جمهرة خطب العربأحمد زكي صفوت
9
الباب الأول الخطب والوصايا في العصر الجاهلي الخطب إصلاح مرثد الخير بين سبيع بن الحارث وبين ميثم بن مثوب

كان مرثد الخير بن ينكف قيلا وكان حدبا على عشيرته محبا لصلاحهم وكان سبيع بن الحرث وميثم بن مثوب بن ذي رعين تنازعا الشرف حتى تشاحنا وخيف أن يقع بين حييهما شر فيتفانى جذماهما فبعث إليهما مرثد فأحضرهما ليصلح بينهما فقال لهما


10

مقال مرثد الخير

إن التخبط وامتطاء الهجاج واستحقاب اللجاج سيقفكما على شفا هوة في توردها بوار الأصيلة وانقطاع الوسيلة فتلافيا أمر كما قبل انتكاث العهد وانحلال العقد وتشتت الألفة وتباين السهمة وأنتما في فسحة رافهة وقدم واطدة والمودة مثرية والبقيا معرضة فقد عرفتم أنباء من كان قبلكم من العرب ممن عصى النصيح وخالف الرشيد وأصغى إلى التقاطع ورأيتم ما آلت إليه عواقب سوء سعيهم وكيف كان صيور أمورهم فتلافوا القرحة قبل تفاقم الثاي واستفحال الداء وإعواز الدواء فإنه إذا سفكت الدماء استحكمت الشحناء وإذا استحكمت الشحناء تقضبت عرى الإبقاء وشمل البلاء


11
2-مقال سبيع بن الحرث

فقال سبيع أيها الملك إن عداوة بنى العلات لا تبرئها الأساة ولا تشفيها الرقاة ولا تستقل بها الكفاة والحسد الكامن هو الداء الباطن وقد علم بنو أبينا هؤلاء أنا لهم ردء إذا رهبوا وغيث إذا أجدبوا وعضد إذا حاربوا ومفزع إذا نكبوا وأنا وإياهم كما قال الأول

( إذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا وليس لهم عالين أم ولا أب ) مقال ميثم بن مثوب

فقال ميثم أيها الملك إن من نفس على ابن أبيه الزعامة وجد به في المقامة واستكثر له قليل الكرامة كان قرفا بالملامة ومؤنبا على ترك الاستقامة وإنا والله ما نعتد لهم بيد إلا وقد نالهم منا كفاؤها ولا نذكر لهم حسنة إلا وقد تطلع منا إليهم جزاؤها ولا يتفيأ لهم علينا ظل نعمة إلا وقد قوبلوا بشرواها ونحن بنو فحل مقرم لم تقعد بنا الأمهات ولا بهم ولم تنزعنا أعراق السوء ولا إياهم فعلام مط الخدود وخزر العيون

12
والتصعر والبأو والتكبر ألكثرة عدد أم لفضل جلد أم لطول معتقد وإنا وإياهم لكما قال الأول

( لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عنى ولا أنت ديانى فتخزونى )

ومقاطع الأمور ثلاثة حرب مبيرة أو سلم قريرة أو مداجاة وغفيرة 4- مقال مرثد الخير

فقال الملك

لا تنشطوا عقل الوارد ولا تلقحوا العون القواعد ولا تورثوا نيران الأحقاد ففيها المتلفة والجائحة والأليلة وعفوا بالحلم أبلاد الكلم وأنيبوا إلى السبيل الأرشد والمنهج الأقصد فإن الحرب تقبل بزبرج الغرور وتدبر بالويل والثبور ثم قال الملك

( ألا هل أتى الأقوام بذلى نصيحة حبوت بها منى سبيعا وميثما )

( وقلت اعلما أن التدابر غادرت عواقبه للذل والقل جرهما )

( فلا تقدحا زند العقوق وأبقيا على العزة القعساء أن تهدما )

( ولا تجنيا حربا تجر علييكما عواقبها يوما من الشر أشأما


12
والتصعر والبأو والتكبر ألكثرة عدد أم لفضل جلد أم لطول معتقد وإنا وإياهم لكما قال الأول

( لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عنى ولا أنت ديانى فتخزونى )

ومقاطع الأمور ثلاثة حرب مبيرة أو سلم قريرة أو مداجاة وغفيرة 4- مقال مرثد الخير

فقال الملك لا تنشطوا عقل الشوارد ولا تلقحوا العون القواعد ولا تورثوا نيران الأحقاد ففيها المتلفة المستأصلة والجائحة والأليلة وعفوا بالحلم أبلاد الكلم وأنيبوا إلى السبيل الأرشد والمنهج الأقصد فإن الحرب تقبل بزبرج الغرور وتدبر بالويل والثبور ثم قال الملك

( ألا هل أتى الأقوام بذلى نصيحة حبوت بها منى سبيعا وميثما )

( وقلت اعلما أن التدابر غادرت عواقبه للذل والقل جرهما )

( فلا تقدحا زند العقوق وأبقيا على العزة القعساء أن تتهدما )

( ولا تجنيا حربا تجر عليكما عواقبها يوما من الشر أشأما )


13

( فإن جناة الحرب للحين عرضة تفوقهم منها الذعاف المقشما )

( حذار فلا تستنبثوها فإنها تغادر ذا الأنف الأشم مكشما )

فقالا لا أيها الملك بل نقبل نصحك ونطيع أمرك ونطفئ النائرة ونحل الضغائن ونثوب إلى السلم 5 طريف بن العاصى والحرث بن ذبيان يتفاخران عند بعض مقاول حمير

5 اجتمع طريف بن العاصى الدوسى والحرث بن ذبيان وهو أحد المعمرين عند بعض مقاول حمير فتفاخرا

فقال الملك للحرث يا حارث ألا تخبرنى بالسبب الذي أخرجكم عن قومكم حتى لحقتم بالنمر بن عثمان فقال أخبرك أيها الملك خرج هجينان منا يرعيان غنما لهما فتشاولا بسيفيهما فأصاب صاحبهم عقب صاحبنا فعاث فيه السيف فنزف فمات فسألونا أخذ دية صاحبنا دية الهجين وهي نصف دية الصريح فأبى قومي وكان لنا رباء عليهم فأبينا إلا دية الصريح وأبوا إلا دية الهجين فكان اسم هجيننا ذهين بن زبراء واسم صاحبهم عنقش بن مهيرة وهى سوداء أيضا فتفاقم الأمر بين الحيين فقال رجل منا


14

( حلومكم يا قوم لا تعزبنها ولا تقطعوا أرحامكم بالتدابر )

( وأدوا إلى الأقوام عقل ابن عمهم ولا ترهقوهم سبة في العشائر )

( فإن ابن زبراء الذى فاد لم يكن بدون خليف أو أسيد بن جابر )

( فإن لم تعاطوا الحق فالسيف بيننا وبينكم وسيف أجور جائر )

فتظافروا علينا حسدا فأجمع ذوو الحجى منا أن نلحق بأمنع بطن من الأزد فلحقنا بالنمر بن عثمان فوالله ما فت في أعضادنا فأبنا عنهم ولقد أثأرنا صاحبنا وهم راغمون

فوثب طريف بن العاصي من مجلسه فجلس بإزاء الحرث ثم قال تالله ما سمعت كاليوم قولا أبعد من صواب ولا أقرب من خطل ولا أجلب لقذع من قول هذا والله أيها الملك ما قتلوا بهجينهم بذجا ولا رقوا به درجا ولا انطوا به عقلا ولا اجتفئوا به خشلا ولقد أخرجهم الخوف عن أصلهم وأجلاهم عن محلهم حتى استلانوا خشونة الإزعاج ولجئوا إلى أضيق الولاج قلا وذلا

فقال الحارث أتسمع يا طريف إني والله ما إخا لك كافا غرب لسانك ولا منهنها شرة نزوانك حتى أسطو بك سطوة تكف طماحك وترد


15
جماحك وتكبت تترعك وتقمع تسرعك

فقال طريف مهلا يا حارث لا تعرض لطحمة استنانى وذرب سنانى وغرب شبابى وميسم سبابى فتكون كالأظل الموطوء والعجب الموجوء

فقال الحرث إياى تخاطب بمثل هذا القول فو الله لو وطئتك لأسختك ولو وهصتك لأوهطتك ولو نفحتك لأفدتك

فقال طريف متمثلا

( وإن كلام المرء في غير كهه لكالنبل تهوى ليس فيها نصالها )

أما والأصنام المحجوبة والأنصاب المنصوبة لئن لم تربع على ظلعك وتقف عند قدرك لأدعن حزنك سهلا وغمرك ضحلا وصفاك وحلا

فقال الحارث أما والله لو رمت ذلك لمرغت بالحضيض وأغصصت بالجريض وضاقت عليك الرحاب وتقطعت بك الأسباب ولألفيت لقى


16
تهاداه الروامس بالسهب الطامس

فقال طريف دون ما ناجتك به نفسك مقارعة أبطال وحياض أهوال وحفزة إعجال يمنع معه تطامن الإمهال

فقال الملك ايها عنكما فما رأيت كاليوم مقال رجلين لم يقصبا ولم يثلبا ولم يلصوا ولم يقفوا


17
وفود العرب يعزون سلامة ذا فائش بابن له مات

نشأ لسلامة ذي فائش ابن كأكمل أبناء المقاول وكان مسرورا به يرشحه لموضعه فركب ذات يوم فرسا صعبا فكبا به فوقصه فجزع عليه أبوه جزعا شديدا وامتنع من الطعام واحتجب عن الناس واجتمعت وفود العرب ببابه ليعزوه فلامه نصحاؤه في إفراط جزعه فخرج إلى الناس فقام خطباؤهم يؤسونه وكان في القوم الملبب ابن عوف وجعادة بن أفلح فقام الملبب فقال 6 خطبة الملبب بن عوف

أيها الملك إن الدنيا تجود لتسلب وتعطي لتأخذ وتجمع لتشتت وتحلى لتمر وتزرع الأحزان في القلوب بما تفجأ به من استرداد الموهوب وكل مصيبة تخطأتك جلل ما لم تدن الأجل وتقطع الأمل وإن حادثا ألم بك فاستبد بأقلك وصفح عن أكثرك لمن أجل النعم عليك وقد تناهت إليك أنباء من رزئ فصبر وأصيب فاغتفر إذ كان شوى فيما يرتقب ويحذر فاستشعر اليأس مما فات إذ كان ارتجاعه ممتنعا ومرامه مستصعبا فلشئ ما ضربت الأسى وفزع أولو الألباب إلى حسن العزاء


18
خطبة جعادة بن أفلح

وقام جعادة فقال أيها الملك لا تشعر قلبك الجزع على ما فات فيغفل دهنك عن الاستعداد لما يأتي وناضل عوارض الحزن بالأنفة عن مضاهاة أفعال أهل وهي العقول فإن العزاء لجزماء الرجال والجزع لربات الحجال ولو كان الجزع يرد فائتا أو يحيي تالفا لكان فعلا دنيئا فكيف وهو مجانب لأخلاق ذوي الألباب فارغب بنفسك أيها الملك عما يتهافت فيه الأرذلون وصن قدرك عما يركبه المخسسون وكن على ثقة أن طمعك فيما استبدت به الأيام ضلة كأحلام النيام 8 تساؤل عامر بن الظرب وحممة بن رافع عند أحد ملوك حمير

اجتمع عامر بن الظرب العدواني وحممة بن رافع الدوسي عند ملك من ملوك حمير فقال تساءلا حتى أسمع ما تقولان قال عامر لحممة أين تحب أن تكون أياديك قال عند ذي الرثية العديم وذي الخلة الكريم والمعسر الغريم والمستضعف الهضيم

قال من أحق الناس بالمقت قال الفقير المختال والضعيف الصوال والعيي القوال

قال فمن أحق الناس بالمنع قال الحريص الكاند والمستميد الحاسد والملحف الواجد

قال فمن أجدر الناس بالصنيعة قال من إذا أعطى شكر وإذا


19
منع عذر وإذا موطل صبر وإذا قدم العهد ذكر

قال من أكرم الناس عشرة قال من إن قرب منح وإن بعد مدح وإن ظلم صفح وإن ضويق سمح قال من ألأم الناس قال من إذا سأل خضع وإذا سئل منع وإذا ملك كنع ظاهره جشع وباطنه طبع قال فمن أحلم الناس قال من عفا إذا قدر وأجمل إذا انتصر ولم تطغه عزة الظفر قال فمن أحزم الناس قال من أخذ رقاب الأمور بيديه وجعل العواقب نصب عينيه ونبذ التهيب دبر أذنيه قال فمن أخرق الناس قال من ركب الخطار واعتسف العثار وأسرع في البدار قبل الاقتدار قال فمن أجود الناس قال من بذل المجهود ولم يأس على المعهود قال فمن أبلغ الناس قال من جلى المعنى المزيز باللفظ الوجيز وطبق المفصل قبل التحزيز قال فمن أنعم الناس عيشا قال من تحلى بالعفاف ورضى بالكفاف وتجاوز ما يخاف إلى مالا يخاف

قال فمن أشقى الناس قال من حسد على النعم وتسخط على القسم واستشعر الندم على فوت ما لم يحتم قال من أغنى الناس قال من استشعر الياس وأبدى التجمل للناس واستكثر قليل النعم ولم يسخظ على القسم قال فمن أحكم الناس قال من صمت فادكر ونظر فاعتبر ووعظ فازدجر قال من أجهل الناس قال من رأى الخرق مغما والتجاوز مغرما 9-خطبة عامر بن الظرب العدواني وقد خطبت ابنته

خطب صعصعة بن معاوية إلى عامر بن الظرب العدواني ابنته عمرة فقال


20

ياصعصعة إنك جئت تشتري منى كبدي وأرحم ولدي عندي منعتك أو بعتك النكاح خير من الأيمة والحسيب كفء الحسيب والزوج الصالح أب بعد أب وقد أنكحتك خشية ألا أجد مثلك أفر من السر إلى العلانية أنصح ابنا وأودع ضعيفا قويا ثم أقبل على قومه فقال يا معشر عدوان أخرجت من بين أظهركم كريمتكم على غير رغبة عنكم ولكن من خط له شئ جاءه رب زارع لنفسه حاصد سواه ولولا قسم الحظوظ على قدر الجدود ما أدرك الآخر من الأول شيئا يعيش به ولكن الذي أرسل الحيا أنبت المرعى ثم قسمه أكلا لكل فم بقلة ومن الماء جرعة إنكم ترون ولا تعلمون لن يرى ما أصف لكم إلا كل ذي قلب واع ولكل شئ راع ولكل رزق ساع إما أكيس وإما أحمق وما رأيت شيئا إلا سمعت حسه ووجدت مسه وما رأيت موضوعا إلا مصنوعا وما رأيت جائيا إلا داعيا ولا غانما إلا خائبا ولا نعمة إلا ومعها بؤس ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء فهل لكم في العلم العليم قيل ما هو قد قلت فأصبت وأخبرت فصدقت فقال أمورا شتى وشيئا شيا حتى يرجع الميت حيا ويعود لا شيء شيا ولذلك خلقت الأرض والسموات فتولوا عنه راجعين فقال ويلمها نصيحة لو كان من يقبلها 10-حديث بعض مقاول حمير مع ابنيه وما دار بينه وبينهما من المساءلة حين كبرت سنه

كان لرجل من مقاول حمير ابنان يقال لأحدهما عمرو وللآخر ربيعة وكانا قد


21
برعا في الأدب والعلم فلما بلغ الشيخ أقصى عمره وأشفى على الفناء دعاهما ليبلو عقولهما ويعرف مبلغ علمهما فلما حضرا قال لعمرو وكان الأكبر أخبرني عن أحب الرجال إليك وأكرمهم عليك قال السيد الجواد القليل الأنداد الماجد الأجداد الراسي الأوتاد الرفيع العماد العظيم الرماد الكثير الحساد الباسل الذواد الصادر الوراد قال ما تقول يا ربيعة قال ما أحسن ما وصف وغيره أحب إلي منه قال ومن يكون بعد هذا قال السيد الكريم المانع للحريم المفضال الحليم القمقام الزعيم الذي إن هم فعل وإن سئل بذل

قال أخبرني يا عمرو بأبغض الرجال إليك قال البرم اللئيم المستخذي للخصيم المبطان النهيم العيي البكيم الذي إن سئل منع وإن هدد خضع وإن طلب جشع قال ما تقول يا ربيعة قال غيره أبغض إلي منه قال ومن هو قال النئوم الكذوب الفاحش الغضوب الرغيب عند الطعام الجبان عند الصدام

قال أخبرني يا عمرو أي النساء أحب إليك قال الهركولة اللفاء الممكورة الجيداء التي يشفي السقيم كلامها ويبري الوصب إلمامها التي إن أحسنت إليها شكرت وإن أسأت إليها صبرت وإن استعتبتها أعتبت الفاترة الطرف الطفلة الكف العميمة الردف

قال ما تقول يا ربيعة قال نعت فأحسن وغيرها أحب إلي منها قال ومن هي قال الفتانة العينين


22
الاسيلة الخدين الكاعب الثديين الرداح الوركين الشاكرة للقليل المساعدة للحليل الرخيمة الكلام الجماء العظام الكريمة الأخوال والأعمام العذبة اللثام

قال فأي النساء إليك أبغض يا عمرو قال القتاتة الكذوب الظاهرة العيوب الطوافة الهبوب العابسة القطوب السبابة الوثوب التي إن ائتمنها زوجها خانته وإن لان لها أهانته وإن أرضاها أعضبته وإن أطاعها عصته قال ما تقول يا ربيعة قال بئس والله المرأة ذكر وغيرها أبغض إلي منها قال وأيتهن التي هي أبغض إليك من هذه قال السليطة اللسان الموذية للجيران الناطقة بالبهتان التي وجهها عابس وزوجها من خيرها آيس التي إن عاتبها زوجها وترته وإن ناطقها انتهرته

قال ربيعة وغيرها أبغض إلي منها ومن هي قال التي شقي صاحبها وخزى خاطبها وإفتضح أقاربها قال ومن صاحبها قال مثلها في خصالها كلها لا تصلح إلا له ولا يصلح إلا لها قال فصفه لي قال الكفور غير الشكور اللئيم الفجور العبوس الكالح الحرون الجامح الراضى بالهوان المختال المنان الضعيف الجنان الجعد البنان القئول غير المفعول الملول غير الوصول الذي لا يرع عن المحارم ولا يرتدع عن المظالم

قال أخبرني يا عمرو أي الخيل أحب إليك عند الشدائد إذا إلتقى الأقران للتجالد قال الجواد الأنيق الحصان العتيق الكفيت العريق الشديد الوثيق الذي يفوت إذا هرب ويلحق إذا طلب قال نعم الفرس والله نعت قال فما تقول


23
يا ربيعة قال غيره أحب إلي منه

قال وما هو قال الحصان الجواد السلس القياد الشهم الفؤاد الصبور إذا سرى السابق إذا جرى

قال فأي الخيل أبغض إليك يا عمرو قال الجموح الطموح النكول الأنوح الصئول الضعيف الملول العنيف الذي إن جاريته سبقته وإن طلبته أدركته قال ما تقول يا ربيعة قال غيره أبغض إلي منه قال وما هو قال البطيء الثقيل الحرون الكليل الذي إن ضربته قمص وإن دنوت منه شمس يدركه الطالب ويفوته الهارب ويقطع بالصاحب قال ربيعة وغيره أبغض إلي منه قال وما هو قال الجموح الخبوط الركوض الخروط الشموس الضروط القطوف في الصعود والهبوط الذي لا يسلم الصاحب ولا ينجو من الطالب

قال أخبرني يا عمرو أي العيش ألذ قال عيش في كرامة ونعيم وسلامة واغتباق مدامة قال ما تقول يا ربيعة قال نعم العيش والله وصف وغيره أحب إلي منه قال وما هو قال عيش في أمن ونعيم وعز وغنى عميم في ظل نجاح وسلامة مساء وصباح وغيره أحب إلي منه قال وما هو قال غنى دائم وعيش سالم وظل ناعم

قال فما أحب السيوف إليك يا عمرو قال الصقيل الحسام الباتر المجذام الماضي السطام المرهف الصمصام الذي إن هززته لم يكب وإذا ضربت به لم ينب قال ما تقول يا ربيعة قال نعم السيف نعت وغيره أحب


24
إلي قال وما هو قال الحسام القاطع ذو الرونق اللامع الظمآن الجائع الذي إن هززته هتك وإذا ضربت به بتك قال فما أبغض السيوف إليك يا عمرو قال الفطار الكهام الذي إن ضرب به لم يقطع وإن ذبح به لم ينخع قال فما تقول يا ربيعة قال بئس السيف والله ذكر وغيره أبغض إلي منه قال وما هو قال الطبع الددان المعضد المهان

قال فأخبرني يا عمرو أي الرماح أحب إليك عند المراس إذا اعتكر الباس واشتجر الدعاس قال أحبها إلي المارن المثقف المقوم المخطف الذي إذا هززته لم ينعطف وإذا طعنت به لم ينقصف قال ما تقول يا ربيعة قال نعم الرمح نعت وغيره أحب إلي منه قال وما هو قال الذابل العسال المقوم النسال الماضي إذا هززته النافذ إذا همزته

قال فأخبرني يا عمرو عن أبغض الرماح إليك قال الأعصل عند الطعان المثلم السنان الذي إذا هززته انعطف وإذا طعنت به انقصف قال ما تقول يا ربيعة قال بئس الرمح ذكر وغيره أبغض إلي منه قال وما هو قال الضعيف المهز اليابس الكز الذي إذا أكرهته انحطم وإذا طعنت به انقصم قال انصرفا الآن طاب لي الموت


25
11-إحدى ملكات اليمن وخاطبوها

وذكروا أن ملكة كانت بسبأ فأتاها قوم يخطبونها فقالت ليصف كل رجل منكم نفسه وليصدق وليوجز لأتقدم إن تقدمت أو أدع إن تركت على علم فتكلم رجل منهم يقال له مدرك فقال إن أبي كان في العز الباذخ والحسب الشامخ وأنا شرس الخليقة غير رعديد عند الحقيقة قالت لا عتاب على الجندل فأرسلتها مثلا

ثم تكلم آخر منهم ويقال له ضبيس بن شرس فقال أنا في مال أثيث وخلق غير خبيث وحسب غير عثيث أحذو النعل بالنعل وأجزى القرض بالقرض فقالت لا يسرك غائبا من لا يسرك شاهدا فأرسلتها مثلا ثم تكلم آخر منهم يقال له شماس بن عباس فقال أنا شماس ابن عباس معروف بالندى والباس حسن الخلق في سجية والعدل في قضية مالي غير محظور على القل والكثر وبابي غير محجوب على العسر واليسر قالت الخير متبع والشر محذور فأرسلتها مثلا ثم قالت اسمع يا مدرك وأنت يا ضبيس لن يستقيم معكما معاشرة لعشير حتى يكون فيكما لين عريكة وأما أنت يا شماس فقد حللت مني محل الأهزع من الكنانة والواسطة من القلادة لدماثة خلقك وكرم طباعك ثم اسع بجد أودع فأرسلتها مثلا وتزوجت شماسا


26
12-رواد مذحج يصفون ما ارتادوا من المراعى

عن أشياخ من بني الحرث بن كعب قالوا أجدبت بلاد مذحج فأرسلوا روادا من كل بطن رجلا فبعثت بنو زبيد رائدا وبعثت النخع رائدا وبعثت جعفى رائدا فلما رجع الرواد قيل لرائد بني زبيد ما وراءك قال رأيت أرضا موشمة البقاع ناتحة النقاع مستحلسة الغيطان ضاحكة القريان واعدة وأحر بوفائها راضية أرضها عن سمائها وقيل لرائد جعفى ما وراءك قال رأيت أرضا جمعت السماء أقطارها فأمرعت أصبارها وديثت أوعارها فبطنانها غمقة وظهرانها غدقة ورياضها مستوسقة ورقاقها رائخ ووطئها سائخ وماشيها مسرور ومصرمها محسور وقيل للنخعي ما وراءك فقال مداحي سيل وزهاء ليل


27
وغيل يواصي غيلا قد ارتوت أجزازها ودمث عزازها والتبدت أقوازها فرائدها أنق وراعيها سنق فلا قضض ولا رمض عازبها لا يفزع وواردها لا ينكع فاختاروا مراد النخعي 13-ما دار من الحديث بين المنذر بن النعمان الأكبر وبين عامر بن جوين الطائي

وفد عامر بن جوين الطائي على المنذر بن النعمان الأكبر جد النعمان بن المنذر وذلك بعد انقضاء ملك كندة ورجوع الملك إلى لخم وكان عامر قد أجار امرؤ القيس ابن حجر أيام كان مقيما بالجبلين وقال كلمته التي يقول فيها

( هنالك لا أعطي مليكا ظلامة ولا سوقة حتى يئوب ابن مندله )


28

وكان المنذر ضغنا عليه فلما دخل عليه قال له يا عام لساء مثوى أثويته ربك وثويك حين حاولت إصباء طلته ومخالفته إلى عشيره أما والله لو كنت كريما لأئويته مكرما موقرا ولجانبته مسلما فقال له أبيت اللعن لقد علمت


29
أبناء أدد إني لأعزها جارا وأكرمها جوارا وأمنعها دارا ولقد أقام وافرا وزال شاكرا فقال له المنذر يا عام وإنك لتخال هضيبات أجأ ذات الوبار وأفنيات سلمي ذات الأغفار مانعاتك من المجر الجرار ذي العدد الكثار والحصن والمهار والرماح الحرار وكل ماضي الغرار بيد كل مسعر كريم النجار قال عامر أبيت اللعن إن بين تلك الهضيبات والرعان والشعاب والمصدان لفتيانا أبطالا وكهولا أزوالا يضربون القوانس ويستنزلون الفوارس بالرماح المداعس لم يتبعوا الرعاء ولم ترشحهم الإماء فقال الملك يا عام لو قد تجاوبت الخيل في تلك الشعاب صهيلا كانت الأصوات قعقعة وصليلا وفغر الموت وأعجز الفوت فتقارشت الرماح وحمى السلاح لتساقى قومك كأسا لا صحو بعدها فقال مهلا أبيت اللعن إن شرابنا وبيل
30
وحدنا أليل ومعجمنا صليب ولقاءنا مهيب فقال له يا عام إنه لقليل بقاء الصخرة الصراء على وقع الملاطيس فقال أبيت اللعن إن صفاتنا عبر المراديس فقال لأوقظن قومك من سنة الغفلة ثم لأعقبنهم بعدها رقدة لايهب راقدها ولا يستيقظ هاجدها فقال له عامر إن البغي أباد عمرا وصرع حجرا وكانا أعز منك سلطانا وأعظم شانا وإن لقيتنا لم تلق أنكاسا
31
ولا أغساسا فهبش وضائعك وصنائعك وهلم إذا بدا لك فنحن الألى قسطوا على الأملاك قبلك ثم أتى راحلته فركبها وأنشأ يقول

( تعلم أبيت اللعن أن قناتنا تزيد على غمز الثقاف تصعبا )

( أتوعدنا بالحرب أمك هابل رويدك برقا لا أبا لك خلبا )

( إذا خطرت دوني جديلة بالقنا وحامت رجال الغوث دوني تحدبا )

( أبيت التي تهوى وأعطيتك التي تسوق إليك الموت أخرج أكهبا )

( فإن شئت أن تزدارنا فأت تعترف رجالا يذيلون الحديد المعقربا )

( وإنك لو أبصرتهم في مجالهم رأيت لهم جمعا كثيفا وكوكبا )

( وذكرك العيش الرخى جلادهم وملهى بأكناف السدير ومشربا )

( فأغض على غيظ ولا ترم التي تحكم فيك الزاعبى المحربا )


32
14-قيس بن رفاعة والحارث بن أبي شمر الغساني

كان قيس بن رفاعة يفد سنة إلى النعمان اللخمي بالعراق وسنة إلى الحارث ابن ابي شمر الغساني بالشأم فقال له يوما وهو عنده يابن رفاعة بلغني أنك تفضل النعمان على قال وكيف أفضله عليك أبيت اللعن فوالله لقفاك أحسن من وجهه ولأمك أشرف من أبيه ولأبوك أشرف من جميع قومه ولشمالك أجود من يمينه ولحرمانك أنفع من نداه ولقليلك أكثر من كثيره ولثمادك أغزر من غديره ولكرسيك أرفع من سريره ولجدولك أغمر من بحوره وليومك أفضل من شهوره ولشهرك أمد من حوله ولحولك خير من حقبه ولزندك أورى من زنده ولجندك أعز من جنده وإنك لمن غسان أرباب الملوك وإنه لمن لخم الكثير النوك فكيف أفضله عليك 15-قيس بن خفاف البرجمي وحاتم طيئ

أتى أبو جبيل قيس بن خفاف البرجمى حاتم طيئ في دماء حملها عن قومه فأسلموه فيها وعجز عنها فقال والله لآتين من يحملها عني وكان شريفا شاعرا فلما قدم عليه قال إنه وقعت بين قومي دماء فتواكلوها وإني حملتها في مالي وأملي


33
فقدمت مالي وكنت أملي فإن تحملها فرب حق قد قضيته وهم قد كفيته وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك ولم أيأس من غدك ثم أنشأ يقول

( حملت دماء للبراجم جمة فجئتك لما أسلمتني البراجم )

( وقالوا سفاها لم حملت دماءنا فقلت لهم يكفي الحمالة حاتم )

( متى آته فيها يقل لي مرحبا وأهلا وسهلا أخطأتك الأشائم )

( فيحملها عنى وإن شئت زادني زيادة من حنت إليه المكارم )

( يعيش الندى ما عاش حاتم طيئ فإن مات قامت للسخاء مآتم )

( ينادين مات الجود معك فلا نرى مجيبا له ما حام في الجو حائم )

( وقال رجال أنهب العام ماله فقلت لهم إني بذلك عالم )

( ولكنه يعطي من أموال طي إذا جلف المال الحقوق اللوازم )

( فيعطي التي فيها الغنى وكأنه لتصغيره تلك العطية جارم )

( بذلك أوصاه عدي وحشرج وسعد وعبد الله تلك القماقم )

فقال له حاتم إن كنت لأحب أن يأتيني مثلك من قومك هذا مرباعي من الغارة على بني تميم فخذه وافرا فإن وفى بالحمالة وإلا أكملتها لك وهو مائتا بعير سوى بنيها وفصالها مع أني لا أحب أن تويس قومك بأموالهم فضحك أبو جبيل وقال لكم ما أخذتم منا ولنا ما أخذنا منكم وأي بعير دفعته إلي ليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه برئ فدفعها إليه وزاده مائة بعير فأخذها وانصرف راجعا إلى قومه

فقال حاتم في ذلك


34

( أتاني البرجمي أبو جبيل لهم في حمالته طويل )

( فقلت له خذ المرباع رهوا فإني لست أرضى بالقليل )

( على حال ولا عودت نفسي على علاتها علل البخيل )

( فخذها إنها مائتا بعير سوى الناب الرذية والفصيل )

( فلا من عليك بها فإني رأيت المن يزري بالجزيل )

( فآب البرجمى وما عليه من أعباء الحمالة من فتيل )

( يجر الذيل ينفض مذرويه خفيف الظهر من حمل ثقيل ) 16-مقال قبيصة بن نعيم لامرئ القيس بن حجر

قدم على امرىء القيس بن حجر الكندي بعد مقتل أبيه رجال من قبائل بني أسد وفيهم قبيصة بن نعيم يسألونه العفو عن دم أبيه فخرج عليهم في قباء وخف وعمامة سوداء وكانت العرب لا تعتم إلا في الترات فلما نظروا إليه قاموا له وبدر إليه قبيصة فقال إنك في المحل والقدر والمعرفة بتصرف الدهر وما تحدثه أيامه وتتنقل به أحواله بحيث لا تحتاج إلى تذكير من واعظ ولا تبصير من مجرب ولك من سودد منصبك وشرف أعراقك وكرم أصلك فى العرب محتد يحتمل ما حمل عليه


35
من إقالة العثرة ورجوع عن الهفوة ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك فوجدت عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصفح ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها وقد كان الذي كان من الخطب الجليل الذي عمت رزيته نزارا واليمن ولم تخصص بذلك كندة دوننا للشرف البارع كان لحجر التاج والعمة فوق الجبين الكريم وإخاء الحمد وطيب الشيم ولو كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها على مثله ولكنه مضى به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه ولا يلحق أقصاه أدناه

فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتا وأعلاها في بناء المكرمات صوتا فقدناه إليك بنسعة تذهب مع شفرات حسامك بباقي قصرته فنقول رجل امتحن بهالك عزيز فلم يستل سخيمته إلا تمكينه من الإنتقام أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها فهي ألوف تجاوز الحسبة فكان ذلك فداء رجعت به القضب إلى أجفانها لم يرددها تسليط الإحن على البرآء

وإما أن وادعتنا إلى أن تضع الحوامل فتسدل الأزر وتعقد الخمر فوق الرايات

فبكى امرؤ القيس ساعة ثم رفع رأسه فقال


36
17-رد امرئ القيس عليه

لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم وأني لن أعتاض به جملا ولا ناقة فأكتسب به سبة الأبد وفت العضد وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها ولن أكون لعطبها سببا وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل في القلوب حنقا وفوق الأسنة علقا

( إذا جالت الحرب في مأزق تصافح فيه المنايا النفوسا ) أتقيمون أم تنصرفون

قالوا بل ننصرف بأسوأ الاختيار وأبلى الاجترار بمكروه وأذية وحرب وبلية ثم نهضوا عنه وقبيصة يتمثل

( لعلك أن تستوخم الورد إن غدت كتائبنا في مأزق الحرب تمطر )

فقال امرؤ القيس لا والله ولكن أستعذبه فرويدا ينفرج لك دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير ولقد كان ذكر غير هذا بي أولى إذ كنت نازلا بربعي ولكنك قلت فأوجبت فقال قبيصة ما يتوقع فوق قدر المعاتبة والإعتاب فقال امرؤ القيس هو ذاك


37
18-خطبة هانئ بن قبيصة الشيباني قال هانئ بن قبيصة الشيباني يحرض قومه يوم ذي قار

يا معشر بكر هالك معذور خير من ناج فرور إن الحذر لا ينجي من القدر وإن الصبر من أسباب الظفر المنية ولا الدنية استقبال الموت خير من استدباره الطعن في ثغر النحور أكرم منه في الأعجاز والظهور يا آل بكر قاتلوا فما للمنايا من بد 19-خطبة عمرو بن كلثوم

أما بعد فإنه لا يخبر عن فضل المرء أصدق من تركه تزكية نفسه ولا يعبر عنه في تزكية أصحابه أصدق من اعتماده إياهم برغبته وائتمانه إياهم على حرمته 20-أكثم بن صيفي يعزي عمرو بن هند عن أخيه

وعزى أكثم بن صيفي عمرو بن هند ملك العرب عن أخيه فقال له

إن أهل هذه الدار سفر لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها وقد أتاك ما ليس بمردود عنك وارتحل عنك ما ليس براجع إليك وأقام معك من سيظعن عنك ويدعك واعلم أن الدنيا ثلاثة أيام فأمس عظة وشاهد عدل فجعك بنفسه


38
وأبقى لك وعليك حكمته واليوم غنيمة وصديق أتاك ولم تأته طالت عليك غيبته وستسرع عنك رحلته وغد لا تدري من أهله وسيأتيك إن وجدك فما أحسن الشكر للمنعم والتسليم للقادر وقد مضت لنا أصول نحن فروعها فما بقاء الفروع بعد أصولها واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها وخير من الخير معطيه وشر من الشر فاعله 21-خطبة قس بن ساعدة الإيادي

خطب قس بن ساعدة الإيادي بسوق عكاظ فقال أيها الناس اسمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت ليل داج ونهار ساج وسماء ذات أبراج ونجوم تزهر وبحار تزخر وجبال مرساة وأرض مدحاة وأنهار مجراة

إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون أرضوا فأقاموا أم تركوا فناموا يقسم قس بالله قسما لا إثم فيه إن لله دينا هو أرضى له وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه إنكم لتأتون من الأمر منكرا ويروي أن قسا أنشأ بعد ذلك يقول

( في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر )

( لما رأيت مواردا للموت ليس لها مصادر )


39

( ورأيت قومي نحوها تمضي الأكابر والأصاغر )

( لا يرجع الماضي إلي ولا من الباقين غابر )

( أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر ) 22-قس بن ساعدة عند قيصر

وكان قس بن ساعدة يفد على قيصر ويزوره فقال له قيصر يوما ما أفضل العقل قال معرفة المرء بنفسه قال فما أفضل العلم قال وقوف المرء عند علمه قال فما أفضل المروءة قال استبقاء الرجل ماء وجهه قال فما أفضل المال قال ما قضي به الحقوق 23-خطبة المأمون الحارثي

قعد المأمون الحارثي في نادي قومه فنظر إلى السماء والنجوم ثم أفكر طويلا ثم قال أرعوني أسماعكم وأصغوا إلي قلوبكم يبلغ الوعظ منكم حيث أريد طمح بالأهواء الأشر وران على القلوب الكدر وطخطخ الجهل النظر إن فيما ترى لمعتبرا لمن اعتبر أرض موضوعة وسماء مرفوعة وشمس تطلع وتغرب ونجوم تسري فتعزب وقمر تطلعه النحور وتمحقه أدبار الشهور وعاجز مثر وحول مكد وشاب مختضر ويفن قد غبر وراحلون لا يئوبون وموقوفون


40
لا يفرطون ومطر يرسل بقدر فيحيي البشر ويورق الشجر ويطلع الثمر وينبت الزهر وماء يتفجر من الصخر الأير فيصدع المدر عن أفنان الخضر فيحيي الأنام ويشبع السوام وينمي الأنعام إن في ذلك لأوضح الدلائل على المدبر المقدر البارئ المصور

يأيها العقول النافرة والقلوب النائرة أنى تؤفكون وعن أي سبيل تعمهون وفي أي حيرة تهيمون وإلى أي غاية توفضون لو كشفت الأغطية عن القلوب وتجلت الغشاوة عن العيون لصرح الشك عن اليقين وأفاق من نشوة الجهالة من استولت عليه الضلالة 24-بين مهلهل بن ربيعة ومرة بن ذهل بن شيبان

لما قتل جساس بن مرة بن ذهل الشيباني كليب بن ربيعة التغلبي تشمر أخوه مهلهل واستعد لحرب بكر وجمع إليه قومه فأرسل رجالا منهم


41
إلى بني شيبان فأتوا مرة بن ذهل بن شيبان أبا جساس وهو في نادي قومه فقالوا له

إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناب من الإبل فقطعتم الرحم وانتهكتم الحرمة وإنا كرهنا العجلة عليكم دون الإعذار إليكم ونحن نعرض عليكم خلالا أربعا لكم فيها مخرج ولنا فيها مقنع فقال مرة وما هي قالوا تحيي لنا كليبا او تدفع إلينا جساسا قاتله فنقتله به أو هماما فإنه كفء له أو تمكننا من نفسك فإن فيك وفاء من دمه فقال أما إحيائي كليبا فهذا ما لا يكون وأما الجساس فإنه غلام طعن طعنة على عجل ثم ركب فرسه فلا أدري أي البلاد احتوى عليه وأما همام فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة كلهم فرسان قومهم فلن يسلموه لي فأدفعه إليكم يقتل بجريرة غيره وأما أنا فهل هو إلا أن تجول الخيل جولة غدا فأكون أول قتيل بينها فما أتعجل الموت ولكن لكم عندي خصلتان أما إحداهما فهؤلاء بني الباقون فعلقوا في عنق أيهم شئتم نسعة فانطلقوا به إلى رحالكم فاذبحوه ذبح الجزور وإلا فألف ناقة سود الحدق حمر الوبر أقيم لكم بها كفيلا من بني وائل فغضب القوم وقالوا لقد أسأت تبذل لنا ولدك وتسومنا اللبن من دم كليب ونشبت الحرب بينهم . 25-منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل العامرين

لما أسن أبو براء عامر بن مالك بن جعفر بن ملاعب الأسنة تنازع في الرياسة عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر وعلقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص ابن جعفر


42
فقال علقمة كانت لجدي الأحوص وإنما صارت لعمك بسببه وقد قعد عمك عنها وأنا استرجعتها فأنا أولى بها منك فشرى الشر بينهما وسارا إلى المنافرة فقال علقمة إن شئت نافرتك فقال عامر قد شئت

والله إني لأكرم منك حسبا وأثبت منك نسبا وأطول منك قصبا

فقال علقمة والله لأنا خير منك ليلا ونهارا فقال عامر والله لأنا أحب إلى نسائك أن أصبح فيهن منك أنا أنحر منك للقاح وخير منك في الصباح وأطعم منك في السنة الشياح

فقال علقمة أنا خير منك أثرا وأحد منك بصرا وأعز منك نفرا وأشرف منك ذكرا

فقال عامر ليس لبني الأحوص فضل على بني مالك في العدد وبصري ناقص وبصرك صحيح ولكني أنافرك إني أسمى منك سمة وأطول منك قمة وأحسن منك لمة وأجعد منك جمة وأسرع منك رحمة وأبعد منك همة فقال علقمة أنت رجل جسيم وأنا رجل قضيف وأنت جميل وأنا قبيح ولكني أنافرك بآبائي وأعمامي فقال عامر آباؤك أعمامي ولم أكن لأنافرك بهم لكني أنافرك أنا خير منك عقبا وأطعم منك جدبا فقال علقمة قد علمت أن لك عقبا وقد أطعمت طيبا ولكني أنافرك إني خير منك وأولى بالخيرات منك

فخرجت أم عامر وكانت تسمع كلامهما فقالت يا عامر نافره أيكما أولى بالخيرات قال عامر إني والله لأركب منك في الحماة وأقتل منك للكمأة


43
وخير منك للمولى والمولاة فقال له علقمة والله إني لبر وإنك لفاجر وإني لولود وإنك لعاقر وإني لعف وإنك لعاهر وإني لوفى وإنك لغادر ففيم تفاخرني يا عامر فقال عامر والله إني لأنزل منك للقفرة وأنجر منك للبكرة وأطعم منك للهبرة وأطعن منك للثغرة

فقال علقمة والله إنك لكليل البصر نكد النظر وثاب على جاراتك بالسحر

فقال بنو خالد بن جعفر وكانوا يدا مع بني الأحوص على بني مالك بن جعفر لن تطيق عامرا ولكن قل له أنافرك بخيرنا وأقربنا إلى الخيرات فقال له علقمة هذا القول فقال عامر عير وتيس وتيس وعنز فذهبت مثلا نعم على مائة من الإبل إلى مائة من الإبل يعطاها الحكم أينا نفر عليه صاحبه أخرجها ففعلوا ذلك ووضعوا بها رهنا من أبنائهم على يدي رجل يقال له خزيمة بن عمرو بن الوحيد فسمى الضمين

وخرج علقمة ومن معه من بني خالد وخرج عامر فيمن معه من بني مالك وجعلا منافرتهما إلى أبي سفيان بن حرب بن أمية فلم يقل بينهما شيئا وكره ذلك لحالهما وحال عشيرتهما وقال أنتما كركبتي البعير الأدرم قالا فأينا اليمين قال كلا كما يمين وأبى أن يقضي بينهما فانطلقا إلى ابي جهل بن هشام فأبى أن يحكم بينهما وقد كانت العرب تحاكم إلى قريش فأتيا عيينة بن حصن بن حذيفة


44
أن يقول بينهما شيئا فأتيا غيلان بن سلمة الثقفي فردهما إلى حرملة ابن الأشعر المري فردهما إلى هرم بن قطبة بن سنان الفزاري فانطلقا حتى نزلا به وقد ساقا الإبل معهما حتى أشتت وأربعت لا يأتيان أحدا إلا هاب أن يقضى بينهما فقال هرم لعمري لأحكمن بينكما ثم لأفصلن فأعطياني موثقا أطمئن إليه أن ترضيا بما أقول وتسلما لما قضيت بينكما وأمرهما بالانصراف ووعدهما ذلك اليوم من قابل فانصرفا حتى إذا بلغ الأجل خرجا إليه وأقام القوم عنده أياما

فأرسل هرم إلى عامر فأتاه سرا لا يعلم به علقمة فقال يا عامر قد كنت أرى لك رأيا وأن فيك خيرا

وما حيستك هذه الأيام إلا لتنصرف عن صاحبك أتنافر رجلا لا تفخر أنت وقومك إلا بآبائه فما الذي أنت به خير منه فقال عامر نشدتك الله والرحم أن لا تفضل على علقمة فوالله لئن فعلت لا أفلح بعدها أبدا هذه ناصيتي فاجززها واحتكم في مالي فإن كنت لا بد فاعلا فسو بيني وبينه قال انصرف فسوف أرى رأيي فخرج عامر وهو لا يشك أنه ينفره عليه ثم أرسل إلى علقمة سرا لا يعلم به عامر فأتاه وقال له مثل ما قال لعامر فرد عليه علقمة بما رد به عامر وانصرف وهو لا يشك أنه سيفضل عليه عامرا ثم إن هرما أرسل إلى بنيه وبنى أبيه إني قائل غدا بين هذين الرجلين مقالة فإذا فعلت فليطرد بعضكم عشر جزائر فلينحرها عن علقمة ويطرد بعضكم عشر جزائر ينحرها عن عامر وفرقوا بين الناس لا تكون لهم جماعة وأصبح هرم فجلس مجلسه وأقبل الناس وأقبل علقمة وعامر حتى جلسا فقام هزم فقال يا بني جعفر قد تحاكمتما عندي وأنتما كركبتي


45
البعير الأدرم تقعان إلى الأرض معا وليس فيكما أحد إلا وفيه ما ليس في صاحبه وكلا كما سيد كريم وعمد بنو هرم وبنو أخيه إلى تلك الجزر فنحروها حيث أمرهم هرم وفرقوا الناس ولم يفضل هرم أحدا منهما على صاحبه وكره أن يفعل وهما ابنا عم فيجلب بذلك عداوة ويوقع بين الحيين شرا
46
أشراف العرب بين يدي كسرى

قال كسرى للنعمان بن المنذر يوما هل في العرب قبيلة تشرف على قبيلة قال نعم قال فبأي شيء قال من كانت له ثلاثة آباء متوالية رؤساء ثم اتصل ذلك بكمال الرابع فالبيت من قبيلته فيه وينسب إليه قال فاطلب ذلك فطلبه فلم يصبه إلا في آل حذيفة بن بدر وآل حاجب بن زرارة وآل ذي الجدين وآل الأشعث ابن قيس بن كندة فجمع هؤلاء الرهط ومن تبعهم من عشائرهم وأقعد لهم الحكام والعدول وقال ليتكلم كل منكم بمآثر قومه وليصدق فكان حذيفة بن بدر الفزاري أول متكلم وكان ألسن القوم فقال 26-مقالة حذيفة بن بدر الفزاري

قد علمت العرب أن فينا الشرف الأقدم والأعز الأعظم ومأثرة للصنيع الأكرم فقال من حوله ولم ذاك يا أخا فزازة فقال ألسنا الدعائم التي لا ترام والعز الذي لا يضام قيل صدقت ثم قام شاعرهم فقال

( فزارة بيت العز والعز فيهم فزارة قيس حسب قيس نضالها )

( لها العزة القعساء والحسب الذي بناء لقيس في القديم رجالها )


47

( فهيهات قد أعيا القرون التي مضت مآثر قيس مجدها وفعالها )

( وهل أحد إن هز يوما بكفه إلى الشمس في مجرى النجوم ينالها )

( فإن يصلحوا يصلح لذاك جميعها وإن يفسدوا يفسد من الناس حالها ) 27-مقال الأشعث الكندي

ثم قام الأشعث الكندي وإنما أذن له أن يقوم قبل ربيعة وتميم لقرابته من النعمان بن المنذر فقال قد علمت العرب أنا نقاتل عديدها الأكثر وزحفها الأكبر وإنا لغياث الكربات ومعدن المكرمات قالوا ولم يا أخا كندة قال لأنا ورثنا ملك كندة فاستظللنا بأفيائه وتقلدنا منكبه الأعظم وتوسطنا بحبوحه الأكرم ثم قام شاعرهم فقال

( إذا قست أبيات الرجال ببيتنا وجدت لنا فضلا على من يفاخر )

( فمن قا كلا أو أتانا بخطة ينافرنا فيها فنحن نخاطر )

( تعالوا قفوا كي يعلم الناس أينا له الفضل فيما أورثته الأكابر ) 28-مقال بسطام الشيباني

ثم قام بسطام الشيباني فقال قد علمت العرب أنا بناة بيتها الذي لا يزول ومغرس عزها الذي لا يحول قالوا ولم يا أخا شيبان قال لأنا أدركهم للثار وأضربهم للملك الجبار وأقومهم للحكم وألدهم للخصم ثم قام شاعرهم فقال


48

( لعمري بسطام أحق بفضلها وأول بيت العز عز القبائل )

( فسائل أبيت اللعن عن عز قومها إذا جد يوم الفخر كل مناقل )

( ألسنا أعز الناس قوما ونصرة وأضربهم للكبش بين القبائل )

( وقائع غر كلها ربعية تذل لها عزا رقاب المحافل )

( إذا ذكرت لم ينكر الناس فضلها وعاذ بها من شرها كل وائل )

( وإنا ملوك الناس في كل بلدة إذا نزلت بالناس إحدى الزلازل ) 29-مقال حاجب بن زرارة

ثم قام حاجب بن زرارة التميمي فقال قد علمت معد أنا فرع دعامتها وقادة زحفها قالوا ولم ذاك يا أخا بني تميم قال لأنا أكثر الناس عديدا وأنجبهم طرا وليدا وأنا أعطاهم للجزيل وأحملهم للثقيل ثم قام شاعرهم فقال

( لقد علمت أبناء خندف أننا لنا العز قدما في الخطوب الاوائل )

( وأنا كرام أهل مجد وثروة وعز قديم ليس بالمتضائل )

( فكم فيهم من سيد وابن سيد أغر نجيب ذي فعال ونائل )

( فسائل أبيت اللعن عنا فإننا دعائم هذا الناس عند الجلائل )


49
30 مقال قيس بن عاصم السعدي

ثم قام قيس بن عاصم السعدي فقال لقد علم هؤلاء أنا أرفعهم في المكرمات دعائم وأثبتهم في النائبات مقادم قالوا ولم ذاك يا أخا بنى سعد قال لأنا أدركهم للثار وأمنعهم للجار وأنا لا ننكل إذا حملنا ولا نرام إذا حللنا ثم قام شاعرهم فقال

( لقد علمت قيس وحندف أننا وجل تميم والجميع الذي ترى )

( ( بأنا عماد في الأمور وأننا لنا الشرف الضخم المركب في الندى )

( وأنا ليوث الناس في كل مأزق إذا جز بالبيض الجماجم والطلا )

( فمن ذا ليوم الفخر يعدل عاصما وقيسا إذا مرت ألوف إلى العلا )

( فهيهات قد أعيا الجميع فعالهم وقاموا بيوم الفخر مسعاة من سعى )

فقال كسرى حينئذ ليس منهم إلا سيد يصلح لموضعه وأسنى حباءهم وأعظم صلاتهم وكرم مآبهم


50
وفود العرب على كسرى قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعنده وفود الروم والهند والصين فذكروا من ملوكهم وبلادهم فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جميع الأمم لا يستثنى فارس ولا غيرها فقال كسرى وأخذته عزة الملك يا نعمان لقد فكرت فى أمر العرب وغيرهم من الأمم ونظرت في حالة من يقدم على من وفود الأمم فوجدت للروم حظا فى اجتماع ألفتها وعظم سلطانها وكثرة مدائنها ووثيق بنيانها وأن لها دينا يبين حلالها وحرامها ويرد سفيهها ويقيم جاهلها ورأيت الهند نحوا من ذلك في حكمتها وطبها مع كثرة أنهار بلادها وثمارها وعجيب صناعتها وطيب أشجارها ودقيق حسابها وكثرة عددها وكذلك الصين في اجتماعها وكثرة صناعات أيديها وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب وصناعة الحديد وأن لها ملكا يجمعها والترك والخرر علة ما بهم من سوء الحال في المعاش وقلة الريف والثمار والحصون وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس لهم ملوك تضم قواصيهم وتدبر أمرهم ولم أر للعرب شيئا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا ولا حزم ولا قوة ومع أن مما يدل على مهانتها وذلها وصغر همتها محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة والطير الحائرة يقتلون أولادهم من الفاقة ويأكل بعضهم بعضا من الحاجة قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها ولذاتها فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها وإن قرى أحدهم ضيفا عدها مكرمة
51
وإن أطعم أكلة عدها غنيمة تنطق بذلك أشعارهم وتفتخر بذلك رجالهم ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدي اجتماعها وشد مملكتها ومنعها من عدوها فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا وإن لها مع ذلك آثارا ولبوسا وقرى وحصونا وأمورا تشبه بعض أمور الناس يعنى اليمن ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس قال النعمان أصلح الله الملك

حق لأمة الملك منها أن يسموا فضلها ويعظم خطبها وتعلو درجتها إلا أن عندي جوابا في كل ما نطق به الملك في غير رد عليه ولا تكذيب له فإن أمننى من غضبه نطقت به قال كسرى قل فأنت آمن 31-خطبة النعمان بن المنذر

قال النعمان أما أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفضل لموضعها الذي هي به من عقولها وأحلامها وبسطة محلها وبحبوحة عزها وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك وأما الأمم التي ذكرت فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها قال كسرى بماذا قال النعمان بعزها ومنعتها وحسن وجوهها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وانفتها ووفائها

فأما عزها ومنعتها فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد ووطدوا الملك وقادوا الجند لم يطمع فيهم طامع ولم ينلهم نائل حصونهم ظهور خيلهم ومهادهم الأرض وسقوفهم السماء وجنتهم السيوف وعدتهم الصبر إذ غيرها من الأمم إنما عزها من الحجارة والطين وجزائر البحور

وأما حسن وجوهها وألوانها فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المنحرفة والصين المنحفة والروم والترك المشوهة المقشرة


52
وأما أنسابها وأحسابها فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرا من أولها حتى إن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه ذنيا فلا ينسبه ولا يعرفه وليس أحد من العرب إلا يسمى آباءه أبا فأبا حاطوا بذلك أحسابهم وحفظوا به أنسابهم فلا يدخل رجل في غير قومه ولا ينتسب إلى غير نسبه ولا يدعى إلى غير أبيه

وأما سخاؤها فإن أدناهم رجلا الذي تكون عنده البكرة والناب عليها بلاغه في حموله وشبعه وريه فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتزى بالشربة فيعقرها له ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر

وأما حكمة ألسنتهم فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه مع معرفتهم الأشياء وضربهم للأمثال وإبلاغهم في الصفات ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس ثم خيلهم أفضل الخيل ونساؤهم أعف النساء ولباسهم أفضل اللباس ومعادنهم الذهب والفضة وحجارة جبالهم الجزع ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر ولا يقطع بمثلها بلد قفر

وأما دينها وشريعتها فإنهم متمسكون به حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينة أن لهم أشهرا حرما وبلدا محرما وبيتا محجوجا ينسكون فيه مناسكهم ويذبحون فيه ذبائحهم فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه وهو قادر على أخذ ثاره وإدراك رغمه منه فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله بأذى


53
حذف
53

53
وأما وفاؤها فإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومي الإيماءة فهي ولث وعقدة لا يحلها إلا خروج نفسه وإن أحدهم يرفع عودا من الأرض فيكون رهنا بدينه فلا يغلق رهنه ولا تخفر ذمته وإن أحدهم ليبلغه أن رجلا استجار به وعسى أن يكون نائيا عن داره فيصاب فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته لما أخفر من جواره وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة فتكون أنفسهم دون نفسه وأموالهم دون ماله

وأما قولك أيها الملك يئدون أولادهم فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج

وأما قولك إن أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها فما تركوا ما دونها إلا احتقارا لها فعمدوا إلى أجلها وأفضلها فكانت مراكبهم وطعامهم مع أنها اكثر البهائم شحوما وأطيبها لحوما وأرقها ألبانا وأقلها غائلة وأحلاها مضغة وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه

وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضا وتركهم إلانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفا وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم فيلقون إليهم أمورهم وينقادون لهم بأزمتهم وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين مع أنفتهم من أداء الخراج والوطث بالعسف


54
وأما اليمن التي وصفها الملك فإنما أتى جد الملك إليها الذي أتاه عند غلبة الجبش له على ملك متسق وأمر مجتمع فأتاه مسلوبا طريدا مستصرخا ولولا ما وتر به من يليه من العرب لمال إلى مجال ولوجد من يجيد الطعان ويغضب للأحرار من غلبة العبيد الأشرار

فعجب كسرى لما أجابه النعمان به وقال إنك لأهل لموضعك من الرياسة في أهل إقليمك ثم كساه من كسوته وسرحه إلى موضعه من الحيرة

فلما قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقص العرب وتهجين أمرهم بعث إلى أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التميميين وإلى الحرث بن عباد وقيس بن مسعود البكريين وإلى خالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل العامريين وإلى عمرو بن الشريد السلمي وعمرو بن معد يكرب الزبيدي والحارث بن ظالم المرى فلما قدموا عليه في الخورنق قال لهم قد عرفتم هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منها وقد سمعت من كسرى مقالات تخوفت أن يكون لها غور أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولا كبعض طماطمته في تأديتهم الخراج إليه كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله فاقتص عليهم مقالات كسرى وما رد عليه فقالوا أيها الملك وفقك الله ما أحسن ما رددت وأبلغ ما حججته به فمرنا بأمرك وادعنا إلى ما شئت

قال إنما أنا رجل منكم وإنما ملكت وعززت بمكانكم وما يتخوف من ناحيتكم وليس شيء أحب إلى مما سدد الله به أمركم وأصلح به شأنكم وأدام به عزكم والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط وتنطلقوا إلى كسرى فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم


55
بما حضره ليعلم أن العرب على غير ما ظن أو حدثته نفسه ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه فإنه ملك عظيم السلطان كثير الأعوان مترف معجب بنفسه ولا تنخزلوا له انخزال الخاضع الذليل وليكن أمر بين ذلك تظهر به وثاقة حلومكم وفضل منزلتكم وعظيم أخطاركم وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم ابن صيفي ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم علمي بميل كل رجل منكم إلى التقدم قبل صاحبه فلا يكونن ذلك منكم فيجد في آدابكم مطعنا فإنه ملك مترف وقادر مسلط ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائف حلل الملوك كل رجل منهم حلة وعممه عمامة وختمه بياقوته وأمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية وفرس نجيبة وكتب معهم كتابا

أما بعد فإن الملك ألقى إلى من أمر العرب ما قد علم وأجبته بما قد فهم مما أحببت أن يكون منه على علم ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها وحمت ما يليها بفضل قوتها تبلغها في شىء من الأمور التي يتعزز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة وقد أوفدت أيها الملك رهطا من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم فليسمع الملك وليغمض عن جفاء إن ظهر من منطقهم وليكرمني بإكرامهم وتعجيل سراحهم وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم

فخرج القوم في أهبتهم حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن فدفعوا إليه كتاب النعمان فقرأه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسا يسمع منهم فلما أن كان بعد ذلك بأيام أمر مرازبته ووجوه أهل مملكته فحضروا وجلسوا على كراسي عن يمينه


56
وشماله ثم دعا بهم على الولاء والمراتب التي وصفهم النعمان بها في كتابه وأقام الترجمان ليؤدي إليه كلامهم ثم أذن لهم في الكلام 32-خطبة أكثم بن صيفي

فقام أكثم بن صيفي فقال

إن أفضل الأشياء أعاليها وأعلى الرجال ملوكها وأفضل الملوك أعمها نفعا وخير الأزمنة أخصبها وأفضل الخطباء أصدقها الصدق منجاة والكذب مهواة والشر لجاجة والحزم مركب صعب والعجز مركب وطئ

آفة الرأي الهوى والعجز مفتاح الفقر وخير الأمور الصبر حسن الظن ورطة وسوء الظن عصمة إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي من فسدت بطانته كان كالغاص بالماء شر البلاد بلاد لا أمير بها شر الملوك من خافه البرىء المرء يعجز لا المحالة أفضل الأولاد البررة خير الأعوان من لم يراء بالنصيحة أحق الجنود بالنصر من حسنت سريرته يكفيك من الزاد ما بلغك المحل حسبك من شر سماعه الصمت حكم وقليل فاعله البلاغة الإيجاز من شدد نفر ومن تراخى تألف

فتعجب كسرى من أكثم ثم قال ويحك يا أكثم ما أحكمك وأوثق كلامك لولا وضعك كلامك في غير موضعه قال أكثم الصدق ينبىء عنك لا الوعيد قال كسرى لو لم يكن للعرب غيرك لكفى

قال أكثم رب قول أنفذ من صول


57
خطبة حاجب بن زرارة

ثم قام حاجب بن زرارة التميمي فقال

ورى زندك وعلت يدك وهيب سلطانك إن العرب أمة قد غلظت أكبادها واستحصدت مرتها ومنعت درتها وهي لك وامقة ما تألفتها مسترسلة ما لا ينتها سامعة ما سامحتها وهي العلقم مرارة والصاب غضاضة والعسل حلاوة والماء الزلال سلاسة نحن وفودها إليك وألسنتها لديك ذمتنا محفوظة وأحسابنا ممنوعة وعشائرنا فينا سامعة مطيعة إن نؤب لك حامدين خيرا فلك بذلك عموم محمدتنا وإن نذم لم نخص بالذم دونها

قال كسرى يا حاجب ما أشبه حجر التلال بألوان صخرها قال حاجب بل زئير الأسد بصولتها قال كسرى وذلك 34 خطبة الحارث بن عباد

ثم قام الحارث بن عباد البكري فقال دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظها وعلو سنائها من طال رشاؤه كثر متحه ومن ذهب ماله قل منحه تناقل الأقاويل يعرف اللب وهذا


58
مقام سيوجف بما ينطق به الركب وتعرف به كنه حالنا العجم والعرب ونحن جيرانك الأدنون وأعوانك المعينون خيولنا جمة وجيوشنا فخمة إن استنجدتنا فغير ربض وإن استطرقتنا فغير جهض وإن طلبتنا فغير غمض لا ننثني لذعر ولا نتنكر لدهر رماحنا طوال وأعمارنا قصار

قال كسرى أنفس عزيزة وأمة ضعيفة قال الحرث أيها الملك وأنى يكون لضعيف عزة أو لصغير مرة قال كسرى لو قصر عمرك لم تستول على لسانك نفسك

قال الحرث أيها الملك إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغررا بنفسه على الموت فهى منية استقبلها وجنان استدبرها والعرب تعلم أنى أبعث الحرب قدما وأحبسها وهى تصرف بها حتى إذا جاشت نارها وسعرت لظاها وكشفت عن ساقها جعلت مقادها رمحى وبرقها سيفى ورعدها زئيرى ولم أقصر عن خوص خضخاضها حتى أنغمس فى غمرات لججها وأكون فلكا لفرسانى إلى بحبوحة كبشها فأستمطرها دما وأترك حماتها جزر السباع وكل نسر


59
قشعم ثم قال كسرى لمن حضره من العرب أكذلك هو قالوا فعاله أنطق من لسانه

قال كسرى ما رأيت كاليوم وفدا أحشد ولا شهودا أوفد 35 خطبة عمرو بن الشريد

ثم قام عمرو بن الشريد السلمى فقال

أيها الملك نعم بالك ودام فى السرور حالك إن عاقبة الكلام متدبرة وأشكال الأمور معتبرة وفى كثير ثقلة وفى قليل بلغة وفى الملوك سورة العز وهذا منطق له ما بعده شرف فيه من شرف وخمل فيه من خمل لم نأت لضيمك ولم نفد لسخطك ولم نتعرض لرفدك أن فى أموالنا منتقدا وعلى عزنا معتمدا إن أورينا نارا أثقبنا وإن أود دهر بنا اعتدلنا إلا أنا مع هذا لجوارك حافظون ولمن رامك كافحون حتى يحمد الصدر ويستطاب الخبر

قال كسرى ما يقوم قصد منطقك بإفراطك ولا مدحك بذمك قال عمرو كفى بقليل قصدى هاديا وبأيسر إفراطى مخبرا ولم يلم من غربت نفسه عما يعلم ورضى من القصد بما بلغ

قال كسرى ما كل ما يعرف المرء ينطق به اجلس


60
خطبة خالد بن جعفر الكلابى

ثم قام خالد بن جعفر الكلابى فقال

أحضر الله الملك إسعادا وأرشده إرشادا إن لكل منطق فرصة ولكل حاجة غصة وعى المنطق أشد من عى السكوت وعثار القول أنكأ من عثار الوعث وما فرصة المنطق عندنا إلا بما نهوى وغصة المنطق بما لا نهوى غير مستساغة وتركى ما أعلم من نفسى ويعلم من سمعى أننى له مطيق أحب إلى من تكلفى ما أتخوف ويتخوف منى وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان وهو لك من خير الأعوان ونعم حامل المعروف والإحسان أنفسنا بالطاعة لك باخعة ورقابنا بالنصيحة خاضعة وأيدينا لك بالوفاء رهينة

قال له كسرى نطقت بعقل وسموت بفضل وعلوت بنبل 37 خطبة علقمة بن علاثة العامري

ثم قام علقمة بن علاثة العامري فقال

نهجت لك سبل الرشاد وخضعت لك رقاب العباد إن للأقاويل مناهج وللآراء موالج وللعويص مخارج وخير القول أصدقه وأفضل الطلب أنجحه إنا وإن كانت المحبة أحضرتنا والوفادة قربتنا فليس من حضرك منا بأفضل ممن عزب عنك بل لو قست كل رجل منهم وعلمت منهم ما علمنا لوجدت له فى آبائه


61
دنيا أندادا وأكفاء كلهم إلى الفضل منسوب وبالشرف والسؤدد موصوف وبالرأي الفاضل والأدب النافذ معروف يحمى حماه ويروى نداماه ويذود أعداه لا تخمد ناره ولا يحترز منه جاره أيها الملك من يبل العرب يعرف فضلهم فاصطنع العرب فإنها الجبال الرواسى عزا والبحور الزواخر طميا والنجوم الزواهر شرفا والحصى عددا فإن تعرف لهم فضلهم يعزوك وإن تستصرخهم لا يخذلوك

قال كسرى وخشى أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه حسبك أبلغت وأحسنت 38 خطبة قيس بن مسعود الشيباني

ثم قام قيس بن مسعود الشيباني فقال

أطاب الله بك المراشد وجنبك المصائب ووقاك مكروه الشصائب ما أحقنا إذ أتيناك بإسماعك ما لا يحنق صدرك ولا يزرع لنا حقدا فى قلبك لم نقدم أيها الملك لمساماة ولم ننتسب لمعاداة ولكن لتعلم أنت ورعيتك ومن حضرك من وفود الأمم أنا فى المنطق غير محجمين وفى الناس غير مقصرين إن جورينا فغير مسبوقين وإن سومينا فغير مغلوبين


62

قال كسرى غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين وهو يعرض به فى تركه الوفاء بضمانه السواد قال قيس أيها الملك ما كنت فى ذلك إلا كواف غدر به أو كخافر أخفر بذمته قال كسرى ما يكون لضعيف ضمان ولا لذليل خفارة قال قيس أيها الملك ما أنا فيما أخفر من ذمتى أحق بإلزامي العار منك فيما قتل من رعيتك وأنتهك من حرمتك قال كسرى ذلك لأن من ائتنمن الخانة واستنجد الأثمة ناله من الخطإ ما نالنى وليس كل الناس سواء كيف رأيت حاجب بن زرارة لم يحكم قواه فيبرم ويعهد فيوفى ويعد فينجز قال وما أحقه بذلك وما رأيته إلا لى قال كسرى القوم بزل فأفضلها أشدها خطبة عامر بن الطفيل العامري

ثم قام عامر بن الطفيل العامري فقال

كثر فنون المنطق ولبس القول أعمى من حندس الظلماء وإنما الفخر فى الفعال والعجز فى النجدة والسؤدد مطاوعة القدرة وما أعلمك بقدرنا وأبصرك بفضلنا وبالحرى إن أدالت الأيام وثابت الأحلام أن تحدث لنا أمورا لها أعلام قال كسرى وما تلك الأعلام قال مجتمع الأحياء من ربيعة ومضر على أمر يذكر قال كسرى وما الأمر الذي يذكر قال ما لي علم بأكثر مما أخبرنى به مخبر قال كسرى متى تكاهنت يا بن الطفيل قال لست بكاهن ولكنى بالرمح


63
طاعن قال كسرى فإن اتاك آت من جهة عينك العوراء ما أنت صانع قال ما هيبتى فى قفاي بدون هيبتي في وجهي وما أذهب عيني عيث ولكن مطاوعة العبث 40-خطبة عمرو بن معديكرب الزبيدي

ثم قام عمرو بن معديكرب الزبيدي فقال

إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه فبلاغ المنطق الصواب وملاك النجعة الارتياد وعفو الرأى خير من استكراه الفكرة وتوقيف الخبرة خير من أعتساف الحيرة فاجتبذ طاعتنا بلفظك واكتظم بادرتنا بحلمك وألن لنا كنفك يسلس لك قيادنا فإنا أناس لم يوقس صفاتنا قراع مناقير من أراد لنا قضما ولكن منعنا حمانا من كل من رام لنا هضما 41-خطبة الحارث بن ظالم المرى

ثم قام الحرث بن ظالم المري فقال

إن من آفة المنطق الكذب ومن لؤم الأخلاق الملق ومن خطل الرأي خفة الملك المسلط فإن أعلمناك أن مواجهتنا لك عن الائتلاف وانقيادنا لك عن تصاف فما أنت لقبول ذلك منا بخليق ولا للاعتماد عليه بحقيق ولكن الوفاء بالعهود وإحكام ولث العقود والأمر بيننا وبينك معتدل مالم يأت من قبلك ميل أو زلل


64

قال كسرى من أنت قال الحرث بن ظالم قال إن في أسماء آبائك لدليلا على قلة وفائك وأن تكون أولى بالغدر وأقرب من الوزر قال الحارث إن في الحق مغضبة والسرو التغافل ولن يستوجب أحد الحلم إلا مع القدرة فلتشبه أفعالك مجلسك قال كسرى هذا فتى القوم

ثم قال كسرى قد فهمت ما نطقت به خطباؤكم وتفنن فيه متكلموكم ولولا أني أعلم أن الأدب لم يثقف أودكم ولم يحكم أمركم وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون عنده منطق الرعية الخاضعة الباخعة فنطقتم بما استولى على ألسنتكم وغلب على طباعكم لم أجز لكم كيرا مما تكلمتم به وإني لأكره أن أجبه وفودي أو أحنق صدورهم والذي أحب من إصلاح مدبركم وتألف شواذكم والإعذار إلى الله فيما بيني وبينكم وقد قبلت ما كان في منطقكم من صواب وصفحت عما كان فيه من خلل فانصرفوا إلى ملككم فأحسنوا موازرته والتزموا طاعته واردعوا سفهاءكم وأقيموا أودهم وأحسنوا أدبهم فإن في ذلك صلاح العامة


65
42-مخالس بن مزاحم وقاصر بن سلمة عند النعمان بن المنذر

كان مخالس بن مزاحم الكلبي وقاصر بن سلمة الجذامي بباب النعمان بن المنذر وكان بينهما عداوة فأتى قاصر إلى ابن فرتني وهو عمرو بن هند أخو النعمان ابن المنذر وقال إن مخالسا هجاك وأنشده في ذلك أبياتا فلما سمع عمرو ذلك أتى النعمان فشكا مخالسا وأنشده الأبيات فأرسل النعمان إلى مخالس فلما دخل عليه قال لا أم لك أتهجو امرأ هو ميتا خير منك حيا وهو سقيما خير منك صحيحا وهو غائبا خير منك شاهدا فبحرمة ماء المزن وحق أبي قابوس لئن لاح لي أن ذلك كان منك لأنزعن غلصمتك من قفاك ولاطعمنك لحمك

قال مخالس أبيت اللعن كلا والذي رفع ذروتك بأعمادها وأمات حسادك بأكمادها ما بلغت غير أقاويل الوشاة ونمائم العصاة وما هجوت أحدا ولا أهجو امرأ ذكرت أبدا وإنى أعوذ بجدك الكريم وعز بيتك القديم أن ينالنى منك عقاب أو يفاجئني منك عذاب قبل الفحص والبيان عن أساطير أهل البهتان

فدعا النعمان قاصرا فسأله فقال قاصر أبيت اللعن وحقك لقد هجاه وما أروانيها سواه فقال مخالس لا يأخذن أيها الملك منك قول امرئ آفك ولا توردني سبيل المهالك

واستدلل على كذبه بقوله إني أرويته مع ما تعرف من عداوته فعرف النعمان صدقه فأخرجهما فلما خرجا قال مخالس لقاصر شقي جدك وسفل خدك وبطل كيدك ولاح للقوم جرمك وطاش عني سهمك ولأنت أضيق حجرا من نقاز وأقل قوى من الحامل على الكراز فأرسلها مثلا


66
43-ضمرة بن ضمرة عند النعمان بن المنذر

قيل إن رجلا من بني تميم يقال له ضمرة بن ضمرة كان يغير على مسالح النعمان بن المنذر حتى أذا عيل صبر النعمان كتب إليه أن أدخل في طاعتي ولك مائة من الإبل فقبلها وأتاه فلما نظر إليه أزدراه وكان ضمرة دميما فقال تسمع بالمعيدي لا أن تراه فقال ضمرة مهلا أيها الملك إن الرجال لا يكالون بالصيعان وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه إن قاتل قاتل بجنان وإن نطق نطق ببيان

قال صدقت لله درك هل لك علم بالأمور والولوج فيها قال والله إني لأبرم منها المسحول وأنقض منها المفتول وأحيلها حتى تحول ثم أنظر إلى ما يئول وليس للأمور بصاحب من لا ينظر في العواقب قال صدقت لله درك فأخبرني ما العجز الظاهر والفقر الحاضر والداء العياء والسوءة السوءاء قال ضمرة

أما العجز الظاهر فالشاب القليل الحيلة اللزوم للحليلة الذي يحوم حولها ويسمع قولها فإن غضبت ترضاها وإن رضيت تفداها وأما الفقر الحاضر فالمرء لا تشبع نفسه وإن كان من ذهب خلسه وأما الداء العياء فجار السوء إن كان فوقك قهرك وإن كان دونك همزك وإن أعطيته كفرك وإن منعته شتمك فإن كان ذلك جارك فأخل له دارك وعجل منه فرارك وإلا فأقم بذل


67
وصغار وكن ككلب هرار وأما السوءة السوءاء فالحليلة الصخابة الخفيفة الوثابة السليطة السبابة التي تعجب من غير عجب وتغضب من غير غضب الظاهر عيبها والمخوف غيبها فزوجها لا يصلح له حال ولا ينعم له بال إن كان غنيا لا ينفعه غناه وإن كان فقيرا أبدت له قلاه فأراح الله منها بعلها ولا متع الله بها أهلها

فأعجب النعمان حسن كلامه وحضور جوابه فأحسن جائزته واحتبسه قبله 44-لبيد بن ربيعة يصف بقلة

وفد على النعمان بن المنذر عامر بن مالك ملاعب الأسنة في رهط من بني جعفر ابن كلاب فيهم لبيد بن ربيعة فطعن فيهم الربيع بن زياد العبسي وذكر معايبهم وكان نديما للنعمان وكانت بنو جعفر له أعداء فلم يزل بالنعمان حتى صده عنهم فدخلوا عليه يوما فرأوا منه جفاء وقد كان يكرمهم ويقربهم فخرجوا غضابا ولبيد متخلف في رحالهم يحفظ متاعهم ويغدو بإبلهم كل صباح يرعاها وكان أحدثهم سنا فأتاهم ذات ليلة وهم يتذاكرون أمر الربيع فسألهم عنده فكتموه فقال والله لا حفظت لكم متاعا ولا سرحت لكم بعيرا أو تخبروني فيم أنتم وكانت أم لبيد يتيمة في حجر الربيع فقالوا خالك قد غلبنا على الملك وصد عنا وجهه فقال لبيد هل تقدرون على أن تجمعوا بيني وبينه فأزجره عنكم بقول ممض مؤلم لا يلتفت إليه النعمان بعده أبدا قالوا وهل عندك شيء قال نعم قالوا فإنا نبلوك


68

قال وما ذاك قالوا تشتم هذه البقلة وقدامهم بقلة دقيقة القضبان قليلة الأوراق لاصقة بالأرض تدعى التربة فقال

هذه التربة التي لا تذكي نارا ولا تؤهل دارا ولا تسر جارا عودها ضئيل وفرعها كليل وخيرها قليل أقبح البقول مرعى وأقصرها فرعا وأشدها قلعا فتعسا لها وجدعا بلدها شاسع ونبتها خاشع وآكلها جائع والمقيم عليها قانع فالقوا بي أخا بني عبس أرده عنكم بتعس ونكس وأتركه من أمره في لبس

فلما أصبحوا غدوا به معهم إلى النعمان فذكروا حاجتهم فاعترض الربيع فرجز به لبيد رجزا ما لبث معه النعمان أن تقزز منه وأمره بالانصراف إلى أهله 45-كلمات هند بنت الخس الإيادية

أتى رجل هند بنت الخس الإيادية يستشيرها في امرأة يتزوجها فقالت انظر رمكاء جسيمة أو بيضاء وسيمة في بيت جد أو بيت حد أو بيت عز قال ما تركت من النساء شيئا قالت بلى شر النساء تركت السويداء الممراض والحميراء المحياض الكثيرة المظاظ

وقيل لها أي النساء أسوأ قالت التي تقعد بالفناء وتملأ الإناء وتمذق


69
مافي السقاء قيل فأي النساء أفضل قالت التي إذا مشت أغبرت وإذا نطقت صرصرت متوركة جارية في بطنها جارية يتبعها جارية

قيل فأي الغلمان أفضل قالت الأسوق الأعنق الذي إن شب كأنه أحمق قيل فأي الغلمان أفسل قالت الأويقص القصير العضد العظيم الحاوية الأغيبر الغشاء الذي يطيع أمه ويعصي عمه

وقيل لها أي الرجال أحب إليك قالت السهل النجيب السمح الحسيب الندب الأريب السيد المهيب قيل لها فهل بقي أحد من الرجال أفضل من هذا قالت نعم الأهيف الهفهاف الأنف العياف المفيد المتلاف الذي يخيف ولا يخاف قيل لها فأي الرجال أبغض إليك قالت الأوره النئوم الوكل السئوم الضعيف الحيزوم اللئيم الملوم قيل لها فهل بقي أحد شر من هذا قالت نعم الأحمق النزاع الضائع المضاع الذي لا يهاب ولا يطاع قالوا فأي النساء أحب إليك قالت البيضاءالعطرة كأنها ليلة قمرة قيل فأي النساء


70
أبغض اليك قالت العنفص القصيرة التي إن استنطقتها سكتت وإن سكت عنها نطقت

وقال لها أبوها يوما أي المال خير قالت النخل الراسخات في الوحل المطعمات في المحل قال وأي شيء قالت الضأن قرية لا وباء بها تنتجها رخالا وتحلبها علالا وتجز لها جفالا ولا أرى مثلها مالا قال فالإبل مالك تؤخرينها قالت هي أذكار الرجال وإرقاء الدماء ومهور النساء قال فأي الرجال خير قالت

( خير الرجال المرهقون كما خير تلاع البلاد أوطؤها )

قال أيهم قالت الذي يسأل ولا يسأل ويضيف ولا يضاف ويصلح ولا يصلح قال فأي الرجال شر قالت النصيط النطيط الذي معه سويط الذي يقول أدركوني من عبد بني فلان فإني قاتله أو هو قاتلي قال فأي النساء خير قالت التي في بطنها غلام تحمل على وركها غلاما يمشي وراءها غلام قال فأي الجمال خير قالت السبحل الربحل الراحلة الفحل قال


71
أرأيتك الجذع قالت لا يضرب ولا يدع قال أرأيتك الثني قالت يضرب وضرابه وفي قال أرأيتك السدس قالت ذاك العرس

وقيل لها أي الخيل أحب إليك قالت ذو الميعة الصنيع السليط التليع الأيد الضليع الملهب السريع فقيل لها أي الغيوث أحب إليك قالت ذو الهيدب المنبعق الأضخم المؤتلق الصخب المنبثق وقيل لها ما مائة من المعز قالت مؤيل يشف الفقر من ورائه مال الضعيف وحرفة العاجز قيل فما مائة من الضأن قالت قرية لا حمى بها قيل فما مائة من الإبل قالت بخ جمال ومال ومنى الرجال قيل فما مائة من الخيل قالت


72
طغى من كانت له ولا يوجد قيل فما مائة من الحمر قالت عازبة الليل وخزى المجلس لا لبن فيحلب ولا صوف فيجز إن ربط عيرها أدلى وإن ترك ولى وقيل لها من أعظم الناس في عينك قالت من كانت لي إليه حاجة

وقالت أخبث الذئاب ذئب الغضا وأخبث الأفاعي أفعى الجدب وأسرع الظباء ظباء الحلب وأشد الرجال الأعجف وأجمل النساء الفخمة الأسيلة وأقبح النساء الجهمة القفرة وآكل الدواب الرغوث وأطيب اللحم عوذه وأغلظ المواطي الحصى على الصفا وشر المال مالا يزكى ولا يذكى وخير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة


73
46-خطبة كعب بن لؤي

وخطب كعب بن لؤي وهو الجد السابع للنبي فقال

اسمعوا وعوا وتعلموا تعلموا و تفهموا تفهموا ليل ساج ونهار صاج والأرض مهاد والجبال أوتاد والأولون كالآخرين كل ذلك إلى بلاء فصلوا أرحامكم وأصلحوا أحوالكم

فهل رأيتم من هلك رجع أو ميتا نشر الدار أمامكم والظن خلاف ما تقولون زينوا حرمكم وعظموه وتمسكوا به ولا تفارقوه فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم ثم قال

( نهار وليل واختلاف حوادث سواء علينا حلوها ومريرها )

( يئوبان بالأحداث حتى تأوبا وبالنعم الضافي علينا ستورها )

( صروف وأنباء تقلب أهلها لها عقد ما يستحيل مريرها )

( على غفلة يأتي النبي محمد فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها )

ثم قال

( يا ليتني شاهد فحواء دعوته حين العشيرة تبغي الحق خذلانا )


74
47-خطبة هاشم بن عبد مناف يحث قريشا على إكرام زوار بيت الله الحرام

كان هاشم بن عبد مناف يقوم أول نهار اليوم الأول من ذي الحجة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها فيخطب قريشا فيقول

يا معشر قريش أنتم سادة العرب أحسنها وجوها وأعظمها أحلاما وأوسطها أنسابا وأقربها أرحاما

يا معشر قريش أنتم جيران بيت الله أكرمكم بولايته وخصكم بجواره دون بني إسماعيل وحفظ منكم أحسن ما حفظ جار من جاره فأكرموا ضيفه وزوار بيته فإنهم يأتونكم شعثا غبرا من كل بلد فورب هذه البنية لو كان لي مال يحمل ذلك لكفيتكموه ألا وإني مخرج من طيب مالي وحلاله ما لم يقطع فيه رحم ولم يؤخذ بظلم ولم يدخل فيه حرام فواضعه فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعل وأسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج رجل منكم من ماله لكرامة زوار بيت الله ومعونتهم إلا طيبا لم يؤخذ ظلما ولم يقطع فيه رحم ولم يغتصب


75
48-خطبة هاشم بن عبد مناف في قريش وخزاعة

تنافرت قريش وخزاعة إلى هاشم بن عبد مناف فخطبهم بما أذعن له الفريقان بالطاعة فقال في خطبته

أيها الناس نحن آل إبراهيم وذرية إسماعيل وبنو النضر بن كنانة وبنو قصي بن كلاب وأرباب مكة وسكان الحرم لنا ذروة الحسب ومعدن المجد ولكل في كل حلف يجب عليه نصرته وإجابة دعوته إلا ما دعا إلى عقوق عشيرة وقطع رحم يا بني قصي أنتم كغصني شجرة أيهما كسر أوحش صاحبه والسيف لا يصان إلا بغمده ورامي العشيرة يصيبه سهمه ومن أمحكه اللجاج أخرجه إلى البغي

أيها الناس الحلم شرف والصبر ظفر والمعروف كنز والجود سؤدد والجهل سفه والأيام دول والدهر غير والمرء منسوب إلى فعله ومأخوذ بعمله فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد ودعوا الفضول تجانبكم السفهاء وأكرموا الجليس يعمر ناديكم وحاموا الخليط يرغب في جواركم وأنصفوا من أنفسكم يوثق بكم وعليكم


76
بمكارم الأخلاق فإنها رفعة وإياكم والأخلاق الدنية فإنها تضع الشرف وتهدم المجد وإن نهنهة الجاهل أهون من جريرته ورأس العشيرة يحمل أثقالها ومقام الحليم عظة لمن انتفع به

فقالت قريش رضينا بك أبا نضلة وهي كنيته 49-خطبة عبد المطلب بن هاشم يهنئ سيف بن ذي يزن باسترداد ملكه من الحبشة

لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة أتته وفود العرب وأشرافها وشعراؤها تهنئه وتمدحه ومنهم وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم فاستأذنه في الكلام فأذن له فقال

إن الله تعالى أيها الملك أحلك محلا رفيعا صعبا منيعا باذخا شامخا وأنبتك منبتا طابت أرومته وعزت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم معدن وأطيب موطن فأنت أبيت اللعن رأس العرب وربيعها الذي به تخصب وملكها الذي به تنقاد وعمودها الذي عليه العماد ومعقلها الذي إليه يلجأ العباد سلفك خير سلف وأنت لنا بعدهم خير خلف ولن يهلك من أنت


77
خلفه ولن يخمل من أنت سلفه نحن أيها الملك أهل حرم الله وذمته وسدنة بيته أشخصنا إليك الذي أبهجك بكشف الكرب الذي فدحنا فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة 50-خطبة أبي طالب في زواج الرسول بالسيدة خديجة

خطب أبو طالب حين زواج النبي بالسيدة خديجة فقال

الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل وجعل لنا بلدا حراما وبيتا محجوجا وجعلنا الحكام على الناس ثم إن محمد بن عبد الله ابن أخي من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه برا وفضلا وكرما وعقلا ومجدا ونبلا وإن كان في المال قل فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك وما أحببتم من الصداق فعلى


78
خطب الكهان 51-الكاهن الخزاعي ينفر هاشم بن عبد مناف على أمية بن عبد شمس

ولي هاشم بعد أبيه عبد مناف ما كان إليه من السقاية والرفادة فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف على رياسته وإطعامه وكان ذا مال فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه فشمت به ناس من قريش فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة فكره هاشم ذلك لسنة وقدره فلم تدعه قريش حتى نافره على خمسين ناقة سود الحدق ينحرها ببطن مكة والجلاء عن مكة عشر سنين فرضى بذلك أمية وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي وهو جد عمرو بن الحمق ومنزله بعسفان وكان مع أمية همهمة بن عبد العزى الفهرى وكانت ابنته عند أمية فقال الكاهن

والقمر الباهر والكوكب الزاهر والغمام الماطر وما بالجو من طائر وما اهتدى بعلم مسافر من منجد وغائر لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر أول منه وآخر وأبو همهمة بذلك خابر


79

فقضى لهاشم بالغلبة وأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها وغاب أمية عن مكة بالشأم عشر سنين فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية 52-عوف بن ربيعة الأسدي يتكهن بمقتل حجر بن الحارث

كان حجر بن الحارث أبو امرئ القيس ملك بني أسد وكان له عليهم إتاوة كل سنة لما يحتاج إليه فبقي كذلك دهرا ثم بعث إليهم من يجبي ذلك منهم وحجر يومئذ بتهامة فطردوا رسله وضربوهم فبلغ ذلك حجرا فسار إليهم فأخذ سرواتهم وخيارهم وجعل يقتلهم بالعصا فسموا عبيد العصا وأباح الأموال وصيرهم إلى تهامة وحبس جماعة من أشرافهم منهم عبيد بن الأبرص الشاعر فقال شعرا يستعطفه فيه ومنه قوله

( أنت المليك عليهم وهم العبيد إلى القيامة )

فرق لهم وعفا عنهم وردهم إلى بلادهم فلما صاروا على مسيرة يوم من تهامة تكهن كاهنهم وهو عوف بن ربيعة بن عامر الأسدي فقال لهم يا عبادي قالوا لبيك ربنا فقال من الملك الصلهب الغلاب غير المغلب في الإبل كأنها الربرب لا يقلق رأسه الصخب هذا دمه ينثعب وهو غدا أول من يستلب قالوا ومن هو ربنا قال لولا تجيش نفس جاشية لأخبرتكم أنه حجر ضاحية


80

فركبوا كل صعب وذلول حتى بلغوا عسكر حجر فهجموا عليه في قبته فقتلوه 53-كاهن بني الحارث بن كعب يحذرهم غزو بني تميم

كان بنو تميم قد أغاروا على لطيمة لكسرى فيها مسك وعنبر وجوهر كثير فأوقع كسرى بهم وقتل المقاتلة وبقيت أموالهم وذراريهم في مساكنهم لا مانع لها وبلغ ذلك بني الحارث بن كعب من مذحج فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا اغتنموا بني تميم فاجتمعت بنو الحارث وأحلافها من زيد وحزم بن ريان في عسكر عظيم وساروا يريدون بني تميم فحذرهم كاهن كان مع الحارث واسمه سلمة بن المغفل وقال

إنكم تسيرون أعقابا وتغزون أحبابا سعدا وربابا وتردون مياها جبابا فتلقون عليها ضرابا وتكون غنيمتكم ترابا فأطيعوا أمري ولا تغزوا تميما ولكنهم خالفوه وقاتلوا بني تميم فهزموا هزيمة نكراء


81
54-أحد كهان اليمن يفصل في أمر هند بنت عتبة

كان الفاكه بن المغيرة المخزومي أحد فتيان قريش وكان قد تزوج هند بن عتبة وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس فيه بلا إذن فقال يوما في ذلك البيت وهند معه ثم خرج عنها وتركها نائمة فجاء بعض من كان يغشى البيت فلما وجد المرأة نائمة ولى عنها فاستقبله الفاكه بن المغيرة فدخل على هند وأنبها وقال من هذا الخارج من عندك قالت والله ما انتبهت حتى أنبهتني وما رأيت أحدا قط قال الحقي بأبيك وخاض الناس في أمرهم فقال لها أبوها يا بنية العار وإن كان كذبا بثيني شأنك فإن كان الرجل صادقا دسست عليه من يقتله فيقطع عنك العار وإن كان كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن قالت والله يا أبت إنه لكاذب فخرج عتبة فقال إنك رميت ابنتي بشيء عظيم فإما أن تبين ما قلت وإلا فحاكمني إلى بعض كهان اليمن قال ذلك لك فخرج الفاكه في جماعة من رجال قريش ونسوة من بني مخزم وخرج عتبة في رجال ونسوة من بني عبد مناف فلما شارفوا بلاد الكاهن تغير وجه هند وكسف بالها فقال لها أبوها أي بنية ألا كان هذا قبل أن يشتهر في الناس خروجنا قالت يا أبت والله ما ذلك لمكروه قبلي ولكنكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب ولعله أن يسمني بسمة تبقى على ألسنة العرب فقال لها أبوها صدقت ولكني سأخبره لك فصفر بفرسه فلما أدلى عمد إلى حبة بر فأدخلها في إحليله ثم أوكى عليها وسار فلما نزلوا على الكاهن أكرمهم ونحر لهم فقال له عتبة إنا أتيناك في أمر وقد خبأنا لك خبيئة فما هي قال برة في


82
كمرة قال أريد أبين من هذا قال حبة بر في إحليل مهر قال صدقت فانظر في أمر هؤلاء النسوة فجعل يمسح رأس كل واحدة منهن ويقول قومي لشأنك حتى إذا بلغ إلى هند مسح يده على رأسها وقال انهضي غير رقحاء ولا زانية وستلدين ملكا يسمى معاوية

فلما خرجت أخذ الفاكه بيدها فنثرت يده من يدها وقالت إليك عنى والله لأحرصن أن يكون ذلك الولد من غيرك فتزوجها أبو سفيان فولدت له معاوية 55-خمسة نفر من طيئ يمتحنون سواد بن قارب الدوسي

خرج خمسة نفر من طيئ من ذوي الحجا والرأي منهم برج بن مسهر وهو أحد المعمرين وأنيف بن حارثة بن لأم وعبد الله بن سعد بن الحشرج أبو حاتم طييء وعارف الشاعر ومرة بن عبد رضى يريدون سواد بن قارب الدوسي ليمتحنوا علمه فلما قربوا من السراة قالوا ليخبأ كل رجل منا خبيئا ولا يخبر به صاحبه ليسأله عنه فإن أصاب عرفنا علمه وإن أخطأ ارتحلنا عنه فخبأ كل رجل منهم خبيئا ثم صاروا إليه فأهدوا له إبلا وطرفا من طرف الحيرة فضرب عليهم قبة ونحر لهم فلما مضت ثلاث دعا بهم فدخلوا عليه فتكلم برج وكان أسنهم فقال جادك السحاب وأمرع لك الجناب


83
وضفت عليك النعم الرغاب نحن أولو الآكال والحدائق والأغيال والنعم الجفال ونحن أصهار الأملاك وفرسان العراك يورى عنهم أنهم من بكر بن وائل

فقال سواد والسماء والأرض والغمر والبرض والقرض والفرض إنكم لأهل الهضاب الشم والنخيل العم والصخور الصم من أجأ العيطاء وسلمى ذات الرقبة السطعاء

قالوا إنا كذلك وقد خبأ لك كل رجل منا خبيئا لتخبرنا باسمه وخبيئه فقال لبرج أقسم بالضياء والحلك والنجوم والفلك والشروق والدلك لقد خبأت برثن فرخ في إعليط مرخ تحت آسرة الشرخ قال ما أخطأت شيئا فمن أنا قال أنت برج بن مسهر عصرة الممعر وثمال المحجر


84
ثم قام أنيف بن حارثة فقال ما خبييء وما اسمي فقال والسحاب والتراب والأصباب والأحداب والنعم والكثاب لقد خبأت قطامة فسيط وقذة مريط في مدرة من مدى مطيط قال ما أخطأت شيئا فمن أنا قال أنت أنيف قاري الضيف ومعمل السيف وخالط الشتاء بالصيف

ثم قام عبد الله بن سعد فقال ما خبيئي وما اسمي فقال سواد أقسم بالسوام العازب والوقير الكارب والمجد الراكب والمشيح الحارب لقد خبأت نفاثة فنن في قطيع قد مرن أو أديم قد جرن قال ما أخطأت حرفا فمن أنا قال أنت ابن سعد النوال عطاؤك سجال وشرك عضال وعمدك طوال وبيتك لا ينال

ثم قام عارف فقال ما خبيئى وما اسمي فقال سواد أقسم بنفنف اللوح


85
والماء المسفوح والفضاء المندوح لقد خبأت زمعة طلا أعفر في زعنفة أديم أحمر تحت حلس نضو أدبر قال ما أخطأت شيئا فمن أنا قال أنت عارف ذو اللسان العضب والقلب الندب والمضاء الغرب مناع السرب ومبيح النهب

ثم قام مرة بن عبد رضى فقال ما خبيئي وما اسمي فقال سواد أقسم بالأرض والسماء والبروج والأنواء والظلمة والضياء لقد خبأت دمة في رمة تحت مشيط لمة قال ما أخطأت شيئا فمن أنا قال أنت مرة السريع الكرة البطئ الفرة الشديد المرة

قالوا فأخبرنا بما رأينا في طريقنا إليك فقال والناظر من حيث لا يرى والسامع قبل أن يناجى والعالم بما لا يدري لقد عنت لكم عقاب عجزاء في شغانيب دوحة جرداء تحمل جدلا فتماريتم إما يدا وإما رجلا فقالوا كذلك ثم مه قال سنح لكم قبل طلوع الشرق سيد أمق


86
على ماء طرق قالوا ثم ماذا قال ثم تيس أفرق سند في أبرق فرماه الغلام الأزرق فأصاب بين الوابلة والمرفق

قالوا صدقت وأنت أعلم من تحمل الأرض ثم ارتحلوا عنه 56-حديث مصاد بن مذعور القيني

كان مصاد بن مذعور القيني رئيسا قد أخذ مرباع قومه دهرا وكان ذا مال فند ذود من أذواد له فخرج في بغائها قال فإني لفي طلبها إذ هبطت واديا شجيرا كثيف الظلال وقد تفسخت أينا فأنخت راحلتي في ظل شجرة وحططت رحلي ورسغت بعيري واضطجعت في بردى فإذا أربع جوار كأنهن اللآلي يرعين بهما لهن فلما خالطت عيني السنة أقبلن حتى جلسن قريبا مني وفي كف كل واحدة منهن حصيات تقلبهن فخطت إحداهن ثم طرقت فقالت قلن يا بنات عراف في صاحب الجمل النياف والبرد الكثاف والجرم الخفاف ثم طرقت الثانية فقالت


87
مضل أذواد علاكد كوم صلاخد منهن ثلاث مقاحد وأربع جدائد شسف صمارد ثم طرقت الثالثة فقالت رعين الفرع ثم هبطن الكرع بين العقدات والجرع فقالت الرابعة ليهبط الغائط الأفيح ثم ليظهر في الملا الصحصح بين سدير وأملح فهناك الذود رتاع بمنعرج الأجرع قال فقمت إلى جملي فشددت عليه رحله وركبت ووالله ما سألتهن من هن ولا ممن هن فلما أدبرت قالت إحداهن أبرح فتى إن جد في طلب فماله غيرهن نشب وسيثوب عن كثب ففزع قلبي والله قولها فقلت وكيف هذا وقد خلفت بوادي عرجا عكامسا فركبت السمت الذي وصف لي حتى انتهيت إلى المواضع فإذا ذودي رواتع فضربت أعجازهن
88
حتى أشرفت على الوادي الذي فيه إبلي فإذا الرعاء تدعو بالويل فقلت ما شأنكم قالوا أغارت بهراء على إبلك فأسخفتها فأمسيت والله مالي قال غير الذود فرمى الله في نواصيهن بالرغس وإني اليوم لأكثر بني القين مالا 57-حديث خنافر بن التوءم الحميري مع رئيه شصار

كان خنافر بن التوءم الحميري كاهنا وكان قد أوتي بسطة في الجسم وسعة في المال وكان عاتيا فلما وفدت وفود اليمن على النبي وظهر الإسلام أغار على إبل لمراد فاكتسحها وخرج بأهله وماله ولحق بالشحر فخالف جودان بن يحيى الفرضمي وكان سيدا منيعا ونزل بواد من أودية الشحر مخضبا كثير الشجر من الأيك والعرين قال خنافر وكان رئيي في الجاهلية لا يكاد يتغيب عنى فلما شاع الإسلام فقدته مدة طويلة وساءني ذلك فبينا أنا ليلة بذلك الوادي نائما إذ هوى هوى العقاب فقال خنافر فقلت شصار فقال اسمع أقل قلت قل أسمع فقال عه تغنم لكل مدة نهاية وكل ذي أمد إلى غاية قلت أجل فقال كل دولة إلى أجل ثم يتاح لها حول انتسخت النحل ورجعت إلى حقائقها الملل إنك سجير موصول والنصح لك مبذول وإني آنست بأرض الشأم نفرا من آل العذام حكاما على الحكام يذبرون ذارونق من الكلام ليس


89
بالشعر المؤلف ولا السجع المتكلف فأصغيت فزجرت فعاودت فظلفت فقلت بم تهينمون وإلام تعتزون قالوا خطاب كبار جاء من عند الملك الجبار فاسمع يا شصار عن أصدق الأخبار واسلك أوضح الآثار تنج من أوار النار فقلت وما هذا الكلام فقالوا فرقان بين الكفر والإيمان رسول من مصر من أهل المدر ابتعث فظهر فجاء بقول قد بهر وأوضح نهجا قد دثر فيه مواعظ لمن اعتبر ومعاذ لمن ازدجر ألف بالآى الكبر قلت ومن هذا المبعوث من مضر قال أحمد خير البشر فإن آمنت أعطيت الشبر وإن خالفت أصليت سقر فآمنت يا خنافر وأقبلت إليك أبادر فجانب كل كافر وشايع كل مؤمن طاهر وإلا فهو الفراق لا عن تلاق قلت من اين أبغي هذا الدين قال من ذات الإحرين والنفر اليمانين أهل الماء والطين قلت أوضح قال الحق بيثرب ذات النخل والحرة ذات النعل فهناك أهل الطول والفضل والمواساة والبذل ثم املس عنى فبت مذعورا أراعي الصباح فلما برق لي النور امتطيت راحلتي وآذنت أعبدي واحتملت بأهلي حتى وردت الجوف فرددت الإبل على أربابها بحولها وسقابها وأقبلت أريد صنعاء فأصبت بها معاذ بن جبل أميرا لرسول الله فبايعته على الإسلام وعلمني سورا من القرآن فمن الله علي بالهدى بعد الضلالة والعلم بعد الجهالة
90
58-شافع بن كليب الصدفي يتكهن بظهور النبي

قدم على تبع الآخر ملك اليمن قبل خروجه لقتال المدينة شافع بن كليب الصدفي وكان كاهنا فقال له تبع هل تجد لقوم ملكا يوازي ملكي قال لا إلا ملك غسان قال فهل تجد ملكا يزيد عليه قال

أجده لبار مبرور ورائد بالقهور ووصف في الزبور فضلت


91
أمته في السفور يفرج الظلم بالنور أحمد النبي طوبى لأمته حين يجي أحد بني لؤي ثم أحد بني قصي

فنظر تبع في الزبور فإذا هو يجد صفة النبي 59-سطيح الذئبي يعبر رؤيا ربيعة بن نصر اللخمي

ورأى ربيعة بن نصر اللخمي ملك اليمن وقد ملك بعد تبع الآخر رؤيا هالته فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه فقال لهم إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بها وبتأويلها قالوا له اقصصها علينا نخبرك بتأويلها قال إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها فإنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها فقال له رجل منهم فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق فإنه ليس أحد أعلم منهما فيها يخبرانه بما سأل عنه فبعث إليهما فقدم عليه سطيح قبل شق فقال له إني قد رأيت رؤيا


92
هالتني وفظعت بها فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها قال أفعل رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة فقال له الملك ما أخطأت منها شيئا يا سطيح فما عندك في تأويلها فقال أحلف بما بين الحرتين من حنش ليهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش فقال له الملك وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائط موجع فمتى هو كائن أفي زماني هذا أم بعده قال لا بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين قال أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع قال لا بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ثم يقتلون بها أجمعين ويخرجون منها هاربين قال ومن يلي ذلك من قتلهم إخراجهم قال يليه إرم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك أحدا منهم باليمن قال أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع قال بل ينقطع قال ومن يقطعه قال نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلى قال وممن هذا النبي قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك ابن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر قال وهل للدهر من آخر قال
93
نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون

قال أحق ما تخبرنا يا سطيح قال نعم والشفق والغسق والفلق إذا انشق إن ما أنبأتك به لحق 60-شق أنمار يعبر رؤيا ربيعة بن نصر أيضا

ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان قال نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمه فأكلت منها كل ذات نسمة

فلما سمع الملك ذلك قال ما أخطأت يا شق منها شيئا فما عندك في تأويلها قال أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان فليغلبن على كل طفلة البنان وليملكن ما بين أبين إلى نجران فقال له الملك وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده قال لا بعده بزمان ثم يستنقذكم منهم عظيم ذوشان ويذيقهم أشد الهوان قال ومن هذا العظيم الشأن قال غلام ليس بدنى ولا مدن يخرج عليهم من بيت ذي يزن قال أفيدوم سلطانه أم ينقطع قال بل ينقطع برسول


94
مرسل يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل قال وما يوم الفصل قال يوم تجزى فيه الولاة يدعى فيه من السماء بدعوات يسمع منها الأحياء والأموات ويجمع فيه بين الناس للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات قال أحق ما تقول قال إي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض

فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور فأسكنهم بالحيرة فمن بقية ولده النعمان بن المنذر ملك الحيرة وهو النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر 61-وفود عبد المسيح بن بقيلة على سطيح

عن ابن عباس رضي الله عنه قال

لما كان ليلة ولد النبي ارتج إيوان كسرى فسقطت منه أربع عشرة شرفة فعظم ذلك على أهل مملكته فما كان أوشك أن كتب إليه


95
صاحب اليمن يخبره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة وكتب إليه صاحب السماوة يخبره أن وادي السماوة انقطع تلك الليلة وكتب إليه صاحب طبرية أن الماء لم يجر تلك الليلة في بحيرة طبرية وكتب إليه صاحب فارس يخبره أن بيوت النيرات خمدت تلك الليلة ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة فلما توارت الكتب أبرز سريره وظهر لأهل مملكته فأخبرهم الخبر فقال الموبذان أيها الملك إني رأيت تلك الليلة رؤيا هالتني قال له وما رأيت قال رأيت إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد اقتحمت دجلة وانتشرت في بلادنا قال رأيت عظيما فما عندك في تأويلها قال ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء ولكن أرسل إلى عاملك بالحيرة يوجه إليك رجلا من علمائهم فإنهم أصحاب علم بالحدثان فبعث إليه عبد المسيح بن بقيلة الغساني

فلما قدم عليه أخبره كسرى الخبر فقال له أيها الملك والله ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء ولكن جهزني إلى خال لي بالشام يقال له سطيح قال جهزوه فلما قدم إلى سطيح وجده قد احتضر فناداه فلم يجبه وكلمه فلم يرد عليه فقال عبد المسيح

( أصم أم يسمع غطريف اليمن يا فاضل الخطة أعيت من ومن )

( أتاك شيخ الحي من آل سنن أبيض فضفاض الرداء والبدن )

( رسول قيل العجم يهوى للوثن لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن )


96

فرفع إليه رأسه وقال عبد المسيح على جمل مشيح إلى سطيح وقد أوفي على الضريح بعثك ملك بني ساسان لارتجاج الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد اقتحمت في الواد وانتشرت في البلاد

يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وظهر صاحب الهراوة وفاض وادى السماوة وغاضت بحيرة ساوة وخمدت نار فارس فليست بابل للفرس مقاما ولا الشام لسطيح شاما يملك منهم ملوك وملكات عدد سقوط الشرفات وكل ما هو آت آت ثم قال

( إن كان ملك بني ساسان أفرطهم فإن ذا الدهر أطوارا دهارير )

( منهم بنو الصرح بهرام وإخوته والهرمزان وسابور وسابور )

( فربما أصبحوا يوما بمنزلة تهاب صولهم الأسد المهاصير )

( حثوا المطي وجدوا في رحالهم فما يقوم لهم سرج ولا كور )

( والناس أولاد علات فمن علموا أن قد أقل فمحقور ومهجور )

( والخير والشر مقرونان في قرن فالخير متبع والشر محذور )


97
ثم أتى كسرى فأخبره بما قاله سطيح فغمه ذلك ثم تعزى فقال إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا يدور الزمان فهلكوا كلهم في أربعين سنة وكان آخر من هلك منهم في أول خلافة عثمان رضي الله عنه 62-شق وسطيح ينبئان بأصل ثقيف

عن ابن الكلبي قال كان قسي وهو ثقيف مقيما باليمن فضاق عليه موضعه ونبا به فأتى الطائف وهو يومئذ منازل فهم وعدوان بني عمرو بن قيس ابن عيلان فانتهى إلى الظرب العدواني فوجده نائما تحت شجرة فأيقظه وقال من أنت قال أنا الظرب قال على ألية إن لم أقتلك أو تحلف لي لتزوجني ابنتك ففعل وانصرف الظرب وقسي معه فلقيه ابنه عامر بن الظرب فقال من هذا معك يا أبت فقص قصته قال عامر لله أبوه لقد ثقف أمره فسمى يومئذ


98
ثقيفا وعير الظرب بتزويجه قسيا وقيل زوجت عبدا فسار إلى الكهان يسألهم فانتهى إلى شق بن مصعب البجلى وكان أقربهم منه فلما انتهى إليه قال إنا قد جئناك في أمر فما هو قال جئتم في قسي وقسي عبد إياد أبق ليلة الواد في وج ذات الأنداد فوالي سعدا ليفاد ثم لوى بغير معاد يعنى سعد بن قيس ابن عيلان بن مضر ثم توجه إلى سطيح الذئبي حي من غسان ويقال إنهم حي من قضاعة نزول في غسان فقالوا إنا جئناك في أمر فما هو قال جئتم في قسي وقسي من ولد ثمود القديم ولدته أمه بصحراء تريم فالتقطه إياد وهو عديم فاستعبده وهو مليم

فرجع الظرب وهو لا يدري ما يصنع في أمره وقد وكد عليه في الحلف والتزويج وكانوا على كفرهم يوفون بالقول فلهذا يقول من قال إن ثقيفا من ثمود لأن إيادا من ثمود 63-تنافر عبد المطلب بن هاشم والثقفيين إلى عزى سلمة الكاهن

كان لعبد الملك بن هاشم مال بالطائف يقال له ذو الهرم فغلبه عليه خندف ابن الحارث الثقفي فنافرهم عبد المطلب إلى عزى سلمة الكاهن أو إلى نفيل ابن عبد العزى جد عمر بن الخطاب فخرج عبد المطلب مع ابنه الحرث وليس له يومئذ غيره وخرج الثقفيون مع صاحبهم وحرب بن أمية معهم على عبد المطلب فنفد ماء عبد المطلب فطلب إليهم أن يسقوه فأبوا فبلغ العطش منه كل مبلغ وأشرف


99
على الهلاك فبينا عبد المطلب يثير بعيره ليركب إذ فجر الله له عينا من تحت جرانه فحمد الله وعلم أن ذلك منه فشرب وشرب أصحابه ريهم وتزودوا منه حاجتهم ونفد ماء الثقفيين فطلبوا إلى عبد المطلب أن يسقيهم فأنعم عليهم فقال له ابنه الحارث لأنحنين على سيفي حتى يخرج من ظهري فقال عبد المطلب لأسقينهم فلا تفعل ذلك بنفسك فسقاهم ثم انطلقوا حتى أتوا الكاهن وقد خبئوا له رأس جرادة في خرزة مزادة وجعلوه في قلادة كلب لهم يقال له سوار فلما أتوا الكاهن إذا هم ببقرتين تسوقان بينهما بخرجا كلتاهما تزعم أنه ولدها ولدتا في ليلة واحدة فأكل النمر أحد البخرجين فهما ترأمان الباقي فلما وقفتا بين يديه قال الكاهن هل تدرون ما تريد هاتان البقرتان قالوا لا قال الكاهن ذهب به ذو جسد أربد وشدق مرمع وناب معلق ما للصغرى في ولد الكبرى حق فقضى به للكبرى ثم قال ما حاجتكم قالوا قد خبأنا لك خبئا فأنبئنا عنه ثم نخبرك بحاجتنا قال خبأتم لي شيئا طار فسطع فتصوب فوقع في الأرض منه بقع فقالوا لاده أي بينه

قال هو شيء طار فاستطار ذو ذنب جرار وساق كالمنشار ورأس كالمسمار فقالوا لاده قال إن لاده فلاده هو


100
رأس جرادة في خرز مزادة في عنق سوار ذي القلادة قالوا صدقت فأخبرنا فيم اختصمنا إليك قال أحكم بالضياء والظلم والبيت والحرم أن المال ذا الهرم للقرشي ذي الكرم فقضى بينهم ورجعوا إلى منازلهم على حكمه

وروى الجاحظ لعزى سلمة أنه قال

والأرض والسماء والعقاب والصقعاء واقعة ببقعاء لقد نفر المجد بني العشراء للمجد والسناء 64-منافرة عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية

تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي ملك الحبشة فأبى أن ينفر بينهما فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح فقال لحرب


101

يا أبا عمرو أتنافر رجلا هو أطول منك قامة وأعظم منك هامة وأوسم منك وسامة وأقل منك ملامة وأكثر منك ولدا وأجزل صفدا وأطول منك مذودا وإني لأقول هذا وإنك لبعيد الغضب رفيع الصوت في العرب جلد المريرة جليل العشيرة ولكنك نافرت منفرا

فغضب حرب وقال إن من انتكاس الزمان أن جعلت حكما 65-ما أمر به عبد المطلب بن هاشم في منامه من حفر زمزم

ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب وشرف في قومه وعظم شأنه ثم إنه حفر زمزم وهي بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام التي أسقاه الله منها وكانت جرهم قد دفنتها وكان سبب حفره إياها أنه قال بينا أنا نائم بالحجر إذ أتاني آت فقال احفر طيبة قلت وما طيبة فذهب وتركني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر برة قلت وما برة فذهب وتركني فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي


102
فنمت فيه فجاءني فقال احفر المضنونة قلت وما المضنونة فذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر زمزم إنك إن حفرتها لا تندم فقلت وما زمزم قال تراث من أبيك الأعظم لا تنزف أبدا ولا تذم تسقي الحجيج الأعظم مثل نعام جافل لم يقسم ينذر فيها ناذر لمنعم تكون ميراثا وعقد محكم ليس كبعض ما قد تعلم وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل

فلما بين له شأنها ودله على موضعها وعرف أنه قد صدق غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث ليس له ولد غيره فحفر بين أساف ونائلة في الموضع الذي تنحر فيه قريش لأصنامها وقد رأى الغراب ينقر هناك فلما بدا له الطوى كبر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته


103
خطب الكواهن 66-الشعثاء الكاهنة تصف سبعة إخوة

كانت عثمة بنت مطرود البجلية ذات عقل ورأي مستمع في قومها وكانت لها أخت يقال لها خود وكانت ذات جمال وميسم وعقل فخطب سبعة إخوة غلمة من بطن الأزد خودا إلى أبيها فأتوه وعليهم الحلل اليمانية وتحتهم النجائب الفرة فقالوا نحن بنو مالك بن غفيلة ذي النحيبن فقال لهم انزلوا على الماء فنزلوا ليلتهم ثم أصبحوا غادين في الحلل والهيئة ومعهم ربيبة لهم يقال لها الشعثاء كاهنة فمروا بوصيدها يتعرضون لها وكلهم وسيم جميل وخرج أبوها فجلسوا إليه فرحب بهم فقالوا بلغنا أن لك بنتا ونحن كما ترى شباب وكلنا يمنع الجانب ويمنح الراغب فقال أبوها كلكم خيار فأقيموا نرى رأينا ثم دخل على ابنته فقال ما ترين فقد أتاك هؤلاء القوم فقالت أنكحني على قدري ولا تشطط في مهري فإن تخطئني أحلامهم لا تخطئني أجسامهم لعلي أصيب ولدا وأكثر عددا فخرج أبوها فقال أخبروني عن أفضلكم

قالت ربيبتهم الشعثاء الكاهنة اسمع أخبرك عنهم هم إخوة وكلهم أسوة


104
أما الكبير فمالك جرئ فاتك يتعب السنابك ويستصغر المهالك وأما الذي يليه فالغمر بحر غمر يقصر دونه الفخر نهد صقر وأما الذي يليه فعلقمة صليب المعجمة منيع المشتمة قليل الجمجمة وأما الذي يليه فعاصم سيد ناعم جلد صارم أبي حازم جيشه غانم وجاره سالم وأما الذي يليه فثواب سريع الجواب عتيد الصواب كريم النصاب كليث الغاب وأما الذي يليه فمدرك بذول لما يملك عزوب عما يترك يفنى ويهلك وأما الذي يليه فجندل لقرنه مجدل مقل لما يحمل يعطى ويبذل وعن عدوه لا ينكل

فشاورت أختها فيهم فقالت أختها عثمة ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل اسمعي منى كلمة إن شر الغريبة يعلن وخيرها يدفن انكحي في قومك ولا تغررك الأجسام فلم تقبل منها وبعثت إلى أبيها أنكحنى مدركا فأنكحها أبوها على مائة ناقة ورعاتها وحملها مدرك فلم تلبث عنده إلا قليلا حتى صبحهم فوارس من بني مالك بن كنانة فاقتتلوا ساعة ثم إن زوجها وإخوته وبني عامر انكشفوا فسبوها فيمن سبوا فبينما هي تسير بكت فقالوا ما يبكيك أعلى فراق زوجك قالت قبحه الله قالوا لقد كان جميلا قالت قبح الله جمالا


105
لانفع معه إنما أبكي على عصياني أختى وقولها ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل وأخبرتهم كيف خطبوها فقال لها رجل منهم يكنى أبا نواس شاب أسود أفوه مضطرب الخلق أترضين بي على أن أمنعك من ذئاب العرب فقالت لأصحابه أكذلك هو قالوا نعم إنه مع ما ترين ليمنع الحليلة وتتقيه القبيلة قالت هذا أجمل جمال وأكمل كمال قد رضيت به فزوجوها منه 67-طريفة الخير تتكهن بسيل العرم وخراب سد مأرب

قال عبد الملك بن عبد الله بن بدرون في شرح قصيدة الوزير عبد المجيد بن عبدون التي قالها في رثاء دولة بني الأفطس بالأندلس

كان أول من خرج من اليمن في أول تمزيقهم عمرو بن عامر مزيقياء وكان سبب خروجه أنه كانت له زوجة كاهنة يقال لها طريفة الخير وكانت رأت في منامها أن سحابة غشيت أرضهم فأرعدت وأبرقت ثم صعقت فأحرقت كل ما وقعت عليه ففزعت طريفة لذلك فزعا شديدا وأتت الملك عمرا وهي تقول ما رأيت اليوم أزال عني النوم رأيت غيما رعد وبرق طويلا ثم صعق فما وقع على شيء إلا احترق فلما رأى ما داخلها من الفزع سكنها ثم إن عمرا دخل حديقة له ومعه جاريتان من جواريه فبلغ ذلك طريفة فخرجت إليه وخرج معها وصيف لها اسمه سنان فلما برزت من بيتها عرض لها ثلاث مناجيد منتصبات على


106
أرجلهن واضعات أيديهن على أعينهن وهي دواب تشبه اليرابيع فقعدت إلى الأرض واضعة يديها على عينيها وقالت لوصيفها إذا ذهبت هذه المناجيد فأخبرني فلما ذهبت أعلمها فانطلقت مسرعة فلما عارضها خليج الحديقة التي فيها عمرو وثبت من الماء سلحفاة فوقعت في الطريق على ظهرها وجعلت تروم الانقلاب فلا تستطيع وتستعين بذنبها فتحثو التراب على بطنها من جنباته وتقذف بالبول قذفا فلما رأتها طريفة جلست إلى الأرض فلما عادت السلحفاة إلى الماء مضت إلى أن دخلت على عمرو وذلك حين انتصف النهار في ساعة شديدة الحر فإذا الشجر يتكفأ من غير ريح فلما رآها عمرو استحيا منها وأمر الجاريتين بالتنحي ثم قال لها يا طريفة فكهنت وقالت والنور والظلماء والأرض والسماء إن الشجر لهالك وليعودن الماء كما كان في الزمان السالك قال عمرو ومن خبرك بهذا قالت أخبرتني المناجد بسنين شدائد يقطع فيها الولد الوالد قال ما تقولين قالت أقول قول الندمان لهفا لقد رأيت سلحفا تجرف التراب جرفا وتقذف بالبول قذفا فدخلت الحديقة فإذا الشجر من غير ريح يتكفا قال عمرو وما ترين قالت داهية دهياء من أمور جسيمة ومصائب عظيمة قال وما هو ويلك قالت أجل إن فيه الويل وما لك فيه من قيل وإن الويل فيما يجىء به السيل فألقى عمرو نفسه عن فراشه وقال ما هذا يا طريفة قالت هو خطب جليل وحزن طويل وخلف قليل قال وما علامة ما تذكرين قالت اذهب إلى السد فإذا رأيت جرذا يكثر بيديه في السد الحفر ويقلب برجليه من أجل الصخر فاعلم أن غمر الغمر
107
وأن قد وقع الأمر قال وما هذا الذى تذكرين قالت وعد من الله نزل وباطل بطل ونكال بنا نكل فبغيرك يا عمرو فليكن الثكل فانطلق عمرو فإذا الجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلبها خمسون رجلا كذا فرجع إلى طريفة فأخبرها الخبر وهو يقول

( أبصرت أمرا عادنى منه ألم وهاج لي من هوله برح السقم )

( من جرذ كفحل خنزير الأجم أو كبش صرم من أفاريق الغنم )

( يسحب صخرا من جلاميد العرم له مخاليب وأنياب قضم )

( ما فاته سحلا من الصخر قصم )

فقالت طريفة وإن من علامات ما ذكرت لك أن تجلس فتأمر بزجاجة فتوضع بين يديك فإن الريح تملؤها من تراب البطحاء من سهلة الوادي ورمله وقد علمت أن الجنان مظللة لا يدخلها شمس ولا ريح فأمر عمرو بزجاجة فوضعها بين يديه ولم يمكث إلا قليلا حتى امتلأت من تراب البطحاء فأخبر عمرو طريفة بذلك وقال لها متى يكون هلك السد قالت له فيما بينك وبين سبع سنين قال ففي أيها يكون قالت لا يعلم بذلك إلا الله ولو علمه أحد لعلمته ولا تأتى على ليلة فيما بيني وبين سبع سنين إلا ظننت الهلاك في غدها أو في مسائها ثم رأى عمرو فى نومه سيل العرم وقيل له آية ذلك أن ترى الحصباء في سعف النخل فنظر إليها فوجد الحصباء فيها قد


108
ظهرت فعلم أن ذلك واقع وأن بلادهم ستخرب فكتم ذلك وأخفاء وأجمع على بيع كل شئ له بأرض مأرب وأن يخرج منها هو وولده فخرج ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه
109
وقال أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني

وسارت القبائل من أهل مأرب حين خافوا سيل العرم وعليهم مزيقياء ومعهم طريفة الكاهنة فقالت لهم

لا تؤموا مكة حتى أقول وما علمني ما أقول إلا الحكيم المحكم رب جميع الأمم من عرب وعجم قالوا لها ما شأنك يا طريفة قالت خذوا البعير الشدقم فخضبوه بالدم تكن لكم أرض جرهم جيران بيته المحرم

وروى الميداني في مجمع الأمثال قال

ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقيا بن ماء السماء وكانت قد رأت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب وأنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين فباع عمرو بن عامر أمواله وسار هو وقومه حتى انتهوا إلى مكة فأقاموا بمكة وما حولها فأصابتهم الحمى وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى فدعوا طريفة فشكوا إليها الذي أصابهم فقالت لهم قد أصابني الذي تشكون وهو مفرق بيننا قالوا فما تأمرين قالت


110

من كان منكم ذا هم بعيد وجمل شديد ومزاد جديد فليلحق بقصر عمان المشيد فكانت أزد عمان ثم قالت من كان منكم ذا جلد وقسر وصبر على أزمات الدهر فعليه بالأراك من بطن مر فكانت خزاعة ثم قالت من كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل فكانت الأوس والخزرج ثم قالت من كان منكم يريد الخمر الخمير والملك والتأمير ويلبس الديباج والحرير فليلحق ببصرى وغوير وهما من أرض الشام فكان الذين سكنوها من آل جفنة من غسان ثم قالت من كان منكم يريد الثياب الرقاق والخيل العتاق وكنوز الأرزاق والدم المهراق فليلحق بأرض العراق فكان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش ومن كان بالحيرة وآل محرق 68-حديث زبراء الكاهنة مع بني رئام من قضاعة

كان ثلاثة أبطن من قضاعة مجتورين بين الشحر وحضرموت بنو ناعب وبنو داهن وبنو رئام وكانت بنو رئام أقلهم عددا وأشجعهم لقاء وكانت لبني رئام عجوز تسمى خويلة وكانت لها أمة من مولدات العرب تسمى زبراء وكان يدخل على خويلة أربعون رجلا كلهم لها محرم بنو إخوة وبنو أخوات وكانت خويلة عقيما وكان بنو ناعب وبنو داهن متظاهرين على بني رئام فاجتمع بنو رئام ذات يوم في عرس لهم وهم سبعون رجلا كلهم شجاع بئيس فطعموا وأقبلوا على شرابهم وكانت


111
زبراء كاهنة فقالت لخويلة انطلقي بنا إلى قومك أنذرهم فأقبلت خويلة تتوكأ على زبراء فلما أبصرها القوم قاموا إجلالا لها فقالت يا ثمر الأكباد وأنداد الأولاد وشجا الحساد هذه زبراء تخبركم عن أنباء قبل انحسارالظلماء بالمؤيد الشنعاء فاسمعوا ما تقول قالوا وما تقولين يا زبراء قالت

واللوح الخافق والليل الغاسق والصباح الشارق والنجم الطارق والمزن الوادق إن شجر الوادي ليأدو ختلا ويخرق أنيابا عصلا وإن صخر الطود لينذر ثكلا لا تجدون عنه معلا

فوافقت قوما أشارى سكارى فقالوا ريح خجوج بعيدة ما بين الفروج أتت زبراء بالأبلق النتوج

فقالت زبراء مهلا يا بني الأعزة والله إنى لأشم ذفر الرجال تحت الحديد


112

فقال لها فتى منهم يقال له هذيل بن منقذ يا خذاق والله ما تشمين إلا ذفر إبطيك فانصرفت عنهم وارتاب قوم من ذوي أسنانهم فانصرف منهم أربعون رجلا وبقي ثلاثون فرقدوا في مشربهم وطرقتهم بنو داهن وبنو ناعب فقتلوهم أجمعين وأقبلت خويلة مع الصباح فوقفت على مصارعهم ثم عمدت إلى خناصرهم فقطعتها وانتظمت منها قلادة وألقتها في عنقها وخرجت حتى لحقت بمرضاوى بن سعوة المهري وهو ابن أختها فأناخت بفنائه فاستعدته على بني داهن وبني ناعب فخرج في منسر من قومه فطرقهم فأوجع فيهم 69-كاهنة ذي الخلصة تتكهن بما في بطن رقية بنت جشم

زعموا أن رقية بنت جشم بن معاوية ولدت نميرا وهلالا وسواءة ثم اعتاطت فأتت كاهنة بذي الخلصة فأرتها بطنها وقالت إني قد ولدت ثم اعتطت فنظرت إليها ومست بطنها وقالت

رب قبائل فرق ومجالس حلق وظعن حزق في بطنك زق


113
فلما مخضت بربيعة بن عامر قالت إني أعرف ضرطي بهلال أي هو غلام كما أن هلالا كان غلاما 70-رأى سلمى الهمدانية في حريم المرادى

أغار رجل من مراد يقال له حريم على إبل عمرو بن براقة الهمداني وخيل له فذهب بها فأتى عمرو سلمى الهمدانية وكانت بنت سيدهم وعن رأيها كانوا يصدرون فأخبرها أن حريما المرادى أغار على إبله وخيله فقالت والخفو والوميض والشفق كالإحريض والقلة والحضيض إن حريما لمنيع الحيز سيد مزيز ذو معقل حريز غير أني أرى الحمة ستظفر منه بعثرة بطيئة الجبرة فأغر ولا تنكع فأغار عمرو فاستاق كل شيء له فأتى حريم بعد ذلك يطلب إلى عمرو أن يرد عليه بعض ما أخذ منه فامتنع ورجع حريم


114
71-تنافر العجفاء بنت علقمة وصواحباتها إلى الكاهنة السعدية

روى أن العجفاء بنت علقمة السعدي وثلاث نسوة من قومها خرجن فاتعدن بروضة يتحدثن فيها فوافين بها ليلا في قمر زاهر وليلة طلقة ساكنة وروضة معشبة خصبة فلما جلسن قلن ما رأينا كالليلة ليلة ولا كهذه الروضة روضة اطيت ريحا ولا أنضر ثم افضن في الحديث فقلن أي النساء أفضل قالت إحداهن الخرود الودود الولود قالت الأخرى خيرهن ذات الغناء وطيب الثناء وشدة الحياء قالت الثالثة خيرهن السموع الجموع النفوع غير المنوع قالت الرابعة خيرهن الجامعة لأهلها الوادعة الرافعة لا الواضعة قلن فأي الرجال أفضل قالت إحداهن خيرهم الحظ الرضى غير الحظل البطى

قالت الثانية خيرهم السيد الكريم ذو الحسب العميم والمجد القديم قالت الثالثة خيرهم السخي الوفي الرضي الذي لا يغير الحرة ولا يتخذ الضرة قالت الرابعة وأبيكن إن في أبي لنعتكن كرم الأخلاق والصدق عند التلاق والفلج عند السباق ويحمده أهل الرفاق قالت العجفاء عند ذلك كل فتاة بأبيها معجبة

وفي بعض الروايات أن إحداهن قالت إن أبي يكرم الجار ويعظم الخطار وينحر العشار بعد الحوار ويحمل الأمور الكبار ويأنف من الصغار فقالت


115
الثانية إن أبي عظيم الخطر منيع الوزر عزيز النفر يحمد منه الورد والصدر فقالت الثالثة إن أبي صدوق اللسان حديد الجنان رذوم الجفان كثير الأعوان يروى السنان عند الطعان قالت الرابعة إن أبي كريم النزال منيف المقال كثير النوال قليل السؤال كريم الفعال

ثم تنافرن إلى كاهنة معهن في الحي فقلن لها اسمعي ما قلنا واحكمي بيننا واعدلي ثم أعدن عليها قولهن فقالت لهن كل واحدة منكن ماردة بأبيها واجدة على الإحسان جاهدة لصواحباتها حاسدة ولكن اسمعن قولي خير النساء المبقية على بعلها الصابرة على الضراء مخافة أن ترجع إلى أهلها مطلقة فهي تؤثر حظ زوجها على حظ نفسها فتلك الكريمة الكاملة وخير الرجال الجواد البطل القليل الفشل إذا سأله الرجل ألفاه قليل العلل كثير النفل ثم قالت كل واحدة منكن بأبيها معجبة 72-عفيراء الكاهنة تعبر رؤيا مرثد بن عبد كلال

روى أن مرثد بن عبد كلال قفل من غزاة عزاها بغنائم عظيمة فوفد عليه زعماء العرب وشعراؤها وخطباؤها يهنئونه فرفع الحجاب عن الوافدين وأوسعهم عطاء واشتد سروره بهم فبينما هو كذلك إذ نام يوما فرأى رؤيا في المنام أخافته وأذعرته وهالته في حال منامه فلما انتبه أنسيها حتى لم يذكر منها شيئا وثبت ارتياعه في نفسه بها فانقلب سروره حزنا واحتجب عن الوفود حتى أساءوا به الظن ثم إنه حشر الكهان فجعل يخلو بكاهن كاهن ثم يقول له أخبرني عما أريد أن أسألك عنه


116
فيجيبه الكاهن بأن لا علم عندي حتى لم يدع كاهنا علمه إلا كان إليه منه ذلك فتضاعف قلقه وطال أرقه وكانت أمه قد تكهنت فقالت له أبيت اللعن أيها الملك إن الكواهن أهدى إلى ما تسأل عنه لأن أتباع الكواهن من الجان ألطف وأظرف من أتباع الكهان فأمر بحشر الكواهن إليه وسألهن كما سأل الكهان فلم يجد عند واحدة منهن علما مما أراد علمه ولما يئس من طلبته سلا عنها ثم إنه بعد ذلك ذهب يتصيد فأوغل في طلب الصيد وانفرد عن أصحابه فرفعت له أبيات من ذرا جبل وكان قد لفحه الهجير فعدل إلى الأبيات وقصد بيتا منها كان منفردا عنها فبرزت إليه منه عجوز فقالت له أنزل بالرحب والسعة والأمن والدعة والجفنة المدعدعة والعلبة المترعة فنزل عن جواده ودخل البيت فلما احتجب عن الشمس وخفقت عليه الأرواح نام فلم يستيقظ حتى تصرم الهجير فجلس يمسح عينيه فإذا هو بين يديه فتاة لم ير مثلها قواما ولا جمالا فقالت أبيت اللعن أيها الملك الهمام هل لك في الطعام فاشتد إشفاقه وخاف على نفسه لما رأى أنها عرفته وتصام عن كلمتها فقالت له لا حذر فداك البشر فجدك الأكبر وحظنا بك الأوفر ثم قربت إليه ثريدا وقديدا وحيسا وقامت تذب عنه حتى انتهى أكله ثم سقته لبنا صريفا وضريبا فشرب ما شاء وجعل يتأملها مقبلة ومدبرة فملأت عينيه حسنا وقلبه هوى فقال لها ما اسمك يا جارية قالت اسمي عفيراء فقال لها يا عفيراء من الذي دعوته بالملك الهمام قالت مرثد العظيم الشان حاشر الكواهن والكهان لمعضلة بعد عنها الجان فقال يا عفيراء
117
أتعلمين تلك المعضلة قالت أجل ايها الملك إنها رؤيا منام ليست بأضغاث أحلام قال الملك أصبت يا عفيراء فما تلك الرؤيا قالت رأيت أعاصير زوابع بعضها لبعض تابع فيها لهب لامع ولها دخان ساطع يقفوها نهر متدافع وسمعت فيما أنت سامع دعاء ذي جرس صادع هلموا إلى المشارع فروى جارع وغرق كارع فقال الملك أجل هذه رؤياي فما تأويلها يا عفيراء قالت الأعاصير الزوابع ملوك تبابع والنهر علم واسع والداعي نبي شافع والجارع ولي تابع والكارع عدو منازع فقال الملك يا عفيراء أسلم هذا النبي أم حرب فقالت أقسم برافع السماء ومنزل الماء من العماء إنه لمطل الدماء ومنطق العقائل نطق الإماء

فقال الملك إلام يدعو يا عفيراء قالت إلى صلاة وصيام وصلة أرحام وكسر أصنام وتعطيل أزلام واجتناب آثام فقال الملك


118
يا عفيراء إذا ذبح قومه فمن أعضاده قالت أعضاده عظاريف يمانون طائرهم به ميمون يغزيهم فيغزون ويدمث بهم الحزون وإلى نصرة يعتزون فأطرق الملك يؤامر نفسه في خطبتها فقالت أبيت اللعن أيها الملك إن تابعي غيور ولأمرى صبور وناكحي مثبور والكلف بي ثبور فنهض الملك وجال في صهوة جواده وانطلق فبعث إليها بمائة ناقة كوماء
119
الوصايا 73-وصية أوس بن حارثة لابنه مالك

عاش الأوس بن حارثة دهرا وليس له ولد إلا مالك وكان لأخيه الخزرج خمسة عمرو وعوف وجشم والحرث وكعب فلما حضره الموت قال له قومه قد كنا نأمرك بالتزويج في شبابك فلم تزوج حتى حضرك الموت فقال الأوس لم يهلك هالك ترك مثل مالك وإن كان الخزرج ذا عدد وليس لمالك ولد فلعل الذي استخرج العذق من الجريمة والنار من الوثيمة أن يجعل لمالك نسلا ورجالا بسلا يا مالك المنية ولا الدنية والعتاب قبل العقاب والتجلد لا التبلد واعلم ان القبر خير من الفقر وشر شارب المشتف وأقبح طاعم المقتف ودهاب البصر خير من كثير من النظر ومن كرم الكريم الدفاع عن الحريم ومن قل ذل ومن أمر فل وخير الغنى القناعة وشر الفقر الضراعة والدهر يومان فيوم


120
لك و يوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصبر فكلاهما سينحسر فإنما تعز من ترى ويعزك من لا ترى ولو كان الموت يشترى لسلم منه أهل الدنيا ولكن الناس فيه مستوون الشريف الأبلج واللئيم المعلهج والموت المفيت خير من أن يقال لك هبيت وكيف بالسلامة لمن ليست له إقامة وشر من المصيبة سوء الخلف وكل مجموع إلى تلف حياك إلهك 4 وصية ذى الإصبع العدوانى لابنه أسيد

لما احتضر ذو الإصبع دعا ابنه أسيدا فقال له يا بنى إن أباك قد فنى وهو حى وعاش حتى سئم العيش وإني موصيك بما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته فاحفظ عنى ألن جانبك لقومك يحبوك وتواضع لهم يرفعوك وابسط لهم وجهك يطيعوك ولا تستأثر عليهم بشئ يسودوك وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم يكرمك كبارهم ويكبر على مودتك صغارهم واسمح بمالك واحم حريمك وأعزز جارك وأعن من استعان بك وأكرم ضيفك وأسرع النهضة في الصريخ فإن لك أجلا لا يعدوك وصن وجهك عن مسألة أحد شيئا فبذلك يتم سؤددك


121
وصية عمرو بن كلثوم لبنيه

أوصى عمرو بن كلثوم التغلبى فقال يا بنى إنى قد بلغت من العمر ما لم يبلغ أحد من آبائى وأجدادي ولا بد من أمر مقتبل وأن ينزل بى ما نزل بالآباء والأجداد والأمهات والأولاد فاحفظوا عنى ما أوصيكم به إنى والله ما عيرت رجلا قط أمرا إلا عير بى مثله إن حقا فحقا وإن باطلا فباطلا ومن سب سب فكفوا عن الشتم فإنه أسلم لأعراضكم وصلوا أرحامكم تعمر داركم وأكرموا جاركم يحسن ثناؤكم وزوجوا بنات العم بنى العم فإن تعديتم بهن إلى الغرباء فلا تألوا بهن الأكفاء وأبعدوا بيوت النساء من بيوت الرجال فإنه أغض للبصر وأعف للذكر ومتى كانت المعاينة واللقاء ففي ذلك داء من الأدواء ولا خير فيمن لا يغار لغيره كما يغار لنفسه وقل لمن انتهك حرمة لغيره إلا انتهكت حرمته وامنعوا القريب من ظلم الغريب فإنك تذل على قريبك ولا يحل بك ذل غريبك وإذا تنازعتم فى الدماء فلا يكن حقكم للقاء فرب رجل خير من ألف وود خير من خلف وإذا حدثتم فعوا وإذا حدثتم فأوجزوا فإن مع الإكثار يكون الإهذار وموت عاجل خير من ضني آجل وما بكيت من زمان إلا دهانى بعده زمان وربما شجانى من لم يكن أمره عناني وما عجبت من أحدوثة إلا رأيت بعدها أعجوبة واعلموا أن أشجع القوم العطوف وخير الموت تحت ظلال السيوف ولا خير فيمن لا روية له عند الغضب ولا فيمن إذا عوتب لم يعتب ومن الناس من لا يرجى خيره ولا يخاف شره فبكؤه خير من دره وعقوقه خير من بره ولا تبرحوا فى حبكم فإنه من برح فى حب آل


122
ذلك إلى قبيح بغض وكم قد زارنى إنسان وزرته فانقلب الدهر بنا فبرته واعلموا أن الحكيم سليم وأن السيف كليم إنى لم أمت ولكن هرمت ودخلتنى ذلة فسكت وضعف قلبى فأهترت سلمكم ربكم وحياكم 76 وصية الحرث بن كعب لبنيه

وأوصى الحرث بن كعب بنيه فقال

يا بنى قد أتت على مائة وستون سنة ما صافحت يمينى يمين غادر ولا قنعت لنفسى بخلة فاجر ولا صبوت بابنة عم ولا كنة ولا بحت لصديق بسر ولا طرحت عن مومسة قناعا ولا بقى على دين عيسى بن مريم وروى على دين شعيب من العرب غيري وغير تميم بن مرة وأسد بن خزيمة فموتوا على شريعتى واحفظوا وصيتى وإلهكم فاتقوا يكفكم ما أهمكم ويصلح لكم حالكم وإياكم ومعصيته فيحل بكم الدمار ويوحش منكم الديار كونوا جميعا ولا تفرقوا فتكونوا شيعا وبزوا قبل أن تبزوا فموت فى عز خير من حياة فى ذل وعجز وكل ما هو كائن كائن وكل جمع إلى تباين والدهر ضربان ضرب بلاء وضرب رخاء واليوم يومان يوم حبرة ويوم عبرة والناس رجلان رجل لك ورجل عليك زوجوا النساء الأكفاء وإلا فانتظروا بهن القضاء وليكن أطيب طيبهن


123
الماء وإياكم والورهاء فإنها أدوأ الداء وإن ولدها إلى أفن يكون لا راحة لقاطع القرابة وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوهم وآفة العدو اختلاف الكلمة والتفضل بالحسنة يقى السيئة والمكافأة بالسيئة دخول فيها وعمل السوء يزيل النعماء وقطيعة الرحم تورث الهم وانتهاك الحرمة يزيل النعمة وعقوق الوالدين يعقب النكد ويخرب البلد ويمحق العدد والإسراف فى النصيحة هو الفضيحة والحقد يمنع الرفد ولزوم الخطيئة يعقب البلية وسوء الرعة يقطع أسباب المنفعة والضغائن تدعو إلى التباين يا بنى إنى قد أكلت مع أقوام وشربت فذهبوا وغبرت وكأنى بهم قد لحقت ثم قال

( أكلت شبابى فأفنيته وأبليت بعد دهور دهورا )

( ثلاثة أهلين صاحبتهم فبادوا وأصبحت شيخا كبيرا )

( قليل الطعام عسير القيام قد ترك الدهر خطوى قصيرا )

( أبيت أراعي نجوم السماء أقلب أمرى بطونا ظهورا ) 77 وصية عامر بن الطرب العدوانى لقومه

وكان عامر بن الظرب العدوانى سيد قومه فلما كبر وخشى عليه قومه أن يموت اجتمعوا إليه وقالوا إنك سيدنا وقائلنا وشريفنا فاجعل لنا شريفا وسيدا وقائلا بعدك فقال

يا معشر عدوان كلفتمونى بغيا إن كنتم شرفتمونى فإني أريتكم ذلك من نفسى فأنى لكم مثلى افهموا ما أقول لكم إنه من جمع بين الحق والباطل لم


124
له وكان الباطل أولى به وإن الحق لم يزل ينفر من الباطل ولم يزل الباطل ينفر من الحق

يامعشر عدوان لا تشمتوا بالذلة ولا تفرحوا بالعزة فبكل عيش يعيش الفقير مع الغنى ومن ير يوما ير به وأعدوا لكل امرئ جوابه إن مع السفاهة الندامة والعقوبة نكال وفيها ذمامة ولليد العليا العاقبة والقوذ راحة لا لك ولا عليك وإذا شئت وجدت مثلك إن عليك كما أن لك وللكثرة الرعب وللصبر الغلبة ومن طلب شيئا وجده وإن لم يجده يوشك أن يقع قريبا منه 78 وصية دويد بن زيد لبنيه

لما حضرت دويد بن زيد الوفاة قال لبنيه :

أوصيكم بالناس شرا لا ترحموا لهم عبرة ولا تقيلوهم عثرة قصروا الأعنة وطولوا الأسنة واطعنوا شزرا واضربوا هبرا وإذا أردتم المحاجزة


125
فقبل المناجزة والمرء يعجز لا المحالة بالجد لا بالكد التجلد ولا التبلد والمنية ولا الدنية ولا تأسوا على فائت وإن عز فقده ولا تحنوا إلى ظاعن وإن ألف قربه ولا تطمعوا فتطبعوا ولا تهنوا فتخرعوا ولا يكونن لكم المثل السوء إن الموصين بنو سهوان إذا مت فأرحبوا خط مضجعي ولا تضنوا على برحب الأرض وما ذلك بمؤد إلى روحا ولكن حاجة نفس خامرها الإشفاق قال أبو بكر بن دريد في حديث أخر إنه قال

( اليوم يبنى لدويد بيته يارب نهب صالح حويته )

( ورب قرن بطل أرديته ورب غيل حسن لويته )

( ومعصم مخضب ثنيته لو كان للدهر بلى أبليته )

( أو كان قرني واحدا كفيته )


126
79-وصية زهير بن جناب الكلبي

وأوصى زهير بن جناب الكلبي بنيه فقال

يا بني قد كبرت سني وبلغت حرسا من دهري فأحكمتني التجارب والأمور تجربة واختبار فاحفظوا عنى ما أقول وعوه أياكم والخور عند المصائب والتواكل عند النوائب فإن ذلك داعية للغم وشماتة للعدو وسوء ظن بالرب وإياكم أن تكونوا بالأحداث مغترين ولها آمنين ومنها ساخرين فإنه ما سخر قوم قط إلا ابتلوا ولكن توقعوها فإنما الإنسان في الدنيا غرض تعاوره الرماة فمقصر دونه ومجاوز لموضعه وواقع عن يمينه وشماله ثم لا بد أنه مصيبه 80-وصية النعمان بن ثواب العبدي لبنيه

كان للنعمان بن ثواب العبدي بنون ثلاثة سعد وسعيد وساعدة وكان أبوهم ذا شرف وحكمة وكان يوصي بنيه ويحملهم على أدبه أما ابنه سعد فكان شجاعا بطلا من شياطين العرب لا يقام لسبيله ولم تفته طلبته قط ولم يفر عن قرن وأما سعيد فكان يشبه أباه في شرفه وسودده وأما ساعدة فكان صاحب شراب وندامى وإخوان فلما رأى الشيخ حال بينه دعا سعدا وكان صاحب حرب فقال


127

يا بني إن الصارم ينبو والجواد يكبو والأثر يعفو فإذا شهدت حربا فرأيت نارها تستعر وبطلها يخطر وبحرها يزخر وضعيفها ينصر وجبانها يجسر فأقلل المكث والانتظار فإن الفرار غير عار إذا لم تكن طالب ثار فإنما ينصرون هم وإياك أن تكون صيد رماحها ونطيح نطاحها

وقال لابنه سعيد وكان جوادا يا بني لا يبخل الجواد فابذل الطارف والتلاد واقلل التلاح تذكر عند السماح وابل إخوانك فإن وفيهم قليل واصنع المعروف عند محتمله

وقال لابنه ساعدة وكان صاحب شراب يا بني إن كثرة الشراب تفسد القلب وتقلل الكسب وتجد اللعب فأبصر نديمك واحم حريمك وأعن غريمك واعلم أن الظمأ القامح خير من الري الفاضح وعليك بالقصد فإن فيه بلاغا 81 -وصية قيس بن زهير لبني النمر بن قاسط

جاور قيس بن زهير العبسي بعد يوم الهباءة النمر بن قاسط وتزوج منهم وأقام فيهم حتى ولد له فلما أراد الرحيل عنهم قال


81
حذف
128

يا معشر النمر إن لكم على حقا وأنا أريد أن أوصيكم فآمركم بخصال وأنهاكم عن خصال عليكم بالأناة فإن بها تدرك الحاجة وتنال الفرصة وتسويد من لا تعابون بتسويده وعليكم بالوفاء فإن به يعيش الناس وبإعطاء من تريدون إعطاءه قبل المسالة ومنع من تريدون منعه قبل الإلحاح وإجارة الجار على الدهر وتنفيس المنازل عن بيوت اليتامى وخلط الضيف بالعيال

وأنهاكم عن الغدر فإنه عار الدهر وعن الرهان فإني به ثكلت مالكا أخي وعن البغي فإنه قتل زهيرا أبي وعن الإعطاء في الفضول فتعجزوا عن الحقوق وعن السرف في الدماء فإن يوم الهباءة ألزمني العار ومنع الحرم إلا من الأكفاء


129
فإن لم تصيبوا لهن الأكفاء فإن خير منا كحهن القبور أو خير منازلها واعلموا أني كنت ظالما مظلوما ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكا أخي وظلمتهم بأن قتلت من لا ذنب له 82-وصية حصن بن حذيفة لبنيه

وأوصى حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري بني بدر فقال اسمعوا مني ما أوصيكم به لا يتكل آخركم على أولكم فإنما يدرك الآخر ما أدركه الأول وأنكحوا الكفء الغريب فإنه عز حادث وإذا حضركم أمران فخذوا بخيرهما صدرا فإن كل مورد مغروف واصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم ولا تخالفوا فيما اجتمعوا عليه فإن الخلاف يزري بالرئيس المطاع وإذا حادثتم فاربعوا ثم قولوا الصدق فإنه لا خير في الكذب وصونوا الخيل فإنها حصون الرجال وأطيلوا الرماح فإنها قرون الخيل وأعزوا الكبير بالكبر فإني بذلك كنت أغلب الناس ولا تغزوا إلا بالعيون ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح واعطوا على حسب المال وأعجلوا الضيف بالقرى فإن خيره أعجله واتقوا فضيحات البغى وفلتات المزاح ولا تجيروا على الملوك فإن أيديهم أطول من أيديكم


130
83-وصية لأكثم بن صيفي

كتب النعمان بن خميصة الباروقي إلى أكثم بن صيفي مثل لنا مثالا نأخذ به فقال

قد حلبت الدهر أشطره فعرفت حلوه ومره عين عرفت فذرفت إن أمامي مالا أسامي رب سامع بخبر لم يسمع بعذرى

كل زمان لمن فيه في كل يوم ما يكره كل ذي نصرة سيخذل تباروا فإن البر ينمي عليه العدد وكفوا ألسنتكم فإن مقتل الرجل بين فكيه إن قول الحق لم يدع لي صديقا الصدق منجاة لا ينفع مع الجزع التبقي ولا ينفع مما هو واقع التوقي ستساق إلى ما انت لاق

في طلب المعالي يكون العناء الاقتصاد في السعي أبقى للجمام من لم يأس على ما فاته ودع بدنه ومن قنع بما هو فيه قرت عينه التقدم قبل التندم أصبح عند رأس الأمر أحب إلي من أن أصبح عند ذنبه لم يهلك من مالك ما وعظك ويل لعالم أمر من جاهله يتشابه الأمر إذا أقبل فإذا أدبر عرفه الكيس والأحمق الوحشة ذهاب الأعلام البطر عند الرخاء حمق والعجز عند البلاء أفن لا تغضبوا


131
من اليسير فربما جنى الكثير لا تجيبوا فيما لم تسألوا عنه ولا تضحكوا مما لا يضحك منه حيلة من لا حيلة له الصبر كونوا جميعا فإن الجمع غالب تثبتوا ولا تسارعوا فإن أحزم الفريقين الركين رب عجلة تهب ريثا ادرعوا الليل واتخذوه جملا فإن الليل أخفي للويل ولا جماعة لمن اختلف تناءوا في الديار ولا تباغضوا فإنه من يجتمع يتقعقع عمده ألزموا النساء المهابة نعم لهو الغرة المغزل إن تعش تر مالم تره قد أقر صامت المكثار كحاطب ليل من أكثر أسقط لا تجعلوا سرا إلى أمه لا تفرقوا في القبائل فإن الغريب بكل مكان مظلوم عاقدوا الثروة وإياكم والوشائظ فإن مع القلة الذلة لو سئلت العارية قالت أبغي لأهلي ذلا الرسول مبلغ غير ملوم من فسدت بطانته غص بالماء أساء سمعا فأساء جابة الدال على الخير كفاعله إن المسألة من أضعف المسكنة قد تجوع الحرة
132
ولا تأكل بثدييها لم يجر سالك القصد ولم يعم قاصد الحق من شدد نفر ومن تراخى تألف الشرف التغافل أوفي القول أوجزه أصوب الأمور ترك الفضول التغرير مفتاح البؤس التواني والعجز ينتجان الهلكة لكل شيء ضراوة أحوج الناس إلى الغنى من لا يصلحه إلا الغنى وهم الملوك حب المدح رأس الضياع رضا الناس غاية لا تبلغ لا تكره سخط من رضاه الجور معالجة العفاف مشقة فتعوذ بالصبر اقصر لسانك على الخير وأخر الغضب فإن القدرة من ورائك من قدر أزمع أمر أعمال المقتدرين الانتقام جاز بالحسنة ولا تكافئ بالسيئة أغنى الناس عن الحقد من عظم عن المجازاة من حسد من دونه قل عذره من جعل لحسن الظن نصيبا روح عن قلبه عي الصمت أحمد من عي المنطق الناس رجلان محترس ومحترس منه كثير النصح يهجم على كثير الظنة من ألح في المسألة أبرم خير السخاء
133
ما وافق الحاجة الصمت يكسب المحبة لن يغلب الكذب شيئا إلا عليه الصدق القلب قد يتهم وإن صدق اللسان الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة وتقربهم مكسبة لقرين السوء فكن من الناس بين القرب والبعد فإن خير الأمور أوساطها فسولة الوزراء أضر من بغض الأعداء خير القرناء المرأة الصالحة وعند الخوف حسن العمل من لم يكن له من نفسه زاجر لم يكن له من غيره واعظ وتكن منه عدوه على أسوأ عمله لن يهلك امرؤ حتى يمل الناس عتيد فعله ويشتد على قومه ويعجب بما ظهر من مروءته ويغتر بقومه والأمر يأتيه من فوقه ليس للمختال في حسن الثناء نصيب لا نماء مع العدم غنه من أتى المكروه إلى أحد بدأ بنفسه العي أن تتكلم فوق ما تسد به حاجتك لا ينبغي لعاقل أن يثق بإخاء من تضطره إلى إخائه حاجة أقل الناس راحة الحقود من تعمد الذنب لا تحل رحمته دون عقوبته فإن الأدب رفق والرفق يمن 84 وصية أكثم بن صيفي لطيء

وقال أكثم بن صيفي في وصية كتب بها إلى طيء أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم وإياكم ونكاح الحمقاء فإن نكاحها غرر وولدها ضياع وعليكم بالخيل فأكرموها فإنها حصون العرب ولا تضعوا رقاب الإبل في غير حقها فإن فيها ثمن الكريمة ورقوء الدم وبألبانها يتحف


134
ويغذى الصغير ولو أن الإبل كلفت الطحن لطحنت ولن يهلك امرؤ عرف قدره والعدم عدم العقل لا عدم المال ولرجل خير من ألف رجل ومن عتب على الدهر طالت معتبته ومن رضى بالقسم طابت معيشته وآفة الرأى الهوى والعادة أملك والحاجة مع المحبة خير من البغض مع الغنى والدنيا دول فما كان لك أتاك على ضعفك وما كان عليك لم تدفعه بقوتك والحسد داء ليس له دواء والشماتة تعقب ومن ير يوما ير به قبل الرماة تملأ الكنائن الندامة مع السفاهة دعامة العقل الحلم خير الأمور مغبة الصبر بقاء المودة عدل التعاهد من يزر رغبا يزدد حبا التغرير مغتاح البؤس من التوانى والعجز نتجت الهلكة لكل شىء ضراوة فضر لسانك بالخير عى الصمت أحسن من عى المنطق الحزم حفظ ما كلفت وترك ما كفيت كثير النصح يهجم على كثير الظنة من ألحف فى المسألة ثقل من سأل فوق قدره استحق الحرمان الرفق يمن والخرق شؤم خير السخاء ما وافق الحاجة خير العفو ما كان بعد القدرة 85-وصية أكثم بن صيفي لبنيه ورهطه

وصى أكثم بن صيفي بنيه ورهطه فقال يا بني تميم لا يفوتنكم وعظي إن فاتكم الدهر بنفسي إن بين حيزومي وصدري لكلاما لا أحد له مواقع إلا


135
أسماعكم ولا مقار إلا قلوبكم فتلقوه بأسماع مصغية وقلوب واعية تحمدوا مغبته الهوى يقظان والعقل راقد والشهوات مطلقة والحزم معقول والنفس مهملة والروية مقيدة ومن جهة التواني وترك الروية يتلف الحزم ولن يعدم المشاور مرشدا والمستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل ومن سمع سمع به ومصارع الرجال تحت بروق الطمع ولو اعتبرت مواقع المحن ما وجدت إلا في مقاتل الكرام وعلى الاعتبار طريق الرشاد ومن سلك الجدد أمن العثار ولن يعدم الحسود أن يتعب قلبه ويشغل فكره ويؤرث غيظه ولا تجاوز مضرته نفسه يا بني تميم الصبر على جرع الحلم أعذب من جنى ثمر الندامة ومن جعل عرضه دون ماله استهدف للذم وكلم اللسان أنكى من كلم السنان والكلمة مرهونة مالم تنجم من الفم فإذا نجمت فهي أسد محرب أو نار تلهب ورأى الناصح اللبيب دليل لا يجوز ونفاذ الرأي في الحرب أجدى من الطعن والضرب 86-نصيحة أكثم بن صيفي لقومه

ونصح قومه فقال أقلوا الخلاف على أمرائكم واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل والمرء يعجز لا محالة يا قوم تثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين ورب عجلة تهب ريثا واتزروا للحرب وادرعوا الليل فإنه أخفى للويل ولا جماعة لمن اختلف


136
87-أمثال أكثم بن صيفي ( وبزرجمهر ) الفارسي

العقل بالتجارب الصاحب مناسب الصديق من صدق غيبه الغريب من لم يكن له حبيب رب بعيد أقرب من قريب القريب من قرب نفعه لو تكاشفتم ما تدافنتم خير أهلك من كفاك خير سلاحك ما وقاك خير إخوانك من لم تخبره رب غريب ناصح الجيب وابن أب متهم بالغيب أخوك من صدقك الأخ مرآة أخيه إذا عز أخوك فهن مكره أخاك لا بطل تباعدوا في الديار وتقاربوا في المحبة أي الرجال المهذب من لك بأخيك كله إنك إن فرحت لاق فرحا


137
أحسن يحسن إليك ارحم ترحم كما تدين تدان من ير يوما ير به والدهر لا يغتر به عين عرفت فذرفت في كل خبرة عبرة من مأمنه يؤتى الحذر لا يعدو المرء رزقه وإن حرص إذا نزل القدر عمي البصر وإذا نزل الحين نزل بين الأذن والعين الخمر مفتاح كل شر الغناء رقية الزناء القناعة مال لا ينفد خير الغنى غني النفس منساق إلى ما أنت لاق خذ من العافية ما أعطيت ما الإنسان إلا القلب واللسان إنما لك ما أمضيت لا تتكلف ما كفيت القلم أحد اللسانين قلة العيال أحد اليسارين ربما ضاقت الدنيا باثنين لن تعدم الحسناء ذاما لم يعدم الغاوي لائما لا تك في أهلك كالجنازة لا تسخر من شئ فيجوز بك أخر الشر فإذا شئت تعجلته صغير الشر يوشك أن يكبر يبصر القلب ما يعمى عنه البصر الحر حر وإن مسه الضر العبد عبد وإن ساعده جد من عرف قدره استبان
138
أمره من سره بنوه ساءته نفسه من تعظم على الزمان أهانه من تعرض للسلطان آذاه ومن تطامن له تخطاه من خطا يخطو كل مبذول مملول كل ممنوع مرغوب فيه كل عزيز تحت القدرة ذليل لكل مقام مقال لكل زمان رجال لكل أجل كتاب لكل عمل ثواب لكل نبأ مستقر لكل سر مستودع قيمة كل إنسان ما يحسن اطلب لكل غلق مفتاحا أكثر في الباطل يكن حقا عند القنط يأتي الفرج عند الصباح يحمد السرى الصدق منجاة والكذب مهواة الاعتراف يهدم الاقتراف رب قول أنفذ من صول رب ساعة ليس بها طاعة رب عجلة تعقب ريثا بعض الكلام أقطع من الحسام بعض الجهل أبلغ
139
من الحلم ربيع القلب ما اشتهى الهوى شديد العمى الهوى الإله المعبود الرأي نائم والهوى يقظان غلب عليك من دعا إليك لا راحة لحسود ولا وفاء لا سرور كطيب النفس العمر أقصر من أن يحتمل الهجر أحق الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة خير العلم ما نفع خير القول ما اتبع البطنة تذهب الفطنة شر العمى عمى القلب أوثق العرى كلمة التقوى النساء حبائل الشيطان الشباب شعبة من الجنون الشقي من شقي في بطن أمه السعيد من وعظ بغيره لكل امرئ في بدنه شغل من يعرف البلاء يصبر عليه المقادير تريك ما لا يخطر ببالك أفضل الزاد ما تزود للمعاد الفحل أحمى للشول صاحب الحظوة غدا من بلغ المدى عواقب الصبر محمودة لا تبلغ الغايات بالأماني الصريمة على قدر العزيمة الضيف يثنى أو يذم من تفكر اعتبر كم شاهد لك لا ينطق ليس منك من غشك ما نظر لامرئ مثل نفسه ما سد فقرك إلا ملك يمينك ما على عاقل ضيعة الغنى في الغربة وطن المقل في أهله غريب أول المعرفة الاختبار يدك منك وإن كانت شلاء أنفك منك وإن كان أجدع
140
من عرف بالكذب جاز صدقه الصحة داعية السقم الشباب داعية الهرم كثرة الصياح من الفشل إذا قدمت المصيبة تركت التعزية إذا قدم الإخاء سمج الثناء العادة أملك من الأدب الرفق يمن والخرق شؤم المرأة ريحانة وليست بقهرمانة الدال على الخير كفاعله المحاجزة قبل المناجزة قبل الرماية تملا الكنائن لكل ساقطة لاقطة مقتل الرجل بين فكيه ترك الحركة غفلة الصمت حبسة من خير خبر إن تسمع تمطر كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة قيدوا النعم بالشكر من يزرع المعروف يحصد الشكر لا تغتر بمودة الأمير إذا غشك الوزير أعظم من المصيبة سوء الخلف منها من أراد البقاء فليوطن نفسه علىالمصائب لقاء الأحبة مسلاة للهم قطيعة الجاهل كصلة العاقل من رضي على نفسه كثر الساخط عليه قتلت آرض جاهلها وقتل أرضا عارفها أدوأ الداء الخلق الدنئ واللسان البذى إذا جعلك السلطان أخا فاجعله ربا احذر الأمين ولا تأمن الخائن عند الغاية يعرف السبق عند الرهان يحمد المضمار السؤال وإن قل أكثر من النوال وإن جل كافيء المعروف بمثله أو انشره لا خلة مع عيلة لا مروءة مع ضر ولا صبر مع شكوى
141
ليس من العدل سرعة العذل عبد غيرك حر مثلك لا يعدم الخيار من استشار الوضيع من وضع نفسه المهين من نزل وحده من أكثر أهجر كفي بالمرء كذبا ان يحدث بكل ما سمع

ومن أمثال أكثم بن صيفي أيضا

في الجريرة تشترك العشيرة إذا قرع الفؤاد ذهب الرقاد هل يهلكني فقد مالا يعود أعوذ بالله أن يرميني امرؤ بدائه رب كلام ليس فيه اكتتام حافظ على الصديق ولو في الحريق ليس بيسير تقويم العسير إذا أردت النصيحة فتأهب للظنة متى تعالج مال غيرك تسأم غثك خير من سمين غيرك لا تنطح جماء ذات قرن قد يبلغ الخضم بالقضم قد صدع الفراق بين الرفاق استأنوا أخاكم فإن مع اليوم غدا الحر عزوف لا تطمع في كل ما تسمع 88-نصيحة الجمانة بنت قيس بن زهير لجدها الربيع بن زياد

كان قيس بن زهير العبسي قد اشترى من مكة درعا حسنة تسمى ذات الفضول وورد بها إلى قومه فرآها عمه الربيع بن زياد وكان سيد بني عبس فأخذها منه


142
غصبا فقالت الجمانة بنت قيس لأبيها دعنى أناظر جدي فإن صلح الأمر بينكما وإلا كنت من وراء رأيك فأذن لها فأتت الربيع فقالت

إذا كان قيس أبي فإنك يا ربيع جدي وما يجب له من حق الأبوة على إلا كالذي يجب عليك من حق البنوة لي والرأي الصحيح تبعثه العناية وتجلى عن محضه النصيحة إنك قد ظلمت قيسا بأخذ درعه وأجد مكافأته إياك سوء عزمه والمعارض منتصر والبادي أظلم وليس قيس ممن يخوف بالوعيد ولا يردعه التهديد فلا تركنن إلى منابذته فالحزم في متاركته والحرب متلفة للعباد ذهابه بالطارف والتلاد والسلم أرخى للبال وأبقى لأنفس الرجال وبحق أقول لقد صدعت بحكم وما يدفع قولي إلا غير ذي فهم ثم أنشأت تقول

( أبي لا يرى أن يترك الدهر درعه وجدى يرى أن يأخذ الدرع من أبي )

( فرأى أبي رأى البخيل بماله وشيمة جدي شيمة الخائف الأبي ) 89-وصف عصام الكندية أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني

لما بلغ الحارث بن عمرو ملك كندة جمال أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني وكمالها وقوة عقلها أراد أن يتزوجها فدعا امرأة من كندة يقال لها عصام ذات عقل ولسان وأدب وبيان وقال لها اذهبي حتى تعلمي لي علم ابنة عوف فمضت حتى انتهت إلى أمها أمامة بنت الحارث فأعلمتها ما قدمت له فأرسلت أمامة إلى ابنتها وقالت أي بنية هذه خالتك أتت إليك لتنظر إلى بعض شأنك فلا تستري عنها شيئا أرادت النظر إليه من وجه وخلق وناطقيها فيما استنطقتك فيه فدخلت عصام عليها فنظرت إلى مالم تر عينها مثله قط بهجة وحسنا وجمالا فإذا هي أكمل الناس عقلا وأفصحهم لسانا فخرجت من عندها وهي تقول ترك الخداع من كشف


143
القناع فذهبت مثلا ثم أقبلت إلى الحارث فقال لها ما وراءك يا عصام فأرسلها مثلا قالت صرح المخض عن الزبد فذهبت مثلا قال أخبريني قالت أخبرك صدقا وحقا

رأيت جبهة كالمرآة الصقيلة يزينها شعر حالك كأذناب الخيل المضفورة إن أرسلته خلته السلاسل وإن مشطته قلت عناقيد كرم جلاها الوابل وحاجبين كأنهما خطا بقلم أو سودا بحمم قد تقوسا على عيني الظبية العبهرة التي لم يرعها قانص ولم يذعرها قسورة بينهما أنف كحد السيف المصقول لم يخنس به قصر ولم يمض به طول حفت به وجنتان كالأرجوان في بياض محض كالجمان شق فيه فم كالخاتم لذيذ المبتسم فيه ثنايا غر ذوات أشر وأسنان تبدو كالدرر وريق كالخمر له نشر الروض بالسحر يتقلب فيه لسان ذو فصاحة وبيان يحركه عقل وافر وجواب حاضر تلتقي دونه شفتان حمراوان كالورد يجلبان ريقا كالشهد تحت ذلك عنق كإبريق الفضة ركب في صدر كصدر تمثال دمية يتصل بها عضدان ممتلئان لحما مكتنزان شحما وذراعان ليس فيهما عظم يحس ولا عرق يجس ركبت فيهما كفان دقيق


144
قصبهما لين عصبهما تعقد إن شئت منهما الأنامل وتركب الفصوص في حفر المفاصل وقد تربع في صدرها حقان كأنهما رمانتان يخرقان عليها ثيابها تحت ذلك بطن طوى كطي القباطي المدمجة كسى عكنا كالقراطيس المدرجة تحيط تلك العكن بسرة كمدهن العاج المجلو خلف ذلك ظهر كالجدول ينتهي إلى خصر لولا رحمة الله لانبتر تحته كفل يقعدها إذا نهضت وينهضها إذا قعدت كأنه دعص رمل لبده سقوط الطل يحمله فخذان لفاوان كأنهما نضيد الجمان تحتهما ساقان خدلتان كالبردى وشيتا بشعر أسود كأنه حلق الزرد يحمل ذلك قدمان كحذو اللسان فتبارك الله مع صغرهما كيف تطيقان حمل ما فوقهما فأما ما سوى ذلك فتركت أن أصفه غير أنه أحسن ما وصفه واصف بنظم أو نثر فأرسل الملك إلى أبيها فخطبها فزوجه إياها
145
وصية أمامة بنت الحارث لإبنتها أم إياس

فلما حملت إلى زوجها قالت لها أمها أمامة بنت الحارث

أي بنية إن الوصية لو تركت لفضل أدب تركت لذلك منك ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل ولو أن إمرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها وشد ة حاجتهما إليها كنت أغنى الناس عنه ولكن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال

أى بنية إنك فارقت الجو الذي منه خرجت وخلفت العش الذي فيه درجت إلى وكر لم تعرفيه وقررين لم تألفيه فأصبح بملكه عليك رقيبا ومليكا فكوني له أمة يكن لك عبدا وشيكا يا بنية احملي عني عشر خصال تكن لك ذخرا وذكرا الصحبة بالقناعة والمعاشرة بحسن السمع والطاعة والتعهد لموقع عينه والتفقد لموضع أنفه فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم منك إلا أطيب ريح والكحل أحسن الحسن والماء أطيب الطيب المفقود والتعهد لوقت طعامه والهدو عنه عند منامه فإن حرارة الجوع ملهبة وتنغيص النوم مغضبة والاحتفاظ ببيته وماله والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير والإرعاء على العيال والحشم جميل حسن التدبير ولا تفشي له سرا ولا تعصي له أمرا فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره وإن عصيت أمره أوغرت صدره ثم اتقى من


146
ذلك الفرح إن كان ترحا والاكتئاب عنده إن كان فرحا فإن الخصلة الأولى من التقصير والثانية من التكدير وكوني أشد ما تكونين له إعظاما يكن أشدما يكون لك إكراما وأشد ما تكونين له موافقة يكن أطول ما تكونين له مرافقة واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك وهواه على هواك فيما أحببت وكرهت والله يخير لك
147
الخطب والوصايا عصر صدر الإسلام خطب النبي 1 أول خطبة خطبها بمكة حين دعا قومه

حمد الله وأثنى عليه ثم قال

إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعملون ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا


148
2-أول خطبة خطبها بالمدينة

حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال

أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ثم ليقولن له ربه وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه ألم يأتك رسولي فبلغك وأتيتك مالا وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئا ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسلام عليكم وعلى رسول الله ورحمة الله وبركاته 3-خطبته في أول جمعة جمعها بالمدينة

الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأومن به ولا أكفره وأعادى من يكفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الأجل من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوي وفرط وضل ضلالا بعيدا وأوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله فاحذروا ما حذركم الله من نفسه ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكرا وإن


149
تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد والذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول عز وجل ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما وإن تقوى الله يوقى مقته ويوقى عقوبته ويوقى سخطه وإن تقوى الله يبيض الوجوه ويرضى الرب ويرفع الدرجة خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله قد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ولا قوة إلا بالله فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس ذلك بأن الله يقضى على الناس ولا يقضون عليه يملك من الناس ولا يملكون منه الله أكبر ولا قوة إلا بالله العظيم 4-خطبة له يوم أحد

قام عليه الصلاة والسلام فخطب الناس فقال

أيها الناس أوصيكم بما أوصاني الله في كتابه من العمل بطاعته والتناهي عن محارمه ثم إنكم بمنزل أجر وذخر لمن ذكر الذي عليه ثم وطن نفسه على الصبر واليقين والجد والنشاط فإن جهاد العدو شديد كربه قليل من يصبر عليه إلا


150
من عزم له على رشده إن الله مع من أطاعه وإن الشيطان مع من عصاه فاستفتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد والتمسوا بذلك ما وعدكم الله وعليكم بالذي أمركم به فإني حريص على رشدكم إن الاختلاف والتنازع والتثبيط من أمر العجز والضعف وهو مما لا يحبه الله ولا يعطى عليه النصر

أيها الناس إنه قذف في قلبي أن من كان على حرام فرغب عنه ابتغاء ما عند الله غفر له ذنبه ومن صلى على محمد وملائكته عشرا ومن أحسن وقع أجره على الله في عاجل دنياه أو في آجل آخرته ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا صبيا أو امرأة أو مريضا أو عبدا مملوكا ومن استغنى عنها ساتغنى الله عنه والله غني حميد

ما أعلم من عمل يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به ولا أعلم من عمل يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه وإنه قد نفث الروح الأمين في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها لا ينقص منه شئ وإن أبطأ عنها فاتقوا الله ربكم وأجملوا في طلب الرزق ولا يحملنكم استبطاؤه على أن تطلبوه بمعصية ربكم فإنه لا يقدر على ما عنده إلا بطاعته قد بين لكم الحلال والحرام غير أن بينهما شبها من الأمر لم يعلمها كثير من الناس إلا من عصم فمن تركها حفظ عرضه ودينه ومن وقع فيها كان كالراعي إلى جنب الحمى أوشك أن يقع فيه وليس ملك إلا وله حمى ألا وإن حمى الله محارمه والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى إليه سائر جسده والسلام عليكم


151
5-خطبته بالخيف

وخطب بالخيف من منى فقال

نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم اداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه لافقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن إخلاص العمل لله والنصيحة لأولى الأمر ولزوم الجماعة إن دعوتهم تكون من ورائه ومن كان همه الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كان همه الدنيا فرق الله أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له 6-خطبة له عليه الصلاة والسلام

ومن خطبه أيضا أنه خطب بعد العصر فقال ألا إن الدنيا خضرة حلوة ألا وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ألا لا يمنعن رجلا مخافة الناس أن يقول الحق إذا علمه ولم يزل يخطب حتى لم تبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف فقال إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى


152
7-خطبة له

إن الحمد لله أحمده وأستعينه نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إن أحسن الحديث كتاب الله قد أفلح من زينه الله في قلبه وأدخله في الإسلام بعد الكفر واختاره على ما سواه من أحاديث الناس إنه أصدق الحديث وأبلغه أحبوا من أحب الله وأحبوا الله من كل قلوبكم ولا تملوا كلام الله وذكره ولا تقسو عليه قلوبكم اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا اتقوا الله حق تقاته وصدقوا صالح ما تعملون بأفواهكم وتحابوا بروح الله بينكم والسلام عليكم ورحمة الله 8-خطبة له

أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم فإن العبد بين مخافتين أجل قد مضى لا يدري ما الله فاعل فيه وأجل باق لا يدري ما الله قاض فيه فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة قبل الكبر ومن الحياة قبل الممات فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار


153
9-خطبة له

أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا قد كتب وكان الحق فيها على غيرنا قد وجب وكأن الذي نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون نبوئهم أجداثهم ونأكل من تراثهم كأنا مخلدون بعدهم ونسينا كل واعظة وأمنا كل جائحة طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس طوبى لمن أنفق مالا اكتسبه من غير معصية وجالس أهل الفقه والحكمة وخالط أهل الذل والمسكنة طوبى لمن زكت وحسنت خليقته وطابت سريرته وعزل عن الناس شره طوبى لمن أنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته السنة ولم تستهوه البدعة 10-خطبة له

ألا أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا وبادروا الأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتؤجروا وتنصروا واعلموا أن الله عز وجل قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في عامي هذا في شهري هذا إلى يوم القيامة حياتي ومن بعد موتى فمن تركها وله إمام فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا حج له ألا ولا صوم له ألا ولا صدقة له ألا ولا بر له ألا ولا يؤم أعرابي مهاجرا ألا ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه


154
11-خطبته يوم فتح مكة

وقف على باب الكعبة ثم قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ألا وقتل الخطأ مثل العمد بالسوط والعصا فيهما الدية مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم خلق من تراب ثم تلا ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله أتقاكم ) الآية يا معشر قريش أو يأهل مكة ما ترون إني فاعل بكم قالو خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء 12-خطبته في الاستسقاء

روى أن أعرابيا جاء إلى رسول الله وآله في عام جدب فقال أتيناك يا رسول الله ولم يبق لنا صبي يرتضع ولا شارف تجتر ثم أنشده

( أتيناك والعذراء يدمي لبابها وقد شغلت أم الرضيع عن الطفل )

( وألقى بكفيه الفتى لاستكانة من الجوع حتى ما يمر ولا يحلى )


155

( ولا شيء مما يأكل الناس عندنا سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل )

( وليس لنا إلا إليك فرارنا وأين فرار الناس إلا إلى الرسل )

فقام النبي يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا هنيئا مريعا سحا سجالا غدقا طبقا ديما دررا تحيي به الأرض وتنبت به الزرع وتدر به الضرع واجعله سقيا نافعة عاجلا غير رائث

فوالله ما رد رسول الله وآله يده إلى نحره حتى ألقت السماء أرواقها وجاء الناس يضجون الغرق الغرق يا رسول الله فقال اللهم حوالينا ولا علينا فانجاب السحاب عن المدينة حتى استدار حولها كالإكليل فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه 13-خطبته في حجة الوداع

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أوصيكم


156
عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير أما بعد أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا إيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت اللهم اشهد فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وإن ربا الجاهلية موضوع وإن أول ربا أبدأ به ربا عمى العباس بن عبد المطلب وإن دماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير فمن زاد فهو من أهل الجاهلية

أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم أيها الناس إنما النسئ زيادة


157
في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى وشعبان ألا هل بلغت اللهم اشهد

أيها الناس أن لنسائكم عليكم حقا ولكم عليهن حق لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم غيركم ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا ألا هل بلغت اللهم اشهد

أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال أخيه الا عن طيب نفس منه ألا هل بلغت اللهم اشهد فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده كتاب الله ألا هل بلغت اللهم اشهد

ايها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى الا هل بلغت اللهم اشهد قالوا نعم قال فليبلغ الشاهد الغائب


158

أيها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية ولا يجوز وصية في أكثر من الثلث والولد للفراش وللعاهر الحجر من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل والسلام عليكم ورحمة الله 14-خطبته في مرض موته

عن الفضل بن عباس قال جاءني رسول الله فخرجت إليه فوجدته موعوكا قد عصب رأسه فقال خذ بيدي يا فضل فأخذت بيده حتى جلس على المنبر ثم قال ناد في الناس فاجتمعوا إليه فقال

اما بعد أيها الناس فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وإنه قد دنا مني خفوق من بين أظهركم فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه ولا يخش الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني ألا وإن أحبكم إلي من أخذ مني حقا إن كان له أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس وقد أرى أن هذا غير مغن عنى أقوم فيكم مرارا


159

ثم نزل فصلى الظهر ثم رجع فجلس على المنبر فعاد لمقالته الأولى فادعى عليه رجل بثلاثة دراهم فأعطاه عوضها ثم قال أيها الناس من كان عنده شيء فليؤده ولا يقل فضوح الدنيا ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ثم صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم ثم قال إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده فبكى أبو بكر وقال فديناك بأنفسنا وآبائنا 15-خطبة أكثم بن صيفي يدعو قومه إلى الإسلام

لما ظهر النبي بمكة ودعا الناس إلى الإسلام بعث أكثم ابن صيفي ابنه جبيشا فأتاه بخبره فجمع بني تميم وقام فيهم خطيبا فقال

يا بني تميم لا تحضروني سفيها فإنه من يسمع يخل إن السفيه يوهن من فوقه ويتبب من دونه لا خير فيمن لا عقل له كبرت سني ودخلتني ذله فإذا رأيتم مني حسنا فاقبلوه وإن رأيتم مني غير ذلك فقوموني أستقم إن ابني شافه هذا الرجل مشافهة وأتاني بخبره وكتابه يأمر فيه بالمعروف وينهى عن المنكر ويأخذ فيه بمحاسن الأخلاق ويدعو إلى توحيد الله تعالى وخلع الأوثان وترك الحلف بالنيران وقد عرف ذوو الرأي منكم أن الفضل فيما يدعو إليه وأن الرأي ترك


160
ما ينهى عنه إن أحق الناس بمعونة محمد ومساعدته على أمره أنتم فإن يكن الذي يدعو إليه حقا فهو لكم دون الناس وإن يكن باطلا كنتم أحق الناس بالكف عنه وبالستر عليه وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته وكان سفيان بن مجاشع يحدث به قبله وسمى ابنه محمدا فكونوا في أمره أولا ولا تكونوا آخرا ائتوا طائعين قبل أن تأتوا كارهين إن الذي يدعو إليه محمد لو لم يكن دينا كان في أخلاق الناس حسنا أطيعوني واتبعوا أمري أسأل لكم أشياء لا تنزع منكم أبدا وأصبحتم أعز حي في العرب وأكثرهم عددا وأوسعهم دارا فإني أرى أمرا لا يجتنبه عزيز إلا ذل ولا يلزمه ذليل إلا عز إن الأول لم يدع للآخر شيئا وهذا أمر له ما بعده من سبق إليه غمر المعالي واقتدى به التالي والعزيمة حزم والاختلاف عجز فقال مالك بن نويرة قد خرف شيخكم فلا تتعرضوا للبلاء فقال أكثم ويل للشجي من الخلى والهفي على أمر لم أشهده ولم يسعنى

ثم رحل إلى النبي فمات في الطريق وبعث بإسلامه مع من أسلم ممن كان معه


161
16-وصية أبي طالب لوجوه قريش عند موته

لما حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال

يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب فيكم السيد المطاع وفيكم المقدام الشجاع الواسع الباع واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه ولا شرفا إلا أدركتموه فلكم بذلك على الناس الفضيلة ولهم به إليكم الوسيلة والناس لكم حرب وعلى حربكم ألب وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية يعنى الكعبة فإن فيها مرضاة للرب وقواما للمعاش وثباتا للوطأة صلوا أرحامكم فإن في صلة الرحم منسأة في الأجل وزيادة في العدد اتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم أجيبوا الداعي وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة فإن فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام

وإني أوصيكم بمحمد خيرا فإنه الأمين في قريش والصديق في العرب وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به وقد جاءنا بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن وايم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره فخاض بهم غمرات الموت وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا ودورها خرابا وضعفاؤها أربابا وإذا


162
أعظمهم عليه أحوجهم إليه وأبعدهم منه أحظاهم عنده قد محضته العرب ودادها وأصفت له بلادها وأعطته قيادها يا معشر قريش كونوا له ولاة ولحزبه حماة والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد ولا يأخذ بهديه أحد إلا سعد ولو كان لنفسي مدة وفي أجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز ولدافعت عنه الدواهي
163
خطب الوفود 17-خطبة عطارد بن حاجب بن زرارة بين يدي النبي

قدم على رسول الله سنة تسع للهجرة عطارد بن حاجب بن زرارة في أشراف من بني تميم فلما دخل الوفد المسجد نادوا رسول الله من وراء الحجرات أن اخرج إلينا يا محمد فآذى ذلك من صياحهم رسول الله فخرج إليهم فقالوا يا محمد جئناك لنفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا قال نعم قد أذنت لخطيبكم فليقل فقام إليه عطارد فقال

الحمد لله الذي له علينا الفضل وهو أهله الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة فمن مثلنا في الناس ألسنا برؤس الناس وأولى فضلهم فمن يفاخرنا فليعدد مثل ما عددنا وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا وإنا نعرف بذلك أقول هذا الآن لتأتونا بمثل قولنا وأمر أفضل من أمرنا ثم جلس فقال رسول الله لثابت بن قيس بن الشماس قم فأجب الرجل في خطبته فقام ثابت فقال 18-خطبة ثابت بن قيس بن الشماس

الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه ولم يك شئ قط إلا من فضله ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى


164
من خير خلقه رسولا أكرمهم نسبا وأصدقهم حديثا وأفضلهم حسبا فأنزل عليه كتابه وأتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين ثم دعا الناس إلى الإيمان فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه أكرم الناس أنسابا وأحسن الناس وجوها وخير الناس فعالا ثم كان أول الخلق استجابة لله حين دعاه رسول الله نحن فنحن أنصار الله ووزراء رسوله نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين وللمؤمنات والسلام عليكم ثم قالوا يا محمد أئذن لشاعرنا فقال نعم فقام الزبرقان بن بدر فأنشد قصيدة في الفخر وبعث النبي إلى حسان بن ثابت فرد عليه فقال الأقرع ابن حابس التميمي إن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا وأصواتهم أعلى من أصواتنا فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله فأحسن جوائزهم 19-عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر بين يدي رسول الله

وسأل رسول الله عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر فقال عمرو مطاع في أدنيه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره فقال الزبرقان


165

والله يا رسول الله إنه ليعلم مني أكثر مما قال ولكنه حسدني شرفي فقال عمرو أما لئن قال ما قال فوالله ما علمته إلا ضيق الصدر زمر المروءة أحمق الوالد لئيم الخال حديث الغنى فلما رأى أنه خالف قوله الآخر قوله الأول ورأى الإنكار في عين رسول الله قال يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت وغضبت فقلت أقبح ما علمت وما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى فقال رسول الله عند ذلك إن من البيان لسحرا 20-خطبة طهفة بن أبي زهير النهدي بين يدي رسول الله

لما قدمت وفود العرب على النبي قام طهفة بن أبي زهير النهدي فقال يا رسول الله أتيناك من غورى تهامة بأكوار الميس ترمى بنا العيس نستحلب الصبير ونستجلب الخبير ونستعضد البرير ونستخيل الرهام ونستحيل الجهام من أرض غائلة النطاء غليظة الوطاء نشف المدهن


166
ويبس الجعثن وسقط الاملوج ومات العسلوج وهلك الهدى ومات الودى برئنا يا رسول الله من الوثن والعثن وما يحدث الزمن لنا دعوة السلام وشريعة الإسلام ما طمى البحر وقام تعار ولنا نعم همل أغفال ما تبض ببلال ووقير كثير الرسل قليل الرسل أصابتها سنية حمراء مؤزلة ليس بها علل ولا نهل رده صلى الله عليه وسلم

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها وابعث راعيها في الدثر بيانع الثمر وافجر له الثمد وبارك له في المال والولد من أقام الصلاة كان مسلما ومن آتى الزكاة كان محسنا ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا يا بنى نهد ودائع الشرك ووضائع الملك لا تلطط فى الزكاة ولا تلحد فى الحياة ولا تثاقل عن الصلاة


167
خطبة ظبيان بن حداد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم

وفد ظبيان بن حداد فى سراة مذحج على النبى صلى الله عليه وسلم فقال بعد السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء على الله عز وجل بما هو أهله

الحمد لله الذى صدع الأرض بالنبات وفتق السماء بالرجع ثم قال نحن قوم من سراة مذحج من يحابر بن مالك ثم قال فتوقلت بنا القلاص من أعالى الحوف ورءوس الهضاب يرفعها عرر الربا ويخفضها بطنان الرقاق وتلحقها دياحى الدجى ثم قال وسروات الطائف كانت لبنى مهلائيل بن قينان غرسوا وديانه وذللوا خشانة ورعوا قربانه ثم ذكر نوحا حين خرج من السفينة بمن معه قال فكان أكثر بنيه بنات وأسرعهم نباتا عاد وثمود فرماهم الله بالدمالق وأهلكهم بالصواعق ثم قال وكانت بنو هانئ من ثمود تسكن


168
الطائف وهم الذين خطوا مشاربها وأتوا جداولها وأحيوا غراسها ورفعوا عريشها ثم قال وإن حمير ملكوا معاقل الأرض وقرارها وكهول الناس وأغمارها ورءوس الملوك وعرارها فكان لهم البيضاء والسوداء وفارس الحمراء والجزية الصفراء فبطروا النعم واستحقوا النقم فضرب الله بعضهم ببعض ثم قال وإن قبائل من الأزد نزلوا على عهد عمرو بن عامر ففتحوا فيها الشرائع وبنوا فيها المصانع واتخذوا الدسائع ثم ترامت مذحج بأسنتها وتنزت بأعنتها فغلب العزيز أذلها وقتل الكثير أقلها ثم قال وكان بنو عمرو ابن خالد بن جذيمة يخبطون عضيدها ويأكلون حصيدها ويرشحون حصيدها

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن نعيم الدنيا أقل وأصغر عند الله من خرء بعيضة ولو عدلت عند الله جناح ذباب لم يكن لكافر منها خلاق ولا لمسلم منها لحاق خطبة مالك بن نمط بين يدي النبى صلى الله عليه وسلم وقدم وفد همدان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم مالك بن نمط أبو ثور فقام بين يديه ثم قال


169
يا رسول الله نصية من همدان من كل حاضر وباد أتوك على قلص نواج متصلة بحبال الإسلام لا تأخذهم فى الله لومة لائم من مخلاف خارف ويام وشاكر أهل السواد والقرى أجابوا دعوة الرسول وفارقوا آلهة الأنصاب عهدهم لا ينقض ما أقام لعلع وما جرى اليعفور بصلع سفانة بنت حاتم بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث الإمام على كرم الله وجهه قال لما أتينا بسبايا طيئ كانت فى النساء جارية جميلة وهي سفانة بنت حاتم فلما رأيتها أعجبت بها فقلت لأطلبنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجعلها من فيئى فلما تكلمت أنسيت جمالها لما سمعت من فصاحتها فقالت يا محمد هلك الوالد وغاب الوافد فإن رأيت أن تخلى عنى فلا تشمت بى أحياء العرب فإنى بنت سيد قومى كان أبى يفك العانى ويحمى الذمار
170
ويقرى الضيف ويشبع الجائع ويفرج عن المكروب ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يرد طالب حاجة قط أنا بنت حاتم طييء فقال لها رسول الله يا جارية هذه صفة المؤمن لو كان ابوك إسلاميا لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله يحب مكارم الأخلاق 25-وصية دريد بن الصمة

قال دريد بن الصمة لمالك بن عوف النصري قائد هوازن يوم حنين

يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم له ما بعده من أيام مالي أسمع رغاء البعير ونهيق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء قال سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم قال ولم قال أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم فأنقض به ثم قال راعي ضأن والله وهل يرد المنهزم شئ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك ويحك إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم ثم ألق الصبا على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك وإن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك ومالك


171
قال لا والله ما أفعل إنك قد كبرت وذهل عقلك قال دريد هذا يوم لم أشهده ولم يفتني ثم أنشأ يقول

( يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع )

( أقود وطفاء الزمع كأنها شاة صدع ) 26-وصية عمير بن حبيب الصحابي لبنيه

أوصى عمير بن حبيب بنيه فقال

يا بني إياكم ومخالطة السفهاء فإن مجالستهم داء وإن من يحلم عن السفيه يسر بحلمه ومن يجبه يندم ومن لا يقر بقليل ما يأتي به السفيه يقر بالكثير وإذا أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر فليوطن قبل ذلك على الأذى وليوقن بالثواب من الله عز وجل إنه من يوقن بالثواب من الله عز وجل لا يجد مس الأذى 27-وصية قيس بن عاصم المنقري لبنيه

أوصى قيس بن عاصم المنقري بنيه فقال

يا بني خذوا عني فلا أحد أصلح لكم مني إذا دفنتموني فانصرفوا إلى رحالكم فسودوا أكبركم فإن القوم إذا سودوا أكبرهم خلفوا أباهم وإذا سودوا


172
أصغرهم أزرى ذلك بهم في أكفائهم وإياكم ومعصية الله وقطيعة الرحم وتمسكوا بطاعة أمرائكم فإنهم من رفعوا ارتفع ومن وضعوا اتضع وعليكم بهذا المال فأصلحوه فإنه منبهة للكريم وجنة لعرض اللئيم وإياكم والمسألة فإنها أخر كسب الرجل وإن أحدا لم يسأل إلا ترك الكسب وإياكم والنياحة فإني سمعت رسول الله ينهى عنها وادفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها وأصوم ولا يعلم بكر بن وائل بمدفني فقد كانت بيني وبينهم مشاحنات في الجاهلية والإسلام وأخاف أن يدخلوا عليكم بي عارا وخذوا عني ثلاث خصال إياكم وكل عرق لئيم أن تلابسوه فإنه إن يسرركم اليوم يسؤكم غدا واكظموا الغيظ واحذروا بني أعداء آبائكم فإنهم على منهاج آبائهم ثم قال

( أحيا الضغائن آباء لنا سلفوا فلن تبيد وللآباء أبناء )


173
خطب يوم السقيفة

لما قبض النبي اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا نولي هذا الأمر بعد محمد سعد بن عبادة وأخرجوا سعدا إليهم وهو مريض فلما اجتمعوا قال لابنه أو بعض بني عمه إني لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم كلامي ولكن تلق مني قولي فأسمعهموه فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله فيرفع صوته فيسمع أصحابه 28-خطبة سعد بن عبادة

فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه

يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب إن محمدا عليه الصلاة والسلام لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان فما آمن به من قومه إلا رجال قليل وما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله ولا أن يعزوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيما عموا به حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله والمنع له ولأصحابه والإعزاز له ولدينه والجهاد لأعدائه فكنتم أشد الناس على عدوه من غيركم حتى استقامت العرب لأمر الله طوعا وكرها وأعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا حتى أثخن


174
الله عز وجل لرسوله بكم الأرض ودانت بأسيافكم له العرب وتوفاه الله وهو عنكم راض وبكم قرير عين استبدوا بهذا الأمر دون الناس فإنه لكم دون الناس فأجابوه بأجمعهم أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت نوليك هذا الأمر وأتى عمر الخبر فأقبل إلى أبي بكر فقال أما علمت أن الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يولوا هذا الأمر سعد بن عبادة وأحسنهم مقالة من يقول منا أمير ومن قريش أمير فمضيا مسرعين نحوهم فلقيا أبا عبيدة بن الجراح فتماشوا إليهم ثلاثتهم فجاءوا وهم مجتمعون فقال عمر أتيناهم وقد كنت زويت كلاما أردت أن أقوم به فيهم فلما أن دفعت إليهم ذهبت لأبتدئ المنطق فقال لي أبو بكر رويدا حتى أتكلم ثم انطق بعد بما أحببت فنطق فقال عمر فما شئ كنت أردت أن أقوله إلا وقد أتى به أو زاد عليه 29-خطبة أبي بكر رضي الله عنه

حمد الله وأثنى عليه ثم قال

إن الله بعث محمدا رسولا إلى خلقه وشهيدا على أمته ليعبدوا الله ويوحدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى ويزعمون أنها لهم عنده شافعة ولهم نافعة وإنما هي من حجر منحوت وخشب منجور ثم قرأ ( ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله وقالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخص الله المهاجرين الأولين من


175
قومه بتصديقه والإيمان به والمؤاساة له والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم وتكذيبهم إياهم وكل الناس مخالف زار عليهم فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشنف الناس لهم وإجماع قومهم عليهم فهم أول من عبد الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام رضيكم الله انصارا لدينه ورسوله وجعل إليكم هجرته وفيكم جلة أزواجه وأصحابه فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم فنحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تفتاتون بمشورة ولا تقضى دونكم الأمور 30-نص آخر لخطبة أبي بكر يوم السقيفة حمد الله وأثنى عليه ثم قال

أيها الناس نحن المهاجرون أول الناس إسلاما وأكرمهم أحسابا وأوسطهم دارا وأحسنهم وجوها وأكثر الناس ولادة في العرب وأمسهم رحما برسول الله أسلمنا قبلكم وقدمنا في القرآن عليكم فقال تبارك وتعالى ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ) فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفئ وأنصارنا على العدو آويتم وواسيتم فجزاكم الله خيرا فنحن الأمراء وأنتم الوزراء


176

لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش فلا تنفسوا على إخوانكم ما منحهم الله من فضله 31-خطبة الحباب بن المنذر

ثم قام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال

يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولن يصدر الناس إلى عن رأيكم أنتم أهل العز والثروة وأولو العدد والمنعة والتجربة وذوو البأس والنجدة وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم ويتقض عليكم أمركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير 32-خطبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

فقال عمر هيهات لا يجتمع اثنان في قرن والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة


177
33-خطبة أخرى للحباب بن المنذر

فقام الحباب بن المنذر فقال

يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من الأمر فإن أبوا عليكم ما سألتموه فأجلوهم عن هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الأمور فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممن لمن يكن يدين أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة

فقال عمر إذن يقتلك الله قال بل إياك يقتل فقال أبو عبيدة

يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من بدل وغير 34خطبة بشير بن سعد

فقام بشير بن سعد ابو النعمان بن بشير فقال

يا معشر الأنصار إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ولا نبتغي به من الدنيا عرضا فإن الله ولي المنة علينا


178
بذلك ألا إن محمدا من قريش وقومه أحق به وأولى وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم

فقال أبو بكر هذا عمر وهذا أبوعبيدة فأيهما شئتم فبايعوا فقالا لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك فإنك أفضل المهاجرين وثاني اثنين إذ هما في الغار وخليفة رسول الله على الصلاة والصلاة أفضل دين المسلمين فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك أو يتولى هذا الأمر عليك ابسط يدك نبايعك وقام الناس إليه فبايعوه


179
خطب أبي بكر الصديق ووصاياه رضي الله عنه 35-خطبته يوم قبض الرسول

دخل أبو بكر الصديق رضوان الله عليه على النبي وهو مسجى بثوب فكشف عنه الثوب وقال

بأبي أنت وأمي طبت حيا وطبت ميتا وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء وخصصت حتى صرت مسلاة وعممت حتى صرنا فيك سواء ولولا أن موتك كان اختيارا منك لجدنا لموتك بالنفوس ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفدنا عليك ماء الشئون فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وإدناف يتخالفان ولا يبرحان


180

اللهم فأبلغه عنا السلام اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا

ثم خرج إلى الناس وهم في شديد غمراتهم وعظيم سكراتهم فخطب خطبة قال فيها

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله وأشهد أن الكتاب كما نزل وأن الدين كما شرع وأن الحديث كما حدث وأن القول كما قال وأن الله هو الحق المبين في كلام طويل ثم قال أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وإن الله قد تقدم إليكم في أمره فلا تدعوه جزعا وإن الله قد أختار لنبيه ما عنده على ما عندكم وقبضة إلى ثوابه وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه فمن أخذ بهما عرف ومن فرق بينهما أنكر ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ) ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم ولا يفتننكم عن دينكم فعاجلوه بالذي تعجزونه ولا تستنظروه فيلحق بكم 36-خطبته بعد البيعة

حمد الله وأثنى عليه ثم قال

أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم


181
37-خطبة أخرى له بعد البيعة

وقال الطبري نادى منادي أبي بكر من بعد الغد من متوفي رسول الله ليتم بعث أسامة ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جند أسامة إلا خرج إلى عسكره وقام في الناس فجمد الله وأثنى عليه ثم قال

ياأيها الناس إنما أنا مثلكم وإني لا أدري لعلكم ستكلفوني ما كان رسول الله يطيق إن الله اصطفى محمدا على العالمين وعصمه من الآفات وإنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن استقمت فتابعوني وإن زغت فقوموني وإن رسول الله قبض وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونهما ألا وإن لي شيطانا يعتريني فإذا غضبت فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم ألا وإنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه فإن استطعتم ألا يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال فإن قوما نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم لغيرهم فإياكم أن تكونوا أمثالهم الجد الجد والوحا الوحا والنجاء النجاء فإن وراءكم طالبا حثيثا أجلا مره سريع احذروا الموت واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبطون به إلا الأموات


182
38-خطبة أخرى

قال الطبري وقام أيضا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

إن الله عز وجل لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه فأريدوا الله بأعمالكم واعلموا أن ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها وحظ ظفرتم به وضرائب أديتموها وسلف قدمتموه من أيام فانية لأخرى باقية لحين فقركم وحاجتكم اعتبروا عباد الله بمن مات منكم وتفكروا فيمن كان قبلكم أين كانوا أمس وأين هم اليوم أين الجبارون وأين الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب قد تضعضع بهم الدهر وصاروا رميما قد تركت عليهم القالات الخبيثات وإنما الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها قد بعدوا ونسي ذكرهم وصاروا كلا شئ ألا وإن الله قد أبقى عليهم التبعات وقطع عنهم الشهوات ومضوا والأعمال أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم وبقينا خلفا من بعدهم فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا وإن اغتررنا كنا مثلهم أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم صاروا ترابا وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط وجعلوا فيها الأعاجيب قد تركوها لمن خلفهم فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا أين من تعرفون من أبنائكم وإخوانكم قد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه وأقاموا للشقوة وللسعادة فيما بعد الموت


183
ألا إن الله لا شريك له ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا ولا يصرف عنه به سوءا إلا بطاعته واتباع أمره واعلموا أنكم عبيد مدينون وأن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته أما وإنه لا خير بخير بعده النار ولا شر بشر بعده الجنة 39-خطبة له

ومن خطبه حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال

إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك فرفع الناس رءوسهم فقال مالكم يا معشر الناس إنكم لطعانون عجلون إن من الملوك من إذا ملك زهده الله فيما في يده ورغبه فيما في يدي غيره وانتقصه شطر أجله وأشرب قلبه الإشفاق فهو يحسد على القليل ويتسخط الكثير ويسأم الرخاء وتنقطع عنه لذه البهاء لا يستعمل العبرة ولا يسكن إلى الثقة فهو كالدرهم القسي والسراب الخادع جذل الظاهر حزين الباطن فإذا وجبت نفسه ونضب عمره وضحا ظله حاسبة الله فأشد حسابه وأقل عفوه ألا إن الفقراء هم المرحومون وخير الملوك من آمن بالله وحكم بكتاب الله وسنة نبيه وإنكم اليوم على خلافة نبوة ومفرق محجة وسترون بعدي ملكا عضوضا وأما شعاعا ودما مفاحا فإن كانت للباطل نزوة ولأهل الحق جولة يعفو لها الأثر وتموت السنن فالزموا المساجد


184
واستشيروا القرآن والزموا الجماعة وليكن الإبرام بعد التشاور والصفقة بعد طول التناظر أي بلاد خرشنة إن الله سيفتح عليكم أقصاها كما فتح أدناها 40-خطبة له

وخطب أيضا فقال

الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأومن به وأتوكل عليه وأستهدى الله بالهدى وأعوذ به من الضلالة والردى ومن الشك والعمى من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حى لا يموت يعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شىء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون إلى الناس كافة رحمة لهم وحجة عليهم والناس حينئذ على شر حال فى ظلمات الجاهلية دينهم بدعة ودعوتهم فرية فأعز الله الدين بمحمد صلى الله عليه وسلم وألف بين قلوبكم أيها المؤمنون فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون فأطيعوا الله ورسوله فإنه قال عز رجل ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا )

أما بعد أيها الناس إنى أوصيكم بتقوى الله العظيم فى كل أمر وعلى كل حال ولزوم الحق فيما أحببتم وكرهتم فإنه ليس فيما دون الصدق من الحديث خير من يكذب


185
يفجر ومن يفجر يهلك وإياكم والفخر وما فخر من خلق من التراب وإلى التراب يعود هو اليوم حى وغدا ميت فاعملوا وعدوا أنفسكم فى الموتى وما أشكل عليكم فردوا علمه إلى الله وقدموا لأنفسكم خيرا تجدوه محضرا فإنه قال عز وجل ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد ) فاتقوا الله عباد الله وراقبوه واعتبروا بمن مضى قبلكم واعلموا أنه لا بد من لقاء ربكم والجزاء بأعمالكم ضغيرها وكبيرها إلا ما غفر الله إنه غفور رحيم فأنفسكم أنفسكم والمستعان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ( إن الله وملائكته يصلون على النبى يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) اللهم صل على محمد عبدك ورسولك أفضل ما صليت على أحد من خلقك وزكنا بالصلاة عليه وألحقنا به واحشرنا فى زمرته وأوردنا حوضه اللهم أعنا على طاعتك وانصرنا على عدوك 41 خطبة له

وخطب أيضا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أوصيكم بتقوى الله وأن تثنوا عليه بما هو أهله وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة وتجمعوا الإلحاف بالمسألة فإن الله أثنى على زكريا وعلى أهل بيته فقال ( إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ) ثم اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم وأخذ على ذلك مواثيقكم وعوضكم بالقليل الفانى الكثير الباقى وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه ولا يطفأ نوره فثقوا بقوله


186
وانتصحوا كتابه واستبصروا فيه ليوم الظلمة فإنه خلقكم لعبادته ووكل بكم الكرام الكاتبين يعلمون ما تفعلون 42 خطبة له فى الأنصار

ووصل إليه مال من البحرين فساوى فيه بين الناس فغضبت الأنصار وقالوا له فضلنا فقال أبو بكر صدقتم إن أردتم أن أفضلكم صار ما عملتموه للدنيا وإن صبرتم كان ذلك لله عز وجل فقالوا والله ما عملنا إلا لله تعالى وانصرفوا فرقى أبو بكر المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال

يا معشر الأنصار إن شئتم أن تقولوا إنا آويناكم فى ظلالنا وشاطرناكم فى أموالنا ونصرناكم بأنفسنا قلتم وإن لكم من الفضل مالا يحصيه العدد وإن طال به الأمد فنحن وأنتم كما قال طفيل الغنوى

( جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت بنا نعلنا فى الواطئين فزلت )

( أبوا أن يملونا ولو أن أمنا تلاقى الذى يلقون منا لملت )

( هم أسكنونا فى ظلال بيوتهم ظلال بيوت أدفأت وأظلت )


187
وصيته لأسامة بن زيد

وأوصى أسامة بن زيد وجيشه حين سيره إلى أبنى فقال

يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنى لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ولا تقعروا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكله وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم فى الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منها شيئا بعد شئ فاذكروا اسم الله عليها وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رءوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيف خفقا اندفعوا باسم الله 44وصيته لعمرو بن العاص والوليد بن عقبة

وشيع عمرو بن العاص والوليد بن عقبة مبعثهما على الصدقة وأوصى كل واحد منهما بوصية واحدة

اتق الله فى السر والعلانية فإنه من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث


188
لا يحتسب ومن يتق الله يكفر عنه سيئآته ويعظم له أجرا فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله إنك فى سبيل من سبل الله لا يسعك فيه الإدهان والتفريط والغفلة عما فيه قوام دينكم وعصمة أمركم فلا تن ولا تفتر خطب الفتوح فى عهد أبى بكر 45 وصيته لخالد بن الوليد

ووصى أبو بكر خالد بن الوليد فقال سر على بركة الله فإذا دخلت أرض العدو فكن بعيدا عن الحملة فإنى لا آمن عليك الجولة واستظهر بالزاد وسر بالأدلاء ولا تقاتل بمجروح فإن بعضه ليس منه واحترس من البيات فإن فى العرب غرة وأقلل من الكلام فإن مالك ما وعى عنك وأقبل من الناس علانيتهم وكلهم إلى الله في سريرتهم وأستودعك الله الذى لا تضيع ودائعه 46 خطبة خالد بن الوليد

وكان أبو بكر رضى الله عنه قد بعث المثنى بن حارثة على جيش إلى العراق فقدم العراق فقاتل وأغار على أهل فارس ونواحى السواد ثم بعث أخاه مسعودا إلى أبى بكر يستمده

فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد وكان باليمامة أن يسير إلى العراق فلما قرأ خالد الكتاب قام فى الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال


189

الحمد لله والله أهله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد فإن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلينا يحضنا على طاعة ربنا وجهاد عدونا وعدو الله وبالجهاد فى سبيل الله أنجز الله دعوتنا وجمع كلمتنا وأمنيتنا والحمد لله رب العالمين ألا إنى خارج ومعسكر وسائر إن شاء الله ومعجل فمن أراد ثواب العاجل والآجل فلينكمش 47 خطبة لأبى بكر فى ندب الناس لفتح الشأم

وخطب يندب الناس لفتح الشأم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله وقال

ألا إن لكل أمر جوامع فمن بلغها فهى حسبه ومن عمل لله كفاه الله عليكم بالجد والقصد فإن القصد أبلغ ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له ولا أجر لمن لا حسبة له ولا عمل لمن لا نية له ألا وإن فى كتاب الله من الثواب على الجهاد فى سبيل الله كما ينبغى للمسلم أن يحب أن يخص به هى التجارة التى دل الله عليها ونجى بها من الخزى وألحق بها الكرامة فى الدنيا والآخرة


190
فتح الشام

حدث أبو اسماعيل محمد بن عبد الله الأزدى البصرى صاحب فتوح الشام قال لما أراد أبو بكر رحمة الله عليه أن يجهز الجنود إلى الشأم دعا عمر وعثمان وعليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد ابن أبى وقاص وأبا عبيدة بن الجراح ووجوه المهاجرين والأنصار من النصار من أهل بدر وغيرهم فدخلوا عليه فقال 48 خطبة أبى بكر

إن الله تبارك وتعالى لا تحصى نعمه ولا تبلغ جزاءها الأعمال فله الحمد كثيرا على ما اصطنع عندكم فقد جمع كلمتكم وأصلح ذات بينكم وهداكم إلى الإسلام ونفى عنكم الشيطان فليس يطمع أن تشركوا بالله ولا أن تتخذوا إلها غيره فالعرب اليوم بنو أم وأب وقد أردت أن أستنفرهم إلى جهاد الروم بالشام ليؤيد الله المسلمين ويجعل الله كلمته العليا مع أن للمسلمين فى ذلك الحظ الأوفر فمن هلك منهم هلك شهيدا وما عند الله خيرا للأبرار ومن عاش منهم عاش مدافعا عن الدين مستوجبا على الله عز وجل ثواب المجاهدين هذا رأيى الذى رأيت فليشر على أمرؤ بمبلغ رأيه 49 خطبة عمر فقام عمر بن الخطاب رضى الله عنه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال

الحمد لله الذى يخص بالخير من يشاء من خلقه والله ما استبقنا إلى شئ من الخير قط إلا سبقتنا إليه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء قد والله أردت لقاءك لهذا الرأى


191
الذى ذكرت فما قضى الله أن يكون ذلك حتى ذكرته الآن فقد أصبت أصاب الله بك سبل الرشاد سرب إليهم الخيل فى إثر الخيل وابعث الرجال تتبعها الرجال والجنود تتبعها الجنود فإن الله عز وجل ناصر دينه ومعز الإسلام وأهله ومنجز ما وعد رسوله 50 خطبة عبد الرحمن بن عوف

ثم إن عبد الرحمن بن عوف قام فقال

يا خليفة رسول الله إنها الروم وبنو الأصفر حد حديد وركن شديد والله ما أرى أن تقحم الخيل عليهم إقحاما ولكن تبعث الخيل فتغير فى أدانى أرضهم ثم تبعثها فتغير ثم ترجع إليك ثم تبعثها فتغير ثم ترجع إليك فإذا فعلوا ذلك مرارا أضروا بعدوهم وغنموا من أدانى أرضهم فقووا بذلك على قتالهم ثم تبعث إلى أقاصى أهل اليمن وإلى أقاصى ربيعة ومضر فتجمعهم إليك جميعا فإن شئت عند ذلك غزوتهم بنفسك وإن شئت بعثت على غزوهم غيرك

ثم جلس وسكت وسكت الناس

قال لهم أبو بكر ما ترون رحمكم الله فقام عثمان بن عفان رضوان الله عليه فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي ثم قال

رأيي أنك ناصح لأهل هذا الدين عليهم شفيق فإذا رأيت رأيا علمته لهم رشدا وصلاحا وخيرا فاعزم على إمضائه فإنك غير ظنين ولا متهم عليهم

فقال طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد وجميع من حضر ذلك المجلس من المهاجرين والأنصار

صدق عثمان فيما قال ما رأيت من رأى فأمض فإنا سامعون لك مطيعون لا نخالف أمرك ولا نتهم رأيك ولا نتخلف عن دعوتك وإجابتك


192

فذكروا هذا وشبهه وعلي بن أبي طالب رحمة الله عليه في القوم لا يتكلم فقال له أبو بكر ما ترى يا أبا الحسن قال

أرى أنك مبارك الأمر ميمون النقيبة وأنك إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نصرت إن شاء الله

فقال له أبو بكر بشرك الله بخير فمن أين علمت هذا قال سمعت رسول الله يقول لا يزال هذا الدين ظاهرا على كل من ناوأه حتى يقوم الدين وأهله ظاهرين فقال ابو بكر سبحان الله ما أحسن هذا الحديث لقد سررتني سرك الله في الدنيا والآخرة 51 خطبة أبي بكر

ثم إن أبا بكر رحمة الله عليه ورضوانه قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله وصلى على النبي ثم قال

أيها الناس إن الله قد أنعم عليكم بالإسلام وإعزكم بالجهاد وفضلكم بهذا الدين على أهل كل دين فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشأم فإني مؤمر عليكم أمراء وعاقد لهم ألوية فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم ولتحسن نيتكم وسيرتكم وطعمتكم فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون

فسكت الناس فوالله ما أجابه أحد هيبة لغزو الروم لما يعلمون من كثرة عددهم وشدة شوكتهم فقام عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ورضوانه فقال يا معشر المسلمين ما لكم لا تجيبون خليفة رسول الله إذ دعاكم لما يحييكم 52 خطبة خالد بن سعيد بن العاص

فقام خالد بن سعيد بن العاص فحمد الله وأثنىعليه وصلى على النبي صلى الله عليه وعلى آله ثم قال


193

الحمد لله الذي لا إله الا هو الذي بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فإن الله منجز وعده ومعز دينه ومهلك عدوه ثم أقبل على أبي بكر فقال نحن غير مخالفين لك ولا متخلفين عنك وأنت الوالي الناصح الشفيق ننفر إذا استنفرتنا ونطيعك إذا أمرتنا ونجيبك إذا دعوتنا

ففرح أبو بكر بمقالته وقال له جزاك الله من أخ وخليل خيرا فقد أسلمت مرتغبا وهاجرت محتسبا وهربت بدينك من الكفار لكي يطاع الله ورسوله وتكون كلمة الله هي العليا فتيسر رحمك الله

فتجهز خالد بن سعيد بأحسن الجهاز وخرج هو وإخوته وغلمانه ومن تبعه من أهل بيته فكان أول من عسكر وأمر أبو بكر بلالا فنادى في الناس أن انفروا إلى جهاد عدوكم الروم بالشام فنفروا اليه وكان خالد من عمال رسول الله فكره الإمارة واستعفى أبا بكر فأعفاه

ورأى أبو بكر أن يكتب كتابا إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الجهاد ويرغبهم في ثوابه وبعث الكتاب مع أنس بن مالك

قال أنس أتيت أهل اليمن جناحا جناحا وقبيلة قبيلة أقرأ عليهم كتاب أبي بكر وإذا فرغت من قراءته قلت

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا عبده ورسوله بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني رسول خليفة رسول الله ورسول المسلمين إليكم إلا وإني وقد تركتهم معسكرين ليس يمنعهم من الشخوص إلى عدوهم الا انتظاركم فعجلوا إلى إخوانكم رحمة الله عليكم أيها المسلمون

فكان كل من أقرأ عليه ذلك الكتاب ويسمع مني هذا القول يحسن الرد علي ويقول نحن سائرون وكأنا قد فعلنا 53 خطبة ذي الكلاع

حتى انتهيت إلى ذي الكلاع فلما قرأت عليه الكتاب وقلت هذا المقال دعا بفرسه وسلاحه ونهض في قومه من ساعته ولم يؤخر ذلك وأمر بالمعسكر فما برحنا حتى عسكر وعسكر معه جموع كثيرة من أهل اليمن وسارعوا فلما اجتمعوا إليه قام فيهم


194

فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال أيها الناس إن من رحمة الله إياكم ونعمته عليكم أن بعث فيكم رسولا وأنزل عليه كتابا فأحسن عنه البلاغ فعلمكم ما يرشدكم ونهاكم عما يفسدكم حتى علمكم ما لم تكونوا تعلمون ورغبكم في الخير فيما لم تكونوا ترغبون ثم قد دعاكم إخوانكم الصالحون إلى جهاد المشركين واكتساب الأجر العظيم فلينفر من أراد النفير معى الساعة

فنفر بعدد من أهل اليمن كثير وقدموا على أبى بكر ففرح بمقدمهم 54 وصية خالد بن سعيد بن العاص لأبى بكر

ولما أراد خالد بن سعيد بن العاص أن يغدو سائرا إلى الشأم لبس سلاحه وأمر إخوته فلبسوا أسلحتهم عمرا والحكم وأبان وغلمته ومواليه ثم أقبل إلى أبى بكر رضى الله عنه بعد صلاة الغداة وصلى معه فلما انصرفوا قام إليه هو وإخوته فجلسوا إليه فحمد الله خالد وأثنى عليه وصلى على النبى ثم قال

يا أبا بكر إن الله أكرمنا وإياك والمسلمين طرا بهذا الدين فأحق من أقام السنة وأمات البدعة وعدل فى السيرة الوالي على الرعية وكل امرئ من أهل هذا الدين محقوق بالإحسان ومعدلة الوالى أعم نفعا فاتق الله يا أبا بكر فيمن ولاك الله أمره وارحم الأرملة واليتيم وأعن الضعيف المظلوم ولا يكن رجل من المسلمين إذا رضيت عنه آثر عندك فى الحق منه إذا سخطت عليه ولا تغضب ما قدرت على ذلك فإن الغضب يجر الجور ولا تحقد على مسلم وأنت تستطيع فإن حقدك على المسلم يجعلك له عدوا وإن اطلع على ذلك منك عاداك فإذا عادى الوالى الرعية وعادت الرعية الوالى كان بك قصفا أن يكون إلى هلاكهم داعيا وكن لينا للمحسن واشدد على المريب


195

ثم قال هات يدك فإنى لا أدرى هل نلتقى في الدنيا بعد هذا اليوم فإن قضى الله لنا التقاء فنسأل الله عفوه وغفرانه وإن كانت هى الفرقة التى ليس بعدها التقاء فعرفنا الله وإياك وجه النبى صلى الله عليه وسلم فى جنات النعيم فأخذ أبو بكر رضى الله عنه بيده ثم بكى وبكى خالد والمسلمون وظنوا أنه يريد الشهادة 55 وصية أبى بكر لخالد بن سعيد بن العاص

فلما خرج من المدينة قال له أبو بكر رضى الله عنه

إنك قد أوصيتنى برشدى وقد وعيته وأنا موصيك فاستمع وصيتى وعها إنك امرؤ قد جعل الله لك سابقة فى الإسلام وفضيلة عظيمة والناس ناظرون إليك ومستمعون منك وقد خرجت فى هذا الوجه العظيم الأجر وأنا أرجو أن يكون خروجك فيه لحسبة ونية صادقة إن شاء الله فثبت العالم وعلم الجاهل وعاتب السفيه المترف وانصح لعامة المسلمين واخصص الوالى على الجند من نصيحتك ومشورتك ما يحق الله وللمسلمين عليك واعمل لله كأنك تراه واعدد نفسك فى الموتى واعلم أنا عما قليل ميتون ثم مبعوثون ثم مساءلون ومحاسبون جعلنا الله وإياك لأنعمه من الشاكرين ولنقمه من الخائفين ثم أخذ يده فودعه

وجهز أبو بكر أربعة جيوش على أحدها عمرو بن العاص ووجهه إلى فلسطين وعلى الثانى شرحبيل ابن حسنة ووجهه إلى الأردن وعلى الثالث يزيد بن أبى سفيان ووجهه إلى البلقاء وعلى الرابع أبو عبيدة عامر بن الجراح ووجهه إلى حمص وشيع الأمراء ووصاهم 56 وصية أبى بكر لعمرو بن العاص

ولما أجمع أبو بكر أن يبعث الجيوش إلى الشأم كان أول من سار من عماله عمرو


196

يا عمرو اتق الله فى سر أمرك وعلانيته واستحيه فإنه يراك ويرى عملك وقد رأيت تقديمي إياك على من هو أقدم سابقة منك ومن كان أعظم غناء عن الإسلام وأهله منك فكن من عمال الآخرة وأرد بما تعمل وجه الله وكن والدا لمن معك ولا تكشفن الناس عن أستارهم واكتف بعلانيتهم وكن مجدا فى أمرك واصدق اللقاء إذا لافيت ولا تجبن وتقدم فى العلوم وعاقب عليه وإذا وعظت أصحابك فأوجز وأصلح نفسك تصلح لك رعيتك فى وصية له طويلة 57 وصية أخرى

وأمد أبو بكر أبا عبيدة بجيش عليه عمرو بن العاص فلما أراد الشخوص خرج معه أبو بكر رضى الله عنه يشيعه وقال

يا عمرو إنك ذو رأى وتجربة بالأمور وتبصرة بالحرب وقد خرجت مع أشراف قومك ورجال من صلحاء المسلمين وأنت قادم على إخوانك فلا تألهم نصيحة ولا تدخر عنهم صالح مشورة فرب رأى لك محمود فى الحرب مبارك فى عواقب الأمور فقال له عمرو ما أخلقنى أن أصدق ظنك وأن أقبل رأيك ثم ودعه وانصرف 58 وصية أبى بكر ليزيد بن أبى سفيان

ودعا يزيد بن أبى سفيان فعقد له وأوصاه فقال

يا يزيد إنى أوصيك بتقوى الله وطاعته والإيثار له والخوف منه وإذا لقيت


197
العدو فأظفركم الله بهم فلا تغلل ولا تمثل ولا تغدر ولا تجبن ولا تقتلوا وليدا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ولا تحرقوا نخلا ولا تقعره ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تعقروا بهيمة إلا لمأكلة وستمرون بقوم فى الصوامع يزعمون أنهم حبسوا أنفسهم لله فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له وستجدون آخرين قد فحص الشيطان عن أوساط رءوسهم حتى كأن أوساط رءوسهم أفاحيص القطا فاضربوا ما فحصوا من رءوسهم بالسيوف حتى ينيبوا إلى الإسلام أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب ثم أخذ يده فقال إنى أستودعك الله وعليك سلام الله ورحمته ثم ودعه وقال إنك أول أمرائى وقد وليتك على رجال من المسلمين أشراف غير أوزاع فى الناس فأحسن صحبتهم ولتكن لهم كنفا واخفض لهم جناحك وشاورهم فى الأمر أحسن الله لك الصحابة وعلينا الخلافة 54 وصية أخرى ليزيد بن أبى سفيان

ووصى يزيد بن أبى سفيان أيضا حين وجهه لفتح الشام فقال

إنى قد وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك وإن أسأت عزلتك فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذى يرى من ظاهرك وإن أولى الناس بالله أشدهم توليا له وأقرب الناس من الله أشدهم تقربا إليه بعمله وقد وليتك عمل خالد فإياك وعبية الجاهلية فإن الله يبغضها ويبغض


198
أهلها وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسى بعضه بعضا وأصلح نفسك يصلح لك الناس وصل الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به ولا تريثهم فيروا خللك ويعلموا علمك وأنزلهم فى ثروة عسكرك وامنع من قبلك من محادثتهم وكن أنت المتولى لكلامهم ولا تجعل سرك لعلانيتك فيختلط أمرك وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك واسمر بالليل فى أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عندك الأستار وأكثر حرسك وبددهم فى عسكرك وأكثر مفاجأتهم فى محارسهم بغير علم منهم بك فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه وعاقبه فى غير إفراط وعقب بينهم بالليل واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة فإنها أيسرهما لقربها من النهار ولا تخف من عقوبة المستحق ولا تلجن فيها ولا تسرع إليها ولا تخذ لها مدقعا ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده ولا تجسس عليهم فتفضحهم ولا يكشف الناس عن أسرارهم واكتف بعلانيتهم ولا تجالس العباثين وجالس أهل الصدق والوفاء واصدق اللقاء ولا تجبن فيجبن الناس واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم فى الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له
199
دعاء أبى بكر

وكان أبو بكر رحمة الله عليه يدعو فى كل يوم غدوة وعشية فى دبر صلاة الغداة وبعد العصر يقول

اللهم إنك خلقتنا ولم نك شيئا ثم بعثت إلينا رسولا رحمة منك لنا وفضلا منك علينا فهديتنا وكنا ضلالا وحببت إلينا الإيمان وكنا كفارا وكثرتنا وكنا قليلا وجمعتنا وكنا أشتاتا وقويتنا وكنا ضعافا ثم فرضت علينا الجهاد وأمرتنا بقتال المشركين حتى يقولوا لا إله إلا الله أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون اللهم لأصبحنا إن نطلب رضاك ونجاهد أعداءك من عدل بك وعبد معك إلها غيرك تعاليت عما يقولون علوا كبيرا اللهم فانصر عبادك المسلمين على عدوك من المشركين اللهم افتح لهم فتحا يسيرا وانصرهم نصرا عزيزا واجعل لهم من لدنك سلطانا نصيرا اللهم شجع جبنهم وثبت أقدامهم وزلزل بعدوهم وأدخل الرعب قلوبهم واستأصل شأفتهم واقطع دابرهم وأبد خضراءهم وأورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم وكن لنا وليا وبنا حفيا وأصلح لنا شأننا كله ونياتنا وقضاءنا وتبعاتنا واجعلنا لأنعمك من الشاكرين واغفر لنا والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات ثبتنا الله وإياكم بالقول الثابت فى الحياة الدنيا و فى الآخرة إنه بالمؤمنين رءوف رحيم 61 وصيته لشرحبيل بن حسنة

ووجه شرحبيل بن حسنة وودعه فقال له يا شرحبيل ألم تسمع وصيتى ليزيد ابن أبى سفيان قال بلى قال فإنى أوصيك بمثلها وأوصيك بخصال أغفلت ذكرهن


200
ليزيد أوصيك بالصلاة فى وقتها وبالصبر يوم البأس حتى تظفر أو تقتل وبعيادة المرضى وبحضور الجنائز وذكر الله كثيرا على كل حال 62 وصيته لأبى عبيدة بن الجراح

ولما أراد أن يبعث أبا عبيدة بن الجراح ودعاه فودعه ثم قال له

اسمع سماع من يريد أن يفهم ما قيل له ثم يعمل بما أمر به إنك تخرج فى أشراف الناس وبيوتات العرب وصلحاء المسلمين وفرسان الجاهلية كانوا يقاتلون إذ ذاك على الحمية وهم اليوم يقاتلون على الحسبة والنية الحسنة أحسن صحبة من صحبك وليكن الناس عندك فى الحق سواء واستعن بالله وكفى بالله معينا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا اخرج من غد إن شاء الله 63 وصيته لأبى عبيدة بن الجراح أيضا

فلما كان من الغد خرج أبو بكر رضى الله عنه يمشى فى رجال من المسلمين حتى أتى أبا عبيدة فسار معه حتى بلغ ثنية الوداع ثم قال حين أراد أن يفارقه

يا أبا عبيدة اعمل صالحا وعش مجاهدا وتوف شهيدا يعطك الله كتابك بيمينك ولتقر عينك فى دنياك وآخرتك فوالله إنى لأرجو أن تكون من التوابين الأوابين المخبتين الزاهدين فى الدنيا الراغبين فى الآخرة إن الله قد صنع بك خيرا وساقه إليك إذ جعلك تسير فى جيش من المسلمين إلى عدوه من المشركين فقاتل من كفر بالله وأشرك به وعبده معه غيره


201
خطبة أبى بكر

وسار أبو عبيدة حتى إذا دنا من الجابية بلغه أن هرقل ملك الروم بأنطاكية وأنه قد جمع لهم جموعا كثيرة فكتب أبو عبيدة إلى أبى بكر يخبره بذلك فقام أبو بكر رضى الله عنه فى الناس

فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن إخوانكم المسلمين معافون مكلئون مدفوع عنهم مصنوع لهم وقد ألقى الله الرعب فى قلوب عدوهم منهم وقد اعتصموا بحصونهم وأغلقوا أبوابها دونهم عليهم وقد جاءتنى رسلهم يخبروننى بهرب هرقل ملك الروم من بين أيديهم حتى نزل قرية من قرى الشأم فى أقصى الشام وقد بعثوا إلى يخبروننى أنه قد وجه إليهم هرقل جندا من مكانه ذلك فرأيت أن أمد إخوانكم المسلمين بجند منكم يشدد الله بكم ظهورهم ويكبت بهم عدوهم ويلق بهم الرعب فى قلوبهم فانتدبوا رحمكم الله مع هاشم بن عتبة بن أبى وقاص واحتسبوا فى ذلك الأجر والخير فإنكم إن نصرتم فهو الفتح والغنيمة وإن تهلكوا فهى الشهادة والكرامة 65 وصية أبى بكر لهاشم بن عتبة

ولما سار هاشم بن عتبة ودعه أبو بكر رضى الله عنه وقال له

يا هاشم إنا إنما كنا ننتفع من الشيخ الكبير برأيه ومشورته وحسن تدبيره وكنا ننتفع من الشاب بصبره وبأسه ونجدته وإن الله عز وجل قد جمع لك تلك الخصال كلها وأنت حديث السن مستقبل الخير فإذا لقيت عدوك فاصبر وصابر واعلم أنك لا تخطو خطوة ولا تنفق نفقة ولا يصيبك ظمأ ولا نصب ولا مخمصة فى سبيل الله إلا كتب الله لك به عملا صالحا إن الله لا يضيع أجر محسنين


202

فقال هاشم إن يرد الله بى خيرا يجعلنى كذلك وأنا أفعل ولا قوة إلا بالله وأنا أرجو إن أنا لم أقتل أن أقتل إن شاء الله

فقال له عمه سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه يابن أخى لا تطعن طعنة ولا تضربن ضربة إلا وأنت تريد بها وجه الله واعلم أنك خارج من الدنيا رشيدا وراجع إلى الله قريبا ولن يصحبك من الدنيا إلى الآخرة إلا قدم صدق قدمته أو عمل صالح أسلفته

فقال أى عم لا تخالن منى غير هذا إنى إذا لمن الخاسرين إن جعلت حلى وارتحالى وغدوى ورواحى وسيفى وطعنى برمحى وضربى بسيفى رياء للناس

ثم خرج فقدم على أبى عبيدة فتباشر بمقدمة المسلمين 66 خطبة خالد بن الوليد يوم اليرموك ووجه هرقل إلى كل جيش من جيوش المسلمين جيشا يفوقه فأشار عمرو بن العاص على الأمراء بالاجتماع فأرسلوا إلى أبى بكر فى ذلك فأشار عليهم بمثل رأى عمرو

فاجتمعوا باليرموك وكل واحد من الأمراء أمير على جيشه والروم أمامهم وبين الفريقين خندق فكان الروم يقاتلون باختيارهم وإن شاءوا احتجزوا بخنادقهم فأرسل الأمراء ألى أبى بكر يستمدونه

فكتب إلى خالد بن الوليد أمير جند العراق يأمره أن يستخلف على جنده بعد أن يأخذ معه نصفه ويتوجه إلى الشام مددا لأمرائه فسار إلى الشام ووافى المسلمين وهم متضايقون إذ وصل باهان بجيش مددا للروم فولى خالد قتاله وقاتل كل أمير من بإزائه متساندين فرأى خالد أن هذا القتل لا يجدى نفعا ما دامت كل فرقة من الجيش لها أمير فجمع الأمراء وخطبهم

فحمد الله وأثنى عليه وقال

إن هذا اليوم من أيام الله لا ينبغى فيه الفخر ولا البغى أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم فإن هذا يوم له ما بعده ولا تقاتلوا قوما على نظام وتعبية على تساند


203
وانتشار فإن ذلك لا يحل ولاينبغي وان من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه الرأي من واليكم ومحبته

قالوا فهات فما الرأي قال إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر ولو علم بالذي كان ويكون لما جمعكم إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم وأنفع للمشركين من أمدادهم ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم فالله الله فقد أفرد كل رجل منكم ببلد من البلدان لا ينتقص منه أن دان لأحد من أمراء الجنود ولا يزيده عليه ان دانوا له إن تأمير بعضكم لا ينقضكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله هلموا فإن هؤلاء قد تهيأوا وهذا يوم له ما بعده إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم تزل نردهم وإن هزمونا لم نفلح بعدها فهلموا فلنتعاور الإمارة فليكن عليها بعضنا اليوم والآخر والآخر غدا بعد غد حتى يتأمر كلكم ودعوني أتأمر اليوم فأمروه وانتهت الموقعة بهزيمة الروم شر هزيمة سنة 13ه 67-خطبة أبي عبيدة في وقعة اليرموك

ولما برز المسلمون إلى الروم في وقعة اليرموك سار أبو عبيدة في المسلمين ثم قال

ياعباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم فإن وعد الله حق يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار فلا تبرحوا مصافكم ولا تخطوا إليهم خطوة ولا تبدءوهم بقتال وأشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت الا من ذكر الله حتى آمركم إن شاء الله


204
68-قصص معاذ بن جبل

وخرج معاذ بن جبل يقص على الناس ويقول :

يا قراء القرآن ومستحفظي الكتاب وأنصار الهدى وأولياء الحق إن رحمة الله والله لا تنال وجنته لا تدخل بالأماني ولا يؤتى الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادقين المصدقين بما وعدهم الله عز وجل ألم تسمعوا لقول الله ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم )

أنتم إن شاء الله منصورون فأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين واستحيوا من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم وأنتم في قبضته ورحمته وليس لأحد منكم ملجأ ولا ملتجأ من دونه ولا متعزز بغير الله

فجعل يمشي في الصفوف ويحرضهم ويقص عليهم ثم انصرف الىموقفه 69-خطبة عمرو بن العاص

ومر عمرو بن العاص يومئذ على الناس فجعل يعظهم ويقص عليهم ويحرضهم ويقول

أيها الناس غضوا أبصاركم واجثوا على الركب وأشرعوا الرماح والزموا مراكزكم ومصافكم فإذا حمل عليكم عدوكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا في وجوههم وثوب الأسد فوالذي يرضى الصدق ويمقت الكذب ويعاقب عليه


205
ويجزى بالإحسان لقد بلغني أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم فإنكم لو قد صدقتموهم الشدة لقد انذعروا انذعار أولاد الحجل 70-خطبة أبي سفيان بن حرب

وكان أبو سفيان بن حرب يسير في الناس يوم اليرموك ويقف على أهل كل راية وعلى كل جماعة فيحرض الناس ويحضهم ويعظهم ويقول

إنكم يا معشر المسلمين أصبحتم في دارالعجم منقطعين عن الأهل نائين عن أمير المؤمنين وأمداد المسلمين وقد والله أصبحتم بإزاء عدو كثير عددهم شديد عليكم حنقهم وقد وترتموهم في أنفسهم ونسائهم وأولادهم وأموالهم وبلادهم فلا والله لا ينجيكم منهم اليوم وتبلغون رضوان الله إلا صدق اللقاء والصبر في مواطن المكروة فامتنعوا بسيوفكم وتقربوا بها إلى خالقكم ولتكن هي الحصون التى تلجئون إليها وبها تمنعون

وقاتل أبو سفيان يومئذ قتالا شديدا وأبلى بلاء حسنا 71-وصية أبي بكر لعمر رضي الله عنهما عند موته

إني مستخلفك من بعدي وموصيك بتقوى الله إن لله عملا بالليل لا يقبله بالنهار وعملا بالنهارلا يقبله بالليل وإنه لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة فإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينة يوم القيامة بأتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم


206
وحق لميزان لايوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا وإنما خفت موازين من خفت موازينة يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه الا الباطل أن يكون خفيفا إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئاتهم فإذا ذكرتهم قلت إني أخاف ألا أكون من هؤلاء وذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم ولم يذكر حسناتهم فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء وذكر آية الرحمة مع آية العذاب ليكون العبد راغبا راهبا ولا يتمنى على الله غير الحق ولا يلقى بيده إلى التهلكة فإذا حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحب إليك من الموت وهو آتيك وإن ضيعت وصيتي فلا يكن غئب أبغض إليك من الموت ولست بمعجز الله 72-كلامه لعبد الرحمن بن عوف في علته التي مات فيها

وقال عبد الرحمن بن عوف

دخلت يوما على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في علته التي مات فيها فقلت له أراك بارئا يا خليفة رسول الله فقال أما إني على ذلك لشديد الوجع ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي إني وليت أموركم خيركم من نفسي فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير ولتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حتاب السعدان والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب


207
عنقه في غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا يا هادى الطريق جرت إنما هو والله الفجر أو البجر

فقلت خفض عليك يا خليفة رسول الله فإن هذا يهيضك إلى ما بك فوالله مازلت صالح مصلحا لا تأسى على شئ فاتك من أمر الدنيا ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلا خيرا 73-خطبة السيدة عائشة في الانتصار لأبيها

يروى أنه بلغ عائشة رضي الله عنها أن أقواما يتناولون أبا بكر رضي الله عنه فأرسلت إلى أزفلة من الناس فلما حضروا أسدلت أستارها وعلت وسادها ثم قالت

أبي وما أبيه أبي والله لا تعطوه الأيدي ذاك طود منيف وفرع مديد هيهات كذبت الظنون أنجح إذ أكديتم وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد فتى قريس ناشئا وكهفها كهلا يفك عانيها ويريش مملقها ويرأب شعبها ويلم شعثها حتى حليته قلوبها ثم


208
استشرى في دين الله فما برحت شكيمته في ذات الله عز وجل حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أمات المبطلون وكان رحمه الله غزير الدمعة وقيذ الجوانح شجي النشيج فانقضت إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه ويستهزئون به ( الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) فأكبرت ذلك رجالات من قريش فحنت قسيها وفوقت سهامها وامتثلوه غرضا فما فلوا له صفاة ولا قصفوا له قناة ومر على سيسائه حتى إذا ضرب الدين بجرانه ورست أوتاده ودخل الناس فيه أفواجا ومن كل فرقة أرسالا وأشتاتا اختارالله لنبيه ماعنده فلما قبض الله نبيه ضرب الشيطان رواقه ومد طنبه ونصب حبائله وأجلب بخيله ورجله واضطرب حبل الإسلام ومرج عهده وماج أهله وبغى الغوائل فظنت رجال أن قد أكثبت أطماعهم ولات حين الذي يرجون وأني والصديق بين أظهرهم فقام حاسرا مشمرا
209
فجمع حاشيته ورفع قصريه فرد رسن الإسلام على غربه ولم سعثه بطبه وانتاش الدين فنعشه فما أراح الحق على أهله وفرر الؤوس على كواهلها وحقن الدماء في أهبها أتته منيته فسد ثلمته بنظيره في الرحمة وشقيقة في السيرة والمعدلة ذاك بان الخطاب فلله در ام حملت به ودرب عليه لقد أوحدت به ففنخ الكفرة ويدخها وشرد الشرك شذر مذر وبعج الأرض وبخعها فقاءت أكلها ولفظت خبأها ترأمه ويصدف عنها وتصدى له ويأباها ثم وزع فيها فيئها وودعها كما صحبها فأروني ماذا ترتئون وأي يومي أبي تنقمون أيوم إقامته إذ عدل فيكم أم يوم ظعنه إذ نظر لكم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ثم أقبلت على الناس بوجهها فقالت أنشدكم الله هل أنكرتم مما قلت شيئا قالوا اللهم لا
210
74-رثاؤها لأبيها

لما توفي أبو بكر رضي الله عنه وقفت عائشة على قبره فقالت

نضر الله وجهك يا أبت وشكرلك صالح سعيك فلقد كنت للدنيا مذلا بإدبارك عنها وللآخرة معزا بإقبالك عليها ولئن كان أجل الحوادث بعد رسول الله رزؤك وأعظم المصائب بعده فقدك إن كتاب الله ليعد بحسن الصبر فيك حسن العوض منك وأنا أستنجز موعود الله تعالى بالصبر فيك وأستقضيه بالاستغفار لك أما لئن قاموا بأمر الدنيا لقد قمت بأمر الدين لما وهي شعبه وتفاقم صدعه ورجفت جوانبه فعليك سلام الله توديع غير قالية لحياتك ولا زارية على القضاء فيك


211
خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه 75-خطبته حين ولى الخلافة

لما استخلف عمر رضي الله عنه صعد المنبر فقال إني قائل كلمات فأمنوا عليهن فكان أول منطق نطق به حين استخلف قال

إنما مثل العرب مثل جمل أنف اتبع قائده فلينظر قائده حيث يقوده وأما أنا فورب الكعبة لأحملنهم على الطريق 76-خطبة أخرى

وقال ابن قتيبة في عيون الأخبار لما ولى عمر صعد المنبر فقال ما كان الله ليراني أرى نفسي أهلا لمجلس أبي بكر ثم نزل عن مجلسه مرقاة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال اقرءوا القرآن تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله إنه لم يبلغ حق ذي حق أن يطاع في معصية الله ألا وإني أنزلت نفسي من مال الله


212
بمنزله والي اليتيم ان استغنيت عففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف تقرم البهمة الأعرابية القضم لا الخضم 77-خطبة له

وذكر الطبري أنه خطب فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم ذكر الناس بالله عز وجل واليوم الآخر ثم قال

يأيها الناس إني قد وليت عليكم ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم وأقواكم عليكم وأشدكم استضلاعا بما ينوب من مهم أموركم ما توليت ذلك منكم ولكفى عمر مهما محزنا انتظار موافقة الحساب بأخذ حقوقكم كيف آخذها ووضعها أين أضعها وبالسير فيكم كيف أسير فربى المستعان فإن عمر أصبح لا يثق بقوة ولا حيلة إن لم يتداركه الله عز وجل برحمته وعونة وتأييده 78-خطبة له

ثم خطب فقال

إن الله عز وجل قد ولاني أمركم وقد علمت أنفع ما بحضرتكم لكم وإني أسأل الله أن يعينني عليه وأن يحرسني عنده كما حرسني عند غيره وأن يلهمني العدل


213
في قسمكم كالذي أمرني به وإني امرؤ مسلم وعبد ضعيف إلا ما أعان الله عز وجل ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئا إن شاء الله إنما العظمة لله عز وجل وليس للعباد منها شئ فلا يقولن أحد منكم إن عمر تغير منذ ولي أعقل الحق من نفسي وأتقدم وأبين لكم امري فأيما رجل كانت له حاجة أو ظلم مظلمة أو عتب علينا في خلق فليؤذني فإنما أنا رجل منكم فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم وحرماتكم وأعراضكم وأعطوا الحق من أنفسكم ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إلى فإنه ليس بينى وبين أحد من الناس هوادة وانا حبيب إلى صلاحكم عزيز على عنتكم وأنتم أناس عامتكم حضر في بلاد الله وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع إلا ما جاء الله به إليه وإن الله عز وجل قد وعدكم كرامة كثيرة وأنا مسئول عن أمانتي وما أنا فيه ومطلع على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله لا أكله إلى أحد ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامة ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله 79-خطبة أخرى وقال ابن عبد ربه وخطب إذ ولى الخلافة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

يأيها الناس إني داع فأمنوا اللهم إني غليظ فليني لأهل طاعتك بموافقة الحق ابتغاء وجهك والدار الآخرة وارزقني الغلظة والشدة على أعدائك وأهل الدعارة والنفاق من غير ظلم مني لهم ولا اعتداء عليهم اللهم إني شحيح فسخني


214
في نوائب المعروف قصدا من غير سرف ولا تبذير ولا رياء ولا سمعة واجعلني أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة اللهم ارزقني خفض الجناح ولين الجانب للمؤمنين اللهم إني كثير الغفلة والنسيان فألهمني ذكرك على كل حال وذكر الموت في كل حين اللهم إني ضعيف عن العمل بطاعتك فارزقني النشاط فيها والقوة عليها بالنية الحسنة التي لا تكون إلا بعزتك وتوفيقك اللهم ثبتى باليقين والبر والتقوى وذكر المقام بين يديك والحياء منك وارزقني الخشوع فيما يرضيك عني والمحاسبة لنفسي وإصلاح الساعات والحذر من الشبهات اللهم ارزقني التفكر والتدبر لما يتلوه لساني من كتابك والفهم له والمعرفة بمعانيه والنظر في عجائبه والعمل بذلك ما بقيت إنك على كل شئ قدير 80 خطبة له

وخطب أيضا فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي

أيها الناس إن بعض الطمع فقر وإن بعض اليأس غنى وإنكم تجمعون ما لا تأكلون وتأملون ما لا تدركون وأنتم مؤجلون في دار غرور كنتم على عهد رسول الله تؤخذون بالوحي فمن أسر شيئا أخذ بسريرته ومن أعلن شيئا أخذ بعلانيته فأظهروا لنا أحسن أخلاقكم والله أعلم بالسرائر فإنه من أظهر لنا قبيحا وزعم أن سريرته حسنة لم نصدقة ومن أظهر لنا علانية حسنة ظننا به حسنا وأعلموا أن بعض الشح شعبة من النفاق فأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأؤلئك هم المفلحون أيها الناس أطيبوا مثواكم وأصلحوا أموركم واتقوا الله ربكم ولا تلبسوا نساءكم القباطى فإنه إن لم يشف فإنه يصف أيها الناس إني لوددت


215
أن أنجو كفافا لالى ولا على وإني لأرجو إن عمرت فيكم يسيرا أو كثيرا ان أعمل بالحق فيكم إن شاء الله وأن لا يبقى أحد من المسلمين وإن كان في بيته إلا أتاه حقه ونصيبه من مال الله وإن لم يعمل إليه نفسه ولم ينصب إليه بدنه وأصلحوا أموالكم التي رزقكم الله ولقليل في رفق خير من كثير في عنف والقتل حتف من الحتوف يصيب البر والفاجر والشهيد من احتسب نفسه وإذا أراد أحدكم بعيرا فليعمد إلى الطويل العظيم فليضر به بعصا فإن وجده حديد الفؤاد فليشتره 81-خطبة له

وخطب أيضا فقال

إن الله سبحانه وبحمده قد استوجب عليكم الشكر واتخذ عليكم الحجج فيما آتاكم من كرامة الآخرة والدنيا من غير مسألة منكم له ولا رغبة منكم فيه إليه فخلقكم تبارك وتعالى ولم تكونوا شيئا لنفسه وعبادته وكان قادرا أن يجعلكم لأهون خلقه عليه فجعل لكم عامة خلقه ولم يجعلكم لشئ غيره وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة وحملكم في البر والبحر ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ثم جعل لكم سمعا وبصرا ومن نعم الله عليكم نعم عم بها بني آدم ومنها نعم اختص بها أهل دينكم ثم صارت تلك النعم خواصها وعوامها في دولتكم وزمانكم وطبقتكم وليس من تلك النعم نعمة وصلت إلى امرئ خاصة الا لو قسم ما وصل إليه منها بين الناس كلهم أتعبهم شكرها وفدحهم حقها إلا بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله فأنتم مستخلفون في الأرض قاهرون لأهلها قد نصر الله دينكم فلم تصبح أمة مخالفة لدينكم إلا امتان أمة مستعبدة للإسلام وأهله


216
يتجرون لكم تستصفون معايشهم وكدائحهم ورشح جباههم وعليهم المئونة ولكم المنفعة وأمة تنتظر وقائع الله وسطواته في كل يوم وليلة قد ملأ الله قلوبهم رعبا فليس لهم معقل يلجئون إليه ولا مهرب يتقون به قد دهمتهم جنود الله عز وجل ونزلت بساحتهم مع رفاغة العيش واستفاضة المال وتتابع البعوث وسد الثغور بإذن الله في العافية الجليلة العامة التي لم تكن هذه الأمة على أحسن منها مذ كان الإسلام والله المحمود مع الفتوح العظام في كل بلد فما عسى أن يبلغ مع هذا شكر الشاكرين وذكر الذاكرين واجتهاد المجتهدين مع هذه النعم التي لا يحصى عددها ولا يقدر قدرها ولا يستطاع أداء حقها إلا بعون الله ورحمته ولطفه فنسأل الله الذي لا إله إلا هو الذي أبلانا هذا أن يرزقنا العمل بطاعته والمسارعة إلى مرضاته فاذكروا عباد الله بلاء الله عندكم واستتموا نعمة الله عليكم وفي مجالسكم مثنى وفرادى فإن الله عز وجل قال لموسى ( أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله ) وقال لمحمد ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ) فلو كنتم إذ كنتم مستضعفين محرومين خير الدنيا على شعبة من الحق تؤمنون بها وتستريحون إليها مع المعرفة بالله ودينه وترجون بها الخير فيما بعد الموت لكان ذلك ولكنكم كنتم أشد الناس معيشة وأعظم الناس بالله جهالة فلو كان هذا الذى ابتلاكم به لم يكن معه حظ فى دنياكم غير أنه ثقة لكم في آخرتكم التي إليها المعاد والمنقلب وأنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه كنتم أحرياء أن تشحوا على نصيبكم منه وأن تظهروه على غيره فبله ما أنه قد جمع لكم فضيلة الدنيا وكرامة الآخرة أو لمن شاء أن يجمع له ذلك منكم فإذكركم الله الحائل بينكم وبين قلوبكم إلا ما عرفتم حق الله
217
فعملتم له وقسرتم أنفسكم على طاعته وجمعتم مع السرور بالنعم خوفا لزوالها ولانتقالها ووجلا من تحويلها فإنه لا شئ أسلب للنعمة من كفرانها وإن الشكر أمن للغير ونماء للنعمة واستجلاب للزيادة وهذا لله على من أمركم ونهيكم واجب

82 -خطبة له

وخطب أيضا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ ابن جبل ومن أراد ان يسأل عن المال فليأتني فإن الله جعلني له خازنا وقاسما إني بادئ بأزواج رسول الله فمعطيهن ثم المهاجرين الأولين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم أنا وأصحابي ثم بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ثم من أسرع إلى الهجرة أسرع إليه العطاء ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ عنه العطاء فلا يلومن رجل إلا مناخ راحلته إني قد بقيت فيكم بعد صاحبي فابتليت بكم وابتليتم بي وإني لن يحضرني من أموركم شئ فأكله إلى غير أهل الجزاء والأمانة فلئن أحسنوا لأحسنن إليهم ولئن أساءوا لأنكلن بهم 83-خطبة له

وخطب أيضا فقال

الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام وأكرمنا بالإيمان ورحمنا بنبيه فهدانا له من الضلالة وجمعنا به من الشتات وألف بين قلوبنا ونصرنا على


218
عدونا ومكن لنا في البلاد وجعلنا به إخوانا متحابين فاحمدوا الله على هذه النعمة واسألوه المزيد فيها والشكر عليها فإن الله قد صدقكم الوعد بالنصر على من خالفكم وأياكم والعمل بالمعاصي وكفر النعمة فقلما كفر قوم بنعمة ولم ينزعوا إلى التوبة إلا سلبوا عزهم وسلط عليهم عدوهم أيها الناس إن الله قد أعز دعوة هذه الأمة وجمع كلمتها وأظهر فلجها ونصرها وشرفها فاحمدوه عباد الله على نعمه واشكروه على آلائة جعلنا الله وإياكم من الشاكرين 84-خطبة له

وخطب عمر الناس فقال

والذي بعث محمدا بالحق لو أن جملا هلك ضياعا بشط الفرات خشيت أن يسأل الله عنه آل الخطاب

قال أبو زيد آل الخطاب يعني نفسه ما يعني غيرها 85-خطبة له

وخطب أيضا فقال

أيها الناس إنه أتي على حين وأنا أحسب أن من قرأ القرآن إنما يريد به الله وما عنده ألا وإنه قد خيل إلى أن أقواما يقرءون القرآن يريدون به ما عند الناس ألا فأريدوا الله بقراءتكم وأريدوه بأعمالكم فإنما كنا نعرفكم إذ الوحي ينزل وإذ النبي بين أظهرنا فقد رفع الوحي وذهب النبي فإنما أعرفكم بما أقول لكم ألا فمن أظهر لنا خيرا ظننا به خيرا وأثنينا به عليه


219
ومن أظهر لنا شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه اقدعوا هذه النفوس عن شهواتها فإنها طلعة وإنكم إلا تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية إن هذا الحق ثقيل مرئ وإن الباطل خفيف وبئ وترك الخطيئة خير من معالجة التوبة ورب نظرة زرعت شهوة وشهوة ساعة أورثت حزنا طويلا

وفي رواية صاحب العقد ألا وإني إنما أبعث عمالي ليعلموكم دينكم وسنتكم ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ويأخذوا أموالكم ألا من رابه شئ من ذلك فليرفعه إلي فوالذي نفسي بيده لأقصنكم منه فقام عمرو بن العاص فقال يا أمير المؤمنين أرأيت إن بعثت عاملا من عمالك فأدب رجلا من رعيتك فضربه أتقصه منه قال نعم والذي نفس عمر بيده لأقصنه منه فقد رأيت رسول الله يقص من نفسه

وفي رواية الطبري

وخطب عمر الناس يوم الجمعة فقال اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار إني إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم وأن يقيموا فيهم فيئهم وأن يعدلوا فإن أشكل عليهم شئ رفعوه إلى

يأيها الناس إني والله ما أرسل إليكم عمالا ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ولكني أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم فمن فعل به شئ سوى ذلك فليرفعه إلى فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه

فوثب عمرو بن العاص فقال

يا أميرالمؤمنين أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعية فأدب بعض رعيته إنك لتقصنه منه قال إي والذي نفس عمر بيده إذن لأقصنه منه وكيف


220

لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله يقص من نفسه ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تجمروهم فتفتنوهم ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم 86-خطبته عام الرمادة

وخطب عام الرمادة بالعباس رحمه الله

حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال

أيها الناس استغفروا ربكم إنه كان غفارا اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك وبقية آبائه وكبار رجاله فإنك تقول وقولك الحق ( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا ) فحفظتهما لصلاح أبيهما فاحفظ اللهم نبيك في عمه اللهم اغفر لنا إنك كنت غفارا اللهم أنت الراعي لا تهمل الضالة ولا تدع الكسيرة بمضيعة اللهم قد ضرع الصغير ورق الكبير وارتفعت الشكوى وأنت تعلم السر وأخفى اللهم أغثهم بغياثك قبل أن يقنطوا فيهلكوا فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون

فما برحوا حتى علقوا الحذاء وقلصوا المآزز وطفق الناس بالعباس يقولون هنيئا لك يا ساقي الحرمين


221
87-خطبته وقد بلغه أن قوما يفضلونه على أبي بكر

وبلغه أن قوما يفضلونه على أبي بكر الصديق فوثب مغضبا حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال

أيها الناس إني سأخبركم عني وعن أبي بكر إنه لما توفي رسول الله ارتدت العرب ومنعت شاتها وبعيرها فأجمع رأينا كلنا أصحاب محمد أن قلنا له يا خليفة رسول الله إن رسول الله كان يقاتل العرب بالوحي والملائكة يمده الله بهم وقد انقطع ذلك اليوم فالزم بيتك ومسجدك فإنه لا طاقة لك بقتال العرب فقال ابو بكر أو كلكم رأيه على هذا فقلنا نعم فقال والله لأن أخر من السماء فتخطفني الطير أحب إلى من أن يكون رأيي هذا ثم صعد المنبر فحمد الله وكبره وصلى على نبيه ثم أقبل على الناس فقال

أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت أيها الناس أن كثر أعداؤكم وقل عددكم ركب الشيطان منكم هذا المركب والله ليظهرن الله هذا الدين على الأديان كلها ولو كره المشركون قوله الحق ووعده الصدق بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين والله أيها الناس لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه واستعنت عليهم الله وهو خير معين ثم نزل


222
خطب الفتوح في عهد عمر في فتح فارس

كان المثنى بن حارثة الشيباني أمير جيش العراق قدم على أبي بكر بالمدينة يستمده فألفاه مريضا ووصى أبو بكر عمر بالمبادرة إلى إرسال الجيوش معه فكان أول ما عمل به عمر أن ندب الناس مع المثنى إلى أهل فارس قبل صلاة الفجر من الليلة التي مات فيها أبو بكر وكان وجه فارس من أكره الوجوه اليهم وأثقلها عليهم لشدة سلطانهم وشوكتهم وعزهم وقهرهم الأمم وجعل يندبهم ثلاثة أيام فلا ينتدب أحد إلى فارس فلما كان اليوم الرابع عاد فندب الناس إلى العراق فكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي والد المختار وتتابع الناس وتكلم المثنى بن حارثة فقال 88-خطبة المثنى بن حارثة الشيباني

أيها الناس لا يعظمن عليكم هذا الوجه فإنا قد تبحبحنا ريف فارس وغلبناهم على خير شقي السواد وشاطرناهم ونلنا منهم واجترأنا من قبلنا عليهم ولها إن شاء الله ما بعدها 89-خطبة عمر رضي الله عنه

وقام عمر في الناس فقال

إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النجعة ولا يقوى عليه أهله إلا بذلك


223
أين الطراء المهاجرون عن موعود الله سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموها فإنه قال ( ليظهره على الدين كله ) والله مظهر دينه ومعز ناصره ومولى أهله مواريث الأمم أين عباد الله الصالحون

فلما اجتمع له البعث أمر عليهم أو لهم انتدابا وهو أبو عبيد وقال له اسمع من أصحاب رسول الله وأشركهم في الامر ولاتجتهد مسرعا حتى تتبين فإنها الحرب والحرب لا يصلحها الا الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة والكف 90-وصية عمر لأبي عبيد بن مسعود

وتقدم عمر إلى ابي عبيد بن مسعود فقال

إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والجبرية تقدم على قوم قد جرءوا على الشر فعلموه وتناسوا الخير فجهلوه فانظر كيف تكون واخزن لسانك ولا تفشين سرك فإن صاحب السر ما ضبطه متحصن لا يؤتى من وجه يكرهه وإذا ضيعه كان بمضيعة 91-خطبة له وقد شيع جيش سعد بن أبي وقاص

وشيع جيش سعد بن أبي وقاص حين وجهه لحرب العراق فقام في الناس خطيبا فقال

إن الله تعالى أنما ضرب لكم الأمثال وصرف لكم الأقوال ليحيي بها


224
القلوب فإن القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها الله من علم شيئا فلينتفع به وإن للعدل أمارات وتباشير فأما الأمارات فالحياء والسخاء والهين واللين وأما التباشير فالرحمة وقد جعل الله لكل أمر بابا ويسر لكل باب مفتاحا فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد والاعتبار ذكر الموت بتذكر الأموات والاستعداد له بتقديم الأعمال والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق وتأدية الحق إلى كل أحد له حق ولا تصانع في ذلك احدا واكتف بما يكفه من الكفاف فإن من لم يكفيه الكفاف لم يغنه شئ إني بينكم وبين اله وليس بيني وبينه أحد وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه فأنهوا شكاتكم إلينا فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها نأخذ له الحق غير متعتع 92-وصيته لسعد بن أبي وقاص

وصى سعد بن أبي وقاص حين أمره على حرب العراق فقال

يا سعد سعد بنى وهيب لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله وصاحب رسول الله فإن الله عز وجل لا يمحو السيئ بالسيئ ولكنه يمحو السيئ بالحسن فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته فالناس شريفهم ووضعيهم في ذات الله سواء الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة فانظر الأمر الذي رأيت النبي منذ بعث إلى أن فارقنا فالزمه فإنه الأمر هذه عظتي إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين 93-وصيته لسعد بن أبي وقاص أيضا

ولما أراد أن يسرحه دعاه فقال

إني قد وليتك حرب العراق فاحفظ وصيتي فإنك تقدم على امر شديد كريه


225
لا يخلص منه إلا الحق فعود نفسك ومن معك الخير واستفتح به واعلم أن لكل عادة عتادا فعتاد الخير الصبر فالصبر الصبر على ما أصابك أو نابك يجتمع لك خشية الله واعلم أن خشية الله تجتمع في امرين في طاعته واجتناب معصيته وإنما أطاعه من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة وعصاه من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاء منها السر ومنها العلانية فأما العلانية فأن يكون حامده وذامه في الحق سواء وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قلبه علي لسانه وبمحبة الناس فلا تزهد في التحبب فإن النبيين قد سألوا محبتهم وإن الله إذا أحب عبدا حببه وإذا أبغض عبدا بغضه فاعتبر منزلتك عند الله تعالى بمنزلتك عند الناس ممن يشرع معك في أمرك 94-وصية أخرى كتبها إلى سعد بن أبي وقاص

وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن ابي وقاص رضي الله عنهما ومن معه من الأجناد

أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله


226
ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا فرب قوم سلط عليهم شر منهم كما سلط على بني اسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفار المجوس فجاسو اخللال الجدينار وكان وعدا مفعولا واسالوا اللهالعون لى أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم أسأل الله تعالى ذلك لنا ولكم وترفق بالمسلمين في مسيرهم ولا تجشمهم مسيرا يتبعهم ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم حتى يبلغوا عدوهم والسفر لم ينقص قوتهم فإنهم سائرون إلى عدو مقيم حامي الأنفس والكراع وأقم بمن معك في كل جمعة يوما وليلة حتى تكون لهم راحة يحيون فيها أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة فلا يدخلها من أصحابك الا من تثق بدينه ولا يرزأ أحدا من أهلها شيئا فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها فما صبروا لكم فتولوهم خيرا ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح وإذا وطئت أرض العدو فأذك العيون بينك وبينهم ولا يخف عليك أمرهم وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدقك في بعضه والغاش عين عليك وليس عينا لك وليكن منك عند دنوك من أرض العدو أن تكثر الطلائع وتبث السرايا بينك وبينهم فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم وتتبع الطلائع عوراتهم وتنق للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك وتخير لهم سوابق الخيل فإن لقوا عدوا كان أول ما تلقاهم القوة من رأيك واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد والصبر على الجلاد ولا تخض بها أحدا بهوى فتضيع من رأيك وأمرك أكثر مما حابيت به أهل
227
خاصتك ولا تبعثن طليعة ولا سرية في وجه تتخوف فيه غلبة أو ضيعة ونكاية فإذا عاينت العدو فاضمم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك واجمع إليك مكيدتك وقوتك ثم لا تعاجلهم المناجزة ما لم يستكرهك قتال حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها فتصنع بعدوك كصنعة بك ثم أذك أحراسك على عسكرك وتيقظ من البيات جهدك ولا تؤتي بأسير ليس له عقد إلا ضربت عنقه لترهب به عدو الله وعدوك والله ولي أمرك ومن معك وولي النصر لكم على عدوكم والله المستعان 95-وصيته للمجاهدين

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول عند عقد الألوية

بسم الله وبالله وعلى عون الله امضوا بتأييد الله وما النصر إلا من عند الله ولزوم الحق والصبر فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ولا تجبنوا عند اللقاء ولا تمثلوا عند القدرة ولا تسرفوا عند الظهور ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان وعند شن الغارات


228
96-وصية عمر ليعلى بن أمية في إجلاء أهل نجران

روى الطبراني قال

كان أول بعث بعثه عمر بعث أبي عبيد ثم بعث يعلى بن أمية إلى اليمن وأمره بإجلاء أهل نجران لوصية رسول الله في مرضه بذلك ولوصية أبي بكر رحمه الله بذلك في مرضه وقال

ائتهم ولا تفتنهم عن دينهم ثم أجلهم من أقام منهم على دينه وأقرر المسلم وامسح أرض كل من تجلى منهم ثم خيرهم البلدان وأعلمهم أنا نجليهم بأمر الله ورسوله الا يترك بجزيرة العرب دينان فليخرجوا من أقام على دينه منهم ثم نعطيهم أرضا كأرضهم إقرارا لهم بالحق على أنفسنا ووفاء بذمتهم فيما أمر الله من ذلك بدلا بينهم وبين جيرانهم من أهل اليمن وغيرهم فيما صار لجيرانهم بالريف 97-خطبة لعمر

ولما انتهى إلى عمر قتل أبي عبيد بن مسعود نادى في المهاجرين والأنصار وخرج حتى أتى صرارا فعسكر به واستشار الناس فكلهم أشار عليه بالسير إلى فارس واستشار ذوي الرأي فاشاروا عليه أن يقيم ويبعث رجلا فقام في الناس فقال إن الله عز وجل قد جمع على الإسلام أهله فألف بين القلوب وجعلهم فيه إخوانا والمسلمون فيما بينهم كالجسد لا يخلو منه شىء من شىء أصاب غيره وكذلك يحق على المسلمين أن يكونوا ( وأمرهم شورى بينهم ) بين ذوي الرأي منهم فالناس تبع لمن قام


229
بهذا الأمر ما اجتمعوا عليه ورضوا به لزم الناس وكانوا فيه تبعا لهم ومن قام بهذا الأمر تبع لأولى رأيهم ما رأوا لهم ورضوا به لهم من مكيدة في حرب كانوا فيه تبعا لهم

يا أيها الناس إني إنماكنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرأي منكم عن الخروج فقد رأيت ان أقيم وأبعث رجلا وقد أحضرت هذا الأمرمن قدمت ومن خلفت 98-خطبة جرير بن عبد الله البجلي

وقال المثنى بن حارثة وهو على قتال فارس من يتبع الناس إلى السيب فقام جرير بن عبد الله البجلي في قومه فقال

يا معشر بجيلة إنكم وجميع من شهد هذا اليوم في السابقة والفضيلة والبلاء سواء وليس لأحد منهم في هذا الخمس غدا من النفل مثل الذي لكم منه ولكم ربع خمسه نفلا من أمير المؤمنين فلا يكونن أحد أسرع إلى هذا العدو ولا أشد عليه منكم للذي لكم منه ونية إلى ما ترجون فإنما تنتظرون إحدى الحسنين الشهادة والجنة أو الغنيمة والجنة 99-خطبة سعد بن أبي وقاص يوم أرماث

وخطب سعد بن أبي وقاص يوم أرماث سنة 14ه فحمد الله وأثنى عليه وقال

إن الله هو الحق لا شريك له في الملك وليس لقوله خلف قال الله جل ثناؤه


230
( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) إن هذا ميراثكم وموعود ربكم وقد أباحها لكم منذ ثلاث حجج فأنتم تطعمون منها وتأكلون منها وتقتلون أهلها وتجبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال منهم أصحاب الأيام منكم وقد جاءكم منهم هذا الجمع وأنتم وجوه العرب وأعيانهم وخيار كل قبيلة وعز من وراءكم فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة جمع الله لكم الدنيا والآخرة ولا يقرب ذلك أحدا إلى أجله وإن تفشلوا وتهنوا وبتضعفوا تذهب ريحكم وتوبقوا آخرتكم 100-خطبة عاصم بن عمرو

وقام عاصم بن عمرو فقال

إن هذه بلاد قد أحل الله لكم أهلها وأنتم تنالون منها منذ ثلاث سنين ما لا ينالون منكم وأنتم الأعلون والله معكم إن صبرتم وصدقتموهم الضرب والطعن فلكم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم وبلادهم وإن خرتم وفشلتم والله لكم من ذلك جار وحافظ لم يبق هذا الجمع منكم باقية مخافة أن تعودوا عليهم بعائده هلاك الله الله اذكروا الأيام وما منحكم الله فيها أولا ترون أن الأرض وراكم بسابس قفار ليس فيها خمر ولا وزر يعقل إليه ويمتنع به اجعلوا همكم الآخرة 101-خطبة طليحة بن خويلد الآسدي

وحمل أصحاب الفيلة من جيش الفرس على المسلمين وكادت بجيلة أن تؤكل فرت عنها خيلها نفارا فأرسل سعد إلى بني أسد ذببوا عن بجيلة وقام طليحة بن خويلد الأسدي في قومه حين استصرخهم سعد فقال


231
يا عشيرتاه ان المنوه باسمه الموثوق به وإن هذا لو علم أن احدا أحق بإغاثة هؤلاء منكم استغاثهم ابتدئوهم الشدة وأقدموا عليهم إقدام الليوث الحربة فإنما سميتم أسدا لتفعلوا فعله شدوا ولا تصدوا وكروا ولا تفروا لله در ربيعة أي فري يفرون وأي قرن يغنون هل يوصل إلى مواقفهم فأغنوا عن مواقفكم أعانكم الله شدوا عليهم باسم الله 102-الخنساء تحرض أولادها على القتال

حضرت الخنساء حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال فقالت لهم

يا بني أنتم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين ووالله الذي لا إله غيره إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غبرت نسبكم وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب العظيم في حرب الكافرين واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية يقول الله عز وجل ( ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) فإذا أصبحتم غدا فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين ولله على أعدائه مستنصرين

فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم فتقدموا واحدا بعد واحد ينشدون الأراجيز فقاتلوا حتى استشهدوا جميعا فلما بلغها الخبر قالت الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي ان يجمعني بهم في مستقر رحمته فكان عمر رضي الله عنه يعطيها أرزاق أولادها الأربعة لكل واحد منهم مائة درهم حتى قبض وماتت الخنساء


232
103-خطبة عتبة بن غزوان

وفي سنة 14ه وجه عمربن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة وأمره بنزولها بمن معه وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم فرفعوا له منبرا وقام يخطب فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال

اما بعد فإن الدنيا قد تولت حذاء مدبرة وقد آذنت أهلها بصرم وإنما بقي منها صبابة كصبابة الإناء يصطبها صاحبها ألا وإنكم مفارقوها لا محالة ففارقوها بأحسن ما يحضركم ألا وإن من العجب أني سمعت رسول الله يقول إن الحجر الضخم يلقى في النار من شفيرها فيهوي فيها سبعين خريفا ولجهنم سبعة ابواب ما بين البابين منها مسيرة خمسمائة سنة ولتأتين عليها ساعة وهي كظيظ بالزحام ولقد كنت مع رسول الله سابع سابعة مالنا طعام الا ورق البشام حتى قرحت أشداقنا فوجدت أنا وسعد بن مالك تمرة فشققتها بينى وبينه نصفين والتقطت بردة فشققتها بين بوبينه فأتزرت بنصفها وأتزر بنصفها وما منا أحد اليوم إلا وهو أمير على مصر من الأمصار وإنه لم يكن نبوة قط إلا تناسختها جبرية وأنا أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وفي أعين الناس صغيرا وستجربون الأمراء من بعدي فتعرفون وتنكرون


233
104-خطبة لسعد بن أبي وقاص

ولما نزل سعد بهرسير وهي المدينة الدنيا طلب السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى على نهر دجلة فلم يقدر على شئ ووجدهم قد ضموا السفن فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال

إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليه معه وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا فيناوشونكم في سفنهم وليس وراءكم شئ تخافون أن تؤتوا منه فقد كفاكموه أهل الأيام وعطلوا ثغورهم وأفنوا ذادتهم وقد رأيت من الرأي ان تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم

فقالوا جميعا عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل

واقتحم دجلة وفتح المدينة القصوى سنة 16ه 105-خطبة عمر

ولما تجمعت جموع الفرس بنهاوند كتب سعد إلى عمر يخبره بذلك فاجتمع الناس وقام عمرعلى المنبر خطيبا فأخبرهم الخبر واستشارهم وقال

هذا يوم له ما بعده من الأيام ألا وإني قد هممت بأمر وإني عارضه عليكم فاسمعوه ثم أخبروني وأوجزوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ولا تكثروا ولا تطيلوا فتفشغ بكم الأمور ويلتوى عليكم الرأي أفمن الرأي أن أسير فيمن قبلى ومن قدرت عليه حتى أنزل منزلا وسطا بين هذين المصرين فأستنفزهم ثم أكون


234
لهم ردءا حتى يفتح الله عليهم ويقضى ما أحب فإن فتح الله عليهم أن أضريهم عليهم في بلادهم ليتنازعوا ملكهم

فقام عثمان بن عفان ورجال من أهل الرأي من أصحاب رسول الله فتكلموا كلاما فقالوا

لا نرى ذلك ولكن لا يغيبن عنهم رأيك وأثرك وقالوا بإزائهم وجوه العرب وفرسانهم وإعلامهم ومن قد فض جموعهم وقتل ملوكهم وباشر من حروبهم ما هو أعظم من هذه وإنما استأذنوك ولم يستصرخوك فأذن لهم واندب إليهم وادع لهم 106-خطبة لعلي

وقام على بن أبي طالب فقال

أصاب القوم يا أمير المؤمنين الرأي وفهموا ما كتب به إليك وإن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه لكثرة ولا قلة هو دينه الذي أظهره وجنده الذي أعزه وأيده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ فنحن على موعود من الله والله منجز وعده وناصر جنده ومكانك منهم مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه فإن انحل تفرق ما فيه وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهي كثير عزيز بالإسلام فأقم واكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم ومن لم يحفل بمن هو أجمع وأحد وأجد من هؤلاء فليأتهم الثلثان وليقم الثلث واكتب إلى أهل البصرة أن يمدوهم ببعض من عندهم

فسر عمر بحسن رأيهم وأعجبه ذلك منهم


235
107-خطبة طلحة بن عبيد الله

وقام طلحة بن عبيد الله وكان من خطباء رسول الله فتشهد ثم قال

أما بعد يا أمير المؤمنين فقد أحكمتك الأمور وعجمتك البلايا واحتنكتك التجارب وأنت وشأنك وأنت ورأيك لا ننبو في يديك ولا نكل عليك إليك هذا الأمر فمرنا نطع وادعنا نجب واحملنا نركب ووفدنا نفد وقدنا ننقد فإنك ولي هذا الأمر وقد بلوت وجربت واختبرت فلم ينكشف شئ من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيار ثم جلس 108-خطبة عثمان بن عفان

فعاد عمر فقال إن هذا يوم له ما بعده من الأيام فتكلموا فقام عثمان بن عفان فتشهد وقال

أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شأمهم وتكتب إلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم ثم تسير أنت بأهل هذين الحرمين إلى المصرين البصرة والكوفة فتلقى جميع المشركين بجمع المسلمين فإنك إذا سرت بمن معك وعندك قل في نفسك ما قد تكاثر من عدد القوم وكنت أعز عزا وأكثر يا أمير المؤمنين إنك لا تستبقي من نفسك بعد العرب باقية ولا تمتنع من الدنيا بعزيز ولا تلوذ منها بحريز إن هذا اليوم له ما بعده من الأيام فاشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه ثم جلس


236
109-خطبة علي بن أبي طالب

فعاد عمر فقال إن هذا يوم له ما بعده من الأيام فتكلموا فقام علي بن أبي طالب فقال أما بعد يا أمير المؤمنين فإنك إن أسخصت أهل الشام من شأمهم سارت الروم إلى ذراريهم وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم وإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك الأرض من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والعيالات أقرر هؤلاء في أمصارهم واكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا فيها ثلاث فرق فلتقم فرقة لهم في حرمهم وذراريهم ولتقم فرقة في أهل عهدهم لئلا ينتقضوا عليهم ولتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددا لهم إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا قالوا هذا أميرالعرب وأصل العرب فكان ذلك أشد لكلبهم وألبتهم على نفسك وأما ما ذكرت من مسير القوم فإن الله أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما يكره وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ولكنا كنا نقاتل بالنصر

فقال عمر أجل والله لئن شخصت من هذه البلدة لتنتقضن على الأرض من أطرافها وأكنافها ولئن نظرت إلى الأعاجم لا يفارقن العرصة وليمدتهم من لم يمدهم وليقولن هذا أصل العرب فإذا اقتطعتموه اقتطعتم أصل العرب

فأشيروا على برجل أوله ذلك الثغر غدا قالوا انت أفضل رأيا وأحسن مقدرة قال أشيروا علي به واجعلوه عراقيا قالوا يا أميرالمؤمنين أنت أعلم بأهل العراق


237
وجندك قد وفدوا عليك ورأيتهم وكلمتهم فقال أما والله لأولين أمرهم رجلا ليكونن لأول الأسنة إذا لقيها غدا فقيل من يا أمير المؤمنين فقال النعمان بن مقرن المزني فقالوا هو لها والنعمان يومئذ بالبصرة فولاه 110-خطبة النعمان بن مقرن

ونشب القتال بين المسلمين والفرس وكان النعمان يسير في الناس علىبرذون أحوى قريب من الأرض فيقف على كل راية ويحمد الله ويثني عليه ويقول

قد علمتم ما أعزكم الله به من هذا الدين وما وعدكم من الظهور وقد أنجز لكم هوادى ما وعدكم وصدوره وإنما بقيت أعجازه وأكارعه والله منجز وعده ومتبع آخر ذلك أوله واذكروا ما مضى إذكنتم أذلة وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم أعزة فأنتم اليوم عباد الله حقا وأولياؤه وقد علمتم انقطاعكم من إخوانكم من أهل الكوفة والذي لهم في ظفركم وعزكم والذي عليهم في هزيمتكم وذلكم وقد ترون من أنتم بإزائه من عدوكم وما أخطرتم وما أخطروا لكم فأما ما أخطروا لكم فهذه الرثة وما ترون من هذا السواد وأما ما أخطرتم له فدينكم وبيضتكم ولا سواء ما أخطرتم وما أخطروا فلا يكونن على دنياهم أحمىمنكم على دينكم واتقى الله عبد صدق الله وأبلى نفسه فأحسن البلاء فإنكم بين خيرين منتظرين إحدى الحسنيين من بين شهيد حي مرزوق أوفتح قريب وظفر يسير فكفى كل رجل ما يليه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن نفسه وذلك من الملأمة وقد يقاتل الكلب عن صاحبه فكل رجل منكم مسلط على ما يليه فإذا قضيت أمرى فاستعدوا فإني مكبر ثلاثا فإذا كبرت التكبيرة


238
الأولى فليتهيأ من لم يكن تهيأ فإذا كبرت الثانية فليشد عليه سلاحه وليتهيأ للنهوض فإذا كبرت الثالثة فإني حامل إن شاء الله فاحملوا معا اللهم أعز دينك وانصر عبادك واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك

وزلق فرسه في دماء القوم فصرع فاستشهد


239
خطب رجال من الفاتحين بين يدي يزدجرد ملك الفرس وقواده

وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص وهو على فتح العراق يأمره أن يبعث إلى يزدجرد ملك الفرس رجالا من أهل المنظرة والرأي والجلد يدعونه فاختارهم وأنفذهم إليه بالمدائن فلما دخلوا عليه أمر الترجمان بينه وبينهم فقال سلهم ما جاء بكم وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا أمن أجل أنا أجممناكم وتشاغلنا عنكم اجترأتم علينا فقال لهم النعمان بن مقرن إن شئتم أجبت عنكم ومن شاء آثرته فقالوا بل تكلم فتكلم النعمان فقال 111-خطبة النعمان بن مقرن

إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به ويعرفنا الشر وينهانا عنه ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده ولا يدخل معه في دينه الا الخواص فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب وبدأ بهم وفعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكره عليه فاغتبط وطائع أتاه فازداد فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق ثم امرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسن


240
الحسن وقبح القبيح كله فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء فإن أبيتم فالمناجزة فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه على ان تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم وإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم

فقال يزدجرد إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم قد نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم فإن كان غرور لحقكم فلا يغرنكم منا وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم فقام المغيرة بن زرارة فقال 112-خطبة المغيرة بن زرارة

أيها الملك إن هؤلاء رءوس العرب ووجوههم وهم أشراف يستحيون من الأشراف وإنما يكرم الأشراف الأشراف ويعظم حقوق الأشراف الأشراف ويفخم الأشراف الأشراف وليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم الا ذلك فجاوبني لأكون الذي أبلغك ويشهدون على ذلك إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات فنرى ذلك طعامنا واما المنازل فإنما هي ظهر الأرض ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم ديننا أن يقتل بعضنا


241
بعضا ويغير بعضنا على بعض وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامنا فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك فبعث الله إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده فأرضه خير أرضنا وحسبه خير أحسابنا وبيته أعظم بيوتنا وقبيلته خير قبيلتنا وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا فدعانا إلى أمر فلم يجب أحد أول من ترب كان له وكان الخليفة من بعده فقال وقلنا وصدق وكذبنا وزاد ونقصنا فلم يقل شيئا الا كان فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه فصار فيما بيننا وبين رب العالمين فما قال لنا فهو قول الله وما أمرنا فهو أمر الله فقال لنا إن ربكم يقول إني أنا الله وحدي لا شريك لي كنت إذ لم يكن شئ وكل شئ هالك الا وجهي وأنا خلقت كل شئ وإلي يصير كل شئ وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي ولأحلكم داري دار السلام فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق وقال من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم ومن أبي فقاتلوه فأنا الحكم بينكم فمن قتل منكم أدخلته جنتي ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك فقال يزدجرد أتستقبلني بمثل هذا لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم لا شئ لكم عندي ثم قال ائتوني بوقر من تراب فقال احملوه على أشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن
242
113-مقال ربعي بن عامر عند رستم قائد جيش الفرس

وأرسل رستم قائد جيش الفرس إلى سعد بن أبي وقاص أن ابعث إلينا رجلا نكلمه ويكلمنا فبعث إليه ربعي بن عامر فلما انتهى إليه قال له الترجمان واسمه عبود من أهل الحيرة ما جاء بكم قال الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عباد الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضى إلى موعود الله قال وما موعود الله قال الجنة لمن مات على قتال من أبل والظفر لمن بقي 114-خطبة المغيرة بن شعبة في حضرة رستم

وبعث إليه أيضا المغيرة بن شعبة فتكلم بحضرته فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله خالق كل شىء ورازقه فمن صنع شيئا فإنما هو يصنعه والذى له وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك من الظهور على الأعداء والتمكن في البلاد وعظم السلطان في الدنيا فنحن نعرفه ولسنا ننكره فالله صنعة بكم ووضعه فيكم وهوله دونكم وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال وضيق المعيشة واختلاف القلوب فنحن نعرفه ولسنا ننكره والله ابتلانا بذلك وصيرنا إليه والدنيا دول ولم يزل أهل شدائدها يتوقعون الرخاء حتى يصيروا إليه ولم يزل أهل رخائها يتوقعون الشدائد حتى تنزل بهم ويصيروا إليها ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوي شكر كان


243
شكركم يقصر عما أوتيتم وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال ولو كنا فيما ابتلينا به أهل كفر كان عظيم ما تتابع علينا مستجلبا من الله رحمة يرفه بها عنا ولكن الشأن غير ما تذهبون إليه أو كنتم تعرفوننا به إن الله تبارك وتعالى بعث فينا رسولا ثم ذكر مثل الكلام الأول 115-خطبة المغيرة بن شعبة

لما اجتمعت جيوش المسلمين بنهاوند سنة21 ه وأميرهم النعمان بن مقرن المزني أرسل بندار العلج إليهم أن أرسلوا إلينا رجلا نكلمه فأرسلوا إليه المغيرة بن شعبة فأدخل إليه وترجم له قوله

إنكم معشر العرب أبعد الناس من كل خير وأطول الناس جوعا وأشقى الناس شقاء وأقذر الناس قذرا وأبعده دارا وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا تنجسا لجيفكم فإنكم أرجاس فإن تذهبوا نخل عنكم وإن تأبوا نركم مصارعكم قال فحمدت الله وأثنيت عليه فقلت والله ما أخطأت من صفتنا شيئا ولا من نعتنا إن كنا لأبعد الناس دارا وأشد الناس جوعا وأشقى الناس شقاء وأبعد الناس من كل خير حتى بعث الله عز وجل إلينا رسوله فوعدنا النصر في الدنيا والجنة في الآخرة فوالله ما زلنا نتعرف من ربنا منذ جاءنا رسوله بالفتح والنصر حتى أتيناكم وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدا حتى نغلبكم على ما في أيديكم أو نقتل بأرضكم


244
116-خطبة عمر

وغزا الأحنف بن قيس خراسان وحارب يزدجرد سنة 22 ه ثم أقبل أهل فارس على الأحنف فصالحوه وعاقدوه ودفعوا إليه خزائن يزدجرد وتراجعوا إلى بلدانهم وبعث الأحنف بالخبر والغنائم إلى عمر بن الخطاب فجمع الناس وخطبهم فقال في خطبته

إن الله تبارك وتعالى ذكر رسوله وما بعثه به من الهدى ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة فقال ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) فالحمد لله الذي أنجز وعده ونصر جنده ألا إن الله قد أهلك ملك المجوسية وفرق شملهم فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضر بمسلم ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون ألا وإن المصرين من مسالحها اليوم كأنتم والمصرين فيما مضى من البعد وقد وغلوا في البلاد والله بالغ أمره ومنجز وعده ومتبع آخر ذلك أوله فقوموا في أمره على رجل يوف لكم بعهده ويؤتكم وعده ولا تبدلوا ولا تغيروا فيستبدل الله بكم غيركم فإني لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى الا من قبلكم 117-خطبة عثمان بن أبي العاص

ولما فتح عثمان بن أبي العاص إصطخر سنة 23 ه وجمع إليه ما أفاء الله على المسلمين خمسه وبعث بالخمس إلى عمر وقسم أربعة أخماس المغنم في الناس


245
وعفت الجند عن النهاب وأدوا الأمانة واستدقوا الدنيا فجمعهم عثمان ثم قام فيهم وقال

إن هذا الأمر لا يزال مقبلا ولا يزال أهله معافين مما يكرهون ما لم يغلوا فإذا غلوا رأوا ما ينكرون ولم يسد الكثير مسد القليل اليوم


246
في فتح الشام 118-بين الروم ومعاذ بن جبل

وبعث الروم إلى أبي عبيدة أن أرسل الينا رجلا من صلحائكم نسأله عما تريدون وما تسألون وما تدعون إليه ونخبره بذات أنفسنا وندعوكم إلى حظكم إن قبلتم فأرسل إليهم أبو عبيدة معاذ بن جبل فأتاهم فقالوا للترجمان قل له

أخبرونا ما تطلبون وإلام تدعون اليه وما أدخلكم بلادنا وتركتم أرض الحبشة وليسوا منكم ببعيد وتركتم أرض فارس وقد هلك ملك فارس وهلك ابنه وإنما تملكهم اليوم النساء ونحن ملكنا حي وجنودنا عظيمة كثيرة وإن اقتحمتم من مدائننا مدينة أو من قرانا قرية أو من حصوننا حصنا أو هزمتم لنا عسكرا أظننتم أنكم قد ظفرتم بجماعتنا وأنكم قد قطعتم حربنا عنكم أو فرغتم ممن وراءنا منا ونحن عدد نجوم السماء وحصى الأرض وأخبرونا لم تستحلون قتالنا وأنتم تؤمنون بنبينا وكتابنا

فلما قالوا هذا القول وفسره الترجمان لمعاذ سكتوا فقال معاذ للترجمان قد فرغوا قال له نعم قال فأفهمهم عنى أن أول ما أنا ذاكر حمد الله الذي لا إله إلا هو والصلاة على محمد نبيه وأن أول ما أدعوكم إلى الله أن تؤمنوا بالله وحده وبمحمد وأن تصلوا صلاتنا وتستقبلوا قبلتنا وأن تستنوا بسنة نبينا وتكسروا الصليب وتجتنبوا شرب الخمر وأكل لحم الخنزير ثم أنتم منا ونحن منكم وأنتم أخواننا في ديننا لكم ما لنا وعليكم ما علينا وإن


247
أبيتم فأدوا الجزية إلينا في كل عام وأنتم صاغرون ونكف عنكم وإن أنتم أبيتم هاتين الخصلتين فليس شئ مما خلق الله عز وجل نحن قابلوه منكم فابرزوا إلينا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين فهذا ما نأمركم به وما ندعوكم إليه وأما قولكم ما أدخلكم بلادنا وتركتم أرض الحبشة وليسوا منكم ببعيد وتركتم أهل فارس وقد هلك ملكهم فإني أخبركم عن ذلك ما بدأنا قتالكم لأنكم أقرب إلينا منهم وإنكم عندنا جميعا بالسواء وما جاءنا كتابنا بالكف عنهم ولكن الله عز وجل أنزل في كتابه على نبينا فقال ( يا أيها الذين أمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليحدوا فيكم غلظة ) وكنتم أقرب إلينا منهم فبدأنا بكم لذلك وقد أتاهم طائفة منا وهم يقاتلونهم وأرجو أن يظفرهم الله ويفتح عليهم فينصر

وأما قولكم إن ملكنا حي وإن جنودنا عظيمة وإنا عدد نجوم السماء وحصى الأرض وتوئسونا من الظهور عليكم فإن الأمر في ذلك ليس إليكم وإنما الأمور كلها إلى الله وكل شئ في قبضته وقدرته وإذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وإن يكن ملككم هرقل فإن ملكنا الله عز وجل الذي خلقنا وأميرنا رجل منا إن عمل فينا بكتاب ديننا وسنة نبينا أقررناه علينا وإن عمل بغير ذلك عزلناه عنا وإن هو سرق قطعنا يده وإن زنى جلدناه وإن شتم رجلا منا شتمه كما شتمه وإن جرحه أقاده من نفسه ولا يحتجب منا ولا يتكبر علينا ولا يستأثر علينا في فيئنا الذي أفاءه الله علينا وهو كرجل منا

وأما قولكم جنودنا كثيرة فإنها وإن عظمت وكثرت حتى تكون اكثر من نجوم السماء وحصى الأرض فإنا لا نثق بها ولا نتكل عليها ولا نرجو النصر على


248
عدونا بها ولكنا نتبرأ من الحول والقوة ونتوكل على الله عز وجل ونثق بربنا فكم من فئة قليلة قد أعزها الله ونصرها وأغناها وغلبت فئة كثيرة بإذن الله وكم من فئة كثيرة قد أذلها الله وأهانها قال تبارك وتعالى ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين )

وأما قولكم كيف تستحلون قتالنا وأنتم تؤمنون بنبينا وكتابنا فأنا أخبركم عن ذلك نحن نؤمن بنبيكم ونشهد أنه عبد من عبيد الله وأنه رسول من رسل الله وأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ولا نقول إنه الله ولا نقول إنه ثاني إثنين ولا ثالث ثلاثة ولا إن لله والدا ولا إن له صاحبة ولا ولدا ولا إن معه آلهة أخرى لا إله إلا هو تعالى عما يقولون علوا كبيرا وأنتم تقولون في عيسى قولا عظيما فلو أنكم قلتم في عيسى كما نقول وآمنتم بنبوة نبينا كما تجدونه في كتابكم وكما نؤمن نحن بنبيكم وأقررتم بما جاء به من عند الله ووحدتم الله ما قاتلناكم بل كنا نسالمكم ونواليكم ونقاتل معكم عدوكم

فلما فرغ معاذ من خطابه قالوا له ما نرى بيننا وبينك الا متباعدا وقد بقيت خصلة نحن نعرضها عليكم فإن قبلتموها منا فهو خير لكم وإن أبيتم فهو شر لكم نعطيكم البلقاء وما والى أرضكم من سواد الاردن وتنحوا عن بقية أرضنا وعن مدائننا ونكتب عليكم كتابا نسمى فيه خياركم وصلحاءكم ونأخذ عهودكم ومواثيقكم على ألاا تطلبوا من أرضنا غير ما صالحناكم عليه وعليكم بأهل فارس فقاتلوهم ونحن معكم نعينكم عليهم حتى تقتلوهم وتظهروا عليهم

فقال معاذ هذا الذى عرضتم علينا وتعطوناه كله في أيدينا ولو أعطيتمونا جميع ما في أيديكم مما لم نظهر عليه ومنعتمونا خصلة من الخصال الثلاثة التي وصفت لكم ما فعلنا


249
فغضبوا عند ذلك وقالوا نتقرب إليك وتتباعد عنا اذهب إلى أصحابك فو الله إنا لنرجو أن نفرقكم في الجبال غدا فقال معاذ أما الجبال فلا ولكن والله لتقتلنا عن آخرنا أو لنخرجنكم من أرضكم أذلة وأنتم صاغرون وانصرف معاذ 119-بين أبي عبيدة ورسول الروم

وانصرف معاذ إلى أبي عبيدة فأخبره بما قالوا ثم أرسل الروم رسولا من قبلهم إلى أبي عبيدة فقال له أنا أعرض عليكم أمرا لكم فيه حظ إن قبلتموه نحن نعطيكم دينارين دينارين وثوبا ثوبا ونعطيك انت ألف دينار ونعطي الامير الذي فوقك يعنون عمر ألفي دينار وتنصرفون عنا وإن شئتم أعطيناكم أرض البلقاء وما والى أرضكم من سواد الأردن وخرجتم من مدائننا وأرضنا وبلادنا وكتبنا فيما بيننا وبينكم كتابا يستوثق فيه بعضنا من بعض بالأيمان المغلظة ليقومن به وليفين بما عاهد الله عليه

فحمد الله أبو عبيدة وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي ثم قال

إن الله بعث فينا رسولا نبيا وأنزل عليه كتابا حكيما وأمره أن يدعو الناس إلى عبادة ربهم رحمة منه للعالمين وقال لهم إن الله إله واحد عزيز حكيم على مجيد وهو خالق كل شئ وليس كمثله شئ وأمرهم أن يوحدوا الله الذى لا إله إلا هو ولا يتخذوا له صاحبة ولا ولدا ولا يتخذوا معه آلهة أخرى وأن كل شئ يعبده الناس دونه فهو خلقه وأمرنا صلى الله عليه وسلم فقال إذا أتيتم المشركين فادعوهم إلى الإيمان بالله وبرسوله وبالإقرار بما جاء من عند الله عز وجل فمن آمن وصدق فهو أخوكم فى دينكم له ما لكم وعليه ما عليكم ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية حتى يؤدوها عن يد وهم صاغرون فإن أبوا أن يؤمنوا أو يؤدوا الجزية


250
فاقتلوهم وقاتلوهم فإن قتيلكم المحتسب بنفسه شهيد عند الله وهو فى جنات النعيم وقتيل عدوكم فى النار

فإن قبلتم ما سمعتم منى فهو خير لكم وإن أبيتم ذلك فابرزوا إلينا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين

فقال الرومي قد أبيتم إلا هذا فقال له أبو عبيدة نعم فقال لع الرومي أما والله على ذلك إنى لا نراكم تتمنون أنكم قبلتم منا دون ما عرضنا عليكم 120 بين باهان وخالد بن الوليد

وبعث باهان أمير الروم إلى خالد بن الوليد أن القنى فأقبل إليه خالد فقال باهان إن شئت فتكلم وإن شئت بدأتك فتكلمت فقال له خالد فتكلم فقال باهان

الحمد لله الذى جعل نبينا أفضل الأنبياء وملكنا أفضل الملوك وأمتنا خير الأمم فلما بلغ هذا المكان قال خالد للترجمان وقطع على صاحب الروم منطقه ثم قال الحمد لله الذى جعلنا نؤمن بنبينا ونبيكم وبجميع الأنبياء وجعل الأمير الذى وليناه أمورنا رجلا كبعضنا فلو زعم أنه ملك علينا لعزلناه عنا ولسنا نرى أن له على رجل من المسلمين فضلا إلا أن يكون أتقى منه عند الله وأبر والحمد لله الذى جعل أمتنا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتقر بالذنب وتستغفر الله منه وتعبد الله وحده لا تشرك به شيئا قل الآن ما بدا لك

فاصفر وجه باهان ومكث قليلا ثم قال الحمد لله الذى أبلانا فأحسن البلاء عندنا وأغنانا من الفقر ونصرنا على الأمم وأعزنا فلا نذل ومنعنا من الضيم فلا يباح حريمنا ولسنا فيما أعزنا الله به وأعطانا من ديننا ببطرين ولا مرحين ولا


251
باغين على الناس وقد كانت لنا منكم يا معشر العرب جيران كنا نحسن جوارهم ونعظم قدرهم ونفضل عليهم ونفى لهم بالعهد وخيرناهم بلادنا ينزلون منها حيث شاءوا فينزلون آمنين ويرحلون آمنين وكنا نرى أن جميع العرب ممن لا يجاورنا سيشكر لنا ذلك الذى أتينا إلى إخوانهم وما اصطنعنا عندهم فلم يرعنا منكم إلا وقد فاجأتمونا بالخيل والرجال تقاتلوننا على حصوننا وتريدون أن تغلبونا على بلادنا وقد طلب هذا منا قبلكم من كان أكثر منكم عددا وأعظم مكيدة وأوفى جندا ثم رددناهم عنها فلم يرجعوا عنا إلا وهم بين قتيل وأسير وأراد ذلك منا فارس فقد بلغكم كيف صنع الله عز وجل بهم وأراد ذلك منا الترك فلقيناهم بأشد مما لقينا به فارس وأرادنا غيركم من أهل المشرق والمغرب من ذوى المنعة والعز والجنود العظيمة فكلهم أظفرنا الله بهم وصنع لنا عليهم ولم تكن أمة من الأمم بأرق عندنا منكم شأنا ولا أصغر أخطارا إنما جلكم رعاء الشاء والإبل وأهل الصخر والحجر والبؤس والشقاء فأنتم تطمعون أن نجلى لكم عن بلادنا بئس ما طمعتم فيه منا وقد ظننا أنه لم يأت بكم إلى بلادنا ونحن يتقى كل من حولنا من الأمم العظيمة الشأن الكثيرة العدد مع كثرتنا وشدة شوكتنا إلا جهد نزل بكم من جدوبة الأرض وقحط المطر وعثتم فى بلادنا وأفسدتم كل الفساد وقد ركبتم مراكبنا وليست كمراكبكم ولبسم ثيابنا وليست كثيابكم وثياب الروم البيض كأنها صفائح الفضة وطعمتم من طعامنا وليس كطعامكم وأصبتم منا وملأتم أيديكم من الذهب الأحمر والفضة البيضاء والمتاع الفاخر وقد لقيناكم الآن وذلك كله لنا فهو فى أيديكم فنحن نسلمه لكم فاخرجوا به وانصرفوا عن بلادنا فإن أبت أنفسكم إلا أن تحرصوا وتشرهوا وأردتم أن نزيدكم من بيوت أموالنا ما يقوى به الضعيف منكم ويرى الغائب أن قد
252
رجع إلى أهله بخير فعلنا ونأمر للأمير منكم بعشرة آلاف دينار ونأمر لك بمثلها ونأمر لرؤسائكم بألف دينار ألف دينار ونأمر لجميع أصحابك بمائة دينار مائة دينار على أن توثقوا لنا بالأيمان المغلظة ألا تعودوا إلى بلادنا ثم سكت 121 جواب خالد فقال خالد رحمه الله الحمد لله الذى لا إله إلا هو فلما فسر له الترجمان قوله الحمد لله الذى لا إله إلا هو رفع يده إلى السماء ثم قال لخالد نعم ما قلت ثم قال خالد وأشهد أن محمدا رسول الله فلما فسر له الترجمان قال باهان الله أعلم ما أدرى لعله كما تقول فأخبر خالد الترجمان ثم قال خالد رحمه الله

أما بعد فإن كل ما ذكرت به قومك من الغنى والعز ومنع الحريم والظهور على الأعداء والتمكن فى البلاد فنحن به عارفون وكل ما ذكرت من إنعامكم على جيرانكم منا فقد عرفناه وذلك لأمر كنتم تصلحون به دنياكم وإصلاحكم كان إليهم وإحسانكم إليهم كان ذلك زيادة فى ملككم وعزا لكم ألا ترون أن ثلثيهم أو شطرهم دخلوا معكم فى دينكم فهم يقاتلوننا معكم

وأما ما ذكرتنا به من رعى الإبل والغنم فما أقل من رأيت واحدا منا يكرهه ومالم يكن يكرهه منا فضل على من يفعله وأما قولكم إنا أهل الصخر والحجر والبؤس والشقاء فحالنا والله كما وصفته ما ننتفى من ذلك ولا نتبرأ منه وكنا على أسوأ وأشد مما ذكرت وسأقص عليك قصتنا وأعرض عليك أمرنا وأدعوك إلى حظك إن قبلت ألا إنا كنا معشر العرب أمة من هذه الأمم أنزلنا الله وله الحمد منزلا من الأرض ليست به أنهار جارية ولا يكون به من الزرع إلا القليل وكل أرضنا المهامة والقفار فكنا أهل حجر ومدر وشاء وبعير وعيش شديد وبلاء


253
دائم لازم نقطع أرحامنا ونقتل خشية الإملاق أولادنا ويأكل قوينا ضعيفنا وكثيرنا قليلنا ولا تأمن قبيلة منا قبيلة إلا أربعة أشهر من السنة نعبد من دون الله أربابا وأصناما ننحتها بأيدينا من الحجارة التى نختارها على أعيننا وهى لا تضر ولا تنفع ونحن عليها مكبون فبينما نحن كذلك على شفا حفرة من النار من مات منا مات مشركا وصار إلى النار ومن بقى منا بقى كافرا مشركا بربه قاطعا لرحمه إذ بعث الله فينا رسولا من صميمنا وشرفائنا وخيارنا وكرمائنا وأفضلنا دعانا إلى الله وحده أن نعبده ولا نشرك به شيئا وأن نخلع الأنداد التى يعبدها المشركون دونه وقال لنا لا تتخذوا من دون الله ربكم إلها ولا وليا ولا نصيرا ولا تجعلوا معه صاحبة ولا ولدا ولا تعبدوا من دونه نارا ولا حجرا ولا شمسا ولا قمرا واكتفوا به ربا وإلها من كل شئ دونه وكونوا أولياءه وإليه فادعوا وإليه فارغبوا وقال لنا قاتلوا من اتخذ مع الله آلهة أخرى وكل من زعم أن لله ولدا وأنه ثانى اثنين أو ثالث ثلاثة حتى يقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له ويدخلوا فى الإسلام فإن فعلوا حرمت عليكم دماؤهم وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها وهم إخوانكم فى الدين لهم ما لكم وعليهم ما عليكم فإن هم أبوا أن يدخلوا فى دينكم وأقاموا على دينهم فأعرضوا عليهم الجزية أن يؤدوها عن يد وهم صاغرون فإن هم فعلوا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم وإن أبوا فقاتلوهم فإنه من قتل منكم كان شهيدا حيا عند الله مرزوقا وأدخله الله الجنة ومن قتل من عدوكم قتل كافرا وصار إلى النار مخلدا فيها أبدا ثم قال خالد

وهذا والله الذى لا إله إلا هو أمر الله به نبيه فعلمنا وأمرنا به أن ندعو الناس إليه ونحن ندعوكم إلى ما دعانا إليه نبينا وإلى ما أمرنا به أن ندعو إليه الناس فندعوكم إلى الإسلام وإلى أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإلى أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتقروا بما جاء من عند الله


254
عز وجل فإن فعلتم فأنتم إخواننا فى الإسلام لكم ما لنا وعليكم ما علينا وإن أبيتم فإنا نفرض عليكم أن تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون فإن فعلتم قبلنا منكم وكففنا عنكم وإن أبيتم أن تفعلوا فقد والله جاءكم قوم هم أحرص على الموت منكم على الحياة فاخرجوا بنا على اسم الله حتى نحاكمكم إلى الله فإنما الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ثم سكت خالد

فقال باهان أما أن ندخل فى دينكم فما أبعد من ترى من الناس من أن يترك دينه ويدخل فى دينكم وأما أن نؤدى الجزية فتنفس الصعداء وثقلت عليه وعظمت عنده فقال سيموت من ترى جميعا قبل أن يؤدوا الجزية إلى أحد من الناس وهم يأخذون الجزية ولا يعطونها وأما قولك فاخرجوا حتى يحكم الله بيننا فلعمرى ما جاءك هؤلاء القوم وهذه الجموع إلا ليحاكموك إلى الله وأما قولك إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده فصدقت والله ما كانت هذه الأرض التى نقاتلكم عليها وتقاتلوننا فيها إلا لأمة من الأمم كانوا قبلنا فيها فقاتلناهم عليها فأخرجناهم منها وقد كانت قبل ذلك لقوم آخرين فأخرجهم منها هؤلاء الذين كنا قاتلناهم عنها فابرزوا على اسم الله فإنا خارجون إليكم 122 خطبة عمرو بن العاص

ولما نقض أهل الأردن العهد الذى كان بينهم وبين المسلمين قام عمرو بن العاص وجمع إليه من كان قبله من المسلمين

فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبيى ثم قال

أما بعد فقد برئت ذمة الله من رجل من أهل عهدنا من أهل الأردن قدم


255
على رجل من أهل إيليا أو كان عنده لم يأتنا به ولم يرفعه إلينا ألا ولا يبقين رجل من أهل عهدنا إلا تهيأواستعد حتى يسير معى إلى أهل إيليا فإنى أريد المسير إليهم والنزول بساحتهم ثم لا أزايلهم حتى أقتل مقاتلهم وأسبى ذراريهم أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون 123 خطبة عمر ولما حصر أبو عبيدة أهل أيليا ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحربة سألوه الصلح على أن يكون عمر هو الذى يعطيهم العهد ويكتب لهم الأمان فأقبل عمر إلى الشام حتى انتهى إلى الجابية فقام فى الناس فقال

الحمد لله الحميد المستحمد المجيد الدفاع الغفور الودود الذى من أراد أن يهديه من عباده اهتدى ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا

أما بعد فإنى سمعت رسول الله يقول إن خيار أمتى الذين يلونكم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل على الشهادة ولم يستشهد عليها وحتى يحلف على اليمين ولم يسألها فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ولا يبالى الله شذوذ من شذ ألا لا يخلون رجل منكم بإمرأة إلا أن يكون لها محرما فإن ثالثهما الشيطان 124 خطبة عمر

ولما كان عمر رضى الله عنه بالشام قام فى الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبى ثم قال


256

يا أهل الإسلام إن الله قد صدقكم الوعد ونصركم على الأعداء وورثكم البلاد ومكن لكم فى الأرض فلا يكن جزاء ربكم إلا الشكر وإياكم والعمل بالمعاصى فإن العمل بالمعاصى كفر للنعم وقلما كفر قوم بما أنعم الله عليهم ثم لم يفزعوا إلى التوبة إلا سلبوا عزهم وسلط عليهم عدوهم ثم نزل 125 خطبة لعمر

وقفل عمر من الشام إلى المدينة فى ذى الحجة سنة 17ه وخطب حين أراد القفول فحمد الله وأثنى عليه وقال

ألا إنى قد وليت عليكم وقضيت الذى على فى الذى ولانى الله من أمركم إن شاء الله قسطنا بينكم فيئكم ومنازلكم ومغازيكم وأبلغنا ما لديكم فجندنا لكم الجنود وهيأنا لكم الفروج وبوأناكم ووسعنا عليكم ما بلغ فيئكم وما قاتلتم عليه من شأمكم وسمينا لكم أطماعكم وأمرنا لكم بإعطائكم أرزاقكم ومعاونكم فمن علم علم شئ ينبغى العمل به فبلغنا نعمل به إن شاء الله ولا قوة إلا بالله 126 خطبة عمر

ولما رجع عمر رضى الله عنه إلى المدينة استقبله الناس يهنئون بالنصر والفتح فجاء حتى دخل مسجد رسول الله فصلى ركعتين عند المنبر ثم صعد المنبر فاجتمع الناس إليه فقام


257

فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى وقال أيها الناس إن الله قد اصطنع عند هذه الأمة أن يحمدوه ويشكروه وقد أعز دعوتها وجمع كلمتها وأظهر فلجها ونصرها على الأعداء وشرفها ومكن لها فى الأرض وأورثها بلاد المشركين وديارهم وأموالهم فأحدثوا لله شكرا يزدكم واحمدوه على نعمه عليكم يدمها لكم جعلنا الله وإياكم من الشاكرين ثم نزل 127 وصية أبى عبيدة للمسلمين وقد أصابه طاعون عمواس

وكان طاعون عمواس قد عم أهل الشام سنة 18ه ومات فيه بشر كثير ومات فيه أبو عبيدة رحمه الله

ولما طعن أبو عبيدة وهو بالأردن دعا المسلمين فلما دخلوا عليه قال

إنى أوصيكم بوصية إن قبلتموها لم تزالوا بخير ما بقيتم وبعد ما تهلكون أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا وتصدقوا وحجوا واعتمروا وتواصلوا وتحابوا واصدقوا أمراءكم ولا تغشوهم ولا تلهكم الدنيا فإن امرأ لو عمر ألف حول ما كان له بد من أن يصير إلى مصرعى هذا الذى ترون وإن الله قد كتب الموت على بنى آدم فهم ميتون وأكرمهم منهم أطوعهم لربه وأعلمهم ليوم معاده ثم قال يا معاذ صل بالناس فصلى معاذ بالناس ومات أبو عبيدة رحمه الله


258
خطبة معاذ بن جبل عند موت أبى عبيدة

فقام معاذ بن جبل فى الناس فقال

يا أيها الناس توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة فإن عبدا أن يلقى الله عز وجل تائبا من ذنبه كان حقا على الله أن يغفر له ذنوبه ومن كان عليه دين فليقضه فإن العبد مرتهن بدينه ومن أصبح منكم مصارما مسلما فليلقه وليصالحه إذا لقيه وليصافحه فإنه لا ينبغى لمسلم أن يهجر أخاه المسلم أكثر من ثلاثة أيام والذنب فى ذلك عند الله وأنكم أيها المسلمون قد فجعتم برجل والله ما أزعم أنى رأيت منكم عبدا من عباد الله قط أقل غمرا ولا أبر صدرا ولا أبعد من الغائلة ولا أنصح للعامة ولا أشد عليهم تحننا وشفقة منه فترحموا عليه ثم احضروا الصلاة عليه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر والله لا يلى عليكم بعده مثله أبدا

فاجتمع الناس وأخرج أبو عبيدة وتقدم معاذ فصلى عليه حتى إذا أتى به قبره دخل قبره معاذ وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس فلما وضعوه فى قبره وخرجوا منه فسفوا عليه التراب قال معاذ 129 رثاء معاذ بن جبل لأبى عبيدة

رحمك الله يا أبا عبيدة فوالله لاثنين عليك بما علمت والله لا أقول باطلا أخاف أن يلحقنى من الله مقت كنت والله ما علمت من الذاكرين الله كثيرا ومن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ومن


259
الذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما وكنت والله ما علمت من المخبتين المتواضعين ومن الذين يرحمون اليتيم والمسكين ويبغضون الجفاة والمتكبرين

ولم يكن أحد من الناس كان أشد جزعا على فقد أبى عبيدة وعلى موته ولا أطول حزنا عليه من معاذ بن جبل 130 ابن العاص ومعاذ والطاعون

وصلى معاذ بالناس أياما واشتد الطاعون وكثر الموت فى الناس فلما رأى ذلك عمرو بن العاص قال أيها الناس إن هذا الطاعون هو الرجز الذى عذب الله به بنى اسرائيل مع الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وأمر الناس بالفرار منه فأخبر معاذ بقول عمرو فقال ما أراد إلى ما يقول مالا علم له به ثم جاء معاذ حتى صعد المنبر

فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبى ثم ذكر الوباء فقال ليس كما قال عمرو ولكنه رحمة بكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم اللهم أعط معاذا وآل معاذ منه النصيب الأوفر 131 وصية لمعاذ بن جبل

ثم صلى ورجع إلى منزله فإذا هو بابنه عبد الرحمن قد طعن فلم يلبث إلا قليلا حتى مات يرحمه الله وصلى عليه معاذ ثم دفنه فلما رجع معاذ إلى منزله طعن فاشتد به وجعه وجعل أصحابه يختلفون إليه فإذا أتاه أصحابه أقبل عليهم فقال لهم


260

اعملوا وأنتم فى مهلة وحياة وفى بقية من آجالكم من قبل أن تمنوا العمل فلا تجدوا إليه سبيلا وأنفقوا مما عندكم لما بعدكم قبل أن تهلكوا وتدعوا ذلك كله ميراثا لمن بعدكم واعلموا أنه ليس لكم من أموالكم إلا ما أكلتم وشربتم ولبستم وأنفقتم وأعطيتم فأمضيتم وما سوى ذلك فللوارثين 132 وصية لمعاذ بن جبل أيضا

وأتاه رجل فى مرضه فقال يا معاذ علمنى شيئا ينفعنى الله به قبل أن تفارقنى فلا أراك ولا ترانى ولا أجد منك خلفا ثم لعلى أن أحتاج إلى سؤال الناس عما ينفعنى بعدك فلا أجد فيهم مثلك فقال معاذ كلا إن صلحاء المسلمين والحمد لله كثير ولن يضيع الله أهل هذا الدين ثم قال له

خذ عنى ما آمرك كن من الصائمين بالنهار ومن المصلين فى جوف الليل ومن المستغفرين بالأسحار ومن الذاكرين الله على كل حال كثيرا ولا تشرب الخمر ولا تزنين ولا تعق والديك ولا تأكل مال اليتيم ولا تفر من الزحف ولا تأكل الربا ولا تدع الصلاة المكتوبة ولا تضيع الزكاة المفروضة وصل رحمك وكن بالمؤمنين رحيما ولا تظلم مسلما وحج واعتمر وجاهد ثم أنا لك زعيم بالجنة

ومات رحمه الله وقد استخلف عمرو بن العاص فصلى عليه عمرو

فلما دفنه قال

رحمك الله يا معاذ فقد كنت ما علمناك من نصحاء المسلمين ومن خيارهم وأعلامهم ثم كنت مؤدبا للجاهل شديدا على الفاجر رحيما بالمؤمنين وايم الله لا يستخلف من بعدك مثلك


261

ولما انتهى إلى عمر رضى الله عنه هلاك أبى عبيدة وهلاك معاذ فرق عماله على كور الشأم فبعث عبد الله ابن قرط على حمص ثم عزله وولى عبادة بن الصامت الأنصارى واستعمل على دمشق أبا الدرداء الأنصارى وكتب إلى يزيد بن أبى سفيان أن يسير إلى قيسارية 133 خطبة عبادة بن الصامت

فلما قدم عبادة على أهل حمص قام فى الناس خطيبا

فحمد الله وصلى على النبى ثم قال

أما بعد ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر ألا وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك قادر ألا وإنكم معروضون على أعمالكم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ألا وإن للدنيا بنين وللآخرة بنين فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن كل أم يتبعها بنوها يوم القيامة 134 خطبة شداد بن أوس

ثم قال لشداد بن أوس قم يا شداد فعظ الناس وكان شداد مفوها قد أعطى لسانا وحكمة وفضلا وبيانا فقام شداد فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى ثم قال

أما بعد أيها الناس راجعوا كتاب الله وإن تركه كثير من الناس فإنكم لم تروا من الخير إلا أسبابه ولا من الشر إلا أسبابه وإن الله جمع الخير كله بحذافيره فجعله فى الجنة وجمع الشر بحذافيره فجعله فى النار وإن الجنة وعرة حزنة ألا وإن النار سهلة لينة ألا وإن الجنة حفت بالكره والصبر ألا وإن النار حفت


262
بالهوى والشهوة ألا فمن كشف حجاب الكره والصبر أشفى على الجنة ومن أشفى على الجنة كان من أهلها ألا ومن كشف حجاب الهوى والشهوة أشفى على النار وكان من أهلها فاعملوا بالحق تنزلوا منازل أهل الحق يوم لا يقضى إلا بالحق 135 خطبة أبى الدرداء

وقام أبو الدرداء فى أهل دمشق خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبى ثم قال

أما بعد يأهل دمشق اسمعوا مقالة أخ لكم ناصح فما بالكم تجمعون مالا تأكلون وتبنون مالا تسكنون وتأملون مالا تدركون وقد كان من كان قبلكم جمعوا كثيرا وبنوا شديدا وأملوا بعيدا وماتوا قريبا فأصبحت أعمالهم بورا ومساكنهم قبورا وأملهم غرورا ألا وإن عادا وثمودا كانوا قد ملئوا ما بين بصرى وعدن أموالا وأولادا ونعما فمن يشترى منى ما تركوا بدرهمين 136 خطبة يزيد بن أبى سفيان

وسار يزيد بن أبى سفيان إلى قيسارية فقام فى جنده فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبى ثم قال

أما بعد فإن كتاب أمير المؤمنين عمر المبارك الفاروق أتانى يحثنى على المسير إلى قيسارية وأن أدعوهم إلى الإسلام وأن يدخلوا فيما دخل فيه أهل الكور من


263
أهل الشام فيؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون فإن أبوا نزلت عليهم فلم أزايلهم حتى أقتل مقاتلتهم وأسبى ذراريهم فسيروا رحمكم الله إليهم فإنى أرجو أن يجمع الله لكم الغنيمة فى الدنيا والآخرة 137 وصية العباس بن عبد المطلب المتوفى سنة 32ه لابنه عبد الله

قال عبد الله بن عباس قال لى أبى

يا بنى إنى أرى أمير المؤمنين يعنى عمر بن الخطاب قد اختصك من دون من ترى من المهاجرين والأنصار وإنى موصيك بخلال أربع لا يجربن عليك كذبا ولا تغتابن عنده مسلما ولا تفشين له سرا ولا تطو عنه نصيحة قال فقلت يا أبه كل واحدة منها خير من ألف فقال كل واحدة منها خير من عشرة آلاف 138 وصية عمر للخليفة من بعده

وأوصى عمر الخليفة من بعده فقال

أوصيك بتقوى الله لا شريك له وأوصيك بالمهاجرين الأولين خيرا أن تعرف لهم سابقتهم وأوصيك بالأنصارخيرا فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم وأوصيك بأهل الأمصار خيرا فإنهم ردء العدو وجباة الفئ لا تحمل فيئهم إلا عن فضل منهم وأوصيك بأهل البادية خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام أن تأخذ من حواشى أموال أغنيائهم فترد على فقرائهم وأوصيك بأهل الذمة خيرا أن


264
تقاتل من ورائهم ولا تكلفهم فوق طاقتهم إذا أدوا ما عليهم للمؤمنين طوعا أو عن يد وهم صاغرون وأوصيك بتقوى الله وشدة الحذر منه ومخافة مقته أن يطلع منك على ريبة وأوصيك أن تخشى الله في الناس وتخشى الناس في الله وأوصيك بالعدل في الرعية والتفرغ لحوائجهم وثغورهم ولا تؤثر غنيهم على فقيرهم فإن ذلك بإذن الله سلامة لقلبك وحط لوزرك وخير في عاقبة أمرك حتى تفضى من ذلك إلى من يعرف سريرتك ويحول بينك وبين قلبك وآمرك ان تشتد في أمر الله وفي حدوده ومعاصيه على قريب الناس وبعيدهم ثم لا تأخذك في أحد رأفة حتى تنتهك منة مثل ما انتهك من حرمة الله واجعل الناس عندك سواء لا تبالي على من وجب الحق ثم لا تأخذك في الله لومة لائم وإياك والأثرة والمحاباة فيما ولاك الله مما أفاء الله على المؤمنين فتجور وتظلم وتحرم نفسك من ذلك ما قد وسعه الله عليك وقد أصبحت بمنزلة من منازل الدنيا والآخرة وأنت إلى الآخرة جد قريب فإن اقترفت لدنياك عدلا وعفة عما بسط الله لك اقترفت به إيمانا ورضوانا وإن غلبك الهوى اقترفت به سخط الله وأوصيك ألا ترخص لنفسك ولا لغيرك في ظلم أهل الذمة وقد أوصيتك وخضضتك ونصحتك فابتغ بذلك وجه الله والدار الآخرة واخترت من دلالتك ما كنت دالا عليه نفسي وولدي فإن عملت بالذي وعظتك وانتهيت إلى الذي أمرتك أخذت به نصيبا وافرا وحظا وافيا وإن لم تقبل ذلك ولم يهمك ولم تنزل معاظم الأمور عند الذي يرضى الله به عنك يكن ذلك بك انتقاصا ورأيك فيه مدخولا لأن الأهواء مشتركة ورأس كل خطيئة إبليس وهو داع إلى كل هلكة وقد أضل القرون السالفة قبلك فأوردهم النار ولبئس الثمن أن يكون حظ امرئ موالاة عدو الله الداعي إلى معاصيه ثم اركب الحق وخض إليه الغمرات وكن واعظا لنفسك أنشدك الله لما ترحمت على جماعة المسلمين فأجللت كبيرهم ورحمت صغيرهم ووقرت عالمهم ولا تضربهم فيذلوا ولا تستأثر
265
عليهم بالفئ فتبغضهم ولا تحرمهم عطاياهم عند محلها فتفقرهم ولا تجمرهم في البعوث فتقطع نسلهم ولا تجعل المال دولة بين الأغنياء منهم ولا تغلق بابك دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم هذه وصيتي إياك وأشهد الله عليك وأقرأ عليك السلام . وفي رواية الطبري

قال وأوصى الخليفة من بعدي بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان أن يحسن إلى محسنهم وأن يعفو عن مسيئهم وأوصى الخليفة من بعدي بالعرب فإنها مادة الإسلام أن يؤخذ من صدقاتهم حقها فتوضع في فقرائهم وأوصى الخليفة من بعدي بذمة رسول الله أن يوفى لهم بعهدهم اللهم هل بلغت

تركت الخليفة من بعدي على أنقى من الراحة


266
خطب يوم الشورى

بعد دفن عمر اجتمع أهل الشورى وهم عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وكان طلحة غائبا فبدأ عبد الرحمن بن عوف بالكلام فقال 139-خطبة عبد الرحمن بن عوف

يا هؤلاء إن عندي رأيا وإن لكم نظرا فاسمعوا تعلموا وأجيبوا تفقهوا فإن حابيا خيرمن زاهق وإن جرعة من شروب بارد أنفع من عذب موب أنتم أئمة يهتدى بكم وعلماء يصدر إليكم فلا تفلوا المدى بالاختلاف بينكم ولا تغمدوا السيوف عن أعدائكم فتوتروا ثأركم وتؤلتوا أعمالكم لكل أجل كتاب ولكل بيت إمام بأمره يقومون وبنهيه يرعون قلدوا أمركم واحدا منكم تمشوا الهوينى وتلحقوا الطلب لولا فتنة عمياء وضلالة حيراء يقول أهلها ما يرون وتحلهم الحبو كرى ما عدت نياتكم معرفتكم ولا أعمالكم


267
نياتكم احذروا نصيحة الهوى ولسان الفرقة فإن الحيلة في المنطق أبلغ من السيوف في الكلم علقوا أمركم رحب الذراع فيما حل مأمون الغيب فيما نزل رضا منكم وكلكم رضا ومقترعا منكم وكلكم منتهى لا تطيعوا مفسدا يتنصح ولا تخالفوا مرشدا ينتصر أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

ثم تكلم عثمان بن عفان فقال 140-خطبة عثمان بن عفان

الحمد لله الذي اتخذ محمدا نبيا وبعثه رسولا صدقه وعده ووهب له نصره على كل من بعد نسبا أو قرب رحما جعلنا الله له تابعين وبأمره مهتدين فهو لنا نور ونحن بأمره نقوم عند تفرق الأهواء ومجادلة الأعداء جعلنا الله بفضله أئمة وبطاعته أمراء لا يخرج أمرنا منا ولا يدخل علينا غيرنا إلا من سفه الحق ونكل عن القصد وأحر بها يا بن عوف أن تترك وأجدر بها أن تكون إن خولف أمرك وترك دعاؤك فأنا أول مجيب لك وداع إليك وكفيل بما أقول زعيم واستغفر الله لي ولكم

ثم تكلم الزبير بن العوام بعده فقال 141-خطبة الزبير بن العوام

أما بعد فإن داعي الله لا يجهل ومجيبه لا يخذل عند تفرق الأهواء ولي الأعناق ولن يقصر عما قلت إلا غوى ولن يترك ما دعوت إليه الا شقى لولا حدود الله فرضت وفرائض الله حدت تراح على أهلها وتحيا لا تموت لكان


268
الموت من الإمارة نجاة والفرار من الولاية عصمة ولكن لله علينا إجابة الدعوة وإظهار السنة لئلا نموت ميتة عمية ولا نعمى عمى الجاهلية فأنا مجيبك إلى ما دعوت ومعينك على ما أمرت ولا حول ولا قوة الا بالله وأستغفر الله لي ولكم 142-خطبة سعد بن أبي وقاص

ثم تكلم سعد بن ابي وقاص فقال

الحمد لله بديئا كان وآخرا يعود أحمده لما نجاني من الضلالة وبصرني من الغواية فبهدى الله فاز من نجا وبرحمته أفلح من زكا وبمحمد بن عبد الله أنارت الطرق واستقامت السبل وظهر كل حق ومات كل باطل إياكم ايها النفر وقول الزور وأمنية أهل الغرور فقد سلبت الأماني قوما قبلكم ورثوا ما ورثتم ونالوا ما نلتم فاتخذهم الله عدوا ولعنهم لعنا كبيرا قال الله عز وجل ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) إني نكبت قرني فأخذت سهمي الفالج وأخذت لطلحة ابن عبيد الله ما ارتضيت لنفسي فأنا به كفيل وبما أعطيت عنه زعيم والأمر إليك يا بن عوف بجهد النفس وقصد النصح وعلى الله قصد السبيل وإليه الرجوع واستغفر الله لي ولكم وأعوذ بالله من مخالفتكم


269
-خطبة علي بن أبي طالب

ثم تكلم علي بن أبي طالب فقال

الحمد لله الذي بعث محمدا منا نبيا وبعثه إلينا رسولا فنحن بيت النبوة ومعدن الحكمة وأمان أهل الأرض ونجاة لمن طلب لنا حق إن نعطه نأخذه وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السرى لو عهد إلينا رسول الله عهدا لأنفذنا عهده ولو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتى نموت لن يسرع أحد قبلي إلى الدعوة حق وصلة رحم ولا حول ولا قوة إلا بالله اسمعوا كلامي وعوا منطقي عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا المجمع تنتضى فيه السيوف وتخان فيه العهود حتى تكونوا جماعة ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة وشيعة لأهل الجهالة ثم أنشأ يقول

( فإن تك جاسم هلكت فإني بما فعلت بنو عبد بن ضخم ) (

مطيع في الهواجر كل عي بصير بالنوى من كل نجم )


270
خطب عثمان بن عفان رضي الله عنه 144-خطبته حين بايعه أهل الشورى

روى الطبري قال لما بايع أهل الشورى عثمان خرج وهو أشدهم كآبة فأتى منبر رسول الله فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وقال

إنكم في دار قلعة وفي بقية اعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم الا وإن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور اعتبروا بمن مضى ثم جدوا ولا تغفلوا فإنه لا يغفل عنكم أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين آثروها وعمروها ومتعوا بها طويلا ألم تلفظهم ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها واطلبوا الآخرة فإن الله قد ضرب لها مثلا والذي هو خير فقال عز وجل ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ) وأقبل الناس يبايعونه


271
145-خطبته بعد البيعة

وقال أيضا خطب عثمان الناس بعد ما بويع فقال

أما بعد فإني قد حملت وقد قبلت ألا وإني متبع ولست بمبتدع ألا وإن لكم علي بعد كتاب الله عز وجل وسنة نبيه ثلاثا اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ والكف عنكم إلا فيما استوجبتم ألا وإن الدنيا خضرة قد شهيت إلى الناس ومال إليها كثير منهم فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها فإنها ليست بثقة واعلموا أنها غير تاركة إلا من تركها 146-خطبة أخرى

وقال ابن قتيبة لما ولى عثمان صعد المنبر فجلس على ذروته فرماه الناس بأبصارهم فقال

إن أول مركب صعب وإن مع اليوم أياما وما كنا خطباء وإن نعش لكم تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء الله تعالى 147 خطبة لعثمان

وبعث عثمان بدء الفتنة إلى عمال الأمصار فقدموا عليه فقال ويحكم ما هذه الشكاية وما هذه الإذاعة إنى والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم وما يعصب هذا إلا بى ثم قال أشيروا على فأشار عليه كل بما يراه


272

وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال

كل ما أشرتم به على قد سمعت ولكل أمر باب يوتى منه إن هذا الأمر الذى يخاف على هذه الأمة كائن وإن بابه الذى يغلق عليه فيكفكف به اللين والمؤاتاة والمتابعة إلا فى حدود الله تعالى ذكره التى لا يستطيع أحد أن يبادى بعيب أحدها فإن سده شئ فرفق فذاك والله ليفتحن وليست لأحد على حجة حق وقد علم الله أنى لم آل الناس خيرا ولا نفسى ووالله إن رحى الفتنة لدائرة فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها كفكفوا الناس وهبوا لهم حقوقهم واغتفروا لهم وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها 148 خطبة عثمان

ولما حدثت الأحداث بالمدينة خرج منها رجال إلى الأمصار ثم رجعوا جميعا إلى المدينة إلا من كان بالشأم فأخبروا عثمان بخبرهم فقام عثمان فى الناس خطيبا فقال

يأهل المدينة أنتم أصل الإسلام وإنما يفسد الناس بفسادكم ويصلحون بصلاحكم والله والله والله لا يبلغنى عن أحد منكم حدث أحدثه إلا سيرته ألا فلا أعرفن أحدا عرض دون أولئك بكلام ولا طلب فإن من كان قبلكم كانت تقطع أعضاؤهم دون أن يتكلم أحد منهم بما عليه ولا له

وايم الله لآخذن العفو من أخلاقكم ولأبذلنه لكم من خلقي وقد دنت أمور ولا أحب أن تحل بنا وبكم وأنا على وجل وحذر فاحذروا واعتبروا


273
خطبته حين نقم عليه الناس

وخطب عثمان حين نقم عليه الناس ما نقموا فقال

أما بعد فإن لكل شئ آفة وإن لكل نعمة عاهة وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيابون ظنانون يظهرون لكم ما تحبون ويسرون ما تكرهون يقولون لكم وتقولون طغام مثل النعام يتبعون أول ناعق أحب مواردهم إليهم النازح لا يشربون إلا نغصا ولا يردون إلا عسكرا لا يقوم لهم رائد وقد أعيتهم الأمور وتعذرت عليهم المكاسب

لقد أقررتم لابن الخطاب بأكثر مما نقمتم علي ولكنه وطئكم برجله وضربكم بيده ووقمكم وقمعكم وزجركم زجر النعام المخزمة فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم ولنت لكم وأوطأت لكم كنفى وكففت يدي ولساني عنكم فاجترأتم علي

أما والله إني لأقرب ناصرا وأعز نفرا وأكثر عددا وأقمن إن قلت هلم أن تجاب دعوتى من عمر

ولقد أعددت لكم أقرانكم وأفضلت عليكم فضولا وكشرت لكم عن نابي وأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه ومنطقا لم أنطق به


274

فكفوا عليكم ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم فإني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا

ألا فما تفقدون من حقكم فوالله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي ومن لم تكونوا تختلفون عليه فضل فضل من مالي فمالي لا أصنع في الفضل ما أريد إذن فلم كنت إماما 150 خطبته التي نزع فيها وأعطى الناس من نفسه التوبة

حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال

أما بعد أيها الناس فوالله ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله وما جئت شيئا إلا وانا أعرفه ولكني منتني نفسي وكذبتني وضل عني رشدي ولقد سمعت رسول الله يقول من زل فليتب ومن أخطأ فليتب ولا يتمادى في الهلكة إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق فأنا أول من اتعظ استغفر الله مما فعلت وأتوب إليه فمثلى نزع وتاب فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم فوالله لئن ردني الحق عبدا لأستنن بسنة العبد ولأذلن ذل العبد ولأكونن كالمرقوق إن ملك صبر وإن عتق شكر وما عن الله مذهب إلا إليه فلا يعجزن عنكم خياركم أن يدنوا إلى لئن أبت يميني لتتابعني شمالي


275
151-خطبته في الرد على الثوار

وقال يرد على الثوار

الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون أما بعد فإنكم لم تعدلوا في المنطق ولم تنصفوا في القضاء أما قولكم تخلع نفسك فلا أنزع قميصا قمصنيه الله عز وجل وأكرمني به وخصني به على غيري ولكني أتوب وأنزع ولا أعوذ لشئ عابه المسلمون فإني والله الفقير إلى الله الخائف منه

قالوا إن هذا لو كان أول حدث أحدثته ثم تبت منه ولم تقم عليه لكان علينا أن نقبل منك وأن ننصرف عنك إلى آخر ما قالوا فقال عثمان أما أن أتبرأ من الإمارة فأن تصلبوني أحب الي من أن أتبرأ من أمر الله عز وجل وخلافته وأما قولكم تقاتلون من دوني فإني لا آمر أحدا بقتالكم فمن قاتل دوني فإنما قاتل بغير أمري ولعمري لو كنت أريد قتالكم لقد كنت كتبت إلى الأجناد فقادوا الجنود وبعثوا الرجال أو لحقت ببعض أطرافي بمصر أو عراق فالله الله في أنفسكم فأبقوا عليها إن لم تبقوا علي فإنكم مجتلبون بهذا الأمر إن قتلتموني دما فانصرفوا عنه وآذنوه بالحرب


276
152 خطبته وقد اشتد عليه الحصار

ولما اشتد الحصار عليه أرسل إلى علي وطلحة والزبير فحضروا فأشرف عليهم فقال

يأيها الناس اجلسوا فجلسوا المحارب والمسالم فقال لهم يأهل المدينة أستودعكم الله وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي ثم قال أنشدكم بالله هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب عمر أن يختار لكم ويجمعكم على خيركم أتقولون إن الله لم يستجب لكم وهنتم عليه وأنتم أهل حقه أم تقولون هان على الله دينه فلم يبال من ولى والدين لم يتفرق أهله يومئذ أم تقولون لم يكن أخذ عن مشورة إنما كان مكابرة فوكل الله الأمة إذ عصته ولم يشاوروا في الإمامة أم تقولون إن الله لم يعلم عاقبة أمري أنشدكم بالله أتعلمون لي من سابقة خير وقدم خير قدمه الله لي يحق على كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها فمهلا لا تقتلوني فإنه لا يحل الا قتل ثلاثة رجل زنا بعد إحصانه أو كفر بعد إيمانه أو قتل نفسا بغير حق فإنكم اذا قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم ثم لم يرفع الله عنكم الاختلاف ابدا 153-آخر خطبة خطبها عثمان إن الله عز وجل إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة ولم يعطكموها لتركنوا اليها إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى فلا تبطرنكم الفانية ولا تشغلنكم عن الباقية فآثروا ما يبقى على ما يفنى فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله اتقوا الله جل وعز


277
فإن تقواه جنة من بأسه ووسيلة عنده واحذروا من الله الغير والزموا جماعتكم ولا تصيروا أحزابا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا 154-خطبة الوليد بن عقبة

قال الطبري

لما أصاب الوليد بن عقبة حاجته من أرمينية سنة24 ه وكان أهلها قد منعوا ما صالحوا عليه أهل الاسلام أيام عمر ودخل الموصل فنزل الحديثة أتاه كتاب من عثمان رضي الله عنه

أما بعد فإن معاوية بن أبي سفيان كتب الي يخبرني أن الروم قد اجلبت على المسلمين بجموع عظيمة وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة فإذا أتاك كتابي هذا فابعث رجلا ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته وإسلامه في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف من المكان الذي يأتيك فيه رسولي والسلام

فقام الوليد في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أما بعد أيها الناس فإن الله قد أبلى المسلمين في هذا الوجه بلاء حسنا فرد عليهم بلادهم التي كفرت وفتح بلادا لم تكن فتحت وردهم سالمين غانمين مأجورين فالحمد لله رب العالمين

وقد كتب الي أمير المؤمنين يأمرني أن أندب منكم ما بين العشرة الآلاف إلى الثمانية الآلاف تمدون إخوانكم من أهل الشام فإنهم قد جاشت عليهم الروم وفي ذلك الأجر العظيم والفضل المبين فانتدبوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعة الباهلي فانتدب الناس


278
155-خطبة سعيد بن العاص حين قدم الكوفة واليا عليها

عزل عثمان رضي الله عنه الوليد بن عقبة بن أبي معيط من إمارة الكوفة وكان قد اتهم بشرب الخمر وولى مكانه سعيد بن العاص سنة 30 ه فلما قدم الكوفة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

والله لقد بعثت اليكم وإني لكاره ولكني لم أجد بدا إذ أمرت أن أئتمر ألا إن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها ؤولله لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني وإني لرائد نفسي اليوم ثم نزل 156- خطبة عبد الله بن الزبيرحين قدم بفتح افريقية

قدم عبد الله بن الزبير على عثمان بن عفان بفتح افريقية فأخبره مشافهة وقص عليه كيف كانت الوقعة فأعجب عثمان ما سمع منه فقال له أتقوم بمثل هذا الكلام على الناس فقال يا أمير المؤمنين إني أهيب لك مني لهم فقام عثمان في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ايها الناس إن الله قد فتح عليكم إفريقية وهذا عبد الله بن الزبير يخبركم خبرها إن شاء الله وكان عبد الله بن الزبير إلى جانب المنبر فقام خطيبا وكان أول من خطب إلى جانب المنبر فقال

الحمد لله الذي ألف بين قلوبنا وجعلنا متحابين بعد البغضة الذي لا تجحد نعماؤه ولا يزول ملكه له الحمد كما حمد نفسه وكما هو أهله انتخب محمدا


279
فاختاره بعلمه وأتمنه على وحيه واختار له من الناس أعوانا قذف في قلوبهم تصديقه ومحبته فآمنوا به وعزروه ووقروه وجاهدوا في الله حق جهاده فاستشهد الله منهم من استشهد على المنهاج الواضح والبيع الرابح وبقي منهم من بقي لا تأخذهم في الله لومة لائم

أيها الناس رحمكم الله إنا خرجنا للوجه الذي علمتم فكنا مع وال حافظ حفظ وصية أمير المؤمنين كان يسير بنا الأبردين ويخفض بنا في الظهائر ويتخذ الليل جملا يعجل الرحلة من المنزل الجدب ويطيل اللبث في المنزل الخصب فلم نزل على أحسن حالة نعرفها من ربنا حتى انتهينا إلى إفريقية فنزلنا منها حيث يسمعون صهيل الخيل ورغاء الإبل وقعقعة السلاح فأقمنا أياما نجم كراعنا ونصلح سلاحنا ثم دعوناهم إلى الإسلام والدخول فيه فأبعدوا منه فسألناهم الجزية عن صغار أو الصلح فكانت هذه أبعد فأقمنا عليهم ثلاث عشرة ليلة نتأناهم وتختلف رسلنا إليهم فلما يئس منهم قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وذكر فضل الجهاد وما لصاحبه إذا صبر واحتسب ثم نهضنا إلى عدونا وقاتلناهم أشد القتال يومنا ذلك وصبر فيه الفريقان فكانت بيننا وبينهم قتلى كثيرة واستشهد الله فيهم رجالا من المسلمين فبتنا وباتوا وللمسلمين دوى بالقرآن كدوي النحل وبات المشركون في خمورهم وملاعبهم فلما أصبحنا أخذنا مصافنا التي كنا عليها بالأمس فزحف بعضنا على بعض فأفرغ الله علينا صبره وأنزل علينا نصره ففتحناها من آخر النهار فأصبنا غنائم كثيرة وفيئا واسعا بلغ فيه الخمس خمسمائة ألف فصفق عليها مروان بن الحكم فتركت المسلمين قد


280
قرت أعينهم وأغناهم النفل وأنا رسولهم إلى أمير المؤمنين أبشره وإياكم بما فتح الله من البلاد وأذل من الشرك فاحمدوا الله عباد الله على آلائه وما أحل بأعدائه من بأسه الذي لايرد عن القوم المجرمين

ثم سكت فنهض إليه أبوه الزبير فقبل بين عينيه وقال ( ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ) يا بني ما زلت تنطق بلسان أبي بكر حتى صمت 157-خطبة عبد الله بن مسعود المتوفي سنة 32ه

أصدق الحديث كتاب الله وأوثق العرا كلمة التقوى أكرم الملل ملة إبراهيم وخير السنن سنة محمد خير الأمور أوساطها وشر الأمور محدثاتها ما قل وكفى خير مما كثر وألهى خيرالغنى غنى النفس وخير ما ألقى في القلب اليقين الخمر جماع الآثام النساء حبالة الشيطان الشباب شعبة من الجنون حب الكفاية مفتاح المعجزة شر الناس من لا يأتي الجماعة إلا دبرا ولا يذكر الله إلا هجرا أعظم الخطايا اللسان الكذوب سباب المؤمن فسق وقتاله كفر وأكل لحمه معصية من يتأل على الله يكذبه ومن يغفر يغفر له مكتوب في ديوان المحسنين من عفا عفا الله عنه الشقي من شقى في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره الأمور بعواقبها ملاك العمل خواتيمه أشرف الموت الشهادة من يعرف البلاء يصبر عليه ومن لا يعرف البلاء ينكره


281
158-أبو زبيد الطائي يصف الأسد

قال عثمان بن عفان رضي الله عنه يوما لأبي زبيد حرملة بن المنذر الطائي وكان نصرانيا يا أخا تبع المسيح أسمعنا بعض قولك فقد أنبئت أنك تجيد فأنشده قصيدة له في وصف الأسد فقال عثمان تاالله تفتأ تذكر الأسد ما حييت والله إني لأحسبك جبانا هرابا قال كلا يا أمير المؤمنين ولكني رأيت منه منظرا وشهدت منه مشهدا لا يبرح ذكره يتجدد ويتردد في قلبي ومعذور أنا يا أمير المؤمنين غيرملوم فقال له عثمان وأنى كان ذلك قال

خرجت في صيابة أشراف من أبناء قبائل العرب ذوي هيئة وشارة حسنة ترمى بنا المهارى بأكسائها ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشأم فاخروط بنا السير في حمارة القيظ حتى إذا عصبت الأفواه وذبلت الشفاه وشالت المياه وأذكت الجوزاء المعزاء وذاب الصيهب وصر الجندب وأضاف العصفور الضب في وكره وجاوره في جحره قال قائل أيها الركب غوروا بنا في دوح هذا الوادي وإذا واد قد بدا لنا كثير الدغل دائم الغلل


282
أشجاره مغنة وأطياره مرنة فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات فأصبنا من فضلات المزاود وأتبعناها الماء البارد فإنا لنصف حر يومنا ومماطلته إذ صر أقصى الخيل أذنية وفحص الأرض بيديه فوالله ما لبث أن جال ثم حمحم فبال ثم فعل فعله الفرس الذي يليه واحدا فواحدا فتضعضعت الخيل وتكعكعت الإبل وتقهقرت البغال فمن نافر بشكاله وناهض بعقاله فعلمنا أنا قد أتينا وأن السبع لا شك فيه ففزع كل واحد منا إلى سيفة فاستله من جربانه ثم وقفنا رزدقا أرسالا وأقبل ابو الحارث من أجمته يتظالع في مشيته كأنه مجنوب أو في هجار لصدره نحيط ولبلاعمه غطيط ولطرفه وميض ولأرساغه نقيض كأنما يخبط هشيما أو يطأ صريما وإذا هامة كالمجن وخد كالمسن وعينان شجراوان كأنهما سراجان يتقدان
283
وقصرة ربلة ولهزمة رهلة وكتد مغبط وزور مفرط وساعد مجدول وعضد مفتول وكف شننة البراثن إلى مخالب كالمحاجن فضرب بيديه فأرهج وكثر فأفرج عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة وفم أشدق كالغار الأخوق ثم تمطى فأسرع بيديه وحفز وركيه برجليه حتى طار ظله مثليه ثم أقعى فاقشعر ثم مثل فاكفهر ثم تجهم فاز بأر فلاوذو بيته في السماء ما اتقيناه الا بأخ لنا من فزارة كان ضخم الجزارة فوقصه ثم نقضه نقضة فقضقض متنيه فجعل يلغ في دمه فذمرت أصحابي فبعد لأي ما استقدموا فهجهجنا به فكر مقشعر الزبرة
284
كأن به شيهما حوليا فاختلج رجلا أعجر ذا حوايا فنقضه نقضة تزايلت منها مفاصله ثم همهم فقرقر ثم زفر فبربر ثم زأر فجرجر ثم لحظ فوالله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه عن شماله ويمينه فأرعشت الأيدى واصطكت الأرجل وأطت الأضلاع وارتجت الأسماع وشخصت العيون وتحققت الظنون وانخزلت المتون ولحقت الظهور بالبطون ثم ساءت الظنون فقال له عثمان اسكت قطع الله لسانك فقد أرعبت قلوب المسلمين
285
خلافة الإمام علي كرم الله وجهه 159-وصية علي لقيس بن سعد

ولما قتل عثمان رضي الله عنه وولى علي بن أبي طالب الأمر دعا قيس بن سعد ابن عبادة الأنصاري وولاه مصر سنة 36ه

وقال له

سر إلى مصر فقد وليتكها واخرج إلى رحلك واجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتيها ومعك جند فإن ذلك أرعب لعدوك وأعز لوليك فإذا أنت قدمتها إن شاء الله فأحسن إلى المحسن واشتد على المريب وارفق بالعامة والخاصة فإن الرفق يمن 160-خطبة لقيس بن سعد

ولما دخل قيس مصر قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد وقال

الحمد لله الذي جاء بالحق وأمات الباطل وكبت الظالمين

أيها الناس إنا قد بايعنا خير من نعلم بعد محمد نبينا فقوموا أيها الناس فبايعوا على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم

فقام الناس فبايعوا


286
فتنة أصحاب الجمل

ولما قدمت السيدة عائشة رضي الله عنها البصرة للطلب بدم عثمان خرج إليها من أهلها من أراد أن يكون معها واجتمع القوم في بالمربد وجعلوا يثوبون حتى غص بالناس فتكلم طلحة فأنصتوا له 161-خطبة طلحة

حمد الله وأثنى عليه وذكر عثمان رضي الله عنه وفضله والبلد وما استحل منه وعظم ما أتى إليه ودعا إلى الطلب بدمه وقال

إن في إعزاز دين الله عز وجل وسلطانه وأما الطلب بدم الخليفة المظلوم فإنه حد من حدود الله وإنكم إن فعلتم أصبتم وعاد أمركم إليكم وإن تركتم لم يقم لكم سلطان ولم يكن لكم نظام

وتكلم الزبير بمثل ذلك ثم تكلمت السيدة عائشة وكانت جهورية الصوت 162-خطبة السيدة عائشة بالمربد

حمدت الله عز وجل وأثنت عليه وقالت

كان الناس يتجنون على عثمان رضي الله عنه ويزرون على عماله ويأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم فننظر في ذلك فنجده بريا تقيا وفيا


287
ونجدهم فجرة غدرة كذبة يحاولون غير ما يظهرون فلما قووا على المكاثرة كاثروه واقتحموا عليه داره واستحلوا الدم الحرام والمال الحرام والبلد الحرام بلا ترة ولا عذر ألا إن مما ينبغي لا ينبغي لكم غيره أخذ قتلة عثمان رضي الله عنه وإقامة كتاب الله عز وجل ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ) الآية 163-خطبة لعلي

وخطب علي لما سار الزبير وطلحة من مكة ومعهما عائشة يريدون البصرة فقال

أيها الناس إن عائشة سارت إلى البصرة ومعها طلحة و الزبير وكل منهما يرى الأمر له دون صاحبة اما طلحة فابن عمها وأما الزبير فختنها والله لو ظفروا بما ارادوا ولن ينالوا ذلك أبدا ليضربن أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد والله إن راكبة الجمل الأحمر ما تقطع عقبة ولا تحل عقدة إلا فى معصية الله وسخطه حتى تورد نفسها ومن معها موارد الهلكة إي والله ليقتلن ثلثهم وليهربن ثلثهم وليتوبن ثلثهم وإنها التي تنبحها كلاب الحوأب وإنهما ليعلمان أنهما مخطئان ورب عالم قتله جهله ومعه علمه لا ينفعه وحسبنا الله ونعم الوكيل فقد قامت الفتنة فيها الفئة الباغية أين المحتسبون أين المؤمنون مالي ولقريش أما والله لقد قتلتهم كافرين ولأقتلنهم مفتونين وما لنا إلى عائشة من ذنب إلا أننا أدخلناها في حيزنا والله لأبقرن الباطل حتى يظهر الحق من خاصرته فقل لقريش فلتضج ضجيجها ثم نزل


288
خطبة لعلي

ولما رجعت رسل علي من عند طلحة والزبير وعائشة يؤذنونه بالحرب قام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال

أيها الناس إني قد راقبت هؤلاء القوم كي يرعووا أو يرجعوا ووبختهم بنكثهم وعرفتهم بغيهم فلم يستحيوا وقد بعثوا إلى أن ابرز للطعان واصبرللجلاد وإنما تمنيك نفسك أماني الباطل وتعدك الغرور ألا هبلتهم الهبول لقد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب ولقد أنصف القارة من راماها فليرعدوا وليبرقوا فقد رأونى قديما وعرفوا نكايتي فكيف رأوني أنا أبو الحسن الذي فللت حد المشركين وفرقت جماعتهم وبذلك القلب ألقى عدوي اليوم وإنى لعلى ما وعدني ربي من النصر والتأييد وعلى يقين من أمري وفي غير شبهة من ديني

أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ليس عن الموت محيد ولا محيص من لم يقتل مات إن أفضل الموت القتل والذى نفس على بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موته واحدة على الفراش

اللهم إن طلحة نكث بيعتي وألب على عثمان حتى قتله ثم عضهنى به ورمانى اللهم فلا تمهله

اللهم إن الزبير قطع رحمي ونكث بيعتي وظاهر علي عدوي فاكفنيه اليوم بما شئت ثم نزل


289
خطبة لعلي

حمد الله وصلى على رسوله ثم قال

أما بعد فإنه لما قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم قلنا نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس لا ينازعنا سلطانه أحد ولا يطمع في حقنا طامع إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا فصارت الإمرة لغيرنا وصرنا سوقة يطمع فينا الضعيف ويتعزز علينا الذليل فبكت الأعين منا لذلك وخشنت الصدور وجزعت النفوس

وايم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين وأن يعود الكفر ويبور الدين لكنا على غير ما كنا لهم عليه فولى الأمر ولاة لم يألوا الناس خيرا ثم استخرجثموني أيها الناس من بيتي فبايعتموني على شين مني لأمركم وفراسة تصدقني ما في قلوب كثير منكم وبايعني هذان الرجلان في أول من بايع تعلمون ذلك وقد نكثا وغدرا ونهضا إلى البصرة بعائشة ليفرقا جماعتكم ويلقيا بأسكم بينكم اللهم فخذهما بما عملا أخذة واحدة رابية ولا تنعش لهما صرعة ولا تقل لهما عثرة ولا تمهلهما فواقا فإنهما يطلبان حقا تركاه ودما سفكاه اللهم إني أقتضيك وعدك فإنك قلت وقولك الحق ( ثم بغى عليه لينصرنه الله ) اللهم فانجز لي موعودك ولا تكلني إلى نفسي إنك على كل شئ قدير 166 خطبة عدي بن حاتم يستنفر قومه لنصرة الإمام علي

ولما شخص الإمام علي كرم الله وجهه من المدينة إلى البصرة وقد علم بمسير طلحة والزبير وعائشة إليها قام عدي بن حاتم إليه فقال يا أمير المؤمنين لو تقدمت إلى قومي


290
أخبرهم بمسيرك وأستنفرهم فإن لك من طيئ مثل الذي معك فقال علي نعم فافعل فتقدم عدي إلى قومه فاجتمعت إليه رؤساء طيئ فقال لهم

يا معشر طيئ إنكم أمسكتم عن حرب رسول الله في الشرك ونصرتم الله ورسوله في الإسلام على الردة وعلي قادم عليكم وقد ضمنت له مثل عدة من معه منكم فخفوا معه وقد كنتم تقاتلون في الجاهلية على الدنيا فقاتلوا في الإسلام على الآخرة فإن أردتم الدنيا فعند الله مغانم كثيرة وأنا أدعوكم إلى الدنيا والآخرة وقد ضمنت عنكم الوفاء وباهيت بكم الناس فأجيبوا قولي فإنكم أعز العرب دارا لكم فضل معاشكم وخيلكم فاجعلوا فضل المعاش للعيال وفضول الخيل للجهاد وقد أظلكم علي والناس معه من المهاجرين والبدريين والأنصار فكونوا أكثرهم عددا فإن هذا سبيل للحي فيه الغنى والسرور وللقتيل فيه الحياة والرزق فصاحت طيئ نعم نعم حتى كاد أن يصم من صياحهم خطبة زفر بن زيد يستنفر قومه لنصرة علي أيضا

وقام إلى علي زفر بن زيد الأسدي وكان من سادة بني أسد فقال يا أمير المؤمنين إن طيئا إخواننا وجيراننا قد أجابوا عديا ولي في قومي طاعة فأذن لي فآتيهم قال نعم فأتاهم فجمعهم وقال


291

يا بني أسد إن عدي بن حاتم ضمن لعلي قومه فأجابوه وقضوا عنه ذمامة فلم يعتل الغني بالغني ولا الفقير بالفقر وواسى بعضهم بعضا حتى كأنهم المهاجرون في الهجرة والأنصار في الأثرة وهم جيرانكم في الديار وخلطاؤكم في الأموال فأنشدكم الله لا يقول الناس غدا نصرت طيئ وخذلت بنو أسد وإن الجار يقاس بالجار كالنعل بالنعل فإن خفتم فتوسعوا في بلادهم وانضموا إلى جبلهم وهذه دعوة لها ثواب من الله في الدنيا والآخرة 168 خطبة علي بالربذة

روى الطبري قال

لما أتى عليا الخبر وهو بالمدينة بأمر عائشة وطلحة والزبير أنهم قد توجهوا نحو العراق خرج يبادر وهو يرجو أن يدركهم ويردهم فلما انتهى إلى الربذة أتاه عنهم أنهم قد أمعنوا فأقام بالربذة أياما وبقي بها يتهيأ وأرسل إلى المدينة فلحقه ما أراد من دابة وسلاح وقام في الناس فخطبهم وقال

إن الله عز وجل أعزنا بالإسلام ورفعنا به وجعلنا به إخوانا بعد ذلة وقلة وتباغض وتباعد فجرى الناس على ذلك ما شاء الله الإسلام دينهم والحق فيهم والكتاب إمامهم حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الأمة ألا إن هذه الأمة لا بد مفترقة كما افترقت الأمم قبلهم فنعوذ بالله من شر ما هو كائن


292

ثم عاد ثانية فقال إنه لا بد مما هو كائن أن يكون ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة شرها فرقة تنتحلني ولا تعمل بعملي فقد أدركتم ورأيتم فالزموا دينكم واهدوا بهدي نبيكم واتبعوا سنته واعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن فما عرفه القرآن فالزموه وما أنكره فردوه وارضوا بالله عز وجل ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن حكما وإماما 169 خطبة سعيد بن عبيد الطائي

ولما كان الإمام علي كرم الله وجهه بالربذة أتته جماعة من طيئ فقيل لعلي هذه جماعة من طيئ قد أتتك منهم من يريد الخروج معك ومنهم من يريد التسليم عليك قال جزى الله كلا خيرا وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ثم دخلوا عليه فقال علي ما شهدتمونا به قالوا شهدناك بكل ما تحب قال جزاكم الله خيرا فقد أسلمتم طائعين وقاتلتم المرتدين ووافيتم بصدقاتكم المسلمين فنهض سعيد بن عبيد الطائي فقال

يا أمير المؤمنين إن من الناس من يعبر لسانه عما في قلبه وإني والله ما كل ما أجد في قلبي يعبر عنه لساني وسأجهد وبالله التوفيق أما أنا فسأنصح لك في السر والعلانية وأقاتل عدوك في كل موطن وأرى لك من الحق ما لا أراه لأحد من أهل زمانك لفضلك وقرابتك

قال رحمك الله قد أدى لسانك عما يجن ضميرك فقتل معه بصفين رحمه الله


293
خطبة الحسن بن علي

ولما دخل الحسن وعمار الكوفة اجتمع إليهما الناس فقام الحسن فاستنفر الناس

فحمد الله وصلى على رسوله ثم قال

أيها الناس إنا جئنا ندعوكم إلى الله وإلى كتابه وسنة رسوله وإلى أفقه من تفقه من المسلمين وأعدل من تعدلون وأفضل من تفضلون وأوفى من تبايعون من لم يعبه القرآن ولم تجهله السنة ولم تقعد به السابقة إلى من قربه الله تعالى ورسوله قرابتين قرابة الدين وقرابة الرحم إلى من سبق الناس إلى كل مأثرة إلى من كفى الله ورسوله والناس متخاذلون فقرب منه وهم متباعدون وصلى معه وهم مشركون وقاتل معه وهم منهزمون وبارز معه وهم محجمون وصدقه وهم يكذبون إلى من لم ترد له ولا تكافأ له سابقة وهو يسألكم النصر ويدعوكم إلى الحق ويأمركم بالمسير إليه لتوازروه وتنصروه على قوم نكثوا بيعته وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه ومثلوا بعماله وانتهبوا بيت ماله فاشخصوا إليه رحمكم الله فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر واحضروا بما يحضر به الصالحون خطبة أخرى للحسن

الحمد لله العزيز الجبار الواحد القهار الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء وعلى ما أحببنا وكرهنا من شدة ورخاء وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله امتن علينا بنبوته واختصه برسالته وأنزل عليه وحيه واصطفاه على جميع خلقه وأرسله إلى الإنس والجن حين عبدت الأوثان وأطيع الشيطان وجحد الرحمن وصلى الله عليه وعلى آله وجزاه أفضل ما جزى المسلمين


294

أما بعد فإني لا أقول لكم إلا ما تعرفون إن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب أرشده الله أمره وأعزه نصره بعثني إليكم يدعوكم إلى الصواب وإلى العمل بالكتاب والجهاد في سبيل الله وإن كان في عاجل ذلك ما تكرهون فإن فى آجله ما تحبون إن شاء الله

ولقد علمتم أن عليا صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وحده وأنه يوم صدق به لفي عاشرة من سنه ثم شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله جميع مشاهده وكان من اجتهاده في مرضاة الله وطاعة رسوله وآثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله راضيا عنه حتى غمضه بيده وغسله وحده والملائكة أعوانه والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء ثم أدخله حفرته وأوصاه بقضاء دينه وعداته وغير ذلك من أموره كل ذلك من من الله عليه

ثم والله ما دعا إلى نفسه ولقد تداك الناس عليه تداك الإبل الهيم عند ورودها فبايعوه طائعين ثم نكث منهم ناكثون بلا حدث أحدثه ولا خلاف أتاه حسدا له وبغيا عليه

فعليكم عباد الله بتقوى الله وطاعته والجد والصبر والإستعانة بالله والخفوف إلى ما دعاكم إليه أمير المؤمنين عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه وأهل طاعته وألهمنا وإياكم تقواه وأعاننا وإياكم على جهاد أعدائه وأستغفر الله العظيم لي ولكم 172 خطبة عمار بن ياسر

وقام بعده عمار فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال

أيها الناس أخو نبيكم وابن عمه يستنفركم لنصر دين الله وقد بلاكم الله بحق دينكم وحرمة أمكم فحق دينكم أوجب وحرمته أعظم


295

أيها الناس عليكم بإمام لا يؤدب وفقيه لا يعلم وصاحب بأس لا ينكل وذي سابقة في الإسلام ليست لأحد وإنكم لو قد حضرتموه بين لكم أمركم إن شاء الله 173-خطبة أبي موسى الأشعري

فلما سمع أبو موسى الأشعري خطبة الحسن وعمار قام فصعد المنبر وقال

الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد فجمعنا بعد الفرقة وجعلنا إخوانا متحابين بعد العداوة وحرم علينا دماءنا وأموالنا قال الله سبحانه ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) وقال تعالى ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) فاتقوا الله عباد الله وضعوا أسلحتكم وكفوا عن قتال إخوانكم

أما بعد يأهل الكوفة إن تطيعوا الله باديا وتطيعوني ثانيا تكونوا جرثومة من جراثيم العرب يأوي إليكم المضطر ويأمن فيكم الخائف إن عليا إنما يستنفركم لجهاد أمكم عائشة وطلحة والزبير حوارى رسول الله ومن معهم من المسلمين وأنا أعلم بهذه الفتن إنها إذا إقبلت شبهت وإذا أدبرت أسفرت إني خائف عليكم أن يلتقي غاران منكم فيقتتلا ثم يتركا كالأحلاس الملقاة بنجوة من الأرض لا يدرى من أين تؤتى تترك الحليم حيران كأني أسمع رسول الله صلى الله عليه وآله بالأمس يذكر الفتن فيقول أنت فيها نائما خير منك قاعدا وأنت فيها جالسا خير منك قائما وأنت فيها قائما خير منك ساعيا فثلموا سيوفكم وقصفوا رماحكم وأنصلوا سهامكم وقطعوا أوتاركم وخلوا قريشا ترتق فتقها وترأب صدعها فإن فعلت فلأنفسها ما فعلت وإن أبت فعلى أنفسها ما جنت سمنها في أديمها استنصحوني ولا تستغشوني وأطيعوني ولا تعصوني يتبين لكم رشدكم وتصلى هذه الفتنة من جناها


296
صورة أخرى 174-خطبة أبي موسى الأشعري

وكاتب الإمام علي من الربذة أبا موسى الأشعري وكان عامله على الكوفة ليستنفر الناس لقتال عائشة ومن معها فثبطهم وخطبهم فقال

أيها الناس إن أصحاب النبي الذين صحبوه في المواطن أعلم بالله جل وعز وبرسوله ممن لم يصحبه وإن لكم علينا حقا فأنا مؤديه إليكم كان الرأي ألا تستخفوا بسلطان الله عز وجل ولا تجترئوا على الله عز وجل وكان الرأي الثاني أن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة فتردوهم إليها حتى يجتمعوا وهم أعلم بمن تصلح له الإمامة منكم ولا تكلفوا الدخول في هذا فأما إذ كان ما كان فأنها فتنة صماء النائم فيها خير من اليقظان واليقظان فيها خير من القاعد والقاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الراكب فكونوا جرثومة من جراثيم العرب فأغمدوا السيوف وأنصلوا الأسنة واقطعوا الأوتار وآووا المظلوم والمضطهد حتى يلتئم هذا الأمر وتنجلي هذه الفتنة


297
175-صورة أخرى

وخطب أيضا في هذا الصدد فقال

أيها الناس أطيعوني تكونوا جرثومة من جراثيم العرب يأوي إليكم المظلوم ويأمن فيكم الخائف إنا أصحاب محمد أعلم بما سمعنا إن الفتنة إذا أقبلت شبهت وإذا أدبرت بينت وإن هذه الفتنة باقرة كداء البطن تجرى بها الشمال والجنوب والصبا والدبور فتسكن أحيانا فلا يدرى من أين تؤتى تذر الحليم كابن أمس شيموا سيوفكم وقصدوا رماحكم وأرسلوا سهامكم واقطعوا أوتاركم والزموا بيوتكم خلوا قريشا إذا أبوا إلا الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم بالإمرة ترتق فتقها وتشعب صدعها فإن فعلت فلأنفسها سعت وإن أبت فعلى أنفسها جنت سمنها تهريق في أديمها استنصحوني ولا تستغشوني وأطيعوني يسلم لكم دينكم ودنياكم ويشقى بحرهذه الفتنة من جناها 176-خطبة زيد بن صوحان

فقام زيد بن صوحان فشال يده المقطوعة فقال

يا عبد الله بن قيس رد الفرات عن أدراجه أردده من حيث يجئ


298
حذف
298

298
حتى يعود كما بدأ فإن قدرت على ذلك فستقدر على ما تريد فدع عنك ما لست مدركه ثم قرأ ( آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) سيروا إلى أمير المؤمنين وسيد المسلمين وانفروا إليه أجمعين تصيبوا الحق 177-خطبة القعقاع بن عمرو

فقام القعقاع بن عمروفقال إني لكم ناصح وعليكم شفيق أحب أن ترشدوا ولأقولن لكم قولا هو الحق أما ما قال الأمير فهو الأمر لو أن إليه سبيلا وأما ما قال زيد فزيد عدو هذا الأمر لا تستنصحوه فإنه لا ينتزع أحد من الفتنة طعن فيها وجرى إليها والقول الذي هو الحق أنه لا بد من إمارة تنظم الناس وتزع الظالم وتعز المظلوم وهذا على يلي بما ولى وقد أنصف في الدعاء وإنما يدعوا إلى الإصلاح فانفروا وكونوا من هذا الأمر بمرأى ومسمع 178-خطبة سيحان بن صوحان

وقال سيحان

أيها الناس إنه لا بد لهذا الأمر وهؤلاء الناس من وال يدفع الظالم ويعز المظلوم ويجمع الناس وهذا واليكم يدعوكم لينظر فيما بينه وبين صاحبيه وهو المأمون على الأمة الفقيه في الدين فمن نهض إليه فإنا سائرون معه


299
179-خطبة الحسن بن على

وقام الحسن بن علي رضي الله عنه فقال

أيها الناس أجيبوا دعوة أميركم وسيروا إلى أخوانكم فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه والله لأن يليه أولو النهى أمثل في العاجلة وخير في العاقبة فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم وإن أمير المؤمنين يقول قد خرجت مخرجي هذا ظالما أو مظلوما وإني أذكر الله رجلا رعى حق الله إلا نفر فإن كنت مظلوما أعانني وإن كنت ظالما أخذ مني والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني وأول من غدر فهل استأثرت بمال أو بدلت حكما فانفروا فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر . 180-وفادة القعقاع بن عمرو إلى أصحاب الجمل ولما نزل الإمام علي كرم الله وجهه بذي قار دعا القعقاع بن عمرو فأرسله إلى أهل البصرة وقال له الق هذين الرجلين طلحة والزبير يا بن الحنظلية وكان القعقاع من أصحاب النبي فادعهما إلى الألفة والجماعة وعظم عليهما الفرقة وقال له كيف أنت صانع فيما جاءك منهما مما ليس عندك فيه وصاة مني فقال نلقاهم بالذي أمرت به فإذا جاء منهما أمر ليس عندنا منك فيه رأي اجتهدنا الرأي وكلمناهم على قدر ما نسمع ونرى أنه ينبغي قال أنت لها


300
فخرج القعقاع حتى قدم البصرة فبدأ بعائشة رضي الله عنها فسلم عليها وقال أي أمة ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة قالت أي بني إصلاح بين الناس قال فابعثى إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما فبعثت إليهما فجاءا فقال إنى سألت أم المؤمنين ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد فقالت إصلاح بين الناس فما تقولان أنتما أمتابعان أم مخالفان قالا متابعان قال فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح فوالله لئن عرفناه لنصلحن ولئن أنكرناه لا نصلح قالا قتلة عثمان رضي الله عنه فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن وإن عمل به كان إحياء للقرآن فقال قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة وأنتم قبل قتلهم أقرب إلى الإستقامة منكم اليوم قتلتم ستمائة إلا رجلا فغضب لهم ستة آلاف واعتزلوكم وخرجوا من بين أظهركم وطلبتم ذلك الذي أفلت يعني حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف وهم على رجل فإن تركتموه كنتم تاركين لما تقولون فإن قاتلتموهم والذين اعتزلوكم فأديلوا عليكم فالذي خذرتم وقربتم به هذا الأمر أعظم مما أراكم تكرهون وأنتم أحميتم مضر وربيعة من هذه البلاد فاجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير

فقالت أم المؤمنين فتقول أنت ماذا قال أقول هذا الأمر دواؤه التسكين وإذا سكن اختلجوا فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير وتباشير رحمة ودرك بثأر هذا الرجل وعافية وسلامة لهذه الأمة وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شر وذهاب هذا الثأر وبعثه الله في هذه الأمة هزاهزها فآثروا العافية ترزقوها وكونوا مفاتيح الخير كما كنتم تكونون ولا تعرضونا للبلاء ولا تعرضوا


301
له فيصرعنا وإياكم وايم الله إني لأقول هذا وأدعوكم إليه وإني لخائف ألا يتم حتى يأخذ الله عز وجل حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها ونزل بها ما نزل فإن هذا الأمر الذي حدث ليس يقدر وليس كالأمور ولا كقتل الرجل الرجل ولا النفر الرجل ولا القبيلة الرجل فقالوا نعم إذن قد أحسنت وأصبت المقالة فارجع فإن قدم على وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر فرجع إلى على فأخبره فأعجبه ذلك وأشرف القوم على الصلح 181-خطبة على بن أبي طالب فلما رجع القعقاع من عند أم المؤمنين وطلحة والزبير جمع الإمام على الناس ثم قام على الغرائر فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وصلى على النبي وذكر الجاهلية وشقاها والإسلام والسعادة وإنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله ثم الذي يليه ثم الذي يليه ثم حدث هذا الحدث الذي جره على هذه الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا حسدوا من أفاءها الله عليه على الفضيلة وأرادوا رد الأشياء على أدبارها والله بالغ أمره ومصيب ما أراد ألا إني راحل غدا فارتحلوا ألا ولا يرتحلن غدا أحد أعان على عثمان رضي الله عنه بشئ في شئ من أمور الناس وليغن السفهاء عني أنفسهم
302
-خطبة لعلي

ولما أراد علي المسير إلى البصرة قام فخطب الناس فقال بعد أن حمد الله وصلى على رسوله

إن الله لما قبض نبيه وآله . استأثرت علينا قريش بالأمر ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم والناس حديثو عهد بالإسلام والدين يمخض مخض الوطب يفسده أدنى وهن وينكسه أقل خلق فولي الأمر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا ثم انتقلوا إلى دار الجزاء والله ولي تمحيص سيئاتهم والعفو عن هفواتهم فما بال طلحة والزبير وليسا من هذا الأمر بسبيل لم يصبرا على حولا ولا أشهرا حتى وثبا ومرقا ونازعاني أمرا لم يجعل الله لهما إليه سبيلا بعد أن بايعاني طائعين غير مكرهين يرتضعان أما قد فطمت ويحييان بدعة قد أميتت أدم عثمان زعما والله ما التبعة إلا عندهم وفيهم وإن أعظم حجتهم لعلي أنفسهم وأنا راض بحجة الله عليهم وعلمه فيهم فإن فاءا وأنابا فحظهما أحرزا وأنفسهما غنما وأعظم بهما غنيمة وإن أبيا أعطيتهما حد السيف وكفي به ناصرا لحق وشافيا لباطل ثم نزل


303
183-خطبة لعلي

وخطب فقال

الحمد لله على كل أمر وحال في الغدو والآصال وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ابتعثه رحمة للعباد وحياة للبلاد حين امتلأت الأرض فتنة واضطرب حيلها وعبد الشيطان في أكنافها واشتمل عدو الله إبليس على عقائد أهلها فكان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الذي أطفأ الله به نيرانها وأخمد به شرارها ونزع به أوتادها وأقام به ميلها إمام الهدى والنبي المصطفي وآله وسلم فلقد صدع بما أمر به وبلغ رسالات ربه فأصلح الله به ذات البين وآمن به السبل وحقن به الدماء وألف به بين ذوي الضغائن الواغرة في الصدور وحتى أتاه اليقين ثم قبضه الله إليه حميدا

ثم استخلف الناس أبا بكر فم يأل جهده ثم استخلف أبو بكر عمر فلم يأل جهده ثم استخلف الناس عثمان فنال منكم ونلتم منه حتى إذا كان من أمره ما كان اتيتموني لتبايعوني فقلت لا حاجة لي في ذلك ودخلت منزلي فاستخرجتموني فقبضت يدي فبسطتموها وتداككتم علي حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض فبايعتموني وأنا غير مسرور بذلك ولا جذل وقد علم الله سبحانه أني كنت كارها للحكومة بين أمة محمد وآلة ولقد سمعته وآله يقول ( ما من وال يلي شيئا من أمر أمتي إلا أني به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه على رءوس الخلائق ثم ينشر كتابه فإن كان عادلا نجا وإن كان جائرا هوى ) حتى اجتمع على ملؤكم وبايعني طلحة والزبير وأنا أعر ف الغدر في أوجههما والنكث في أعينهما ثم استأذناني في العمرة فأعلمتهما أن ليس العمرة يريدان فسارا إلى مكة واستخفا عائشة وخدعاها وشخص معهما أبناء الطلقاء فقدموا البصرة فقتلوا بها المسلمين وفعلوا المنكر ويا عجبا


304
لاستقامتهما لأبي بكر وعمر وبغيهما علي وهما يعلمان أني لست دون أحدهما ولو شئت ان أقول لقلت ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتابا يخدعهما فيه فكتماه عني وخرجا يوهمان الطغام أنهما يطلبان بدم عثمان والله ما أنكرا على منكرا ولا جعلا بيني وبينهم نصفا وإن دم عثمان لمعصوب بهما ومطلوب منهما يا خيبة الداعي إلام دعا وبماذا أجيب والله إنهما لعلي ضلالة صماء وجهالة عمياء وإن الشيطان قد ذمر لها حزبه واستجلب منهما خيله ورجله ليعيد الجور إلى أوطانه ويرد الباطل إلى نصابه

ثم رفع يديه فقال اللهم إن طلحة والزبير قطعاني وظلماني وألبا علي فاخلل ما عقدا وانكث ما أبرما ولا تغفر لهما أبدا وأرهما المساءة فيما عملا وأملا . 184-خطبة الأشتر

فقام إليه الأشتر فقال

الحمد لله الذي من علينا فأفضل وأحسن إلينا فأجمل قد سمعنا كلامك يا أمير المؤمنين ولقد أصبت ووفقت وأنت ابن عم نبينا وصهره ووصيه وأول مصدق به ومصل معه شهدت مشاهدة كلها فكان لك الفضل فيها على جميع الأمة فمن اتبعك أصاب حظه واستبشر بفلجه ومن عصاك ورغب عنك فإلى أمه الهاوية لعمري يا أمير المؤمنين ما أمر طلحة والزبير وعائشة علينا بمخيل ولقد دخل الرجلان فيما دخلا فيه وفارقا على غير حدث أحدثت ولا جور صنعت فإن زعما أنهما يطلبان بدم عثمان فليقيدا من أنفسهما فإنهما أول من ألب عليه وأغرى الناس بدمه وأشهد الله لئن لم يدخلا فيما خرجا منه لنلحقنهما بعثمان فإن سيوفنا في عواتقنا وقلوبنا في صدورنا ونحن اليوم كما كنا أمس ثم قعد


305
185-خطبة السيدة عائشة توفيت سنة 57ه

وخطبت السيدة عائشة وقد أخذت الناس مصافهم للحرب فقالت

أما بعد فإنا كنا نقمنا على عثمان ضرب السوط وإمرة الفتيان وموقع السحابة المحمية ألا وإنكم استعتبتموه فأعتبكم فلما مصتموه كما يماص الثوب الرحيض عدوتم عليه فارتكبتم منه دما حراما وايم الله إن كان لأحصنكم فرجا وأتقاكم لله 186-خطبة لعلي وخطب علي لما تواقف الجمعات فقال لا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم فإنكم بحمد الله على حجة وكفكم عنهم حتى يبدءوكم حجة أخرى وإذا قاتلتموهم فلا تجهزوا على جريح وإذا هزمتموهم فلا تتبعوا مدبرا ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل وإذا وصلتم إلى حال القوم فلا تهتكوا سترا ولا تدخلوا دارا ولا تأخذوا من أموالهم شيئا ولا تهيجوا امرأة بأذى وان شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم فإنهن ضعاف القول والأنفس والعقول لقد كنا نؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات وإن كان الرجل ليتناول المرأة بالهراوة والجريدة فيعير بها وعقبة من بعده


306
187-خطبة السيدة عائشة يوم الجمل

وخطبت السيدة عائشة رضي الله عنهما أهل البصرة يوم الجمل فقالت

أيها الناس صه صه إن لى عليكم حق الأمومة وحرمة الموعظة لا يتهمني إلا من عصى ربه مات رسول الله بين سحرى ونحرى فأنا إحدى نسائه في الجنة له ادخرني ربي وخلصنى من كل بضاعة وبى ميز منافقكم من مؤمنكم وبي أرخص الله لكم في صعيد الأبواء ثم أبى ثاني اثنين الله ثالثهما وأول من سمى صديقا مضى رسول الله راضيا عنه وطوقه أعباء الإمامة ثم اضطرب حبل الدين بعده فمسك ابي بطرفيه ورتق لكم فتق النفاق وأغاض نبع الردة وأطفأ ما حش يهود وأنتم يومئذ جحظ العيون تنظرون الغدرة وتسمعون الصيحة فرأب الثأي وأود من الغلظة وانتاش من الهوة


307
واجتحى دفين الداء حتىأعطن الوارد وأورد الصادر وعل الناهل فقبضه الله إليه واطئا على هامات النفاق مذكيا نار الحرب للمشركين فانتظمت طاعتكم بحبله فولى أمركم رجلا مرعيا إذا ركن إليه بعيد ما بين اللابتين عركة للأذاة بجنبه صفوحا عن أذاة الجاهلين يقظان الليل في نصرة الإسلام فسلك مسلك السابقة ففرق شمل الفتنة وجمع أعضاد ما جمع القرآن وأنا نصب المسألة عن مسيري هذا لم ألتمس إثما ولم أونس فتنة أوطئكموها أقول قولي هذا صدقا وعدلا وإعذارا وإنذارا وأسأل الله أن يصلي على محمد وأن يخلفه فيكم بأفضل خلافة المرسلين 188-خطبة زفر بن قيس

وكتب الإمام علي كرم الله وجهه مع زفر بن قيس إلى جرير بن عبد الله البجلي وكان على ثغر همذان استعمله عليه عثمان كتابا يخبره فيه بما كان بينه وبين أصحاب الجمل وما أوتى من الأنتصار عليهم واستعمال ابن عباس على البصرة فلما قدم زفر على جرير بكتاب علي وقرأه جرير قام زفر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أيها الناس إن عليا كتب إليكم بكتاب لا نقول بعده إلا رجيعا من القول إن الناس بايعوا عليا بالمدينة غير محاباة ببيعتهم لعلمه بكتاب الله وبرى الحق


308
فيه وإن طلحة والزبير نقضا بيعة علي على غير حدث ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب وألبا عليه الناس وأخرجا أم المؤمنين عائشة من حجاب ضربه الله ورسوله عليها فلقيهما فأعذر في الدعاء وخشي البغي وحمل الناس على ما يعرفون فهذا عيان ما غاب عنكم وإن سألتم الزيادة زدناكم 189-خطبة جرير بن عبد الله البجلي

وقام جرير بن عبد الله البجلي خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أيها الناس هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو المأمون على الدين والدنيا وكان من أمره وأمر عدوه ما قد سمعتم والحمد لله على أقضيته وقد بايعه السابقون والأولون من المهاجرين والأنصار والتابعون بإحسان ولو جعل الله هذا الأمر شورى بين المسلمين لكان علي أحق بها ألا وإن البقاء في الجماعة والفناء في الفرقة وعلي حاملكم ما استقمتم له فإن ملتم أقام ميلكم

قال الناس سمعا وطاعة ورضانا رضا من بعدنا 190-خطبة زياد بن كعب

وكتب الإمام علي كرم الله وجهه إلى الأشعث بن قيس وكان عاملا بأذربيجان استعمله عليها عثمان بمثل ما كتب به إليه جرير بن عبد الله ووجه بالكتاب مع زياد بن كعب فلما قرأ الأشعث كتاب علي قام زياد بن كعب خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال


309

أيها الناس إنه من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير وإن أمر عثمان لم ينفع فيه العيان ولم يشف منه الخبر غير أن من سمعه ليس كمن عاينه وإن المهاجرين والأنصار بايعوا عليا راضين به وإن طلحة والزبير نقضا بيعة علي على غير حدث وأخرجا أم المؤمنين على غير رضا فسار إليهم ولم ينلهم فتركهم وما في نفسه منهم حاجة فأورثه الله الأرض وجعل له عاقبة المتقين 191-خطبة الأشعث بن قيس

فقام الأشعث بن قيس فقال

أيها الناس إن عثمان رحمه الله ولاني أذربيجان وهلك وهي في يدي وقد بايع الناس عليا وطاعتنا له لازمة وقد كان من أمره وأمر عدوه ما قد بلغكم وهو المأمون على ما غاب عنا وعنكم من ذلك 192-خطبة جرير بن عبد الله البجلي

وبعث علي إلى معاوية مع جرير بن عبد الله البجلي بكتاب يدعوه به إلى بيعته فلما قرأ الكتاب قام جرير فخطب فقال

الحمد لله المحمود بالعوائد المأمول فيه الزوائد المرتجى منه الثواب المستعان على النوائب أحمده وأستعينه في الأمور التي تحير دونها الألباب وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بعد فترة من الرسل الماضية والقرون الخالية فبلغ الرسالة ونصح للامة وأدى الحق الذي استودعه الله وأمره بأدائه إلى أمته صلى الله عليه وآله من رسول ومبتعث ومنتخب وعلى آله


310

أيها الناس إن أمر عثمان قد أعيا من شهده فكيف بمن غاب عنه وإن الناس بايعوا عليا غير واتر ولا موتور وكان طلحة والزبير ممن بايعاه ثم نكثا بيعته على غير حدث ألا وإن هذا الدين لا يحتمل الفتن وقد كانت بالبصرة أمس روعة ملمة إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس وقد بايعت الأمة عليا ولو ملكنا والله الأمور لم نختر لها غيره فادخل معاوية فيما دخل فيه الناس فإن قلت استعملني عثمان ثم لم يعزلني فإن هذا قول لو جاز لم يقم لله دين وكان لكل امرئ ما في يديه ولكن الله جعل للآخر من الولاة حق الأول وجعل الأمور موطأة ينسخ بعضها بعضا ثم قعد 193- خطبة معاوية

فقال معاوية أنظر وتنظر وأستطلع رأي أهل الشام فمضت أيام وأمر معاوية مناديا ينادي الصلاة جامعة فلما اجتمع الناس صعد المنبر ثم قال

الحمد لله الذي جعل الدعائم للإسلام أركانا والشرائع للإيمان برهانا يتوقد قبسه في الأرض المقدسة جعلها الله محل الأنبياء والصالحين من عباده فأحلهم أرض الشام ورضيهم لها لما سبق في مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم خلفاءه والقوام بأمره والذابين عن دينه وحرماته ثم جعلهم لهذه الأمة نظاما وفي سبيل الخيرات أعلاما يردع الله بهم الناكثين ويجمع بهم ألفة المؤمنين والله نستعين على ما تشعب من أمر المسلمين بعد الالتئام وتباعد بعد القرب

اللهم انصرنا على أقوام يوقظون نائمنا ويخيفون آمننا ويريدون إراقة دمائنا وإخافة سبلنا وقد علم الله أنا لا نريد لهم عقابا ولا نهتك لهم حجابا ولا نوطئهم زلقا غير أن الله الحميد كسانا من الكرامة ثوابا لن ننزعه طوعا ما جاوب الصدى وسقط الندى وعرف الهدى حملهم على ذلك البغي والحسد فنستعين بالله عليهم


311

أيها الناس قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأمير المؤمنين عثمان ابن عفان عليكم وأني لم أقم رجلا منكم على خزاية قط وإني ولي عثمان وقد قتل مظلوما والله تعالى يقول ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ) وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان

فقام أهل الشام بأجمعهم فأجابوا إلى الطلب بدم عثمان وبايعوه على ذلك وأوثقوا له على أن يبذلوا بين يديه أموالهم وأنفسهم حتى يدركوا بثأره أو تلحق أرواحهم بالله


312
فتنة معاوية استطلاع الأمام علي كرم الله وجهه آراء أصحابه وقد أراد المسير إلى الشأم

لما أراد علي كرم الله وجهه المسير إلى الشأم دعا من كان معه من المهاجرين والأنصار فجمعهم 194-خطبة الإمام علي

ثم حمد الله وأثنى عليه وقال

أما بعد فإنكم ميامين الرأي مراجيح الحلم مباركوا الأمر مقاويل بالحق وقد عزمنا على المسير إلى عدونا وعدوكم فأشيروا علينا برأيكم 195-خطبة هاشم بن عتبة

فقام هاشم بن عتبة بن أبي وقاص فحمد الله وأثنى عليه وقال

أما بعد يا أمير المؤمنين فأنا بالقوم جد خبير هم لك ولأشياعك أعداء وهم لمن يطلب حرث الدنيا أولياء وهم مقاتلوك ومجادلوك لا يبقون جهدا مشاحة على الدنيا وضنا بما في أيديهم منها ليس لهم إربة غيرها


313
إلا ما يخدعون به الجهال من طلب دم ابن عفان كذبوا ليسوا لدمه ينفرون ولكن الدنيا يطلبون انهض بنا إليهم فإن أجابوا إلى الحق فليس بعد الحق إلا الضلال وإن أبوا إلا الشقاق فذاك ظني بهم والله ما أراهم يبايعون وقد بقي فيهم أحد ممن يطاع إذا نهى ولا يسمع إذا أمر 196-خطبة عمار بن ياسر

وقام عمار بن ياسر فحمد الله وأثنى عليه وقال

يا أمير المؤمنين إن استطعت أن لا تقيم يوما واحدا فافعل اشخص بنا قبل استعار نار الفجرة واجتماع رأيهم على الصدود والفرقة وادعهم إلى حظهم ورشدهم فإن قبلوا سعدوا وإن أبوا إلا حربنا فوالله إن سفك دمائهم والجد في جهادهم لقربة عند الله وكرامة منه 197-خطبة قيس بن سعد بن عبادة

ثم قام قيس بن سعد بن عبادة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

يا أمير المؤمنين انكمش بنا عدونا إلى ولا تعرج فوالله لجهادهم أحب إلي من جهاد الترك والروم لإدهانهم في دين الله واستذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ومن المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان إذا غضبوا على رجل حبسوه وضربوه وحرموه وسيروه وفيئنا لهم في أنفسهم حلال ونحن لهم فيما يزعمون قطين


314

فقال أشياخ الأنصار منهم خزيمة بن ثابت وأبو أيوب وغيرهما لم تقدمت أشياخ قومك وبدأتهم بالكلام يا قيس فقال أما إني عارف بفضلكم معظم لشأنكم ولكني وجدت في نفسي الضغن الذي في صدوركم جاش حين ذكرت الأحزاب فقال بعضهم لبعض ليقم رجل منكم فليجب أمير المؤمنين عليه السلام عن جماعتكم 198-خطبة سهل بن حنيف

فقام سهل بن حنيف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

يا أمير المؤمنين نحن سلم لمن سالمت وحرب لمن حاربت ورأينا رأيك ونحن يمينك وقد رأينا أن تقوم في أهل الكوفة فتأمرهم بالشخوص وتخبرهم بما صنع لهم في ذلك من الفضل فإنهم أهل البلد وهم الناس فإن استقاموا لك استقام لك الذي تريد وتطلب فأما نحن فليس عليك خلاف منا متى دعوتنا أجبناك ومتى أمرتنا أطعناك 199-خطبة الامام علي

وقام الإمام علي خطيبا على منبره يحرض الناس ويأمرهم بالمسير إلى صفين لقتال أهل الشأم فقال

سيروا إلى أعداء الله سيروا إلى أعداء القرآن والسنن سيروا إلى بقية الأحزاب وقتلة المهاجرين والأنصار


315

فقام رجل من بني فزارة فقال له أتريد أن تسير بنا إلى إخواننا من أهل الشأم نقتلهم كلا كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة فقتلتهم كلاها الله إذن لا نفعل ذلك فقام الأشتر فقال من هذا المارق فهرب الفزاري واشتد الناس على أثره فلحق في مكان من السوق تباع في البراذين فوطئوه بأرجلهم وضربوه بأيديهم ونصال سيوفهم حتى قتل فأتي علي عليه السلام فقيل له يا أمير المؤمنين قتل الرجل قال ومن قتله قالوا قتلته همدان ومعهم شوب من الناس فقال قتيل عمية لا يدري من قتله ديته من بيت مال المسلمين فقام الأشتر فقال 200-خطبة الأشتر النخعي

يا أمير المؤمنين لا يهدنك ما رأيت ولا يولينك من نصرنا ما سمعت من مقالة هذا الشقي الخائن إن جميع من ترى من الناس شيعتك لا يرغبون بأنفسهم عن نفسك ولا يحبون البقاء بعدك فإن شئت فسر بنا إلى عدوك فوالله ما ينجو من الموت من خافه ولا يعطى البقاء من أحبه وإنا لعلى بينة من ربنا وإن أنفسنا لن تموت حتى يأتي أجلها وكيف لا نقاتل قوما هم كما وصف أمير المؤمنين وقد وثبت عصابة منهم على طائفة من المسلمين بالأمس وباعوا خلاقهم بعرض من الدنيا يسير

فقال علي الطريق مشترك والناس في الحق سواء ومن اجتهد رأيه في نصيحة العامة فقد قضى ما عليه ثم نزل فدخل منزله


316
201- مقال من ثبطوه عن المسير

ولما أمر الإمام بالمسير إلى الشأم دخل عليه عبد الله بن المعتم العبسي وحنظلة ابن الربيع التميمي في رجال كثير من غطفان وبني تميم فقال له حنظلة

يا أمير المؤمنين إنا قد مشينا إليك في نصيحة فاقبلها ورأينا لك رأيا فلا تردنه علينا فإنا نظرنا لك ولمن معك أقم وكاتب هذا الرجل ولا تعجل إلى قتال أهل الشأم فإنا والله ما ندري ولا تدري لمن تكون الغلبة إذا التقيتم ولا على من تكون الدبرة

وقال ابن المعتم مثل قوله وتكلم القوم الذين دخلوا معهما بمثل كلامهما 202 -رد الإمام عليهم

فحمد علي عليه السلام الله وأثنى ثم قال

أما بعد فإن الله وارث العباد والبلاد ورب السموات السبع والأرضين السبع وإليه ترجعون يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء أما الدبرة فإنها على الضالين العاصين ظفروا أو ظفر بهم وايم الله إني لأسمع كلام قوم ما أراهم يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا

فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال

يا أمير المؤمنين إن هؤلاء والله ما آثروك بنصح ولا دخلوا عليك إلا بغش فاحذرهم فإنهم أدنى العدو


317

وقال له مالك بن حبيب إنه بلغني ياأمير المؤمنين أن حنظلة هذا يكاتب معاوية فادفعه إلينا نحسبه حتى تنقضي غزاتك وتتصرف

وقام من بني عبس قائد بن بكير وعياش بن ربيعة فقالا

يا أمير المؤمنين إن صاحبنا عبد الله بن المعتم قد بلغنا أنه يكاتب معاوية فاحبسه أو مكنا من حبسه حتى تنقضي غزاتك ثم تتصرف

فقالا هذا جزاء لمن نظر لكم وأشار عليكم بالرأي فيما بينكم وبين عدوكم فقال لهما علي عليه السلام الله بيني وبينكم وإليه أكلكم وبه استظهر عليكم اذهبوا حيث شئتم 203-خطبة عدي بن حاتم الطائي

وقام عدي بن حاتم الطائي بين يدي علي عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وقال

يا أمير المؤمنين ما قلت إلا بعلم ولا دعوت إلا إلى حق ولا أمرت إلا برشد ولكن إذا رأيت أن تستأني هؤلاء القوم وتستديمهم حتى تأتيهم كتبك وتقدم عليهم رسلك فعلت فإن يقبلوا يصيبوا رشدهم والعافية أوسع لنا ولهم وإن يتمادوا في الشقاق ولا ينزعوا عن الغي نسر إليهم وقد قدمنا إليهم العذر ودعوناهم إلى ما في أيدينا من الحق فوالله لهم من الحق أبعد وعلى الله أهون


318
من قوم قاتلناهم أمس بناحية البصرة لما دعوناهم إلى الحق فتركوه ناوخناهم براكاء القتال حتى بلغنا منهم ما نحب وبلغ الله منهم رضاه 204-خطبة زيد بن حصين الطائي

فقام زيد بن حصين الطائي وكان من أصحاب البرانس المجتهدين فقال

الحمد لله حتى يرضى ولا إله إلا الله ربنا أما بعد فوالله إن كنا في شك في قتال من خالفنا ولا تصلح لنا النية في قتالهم حتى نستديمهم ونستأنيهم فما الأعمال إلا تباب ولا السعي إلا في ضلال والله تعالى يقول ( وأما بنعمة ربك فحدث ) إننا والله ما ارتبنا طرفة عين فيمن يتبعونه فكيف بأتباعه القاسية قلوبهم القليل من الإسلام حظهم أعوان الظلمة وأصحاب الجور والعدوان ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار ولا التابعين بإحسان

فقام رجل من طيئ فقال يا زيد بن حصين أكلام سيدنا عدي بن حاتم يهجن فقال زيد ما أنتم بأعرف بحق عدي مني ولكني لا أدع القول بالحق وإن سخط الناس 205-خطبة أبي زينب بن عوف

ودخل أبو زينب بن عوف على الإمام علي فقال

يا أمير المؤمنين لئن كنا على الحق لأنت أهدانا سبيلا وأعظمنا في الخير نصيبا ولئن كنا على ضلال إنك لأثقلنا ظهرا وأعظمنا وزرا قد أمرتنا بالمسير


319
إلى هذا العدو وقد قطعنا ما بيننا وبينهم من الولاية وأظهرنا لهم العداوة نريد بذلك ما يعلم الله تعالى من طاعتك أليس الذي نحن عليه هو الحق المبين والذي عليه عدونا هو الحوب الكبير

فقال عليه السلام بلى شهدت أنك إن مضيت معنا ناصرا لدعوتنا صحيح النية في نصرنا قد قطعت منهم الولاية وأظهرت لهم العدواة كما زعمت فإنك ولي الله تسبح في رضوانه وتركض في طاعته فأبشر أبا زينب وقال له عمار بن ياسر اثبت أبا زينب ولا تشك في الأحزاب أعداء الله ورسوله فقال أبو زينب ما أحب أن لي شاهدين من هذه الأمة شهدا لى عما سألت من هذا الأمر الذي أهمني مكانكما 206-خطبة يزيد بن قيس الأرحبي

ودخل يزيد بن قيس الأرحبي على علي عليه السلام فقال

يا أمير المؤمنين نحن أولو جهاز وعدة وأكثر الناس أهل قوة ومن ليس به ضعف ولا علة فمر مناديك فليناد الناس يخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة فإن أخا الحرب ليس بالسئوم ولا النئوم ولا من إذا أمكنته الفرص أجلها واستشار فيها ولا من يؤخر عمل الحرب اليوم لغد وبعد غد 207-خطبة زياد بن النضر

فقال زياد بن النضر

لقد نصح لك يزيد بن قيس يا أمير المؤمنين وقال ما يعرف فتوكل


320
على الله وثق به واشخص بنا إلى هذا العدو راشدا معانا فإن يرد الله بهم خيرا لا يتركوك رغبة عنك إلى من ليس له مثل سابقتك وقدمك وإلا ينيبوا ويقبلوا وأبوا إلا حربنا نجد حربهم علينا هينا ونرجو أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم ثم بالأمس 208 خطبة عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي

ثم قام عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي فقال

يا أمير المؤمنين إن القوم لو كانوا الله يريدون ولله يعملون ما خالفونا ولكن القوم إنما يقاتلوننا فرارا من الأسوة وحبا للأثرة وضنا بسلطانهم وكرها لفراق دنياهم التي في أيديهم وعلى إحن في نفوسهم وعداوة يجدونها في صدورهم لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمة قتلت فيها آباءهم وأعوانهم ثم التفت إلى الناس فقال كيف يبايع معاوية عليا وقد قتل أخاه حنظلة وخاله الوليد وجده عتبة في موقف واحد والله ما أظنهم يفعلون ولن يستقيموا لكم دون أن تقصف فيهم قنا المران وتقطع على هامهم السيوف وتنثر حواجبهم بعمد الحديد وتكون أمور جمة بين الفريقين


321
209-أدب الامام علي وكرم خلقه

وخرج جحر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران البراءة من أهل الشأم فأرسل علي عليه السلام إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما فأتياه فقالا يا أمير المؤمنين ألسنا محقين قال بلى قالا أوليسوا مبطلين قال بلى قالا فلم منعتنا من شتمهم قال

كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين تشتمون وتبرءون ولكن لو وصفتم مساوي أعمالهم فقلتم من سيرتهم كذا وكذا ومن أعمالهم كذا وكذا كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم اللهم احقن دماءهم ودماءنا وأصلح ذات بينهم وبيننا واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق منهم من جهله ويرعوى عن الغي والعدوان منهم من لهج به لكان أحب إلي وخيرا لكم

فقالا يا أمير المؤمنين نقبل عظتك ونتأدب بأدبك 210-مقال عمرو بن الحمق

وقال له عمرو بن الحمق يومئذ والله يا أمير المؤمنين إني ما أحببتك ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك ولا إرادة مال تؤتينيه ولا التماس سلطان ترفع ذكري به ولكنني أحببتك بخصال خمس إنك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه وأبو الذرية التي بقيت فينا من رسول الله صلى الله عليه وآله وأسبق الناس إلى الإسلام وأعظم المهاجرين سهما


322
في الجهاد ولو أني كلفت نقل الجبال الرواسي ونزح البحور الطوامي حتى يأتي علي يومي في أمر أقوى به وليك وأهين عدوك ما رأيت أني قد أديت فيه كل الذي يحق علي من حقك

فقال علي عليه السلام اللهم نور قلبه بالتقى واهده إلى صراطك المستقيم ليت أن في جندي مائة مثلك فقال حجر إذن والله يا أمير المؤمنين صح جندك وقل فيهم من يغشك 211-مقال حجر بن عدي

وقام حجر بن عدي فقال يا أمير المؤمنين نحن بنو الحرب وأهلها الذين نلقحها وننتجها قد ضارستنا وضارسناها ولنا أعوان وعشيرة ذات عدد ورأي مجرب وبأس محمود وأزمتنا منقادة لك بالسمع والطاعة فإن شرقت شرقنا وإن غربت غربنا وما أمرتنا به من أمرنا فعلنا

فقال علي عليه السلام أكل قومك يرى مثل رأيك قال ما رأيت منهم إلا حسنا وهذه يدي عنهم بالسمع والطاعة وحسن الإجابة فقال له علي عليه السلام خيرا 212-مقال هاشم بن عتبة

وقال زياد بن النضر الحارثي لعبد الله بن بديل الخزاعي

إن يومنا ليوم عصبصب ما يصبر عليه إلا كل مشبع القلب صادق النية


323
رابط الجأش وايم الله ما أظن ذلك اليوم يبقى منهم ولا منا إلا الرذال فقال عبد الله بن بديل أنا والله أظن ذلك فبلغ كلامهما عليا عليه السلام فقال لهما ليكن هذا الكلام مخزونا في صدوركما لا تظهراه ولا يسمعه منكما سامع إن الله كتب القتل على قوم والموت على آخرين وكل آتيه منيته كما كتب الله له فطوبى للمجاهدين في سبيله والمقتولين في طاعته فلما سمع هاشم بن عتبة ما قالاه أتى عليا عليه السلام فقال

سر بنا يا أمير المؤمنين إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وعملوا في عباد الله بغير رضا الله فأحلوا حرامه وحرموا حلاله واستهوى بهم الشيطان ووعدهم الأباطيل ومناهم الأماني حتى أزاغهم عن الهدى وقصد بهم قصد الردى وحبب إليهم الدنيا فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها كرغبتنا في الآخرة وانتجاز موعد ربنا وأنت يا أمير المؤمنين أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وآله رحما وأفضل الناس سابقة وقدما م يا أمير المؤمنين يعلمون منك مثل الذي نعلم ولكن كتب عليهم الشقاء ومالت بهم الأهواء وكانوا ظالمين فأيدينا مبسوطة لك بالسمع والطاعة وقلوبنا منشرحة لك ببذل النصيحة وأنفسنا تنصرك على من خالفك وتولى الأمر دونك جذلة والله ما أحب أن لي ما على الأرض فما أقلت ولا ما تحت السماء فما أظلت وأني واليت عدوا لك وعاديت وليا لك

فقال علي عليه السلام اللهم ارزقه الشهادة في سبيلك والموافقة لنبيك


324
213-خطبة الإمام علي ثم إن عليا عليه السلام صعد المنبر فخطب الناس ودعاهم إلى الجهاد فبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم قال

إن الله قد أكرمكم بدينه وخلقكم لعبادته فانصبوا أنفسكم في أداء حقه وتنجزوا موعوده واعلموا أن الله جعل أمراس الاسلام متينة وعراه وثيقة ثم جعل الطاعة حظ الأنفس ورضا الرب وغنيمة الأكياس عند تفريط العجزة وقد حملت أمر أسودها وأحمرها ولا قوة إلا بالله ونحن سائرون إن شاء الله إلى من سفه نفسه وتناول ما ليس له وما لا يدركه معاوية وجنده الفئة الطاغية الباغية يقودهم إبليس ويبرق لهم ببارق تسويفه ويدليهم بغروره وأنتم أعلم الناس بالحلال والحرام فاستغنوا بما علمتم واحذروا ما حذركم الله من الشيطان وارغبوا فيما عنده من الأجر والكرامة واعلموا أن المسلوب من سلب دينه وأمانته والمغرور من آثر الضلالة على الهدى فلا أعرفن أحدا منكم تقاعس عني وقال في غيري كفاية فإن الذود إلى الذود إبل ومن لا يذد عن حوضه يتهدم

ثم أني آمركم بالشدة في الأمر والجهاد في سبيل الله وان لا تغتابوا مسلما وانتظروا النصر العاجل من الله إن شاء الله


325
214-خطبة الحسن بن علي

ثم قام بعده ابنه الحسن رضي الله عنه فقال

الحمد لله لا إله غيره ولا شريك له ثم قال إن مما عظم الله عليكم من حقه وأسبغ عليكم من نعمه مالا يحصى ذكره ولا يؤدى شكره ولا يبلغه قول ولا صفة ونحن إنما غضبنا لله ولكم إنه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد إلا اشتد أمرهم واستحكمت عقدتهم فاحتشدوا في قتل عدوكم معاوية وجنوده ولا تخاذلوا فإن الخذلان يقطع نياط القلوب وإن الأقدام على الأسنة نخوة وعصمة لم يتمنع قوم قط إلا رفع الله عنهم العلة وكفاهم جوائح الذلة وهداهم إلى معالم الملة ثم أنشد

( والصلح تأخذ منه مارضيت به والحرب يكفيك من أنفاسها جرع ) 215-خطبة الحسين بن علي

ثم قام الحسين رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يأهل الكوفة أنتم الأحبة الكرماء والشعار دون الدثار جدوا في إطفاء ما وتر بينكم وتسهيل ما توعر عليكم إلا إن الحرب شرها وريع وطعمها


326
فظيع فمن أخذ لها أهبتها واستعد لها عدتها ولم يألم كلومها قبل حلولها فذاك صاحبها ومن عاجلها قبل أوان فرصتها واستبصار سعيه فيها فذاك قمن أن لا ينفع قومه وأن يهلك نفسه نسأل الله بقوته أن يدعمكم بالفيئة ثم نزل 216-خطبة عبد الله بن عباس

وكتب علي إلى ابن عباس بالبصرة

أما بعد فاشخص إلي بمن قبلك من المسلمين والمؤمنين وذكرهم بلائي عندهم وعفوي عنهم في الحرب وأعلمهم الذي لهم في ذلك من الفضل والسلام

فلما وصل كتابه إلى ابن عباس قام في الناس فقرأ عليهم الكتاب وحمد الله وأثنى عليه وقال

أيها الناس استعدوا للشخوص إلى إمامكم وانفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فإنكم تقاتلون المحلين القاسطين الذين لا يقرءون القرآن ولا يعرفون حكم الكتاب ولا يدينون دين الحق مع أمير المؤمنين وابن عم رسول الله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والصادع بالحق والقيم بالهدى والحاكم بحكم الكتاب الذي لا يرتشي في الحكم ولا يداهن الفجار ولا تأخذه في الله لومة لائم


327
217-خطبة لمعاوية

ولما نزل على النخيلة متوجها إلى الشأم وبلغ معاوية خبره وهو يومئذ بدمشق قد ألبس منبر دمشق قميص عثمان مخضبا بالدم وحول المنبر سبعون ألف شيخ يبكون حوله لا تجف دموعهم على عثمان خطبهم وقال

يأهل الشأم قد كنتم تكذبونني في علي وقد استبان لكم أمره والله ما قتل خليفتكم غيره وهو أمر بقتله وألب الناس عليه وآوى قتلته وهم جنده وأنصاره وأعوانه وقد خرج بهم قاصدا بلادكم ودياركم لإبادتكم

يأهل الشأم الله الله في دم عثمان فأنا وليه وأحق من طلب بدمه وقد جعل الله لولي المقتول ظلما سلطانا فانصروا خليفتكم المظلوم فقد صنع القوم ما تعلمون قتلوه ظلما وبغيا وقد أمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية حتى تفئ إلى أمر الله ثم نزل

فأعطوه الطاعة وانقادوا له وجمع إليه أطرافه واستعد للقاء علي


328
وفد علي على معاوية

بعد أن نزل علي كرم الله وجهه بصفين دعا بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني وشبث بن ربعي التميمي فقال ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الله وإلى الطاعة والجماعة فقال له شبث بن ربعي يا أمير المؤمنين ألا تطمعه في سلطان توليه إياه ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك فقال علي ائتوه فالقوه واحتجوا عليه وانظروا ما رأيه وهذا في أول ذي الحجة سنة 36 ه فأتوه ودخلوا عليه 218-خطبة بشير بن عمرو

فحمد الله أبو عمرة بشير بن عمرو وأثنى عليه وقال

يا معاوية إن الدنيا عنك زائلة وإنك راجع إلى الآخرة وإن الله عز وجل محاسبك بعملك وجازيك بما قدمت يداك وإني أنشدك الله عز وجل أن تفرق جماعة هذه الأمة وأن تسفك دماءها بينها

فقطع عليه الكلام وقال هلا أوصيت بذلك صاحبك فقال أبو عمرة

إن صاحبي ليس مثلك إن صاحبي أحق البرية كلها بهذا الأمر في الفضل والدين والسابقة في الإسلام والقرابة من الرسول قال فيقول ماذا قال يأمرك بتقوى الله عز وجل وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك اليه من الحق فإنه أسلم لك في دنياك وخير لك في عاقبة أمرك


329

قال معاوية ونطل دم عثمان رضي الله عنه لا والله لا أفعل ذلك أبدا فذهب سعيد بن قيس يتكلم فبادره شبث بن ربعي فتكلم 219-خطبة شبث بن ربعي

فحمد الله وأثنى عليه وقال

يا معاوية إني قد فهمت ما رددت على ابن محصن إنه والله لا يخفي علينا ما تغزو وما تطلب إنك لم تجد شيئا تستغوي به الناس وتستميل به أهواءهم وتستخلص به طاعتهم إلا قولك قتل إمامكم مظلوما فنحن نطلب بدمه فاستجاب لك سفهاء طغام وقد علمنا أن قد أبطأت عنه بالنصر وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب ورب متمنى أمر وطالبه الله عز وجل يحول دونه بقدرته وربما أوتى المتمنى أمنيته وفوق أمنيته ووالله ما لك في واحدة منها خير لئن أخطأت ما ترجو إنك لشر العرب حالا في ذلك ولئن أصبت ما تمنى لا تصيبه حتى تستحق من ربك صلى النار فاتق الله يا معاوية ودع ما أنت عليه ولا تنازع الأمر أهله 220-خطبة معاوية

فحمد الله معاوية وأثنى عليه ثم قال

أما بعد فإن أول ما عرفت فيه سفهك وخفة حلمك قطعك على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه ثم عنيت بعد فيما لا علم لك به فقد كذبت ولومت


330
أيها الأعرابي الجلف الجافي في كل ما ذكرت ووصفت انصرفوا من عندي فإنه ليس بيني وبينكم الا السيف

وغضب وخرج القوم وشبث يقول أفعلينا تهول بالسيف أقسم بالله ليعجلن بها إليك فأتوا عليا وأخبروه بالذي كان من قوله فأخذ علي يأمر الرجل ذا الشرف فيخرج معه جماعة ويخرج إليه من أصحاب معاوية آخر معه جماعة فيقتتلان في خيلهما ورجالهما ثم ينصرفان وكانوا يكرهون أن يلقوا بجمع أهل العراق أهل الشأم لما يتخوفون أن يكون في ذلك الاستئصال والهلاك


331
وفد علي إلى معاوية أيضا

ولما دخلت سنة 37ه توادعا على ترك الحرب في المحرم إلى انقضائه طمعا في الصلح واختلفت فيما بينهما الرسل في ذلك دون جدوى فبعث علي عدي بن حاتم ويزيد بن قيس وشبث بن ربعي وزياد بن خصفة إلى معاوية 221-خطبة عدي بن حاتم فلما دخلوا حمد الله عدي بن حاتم ثم قال

أما بعد فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله عز وجل به كلمتنا وأمتنا ويحقن به الدماء ويؤمن به السبل ويصلح به ذات البين إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة وأحسنها في الإسلام أثرا وقد استجمع له الناس وقد أرشدهم الله عز وجل بالذي رأوا فلم يبق أحد غيرك وغير من معك فانته يا معاوية لا يصبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل 222-جواب معاوية فقال معاوية كأنك إنما جئت متهددا لم تأت مصلحا هيهات يا عدي كلا والله إني لابن حرب ما يقعقع لي بالشنان أما والله إنك لمن المجلبين علي


332
ابن عفان رضي الله عنه وإنك لمن قتلته وإني لأرجو أن تكون ممن يقتل الله عز وجل به هيهات يا عدي بن حاتم قد حلبت بالساعد الأشد

فقال له شبث بن ربعي وزياد بن خصفة وتنازعا جوابا واحدا

أتيناك فيما يصلحنا وإياك فأقبلت تضرب لنا الأمثال دع مالا ينتفع به من القول والفعل وأجبنا فيما يعمنا وإياك نفعه 223-خطبة يزيد بن قيس

وتكلم يزيد بن قيس فقال

إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك ولنؤدى عنك ما سمعنا منك ونحن على ذلك لن ندع أن ننصح لك وأن نذكر ما ظننا أن لنا عليك به حجة وأنك راجع به إلى الألفة والجماعة إن صاحبنا من قد عرفت وعرف المسلمون فضله ولا أظنه يخفى عليك إن أهل الدين والفضل لن يعدلوا بعلي ولن يميلوا بينك وبينه فاتق الله يا معاوية ولا تخالف عليا فإنا والله ما رأينا رجلا قط أعمل بالتقوى ولا أزهد في الدنيا ولا أجمع لخصال الخير كلها منه 224-خطبة معاوية

فحمد الله معاوية وأثنى عليه ثم قال

أما بعد فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة فأما الجماعة التي دعوتم اليها فمعنا هي


333
وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها إن صاحبكم قتل خليفتنا وفرق جماعتنا وآوى ثأرنا وقتلتنا وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن لا نرد على ذلك عليه أرأيتم قتلة صاحبنا ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة

فقال له شبث أيسرك يا معاوية أنك أمكنت من عمار تقتله فقال معاوية


334
ومايمنعني من ذلك والله لو أمكنت من ابن سميه ما قتلته بعثمان رضي الله عنه ولكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان فقال شبث

وإله الأرض وإله السماء ما عدلت معتدلا لا والذي لا إله إلا هو لا تصل إلى عمار حتى تندر الهام عن كواهل الأقوام وتضيق الأرض الفضاء عليك برحبها فقال له معاوية إنه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيق وتفرق القوم عن معاوية فلما انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن خصفة التميمي فخلا به

فحمد الله وأثنى عليه وقال

أما بعد يا أخا ربيعة فإن عليا قطع أرحامنا وآوى قتلة صاحبنا وإني أسألك النصر بأسرتك وعشيرتك ثم لك عهد الله جل وعز وميثاقه أن أوليك إذا ظهرت أي المصرين أحببت قال زياد فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله عز وجل وأثنيت عليه ثم قلت أما بعد فإني على بينة من ربي وبما أنعم علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ثم قمت


335
وفد معاوية إلى علي

وبعث معاوية إلى علي حبيب بن مسلمة الفهري وشرحبيل بن السمط ومعن ابن يزيد بن الأخنس فدخلوا عليه 225-خطبة حبيب بن مسلمة

فحمد الله حبيب وأثنى عليه ثم قال

أما بعد فإن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله عز وجل وينيب إلى أمر الله تعالى فاستثقلتم حياته واستبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه رضي الله عنه فادفع إلينا قتلة عثمان إن زعمت أنك لم تقتله نقتلهم به ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم يولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم

فقال له علي بن أبي طالب وما أنت لا أم لك والعزل وهذا الأمر اسكت فإنك لست هناك ولا بأهل له فقام وقال له والله لتريني بحيث تكره فقال علي وما أنت لو أجلبت بخيلك ورجلك لا أبقى الله عليك إن أبقيت علي أحقرة وسوءا اذهب فصوب وصعد ما بدا لك وقال شرحبيل بن السمط


336
اني إن كلمتك فلعمري ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي قبل فهل عندك جواب غير الذي أجبته به فقال علي نعم لك ولصاحبك جواب غير الذي أجبته به 226-خطبة علي بن أبي طالب

فحمد لله وأثنى عليه ثم قال

أما بعد فإن الله جل ثناؤه بعث محمدا بالحق فأنقذ به من الضلالة وانتاش به من الهلكة وجمع به من الفرقة ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه ثم استخلف الناس أبا بكر رضي الله عنه واستخلف أبو بكر عمر رضي الله عنه فأحسنا السيرة وعدلا في الأمة وقد وجدنا عليهما أن توليا علينا ونحن آل رسول الله فغفرنا ذلك لهما وولى عثمان رضي الله عنه فعمل بأشياء عابها الناس عليه فساروا إليه فقتلوه ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورهم فقالوا لي بايع فأبيت عليهم فقالوا لي بايع فإن الأمة لا ترضى إلا بك وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس فبايعتهم فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله عز وجل له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الإسلام طليق بن طليق حزب من هذه الأحزاب لم يزل لله عز وجل ولرسوله وللمسلمين عدوا هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين


337
فلا غرو إلا خلافكم معه وانقيادكم له وتدعون آل نبيكم الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحدا ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه وأماتة الباطل وإحياء معالم الدين أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكل مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة

فقالا اشهد أن عثمان رضي الله عنه قتل مظلوما فقال لهما لا أقول إنه قتل مظلوما ولا إنه قتل ظالما قالا فمن لم يزعم أن عثمان قتل مظلوما فنحن منه برآء ثم قاما فانصرفا فقال علي ( إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون )


338
التحريض على القتال من قبل معاوية 227-خطبة عمرو بن العاص المتوفي سنة 43ه

ولما بلغ معاوية أن الإمام عليا كرم الله وجهه يجهز الجيوش لقتاله دعا عمرو ابن العاص فاستشاره فقال أما إذ بلغك أنه يسير فسر بنفسك ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك

قال أما إذا يا أبا عبد الله فجهز الناس فجاء عمرو فحضض الناس وضعف عليا وأصحابه وقال

إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم وأوهنوا شوكتهم وفلوا حدهم ثم إن أهل البصرة مخالفون لعلي قد وترهم وقتلهم وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل وإنما سار في شرذمة قليلة منهم من قد قتل خليفتكم فالله الله في حقكم أن تضيعوه وفي دمكم أن تطلوه 228-خطبة أخرى لعمرو بن العاص

وخطب عمرو بن العاص قبل الوقعة العظمى بصفين يحرض أهل الشأم وقد كان منحنيا على قوس فقال

الحمد لله العظيم في شأنه القوي في سلطانه العلي في مكانه الواضح في برهانه أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء في كل رزية من بلاء أو شدة أو رخاء


339
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ثم إنا نحتسب عند الله رب العالمين ما أصبح في أمة محمد من اشتعال نيرانها واضطراب حبلها ووقوع بأسها بينها فإنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين

أولا تعلمون أن صلاتنا وصلاتهم وصيامنا وصيامهم وحجنا وحجهم وقبلتنا وقبلتهم وديننا ودينهم واحد ولكن الأهواء مختلفة اللهم أصلح هذه الأمة بما أصلحت به أولها واحفظ فيما بيننا مع أن القوم قد وطئوا بلادكم وبغوا عليكم فجدوا في قتال عدوكم واستعينوا بالله ربكم وحافظوا على حرماتكم ثم جلس 229-خطبة معاوية بن أبي سفيان يحرض أهل الشأم

وقام معاوية في أهل الشأم خطيبا فقال

أيها الناس أعيرونا جماجمكم وأنفسكم لا تقتلوا ولا تتخاذلوا فإن اليوم يوم أخطار ويوم حقيقة وحفاظ إنكم لعلى حق وبأيديكم حجة إنما تقاتلون من نكث البيعة وسفك الدم الحرام فليس له من السماء عاذر قدموا أصحاب السلاح المستلئمة وأخروا الحاسر واحملوا بأجمعكم فقد بلغ الحق مقطعة وإنما هو ظالم ومظلوم


340
230-خطبة ذي الكلاع الحميري وطلب معاوية إلى ذي الكلاع الحميري أن يخطب في الناس ويحرضهم على قتال علي رضي الله عنه ومن معه من أهل العراق فعقد فرسه وكان من أعظم أصحاب معاوية خطرا وخطب في الناس فقال

الحمد لله حمدا كثيرا ناميا واضحا منيرا بكرة وأصيلا أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه وكفى بالله وكيلا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالعرفان إماما وبالهدى ودين الحق حين ظهرت المعاصي ودرست الطاعة وامتلأت الأرض جورا وضلالة واضطرمت الدنيا نيرانا وفتنة وورك عدو الله إبليس على أن يكون قد عبد في أكنافها واستولى على جميع أهلها فكان محمد صلى الله عليه وآله هو الذي أطفأ الله به نيرانها ونزع به أوتادها وأوهن به قوى إبليس وآيسه مما كان قد طمع فيه من ظفره بهم وأظهره على الدين كله ولو كره المشركون

ثم كان من قضاء الله أن ضم بيننا وبين أهل ديننا بصفين وإنا لنعلم أن فيهم قوما قد كانت لهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله سابقة ذات شأن وخطر عظيم ولكني ضربت الأمر ظهرا وبطنا فلم أر يسعني أن يهدر دم عثمان صهر نبينا صلى الله عليه وآله الذي جهز جيش العسرة وألحق في مصلى رسول الله عليه وآله بيتا


341
وبنى سقاية وبايع له نبي الله بيده اليمنى على اليسرى واختصه بكريمتيه أم كلثوم ورقية فإن كان قد أذنب ذنبا فقد أذنب من هو خير منه قد قال الله سبحانه لنبيه ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) وقتل موسى نفسا ثم استغفر الله
342
فغفر له وقد أذنب نوح ثم استغفر الله فغفر له وقد أذنب أبوكم آدم ثم استغفر الله فغفر الله له ولم يعر أحدكم من الذنوب وإنا لنعلم قد كانت لابن أبي طالب سابقة حسنة مع رسول الله صلى الله عليه وآله فإن لم يكن مالا على قتل عثمان فقد
343
خذله وإنه لأخوه في دينه وابن عمه وسلفه وابن عمته ثم قد أقبلوا من عراقهم حتى نزلوا شامكم وبلادكم وبيضتكم وإنما عامتهم بين قاتل وخاذل فاستعينوا بالله واصبروا فلقد ابتليتم أيتها الأمة ولقد رأيت في منامي في ليلتي هذه لكأنا وأهل العراق اعتورنا مصحفا نضربه بسيوفنا ونحن في ذلك جميعا ننادي ويحكم الله ومع أنا والله لا نفارق العرصة حتى نموت فعليكم بتقوى الله وليكن الثبات لله فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول إنما يبعث المقتتلون على الثبات أفرغ الله علينا وعليكم الصبر وأعز لنا ولكم النصر وكان لنا ولكم في كل أمر وأستغفر الله لي ولكم 231-خطبة يزيد بن أسد البجلي

وقام يزيد بن أسد البجلي في أهل الشأم يخطب الناس بصفين وعليه قباء من خز وعمامة سوداء آخذا بقائم سيفه واضعا نصل السيف في الأرض متوكئا عليه فقال

الحمد لله الواحد الفرد ذي الطول والجلال العزيز الجبار الحكيم الغفار الكبير المتعال ذي العطاء والفعال والسخاء والنوال والبهاء والجمال والمن


344
والإفضال مالك اليوم الذي لا بيع فيه ولا خلال أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء وفي كل حال من شدة أو رخاء أحمده على نعمه التوام وآلائه العظام حمدا يستنير بالليل والنهار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلمة النجاة فى الحياة الدنيا وعند الوفاة وفيها الخلاص يوم القصاص وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المصطفى وإمام الرحمة والهدى صلى الله عليه وآله

ثم كان من قضاء الله أن جمعنا وأهل ديننا في هذه الرقعة من الأرض والله يعلم أني كنت كارها لذلك ولكنهم لم يبلعونا ريقنا ولم يتركونا نرتاد لأنفسنا وننظر لمعادنا حتى نزلوا بين أظهرنا وفي حريمنا وبيضتنا وقد علمنا أن في القوم أحلاما وطغاما ولسنا نأمن طغامهم على ذرارينا ونسائنا ولقد كنا نحب أن لا نقاتل أهل ديننا فأخرجونا حتى صارت الأمور إلى أن قاتلناهم عدا حمية فإنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين

أما والذي بعث محمدا بالرسالة لوددت أني مت منذ سنة ولكن الله إذا أراد أمرا لم يستطع العباد رده فنستعين بالله العظيم وأستغفر الله لي ولكم


345
التحريض على القتال من قبل الإمام علي أيضا 232 خطبة الإمام علي

وخطب الإمام علي كرم الله وجهه أصحابه متوكئا على قوسه وقد جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله عنده فهم يلونه كأنه أحب أن يعلم الناس أن الصحابة متوافرون معه فحمد الله وأثنى عليه وقال

أما بعد فإن الخيلاء من التجبر وإن النخوة من التكبر وإن الشيطان عدو حاضر يعد كم الباطل ألا إن المسلم أخو المسلم فلا تنابذوا ولا تخاذلوا ألا إن شرائع الدين واحدة وسبله قاصدة من أخذ بها لحق ومن فارقها محق ومن تركها مرق ليس المسلم بالخائن إذا أؤتمن ولا بالمخلف إذا وعد ولا بالكذاب إذا نطق نحن أهل بيت الرحمة وقولنا الصدق وفعلنا الفضل ومنا خاتم النبيين وفينا قادة الإسلام وفينا حملة الكتاب ألا إنا ندعوكم إلى الله وإلى رسوله وإلى جهاد عدوه والشدة في أمره وابتغاء مرضاته وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان وتوفير الفئ على أهله ألا وإن من أعجب


346
العجائب أن معاوية بن ابي سفيان الأموي وعمرو بن العاص السهمي أصبحا يحرضان الناس على طلب الدين بزعمهما ولقد علمتم أني لم أخالف رسول الله وآله قط ولم أعصه في أمر أقيه بنفسي في المواطن التي ينكص فيها الأبطال وترعد فيها الفرائض بنجدة أكرمني الله سبحانه بها وله الحمد ولقد قبض رسول الله وآله وإن رأسه لفي حجري ولقد وليت غسله بيدي وحدي تقلبه الملائكة المقربون معي وايم الله ما اختلفت أمة قط بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها إلا ما شاء الله 233-خطبة أخرى له

وروى أن الإمام عليا قال في هذه الليلة حتى متى لا نناهض القوم بأجمعنا فقام في الناس فقال

الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض ولا ينقض ما أبرم لو شاء ما اختلف اثنان من هذه الأمة ولا من خلقه ولا تنازع البشر في شيء من أمره ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار حتى لفت بيننا في هذا الموضع ونحن من ربنا بمرأى ومسمع ولو شاء لعجل النقمة ولكان منه النصر حتى يكذب الله الظالم ويعلم المحق أين مصيره ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال والآخرة دار الجزاء والقرار ( ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) ألا إنكم لاقو العدو غدا إن شاء الله فأطيلوا الليلة القيام وأكثروا تلاوة القرآن واسألوا الله الصبر والنصر والقوهم بالحد والحزم وكونوا صادقين .


347
234-ومن كلام له كرم الله وجهه كان يقوله لأصحابه في بعض أيام صفين

معاشر المسلمين استشعروا الخشية وتجلببوا السكينة وعضوا على النواجذ فإنه أنبى للسيوف عن الهام وأكملوا اللأمة وقلقلوا السيوف فى أغمادها قبل سلها والحظوا الخزر واطعنوا الشزر ونافحوا بالظبا وصلوا السيوف بالخطا واعلموا أنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله وآله وسلم فعاودوا الكر واستحيوا من الفر فإنه عار في الأعقاب ونار يوم الحساب وطيبوا عن أنفسكم نفسا وامشوا إلى الموت مشيا سجحا وعليكم بهذا السواد الأعظم والرواق المطنب فاضربوا ثبجه فإن الشيطان كامن في كسره قد قدم للوثبة يدا وأخر للنكوص رجلا فصمدا صمدا حتى ينجلي لكم عمود الحق وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم


348
235-خطبة أخرى للإمام

وخطب الإمام علي ذلك اليوم أيضا فقال

أيها الناس إن الله تعالى ذكره قد دلكم على تجارة تنجيكم من العذاب وتشفي بكم على الخير إيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيله وجعل ثوابه مغفرة الذنوب ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر وأخبركم بالذي يحب فقال ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص وقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الأضراس فإنه أنبى للسيوف عن الهام وأربط للجأش وأسكن للقلوب وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار والتووا في أطراف الرماح فإنه أمور للأسنة ورايتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم المانعي الذمار والصبر عند نزول الحقائق أهل الحفاط الذين يخفرون برايتكم ويكنفونها يضربون خلفها وأمامها ولا يضيعونها أجزأ كل امرئ مسلم قرنه وواسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجمع عليه قرنه وقرن أخيه فيكسب بذلك اللائمة ويأتي به دناءة أنى هذا وكيف يكون هذا هذا يقاتل أثنين وهذا ممسك يده قد خلى قرنه إلى أخيه هاربا منه أو قائما ينظر إليه من يفعل هذا مقته الله فلا تعرضوا لمقت الله فإنما مردكم إلى الله قال الله تعالى لقوم عابهم ( لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذن لا تمتعون إلا


349
قليلا ) وايم الله إن فررتم من سيف الله العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة استعينوا بالصدق والصبر فإنه بعد الصبر ينزل النصر 236-خطبة للإمام علي

ومر الإمام علي كرم الله وجهه على جماعة من أهل الشأم فيها الوليد بن عقبة وهم يشتمونه فخبر بذلك فوقف فيمن يليهم من أصحابه فقال

انهدوا إليهم عليكم السكينة والوقار وقار الإسلام وسيمى الصالحين فوالله لأقرب قوم من الجهل فائدهم ومؤذنهم معاوية وابن النابغة وأبو الأعور السلمى وابن أبي معيط شارب الخمر المجلود حدا في الإسلام وهم أولى من يقومون فينقصونني ويجدبونني وقبل اليوم ما قاتلوني وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام وهم يدعونني إلى عبادة الأصنام الحمد لله قديما عاداني الفاسقون فعبدهم الله ألم يفنخوا إن هذا لهو الخطب الجليل إن فساقا كانوا غير مرضيين وعلى الإسلام وأهله متخوفين خدعوا شطر هذه الأمة وأشربوا قلوبهم حب الفتنة واستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور الله عز وجل اللهم فافضض خدمتهم


350
وشتت كلمتهم وأبسلهم بخطاياهم فإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت 237-خطبة أخرى له

ومر بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم فحرض عليهم الناس وذكر أنهم غسان فقال

إن هؤلاء لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك يخرج منهم النسم وضرب يفلق منه الهام ويطيخ العظام وتسقط منه المعاصم والأكف وحتى يصدع جباههم بعمد الحديد وتنتشر حواجبهم على الصدور والأذقان أين أهل الصبر وطلاب الأجر 238-خطبة عبد الله بن عباس

وخطب عبد الله بن عباس أهل العراق بصفين فقال

الحمد لله رب العالمين الذي دحا تحتنا سبعا وسمك فوقنا سبعا وخلق فيما بينهن خلقا وأنزل لنا منهن رزقا ثم جعل لكل شئ قدرا يبلى ويفنى غير وجهه الحي القيوم الذي يحيا ويبقى


351

إن الله تعالى بعث أنبياء ورسلا فجعلهم حججا على عباده عذرا ونذرا لا يطاع الا بعلمه وإذنه يمن بالطاعة على من يشاء من عباده ثم يثيب عليها ويعصى بعلم منه فيعفو ويغفر بحلمه لا يقدر قدره ولا يبلغ شئ مكانه أحصى كل شئ عددا وأحاط بكل شئ علما وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام الهدى والنبي المصطفى

وقد ساقنا قدر الله إلى ما ترون حتى كان مما اضطرب من حبل هذه الأمة وانتشر من أمرها أن معاوية بن أبي سفيان وجد من طغام الناس أعوانا على ابن عم رسول الله وصهره وأول ذكر صلى معه بدرى قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله كل مشاهده التي فيها الفضل ومعاوية مشرك كان يعبد الأصنام والذي ملك الملك وحده وبان به وكان أهله لقد قاتل علي بن أبي طالب عليه السلام مع رسول الله وهو يقول صدق الله ورسوله ومعاوية يقول كذب الله ورسوله فعليكم بتقوى الله والجد والحزم والصبر والله إنا لنعلم إنكم لعلى حق وإن القوم لعلى باطل فلا يكونن أولى بالجد على باطلهم منكم في حقكم وإنا لنعلم أن الله سيعذبهم بأيديكم أو بأيدي غيركم اللهم أعنا ولا تخذلنا وانصرنا على عدونا ولا تحل عنا وافتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين


352
239-خطبة عبد الله بن بديل الخزاعي

وقام عبد الله بن بديل الخزاعي في أصحابه فخطبهم فقال

إن معاوية ادعى ماليس له ونازع الأمر أهله ومن ليس مثله وجادل بالباطل ليدحض به الحق وصال عليكم بالأعراب والأحزاب وزين لهم الضلالة وزرع في قلوبهم حب الفتنة ولبس عليهم الأمور وزادهم رجسا إلى رجسهم وأنتم والله على نور وبرهان قاتلوا الطغام الجفاة قاتلوهم ولا تخشوهم وكيف تخشونهم وفي أيديكم كتاب من ربكم ظاهر مبين قوله سبحانه ( أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ) لقد قاتلتهم مع النبي وآله والله ما هم في هذه بأزكى ولا أتقى ولا أبرأ انهضوا إلى عدو الله وعدوكم بارك الله عليكم 240-خطبة أبي الهيثم بن التيهان

وكان أبو الهيثم بن التيهان يسوي صفوف أهل العراق ويقول

يا معشر أهل العراق إنه ليس بينكم وبين الفتح في العاجل والجنة في الاجل إلا ساعة من النهار فأرسوا أقدامكم وسووا صفوفكم أعيروا ربكم جماجمكم واستعينوا بالله إلهكم وجاهدوا عدو الله وعدوكم واقتلوهم قتلهم الله وأبادهم واصبروا فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين


353
241-خطبة للإمام علي

وخطب علي عليه السلام بصفين أيضا فقال

الحمد لله على نعمه الفاضلة على جميع من خلق من البر والفاجر وعلى حججه البالغة على خلقه من أطاعه منهم ومن عصاه إن يرحم فبفضله ومنه وإن عذب فبما كسبت أيديهم وإن الله ليس بظلام للعبيد أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء وأستعينه على ما نابنا من أمر الدنيا والآخرة وأتوكل عليه وكفى بالله وكيلا ثم إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ارتضاه لذلك وكان أهله واصطفاه لتبليغ رسالته وجعله رحمة منه على خلقه فكان علمه فيه رءوفا رحيما أكرم خلق الله حسبا وأجملهم منظرا وأسخاهم نفسا وأبرهم لوالد وأوصلهم لرحم وأفضلهم علما وأثقلهم حلما وأوفاهم لعهد وآمنهم على عقد لم يتعلق عليه مسلم ولا كافر بمظلمة قط بل كان يظلم فيغفر ويقدر فيصفح حتى مضى وآله مطيعا لله صابرا على ما اصابه مجاهدا في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين وآله فكان ذهابه أعظم المصيبة على أهل الأرض البر والفاجر ثم ترك فيكم كتاب الله يأمركم بطاعة الله وينهاكم عن معصيته

وقد عهد إلى رسول الله عهدا فلست أحيد عنه وقد حضرتم عدوكم وعلمتم أن رئيسهم منافق يدعوهم إلى النار وابن عم نبيكم معكم وبين أظهركم يدعوكم إلى الجنة والى طاعة ربكم والعمل بسنة نبيكم ولا سواء من صلى قبل كل ذكر لا يسبقني بصلاة مع رسول الله أحد وأنا من أهل بدر ومعاوية طليق


354
والله إنا على الحق وإنهم على الباطل فلا يجتمعن على باطلهم وتتفرقوا عن حقكم حتى يغلب باطلهم حقكم قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم فإن لم تفعلوا يعذبهم بأيدي غيركم 242-خطبة سعيد بن قيس

وقام سعيد بن قيس يخطب أصحابه بقناصرين فقال

الحمد لله الذى هدانا لدينه وأورثنا كتابه وامتن علينا بنبيه فجعله رحمة للعالمين وسيد المرسلين وقائد المؤمنين وختاما للنبيين وحجة الله العظيم على الماضين والغابرين ثم كان مما قضى الله وقدره وله الحمد على ما أحببنا وكرهنا أن ضمنا وعدونا بقناصرين فلا يجمل بنا اليوم الحياص وليس هذا بأوان انصراف ولات حين مناص وقد خصنا الله بمنه برحمة لا نستطيع أداء شكرها ولا نقدر قدرها إن أصحاب محمد وآله المصطفين الأخيار معنا وفي حيزنا فوالله


355
الذي هو بالعباد بصير أن لو كان قائدنا رجلا مخدوعا إلا أن معنا من البدريين سبعين رجلا لكان ينبغي لنا أن تحسن بصائرنا وتطيب أنفسنا فكيف وإنما رئيسنا ابن عم نبينا بدري صدق صلى صغيرا وجاهد مع نبيكم كثيرا ومعاوية طليق من وثاق الأسارى إلا أنه أخو جفاة فأوردهم النار وأورثهم العار والله محل بهم الذل والصغار ألا إنكم ستلقون عدوكم غدا فعليكم بتقوى الله من الجد والحزم والصدق والصبر فإن الله مع الصابرين ألا إنكم تفوزون بقتلهم ويشقون بقتلكم والله لا يقتل رجل منكم رجلا منهم إلا أدخل الله القاتل جنات عدن وأدخل المقتول نارا تلظى لا تفتر عنهم وهم فيها مبلسون عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه وجعلنا وإياكم ممن أطاعه واتقاه واستغفر الله العظيم لي ولكم وللمؤمنين 243-خطبة يزيد بن قيس الأرحبي

وحرض يزيد بن قيس الأرحبي أهل العراق بصفين فقال

إن المسلم من سلم دينه ورأية وإن هؤلاء القوم والله ما إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيعناه ولا على إحياء حق رأونا أمتناه ولا يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا ليكونوا فيها جبابرة وملوكا ولو ظهروا عليكم لا أراهم الله ظهورا ولا سرورا إذن


356
لوليكم مثل سعيد والوليد عبد الله بن عامر السفيه يحدث أحدهم في مجلسه بذيت وذيت ويأخذ مال الله ويقول لا إثم علي فيه كأنما أعطي تراثه من أبيه كيف إنما هو مال الله أفاءه علينا بأسيافنا ورماحنا قاتلوا عباد الله القوم الظالمين الحاكمين بغير ما أنزل الله ولا تأخذكم فيهم لومة لائم إنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم وهم من قد عرفتم وجربتم والله ما أرادوا باجتماعهم عليكم إلا شرا واستغفر الله العظيم لي ولكم 244-خطبة هاشم بن عتبة المرقال

وشد هاشم بن عتبة المرقال في عصابة من أصحابه على أهل الشأم مرار


357
فليس من وجه يحمل عليه إلا صبر له وقاتل فيه قتالا شديدا فقال لأصحابه لا يهولنكم ما ترون من صبرهم فوالله ما ترون فيهم إلا حمية العرب وصبرها تحت راياتها وعند مراكزها وإنهم لعلى الضلال وإنكم لعلى الحق يا قوم اصبروا وصابروا واجتمعوا وامشوا بنا إلى عدونا على تؤدة رويدا ثم اثبتوا وتناصروا واذكروا الله ولا يسأل رجل أخاه ولا تكثروا الإلتفات واصمدوا صمدهم وجاهدوا محتسبين حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين 254-خطبة عمار بن ياسر

وقام عمار بن ياسر يوم صفين فقال

انهضوا معي عباد الله إلى قوم يزعمون أنهم يطلبون بدم ظالم إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان الآمرون بالإحسان فقال هؤلاء الذين لا يبالون اذا سلمت لهم دنياهم ولو درس هذا الدين لم قتلتموه فقلنا لأحداثه فقالوا إنه لم يحدث شيئا وذلك لأنه مكهم من الدنيا فهم يأكلونها ويرعونها ولا يبالون لو انهدمت الجبال والله ما أظنهم يطلبون بدم ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحلوها واستمرءوها واعلموا أن صاحب الحق لو وليهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون منها إن القوم لم يكن لهم سابقة في الإسلام يستحقون بها الطاعة والولاية فخدعوا أتباعهم بأن قالوا قتل إمامنا مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة وملوكا تلك


358
مكيدة قد بلغوا بها ما ترون ولولاها ما تابعهم من الناس رجل اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت وأن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الأليم 246-خطبة الأشعث بن قيس

وخطب الأشعث بن قيس أصحابه من كندة ليلة الهرير بصفين فقال

الحمد لله أحمده و أستعينه وأومن به وأتوكل عليه واستنصره وأستغفره وأستجيره وأستهديه وأستشيره وأستشهد به فإنه من هداه الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وآله ثم قال

قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي وما قد فنى فيه من العرب فوالله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ فما رأيت مثل هذا اليوم قط ألا فليبلغ الشاهد الغائب أنا نحن إن تواقفنا غدا إنه لفنيت العرب وضيعت الحرمات أما والله ما أقول هذه المقالة جزعا من الحرب ولكني رجل مسن أخاف على النساء والذراري غدا إذا فنينا

اللهم إنك تعلم أني قد نظرت لقومي ولأهل ديني فلم آل وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب والرأي يخطئ ويصيب وإذا قضى الله أمرا أمضاه على ما أحب العباد أو كرهوا

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم

فانطلقت عيون معاوية إليه بخطبة الأشعث فاغتنمها وبنى عليها تدبيره


359
247-خطبة الأشتر النخعي

فقام الأشتر يخطب الناس بقناصرين وهو يومئذ على فرس أدهم مثل حلك الغراب فقال

الحمد لله الذي خلق السموات العلى الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء حمدا كثيرا بكرة وأصيلا من هداه الله فقد اهتدى ومن يضلل فقد غوى أرسل محمدا بالصواب والهدى فأظهره على الدين كله ولو كره المشركون وآله

ثم قد كان مما قضى الله سبحانه وقدر أن ساقتنا المقادير إلى أهل هذه البلدة من الأرض فلفت بيننا وبين عدو الله وعدونا فنحن بحمد الله ونعمه ومنه وفضله قريرة أعيننا طيبة أنفسنا نرجو بقتالهم حسن الثواب والأمن من العقاب معنا ابن عم نبينا وسيف من سيوف الله علي بن أبي طالب صلى مع رسول الله لم يسبقه إلى الصلاة ذكر حتى كان شيخا لم يكن له صبوة ولا نبوة ولا هفوة ولاسقطة فقيه في دين الله تعالى عالم بحدود الله ذو راي أصيل وصبر جميل وعفاف قديم فاتقوا الله وعليكم بالحزم والجد وأعلموا أنكم على الحق وأن القوم على الباطل إنما تقاتلون معاوية وانتم مع البدريين قريب من مائة بدري سوى من حولكم من أصحاب محمد أكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله ومعاوية مع رايات قد كانت مع المشركين على رسول الله


360
فمن يشك في قتال هؤلاء إلا ميت القلب أنتم على إحدى الحسنيين إما الفتح وإما الشهادة عصمنا الله وإياكم بما عصم به من أطاعه واتقاه وألهمنا وإياكم طاعته وتقواه واستغفر الله لي ولكم 248-خطبة الأشتر في المنهزمين من الميمنة

ولما انهزمت ميمنة العراق قال له علي يا مالك قال لبيك قال إئت هؤلاء القوم فقل لهم أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه إلى الحياة التي لن تبقى لكم فمضى فاستقبل الناس منهزمين فقال لهم هذه الكلمات وقال إلي أيها الناس أنا مالك بن الحارث أنا مالك بن الحارث ثم ظن أنه بالأشتر أعرف في الناس فقال أنا الأشتر إلي أيها الناس فأقبلت إليه طائفة وذهبت عنه طائفة فنادى أيها الناس عضضتم بهن آباءكم ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم أيها الناس اخلصوا إلي مذحجا فأقبلت إليه مذحج فقال

عضضتم بصتم الجندل ما أرضيتم ربكم ولا نصحتم له في عدوكم وكيف بذلك وأنتم أبناء الحروب وأصحاب الغارات وفتيان الصباح وفرسان الطراد وحتوف الأقران ومذحج الطعان والذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ولا تطل دماؤهم ولا يعرفون في موطن بخسف وأنتم حد أهل مصركم وأعز حي في قومكم وما تفعلوا في هذا اليوم فإنه مأثور بعد اليوم فاتقوا مأثور الحديث في غد واصدقوا عدوكم اللقاء إن الله مع الصادقين والذي نفس مالك بيده ما من هؤلاء وأشار بيده


361
إلى أهل الشأم رجل على مثال جناح بعوضة من محمد أنتم ما أحسنتم القراع اجلوا سواد وجهي يرجع في وجهي دمي عليكم بهذا السواد الأعظم فإن الله عز وجل لو قد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع مؤخر السبيل مقدمه

قالوا خذ بنا حيث أحببت 249-خطبة أخرى له فيهم

وروى أنه لما اجتمع إليه عظم من كان انهزم عن الميمنة حرضهم ثم قال

عضوا على النواجذ من الأضراس واستقبلوا القوم بهامكم وشدوا عليهم شدة قوم موتورين ثأرا بآبائهم وإخوانهم خناقا على عدوهم قد وطنوا على الموت أنفسهم كيلا يسبقوا بوتر ولا يلحقوا في الدنيا عارا وايم الله ما وتر قوم قط بشيء أشد عليهم من أن يوتروا دينهم وإن هؤلاء القوم لا يقاتلونكم إلا عن دينكم ليميتوا السنة ويحيوا البدعة ويعييدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله عز وجل منها بحسن البصيرة فطيبوا عباد الله أنفسا بدمائكم دون دينكم فإن ثوابكم على الله والله عنده جنات النعيم وإن الفرار من الزحف فيه السلب للعز والغلبة على الفئ وذل المحيا والممات وعار الدنيا والآخرة وسخط الله وأليم عقابه


362
250-خطبة علي فيهم وقد عادوا إلى مواقفهم

ولما رأى الإمام كرم الله وجهه ميمنته قد عادت إلى مواقفها و مصافها وكشفت من بإزائها من عدوها حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم أقبل حتى انتهى إليهم فقال

إني قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم يحوزكم الطغاة الجفاة وأعراب أهل الشأم وأنتم لهاميم العرب والسنام الأعظم وعمار الليل بتلاوة القرآن وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون فلولا إقبالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولى يوم الزحف دبره وكنتم من الهالكين ولكن هون وجدي وشفى بعض أحاح نفسي أني رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم وأزلتموهم عن مصافكم كما أزالوكم تحسونهم بالسيوف تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطرودة الهيم فالآن فاصبروا نزلت عليكم السكينة وثبتكم الله عز وجل عليه باليقين وليعلم المنهزم أنه مسخط ربه وموبق نفسه إن في الفرار موجدة الله عز وجل والذل اللازم له والعار الباقي واعتصار الفئ من يده وفساد العيش عليه وإن الفار لا يزيد الفرار في عمره ولا يرضي ربه فموت المرء محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتلبس بها والإصرار عليه


363
251-خطبة خالد بن معمر

ولما ولى الإمام خالد بن معمر راية ربيعة وحمل عليها أهل الشأم حملة شديدة وانهزم ناس من قومه صاح بمن انهزم وقال يومئذ

يا معشر ربيعة إن الله عز وجل قد أتى بكل رجل منكم من منبته ومسقط رأسه فجمعكم في هذا المكان جمعا لم يجمعكم مثله منذ نشركم في الأرض فإن تمسكوا أيديكم وتنكلوا عن عدوكم وتزولوا عن مصافكم لا يرض الله فعلكم ولا تعدموا من الناس معيرا يقول فضحت ربيعة الذمار وحاصت عن القتال وأتيت من قبلها العرب فإياكم أن تتشاءم بكم العرب والمسلمون اليوم وإنكم إن تمضوا مقبلين مقدمين وتصبروا محتسبين فإن الإقدام لكم عادة والصبر منكم سجية واصبروا ونيتكم أن تؤجروا فإن ثواب من نوى ما عند الله شرف الدنيا وكرامة الآخرة ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا 252-خطبة عقبة بن حديد النمري

وقال عقبة بن حديد النمري يوم صفين لأهله وأصحابه

ألا إن مرعى الدنيا قد أصبح هشيما وأصبح شجرها خضيدا وجديدها سملا وحلوها مر المذاق ألا وإني أنبئكم نبأ امرئ صادق إني قد سئمت الدنيا


364
وعزفت نفسي عنها وقد كنت أتمنى الشهادة وأتعرض لها في كل جيش وغارة فأبى الله عز وجل إلا أن يبلغني هذا اليوم ألا وإني متعرض لها من ساعتي هذه قد طمعت ألا أحرمها فما تنتظرون عباد الله بجهاد من عادى الله أخوفا من الموت القادم عليكم الذاهب بأنفسكم لا محالة أو من ضربة كف بالسيف أتستبدلون الدنيا بالنظر في وجه الله عز وجل ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار القرار ما هذا بالرأي السديد

ثم مضى فقال يا إخوتي إني قد بعت هذه الدار بالتي أمامها وهذا وجهي إليها لا تبرح وجوهكم ولا يقطع الله عز وجل رجاءكم فتبعه إخوته فقالوا لا نطلب رزق الدنيا بعدك فقبح الله العيش بعدك اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك فاستقدموا فقاتلوا حتى قتلوا 253-خطبة خنثر بن عبيدة بن خالد

وكان من محارب رجل يقال له خنثر بن عبيدة بن خالد وكان من أشجع الناس فلما اقتتل الناس يوم صفين جعل يرى أصحابه منهزمين فأخذ ينادي

يا معشر قيس أطاعة الشيطان آثر عندكم من طاعة الرحمن ألا إن الفرار فيه معصية الله سبحانه وسخطه وإن الصبر فيه طاعة الله عز وجل ورضوانه أفتختارون سخط الله تعالى على رضوانه ومعصيته على طاعته ألا إنما الراحة بعد الموت لمن مات محاسبا نفسه ثم قال


365

( لا وألت نفس امرئ ولى الدبر أنا الذي لا ينثني ولا يفر )

( ولا يرى مع المعازيل الغدر ) 254-تحريض معاوية أيضا

وخطب معاوية الناس بصفين فقال

الحمد لله الذي دنا في علوه وعلا في دنوه وظهر وبطن وارتفع فوق كل ذي منظر هو الأول والآخر والظاهر والباطن يقضي فيفصل ويقدر فيغفر ويفعل ما يشاء إذا أراد أمرا أمضاه وإذا عزم على شئ قضاه لا يؤامر أحدا فيما يملك ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون والحمد لله رب العالمين على ما أحببنا وكرهنا

وقد كان فيما قضاه الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه البقعة من الأرض ولفت بيننا وبين أهل العراق فنحن من الله بمنظر وقد قال الله سبحانه وتعالى ( ولو شاء الله مااقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) انظروا يأهل الشأم إنكم غدا تلقون أهل العراق فكونوا على إحدى ثلاث خصال إما أن تكونوا طلبتم ما عند الله في قتال قوم بغوا عليكم فأقبلوا من بلادهم حتى نزلوا في بيضتكم وإما أن تكونوا قوما تطلبون بدم خليفتكم وصهر نبيكم وإما أن تكونوا قوما تذبون عن نسائكم وأبنائكم فعليكم بتقوى الله والصبر الجميل واسألوا الله لنا ولكم النصر وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين


366
255-ما خاطب به النعمان بن بشير قيس بن سعد في وقعة صفين

وقف النعمان بن بشير الأنصاري بين الصفين بصفين فقال

يا قيس بن سعد أما أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه إنكم يا معشر الأنصار أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار وقتلكم أنصاره يوم الجمل وإقحامكم على أهل الشأم بصفين فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا كان هذا بهذا ولكنكم خذلتم حقا ونصرتم باطلا ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس شعلتم الحرب ودعوتم إلى البراز فقد والله وجدتم رجال الحرب من أهل الشأم سراعا إلى برازكم غير أنكاس عن حربكم ثم لم ينزل بعلي أمر قط إلا هونتم عليه المصيبة ووعدتموه الظفر وقد والله أخلفتموه وهان علينا بأسكم وما كنتم لتخلوا به أنفسكم من شدتكم في الحرب وقدرتكم على عدوكم وقد أصبحتم أذلاء على أهل الشأم لا يرون حربكم شيئا وأنتم أكثر منهم عددا ومددا وقد والله كاثروكم بالقلة فكيف لو كانوا مثلكم في الكثرة والله لا تزالون أذلاء في الحرب بعدها أبدا إلا أن يكون معكم أهل الشأم وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم ونحن أحسن بقية وأقرب إلى الظفر فاتقوا الله في البقية فضحك قيس وقال


367
256-جواب قيس بن سعد

والله ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذا المقام أما المنصف المحق فلا ينصح أخاه من غش نفسه وأنت والله الغاش لنفسه المبطل فيما نصح غيره أما ذكر عثمان فإن كان الإيجاز يكفيك فخذه قتل عثمان من لست خيرا منه وخذله من هو خير منك وأما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث وأما معاوية فلو اجتمعت العرب على بيعته لقاتلتهم الأنصار وأما قولك إنا لسنا كالناس فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله نلقى السيوف بوجوهنا والرماح بنحورنا حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ولكن انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلا طليقا أعرابيا أو يمانيا مستدرجا وانظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك ولستما والله بدريين ولا عقبيين ولا لكما سابقة في الإسلام ولا آية في القران


368
خطب الشيعيات في وقعة صفين 257-خطبة عكرشة بنت الأطرش

دخلت عكرشة بنت الأطرش على معاوية متوكئة على عكاز فسلمت عليه بالخلافة ثم جلست فقال لها معاوية الآن يا عكرشة صرت عندك أمير المؤمنين قالت نعم إذ لا علي حي قال ألست المتقلدة حمائل السيوف بصفين وأنت واقفة بين الصفين تقولين

أيها الناس عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إن الجنة لا يرحل من أوطنها ولا يهرم من سكنها ولا يموت من دخلها فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها ولا تنصرم همومها وكونوا قوما مستبصرين في دينهم مستظهرين بالصبر على طلب حقهم إن معاوية دلف إليكم بعجم العرب غلف القلوب لا يفقهون الإيمان ولا يدرون الحكمة دعاهم بالدنيا فأجابوه واستدعاهم إلى الباطل فلبوه فالله الله عباد الله في دين الله إياكم والتواكل فإن ذلك ينقض عرا الإسلام ويطفئ نور الحق هذه بدر الصغرى والعقبة الأخرى يا معشر المهاجرين والأنصار


369
امضوا على بصيرتكم واصبروا على عزيمتكم فكأني بكم غدا وقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة تصقع صقع البعير

فكأني أراك على عصاك هذه وقد انكفأ عليك العسكران يقولون هذه عكرشة بنت الأطرش بن رواحة فإن كدت لتفلين أهل الشام لولا قدر الله وكان أمر الله قدرا مقدورا فما حملك على ذلك قالت يا أمير المؤمنين يقول الله جل ذكره ( يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) الآية وإن اللبيب إذا كره أمرا لا يحب إعادته قال صدقت فاذكري حاجتك قالت إنه كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا فترد على فقرائنا وإنا قد فقدنا ذلك فما يجبر لنا كسير ولا ينعش لنا فقير فإن كان ذلك عن رأيك فمثلك تنبه من الغفلة وراجع للتوبة وإن كان عن غير رأيك فما مثلك من استعان بالخونة ولا استعمل الظلمة قال معاوية يا هذه إنه ينوبنا من أمور رعيتنا أمور تنبثق وبحور تنفهق قالت يا سبحان الله والله ما فرض الله لنا حقا فجعل فيه ضررا على غيرنا وهو علام الغيوب قال معاوية يأهل العراق نبهكم علي بن أبي طالب فلم تطاقوا ثم أمر برد صدقاتهم فيهم وإنصافهم 258-خطبة أم الخير بنت الحريش

كتب معاوية إلى واليه بالكوفة أن يحمل إليه أم الخير بنت الحريش بن سراقة البارقي برحلها وأعلمه أنه مجازيه بالخير خيرا وبالشر شرا بقولها فيه فلما ورد عليه


370
كتابه ركب إليها فأقرأها كتابه فقالت أما أنا فغير زائغة عن طاعة ولا معتلة بكذب ولقد كنت أحب لقاء أمير المؤمنين لأمور تختلج في صدري فلما شيعها وأراد مفارقتها قال لها يا أم الخير إن أمير المؤمنين كتب إلي أنه مجازيني بقولك في بالخير خيرا وبالشر شرا فمالي عندك قالت يا هذا لا يطمعك برك بي أن أسرك بباطل ولا يؤيسك معرفتي بك أن أقول فيك غير الحق فسارت خير مسير حتى قدمت على معاوية فأنزلها مع الحرم ثم أدخلها في اليوم الرابع وعنده جلساؤه فقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقال لها وعليك السلام يا أم الخير بحق ما دعوتني بهذا الإسم قالت مه يا أمير المؤمنين فإن بديهة السلطان مدحضة لما يجب علمه ولكل أجل كتاب قال صدقت فكيف حالك يا خالة وكيف كنت في مسيرك قالت لم أزل يا أمير المؤمنين في خير وعافية حتى صرت إليك فأنا في مجلس أنيق عند ملك رفيق قال معاوية بحسن نيتي ظفرت بكم قالت يا أمير المؤمنين يعيذك الله من دحض المقال وما تردى عاقبته قال ليس هذا أردنا أخبرينا كيف كان كلامك إذ قتل عمار بن ياسر قالت لم أكن والله زورته قبل ولا رويته بعد وإنما كانت كلمات نفثها لساني عند الصدمة فإن أحببت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت فالتفت معاوية إلى جلسائه فقال أيكم يحفظ كلامها فقال رجل منهم أنا أحفظ بعض كلامها يا أمير المؤمنين قال هات قال كأني بها بين بردين زئبريين كثيفي النسيج وهي على جمل أرمك وبيدها سوط منتشر الضفيرة وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول
371

يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم إن الله قد أوضح لكم الحق وأبان الدليل وبين السبيل ورفع العلم ولم يدعكم في عمياء مدلهمة فأين تريدون رحمكم الله أفرارا عن أمير المؤمنين أم فرارا من الزحف أم رغبة عن الإسلام أم ارتدادا عن الحق أما سمعتم الله جل ثناؤه يقول ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول اللهم قد عيل الصبر وضعف اليقين وانتشرت الرغبة وبيدك يا رب أزمة القلوب فاجمع الكلمة على التقوى وألف القلوب على الهدى واردد الحق إلى أهله هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل والرضي التقي والصديق الأكبر إنها إحن بدرية وأحقاد جاهلية وضغائن أحدية وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك ثارات بني عبد شمس ثم قالت ( قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ) صبرا يا معشر المهاجرين والأنصار قاتلوا على بصيرة من ربكم وثبات من دينكم فكأني بكم غدا وقد لقيتم أهل الشأم كحمر مستنفرة فرت من قسورة لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض باعوا الآخرة بالدنيا واشتروا الضلالة بالهدى وعما قليل ليصبحن نادمين حين تحل بهم الندامة فيطلبون الإقالة ولات حين مناص إنه من ضل والله عن الحق وقع في الباطل ألا إن أولياء الله استقصروا عمر الدنيا فرفضوها واستطابوا الآخرة فسعوا لها فالله الله أيها الناس قبل أن تبطل الحقوق وتعطل الحدود وتقوى كلمة الشيطان فإلى أين تريدون رحمكم الله عن ابن عم رسول الله وصهره وأبي سبطيه خلق من طينته وتفرع من نبعته


372
وجعله باب دينة وأبان ببغضه المنافقين وها هو ذا مفلق الهام ومكسر الأصنام صلى والناس مشركون وأطاع والناس كارهون فلم يزل في ذلك حتى قتل مبارزي بدر وأفنى أهل أحد وهزم الأحزاب وقتل الله به أهل خيبر وفرق به جمع هوازن فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا وردة وشقاقا وزادت المؤمنين إيمانا قد اجتهدت في القول وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله

فقال معاوية يا أم الخير ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي ولو قتلتك ما حرجت في ذلك قالت والله ما يسؤني يا بن هند أن يجري قتلي على يدي من يسعدني الله بشقائه قال هيهات يا كثيرة الفضول ما تقولين في عثمان بن عفان رحمه الله قالت وما عسيت أن أقول في عثمان استخلفه الناس وهم به راضون وقتلوه وهم له كارهون قال معاوية يا أم الخير هذا ثناؤك الذي تثنين قالت لكن الله يشهد وكفى بالله شهيدا ما أردت بعثمان نقصا ولقد كان سباقا إلى الخيرات وإنه لرفيع الدرجة غدا قال فما تقولين في طلحة بن عبيد الله قالت وما عسى أن أقول في طلحة اغتيل من مأمنه وأتي من حيث لم يحذر وقد وعده رسول الله الجنة قال فما تقولين في الزبير قالت وما أقول في ابن عمة رسول الله وحواريه وقد شهذ له رسول الله بالجنة وأنا أسألك بحق الله يا معاوية فإن قريشا تحدثت أنك أحلمها أن تعفيني من هذه المسائل وتسألني عما شئت من غيرها قال نعم ونعمة عين قد أعفيتك منها ثم أمر لها بجائزة رفيعة وردها مكرمة


373
259-خطبة الزرقاء بنت عدي الهمدانية

وذكرت الزرقاء بنت عدي بن قيس الهمدانية عند معاوية يوما فقال لجلسائه أيكم يحفظ كلامها قال بعضهم نحن نحفظه يا أمير المؤمنين قال فأشيروا علي في أمرها فأشار بعضهم في قتلها فقال بئس الرأي أيحسن بمثلي أن يقتل امرأة ثم كتب إلى عامله بالكوفة أن يوفدها إليه مع ثقة من ذوي محارمها وعدة من فرسان قومها وأن يمهد لها وطء لينا ويسترها بستر خصيف ويوسع لها في النفقة فأرسل إليها فأقرأها الكتاب فقالت إن كان أمير المؤمنين جعل الخيار إلي فإني لا آتيه وإن كان حتم فالطاعة أولى فحملها وأحسن جهازها على ما أمر به فلما دخلت على معاوية قال مرحبا بك وأهلا قدمت خير مقدم قدمه وافد كيف حالك قالت بخير يا أميرالمؤمنين أدام الله لك النعمة قال كيف كنت في مسيرك قالت ربيبة بيت أو طفلا ممهدا قال بذلك أمرناهم أتدرين فيما بعثت إليك قالت وأنى لي بعلم ما لم أعلم قال ألست الراكب الجمل الأحمر والواقعة بين الصفين بصفين تحضين على القتال وتوقدين الحرب فما حملك على ذلك قالت يا أمير المؤمنين مات الرأس وبتر الذنب ولن يعود ما ذهب والدهر ذو غير ومن تفكر أبصر والأمر يحدث بعده الأمر قال لها معاوية أتحفظين كلامك يومئذ قالت لا والله لا أحفظه ولقد أنسيته قال لكني أحفظه لله أبوك حين تقولين

أيها الناس ارعووا وارجعوا إنكم قد أصبحتم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم وجارت بكم عن قصد المحجة فيا لها فتنة عمياء صماء بكماء لا تسمع لناعقها ولا تنساق


374
لقائدها إن المصباح لا يضئ في الشمس ولا تنير الكواكب مع القمر ولا يقطع الحديد إلا الحديد ألا من ارشدناه استرشدناه ومن سألنا أخبرناه أيها الناس إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار على العصص فكأن قد أندمل شعب الشتات والتأمت كلمة الحق ودمغ الحق الظلمة فلا يجهلن أحد فيقول كيف وأنى ليقضي الله أمرا كان مفعولا ألا وإن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء ولهذا اليوم ما بعده والصبر خير في الأمور عواقبا

إيها في الحرب قدما غير ناكصين ولا متشاكسين

ثم قال لها والله يا زرقاء لقد شركت عليا في كل دم سفكه قالت احسن الله بشارتك وأدام سلامتك فمثلك بشر بخير وسر جليسه قال أو يسرك ذلك قالت نعم والله لقد سررت بالخبر فأنى لي بتصديق الفعل فضحك معاوية وقال والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته اذكري حاجتك قالت يا أمير المؤمنين آليت على نفسي ألا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا ومثلك أعطى عن غير مسأله وجاد عن غير طلبة قال صدقت وأمر لها وللذين جاءوا معها بجوائز وكسا


375
اختلاف أهل العراق في الموادعة

وذكروا أنه لما اشتد الأمر واستعر القتال قال رأس من أهل العراق لعلي إن هذه الحرب قد أكلتنا وأذهبت الرجال والرأي الموادعة وقال بعضهم لا بل نقاتلهم اليوم على ما قاتلناهم عليه أمس وكانت الجماعة قد رضيت الموادعة وجنحت إلى الصلح والمسالمة فقام علي خطيبا فقال 260-خطبة الإمام علي كرم الله وجهه

أيها الناس إنه لم أزل من أمري على ما أحب حتى فدحتكم الحرب وقد والله أخذت منكم وتركت وهي لعدوكم أنهك وقد كنت بالأمس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا وكنت ناهيا فأصبحت اليوم منهيا فليس لي أن أحملكم على ما تكرهون 261-خطبة كردوس بن هانئ وقام كردوس بن هانئ فقال

إنه والله ما تولينا معاوية منذ تبرأنا منه ولا تبرأنا من علي منذ توليناه وإن قتيلنا لشهيد وإن حينا لفائز وإن عليا على بينة من ربه وما أجاب القوم إلا إنصافا وكل محق منصف فمن سلم له نجا ومن خالفه هوى


376
262-خطبة سفيان بن ثور وقام سفيان بن ثور فقال

أيها الناس إنا دعونا أهل الشأم إلى كتاب الله فردوه علينا فقاتلناهم وإنهم دعونا إلى كتاب الله فإن رددناه عليهم حل لهم منا ما حل لنا منهم ولسنا نخاف أن يحيف الله علينا ورسوله وإن عليا ليس بالراجع الناكص وهو اليوم على ما كان عليه أمس وقد أكلتنا هذه الحرب ولا نرى البقاء إلا في الموادعة 263-خطبة حريث بن جابر

ثم قام حريث بن جابر فقال

إن عليا لو كان خلوا من هذا الأمر لكان المرجع إليه فكيف وهو قائده وسائقه وإنه والله ما قبل من القوم اليوم إلا الأمر الذي دعاهم إليه أمس ولو رده عليهم كنتم له أعيب ولا يلحد في هذا الأمر إلا راجع على عقبيه أو مستدرج مغرور وما بيننا وبين من طعن علينا إلا السيف 264-خطبة خالد بن معمر

ثم قام خالد بن معمر فقال

يا أمير المؤمنين إنا والله ما أخرجنا هذا المقام أن يكون أحد أولى به منا ولكن قلنا أحب الأمور إلينا ما كفينا مئونته فأما إذ استغنينا فإنا لا نرى البقاء إلا فيما دعاك القوم إليه اليوم إن رأيت ذلك وإن لم تره فرأيك أفضل


377
265-خطبة الحصين بن المنذر

ثم قام الحصين بن المنذر وكان أحدث القوم سنا فقال

إنما بني هذا الدين على التسليم فلا تدفعوه بالقياس ولا تهدموه بالشبهة وإنا والله لو أنا لا نقبل من الأمور إلا ما نعرف لأصبح الحق في الدنيا قليلا ولو تركنا وما نهوى لأصبح الباطل في أيدينا كثيرا وإن لنا راعيا قد حمدنا ورده وصدره وهو المأمون على ما قال وفعل فإن قال لا قلنا لا وإن قال نعم قلنا نعم 266-خطبة غثمان بن حنيف

ثم قام عثمان بن حنيف وكان من صحابة رسول الله وكان عاملا لعلي على البصرة وله فضل فقال

أيها الناس اتهموا رأيكم فقد والله كنا مع رسول الله بالحديبية يوم أبي جندل وإنا لنريد القتال إنكارا للصلح حنى ردنا عنه رسول الله


378
وإن أهل الشأم دعونا إلى كتاب الله اضطرارا فأجبناهم إليه إعذارا فلسنا والقوم سواء إنا والله ما عدلنا الحي بالحي ولا القتيل بالقتيل ولا الشامي بالعراقي ولا معاوية بعلي وإنه لأمر منعه غير نافع وإعطاؤه غير ضائر وقد كلت البصائر التي كنا نقاتل بها وقد حمل الشك اليقين الذي كنا نئول إليه وذهب الحياء الذي كنا نمارى به فاستظلوا في هذا الفئ واسكنوا فى هذه العافية فإن قلتم نقاتل على ما كنا نقاتل عليه أمس فهيهات هيهات ذهب والله قياس أمس وجاء غد
379
267-خطبة عدي بن حاتم

ثم قام عدي بن حاتم فقال

أيها الناس إنه والله لو غير علي دعانا الى قتال أهل الصلاة ما أجبناه ولا وقع بأمر قط إلا ومعه من الله برهان وفي يديه من الله سبب وإنه وقف عن عثمان بشبهة وقاتل أهل الجمل على النكث وأهل الشأم على البغي فانظروا في أموركم وأمره فإن كان له عليكم فضل فليس لكم مثله فسلموا له وإلا فنازعوا عليه والله لئن كان إلى العلم بالكتاب والسنة إنه لأعلم الناس بهما ولئن كان إلى الإسلام إنه لأخو نبي الله والرأس في الإسلام ولئن كان إلى الزهد والعبادة إنه لأظهر الناس زهدا وأنهكهم عبادة ولئن كان إلى العقول والنحائز إنه لأشد الناس عقلا وأكرمهم نحيزة ولئن كان إلى الشرف والنجدة إنه لأعظم الناس شرفا ونجدة ولئن كان إلى الرضا لقد رضي عنه المهاجرون والأنصار في شورى عمر رضي الله عنهم وبايعوه بعد عثمان ونصروه على اصحاب الجمل وأهل الشأم فما الفضل الذي قركم إلى الهدى وما النقص الذي قربه إلى الضلال والله لو اجتمعتم جميعا على أمر واحد لأتاح الله له من يقاتل لأمر ماض كتاب سابق فاعترف أهل صفين لعدي بن حاتم بعد هذا المقام ورجع كل من تشعب على علي رضي الله عنه


380
268-خطبة عبد الله بن حجل

ثم قام عبد الله بن حجل فقال

يا أمير المؤمنين إنك أمرتنا يوم الجمل بأمور مختلفة كانت عندنا أمرا واحدا فقبلناها بالتسليم وهذه مثل تلك الأمور ونحن أولئك أصحابك وقد أكثر الناس في هذه القضية وايم الله ما المكثر المنكر بأعلم بها من المقل المعترف وقد أخذت الحرب بأنفاسنا فلم يبق إلا رجاء ضعيف فإن تجب القوم إلى ما دعوك إليه فأنت أولنا إيمانا وآخرنا بنبي الله عهدا وهذه سيوفنا على أعناقنا وقلوبنا بين جوانحنا وقد أعطيناك بقيننا وشرحت بالطاعة صدورنا ونفذت في جهاد عدوك بصيرتنا فأنت الوالي المطاع ونحن الرعية الأتباع أنت أعلمنا بربنا وأقربنا بنبينا وخيرنا في ديننا وأعظمنا حقا فينا فسدد رأيك نتبعك واستخرالله تعالى في أمرك واعزم عليه برأيك فأنت الوالي المطاع فسر علي كرم الله وجهه بقوله وأثنى خيرا 269-خطبة صعصعة بن صوحان

ثم قام صعصعة بن صوحان فقال

يا أمير المؤمنين إنا سبقنا الناس إليك يوم قدوم طلحة والزبير عليك فدعانا حكيم إلى نصرة عاملك عثمان بن حنيف فأجبناه فقاتل عدوك حتى أصيب في قوم من بني عبد قيس عبدوا الله حتى كانت اكفهم مثل أكف الإبل وجباههم مثل


381
ركب المعز فأسر الحي وسلب القتيل فكنا أول قتيل وأسير ثم رأيت بلاءنا بصفين وقد كلت البصائر وذهب الصبر وبقي الحق موفورا وأنت بالغ بهذا حاجتك والأمر إليك ما أراك الله فمرنا به 270-خطبة المنذر بن الجارود

ثم قام المنذر بن الجارود فقال

يا أمير المؤمنين إني أرى أمرا لا يدين له الشأم إلا بهلاك العراق ولا يدين له العراق إلا بهلاك الشأم ولقد كنا نرى أن ما زادنا نقصهم وما نقصنا أضرهم فإذا في ذلك أمران فإن رأيت غيره ففينا والله ما يفل به الحد ويرد به الكلب وليس لنا معك إيراد ولا صدر 271-خطبة الأحنف بن قيس

ثم قام الأحنف بن قيس فقال

يا أمير المؤمنين إن الناس بين ماض وواقف وقائل وساكت وكل في موضعه حسن وإنه لو نكل الآخر عن الأول لم يقل شيئا إلا أن يقول اليوم ما قد قيل أمس ولكنه حق يقضى ولم نقاتل القوم لنا ولا لك إنما قاتلناهم لله فإن حال أمر الله دوننا ودونك فاقبله فإنك أولى بالحق وأحقنا بالتوفيق ولا أرى إلا القتال


382
272-خطبة عمير بن عطارد

ثم قام عمير بن عطارد فقال

يا أمير المؤمنين إن طلحة والزبير وعائشة كانوا أحب الناس إلى معاوية وكانت البصرة أقرب إلينا من الشأم وكان القوم الذين وثبوا عليك من أصحاب رسول خيرا من الذين وثبوا عليك من أصحاب معاوية اليوم فوالله ما منعنا ذلك من قتل المحارب وعيب الواقف فقاتل القوم إنا معك 273-خطبة علي بن أبي طالب

ثم قام علي خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أيها الناس إنه قد بلغ بكم وبعدوكم ما قد رأيتم ولم يبق منهم إلا آخر نفس وإن الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها وقد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغوا منكم ما بلغوا وأنا غاد عليهم بنفسي بالغداة فأحاكمهم بسيفي هذا إلى الله

وأشار عمرو بن العاص على معاوية أن يدعو عليا إلى تحكيم كتاب الله فأصبح أصحاب معاوية وقد رفعوا المصاحف على الرماح وقلدوها أعناق الخيل يقولون هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم 274-مقال عدي بن حاتم

فقام عدي بن حاتم فقال

يا أمير المؤمنين إن أهل الباطل لا تعوق أهل الحق وقد جزع القوم حين تأهبت للقتال بنفسك وليس بعد الجزع إلا ما تحب ناجز القوم


383
275-مقال الأشترالنخعي

ثم قام الأشتر فقال

يا أمير المؤمنين ما أجبناك لدنيا إن معاوية لا خلف له من رجاله ولكن بحمد الله الخلف لك ولو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك ولا نصرتك فافرج الحديد بالحديد واستعن بالله 276-مقال عمرو بن الحمق

ثم قام عمرو بن الحمق فقال

يا أمير المؤمنين ما أجبناك لدنيا ولا نصرناك على باطل ما أجبناك إلا لله تعالى وما نصرناك إلا للحق ولو دعانا غيرك إلى ما دعوتنا إليه لكثر فيه اللجاج وطالت له النجوى وقد بلغ الحق مقطعه وليس لنا معك رأي 277-مقال الأشعث بن قيس

ثم قام الأشعث بن قيس فقال

يا أمير المؤمنين إنا لك اليوم على ما كنا عليه أمس ولست أدري كيف يكون غدا وما القوم الذين كلموك بأحمد لأهل العراق متى ولا بأوتر لأهل الشأم مني فأجب القوم إلى كتاب الله فإنك أحق به منهم وقد أحب الله البقيا


384
278-مقال عبد الرحمن بن الحارث

ثم قام عبد الرحمن بن حارث فقال

يا أمير المؤمنين امض لأمر الله ولا يستخفنك الذين لا يوقنون أحكم بعد حكم وأمر بعد أمر مضت دماؤنا ودماؤهم ومضى حكم الله علينا وعليهم 279-مقال عمار بن ياسر4

فلما أظهر علي أنه قد قبل التحكيم قام عمار بن ياسر فقال

يا أمير المؤمنين أما والله لقد أخرجها إليك معاوية بيضاء من أقر بها هلك ومن أنكرها ملك ما لك يا أبا الحسن شككتنا في ديننا ورددتنا على أعقابنا بعد مائة ألف قتلوا منا ومنهم أفلا كان هذا قبل السيف وقبل طلحة والزبير وعائشة قد دعوك إلى ذلك فأبيت فزعمت أنك أولى بالحق وأن ما خالفنا منهم ضال حلال الدم وقد حكم الله تعالى في هذا الحال ما قد سمعت فإن كان القوم كفارا مشركين فليس لنا أن نرفع السيف عنهم حتى يفيئوا إلى أمر الله وإن كانوا أهل فتنه فليس لنا أن نرفع السيف عنهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله والله ما أسلموا ولا أدوا الجزية ولا فاءوا إلى أمر الله ولا طفئت الفتنة فقال علي والله إنى لهذا الأمر كاره

ثم كثر اللجاج والجدال في الأمر وجعل علي يبين لهم أنها خدعة ومكيدة يرام بها


385
توهين قوتهم وتشتيت جمعهم وهم لا يستمعون لقوله ولا يذعنون لنصحه وأقبل الأشعث بن قيس فى ناس كثير من أهل اليمن فقالوا لعلي لا ترد ما دعاك القوم إليه قد أنصفك القوم والله لئن لم تقبل هذا منهم لا وفاء معك ولا نرمي معك بسهم ولا حجر ولا نقف معك موقفا

وغلا أنصار التحكيم في تطرفهم فقالوا يا علي أجب إلى كتاب الله إذ دعيت إليه وإلا ندفعك برمتك إلى القوم أو نفعل كما فعلنا بابن عفان فلم ير بدا من الإذعان وقبول التحكيم


386
التحكيم بين علي ومعاوية 280-كلام عبد الله بن عباس لأبي موسى الأشعري

ولما أجمع أهل العراق على طلب أبي موسى الأشعري وأحضروه للتحكيم على كره من علي عليه السلام أتاه عبد الله بن العباس وعنده وجوه الناس وأشرافهم فقال له

أبا موسى إن الناس لم يرضوا بك ولم يجتمعوا عليك لفضل لا تشارك فيه وما أكثر أشباهك من المهاجرين والأنصار المتقدمين قبلك ولكن أهل العراق أبوا إلا أن يكون الحكم يمانيا ورأوا أن معظم أهل الشام يمان وايم الله إني لأظن ذلك شر لك ولنا فإنه قد ضم إليك داهية العرب وليس في معاوية خلة يستحق بها الخلافة فإن تقذف بحقك على باطله تدرك حاجتك منه وإن يطمع باطله في حقك يدرك حاجته منك واعلم يا أبا موسى أن معاوية طليق الإسلام وأن أباه رأس الأحزاب وأنه يدعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة فإن زعم لك أن عمر وعثمان استعملاه فلقد صدق استعمله عمر وهو الوالي عليه بمنزلة الطبيب يحميه ما يشتهي ويوجره ما يكره ثم استعمله عثمان برأي عمر وما أكثر من استعملا ممن لم يدع الخلافة واعلم أن لعمر ومع كل شئ يسرك خبأ يسوءك ومهما نسيت فلا تنس أن عليا


387
بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وأنها بيعة هدى وأنه لم يقاتل إلا العاصين والناكثين

فقال أبو موسى رحمك الله والله مالي إمام غير علي وإني لواقف عند ما رأى وإن حق الله أحب إلى من رضا معاوية وأهل الشأم وما أنت وأنا إلا بالله 281-وصية شريح بن هانئ لأبي موسى الأشعري

ولما أراد أبو موسى المسير قام إليه شريح بن هانئ الحارثي فأخذ بيده وقال

يا أبا موسى إنك قد نصبت لأمر عظيم لا يجبر صدعه ولا تستفال فلتته ومهما تقل من شئ لك أو عليك يثبت حقه ويرى صحته وإن كان باطلا وإنه لا بقاء لأهل العراق إن ملكهم معاوية ولا بأس على أهل الشأم إن ملكهم علي وقد كانت منك تثبيطة أيام الكوفة والجمل فإن تشفعها بمثلها يكن الظن بك يقينا والرجاء منك يأسا ثم قال

( ابا موسى رميت بشر خصم فلا تضع العراق فدتك نفسي )

( وأعط الحق شامهم وخذه فإن اليوم في مهل كأمس )

( وإن غدا يجئ بما عليه كذاك الدهر من سعد ونحس )

( ولا يخدعك عمرو إن عمرا عدو الله مطلع كل شمس )

( له خدع يحار العقل منها مموهة مزخرفة بلبس )


388

( فلا تجعل معاوية بن حرب كشيخ في الحوادث غير نكس )

( هداه الله للإسلام فردا سوى عرس النبي وأي عرس )

فقال أبو موسى ما ينبغي لقوم اتهموني ان يرسلوني لأدفع عنهم باطلا أو أجر إليهم حقا 282-وصية الأحنف بن قيس لأبي موسى الأشعري

وما حكم أبو موسى الأشعري أتاه الأحنف بن قيس فقال له

يا أبا موسى إن هذا مسير له ما بعده من عز الدنيا أو ذلها آخر الدهر ادع القوم إلى طاعة علي فإن أبوا فادعهم أن يختار أهل الشأم من قريش العراق من أحبوا ويختار أهل العراق من قريش الشأم من أحبوا وإياك إذا لقيت ابن العاص أن تصافحه بنية وأن يقعدك على صدر المجلس فإنها خديعة وأن يضمك وإياه بيت فيكمن لك فيه الرجال ودعه فليتكلم لتكون عليه بالخيار فالبادئ مستغلق والمجيب ناطق

فما عمل أبو موسى إلا بخلاف ما قال الأخنف وأشار به فكان من الأمر ما كان فلقيه الأحنف بعد ذلك فقال له أدخل والله قدميك في خف واحدة


389
283-وصية معاوية لعمرو بن العاص

وقال معاوية لعمرو

إن أهل العراق أكرهوا عليا على أبي موسى وأنا وأهل الشأم راضون عنك وأرجو في دفع هذه الحرب قوة لأهل الشأم وفرقة لأهل العراق وإمدادا لأهل اليمن وقد ضم إليك رجل طويل اللسان قصير الرأي وله على ذلك دين وفضل فدعه يقول فإذا هو قال فاصمت واعلم أن حسن الرأي زيادة في العقل إن خوفك العراق فخوفه بالشام وإن خوفك مصر فخوفه باليمن وإن خوفك عليا فخوفه بمعاوية وإن أتاك بالجميل فأته بالجميل 284-رد عمرو بن العاص عليه

فقال عمرو

يا أمير المؤمنين أقلل الاهتمام بما قبلي وارج الله تعالى فيما وجهتني له إنك من أمرك على مثل حد السيف لم تنل في حربك ما رجوت ولم تأمن ما خفت ونحن نرجو أن يصنع الله تعالى لك خيرا وقد ذكرت لأبي موسى دينا وإن الدين منصور أرأيت إن ذكر عليا وجاءنا بالإسلام والهجرة واجتماع الناس عليه ما أقول

فقال معاوية قل ماتريد وترى


390
285-مقال شرحبيل بن السمط لعمرو

ولما ودعه شرحبيل بن السمط قال له

يا عمرو إنك رجل قريش وإن معاوية لم يبعثك إلا لعلمه أنك لا تؤتى من عجز ولا مكيدة وقد علمت أن وطأة هذا الأمر لك ولصاحبك فكن عند ظننا بك 286-خطبة أبي موسى الأشعري

ولما التقى الحكمان أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص بدومة الجندل ودار بينهما من الحوار ما دار أقبلا إلى الناس وهم مجتمعون فتقدم أبو موسى فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال

أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه وهو أن نخلع عليا ومعاوية وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيولوا منهم من أحبوا عليهم وإني قد خلعت علينا ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلا ثم تنحى


391
287-خطبة عمرو بن العاص

وأقبل عمرو بن العاص فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه وقال

إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولي عثمان بن عفان رضي الله عنه والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه

فقال أبو موسى مالك لا وفقك الله غدرت وفجرت إنما مثلك ( كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث ) أو تتركه يلهث قال عمرو ( إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا ) 288-خطبة الامام علي بعد التحكيم

وخطب الإمام علي كرم الله وجهه بعد فشل التحكيم فقال

الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدث الجليل وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه إله غيره وأن محمدا عبد ه ورسوله وآله أما بعد فإن مصية الناصح الشفيق العالم المجرب تورث الحسرة وتعقب الندامة وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري ونخلت لكم مخزون رأيي لو كان


392
يطاع لقصير أمر فأبيتم على إباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة حتى ارتاب الناصح بنصحه وضن الزند بقدحه فكنت وإياكم كما قال أخو هوازن

( أمرتكم أمري بمنعرج اللوى فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد )

ألا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما وأحييا ما أمات القرآن واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله فحكما بغير حجة بينة ولا سنة ماضية واختلفا في حكمهما وكلاهما لم يرشد فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين استعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشأم 289-خطبة الحسن بن علي

وقال الإمام علي قم يا حسن فتكلم في أمر هذين الرجلين أبي موسى وعمرو فقام الحسن فتكلم فقال

أيها الناس قد أكثرتم في أمر أبي موسى وعمرو وإنما بعثا ليحكما بالقرآن دون الهوى فحكما بالهوى دون القرآن فمن كان هكذا لم يكن حكما ولكنه محكموم عليه وقد كان من خطأ أبي موسى أن جعلها لعبد الله بن عمر فأخطأ في ثلاث خصال خالف يعني أبي موسى أباه عمر إذ لم يرضه لها ولم يره أهلا لها وكان أبوه أعلم به من غيره ولا أدخله في الشورى إلا على أنه لا شئ له فيها شرطا مشروعا من


393
عمر على أهل الشورى فهذه واحدة وثانية لم يجتمع عليه المهاجرون والأنصار الذين يعقدون الإمامة ويحكمون على الناس وثالثة لم يستأمر الرجل في نفسه ولا علم ما عنده من رد أو قبول ثم جلس 290-خطبة عبد الله بن عباس توفي سنة 68ه

ثم قال على لعبد الله بن عباس قم فتكلم فقام عبد الله بن عباس وقال

أيها الناس إن للحق أناسا أصابوه بالتوفيق والرضا والناس بين راض به وراغب عنه وإنما سار أبو موسى بهدى إلى ضلال وسار عمرو بضلال إلى هدى فلما التقيا رجع أبو موسى عن هداه ومضى عمرو على ضلاله فوالله لو كان حكما عليه بالقرآن لقد حكما عليه ولئن كانا حكما بهواهما على القرآن ولئن مسكا بما سارا به لقد سار أبو موسى وعلى إمامه وسار عمرو ومعاوية إمامه ثم جلس 291-خطبة عبد الله بن جعفر

فقال علي لعبد الله بن جعفر قم فتكلم فقام وقال

أيها الناس هذا أمر كان النظر فيه لعلي والرضا فيه إلى غيره جئتم بأبي موسى فقلتم قد رضينا هذا فارض به وايم الله ما أصلحا بما فعلا الشأم ولا أفسدا العراق ولا أماتا حق علي ولا أحييا باطل معاوية ولا يذهب الحق قلة رأي ولا نفخة شيطان وإنا لعلي اليوم كما كنا أمس عليه ثم جلس


394
292-خطبة علي

ولما نزل على النخيلة وأيس من الخوارج قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أما بعد فإنه من ترك الجهاد في الله وادهن في أمره كان على شفا هلكة إلا إن يتداركه الله بنعمة فاتقوا الله وقاتلوا من حاد الله وحاول أن يطفئ نور الله قاتلوا الخاطئين الضالين القاسطين المجرمين الذين ليسوا بقرآء للقرآن ولا فقهاء في الدين ولا علماء في التأويل ولا لهذا الأمر بأهل في سابقة الإسلام والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل تيسروا وتهيئوا للمسير إلى عدوكم من أهل المغرب وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم فإذا قدموا فاجتمعتم شخصنا إن شاء الله ولا حول ولا قوة الا بالله

293 -خطبة عبد الله بن عباس

وكتب علي إلى عبد الله بن عباس أما بعد فإنا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب فأشخص بالناس حين يأتيك رسولي وأقم حتى يأتيك أمري والسلام

فلما قدم عليه الكتاب قرأه على الناس وأمرهم بالشخوص مع الأحنف بن قيس فشخص معه منهم ألف وخمسمائة رجل فاستقلهم عبد الله بن عباس فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أما بعد يأهل البصرة فإنه جاءني أمر أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم فأمرتكم بالنفير إليه مع الأحنف بن قيس ولم يشخص معه منكم إلا ألف وخمسمائة وأنتم ستون ألفا سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم ألا انفروا مع جارية بن قدامة السعدي


395
ولا يجعلن رجل على نفسه سبيلا فإني موقع بكل من وجدته متخلفا عن مكتبه عاصيا لإمامه وقد أمرت أبا الأسود الدؤلي بحشركم فلا يلم رجل جعل السبيل على نفسه إلا نفسه 294-خطبة علي

فخرج جارية فعسكر وخرج أبو الأسود فحشر الناس فاجتمع إلى جارية ألف وسبعمائة ثم أقبل حتى وافاه علي بالنخيلة فلم يزل بالنخيلة حتى وافاه هذان الجيشان من البصرة ثلاثة آلاف ومائتا رجل فجمع إليه رءوس أهل الكوفة ورءوس الأسباع ورءوس القبائل ووجوه الناس

فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أهل الكوفة أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق وصحابتي على جهاد عدوي المحلين بكم أضرب المدبر وأرجو تمام طاعة المقبل وقد بعثت إلى أهل البصرة فاستنفرتهم إليكم فلم يأتني منهم إلا ثلاثة آلاف ومائتا رجل فأعينوني بمناصحة جلية خلية من الغش إنكم مخرجنا إلى صفين بل استجمعوا بأجمعكم وإني أسألكم أن يكتب لي رئيس كل قوم ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال وعبدان عشيرته ومواليهم ثم يرفع ذلك إلينا

فقام سعد بن قيس الهمداني فقال يا أمير المؤمنين سمعا وطاعة وودا ونصيحة أنا أول الناس جاء بما سألت وبما طلبت وقام معقل بن قيس الرياحي فقال له نحوا من ذلك وقام عدي بن حاتم وزياد بن خصفة وحجر بن عدي وأشراف الناس والقبائل فقالوا مثل ذلك ثم إن الرءوس كتبوا من فيهم ثم رفعوهم إليه


396
295-خطبة لعلي

وكتب علي إلى سعد بن مسعود الثقفي وهو عامله على المدائن أما بعد فإني قد بعثت إليك زياد بن خصفة فأشخص معه من قبلك من مقاتلة أهل الكوفة وعجل ذلك إن شاء الله ولا قوة إلا بالله

وبلغ عليا أن الناس يقولون لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم فإذا فرغنا منهم وجهنا من وجهنا ذلك إلى المحلين فقام فى الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أما بعد فإنه قد بلغني قولكم لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجت عليه فبدأنا بهم فإذا فرغنا منهم وجهنا إلى المحلين

وأن غير هذه الخارجة أهم إلينا منهم فدعوا ذكرهم وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكا ويتخذوا عباد الله خولا

فتنادى الناس من كل جانب سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت وقام إليه صيفي ابن فسيل الشيباني فقال يا أمير المؤمنين نحن حزبك وأنصارك نعادي من عاديت ونشايع من أناب إلى طاعتك فسر بنا إلى عدوك من كانوا وأينما كانوا فإنك إن شاء الله لن تؤتى من قلة عدد ولا ضعف نية أتباع وقام إليه محرز بن شهاب التميمي من بني سعد فقال يا أمير المؤمنين شيعتك كقلب رجل واحد في الإجماع على بصرك والجد في جهاد عدوك فأبشر بالنصر وسر بنا إلى أي الفريقين أحببت فإنا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب ونخاف في خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال


397
296-خطبة لمعاوية ولما فشل التحكيم بايع أهل الشأم معاوية بالخلافة واختلف الناس بالعراق على علي فما كان لمعاوية هم الا مصر فدعا أصحابه ليستشيرهم في أمرها وكان فيهم عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أما بعد فقد رأيتم كيف صنع الله بكم في حربكم عدوكم جاءوكم وهم لا ترون إلا أنهم سيقبضون بيضتكم ويخربون بلادكم ما كانوا يرون إلا أنكم في أيديهم فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا مما أحبوا وحاكمناهم إلى الله فحكم لنا عليهم ثم جمع لنا كلمتنا وأصلح ذات بيننا وجعلهم أعداء متفرقين يشهد بعضهم على بعض بالكفر ويسفك بعضهم دم بعض والله إني لأرجوا أن يتم لنا هذا الأمر وقد رأيت أن نحاول أهل مصر فكيف ترون أرتئاءنا لها

وكان عمرو بن العاص قد صالح معاوية حين بايعه على قتال علي بن أبي طالب على أن له مصر طعمة ما بقي فقال لمعاوية فإني أشير عليك كيف تصنع أرى أن تبعث جيشا كثيفا عليهم رجل حازم صارم تأمنه وتثق به فيأتي مصر حتى يدخلها فسيره إليها 297 وصية معاوية لعمرو بن العاص

وجهز معاوية عمرو بن العاص وبعثه فى ستة آلاف رجل وخرج وودعه وقال له عند وداعه إياه


398

أوصيك يا عمرو بتقوى الله والرفق فإنه يمن وبالمهل والتؤدة فإن العجلة من الشيطان وبأن تقبل ممن أقبل وأن تعفو عمن أدبر فإن قبل فبها ونعمت وإن أبى فإن السطوة بعد المعذرة أبلغ في الحجة وأحسن في العاقبة وادع الناس إلى الصلح والجماعة فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك وكل الناس فأول حسنا 298-خطبة محمد بن أبي بكر

وقدم محمد بن أبي بكر مصر واليا عليها من قبل علي بن أبي طالب سنة 36ه فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

الحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق وبصرنا وإياكم كثيرا بما عمي عنه الجاهلون ألا إن أمير المؤمنين ولاني أموركم وعهد إلى ما قد سمعتم وأوصاني بكثير منه مشافهة ولن آلوكم خيرا ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب فإن يكن ما ترون من إمارتي وأعمالي طاعة لله وتقوى فاحمدوا الله عز وجل على ما كان من ذلك فإنه هو الهادي وإن رأيتم عاملا لي عمل غير الحق زائفا فارفعوه إلي وعاتبوني فيه فإني بذلك أسعد وأنتم بذلك جديرون وفقنا الله وإياكم لصالح الأعمال برحمته 299-خطبة لمحمد بن أبي بكر وأقبل عمرو بن العاص حتى قصد مصر فقام محمد بن أبي بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال

أما بعد معاشر المسلمين والمؤمنين فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة


399
وينعشون الضلالة ويشبون نار الفتنة ويتسلطون بالجبرية قد نصبوا لكم العداوة وساروا إليكم بالجنود

عباد الله فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله

انتدبوا إلى هؤلاء رحمكم الله مع كنانة بن بشر ثم انتهى الأمر بقتل محمد بن أبي بكر 300-خطبة لعلي وقد استصرخه محمد بن أبي بكر

ولما سير معاوية عمرو بن العاص إلى مصر سنة 38 ه وكان عليها محمد بن أبي بكر من قبل علي بعث ابن أبي بكر إلى علي يستصرخه فقام علي في الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد ثم قال

أما بعد فإن هذا صريخ محمد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر قد سار إليهم ابن النابغة عدو الله وولى من عادى الله فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعا منكم على حقكم هذا فإنهم قد بدءوكم وإخوانكم بالغزو فاعجلوا إليهم بالمؤاساة والنصر

عباد الله إن مصر أعظم من الشأم أكثر خيرا وخير أهلا فلا تغلبوا على مصر فإن بقاء مصر في أيديكم عز لكم وكبت لعدوكم أخرجوا إلى الجرعة بين الحيرة والكوفة فوافوني بها هناك غدا إن شاء الله


400
301-خطبة علي حين بلغه مقتل محمد بن أبي بكر

ولما بلغ عليا مقتل محمد بن أبي بكر حزن عليه حتى رئى ذلك في وجهه وتبين فيه وقام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله وقال

ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الإسلام عوجا ألا وإن محمد بن أبي بكر قد استشهد رحمه الله فعند الله نحتسبه أما والله إن كان ما علمت ينتظر القضاء ويعمل للجزاء ويبغض شكل الفاجر ويحب هدى المؤمن

إني والله ما ألوم نفسي على التقصير وإني لمقاساة الحرب نجد خبير وإني لأقدم على الأمر وأعرف وجه الحزم وأقوم فيكم بالرأي المصيب فأستصرخكم معلنا وأناديكم نداء المستغيث معربا فلا تسمعون لي قولا ولا تطيعون لي أمرا حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر ولا ينقض بكم الأوتار دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلا فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليس له نية في جهاد العدو ولا اكتساب الأجر ثم خرج إلي منكم جنيد متذائب كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون فأف لكم ثم نزل


401
فتنة الخوارج 302-مناظرة عبد الله بن عباس لهم

لما رجع الإمام علي كرم الله وجهه من صفين إلى الكوفة بعد كتابه صحيفة التحكيم بينه وبين معاوية اعتزله جماعة من أصحابه ممن رأوا التحكيم ضلالا ونزلوا حروراء في اثني عشر ألفا وأمروا على القتال شبث بن ربعي وعلى الصلاة عبد الله بن الكواء فبعث اليهم علي عبد الله بن عباس فقال لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك فخرج إليهم حتى أتاهم فأقبلوا يكلمونه فلم يصبر حتى راجعهم فقال

ما نقمتم من الحكمين وقد قال الله عز وجل ( إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) فكيف بأمة محمد فقالت الخوارج قلنا أما ما جعل حكمه إلى الناس وأمربالنظر فيه والإصلاح له فهو إليهم كما أمر به وماحكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه حكم في الزاني مائة جلدة وفي السارق بقطع يده فليس للقباد أن ينظروا في هذا قال ابن عباس فإن الله عز وجل يقول ( يحكم به


402
ذوا عدل منكم ) فقالوا له أو تجعل الحكم في الصيد والحدث يكون بين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين وقالت الخوارج قلنا له فهذه الآية بيننا وبينك أعدل عندك ابن العاص وهو بالأمس يقاتلنا ويسفك دماءنا فإن كان عدلا فلسنا بعدول ونحن أهل حريه وقد حكمتم في أمر الله الرجال وقد أمضىالله عز وجل حكمه في معاوية وجزبه أن يقتلوا أو يرجعوا وقبل ذلك ما دعوناهم إلى كتاب الله عز وجل فأبوه ثم كتبتم بينكم وبينه كتابا وجعلتم بينكم وبينه الموادعة والاستفاضة وقد قطع الله عز وجل الاستفاضة والموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة إلا من أقر بالجزية 303-مناظرة الامام علي لهم

ثم خرج إليهم علي حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس فقال انته عن كلامهم ألم أنهك رحمك الله


403

ثم تكلم فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال

اللهم إن هذا مقام من أفلج فيه كان أولى بالفلج يوم القيامة ومن نطق فيه وأوعث فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ثم قال لهم من زعيمكم قالوا ابن الكواء قال علي فما أخرجكم علينا قالوا حكومتكم يوم صفين قال أنشدكم بالله أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف فقلتم نجيبهم إلى كتاب الله قلت لكم إني أعلم بالقوم منكم إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن إني صحبتهم وعرفتهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال امضوا على حقكم وصدقكم فإنما رفع القوم هذه المصاحف خديعة وإدهانا ومكيدة فرددتم على رأيي وقلتم لا بل نقبل منهم فقلت لكم اذكروا قولي لكم ومعصيتكم إياي فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما يحكم بما في القرآن وإن أبيا فنحن من حكمهما برآء قالوا له فخبرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء فقال إنا لسنا حكمنا الرجال إنما حكمنا القرآن وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم به الرجال قالوا فخبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بيننا وبينهم قال ليعلم الجاهل ويتثبت العالم ولعل الله عز وجل يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة ادخلوا مصركم رحمكم الله فدخلوا من عند آخرهم


404
304-صورة أخرى

وروى صاحب العقد المناظرة بين علي وبين الخوارج بصورة أخرى وهاكها

قالوا إن عليا لما اختلف عليه أهل النهروان والقرى وأصحاب البرانس ونزلوا قرية يقال لها حروراء وذلك بعد وقعة الجمل رجع إليهم علي بن أبي طالب فقال لهم يا هؤلاءء من زعيمكم قالوا ابن الكواء قال فليبرز إلى فخرج إليه ابن الكواء فقال له علي يابن الكواء ما أخرجكم علينا بعد رضاكم بالحكمين ومقامكم بالكوفة قال قاتلت بنا عدوا لا نشك في جهاده فزعمت أن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النارفبينما نحن كذلك إذ أرسلت منافقا وحكمت كافرا وكان من شكك في أمر الله أن قلت للقوم حين دعوتهم كتاب الله بيني وبينكم فإن قضى علي بايعتكم وإن قضى عليكم بايعتموني فلولا شكك لم تفعل هذا والحق في يدك قال علي يا بن الكواء إنما الجواب بعد الفراغ أفرغت فأجيبك قال نعم قال علي أما قتالك معي عدوا لا نشك في جهاده فصدقت ولو شككت فيهم لم أقاتلهم وأما قتلانا وقتلاهم فقد قال الله في ذلك ما يستغنى به عن قولي وأما إرسالي المنافق وتحكيمي الكافر فأنت أرسلت أبا موسى مبرنسا ومعاوية حكم عمرا أتيت بأبي موسى مبرنسا فقلت لا نرضى إلا أبا موسى فهلا قام إلي رجل منكم فقال يا علي لاتعط هذه الدنية فإنها ضلالة وأما قولي لمعاوية إن جرني إليك كتاب الله تبعتك وإن جرك إلى تبعتني زعمت أني لم أعط ذلك إلا من شك فقد علمت أن أوثق ما في يديك هذا الأمر فحدثني ويحك عن اليهودي والنصراني ومشركي العرب أهم أقرب إلى كتاب الله أم معاوية وأهل الشأم قال بل معاوية وأهل الشأم أقرب قال علي أفرسول الله كان أوثق بما في يديه من كتاب الله أو أنا قال بل رسول الله قال أفرأيت الله تبارك وتعالى حين يقول ( قل فأتوا


405
بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين ) أما كان رسول الله يعلم أنه لا يؤتى بكتاب هو أهدى مما في يديه قال بلى قال فلم أعطى رسول الله القوم ما أعطاهم قال إنصافا وحجة قال فإني أعطيت القوم ما أعطاهم رسول الله قال ابن الكواء فإني أخطأت هذه واحدة زدني قال علي فما أعظم ما نقمتم علي قال تحكيم الحكمين نظرنا في أمرنا فوجدنا تحكيمهما شكا وتبذيرا قال علي فمتى سمي أبو موسى حكما حين أرسل أو حين حكم قال حين أرسل قال أليس قد سار وهو مسلم وأنت ترجو أن يحكم بما أنزل الله قال نعم قال علي فلا أرى الضلال في إرساله فقال ابن الكواء سمي حكما حين حكم قال نعم إذن فإرساله كان عدلا أرأيت يابن الكواء لو أن رسول الله بعث مؤمنا إلى قوم مشركين يدعوهم إلى كتاب الله فارتد على عقبه كافرا كان يضر نبي الله شيئا قال لا قال علي فما كان ذنبي إن كان أبو موسى قد ضل هل رضيت حكومته حين حكم أو قوله إذ قال قال ابن الكواء لا ولكنك جعلت مسلما وكافرا يحكمان في كتاب الله قال علي ويلك يا بن الكواء هل بعث عمرا غير معاوية وكيف أحكمه وحكمه على ضرب عنقي إنما رضي به صاحبه كما رضيت أنت بصاحبك وقد يجتمع المؤمن والكافر يحكمان في أمر الله أرأيت لو أن رجلا مؤمنا تزوج يهودية أو نصرانية فخافا شقاق بينهما ففزع الناس إلى كتاب الله وفي كتابه ( فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ) فجاء رجل من اليهود أو رجل من النصارى ورجل من المسلمين اللذين يجوز لهما أن يحكما في كتاب الله فحكما قال ابن الكواء وهذه أيضا أمهلنا حتى ننظر فانصرف عنهم علي

فقال له صعصعة بن صوحان يا أمير المؤمنين ائذن لي في كلام القوم قال نعم ما لم تبسط يدا فنادى صعصعة ابن الكواء فخرج إليه فقال أنشدكم الله يا معشر


406
الخارجين أن لا تكونوا عارا على من يغزو لغيره وأن لا تخرجوا بأرض تسمون بها بعد اليوم ولا تستعجلوا ضلال العام خشية ضلال عام قابل فقال له ابن الكواء إن صاحبك لقينا بأمر قولك فيه صغير فأمسك

قالوا إن عليا خرج بعد ذلك إليهم فخرج إليه ابن الكواء فقال له علي يابن الكواء إنه من أذنب في هذا الدين ذنبا يكون في الإسلام حدثا استتبناه من ذلك الذنب بعينه وإن توبتك أن تعرف هدى ما خرجت منه وضلال ما دخلت فيه قال ابن الكواء إننا لا ننكر أنا قد فتنا فقال له عبد الله بن عمرو بن جرموز أدركنا والله هذه الآية ( آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) وكان عبد الله من قراء أهل حروراء فرجعوا فصلوا خلف علي الظهر وانصرفوا معه إلى الكوفة ثم اختلفوا بعد ذلك في رجعتهم ولام بعضهم بعضا ثم خرجوا على علي فقتلهم بالنهروان 305-مناظرة ابن عباس لهم

فلما استقروا بالكوفة أشاعوا أن عليا رجع عن التحكيم وتاب منه ورآه ضلالا فأتى الأشعث بن قيس عليا فقال يا أمير المؤمنين إن الناس قد تحدثوا أنك رأيت الحكومة ضلالا والإقامة عليها كفرا وتبت فخطب علي الناس فقال

من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب ومن رآها ضلالا فهو أضل منها فخرجت الخوارج من المسجد فحكمت فقيل لعلي إنهم خارجون فقال لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسيفعلون فوجه إليهم عبد الله بن العباس

فلما سار إليهم رحبوا به وأكرموه فرأى منهم جباها قرحت لطول السجود


407
وأيديا كثفنات الإبل وعليهم قمص مرحضة وهم مشمرون قالوا ما جاء بك يا بن عباس قال جئتكم من عند صهر رسول الله وابن عمه وأعلمنا بربه وسنة نبيه ومن عند المهاجرين والأنصار فقالوا إنا أتينا عظيما حين حكمنا الرجال في دين الله فإن تاب كما تبنا ونهض لمجاهدة عدونا رجعنا فقال ابن عباس نشدتكم الله إلا ما صدقتم أنفسكم أما علمتم أن الله أمركم بتحكيم الرجال في أرنب تساوي ربع درهم تصاد في الحرم وفي شقاق امرأة ورجلها فقالوا اللهم نعم قال أنشدكم الله هل علمتم أن رسول الله أمسك عن القتال للهدنة بينه وبين الحديبية قالوا نعم ولكن عليا محا نفسه من خلافة المسلمين قال ابن عباس أذلك يزيلها عنه وقد محا رسول الله اسمه من النبوة قال سهيل بن عمرو لو علمت أنك رسول الله ما حاربتك فقال للكاتب اكتب محمد بن عبد الله وقد أخذ على الحكمين أن لا يجورا فعلي أولى من معاوية وغيره قالوا إن معاوية يدعي مثل دعوى علي قال فأيهما رأيتموه أولى فولوه قالوا صدقت قال ابن عباس ومتى جار الحكمان فلا طاعة لهما ولا قبول لقولهما

فأتبعه منهم ألفان وبقي أربعة آلاف فلم يزالوا على ذلك حتى اجتمعوا على البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي


408
306-خطبة يزيد بن عاصم المحاربي

وخرج الإمام علي كرم الله وجهه ذات يوم يخطب فإنه لفي خطبته إذ حكمت المحكمة في جوانب المسجد فقال علي الله أكبر كلمة حق يراج بها باطل إن سكتوا عممناهم وإن تكلموا حججناهم وإن خرجوا علينا قاتلناهم فوثب يزيد ابن عاصم المحاربي فقال

الحمد لله غير مودع ربنا ولا مستغنى عنه اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا فإن إعطاء الدنية في الدين إدهان في أمر الله عز وجل وذل راجع بأهله إلى سخط الله يا علي أبا لقتل تخوفنا أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات ثم لتعلمن أينا أولى بها صليا

ثم خرج بهم هو وإخوة له ثلاثة هو رابعهم فأصيبوا مع الخوارج بالنهر وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنخيلة 307-خطبة عبد الله بن وهب الراسي

ولما بعث الإمام علي أبا موسى الأشعري لإنفاذ الحكومة لقيت الخوارج بعضها بعضا فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال


409

أما بعد فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينيبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا التي الرضا بها والركون إليها والإيثار إياها عناء وتبار آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق وإن من وضر فإنه من يمن ويضر في هذه الدنيا فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله عز وجل والخلود في جناته فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة 308-خطبة حرقوص بن زهير السعدي

فقام حرقوص بن زهير السعدي فقال

إن المتاع بهذه الدنيا قليل وإن الفراق لها وشيك فلا تدعونكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون 309-خطبة حمزة بن سنان الأسدي

فقام حمزة بن سنان الأسدي فقال

يا قوم إن الرأي ما قد رأيتم والحق ما قد ذكرتم فولوا أمركم رجلا منكم فإنه لا بد لكم من عماد وسناد وراية تحفون بها وترجعون إليها

فعرضوها على زيد بن خصين الطائي فأبى وعلى حرقوص بن زهير فأبى وعلى


410
حمزة بن سنان وشريح بن أوفي العبسي فأبيا وعلى عبد الله بن وهب فقال هاتوها أما والله لاآخذها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقا من الموت فبايعوه لعشر خلون من شوال سنة 37ه 310-خطبة شريح بن أوفي العبسي

ثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفي العبسي فقام شريح فقال

إن الله أخذ عهودنا ومواثيقنا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق والجهاد في تقويم السبيل وقد قال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ) وقال ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) فاشهدوا على أهل دعوتنا أن قد اتبعوا الهوى ونبذوا حكم القرآن وجاروا في الحكم والعمل وأن جهادهم على المؤمنين فرض وأقسم بالذي تعنو له الوجوه وتخشع دونه الأبصار لو لم يكن أحد على تغيير المنكر وقتال القاسطين مساعدا لقاتلهم وحدي فردا حتى ألقى الله ربي فيرى أني قد غيرت إرادة رضوانه بلساني يا إخواننا اضربوا جباههم ووجوههم بالسيف حتى يطاع الرحمن عز وجل فإن


411
يطع الله كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له الآمرين بأمره وإن قتلتم فأي شئ أعظم من المسير إلى رضوان الله وجنته واعلموا ان هؤلاء القوم خرجوا لإقصاء حكم الضلالة فاخرجوا بنا إلى بلد نتعد فيه الاجتماع من مكاننا هذا فإنكم قد أصبحتم بنعمة ربكم وأنتم أهل الحق بين الخلق إذ قلتم بالحق وصمدتم لقول الصدق فاخرجوا بنا إلى المدائن نسكنها فنأخذ بأبوابها ونخرج منها سكانها ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا 311-مقال زيد بن حصين الطائي

فقال زيد بن حصين الطائي

إنكم إن خرجتم مجتمعين أتبعتم ولكن اخرجوا وحدانا مستخفين فأما المدائن فإن بها قوما يمنعونكم منها ويمنعونها منكم ولكن اكتبوا إلى إخوانكم من أهل البصرة فأعلموهم بخروجكم وسيروا حتى تنزلوا جسر النهروان

قالوا هذا هو الرأي فاجتمعوا على ذلك وكتبوا به إليهم


412
312-خطبة علي في تخويف أهل النهروان

فلما نزلوا بالنهروان وأتوا بها ما أتوا من الأحداث أتاهم الإمام علي كرم الله وجهه فوقف عليهم فقال

أيتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء واللجاجة وصدها عن الحق الهوى وطمح بها النزق وأصبحت في اللبس والخطب العظيم إني نذير لكم أن تصبحوا تلفيكم الأمة غدا صرعى بأثناء هذا النهر وبأهضام هذا الغائط على غير بينة من ربكم ولا سلطان مبين معكم وقد طوحت بكم الدار واحتبلكم المقدار

ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة وأخبرتكم أن طلب القوم إياها منكم دهن ومكيدة لكم ونبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وأني أعرف بهم منكم


413
عرفتهم أطفالا ورجالا فهم أهل المكر والغدر وأنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم فعصيتموني وأكرهتموني حتى حكمت فلما أن فعلت شرطت واستوثقت فأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة وعملا بالهوى فنبذنا أمرهما ونحن على أمرنا الأول فما الذي بكم ومن أين أتيتم

قالوا إنا حكمنا فلما حكمنا أثمنا وكنا بذلك كافرين وقد تبنا فإن تبت كما تبنا فنحن منك ومعك وإن أبيت فاعتزلنا فإنا منابذوك على سواء إن الله لا يحب الخائنين

فقال علي أصابكم حاصب ولا بقي منكم وابر أبعد إيماني برسول الله وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد علي نفسي بالكفر لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين فأوبوا شر مآب وارجعوا على أثر الأعقاب أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا وسيفا قاطعا وأثرة يتخذها الظالمون فيكم سنة


414
313-صورة أخرى

وفي رواية أخرى أن عليا قال لأهل النهر

يا هؤلاء إن أنفسكم قد سولت لكم فراق هذه الحكومة التي أنتم ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كاره وأنبأتكم أن القوم سألوكموها مكيدة ودهنا فأبيتم علي إباء المخالفين المنابذين وعدلتم عني عدول النكداء العاصين حتى صرفت رأيي إلى رأيكم وأنتم والله معاشر أخفاء الهام سفهاء الأحلام فلم آت لا أبالكم بجرا ولا أردت بكم ضرا والله ما خبلتكم عن أموركم ولا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم ولا أوطأتكم عشوة ولا دنيت لكم الضراء وإن كان أمرنا لأمرالمسمين ظاهرا فأجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه فتاها وتركا الحق وهما يبصرانه وكان الجور هواهما وقد سبق استيثاقنا عليهما في الحكم بالعدل والصد للحق بسوء رأيهما وجور حكمهما والثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالقا سبيل الحق وأتيا بما لا يعرف فبينوا لنا لماذا تستحلون قتالنا والخروج من جماعتنا أن اختارالناس رجلين أحل لكم أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم ثم تستعرضوا الناس تضربون رقابهم وتسفكون


415
دماءهم إن هذا لهو الخسران المبين والله لو قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند الله قتلها فكيف بالنفس التي قتلها عند الله حرام

فتنادوا لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيئوا للقاء الرب الرواح الرواح إلى الجنة فزحف عليهم على فأفناهم وقتل ابن وهب في المعركة ولم يفلت منهم إلا عشرة وكان ذلك سنة 37وقيل 38ه 314-خطبة المستورد بن علفة

واجتمع بعد وقعة النهروان بالنخيلة جماعة من الخوارج ممن فارق عبد الله ابن وهب وممن لجأ إلى راية أبي أيوب وممن كان أقام بالكوفة فقال لا أقاتل عليا ولا أقاتل معه فتواصوا فيما بينهم وتعاضدوا وتأسفوا على خذلانهم أصحابهم فقام منهم قائم يقال له المستورد بن علفة من بني سعد بن زيد مناة فحمد الله وأثنىعليه وصلى على نبيه ثم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا بالعدل تخفق راياته معلنا مقالته مبلغا عن ربه ناصحا لأمته حتى قبضه الله مخيرا مختارا ثم قام الصديق فصدق عن نبيه وقاتل من ارتد عن دين ربه وذكر أن الله عز وجل قرن الصلاة بالزكاة فرأى أن تعطيل إحداهما طعن على الأخرى لا بل على جميع منازل الدين ثم


416
قبضة الله إليه موفورا ثم قام الفاروق ففرق بين الحق والباطل مسويا بين الناس في إعطائه لا مؤثرا لأقاربه ولا محكما في دين ربه وهأنتم تعلمون ما حدث والله يقول ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ) فكل أجاب وبايع
417
خور أصحاب الإمام وتقاعسهم عن نصرته 315-خطبة عبد الله بن عباس في أهل البصرة

ورأى الإمام علي كرم الله وجهه بعد فشل التحكيم أن يمضى لمناجزة معاوية وأهل الشأم فكتب الىعبد الله بن عباس وكان على البصرة أن يشخص إليه من قبله من الناس فأمرهم ابن عباس بالشخوص مع الأحنف بن قيس فشخص معه منهم ألف وخمسمائة رجل فاستقلهم ابن عباس فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

يا أهل البصرة قد جاءني كتاب أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم فأمرتكم بالمسير إليه مع الأحنف بن قيس فلم يشخص إليه منكم إلا ألف وخمسمائة وأنتم في الديوان


418
ستون ألفا سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم الا فانفروا ولا يجعل امرؤ على نفسه سبيلا فإني موقع بكل من وجدته تخلف عن دعوته عاصيا لإمامه حزنا يعقب ندما وقد أمرت أبا الأسود بحشدكم فلا يلم امرؤ جعل السبيل على نفسه الا نفسه 316-خطبة الإمام وقد أراد الإنصراف من النهروان

ولما أراد الإمام الانصراف من النهروان قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أما بعد فإن الله قد أحسن بلاءكم وأعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى معاوية وأشياعه القاسطين الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ( واشتروا به ثمنا قليلا ) ف ( بئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ) 317-مقال الأشعث بن قيس فقام الأشعث بن قيس فقال

يا أمير المؤمنين نفدت نبالنا وكلت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا وعاد


419
أكثرها قصدا فارجع بنا إلى مصرنا فلنستعد بأحسن عدتنا ولعل أمير المؤمنين يزيد في عددنا مثل من هلك منا فإنه أقوى لنا على عدونا

فأقبل علي بالناس حتى نزل بالنخيلة ثم دخل الكوفة 318-خطبة الإمام بالكوفة بعد قدومه من حرب الخوارج يستنفر الناس لقتال معاوية

وخطب الناس بالكوفة بعد قدومه من حرب الخوارج فقال

أيها الناس استعدوا لقتال عدو في جهادهم القربة إلى الله عز وجل ودرك الوسيلة عنده قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه موزعين بالجور والظلم لا يعدلون به جفاة عن الكتاب نكب عن الدين يعمهون في الطغيان ويتسكعون في غمرة الضلال ف ( أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ) ( وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا )


420
فما نفروا ولا تيسروا فتركهم أياما حتى إذا أيس من أن يفعلوا دعا رؤساءهم ووجوههم فسألهم عن رأيهم وما الذي ينظرهم فمنهم المعتل ومنهم المتكره وأقلهم من نشط فقام فيهم خطيبا فقال 319-خطبة له أيضا في استنفارهم لقتال معاوية

عباد الله ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ارضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة بدلا وبالذل والهوان من العز خلفا أو كلما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سكرة وكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون وكأن أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون لله أنتم ما أنتم إلا أسود الشرى في الدعة وثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي ما أنتم بركب يصال بكم ولا ذي عز يعتصم إليه لعمر الله لبئس حشاش الحرب أنتم إنكم تكادون ولا تكيدون وتنتقص أطرافكم ولا تتحاشون ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون إن أخا الحرب اليقظان ذو العقل وبات لذل من وادع وغلب المتخاذلون والمغلوب مقهور ومسلوب ثم قال


421

أما بعد فإن لي عليكم حقا وإن لكم علي حقا فأما حقكم علي فالنصيحة لكم ما صحبتكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيلا تجهلوا وتأديبكم كيما تعلموا وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصح لي في الغيب والمشهد والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم فإن يرد الله بكم خيرا تنزعوا عما أكره وترجعوا إلى ما أحب تنالوا ما تطلبون وتدركوا ما تأملون

وروى الشريف الرضى هذه الخطبة في نهج البلاغة بصورة أخرى وهي 320-صورة أخرى

أف لكم لقد سئمت عتابكم أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا وبالذل من العز خلفا إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم كأنكم من الموت في غمرة ومن الذهول في سكرة يرتج عليكم حوارى فتعمهون فكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي وما أنتم بركن يمال بكم ولا زوافر عز يفتقر إليكم ما أنتم الا كإبل ضل رعاتها فكلما جمعت من جانب انتشرت من آخر لبئس لعمر الله سعر نار الحرب أنتم تكادون ولا تكيدون وتنتقص أطرافكم فلا تمتعضون لا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون غلب والله المتخاذلون وايم الله إني لأظن بكم أن لو حمس الوغى


422
واستحر الموت قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرأس والله إن امرأ يمكن عدوه من نفسه يعرق لحمه ويهشم عظمه ويفري جلده لعظيم عجزه ضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره أنت فكن ذاك إن شئت فأما أنا فوالله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية تطير منه فراش الهام وتطيح السواعد والأقدام ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء

أيها الناس إن لي عليكم حقا ولكم على حق فأما حقكم علي فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيلا تجهلوا وتأديبكم كيما تعلموا وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين أمركم وزاد ابن قتيبة في الامامة والسياسة

والله يأهل العراق ما أظن هؤلاء القوم من أهل الشأم إلا ظاهرين عليكم فقالوا أبعلم تقول ذلك يا أمير المؤمنين فقال

نعم والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إني أرى أمورهم قد علت وأرى أموركم قد خبت وأراهم جادين في باطلهم وأراكم وانين في حقكم وأراهم مجتمعين وأراكم متفرقين وأراهم لصاحبهم معاوية مطيعين وأراكم لي عاصين أما والله لئن ظهروا عليكم بعدي لتجدنهم أرباب سوء كأنهم والله عن قريب قد شاركوكم


423
في بلادكم وحملوا إلى بلادهم منكم وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب لا تأخذون لله حقا ولا تمنعون له حرمة وكأني أنظر إليهم يقتلون صلحاءكم ويخيفون علماءكم وكأني أنظر إليكم يحرمونكم ويحجبونكم ويدنون الناس دونكم فلو قد رأيتم الحرمان ولقيتم الذل والهوان ووقع السيف ونزل الخوف لندمتم وتحسرتم على تفريطكم في جهاد عدوكم وتذكرتم ما أنتم فيه من الخفض والعافية حين لا ينفعكم التذكار 321-خطبة أبي أيوب الأنصاري

ثم قام أبو أيوب الأنصاري فقال

إن أمير المؤمنين أكرمه الله قد أسمع من كانت له أذن واعية وقلب حفيظ إن الله قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حق قبولها حيث نزل بين أظهركم ابن عم رسول الله وخيرالمسلمين وأفضلهم وسيدهم بعده يفقهكم في الدين ويدعوكم إلى جهاد المحلين فوالله لكأنكم صم لا تسمعون وقلوبكم غلف مطبوع عليها فلا تستجيبون عباد الله أليس إنما عهدكم بالجور والعدوان أمس وقد شمل العباد وشاع في الإسلام فذو حق محروم مشتوم عرضه ومضروب ظهره وملطوم وجهه وموطوء بطنه وملقى بالعراء فلما جاءكم أميرالمؤمنين صدع بالحق ونشر العدل وعمل بالكتاب فاشكروا نعمة الله عليكم ولا تتولوا مجرمين ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون اشحذوا السيوف وجددوا آلة الحرب واستعدوا للجهاد فإذا دعيتم فأجيبوا وإذا أمرتم فأطيعوا تكونوا بذلك من الصادقين


424
322-خطبة الإمام وقد أغار النعمان بن بشير على عين التمر

وفي سنة 39ه فرق معاوية جيوشه في أطراف علي فبعث النعمان بن بشير الأنصاري في ألفين فأتوا عين التمر فأغاروا عليها وبها عامل لعلي في ثلثمائة فكتب إلى علي يستمده فأمرالناس أن ينهضوا اليه فتثاقلوا فصعد المنبر فتشهد ثم قال

يأهل الكوفة كلما سمعتم بمنسر من مناسر أهل الشأم أظلكم أنجحر كل امرئ منكم في بيته وأغلق بابه انجحار الضب في جحره والضبع في وجارها المغرور من غررتموه ولمن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب لا أحرار عند النداء ولا إخوان ثقة عند النجاء إنا لله وإنا إليه راجعون ماذا منيت به منكم عمى لا تبصرون وبكم لا تنطقون وصم لا تستمعون إنا لله وإنا إليه راجعون

وروى الشريف الرضى في نهج البلاغة هذه الخطبة بصورة أخرى وهي 323-صورة أخرى منيت بمن لا يطيع إذا أمرت ولا يجيب إذا دعوت لا أبالكم ما تنتظرون بنصركم ربكم أما دين يجمعكم ولا حمية تحمشكم أقوم فيكم مستصرخا وأناديكم متغوثا فلا تسمعون لي قولا ولا تطيعون لي أمرا حتى تكشف الأمور


425
عن عواقب المساءة فما يدرك بكم ثأر ولا يبلغ بكم مرام دعوتكم إلى نصر إخوانكم فجرجرتم جرجرة الجمل الاسر وتثاقلتم تثاقل النضو الأدبر ثم خرج إلي منكم جنيد متذائب ضعيف كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون 324-خطبة الإمام وقد أغار الضحاك بن قيس على الحيرة

ووجه معاوية الضحاك بن قيس فأغار على الحيرة وغنم أموال أهلها وبلغ ذلك عليا فاستصرخ الناس فتقاعدواعنه فقام فيهم خطيبا فقال

أيها الناس المجتمعة أبدانهم المختلفة أهواؤهم كلامكم يوهى الصم الصلاب وفعلكم يطمع فيكم الأعداء تقولون في المجالس كيت وكيت فإذا جاء القتال قلتم حيدى حياد ما عزت دعوة من دعاكم ولا استراح قلب من قاساكم أعاليل بأضاليل دفاع ذي الدين المطول هيهات لا يمنع الضيم الذليل ولايدرك


426
الحق إلا بالجد أي دار بعد داركم تمنعون ومع أي إمام بعدي تقاتلون المغرور والله من غررتموه ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الأخيب ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل أصبحت والله لا أصدق قولكم ولا أطمع في نصركم ولا أوعد العدو بكم ما بالكم ما دراؤكم ما طبكم القوم رجال أمثالكم أقولا بغير علم وغفلة من غير ورع وطمعا في غير حق

وزاد ابن قتيبة في الإمامة والسياسة

فرق الله بيني وبينكم وأعقبني بكم من خير لي منكم وأعقبكم بعدي من شر لكم مني أما إنكم ستلقون بعدى ذلا شاملا وسيفا قاتلا وأثرة يتخذها الظالمون بعدي فيكم سنة تفرق جماعتكم وتبكى عيونكم وتدخل الفقر بيوتكم تمنون والله عندها أن لو رأيتموني ونصرتموني وستعرفون ما أقول لكم عما قليل

استنفرتكم فلم تنفروا ونصحت لكم فلم تقبلوا وأسمعتكم فلم تعوا فأنتم شهود كأغياب وصم ذوو أسماع أتلو عليكم الحكمة وأعظكم بالموعظة النافعة وأحثكم على جهاد المحليين الظلمة الباغين فما آتى على آخر قولي حتى أراكم متفرقين وإذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقا عزين تضربون الأمثال وتناشدون الأشعار تربت أيديكم وقد نسيتم الحرب واستعدادها وأصبحت قلوبكم فارغة عن ذكرها وشغلتموها بالأباطيل والأضاليل


427
325-خطبة الأمام وقد أغار سفيان بن عوف الغامدي على الأنبار

ووجه معاوية سفيان بن عوف الغامدي في جيش فأغاروا على الأنبار وقتلوا عامل علي عليها وهو حسان بن حسان البكري واحتملوا ما كان في الأنبار من الأموال وأموال أهلها وانتهى الخبر إلى علي فخرج مغضبا حتى أتى النخيلة واتبعه الناس فرقي رباوة من الأرض فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال

أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء وديث بالصغار والقماءة وضرب على قلبه بالإسهاب وأديل الحق منه بتضييع الجهاد وسيم الخسف ومنع النصف ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا وإعلانا وقلت لكم اغزوهم من قبل أن يغزوكم فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا فتخاذلتم


428
وتواكلتم وثقل عليكم قولي واتخذتموه وراءكم ظهريا حتى شنت عليكم الغارات وملكت عليكم الأوطان هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار وقتل حسان ابن حسان البكري ورجالا منهم كثيرا ونساء وأزال خيلكم عن مسالحها

والذي نفسي بيده لقد بلغني أنه كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعثها ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم كلم ولا أريق لهم دم فلو أن امرأ مسلما مات من دون هذا أسفا ما كان عندي فيه ملوما بل كان به عندي جديرا

يا عجبا كل العجب عجب يميت القلب ويشغل الفهم ويكثر الأحزان من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم وفشلكم عن حقكم حتى أصبحتم غرضا ترمون ولا ترمون ويغار عليكم ولا تغيرون ويعصى الله عز وجل فيكم وترضون إذا قلت لكم اغزوهم في الشتاء قلتم هذا أوان قر وصر وإن قلت لكم اغزوهم


429
في الصيف قلتم هذه حمارة القيظ أنظرنا ينصرم الحر عنا فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون فأنتم والله من السيف أفر يا أشباه الرجال ولا رجال ويا طغام الأحلام ويا عقول ربات الحجال لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة والله جرت ندما وأعقبت سدما قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحا وشحنتم صدري غيظا وجرعتموني نغب التهمام أنفاسا وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان حتى لقد قالت قريش إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا رأي له في الحرب لله درهم ومن ذا يكون أعلم بها مني أو أشد لها مراسا فوالله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ولقد نيفت اليوم على الستين ولكن لا رأي لمن لا يطاع يقولها ثلاثا

فقام إليه رجل ومعه أخوه فقال يا أمير المؤمنين أنا وأخي هذا كما قال الله تعالى ( رب إني لا أملك إلا نفسي


430
وأخي ) فمرنا بأمرك فوالله لننتهين إليه ولو حال بيننا وبينه جمر الغضا وشوك القتاد فدعا لهما بخير ثم قال لهما وأين تقعان مما أريد ثم نزل 326-خطبة للحسن بن علي في يوم جمعة

اعتل الإمام علي كرم الله وجهه يوما فأمر ابنه الحسن رضي الله عنه أن يصلي بالناس يوم الجمعة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

إن الله لم يبعث نبيا إلا اختار له نفسا ورهطا وبيتا فوالذي بعث محمدا بالحق لا ينتقض من حقنا أهل البيت أحد إلا نقصه الله من عمله مثله ولا يكون علينا دولة إلا وتكون لنا العاقبة ولتعلمن نبأه بعد حين 327-خطبة لمعاوية وقد بلغه هلاك الأشتر

ولما نمى إلى معاوية هلاك الأشتر النخعي قام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال


431

أما بعد فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين يعني عمار بن ياسر وقطعت الأخرى اليوم يعني الأشتر


432
فتنة البصرة تسيير معاوية عبد الله بن عامر الحضرمي إليها ومقتله

لما قتل محمد بن أبي بكر بمصر وظهر معاوية عليها سنة 38ه دعا عبد الله ابن عامر الحضرمي فقال له سر إلى البصرة فان جل أهلها يرون رأينا في عثمان ويعظمون قتله وقد قتلوا في الطلب بدمه فهم موتورون حنقون لما أصابهم ودوا لو يجدون من يدعوهم ويجمعهم وينهض بهم في الطلب بدم عثمان ودفع إليه كتابا وأمره إذا قدم أن يقرأه على الناس فمضى حتى نزل البصرة في بنى تميم فسمع بقدومه أهل البصرة فجاءه كل من يرى رأي عثمان فاجتمع إليه رءوس أهلها


433
328-خطبة عبد الله بن عامر الحضرمي

فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أما بعد أيها الناس فإن أمامكم إمام الهدى عثمان بن عفان قتله علي بن أبي طالب ظلما فطلبتم بدمه وقاتلتم من قتله فجزاكم الله من أهل مصر خيرا وقد أصيب منكم الملأ الأخيار وقد جاءكم الله بإخوان لكم لهم بأس يتقى وعدد لا يحصى فلقوا عدوكم الذين قتلوكم فبلغوا الغاية التي أرادوا صابرين ورجعوا وقد نالوا ما طلبوا فمالئوهم وساعدوهم وتذكروا ثأركم لتشفوا صدوركم من عدوكم 329-خطبة الضحاك بن عبد الله الهلالي

فقام إليه الضحاك بن عبد الله الهلالي فقال

قبح الله ما جئتنا به وما دعوتنا إليه جئتنا والله بمثل ما جاء به صاحباك طلحة والزبير أتيانا وقد بايعنا عليا واجتمعنا له فكلمتنا واحدة ونحن على سبيل مستقيم فدعوانا إلى الغرقة وقاما فينا بزخرف القول حتى ضربنا بعضنا ببعض عدوانا وظلما فاقتتلنا على ذلك وايم الله ما سلمنا من عظيم وبال ذلك ونحن الآن مجمعون على بيعة هذا العبد الصالح الذي قال العثرة وعفا عن المسئ وأخذ بيعة غائبنا وشاهدنا أفتأمرنا الآن أن نختلع أسيافنا من أغمادها ثم يضرب بعضنا بعضا ليكون معاوية أميرا وتكون له وزيرا ونعدل بهذا الأمر عن علي والله ليوم من


434
أيام علي مع رسول الله وآله خير من بلاء معاوية وآل معاوية ولو بقوا في الدنيا ما الدنيا باقية

فقام عبد الله بن حازم السلمى فقال للضحاك اسكت فلست بأهل أن تتكلم في أمر العامة ثم أقبل علي ابن الحضرمي فقال نحن يدك وأنصارك والقول ما قلت وقد فهمنا عنك فادعنا أنى شئت فقال الضحاك لابن حازم يابن السوداء والله لا يعز من نصرت ولا يذل بخذلانك من خذلت فتشاتما 330-خطبة عبد الرحمن بن عمير القرشي

فقام عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي التميمي فقال

عباد الله إنا لم ندعكم إلى الاختلاف والفرقة ولا نريد أن تقتتلوا وتتنابزوا ولكنا إنما ندعوكم إلى أن تجمعوا كلمتكم وتوازروا إخوانكم الذين هم على رأيكم وأن تلموا شعثكم وتصلحوا ذات بينكم فمهلا مهلا رحمكم الله استمعوا لهذا الكتاب وأطيعوا الذي يقرأ عليكم

فلما قرئ عليهم الكتاب قال معظمهم سمعنا وأطعنا وقال الأحنف بن قيس أما أنا فلا ناقة لي في هذا ولا جمل واعتزل أمرهم ذلك وقال عمرو بن مرحوم من عبد القيس أيها الناس الزموا طاعتكم ولا تنكثوا بيعتكم فتقع


435
بكم واقعة وتصيبكم قارعة ولا يكن بعدها لكم بقية ألا إني قد نصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين

ثم إن الناس أقبلوا إلى ابن الحضرمي وكثر تبعه وكان الأمير بالبصرة يومئذ زياد ابن أبيه استخلفه عبد الله بن عباس وقدم الكوفة على علي عليه السلام يعزيه عن محمد ابن ابي بكر فأفزع ذلك زيادا وهاله وخلى قصر الإمارة واستجار بالأزد فأجاروه وكتب إلى ابن عباس بالأمر وطلب إليه أن يرفع ذلك إلى أمير المؤمنين ليرى فيه رأيه وغلب ابن الحضرمي على ما يليه من البصرة وجباها وأجمعت الأزد على زياد وأعدوا له منبرا وسريرا وشرطا 331-خطبة زياد ابن أبيه

فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

يا معشر الأزد إنكم كنتم أعدائي فأصبحتم أوليائي وأولى الناس بي وإني لو كنت في بني تميم وابن الحضرمي فيكم لم أطمع فيه أبدا وأنتم دونه فلا يطمع ابن الحضرمي في وأنتم دوني وليس ابن آكلة الأكباد في بقية الأحزاب وأولياء الشيطان بأدنى إلى الغلبة من أمير المؤمنين في المهاجرين والأنصار وقد أصبحت فيكم مضمونا وأمانة مؤادة وقد رأينا وقعتكم يوم الجمل فاصبروا مع الحق صبركم مع الباطل فإنكم لا تحمدون إلا على النجدة ولا تعذرون على الجبن


436
332-خطبة شيمان الأزدي

فقام شيمان الأزدي ولم يكن شهد يوم الجمل وكان غائبا فقال

يا معشر الأزد ما أبقت عواقب الجمل عليكم إلا سوء الذكر وقد كنتم أمس على علي عليه السلام فكونوا اليوم له واعلموا أن إسلامكم له ذل وخذلانكم إياه عار وأنتم حي مضماركم الصبر وعاقبتكم الوفاء فإن سار القوم بصاحبهم فسيروا بصاحبكم وإن استمدوا معاوية فاستمدوا عليا عليه السلام وإن وادعوكم فوادعوهم 333-خطبة صبرة بن شيمان

ثم قام صبرة ابنه فقال

يا معشر الأزد إنا قلنا يوم الجمل نمنع مصرنا ونطيع أمنا ونطلب دم خليفتنا المظلوم فجددنا في القتال وأقمنا بعد انهزام الناس حتى قتل منا من لا خير فينا بعده وهذا زياد جاركم اليوم والجار مضمون ولسنا نخاف من علي ما نخاف من معاوية فهبوا لنا أنفسكم وامنعوا جاركم أو فأبلغوه مأمنه فقالت الأزد إنما نحن لكم تبع فأجيروه 334-خطبة الإمام علي واستنفر علي بني تميم أياما لينهض منهم إلى البصرة من يكفيه أمر ابن الحضرمي ويرد عادية بني تميم الذين أجاروه بها فلم يجبه أحد فخطبهم وقال


437

أليس من العجب أن ينصرني الأزد وتخذلني مضر وأعجب من ذلك تقاعد تميم الكوفة بي وخلاف تميم البصرة على وأن استنجد بطائفة منها تشخص إلى إخوانها فتدعوهم إلى الرشاد فإن أجابت وإلا فالمنابذة والحرب فكأنى أخاطب صما بكما لا يفقهون حوارا ولا يجيبون نداء كل هذا جبنا عن البأس وحبا للحياة لقد كنا مع رسول الله وآله نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيا على اللقم وصبرا على مضض الألم وجدا في جهاد العدو ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون فمرة لنا من عدونا ومرة لعدونا منا فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر حتى استقر الإسلام ملقيا جرانه ومتبوئا أوطانه ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ولا اخضر للإيمان عود وايم الله لتحتلبنها دما ولتتبعنها ندما

فقام إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي فقال

أنا إن شاء الله أكفيك يا أمير المؤمنين هذا الخطب وأتكفل لك بقتل ابن الحضرمي أو إخراجه عن البصرة فأمره بالتهيؤ للشخوص فشخص إلى البصرة


438
335-خطبة أعين بن ضبيعة

فلما قدمها دخل على زياد وهو بالأزد مقيم فأخبره بأمره ثم خرج فأتى رحله فجمع إليه رجالا من قومه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

يا قوم على ماذا تقتلون أنفسكم وتهريقون دماءكم على الباطل مع السفهاء الأشرار وإني والله ما جئتكم حتى عبيت إليكم الجنود فإن تنيبوا إلى الحق يقبل منكم ويكف عنكم وإن أبيتم فهو والله استئصالكم وبواركم

فقالوا بل نسمع ونطيع فنهض بهم إلى جماعة ابن الحضرمي فخرجوا اليه مع ابن الحضرمي وواقفهم عامة يومه يناشدهم الله ويقول يا قوم لا تنكثوا بيعتكم ولا تخالفوا إمامكم ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا فقد رأيتم وجربتم كيف صنع الله بكم عند نكثكم بيعتكم وخلافكم

فكفوا عنه وهم في ذلك يشتمونه وينالون منه فانصرف عنهم فلما أوى إلى رحله تبعه عشرة نفر يظن الناس أنهم خوارج فقتلوه وكتب زياد إلى الإمام بذلك فأشخص إليهم جارية بن قدامة 336-خطبة جارية بن قدامة فلما دخل البصرة بدأ بزياد فناجاه ساعة وساءله ثم خرج من عنده فقام في الأزد فقال

جزاكم الله من حي خيرا ما أعظم غناءكم وأحسن بلاءكم وأطوعكم


439
لأميركم لقد عرفتم الحق إذ ضيعه من أنكره ودعوتم إلى الهدى إذ تركه من لم يعرفه ثم قرأ عليهم كتاب علي عليه السلام فقام صبرة بن شيمان فقال سمعنا وأطعنا ونحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب ولمن سالم سلم إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك وإن أحببت أن ننصرك نصرناك وقام وجوه الناس فتكلموا بمثل ذلك فلم يأذن لأحد منهم أن يسير معه ومضى نحو بني تميم 337-خطبة زياد

فقام زياد في الأزد فقال

يا معشر الأزد إن هؤلاء كانو أمس سلما فأصبحوا اليوم حربا وإنكم كنتم حربا فأصبحتم سلما وإني والله ما اخترتكم إلا على التجربة ولا أقمت فيكم إلا على الأمل فما رضيتم أن أجرتموني حتى نصبتم لى منبرا وسريرا وجعلتم لي شرطا وأعوانا ومناديا وجمعة فما فقدت بحضرتكم شيئا إلا هذا الدرهم لا أجبيه اليوم فإن لم أجبه اليوم أجبه غدا إن شاء الله واعلموا أن حربكم اليوم معاوية أيسر عليكم في الدنيا والدين من حربكم أمس عليا وقد قدم عليكم جارية بن قدامة وإنما أرسله علي ليصدع أمر قومه والله ما هو بالأمير المطاع ولو أدرك أمله في قومه لرجع إلى أمير المؤمنين ولكان لي تبعا وأنتم الهامة العظمى والجمرة الحامية فقدموه إلى قومه فإن اضطر إلى نصركم فسيروا إليه إن رأيتم ذلك


440
338-خطبة أبي صبرة شيمان

فقام أبو صبرة شيمان فقال

يا زياد إني والله لو شهدت قومي يوم الجمل رجوت ألا يقاتلوا عليا وقد مضى الأمر بما فيه وهو يوم بيوم وأمر بأمر والله إلى الجزاء بالإحسان أسرع منه إلى الجزاء بالسئ والتوبة مع الحق والعفو مع الندم ولو كانت هذه فتنه لدعونا القوم إلى إبطال الدماء واستئناف الأمور ولكنها جماعة دماؤها حرام وجروحها قصاص ونحن معك نحب ما أحببت

فعجب زياد من كلامه وقال ما أظن في الناس مثل هذا 339-خطبة صبرة بن شيمان

ثم قام صبرة ابنه فقال

إنا والله ما أصبنا بمصيبة في دين ولا دنيا كما أصبنا أمس يوم الجمل وإنا لنرجو اليوم أن يمحص ذلك بطاعة الله وطاعة أمير المؤمنين وأما أنت يا زياد فوالله ما أدركت أملك فينا ولا أدركنا أملنا فيك دون ردك إلى دارك ونحن رادوك إليها غدا إن شاء الله تعالى فإذا فعلنا فلا يكن أحد أولى بك منا فإنك إلا تفعل لم تأت ما يشبهك وإنا والله نخاف من حرب علي في الآخرة ما لا نخاف من حرب معاوية في الدنيا فقدم هواك وأخر هوانا فنحن معك وطوعك


441
340-خطبة خنفر الحماني

ثم قام خنفر الحماني فقال

أيها الأمير إنك لو رضيت منا بما ترضىبه من غيرنا لم نرض ذلك لأنفسنا سر بنا إلى القوم إن شئت وايم الله ما لقينا يوما قط إلا اكتفينا بعفونا دون جهدنا ما كان أمس

أما جارية فإنه كلم قومه فلم يجيبوه وخرج إليه منهم أوباش فناوشوه بعد أن شتموه فأرسل إلى زياد والأزد يستصرخهم فسارت الأزد بزياد وخرج إليهم ابن الحضرمي وعلى خيله عبد الله بن حازم السلمي فاقتتلوا ساعة فما لبثوا بني تميم أن هزموهم وحصروا ابن الحضرمي في إحدى دور البصرة فى عدة من أصحابه وحرق جارية الدار عليهم فهلك ابن الحضرمى فى سبعين رجلا وسارت الأزد بزياد حتى أوطنوه قصر الإمارة ومعه بيت المال وقالوا له هل بقي علينا من جوارك شئ قال لا فانصرفوا عنه وكتب زياد بذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام 341-صعصعة بن صوحان ومعاوية

أرسل علي كرم الله وجهه إلى معاوية بالشام كتابا صحبة صعصعة بن صوحان فسار به حتى أتى دمشق فأتى باب معاوية فقال لآذنه استأذن لرسول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وبالباب جماعة من بني أمية فأخذته النعال والأيدي لقوله أمير المؤمنين وكثرت عليه الجلبة فاتصل ذلك بمعاوية فأذن له فدخل عليه


442

فقال السلام عليك بابن أبي سفيان هذا كتاب أمير المؤمنين فقال معاوية أما إنه لو كانت الرسل تقتل في جاهلية أو إسلام لقتلتك ثم اعترضه معاوية في الكلام وأراد أن يستخبره ليعرف طبعا أو تكلفا فقال له ممن الرجل فقال من نزار قال وما كان نزار قال كان إذا غزا انكمش وإذا لقي افترش وإذا انصرف احترش قال فمن أي أولاده أنت قال من ربيعة قال وما كان ربيعة قال كان يطيل النجاد ويعول العباد ويضرب ببقاع الأرض العماد قال فمن أي أولاده أنت قال من جديلة قال وما كان جديلة قال كان في الحرب سيفا قاطعا وفي المكرمات غيثا نافعا وفي اللقاء لهبا ساطعا قال فمن أي أولاده أنت قال من عبد القيس قال وما كان عبد القيس قال كان حسنا أبيض وهابا يقدم لضيفه ما وجد ولا يسأل عما فقد كثير المرق طيب العرق يقوم للناس مقام الغيث من السماء قال ويحك يابن صوحان فما تركت لهذا الحي من قريش مجدا ولا فخرا قال بلى والله يابن أبي سفيان تركت لهم مالا يصلح إلا لهم تركت لهم الأحمر والأبيض والأصفر والسرير والمنبر والملك إلى المحشر ففرح معاوية وظن أن كلامه يشتمل على قريش كلها قال صدقت بابن صوحان إن ذلك لكذلك فعرف صعصعة ما أراد فقال ليس لك ولا لقومك في ذلك إصدار ولا إيراد بعدتم عن أنف المرعى وعلوتم عن عذب الماء قال ولم ذلك ويلك يا بن صوحان فقال الويل لأهل النار


443
ذلك لبني هاشم قال قم فأخرجوه فقال صعصعة الوعد بيني وبينك لا الوعيد من أراد المحاجزة يقبل المناجزة فقال معاوية لشئ ما سوده قومه وددت أني من صلبه ثم التفت إلى بني أمية فقال هكذا فلتكن الرجال 342-صورة أخرى

وروى أبو علي القالي هذا الخبر في الأمالي بصورة أخرى قال

دخل صعصعة بن صوحان على معاوية أول ما دخل عليه وقد كان يبلغ معاوية عنه فقال معاوية ممن الرجل فقال رجل من نزار قال وما نزار قال كان إذا غزا انحوش وإذا انصرف انكمش وإذا لقي افترش قال فمن أي ولده أنت قال من ربيعة قال وما ربيعة قال كان يغزو بالخيل ويغير بالليل ويجود بالنيل قال فمن أي ولده أنت قال من أمهر قال وما أمهر قال كان إذا طلب أفضى وإذا أدرك أرضى وإذا آب أنضى قال فمن أي ولده انت قال من جديلة قال وما جديلة قال كان يطيل النجاد ويعد الجياد ويجيد الجلاد قال فمن أي ولده أنت قال من دعمى قال وما دعمى قال كان نارا ساطعا وشرا قاطعا وخيرا نافعا قال فمن أي ولده أنت قال من أفصى


444

قال وما أفصى قال كان ينزل القارات ويكثر الغارات ويحمى الجارات قال فمن أي ولده أنت قال من عبد القيس قال وما عبد القيس قال أبطال ذادة جحاجحة سادة صناديد قادة قال فمن أي ولده أنت قال من أفصى قال وما أفصى قال كانت رماحهم مشرعة وقدورهم مترعة وجفانهم مفرغة قال فمن أي ولده أنت قال من لكيز قال وما لكيز قال كان يباشر القتال ويعانق الأبطال ويبدد الأموال قال فمن أي ولده أنت قال من عجل قال وما عجل قال الليوث الضراغمة الملوك القماقمة القروم القشاعمة قال فمن أي ولده أنت قال من كعب قال وما كعب قال كان يسعر الحرب ويجيد الضرب ويكشف الكرب قال فمن أي ولده أنت قال من مالك قال وما مالك قال هو الهمام للهمام والقمقام للقمقام فقال معاوية ما تركت لهذا الحي من قريش شيئا قال بل تركت أكثره وأحبه قال وما هو قال تركت لهم الوبر والمدر والأبيض والأصفر والصفا والمشعر والقبة والمفخر والسرير والمنبر والملك إلى المحشر قال أما والله لقد كان يسوءني أن أراك أسيرا قال وأنا والله لقد كان يسوءني أن أراك أميرا ثم خرج فبعث إليه فرد ووصله وأكرمه


445

وروى المسعودي في مروج الذهب قال قال معاوية يوما وعنده صعصعة وكان قدم عليه بكتاب علي وعنده وجوه الناس الأرض لله وأنا خليفة الله فما آخذ من مال الله فهو لي وما تركت منه كان جائزا لي فقال صعصعة

( نمنيك نفسك مالا يكون جهلا معاوى لا تأثم )

فقال معاوية يا صعصعة تعلمت الكلام قال العلم بالتعلم ومن لا يعلم يجهل قال معاوية ما أحوجك إلى أن أذيقك وبال أمرك قال ليس ذلك بيدك ذلك بيد الذي لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها قال ومن يحول بيني وبينك قال الذي يحول بين المرء وقلبه قال معاوية اتسع بطنك للكلام كما اتسع بطن البعير للشعير قال اتسع بطن من لا يشبع ودعا عليه من لا يجمع


446
343-تتمة في الحكم

من كلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه

إن الله قرن وعده بوعيده ليكون العبد راغبا راهبا ليست مع العزاء مصيبة الموت أهون مما بعده وأشد مما قبله ثلاث من كن فيه كن عليه البغي والنكث والمكر ذل قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة لا يكونن قولك لغوا في عفو ولا عقوبة إذا فاتك خير فأدركه وإن أدركك شر فاسبقه إن عليك من الله عيونا تراك احرص على الموت توهب لك الحياة قاله لخالد بن الوليد حين بعثه إلى أهل الردة رحم الله امرأ أعان أخاه بنفسه أطوع الناس لله أشدهم بغضا لمعصيته إن الله يرى من باطنك ما يرى من ظاهرك إن أولى الناس بالله أشدهم توليا له لا تجعل سرك مع علانيتك فيمرج أمرك خير الخصلتين لك أبغضها إليك صنائع المعروف تقي مصارع السوء

ومن كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه

من كتم سره كان الخيار في يده أشقى الولاة من شقيت به رعيته اتقوا من تبغضه قلوبكم أعقل الناس أعذرهم للناس لا تؤجل عمل يومك لغدك من لم يعرف الشر كان جديرا أن يقع فيه ما الخمر صرفا بأذهب للعقول من الطمع قلما أدبر شئ فأقبل مر ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا غمض عن الدنيا عينك وول عنها قلبك وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك فقد رأيت مصارعها


447
وعاينت سوء آثارها على أهلها وكيف عرى من كست وجاع من أطعمت ومات من أحيت احتفظ من النعمة احتفاظك من المصيبة فوالله لهي أخوفها عندي عليك أن تستدرجك وتخدعك الدنيا أمل مخترم وأجل منتقص وبلاغ إلى دار غيرها وسير إلى الموت ليس فيه تعريج فرحم الله امرأ فكر في أمره ونصح لنفسه وراقب ربه واستقال ذنبه إياكم والبطنة فإنها مكسلة عن الصلاة مفسدة للجوف مؤدية إلى السقم رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي أفلح من حفظ من الطمع والغضب والهوى نفسه

ومن كلام عثمان رضي الله عنه

ما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال قاله يوم صعد المنبر فأرتج عليه

ومن كلام ابن عباس رضي الله عنه

صاحب المعروف لا يقع فإن وقع وجد متكا الحرمان خير من الامتنان ملاك أمركم الدين وزينتكم العلم وحصون أعراضكم الأدب وعزكم الحلم وحليتكم الوفاء القرابة تقطع والمعروف يكفر ولم ير كالمودة لا تمار سفيها ولا حليما فإن السفيه يوذيك والحليم يقليك واعمل عمل من يعلم أنه مجزى بالحسنات مأخوذ بالسيئات

ومن كلام ابن مسعود رضي الله عنه

ما الدخان على النار بأدل من الصاحب على الصاحب الدنيا كلها غموم فما كان منها في سرور فهو ربح


448

ومن كلام المغيرة ابن شعبة

إن المعرفة لتنفع عند الكلب العقور والجمل الصئول فكيف بالرجل الكريم

ومن كلام أبي الدرداء

السودد اصطناع العشيرة واحتمال الجريرة والشرف كف الأذى وبذل الندى والغنى قلة التمني والفقر شره النفس

ومن كلام أبي ذر

إن لك في مالك شريكين الحدثان والوارث فإن قدرت ألا تكون أخس الشركاء حظا فافعل


449
سقطت هذه الخطب سهوا في أثناء الطبع فأوردناها في آخر الجزء وها هي ذي خطب الوفود بين يدي عمر بن الخطاب

لماقدمت الوفود على عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام هلال بن بشر فقال 244-خطبة هلال بن بشر

يا أمير المؤمنين إنا غرة من خلفنا من قومنا وسادة من وراءنا من أهل مصرنا وإنك إن تصرفنا بالزيادة في أعطياتنا والفرائض لعيالاتنا يزدد بذلك الشريف تأميلا وتكن لهم أبا وصولا وإن تكن مع ما نمت به من وسائلك وندلي به من أسبابك كالحدل لا يحل ولا يرتحل نرجع بأنوف مصلومة وجدود


450
عائرة فمحنا وأهالينا بسجل مترع من سجالك المترعة 345-خطبة زيد بن جبلة

وقام زيد بن جبلة فقال

يا أمير المؤمنين سود الشريف وأكرم الحسيب وازرع عندنا من أياديك ما تسد به الخصاصة وتطرد به الفاقة فإنا بقف من الأرض يابس الأكناف مقشعر الذروة لا متجر ولا زرع وإنا من العرب اليوم إذ أتيناك بمرأى ومسمع 346-خطبة الأحنف بن قيس

فقام الأحنف فقال

يا أمير المؤمينن إن مفاتيح الخير بيد الله والحرص قائد الحرمان فاتق الله فيما لا يغني عنك يوم القيامة قيلا ولا قالا واجعل بينك وبين رعيتك من العدل والإنصاف شيئا يكفيك وفادة الوفود واستماحة الممتاح فإن كل امرئ يجمع في وعائه إلا الأقل ممن سعى أن تقتحمه الأعين فلا يوفد إليك


451
347-خطبة الأحنف بن قيس بين يدي عمر بن الخطاب

قدم الأحنف بن قيس التميمي على عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أهل البصرة وأهل الكوفة فتكلموا عنده في أنفسهم وما ينوب كل واحد منهم وتكلم الأحنف فقال

يا أمير المؤمنين إن مفاتيح الخير بيد الله وقد أتتك وفود أهل العراق وإن إخواننا من أهل الكوفة والشام ومصر نزلوا منازل الأمم الخالية والملوك الجبابرة ومنازل كسرى وقيصر وبني الأصفر فهم من المياه العذبة والجنان المخصبة في مثل حولاء السلى وحدقة البعير الغاسقة تأتيهم ثمارهم غضة قبل أن تتغير وإنا معشر أهل البصرة نزلنا ارضا سبخة هشاشة زعقة نشاشة طرف في فلاة وطرف في ملح أجاج جانب منها منابت القصب وجانب سبخة نشاشة لا يجف ترابها ولا ينبت مرعاها تأتينا منافعها في مثل مرئ النعامة يخرج الرجل الضعيف منا يستعذب الماء من فرسخين وتخرج المرأة بمثل ذلك ترنق ولدها ترنيق العنز تخاف عليه العدو والسبع دارنا فعمة ووظيفتنا ضيقة وعددنا كثير وأشرافنا قليل وأهل البلاء فينا كثير ودرهمنا كبير وقفيزنا صغير وقد وسع الله علينا وزادنا


452
في أرضنا فوسع علينا يا أمير المؤمنين وزدنا وظيفة توظف علينا ونعيش بها فإلا ترفع خسيستنا وتنعش ركيستنا وتجبر فاقتنا وتزد في عيالنا عيالا وفي رجالنا رجالا وتصفر درهمنا وتكبر قفيزنا وتأمر لنا بحفر نهر نستعذب به الماء هلكنا

قال عمر هذا والله السيد هذا والله السيد قال الأحنف فما زلت أسمعها بعدها