جايز لبناء العقلاء عليه جميعا.

هذا: ويمكن أن يفرق بينهما ولو على القول بعموم حجية البينة بان تحقق الاقرار لا يحتاج إلى مؤنة واجتهاد غالبا، فان حجيته معلومة ودلالة الالفاظ على الاقرار واضحة غالبا بخلاف البينة فان تحققها يحتاج غالبا إلى إجتهادات لا تحصل إلا للحاكم، وإلا فمع تحقق البينة العادلة والواضحة بعد عموم حجيتها لا فرق بينها وبين الاقرار، كما أنه إذا كان تحقق الاقرار وعدمه موقوفا على بعض الاجتهادات - كما في بعض الاقرارات - يكون حاله حال البينة في عدم جواز الالزام معه إلا بعد الحكم، والظاهر ان نظر صاحب المسالك في الفرق أيضا إلى الغالب، وإن كان المراد أن الثبوت عند الحاكم إذا كان بالاقرار يترتب عليه الاثر ويجوز معه الالزام بالحق في ظاهر الشرع لكل من اطلع عليه وإن لم يكن سمع الاقرار، غاية الامر أن الفصل لا يحصل إلا بالحكم وقبله يجوز للمدعى عليه وغيره نقضه، بخلاف ما إذا كان بالبينة المقبولة المعتبرة فانه لا يجوز ترتيب الاثر عليها لمن يسمع الشهادة إلا بعدالحكم " ففيه " أيضا منع الفرق بعد فرض كون البينة معتبرة مقبولة عند الحاكم بحيث لم يبق له منتظرة لجواز الحكم معها، فانه يجوز لكل من اطلع على الثبوت عند الحاكم ترتيب الاثر على ما يظهر من بعضهم إرساله إرسال المسلمات، لكنه مشكل لقوة إحتمال التوقف على الحكم في الصورتين.

مسألة 2: بعد الاقرار الجامع لشرائطه، وسؤال المدعي للحكم، وتوقف وصول حقه إليه، عليه يجب الحكم على الحاكم، بل قيل ظاهرهم عدم الخلاف في وجوبه بعد سؤال المدعى مطلقا ولو مع عدم التوقف، وهو مشكل بناء على كفاية الاقرار في ثبوت الحق وجواز المطالبة، وكون فائدة الحكم تحقق الفصل نعم: إذا قلنا بعدم كفاية الاقرار في جواز المطالبة وتوقفه على الحكم هو كذلك، بل لا ينبغى التأمل في وجوبه حينئذ، وهل يجوز الحكم قبل سؤال المدعى أو لا؟ قولان يظهر من جماعة جوازه، وعن المبسوطة عدمه، وتوقفه على السؤال، والاقوى الاول لان مقتضى الادلة بعد الرجوع إلى الحاكم للمرافعة جواز تصديه لها بجميع كيفيتها من دون حاجة إلى السؤال من المدعى أو المدعى عليه.

من


50

هذا نقول: الاقوى جواز مطالبة الجواب من المدعى عليه بعد بيان المدعى دعواه وعدم توقفهعلى مطالبة المدعى كما قد يقال - مع أن شهادة حال المدعى موجودة في المقامين، وهى كافية على فرض الحاجة إلى سؤاله، نعم لو ظهر منه عدم الرضا بالحكم أو منع عنه لغرض من الاغراض لم يجز للحاكم أن يحكم، وإذا حكم يشكل صحته وترتب الآثار عليه.

مسألة 3: الحكم إنشاء الالزام بشئ من مال أو أو ايقاع أو إنشاء إثبات أمر كما

في الحكم

بالهلال ونحوه، ولا يعتبر فيه لفظ خاص فيه بل يكفي فيه كل ما دل على ذلك كحكمت، وقضيت، وألزمت، وأنفذت، وادفع إليه ماله، بل يكفي فيه قوله: ثبت عندي كذا.

كذا قصد به الانشاء، ولا يكفي إذا قصد به الاخبار، كما أن حكمت أيضا إذا قصد به الاخبار لا يكفي، بل يكفي فيه الفعل الدال إذا قصد به الانشاء كما إذا أمر ببيع مال المحكوم عليه أو أخذ ماله ودفعه إلى المحكوم له.

مسألة 4: في وجوب كتابة الحكم وإعطائه بيد المحكوم له وعدمه قولان، اسند إلى الاشهر الاول، والاقوى الثاني، إلا إذا توقف وصول حقه إليه عليه وحينئذ فالظاهر عدم جواز أخذ الاجرة عليه كأصل الحكم لانه من تتمته، ولا يجوز أخذ الاجرة عليه، لان المستفاد من الادلة إرادة الشارع له مجانا.

نعم الظاهر جواز أخذ قيمة المداد والقرطاس، ولا وجه لما في المستند من عدم جواز أخذها أيضا لان إعداد ما يتوقف عليهالكتابة الواجبة يكون مثلها في توقف الواجب عليه، فيكون واجبا، ولا يجوز أخذ الاجرة على الواجب، لانا نقول: لا دليل على عدم جواز أخذ الاجرة على الواجب إلا الاجماع في الجملة، والقدر المتيقن منه غير مثل المقام، وإلا دعوى إستفادة المجانية من دليل الوجوب وهذه الدعوى يمكن تسليمها في أصل الحكم وأصل الكتابة في الصورة المذكورة، وأما بالنسبة إلى مثل المداد والقرطاس الذي هو من بذل المال فلا، فالكتابة نظير تكفين الميت حيث أنه واجب بشرط وجود الكفن، ولا يلزم دفع الكفن على من وجب عليه التكفين.

ثم اللازم في الكتابة ذكر إسم المحكوم عليه ونسبه على وجه يتميز عن غيره بحيث لا يكون معرضا للتدليس والاشتباه بغيره، أو يكتب حليته كذلك لذلك.

مسألة 5: إذا كان المقر المحكوم عليه واجد للمال الزم به وإن امتنع اجبر عليه.


51

وإن ماطل وأصر على الامتناع جازت عقوبته بالتغلظ في القول ورفع الصوت عليه والشتم بمثل قوله: يا ظالم يا فاسق.

بل بالحبس والضرب حسب مراتب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الاهون فالاهون لقوله صلى الله عليه وآله: " لى الواجد يحل عقوبته توعرضه " وقوله (ع) في موثقه عمار: " كان أمير المؤمنين (ع) يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه ثم يأمر فيقسمماله بينهم بالحصص فان أبى باعه فيقسم بنيهم " وقوله (ع) في رواية غياث: " إن عليا (ع) كان يحبس في الدين فإذا تبين له حاجة وإفلاس خلى سبيله حتى يستفيد مالا " وقوله (ع) في خبره الآخر " إن عليا (ع) كان يحبس الرجل إذا التوى على عرمائه " والاخبار الواردة في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر كقوله (ع) في خبر جابر الطويل: " فانكروا بقلوبكم والفظوا بالسنتكم وصكوا بها جباههم " وقوله (ع) في مرسلة التهذيب: " قد حق لى أن آخذ البريئى منكم بالسقيم، وكيف لا يحق لى ذلك وأنتم يبلغكم عن الرجل منكم القبيح ولا تنكرون عليه ولا تهجرونه ولا تؤذونه حتى يتركه ".

وظاهر الخبر الاول: جواز ذلك كله للمحكوم له كما يجوز للحاكم، وقد يقال: بجواز ما عدى الحبس منها واختصاصه بالحاكم لانه كالتعزير من وظايفه دون غيره، وذهب صاحب المستند إلى اختصاص الجميع بالحاكم بدعوى أن الاصل عدم جواز هذه الاعمال، والقدر المتيقن الرخصة للحاكم - مع أن غيره لا يعلم القدر الجائز فربما يتعدى عن الحق، والاخبار المذكورة لا تكفي في الخروج من الاصل، فان الاول منها مجمل، إذا لم يبين أن العقوبة على من تحل، وأخبار الحبس مخصصة بالامام (ع) وأخبار الامر بالمعروف وإن كانت عامة إلا أنها مخصصة بمثل خبر مسعدة بن صدقة: " سئل عن الامر بالمعروفوالنهي عن المنكر أو اجب هو على الامة جميعا؟ فقال (ع): لا.

فقيل: ولم؟ فقال: إنما هو على القوي المطاع العالم بالمعروف من المنكر لا على الضعفة الذين لا يهتدون سبيلا.

إلى أن قال:


52

والدليل على ذلك كتاب الله عزوجل [ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ] فهذا خاص غير عام.

الحديث ".

قلت: والاقوى جواز ما عدى الحبس للمحكوم له، بل ولغيره من باب الامر بالمعروف، وإجمال الخبر الاول ممنوع، بل الظاهر منه جواز العقوبة لصاحب الحق أو مطلقا، وقوله تعالى: [ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم ] ظاهر في اختصاص التغليظ في القول بمن ظلم فلا ينبغى الاشكال في جوازه للمحكوم له، وتخصيص أخبار الامر بالمعروف بخبر مسعدة ممكن، بل الظاهر منه جواز الامر بالمعروف بمراتبه لكل قوي مطاع عالم، وإن لم يكن مجتهدا، بل يمكن أن يقال: بجواز الحبس أيضا لغير الحاكم ولا يضر كون مورد الاخبار حبس الامام (ع) لان ظاهر نقل فعل الامير (ع) يدل على أن الحكم ا لشرعي فيه ذلك، لكن الاحوط إختصاصه بالحكم.

نعم يجوز له الاذن لغيره بمباشرته، واللازم على المأذون الاقتصار في كيفيته على مقدار الاذن.

مسألة 6: كما يحوز حبس المماطل كذا يجوز للحاكم أن يأخذ من ماله ويؤديه للمحكوم له إذا كان عنده من حبس ما عليه، ويجوز بيع ماله، وأداء ما عليه من ثمنه إذا لم يكن عنده من جنسه، وحينئذ فان لم يتمكن إلا من أحدهما تعين، وإن تمكن من كل منهما فهل يقدم الاول لانه من تتمة الاجبار اللازم تقديمه على التصرف في ماله؟ أو الثاني لان أداء ما عليه واجب على أي حال فهو مما لابد منه، والحبس عقوبة زائدة فإذا امتنع من أدائه يتصداه الحاكم من ماله، أو التخيير لعدم صلاحية الوجهين للتقديم مع كون كل منهما خلاف الاصل وفي عرض واحد، فيتخير بينهما بعد ثبوت جوازهما في الجملة.

وهذا هو الاقوى كما اختاره المحقق في المقام وفي باب الفلس في الشرايع وفي الرهن الذي هو نظير ما نحن فيه.

مسألة 7: إذا كان المدعى به عينا موجودة الزم بردها بعد الاقرار والحكم من غير قيد، وأما إذا كان دينا في الذمة فانه يلزم بادائه إذا كان عنده ما يزيد على مستثنيات الدين.


53

مسألة 8: مقتضى الآية والاخبار الدالة على الحبس أن الاعسار شرط في وجوب الانظار، لا أن يكون الايسار شرطا في جواز الاجبار والحبس، فإذا لم يتبين كونه معسرايجوز إجباره وحبسه وإن لم يثبت كونه موسرا أيضا، ومع قطع النظر عن الآية والاخبار نقول: إن العجز مانع عن وجوب الاداء وجواز المطالبة لا أن تكون القدرة شرطا فيها، وعلى فرض كون القدرة شرطا ليست شرطيتها على حد سائر الشرائط بحيث لو شك في تحققها بنى على عدم وجوب الاداء وعدم جواز المطالبة، فمع شك المديون في أنه قادر على الاداء أو لا يجب عليه السعي حتى يتبين عجزه كما في سائر التكاليف، وإذا شك الديان في أن المديون قادر على الاداء أولا؟ جاز له المطالبة ولاجبار حتى يعلم عجزه.

مسألة 9: إذا علم إعسار المحكوم عليه أو إيساره فلا إشكال في لحقوق حكم كل منهما عليه، وإذا لم يعلم الحال وادعى الاعسار، فاما أن يكون مسبوقا بالاعسار أو الا يسار، أو لا يعلم حاله السابق، أو يكون قد توارد عليه الحالان ولم يعلم حاله فعلا أنه أيهما؟ فعلى الاول إن صدقه المحكوم له فهو، وإن كذبه فان كان له بينة على كونه موسرا جرى عليه حكمه من الاجبار والحبس، وإلا فيستحلف المحكوم عليه فان حلف انظر، وان نكل حبس حتى يثبت إعساره لا للحكم بالنكول، بل لما مر من أن الانظار معلق على الاعسار ولم يثبت، وإن رد اليمين على المحكوم له فحلف جرى حكم الايسار، وإن نكل فان قلنا بالحكم بالنكول سقط حقه، وإن قلنا بعدم الحكم به فالظاهر جريانحكم الايسار لما مر، وهل يكفي إقامة المحكوم عليه البينة على إعساره عن حلفه؟ الظاهر ذلك كما عن التذكرة الجزم به، لكن استشكل صاحب الجواهر في قبولها بناء على عدم


54

قبول البينة من المنكر، وعلى الثاني وهو ما إذا كان مسبوقا باليسار بأن كان له مال معهود سابقا أو كان أصل الدعوى مالا كالقرض ونحوه، وادعى تلف ذلك المال وأنه معسر فعلا فان كان له بينة على ذلك أنظر، وإلا فالمحكي عن الاكثر أنه يحبس حتى يثبت إعساره، وعن التذكرة وتبعه بعض أنه يحلف المحكوم له على بقاء ماله فيحبس، لعموم ما دل على وجوب الحلف على المنكر ولازمه ترتب سائر أحكامه من جواز رده ومن الحكم بالنكول أو عدمه.

والاقوى: ما ذكره الاكثر لما مر من ظهور الاخبار في الحبس حتى يتبين إعساره، وأنه يكفي في جوازه عدم تحقق الاعسار، وهي مخصصة لعمومات الحلف على المنكر، ولا وجه لما في المستند من أن النسبة بين هذه الاخبار وتلك العمومات عموم من وجه، لاختصاص هذه الاخبار بالدين وعمومها بالنسبة إلى كون المدعى عليه منكرا جازما بعدم التلف أو غير منكر، بأن يقول: لا أدرى.

وعموم: تلك الاخبار إلى الدين وغيره واختصاصها بصورة الانكار فيتعارضان في مورد الاجتماع، وهو الدين مع الانكار، ومقتضى القاعدة التخيير بين العمل بهذه أو بتلك، وأن الاحوط الاحلاف ثم الحبس لانا نمنع جريان الحكم العموم من وجه بينهما، بل الظاهر كون هذه الاخبار أخص من تلك العمومات، إذ لا يمكن تخصيص هذه بما عدا صورة الانكار وتخصيص تلك العمومات بما عدى ا لدين فلا وجه للتخيير المذكور.

نعم: الاحوط الاحلاف ثم الحبس خروجا عن الخلاف، وإلا فالاقوى العمل بهذه الاخبار.

ثم: لا فرق في البينة بأن تشهد بتلف ما كان عنده من المال أو بالاعسار مطلقا من غير تعرض لتلف أمواله في كفايتها في إثبات الاعسار من غير اشتراط كونها مطلعة على باطن أمره ومن دون حاجة إلى ضم اليمين إليها.

لكن عن الاكثر أنها لو شهدت بتلف أمواله قضي بها من غير شرط ومن غير حاجة إلى ضم اليمين لانها بينة إثبات فيشملها جميع ما دل على حجية البينة، وأما لو شهدت بالاعسار من غير تعرض لتلف أمواله لم تقبل إلا إذا كانت مطلعة على باطن اموره بالصحة المتأكدة وتحتاج مع ذلك إلى ضم اليمين، لانها بينه نفى، وهي


55

ليست بحجة " وفيه " أنه لا دليل على اشتراط الاطلاع على باطن الامر في حجية البينة في المقام كما سائر المقامات ونمنع عدم حجية بينة النفي إذا كان كلامهم ظاهرا في الاطلاع على الانتفاء، لا للاعتماد على الاصل، فشهادة البينة بالاعسار وظاهرة في الجزم به، وعدالتهم تمنع عن إظهار الجزم بالنفى مع كونهم معتمدين على الاصل - مع أن الاعسار وإن كان أمرا عدميا إلا أن له جهة وجود نظير الفقر، ولم يعتبروا في الشهادة بالفقر الاطلاع على باطن أمره.

هذا - مع أن الشهادة بالتلف أيضا يمكن أن تكون مبنية على الغفلة عن مال آخر غير ما هو معهود عندهم أؤ على أصالة عدم غيره، وأيضا البينة إن كانت حجة فلا وجه لضم اليمين، بل هي كافية في غير الدعوى على الميت بالدليل الخاص، وإن لم تكن حجة فلا محل لليمين لانه ليس وظيفية المدعى.

وأما: توجيه صحاب الجواهر، لكلام الجماعة بما حاصلة: أن بينة الاعسار بينة نفى لرجوعها إلى عدم الملك المحتمل أن يكون للاعتماد على الاصل المفروض إنقطاعه بالعلم بمال له في السابق، وأن يكون من جهة الاطلاع على التلف ومع الصحبة المتأكدة يقوى الاحتمال الثاني فيقوى جانب الاعسار ويكون بمنزلة الظاهر، فيكون قول مدعى الاعسار موافقا للظاهر، ويكون منكرا لقوة جانبه بالظهور فضم اليمين حينئذ من هذه الجهة، إذهي تتبع من قوى جانبه بالاصل أو الظاهر لا أن يكون مدعيا، ومع ذلك يحتاج إلى اليمين كما في اليمين الاستظهاري في الدعوى على الميت، فهذا هو الفارق بين بينة التلف وبينة الاعسار.

ففيه مالا يخفي.

ثم إنه قد ظهر مما ذكرنا أن بينة الاعسار أولى بعدم الحاجة إلى ضم اليمين من بينة التلف، ولذا حكى عن التذكرة عكس ما ذكره الاكثر فاثبت اليمين في بينة التلف دون الاعسار، والاقوى عدم الحاجة إلى اليمين في كلتيهما كما ذكرنا، وقد حكي ذلك عن موضع آخر من التذكرة، لكنه علله بأن فيه تكذيبا للشهود، ولقوله صلى الله عليه وآله: " البينة على المدعى واليمين على من أنكر " فان التفصيل قاطع للشركة، وعلى الثالث وهو ما إذا لم يعلم الحال السابق أو علم توارد الحالين ولو يعلم المتأخر فمقتضى القاعدة والاخبار جواز الحبس حتى يتبين الحال.

مسألة 10: الظاهر عدم الفرق في الحبس بين الرجل والمرأة فإذا كان المحكوم


56

عليه إمرأة وكانت مماطلة تحبس أيضا كالرجل وكذا في سائر موارد الحبس.

مسألة 11: يظهر من خبر الحسين بن أبى العلاء جواز حبس الوالد لدين الولد كما عن التذكرة وجامع المقاصد، وقواه في الجواهر، " قال: قلت: لابي عبد الله (ع) ما يحلللرجل من مال ولده؟ قال (ع): قوته بغير سرف إذا اضطر إليه.

قال: فقلت له: قول رسول الله - صلى الله عليه وآله - للرجل الذى أتاه فقدم أباه فقال له: أنت ومالك لابيك.

فقال (ع): إنما جاء بأبيه إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال يارسول الله: هذا أبى ظلمنى ميراثي من أمي فاخبره الاب أنه قد أنفقه عليه وعلى نفسه.

فقال النبي صلى الله عليه وآله: أنت ومالك لابيك ولم يكن عند الرجل أو كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحبس الاب للابن.

" ويؤيده سائر الاخبار الدالة على أن الولد وماله لابيه لكن عن القواعد جواز حبسه لدين ولده ولعله لضعف الخبر سندا ودلالة.

مسألة 12: إذا كان المديون مريضا يضره الحبس يشكل جواز حبسه، كما أنه لو كان له مانع آخر كما إذا كان أجيرا للغير أو كان عليه واجب يكون الحبس منافيا له.

مسألة 13: الظاهر أن مؤنة الحبس من بيت المال وإذا لم يكن فعلى المحبوس، ويحتمل كونها على المحكوم له.

مسألة 14: إذا ثبت إعسار المديون فالمشهور أنه ينظر ويخلى سبيله حتى يحصل له مال فلا يجوز إجارته ولا إستعماله، بل عن إبنى زهرة وإدريس الاجماع على عدم جواز دفعة إلى الغرماء ليستعملوه، وظاهرهم عدم جواز إلزامه بالتكسب وعدم وجوبه عليه،بل عن المبسوط أنه لا خلاف في أنه لا يجب عليه قبول الهبات والوصايا والاحتشاش و الاحتطاب والاصطياد والاغتنام، بل عن بعضهم إرسال عدم وجوب التكسب عليه إرسال المسلمات، ولازم ما ذكروه كون وجوب آداء الدين مشروطا لا مطلقا نظير وجوب الحج المشروط بالاستطاعة، وعن الشيخ في النهاية أنه يسلم إلى الغرماء ليؤجره أو يستعملوه ويستوفوا حقهم.

وعن: إبن حمزة أنه إن كان مكتسبا أمر بالاكتساب والانفاق بالمعروف على نفسه وعياله وصرف الفاضل في وجه دينه وإن كان غير مكتسب خلى سبيله حتى يجد.

وذهب


57

جماعة إلى وجوب التكسب عليه مع تمكنه من غير حرج وإن لم يكن ذا حرفة، ولازمة جواز إلزامه وإجباره على العمل إذا كان متوانيا بل قد يصل إلى حد يجوز إجارته واستعماله إذا لم يمكن بعثه على العمل الا بهذا الوجه، فالغريم وان لم يكن مسلطا على منافعه وليست حقا له الا انه من حيث إستحقاقه للمطالبة مع فرض تمكنه لاداء حقه قد يحوز له إجارته أو إستعماله باذن الحاكم إذا لم يمكن إستيفاء حقه منه إلا على هذا الوجه.

وهذا هو الاقوى لان أداء الدين واجب فيجب مقدمته، بل مع قدرته على الاكتساب لا يعدمعسرا ولذا لا يجوز دفع الزكاة إلى من يقدر على التكسب.

نعم: إذا كان الاكتساب حرجا عليه من حيث هو أو من حيث منافاته لشأنه، أو كان الكسب الذى يمكن منه لا يليق بشأنه بحيث يكون تحمله حرجا عليه لم يجب، كما أن الظاهر عدم الوجوب بما لا يعد إكتسابا كما إذا تمكنت المرأة من ا لتزويج وأخذ المهر، أو الرجل من طلاق إمرأته خلعا وأخذ الفدية، أو طلاق زوجته لدفع النفقة أو نحو ذلك من الا كتسابات غير المتعارفة التى لا يعد القادر عليها متمكنا من الاكتساب عرفا.

وبالجملة: فحال آداء الدين حال النفقة العيال وجوب التكسب لاجلها مع التمكن، وكذا سائر التكاليف الموقوفة على المال إذا كان وجوبها مطلقا، واستدل للمشهور بالآية: [ وان كان ذو عسرة فنظره إلى ميسرة ] وفيه: أن وجوب الانظار لا ينافى وجوب التكسب عليه، فالمراد ترك المطالبة حال تعسر الاداء - مع أن المتمكن من الاداء بالكسب لا يعد من ذى عسرة، وبخبر غياث: " ان عليا (ع) كان يحبس الرجل فإذا تبين له إفلاسه وحاجته خلى سبيله حتى يستفيد مالا " وفيه: إمكان دعوى أنه على خلاف مطلوبهم أدل، بدعوى كون الظاهر أن حتى تعليلية، وعلى فرض عدم ظهوره ذلك واحتمال كونه للغاية لا يكون دليلا لتعارض الاحتمالين - مع أنه على فرض ظهوره في الغاية لا دلالة فيه على عدموجوب التكسب، وبالمرسل: " إن إمرأة استعدت على زوجها عند أمير المؤمنين (ع) أنه لا ينفق عليها وكان زوجها معسرا فأبى أن يحبسه وقال: إن مع العسر يسرا.

ولم يأمره بالتكسب " وفيه أنه قضية في واقعة، فلعله (ع) علم أنه عاجز عن التكسب، وبالنبوى العامي: " انه صلى الله عليه وآله لما حجر على معاذ لم يزد على بيع ماله " وفي آخر: " إن رجلا


58

اصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال النبي صلى الله عليه وآله: تصدقوا عليه فتصدقوا عليه فلم يبلغ وفاء دينه فقال صلى الله عليه وآله: خذوا ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك " وفيهما أنهما قضيتان في واقعة - مع أنه لا دلالة فيهما على عدم وجوب التكسب، وبما في وصية الصادق (ع) الطويلة التى كتبها لاصحابه " إياكم واعسار أحد من إخوانكم المسلمين أن تعسروه بشئ يكون لكم قبله وهو معسر فان أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: ليس المسلم أن يعسر مسلما ومن أنظر معسرا أظله الله يوم القيامة يوم لاظل إلا ظله " وفي مرسل عبد الله بن سنان عن النبي صلى الله عليه وآله: " لا يحل لغريمك أن يمطك وهو موسر فكذلك لا يحل أن تعسره إذا علمت تعسره " ولا دلالة فيهما كما لا يخفى.

وأما خبر السكوني: " إن عليا (ع) كان يحبس في الدين ثم ينظر فان كان له مال أعطى الغرماء وإن لم يكن له مال دفعه إلى الغرماء فيقول لهم اصنعوا به ما شئتمإن شئتم فاجروه وإن شئتم فاستعملوه " فمنزلة على ما يتوقف الاسيتفاء منه على ذلك كما اشرنا إليه، واما الاخبار الدالة على ان الامام (ع) يقضى دين المديونين من سهم الغارمين خصوصا ما اشتمل منها على أن الانظار بقدر ما ينتهى خبره إلى الامام (ع) فمحمولة على المديون الذى لا يتمكن من أداء دينه بالتكسب ونحوه.

الفصل الرابع فيما

إذا أجاب المدعى عليه بالانكار

ليعلم أولا أن الفاصل بين الخصومات مع عدم إقرار المدعى عليه، وعدم علم الحاكم، إنما هو البينة واليمين - كما في جملة من الاخبار.

منها: صحيحة سعد وهشام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله إنما أقضى بينكم بالبينات والايمان " وهذه الاخبار مجملة من حيث إعتبار ضمهما معا، أو كفاية أحدهما لاحدهما أيهما كان، أو كل منهما لمعين.

لكن يستفاد جملة اخرى أن البينة وظيفة المدعى واليمين وظيفة المدعى عليه.

منها: صحيحة العجلى: " الحقوق كلها البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه إلا في الدم الخاصة " ومقتضى التفصيل القاطع للشركة أنه لا يشترط ضم اليمين إلى البينةبمقتضى القاعدة إلا إذا كان هناك دليل خاص كما في الدعوى على الميت، وأنه لا يقبل


59

من المدعى اليمين من غير رضى المدعى عليه، بل وكذا لا يقبل من المنكر البينة، وظاهر العلماء أيضا عدم قبولها منه لانها بينة نفى وهى غير مقبولة، لكن يمكن أن يقال: بناء على عموم حجية البينة، بل الذي يقتضيه إطلاق الاخبار الدالة على أن الفاصل هو البينة واليمين، أنه لا مانع من كفاية البينة للمنكر أيضا إذا شهدت بالنفى على وجه الجزم لا بالاعتماد على اصل العدم واصل البراءة كما إذا ادعى على احد انه اتلف ماله المعين الفلاني وهو أنكر وأقام بينة على النفى فشهدت به لاطلاعها على ان المتلف غيره، وإن كان المنكر لا يدعي ذلك لجهله بالحال فإذا شهدت البينة بانه لم يتلف لا مانع من سماعها وإن كانت من بينة النفى، وإذا ضمت إلى قولها: لم يتلف قولها ان المتلف فلان فاولى، ولعلنا نتعرض للمسألة بعد هذا إذا عثرنا على من تعرض لها، ثم ان هذا الحكم جار في جميع الدعاوى سواء كانت متعلقة بالمال عينا أو دينا أو بغيره من العقود والايقاعات كالنكاح والطلاق والعتق وغيرها.

نعم لا يجرى حكم اليمين في الحدود، والظاهر عدم الخلاف فيه لقوله صلى الله عليه وآله: " لا يمين في حد " وسيأتى التعرض له.

مسألة 1: إذا أجاب بالانكار وجب على الحاكم إذا لم يعلم المدعي أن عليه البينة أن يعرفه بذلك ثم يقول: ألك بينة؟ فان لم تكن عنده وجب أن يقول له: لك حق الحلف.

إذا لم يعلم بذلك وحينئذ فان التمس منه الاحلاف أحلفه.

مسألة 2: لا يجوز للحاكم أن يحلفه من دون سؤال المدعى، وكذا لا يجوز تبرع المنكر به قبل سؤاله بلا خلاف، بل بالاجماع على الظاهر، لانه حقه فيتوقف على مطالبته، وربما يتعلق غرضه بان لا يحلفه توقعا لوجود شهود أو إرتداع المنكر عن إنكاره أو طى الدعوى بالصلح أو نحو ذلك، ويمكن أن يستدل عليه بصحيحة إبن أبى يعفور: " إذا


60

رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقه فاستحلفه فحلف أن لا حق له قبله ذهبت اليمين بحق المدعى " وبما اشتمل من الاخبار على قوله: إستحلفه.

فانه ظاهر في انه متوقف على إستحلاف المدعى فلو أحلفه الحاكم أو تبرع به المنكر قبل سؤاله لم يعتد به، ويجب على الحاكم إعادته بعد سؤاله، وكذا لا يعتد باحلاف المدعى من دون إذن الحاكم بلا خلاف، لاصالة عدم ترتب الاثر، ولانه المعهود المنصرف إليه الاخبار، وللاخبار المشتملة على قوله: وأضفهم إلى إسمى.

كخبر محمد بن قيس: " إن نبيا من الانبياء شكى إلى ربه كيف أقضى بامورلم اخبر ببيانها؟ قال: فقال: ردهم إلى واضفهم إلى إسمى يحلفون به " ونحوه مرسلة أبان وصحيحة سليمان بن خالد والحاصل أنه يمكن أن يستظهر من الاخبار أن ذلك من وظايف الحاكم ومع قطع النظر عن ذلك ففى الاجماع والاصل كفاية.

مسألة 3: إذا لم يكن للمدعى بينة واستحلف المنكر فاما أن يحلف أو يرد أو ينكل، فان حلف سقطت الدعوى في ظاهر الشرع، لكن لا يبرأ من الحق لو كان كاذبا فيجب عليه التخلص من حق المدعى، وعلى ذلك فليس للمدعى بعد الحلف مطالبة حقه ولا مقاصته ولا يجوز له الدعوى ولا تسمع دعواه بالاجماع والنصوص ففى ذيل صحيحة إبن أبى يعفور المتقدمة بعد قوله " فلا حق له: قلت: وإن كان له بينة عادلة قال: نعم فان اقام بعدما استحلفه بالله خمسين قسامة ماكان له حق وكانت اليمين قد أبطلت كل ما ادعاه قبله مما قد استحلفه عليه قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من حلف لكم بالله فصدقوه ومن سألكم بالله فاعطوه وذهبت اليمين بحق المدعى ولا دعوى له ".

وفي خبر: خضر بن عمرو: " في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحد.

قال: إن


61

استحلفه فليس له أن يأخذ منه شيئا " وفي خبر البصري: " عن الرجل يدعي قبل الرجلالحق فلا يكون له بينة بماله.

قال: فيمين المدعى عليه فان حلف فلا حق له وإن رد اليمين على المدعى فلم يحلف فلا حق له " وفي مرسل عبد الحميد: " في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده إياه فيحلف له يمين صبر أله عليه شئ؟ قال: لا ليس له أن يطلب منه ".

وفي: صحيحة سليمان بن خالد: " عن رجل وقع لي عنده مال وكابرنى عليه وحلف ثم وقع له عندي مالك فأخذه لمكان مالى الذى أخذه وأجحده وأحلف عليه كما صنع فقال: إن خانك فلاتخنه ولا تدخل فيما عتبته عليه " وفي خبر عبد الله بن وضاح في قضية اليهودي الذى خانه في ألف درهم وحلف عند الوالى ثم وقع منه أرباح عنده فاراد أن يقتص منه وكتب إلى أبى الحسن (ع) يسأله عن ذلك، فكتب: " لا تأخذ منه شيئا إن كان ظلمك فلا تظلمه ولو لا أنك رضيت بيمينه فحلفته لامرتك أن تأخذه مما تحت يدك وكلنك رضيت بيمينه لقد مضت اليمين بما فيها " ومقتضى إطلاق الاخبار المذكورة، بل صراحة خبر إبن أبى يعفور عدم الفرق بين أن يكون له بينة بعد الحلف أو لا؟ وكذا مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين أن يشترط الحالف سقوط الحق باليمين أو لا؟ وبين أن يكون الاحلاف من المدعي لعدم علمه بالبينة أو نسيانه، وبين علمه ورضاه باليمين مطلقا، فما عن موضع منالمبسوطة من سماعها مطلقا مع البينة، وعن المفيد والديلمي والقاضى وابن حمزة من السماع مع عدم شرط الحالف سقوط الحق بالحلف، وعن جماعة من التفصيل بين صورة عدم علمه بالبينة أو نسيانه وبين صورة علمه ورضاه مطلقا لا وجه لها.

ثم: الظاهر كما نسب إلى ظاهرهم عدم الفرق في سقوط الحق باليمين بين كون الدعوى عينا أو دينا فلو ادعى عليه عينا في يده ولم يكن له بينة فاستحلفه فحلف لم يجز له التصرف في تلك العين في الظاهر وإن كانت باقية على ملكه، فليس له أن يبيعها أو يهبها من غيره أو أن يأذن لغيره أن يتصرف فيها، وأما دعوى غير المال كالعقود والايقاعات غير المتعلقة بالمال والتى لم يكن الغرض من النزاع فيها المال ففي سقوط حق المدعى فيها باليمين من المنكر بحيث لا تسمع الدعوى منه بالبينة فمشكل لان الظاهر من الاخبار


62

الدعاوى المتعلقة بالمال، بل ربما يدعى إختصاصها بالدين وإن كان إطلاق الاخبار بل ظهور بعضها في العين يرده.

ثم: لا يجوز لكل من علم بكذب المنكر في حلفه أن يرتب آثار الملكية على ما حلف عليه بل يجب عليهم النهى عن المنكر والامر بالخروج عن حق المدعىثم: ان القدر المتيقن من سقوط حق المدعى هو عدم جواز المطالبة وعدم جواز المقاصة وعدم سماع الدعوى منه بعد الحلف ونحو ذلك مما يعد معارضة للمنكر، كبيع العين أو هبتها من غيره وبيع الدين أو صلحه من الغير، وأما ما لا يعد معارضة له كابرآئه من الدين أو عتق العبد أو إحتساب ما عليه خمسا أو زكاة أو مظالم إذا كان من أهلها فلا مانع منه، إذا الاطلاقات منصرفة عنه.

ثم: لا فرق بين كون الحالف معتقدا كونه على خلاف الواقع وكونه متعمدا في الكذب، كما لا فرق بين كون المستحلف المالك أو وكيله أو وليه ويجوز للموكل والمولى عليه ترتيب آثار الملكية في المحلوف عليه ووارث المدعى كنفسه في عدم جواز المطالبة والمقاصة، كما أن وارث الحالف كنفسه في وجوب التخلص عن حق المدعى إذا علم بكذبه في الحلف.

مسألة 4: كذا تبين للحاكم كون الحلف كذبا فالظاهر جواز نقض الحكم له فيجوز للمدعى المطالبة والمقاصة وغيرهما من آثار كونه محقا.

مسألة 5: إذا رد المنكر اليمين على المدعى فحلف هل يكون كحلف المنكر في كونه مسقطا للحق بالنسبة إلى المنكر، بان لا يجوز له المقاصة ونحوها على تقدير كونهكاذبا أو لا؟ وجهان من إختصاص الاخبار بحلف المنكر، ومن ظهورها في كون سقوط الحق لاجل الرضا باليمين.

مسألة 6: الظاهر إختصاص الحلف المسقط للحق بما إذا كان باستحلاف الحاكم في المرافعة، وأما إذا استحلفه المدعى من دون المرافعة فلا يكون كذلك، وإن كانت الاخبار مطلقة والاحوط التعميم، بل يستفاد من خبر عبد الله بن وضاح المتقدم عدم إعتبار كون الحلف عن الحاكم الشرعي لكونه عند الوالي.


63

مسألة 7: يجوز للمدعى شراء العين المحلوف عليها من الحالف والتصرف فيها بعده في ظاهر الشرع وإن كان الشراء باطلا لان المفروض أنها باقية على ملكه، وكذا يجوز له إتهابها منه، بل الظاهر جواز التصرف فيها باذنه ورضاه وإن كان إذنه بعنوان أنها له، وهكذا نحو ذلك مما لا يعد معارضة له.

مسألة 8: إذا أكذب الحالف نفسه واعترف بان الحق للمدعى جاز له التصرف والمطالبة والمقاصة ونحو ذلك من آثار الملكية، سواء كان ذلك من الحالف لتنبهه بعد الحلف أن الحق كان للمدعى أو لتوبته أو غير ذلك، والظاهر عدم الخلاف فيه، بل عنجماعة الاجماع عليه، لانصراف الاخبار الدالة على سقوط حقه عن هذه الصورة، ولقاعدة الاقرار، ويدل عليه الخبر: " إنى كنت استودعت رجلا مالا فجحدنيه فحلف لي ثم إنه جاء بعد ذلك بسنين بالمال الذى كنت استودعته إياه فقال: هذا مالك فخذه وهذه أربعة آلاف ربحتها في مالك فهي لك مع مالك واجعلني في حل فاخذت منه المال وأبيت أن آخذ الربح منه وأوقفت المال الذى كنت استودعته حتى استطلع رأيك فما ترى؟ قال: فقال (ع): خذ نصف الربح وأعطه النصف وحلله لان هذا رجل تائب " والظاهر أن رد نصف الربح من باب الاستحباب لا الوجوب، وإن كان يظهر من الرضوي (ع) ذلك حيث أن فيه: " إذا أعطيت رجلا مالا فجحدك وحلف عليه ثم اتاك بالمال بعد مدة وبما ربح فيه، وندم على ما كان منه فخذ منه رأس مالك ونصف الربح ورد عليه نصف الربح هذا رجل تائب " وكيف كان فلا إشكال.

مسألة 9: الظاهر ان يمين المنكر عند عدم البينة حق المدعى عليه، لا أن يكون حكما شرعيا، وحينئذ فله إبراؤه منه وإسقاطه وإذا أسقطه فكأنه حلف، فعلى الحاكم أن يحكم ببراءته من الحق في الظاهر وليس له إستيناف الدعوى ومطالبة حلفه.

نعم لو كانت له بينة تسمع دعواه، فما عن التحرير والقواعد واختاره صاحب المستند من جوازإستيناف الدعوى لان الحق الواقعي على فرضه لا يسقط بهذا الابراء والاسقاط، فله إستيناف الدعوى ومطالبة الحلف لان هذه دعوى مغايرة للتى أبرأ من اليمين فيها، لا وجه له، لان الحق الواقعي وإن كان لا يسقط بهذا الاسقاط إلا أنه محكوم بالعدم في الظاهر كما لو


64

حلف فانه أيضا لا يسقط الحق الواقعي وإنما يحكم بسقوطه في ظاهر الشرع، فكما لا يجوز له إستيناف الدعوى بعد الحلف فكذا بعد ما هو بنمزلته.

مسألة 10: ظاهر كلماتهم إن حلف المنكر وإن كان بأمر الحاكم لا يكفى في الحكم بسقوط الدعوى بل يحتاج إلى حكمه بالبراءة فلو مات قبل أن يحكم فهو كما لو مات بعد إقامة المدعى للبينة قبل أن يحكم، لكن يمكن أن يقال: إن الظاهر من الاخبار أن لليمين خصوصية وهى كونها موجبة للبراءة وعدم جواز الدعوى والمطالبة بعدها، غاية الامر أن اللازم كونها بأمر الحاكم لا بمجرد طلب المدعى، ففرق بين البينة واليمين بل عرفت سابقا إحتمال كون الاقرار من المنكر أيضا كذلك أي عدم الحاجة معه إلى إنشاء الحكم من الحاكم فلو مات الحاكم بعده وقبل الحكم لم يحتج إلى شئ بخلاف البينة، وقد يحتمل كفاية الثبوت حتى في البينة وعدم الحاجة إلى انشاء الحكم منالحاكم، وكون المراد من الحكم هو الثبوت عنده ويكفي إخباره به.

والانصاف أنه ليس كل البعيد إن لم يكن الاجماع على خلافه، قال في الجواهر: " ثم إنه قد يتوهم من ظاهر النصوص سقوط الدعوى بمجرد حصول اليمين من المنكر من غير حاجة إلى إنشاء حكم من الحاكم بذلك، لكن التحقيق خلافه ضرورة كون المراد من هذه النصوص وما شابهها تعليم ما يحكم به الحاكم، وإلا فلابد من القضاء والفصل بعد ذلك كما أومأ إليه بقوله صلى الله عليه وآله: إنما أقضى بينكم بالبينات والايمان.

بل لو أخذ بظاهر هذه النصوص وشبهها لم يحتج إلى إنشاء الحكومة من الحاكم مطلقا ضرورة ظهورها في سقوط دعوى المدعى و ثبوت الحق بالبينة ونحوها فتأمل جيدا " انتهى.

مسألة 11: لا إشكال في أنه يجوز للمنكر أن يرد الحلف على المدعى، وحينئذ فان حلف ثبت ما ادعاه وإلا سقطت دعواه للاجماع والنصوص المستفيضة كصحيحة محمد بن مسلم: " في الرجل يدعي ولا بينة له قال: يستحلفه فان رد اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حق له " وصحيحة عبيد بن زرارة: في الرجل يدعي عليه الحق ولابينة للمدعي قال: يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق فان لم يفعل فلا حق له " وصحيحة هشام: " يرد اليمين على المدعى " وفي خبر البصري: " ولو كان المدعى عليه حيا لالزم باليمين أو


65

الحق أو رد اليمين عليه " إلى غيرذلك كمرسل يونس المضمر: " إستخراج الحقوق بأربعة - وفي آخره - وإن لم يكن له شاهد فاليمين على المدعى عليه وإن لم يحلف ورد اليمين على المدعى فهي واجبة عليه أن يحلف ويأخذ حقه فان أبى أن يحلف فلا شئ له " وكمرسل أبان وخبر أبى عباس، وظاهر هذه الاخبار إختصاص جواز الرد بما إذا أمكن الحلف للمدعى بأن كان الحق له وكانت الدعوى جزمية، ولذا استثنى العلماء ما لو كان المدعي وكيلا أو وليا أو وصيا، وكان الميت أوصى للفقراء بخمس أو زكاة أو مظالم أو حج أو كانت الدعوى ظنية ففي هذه الصور لا يجوز الرد لعدم جواز الحلف على مال الغير وعدم جوازه مع عدم الجزم بالحق، وحينئذ فليزم المنكر بالحق.

نعم في الوكيل والولى يمكن أن يقال: بايقاف الدعوى إلى مجئ الموكل أو بلوغ المولى عليه أو رشده.

مسألة 12: إذا لم يحلف المدعى بعد الرد عليه سقط دعواه مطلقا ولو في مجلس آخر كانت له بينة أو لا، لظهور الاخبار في عدم الحق له، فلا وجه لما عن موضع من المبسوط من سماعها في مجلس آخر، لما عن جماعة من سماعها إذا كانت له بينة.

نعم لو كان من اول ما رد عليه قال: إن لى بينه أحضرها.

الظاهر أن له ذلك، لانه لا يصدق حينئذ انه لميحلف لان الظاهر منه ما إذا بنى على عدم الحلف مع عدم ادعاء البينة، كما أنه أو كان عدم حلفه إسمتهالا ليرى ما هو الاصلح له لا يكون مسقطا لحقه.

مسألة 13: ليس للمدعي بعد الرد عليه على المنكر، لانه يصدق عليه أنه لم يحلف فيشمله قوله: لا حق له.

ولاستلزام جوازه التسلسل.

مسألة 14: هل يجوز للمنكر أن يرجع في رده قبل أن يحلف المدعى أو لا؟ قولان أقواهما جوازه كما أن المدعى لو طلب الحلف من المنكر له أن يرجع فيه قبله.

مسألة 15: إختلفوا في أن اليمين المردودة هل هي بمنزلة إقرار المنكر أو بمنزلة بينة المدعى على قولين، والاقوى أنها أمر مستقل ففي الفروع التى فرعوها على القولين لابد من الرجوع إلى سائر الأصول والقواعد.


66

مسألة 16: إذا نكل المدعى عليه عن اليمين ولم يردها أيضا فهل يحكم عليه بالنكول أو يردها الحاكم على المدعى قولان ذهب إلى كل منهما جماعة من القدماء وجماعة من المتأخرين، ونسب القول الثاني إلي أكثرهم بل عن الخلاف والغنية الاجماع عليه، وعن السرائر أنه مذهب أصحابنا عدا الشيخ في النهاية، واستدل كل منهما بوجوه، فاحد الوجوهللقول الاول الاصل المقرر بوجوه، كاصالة عدم مشروعية رد اليمين من الحاكم، وأصالة عدم ثبوت الحلف على المدعى، وأصالة براءة ذمة الحاكم من التكليف بالرد، وأصالة براءة المدعى من التكليف باليمين، وأصالة عدم توجه اليمين على غير المنكر، وأصالة عدم كونها حجة للمدعى، وأصالة عدم كون النكول عنها حجة للمنكر.

" وفيه " أن شيئا من هذه الوجوه لا يفى باثبات كفاية النكول في الحكم بثبوت حق المدعى مع أن الاصل عدمه فلابد من الاخذ بالقدر المتيقن وهو النكول من المنكر والحلف من المدعى بعد الرد عليه.

الثاني: قوله (ع): " البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه " بدعوى أن مقتضى التفصيل القاطع للشركة إختصاص اليمين بالمنكر فلا يجوز من المدعى، " وفيه " أنه لبيان الوظيفة الاولية فلا ينافي ثبوتها للمدعى بالرد من المنكر أو الحاكم إذا اقتضته الادلة، الثالث: صحيحة محمد بن مسلم: " عن الاخرس كيف يحلف؟ قال: ان أمير المؤمنين (ع) كتب له اليمين وغسلها وأمره بشربه فامتنع فالزمه الدين " فيظهر منه أنه لم يرد اليمين على المدعى " وفيه " انه قضية في واقعة فلعله كان ذلك بعد حلف المدعى أو أنه لم يكن الرد عليه لخصوصيته مع أن المشهور لم يعلموا به وأيضا نقل الجمهور عن علي (ع) خلاف ذلك.

الرابع: فقرتان من خبر البصري الوارد في الدعوى على الميت " أحداهما " قوله (ع) بعد السؤال عن الرجل يدعى قبل الرجل الحق فلا يكون له بينة: " فيمين المدعى عليه فان حلف فلا حق له وإن لم يحلف فعليه " فان الظاهر منه ان المنكر إن لم يحلف فعليه الحق " الثانية " قوله (ع) في آخره: " ولو كان حيا لالزم باليمين أو الحق أو يرد اليمين " حيث لم يذكر رد اليمين من الحاكم إذا امتنع عن الجميع.

وأجيب عن الفقرة الاولى


67

باختلاف النسخة فان الخبر على ما في الفقيه خال عن قوله: وإن لم يحلف فعليه.

وبدله: وإن رد اليمين على المدعى فلم يحلف فلا حق له.

مع أنه يحتمل كون الضمير راجعا إلى المدعى والمبتدأ المقدر الحلف أي فعلى المدعى الحلف وحينئذ يكون دليلا على القول الآخر، وعن الثانية أن يكون يرد بصيغة المجهول ويكون المراد رد الحاكم، لا أقل من الاحتمال.

الخامس: خبر أبى بصير: " لو أن رجلا ادعى على رجل عشرة الاف درهم أو أقل من ذلك أو أكثر لم يكن اليمين على المدعى وكانت اليمين على المدعى عليه " فانه شامل لصورة نكول المدعى عليه عن الحلف " وفيه " أن الظاهر من الخبر نفي اليمين عليه لاثبات حقهمن الاول عوض البينة لانفيها مطلقا، واستدل للقول الثاني بأصالة عدم ثبوت الحق على المنكر بمجرد النكول، بل القدر المعلوم ثبوته به وبالحلف من المدعى بعد الرد عليه للاجماع عليه حينئذ، وبان الواجب على المنكر الحلف أو الرد على المدعى للاخبار الدالة على التخيير بينهما وإذا امتنع عن الامرين رد الحاكم من باب الولاية على الممتنع، بالاخبار المستفيضة الدالة على ان القضاء بين الناس انما هو بالبينات والايمان.

وقد يستدل: بصحيحة عبيد بن زرارة: " في الرجل يدعى عليه الحق ولا بينة للمدعى قال: يستلحف أو يرد اليمين على صاحب الحق فان لم يفعل فلا حق عليه " بناء على قرائة يرد بالبناء بصيغة المجهول لكنه خلاف الظاهر بل هو بصيغة المعلوم والمراد المنكر لا أقل من الاحتمال، وبنحوه يجاب عن الاستدلال بصحيحة هشام: " يرد اليمين على المدعى " وعلى تقدير قرائة بالمجهول فالمراد رد المنكر لا غيره من الحاكم أو غيره، وربما استدل بوجوه اخر موهونة مثل الاجماع المنقول عن الخلاف والغنية والنبوى العامي أنه صلى الله عليه وآله رد اليمين على طالب الحق، وقوله (ع) المطلوب أولى باليمين من الطالب لانه يدل على شركتهما في اليمين وإن كان المطلوب أولى، ومما ذكر ظهر أن القول الثاني لا يخلوا عن قوة لسلامة الوجوه الثلاثة الاول عن الاشكال.

مسألة 17: إذا رجع المنكر الناكل عن نكوله بعد حكم الحاكم عليه بالحق بسبب النكول أو بعد الرد على المدعى وحلفه وأراد أن يحلف لاسقاط الحق فالظاهر عدم


68

الاشكال في عدم الالتفات إليه لثبوت الحق عليه، والاخبار الدالة على أن عليه اليمين منصرفة عن هذه الصورة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون عالما بحكم النكول وأن الحاكم يحكم عليه بالحق بعد النكول أو بعد حلف المدعى أو قال له الحاكم: إن حلفت وإلا حكمت عليك.

أو لا؟ لان الجهل لا يكون عذرا في الاحكام الوضعية فلا وجه لما في الرياض من التفصيل، وأما إذا رجع عن نكوله بعد تحققه قبل حكم الحاكم عليه بثبوت الحق ففي الالتفات إليه وعدمه قولان أقواهما الاول، لعدم ثبوت الحق عليه قبل الحكم الحاكم فيستصحب " مدفوعة " بأنه قد وجب على الحاكم الحكم عليه بعد تحقق الموجب فيستصحب " مدفوعة " بانه موقوف على عدم رجوعه لاأقل من الشك فلا يجرى الاستصحاب مع أن إطلاقات كون الحلف عليه شاملة لهذه الصورة، والقدر المسلم من حكم النكول ما إذا كان باقيا عليه.

مسألة 18: ذكر بعضهم أنه يستحب أن يقول الحاكم للمنكر الناكل: إنحلفت وإلا جعلتك ناكلا.

أو يقول: إن حلفت أو رددت وإلا جعلتك ناكلا.

وعلى القول بالرد يقول: إن حلفت أو رددت وإلا رددت اليمين على المدعى وجعلتك ناكلا.

ويستحب تكرار ذلك ثلاثا بل عن المبسوطة والدروس انه يجب المرة الاولى، ولا دليل على شئ من ذلك لا الوجوب ولا الاستحباب ولو مرة.

نعم لا بأس باستحبابه من باب التسامح في السنن.

مسألة 19: يظهر من المحكى عن السرائر أنه يتحقق النكول بعرض الحاكم عليه اليمين ثلاث مرات مع سكوته في كل مرة والاظهر أن المرجع في تحققه وعدمه حكم العرف، فقد يصدق بالمرة وقد لا يصدق بالثلاث بل أزيد أيضا، فيختلف بحسب القرائن والخصوصيات المكتنفة.

مسألة 20: إذا استمهل المنكر في الحلف والرد ليلا حظ ما فيه صلاحه فالظاهر جواز إمهاله بمقدار لا يضر بالمدعى، لان حق الاحلاف له، ومع عدم رضاه بالتأخير يشكل جوازه.

مسألة 21: لو نذر أو حلف أن لا يحلف بالله أبدا لا صدقا ولا كذبا ثم اتفق له المرافعة مع من يدعي عليه وانجر الامر إلى حلفه فهل يجوز له إذا كان الحق معه أو لا؟


69

وجوه ثالها التفصيل بين النذر فلا يجوز وبين الحلف فيجوز، ثم على عدم الجواز لو حنث وحلف فالظاهر صحته وإن كان حراما، هذا ولو نذر أنه لو اتفق له المرافعة وانجر الامر إلى حلفه أن لا يحلف فالظاهر تعين عدم الحلف ووجوب أداء ما يدعى عليه، لان نذره في قوة نذر أداء ما يدعى عليه، ولو خالف وحلف فالظاهر عدم سقوط ما وجب بالنذر من أداء ما ادعى عليه.

الفصل الخامس في

الحكم بالبينة

مسألة 1: إذا قال المدعى: لي بينة.

فهل يجوز للحاكم أن يقول: احضرها أو لا يجوز؟ أو يفصل بين ما إذا ان عالما بان له الاحضار فلا يجوز أو جاهلا بذلك فيجوز، أقوال فعن الاكثر الاول، وعن المبسوط والسرائر والمهذب الثاني، وعن المختلف والقواعد والدروس الثالث، والظاهر عدم الاشكال في الجواز على وجه الارشاد مع علمه ووجوبه كذلك مع جهله، وحرمته على وجه الامر الالزامي، لان الحق له فان شاء أحضرها وإلا فلا، إذا قد يريد اليمين، بل له العدول عن أصل الدعوى، ولعل النزاع بينهم لفظي، فمراد القائل بعدم الجواز عدمه على وجه الايجاب والالزام.

مسألة 2: يجوز للمدعى إحلاف المنكر مع إمكان إقامة البينة غائبة كانت أو حاضرة،فلا يتعين عليه إقامتها إن علم بكونها مقبولة عند الحاكم، بل له العدول عنها ومطالبة الحلف، وذلك لان الحق له، ويمكن أن يستدل عليه أيضا بصحيحة أبن أبى يعفور: " إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقه فاستحلفه فلحف أن لاحق له قبله ذهبت اليمين بحق المدعى فلا حق له، قلت: وإن كان له بينة؟ قال: نعم.

" وقد يستدل عليه أيضا باطلاق خبر محمد بن قيس: " أن نبيا من الانبياء شكى إلى ربه كيف أقضى بامور لم اخبر ببيانها قال: فقال: ردهم إلى واضفهم إلى اسمى " لكن في اطلاقه تأمل - مع ان الامر فيه متوجه إلى النبي لا إلى المدعى، ومن المعلوم عدم كون التخيير له، وربما يحتمل عدم جواز الاحلاف مع وجود البينة لان المستفاد من الاخبار أن وظيفة المدعى هي إقامة البينة.

" وفيه " أنه لا يستفاد


70

منها الحصر فلا منافات بين أن يكون له البينة وله الاحلاف أيضا، وأما التمسك بقوله (ع) في صحيحة سليمان بن خالد مشيرا إلى الاضافة إلى الاسم: " هذا لمن لم يقم له بينة " أو بقوله (ع) في تفسير الامام (ع): " وإن يكن له بينة حلف المدعى عليه " إلى آخره حيث علق التحليف على عدم البينة، أو بقوله في مرسلة يونس " وإن لم يكن شاهد، فاليمين على المدعى عليه ".

" ففيه " أن المستفاد من الاوليين أن تعين الحلف إنما هو بعد عدم البينة لا جوازهمع أن المذكور في الصحيحة عدم إقامة البينة لا عدم وجودها، وكذا في التفسير المراد عدم إقامتها لا عدم وجودها بقرينة ما تقدم عليه من قوله: فان اقام بينة.

والمراد مما في المرسلة أيضا أن تعين اليمين إنما هو بعد عدم الشاهد " وبالجملة " لا ينبغى التأمل في

تخيير المدعى بين إقامة البينة وإحلاف المنكر

خصوصا إذا كان في اقامتها صعوبة عليه أو لم يعلم أن الحاكم يقبل بينته أم لا.

نعم يشكل العدول عن البينة المعتبرة بعد اقامتها وقبول الحاكم إلى الحلف مع عدم البعد فيه أيضا.

مسألة 3: إذا أقام المدعى البينة فلابد للحاكم أن ينظر في شهادتها فان لم يكن جامعة للشرايط طرحها وإن كانت جامعة لها قبل شهادتها، وإن جهل حالها استكشف وعمل بما يقتضيه من القبول والرد.

مسألة 4: إذا علم عدالتها وجامعيتها للشرايط لم يحتج إلى التزكية، لجواز العمل بعلمه خصوصا في مسألة عدالة الشاهد، ولا يلزم سؤال المدعى عليه في أنه هل له جارح أم لا؟ نعم يجوز له ذلك وحينئذ فان قال: لا كلام لى أنفذ حكمه، وإن ادعى أن له الجارح سمعت دعواه، وكذا لو ادعى الجرح من غير سؤال الحاكم فان أثبت دعواه أسقطهما الحاكم وإلا حكم بشهادتهما.

مسألة 5: إذا جرح ولم يقدر على إثبات جرحه وكان مما له حدا وتعزير يحد أو يعزر.

مسألة 6: إذا علم الحاكم فسقهما أو فقدهما لبعض الشرايط طرحهما ولا يطلب من المدعى التزكية، لكن ان ادعى خطأ الحاكم في اعتقاد فسقهما من حيث إعتماده على الاستصحاب، ولا محل له لتغير الحال، أو على ظاهر الحال وكان الواقع خلافه سمعت


71

دعواه فحينئذ فان أثبت دعواه وإلا فعلى الحالكم أن ينفد شهادتها.

مسألة 7: يجوز للحاكم الاعتماد في الفسق والعدالة على الاستصحاب للمدعي و والمدعى عليه دعواهما الخلاف أي تسمع منهما كما أشرنا إليه.

مسألة 8: لو جهل الحاكم حالهما وجب عليه أن يبين للمدعى أن له تزكيتهما بالشهود إذا كان جاهلا بذلك ثم يطلبهما منه، ولو قال: لا طريق لي إلى ذلك.

أو قال: يعسر على.

أو قال: لا أفعل.

وطلب من الحاكم الفحص عن ذلك هل يجب عليه أو لا؟ قد يقال: بوجوبه عليه بدعوى أنه مقتضى إطلاق الامر بالحكم بالبينة العادلة المتوقف على تحصيل مقدمته كما في إطلاق الامر بالوضوء المتقضى وجوب الفحص عن الماء ونحوذلك، ولما حكي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يفعل ذلك بارسال شخصين من قبله لا يعلم أحدهما بالآخر يسألان قبيلتهما عن حالهما فان جاءا بمدح وثناء حكم، وإن جاءا بشين ستر عليهما ودعى الخصمين إلى الصلح، وإن لم يكن لهما قبيلة سأل الخصم عنهما فان زكاهما حكم وإلا طرحهما، ويحتمل الفرق بينما لو قال: لا طريق لي.

أو قال: لا أفعل.

فيجب على الحاكم في الاول دون الثاني، والاقوى عدم وجوبه عليه لمنع كون الحكم مطلقا وإلالزم على الحاكم الفحص على وجود الشاهد وعدمه أيضا - مع أنه ليس كذلك قطعا.

مسألة 9: إذا اقام المدعى على التزكية بينة مقبولة وجب على الحاكم أن يبين للمدعى عليه أن له حق الجرح إذا لم يكن عالما به فان أثبته بالبينة سقطت بينة المدعى وإن اعترف بعدم الجارح حكم عليه، وإن قال: لا طريق لي.

فالظاهر عدم وجوب الفحص على الحاكم، لان المفروض وجود البينة المقبولة للمدعى، وإن استمهل في اثبات الجرح قالوا أمهل ثلاثة أيام، لكن لا يبعد جواز الحكم لثبوت العدالة والاصل عدم الجارح، وإذا أثبت بعد ذلك ينقص الحكم، وعلى الاول هل للمدعى أن يأخذ الكفيل من المدعى عليه؟ الظاهر ذلك لثبوت حقه في الجملة.

مسألة 10: إذا تبين بعد الحكم فسق الشاهدين حال الحكم أنتقض سواء كان الحاكممعتمدا على الاستصحاب أو متيقنا عدالتهما حال الحكم، وإن كان طارئا بعد الحكم لم ينقض، وإن كان بعد الشهادة وقبل الحكم ففيه قولان، وإن لم يعلم الحال وجهل التاريخان


72

لم ينقض، وكذا إذا علم تاريخ الحكم وإن علم تاريخ طرؤ الفسق ففيه وجهان، والظاهر عدم النقض أيضا لان أصالة تأخر الحكم لا يثبت كونه حال الفسق ومقتضى الحمل على الصحة عدم النقض.

مسألة 11: يشترط في المعدل والجارح معرفة شرائط الجرح والتعديل وأسبابهما وموافقة مذهبهما لمذهب الحاكم مع الاختلاف فيها.

مسألة 12: قالوا يشترط في التعديل المعاشرة الباطنة المتقادمة مع الشاهد بحيث تفيد العلم أو الظن بالملكة لخفائها بخلاف الجرح لظهور أسبابه، والاقوى عدم الفرق بينهما في عدم الاعتبار لان العدالة وإن كانت هي الملكة وهى خفية إلا ان الكاشف عنها وهو حسن الظاهر أم ظاهر.

مسألة 13: إختلفوا في أنه هل يكفي الاطلاق في التعديل والجرح أو لابد من ذكر السبب فيهما أو في أحدهما؟ على أقوال فالمشهور عدم إعتبار التفصيل في التعديل وكفاية الاطلاق فيه لتعدد ما يعتبر في العدالة فيحتاج التفصيل إلى ذكر جميع الكبائر وغيرها وهو متعسر بخلاف الجرح، فانه يكفى فيه ذكر سبب واحد، وعن بعضهم كفاية الاطلاق فيهما لان العادل لا يخبر عن أمر إلا مع العلم بتحققه وتحقق أسبابه، وعن آخر إعتبار التفصيل فيهما للاختلاف في أسبابهما فلعل مذهبهما مخالف لمذهب الحاكم، وعن العلامة عكس المشهور، لسهولة العلم بالفسق، لانه يكفى في تحققه فعل واحد فالخطأ فيه نادر بخلاف التعديل فانه في معرض كثرة الخطأ فلابد فيه من ذكر السبب.

وعن بعض آخر كفاية الاطلاق فيهما بشرط العلم بالاسباب، والاقوى - وفاقا لبعضهم - كفاية الاطلاق فيهما مع العلم بالاسباب وموافقة مذهبهما لمذهب الحاكم تقليدا أو إجتهادا ووجوب ذكر السبب في غيره " ودعوى " أن السيرة جارية في جميع المقامات على عدم ذكر السبب وأن المعلوم من طريقة الشرع حمل عبارة الشاهد على الواقع ولو مع الاختلاف، ولذا لا يجب السؤال عن سبب الملك أو الطهارة أو النجاسة عند الشهادة بها، وما العدالة والفسق إلا من قبيلها " مدفوعة " بمنع السيرة إلا فيما لا إختلاف في أسبابه أو علم بالقرائن اتفاق المذهبين أو


73

نحو ذلك.

مسألة 14: لا يشترط في التعديل لفظ خاص بل يكفى كل ما يفيده لكن بعنوان الشهادة لا بعنوان الاخبار، فلا يجب ذكر لفظ عدل ولا ضم قوله مقبول الشهادة أو قوله لي وعلي، فما نسب إلى أكثر المتأخرين من إعتبار ضم أحد الامرين لا وجه له، لان الكلام إنما هو في خصوص التعديل لا في المقبولية من طرف سائر الشرايط فانها أيضا لابد من إحرازها - مع أنه قد يقال: إن مقتضى الادلة إشتراط العدالة في قبول الشهادة وأما سائر ما يعتبر فيه فهى من قبيل المانع المدفوع بالاصل، فمع تحقق العدالة يجب الحكم إلا إذا أثبت أحد الموانع من الخصومة وجر النفع وكونه ولدا على والده ونحو ذلك، فإذا ادعى الغريم واحدا فلابد من إثباته.

مسألة 15: إذا اختلف الشهود في الجرح والتعديل فان لم يكن بينهما تكاذب وتعارض فلا إشكال كما لو قال: المعدل قد مارسته فوجدته ذا ملكة ولا أعلم صدور كبيرة منه، وقال: الجارح رأيته يوم كذا يرتكب كبيرة، بل وكذا لو أطلق الاول بأن قال: هو عادل، وقال الثاني: رأيته يوم كذا يرتكب كبيرة، فانه يحكم بالجرح ولو قال: الجارح رأيته يرتكب يوم كذا كبيرة وقال الآخر: لقد تاب بعد ذلك وهو فعلا ذو ملكة فيحكم بالعدالة، لعدم المعارضة، وإن كان بينهما تعارض كأن قال: الجارح رأيته يومكذا يزنى في مكان كذا، وقال الآخر: انه كان في ذلك اليوم مشغولا بكذا في مكان كذا غير ذلك المكان، أو اطلقا التعديل والجرح بان قال احدهما: انه عادل، وقال الآخر: انه فاسق، فقد يقال: بتقديم الجارح لاعتضاده بأصالة عدم حصول سبب الحكم في الفرضين، ولان الغالب في التعديل الاعتماد على أصالة عدم صدور المعصية في خصوص الفرض الثاني.

وعن الشيخ: في الخلاف انه قال: وقف الحاكم، لكن الاقوى التساقط والاخذ بالحالة السابقة من الفسق أو العدالة إن كانت معلومة وإلا فالتوقف عن الحكم بأحد الامرين ويكون كما لو لم يكن بينة، وحينئذ فعلى المنكر اليمين، والظاهر أن هذا مراد الشيخ من وقف الحاكم، وربما يحتمل أن يكون مراده التوقف عن الحكم أصلا حتى عن يمين المنكر لاحتمال عدم إعتباره في هذا الحال لوجود البينة للمدعى وإن كان لا يعمل بها لاجل المعارضة فيكون ميزان الحكم مجهولا، فلابد من الرجوع إلى الصلح أو نحوه


74

لكن الاحتمال المذكور بعيد، وقد يحتمل الرجوع إلى القرعة في تقديم إحدى البينتين في صورة التعارض ولكن لا قائل بها والاقوى ما ذكرنا.

مسألة 16: تثبت عدالة الشاهدين بالعلم الوجداني الحاصل من المعاشرة، وبالشياعالمفيد للعلم، وكذا بالبينة بالاجماع، وإن لم نقل بعموم حجيتها، واستدل عليه مضافا إلى الاجماع بما في تفسير الامام (ع) من أن النبي صلى الله عليه وآله " إذا كان لا يعرف الشهود بخير ولا شر أرسل رجلين من خيار أصحابه إلى قبائل الشهود لتفتيش أحوالهم عن قومهم فإذا اتيا بخير أنفذ شهادتهم وإذا اتيا بخبر سئ لم ينفذ " وبمرسلة يونس: " استخراج الحقوق بأربعة وجوه " وعد منها شهادة رجلين عدلين، فان الاستخراج أعم مما كان بواسطة أو بلا واسطة، وبقوله (ع) " البينة للمدعى واليمين على المدعى عليه " إذا كان النزاع في عدالة شخص وعدمها، وكذا تثبت بالاستصحاب ولا تثبت بالظن ولا بخبر الواحد وإن بلغ حد الشياع إذا لم يفد العلم ونقل عن بعضهم وجود القول بكفايته، ولعله لدعوى شمول ما دل على حجية خبر الواحد للموضوعات، لكن الظاهر الاجماع على عدم كفايته في الشهادة، أو لدعوى أن العدالة هي الملكة وهى من الامور الخفية التى لا يمكن حصول العلم بها غالبا فلو اعبتر العلم فيها لا نسد طريق ثبوتها.

" وفيه " ما أشرنا إليه سابقا من أنها وإن كانت عبارة عن الملكة ويعسر الاطلاع عليها غالبا بالعلم إلا ان المستفاد من الاخبار الكثيرة أن حسن الظاهر كاشف عنها والاطلاع عليه سهل، فلا وجه لكفاية الظن في ثبوتها سواء حصل من المعاشرة التامة أو من خبر الواحد، إلا مع العلم بما جعله الشارع كاشفاعنها وهو حسن الظاهر المفيد للظن بحصولها، وأما الجرح فلا إشكال في عدم ثبوته بغير العلم أو البينة أو الاستصحاب.

هذا: كله في أصل الثبوت لترتيب آثارهما، وأما في مقام الشهادة بأحدهما فلابد


75

من ثبوت العلم فلا يجوز الاعتماد على غيره من البينة أو الاستصحاب بأن شهد بالعدالة أو الفسق مطلقا مع عدم علمه بهما وإن ثبت عنده بالبينة أو الاستصحاب، بل هو تدليس حرام.

نعم لا بأس بالشهادة مع بيان المستند لاكن لا تنفع في حكم الحاكم، إذ لا يجوز له الاعتماد على هذه الشهادة، فما يظهر من بعضهم من جواز الشهادة بالعدالة مع ثبوتها عنده - ولو بمثل البينة والمعاشرة الظنية وحكم الحاكم - لا وجه له، لاعتبار العلم في الشهادة.

مسألة 17: الظاهر جواز الشهادة بالجرح إذا شاهده يرتكب كبيرة مع ظهور كون ذلك منه على وجه المعصية من غير عذر، وإن لم يحصل له العلم بذلك، لكن اشترط صاحب الجواهر في ذلك العلم بكونه على وجه المعصية وإلا لا يجوز له الشهادة، ضرورة أعمية شرب الخمر مثلا من ذلك، قال: " ودعوى أن للافعال ظهورا يجب الاخذ به كالاقوال واضحة المنع فان الفعل من حيث هو لا ظهور فيه وإنما يحصل من بعض المقارنات فانأفادت العلم جرى عليه الحكم وإلا كان من الظن الذى لا دليل على حجيته بل الدليل على خلافه.

نعم لا عبرة بالاحتمال الذى لا يعتد به ولا ينافي القطع في العادة " انتهى " وفيه " أنه يكفى ظهوره بملاحظة الحالات والمنضمات وأنه من الظنون المعتبرة.

مسألة 18: ينبغى أن يكون السؤال عن التزكية سرا عن الشاهدين أي في غيابهما، لانه أقرب إلى صدق المزكى والجارح وأبعد من تطرق التهمة للمزكى بانه زكى حياء أو رجاء أو خوفا أو نحو ذلك، وكذا ينبغى أن يكون بالاخفاء عن الناس لانه ربما كان جارحا بما يوجب هتك ستر الشاهد وغيبته وهو غير جائز إلا بقدر الضرورة وهو عند الحاكم فقط.

مسألة 19: لا بأس بتفريق الشهود والسؤال من كل واحد منهم في غياب الآخر من مشخصات القضية من الزمان والمكان ونحوهما من الكيفيات إذا ارتاب من غلطهم، لعدم قوة عقلهم أو من التباس الامر عليه بتدليس ونحوه، أو لزيادة التثبيت ليعلم صدقهم من اتفاق كلمتهم أو كذبهم من إختلافها، بل بربما يكون راجحا مع الريبة كما فعله أمير المؤمنين (ع): " في سبعة خرجوا في سفر ففقد واحد منهم، فجاءت إمرأة إليه وذكرت ذلك له، فاستدعاهم وسأله فانكروا، ففرقهم وأقام كل واحد منهم إلى سارية ووكل


76

به من يحفظه، ثم استدعى واحد منهم وسأله فانكر، فقال عليه السلام: الله اكبر.

فسمعه الباقون فظنوا أنه اعترف فاستدعى واحدا بعد واحد فاعترفوا بقتله فقتلهم " هذا ويمكن أن يقال: برجحان سائر الكيفيات غير التفريق أيضا، لكن بما لا ينافي الشرع ولا يوجب تأخير الحكم بعد الثبوت مع مطالبة المدعى، فانه حينئذ يجب المبادرة إليه، ولذا قالوا: إن محل التفريق إنما هو قبل الاستزكاء إن احتيج إليه، بل ربما يقال: بجواز التأخير لازالة الريبة ولو مع طلب المدعى وتمامية ميزان الحكم، بل قد يقال: بعدم جواز الحكم مع الريبة ولو بعد تمام الميزان لانصراف أدلة الحكم بالبينة عن هذه الصورة، لكنه مشكل لمنع الانصراف.

مسألة 20: لو رضى المدعى عليه بشهادة فاسقين أو مجهولي الحال أو عادل واحد لم يصح لعدم جواز الحكم مع عدم الميزان الشرعي.

مسألة 21: إذا أقام المدعى شاهدين ثابتى العدالة عند الحاكم لكنه اعترف بعدم عدالتهما، فهل يصح الحكم أو لا؟ وجهان أو جههما عدم صحته، لان إعترافه بعدم عدالتهما إعتراف منه بعدم تمامية الميزان، إذ هو العدالة الواقعية لا اعتقاد الحاكم بالعدالة، وحينئذفليس له ترتيب الاثر على هذا الحكم في ظاهر الشرع وإن كان محقا في الواقع بحسب إعتقاده.

مسألة 22: إذا شهد عند الحاكم شاهدان لا يعرفهما بالعدالة، لكنه حكم غفلة عن إحرازها ثم تبين له بعد الحكم كونهما عدلين، فالظاهر عدم صحة الحكم لان المناط هو العدالة الواقعية المعلومة للحاكم حال الحكم.

مسألة 23: ذكر جماعة أنه يجوز للحاكم مع عدم إحرازه عدالة شاهدين أن يحكم بتصديق المدعى عليه واعترافه بعدالتهما كأن يقول: هما عادلان لكنهما مخطئان، وعلله بعضهم بكونه إقرار على نفسه حيث أنه إعترف بوجود شرط الحكم " وفيه " أن شرط الحكم إنما هي العدالة المعلومة للحاكم لا العدالة الواقعية وإن لن تكن معلومة له أو ثابتة عنده، والمفروض عدم حصول العلم له بهذا الاقرار من المدعى عليه فلا يكفى في جواز الحكم.

وأما ما قيل في الجواب من أنه مع ذلك دور فان كونه إقرارا على نفسه موقوف على كونه مقبولا عند الحاكم، وقبوله موقوف على كونه إقرارا على نفسه، فلا


77

يصح، إذ كونه إقرارا بالعدالة معلوم من غير توقف على كونه مقبولا وإنما الاشكال في أن العدالة الواقعية غير كافية بلا ثبوت عند الحاكم، فالاقرار بها ليس إقرارا بتحقق الشرطلفقد قيده وهو الثبوت، وإلا فلو كان الشرط نفس العدالة من غير قيد وكان علم الحاكم بها طريقا لاجزاء وقيدا في الموضوع كان كافيا في تحقق ميزان الحكم، والفرق بين هذه المسألة وما تقدم، من كون إقرار المدعى بفسق شهوده موجبا لعدم جواز الحكم.

أن الاقرار بفقد أحد جزئي ميزان الحكم كاف في عدم جوازه، وأما الاقرار بثبوت أحد الجزءين فغير كاف في جوازه، فما يظهر من بعضهم من أن لازم القول بكفاية إقرار المدعى بفسق الشهود في عدم جواز الحكم القول بكفاية تصديق المدعى عليه بعد التهم في جوازه لا وجه له، إلا على إحتمال كون الشرط هو العدالة الواقعية من غير قيد وكان علم الحاكم طريقا إليها.

واستدل: بعضهم على الحكم المذكور بالخبر المروي في تفسير الامام (ع) في حكاية محاكمة النبي صلى الله عليه وآله من قوله: " فإذا كان الشهود من اخلاط الناس لا يعرفون ولا قبيلة لهما ولا سوق ولا دار أقبل على المدعى عليه وقال: ما تقول فيهما؟ فان قال: ما عرفت إلا خيرا غير أنهما قد غلطا فيما شهدا على أنفذ عليه شهادتهما وإن جرح عليهما وطعن في شهادتهما أصلح بين الخصم وخصمه أو حلف المدعى عليه وقطع الخصومة بينهما صلى الله عليه وآله " ودلالته ظاهرة وإن كان يمكن أن يقال: انه صلى الله عليه وآله كان يحصل له العلم بعدالتهما من قول المدعى كما هو كذلك غالبا.

وبالجملة الحكم المذكور محل إشكال ثم على فرض العمل بالرواية تختصتعديله بخصوص ذلك الشخص فلا يثبت في حق غيره، بل بتلك الواقعة الخاصة إقتصارا على القدر المتيقن، وأيضا الحكم مختص بما إذا لم يعرف الحاكم فسقهما وإلا فلا يجوز له الحكم قطعا.

مسألة 24: إذا قال المدعى بعد إقامة الشهود: كذبت شهودي.

لا تسمع شهادتهم في حقه وهل تبطل دعواه أيضا أو لا؟ مقتضى كون الكذب عبارة عن الاخبار بما يخالف الواقع سقوط دعواه أيضا إلا أن تكون هناك قرينة على إرادة مخالفتها لاعتقادهم كما هو الغالب.


78

مسألة 25: لا يشترط في قبول الشهادة علم الحاكم باسم الشهود ونسبهم بعد العلم بعدالة أشخاصهم مع إجتماع سائر شرايط الشهادة.

مسألة 26: إذا كان الشهود جماعة من العدول يجوز للحاكم الاستناد في حكمه إلى الجميع كما يجوز الاستناد إلى الاثنين أو أزيد منهم وإذا كانت الجماعة مشتملة على العدول والفساق جاز له الاستناد إلى الجميع وإلى اثنين أو أزيد من العدول منهم.

مسألة 27: لو كان الشهود جماعة من العدول واستند في حكمه إلى الجميع ثمبعد الحكم تبين فسق بعضهم فالظاهر صحة الحكم مع وجود عدلين في الباقين، وأما إذا استند إلى إثنين معينين ثم بعد الحكم تبين فسقهما فهل يصح مع وجود عدلين آخرين لم يستند إليهما؟ فيه وجهان.

مسألة 28: في تعارض الجرح والتعديل إذا كان شهود الجرح إثنين وشهود التعديل أربعة يمكن أن يقال: بتساقط إثنين بالاثنين وبقاء اثنين للتعديل وكذا العكس، وأولى بذلك إذا كان كل منهما إثنين وبعد التساقط وجد اثنان آخران لاحدهما، والله العالم.

مسألة 29: إذا شهد جماعة يعلم الحاكم أن فيهم عدلين ولكن لا يعرفهما بعينهما فالظاهر جواز الحكم إذا لم يكن جرح، لصدق الحكم بشهادة عدلين.

مسألة 30: لا يشترط في الحكم بالبينة ضم يمين المدعى إلا بدليل خاص.

كما في الدعوى على الميت بلا خلاف ولا إشكال، ويدل عليه - مضافا إلى الاستفادة من مثل قوله: " البينة للمدعى واليمين على المدعى عليه " حيث أن التفصيل فيه قاطع للشركة - صحيحة محمد بن مسلم: " عن الرجل يقيم البينة على حقه هل عليه أن يستحلف؟ قال لا " ورواية أبى العباس: " إذا أقام الرجل البينة على حقه فليس عليه يمين " ونحوها موثقة جميل ومرسلة أبان.

وأما ما في خبر سلمة بن كهيل عن قول أمير المؤمنين (ع) لشريح: " ورد اليمين علىالمدعى مع بينته فان ذلك أجلى للعمى وأثبت في القضاء " فمحمول على الاستحباب مع رضي المدعي.

وأما صحيحة الصفار: " هل يقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقع (ع): إذا شهد معه عدل آخر فعلى المدعى يمين " فيمكن حملها على عدم سماع شهادة الوصي، وبالجملة لاإشكال في المسألة


79

الفصل السادس في

الدعوى على الميت

مسألة 1: يشترط في سماع الدعوى على الميت قيام البينة المعتبرة مع اليمين الاستظهاري على المشهور، وادعى بعضهم عدم الخلاف فيه، وآخر الاجماع عليه.

نعم في الجواهر: " خلت عنه كثير من كتب القدماء " ويدل عليه ذيل خبر عبد الرحمن البصري: " فان كان المطلوب بالحق قد مات فاقيمت البينة فعلى المدعي اليمين بالله الذى لا اله إلا هو لقد مات فلان وان حقه لعليه؟ فان حلف وإلا فلا حق له، لانا لا ندرى لعله قد وفاه ببينة لا نعلم موضعها أو بغير بينة قبل الموت فمن ثم صارت عليه اليمين مع البينة.

فان ادعى ولا بينة فلا حق له لان المدعى عليه ليس بحى ولو كان حيا لالزم باليمين أو الحق أو يرداليمين فمن ثم لم يثبت عليه حق " وذيل صحيحة الصفار: " وكتب إليه أو تقبل شهادة الوصي على الميت بدين مع شاهد آخر؟ فوقع (ع) نعم من بعد يمين " ودلالتهما واضحة فيخصص بهما ما دل على عدم اشتراط اليمين مع البينة.

والمناقشة: في الاول بان ظاهره وجوب اليمين المغلظة ولا قائل به وإلا فلا دلالة فيه فيحمل على الاستحباب " مدفوعة " بان الظاهر أن ذكر العبارة المذكورة من باب أحد الافراد لا لاشتراط خصوصيتها - مع أنه يجوز أن يكون توصيفه (ع) تعظيما لله لا لاجل إعتبار ذكره في اليمين فلا ينبغى الاشكال في أصل الحكم.

وإنما الكلام في مواضع: بناء على العمل بعموم التعليل وإن كان مشكلا كما سيأتي.

أحدها: هل يلحق بالميت من هو مثله في عدم اللسان كالطفل والمجنون والغائب أو لا؟ قولان عن الاكثر بل المشهور الاول، وجماعة على الثاني، بل أسند إلى أكثر متأخرين المتأخرين، للاول عموم العلة وإتحاد طريق المسئلتين، للثاني كون الحكم على خلاف القاعدة فلابد من الاقتصار على القدر المعلوم، وهذا هو الاقوى لمنع كون العلة مجرد اللسان فعلا، بل عدمه مطلقا كما في الميت حيث أنه لا أمد له يرتقب - مع أن العلة وهي إحتمال الوفاء لا يجرى في الصبى والمجنون لعدم إحتمال مع عدم صحة الوفا


80

منهما على فرضه، فطرف الدعوى فيهما وليهما وهو حى له لسان، ومعارضة في الغايب بمرسل جميل عن الصادق (ع) قال: " الغايب يقضى عليه إذا قامت عليه البينة ويباع ماله ويقضى عنه دينه وهو غايب ويكون الغايب على حجته إذا قدم ولا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلا بكفلاء " ونحوه خبر محمد بن مسلم عن الباقر (ع)، مع أن قوله (ع): ويكون الغايب على حجته.

يدل على الفرق بينه وبين الميت ومما ذكرنا ظهر عدم اتحاد طريق المسئلتين وأن الاقوى عدم الا لحاق.

الثاني: هل الحكم مختص بالدين أو يشمل العين أيضا بل يشمل كل دعوى على الميت سواء كانت عينا أو دينا أو منفعة أو حقا كحق الرهانة وحق الخيار؟ ظاهر الصحيح - بل الخبر أيضا - الاختصاص بالدين بقرينة لفظ الحق، ولفظ عليه، ووفاه، إلا أنه يمكن أن يقال: إن الدين من باب المثال، ومقتضى عموم التعليل العموم " ودعوى " أن العلة هو إحتمال الوفاء وهو مختص بالدين " مدفوعة " بامكان دعوى كون هذا أيضا من باب المثال بان يكون المراد أن في الدعوى عليه تحتاج إلى ضم اليمين إلى البينة دفعا لاحتمال دعوى من الميت لو كان حيا وهو في الدين إحتمال الوفاء وفي العين إحتمال النقل الجديد.

هذا: ولكن يمكن الفرق بين الدين والعين بأن البينة القائمة على الدين غالبا مستندة إلى الاستصحاب فتحتاج إلى ضم اليمين بخلاف البينة على العين فانها إذا شهدت بالملكية السابقة لا تسمع في مقابل اليد فلابد في قبولها أن تكون بالملكية الفعلية، وحينئذ فلا تحتاج إلى ضم اليمين فهذا هو الفارق بين الدين والعين.

نعم على القول بان إستصحاب الملكية السابقة مقدم على اليد الفعلية لا فرق بينهما كما انها إذا شهدت بكيفية اليد بان شهدت بان يد الميت سابقا كانت يد غصب أو عارية حيث أن إستصحابها مقدم على اليد الفعلية على الاقوى لكونه موضوعيا يكون حال العين في هذه الصورة حال الدين في الحاجة إلى اليمين لدفع إحتمال تجدد اليد والنقل الجديد.

ثم إن لي في كون دعوى العين دعوى على الميت إشكالا، وذلك لان المدعى أن يوجه الدعوى على من بيده العين وهو الوارث إذا كانت في يده فيكون الدعوى على الحى وهو الوارث دون الميت وكون يده مترتبة على يد الميت لا يوجب كون الدعوى عليه فهو نظير ما إذا غصب شخص عينا وباعهامن شخص


81

آخر فان للمالك أن يدعى على من بيده وهو المشترى ولا يقال: حينئذ ان الدعوى على الغاصب لكون يد المشترى مترتبة على يده.

نعم يجوز له أن يوجه الدعوى علىالغاصب أيضا ففى المقام أيضا كذلك، فان وجه الدعوى على الميت احتاج إلى ضم اليمين وأما إن وجه على الوارث فلا.

وكيف كان فالمسألة مشكلة والاحوط ضم اليمين لكن برضي المدعي.

هذا: ولو كانت العين تالفة في يد الميت قبل موته على وجه الضمان، فبناء على الفرق بين الدين والعين قيل في جريان حكم العين نظرا إلى الاصل أو الدين للانتقال إلى ذمته وجهان، أظهرهما الثاني.

قلت: بل هو المتعين وإذا تلفت بعد موته فكذلك.

نعم لو تلفت في يد الوارث يمكن توجيه الدعوى عليه لكون قيمتها دينا عليه فلا يحتاج إلى ضم اليمين، ويمكن توجيهها على الميت، وفي جريان حكم العين أو الدين حينئذ وجهان أقواهما الثاني، لكن قال في الجواهر: أما إذا فرض تلفها بعد موته وكانت مضمونة عليه فقد يقوى عدم اليمين عليه، لقصور الخبرين على تناول ذلك، بل ظاهرهما غيره، فيبقى هو حينئذ على عموم حجية البينة، والتعليل قد عرفت أنه فيما قبل الموت فتأمل جيدا.

قلت: قصور الخبرين عن الشمول ممنوع، فحاله حال التلف قبل الموت، وقال في المستند: " نعم لو فقدت بعد الموت أو لم يعلم أنها فقدت حال الحياة أو بعدها فحكم المدعىبه حكم العين لعدم معلومية الانتقال إلى ذمة الميت " وفيه: فأن يده لو كانت يد ضمان لا وجه لعدم الانتقال إلى ذمته.

الثالث: إذا كان المدعى على الميت وارث صاحب الحق، كما إذا ادعى وارث زيد على وارث عمرو بشغل ذمة عمرو بحق زيد، وأقام البينة على ذلك فهل حاله حال مورثه في الحاجة إلى ضم اليمين وأنه إن لم يحلف لا حق له؟ أولا، الاقوى ذلك، لدخول تحت الخبرين، وحينئذ فان علم بقاء الحق وعدم الوفاء تمت الحجة وثبت له الحق، و: إلا فلا حق له كما في مورثه ولو كان حيا.

ولا وجه لدعوى خروجه عن الخبرين.


82

ولكن قد يقال: باختصاصهما بما إذا كان المدعى صاحب الحق، وحينئذ فيدخل تحت عمومات حجية البينة، وقد يقال: بدخوله تحت الخبرين وعدم ثبوت الحق، لانه لا يمكنه أن يحلف إما لعدم علمه ببقاء الحق وعدم الوفاء من المدعى عليه، وإما لكونه يمينا على فعل الغير وهو غير جائز، وقد يقال: بدخوله تحتهما وأنه يحلف على نفي العلم بالوفاء أو عدمه مطلقا، قد يقال: بذلك أي أنه يحلف على نفي العلم إلا إذا اعترف وارث المدعى عليه بعدم علمه، وحينئذ يسقط اليمين، واحتمل صاحب الجواهر - بعد اعترافه بدخولهتحت الخبرين وان ظاهر النص والفتوى سقوط الحق بعدم حلفه - أن يكون له الحلف على الميت (.

) على مقتضى الاستصحاب، كما يجوز الحلف على مقتضى اليد، لان سقوط الحق مع وجود البينة مناف لمذاق الفقه، لكنه إعترف بعدم صحته، ولا يخفي ضعف جميع هذه الاقوال والاحتمالات خصوص الحلف على نفي العلم مطلقا، لانه لا معنى له مع عدم دعوى العلم عليه، وعلى فرضها أيضا لا محل له ولا فائدة فيه، إذ لا يتفاوت الحال في عدم تمامية الحجة بين أن يحلف على نفى العلم أو لا؟ فعلى التقديرين لا يثبت الحق، لان إحتمال الوفاء موجود، فالاقوى ما ذكرناه من ان حاله حال مورثه، فكما انه لو لم يجزم ببقاء الحق وعدم الوفاء لا يجوز له أن يحلف ولا يثبت حقه، فكذا لا يجوز له وحينئذ لا يثبت الحق لعم تمام الحجة.

ثم: إذا كان الوارث متعددا لابد من حلف منهم على بقاء مقدار حقه من الارث، ولا يكفى حلف بعض منهم عن الجميع نظير إثبات الحق بالشاهد واليمين مع تعدد المدعين، فلو لم يحلف بعضهم لعدم علمه لم يثبت مقدار حقه " وإحتمال " إن يكون هذا الحلف من حيث أنه شرط متمم للبينة لاجزء من المثبت يكفى فيه واحد، وأيضا المستفاد من الخبرين ليس إلا ضم اليمين في الجملة " لا وجه له " مع أن مجرد الاحتمال لا يكفى بعد كون الاصلعدم ثبوت الحق.

الرابع: إذا كان المدعى غير صاحب الحق بأن كان وليا أو وصيا أو وكيلا، فهل يحتاج إلى اليمين أو تكفيه إقامة البينة؟ الظاهر عدم الفرق بينه وبين صاحب الحق،


83

لان المستفاد من الخبرين أن ثبوت الحق على الميت متوقف على اليمين مع البينة، وبتقرير آخر المدعى على الميت إذا أقام البينة لابد له من ضم اليمين سواء كان مدعيا لنفسه أو لغيره، وعلى هذا فإذا لم يقدر على الحلف لعدم جوازه على مال الغير فلا يثبت الحق، إلا أن يقال: بانصراف الخبرين عن مثل الولي والوصي، لكنه ممنوع، أو يقال: بجواز الحلف منهما في خصوص المقام عدم لظهور الخبرين في حلف المدعى اعم من ان يكون صاحب الحق، اولا - مع انه لادليل على عدم جواز الحلف على مال الغير إلا الاجماع، والقدر المتيقن منه غير مثل الولي والوصي ممن الامر بيده، ويعد صاحب الدعوى عرفا، فما ذكره بعضهم من عدم الحاجة إلى اليمين من جهة عدم شمول الخبرين وإختصاصهما بمن يدعي حق نفسه بقوله: وان حقه لعليه.

وقوله: فلا حق له.

لا وجه له، أولا لان ذلك من باب المثال، وثانيا لانه يعد مثل المولي والوصي صاحب الحق عرفا - مع أن مقتضى التعليل عدم الفرقبين مدعي حق نفسه وغيره، وحينئذ لا ينبغى الاشكال في عدم ثبوت الحق إلى لم يمكن اليمين، لانه مقتضى الشرطية في الثبوت، إلا إذا قلنا بما قلنا من الانصراف أو دعوى جواز الحلف على مال الغير من مثل المقام أو بمنع عموم يدل على عدم جواز الحلف على مال الغير.

ولصاحب المستند: في المقام كلام على طوله لا طائل له، ومحصلة عدم دخول الولي والوصي في موضوع الخبر، لاختصاصه بمدعى حق نفسه، لقوله: فان حقه.

وقوله: فلا حق له.

وإذا لم يشملهما الخبر فلابد من الرجوع إلى القاعدة، وهي حجية البينة وكفايتها، ولا يفيد التمسك بعموم العلة لشمول الحكم لهما لانها تعليل لقوله: فعلى المدعى إلى آخره.

لا لقوله: فلا حق له.

خاصة بقرينة قوله: فمن ثم صارت عليه اليمين.

فهى علة للتعليق لا تعليق، وإذا لم يمكن المعلق عليه لعدم جواز الحلف على مال الغير، فيحتمل انتفاء التعليق، ويحتمل انتفاء المعلق، أي يحتمل انتفاء الشرطية، ويحتمل انتفاء المشروط، وهو ثبوت الحكم، وحيث لا معين فيحصل الاجمال، فيرجع إلى قاعدة حجية البينة، وكفايتها في إثبات الحكم، ثم أوضح ذلك بمثال إنطباقه على نحن فيه غير معلوم، وقد ظهر مما ذكرنا ما فيه، إذ أولا نمنع شمول الخبر لهما، وعلى فرضه فيكفى شمول العلة ثانيا، وما ذكره من الاجماع ممنوع، إذا المستفاد منها شرطية الحلف لثبوت الحكم بالبينة


84

ومقتضاها عدم المشروط عند عدم الشرط وهذا واضح جدا، ثم مما ذكرنا ظهر حال دعوى متولى الوقف على الفقراء مثلا شيئا من طرفه على ميت، وحال دعوى الوصي مثلا إشتغال ذمة الميت بخمس أو زكاة أو مظالم، فان مقتضى الخبرين عدم كفاية البينة، ولازمها عدم ثبوت الحق لعدم إمكان الحلف إلا على ما ذكرنا من الانصراف ونحوه.

الخامس: كما تكون العلة لعمومها موجبة لشمول الحكم لغير المورد مما يشاركه فيها، كذلك قد تكون مقيدة لاطلاق المورد، مثلا إذا قال: لا تأكل الرمان لانه حامض.

فقوله: لا تأكل الرمان.

وإن كان يشمل الحلو أيضا إلا أن العلة تقيده بالحامض، ففيما نحن فيه إذا شهدت البينة بثبوت الحق وبقائه إلى حين الموت لا يجب ضم اليمين، لان العلة وهى إحتمال الوفاء لا تجرى، إذ المفروض شهاد البينة بعدمه، وكذا إذا علم أنه على فرض ثبوت الحق سابقا لم يحصل الوفاء من الميت أو اعترفت ورثته بذلك، وكذا في الفرع الذى تعوضوا له وهو أنه إذا شهدت البينة باقراره قبل موته بمدة لا يمكن فيها الاستيفاء عادة، فانه لا يجب ضم اليمين كما عن جماعة، ولكن صاحب المستند بعد أن نقل عن المسالك و الكفاية والمعتمد عدم وجوب الضم، قال: " وفيه أن التعليل لا يوجب تخصيص الاطلاق،فان العلل الشرعية معرفات لا ينتفى المعلوم بانتفائها، فانه قد يكون وجود العلة في بعض الافراد علة للحكم في الجميع - مع أن التعليل كما قيل يمكن أن يكون من باب إبداء النكتة والتمثيل، فان احتمال الابراء أيضا قائم، وكذا إحتمال نسيان المقر للايفاء وتذكره لو كان حيا حين الدعوى، ولذا قوى بعض فضلائنا المعاصرين الضم، لاطلاق النص، وهو حسن، إلا أن فيه أن النص معارض باخبار اخر واردة في إقرار المريض، وفي الوصية بالدين.

كصحيحة منصور: " عن رجل أوصي لبعض ورثته أن له عليه دينا.

فقال: فقال: إن كان الميت مرضيا فأعطه الذى أوصى له " وصحيحة أبى ولاد: " عن رجل مريض أقر عند الموت لوارث بدين له عيله.

فقال: يجوز ذلك " ورواية السكوني: " رجل أقر عند موته لفلان وفلان لاحدهما عندي ألف درهم ثم مات على تلك الحال.

فقال أيهما أقام البينة فلة المال وإن لم يقم واحد منهم البينة فالمال بينهما نصفان " ومكاتبة الصهبانى: " إمرأة أوصت إلى


85

رجل وأقرت له بدين ثمانية الاف درهم.

إلى أن قال: فكتب بخطه: إن كان الدين صحيحا معروفا مفهوما فيخرج الدين من رأس المال " إلى غير ذلك فان هذه الاخبار شاملةلصورة عدم حلف المقر له أيضا، فيتعارض مع ما مر بالعموم من وجه، وإذ لا ترجيح فيرجع إلى القاعدة المكتفية للمدعى بالبينة وهو الاصح " انتهى.

وقد ظهر: مما ذكرنا ما فيه - مع أن مقتضى ما ذكره مع كون العلل الشرعية معرفات أو من باب التمثيل عدم جواز التمسك بعومها للتعميم أيضا، وأما ما ذكره من معارضة النص بالاخبار الواردة في إقرار المريض، وفي الوصية بالدين، وأن النسبة عموم من وجه، ففيه: أن هذه الاخبار ليست في مقام الدعوى على الميت والاثبات بالبينة والمفروض فيها تحقق الاقرار وتحقق الوصية، وإنما السؤال فيها من حيث كون الاقرار في حال المرض وأن الوصية بالدين هل يجب العمل بها أو لا؟ لا من جهة كونها دعوى على الميت فلا دخل لها بالمقام، فالوجه عدم وجوب الضم من جهة ما ذكرنا من كون العلة مقيدة للاطلاق.

السادس: العلة المذكورة في الخبر لاشتراط ضم اليمين إلى البينة هو إحتمال الوفاء من المدعى عليه إذا كان ميتا، لكن الظاهر أنه من باب المثال، فيتعدى منه إلى سائر الاحتمالات المنافية لبقاء الحق أيضا، إلا أن اللازم التعدي إلى ما يكون مثله مما يجرى في الميت دون الحى، كالنقل الجديد من الميت في دعوى العين ونحوه، وأما الاحتمالات المشتركة بين الحى والميت مثل الابراء والمقاصة أو تبرع الا جنى بوفاء الدين مثلافيشكل إشتراط نفيها وبقاء الحق من جهتها فانها لو كانت موجبة لضم اليمين لزم ذلك مع إحتمالها في الدعوى على الحى أيضا، فما يظهر منهم من إشتراط نفيها أيضا في الدعوى على الميت دون الحى مشكل، والحاصل أن تخصيص الدعوى على الميت باشتراط ضم اليمين إلى البينة إنما يصح في إحتمال لا يجرى في الدعوى على الحى، ففيما إذا علم عدم الوفاء من الميت لكن احتمل إبراء المدعى ذمته أو مقاصته من ماله أو وفاء الأجنبي تبرعا أو وفاء الوارث له بعد موته، يشكل إشتراط ضم اليمين بعد كون الحكم على خلاف مقتضى عموم حجية البينة.

السابع: هل يلحق بالبينة في الحاجة إلى ضم اليمين مثل الاقرار المعلوم والشياع


86

الموجب للعلم وحكم الحاكم ونحو ذلك أولا؟ مقتضى إختصاص الخبرين بالبينة وكون الحكم، على خلاف القاعدة عدم الالحاق، ولكن يمكن دعوى الحاجة إليها بملاحظة عموم التعليل فيما إذا احتمل الوفاء من الميت، وأما مع العلم بعدمه وعدم سائر الاحتمالات فلا ينبغى الاشكال في عدم الحاجة، وأما مع العلم بعدم الوفاء واحتمال الابراء ونحوه.

ففيه وجهان، والاظهر عدم وجوب ضم اليمين لماعرفت من عدم الاعتناء بالاحتمالات المشتركةبين الحى والميت.

الثامن: إذا كان للمدعى شاهد واحد وضم إليه اليمين فهل يحتاج إلى يمين آخر للاستظهار أو لا؟ قد يقال: بعدم الحاجة لخروجه عن الخبرين، حيث أن موردهما البينة ولا تصدق على الشاهد واليمين، ولعدم الفائدة في تكرار اليمين.

وقد يقال: باشتراط الضم لعموم التعليل، والاظهر وجوب الضم إذا كانت اليمين التى مع الشاهد كالشاهد في كونها على أصل ثبوت الحق من غير تعرض لبقائه واشتغال ذمة الميت به فعلا إلى حين الموت، لان اليمنين حينئذ متغايرتان إحداهما على أصل الاستحقاق والاخرى على بقائه، وإن كانت على الاستحقاق فعلا ففيه وجهان، من تغايرهما من حيث هما، ومن عدم الفائدة في تكرارهما، والاظهر الاول وهو الاحوط، إذ يكفى تغايرهما في حد نفسهما فلا وجه للتداخل.

التاسع: الدعوى على الميت واحدة، يكفى يمين واحدة من المدعى وإن تعددت ورثة الميت، فلا يلزم الحلف لكل واحد منهم، وهذا بخلاف ما إذا كان المدعى ورية صاحب الحق فان يمين واحد منهم لا تكفى عن ا لبقية، بل يلزم على كل واحد اليمين على مقدار سهمه كما مر.

العاشر: اليمين الاستظارى ليست من الحقوق القابلة للاسقاط، إذ هي شرط متممللحجة وهي البينة، فلو أسقط ورثة الميت حقهم من اليمين لم تسقط، ولم يكف في ثبوت المدعى به نظير اليمين مع الشاهد الواحد.

نعم إذا رضي المدعي باسقاط بعض حقه وأخذ البقية بدون أن يحلف جاز مع رضي ورثة الميت إذا كانوا كبارا أو كان فيه المصلحة للصغار أيضا فيجوز لهم وللقيم على الصغار المصالحة مع المدعى عما يدعيه ببعضه مع ترك اليمين.

الحادى عشر: الظاهر وجوب كون الحلف للاستظهار بتحليف الحاكم الشرعي،


87

فلا يكفى حلف المدعى بنفسه أو بتحليف الوارث كما أنه لا يكفى إقامة البينة للورثة وتحليفهم أو تحليف الحاكم، ولو أقام البينة عند حاكم وجب كون الحلف عنده، فلو مات أو غاب بعد إقامة البينة عنده لم يكف تحليف حاكم آخر من دون أن يجدد عنده إقامة البينة.

الثاني عشر: إذا علم وارث الميت بالدين وبقائه إلى حين الموت وجب عليه الاداء من تركته، من دون حاجة إلى يمين المدعى وأما إذا لم يعلم بقاؤه فهل هو كذلك باجراء الاستصحاب؟ أولا إلا بالحلف عند الحاكم وجهان، ولو أقر بذلك عند الحاكم ففيه الوجهان المتقدمان في الموضع السابع.

الثالث عشر: إذا ادعى على إثنين أحدهما حي والآخر ميت، وأقام بينة ولم يحلف ثبت ما على الحى من نصف أو ثلث مثلا دون ما على الميت.

الرابع عشر: إذا ادعى على زيد مثلا أن وكيلك وهو عمرو أخذ منى قرضا عليك كذا، والمفروض أن عمرا ميت، فالظاهر أن هذه دعوى على الحى فلا تحتاج إلى اليمين، والميت ليس مدعى عليه.

وإنما هو موضوع للدعوى على الحى، ويقرب منه ما لو ادعى على شخص أن أخاك أو عمك مثلا قتل إبنى خطأ، وأنت عاقلته فعليك الدية، والمفروض أن القاتل ميت فانه يمكن أن يقال: إنها دعوى على الحى دون الميت.

نعم لو وجه الدعوى على الوكيل في الفرض الاول وعلى القاتل في الفرض الثاني يكون من الدعوى على الميت.

الخامس عشر: إذا أوصي الميت: بان كل من ادعى على مقدارا فادفعوا إليه من تركتي بلا مطالبة بينة ولا يمين أو مع البينة وبلا يمين، فالظاهر أنه وصية تخرج من ثلثه ولا يثبت الدين بمجرد ذلك، ولا يكون إقرارا.

نعم لو قال: كل ما هو مكتوب في دفتري الفلاني فهو حق.

وكان فيه أنه مديون لفلان بكذا كان إقرارا ولا يمين على المدعى، بل في ا لفرض الاول إذا قال: كل من ادعى على شيئا فهو صادق.

يمكن أن يكون إقرارا بحملهعلى علمه بان الذى يدعى عليه هو فلان، وهو يطلب منه كذا.

السادس عشر: إذا ادعى على زيد مثلا، وأقام على دعواه بينة مقبولة وهو حى فمات


88

المدعى عليه قبل حكم الحاكم، فالظاهر عدم الحاجة إلى اليمين لثبوت الحق عليه وهو حى، وأما إذا مات قبل إقامة البينة أو قبل ثبوت عدالتهما فهل هو كذلك؟ أو لا فوجهان أو وجوه.

السابع عشر:

المقاصة من مال الميت

مع العلم بثبوت الحق عليه لا تحتاج إلى اليمين وإذا كان له حق على ميت وأمكنه الاثبات بالبينة لكنه يريد الفرار من الحلف وإن كان صادقا يجوز له ترك الاثبات والمقاصة من ماله، ولا يجب عليه الاثبات والحلف، بل بعد إقامة البينة إذا أراد ترك الحلف والمقاصة فالظاهر جوازه.

الثامن عشر: إذا ادعى على الميت ولم يكن له بينة لا تسمع دعواه، وكذا إذا كان بحيث لا يقدر على الحلف كما في الدعوى الظنية حيث أنه يعتبر في الحلف العلم بالاسحتقاق فلا يجوز إن كان له حجة شرعية، كما إذا شهد بحقه البينة وكان هناك إستصحاب، وهل يجوز له حينئذ المقاصة؟ الظاهر ذلك لكفاية استحقاقه في ظاهر الشرع.

التاسع عشر: إذا كان عنده من مال الميت أو كان مديونا له، وعلم باشتغال ذمة الميت لشخص، يجوز له بعد الاستيذان من حاكم الشرع إحتياطا أن يؤدى دينه مما عنده أو في ذمته بشرط العلم بانه لو أخبر ورثته بذلك لا يؤدون دينه، ولا حاجة إلى يمين ذلك الشخص.

المتمم للعشرين: إذا ادعى أن الميت أوصي له أو إليه، فهل يحتاج بعد إقامة البينة إلى اليمين؟ مقتضى عموم التعليل ذلك، إذ لا فرق بين دعوى القرض وبين دعوى الوصية بالمال في كون كلتيهما دعوى على الميت، لكن ظاهر كلماتهم في باب الوصية عدم الحاجة إليها، فيشكل الاعتماد على التعليل بملاحظة ذلك، وبملاحظة عدم التزامهم باعتبار الحلف في كثير من الدعاوى مع جريان العلة فيها، كما في دعوى الوصي إشتغال ذمة الميت بخمس أو زكاة أو مظالم أو كفارة أو صلاة أو صوم أو نذر أو شرط في ضمن عقد أو نحو ذلك، إذ مقتضى العلة الحاجة إلى اليمين ومع إمتناعها عدم سماع البينة - مع أن الظاهر عدم التزامهم بذلك، وأيضا ظاهرهم عدم الحاجة إليها في دعوى النكاح المستتبع للمال من طرف الارث أو الطلاق أو الرجوع كذلك.

وكذا في دعوى النسب المستتبع للارث، وكذا في دعوى


89

القتل الذى هو شبيه العمد.

إلى غير ذلك.

فمن هذا يشكل التعويل على التعليل لكونه موهونا بعدم العمل به في سائر المقامات، ويقرب حمله على التقريب والتمثيل كما ذكره النراقي في بعض الفروع المتقدمة، ولازم ذلك إختصاص الحكم المذكور بدعوى الدين كما هو مورد الخبرين، ويشكل ما ذكرنا من الحاجة إليها في الفروع المتقدمة وإن كان الاحوط مراعاة ما ذكرنا مع رضي المدعي بالحلف.

هذا مع إمكان حمل الخبرين على الاستحباب كما حمل عليه خبر سلمه بن كهيل المتقدم.

الفصل السابع في

الشاهد واليمين

مسألة 1: لا خلاف ولا إشكال عندنا في جواز القضاء بالشاهد الواحد ويمين المدعى في الجملة.

بل عليه أكثر العامة أيضا خلافا لابي حنيفة وأتباعه.

ويدل عليه الاخبار المستفيضة التى جملة منها في حكاية قضاء رسول الله - صلى الله عليه وآله - وأمير المؤمنين (ع) وكذا لا خلاف ولا إشكال في عدم القضاء بهما في حقوق الله تعالى، ويدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر (ع): " لو كان الامر إلينا لاجزنا شهادة الرجل الواحد إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس، فأما ما كان من حقوق الله تعالى أو رؤية الهلال فلا "وأيضا سائر ما اشتمل من الاخبار على عدم ثبوت الهلال بهما - بناء على كونه من باب المثال - وإنما الكلام في أنه هل يقضى بهما في حقوق الناس كلها حتى مثل الطلاق والخلع والرجعة والعتق والتدبير والكتابة والنسب والوكالة والوصاية وعيوب النساء وغير ذلك مما ليس ما لا يختص بخصوص الاموال أو بخصوص الدين خاصة، فالمشهور على الاختصاص بالاموال وجعلوا ضابطها المال كالدين والقرض والغصب والاحتطاب والالتقاط ونحوها، أو ما يقصد منه المال كعقود المعاوضات من البيع والصلح والاجارة والقرض والهبة ونحوها كالوصية بالمال والجنايات الموجبة للدية وغيرها، بل عن الشيخ والحلى الاجماع عليه، وعن المختلف نفى الخلاف فيه، لكن عن الكفاية والاستبصار والمراسم والغنية والاصباح والكافي إختصاص القضاء بهما بالدين، وعن الغنية الاجماع عليه.


90

وأما الوجه الاول: وهو التعميم فلم ينقل قائل صريح به.

نعم عن الكفاية الميل إليه حيث أنه قال: " فان لم يثبت إجماع على التخصيص كان القول بالعموم غير بعيد " ويظهر من صاحب الجواهر إختياره إلا في ما يثبت الاجماع على عدم ثبوته بهما، وجعل الضابط كل ما تشرع فيه اليمين المردودة.

قال: " وبالجملة كل ما يشرع فيه رد يمينالانكار على المدعى يشرع فيه الشاهد واليمين لان الظاهر أن هذه اليمين يمين المنكر صارت للمدعى الذى له شاهد " وحينئذ فالاجتهاد في النصوص يقتضى الاختصاص بالدين أو التعميم لكل حق، إلا أن الاصحاب على خلاف ذلك، بل جعلوا الضابط المال أو المقصود منه المال.

وفي المستند: " إما يعمم الثبوت في حقوق الناس كما يميل إليه في الكفاية أو يخصص في الدين " لكنه اختار الاختصاص بالدين في آخر كلامه، وما اختاره من الاختصاص بالدين هو الاقوى، وفاقا لمن عرفت، لجملة من الاخبار المقيدة بالدين كخبر حماد: " سمعت الصادق (ع) يقول: كان على (ع) يجيز في الدين شهادة رجل ويمين المدعى " وخبر أبى بصير عنه (ع): " عن الرجل يكون له عند الرجل حق وله شاهد واحد.

قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقضي بشاهد واحد صاحب الحق وذلك في الدين " وخبر القاسم بن سليمان: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: قضى رسول الله - صلى الله عليه وآله - بشهادة رجل مع يمين الطالب في الدين وحده " وخبر محمد بن أبى عبد الله (ع) " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجيز في الدين شهادة رجل واحد ويمين صاحب الدين ولم يكن يجيز في الهلال إلا شاهدى عدل " وذيل خبر داود بن الحصين: " ولا يجيز في الطلاق إلا شاهدين عدلين.

قلت:فاين ذكر الله عزوجل قوله [ فرجل وإمرأتان ] قال: ذلك في الدين إذا لم يكن رجلان فرجل وامرأتان ورجل واحد ويمين المدعى إذا لم يكن امرأتان قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين (ع) عندكم " فمقتضى الجمع بينها وبين المطلقات ذلك " ودعوى " أن المراد بالدين في هذه الاخبار مطلق الحقوق المالية كما ترى - مع أنه لا دليل على القولين الآخرين.

أما التعميم فليس له إلا دعوى إطلاق لفظ الحق ولفظ


91

الحقوق في الاخبار وهو محل منع، إذ جملة منها حكاية قضاء النبي صلى الله عليه وآله والوصى (ع) وهي حكاية فعل لا عموم فيه، وأيضا هذه الاخبار في مقام بيان أصل الجواز في مقابل قول أبى حنيفة، وليست بصدد البيان إلا في الجملة فلا إطلاق فيها، وعلى فرضه يقيد بالاخبار المقيدة بالدين - مع أن هذا القول موهون بعدم القائل به صريحا إلا من عرفت.

وأما القول الثاني: فكذلك لا دليل عليه ولا إشارة في شئ من الاخبار إليه ولا إلى الضابط المذكورة له - مع أن كلامهم في تعيين ما يدخل في الضابط ومالا يدخل في غاية التشويش والاختلاف، بل كلام شخص واحد في كتابين بل في كتاب واحد كما يظهر بالمراجعة - مع أنه يمكن أن يقال: في أغلب حقوق الناس مما أخرجوه من الضابطأن المقصود منها المال، وقد يتمسك للمشهور من القضاء بهما في الحقوق المالية كلها بما في الخبر الوارد في قضية درع طلحة من إنكار أمير المؤمنين (ع) على شريح في قوله - بعد ما شهد الحسن (ع) بانها درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة -: " هذا شاهد واحد ولا أقتضى بشهادة شاهد حتى يكون معه آخر " فانه - صلوات الله عليه - خطأه وقال: " قد قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بشهادة واحد ويمين " فانه يدل على كفايتهما في مثل الدرع وهى عين وليست من الدين، فيظهر منه عدم الاختصاص بالدين ويتم في غيره بعدم القول بالفصل، وفيه أن إنكاره (ع) على إطلاق قول شريح: " لا أقضى بشهادة واحد حتى يكون معه آخر " لا على عدم حكمه في خصوص المورد - مع أنه مما لا يقبل ضم اليمين لانها عن مال الغير، ومع ذلك كله لا يبعد إلحاق دعوى العين بالدين في الثبوت بالشاهد واليمين لا غير.

مسألة 2: الاقوى ما عن الاكثر من جواز القضاء بشهادة إمرأتين مع يمين المدعى لكونهما بمنزلة رجل واحد، ويدل عليه خبر منصور بن حازم: " قال حدثنى الثقة عن أبى الحسن (ع) أنه قال: إذا شهدت لصاحب الحق إمرأتان ويمينه فهو جائز وحسنة الحلبي عن أبى عبد الله (ع): " أن رسول الله صلى الله عليه وآله أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب في الدينيلحف بالله أن حقه لحق " فلا وجه لما عن إبن إدريس من المنع عنه، وكذا ما عن التحرير في كتاب القضاء - مع أنه في باب الشهادات منه جزم بالقبول من غير نقل خلاف.


92

مسألة 3: المراد بالدين كل حق مالي في الذمة كعوض القرض وثمن المبيع ومال الاجارة والمهر المتعلق بالذمة والنفقة وعوض ما أتلفه أو غصبه ونحو ذلك، والمراد بكون الدعوى دينا أن يكون هو الغرض والمقصود من الدعوى سواء لم يذكر السبب أو ذكره ولكن لم يكن الغرض من ذكره إثباته بل كان الغرض المبلغ الذى جاء من قبله، فلو ادعى عشرة دنانير مثلا وقال: إنها من طرف البيع أو الاجارة أو المهر في النكاح.

كان من دعوى الدين وإن ادعى البيع أو الاجارة وكان غرضة نفسهما لا يكون من دعوى الدين وإن كانا يستتبعان المال.

والحاصل إذا لم يذكر السبب أصلا فلا إشكال في أنه من دعوى الدين، وإن ذكره فان كان الغرض بيان وجه إشتغال ذمته لا يخرج عن دعوى الدين، وإن كان هو المدعى به تكون متعلقة بغير الدين، فالمناط ما هو المقصود بالذات من الدعوى من السبب أو المال المترتب عليه.

مسألة 4: المشهور أنه يشترط في الشاهد واليمين تقديم الشاهد وإثبات عدالتهعلى اليمين، فلو قدم اليمين صارت لغوا ووجب إعاتها، بل قيل: لا خلاف فيه.

ولعله من تقديم الشاهد على اليمين بحسب الذكر في الاخبار، وإلا فلا دليل عليه، ولذا حكي عن بعضهم التأمل في الشرط المذكور كالكفاية والمفاتيح بل اختاره بعضهم عدمه كصاحب المستند ونقله عن شارح المفاتيح وقد يذكر له بعض الوجوه الاعتبارية التى لا اعتبار بها.

وكيف كان هو الاحوط، بل لا يترك لا الاصل عدم ثبوت الحق بعد عدم الاطلاق لما عرفت من الترتيب الذكرى في الاخبار.

مسألة 5: الظاهر أن في الشاهد واليمين الحجة مركبة منهما، فكل منهما جزء للحجة كما هو الظاهر من الاخبار، وربما يحتمل كون الحجة هو الشاهد وكون اليمين شرطا، لكنه ضعيف مخالف لظاهر الاخبار، وأضعف منه إحتمال كون الحجة هي اليمين لانها جزء أخير للعلة، والمعلول إنما يثبت بعدها، وعلى ما ذكرنا فلو رجع الشاهد بعد الحكم يكون ضامنا لنصف المدعى به كما في رجوع أحد الشاهدين، بخلافه على الاحتمالين، فانه في الاول منهما يضمن الكل وفي الثاني لا يضمن أصلا، كذا يظهر من بعضهم، لكن لا يبعد ضمان النصف عليهما أيضا لكفاية الدخالة في الثبوت للضمان.


93

مسألة 6: إذا أقام شاهدا واحدا ومات قبل أن يحلف قام وارثه مقامه في الحلف من غير حاجة إلى إعادة الشهادة على الاقوى، وإن استشكل فيه في القواعد، ولا فرق في ذلك بين أن يكون مورثة بانيا على الحلف قبل موته أو كان ناكلا عنه، لان هذا النكول ليس كالنكول عن اليمين المردودة في كونه مسقطا للحق، ولذا لو حصل له شاهد آخر وضمه إلى الاول كفاه من غير حاجة إلى الحلف، فالنكول في المقام تأخير للمدعى لا مسقط للحق، فما عن القواعد من أنه ليس لولد الناكل أن يحلف لا وجه له ولا دليل عليه.

ثم إن الوارث إنما يحلف لنفسه وأن الحق له إذا كان عالما بالحق لمورثه إلى حين موته، ولا يضر هذا المقدار من المغايرة بين الحلف والشهادة، لانه قائم مقام مورثه وبمنزلته، لكن عن كشف اللثام " أنه يحلف على أنه كان لمورثه وأنه لا يكفيه هذا الحلف، إلا إذا لم بثبت المدعى عليه البراءة أو الانتقال، ولم يحلف على عدم إستحقاق الولد بخلاف الوالد فانه يحلف على إستحقاقه " إلا أن فيه.

أولا: أنه لا مانع من الحلف على أنه له مع علمه بكون لمورثه إلى حين الموت.

وثانيا: إذا حلف على أنه لمورثه لعلمه بكون له إلى حين موته أيضا يكفيه ولا يحتاج إلى قيد.

نعم لو لم يعلم بقاء الحق ليس له الحلف كما أن مورثه أيضا كذلك، فلافرق بينهما هذا مع الاغماض عن الاشكال في الحلف على أنه كان لمورثه من حيث أنه حلف على مال الغير فتأمل.

مسألة 7: لا تثبت دعوى الجماعة مالا مشتركا بينهم بسبب واحد من ارث أو غيره مع شاهد واحد إلا بحلف الجميع، فلو حلف البعض دون البعض ثبت حصة الحالف دون غيره، لان الدعوى وإن كانت واحدة بسبب واحد إلا أنها تنحل إلى دعاوى متعددة، وباثبات البعض لا يثبت غيره، وأيضا لا يثبت بالحلف حق غير الحالف إذ لا يجوز الحلف على مال الغير، نعم عن المقدس البغدادي كفاية حلف واحد إن لم يكن إجماع، لان الحق واحد ربما يحتمل من جهة وحدة الحق تتوقف ثبوت حصة الحالف أيضا على الحلف الجميع لكنه أيضا خلاف الاجماع.


94

وهل يشترك سائر الشركاء في حصة الحالف من جهة إقراره بالشركة أو لا؟ نقول: أما إذا تصرف فيها على إشاعتها كما إذا باعها أو وهبها من غيره أو أبرأ ذمة الغريم عنها، فلا إشكال في عدم الشركة، لان المفروض ثبوت حصته فقط، والاقرار بالشركة في أصل الحق لا ينافيه، وأما إذا قبضها من المدعى عليه فان كانت الدعوى عينا شاركه غيره فيهالاعترافه بكونها مشتركة لا يجوز التصرف فيها إلا برضا الكل، ولا يلزم من هذا كون الحلف مثبتا لمال الغير، إذ الثابت حصته فقط ودفع المدعى عليه إليه مقدار حقه رفع للمانع، فليس حلفا على مال الغير، ولا إثباتا له بالحلف، وإن كانت الدعوى دينا فالظاهر عدم شركة فيما قبضه، لان الدافع دفعه إليه بعنوان حصته وقبض هو أيضا كذلك، والمناط في تعيين الدين قصد الدافع، ولا يلزم من التصرف فيه التصرف في مال الغير كما كان في العين، وإقراره بالاشتراك في أصل الحق لا يكون إقرارا بالاشتراك في هذا المقبوض.

ودعوى: عدم جواز أخذ الدين المشترك إلا باذن الجميع كما في العين " مدفوعة " بالمنع بعد إنحلال الدعوى إلى دعاوى، وإنحلال الدين إلى ديون، غاية ما يكون جواز الدفع والقبض بقصد الاشتراك أيضا فيكون المقبوض مشتركا.

ومن ذلك يظهر ما في مختار صاحب الجواهر: من الاشتراك إذا أجاز الشريك القبض ويكون قصد الدافع والقابض لغوا، وأنه إذا لم يجز الشريك يبق على ملك الدافع، إذ ليس له تعيين حصة الشركاء من الحق المشترك، بل الامر بيدهم وذلك لان المفروض إنحلال الدين إلى ديون والدعوى إلى دعاوى، فلا مانع من أخذ كل واحد حقه وحصته.

هذا: وربما يحتمل كما عن كاشف اللثام - حيث أنه بعد ذكر التفصيل بين العين والدين - قال: " ويحتمل الشركة يعنى في الدين وإن لم يحلف لا لاعتراف القابض بالشركة بالاشاعة وأن القسمة بغير إذنه فباعترافه لم يقع موقعها ويحتمل العدم مطلقا للحكم بانتزاع ما قبضه فهو أبلغ من ا لقسمة بالتراضى، بل يظهر ذلك من عبارة الشرايع ومن عبر بمثله حيث قال: " ولو حلف بعض أخذ ولم يكن للممتنع معه شركة " ويمكن أن يوجه بان الممتنع من الحلف بامتناعه أبطل حجته فبطل حقه في الظاهر، وكان حكم الشارع بذلك تقسيم ظاهري قهرى - مع أنه لولاه يلزم الضرر على الحالف لعدم إمكان أخذ حقه


95

بدون إذن الشركاء، فتبين أن الاحتمالات ثلاثة الاشتراك مطلقا عينا ودينا، وعدمه مطلقا، والتفصيل، وهو الاظهر.

وهذا: وربما يستشكل ما ذكرنا من عدم الشركة في الدين بانه مخالف لما ذكره المشهور في باب الشركة: من أن أحد الشريكين إذا قبض حصة من الدين المشترك شاركه الآخر فيما قبضة إلا إذا أجاز قبضه لنفسه.

وكذا يقولون إذا أقر المدعي عليه لاخذ المدعيين شاركه الآخر فيما قبضة.

ويمكن دفعه: بان نظرهم فيما ذكروه ليس إلى مقتضى القاعدة، بل إلى الاخبارالواردة في عدم جواز قسمة الدين، وأنه إذا قبض أحد الشريكين ما جعل له ونوى ما للآخر شاركة فيما قبضه - مع أن المتيقن، بل الظاهر من تلك الاخبار صورة تعدد الدين وإحالة كل منهما حصته من أحدهما للآخر، فلا تشتمل صورة إشتراك دين واحد.

وأيضا يحتمل أن يكون ذلك من جهة عدم لزوم القسمة لا عدم صحتها، وأيضا يحتمل أن لا يكون المراد منها قسمة الدين، بل التبانى على أن يأخذ كل منهما دينا معينا بعنوان الاشتراك يتملك بدل ما يأخذه الآخر من دين آخر.

وعلى هذا فلا دلالة فيها على عدم الصحة في صورة تعدد الدين أيضا وكيف كان فالاظهر ما ذكرنا.

مسألة 8: إذا مات الحالف قبل الاستيفاء وكان وارثه الناكل إستوفى إذا لم يكذب الحالف.

مسألة 9: إذا كان المدعى قيم الصغير أو المجنون وأقام شاهدا واحدا ليس له الحلف، بل يوقف إلى أن يبلغ الصغير ويفيق المجنون، ولو اقتضت المصلحة طى الدعوى بالمصالحة مع المدعى على جاز، ولو مات قبل البلوغ كان لوارثه الحلف، ولا حاجة إلى إعادة الشهادة وليس للقيم مطالبة الكفيل قبل البلوغ، لعدم ثبوت الحق.

مسألة 10: لو أمكن إثبات المدعى به بشاهدين يشكل الاكتفاء بشاهد ويمينإلا إذا كان عسرا.

بل يظهر من بعض الاخبار كونه بعد فقد رجل وإمرأتين أيضا، ففي المرسل: " إستخراج الحقوق بأربعة وجوه بشهادة رجلين عدلين فان لم يكونا رجلين فرجل


96

وإمرأتان فإذا لم تكن أمرأتان فرجل ويمين المدعى.

" الخ.

مسألة 11: إذا ادعى الورثة دينا لمورثهم على أحد وأقاموا شاهدا واحدا وحلفوا لا إشكال في ثبوت حصتهم.

فهل يثبت بذلك وصيته أيضا إذا كان قد أوصى أو لا؟ الظاهر ثبوتها إذا كانت عهدية بان قال: أعطوا فلانا كذا.

أو أصرفوا على الفقراء كذا.

على القول بان الموصى به ملك للورثة، ويجب عليهم تأديته، لانه حينئذ على ملكهم، بل وكذا على القول ببقائه على ملك الميت - على ما هو ظاهرهم من قيامهم مقام مورثهم في الدعوى - وأما إذا كانت تمليكية فيشكل ذلك بناء على عدم جواز الحلف على مال الغير وإن كان يمكن أن يقال: بثبوتها أيضا، لانه يصير مالا للميت قبل موته وينتقل إلى الموصى له بعده، وعلى الاول فان كان الموصى له شخصا معينا له أن يحلف ويأخذ، وإن كان جماعة مثل الفقراء المعينين، فان كانوا محصورين فكذلك لكل واحد منهم أن يحلف ويأخذ حصته على إشكال، وإن كانوا غير محصورين فليس لواحد منهم الحلف، لان المالك حينئذ هوالنوع فلابد في ثبوتها من شاهدين أو رجل وإمرأتين، وهل لهم شركة مع الورثة في حصتهم مع إقرارهم بالوصية؟ الظاهر الفرق بين الدين والعين المأخوذة على القول بثبوت العين أيضا بالشاهد واليمين.

مسألة 12: إذا ادعى غريم الميت مالا على غيره وأقام شاهدا واحدا ليس له أن يلحف، لعدم كونه مالكا وليس له إجبار الوارث على الحلف.

نعم إذا حلف الوارث استحق الغريم استيفاء دينه منه - بناء على ان التركة مع الدين تنتقل إلى الوارث - وإن كان يجب عليه صرفها في الدين.

وأما بناء على بقاء مقدار ما يقابل الدين على ملك الميت أو على حكم ملكه فربما يستشكل في حلفه لعدم جواز الحلف على مال الغير، لكن ظاهرهم - كما في الجواهر - الاتفاق على جواز حلفه على كل حال، لان له تعلقا به، إذ يجوز له أداء الدين من الخارج، ولانه إذا أبرأه الديان تكون له، فهو قائم مقام الوارث في ذلك، والاولى أن يقال: بعدم الدليل على عدم جواز الحلف على مال الغير حتى مثل المورث، ثم إن ما ذكر من عدم جواز حلف الغريم إنما هو إذا حلف على أن المال للميت، وأما إذا حلف على أن له حقا في استيفاء دينه من هذا المال فلا نسلم عدم جوازه، لانه حينئذ حلف على حق نفسه


97

وإن لم يثبت به كونه مالا للميت، ومثله ما إذا ادعى رهنا وأقام شاهدا واحدا أنه ملك للراهن المديون له، فانه لا يجوز له الحلف على أنه ملك الراهن، لكن لو ادعى كونه رهنا عنده وأراد إثبات حق الاستيفاء منه جاز له الحلف مع الشاهد الواحد.

مسألة 13: إذا ادعى مالا تعلق به الخمس أو الزكاة على فرض كونه له الظاهر جواز إثباته بالشاهد واليمين، وربما يستشكل بالنسبة إلى مقدار الخمس والزكاة لانه حلف على مال الغير، لكن قد يدعى السيرة على جوازه، ويمكن دفع الاشكال بان الانتقال إلى السيد أو الفقير فرع ثبوت كونه ملكا له فكأنه يحلف على مال نفسه فتأمل.

مسألة 14: إذا ادعى بعض الورثة أن الميت وقف عليهم وعلى نسلهم داره - مثلا - وأقام شاهدا واحدا بناء ادعى على جواز القضاء في مثل ذلك بالشاهد واليمين فللمسألة

صورتان.

الاولى: أن يكون الوقف

ترتيبيا بان يكون على الطبقة الاولى، فان انقرضوا جميعا فعلى الثانية، وهكذا، وأما أن يكون وقف تشريك، ففي الصورة الاولى إما أن يحلفوا جميعا أو يمتنعوا جميعا أو يحلفوا بعضهم دون بعض، فعلى الاول قضى لهم بالوقفية عليهم، فلا يؤدى منها الديون والوصايا ولا ميراث فيها، وإذا انقرضوا فهل يحتاج الطبقة الثانية إلى الحلف أو تثبت عليهم وعلى سائر الطبقات بحلف الطبقة الاولى؟ الاقوى هو الثاني،لان الطبقات المتأخرة وإن كانوا يتلقون من الواقف إلا أن الوقف بهذه الكيفية أمر واحد مستمر، فإذا أثبت من الاول ثبت في حق الجميع، كما أن قبولهم كاف عن سائر الطبقات، وكذا قبضهم، وذهب صاحب الجواهر إلى الاول لان الطبقة الثانية كالاولى في أنه تتلقى من الواقف فيحتاج إلى الحلف أيضا.

وفي المسالك: بناء المسألة على القولين في النقل من الطبقة الاولى أو من الواقف، قال: فعلى الاول كما هو الاشهر لا حاجة إلى اليمين، والاظهر ما ذكرنا من أنه أمر واحد مستمر فلا حاجة إليها لذلك، وإلا فمن المعلوم أن التلقى من الواقف بالنسبة إلى جميع الطبقات.

وعلى الثاني: بأن امتنعوا جميعا يحكم بها ميراثا ويتعلق بها الديون والوصايا.

نعم حصة المدعين للوقفية بعد إخراج الديون والوصايا محكومة بالوقفية لتضمن دعواهم


98

الاقرار بها، وينفذ في حق الطبقات المتأخرة أيضا بلا إشكال.

وهل لاولادهم أن يحلفوا على وقفية جميع الدار أو لا؟ الظاهر ذلك إذا لم يطلب المدعون الحلف من ا لمنكرين ولم يحلفوا، لكن قد يستشكل بانه حينئذ يصير من الوقف المنقطع الاول، لان المفروض عدم الحكمبالوقفية قبل طبقتهم.

ويمكن الجواب بان لا انقطاع ظاهري وإلا فالمفروض أنهم كانوا يدعون وقفيتها من الاول وعدم الثبوت لعدم الحلف لا ينافي كونها وقفا في الواقع، واحتمال الاتصاف كاف.

وعلى الثالث: وهو ما إذا حلف البعض دون البعض كما إذا كانوا ثلاثة مثلا فحلف واحد منهم يثبت في نصيب الحالف من الوقف وهو الثلث فلا يخرج منه الديون والوصايا، وأما بالنسبة إلى نصيب الناكلين فلا يثبت فيخرج منه الديون والوصايا، والباقي يقسم على المنكرين، نعم حصة إرثهما بعد إخراج الدين والوصية تكون وقفا بمقتضى إقرارهما، فلا إرث لهما في الدار، كما الا إرث للحالف فيها بمقتضى إقراره، وبمقتضى إثباته للوقفية بالشاهد واليمين فلا وجه لما نقله في الجواهر عن بعضهم من كون الفاضل ميراثا للجميع حتى الحالف لاعتراف غيرهم من الورثة باشتراكه بينهم أجمع، وإن كان الحالف قد ظلم بأخذه حصته بيمينه فلا يحسب عليه ما أخذه من حقه في الباقي، كما لا وجه لما ذكره في الجواهر حيث أنه - بعد ما أورد على ذلك البعض بان الحالف معترف بانه لا يستحق إلا ما أخذه - قال: " نعم إن زاد نصيب مدعى الوقف إرثا على نصيبه وقفا كان الزايد مجهول المالك، ولعله لذا قيل كما عن المبسوط التصريح به ان الفاضل يقسم بين المنكرين منالورثة، والذين نكلوا دون الحالف لانه مقر بانحصار حقه فيما أخذه والباقى لاخوته مثلا وقفا، بل ظاهر أيضا كون الزايد من نصيبهم إرثا على نصيبهم وقفا مجهول المالك نحو ما سمعته في الاول " انتهى.

إذ لا وجه: لكونه مجهول المالك بعد أن كان المفروض إعترافهم بكونه وقفا، فنفيهم ليس مطلقا، بل في ضمن الاعتراف بكونه وقفا، فلا ينبغى الاشكال في عدم إرثهم ولا في كون نصيبهم وقفا.

نعم نصيب الحالف وقف من غير أن يخرج من الديون والوصايا ونصيب الناكلين من بعد إخراجهما.

ثم إن حصة الحالف وهى الثلث في المثال المفروض تختص


99

به، فلا يشترك معه الناكلان فيها إذا تصرف فيها مشاعا.

نعم إذا أخذها مفروزة يشترك فيها معه الناكلان بمقتضى إقراره كما في سائر المقامات مما يثبت فيه حصه بعض الشركاء في عين دون بعض.

ثم: إذا مات الناكلان إنتقل ما أقر بوقفيته من ميراثهما بعد إخراج الديون والوصايا إلى الحالف دون ورثتهما، لانه مقتضى إقرارهما، وإذا مات الحالف إنتقل ما أثبته من ثلث الدار إلى الناكلين.

ولا وجه: لما ذكره صاحب المسالك من أن فيه وجوها ثلاثة، كما أنه لا وجه لما ذكره صاحب الجواهر من أن الزايد من نصيب إرثه يرجع إلى المنكرين للوقف بدعوى إنقطاع حكم يمينه بموته، لمنع الانقطاع ما دامت الطبقة الاولى باقية، وإلا لزم أن يقال: في الفرض الاول - وهو ما إذا حلفوا جميعا - أنه إذا مات أحدهم ينتقل الزايد من نصيب إرثه إلى المنكرين مع بقاء بعض أهل الطبقة.

ثم لا يخفى ما في سائر ما ذكره صاحب المسالك والجواهر مما لم نتعرض له من الاشكال والتأمل.

وأما الصورة الثانية: فهى كالاولى فيما مر.

نعم في هذه الصورة إذا تجدد واحد يكون شريكا مع الموجودين من الحالفين، مثلا إذا كانوا ثلاثة فتولد لاحدهم ولد يشترك معهم فتكون القسمة رباعية بعد ما كانت ثلاثية، وهكذا إذا تولد ولد آخر، وإذا مات واحد يكون نصيبه للبقية فتكون القسمة بعد ما كانت رباعية مثلا ثلاثية وهكذا، والظاهر عدم الحاجة إلى الحلف في إشتراك المتجدد كما اخترنا في الصورة الاولى بالنسبة إلى الطبقات المتأخرة، لكن المحقق مع قوله - بعدم الحاجة إليه فيها - ذكر الحاجة إليه في هذه الصورة، قال: " لان البطن الثاني بعد وجوده يعود كالموجود وقت الدعوى " وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده فيه " وأنت خبير بعدم الفرق بين الصورتين في التلقى من الواقف وفي الاخذمن يد السابقين، وفي كون الوقف أمرا واحدا مستمرا، وعلى ما ذكرنا فالمتجدد من حين تولده يصير شريكا من غير حاجة إلى اليمين بعد البلوغ وعلى ما ذكروه لا يعطى إلا بعد بلوغه وحلفه، وحينئذ فهل يعزله حين تولد أو لا؟ وعلى الاول هل يدفع إلى وليه أو إلى أمين حيت يبلغ؟ وجوه أحوطها الاخير.


100

ثم: إذا لم يحلف بعد بلوغه لعدم علمه أو لغير ذلك ففي رجوع حصته إلى المنكرين لعدم ثبوت وقفيتها أو إلى الحالفين لصيرورته بعدم حلفه كالمعدوم أو صرفه عليه، لاقرار الحالفين باستحقاقه، أو على الناكلين، أو جريان حكم الوقف الذى تعذر مصرفه وجوه أقواها الاول.

ثم: إن ظاهرهم أنه إذا ثبتت الوقفية بالبينة تكفى لسائر الطبقات من غير حاجة إلى الاثبات من كل منهم - مع أن ما ذكروه من الوجه في حاجتهم إلى الحلف مع الشاهد الواحد وهو كونهم متلقين من الواقف جار في البينة أيضا، لان مقتضى ما ذكروه أن الوقف على البطون بمنزلة أوقاف عديدة، فكل واحد منها يحتاج إلى الاثبات خصوصا إذا كان المنكرون في كل طبقة غير المنكرين في الطبقة السابقة.

ثم لا يخفى أنه على قولهم لا يكفى في المتجددين والطبقات المتأخرة ضم الحلف إلى شاهد الواحد الدى أقاموه من الاول،بل لابد من تجديد إقامة الشاهد خصوصا إذا تعدد الحاكم الذى يحلفون عنده.

مسألة 15: إذا كانت جارية وولدها بيد عمرو مثلا فادعى زيد أنها مملوكته وام ولده وأنكر عمرو، فأقام زيد شاهدا واحدا، وضم إليه الحلف، ثبت كونها مملوكة له - بناء على لحوق دعوى العين بالدين في الثبوت بالشاهد واليمين - ويحكم بمقتضى إقراره بانها ام ولده فيجزى عليها حكم ام الولد، وهل يحكم بلحوق الولد به وحريته؟ قد يقال: بالعدم، لان النسب لا يثبت بالشاهد واليمين.

نعم يحكم بحريته إذا انتقل إليه بعد ذلك، لاقراره لا معجلا والاظهر ثبوت حريته فعلا أيضا لا لانه مقتضى التبعية للام كما إذا ثبت غصب جارية، لان المفروض أنه في يد عمرو، وظاهره الملكية وهو مقدم على قاعدة التبعية، بل لان الولد أيضا متعلق الدعوى، فيرجع إلى دعوى المال، لانه مال لمن هو في يده، ولا يلزم أن يكون مالا للمدعى أيضا حتى يقال: إن الحر لا يكون مالا.

" ودعوى " أن الحرية إن قلنا بثبوتها بالشاهد واليمين إنما هو فيما لا يكون تابعا لما لا يثبت بهما لا في مثل المقام الذى هو تابع للنسب الذى لا يثبت بهما " مدفوعة " بمنع قدح مثل ذلك بعد كونها معلق الدعوى، ومرجعها إلى دعوى المال فهي تثبت وإن لم يثبت متبوعها كما في سائر مقامات التفكيك مثل السرقة بالنسبة إلى المال، فالنسب لا يثبت بهمالاكن الحرمة تثبت بهما.

نعم النسب أيضا يثبت بالاقرار.


101

مسألة 16: إذا ادعى عبدافي يد غيره أنه كان له وأنه أعتقه وأقام شاهدا واحدا وحلف، فالظاهر ثبوت دعواه، بناء على القضاء بالشاهد واليمين في دعوى العين وعدم إختصاصه بالدين كما عن الشيخ حيث قال: " يحلف مع شاهده ويستنقده " وذلك لانه يدعى ملكا متقدما، وحجته تصلح لاثباتها، ولا يضر إعترافه بعتقه وعدم كونه مالا له فعلا إذا كان له غرض في هذه الدعوى، ولو مثل إثبات ولاء العتق عليه، وحينئذ فيترتب عليه حرية العبد لاقراره بعتقه، ولو فرضنا أن مرجع دعواه إلى إدعاه الحرية فنقول: هذه أيضا دعوى مال وهو العبد الذى يكون محكوما في الظاهر بكونه مالا لذى اليد وإن لم يصر مالا للمدعى لاقراره، وإذ يكفي كونه مالا للمدعى عليه كما عرفت في المسألة المتقدمة، فلا وجه لما في الشرايع مع عدم الثبوت، لانه لا يدعي مالا وإنما يدعى حرية العبد وهي ليست مالا.

مسألة 17: يثبت بشهادة أربع نسوة ما يعسر إطلاع الرجال عليه، كالولادة والاستهلال والعذرة وعيوب النساء الباطنة كالقرن ونحوه، للنصوص المستفيضة منها صحيح ابن سنان:" تجوز شهادة النساء وحدهن في كل مالا يجوز للرجال النظر إليه وتجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس " ومنها الخبر: " تجوز شهادة النساء في العذرة وكل عيب لا يراه الرجال " وتقبل شهادة الامرأة في ربع ميراث المستهل وكذا في ربع الوصية وبشهادة المرأتين فيهما في النصف وبالثلث ثلاثة أرباع وبالاربعة التمام منهما والتفصيل في كتاب الشهادات.

الفصل الثامن في سكوت المدعى عليه عن الجواب أو الجواب بقوله لا أردى مسألة 1: إذا سكت المدعى عليه عن الجواب بعد مطالبته، فان كان ذلك لعذر من جهل بوجوب الجواب، أو عدم معرفته باللسان، أو من صمم أو خرس أو نحو ذلك أزال الحاكم عذره بما يناسب، وإن كان لا لعذر ألزمه بالجواب أولا بالرفق واللين ثم بالشدة والغلظة متدرجا من الادنى إلى الاعلى على حسب مراتب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فان أجاب فهو وإن أصر على السكوت عنادا ولجاجا فعن جماعة أنه يحبس حتى


102

يجيب، وهو المحكي عن المفيد والشيخ في النهاية والخلاف والديلمي وإبن حمزة ونسب إلى كافة المتأخرين، وقيل - وإن لم يعرف قائله -: إنه يجبر عليه بالضرب والاهانة.

وعن: المبسوط والسرائر وبعض المتأخرين: أن الحاكم يقول له ثلاثا: إن أجبت وإلا جعلتك ناكلا ورددت اليمين على المدعى.

فان أصر رد اليمين على المدعى، بل عن المبسوط: أنه الذى يقتضيه مذهبنا.

وعن السرائر: أنه الصحيح من مذهبنا، وأقوال أصحابنا.

وعن القاضى: أنه ظاهر مذهبنا.

وعن بعضهم: التخيير بين ا لحبس والرد.

واستدل للقول الاول بانه مروى، لكن عن جماعة عدم العثور على هذه الرواية، وربما يحتمل أن يكون المراد خبر: " لي الواجد يحل عقوبته وعرضه " بناء على أن المراد من العقوبة هو الحبس، لكن الظاهر من الواجد واجد المال لا الواجد للجواب - مع أن كون المراد من العقوبة خصوص الحبس ممنوع، وربما يستدل عليه بالاخبار الواردة في أن أمير المؤمنين (ع) كان يحبس الغريم باللي والمطل.

" وفيه " أنها في صورة ثبوت الدين، فلا دخل لها بالمقام، إلا أن يستدل بفحواها وفيه تأمل.

وقد يستدل عليه: بان الجواب واجب والضرب والاهانة خلاف الاصل ولا دليل على إجراء حكم النكول فيتعين الالزام بالجواب بالحبس وفيه مالا يخفى - مع أن القول بالحبس يوجب الضرر على المدعى بالتأخير، بل ربما يؤدى إلى ضياع المال.

واستدل للقول الثاني بأدلة الامر بالمعروف والنهى عن المنكر على مراتبها حتى ينتهى إلى الضرب" وفيه أنها لا تعين الضرب والاهانة فيمكن بالحبس، بل هو أهون، وأيضا جواز الايذاء بالضرب مع كون الرد على المدعى أردع لا دليل عليه.

واستدل للقول الثالث: بان الاصرار على عدم الجواب نكول أو أولى منه، لانه امتناع عن اليمين، وعن الجواب " وفيه " أن كون نكولا ممنوع - مع أن لفظ النكول لم يرد في شئ من الاخبار حتى يدور الحكم مدار صدقه، وبانه إذا أجاب إما يجيب بالاقرار أو بالانكار، والاول مثبت للحق والثانى يوجب إجراء حكم النكول عليه.

" وفيه " عدم حصر الجواب فيهما فلعله يجيب بجواب آخر، وأيضا لعل سكوته لعذر بأن يكون قد أدى الحق


103

ويخاف من الاقرار لعدم البينة وكون الانكار كذبا ولا يدرى أن له أن يجيب بالاعم أن يقول: ليست مشغول الذمة.

ولا يعرف التورية ليتفصى بها.

والاقوى: هو القول الثالث، لا لما ذكر، بل لان إجراء حكم النكول من القضاء به أو بعد رد الحاكم الحلف على المدعى ليس معلقا على صدق النكول.

بل على عدم الحلف من غير تقيد بكونه بعد الانكار، وأيضا غير المرسل المعروف وهو قوله صلى الله عليه وآله: " البينة للمدعى واليمين على من أنكر " من سائر الاخبار المستفيضة مشتملة على قوله (ع):" واليمين على المدعى عليه " ويصدق على الساكت المصر على السكوت في المقام أنه مدعى عليه، فيعرض عليه الحلف، فإذا لم يحلف فاللازم إلزامه بالحق، بناء على الحكم بالنكول، أو بعد رد الحاكم اليمين على المدعى وحلفه على القول الآخر - مع أنه يمكن الاستدلال بخصوص صدر خبر البصري على طريق التهذيب والكافي وهو: " قلت للشيخ - يعنى موسى بن جعفر (ع) - أخبرني عن الرجل يدعى قبل الرجل الحق فلا يكون له البينة بماله.

قال: فيمين المدعى عليه فان حلف فلا حق له وإن لم يحلف فعليه " بل بذيله أيضا وهو قوله (ع): " لو كان حيا لالزم باليمين أو الحق أو يرد اليمين " فانه يدل على إلزامه بالحق إذا سكت ولم يحلف، ولم يرد، بل الظاهر من الموضعين من الخبر الالزام بالحق بمجرد عدم الحلف وعدم الرد من غير حاجة إلى رد الحاكم اليمين على المدعى " ودعوى " أن قوله (ع): أو يرد.

إنما هو بصيغة المجهول، والمراد رد الحاكم " مدفوعة " بانه خلاف الظاهر كما لا يخفى.

مسألة 2: إذا كان سكوت المدعى عن عذر من صمم أو خرس أو جهل باللسان أو نحو ذلك توصل إلى معرفة جوابه بالاشارة المفهمة أو المترجم، واللازم كون المترجم أثنين عادلين، ولا يكفى عدل واحد لانه من باب الشهادة، ولا وجه لما في الجواهر من أنهقد يحتمل في أصل الترجمة للفظ أنها من قرائن الظن بالمراد فلا تعتبر العدالة فضلا عن التعدد ولذا أمر بالتأمل بعده.

مسألة 3: إذا ادعى عذرا في تأخير الجواب واستمهل في التأخير أمهله الحاكم بمقدار ما يراه مصلحة.


104

مسألة 4: إذا أجاب المدعى عليه بقوله: لا أدرى.

فاما أن يصدقه المدعى في هذه الدعوى أولا.

فعلى الاول: إن كان اللمدعى بينة على دعواه فهو، وإلا فلا حق له لان المفروض تصديقه في عدم علمه، ومعه ليس مكلفا بالاداء في مرحلة الظاهر، لان الاصل براءة ذمته، والمدعى أيضا معترف بذلك، فلا يجوز له مطالبته " ودعوى " أنه يصدق عليه المدعى وكل دعوى مسموعة يكون الفصل فيها بالبينة أو اليمين وكونه مصدقا له فر براءته بحسب تكليفه الظاهرى لا ينافي صدق المنازعة، ومعه لابد من فاصل " مدفوعة " بمنع كون دعواه مسموعة مع فرض عدم البينة وعدم إمكان الحلف على الواقع لعدم العلم به، ولا على الظاهر لتصديقه له في براءته بحسب الظاهر " ودعوى " أن مقتضى عموم مثل قوله (ع):" إنما أقضى بينكم بالبينات والايمان " وقوله (ع): " إستخراج الحقوق بأربعة " وقوله (ع): " أحكام المسلمين على ثلاث شهادة عادلة ويمين قاطعة وسنة ماضية " وقوله تعالى " إقض بينهم بالبينات وأضفهم إلى اسمى " عدم قطع الدعوى إلا بالحلف، وحيث لا يمكن منه فلابد من رده أورد الحالكم الحلف على المدعى.

مدفوعة: بأن المراد - بقرينة سائر الاخبار - يمين المدعى عليه - مع أن مقتضى قوله (ع): " البينه للمدعى.

الخ " عدم كون اليمين وظيفة المدعى إلا فيما ثبت بالدليل " ودعوى شمول إطلاقات أخبار رد اليمين على المدعى للمقام " مدفوعة " فان الظاهر منها ثبوت اليمين على المدعى عليه، لا مثل المقام الذى لا يمكن تعلقها به.

هذا: والتحقيق ما عرفت من عدم صحة الدعوى بعد إعتراف المدعى عليه في ظاهر الشرع، ومنه يندفع ما يقال: من أن مقتضى الاصل العملي عدم إنقطاع الدعوى بدون اليمين المردودة - مع انه معارض بان الاصل عدم ثبوت الحق بها في المقام، وكذا يندفع ما يمكن ان يقال مع أن مقتضى قوله (ع): " لو كان حيا لالزم باليمين أو الحق أو يرد اليمين " الالزام بالحق أو الرد بعد عدم إمكان اليمين منه، إذ هو مختص بصورة سماع الدعوى، وصحتها - مع أن الظاهر إختصاصه بالحى العالم.


105

وبالجملة: لا ينبغى الاشكال في سقوط الدعوى مع عدم البينة واعتراف المدعى بعدم علم المدعى عليه، وكون الاصل براءة ذمته، فالمقام نظير الدعوى على الميت مع عدم البينة واعتراف المدعى بعدم علم الوارث، فانه لا خلاف في سقوط دعواه حينئذ.

هذا: ويمكن أن يستدل على ما ذكرنا بالاخبار الواردة في إدعاء رجل زوجية إمرأة لها زوج وأنه لا تسمع دعواه إذا لم يكن بينة كموثقة سماعة: " عن رجل تزوج إمرأة أو تمتع بها فحدثه ثقة أو غير ثقة فقال: إن هذه إمرأتى وليست لي بينة.

قال: إن كان ثقة فلا يقربها وإن كان غير ثقة فلا يقبل " بحمل قوله (ع): " إن كان ثقة فلا يقربها " على احتياط الاستحبابى، ورواية يونس: " عن رجل تزوج إمرأة في بلد من البلدان فسألها إلك زوج؟ فقالت: لا فتزوجها، ثم إن رجلا أتاه فقال: هي إمرأتى فأنكرت المرأة ذلك ما يلزم الزوج؟ فقال هي إمرأته إلا أن يقيم بينة " وحسنة عبد العزيز: " إن أخى مات وتزوجت إمرأته فجاء عمى فادعى أنه كان تزوجها سرا فسألتها عن ذلك فانكرت أشد الانكار، فقالت: ما كان بينى وبينه شئ قط، فقال: يلزمك إقرارها ويلزمه إنكارها " فان المفروض في هذه الاخبار عدم علم الزوج بصدق المدعى وكذبه، والظاهر عدم الفرق بين دعوىالزوجية وغيرها.

وعلى الثاني: وهو ما إذا لم يصدقه في دعوى عدم درايته فللمدعى أن يحلف على عدم إشتغال دمته فعلا بحسب الظاهر، لانه منكر من هذه الحيثية فالمنكر قسمان، منكر للاشتغال الواقعي، ومنكر للاشتغال بحسب ظاهر الشرع وللمدعى أن يحلفه على نفى العلم إن ادعى علمه بثبوت الحق فان حلف كفى في سقوط الدعوى، وإن رد اليمين على المدعى أو الحاكم ردها عليه فحلف ثبت حقه، لكن هذا الحلف لا يوجب سقوط حقه واقعا حتى لا تسمع منه البينة بعد ذلك، ولا يجوز له المقاصة، لان القدر المسلم من ذلك ما إذا أحلف على عدم الاشتغال واقعا.

نعم إذا استحلفه على عدم العلم لا تسمع بعد ذلك بينة على علمه فالمسألة نظير الدعوى على الوارث باشتغال ذمة الميت فان حلف الوارث على نفى العلم إن ادعى عليه يوجب سقوط الدعوى فعلا، ولكن لا يوجب عدم سماع البينة بعد ذلك، ولا عدم جواز المقاصة، فلا وجه لما قد يحتمل من عدم سقوط الدعوى في المقام


106

بيمين نفى العلم، وأنه لابد من رد اليمين على المدعى، إذ لافرق بين المقام وبين الدعوى على الوارث - مع أنه لا خلاف في كفاية حلف الوارث.

هذا: إذا كانت الدعوى دينا وأما إذا كانت متعلقة بعين في يده منتقلة إليه بشراء أو إرث من ذى يد متصرف فيها بدعوى الملكية فالظاهر - كما قيل - عدم الخلاف في أنه لو لم يكن للمدعى بينة ليس له تسلط على من في يده سوى اليمين على نفى العلم إن ادعاه عليه، بل يمكن أن يقال: بجواز حلفه على عدم الحق للمدعى على الميت إعتمادا على يد من انتقلت منه إليه كما يظهر من خبر حفص بن غياث، فانه يظهر منه جواز الحلف إذا اشترى من ذى يد، بل يظهر منه جواز الشهادة باليد - مع أن أمر الشهادة أصعب، لعدم جوازها إلا مع العلم بمقتضى قوله: " على مثلها فاشهد أودع " والخبر هو أنه قال: قال له رجل: " إذا رأيت شيئا في يد رجل يجوز لى أن أشهد أنه له؟ قال: نعم.

قال: الرجل أشهد أنه في يده ولا أشهد أنه له فلعله لغيره.

فقال: أبو عبد الله (ع): افيحل الشراء منه؟ قال: نعم.

فقالك أبو عبد الله (ع): فلعله لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك، ثم قال أو عبد الله (ع): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق " بل وكذا إذا كانت في يده ولم يعلم حالها، وأنها انتقلت إليه من ذى يد مالك أو من غيره وأنها له فعلا أولا، فانه إذا ادعى عليه مدع وقال في جوابه: لا أدرى أنها لى أو لك.

يحكم بمقتضى يده أنها له، فإذا لم يكن للمدعى بينة وادعى عليه العلم بانها له جاز له أن يحلف على عدم العلم وتسقط به دعوى المدعى وتبقى في يده محكومة بأنها له، ولا يضر قوله: لا أدرى من أين صارت في يدى وانها في الواقع لي أو ليس لى.

لكن قال في المستند في هذه الصورة: " إن رد اليمين على المدعى فحلف كانت له وإن لم يدع عليه العلم أو ادعى وحلف على نفى العلم لا يحكم بكونها له بل يقرع بينة وبين المدعى لانه يشترط


107

في دلالة اليد على الملكية عدم إعتراف ذيها بعدم علمه بانه له أو لا " والاقوى ما ذكرنا كما سيأتي إن شاء الله لمنع الشرط المذكور.

الفصل التاسع إذا أجاب المدعى عليه بقوله: " ليس لى، وهو لغيرك " ففيه صور الاولى: أن يقر به لمعين حاضر كان يقول: ليس لي وإنما هو لزيد.

وحينئذ فان صدقه المقر له كان هو المدعى عليه، فان كان للمدعى بينة على أنه له أخذه وإلا فله إحلاف المدعى عليه، فان حلف سقطت دعواه عليه، وكذا إن رد عليه، وكذا إن رد عليه الحلف أورد عليه الحاكم بعد نكونله ولم يحلف، وإن حلف بعد الرد عليه ثبت حقه، ومع ثبوت دعواه بالبينةأو اليمين المردودة وأخذه للعين ليس له الدعوى على ذى اليد المقر، لان ماله وصل إليه وأما إذا لم يقدر على أخذها أو لم يحلف بعد رد الحلف عليه أو حلف المقر له فله الدعوى على ذى اليد لتغريمه، حيث إنه باقراره صار سببا لتلف ماله، وحينئذ فله أن يحلفه على عدم علمه بان العين كانت له فان حلف برئ وإن رد عليه فحلف أخذا منه عوضها، وليس له عينها، لانها صارت للمقر له بالاقرار، وكذا لو أقر للمدعى بعد إقراره لغيره، فانه يضمن قيمتها لاعينها، فما نقله في الكفاية عن بعضهم من استحقاقه العين حينئذ، وإنما يغرم للاول لا وجه له، لان مقتضى إقراره الاول كونها للاول.

مسألة 1: إذا لم يتمكن من المرافعة مع المقر له أو علم بعدم تمكنه من إثبات دعواه جاز له المرافعة من أول الامر مع ذى اليد، وأما مع تمكنه من ذلك واحتمال إمكان إثبات دعواه هل يجوز له البدأة بالمرافعة مع ذى اليد وتغريمه أو لا؟ فيه وجوه.

أحدها: الجواز لانه حال بينه وبين ماله باقراره، فله إثبات ذلك وتغريمه.

الثاني: عدمه لعدم معلومية تفويته ماله.

الثالث: التقصيل بين الصورة المشقة في المرافعة مع المقر له أو ظن عدم إمكان إثبات حقه عليه أو ظنه عدم إمكان المرافعة مع ذى اليد بعد ذلك لو قدم المرافعة مع المقرله فيجوز، وبين غير هذه الصور فلا يجوز، والاظهر هو الوجه الاول، وحينئذ إذا ترافع


108

مع ذى اليد وغرمه جاز له المرافعة مع المقر أيضا لاثبات نفس العين، لتعلق غرضه بها، وإذا ترافع معه وأخذها وجب عليه رد ما أخذ من ذى اليد غرامة لوصول حقه إليه.

مسألة 2: لو أثبت المدعى بالبينة سبق إقرار ذى اليد له على إقراره لغيره، إستحق نفس العين والمقر له يستحق عوضها بعكس ما سبق.

مسألة 3: إذا أقام المدعى عليه بينة على صدق إقراره بكون ما في يده للمقر له سقط عنه حق الحلف للمدعى.

مسألة 4: إذا رجع ذو اليد عن إقراره للغير، وادعى أن ما في يده لنفسه لم يسمع منه، ولو أقر لغير من أقر له أولا ضمن عوضه له، لانه صار لمن أقر له أولا فباقراره أتلف على الثاني ماله، هذا كله إذا صدقه المقر له، وأما إذا كذبه وقال: ليس لى.

فيلحقه حكم مجهول المالك ويأخذه الحاكم الشرعي منه، لانه نفاه عن نفسه باقراره، ولم يدخل في ملك المقر له لانكاره، وأما إحتمال تركه في يده لبطلان إقراره بتكذيب المقر له فكأنه لم يقر للغير فلا وجه له، لان إقراره إنما بطل بالنسبة إلى ملكية المقرله لا بالنسبة إلى نفيه عن نفسه، كما أنه لا وجه لاحتمال دفعه إلى المدعى بلا بينة ولا يمين لعدم المعارض له، وذلك لان الحاكم الشرعي معارض له، لانه مال بلا مالك وأمره راجع إليه، ومورد الدعوى بلا معارض ما لم يكن في يد من ينفيه عن المدعى.

الصورة الثانية: أن ينفى عن نفسه وقال: إنه لفلان الغائب.

ويلحقه حكم الدعوى على الغائب، وحينئذ فان أقام المدعى بينة دفع إليه بلا كفيل أو معه على القولين، ويكون الغائب على حجته، وإلا فيترك في يد المدعى إلى أن يحضر الغائب فيترافع معه.

نعم له الدعوى عليه إن ادعى علمه بانه له، وإذا حضر الغائب له أن يترافع معه أيضا لاخذ نفس العين، فان أثبت وأخذها رد على المدعى عليه ما أخذه منه.

مسألة 5: إذا ادعى المدعى عليه الوكالت عن الغائب الذى أقر له بما في يده، وأقام بينة على أنه له سمعت منه بناء على سماع البينة بدعوى الوكالة، وحينئذ يسقط عنه حق الحلف للمدعى، لكن لا يحكم بملكيته للغائب إلا إذا صدقه في وكالته بعد حضوره، وإلا فاللازم تجديد المرافعة معه، وكذا إذا ادعى الاجارة من الغائب أو الارتهان منه


109

وأقام بينة على أنه له، فانه يسقط عنه حق الحلف للمدعى ولا يحكم بملكية الغائب،ففايدة سماع البينة سقوط دعوى المدعى وحق تحليفه.

الصورة الثالثة: أن ينفى عن نفسه ويقول: لا أعرف مالكه.

وحينئذ يحكم بعدم ملكيته وكونه مجهول المالك، لكن لا يؤخذ من يده لاحتمال كونه وديعة عنده أو عارية أو لقطة أو نحو ذلك، مما يجب أن يقر في يده.

نعم لو قال: إنه حين وقع في يدى ما كنت أعرف صاحبه.

يكون من المجهول المالك الراجع أمره إلى الحاكم الشرعي وللمدعى تحليفه إذا ادعى عليه العلم بانه له إذا لم يكن عنده بينة وأما معها فلا إشكال في إستحقاقه الاخذ بعد أقامتها وحكم الحاكم.

الصورة ا لرابعة: أن يقول: ليس لي ولا لك.

ولم يبين أنه لمن هو.

وقال: لاسمي مالكه.

وحينئذ ربما يقال: إن الحاكم ينتزع منه ويحفظه إلى أن يظهر مالكه وترتفع الخصومة منه.

وعلل بان مقتضى نفيه عن نفسه وعدم بيانه لمالكه صيرورته مجهول المالك وحكمه ما ذكر، ولكن لا وجه له، إذ مجرد عدم بيان مالكه وعدم علم المدعى والحاكم لمالكه لا يكفى في صدق كونه مجهول المالك، فيجب إبقاؤه في يده.

لاحتمال كونه وديعة أو عارية أو نحوهما، ويقبل منه لو عين المالك بعد هذا.

وللمدعى أن يحلفه على عدم علمه بانه له إذا لم يكن له بينة على أنه له، وهل للحاكم أن يلزمه ببيان مالكه؟ الظاهر- كما اعترف به جماعة - ذلك، لانه من تتمة جواب المدعى، وقد مر سابقا أن المدعى عليه يلزم بالجواب بعد طرح الدعوى معه - مع أن تركه في معرض تفويت حق المدعى، خصوصا إذا لم يدع علم المدعى عليه بانه له حتى يتمكن من تحليفه على عدمه، وقد يحتمل عدم جواز إلزامه، لعدم ثبوت حق للمدعى حتى يكون ترك البيان مفوتا له.

" وفيه " أنه يكفى في جواز الالزام ما ذكرنا من ثبوت حق الجواب خصوصا إذا لم يكن له بينة على مدعاه، ولم يتمكن من تحليف المدعى عليه، ويحتمل التفصيل بين ما إذا كان له بينة وبين غيرها، فلا يجوز في الاول لامكان وصوله إلى حقه بدون البيان ويجوز في الثاني، والاظهر ما ذكرنا من جواز مطلقا.

الصورة الخامسة: أن يقول: انه وقف على الفقراء أو العلماء أو على مسجد أو مشهد


110

أو مدرسة، أو نحو ذلك، وفي هذه الصورة أيضا يندفع عنه الخصومة إلا إذا ادعى عليه العلم بانه له أو كان له بينة، ولا ينتزع منه لاحتمال كونه متوليا.

الصورة السادسة: أن يقول: إنه لصبى أو مجنون.

وقد يقال: في هذه الصورة يندفع عنه الخصومه إلا مع دعوى علمه بانه له أو قيام البينة على ذلك، وأنه ليس له إحلافالولى لعدم جواز الحلف على مال الغير، ولكن الاقوى كونه له، إذ لا دليل على عدم جواز الحلف والولى مع كونه طرف الدعوى، فيدخل في قوله صلى الله عليه وآله: " البينة للمدعى واليمين على من أنكر " بل في الصورة السابقة أيضا يمكن أن يقال: بجواز حلف المتولي للوقف لانه المدعى عليه.

مسالة 7: الظاهر جواز نقل المدعى عليه ما بيده إلى غيره قبل تمام المرافعة، وحينئذ فان نقله إلى صبى أو مجنون يلحق بالصورة السادسة وإن وقفه يلحق بالصورة الخامسة.

الفصل العاشر فيما إذا كان جواب المدعى عليه أن المدعى أبرأ ذمته أو أقبضه ما ادعى عليه به أو باعة إياه أو وهبه أو نحو ذلك، وحينئذ ينقلب مدعيا، والمدعى منكرا سواء ثبت الدعوى بالاقرار أو البينة أو اليمين المردودة، وفي هذه الدعوى أيضا إما أن يكون جواب المدعى عليه وهو المدعى في الدعوى الاولى إقرارا أو إنكارا أو سكوتا أو لا أدرى، والحكم فيها كما تقدم، لكن يظهر من المستند الفرق بين المقامين فيما لو أجاب بلا أدرى حيث أنه - بعد ما قال الحكم كما تقدم - قال: نعم لو أجاب بلا أدرى.

يكون الاصل حينئذ معه، ويعمل بمقتضى الاصل،" وفيه " أن فيما تقدم أيضا الاصل مع المدعى عليه، فان الاصل براءة ذمته مع جهله، ثم الظاهر أن من قبيل المقام لو ادعى أنه باعه داره مثلا بمائة دينار فأجاب بانك بعتني، ولكن لست بمشغول الذمة بالثمن، فان قوله: لست مشغول الذمة بالثمن - مع أن البيع لا يصح إلا بالثمن في قوة إدعاء أحد امور إما دفع الثمن أوا برائه أو كونه مشغول الذمة للمشترى سابقا فباعه بما عليه من الدين، أو أن مقدار الثمن كان عند البايع أمانة فاشترى


111

بما كان في يده، وكل هذه خلاف الاصل فيرجع الامر إلى دعوى وصول الثمن إليه، وهو دعوى يحتاج إلى الاثبات، والحاصل أن البيع بلا ثمن غير صحيح فاقراره به إقرار بوجوب دفع عوض المبيع إليه، والاصل عدمه، فما قد يتخيل من أن في الدعوى المفروضة الاصل براءة ذمة المشترى لا وجه له.

نعم لو قال: صالحتك بكذا فأجاب بانك صالحتي ولست مشغول الذمة، يجرى أصل البراءة، لان الصلح بلا عوض صحيح وأما لو قال بعتك بكذا.

فأجاب: بانك وهبتني.

فاللازم التحالف، وتمام الكلام في أمثاله في مقام آخر.

مسألة 1: قد عرفت سابقا أن في الدعوى على الميت لابد من إقامة البينة واليمين الاستظهاري، ومع عدمها أو أحدهما لاحق للمدعى، وإنما الكلام فيما إذا كانت الدعوىعلى الوارث، وقد ذكروا أنها لا تسمع إلا بأمرين ثبوت موت المورث وثبوت تخلف مال منه بيد الوارث، وأن الدعوى عليه ليست دعوى واحدة بل هي دعاو عديدة، دعوى الموت ودعوى كون تركته بيده، ودعوى الحق، وأن مع عدم البينة يكون عليه في الاولى والاخيرة يمين نفى العلم، وفي الثانية اليمين على البت، قال في الشرايع: " لا يتوجه اليمين على الوارث ما لم يدع عليه العلم بموت المورث والعلم بالحق وأنه ترك في يده مالا ولو ساعد المدعى على عدم أحد هذه الامور لم يتوجه ولو ادعى عليه العلم بموته أو بالحق كفاه الحلف أنه لا يعلم.

نعم لو أثبت الحق والوفاء وادعى في يده مالا حلف الوارث على القطع ".

وقال في المستند: " إذا كان المدعى عليه وارثا للغريم فيشترط في سماع دعواه أمران أحدهما ثبوت موت المورث، والثانى تخلف مال عنه تحت يده فان اعترف المدعى بانتفاء الامرين لم يسمع الدعوى لكونها لاغية وإن اعترف الوارث بهما سمعت الدعوى قطعا وإن اختلفا فيهما أو في أحدهما فيحصل حينئذ ثلاث دعاوى أو دعويان دعوى الامرين أو أحدهما ودعوى المال، ويبدأ بأى من الثلاثة اراد لعدم الدليل على تقدم إحديها، وقد يترآاى هنا إشكال، وهو أن هذه الثلاثة ليست بدعوى واحدة وصحة كل منهما - أيصحة سماعها - يتوقف على ثبوت الاخرى، وكونها مسموعة أيضا يتوقف على صحة الاخرى، " ودفعه " أنه يتوقف على إحتمال تحقق المدعى به فيه، وفي الاخريين، وهو متحقق غير متوقف،


112

وفائدة كل منهما التسلط على أخذ المال بعد تمام ا لدعاوى الثلاث أو رفع تسلطه على الوارث، وبذلك يفترق الدعوى على الوارث عن الدعوى على المورث بان الاخير دعوى واحدة غير متوقف مقتضاها على شئ آخر بخلاف الدعوى على الوارث " انتهى.

والتحقيق: عدم توقف السماع على ثبوت الامرين، بل يكفى في السماع عدم العلم بعدمهما أو اعتراف المدعى بانتفائهما أو إنتفاء أحدهما، وكذا عدم توقفه على دعوى العلم بهما، وأنه لا فرق بين الدعوى على الوارث وغيره في كون الدعوى واحدة، وإن توقف ثبوت المدعى به على مقدمات، فان ذلك لا يجعلها دعاوى عديدة وإن كان يمكن جعلها كذلك، وفي الدعوى على غير الوارث أيضا قد يتوقف ثبوت الحق مقدمات كما إذا ادعى عليه أن الدار التى بيده مثلا هي له، وأن فلانا غصبها منه وباعها عليه ففيما نحن فيه أيضا إذا كانت الدعوى على عين له أن يقول: هذه الدار التى بيدك - مثلا - هي لي وأن مورثك غصبها منى أو من مورثي.

وفي دعوى الدين له أن يقول: إن مورثك مات ولى عليهكذا وتركته بيدك فاللازم عليك الخروج عن عهدته.

أو يقول: كانت التركة بيدك واتلفتها فصار عوضها في ذمتك.

وحينئذ فان أقام بينة عمل عليها وإلا فله إحلافه على البت إن أنكر ذلك بتا، وعلى نفي العلم إن ادعى عليه العلم وأنكره عن غير فرق بين دعوى الموت ودعوى كون التركة بيده ودعوى الحق، إذ يمكن أن يدعى الوارث عدم العلم بكون مال للميت في يده فيحلف على عدم العلم، كما أنه يمكن أن يدعى العلم بعدم موت المورث فيحلف على البت، وما ذكروه من أن الحلف على فعل نفسه اثباتا أو نفيا يلزم ان يكون على البت، وكذا على نفى فعل غيره فهو علي عدم العلم ممنوع كلية.

نعم هو كذلك غالبا وإلا فقد يدعى عدم العلم بفعل نفسه فيحلف على نفي العلم.

وكذا في فعل غيره، كما أنه قد يدعى العلم بنفي الغير فيلحف على البت.

مسألة 2: حلف الوارث على نفي العلم لا يسقط دعوى المدعى في أصل الحق، فإذا أقام بعد ذلك بينة سمعت منه وليس كالحلف على البت لان القدر المتيقن من إسقاطه ما إذا كان على البت، مسألة 3: إذا رد الحلف على المدعي الوارث المدعى عليه العلم فالظاهر - كما


113

يظهر من بعضهم - كونه مخيرا بين الحلف على الحق أو على العلم، وقد يقال: بتعين الثاني، لان المردود هو الحلف على العلم لا الحلف على ثبوت الحق، " وفيه " منع وجوب المطابقة، ولذا يجوز الحلف على الاعم " ودعوى " أن ذلك من جهة كون الاخص داخلا في الاعم فلا ينافى إعتبار المطابقة بخلاف المقام فان الحلف على أصل الحق لا يشمل الحلف على العلم الذى هو المدعى به " مدفوعة " بأن الغرض الاصلى من دعوى العلم بالحق ثبوته كما أن الغرض من نفيه عدم ثبوته، فهو أي ثبوت الحق لازم للعلم به عرفا، فيكون من باب قيام اللازم مقام الملزوم وهذا المقدار يكفي في المطابقة.

مسألة 4: إذا ادعى على مملوك فهل هو الغريم أو مولاه؟ فيه أقوال، ففى الشرايع الغريم هو المولى مالا كانت الدعوى أو جناية، وكذاعن الفاضل في التحرير والارشاد، وفي القواعد قرب توجه اليمين على العبد ومع نكول يثبت الحق عليه، ويتبع به بعد العتق، وفي المسالك: " الاقوى أن الغرم عل كل من العبد والمولى، وأنه لا يقبل إقرار العبد على المولى ولا يؤخذ منه معجلا، بل يتبع به بعد العتق إذا كانت مالا أو قصاصا، وأنه لا يقبل إقرار المولى بالنسبة إلى القصاص ويتعلق برقبته بقدر الجناية إن لم يفدها المولى " وعن المبسوط: " أن الغريم في الجناية الموجبة للقصاص هو العبد مطلقا وفيالموجبة للمال المولى كذلك " وعن الكفاية: " الاشكال في عدم التعجيل في إقرار العبد إذا قلنا بملكه " وفى المستند ما ملخصه: " إن الدعوى إما مالية أو بدنية أو غيرهما فان كانت مالية فالمسألة مبينة على أن الحقوق المالية المتعلقة بالعبد هل يتعلق بالمولى مطلقا أو على القول بعدم تملك العبد شيئا أو لا.

فعلى الاول: ينفذ إقرار المولى في حق نفسه ولا ينفذ إقرار العبد حتى بأن يتبع به بعد العتق لانه إقرار في حق الغير - مع أن تعلقه بنفسه فرع كونه إقرارا في حق نفسه، وهو فرع تعلقه به بعد العتق، وهذا دور، وعلى الثاني وهو القول بملكيته وتعلق الحقوق بنفسه فينفذ إقراره على نفسه دون المولى، وإن كانت هناك بينة للمدعى، فعل الاول يثبت الحق على المولى دون العبد.

وعلى الثاني: على العبد يتبع به بعد العتق، وإن لم يكن إقرار ولا بينة فالحلف


114

على من يسمع إقراره والنكول كالاقرار، وإذا كانت بدنية فيثبت الحق بالبينة وباقرارهما معا ولا يثبت باقرار أحدهما خاصة شئ حتى على العبد بعد عتقه، وإذا كانت غيرهما كالطلاق فالعبد كسائر من يدعى عليه " انتهى، ولا يخفى ما في الاقوال المذكورة من القصور عن بيانحكم جميع الصور، ومن شمول إطلاقها لبعض الصور التى لا يشملها ما حكموا به، فان مقتضى إطلاق الشرايع ومن تبعه سماع إقرار المولى على العبد حتى في القصاص، وعدم سماع إقرار العبد فيما يتعلق بذمته حتى بعد العتق، ومقتضى ما في المبسوط عدم سماع إقرار المولى في الجناية العمدية حتى بالنسبة إلى الاسترقاق وسماع إقرار العبد فيها على السيد وعليه نفسه معجلا، وأما ما في المستند فلا محصل له، وفيه وجوه من الفساد خصوصا ما ذكره من المبنى، إذ لا وجه للقول بكون الحقوق المالية المتعلقة بالعبد متعلقة بالمولى مطلقا، والقول بكون جميعها متعلقة به نفسه وخصوصا ما ذكره من الدور ".

والتحقيق: أنه إن كان النزاع في ما يرجع أمره إلى المولى كما إذا ادعى عليه أن ما في يده له وأنه غصبه أو سرقه أو أخذه أمانة أو عارية أو التقاطا أو نحو ذلك كان الغريم هو المولى فان ما في يده محكوم بانه لمولاه، وكذا إذا ادعى عليه جناية خطأية أو عمدية بالنسبة إلى الاسترقاق أو تعجيل القصاص، وكذا إذا ادعى عليه أنه إستقرض مالا منه لمولاه أو اشترى له ولم يؤد ثمنه أو باع ماله باذنه ولم يدفع إليه المبيع أو نحو ذلك، فان في هذا كله يرجع الامر إلى مولاه فهو الغريم، ويقبل إقراره وإنكاره، ولا اعتبار باقرار العبد وإنكاره إلا على نفسه في بعض الصور ويتبع به بعد عتقه، وإن كان النزاعفيما لا يرجع إلى المولى كما إذا ادعى عليه انه أتلف منه مالا أو غصبه أو سرق منه أو استقرض أو استعار أو أتلف أو نحو ذلك، مما يتعلق بذمته ففي هذا كله هو الغريم ولا دخل له بالمولى فان ثبت عليه بالبينة أو اليمين المردودة يتبع به بعد العتق، وكذا في دعوى الجناية العمدية بالنسبة إلى القصاص فانه لا يدخل له بالمولى ومع الثبوت بالبينة يقتص منه معجلا وكذا مع إقراره المولى، وأما مع إقرار المولى فقط فلا يقتص منه، مع إقراره فقط أو الثبوت عليه باليمين المردودة يقتص منه بعد العتق.

مسألة 5: إذا كان العبد وكيلا عن غيره باذن مولاه وكان في يده مال علم عدم


115

كونه لمولاه فادعى عليه مدع كان الغريم هو الموكل، وكذا إذا كان عاملا لغير مولاه ويقبل إقراره وإنكاره بالنسبة إلى الموكل وصاحب المال بناء على قبول إقرار الوكيل على الموكل.

مسألة 6: يقبل إقرار العبد المأذون في التجارة على مولاه في مقدار المال الذى دفعه إليه للتجارة، بل مطلقا إذا كان مأذونا في التجارة مطلقا، حتى في الشراء في الذمه أو البيع نسيئة أو الاستدانة ونحوها، والحاصل انه يقبل قوله بمقدار مأذونيته.

مسألة 7: يقبل إقرار المكاتب فيما يتعلق باكتسابه ويكون هو الغريم دون مولاه.

مسألة 8: أمر الطلاق راجع إلى العبد فلو حصل النزاع فيه نفيا وإثباتا فالغريم هو دون مولاه.

مسألة 9: على القول بان العبد يملك إذا كان له مال، لا يجوز له أن يتصرف فيه إلا باذن المولى، فهو محجور عن التصرف في ماله، وإذا أذن له مولاه في التصرف فيه وحصل النزاع يكون هو الغريم دون مولاه، وكذا إذا أذن له في الاكتساب لنفسه.

مسألة 10: تجرى قواعد المرافعة إذا ادعى على مولاه في أمر، كما إذا ادعى عليه انه اعتقه أو أنه أذن له في كذا وأنكر مولاه، أو ادعى ملكه كذا أو تنازعا في مال الكتابة أو في مدة النجوم أو نحو ذلك.

مسألة 11: إذا كان المدعى عليه وكيلا عن صاحب الحق ليس له الحلف على نفي ما يدعيه المدعى لعدم جواز الحلف على مال الغير، بمعنى انه لا يسقط به دعوى المدعى بالنسبة إلى الموكل، وأما إذا أراد المدعى تغريمه فله الحلف لاسقاط الغرم عن نفسه إذ هذا ليس حلفا على المال الغير، ثم انه لا إشكال في انه يثبت الحق المدعى بالبينة والشاهد أو اليمين المردودة من الوكيل إذا كان مأذونا في رد اليمين أيضا عموما أو خصوصاوهل يثبت باقرار الوكيل في مثل ما إذا وكله في بيع شئ أو شراءه، وحصل النزاع في وقوعه أو عدم وقوعه؟ فيه وجهان بل قولان، من انه كان مالكا للتصرف فيملك الاقرار به أو بعدمه، وأيضا انه أمين للموكل فلا يجوز له إتهامه، ومن ان القدر المتيقن من عدم جواز إتهامه ووجوب تصديقه ما إذا كانت الدعوى بينه وبين الموكل لاما إذا كانت


116

متعلقة بالغير فانه حينئذ بمنزلة الشاهد المدعى، وليس قوله حجة على الموكل الذى هو صاحب الحق، ولا يبعد قوة الوجه الاول وإن أخترنا في باب الوكالة الوجه الثاني وفاقا لصاحب الجواهر، ثم هذا إذا كان الموكل منكرا لما يقوله.

وأما إذا لم يكن منكرا لعدم علمه بالحال فالظاهر انه يجب عليه تصديقه وقبول إقراره وإن كان عليه.

مسألة 13: إذا كان المدعى عليه وليا إجباريا كالاب والجد، فيظهر منهم عدم نفوذ إقراره على المولى عليه وعدم جواز حلفه وان حاله حال الوكيل، بل يظهر من بعضهم عدم جواز رده اليمين على المدعى أيضا لعدم المصلحة فيه، لكن يمكن أن يقال: بجواز حلفه ونفوذ إقراره خصوصا إذا كانت

الدعوى متعلقة بتصرفه مثل البيع والشراء ونحوهما،

لانه المدعى عليه عرفا فيدخل في قوله صلى الله عليه وآله: " البينة للمدعى واليمين على من أنكر " وعدم عموم يدل على عدمجواز الحلف على مال الغير يشمل المقام، وكذا يجوز رده اليمين على المدعى لمنع عدم المصلحة كلية إذ قد تقتضي المصحلة ذلك خصوصا إذا ظن عدم حلفه فتسقط دعواه فالمقامات مختلفة، وأما الولى الغير الاجباري كالوصي والقيم فلا يجوز له الحلف أو الاقرار إلا إذا كان متعلقا بفعله نفيا أو إثباتا وأما رد اليمين فهو تابع للمصلحة وكذا الكلام إذا كان المدعى عليه متوليا للوقف فيما ترجع الدعوى إلى ما يتعلق بالعين الموقوفة.

مسألة 13: إذا كان المدعي وكيلا عن صاحب الحق وهو غائب فلا تثبت دعواه إلا بالبينة أو إقرار المدعي عليه، ولا تثبت باليمين المردودة، ولا الشاهد واليمين لما مر من عدم جواز الحلف على مال الغير، ويجوز له إحلاف المدعى عليه إذا كان وكيلا فيه أيضا عموما أو خصوصا، وبعد ثبوت دعواه يجوز له المطالبة بالحق إذا كان وكيلا فيه أيضا وللمدعى عليه مطالبة الكفيل، نعم لو ثبتت وكالته حتى في أخذ الحق فالظاهر جواز إلزامه بالدفع من دون الكفيل كما إذا كان المدعى نفس الحق.

مسألة 14: إذا أثبت الوكيل عن الغائب دعواه فطالب الغريم بما عليه وادعى انه سلمه إلى الموكل أو انه أبرأه ولم يكن له بينة فهل يلزم بالاداء أو توقف الدعوى حتى يتبين الحال؟ فيه وجوه، أحدها: الالزام بالاداء كما اختاره في الشرايع وتبعه عليه جماعة لثبو


117

الحق والاصل عدم الامرين فلا يدفع المقطوع بالمحتمل، ولانها دعوى اخرى ولا توجب سقوط حكم الدعوى الاولى وأيضا التوقف يؤدى إلى تعذر طلب الحقوق بالوكلاء.

الثاني: التوقف لعدم تمامية المرافعة مع هذه الدعوى.

الثالث: التفصيل بين ما إذا ثبت الحق بالبينة أو باقرار المدعى عليه من الاول فعلى الاول الاول وعلى الثاني الثاني لانها لا تعد دعوى اخرى بل هي جزء الدعوى الاولى.

الرابع: ما يظهر من صاحب المستند من التفصيل بين ما إذا كان الوكيل وكيلا في دعوى الابراء والوفاء أيضا فالثاني، وبين ما إذا لم يكن وكيلا فالاول، ولا يبعد قوة الوجه الثالث.

مسألة 15: في سماع دعوى الوكيل بالوكالة الادعائية من غير إثبات وجواز الزام المدعى عليه بالمرافعة مع كما عليه صاحب المستند إشكال، لا مكان منع صدق المدعى عليه فلا يشمله قوله (ع) " البينة للمدعى واليمين على المدعى عليه ".

مسألة 16: إذا كان المدعى وليا إجباريا فان كان له بينة فهو وإلا فيجوز له إستحلاف المدعى عليه مع المصلحة فان حلف سقطت الدعوى، وإن رد اليمين عليه فان كان المدعى بهمما يرجع إلى تصرفه نفيا أو إثباتا فالظاهر ان له أن يحلف لانه حلف حلى فعله أو تركه وإن كان نفعه للغير، وإلا بان ادعى دينا للمولى عليه على شخص فيحتمل جواز حلفه أيضا لما مر من عدم عموم يدل على جواز الحلف على مال الغير يشمل المقام، ويحتمل ايقاف الدعوى إلى بلوغ المولى عليه ورشده، ويحتمل الحكم بثبوت الحق بدعوى عدم إمكان الرد وعدم جواز إيقاف الدعوى، وكذا الحال إذا نكل عن اليمين وعن الرد، وإن كان المدعي قيما على قصير فالحال كما ذكر في الولى إلا في الحلف مع الشاهد الواحد أو مع رد اليمين فانه لا يجوز هنا فيما إذا لم يكن النزاع راجعا إلى تصرفه في مال القاصر نفيا أو اثباتا، فان الظاهر إجماعهم على عدم جوازه هنا وإن قلنا بجوازه في الولي الاجباري، وإن كان المدعى وصيا في إخراج الثلث مثلا وصرفه على الجهات العامة أو على مثل الفقراء أو العلماء أو نحو ذلك فكذلك في عدم جواز حلفه في غير ما كان راجعا إلى تصرفه، وهل يجوز لفقير واحد أو عالم واحد الحلف أو لا؟ فيه وجهان، ومما ذكرنا ظهر الحال إذا كان المدعى متولى الوقف.


118

مسألة 17: إذا كان صاحب الحق هو الامام - عجل الله تعالى فرجه - كميراث من لا وارث له والمنذور له (ع) والوقف عليه ونحو ذلك، أو كان هو الولى على صاحب الحق كالاوقافالتى لا متولى لها والمال المجهول مالكه والمظالم والنذور لسائر الائمة (ع) والاوقاف عليهم ونحو ذلك، فالمدعي في زمن الغيبة هو نائبه العام وهو الفقيه الجامع للشرايط، وحينئذ فان علم بالحق علما قطعيا له أن يدعي وأن يعمل بمقتضى علمه لامن باب الحكم بل من باب الامر بالمعروف، وإلا فان كان هناك بينة فله أن يترافع عند فقيه آخر ويثبت الحق، وليس له الحلف مع الشاهد الواحد، وله إستحلاف المدعى عليه إذا اقتضته المصلحة، وليس له أن يتصدى للمرافعة أي الحكومة بنفسه ولو بنصب وكيل عن نفسه، نعم له أن يوكل من باب النيابة العامة شخصا عن الامام (ع) يترافع مع المدعى عليه عنده.

الفصل الحادى عشر في احكام اليد والمراد بها السلطنة العرفية والاستيلاء على الشئ المختلفة بحسب الموارد بأن يكون تحت إختياره وتصرفة، كالدارهم في كيسه أو جيبه، واللباس على بدنه، والفراش تحته والغطاء فوقه ونحو ذلك، كالانتفاع بمثل الركوب والحمل في الدابة والسكنى والتعمير والتخريب والاجارة في الدار ونحوها، والزرع والغرس في الارض والسقى ونحوه في الزرع والنخل والشجر، ومثل كون الشئ في المكان المختص به ملكا أو اجارة أوعارية، بل أو غصبا كالاجناس في دكانه والدابة في مذوده والطعام في بيته أو مزوده ونحو ذلك فان ذلك يد عليها، وكوضع الامتعة في بيت أو دكان فانه يد عليهما، وهكذا، وقد تتعارض الواجبات لصدق اليد كما إذا كان المسلك لزيد في دار عمرو أو كان المتاع الموضوع في الدكان لزيد ومفتاحه بيد عمرو ونحو ذلك، والمرجع حينئذ أقوائية أحدهما بمقدار يوجب الصدق لاحدهما دون الآخر وإلا فيحكم بكونه في يدهما.

مسألة 1: لا إشكال ولا خلاف في أن ظاهر اليد ومقتضاها الملكية بل عليه الاجماع ويدل عليه مضافا إليه جملة من الاخبار.


119

منها: خبر حفص بن غياث المروى في الكتب الثلاثة وفيه: " أرأيت إذا رأيت في يد رجل شيئا أيجوز ان أشهد أنه له؟ قال: نعم.

إلى ان قال (ع): ولو لم يجز هذا لما قام للمسلمين سوق ".

ومنها: ما عن تفسير على بن إبراهيم عن الصادق (ع) في حديث فدك: " ان مولانا أمير المؤمنين (ع) قال لابي بكر: تحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى في المسلمين، قال: لا.

قال: فان كان في يد المسلمين شئ يملكونه ادعيت أنا فيه من تسأل البينة قال: إياككنت أسئل.

" إلى آخره.

ومنها: موثقة يونس بن يعقوب: " في المرأة تموت قبل الرجل أو رجل قبل المرأة، قال: ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، وما كان من متاع الرجل والنساء فهو بينهما، ومن استولى على شئ منه فهو له ".

ومنها: رواية حمزة بن حمران: " أدخل السوق فاريد أن أشترى جارية فتقول انى حرة، فقال (ع): اشترها إلا أن يكون لهابينة ".

ومنها: صحيحة العيص: " عن مملوك ادعى انه حر ولم يات ببينة على ذلك اشتريه، قال (ع): نعم ".

ومنها: خبر مسعدة بن صدقة: " كل شئ هو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل ثوب يكون عليك قد اشتريته سرقة، والمملوك عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر، أو مرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة ".

ومنها: جملة من الاخبار الواردة في تعارض البينات، بل يمكن أن يستدل بقوله (ع): " البينة للمدعى واليمين على المدعي عليه ".

فلا إشكال في أصل المسألة والظاهر ان اليدإمارة على الملكية ودليل عليها، لا أن تكون من الاصول العملية ولهذا تقدم على الاستصحاب ونحوه، فلا وجه لما في المستند من ان المراد بكون اليد ظاهرة في الملكية انها الاصل فيها لا انها الدليل عليها، وان ذلك إذا لم يعارضها أصل آخر أو استصحاب، واما إذا عارضه أصل أو استصحاب ففي بعض موارده الخلاف وفي بعض آخر يقدم الاستصحاب،


120

وذلك لان من المعلوم ان اعتبارها من حيث ظهورها في الملكية وكونها طريقا إليها، وتقديم الاستصحاب عليها في بعض الموارد انما هو من جهة كونه أصلا موضوعيا يبين وجهها وكيفيتها كما إذا كانت في السابق بعنوان الامانة أو الغصبية فان مقتضى الاستصحاب كونها فعلا أيضا كذلك وهذا لا ينافي كونها دليلا، واما الخلاف في بعض الموارد مثل ما سيأتي من تعارض استصحاب الملكية السابقة مع اليد الفعلية، فالتحقيق فيه تقديم اليد كما سيأتي.

ثم لا يشترط في دلالة اليد على الملكية التصرفات الموقوفة على الملك، فلو كان في يد شخص مال ومات ولم يعلم انه كان متصرفا فيه أو لا؟ يحكم بملكيته له ويرثه وارثه، وكذا لا يشترط دعوى ذى اليد الملكية، نعم يشترط عدم إعترافه بعدمها واما إذا اعترف بعدم علمه بانه له أو لا؟ فهل يحكم بملكيته له بمجرد كونه في يده بالنسبة إلى نفسهوغيره أو لا؟ لا يبعد ذلك.

لكن: في المستند عدم الحكم بانه له ويكون من مجهول المالك لان القدر المتيقن من الاجماع والاخبار غير هذه الصورة، ولرواية جميل بن صالح عن السراد: " رجل وجد في بيته دينارا، قال: يدخل منزله غيره.

قلت: نعم كثير.

قال: هذه لقطة.

قلت: فوجد في صندوقه دينارا.

قال: يدخل أحد يده في صندوقه غيره ويضع فيه شيئا.

قلت لا.

قال: فهو له " قال: فانه حكم فيما هو في داره التى لا يعلم انه له مع كونه في يده انه ليس له، وأيضا علل كون ما وجد في الصندوق له بما يفيد العلم بانه ليس لغيره.

وفيه: انه يمكن أن يقال: انه ليس في الخبر انه لا يعلم انه له أو لا؟ بل الظاهر علمه بانه ليس له - مع انه يظهر من سوء آله (ع): عن ان غيره يدخل منزله أو لا؟ انه لو لم يدخل غيره منزله يحكم بانه له وإن لم يعلم، كما ان حكمه بان ما في الصندوق له ظاهره صورة عدم العلم بانه له، ودعوى انه علل بما يفيد العلم ممنوع، واستدل أيضا بموثق إسحاق بن عمار: " عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيها نحوا من سبعين درهما مدفونة فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع.

قال: فاسئل عنها أهل المنزل لعلهم يعرفونها.

قلت: فان لم يعرفونها.

قال: يتصدق بها " فانه لا شك ان الدارهم


121

كانت في تصرف أهل المنزل ولو قال: ان لا نعلم انها لنا أو لغيرنا فيصدق انهم لا يعرفونها فلا يحكم بملكيته لهم.

وفيه: ان الظاهر من قوله: لم يعرفونها انهم قالوا: ليس لنا لا انا لا نعلم انها انا أو لا، فدلالة الخبرين على ما ذكره محل منع والخدشة في شمول الاخبار للصورة المفرضة لا وجه لها، مع إمكان الاستدلال بالخبر الاول أيضا كما ذكرنا على الحكم بدلالتها على الملكية في صورة عدم العلم أيضا فلا يجرى عليه حكم مجهول المالك.

مسألة 2: كما ان اليد إمارة على ملكية الاعيان

كذلك إمارة على ملكية المنافع وعلى الحقوق

كحق الاختصاص وحق الانتفاع وحق الاستيثاق وحق التحجير ونحو ذلك، كما إذا كان ماله في يده يدعى كون منافعة له بالاجارة أو الوقفية أو نحو ذلك، أو ادعى كونه متوليا على ما في يده من العين الموقوفة، أو ادعى كون ما في يده رهنا عنده، أو كان له رحى على نهر الغير، أو كان جذوعه على حايط الغير ونحو ذلك، لظهور الاجماع وعموم بعض ما مر من الاخبار كقوله (ع): " من استولى على شئ منه فهو له " ونحوه، بل لا ينبغى الاشكال فيه، وكما يتحقق اليد على الاعيان فتكون إمارة على ملكيتها عينا أو منفعة أوالاختصاص بها كذلك تتحقق على المنافع وإن لم تكن العين في يده، كما إذا كانت مزرعة موقوفة على العلماء أو السادات أو نحوهم وكانت منافعها تصرف عليهم أو ترسل إليهم وكانت العين بيد المتولي فان يدهم على منافعها فلو ادعاها غيرهم لا تسمع منه بلا بينة، وهكذا في أمثال ذلك.

هذا: ولصاحب المستند في المقام كلام مختل النظام فيه وجوه من الفساد، فانه اختار ان اقتضاء اليد للملكية أو الاختصاص مختص بالاعيان وانه لا يجرى في المنافع للاصل وعدم ثبوت الاجماع في غير الاعيان، واختصاص أكثر الاخبار بها - إلى أن قال - في بيان اختصاصهما: " واما رواية حفص فلان لفظ " شيئا " فيها وان كان نكرة في سياق الشرط المفيد للعموم إلا ان رجوع الضمير في قوله " الشراء منه " و " ان يشتريه " يوجب إما تخصيصه بالاعيان أو التوقف كما بين في الاصول لعدم جواز الشراء في المنافع اجماعا، واما الموثقة فلرجوع الضمير المجرور فيها إلى المتاع الذى هو من الاعيان، واما رواية مسعدة فلان الاستدلال


122

بها انما هو بواسطة الامثلة المذكورة فيها وكلها من الاعيان، واما قوله: " والاشياء كلها على هذا " فانما يدل على الحلية دون المطلوب.

نعم: ظاهر حديث فدك العموم، إلا انه يمكن دعوى إختصاص صدق اليد حقيقة بالاعيان فانها المتبادر عرفا من لفظ ما في اليد بل الاستيلاء، وصدقة على المنافع غير معلوم.

بل نقول: ان كون اليد والاستيلاء انما هو في الاشياء الموجودة في الخارج القارة، واما الامور التدريجية الوجود غير قارة كالمنافع فلو سلم صدق اليد والاستيلاء فيها فانما هو فيما تحقق ومضى لافى المنافع الآتية التى هي المراد ههنا.

ثم: أجاب عن خبر الرحى على نهر الغير بان عدم جواز سد الماء ليس من جهة اليد بل من الخبر وقاعدة الضرر فيختص بمورده ".

ثم قال: " واما ما قد يدعى من ظهور اليد في الملكية وهو حاصل في المنافع أيضا " ففيه " بعد تسليم اليد منع حجية ذلك الظهور أولا.

ومنع الظهور ثانيا، لانه لو سلم فانما هو في الاعيان مع التصرفات الملكية واما في المنافع التى أعيانها ملك الغير فلا، لشيوع مشاهدة تصرفات الناس في كثير من المنافع من غير تحقق جهة اللزوم والملكية، فيحمل الجار على الحائط جاره أو المشترك وينصب الميازيب على داره ويطرح الثلج ويضع خشب السقف على حايط ويجرى الماء من داره إلى داره أو مائه إلى داره، ويستعمل المسلمون بشاهد الحال بعضهم ماء بعض ويجرون مياههم في دورهم وقد يغيرون مواضع الجريان في كل عام، ويبنون الحياض الكبيرة المجددة إلى غيرذلك، بل يمكن ادعاء ظهور عدم الملكية في امثال ذلك وابتناء الامر على المسامحة أو شاهد الحال ".

انتهى.

ووجوه الاشكال فيه لا تخفى - مع ان اليد على المنافع ليست إلا باليد على الاعيان فاليد على الاعيان اما باعتبار انفسها أو باعتبار منافعها أو باعتبار الحقوق المتعلقة بها كما هو واضح - مع انه لا فرق بين حق الاختصاص وبين المنافع وهو معترف بكون اليد إمارة على الاختصاص في مثل العين الموقوفة عليه كما صرح به.

مسألة 3: يد الوكيل والامين والمستعير والاجير بل الغاصب يد المالك، فيكفى


123

في صدق اليد كن الشئ في يد وكيله أو أجيره، وهكذا، بل إذا أقر ذو اليد بان ما في يده لزيد يجرى عليه حكم ذي اليد، فلو أقر لزيد ثم أقربه لعمرو والمدعى انه لم يجب عليه إقامة البينة وإلا فله الحلف على زيد.

مسألة 4: إذا كان شئ في يد اثنين فيد كل منهما على النصف المشاع منه، وقد يقال: يمكن أن يكون يد كل منهما على تمامه وإن كان لا يعقل ملكية التمام لكل من الاثنين.

قلت: نعم يمكن اجتماع اليدين المستقلتين على مال واحد كما يمكن كون يدكل منهما على النصف المشاع والظاهر انه يختلف بحسب العرف، ففي بعض الموارد يد كل منهما على النصف وفي بعضها على الكل كما لا يخفى، بل قد يقال: في صورة كون يد كل منهما على النصف أيضا لابد أن يكون على التمام لان كل جزء يفرض يد كل منهما عليه لكنه على هذا ليستا بنحو الاستقلال، والحاصل انه لا مانع من اجتماع اليدين المستقلتين على مال واحد، بل الاقوى جواز اجتماع المالكين المستقلين لمال واحد كما إذا كان ملكا للنوع كالزكاة والخمس والوقف على العلماء والفقراء على نحو بيان المصرف فان كل فرد من النوع مالك لذلك المال، بل لا مانع من اجتماع المالكين الشخصيين أيضا كما إذا وقف على زيد وعمرو.

أو أوصى لهما على نحو بيان المصرف فانه يجوز صرفه على كل واحد منهما، فدعوى عدم معقولية إجتماع المالكين على مال واحد لا وجه له - مع انه لا اشكال عندهم في جواز كون حق واحد لكل من الشخصين مستقلا كخيار الفسخ وكولاية الاب والجد على مال القصير، ومن المعلوم عدم الفرق بين الحق والملك فكما ان لكل من الاب والجد حق التصرف في مال المولى عليه وأيهما سبق لا يبقى محل لتصرف الآخر، وكذا لكل من الشخصين حق الفسخ وأيهما سبق بالفسخ لا يبقى محل لفسخ الآخر، فكذا في المالكين الكذائيين، ودعوى ان مقتضى الملكية المستقلة أن يكون للمالك منع الغير وإذا لم يكنله منع الغير فلا يكون مستقلا ممنوعة، فان هذا أيضا نحو الملكية المستقلة ونظيره الوجوب الكفائي والتخييري في كونهما نحوا من الوجوب مع كونه جايز الترك.

مسألة 5: قال في المستند: " ما ذكر من

ان الاستيلاء يدل على أصالة الاختصاص

للمستولي إنما هو إذا لم يكن هناك مدع ثبت له جهة إختصاص آخر أيضا فلو كان كذلك


124

لا يفيد الاسيتلاء شيئا، لان جهة الاختصاص الثابتة بالاستيلاء غير معينة وارجاعها إلى ما يدعيه المستولي لا دليل عليه بخصوصه حتى يحمل عليه، والجهة الاخرى للغير ثابتة فليس لها معارض معلوم ولا رافع كذكل، فلو ادعى احد استيجار شئ في يد غير مدعيا بانه استأجره يطلب البينة من ا لمدعى لاصالة الاختصاص بالمستولي فان جهة الاختصاص بينهما واحدة، بخلاف مالو ادعى المالك عدم الاجارة لان ملكيته مختصة به والمستأجر يدعى الاختصاص الاستيجاري ولا دليل عليه، وكذا لو ادعى أحد إختصاصه بشئ في يده قد استولى عليه من جهة إستحقاق منفعته بصلح ونحوه وادعى المالك عدمه فلا يقدم قول المستولي لثبوت جهة اختصاص للمالك وعدم ثبوت الاختصاص النفعى للمستولي، فاحتفظ بذلك فانه مفيد في كثير من المواضع " انتهى.

قلت: المناط صيروة المستولي مدعيا وعدمها ففي الفرض الاول حيث انه لا يصير مدعيا يعمل بمقتضى يده ويقدم قوله، وفي الفرض الثاني إذا ادعى ان المالك آجره أو صالحه عن منفعة ملكه يصير مدعيا يلزمه إثبات ما ادعاه، ولو فرض في الاول انه ادعى الاستيجار من مدعى الاستيجار يكون مدعبا ولا تنفعه يده، كما ان الثاني إذا لم يدع الاستيجار من المالك بل ادعى انه ملك المنفعة قبل أن تصير العين للمالك وانه ملكها مسلوبة المنفعة لا نسلم عدم اقتضاء يده تقديم قوله.

الفصل الثاني عشر في جمله من احكام اليد مسألة 1: إذا تنازعا في عين فاما أن تكون في يد أحدهما أو في يدهما أو في يد ثالث أولا يد عليها.

أما صورة ا لاولى: فمع عدم البينة يقدم قول من بيده وعليه الحلف للآخر فان حلف سقطت الدعوى وإن نكل حكم بها للمدعى بناء على الحكم بالنكول، وكذا إن رد أورد الحاكم على القول الآخر وحلف المدعي، وإن لم يحلف بعد الرد سقطت الدعوى أيضا.

وأما الصورة الثانية: فالمشهور على انه مع عدم البينة تجرى قاعدة المدعي والمنكر،


125

حيث ان يد كل منهما على النصف المشاع فيكون كل منهما مدعيا بالنسبة إلى ما في يد الآخر ومدعى عليه بالنسبة إلى ما في يده والمرجع قوله (ع): " البينة للمدعى واليمين على المدعى عليه " ونحوه واختار المحقق في الشرايع التنصيف بينهما من غير يمين، وحكى عن الخلاف والغنية والكافي والاصباح أيضا للمرسل: " ان رجلين تنازعا في دابة ليس لاحدهما بينة فجعلها النبي صلى الله عليه وآله بينهما " ولامكان أن يقال: ان يد كل منهما على الكل لا على النصف، لعدم تعقل كونها على النصف المشاع إلا بكونها على الكل، إذا كل جزء يفرض فيد كل منهما عليه فيكون المورد من التداعي لا المدعى والمنكر فلا يدخل تحت قوله (ع): " البينة للمدعى واليمين على المدعى عليه " ومقتضى القاعدة بعد عدم كونه خارجا عنهما لمكان كون يدهما عليه التنصيف بينهما بلا حلف إذ لا دليل عليه، نعم قد يحتمل الحلف لترجيح احد اليدين كالترجيح به لاحدى البينتين لكن لا دليل عليه، وقد يحتمل جواز التحالف بينهما برضاهما لا بجبر الحاكم وكونه الوضيفة في الفصل، لا وجه له أيضا.

والتحقيق: التفصيل بين ما إذا كانت يد كل منهما على النصف وبين ما إذا كانت على الكل مستقلا، إذ قد عرفت اختلاف الموارد في ذلك، ففي الصورة الاولى تجرى قاعدة المدعى والمنكر إذ يصدق على كل منهما انه مدع في النصف ومنكر في النصف الآخر، ولا ينفع كون كل جزء يفرض يد كل منهما عليه لانها ليست يدا مستقلة، وفي صورة الثانية التنصيف لما ذكر من كونه من التداعي لا المدعى والمنكر كيف وإلالزم حصول الفصل بحلف من حلف منهما أولا، لان المفروض ان الكل بيده وقد حلف على نفي ما يدعيه المدعي فيما بيده فلا يبقى محل لحلف الآخر ولا للدعوى عليه، وهذا بخلاف الصورة الاولى فان فيها يحلف كل على نفى ما يدعيه الآخر من النصف الذى في يده، ثم في الصورة الاولى لو حلفا تقسم بينهما بالمناصفة ولو حلف أحدهما اولا ولم يحلف الآخر ورد اليمين على الاول لا يكفيه الحلف الاول، لانه على النفى والمردود على الاثبات، واما لورد الحلف على الثاني فهل يكفيه حلف واحد أو يجب التعدد قولان مبنيان على مسألة تداخل الاسباب وعدمه، ثم على المشهور يبدأ القاضي بمن يراه أو يقرع بينهما وقيل يقدم


126

لاسبق منهما في الدعوى، ومع الاقتران يقدم من كان علي يمين صاحبه.

مسألة 2: إذا كانت عين في يدهما ولم يظهر منهما منازعة حتى ماتا فالحكم وهو التنصيف لعدم وجود المدعي والمنكر فتقسم بين ورثتهما من غير حلف، إلا إذا ادعى بعضهم على بعض العلم بالحال فانه يجرى عليهم قاعدة المدعى والمنكر.

وأما الصورة الثالثة: وهي أن تكون بيد ثالث فان صدق أحدهما المعين يكون بمنزلة ذى اليد فيكون منكرا والآخر مدعيا وعلى الثالث اليمين للآخر إن ادعى عليه علمه بأنها له لفائدة الغرم، وإن صدقهما فيكون كما لو كانت في يدهما ولكل منهما إحلافه إذ ادعى عليه العلم بأنها له، وإن صدق أحدهما لا بعينه، فقيل يقرع بينهما بلا حلف، وقيل يقرع بينهما ويحلف من خرجت له القرع، وقيل بالتنصيف بينهما بلا حلف لرواية السكوني " قال أمير المؤمنين (ع): في رجل أقر عند موته لفلان وفلان لاحدهما عندي ألف درهم ثم مات على تلك الحال، فقال: أيهما أقام البينة فله المال وإن لم يقم أحد منهما البينة فالمال بينهما " والاقرب التنصيف بعد حلفهما أو نكولهما من دون قرعة وإن كذبهما تبقى في يده ولكل منهما عليه الحلف، وإن قال: ليست لى ولا أدرى انها لهما أو لغيرهما، فهى بالنسبة إليهما.

كما لا يد لاحد عليها، وان قال: لا أدرى أنها لى أو لهما أو لغيرهما.

فكذلك، ويحتمل أن يحكم بكونها له لكون يده عليها عليه الحلف على عدم العلمإن ادعيا عليه.

وأما الصورة الرابعة: ففيها وجوه " أحدها " إجراء حكم المدعى والمنكر كما يظهر من المحكى عن الاردبيلي لكون كل منهما مدعيا ومنكرا فمع حلفهما أو نكولهما تقسم بينهما ومع حلف أحدهما ونكول الآخر تكون للحالف لقوله صلى الله عليه وآله " البينة للمدعى.

الخ " ولرواية اسحاق بن عمار وفيها: " فلو لم يكن في يد واحد منهما وأقاما البينة، قال: احلفهما فأيهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف ".

وفيه " منع صدق المدعي والمنكر بل كل منهما مدع فيكون من التداعي، واما الرواية فمختصة بصورة البينة فلا تشمل المقام " الثاني " القرعة اختارها صاحب المستند قال: لانها لكل أمر مجهول فالرجوع إليها أظهر كما حكم علي (ع) في روايتي أبى بصير وابن عمار الاولى: " بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليا (ع)


127

إلى اليمن فقال له: حين قدم حدثنى بأعجب ما ورد عليك، قال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أتانى قوم قد تبايعوا جارة فوطؤوها جميعا في طهر واحد فولدت غلاما فاختلفوا فيه كلهم يدعيه فأسهمت بينهم فجعلته للذى خرج سهمه وضمنته نصيبهم.

الحديث " والاخرى: " إذا وطئ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت فادعوه جميعا اقرع الوالى بينهم فمن قرع كان الولدله ويرد قيمة الولد على صاحب الجارية " وعمل بها الاصحاب في موردهما من غير إحلاف، " وفيه " انه لا واقع مجهول في المقام حتى يعين بالقرعة لعدم كون العين في يدهما واحتمال كونها لثالث غيرهما والروايتان مخصوصتان بموردهما.

" الثالث " التنصيف بينهما من غير إحلاف لماعرفت انه من باب التداعي لا المدعى والمنكر - مع انه لو جعل من هذا الباب أمكن أن يقال: لا وجه للتنصيف بينهما بعد حلف كل منهما على نفي ما يدعيه الآخر.

المفروض عدم كونها في يدهما فيسقط حق كل منهما بحلف الآخر، ثم ان جميع ما ذكر في الصور الاربع انما هو مع عدم البينة لاحدهما أو كليهما، وسيأتى حكم تعارض البينتين فيها.

مسألة 3: إذا تنازعا في مصراعي الباب وكان أحدهما بيد أحدهما والآخر بيد الآخر فلا إشكال في كونه من باب المدعى والمنكر وإن علم كون الاثنين لواحد منهما، وإن كان أحد المصراعين بيد أحدهما والآخر لا يد لاحدهما عليه، فالنزاع بالنسبة إلى الاول يكون من باب المدعى والمنكر، وفي الثاني من باب التداعي.

مسألة 4: إذا ادعى زيد عينا في يد عمرو وأقام بينة وانتزعها منه بحكم الحالكم، ثم أقام عمرو بينة أنها كانت له حين الدعوى فهل ينقض الحكم وتعاد العين إليه أو لا؟ قولان،فعن الشيخ انه ينقض لان بينة تعارض بينة زيد وتقدم بناء منه على تقديم بينة الداخل، وفي الشرايع: لا ينقض.

ولعله لتقديم بينة الخارج، ويمكن أن يكون نظره إلى عدم جواز نقض حكم الحاكم كما اختاره صاحب الجواهر، لان بناءه على الداوم للاصل المؤيد بالحكمة وظاهر الادلة وبه علل كلام المحقق، وربما يعلل عدم النقض بانه لو سمعت بينته يلزم إمكان الحيلة بعدم اقامة البينة إلى ما بعد الحكم حتى يصير خارجا وتقديم بينته بناء على تقديم بينة الخارج، ولا يخفى ما فيه، وقد يعلل بان بينة عمرو بينة الداخل لانه


128

يدعى ان الانتزاع منه كان ظلما فكان العين بعد في يده فتقديم بينة زيد لانها بينة الخارج وفيه: منع كون الانتزاع منه ظلما بعد كونه بحكم الحاكم فيكون هو المدعي، وفي المسالك بنى المسألة على تقديم الداخل أو الخارج وان المدار في الدخول والخروج على حال الملك أو على حال التعارض، واختار النقض بناء منه على تقديم الخارج وان المدار على حال التعارض وكون عمرو خارجا حاله لان المفروض ان العين في يد زيد.

واختار صاحب المستند: وفاقا للشرايع عدم قبول البينة من المدعي عليه بعد الحكم، لكن لا لانه نقض الحكم لان النقض انما هو إذا كان ابطالا للحكم لا إذا كان من طرفدعوى اخرى، بل لان بينته إن شهدت بالملك السابق فقط فيرجع إلى تعارض الملك القديم واليد الحالية وهي مقدمة على الملك القديم، وإن ضمت إليه قولها: لا أعلم له مزيلا.

أو شهدت بالملكية الفعلية للاستصحاب فيرد بالعلم بالمزيل وهو حكم الحاكم ولو قالت: وهو إلى الآن ملكه.

فكذلك لان غايته انها إمارة كحكم الحاكم لقطع الملكية فتبقى اليد الحالية بلا معارض.

وفيه: ان الدعوى الاخرى وإن لم تكن نقضا للحكم إلا أنها قد توجب إبطاله والكشف عن عدم تماميته، كما إذا ادعى بعد الحكم فسق الشهود وكما في حجة الغائب بعد الحكم عليه حيث على حجته، ففى المقام إذا اقام المدعى عليه بينة على ان العين كانت له تكون بينته معارضة لبينة المدعى فلابد من العمل على قاعدة المعارضة - مع ان تقدم اليد على الملكية السابقة في الشق الاول من كلامه انما يتم اذالم تكن اليد ناشئة من الحكم الذى لم يتم ميزانه، كما ان في الشق الآخر منه وهو ما إذا شهدت بينة بالملك السابق المستمر إلى الآن، لا معنى لمعارضة الحكم معها لان الملكية الثابتة بالحكم سابقة والشهادة لاحقة فاللازم تقديمها، وعلى فرض المعارضة لاوجه لبقاء اليد مع كونها مستندة إلى الحكم المبتلى بالمعارض.

والاقرب: بناء المسألة على تقديم بينة الخارج أو الداخل والمدار في الدخول والخروج على حال الملك لا حال المعارضة، وهي وإن كانت حادثة ومتأخرة عن بينة المدعي إلا انها متعلقة بالسابق وفي السابق كان المدعى خارجا لكون العين في يد المدعى عليه، هذا


129

كله إذا ادعى الملكية السابقة، واما إذا ادعى ملكا لاحقا وأقام البينة عليه فلا إشكال في إسترداد العين، بل وكذا إذا أطلق الدعوى وأقام البينة المطلقة واحتمل تجدد الملك له لصدق المدعى عليه وانه أقام بينة على دعويه.

مسألة 5: إذا ادعى دابة في يد غيره وشهدت بينة بانها في ملكه منذ سنة وحصل القطع بكون سنها أقل من ذلك سقطت بينته للعلم بكذبها، بخلاف ما إذا حصل الظن بذلك بحسب العادة فانها لا تسقط، فلا وجه لما عن الارشاد حيث قال: قطعا أو ظاهرا، وكذا ما في بعض نسخ الشرايع حيث قال: قطعا أو أكثريا، وفي الجواهر لا أظنه قولا لاحد، ثم في آخر كلامه، قال: انما الكلام في بطلان البينة مطلقا أوفي خصوص ما كذبت به، الظاهر الثاني، وإن لم أجد ذلك محررا في كلامهم، قلت: بل الظاهر الاول لان شهادتها على وجه خاص فلا وجه للعمل بالمقيد مع العلم بكذب قيده، نعم لو رجع إلى الشهادةبشيئين أصل الملك وكونه على وجه كذا أمكن التفكيك، كما إذا قالت: انها لزيد وهي في ملكه منذ سنة، وكما إذا قال: قتل زيد عمرا وكان القتل يوم الجمعة مثلا وعلم بعدمه يوم الجمعة فانه يمكن أن تسمع في أصل القتل، هذا ولو لم يعلم كون سنها أقل لكن شهدت بينة بذلك فهل هي كالقطع أو رجع إلى تعارض البينتين وجهان أو جههما الثاني.

مسألة 6: إذا كانت ذبيحة في يد كافر وادعاها مسلم وانتزعها منه بالبينة أو اليمين المردودة، فالظاهر انها محكومة بالتذكية خصوصا إذا لم نقل بكون يد الكافر امارة على عدم التذكية بل هو من باب أصالة عدمها، وكذا إذا كانت في يد مسلم وادعاها كافر وأخذها بالبينة أو اليمين المردودة لسبق يد المسلم، واما لو كانت في يد كافر وادعاها المسلم ولم يكن له بينة حلف الكافر وبقيت في يده فلا يحكم بتذكيته بمجرد ادعاء المسلم انها له وإن كان محتملا، نعم

لو اشتراها المسلم من الكافر

بعد الحكم بكونه له يحكم بكونها مذكى إذا احتمل إحرازه تذكيتها، ولو كانت الذبيحة بيدهما وادعى كل منهما كلها حكم بتذكتيها أيضا وإن صارت بعد المرافعة للكافر لترجيح يد المسلم على يد الكافر إذا جعلناها امارة على عدم التذكية، وإلا فالامر أوضح لان يد المسلم امارة ومقدمة على أصالة عدم التذكية، والظاهر انالحكم كذلك ولو كان بعضها المنفصل بيد المسلم والبعض الآخر بيد الكافر


130

وقد صرح صاحب الجواهر في بحث لباس المصلي: بتقديم يد المسلم في صورة الاشتراك في اليد.

لكنه هنا بعد بيان حكم الذبيحة التى بيد اثنين متخاصمين فيها، قال: مما يتفرع على ذلك انه لو كان المتخاصمان في بعض الذبيحة المنفصلين كافرا ومسلما حكم بكون ما يقضى به للكافر ميتة وما يقضى به للمسلم مذكى وإن كان كل واحد من الجزءين انتزعه من الآخر عملا بظاهر اليد المعتبرة شرعا، ولا يقدح في ذلم اليد السابقة، بل لعل الحكم كذلك في الجزءين المتصلين ضرورة اتحاد المدرك فيهما، كما تقدم الكلام في ذلك في قسم العبادات فلاحظ انتهى.

ويظهر ما فيه مما ذكرنا.

مسألة 7: إذا كانت دار في يد إثنين وادعى أحدهما الكل والآخر النصف مع عدم البينة لاحدهما، يحكم بالنصف لمدعي الكل لعدم النزاع فيه، ويصير النزاع في النصف الذى بيد مدعي النصف فان حلف قبله، وان نكل وقلنا بالحكم بالنكول أورد اليمين على مدعى الكل أورد الحاكم اليمين عليه فحلف فالكل له وإن لم يحلف فهو لمن في يده فيكون لكل منهما النصف، وإن أقام كل منهما بينة بني على تقديم بينة الداخل أو الخارج فعلى الاول تكون بينهما بالمناصفة، وعلى الثاني يكون الكل المدعى الكل، وعن إبن الجنيد" انهما يقتسمانها مع البينة وعدمها على طريق العول، فيجعل لمدعي الكل الثلثان ولمدعي النصف الثلث، وذلك لعدم خلوص النصف لمدعى الكل بغير منازع بل كل جزء يفرض يدعي أحدهما نصفه والآخر كله ونسبة احدى الدعويين إلى الآخر بالثلث فتقسم العين بينهما أثلاثا واحدا لمدعي النصف وإثنان لمدعى الكل، كضرب الديان في مال المفلس " ولعل نظره إلى ان الامارات الشرعية إذا تزاحمت يجب العمل عليها بقدر الامكان، فيد مدعى النصف امارة لكونه له وكذا يد مدعى الكل، فكان الاول يطلب النصف والثانى يطلب الكل فالمطلوب ثلاث انصاف، فهو مثل ما إذا كان الديان دينار وللآخر ديناران ولم يكن للمديون إلا دينار فانه يحكم بينهما أثلاثا إثنان لصاحب الاثنين وواحد لصاحب الواحد، فكذا في اليدين، ويحتمل أن يكون نظره إلى دعوى ظهور نصوص التنصيف بعد الاقراع وعدم اليمين الواردة في تعارض البينتين في ذلك، حيث ان كلا من المتنازعين يدعى الكل ويتعذر العمل بقول كل منهما فيكون النقصان مشتركا بينهما.

ولا يخلو ما


131

ذكره من وجه، لكنه خلاف المشهور وخلاف ما يظهر من مرسلة إبن المغيرة عن الصادق (ع): " في رجلين كان بينهما درهمان فقال: أحدهما الدرهمان لى.

وقال: الآخر هما بينىوبينك فقال أبو عبد الله (ع): اما الذى قال هما بينى وبينك فقد أقر بان أحد الدرهيمن ليس له فيه شئ وانه لصاحبه وأما الآخر فبينهما " ونحوها مرسلة إبن أبى حمزة عنه (ع) أيضا، وعن المختلف موافقة إبن الجيند فيما لو زاد المدعون على إثنين واستوعب دعاوي غير مدعي الجميع للعين أو زادت عليها، كما إذا كانت في يد ثلاثة وأدعى أحدهم الجميع والآخر الثلثين والثالث الثلث، أو ادعى أحدهم الجميع والآخر الثلثين والثالث النصف، فعلى ما ذكره تقسم في الفرض الاول اثنى عشر سهما ستة لمدعى الجميع وأربعة لمدعى الثلثين واثنان لمدعي الثلث، وفي الفرض الثاني ثلاثة عشر سهما ويعطى لمدعى النصف ثلثة، ثم في بعض الفروض لا يحصل الفرق بين ما ذكره المشهور وما ذكره إبن الجنيد في القسمة، كما إذا ادعى أحدهم النصف والآخر الثلث والثالث السدس وكان مدعى الكل خارجا إذ في يد كل منهم الثلث، فلصاحب الثلث ما بيده ولصاحب السدس السدس ولصاحب النصف الثلث الذى بيده ونصف الثلث الذى بيد صاحب السدس، وعلى المشهور أيضا إذا كان لكل منهم بينة كذلك، وكذا إذا حلف الكل أو نكلوا ونكل مدعى الكل أيضا بعد الرد عليه.

مسألة 8: إذا ادعى كل واحد من اثنين عينا في يد ثالث انه اشتراها منه وأقبضه الثمن فهى له، فان كذبهما وحلف لهما سقطت دعواهما وإن حلف لاحدهما سقطت دعواه،وحينئذ فان رد اليمين على الآخر أو نكل ورد الحاكم اليمين عليه فنكل عن اليمين المردودة سقطت دعواه أيضا، وإن حلف أخذ العين وصار النزاع بينه وبين الاول فللاول احلافه، كما انه لو صدق أحدهما دفع العين إليه وللآخر إحلافه فان حلف سقطت دعواه وبقى النزاع بينه وبين الاول وإن نكل أورد اليمين عليه فحلف ضمن قيمة العين وبقى النزاع في نفس العين بين المدعيين، وإن صدق كلا منهما في النصف دفعه إليه لكل منهما إحلافه في النصف الآخر فان لهما برئ وإن نكل ضمن لهما القيمة، وإن حلف لاحدهما ونكل عن الآخر فلكل حكمه، وإن كان لاحدهما بينة أخذ العين وللآخر إحلافه فان حلف سقطت دعواه عنه وإن رد اليمين عليه وحلف اليمين المردودة ضمن ا لقيمة


132

له وليس له النزاع مع الاول بعد القيام البينة له، وإن أقام كل منهما بينته فان سبق تاريخ إحديها عمل عليها وبطل البيع بالنسبة إلى الآخر، لانه مباع ما لا يملك وإن تقارنتا أو كانتا مطلقتين أو كانت إحداهما مطلقة فيرجع إلى ترجيح إحدى البينتين بالاعدلية والاكثرية، فان كان ترجيح وإلا فالقرعة والحلف على من خرجت باسمه فان حلف وإلا حلف الآخر وإن نكلا قسمت العين بينهما نصفين ورجعا إليه بالقيمة بينهما، ولا يقبل قولهلاحدهما بعد البينتين، ثم بعد التنصيف لكل منهما خيار الفسخ لتبعض الصفقة، فان فسخا رجع كل منها إلى ثمنه الذى دفعه إليه، وإن فسخ أحدهما رجع دون الآخر المجيز وله أخذ الجميع حينئذ لرفع المانع، ويحتمل عدم جواز الفسخ لهما لان التبعض جاء من تقصيرهما بترك الحلف، لكنه بعيد هذا، ولو تلفت العين المدعاة في يد المدعي عليه قبل القبض فنزاعهما يرجع إلى طلب إعادة الثمن وكل منهما يدعى عليه ذلك لانفساخ البيع بالتلف قبل القبض.

مسألة 9:

عكس المسألة السابقة

وهي إذا كانت عين في يد واحد وادعى كل من اثنين أنه باعها منه ولم يقبض الثمن، فاما أن يكون الثمن المدعى به في الذمة أو في الخارج، وعلى الاول اما متحدان جنسا ووصفا أو مختلفان، وعلى الثاني اما متعدد أو متحد بأن يكون عينا معينة، وعلى أي حال إن كذبهما فعليه الحلف لكل منهما، وإن صدق أحدهما الزم بالدفع إليه وللآخر الحلف عليه، وان صدقهما الزم بالثمن لاحتمال صدقهما بأن اشترى من أحدهما ثم باعها من الآخر ثم اشتراه منه، وهذا بخلاف المسألة السابقة فانه لا يمكن فيها تصديقهما إلا بالتنصيف لعدم صحة بيع شئ واحد من شخصين بحيث يملك كل منهما جميعه، نعم إذا كان الثمن المدعى به شيئا واحدا معينا كان كالمسألةالسابقة لعدم صحة الشراء من اثنين بثمن واحد معين بحيث يكون جميعه لكل منهما، وإن اقام أحدهما بينة الزم بالدفع إليه وللآخر عليه الحلف لمكان الاحتمال المذكور وهذا أيضا بخلاف المسألة السابقة فان مع البينة لاحدهما لا يبقى للآخر دعوى وفي المقام أيضا الامر كذلك، إذا كان الثمن كذلك في الدعويين عينا معينة، وإن أقام كل منهما بينة الزم بالثمنين للاحتمال المذكور وإن كان تاريخ احديهما أسبق، إلا إذا كان الثمن عينا


133

معينة فيكون حينئذ كالمسألة المتقدمة في بطلان ما يكون تاريخه متأخرا، واما مع إتحاد تاريخهما فيعمل بأرجح البينتين عدالة وعددا، ومع التساوى فهى لمن خرجت القرعة باسمه مع حلفه، واما مع عدمه فللآخر أن يحلف ويأخذ، ومع نكولهما معا تقسم بينهما مع الاتحاد في العين أو في الجنس أو في الوصف، ومع التعدد والاختلاف فلكل منهما نصف ما ادعاه من الثمن لان الدعوى في الحقيقة على المثمن وتنصيفه يقتضى تنصيف الثمن، وهنا احتمالات اخر ستأتي في مسألة تعارض البينات.

مسألة 10: إذا ادعى زيد على عمرو انه باعه عينا معينة وقبض الثمن، وادعى بكر على خالد انه باعه تلك العين وقبض الثمن، فاما أن تكون العين بيد البايعين أو بيد أحدهماأو بيد ثالث يعترف بانها لاحدهما أو يعترف بانها لهما، واما بيد أحد المدعيين أو بيدهما أو بيد ثالث يعترف بأنها لهما أو يعترف بأنها لاحدهما، والدعوى إما بين كل من المدعيين مع بايعه، واما بين المدعيين أحدهما مع الآخر، فان كانت العين بيد البايعين أو من يعترف بانها لهما لم تكن بينة، فان كذباهما سقطت الدعوى مع حلفهما أوردهما ونكول المدعيين عن الحلف وإن حلفا اليمين المردودة فثبت عليهما وتبقى الدعوى بين المدعيين فمع حلفهما أو نكولهما تقسم بينهما ومع حلف أحدهما دون الآخر يحكم بها للحالف، وإن صدقهما فيثبت لكل منهما النصف ويرجع كل منهما بالنصف الآخر على بايعه، وإن صدق أحدهما مدعيه دون الآخر ثبت النصف له وفي النصف الآخر يرجع بالثمن على بايعه كما ان الآخر يرجع بالدعوى عليه بتمام الثمن، وإن كانت العين بيد أحد البايعين أو من يصدقه وصدق من اشترى منه يثبت مدعاه بالنسبة إليه وتبقى الدعوى بين المدعيين كما انها تبقى بين الآخر وبين بايعه، وإن كان لاحد المدعيين بينة ثبت قوله وللآخر المرافعة مع بابعه في دعوى الثمن، وإن كان لكل منهما بينة فمع الترجيح يؤخذ بالارجح ومع عدمه يقرع ويحلف من خرجت باسمه ويأخذ وإلا فيلحف الآخر ويأخذ ومع نكولهما تقسم بينهما ولهما الرجوع على بايعهما بنصف الثمن كما لغير الحالف الرجوع على بايعهبتمامه، ثم مع التنصيف لكل منهما فسخ البيع والرجوع بثمنه، فان فسخا رجعا، وإن فسخ أحدهما رجع وليس لغير الفاسخ الاخذ بتمام المبيع كما كان له في المسألة السابقة،


134

والفرق ان في فسخ الفاسخ هنا يرجع نصف العين إلى بايعه لا إلى البايع المجيز بخلاف السابق، وإن كانت العين بيد أحد المدعيين أو بيد من يعترف له فمع عدم البينة يقدم قوله وللآخر إحلافه فان حلف سقطت دعواه ورجع بالدعوى على بايعه في إسترداد الثمن، وكذا إن رد اليمين عليه ونكل، وإن حلف فتكون العين له وللاول الدعوى على بايعه في إسترداد الثمن، وإن كان لاحدهما بينة قدم قوله وللآخر الدعوى على بايعه، وإن كان لكل منها بينة يرجع إلى تقديم بينه الداخل أو الخارج وللمحكوم عليه منهما الرجوع على بايعه في إسترداد الثمن، وإن كانت العين بيدهما فمع عدم البينة تقسم بينهما ولكل منهما الرجوع بالدعوى على بايعه بنصف الثمن، ومع البينة لاحدهما يقدم قوله، ومع كونها لهما تقسم بينهما ولكل منهما الرجوع على بايعه بنصف الثمن.

مسألة 11: إذا ادعى عبد على مولاه انه اعتقه وادعى آخر انه باعه منه، فاما أن يكون بيد مولاه أو بيد المشترى أو بيد ثالث يصدق أحدهما أو لا يد عليه، ثم اما أنيكون هناك بينة أو لا؟ فمع عدم البينة وكونه في يد مولاه، إن كذبهما فلكل منهما عليه الحلف، فان حلف لهما سقطت دعواهما، وإن حلف لاحدهما ورد اليمين على الآخر عمل بمقتضاه وإن رد عليهما فحلفا حكم عليه بكون نصفه حرا ونصفه الآخر للمشترى وله عليه رد نصف الثمن إن ادعى دفعه إليه، وفي جريان الحكم السراية هنا اشكال، وإن نكلا عن اليمين المردودة سقطت أيضا دعواهما، وإن صدق أحدهما حكم له وللآخر إحلافه، وقد يقال: إذا صدق العبد ليس للمشترى إحلافه بل يحكم ببطلان البيع إذا كان قبل القبض لان الاقرار بالعتق اتلاف، ويمكن أن يمنع كونه إتلافا بل هو من الحيلولة بينه وبين ماله، لكن الاوجه الاول، وقد يقال: انه إذا صدق المشترى ليس للعبد إحلافه لانه لو أقر بعد ذلك بالعتق لم يقبل لانه اقرار في حق الغير فلا يسمع ولا يوجب الغرم للعبد أيضا فلا ينفع الاحلاف.

" وفيه " انه يثمر فيما إذا صار له بعد ذلك بالشراء أو الارث أو نحوهما فانه ينعتق عليه لاقراره - مع انه قد يقال: بوجوب شرائه واعتاقه إذا أقر بعتقه بعد الاقرار بالبيع فنمنع عدم الثمرة في احلافه وإن صدق كلا منهما فيحكم بكون نصفه حرا ونصفه للمشترى ومع يساره ينعتق كله للسراية لاعترافه بعتق نصفه إختيارا.


135

وإن كان: في يد المشترى يحكم بكونه له ولكل من المولى والعبد احلافه.

وإن كان بيد ثالث فذو اليد من اعترف له به ويظهر حكمه مما مر.

وإن لم يكن: في يد أحد فحكمه حكم مالو كان بيد المولى بمقتضى استصحاب بقاء ملكه ء واما إذا كانت هناك بينة.

فان كانت لاحدهما فيعمل على طبقتها، وإن كانت لكل منهم فمع سبق تاريخ احداهما يعمل بها لبطلان المتأخر ومع تقارنهما أو اطلاقهما أو اطلاق احداهما، فان كان العبد في يد المشترى يبنى على تقديم بينة الخارج أو الداخل، ومع كونه في يد المالك أو غيره أو عدم يد عليه يعمل بالارجح منهما، ومع التساوى فالقرعة مع حلف من خرجت باسمه، ومع عدم حلفه يحلف الآخر ومع نكولهما فالحكم هو التنصيف ويكون للمشترى خيار الفسخ للتبعض، ومع فسخه يرجع على المالك بالثمن ويكون العبد بتمامه حرا للعمل ببينته بعد رفع المزاحم، ومع عدم الفسخ يرجع بنصف الثمن وهل يسرى إلى النصف الآخر مع يسار المولى الاقوى هو السراية، وقد يقال: بعدمها لكون العتق قهريا - مع ان الواقع اما عتق الكل أو البيع أو عدم كل منهما وعلى الجميع لا معنى للسراية، وفيه، على تقدير اختصاص السراية بالعتق الاختياري ان بناء الاحكام على مقتضى ظاهر الادلة وهو هنا عتق النصف بالبينة ولو بعد اعمال قاعدة التعارض.

مسألة 12: إذا كان شئ بيد واحد وادعاه اثنان واعترف به لاحدهما ثم أقام الآخر بينة انه له أخذه ولا يضمن المقر لمن أقر له، إلا أن يكون يده عليه يد ضمان وأخذه ذو البينة قبل الدفع إليه، وإن قام البينة بعد الدفع إلى المقر له ولم يتمكن من الاخذ منه ضمن له لانه باقراره له حال بينه وبين مالكه.

مسألة 13: إذا ادعى على انسان من ذكر أو انثى رقيته له، فاما أن يكون كبيرا عاقلا أو صغيرا أو مجنونا، ثم اما أن يكون تحت المدعى وتصرفه أو اشتراء من ذى يد كذلك أولا يكون كذلك، اما إذا كان كبيرا ولم يكن تحت تصرفه ولا اشتراء ممن له يد عليه، فان انكر ولم يكن للمدعى بينة فعليه الحلف لاصالة الحرية الثابتة بالاعتبار والاخبار، كصحيح عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (ع) " يقول كان علي بن أبى طالب (ع) يقول: الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالعبودية وهو مدرك من


136

عبد أو أمة، ومن شهد عليه الرق صغيرا كان أو كبيرا ".

وخبر: حمران بن أعين سألت أبا جعفر (ع): " عن جارية لم تدرك بنت سبع سنين مع رجل وامرأة ادعى الرجل انها مملوكة له وادعت المرأة انها ابنتها فقال (ع): قد قضىعلي (ع) قلت: وما ذلك في هذا.

قال: كان يقول: الناس كلهم احرار الا من أقر على نفسه بالرق وهو مدرك، ومن أقام بينة على من ادعى من عبد أو أمة فانه يدفع إليه ويكون رقا.

قلت: فما ترى أنت.

قال: أرى أن يسئل الذى ادعي انها مملوكة له بينة على ما ادعى فان أحضر شهودا يشهدون انها مملوكة لا يعلمون انه باع ولا وهب دفعت الجارية إليه حتى تقيم المرأة من يشهد لها ان الجارية ابنتها حرة مثلها فلتدفع إليها وتخرج من يد الرجل.

قلت: فان لم يقم الرجل شهودا انها مملوكة له.

قال: تخرج من يده فان أقامت المرأة البينة على انها إبنتها دفعت إليها، وإن لم يقم الرجل البينة على ما ادعى ولم تقم المرأة البينة على ما ادعت خلي سبيل الجارية تذهب حيث شاءت ".

وإن: أقر برقيته حكم عليه بها لعموم اقرار العقلاء وللخبرين، ودعوى انه يشترط في المقر الحرية فمع الجهل بها لا يقبل اقراره لا وجه لها لمنع اشتراطها في الاقرار، وانما المعلوم ان اقرار المملوك المعلوم رقيته لا يقبل على مولاه، كيف وإلا فلا إشكال في صحة إقرار المملوك على نفسه بمال أو جناية وإن كان معلوم الرقية وانه يتبع به بعد العتق، ولا فرق فيما ذكرنا بين اللقيط وغيره، وخلاف إبن إدريس في اللقيط وانه لا يقبل إقراره بعد البلوغ لسبق الحكم بحريته شرعا لقوله (ع) " ان اللقيط لا تباع ولا تشترى " وفي آخر" اللقيط حرة " وقوله (ع) في خبر آخر " المنبوذ حر " ونحوه غيره، ضعيف الظهور الاخبار انهما محكومان في الظاهر بالحرية ما لم ينكشف الخلاف، ومن باب أصالة الحرية إذا كانا في دار السلام، ثم إن اقراره انما ينفذ في حق نفسه لا في حق غيره كاقرار المرأة بالنسبة إلى زوجها إذا أرادت إبطال الزوجية، واقرار من عقد عقدا لازما أو عمل تبرعا ويريد اثبات الضمان أو دفع وجوب النفقة، واما بالنسبة إلى الحد إذا أتى بموجبه فيما فيه الفرق بين المملوك والحر، فيمكن أن يقال: لا يسمع للشبهة الدارئة، وإن كان مقتضى القاعدة سماعه لانه على نفسه، وفي اعتبار الرشد في صحة إقراره وجهان بل قولان، من انه ليس إقرار


137

بالمال والحجر مخصوص بالتصرف المالي، ومن ان نفسه مال، ويمكن الفرق بين ما إذا كان في يده مال وبين غيره ومقتضى إطلاق الاخبار عدم الاشتراط، ولا فرق بين كون المقر له مسلما أو كافرا، وإن كان هو مسلما، غاية الامر انه لو كان مسلما يجبر الكافر على بيعه من المسلم، ولو رجع عن اقراره بالرقية لا يقبل منه إلا إذا ادعى تأويلا ممكنا في حقه كما إذا ادعى انه تخيل أن من كان أحد أبويه رقارق أو نحو ذلك على إشكال.

واما: إذا كان للمدعى بينة فيحكم برقيته له لعموم حجيتها وخصوص الخبرين، ولوكان له أيضا بينة على حريته فيمكن أن يبنى على تقديم بينة الخارج أو الداخل حيث انه ذو يد على نفسه فتكون بينته بينة الداخل، وما يظهر من بعضهم من عدم العلم بكونه ذا يد لانه لو كان عبدا فلا يد له، مدفوعة، بان ذلك إذا علم كونه عبدا وإلا فكل إنسان له يد على نفسه، ويمكن أن يقال: بتقديم بينته مطلقا تغليبا لجانب الحرية، ولما يظهر من خبر حمران المتقدم حيث دل على انه لو كان للرجل بينة تدفع الجارية إليه حتى تقيم المرأة البينة على انها ابنتها فلتدفع إليها وتخرج من يد الرجل هذا، وإما إذا كان تحت يده يتصرف فيه تصرف الملاك ثم ادعى انه حر أو اشتراه من ذى يد كذلك فالظاهر عدم سماع دعواه إلا بالبينة تقديما لليد على أصالة الحرية.

ويمكن: أن يستدل عليه في خبر مسعدة بن صدقة: " أو مملوك ولعله حر قد باع نفسه أو قهر فبيع أو خدع " إلى آخره، وكذا لو كان يباع في السوق فانه لا تقبل دعواه إلا بالبينة، ويمكن أن يستدل عليه مضافا إلى حمل فعل المسلم على الصحة بخبر حمزة بن حمران " قلت لابي عبد الله (ع): ادخل السوق فاريد أن اشترى الجارية فتقول انى حرة، فقال: اشترها إلا أن تكن لها بينة " وأما إذا كان صغيرا أو لم يكن في يده فلا تسمع دعواه إلا بالبينة لاصالة الحرية، وكذا المجنون والكبير الساكت، وإن كان تحت يده بلامعارض فالمشهور الحكم برقيته لليد والدعوى بلا معارض، نعم لو بلغ له المعارضة واحلافه وقد يقال: بعدم سماع دعواه بعد البلوغ أيضا لسبق الحكم برقيته، وفيه ما لا يخفى، والظاهر ان الحكم كذلك في المجنون، لكن الحكم بالرقية مع عدم سبق التصرف وعدم الاشتراء من السوق مشكل، واما مع وجود المعارض فلا يحكم برقيته بمجرد اليد كما يظهر من


138

خبر حمران المتقدم، هذا ولو ادعى رقيته اثنان فان كذبهما حلف لكل منهما وإن صدق أحدهما حكم له به، وكذا إن أقام أحدهما بينة وإن صدقهما حكم بالتنصيف بينهما، وكذا إن أقاما بينة مع عدم المرجح لاحدى البينتين بعد القرعة ونكولهما ا عن الحلف وإن حلف من خرج اسمه فهو له وإن نكل عن الحلف وحلف الآخر فهو له، وقد يقال: بعدم العبرة بتصديقه لاحدهما لعدم كونه ذا يد على نفسه، وفيه ما عرفت.

مسألة 14: قالو: إذا ادعى مالا لا يد لاحد عليه من غير معارض ليس لاحد منعه من التصرف فيه ويحكم بانه له من غير حاجة إلى البينة ولا الحلف ويصح تصرفاته، وإن ادعاه مدع آخر بعد ذلك يحتاج إلى الاثبات لانه مدع والاول مدع عليه فيجرى بينهما حكم المدعي والمنكر، إلا إذا كان بحيث يقال: انهما ادعيا معا ودفعة بأن يكون الفصل بينالدعويين قليلا، واستدلو على أصل الحكم مضافا إلى الاصل أي أصالة عدم جواز منعه من التصرف، وحمل أفعال المسلمين على الصحة والاجماع بموثقة منصور بن حازم: " عشرة كانوا جلوسا ووسطهم كيس فيه ألف درهم فسأل بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس فقالوا: كلهم لا.

فقال: واحد منهم هو لي.

قال: هو للذى ادعاه ".

وبصحيحة البزنطى " عن الرجل يصيد الطير الذى يساوى دارهم كثيرة وهو مستوى الجناحين وهو يعرف صاحبه أيحل امساكه.

قال: إذا عرف صاحبه رده عليه وإن لم يكن يعرفه وملك جناحه فهو له وإن جاء طالب لا يتهمه رده عليه " ولكن القدر المعلوم هو عدم جواز مزاحمته ومنعه ومعارضته، وأما الحكم بكونه له بمجرد دعواه خصوصا قبل إثبات اليد عليه فمشكل ولا يستفاد من الادلة المذكورة، أما الاولان فواضح، وأما الاجماع فالقدر المتيقن منه ذلك، وأما الموثقة فيمكن أن يقال: ان الحكم فيها من حيث حصول العلم بان الكيس لذلك الذى ادعاه فان الظاهر انه لم يكن خارجا عنهم ومع نفي غيره ينحصر فيه - مع ان في موردها كان الكيس في يد الجماعة، وإذا نفى الجميع كونه لهم تبقى يد ذلك الواحد ومقتضاها كونا له فيخرج عن موضوع مسئلتنا وهو صورة عدم اليد، واما الصحيحة فقد يقال: ان الامر فيها بالرد المقيد بعدم الاتهام وحقيقة ذلك عدم تجويز كذبه إذ معه يصدق الاتهام ومع عدم تجويز كذبه يعلمملكيته - مع أن في مثل موردها لا تجرى قاعدة الدعوى بلا معارضة لاختصاصها كما يأتي


139

بما لم يكن في يد شخص مكلف بالدفع إلى صاحبه وإلا فلا تجرى فيه كما في اللقطة ونحوها، بل لابد من البينة فلا وجه لاستدلال بها ولابد من حملها على صورة حصول العلم بانه للمدعي وكون المراد من عدمها الاتهام العلم بصدقة.

ثم: على القول بالحكم بملكيته له نمنع أن من جاء بعد ذلك وادعى أيضا ملكيته يكون مدعيا ويجرى عليهما أحكام المدعي والمنكر، فانه إذا قال: كان لي من حين حصول يدك عليه يكون معارضا له، ولا تكفي مثل هذه اليد التى حالها معلوم في الحكم بكونه منكرا وكون من ادعى بعده مدعيا بل هما متداعيان، فهو مثل ما إذا أخذ الوارث مال مورثه بدعوى الانحصار فيه ثم جاء آخر من بلد آخر وادعى كونه وارثا فان يد الاول لا توجب كون منكرا وكون الآخر مدعيا بل هما متداعيان في عرض واحد، وكما إذا أقام واحد بينة على ان المال الفلاني له وأخذه ثم جاء آخر وادعاه أيضا وأقام بينة فانهما في عرض واحد، ولا تدخل تحت قاعدة تعارض الداخل والخارج.

ثم: انه لا يكفى مجرد عدم وجود المعارض حال الدعوى، بل لابد من تحقق كونهبلا معارض، ويختلف هذا بحسب المقامات ففي مثل الكيس يكفى عدم وجوده حين الدعوى، وفي الدار والبستان والمزرعة والقناة ونحوها لا يصدق إلا بعد اطلاع جميع أهل ذلك البلد وذلك المكان، وهكذا في الحيوان الذى لايد لاحد عليه في البلد وفي البرية يكفي عدم المدعي هناك.

ثم: انه لا يجرى حكم الدعوى بلا معارض في المال الذى تحقق كونه مجهول الممالك بعد الفحص والبحث بعد اثبات الحاكم الشرعي يده عليه بل قبل إثبات يده فيحتاج الحكم بكونه للمدعى إلى البينة، وكذا لا يجرى فيما إذا كان قول المدعى مخالفا للاصل، فلو ادعى وكالة عن زيد في بيع داره مع عدم كونها في يده أو في طلاق زوجته أو في نكاح ابنته أو نحوها لا تسمع يدون البينة، لان الاصل عدم الوكالة، نعم لو كانت الدار بيده وأراد أن يبيعها بدعوى الوكالة يجوز شرأوها منه من غير حاجة إلى البينة لمكان يده عليها.

وأيضا: لا يجرى فيما لو كان المال بيد غيره المعترف بانه ليس له لكن كان مكلفا بايصاله إلى مالكه كالامانة التى لا يعلم مالكها والمجهول المالك الذى صار بيد شخص واللقطه ومال


140

الميت الذى لم يعلم وارثه ونحو ذلك، فلا يدفع إلى المدعى إلا بالبينة وإن لم يكن لهمعارض لان ذا اليد مكلف بايصاله إلى مالكه، وأولى من ذلك إذا كان المال في ذمته كما إذا علم انه مديون لواحد ولو يعرفه، نعم لو كان المال تحت يد شخص عرفا ولكن لم يكن مكلفا بالدفع إلى صاحبه يجرى عليه حكم الدعوى بلا معارض، كما إذا دخل داره دابة أو دجاجة أو أطار الهواء شيئا في داره وجاءه من يدعي انه له فانه يجوز له أن يخلى بينه وبين ذلك المال فانه يعد انه في يده من حيث كونه في داره، لكنه ما لم يثبت يده عليه لا يكون مكلفا بايصاله إلى مالكه فهو داخل في القاعدة على فرض ثبوتها ويحكم بكونه للمدعى إذا لم يعارضه أحد.

فروع: " أحدها " لو ادعى اثنان على وجه الشركة مالا لا يد لاحد عليه فالظاهر جريان حكم المدعي بلا معارض عليهما بناء على ثبوته، واما لو ادعى كل منهما جميعه ففي جريان بمعنى نفي الثالث والحكم بانه لاحدهما وعدمه وجهان من وجود المناط ومن خروجه عن النص وعدم معلومية شمول الاجماع، ويظهر الثمر بين الوجهين فيها لو ظهر مدع آخر بعد ذلك فانه يكون في عرضهما على الثاني، ويجرى بينهما وبينه قاعدة المدعي والمنكر على الاول.

الثاني: إذا كان وقف لم يعلم مصرفه أو لم يعلم المتولي له ولم يكن في يد أحد،كدار خربة أو كتاب أو قرآن أو نحو ذلك، فادعى شخص كونه وقف على على الفقراء مثلا وانه منهم أو انه المتولي عليه ولم يكن له معارض فهل يحكم له أولا؟ وجهان، من خروجه عن مورد النص والاجماع، ومن عدم الفرق بينه وبين موردها.

الثالث: لو صاد شخص حيوانا وحشيا كغزال أو طائر أو سمكة فادعى آخر انه كان له وانه صاده ثم انفلت من يده ولم يكن له معارض فهل يحكم له أو لا؟ وجهان، من اختصاص القاعدة في ظاهر كلماتهم بما يكون مملوكية معلومة وفي الفرض يحتمل كونه من المباحاة، ومن شمول صحيحة البزنطى له حيث قال: " وان جاء طالب لا يتهمه رده عليه " بناء على عدم حمله على صورة العلم بكونه له.

الرابع: إذا نفاه أولا وقال: انه ليس لي ثم ادعى ثانيا انه له، فهل تسمع دعواه


141

أم لا؟ يحتمل السماع وفاقا لصاحب الجواهر لاصالة صحة قوليه معا لاحتمال التذكر وغيره، بل قد يدعى ظهور خبر الكيس فيه حيث قال: فقالوا كلهم لا.

فقال: واحد منهم هو لي ".

لكن فيه ان قوله كلهم أي كل البعض من السائل والمسئول عنه لا كل العشرة، نعم قوله " فقال: واحد منهم " أي واحد من العشرة فلا ظهور فيه.

مسألة 15: إذا

تنازع الزوجان في متاع البيت

مع بقاء الزوجية أو بعد زوالها أو تنازع وارثاهما أو وراث أحدهما مع الآخر سواء كان البيت لهما أو لاحدهما أو للغير، ولو كان في يدهما بعنوان الغصب، فان كانت هناك بينة فلا إشكال وإلا ففي المسألة اقوال.

أحدها: ان ما يصلح للرجال للرجل، وما يصلح للنساء للمرأة وما يصلح لهما يقسم بينهما بعد التحالف أو النكول، وهو المحكي عن النهاية والخلاف والاسكافي والحلي واسنده في المسالك إلى الاكثر وعن نكت النهاية إلى المشهور بل عن السرائر والخلاف الاجماع عليه وعن المبسوط اسناده إلى روايات الاصحاب، ويدل عليه صحيحة رفاعة " إذا طلق الرجل إمرأته وفي بيتها متاع فلها ما يكون للنساء وما يكون للرجل والنساء قسم بينهما، قال: وإذا طلق الرجل المرأة فادعت ان المتاع لها وادعى الرجل ان المتاع له كان له للرجال ولها ما للنساء " وموثقة يونس " في المرأة تموت قبل الرجل أو رجل قبل المرأة، قال: ما كان من متاع النساء فهو للمرأة وما كان متاع الرجال والنساء فهو بينهما ومن استولى على شي ء منه فهو له " وموثقة سماعة " عن رجل يموت ماله من متاع البيت، قال: السيف والسلاح وثياب جلده " ولا يضر عدم اشتمال كل منها على التفصيل المذكور بعد دلالة المجموع عليه.

الثاني: ان الجميع للمرأة إلا ما أقام الرجل عليه البينة، وهو المحكى عن الاستبصار والكافي للكليني وعن التهذيب وشرح المفاتيح، واستدل عليه بصحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج البجلى " قال: سئلني أبو عبد الله (ع) كيف قضاء إبن أبى ليلى.

قلت: قضى في مسألة واحدة بأربعة وجوه، وفي التى يتوفى عنها زوجها فيجئ أهله وأهلها في متاع البيت فقضى فيه، بقول ابراهيم النخعي: ما كان من متاع الرجل فللرجل وما كان من متاع النساء


142

فللمرأة وما كان من متاع يكون للرجل والمرأة قسمة بينهما نصفين، ثم ترك هذا القول فقال: المرأة بمنزلة الضيف في منزل الرجل، لو ان رجلا اضاف رجلا فأدعي متاع بيته كلف البينة كذلك المرأة تكلف البينة وإلا فالمتاع للرجل، ورجع إلى قول آخر، فقال: القضاء ان المتاع للمرأة إلا أن يقيم الرجل البينة على ما احدث في بيته، ثم ترك هذا القول ورجع إلى قول إبراهيم الاول، فقال: أبو عبد الله (ع) القضاء الاخير وإن كان قد رجع عنه المتاع متاع المرأة إلا أن يقيم الرجل البينة قد علم من بين لابتيها - يعنى بين جبلى منى - لانه قال: ونحن يومئذ بمنى ان المرأة تزف إلى بيت زوجها بمتاع " وصحيحة اخرى له عنه (ع) " هل قضى إبن أبى ليلى بقضاء ثم رجع عنه.

فقلت: بلغني انه قضى في متاع الرجل والمرأة إذامات أحدهما فادعى الحى ورثة الميت أو طلقها الرجل فادعاه الرجل وادعته المرأة، بأربع قضيات فعدها إلى أن قال: في الرابعة ثم قضى بعد ذلك بقضاء لو لا انى شاهدته لم أروه عليه ماتت إمرأة منا ولها زوج وتركت متاعا فرفعته إليه فقال: اكتبوا لى المتاع فلما قرئ قال: للزوج هذا يكون للرجل والمرأة فقد جعلناه للمرأة إلا الميزان فانه من متاع الرجل فهو لك، إلى أن قال: فقلت ما تقول أنت فيه، فقال: القول الذى اخبرتني انك شهدته وإن كان قد رجع عنه.

فقلت: يكون المتاع للمرأة فقال: أريت ان اقامت بينة إلى كم كانت تحتاج.

فقلت: شاهدين فقال: لو سألت من بينهما - يعنى الجبلين - ونحن يومئذ بمكه لا خبروك ان الجهاز والمتاع يهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت زوجها فهى التى جاءت وهذا المدعى فان زعم انه أحدث فيه شيئا فليأت عليه بالبينة " وقريبة منها صحيحة الثالثة وفيها أيضا إستثناء الميزان في القضاء الرابع، لكن مقتضى الجمع بين الاولى والاخيرتين التخصيص بما عدى مختصات الرجل كما هو ظاهر الاخيرتين، لان الامام (ع) قال: القضاء الاخير وإن كان قد رجع عنه.

إلى آخره.

" وفيه " قد استثنى الميزان الذى هو من مختصات الرجل ومن المعلوم عدم الفرق بينه وبين غيره من المختصات به فلا وجه للتمسك بها القول المزبور -مع انه على ما قيل وجود القائل به غير معلوم، فان نسبته إلى الكليني ليست إلا لمجرد نقل هذه الاخبار فيكون كالصدوق قائلا بالقول الآتى، وما ذكره الشيخ في الاستبصار ليس


143

صريحا ولا ظاهرا في الاختيار وانما غرضه إمكان الجمع بين الاخبار، نعم عن شرح المفاتيح انه رجحه.

الثالث: ان ما يصلح للرجل له وما يصلح لهما أو للنساء لها نسب إلى الصدوق في الفقيه ومستنده الصحاح المذكور للبجلي بالتقريب المذكور.

الرابع: الرجوع في ذلك إلى العرف والعادة في الاختصاص بأحدهما فان وجد عمل به وإن فقد أو اضطرب كان بينهما نصفين، حكي عن المختلف وتبعه الشهيدان وجماعة من المتأخرين، لان عادة الشرع في باب الدعاوى بعد الاعتبار والنظر راجعة إلى ذلك، ولهذا حكم بقول المنكر مع اليمين بناء على الاصل وكون المتشبث أولى من الخارج لقضاء العادة بملكيه ما في يد الانسان غالبا، فحكم بايجاب البينة على من يدعى خلاف الظاهر والرجوع إلى من يدعى الظاهر، واما مع انتفاء العرف فلتصادم الدعويين مع عدم الترجيح لاحدهما فتساويا فيها، قيل ويؤيده إستشهاد الامام (ع) بالعرف حيث قال: قد علم من بينلابتيها.

وقال: لو سألت من بينهما.

إلى آخره.

الخامس: انهما فيه سواء مطلقا من غير فرق بين المختصات والمشتركات فان حلفا أو نكلا قسم بينهما وإن حلف أحدهما ونكل الآخر فهو للحالف كما في سائر الدعاوى، حكي عن القواعد والارشاد والايضاح والتنقيح، وحكى عن المبسوط أيضا إلا أن كلامه ليس صريحا في الفتوى به، والاقوى هو القول الاول للاخبار المذكورة المعتضدة بالشهرة والاجماع المنقول، ولا معارض لها إلا صحاح البجلي وهي بقرينة التعليل المذكور فيها مختصة بما إذا كانت العادة نقل الجهاز واثاث البيت من بيت الزوجة ولعل الحال كان كذلك في الزمان السابق، لا إذا كان بالعكس بأن يكون المتعارف كون الجميع من مال الزوج أو كان بعضه منه كما هو الغالب في هذه الازمان وهذه البلدان، بل يمكن أن يقال: ان الحكم فيها مختص بالمتاع الذى علم كونها أتت به من بيتها وكان الشك في انه هل حدث فيه شئ أو لا؟ لاستصحاب بقائه على حاله، لا كل ما كان في البيت ولم يعلم حاله حتى مع العادة المذكورة، ويكون المراد الرد على القول بان الزوجية بمنزلة الضيف في بيت الرجل كما هو احد أقوال إبن أبى ليلى، هذا مضافا إلى ندرة العامل بها على أحد الوجهين من


144

كون الجميع للمرأة أو كون ما عدا المختصات بالرجال لها، وكيف كان فلا مانع من العمل بأخبار المشهور - مع انه يمكن أن يقال: ان الحكم فيها على القاعدة بدعوى ان المراد من قوله (ع) " له ما للرجال ولها ما للنساء " ليس مجرد ما يصلح له أو لها بل كان مع ذلك مما يستعمله ويتمتع به أو تستعمله وتتمتع به، فيكون له أو لها يد زايدة على اليد البيتية المشتركة فان هذه اليد مقدمة على اليد المشتركة، كما أنه لو كان لاحدهما مضافا إلى اليد المشتركة يد مختصة به بأن يكون المتاع الذى في البيت الذى بيديهما في قبة مختصة به أو بها أو خزانة مختصة أو صندوق مختص فانها مقدمة على اليد المشتركة وعلى اليد الانتفاعية والاستعمالية، والحاصل انه إما لا يكون لهما إلا اليد البيتية المشتركة أو يكون لاحدهما يد زايدة عليها وهي اليد الاستعمالية، أو يكون لاحدهما يد مختصة وهي اليد الفعلية المشاهدة مضافا إلى اليد المشتركة فهذه مقدمة على السابقتين، كان ان الثانية مقدمة على الاولى، ومن هنا يمكن أن يدعى جواز التعدي عن مورد الاخبار إلى مثل الاخ والاخت والام والابن إذا كانا في بيت واحد وتنازعا في الامتعة التى فيه، بل جواز التعدي إلى مثل النجار والعطار إذا كانا في بيت واحد وتنازعا فيما فيه من الامتعة، كما انه يمكن أن يقال: بالفرق بين ما إذا كان البيت للزوجة ويأتيها الزوجكالضيف ثم يرجع إلى داره أو بالعكس، ثم الظاهر عدم الفرق بين الزوجة الدائمة والمتعة وإذا كانت في بيته كالدائمة، ثم إذا لم يكن تنازع وشك في أن المتاع لايهما فالظاهر ان الحكم كما ذكر من غير حاجة إلى الحلف كما يظهر من صدر خبر رفاعة، هذا كله إذا لم يكن لاحدهما بالنسبة إلى بعض المتعاع ملكية سابقة وإلا فمقتضى الاستصحاب بقائه على ما كان وهو مقدم على اليد المشتركة للآخر لانه يبين كيفية اليد، ثم ان الاخبار ساكتة عن ذكر الحلف والتحالف ولعله من جهة كونها بصدد بيان من يقدم قوله منهما لا لبيان الحكم من جميع الجهات.

مسألة 16: إذا ادعى الاب انه اعار بنته الحية أو الميتة بعض ما عندها وانه باق على ملكه لا تسمع منه إلا بالبينة ومع عدمها ليس له إلا احلافها أو احلاف وارثها إن ادعى عليه العلم بذلك، وكذا الحال إذا كان المدعى للاعارة امها أو أبو زوجها أو امه أو بعض


145

أرحامها أو غيرهم، لكن يظهر من رواية جعفر بن عيسى - الفرق بين الاب وغيره في صورة موت البنت - " قال: كتبت إلى أبى الحسن (ع) جعلت فداك المرأة تموت فيدعى أبوها انه أعارها بعض ما كان عندها من متاع وخدم أتقبل دعواه بلا بينة أم لا تقبل دعواه بلا بينة.

فكتب (ع): يجوزبلا بينة.

قال: وكتبت إليه جعلت فداك إن ادعى زوج المرأة الميتة أو اب الزوج أو أو زوجها في متاعها وخدمها مثل الذى ادعى أبوها من عارية بعض المتاع أو الخدم أيكونون بمنزلة الاب في الدعوى.

فكتب (ع): لا.

" وحيث انها مخالفة للقواعد العامة المحكمة أعرض عنها الاصحاب ولم يعلموا بها، إلا ما يحتمل أن يكون فتوى الصدوق حيث انه رواها في الفقيه وقد قال: في أوله انه لا يروى فيه إلا ما يعمل به - مع انه رجع عن هذا القول على ما عن بعض الافاضل، وذكروا لها محامل وتأويلات بعيدة والاولى طرحها لعدم مقاومتها بعد إعراض الاصحاب عنها للعمومات.

نعم لو كانت حية وادعت أن أباها ملكها تصير مدعية ويكون عليها الاثبات، بل لو كانت ميتة وادعى وارثها التمليك من أبيها يكون مدعيا والاب منكرا فالقول قول الاب على ما ذكره صاحب الجواهر قال: " ويمكن حمل الخبر المزبور عليه ولا ينافيه الفرق بين الاب وغيره لا مكان دعوى غلبة كون الدعوى بينه وبين البنت بخلاف غيره ولو فرض كون الدعوى على حسب ما عرفت كان القول قولهم أيضا كالاب " انتهى.

ويمكن أن يقال: إذا ادعى الوارث التمليك لمورثه وإن كان موجبا لسقوط يده لكن لا يوجب سقوط يد مورثه لا سقوطها إنما هو بكونه مدعيا ولم يكن منه دعوى فتبقى يده حجة للوارث، ولعله يأتي لهذا مزيد بيان.

الفصل الثالث عشر

في تعارض اليدين والبينتين

مسألة 1: إذا تعارضت اليد الحالية مع اليد أو الملكية السابقتين، ففي تقديم الاولى أو الثانية قولان؟ الاكثرون على الاول، واختار في الشرايع الثاني، وعن الارشاد أيضا الميل إليه، وعن التحرير احتمال التساوى، والاقوى الاول لظهور اليد في الملكية وكونها امارة عليها ولا يعارضها استصحاب حكم اليد أو الملكية السابقة لانه أصل واليد امارة، ولاوجه لما في المستند من كون اليد أيضا من الاصول " ودعوي " ان اعتبارها مشروط بعدم


146

كون الاستصحاب على خلافها ممنوعة، لعموم ادلتها - مع انها في غالب الموارد مخالفة للاصل، واما ما يمكن أن يقال: من انه إذا ثبتت الملكية السابقة للسابق فلابد لذى اليد الحالية من اثبات الانتقال إليه والاصل عدم " مدفوع " بان حال هذا ا لاصل أيضا حال الاستصحاب في عدم صلاحيته للمعارضة مع اليد، ودعوى انه يعد حينئذ مدعيا وصاحب اليد السابقة منكرا كما ترى.

واما: ما استدل به للقول الثاني: من انه إذا كانت اليد الحالية دليلا على الملكيةفالسابقة بالاولى لمشاركتهما في الدلالة على الملك الحالي وانفراد السابقة بالملك السابق.

" ففيه " ان دلالة السابقة على الملك الحالي انما هي بضميمة الاستصحاب بل هو الدليل وإذا سقط في قبال اليد فلا يبقى وجه للترجيح، هذا - مع ان المدعي يدعى الملكية الحالية وبينته تشهد بالملكية السابقة فلا تكون بينته مطابقة لدعواه إلا باعمال الاستصحاب المفروض سقوطه باليد، هذا ولصاحب المستند في المقام كلام لا بأس بنقله وبيان ما فيه فانه بعد اختياره القول الاول والخدشة في دليله بدعوى ان اليد كالاستصحاب من الاصول فيتعارضان ويتساقطان، قال، ما محصلة انهما وإن سقطا بالمعارضة ولم يبق لشئ منهما حكم إلا ان اليد المشاهدة الموجودة بالعيان باقية بلا معارض، والاصل عدم التسلط على انتزاع العين من يد ذيها وعدم جواز منعه من التصرفات حتى مثل البيع والاجارة، إذ غاية الامر عدم الدليل على ملكيته ولكن لا دليل على عدمها أيضا - مع ان هذه التصرفات ليست موقوفة على الملكية لجوازها بالاذن والتوكيل والولاية ونحوها فتبقى أصالة عدم التسلط وأصالة جواز تصرفاته، فان قيل الاصل بقاء تسلط المالك الاول على منع الغير عن التصرفات وبه يندفع أصالة عدم التسلط، قلنا ليس تسلط الاول كالملكية التى إذا حدثت يحكم عليها بالاستمرار إلى أن يثبت المزيل، بل يمكن أن يقال: انه مقيد بمادام في اليد والقدر المعلومهو هذا فبعد زوال قيده يزول ويتغير الموضوع، وأيضا يمكن التمسك بقوله صلى الله عليه وآله " البينة للمدعى واليمين على من انكر " بدعوى ان في العرف يعد الخارج مدعيا وصاحب اليد منكرا فوظيفة الاول اقامة البينة ووظيفة الثاني اليمين.

وفيه أولا: أنه في بيان المعارضة عبر بقوله ان اقتضاء اليد للملكية يعارض استصحاب


147

الملكية - مع ان المعارضة بين نفس اليد والاستصحاب لكن من حيث حكمهما لا بين حكم اليد ونفس الاستصحاب فلا وجه للتعبير المذكور.

وثانيا: أنه إذا سقط حكم اليد فتكون كالعدم وحال ذيها وغيره سواء، فلو اراد المدعي أن يتصرف فيها لا يجوز لذى اليد منعه لان الاصل عدم تسلطه على ذلك.

وثالثا: بعد عدم الحكم لليد وعدم كونها دليلا على الملكية كيف يجوز للغير أن يشترى منه أو يستأجر أو يقبل منه ونحو ذلك من التصرفات الموقوفة على الملك - مع انه ليس وكيلا ولا وليا ولا مأذونا من قبل المالك، لان المفروض انه يدعي الملكية لا الوكالة أو الولاية أو نحوهما، فلا ينفع جواز هذه التصرفات من هذه الاشخاص في جوازها له ولمن يشترى منه مثلا.

ورابعا: ما ذكره من ان تسلط المالك السابق على منع الغير مقيد ببقاء اليد، ممنوع، بل هو كالملكية في عدم التقيد باستمرار اليد.

وخامسا: لا نسلم صدق المنكر عليه بعد سقوط حكم يده.

نعم الامر كما يقول من ان العرف يعده منكرا، لكن هذا من جهة كون اليد عندهم امارة ومقدمة على الاستصحاب، فهذا دليل على عدم سقوطها بالمعارضة معه.

وكيف كان: فلا ينبغى الاشكال في ان الاقوى هو ما عن الاكثرين من تقديم اليد اللاحقه.

نعم لو أقام المدعي بينة على ان العين المدعى بها كانت له أو بيده سابقا وان ذا اليد أخذها منه غصبا أو عارية أو أمانة أو بعنوان الاجارة أو نحوها، قدم قوله لان مقتضى الاستصحاب بقاء اليد السابقة على حالها وهذا إستصحاب موضوعي مبين لحال اليد وكيفيتها فهو مقدم عليها، هذا كله إذا لم يكن صاحب اليد مقرا بان العين كانت للمدعى أو بيده سابقا بل شهدت البينة بذلك، واما لو أقر بهما فالمشهور إنقلابه مدعيا والمدعى منكرا لرجوعه حينئذ إلى دعوى الانتقال منه إليه، وكذا إذا شهدت البينة بانه أقر في السابق انه له، فعن الكفاية انه قال: " وفي كلامهم القطع بان صاحب اليد لو أقرأمس بأن الملك له أي للمدعي أو شهدت البينة باقراره أمس له أو أقر بان هذا له أمس قضىبه له، وفي إطلاق الحكم بذلك إشكال " انتهى، قلت: نعم في الحكم المذكور إشكال إذ نمنع


148

صيرورته بذلك مدعيا لانه لا يدعي الانتقال بل مدعى الملكية متشبثا باليد خصوصا إذا كان الاقرار سابقا أو شهدت البينة باقراره سابقا.

نعم لو ادعى الانتقال إليه بأن كان مصب الدعوى الشراء أو عدمه مثلا يكون مدعيا، واما إذا قال: هذا كان سابقا له والآن هو لى ولم يذكر انى اشتريته أو انتقل إلى بأن كان مصب الدعوى له أو ليس له فلا يكون مدعيا.

نعم يكون مدعيا للملكية وحجته على ذلك يده الفعلية.

مسألة 2: إذا تعارضت البينات في شئ فاما أن يكون بيد أحد الطرفين، أو بيدها، أو بيد ثالث، أو لا يد عليه، وللعلماء فيها خصوصا في الصورة الاولى أقوال مختلفة واراء متشتة، جملة منها غير منطبقة على أخبار المقام، ولا على القواعد العامة، بل قد يختلف فتوى واحد منهم فيفتى في مقام ويفتى بخلاف في مقام آخر، وربما يدعي الاجماع في مورد ويدعي على خلافه الاجماع في مقام آخر، وقد يحكم بضعف خبر ويعمل به في مورد آخر، وقد يحملون الخبر على محمل بلا شاهد ويفتون به، ويفرقون بين الصور بقيود لا تستفاد من الاخبار، من ذكر الشاهد السبب وعدمه، أو كون الشئ مما يتكرر كالبيع والشراء والصياغةونحوها، أو مما لا يتكرر كالنتاج والنساجة والخياط ونحوها، وليس الغرض الازراء عليهم بل بيان الحال مقدمة لتوضيح الحق من الاقوال، فان المسألة في غاية الاشكال وليست محررة، والاولى نقل الاخبار المتعلقة بالمسألة بصورها أولا ثم بيان ما عندنا فيها.

فمنها: خبر أبى بصير: " سئل الصادق (ع) عن رجل يأتي القوم فيدعي دارا في أيديهم ويقيم الذى في يده الدار البينة انه ورثها من أبيه ولا يدى كيف كان أمرها، فقال (ع): أكثرهم بينة يستحلف ويدفع إليه، وذكر ان عليأ (ع) أتاه قوم يختصمون في بغلة فقامت البينة لهؤلاء انهم أنتجوها على مذودهم لم يبيعوا ول يهبوا وأقام هؤلاء البينة انهم انتجوها على مذودهم لم يبيعوا ولى يهبوا فقضى (ع) لاكثرهم بينة واستحلفهم، قال: فسألته حينئذ فقلت: أرأيت إن كان الذى ادعى الدار قال: ان أبى هذا الذي هو فيها أخذها بغير ثمن، ولم يقم الذى هو فيها بينة إلا انه ورثها عن أبيه، قال: إذا كان أمرها هكذا فهى للذى ادعاها وأقام البينة ".

ومنها: خبر اسحاق من عمار عن أبى عبد الله (ع): " إن رجلين إختصما إلى أمير


149

المؤمنين (ع) في دابة في أيديهما وأقام كل واحد منهما البينة انها نتجت عنده فاحلفهماعلي (ع) فحلف أحدهما وأبى الآخر أن يحلف فقضى بها للحالف فقيل فلو لم يكن في يد واحد منهما وأقاما البينة، قال: أحلفهما فايهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف فان حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين، قيل: فان كانت في يد أحدهما وأقاما جميعا بينة.

قال: أقضى بها للحالف الذى هو في يده ".

ومنها: خبر غياث عن أبى عبد الله (ع): " ان أمير المؤمنين (ع) إختصم إليه رجلان في دابة كلاهما أقاما البينة انه انتجها فقضى بها للذى هي في يده وقال: لو لم يكن في يده جعلتها بينهما نصفين.

ومنها: خبر جابر: " ان رجلين تداعيا دابة وقام كل منهما بينة انها دابته انتجها فقضى رسول الله (ص) للذى في يده ".

ومنها: خبر منصور " رجل في يده شاة فجاء رجل فادعاها فأقام البينة انها ولدت عنده ولم يهب ولم يبع، وجاء الذى في يده بالبينة مثلهم عدول انها ولدت عنده ولم يهب ولم يبع.

فقال (ع): حقها للمدعى ولا أقبل من ا لذى في يده البينة - لان الله تعالى - أمر أن يطلب البينة من المدعي فان كانت له بينة وإلا فيمين الذى هو في يده هكذا أمر الله عزوجل ".

ومنها: المرسل " عن أمير المؤمنين (ع) في البينتين تختلفان في الشئ الواحد يدعيهالرجلان انه يقرع بينهما فيه إذا عدلت بينة كل واحد منهما وليس في أيديهما، واما إذا كان في أيديهما فهو فيما بينهما نصفان، وإن كان في يد أحدهما فالبينة فيه على المدعي واليمين على المدعى عليه " ومنها: الرضوي (ع): " فإذا ادعى رجل على رجل عقارا أو حيوانا أو غيره واقام بذلك بينة واقام الذى في يده شاهدين فان الحكم فيه ان يخرج الشئ من يد مالكه إلى المدعى لان البينة عليه ".

ومنها: خبر تميم بن طرفة " ان رجلين إدعيا بعيرا فأقام كل واحد منهما فجعله أمير المؤمنين (ع) بينهما وفي بعض النسخ عرفا بعيرا ".


150

ومنها: خبر البصري: كان علي (ع) إذا اتاه خصمان يختصمان بشهود عدلهم سواء وعددهم سواء اقرع بينهم على ايهم يصير اليمين " ومنها: موثقة سماعة " ان رجاين اختصما الى على (ع) في دابة فزعم كل واحد منهما انها نتجت على مذوده وأقام كل واحد منهما بينة سواء في العدد فأقرع بينهما سهمين فعلم السهمين كل واحد منهما بعلامة ثم قال: (اللهم رب السموات السبع وربالارضين السبع ورب العرش العظيم عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أيهما كان صاحب الدابة وهو أولى بها فأسألك أن يقرع ويخرج سهمه) فخرج سهم أحدهما فقضى له بها ".

ومنها: خبر عبد الله بن سنان: " قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: ان رجلين اختصما في دابة إلى علي (ع) فزعم.

" إلى آخر ما في الموثقة بتفاوت يسير، ثم قال: وكان أيضا إذا اختصم إليه الخصمان في جارية فزعم أحدهما انه اشتراها وزعم الآخر انه أنتجها فكان إذا أقاما البينة جميعا قضى به للذى أنتجت عنده.

ومنها: رواية داود بن سرحان وصحيحة الحلبي في شاهدين شهدا على أمر واحد وجاء آخران فشهدا على غير الذى شهدا واختلفوا قال (ع): " يقرع بينهما فأيهما قرع فعليه اليمين ".

ومنها: الرضوي (ع): " فان لم يكن الملك في يد أحد وادعي الخصمان فيه جميعا فكل من أقام عليه شاهدين فهو أحق به، فان أقام كل منهما شاهدين فان أحق المدعيين من عدل شاهداه، فان استوى الشهود في العدالة فأكثرهم شهودا يحلف بالله ويدفع إليه الشئ، وكل ما لا يتهيأ فيه الاشهاد عليه فان الحق فيه أن يستعمل فيه القرعة ".

ومنها: رواية زرارة: " رجل شهد له رجلان بان له عند رجل خمسين درهما، وجاءآخران فشهدا ان له عنده مأة درهم، وكلهم شهدوا في موقف.

قال (ع): إقرع بينهم ثم استحلف الذين اصابتهم القرعة بالله انهم يشهدون بالحق ".

ومنها: رواية داود العطار: " في رجل كانت له إمرأة فجاء رجل بشهود شهدوا ان هذه المرأة امرأة فلان وجاء آخران فشهدوا انها إمرأة فلان فاعتدل الشهود وعدلوا.

قال (ع): يقرع بين الشهود فمن خرج إسمه فهو المحق وهو أولى بها ".


151

ومنها: خبر السكوني عن الصادق (ع) عن أبيه (ع) عن آبائه (ع): " ان عليا (ع) قضى في رجلين ادعيا بغلة فأقام أحدهما شاهدين والآخر خمسة فقال (ع): لصاحب الخمسة خمسة أسهم ولصاحب الشاهدين سهمان " ومنها: ما عن أبى عبد الله (ع) " في رجل ادعى على إمرأة انه تزوجها بولي وشهود وأنكر المرأة ذلك، فأقامت اخت هذه المرأة على رجل آخر البينة انه تزوجها بولي وشهود ولو يوقتا وقتا، ان البينة بينة الزوج، ولا تقبل المرأة لان الزوج قد استحق بضع هذه المرأة وتريد اختها فساد النكاح فلا تصدق ولا تقبل بينتها إلا بوقت قبل وقتها أو دخول بها ".

وهذه: الاخبار كما ترى لا دلالة فيها بل ولا إشعار على ترجيح البينة التى ذكرت السبب مثل ان الدابة انتجت على مذوده أو تملك بالشراء أو نحوهما، وذكرهما في بعضها بيان مورد السؤل - مع انه في كلام السائل فلا يستفاد منها القيدية، وكذا الا دلالة فيها على الفرق بين السبب القابل للتكرار كالبيع والشراء والصباغة، وبين مالا يقبله كالانتاج والنساجة، بترجيح الاول على الثاني فلا وجه لبعض التفصيلات الآتية - مع انه ذكر السبب ليس له دخل في الترجيح، بل يمكن أن يقال: ما لم يذكر فيه السبب أولى بالتقديم، وكذا لاوجه بملاحظة كل خبر والعمل به في مورده عاما أو خاصا، بل اللازم ملاحظة مجموع الاخبار والجمع بينها بتقييد اطلاق بعضها بالقيد الذى في بعضها الآخر، من حيث ذكر الترجيح وعدمه، ومن حيث إعتبار الحلف وعدمه، ومن حيث الحاجة إلى القرعة وعدمها، كما هو الحال في سائر المسائل والاخبار المتعلقة بها، ثم الظاهر ان الادلة الدالة على حجية البينة شاملة لصورة التعارض، فالبينتان حجتان متعارضتان لا انهما تتساقطان بالمعارضة، كما ان أدلة حجية خبر الواحد كذلك شاملة لصورة ا لتعارض، بل الظاهر من الاخبار المذكورة أيضا عدم التساقط، كيف وإلا لم يكن وجه للترجيح بالاعدلية أو الاكثرية، ولا للقرعة، وإذا كان الامر ذلك فمقتضى القاعدة الرجوع إلى المرجحات المنصوصة كالاعدلية والاكثرية في جميع الصور الاربع،وإن كان ذكرهما في بعض الاخبار دون بعض، أو في بعض الصور دون بعض، بل والرجوع إلى سائر المرجحات كما هو الاقوى في الاخبار المتعارضة، وذلك لان إعتبار البينة ليس من باب


152

السببية والموضوعية كالاصول العملية بل من حيث الا مارية والطريقية ومن باب الظن النوعى فان كان أحد المتعارضين أرجح وأقرب إلى إحراز الواقع يجب تقديمه لبناء العقلاء بعد فرض الحجية حتى حال المعارضة، مضافا إلى إمكان دعوى ان ذكر الاكثرية (والاعدلية؟) إنما هو من باب المثال لمطلق المرجح، وأيضا فحوى الاخبار الواردة في علاج الاخبار المتعارضة لعدم الفرق بين البينة والخبر في كون إعتبار كل منهما من باب الطريقية، وعلى هذا فيمكن التعدي إلى سائر المرجحات كالامتنية والاصدقية وكون الشاهدين من اهل العلم والدقة ونحوها، (فلا؟) وجه لما في الرياض من منع إعتبار الترجيح في البينة والفرق بينها وبين الخبر بان اعتبار الخبر انما هو من حيث الظن لا من حيث انه خبر، بخلاف البينة فان إعتبارها انما هو من حيث كونها بينة، وذلك لانه لا فرق بينهما في كون إعتبار كل منهما من حيث افادته الظن النوعى، لكن لكونه حاصلا من البينة أو من الخبر لا كل ظن فالحجة خصوص البينة وخصوص الخبر، لكن بلحاظ حصول الظن بالواقع منهما، وهذا معنى الطريق التعبدى فلهما موضوعيةفي الطريقية بناء على ما هو الاقوى من كون اعتبار الاخبار أيضا من باب الظن الخاص، ثم: ان المعتبر من المرجح ما يكون راجعا إلى البينة بما هي بينة مثل الاكثرية والاعدلية وغيرهما، من صفات الشاهدين، فلا عبرة بالظن الخارجي المطابق لاحديهما مثل كون المدعى ممن يوثق بصدقه، والظن الحاصل من شهرة كون المال لاحدهما، والظن الحاصل من النوم أو الرمل أو الجفر أو نحو ذلك مما لا يرجع إلى تعدد الشهود أو صفاتهم الموجبة للظن، وإن كان يمكن دعوى جواز الاعتماد على الظنون المتعارفة لامثل النوم والرمل مثلا.

ويعتبر ايضا: أن يكون بمقدار يصلح للترجيح والتقديم فلا يكفى رجحان عدالة احديهما على عدالة الاخرى يسيرا، ولا مثل ضم شهادة فاسق إلى احديهما مثلا، وإذا تعارضت المرجحات فاللازم مراعات الترجيح بينهما كما إذا كانت الاعدلية في احديهما والاكثرية في الاخرى أو الاكثرية احديهما والامتنية في الاخرى وهكذا، ولا استعباد في الاعتماد على الظن في مقام الترجيح بعد كون كلتيهما حجة احدى الحجتين على الاخرى بالظن المطلق.

ثم: ان الاقوى سماع البينة من المنكر في صورة التعارض بل مطلقا ولو مع عدمه،


153

فيجوز للمنكر مع عدم البينة للمدعى أن يقيم البينة فرارا من اليمين، وإن ادعى صاحب الرياض الاجماع على عدم قبولها منه، حيث انه في رد القول بتقديم بينة الداخل على بنية الخارج بدعوى رجحانها بالاعتضاد باليد.

قال: " ولاعتبار وإن شهد له من حيث ان ذا اليد له حجتان هي اليد والبينة، والاخر له حجة واحدة إلا انه ساقط عن درجة الاعتبار من حيث ان وظيفة ذى اليد اليمين دون البينة فوجودها في حقه كعدمها بلا شبهة، ولو أقامها بدلا عن يمينه لم يقبل منه اجماعا إن لم يقمها المدعى " انتهى، ويدل على ما ذكرنا بعد منع الاجماع مضافا إلى عموم ما دل على حجية البينة وإلى عموم مثل قوله صلى الله عليه وآله " انما اقضي بينكم بالبينات والايمان " خصوص أخبار المقام، فان في جملة منها تقديم بينة ذى اليد كخبر اسحاق، وخبر غياج، وخبر جابر، وهو مقتضى إطلاق جملة اخرى منها، وأيضا خصوص خبر حفص بن غياث حيث قال: " إذا رأيت في يد رجل أيجوز أن أشهد انه له فقال: نعم.

" فانه يدل على جواز الشهادة لذى اليد وصحتها، وخصوص صحيحة حماد الحاكية لامر عيسى بن موسى المسعى " إذا رأى أبا الحسن موسى (ع) مقبلا على بغلة فأتاه رجل وتعلق باللجام وادعى البغلة فثنى أبو الحسن (ع) رجله ونزل عنها وقال: لغلمانه خذوا سرجها وادفعوها إليه، فقال والسرج أيضا لي.

فقال: كذبت عندنا البينة بانه سرج محمد بن علي (ع) واما البغلة فانا إشتريناها منذ قريبوأنت أعلم بما قلت " فان السرج كان بيده ومع ذلك قال: عندنا البينة إلى آخره، وإشعار خبر فدك فان أمير المؤمنين (ع) أنكر على ابى بكر في طلبه البينة منه في الدعوى عليه - مع انه لا يطلب من غيره إذا ادعى هو على ذلك الغير، فحاصل إنكاره (ع) انه لم فرق بينه (ع) وبين الناس في طلب البينة، ولو كان لا يقبل من المدعى عليه البينة لكان أولى بالانكار عليه في مقام المجادلة، وليس في قبال هذه المذكورات إلا دعوى ان قوله صلى الله عليه وآله " البينة للمدعى واليمين على


154

من انكر " يقتضي عدم سماع البينة من المنكر، (حيث؟) ان التفصيل قاطع للشركة، وخبر منصور، والمرسل عن امير المؤمنين (ع) السابقين والرضوى (ع) الاول، والاجماع الذى ادعاه سيد الرياض.

والجواب: ان المراد من قوله صلى الله عليه وآله البينة للمدعى إلى آخره، بيان الوظيفة الاولية للمدعي والمنكر وإلا فلا مانع من سماع البينة للمنكر أيضا، كما ان للمدعى أيضا اليمين المردودة واليمين التى هي جزء البينة واليمين الاستضهارى، وأيضا يمكن أن يقال: القدر المعلوم من الخبر انه لا يلزم المنكر البينة وانما يلزم باليمين لا انه لا تقبل منه البينة، واما خبر منصور، والمرسل، فمضافا إلى ضعفهما وموافقتهما لما يحكى عن إبن حنبلمن العامة، لا يقاومان ما تقدم من الادلة خصوصا أخبار المقام الظاهرة في حجية بينة المنكر أيضا وتقديمها على بينة المدعى في بعض الصور، واما الرضوي (ع) فلم يعلم كونه خبرا، واما الاجماع الذى ادعاه السيد فمع إختصاصه بصورة عدم التعارض غير ثابت بل محل منع.

ثم: ان المشهور خصوا القرعة بالصورة الثالثة الرابعة - مع ان اخبارها كما عرفت مطلقة شاملة للصورة الثانية أيضا كما هو مذهب ابن أبى عقيل في جميع الصور الاربع.

نعم يظهر من المرسل، والرضوى الثاني، الاختصاص إلا انهما لا يقاومان إطلاق الاخبار، ودعوى جبرهما بالشهرة ممنوعة، نعم لا تجرى في الصورة الاولى إذ على القول بعدم حجية بينة المنكر تخرج عن التعارض، واما على القول بسماعها فحيث ان القرعة بعد عدم الترجيح واليد مرجحة لبينة ذيها فلا يبقى محل لها، إلا أن يكون في قبال اليد لبينة الخارج مرجح يساويها، ثم مع تقديم احدى البينتين لوجود المرجح أو بسبب القرعة فمقتضى القاعدة وإن كان عدم الحاجة إلى الحلف لان البينة كافية في إثبات الحق لمن كانت له، إلا ان الظاهر من أخبار المقام ثبوته وكون المراد من التقديم تعين من يقدم قوله منهما وكونه بمنزلة المنكر، لا لكون البينة حجة فعلية في إثبات الحق ففائدته جعل من قدمت بينته بمنزلة المنكر وحينئذ فيحتاج إلى الحلف على قاعدة المدعى والمنكر.

ومما ذكرنا: من الاول إلى هنا تبين ان الاقوى في جميع الصور الاربع الرجوع إلى (المرجحات؟) المنصوصة وغيرها، ومع عدمها فالى القرعة في غير الصورة الاولى، لما عرفت


155

ان اليد (مرجحة؟) لبينتها فلا يبقى محل للقرعة فمن خرجت القرعة باسمه يستحلف فان حلف يقضى له وإلا فان حلف الآخر فكذا يقضى له وإن نكلا قسم بينهما، وفي الصورة الاولى أيضا إذا قدمتا أحدى البينتين بحتاج إلى الحلف أيضا لما ذكرنا من ان فائدة التقديم سماع قول من قدمت بينته لا أنها حجة فعلية كافية، هذا ما عندنا.

واما الفقهاء: فحيث انهم لم يلاحظوا مجموع الاخبار باجراء قاعدة الجمع بينها، وبنوا على الترجيح بذكر السبب فرقوا بين الصور الاربع واختلفت أقوالهم فيها، خصوصا في الصورة الاولى وهي ما إذا كانت العين بيد أحدهما، فعن جماعة تقديم بينة الخارج مطلقا من غير رجوع إلى المرجحات ومن غير فرق بين ذكر السبب في البينتين أو في احديهما أو عدم ذكره، وعن الغنية الاجماع عليه، وعن الشيخ في كتاب الدعاوى من الخلاف تقديم الداخل مطلقا، وعن المشهور تقديم الخارج إذا شهدتا لهما بالملك المطلق مع التساوى في العدد والعدالة وعدمه، وعن الخلاف، والسرائر، وظاهر المبسوط، والغنية، الاجماععليه، وعن جماعة ترجيح الخارج إلا مع إنفراد بينة الداخل بذكر السبب، وعن المهذب نسبة خلافه إلى الندرة، وذهب بعضهم إلى تقديم بينة الداخل مطلقا إلا مع انفراد الخارج بذكر السبب، وعن بعضهم تقديم الاكثرية شهودا ومع التساوى فللحالف منهما، وعن إبن حمزة الفرق بين السبب المتكرر وغير المتكرر إلى غير ذلك من الاقوال التى أنهاها في المستند إلى تسعه، ثم قال: وربما يوجد في المسألة أقوال اخر، وتردد جماعة في المسألة أيضا كما في الدروس واللمعة والمسالك والكفاية، وقد اختلف بعضهم من بعض في

نسبة الاقوال أيضا انتهى.

واستدلوا: لتقديم بينة الخارج

بقوله (ع): " البينة للمدعى واليمين على المدعى عليه " بالتقريب المتقدم، وبخبر منصور، ولتقديم بينة الداخل بالمعاضدة باليد، ولبعض الاقوال ببعض الاخبار.

وفي الصورة الثانية: أيضا أقوال، والاشهر التنصيف سواء تساوت البينتان عدالة وعددا وإطلاقا وتقييدا أم اختلفتا، وعن المفاتيح بلا خلاف، وظاهرهم عدم الحاجة إلى الحلف أيضا، وعن بعضهم الرجوع إلى المجحات من الاكثرية أو الاعدلية وذكر


156

السبب، واختلفوا في المرجح انه الاكثرية فقط أو الاعدلية أو كليهما، وعن بعضهم الحاجة إلى الحلف أيضا، واستدل بعضهم على التنصيف بانه مقتضى تساقط البينتين، وبعضهم بانه مقتضى تقديم بينة الخارج أو الداخل لان كلا منهما داخل بالنسبة إلى النصف وخارج بالنسبة إلى النصف الآخر، وقد يتمسك بمرسلة ابن المغيرة " في رجلين كان معهما درهمان.

الخ " ورواية السكوني " في رجل استودع رجلا دينارين واستودعه آخر دينار حيث قال (ع): في الاولى يقسم الدرهم الثاني بينهما نصفين وفي الثانية لصاحب الدينارين دينار ويقتسمان الدينار الباقي بينهما نصفين لترك الاستفصال عن اقامة البينة وعدمها ".

ولا يخفي ما فيهم، كما انه لا يخفى ما في التمسك بخبر غياث حيث قال (ع): " ولو لم يكن في يده جعلتها بينهما نصفين " بدعوى انه اعم من أن يكون في يديهما وكان الاولى لهم أن يقولوا انه مقتضى العمل بكل من الحجتين بقدر الامكان.

وفي الصورة الثالثة: ويحلق بها الرابعة، المشهور بينهم خصوصا المتأخرين بل عليه عامتهم كما في الرياض انه يقضي بارجح البينتين عدالة ومع التساوى باكثرهما عددا ومع التساوى يقرع فمن خرج اسمه يحلف وإن امتنع يحلف الآخر وإن نكلا قسم بينهما، وعن الغنية الاجماع عليه، وعن بعضهم تقديم الاكثرية على الاعدلية، وعن بعضهمالاقتصار على الاولى، وعن بعضهم على الثانية، وعن بعضهم الرجوع إليهما من غير ذكر الترتيب، وعن العماني الاقتصار على القرعة، وعن المبسوطة القرعة إن شهدتا بالملك المطلق من الجانبين وبالقسمة نصفين إن كانتا مقيدتين بذكر السبب والقضاء بالمقيد إن كانتا مختلفتين، ثم انهم أطالوا الكلام في النقض والابرام في حكم كل واحدة من الصور وقد عرفت ما عندنا وحيث ان المسألة في غاية الاختلاف والتشويش فلا عبرة فيها بالشهرة والشذوذ، ولا بالاجماعات المنقولة، خصوصا مع اختلافها ومخالفة جماعة بالنسبة إلى كل واحد منها بل مخالفة مدعيها في مقام آخر أو كتاب آخر، فلا بأس بمخالفتا لهم في المسألة والله الهادى.

بقى الكلام في امور: " أحدها " ان في خبر اسحاق تحليف الطرفين معا حيث قال (ع): " فيما لو لم يكن في يد واحد منهما احلفهما فايهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف وإن حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين ".

وهذا مناف لسائر الاخبار فان المستفاد منها تحليف


157

من قدمت بينته بالمرجح أو بالقرعة فان حلف قضى له وان لم يحلف يحلف الآخر، ولكن لاعامل به إلا ما عن كشف اللثام عن ظاهر أبى علي حيث قال: " ولو كانت العين في أيديهما جميعا أو لم تكن في يد واحد وتساوى عدد البينتين عرضت اليمين المدعيين فايهماحلف استحقها إن أبى الآخر، وإن حلفا جميعا كانت بينهما نصفين.

" وعن الشيخ حمله على ما إذا تصالحا على ذلك.

وقال في الاستبصار: " ويمكن أن يكون ذلك نائبا عن القرعة إذا اختار كل واحد منهما اليمين فيكون الامام مخيرا بين العمل عليه والعمل بالقرعة " وكلا الحملين بعيد والعمل به في قبال الاخبار الاخر لا وجه له فالاولى طرحه بالنسبة إلى هذا لعدم مقاومته لسائر الاخبار.

الثاني: انه إذا كانت امرأة تحت رجل وادعى رجل آخر زوجيتها يكون الاول منكرا لكونه ذا يد عليها والثانى مدعيا، فإذا أقام كل واحد منهما بينة فمقتضى ما ذكرنا من تقديم بينة ذى اليد مع تساويهما عدالة وعددا أن تقدم بينة الزوج، ومقتضى ما ذكروه من تقديم بينة الخارج أن تقدم بينة الآخر، لا الرجوع إلى القرعة - مع انه حكم في مرسلة داود العطار المتقدمة بالرجوع إليها وتقديم من خرج اسمه، ودعوى عدم صدق اليد وعدم عد الرجل الاول منكرا ممنوعة، ويمكن أن يقال: ان المفروض في الخبر كون النزاع بين رجلين آخرين غير من تحته الامرأة، أو حملهما على ما إذا لم تكن المرئة تحته بأن يكون المراد من قوله له أمرأة دعوى كونها له مع عدم كونها عنده لكنه بعيد، فالاولى الاول بل هو الظاهر من التعبير بفلان وفلان.

الثالث: ما تضمنه خبر السكوني المتقدم من قوله (ع): " لصاحب الخمسة خمسة أسهم ولصاحب الشاهدين سهمان ".

مناف لما دل على الترجيح بالاكثرية، فلابد من طرحه سواء حملناه على ظاهره من سهام البغلة أو على سهام القرعة لفائدة الاقربية إلى الخروج - مع انه لا عامل به إلا ما يحكى عن أبى علي بعد حمله على سهام القرعة ولا يخفى ضعفه.

الرابع: الاكثر كما قيل لم يتعرضوا في الصورة الثالثة لتصديق الثالث لاحد المتداعيين وانه لو صدق أحدهما كان بمنزلة ذى اليد كما تعرضوا له في صورة عدم البينة.

نعم عن القواعد انه كاليد وعليه فترجع إلى الصورة الاولى من بينة داخل أو الخارج


158

إذا صدق أحدهما، وقيل انما لم يتعرضوا لان نظرهم إلى بيان سائر المرجحات اغماضا عن حكم اليد وايكالا إلى ما ذكروه سابقا في صورة عدم البينة، وقد يقال: يحتمل أن يكون بنائهم على عد اعتبار تصديقه نظرا إلى اصلاق الاخبار، والظاهر ان ذلك منهم لوجود الفرق بين صورة وجود البينتين وبين صورة عدمهما لزوال حكم يده مع تطابق البينتين على كون ما في يده لغيره فلا اعتبار باقراره، بخلاف صورة عدم البينة فانه في ظاهر الشرع له، والظاهر عدم الفرق في ذلك بين تقدم التصديق على البينتين وتأخره إلا أن يكونالتصديق قبل وقوع التنازع.

الخامس: يظهر مما ذكرنا حكم تعارض أزيد من بينتين بأن كان المدعون ثلاثة أو أزيد ولكل منهم بينة.

السادس: لم يحتمل أحد في تعارض البينتين تخيير الحاكم ففي هذا فرق بين البينة والخبر.

نعم إذا كان المرجع في النزاع الاختلاف في حكم المسألة فكل من المتنازعين اختار فتوى مجتهد وترافعوا عند من فتواه التخيير من جهة اختلاف الخبرين المتساويين عنده يكون مخيرا في الحكم بينهما.

السابع: عنوان المسألة في كلمات العلماء وإن كان تعارض البينتين في النزاع في الاعيان وهو مورد أغلب الاخبار، إلا ان الظاهر ان الحكم في غير الاعيان أيضا كذلك، كما إذا تنازعا في دين خاص معين من جميع الجهات، أو تنازعا في ان الموصي أوصى بمأة دينار مثلا لزيد أو لعمرو، أو تنازعا في منفعة ملك أو في حق من الحقوق، كالتولية للوقف وحق الرهن وحق الخيار، أو تنازعا في نكاح أو طلاق أو نحو ذلك لظهور الاخبار في المثالية، بل لعموم بعضها كصحيحة الحلبي، وخبر داود بن سرحان، وخصوص بعضها في الدين كخبر زرارة، وبعضها في الزوجية كخبر داود العطار، فاختصاص جملة منهابالاعيان من حيث المورد لا يقتضى اختصاص الحكم بها، وإلا فاللازم تخصيص كل بخصوص مورده من البغلة أو الدابة أو الجارية أو نحو ذلك، فالحكم في الجميع واحد في العمل بالمرجح ومع فقده فالقرعة ثم الحلف، ولا وجه لما ذكره في المستند حيث قال: " التحقيق في الجميع أن يبنى على أصالة عدم قبول بينة المنكر وعلى تعين القرعة في كل أمر مشكل


159

وعلى هذا، فنقول: ان جميع الاخبار المتضمنة لسماع بينة المنكر أيضا ومزاحمتهما البينة المدعى كانت مخصوصة بالاعيان من الاموال فلا أثر لها في غيرها أصلا، وكل ما دل على سماع بينة المدعي وقبولها فمخصوص بحكم العقل بمالا يعارضه مثلها فمورد التعارض الواقع في غير الاعيان إن كان مما يكون أحدهما مدعيا والآخر منكرا تطرح بينة المنكر ويعمل بقتضى بينة المدعي، وإن كان مما يكون كلاهما مدعيين ولا دليل للحكم في خصوص المسألة يقرع ويحكم بمقتضى القرعة لعموم " القرعة لكل أمر مجهول أو مشكل " إلى آخر كلامه، إذا لا يخفى ما فيه خصوصا دعواه أصالة عدم حجية بينته واختصاص ما دل على سماعه بمورد التعارض في الاعيان.

الثامن: في المواضع التى حكمناه بالتنصيف، كما إذا لم يحلف من خرجتالقرعة باسمه ولم يحلف الآخر أيضا، إذا كان المورد مما لا يمكن فيه التنصيف كالنزاع في زوجية امرأة فاللازم الرجوع إلى سائر القواعد والاصول، ففي النزاع في الامرأة قد يقال: بعد سقوط البينتين بالنكول منهما يخلى سبيلها، لكنه مشكل إذا علمنا بكونها زوجة لاحدهما، بل وإن لم يعلم لان البينتين وان سقطتا في التعيين إلا انهما متطابقتان على نفى الثالث فلا يجوز تزويجها من ثالث، فالاقوى انها إن صدقت أحدهما حكم له بها وإلا فاللازم القرعة بينهما مرة اخرى للتعين لعمومات القرعة، والفرق بينها وبين القرعة الاولى، انها كانت لتعيين من عليه اليمين، وهذه لتعيين من هي زوجته من غير حاجة إلى حلف بعدها كما هو مقتضى عمومات القرعة، هذا ويظهر من المسالك ان الحكم في صورة عدم إمكان التنصيف هو القرعة بلا حاجة إلى الحلف بعدها، قال: ويؤيده مرسلة داود العطار، ثم قال: وعلى هذا فلا فائدة

في الاحلاف بعد القرعة

لان فائدته القضاء للآخر مع نكوله وهو منفى هنا.

وفيه: منع عدم الفائدة في الاحلاف إذ لو حلف حكم له، وإلا فيحلف الآخر فيقضى له، وإن نكل هو أيضا فيعمل بالقواعد الاخر، ففي مثال الزوجية يخلي سبيل المرأة على ما قيل: أو يقرع دورة اخرى كما قلنا واختار صاحب المستند أيضا في النزاع في الزوجيةعدم الحاجة إلى الاحلاف، حيث انه بعدما اورد على صاحب المسالك بما ذكرنا من منع عدم


160

الفائدة في الاحلاف، قال: إلا أن مقتضى مرسلة داود عدم الاحلاف والعمل بمقتضى القرعة لقوله: فهو المحق وهو أولى بها.

فهو متعين ولا يرد ان مقتضى رواية البصري، وداود بن سرحان وصحيحة الحلبي، الاحلاف فانها عامة والمرسلة خاصة بالزوجة فتخصص بها، فان لوحظت جهة عموم للمرسلة أيضا لدلالتها على الاولوية مطلقا سواء كان بعد الحلف أو قبلها فيتساقطان ويبقى حكم القرعة بلا معارض، فتأمل انتهى، ولا يخفى ما فيه، فان مقتضى الجمع بين مجموع الاخبار تقييد المرسله بما بعد الحلف، ولا يلاحظ خصوص مورد الاخبار والالزم قصر الحكم في كل خبر على مورده، فالاقوى الحاجة إلي الحلف - مع ان لازم ما ذكره التفصيل، فيما لا يمكن فيه التنصيف بين النزاع في الزوجية وبين سائر مالا يمكن فيه التنصيف، والحكم بالحاجة إلى الحلف في سائر ما يمكن فيه وهو بعيد " بقى شي ء " وهو ان في مسألة النزاع في الزوجية هل ينفع تصديق المرأة لاحدى المتنازعين قبل القرعة والاحلاف أولا؟ نقل عن الاردبيلي ذلك وهو مشكل، لانه لا اعتبار بتصديقها بعد وجود البينتين، ففرق بين ما قبل سقوط البينتين وما بعده إذ فيما بعده الامر بيدها كما لو لم تكن بينة بخلاف ما قبله.

التاسع: إذا ادعي ملكية شئ في يد غيره ممن يعترف بعدم كونه ملكا له كاللقطة، أولا يد عليه كمجهول المالك وأقام بينة عند حاكم شرعى فحكم له وادعى آخر ذلك الشئ بعينه واقام بينة عند حاكم آخر فحكم له فالظاهر انه من تعارض البينتين ولابد من تجديد المرافعة عند أحد الحاكمين أو حاكم آخر، من غير فرق بين تقارن الحكمين أو سبق أحدهما وربما يحتمل تقديم حكم أعلمهما للمقبولة " وفيه " ان الظاهر منها مالو كان مدرك الحكم اختلاف الخبرين لا البينتين، وقد يحتمل تقديم أسبق الحكمين فتكون الدعوى بين المدعى الثاني وبين من حكم له الاول وكونه ذايد على ذلك الشي ء، والظهر ما ذكرنا.

العاشر: يتحقق التعارض بين الشاهدين وشاهد وامرأتين، والمشهور عدم تحققه بين احدهما واليمين في موضع اعتباره لعدم صدق البينة على شاهد ويمين.

نعم يحقق بينه وبين مثله، ولا يبعد اعمال المرجحات بين شاهد هذا وشاهد ذاك، وحكي عن الشيخ قول بالتعارض بين الشاهدين أو شاهد وامرأتين، وبين شاهد ويمين، ويظهر من المنقول عن القواعد أيضا إلا انه رجح تقديم الاولين لقوتهما بالنسبة إلى شاهد ويمين، والاظهر عدم تحقق التعارض وإلا


161

فقد يكون الشاهد الواحد الذى ضم معه اليمين اقوى من الشاهدين أو شاهد وامرأتين.

الحادى عشر: إذا شهدت احدى البينتين بالملك في الحال واخرى بالملك منذ سنة أو احديهما بالملك منذ سنة واخرى من سنتين، فالمشهور ترجيح السابق والاسبق فالسبق عندهم من المرجحات، وعللوه بانهما يتساقطان في الزمان المشترك وتبقى الاخرى في الزياد بلا معارض ومقتضى الاستصحاب بقاؤه، وربما يتمسك بصحيح عبد الله بن سنان السابق عن الصادق (ع) عن علي (ع): " انه كان إذا اختصم إليه خصمان في جارية فزعم أحدهما انه اشتراها وزعم الآخر أنه أنتجا وكانا أقاما البينة جميعا قضى بها للذى انتجت عنده ".

ويمكن أن يقال: ان السبق رجحان في نظر العرف فيرجح به بينة الاسبق فلا يكون من باب التساقط والرجوع إلى الاستصحاب كما ذكر المشهور، وقد يقال: بستاويهما لان المناط في الشهادة الملك في الحال وهما متساويان فيه فلا فرق بينه وبين المطلقتين أو المؤرختين بتاريخ واحد، ويظهر من بعضهم الفرق بين شهادة احديهما بالسبق والاخرى بزمان متأخر من غير ذكر الشراء من الاول، وبين مالو شهدت بانه اشتراها منه ففي هذه الصورة تقدم المتأخرة لانها لما صرحت بالشراء علم انها اطلعت على ما لم تطلع عليها الاخرى، لانها وإن شهدت بانها ملكه منذ سنة إلى الحال إلا انها لعلها لم تعلم بمزيل في المدة.

ثم انهم قالوا: هذا إذا لم يكن المدعى به في يد أحدهما واما إذا كان في يد أحدهمافان قلنا بعدم سماع بينة الداخل فالعمل على بينة الخارج مطلقا سواء كانت أسبق تاريخا أو لا، وإن قلنا بسماعها أيضا " ففيه وجوه " تقديم الاسبق منهما ترجيحا للسبق، وتقديم الداخل لمعاضدتها باليد، وتساويهما للسبق في أحدهما واليد في الاخرى.

ثم: ان محل كلامهم ما إذا شهدتا بالملك في الحال مع زيادة احديهما على الاخرى بالملكية السابقة، واما إذا شهدت احديهما بالملك في السابق فقط والاخرى بالملك في الحال، فلا ينبغى الاشكال في تقديم الثانية لعدم المعارضة بينهما حينئذ، فما ربما يستظهر من اطلاق الشرايع، من عدم اشتراط التعرض في بينة السابق والاسبق للملك في الحال ليس في محله بل ظاهر ان مراده أيضا ذلك، وليس الحال في هذه المسألة مثل ما إذا


162

تعارض الملك السابق واليد الحالية، حيث ان مذهبه فيه تقديم الاستصحاب على اليد لان في المقام يتعارض الاستصحاب مع البينة، كما لا يخفى.

ثم أنه يظهر منهم: أنه يكفى في الشهادة بالملك في الحال أن يقول الشاهد كان له سابقا ولا أعلم له مزيلا، أو يقول وهو كذلك في الحال بالاستصحاب فلا يلزم التصريح بالاستمرار.

نعم لو اظهر التردد في البقاء بأن يقول كان له سابقا ولا درى زال أم لا، ففيهاشكال، لانه ترديد في الشهادة ويظهر من بعضهم كفايته أيضا، وقد أطالوا الكلام في النقض والابرام في هذه المذكورات بذكر الوجوه الاعتبارية التى لا تناسب مذهب الامامية، والتحقيق عدم ايجاب السبق للتقديم وانهما حجتان فعليتان متعارضتان في الملكية الفعلية، ولا فرق بينهما وبين المطلقتين في الدخول تحت الاخبار السابقة، ولحوق الحكم السابق لهما من الرجوع إلى المرجحات مثل الاكثرية ونحوها أولا والرجوع إلى القرعة عند فقدهم، فلا وجه لدعوى تساقطهما في الملكية الفعلية وبقاء الملكية السابقة بلا معارض - مع انه على هذا يكون الاستصحاب مرجعا لا مرجحا على ما ذكروه من تقديم السابق أو الاسبق - مع ان لازم ما ذكروه كون الحكم كذلك في المطلقتين أيضا إذا علم من الخارج ملكية احدهما سابقا، واما خبر عبد الله بن سنان فلا دلالة فيه على ان تقديم البينة التى شهدت بالانتاج عنده من جهة السبق، بل يمكن أن يكون من جهة اخرى فلا يكون دليلا على الملكية، ولذا لم يتمسك به احد، بل تمسكوا بما ذكر من التساقط والاستصحاب، واما دعوى ان السبق مرجح عرفا من حيث هو فمحل منع، والالزم كونه مرجحا مع اطلاقها أيضا إذا علم من الخارج سبق ملكية أحدهما، ثم لا وجه لما ذكروه من كفاية قوله لا أعلم له مزيلا ونحوه في الشهادة بالملكية الفعلية بل لابدمن الجزم بالملكية في صدق الشهادة، بل إذا أطلق وعلم انه مستند إلى الاستصحاب لا يكفى في الشهادة بالملكية الفعلية.

الثاني عشر: البينة باليد أو التصرف لا تعارض البينة بالملك، واما إذا كانت احديهما باليد والاخرى بالتصرف ففى تقديم أيهما وجوه، ثالثها التساوى، وكذا البينة بالملك مع التصريح بان مستندها اليد أو الاستصحاب لا تعارض البينة بالملك من دون ذكر المستند،


163

بل إذا شهدت بالملك ولم يذكر المستند لكن علم ان مستندها اليد أو الاستصحاب لا تعارض البينة بالملك من دون العلم بمستندها " بقى شئ " وهو انه إذا شهدت البينة بالملك ولم تذكر المستند هل يجب على الحاكم السؤال عن مستندها أو لا؟ وفيه وجوه، ثالثها عدم وجوبه إذا لم يكن لها معارض، ووجوبه في صورة التعارض.

الفصل الرابع عشر في حكم بعض الدعاوى مسألة 1: إذا تنازعا في جدار بين ملكيهما فان كان لاحدهما جهة اختصاص يوجب صدق اليد له حكم له بعد حلفه إذا لم يكن للآخر بينة كما إذا كان متصلا ببنائه إتصالترصيف بتداخل الاحجار أو كان اس الجدار له أو كان له قبة عليه أو كان مبنيا على جذع داخل في بنائه أو كان عليه جذوع من بنائه أو كان وجه الجدار إليه بزيادات فيه من طرفه أؤ كان له دواخل كالطاقات الغير النافذة أو الروازن النافذة ونحو ذلك، ويدل عليه صدق كون اليد له بما ذكر، واشكال بعض في بعضها لا وجه له، ويمكن أن يستدل عليه أيضا بصحيح منصور بن حازم عن أبى عبد الله (ع): " سئلته عن خص بين دارين فذكر ان عليا (ع) قضى لصاحب الدار الذى من قبله القمط ".

المعتضد بخبر عمرو بن شمر بن جابر عن أبى جعفر (ع) عن أبيه (ع): " عن علي (ع) انه قضي في رجلين اختصما إليه (ع) في خص، فقال: ان الخص للذى إليه القمط " وبالعامي " ان قوما اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في خص فبعث حذيفة بن اليمان ليحكم بينهم فحكم به لمن إليه معاقد القمط ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره فقال صلى الله عليه وآله: أصبت وأحسنت " وقد عمل معظم الاصحاب بها، ولا يضر كونها قضية في واقعة لان نقل الامام (ع) لها يدل على كون الحكم كذلك، ومن المعلوم ان ذلك لكون ذلك امارة على كون الخص له ويظهر منه التعدي إلى كل امارة عادية.

واما إذا لم يكن لاحدهما جهة اختصاص أو كانت لكل منهما من نوع واحد أو نوعين، فان كان في يديهما بالشركة بمعنى أن يكون لكل منهما يد على النصف حلفكل منهما على نفى ما يدعيه الآخر فان حلفا أو نكلا حكم لهما بالشركة، وإن حلف أحدهما دون الآخر كان له، وإن كانت يد كل منهما على الكل، أو لم يكن في يد واحد


164

منهما فيكون من التداعي، فيحتمل الحكم بالشركة من غير حلف، ويحتمل التحالف كالصورة الاولى لكن يحلف كل منهما على نفى ما يدعيه الآخر من الكل، وإن كان لاحدهما بينة حكم له، وإن كانت لكل منهما فمع عدم الترجيح يقرع بينهما ويحلف من خرجت باسمه وإلا حلف الآخر، وإن نكلا حكم بينهما بالشركة، هذا ولو كان الجدار لاحدهما واختلفا في الاس فهو لصاحب الجدار بعد الحلف إذا لم تكن بينة.

مسألة 2: إذا تنازع المؤجر والمستأجر في شئ في الدار والمستأجر أو غيرها كالدكان والخان والبستان، فعن القواعد انه قال: " لو اختلف المؤجر والمستأجر في شئ في الدار فان كان منقولا فهو للمستأجر وإلا فللمؤجر " لكن لا يخفى ما في إطلاقه من الاشكال، بل يمكن أن يقال: ان للمستأجر يدا فعليه على الدار وجميع ما فيها وللمالك أيضا يد مالكيه، ومن الظاهر ان اليد الفعلية أقوى من اليد المالكية وعلى هذا، فيمكن أن يقال: كل ما يشك في كونه له أو للمالك محكوم بانه له، وإن كان من غير المنقول كالباب المثبت لاحدىالقباب أو للسطح أو لبيت الخلاء وكذا الميزاب والمسمار المثبت في الجدار والسلم المثبت ونحو ذلك، خصوصا إذا كانت الدار في يده مدة طويلة، فإذا تنازعا يحكم بانها له إلا مع البينة المالك، ودعوى ان ما هو مثبت يعد جزء من الدار ويده عليها يد اجارة فلا تنفعه " مدفوعة " بان الكلام فيما لم يعلم كونة جزء من الدار حين الاجارة والاصل تأخر حدوثه، وعلى هذا يمكن أن يقال: إذا كان بستان بيد أحد بالاجارة مدة سنين وادعى المستأجر أن بعض النخيل هو الذى غرسه من تال اشتراه من ماله يمكن أن يقال: يقدم قوله، بل وكذا إذا كان بيده بعنوان الغصبية فان اليد الفعلية للغاصب فيحكم بانه له إلا ما علم كونه موجودا حال الغصب، وهكذا في نحو ذلك.

مسألة 3: لو تنازع الضيف وصاحب البيت فيما فيه فاليد لصاحب البيت.

مسألة 4: إذا تنازع صاحب العلو والسفل في جدارهما فصاحب كل منهما أولى بجداره والقول قوله كما هو المشهور، وقيل باشتراكهما في جدار السفل واختصاص صاحب العلو بجداره، ولو اختلفا في السقف فالظاهر الاشتراك لكونه في يدهما فمع عدم البينة يحكم بينهما بالشركة.


165

مسألة 5: لو تنازع في ثياب العبد أو السرج الدابة حكم بالثياب لصاحب العبد وبالسرج لصاحب الدابة.

مسألة 6: الراكب أولى من القابض باللجام، وكذا صاحب الحمل من قابض اللجام، والراكب أولى بالحمل من صاحب الدابة.

مسألة 7: لو تنازعا في حزام ملفوف في وسط أحدهما ومقدار ذراع من طرفه بيد آخر فالظاهر ان المتحزم أولى.

مسألة 8: أكثرية التصرف في شئ لا تدل على الاختصاص والاولوية مع كون ذلك الشئ في يدهما أو في تصرفهما، وكذا إذا كان ثوب أكثره في يد أحدهما فانه لا يدل على الاختصاص به.

مسألة 9: إذا شك في امارة انها تدل على الاختصاص واليد أولا حكم بعدمه، وكذا إذا تعارضت الامارات من الطرفين فانه لا يحكم بكون اليد لهذا أو ذاك، بل يحكم بكونها لهما إلا إذا تعددت في أحد الطرفين دون الآخر فتأمل.

الفصل الخامس عشر في

الاختلاف في العقودوفيه

صور لانه إما أن يكون في أحد الطرفين من عقد واحد واما بالزيادة والنقصان كأن قال: آجرتك هذه الدار بعشرة.

وقال الآخر بل بخمسة.

أو قال: بهذا الثوب.

وقال: الآخر بل بهذين الثوبين.

أو قال: آجرتك بيتا من هذه الدار بعشرة.

وقال: الآخر بل كلهابها؟ واما بالتباين كان قال: آجرتك بخمسة دنانير.

وقال الآخر بخمسة دارهم.

أو قال: آجرتك هذا البيت من الدار بكذا.

وقال: الآخر بل هذا البيت الآخر؟ واما أن يكون الاختلاف في كلا الطرفين من عقد واحد كأن يقول: آجرتك هذا البيت بعشر دارهم.

ويقول الآخر: آجرتنى البيت الآخر بخمسة؟ واما أن يكون الاختلاف في نوع العقد كأن يقول: آجرتك الدار بكذا.

ويقول الآخر: بل بعتني.

أو يقول: أعرتنى.

أو يقول: بعتك بكذا.

ويقول الآخر: بل وهبتني أو صالحتني، وهكذا فهنا مسائل.

مسألة 1: إذا اختلفا في انه آجر الدار بخمسة أو بعشرة أو بهذا الثوب أو بهذين


166

الثوبين، فمع عدم البينة لاحدهما في المسألة وجوه واقوال، والمشهور تقديم قول المستأجر بيمينه على نفي الزيادة، وعن المبسوط وبعض المتأخرين التحالف، لان العقد المتشخص بالخمسة غير المتشخص بالعشرة فكل منهما مدع ومدعى عليه وإذا تحالفا انفسخ العقد بحكم الحاكمورجع المؤجر باجرة المثل للمنفعة المستوفاة كلا أو بعضا، ومع عدم الاستيفاء لا شئ له، وعن الخلاف القرعة مع اليمين، وربما يحتمل القرعة بلا يمين، وعن بعضهم الفرق بين النزاع قبل انقضاء الاجل فالتحالف أو بعده فالقرعة أو تقديم قول المستأجر مترددا بينهما.

وفي الجواهر: المتجه التحالف إذا كان مصب الدعوى هو العقد وانه وقع على الخمسة أو العشرة، وتقديم قول المستأجر إذا كانت في الزيادة والنقصان والاقوى تقديم قول المستأجر مطلقا، اما إذا كان مصب الدعوى الخمسة أو العشرة فواضح، واما إذا كان مصبها العقدين فلانه لما كان المقصود من النزاع فيهما هو اثبات الزيادة أو عدمها فالذي يدعى وقوع العقد على الاكثر يعد في العرف مدعيا لانه لاغرض له في هذه الدعوى إلا بيان إشتغال ذمة المستأجر بالازيد وكذا لا غرض للمستأجر إلا نفيه فلا يكون من التداعي والتحالف، نعم لو كان للمستأجر غرض آخر من دعوى وقوع العقد على الاقل يكون من التداعي بشرط أن يكون ذلك كوجبا لثبوت حق على المؤجر، واما لو كان له غرض من عند نفسه من غير أن يثبت به شئ على المؤجر فلا يكون كذلك، كما إذا نذر أن يعطى فقيرا درهما لو أوقع عقد الاجارة على غير الخمسة مثلا فلا ربط له بالمؤجر حتى يكون من التداعي، هذا ومع الاغماض عن حكم العرف أيضا.

يمكن أن يقال: بتقديم قول المستأجر لان وقوع القعد على الاقل متيقن ولو في ضمن الاكثر ووقوعه على الاكثر غير معلوم والاصل عدم وقوعه عليه فيكون مدعيه مدعيا والمستأجر منكرا، ونظير المقام الشك في المأمور به بين الاقل والاكثر حيث انه يمكن أن يتمسك بأصالة العدم مع الاغماض عن أصل البرائة، بأن يقال: شمول الامر بالصلاة مثلا لما عدا السورة معلوم والشك في شموله للسورة أيضا أولا؟ والاصل عدم شموله لها وعدم كونها تحت الامر، إذ ليس الغرض اثبات ورود الامر على خصوص ما عدا السورة، بل الغرض ان وجوبه معلوم بعد ورود هذا الامر، بخلاف السورة فان شمول


167

الامر لها وكونها تحته غير معلوم والاصل عدمه، وكذلك في المقام أيضا ليس الغرض وقوع العقد على خصوص الاقل وحده بل الغرض شمول العقد له وعدم شموله للزايد، فمع فرض كون مصب الدعوى العقد أيضا يمكن التمسك بأصل العدم وجعل المؤجر مدعيا.

نعم: لو كان النزاع في ان العقد وقع على خصوص الاقل وكان الغرض اثبات الخصوصية كان من باب التحالف، لكنه ليس كذلك، ثم على تقدير القول بالتحالف لاوجه لما ذكروه من انهما لو حلفا أو نكلا يحكم بانفساخ العقد، إذ لا دليل عليه سواءأرادو الانفساخ واقعا أو ظاهرا، اما الاول فواضح، وأما الثاني فلان غاية الامر سقوط الدعويين بالنسبة إلى تعيين وقوع العقد على كذا وكذا لا سقوطهما أصلا بعد العلم بوقوع عقد صحيح على أحد الوجهين موجب لانتقال المنفعة إلى المستأجر قطعا واشتغال ذمته باحدى الاجرتين فيرجع الامر إلى دعوى الاشتغال بالاقل أو الاكثر واللازم تقديم قول مدعى الاقل بيمينه ويكون كما لو علما بوقوع عقد بينهما على أحد الوجهين بلا نزاع بينهما لجهلهما بالتعيين.

ودعوى: ان مقتضى حلف كل منهما على نفى ما يدعيه الآخر الحكم بعدم وقوع عقد بينهما في ظاهر الشرع " مدفوعة " بمنع ذلك بعد العلم تفصيلا بانتقال المنفعة إلى المستأجر، واجمالا باشتغال ذمته للمؤجر باحدى الاجرتين، وبعبارة اخرى سقوط الدعويين في السبب وهو العقد لا يستلزم سقوط الدعوى في المسبب بل يرجع منها إلى مقتضى القاعدة فيها، كما ان في الاصول العملية إذا تعارض الاصلان في السبب يحكم بسقوطهما ويرجع إلى الاصل في المسبب - مع انه لو كان مقتضى التحالف ما ذكروه، لزم فيها لو تنازعا في عين بيد ثالث أو لا يد عليها وحلف كل منهما على نفى ما يدعيه الآخر أن يجرى عليها حكم مجهول المالك ولو علم كونها لاحدهما - مع انه ليس كذلك قطعا.

مسألة 2: إذا اختلفا في مال الاجارة انه خمسة أو عشرة وكان لاحدهما بينة قضى له سواء كان هو المؤجر أو المستأجر، اما إذا قلنا انه من باب التداعي وان كلا منهما مدع ومنكر فواضح، واما على المختار من كونه من باب المدعى والمنكر فكذلك، بناء على ما هو الاقوى من سماع البينة من المنكر.

نعم بناء على عدم سماعها منه، فان كان


168

من له البينة هو المدعى قضى له، وإن كان هو المنكر فيكون مثل صورة عدم البينة لكون بينته كالعدم فيجرى عليه حكم المنكر.

واما إذا أقام كل منهما بينة فاما أن تكونا مطلقتين أو مؤرختين بتاريخ واحد أو بتاريخين أو احديهما مطلقة والاخرى مؤرخة، ذكروا ان في صورة اختلاف التاريخين يعمل بالمتقدم تاريخا لبطلان المتأخر لعدم صحة الاجارة الثانية بعد الاولى مع فرض عدم الاقالة، وفي باقى الصور يتحقق التعارض، وفيه قولان.

" أحدهما " للشيخ في المبسوط وهو القرعة والحكم لمن خرج إسمه مع يمينه.

" والثانى " لابن إدريس وهو تقديم بينة المؤجر لكونه خارجا ومذهبه تقديم بينة الخارج، مع كون المراد من الخارج والداخل المدعي والمنكر لا المدعي وخصوص ذى اليد.

والتحقيق: عدم الفرق بين الصورة المذكورة والثلاثة الاخرى في تحقق التعارض، وذلك لان المفروض وقوع عقد واحد والنزاع في انه وقع على الاقل أو الاكثر، والاختلاف في تاريخ البيتين لا يوجب تعدده فهما متعارضتان في تعيين ذلك العقد كسائر الصور، فالمقام نظير ما إذا اختلفت البينتان في ان قاتل زيد هو بكر أو خالد واختلفتا في التاريخ، فانه لا إشكال في تعارضهما وتنافيهما، ودعوى، ان محل الكلام أعم من صورة العلم باتحاد العقد وصورة احتمال تعدده ومع التعدد يكون المتأخر باطلا مع فرض عدم الاقالة لصحة المتقدم بلا معارض، مدفوعة، أولا، بعدم تمامية ما ذكروه في صورة العلم بالاتحاد فيكون أخص من المدعى، وثانيا، مجرد احتمال التعدد لا يكفي في الحكم ببطلان المتأخر كما هو واضح، والبينتان متعارضتان في الظاهر واحتمال عدم التنافى بينهما لا يكفى في الخروج عن التعارض، والا ففي صورة اطلاقهما أو اطلاق احديهما أيضا يحتمل عدم التنافي، بأن يكون العقد متعددا وكان أحدهما أسبق فيلزم عدم اجراء حكم المعارضة في هاتين الصورتين أيضا، إلا أن يقال: بالفرق بان فيهما ليس المتقدم معينا علي فرض التعدد بخلاف صورة الاختلاف، لكن كفاية هذا المقدار من الفرق غير معلومة، فالظاهر صدق التنافي والتعارض في جميع الصور حتى مع احتمال تعدد العقد، ثم ان الاقوى هو القول الاولأي القرعة لكن بعد عدم المرجح لاحديهما، اما إذا كان مصب الدعوى هو العقد


169

وقلنا انه من باب التداعي فواضح، واما إذا جعلناه من المدعى والمنكر قلنا هو الاقوى من سماع بينة المنكر فيرجع إلى القرعة بينهما بعد فقد المرجحات، والمفروض ان المدعى به في الذمة لافي يد المنكر حتى تكون مرجحة لبينته فليس له الا الاصل وهو لا يكون مرجحا.

نعم لو كان مال الاجارة عينا خارجيتا مرددة بين الاقل والاكثر رجحت بينة من هي في يده من المؤجر أو المستأجر لاعتضادها بها، ثم بعد القرعة يحكم لمن خرج إسمه إذا حلف وإلا فيحلف الآخر ويحكم له، وان نكلا قسم الزائد بينهما.

مسألة 3: إذا قال: آجرتك نصف الدار بعشرة إلى سنة مثلا.

وقال: الآخر بل آجرتنى تمام الدار كذلك.

فهو عكس المسألة السابقة، إذا المؤجر هنا يدعى الاقل والمستأجر يدعى الاكثر فينعكس الحكم ويجرى على كل منهما عكس ما جرى عليه في المسألة السابقة، وكذا إذا قال: المؤجر آجرتك الدار إلى شهر بكذا.

وقال: المستأجر بل إلى شهرين، فان المدعى للزيادة هو المستأجر، وعلى هذا فعلى المختار في المسألة السابقة نقول هنا، إن لم يكن لواحد منهما بينة يكون المؤجر منكرا وعليه الحلف، وإن كانت لاحدهماقضى له، وإن أقام كل منهما بينة فالحكم القرعة مع فقد المرجحات، وعلى من خرج إسمه الحلف، وإن لم يحلف حلف الآخر، وإن نكلا قسمت الزيادة بينهما فيحكم للمستأجر بثلاثة أرباع الدار إلى سنة في الفرض الاول، وبشهر ونصف في الفرض الثاني، ولا يسقط من الاجرة شئ لانها عشرة على القولين.

نعم لو كان النزاع أو رفعه بعد انقضاء المدة مع فرض تصرف المستأجر في تمام الدار يكون عليه اجرة المثل للربع الراجع إلى المالك المؤجر، وكذا إن كان النزاع في الفرض الثاني بعد تصرف المستأجر في الدار إلى إنقضاء شهرين يكون عليه اجرة المثل لنصف الشهر الراجع إلى المؤجر، فما عن كاشف اللثام: " من سقوط الاجرة بالنسبة إلى ربع الدار أو نصف الشهر " لا وجه له إذا لا نزاع بينهما في كون الاجرة عشرة اما للنصف واما للكل، وانما النزاع في منفعة النصف الآخر أو منفعة الشهر الآخر وانها لايهما فتقسم بينهما، ثم انهم ذكروا في صورة كون البينتين مؤرختين مع اختلاف التاريخين ان الحكم للاقدم وان المتأخر باطل كما ذكروه في المسألة السابقة، وزادوا هنا إذا كان الاقدم بينة الاقل حكم بمقتضاها من صحة إجارته


170

بتمام الاجرة، ويحكم بمقتضى المتأخرة باجارة الباقي بالنسبة من الاجرة وهى النصفمنها في المثال المفروض، فيثبت فيه على المستأجر خمسة عشر، عشرة في قبال النصف بينته وخمسة في قبال النصف الآخر بالبينة المتأخرة تاريخا، حيث لا معارض لها بالنسبة إلى النصف الثاني.

وفي الجواهر: ولا ينافى ذلك خروجه عن دعويهما التى هي وقوع عقد واحد منهما وكون العوض فيه عشرة، وانما الاختلاف فيما تضمنه في مقابلة العشرة انه الدار أو نصفها، لان الثابت في الشرع حجية بينتهما لا دعواهما وقد اقتضتا ما عرفت، فينبغي العمل به لاحتمال كونه الواقع وإن خرج عن دعواهما معا كما سمعته في تنصيف العين التى ادعى كل منهما أنها له وهي في أيديهما وتسمعه في غيره، بل قد يقال: بوجوب العمل بكل منهما وإن علم الحاكم بخروج الحاصل من مقتضى الاجتهاد في اعمالهما عن الواقع فضلا عن دعواهما مع احتمال الواقع انتهى.

قلت: أولا، يرد عليهم ما ذكرنا في المسألة السابقة من تنافى البينتين وتعارضهما مع فرض وحدة العقد والاختلاف في انه وقع على جميع الدار أو على نصفها فلا وجه لتقديم الاسبق والحكم ببطلان المتأخر، إذ ليس هناك عقدان أحدهما أسبق من الآخر، وثانيا: لا وجه للزيادة التى ذكروها لان البينة السابقة وإن قدمت على المتأخرةبالنسبة إلى النصف إلا انها تعارضها بالنسبة إلى النصف الآخر لا ان تكون المتأخرة بلا معارض اعمال حكم المعارضة بينهما بالنسبة إلى النصف الاخر، وبعد القرعة ونكولهما عن الحلف اللازم يقسم النصف الثاني بينهما، فيكون للمستأجر ثلاثة أرباع الدار لا تمامها.

وثالثا: لا وجه للحكم بالاجرة للنصف الثاني بالنسبة إذ على تقدير صحة الاجارة بالنسبة إليه انما تكون بخمسة من تلك العشرة لا بخمسة اخرى، لانه لا نزاع في ان الاجرة عشرة، وانما الكلام في انها في قبال النصف أو في قبال الجميع وهذا واضح جدا، واما ما ذكره صاحب الجواهر من قول: ولا ينافى ذلك إلى آخره، فلا يخفى ما فيه من أوله إلى آخره.


171

مسألة 4: ما ذكرنا في حكم الاختلاف في قدر مال الاجارة أو العين المستأجرة من تقديم قول مدعى النقيصة في العوضين يجرى في سائر العقود بل في الايقاعات أيضا فان الاقوى في الجميع ذلك، إلا في الاختلاف في مقدار الثمن في البيع، فان المشهور المدعى عليه الاجماع عن الغنية، وكشف الرموز، تقديم قول البايع المدعى للزيادة بيمينه إذا كانالمبيع قائما بعينه من غير فرق بين أن يكون في يد البايع أو المشترى، ويدل عليه مرسل البزنطى، الذى رواه المشايخ الثلاثة المنجبر بما مر من الشهرة والاجماع، عن أبى عبد الله (ع): " في الرجل يبيع الشئ فيقول المشترى هو بكذا وكذا بأقل مما قاله البايع القول قول البايع، إذا كان الشئ قائما بعينه مع يمينه " المؤيد بالصحيح: " فان اختلفا فالقول قول رب السلعة اويتتاركا " الظاهر في العين، وبالنبوى صلى الله عليه وآله " إذا اختلفا المتبايعان فالقول قول البايع والمبتاع بالخيار " ولكن في المسألة أقوال اخر ضعيفة، واما مع عدم قيام المبيع فلا إشكال في تقديم قول المشترى، والمراد بقيامه بقائه عند المشترى فلو انتقلت عنه انتقالا لازما بل أو جائزا يكون كتلف في تقديم قول المشترى، وتلف بعضه أو نقله كتلف الكل أو نقله، لعدم صدق قيام العين مع كون الحكم على خلاف القاعدة، واللازم الاقتصار على المتيقن والامتزاج بغير الجنس كالتلف دون الامتزاج بمثله، ثم ان الحكم مختص بالاختلاف في قدر الثمن واما في قدر المبيع فيحكم بمقتض القاعدة من تقديم قول مدعى الاقل، كما انه لو اختلف وارثاهما أو وارث أحدهما مع الآخر فالحكم فيه بمقتضى القاعدة لان تقديم قول البايع من باب الحكم الشرعي وليس حقا حتى ينتقل إلى الوارث.

مسألة 5: إذا اختلفا في تعيين مال الاجارة أو في تعيين العين المستأجرة كأن يقول: آجرتك بدينار.

وقال الآخر: بل بعشر دراهم.

أو قال: آجرتك بهذا الثوب.

وقال: الآخر بل بهذا الثوب.

أو قال: آجرتك هذا البيت من الدار وقال: الآخر بل هذا البيت، فالحكم فيه مع عدم البينة التحالف ومع حلفهما أو نكولهما فالتنصيف أي تنصيف كل من الشيئين المتنازع فيهما، ويحتمل الرجوع إلى القرعة، ومع البينة لاحدهما يحكم له، ومع إقامتهما البينة فاعمال قاعدة تعارض البينات، وما ذكرنا من التنصيف في صورة التحالف


172

مع حلفهما أو نكولهما هو الاقوى، لكن يظهر من بعضهم ان الحكم هو الانفساخ ورجوع كل من العوضين إلى مالكه، وقد صرحوا به في باب البيع إذا اختلف في تعيين المبيع أو الثمن مع عدم البينة، بل ظاهرهم الاجماع عليه متمسكين بالنبوي صلى الله عليه وآله: " المتبايعان إذا اختلفا تحالفا وترادا " وبان مقتضى حلف كل منهما على نفي قول الآخر سقوط دعواه فيكون كأن لم يقع عقد بينهما، ثم انهم اختلفوا في ان الانفساخ من حين الحلف أو من الاول، أو انه بالنسبة إلى ما اتفقا عليه ثمنا أو مثمنا من الحين وبالنسبة إلى المختلف فيه منهما من الاول، ويظهر الفايدة في النماء، وفيما لو وقع التحالف بعد انتقال العينبعقد لازم أو الخروج عن الملك بعتق أو وقف أو نحوهما.

ولا يخفى: ما فيما ذكروه " اما أولا " فلان تعليليهم لا يجرى في صورة نكولهما " واما ثانيا " فما أشرنا إليه سابقا من ان حلف كل منهما على نفي قول الآخر انما هو في التعيين وإلا فهما متفقان على وقوع عقد بينهما فالساقط بالحلف هو التعيين لا أصل العقد الذى هو معلوم ومتفق عليه، فيكون الحال كما إذا علما بوقوع عقد بينهما ونسيا انه كان على كذا أو كذا من غير نزاع بينهما فانه لا إشكال في عدم الحكم بالانفساخ حينئذ، بل الحكم فيه اما القرعة واما الصلح القهري بالتنصيف.

" وثالثا " ان مقتضى ما ذكروه انه لو اختلفا في عين في يد ثالث أولا يد لاحد عليها وتحالفا، أن يحكم بكونها مجهول المالك حتى مع العلم بانها لاحدهما، ولا يقولون به، بل ولا يمكن القول به، واما النبوى صلى الله عليه وآله فهو عامى - مع ان مقتضاه الحكم بالانفساخ في جميع صور دعوى المتبايعين والتخصيص بالصورة المفروضة إخرا للاكثر - مع ان ظاهره الانفساخ الواقعي ولا يقولون به؟ ثم على فرض صحة ما ذكروه لا ينبغى الاشكال في كون الانفساخ من الاول لان مقتضى حلف كل منهما إذ هما يحلفان على ان العقد لم يقع على كذا من الاول، فلا وجه لدعوى كون الانفساخ من حين الحلف، واما القول الثالث فلا يخفى فساده.

فظهر ان الاقوى ما ذكرنامن التنصيف أو القرعة في جميع المقامات حتى البيع، والاجماع فيه غير مسلم - مع ان مدركه معلوم، ومما ذكرنا ظهر حال ما إذا كان الاختلاف في كلا العوضين.

مسألة 6: إذا اختلفا في نوع العقد كما إذا قال: بعتك كذا بكذا.

وقال: الآخر


173

بل وهبتني.

لدفع لزوم العوض، فمع البينة لاحدهما يحكم له ومع اقامتهما البينة يرجع إلى قاعدة تعارض البينات ومع عدم البينة يتحالفان ومع حلفهما أو نكولهما يرجع النزاع إلى اشتغال ذمته بالعوض وعدمه فيقدم قول المنكر بيمينه، ولازم كلامهم في المسائل المتقدمة الحكم بالانفساخ هنا أيضا بعد حلفهما أو نكولهما، وقد مر ما فيه؟ والاولى أن يقال: إن كان الغرض من الدعوى وقوع عقد كذا أو كذا فالحكم هو التحالف وإن كان الغرض استحقاق العوض وعدمه فيكون القول قول مدعى الهبة لاصالة البرائة، ودعوى، ان مقتضى قاعدة إحترام مال المسلم تقديم قول مدعى البيع، كما ترى، لاتفاقهما على انه ملكه ذلك الشئ فلا يكون تصرفه فيه تصرفا في مال الغير حتى يقال: ان ماله محترم، والتمليك المجاني بالاختيار لا ينافي الاحترام كيف وإلالزم فيما إذا اختلفا في قلة الثمن وكثرته أن يقال: بتقديم قول البايع إذا كان المبيع يساوى أزيد مما يدعيه المشترىولا قائل به هذا، ولو انعكس النزاع انعكس الحكم بأن قال: وهبتك.

وقال: الآخر بل بعتني.

وكان غرضهما من النزاع جواز الرجوع وعدمه، كما إذ كانت العين قائمة بعينها وكان المنتقل إليه أجنبيا فانه على تقدير الهبة يجوز الرجوع فيها بخلافه على تقدير البيع، أو كان قبل القبض فانه يجوز الرجوع على تقدير البيع.

مسألة 7: إذا اختلفا في انه صالحه بلا عوض أو معه فمع عدم البينة يقدم قول من يدعى عدم العوض لاصالة عدم ذكر وأصالة البرائة منه، وكذا إذا اختلفا في انه وهبه هبة مجانية أو بشرط العوض.

مسألة 8: إذا اتفقا على انه أذن له في التصرف في شئ من ماله، واختلفا في انه أذن مجانا أو مع العوض، فالمسألة مبينة على ان مقتضى الاصل في اليد إلا أن يثبت الاذن المجاني أو عدم الضمان إلا أن يثبت كونه بشرط العوض، والظاهر هو الاول لقاعدة إحترام مال المسلم لان المفروض انه تصرف في مال الغير والاذن أعم من أن يكون مجانا أو مع العوض، فهنا محل قاعدة احترام المال.

مسألة 9: إذا قال: بعتك دارى بكذا من الدارهم.

مثلا وقال: الآخر نعم ولاكننى لست مشغول الذمة بذلك العوض.

فقد يحتمل جريان أصل البرائة لاحتمال كون البايع


174

مديونا للمشترى بمقدار الثمن من الدارهم، أو كون مقداره أمانة عنده فجعله ثمنا للمبيع، لكن الاقوى تقديم قول البايع لا لاصالة إحترام ماله لان المفروض تمليكه اياه بالعوض، بل لان الاصل عدم وصول العوض إليه - مع ان الشك فيه مسبب عن الشك في شغل ذمته سابقا بالدين وعدمه أو كونه أمانة للمشترى عنده وعدمه والاصل عدمها، وكذا الحال إذا اتفقا على انه تزوج المرأة بمائة دينار مثلا وادعى عدم اشتغال ذمته بها فان الاصل عدم وصول المهر المجعول إليها وإن احتمل كونها مديونا له قبل هذا وجعله الدين مهرا لها.

نعم إذا اختلفا في أصل استحقاق المهر وعدمه يمكن أن يقال: الاصل عدمه لاحتمال كون المهر من أبيه أو متبرع فلم تستحق عليه شيئا أصلا حتى يقال: الاصل عدم وصوله إليها.

مسألة 10: لو اختلفا في انه آجره داره أو غيرها إلى مدة كذا، أو أعاره إياها، فاما أن يكون المدعى للاجارة هو المالك لارادة إلزامه بالاجرة، وإما أن يكون المدعى لها هو القابض لارادة منع المالك من تمكن الاسترداد إلى آخر المدة أو لدفع الضمان عن نفسه فيما إذا كانت العين من الذهب والفضة وقد تلفت في يده، وعلى الاول إما أن يكونالنزاع في ابتداء المدة قبل استيفائه شيئا من المنفعة أوفي أثنائها أو بعد انقضائها، فان كان قبل الاستيفاء فلا إشكال في ان المالك هو المدعى وان القول قول القابض بيمينه، وإن كان النزاع بعد الاستيفاء بعضا أو كلا؟ ففي المسألة اقوال، فعن جماعة ان القول قول القابض لاصالة البراءة عن ضمان الاجرة، وعن المشهور ان القول قول المالك فيحلف على عدم الاعارة ويثبت على القابض اجرة المثل في تلك المدة التى كانت بيده لاصالة احترام مال المسلم وهو المنفعة التى استوفاها ولقاعدة اليد والاتلاف، وعن بعضهم التحالف واجراء حكمه، وعن الشيخ استعمال القرعة في تعيين المنكر منهما فيكون القول قوله بيمينه، والاقوى هو القول الاول إذا كان محط الدعوى هو استحقاق الاجرة وعدمه لاصالة عدم الاجارة ولا يعارضها أصالة عدم الاعارة، لانها لا تثبت الضمان إلا بضميمة العلم الاجمالي بخلاف أصالة عدم الاجارة فانها موجبة لعدم الضمان نفسها - مع انهما إذا تعارضا يبقى أصل البراءة من الاجرة، بل وكذا إذا كان مصب الدعوى ان الواقع أي من العقدين


175

لان الغرض من النزاع هو اثبات الاجرة وعدمها فيصدق عرفا ان المالك هو المدعى والقابض المنكر.

نعم لو كان الغرض في تشخيص الواقع بملاحظة خصوصية لا الضمان وعدمهفاللازم التحالف واجراء حكمه " ودعوى " ان مقتضى قاعدتي اليد والاتلاف الضمان " مدفوعة " بان مجريهما صورة معلومية كون التصرف في مال الغير إذن مجاني - مع انهما يثبتان اجرة المثل لا المسمى وهما متفقان على عدم إستحقاق اجرة المثل، ومن هذا يظهر عدم صحة التمسك بقاعدة الاحترام على فرض تماميتها في المقام لانها أيضا لا تثبت المسمى بل اجرة المثل المتفق على عدمها خصوصا إذا كانت الاجرة المسماة من سائر الاجناس غير النقود وجواز أخذها مقاصة عن الاجرة المسماة فرع ثبوتها.

وما يمكن أن يقال: من جواز التمسك بموثق اسحاق بن عمار الدال على تقديم قول مدعى القرض على مدعى الوديعة، حيث ان تقديم قول مدعى القرض لاجل إحترام مال المسلم " فيه " عدم معلومية كونه من هذه الجهة بل هو حكم تعبدي لا يصح القياس عليه، وعلى فرضه فرق بين المقامين فان فيما نحن فيه النزاع في العوض المسمى بخلاف القرض فان فيه عوض المثل.

ثم: إذا كان النزاع في اثناء المدة فعلى المختار من تقديم قول مدعى العارية يجب عليه رد العين إلى المالك لاعترافه بعدم استحقاقه منفعة بقية المدة، وإن اعترف المالك بكونها له وله أخذها مقاصة عما يدعى استحقاقه من الاجرة المسماة، وأما على قول المشهورمن تقديم قول المالك فله أن لا يدفعها إليه والانتفاع بها في بقية المدة بمقدار ما دفعه من أجرة المثل لما مضى من المدة من باب المقاصة، وليس للمالك الانتزاع منه بعد اعترافه بانها له.

نعم في القدار الزائد عما دفعه من الاجرة له الانتزاع منه مقاصة عما يدعيه من بقية اجرة المسمى، ويشكل الحال إذا كان لكل منهما بقية وتنازعا في المقاصة.

واما على الثاني: وهو ما لو انعكست الدعوى بأن ادعى المالك الاعارة لاثبات


176

التمكن من الانتزاع وادعى القابض الاجارة لمنعه عن ذلك، فالقول قول المالك لاصالة عدم الاجارة وبقاء المنفعة على ملكه، ولا تعارضها أصالة عدم الاعارة لانها لا تثبت ملكية المنفعة بنفسها بخلاف أصالة عدم الاجارة فانها تثبت بنفسها بقاء المنفعة على ملك المالك.

نعم يمكن أن يقال: يتقدم قول القابض لكونه ذايد وهي مقدمة على الاصل العملي أي أصل عدم الاجارة فتأمل، ولو ادعى المالك الاعارة المضمونة بالشرط أو لكون العين من الذهب والفضة والمفروض تلف العين وادعى القابض الاجارة وكون العين عنده على وجه الامانة، قدم قول القابض لاصالة البراءة من الضمان.

مسألة 11: إذا تنازعا في عين قد تلف في يد القابض انه باعها منه أو أودعها عندهبأن قال: المالك بعتكها بكذا.

وقال: القابض أو دعتنيها فالاقوى تقديم قول القابض، لاصالة عدم البيع وأصالة البراءة من العوض، ومقتضى قول المشهور في مسألة الاختلاف في الاجارة والاعارة من تقديم قول المالك والحكم بضمان اجرة المثل للمنفعة المستوفاه تقديم قول المالك هنا أيضا والحكم بضمان ثمن المثل لاصالة عدم الايداع وقاعدتي اليد والاحترام، وفيه، ما مر من ان المتنازعين متفقان على عدم ضمان قيمة المثل وانما نزاعهما في استحقاق العوض المسمى وعدمه وأصالة عدم الايداع لا تثبت ذلك إلا بضميمة العلم الاجمالي بخلاف أصالة عدم البيع فانها بنفسها تنفى استحقاق العوض؟ وبالجملة الكلام في هذه المسألة كالكلام في تلك فلو كانت العين موجودة وقال: القابض بعتنيها.

وقال: المالك اودعتكها.

بعكس الفرض الاول يقدم قول المالك لاصالة بقائها على ملكه، وكذا الحال في جميع ما كان من قبيل هذه المسألة.

نعم: لو قال: المالك أقرضتك العين وقال: القابض أودعتنيها.

والمفروض كونها تالفة، فمقتضى ما ذكرنا وإن كان تقديم قول القابض إلا ان الاقوى تقديم قول المالك، لموثقة اسحاق بن عمار " قال: " سئلت أبا الحسن (ع) عن رجل استودع رجلا ألف درهم فضاعت فقال: الرجل كانت عندي وديعة.

وقال الاخر: انما كانت عليك قرضا.

قال (ع):المال لازم له إلا أن يقيم البينة انها كانت وديعة ".

وموثقة الاخرى " عن أبى عبد الله (ع) في رجل قال: لرجل لي عليك ألف درهم.

فقال: الرجل لا ولكنها وديعة.

فقال (ع):


177

القول قول صاحب المال مع يمينه " ودلالتهما واضحة فيجوز الخروج عن مقتضى القاعدة بهما - مع انه يمكن أن يقال: كما أشرنا إليه سابقا بالفرق بين هذه المسألة وبين المسألتين السابقتين، فان فيهما النزاع في العوض المسمى من الاجرة أو الثمن ولا يمكن اثباته بقاعدتى اليد والاحترام المقتضيتين لعوض المثل المتفق بين المتنازعين عدمه، بخلاف هذه المسألة فان مرجع النزاع فيها إلى ثبوت أصل العوض من المثل أو القيمة وعدمه، إذ الفرض ليس معاوضة بل هو تمليك بالضمان فالعوض فيه هو المثل أو القيمة لا المسمى، كما ان مقتضى قاعدتي اليد والاحترام أيضا ذلك فلا مانع من إجرائهما في هذه المسألة، حيث ان مقتضاهما ليس مما اتفق المتنازعان على عدمه.

مسألة 12: إذا تنازعا في عين انها رهن أو وديعة بأن قال: المالك انها وديعة.

وادعى القابض كونها رهنا عنده.

فمع عدم البينة، المشهور تقديم قول المالك للاصل، وعن المقنع والاستبصار تقديم قول القابض، ونسب أيضا إلى بعض متأخرى المتأخرين،وعن ابن حمزة تقديم قول القابض إن اعترف المالك بالدين والا فقول المالك، وعن ابن الجنيد تقديم قول المالك إن كانت أمانة عند القابض ثم ادعى رهانتها، وقول القابض إن ادعى الرهانة ابتداء، والظاهر ان محل النزاع أعم من صورة تحقق الدين وعدمه بقرينة نقلهم قول ابن حمزة في عداد الاقوال، ولا وجه لدعوى كون محل الخلاف صورة اتفاقهما على الدين، وكيف كان فالاقوى في صورة تحقق الدين تقديم قول القابض لدلالة يده على ما يدعيه من الحق إذ هي كما انها امارة على الملكية كذلك امارة على الحق وهي مقدمة على أصالة عدم الرهانة فيكون القابض هو المنكر، ويدل عليه أيضا خبر عبادة بن صهيب " قال: سئلت أبا عبد الله (ع) عن متاع في يد رجلين أحدها يقول: استودعتكه.

الآخر يقول: هو رهن.

فقال: القول قول الذى يقول انه رهن عندي إلا أن يأتي الذى ادعى أنه أودعه بشهود " وذيل موثق ابن أبى يعفور الوارد عن الاختلاف في مقدار الدين الذى عليه الرهن " قال: وإن كان الرهن أقل مما رهن به أو أكثر واختلفا فقال: أحدهما هو رهن.

وقال الآخر: هو وديعة.

قال: على صاحب الوديعة البينة فان لم يكن بينة حلف صاحب الرهن " وصحيح أبان الموافق في المتن للموثق المزبور بناء على انه خبر آخر، وإن ظن صاحب


178

الحدائق انهما خبر واحد، ودعوى ضعف هذه الاخبار لكون الشهرة على خلافها كما ترى - مع أنه يمكن أن يقال: ان نظر جملة منهم إلى صورة عدم تحقق الدين وانه لا يثبت بقول القابض هذا رهن عليه، فتحقق الشهرة على الخلاف غير معلوم - مع انه لا دليل لهم إلا الاصل المقطوع بما ذكرنا.

نعم: قد يستدل لهم بصحيح ابن مسلم عن أبى جعفر (ع) " في رجل وهن عند صاحبه رهنا فقال: الذى عنده الرهن أرهنته عندي بكذا وكذا.

وقال الآخر: انما هو عندك وديعة.

فقال: البينة على الذى عنده الرهن انه بكذا وكذا.

فان لم يكن له بينة فعلى الذى له الرهن اليمين ".

، وفيه، انه محمول كما عن الشيخ على صورة النزاع في الدين لا الرهن فلا دلالة فيه على تقديم قوله في صورة تحقق الدين، كما لا دلالة في الخبر الوارد في جواز استيفاء الدين من الرهن إذا مات المالك وخاف جحود الوارث لو أقربه، وهو مكاتبه المروزى لابي الحسن (ع) " في رجل مات وله ورثة فجاء رجل فادعى عليه مالا وان عنده رهنا.

فكتب (ع): إن كان له على الميت مال ولا بينة له فليأخذ ماله مما في يده ويرد الباقي على ورثته ومتى أقر بما عنده اخذ به وطولب بالبينة على دعواه وأوفى حقه بعد اليمين، ومتى لم يقم البينة والورثة ينكرون فله عليهم يمين علم يحلفون بالله ما يعلمون لهعلى ميتهم حقا ".

بدعوى: ان ظاهره عدم سماع قوله في دعوى الرهن " وفيه " ان ظاهره عدم سماع دعوى الدين وانه لابد من اثباته بالبينة لا عدم سماع دعوى الرهن ولو كان الدين محققا.

واستدل في الجواهر أيضا بموثقة اسحاق بن عمار المتقدم في الاختلاف في القرض والوديعة الدال على ان القول قول صاحب المال مع يمينه قال: وخصوص المورد لا يخصص الوارد فيستفاد منه حينئذ أصالة عدم الحكم بخروج مال الانسان من يده إلا بقوله، وان كان مدعيا فضلا عما نحن فيه مما هو مدعى عليه.

وفيه: انه حكم تعبدي في مورد خاص، والاستفادة المذكورة ممنوعة - مع انه يحتمل أن يقال: كما أشار إليه أن تقديم قول الملك في دعوى القرض من أجل قاعدة الضمان في اليد لا من حيث انه مالك فلا يكون دليلا على الاصل المذكور؟ فظهر ان الاقوى في


179

صورة تحقق الدين تقديم قول مدعى الرهن، واما مع عدم تحققه فالحكم محل تأمل لان الرهن لا يكون إلا على دين على المالك أو على غيره باذنه، والمفروض عدم تحققه، والتمسك باطلاق الاخبار المذكور مشكل - مع ان مقتضى الجمع بينها، وبين صحيح ابن مسلمومكاتبة المروزى، تخصيصها بصورة تحقق الدين فلا يبعد قوة التفصيل المحكى عن ابن حمزة، واما ما ذكره ابن الجنيد من التفصيل " ففيه " ان الظاهر ان محل الكلام انما هو خصوص الثانية، وهي دعوى الرهانة ابتداء، واما الصورة الاولى: وهي ما إذا اعترف القابض بكون ما في يده امانة ثم صار رهنا فخارجة عن محل الكلام - مع ان مقتضى الاستصحاب بقاء يده على ما كانت من كونها على وجه الامانة، وهذا أصل موضوعي مبين لحال اليد وتخرج عن كونها امارة على حقه، والاخبار أيضا منصرفة عن هذه الصور.

مسألة 13: إذا اختلفا في صحة معاملة واقعة بينهما وفسادها، فادعى أحدهما الفساد إما إجمالا من غير ذكر موجبه وإما بدعوى وجود مانع أو فقد شرط أو عدم أهلية أحدهما أو عدم صلاحية أحد العوضين للعوضية، كما إذا قال: بعتك خمرا أو بخمر أو حر أو بحر.

وقال الآخر: بل خلا أو بخل أو عبدا أو بعبد، أو قال: بعتك وأنا صبي أو وأنت صبي أو ادعى الجهل بأحد العوضين أو كليهما جنسا أو قدرا أو وصفا، أو ادعى وقوع التزويج حال الاحرام أو نحو ذلك، فالمشهور تقديم قول مدعى الصحة، وعن الكفاية الاشكال فيه، وعن جامع المقاصد تخصيص الحمل على الصحة بما عدى الاركان من العوضين والمتعاقدين، وعن المسالك تخصيصه في مثل النزاع في كون أحد العوضين خمرا أو حرا بما إذا كان في الذمةوالاشكال فيما إذا كان في عين خارجي كأن يقول: بعتك بهذا الخمر مشيرا إلى معين وقال الآخر: بل بهذا الخل مشيرا إلى معين.

وقال الآخر: بل بهذا الخل مشيرا إلى معين آخر، وفي الجواهر عدم الفرق بينهما في تقديم قول مدعى الصحة لكنه ادعى القطع بعدم الحمل على الصحة إذا كان النزاع في شئ واحد كأن يقول: بعتك بهذا الخمر.

فقال الآخر: بل بهذا الخل.

لان أصل الصحة لا يشخص كونه خلا مثلا، واستشكل بعضهم في صورة جهله بشرائط الصحة أو اعتقاده الصحة تقليدا أو اجتهادا، مثلا إذا ادعى أحدهما وقوع العقد بالعربى وادعى الآخر وقوعه بالفارسي - مع كون مذهبه صحته - فانه


180

لا يقدم قول مدعى وقوعه بالعربى لان أصالة الصحة لا تقتضي إلا الصحة عنده لا الصحة الواقعية فلا يكون فعله حجة عليه، ويظهر من بعضهم الاشكال فيما إذا كان هناك أصل موضوعي يقتضى الفساد كالنزاع في بلوغ أحدهما أو في تعيين أحد العوضيين أو نحو ذلك مما كان مقتضى الاصل عدمه، وحيث أن عمدة الدليل على هذا الاصل الاجماع والسيرة واختلال النظام لو لاه، فاللازم الاقتصار على القدر المتيقن، فيشكل تقديم قول مدعى الصحة في الصورة التى هي محل الخلاف أو الاشكال، والقدر المتيقن صورة دعوى الفساد إجمالا منغير ذكر موجبه أو دعوى كون أحد العوضين ما لا يصلح للعوضية ونحوهما مما لم يكن هناك أصل موضوعي يقتضى الفساد ويشكل الحال في بقية الصور، ودعوى، ان الدليل هو الآيات والاخبار الدالة على حمل فعل المسلم على الصحة، كما ترى، إذ لا دلالة فيها - مع ان الكلام أعم مما كان بين المسلمين أو كافرين أو مختلفين، كما لا وجه للتمسك له بالعمومات إذ مع الاغماض عن كون الشبهة مصداقية قد يكون هناك أصل يثبت موضوع المخصص المعلوم كأصالة عدم البلوغ وأصالة عدم التعيين ونحوهما، وقد يتخيل ان الدليل عليه ظاهر حال المسلم " وفيه " أولا انه أخص من المدعى، وثانيا لا دليل على حجيته.

نعم: يمكن أن يقال: ان الوجه في تقديم قول مدعي الصحة أخد مدعي الفساد باعترافه بوقوع المعاملة الظاهرة في الصحيحة فيكون في دعوى ما يوجب الفساد مدعيا فعليه إثباته، كما في سائر موارد الاقرار إذا ادعى بعده ما ينافيه، وعليه ففي جميع الصور المذكورة يقدم قول مدعى الصحة إلا في مورد لا ينفذ إقراره كما إذا قال: بعتك وانا صبى، بخلاف ما إذا قال: بعتك وأنت صبى.

فان الاقرار منه في وقوع البيع حجة عليه أو يكون له عذر في إقراره بأن كان جاهلا بشرايط الصحة أو كان معتقده الصحة تقليدا أو اجتهادا فان إقراره حينئذ إقرار بالصحة عنده لا الصحة الواقعية، ودعوى، عدم صدق البيع مثلافي صورة النزاع في أحد الاركان، كما ترى، إذ يصدق عرفا في بيع الخمر انه بيع قطعا وكذا في بيع الصبى وبيع الحر ونحو ذلك فلا مانع من أخذه باقراره فيها.

ثم: ان مقتضى تقديم قول مدعي الصحة ترتيب جميع آثارها فإذا قال: بعتك بخمر.

وقال الآخر: بل بخل.

له الزامه بدفع الخل سواء كان في الذمة أو عينا خارجية، بل في


181

الفرض الذى منع صاحب الجواهر (قده) الحمل على الصحة فيه وهو ما كان النزاع فيه في شئ واحد معين أيضا يرتب أثر الصحة فيحكم بصحة البيع فيما إذا قال: بعتك هذا العبد.

وقال: بل هذا الحر.

وانتقال العوض إلى البايع وإن لم يتمكن المشترى من التصرف في المبيع حيث انه معترف بعدم انتقاله إليه هذا، وذكر المحقق الانصاري (قده): ان الثابت من القاعدة المذكورة الحكم بوقوع الفعل بحيث يترتب عليها الآثار الشرعية المترتبة على الصحيح، واما ما يلازم الصحة من الامور الخارجية عن حقيقة الصحيح فلا دليل على ترتبها عليه، فلو شك في ان الشراء الصادر من الغير كان بما لا يملك كالخمر والخنزير أو بعين من أعيان ماله، فلا يحكم بخروج تلك العين من تركته، بل يحكم بصحة الشراء وعم إنتقال شئ من التركته إلى البايع لاصالة عدمه.

انتهى، فان كان مراده ان في مثلالنزاع بين المتبايعين في ان المبيع كان خمرا أو خلا أيضا لا يحكم بانتقال الثمن إليه - ففيه ما ذكرنا - وإن كان مراده ذلك في خصوص مثل الفرض الذى فرضه وهو كون الشك في المعاملة الصادرة عن الغير - ففيه أيضا تأمل -.

مسألة 14: إذا اختلف الزوجان أو وارثهما أو أحدهما مع وارث الآخر في كون العقد دواما أو متعة، فالظاهر تقديم قول مدعي الدوام، وذلك لاتحاد حقيقتهما وكون الاختلاف بينهما باشتراط الاجل وعدمه، كما هو ظاهر المشهور حيث قالوا: لو لم يذكر الاجل كان العقد دواما.

فالدائم ما لم يذكر فيه الاجل واختلاف أحكامهما انما هو باشتراط الاجل وعدمه نظير اختلاف أحكام البيع اللازم والخيارى، ويدل على ما ذكرنا إتحاد حقيقتهما خبر أبان ابن تغلب " قال: لما علمه كيفية عقد المتعة انى أستحي أن أذكر شرط الايام.

فقال: هو أضر عليك.

قلت: وكيف.

قال: انك إن لم تشترط كان تزويج مقام ولزمتك النفقة والعدة وكانت وارثة ولم تقدر عن على أن تطلقها إلاطلاق السنة " وموثق ابن بكير " إن سمى الاجل فهو متعة وإن لم يسم الاجل فهو نكاح ثابت " فالدائم ما لم يذكر فيه الاجل ومرجع النزاع إلى اشتراطه وعدمه والاصل عدمه، فكيون المدعي من يدعي المتعة والمنكر من يدعي الداوم، وحينئذ فان كان المنكر للشرط هو أحد الزوجين حلف على البتوإن كان هو الوارث فكذلك إن كان عالما بالحال وإلا حلف على نفي العلم إن ادعى عليه


182

علمه به، وظهر مما ذكرنا انه لا وجه لما قد يتخيل ان النزاع من باب التداعي، لان اختلاف الاحكام يدل على تباينهما، لما عرفت من ان الاختلاف يمكن أن يكون من قبل الشرط وعدمه.

مسألة 15: إذا أذن المرتهن للراهن في بيع العين المرهونه فباع ثم ادعى المرتهن انه رجع عن إذنه قبل البيع وأنكر الراهن رجوعه، فمع عدم البينة يقدم قول الراهن لان الاصل عدم رجوعه عن إذنه، إن رجع المرتهن عن إذنه فادعى الراهن أنه باع قبل رجوعه يقدم مع عدم البينة قول المرتهن، واما إذا تصادقا على البيع والرجوع واختلفا في المتقدم منهما، فالمشهور تقديم قول المرتهن لاستصحاب بقاء الرهانة بعد تعارض أصالة عدم تقدم كل منهما على الآخر، وقد يقال: بتقديم قول الراهن لان أصالة بقاء الرهانة معارضة بأصالة صحة البيع فيتساقطان فيرجع إلى قاعدة تسلط الناس على أموالهم، وأورد عليه صاحب الجواهر " بان أصالة صحة العقد مترتبة على سبقه بالاذن فإذا حكم بعدمه لم يمكن الحكم بصحة العقد بخلاف استصحاب بقاء الرهانة فانه باعتبار معلومية حصولها صحيحة سابقاانما يكون الشك في طرو المبطل لها فيكفى في نفيه أصالة عدمه وليس استصحابها مشروطا بسبق الرجوع على البيع حتى يقال: انه إذا حكم بعدمه لم يمكن الحكم به نحو ما سمعته في صحة البيع بل يكفى في صحة استصحابها عدم العلم بسبق البيع ".

" قلت " كان الاولى في الايراد عليه منع جريان أصالة صحة البيع لما يأتي وانه على فرض جريانها لا تكون معارضة بأصالة بقاء الرهانة بل هي مقدمة عليها لان الشك في بقاء الرهانة وعدمه مسبب عن الشك في صحة البيع وعدمها فمع جريان أصل الصحة يرتفع الشك فيه، فلا وجه لدعوى تساقطهما.

ثم ان قوله: ان أصالة صحة العقد مترتبة.

الخ لا وجه له، لان نفس الصحة مترتبة على سبق الاذن لا أصالتها فمع فرض جريانها لا يضر توقف الصحة على الشرط فانها تجرى مع الشك فيها سواء كان لاجل الشك في الشرط أو المانع.

وعن: جامع المقاصد أيضا - الاشكال

في الرجوع

إلى أصالة بقاء الرهانة حيث - قال: " ان الاصل وإن كان عدم صدور البيع على الوجه الذى يدعيه الراهن إلا انه لا يتمسك به ألآن لحصول الناقل عنه وهو صدور البيع مستجمعا لجميع ما يعتبر فيه شرعا وليس


183

هناك ما يخل بصحته إلا كون الرجوع قبله ويكفى فيه عدم العلم بوقوعه كذلك لانالمانع لا يشترط العلم بانتفائه لتأثير المقتضى وإلا لم يمكن التمسك بشئ من العلل الشرعية إذ لا يقطع بنفى موانع تأثيرها بحسب الواقع وهو معلوم البطلان، إلى أن قال: على أن ما ذكروه في الاستدلال انما يتم على تقدير تسليم بقاء الاصلين المزبورين والانحصار فيهما وفي الاصل الثالث الذى ذكروه وليس كذلك فان لنا أصلا آخر من هذا الجانب وهو ان الاصل في البيع الصحة واللزوم ووجوب الوفاء بالعقد " انتهى.

قلت: اما ما ذكره أولا من استجماع البيع لجميع الشرائط ولا مخل له إلا كون الرجوع قبله ويكفى فيه عدم العلم " ففيه " ان الشرط في صحته الاذن وهو مشكوك فليس الشك في المانع بل في الشرط - مع ان المانع أيضا لابد من إحراز عدمه ولو بالاصل وهو هنا معارض بأصل آخر، واما ذكره أخيرا من التمسك بأصل الصحة في البيع وعموم وجوب الوفاء " ففيه " انه إن اراد من أصل الصحة حمل فعل المسلم عليها فلا وجه له - مع انه معارض بحمل فعل الراجع على الصحة لان الرجوع أيضا له صحيح وفاسد، وإن أراد ما هو المعروف من تقديم مدعى الصحة على مدعى الفساد في المعاملات.

فهو فيما كان مدعى الفساد طرفا في المعاملة ليكون فعله حجة على نفسه، وفي المقام ليس مدعى الفساد طرفا في البيع بل هو شخص آخر فيلزم من حلمه على الصحة كون فعل شخص حجة له على غيره، واما التمسكبالعمومات فلا وجه له أيضا، إذ مع الاغماض عن كون الشبهة مصداقية معارض بان مقتضى عمومات الرهن أيضا بقائه وكذا مقتضى ما دل على جواز الرجوع في الاذن أيضا صحته.

هذا وقد أطال الكلام في الجواهر في هذه المسألة وفي صحة ما ذكره المشهور من تقديم قول المرتهن ومقتضى اطلاقهم عدم الفرق بين صورة الجهل بالتاريخين وبين صورة العلم بأحدهما، وأقول: مقتضى ظاهر كلامهم من كون مصب النزاع سبق البيع أو سبق الرجوع ان المقام من التداعي وكون كل منهما مدعيا ومنكرا فاللازم حينئذ التحالف لا ما ذكروه من التساقط والرجوع إلى أصل آخر وهو أصالة بقاء الرهانة، لكن التحقيق ان الغرض من النزاع إثبات صحة البيع وفساده - مع أن الحكم ليس معلقا على التقدم والتأخر ولا على كون البيع قبل الرجوع أو بعده، بل على صحة البيع وبطلانه وبقاء الرهانة وعدمه،


184

وإن كان الشك في ذلك ناشئا عن الشك في التقدم والتأخر فلابد من ملاحظة ان أيا من القولين موافق للاصل.

فنقول: إذا علم تاريخ البيع وجهل تاريخ الرجوع فاللازم تقديم قول الراهن لان الاصل بقاء الاذن وعدم الرجوع إلى حال البيع ولا مجرى لاصالة عدمه قبل الرجوع لان زمانه معلوم بالفرض - مع انها لا تثبت وقوعه بعده إلا بالاصل المثبتوإلا فلا حكم لعدم البيع قبل الرجوع - مع انها معارضة بأصل عدم الرجوع قبل البيع فيبقى أصل بقاء الاذن إلى حال البيع، وكذا مع الجهل بتاريخهما فان الاصل بقاء الاذن إلى حال البيع، ولا يعارضه أصالة عدم وقوعه قبل الرجوع لما ذكر من انها من الاصل المثبت، وأيضا معارضة بأصل عدم الرجوع قبلة فيتساقطان ويبقى استصحاب بقاء الاذن، وقد عرفت انه مقدم على أصالة بقاء الرهانة.

فلا وجه: لما في الجواهر " من ان استصحاب بقاء الاذن لا يمكن أن يفيد المقارنة للبيع لاحتمال تخلل الرجوع، الذى قد عرفت معارضة أصالة عدمه بأصالة عدم تخلل البيع بين الاذن والرجوع، فاستصحاب بقاء الاذن الذى لازمه عدم الرجوع كاستصحاب بقاء المال الذى لازمه عدم البيع كما هو واضح " إذا لواضح خلافه كما بينا واما مع العلم بتاريخ الرجوع فالظاهر تقديم قول المرتهن للشك في تحقق شرط صحة البيع وهو الاذن إذ لا يجرى استصحاب بقائه في هذه الصورة، لان زمان الرجوع معلوم وهو مانع عن بقائه إلى ما بعده، ومما ذكرنا ظهر حال أشباه هذه المسألة كما إذا أذن في بيع داره مثلا ثم رجع عن إذنه واختلفا في أنه كان قبل البيع أو بعده ونحو ذلك كالاذن في التزويج ثم الرجوع وهكذا.

مسألة 16: لو كان لشخص ابنان مثلا فمات الاب وأحد الابنين واختلف وارث الابنالميت مع الابن الآخر في تقديم موت الاب أو الابن، فقال: الابن الموجود ان اخاه مات قبل أبيه فلا يرثه حتى يكون ميراثه لوارثه، وقال: الوارث انه مات بعد أبيه، فان كان لاحدهما بينة عمل عليها، وإن أقام كل منهما البينة عمل على قاعدة تعارض البينتين، وإن لم يكن بينة فان علم تاريخ موت الاب قدم قول الوارث لاصالة بقائه إلى ما بعد موت الاب، وإن علم تاريخ موت الابن قدم قول الابن الموجود لان وارثيته معلومة، ووراث الابن الآخر موقوف على حياته بعد الاب وهي غير معلومة، والشك في الشرط يوجب


185

الشك في المشروط، وإن جهل تاريخ كل منهما فمقتضى ما يظهر منهم من كون الحكم في مسألة الغرقى والمهدوم عليهم من توريث كل منهما من الآخر في ماله التألد على خلاف القاعدة، قد ثبت بالاخبار الخاصة كون الحكم هو القرعة كما قد يقال، أو تقديم قول الابن الموجود كما يمكن أن يقال، لان الشرط في الارث كما عرفت الحياة بعد موت المورث وهي غير معلومة - مع ان الاصل عدم تقدم موت كل منهما على موت الآخر فلا يرث الابن الميت، ولو كان عنده تركه أيضا لا يرثه أبوه، لكن يمكن أن يقال: ان الاصل بقاء حياته إلى ما بعد موت أبيه فالشرط متحقق بالاصل فتقسم تركته بين ورثة الابن الميتوبين الولد الحى، كما انه لو كان للابن الميت أيضا تركه يرثه أبوه حصة ولا يعارض الاصل الذى ذكرناه أصالة بقاء الاب إلى ما بعد موت الابن، لانها لا تثبت موته بعد موت أبيه.

نعم يرتب عليها إرثه من إبنه لو كان له مال، وعلى ما ذكرنا يكون ما في الاخبار من حكم ميراث الغرقى والمهدوم عليهم على القاعدة فيجرى في الموت بسائر الاسباب كالحرق والقتل والسقوط من شاهق ونحو ذلك، بل في الموت حتف الانف بأى وجه كان سواء كان مع الفصل المعتد به بين موتهما أو مع الفصل الجزئي وغير ذلك مما لم تشمله الاخبار، فجريان الاصلين في المذكورات والحكم بالتوارث، نظير جريان الاصلين في واجدى المنى في الثوب المشترك " ودعوى " عدم كون المقام مثل مسألة واجدى المنى واشباهها كما في الجواهر، لا وجه له.

مسألة 17: إذا مات الاب وله ولد غائب فعزل نصيبه لاستصحاب حياته ثم بعد أن تبين موته لم يعلم انه مات قبل أبيه أو بعده واختلف في ذلك ورثته مع سائر ورثة الاب، فربما يحتمل انه يقدم قول ورثته في هذه الصورة وإن لم نقلل بتقديمهم في المسألة السابقة لسبق الحكم بحياته بمقتضى الاستصحاب، لكن الظاهر عدم الفرق لان الاستصحاب المفروض حكم ظاهري ما دامي وينبغى فرض المسألة فيما لم يعلم زمان موت الاب أيضاوإلا فلا إشكال في تقديم قول ورثة الابن كما كان كذلك في المسألة السابقة أيضا.

مسألة 18: لو كان اخوة ثلاثة فمات اثنان منهم ولم يعلم ان ايهما أسبق موتا وفرض ان أحدهما له ولد وارث والآخر لا وارث له إلا الاخوة، فاختلف وارث الاول مع


186

الآخر فقال الاول: انه مات قبل أبى فنصف تركته لي من طرف الميراث من أبى منه.

وقال الاخر: انه مات بعد أبيك فتمام تركته لي فالحكم كما في المسألة المتقدمة من التفصيل، ولا فرق بين أن يكون موتهما بالغرق أو الهدم أو بغيرهما، لانه حيث لا توارث بينهما لا يلحقهما حكم الغرقى والمهدوم عليهم لانه يشترط فيه عندهم التوارث بينهما وفي المقام لا توارث بينهما، فان من لا وارث له إلا اخوته لا يرث من أخيه الذى له ولد إذا علم انه مات قبله، والحاصل ان الحكم في هذه المسألة ما ذكرناه في المسألة المتقدمة من الوجوه المذكورة ولو كان موتهما بالغرق أو الهدم.

مسألة 19: لا يخفى ان ما ذكروه في مسألة الغرقى والمهدوم عليهم من توريث كل منهما من الآخر في ماله التألد إنما هو إذا لم يكن بين ورثتيهما اختلاف في تقديم موت أحدهما على الآخر، وإلا فاللازم إجراء حكم النزاع، فمع عدم البينة لاحدهمايتحالفان في صورة الجهل بالتاريخين، ومع البينة لاحدهما يقضى له، ومع إقامتهما البينة يجرى حكم تعارض البينتين، فكلامهم انما هو في صورة الشك مع عدم النزاع بين الورثتين.

مسألة 20: لو مات عن ابنين تصادقا على عدم المانع لاحدهما من الارث وكان الآخر مسبوقا بالمانع من كفر أورق واختلفا في ان مانعه زال قبل موت الاب حتى يكون شريكا في الارث مع الاول أو زال بعد موته حتى يختص الاول بالارث، مثلا إذا اتفقا على اسلام أحدهما قبل موت الاب واختلفا في ان الآخر أسلم قبل موته أو بعده، فان كانت هناك بينة لاحدهما قضى له، وإن كانت لهما عمل على قاعدة التعارض، وإن لم تكن بينة فمع العلم بتاريخ الاسلام ذكروا بل قيل انه لا خلاف فيه انه يقدم قول من يدعى تقدمه على الموت بيمينه فيكون شريكا مع الآخر في الارث.

قال: في الشرايع لو اتفقا ان أحدهما أسلم في شعبان والآخر في غرة رمضان.

ثم قال المقدم: مات الاب قبل دخول شهر رمضان.

وقال المتأخر: مات بعد دخول رمضان.

كان الاصل بقاء الحياة والتركة بينهما نصفين، وفي الجواهر - بلا خلاف ولا إشكال - لكنه كما ترى، إذ أصل بقاء الحياة لا يثبت تقدم الاسلام على الموت ولا الموت عن وارث مسلم، فيبقى الشك في الاسلام قبل الموت فلا يرث، واما


187

مع العلم بتاريخ الموت فيقدم قول الآخر الاصالة بقاء الكفر إلى حال الموت، وكذا مع الجهل بتاريخين للاصل المذكور، ولا يعارضه أصل عدم الموت إلى ما بعد الاسلام لانه لا يثبت تقدم الاسلام كما عرفت، فتبين ان مقتضى القاعدة تقديم قول الآخر الذى لا مانع له في جميع الصور الثلاث، لكن في الجواهر " ان مقتضى الولدية الارث والكفر والرق مانعان لا أن يكون الاسلام والحرية شرطين حتى يكفي في الحكم بعدم الارث الشك فيهما " قلت: هذا انما يتم في الصورة الاولى واما الثانية فالمانع مستصحب وكذا الثالثة - مع ان المانع أيضا لابد من احراز عدمه ولو بالاصل ولا يكفى مجرد وجود المقتضى مع الشك في المانع.

مسألة 21: إذا مات الاب وارتد أحد الابنين واختلفا في ان ارتداده كان قبل موت الاب أو بعده، فمع العلم بتاريخ الموت يقدم قول من يدعي كونه بعد الموت لاصالة بقاء الاسلام إلى ما بعد الموت، وكذا مع الجهل بالتاريخين، واما مع العلم بتاريخ الارتداد فالاصل عدم الموت إلى ما بعده، وهو وإن كان لا يثبت وقوعه قبله إلا انه موجب للشك في المانع والاصل عدم الارث إلا أن يتمسك بما ذكر من كفاية وجود (المقتضى؟) وقد عرفتالاشكال فيه.

مسألة 22: إذا كانا كافرين وأسلما والاب مسلم ولم يعلم كون إسلامهما قبل موت الاب أو بعده فان علم إسلام أحدهما قبله واختلفا فادعى كل منهما انه السابق يحلف كل منهما على عدم تقدم إسلام الآخر، فان حلفا أو نكلا تقسم التركة بينهما وإن احتمل بقاء كل منهما على الكفر إلى حين موت الاب فلا يورث واحد منهما، بل التركة للمرتبة المتأخرة إلا على القول بكفاية وجود المقتضى.

مسألة 23: قالوا: لو ماتت امرأة وابنها فقال: أخوها مات الولد أولا فالميراث لي وللزوج نصفان، وقال: الزوج ماتت المرأة أولا فارثهما لي ولولدها وبموت الولد كله لي، فان كانت لاحدهما بينة قضى له وإن أقام كل منهما بينة يعمل بقاعدة تعارض البينتين ومع تكافؤهما فالقرعة، وإن نكلا عن الحلف يحكم للزوج بثلاثة أرباع وللاخ بربع لان للزوج النصف على كل حال والنزاع في الآخر فيقسم بالمناصفة، وإن لم تكن


188

بينة لا يقضى لواحد منهما إذ لا ميراث إلا مع تحقق الحياة فلا ترث الام من الولد ولا هو منها، بل تكون تركة الابن لابيه وتركه الام بينه وبين الاخ، هذا إذا لم يعلم تاريخموت أحدهما، وإلا فالحكم للمتأخر تاريخا بناء على الحكم بتأخر مجهول التاريخ، وإلا فكالصورة السابقة.

وفي الجواهر: " ولو علم سبق أحدهما ولكن لم يعلم ولم يتداعيا فيه فالحكم القرعة، ومع اعترافهما معا بعدم معلومية السبق والاقتران مع عدم التداعي فالمتجه عدم التوارث بينهما فيختص إرث الابن بأبيه وإرث الام يقسم بينه وبين الاخ ".

قلت: مع العلم بتاريخ موت أحدهما لا مانع من إجراء استصحاب حياة الآخر ولا حاجة إلى إثبات التأخر كما مر سابقا بل في صورة الجهل بالتاريخين أيضا يجوز استصحاب حياة كل منهما إلى ما بعد موت الآخر من غير فرق بين صورة التداعي وعدمه مع العلم بسبق أحدهما أو مع احتمال الاقتران أيضا.

مسألة 24: إذا مات رجل وله مال عند واحد فطالبه شخص بدعوى انه الوارث ليس له الدفع إليه إلا بعد إثبات كونه وارثا عند الحاكم الشرعي، وإذا أثبت ذلك وادعى الانحصار فكذكل لا يجوز الدفع إليه إلا بعد إثباته بالبينة المطلعة على أحوال الميت بحيث تشهد بطريق الجزم بانحصار الوارث فيه، ولا تكفي الشهادة بانه لا يعلم له وارثا غيره، بل يجب استقصاء الفحص والبحث عن الوارث بحيث لو كان لظهر، ومعه إن لم يظهر واحتمل وجوده لا يدفع إليه أيضا إلا بعد أخذ الضامن للاستظهار في حفظ مالالغير.

وقد يقال: بعدم وجوب أخذا الضامن وعدم منع الحق عن صاحبه بمجرد هذا الاحتمال، لعدم العبرة به، وعدم الدليل عليه، ولا على أصل وجوب الفحص، إلا أن يتمسك بقاعدة الضرر وإلا فأصل العدم لا زالوا يتمسكون به في الموضوعات من غير اعتبار الفحص والنظر.

قلت: يمكن أن يقال: ان الدليل على ما ذكروه - مضافا إلى قاعدة الضرر - ما هو المعلوم من ان الواجب على من عنده مال الغير دفعه إليه ولا (يجوز؟) الدفع إلى من يحتمل كونه مالكا وكونه وارثا أعم من كونه مالكا، لاحتمال وجود وارث آخر مقدم عليه أو مشارك معه والعمل بأصل العدم من دون الفحص يوجب الوقوع في خلاف الواقع


189

غالبا، ومعه من دون حصول العلم في معرض الوقوع في خلاف الواقع - مع أن ما ذكر من تمسكهم بأصل العدم في الموضوعات من غير اعتبار الفحص إنما هو في خصوص الشبهات التحريمية، وعلى فرض كونه مطلقا حتى في الوجوبية انما لا يجب الفحص إذا لم يكن مما يوجب تركه الوقوع في خلاف الواقع غالبا، ولذا ذكروا ان من عليه الزكاة إذا لم يعلم مقدارها وجب عليه الفحص، وكذا من حصل عنده مال لم يعلم مقداره وانه هل يكونبمقدار الاستطاعة للحج أو لا يجب عليه الفحص وإلالزم ترك الحج في أول عام الاستطاعة غالبا، هذا - مع أن الاصل المذكور لا يخرج عن كونه مثبتا إذ بأصالة عدم وارث آخر لا يثبت الانحصار في المدعى وكونه وارثا في الجملة لا ينفع، خصوصا إذا علم ان له شريكا ولم يعلم انه واحد أو أكثر، فتحصل أن ما ذكروه من وجوب الفحص في المقام هو مقتضى القاعدة وأخذ الضامن أيضا موافق للاستظهار في مال الناس الواجب على من بيده أيصاله إليهم.

نعم: لو حصل من الفحص الاطمينان بعدم وارث آخر بحيث كان احتماله موهوما جدا لا حاجة إلى أخذ الضامن، ثم الغرض من أخذه هو الاستظهار والاستيثاق في حفظ المال لو ظهر له مالك آخر، فلو كان المدعى مليا موثوقا بوفائه على فرض الظهور كفى ولا حاجة إلى ضامن.

ثم: هل يجوز لمن عنده المال أن يدفع قبل الفحص أو مع عدم أخذ الضامن أو لا؟ الظاهر ذلك إذا كان المال دينا في ذمته، إلا إذا كان بحيث لو ظهر لم يكن عنده وفاء أو لم يمكن الاستيفاء منه، واما إذا كان عينا فلا يجوز له ذلك.

ولو صدقه في دعوى الانحصار هل يصدق أو لا، لا يبعد ذلك كما ذكروه في نظائر المقام، لكن لو تبين خلافه ضمن،ولو دفعه إلى الحاكم خرج عن الضمان من حيث انه ولي الغائب، هذا كله إذا لم يكن المال بيد المدعي.

واما: إذا كان بيده كما إذا مات شخص وله ولد في بيته فانه لا دليل على وجوب الفحص عن ورثته وان الوارث منحصر فيه أو لا؟ إذا إذا علم وجود غيره ممن هو غائب فان الحاكم حينئذ يمنعه عن التصرف.


190

مسألة 25: إذا ادعى اثنان دارا في يد ثالث انها لهما بالاشاعة بسبب الارث أو بسبب آخر متحد، كالشراء أو الاتهاب أو نحو ذلك، أو بسبب مختلف كما إذا ملك أحدهما نصفها بالارث والآخر النصف بالشراء أو الاتهاب، فان كان لهما بينة فلا إشكال، وكذا إذا أقر ذو اليد لهما أو أنكر وحلف لكل منهما أورد اليمين عليهم وحلفا أو أقاما شاهدا واحدا وحلفا، واما إذا حلف أحدهما بعد رد الحلف أو مع الشاهد الواحد دون الآخر، فهل يشترك معه الآخر فيما صار له أو لا؟ فقد مر الكلام فيه سابقا وان اقام أحدهما بينة في إثبات حصته فقط فالظاهر عدم اشتراك الآخر معه فلو باعها أو صالحها مع المتشبث بعوض يختص به ولا يشاركه الآخر في العوض.

نعم لو قبضها عينا شاركهلاقراره بالشركة مشاعا.

وانما الكلام: فيما لو أقر لاحدهما بحصته وأنكر حصة الآخر، فعن جماعة فيما إذا كانت الشركة بسبب الارث كون النصف المقربه مشتركا بين الشريكين وانه لو صالح عنه مع المقر بعوض أو باعه أياه أو صالح غيره أو باعه منه كان العوض بينهما إذا أجاز الشريك وإلا نفذ في نصف النصف وبقى النصف الآخر للشريك، والحق بعضهم بالارث غيره من السبب المتحد كالشراء والاتهاب فأجرى الحكم المذكور مع اتحاد السبب مطلقا، وقد يقال: بجريانه في صورة تعدد السبب أيضا وكون المناط اعترافهما بالاشتراك على وجه الاشاعة، وذكروا في وجه الشركة ان اقرار المتشبث بحصة أحدهما رفع ليده عنها.

والمفروض ان المقر له معترف بالشركة بينهما وإذا صالحه عنها بعوض فقد صالح مالا مشتركا فيكون العوض ايضا مشتركا - مع انه إذا كان الاشتراك بسبب الارث يرجع إقراره إلى الاقرار للميت وكون المقربة من مخلفاته فيكون مشتركا بينهما.

واستشكل: صاحب المسالك في الحكم المذكور " بانه لايتم إلا على القول بتنزيل البيع والصلح على الاشاعة كالاقرار وهم لا يقولون به بل يحملون اطلاقه على ملك البايع والمصالح - إلى أن قال - هذا إذا وقع الصلح على النصف مطلقا أو النصف الذى هو ملكالمقر له، وأما لو وقع على النصف الذى أقر به المتشبث توجه قول الجماعة لان الاقرار منزل على الاشاعة والصلح وقع على المقر به فيكون تابعا له فيها ".

وأورد عليه في الجواهر:


191

" بان ما ذكروه من قاعدة الانصراف انما هو فيما كان متعلق البيع مقدار البايع لا في نحو المقام المفروض فيه عدم ثبوت غير الربع للبايع إذ المفروض ان مورد البيع النصف الذى قد أقر به له بل بم يقصد المشترى إلا ذلك وإلا لاتجه دفع العوض له جميعا، وبقاء نصف النصف المقر به للشريك لعدم انتقاله بالبيع المفروض كون مورده النصف المدعى به ضرورة عدم ثبوت شئ له حينئذ إلا الربع، فإذا فرض تنزيل الصلح على النصف المختص به وهو الربع من النصف المقر به والربع من النصف في يد المتشبث يختص حينئذ بالعوض ويكون الشريك على ربعه في النصف المقر به وهو غير ما قصده المشترى قطعا بل غير مفروض البحث، اللهم إلا أن يكون ا لمراد النصف الذى لا يلحقه شريكه به فحينئذ يختص بالعوض ويبقى النزاع بين الشريك والمتشبث ".

انتهى ملخصا.

قلت: ما يظهر منهما ومن غيرهما من تنزيل إقرار المتشبث على الاشاعة في الحصتين حتى يلزم منه ثبوت الربع للمقر له محل منع، لانه انما أقر له بما هو له في الواقع من النصفالمشاع في الدار لا المشاع في الحصتين حتى يكون مشاعا في مشاع فإذا صالحه على ذلك النصف يكون تمام العوض له، كما إذا صالح عن نصفه الواقعي ابتداء من غير سبق نزاع وإقرار فانه لا إشكال في كون تمام العوض له، وهذا واضح جدا، نعم لو قسمت الدار بينة وبين المتشبث يكون الآخر شريكا ولا يجوز له التصرف في قسمته.

والتحقيق: ان المسألة مبينة على ان تسلط المتشبث على النصف الآخر الذى بيده بمنزلة تلف نصف المال المشترك حتى يكون النصف الآخر باقيا على الاشتراك أو لا؟ والظاهر ذلك وحينئذ يتم ما ذكروه من غير فرق بين السبب المتحد والمتعدد، ومن غير فرق بين الارث وغيره، ومن غير فرق في كون تسلط الغير على بعض المال المشترك وتعذر الوصول إليه بمنزله التلف بين ما قبل القبض وما بعده، ولكن يظهر من المحكي عن جامع المقاصد - الفرق في خصوص الارث بين الصورتين - فانه إذا تسلط الغير على بعض التركة قبل قبض الورثة ووصولها إليهم يكون ذلك البعض بمنزلة العدم وتنحصر التركة في البعض الباقي التلف على جميع الورثة لعدم استقرار ملكهم بالنسبة إلى التالف، بخلاف ما إذا كان تسلط الغير بعد القبض واستقرار الملكية وان لم تحصل القسمة بعد،


192

وبخلاف سائر أسباب الاشتراك من الشراء والاتهاب ونحوهما فان الملكية فيها قد استقرت فلا يكون تسلط الغير على بعضها وتعذر الوصول إليه بمنزلة التلف حتى يكون الباقي مشتركا بين الجميع فيمكن اختصاص البعض الباقي ببعضهم بمثل اقرار ذى اليد " وفيه مالا يخفى: لعدم الفرق في الاشتراك في التالف والباقى بين الصورتين فلا ينفع إقرار ذى اليد لاحد الشريكين أو الشركاء بل يكون إقراره رفعا لليد عن بعض ما في يده.

فتحصل من جميع ما ذكرنا أن ليس المناط في الحكم المذكور إقرار المتشبث لاحد الشريكين، بل اعتراف المقر له بالشركة بعد كون تسلط المتشبث على البعض الباقي في يده بمنزلة التلف.

نعم لو أقر لاحدهما مع احتمال انتقال حصة الآخر إليه بأحد الوجوه من شراء أو نحوه لا يشترك معه الآخر لعدم اعتراف المقر له بالشركة بينهما فعلا فيختض العوض في الصلح أو البيع به، وهذا واضح.

مسألة 26: إذا ادعى دارا في يد شخص انها له ولاخيه الغائب إرثا لهما من أبيهما وأنكر من بيده، فان أقام بينة على دعويه سلم إليه النصف إذا شهدت البينة الكاملة بانحصار الوارث فيهما، وهل يلزم بالتسليم إذا صدقه ذو اليد في الانحصار وجهان، واما النصف الآخر فقيل - كما عن المبسوط - انه يترك في يد المتشبث إلى مجيئ الغائب وإثبات حقهإذ لا يكفى في ثبوته هذه البينة إذ لا تسمع قبل الدعوى، وقيل - كما عن الخلاف - انه ينتزع منه ويجعل عند أمين لعموم دليل حجية البينة وكفاية الدعوى من الشريك خصوصا في المقام حيث ان الحق للميت ويكفي في السماع دعوى أحد وراثه والمسألة محل إشكال، هذا إذا كان الاشتراك من طرف الارث، واما إذا كان من غيره، فالاظهر عدم ثبوت حصة الغائب خصوصا مع الاختلاف في السبب، ثم بناء على عدم ثبوت حصة الغائب عدم ثبوت البينة فيقتسم المدعي مع ذى اليد، والاحوط الاستيذان من الحاكم أيضا، وبناء على ثبوتها فالقاسم هو الحاكم أو أمينه ولا يشترك الغائب مع المدعي في هذه الحصة وإن كان معترفا بان الدار مشتركة بينه وبين الغائب مع كون القاسم هو الحاكم أو أمينة لان الحاكم ولي الغائب، واما بناء على عدم ثبوت حصة الغائب وكون القسمة بينهما بدون إذن الحاكم فيشكل جواز تصرفه في النصف مع اعترافه بالشركة بينه وبين أخيه.


193

الفصل السادس عشر في حكم جملة من المسائل المتفرقة مسألة 1: إذا ادعت أن زوجها طلقها وأنكر، فمع عدم البينة لها، قدم قول الزوجمع اليمين، وإن انعكس بأن ادعى الزوج أنه طلقها وأنكرت الزوجة، فقد فقال: بتقديم قوله أيضا كما نقله المحقق القمى (قده) - عن جماعة من معاصريه - لان الطلاق من فعله وأمره بيده، ولقاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به، ولانه أمين من قبل الله تعالى فيكون كسائر الامناء من الوكيل والولي في تقديم قوله فحينئذ مع عدم البينة يحلف على ذلك ويحكم له بوقوع الطلاق، بل ربما يحتمل عدم الحاجة إلى الحلف أيضا، وقد يقال: بتقديم قولها وانه لا يسمع منه إلا بالبينة لانه مدع فيشمله عموم قوله صلى الله عليه وآله: " البينة للمدعي واليمين على من أنكر ".

وهو الذى اختاره المحقق القمى في رسالته الطويلة في هذه المسألة وكون الامر بيده لا يوجب تقديم قوله، والقدر المعلوم من قاعدة من ملك صورة عدم النزاع، وتقديم قول الوكيل على الموكل مع النزاع انما هو من جهة كونه بمنزلة الموكل حيث انه جعل الامر بيده وكون فعله بمنزلة فعله لا من هذه القاعدة - مع انه لا دليل عليها كلية، ومن هذا يظهر الجواب عن دعوى كونه أمينا من قبل الله فيكون كسائر الامناء للفرق البين بينه وبينهم.

ولو كان نزاعهما في زمان وقوع الطلاق بعد ثبوته، أو اتفاقهما عليه بأن ادعى انه طلقها قبل بسنة لغرض عدم استحقاقها النفقة لتلك المدة، وادعت تأخره، فالظاهر عدم الاشكال في تقديم قولها، إذ النزاع حينئذ ليس في الطلاق بل في زمانه، وقاعدةمن ملك على فرض جريانها في أصل الطلاق لا تجرى بالنسبة إلى زمانه.

مسألة 2: إذا تنازع الزوجان في الدخول وعدمه لغرض اثبات بعض أحكامه من استقرار المهر أو لزوم العدة أو وجوب النفقة إذا طلقها أو جواز الرجوع بعد الطلاق أو ثبوت اللعان لنفي الولد أو ثبوت الارث إذا مات أحدهما أو لحوق الولد أو نحو ذلك، فالقول قول منكره لاصالة عدمه.

نعم بالنسبة إلى لحوق الولد يمكن أن يقال: يكفي احتمال الدخول لقوله صلى الله عليه وآله " الولد للفراش " فيقدم قول من يدعى اللحوق، وإن كان ظاهر المشهور اشتراطه في اللحوق فيكون الشك فيه شكا في المشروط.

هذا وهل يلحق


194

بالدخول في ترتب الاحكام المذكورة الخلوة التامة بينهما حتى يكون النزاع فيها كالنزاع فيه، المشهور عدم لحوقها به، وعن جماعة الحاقها به تعبدا وكونها بمنزلته في ترتب الاحكام مطلقا لظهور جملة من الاخبار في ذلك، وعن بعضهم اللحوق في ظاهر الحال مع الاحتمال تقديما على الاصل كما يظهر من جملة اخرى من الاخبار، والاقوى ما هو المشهور من عدم الالحاق مطلقا لضعف الاخبار الدالة على ذلك بأحد الوجهين وعدم مقاومتها للاخبار الدالة عن اشتراط الدخول في الاحكام المذكورة مع إمكان حملها على التقية، وأما ما عنابن الجنيد: " من استقرار المهر بمثل التقبيل ونحوه من الاستمتاعات وان لم يدخل بها " فلا دليل عليه اصلا.

ثم على فرض العمل بالاخبار المذكورة فالظاهر عدم الفرق بين الاحكام المذكورة وإن كانت الاخبار واردة في مسألة استقرار المهر لان ظاهر انه بحكم الدخول مطلقا لا في خصوص المهر - مع ان بعضها مشتمل على العدة أيضا كخبر الحلبي " إذا اغلق بابا وأرخى سترا وجب المهر والعدة " وبعضها مشتمل على اللعان كصحيح علي بن جعفر (ع) " سألته عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها فادعت انها حامل.

قال: إن أقامت البينة على انه أرخى سترا ثم أنكر الولد لاعنها ثم بانت منه وعليه المهر كملا " فانه دل على ثبوت اللعان لنفى الولد بمجرد الخلوة - مع أنه مشروط بكونها مدخولا بها، فتعرض العلماء للمسألة في مسألة استقرار المهر وعدمه وكون الغالب في الاخبار ذكر المهر لا يدل على تخصيص الخلاف في الالحاق وعدمه لمسألة المهر فقط - مع أنهم تعرضوا لها في بعض الاحكام الاخر أيضا فلا وجه لتوهم الاختصاص باستقرار المهر.

مسألة 3: قد عرفت في المسألة السابقة أن لو طلقها ثم تنازعا في أن عليها عدة أو لا؟ فالقول قول منكرها لاصالة عدم الدخول بها، واما لو اختلفا في بقاء العدة وانقضائها فالقول قولها مع يمينها سواء ادعت البقاء أو الانقضاء إذا كانت العدة بالحيض للاخبار الدالة علىان أمر الحيض والحمل والعدة إليها سواء كانت مستقيمة الحيض أو لا؟ ولا يجب الفحص عن حالها لاطلاق الاخبار، بل ولا فرق بين المتهمة وغيرها، لكن في المرسل عن أمير المؤمنين (ع) انه قال: " في إمرأة أدعت انها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض انه يسأل نسوة من بطانتها هل كان حيضها فيما مضى على ما ادعت فان شهدن صدقت وإلا فهي كاذبة "


195

وحمله الشيخ على التهمة جمعا بين الاخبار، ولكنه لا يقاوم المطلقات، واما ما ذكره الشهيد (قده) في اللمعة " من عدم قبول دعوى غير المعتاد إلا بشهادة اربع نساء مطلعات على باطن أمرها نسبا إلى ظاهر الروايات " وفي الجواهر " لم نعثر إلا على المرسل عن أمير المؤمنين (ع) " وكيف كان الاقوى تقديم مطلقا ما لم يعلم كذبها، وكذا يقدم قولها لو تنازعا في البقاء والانقضاء من طرف دعوى الحمل وعدمه أو دعوى الوضع وعدمه، واما إذا كانت العدة بالاشهر وادعت الانقضاء، فالمشهور تقديم قول الزوج لان نزاعهما يرجع إلى النزاع في زمان إيقاع الطلاق، لكن لا يبعد تقديم قولها هنا أيضا لصدق كون النزاع في العدة فيدخل تحت الاخبار الدالة على ان أمر العدة إليها.

مسألة 4: لو تنازعا بعد الطلاق مع الاعتراف بالدخول في كونه باينا أو رجعيا،يقدم قول من يدعي كونه رجعيا إذا كان النزاع في كونه ثالثا أو ثانيا مثلا، واما إن كان النزاع في كونه خلعيا أو غيره فالظاهر انه من باب التداعي لاختلاف النوعين، ودعوى، أن الاصل عدم كونه خلعيا لاصالة عدم البذل، كما ترى، إذ الخلع ليس طلاقا مع زيادة اشتراط البذل بل هو نوع آخر من الطلاق خصوصا على ما هو المشهور من عدم اعتبار الاتباع بالطلاق وكفايته بلفظ الخلع.

مسألة 5: إذا ادعى الرجوع في الطلاق وأنكرت الزوجة، فان كان النزاع بعد انقضاء العدة فلا إشكال في تقديم قولها مع عدم البينة، وإن كان في اثناء العدة قبل انقضائها فيحتمل تقديم قولها أيضا لانها منكرة وهو مدع فعلية البينة وعليها اليمين، ويحتمل تقديم قوله لان أمر الرجوع بيده نظير النزاع في الطلاق كما مر سابقا، فهو وإن كان مدعيا إلا أنه حيث يقدر على انشاء الرجوع يصح إقراره به لما مر من قاعدة من ملك وغيرها، وإن كان الرجوع معلوما واتفقا عليه واختلفا في أنه كان قبل انقضاء العدة، فالاقوى تقديم قولها أيضا من غير فرق بين صورة الجهل بتاريخهما أو العلم بتاريخ الانقضاء أو العلم بتاريخ الرجوع، لما مر من أ نها مصدقة في العدة بقاء وانقضاء، لكن عن الشيخ وتبعه المحقق والعلامة التفصيل، بين إذا ما سبقت دعواه بالانقضاء أو دعواه بالرجوع، فلو ادعت الانقضاءثم ادعى هو الرجوع يقدم قولها، ولو ادعى الرجوع ثم ادعت الانقضاء يقدم قوله حملا لرجوعه.


196

على الصحة، وأنت خبير بما فيه، لعدم الفرق بين الصورتين بالنسبة إلى الحمل على الصحة أو عدمه - مع أنه لا معنى لحمل فعل شخص على الصحة وجعله حجة على الطرف المقابل، وفي المقامات التى يقدم مدعي الصحة إنما يكون حمل فعله على الصحة حجة عليه للطرف المقابل، وهذا واضح.

ثم لا يخفى ان عنوان المسألة في كلام الشيخ هو على ما ذكرنا من سبق دعواها أو دعواه، لكن العنوان في كلام المحقق والعلامة أنه لو راجعها فادعت انقضاء العدة قبل الرجعة فالقول قول الزوج إذ الاصل صحة الرجعة، وظاهره صورة الرجوع فعلا وادعائها بعد انقضاء العدة لا ما إذا علم الرجوع والانقضاء ولو يعلم تقدم أيهما فيفصل بين سبق دعواه أو دعواها، فتدبر، وكيف كان، فالاقوى ما ذكرنا من تقديم قولها في جميع الصور وأنه لا محل للحمل على الصحة.

مسألة 6: لو تنازعا في بنوة صبى مجهول النسب أو مجنون كذلك أو كبير ميت، فمع البينة لاحدهما قدم قوله ويترتب عليه آثار النسب بالنسبة إليه، وإن كانت لهما فمع عدم المرجح لاحد البينتين يقرع بينهما، كما أنه يقرع بينهما مع عدم البينة، هذاإذا كان نزاعهما دفعة واحدة عرفية، وأما إذا سبق أحدهما بالدعوى ثم ادعى الآخر فعليه البينة لانه حكم شرعا بكونه للاول.

هذا، ولا يسمع من الصبى بعد بلوغه إنكار الولدية لمن حكم له سبق دعواه أو للقرعة، كما لا يسمع إنكاره لهما، ولا الاقرار بالنبوة للآخر، كما لا يسمع الانكار من الذى حكم له بعد ذلك للحاكم بولديته له شرعا.

نعم إذا بلغ قبل القرعة وأنكرهما معا ففي قبول قوله وجهان.

مسألة 7: إذا كان الصبى في يد أحدهما فادعاه الآخر فالظاهر تقديم قول ذى اليد، ولكن ربما يستشكل بانصراف أخبار اليد عن المقام.

مسألة 8: إذا تنازعا في بنوة بالغ عاقل، فمع عدم البينة إن أنكرهها قدم قوله، وإن صدق أحدهما حكم به له، وإن صدقهما إجمالا بأن قال: أعلم انى لاحدهما ولا أدرى لايهما، فالظاهر القرعة.

مسألة 9: إذا تنازعا في ولد ولد على فراش أحدهما كأن ادعى وطئ زوجة الآخر


197

شبهة وأنكر الزوج قدم قول صاحب الفراش كما أن مع عدم الدعوى أيضا يحكم بكونه لصاحب الفراش ولا يقبل منه إنكاره.

مسألة 10: إذا ادعى كونه ولدا لفلان وهو منكر فلا تسمع منه بدون البينة، بل وكذا إذا لم يكن منكرا بل كان ساكتا أو ميتا.

مسألة 11: إذا ادعى على الزوج أن وطئ زوجته شبهة فالولد له وأنكر الزوج فالقول قوله، وكذا إذا تنازع الاجنبيان في الولد مع تحقق وطئ أحدهما شبهة والاختلاف في وطئ الآخر شبهة أيضا فان الولد يلحق بالاول لاصالة عدم وطئ الثاني.

مسألة 12: لو تنازع الواطئان لامرأة واحدة في الولد، فان لم يمكن الحاقه بواحد منهما لكون الوضع قبل ستة أشهر أو بعد أقصى الحمل بالنسبة إلى وطئ كل منهما فليس لواحد منهما، وإن أمكن إلحاقه بأحدهما دون الآخر قدم قوله، وإن أمكن الالحاق بكل منهما بأن كان بعد ستة أشهر وقبل أقصى الحمل بالنسبة إلى وطئ كل منهما، فان كان لاحدهما بينة قضى به له، وإن كانت لكل منهما عمل بقاعدة تعارض البينتين من الترجيح ثم القرعة، وإن لم تكن بينة أصلا، فاما أن يكون لاحدهما فراش فعلي دون الآخر، واما أن يكون لكل منهما أولا يكون لواحد منهما، فعلى الاول يحكم به لذى الفراش الفعلي، كما إذا طلق امرأته فاعتدت ثم تزوجت بآخر ثم جاءت بولد بعد مضى أقل الحمل وقبل انقضاء أقصاه بالنسبة إلى كل منهما فانه يلحق بالزوج الثاني، وكذا إذا كانتأمة لاحدهما فوطأها ثم أعتقها وتزوجت بعد العدة أو باعها ووطأها المشترى بعد الاستبراء أو وطأها شبهة ثم اعتدت وتزوجت الثاني أو وطأها شبهة أيضا أو كانت زوجة لاحدهما فوطأها أجنبي شبهة ثم اعتدت ووطأها بعد عدتها من الشبهة زوجها فانه يلحق في جميع هذه الصور بالثاني، لكونه ذا فراش الفعلي ويدل على ذلك مضافا إلى قوله صلى الله عليه وآله: " الولد للفراش " الظاهر في الفراش الفعلي، جملة من الاخبار.

منها: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " إذا كان للرجل منكم الجارية يطأها فيعتقهما فاعتدت وأنكحت، فان وضعت لخمسة أشهر كان من مولاها الذى أعتقها وإن وضعت بعد ما تزوجت لستة أشهر فانه لزوجها الاخير ".


198

ومنها: خبر زرارة عن أبى جفعر (ع): " عن الرجل إذا طلق امرأته ثم نكحت وقد اعتدت ووضعت لخمسة أشهر فهو للاول وإن كان ولد أنقص من ستة فلامه وأبيه الاول وإن ولدت لستة أشهر فهو للاخير ".

ومنها: خبر الصقيل: " عن رجل اشترى جارية ثم وقع عليها قبل أن يستبرئ رحمها قال بئسما صنع يستغفر الله ولا يعود؟ قلت: فان باعها من آخر ولو يستبرئ رحمهاثم باع الثاني من رجل آخر فوقع عليها ولم يستبرئ رحمها فاستبان حملها عند الثالث؟ فقال: أو عبد الله (ع): " الولد للفراش وللعاهر الحجر ".

والمراد الاخير الذى عنده الجارية بقرينة خبره الآخر

وفيه:

" الولد للذى عنده الجارية لقول رسول الله صلى الله عليه وآله الولد للفراش ".

ومنها: خبر سعيد الاعرج: " عن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد لمن يكون الحمل، قال: للذى عنده الجارية لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش " وأما على الاخيرين بأن كانا سواء في الفراش الفعلي أو لم يكن لاحدهما فالحكم مع عدم البينة القرعة، وذلك كما إذا وطئا امرأة شبهة في طهر واحد بلا عقد أو مع العقد الفاسد أو وطئ أجنبي زوجة رجل شبهة أو مع عقد أو طئ جماعة أمة مشتركة بينهم في طهر واحد ونحو ذلك، فان الحكم في الجميع هو القرعة لعمومات أخبارها وخصوص جملة، ولا فرق بين كون الواطئين مسلمين أو كافرين حرين أو مملوكين أو مختلفين، ففي صحيح الحلبي: " إذا وقع المسلم واليهودى والنصراني على المرأة في طهر واحد اقرع بينهم فكان الولد للذى تصيبه القرعة، ثم مقتضى ما ذكرنا أن فيما لو طلق رجل زوجته فتزوجها آخر في عدة أو وطأها فيها شبهة من غير عقد وجاءت بولد يمكن أن يكون من كل منهما يكون الحكم هو القرعة، لانالفراش مشترك بينهما خصوصا في العدة الرجعية، لكن المشهور أطلقوا كون الولد للثاني من غير فرق بين كون التزويج والوطى شبهة في العدة أو بعدها - مع أن الاخبار الدالة على كونه للثاني مقيدة بكون ذلك بعد العدة، ويمكن أن يكون نظر المشهور إلى أن الفراش يزول بالطلاق فيكون الفراش الفعلي للثاني، ويمكن أن يكون نظرهم إلى إطلاق بعض الاخبار كخبر أبى العباس قال: " إذ جاءت بولد لستة أشهر فهو للاخير " بل خصوص


199

بعضها كالمرسل عن أحدهما: " في المرأة تتزوج في عدتها قال: يفرق بينهما وتعتد عدة واحدة منهما جميعا وإن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر فهو للاخير وإن جاءت بولد أقل من ستة أشهر فهو للاول " ثم أن الحكم في صورة عدم النزاع أيضا كما فصل.

هذا، ولو كان أحد الواطئين زانيا فالولد للآخر لان للعاهر الحجر وكذا لو نفاه أحدهما عن نفسه، لكن في الزوج بالعقد الدائم لا يجوز النفي ولو نفى لا ينتفى إلا باللعان وبعده يبقى للآخر بلا معارضة.

الفصل السابع عشر

في جملة من أحكام اليمين القاطعة

للدعوى وقد مر سابقا جملة منها أيضامسألة 1: لا يجوز ولا يصح الحلف إلا بالله تعالى بلا خلاف بل بالاجماع كما عن جماعة ويدل عليه النصوص الكثيرة فلا يصح بغيره تعالى كالانبياء والاوصياء والاماكن المشرفة كالكعبة ولا بالكتب المنزلة ونحوهما مما له حرمة، ولا فرق بين كون الحالف والمستحلف مسلمين أو كافرين أو مختلفين لجملة من الاخبار الدالة على عدم إحلاف اليهود والنصارى والمجوس إلا بالله، مضافا إلى الاطلاقات التى مقتضاها عدم الفرق في الكافر بين من يعتقد بالله وبين من يجحده، كما ان مقتضاها عدم وجوب ضم مثل قوله خالق النور والظلمة إلى الله في إحلاف المجوس، خلافا لجماعة كالشيخ في المبسوط والايضاح والدروس فاوجبوا ضم ما يزيل احتمال إرادة خالق النور أو خالق الظلمة كما هو مذهب الثنوبة من المجوس لكن لادليل عليه، فالاقوى عدم الوجوب وكفاية الحلف بالله، والظاهر عدم جواز الحلف بغير الله وإن ضم إلى الحلف به فضم غير الله إليه ليس له دخل في الحلف، ثم ان في جلمة من الاخبار أن أمير المؤمنين (ع): استحلف اهل الكتاب بكتابهم وملتهم كخبر السكوني: " ان أمير المؤمنين (ع) استحلف يهوديا بالتوارة التى انزل على موسى (ع) ".

وخبر محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) " قال: سألته عن الاحكام، فقال: في كل دين ما يستحلفون به ".

وخبر محمد بن قيس سمعت أباجعفر (ع) " يقول: قضى علي (ع) فيمن استحلف أهل الكتاب بيمين صبر أن يستحله بكتابه


200

وملته " ونحوه عن محمد بن مسلم وعن الشيخ وجماعة العمل بها، فجواز احلاف الذمي بما يقتضيه دينه إذا رأى الحاكم أنه أردع له من الباطل وأوفق باثبات الحق لكنه مشكل لعدم مقاومتها للاخبار الناهية من وجوه - مع ان بعضها قضية في واقعة، ولعله كان مع ضم الحلف بالله، فالاقوى عدم الكفاية في إسقاط الحق.

ثم ان المراد من الحلف بالله أعم من أن يكون بلفظ الجلالة أو بغيره من الاسماء المختصة به تعالى كالرحمن، والاول الذى ليس قبله شئ، أو المشتركة المنصرفة إليه، كالخالق، والرازق، ونحوهما، وذلك لان الظاهر من الاخبار ان المراد من ا لحلف بالله الحلف به تعالى في

مقابل الحلف بغيره،

لا أن يكون بخصوص هذه اللفظة، ويدل عليه أيضا التعليل في صحيحة الحلبي، لكفاية لعمر الله بانه حلف بالله، والظاهر عدم الخلاف في ذلك.

نعم عن سيد المدارك احتمال الاختصاص بلفظ الجلالة ولعله لدعوى تبادره من الاخبار، لكنه ممنوع، بل المتبادر ما ذكرنا من ان المراد ذاته جل شأنه بأى لفظ كان الدال عليه، بل لا يبعد أن يقال: بكفاية كل ما يدل عليه تعالى من سائر الاسماء المشتركة الغير المنصرفة إليه إذا دلت عليه بضميمةالقرائن إن لم يكن اجماع على خلافه لصدق الحلف بالله عليه، ثم ان اليمين التى توجب الكفارة كاليمين المقاطعة للدعوى في عدم صحتها بغير الله وعدم انعقادها وعدم ايجابها الكفارة إذا كانت بغير الله كما ذكروه مفصلا في كتاب الايمان.

مسألة 2: يظهر من جملة من الاخبار ان الحلف بغير الله مضافا إلى عدم الاثر عليه في قطع الدعوى ووجوب الكفارة يكون حراما مطلقا، بل اسنده في المستند إلى الاشهر بين الطائفة قال: بل قيل انه مقتضى الاجماعات المنقولة وصرح به جماعة منهم المحقق الاردبيلي وصاحب المفاتيح وشارحة وبعض مشايخنا المعاصرين، لكن يظهر من صاحب الجواهر عدم القائل بالحرمة - حيث انه بعد نقل الاخبار الدالة على المنع - قال: " ولذا تردد بعضهم في أصل جواز الحلف بغير الله تعالى لكنه في غير محمله للسيرة القطعية على جوازه مضافا إلى الاصل ووجوده في النصوص " ثم نقل جملة من الاخبار المشتملة على حلف بعض الائمة (ع) وبعض الاصحاب في حضور الامام (ع) بغير الله " قلت " والاقوى عدم الحرمه كما قال لما قال، فالاخبار المانعة محمولة على الكراهة ويشعر بها اشتمال بعضها على قوله (ع): " ولو


201

حلف الناس بهذا واشباهه لترك الحلف بالله " ويمكن حمله على محامل اخر.

هذا، واما مثلقوله سألتك بالقرآن أو بالنبي صلى الله عليه وآله أو بأمير المؤمنين (ع) أن تفعل كذا، فلا إشكال في عدم حرمته لانه ليس حلفا بل هو من باب الاستشفاع والتوسيط.

مسألة 3: إذ علم أن الحالف ورى في حلفه بأن قصده من اسم الله أو من المحلوف عليه معنى آخر.

ففي كفايته في قطع الدعوى إشكال، وإن كان لا يبعد أن يقال: كما قيل بكفاية التلفظ بألفاظ الحلف وكون المدار على نية المستحلف، بل عن بعض المتأخرين دعوى الاتفاق عليه إذ لا دليل على أزيد من ذلك، ويدل عليه أيضا رواية مسعدة بن صدقه " قال: سمعت أبا عبد الله (ع) وسئل عما يجوز وعما لا يجوز من النية والاضمار في اليمين.

فقال يجوز في موضع ولا يجوز في آخر، فأما ما يجوز فإذا كان مظلوما فما حلف به ونوى اليمين فعلى نيته، وأما ما كان ظالما فاليمين على نية المظلوم.

" ورواية اسماعيل بن سعد: " عن الرجل يحلف وضميره على غير ما حلف عليه.

قال: اليمين على الضمير يعنى على ضمير المظلوم " هذا في اليمين القاطع للدعوى، وأما اليمين الموجبة للكفارة فاللازم فيها النية وعقد القلب عليه وإلا فلا ينعقد.

مسألة 4: المشهور أن حلف الاخرس بالاشارة لان الشارع أقام إشارته مقام تلفظه في سائر اموره، ولكن في صحيحة محمد مسلم: " عن الاخرس كيف يحلف إذا ادعى عليهدين فانكر ولم يكن للمدعي بينة.

فقال: ان أمير المؤمنين (ع) اتي بأخرس وادعي عليه دين فأنكر ولو يكن للمدعي بينة - إلى أن قال - ثم كتب أمير المؤمنين (ع) (والله الذى لا اله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضار النافع المهلك المدرك الذى يعلم من السر ما يعلمه من العلانية، ان فلان ابن فلان المدعي ليس له قبل فلان ابن فلان الاخرس حق ولا طلبة بوجه من الوجوه ولا سبب من الاسباب) ثم غسله وأمر الاخرس أن يشربه فامتنع فالزمه الدين ".

وعمل بها جماعة فلا بأس بالعمل بها ولا يضر كونها قضية في وقعة بعد نقل الامام (ع) لها في مقام جواب السؤال عن

كيفية حلف الاخرس

مع أن الظاهر حصول الاشارة بهذا أيضا فلا ينافي ما ذكره المشهور، وإلا فالاحوط الجمع بين الاشارة والكتابة بهذه الكيفية.


202

مسألة 5: يستحب للحاكم وعظ من عليه الحلف قبل إحلافه بالآيات والاخبار الدالة على عدم جواز منع حقوق الناس والتحذير والانذار عن فعل المحرم وذكر الاخبار الواردة في كراهة الحلف صادقا وثواب تركه والعقاب في الحلف كاذبا وأنه من المحرمات الشديدة، بل من الكبائر الموبقة، أن في بعض الروايات انه كفر بالله، وفي بعضها انهمبارزة مع الله، وفي بعضها انه يدع الديار بلاقع أي يوجب الفقر، فان البلقع الارض الفقر التى لا شئ فيها، أو يوجب تشتت الشمل، بل في بعض الاخبار انه يوجب قطع النسل، وكذا يستحب وعظ المستحلف أيضا بما يناسب وانه يستحب له اختيار الغرم على الاحلاف اجلالا لله وتعظيما له، ففي الخبر: " من قدم غريما إلى السلطان يستحلفه وهو يعلم انه يحلف ثم تركه تعظيما لله تعالى لم يرض الله له بمنزلة يوم القيمة إلا بمنزلة خليل الرحمن " كما يستحب لمن عليه الحلف أيضا أن يتركه ويختار الغرم عليه، لرواية السكوني: " من أجل الله تعالى ان يحلف به أعطاه الله خيرا مما ذهب منه " وفي خبر أبى بصير: " أن سيد الساجدين (ع) أعطى أربعة مئة دينار وترك الحلف إجلالا لله تعالى حين ادعت عليه مطلقته ذلك المبلغ من طرف الصداق وكانت كاذبة في دعواها ".

مسألة 6: لا يشترط في الحلف العربية بل يكفي ترجمته بأى لغة كانت لصدق الحلف بالله، ولا يجوز التوكيل في إجراء صيغته بأن يقول: عن قبل موكلي فلان والله ليس مطلوبا لفلان بكذا.

مسألة 7: لا خلاف ولا إشكال في أنه يكفي في الحلف الاقتصار على قوله: والله ليس لفلان علي كذا مثلا، لكن ذكروا أنه يستحب للحاكم التغليظ عليه قولا بمثل مافي خبر إحلاف الاخرس من قوله: والله الذى لا اله إلا هو.

الخ أو نحوه، وزمانا كيوم الجمعة والعيد وبعد الزوال وبعد صلوة العصر كما في الآية، ومكانا كالكعبة والمقام والمسجد الحرام والمشاهد المعظمة والمساجد الجامعة أو مطلق المساجد والمحراب منها، وإحضار المصحف كما في خبر إحلاف الاخرس: " حيث قال: أمير المؤمنين (ع) ايتونى بالمصحف " بل أمره بوضع يده عليه ونحو ذلك، لان التغليظ بالمذكورات أردع له عن الحلف كاذبا وأقرب إلى التأثير في مؤاخذته وعقوبته وأوقع في تعظيم الحلف وتجليل


203

اسم الله تعالى، ويشير إلى ذلك الخبر المروي في قرب الاسناد: " أن عليا (ع) كان يستحلف اليهود والنصارى في بيعهم وكنائسهم والمجوس في بيوت نيرانهم ويقول: شددوا عليهم إحتياطا للمسليمن " وهل يجب على الحالف إجابة الحاكم إلى التغليظ أو لا؟ المشهور عدم الوجوب وعدم إجباره عليه وأنه لا يتحقق النكول بامتناعه منه، ولكنه محل تأمل، كما أنهم ذكروا ان الارجح له ترك التغليظ وإن كان هو الارجح للحاكم ولذا قالوا: لو حلف أن لا يجيب إلى التغليظ فالتمسه خصمه لم تنحل يمينه، لانه حلف على ترك مرجوح - هذا أيضا محل تأمل وإشكال - إذ يمكن منع مرجوحية التغليظ في حقه وكونأصل الحلف مرجوحا لا يقتضى مرجوحية التغليظ فيه على فرض إقدامه عليه - مع انه يبعد رجحان الامر للحاكم مع كونه مكروها عليه، وحينئذ فانعقاد حلفه مشكل.

مسألة 8: نسب إلى المشهور ان استحباب التغليظ ثابت في جميع الحقوق وإن قلت عدا المال فانه لا يغلظ فيه بما دون نصاب القطع، بل في الرياض نفي الخلاف فيه، وعن كاشف اللثام نسبته إلى قطع الاصحاب، وعن الخلاف الاجماع عليه، وعن المبسوط انه الذى رواه أصحابنا لكن مستنده غير واضح والروايات غير معلومة.

نعم في صحيح محمد بن مسلم وزرارة: " لا يحلف أحد عند قبر النبي (ص) على أقل مما يجب فيه القطع " والاستناد إليه في إثبات هذه الكلية كما ترى.

مسألة 9: المشهور المدعى عليه الاجماع أنه يجب أن يكون الحلف في مجلس القضاء وأنه لا يجوز للحاكم الاستنابة فيه إلا لعذر من مرض مانع من الحضور أو حيض مانع من الدخول المسجد لو كان الحاكم جالسا فيه، أو كان الحضور عسرا عليه فانه حينئذ يجوز للحاكم أن يستنيب من يحلفه في مكان آخر.

وكذا إذا كانت المرأة غير معتاد للبرز في المجالس، وظاهرهم عدم جواز الاستنابة في مجلس القضاء وبحضور الحاكم أيضا، ولا دليل لهم على شئ من الامرين، إلا دعوى ان الاصل عدم ترتب آثار الحلف عليهوهو مقطوع بالاطلاقات، أو دعوى ان المتبادر إلى الفهم من الاستحلاف ذلك وهي ممنوعة، أو دعوى أن الظاهر مما في الاخبار - وأضفهم إلى إسمى - المباشرة وهي أيضا ممنوعة، ومن هنا ذهب بعضهم إلى عدم الاشتراط.


204

مسألة 10: لو حلف أن لا يحلف بالله أبدا فاتفق أنه ادعى عليه مدع باطلا فالظاهر جواز حلفه لنفى دعواه للانصراف عن هذه الصورة ولنفي الضرر.

نعم لو صرح بعدم الحلف ولو في مقام الدعوى أمكن أن يقال: بعدم جوازه واختيار الغرم، ولا تجري قاعدة الضرر لاقدامه عليه، إلا أن يكون هناك رجحان

في اختيار الحلف

فيدخل تحت قوله (ع): " إذا رأيت خيرا من يمينك فدعها ".

مسألة 11: قالوا: يجب الحلف على البت في فعل نفسه نفيا وإثباتا، وفي فعل غيره إثباتا.

وأما في نفى فعل غيره فيحلف على عدم العلم، والاقوى عدم الفرق بين فعل نفسه وغيره فمع علمه بالحال يحلف على البت ولو في نفى فعل غيره، وإن لم يكن عالما وادعى المدعي عليه العلم حلف على نفيه.

مسألة 12: يجوز الحلف على الاعم كما إذا قال: أقرضتك كذا.

فيقول: لا تستحقمنى شيئا ويحلف عليه.

بل لو أجاب بنفى الاقتراض جاز له الحلف على عدم الاستحقاق أصلا وليس للمدعى إجباره على الحلف على عدم الاقتراض، وأما العكس وهو الحلف على الاخص فلا يسقط الدعوى وهو واضح.

مسألة 13: لو كان عليه دين وكان معسرا عن أدائه ولا يقبل منه الديان جاز له الحلف كاذبا مع التورية بأن ينوى عدم استحقاقه المطالبة.

مسألة 14: قالوا: لا يجوز الحلف على مال الغير أو حقه إثباتا أو إسقاطا بل يرسلونه إرسال المسلمات ولكن لا دليل عليه، إلا دعوى الاجماع والاصل وظهور الروايات، والاجماع غير محقق، والاصل مقطوع بالاطلاقات مثل قوله صلى الله عليه وآله: إنما اقض.

وقوله صلى الله عليه وآله: اليمين على من أنكر.

فان طرف الدعوى إذا كان هو الولي أو المتولي يصدق عليه انه منكر فيكون عليه الحلف، وظهور الروايات في اعتبار كون الحلف على مال نفسه ممنوع، واستدل في المستند مضافا إلى ما ذكر بأن الحلف إنما يكون فيما إذا نكل من الحلف أو أقر بالحق ثبت ولا يتحقق شئ منهما في حق الغير " وفيه " منع الاختصاص بذلك فلا يبعد دعوى صحة الحلف من الولي الاجباري بل والقيم والمتولي للوقف ونحوهم.

مسألة 15: تثبت اليمين في جميع الدعاوى مالية كانت أو غيرها كالنكاح والطلا


205

والرجعة والقتل وغيرها.

نعم يستثنى من ذلك الحدود فانها لا تثبت إلا بالاقرار أو البينة لجملة من الاخبار كالنبوي: " لا يمين في حد " مرسلة الصدوق: " ادرؤا الحدود بالشبهات ولا شفاعة ولا كفالة ولا يمين في حد " ورواية غياث بن ابراهيم: " لا يستحلف صاحب الحد " ومرسلة البزنطي: " أتى رجل أمير المؤمنين (ع) برجل فقال: هذا قذفني ولم يكن له بينة.

فقال: يا أمير المؤمنين استحلفه.

فقال (ع) لا يمين في حد ولا قصاص في عظم " إلى غير ذلك، والظاهر عدم الخلاف في ذلك بل ادعى بعضهم الاجماع عليه فيما إذا كان من حق الله المحض، وإذا كانت الدعوى مركبة من حق الله وحق الناس كالسرقة فبالنسبة إلى حق الناس تثبت ولا تثبت بالنسبة إلى حق الله كالقطع، وأما إذا كان الحق مشتركا كالقذف فالاكثر على تغليب حق الله فلا تثبت فيه اليمين، وعن المبسوط والدروس تغليب حق الناس، فإذا ادعى عليه انه قذفه بالزنا فأنكر يجوز له أن يستحلف فان حلف برئ وإن رد اليمين على المدعي فحلف حد حد القذف، وكذا إذا قذفه بالزنا جاز أن يطلب منه اليمين على عدمه فان حلف ثبت عليه حد القذف وإن رد عليه الحلف فحلف سقط، والاظهر ما ذكره الاكثر من عدم جريان الحلف خصوصا في الفرض الاول بل ينبغى الاشكال فيه، واما الفرضالثاني فيمكن أن يقال: أن الحد لم يثبت بالحلف على عدم الزنا ثبت بالقذف والحلف كان على عدم المانع منه وهو ثبوت الزنا، لكن الاظهر عدمه فيه أيضا لعموم الاخبار المشار إليها.

مسألة 16: قال: في الشرايع لو ادعي صاحب النصاب ابداله في أثناء الحول قبل قوله بلا يمين، وكذا لو خرص عليه فادعى النقصان، وكذا لو ادعى الذمي الاسلام قبل الحول يعنى لينفى وجوب الزكاة في الاول وينقص عنه ما قدر عليه في الثاني ويتلخص من الجزية في الثالث بناء على وجوبها عليه إذا أسلم بعد حلول الحول، وفي الجواهر تبعا للمسالك ادعى عدم الخلاف في المذكورات بل ان الاتفاق عليها محكي قال: مع ان الحق بين العبد وربه ولا يعلم إلا من قبله.

وظاهرهم حيث ذكروا ذلك في كتاب القضاء في ذيل أحكام الحلف بعد أن ذكروا انه لا يجرى في الحدود ان مرادهم ذلك حتى في مقام النزاع، وانه لو ادعى عامل الزكاة أو وكيل الحاكم على صاحب النصاب مثلا ان عليه الزكاة


206

وأنكر لعدم بقاء النصاب على حاله في تمام الحول فمع عدم البينة يسمع قوله ولا يمين عليه، وكذا لو ادعى متبرع بناء على سماع دعوى التبرعية أو ادعى واحد من الفقراء وأنكريسمع منه بلا يمين، وكذا في دعوى النقصان في الخرص، وهكذا، ومن قبيل ما ذكروه لو ادعى عليه بلوغ ماله حد النصاب أو أنه تعلق به الخمس وأنكر، أو ادعى عليه عدم أدائهما بعد تعلقهما بماله وادعى هو الاداء ونحو ذلك، ولكن كل ذلك مشكل إذ فصل الدعوى المسموعة لابد أن يكون إما بالبينة أو اليمين وعموم قوله (ع): " البينة للمدعي الخ " شامل فلا وجه لدعوى عدم اليمين مع كون الدعوى مالية، بل إذا كان المدعي فقيرا يكون هو صاحب الحق لانه شريك مع المالك من حيث انه فرد للنوع غاية الامر ان المالك ليس ملزوما بالدفع إذ له أن يدفع إلى فرد آخر من النوع فمع فرض سماع الدعوى لا وجه لعدم اليمين ودعوى عدم سماعها - كما ترى - خصوصا في عامل الصدقات المنصوب من قبل الامام (ع) أو الحاكم، واما ما في بعض الاخبار من أمر الامام (ع) بتصديق المالك إذا ادعى عدم الزكاة عليه فانما هو في صورة عدم علمه بوجوبها عليه، فالاقوى بعد سماع الدعوى ثبوت اليمين مع عدم البينة، ويمكن أن يقال: ان مرادهم أو مراد بعضهم وجوب تصديقه في صورة عدم العلم وهو كذلك إذ لا يعلم إلا من قبله وللنص، وإلا فمع الدعوى على سبيل الجزم لا وجه لعدم اليمين - مع ان من القواعد عندهم أن كل من يقبل قوله فعليه اليمين، ويؤيد ما ذكرنا من حمل كلامهم على صورة عدم العلم ان بعضهمذكر موارد آخر تزيد على عشرين موردا انه يسمع قوله بلايمين، ذكرها في المسالك قال: وضبطها بعضهم بانه كلما كان بين العبد وبين الله تعالى أو لا يعلم إلا منه ولا ضرر فيه على الغير أو ما تعلق بالحد أو التعزير - مع انهم ذكروا وجوب الحلف في جملة منها في مواردها مثل الوكيل والولي ومدعي رد الوديعة ونحوها، هذا.

وفي المستند: في باب الزكاة " لو قال: رب المال لا زكاة في مالي يجب القول ولا يجوز مزاحمته للحاكم ولا للمصدق ولا للفقير بلا خلاف اعرفه كما صرح به غير واحد أيضا لحسنة العجلى المتضمنة - لما أمر أمير المؤمنين (ع): مصدقه وفيها - " قل لهم يا عباد الله أرسلني إليكم ولى الله لاخذ منكم حق الله في أموالكم فهل في أموالكم من حق فتؤدوه


207

إلى وليه، فان قال: لك قائل لا.

فلا تراجعه " ورواية غياث بن إبراهيم - إلى أن قال - " أن الزكاة ليست حقا لشخص معين أو أشخاص معينين حتى يجوز له المزاحمة " والدعوى فالمزاحمة لو جازت لكانت من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وشرطها العلم بكون معروفا أو منكرا، وفي صورة ادعاء البراءة انها لا يعلم غالبا إلا من قبله - إلى أن قال - نعم لو علم تعلق الزكاة على ماله وعدم إخراجه إياه كان لمن شأنه ذلك أن يكلفه الاداء أو يأخذمنه - ثم قال - وهل تقوم شهادة الشاهدين مقام العلم أم لا؟ صرح في الشرايع بالاول والاصل يثبت الثاني.

انتهى " ويظهر مما ذكرنا ما فيه من الانظار، ثم قال: في الشرايع - بعد الكلام المتقدم - اما لو ادعى الحربى ان الانبات بالعلاج لا بالسن ليتخلص من القتل، ففيه تردد والاقرب انه لا يقبل إلا بالبينة.

قلت: في المسألة وجوه " أحدهما " ما ذكره من عدم السماع.

إلا بالبنية لظهور مادل على كون الانبات علامة للبلوغ في الحكم به ما لم يعلم خلافه ومجرد الاحتمال لا يكفي في رفع اليد عن مقتضاه ولذا لا يعتنى به مع عدم الدعوى.

الثاني: سماع قوله مع الحلف فعلا أو بعد التأخير إلى القطع ببلوغه لان المدعى به لا يعلم إلا من قبله فيقبل قوله مع اليمين لان قطع الدعوى لابد أن يكون بالبنية أو اليمين.

الثالث: سماع قوله بلا يمين لان القتل من الحدود وقد مر عدم جريان الحلف فيها - مع انها تدرأ بالشبهات وهذا هو الاقرب.

مسألة 17: ذكروا أنه لو أقر بالبلوغ بالاحتلام قبل منه إذا كان محتملا في حقه كما إذا كان ابن عشر سنين، كما اختاره في الشرايع وحكاه في الجواهر عن الحلي والفاضلوالكركي والشهيدين وقال: بل لم يحك أحد منهم خلافا في ذلك لانه لا يعلم إلا من قبله بخلاف البلوغ بالسن فانه يمكن الاشهاد عليه، وكذا بالانبات لان موضعه ليس من العورة - مع أنه يجوز النظر إليها في مقام الضرورة، ومقتضى ما ذكروه ترتب أحكام البلوغ عليه مما له وعليه، وظاهرهم بل عن بعض التصريح به أنه لا يمين عليه إذا كان في مقام الدعوى والنزاع فيقبل قوله بلا يمين، قالوا: وإلا يلزم الدور لان صحة اليمين موقوفة


208

على البلوغ فلو كان البلوغ موقوفا على اليمين دار، وعن الدروس دفع الدور بأن اليمين موقوفة على امكان البلوغ، واورد عليه بمنع الكفاية.

قلت: يشكل سماع قوله في غير مقام الدعوى والمرافعة فضلا عنه فيشكل ترتب آثار البلوغ عليه مما له أو عليه بأن يحكم بصحة معاملاته ودفع ماله إليه وهكذا ومجرد كون الاحتلام مما لا يعلم إلا من قبله لا يكفي في ترتب الآثار المشروطة بالبلوغ.

وثانيا: نمنع جواز الحكم بلا يمين في مقام الدعوى بمجرد عدم امكان اليمين، بل مقتضى القاعدة إيقاف الدعوى.

وثالثا: نمنع لزوم الدور إذا قلنا بالحاجة إلى اليمين إذ على فرض القول بسماعإقراره لكونه مما لا يعلم إلا من قبله لا تتوقف اليمين على البلوغ بل على دليل الدال على سماع إقراره، وإلا فيمكن أن يقال: يلزم الدور من أصل سماع إقراره لانه متوقف على بلوغه فلو كان بلوغه موقوفا على إقراره لزم الدور - مع انه مدفوع بمنع توقف قبول إقراره على بلوغه بل هو متوقف على الدليل الدال عليه وهو قاعدة قبول قول من ادعى ما لا يعلم إلا من قبله عند احتمال صدقه، ولعله إلى ما ذكرنا نظر في الدروس حيث قال: ان يمينه موقوفة على امكان بلوغه لا على بلوغه.

الفصل التاسع عشر في المقاصة لا إشكال في جوازها إذا كان له حق عند غيره من عين أو دين وكان جاحدا أو مماطلا، وتدل عليه الآيات والاخبار.

أما الايات: فقوله سبحانه وتعالى [ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ] قوله تعالى [ فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ] وقوله تعالى [ والحرمات قصاص ] وأما الاخبار: " فمنها " خبر جميل بن دراج " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل


209

يكون له على الرجل الدين فيجحد فيظفر من ماله بقدر الذى جحده أيأخذه وإن لم يعلم الجاحد بذلك.

قال: نعم.

" ومنها: صحيحتا داود بن رزين وابن زربى قال: " في أحداهما قلت: لابي الحسن موسى (ع) إنى اخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها والدابة الفارهة يبعثون فيأخذونها ثم يقع لهم عندي المال فلي أن اخذه.

فقال: خذ مثل ذلك ولا تزد عليه.

" وقال في الآخر: " قلت: لابي الحسن (ع) إنى اعامل قوما فربما ارسلوا إلى فأخذوا منى الجارية والدابة فذهبوا بهما منى ثم يدور لهم المال عندي فأخذ منه بقدر ما أخذوا منى.

فقال: خذ منهم بقدر ما أخذوا منك ولا تزد عليه.

" ومنها: صحيح أبى بكر " قلت له: رجل لي عليه دارهم فيجحدني وحلف عليها أيجوز لي إن وقع له قبلي دارهم أن أخذ منه بقدر حقي.

قال: فقال: نعم ولكن لهذا كلام.

قلت: وما هو.

قال: يقول: اللهم لم أخذه ظلما ولا خيانة وإنما أخذته مكان مالى الذى أخذ منى لم أزدد شيئا عليه ".

ونحوها صحيحتان اخريان له وزاد في آخر احداهما: " وإن استحلفه على ما أخذ منه جاز أن يحلف إذا قال هذه الكلمة " إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة التى يأتي بعضها في بعض المسائل، وتفصيل الكلام في طي مسائل.

مسألة 1: إذا كان الحق المطلوب عينا، فان كان يمكن أخذه بلا مشقة ولا ارتكابمحذور فلا يجوز المقاصة من ماله الآخر، وإن لم يمكن أخذه أصلا جاز له المقاصة من ماله الآخر إن كان من جنس ماله وإن لم يكن من جنسه جاز أن يأخذ مقدار قيمة ماله ويجوز أن يبيعه ويأخذ ثمنه عوض ماله ويجوز أن يشتري به من جنس ماله ويأخذه ولا حاجة إلى الاستيذان من الحاكم الشرعي لاطلاق الاخبار، ولو أمكنه أخذ ماله لكن بمشقة أو ارتكاب محذور مثل الدخول في داره أو كسر قفله أو نحول ذلك فالظاهر جواز المقاصة من ماله الآخر أيضا كما يجوز له أخذ ماله، وإن استلزم الضرر على المطلوب منه إذا كان عالما بانه ماله ومع هذا كان جاحدا أو مماطلا، وأما إذا لم يكن مقصرا بأن كان جاهلا بانه ماله ففي جواز أخذه إذا استلزم الضرر وعدمه وجهان؟ من قاعدة الضرر من انه انما جاء من قبل جهله والاحوط حينئذ اختيار المقاصة، كما أنه إذا أمكن رفع الضرر عنه


210

بالرجوع إلى الحاكم وإثبات حقه الاحوط اختيار ذلك.

مسألة 2: إذا كان الحق دينا وكان الغريم جاحدا أو مماطلا ولو بالتأخير عند المطالبة جازت المقاصة من ماله إذا لم يمكن الاستيفاء بالمرافعة ونحوها، أو أمكن ولكن مع مشقة أو ضرر، بل وكذا مع عدمهما على الاقوى لاطلاق الاخبار، خلافا للنافع ولعلهلدعوى انصراف الاخبار وهو ممنوع.

مسألة 3: لا إشكال في جواز المقاصة من غير جنس الحق إذا لم يمكن الاخذ من جنسه، وأما مع امكان الاخذ من جنس الحق بلا صعوبة ففي جواز الاخذ من غيره وعدمه قولان؟ الاحوط الثاني خصوصا في الدين.

مسألة 4: إذا توقف أخذ مقدار الحق على التصرف في الازيد فالظاهر جوازه ويكون الزايد في يده أمانة يجب ردها إلى المقتص منه ولا ضمان عليه لو تلف في يده من غير تقصير ولا تأخير في رده إليه.

مسألة 5: في المقاصة بغير الجنس يتخير بين أن يأخذه بدل ماله بعد التقويم ويجوز أن يبيعه ويأخذ من ثمنه بمقدار قيمة حقه ويجوز أن يبيعه ويشتري بثمنه من جنس حقه كما أشرنا إليه سابقا.

مسألة 6: إذا أخذ ليقتص منه فتلف في يده قبل أن يقتص منه بأحد الوجوه المذكورة فلا ضمان عليه مع عدم التقصير وعدم التأخير، وكذا لا يضمن نقص قيمته كذلك، بل في ضمانه مع التقصير في التأخير أيضا إشكال.

نعم لو نقصت عينه مع التأخير ضمن.

مسألة 7: الظاهر حصول التعاوض بين ما أخذه مقاصة وبين حقه الذى عند المقتصمنه أو في ذمته فتبرأ ذمته إذا كان المال دينا عليه ويملكه إذا كان عينا لان المفروض أن المقاص يملك ما يأخذه عوض ماله فلا يبقى المعوض في ملكه وإلالزم الجمع بين العوض والمعوض، ولا وجه لما يظهرمن المستند: من بقاء العين على ملك المقاص ومنع كون ما يأخذه عوضا عن ماله بل هو أمر جوزه الشارع عقوبة.

ثم منع عدم جواز الجمع بين العوض والمعوض، إذ المفروض انه يأخذه بعنوان العوضية من ماله لا بعنوان العقوبة - مع أن لازم ما ذكره جواز عتقه للمقاص إذا كان عبدا أو جارية وجواز نقله إلى الغير ولا يمكن الالتزام بذلك


211

وأيضا لازم ما ذكره عدم براءة ذمة المقتص منه من الدين أيضا - مع انه صرح بسقوط حقه بعد التقاص واقعا.

مسألة 8: لو رجع عن جحوده أو مماطلته بعد المقاصة من ماله فبذل المال الذى عنده أو في ذمته وأراد رد المال الذى اخذ منه فالظاهر عدم وجوب القبول على المقاص خصوصا إذا كان ما أخذه تالفا وسيما إذا كان المال دينا واقتص من جنسه وذلك لحصول التعاوض وصيرورة المأخوذ ملكا للمقاص والاصل بقاء ملكيته وبراءة ذمته من دفع العوض إذا كان المأخوذ تالفا، ودعوى، ان التعاوض مادام الجحود أو المماطلة لا دليل عليها، فلا وجهلما في المستند: " من امكان أن يقال: ان الثابت من الادلة ليس أزيد من جواز التصرف مادام الجحود أو المماطلة وانه يستصحب حينئذ عدم جواز التصرف الثابت قبل المقاصة " إذ هو كما ترى، خصوصا تمسكه بالاستصحاب المذكور المقطوع بانقطاعه، ومن العجب انه ذكر بعدها التعارض بين هذا الاستصحاب وبين استصحاب جواز التصرف الثابت بعد التقاص، وكذا لو عثر المقاص بعد المقاصة على ماله أو امكنه الانتزاع من المقتص منه فانه ليس له أخذه ورد ما أخذه مقاصة أو رد بدله إذا كان تالفا لما ذكر من التعاوض.

مسألة 9: هل يجوز المقاصة بالوديعة قولان؟ فعن جماعة الجواز ونسب إلى أكثر المتأخرين بل الظاهر انه المشهور، وعن جماعة من القدماء المنع بل عن الغنية عليه الاجماع، وعن الدروس وظاهر الروضة التوقف، والاقوى هو الاول لعموم الآيات والاخبار المؤيدة بقاعدتى الضرر والحرج خصوص صحيحة البقباق: " أن شهابا ما راه في رجل ذهب له بألف درهم واستودعه بعد ذلك ألف درهم قال أبو العباس: فقلت له خذها مكان الالف التى أخذ منك، فأبى شهاب.

قال: فدخل شهاب على أبى عبد الله (ع) فذكر ذلك له.

فقال (ع): اما أنا فاحب أن تأخذ وتحلف ".

وخبر على بن سليمان قال: " كتب إليه رجل غصب رجلا مالا أو جارية ثم وقع عنده مال بسبب وديعة أو قرض مثل ما خانه أو غصبه أيحل لهحبسه عليه أم لا.

فكتب (ع): نعم يحل له ذلك إن كان بقدر حقه وإن كان اكثر فيأخذ منه ما كان عليه ويسلم الباقي إليه انشاء الله ".

واستدل: المانعون بعمومات وجوب رد الامانة وحرمة التصرف في مال الغير وخصوص


212

خبر ابن أخ الفضل بن يسار قال: " كنت عند أبى عبد الله (ع) ودخلت امرأة وكنت أقرب القوم إليها فقالت: اسأله فقلت: بماذا فقالت: ابن أخى مات وترك مالا في يد أخى فأتلفه ثم أفاد مالا فاودعنيه فلي أن آخذ منه بقدر ما أتلفه من شئ، فاخبرته بذلك.

فقال (ع): قال: رسول الله صلى الله عليه وآله: أد الامانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " وصحيح معاوية بن عمار عن أبى عبد الله (ع): " قلت له الرجل يكون لى عليه حق فيجحد نيه ثم يستودعنى مالا ألي أن آخذ مالي عنده.

قال: هذه الخيانة.

والجواب: ان العمومات مخصصة بأخبار المقام ومقتضى الجمع بين الخاصين من الطرفين حمل الاخيرين على الكراهة لظهورهما في المنع مع صراحة الاولين في الجواز مع احتمال حمل الاخرين خصوصا الثاني منهما على صورة الجحود مع الحلف وإن كان يبعده التعليل بالخيانة، ومما ذكرنا من الجمع ظهر ما فيما قد يدعى من سقوط الخاصين من الطرفينبالتعارض، وكون النسبة بين العمومات من الطرفين العموم من وجه، ولا ترجيح فالمرجع أصالة عدم جواز التصرف في مال الغير وذلك لمنع تساقط الخاصين إذ هو فرع عدم امكان الجمع العرفي وعلى فرضه نقول: ان عمومات الجواز أرجح، بل يمكن أن يقال: انها حاكمة على العمومات المانعة.

مسألة 10: إذا لم يكن عالما بثبوت الحق واقعا بل كان ثبوته بمقتضى الاصول العملية مع فرض جحود الغريم إما لاصل الحق وإما لادعاء الوفاء فهل يجوز التقاص أو يجب الترافع، اختار في المستند الاول، ولكنه مشكل لان الظاهر من الاخبار صورة العلم بالحق.

نعم إذا أقامت البينة على ثبوت حقه يمكن القول بقيامها مقام العلم، وعلى ما ذكرنا فإذا علم علما قطعيا بثبوت حق لمورثه على شخص وادعى هو الايفاء جاز له المقاصة واما إذا احتمل الوفاء فيشكل جوازها بل يتعين المرافعة.

مسألة 11: إذا ادعى على زيد وهو يقول لا أدري اني مديون أولا، فمع علمه بالحق يجوز له المقاصة كما يجوز له المرافعة ومع احتمال وفائه يشكل لما مر.

مسألة 12: إذا عثر على مال مشترك بين الغريم وغيره فان أذن له الشريك في التقاص بأخذ مقدار حقه منه جاز وإلا فلا وجه لما في المستند من جوازه حيث قال: يجوز


213

التقاص من مال الغريم المشترك بينه وبين غيره ويجب عليه أداء مال الغير وايصاله إليه للعمومات وأدلة نفي الضرر، لان حرمة مال الشريك ليس بأزيد من حرمة الزايد على الحق من مال الغريم، إذ لا يخفى ما فيه وفي تعليله.

مسألة 13: إذا كان ثبوت الحق خلافيابين المجتهدين ليس له المقاصة إذا كان مقلدا لمن يقول بثبوته الا مع العلم بان الغريم ايضا مقلدا لذاك المجتهد ومع عدمه لابد من الترافع.

مسألة 14: قال: في المستند إذا كان لزيد مال على عمرو وله مال على بكر يجوز له المواطاة مع بكر وأخذ حقه منه للعمومات ويجوز لبكر إعطاؤه لان جواز أخذ الغريم يستلزم ذلك ويجوز حلف بكر على البراءة ولا يخفى الاشكال فيه على اطلاقه وفي تعليله.

نعم لو علم بكر اشتغال ذمة عمرو وانه لا يمكن وصول حق زيد إليه إلا بهذا الوجه يحتمل جوازه.

مسألة 15: إذا كان الغريم ناسيا للدين فالظاهر عدم جواز المقاصة من ماله من غير اعلامه إذا احتمل تذكره لو ذكر لعدم صدق الجحود بمجرد النسيان، فلا وجه لما فيالمستند من جوازها للعمومات إذ هي منصرفة عن هذه الصورة.

نعم لو ذكره فلم يتذكر وبقى على جحوده أو علم بأنه لا يتذكر لا يبعد الجواز، لكنه أيضا مشكل لعدم صدق الجحود، وكذا الحال لو كان جاهلا بأنه مديون.

مسألة 16: يظهر من المستند جواز المقاصة إذا كان له حق ومنعه الحياء أو الخوف أو مصلحة اخرى عن المطالبة، ولا يخفى ما فيه من الاشكال.

مسألة 17: قال في المستند لو كان الغريم غائبا ولم يعلم جحوده أو عدم بذله يجوز التقاص من ماله الحاضر للعمومات ولا طلاق صحيحة البقباق ورواية اسحاق، بل صحيحة زربى وعدم ثبوت الاجماع الثابت في الحاضر المقر الباذل في ذلك، ولا يخفى ما فيه.

مسألة 18: إذا كان الغريم مديونا بديون لا يفي ماله بجميعها فان كن قبل حجر الحاكم له عن التصرف جاز لصاحب الحق المقاصة بتمام حقه وإن كان بعده فالظاهر عدم جوازها حتى بقدار حقه، وإذا كان ميتا لا تفي تركته بتمام ديونه فكذلك لا يجوز حتى


214

بمقدار حصته لتعلق حق الغرماء بتركته، هذا مع جحود الورثة، اما مع عدمه فلا اشكال في عدم الجواز.

مسألة 19: لا يشترط في التقاص المباشرة فيجوز التوكيل فيه، بل قال: في المستند بجوازه للغير من غير توكيل إذا علم مطالبة صاحب الحق لانه رفع ظلم عن الغير وهو جائز بل واجب، ولا يخفى ما فيه.

مسألة 20: لا يجوز التقاص من مستثنيات الدين إذا لم يكن له غيرها واما إذا كان عنده ما يمكنه شراؤها فالظاهر جوازه كما اختاره في المستند قال: لان المستثنى ليس عين المذكورات بل أعم منها ومن أثمانها.

مسألة 21: إذا كان للغريم الجاحد أو المماطل عليه دين جاز أن يحتسبه عوضا عما عليه مقاصة إذا كان بقدره وإلا فيقدره سواء كان من جنسه أو غيره فله أن يجحد ويحلف عليه إذا ترافع معه.

مسألة 22: إذا تبين له بعد المقاصة انه كان مخطئا في دعواه وجب عليه رد ما أخذه أو رد عوضه إذا كان تالفا وعليه غرامة ما وقع من الضرر سواء كان خطاؤه في الحكم أو الموضوع كما انه كذلك لو تبين ان ما أخذه كان ملكا لغير الغريم.

مسألة 23: هل يجوز لآحاد الفقراء المقاصة من مال من عليه الزكاة وهو جاحد أو لا؟ الظاهر ذلك باذن الحاكم في خصوص المورد بل على نحو العموم، وأما بدون إذنه فمشكل،وإن كان كل واحد من الفقراء مالكا من حيث كونه فردا للنوع، وكذا إذا أوصى بشئ للفقراء وكان الوارث أو الوصي جاحدا أو مماطلا، وكذا في الوقف بالنسبة إلى جحود المتولي أو مماطلته، واختار في المستند جوازها ولو من غير إذن الحاكم قال: الحق الذى يجوز تقاصه أعم من أن يكون ذو الحق معينا واحدا أو أحد الافراد، فلو أوصى أحد بشئ لواحد من أولاد زيد يجوز لاحدهم مقاصته بعد الجحود أو المماطلة لصدق كون حقه عليه لان ذلك أيضا نوع حق، وعلى هذا فيجوز للفقير تقاص الزكاة والخمس والمظالم من الغني المماطل.

مسألة 24: لا تتحق المقاصة بدون الاخذ والتسلط على مال الغريم فلا يجوز تملك


215

داره أو عبده أو امته مع كونها بعد في يده فلا تتحقق بمجرد النية.

نعم لو كان ماله في يد شخص لا يبعد جواز بيعه عليه بعنوان المقاصة عن حقه الذى عليه وإن كان لا يخلو من اشكال لانه لم يصر ملكا له إلا بعد المقاصة، ولا بيع إلا في الملك.

مسألة 25: إذا كان صاحب الحق مديونا لشخص يجوز له أن يوكله في أخذ حقه من الغريم الجاحد مقاصة ثم يملكه عوضا عن طلبه، وهل يجوز أن يأذن له في استيفاءدينه منه بأن يتملك ماله لنفسه بعنوان المقاصة لصاحب الحق، فيه إشكال لانه لا يصير وفاء لدينه إلا بعد تملكه فلابد من حصول الملك له أولا ثم وفاء الدين به، ولا يمكن أن يكون الفعل الواحد تمليكا لشخصين على الترتيب ولابد من التأمل.

مسألة 26: قد عرفت ان العين المغصوبة المجحودة تصير بعد التقاص من مال الغاصب ملكا للمقتص منه مقتضى العوضية، فهل يجوز بعد ذلك للغاصب التصرف فيها أو يبقي على الحرمة، الظاهر الجواز ما لم يطالب المالك استردادها فيكون آثما في طريق التملك، والمسألة محتاجة إلى التأمل.

مسألة 27: مقتضى اطلاق الاخبار عدم وجوب اعلام المقتص منه بفراغ ذمته من الدين أو بخروجه من ضمان العين وحرمة التصرف فيها مسألة 28: الحق المقتص عنه كما يجوز أن يكون عينا أو دينا كذلك يجوز أن يكون منفعة كما إذا غصب منفعة داره وكان جاحدا أو مماطلا، بل يمكن أن يكون حقا ماليا كحق التحجير والمقتص به أيضا يمكن أن يكون منفعة ولو كان المقتص عنه عينا.

مسألة 29: لا يجوز الاقتصاص من ماله الذى تعلق به حق الغير كالعين المرهونة للغير والتى تعلق بها النذر ونحوه.

مسألة 30: إذا غصبه العين التى له فيها حق الرهن يجوز له أن يأخذ من ماله بدل رهنه ما يجعله وثيقة دينه.

مسألة 31: يجوز للحاكم الشرعي من باب الولاية الشرعية الاقتصاص من مال من عنده ولو في ذمته الزكاة أو الخمس أو المظالم مع جحوده أو مماطلته إذا لم يمكن له اجباره على الاداء.


216

مسألة 32: إذا غصب العين الموقوفة يجوز المقاصة من ماله بدلها إذا لم يمكن الاسترجاع أبدا وإلا فيقتص من ماله عن منافعها مادامت مغصوبة.

مسألة 33: انما يجوز التقاص من ماله إذا لم يحلفه الحاكم الشرعي وإلا فلا يجوز كما مر سابقا، وما في خبر الحضرمي من الجواز إذا حلف بعد جحوده فمنزل على الحلف من عنده أو باستحلاف المدعي من دون تحليف الحاكم الشرعي.

مسألة 34: مقتضى اطلاق الاخبار الكثيرة عدم وجوب ما تضمنته اخبار الحضرمي من الدعاء عند إرادة التقاص كما هو المشهور فحملوها على الاستحباب لكن عن النافع والابى والايضاح وجوبه، والاقوى هو الاستحباب حملا لها عليه ويمكن أن يكون المرادمنها كون قصده الاخذ بعوض ماله وبعنوان المقاصة لا بعنوان الخيانة ولا وجوب التلفظ بذلك، فلو لم يكن ملتفتا إلى التقاص أولم يكن عالما بجوازه وأخذ من غير قصد العوضية لم يجز ولم يملك.

مسألة 35: إذا كان الحق مشتركا بينه وبين غيره فهل يجوز له أن يأخذ من مال الغريم بمقدار حصته ويملكها أو لا؟ الظاهر ذلك إذا كان الحق عينا لانه بمنزلة بيع حصته بهذا المأخوذ، بل وكذا إذا كان دينا وكان المأخوذ من غير جنسه لانه أيضا بمنزلة البيع واما إذا كان المأخوذ من جنسه فيمكن أن يقال: بأن أخذه من باب الوفاء بأن يكون الاذن في التقاص من باب سقوط حق التعيين وكون أمره بيد المديون، بل يحتمل ذلك في صورة كونه من غير الجنس أيضا بأن يكون من باب الوفاء بغير الجنس، وحينئذ فيكون كما إذا وفاه المديون في كون المأخوذ مشتركا بناء على ان الدين المشترك إذا أخذ أحد الشريكين مقدار حصته يشترك فيه الشريك الآخر ولم أرمن تعرض للمسأله.

مسألة 36: قد عرفت عدم الحاجة إلى إذن الحاكم في التقاص في الماليات، وأما القصاص فهل يحتاج إلى إذنه أو لا؟ قولان، فعن الخلاف وموضع من المبسوط الاحيتاج إليه وعدم جواز استقلال الولي به وهو المحكي عن المقنعة والمهذب والكافي والفاضل فيالقواعد وعن الغنية نفي الخلاف فيه وعن الخلاف الاجماع عليه، وعن جماعة عدم الحاجة إليه حكي عن موضع آخر من المبسوط، ونسبه في المسالك إلى الاكثر، وفي الرياض


217

إلى أكثر المتأخرين بل عامتهم، وهو الاقوى للاصل والعمومات مثل قوله عز من قائل (1) [ فمن اعتدى عليكم.

الخ ] وقوله تعالى (2) [ وان عاقبتم.

الخ ] وعموم الاخبار الدالة على جواز الاقتصاص الولي وعدم الدليل على القول الاول إلا دعوى الاجماع الموهون بظهور الخلاف مضافا إلى عدم حجيته والقياس على الحدود الذى لا يجوز العمل به واحتياج إثبات القصاص وكيفياته إلى الاجتهاد لاختلاف الناس في شرائطه مع الخطر في أمر الدماء.

" وفيه " ان محل الكلام صورة تيقن كون الحكم هو القصاص مع معلومية كيفياته، وربما يستدل أو يؤيد بمفهوم قوله (ع): " من قتله القصاص بأمر الامام (ع) فلا دية له في قتل ولا في جراحة ".

" وفيه " عدم حجية مفهوم الوصف - مع أن مقتضاه ثبوت الدية إذا لم يكن باذن الامام (ع) ولا يقولون به، وأيضا الظاهر ان المراد من الخبر صورة الانجرار إلى القتل أو الجرح خطاء والظاهر ثبوت الدية حينئذ من بيت المال إذا كان بأمر الامام (ع) أيضا فيحمل على انه لا دية له على القاتل والجارحإذا كان بأمر الامام (ع)، بخلاف ما إذا كان الخطأ من دون أمر الامام (ع) فانه تثبت الدية عليه فتأمل، وكيف كان فالاقوى عدم الحاجة إلى الاذن وإن كان هو الاحوط خصوصا في قصاص الاطراف، ثم على القول الاول لو ترك الاستيذان لم يترتب عليه قصاص ولادية لانه استوفى حقه غاية الامر ثبوت التعزير بناء على ثبوته في ترك كل واجب واتيان كل محرم.

نعم لو كان الاولياء جماعة هل يجوز لكل منهم الاستقلال بالاستيفاء أولا يجوز إلا بأذن الباقين قولان؟ فعن جماعة عدم جوازه إلا باذن الجيمع أو بتوكيل خارج عنهم، وعن غاية المرام نسبته إلى المشهور، وعن جماعة اخرى انه يجوز لكل منهم المبادرة من دون إذن البقية لكنه يضمن حصته من لم يأذن، والاقوى هو الاول لانه مقتضى اشتراك جماعة في حق واحد - مع انه لو كان لكل منهم الاستقلال لم يكن وجه لضمان حصص الباقين، بخلافه على الاول لانه حينئذ فوت حق البقية فيكون ضامنا، ودعوى، كونه مستحقا للقصاص لو أثم وبادر كما حكى احتماله عن الفاضل وغيره لانه استوفى اكثر من حقه فيكون عاديا فيترتب عليه القصاص كالأجنبي


218

في قتله الذى لا إشكال في استحقاقه القصاص، مدفوعة، بالمنع إذا القدر المعلوم هو الاثمفي ترك الاستيذان لا اشتراطه في ثبوت الحق حتى يكون كالأجنبي القاتل لمن عليه القصاص.

مسألة 37: الدية من الحقوق المالية فيجري فيها التقاص مع الجحود أو المماطلة من غير حاجة إلى إذن الحاكم الشرعي وأما الحدود فلا إشكال في كون اجرائها من وظيفة الحاكم الشرعي وكذا التعزيرات.

نعم التأديب بالضرب ونحوه من باب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يحتاج إلى الاذن، وكذا تأديب الآباء للاطفال وكذا المعلم.

نعم يشترط فيه الاستيذان من آبائهم ومع عدمهم فمن الحاكم الشرعي.

فصل

في مسائل القسمة

وهي على ما ذكروه تمييز حق الشركاء والاولى التعبير بالتعيين لان الظاهر من التميز أن يكون له واقع معين وليس كذلك - مع انه يصدق التقسيم على توزيع مال على جماعة من غير سبق لهم فيه، ثم هي معاملة مستقلة وليست بيعا فلا يترتب عليها آثاره الخاصة من الشفعة وخيار المجلس واشتراط القبض والاقباض في النقدين ونحو ذلك، وليست معاوضة فلا يلحقها الربا بناء على اختصاصه بالمعاوضات.

نعم يتحقق فيها التعاوض لكن لا بعنوان المعاوضة.

مسألة 1: يشترط فيها الرضا في تعيين حصة كل منهما حتى في قسمة الاجبارلان الجبر في أصل القسمة لا يستلزم الجبر في تعيين الحصة.

نعم لو لم يتراضيا تعين بالقرعة هذا في الشركة الاشاعية، واما إذا كانت بنحو الكلى في المعين فالتعيين بيد من عليه ففي مثل البيع بيد (البايع؟) وفي مثل الوقف على الفقراء بيد المتولي وفي الخمس والزكاة بيد المالك.

نعم إذا كان ملك الجميع بنحو الكلى في المعين، كما إذا كانت صبرة مشتملة على عشرة أصوع فباع صاعا منها من زيد وصاعا من عمرو وهكذا إلى تمام العشرة، فحكمه حكم الشركة الاشاعية في اشتراط رضا الجميع في تعيين حصة كل واحد.

مسألة 2: قالوا: يستحب للامام (ع) أن ينصب قاسما لانه من المصالح العامة، وعن القواعد الاجماع عليه، وفي الجواهر لا ريب فيه وانه كان لعلي (ع) قاسم اسمه -


219

عبد الله بن يحيى - ويظهر من بعضهم استحبابه للحاكم مطلقا ويشترط فيه البلوغ والعقل والايمان والعدالة والمعرفة بالحساب ولا يشترط فيه الحرية، قلت: لا دليل على استحباب ذلك بالخصوص بحيث يكون مرجعا في القسمة ومقبول القول فيها.

نعم مع الاحتياج إليه لا مانع من جواز نصبه، وإلا فلا إشكال في جواز تصديهما بنفسهما وجواز توكيلهما غيرهما حتى الكافر.

نعم يشكل توكيل الصبى لعدم صحة معاملاته - وكون عبد الله بنيحيى قاسما لامير المؤمنين (ع) - لا دلالة فيه على استحبابه بالخصوص - مع انه يحتمل أن يكون قاسما له

في أمر بيت المال

وتوزيعه على مستحقيه، ثم لا يشترط في القاسم التعدد سواء كان منصوبا من الحاكم أو وكيلا عنهما إلا مع عدم رضا أحدهما إلا بالمتعدد من غير فرق بين قسمة الاجبار وقسمة الرد وغيرهما لكن في الشرايع لابد من اثنين في قسمة الرد لانها تتضمن تقويما فلا ينفرد الواحد به.

" وفيه " ان غير قسمة الرد أيضا قد يحتاج إلى التقويم وقد لا يحتاج هي أيضا إليه - مع ان القاسم لا يلزم أن يكون مقوما فان احتاج إلى التقويم عين اثنين له.

مسألة 3: اجرة ا لقسام المنصوب من الحاكم من بيت المال وإن لم يكن فعليهما كالمنصوب منهما وهي على السهام لا على الرؤوس وإذا استأجره أحدهما فالاجرة عليه ولو استأجراه دفعه فالاجرة عليهما حسب ما قرراه من المساوات أو التفاوت، ومع اطلاق عليهما بحسب سهمهما، وإن كانوا جماعة فبحسب سهامهم لا على الرؤوس فان مقتضى القاعدة كون الاجرة على العمل إذا كان مشتركا لا على الرؤوس ولو استأجراه متعاقبا فقد يستشكل في صحة الاجارة الثانية لانها قد وجبت عليه بالاجارة الاولى فلا محل للثانية، وربما يجاب بان صحة الاولى موقوفة على رضا الشريك الآخر إذا لا يجوز التصرف في حقه إلابرضاه ومعه كأنهما استأجراه معا فلا موقع للاجارة الثانية حتى يرد الاشكال.

" وفيه " انه يمكن أن لا يتوقف التقسيم على التصرف في المال المشترك حتى يحتاج إلى رضا الشريك، انه إذا اتحد عنوان الاجارتين لم تصح الثانية كان يستأجره كل منهما على التقسيم، وإن كان العنوان متعددا صح كل منهما، وإن كان العمل واحدا كان يستأجره الاول على تمييز حقه


220

من حق شريكه والآخر أيضا كذلك فانه لا مانع منه، وكذا الحال في كل ما كان من هذا القبيل كأن يستأجره أحد للمشي إلى مكة للحج ويستأجره آخر للمشي إليها للخدمة وهكذا.

مسألة 4: لا يشترط في صحة القسمة ولا في لزومها الرضا بها بعدها بل يكفي الرضا السابق المقارن كما في سائر المعاملات سواء كانت بلا قرعة أو معها من غير فرق بين كونها اجبارية أو ردية أو غيرهما، ولا بين كون القاسم منصوبا من الامام (ع) أو الحاكم أو غيره ككونها منهما أو من وكيلهما أو أجيرهما لعدم الدليل عليه بعد وقوعها بالرضا المقارن، وذهب بعضهم إلى اعتباره في غير صورة كون القسم منصوبا وبعضهم في غيرها وغير الاجبارية وبعضهم في خصوص الردية ولا وجه لشئ منها، سوى دعوى أصالة بقاء الشركة بدون الرضا بعدها، أو دعوى كونها معاوضة، وهما كما ترى - مع انه لا وجه للفرق بين القاسم المنصوبوغيره بل وبين الردية وغيره كونها معاوضة لا يقتضى اعتبار الرضا بعدها بل يقتضى العدم كسائر المعاوضات.

مسألة 5: الاقوى عدم اعتبار القرعة في القسمة إلا إذا تنازعا في تعيين حصتيهما من غير فرق بين اقسامها خلافا لجماعة، بل قيل انه ظاهر الجميع وذلك لعم الدليل على اعتباره - مع ان مقتضى عموم - تسلط الناس على أموالهم - وكونه - عند شروطهم - وصحة - التجارة عن تراض - صحتها ولزومها بدونها، بل يمكن أن يستدل عليه بالاخبار الواردة في قسمة الدين كخبر غياث: " في رجلين بينهما مال بأيديهما ومنه غائب عنهما اقتسما ما في أيديهما واحال كل واحد منهما نصيبه فاقتضى أحدهما ولم يقتض الآخر قال (ع): ما اقتضى أحدهما فهو بينهما وما يذهب فهو منهما " وبمضمونه جملة اخرى فان ظاهرها صحة قسمة ما بأيديهما مع عدم القرعة، ودعوى، احتمال كون القرعة داخلة في حقيقة القسمة بحيث لا يصدق اسمها بدونها، كما ترى، وذكر في الجواهر في تقريب شرطية القرعة ما ملخصة: " ان مقتضى تعريف القسمة بأنها تمييز الحقوق كون حصة الشريك كليا دائرا بين مصاديق متعددة فيكون محلا للقرعة إذ هي حينئذ لاخراج المشتبه وتعيين ما لكل منهما من المصداق واقعا فتكشف حينئذ عن كون حقه في الواقع ذلك بل لولا الاجماعأمكن أن يقال: ان المراد من اشاعة الشركة دوران حق الشريك بين مصاديقيه لا كون


221

كل جزء يفرض مشتركا بينهما، وإلا لاشكل في الجزء الذى لا يتجزى، واشكل قسمة الوقف من الطلق لاستلزمه صيرورة بعض أجزاء الوقف طلقا وبعض الطلق وقفا، ولزم أيضا عدم اشتراط تعديل السهام لعدم المانع من تعويض الاقل بالاكثر مع الرضا - مع ان التعديل معتبر فيها وفاقده ليس من القسمة شرعا قطعا.

" قلت " لا يخفى ما فيه من سوء البيان والمصادرة - مع ان كون المراد من الاشاعة ما ذكره باطل قطعا إذ عليه ترجع إلى الكلى في المعين والفرق بينهما في غاية الوضوح.

مسألة 6: إذا طلب أحد الشريكين القسمة وجب على الآخر اجابته مع عدم الضرر ومع امتناعه يجبر عليه، والمناط في الضرر نقص القيمة فاحشا بحيث يصدق عرفا انها ضرر عليه فيشمله عمومات نفى الضرر، وقيل المناط الخروج عن الانتفاع بالمرة ولا وجه له كما لا وجه للقول بان المناط نقصان الانتفاع به عما كان سابقا ولو كان الضرر غير نقص القيمة أو المنفعة فهل يكفي في عدم الاجبار أو لا؟ الظاهر كفايته إذا كان في القسمة بما هي قسمة، واما إذا كان خارجيا فلا وإن كان شريكه من لا يقدر أحدعليه وإذا استقل هو بحصته يتمكن الغاصب من غصب ماله مثلا وإذا كان ترك القسمة أيضا ضررا على الطالب لها يلاحظ أكثر الضررين كما في سائر المقامات، ومع التساوى يبقى عموم - الناس - ولو كان الضرر على من يطلب القسمة لم يمنع من وجوب إجابته إلا إذا كان بحيث يخرج عن المالية فانها سفه وتضييع للمال إلا أن يكون هناك غرض عقلائي.

مسألة 7: القسمة اما أن تكون بنحو الاقرار كما في المثليات من الحبوب والادهان من نوع واحد، واما تكون بالتعديل كما في القيميات من نوع واحد أو أنواع كالدور والدكاكين والعبيد ونحوها، واما أن يكون بالرد بضم شئ إلى أحد الطرفين من الخارج، قالوا: أن الاولى يجبر عليها وكذا الثانية إن لم يكن ضرر، واما الثالثة فلا يجبر عليها لانها متضمنة للمعارضة، والاقوى ان المدار في الجميع على الضرر وعدمه، ودعوى، الفرق بين قسمة الرد وغيرها وكونها متضمنة للمعارضة دون غيرها، ممنوعة، نعم تستلزم التعاوض كغيرها فما في المسالك من اعتبار إجراء صيغة الصلح أو غيره بالنسبة إلى مقدار الرد ولولاها جرى عليه حكم المعاطات من عدم اللزوم إلا بعد التصرف لا وجه له،


222

ثم لا فرق في صحة قسمة التعديل والاجبار عليها مع عدم الضرر في الاجناس المختلفة بعضها بين كونها بسبب متحد وبين كونها بأسباب مختلفة بأن يكون بعضها بالارث وبعضها بالصلح أو الهبة أو البيع ونحو ذلك، لصدق الاشتراك فيها على وجه الاشاعة، لكن في الجواهر اشتراط اتحاد السبب وانه لا موضوع للقسمة فيما آحاده مشتركة بأسباب مستقلة من دون شركة مجموعة لان لكل من الشريكين النصف من كل منهما مثلا لا نصف المجموع، ولا يجب عليه معاوضة ما يستحقه في أحدهما بمال شريكه في الآخر، بخلاف ما لو كانت الشركة بسبب واحد في المجموع فانه يصدق ان لكل منهما نصف المجموع " وفيه " منع عدم الصدق فلا وجه للاشتراط المذكور.

نعم يشترط فيه عدم امكان قسمة الافراز في كل من تلك الاجناس وإلاقدم الافراز على التعديل.

مسأل 8: يجوز قسمة بعض المال المشترك وابقاء بعضه على الاشتراك وكذا يجوز مع تعدد الشركاء افراز حصة بعضهم وابقاء حصة الباقين على الاشاعة، والله العالم.

(تم كتاب القضاء بالخير ولله الحمد)