7
الباب الثالث الخطب والوصايا في العصر الأموي الخطب خطب بني هاشم وشيعتهم وما يتصل بها

1 خطبة الحسن بن علي بعد وفاة أبيه

خطب الحسن بن علي رضي الله عنهما بعد وفاة أبيه فنعاه فقال لقد قتلتم الليلة رجلا في ليلة فيها نزل القرآن وفيها رفع عيسى بن مريم عليه السلام وفيها قتل يوشع بن نون فتى موسى عليهما السلام والله ما سبقه أحد كان


8
قبله ولا يدركه أحد يكون بعده والله إن كان رسول الله ليبعثه في السرية وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله ثم خنقته العبرة فبكي وبكى الناس معه ثم قال أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد رسول الله وآله أنا ابن البشير أنا ابن النذير أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير أنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا والذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول ( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت )

فلما انتهي إلى هذا الموضع من الخطبة قام عبيد الله بن العباس بين يديه فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا وقالوا ما أحبه إلينا وأحقه بالخلافة فبايعوه ثم نزل من المنبر


9
تعبئه الجيوش لقتال معاوية

سار معاوية بجيوشه قاصدا إلى العراق وبلغ الحسن خبره ومسيره نحوه فأمر بالتهيؤ للمسير ونادى المنادى الصلاة جامعة فأقبل الناس يثوبون ويجتمعون فخرج الحسن وصعد المنبر فحمد الله وأثني عليه ثم قال

2 خطبة الحسن بن علي في الحث على الجهاد

أما بعد فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرها ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين ( اصبروا إن الله مع الصابرين ) فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا علي المسير إليه فتحرك لذلك اخرجوا رحمكم الله إلي معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا وإنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس له فسكتوا فما تكلم منهم أحد ولا أجابه بحرف فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قام فقال

3 مقال عدي بن حاتم

أنا ابن حاتم سبحان الله ما أقبح هذا المقام لا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم أين خطباء مصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة فإذا جد الجد


10
فرواغون كالثعالب أما تخافون مقت الله ولا عيبها وعارها

ثم استقبل الحسن بوجهه فقال أصاب الله بك المراشد وجنبك المكاره ووفقك لما تحمد وروده وصدوره قد سمعنا مقالتك وانتهينا إلى أمرك وسمعنا لك وأطعناك فيما قلت وما رأيت وهذا وجهي إلى معسكري فمن أحب أن يوافيني فليواف ثم مضى لوجهه إلى النخيلة

وقام ثلاثة آخرون من أصحاب الحسن فأنبوا الناس ولاموهم وحرضوهم وكلموا الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم فقال لهم صدقتم رحمكم الله ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء والقبول والمودة الصحيحة فجزاكم الله خيرا ثم نزل وخرج الناس فعسكروا ونشطوا للخروج وسار الحسن في عسكر عظيم وعدة حسنة

4 خطبة الحسن وقد جنح إلى مصالحة معاوية

ثم نزل الحسن ساباط فلما أصبح نادي في الناس الصلاة جامعة فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فقال الحمد لله كلما حمده حامد وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد وأشهد أن محمدا رسول الله أرسله بالحق وأتمنه على الوحي وآله أما بعد فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلقه لخلقه وما أصبحت محتملا علي مسلم ضغينة ولا مريدا له بسوء ولا غائلة ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة ألا وإني ناظر لكم خيرا من نظركم


11
لأنفسكم فلا تخالفوا أمري ولا تردوا على رأيي غفر الله لي ولكم وأرشدني وإياكم لما فيه محبته ورضاه إن شاء الله ثم نزل

فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا ما ترونه يريد بما قال قالوا نظنه يريد أن يصالح معاوية ويكل الأمر إليه كفر والله الرجل ثم شدوا على فسطاطه فانهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته وشد عليه بعضهم فنزع مطرفه عن عاتقه فبقي جالسا متقلدا سيفها بغير رداء فدعا بفرسه فركبه وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أرده ولاموه وضعفوه لما تكلم

فلما مر في مظلم ساباط قام إليه رجل من بني أسد يقال له جراح بن سنان وبيده معول فأخذ بلجام فرسه وقال الله أكبر يا حسن أشرك أبوك ثم أشركت أنت وطعنه بالمعول فوقعت في فخده فشقته حتى بلغت أربيته وسقط الحسن إلى الأرض بعد أن ضرب الذي طعنه بسيف كان بيده واعتنقه فخرا جميعا إلى الأرض

5 خطبته يبرر مصالحته لمعاوية

لما رأى الحسن رضي الله عنه تفرق الأمر عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح فبعث معاوية إليه رسولين قدما عليه بالمدائن فأعطياه ما أراد وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها ثم قام الحسن في أهل العراق فقال يأهل العراق إنه سخي بنفسي عنكم ثلاث قتلكم أبي وطعنكم إياي وانهابكم متاعي


12

6 خطبته في الصلح بينه وبين معاوية

وقدم معاوية الكوفة لإنفاذ الصلح بينه وبين الحسن سنة 41ه وكان عمرو ابن العاص حين اجتمعوا بالكوفة قد كلم معاوية وأمره أن يأمر الحسن أن يقوم ويخطب الناس فكره ذلك معاوية وقال ما تريد إلى أن أخطب الناس فقال عمرو لكني أريد أن يبدوا عيه للناس فلم يزل عمرو بمعاوية حتى أطاعه فخرج معاوية فخطب الناس ثم نادى الحسن فقال قم يا حسن فكلم الناس فتشهد في بديهة أمر لم يرو فيه ثم قال أما بعد أيها الناس فإن الله قد هدى أولكم بأولنا وحقن دمائكم بآخرنا وكانت لي في رقابكم بيعة تحاربون من حاربت وكسالمون من سالمت وقد سالمت معاوية وبايعته فبايعوه وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول وإن الله تعالى قال لنبيه ( وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ) وأشار إلى معاوية فلما قالها قال معاوية اجلس فلم يزل ضرما على عمرو وقال هذا من رأيك ولحق الحسن بالمدينة

7 خطبة له بعد الصلح

روى المدائنى قال سأل معاوية الحسن بن علي رضي الله عنه بعد الصلح أن يخطب الناس فامتنع فناشده أن يفعل فوضع له كرسي فجلس عليه ثم قال


13

الحمد لله الذي توحد في ملكه وتفرد في ربوبيته يؤتى الملك من يشاء وينزعه عمن يشاء والحمد لله أكرم بنا مؤمنكم وأخرج من الشرك أولكم وحقن دماء آخركم فبلاؤنا عندكم قديما وحديثا أحسن البلاء إن شكرتم أو كفرتم أيها الناس إن رب على كان أعلم بعلى حين قبضه إليه ولقد اختصه بفضل لم تعتدوا مثله ولم تجدوا مثل سابقته فهيهات هيهات طالما قلبتم له الأمور حتى أعلاه الله عليكم وهو صاحبكم وعدوكم في بدر وأخواتها جرعكم رنقا وسقاكم ثم علقا وأذل رقابكم وأشرقكم بريقكم فلستم بملومين على بغضه وايم الله لا ترى أمة محمد خفضا ما كانت سادتهم وقادتهم بنى أمية ولقد وجه الله إليكم فتنة لن تصدروا عنها حتى تهلكوا لطاعتكم طواغيتكم وانضوائكم إلى شياطينكم فعند الله أحتسب ما مضى وما ينتظر من سوء دعتكم وحيف حكمكم ثم قال يأهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامى الله صائب علي أعداء الله نكال على فجار قريش لم يزل آخذا بحناجرها جاثما على أنفاسها ليس بالملومة فى أمر الله ولا بالسروقة لمال الله ولا بالفروقة فى حرب أعداء الله أعطى الكتاب خواتمه وعزائمه دعاه فأجابه وقاده فاتبعه لا تأخذه فى الله لومة لائم فصلوات الله عليه ورحمته ثم نزل

فقال معاوية أخطأ عجل أو كاد وأصاب متثبت أو كاد ماذا أردت من خطبة الحسن


14

8 خطبة لمعاوية فى أهل الكوفة

وروى المدائنى قال خرج على معاوية قوم من الخوارج بعد دخوله الكوفة وصلح الحسن رضى الله عنه فأرسل معاوية إلى الحسن يسأله أن يخرج فيقاتل الخوارج فقال الحسن سبحان الله تركت قتالك وهو لى حلال لصلاح الأمة وألفتهم أفترانى أقاتل معك فخطب معاوية أهل الكوفة فقال يأهل الكوفة أترانى قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون ولكنى قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم وقد آتانى الله ذلك وأنتم كارهون ألا إن كل مال أو دم أصيب فى هذه الفتنة فمطلول وكل شرط شرطته فتحت قدمى هاتين ولا يصلح الناس إلا ثلاث إخراج العطاء عند محله وإقفال الجنود لوقتها وغزو العدو فى داره فإنه إن لم تغزوهم غزوكم ثم نزل

9 رد الحسن بن على على معاوية حين نال منه ومن أبيه

وخطب معاوية بالكوفة حين دخلها والحسن والحسين رضى الله عنهما جالسان تحت المنبر فذكر عليا عليه السلام فنال منه ثم نال من الحسن فقام الحسين ليرد عليه فأخذه الحسن بيده فأجلسه ثم قام فقال أيها الذاكر عليا أنا الحسن وأبى على وأنت معاوية وأبوك صخر وأمى فاطمة وأمك هند وجدي رسول الله وجدك عتبة بن ربيعة


15
وجدتى خديجة وجدتك قتيلة فلعن الله أخملنا ذكرا وألأمنا حسبا وشرنا قديما وحديثا وأقدمنا كفرا ونفاقا

فقال طوائف من أهل المسجد آمين

10 خطبة سليمان بن صرد في استنكار الصلح

وذكروا أنه لما تمت البيعة لمعاوية بالعراق وانصرف راجعا إلى الشأم أتى سليمان ابن صرد وكان غائبا عن الكوفة وكان سيد أهل العراق ورأسهم فدخل على الحسن فقال السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال وعليك السلام اجلس لله أبوك فجلس سليمان ثم قال أما بعد فإن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك معاوية ومعك مائة ألف مقاتل من أهل العراق وكلهم يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم ومواليهم سوي شيعتك من أهل البصرة وأهل الحجاز ثم لم تأخذ لنفسك بقية فى العهد ولا حظا من القضية فلو كنت إذ فعلت ما فعلت وأعطاك ما أعطاك بينك وبينه من العهد والميثاق كنت كتبت عليك بذلك كتابا وأشهدت عليه شهودا من أهل المشرق والمغرب أن هذا الأمر لك من بعده كان الأمير علينا أيسر ولكنه أعطاك هذا فرضيت به من قوله ثم قال وزعم على رءوس الناس ما قد سمعت إني كنت شرطت لقوم شروطا ووعدتهم عدات ومنيتهم أمانى إرادة إطفاء نار الحرب ومداراة لهذه الفتنة إذ جمع الله لنا كلمتنا وألفتنا فإن كل ما هنالك تحت قدمي هاتين ووالله ما عنى بذلك إلا نقض ما بينك وبينه فأعد الحرب جذعة وأذن لى أشخص إلى الكوفة


16
فأخرج عامله منها وأظهر فيها خلعه وانبذ إليه على سواء إن الله لا يهدى كيد الخائنين

ثم سكت فتكلم كل من حضر مجلسه بمثل مقالته وكلهم يقول ابعث سليمان ابن صرد وابعثنا معه ثم الحقنا إذا علمت أنا قد أشخصنا عامله وأظهرنا خلعه

11 خطبة الحسن يرد على مستنكري الصلح

فتكلم الحسن فحمد الله ثم قال أما بعد فإنكم شيعتنا وأهل مودتنا ومن نعرفه بالنصيحة والاستقامة لنا وقد فهمت ما ذكرتم ولو كنت بالحزم فى أمر الدنيا وللدنيا أعمل وأنصب ما كان معاوية بأبأس منى وأشد شكيمة ولكان رأيى غير ما رأيتم لكنى أشهد الله وإياكم أنى لم أرد بما رأيتم إلا حقن دمائكم وإصلاح ذات بينكم فاتقوا الله وارضوا بقضاء الله وسلموا لأمر الله والزموا بيوتكم وكفوا أيديكم حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر مع أن أبى كان يحدثني أن معاوية سيلي الأمر فوالله لو سرنا إليه بالجبال والشجر ما شككت أنه سيظهر إن الله لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه وأما قولك يا مذل المؤمنين فوالله لأن تذلوا وتعافوا أحب إلى من أن تعزوا وتقتلوا فإن رد الله علينا حقنا فى عافية قبلنا وسألنا الله العون على أمره وإن صرفه عنا رضينا وسألنا الله أن يبارك فى صرفه عنا فليكن كل رجل منكم حلسا من أحلاس بيته


17
ما دام معاوية حيا فإن يهلك ونحن وأنتم أحياء سألنا الله العزيمة على رشدنا والمعونة على أمرنا وأن لا يكلنا إلى أنفسنا فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون

12 خطبة له فى عهد خلافته

ومن خطبه رضى الله عنه فى أيامه فى بعض مقاماته أنه قال نحن حزب الله المفلحون وعترة رسول الله الأقربون وأهل بيته الطاهرون الطيبون وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله والثانى كتاب الله فيه تفصيل كل شئ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والمعول عليه فى كل شئ لا يخطئنا تأويله بل نتيقن حقائقه فأطيعونا فإطاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله والرسول وأولى الأمر مقرونة ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) وأحذركم الإصغاء لهتاف الشيطان إنه لكم عدو مبين فتكونون كأوليائه الذين قال لهم ( لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إنى برئ منكم إنى


18
أرى مالا ترون ) فتلقون للرماح أزرا وللسيوف جزرا وللعمد حظا وللسهام غرضا ثم ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا )

13 خطبة أخرى له

ومن خطبه رضى الله عنه اعلموا أن الحلم زين والوقار مودة والصلة نعمة والإكثار صلف والعجلة سفه والسفه ضعف والقلق ورطة ومجالسة أهل الدناءة شين ومخالطة أهل الفسوق ريبة


19
مخاصمة ومهاجاة

بين الحسن بن على وبين عمرو بن العاص والوليد بن عقبة وعتبة بن أبى سفيان والمغيرة بن شعبة بحضرة معاوية

قال ابن أبى الحديد روى الزبير بن بكار فى كتاب المفاخرات قال اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص والوليد بن عقبة بن أبى معيط وعتبة بن أبى سفيان والمغيرة بن شعبة وقد كان بلغهم عن الحسن بن على عليه السلام قوارص وبلغه عنهم مثل ذلك فقالوا يا أمير المؤمنين إن الحسن قد أحيا أباه وذكره وقال فصدق وأمر فأطيع وخفقت له النعال وإن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوءنا قال معاوية فما تريدون قالوا ابعث إليه فليحضر لنسبه ونسب أباه ونعيره ونوبخه ونخبره أن أباه قتل عثمان ونقرره بذلك ولا يستطيع أن يغير علينا شيئا من ذلك قال معاوية إنى لا أرى ذلك ولا أفعله قالوا عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن فقال ويحكم لا تفعلوا فوالله ما رأيته قط جالسا عندى إلا خفت مقامه وعيبه لى قالوا ابعث إليه على كل حال قال إن بعثت إليه لأنصفنه منكم فقال عمرو بن العاص أتخشى أن يأتى باطله على حقنا أو يربى قوله على قولنا قال معاوية أما إنى إن بعثت إليه لآمرنه أن يتكلم بلسانه كله

قالوا مره بذلك قال أما إذا عصيتمونى وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا له


20
فى القول واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب ولا يلصق بهم العار ولكن اقذفوه بحجره تقولون له إن أباك قتل عثمان وكره خلافة الخلفاء من قبله فبعث إليه معاوية فجاءه رسوله فقال إن أمير المؤمنين يدعوك قال من عنده فسماهم فقال الحسن عليه السلام مالهم خر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم قال يا جارية ابغينى ثيابي اللهم إنى أعوذ بك من شرورهم وأدرأ بك فى نحورهم وأستعين بك عليهم فاكفينهم كيف شئت وأنى شئت بحول منك وقوة يا أرحم الراحمين ثم قام فلما دخل على معاوية أعظمه وأكرمه وأجلسه إلى جانبه وقد ارتاد القوم وخطروا خطران الفحول بغيا فى أنفسهم وعلوا ثم قال يا أبا محمد إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني فقال الحسن عليه السلام سبحان الله الدار دارك والإذن فيها إليك والله إن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا وما فى أنفسهم إنى لأستحيى لك من الفحش وإن كانوا غلبوك على رأيك إنى لأستحيي لك من الضعف فأيهما تقر وأيهما تنكر أما إني لو علمت بمكانهم جئت معى بمثلهم من بنى عبد المطلب ومالى أن أكون مستوحشا منك أو منهم إن ولي الله وهو يتولى الصالحين فقال معاوية يا هذا إنى كرهت أن أدعوك ولكن هؤلاء حملونى على ذلك مع كراهتى له وإن لك منهم النصف ومنى وإنما دعوناك لنقررك أن عثمان قتل مظلوما وأن أباك قتله فاستمع منهم ثم أجبهم ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكل لسانك فتكلم عمرو بن العاص
21

14 مقال عمرو بن العاص

فحمد الله وصلى على رسوله ثم ذكر عليا عليه السلام فلم يترك شيئا يعيبه به إلا قاله وقال إنه شتم أبا بكر وكره خلافته وامتنع من بيعته ثم بايعه مكرها وشرك في دم عمر وقتل عثمان ظلما وادعى من الخلافة ما ليس له ثم ذكر الفتنة يعيره بها وأضاف إليه مساوى وقال إنكم يا بنى عبد المطلب لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء واستحلالكم ما حرم الله من الدماء وحرصكم على الملك وإتيانكم ما لا يحل ثم إنك يا حسن تحدث نفسك أن الخلافة صائرة إليك وليس عندك عقل ذلك ولا لبه كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك وتركك أحمق قريش يسخر منك ويهزأ بك وذلك لسوء عمل أبيك وإنما دعوناك لنسبك وأباك فأما أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره وأما أنت فإنك فى أيدينا نختار فيك الخصال ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله ولا عيب من الناس فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا فإن كنت ترى أنا كذبنا فى شئ فاردده علينا فيما قلنا وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان

15 مقال الوليد بن عقبة بن أبى معيط

ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبى معيط فقال يا بنى هاشم إنكم كنتم أخوال عثمان فنعم الولد كان لكم فعرف حقكم وكنتم أصهاره فنعم الصهر كان لكم يكرمكم فكنتم أول من حسده فقتله أبوك ظلما لا عذر له ولا حجة فكيف ترون الله طلب بدمه وأنزلكم منزلتكم والله إن بنى أمية خير لبنى هاشم من بنى هاشم لبنى أمية وإن معاوية خير لك من نفسك


22

16 مقال عتبة بن أبى سفيان

ثم تكلم عتبة بن أبى سفيان فقال يا حسن كان أبوك شر قريش لقريش لسفكه لدمائها وقطعه لأرحامها طويل السيف واللسان يقتل الحى ويعيب الميت وإنك ممن قتل عثمان ونحن قاتلوك به وأما رجاؤك الخلافة فلست فى زندها قادحا ولا فى ميزانها راجحا وإنكم يا بنى هاشم قتلتم عثمان وإن فى الحق أن نقتلك وأخاك به فأما أبوك فقد كفانا الله أمره وأقاد منه وأما أنت فوالله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم ولا عدوان

17 مقال المغيرة بن شعبة

ثم تكلم المغيرة بن شعبة فشتم عليا وقال والله ما أعيبه فى قضية يخون ولا فى حكم يميل ولكنه قتل عثمان ثم سكتوا

18 رد الحسن بن على عليهم

فتكلم الحسن بن على عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله وآله ثم قال أما بعد يا معاوية فما هؤلاء شتمونى ولكنك شتمتنى فحشا ألفته وسوء رأى عرفت به وخلقا سيئا ثبت عليه وبغيا علينا عداوة منك لمحمد وأهله ولكن اسمع يا معاوية واسمعوا فلأقولن فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم أنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون أن الذى شتمتموه منذ اليوم صلى القبلتين كلتيهما وأنت يا معاوية


23
بهما كافر تراها ضلالة وتعبد اللات والعزى غواية وأنشدكم الله هل تعلمون أنه بايع البيعتين كلتيهما بيعة الفتح وبيعة الرضوان وأنت يا معاوية بإحداهما كافر وبالأخرى ناكث وأنشدكم الله هل تعلمون أنه أول الناس إيمانا وأنك يا معاوية وأباك من المؤلفة قلوبهم تسرون الكفر وتظهرون الإسلام وتستمالون بالأموال وأنشدكم الله ألستم أنه كان صاحب راية رسول الله وآله يوم بدر وأن راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه ثم لقيكم يوم أحد ويوم الأحزاب ومعه راية رسول الله وآله ومعك ومع أبيك راية الشرك وفي كل ذلك يفتح الله له ويفلج حجته وينصر دعوته ويصدق حديثه ورسول الله وآله في تلك المواطن كلها عنه راض وعليك وعلى أبيك ساخط وأنشدك الله يا معاوية أتذكر يوما جاء أبوك على جمل أحمر وأنت تسوقه وأخوك عتبة هذا يقوده فرآكم رسول الله وآله فقال اللهم العن الراكب والقائد والسائق أتنسي يا معاوية الشعر الذى كتبته إلى أبيك لما هم أن يسلم تنهاه عن ذلك

( يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا )

( خالى وعمى وعم الأم ثالثهم وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا )


24

( لا تركنن إلى أمر تكلفنا والراقصات به فى مكة الخرقا )

( فالموت أهون من قول العداة لقد حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا )

والله لما أخفيت من أمرك أكبر مما أبديت وأنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون أن عليا حرم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسول الله وآله فأنزل فيه ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) وأن رسول الله وآله بعث أكابر أصحابه إلى بنى قريظة فنزلوا من حصنهم فهزموا فبعث عليا بالراية فاستنزلهم على حكم الله وحكم رسوله وفعل في خيبر مثلها ثم قال يا معاوية أظنك لا تعلم أنى أعلم ما دعا به عليك رسول الله وآله لما أراد أن يكتب كتابا إلى بنى جذيمة فبعث إليك ونهمك إلى أن تموت وأنتم أيها الرهط


25
نشدتكم الله ألا تعلمون أن رسول الله وآله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردها أولها يوم لقي رسول الله وآله خارجا من مكة إلى الطائف يدعو ثقيفا إلى الدين فوقع به وسبه وسفهه وشتمه وكذبه وتوعده وهم أن يبطش به فلعنه الله ورسوله وصرف عنه والثانية يوم العير إذ عرض لها رسول الله وآله وهي جائية من الشام فطردها أبو سفيان وساحل بها فلم يظفر المسلمون بها ولعنه رسول الله وآله ودعا عليه فكانت وقعة بدر لأجلها والثالثة يوم أحد حيث وقف تحت الجبل ورسول الله وآله في أعلاه وهو ينادى أعل هبل مرارا فلعنه رسول الله وآله عشر مرات ولعنه المسلمون والرابعة يوم جاء بالأحزاب وغطفان واليهود فلعنه رسول الله وآله وابتهل والخامسة يوم جاء أبو سفيان في قريش فصدوا رسول الله وآله عن المسجد والهدى معكوفا أن يبلغ محله ذلك يوم الحديبية فلعن رسول الله وآله أبا سفيان ولعن القادة والأتباع وقال ملعونون كلهم وليس فيهم من يؤمن فقيل يا رسول الله أفما يرجى الإسلام لأحد منهم فكيف باللعنة فقال لا تصيب اللعنة أحدا من الأتباع وأما القادة فلا يفلح منهم أحد والسادسة يوم الجمل الأحمر والسابعة يوم وقفوا لرسول الله وآله في العقبة ليستنفروا ناقته وكانوا اثني عشر رجلا منهم أبو سفيان فهذا لك يا معاوية

وأما أنت يا بن العاص فإن أمرك مشترك وضعتك أمك مجهولا من عهر


26
وسفاح فتحا كم فيك أربعة من قريش فغلب عليك جزارها ألأمهم حسبا وأخبثهم منصبا ثم قام أبوك فقال أنا شانى محمد الأبتر فأنزل الله فيه ما أنزل وقاتلت رسول الله وآله في جميع المشاهد وهجوته وآذيته بمكة وكدته كيدك كله وكنت من أشد الناس له تكذيبا وعداوة ثم خرجت تريد النجاشى مع أصحاب السفينة لتأتى بجعفر وأصحابه إلى أهل مكة فلما أخطأك ما رجوت ورجعك الله خائبا وأكذبك واشيا جعلت حسدك علي صاحبك عمارة بن الوليد فوشيت به إلي النجاشى حسدا لما ارتكب من حليلته ففضحك الله وفضح صاحبك فأنت عدو بني هاشم
27
في الجاهلية والإسلام ثم إنك تعلم وكل هؤلاء الرهط يعلمون أنك هجوت رسول الله وآله بسبعين بيتا من الشعر فقال رسول الله وآله اللهم إنى لا أقول الشعر ولا ينبغي لى اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة فعليك إذن من الله ما لا يحصى من اللعن وأما ما ذكرت من أمر عثمان فأنت سعرت عليه الدنيا نارا ثم لحقت بفلسطين فلما أتاك قتله قلت أنا أبو عبد الله إذا نكأت قرحة أدميتها ثم حبست نفسك إلى معاوية وبعت دينك بدنياه فلسنا نلومك على بغض ولا نعاتبك على ود وبالله ما نصرت عثمان حيا ولا غضبت له مقتولا ويحك يا بن العاص ألست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشى

( تقول ابنتي أين هذا الرحيل وما السير مني بمستنكر )


28

( فقلت ذرينى فإنى امرؤ أريد النجاشى في جعفر )

( لأكويه عنده كية أقيم بها نخوة الأصعر )

( وشأنى أحمد من بينهم وأقولهم فيه بالمنكر )

( وأجرى إلى عتبة جاهدا ولو كان كالذهب الأحمر )

( ولا أنثنى عن بنى هاشم وما اسطعت فى الغيب والمحضر )

( فإن قبل العتب من له وإلا لويت له مشفرى )

فهذا جوابك هل سمعته

وأما أنت يا وليد فوالله ما ألومك على بغض على وقد جلدك ثمانين في الخمر وقتل أباك بين يدى رسول الله وآله صبرا وأنت الذى سماه الله الفاسق


29
وسمى عليا المؤمن حيث تفاخرتما فقلت له اسكت يا على فأنا أشجع منك جنانا وأطول منك لسانا فقال لك على اسكت يا وليد فأنا مؤمن وأنت فاسق فأنزل الله تعالى فى موافقة قوله ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ) ثم أنزل فيك على موافقة قوله أيضا ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) ويحك يا وليد مهما نسيت فلا تنس قول الشاعر فيك وفيه

( أنزل الله والكتاب عزيز فى على وفى الوليد قرانا )

( فتبوأ الوليد إذ ذاك فسقا وعلى مبوأ إيمانا )

( ليس من كان مؤمنا عمرك الله كمن كان فاسقا خوانا )

( سوف يدعى الوليد بعد قليل وعلى إلى الحساب عيانا )

( فعلى يجزى بذاك جنانا ووليد يجزى بذاك هوانا )

( رب جد لعقبة بن أبان لابس في بلادنا تبانا )


30

وما أنت وقريش إنما أنت علج من أهل صفورية وأقسم بالله لأنت أكبر في الميلاد وأسن ممن تدعى إليه

وأما أنت يا عتبة فوالله ما أنت بحصيف فأجيبك ولا عاقل فأحاورك وأعاتبك وما عندك خير يرجى ولا شر يتقى وما عقلك وعقل أمتك إلا سواء وما يضر عليا لو سببته علي رؤوس الأشهاد وأما وعيدك إياى بالقتل فهلا قتلت اللحيانى إذ وجدته على فراشك أما تستحي من قول نصر بن حجاج فيك

( يا للرجال وحادث الأزمان ولسبة تخزى أبا سفيان )

( نبئت عتبة خانه في عرسه جنس لئيم الأصل من لحيان )

وبعد هذا ما أربأ بنفسى عن ذكره لفحشه فكيف يخاف أحد سيفك ولم تقتل فاضحك وكيف ألومك على بغض علي وقد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر وشرك حمزة في قتل جدك عتبة وأوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد

وأما أنت يا مغيرة فلم تكن بخليق أن تقع في هذا وشبهه وإنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة استمسكى فإنى طائرة عنك فقالت النخلة وهل علمت بك واقعة على فأعلم بك طائرة عنى والله ما نشعر بعداوتك إيانا ولا اغتممنا إذ علمنا بها ولا يشق علينا كلامك وإن حد الله في الزنا لثابت عليك ولقد درأ عمر عنك حقا الله سائله عنه ولقد سألت رسول الله وآله هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها فقال لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزنا لعلمه بأنك زان وأما


31
فخركم علينا بالإمارة فإن الله تعالى يقول ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا )

ثم قام الحسن فنفض ثوبه فانصرف فتعلق عمرو بن العاص بثوبه وقال يا أمير المؤمنين قد شهدت قوله فى وقذفه أمى بالزنا وأنا مطالب له بحد القذف

فقال معاوية خل عنه لا جزاك الله خيرا فتركه فقال معاوية قد أنبأتكم أنه ممن لا تطاق عارضته ونهيتكم أن تسبوه فعصيتمونى والله ما قام حتى أظلم على البيت قوموا عنى فلقد فضحكم الله وأخزاكم بترككم الحزم وعدولكم عن رأى الناصح المشفق والله المستعان

19 رثاء محمد بن الحنفية لأخيه الحسن

لما مات الحسن بن على رضي الله عنهما أدخله قبره الحسين ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس رضى الله عنهم ثم وقف محمد على قبره وقد اغرورقت عيناه وقال رحمك الله يا أبا محمد فلئن عزت حياتك لقد هدت وفاتك ولنعم الروح روح تضمنه بدنك ولنعم الجسد جسد تضمنه كفنك ولنعم الكفن كفن تضمنه لحدك وكيف لا تكون كذلك وأنت سليل الهدى وخامس أصحاب الكساء وخلف


32
أهل التقوى وجدك النبى المصطفى وأبوك علي المرتضى وأمك فاطمة الزهراء
33
وعمك جعفر الطيار في جنة المأوى وغذتك أكف الحق وربيت في حجر الإسلام ورضعت ثدى الإيمان فطبت حيا وميتا فلئن كانت الأنفس غير طيبة لفراقك إنها غير شاكة أن قد خير لك وإنك وأخاك لسيدا شباب أهل الجنة فعليك أبا محمد منا السلام
34
مقتل الحسين بن على رضى الله عنه

تأبيه عن بيعة يزيد وخروجه إلي مكة

لما ولى الخلافة يزيد بن معاوية في هلال رجب سنة 60 ه كتب إلى أمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أن يأخذ الحسين وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة فبعث الوليد إلى الحسين رضي الله عنه ونعى له معاوية ودعاه الى البيعة فقال الحسين إن مثلى لا يعطى بيعته سرا ولا أراك تجتزئ بها منى سرا دون أن تظهرها على رءوس الناس علانية فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمرا واحدا فقال له الوليد وكان يحب العافية فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس

فلما كان من الغد بعث الرجال إلى الحسين عند المساء فقال أصبحوا ثم ترون ونرى فكفوا عنه تلك الليلة ولم يلحوا عليه فخرج الحسين من تحت ليلته ليومين بقيا من رجب سنة 60ه ومعه بنوه وإخوته وبنو أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية فإنه قال له


35

20 نصيحة محمد بن الحنفية للحسين رضى الله عنهما

يا أخى أنت أحب الناس إلى وأعزهم على ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك تنح بتبعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقض الله بذلك دينك ولا عقلك ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك إنى أخاف أن تدخل مصرا من هذه الأمصار وتأتى جماعة من الناس فيختلفوا بينهم فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فيقتتلوا فتكون لأول الأسنة فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا وأبا وأما أضيعها دما وأذلها أهلا

قال له الحسين فإنى ذاهب يا أخى قال فانزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلام يصير أمر الناس وتعرف عند ذلك الرأى فإنك أصوب ما يكون رأيا وأحزمه عملا حتى تستقبل الأمور استقبالا ولا تكون الأمور عليك أبدا أشكل منها حين تستدبرها استدبارا

قال يا أخى قد نصحت فأشفقت فأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا وسار إلى مكة فأتاه أهل الكوفة ورسلهم إنا قد حبسنا أنفسنا عليك ولسنا نحضر الجمعة مع الوالى فأقدم علينا وكان النعمان بن بشير الأنصارى على الكوفة


36
بعثه مسلم بن عقيل إلى الكوفة

فبعث الحسين إلى ابن عمه مسلم بن عقيل فقال له سر إلى الكوفة فانظر ما كتبوا به إلى فإن كان حقا خرجنا إليهم فخرج مسلم إلى الكوفة ونزل دار المختار بن أبى عبيد وأقبلت الشيعة تختلف إليه فقرأ عليهم كتاب الحسين فأخذوا يبكون


37

21 خطبة عابس بن أبى شبيب الشاكرى

فقام عابس بن أبى شبيب الشاكرى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنى لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما فى أن فسهم وما أغرك منهم والله أحدثك عما أنا موطن نفسى عليه والله لأجيبنكم إذا دعوتم ولأقاتلن معكم عدوكم ولأضربن بسيفى دونكم حتى ألقى الله لا أريد بذلك إلا ما عند الله

فقام حبيب بن مظاهر الفقعسى فقال رحمك الله قد قضيت ما فى نفسك بواجز من قولك ثم قال وأنا والله الذى لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه وقال غيرهما مثل قولهما

فبلغ ذلك النعمان بن بشير فخرج فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

22 خطبة النعمان بن بشير

أما بعد فاتقوا الله عباد الله ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة فإن فيهما يهلك الرجال وتسفك الدماء وتغصب الأموال وكان حليما ناسكا يحب العافية قال إنى لا أقاتل من لم يقاتلنى ولا أثب على من لا يثب على ولا أشاتمكم ولا أتحرش بكم ولا آخذ بالقرفة ولا الظنة ولا التهمة ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لى ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم فوالله الذى لا إله غيره لأضربنكم بسيفى ما ثبت قائمه فى يدى ولو لم يكن لى منكم ناصر أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل

فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمى حليف بنى أمية فقال


38
إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم إن هذا الذى أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأى المستضعفين فقال أن أكون من المستضعفين فى طاعة الله أحب إلى من أن أكون من الأعزين فى معصية الله ثم نزل

وكتب عبد الله بن مسلم وغيره إلى يزيد أن يبعث إلى الكوفة رجلا قويا غير النعمان فبعث إلي عبيد الله بن زياد وكان على البصرة وضم إليه الكوفة فسار إليها فلما نزل القصر نودى الصلاة جامعة فاجتمع الناس فخرج إليهم

23 خطبة عبيد الله بن زياد

فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن أمير المؤمنين أصلحه الله ولانى مصركم وثغركم وأمرنى بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم وبالشدة على مريبكم وعاصيكم وأنا متبع فيكم أمره ومنفذ فيكم عهده فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البر وسوطي وسيفى على من ترك أمرى وخالف عهدى فليبق امرؤ على نفسه الصدق ينبئ عنك لا الوعيد

ثم نزل فأخذ العرفاء والناس أخذا شديدا وبلغ ذلك مسلم بن عقيل فخرج من دار المختار حتى انتهى إلى دار هانئ بن عروة المرادى لائذا به ونمى خبره إلى ابن زياد فبعث إلى هانئ فجاءه فأمره أن يأتيه بمسلم فقال لا والله لا أجيئك به أبدا أنا أجيئك بضيفى تقتله وطال بينهما اللجاج فى ذلك فضربه ابن زياد بالقضيب فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب ثم أمر بحبسه


39

24 خطبة أخرى له

ولما ضرب عبيد الله هانئا وحبسه خشى أن يثب الناس به فخرج فصعد المنبر ومعه أشراف الناس وشرطه وحشمه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم ولا تختلفوا ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتقتلوا وتجفوا وتحرموا إن أخاك من صدقك وقد أعذر من أنذر

وبلغ مسلم بن عقيل خبر ضرب هانئ وحبسه فأمر أن ينادى فى أصحابه وكان قد بايعه من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا وأقبل نحو القصر فتحرز فيه ابن زياد وغلق الأبواب وبعث إلى الأشراف فجمعهم إليه ثم قال أشرفوا على الناس فمنوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة وخوفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة وأعلموهم فصول الجنود من الشأم إليهم

25 خطبة كثير بن شهاب

فتكلم كثير بن شهاب أول الناس فقال أيها الناس الحقوا بأهاليكم ولا تعجلوا الشر ولا تعرضوا أنفسكم للقتل فإن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت وقد أعطى الله الأمير عهدا لئن تممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء ويفرق مقاتلتكم فى مغازى أهل الشأم على غير طمع وأن يأخذ البرئ بالسقيم والشاهد بالغائب حتى لا يبقى له فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جرت أيديها


40

وتكلم الأشراف بنحو من كلام هذا فلما سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرقون وينصرفون عن ابن عقيل حتى أمسى وما معه إلا ثلاثون نفسا فخرج متوجها نحو أبواب كندة فبلغ الأبواب ومعه منهم عشرة ثم خرج من الباب وإذا ليس معه إنسان فمضى على وجهه فى أزقة الكوفة حتى انتهى إلى باب عجوز فسألها أن تؤويه فآوته فى دارها

26 خطبة عبيد الله بن زياد

ولما انفضت جموع ابن عقيل خرج عبيد الله بن زياد إلى المسجد وأمر فنودى ألا برئت الذمة من رجل صلى العتمة إلا فى المسجد فلم يكن إلا ساعة حتى امتلأ من الناس فصلى بهم ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق فبرئت ذمة الله من رجل وجدناه فى داره ومن جاء به فله ديته اتقوا الله عباد الله والزموا طاعتكم وبيعتكم ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا

يا حصين بن نمير ثكلتك أمك إن صاح باب سكة من سكك الكوفة أو خرج هذا الرجل ولم تأتنى به وقد سلطتك على دور أهل الكوفة فابعث مراصدة على أفواه السكك وأصبح غدا واستبر الدور وجس خلالها حتى تأتينى بهذا الرجل ثم نزل

وأصبح ابن تلك العجوز التى آوت مسلما فدل على مكانه فبعث ابن زياد محمد بن الأشعث فى ستين أو سبعين رجلا فأتى به وأمر به فاصعد إلى أعلى القصر وضرب


41
عنقه فهوى رأسه إلى الأرض وأتبع جسده رأسه ثم أمر بهانئ بن عروة فأخرج إلى السوق فضربت عنقه

وكان مسلم حيث تحول إلي دار هانئ كتب إلى الحسين إنى قد بايعنى من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا فعجل الإقبال حين يأتيك كتابى فإن الناس كلهم معك ليس لهم فى آل معاوية رأى ولا هوى

فسار الحسين من مكة فى 8 من ذي الحجة سنة 60ه متوجها إلى الكوفة وهو لا يعلم بحال مسلم


42
خروج الحسين إلى الكوفة

27 نصيحة ابن عباس له

ولما أجمع الحسين بن على رضى الله عنه المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس فقال يا بن عم إنك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق فبين لى ما أنت صانع قال إنى قد أجمعت المسير فى أحد يومى هذين إن شاء الله تعالى فقال له ابن عباس فإنى أعيذك بالله من ذلك أخبرنى رحمك الله أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسر إليهم وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبى بلادهم فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك وأن يستنفروا إليك فيكونوا أشد الناس عليك فقال له حسين وإنى أستخير الله وأنظر ما يكون

فخرج ابن عباس من عنده وأتاه ابن الزبير فحدثه ساعة ثم قال ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا عنهم ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم خبرنى ما تريد أن تصنع فقال الحسين والله لقد حدثت نفسى بإتيان الكوفة ولقد كتب إلى شيعتى بها وأشراف أهلها وأستخير الله فقال له ابن الزبير أما لو كان لى بها مثل شيعتك ما عدلت بها ثم إنه خشى أن يتهمه فقال أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر ها هنا ما خولف عليك إن شاء الله ثم قام فخرج من عنده فقال الحسين ها إن هذا ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحب إليه من أن


43
أخرج من الحجاز إلى العراق وقد علم أنه ليس له من الأمر معى شئ وأن الناس لم يعدلوه بى فود أنى خرجت منها لتخلو له

فلما كان من العشى أو من الغد أتى الحسين عبد الله بن العباس فقال يا بن عم إنى أتصبر ولا أصبر إنى أتخوف عليك فى هذه الوجه الهلاك والاستئصال إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنهم أقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عدوهم ثم اقدم عليهم فإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصونا وشعابا وهى أرض عريضة طويلة ولأبيك بها شيعة وأنت عن الناس فى عزلة فتكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاتك فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذى تحب فى عافية

فقال له الحسين يا بن عم إنى والله لأعلم أنك ناصح مشفق ولكنى قد أزمعت وأجمعت على المسير فقال له ابن عباس فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك فوالله إنى لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه ثم قال ابن عباس لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز والخروج منها وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك والله الذى لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع على وعليك الناس أطعتنى لفعلت ذلك ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بعبد الله بن الزبير فقال قرت عينك يا بن الزبير ثم قال


44

( يا لك من قبرة بمعمر خلا لك الجو فبيضى واصفرى )

( ونقرى ما شئت أن تنقرى )

هذا حسين يخرج إلى العراق وعليك بالحجاز

28 نصيحة أبى بكر بن عبد الرحمن المخزومى له

ودخل أبو بكر عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام على الحسين رضى الله عنه فقال يا بن عم إن الرحم يظائرنى عليك ولا أدرى كيف أنا في النصيحة لك فقال يا أبا بكر ما أنت ممن يستغش فقال أبو بكر كان أبوك أشد بأسا والناس له أرجى ومنه أسمع وعليه أجمع فسار إلى معاوية والناس مجتمعون عليه إلا أهل الشأم وهو أعز منه فخذلوه وتثاقلوا عنه حرصا على الدنيا وضنا بها فجرعوه الغيظ وخالفوه حتى صار إلى ما صار إليه من كرامة الله ورضوانه ثم صنعوا بأخيك بعد أبيك ما صنعوا وقد شهدت ذلك كله ورأيته ثم


45
أنت تريد أن تسير إلى الذين عدوا على أبيك وأخيك تقاتل بهم أهل الشأم وأهل العراق ومن هو أعد منك وأقوى والناس منه أخوف وله أرجى فلو بلغهم مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال وهم عبيد الدنيا فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره فاذكر الله فى نفسك

فقال الحسين جزاك الله خيرا يا بن عم فقد أجهدك رأيك ومهما يقض الله يكن فقال وعند الله نحتسب أبا عبد الله

29 خطبة عبيد الله بن زياد

ولما نمى إلى عبيد الله بن زياد خبر الكتاب الذى كتبه الحسين رضى الله عنه إلى أشراف البصرة يستنصرهم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فوالله ما تقرن بى الصعبة ولا يقعقع لى بالشنان وإنى لنكل لمن عادانى وسم لمن حاربنى انصف القارة من راماها

يأهل البصرة إن أمير المؤمنين ولانى الكوفة وأنا غاد إليها الغداة وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبى سفيان وإياكم والخلاف والإرجاف فو الذي لا إله غيره لئن بلغنى عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تستمعوا لى ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق

أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى ولم ينتزعنى شبه خال ولا ابن عم


46

30 خطبة للحسين رضى الله عنه

ولما بلغ عبيد الله بن زياد أمير الكوفة إقبال الحسين بعث الحصين بن نمير التميمى فأمره أن ينزل القادسية وأن يضع المسالح وقدم الحر بن يزيد التميمي بين يديه فى ألف فارس من القادسية فيستقبل حسينا وكان الحسين قد سبقه إلى ذى حسم ونزل به فسار إليه الحر حتى وقف هو وخيله مقابله فى حر الظهيرة وحضرت صلاة الظهر فخرج الحسين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أيها الناس إنها معذرة إلى الله عز وجل وإليكم إنى لم آتكم حتى أتتنى كتبكم وقدمت على رسلكم أن اقدم علينا فإنه ليس لنا إمام لعل الله يجمعنا بك على الهدى فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم فإن تعطونى ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمى كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذى أقبلت منه إليكم فسكتوا عنه ثم أقيمت الصلاة فقال الحسين للحر أتريد أن تصلى بأصحابك قال لا بل تصلى أنت ونصلى بصلاتك فصلى بهم الحسين

31 خطبة أخرى له

فلما كان وقت العصر أمر الحسين أن يتهيئوا للرحيل ثم إنه خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر وصلى ثم سلم وانصرف إلى القوم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضي لله


47
ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان وإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتنى كتبكم وقدمت به على رسلكم انصرفت عنكم

فقال له الحر إنا والله ما ندرى ما هذه الكتب التى تذكر فأخرج له الحسين خرجين مملوئين صحفا فنشرها بين أيديهم ثم سار الحسين فى أصحابه والحر يسايره

32 خطبة أخري له

وقام الحسين رضى الله عنه بذى حسم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها واستمرت جدا فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن فى لقاء الله محقا فإنى لا أرى الموت إلا شهادة ولا الحياة مع الظالمين إلا برما

33 خطبة زهير بن القين البجلى

فقام زهير بن القين البجلى فقال لأصحابه تكلمون أم أتكلم قالوا لا بل تكلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال


48

قد سمعنا هداك الله يا بن رسول الله مقالتك والله لو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلدين إلا أن فراقها في نصرك ومواساتك لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها فدعا له الحسين ثم قال له خيرا

34 خطبة للحسين أيضا

وخطب الحسين أصحابه وأصحاب الحر بالبيضة فحمد الله واثنى عليه ثم قال

أيها الناس إن رسول الله قال من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غير وقد أتتني كتبكم وقدمت على رسلكم ببيعتكم أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن تممتم علي بيعتكم تصيبوا رشدكم وأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم فلكم في أسوة وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم فلعمري ما هي لكم بنكر لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم والمغرور من اغتربكم فحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


49

35 خطبته ليلة قتله

وسير إليه ابن زياد عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف فعدل الحسين إلى كربلاء وكانت بينهما مقابلات غير مجدية فنهض عمر إليه عشية الخميس 9 من المحرم سنة 61ه فجمع الحسين أصحابه عند قرب المساء فقال أثنى على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة ولم تجعلنا من المشركين

أما بعد فإني لا أعلم أصحابا أولى ولا خيرا من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني جميعا خيرا ألا وإني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا ألا وإني قد رأيت لكم فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم من ذمام هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله فإن القوم إنما يطلبونني ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري


50

36 رد أهل بيته عليه

فقال له أهل بيته لم نفعل لنبقى بعدك لا أرانا الله ذلك أبدا فقال الحسين يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم اذهبوا قد أذنت لكم قالوا فما يقول الناس يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ولم نضرب معهم بسيف ولا ندري ما صنعوا لا والله لا نفعل ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا ونقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك

37 رد أصحابه

وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدى فقال أنحن نخلي عنك ولما نعذر إلى الله في أداء حقك أما والله حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولا أفارقك ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك

وقال سعد بن عبد الله الحنفي والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك والله لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق حيا ثم أذر يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقي حمامي دونك فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا

وقال زهير بن القين والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف قتلة وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك


51

وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا في وجه واحد فقالوا والله لا نفارقك ولكن أنفسنا لك الفداء نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا فإذا نحن قتلنا كنا وفينا وقضينا ما علينا

38 خطبته غداة يوم قتله

وخطب الحسين غداة اليوم الذي استشهد فيه فحمد الله وأثني عليه ثم قال يا عباد الله اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر فإن الدنيا لو بقيت على أحد أو بقي عليها أحد لكانت الأنبياء أحق بالبقاء وأولى بالرضاء وأرضى بالقضاء غير أن الله تعالى خلق الدنيا للفناء فجديدها بال ونعيمها مضمحل وسرورها مكفهر والمنزل تلعة والدار قلعة فتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقوا الله لعلكم تعلمون

39 دعاؤه وقد صبحته الخيل

ولما صبحته الخيل رفع يديه فقال

اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة كم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته إليك رغبة مني إليك عمن سواك ففرجته وكشفته فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة


52

40 خطبته وقد دنا منه القوم ولما دنا منه القوم دعا براحلته فركبها ثم نادى بأعلى صوته

أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلونى حتى أعظكم بما لحق لكم علي وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم على سبيل وإن لم تقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين

فلما سمع أخواته كلامه هذا صحن وبكين وبكى بناته فارتفعت أصواتهن فأرسل إليهن أخاه العباس بن على وعليا ابنه وقال لهما اسكتاهن فلعمري ليكثرن بكاؤهن

41 خطبة أخرى

فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه وذكر الله بما هو أهله وصلى على محمد وعلى ملائكته وأنبيائه ثم قال

أما بعد فانسبونى فانظروا من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يحل لكم قتلى وانتهاك حرمتى ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء به من عند الله أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبى أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمى أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم أن رسول الله قال لى ولأخى


53
هذان سيدا شباب أهل الجنة فإن صدقتمونى بما أقول وهو الحق والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ويضر به من اختلقه وإن كذبتمونى فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم سلوا جابر بن عبد الله الأنصارى أو أبا سعيد الخدرى أو سهل بن سعد الساعدى أو زيد بن أرقم أو أنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لى ولأخى أفما فى هذا حاجز لكم عن سفك دمى

ثم قال فإن كنتم فى شك من هذا القول أفتشكون أثرا ما أنى ابن بنت نبيكم فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبى غيرى منكم ولا من غيركم أنا ابن بنت نبيكم خاصة أخبرونى أتطلبوننى بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته أو بقصاص من جراحة

فأخذوا لا يكلمونه فنادى يا شبث بن ربعى ويا حجار بن أبجر ويا قيس بن الأشعث ويا يزيد بن الحارث ألم تكتبوا لى أن قد أينعت الثمار واخضر الجناب وطمت الجمام وإنما تقدم على جند لك مجند فأقبل قالوا لم نفعل فقال سبحان الله بلى والله لقد فعلتم ثم قال أيها الناس إذ كرهتمونى فدعونى أنصرف عنكم إلى مأمنى من الأرض فقال له قيس بن الأشعث أو لا تنزل على حكم بنى عمك فإنهم لن يروك إلا ما تحب ولن يصل إليك منهم مكروه فقال له الحسين أنت أخو أخيك أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل لا والله لا أعطيهم بيدى إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد عباد الله إنى عذت بربى وربكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب فأقبلوا يزحفون نحوه


54

42 خطبة زهير بن القين

فلما زحفوا قبله خرج إليهم زهير بن القين على فرس له ذنوب شاك فى السلاح فقال

يأهل الكوفة نذار لكم من عذاب الله نذار إن حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم ونحن حتى الآن إخوة وعلى دين واحد وملة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف وأنتم للنصيحة منا أهل فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا أمة وأنتم أمة إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد لينظر ما نحن وأنتم عاملون إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد فإنكم لا تدركون منهما إلا بسوء عمر سلطانهما كله ليسملان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثلان بكم ويرفعانكم على جذوع النخل ويقتلان أماثلكم وقراءكم أمثال حجر بن عدى وأصحابه وهانئ بن عروة وأشباهه


55

فسبوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد ودعوا له وقالوا والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله سلما

فقال لهم عباد الله إن ولد فاطمة رضوان الله عليها أحق بالود والنصر من ابن سمية فإن لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم فخلوا بين هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية فلعمرى إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين

فرماه شمر بن ذى الجوشن بسهم وقال اسكت أسكت الله نأمتك أبرمتنا بكثرة كلامك فقال له زهير يا بن البوال على عقبيه ما إياك أخاطب إنما أنت بهيمة والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين فأبشر بالخزى يوم القيامة والعذاب الأليم فقال له شمر إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة قال أفبالموت تخوفنى فوالله للموت معه أحب إلى من الخلد معكم

ثم أقبل على الناس رافعا صوته فقال عباد الله لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف الجافى وأشباهه فوالله لا تنال شفاعة محمد قوما هراقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم

فناداه رجل فقال له إن أبا عبد الله يقول أقبل فلعمرى لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ فى الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ


56

43 خطبة الحر بن يزيد

ولما زحف عمر بن سعد قال له الحر بن يزيد أصلحك الله مقاتل أنت هذا الرجل قال إى والله قتالا أيسره أن تسقط الرءوس وتطيح الأيدى قال أفما لكم فى واحدة من الخصال التى عرض عليكم رضا قال عمر أما والله لو كان الأمر إلي لفعلت ولكن أميرك قد أبى ذلك

ثم ضرب الحر فرسه ولحق بالحسين عليه السلام وانحاز إليه واستقدم أمام أصحابه ثم قال أيها القوم ألا تقبلون من حسين خصلة من هذه الخصال التى عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله قالوا هذا الأمير عمر بن سعد فكلمه فكلمه بمثل ما كلمه به من قبل وبمثل ما كلم به أصحابه فقال عمر قد حرصت لو وجدت إلى ذلك سبيلا فعلت

فقال يأهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب فمنعتموه التوجه فى بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته وأصبح فى أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع ضرا وحلأتموه ونساءه وأصيبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجارى


57
الذي يشربه اليهودى والمجوسى والنصرانى وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه وها هم قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمدا فى ذريته لا أسقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه

ثم نشب القتال بين الفريقين واستمات أصحاب الحسين في القتال حتى فنوا وقتل الحسين رضوان الله عليه قتله سنان بن أنس وكان قتله بالطف يوم عاشوراء سنة 61ه وأمر ابن سعد أصحابه أن يوطئوا خيلهم الحسين فوطئوه بخيلهم ثم حمل النساء ورأسه إلى يزيد بن معاوية بدمشق


58
طلب التوابين بدم الحسين رضى الله عنه

وفى سنة خمس وستين تحركت الشيعة بالكوفة واتعدوا الاجتماع بالنخيلة للمسير إلى أهل الشام للطلب بدم الحسين بن على رضى الله عنهما وذلك أنهم بعد مقتله تلاقوا بالتلاوم والتندم ورأوا أنهم قد أخطئوا خطأ كبيرا بدعائهم إياه إلى النصرة وتركهم إجابته ومقتله إلى جانبهم لم ينصروه ورأوا أنه لا يغسل عارهم والإثم عنهم فى مقتله إلا بقتل من قتله أو القتل فيه وتابوا مما فرط منهم فى ذلك فسموا التوابين وفزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رءوس الشيعة إلى سليمان بن صرد الخزاعى وكانت له صحبة مع النبي والى المسيب بن نجبة الفزارى وإلى عبد الله بن سعد ابن نفيل الأزدى والى عبد الله بن وال التيمى وإلى رفاعة بن شداد البجلى ثم إن هؤلاء النفر اجتمعوا فى منزل سليمان بن صرد ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم فبدأ المسيب بن نجبة بالكلام فتكلم

44 خطبة المسيب بن نجبة الفزارى

فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال

أما بعد فإنا قد ابتلينا بطول العمر والتعرض لأنواع الفتن فنرغب إلى ربنا ألا يجعلنا ممن يقول له غدا ( أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ) فإن أمير المؤمنين قال العمر الذى أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة وليس فينا رجل إلا وقد بلغه وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا وتقريظ شيعتنا حتى


59
بلا الله أخيارنا فوجدنا كاذبين فى موطنين من مواطن ابن ابنة نبينا وقد بلغتنا قبل ذلك كتبه وقدمت علينا رسله وأعذر إلينا يسألنا نصره عودا وبدءا وعلانية وسرا فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا لا نحن نصرناه بأيدينا ولا جادلنا عنه بألسنتنا ولا قويناه بأموالنا ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا فما عذرنا إلى ربنا وعند لقاء نبينا وقد قتل فينا ولده وحبيبه وذريته ونسله لا والله لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه أو تقتلوا فى طلب ذلك فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن أيها القوم ولوا عليكم رجلا منكم فإنه لا بد لكم من أمير تفزعون إليه وراية تحفون بها أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم

فبدر القوم رفاعة بن شداد بعد المسيب الكلام

45 خطبة رفاعة بن شداد

فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى ثم قال

أما بعد فإن الله قد هداك لأصوب القول ودعوت إلى أرشد الأمور بدأت بحمد الله والثناء عليه والصلاة على نبيه ودعوت إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم فمسموع منك مستجاب لك مقبول قولك قلت ولو أمركم رجلا منكم تفزعون إليه وتحفون برايته وذلك رأى قد رأينا مثل الذى رأيت فإن تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيا وفينا متنصحا وفى جماعتنا محبا وإن رأيت ورأى أصحابنا ذلك ولينا هذا الأمر شيخ الشيعة صاحب رسول الله وذا السابقة والقدم سليمان بن صرد المحمود فى بأسه ودينه والموثوق بحزمه أقول قولى هذا وأستغفر الله لي ولكم


60

ثم تكلم عبد الله بن وال وعبد الله بن سعد فحمدا ربهما وأثنيا عليه وتكلما بنحو من كلام رفاعة بن شداد فذكرا المسيب بن نجبة لفضله وذكرا سليمان ابن صرد بسابقته ورضاهما بتوليته فقال المسيب بن نجبة أصبتم ووفقتم وأنا أرى مثل الذى رأيتم فولوا أمركم سليمان بن صرد

46 خطبة سليمان بن صرد

قال حميد بن مسلم والله إنى لشاهد بهذا اليوم يوم ولوا سليمان بن صرد وإنا يومئذ لأكثر من مائة رجل من فرسان الشيعة ووجوههم فى داره قال فتكلم سليمان فشدد وما زال يردد ذلك القول فى كل جمعة حتى حفظته بدأ فقال

أثنى على الله خيرا وأحمد آلاءه وبلاءه وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أما بعد فإنى والله لخائف ألا يكون أخرنا إلى هذا الدهر الذى نكدت فيه المعيشة وعظمت فيه الرزية وشمل فيه الجور أولى الفضل من هذه الشيعة لما هو خير إنا كنا نمد أعناقنا إلى قدوم آل نبينا ونمنيهم النصر ونحثهم على القدوم فلما قدموا ونينا وعجزنا وأدهنا وتربصنا وانتظرنا ما يكون حتى قتل فينا ولدينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه إذ جعل يستصرخ ويسأل النصف فلا يعطاه اتخذه الفاسقون غرضا للنبل ودرية للرماح حتى أقصدوه وعدوا عليه فسلبوه ألا انهضوا فقد سخط ربكم ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله والله ما أظنه راضيا دون أن تناجزوا من قتله أو تبيروا ألا لا تهابوا


61
الموت فوالله ما هابه امرؤ قط إلا ذل كونوا كالأولى من بنى إسرائيل إذ قال لهم نبيهم ( إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ) فما فعل القوم جثوا على الركب والله ومدوا الأعناق ورضوا بالقضاء حتى حين علموا أنه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلا الصبر على القتل فكيف بكم لو قد دعيتم إلى مثل ما دعى القوم إليه اشحذوا السيوف وركبوا الأسنة ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل حتى تدعوا وتستنفروا )

47 خطبة خالد بن سعد بن نفيل

فقام خالد بن سعد بن نفيل فقال أما أنا فوالله لو أعلم أن قتلي نفسي يخرجني من ذنبي ويرضي عني ربي لقتلتها ولكن هذا أمر به قوم كانوا قبلنا ونهينا عنه فأشهد الله ومن حضر من المسلمين أن كل ما أصبحت أملكه سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوي صدقة على المسلمين أقويهم به على قتال القاسطين

وقام أبو المعتمر حنش بن ربيعة الكناني فقال وأنا أشهدكم على مثل ذلك فقال سليمان بن صرد حسبكم من أراد من هذا شيئا فليأت بماله عبد الله بن وال التيمى تيم بكر بن وائل فإذا اجتمع عنده كل ما تريدون إخراجه من أموالكم جهزنا به ذوي الخلة والمسكنة من أشياعكم


62

48 خطبة سعد بن حذيفة بن اليمان

وكتب سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان بالمدائن كتابا يستنهض فيه همم إخوانه هنالك ويدعوهم أن يجدوا ويستعدوا وضرب لهم غرة ربيع الآخر سنة 65 أجلا يلقونه فيه والنخيلة موطنا يوافونه إليه فبعث سعد إلى من كان بالمدائن من الشيعة فقرأ عليهم كتاب سليمان بن صرد ثم إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنكم قد كنتم مجمعين مزمعين على نصر الحسين وقتال عدوه فلم يفجأكم أول من قتله والله مثيبكم على حسن النية وما أجمعتم عليه من النصر أحسن المثوبة وقد بعث إليكم إخوانكم يستنجدونكم ويستمدونكم ويدعونكم إلى الحق وإلى ما ترجون لكم به عند الله أفضل الأجر والحظ فماذا ترون وماذا تقولون فقال القوم بأجمعهم نجيبهم ونقاتل معهم ورأينا في ذلك مثل رأيهم

49 خطبة عبد الله بن الحنظل الطائي

فقام عبد الله بن الحنظل الطائي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنا قد أجبنا إخواننا إلى ما دعونا إليه وقد رأينا مثل الذي قد رأوا فسرحني إليهم في الخيل

فقال له رويدا لا تعجل استعدوا للعدو وأعدوا له الحرب ثم نسير وتسيرون وكتب سعد إلى ابن صرد بإجابة دعوته وأنهم في انتظار أمره


63

50 خطبة عبيد الله بن عبد الله المري

وحدث رجلا من مزينة قال ما رأيت من هذه الأمة أحدا كان أبلغ من عبيد الله بن عبد الله المري في منطق ولا عظة وكان من دعاة أهل المصر زمان سليمان ابن صرد وكان إذا اجتمعت إليه جماعة من الناس فوعظهم بدأ بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله ثم يقول أما بعد فإن الله اصطفي محمدا على خلقه بنبوته وخصه بالفضل كله وأعزكم باتباعه وأكرمكم بالإيمان به فحقن به دماءكم المسفوكة وآمن به سبلكم المخوفة ( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) فهل خلق ربكم في الأولين والآخرين أعظم حقا على هذه الأمة من نبيها وهل ذرية أحد من النبيين والمرسلين أو غيرهم أعظم حقا علي هذه الأمة من ذرية رسولها لا والله ما كان ولا يكون لله أنتم ألم تروا ويبلغكم ما اجترم إلي ابن بنت نبيكم أما رأيتم إلى انتهاك القوم حرمته واستضعافهم وحدته وترميلهم إياه بالدم وتجرارهموه على الأرض لم يراقبوا فيه ربهم ولا قرابته من الرسول اتخذوه للنبل غرضا وغادروه للضباع جزرا فلله عينا من رأى مثله ولله حسين بن علي ماذا غادروا به ذا صدق وصبر وذا أمانة ونجدة وحزم ابن أول المسلمين إسلاما وابن بنت رسول رب العالمين قلت حماته وكثرت عداته حوله فقتله عدوه وخذله وليه فويل للقاتل وملامة للخاذل إن الله لم يجعل لقاتله حجة ولا لخاذله معذرة إلا أن يناصح لله في التوبة فيجاهد القاتلين وينابذ القاسطين فعسى الله عند ذلك أن يقبل التوبة ويقيل العثرة


64
إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل بيته وإلى جهاد المحلين والمارقين فإن قتلنا فما عند الله خير للأبرار وإن ظهرنا رددنا هذا الأمر إلى أهل بيت نبينا

قال وكان يعيد هذا الكلام علينا في كل يوم حتى حفظه عامتنا

وكان الشيعة بالكوفة منذ قتل الحسين رضي الله عنه سنة 61ه يجدون في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال ودعاء الناس في السر من الشيعة وغيرها إلى الطلب بدمه حتى كثر تبعهم وكان الناس إلى اتباعهم بعد هلاك يزيد بن معاوية في 14 ربيع الأول سنة 64ه أسرع منهم قبل ذلك

وقدم المختار بن أبي عبيد الثقفي الكوفة في النصف من رمضان سنة 64 وقد اجتمعت رءوس الشيعة ووجوهها مع سليمان بن صرد فليس يعدلونه به فكان المختار إذا دعاهم إلى نفسه وإلى الطلب بدم الحسين قالت له الشيعة هذا سليمان ابن صرد شيخ الشيعة قد انقادوا له واجتمعوا عليه فأخذ يقول للشيعة إني قد جئتكم من قبل المهدي محمد بن علي ابن الحنفية مؤتمنا مأمونا منتجبا ووزيرا فما زال بهم حتى انشعبت إليه طائفة تعظمه وتجيبه وتنتظر أمره وعظم الشيعة مع سليمان بن صرد

وقدم عبد الله بن يزيد الأنصاري من قبل عبد الله بن الزبير أميرا علي الكوفة علي حربها وثغرها وقدم معه إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمى أميرا على خراجها وذلك بعد مقدم المختار بثمانية أيام وكان سليمان بن صرد وأصحابه يريدون أن يثبوا بالكوفة ونمى إلى عبد الله بن يزيد اعتزام الشيعة الخروج فخرج حتى صعد المنبر ثم قام فى الناس


65

51 خطبة عبد الله بن يزيد الأنصاري

فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أما بعد فقد بلغني أن طائفة من أهل هذا المصر أرادوا أن يخرجوا علينا فسألت عن الذي دعاهم إلى ذلك ما هو فقيل لي زعموا أنهم يطلبون بدم الحسين بن علي فرحم الله هؤلاء القوم قد والله دللت على أماكنهم وأمرت بأخذهم وقيل ابدأهم قبل أن يبدءوك فأبيت ذلك فقلت إن قاتلوني قاتلتهم وإن تركوني لم أطلبهم وعلام يقاتلونني فوالله ما أنا قتلت حسينا ولا أنا ممن قاتله ولقد أصبت بمقتله رحمة الله عليه فإن هؤلاء القوم آمنون فليخرجوا ولينتشروا ظاهرين ليسيروا إلى من قاتل الحسين فقد أقبل إليهم وانا لهم على قاتله ظهير هذا ابن زياد قاتل الحسين وقاتل خياركم وأماثلكم قد توجه إليكم عهد العاهد به على مسيرة ليلة من جسر منبج فقتاله والاستعداد له أولى وأرشد من أن تجعلوا بأسكم بينكم فيقتل بعضكم بعضا ويسفك بعضكم دماء بعض فيلقاكم ذلك العدو غدا وقد رققتم وتلك والله أمنية عدوكم وإنه قد أقبل إليكم أعدى خلق الله لكم من ولي عليكم هو وأبوه سبع سنين لا يقلعان عن قتل أهل العفاف والدين هو الذي قتلكم ومن قبله أتيتم والذي


66
قتل من تثأرون بدمه قد جاءكم فاستقبلوه بحدكم وشوكتكم واجعلوها به ولا تجعلوها بأنفسكم إني لم آلكم نصحا جمع الله لنا كلمتنا وأصلح لنا أئمتنا

52 خطبة إبراهيم بن محمد بن طلحة

فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة أيها الناس لا يغرنكم من السيف والغشم مقالة هذا المداهن الموادع والله لئن خرج علينا خارج لنقتلنه ولئن استيقنا أن قوما يريدون الخروج علينا لنأخذن الوالد بولده والمولود بوالده ولنأخذن الحميم بالحميم والعريف بما في عرافته حتى يدينوا للحق ويذلوا للطاعة

53 رد المسيب بن نجبة

فوثب إليه المسيب بن نجبة فقطع عليه منطقه ثم قال يا بن الناكثين أنت تهددنا بسيفك وغشمك أنت والله أذل من ذلك إنا لا نلومك على بغضنا وقد قتلنا أباك وجدك والله إني لأرجو أن لا يخرجك الله من بين ظهراني أهل المصر حتى يثلثوا بك جدك وأباك وأما أنت أيها الأمير فقد


67
قلت قولا سديدا إني والله لأظن من يريد هذا الأمر مستنصحا لك وقابلا قولك

فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة إي والله ليقتلن وقد أدهن ثم أعلن

54 رد عبد الله بن وال التيمي

فقام إليه عبد الله بن وال التيمي فقال ما اعتراضك يا أخا بني تيم بن مرة فيما بيننا وبين أميرنا فوالله ما أنت علينا بأمير ولا لك علينا سلطان إنما أنت أمير الجزية فأقبل على خراجك فلعمر الله لئن كنت مفسدا ما أفسد أمر هذه الأمة إلا والدك وجدك الناكثان فكانت بهما اليدان وكانت عليهما دائرة السوء

ثم أقبل المسيب بن نجبة وعبد الله بن وال على عبد الله بن يزيد فقالا أما رأيك أيها الأمير فوالله إنا لنرجو أن تكون به عند العامة محمودا وأن تكون عند الذي عنيت واعتريت مقبولا

ثم نزل عبد الله بن يزيد ودخل

فلما استهل هلال ربيع الآخر سنة 65 شخص سليمان بن صرد في وجوه أصحابه وقد كان وعد أصحابه عامة للخروج في تلك الليلة للمعسكر بالنخيلة وأقام بها ثلاثا يبعث ثقاته من أصحابه إلى من تخلف عنه يذكرهم الله وما أعطوه من أنفسهم فقام إليه المسيب ابن نجبة فقال رحمك الله إنه لا ينفعك الكاره ولا يقاتل معك إلا من أخرجته


68
النية فلا تنتظرن أحدا واكمش في أمرك قال فإنك والله لنعما رأيت فقام سليمان بن صرد في الناس متوكئا على قوس له عربية فقال

55 خطبة سليمان بن صرد

أيها الناس من كان إنما أخرجته إرادة وجه الله وثواب الآخرة فذلك منا ونحن منه فرحمة الله عليه حيا وميتا ومن كان إنما يريد الدنيا وحرثها فوالله ما نأتي فيئا نستفيئه ولا غنيمة نغنمها ما خلا رضوان الله رب العالمين وما معنا من ذهب ولا فضة ولا خز ولا حرير وما هو إلا سيوفنا في عواتقنا ورماحنا في أكفنا وزاد قدر البلغة إلى لقاء عدونا فمن كان غير هذا ينوي فلا يصحبنا

56 خطبة صخير بن حذيفة بن هلال

فقام صخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني فقال آتاك الله رشدك ولقاك حجتك والله الذي لا إله غيره ما لنا خير في صحبة من الدنيا همته ونيته أيها الناس إنما أخرجتنا التوبة من ذنبنا والطلب بدم ابن ابنة نبينا ليس معنا دينار ولا درهم إنما نقدم على حد السيوف وأطراف الرماح

فتنادى الناس من كل جانب إنا لا نطلب الدنيا وليس لها خرجنا

57 ما أشار به عبد الله بن سعد

وكان الرأي بادئ الأمر أن يسيروا إلى عبيد الله بن زياد فقال له عبد الله بن سعد وعنده رءوس أصحابه جلوس حوله


69
إني قد رأيت رأيا إن يكن صوابا فالله وفق وإن يكن ليس بصواب فمن قبلي فإني ما آلوكم ونفسي نصحا خطأ كان أم صوابا إنما خرجنا نطلب بدم الحسين وقتلة الحسين كلهم بالكوفة منهم عمر بن سعد بن أبي وقاص ورءوس الأرباع وأشراف القبائل فأنى نذهب ها هنا وندع الأقتال والأوتار

فقال سليمان بن صرد فماذا ترون فقالوا والله لقد جاء برأي وإن ما ذكر لكما ذكر والله ما نلقى من قتلة الحسين إن نحن مضينا نحو الشأم غير ابن زياد وما طلبتنا إلا ها هنا بالمصر

58 رأي ابن صرد

فقال سليمان بن صرد لكن أنا ما أرى ذلك لكم إن الذي قتل صاحبكم وعبى الجنود إليه وقال لا أمان له عندي دون أن يستسلم فأمضي فيه حكمي هذا الفاسق ابن الفاسق ابن مرجانة عبيد الله بن زياد فسيروا إلى عدوكم على اسم الله فإن يظهركم الله عليه رجونا أن يكون من بعده أهون شوكة منه ورجونا أن يدين لكم من وراءكم من أهل مصركم في عافية فتنظرون إلى كل من شرك في دم الحسين فتقاتلونه ولا تغشموا وإن تستشهدوا فإنما قاتلتم المحلين وما عند الله خير للأبرار والصديقين إني لأحب أن تجعلوا حدكم وشوكتكم بأول المحلين القاسطين والله


70
لو قاتلتم غدا أهل مصركم ما عدم رجل أن يرى رجلا قد قتل أخاه وأباه وحميمه أو رجلا لم يكن يريد قتله فاستخيروا الله وسيروا فتهيأ الناس للشخوص

وبلغ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة خروج ابن صرد وأصحابه فرأيا أن يأتياهم فخرجا إليهم في جماعة من أصحابهما فلما انتهيا إلى ابن صرد دخلا عليه

59 خطبة عبد الله بن يزيد

فحمد الله عبد بن يزيد وأثنى عليه ثم قال إن المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يغشه وأنتم إخواننا وأهل بلدنا وأحب أهل مصر خلقه الله إلينا فلا تفجعونا بأنفسكم ولا تستبدوا علينا برأيكم ولا تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا أقيموا معنا حتى نتيسر ونتهيأ فإذا علمنا أن عدونا قد شارف بلدنا خرجنا إليهم بجماعتنا فقاتلناهم

وتكلم إبراهيم بن محمد بنحو من هذا الكلام

60 خطبة سليمان بن صرد

فحمد الله وأثني عليه ثم قال لهما

إني قد علمت أنكما قد محضتما في النصيحة واجتهدتما في المشورة فنحن بالله وله وقد خرجنا لأمر ونحن نسأل الله العزيمة على الرشد والتسديد لأصوبه ولا ترانا إ لا شاخصين إن شاء الله ذلك

فقال عبد الله بن يزيد فاقيموا حتى نعبي معكم جيشا كثيفا فتلقوا عدوكم


71
بكثف وجمع وحد فقال له سليمان تنصرفون ونرى فيما بيننا وسيأتيكم إن شاء الله رأي

وانصرف عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد إلى الكوفة وأجمع القوم على الشخوص واستقبال ابن زياد

61 خطبة أخرى له

ثم إن سليمان بن صرد قام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإن الله قد علم ما تنوون وما خرجتم تطلبون وإن للدنيا تجارا وللآخرة تجارا فأما تاجر الآخرة فساع إليها متنصب بتطلابها لا يشتري بها ثمنا لا يرى إلا قائما وقاعدا وراكعا وساجدا لا يطلب ذهبا ولا فضة ولا دينا ولا لذة وأما تاجر الدنيا فمكب عليها راتع فيها لا يبتغي بها بدلا فعليكم يرحمكم الله في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل وبذكر الله كثيرا على كل حال وتقربوا إلى الله جل ذكره بكل خير قد رتم عليه حتى تلقوا هذا العدو والمحل القاسط فتجاهدوه فإنكم لن تتوسلوا إلى ربكم بشيء هو أعظم عنده ثوابا من الجهاد والصلاة فإن الجهاد سنام العمل جعلنا الله وإياكم من العباد الصالحين المجاهدين الصابرين على اللأواء وإنا مدلجون الليلة من منزلنا هذا إن شاء الله فأدلجوا

فأدلج عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر سنة 65للهجرة وما زال يسير حتى انتهى إلى عين الوردة فنزل في غربيها


72

62 خطبة أخرى

وأقبل أهل الشأم في عساكرهم حتى كانوا منها على مسيرة يوم وليلة قال عبد الله ابن غزية فقام فينا سليمان فحمد الله فأطال وأثنى عليه فأطنب ثم ذكر السماء والأرض والجبال والبحار وما فيهن من الآيات وذكر آلاء الله ونعمه وذكر الدنيا فزهد فيها وذكر الآخرة فرغب فيها فذكر من هذا ما لم أحصه ولم أقدر على حفظه ثم قال أما بعد فقد أتاكم الله بعدوكم الذي دأبتم في المسير إليه آناء الليل والنهار تريدون فيما تظهرون التوبة النصوح ولقاء الله معذرين فقد جاءوكم بل جئتموهم أنتم في دارهم وحيزهم فإذا لقيتموهم فاصدقوهم واصبروا إن الله مع الصابرين ولا يوليهم امرؤ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة لا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيرا من أهل دعوتكم إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه أو يكون من قتلة إخواننا بالطف رحمة الله عليهم فإن هذه كانت سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في أهل هذه الدعوة

ودارت رحى الحرب بينهم وبين جيوش عبيد الله بن زياد واستشهد في المعركة سليمان بن صرد بعد أن قتل من القوم مقتلة عظيمة وقتل أيضا من رءوس أصحابه المسيب بن نجبة وعبد الله بن سعد بن نفيل وعبد الله بن وال فلما رأى من بقي


73
من التوابين أن لا طاقة لهم بمن بإزائهم من أهل الشأم انحازوا عنهم وارتحلوا وعليهم رفاعة بن شداد البجلي

وكان ذلك في ربيع الآخر سنة 65ه

63 خطبة عبد الملك بن مروان

وأتى عبد الملك بن مروان ببشارة الفتح فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الله قد أهلك من رءوس أهل العراق ملقح فتنة ورأس ضلالة سليمان بن صرد ألا وإن السيوف تركت رأس المسيب بن نجبة خذاريف ألا وقد قتل من رءوسهم رأسين عظيمين ضالين مضلين عبد الله بن سعد أخا الأزد وعبد الله بن وال أخا بكر بن وائل فلم يبق بعد هؤلاء أحد عنده دفاع ولا امتناع


74
طلب المختار بن أبي عبيد الثقفي بدم الحسين رضي الله عنه

64 خطبته حين قدم الكوفة

وقدم المختار بن أبي عبيد الثقفي الكوفة في النصف من رمضان سنة 64ه فأتاه بعض الشيعة ليلا فساءلهم عن أمر الناس وعن حال الشيعة فقالوا له إن الشيعة قد اجتمعت لسليمان بن صرد الخزاعي وإنه لن يلبث إلا يسيرا حتى يخرج

فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال


75
أما بعد فإن المهدي بن الوصي محمد بن علي بعثنى إليكم أمينا ووزيرا ومنتجبا وأميرا وأمرني بقتال الملحدين والطلب بدماء أهل بيته والدفع عن الضعفاء

واقبل يبعث إلى الشيعة فيقول لهم إني قد جئتكم من قبل ولي الأمر ومعدن الفضل ووصي الوصي والإمام المهدي بأمر فيه الشفاء وكشف الغطاء وقتل الأعداء وتمام النعماء إن سليمان بن صرد يرحمنا الله وإياه إنما هو عشمة من العشم وحفش بال ليس بذي تجربة للأمور ولا له علم بالحروب إنما يريد أن يخرجكم فيقتل نفسه ويقتلكم إني إنما أعمل على مثال قد مثل لي وأمر قد بين لي فيه عز وليكم وقتل عدوكم وشفاء صدوركم فاسمعوا مني قولي وأطيعوا أمري ثم أبشروا وتباشروا فإنى لكم بكل ما تأملون خير زعيم

فما زال بهذا القول ونحوه حتى استمال طائفة من الشيعة وعظمهم يومئذ مع سليمان بن صرد فلما خرج ابن صرد نحو الجزيرة خاف عبد الله بن يزيد الأنصارى أمير الكوفة من قبل ابن الزبير أن يثب المختار عليه فزجه في السجن

65 ما كان يردده على زائريه في سجنه

وكان يردد على زائريه في سجنه هذا القول أما ورب البحار والنخيل والأشجار والمهامة والقفار والملائكة الأبرار


76
والمصطفين الأخيار لأقتلن كل جبار بكل لدن خطار ومهند بتار في جموع من الأنصار ليسوا بميل أغمار ولا بعزل أشرار حتى إذا أقمت عمود الدين ورأيت شعب صدع المسلمين وشفيت غليل صدور المؤمنين وأدركت بثأر النبيين لم يكبر على زوال الدنيا ولم أحفل بالموت إذا أتى

ثم خلى عبد الله بن يزيد سبيله بشفاعة عبد الله بن عمر فيه واختلفت إليه الشيعة بعد خروجه من السجن واجتمعت عليه واتفق رأيها علي الرضا به ولم يزل أصحابه يكثرون وأمره يقوى ويشتد حتى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد عن الكوفة وولى عليها عبد الله بن مطيع العدوى

66 خطبة عبد الله بن مطيع العدوى حين قدم الكوفة

وقدم عبد الله بن مطيع العدوى الكوفة لخمس بقين من رمضان سنة 65 فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد فإن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثنى على مصركم وثغوركم وأمرني بجباية فيئكم وأن لا أحمل فضل فيئكم عنكم إلا برضا منكم ووصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته وبسيرة عثمان بن عفان التي سار بها في المسلمين فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا وخذوا على أيدي سفهائكم وإلا تفعلوا


77
فلوموا أنفسكم ولا تلوموني فوالله لأوقعن بالسقيم العاصي ولأقيمن دارأ الأصعر المرتاب

67 رد السائب بن مالك الأشعرى عليه

فقام إليه السائب بن مالك الأشعري وهو من رءوس أصحاب المختار فقال أما أمر ابن الزبير إياك ألا تحمل فضل فيئنا عنا إلا برضانا فإنا نشهدك أنا لا نرضى أن تحمل فضل فيئنا عنا وأن لا يقسم إلا فينا وأن لا يسار فينا إلا بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا هذه حتى هلك رحمة الله عليه ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا فإنها إنما كانت أثرة وهوى ولا في سيرة عمر بن الخطاب في فيئنا وإن كانت أهون السيرتين علينا ضرا وقد كان لا يألو الناس خيرا

فقال يزيد بن أنس الأسدى صدق السائب بن مالك وبر رأينا مثل رأيه وقولنا مثل قوله فقال ابن مطيع نسير فيكم بكل سيرة أحببتموها وهويتموها ثم نزل فقال يزيد بن أنس ذهبت بفضلها يا سائب لا يعدمك المسلمون


78

68 خطبة عبد الرحمن بن شريح

وبعث المختار إلى أصحابه فأخذ يجمعهم في الدور حوله وأراد أن يثب بالكوفة في المحرم فجاء رجل منهم يقال له عبد الرحمن بن شريح فلقي جماعة من إخوانه واجتمعوا في منزل أحدهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن المختار يريد أن يخرج بنا وقد بايعناه ولا ندري أرسله إلينا ابن الحنفية أم لا فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية فلنخبره بما قدم علينا به وبما دعانا إليه فإن رخص لنا في اتباعه اتبعناه وإن نهانا عنه اجتنبناه فوالله ما ينبغي أن يكون شيء من أمر الدنيا آثر عندنا من سلامة ديننا

فقالوا له أرشدك الله فقد أصبت ووفقت اخرج بنا إذا شئت فأجمع رأيهم على أن يخرجوا إليه فلما قدموا عليه بدأ عبد الرحمن بن شريح فتكلم

69 خطبة أخرى له

فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أما بعد فإنكم أهل بيت خصكم الله بالفضيلة وشرفكم بالنبوة وعظم حقكم علي هذه الأمة فلا يجهل حقكم على هذه الأمة فلا يجهل حقكم إلا مغبون الرأي مخسوس النصيب قد أصبتم بحسين رحمة الله عليه عظمت مصيبة ما قد خصكم بها فقد عم بها المسلمون وقد قدم علينا المختار بن أبي عبيد يزعم لنا أنه قد جاءنا من تلقائكم وقد دعانا إلى كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل البيت والدفع عن الضعفاء فبايعناه على ذلك ثم إنا رأينا أن نأتيك فنذكر لك ما دعانا إليه وندبنا له فإن أمرتنا باتباعه اتبعناه وإن نهيتنا عنه اجتنبناه


79

ثم تكلموا واحدا واحدا بنحو مما تكلم به صاحبهم وهو يسمع حتى إذا فرغوا

70 خطبة محمد بن الحنفية

حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى ثم قال أما بعد فأما ما ذكرتم مما خصصنا الله به من فضل فإن الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فلله الحمد وأما ما ذكرتم من مصيبتنا بحسين فإن ذلك كان في الذكر الحكيم وهي ملحمة كتبت عليه وكرامة أهداها الله له رفع بما كان منها درجات قوم عنده ووضع بها آخرين وكان أمر الله مفعولا وكان أمر الله قدرا مقدورا وأما ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطلب بدمائنا فوالله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

فخرجوا من عنده وهم يقولون قد أذن لنا قد قال لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه ولو كره لقال لا تفعلوا

71 خطبة المختار

وبلغ المختار مخرجهم فشق ذلك عليه وخشي أن يأتوه بأمر يخذل الشيعة عنه فكان يقول إن نفيرا منكم ارتابوا وتحيروا وخابوا فإن هم أصابوا أقبلوا وأنابوا وإن هم


80
كبوا وهابوا واعترضوا وانجابوا فقد ثبروا وحابوا وأقبل القوم فدخلوا على المختار فقال لهم ما وراءكم قد فتنتم وارتبتم فقالوا له قد أمرنا بنصرتك فقال الله أكبر أنا أبو إسحق اجمعوا إلى الشيعة فجمع له منهم من كان منه قريبا فقال يا معشر الشيعة إن نفرا منكم أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به فرحلوا إلى إمام الهدى والنجيب المرتضي ابن خير من طشي ومشي حاشا النبي المجتبي فسألوه عما قدمت به عليكم فنبأهم أني وزيره وظهيره ورسوله وخليله وأمركم باتباعي وطاعتي فيما دعوتكم إليه من قتال المحلين والطلب بدماء أهل بين نبيكم المصطفين

72 خطبة عبد الرحمن بن شريح

فقام عبد الرحمن بن شريح فحمد الله وأثني عليه ثم قال أما بعد يا معشر الشيعة فإنا قد كنا أحببنا أن نستثبت لأنفسنا خاصة ولجميع إخواننا عامة فقدمنا علي المهدى بن علي فسألناه عن حربنا هذه وعما دعانا إليه المختار فيها فأمرنا بمظاهرته وموازرته وإجابته إلى ما دعانا إليه فأقبلنا طيبة أنفسنا


81
منشرحة صدورنا قد أذهب الله منها الشك والغل والريب واستقامت لنا بصيرتنا في قتالنا عدونا فليبلغ ذلك شاهدكم غائبكم واستعدوا وتأهبوا ثم جلس

وقاموا رجلا فرجلا فتكلموا بنحو من كلامه فاستجمعت له الشيعة وحدبت عليه

73 خطبة المختار في دار إبراهيم بن الأشتر

ومضى المختار في بضعة عشر رجلا من وجوه أصحابه إلى دار إبراهيم بن الأشتر يدعوه أن يناصره فاستأذن عليه فأذن له وألقى لأصحابه وسائد فجلسوا عليها وجلس المختار معه على فراشه فقال المختار الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله و أما بعد فإن هذا كتاب إليك من المهدي محمد بن أمير المؤمنين الوصي وهو خير أهل الأرض اليوم وابن خير أهل الأرض كلها قبل اليوم بعد أنبياء الله ورسله وهو يسألك أن تنصرنا وتوازرنا فإن فعلت اغتبطت وإن لم تفعل فهذا الكتاب حجة عليك وسيغني الله المهدي محمدا وأولياءه عنك فبايعه إبراهيم


82

وجعل المختار وأصحابه يديرون أمورهم حتى اجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة 66 فثاروا بالكوفة ونشب القتال بينهم وبين جند ابن مطيع

74 خطبة يزيد بن أنس الأسدى

ولما حملت خيل ابن مطيع على أصحاب المختار خطبهم يزيد بن أنس الأسدي محرضا فقال يا معشر الشيعة قد كنتم تقتلون وتقطع أيديكم وأرجلكم وتسمل أعينكم وترفعون على جذوع النخل في حب أهل بيت نبيكم وأنتم مقيمون في بيوتكم وطاعة عدوكم فما ظنكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم إذن والله لا يدعون منكم عينا تطرف وليقتلنكم صبرا ولترون منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموت خير منه والله لا ينجيكم منه إلا الصدق والصبر والطعن الصائب في أعينهم والضرب الدراك على هامهم فتيسروا للشدة وتهيئوا للحملة فإذا حركت رايتي مرتين فاحملوا

75 خطبة عبد الله بن مطيع

وحمل أصحاب المختار على جند ابن مطيع فكشفوهم وهزموهم فخرج ابن مطيع فقام في الناس فحمد الله وأثني عليه ثم قال


83
أيها الناس إن من أعجب العجب عجزكم عن عصبة منكم قليل عددها خبيث دينها ضالة مضلة اخرجوا إليهم فامنعوا منهم حريمكم وقاتلوهم عن مصركم وامنعوا منهم فيئكم وإلا ليشاركنكم في فيئكم من لا حق له فيه والله لقد بلغني أن فيهم خمسمائة رجل من محرريكم عليهم أمير منهم وإنما ذهاب عزكم وسلطانكم وتغير دينكم حين يكثرون ثم نزل

76 تحريض ابن الأشتر أصحابه

واستنفر ابن مطيع الناس لقتال المختار وصده وأقبل ابراهيم بن الأشتر في أصحابه فقال لهم قربوا خيولكم بعضها إلى بعض ثم امشوا إليهم مصلتين السيوف ولا يهولنكم أن يقال جاءكم شبث بن ربعي وآل عتيبة بن النهاس وآل الأشعث وآل يزيد بن الحارث وآل فلان فسمي بيوتات من بيوتات أهل الكوفة ثم قال إن هؤلاء لو قد وجدوا بهم حر السيوف قد انصفقوا عن ابن مطيع انصفاق المعزي عن الذئب ثم قال لأصحابه شدوا عليهم فدا لكم عمي وخالي

فما لبثهم أن هزمهم فركب بعضهم بعضا ومضي بأصحابه في آثارهم حتى دخلوا السوق والمسجد وحصروا ابن مطيع ثلاثا 77 خطبة ابن مطيع وهو محصور

فلما اشتد الحصار علي ابن مطيع وأصحابه أشار عليه شبث بن ربعي أن يخرج من القصر لا يشعر به أحد حتى ينزل منزلأ بالكوفة عند من يستنصحه ويثق به ولا يعلم بمكانه إلى أن يخرج فيلحق بصاحبه ابن الزبير


84

وفي مساء اليوم الثالث دعا ابن مطيع أصحابه فذكر الله بما هو أهله وصلى على نبيه وقال أما بعد فقد علمت الذين صنعوا هذا منكم من هم وقد علمت إنما هم أراذلكم وسفهاؤكم وطغامكم وأخساؤكم ما عدا الرجل أو الرجلين وأن أشرافكم وأهل الفضل منكم لم يزالوا سامعين مطيعين مناصحين وأنا مبلغ ذلك صاحبي ومعلمه طاعتكم وجهادكم عدوه حتى كان الله الغالب على أمره وقد كان من رأيكم وما أشرتم به على ما قد علمتم وقد رأيت أن أخرج الساعة

فقال له شبث جزاك الله من أمير خيرا فقد والله عففت عن أموالنا وأكرمت أشرافنا ونصحت لصاحبك وقضيت الذي عليك والله ما كنا لنفارقك أبدا إلا ونحن منك في إذن فقال جزاكم الله خيرا ثم خرج وخلي القصر وفتح أصحابه الباب فقالوا يا بن الأشتر آمنون نحن قال أنتم آمنون فخرجوا فبايعوا المختار

78 خطبة المختار بعد هرب ابن مطيع

وجاء المختار حتى دخل القصر فبات به وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر وخرج المختار فصعد المنبر فحمد الله وأثني عليه فقال أحمد لله الذي وعد وليه النصر وعدوه الخسر وجعله فيه إلى آخر الدهر وعدا مفعولا وقضاء مقضيا وقد خاب من افترى أيها الناس إنه رفعت لنا راية ومدت لنا غاية فقيل لنا في الراية أن ارفعوها ولا تضعوها وفي الغاية أن اجروا إليها ولا تعدوها فسمعنا دعوة الداعي ومقالة الواعي فكم من ناعى وناعية لقتلي


85
في الواعية وبعدا لمن طغى وأدبر وعصى وكذب وتولى ألا فأدخلوا أيها الناس فبايعوا بيعة هدى فلا والذي جعل السماء سقفا مكفوفا والأرض فجاجا سبلا ما بايعتم بعد بيعة علي بن أبي طالب وآل علي أهدى منها

ثم نزل ودخل عليه أشراف الناس فبسط يده وابتدره الناس فبايعوه وجعل يقول تبايعونني على كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل البيت وجهاد المحلين والدفع عن الضعفاء وقتال من قاتلنا وسلم من سالمنا والوفاء ببيعتنا لا نقيلكم ولا نستقيلكم فإذا قال الرجل نعم بايعه

ثم وثب المختار بمن كان بالكوفة من قتلة الحسين رضي الله عنه والمشايعين على قتله فقتل من قدر عليه منهم وهرب من الكوفة بعضهم فلم يقدر عليه وكان ممن قتلهم عمر بن سعد بن أبي وقاص وابنه وبعث برأسيهما إلى محمد بن الحنفية

79 خطبة المختار وقد استنصره ابن الحنفية

ولما كتب محمد بن الحنفية رضي الله عنه إلى المختار يعلمه بما ناله هو ومن معه من ابن الزبير من سجنهم وتوعدهم بالقتل والتحريق بالنار إن لم يبايعوا له نادى المختار في الناس وقرأ عليهم الكتاب وقال


86

هذا كتاب مهديكم وصريح أهل بيت نبيكم وقد تركوا محظورا عليهم كما يحظر علي الغنم ينتظرون القتل والتحريق بالنار في آناء الليل وتارات النهار ولست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا وإن لم أسرب إليهم الخيل في إثر الخيل كالسيل يتلوه السيل حتى يحل بابن الكاهلية الويل


87

80 خطبته وقد شيع ابن الأشتر لقتال عبيد الله بن زياد

وخرج يشيع إبراهيم بن الأشتر حين شخص لقتال عبيد الله بن زياد فقال للناس


88

إن استقمتم فبنصر الله وإن حصتم حيصة فإني أجد في محكم الكتاب وفي اليقين والصواب أن الله مؤيدكم بملائكة غضاب تأتي في صور الحمام دوين السحاب

81 خطبته وقد سار إليه مصعب بن الزبير

ولما بلغ المختار مسير مصعب بن الزبير إليه من البصرة قام في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

يأهل الكوفة يأهل الدين وأعوان الحق وأنصار الضعيف وشيعة الرسول وآل الرسول إن فراركم الذين بغوا عليكم أتوا أشباههم من الفاسقين فاستغووهم عليكم ليمصح الحق وينتعش الباطل ويقتل أولياء الله والله لو تهلكون ما عبد الله في الأرض إلا بالفري على الله واللعن لأهل بيت نبيه


89
انتدبوا مع أحمر بن شميط فإنكم لو قد لقيتموهم لقد قتلتموهم إن شاء الله قتل عاد وإرم

وتزاحف الجندان وانهزم أصحاب المختار وقتل في رمضان سنة 67


90

خطبة محمد بن الحنفية يرد على عبد الله بن الزبير وقد تنقص الإمام

خطب ابن الزبير فنال من الإمام علي كرم الله وجهه فبلغ ذلك ابنه محمد ابن الحنفية رضي الله عنه فأقبل حتى وضع له كرسي قدامه فعلاه وقال يا معشر قريش شاهت الوجوه أينتقص علي وأنتم حضور إن عليا كان سهما صادقا أحد مرامي الله على أعدائه يقتلهم لكفرهم ويهوعهم مآكلهم فثقل عليهم فرموه بصرفة الأباطيل وإنا معشر له على نهج من أمره بنو الحسبة من الأنصار فإن تكن لنا الأيام دولة ننثر عظامهم ونحسر


91
عن أجسادهم والأبدان يومئذ بالية ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون )

فعاد ابن الزبير إلى خطبته وقال عذرت بني الفواطم يتكلمون فما بال بني الحنفية فقال محمد يا بن أم رومان ومالي لا أتكلم أليست فاطمة بنت محمد حليلة أبي وأم إخوتي أو ليست فاطمة بنت أسد بن هاشم جدتي أو ليست فاطمة بنت عمرو بن عائذ جدة أبي أما والله لولا خديجة بنت خويلد ما تركت في بني أسد عظما إلا هشمته وإن نالتني فيه المصائب صبرت

83 عبد الله بن عباس ومعاوية

ودخل عبد الله بن عباس على معاوية وعنده وجوه قريش فلما سلم وجلس قال له معاوية إني أريد أن أسألك عن مسائل قال سل عما بدا لك قال ما تقول في أبي بكر قال رحم الله أبا بكر كان والله للقرآن تاليا وعن المنكر ناهيا وبذنبه عارفا ومن الله خائفا وعن الشبهات زاجرا وبالمعروف آمرا وبالليل قائما وبالنهار صائما فاق أصحابه ورعا وكفافا وسادهم زهدا وعفافا فغضب الله على من أبغضه وطعن عليه قال معاوية إيها يا بن عباس فما تقول في عمر بن الخطاب قال رحم الله أبا حفص عمر كان والله حليف الإسلام


92
ومأوي الأيتام ومنتهى الإحسان ومحل الإيمان وكهف الضعفاء ومعقل الحنفاء قام بحق الله عز وجل صابرا محتسبا حتى أوضح الدين وفتح البلاد وأمن العباد فأعقب الله على من ينقصه اللعنة إلي يوم الدين قال فما تقول في عثمان قال رحم الله أبا عمرو كان والله أكرم الجعدة وأفضل البررة هجادا بالأسحار كثير الدموع عند ذكر النار نهاضا عند كل مكرمة سباقا إلى كل منحة حييا أبيا وفيا صاحب جيش العسرة وختن رسول الله وآله فأعقب الله على من يلعنه لعنة اللاعنين إلى يوم الدين قال فما تقول في علي قال رضي الله عن أبي الحسن كان والله علم الهدى وكهف التقى ومحمل الحجا وبحر الندى وطود النهى وكهف العلا للورى داعيا إلى المحجة متمسكا بالعروة الوثقى خير من آمن واتقى وأفضل من تقمص وارتدى وأبر من انتعل وسعى وأفصح من تنفس وقرا وأكثر من شهد النجوى سوى الأنبياء والنبي المصطفي صاحب القبلتين فهل يوازيه أحد وأبو السبطين فهل يقارنه بشر وزوج خير النسوان فهل يفوقه قاطن بلد للأسود قتال وفي الحروب ختال لم تر عيني مثله ولن ترى فعلى من انتقصه
93
لعنة الله والعباد إلى يوم التناد قال إيها يا بن عباس لقد أكثرت في ابن عمك قال فما تقول في أبيك العباس قال رحم الله العباس أبا الفضل كان صنو نبي الله وقرة عين صفي الله سيد الأعمام له أخلاق آبائه الأجواد وأحلام أجداده الأمجاد تباعدت الأسباب في فضيلته صاحب البيت والسقاية والمشاعر والتلاوة ولم لا يكون كذلك وقد ساسه أكرم من دب فقال معاوية يا بن عباس أنا أعلم أنك كلماني أهل بيتك قال ولم لا أكون كذلك وقد قال رسول الله اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل

ثم قال ابن عباس بعد هذا الكلام يا معاوية إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خص محمدا بصحابة آثروه على الأنفس والأموال وبذلوا النفوس دونه في كل حال ووصفهم الله في كتابه فقال ( رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) قاموا بمعالم الدين وناصحوا الاجتهاد للمسلمين حتى تهذبت طرقه وقويت أسبابه وظهرت آلاء الله واستقر دينه ووضحت أعلامه وأذل الله بهم الشرك وأزال روحه ومحا دعائمه وصارت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية والأرواح الطاهرة العالية فقد كانوا في الحياة لله أولياء وكانوا بعد الموت أحياء أصحاء رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها فقطع عليه معاوية الكلام وقال إيها ابن عباس حديثا في غير هذا


94
عبد الله بن عباس ومعاوية أيضا

اجتمعت قريش الشام والحجاز عند معاوية وفيهم عبد الله بن عباس وكان جريئا على معاوية حقارا له فبلغه عنه بعض ما غمه فقال معاوية

84 مقال معاوية

رحم الله أبا سفيان والعباس كانا صفيين دون الناس فحفظت الميت في الحي والحي في الميت استعملك علي يا بن عباس علي البصرة واستعمل عبيد الله أخاك على اليمن واستعمل أخاك علي المدينة فلما كان من الأمر ما كان هنأتكم ما في أيديكم ولم أكشفكم عما وعت غرائركم وقلت آخذ اليوم وأعطي غدا مثله وعلمت أن بدء اللؤم يضر بعاقبة الكرم ولو شئت لأخذت بحلاقيمكم وقيأتكم ما أكلتم لا يزال يبلغني عنكم ما تبرك له الإبل وذنوبكم إلينا أكثر من ذنوبنا إليكم خذلتم عثمان بالمدينة وقتلتم أنصاره يوم الجمل وحاربتموني بصفين ولعمري لبنو تيم وعدي أعظم ذنوبا منا إليكم إذ صرفوا عنكم هذا الأمر وسنوا فيكم هذه السنة فحتى متى أغضي الجفون على القذى وأسحب الذيول على الأذى وأقول لعل الله وعسى ما تقول يا بن عباس


95

85 مقال ابن عباس

فتكلم ابن عباس فقال

رحم الله أبانا وأباك كانا صفيين متفاوضين لم يكن لأبي من مال إلا ما فضل لأبيك وكان أبوك كذلك لأبي ولكن من هنأ أباك بإخاء أبي أكثر ممن هنأ أبي بإخاء أبيك نصر أبي أباك في الجاهلية وحقن دمه في الإسلام وأما استعمال علي إيانا فلنفسه دون هواه وقد استعملت أنت رجالا لهواك لا لنفسك منهم ابن الحضرمى علي البصرة فقتل وبسر بن أرطاة على اليمن فخان وحبيب بن مرة على الحجاز فرد والضحاك بن قيس الفهرى على الكوفة فحصب ولو طلبت ما عندنا وقينا أعراضنا وليس الذي يبلغك عنا بأعظم من الذي يبلغنا عنك ولو وضع أصغر ذنوبكم إلينا على مائة حسنة لمحقها ولو وضع أدني عذرنا إليكم على مائة سيئة لحسها وأما خذلنا عثمان فلو لزمنا نصره لنصرناه وأما قتلنا أنصاره يوم الجمل فعلى خروجهم مما دخلوا فيه وأما حربنا إياك بصفين فعلى تركك الحق وادعائك الباطل وإما إغراؤك إيانا بتيم وعدى فلو اردناها ما غلبونا عليها وسكت عبد الله بن عباس ومعاوية أيضا

86 مقال معاوية لابن عباس

أقبل معاوية يوما على ابن عباس فقال

لو وليتمونا ما أتيتم إلينا ما أتينا إليكم من الترحيب والتقريب وإعطائكم الجزيل وإكرامكم على القليل وصبري على ما صبرت عليه منكم إني لا أريد أمرا إلا أظمأتم


96
صدره ولا آتي معروفا إلا صغرتم خطره وأعطيكم العطية فيها قضاء حقوقكم فتأخذونها متكارهين عليها تقولون قد نقص الحق دون الأمل فأي أمل بعد ألف ألف أعطيها الرجل منكم ثم أكون أسر بإعطائها منه بأخذها والله لئن انخدعت لكم في مالي وذللت لكم في عرضي أرى انخداعي كرما وذلي حلما ولو وليتمونا رضينا منكم بالانتصاف ولا نسألكم أموالكم لعلمنا بحالكم وحالنا ويكون أبغضها إلينا أحبها إليكم أن نعفيكم

87 مقال ابن عباس فقال ابن عباس

لو ولينا أحسنا المواساة وامتننا بالأثرة ثم لم نغشم الحي ولم نشتم الميت فلستم بأجود منا أكفا ولا أكرم أنفسا ولا أصون لأعراض المروءة ونحن والله أعطي للآخرة منكم للدنيا وأعطي في الحق منكم في الباطل وأعطي على التقوى منكم على الهوى والقسم بالسوية والعدل في الرعية يأتيان على المنى والأمل ما أرضاكم منا بالكفاف فلو رضيتم منا لم نرض بأنفسنا به لكم والكفاف رضا من لا حق له فلا تبخلونا حتى تسألونا ولا تلفظونا حتى تذوقونا


97
عبد الله بن عباس ومعاوية أيضا

88 مقال معاوية لبني هاشم

اجتمع بنو هاشم عند معاوية فأقبل عليهم فقال يا بنى هاشم والله إن خيري لكم لممنوح وإن بابي لكم لمفتوح فلا يقطع خيري عنكم علة ولا يوصد بابي دونكم مسألة ولما نظرت في أمري وأمركم رأيت أمرا مختلفا إنكم لترون أنكم أحق بما في يدي مني وإذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقكم قلتم أعطانا دون حقنا وقصر بنا عن قدرنا فصرت كالمسلوب والمسلوب لا حمد له وهذا مع إنصاف قائلكم وإسعاف سائلكم

89 مقال ابن عباس

فأقبل عليه ابن عباس فقال والله ما منحتنا شيئا حتى سألناه ولا فتحت لنا بابا حتى قرعناه ولئن قطعت عنا خيرك لله أوسع منك ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفن أنفسنا عنك وأما هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين ولنا في كتاب الله حقان حق في الغنيمة وحق في الفيء فالغنيمة ما غلبنا عليه والفيء ما اجتبيناه ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا زائرا يحمله خف ولا حافر أكفاك أم أزيدك قال كفاني فإنك لا تعز ولا تشج


98
عبد الله بن عباس ومعاوية أيضا

90 مقال معاوية

وقال يوما معاوية وعنده ابن عباس إذا جاءت بنو هاشم بقديمها وحديثها وجاءت بنو أمية بأحلامها وسياستها وبنو أسد بن عبد العزى بوافدها ودياتها وبنو عبد الدار بحجابتها ولوائها وبنو مخزوم بأموالها وأفعالها وبنو تيم بصديقها وجوادها وبنو عدي بفاروقها ومتفكرها وبنو سهم بآرائها ودهائها وبنو جمح بشرفها وأنوفها وبنو عامر بن لؤى بفارسها وقريعها فمن ذا يجمل مضمارها ويجري إلى غايتها ما تقول يا بن عباس


99

91 مقال ابن عباس

قال أقول ليس حى يفخرون بأمر إلا وإلى جنبهم من يشركهم إلا قريشا فإنهم يفخرون بالنبوة التي لا يشاركون فيها ولا يساوون بها ولا يدفعون عنها وأشهد أن الله لم يجعل محمدا من قريش إلا وقريش خير البرية ولم يجعله في بني عبد المطلب إلا وهم خير بني هاشم يريد أن يفخر عليكم إلا بما تفخرون به إن بنا فتح الأمر وبنا يختم ولك ملك معجل ولنا ملك مؤجل فإن يكن ملككم قبل ملكنا فليس بعد ملكنا ملك لأنا أهل العاقبة والعاقبة للمتقين

92 عبد الله بن عباس ومعاوية أيضا

لما بلغ معاوية نعي الحسن بن علي رضي الله عنه أظهر الفرح والسرور حتى سجد وسجد من كان معه فبلغ ذلك عبد الله بن عباس وكان بالشام يومئذ فدخل على معاوية فلما جلس قال معاوية يا بن عباس هلك الحسن بن علي ولم يظهر حزنا فقال ابن عباس نعم هلك إنا لله وإنا إليه راجعون ترجيعا مكررا وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته أما والله ما سد جسده حفرتك ولا زاد نقصان أجله في عمرك ولقد مات وهو خير منك ولئن أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيرا منه جده رسول الله فجبر الله مصيبته وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة

فقال له معاوية كم كانت سنه قال مولده أشهر من أن تتعرف سنه قال أحسبه ترك أولادا صغارا قال كلنا كان صغيرا فكبر ولئن اختار الله لأبي محمد


100
ما عنده وقبضه إلى رحمته لقد أبقي الله أبا عبد الله يعني الحسين وفي مثله الخلف الصالح ثم شهق وبكي وبكى من حضر في المجلس وبكى معاوية

93 عبد الله بن عباس وعتبة بن أبي سفيان

قال عتبة بن أبي سفيان لابن عباس ما منع أمير المؤمنين أن يبعثك مكان أبي موسى يوم الحكمين قال منعه والله من ذلك حاجز القدر وقصر المدة ومحنة الابتلاء أما والله لو بعثنى مكانه لاعترضت له في مدارج نفسه ناقضا لما أبرم ومبرما لما نقض أسف إذا طار وأطير إذا أسف ولكن مضى قدر وبقي أسف ومع يومنا غد والآخرة خير لأمير المؤمنين من الأولي


101
مخاصمة بين عبد الله بن عباس وبين معاوية وأصحابه

قال ابن أبى الحديد روى المدائنى قال وفد عبد الله بن عباس على معاوية مرة فقال معاوية لابنه يزيد ولزياد بن سمية وعتبة بن أبى سفيان ومروان بن الحكم وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن أم الحكم إنه قد طال العهد بعبد الله بن عباس وما كان شجر بيننا وبينه وبين ابن عمه ولقد كان نصبه للتحكيم فدفع عنه فحركوه على الكلام لنبلغ حقيقة صفته ونقف على كنه معرفته ونعرف ما صرف عنا من شبا حده ووورى عنا من دهاء رأيه فربما وصف المرء بغير ما هو فيه وأعطى من النعت والاسم مالا يستحقه ثم أرسل إلى عبد الله بن عباس فلما دخل واستقر به المجلس ابتدأه ابن أبي سفيان فقال يا بن عباس ما منع عليا أن يوجه بك حكما

94 جواب ابن عباس

فقال أما والله لو فعل لقرن عمرا بصعبة من الإبل يوجع كتفه مراسها ولأذهلت عقله وأجرضته بريقه وقدحت في سويداء قلبه فلم يبرم أمرا


102
ولم ينفض ترابا إلا كنت منه بمرأى ومسمع فإن نكثه أرمت قواه وإن أرمه فصمت عراه بغرب مقول لا يفل حده وأصالة رأي كمتاح الأجل لا وزر منه أصدع به أديمه وأفل به شبا حده وأشحذ به عزائم المعتنز وأزيح به شبه الشاكين

95 مقال عمرو بن العاص

فقال عمرو بن العاص هذا والله يا أمير المؤمنين نجوم أول الشر وأفول آخر الخير وفي حسمه قطع مادته فبادره بالحملة وانتهز منه الفرصة واردع بالتنكيل به غيره وشرد به من خلفه

96 جواب ابن عباس

فقال ابن عباس يا بن النابغة ضل والله عقلك وسفه حلمك ونطق الشيطان على لسانك هلا توليت ذلك بنفسك يوم صفين حين دعيت نزال وتكافح الأبطال وكثرت الجراح وتقصفت الرماح وبرزت إلى أمير المؤمنين مصاولا فأنكفأ نحوك بالسيف حاملا فلما رأيت الكواثر من الموت أعددت حيلة السلامة


103
قبل لقائه والانكفاء عنه بعد إجابة دعائه فمنحته رجاء النجاة عورتك وكشفت له خوف بأسه سوءتك حذرا أن يصطلمك بسطوته أو يلتهمك بحملته ثم أشرت على معاوية كالناصح له بمبارزته وحسنت له التعرض لمكافحته رجاء أن تكتفي مئونته وتعدم صورته فعلم غل صدرك وما انحنت عليه من النفاق أضلعك وعرف مقر سهمك في غرضك فاكفف غرب لسانك واقمع عوراء لفظك فإنك بين أسد خادر وبحر زاخر إن تبرزت للأسد افترسك وإن عمت في البحر قمسك

97 مقال مروان بن الحكم

فقال مروان بن الحكم يا بن عباس إنك لتصرف بنابك وتورى نارك كأنك ترجو الغلبة وتؤمل العاقبة ولولا حلم أمير المؤمنين عنكم لتناولكم بأقصر أنامله فأوردكم منهلا بعيدا صدره ولعمري لئن سطا بكم ليأخذن بعض حقه منكم ولئن عفا عن جرائركم لقديما ما نسب إلى ذلك


104

98 جواب ابن عباس

فقال ابن عباس وإنك لتقول ذلك يا عدو الله وطريد رسول الله والمباح دمه والداخل بين عثمان ورعيته بما حملهم على قطع أوداجه وركوب أثباجه أما والله لو طلب معاوية ثأره لأخذك به ولو نظر في أمر عثمان لوجدك أوله وآخره وأما قولك لي إنك لتصرف بنابك وتورى نارك فسل معاوية


105
وعمرا يخبراك ليلة الهرير كيف ثباتنا للمثلات واستخفافنا بالمعضلات وصدق جلادنا عند المصاولة وصبرنا على اللأواء والمطاولة ومصافحتنا بجباهنا السيوف المرهفة ومباشرتنا بنحورنا حد الأسنة هل خمنا عن كرائم تلك المواقف أم لم نبذل مهجنا للمتالف وليس لك إذ ذاك فيها مقام محمود ولا يوم مشهود ولا أثر معدود وإنهما شهدا ما لو شهدت لأقلقك فاربع على ظليعك ولا تتعرض لما ليس لك فإنك كالمغروز في صفد لا يهبط برجل ولا يرقأ بيد

99 مقال زياد

فقال زياد يا بن عباس إني لأعلم ما منع حسنا وحسينا من الوفود معك على أمير المؤمنين إلا ما سولت لهما أنفسهما وغرهما به من هو عند البأساء يسلمهما وايم الله لو وليتهما لأدأبا في الرحلة إلى أمير المؤمنين أنفسهما ولقل بمكانهما لبثهما

100 جواب ابن عباس

فقال ابن عباس إذن والله يقصر دونهما باعك ويضيق بهما ذراعك ولو رمت ذلك لوجدت من دونهما فئة صدقا صبرا على البلاء لا يخيمون عن اللقاء


106
فلعركوك بكلاكلهم ووطئوك بمناسمهم وأوجروك مشق رماحهم وشفار سيوفهم ووخز أسنتهم حتى تشهد بسوء ما أتيت وتتبين ضياع الحزم فيما جنيت فحذار حذار من سوء النية فإنها ترد الأمنية وتكون سببا لفساد هذين الحيين بعد صلاحهما وسعيا في اختلافهما بعد ائتلافهما حيث لا يضرهما إبساسك ولا يغني عنهما إيناسك

101 مقال عبد الرحمن بن أم الحكم

قال عبد الرحمن بن أم الحكم لله در ابن ملجم فقد بلغ الأمل وأمن الوجل وأحد الشفرة وألان المهرة وأدرك الثأر ونفي العار وفاز بالمنزلة العليا ورقى الدرجة القصوى

102 جواب ابن عباس

فقال ابن عباس أما والله لقد كرع كأس حتفه بيده وعجل الله إلى النار بروحه ولو أبدي لأمير المؤمنين صفحته لخالطه الفحل القطم والسيف الخذم ولألعقه صابا وسقاه سماما وألحقه بالوليد وعتبة وحنظلة فكلهم كان أشد منه شكيمة


107
وأمضي عزيمة ففرى بالسيف هامهم ورملهم بدمائهم وقري الذئاب أشلاءهم وفرق بينهم وبين أحبائهم أولئك حصب جهنم هم لها واردون فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ولا غرو إن ختل ولا وصمة إن قتل فإنا لكما قال دريد بن الصمة

( فإنا للحم السيف غير مكره ونلحمه طورا وليس بذي نكر )

( يغار علينا واترين فيشتفى بنا إن أصبنا أو نغير على وتر )

103 مقال المغيرة بن شعبة فقال المغيرة بن شعبة

أما والله لقد أشرت على علي بالنصيحة فآثر رأيه ومضي على غلوائه فكانت العاقبة عليه لا له وإني لأحسب أن خلفه يقتدون بمنهجه

104 جواب ابن عباس

فقال ابن عباس كان والله أمير المؤمنين عليه السلام أعلم بوجوه الرأي ومعاقد الحزم وتصريف الأمور من أن يقبل مشورتك فيما نهي الله عنه وعنف عليه قال سبحانه وتعالى


108

( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) ولقد وقفك على ذكر مبين وآية متلوة قوله تعالي ( وما كنت متخذ المضلين عضدا ) وهل كان يسوغ له أن يحكم في دماء المسلمين وفيء المؤمنين من ليس بمأمون عنده ولا موثوق به في نفسه هيهات هيهات هو أعلم بفرض الله وسنة رسوله أن يبطن خلاف ما يظهر إلا للتفية ولات حين تقية مع وضوح الحق وثبوت الجنان وكثرة الأنصار يمضي كالسيف المصلت في أمر الله مؤثرا لطاعة ربه والتقوى على آراء أهل الدنيا

105 مقال يزيد بن معاوية

فقال يزيد بن معاوية يا بن عباس إنك لتنطق بلسان طلق ينبئ عن مكنون قلب حرق فاطو على ما أنت عليه كشحا فقد محا ضوء حقنا ظلمة باطلكم


109

106 جواب ابن عباس

فقال ابن عباس مهلا يزيد فوالله ما صفت القلوب لكم منذ تكدرت بالعداوة عليكم ولا دنت بالمحبة إليكم مذ نأت بالبغضاء عنكم ولا رضيت اليوم منكم ما سخطت بالأمس من أفعالكم وإن تدل الأيام نستقض ما شذ عنا ونسترجع ما ابتز منا كيلا بكيل ووزنا بوزن وإن تكن الأخرى فكفي بالله وليا لنا ووكيلا على المعتدين علينا

107 مقال معاوية

فقال معاوية إن في نفسي منكم لحزازات يا بني هاشم وإني لخليق أن أدرك فيكم الثأر وأنفي العار فإن دماءنا قبلكم وظلامتنا فيكم

108 جواب ابن عباس

فقال ابن عباس والله إن رمت ذلك يا معاوية لتثيرن عليك أسدا مخدرة وأفاعي مطرقة لا يفثؤها كثرة السلاح ولا تعضها نكاية الجراح يضعون أسيافهم علي عواتقهم


110
يضربون قدما قدما من ناوأهم يهون عليهم نباح الكلاب وعواء الذئاب لا يفاتون بوتر ولا يسبقون إلى كريم ذكر وقد وطنوا علي الموت أنفسهم وسمت بهم إلى العلياء هممهم كما قالت الأزدية (

قوم إذا شهدوا الهياج فلا ضرب ينهنههم ولا زجر )

( وكأنهم آساد غينة قد غرثت وبل متونها القطر )

فلتكونن منهم بحيث أعددت ليلة الهرير للهرب فرسك وكان أكبر همك سلامة حشاشة نفسك ولولا طغام من أهل الشأم وقوك بأنفسهم وبذلوا دونك مهجهم حتى إذا ذاقوا وخز الشفار وأيقنوا بحلول الدمار رفعوا المصاحف مستجيرين بها وعائذين بعصمتها لكنت شلوا مطروحا بالعراء تسفي عليك رياحها ويعتورك ذئابها وما أقول هذا أريد صرفك عن عزيمتك ولا إزالتك عن معقود نيتك لكن الرحم التي تعطف عليك والأواصر التي توجب صرف النصيحة إليك

فقال معاوية لله درك يا بن عباس ما تكشف الأيام منك إلا عن سيف صقيل ورأي أصيل وبالله لو لم يلد هاشم غيرك لما نقص عددهم ولو لم يكن لأهلك سواك لكان الله قد كثرهم ثم نهض فقام ابن عباس وانصرف


111
عبد الله بن عباس وعمرو بن العاص

قام عمرو بن العاص في موسم من مواسم العرب فأطري معاوية بن أبي سفيان وبني أمية وتناول بني هاشم وذكر مشاهده بصفين واجتمعت قريش فأقبل عبد الله ابن عباس على عمرو فقال

109 مقال ابن عباس

يا عمرو إنك بعت دينك من معاوية وأعطيته ما بيدك ومناك ما بيد غيره فكان الذي أخذ منك أكثر من الذي أعطاك والذي أخذت منه دون الذي أعطيته وكل راض بما أخذ وأعطى فلما صارت مصر في يدك كدرها عليك بالعزل والتنغيص حتى لو كانت نفسك في يدك ألقيتها إليه وذكرت يومك مع أبي موسى


112
فلا أراك فخرت إلا بالغدر ولا مننت إلا بالفجور والغش وذكرت مشاهدك بصفين فوالله ما ثقلت علينا يومئذ وطأتك ولا نكتنا فيها حربك ولقد كشفت فيها عورتك وإن كنت فيها لطويل اللسان قصير السنان آخر الخيل إذا أقبلت وأولها إذا أدبرت لك يدان يد لا تبسطها إلى خير وأخرى لا تقبضها عن شر ولسان غرور ووجهان وجه موحش ووجه مؤنس ولعمري إن من باع دينه بدنيا غيره لحرى أن يطول حزنه على ما باع واشترى لك بيان وفيك خطل ولك رأى وفيك نكد ولك قدر وفيك حسد وأصغر عيب فيك أعظم عيب في غيرك

110 رد ابن العاص

فأجابه عمرو بن العاص والله ما في قريش أثقل على مسألة ولا أمر جوابا منك ولو استطعت ألا أجيبك لفعلت غير أني لم أبع ديني من معاوية ولكن بعث الله نفسي ولم أنس نصيبي من الدنيا وأما ما أخذت من معاوية وأعطيته فإنه لا تعلم العوان الخمرة وأما ما أتي إلى معاوية في مصر فإن ذلك لم يغيرنى له وأما خفة وطأتى عليكم بصفين فلما استثقلتم حياتي واستبطأتم وفاتي وأما الجبن فقد علمت قريش أني أول من يبارز وآخر من ينازل وأما طول لساني فإني كما قال هشام بن الوليد لعثمان ابن عفان رضي الله عنه


113
( لساني طويل فاحترس من شذاته عليك وسيفي من لساني أطول )

وأما وجهاي ولساناي فإني ألقي كل ذي قدر بقدره وأرمي كل نابح بحجره فمن عرف قدره كفاني نفسه ومن جهل قدره كفيته نفسي ولعمري ما لأحد من قريش مثل قدرك ما خلا معاوية فما ينفعني ذلك عندك وأنشأ عمرو يقول ( بني هاشم مالي أراكم كأنكم بي اليوم جهال وليس بكم جهل )

( ألم تعلموا أني جسور على الوغى سريع إلى الداعي إذا كثر القتل )

( وأول من يدعو نزال طبيعة جبلت عليها والطباع هو الجبل )

( وإني فصلت الأمر بعد اشتباهه بدومة إذا أعيا على الحكم الفصل )

( وأني لا أعيا بأمر أريده وأني إذا عجت بكار كم فحل )

111 عبد الله بن عباس وعمرو بن العاص أيضا

حج عمرو بن العاص فمر بعبد الله بن عباس فحسده مكانه وما رأى من هيبة الناس له وموقعه من قلوبهم فقال له يا بن عباس مالك إذا رأيتني وليتني القصرة وكان بين عينيك دبرة وإذا كنت في ملأ من الناس كنت


114
الهوهاة الهمزة فقال ابن عباس لأنك من اللئام الفجرة وقريش الكرام البررة لا ينطقون بباطل جهلوه ولا يكتمون حقا علموه وهم أعظم الناس أحلاما وأرفع الناس أعلاما دخلت في قريش ولست منها فأنت الساقط بين فراشين لا في بني هاشم رحلك ولا في بني عبد شمس راحلتك فأنت الأثيم الزنيم الضال المضل حملك معاوية على رقاب الناس فأنت تسطو بحلمه وتسمو بكرمه فقال عمرو أما والله إني لمسرور بك فهل ينفعني عندك قال ابن عباس حيث مال الحق ملنا وحيث سلك قصدنا

112 عمرو بن العاص وابن عباس

قال عمرو بن العاص لعبد الله بن عباس إن هذا الأمر الذي نحن وأنتم فيه ليس بأول أمر قاده البلاء وقد بلغ الأمر منا ومنكم ما ترى وما أبقت لنا هذه الحرب حياء ولا صبرا ولسنا نقول ليت الحرب عادت ولكنا نقول ليتها لم تكن كانت فانظر فيما بقي بغير ما مضى فإنك رأس هذا الأمر بعد علي وإنما هو أمير مطاع ومأمور مطيع ومشاور مأمون وأنت هو

113 مفاخرة عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس

تزوج عبد الله بن الزبير أم عمرو بنت منظور بن زبان الفزارية فلما دخل بها قال لها تلك الليلة أتدرين من معك في حجلتك قالت نعم عبد الله بن الزبير بن


115
العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى قال ليس غير هذا قالت فما الذي تريد قال معك من أصبح في قريش بمنزلة الرأس من الجسد لا بل بمنزلة العينين من الرأس قالت أما والله لو أن بعض بني عبد مناف حضرك لقال لك خلاف قولك فغضب وقال الطعام والشراب علي حرام حتى أحضرك الهاشميين وغيرهم من بني عبد مناف فلا يستطيعون لذلك إنكارا قالت إن أطعتني لم تفعل وأنت أعلم وشأنك فخرج إلى المسجد فرأى حلقة فيها قوم من قريش منهم عبد الله بن العباس وعبد الله ابن الحصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف فقال لهم ابن الزبير أحب أن تنطلقوا معي إلى منزلى فقام القوم بأجمعهم حتى وقفوا على باب بيته فقال ابن الزبير يا هذه اطرحي عليك سترك فلما أخذوا مجالسهم دعا بالمائدة فتغدى القوم فلما فرغوا قال لهم إنما جمعتكم لحديث ردته علي صاحبة الستر وزعمت أنه لو كان بعض بني عبد مناف حضرنى لما أقر لي بما قلت وقد حضرتم جميعا وأنت يا بن عباس ما تقول إني أخبرتها أن معها في خدرها من أصبح في قريش بمنزلة الرأس من الجسد لا بل بمنزلة العينين من الرأس فردت علي مقالتي

فقال ابن عباس أراك قصدت قصدي فإن شئت أن أقول قلت وإن شئت أن أكف كففت قال بل قل وما عسى أن تقول ألست تعلم أن أبي الزبير حواري رسول الله وأن أمي أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين


116
وأن عمتي خديجة سيدة نساء العالمين وأن صفية عمة رسول الله جدتي وأن عائشة أم المؤمنين خالتي فهل تستطيع لهذا إنكارا

قال ابن عباس لا ولقد ذكرت شرفا شريفا وفخرا فاخرا غير أنك تفاخر من بفخره فخرت وبفضله سموت قال وكيف ذلك قال لأنك لم تذكر فخرا إلا برسول الله وآله وأنا أولى بالفخر به منك قال ابن الزبير لو شئت لفخرت عليك بما كان قبل النبوة قال ابن عباس قد أنصف القارة من راماها نشدتكم الله أيها الحاضرون أعبد المطلب أشرف أم خويلد في قريش قالوا عبد المطلب قال أفهاشم كان أشرف فيها أم أسد قالوا بل هاشم قال أفعبد مناف أشرف أم عبد العزى قالوا عبد مناف فقال ابن عباس ( تنافرني يا بن الزبير وقد قضي عليك رسول الله لا قول هازل )


117

( ولو غيرنا يا بن الزبير فخرته ولكنما ساميت شمس الأصائل )

قضى لنا رسول الله وآله بالفضل في قوله ما افترقت فرقتان إلا كنت في خيرهما فقد فارقناك من بعد قصي بن كلاب أفنحن في فرقة الخير أم لا إن قلت نعم خصمت وإن قلت لا كفرت فضحك بعض القوم فقال ابن الزبير أما والله لولا تحرمك بطعامنا يا بن عباس لأعرقت جبينك قبل أن تقوم من مجلسك قال ابن عباس ولم أبباطل فالباطل لا يغلب الحق أم بحق فالحق لا يخشى من الباطل

فقالت المرأة من وراء الستر إني والله لقد نهيته عن هذا المجلس فأبى إلا ما ترون فقال ابن عباس مه أيتها المرأة اقنعي ببعلك فما أعظم الخطر وما أكرم الخبر فأخذ القوم بيد ابن عباس وكان قد عمي فقالوا انهض أيها الرجل فقد أفحمته غير مرة فنهض وقال

( ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا فلو ترك القطا لغفا وناما )

فقال ابن الزبير يا صاحب القطا أقبل علي فما كنت لتدعني حتى أقول وايم الله لقد عرف الأقوام أني سابق غير مسبوق وابن صواري وصديق متبجح في الشرف الأنيق خير من طليق وابن طليق فقال ابن عباس رسغت


118
بحرتك فلم تبق شيئا هذا الكلام مردود من امرئ حسود فإن كنت سابقا فإلى من سبقت وإن كنت فاخرا فبمن فخرت وإن كنت أدركت هذا الفخر بأسرتك دون أسرتنا فالفخر لك علينا وإن كنت إنما أدركته بأسرتنا فالفخر لنا عليك والكثكث في فمك ويديك وأما ما ذكرت من الطليق فوالله لقد ابتلي فصبر وأنعم عليه فشكر وإن كان والله لوفيا كريما غير ناقض بيعة بعد توكيدها ولا مسلم كتيبة بعد التأمر عليها فقال ابن الزبير أتعير الزبير بالجبن والله إنك لتعلم منه خلاف ذلك قال ابن عباس والله إني لا أعلم إلا أنه فر وما كر وحارب فما صبر وبايع فما تمم وقطع الرحم وأنكر الفضل ورام ما ليس له بأهل

( وأدرك منها بعض ما كان يرتجي وقصر عن جري الكرام وبلدا )

( وما كان إلا كالهجين أمامه عتاق فجاراه العتاق فأجهدا )

فقال ابن الزبير لم يبق يا بني هاشم غير المشاتمة والمضاربة فقال عبد الله بن الحصين


119
ابن الحرث أقمناه عنك يا بن الزبير وتأبى إلا منازعته والله لو نازعته من ساعتك إلى انقضاء عمرك ما كنت إلا كالسغب الظمآن يفتح فاه يستزيد من الريح فلا يشبع من سغب ولا يروى من عطش فقل إن شئت أو فدع وانصرف القوم ابن عباس وابن الزبير في مجلس مروان بن الحكم

وكان يوضع إلي جانب سرير مروان بن الحكم وهو يومئذ أمير المدينة سرير آخر أصغر من سريره فيجلس عليه عبد الله بن عباس إذا دخل وتوضع الوسائد فيما سوى ذلك فأذن مروان يوما للناس وإذا سرير آخر قد أحدث تجاه سرير مروان فأقبل ابن عباس فجلس على سريره وجاء عبد الله بن الزبير فجلس علي السرير المحدث وسكت مروان والقوم فإذا يد ابن الزبير تتحرك فعلم أنه يريد أن ينطق ثم نطق فقال

114 مقال ابن الزبير

إن ناسا يزعمون أن بيعة أبي بكر كانت غلطا وفلتة ومغالبة ألا إن شأن أبي بكر أعظم من أن يقال فيه هذا ويزعمون أنه لولا ما وقع لكان الأمر لهم وفيهم والله ما كان من أصحاب محمد أحد أثبت إيمانا ولا أعظم سابقة من أبي بكر فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله فأين هم حين عقد أبو بكر لعمر فلم يكن إلا ما قال ثم ألقى عمر حظهم في حظوظ وجدهم في جدود فقسمت تلك الحظوظ


120
فأخر الله سهمهم وأدحض جدهم وولي الأمر عليهم من كان أحق به منهم فخرجوا عليه خروج اللصوص على التاجر خارجا من القرية فأصابوا منه غرة فقتلوه ثم قتلهم الله به كل قتلة وصاروا مطرودين تحت بطون الكواكب

115 مقال ابن عباس

فقال ابن عباس على رسلك أيها القائل في أبي بكر وعمر والخلافة أما والله ما نالا ولا نال أحد منهما شيئا إلا وصاحبنا خير ممن نالا وما أنكرنا تقدم من تقدم لعيب عبناه عليه ولو تقدم صاحبنا لكان أهلا وفوق الأهل ولولا أنك إنما تذكر حظ غيرك وشرف امرئ سواك لكلمتك ولكن ما أنت وما لا حظ لك فيه اقتصر علي حظك ودع تيما لتيم وعديا لعدي وأمية لأمية ولو كلمني تيمي أو عدوي أو أموي لكلمته وأخبرته خبر حاضر عن حاضر لا خبر غائب عن غائب ولكن ما أنت وما ليس عليك فإن يكن في أسد بن عبد العزى شيء فهو لك أما والله لنحن أقرب بك عهدا وأبيض بك يدا وأوفر عندك نعمة ممن أمسيت تظن أنك تصول به علينا وما أخلق ثوب صفية بعد والله المستعان على ما تصفون

116 خطبة عبد الله بن عباس يرد على عبد الله بن الزبير وقد عاب بني هاشم

لما كاشف عبد الله بن الزبير بني هاشم وأظهر بغضهم وعابهم وهم بما هم به في أمرهم ولم يذكر رسول الله وآله في خطبه لا يوم الجمعة ولا غيرها


121
عاتبه على ذلك قوم من خاصته وتشاءموا بذلك منه وخافوا عاقبته فقال والله ما تركت ذلك علانية إلا وأنا أقوله سرا وأكثر منه لكني رأيت بني هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبوا واحمرت ألوانهم وطالت رقابهم والله ما كنت لآتي لهم سرورا وأنا أقدر عليه والله لقد هممت أن احظر لهم حظيرة ثم أضرمها عليهم نارا فإني لا أقتل منهم إلا آثما كفارا سحارا لا أنماهم الله ولا بارك عليهم بيت سوء لا أول لهم ولا آخر والله ما ترك نبي الله فيهم خيرا استفرغ نبي الله صدقهم فهم أكذب الناس فقام إليه محمد بن سعد بن أبي وقاص فقال وفقك الله يا أمير المؤمنين أنا أول من أعانك في أمرهم فقام عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي فقال والله ما قلت صوابا ولا هممت برشد أرهط رسول الله وآله تعيب وإياهم تقتل والعرب حولك والله لو قتلت عدتهم أهل بيت من الترك مسلمين ما سوغه الله لك والله لو لم ينصرهم الناس منك لنصرهم الله بنصره فقال اجلس أبا صفوان فلست بناموس فبلغ الخبر عبد الله بن العباس فخرج مغضبا ومعه ابنه حتى أتى المسجد فقصد قصد المنبر

فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله وآله ثم قال

أيها الناس إن ابن الزبير يزعم أن لا أول لرسول الله وآله ولا آخر فيا عجبا كل العجب لافترائه وتكذبه والله إن أول من أخذ الإيلاف


122
وحمى عيرات قريش لهاشم وإن أول من سقى بمكة عذبا وجعل باب الكعبة
123
ذهبا لعبد المطلب والله لقد نشأت ناشئتنا مع ناشئة قريش وإن كنا لقالتهم إذا قالوا وخطباءهم إذا خطبوا وما عد مجد كمجد أولنا ولا كان في قريش مجد لغيرنا لأنها في كفر ماحق ودين فاسق وضلة وضلالة في عشواء عمياء حتى اختار الله تعالى لها نورا وبعث لها سراجا فانتجبه طيبا من طيبين لا يسب بمسبة ولا يبغى عليه غائلة فكان أحدنا وولدنا وعمنا وابن عمنا ثم إن أسبق السابقين إليه منا وابن عمنا ثم تلاه في السبق أهلنا ولحمتنا واحدا بعد واحد ثم إن لخير الناس بعده أكرمهم أدبا وأشرفهم حسبا وأقربهم منه رحما

واعجبا كل العجب لابن الزبير يعيب بني هاشم وإنما شرف هو وأبوه وجده بمصاهرتهم أما والله إنه لمصلوب قريش ومتى كان العوام بن خويلد يطمع في صفية بنت عبد المطلب قيل للبغل من أبوك يا بغل فقال خالي الفرس ثم نزل

117 خطبة ابن الزبير ينتقص ابن عباس

وخطب ابن الزبير بمكة على المنبر وابن عباس جالس مع الناس تحت المنبر فقال إن ها هنا رجلا قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره يزعم أن متعة النساء حلال من


124
الله ورسوله ويفتي في القملة والنملة وقد احتمل بيت مال البصرة بالأمس وترك المسلمين بها يرتضخون النوى وكيف ألومه في ذلك وقد قاتل أم المؤمنين وحواري رسول الله ومن وقاه بيده
125

118 رد ابن عباس عليه

فقال ابن عباس لقائده سعيد بن جبير مولى بني أسد بن خزيمة وكان ابن عباس قد كف بصره استقبل بي وجه ابن الزبير وارفع من صدري فاستقبل به قائده وجه ابن الزبير وأقام قامته فحسر عن ذراعيه ثم قال يا بن الزبير ( قد أنصف القارة من راماها إنا إذا مافئة نلقاها )

( نرد أولاها على أخراها حتى تصير حرضا دعواها )

يا بن الزبير أما العمى فإن الله تعالى يقول ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) وأما فتياي في القملة والنملة فإن فيها حكمين لا تعلمهما أنت ولا أصحابك وأما حملى المال فإنه كان مالا جبيناه فأعطينا كل ذى حق حقه وبقيت بقية هي دون حقنا في كتاب الله فأخذناها بحقنا وأما المتعة فسل أمك أسماء إذا نزلت عن بردى عوسجة وأما قتالنا أم المؤمنين فبنا سميت أم المؤمنين لا بك ولا بأبيك فانطلق أبوك وخالك إلى حجاب مده الله عليها فهتكاه عنها ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دونها وصانا حلائلهما في بيوتهما فما أنصفا الله ولا محمدا من أنفسهما أن أبرزا زوجة نبيه وصانا حلائلهما وأما قتالنا إياكم فإنا لقيناكم زحفا فإن كنا كفارا فقد كفرتم بفراركم منا وإن كنا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيانا وايم الله لولا مكان صفية فيكم ومكان خديجة فينا لما تركت لبني أسد بن عبد العزى عظما إلا كسرته


126

فلما عاد ابن الزبير إلى أمه سألها عن بردى عوسجة فقالت ألم أنهك عن ابن عباس وعن بني هاشم فإنهم كعم الجواب إذا بدهوا فقال بلى وعصيتك فقالت يا بني احذر هذا الأعمى الذي ما أطاقته الإنس والجن واعلم أن عنده فضائح قريش ومخازيها بأسرها فإياك وإياه آخر الدهر

ورواية صاحب العقد أن ابن عباس قال لعكرمة أقم وجهي نحوه يا عكرمة ثم قال

( إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وعقلي منهما نور )

وأما قولك يا بن الزبير إني قاتلت أم المؤمنين فأنت أخرجتها وأبوك وخالك وبنا سميت أم المؤمنين فكنا لها خير بنين فتجاوز الله عنها وقاتلت أنت وأبوك عليا فإن كان على مؤمنا فقد ضللتم بقتالكم المؤمنين وإن كان كافرا فقد بؤتم بسخط من الله بفراركم من الزحف وأما المتعة فإني سمعت علي بن أبي طالب يقول سمعت رسول الله رخص فيها فأفتيت بها ثم ثم سمعته ينهى عنها فنهيت عنها


127
وأول مجمر سطع في المتعة مجمر آل الزبير

119 عبد الله بن جعفر المتوفى سنة 80ه وعمرو بن العاص

قال ابن أبي الحديد روى المدائنى قال

بينا معاوية يوما جالسا وعنده عمرو بن العاص إذ قال الآذن قد جاء عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب فقال عمرو والله لأسوأنه اليوم فقال معاوية لا تفعل يا أبا عبد الله فإنك لا تنتصف منه ولعلك أن تظهر لنا من منقبته ما هو خفي عنا وما لا نحب أن نعلمه منه وغشيهم عبد الله بن جعفر فأدناه معاوية وقربه فمال عمرو إلى بعض جلساء معاوية فنال من علي عليه السلام جهارا غير ساتر له وثلبه ثلبا قبيحا فامتقع لون عبد الله واعتراه أفكل حتى أرعدت خصائله ثم نزل عن السرير كالفنيق فقال عمرو مه يا أبا جعفر فقال له عبد الله مه لا أم لك ثم قال

( أظن الحلم دل على قومي وقد يتجهل الرجل الحليم )


128
ثم حسر عن ذراعيه وقال يا معاوية حتام نتجرع غيظك وإلى كم الصبر على مكروه قولك وسيئ أدبك وذميم أخلاقك هبلتك الهبول أما يزجرك ذمام المجالسة عن القذع لجليسك إذا لم تكن لك حرمة من دينك تنهاك عما لا يجوز لك والله لو عطفتك أواصر الأرحام أو حاميت على سهمك من الإسلام ما أرعيت بني الإماء المتك والعبيد السك أعراض قومك وما يجهل موضع الصفوة إلا أهل الجفوة وإنك لتعرف وشائج قريش وصفوة غرائزها فلا يدعونك تصويب ما فرط من خطئك في سفك دماء المسلمين ومحاربة أمير المؤمنين إلى التمادي فيما قد وضح لك الصواب في خلافه فاقصد لمنهج الحق فقد طال عمهك عن سبيل الرشد وخبطك في ديجور ظلمة الغي فإن أبيت أن لا تتابعنا في قبح اختيارك لنفسك فأعفنا عن سوء القالة فينا إذا ضمنا وإياك الندي وشأنك وما تريد إذا خلوت والله حسيبك فوالله لولا ما جعل الله لنا في يديك لما أتيناك ثم قال إن كلفتني ما لم أطق ساءك ما ستر مني من خلق
129

فقال معاوية يا أبا جعفر نغير الخطأ أقسمت عليك لتجلسن لعن الله من أخرج ضب صدرك من وجاره محمول لك ما قلت ولك عندنا ما أملت فلو لم يكن محتدك ومنصبك لكان خلقك وخلقك شافعين لك إلينا وأنت ابن ذي الجناحين وسيد بني هاشم فقال عبد الله كلا بل سيد بني هاشم حسن وحسين لا ينازعهما في ذلك أحد فقال أبا جعفر أقسمت عليك لما ذكرت حاجة لك إلا قضيتها كائنة ما كانت ولو ذهبت بجميع ما أملك فقال أما في هذا في المجلس فلا ثم انصرف فأتبعه معاوية يصره فقال والله لكأنه رسول الله وآله مشيه وخلقه وخلقه وإنه لمن مشكاته لوددت أنه أخي بنفيس ما أملك

ثم التفت إلى عمرو فقال أبا عبد الله ما تراه منعه من الكلام معك قال ما لا خفاء به عنك قال أظنك تقول إنه هاب جوابك لا والله ولكنه ازدراك واستحقرك ولم يرك للكلام أهلا أما رأيت إقباله علي دونك ذاهبا بنفسه عنك فقال عمرو فهل لك أن تسمع ما أعددته لجوابه قال معاوية أرغب إليك أبا عبد الله فلات حين جواب فيما يرى اليوم ونهض معاوية وتفرق الناس

130 الحسن بن علي وعمرو بن العاص

ووفد الحسن بن على رضي الله عنه على معاوية فقال عمرو بن العاص لمعاوية يا أمير المؤمنين إن الحسن رجل افه فلو حملته على المنبر فتكلم وسمع الناس كلامه عابوه وسقط من عيونهم ففعل فصعد على المنبر وتكلم فأحسن ثم قال أيها الناس لو


130
طلبتم ابنا لنبيكم ما بين جابرس إلى جابلق لم تجدوه غيري وغير أخي ( وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ) فساء ذلك عمرا وأراد أن يقطع كلامه فقال له أبا محمد هل تنعت الرطب فقال أجل تلقحه الشمال وتخرجه الجنوب وينضجه برد الليل بحر النهار قال أبا محمد هل تنعت الخراءة قال نعم تبعد الممشي في الأرض الصحصح حتى تتوارى من القوم ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولا تستنج بالروثة ولا العظم ولا تبل في الماء الراكد وأخذ في كلامه

121 الحسن بن علي ومروان بن الحكم

بينما معاوية بن أبي سفيان جالس في أصحابه إذ قيل له الحسن بالباب فقال معاوية إن دخل أفسد علينا ما نحن فيه فقال له مروان بن الحكم ائذن له فإني أسأله ما ليس عنده فيه جواب قال معاوية لا تفعل فإنهم قوم قد ألهموا الكلام وأذن له فلما دخل وجلس قال له مروان أسرع الشيب إلى شاربك يا حسن ويقال إن ذلك من الخرق فقال الحسن ليس كما بلغك ولكنا معشر بني هاشم أفواهنا عذبة


131
شفاهها فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهن وقبلهن وأنتم معشر بني أمية فيكم بخر شديد فنساؤكم يصرفن أفواههن وأنفاسهن عنكم إلى أصداغكم فإنما يشيب منكم موضع العذار من أجل ذلك قال مروان إن فيكم يا بني هاشم خصلة سوء قال وما هي قال الغلمة قال أجل نزعت الغلمة من نسائنا ووضعت في رجالنا ونزعت الغلمة من رجالكم ووضعت في نسائكم فما قام لأموية إلا هاشمي فغضب معاوية وقال قد كنت أخبرتكم فأبيتم حتى سمعتم ما أظلم عليكم بيتكم وأفسد عليكم مجلسكم

122 عقيل بن أبي طالب ومعاوية

وكان عقيل بن أبي طالب قد خرج الي معاوية مغاضبا لأخيه الإمام علي كرم الله وجهه فأكرمه معاوية وقربه إليه وقضى حوائجه وقضى عنه دينه ثم قال له في بعض الأيام والله إن عليا غير حافظ لك قطع قرابتك وما وصلك ولا اصطنعك قال له عقيل والله لقد اجزل العطية وأعظمها ووصل القرابة وحفظها وحسن ظنه بالله إذ ساء به ظنك وحفظ أمانته وأصلح رعيته إذ خنتم وأفسدتم وجرتم فاكفف لا أبا لك فإنه عما تقول بمعزل

وقال له معاوية يوما أبا يزيد أنا لك خير من أخيك علي قال صدقت إن


132
أخي آثر دينه على دنياه وأنت آثرت دنياك على دينك فأنت خير لي من أخي وأخي خير لنفسه منك

وقال له مرة أنت معنا يا أبا يزيد قال ويوم بدر قد كنت معكم

وقال له يوما إن عليا قد قطعك ووصلتك ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على على المنبر قال أفعل فأصعد فصعد ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه أيها الناس إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب فالعنوه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ثم نزل فقال له معاوية إنك لم تبين أبا يزيد من لعنت بيني وبينه قال والله لا زدت حرفا ولا نقصت آخر والكلام إلي نية المتكلم

ودخل عقيل على معاوية وقد كف بصره فأجلسه على سريره ثم قال له أنتم معشر بني هاشم تصابون في أبصاركم قال وأنتم معشر بني أمية تصابون في بصائركم

وقال له يوما ما أبين الشبق في رجالكم يا بني هاشم قال لكنه في نسائكم أبين يا بني أمية

وقال معاوية يوما يا أهل الشأم هل سمعتم قول الله تبارك وتعالى في كتابه ( تبت يدا أبي لهب وتب ) قالوا نعم قال فإن أبا لهب عمه فقال عقيل فهل سمعتم قول الله عز وجل ( وامرأته حمالة الحطب ) قالوا نعم قال فإنها عمته ثم


133
قال يا معاوية إذا دخلت النار فاعدل ذات اليسار فإنك ستجد عمي أبا لهب مفترشا عمتك حمالة الحطب فانظر أيهما خير

وقال له معاوية يوما والله إن فيكم لخصلة ما تعجبني يا بني هاشم قال وما هي قال لين فيكم قال لين ماذا قال هو ذاك قال إيانا تعير يا معاوية أجل والله إن فينا للينا من غير ضعف وعزا من غير جبروت وأما أنتم يا بني أمية فإن لينكم غدر وعزكم كفر قال معاوية ما كل هذا أردنا يا أبا يزيد

وقال معاوية لعقيل لم جفوتنا يا أبا يزيد فأنشأ يقول

( إني امرؤ مني التكرم شيمة إذا صاحبي يوما على الهون أضمرا )

ثم قال وايم الله يا معاوية لئن كانت الدنيا مهدتك مهادها وأظلتك بحذافير أهلها ومدت عليك أطناب سلطانها ما ذاك بالذي يزيدك مني رغبة ولا تخشعا لرهبة قال معاوية لقد نعتها أبا يزيد نعتا هش لها قلبي وإني لأرجو أن يكون الله تبارك وتعالى ما رداني برداء ملكها وحباني بفضيلة عيشها إلا لكرامة ادخرها لي وقد كان داود خليفة وسليمان ملكا وإنما هو المثال يحتذى عليه والأمور أشباه وايم الله يا أبا يزيد لقد أصبحت علينا كريما وإلينا حبيبا وما أصبحت أضمر لك إساءة


134

123 خطبة السيدة أم كلثوم بنت علي في أهل الكوفة بعد مقتل الحسين عليهم السلام

لما قتل الحسين بن علي عليهما السلام وأدخل النسوة من كربلاء إلى الكوفة جعلت نساؤها يلتدمن ويهتكن الجيوب عليه فرفع على بن الحسين عليهما السلام رأسه وقال بصوت ضئيل وقد نحل من المرض يا أهل الكوفة إنكم تبكون علينا فمن قتلنا غيركم وأومأت أم كلثوم بنت علي عليهما السلام إلى الناس أن اسكتوا فلما سكنت الأنفاس وهدأت الأجراس قالت ابدأ بحمد الله والصلاة والسلام على أبيه أما بعد يأهل الكوفة يأهل الختر والخذل لا فلا رقأت العبرة ولا هدأت الرنة إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ألا وهل فيكم إلا الصلف والشنف وملق الإماء وغمز الأعداء وهل أنتم


135
إلا كمرعى على دمنة وكفضة على ملحوذه ألا ساء ما قدمت أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون أتبكون إي والله فابكوا وإنكم والله أحرياء بالبكاء فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا فلقد فزتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شبان أهل الجنة ومنار محجتكم ومدره حجتكم ومفرخ نازلتكم فتعسا ونكسا لقد خاب السعي وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم وأي كريمة له أبرزتم وأي دم له سفكتم لقد جئتم بها شوهاء خرقاء شرها طلاع الأرض والسماء أفعجبتم أن قطرت السماء دما ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون فلا يستخفنكم المهل فإنه لا تحفزه المبادرة ولا يخاف عليه فوت الثار كلا إن ربك لنا ولهم لبالمرصاد ثم
136
ولت عنهم فظل الناس حيارى وقد ردوا أيديهم إلى أفواههم وقال شيخ كبير من بني جعفي وقد اخضلت لحيته من دموع عينيه

( كهولهم خير الكهول ونسلهم إذا عد نسل لا يبور ولا يخزى )

124 خطبة السيدة زينب بنت علي عليهما السلام بين يدي يزيد

ولما وجه عبيد الله بن زياد آل الحسين عليه السلام إلى يزيد بدمشق ومثلوا بين يديه أمر برأس الحسين فأبرز في طست فجعل ينكت ثناياه بقضيب في يده وهو يقول من أبيات

( ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل )

( لأهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا يا يزيد لا تشل )

( فجزيناهم ببدر مثلها وأقمنا ميل بدر فاعتدل )

فقالت زينب بنت علي عليهما السلام صدق الله ورسوله يا يزيد ( ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون ) أظننت يا يزيد أنه حين أخذ علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء فأصبحنا نساق كما يساق


137
الأسارى أن بنا هوانا على الله وبك عليه كرامة وأن هذا لعظيم خطرك فشمخت بأنفك ونظرت في عطفيك جذلان فرحا حين رأيت الدنيا مستوسقة لك والأمور متسقة عليك وقد أمهلت ونفست وهو قول الله تبارك وتعالى ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ) أمن العدل يا بن الطلقاء تخديرك نساءك وإماءك وسوقك بنات رسول الله قد هتكت ستورهن وأصحلت صوتهن مكتئبات تخدي بهن الأباعر ويحدو بهن الأعادي من بلد إلى بلد لا يراقبن ولا يؤوين يتشوفهن القريب والبعيد ليس معهن ولي من رجالهن وكيف يستبطأ في بغضتنا من نظر إلينا بالشنف والشنآن والإحن والأضغان أتقول ليت أشياخي ببدر شهدوا غير متأثم ولا مستعظم وأنت تنكت ثنايا أبي عبد الله بمخصرتك ولم لا تكون كذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة بإهراقك دماء ذرية رسول الله ونجوم
138
الأرض من آل عبد المطلب ولتردن على الله وشيكا موردهم ولتودن أنك عميت وبكمت وأنك لم تقل فاستهلوا وأهلوا فرحا اللهم خذ بحقنا وانتقم لنا ممن ظلمنا والله ما فريت إلا في جلدك ولا حززت إلا في لحمك وسترد على رسول الله برغمك وعترته ولحمته في حظيرة القدس يوم يجمع الله شملهم ملمومين من الشعث وهو قول الله تبارك وتعالى ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) وسيعلم من بوأك ومكنك من رقاب المؤمنين إذا كان الحكم لله والخصم محمد وجوارحك شاهدة عليك فبئس للظالمين بدلا أيكم شر مكانا وأضعف جندا مع أني والله يا عدو الله وابن عدوه أستصغر قدرك وأستعظم تقريعك غير أن العيون عبرى والصدور حرى وما يجزي ذلك أو يغني عنا وقد قتل الحسين عليه السلام وحزب الشيطان يقربنا إلى حزب السفهاء ليعطوهم أموال الله على انتهاك محارم الله فهذه الأيدي تنطف من دمائنا وهذه الأفواه تتحلب من لحومنا وتلك الجثث الزواكى يعتامها عسلان الفلوات فلئن اتخذتنا مغنما لتتخذن مغرما حين لا تجد إلا ما قدمت يداك تستصرخ يا بن مرجانة ويستصرخ بك وتتعاوى وأتباعك
139
عند الميزان وقد وجدت أفضل زاد زودك معاوية فتلك ذرية محمد فوالله ما اتقيت غير الله ولا شكواي إلا إلى الله فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا يرحض عنك عار ما أتبت إلينا أبدا والحمد لله الذي ختم بالسعادة والمغفرة لسادات شبان الجنان فأوجب لهم الجنة اسأل الله أن يرفع لهم الدرجات وأن يوجب لهم المزيد من فضله فإنه ولي قدير

125 رثاء الحسين لأخية الحسن عليهما السلام

وقال الحسين بن علي عند قبر أخيه الحسن عليهما السلام رحمك الله أبا محمد إن كنت لتناصر الحق مظانه وتؤثر الله عند تداحض الباطل في مواطن التقية بحسن الروية وتستشف جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة وتفيض عليها يدا طاهرة الأطراف نقية الأسرة وتردع بادرة غرب أعدائك بأيسر المئونة عليك ولا غرو وأنت ابن سلالة النبوة ورضيع لبان الحكمة فإلى روح وريحان وجنة نعيم أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه ووهب لنا ولكم السلوة وحسن الأسى عنه


140

عبد الله بن هاشم بن عتبة وعمرو بن العاص في مجلس معاوية

روى المسعودى في مروج الذهب قال لما قتل علي كرم الله وجهه كان في نفس معاوية من يوم صفين على هاشم ابن عتبة بن أبي وقاص المرقال وولده عبد الله بن هاشم إحن فلما استعمل معاوية زيادا على العراق كتب إليه أما بعد فانظر عبد الله بن هاشم بن عتبة فشد يده إلى عنقه ثم ابعث به إلى فحمله زياد من البصرة مقيدا مغلولا إلى دمشق وقد كان زياد طرقه بالليل في منزله بالبصرة فدخل إلى معاوية وعنده عمرو بن العاص فقال معاوية لعمرو بن العاص هل تعرف هذا قال لا قال هذا الذي يقول أبوه يوم صفين

( إني شريت النفس لما اعتلا وأكثر اللوم وما أقلا )

( أعور يبغي أهله محلا قد عالج الحياة حتى ملا )

( لا بد أن يفل أو يفلا يتلهم بذي الكعوب تلا )

( لا خير عندي في كريم ولى )


141

فقال عمرو متمثلا

( وقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هيا )

( دونك يا أمير المؤمنين الضب الضب فاشخب أوداجه على أسباجه ولا ترده إلى أهل العراق فإنه لا يصبر على النفاق وهم أهل غدر وشقاق وحزب إبليس ليوم هيجانه وإن له هوى سيوديه ورأيا سيطغيه وبطانة ستقويه ( وجزاء سيئة سيئة مثلها )


142

فقال عبد الله يا عمرو إن أقتل فرجل أسلمه قومه وأدركه يومه أفلا كان هذا منك إذ تحيد عن القتال ونحن ندعوك إلى النزال وأنت تلوذ بشمال النطاف وعقائق الرصاف كالأمة السوداء والنعجة القوداء لا تدفع يد لامس

فقال عمرو أما والله لقد وقعت في لهاذم شدقم للأقران ذي لبد ولا أحسبك منفلتا من مخاليب أمير المؤمنين

فقال عبد الله أما والله يا بن العاص إنك لبطر في الرخاء جبان عند اللقاء غشوم إذا وليت هياب إذا لقيت تهدر كما يهدر العود المنكوس المقيد بين مجري الشول لا يستعجل في المدة ولا يرتجي في الشدة أفلا كان هذا منك إذ غمرك أقوام لم يعنفوا صغارا ولم يمزقوا كبارا لهم أيد شداد وألسنة حداد


143
يدعمون العوج ويذهبون الحرج يكثرون القليل ويشفون الغليل ويعزون الذليل

فقال عمرو أما والله لقد رأيت أباك يومئذ تخفق أحشاؤه وتبق أمعاؤه وتضطرب أصلاؤه كأنما انطبق عليه ضمد

فقال عبد الله يا عمرو إنا قد بلوناك ومقالتك فوجدنا لسانك كذوبا غادرا خلوت بأقوام لا يعرفونك وجند لا يسأمونك ولو رمت المنطق في غير أهل الشأم لجحظ إليه عقلك ولتلجلج لسانك ولاضطرب فخذاك اضطراب القعود الذي أثقله حمله

فقال معاوية إيها عنكما وأمر بإطلاق عبد الله فقال عمرو لمعاوية

( أمرتك أمرا حازما فعصيتني وكان من التوفيق قتل ابن هاشم )

( أليس أبوه يا معاوية الذي أعان عليا يوم حز الغلاصم )

( فلم ينثني حتى جرت من دمائنا بصفين أمثال البحور الخضارم )

( وهذا ابنه والمرء يشبه سنخه ويوشك أن تقرع به سن نادم )


144

فقال عبد الله يجيبه

( معاوي إن المرء عمرا أبت له ضغينة صدر غشها غير نائم )

( يرى لك قتلي يا بن هند وإنما يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم )

( على أنهم لا يقتلون أسيرهم إذا منعت منه عهود المسالم )

( وقد كان منا يوم صفين نعرة عليك جناها هاشم وابن هاشم )

( قضى ما انقضى منها وليس الذي مضى ولا ما جرى إلا كأضغاث حالم )

( فإن تعف عني تعف عن ذي قرابة وإن تر قتلي تستحل محارمي )

فقال معاوية

( أرى العفو عن عليا قريش وسيلة إلى الله في اليوم العصيب القماطر )

( ولست أرى قتل العداة ابن هاشم بإدراك ثأري في لؤى وعامر )

( بل العفو عنه بعد ما بان جرمه وزلت به إحدى الجدود العوائر )

( فكان أبوه يوم صفين جمرة علينا فأردته رماح نهابر )


145

127 عبد الله بن هاشم في مجلس معاوية

وحضر عبد الله بن هاشم ذات يوم مجلس معاوية فقال معاوية من يخبرني عن الجود والنجدة والمروءة فقال عبد الله يا أمير المؤمنين أما الجود فابتذال المال والعطية قبل السؤال وأما النجدة فالجراءة على الإقدام والصبر عند ازورار الأقدام وأما المروءة فالصلاح في الدين والإصلاح للحال والمحاماة عن الجار

قيس بن سعد بن عبادة ومعاوية

ودخل قيس بن سعد بن عبادة بعد وفاة علي ووقوع الصلح في جماعة من الأنصار على معاوية فقال لهم معاوية

128 مقال معاوية

يا معشر الأنصار بم تطلبون ما قبلي فوالله لقد كنتم قليلا معي كثيرا مع علي ولقد فللتم حدي يوم صفين حتى رأيت المنايا تلظي في أسنتكم وهجوتموني في أسلافي بأشد من وقع الأسنة حتى إذا أقام الله منا ما حاولتم ميله قلتم ارع فينا وصية رسول الله هيهات يأبي الحقير الغدرة


146

129 رد قيس بن سعد

فقال قيس نطلب ما قبلك بالإسلام الكافي به الله لا بما نمت به إليك من الأحزاب وأما عداوتنا لك فلو شئت كففتها عنك وأما هجاؤنا إياك فقول يزول باطله ويثبت حقه وأما استقامة الأمر فعلى كره كان منا وأما فلنا حدك يوم صفين فإنا كنا مع رجل نرى طاعته لله طاعة وأما وصية رسول الله بنا فمن آمن به رعاها بعده وأما قولك يأبى الحقير الغدرة فليس دون الله يد تحجزك منا يا معاوية

فقال معاوية يموه ارفعوا حوائجكم

130 معاوية وصعصعة بن صوحان وعبد الله بن الكواء

روى المسعودي في مروج الذهب قال حبس معاوية صعصعة بن صوحان العبدى وعبد الله بن الكواء اليشكري ورجالا من أصحاب علي مع رجال من قريش فدخل عليهم معاوية يوما فقال نشدتكم بالله إلا ما قلتم حقا وصدقا أي الخلفاء رأيتموني فقال ابن الكواء لولا أنك عزمت علينا ما قلنا لأنك جبار عنيد لا تراقب الله في قتل الأخيار ولكنا نقول إنك ما علمنا واسع الدنيا ضيق الآخرة قريب الثرى بعيد المرعى تجعل الظلمات نورا والنور ظلمات فقال معاوية إن الله أكرم هذا الأمر


147
بأهل الشام الذابين عن بيضته التاركين لمحارمه ولم يكونوا كأمثال أهل العراق المنتهكين لمحارم الله والمحلين ما حرم الله والمحرمين ما أحل الله فقال عبد الله ابن الكواء يا بن أبي سفيان إن لكل كلام جوابا ونحن نخاف جبروتك فإن كنت تطلق ألسنتنا ذببنا عن أهل العراق بألسنة حداد لا يأخذها في الله لومة لائم وإلا فإنا صابرون حتى يحكم الله ويضعنا علي فرجه قال والله لا يطاق لك لسان

ثم تكلم صعصعة فقال تكلمت يا بن أبي سفيان فأبلغت ولم تقصر عما أردت وليس الأمر علي ما ذكرت أني يكون الخليفة من ملك الناس قهرا ودانهم كبرا واستولي بأسباب الباطل كذبا ومكرا أما والله مالك في يوم بدر مضرب ولا مرمي وما كنت فيه إلا كما قال القائل لا حلي ولا سيري ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير ممن أجلب علي رسول الله وإنما أنت طليق ابن طليق أطلقكما رسول الله فأني تصلح الخلافة لطليق فقال معاوية لولا أني أرجع إلي قول أبي طالب حيث يقول

( قابلت جهلهم حلما ومغفرة والعفو عن قدرة ضرب من الكرم ) لقتلتكم

131 صعصعة بن صوحان ومعاوية

ودخل صعصعة بن صوحان علي معاوية فقال له

يا بن صوحان أنت ذو معرفة بالعرب وحالها فأخبرني عن أهل البصرة وإياك والحمل علي قوم لقوم قال البصرة واسطة العرب ومنتهى الشرف والسودد وهم أهل الخطط في أول الدهر وآخره وقد دارت بهم سروات العرب كدوران الرحى علي قطبها قال فأخبرني عن أهل الكوفة قال قبة الإسلام وذروة الكلام ومصان ذوي الأعلام إلا أن بها أجلافا تمنع ذوي الأمر الطاعة وتخرجهم عن الجماعة وتلك أخلاق ذوي الهيئة والقناعة قال فأخبرني عن أهل الحجاز قال أسرع الناس إلي قتنة وأضعفهم عنها وأقلهم غناء فيها غير أن لهم ثباتا بالدين وتمسكا بعروة اليقين يتبعون الأئمة الأبرار ويخلعون الفسقة الفجار فقال معاوية من البررة والفسقة فقال يا بن أبي سفيان ترك الخداع من كشف القناع علي وأصحابه من الأئمة الأبرار وأنت وأصحابك من أولئك ثم أحب معاوية أن يمضي صعصعة في كلامه بعد أن بان فيه الغضب فقال أخبرني عن القبة الحمراء في ديار مضر قال


148

( قابلت جهلهم حلما ومغفرة والعفو عن قدرة ضرب من الكرم ) لقتلتكم

131 صعصعة بن صوحان ومعاوية

ودخل صعصعة بن صوحان على معاوية فقال له يا بن صوحان أنت ذو معرفة بالعرب وبحالها فأخبرني عن أهل البصرة وإياك والحمل على قوم لقوم قال البصرة واسطة العرب ومنتهى الشرف والسودد وهم أهل الخطط في أول الدهر وآخره وقد دارت بهم سروات العرب كدوران الرحى على قطبها قال فأخبرني عن أهل الكوفة قال قبة الإسلام وذروة الكلام ومصان ذوي الأعلام إلا أن بها أجلافا تمنع ذوي الأمر الطاعة وتخرجهم عن الجماعة وتلك أخلاق ذوي الهيئة والقناعة قال فأخبرني عن أهل الحجاز قال أسرع الناس إلى قتنه وأضعفهم عنها وأقلهم غناء فيها غير أن لهم ثباتا في الدين وتمسكا بعروة اليقين يتبعون الأئمة الأبرار ويخلعون الفسقة الفجار فقال معاوية من البررة والفسقة فقال يا بن أبي سفيان ترك الخداع من كشف القناع علي وأصحابه من الأئمة الأبرار وأنت وأصحابك من أولئك ثم أحب معاوية أن يمضي صعصعة في كلامه بعد أن بان فيه الغضب فقال أخبرني عن القبة الحمراء في ديار مضر قال


149
أسد مضر بسلاء بين غيلين إذا أرسلتما افترست وإذا تركتها احترست فقال معاوية هنالك يا بن صوحان العز الراسي فهل في قومك مثل هذا قال هذا لأهله دونك يا بن أبي سفيان ومن أحب قوما حشر معهم قال فأخبرني عن ديار ربيعة ولا يستخفنك الجهل وسابقة الحمية بالتعصب لقومك قال والله ما أنا عنهم براض ولكني أقول فيهم وعليهم هم والله أعلام الليل وأذناب في الدين والميل لن تغلب رايتها إذا رشحت خوارج الدين برازخ اليقين من نصروه فلج ومن خذلوه زلج قال فأخبرني عن مضر قال كنانة العرب ومعدن العز والحسب يقذف البحر بها آذيه والبر رديه ثم أمسك معاوية فقال له صعصعة سل يا معاوية وإلا أخبرتك بما تحيد عنه قال وما ذاك يا بن صوحان قال أهل الشأم قال فأخبرني عنهم قال أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم للخالق عصاة الجبار وخلفة الأشرار فعليهم الدمار ولهم سوء الدار فقال معاوية والله
150
يا بن صوحان إنك لحامل مديتك منذ أزمان إلا أن حلم ابن أبي سفيان يرد عنك فقال صعصعة بل أمر الله وقدرته إن أمر الله كان قدرا مقدورا

132 صعصعة بن صوحان وعبد الله بن عباس

وروى المسعودى في مروج الذهب أيضا قال عن مصقلة بن هبيرة الشيبانى قال سمعت صعصعة بن صوحان وقد سأله ابن عباس ما السودد فيكم فقال إطعام الطعام ولين الكلام وبذل النوال وكف المرء نفسه عن السؤال والتودد للصغير والكبير وأن يكون الناس عندك شرعا قال فما المروءة قال أخوان اجتمعا فإن لقيا قهرا وإن كان حارسهما قليل وصاحبهما جليل محتاجان إلى صيانة مع نزاهة وديانة قال فهل تحفظ في ذلك شعرا قال نعم أما سمعت قول مرة بن ذهل بن شيبان حيث يقول

( إن السيادة والمروءة علقا حيث السماء من السماك الأعزل )

( وإذا تقابل مجريان لغاية عثر الهجين وأسلمته الأرجل )

( ويجي الصريح مع العتاق معودا قرب الجياد فلم يجئه الأفكل )


151
في أبيات فقال له ابن عباس لو أن رجلا ضرب آباط إبله مشرفا ومغريا لفائدة هذه الأبيات ما عنفته إنا منك يا بن صوحان لعلى علم وحلم واستنباط ما قد عفا من أخبار العرب فمن الحليم فيكم قال من ملك غضبه فلم يفعل وسعي إليه بحق أو باطل فلم يقبل ووجد قاتل أبيه وأخيه فصفح ولم يقتل ذلك الحليم يا بن عباس قال فهل تجد ذلك فيكم كثيرا قال ولا قليلا وإنما وضعت لك أقواما لا تجدهم إلا خاشعين راهبين لله مريدين ينيلون ولا ينالون فأما الآخرون فإنهم سبق جهلهم حلمهم ولا يبالي أحدهم إذا ظفر ببغيته حين الحفيظة من كان بعد أن يدرك زعمه ويقضي بغيته ولو وتره أبوه لقتل أباه أو أخوه لقتل أخاه أما سمعت إلى قول ريان بن عمر بن ريان وذلك أن عمرا أباه قتله مالك بن كومة فأقام ريان زمانا ثم غزا مالكا فأتاه في مائتي فارس صباحا وهو في أربعين بيتا فقتله وقتل أصحابه وقتل عمه فيمن قتل ويقال بل كان أخاه وذلك أنه كان جاورهم فقيل لريان في ذلك قتلت صاحبنا فقال

( فلو أمي ثقفت بحيث كانوا لبل ثيابها علق صبيب )

( ولو كانت أمية أخت عمرو بهذا الماء ظل لها نحيب )

( شهرت السيف في الأدنين مني ولم تعطف أواصرنا قلوب )

فقال ابن عباس فمن الفارس فيكم حد لي حدا أسمعه منك فإنك تضع الأشياء مواضعها يا بن صوحان قال الفارس من قصر أجله في نفسه وضغم علي أمله بضرسه وكانت الحرب أهون عليه من أمسه ذلك الفارس إذا وقدت الحروب


152
واشتدت بالأنفس الكروب وتداعوا للنزال وتزاحفوا للقتال وتخالسوا المهج واقتحموا بالسيوف اللجج قال أحسنت والله يا بن صوحان إنك لسليل أقوام كرام خطباء فصحاء ما ورثت هذا عن كلالة زدني قال نعم الفارس كثير الحذر مدير النظر يلتفت بقلبه ولا يدير خرزات صلبه قال أحسنت والله يا بن صوحان الوصف فهل في مثل هذه الصفة من شعر قال نعم لزهير بن جناب الكلبي يرثي ابنه عمرا حيث يقول

( فارس تكلأ الصحابة منه بحسام يمر مر الحريق )

( لا تراه لدى الوغى في مجال يغفل الصرب لا ولا في مضيق )

( من يراه يخله في الحرب يوما أنه أخرق مضل الطريق ) في أبيات فقال له ابن عباس فأين أخواك منك يا بن صوحان صفهما لأعرف ورثكم قال أما زيد فكما قال أخو غني


153

( فتى لا يبالي أن يكون بوجهه إذا نال خلات الكرام شحوب )

( إذا ما تراءاه الرجال تحفظوا فلم ينطقوا العوراء وهو قريب )

( حليف الندى يدعو الندي فيجيبه قريبا ويدعوه الندى فيجيب )

( يبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه إذا لم يكن في المنقيات حلوب )

( كأن بيوت الحي ما لم يكن بها بسابس ما يلفى بهن غريب )

في أبيات كان والله يا بن عباس عظيم المروءة شريف الأخوة جليل الخطر بعيد الأثر كميش العروة أليف الندوة سليم جوانح الصدر قليل وساوس الدهر ذاكرا لله طرفي النهار وزلفا من الليل الجوع والشبع عنده سيان لا ينافس في الدنيا وأقل أصحابه من ينافس فيها يطيل السكوت ويحفظ الكلام وإن نطق نطق بعقام يهرب منه الدعار الأشرار ويألفه الأحرار الأخيار قال ابن عباس ما ظنك برجل من أهل الجنة رحم الله زيدا فأين كان عبد الله منه قال كان عبد الله سيدا شجاعا مؤلفا مطاعا خيره وساع وشره


154
دفاع قلبي النحيزة أحوذي الغريزة لا ينهنهه منهنه عما أراده ولا يركب من الأمر إلا عتاده سمام عدا وباذل قرى صعب المقادة جزل الرفادة أخو إخوان وفتى فتيان وهو كما قال البرجمي عامر بن سنان

( سمام عدا بالنيل يقتل من رمى وبالسيف والرمح الرد ينى يشعب )

( مهيب مفيد للنوال معود بفعل الندى والمكرمات مجرب ) في أبيات فقال له ابن عباس أنت يا بن صوحان باقر علم العرب

133 صعصعة بن صوحان ورجل من بني فزارة

ووقف رجل من بني فزارة على صعصعة فأسمعه كلاما منه بسطت لسانك يا بن صوحان على الناس فتهيبوك أما لئن شئت لأكونن لك لصاقا فلا تنطق إلا جددت لسانك بأذرب من ظبة السيف بعضب قوي ولسان علي ثم لا يكون لك في ذلك حل ولا ترحال فقال صعصعة لو أجد


155
غرضا منك لرميت بل أرى شبحا ولا إخال مثالا إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا أما لو كنت كفئا لرميت حصائلك بأذرب من ذلق السنان ولرشقتك بنبال تردعك عن النضال ولخطمتك بخطام يخزم منك موضع الزمام فاتصل الكلام بابن عباس فاستضحك من الفزارى وقال أما لو كلف أخو فزارة نفسه نقل الصخور من جبل شمام إلى الهضاب لكان أهون عليه من منازعة أخي عبد القيس خاب أبوه ما أجهله يستجهل أخا عبد القيس وقواه المريرة ثم تمثل

( صبت عليه ولم تنصب من أمم إن الشقاء على الأشقين مصبوب )

134 رجل من آل صوحان يجبه عبد الملك بن مروان وهو يخطب

وخطب عبد الملك بن مروان فلما بلغ الغلظة قام إليه رجل من آل صوحان فقال مهلا مهلا يا بني مروان تأمرون ولا تأتمرون وتنهون ولا تنهون وتعظون


156
ولا تتعظون أفنقتدي بسيرتكم في أنفسكم أم نطيع أمركم بألسنتكم فإن قلتم اقتدوا بسيرتنا فأنى وكيف وما الحجة وما المصير من الله أنقتدي بسيرة الظلمة الفسقة الجورة الخونة الذين اتخذوا مال الله دولا وعبيده خولا وإن قلتم اسمعوا نصيحتنا وأطيعوا أمرنا فكيف ينصح لغيره من يغش نفسه أم كيف تجب الطاعة لمن لم تثبت عند الله عدالته وإن قلتم خذوا الحكمة من حيث وجدتموها واقبلوا العظة ممن سمعتموها فعلام وليناكم أمرنا وحكمناكم في دمائنا وأموالنا أما علمتم أن فينا من هو أنطق منكم باللغات وأفصح بالعظات فتخلوا عنها وأطلقوا عقالها وخلوا سبيلها ينتدب إليها آل رسول الله الذين شردتموهم في البلاد ومزقتموهم في كل واد بل تثبت في أيديكم لانقضاء المدة وبلوغ المهلة وعظم المحنة إن لكل قائم قدرا لا يعدوه ويوما لا يخطوه وكتابا بعده يتلوه ( لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) ثم التمس الرجل فلم يوجد

135 وصف عقيل بن أبي طالب لآل صوحان

قال معاوية لعقيل بن أبي طالب ميز لي أصحاب علي وابدأ بآل صوحان فإنهم مخاريق الكلام قال


157
أما صعصعة فعظيم الشان عضب اللسان قائد فرسان قاتل أقران يرتق ما فتق ويفتق ما رتق قليل النظير وأما زيد وعبد الله فإنهما نهران جاريان يصب فيهما الخلجان ويغاث بهما البلدان رجلا جد لا لعب معه وأما بنو صوحان فكما قال الشاعر

( إذا نزل العدو فإن عندي أسودا تخلس الأسد النفوسا )

136 وصية محمد الباقر لعمر بن عبد العزيز

دخل أبو جعفر محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين عليهم السلام على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقال يا أبا جعفر أوصني قال أوصيك أن تتخذ صغير المسلمين ولدا وأوسطهم أخا وكبيرهم أبا فارحم ولدك وصل أخاك وبر أباك وإذا صنعت معروفا فربه


158
خطب الزبيريين وما يتصل بها خطب عبد الله بن الزبير قتل سنة 73ه عبد الله بن الزبير ومعاوية

دخل الحسين بن علي رضي الله عنه يوما على معاوية ومعه مولى له يقال له ذكوان وعند معاوية جماعة من قريش فيهم ابن الزبير فرحب معاوية بالحسين وأجلسه على سريره وقال ترى هذا القاعد يعني ابن الزبير فإنه ليدركه الحسد لبني عبد مناف فقال ابن الزبير لمعاوية قد عرفنا فضل الحسين وقرابته من رسول الله لكن إن شئت أعلمتك فضل الزبير على أبيك أبي سفيان فعلت فتكلم ذكوان مولى الحسين بن علي فقال


159

137 مقال ذكوان

يا بن الزبير إن مولاي ما يمنعه من الكلام إلا أن يكون طلق اللسان رابط الجنان فإن نطق نطق بعلم وإن صمت صمت بحلم غير أنه كف الكلام وسبق إلى السنام فأقرت بفضله الكرام وأنا الذي أقول

( فيم الكلام لسابق في غاية والناس بين مقصر ومبلد )

( إن الذي يجري ليدرك شأوه ينمي لغير مسود ومسدد )

( بل كيف يدرك نور بدر ساطع خير الأنام وفرع آل محمد )

فقال معاوية صدق قولك يا ذكوان أكثر الله في موالي الكرام مثلك فقال ابن الزبير إن أبا عبد الله سكت وتكلم مولاه ولو تكلم لأجبناه أو لكففنا عن جوابه إجلالا له ولا جواب لهذا العبد قال ذكوان هذا العبد خير منك قال رسول الله مولى القوم منهم فأنا مولى رسول الله وأنت ابن العوام بن خويلد فنحن أكرم ولاء وأحسن فعلا قال ابن الزبير إني لست أجيب هذا فهات ما عندك

138 مقال معاوية

فقال معاوية قاتلك الله يا بن الزبير ما أعياك وأبغاك أتفخر بين يدي أمير المؤمنين وأبي عبد الله إنك أنت المتعدي لطورك الذي لا تعرف قدرك فقس شبرك بفترك


160
ثم تعرف كيف تقع بين عرانين بني عبد مناف أما والله لئن دفعت في بحور بني هاشم وبني عبد شمس لتقطعنك بأمواجها ثم لتوهين بك في أجاجها فما بقاؤك في البحور إذا غمرتك وفي الأمواج إذا بهرتك هنالك تعرف نفسك وتندم على ما كان من جرأتك وتمسي ما أصبحت إليه من أمان وقد حيل بين العير والنزوان فأطرق ابن الزبير مليا ثم رفع رأسه فالتفت إلى من حوله ثم قال

139 مقال ابن الزبير

أسألكم بالله أتعلمون أن أبي حواري رسول الله وأن أباه أبا سفيان حارب رسول الله وأن أمي أسماء بنت أبي بكر الصديق


161
وأمه هند آكلة الأكباد وجدي الصديق وجده المشدوخ ببدر ورأس الكفر وعمتي خديجة ذات الخطر والحسب وعمته أم جميل حمالة الحطب وجدتي صفية وجدته حمامة وزوج عمتي خير ولد آدم محمد وزوج عمته شر ولد آدم أبو لهب سيصلى نارا ذات لهب وخالتي عائشة أم المؤمنين وخالته أشقي الأشقين وأنا عبد الله وهو معاوية
162

140 مقال معاوية

فقال له معاوية

ويحك يا بن الزبير كيف تصف نفسك بما وصفتها والله مالك في القديم من رياسة ولا في الحديث من سياسة ولقد قدناك وسدناك قديما وحديثا لا تستطيع لذلك إنكارا ولا عنه فرارا وإن هؤلاء الحضور ليعلمون أن قريشا قد اجتمعت يوم الفجار على رياسة حرب بن أمية وأن أباك وأسرتك تحت رايته راضون بإمارته غير منكرين لفضله ولا طامعين في عزله إن أمر أطاعوا وإن قال أنصتوا فأنزل فينا القيادة وعز الولاية حتى بعث الله عز وجل محمدا


163
فانتخبه من خير خلقه من أسرتي لا أسرتك وبني أبي لا بني أبيك فجحدته قريش أشد الجحود وأنكرته أشد الإنكار وجاهدته أشد الجهاد إلا من عصم الله من قريش فما ساد قريشا وقادهم إلا أبو سفيان بن حرب فكانت الفئتان تلتقيان ورئيس الهدى منا ورئيس الضلالة منا فمهديكم تحت راية مهدينا وضالكم تحت راية ضالنا فنحن الأرباب وأنتم الأذناب حتى خلص الله أبا سفيان بن حرب بفضله من عظيم شركه وعصمه بالإسلام من عبادة الأصنام فكان في الجاهلية عظيما شأنه وفي الإسلام معروفا مكانه ولقد أعطي يوم الفتح ما لم يعط أحد من آبائك وإن منادي رسول الله نادى من دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن وكانت داره حرما لا دارك ولا دار أبيك وأما هند فكانت امرأة من قريش في الجاهلية عظيمة الخطر وفي الإسلام كريمة الخبر وأما جدك الصديق فبتصديق عبد مناف سمي صديقا لا بتصديق عبد العزى وأما ما ذكرت من جدي المشدوخ ببدر فلعمري لقد دعا إلي البراز هو وأخوه وابنه فلو برزت إليه أنت وأبوك ما بارزوكم ولا رأوكم لهم أكفاء كما قد طلب ذلك غيركم فلم يقبلوهم حتى برز إليهم أكفاؤهم من بني أبيهم فقضي الله مناياهم بأيديهم فنحن قتلنا ونحن قتلنا وما أنت وذاك وأما عمتك أم المؤمنين فبنا شرفت وسميت أم المؤمنين وخالتك عائشة مثل ذلك وأما صفية فهي أدنتك من الظل ولولا هي لكنت ضاحيا وأما ما ذكرت من ابن عمك وخال أبيك سيد الشهداء فكذلك كانوا رحمهم الله وفخرهم وإرثهم لي دونك ولا فخر لك فيهم ولا إرث بينك وبينهم
164
وأما قولك أنا عبد الله وهو معاوية فقد علمت قريش أينا أجود في الإزم وأحزم في القدم وأمنع للحرم لا والله ما أراك منتهيا حتى تروم من بني عبد مناف ما رام أبوك فقد طالعهم الذحول وقدم إليهم الخيول وخدعتم أم المؤمنين ولم تراقبوا رسول الله إذ مددتم على نسائكم السجوف وأبرزتم زوجته للحتوف ومقارعة السيوف فلما التقى الجمعان نكص أبوك هاربا فلم ينجه ذلك أن طحنه أبو الحسين بكلكله طحن الحصيد بأيدي العبيد وأما أنت فأفلت بعد أن خمشتك براثينه ونالتك مخاليبه وايم الله ليقومنك بنو عبد مناف بثقافها أو لتصبحن منها صباح أبيك بوادي السباع وما كان أبوك المدهن حده ولكنه كما قال الشاعر

( تناول سرحان فريسة ضيغم فقضقضه بالكف منه وحطما )

141 عبد الله بن الزبير ومعاوية أيضا

دخل عبد الله بن الزبيرعلى معاوية فقال

يا أمير المؤمنين لا تدعن مروان يرمي جماهير قريش بمشاقصه ويضرب صفاتهم بمعوله أما والله لولا مكانك لكان أخف على رقابنا من فراشة وأقل


165
في أنفسنا من خشاشة وأيم الله لئن ملك أعنة خيل تنقاد له لتركبن منه طبقا تخافه فقال معاوية إن يطلب مروان هذا الأمر فقد طمع فيه من هو دونه وإن يتركه يتركه لمن فوقه وما أراكم بمنتهين حتى يبعث الله عليكم من لا يعطف عليكم بقرابة ولا يذكركم عند ملمة يسومكم خسفا ويسوقكم عسفا فقال ابن الزبير إذن والله يطلق عقال الحرب بكتائب تمور كرجل الجراد حافاتها الأسل لها دوي كدوي الريح تتبع غطريفا من قريش لم تكن أمه راعية ثلة فقال معاوية أنا ابن هند أطلقت عقال الحرب فأكلت ذروة السنام وشربت عنفوان المكرع وليس للآكل بعدي إلا الفلذة ولا للشارب إلا الرنق فسكت ابن الزبير

142 عبد الله بن الزبير ومعاوية وعمرو بن العاص

قدم عبد الله بن الزبير على معاوية وافدا فرحب به وأدناه حتى أجلسه على سريره ثم قال حاجتك أبا خبيب فسأله أشياء ثم قال له سل غير ما سألت قال

نعم المهاجرون والأنصار ترد عليهم فيئهم وتحفظ وصية نبي الله فيهم تقبل


166
من محسنهم وتتجاوز عن مسيئهم فقال معاوية هيهات هيهات لا والله ما تأمن النعجة الذئب وقد أكل أليتها فقال ابن الزبير مهلا يا معاوية فإن الشاة لتدر للحالب وإن المدية في يده وإن الرجل الأريب ليصانع ولده الذي خرج من صلبه وما تدور الرحاء إلا بقطبها ولا تصلح القوس إلا بعجبها فقال يا أبا خبيب لقد أجررت الطروقة قبل هباب الفحل هيهات وهي لا تصطك لحيائها اصطكاك القروم السوامى فقال ابن الزبير العطن بعد العل والعل بعد النهل ولا بد للرحاء من الثفال ثم نهض ابن الزبير فلما كان العشاء أخذت قريش مجالسها وخرج معاوية على بني أمية فوجد عمرو بن العاص فيهم فقال ويحكم يا بني أمية أفيكم من يكفيني ابن الزبير فقال عمرو أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين قال ما أظنك تفعل قال بلى والله لأربدن وجهه ولأخرسن لسانه ولأردنه ألين من خميلة فقال دونك فاعرض له إذا دخل فدخل ابن الزبير وكان قد بلغه كلام معاوية وعمرو فجلس نصب عيني عمرو فتحدثوا ساعة ثم قال عمرو

( وإني لنار ما يطاق اصطلاؤها لدي كلام معضل متفاقم )

فأطرق ابن الزبير ساعة ينكت في الأرض ثم رفع رأسه وقال


167

( وإني لبحر ما يسامى عبابه متي يلق بحري حر نارك تخمد

فقال عمرو والله يا بن الزبير إنك ما علمت لمتجلبب جلابيب الفتنة متأزر بوصائل التيه تتعاطى الذرى الشاهقة والمعالي الباسقة وما أنت من قريش في لباب جوهرها ولا مؤنق حسبها فقال ابن الزبير أما ما ذكرت من تعاطي الذرى فإنه طال بي إليها وسما مالا يطول بك مثله أنف حمي وقلب ذكي وصارم مشرفي في تليد فارع وطريف مانع إذ قعد بك انتفاخ سحرك ووجيب قلبك وأما ما ذكرت مع أني لست من قريش في لباب جوهرها ومؤنق حسبها فقد حضرتنى وإياك الأكفاء العالمون بي وبك فاجعلهم بيني وبينك فقال القوم قد أنصفك يا عمرو قال قد فعلت فقال ابن الزبير أما إذا أمكنني الله منك فلأربدن وجهك ولأخرسن لسانك ولترجعن في هذه الليلة وكأن الذي بين منكبيك مشدود إلى عروق أخدعيك ثم قال أقسمت عليكم يا معاشر قريش أنا أفضل في دين الإسلام أم عمرو فقالوا اللهم أنت قال فأبي أفضل أم أبوه قالوا أبوك حواري رسول الله وآله وابن عمته قال فأمي أفضل أم أمه قالوا أمك أسماء بنت أبي بكر الصديق وذات النطاقين قال فعمتي أفضل أم عمته قالوا عمتك سلمى بنة العوام صاحبة رسول الله وآله أفضل من عمته قال فخالتي أفضل أم خالته قالوا خالتك عائشة أم المؤمنين قال فجدتي أفضل أم جدته قالوا جدتك صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله وآله قال فجدي أفضل أم جده قالوا جدك أبو بكر الخليفة بعد رسول الله وآله فقال

( قضت الغطارف من قريش بيننا فاصبر لفضل خصامها وقضائها )


168

( وإذا جريت فلا تجار مبرزا بذ الجياد على احتفال جرائها )

أما والله يا بن العاص لو أن الذي أمرك بهذا واجهني بمثله لقصرت إليه من سامي بصره ولتركته يتلجلج لسانه وتضطرم النار في جوفه ولقد استعان منك بغير واف ولجأ إلى غير كاف ثم قام فخرج

143 خطبة ابن الزبير لما قتل الحسين عليه السلام

لما قتل الحسين عليه السلام قام عبد الله بن الزبير في أهل مكة وعظم مقتله وعاب على أهل الكوفة خاصة ولام أهل العراق عامة فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد إن أهل العراق غدر فجر إلا قليلا وإن أهل الكوفة شرار أهل العراق وإنهم دعوا حسينا لينصروه ويولوه عليهم فلما قدم عليهم ثاروا إليه فقالوا له إما أن تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سمية سلما فيمضي فيك حكمه وإما أن تحارب فرأى والله أنه هو وأصحابه قليل في كثير وإن كان الله عز وجل لم يطلع على الغيب أحدا أنه مقتول ولكنه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة فرحم الله حسينا وأخزى قاتل حسين لعمري لقد كان من خلافهم إياه وعصيانهم ما كان في مثله واعظ وناه عنهم ولكنه ما حم نازل وإذا أراد الله أمرا لن يدفع

أفبعد الحسين نطمئن إلى هؤلاء القوم ونصدق قولهم ونقبل لهم عهدا لا ولا نراهم لذلك أهلا أما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه كثيرا في النهار


169
صيامه أحق بما هم فيه منهم وأولى به في الدين والفضل أما والله ما كان يبدل بالقرآن الغناء ولا بالبكاء من خشية الله الحداء ولا بالصيام شرب الحرام ولا بالمجالس في حلق الذكر الركض في تطلاب الصيد يعرض بيزيد فسوف يلقون غيا

فثار إليه أصحابه فقالوا له أيها الرجل أظهر بيعتك فإنه لم يبق أحد إذ هلك حسين ينازعك هذا الأمر وقد كان يبايع الناس سرا ويظهر أنه عائذ بالبيت

144 مناظرة ابن الزبير للخوارج

اجتمعت الخوارج حين ثار عبد الله بن الزبير بمكة سنة 64وسار إليه مسلم ابن عقبة المري في جيش من أهل الشأم بعد أن غزا المدينة وكان منه في وقعة الحرة ما كان فقال لهم نافع بن الأزرق اخرجوا بنا نأت البيت ونلق هذا الرجل فإن يكن على رأينا جاهدنا معه العدو وإن يكن على غير رأينا دافعنا عن البيت ما استطعنا ونظرنا بعد ذلك في أمورنا فخرجوا حتى قدموا على عبد الله بن الزبير فسر بمقدمهم ونبأهم أنه على رأيهم وأعطاهم الرضا من غير توقف ولا تفتيش فقاتلوا معه حتى مات يزيد بن معاوية وانصرف أهل الشأم عن مكة

ثم إن القوم لقي بعضهم بعضا فقالوا إن هذا الذي صنعتم أمس بغير رأي ولا صواب من الأمر تقاتلون مع رجل لا تدرون لعله ليس على رأيكم إنما كان أمس يقاتلكم هو وأبوه ينادي يا لثارات عثمان ندخل إليه فننظر ما عنده فإن قدم أبا بكر


170
وعمر وبرئ من عثمان وعلي وكفر أباه وطلحة بايعناه وإن تكن الأخرى ظهر لنا ما عنده فتشاغلنا بما يجدي علينا

فدخلوا على ابن الزبير وهو مبتذل وأصحابه متفرقون عنه فقالوا إنا جئناك لتخبرنا رأيك فإن كنت على الصواب بايعناك وإن كنت على غيره دعوناك إلي الحق ما تقول في الشيخين قال خيرا قالوا فما تقول في عثمان الذي أحمى الحمى وآوى الطريد وأظهر لأهل مصر شيئا وكتب بخلافه وأوطأ آل أبي معيط رقاب الناس وآثرهم بفئ المسلمين وفي الذي بعده الذي حكم في دين الله الرجال وأقام على ذلك غير تائب ولا نادم وفي أبيك وصاحبه وقد بايعا عليا وهو إمام عادل مرضي لم يظهر منه كفر ثم نكثا بعرض من أعراض الدنيا وأخرجا عائشة تقاتل وقد أمرها الله وصواحبها أن يقرن في بيوتهن وكان لك في ذلك ما يدعوك إلى التوبة فإن أنت قلت كما نقول فلك الزلفى عند الله والنصر على أيدينا ونسأل الله لك التوفيق وإن أبيت إلا نصر رأيك الأول وتصويب أبيك وصاحبه والتحقيق بعثمان والتولي في السنين الست التي أحلت دمه ونقضت أحكامه وأفسدت إمامته خذلك الله


171
وانتصر منك بأيدينا فقال ابن الزبير إن الله أمر وله العزة والقدرة في مخاطبة أكفر الكافرين وأعتى العتاة بأرأف من هذا القول فقال لموسى وأخيه ولأخيه صلى الله عليهما إلى ( اذهبا إلي فرعون إنه طغي فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) وقال رسول الله لا تؤذوا الأحياء بسب الموتى فنهى عن سب أبي جهل من أجل عكرمة ابنه وأبو جهل عدو الله وعدو الرسول والمقيم على الشرك والجاد في المحاربة والمتبغض إلى رسول الله قبل الهجرة والمحارب له بعدها وكفى بالشرك ذنبا وقد كان يغنيكم عن هذا القول الذي سميتم فيه طلحة وأبي أن تقولوا أتبرأ من الظالمين فإن كانا منهم دخلا في غمار المسلمين وإن لم يكونا منهم لم تحفظوني بسب أبي وصاحبه وأنتم تعلمون أن الله عز وجل قال للمؤمن في أبويه ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ) وقال جل ثناؤه ( وقولوا للناس حسنا ) وهذا الذي دعوتم إليه أمر له ما بعده وليس يقنعكم إلا التوقيف والتصريح ولعمري إن ذلك لأحرى بقطع الحجج وأوضح لمنهاج الحق وأولى أن يعرف كل صاحبه من عدوه فروحوا إلي من عشيتكم هذه اكشف لكم ما أنا عليه إن شاء الله تعالى

فلما كان العشي راحوا إليه فخرج إليهم وقد لبس سلاحه فلما رأي ذلك نجدة قال هذا خروج منابذ لكم فجلس على رفيع من الأرض فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم ذكر أبا بكر وعمر أحسن ذكر ثم ذكر عثمان في السنين الأوائل من خلافته ثم وصلهن بالسنين التي أنكروا سيرته فيها فجعلها كالماضية وخبر أنه


172
آوى الحكم بن أبي العاص بإذن رسول الله وذكر الحمى وما كان فيه من الصلاح وأن القوم استعتبوه من أمور وكان له أن يفعلها أولا مصيبا ثم أعتبهم بعد ذلك محسنا وأن أهل مصر لما أتوه بكتاب ذكروا أنه منه بعد أن ضمن لهم العتبى ثم كتب لهم ذلك الكتاب بقتلهم فدفعوا الكتاب إليه حلف بالله أنه لم يكتبه ولم يأمر به وقد أمر الله عز وجل بقبول اليمين ممن ليس له مثل سابقته مع ما اجتمع له من صهر رسول الله ومكانه من الإمامة وأن بيعة الرضوان تحت الشجرة إنما كانت بسببه وعثمان الرجل الذي لزمته يمين لو حلف عليها لحلف على حق فافتداها بمائة ألف ولم يحلف وقد قال رسول الله من حلف بالله فليصدق ومن حلف له بالله فليرض فعثمان أمير المؤمنين كصاحبيه وأنا ولي وليه وعدو عدوه وأبي وصاحبه صاحبا رسول الله ورسول الله يقول عن الله عز وجل يوم أحد لما قطعت إصبع طلحة سبقته إلى الجنة وقال أوجب طلحة وكان الصديق إذا ذكر يوم أحد قال ذاك يوم كله أو جله لطلحة والزبير حواري رسول الله وصفوته وقد ذكر أنهما في الجنة فقال جل وعز ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) وما أخبرنا بعد أنه سخط عليهم فإن يكن ما سعوا فيه حقا فأهل ذلك هم وإن يكن زلة ففي عفو الله تمحيصها وفيما وفقهم له من السابقة مع نبيهم ومهما ذكرتموها فقد بدأتم بأمكم عائشة رضي الله عنها فإن أبي آب
173
أن تكون له أما نبذ اسم الإيمان عنه وقد قال الله جل ذكره وقوله الحق ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ) فنظر بعضهم إلى بعض ثم انصرفوا عنه

145 أبو صخر الهذلي وعبد الله بن الزبير

وروى أبو الفرج الأصفهاني قال لما ظهر ابن الزبير بالحجاز وغلب عليها بعد موت يزيد بن معاوية وتشاغل بنو أمية بالحرب بينهم في مرج راهط وغيره دخل عليه أبو صخر الهذلي في هذيل وقد جاءوه ليقبضوا عطاءهم وكان عارفا بهواه في بني أمية فمنعه عطاءه فقال علام تمنعني حقا لي وأنا امرؤ مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثا ولا أخرجت من طاعة يدا قال عليك بني أمية فاطلب عندهم عطاءك قال إدن أجدهم سباطا أكفهم سمحة أنفسهم بذلاء لأموالهم وهابين لمجتديهم كريمة أعراقهم شريفة أصولهم زاكية فروعهم قريبا من رسول الله نسبهم وسببهم ليسوا إذا نسبوا بأذناب ولا وشائظ ولا أتباع ولا هم في قريش كفقعة القاع لهم السودد في الجاهلية والملك في الإسلام لا كمن لا يعد في عيرها ولا نفيرها ولا حكم آباؤه في نقيرها ولا قطميرها ليس


174
من أحلافها المطيبين ولا من سادتها المطعمين ولا من جودائها الوهابين ولا من هاشمها المنتخبين ولا عبد شمسها المسودين وكيف نقاتل الرءوس بالأذناب وأين النصل من الجفن والسنان من الزج والذنابي من القدامى وكيف يفضل الشحيح على الجواد والسوقة على الملك والجامع بخلا على المطعم فضلا

فغضب ابن الزبير حتى ارتعدت فرائصه وعرق جبينه واهتز من قرنه إلى قدمه وامتقع لونه ثم قال له يا بن البوالة على عقبيها ويا جلف يا جاهل أما والله لولا الحرمات الثلاث حرمة الإسلام وحرمة الحرم وحرمة الشهر الحرام لأخذت الذي فيه عيناك ثم أمر به إلى سجن عارم فحبس به مدة ثم استوهبته هذيل ومن له من قريش خئولة في هذيل فأطلقه بعد سنة واقسم ألا يعطيه عطاء مع المسلمين أبدا

فلما ولي عبد الملك أمر له بما فاته من العطاء ومثله صلة من ماله وكساه وحمله

146 خطبته وقد قدم عليه وفد العراق

قدم وفد من العراق على عبد الله بن الزبير فأتوه في المسجد الحرام في يوم جمعة فسلموا عليه فسألهم عن مصعب أخيه وعن سيرته فيهم فقالوا أحسن الناس سيرة


175
وأقضاه بحق وأعدله في حكم فصلى عبد الله بالناس الجمعة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

( قد جربونى ثم جربونى من غلوتين ومن المئين )

( حتى إذا شابوا وشيبونى خلوا عناني ثم سيبونى )

أيها الناس إني قد سألت هذا الوفد من أهل العراق عن عاملهم مصعب بن الزبير فأحسنوا الثناء عليه وذكروا عنه ما أحب ألا إن مصعبا أطبى القلوب حتى ما تعدل به والأهواء حتى ما تحول عنه واستمال الألسن بثنائها والقلوب بنصحها والنفوس بمحبتها فهو المحبوب في خاصته المحمود في عامته بما أطلق الله به لسانه من الخير وبسط يده من البذل ثم نزل

147 خطبته لما بلغه قتل مصعب

لما قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير سنة 71ه وانتهى خبر مقتله إلي عبد الله بن الزبير أضرب عن ذكره أياما حتى تحدث به إماء مكة في الطريق ثم صعد المنبر فجلس عليه مليا لا يتكلم والكآبة على وجهه وجبينه يرشح عرقا فقال رجل من قريش لرجل إلى جانبه ماله لا يتكلم أتراه يهاب المنطق فوالله إنه للبيب الخطباء قال لعله يريد أن يذكر مقتل مصعب سيد العرب فيشتد ذلك عليه وغير ملوم ثم تكلم فقال

الحمد لله الذي له الخلق والأمر وملك الدنيا والآخرة يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء أما بعد فإنه لم يعز الله


176
من كان الباطل معه وإن كان معه الأنام طرا ولم يذل من كان الحق معه وإن كان مفردا ضعيفا ألا وإنه قد أتانا خبر من العراق بلد الغدر والشقاق فساءنا وسرنا أتانا أن مصعبا قتل رحمة الله عليه ومغفرته فأما الذي أحزننا من ذلك فإن لفراق الحميم لذعة ولوعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم يرعوى من بعد ذو الرأي والدين إلى جميل الصبر وكريم العزاء وأما الذي سرنا منه فإنا قد علمنا أن قتله شهادة له وأنه عز وجل جاعل لنا وله في ذلك الخيرة إن شاء الله تعالى

أسلمه الطغام الصم الآذان أهل العراق إسلام النعم المخطمة وباعوه بأقل من الثمن الذي كانوا يأخذون منه فإن يقتل فقد قتل أبوه وعمه وأخوه وكانوا الخيار الصالحين إنا والله لا نموت حتف آنافنا ولكن قعصا بالرماح


177
وموتا تحت ظلال السيوف وليس كما يموت بنو مروان والله ما قتل منهم رجل في زحف في جاهلية ولا إسلام قط ألا وإنما الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد ملكه فإن تقبل الدنيا علي لم آخذها أخذ الأشر البطر وإن تدبر عني لم أبك عليها بكاء الخرق المهين أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ثم نزل

148 خطبة أخرى له

وقال الجاحظ لما جاءه قتل أخيه مصعب قام خطيبا بعد خطبته الأولى فقال إن مصعبا قدم أيره وأخر خيره وتشاغل بنكاح فلانة وفلانة وترك حلبة أهل الشأم حتى غشيته في داره ولئن هلك مصعب إن في آل الزبير خلفا منه

149 خطبته وقد بلغه قتل عمرو الأشدق

وروي الجاحظ أيضا أنه لما بلغه قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد الأشدق قام خطيبا فقال


178
إن أبا ذبان قتل لطيم الشيطان كذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون

150 عبد الله بن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر

دخل ابن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر في اليوم الذي قتل فيه وقد رأى من الناس ما رأى من خذلانهم فقال

يا أمه خذلني الناس حتى ولدي وأهلي فلم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا فما رأيك فقالت أنت والله يا بني أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له فقد قتل عليه أصحابك ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك وإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين وكم خلودك في الدنيا القتل أحسن والله لضربة بالسيف في عز أحب إلي من ضربة بسوط في ذل قال إني أخاف إن قتلوني أن يمثلوا بي قالت يا بني إن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها

فدنا منها وقبل رأسها وقال هذا والله رأيي والذي قمت به داعيا إلى يومي هذا


179
ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمه ولكنني أحببت أن أعلم رأيك فزدتني بصيرة مع بصيرتي فانظري يا أمه فإني مقتول من يومي هذا فلا يشتد حزنك وسلمي لأمر الله فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ولا عملا بفاحشة ولم يجر في حكم الله ولم يغدر في أمان ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به بل أنكرته ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي اللهم إني لا أقول هذا تزكية مني لنفسي أنت أعلم بي ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو عني فقالت أمه إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنا إن تقدمتني وإن تقدمتك ففي نفسي حرج حتى أنظر إلام يصير أمرك قال يا أمه جزاك الله خيرا فلا تدعي الدعاء لي قبل وبعد فقالت لا أدعه أبدا فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق ثم قالت اللهم أرحم طول ذلك القيام في الليل الطويل وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة وبره بأبيه وبي اللهم قد سلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين ثم ودعها وخرج

151 خطبته يوم قتله

وخرج من عندها فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إن الموت قد تغشاكم سحابه وأحدق بكم ربابه واجتمع بعد تفرق وارجحن بعد تمشق ورجس نحوكم رعده وهو مفرغ عليكم ودقه


180
وقائد إليكم البلايا تتبعها المنايا فاجعلوا السيوف لها غرضا واستعينوا عليها بالصبر وتمثل بأبيات ثم اقتحم يقاتل وهو يقول

( قد جد أصحابك ضرب الأعناق وقامت الحرب لها على ساق )

152 خطبة أخرى وروي الطبري قال لما كان يوم الثلاثاء صبيحة سبع عشرة من جمادى الأولى سنة 73ه وقد أخذ الحجاج على ابن الزبير بالأبواب صلى بأصحابه الفجر ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا آل الزبير لو طبتم لي نفسا عن أنفسكم كنا أهل بيت من العرب اصطلمنا في الله لم تصبنا زباء بتة أما بعد يا آل الزبير فلا يرعكم وقع السيوف فإني لم أحضر موطنا قط إلا أرتثثت فيه من القتل وما أجد من دواء جراحها أشد مما أجد من ألم وقعها صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم لا أعلم امرأ كسر سيفه واستبقى نفسه فإن الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة أعزل غضوا أبصاركم عن البارقة وليشغل كل امرئ قرنه ولا يلهينكم السؤال عني ولا تقولن أين عبد الله بن الزبير ألا من كان سائلا عني فإني في الرعيل الأول

( أبى لابن سلمى أنه غير خالد ملاقي المنايا أي صرف تميما )


181

( فلست بمبتاع الحياة بسبة ولا مرتق من خشية الموت سلما )

احملوا على بركة الله ثم قاتل حتى أثخن بالجراحات وقتل

153 خطبة مصعب بن الزبير

بعث عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا واليا على البصرة سنة 67ه فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

بسم الله الرحمن الرحيم ( طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبنائهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ) وأشار بيده نحو الشام ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) وأشار بيده نحو الحجاز ( ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) وأشار بيده نحو العراق


182
خطب الأمويين خطباء البيت الأموي خطب معاوية توفي سنة 60ه

154 خطبته بالمدينة عام الجماعة

قدم معاوية المدينة عام الجماعة سنة 41ه فتلقاه رجال قريش فقالوا الحمد لله الذي أعز نصرك وأعلى كعبك فما رد عليهم شيئا حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة ولقد رضت لكم نفسي على عمل ابن أبي قحافة وأردتها على عمل عمر فنفرت من ذلك نفارا شديدا وأردتها علي سنيات عثمان فأبت علي فسلكت بها طريقا لي ولكم فيه منفعة مؤاكلة حسنة ومشاربة جميلة فإن لم تجدوني خيركم فإني خير لكم ولاية والله لا أحمل السيف على من لا سيف له وإن لم يكن منكم إلا ما يستشفي به القائل بلسانه فقد جعلت ذلك له دبر أذني


183
وتحت قدمي وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله فاقبلوا مني بعضه فإن أتاكم مني خير فاقبلوه فإن السيل إذا جاد يثرى وإذ قل أغنى وإياكم والفتنة فإنها تفسد المعيشة وتكدر النعمة ثم نزل

155 خطبة أخرى له بالمدينة

وخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي ثم قال أما بعد أيها الناس إنا قدمنا عليكم وإنما قدمنا على صديق مستبشر أو على عدو مستتر وناس بين ذلك ينظرون وينتظرون فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ولست واسعا كل الناس فإن كانت محمدة فلا بد من مذمة فلوما هونا إذا ذكر غفر وإياكم والتي إن أخفيت أوبقت وإن ذكرت أوثقت ثم نزل

156 خطبة له بالمدينة

وصعد منبر المدينة فحمد الله واثنى عليه ثم قال يأهل المدينة إني لست أحب أن تكونوا خلقا كخلق العراق يعيبون الشيء وهم فيه كل امرئ منهم شيعة نفسه فاقبلونا بما فينا فإن ما وراءنا شر لكم وإن معروف زماننا هذا منكر زمان قد مضى ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت ولو قد أتى فالرتق خير من الفتق وفي كل بلاغ ولا مقام على الرزية


184

157 خطبته حين ولى المغيرة بن شعبة الكوفة

ولما ولى معاوية المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة 4ه دعاه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وقد قال المتلمس

( لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وما علم الإنسان إلا ليعلما )

وقد يجزي الحكيم بغير التعليم وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة فأنا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضيني ويسعد سلطاني وتصلح به رعيتي ولست تاركا إيصاءك بخصلة لا تتحم عن شتم علي وذمه والترحم على عثمان والاستغفار له والعيب على أصحاب علي والإقصاء لهم وترك الاستماع منهم وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه والإدناء لهم والاستماع منهم

فقال المغيرة قد جربت وجربت وعملت قبلك لغيرك فلم يذمم بي دفع ولا رفع ولا وضع فستبلو فتحمد أو تذم قال بل نحمد إن شاء الله


185

158 خطبة له في يوم صائف

وخطب الجمعة في يوم صائف شديد الحر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال إن الله عز وجل خلقكم فلم ينسكم ووعظكم فلم يهملكم فقال ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) قوموا إلى صلاتكم

159 آخر خطبة له

صعد المنبر محمد الله وأثنى عليه ثم قبض على لحيته وقال أيها الناس إني من زرع قد استحصد وقد طالت عليكم إمرتي حتى مللتكم ومللتموني وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي وإنه لا يأتيكم بعدي إلا من هو شر مني كما لم يأتكم قبلي إلا من كان خيرا مني وإنه من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه اللهم إني قد أحببت لقاءك فأحبب لقائي ثم نزل فما صعد المنبر حتى مات

160 خطبته وقد حضرته الوفاة

ولما حضرت معاوية الوفاة قال لمولى له من بالباب قال نفر من قريش يتباشرون بموتك قال ويحك ولم قال لا أدري قال فوالله ما لهم بعدي إلا الذي يسوءهم وأذن للناس فدخلوا فحمد الله وأثنى عليه وأوجز ثم قال


186
أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود وزمن شديد يعد فيه المحسن مسيئا ويزداد فيه الظالم عتوا لا ننتفع بما علمناه ولا نسأل عما جهلناه ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا فالناس على أربعة أصناف منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه وكلال حده ونضيض وفره ومنهم المصلت لسيفه المجلب بخيله ورجله المعلن بشره قد أشرط نفسه وأوبق دينه لحطام ينتهره أو مقنب يقوده أو منبر يفرعه ولبئس المتجر أن تراهما لنفسك ثمنا ومما لك عند الله عوضا ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا قد طامن من شخصه وقارب من خطوه وشمر من ثوبه وزخرف نفسه للأمانة واتخذ ستر الله ذريعة للمعصية ومنهم من قد أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه وانقطاع سببه فقصرت به الحال عن أمله قتحلى باسم القناعة وتزين بلباس الزهاد وليس من ذلك في مراح ولا مغدى وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع وأراق دموعهم خوف المحشر فهم بين شريد نافر وخائف منقمع وساكت مكعوم وداع مخلص وموجع ثكلان قد أخملتهم التقية وشملتهم الذلة فهم بحر أجاج أفواههم ضامزة وقلوبهم قرحة قد وعظوا حتى ملوا وقهروا حتى ذلوا وقتلوا
187
حتى قلوا فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ وقراضة الجلمين واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم فارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم

161 وصيته لابنه يزيد

لما حضرت معاوية الوفاة ويزيد غائب دعا معاوية مسلم بن عقبة المرى والضحاك بن قيس الفهري فقال أبلغا عني يزيد وقولا له يا بني إني قد كفيتك الشد والترحال ووطأت لك الأمور وذللت لك الأعداء وأخضعت لك رقاب العرب وجمعت لك ما لم يجمعه أحد فانظر أهل الحجاز فإنهم أصلك وعترتك فمن أتاك منهم فأكرمه ومن قعد عنك فتعهده وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل فإن عزل عامل أهون عليك من سل مائة ألف سيف ثم لا تدري علام أنت عليه منهم ثم انظر أهل الشأم فاجعلهم الشعار دون الدثار فإن رابك من عدوك ريب فارمهم بهم فإن


188
أظفرك الله بهم فاردد أهل الشأم إلى بلادهم ولا يقيموا في غير بلادهم فيتأدبوا بغير أدبهم

وإني لست أخاف عليك أن ينازعك هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر فأما عبد الله بن عمر فرجل قد وقذه الورع وإذا لم يبق أحد غيره بايعك وأما الحسين بن علي فإنه رجل خفيف وأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه فإن له رحما ماسة وحقا عظيما وقرابة من محمد صلوات الله عليه وسلامه وأما ابن أبي بكر فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثلهم ليست له همة إلا في النساء واللهو وأما ابن الزبير فإنه خب ضب فإن ظفرت به فقطعه إربا إربا أو قال وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإن أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير فإن هو وثب عليك فظفرت به فقطعه إربا إربا واحقن دماء قومك ما استطعت


189
خطب يزيد بن معاوية توفي سنة 64ه

162 خطبته بعد موت معاوية

الحمد لله الذي ما شاء صنع من شاء أعطى ومن شاء منع ومن شاء خفض ومن شاء رفع إن أمير المؤمنين كان حبلا من حبال الله مده ما شاء أن يمده ثم قطعه حين أراد أن يقطعه وكان دون من قبله وخيرا ممن يأتي بعده ولا أزكيه عند ربه وقد صار إليه فإن يعف فبرحمته وإن يعاقبه فبذنبه وقد وليت بعده الأمر ولست أعتذر من جهل ولا أشتغل بطلب علم وعلى رسلكم إذا كره الله شيئا غيره وإذا أحب شيئا يسره

163 خطبة أخرى له

الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله اصطفاه لوحيه واختاره لرسالته بكتاب فصله وفضله وأعزه وأكرمه ونصره وحفظه ضرب فيه الأمثال وحلل فيه الحلال وحرم فيه الحرام وشرع فيه الدين إعذارا وإنذارا لئلا يكون


190
للناس على الله حجة بعد الرسل ويكون بلاغا لقوم عابدين أوصيكم عباد الله بتقوى الله العظيم الذي ابتدأ الأمور بعلمه وإليه يصير معادها وانقطاع مدتها وتصرم دارها ثم إني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة حفت بالشهوات وراقت بالقليل وأينعت بالفاني وتحببت بالعاجل لا يدوم نعيمها ولا تؤمن فجيعتها أكالة غوالة غرارة لا تبقي على حال ولا يبقى لها حال لن تعدو الدنيا إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا بها أن تكون كما قال الله عز وجل ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فاصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا ) نسأل الله ربنا وإلهنا وخالقنا ومولانا أن يجعلنا وإياكم من فزع يومئذ آمنين إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله يقول الله ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم )

164 خطبة معاوية بن يزيد توفي سنة 64

أمر معاوية بن يزيد بن معاوية بعد ولايته فنودي بالشأم الصلاة جامعة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني قد نظرت في أمركم فضعفت عنه فابتغيت لكم رجلا مثل عمر ابن الخطاب رحمة الله عليه حين فزع إليه أبو بكر فلم أجده فابتغيت لكم ستة في الشورى


191
مثل ستة عمر فلم أجدها فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم فما كنت لأتزودها ميتا وما استمتعت بها حيا

ثم دخل منزله ولم يخرج إلى الناس وتغيب حتى مات

165 وصية مروان بن الحكم لابنه عبد العزيز

ولما انصرف مروان بن الحكم من مصر إلى الشام استعمل عبد العزيز ابنه على مصر وقال له حين ودعه أرسل حكيما ولا توصه أي بني انظر إلى عمالك فإن كان لهم عندك حق غدوة فلا تؤخره إلى عشية وإن كان لهم عشية فلا تؤخره إلى غدوة وأعطهم حقوقهم عند محلها تستوجب بذلك الطاعة منهم وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب فإنهم إن ظهر لهم منك كذب لم يصدقوك في الحق واستشر جلساءك وأهل العلم فإن لم يستبن لك فاكتب إلي يأتك رأيي فيه إن شاء الله تعالى وإن كان بك غضب على أحد من رعيتك فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب منطفئ الجمرة فإن أول من جعل السجن كان حليما ذا أناة ثم انظر إلي أهل الحسب والدين والمروءة فليكونوا أصحابك وجلساءك ثم اعرف منازلهم منك على غيرهم على غير استرسال ولا انقباض أقول هذا واستخلف الله عليك


192
خطب عبد الملك بن مروان توفي سنة 86ه

166 خطبته بمكة

خطب بمكة فقال في خطبته أيها الناس إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف يريد عثمان بن عفان ولا بالخليفة المداهن يريد معاوية بن أبي سفيان ولا بالخليفة المأفون يريد يزيد بن معاوية فمن قال برأسه كذا قلنا له بسيفنا كذا ثم نزل

167 خطبة له موجزة

وخطب على المنبر فقال أيها الناس إن الله حد حدودا وفرض فروضا فما زلتم تزدادون في الذنب ونزداد في العقوبة حتى اجتمعنا نحن وأنتم عند السيف


193

خطبته حين قتل عمر الأشدق بن سعيد بن العاص

ارموا بأبصاركم نحو أهل المعصية واجعلوا سلفكم لمن غبر منكم عظة ولا تكونوا أغفالا من حسن الاعتبار فتنزل بكم جائمة السطوات وتجوس خلالكم بوادر النقمات وتطأ رقابكم بثقلها العقوبة فتجعلكم همدا رفاتا وتشتمل عليكم بطون الأرض أمواتا فإياي من قول قائل ورشقة جاهل فإنما بيني وبينكم أن أسمع النغوة فأصمم تصميم الحسام المطرور وأصول صيال الحنق الموتور وإنما هي المصافحة والمكافحة بظبات السيوف وأسنة الرماح والمعاودة لكم بسوء الصباح فتاب تائب وهدل خائب والتوب مقبول والإحسان مبذول


194
لمن عرف رشده وأبصر حظه فانظروا لأنفسكم وأقبلوا على حظوظكم وليكن أهل الطاعة يدا على أهل الجهل من سفهائكم واستديموا النعمة التي ابتدأتكم برغيد عيشها ونفيس زينتها فإنكم من ذلك بين فضيلتين عاجل الخفض والدعة وآجل الجزاء والمثوبة عصمكم الله من الشيطان وفتنته ونزغه وأمدكم بحسن معونته وحفظه انهضوا رحمكم الله إلى قبض أعطياتكم غير مقطوعة عنكم ولا مكدرة عليكم

169 خطبته لما دخل الكوفة بعد قتل مصعب بن الزبير

لما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير سنة 71ه دخل الكوفة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال أيها الناس إن الحرب صعبة مرة وإن السلم أمن ومسرة وقد زبنتنا الحرب وزبناها فعرفناها وألفناها فنحن بنوها وهي أمنا أيها الناس فاستقيموا على سبل الهدى ودعوا الأهواء المردية وتجنبوا فراق جماعات المسلمين ولا تكلفونا أعمال المهاجرين الأولين وأنتم لا تعملون أعمالهم ولا أظنكم تزدادون بعد الموعظة إلا شرا ولن نزداد بعد الإعذار إليكم والحجة عليكم إلا عقوبة فمن شاء منكم أن يعود بعد لمثلها فليعد فإنما مثلي ومثلكم كما قال قيس بن رفاعة الأنصاري

( من يصل نارى يبلا ذنب ولا ترة يصل بنار كريم غير غدار )

( أنا النذير لكم مني مجاهرة كي لا ألام على نهي وإنذار )


195

( فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار )

( لترجعن أحاديثا ملعنة لهو المقيم ولهو المدلج السارى )

( من كان في نفسه حوجاء يطلبها عندي فإني له رهن بإصحار )

( أقيم عوجته إن كان ذا عوج كما يقوم قدح النبعة الباري )

( وصاحب الوتر ليس الدهر مدركه عندي وإني لدراك بأوتار )

170 خطبته عام حجه

وحج عبد الملك في بعض أعوامه فأمر الناس بالعطاء فخرجت بدرة مكتوب عليها من الصدقة فأبى أهل المدينة قبولها وقالوا إنما كان عطاؤنا من الفيء فقال عبد الملك وهو على المنبر يا معشر قريش مثلنا ومثلكم أن أخوين في الجاهلية خرجا مسافرين فنزلا في ظل شجرة تحت صفاة فلما دنا الرواح خرجت إليهما من تحت الصفاة حية تحمل دينارا فألقته إليهما فقالا إن هذا لمن كنز فأقاما عليها ثلاثة أيام كل يوم تخرج إليهما دينارا فقال أحدهما لصاحبه إلى متى ننتظر هذه الحية ألا نقتلها ونحفر هذا الكنز فنأخذه فنهاه أخوه وقال ما تدري لعلك تعطب ولا تدرك المال فأبى عليه


196
وأخذ فأسا معه ورصد الحية حتى خرجت فضربها ضربة جرحت رأسها ولم تقتلها فثارت الحية فقتلته ورجعت إلى جحرها فقام أخوه فدفنه وأقام حتى إذا كان من الغد خرجت الحية معصوبا رأسها ليس معها شيء فقال لها يا هذه إني والله ما رضيت ما أصابك ولقد نهيت أخي عن ذلك فهل لك أن نجعل الله بيننا أن لا تضريني ولا أضرك وترجعين إلى ما كنت عليه قالت الحية لا قال ولم ذلك قالت إني لأعلم أن نفسك لا تطيب لي أبدا وأنت ترى قبر أخيك ونفسي لا تطيب لك أبدا وأنا أذكر هذه الشجة وأنشدهم شعر النابغة

( فقالت أرى قبرا تراه مقابلي وضربة فأس فوق رأسي فاغره فيا معشر قريش وليكم عمر بن الخطاب فكان فظا غليظا مضيقا عليكم فسمعتم له وأطعتم ثم وليكم عثمان فكان سهلا فعدوتم عليه فقتلتموه وبعثنا عليكم مسلما يوم الحرة فقتلناكم فنحن نعلم يا معشر قريش أنكم لا تحبوننا أبدا وأنتم تذكرون يوم الحرة ونحن لا نحبكم أبدا ونحن نذكر قتل عثمان

171 خطبته وقد علم بخروج ابن الأشعث

ولما ورد إليه كتاب الحجاج ينبئه بخروج ابن الأشعث خرج إلى الناس فقام فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال


197

إن أهل العراق طال عليهم عمري فاستعجلوا قدري اللهم سلط عليهم سيوف أهل الشأم حتى يبلغوا رضاك فإذا بلغوا رضاك لم يجاوزوا إلى سخطك ثم نزل

172 وصيته لبعض أمرائه

وأوصى عبد الملك أميرا سيره إلى أرض الروم فقال أنت تاجر الله لعباده فكن كالمضارب الكيس الذي إن وجد ربحا أتجر وإلا تحفظ برأس المال ولا تطلب الغنيمة حتى تحرز السلامة وكن من احتيالك على عدوك أشد حذرا من احتيال عدوك عليك

173 وصيته للشعبي

وروى المسعودي في مروج الذهب قال ولما أفضى الأمر إلى عبد الملك بن مروان تاقت نفسه إلى محادثة الرجال والأشراف في أخبار الناس فلم يجد من يصلح لمنادمته غير الشعبي فلما حمل إليه ونادمه قال له يا شعبي لا تساعدني على ما قبح ولا ترد على الخطأ في مجلسي ولا تكلفني جواب التشميت والتهنئة ولا جواب السؤال والتعزية ودع عنك كيف أصبح الأمير وكيف أمسى وكلمني بقدر ما استطعمك واجعل بدل المدح لي صواب الاستماع مني واعلم أن صواب الاستماع أكثر من صواب القول وإذا سمعتني أتحدث فلا يفوتنك منه شيء وأرني فهمك من طرفك وسمعك ولا تجهد نفسك في نظر


198
صوابي ولا تستدع بذلك الزيادة في كلامي فإن أسوأ الناس حالا من استكد الملوك بالباطل وإن أسوأ الناس حالا منهم من استخف بحقهم واعلم يا شعبي أن أقل من هذا يذهب بسالف الإحسان ويسقط حق الحرمة فإن الصمت في موضعه ربما كان أبلغ من النطق في موضعه وعند إصابته وفرصته

174 وصيته لأخيه عبد العزيز بن مروان

وأوصى عبد الملك بن مروان أخاه عبد العزيز حين ولاه مصر فقال ابسط بشرك وألن كنفك وآثر الرفق في الأمور فإنه أبلغ بك وانظر حاجبك فليكن من خير أهلك فإنه وجهك ولسانك ولا يقفن أحد ببابك إلا أعلمك مكانه لتكون أنت الذي تأذن له أو ترده وإذا خرجت إلي مجلسك فابدأ بالسلام يأنسوا بك وتثبت في قلوبهم محبتك وإذا انتهى إليك مشكل فاستظهر عليه بالمشاورة فإنها تفتح مغاليق الأمور وإذا سخطت على أحد فأخر عقوبته فإنك على العقوبة بعد التوقف عنه أقدر منك على ردها بعد إمضائها

175 وصيته لولده عند وفاته

نظر عبد الملك إلى ابنه الوليد وهو يبكي عليه عند رأسه فقال يا هذا أحنين الحمامة إذا أنا مت فشمر واتزر والبس جلد نمر وضع سيفك علي عاتقك فمن أبدى ذات نفسه لك فاضرب عنقه ومن سكت مات بدائه


199
ثم أقبل عبد الملك يذم الدنيا فقال إن طويلك لقصير وإن كثيرك لقليل وإن كنا منك لفي غرور ثم أقبل على جميع ولده فقال أوصيكم بتقوى الله فإنها عصمة باقية وجنة واقية فالتقوى خير زاد وأفضل في المعاد وهي أحصن كهف وليعطف الكبير منكم على الصغير وليعرف الصغير حق الكبير مع سلامة الصدور والأخذ بجميل الأمور وإياكم والبغي والتحاسد فيهما هلك الملوك الماضون وذوو العز المكين يا بني أخوكم مسلمة نابكم الذي تفرون عنه ومجنكم الذي تستجنون به اصدروا عن رأيه وأكرموا الحجاج فإنه الذي وطأ لكم هذا الأمر كونوا أولادا أبرارا وفي الحروب أحرارا وللمعروف منارا وعليكم السلام

176 خطبة للوليد بن عبد الملك بعد دفن أبيه توفي سنة 96ه

لما رجع الوليد من دفن عبد الملك لم يدخل منزله حتى دخل المسجد ونادى في الناس الصلاة جامعة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنه لا مؤخر لما قدم الله ولا مقدم لما أخر الله وقد كان من قضاء الله وسابق علمه وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه من الموت موت ولي هذه الأمة ونحن نرجو أن يصير إلى منازل الأبرار للذي كان عليه من الشدة على المريب واللين على أهل الفضل والدين مع ما أقام من منار الإسلام وأعلامه وحج هذا البيت وغزو هذه الثغور وشن الغارات على أعداء الله فلم يكن فيها عاجزا ولا وانيا ولا مفرطا فعليكم أيها الناس بالطاعة ولزوم الجماعة فإن الشيطان مع الفذ وهو من الجماعة أبعد واعلموا أنه من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ومن سكت مات بدائه ثم نزل


200

177 خطبة لسليمان بن عبد الملك توفي سنة 99ه

الحمد لله ألا إن الدنيا دار غرور ومنزل باطل تضحك باكيا وتبكي ضاحكا وتخيف آمنا وتؤمن خائفا وتفقر مثريا وتثري مقترا ميالة غرارة لعابة بأهلها عباد الله فاتخذوا كتاب الله إماما وارتضوا به حكما واجعلوه لكم قائدا فإنه ناسخ لما كان قبله ولم ينسخه كتاب بعده واعلموا عباد الله أن هذا القرآن يجلو كيد الشيطان كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفس ظلام الليل إذا عسعس


201
خطب عمر بن عبد العزيز توفي سنة 101ه

178 أولى خطبه

قال العتبى أول خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز رحمه الله قوله أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح لكم علانيتكم وأصلحوا آخرتكم تصلح دنياكم وإن امرأ ليس بينه وبين آدم أب حي لمعرق في الموت

179 خطبة له بالمدينة

وفي سنة 87ه ولى الوليد عمر بن عبد العزيز المدينة فلما قدمها صلى الظهر ودعا عشرة من فقهائها فدخلوا عليه فجلسوا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانا على الحق ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم فإن رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة فأحرج الله على من بلغه ذلك إلا بلغني

فخرجوا يجزونه خيرا


202

180 خطبة أخرى

وروى المسعودي في مروج الذهب أنه لما أفضى إليه الأمر كان أول خطبة خطب الناس بها أن قال أيها الناس إنما نحن من أصول قد مضت فروعها فما بقاء فرع بعد أصله وإنما الناس في هذه الدنيا أغراض تنتضل فيهم المنايا وهم فيها نصب المصائب مع كل جرعة شرق وفي كل أكلة غصص لا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى ولا يعمر معمر منكم يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله

وأورد القالي في الأمالي هذه الخطبة بصورة أطول وهي ما الجزع مما لا بد منه وما الطمع فيما لا يرجى وما الحيلة فيما سيزول وإنما الشئ من أصله فقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها فما بقاء فرع بعد أصله إنما الناس في الدنيا أغراض تنتضل فيهم المنايا وهم فيها نهب للمصائب مع كل جرعة شرق وفي كل أكلة غصص لا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى ولا يعمر معمر يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله وأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم فأين المهرب مما هو كائن وإنما نتقلب في قدرة الطالب فما أصغر المصيبة اليوم مع عظيم الفائدة غدا وأكبر خيبة الخائب فيه والسلام


203

181 خطبة أخرى

وروى أنه لما دفن سليمان بن عبد الملك وخرج من قبره سمع للأرض رجة فقال ما هذه فقيل هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين قربت إليك لتركبها فقال مالي ولها نحوها عني قربوا إلي بغلتي فقربت إليه فركبها وجاءه صاحب الشرطة يسير بين يديه بالحربة فقال تنح عني مالي ولك إنما إنما رجل من المسلمين فسار وسار معه الناس حتى دخل المسجد فصعد المنبر واجتمع إليه الناس فقال أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم

فصاح الناس صيحة واحدة قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك فل أمرك باليمن والبركة فلما رأى الأصوات قد هدأت ورضي به الناس جميعا حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وقال أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خلف من كل شيء وليس من تقوى الله عز وجل خلف واعملوا لآخرتكم فإنه من عمل لآخرته كفاه الله تبارك وتعالى أمر دنياه وأصلحوا سرائركم يصلح الله الكريم علانيتكم وأكثروا ذكر الموت وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم فإنه هادم اللذات وإن من لا يذكر من آبائه فيما بينه وبين آدم عليه السلام أبا حيا لمعرق في الموت وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها عز وجل ولا في نبيها ولا في كتابها وإنما اختلفوا في الدينار والدرهم وإني والله لا أعطي أحدا باطلا ولا أمنع أحدا حقا إني لست


204
بخازن ولكني أضع حيث أمرت أيها الناس إنه قد كان قبلي ولاة تجترون مودتهم بأن تدفعوا بذلك ظلمهم عنكم ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق من أطاع الله وجبت طاعته ومن عصى الله فلا طاعة له أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم

182 خطبة أخرى

وروى أنه لما ولي الخلافة صعد المنبر وكان أول خطبة خطبها حمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها ويعيننا على الخير ويدلنا من الخير على ما لا نهتدي إليه ولا يغتابن عندنا الرعية ولا يعترض فيما لا يعنيه

فانقشع عنه الشعراء والخطباء وثبت الفقهاء والزهاد وقالوا ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف قوله فعله

183 خطبة أخرى

وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبي وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة


205
وما حرم الله على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة ألا إني لست بقاض ولكني منفذ لله ولست بمبتدع ولكني متبع ألا إنه ليس لأحد أن يطاع في معصية الله عز وجل ألا إني لست بخيركم وإنما أنا رجل منكم غير أن الله جعلني أثقلكم حملا يأيها الناس إن أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم

184 خطبة أخرى

وخطب فقال أيها الناس إنكم ميتون ثم إنكم مبعوثون ثم إنكم محاسبون فلعمري لئن كنتم صادقين لقد قصرتم ولئن كنتم كاذبين لقد هلكتم يأيها الناس إنه من يقدر له رزق برأس جبل أو بحضيض أرض يأته فأجملوا في الطلب

185 خطبة أخرى

وخطب فقال إن الدنيا ليست بدار قرار دار كتب الله عليها الفناء وكتب على أهلها منها الظعن فكم عامر موثق عما قليل يخرب وكم مقيم مغتبط عما قليل يظعن فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة بأحسن ما يحضركم من النقلة وتزودوا فإن خير الزاد التقوى إنما الدنيا كفئ ظلال قلص فذهب بينا ابن آدم في الدنيا منافس وبها قرير عين


206
إذ دعاه الله بقدره ورماه بيوم حتفه فسلبه آثاره ودياره ودنياه وصير لقوم آخرين مصانعه ومغناه إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر إنها تسر قليلا وتجر حزنا طويلا

186 خطبة له يوم عيد

وخطب يوم عيد فحمد الله وأثنى عليه ثم تلا ثلاث آيات من كتاب الله عز وجل ثم قال يأيها الناس إني وجدت هذا القلب لا يعبر عنه إلا اللسان ولعمري وإن لعمري مني لحقا لوددت أنه ليس من الناس عبد ابتلي بسعة إلا نظر قطيعا من ماله يجعله في الفقراء والمساكين واليتامى والأرامل بدأت أنا بنفسي وأهل بيتي ثم كان الناس بعد

ثم كان آخر كلمة تكلم بها حين نزل لولا سنة أحييتها أو بدعة أمتها لم أبال أن لا أبقى في الدنيا إلا فواقا

187 خطبة له

وخطب فقال أما بعد أيها الناس فلا يطولن عليكم الأمد ولا يبعدن عنكم يوم القيامة فإن من زافت به منيته فقد قامت قيامته لا يستعتب من سيئ ولا يزيد في حسن


207
ألا لا سلامة لامرئ في خلاف السنة ولا طاعة لمخلوق في معصية الله ألا وإنكم تعدون الهارب من ظلم إمامه عاصيا ألا وإن أولاهما بالمعصية الإمام الظالم ألا وإني أعالج أمرا لا يعين عليه إلا الله فقد فني عليه الكبير وكبر عليه الصغير وفصح عليه الأعجمي وهاجر عليه الأعرابي حتى حسبوه دينا لا يرون الحق غيره ثم قال إنه لحبيب إلى أن أوفر أموالكم وأعراضكم إلا بحقها ولا قوة إلا بالله

188 خطبة أخرى

وصعد ذات يوم المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنما يراد الطبيب للوجع الشديد ألا فلا وجع أشد من الجهل ولا داء أخبث من الذنوب ولا خوف أخوف من الموت ثم نزل

189 خطبة أخرى

وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن هؤلاء القوم قد كانوا أعطونا عطايا والله ما كان لهم أن يعطوناها وما كان لنا أن نقبلها وإن ذلك قد صار إلي ليس علي فيه دون الله محاسب ألا وإني قد رددتها وبدأت بنفسي وأهل بيتي اقرأ يا مزاحم وكان مولاه

وقد جئ قبل ذلك بسفط فيه تلك الكتب فقرأ مزاحم كتابا منها ثم ناوله


208
عمر وهو قاعد على المنبر وفي يده جلم فجعل يقصه واستأنف مزاحم كتابا آخر فقرأه ثم دفعه إلى عمر فقصه فما زال حتى نودي بصلاة الظهر

190 خطبة له

وكان يخطب فيقول أيها الناس من ألم بذنب فليستغفر الله عز وجل وليتب فإن عاد فليستغفر وليتب فإن عاد فليستغفر وليتب فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال وإن الهلاك كل الهلاك الإصرار عليها

191 خطبة له

وخطب الناس بعد أن جمعهم فقال إني لم أجمعكم لأمر أحدثته ولكني نظرت في أمر معادكم وما أنتم إليه صائرون فوجدت المصدق به أحق والمكذب به هالكا ثم نزل

192 خطبة له

وخطب فقال أيها الناس لا تستصغروا الذنوب والتمسوا تمحيص ما سلف منها بالتوبة منها إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين وقال عز وجل ( والذين


209
إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون

193 خطبة له

وخطب فقال إن لكل سفر زادا لا محالة فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من ثوابه وعقابه فرغبوا ورهبوا ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوكم فإنه والله ما بسط أمل من لا يدري لعله لا يصبح بعد إمسائه ولا يمسي بعد إصباحه وربما كانت بين ذلك خطفات المنايا فكم رأينا ورأيتم من كان بالدنيا مغترا فأصبح في حبائل خطوبها ومناياها أسيرا وإنما تقرعين من وثق بالنجاة من عذاب الله وإنما يفرح من أمن من أهوال يوم القيامة فأما من لا يبرأ من كلم إلا أصابه جارح من ناحية أخرى فكيف يفرح أعوذ بالله أن آمركم بما أنهي عنه نفسي فتخسر صفقتي وتظهر عورتي وتبدو مسكنتي في يوم يبدو فيه الغني والفقير والموازين منصوبة والجوارح ناطقة فلقد عنيتم بأمر لو عنيت به النجوم لانكدرت ولو عنيت به الجبال لذابت أو الأرض لانفطرت أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة وأنكم صائرون إلى إحداهما


210

وروي أنه قال من وصل أخاه بنصيحة له في دينه ونظر له في صلاح دنياه فقد أحسن صلته وأدى واجب حقه فاتقوا الله فإنها نصيحة لكم في دينكم فاقبلوها وموعظة منجية في العواقب فالزموها الرزق مقسوم فلن يعدو المؤمن ما قسم له فأجملوا في الطلب فإن في القنوع سعة وبلغة وكفافا إن أجل الدنيا في أعناقكم وجهنم أمامكم وما ترون ذاهب وما مضى فكأن لم يكن وكل أموات عن قريب وقد رأيتم حالات الميت وهو يسوق وبعد فراغه وقد ذاق الموت والقوم حوله يقولون قد فرغ رحمه الله وعاينتم تعجيل إخراجه وقسمة تراثه ووجهه مفقود وذكره منسي وبابه مهجور كأن لم يخالط إخوان الحفاظ ولم يعمر الديار فاتقوا هول يوم لا يحقر فيه مثقال ذرة في الموازين

195 خطبة له

وقال من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح ومن لم يعد كلامه من عمله كثرت ذنوبه والرضا قليل ومعول المؤمن الصبر وما أنعم الله على عبد نعمة ثم انتزعها منه فأعاضه مما انتزع منه الصبر إلا كان ما أعاضه خيرا مما انتزع منه ثم قرأ هذه الآية ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب )


211

196 خطبة له

وحدث شبيب بن شيبة عن أبي عبد الملك قال كنت من حرس الخلفاء قبل عمر فكنا نقوم لهم ونبدؤهم بالسلام فخرج علينا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في يوم عيد وعليه قميص كتان وعمامة على قلنسوة لاطئة فمثلنا بين يديه وسلمنا عليه فقال مه أنتم جماعة وأنا واحد السلام علي والرد عليكم وسلم فرددنا وقربت له دابته فأعرض عنها ومشي ومشينا حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال وددت أن أغنياء الناس اجتمعوا فردوا على فقرائهم حتى نستوي نحن بهم وأكون أنا أولهم ثم قال مالي وللدنيا أم مالي ولها وتكلم فأرق حتى بكى الناس جميعا يمينا وشمالا ثم قطع كلامه ونزل فدنا منه رجاء بن حيوة فقال له يا أمير المؤمنين كلمت الناس بما أرق قلوبهم وأبكاهم ثم قطعته أحوج ما كانوا إليه فقال يا رجاء إني أكره المباهاة

197 آخر خطبة له

وخطب بخناصره خطبة لم يخطب بعدها حتى مات رحمه الله تعالى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا ولم تتركوا سدى وإن لكم معادا يحكم الله فيه بينكم فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء وحرم الجنة التي عرضها السموات والأرض واعلموا أن الأمان غدا لمن خاف ربه وباع قليلا بكثير


212
وفانيا بباق ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفها من بعدكم الباقون كذلك حتى تردوا إلى خير الوارثين ثم أنتم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه وبلغ أجله ثم تغيبونه في صدع من الأرض ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وواجه الحساب مرتهنا بعمله غنيا عما ترك فقيرا إلى ما قدم وايم الله إني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي فأستغفر الله لي ولكم وما تبلغنا عن أحد منكم حاجة يتسع لها ما عندنا إلا سددناها ولا أحد منكم إلا وددت أن يده مع يدي ولحمتى الذين يلوننى حتى يستوي عيشنا وعيشكم وايم الله إني لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة لكان اللسان مني ناطقا ذلولا عالما بأسبابه لكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة دل فيها على طاعته ونهي فيها عن معصيته ثم بكى فتلقى دموع عينيه بطرف ردائه ثم نزل فلم ير على تلك الأعواد حتى قبضه الله

198 خطبة أخري

وروي أن آخر خطبة خطبها رحمه الله حمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس الحقوا ببلادكم فإني أنساكم عندي وأذكركم ببلادكم ألا وإني قد استعملت عليكم رجالا لا أقول هم خياركم ولكنهم خير ممن هم شر منهم ألا فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له علي ألا وإني نعت نفسي وأهل بيتي هذا


213
المال فإن ضننت به عليكم إني إذن لضنين والله لولا أن أنعش سنة أو أسير بحق ما أحببت أن أعيش فواقا

199 كلامه في مرضه الذي مات فيه

ودخل عليه مسلمة بن عبد الملك في المرضة التي مات فيها فقال له يا أمير المؤمنين إنك فطمت أفواه ولدك عن هذا المال وتركتهم عالة ولا بد من شيء يصلحهم فلو أوصيت بهم إلي أو إلى نظرائك من أهل بيتك لكفيتك مئونتهم إن شاء الله فقال عمر أجلسوني فأجلسوه فقال الحمد لله أبالله تخوفني يا مسلمة أما ما ذكرت من أني فطمت أفواه ولدي عن هذا المال وتركتهم عالة فإني لم أمنعهم حقا هو لهم ولم أعطهم حقا هو لغيرهم وأما ما سألت من الوصاة إليك أو إلى نظرائك من أهل بيتي فإن وصيتي بهم إلى الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين وإنما بنو عمر أحد رجلين رجل اتقى الله فجعل الله له من أمره يسرا ورزقه من حيث لا يحتسب ورجل غير وفجر فلا يكون عمر أول من أعانه على ارتكابه ادعوا لي بني فدعوهم وهم يومئذ اثنا عشر غلاما فجعل يصعد بصره فيهم ويصوبه حتى اغرورقت عيناه بالدمع ثم قال بنفسي فتية تركتهم ولا مال لهم يا بني إني قد تركتكم من الله بخير إنكم لا تمرون على مسلم ولا معاهد إلا ولكم عليه حق واجب إن شاء الله يا بني ميلت رأيي بين أن تفتقروا في الدنيا وبين أن يدخل أبوكم النار فكان


214
أن تفتقروا إلى آخر الأبد خيرا من دخول أبيكم يوما واحدا في النار قوموا يا بني عصمكم الله ورزقكم قالوا فما احتاج أحد من أولاد عمر ولا افتقر

200 مناظرة عمر بن عبد العزيز للخوارج

خرج سنة مائة بالجزيرة شوذب الخارجي واسمه بسطام من بني يشكر فكتب إليه عمر بن عبد العزيز بلغني أنك خرجت غضبا لله ولرسوله ولست أولى بذلك مني فهلم إلي أناظرك فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس وإن كان في يدك نظرنا في أمرك فكتب بسطام إلى عمر قد أنصفت وقد بعثت إليك رجلين يدارسانك ويناظرانك وأرسل إلى عمر مولى لبني شيبان حبشيا اسمه عاصم ورجلا من بني يشكر فقدما على عمر بخناصرة فأخبر بمكانهما فقال فتشوهما لا يكن معهما حديد وأدخلوهما فلما دخلا قالا السلام عليك ثم جلسا فقال لهما عمر أخبراني ما الذي أخرجكم مخرجكم هذا وما نقمتم علينا فقال عاصم ما نقمنا سيرتك إنك لتتحرى العدل والإحسان فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر أعن رضا من الناس ومشورة أم ابتززتم أمرهم فقال عمر ما سألتهم الولاية عليهم ولا غلبتهم عليها وعهد إلي رجل كان قبلي فقمت ولم ينكره علي أحد ولم يكرهه غيركم وأنتم ترون الرضا بكل من عدل وأنصف من كان من الناس فاتركوني ذلك الرجل فإن خالفت الحق ورغبت عنه فلا طاعة لي عليكم فقالا بيننا وبينك أمر إن أنت أعطيتناه فنحن منك وأنت منا وإن منعتناه فلست منا ولسنا منك فقال عمر وما هو قالا رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك وسميتها مظالم وسلكت غير سبيلهم فإن زعمت أنك على هدى وهم على ضلال فالعنهم وتبرأ منهم فهذا الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرق فتكلم عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال


215
إني قد علمت أنكم لم تخرجوا مخرجكم هذا لطلب دنيا ومتاعها ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم سبيلها إن الله عز وجل لم يبعث رسوله لعانا وقال إبراهيم ( فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) وقال الله عز وجل ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) وقد سميت أعمالهم ظلما وكفى بذلك ذما ونقصا وليس لعن أهل الذنوب فريضة لا بد منها فإن قلتم إنها فريضة فأخبرني متى لعنت فرعون قال ما أذكر متى لعنته قال أفيسعك أن لا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق وشرهم ولا يسعني أن لا ألعن أهل بيتي وهم مصلون صائمون قال أما هم كفار بظلمهم قال لا لأن رسول الله دعا الناس إلى الإيمان فكان من أقر به وبشرائعه قبل منه فإن أحدث حدثا أقيم عليه الحد فقال الخارجي إن رسول الله دعا الناس إلى توحيد الله والإقرار بما نزل من عنده قال عمر فليس أحد منهم يقول لا أعمل بسنة رسول الله ولكن القوم أسرفوا على أنفسهم على علم منهم أنه محرم عليهم ولكن غلب عليهم الشقاء قال عاصم فأبرأ ممن خالف عملك ورد أحكامهم قال عمر أخبراني عن أبي بكر وعمر أليسا من أسلافكما وممن تتوليان وتشهدان لهما بالنجاة قالا اللهم نعم قال فهل علمتما أن أبا بكر حين قبض رسول الله فارتدت العرب قاتلهم فسفك الدماء وأخذ الأموال وسبي الذراري قالا نعم قال فهل علمتم أن عمر قام بعد أبي بكر فرد تلك السبايا إلى عشائرها بفدية قالا نعم قال فهل برئ عمر من أبي بكر أو تبرءون أنتم من أحد منهما قالا لا قال فأخبراني عن أهل النهروان أليسوا من صالحي أسلافكم وممن تشهدون لهم بالنجاة قالا بلي قال فهل تعلمون أن أهل الكوفة حين خرجوا كفوا أيديهم فلم يسفكوا دما ولم يخيفوا آمنا ولم يأخذوا مالا قالا نعم قال فهل علمتم أن أهل البصرة حين خرجوا مع مسعر بن فديك استعرضوا الناس يقتلونهم ولقوا عبد الله بن خباب
216
ابن الأرت صاحب رسول الله فقتلوه وقتلوا جاريته ثم صبحوا حيا من أحياء العرب فاستعرضوهم فقتلوا الرجال والنساء والأطفال حتى جعلوا يلقون الصبيان في قدور الإقط وهي تفور قالا قد كان ذلك قال فهل برئ أهل البصرة من أهل الكوفة وأهل الكوفة من أهل البصرة قالا لا قال فهل تبرءون أنتم من إحدى الطائفتين قالا لا قال أرأيتم الدين واحدا أم اثنين قالا بل واحدا قال فهل يسعكم فيه شيء يعجز عني قال لا قال فكيف وسعكم أن توليتم أبا بكر وعمر وتولى أحدهما صاحبه وتوليتم أهل البصرة وأهل الكوفة وتولى بعضهم بعضا وقد اختلفوا في أعظم الأشياء في الدماء والفروج والأموال ولا يسعني فيما زعمتم إلا لعن أهل بيتي والتبرؤ منهم ويحكم إنكم قوم جهال أردتم أمرا فأخطأتموه فأنتم تردون على الناس ما قبل منهم رسول الله ويأمن عندكم من خاف عنده ويخاف عندكم من أمن عنده قالا ما نحن كذلك قال عمر بل سوف تقرون بذلك الآن هل تعلمون أن رسول الله بعث إلى الناس وهم عبدة أوثان فدعاهم إلى خلع الأوثان وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فمن فعل ذلك حقن دمه وأحرز ماله ووجبت حرمته وكانت له أسوة المسلمين قالا نعم قال أفلستم أنتم تلقون من يخلع الأوثان ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فتستحلون دمه وماله وتلقون من ترك ذلك وأباه من اليهود والنصارى وسائر الأديان فيأمن عندكم وتحرمون دمه فقال اليشكرى أرأيت رجلا ولي قوما وأموالهم فعدل فيها ثم صيرها بعده إلى رجل غير مأمون أتراه أدى الحق الذي يلزمه لله عز وجل أو تراه قد سلم قال عمر لا قال أفتسلم هذا الأمر إلى يزيد من بعدك وأنت تعرف أنه لا يقوم فيه بالحق قال إنما ولاه غيري
217
والمسلمون أولى بما يكون منهم فيه بعدي قال أفترى ذلك من صنع من ولاه حقا فبكى عمر وقال أنظرانى ثلاثا فخرجا من عنده ثم عادا إليه فقال عاصم أشهد أنك على حق فقال عمر لليشكري ما تقول أنت قال ما أحسن ما وصفت ولكن لا أفتات على المسلمين بأمر أعرض عليهم ما قلت وأعلم حجتهم فأما عاصم فأقام عند عمر فأمر له عمر بالعطاء فتوفي بعد خمسة عشر يوما فكان عمر يقول أهلكني أمر يزيد وخصمت فيه فأستغفر الله فخاف بنو أمية أن يخرج ما بأيديهم من الأموال وأن يخلع يزيد من ولاية العهد فوضعوا على عمر من سقاه سما فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثا حتى مرض ومات

201 تأبينه ابنه عبد الملك

ولما دفن عمر بن عبد العزيز ابنه عبد الملك وسوى عليه قبره بالأرض وجعلوا على قبره خشبتين من زيتون إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه استوى عمر قائما وأحاط به الناس فقال رحمك الله يا بني فقد كنت برا بأبيك والله ما زلت مذ وهبك الله لي بك مسرورا ولا والله ما كنت قط أشد سرورا بك ولا أرجي لحظي من الله فيك منذ وضعتك في الموضع الذي صيرك الله إليه فغفر الله لك ذنبك وجازاك بأحسن عملك وتجاوز عن سيئاتك ورحم الله كل شافع يشفع لك بخير من شاهد أو غائب رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمره والحمد لله رب العالمين


218

202 خطبة يزيد بن الوليد حين قتل الوليد بن يزيد

حمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك وما بي إطراء نفسي وإني لظلوم لها إن لم يرحمني الله ولكن خرجت غضبا لله ودينه داعيا إلى الله وإلى سنة نبيه لما هدمت معالم الهدى وأطفئ نور أهل التقوى وظهر الجبار العنيد المستحل لكل حرمة والراكب لكل بدعة الكافر بيوم الحساب وإنه لابن عمي في النسب وكفيئي في الحسب فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره وسألته ألا يكلني إلى نفسي ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي حتى أراح الله منه العباد وطهر منه البلاد بحوله وقوته لا بحولي وقوتي

أيها الناس إن لكم علي ألا أضع حجرا على حجر ولا لبنة على لبنة ولا أكري نهرا ولا أكنز مالا ولا أعطيه زوجا ولا ولدا ولا أنقله من بلد إلى


219
بلد حتى أسد فقر ذلك البلد وخصاصة أهله فإن فضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه ولا أجمركم في بعوثكم فأفتنكم وأفتن أهليكم ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم ولا أحمل على أهل جزيتكم ما أجليهم به عن بلادهم وأقطع به نسلهم ولكم علي إدرار العطاء في كل سنة والرزق في كل شهر حتى يستوي بكم الحال فيكون أفضلكم كأدناكم فإن أنا وفيت لكم فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة والمكاتفة وإن لم أف لكم فعليكم أن تخلعوني إلا أن تستتبيبونى فإن أنا تبت قبلتم مني وإن عرفتم أحدا يقوم مقامي ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل الذي أعطيتكم فأردتم أن تبايعوه فأنا أول من بايعه ودخل في طاعته

أيها الناس إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولا وفاء له بنقض عهد إنما الطاعة طاعة الله فأطيعوه بطاعة الله ما أطاع فإذا عصى الله ودعا إلى المعصية فهو أهل أن يعصى ويقتل أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم

203 وصية يزيد بن معاوية لسلم بن زياد حين ولاه

لما ولى يزيد بن معاوية سلم بن زياد بن أبيه على خراسان قال له إن أباك كفى أخاه يعني معاوية عظيما وقد استكفيتك صغيرا فلا تتكلن على عذر مني لك فقد اتكلت على كفاية منك وإياك مني قبل أن أقول إياي منك فإن الظن إذا أخلف منك أخلف مني فيك وأنت في أدنى حظك فاطلب أقصاه وقد أتعبك أبوك فلا تريحن نفسك وكن لنفسك تكن لك واذكر في يومك أحاديث غدك تسعد إن شاء الله تعالى


220
خطب عتبة بن أبي سفيان توفي سنة 44ه

204 خطبة له في تهدد أهل مصر

بلغ عتبة بن أبي سفيان عن أهل مصر شيء فأغضبه فقام فيهم فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه

يأهل مصر إياكم أن تكونوا للسيف حصيدا فإن لله فيكم ذبيحا لعثمان أرجو أن يوليني نسكه إن الله جمعكم بأمير المؤمنين بعد الفرقة فأعطى كل ذي حق حقه وكان والله أذكركم إذا ذكر بخطة وأصفحكم بعد المقدرة عن حقه نعمة من الله فيكم ونعمة منه عليكم وقد بلغنا عنكم نجم قول أظهره تقدم عفو منا فلا تصيروا إلى وحشة الباطل بعد أنس الحق بإحياء الفتنة وإماتة السنن فأطأكم لله وطأة لا رمق معها حتى تنكروا مني ما كنتم تعرفون وتستخشنوا ما كنتم تستلينون وأنا أشهد عليكم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور


221

205 خطبة له في تقريعهم وتهددهم

وخطب أيضا وقد بلغه عن أهل مصر أمور فقال يا حاملي ألأم أنوف ركبت بين أعين إنما قلمت أظفاري عنكم ليلين مسي إياكم وسألتكم صلاحكم لكم إذ كان فسادكم راجعا عليكم فأما إذا أبيتم إلا الطعن على الأمراء والعتب على السلف والخلفاء فوالله لأقطعن بطون السياط على ظهوركم فإن حسمت مستشري دائكم وإلا فالسيف من ورائكم فكم من عظة لنا قد صمت عنها آذانكم وزجرة منا قد مجتها قلوبكم ولست أبخل عليكم بالعقوبة إذا جدتم علينا بالمعصية ولا مؤيسا لكم من المراجعة إلى الحسنى إن صرتم إلى التي هي أبر وأتقى

206 خطبة له فيهم وقد أرجفوا بموت معاوية

واحتبست كتب معاوية حتى أرجف أهل مصر بموته ثم ورد كتابه بسلامته فصعد عتبة المنبر والكتاب في يده فقال يأهل مصر قد طالت معاتبتنا إياكم بأطراف الرماح وظبات السيوف حتى صرنا شجى في لهواتكم ما تسيغنا حلوقكم وأقذاء في أعينكم ما تطرف عليها جفونكم أفحين اٌشتدت عُري الحق عليكم عقدا واسترخت عقد الباطل منكم حلا أرجفتم بالخليفة وأردتم توهين السلطان وخضتم الحق إلى الباطل وأقدم عهدكم به


222
حديث فاربحوا أنفسكم إذ خسرتم دينكم فهذا كتاب أمير المؤمنين بالخبر السار عنه والعهد القريب منه واعلموا أن سلطاننا على أبدانكم دون قلوبكم فأصلحوا لنا ما ظهر نكلكم إلى الله فيما بطن وأظهروا خيرا وأن أسررتم شرا فإنكم حاصدون ما أنتم زارعون وعلى الله نتوكل وبه نستعين

207 خطبته فيهم وقد منعوا الخراج وخطبهم وكانوا قد منعوا الخراج فقال

يأهل مصر قد كنتم تعتذرون لبعض المنع منكم ببعض الجور عليكم فقد وليكم من يقول ويفعل ويفعل ويقول فإن رددتم ترادكم بيده وإن استصعبتم ترادكم بسيفه ثم رجا في الآخرة ما أمل في الأولى إن البيعة متتابعة فلنا عليكم السمع والطاعة ولكم علينا العدل فأينا غدر فلا ذمة له عند صاحبه والله ما انطلقت بها ألسنتنا حتى عقدت عليها قلوبنا ولا طلبناها منكم حتى بذلناها لكم ناجزا بناجز ومن حذر كمن بشر فنادوه سمعا وطاعة فناداهم عدلا عدلا

208 خطبته فيهم إذ طعنوا علي الولاة

وقدم كتاب معاوية إلى عتبة بمصر أن قبلك قوما يطعنون على الولاة ويعيبون السلف فخطبهم فقال يأهل مصر خف على ألسنتكم مدح الحق ولا تفعلونه وذم الباطل وأنتم


223
تأتونه كالحمار يحمل أسفارا أثقله حملها ولم ينفعه علمها وايم الله لا أداوي أدوائكم بالسيف ما صلحتم على السوط ولا أبلغ السوط ما كفتني الدرة ولا أبطئ عن الأولى ما لم تسرعوا إلى الأخرى فالزموا ما أمركم الله به تستوجبوا ما فرض الله لكم علينا وإياكم وقال ويقول قبل أن يقال فعل ويفعل وكونوا خير قوس سهما بهذا اليوم الذي ما قبله عقاب ولا بعده عتاب

209 خطبته بمكة

وحج عتبة سنة إحدي وأربعين والناس قريب عهدهم بالفتنة فصلى بمكة الجمعة ثم قال أيها الناس إنا قد ولينا هذا المقام الذي يضاعف فيه للمحسن الأجر وعلى المسيء فيه الوزر ونحن على طريق ما قصدنا له فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا فإنها تنقطع من دوننا ورب متمن حتفه في أمنيته فاقبلونا ما قبلنا العافية فيكم وقبلناها منكم وإياكم ولوا فإن لوا قد أتعبت من كان قبلكم ولن تريح من بعدكم وأنا أسأل الله أن يعين كلا على كل

فصاح به أعرابي أيها الخليفة فقال لست به ولم تبعد فقال يا أخاه فقال سمعت فقل فقال تالله لأن تحسنوا وقد أسأنا خير من أن تسيئوا وقد أحسنا فإن كان الإحسان لكم دوننا فما أحقكم باستتمامه وإن كان منا فما أولاكم بمكافأتنا رجل من بني عامر بن صعصعة يلقاكم بالعمومة ويقرب إليكم بالخئولة وقد كثر عياله ووطئه زمانه وبه فقر وفيه أجر وعنده شكر فقال عتبة أستغفر الله


224
منكم وأستعينه عليكم وقد أمرنا لك بغناك فليت إسراعنا إليك يقوم بإبطائنا عنك

210 خطبته في علته التي مات فيها

ولما اشتكى شكاته التي مات فيها تحامل إلى المنبر فقال يأهل مصر لا غنى عن الرب ولا مهرب من ذنب إنه قد تقدمت مني إليكم عقوبات كنت أرجو يومئذ الأجر فيها وأنا أخاف اليوم الوزر منها فليتني لا أكون اخترت دنياي على معادي فأصلحتم بفسادي وأنا أستغفر الله منكم وأتوب إليه فيكم فقد خفت ما كنت أرجو نفعا عليه ورجوت ما كنت أخاف اغتيالا به وقد شقي من هلك بين رحمة الله وعفوه والسلام عليكم سلام من لا ترونه عائدا إليكم فلم يعد

211 وصيته لمؤدب ولده

وقال لعبد الصمد مؤدب ولده ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بني إصلاح نفسك فإن أعينهم معقودة بعينك فالحسن عندهم ما استحسنت والقبيح عندهم ما استقبحت وعلمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملوه ولا تتركهم منه فيهجروه ثم روهم من الشعر أعفه ومن الحديث أشرفه ولا تخرجهم من علم إلى غيره حتى يحكموه فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم وتهددهم بي وأدبهم دوني وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء قبل معرفة الداء وجنبهم محادثة النساء وروهم سير الحكماء واستزدني


225
بزيادتك إياهم أزدك وإياك أن تتكل على عذر مني لك فقد اتكلت على كفاية منك وزد في تأديبهم أزدك في بري إن شاء الله تعالى

212 وصية سعيد بن العاص لبنيه

لما ولد لسعيد بن العاص ابنه عمرو وترعرع تفرس فيه النجابة وكان يفضله على ولده فجمع بنيه وكانوا يومئذ أكثر من خمسة عشر رجلا ولم يدع عمرا معهم وقال يا بني قد عرفتم خبرة الوالد بولده وإن أخاكم عمرا لذو همة واعدة يسمو جده ويبعد صيته وتشتد شكيمته وإني آمركم أن نزل بي من الموت ما لا محيص عنه أن تظاهروه وتوازروه وتعزروه فإنكم إن فعلتم ذلك يتألف بكم الكرام ويخسأ عنكم اللئام ويلبسكم عز لا تنهجه الأيام

فقالوا جميعا إنك تؤثره علينا وتحابيه دوننا فقال سأريكم ما ستره


226
البغي عنكم وصرفهم ثم أمهلهم حتى ظن أن قد ذهلوا عما كان وراهق عمرو البلوغ واستدعاهم دون عمرو فلما حضروا قال يا بني ألم تروا إلى أخيكم عمرو فإنه لا يزال يلحف في مسألتي مالي فأحش عيله لصغره وأحسبه بالشيء دون الشيء من مالي إلى أن استثبت أن أمه باغيته على ذلك فزجرتها فلم تكفف وهذا مخرجه الآن من عندي جاء يسألني الصمصامة كأن لا ولد لي غيره وقد عزمت على أن أقسم مالي فيكم دونه لتعلم أمه من يكيد فقالوا كلهم يا أبانا هذا عملك بإيثارك له علينا واختصاصك إياه دوننا فقال يا بني والله ما آثرته دونكم بشيء من مالي قط ولا كان ما قلته لكم إلا اختلافا تساهلت فيه لما أملته من صلاح أمركم ثم قال لهم ادخلوا المخدع فدخلوا المخدع ثم أرسل إلى عمرو فأحضره فلما حضر قال
227
يا بني إني عليك حدب مشفق لصغر سنك ونفاسة إخوتك على مكانك مني وإني لا آمن بغتة الأجل ولي كنز ادخرته لك دون إخوتك وهأنا مطلعك عليه فاكتم أمره

فقال يا أبت طال عمرك وعلا أمرك إني لأرجو أن يحسن الله عنك الدفاع ويطيل بك الإمتاع فأما ما ذكرته من شأن الكنز فما يعجبني أن أقطع دون إخوتى أمرا وأزرع في صدورهم غمرا

فقال انصرف يا بني فداك أبوك فوالله ما لي من كنز ولكني أردت أن أبلو رأيك في إخوتك وبني أبيك فانطلق عمرو وخرج إخوته من المخدع فاعتذروا إلي أبيهم وأعطوه موثقهم على اتباع مشورته


228
خطب عمرو بن سعيد الأشدق قتل سنة 69ه

213 خطبة له بالمدينة

قدم عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق المدينة أميرا فخرج إلى منبر رسول الله فقعد عليه وغمض عينيه وعليه جبة خز قرمز ومطرف خزقرمز وعمامة خزقرمز فجعل أهل المدينة ينظرون إلى ثيابه إعجابا بها ففتح عينيه فإذا الناس ينظرون إليه فقال ما بالكم ياأهل المدينة ترفعون إلي أبصاركم كأنكم تريدون أن تضربونا بسيوفكم أغركم أنكم فعلتم ما فعلتم فعفونا عنكم أما إنه لو أثبتم بالأولى ما كانت الثانية أغركم أنكم قتلتم عثمان فوافقتم ثائرنا منا رفيقا قد فني غضبه وبقي حلمه اغتنموا أنفسكم فقد والله ملكناكم بالشباب المقتبل البعيد الأمل الطويل


229
الأجل حين فرغ من الصغر ودخل في الكبر حليم حديد لين شديد رقيق كثيف رفيق عنيف حين اشتد عظمه واعتدل جسمه ورمى الدهر ببصره واستقبله بأشره فهو إن عض نهس وإن سطا فرس لا يقلقل له الحصى ولا تقرع له العصا ولا يمشي السمهى فما بقي بعد ذلك إلا ثلاث سنين وثمانية أشهر حتى قصمه الله

214 خطبة له بمكة

واستعمل سعيد بن العاص وهو وال على المدينة ابنه عمرو بن سعيد واليا على مكة فلما قدم لم يلقه قرشي ولا أموي إلا أن يكون الحارث بن نوفل فلما لقيه قال له يا حار ما الذي منع قومك أن يلقوني كما لقيتني قال ما منعهم من ذلك إلا ما استقبلتني به والله ما كنيتني ولا أتممت اسمي وإنما أنهاك عن التشذر على أكفائك فإن ذلك لا يرفعك عليهم ولا يضعهم لك قال والله ما أسأت الموعظة ولا أتهمك على النصيحة وإن الذي رأيت مني لخلق فلما دخل مكة قام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد معشر أهل مكة فإنا سكناها غبطة وخرجنا عنها رغبة ولذلك كنا إذا رفعت لنا اللهوة بعد اللهوة أخذنا أسناها ونزلنا أعلاها ثم شرج أمر


230
بين أمرين فقتلنا وقتلنا فوالله ما نزعنا ولا نزع عنا حتى شرب الدم دما وأكل اللحم لحما وقرع العظم عظما فولي رسول الله برسالة الله إياه واختياره له ثم ولي أبو بكر لسابقته وفضله ثم ولي عمر ثم أجيلت قداح نزعن من شعاب جولة سعة ففاز بحظيها أصلها وأعتقها فكنا بعض قداحها ثم شرج أمر بين أمرين فقتلنا وقتلنا فوالله ما نزعنا ولا نزع عنا حتى شرب الدم دما وأكل اللحم لحما وقرع العظم عظما وعاد الحرام حلالا وأسكت كل ذي حس عن ضرب مهند عركا عركا وعسفا عسفا وخزا ونهسا حتى طابوا عن حقنا نفسا والله ما أعطوه عن هوادة ولا رضوا فيه بالقضاء أصبحوا يقولون حقنا غلبنا عليه فجزيناه هذا بهذا وهذا في هذا يأهل مكة أنفسكم أنفسكم وسفهاءكم سفهاءكم فإن معي سوطا نكالا وسيفا وبالا وكل منصوب على أهله ثم نزل

215 ملاحاة الوليد بن عقبة معه في مجلس معاوية

تلاحى الوليد بن عقبة وعمرو بن سعيد بن العاص في مجلس معاوية فتكلم الوليد فقال له عمرو كذبت أو كذبت فقال له الوليد اسكت يا طليق اللسان منزوع الحياء ويا ألأم أهل بيته فلعمري لقد بلغ بك البخل الغاية الشائنة المذلة لأهلها فساءت خلائقك لبخلك فمنعت الحقوق ولزمت العقوق فأنت غير مشيد البنيان ولا رفيع المكان فقال له عمرو والله إن قريشا لتعلم أني غير حلو المذاقة ولا لذيذ


231
الملاكة وإني لكالشجا في الحلق ولقد علمت أني ساكن الليل داهية النهار لا أتبع الأفياء ولا أنتمي إلى غير أبي ولا يجهل حسبي حام لحقائق الذمار غير هيوب عند الوعيد ولا خائف رعديد فلم تعير بالبخل وقد جبلت عليه فلعمري لقد أورثتك الضرورة لؤما والبخل فحشا فقطعت رحمك وجرت في قضيتك وأضعت حق من وليت أمره فلست ترجي للعظائم ولا تعرف بالمكارم ولا تستعف عن المحارم لم تقدر علي التوقير ولم يحكم منك التدبير فأفحم الوليد فقال معاوية وساءه ذلك كفا لا أبا لكما لا يرتفع بكما القول إلى ما لا نريد ثم أنشأ عمرو يقول

( وليد إذا ما كنت في القوم جالسا فكن ساكنا منك الوقار على بال )

( ولا يبدرن الدهر من فيك منطق بلا نظر قد كان منك وإغفال )

216 خطبته حين غلب على دمشق

ولما غلب على دمشق صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنه لم يقم أحد من قريش قبلي على هذا المنبر إلا زعم أن له جنة ونارا يدخل الجنة من أطاعه والنار من عصاه وإني أخبركم أن الجنة والنار بيد الله وأنه ليس إلي من ذلك شيء غير أن لكم علي حسن المؤاساة والعطية


232

217 خالد بن يزيد وعبد الملك بن مروان

روي أن عبد الله بن يزيد بن معاوية جاء إلى أخيه خالد بن يزيد في أيام عبد الملك فقال لقد هممت اليوم يا أخي أن أفتك بالوليد بن عبد الملك فقال له خالد بئس والله ما هممت به في ابن أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين فما ذاك قال إن خيلي مرت به فعبث بها وأصغرنى فقال له خالد أنا أكفيك فدخل على عبد الملك والوليد عنده فقال يا أمير المؤمنين إن الوليد ابن أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين مرت به خيل ابن عمه عبد الله بن يزيد فعبث بها وأصغره وكان عبد الملك مطرقا فرفع رأسه وقال

( إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ) فقال خالد ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) فقال عبد الملك أفي عبد الله تكلمني والله لقد دخل أمس علي فما أقام لسانه لحنا فقال خالد أفعلى الوليد تعول يا أمير المؤمنين قال عبد الملك إن كان الوليد يلحن فإن أخاه سليمان فقال خالد وإن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد فالتفت الوليد إلى خالد وقال له اسكت ويحك يا خالد فوالله ما تعد في العير ولا في النفير فقال خالد اسمع يا أمير المؤمنين ثم التفت إلى الوليد فقال له ويحك فمن صاحب العير والنفير غير جدي أبي سفيان صاحب العير وجدي عتبة صاحب النفير ولكن لو قلت غنيمات وحبيلات والطائف ورحم الله عثمان لقلنا صدقت


233

218 خالد بن عبد الله بن أسيد وعبد الملك بن مروان

جلس يوما عبد الملك بن مروان وعند رأسه خالد بن عبد الله بن أسيد وعند رجليه أمية بن عبد الله بن أسيد وأدخلت عليه الأموال التي جاءت من قبل الحجاج حتى وضعت بين يديه فقال هذا والله التوفير وهذه الأمانة لا ما فعل هذا وأشار إلى خالد استعملته على العراق فاستعمل كل ملط فاسق فأدوا إليه العشرة واحدا وأدى إلي من العشرة واحدا واستعملت هذا على خراسان وأشار إلى أمية فأهدى إلي برذونين حطمين فإن استعملتكم ضيعتم وإن عزلتكم قلتم استخف بنا وقطع أرحامنا

فقال خالد بن عبد الله استعملتني على العراق وأهله رجلان سامع مطيع مناصح وعدو مبغض مكاشح فأما السامع المطيع المناصح فإنا جزيناه ليزداد ودا إلى وده وأما المبغض المكاشح فإنا داريناه ضغنه وسللنا حقده وكثرنا لك المودة في صدور رعيتك وإن هذا جبى الأموال وزرع لك البغضاء في قلوب الرجال فيوشك أن تنبت البغضاء فلا أموال ولا رجال

فلما خرج ابن الأشعث قال عبد الملك هذا والله ما قال خالد


234

نصيحة لعمرو بن عتبة بن أبي سفيان

ورأى عمرو بن عتبة بن أبي سفيان رجلا يشتم رجلا وآخر يسمع منه فقال للمستمع نزه سمعك عن استماع الخنا كما تنزه لسانك عن الكلام به فإن السامع شريك القائل وإنما نظر إلى شر ما في وعائه فأفرغه في وعائك ولو ردت كلمة جاهل في فيه لسعد رادها كما شقى قائلها

220 تأديب معاوية لجلسائه

أذن معاوية للأحنف بن قيس وقد وافى معاوية محمد بن الأشعث فقدمه عليه فوجد من ذلك محمد بن الأشعث وأذن له فدخل فجلس بين معاوية والأحنف فقال معاوية إنا والله ما أذنا له قبلك إلا ليجلس إلينا دونك وما رأيت أحدا يرفع نفسه فوق قدرها إلا من ذلة يجدها وقد فعلت فعل من أحس من نفسه ذلا وضعة وإنا كما نملك أموركم نملك تأديبكم فأريدوا منا ما نريده منكم فإنه أبقى لكم وإلا قصرناكم كرها فكان أشد عليكم وأعنف بكم

221 كلام معاوية وقد سقطت ثنيتاه

ولما سقطت ثنيتا معاوية لف وجهه بعمامة ثم خرج إلى الناس فقال لئن ابتليت لقد ابتلي الصالحون قبلي وإني لأرجو أن أكون منهم ولئن


235
عوقبت لقد عوقب الخاطئون قبلي وما آمن أن أكون منهم ولئن سقط عضوان مني لما بقي أكثر ولو أتى على نفسي لما كان لي عليه خيار تبارك وتعالى فرحم الله عبدا دعا بالعافية فوالله لئن كان عتب علي بعض خاصتكم لقد كنت حدبا على عامتكم

222 تقريع عبد الملك بن مروان لأحد عماله

وروى الجاحظ قال قال أبو الحسن كان عبد الملك بن مروان شديد اليقظة كثير التعاهد لولاته فبلغه أن عاملا من عماله قبل هدية فأمر بإشخاصه إليه فلما دخل عليه قال أقبلت هدية منذ وليتك قال يا أمير المؤمنين بلادك عامرة وخراجك موفور ورعيتك على أفضل حال قال أجب فيما سألتك عنه أقبلت هدية منذ وليتك قال نعم قال لئن كنت قبلت ولم تعوض إنك للئيم ولئن أنلت مهديك لا من مالك أو استكفيته ما لم يكن يستكفاه إنك لجائر خائن ولئن كان مذهبك أن تعوض المهدي إليك من مالك وقبلت ما أتهمك به عند من استكفاك وبسط لسان عائبك وأطمع فيك أهل عملك إنك لجاهل وما فيمن أتى أمرا لم يخل فيه من دناءة أو خيانة أو جهل مصطنع نحياه عن عمله


236
طلب معاوية البيعة ليزيد

لما كانت سنة ثلاث وخمسين أظهر معاوية عهدا مفتعلا فقرأه على الناس فيه عقد الولاية ليزيد بعده فلم يزل يروض الناس لبيعته سبع سنين ويشاور ويعطي الأقارب ويداني الأباعد حتى استوثق له من أكثر الناس

فقال لعبد الله بن الزبير ما ترى في بيعة يزيد قال يا أمير المؤمنين إني أناديك ولا أناجيك إن أخاك من صدقك فانظر قبل أن تتقدم وتفكر قبل أن تندم فإن النظر قبل التقدم والتفكر قبل التندم فضحك معاوية وقال ثعلب رواغ تعلمت السجاعة عند الكبر في دون ما سجعت به على ابن أخيك ما يكفيك

ثم التفت إلى الأحنف بن قيس فقال ما ترى في بيعة يزيد قال نخافكم إن صدقناكم ونخاف الله إن كذبنا

فلما كانت سنة خمس وخمسين كتب معاوية إلى سائر الأمصار أن يفدوا عليه فوفد عليه من كل مصر قوم وكان فيمن وفد عليه من المدينة محمد بن عمرو بن حزم فخلا به معاوية وقال له ما ترى في بيعة يزيد فقال يا أمير المؤمنين ما أصبح اليوم على الأرض أحد هو أحب إلي رشدا من نفسك سوى نفسي وإن يزيد أصبح غنيا في المال وسطا في الحسب وإن الله سائل كل راع عن رعيته فاتق الله


237
وانظر من تولي أمر أمة محمد فأخذ معاوية بهر حتى تنفس الصعداء وذلك في يوم شات ثم قال يا محمد إنك امرؤ ناصح قلت برأيك ولم يكن عليك إلا ذاك قال معاوية إنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم فابني أحب إلي من أبنائهم اخرج عني

ثم دعا الضحاك بن قيس الفهرى فقال له إذا جلست على المنبر وفرغت من بعض موعظتي وكلامي فاستأذني للقيام فإذا أذنت لك فاحمد الله تعالى واذكر يزيد وقل فيه الذي يحق له من حسن الثناء عليه ثم ادعني إلى توليته من بعدي فإني قد رأيت وأجمعت على توليته فأسأل الله في ذلك وفي غيره الخيرة وحسن القضاء ثم دعا عبد الرحمن بن عثمان الثقفي وعبد الله بن مسعدة الفزاري وثور بن معن السلمي وعبد الله بن عصام الأشعرى فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك وأن يصدقوا قوله ويدعوه إلى يزيد

وجلس معاوية في أصحابه وأذن للوفود فدخلوا عليه فخطبهم فلما فرغ من بعض موعظته وهؤلاء النفر في المجلس قد قعدوا للكلام قام الضحاك بن قيس فاستأذن فأذن له

223 خطبة الضحاك بن قيس الفهري

فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به إنا قد بلونا الجماعة والألفة فوجدناها أحقن للدماء وآمن للسبل وخيرا في العاقبة والآجلة ولا خير لنا أن نترك سدى


238
والأيام عوج رواجع والأنفس يغدى عليها ويراح والله يقول ( كل يوم هو في شأن ) ولسنا ندري ما يختلف به العصران وأنت يا أمير المؤمنين ميت كما مات من كان قبلك من أنبياء الله وخلفائه نسأل الله تعالى بك المتاع وقد رأينا من دعة يزيد ابن أمير المؤمنين وحسن مذهبه وقصد سيرته ويمن نقيبته مع ما قسم الله له من المحبة في المسلمين والشبه بأمير المؤمنين في عقله وسياسته وشيمته المرضية ما دعانا إلى الرضا به في أمورنا والقنوع به في الولاية علينا فليوله أمير المؤمنين أكرمه الله عهده وليجعله لنا ملجأ ومفزعا بعده نأوي إليه إن كان كون فإنه ليس أحد أحق بها منه فاعزم على ذلك عزم الله لك في رشدك ووفقك في أمورنا

224 خطبة عبد الرحمن بن عثمان الثقفي

ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أصلح الله أمير المؤمنين إنا قد أصبحنا في زمان مختلفة أهواؤه قد احدودبت علينا سيساؤه واقطوطبت علينا أدواؤه وأناخت علينا أنباؤه ونحن نشير


239
عليك بالرشاد وندعوك إلى السداد وأنت يا أمير المؤمنين أحسننا نظرا وأثبتنا بصرا ويزيد ابن أمير المؤمنين قد عرفنا سيرته وبلونا علانيته ورضينا ولايته وزادنا بذلك انبساطا وبه اغتباطا مع ما منحه الله من الشبه بأمير المؤمنين والمحبة في المسلمين فاعزم على ذلك ولا تضق به ذرعا فالله تعالى يقيم به الأود ويردع به الألد ويؤمن به السبل ويجمع به الشمل ويعظم به الأجر ويحسن به الذخر ثم جلس

225 خطبة ثور بن معن السلمي

فقام ثور بن معن السلمي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أصلح الله أمير المؤمنين إنا قد أصبحنا في زمان صاحبه مشاغب وظله ذاهب مكتوب علينا فيه الشقاء والسعادة وأنت يا أمير المؤمنين ميت نسأل الله بك المتاع ويزيد ابن أمير المؤمنين أقدمنا شرفا وأبذلنا عرفا وقد دعانا إلى الرضا به والقنوع بولايته والحرص عليه والاختيار له ما قد عرفنا من صدق لسانه ووفائه وحسن بلائه فاجعله لنا بعدك خلفا فإنه أوسعنا كنفا وأقدمنا سلفا وهو رتق لما فتق وزمام لما شعث ونكال لمن فارق ونافق وسلم لمن واظب وحافظ للحق أسأل الله لأمير المؤمنين أفضل البقاء والسعادة والخيرة فيما أراد والتوطن في البلاد وصلاح أمر جميع العباد ثم جلس


240

226 خطبة عبد الله بن عصام الأشعرى

فقام عبد الله بن عصام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به إنا قد أصبحنا في دنيا منقضية وأهواء منجذمة نخاف حدها وننتظر جدها شديد منحدرها كثير وعرها شامخة مراقبها ثابتة مراتبها صعبة مراكبها فالموت يا أمير المؤمنين وراءك ووراء العباد لا يخلد في الدنيا أحد ولا يبقى لنا أمد وأنت يا أمير المؤمنين مسئول عن رعيتك ومأخوذ بولايتك وأنت أنظر الجماعة وأعلى عينا بحسن الرأي لأهل الطاعة وقد هديت ليزيد في أكمل الأمور وأفضلها رأيا وأجمعها رضا فاقطع بيزيد قالة الكلام ونخوة المبطل وشعث المنافق واكبت به الباذخ المعادي فإن ذلك ألم للشعث وأسهل للوعث فاعزم على ذلك ولا تترامى بك الظنون

227 خطبة عبد الله بن مسعدة الفزاري

ثم قام عبد الله بن مسعدة الفزاري فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به إن الله قد آثرك بخلافته واختصك بكرامته وجعلك عصمة لأوليائه وذا نكاية لأعدائه فأصبحت بأنعمه جذلا


241
ولما حملك محتملا يكشف الله تعالى بك العمى ويهدي بك العدا ويزيد ابن أمير المؤمنين أحسن الناس برعيتك رأفة وأحقهم بالخلافة بعدك قد ساس الأمور وأحكمته الدهور ليس بالصغير الفهيه ولا بالكبير السفيه قد احتجن المكارم وارتجي لحمل العظائم وأشد الناس في العدو نكاية وأحسنهم صنعا في الولاية وأنت أغنى بأمرك وأحفظ لوصيتك وأحرز لنفسك أسأل الله لأمير المؤمنين العافية في غير جهد والنعمة في غير تغيير

228 خطبة عمرو بن سعيد الأشدق

فقال معاوية لعمرو بن سعيد الأشدق قم يا أبا أمية فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن يزيد بن معاوية أمل تأملونه وأجل تأمنونه طويل الباع رحب الذراع إن استضفتم إلى حلمه وسعكم وإن احتجتم إلى رأيه أرشدكم وإن افتقرتم إلي ذات يده أغناكم جذع قارح سوبق فسبق وموجد فمجد وقورع ففاز سهمه فهو خلف أمير المؤمنين ولا خلف منه فقال له معاوية اجلس أبا أمية فلقد أوسعت وأحسنت

فقال معاوية أوكلكم قد أجمع على هذا رأيه فقالوا كلنا قد أجمع


242
رأيه على ما ذكرنا قال فأين الأحنف فأجابه قال ألا تتكلم فقام الأحنف

229 خطبة الأحنف بن قيس

فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أصلح الله أمير المؤمنين إن الناس قد أمسوا في منكر زمان قد سلف ومعروف زمان مؤتنف ويزيد ابن أمير المؤمنين نعم الخلف فإن توله عهدك فعن غير كبر مفن أو مرض مضن وقد حلبت الدهور وجربت الأمور فاعرف من تسند إليه عهدك ومن توليه الأمر من بعدك واعص رأي من يأمرك ولا يقدر لك ويشير عليك ولا ينظر لك وأنت أنظر للجماعة وأعلم باستقامة الطاعة مع أن أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا

230 خطبة الضحاك بن قيس

فغضب الضحاك بن قيس فقام الثانية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أصلح الله أمير المؤمنين إن أهل النفاق من أهل العراق مروءتهم في أنفسهم الشقاق وألفتهم في دينهم الفراق يرون الحق على أهوائهم كأنما ينظرون


243
بأقفائهم اختالوا جهلا وبطرا لا يرقبون من الله راقبة ولا يخافون وبال عاقبة اتخذوا إبليس لهم ربا واتخذهم إبليس حزبا فمن يقاربوه لا يسروه ومن يفارقوه لا يضروه فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين في نحورهم وكلامهم في صدورهم ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف به معاوية في أرضه هيهات لا تورث الخلافة عن كلالة ولا يحجب غير الذكر العصبة فوطنوا أنفسكم يأهل العراق على المناصحة لإمامكم وكاتب نبيكم وصهره يسلم لكم العاجل وتربحوا من الآجل

231 خطبة الأحنف بن قيس

ثم قام الأحنف بن قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أمير المؤمنين إنا قد فررنا عنك قريشا فوجدناك أكرمها زندا وأشدها عقدا وأوفاها عهدا وقد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة ولم تظهر عليها قعصا ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت ليكون له الأمر من بعدك فإن تف فأنت أهل الوفاء وإن تغدر تعلم والله أن وراء الحسن خيولا جيادا وأذرعا شدادا وسيوفا حدادا إن تدن له شبرا من غدر تجد وراءه باعا من نصر وإنك تعلم أن أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك ولا أبغضوا عليا وحسنا منذ أحبوهما وما نزل عليهم في ذلك خبر من السماء وإن السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم صفين لعلى عواتقهم والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم وايم الله إن الحسن لأحب إلى أهل العراق من علي


244

232 خطبة عبد الرحمن بن عثمان الثقفي

ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أصلح الله أمير المؤمنين إن رأي الناس مختلف وكثير منهم منحرف لا يدعون أحدا إلى رشاد ولا يجيبون داعيا إلى سداد مجانبون لرأي الخلفاء مخالفون لهم في السنة والقضاء وقد وقفت ليزيد في أحسن القضية وأرضاها لحمل الرعية فإذا خار الله لك فاعزم ثم اقطع قالة الكلام فإن يزيد أعظمنا حلما وعلما وأوسعنا كنفا وخيرنا سلفا قد أحكمته التجارب وقصدت به سبل المذاهب فلا يصرفنك عن بيعته صارف ولا يقفن بك دونها واقف ممن هو شاسع عاص ينوص للفتنة كل مناص لسانه ملتو وفي صدره داء دوي إن قال فشر قائل وإن سكت فداء غائل قد عرفنا من هم أولئك وما هم عليه لك من المجانبة للتوفيق والتكلف للتفريق فاجل ببيعته عنا الغمة واجمع به شمل الأمة ولا تحد عنه إذ هديت له ولا تنبش عنه إذ وفقت له فإن ذلك الرأي لنا ولك والحق علينا وعليك أسأل الله العون وحسن العاقبة لنا ولك بمنه

233 خطبة معاوية

فقام معاوية فقال أيها الناس إن لإبليس من الناس إخوانا وخلانا بهم يستعد وإياهم يستعين وعلى ألسنتهم ينطق إن رجوا طمعا أو جفوا وإن استغني عنهم أرجفوا


245
ثم يلقحون الفتن بالفجور ويشققون لها حطب النفاق عيابون مرتابون إن لووا عروة أمر حنفوا وإن دعوا إلى غي أسرفوا وليسوا أولئك بمنتهين ولا بمقلعين ولا متعظين حتى تصيبهم صواعق خزي وبيل وتحل بهم قوارع أمر جليل تجتث أصولهم كاجتثاث أصول الفقع فأولى لأولك ثم أولى فإنا قد قدمنا وأنذرنا إن أغنى التقدم شيئا أو نفع النذر

234 خطبة يزيد بن المقنع

ثم قام يزيد بن المقنع فقال أمير المؤمنين هذا وأشار إلى معاوية فإن هلك فهذا وأشار إلى يزيد فمن أبى فهذا وأشار إلى سيفه فقال معاوية اجلس فإنك سيد الخطباء

235 خطبة الأحنف

ثم تكلم الأحنف بن قيس فقال يا أمير المؤمنين أنت أعلمنا بيزيد في ليله ونهاره وسره وعلانيته ومدخله ومخرجه فإن كنت تعلمه لله رضا ولهذه الأمة فلا تشاور الناس فيه وإن كنت تعلم


246
منه غير ذلك فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة فإنه ليس لك من الآخرة إلا ما طاب واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين وأنت تعلم من هما وإلى ما هما وإنما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير

قال صاحب العقد فتفرق الناس ولم يذكروا إلا كلام الأحنف ثم بايع الناس ليزيد بن معاوية فقال رجل وقد دعي إلى البيعة اللهم إني أعوذ بك من شر معاوية فقال له معاوية تعوذ من شر نفسك فإنه أشد عليك وبايع فقال إني أبايع وأنا كاره للبيعة فقال له معاوية بايع أيها الرجل فإن الله يقول ( فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا )

أما ابن قتيبة فيقول قالوا فاستخار الله معاوية وأعرض عن ذكر البيعة حتى قدم المدينة سنة خمسين فتلقاه الناس فلما استقر في منزله أرسل إلى عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وأمر حاجبه ألا يأذن لأحد من الناس حتى يخرج هؤلاء النفر فلما جلسوا تكلم معاوية فقال

236 خطبة معاوية

الحمد لله الذي أمرنا بحمده ووعدنا عليه ثوابه نحمده كثيرا كما أنعم علينا كثيرا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أما بعد فإني قد كبر سني ووهن عظمي وقرب أجلي وأوشكت أن أدعى فأجيب وقد رأيت أن أستخلف عليكم بعدي يزيد ورأيته لكم رضا وأنتم عبادلة قريش وخيارها وأبناء خيارها ولم يمنعني أن أحضر حسنا وحسينا إلا أنهما أولاد أبيهما على حسن رأيي فيهما وشديد محبتي لهما فردوا على أمير المؤمنين خيرا يرحمكم الله


247

237 خطبة عبد الله بن عباس

فتكلم عبد الله بن عباس فقال الحمد لله الذي ألهمنا أن نحمده واستوجب علينا الشكر على آلائه وحسن بلائه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وآل محمد أما بعد فإنك قد تكلمت فأنصتنا وقلت فسمعنا وإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه اختار محمد لرسالته واختاره لوحيه وشرفه على خلقه فأشرف الناس من تشرف به وأولاهم بالأمر أخصهم به وإنما علي الأمة التسليم لنبيها إذ اختاره الله لها فإنه إنما اختار محمدا بعلمه وهو العليم الخبير وأستغفر الله لي ولكم

238 خطبة عبد الله بن جعفر

فقام عبد الله بن جعفر فقال الحمد لله أهل الحمد ومنتهاه نحمده علي إلهامنا حمده ونرغب إليه في تأدية حقه وأشهد أن لا إله إلا الله واحدا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله أما بعد فإن هذه الخلافة إن أخذ فيها بالقرآن ف ( أولو الأرحام بعضهم أولي ببعض في كتاب الله ) وإن أخذ فيها بسنة رسول الله فأولو رسول الله وإن أخذ بسنة الشيخين أبي بكر وعمر فأي الناس أفضل وأكمل وأحق بهذا الأمر من آل الرسول وايم الله لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الأمر موضعه لحقه وصدقه ولأطيع الله وعصي الشيطان وما اختلف في الأمة سيفان فاتق الله يا معاوية فإنك قد صرت راعيا ونحن رعية فانظر لرعيتك فإنك مسئول عنها غدا


248
وأما ما ذكرت من ابني عمي وتركك أن تحضرهما فوالله ما أصبت الحق ولا يجوز لك ذلك إلا بهما وإنك لتعلم أنهما معدن العلم والكرم فقل أودع وأستغفر الله لي ولكم

239 خطبة عبد الله بن الزبير

فتكلم عبد الله بن الزبير فقال الحمد لله الذي عرفنا دينه وأكرمنا برسوله أحمده على ما أبلى وأولى وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أما بعد فإن هذه الخلافة لقريش خاصة تتناولها بمآثرها السنية وأفعالها المرضية مع شرف الآباء وكرم الأبناء فاتق الله يا معاوية وأنصف من نفسك فإن هذا عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله وهذا عبد الله بن جعفر ذي الجناحين ابن عم رسول الله وأنا عبد الله بن الزبير ابن عمة رسول الله وعلي خلف حسنا وحسينا وأنت تعلم من هما وما هما فاتق الله يا معاوية وأنت الحاكم بيننا وبين نفسك

240 خطبة عبد الله بن عمر المتوفى سنة 74ه

فتكلم عبد الله بن عمر فقال الحمد لله الذي أكرمنا بدينه وشرفنا بنبيه أما بعد فإن هذه الخلافة ليست بهرقلية ولا قيصرية ولا كسروية يتوارثها الأبناء عن الاباء ولو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي فوالله ما أدخلني مع الستة من أصحاب الشورى إلا على أن الخلافة ليست شرطا مشروطا وإنما هي في قريش خاصة لمن كان لها أهلا ممن ارتضاه المسلمون لأنفسهم من كان أتقى وأرضى فإن كنت تريد الفتيان من قريش فلعمري إن يزيد من فتيانها واعلم أنه لا يغنينى عنك من الله شيئا


249

241 خطبة معاوية

فتكلم معاوية فقال قد قلت وقلتم وإنه قد ذهبت الآباء وبقيت الأبناء فابني أحب إلي من أبنائهم مع أن ابني إن قاولتموه وجد مقالا وإنما كان هذا الأمر لبني عبد مناف لأنهم أهل رسول الله فلما مضي رسول الله ولي الناس أبا بكر وعمر من غير معدن الملك ولا الخلافة غير أنهما سارا بسيرة جميلة ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف فلا يزال فيهم إلي يوم القيامة وقد أخرجك الله يا بن الزبير وأنت يا بن عمر منها فأما ابنا عمي هذان فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله ثم أمر بالرحلة وأعرض عن ذكر البيعة ليزيد ولم يقطع عنهم شيئا من صلاتهم وأعطياتهم ثم انصرف راجعا إلى الشأم وسكت عن البيعة فلم يعرض لها إلى سنة إحدى وخمسين

قال ابن قتيبة ثم لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن رحمه الله سنة 51 إلا يسيرا حتى بايع ليزيد بالشأم وكتب ببيعته إلى الآفاق وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم فكتب إليه بذلك وأمره أن يجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة ثم يبايعوا ليزيد فلما قرأ كتاب معاوية أبى من ذلك وأبته قريش وكتب إلى معاوية إن قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك ابنك فأرني رأيك فكتب إليه يأمره أن يعتزل عمله ويخبره أنه قد ولى المدينة سعيد بن العاص فخرج مروان مغاضبا في أهل بيته وأخواله من بني كنانة حتى أتى دمشق ودخل على معاوية فسلم عليه بالخلافة ثم قال


250

242 خطبة مروان بن الحكم

إن الله عظيم خطره لا يقدر قادر قدره خلق من خلقه عبادا جعلهم لدعائم دينه أوتادا هم رقباؤه على البلاد وخلفاؤه على العباد أسفر بهم الظلم وألف بهم الدين وشدد بهم اليقين ومنح بهم الظفر ووضع بهم من استكبر فكان من قبلك من خلفائنا يعرفون ذلك في سالف زمامنا وكنا نكون لهم على الطاعة إخوانا وعلى من خالف عنها أعوانا يشد بنا العضد ويقام بنا الأود ونستشار في القضية ونستأمر في أمر الرعية وقد أصبحنا اليوم في أمور مستحيرة ذات وجوه مستديرة تفتح بأزمة الضلال وتحلس بأسوأ الرحال يؤكل جزورها وتمتق أحلابها فما لنا لا نستأمر في رضاعها ونحن فطامها وأولاد فطامها وأيم الله لولا عهود مؤكدة ومواثيق معقدة لأقمت أود وليها فأقم الأمر يا بن أبي سفيان واعدل عن تأميرك الصبيان واٌعلم أن لك في قومك نظراء وأن لهم على مناوأتك وزراء

فغضب معاوية من كلامه غضبا شديدا ثم كظم غيظه بحلمه وأخذ بيد مروان ثم قال


251

243 خطبة معاوية

إن الله قد جعل لكل شيء أصلا وجعل لكل خير أهلا ثم جعلك في الكرم مني محتدا والعزيز مني والدا اخترت من قروم قادة ثم استللت سيد سادة فأنت ابن ينابيع الكرم فمرحبا بك وأهلا من ابن عم ذكرت خلفاء مفقودين شهداء صديقين كانوا كما نعت وكنت لهم كما ذكرت وقد أصبحنا في أمور مستحيرة ذات وجوه مستديرة وبك والله يا بن العم نرجو استقامة أودها وذلولة صعوبتها وسفور ظلمتها حتى يتطأطأ جسيمها ويركب بك عظيمها فأنت نظير أمير المؤمنين وعدته في كل شديدة وعضده والثاني بعد ولي عهده فقد وليتك قومك وأعظمت في الخراج سهمك وأنا مجيز وفدك ومحسن رفدك وعلي أمير المؤمنين غناك والنزول عند رضاك

244 مروان وعبد الرحمن بن أبي بكر

وروي أن مروان لما ورد عليه كتاب معاوية قرأه على أهل المدينة وقال إن أمير المؤمنين قد كبر سنه ودق عظمه وقد خاف أن يأتيه أمر الله تعالى فيدع الناس كالغنم لا راعي لها وقد أحب أن يعلم علما ويقيم إماما فقالوا وفق الله أمير المؤمنين وسدده ليفعل فكتب بذلك إلى معاوية فكتب إليه أن سم يزيد


252
فقرأ الكتاب عليهم وسمي يزيد وخطبهم فحضهم على الطاعة وحذرهم الفتنة ودعاهم إلى بيعة يزيد وقال سنة أبي بكر الهادية المهدية فقام عبد الرحمن بن أبي بكر فقال كذبت والله يا مروان وكذب معاوية معك إن أبا بكر ترك الأهل والعشيرة وبايع لرجل من بني عدي رضي دينه وأمانته واختاره لأمة محمد لا يكون ذلك لا تحدثوا علينا سنة الروم كلما مات هرقل قام مكانه هرقل فقال مروان أيها الناس إن هذا المتكلم هو الذي أنزل الله فيه ( والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي ) فقال له عبد الرحمن
253
يا بن الزرقاء أفينا تتأول القرآن وتكلم الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وأنكروا بيعة يزيد وتفرق الناس فكتب مروان إلى معاوية بذلك

قال ابن قتيبة فقدم معاوية المدينة حاجا ثم أرسل إلى الحسين بن علي وعبد الله ابن عباس فحضرا وابتدأ معاوية فقال

245 خطبة معاوية

أما بعد فالحمد لله ولى النعم ومنزل النقم وأشهد أن لا إله إلا الله المتعالى عما يقول الملحدون علوا كبيرا وأن محمدا عبده المختص المبعوث إلى الجن والإنس كافة لينذرهم بقرآن ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) فأدى عن الله وصدع بأمره وصبر على الأذى في جنبه حتى أوضح دين الله وأعز أولياءه وقمع المشركين وظهر أمر الله وهم كارهون فمضي صلوات الله عليه وقد ترك من الدنيا ما بذل له واختار منها الترك لما سخر له زهادة واختيارا لله وأنفة واقتدارا على الصبر وبغيا لما يدوم ويبقى وهذه صفة رسول الله ثم خلفه رجلان محفوظان وثالث مشكوك وبين ذلك خوض طالما عالجناه مشاهدة


254
ومكافحة ومعاينة وسماعا وما أعلم منه فوق ما تعلمان وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه وإلى تجويزه وقد علم الله ما أحاول به من أمر الرعية من سد الخلل ولم الصدع بولاية يزيد بما أيقظ العين وأحمد الفعل هذا معناى في يزيد وفيكما فضل القرابة وحظوة العلم وكمال المروءة وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة ما أعياني مثله عندكما وعند غيركما مع علمه بالسنة وقراءة القرآن والحلم الذي يرجح بالصم الصلاب وقد علمتما أن الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة قدم على الصديق والفاروق ومن دونهما من أكابر الصحابة وأوائل المهاجرين يوم غزوة ذات السلاسل من لم يقارب القوم ولم يعاندهم برتبة في قرابة موصولة ولا سنة مذكورة فقادهم الرجل بأمره وجمع بهم صلاتهم وحفظ عليهم فيئهم وقال ولم يقل معه وفي رسول الله أسوة حسنة فمهلا بني عبد المطلب فإنا وأنتم شعبا نفع وجد وما زلت أرجو الإنصاف في اجتماعكما فما يقول القائل إلا بفضل قولكما فردا على ذي رحم مستعتب ما يحمد به البصيرة في عتابكما وأستغفر الله لي ولكما

فتيسر ابن عباس للكلام ونصب يده للمخاطبة فأشار إليه الحسين وقال على رسلك فأنا المراد ونصيبى في التهمة أوفر فأمسك ابن عباس فقام الحسين


255

246 خطبة الحسين

فحمد الله وصلي علي الرسول ثم قال أما بعد يا معاوية فلن يؤدي القائل وأن أطنب في صفة الرسول من جميع جزءا قد فهمت ما ألبست به الخلف بعد رسول الله من إيجاز الصفة والتنكب عن استبلاغ البيعة وهيهات هيهات يا معاوية فضح الصبح فحمة الدجى وبهرت الشمس أنوار السرج ولقد فضلت حتى أفرطت واستأثرت حتى أجحفت ومنعت حتى بخلت وجرت حتى جاوزت ما بذلت لذي حق من أتم حقه بنصيب حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر ونصيبه الأكمل وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لأمة محمد تريد أن توهم الناس في يزيد كأنك تصف محجوبا أو تنعت غائبا أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المتهارشة عند التحارش والحمام السبق لأترابهن والقينات ذوات المعازف وضروب الملاهي تجده ناصرا ودع عنك ما تحاول فما أغناك أن تلقي الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه فوالله ما برحت تقدم باطلا في جور وحنقا في ظلم حتى ملأت الأسقية وما بينك وبين الموت إلا غمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ولات حين مناص ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر ومنعتنا عن آبائنا تراثا ولقد لعمر الله أورثنا الرسول عليه الصلاة والسلام


256
ولادة وجئت لنا بما حججتم به القائم عند موت الرسول علية الصلاة والسلام فأذعن للحجة بذلك ورده الإيمان إلى النصف فركبتم الأعاليل وفعلتم الأفاعيل وقلتم كان ويكون حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك فهناك فاعتبروا يا أولي الأبصار وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله وتأميره له وقد كان ذلك ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول وبيعته له وما صار لعمرو يومئذ حتى أنف القوم إمرته وكرهوا تقديمه وعدوا عليه أفعاله فقال لا جرم معشر المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري فكيف يحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحوال وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب أم كيف صاحبت بصاحب تابعا وحولك من لا يؤمن في صحبته ولا يعتمد في دينه وقرابته وتتخاطهم إلى مسرف مفتون تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه وتشقى بها في آخرتك إن هذا لهو الخسران المبين وأستغفر الله لي ولكم

فنظر معاوية إلى ابن عباس فقال ما هذا يا بن عباس ولما عندك أدهى وأمر فقال ابن عباس لعمر الله إنها لذرية رسول الله عليه الصلاة والسلام وأحد أصحاب الكساء ومن البيت المطهر فاله عما تريد فإن لك في الناس مقنعا حتى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين فقال معاوية أعود الحلم التحلم وخيرة التحلم عن الأهل انصرفا في حفظ الله

ثم أرسل معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر وإلى عبد الله بن عمر وإلى عبد الله ابن الزبير فجلسوا


257

247 خطبة معاوية

فحمد الله وأثني عليه معاوية ثم قال يا عبد الله بن عمر قد كنت تحدثنا أنك لا تحب أن تبيت ليلة وليس في عنقك بيعة جماعة وأن لك الدنيا وما فيها وأني أحذرك أن تشق عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم وأن تسفك دمائهم وإن أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمرهم وقد وكد الناس بيعتهم في أعناقهم وأعطوا على ذلك عهودهم مواثيقهم ثم سكت

248 خطبة عبد الله بن عمر

فتكلم عبد الله بن عمر فحمد الله وأثني عليه ثم قال أما بعد يا معاوية لقد كان قبلك خلفاء وكان لهم بنون ليس ابنك بخير من أبنائهم فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك فلم يحابوا في هذا الأمر أحدا ولكن اختاروا لهذه الأمة حيث علموهم وأنت تحذرني أن أشق عصا المسلمين وأفرق ملأهم وأسفك دماءهم ولم أكن لأفعل ذلك إن شاء الله ولكن إن استقام الناس فسأدخل في صالح ما تدخل فيه أمة محمد

فقال معاوية يرحمك الله ليس عندك خلاف ثم قال معاوية لعبد الرحمن ابن أبي بكر نحو ما قاله لعبد الله بن عمر فقال له عبد الرحمن إنك والله لوددنا أن نكلك إلى الله فيما جسرت عليه من أمر يزيد والذي نفسي بيده لتجعلنها شورى أو لأعيدنها جذعة ثم قام ليخرج فتعلق معاوية بطرف ردائه ثم قال على رسلك


258
اللهم اكفنيه بما شئت لا تظهرن لأهل الشأم فإني أخشى عليك منهم ثم قال لابن الزبير نحو ما قاله لابن عمر ثم قال له أنت ثعلب رواغ كلما خرجت من جحر انجحرت في آخر أنت ألبت هذين الرجلين وأخرجتهما إلي ما خرجا إليه فقال ابن الزبير أتريد أن تبايع ليزيد أرأيت إن بايعناه أيكما نطيع أنطيعك أم نطيعه إن كنت مللت الخلافة فاخرج منها وبايع ليزيد فنحن نبايعه فكثر كلامه وكلام ابن الزبير حتى قال له معاوية في بعض كلامه والله ما أراك إلا قاتلا نفسك ولكأني بك قد تخبطت في الحبالة ثم أمرهم بالانصراف واحتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يخرج ثم خرج فأمر المنادي أن ينادي في الناس أن يجتمعوا لأمر جامع فاجتمع الناس في المسجد وقعد هؤلاء حول المنبر

249 خطبة معاوية

فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر يزيد وفضله وقراءته للقرآن ثم قال يأهل المدينة لقد هممت ببيعة يزيد وما تركت قرية ولا مدرة إلا بعثت إليها ببيعته فبايع الناس جميعا وسلموا وأخرت المدينة بيعته وقلت بيضته وأصله ومن لا أخافهم عليه وكان الذين أبوا البيعة منهم من كان أجدر أن يصله ووالله لو علمت مكان أحد هو خير للمسلمين من يزيد لبايعت له

فقام الحسين فقال والله لقد تركت من هو خير منه أبا وأما ونفسا فقال معاوية كأنك تريد نفسك فقال الحسين نعم أصلحك الله فقال معاوية إذن أخبرك أما قولك خير منه أما فلعمري أمك خير من أمه ولو لم يكن إلا أنها امرأة من قريش لكان نساء قريش أفضلهن فكيف وهي ابنة رسول الله


259
ثم فاطمة في دينها وسابقتها فأمك لعمر الله خير من أمه وأما أبوك فقد حاكم أباه إلى الله فقضى لأبيه على أبيك فقال الحسين حسبك جهلك آثرت العاجل على الآجل فقال معاوية وأما ما ذكرت من أنك خير من يزيد نفسا فيزيد والله خير لأمة محمد منك فقال الحسين هذا هو الإفك والزور يزيد شارب الخمر ومشتري اللهو خير مني فقال معاوية مهلا عن شتم ابن عمك فإنك لو ذكرت عنده بسوء لم يشتمك ثم التفت معاوية إلى الناس وقال أيها الناس قد علمتم أن رسول الله قبض ولم يستخلف أحدا فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر وكانت بيعته بيعة هدى فعمل بكتاب الله وسنة نبيه فلما حضرته الوفاة رأى أن يستخلف عمر فعمل عمر بكتاب الله وسنة نبيه فلما حضرته الوفاة رأي أن يجعلها شورى بين ستة نفر اختارهم من المسلمين فصنع أبو بكر ما لم يصنه رسول الله وصنع عمر ما لم يصنعه أبو بكر كل ذلك يصنعونه نظرا للمسلمين فلذلك رأيت أن أبايع ليزيد لما وقع الناس فيه من الاختلاف ونظرا لهم بعين الإنصاف

وروي من طريق آخر أن معاوية لما خرج إلى المدينة ودنا منها استقبله أهلها فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر فأقبل على عبد الرحمن بن أبي بكر فسبه وقال لا مرحبا بك ولا أهلا فلما دخل الحسين عليه قال لا مرحبا بك ولا أهلا بدنة يترقرق دمها والله مهريقه فلما دخل ابن الزبير قال لا مرحبا بك ولا أهلا ضب تلعة مدخل رأسه تحت ذنبه فلما دخل عبد الله بن عمر قال لا مرحبا بك ولا أهلا وسبه فقال


260
إني لست بأهل لهذه المقالة قال بلى ولما هو شر منها فدخل معاوية المدينة وأقام بها وخرج هؤلاء الرهط معتمرين فلما كان وقت الحج خرج معاوية حاجا فأقبل بعضهم على بعض فقالوا لعله قد ندم فأقبلوا يستقبلونه فلما دخل ابن عمر قال مرحبا بصاحب رسول الله وابن الفاروق هاتوا لأبي عبد الرحمن دابة وقال لابن أبي بكر مرحبا بشيخ قريش وسيدها وابن الصديق هاتوا له دابة وقال لابن الزبير مرحبا يا بن حواري رسول الله وابن عمته هاتوا له دابه وقال للحسين مرحبا يابن رسول الله وسيد شباب المسلمين قربوا لأبي عبد الله دابة وجعلت ألطافه تدخل عليهم ظاهرة يراها الناس ويحسن إذنهم وشفاعتهم وحملهم على الدواب وخرج حتى أتى مكة فقضي حجه ولما أراد الشخوص أمر بأثقاله فقدمت وأمر بالمنبر فقرب من الكعبة ثم أرسل إليهم فاجتمعوا وقال بعضهم لبعض من يكلمه فأقبلوا على الحسين فأبى فقالوا لابن الزبير هات فأنت صاحبنا قال على أن تعطوني عهد الله أن لا أقول شيئا إلا تابعتموني عليه قالوا لك ذلك فأخذ عهودهم رجلا رجلا فدخلوا عليه فرحب بهم وقال قد علمتم نظري لكم وتعطفي عليكم وصلتي أرحامكم ويزيد أخوكم وابن عمكم وإنما أردت أن أقدمه باسم الخلافة وتكونوا أنتم تأمرون وتنهون فسكتوا فقال أجيبوني فسكتوا فقال أجيبوني فسكتوا فقال لابن الزبير هات فأنت صاحبهم قال

250 خطبة عبد الله بن الزبير

نخيرك بين إحدى ثلاث أيها أخذت فهي لك رغبة وفيها خيار إن شئت فاصنع فينا ما صنعه رسول الله قبضه الله ولم يستخلف أحدا فرأى


261
المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر فدع هذا الأمر حتى يختار الناس لأنفسهم وإن شئت فما صنع أبو بكر عهد إلى رجل من قاصية قريش وترك من ولده ومن رهطه الأدنين من كان لها أهلا وإن شئت فما صنع عمر جعلها شورى في ستة نفر من قريش يختارون رجلا منهم وترك ولده وأهل بيته وفيهم من لو وليها لكان لها أهلا

فقال معاوية هل غير هذا قال لا ثم قال للآخرين ما عندكم قالوا نحن على ما قال ابن الزبير فقال معاوية إني أتقدم إليكم وقد أعذر من أنذر إني قائم فقائل مقالة فإياكم أن تعترضوا على حتى أتمها فإن صدقت فعلي صدقي وإن كذبت فعلي كذبي وأقسم بالله لئن رد على رجل منكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتى يضرب رأسه فلا ينظر امرؤ منكم إلا إلى نفسه ولا يبقى إلا عليها وأمر أن يقوم على رأس كل رجل منهم رجلان بسيفيهما فإن تكلم بكلمة يرد بها عليه قوله قتلاه وخرج وأخرجهم معه حتى رقي المنبر وحف به أهل الشأم واجتمع الناس فقام خطيبا فقال

251 خطبة معاوية

قال بعد حمد الله والثناء عليه إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار قالوا إن حسينا وابن أبي بكر وابن عمر وابن الزبير لم يبايعوا ليزيد وهؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم لا نبرم أمرا دونهم ولا نقضي أمرا إلا عن مشورتهم وإني دعوتهم فوجدتهم سامعين مطيعين فبايعوا وسلموا وأطاعوا

فقال أهل الشأم وما يعظم من أمر هؤلاء ايذن لنا فنضرب أعناقهم لا نرضي حتى يبايعوا علانية فقال معاوية سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالشر


262
وأحلي دماءهم عندهم أنصتوا فلا أسمع هذه المقالة من أحد ودعا الناس إلى البيعة فبايعوا ثم قربت رواحله فركب ومضي فقال الناس للحسين وأصحابه قلتم لا نبايع فلما دعيتم وأرضيتم بايعتم قالوا لم نفعل قالوا بلي قد فعلتم وبايعتم أفلا أنكرتم قالوا خفنا القتل وكادكم بنا وكادنا بكم
263
تهنئة وتعزية

252 خطبة عبد الله بن همام السلولى

لما توفي معاوية واستخلف يزيد ابنه سنة 60 اجتمع الناس على بابه ولم يقدروا على الجمع بين تهنئة وتعزية حتى أتى عبد الله بن همام السلولى فدخل عليه فقال يا أمير المؤمنين آجرك الله على الرزية وبارك لك في العطية وأعانك على الرعية فلقد رزئت عظيما وأعطيت جسيما فاشكر الله على ما أعطيت واصبر له على ما رزيت فقد فقدت خليفة الله ومنحت خلافة الله ففارقت جليلا ووهبت جزيلا إذ قضي معاوية نحبه فغفر الله ذنبه ووليت الرياسة فأعطيت السياسة فأوردك الله موارد السرور ووفقك لصالح الأمور وأنشد ( فاصبر يزيد فقد فارقت ذاثقة واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا )

( لا رزء أصبح في الأقوام نعلمه كما رزئت ولا عقبي كعقباكا )

( أصبحت والي أمر الناس كلهم فأنت ترعاهم والله يرعاكا )

( وفي معاوية الباقي لنا خلف إذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا )

وعبد الله بن همام هو أول من فتح الباب في الجمع بين تهنئة وتعزية فولجه الناس كما روي من غير وجه


264

253 خطبة عطاء بن أبي صيفي الثقفي

وروي المسعودى أن يزيد بعد موت أبيه أذن للناس فدخلوا عليه لا يدرون أيهنئونه أو يعزونه فقام عطاء بن أبي صيفي فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته أصبحت وقد رزئت خليفة الله وأعطيت خلافة الله ومنحت هبة الله وقد قضي معاوية نحبه فغفر الله له ذنبه وأعطيت بعده الرياسة ووليت السياسة فاحتسب عند الله أعظم الرزية واحمده على أفضل العطية

254 خطبة عبد الله بن مازن

ثم قام عبد الله بن مازن فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين رزئت خير الآباء وسميت خير الأسماء ومنحت أفضل الأشياء فهنأك الله بالعطية وأعانك على الرعية فقد أصبحت قريش مفجوعة ببعد ساستها مسرورة بما أحسن الله إليها من الخلافة بك والعقبي من بعده ثم أنشأ يقول ( الله أعطاك التي لا فوقها وقد أراد الملحدون عوقها )

( عنك فيأبى الله إلا سوقها إليك حتى قلدوك طوقها )

ثم قام عبد الله بن همام فخطب خطبته السالفة


265

255 خطبة غيلان بن مسلمة الثقفي

وروي الجاحظ أنه لما توفي عبد الملك وجلس ابنه الوليد دخل عليه الناس وهم لا يدرون أيهنئونه أم يعزونه فاقبل غيلان بن مسلمة الثقفي فسلم عليه ثم قال يا أمير المؤمنين أصبحت قد رزئت خير الآباء وسميت خير الأسماء وأعطيت أفضل الأشياء فعظم الله لك على الرزية الصبر وأعطاك في ذلك نوافل الأجر وأعانك على حسن الولاية والشكر ثم قضي عبد الملك بخير القضية وأنزله بأشرف المنازل المرضية وأعانك من بعده على الرعية


266
خطب ولاة الأمويين وقوادهم خطب زياد بن أبيه المتوفي سنة 53

256 خطبته بفارس وقد كتب إليه معاوية يتهدده

كان الإمام علي عليه السلام ولى زيادا فارس أو بعض اعمال فارس فضبطها ضبطا صالحا وجبي خراجها وحماها فلما قتل الإمام بقي زياد في عمله وخاف معاوية جانبه وعلم صعوبة ناحيته واشفق من ممالأته الحسن بن علي عليه السلام فكتب إليه يتهدده فغضب زياد غضبا شديدا وجمع الناس وصعد المنبر فحمد الله ثم قال العجب من ابن آكلة الأكباد وقاتلة أسد الله ومظهر الخلاف ومسر النفاق ورئيس الأحزاب ومن أنفق ماله في إطفاء نور الله كتب إلى يرعد ويبرق


267
عن سحابة جفل لا ماء فيها وعما قليل تصيرها الرياح قزعا والذي يدلني على ضعفه تهدده قبل القدرة أفمن إشفاق على تنذر وتعذر كلا ولكن ذهب إلى غير مذهب وقعقع لمن روي بين صواعق تهامة كيف أرهبه وبيني وبينه ابن بنت رسول الله وآله وابن ابن عمه في مائة ألف من المهاجرين والأنصار والله لو أذن لي فيه أو ندبني إليه لأرينه الكواكب نهارا ولأسعطنه ماء الخردل دونه الكلام اليوم والجمع غدا والمشورة بعد ذلك إن شاء الله ثم نزل

257 خطبته وقد بعث معاوية إليه المغيرة بن شعبة يستقدمه

وكتب إلى معاوية يرد عليه ردا شديد اللهجة فغم ذلك معاوية وأحزنه وأوفد إليه المغيرة بن شعبة بكتاب يتلطف به فيه ويستدنيه منه ويستلحقه بنسب أبيه


268
أبي سفيان وجعل المغيرة يترفق به وينصح له أن يصل حبله بحبله ولا يقطع رحمه فتريث زياد يومين أو ثلاثة يروي في أمره ثم جمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثني عليه ثم قال أيها الناس ادفعوا البلاء ما اندفع عنكم وارغبوا إلى الله في دوام العافية لكم فقد نظرت في أمور الناس منذ قتل عثمان وفكرت فيهم فوجدتهم كالأضاحي في كل عيد يذبحون ولقد أفنى هذان اليومان يوم الجمل وصفين ما ينيف على مائة ألف كلهم يزعم أنه طالب حق وتابع إمام وعلى بصيرة من أمره فإن كان الأمر هكذا فالقاتل والمقتول في الجنة كلا ليس كذلك ولكن أشكل الأمر والتبس على القوم وإني لخائف أن يرجع الأمر كما بدا فكيف لامرئ بسلامة دينه وقد نظرت في أمر الناس فوجدت أحمد العاقبتين العافية وسأعمل في أموركم ما تحمدون عاقبته ومغبته فقد حمدت طاعتكم إن شاء الله ثم نزل

وكتب إلى معاوية يستوثق منه فأعطاه معاوية جميع ما سأله وكتب إليه بخط يده ما وثق به فدخل إليه الشام فقربه وأدناه وأقره على ولايته ثم استعمله على العراق


269

258 خطبته وقد استلحقه معاوية

ولما أراد معاوية استلحاق زياد وقد قدم عليه الشأم جمع الناس وصعد المنبر وأصعد زيادا معه فأجلسه بين يديه على المرقاة التي تحت مرقاته وحمد الله وأثني عليه ثم قال أيها الناس إني قد عرفت نسبنا أهل البيت في زياد فمن كان عنده شهادة فليقم بها فقام ناس فشهدوا أنه ابن أبي سفيان وأنهم سمعوا ما أقر به قبل موته فلما انقضي كلام معاوية ومناشدته قام زياد وأنصت الناس فحمد الله وأثني عليه ثم قال


270
أيها الناس هذا أمر لم أشهد أوله ولا علم لي بآخره وقد قال أمير المؤمنين ما بلغكم وشهدت الشهود بما سمعتم فالحمد لله الذي رفع منا ما وضع الناس وحفظ منا ما ضيعوا فأما عبيد فإنما هو والد مبرور أو ربيب مشكور ثم نزل

259 خطبته حين ولي البصرة وهي البتراء

وقدم زياد البصرة غرة جمادى الأولى سنة 45ه واليا لمعاوية بن أبي سفيان وضم إليه خراسان وسجستان والفسق بالبصرة كثير فاش ظاهر فخطب خطبة بتراء لم يحمد الله فيها وقيل بل قال الحمد لله على إفضاله وإحسانه ونسأله المزيد من نعمه وإكرامه اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا شكرا أما بعد فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والغي الموفي بأهله على النار ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام ينبت فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير كأنكم لم تقرءوا كتاب الله ولم تسمعوا


271
ما أعد الله من الثواب الكبير لأهل طاعته والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمدي الذي لا يزول أتكونون كمن طرفت عينيه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات واختار الفانية على الباقية ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر والعدد غير قليل ألم يكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار قربتم القرابة وباعدتم الدين تعتذرون بغير العذر وتغضون على المختلس كل امرئ منكم يذب عن سفيهه صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا ما أنتم بالحلماء ولقد اتبعتم السفهاء فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونه حتى انتهكوا حرم الإسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب حرام على الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا إلى رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله لين في غير ضعف
272
وشدة في غير عنف وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولي والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والمطيع بالعاصي والصحيح منكم في نفسه بالسقيم حتى يلقي الرجل منكم أخاه فيقول انج سعد فقد هلك سعيد أو تستقيم لي قناتكم إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها في واعلموا أن عندي أمثالها من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب منه فإياي ودلج الليل فإني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه وقد أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم وإياي ودعوى الجاهلية فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه وقد أحدثتم أحداثا لم تكن وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة فمن غرق قوما غرقناه ومن أحرق قوما أحرقناه ومن نقب
273
بيتا نقبنا عن قلبه ومن نبش قبرا دفناه حيا فيه فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم يدي ولساني ولا تظهر من أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه وقد كانت بيني وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا ومن كان منكم مسيئا فلينزع عن إساءته إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته فإذا فعل ذلك لم أناظره فاستأنفوا أموركم وأعينوا على أنفسكم فرب مبتئس بقدومنا سيسر ومسرور بقدومنا سيبتئس

أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ولكم علينا العدل فيما ولينا فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا واعلموا أني مهما قصرت عنه فلن أقصر عن ثلاث لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبانه ولا مجمرا لكم بعثا فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم فإنهم ساستكم المؤدبون لكم وكهفكم الذي إليه تأوون ومتى يصلحوا تصلحوا ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم ويطول له حزنكم ولا تدركوا له حاجتكم مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرا لكم أسأل الله أن يعين كلا على كل وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على


274
أذلاله وايم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاى

فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال أشهد أيها الأمير لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب فقال له كذبت ذاك نبي الله داود صلوات الله عليه فقام الأحنف ابن قيس فقال إنما الثناء بعد البلاء والحمد بعد العطاء وإنا لن نثني حتى نبتلي فقال له زياد صدقت فقام أبو بلال مرداس ابن أدية وهو يهمس ويقول أنبأنا الله بغير ما قلت قال الله تعالي ( وإبراهيم الذي وفي ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) وأنت تزعم أنك تأخذ البريء بالسقيم والمطيع بالعاصي والمقبل بالمدبر فسمعها زياد فقال إنا لا نبلغ ما نريد فيك وفي أصحابك حتى نخوض إليكم الباطل خوضا

260 خطبته بالكوفة وقد ضمت إليه

ولما مات المغيرة بن شعبة أمير الكوفة سنة 50ه ضم معاوية الكوفة إلى زياد فكان أول من جمع له الكوفة والبصرة فاستخلف على البصرة وشخص إلى الكوفة فأتاها فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن هذا الأمر أتاني وأنا بالبصرة فأردت أن أشخص إليكم في ألفين من شرطة


275
البصرة ثم ذكرت أنكم أهل حق وأن حقكم طالما دفع الباطل فأتيتكم في أهل بيتي فالحمد لله الذي رفع مني ما وضع الناس وحفظ مني ما ضيعوا حتى فرغ من الخطبة

261 خطبة أخرى له بالكوفة

وروى الطبري أيضا قال فجمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبي سفيان فأقبل حتى دخل القصر بالكوفة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنا قد جربنا وجربنا وسسنا وساسنا السائسون فوجدنا هذا الأمر لا يصلح آخره إلا بما صلح أوله بالطاعة اللينة المشبه سرها بعلانيتها وغيب أهلها بشاهدهم وقلوبهم بألسنتهم ووجدنا الناس لا يصلحهم إلا لين في غير ضعف وشدة في غير عنف وإني والله لا أقوم فيكم بأمر إلا أمضيته على أذلاله وليس من كذبة الشاهد عليها من الله والناس أكبر من كذبة إمام على المنبر ثم ذكر عثمان وأصحابه فقرظهم وذكر قتلته ولعنهم

262 خطبته بالكوفة يتهدد الشيعة

وكان زياد قد ولى الكوفة عمرو بن الحريث ورجع إلى البصرة فبلغه أن حجر بن عدي يجتمع إليه شيعة علي ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه وأنهم


276
حصبوا عمرو بن الحريث فشخص إلى الكوفة حتى دخلها فأتي القصر ثم خرج فصعد المنبر وعليه قباء سندس ومطرف خز أخضر قد فرق شعره وحجر جالس في المسجد حوله أصحابه أكثر ما كانوا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن غب البغي والغي وخيم إن هؤلاء جمعا فأشروا وأمنوني فاجترءوا علي وايم الله لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم وقال ما أنا بشيء إن لم أمنع باحة الكوفة من حجر وأدعه نكالا لمن بعده ويل أمك يا حجر سقط العشاء بك على سرحان

263 خطبة أخرى له

وخطب زياد فقال استوصوا بثلاثة منكم خيرا الشريف والعالم والشيخ فوالله لا يأتيني شيخ بشاب قد استخف به إلا أوجعته ولا يأتيني عالم بجاهل استخف به إلا نكلت به ولا يأتيني شريف بوضيع استخف به إلا انتقمت له منه

264 خطبة أخرى

وخطب على المنبر فقال أيها الناس لا يمنعنكم سوء ما تعلمون منا أن تنتفعوا بأحسن ما تسمعون منا فإن الشاعر يقول


277

( اعمل بقولي وإن قصرت في عملي ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري )

265 وصية زياد

وروى الجاحظ عن عمرو بن عبيد أنه قال كتب عبد الملك بن مروان وصية لزياد بيده وأمر الناس بحفظها وتدبر معانيها وهي إن الله عز وجل جعل لعباده عقولا عاقبهم بها على معصيته وأثابهم بها على طاعته فالناس بين محسن بنعمة الله عليه ومسيء بخذلان الله إياه ولله النعمة على المحسن والحجة على المسيء فما أولى من تمت عليه النعمة في نفسه ورأى العبرة في غيره بأن يضع الدنيا بحيث وضعها الله فيعطي ما عليه منها ولا يتكثر بما ليس له منها فإن الدنيا دار فناء ولا سبيل إلى بقائها ولا بد من لقاء الله فأحذركم الله الذي حذركم نفسه وأوصيكم بتعجيل ما أخرته العجزة قبل أن تصيروا إلى الدار التي صاروا إليها فلا تقدرون على توبة وليس لكم منها أوبة وأنا أستخلف الله عليكم وأستخلفه منكم

قال الجاحظ وقد روى هذا الكلام عن الحجاج وزياد أحق به منه

266 ما كان يقوله لمن ولاه عملا

وكان زياد إذا ولى رجلا عملا قال له خذ عهدك وسر إلى عملك واعلم أنك مصروف رأس سنتك وأنك تصير إلي أربع خلال فاختر لنفسك إنا إن وجدناك أمينا ضعيفا استبدلنا بك لضعفك وسلمتك من معرتنا أمانتك وإن وجدناك قويا خائنا استهنا بقوتك وأوجعنا ظهرك


278
وثقلنا غرمك وإن جمعت علينا الجرمين جمعنا عليك المضرتين وإن وجدناك أمينا قويا في عملك زدنا في عملك ورفعنا ذكرك وكثرنا مالك وأوطأنا عقبك

267 خطبة الضحاك بن قيس الفهري بالكوفة

قتل سنة 64ه

وخطب الضحاك بن قيس الفهري على منبر الكوفة وقد كان بلغه أن قوما من أهلها يشتمون عثمان ويبرءون منه فقال بلغني أن رجالا منكم ضلالا يشتمون أئمة الهدى ويعيبون أسلافنا الصالحين أما والذي ليس له ند ولا شريك لئن لم تنتهوا عما يبلغني عنكم لأضعن فيكم سيف زياد ثم لا تجدونني ضعيف السورة ولا كليل الشفرة أما إني لصاحبكم الذي أغرت على بلادكم فكنت أول من غزاها في الإسلام وشرب من ماء الثعلبية


279
ومن شاطئ الفرات أعاقب من شئت وأعفو عمن شئت لقد ذعرت المخدرات في خدورهن وإن كانت المرأة ليبكي ابنها فلا ترهبه ولا تسكته إلا بذكر اسمي فاتقوا الله يأهل العراق أنا الضحاك بن قيس أنا أبو أنيس أنا قاتل عمرو ابن عميس

فقام إليه عبد الرحمن بن عبيد فقال صدق الأمير وأحسن القول ما أعرفنا والله بما ذكرت ولقد لقيناك بغربي تدمر فوجدناك شجاعا مجربا صبورا ثم جلس وقال أيفخر علينا بما صنع ببلادنا أول ما قدم وايم الله لأذكرنه أبغض مواطنه إليه فسكت الضحاك قليلا وكأنه خزي واستحيا ثم قال نعم كان ذلك اليوم بأخرة بكلام ثقيل ثم نزل

268 خطبته عند موت معاوية

ولما مات معاوية سنة 60ه خرج الضحاك بن قيس الفهري وكان صاحب شرطته حتى صعد المنبر وأكفان معاوية على يديه تلوح فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن معاوية كان عمود العرب وحد العرب قطع الله عز وجل به الفتنة وملكه على العباد وفتح به البلاد ألا إنه قد مات فهذه أكفانه فنحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله ثم هو في البرزخ إلى يوم القيامة فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحصر عند الأولى


280

269 خطبة النعمان بن بشير بالكوفة

قتل سنة 64ه

خطب النعمان بن بشير على منبر الكوفة فقال يأهل الكوفة إني والله ما وجدت مثلي ومثلكم إلا الضبع والثعلب أتيا الضب في جحره فقالا أبا الحسل قال أجبتكما قالا جئناك نختصم قال في بيته يؤتى الحكم قالت الضبع فتحت عيني قال فعل النساء فعلت قالت فلقطت تمرة قال حلوا اجتنيت قالت فاختطفها ثعالة قال لنفسه بغى الخير قالت فلطمته لطمة قال حقا قضيت قالت فلطمني أخرى قال كان حرا فانتصر قالت فاقض الآن بيننا قال حدث حديثين امرأة فإن لم تفهم فأربعة


281

270 خطبة عبيد الله بن زياد بن أبيه بين يدي معاوية

قتل سنة 67ه

قدم عبيد الله بن زياد على معاوية بعد هلاك زياد فجعل يتصدى منه بخلوة ليسبر من رأيه ما كره أن يشرك في علمه فاستأذن عليه بعد انصداع الطلاب واشتغال الخاصة وافتراق العامة وهو يوم معاوية الذي كان يخلو فيه بنفسه ففطن معاوية لما أراد فبعث إلى ابنه يزيد وإلى مروان بن الحكم وإلى سعيد بن العاص وعبد الرحمن ابن الحكم وعمرو بن العاص فلما أخذوا مجالسهم أذن له فسلم ووقف واجما يتصفح وجوه القوم ثم قال صريح العقوق مكاتمة الأدنين لا خير في اختصاص وإن وفر أحمد الله إليكم على الآلاء وأستعينه على اللأواء وأستهديه من عمى مجهد وأستعينه على عدو مرصد وأشهد أن لا إله إلا الله المنقذ بالأمين الصادق من شفا جرف هار ومن بد غار وصلوات الله على الزكى نبي الرحمة ونذير الأمة وقائد الهدى أما بعد يا أمير المؤمنين فقد عسف بنا ظن فرع وفذع صدع حتى طمع السحيق وبئس الرفيق ودب الوشاة بموت زياد فكلهم مستحقر


282
للعداوة وقد قلص الآزرة وشمر عن عطافه ليقول مضى زياد بما استلحق به ودل على الأناة من مستلحقه فليت أمير المؤمنين سلم في دعته وأسلم زيادا في ضيعته فكان ترب عامته وأحد رعيته فلا تشخص إليه عين ناظر ولا إصبع مشير ولا تندلق عليه ألسن كلمته حيا ونبشته ميتا فإن تكن يا أمير المؤمنين حابيت زيادا بأول رفات ودعوة أموات فقد حاباك زياد بجد هصور وعزم جسور حتى لانت شكائم الشرس وذلت صعبة الأشوس وبذل لك يا أمير المؤمنين يمينه ويساره تأخذ بهما المنيع وتقهر بهما البديع حتى مضى والله يغفر له فإن يكن أخذ بحق أنزله منازل الأقربين فإن لنا بعده ما كان له بدالة الرحم وقرابة الحميم فما لنا يا أمير المؤمنين نمشي الضراء ونشتف النضار ولك من خيرنا أكمله وعليك من حوبنا أثقله وقد شهد القوم وما ساءني قربهم ليقروا حقا ويردوا باطلا فإن للحق منارا واضحا وسبيلا قصدا فقل يا أمير
283
المؤمنين بأي أمريك شئت فما نأزر إلى غير جحرنا ولا نستكثر بغير حقنا وأستغفر الله لي ولكم

271 رد معاوية على ابن زياد

فنظر معاوية في وجوه القوم كالمتعجب فتصفحهم بلحظه رجلا رجلا وهو مبتسم ثم اتجه تلقاءه وعقد حبوته وحسر عن يده وجعل يومئ بها ثم قال معاوية الحمد لله على ما نحن فيه فكل خير منه وأشهد أن لا إله إلا الله فكل شيء خاضع له وأن محمدا عبده ورسوله دل على نفسه بما بان عن عجز الخلق أن يأتوا بمثله فهو خاتم النبيين ومصدق المرسلين وحجة رب العالمين صلوات الله عليه وبركاته أما بعد فرب خير مستور وشر مذكور وما هو إلا السهم الأخيب لمن طار به والحظ المرغب لمن فاز به فيهما التفاضل وفيهما التغابن وقد صفقت يداي في أبيك صفقة ذي الخلة من رواضع الفصلان عامل اصطناعي له بالكفر لما أوليته فما رميت به إلا انتصل ولا انتضيته إلا غلق جفنه ولزت لسعته ولا قلت إلا عاند ولا قمت إلا قعد حتى اخترمه الموت وقد أوقع بختره ودل على حقده وقد كنت رأيت في أبيك رأيا حضره الخطل والتبس به الزلل فأخذ مني بحظ الغفلة وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء


284
فما برحت هنات أبيك تحطب في حبل القطيعة حتى انتكث المبرم وانحل عقد الوداد فيا لها توبة تؤتنف من حوبة أورثت ندما أسمع بها الهاتف وشاعت للشامت فليهنأ الواشم ما به احتقر وأراك تحمد من أبيك جدا وجسورا هما أوفيا به على شرف التقحم وغبط النعمة فدعهما فقد أذكرتنا منه ما زهدنا فيك من بعده وبهما مشيت الضراء واشتففت النضار فاذهب إليك فأنت نجل الدغل ونثر النفل والأجر شر

272 مقال يزيد بن معاوية

فقال يزيد يا أمير المؤمنين إن للشاهد غير حكم الغائب وقد حضرك زياد وله مواطن معدودة بخير لا يفسدها التظني ولا تغيرها التهم وأهلوه أهلوك التحقوا بك وتوسطوا شأنك فسافرت به الركبان وسمعت به أهل البلدان حتى اعتقده الجاهل وشك فيه العالم فلا تتحجر يا أمير المؤمنين ما قد اتسع وكثرت فيه الشهادات وأعانك عليه قوم آخرون

فانحرف معاوية إلى من معه فقال هذا وقذ نفسه ببيعته وطعن في إمرته يعلم ذلك كما أعلمه يا للرجال من آل أبي سفيان لقد حكموا وبذهم يزيد وحده


285
ثم نظر إلى عبيد الله فقال يا بن أخي إني لأعرف بك من أبيك وكأني بك في غمرة لا يخطوها السابح فالزم ابن عمك فإن لما قال حقا فخرجوا ولزم عبيد الله يزيد يرد مجلسه ويطأ عقبه أياما حتى رمى به معاوية إلى البصرة واليا عليها

273 وصية المهلب بن أبي صفرة لأبنائه عند موته

روى الطبري قال لما كان المهلب بن أبي صفرة بزاغول من مرو الروذ من خراسان أصابته الشوصة وقوم يقولون الشوكة فدعا حبيبا ومن حضره من ولده ودعا بسهام فحزمت وقال أترونكم كاسريها مجتمعة قالوا لا قال أفترونكم كاسريها متفرقة قالوا نعم قال فهكذا الجماعة فأوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم فإن صلة الرحم تنسئ في الأجل وتثري المال وتكثر العدد وأنهاكم عن القطيعة فإن القطيعة تعقب النار وتورث الذلة والقلة تباذلوا وتواصلوا تحابوا وأجمعوا أمركم ولا تختلفوا وتباروا تجتمع أموركم إن بني الأم يختلفون فكيف ببني العلات وعليكم بالطاعة والجماعة ولتكن فعالكم أفضل من قولكم فإني أحب للرجل أن يكون لعمله فضل على لسانه واتقوا الجواب وزلة اللسان فإن الرجل تزل قدمه فينتعش من زلته ويزل لسانه فيهلك اعرفوا لمن يغشاكم حقه فكفي بغدو


286
الرجل ورواحه إليكم تذكرة له وآثروا الجود على البخل وأحبوا العرب واصطنعوا العرب فإن الرجل من العرب تعده العدة فيموت دونك فكيف الصنيعة عنده وعليكم في الحرب بالأناة والمكيدة فإنها أنفع في الحرب من الشجاعة وإذا كان اللقاء نزل القضاء فإن أخذ رجل بالحزم فظهر على عدوه قيل أتى الأمر من وجهه ثم ظفر فحمد وإن لم يظفر بعد الأناة قيل ما فرط ولا ضيع ولكن القضاء غالب وعليكم بقراءة القرآن وتعليم السنن وأدب الصالحين وإياكم والخفة وكثرة الكلام في مجالسكم وقد استخلفت عليكم يزيد وجعلت حبيبا على الجند حتى يقدم بهم على يزيد فلا تخالفوا يزيد فقال له المفضل لو لم تقدمه لقدمناه

وعهد إلى ولده يزيد فكان من جملة ما قال له يا بني استعقل الحاجب واستظرف الكاتب فإن حاجب الرجل وجهه وكاتبه لسانه وكان يقول لبنيه يا بني أحسن ثيابكم ما كان على غيركم ومن كلماته المأثورة قوله الحياة خير من الموت والثناء الحسن خير من الحياة ولو أعطيت ما لم يعطه لأحد لأحببت أن تكون لي أذن أسمع بها ما يقال في غدا إذا مت وقوله عجبت لمن يشتري العبيد بماله ولا يشتري الأحرار بإفضاله


287
خطب الحجاج بن يوسف الثقفي المتوفى سنة 95ه

274 خطبته بمكة بعد مقتل ابن الزبير سنة 73ه

لما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير ارتجت مكة بالبكاء فصعد المنبر فقال ألا إن ابن الزبير كان من أحبار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة ونازع فيها وخلع طاعة الله واستكن بحرم الله ولو كان شيء مانعا للعصاة لمنع آدم حرمة الجنة لأن الله تعالى خلقه بيده وأسجد له ملائكته وأباحه جنته فلما عصاه أخرجه منها بخطيئته وآدم على الله أكرم من ابن الزبير والجنة أعظم حرمة من الكعبة

275 خطبته بعد قتل ابن الزبير

وصعد الحجاج بعد قتله ابن الزبير متلثما فحط اللثام عنه ثم قال

موج ليل التطم وانجلى بضوء صبحه يأهل الحجاز كيف رأيتموني ألم أكشف ظلمة الجور وطخية الباطل بنور الحق والله لقد وطئكم الحجاج وطأة مشفق وعطفة رحم ووصل قرابة فإياكم أن تزلوا عن سنن أقمناكم عليه


288
فأقطع عنكم ما وصلته لكم بالصارم البتار وأقيم من أودكم ما يقيم المثقف من أود القناة بالنار ثم نزل وهو يقول

( أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا )

276 خطبته حين ولي العراق سنة 75ه

حدث عبد الملك بن عمير الليثي قال

بينا نحن في المسجد الجامع بالكوفة وأهل الكوفة يومئذ ذوو حال حسنة يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه إذ أتى آت فقال هذا الحجاج قد قدم أميرا على العراق فإذا به قد دخل المسجد معتما بعمامة قد غطي بها أكثر وجهه متقلدا سيفا متنكبا قوسا يؤم المنبر فقام الناس نحوه حتى صعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم فقال الناس بعضهم لبعض قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق حتى قال عمير بن ضابئ البرجمي ألا أحصبه لكم فقالوا أمهل حتى ننظر فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللثام عن فيه ونهض فقال

( أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفونى )


289

ثم قال يأهل الكوفة أما والله إني لأحمل الشر بحمله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله وإني لأري أبصارا طامحة وأعناقا متطاولة ورءوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى تترقرق ثم قال

( هذا أوان الشد فاشتدي زيم قد لفها الليل بسواق حطم )

( ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم )

ثم قال ( قد لفها الليل بعصلبي أروع خراج من الدوي )

( مهاجر ليس بأعرابي )

ثم قال

( قد شمرت عن ساقها فشدوا وجدت الحرب بكم فجدوا )

( والقوس فيها وتر عرد مثل ذراع البكر أو أشد )

( لا بد مما ليس منه بد )


290
إني والله يأهل العراق ومعدن الشقاق والنفاق ومساوي الأخلاق ما يقعقع لي بالشنان ولا يغمز جانبي كتغماز التين ولقد فررت عن ذكاء وفتشت عن تجربة وجريت إلى الغاية القصوى وإن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه نثر كنانته بين يديه فعجم عيدانها فوجدني أمرها عودا وأصلبها مكسرا فرماكم بي لأنكم طالما أوضعتم في الفتن واضطجعتم في مراقد الضلال وسننتم سنن الغي أما والله لألحونكم لحو العصا ولأقرعنكم قرع المروءة ولأعصبنكم عصب السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل فإنكم لكأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون وإني والله لا أعد إلا وفيت ولا أهم إلا أمضيت ولا أخلق إلا فريت فإياي وهذه الشفعاء والزرافات والجماعات وقالا وقيلا وما تقول وفيم أنتم وذاك
291
أما والله لتستقيمن على طريق الحق أو لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة وإني أقسم بالله لا أجد رجلا تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا سفكت دمه وأنهبت ماله وهدمت منزله

277 خطبته وقد سمع تكبيرا في السوق

فلما كان اليوم الثالث خرج من القصر فسمع تكبيرا في السوق فراعه ذلك فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال يأهل العراق يأهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق وبني اللكيعة وعبيد العصا وأولاد الإماء والفقع بالقرقر إني سمعت تكبيرا لا يراد الله به وإنما يراد به الشيطان ألا إنها عجاجة تحتها قصف وإنما مثلي ومثلكم ما قال عمرو بن براق الهمذاني

( وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم فهل أنا في ذايا لهمدان ظالم )


292

( متى تجمع القلب الذكي وصارما وأنفا حميا تجتنبك المظالم )

أما والله لا تقرع عصا عصا إلا جعلتها كأمس الدابر

278 خطبته وقد قدم البصرة

وخطب لما قدم البصرة يتهدد أهل العراق ويتوعدهم فقال أيها الناس من أعياه داؤه فعندي دواؤه ومن استطال أجله فعلي أن أعجله ومن ثقل عليه رأسه وضعت عنه ثقله ومن استطال ماضي عمره قصرت عليه باقيه إن للشيطان طيفا وللسلطان سيفا فمن سقمت سريرته صحت عقوبته ومن وضعه ذنبه رفعه صلبه ومن لم تسعه العافية لم تضق عنه الهلكة ومن سبقته بادرة فمه سبق بدنه بسفك دمه إني أنذر ثم لا أنظر وأحذر ثم لا أعذر وأتوعد ثم لا أعفو إنما أفسدكم ترنيق ولاتكم ومن استرخى لببه ساء أدبه إن الحزم والعزم سلباني سوطي وأبدلاني به سيفي فقائمه في يدي ونجاده في عنقي وذبابه قلادة لمن عصاني والله لا آمر أحدكم أن يخرج من باب من أبواب المسجد فيخرج من الباب الذي يليه إلا ضربت عنقه


293

279 خطبته بعد وقعة دير الجماجم

وخطب أهل العراق بعد وقعة دير الجماجم فقال يأهل العراق إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم والعصب والمسامع والأطراف والأعضاء والشغاف ثم أفضي إلى المخاخ والأصماخ ثم ارتفع فعشش ثم باض وفرخ فحشاكم نفاقا وشقاقا وأشعركم خلافا اتخذتموه دليلا تتبعونه وقائدا تطيعونه ومؤامرا تستشيرونه فكيف تنفعكم تجربة أو تعظكم وقعة أو يحجزكم إسلام أو ينفعكم بيان ألستم أصحابي بالأهواز


294
حيث رمتم المكر وسعيتم بالغدر واستجمعتم للكفر وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته وأنا أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لواذا وتنهزمون سراعا ثم يوم الزاوية وما يوم الزاوية بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم ونكوص وليكم عنكم إذ وليتم كالإبل الشوارد إلى اوطانها النوازع إلى أعطانها لا يسأل المرء عن أخيه ولا يلوي الشيخ على بنيه حتى عضكم السلاح وقصمتكم الرماح ثم يوم دير الجماجم وما يوم دير الجماجم بها كانت المعارك والملاحم بضرب يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله يأهل العراق والكفرات بعد الفجرات والغدرات بعد الخترات والزوات بعد النزوات إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم وإن أمنتم أرجفتم وإن خفتم نافقتم لا تذكرون حسنة ولا تشكرون نعمة هل استخفكم ناكث أو استغواكم غاو أو استنصركم ظالم أو استعضدكم خالع إلا تبعتموه وآويتموه ونصرتموه وزكيتموه يأهل العراق هل شغب شاغب أو نعب ناعب أو زفر زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره يأهل العراق ألم تنهكم المواعظ ألم تزجركم الوقائع

ثم التفت إلى أهل الشأم وهم حول المنبر فقال يأهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفي عنها المدر ويباعد عنها الحجر ويكنها


295
من المطر ويحميها من الضباب ويحرسها من الذئاب يأهل الشام أنتم الجنة والرداء وأنتم العدة والحذاء

280 خطبة أخرى له في أهل الكوفة وأهل الشأم

وخطب فقال يأهل الكوفة إن الفتنة تلقح بالنجوى وتنتج بالشكوى وتحصد بالسيف أما والله إن أبغضتموني لا تضروني وأن أحببتموني لا تنفعوني وما أنا بالمستوحش لعدواتكم ولا المستريح إلى مودتكم زعمتم أني ساحر وقد قال الله تعالى ( ولا يفلح الساحر ) وقد أفلحت وزعمتم أني أعلم الاسم الأكبر فلم تقاتلون من يعلم ما لا تعلمون

ثم التفت إلى أهل الشأم فقال لأزواجكم أطيب من المسك ولأبناؤكم آنس بالقلب من الولد وما أنتم إلا كما قال أخو بني ذبيان ( إذا حاولت في أسد فجورا فإني لست منك ولست مني )

( هم درعي التي استلأمت فيها إلى يوم النسار وهم مجني )

ثم قال بل أنتم يأهل الشأم كما قال الله سبحانه ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ) ثم نزل

281 خطبة له بالبصرة

وخطب بالبصرة فقال قال الله تعالى ( فاتقوا الله ما اٌستطعتم ) فهذه لله وفيها مثوبة وقال


296
( واسمعوا وأطيعوا ) وهذه لعبد الله وخليفة الله وحبيب الله عبد الملك بن مروان أما والله لو أمرت الناس أن يأخذوا في باب واحد فأخذوا في باب غيره لكانت دماؤهم لي حلالا من الله ولو قتل ربيعة ومصر لكان لي حلالا

عذيرى من أهل هذه الحميراء يرمي أحدهم بالحجر إلى السماء ويقول يكون إلى أن يقع هذا خير والله لأجعلنهم كالرسم الدائر وكالأمس الغابر عذيرى من عبد هذيل يقرأ القرآن كأنه رجز الأعراب أما والله لو أدركته لضربت عنقه يعني عبد الله بن مسعود عذيرى من سليمان بن داود يقول لربه ( رب أغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ) كان والله فيما علمت عبدا حسودا بخيلا

282 خطبة أخرى له بالبصرة

حمد الله وأثني عليه ثم قال إن الله كفانا مئونة الدنيا وأمرنا بطلب الآخرة فليته كفانا مئونة الآخرة وأمرنا بطلب الدنيا مالي أرى علماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون وشراركم لا يتوبون مالي أراكم تحرصون على ما كفيتم وتضيعون ما به أمرتم إن العلم يوشك أن يرفع ورفعه ذهاب العلماء ألا وإني أعلم بشراركم من البيطار بالفرس الذين لا يقرءون القرآن إلا هجرا ولا يأتون الصلاة إلا دبرا ألا وإن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ألا وإن الآخرة أجل مستأخر يحكم فيها ملك قادر


297
ألا فاعملوا وأنتم من الله على حذر واعلموا أنكم ملاقوه ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار ألا وإن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وأستغفر الله لي ولكم

283 خطبته في أهل العراق يصارحهم بالكراهة

وخطب أهل العراق فقال يأهل العراق إني لم أجد دواء أدوي لدائكم من هذه المغازي والبعوث لولا طيب ليلة الإياب وفرحة القفل فإنها تعقب راحة وإني لا أريد أن أرى الفرح عندكم ولا الراحة بكم وما أراكم إلا كارهين لمقالتي وأنا والله لرؤيتكم أكره ولولا ما أريد من تنفيذ طاعة أمير المؤمنين فيكم ما حملت نفسي مقاساتكم والصبر على النظر إليكم والله أسأل حسن العون عليكم ثم نزل

284 خطبة أخرى

وخطب أهل العراق فقال يأهل العراق بلغني انكم تروون عن نبيكم أنه قال من ملك على عشر رقاب من المسلمين جيء به يوم القيامة مغلولة يداه إلي عنقه حتى يفكه العدل أو يوبقه الجور وايم الله إني لأحب إلى أن أحشر مع أبي بكر وعمر مغلولا من أن أحشر معكم مطلقا


298

285 خطبته لما مات عبد الملك بن مروان

ولما مات عبد الملك بن مروان قام فحمد الله وأثني عليه ثم قال أيها الناس إن الله تبارك وتعالى نعي نبيكم إلى نفسه فقال ( إنك ميت وإنهم ميتون ) وقال ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) فمات رسول الله ومات الخلفاء الراشدون المهتدون المهديون منهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان الشهيد المظلوم ثم تبعهم معاوية ثم وليكم البازل الذكر الذي جربته الأمور وأحكمته التجارب مع الفقه وقراءة القرآن والمروءة الظاهرة واللين لأهل الحق والوطء لأهل الزيغ فكان رابعا من الولاة المهديين الراشدين فاختار الله له ما عنده وألحقه بهم وعهد إلى شبهه في العقل والمروءة والحزم والجلد والقيام بأمر الله وخلافته فاسمعوا له وأطيعوه

أيها الناس إياكم والزيغ فإن الزيغ لا يحيق إلا بأهله ورأيتم سيرتي فيكم وعرفت خلافكم وطيبتم على معرفتي بكم ولو علمت أن أحدا أقوى عليكم مني أو أعرف بكم ما وليتكم فإياي وإياكم من تكلم قتلناه ومن سكت مات بدائه غما ثم نزل

خطبته حين أراد الحج

وأراد الحجاج أن يحج فاستخلف محمدا ولده على أهل العراق ثم خطب فقال يأهل العراق يأهل الشقاق والنفاق إني أريد الحج وقد استخلفت عليكم ابني محمدا هذا وما كنتم له بأهل وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله


299
في الأنصار إن رسول الله أوصى أن يقبل من محسنهم وأن يتجاوز عن مسيئهم وإني أمرته ألا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم ألا وإنكم ستقولون بعدي مقالة ما يمنعكم من إظهارها إلا مخافتي ألا وإنكم ستقولون بعدي لا أحسن الله له الصحابة ألا وإني معجل لكم الإجابة لا أحسن الله الخلافة عليكم ثم نزل

287 خطبته لما أصيب بولده محمد وأخيه محمد في يوم واحد

قال صاحب العقد فلما كان غداة الجمعة مات محمد بن الحجاج فلما كان بالعشى أتاه بريد من اليمن بوفاة محمد أخيه ففرح أهل العراق وقالوا انقطع ظهر الحجاج وهيض جناحه فخرج فصعد المنبر ثم خطب الناس فقال أيها الناس محمدان في يوم واحد أما والله ما كنت أحب أنهما معي في الحياة الدنيا لما أرجو من ثواب الله لهما في الآخرة وايم الله ليوشكن الباقي مني ومنكم أن يفنى والجديد أن يبلي والحي مني ومنكم أن يموت وأن تدال الأرض منا كما أدلنا منها فتأكل من لحومنا وتشرب من دمائنا كما مشينا على ظهرها وأكلنا من ثمارها وشربنا من مائها ثم نكون كما قال الله تعالى ( ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ) ثم تمثل بهذين البيتين


300
( عزائي نبي الله من كل ميت وحسبي ثواب الله من كل هالك )

( إذا ما لقيت الله عني راضيا فإن سرور النفس فيما هنالك )

288 خطبته وقد أرجف أهل العراق بموته

ومرض الحجاج ففرح أهل العراق وأرجفوا بموته فلما بلغه تحامل حتى صعد المنبر فقال إن طائفة من أهل العراق أهل الشقاق والنفاق نزغ الشيطان بينهم فقالوا مات الحجاج ومات الحجاج فمه وهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت والله ما يسرني ألا أموت وأن لي الدنيا وما فيها وما رأيت الله رضي بالتخليد إلا لأهون خلقه عليه إبليس قال أنظرني إلي يوم يبعثون قال إنك من المنظرين ولقد دعا الله العبد الصالح فقال ( ربي اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ) فأعطاه ذلك إلا البقاء فما عسى أن يكون أيها الرجل وكلكم ذلك الرجل كأني والله بكل حي منكم ميتا وبكل رطب يابسا ونقل في ثياب أكفانه إلى ثلاثة أذرع طولا في ذراع عرضا وأكلت الأرض لحمه ومصت صديده وانصرف الحبيب من ولده يقسم الخبيث من ماله إن الذين يعقلون يعلمون ما أقول ثم نزل


301
خطبه الوعظية

289

وخطب الحجاج يوما فقال أيها الناس قد أصبحتم في أجل منقوص وعمل محفوظ رب دائب مضيع وساع لغيره والموت في أعناقكم والنار بين أيديكم والجنة أمامكم خذوا من أنفسكم لأنفسكم ومن غناكم لفقركم ومما في أيديكم لما بين أيديكم فكأن ما قد مضي من الدنيا لم يكن وكأن الأموات لم يكونوا أحياء وكل ما ترونه فإنه ذاهب هذه شمس عاد وثمود وقرون كثيرة بين ذلك هذه الشمس التي طلعت على التبابعة والأكاسرة وخزائنهم السائرة بين أيديهم وقصورهم المشيدة ثم طلعت على قبورهم أين الملوك الأولون أين الجبابرة المتكبرون المحاسب الله والصراط منصوب وجهنم تزفر وتتوقد وأهل الجنة ينعمون في روضة يحبرون جعلنا الله وإياكم من الذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا

فكان الحسن البصري رحمه الله يقول ألا تعجبون من هذا الفاجر يرقى عتبات المنبر فيتكلم بكلام الأنبياء وينزل فيفتك فتك الجبارين يوافق الله في قوله ويخالفه في فعله


302

290

وقال مالك بن دينار غدوت إلى الجمعة فجلست قريبا من المنبر فصعد الحجاج ثم قال امرؤ حاسب نفسه امرؤ راقب ربه امرؤ زور عمله امرؤ فكر فيما يقرؤه غدا في صحيفته ويراه في ميزانه امرؤ كان عند همه آمرا وعند هواه زاجرا امرؤ أخذ بعنان قلبه كما يأخذ الرجل بخطام جمله فإن قاده إلى حق تبعه وإن قاده إلى معصية الله كفه إننا والله ما خلقنا للفناء وإنما خلقنا للبقاء وإنما ننتقل من دار إلى دار

291

وخطب يوما فقال أيها الناس اٌقدعوا هذه الأنفس فإنها أسأل شيء إذا أعطيت وأعصى شيء إذا سئلت فرحم الله امرأ جعل لنفسه خطاما وزماما فقادها بخطامها إلى طاعة الله وعطفها بزمامها عن مصية الله فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله


303

292

وخطب فقال اللهم أرني الغي غيا فأجتنبه وأرني الهدى هدى فأتبعه ولا تكلني إلي نفسي فأضل ضلالا بعيدا والله ما أحب أن ما مضي من الدنيا لي بعمامتي هذه ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء

293

ومن كلامه إن امرأ أتت عليه ساعة من عمره لم يذكر فيها ربه ويستغفر ربه من ذنبه ويفكر في معاده لجدير أن يطول حزنه ويتضاعف أسفه إن الله كتب على الدنيا الفناء وعلى الآخرة البقاء فلا بقاء لما كتب عليه الفناء ولا فناء لما كتب عليه البقاء فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة وأقهروا طول الأمل بقصر الأجل


304
خطب قتيبة بن مسلم الباهلى قتل سنة 96ه

294 خطبته يحث على الجهاد وقد تهيأ لغزو طخارستان

قدم قتيبة بن مسلم الباهلي خراسان واليا عليها من قبل الحجاج سنة 86 فلما تهيأ لغزو أخرون و شومان وهما من بلاد طخارستان خطب الناس وحثهم على الجهاد فقال إن الله أحلكم هذا المحل ليعز دينه ويذب بكم عن الحرمات ويزيد بكم المال استفاضة والعدو وقما ووعد نبيه النصر بحديث صادق وكتاب ناطق فقال ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) ووعد المجاهدين في سبيله أحسن الثواب وأعظم الذخر عنده فقال ( ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ) ثم أخبر عمن قتل في سبيله أنه حي مرزوق فقال ( ولا تحسبن الذين


305
قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) فتنجزوا موعود ربكم ووطنوا أنفسكم على أقصي أثر وأمضي ألم وإياكم والهوينى

295 خطبته وقد تهيأ لغزو بلاد السغد

ولما صالح قتيبة أهل خوارزم وسار إلى السعد سنة 93ه خطب الناس فقال إن الله قد فتح لكم هذه البلدة في وقت الغزو فيه ممكن وهذه السغد شاغرة برجلها قد نقضوا العهد الذي كان بيننا ومنعونا ما كنا صالحنا عليه طرخون وصنعوا به ما بلغكم وقال الله تعالى ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) فسيروا على بركة الله فإني أرجو أن يكون خوارزم والسغد كالنضير وقريظة وقال الله تعالى ( وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها )


306

296 خطبته وقد سارت إليه جيوش الشاش وفرغانة

وأتي قتيبة السغد فحصرها شهرا وخاف اهلها طول الحصار فكتبوا إلى ملك الشاش وفرغانة إنا نحن دونكم فيما بينكم وبين العرب فإن وصل إلينا كنتم أضعف وأذل فمهما كان عندكم من قوة فابذلوها فجمعوا جموعهم وولوا عليهم ابنا لخاقان وساروا وقد أجمعوا أن يبيتوا عسكر قتيبة ونمي ذلك إليه فانتخب أهل النجدة والبأس ووجوه الناس وخطبهم فقال إن عدوكم قد رأوا بلاء الله عندكم وتأييده إياكم في مزاحفتكم ومكاثرتكم كل ذلك يفلجكم الله عليهم فأجمعوا على أن يحتالوا غرتكم وبياتكم واختاروا دهاقينهم وملوكهم وأنتم دهاقين العرب وفرسانهم وقد


307
فضلكم الله بدينه فأبلوا لله بلاء حسنا تستوجبون به الثواب مع الذب عن أحسابكم

297 خطبه حين دعا إلى خلع سليمان بن عبد الملك

وقام بخراسان حين خلع سليمان بن عبد الملك ودعا الناس إلى خلعه فقال للناس إني قد جمعتكم من عين التمر وفيض البحر فضممت الأخ إلى أخيه والولد إلى أبيه وقسمت بينكم فيئكم وأجريت عليكم أعطياتكم غير مكدرة ولا مؤخرة وقد جربتم الولاة قبلي أتاكم أمية فكتب إلى أمير المؤمنين إن خراج خراسان لا يقوم بمطبخي ثم جاءكم أبو سعيد فدوم بكم ثلاث سنين لا تدرون أفي طاعة أنتم أم في معصية لم يجب فيئا ولم ينكأ عدوا ثم جاءكم بنوه بعده يزيد فحل تباري إليه النساء وإنما خليفتكم يزيد بن ثروان هبنقة القيسى فلم يجبه أحد فغضب فقال


308
لا أعز الله من نصرتم والله لو اجتمعتم على عنز ما كسرتم قرنها يأهل السافلة ولا أقول أهل العالية يا أوباش الصدقة جمعتكم كما تجمع إبل الصدقة من كل أوب يا معشر بكر بن وائل يأهل النفخ والكذب والبخل بأي يوميكم تفخرون بيوم حربكم أم بيوم سلمكم فوالله لأنا أعز منكم يا أصحاب مسيلمة يا بني ذميم ولا أقول تميم بأهل الخور والقصف والغدر كنتم تسمون الغدر في الجاهلية كيسان يا أصحاب سجاح يا معشر عبد القيس القساة تبدلتم بأبر النخل أعنة الخيل يا معشر الأزد تبدلتم بقلوس السفن أعنة الخيل والحصن إن هذا لبدعة في الإسلام والأعراب وما الأعراب لعنة الله على الأعراب يا كناسة المصرين جمعتكم من منابت الشيح والقيصوم
309
ومنابت القلقل تركبون البقر والحمر في جزيرة ابن كاوان حتى إذا جمعتكم كما يجمع قزع الخريف قلتم كيت وكيت أما والله إني لابن أبيه وأخو أخيه أما والله لأعصبنكم عصب السلمة إن حول الصليان الزمزمة يأهل خراسان هل تدرون من وليكم وليكم يزيد بن ثروان كأني بأمير مزجاء وحكم قد جاءكم فغلبكم على فيئكم وأطلالكم إن ها هنا نارا ارموها أرم معكم ارموا غرضكم الأقصى قد استخلف عليكم أبو نافع ذو الودعات إن الشأم أب مكفور حتى متى ينبطح أهل الشأم بأفنيتكم وظلال دياركم يأهل خراسان انسبوني تجدوني عراقي الأم عراقي الأب عراقي المولد عراقي الهوى والرأي والدين وقد أصبحتم اليوم فيما ترون من الأمن والعافية قد فتح الله لكم البلاد وآمن سبلكم فالظعينة تخرج من مرو إلى بلخ بغير جوار فاحمدوا الله على النعمة وسلوه الشكر والمزيد ثم نزل

وورد كلام قتيبة في هذا الصدد في العقد الفريد والبيان والتبيين في ثلاث خطب هذا نصها


310

298

قام بخراسان حين خلع سليمان بن عبد الملك فصعد المنبر فحمد الله وأثني عليه ثم قال أتدرون من تبايعون إنما تبايعون يزيد بن ثروان يعني هبنقة القيسى كأني بأمير مزجاء وحكم قد أتاكم يحكم في أموالكم ودمائكم وفروجكم وأبشاركم ثم قال الأعراب وما الأعراب لعنة الله على الأعراب جمعتكم كما يجمع قزع الخريف من منابت الشيح والقيصوم ومنابت القلقل وجزيرة ابن كاوان تركبون البقر وتأكلون الهبيد فحملتكم على الخيل وألبستكم السلاح حتى منع الله بكم البلاد وأفاء بكم الفيء قالوا مرنا بأمرك قال غروا غيري

299

وخطب مرة أخرى فقال يأهل العراق ألست أعلم الناس بكم أما هذا الحي من أهل العالية فنعم الصدقة وأما هذا الحي من بكر بن وائل فعلجة بظراء لا تجمع رجليها وأما هذا الحي عبد القيس فما ضرب العير بذنبه وأما هذا الحي من الازد فعلوج خلق الله وأنباطه وايم الله لو ملكت أمر الناس لنقشت أيديهم وأما هذا الحي من تميم فإنهم كانوا يسمون الغدر في الجاهلية كيسان


311

300

وخطب مرة أخري فقال يأهل خراسان قد جربتم الولاة قبلي أتاكم أمية فكان كاسمه أمية الرأي وأمية الدين فكتب إلى خليفته إن خراج خراسان وسجستان لو كان في مطبخه لم يكفه ثم أتاكم بعده أبو سعيد فدوخ بكم البلاد لا تدرون أفي طاعة الله أنتم أم في معصيته ثم لم يجب فيئا ولم ينكأ عدوا ثم أتاكم بنوه بعده مثل أطباء الكلبة منهم ابن الرحمة حصان يضرب في عانة ولقد كان أبوه يخافه على أمهات أولاده ثم أصبحتم وقد فتح الله عليكم البلاد وأمن لكم السبل حتى إن الظعينة لتخرج من مرو إلى سمرقند في غير جوار


312

301 كلمات حكيمة لقتيبة بن مسلم

وخرجت خارجة بخراسان فقيل لقتيبة بن مسلم لو وجهت إليهم وكيع بن أبي سود قال وكان وكيع رجلا عظيم الكبر في أنفه خنزوانة وفي رأسه نعرة وإنما أنفه في أسلوب ومن عظم كبره اشتد عجبه ومن أعجب برأيه لم يشاور كفيا ولم يؤامر نصيحا ومن تفرد بالنظر لم يكمل له الصواب ومن تبجح بالانفراد وفخر بالاستبداد كان من الصواب بعيدا ومن الخذلان قريبا والخطأ مع الجماعة خير من الصواب مع الفرقة وإن كانت الجماعة لا تخطئ والفرقة لا تصيب ومن تكبر على عدوه حقره وإذا حقره تهاون بأمره ومن تهاون بخصمه ووثق بفضل قونه قل اٌحتراسه ومن قل احتراسه كثر عثاره وما رأيت عظيم الكبر صاحب حرب إلا كان منكوبا فلا والله حتى يكون عدوه عنده وخصمه فيما تغلب


313
عليه أسمع من فرس وأبصر من عقاب وأهدي من قطاة وأحذر من عقعق وأشد إقداما من الأسد وأوثب من الفهد وأحقد من جمل وأروغ من ثعلب وأغدر من ذئب وأسخى من لافظة وأشح من صبي وأجمع من ذرة وأحرس من كلب وأصبر من ضب فإن النفس تسمح من العناية على قدر الحاجة وتتحفظ على قدر الخوف وتطلب على قدر الطمع وتطمع على قدر السبب

ومن كلماته البليغة قوله حين قدم خراسان من كان في يديه شيء من مال عبد الله بن خازم فلينبذه وإن كان في فيه فليلفظه وإن كان في صدره فلينفثه فعجب الناس من حسن ما فصل وقسم


314

302 خطبة طارق بن زياد في فتح الأندلس

لما دانت بلاد المغرب لموسى بن نصير وكان واليا عليها من قبل الوليد بن عبد الملك طمح بصره إلى فتح بلاد الأندلس فبعث مولاه طارق بن زياد على جيش جله من البربر سنة 92ه فعبر بهم البحر ونمي خبره إلى لذريق ملك القوط فأقبل لمحاربته بجيش جرار وخاف طارق أن يستحوذ الرعب على جنده لقلتهم فأحرق السفن التي أفلتهم حتى يقطع من قلوبهم كل أمل في العودة وقام فيهم فحمد الله وأثني عليه بما هو أهله ثم حثهم على الجهاد ورغبهم في الشهادة فقال أيها الناس أين المفر البحر من ورائكم والعدو أمامكم وليس لكم والله إلا الصدق والصبر واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مآدب اللئام وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته وأقواته موفورة وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم وإن اٌمتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمرا ذهبت ريحكم وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجرأة عليكم فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت وإني لم أحذركم أمرا أنا عنه بنجوة


315
ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها النفوس أربأ فيها بنفسي واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلا استمتعتم بالأرفه الألذ طويلا فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي فيما حظكم فيه أوفر من حظي

وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان من بنات اليونان الرافلات في الدر والمرجان والحلل المنسوجة بالعقيان المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عزبانا ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارا وأختانا ثقة منه بارتياحكم للطعان وإسماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته وإظهار دينه بهذه الجزيرة وليكون مغنمها خالصا لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم والله تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكرا في الدارين

واعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم لذريق فقاتله إن شاء الله فاحملوا معي فإن هلكت بعده فقد كفيتم أمره ولن يعوزكم بطل عاقل تسندون أموركم إليه وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه وأحملوا بأنفسكم عليه واكتفوا المهم من فتح هذه الجزيرة بقتله فإنهم بعده يخذلون


316

303 نص آخر لخطبة طارق

وروي ابن قتيبة هذه الخطبة في الإمامة والسياسة بصورة أخري قال لما بلغ طارقا دنو لذريق قام في أصحابه فحمد الله ثم حض الناس على الجهاد ورغبهم في الشهادة وبسط لهم في آمالهم ثم قال أيها الناس أين المفر البحر من وراءكم والعدو أمامكم فليس ثم والله إلا الصدق والصبر فإنهما لا يغلبان وهما جندان منصوران ولا تضر معهما قلة ولا تنفع مع الخور والكسل والفشل والاختلاف والعجب كثرة أيها الناس ما فعلت من شيء فافعلوا مثله إن حملت فاحملوا وإن وقفت فقفوا ثم كونوا كهيئة رجل واحد في القتال ألا وإني عامد إلى طاغيتهم بحيث لا أتهيبه حتى أخالطه وأقتل دونه فإن قتلت فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وتولوا الدبر لعدوكم فتبددوا بين قتيل وأسير وإياكم إياكم أن ترضوا بالدنية ولا تعطوا بأيديكم وارغبوا فيما عجل لكم من الكرامة والراحة من المهنة والذلة وما قد حل لكم من ثواب الشهادة فإنكم إن تفلوا والله معكم ومعيذكم تبوءوا بالخسران المبين وسوء الحديث غدا بين من عرفكم من المسلمين وهأنذا حامل حتى أغشاه فاحملوا بحملتي

304 خطبة عثمان بن حيان المرى بالمدينة

وولي الوليد بن عبد الملك عثمان بن حيان المرى المدينة سنة 94ه وقد خطب على المنبر فقال بعد حمد الله أيها الناس إنا وجدناكم أهل غش لأمير المؤمنين في قديم الدهر وحديثه


317
وقد ضوي إليكم من يزيد كم خبالا أهل العراق هم أهل الشقاق والنفاق هم والله عش النفاق وبيضته التي تفلقت عنه والله ما جربت عراقيا قط إلا وجدت أفضلهم عند نفسه الذي يقول في آل أبي طالب ما يقول وما هم لهم بشيعة وإنهم لأعداء ولغيرهم ولكن لما يريد الله من سفك دماءهم فإني والله لا أوتي بأحد آوي أحدا منهم أو أكراه منزلا أو أنزله إلا هدمت منزله وأنزلت به ما هو أهله

ثم إن البلدان لما مصرها عمر بن الخطاب وهو مجتهد على ما يصلح رعيته جعل يمر عليه من يريد الجهاد فيستشيره الشأم أحب إليك أم العراق فيقول الشأم أحب إلي

إني رأيت العراق داء عضالا وبها فرخ الشيطان والله لقد أعضلوا بي وإني لأراني سأفرقهم في البلدان ثم أقول لو فرقتهم لأفسدوا من دخلوا عليه بجدل وحجاج وكيف ولم وسرعة وجيف في الفتنة فإذا خبروا عند السيوف لم يخبر منهم طائل لم يصلحوا على عثمان فلقي منهم الأمرين وكانوا أول الناس فتق هذا الفتق العظيم ونقضوا عرا الإسلام عروة عروة وأنغلوا البلدان والله إني لأتقرب إلى الله بكل ما أفعل بهم لما أعرف من رأيهم ومذاهبهم ثم وليهم أمير المؤمنين معاوية فدامجهم فلم يصلحوا عليه ووليهم رجل الناس جلدا


318
فبسط عليهم السيف وأخافهم فاستقاموا له أحبوا أو كرهوا وذلك أنه خبرهم وعرفهم

أيها الناس إنا والله ما رأينا شعارا قط مثل الأمن ولا رأينا حلسا قط شرا من الخوف فالزموا الطاعة فإن عندي يأهل المدينة خبرة من الخلاف والله ما أنتم بأصحاب قتال فكونوا من أحلاس بيوتكم وعضوا على النواجذ فإني قد بعثت في مجالسكم من يسمع فيبلغني عنكم إنكم في فضول كلام غيره ألزم لكم فدعوا عيب الولاة فإن الأمر إنما ينقض شيئا شيئا حتى تكون الفتنة وإن الفتنة من البلاء والفتن تذهب بالدين وبالمال والولد

305 وصية يزيد بن المهلب لابنه مخلد قتل سنة 102ه

ولما ولي يزيد بن المهلب خراسان في عهد سليمان بن عبد الملك فتح جرجان وطبرستان سنة 98 وقد أوصى ابنه مخلد حين استخلفه على جرجان فقال يا بني إني قد استخلفتك على هذه البلاد فانظر هذا الحي من اليمن فكن لهم كما قال الشاعر

( إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم فرش واصطنع عند الذين بهم ترمي )

وانظر هذا الحي من ربيعة فإنهم شيعتك وأنصارك فاقض حقوقهم وانظر هذا


319
الحي من تميم فامطرهم ولا تزه لهم ولا تدنهم فيطمعوا ولا تقصهم فيقطعوا وانظر هذا الحي من قيس فإنهم أكفاء قومك في الجاهلية ومناصفوهم المنابر في الإسلام ورضاهم منك البشر

يا بني إن لأبيك صنائع فلا تفسدها فإنه كفى بالمرء نقصا أن يهدم ما بنى أبوه وإياك والدماء فإنها لا بقية معها وإياك وشتم الأعراض فإن الحر لا يرضيه عن عرضه عوض وإياك وضرب الأبشار فإنه عار باق ووتر مطلوب واستعمل على النجدة والفضل دون الهوى ولا تعزل إلا عن عجز أو خيانة ولا يمنعك من اصطناع الرجل أن يكون غيرك قد سبقك إليه فإنك إنما تصطنع الرجال لفضلها وليكن صنيعك عند من يكافئك عنه احمل الناس على أحسن أدبك يكفوك أنفسهم وإذا كتبت كتابا فأكثر النظر فيه وليكن رسولك فيما بيني وبينك من يفقه عني وعنك فإن كتاب الرجل موضع عقله ورسوله موضع سره وأستودعك الله فلا بد للمودع أن يسكت وللمشيع أن يرجع وما عف من المنطق وقل من الخطيئة أحب إلى أبيك وكذلك سلك هذا المسلك المحمود


320

306 نصيحة عمر بن هبيرة لبعض نبيه

وقال عمر بن هبيرة يؤدب بعض بنيه لا تكونن أول مشير وإياك والهوى والرأي الفطير وتجنب ارتجال الكلام ولا تشر على مستبد ولا على وغد ولا على متلون ولا على لجوج وخف الله في موافقة هوى المستشير فإن التماس موافقته لؤم وسوء الاستماع منه خيانة

وقال من كثر كلامه كثر سقطه ومن ساء خلقه قل صديقه


321
خطب خالد بن عبد الله القسري

توفي سنة 126ه

307 خطبته بمكة يدعو إلى الطاعة ولزوم الجماعة

خطب خالد بن عبد الله القسري بمكة فقال يأيها الناس إنكم بأعظم بلاد الله حرمة وهي التي اختار الله من البلدان فوضع بها بيته ثم كتب على عباده حجه من استطاع إليه سبيلا أيها الناس فعليكم بالطاعة ولزوم الجماعة وإياكم والشبهات فإني والله ما أوتي بأحد يطعن على إمامه إلا صلبته في الحرم إن الله جعل الخلافة منه بالموضع الذي جعلها فسلموا وأطيعوا ولا تقولوا كيت وكيت إنه لا رأي فيما كتب به الخليفة أو رآه إلا إمضاؤه واعلموا أنه بلغني أن قوما من أهل الخلاف يقدمون عليكم ويقيمون في بلادكم فإياكم أن تنزلوا أحدا ممن تعلمون أنه زائغ عن الجماعة فإني لا أجد أحدا منهم في منزل أحد منكم إلا هدمت منزله فانظروا من تنزلون في منازلكم وعليكم بالجماعة والطاعة فإن الفرقة هو البلاء العظيم

وسمع يوما يقول والله لو أعلم أن هذه الوحش التي تأمن في الحرم لو نطقت


322
لم نقر بالطاعة لأخرجتها من الحرم إنه لا يسكن حرم الله وأمنه مخالف للجماعة زار عليهم

308 خطبة أخرى يشيد فيها بفضل الوليد

ومن غلوه أنه خطب على منبر مكة فقال أيها الناس أيهما أعظم أخليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم والله لو لم تعلموا فضل الخليفة إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقي ربه فسقاه ملحا أجاجا واستسقاه الخليفة فسقاه عذبا فراتا يعني بئرا حفرها الوليد بن عبد الملك بالثنيتين ثنية طوي وثنية الحجون فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم

309 خطبته بمكة في الحجاج

وصعد خالد المنبر في يوم جمعة وهو على مكة فذكر الحجاج فحمد طاعته وأثنى عليه خيرا فلما كان في الجمعة الثانية ورد عليه كتاب سليمان بن عبد الملك يأمره فيه بشتم الحجاج ونشر عيوبه وإظهار البراءة منه فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن إبليس كان ملكا من الملائكة وكان يظهر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترى له به فضلا وكان الله قد علم من غشه وخبثه ما خفي على ملائكته


323
فلما أراد الله فضيحته أمره بالسجود لآدم فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم فلعنوه وإن الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له به فضلا وكان الله قد أطلع أمير المؤمنين من غشه وخبثه على ما خفي علينا فلما أراد الله فضيحته أجرى ذلك على يدي أمير المؤمنين فلعنه فالعنوه لعنه الله ثم نزل

310 خطبة له في الحث على مكارم الأخلاق

وقام على المنبر بواسط فحمد الله و صلى على نبيه ثم قال أيها الناس نافسوا في المكارم وسارعوا إلى المغانم واشتروا الحمد بالجود ولا تكسبوا بالمطل ذما ولا تعتدوا بالمعروف ما لم تعجلوه ومهما يكن لأحد منكم عند أحد نعمة فلم يبلغ شكرها فالله أحسن لها جزاء وأجزل عليها عطاء واعلموا أن حوائج الناس إليكم نعمة من الله عليكم فلا تملوا النعم فتحولوها نقما واعلموا أن أفضل المال ما أكسب أجرا وأورث ذكرا ولو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسر الناظرين ولو رأيتم البخل رجلا رأيتموه مشوها قبيحا تنفر عنه القلوب وتغضي عنه الأبصار

أيها الناس إن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه وأعظم الناس عفوا من عفا عن قدرة وأوصل الناس من وصل من قطعه ومن لم يطب حرثه لم يزك نبته والأصول عن مغارسها تنمو وبأصولها تسمو أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم


324

311 خطبة له يوم عيد

خطب فذكر الله وجلاله ثم قال كنت كذلك ما شئت أن تكون لا يعلم كيف أنت إلا أنت ثم ارتأيت أن تخلق الخلق فماذا جئت به من عجائب صنعك والكبير والصغير من خلقك والظاهر والباطن من ذرك من صنوف أفواجه وأفراده وأزواجه كيف أدمجت قوائم الذرة والبعوضة إلى ما هو أعظم من ذلك من الأشباح التي امتزجت بالأرواح

312 قوله وقد سقطت جرادة على ثوبه

وكان خالد إذا تكلم يظن الناس أنه يصنع الكلام لعذوبة لفظه وبلاغة منطقه فبينا هو يخطب يوما إذ سقطت جرادة على ثوبه فقال سبحان من الجرادة من خلقه أدمج قوائمها وطوقها جناحها ووشى جلدها وسلطها على ما هو أعظم منها

313 خطبة يوسف بن عمر الثقفي قتل سنة 127ه

قام خطيبا فقال

اتقوا الله عباد الله فكم من مؤمل أملا لا يبلغه وجامع مالا لا يأكله ومانع عما سوف يتركه ولعله من باطل جمعه ومن حق منعه أصابه حراما وأورثه


325
عدوا فاحتمل إصره وباء بوزره وورد على ربه آسفا لاهفا قد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين

314 خطبة يوسف بن عمر

ولما قتل يوسف بن عمر زيد بن علي سنة 122ه أقبل حتى دخل الكوفة فصعد المنبر فقال يأهل المدرة الخبيثة إني والله ما تقرن بي الصعبة ولا يقعقع لي بالشنان ولا أخوف بالذئب هيهات حبيت بالساعد الأشد

أبشروا يأهل الكوفة بالصغار والهوان لا عطاء لكم عندنا ولا رزق ولقد هممت أن أخرب بلادكم ودوركم وأحرمكم أموالكم أما والله ما علوت منبري إلا أسمعتكم ما تكرهون عليه فإنكم أهل بغي وخلاف ما منكم إلا من حارب الله ورسوله إلا حكيم بن شريك المحاربى ولقد سألت أمير المؤمنين أن يأذن لي فيكم ولو أذن لقتلت مقاتلتكم وسبيت ذراريكم


326
خطب الفتن والأحداث فتنة المدينة ووقعة الحرة

315 خطبة عبد الله بن حنظلة الأنصاري

وقد علم بقدوم جيش الشأم إلى المدينة قتل سنة 63ه

لما كره أهل المدينة خلافة يزيد بن معاوية وبايعوا عبد الله بن حنظلة الأنصاري على خلعه ووثبوا على من كان بالمدينة من بني أمية وحصروهم وأخافوهم وجه إليهم يزيد جيشا من أهل الشأم بقيادة مسلم بن عقبة المرى ونمى إليهم خبر مقدمه عليهم فجمعهم عبد الله بن حنظلة فقال تبايعونني على الموت وإلا فلا حاجة في بيعتكم فبايعوه على الموت ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنما خرجتم غضبا لدينكم فأبلوا إلى الله بلاء حسنا ليوجب لكم به الجنة ومغفرته ويحل بكم رضوانه واستعدوا بأحسن عدتكم وتأهبوا بأكمل أهبتكم فقد أخبرت بأن القوم نزلوا بذي خشب ومعهم مروان بن الحكم والله إن شاء مهلكه بنقضه العهد والميثاق عند منبر رسول الله


327

فتصايح الناس وجعلوا ينالون منه ويسبونه فقال لهم إن الشتم ليس بشيء نصدقهم اللقاء والله ما صدق قوم قط إلا نصروا ثم رفع يديه إلى السماء وقال اللهم إنا بك واثقون وعليك متوكلون وإليك ألجئنا ظهورنا ثم نزل

316 خطبة مسلم بن عقبة يؤنب أهل الشأم

وأقبل مسلم بجيشه إلى المدينة فحاصرها من جهة الحرة ودعا أهلها إلى الطاعة ومراجعة الحق وأجلهم ثلاثا فلم يذعنوا لقوله ونشبت الحرب بين الفريقين وحملت خيل ابن حنظلة على أهل الشأم فانكشفوا وقتل صاحب رايتهم فأخذ مسلم الراية ونادى

يأهل الشأم أهذا القتال قتال قوم يريدون أن يدفعوا به عن دينهم وأن يعزوا به نصر إمامهم قبح الله قتالكم منذ اليوم ما أوجعه لقلبي وأغيظه لنفسي أما والله ما جزاؤكم عليه إلا أن تحرموا العطاء وأن تجمروا في أقاصي الثغور شدوا مع هذه الراية ترح الله وجوهكم إن لم تعتبوا

317 خطبة مسلم يحرضهم

ثم إن خيل مسلم ورجاله أقبلت نحو ابن حنظلة ورجاله حتى دنوا منه وأخذ مسلم يسير في أهل الشأم ويحرضهم ويقول يأهل الشأم إنكم لستم بأفضل العرب في أحسابها و لا أنسابها ولا أكثرها


328
عددا ولا أوسعها بلدا ولم يخصصكم الله بالذي خصكم به من النصر على عدوكم وحسن المنزلة عند أئمتكم إلا بطاعتكم واستقامتكم وإن هؤلاء القوم وأشباههم من العرب غيروا فغير الله بهم فتموا على أحسن ما كنتم عليه من الطاعة يتمم الله لكم أحسن ما ينيلكم من النصر والفلج

318 خطبة ابن حنظلة يحرض أصحابه

وقام عبد الله بن حنظلة في أصحابه حين رآهم قد أقبلوا يمشون تحت راياتهم فقال يا هؤلاء إن عدوكم قد أصابوا وجه القتال الذي كان ينبغي أن تقاتلوهم به وإني قد ظننت ألا تلبثوا إلا ساعة حتى يفصل الله بينكم وبينهم إما لكم وإما عليكم أما إنكم أهل البصيرة ودار الهجرة والله ما أظن ربكم أصبح عن أهل بلد من بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم ولا على أهل بلد من بلدان العرب بأسخط منه على هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم إن لكل امرئ منكم ميتة هو ميت بها والله ما من ميتة بأفضل من ميتة الشهادة وقد ساقها الله إليكم فاغتنموها فوالله ما كلما أردتموها وجدتموها

ودارت الدائرة على أهل المدينة وقتل ابن حنظلة فيمن قتل ودخل مسلم المدينة وكانت وقعة الحرة في ذي الحجة سنة 63ه


329
اضطراب الأمر بعد موت يزيد

319 خطبة عبيد الله بن زياد بن أبيه

قام عبيد الله بن زياد بن أبيه خطيبا بعد موت يزيد بن معاوية وهو يومئذ أمير العراق فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يأهل البصرة انسبوني فوالله ما مهاجر أبى إلا إليكم وما مولدي إلا فيكم وما أنا إلا رجل منكم ولقد وليتكم وما أحصي ديوان مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل ولقد أحصي اليوم ديوان مقاتلتكم ثمانين ألفا وما أحصي ديوان عمالكم إلا تسعين ألفا ولقد أحصي اليوم مائة وأربعين ألفا وما تركت لكم ذا ظنة أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم هذا وإن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية قد توفي وقد اختلف أهل الشأم وأنتم اليوم أكثر الناس عددا وأعرضه فناء وأغناه عن الناس وأوسعه بلادا فاختاروا لأنفسكم رجلا ترتضونه لدينكم وجماعتكم يجاهد عدوكم وينصف مظلومكم من ظالمكم ويكف سفهاءكم ويجبي لكم فيئكم ويقسمه فيما بينكم فأنا أول راض من رضيتموه وتابع فإن اجتمع أهل الشأم على رجل ترتضونه دخلتم فيما دخل فيه المسلمون وإن كرهتم ذلك كنتم على جديلتكم


330
حتى تعطوا حاجتكم فما بكم إلى أحد من أهل البلدان حاجة وما يستغني الناس عنكم

فقامت خطباء أهل البصرة فقالوا قد سمعنا مقالتك أيها الأمير وإنا والله ما نعلم أحدا أقوى عليها منك فهلم فلنبايعك فقال لا حاجة لي في ذلك فاختاروا لأنفسكم فأبوا عليه وأبى عليهم حتى كرروا ذلك عليه ثلاث مرات فلما أبوا بسط يده فبايعوه

فلما خرجوا من عنده جعلوا يمسحون أكفهم بالحيطان وباب الدار ويقولون ظن ابن مرجانة أنا نوليه أمرنا في الفرقة وأقام عبيد الله أميرا غير كثير حتى جعل سلطانه يضعف ويأمر بالأمر فلا يقضى ويري الرأي فيرد عليه ويأمر بحبس المخطئ فيحال بين أعوانه وبينه

320 خطبة أخرى له

وبلغه أن سلمة بن ذؤيب يدعو الناس إلى ابن الزبير فأمر فنودي الصلاة جامعة فتجمع الناس فأنشأ عبيد الله يقص أول أمره وأمرهم وما قد كان دعاهم إلى من يرتضونه فيبايعه معهم وقال وإنكم أبيتم غيري وإنه بلغني أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان وباب الدار وقلتم ما قلتم وإني آمر بالأمر فلا ينفذ ويرد علي رأيي وتحول القبائل بين أعواني وطلبتي ثم هذا سلمة بن ذؤيب يدعو إلى الخلاف عليكم إرادة أن يفرق جماعتكم ويضرب بعضكم جباه بعض بالسيف

فقال الأحنف بن قيس والناس جميعا نحن نأتيك بسلمة فأتوه فإذا جمعه قد كثف وإذا الفتق قد اتسع على الراتق وامتنع عليهم فقعدوا عن ابن زياد فلم يأتوه


331
وروي أنه قال في خطبته يأهل البصرة والله لقد لبسنا الخز وليمنة واللين من الثياب حتى لقد أجمنا ذلك وأجمته جلودنا فما بنا إلى أن نعقبا الحديد يأهل البصرة والله لو اجتمعتم علي ذنب عير لتكسروه ما كسرتموه

321 خطبة عمرو بن حريث

ولما بايع أهل البصرة عبيد الله بن زياد وكان خليفته على الكوفة عمرو ابن حريث بعث وافدين من قبله إلى الكوفة عمرو بن مسمع وسعد بن القرحاء التميمي ليعلم أهل الكوفة ما صنع أهل البصرة ويسألانهم البيعة لابن زياد حتى يصطلح الناس فجمع الناس عمرو بن حريث فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن هذين الرجلين قد أتياكم من قبل أميركم يدعوانكم إلى أمر يجمع الله به كلمتكم ويصلح به ذات بينكم فاسمعوا منهما واقبلوا عنهما فإنهما برشد ما أتياكم

322 خطبة عمرو بن مسمع

فقام عمرو بن مسمع فحمد الله وأثنى عليه وذكر أهل البصرة واجتماع رأيهم على تأمير عبيد الله بن زياد حتى يري الناس رأيهم فيمن يولون عليهم وقال قد جئناكم لنجمع أمرنا وأمركم فيكون أميرنا وأميركم واحدا فإنما الكوفة من البصرة والبصرة من الكوفة


332

وقام ابن القرحاء فتكلم نحوا من كلام صاحبه فقام يزيد بن الحارث الشيباني فحصبهما أول الناس ثم حصبهما الناس بعد ثم قال أنحن نبايع لابن مرجانة لا ولا كرامة ورجع الوفد إلى البصرة فأعلم الناس الخبر فقالوا أهل الكوفة يخلعونه وأنتم تولونه وتبايعونه فوثب به الناس فاستجار بمسعود بن عمرو الأزدي فأجاره ومنعه ثم خرج إلى الشأم في خفارة رجال من الأزد وبكر بن وائل

323 خطبة الأحنف بن قيس

واستخلف ابن زياد مسعود بن عمرو الأزدي على البصره فقالت بنو تميم وقيس لا نولي إلا رجلا ترضاه جماعتنا فقال مسعود قد استخلفني فلا أدع ذلك أبدا وبينما هو على المنبر يبايع من أتاه إذ رماه رجل من الخوارج فقتله فخرجت الأزد إلى الخوارج فقتلوا منهم وجرحوا وطردوهم عن البصرة وجاءهم الناس فقالوا لهم تعلمون أن بني تميم يزعمون أنهم قتلوا مسعود بن عمرو فبعثت الأزد تسأل عن ذلك فإذا أناس منهم يقولونه فاجتمعت الأزد عند ذلك وازدلفوا إلى بني تميم وخرجت مع بني تميم قيس وخرج مع الأزد بكر بن وائل فالتقى القوم واقتتلوا أشد القتال فقتل من الفريقين قتلى كثيرة فقالت لهم بنو تميم الله الله يا معشر الأزد في دمائنا ودمائكم بيننا وبينكم القرآن ومن شئتم من أهل الإسلام فإن كانت لكم علينا بينة أنا قتلنا صاحبكم فاختاروا أفضل رجل فينا فاقتلوه بصاحبكم وإن لم تكن لكم بينة فإنا نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا ولا نعلم لصاحبكم قاتلا وإن لم تريدوا ذلك فنحن ندي صاحبكم بمائة ألف درهم فاصطلحوا فأتاهم الأحنف ابن قيس فقال يا معشر الأزد أنتم جيرتنا في الدار وإخوتنا عند القتال وقد أتيناكم


333
في رحالكم لإطفاء حشيشتكم وسل سخيمتكم ولكم الحكم مرسلا فقولوا على احلامنا وأموالنا فإنه لا يتعاظمنا ذهاب شيء من أموالنا كان فيه صلاح بيننا فقالوا أتدون صاحبنا عشر ديات قال هي لكم فانصرف الناس واصطلحوا

وروى الجاحظ وابن عبد ربه هذه الخطبة بصورة أخرى وها هي ذي

قال بعد حمد الله والثناء عليه يا معشر الأزد وربيعة أنتم إخواننا في الدين وشركاؤنا في الصهر وأشقاؤنا في النسب وجيراننا في الدار ويدنا على العدو والله لأزد البصرة أحب إلينا من تميم الكوفة ولأزد الكوفة أحب إلينا من تميم الشأم فإن اٌستشرف شنآنكم وأبى حسد صدوركم ففي أموالنا وسعة أحلامنا لنا ولكم سعة


334

324 خطبة روح بن زنباع الجذامي بالمدينة

لما نمى هلاك يزيد بن معاوية إلى الحصين بن نمير وهو على حرب ابن الزبير


335
بمكة انصرف بجيشه إلى الشأم فلما صاروا إلى المدينة جعل أهلها بهتفون بهم ويتوعدونهم ويذكرون قتلاهم بالحرة فلما أكثروا من ذلك وخافوا الفتنة وهيجها صعد روح بن زنباع الجذامي على منبر رسول الله وكان في ذلك الجيش فقال يأهل المدينة ما هذا الإيعاد الذي توعدوننا إنا والله ما دعوناكم إلى كلب لمبايعة رجل منهم ولا إلى رجل من بلقين ولا إلي رجل من لخم أو جذام أو غيرهم من العرب ولكن دعوناكم إلى هذا الحي من قريش يعني بني أمية ثم إلي طاعة يزيد بن معاوية وعلى طاعته قاتلناكم فإيانا توعدون أما والله إنا لأبناء الطعن والطاعون وفضلات الموت والمنون فما شئتم ومضي القوم إلى الشأم
336

325 خطبته يؤيد مبايعة مروان بن الحكم بالخلافة

ولما اجتمع الرأي على البيعة لمروان بن الحكم قام روح بن زنباع فحمد الله وأثني عليه ثم قال

أيها الناس إنكم تذكرون عبد الله بن عمر بن الخطاب وصحبته من رسول الله وقدمه في الإسلام وهو كما تذكرون ولكن ابن عمر رجل ضعيف وليس بصاحب أمة محمد الضعيف وأما ما يذكر الناس من عبد الله ابن الزبير ويدعون إليه من أمره فهو والله كما يذكرون إنه لابن الزبير حواري رسول الله واٌبن أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين وهو بعد كما تذكرون في قدمه وفضله ولكن ابن الزبير منافق قد خلع خليفتين يزيد وابنه معاوية بن يزيد وسفك الدماء وشق عصا المسلمين وليس صاحب أمر أمة محمد المنافق وأما مروان بن الحكم فوالله ما كان في الإسلام صدع قط إلا كان مروان ممن يشعب ذلك الصدع وهو الذي قاتل عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان يوم الدار والذي قاتل علي بن أبي طالب يوم الجمل وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير ويستشبوا الصغير يعني بالكبير مروان بن الحكم وبالصغير خالد بن يزيد بن معاوية

فأجمع رأي الناس على البيعة لمروان ثم لخالد بن يزيد من بعده ثم لعمرو بن سعيد بن العاص من بعد خالد


337

326 خطبة الغضبان بن القبعثري يحض على قتل الحجاج

لما هلك بشر بن مروان وولي الحجاج العراق بلغ ذلك أهل العراق فقام الغضبان بن القبعثري للشيباني بالمسجد الجامع بالكوفة خطيبا فحمد الله وأثني عليه ثم قال يأهل العراق ويأهل الكوفة إن عبد الملك قد ولي عليكم من لا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم الظلوم الغشوم الحجاج ألا وإن لكم من عبد الملك منزلة بما كان منكم من خذلان مصعب وقتله فاعترضوا هذا الخبيث في الطريق فاقتلوه فإن ذلك لا يعد منكم خلعا فإنه متى يعل على متن منبركم وصدر سريركم وقاعة قصركم ثم قتلتموه عد خلعا فأطيعوني وتغدوا به قبل أن يتعشى بكم

فقال له أهل الكوفة جبنت يا غضبان بل ننتظر سيرته فإن رأينا منكرا غيرناه قال ستعلمون فلما قدم الحجاج الكوفة بلغته مقالته فأمر به فأقام في حبسه ثلاث سنين


338

327 خطبة مطرف بن المغيرة بن شعبة

وقدم مطرف بن المغيرة بن شعبة المدائن فصعد المنبر فحمد الله وأثني عليه ثم قال أيها الناس إن الأمير الحجاج أصلحه الله قد ولاني عليكم وأمرني بالحكم بالحق والعدل في السيرة فإن عملت بما أمرني به فأنا أسعد الناس وإن لم أفعل فنفسي أو بقت وحظ نفسي ضيعت ألا إني جالس لكم العصرين فارفعوا إلى حوائجكم وأشيروا على بما يصلحكم ويصلح بلادكم فإني لن آلوكم خيرا ما استطعت ثم نزل

328 خطبة مطرف بن المغيرة بن شعبة

وفى سنة 77ه خرج المطرف بن المغيرة بن شعبة على الحجاج وخلع عبد الملك بن مروان وكان الحجاج قد استعمله على المدائن وجمع إليه رءوس أصحابه فذكر الله بما هو أهله وصلى على رسوله ثم قال لهم أما بعد فإن الله كتب الجهاد على خلقه وأمر بالعدل والإحسان وقال فيما أنزل علينا ( وتعاونوا علي البر والتقوى ولا تعاونوا علي الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) وإني أشهد الله أني قد خلعت عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف فمن أحب منكم صحبتي وكان على مثل رأيي فليتابعني فإن له الأسوة وحسن الصحبة ومن أبي فليذهب حيث شاء فإني لست أحب أن يتبعني من ليست له نية في جهاد أهل الجور أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى قتال الظلمة فإذا جمع الله لنا أمرنا كان هذا الأمر شورى بين المسلمين يرتضون لأنفسهم من أحبوا


339

329 خطبة سعيد بن المجالد

خرج الجزل بن سعيد في طلب الخوارج الشبيبية وأقبل حتى انتهى إلى النهروان فأدركوه فلزم عسكره وخندق عليه وجاء إليه سعيد بن المجالد حتى دخل عسكر أهل الكوفة أميرا فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثني عليه ثم قال يأهل الكوفة إنكم قد عجزتم ووهنتم وأغضبتم عليكم أميركم أنتم في طلب هذه الأعاريب العجف منذ شهرين وهم قد خربوا بلادكم وكسروا خراجكم وأنتم حاذرون في جوف هذه الخنادق لا تزايلونها إلا أن يبلغكم أنهم قد ارتحلوا عنكم ونزلوا بلدا سوى بلدكم اخرجوا على اسم الله إليهم فخرج واخرج الناس معه


340
فتنة ابن الأشعث

جهز الحجاج عشرين ألف رجل من أهل الكوفة وعشرين ألف رجل من أهل البصرة لمحاربة رتبيل ملك الترك وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ابن قيس الكندي فخرج بهم حتى قدم سجستان سنة 80ه فجمع أهلها حين قدمها وخطبهم فقال

330 خطبة ابن الأشعث بسجستان

صعد المنبر فحمد الله وأثني عليه ثم قال أيها الناس إن الأمير الحجاج ولاني ثغركم وأمرني بجهاد عدوكم الذي استباح بلادكم وأباد خياركم فإياكم أن يتخلف منكم رجل فيحل بنفسه العقوبة اخرجوا إلى معسكركم فعسكروا به مع الناس

331 خطبته يعرض على الجند رأي الحجاج

فلما حاز من أرض رتبيل أرضا عظيمة وملأ يديه من الغنائم والأسلاب حبس الناس عن الوغول في أرضه وقال نكتفي بما أصبناه العام من بلادهم حتى نجبيها ونعرفها ويجترئ المسلمون على طرقها ثم نتعاطى في العام المقبل ما وراءها ثم لم نزل


341
ننتقصهم في كل عام طائفة من أرضهم ثم لا نزايل بلادهم حتى يهلكهم الله وكتب إلى الحجاج بذلك فورد عليه كتاب الحجاج يضعف رأيه ويأمره بالوغول في أرضهم ويتهدده بالعزل إن لم يفعل فدعا ابن الأشعث الناس إليه

فحمد الله وأثني عليه ثم قال أيها الناس إني لكم ناصح ولصلاحكم محب ولكم في كل ما يحيط بكم نفعه ناظر وقد كان من رأيي فيما بينكم وبين عدوكم رأي اٌستشرت فيه ذوي أحلامكم وأولى التجربة للحرب منكم فرضوه لكم رأيا ورأوه لكم في العاجل والآجل صلاحا وقد كتبت إلى أميركم الحجاج فجاءني منه كتاب يعجزني ويضعفني ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو وهي البلاد التي هلك إخوانكم فيها بالأمس وإنما أنا رجل منكم أمضى إذا مضيتم وآبى إذا أبيتم

فثار إليه الناس فقالوا لا بل نأبي علي عدو الله ولا نسمع له ولا نطيع

332 خطبة عامر بن واثلة الكناني

فقام عامر بن واثلة الكناني وكان أول متكلم يومئذ وكان شاعرا خطيبا فقال بعد أن حمد الله وأثني عليه أما بعد فإن الحجاج والله ما يري بكم إلا ما رأى القائل الأول إذ قال لأخيه احمل عبدك على الفرس فإن هلك هلك وإن نجا فلك إن الحجاج والله ما يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلادا كثيرة اللهوب وللصوب فإن ظفرتم فغنمتم


342
أكل البلاد وحاز المال وكان ذلك زيادة في سلطانه وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذين لا يبالي عنتهم ولا يبقي عليهم اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا عبد الرحمن فإني أشهدكم أني أول خالع

فنادى الناس من كل جانب فعلنا فعلنا قد خلعنا عدو الله

333 خطبة عبد المؤمن بن شبث بن ربعي

وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعي التميمي ثانيا فقال عباد الله إنكم إن أطعتم الحجاج جعل هذه البلاد بلادكم ما بقيتم وجمركم تجمير فرعون الجنود فإنه بلغني أنه أول من جمر البعوث ولن تعاينوا الأحبة فيما أرى أو يموت أكثركم بايعوا أميركم وانصرفوا إلى عدوكم فانفوه عن بلادكم فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه

334 خطبة ابن الأشعث بالمربد

ولما كانت الحرب بينه وبين الحجاج بالمربد خطب الناس فقال أيها الناس إنه لم يبق من عدوكم إلا كما يبقى من ذنب الوزغة تضرب به يمينا وشمالا فما تلبث إلا أن تموت


343

335 خطبته حين أراد عبد الملك أن يترضى أهل العراق

ولما نزل ابن الأشعث بدير الجماجم واجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح بدير الجماجم والقراء من أهل المصرين واجتمعوا جميعا على حرب الحجاج جمعهم عليه بغضهم وكراهيتهم له وهم إذ ذاك مائة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء ومعهم مثلهم من مواليهم واشتد القتال بين الفريقين بعث عبد الملك بن مروان ابنه عبد الله وأخاه محمدا وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق نزع الحجاج عنهم وأن يجري عليهم أعطياتهم كما تجري على أهل الشأم وأن ينزل ابن الأشعث أي بلد من العراق شاء يكون عليه واليا ما دام حيا وكان عبد الملك واليا فعرضا ذلك على أهل العراق فقالوا نرجع العشية فاجتمعوا عند ابن الأشعث فلم يبق قائد ولا رأس قوم ولا فارس إلا أتاه

فحمد الله ابن الأشعث وأثني عليه ثم قال أما بعد فقد أعطيتم أمرا انهازكم اليوم إياه فرصة ولا آمن أن يكون على ذي الرأي غدا حسرة وإنكم اليوم على النصف وإن كانوا اعتدوا بالزاوية فأنتم تعتدون عليهم بيوم تستر فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم أعزاء أقوياء والقوم لكم هائبون وأنتم لهم منتقصون فلا والله لا زلتم عليهم أجرئاء ولا زلتم عندهم أعزاء إن أنتم قبلتم أبدا ما بقيتم

فوثب الناس من كل جانب فقالوا إن الله قد أهلكهم فأصبحوا في الأزل والضنك والمجاعة والقلة والذلة ونحن ذوو العدد الكثير والسعر الرفيع والمادة القريبة لا والله لا نقبل فأعادوا خلع عبد الملك ثانية وكان ما كان مما أسلفنا لك ذكره


344

336 عامر الشعبي والحجاج

وكان عامر الشعبي ممن خرج مع ابن الأشعث فلما أتي الحجاج بأسرى الجماجم أتي فيهم بالشعبي موثقا وكان قد تقدم كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج في أسرى الجماجم أن يعرضهم على السيف فمن أقر منهم بالكفر في خروجهم علينا فيخلي سبيله ومن زعم أنه مؤمن فيضرب عنقه قال الشعبي فلما جئت باب القصر لقيني يزيد بن أبي مسلم كاتبه فقال إنا لله يا شعبي لما بين دفتيك من العلم وليس اليوم بيوم شفاعة قلت له فما المخرج قال بؤ للأمير بالشرك والنفاق على نفسك وبالحرى أن تنجو ثم لقيني محمد بن الحجاج فقال لي مثل مقالة يزيد فلما دخلت علي الحجاج قال لي وأنت يا شعبي ممن ألب علينا مع ابن الأشعث اشهد على نفسك بالكفر قلت أصلح الله الأمير نبا بنا المنزل واجدب بنا الجناب واٌستحلسنا الخوف واكتحلنا السهر وضيق المسلك وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء قال صدقت والله ما بررتم بخروجكم علينا ولا قويتم خلوا سبيل الشيخ

337 أيوب بن القرية والحجاج

وكان الحجاج قد بعث أيوب بن القرية رسولا إلى ابن الأشعث حين خلع الطاعة بسجستان فلما دخل عليه قال له لتقومن خطيبا ولتخلعن عبد الملك


345
ولتسبن الحجاج أو لأضربن عنقك قال أيها الأمير إنما أنا رسول قال هو ما أقول لك فقام وخطب وخلع عبد الملك وشتم الحجاج وأقام هنالك فلما انصرف ابن الأشعث مهزوما كتب الحجاج إلى عماله بالري وأصبهان وما يليهما يأمرهم ألا يمر بهم أحد من قبل ابن الأشعث إلا بعثوا به أسيرا إليه وأخذ ابن القرية فيمن أخذ

فلما أدخل على الحجاج قال أخبرني عما أسألك قال سلني عما شئت قال أخبرني عن أهل العراق قال أعلم الناس بحق وباطل قال فأهل الحجاز قال أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم فيها قال فأهل الشأم قال أطوع الناس لخلفائهم قال فأهل مصر قال عبيد لمن غلب قال فأهل البحرين قال نبط استعربوا قال فأهل عمان قال عرب استنبطوا قال فأهل الموصل قال أشجع فرسان وأقتل للأقران قال فأهل اليمن قال أهل سمع وطاعة ولزوم للجماعة قال فأهل اليمامة قال أهل جفاء واختلاف أهواء وأصبر عند اللقاء قال فأهل فارس قال أهل بأس شديد وشر عتيد وريف كبير وقرى يسير قال أخبرني عن العرب قال سلني قال قريش قال أعظمها أحلاما وأكرمها مقاما قال فبنو عامر بن صعصعة قال أطولها رماحا وأكرمها صباحا قال فبنو سليم قال أعظمها مجالس وأكرمها محابس قال فثقيف قال أكرمها جدودا وأكثرها وفودا قال فبنو زبيد قال ألزمها للرايات وأدركها للترات قال فقضاعة قال أعظمها أخطارا وأكرمها نجارا وأبعدها آثارا قال فالأنصار قال أثبتها مقاما وأحسنها إسلاما وأكرمها أياما قال فتميم قال أظهرها جلدا وأثراها عددا


346
قال فبكر بن وائل قال أثبتها صفوفا وأحدها سيوفا قال فعبد القيس قال أسبقها إلى الغايات وأصبرها تحت الرايات قال فبنو أسد قال أهل عدد وجلد وعسر ونكد قال فلخم قال ملوك وفيهم نوك قال فجذام قال يوقدون الحرب ويسعرونها ويلقحونها ثم يمرونها قال فبنو الحارث قال رعاة للقديم وحماة عن الحريم قال فعك قال ليوث جاهدة في قلوب فاسدة قال فتغلب قال يصدقون إذا لقوا ضربا ويسعرون للأعداء حربا قال فغسان قال أكرم العرب أحسابا وأثبتها أنسابا قال فأي العرب في الجاهلية كانت أمنع من أن تضام قال قريش كانوا أهل رهوة لا يستطاع ارتقاؤها وهضبة لا يرام انتزاؤها في بلدة حمي الله ذمارها ومنع جارها قال فأخبرني عن مآثر العرب في الجاهلية قال كانت العرب تقول حمير أرباب الملك وكندة لباب الملوك ومذحج أهل الطعان وهمدان أحلاس الخيل والأزد آساد الناس قال فأخبرني عن الأرضين قال سلني قال الهند قال بحرها در وجبلها ياقوت وشجرها عود وورقها عطر وأهلها طغام كقطع الحمام قال فخراسان قال ماؤها جامد وعدوها جاحد قال فعمان قال حرها شديد وصيدها عتيد قال فالبحرين قال كناسة بين المصرين قال فاليمن قال أصل العرب وأهل البيوتات والحسب قال فمكة قال رجالها علماء جفاة ونساؤها كساة عراة قال فالمدينة قال رسخ العلم فيها وظهر منها قال فالبصرة قال شتاؤها جليد
347
وحرها شديد وماؤها ملح وحربها صلح قال فالكوفة قال ارتفعت عن حر البحر وسفلت عن برد الشأم فطاب ليلها وكثر خيرها قال فواسط قال جنة بين حماة وكنة قال وما حماتها وما كنتها قال البصرة والكوفة يحسدانها وما ضرها ودجلة والزاب يتجاريان بإفاضة الخير عليها قال فالشأم قال عروس بين نسوة جلوس قال ثكلتك أمك يا بن القرية لولا اتباعك لأهل العراق وقد كنت أنهاك عنهم أن تتبعهم فتأخذ من نفاقهم ثم دعا بالسيف وأومأ إلى السياف أن أمسك فقال ابن القرية ثلاث كلمات أصلح الله الأمير كأنهن ركب وقوف يكن مثلا بعدى قال هات قال لكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة ولكل حليم هفوة قال الحجاج ليس هذا وقت المزاح يا غلام أوجب جرحه فضرب عنقه

وقيل إنه لما أراد قتله قال له العرب تزعم أن لكل شيء آفة قال صدقت العرب أصلح الله الأمير قال فما آفة الحلم قال الغضب قال فما آفة العقل قال العجب قال فما آفة العلم قال النسيان قال فما آفة السخاء قال المن عند البلاء قال فما آفة الكرام قال مجاورة اللئام قال فما آفة الشجاعة قال البغي قال فما آفة العبادة قال الفترة قال فما آفة الذهن قال حديث النفس قال فما آفة الحديث قال الكذب قال فما آفة المال قال سوء التدبير قال فما آفة الكامل من الرجال قال العدم قال فما آفة الحجاج بن يوسف قال أصلح الله الأمير لا آفة لمن كرم حسبه وطاب نسبه وزكا فرعه قال امتلأت شقاقا وأظهرت نفاقا اضربوا عنقه فلما رآه قتيلا ندم وكان قتله سنة 84ه


348
وفي رواية أخرى أنه لما دخل على الحجاج قال له يا بن القرية ما أعددت لهذا الموقف قال أصلح الله الأمير ثلاثة حروف كأنهن ركب وقوف دنيا وآخرة ومعروف قال اخرج مما قلت قال أفعل أما الدنيا فمال حاضر يأكل منه البر والفاجر وأما الآخرة فميزان عادل ومشهد ليس فيه باطل وأما المعروف فإن كان على اعترفت وإن كان لي اغترفت قال أما لي فاعترف بالسيف إذا وقع بك قال أصلح الله الأمير أقلني عثرتي وأسغني ريقي فإنه لا بد للجواد من كبوة وللسيف من نبوة وللحليم من هفوة قال كلا والله حتى أوردك جهنم ألست القائل برستقاباذ تغدوا الجدي قبل أن يتعشاكم قال فأرحني فإني أجد حرها قال قدمه يا حرسي فاضرب عنقه فلما نظر إليه يتشحط في دمه قال لو كنا تركنا ابن القرية حتى نسمع من كلامه ثم أمر به فأخرج فرمي به

338 كلمة لابن القرية

وقال ابن القرية الناس ثلاثة عاقل وأحمق وفاجر فالعاقل الدين شريعته والحلم طبيعته والرأي الحسن سجيته إن سئل أجاب وإن نطق أصاب وإن سمع العلم وعى وإن حدث روي وأما الأحمق فإن تكلم عجل وإن حدث وهل وإن استنزل عن رأيه نزل فإن حمل على القبيح حمل وأما الفاجر فإن أئتمنته خانك وإن حدثته شانك وإن وثقت به لم يرعك وإن استكتم لم يكتم وإن علم لم يعلم وإن حدث لم يفهم وإن فقه لم يفقه


349
فتنة يزيد بن المهلب

339 أيوب بن سليمان بن عبد الملك يسأل عمه الوليد أن يؤمن يزيد بن المهلب

لما فر يزيد بن المهلب من سجن الحجاج وعذابه سنة 90ه في خلافة الوليد ابن عبد الملك نزل على أخيه سليمان متعوذا به وكتب سليمان إلى الوليد يطلب له الأمان فكتب إليه يقسم أنه لا يؤمنه حتى يبعث به إليه فأرسل ابنه أيوب معه وكتب معه كتابا فلما دخل به على عمه قال يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك لا تخفر ذمة أبي وأنت أحق من منعها


350
ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك

340 خطبة يزيد بين يدي الوليد

وتكلم يزيد فحمد الله وأثني عليه وصلي علي نبيه ثم قال يا أمير المؤمنين إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء فمن ينس ذلك فلسنا بناسيه ومن يكفر فلسنا كافريه وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق والمغارب ما إن المنة علينا فيها عظيمة

فأمنه الوليد وكف عنه

341 خطبة مخلد بن يزيد بن المهلب بين يدي عمر بن عبد العزيز

ولما حبس عمر بن عبد العزيز يزيد بن المهلب أقبل ابنه مخلد من خراسان ودخل على الخليفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال


351
إن الله يا أمير المؤمنين صنع لهذه الأمة بولايتك عليها فلا نكن أشقى الناس بولايتك علام تحبس هذا الشيخ أنا أتحمل ما عليه فصالحني على ما إياه تسأل فقال عمر لا إلا أن تحمل جميع ما نسأله إياه فقال يا أمير المؤمنين إن كانت لك بينة فخذ بها وإن لم تكن بينة فصدق مقالة يزيد وإلا فاستخلفه فإن لم يفعل فصالحه فقال له عمر ما أجد إلا أخذه بجميع المال
352

342 خطبة يزيد بن المهلب يحرض أصحابه على القتال وقد سير يزيد بن عبد الملك العباس بن الوليد بن عبد الملك ومسلمة بن عبد الملك لقتاله

قام في أصحابه فحرضهم ورغبهم في القتال فكان فيما قال إن هؤلاء القوم لن يردهم عن غيهم إلا الطعن في عيونهم والضرب بالمشرفية على هامهم ثم قال إنه قد ذكر لي أن هذه الجرادة الصفراء يعني مسلمة بن عبد الملك وعاقر ناقة ثمود يعني العباس بن الوليد وكان العباس أزرق أحمر كانت أمة رومية والله لقد كان سليمان أراد أن ينفيه حتى كلمته فيه فأقره على نسبه فبلغني أنه ليس همهما إلا التماسي في الأرض والله لو جاءوا بأهل الأرض جميعاً وليس إلا أنا ما برحت العرصة حتى تكون لي أولهم قالوا نخاف أن تعنينا


353
كما عنانا عبد الرحمن بن محمد قال إن عبد الرحمن فضح الذمار وفضح حسبه وهل كان يعدو أجله ثم نزل

343 خطبة أخرى له

ورويت له خطبة أخرى في هذا الغرض وهاكها عن خالد بن صفوان قال خطبنا يزيد بن المهلب بواسط حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال أيها الناس إني أسمع قول الرعاع قد جاء العباس قد جاء مسلمة قد جاء أهل الشأم وما أهل الشأم إلا تسعة أسياف منها سبعة معي واثنان علي وما مسلمة إلا جرادة صفراء وأما العباس فنسطوس بن نسطوس أتاكم في برابرة وصقالبة وجرامقة وجراجمة وأقباط وأنباط وأخلاط من الناس إنما أقبل إليكم الفلاحون والأوباش كأشلاء اللحم والله ما لقوا قط حدا كحدكم ولا حديدا كحديدكم أعيروني سواعدكم ساعة من نهار تصفقون بها خراطيمهم فإنما هي غدوة أو روحة حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين


354

344 خطبة أخرى له

وقال مقاتل سمعت يزيد بن المهلب يخطب بواسط فقال يأهل العراق يأهل السبق والسباق ومكارم الأخلاق إن أهل الشام في أفواههم لقمة دسمة قد رتبت لها الأشداق وقدموا لها على ساق وهم غير تاركيها لكم بالمراء والجدال فالبسوا لهم جلود النمور

345 خطبة الحسن البصري يثبط الناس عن يزيد بن المهلب

وكان مروان بن المهلب وهو بالبصرة يحث الناس على حرب أهل الشأم ويسرحهم إلى يزيد وكان الحسن البصري يثبط الناس عنه وكان يقول في تلك الأيام أيها الناس الزموا رحالكم وكفوا أيديكم واتقوا الله مولاكم ولا يقتل بعضكم بعضا على دنيا زائلة وطمع فيها يسير ليس لأهلها بباق وليس الله عنهم فيما اكتسبوا براض إنه لم يكن فتنة إلا كان أكثر أهلها الخطباء والشعراء والسفهاء وأهل التيه والخيلاء وليس يسلم منها إلا المجهول الخفي والمعروف التقي فمن كان منكم خفيا فليلزم الحق وليحبس نفسه عما يتنازع الناس فيه من الدنيا فكفاه والله بمعرفة الله إياه بالخير شرفا وكفى له به من الدنيا خلفا ومن كان منكم معروفا شريفا فترك ما يتنافس فيه نظراؤه من الدنيا إرادة الله بذلك فواها لهذا ما أسعده وأرشده وأعظم أجره وأهدى سبيله فهذا غدا يعني يوم القيامة القرير عينا الكريم عند الله مآبا


355

346 خطبة مروان بن المهلب

فلما بلغ ذلك مروان بن المهلب قام خطيبا كما يقوم فأمر الناس بالجد والاحتشاد ثم قال لهم قد بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائي ولم يسمه يثبط الناس والله لو أن جاره نزع من خص داره قصبة لظل يرعف أنفه أينكر علينا وعلى أهل مصرنا أن نطلب خيرنا وأن ننكر مظلمتنا أما والله ليكفن عن ذكرنا وعن جمعه إلينا سقاط الأبلة وعلوج فرات البصرة قوما ليسوا من أنفسنا ولا ممن جرت عليه النعمة من أحد منا أو لأنحين عليه مبردا خشنا

فلما بلغ ذلك الحسن قال والله ما أكره أن يكرمني الله بهوانه فقال ناس من أصحابه لو أرادك ثم شئت لمنعناك فقال لهم قد خالفتكم إذن إلى ما نهيتكم عنه آمركم ألا يقتل بعضكم بعضا مع غيري وأدعوكم إلى أن يقتل بعضكم بعضا دوني فبلغ ذلك مروان بن المهلب فاشتد عليهم وأخافهم وطلبهم حتى تفرقوا ولم يدع الحسن كلامه ذلك وكف عنه مروان


356
خطب الأحنف بن قيس التميمي

347 الأحنف ومعاوية

كان الأحنف بن قيس قد شهد مع الإمام علي كرم الله وجهه وقعة صفين فلما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه يوما فقال له معاوية والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حزازة في قلبي إلى يوم القيامة

فقال له الأحنف يا أمير المؤمنين لم ترد الأمور على أعقابها أما والله إن القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا والسيوف التي قاتلناك بها على عواتقنا ولئن مددت بشبر من غدر لنمدن باعا من ختر ولئن شئت لتستصفين كدر قلوبنا بصفو حلمك قال معاوية فإني أفعل

ثم قام وخرج وكانت أخت معاوية من وراء حجاب تسمع كلامه فقالت يا أمير المؤمنين من هذا الذي يتهدد ويتوعد قال هذا الذي إذا غضب غضب لغضبه مائة ألف من بني تميم لا يدرون فيم غضب


357

348 الأحنف ومعاوية أيضا

جلس معاوية يوما وعنده وجوه الناس وفيهم الأحنف فدخل رجل من أهل الشأم فقام خطيبا فكان آخر كلامه أن لعن عليا رضي الله عنه فأطرق الناس وتكلم الأحنف فقال يا أمير المؤمنين إن هذا القائل ما قال آنفا لو علم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم فاتق الله ودع عليا فقد لقي الله وأفرد في حفرته وخلا بعمله وكان والله ما علمنا المبرز بشقه الطاهر في خلقه الميمون النقيبة العظيم المصيبة

قال معاوية يا أحنف لقد أغضيت العين على القذى وقلت بغير ما ترى وايم الله لتصعدن المنبر فلتلعننه طائعا أو كارها فقال الأحنف إن تعفني فهو خير وإن تجبرني على ذلك فوالله لا تجري به شفتاي فقال معاوية قم فاصعد فقال معاوية قم فاصعد قال أما والله لأنصفنك في القول والفعل قال معاوية وما أنت قائل إن أنصفتني قال أصعد فأحمد الله وأثني عليه وأصلي على نبيه ثم أقول أيها الناس إن معاوية أمرني أن ألعن عليا ألا وإن عليا ومعاوية اختلفا واقتتلا وادعى كل واحد أنه مبغي عليه وعلى فئته فإذا دعوت فأمنوا رحمكم الله ثم أقول اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه والفئة الباغية على المبغي عليها اللهم العنهم لعنا كبيرا أمنوا رحمكم الله يا معاوية لا أزيد على هذا ولا أنقص منه حرفا ولو كان فيه هاب نفسي

فقال معاوية إذن نعفيك يا أبا بحر


358

349 قوله في مدح الولد

ودخل الأحنف على معاوية ويزيد ببن يديه وهو ينظر إليه إعجابا به فقال يا أبا بحر ما تقول في الولد فعلم ما أراد فقال يا أمير المؤمنين هم عماد ظهورنا وثمر قلوبنا وقرة أعيننا بهم نصول على أعدائنا وهم الخلف منا لمن بعدنا فكن لهم أرضا ذليلة وسماء ظليلة إن سألوك فأعطهم وإن استعتبوك فأعتبهم لا تمنعهم رفدك فيملوا قربك ويكرهوا حياتك ويستبطئوا وفاتك

فقال لله درك يا أبا بحر هم كما وصفت

350 شفاعته لدى مصعب بن الزبير

وأتى مصعب بن الزبير يكلمه في قوم حبسهم فقال أصلح الله الأمير إن كانوا حبسوا في باطل فالحق يخرجهم وإن كانوا حبسوا في حق فالعفو يسعهم فخلاهم

351 نصيحته لقومه

وقال بخراسان يا بني تميم تحابوا تجتمع كلمتكم وتباذلوا تعتدل أموركم وابدءوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم ولا تغلوا يسلم لكم جهادكم


359

352 خطبته في قوم كانوا عنده

وحدث رجل من بني تميم قال حضرت مجلس الأحنف بن قيس وعنده قوم مجتمعون في أمر لهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الكرم يمنع الحرم ما أقرب النقمة من أهل البغي لا خير في لذة تعقب ندما لن يهلك من قصد ولن يفتقر من زهد رب هزل قد عاد جدا من أمن الزمان خانه ومن تعظم عليه أهانه دعوا المزاح فإنه يؤرث الضغائن وخير القول ما صدقه الفعل احتملوا لمن أدل عليكم واقبلوا عذر من اعتذر إليكم أطع أخاك وإن عصاك وصله وإن جفاك أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك وإياكم ومشاورة النساء واعلم أن كفر النعمة لؤم وصحبة الجاهل شؤم ومن الكرم الوفاء بالذمم ما أقبح القطيعة بعد الصلة والجفاء بعد اللطف والعداوة بعد الود لا تكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان ولا إلى البخل أسرع منك إلى البذل واعلم أن لك من دنياك ما أصلحت به مثواك فأنفق في حق ولا تكونن خازنا لغيرك وإذا كان الغدر في الناس موجودا فالثقة بكل أحد عجز اعرف الحق لمن عرفه لك واعلم أن قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل


360

353 كلمات حكيمة للأحنف

قال في ثلاث خصال ما أقولهن إلا ليعتبر معتبر ما دخلت بين اثنين قط حتى يدخلاني بينهما ولا أتيت باب أحد من هؤلاء يعني الملوك ما لم أدع إليه وما حللت حبوتى إلى ما يقوم الناس إليه وقال ألا أدلكم على المحمدة بلا مرزئة الخلق السجيح والكف عن القبيح ألا أخبركم بأدوإ الداء الخلق الدني واللسان البذي وقال ما خان شريف ولا كذب عاقل ولا اغتاب مؤمن وقال ما ادخرت الآباء للأبناء ولا أبقت الموتى للأحياء أفضل من اصطناع معروف عند ذوي الأحساب والآداب وقال كثرة الضحك تذهب الهيبة وكثرة المزاح تذهب المروءة ومن لزم شيئا عرف به وسمع رجلا يقول ما أبالي أمدحت أم ذممت فقال له لقد استرحت من حيث تعب الكرام وقال جنبوا مجلسنا ذكر الطعام والنساء فإني لأبغض الرجل يكون وصافا لفرجه وبطنه وإن المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه وكان يقول إذا عجب الناس من حلمه إني لأجد ما تجدون ولكني صبور وكان يقول وجدت الحلم أنصر لي من الرجال وقال الكذوب لا حيلة له والحسود لا راحة له والبخيل لا مروءة له والملول لا وفاء له ولا يسود سيئ الأخلاق ومن المروءة إذا كان الرجل بخيلا أن يكتم ذلك ويتجمل وقال أربع من كن فيه كان كاملا ومن تعلق بخصلة منهن كان من صالحي قومه دين يرشده أو عقل يسدده أو حسب يصونه أو حياء يقناه وقال المؤمن بين أربع مؤمن يحسده ومنافق يبغضه وكافر يجاهده


361
وشيطان يفتنه وأربع ليس أقل منهن اليقين والعدل ودرهم حلال وأخ في الله وقال لأن أدعى من بعيد أحب إلي من أن أقصى من قريب وكان يقول إياك وصدر المجلس وإن صدرك صاحبه فإنه مجلس قلعة وقال من لم يصبر على كلمة سمع كلمات وقال رب غيظ تجرعته مخافة ما هو أشد منه وقال من كثر كلامه كثر سقطه ومن طال صمته كثرت سلامته وقال ثلاث لا أناة فيهن عندي قيل وما هن يا أبا بحر قال المبادرة بالعمل الصالح وإخراج ميتك وأن تنكح الكفء أيمك وكان يقول لأفعى تحكك في ناحية بيتي أحب إلي من أيم رددت عنها كفئا

354 صفية بنت هشام المنقرية تؤبن الأحنف

وروي أنه لما حملت جنازة الأحنف ودلي في قبره أقبلت ابنة عمه صفية بنت هشام المنقرية على نجيب لها مختصرة فوقفت على قبره فقالت لله درك من مجن في جنن ومدرج في كفن إنا لله وإنا إليه راجعون


362
نسأل الله الذي فجعنا بموتك وابتلانا بفقدك أن يوسع لك في قبرك وأن يغفر لك يوم حشرك وأن يجعل سبيل الخير سبيلك ودليل الرشاد دليلك ثم أقبلت بوجهها على الناس فقالت معشر الناس إن أولياء الله في بلاده شهود على عباده وإنا قائلون حقا ومثنون صدقا وهو أهل لحسن الثناء وطيب الدعاء أما والذي كنت من أجله في عدة ومن المضمار إلى غاية ومن الحياة إلى نهاية الذي رفع عملك عند انقضاء أجلك لقد عشت حميدا مودودا ولقد مت فقيدا سعيدا وإن كنت لعظيم السلم فاضل الحلم صحيح الأديم منيع الحريم واري الزناد رفيع العماد وإن كنت في المحافل لشريفا وعلى الأرامل لعطوفا وفي العشيرة مسودا وإلى الخلفاء موفدا ولقد كانوا لقولك مستمعين ولرأيك متبعين ثم انصرفت
363
خطب الوفود وما ألقي بحضرة الخلفاء والأمراء والرؤساء

الوافدون على معاوية

355 وفود الأحنف بن قيس والنمر بن قطبة على معاوية

دخل الأحنف بن قيس على معاوية وافدا لأهل البصرة ودخل معه النمر بن قطبة وعلى النمر عباءة قطوانية وعلى الأحنف مدرعة صوف وشملة فلما مثلا بين يدي معاوية اقتحمتهما عينه فقال النمر يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك وإنما يكلمك من فيها فأومأ إليه فجلس ثم أقبل على الأحنف فقال ثم مه فقال يا أمير المؤمنين أهل البصرة عدد يسير وعظم كسير مع تتابع من المحول واتصال من الذحول فالمكثر فيها قد أطرق والمقل قد أملق وبلغ منه المخنق فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعش الفقير ويجبر الكسير ويسهل العسير ويصفح عن الذحول ويداوي المحول ويأمر بالعطاء ليكشف البلاء ويزيل اللأواء وإن السيد من يعم ولا يخص ومن يدعو الجفلى ولا يدعو النقري إن أحسن إليه شكر


364
وإن أسيء إليه غفر ثم يكون من وراء ذلك لرعيته عمادا يدفع عنهم الملمات ويكشف عنهم المعضلات فقال له معاوية ها هنا يا أبا بحر ثم تلا ( ولتعرفنهم في لحن القول )

356 وفد أهل العراق على معاوية وفيهم الأحنف

ولما قدم وفد أهل العراق على معاوية وفيهم الأحنف خرج الآذن فقال إن أمير المؤمنين يعزم عليكم ألا يتكلم أحد إلا لنفسه فلما وصلوا إليه قال الأحنف لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته أن دافة دفت ونازلة نزلت ونائبة نابت ونابتة نبتت وكلهم بهم حاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبره فقال حسبك يا أبا بحر فقد كفيت الغائب والشاهد وفد أهل العراق على معاوية ومعهم زياد وفيهم الأحنف

وفد أهل العراق على معاوية ومعهم زياد بن أبيه وفيهم الأحنف بن قيس فقال زياد

357 خطبة زياد

يا أمير المؤمنين أشخصت إليك أقواما الرغبة وأقعد عنك آخرين العذر فقد جعل الله تعالى في سعة فضلك ما يجبر به المتخلف ويكافأ به الشاخص


365

358 خطبة معاوية

فقال معاوية مرحبا بكم يا معشر العرب أما والله لئن فرقت بينكم الدعوة لقد جمعتكم الرحم إن الله اختاركم من الناس ليختارنا منكم ثم حفظ عليكم نسبكم بأن تخير لكم بلادا يجتاز عليها المنازل حتى صفاكم من الأمم كما تصفى الفضة البيضاء من خبثها فصونوا أخلاقكم ولا تدنسوا أنسابكم وأعراضكم فإن الحسن منكم أحسن لقربكم منه والقبيح منكم أقبح لبعدكم عنه

359 خطبة الأحنف بن قيس

فقال الأحنف والله يا أمير المؤمنين ما نعدم منكم قائلا جزيلا ورأيا أصيلا ووعدا جميلا وإن أخاك زيادا لمتبع آثارك فينا فنستمتع الله بالأمير والمأمور فإنكم كما قال زهير فإنه ألقي على المداحين فصول القول

( وما يك من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل )

( وهل ينبت الخطى إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل )

360 وفد العراق على معاوية وفيهم دغفل النسابة

قدم وفد العراق على معاوية وفيهم دغفل فقال له معاوية يا دغفل أخبرني عن ابني نزار ربيعة ومضر أيهما كان أعز جاهلية وعالمية فقال يا أمير المؤمنين مضر بن نزار كان أعز جاهلية وعالمية قال معاوية وأي مضر كان أعز قال


366
بنو النضر بن كنانة كانوا أكثر العرب أمجادا وأرفعهم عمادا وأعظمهم رمادا قال فأي بني كنانة كان بعدهم أعز قال بنو مالك بن كنانة كانوا يعلمون من ساماهم ويكفون من ناواهم ويصدقون من عاداهم قال فمن بعدهم قال بنو الحرث بن عبد مناة بن كنانة كانوا أعز بنيه وأمنعهم وأجودهم وأنفعهم قال ثم من بعدهم قال بنو بكر بن عبد مناة وكان بأسهم مرهوبا وعدوهم منكوبا وثأرهم مطلوبا قال فأخبرني عن مالك بن عبد مناة بن كنانة وعن مرة وعامر ابني عبد مناة قال كانو أشرافا كراما وليس للقوم أكفاء ولا نظراء قال فأخبرني عن بني أسد قال كانوا يطعمون السديف ويكرمون الضيوف ويضربون في الزحوف قال فأخبرني عن هذيل قال كانوا قليلا أكياس أهل منعة وبأس ينتصفون من الناس قال فأخبرني عن بني ضبة قال كانوا جمرة من جمرات العرب الأربع لا يصطلي بنارهم ولا يفاتون بثارهم قال فأخبرني عن مزينة قال كانوا في الجاهلية أهل منعة وفي الإسلام أهل دعة قال فأخبرني عن تميم قال كانوا أعز العرب قديما وأكثرها عظيما وأمنعها حريما قال فأخبرني عن قيس قال كانوا لا يفرحون إذا أديلوا ولا يجزعون إذا ابتلوا ولا يبخلون إذا سئلوا قال فأخبرني عن أشرافهم في الجاهلية قال غطفان بن سعد وعامر بن صعصعة وسليم بن منصور فأما غطفان فكانوا كراما سادة وللخمبس
367
قادة وعن البيض ذادة وأما بنو عامر فكثير سادتهم مخشية سطوتهم ظاهرة نجدتهم وأما بنو سليم فكانوا يدركون الثار ويمنعون الجار ويعظمون النار قال فأخبرني عن قومك بكر بن وائل واصدقني قال كانوا أهل عز قاهر وشرف ظاهر ومجد فاخر قال فأخبرني عن إخوتهم تغلب قال كانوا أسودا ترهب وسماما لا تقرب وأبطالا لا تكذب قال فأخبرني كم أديلوا عليكم في قتلكم كليبا قال أربعين سنة لا ننتصف منهم في موطن نلقاهم فيه حتى كان يوم التحاليق يوم الحرث بن عباد بعد قتلة ابنه بجير وكان أرسله في الصلح بين القوم فقتله مهلهل وقال بؤ بشسع نعل كليب فقال الغلام إن رضيت بهذا بنو بكر رضيت فبلغ الحرث فقال نعم القتيل قتيلا إن أصلح الله به بين بكر وتغلب وباء بكليب فقيل له إنما قال مهلهل ما قال الكلمة فتشمر الحرث للحرب وأمرنا بحلق رءوسنا أجمعين وهو يوم التحاليق وله خبر طويل وقال

( قربا مربط النعامة مني لقحت حرب وائل عن حيال )

( لم أكن من جناتها علم الله وإني بحرها اليوم صالي )

( قربا مربط النعامة منى إن بيع الكرام بالشسع غالى )

فأدلنا عليهم يومئذ فلم نزل منهم ممتنعين إلى يومنا هذا قال فمن ذهب يذكر ذلك اليوم قال الحرث بن عباد أسر مهلهلا في ذلك اليوم وقال له دلني على مهلهل بن ربيعة قال مالي إن دللتك عليه قال أطلقك قال على الوفاء قال نعم قال له أنا مهلهل قال ويحك دلني على كفء كريم قال امرؤ القيس


368
وأشار بيده إليه عن قرب فأطلقه الحرث وانطلق إلى امرئ القيس فقتله وبكر كلها صبرت وأبلت فحسن بلاؤها إلا ما كان من ابني لجيم حذيفة وعجل ويشكر ابن بكر فإن سعد بن مالك بن ضبيعة جد طرفة بن العبد هجاهم في ذلك اليوم فقال

( إن لجيما عجزت كلها أن يرفدوني فارسا واحدا )

( ويشكر العام على خترهاة لم يسمع الناس لهم حامدا )

وقال فيهم أيضا

( يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط فاستراحوا )

( إنا وإخوتنا غدا كثمود حجر يوم طاحوا )

( بالمشرفية لا نفر ولا نباح ولن تباحوا )

( من صد عن نيرانها فأنا ابن قيس لا براح )

فقال معاوية أنت والله يا دغفل أعلم الناس قاطبة بأخبار العرب


369

361 دغفل وجماعة من الأنصار

ووقف جماعة من الأنصار على دغفل بعد ما كف فسلموا عليه فقال من القوم قالوا سادة اليمن فقال أمن أهل مجدها القديم وشرفها العميم كندة قالوا لا قال فأنتم الطوال قصبا الممحصون نسبا بنو عبد المدان قالوا لا قال فأنتم أقودها للزحوف وأخرقها للصفوف وأضربها بالسيوف رهط عمرو بن معد يكرب قالوا لا قال فأنتم أحضرها قراء وأطيبها فناء وأشدها لقاء رهط حاتم بن عبد الله قالوا لا قال فأنتم الغارسون للنخل والمطعمون في المحل والقائلون بالعدل الأنصار قالوا نعم

362 وفد أهل العراق على معاوية وفيهم صعصعة بن صوحان

قال عبد الملك بن مروان يوما لجلسائه خبروني عن حي من أحياء العرب فيهم أشد الناس وأسخى الناس وأخطب الناس وأطوع الناس في قومه وأحلم الناس وأحضرهم جوابا

قالوا يا أمير المؤمنين ما نعرف هذه القبيلة ولكن ينبغي لها أن تكون في قريش قال لا قالوا ففي حمير وملوكها قال لا قالوا ففي مضر قال لا قال مصقلة ابن رقية العبدى فهي إذن في ربيعة ونحن هم قال نعم قال جلساؤه ما نعرف هذا في عبد القيس إلا أن تخبرنا به يا أمير المؤمنين قال نعم

أما أشد الناس فحكيم بن جبل كان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه


370
فقطعت ساقه فضمها إليه حتى مر به الذي قطعها فرماه بها فجدله عن دابته ثم جثا إليه فقتله واتكأ عليه فمر به الناس فقالوا له يا حكيم من قطع ساقك قال وسادي هذا وأنشأ يقول

( يا ساق لا تراعي إن معي ذراعي أحمي بها كراعي )

وأما أسخى الناس فعبد الله بن سوار استعمله معاوية على السند فسار إليها في أربعة آلاف من الجند وكانت توقد معه نار حيثما سار فيطعم الناس فبينما هو ذات يوم إذ أبصر نارا فقال ما هذه قالوا أصلح الله الأمير اعتل بعض أصحابنا فاشتهي خبيصا فعملنا له فأمر خبازه ألا يطعم الناس إلا الخبيص حتى صاحوا وقالوا أصلح الله الأمير ردنا إلى الخبز واللحم فسمي مطعم الخبيص

وأما أطوع الناس في قومه فالجارود بن بشر بن العلاء فإنه لما قبض رسول الله وارتدت العرب خطب قومه فقال أيها الناس إن كان محمد قد مات فإن الله حي لا يموت فاستمسكوا بدينكم فمن ذهب له في هذه الردة دينار أو درهم أو بعير أو شاة فله على مثلاه فما خالفه منهم رجل

وأما أحضر الناس جوابا فصعصعة بن صوحان دخل على معاوية في وفد أهل العراق فقال معاوية مرحبا بكم يأهل العراق قدمتم أرض الله المقدسة منها المنشر وإليها المحشر قدمتم على خير أمير يبر كبيركم ويرحم صغيركم ولو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء فأشار الناس إلى صعصعة فقام

فحمد الله وأثني عليه وصلى على النبي ثم قال


371
أما قولك يا معاوية إنا قدمنا الأرض المقدسة فلعمري ما الأرض تقدس الناس ولا يقدس الناس إلا أعمالهم وأما قولك منها المنشر وإليها المحشر فلعمري ما ينفع قربها ولا يضر بعدها مؤمنا وأما قولك لو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء فقد ولدهم خير من أبي سفيان آدم صلوات الله عليه فمنهم الحليم والسفيه والجاهل والعالم

وأما أحلم الناس فإن ولد عبد القيس قدموا على النبي بصدقاتهم وفيهم الأشج ففرقها رسول الله وهو أول عطاء فرقه في أصحابه ثم قال يا أشج ادن مني فدنا منه فقال إن فيك خلتين يحبهما الله الأناة والحلم وكفى برسول الله شاهدا ويقال إن الأشج لم يغضب قط

363 وفود العرب ومعاوية

عن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان قال عقمت النساء أن يلدن مثل عمي شهدته يوما وقد قدمت عليه وفود العرب فقضي حوائجهم وأحسن جوائزهم فلما دخلوا عليه ليشكروه سبقهم إلى الشكر فقال لهم

جزاكم الله يا معشر العرب عن قريش أفضل الجزاء بتقدمكم إياهم في الحرب وتقديمكم لهم في السلم وحقنكم دماءهم بسفكها منكم أما والله لا يؤثر عليكم غيركم منهم حازم كريم ولا يرغب عنكم منهم إلا عاجز لئيم شجرة قامت على ساق فتفرع أعلاها واجتمع أصلها عضد الله من عضدها فيالها كلمة لو اجتمعت وأيد لو ائتلفت ولكن كيف بإصلاح ما يريد الله إفساده


372

364 وفود عبد العزيز بن زرارة على معاوية

وفد عبد العزيز بن زرارة على معاوية وهو سيد أهل الكوفة فلما أذن له وقف بين يديه وقال يا أمير المؤمنين لم أزل أهز ذوائب الرحال إليك إذ لم أجد معولا إلا عليك أمتطي الليل بعد النهار وأسم المجاهل بالآثار يقودني إليك أمل وتسوقني بلوى والمجتهد يعذر وإذ بلغتك فقطني فقال معاوية احطط عن راحلتك رحلها

وروي الجاحظ هذا القول بصورة أخري فقال ولما وصل عبد العزيز بن زرارة إلى معاوية قال يا أمير المؤمنين لم أزل أستدل بالمعروف عليك وأمتطي النهار إليك فإذا ألوي بي الليل فقبض البصر وعفي الأثر أقام بدني وسافر أملي والنفس تلوم والاجتهاد يعذر وإذ بلغتك فقطني

وخرج عبد العزيز بن زرارة مع يزيد بن معاوية إلى الصائفة فهلك هناك فكتب يزيد إلى أبيه معاوية بذلك فقال معاوية لزرارة أتاني اليوم نعي سيد شباب العرب قال زرارة يا أمير المؤمنين هو ابني أو ابنك قال بل ابنك قال للموت ما تلد الوالدة


373

365 وفود زيد بن منية على معاوية

قدم زيد بن منية على معاوية من البصرة وهو أخو يعلى بن منية صاحب جمل عائشة ومتولي تلك الحروب ورأس أهل البصرة وكان عتبة بن أبي سفيان قد تزوج ابنة يعلي بن منية فلما دخل على معاوية شكا إليه دينا لزمه فقال يا كعب أعطه ثلاثين ألفا فلما ولي قال وليوم الجمل ثلاثين ألفا أخري ثم قال له الحق بصهرك يعني عتبة وكان يومئذ عامل مصر فقدم عليه مصر فقال إني سرت إليك شهرين أخوض فيهما المتالف ألبس أردية الليل مرة وأخوض في لجج السراب أخرى موقرا من حسن الظن بك وهاربا من دهر فطم ودين لزم بعد غني جدعنا به أنوف الحاسدين فلم أجد إلا إليك مهربا وعليك معولا فقال عتبة مرحبا بك وأهلا إن الدهر أعاركم غني وخلطكم بنا ثم استرد ما أمكنه أخذه وقد أبقي لكم منا مالا ضيقة معه وأنا واضع يدي ويدك بيد الله فأعطاه ستين ألفا كما أعطاه معاوية


374

366 وفود ضرار بن حمزة الصدائي على معاوية

دخل ضرار بن حمزة الصدائي وكان من خواص على كرم الله وجهه على معاوية وافدا فقال له يا ضرار صف لي عليا قال أعفني يا أمير المؤمنين قال لتصفنه قال أما إذ لا بد من وصفه فكان والله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته وكان والله غزير العبرة طويل الفكرة يقلب كفه ويخاطب نفسه يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما خشن كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه وينبئنا إذا استنبأناه ونحن مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه لهيبته ولا نبتدئه لعظمته يعظم أهل الدين ويحب المساكين لا يطمع القوي في باطله ولا ييئس الضعيف من عدله وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرضى الليل سدوله وغارت نجومه وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول يا دنيا غرى غيري ألي تعرضت أم إلي تشوقت هيهات هيهات قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها فعمرك قصير وخطرك حقير آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق فبكي معاوية وقال رحم الله أبا الحسن فلقد كان كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار قال حزن من ذبح واحدها في حجرها


375
الوافدات على معاوية

367 وفود سودة بنت عمارة على معاوية

وفدت سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان فاستأذنت عليه فأذن لها فلما دخلت عليه سلمت فقال لها كيف أنت يا بنة الأشتر قالت بخير يا أمير المؤمنين قال لها أنت القائلة لأخيك يوم صفين

( شمر كفعل أبيك يا بن عمارة يوم الطعان وملتقى الأقران )

( وانصر عليا والحسين ورهطه واقصد لهند وابنها يهوان )

( إن الإمام أخو النبي محمد علم الهدي ومنارة الإيمان )

( فقد الجيوش وسر أمام لوائه قدما بأبيض صارم وسنان )

قالت أي والله ما مثلي من رغب عن الحق أو اعتذر بالكذب قال لها فما حملك على ذلك قالت حب علي عليه السلام واتباع الحق قال فوالله ما أري عليك من أثر علي شيئا قالت أنشدك الله يا أمير المؤمنين وإعادة ما مضي وتذكار ما قد نسي قال هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك قالت صدقت والله يا أمير المؤمنين ما كان أخي خفي المقام ذليل المكان ولكن كما قالت الخنساء

( وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار )


376

قال صدقت لقد كان كذلك فقالت مات الرأس وبتر الذنب وبالله أسأل أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيت منه قال قد فعلت فقولي حاجتك قالت يا أمير المؤمنين إنك أصبحت للناس سيدا ولأمورهم متقلدا والله سائلك عن أمرنا وما افترض عليك من حقنا ولا تزال تقدم علينا من ينهض بعزك ويبسط سلطانك فيحصدنا حصاد السنبل ويدوسنا دياس البقر ويسومنا الخسيسة ويسلبنا الجليلة هذا ابن أرطاة قدم بلادي وقتل رجالي وأخذ مالي ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة فإما عزلته عنا فشكرناك وإما لا فعرفناك فقال معاوية إياي تهددين بقومك والله لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردك إليه ينفذ فيك حكمه فأطرقت تبكي ثم أنشأت تقول

( صلي الإله على روح تضمنه قبر فأصبح فيه العدل مدفونا )

( قد حالف الحق لا يبغي به ثمنا فصار بالحق والإيمان مقرونا )

قال ومن ذلك قالت علي بن أبي طالب رحمه الله تعالى قال وما صنع بك حتى صار عندك كذلك قالت أتيته يوما في رجل ولاه صدقاتنا فكان بيننا وبينه ما بين الغث والسمين فوجدته قائما يصلي فانفتل من الصلاة ثم قال برأفة


377
وتعطف ألك حاجة فأخبرته خبر الرجل فبكى ثم رفع يديه إلى السماء فقال اللهم إنك أنت الشاهد علي وعليهم إني لم آمرهم بظلم خلقك ولا ترك حقك ثم أخرج من جيبه قطعة من جراب فكتب فيها

بسم الله الرحمن الرحيم قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى يأتي من يقبضه منك والسلام

فأخذته منه والله ما خزمه بخزام ولا ختمه بختام فقرأته فقال معاوية اكتبوا لها بالإنصاف لها والعدل عليها فقالت ألي خاصة أم لقومي عامة قال وما أنت وغيرك قالت هي والله إذن الفحشاء واللؤم إن لم يكن عدلا شاملا وإلا يسعني ما يسع قومي قال هيهات لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيئا ما تفطمون وغركم قوله

( فلو كنت بوابا على باب جنة لقلت لهمدان ادخلوا بسلام ) وقوله

( ناديت همدان والأبواب مغلقة ومثل همدان سني فتحه الباب )

( كالهندواني لم تفلل مضاربه وجه جميل وقلب غير وجاب )

اكتبوا لها ولقومها


378

368 وفود أم سنان بنت خيثمة على معاوية

حبس مروان بن الحكم وهو والى المدينة في خلافة معاوية غلاما من بني ليث في جناية جناها فأتته جدة الغلام وهي أم سنان بنت خيثمة المذحجية فكلمته في الغلام فأغلظ لها مروان فخرجت إلى معاوية فدخلت عليه فانتسبت فعرفها فقال لها مرحبا بك يا بنة خيثمة ما أقدمك أرضنا وقد عهدتك تشتميننا وتحضين علينا عدونا قالت إن لبني عبد مناف أخلاقا طاهرة وأعلاما ظاهرة وأحلاما وافرة لا يجهلون بعد علم ولا يسفهون بعد حلم ولا ينتقمون بعد عفو وإن أولي الناس باتباع ما سن آباؤه لأنت قال صدقت نحن كذلك فكيف قولك

( عزب الرقاد فمقلتي لا ترقد والليل يصدر بالهموم ويورد )

( يا آل مذحج لا مقام فشمروا إن العدو لآل أحمد يقصد )

( هذا علي كالهلال تحفه وسط السماء من الكواكب أسعد )

( خير الخلائق وابن عم محمد إن يهدكم بالنور منه تهتدوا )

( ما زال مذ شهد الحروب مظفرا والنصر فوق لوائه ما يفقد )

قالت قد كان ذلك يا أمير المؤمنين وأرجو أن تكون لنا خلفا بعده فقال رجل من جلسائه كيف يا أمير المؤمنين وهي القائلة

( إما هلكت أبا الحسين فلم تزل بالحق تعرف هاديا مهديا )

( فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت فوق الغصون حمامة قمريا )


379

( قد كنت بعد محمد خلفا كما أوصي إليك بنا فكنت وفيا )

( واليوم لا خلف يؤمل بعده هيهات نأمل بعده إنسيا )

قالت يا أمير المؤمنين لسان نطق وقول صدق ولئن تحقق فيك ما ظنناه لحظك الأوفر والله ما أورثك الشنآن في قلوب المسلمين إلا هؤلاء فأدحض مقالتهم وأبعد منزلتهم فإنك إن فعلت ذلك تزدد من الله قربا ومن المؤمنين حبا قال وإنك لتقولين ذلك قالت يا سبحان الله والله ما مثلك من مدح بباطل ولا اعتذر إليه بكذب وإنك لتعلم ذلك من رأينا وضمير قلوبنا كان والله علي أحب إلينا منك وأنت أحب إلينا من غيرك قال ممن قالت من مروان ابن الحكم وسعيد بن العاص قال وبم استحققت ذلك عندك قالت بسعة حلمك وكريم عفوك قال وإنهما يطمعان في ذلك قالت هما والله لك من الرأي علي مثل ما كنت عليه لعثمان بن عفان رحمه الله تعالي قال والله لقد قاربت فما حاجتك قالت يا أمير المؤمنين إن مروان تبنك بالمدينة تبنك من لا يريد منهما البراح لا يحكم بعدل ولا يقضي بسنة يتتبع عثرات المسلمين ويكشف عورات المؤمنين حبس ابن إبنى فأتيته فقال كيت وكيت فألقمته أخشن من الحجر وألعقته أمر من الصبر ثم رجعت إلي نفسي باللائمة وقلت لم لا أصرف ذلك إلي من هو أولي بالعفو منه فأتيتك يا أمير المؤمنين لتكون في أمري ناظرا وعليه معديا قال صدقت لا أسألك عن ذنبه ولا عن القيام بحجته اكتبوا لها بإطلاقه قالت يا أمير المؤمنين وأني لي بالرجعة وقد نفذ زادي وكلت راحلتي فأمر لها براحلة موطأة وخمسة آلاف درهم

369 وفود بكارة الهلالية علي معاوية

استأذنت بكارة الهلالية علي معاوية بن أبي سفيان فأذن لها وهو يومئذ بالمدينة فدخلت عليه وكانت امرأة قد أسنت وعشي بصرها وضعفت قوتها ترعش بين خادمين لها فسلمت وجلست فرد عليها معاوية السلام وقال كيف أنت يا خالة فقالت بخير يا أمير المؤمنين قال غيرك الدهر قالت كذلك هو ذو غير من عاش كبر ومن مات قبر قال عمرو بن العاص هي والله القائلة

( يا زيد دونك فاحتقر من دارنا سيفا حساما في التراب دفينا )

( قد كنت أذخره ليوم كريهة فاليوم أبرزه الزمان مصونا )

قال مروان وهي والله القائلة يا أمير المؤمنين

( أتري ابن هند للخلافة مالكا هيهات ذاك وإن أراد بعيد )

( منتك نفسك بالخلاء ضلالة أغراك عمرو للشقا وسعيد )

قال سعيد بن العاص هي والله القائلة

( قد كنت أطمع أن أموت ولا أري فوق المنابر من أمية خاطبا )

( فالله أخر مدتى فتطاولت حتى رأيت من الزمان عجائبا )

( في كل يوم للزمان خطيبهم بين الجميع لآل أحمد عائبا )

ثم سكت القوم فقالت بكارة نبحتنى كلابك يا أمير المؤمنين واعتورتني فقصر محجني وكثر عجبي وعشي بصري وأنا والله قائلة ما قالوا لا أدفع ذلك بتكذيب وما خفي عليك مني أكثر فامض لشأنك فلا خير في العيش بعد


380

369 وفود بكارة الهلالية على معاوية

استأذنت بكارة الهلالية على معاوية بن أبي سفيان فأذن لها وهو يومئذ بالمدينة فدخلت عليه وكانت امرأة قد أسنت وعشي بصرها وضعفت قوتها ترعش بين خادمين لها فسلمت وجلست فرد عليها معاوية السلام وقال كيف أنت يا خالة فقالت بخير يا أمير المؤمنين قال غيرك الدهر قالت كذلك هو ذو غير من عاش كبر ومن مات قبر قال عمرو بن العاص هي والله القائلة يا أمير المؤمنين

( يا زيد دونك فاحتقر من دارنا سيفا حساما في التراب دفينا )

( قد كنت أذخره ليوم كريهة فاليوم أبرزه الزمان مصونا )

قال مروان وهي والله القائلة يا أمير المؤمنين

( أترى ابن هند للخلافة مالكا هيهات ذاك وإن أراد بعيد )

( منتك نفسك في الخلاء بالخلاء ضلالة أغراك عمرو للشقا وسعيد )

قال سعيد بن العاص هي والله القائلة

( قد كنت أطمع أن أموت ولا أري فوق المنابر من أمية خاطبا )

( فالله أخر مدتى فتطاولت حتى رأيت من الزمان عجائبا )

( في كل يوم للزمان خطيبهم بين الجميع لآل أحمد عائبا )

ثم سكت القوم فقالت بكارة نبحتنى كلابك يا أمير المؤمنين واعتورتني فقصر محجنى وكثر عجبى وعشى بصري وأنا والله قائلة ما قالوا لا أدفع ذلك بتكذيب وما خفي عليك مني أكثر فامض لشأنك فلا خير في العيش بعد


381
أمير المؤمنين فضحك معاوية وقال ليس يمنعنا ذلك من برك اذكري حاجتك قالت أما الآن فلا

وقيل إنه قد قضي حوائجها وردها إلى بلدها

370 وفود أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية

دخلت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية وهي عجوز كبير فلما رآها معاوية قال مرحبا بك وأهلا يا عمة فكيف كنت بعدنا فقالت يا بن أخي لقد كفرت يد النعمة وأسأت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك وأخذت غير حقك من غير بلاء كان منك ولا من آبائك ولا سابقة في الإسلام ولقد كفرتم بما جاء به محمد فأتعس الله منكم الجدود وأضرع منكم الخدود ورد الحق إلى أهله ولو كره المشركون وكانت كلمتنا هي العليا ونبينا هو المنصور فوليتم علينا من بعده وتحتجون بقرابتكم من رسول الله أقرب إليه منكم وأولى بهذا الأمر فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون وكان علي بن أبي طالب رحمه الله بعد نبينا بمنزلة هرون من موسى فغايتنا الجنة وغايتكم النار

فقال لها عمرو بن العاص كفي أيتها العجوز الضالة وأقصري من قولك وغضي


382
من طرفك قالت ومن أنت لا أم لك قال عمرو بن العاص قالت يا بن اللخناء النابغة تتكلم وأمك كانت أشهر امرأة تغنى بمكة وآخذهن لأجرة اربع على ظلعك واعن بشأن نفسك فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم منصبها ولقد ادعاك خمسة نفر من قريش كلهم يزعم أنه أبوك فسئلت أمك عنهم فقالت كلهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به فغلب عليك شبه العاص ابن وائل فلحقت به ولقد رأيت أمك أيام منى بمكة مع كل عبد عاهر فأتم بهم فإنك بهم أشبه

فقال مروان كفى أيتها العجوز وأقصري لما جئت له ساخ بصرك مع ذهاب عقلك فلا تجوز شهادتك فقالت وأنت أيضا يا بن الزرقاء تتكلم فوالله لأنت إلى سفيان بن الحارث بن كلدة أشبه منك بالحكم وإنك لشبهه في زرقة عينيك وحمرة شعرك مع قصر قامته وظاهر دمامته ولقد رأيت الحكم ماد القامة ظاهر الإمة سبط الشعر وما بينكما قرابة إلا كقرابة الفرس الضامر من الأتان المقرب فاسأل أمك تخبرك بشأن أبيك إن صدقت ثم التفتت إلى معاوية فقالت والله ما جرأ على هؤلاء غيرك وإن أمك للقائلة يوم أحد في قتل حمزة رحمة الله عليه

( نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر )

( ما كان عن عتبة لي من صبر أبي وعمي وأخي وصهري )


383

( شفيت وحشي غليل صدري شفيت نفسي وقضيت نذري )

( فشكر وحشي علي دهري حتى ترم أعظمي في قبري )

فأجبتها

( يا بنت جبار عظيم الكفر خزيت في بدر وغير بدر )

( صبحك الله قبيل الفجر بالهاشميين الطوال الزهر )

( بكل قطاع حسام يفري حمزة ليثي وعلي صقري )

فقال معاوية لمروان وعمرو ويلكما أنتماء ضتماني لها وأسمعتماني ما أكره ثم قال لها يا عمة اقصدي قصد حاجتك ودعي عنك أساطير النساء قالت تأمر لي بألفي دينار وألفي دينار وألفي دينار قال ما تصنعين يا عمة بألفي دينار قالت أشتري بها عينا خرخارة في أرض خوارة تكون لولد الحارث بن عبد المطلب قال نعم الموضع وضعتها فما تصنعين بألفي دينار قالت أزوج بها فتيان عبد المطلب من أكفائهم قال نعم الموضع وضعتها فما تصنعين بألفي دينار قالت أستعين بها على عسر المدينة وزيارة بيت الله الحرام قال نعم الموضع وضعتها هي لك نعم وكرامة ثم قال أما والله لو كان علي ما أمر لك بها قالت صدقت إن عليا أدى الأمانة وعمل بأمر الله وأخذ به وأنت ضيعت أمانتك وخنت الله في ماله فأعطيت مال الله من لا يستحقه وقد فرض الله في كتابه الحقوق لأهلها وبينها فلم تأخذ بها ودعانا أي علي إلى أخذ حقنا الذي فرض


384
الله لنا فشغل بحربك عن وضع الأمور مواضعها وما سألتك من مالك شيئا فتمن به إنما سألتك من حقنا ولا نرى أخذ شيء غير حقنا أتذكر عليا فض الله فاك وأجهد بلاءك ثم علا بكاؤها وجعلت تندب عليا فأمر لها بستة آلاف دينار وقال لها يا عمة أنفقي هذه فيما تحبين فإذا احتجت فاكتبي إلى ابن أخيك يحسن صفدك ومعونتك إن شاء الله

371 أم البراء بنت صفوان ومعاوية

استأذنت أم البراء بنت صفوان على معاوية فأذن لها فدخلت عليه وعليها ثلاثة دروع برود تسحبها ذراعا قد لاثت على رأسها كورا كالمنسف فسلمت وجلست فقال لها معاوية كيف أنت يا بنة صفوان قالت بخير يا أمير المؤمنين قال كيف حالك قالت ضعفت بعد جلد وكسلت بعد نشاط قال شتان بينك اليوم وحين تقولين

( يا زيد دونك صارما ذا رونق عضب المهزة ليس بالخوار )

( أسرج جوادك مسرعا ومشمرا للحرب غير معرد لفرار )

( أجب الإمام وذب تحت لوائه والق العدو بصارم بتار )

( يا ليتني أصبحت لست قعيدة فأذب عنه عساكر الفجار )

قالت قد كان ذلك ومثلك من عفا والله تعالى يقول ( عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه ) قال هيهات أما والله لو عاد لعدت ولكنه


385
اخترم منك قالت أجل والله إني لعلى بينة من ربي وهدى من أمري قال كيف كان قولك حين قتل قالت أنسيته قال بعض جلسائه هو والله حين تقول

( يا للرجال لعظم هول مصيبة فدحت فليس مصابها بالحائل )

( الشمس كاسفة لفقد إمامنا خير الخلائق والإمام العادل )

( يا خير من ركب المطى ومن مشى فوق التراب لمحتف أو ناعل )

( حاشا النبي لقد هددت قواءنا فالحق أصبح خاضعا للباطل )

فقال معاوية قاتلك الله فما تركت مقالا لقائل اذكري حاجتك قالت أما الآن فلا وقامت فعثرت فقالت تعس شانئ علي فقال زعمت أن لا قالت هو كما علمت فلما كان من الغد بعث إليها بجائزة وقال إذا ضيعت الحلم فمن يحفظه

372 دارمية الحجونية ومعاوية

وحج معاوية سنيه من سنينه فسأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحجون يقال لها دارمية الحجونية وكانت سوداء كثيرة اللحم فأخبر بسلامتها فبعث إليها فجيء بها فقال ما حالك يا بنة حام فقالت لست لحام إن عبتني إنما أنا امرأة من بني كنانة ثمت من بني أبيك قال صدقت أتدرين لم بعثت إليك قالت لا يعلم الغيب إلا الله قال بعثت إليك لأسألك علام أحببت عليا وأبغضتني وواليته وعاديتني قالت أوتعفينى يا أمير المؤمنين قال لا أعفيك


386
قالت أما إذا أبيت فإني أحببت عليا على عدله في الرعية وقسمه بالسوية وأبغضتك على قتال من هو أولى منك بالأمر وطلبتك ما ليس لك بحق وواليت عليا على ما عقد له رسول الله من الولاء وعلى حبه المساكين وإعظامه لأهل الدين وعاديتك على سفكك الدماء وشقك العصا وجورك في القضاء وحكمك بالهوى

قال فلذلك انتفخ بطنك وعظم ثدياك وربت عجيزتك قالت يا هذا بهند والله كان يضرب المثل في ذلك لأبي قال معاوية يا هذه أربعي فإنا لم نقل إلا خيرا إنه إذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها وإذا عظم ثدياها تروى رضيعها وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها فرجعت وسكنت فقال لها يا هذه هل رأيت عليا قالت إى والله لقد رأيته قال فكيف رأيته قالت رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك ولم تشغله النعمة التي شغلتك قال فهل سمعت كلامه قالت نعم والله فكان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت الطست من الصدأ قال صدقت فهل لك من حاجة قالت أو تفعل إذا سألتك قال نعم قالت تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها قال تصنعين بها ماذا قالت أغذو بألبانها الصغار وأستحيي بها الكبار وأكتسب بها المكارم وأصلح بها بين العشائر قال فإن أعطيتك ذلك فهل أحل عندك محل علي بن أبي طالب قالت ماء ولا كصداء


387
ومرعى ولا كالسعدان وفتى ولا كمالك سبحان الله أو دونه فأنشأ معاوية يقول

( إذا لم أعد بالحلم مني عليكم فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم )

( خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد جزاك على حرب العداوة بالسلم )

ثم قال أما والله لو كان علي حيا ما أعطاك منها شيئا قالت لا والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين

373 شداد بن أوس ومعاوية

وأمر معاوية شداد بن أوس الطائي أن يتنقص عليا فقام فقال الحمد لله الذي افترض طاعته على عباده وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا خلقه على ذلك مضى أولهم وعليه يمضي آخرهم أيها الناس إن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر وإن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر وإن السامع المطيع لله لا حجة عليه وإن السامع العاصي لله لا حجة له وإن الله إذا أراد بالعباد صلاحا عمل عليهم صلحاؤهم وقضى بينهم فقهاؤهم وملك المال سمحاؤهم وإذا أراد بهم شرا عمل عليهم سفهاؤهم وقضى فيهم جهلاؤهم


388
وملك المال بخلاؤهم وإن من صلاح الولاة أن يصلح قرناؤها ونصح لك يا معاوية من أسخطك بالحق وغشك من أرضاك بالباطل

قال اجلس رحمك الله قد أمرنا لك بمال قال إن كان من مالك الذي تعهدت جمعه مخافة تبعته فأصبته حلالا وأنفقته إفضالا فنعم وإن كان مما شاركك فيه المسلمون فاحتجنته دونهم فأصبته افتراقا وأنفقته إسرافا فإن الله يقول في كتابه ( إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين )

وروي أن معاوية قال له يا شداد أنا أفضل أم علي وأينا أحب إليك فقال علي أقدم هجرة وأكثر مع رسول الله إلى الخير سابقة وأشجع منك قلبا وأسلم منك نفسا وأما الحب فقد مضى علي فأنت اليوم عند الناس أرجى منه

374 معاوية ورجل من أهل سبأ

وقال لمعاوية لرجل من أهل سبأ ما كان أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة فقال بل قومك أجهل قالوا حين دعاهم رسول الله إلى الحق وأراهم البينات ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) ألا قالوا ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له )


389

375 حديث معاوية مع عبد الله بن عبد الحجر بن عبد المدان

سأل معاوية بعد الاستقامة عبد الله بن عبد الحجر بن عبد المدان فقال له كيف علمك بقومك قال كعلمي بنفسي قال ما تقول في مراد قال مدركو الأوتار وحماة الذمار ومحرزوا الخطار قال فما تقول في النخع قال مانعو السرب ومسعرو الحرب وكاشفو الكرب قال وما تقول في بني الحرث ابن كعب قال فراجو اللكاك وفرسان العراك ولزاز الضحاك تراك تراك قال فما تقول في سعد العشيرة قال مانعو الضيم وبانو الريم وشافو الغيم قال ما تقول في جعفي قال فرسان الصباح ومعلمو الرماح ومبارزو الرياح قال ما تقول في بني زبيد قال كماة أنجاد سادات أمجاد وقر عند الذياد صبر عند الطراد قال ما تقول في جنب قال كفاة يمنعون عن الحريم ويفرجون عن الكظيم قال فما تقول في صداء قال سمام الأعداء


390
ومساعير الهيجاء قال فما تقول في رهاء قال ينهنهون عادية الفوارس ويردون الموت ورد الخوامس قال أنت أعلم بقومك

376 حديث الخيار بن أوفى النهدي مع معاوية

دخل الخيار بن أوفى النهدي على معاوية فقال له يا خيار كيف تجدك وما صنع بك الدهر فقال يا أمير المؤمنين صدع الدهر قناتي وأثكلني لداتي وأوهى عمادى وشيب سوادى وأسرع في تلادي ولقد عشت زمنا أصبي الكعاب وأسر الأصحاب وأجيد الضراب فبان ذلك عني ودنا الموت مني وأنشأ يقول

( غبرت زمانا يرهب القرن جانبي كأني شتيم باسل القلب خادر )

( يخاف عدوي صولتى ويهابني ويكرمني قرني وجاري المجاور )

( وتصبي الكعاب لمتي وشمائلي كأني غصن ناعم النبت ناضر )

( فبان شبابي واعترتني رثية كأني قناة أطرتها المآطر )

( أدب إذا رمت القيام كأنني لدي المشي قرم قيده متقاصر )

( وقصر الفتى شيب وموت كلاهما له سائق يسعى بذاك وناظر )

( وكيف يلذ العش من ليس زائلا رهين أمور ليس فيها مصادر )


391

فقال معاوية أحسنت القول واعلم أن لها مصادر فنسأل الله أن يجعلنا من الصادرين بخير فقد أوردنا أنفسنا موارد نرغب إلى الله أن يصدرنا عنها وهو راض

377 حديث عرابة بن أوس بن حارثة مع معاوية

قال معاوية لعرابة بن أوس بن حارثة الأنصاري بأي شيء سدت قومك يا عرابة قال أخبرك يا معاوية بأني كنت لهم كما كان حاتم لقومه قال وكيف كان فأنشدته

( وأصبحت في أمر العشيرة كلها كذي الحلم يرضي ما يقول ويعرف )

( وذاك لأني لا أعادي سراتهم ولا عن أخي ضرائهم أتنكف )

( وإني لأعطي سائلي ولربما أكلف ما لا أستطيع فأكلف )

( وإني لمذموم إذا قيل حاتم نبا نبوة إن الكريم يعنف )

ووالله إني لأعفو عن سفيههم وأحلم عن جاهلهم وأسعي في حوائجهم وأعطي سائلهم فمن فعل فعلي فهو مثلي ومن فعل أحسن من فعلي فهو أفضل مني ومن قصر عن فعلي فأنا خير منه فقال معاوية لقد صدق الشماخ حيث يقول فيك

( رأيت عرابة الأوسي يسمو إلى الخيرات منقطع القرين )

( إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين )


392

378 سعيد بن عثمان بن عفان ومعاوية

دخل سعيد بن عثمان بن عفان رضي الله عنه على معاوية وابنه يزيد إلى جانبه فقال له ائتمنك أبي واصطنعك حتى بلغك باصطناعه إياك المدى الذي لا يجارى والغاية التي لا تسامى فما جازيت أبي بآلائه حتى قدمت هذا علي وجعلت له الأمر دوني وأومأ إلى يزيد والله لأبي خير من أبيه وأمي خير من أمه ولأنا خير منه فقال معاوية أما ما ذكرت يا بن أخي من تواتر آلائكم علي وتظاهر نعمائكم لدي فقد كان ذلك ووجب علي المكافأة والمجازاة وكان شكري إياه أن طلبت بدمه حتى كابدت أهوال البلاء وغشيت عساكر المنايا إلى أن شفيت حزازات الصدور وتجلت تلك الأمور ولست لنفسي باللائم في التشمير ولا الزاري عليها في التقصير وذكرت أن أباك خير من أبي هذا وأشار بيده إلي يزيد فصدقت لعمر الله لعثمان خير من معاوية أكرم كريما وأفضل قديما وأقرب إلى محمد رحما وذكرت أن أمك خير من أمه فلعمري إن امرأة من قريش خير من امرأة من بني كلب وذكرت أنك خير من يزيد فوالله يا بن أخي ما يسرني أن الغوطة عليها رجال مثل يزيد

فقال له يزيد مه يا أمير المؤمنين ابن أخيك استعمل الدالة عليك واستعتبك لنفسه واستزاد منك فزده وأجمل له في ردك واحمل على نفسك ووله خراسان بشفاعتي وأعنه بمال يظهر به موروثه فولاه معاوية خراسان وأجازه بمائة ألف درهم فكان ذلك أعجب ما ظهر من حلم يزيد


393

379 مصقلة بن هبيرة ومعاوية

مرض معاوية مرضا شديدا فأرجف به مصقلة بن هبيرة وساعده قوم على ذلك ثم تماثل وهم في إرجافهم فحمل زياد مصقلة إلى معاوية وكتب إليه أنه يجمع مراقا من مراق العراق فيرجفون بأمير المؤمنين وقد حملته إليه ليرى رأيه فيه فقدم مصقلة وجلس معاوية للناس فلما دخل عليه قال ادن مني فدنا منه فأخذ بيده فجذبه فسقط مصقلة فقال معاوية ( أبقى الحوادث من خليلك مثل جندلة المراجم )

( صلبا إذا خار الرجال أبل ممتنع الشكائم )

( قد رامني الأعداء قبلك فامتنعت من المظالم )

فقال مصقلة يا أمير المؤمنين قد أبقى الله منك ما هو أعظم من ذلك بطشا وحلما راجحا وكلأ ومرعى لأوليائك وسما ناقعا لأعدائك كانت الجاهلية فكان أبوك سيد المشركين وأصبح الناس مسلمين وأنت أمير المؤمنين وقام فوصله معاوية وأذن له في الانصراف إلى الكوفة فقيل له كيف تركت معاوية فقال زعمتم أنه كبر وضعف والله لقد غمزني غمزة كاد يحطمني وجذبني جذبة كاد يكسر عضوا مني

380 روح بن زنباع ومعاوية

وولى معاوية روح بن زنباع فعتب عليه في جناية فكتب إليه بالقدوم فلما قدم أمر بضربه بالسياط فلما أقيم ليضرب قال نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تهدم مني ركنا أنت بنيته أو أن تضع مني خسيسة أنت رفعتها أو تشمت بي عدوا أنت


394
وقمته وأسألك بالله إلا أتي حلمك وعفوك دون إفساد صنائعك فقال معاوية إذا الله سنى أمرا عقد أمر تيسرا خلوا سبيله

381 مخاصمة أبي الأسود الدؤلي وامرأته بين يدي زياد بن أبيه

جرى بين أبي الأسود الدؤلي وبين امرأته كلام في ابن كان لها منه وأراد أخذه منها فسار إلى زياد وهو والي البصرة

فقالت المرأة أصلح الله الأمير هذا ابني كان بطني وعاءه وحجري فناءه وثديي سقاءه أكلؤه إذا نام وأحفظه إذا قام فلم أزل بذلك سبعة أعوام حتى إذا استوفى فصاله وكملت خصاله واستوكعت أوصاله وأملت نفعه ورجوت دفعه أراد أن يأخذه مني كرها فآدني أيها الأمير فقد رام قهري وأراد قسري

فقال أبو الأسود أصلحك الله هذا ابني حملته قبل أن تحمله ووضعته قبل أن تضعه وأنا أقوم عليه في أدبه وأنظر في أوده وأمنحه علمي وألهمه حلمي حتى يكمل عقله ويستحكم فتله

فقالت المرأة صدق أصلحك الله حمله خفا وحملته ثقلا ووضعه شهوة ووضعته كرها

فقال له زياد اردد على المرأة ولدها فهي أحق به منك ودعني من سجعك أو قال إنها امرأة عاقلة يا أبا الأسود فادفع ابنها إليها فأخلق أن تحسن أدبه


395

382 صورة أخرى

وروى أحمد بن أبي طاهر طيفور هذا الخبر بصورة أطول وهاكها قال أبو محمد القشيري كان أبو الأسود الدؤلي من أكبر الناس عند معاوية بن أبي سفيان وأقربهم مجلسا وكان لا ينطق إلا بعقل ولا يتكلم إلا بعد فهم فبينا هو ذات يوم جالس وعنده وجوه قريش وأشراف العرب إذ أقبلت امرأة أبي الأسود الدؤلي حتى حاذت معاوية وقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته إن الله جعلك خليفة في البلاد ورقيبا على العباد يستسقي بك المطر ويستنبت بك الشجر وتؤلف بك الأهواء ويأمن بك الخائف ويردع بك الجانف فأنت الخليفة المصطفى والإمام المرتضى فاسأل الله لك النعمة في غير تغبير والعافية من غير تعذير قد ألجأني إليك يا أمير المؤمنين أمر ضاق علي فيه المنهج وتفاقم علي منه المخرج لأمر كرهت عاره لما خشيت إظهاره فلينصفني أمير المؤمنين من الخصم فإني أعوذ بعقوته من العار الوبيل والأمر الجليل الذي يشتد على الحرائر ذوات البعول الأجائر فقال لها معاوية ومن بعلك هذا الذي تصفين من أمره المنكر ومن فعله المشهر فقالت هو أبو الأسود الدؤلي فالتفت إليه فقال يا أبا الأسود ما تقول هذه المرأة فقال أبو الأسود هي تقول من الحق بعضا ولن يستطيع أحد عليها نقصا أما ما ذكرت من طلاقها فهو حق وأنا مخبر أمير المؤمنين عنه بالصدق والله يا أمير المؤمنين ما طلقتها عن ريبة


396
ظهرت ولا لأي هفوة حضرت ولكني كرهت شمائلها فقطعت عني حبائلها فقال معاوية وأي شمائلها يا أبا الأسود كرهت قال يا أمير المؤمنين إنك مهيجها علي بجواب عتيد ولسان شديد فقال معاوية لا بد لك من محاورتها فاردد عليها قولها عند مراجعتها فقال أبو الأسود يا أمير المؤمنين إنها كثيرة الصخب دائمة الذرب مهينة للأهل مؤذية للبعل مسيئة إلى الجار مظهرة للعار إن رأت خيرا كتمته وإن رأت شرا أذاعته فقالت والله لولا مكان أمير المؤمنين وحضور من حضره من المسلمين لرددت عليك بوادر كلامك بنوافذ أقرع بها كل سهامك وإن كان لا يجمل بالمرأة الحرة أن تشتم بعلا ولا أن تظهر لأحد جهلا فقال معاوية عزمت عليك لما أجبته فقالت يا أمير المؤمنين ما علمته إلا سئولا جهولا ملحا بخيلا إن قال فشر قائل وإن سكت فذو دغائل ليث حين يأمن وثعلب حين يخاف شحيح حين يضاف إن ذكر الجود القمع لما يعرف من قصر رشاته ولؤم آبائه ضيفه جائع وجاره ضائع لا يحفظ جارا ولا يحمي ذمارا ولا يدرك ثارا أكرم الناس عليه من أهانه وأهونهم عليه من أكرمه فقال معاوية سبحان الله لما تأتي به هذه المرأة من السجع فقال
397
أبو الأسود أصلح الله أمير المؤمنين إنها مطلقة ومن أكثر كلاما من مطلقة فقال لها معاوية إذا كان رواحا فتعالى أفصل بينك وبينه بالقضاء

فلما كان الرواح جاءت ومعها ابنها قد احتضنته فلما رآها أبو الأسود قام إليها لينتزع ابنه منها فقال له معاوية يا أبا الأسود لا تعجل المرأة أن تنطق بحجتها قال يا أمير المؤمنين أنا أحق بحمل ابني منها فقال له معاوية يا أبا الأسود دعها تقل فقال يا أمير المؤمنين حملته قبل أن تحمله ووضعته قبل أن تضعه فقالت صدق والله يا أمير المؤمنين حمله خفا وحملته ثقلا ووضعه شهوة ووضعته كرها إن بطني لوعاؤه وإن ثديي لسقاؤه وإن حجري لفناؤه فقال معاوية سبحان الله لما تأتين به فقال أبو الأسود إنها تقول الأبيات من الشعر فتجيدها فقال معاوية إنها قد غلبتك في الكلام فتكلف لها أبياتا لعلك تغلبها فأنشأ أبو الأسود يقول

( مرحبا بالتي تجور علينا ثم سهلا بالحامل المحمول )

( أغلقت بابها علي وقالت إن خير النساء ذات البعول )

( شغلت نفسها علي فراغا هل سمعتم بالفارغ المشغول )

فأجابته وهي تقول

( ليس من قال بالصواب وبالحق كمن جار عن منار السبيل )

( كان ثديي سقاءه حين يضحي ثم حجري فناؤه بالأصيل )

( لست أبغي بواحدي يابن حرب بدلا ما علمته والخليل )

فأجابها معاوية

( ليس من غداه حينا صغيرا وسقاه من ثديه بخذول )


398

( هي أولى به وأقرب رحما من أبيه بالوحي والتنزيل )

( أمه ما حنت عليه وقامت هي أولى بحمل هذا الضئيل )

فقضي لها معاوية عليه واحتملت ابنها وانصرفت

383 وفد أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير

لما قدم الأحنف في وجوه أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير تكلم أبو حاضر الأسيدي وكان خطيبا جميلا فقال له عبد الله بن الزبير اسكت فوالله لوددت أن لي بكل عشرة من أهل العراق رجلا من أهل الشأم صرف الدينار بالدرهم قال يا أمير المؤمنين إن لنا ولك مثلا أفتأذن في ذكره قال نعم قال مثلنا ومثلك ومثل أهل الشأم قول الأعشى حيث يقول

( علقتها عرضا وعلقت رجلا غيري وعلق أخرى غيرها الرجل )

أحبك أهل العراق وأحببت أهل الشأم وأحب أهل الشأم عبد الملك ابن مروان

384 كلام خطيب الأزد بين يدي عبد الملك بن مروان

بعث الحجاج خطباء من الأحماس إلى عبد الملك بن مروان فتكلموا فلما انتهى الكلام إلى خطيب الأزد قام فقال قد علمت العرب أنا حي فعال ولسنا بحي مقال وأنا نجزي بفعلنا عند أحسن


399
قولهم إن السيوف لتعرف أكفنا وإن الموت ليستعذب أرواحنا وقد علمت الحرب الزبون أنا نقرع جماحها ونحلب صراها ثم جلس

385 سؤال عبد الملك للعجاج وما أجاب به

ودخل العجاج على عبد الملك بن مروان فقال يا عجاج بلغني أنك لا تقدر على الهجاء فقال يا أمير المؤمنين من قدر على تشييد الأبنية أمكنه إخراب الأخبية قال فما يمنعك من ذلك قال إن لنا عزا يمنعنا من أن نظلم وإن لنا حلما يمنعنا من أن نظلم فعلام الهجاء فقال لكلماتك أشعر من شعرك فأني لك عز يمنعك من أن تظلم قال الأدب البارع والفهم الناصع قال فما الحلم الذي يمنعك من أن تظلم قال الأدب المستظرف والطبع التالد قال يا عجاج لقد أصبحت حكيما قال وما يمنعني وأنا بحي أمير المؤمنين

386 وفود الحجاج بإبراهيم بن محمد بن طلحة على عبد الملك بن مروان

لما ولي الحجاج بن يوسف الحرمين بعد قتله ابن الزبير استخص إبراهيم بن محمد ابن طلحة فقربه وعظم منزلته فلم تزل تلك حاله عنده حتى خرج إلى عبد الملك بن مروان فخرج معه معادلا لا يقصر له في بر وإعظام حتى حضر به عبد الملك فلما


400
دخل عليه لم يبدأ بشيء بعد السلام إلا أن قال له قدمت عليك أمير المؤمنين برجل الحجاز لم أدع له بها نظيرا في الفضل والأدب والمروءة وحسن المذهب مع قرابة الرحم ووجوب الحق وعظم قدر الأبوة وما بلوت منه في الطاعة والنصيحة وحسن المؤازرة وهو إبراهيم بن محمد بن طلحة وقد أحضرته بابك ليسهل عليه إذنك وتعرف له ما عرفتك فقال أذكرتنا رحما قريبة وحقا واجبا يا غلام ائذن لإبراهيم بن محمد بن طلحة فلما دخل عليه أدناه عبد الملك حتى أجلسه على فراشه ثم قال له يا بن طلحة إن أبا محمد الحجاج ذكرنا ما لم نزل نعرفك به من الفضل والأدب والمروءة وحسن المذهب مع قرابة الرحم ووجوب الحق وعظم قدر الأبوة وما بلاه منك في الطاعة والنصيحة وحسن المؤازرة فلا تدعن حاجة في خاصة نفسك وعامتك إلا ذكرتها فقال يا أمير المؤمنين إن أول الحوائج وأحق ما قدم بين يدي الأمور ما كان لله فيه رضا ولحق نبيه أداء ولك فيه ولجماعة المسلمين نصيحة وعندي نصيحة لا أجد بدا من ذكرها ولا أقدر على ذلك إلا وأنا خال فأخلني يا أمير المؤمنين ترد عليك نصيحتي قال أدون أبي محمد قال نعم دون أبي محمد قال عبد الملك للحجاج قم فلما خطرف الستر أقبل على إبراهيم فقال يا بن طلحة قل نصيحتك قال بالله يا أمير المؤمنين لقد عهدت إلى الحجاج في تغطرسه وتعجرفه وبعده من الحق وقربه من الباطل فوليته الحرمين وهما ما هما وبهما من بهما من المهاجرين والأنصار والموالي الأخيار يسومهم الخسف ويحكم فيهم بغير السنة بعد الذي كان من سفك دمائهم وما انتهك من حرمهم ويطؤهم بطغام أهل الشام ورعاع لا روية لهم في إقامة حق ولا في إزاحة باطل ثم تظن أن ذلك ينجيك من عذاب الله فكيف بك إذا جاثاك محمد غدا للخصومة بين يدي الله تعالى أما والله إنك لن تنجو هناك إلا بحجة تضمن لك
401
النجاة فاربع على نفسك أودع وكان عبد الملك متكئا فاستوى جالسا وقال كذبت ومنت فيما جئت به ولقد ظن بك الحجاج ظنا لم نجده فيك وقد يظن الخير بغير أهله قم فأنت المائن الحاسد قال فقمت والله ما أبصر شيئا فلما خطرف الستر لحقني لاحق فقال للحاجب امنع هذا من الخروج وأذن للحجاج فدخل فلبث مليا ولا أشك أنهما في امري ثم خرج الإذن لي فدخلت فلما كشف لي الستر إذا أنا بالحجاج خارج فاعتنقني وقبل ما بين عيني وقال أما إذا جزى الله المتواخين خيرا بفضل تواصلهما فجزاك الله عني أفضل الجزاء فوالله لئن سلمت لك لأرفعن ناظريك ولأعلين كعبك ولأتبعن الرجال غبار قدميك قال فقلت في نفسي إنه ليسخر بي فلما وصلت إلى عبد الملك أدناني حتى أدناني مجلسي الأول ثم قال يا بن طلحة هل أعلمت الحجاج بما جري أو شاركك أحد في نصيحتك فقلت لا والله ولا أعلم أحدا أظهر يدا عندي من الحجاج ولو كنت محابيا أحدا بديني لكان هو ولكني آثرت الله ورسوله والمسلمين قال قد علمت أنك لم ترد الدنيا ولو أردتها لكانت لك في الحجاج ولكن أردت الله والدار الآخرة وقد عزلته عن الحرمين لما كرهت من ولايته عليهما وأعلمته أنك استنزلتني له عنهما استقلالا لهما ووليته العراقين وما هنالك من الأمور التي لا يدحضها إلا مثله وإنما قلت له ذلك ليؤدي ما يلزمه من ذمامك فإنك غير ذام لصحبته مع يدك عنده فخرجت مع الحجاج وأكرمني أضعاف إكرامه
402

387 قدوم الحجاج مع أشراف المصرين على عبد الملك

لما فرغ الحجاج من دير الجماجم وقدم على عبد الملك ومعه أشراف أهل المصرين البصرة والكوفة أدخلهم عليه فبينما هم عنده إذ تذاكروا البلدان فقال محمد بن ابن عمير بن عطارد أصلح الله الأمير إن الكوفة أرض ارتفعت عن البصرة وحرها وغمقها وسفلت عن الشأم ووبائها وجاورها الفرات فعذب ماؤها وطاب ثمرها فقال خالد بن صفوان الأهتمي أصلح الله الأمير نحن أوسع منهم برية وأسرع منهم في السرية وأكثر منهم قندا وعاجا وساجا وناسا ماؤنا صفو وخيرنا عفو لا يخرج من عندنا إلا قائد وسائق وناعق فقال الحجاج أصلح الله أمير المؤمنين إني بالبلدين خبير وقد وطئتهما جميعا فقال له قل فأنت عندنا مصدق فقال أما البصرة فعجوز شمطاء دفراء بخراء أوتيت من كل حلي وزينة وأما الكوفة فشابة حسناء جميلة لا حلي لها ولا زينة فقال عبد الملك فضلت الكوفة على البصرة

وروى الجاحظ قال قال خالد بن صفوان وسئل عن الكوفة والبصرة نحن منابتنا قصب وأنهارنا عجب وسماؤنا رطب وأرضنا ذهب


403

وقال الأحنف نحن أبعد منكم سرية وأعظم منكم تجرية وأكثر منكم ذرية وأغذى منكم برية

وقال أبو بكر الهذلي نحن أكثر منكم ساجا وعاجا وديباجا وخراجا ونهرا عجاجا

388 وفود مالك بن بشير على الحجاج بقتل الأزارقة

لما هزم المهلب بن أبي صفرة قطري بن الفجاءة صاحب الأزارقة بعث إلي مالك بن بشير فقال له إني موفدك إلى الحجاج فسر فإنما هو رجل مثلك وبعث إليه بجائزة فردها وقال إنما الجائزة بعد الاستحقاق وتوجه فلما دخل على الحجاج قال له ما اسمك قال مالك بن بشير قال ملك وبشارة كيف تركت المهلب قال أدرك ما أمل وأمن من خاف قال كيف هو لجنده قال والد رءوف قال فكيف رضاهم عنه قال وسعهم بالفضل وأقنعهم بالعدل قال فكيف تصنعون إذا لقيتم عدوكم قال نلقاهم بجدنا فنطمع فيهم ويلقوننا بجدهم فيطمعون فينا قال كذلك الجد إذا لقي الجد قال فما حال قطري قال كادنا ببعض ما كدناه قال فما منعكم من اتباعه قال رأينا المقام من ورائه خيرا من اتباعه قال فأخبرني عن ولد المهلب قال أعباء القتال بالليل حماة السرح بالنهار قال أيهم أفضل قال ذلك إلى أبيهم قال لتقولن قال هم كحلقة مضروبة لا يعرف طرفاها قال أقسمت عليك هل روأت في هذا الكلام قال ما أطلع الله على غيبه أحدا فقال الحجاج لجلسائه هذا والله الكلام المطبوع لا الكلام المصنوع


404

389 وفود كعب الأشقرى على الحجاج

أوفد المهلب بن أبي صفرة كعب بن معدان الأشقري ومعه مرة بن تليد الأزدي إلى الحجاج بعد هزيمة الأزارقة وقتل أميرهم عبد ربه الصغير فلما دخلا عليه بدر كعب فأنشده قصيدته التي مطلعها

( يا حفص إني عداني عنكم السفر وقد سرت فأذى عيني السهر )

فقال له الحجاج أشاعر أم خطيب قال كلاهما ثم أقبل عليه فقال له أخبرني عن بني المهلب قال المغيرة فارسهم وسيدهم نار ذاكية وصعدة عالية وكفى بيزيد فارسا شجاعا ليث غاب وبحر جم عباب وجوادهم وسخيهم قبيصة ليث المغار وحامى الذمار ولا يستحيى الشجاع أن يفر من مدرك فكيف لا يفر من الموت الحاضر والأسد الخادر وعبد الملك سم ناقع وسيف قاطع وحبيب الموت الزعاف إنما هو طود شامخ وفخر باذخ وأبو عينية البطل الهمام والسيف الحسام وكفاك بالمفضل نجدة ليث هدار وبحر موار ومحمد ليث غاب وحسام ضراب قال فكيف كانوا فيكم قال كانوا حماة السرح نهارا فإذا أليلوا ففرسان البيات قال فأيهم كان أنجد قال كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفها قال فكيف كان لكم المهلب وكنتم له قال كان لنا منه شفقة الوالد وله منا بر الولد قال فكيف جماعة الناس قال على أحسن حال أدركوا ما رجوا وأمنوا مما خافوا وأرضاهم العدل وأغناهم النفل قال فكيف كنتم أنتم وعدوكم قال كنا إذا أخذنا عفونا وإذا أخذوا يئسنا منهم


405
وإذا اجتهدوا واجتهدنا طمعنا فيهم فقال الحجاج إن العاقبة للمتقين قال كيف أفلتكم قطري قال كدناه ببعض ما كادنا به فصرنا منه إلى الذي نحب قال فهلا اتبعتموه قال كان الحد عندنا آثر من الفل قال أكنت أعددت لي هذا الجواب قال لا يعلم الغيب إلا الله فقال هكذا تكون والله الرجال المهلب كان أعلم بك حيث وجهك وأمر له بعشرة آلاف درهم وحمله على فرس وأوفده على عبد الملك بن مروان فأمر له بعشرة آلاف أخرى

390 سليك بن سلكة والحجاج

دخل على الحجاج سليك بن سلكة فقال أصلح الله الأمير أعرني سمعك واغضض عني بصرك واكفف عني حزبك فإن سمعت خطأ أو زللا فدونك والعقوبة فقال قل فقال عصى عاص من عرض العشيرة فحلق على اسمي وهدمت داري وحرمت عطائي قال هيهات أما سمعت قول الشاعر

( جانيك من يجني عليك وربما تعدي الصحاح مبارك الجرب )

( ولرب مأخوذ بذنب عشيرة ونجا المقارف صاحب الذنب )


406

قال أصلح الله الأمير سمعت الله قال غير هذا قال وما ذاك قال قال ( يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون )

قال الحجاج علي بيزيد بن أبي مسلم فأتي به فمثل بين يديه فقال فكك لهذا عن اسمه واصكك له بعطائه وابن له منزله ومر مناديا ينادي في الناس صدق الله وكذب الشاعر

391 جامع المحاربي والحجاج

شكا الحجاج سوء طاعة أهل العراق وتنقم مذهبهم وتسخط طريقتهم فقال له جامع المحاربي وكان شيخا صالحا خطيبا لسفا أما إنهم لو أحبوك لأطاعوك على أنهم ما شنئوك لنسبك ولا لبلدك ولا لذات نفسك فدع ما يبعدهم منك إلى ما يقربهم إليك والتمس العافية ممن دونك تعطها ممن فوقك وليكن إيقاعك بعد وعيدك ووعيدك بعد وعدك قال الحجاج إني والله ما أرى أن أرد بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف فقال أيها الأمير إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار فقال الحجاج الخيار يومئذ لله قال أجل ولكن لا تدري لمن يجعله الله فغضب الحجاج وقال يا هناه إنك من محارب فقال جامع

( وللحرب سمينا وكان محاربا إذا ما القنا أمسى من الطعن أحمرا )


407

فقال الحجاج والله لهممت أن أخلع لسانك فأضرب به وجهك فقال جامع إن صدقناك أغضبناك وإن غششناك أغضبنا الله فغضب الأمير أهون علينا من غضب الله قال أجل وسكن وشغل الحجاج ببعض الأمر فانسل جامع فمر بين صفوف خيل الشأم حتى جاوز إلى خيل أهل العراق وكان الحجاج لا يخلطهم فأبصر كبكبة فيها جماعة من بكر العراق وتميم العراق وأزد العراق وقيس العراق فلما رأوه أشرأبوا إليه وبلغهم خروجه فقالوا له ما عندك دافع الله لنا عن نفسك فقال ويحكم عموه بالخلع كما يعمكم بالعداوة ودعوا التعادي ما عاداكم فإذا ظفرتم به تراجعتم وتعاقبتم أيها التميمي هو أعدى لك من الأزدي وأيها القيسي هو أعدى لك من التغلبي وهل ظفر بمن ناوأه منكم إلا بمن بقي معه منكم وهرب جامع من فوره ذلك إلى الشأم فاستجار بزفر بن الحارث

392 ليلى الأخيلية والحجاج

عن مولى لعنبسه بن سعيد بن العاصى قال كنت أدخل مع عنبسة بن سعيد بن العاصى إذا دخل على الحجاج فدخل يوما فدخلت إليهما وليس عند الحجاج أحد إلا عنبسة فأقعدني فجيء بالحجاج بطبق فيه رطب فأخذ الخادم منه شيئا فجاءني به ثم جيء بطبق آخر حتى كثرت الأطباق وجعل لا يأتون بشيء إلا جاءني منه بشيء حتى ظننت أن ما بين يدي أكثر مما عندهما ثم جاء الحاجب فقال امرأة بالباب فقال له الحجاج أدخلها فدخلت فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب الأرض فجاءت حتى قعدت


408
بين يديه فنظرت فإذا امرأة قد أسنت حسنة الخلق ومعها جاريتان لها وإذا هي ليلى الأخيلية فسألها الحجاج عن نسبها فانتسبت له فقال لها يا ليلى ما أتى بك فقالت إخلاف النجوم وقلة الغيوم وكلب البرد وشدة الجهد وكنت لنا بعد الله الرفد فقال لها صفي لنا الفجاج فقالت الفجاج مغبرة والأرض مقشعرة والمبرك معتل وذو العيال مختل والهالك للقل والناس مسنتون رحمة الله يرجون أصابتنا سنون مجحفة مبلطة لم تدع لنا هبعا ولا ربعا ولا عافطة ولا نافطة أذهبت الأموال ومزقت الرجال وأهلكت العيال ثم قالت إني قلت في الأمير قولا قال هاتي فأنشأت تقول

( أحجاج لا يفلل سلاحك إنها المنايا بكف الله حيث تراها )

( أحجاج لا تعطى العصاة مناهم ولا الله يعطي للعصاة مناها )

( إذا هبط الحجاج أرضا مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها )

( شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاها )

( سقاها فرواها بشرب سجاله دماء رجال حيث مال حشاها )


409

( إذا سمع الحجاج رز كتيبة أعد لها قبل النزول قراها )

( أعد لها مسمومة فارسية بأيدي رجال يحلبون صراها )

( فما ولد الأبكار والعون مثله ببحر ولا أرض يجف ثراها )

قال فلما قالت هذا البيت قال الحجاج قاتلها الله والله ما أصاب صفتي شاعر مذ دخلت العراق غيرها ثم التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال والله إني لأعد للأمر عسى أن لا يكون أبدا ثم التفت إليها فقال حسبك قالت إني قد قلت أكثر من هذا قال حسبك ويحك حسبك ثم قال يا غلام اذهب إلى فلان فقل له اقطع لسانها فذهب بها فقال له يقول لك الأمير اقطه لسانها فأمر بإحضار الحجام فالتفتت إليه فقالت ثكلتك أمك أما سمعت ما قال إنما أمرك أن تقطع لساني بالصلة فبعث إليه يستثبته فاستشاط الحجاج غضبا وهم بقطع لسانه وقال ارددها فلما دخلت عليه قالت كاد وأمانة الله يقطع مقولي ثم أنشأت تقول

( حجاج أنت الذي ما فوقه أحد إلا الخليفة والمستغفر الصمد )

( حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحت وأنت للناس نور في الدجي يقد )

ثم أقبل الحجاج على جلسائه فقال اتدرون من هذه قالوا لا والله أيها الأمير إلا نا لم نر قط أفصح لسانا ولا أحسن محاورة ولا أملح أوجها ولا أرصن شعرا منها فقال هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها ثم التفت إليها فقال أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة قالت نعم أيها الأمير هو الذي يقول ( وهل تبكين ليلى إذا مت مرت قبلها وقام على قبرى النساء النوائح )


410

( كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها وجاد لها دمع من العين سافح )

( وأغبط من ليلى بما لا أناله بلى كل ما قرت به العين طائح )

( ولو أن ليلى الأخيلية سلمت علي ودوني جندل وصفائح )

( لسلمت تسليم البشاشة أو زقا إليها صدى من جانب القبر صائح )

فقال زيدينا من شعره يا ليلى قالت هو الذي يقول ( حمامة بطن الواد بين ترنمي سقاك من الغر الغوادي مطيرها )

( أبيني لنا لا زال ريشك ناعما ولا زلت في خضراء غض نضيرها )

( وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت فقد رابني منها الغداة سفورها )

( وقد رابني منها صدود رأيته وإعراضها عن حاجتي وبسورها )

( وأشرف بالقور اليفاع لعلني أرى نار ليلى أو يراني بصيرها )

( يقول رجال لا يضيرك نأيها بلى كل ما شف النفوس يضيرها )

( بلى قد يضير العين أن تكثر البكا ويمنع منها نومها وسرورها )

( وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها )

فقال الحجاج يا ليلي ما الذي رابه من سفورك فقالت أيها الأمير كان يلم بي كثيرا فأرسل إلي يوما إني آتيك وفطن الحي فأرصدوا له فلما أتاني سفرت عن وجهي فعلم أن ذلك لشر فلم يزد على التسليم والرجوع فقال لله درك


411
فهل رأيت منه شيئا تكرهينه فقالت لا والله الذي أسأله أن يصلحك إنه قال مرة قولا ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر فأنشأت أقول

وذي حاجة قلنا له لا تبح بها فليس إليها ما حييت سبيل )

( لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه وأنت لأخرى صاحب وخليل )

فلا والله الذي أسأله أن يصلحك ما رأيت منه شيئا حتى فرق الموت بيني وبينه قال ثم مه قالت ثم لم يلبث أن خرج في غزاة له فأوصى ابن عم له إذا أتيت الحاضر من بني عبادة فناد بأعلى صوتك ( عفا الله عنها هل أبيتن ليلة من الدهر لا يسري إلي خيالها )

وأنا أقول ( وعنه عفا ربي وأحسن حاله فعزت علينا حاجة لا ينالها )

قال ثم مه قالت ثم لم يلبث أن مات فأتانا نعيه فقال أنشدينا بعض مراثيك فيه فأنشدت

( لتبك العذارى من خفاجة نسوة بماء شئون العبرة المتحدر )

قال لها فأنشدينا فأنشدته

( كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ قلائص يفحصن الحصى بالكراكر )

فلما فرغت من القصيدة قال محصن الفقعسي وكان من جلساء الحجاج


412
من الذي تقول هذه هذا فيه فوالله إني لأظنها كاذبة فنظرت إليه ثم قالت أيها الأمير إن هذا القائل لو رأى توبة لسره أن لا تكون في داره عذراء إلا وهي حامل منه فقال الحجاج هذا وأبيك الجواب وقد كنت عنه غنيا ثم قال لها سلي يا ليلى تعطى قالت أعط فمثلك أعطى فأحسن قال لك عشرون قالت زد فمثلك زاد فأجمل قال لك أربعون قالت زد فمثلك زاد فأكمل قال لك ثمانون قالت زد فمثلك زاد فتمم قال لك مائة واعلمي أنها غنم قالت معاذ الله أيها الأمير أنت أجود جودا وأمجد مجدا وأورى زندا من أن تجعلها غنما قال فما هي ويحك يا ليلى قالت مائة من الإبل برعاتها فأمر لها بها ثم قال ألك حاجة بعدها قالت تدفع إلي النابغة الجعدي قال قد فعلت وقد كانت تهجوه ويهجوها فبلغ النابغة ذلك فخرج هاربا عائذا بعبد الملك فاتبعته إلى الشأم فهرب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان فاتبعته على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة فماتت بقومس ويقال بحلوان

393 الغضبان بن القبعثري والحجاج

ورد علي الحجاج كتاب من عبد الملك يأمره أن يبعث إليه بثلاثين جارية عشرا من النجائب وعشرا من قعد النكاح وعشرا من ذوات الأحلام فلما نظر إلى الكتاب لم يدر ما وصفه من الجواري فعرضه على أصحابه فلم يعرفوه فقال له بعضهم أصلح الله الأمير ينبغي أن يعرف هذا من كان في أوليته بدويا فله معرفة أهل البدو ثم غزا فله معرفة أهل الغزو ثم شرب الشراب فله بذاء أهل الشراب قال وأين هذا قيل في حبسك قال ومن هو قيل الغضبان الشيباني فأحضر


413
فلما مثل بين يديه قال أنت القائل لأهل الكوفة يتغدون بي قبل أن أتعشى بهم قال أصلح الله الأمير ما نفعت من قالها ولا ضرت من قيلت فيه قال إن أمير المؤمنين كتب إلي كتابا لم أدر ما فيه فهل عندك شيء منه قال يقرأ علي فقرئ عليه فقال هذا بين قال وما هو قال أما النجيبة من النساء فالتي عظمت هامتها وطال عنقها وبعد ما بين منكبيها وثدييها واتسعت راحتها ونخنت ركبتها فهذه إذا جاءت بالولد جاءت به كالليث وأما قعد النكاح فهن ذوات الأعجاز منكسرات الثدي كثيرات اللحم يقرب بعضهن من بعض فأولئك يشنين القرم ويروين الظمآن وأما ذوات الأحلام فبنات خمس وثلاثين إلى الأربعين

قال الحجاج أخبرني بشر النساء قال أصلح الله الأمير شرهن الصغيرة النقبة الحديدة الركبة السريعة الوثبة الواسطة في نساء الحي التي إذا غضبت غضب لها مائة وإذا سمعت كلمة قالت لا والله لا أنتهي حتى أقرها قرارها التي في بطنها جارية ويتبعها جارية وفي حجرها جارية قال الحجاج على هذه لعنة الله ثم قال ويحك فأخبرني بخير النساء قال خيرهن القريبة القامة من السماء الكثيرة الأخذ من الأرض الودود الولود التي في بطنها غلام وفي حجرها غلام ويتبعها غلام قال ويحك فأخبرني بشر الرجال قال شرهم السنوط الربوط المحمود في حرم الحي الذي إذا سقط لإحداهن دلو في بئر انحط عليه حتى يخرجه


414
فهن زينه الخير ويقلن عافى الله فلانا قال على هذا لعنة الله فأخبرني بخير الرجال قال خيرهم الذي يقول فيه الشماخ التغلبي

( فتى ليس بالراضي بأدنى معيشة ولا في بيوت الحي بالمتولج )

( فتى يملأ الشيزى ويروي سنانه ويضرب في رأس الكمى المدجج )

فقال له حسبك كم حبسنا عطاءك قال ثلاث سنين فأمر له بها وخلى سبيله

394 ابن القرية يعدد مساوئ المزاح

وقال الحجاج بن يوسف لابن القرية ما زالت الحكماء تكره المزاح وتنهى عنه فقال المزاح من أدنى منزلته إلى أقصاها عشرة أبواب المزاح أوله فرح وآخره ترح المزاح نقائض السفهاء كالشعر نقائض الشعراء والمزاح يوغر صدر الصديق وينفر الرفيق والمزاح يبدي السرائر لأنه يظهر المعاير والمزاح يسقط المروءة ويبدي الخنا لم يجر المزاح خيرا وكثيرا ما جر شرا الغالب بالمزاح واتر والمغلوب به ثائر والمزاح يجلب الشتم صغيره والحرب كبيره وليس بعد الحرب إلا عفو بعد قدرة فقال الحجاج حسبك الموت خير من عفو معه قدرة


415

395 يزيد بن أبي مسلم وسليمان بن عبد الملك

لما ولي سليمان بن عبد الملك أتى بيزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج في جامعة وكان رجلا دميما تقتحمه العين فلما رآه سليمان قال لعن الله امرأ أجرك رسنك وولى مثلك فقال يا أمير المؤمنين إنك رأيتني والأمر عني مدبر ولو رأيتني والأمر علي مقبل لاستعظمت من أمري ما استصغرت ولاستجللت ما استحقرت فقال له سليمان أين ترى الحجاج أيهوي في النار أم قد استقر في قعرها فقال يا أمير المؤمنين لا تقل هذا إن الحجاج قمع لكم الأعداء ووطأ لكم المنابر وزرع لكم الهيبة في قلوب الناس وبعد فإنه يأتي يوم القيامة عن يمين أبيك وشمال أخيك الوليد فضعه من النار حيث شئت فصاح سليمان اخرج إلى لعنة الله ثم التفت إلى جلسائه فقال قبحه الله ما كان أحسن ترتيبه لنفسه ولصاحبه ولقد أحسن المكافأة أطلقوا سبيله


416

396 وفود العراق على سليمان بن عبد الملك

وقدمت وفود العراق على سليمان بن عبد الملك بعدما استخلف فأمرهم بشتم الحجاج فقاموا يشتمونه فقال بعضهم إن عدو الله الحجاج كان عبدا زبابا قنور بن قنور لا نسب له في العرب قال سليمان أي شتم هذا إن عدو الله


417
الحجاج كتب إلي إنما أنت نقطة من مداد فإن رأيت في ما رأى أبوك وأخوك كنت لك كما كنت لهما وإلا فأنا الحجاج وأنت النقطة فإن شئت محوتك وإن شئت أثبتك فالعنوه لعنه الله فأقبل الناس يلعنونه فقام ابن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري فقال يا أمير المؤمنين إنا نخبرك عن عدو الله بعلم قال هات قال كان عدو الله يتزين تزين المومسة ويصعد المنبر فيتكلم بكلام الأخيار فإذا نزل عمل عمل الفراعنة وأكذب في حديثه من الدجال فقال سليمان لرجاء بن حيوة هذا وأبيك الشتم لا ما تأتي به السفلة

397 كلام أبي حازم لسليمان بن عبد الملك

حج سليمان بن عبد الملك فلما قدم المدينة للزيارة بعث إلى أبي حازم الأعرج وعنده ابن شهاب فلما دخل قال تكلم يا أبا حازم قال فيم أتكلم يا أمير المؤمنين قال في المخرج من هذا الأمر قال يسير إن أنت فعلته قال وما ذاك قال لا تأخذ الأشياء إلا من حلها ولا تضعها إلا في أهلها قال ومن يقوى على ذلك قال من قلده الله من أمر الرعية ما قلدك قال أعطنى أبا حازم قال اعلم أن هذا الأمر لم يصر إليك إلا بموت من كان قبلك وهو خارج من يديك بمثل ما صار إليك قال يا أبا حازم أشر علي قال إنما أنت سوق فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر فاختر أيهما شئت قال مالك لا تأتينا قال وما أصنع بإتيانك يا أمير المؤمنين إن أدنيتنى فتنتنى وإن اقصيتنى أخزيتنى وليس عندك ما أرجوك له ولا عندي


418
ما أخافك عليه قال فارفع إلينا حاجتك قال قد رفعتها إلى من هو أقدر منك عليها فما أعطاني منها قبلت وما منعنى منها رضيت

398 أبو حازم وسليمان بن عبد الملك أيضا

ودخل عليه أبو حازم الأعرج فقال يا أبا حازم ما لنا نكره الموت فقال لأنكم عمرتم دنياكم وأخربتم آخرتكم فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب قال فأخبرني كيف القدوم على الله قال أما المحسن فكالغائب يأتى أهله مسرورا وأما المسيء فكالعبد الابق يأتى مولاه محزونا قال فأي الأعمال أفضل قال أداء الفرائض مع اجتناب المحارم قال فأى القول أعدل قال كلمة حق عند من تخاف وترجو قال فأى الناس أعقل قال من عمل بطاعة الله قال فأى الناس أجهل قال من باع آخرته بدنيا غيره قال عظني وأوجز قال يا أمير المؤمنين نزه ربك وعظمه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك فبكى سليمان بكاء شديدا فقال له بعض جلسائه أسرفت ويحك على أمير المؤمنين فقال له أبو حازم اٌسكت فإن الله عز وجل أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه ثم خرج فلما صار إلى منزله بعث إليه سليمان بمال فرده وقال للرسول قل له والله يا أمير المؤمنين ما أرضاه لك فكيف أرضاه لنفسي


419

399 وفد أهل الحجاز عند عمر بن عبد العزيز

لما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قدم عليه وفود أهل كل بلد فتقدم إليه وفد أهل الحجاز فاشرأب منهم غلام للكلام فقال عمر مهلا يا غلام ليتكلم من هو أسن منك فقال الغلام مهلا يا أمير المؤمنين إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه فإذا منح الله العبد لسانا لافظا وقلبا حافظا فقد استجاد له الحلية ولو كان التقدم بالسن لكان في هذه الأمة من هو أحق بمجلسك منك فقال عمر صدقت تكلم فهذا السحر الحلال فقال يا أمير المؤمنين نحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة قدمنا إليك من بلدنا نحمد الله الذي من بك علينا لم يخرجنا إليك رغبة ولا رهبة لأنا قد أمنا في أيامك ما خفنا وأدركنا ما طلبنا فقال عظنا يا غلام وأوجز قال نعم يا أمير المؤمنين إن أناسا غرهم حلم الله عنهم وطول أملهم وحسن ثناء الناس عليهم فلا يغرنك حلم الله عنك وطول أملك وحسن ثناء الناس عليك فنزل قدمك فنظر عمر في سن الغلام فإذا هو قد أتت عليه بضع عشرة سنة فأنشأ عمر يقول

( تعلم فليس المرء يولد عالما وليس أخو علم كمن هو جاهل )

( وإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت عليه المحافل )


420

400 خالد بن صفوان يعزي عمر بن عبد العزيز ويهنئه

وعزى خالد بن صفوان عمر بن عبد العزيز وهنأه بالخلافة فقال الحمد لله الذي من على الخلق بك والحمد لله الذي جعل موتكم رحمة وخلافتكم عصمة ومصائبكم أسوة وجعلكم قدوة

401 خطبة عبد الله بن الأهتم

دخل عبد الله بن الأهتم على عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى مع العامة فلم يفجأ عمر إلا وهو ماثل بين يديه يتكلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الله خلق الخلق غنيا عن طاعتهم آمنا من معصيتهم والناس يومئذ في المنازل والرأي مختلفون والعرب بشر تلك المنازل أهل الوتر وأهل المدر تحتاز دونهم طيبات الدنيا ورفاغة عيشتها ميتهم في النار وحبهم أعمى مع ما لا يحصى من المرغوب عنه والمزهود فيه فلما أراد الله أن ينشر فيهم رحمته بعث إليهم رسولا منهم ( عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) فلم يمنعهم ذلك أن جرحوه في جسمه ولقبوه في اسمه ومعه كتاب من الله لا يرحل إلا بأمره ولا ينزل إلا بإذنه واضطروه إلى بطن غار فلما أمر بالعزيمة أسفر لأمر الله لونه فأفلج الله حجته وأعلى كلمته وأظهر دعوته ففارق الدنيا نقيا تقيا ثم قام بعده أبو بكر رضي الله تعالى عنه فسلك سنته وأخذ سبيله وارتدت العرب فلم يقبل منهم بعد رسول الله إلا الذي كان قابلا منهم


421
فانتضى السيوف من أغمادها وأوقد النيران من شعلها ثم ركب بأهل الحق أهل الباطل فلم يبرح يفصل أوصالهم ويسقى الأرض دماءهم حتى أدخلهم في الذي خرجوا منه وقررهم بالذي نفروا منه وقد كان أصاب من مال الله بكرا يرتوي عليه وحبشية ترضع ولدا له فرأى ذلك غصة عند موته في حلقه فأدى ذلك إلى الخليفة من بعده وبرئ إليهم منه وفارق الدنيا نقيا تقيا على منهاج صاحبه رضي الله تعالى عنه ثم قام من بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعالى فمصر الأمصار وخلط الشدة باللين فحسر عن ذراعيه وشمر عن ساقيه وأعد للأمور أقرانها وللحرب آلتها فلما أصابه قن المغيرة بن شعبة أمر ابن عباس يسأل الناس هل يثبتون قاتله فلما قيل له قن المغيرة استهل بحمد الله أن لا يكون أصابه ذو حق في الفيء فيستحل دمه بما استحل من حقه وقد كان أصاب من مال الله بضعا وثمانين ألفا فكسر بها رباعه وكره بها كفالة أهله وولده فأدى ذلك إلى الخليفة من بعده وفارق الدنيا نقيا تقيا على منهاج صاحبه رضي الله تعالى عنهما ثم إنا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ظلع ثم إنك يا عمر ابن الدنيا ولدتك ملوكها وألقمتك ثديها فلما وليتها ألقيتها حيث ألقاها الله فالحمد لله الذي جلا بك حوبتها وكشف بك كربتها امض ولا تلتفت فإنه لا يذل على الحق شيء ولا يعز على الباطل شيء أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات ولما أن قال ثم إنا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ظلع سكت الناس كلهم إلا هشاما فإنه قال كذبت
422

402 مقام محمد بن كعب القرظي بين يدي عمر بن عبد العزيز

قام محمد بن كعب القرظي بين يدي عمر بن عبد العزيز فقال إنما الدنيا سوق من الأسواق فمنها خرج الناس بما ينفعهم وبما يضرهم وكم من قوم قد غرهم مثل الذي أصبحنا فيه حتى أتاهم الموت فاستوعبهم فخرجوا من الدنيا مرملين لم يأخذوا لما أحبوا من الآخرة عدة ولا لما كرهوا جنة واقتسم ما جمعوا من لم يحمدهم وصاروا إلى من لا يعذرهم فانظر الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت فقدمه بين يديك حتى تخرج إليه وانظر الذي تكره أن يكون معك إذا قدمت فابتغ به البدل حيث يجوز البدل ولا تذهبن إلى سلعة قد بارت على غيرك ترجو جوازها عندك يا أمير المؤمنين افتح الأبواب وسهل الحجاب وانصر المظلوم ورد الظالم

403 وفد أهل الحجاز على هشام بن عبد الملك

وفد أهل الحجاز من قريش على هشام بن عبد الملك بن مروان وفيهم محمد ابن أبي الجهم بن حذيفة العدوي وكان أعظمهم قدرا وأكبرهم سنا وأفضلهم رأيا وحلما فقام متوكئا على عصا فقال أصلح الله أمير المؤمنين إن خطباء قريش قد قالت فيك فأطنبت وأثنت عليك فأحسنت ووالله ما بلغ قائلهم قدرك ولا أحصى مثنيهم فضلك أفتأذن لي في الكلام قال تكلم قال أفأوجز أم أطنب قال بل أوجز قال تولاك الله أمير المؤمنين


423
بالحسنى وزينك بالتقوى وجمع لك خير الآخرة والأولى إن لي حوائج أفأذكرها قال هاتها قال كبرت سني وضعفت قواي واشتدت حاجتي فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسري وينفي فقري قال يا بن أبي الجهم وما الذي يجبر كسرك وينفى فقرك قال ألف دينار وألف دينار وألف دينار فأطرق هاشم طويلا ثم قال هيهات يا بن أبي الجهم بيت المال لا يحتمل ما سألت فقال أما إن الأمر لواحد ولكن الله آثرك لمجلسك فإن تعطنا فحقنا أديت وإن تمنعنا نسأل الذي بيده ما حويت إن الله جعل العطاء محبة والمنع مبغضة ولأن أحبك أحب إلي من أن أبغضك قال فألف دينار لماذا قال أقضي بها دينا قد حم قضاؤه وفدحنى حمله وأرهقنى أهله قال نعم المسلك أسلكتها دينا قضيت وأمانة أديت وألف دينار لماذا قال أزوج بها من أدرك من ولدي فأشد بهم عضدي ويكثر بهم عددي قال ولا بأس أغضضت طرفا وحصنت فرجا وأمرت نسلا وألف دينار لماذا قال أشتري بها أرضا يعيش بها ولدي وأستعين بفضلها على نوائب دهري وتكون ذخرا لمن بعدي قال ولا بأس أردت ذخرا ورجوت أجرا ووصلت رحما قد أمرنا لك بما سألت قال فالمحمود الله على ذلك وجزاك الله يا أمير المؤمنين والرحم خيرا وخرج فقال هشام تالله ما رأيت رجلا ألطف في سؤال ولا أرفق في مقال من هذا هكذا فليكن القرشي وإنا لنعرف الحق إذا نزل ونكره الإسراف والبخل وما نعطي تبذيرا ولا نمنع تقتيرا وما نحن إلا خزان الله في بلاده وأمناؤه على عباده فإن أذن أعطينا وإذا منع أبينا ولو كان كل قائل يصدق وكل سائل يستحق ما جبهنا قائلا ولا رددنا سائلا فنسأل الذي بيده ما استحفظنا أن يجريه على أيدينا فإنه يبسط الرزق لمن يشاء
424
ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا فقالوا يا أمير المؤمنين لقد تكلمت فأبلغت وما بلغ في كلامه ما قصصت فقال إنه مبتدي وليس المبتدى كالمقتدى

404 مقام خالد بن صفوان بين يدي هشام

قال خالد بن صفوان وفدت على هشام فوجدته قد بدأ يشرب الدهن وذلك في عام باكر وسميه وتتابع وليه وأخذت الأرض زخرفها فهي كالزرابي المبثوثة والقباطي المنشورة وثراها كالكافور لو وضعت به بضعة لم تترب وقد ضربت له سراداقات حبر بعث بها إليه يوسف بن عمر من اليمن تتلألأ كالعقيان فأرسل إلي فدخلت عليه ولم أزل واقفا ثم نظر إلي كالمستنطق لي فقلت يا أمير المؤمنين أتم الله عليك نعمه ودفع عنك نقمه وجعل ما قلدك من هذا الأمر رشدا وعاقبة ما يئول إليه حمدا وأخلصه لك بالتقى وكثره لك بالنما ولا كدر عليك منه ما صفا ولا خالط سروره بالردى فلقد أصبحت للمؤمنين ثقة ومستراحا إليك يقصدون في مظالمهم ويفزعون في أمورهم هذا مقام زين الله به ذكري وأطاب به شرى نشري إذا أراني وجه أمير المؤمنين ولا أرى لمقامي هذا شيئا هو افضل من أن أنبه أمير المؤمنين لفضل نعمة الله عليه ليحمد الله على ما أعطاه


425
ولا شيء أحضر من حديث سلف لملك من ملوك العجم وإن أذن لي فيه حدثته به قال هات قلت كان رجل من ملوك الأعاجم جمع له فتاء السن وصحة الطباع وسعة الملك وكثرة المال وذلك بالخورنق فأشرف يوما فنظر ما حوله فقال لمن حضره هل علمتم أحدا أوتي مثل الذي أوتيت فقال رجل من بقايا حملة الحجة إن أذنت لي تكلمت فقال قل فقال أرأيت ما جمع لك أشيء هو لك لم يزل ولا يزول أم هو شيء كان لمن قبلك زال عنه وصار إليك وكذلك يزول عنك قال لا بل شيء كان لمن قبلي فزال عنه وصار إلي وكذلك يزول عني قال فسررت بشيء تذهب لذته وتبقى تبعته تكون فيه قليلا وترتهن به طويلا فبكى وقال أين المهرب قال إلى أحد أمرين إما أن تقيم في ملكك فتعمل فيه بطاعة ربك وإما أن تلقي عليك أمساحا ثم تلحق بجبل تعبد فيه ربك حتى يأتي عليك أجلك قال فمالي إذا أنا فعلت ذلك قال حياة لا تموت وشباب لا يهرم وصحة لا تسقم وملك جديد لا يبلى قال فإن كان السحر فاقرع علي بابي فإني مختار أحد الرأيين فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرا لا يعصى وإن اخترت فلوات الأرض وقفر البلاد كنت رفيقا لا يخالف فقرع عليه عند السحر بابه فإذا هو قد وضع تاجه وخلع أطماره ولبس أمساحه وتهيأ للسياحة فلزما والله الجبل حتى أتاهما أجلهما وأنشده قول عدي بن زيد ( وتفكر رب الخورنق إذا أصبح يوما وللهدي تفكير )

( سره حاله وكثرة ما يملك والبحر معرضا والسدير )

( فارعوى قلبه فقال وما غبطة حي إلي الممات يصير )

فبكى هشام وقام ودخل فقال لي حاجبه لقد كسبت نفسك شرا دعاك أمير المؤمنين


426
لتحدثه وتلهيه وقد عرفت علته فما زدت على أن نعيت إليه نفسه فأقمت أياما أتوقع الشر ثم أتاني حاجبه فقال قد أمر لك بجائزة وأذن لك في الانصراف

405 خالد بن صفوان يصف جريرا والفرزدق والأخطل

قال هشام بن عبد الملك لشيبة بن عقال وعنده جرير والفرزدق والأخطل وهو يومئذ أمير ألا تخبرني عن هؤلاء الذين قد مزقوا أعراضهم وهتكوا أستارهم وأغروا بين عشائرهم في غير خير ولا بر ولا نفع أيهم أشعر فقال شيبة أما جرير فيغرف من بحر وأما الفرزدق فينحت من صخر وأما الأخطل فيجيد المدح والفخر فقال هشام ما فسرت لنا شيئا نحصله فقال ما عندي غير ما قلت فقال لخالد بن صفوان صفهم لنا يا بن الأهتم فقال أما أعظمهم فخرا وأبعدهم ذكرا وأحسنهم عذرا وأسيرهم مثلا وأقلهم غزلا وأحلاهم عللا الطامي إذا زخر والحامي إذا زأر والسامي إذا خطر الذي إن هدر قال وإن خطر صال الفصيح اللسان الطويل العنان فالفرزدق وأما أحسنهم نعتا وأمدحهم بيتا وأقلهم فوتا الذي إن هجا وضع وإن مدح رفع فالأخطل وأما أغزرهم بحرا وأرقهم شعرا وأهتكهم لعدوه سترا الأغر الأبلق الذي إن طلب لم يسبق وإن طلب لم يلحق فجرير وكلهم ذكي الفؤاد رفيع العماد واري الزناد

فقال له مسلمة بن عبد الملك ما سمعنا بمثلك يا خالد في الأولين ولا رأينا في الآخرين وأشهد أنك أحسنهم وصفا وألينهم عطفا وأعفهم مقالا وأكرمهم فعالا

فقال خالد أتم الله عليكم نعمه وأجزل لديكم قسمه وآنس بكم الغربه


427
وفرج بكم الكربة وأنت والله ما علمت أيها الأمير كريم الغراس عالم بالناس جواد في المحل بسام في البذل حليم عند الطيش في ذروة قريش ولباب عبد شمس ويومك خير من أمس

فضحك هشام وقال ما رأيت كتخلصك يا بن صفوان في مدح هؤلاء ووصفهم حتى أرضيتهم جميعا وسلمت منهم

406 خالد بن صفوان وبلال بن أبي بردة

قال أبو المنذر هشام بن محمد السائب الكلبي كان بلال بن أبي بردة جلدا حين اٌبتلي أحضره يوسف بن عمر في قيوده لبعض الأمر وهم بالحيرة فقام خالد بن صفوان فقال ليوسف أيها الأمير إن عدو الله بلالا ضربني وحبسني ولم أفارق جماعة ولا خلعت يدا من طاعة ثم التفت إلى بلال فقال الحمد لله الذي أزال سلطانك وهد أركانك وأزال جمالك وغير حالك فوالله لقد كنت شديد الحجاب مستخفا بالشريف مظهرا للعصبية

فقال بلال يا خالد إنما استطلت علي بثلاث هن معك على الأمير مقبل عليك وهو عنى معرض وأنت مطلق وأنا مأسور وأنت في طينتك وأنا غريب فأفحمه

وكان سبب ضرب بلال خالدا في ولايته أن بلالا مر بخالد في موكب عظيم فقال خالد سحابة صيف عن قليل تقشع فسمعه بلال فقال والله لاتقشع أو يصيبك منها شؤبوب برد وأمر بضربه وحبسه


428
خطبة الكميت بن زيد بين يدي هشام يستعطفه

روي صاحب العقد قال كان الكميت بن زيد الأسدى يمدح بني هاشم ويعرض ببني أمية فطلبه هشام فهرب منه عشرين سنة لا يستقر به القرار من خوف هشام وكان مسلمة بن عبد الملك له على هشام حاجة في كل يوم يقضيها له ولا يرده فيها فلما خرج مسلمة يوما إلى بعض صيوده أتى الناس يسلمون عليه وأتاه الكميت بن زيد فيمن أتي فقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته أما بعد

( قف بالديار وقوف زائر وتأن إنك غير صاغر )

حتى انتهى إلى قوله

( يا مسلم بن أبي الوليد لميت إن شئت ناشر )

( علقت حبالي من حبالى ذمة الجار المجاور )

( فالآن صرت إلى أمية والأمور إلى المصاير )

( والآن كنت به المصيب كمهتد بالأمس حائر )

فقال مسلمة سبحان الله من هذا الهندكي الجلحاب الذي أقبل من أخريات الناس فبدأ بالسلام ثم أما بعد ثم الشعر قيل له هذا الكميت بن زيد فأعجب به لفصاحته وبلاغته فسأله مسلمة عن خبره وما كان فيه طول غيبته فذكر له سخط أمير المؤمنين عليه فضمن له مسلمة أمانه وتوجه به حتى أدخله على هشام وهشام لا يعرفه فقال الكميت السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته


429
الحمد لله قال هشام نعم الحمد لله ما هذا قال الكميت مبتدئ الحمد ومبتدعه الذي خص بالحمد نفسه وأمر به ملائكته جعله فاتحة كتابه ومنتهى شكره وكلام أهل جنته أحمده حمد من علم يقينا وأبصر مستبينا وأشهد له بما شهد به لنفسه قائما بالقسط وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده العربي ورسوله الأمي أرسله والناس في هفوات حيرة ومدلهمات ظلمة عند استمرار أبهة الضلال فبلغ عن الله ما أمر به ونصح لأمته وجاهد في سبيله وعبد ربه حتى أتاه اليقين

ثم إني يا أمير المؤمنين تهت في حيرة وحرت في سكرة ادلأم بي خطرها وأهاب بي داعيها وأجابني غاويها فاقطوطيت إلى الضلالة وتسكعت في الظلمة والجهالة جائرا عن الحق قائلا بغير صدق فهذا مقام العائذ ومنطق التائب ومبصر الهدى بعد طول العمى يا أمير المؤمنين كم من عاثر أفلتم عثرته ومجترم عفوتم عن جرمه

فقال له هشام وأيقن أنه الكميت ويحك من سن لك الغواية وأهاب بك في العماية قال الذي أخرج أبي آدم من الجنة فنسي ولم يجد له عزما وأمير المؤمنين كريح رحمة أثارت سحابا متفرقا فلفقت بعضه إلى بعض حتى التحم فاستحكم هدر رعده وتلألؤ برقه فنزل الأرض فرويت واخضلت


430
واخضرت وأسقيت فروي ظمآنها وامتلأ عطشانها فكذلك نعدك أنت يا أمير المؤمنين أضاء الله بك الظلمة الداجية بعد العموس فيها وحقن بك دماء قوم أشعر خوفك قلوبهم فهم يبكون لما يعلمون من حزمك وبصيرتك وقد علموا أنك الحرب وابن الحرب إذا احمرت الحدق وعضت المغافير بالهام عز بأسك واستربط جأشك مسعار هتان وكاف بصير بالأعداء مغري الخيل بالنكراء مستغن برأيه عن رأي ذوي الألباب برأي أريب وحلم مصيب فأطال الله لأمير المؤمنين البقاء وتمم عليه النعماء ودفع به الأعداء فرضي عنه هشام وأمر له بجائزة

وروي صاحب الأغاني خطبة الكميت فقال


431

حمد الله وأثني عليه وصلى على نبيه ثم قال أما بعد فإني كنت أتدهدي في غمرة وأعوم في بحر غواية أخني على خطلها واستفزني وهلها فتحيرت في الضلالة وتسكعت في الجهالة مهرعا عن الحق جائرا عن القصد أقول الباطل ضلالا وأفوه بالبهتان وبالا وهذا مقام العائذ مبصر الهدى ورافض العماية فاغسل عني يا أمير المؤمنين الحوبة بالتوبة واصفح عن الزلة واعف عن الجرمة ثم قال

( كم قال قائلكم لعالك عند عثرته لعاثر )

( وغفرتم لذوي الذنوب من الأكابر والأصاغر )


432

( أبني أمية إنكم أهل الوسائل والأوامر )

( ثقتي لكل ملمة وعشيرتي دون العشائر )

( أنتم معادن للخلافة كابرا من بعد كابر )

( بالتسعة المتتابعين خلائفا وبخير عاشر )

( وإلى القيامة لا تزال لشافع منكم وواتر )

ثم قطع الإنشاد وعاد إلى خطبته فقال إغضاء أمير المؤمنين وسماحته وصباحته ومناط المنتجعين بحبله من لا تحل حبوته لإساءة المذنبين فضلا عن استشاطة غضبه بجهل الجاهلين فقال له ويلك يا كميت من زين لك الغواية ودلاك في العماية قال الذي أخرج أبانا من الجنة وأنساه العهد فلم يجد له عزما فرضي عنه وأمر له بجائزة

408 مخاصمة عدي بن أرطاة لامرأته عند شريح القاضي

دخل عدي بن أرطاة على شريح القاضي يخاصم امرأة له فقال السلام عليكم قال وعليكم قال استمع مني قال قل أسمع قال إني رجل من أهل الشأم قال من مكان سحيق قال وإني قدمت إلى بلدكم هذا قال خير مقدم قال وإني تزوجت امرأة قال بالرفاء والبنين قال وإنها ولدت غلاما قال ليهنك الفارس قال وقد كنت شرطت لها صداقها قال الشرط أملك قال


433
وقد أردت الخروج بها إلى بلدي قال الرجل أحق بأهله قال فاقض بيننا قال قد فعلت قال فعلي من حكمت قال علي ابن أمك قال بشهادة من قال بشهادة ابن أخت خالتك

409 كلمة لعمرو بن عتبة بن أبي سفيان

وقد تشاح بنو هاشم وبنو أمية في ميراث بينهم

عن سفيان بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان قال وقع ميراث بين بني هاشم وبين بني أمية تشاحوا فيه وتضايقوا فلما تفرقوا أقبل علينا أبونا عمرو فقال

يا بني إن لقريش درجا نزل عنها أقدام الرجال وأفعالا تخشع لها رقاب الأموال وغايات تقصر عنها الجياد المسومة وألسنا تكل عنها الشفار المشحوذة ولو اختلفت الدنيا ما تزينت إلا بهم ولو كانت لهم ضاقت بسعة أخلاقهم ثم إنه ليخيل إلى أن منهم ناسا تخلقوا بأخلاق العوام فصار لهم رفق في اللؤم وخرق في اٌلحرص ولو أمكنهم لقاسموا الطير في أرزاقها إن خافوا مكروها تعجلوا له الفقر وإن عجلت لهم نعمة أخروا عليها الشكر أولئك أنضاء الفكر وعجزة حملة الشكر


434

410 خطبة دينار

وكان سماك بن عبيد العبسى في حصار نهاوند سنة 21ه أسر رجلا من أهلها يسمى دينار فأتى حذيفة بن اليمان فصالحه على الخراج فنسبت إليه ماه

وكان يواصل سماكا ويهدي له ويوافي الكوفة كلما كان عمله إلى عامل الكوفة فقدم الكوفة في إمارة معاوية فقام في الناس بالكوفة فقال يا معشر أهل الكوفة أنتم أول ما مررتم بنا كنتم خير الناس فعمرتم بذلك زمان عمر وعثمان ثم تغيرتم وفشت فيكم خصال أربع بخل وخب وغدر وضيق ولم يكن فيكم واحدة منهن فرمقتكم فإذا ذلك في مولديكم فعلمت من أين أتيتم فإذا الخب من قبل النبط والبخل من قبل فارس والغدر من قبل خراسان والضيق من قبل الأهواز

411 رجل يمدح خالد بن عبد الله القسري

وقال رجل لخالد بن عبد الله القسري والله إنك لتبذل ما جل وتجبر ما انفل وتكثر ما قل ففضلك بديع ورأيك جميع تحفظ ما شذ وتؤلف ما ند


435
خطب الخوارج وما يتصل بها

412 خطبة حيان بن ظبيان السلمي

روي ابن جرير الطبري في تاريخه قال كان حيان بن ظبيان السلمي يرى رأي الخوارج وكان ممن ارتث يوم النهروان فعفا عنه علي عليه السلام في الأربعمائة الذين كان عفا عنهم من المرتثين يوم النهر فكان في أهله وعشيرته فلبث شهرا أو نحوه ثم إنه خرج إلى الري في رجال كانوا يرون ذلك الرأي فلم يزالوا مقيمين بالري حتى بلغهم قتل علي كرم الله وجهه فدعا أصحابه أولئك وكانوا بضعة عشر رجلا فأتوه فحمد الله وأثني عليه ثم قال أيها الإخوان من المسلمين إنه قد بلغني أن أخاكم ابن ملجم أخا مراد قعد لقتل علي بن أبي طالب عند أغباش الصبح مقابل السدة التي في المسجد مسجد الجماعة فلم يبرح راكدا ينتظر خروجه حتى خرج عليه حين أقام المقيم الصلاة صلاة الصبح فشد عليه فضرب رأسه بالسيف فلم يبق إلا ليلتين حتى مات

فقال سالم بن ربيعة العبسى لا يقطع الله يمينا علت قذاله بالسيف فأخذ القوم يحمدون الله على قتله عليه السلام ورضي الله عنه ولا رضي عنهم ولا رحمهم ثم إن حيان بن ظبيان قال لأصحابه


436
إنه والله ما يبقي على الدهر باق وما يلبث الليالي والأيام والسنون والشهور على ابن آدم حتى تذيقه الموت فيفارق الإخوان الصالحين ويدع الدنيا التي لا يبكي عليها إلا العجزة ولم تزل ضارة لمن كانت له هما وشجنا فانصرفوا بنا رحمكم الله إلى مصرنا فلنأت إخواننا فلندعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلى جهاد الأحزاب فإنه لا عذر لنا في القعود وولاتنا ظلمة وسنة الهدى متروكة وثأرنا الذين قتلوا إخواننا في المجالس آمنون فإن يظفرنا الله بهم نعمد بعد إلى التي هي أهدى وأرضى وأقوم ويشفى الله بذلك صدور قوم مؤمنين وإن نقتل فإن في مفارقة الظالمين راحة لنا ولنا بأسلافنا أسوة

فقالوا له كلنا قائل ما ذكرت وحامد رأيك الذي رأيت فرد بنا المصر فإنا معك راضون بهداك وأمرك فخرج وخرجوا معه مقبلين إلى الكوفة حتى نزلها فلم يزل بها حتى قدم معاوية وبعث المغيرة بن شعبة واليا على الكوفة


437
ائتمار الخوارج

ثم إن الخوارج في أيام المغيرة فزعوا إلى ثلاثة نفر منهم المستورد بن علقة التيمي وحيان بن ظبيان السلمي ومعاذ بن جوين بن حصين الطائي فاجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان فتشاوروا فيمن يولون عليهم فقال لهم المستورد

413 مقال المستورد بن علقة

يأيها المسلمون والمؤمنون أراكم الله ما تحبون وعزل عنكم ما تكرهون ولوا عليكم من أحببتم فوالذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ما أبالي من كان الوالي علي منكم وما شرف الدنيا نريد وما إلى البقاء فيها من سبيل وما نريد إلا الخلود في دار الخلود

414 مقال حيان بن ظبيان

فقال حيان بن ظبيان أما أنا فلا حاجة لي فيها وأنا بك وبكل امرئ من إخواني راض فانظروا من شئتم منكم فسموه فأنا أول من يبايعه


438

415 مقال معاذ بن جوين

فقال لهم معاذ بن جوين إذا قلتما أنتما هذا وأنتما سيدا المسلمين وذوا أنسابهم في صلاحكما ودينكما وقدركما فمن يرأس المسلمين وليس كلكم يصلح لهذا الأمر وإنما ينبغى أن بلى على المسلمين إذا كانوا سواء في الفضل أبصرهم بالحرب وأفقههم في الدين وأشدهم اضطلاعا بما حمل وأنتما بحمد الله ممن يرتضى لهذا الأمر فليتوله أحدكما

قالا فتوله أنت فقد رضيناك فأنت والحمد لله الكامل في دينك ورأيك فقال لهما أنتما أسن مني فليتوله أحدكما فقال حينئذ جماعة من حضر قد رضينا بكم أيها الثلاثة فولوا أيكم أحببتم وكانت خاتمة ذلك النقاش أن بايعوا المستورد واتعدوا أن يتجهزوا ويتيسروا ويستعدوا ثم يخرجوا هلال شعبان سنة 43ه

416 خطبة المغيرة بن شعبة أمير الكوفة يحذر أهلها من إيواء الخوارج ونصرتهم

ونمي إلى المغيرة بن شعبة أن الخوارج خارجة عليه فقام في الناس فحمد الله وأثني عليه ثم قال أما بعد فقد علمتم أيها الناس أني لم أزل أحب لجماعتكم العافية وأكف عنكم الأذى وإني والله لقد خشيت أن يكون ذلك أدب سوء لسفهائكم فأما الحلماء الأتقياء فلا وايم الله لقد خشيت أن لا أجد بدا من أن يعصب الحليم التقي بذنب


439
السفيه الجاهل فكفوا أيها الناس سفهاءكم قبل أن يشمل البلاء عوامكم وقد ذكر لي أن رجالا منكم يريدون أن يظهروا في المصر بالشقاق والخلاف واٌيم الله لا يخرجون في حي من أحياء العرب في هذا المصر إلا أبدتهم وجعلتهم نكالا لمن بعدهم فنظر قوم لأنفسهم قبل الندم فقد قمت هذا المقام إرادة الحجة والإعذار

ثم نزل وبعث إلى رؤساء الناس فدعاهم ثم قال لهم إنه قد كان من الأمر ما قد علمتم وقد قلت ما قد سمعتم فليكفني كل امرئ من الرؤساء قومه وإلا فوالذي لا إله غيره لأتحولن عما كنتم تعرفون إلى ما تنكرون وعما تحبون إلى ما تكرهون فلا يلم لائم إلا نفسه وقد أعذر من أنذر

فخرجت الرؤساء إلى عشائرهم فناشدوهم الله والإسلام إلا دلوهم على من يرون أنه يريد أن يهيج فتنة أو يفارق جماعة وجاء صعصعة بن صوحان فقام في عبد القيس فقال

417 خطبة صعصعة بن صوحان

يا معشر عباد الله إن الله وله الحمد كثيرا لما قسم الفضل بين المسلمين خصكم منه بأحسن القسم فأجبتم إلى دين الله الذي اختاره الله لنفسه وارتضاه لملائكته ورسله ثم أقمتم عليه حتى قبض الله رسوله ثم اٌختلف الناس بعده فثبتت طائفة وارتدت طائفة وأدهنت طائفة وتربصت طائفة فلزمتم دين الله إيمانا به وبرسوله وقاتلتم المرتدين حتى قام الدين وأهلك الله الظالمين فلم يزل الله يزيدكم بذلك خيرا في كل شيء وعلى كل حال حتى اختلفت الأمة بينها فقالت طائفة نريد طلحة والزبير وعائشة وقالت طائفة نريد أهل المغرب وقالت


440
طائفة نريد عبد الله بن وهب الراسبي راسب الأزد وقلتم أنتم لا نريد إلا أهل البيت الذين ابتدأنا الله من قبلهم بالكرامة تسديدا من الله لكم وتوفيقا فلم تزالوا على الحق لازمين له آخذين به حتى أهلك الله بكم وبمن كان على مثل هداكم ورأيكم الناكثين يوم الجمل والمارقين يوم النهر وسكت عن ذكر أهل الشأم لأن السلطان كان حينئذ سلطانهم ولا قوم أعدي لله ولكم ولأهل بيت نبيكم ولجماعة المسلمين من هذه المارقة الخاطئة الذين فارقوا إمامنا واستحلوا دماءنا وشهدوا علينا بالكفر فإياكم أن تؤووهم في دوركم أو تكتموا عليهم فإنه ليس ينبغي لحي من أحياء العرب أن يكون أعدي لهذه المارقة منكم وقد والله ذكر لي أن بعضهم في جانب من الحي وأنا باحث عن ذلك وسائل فإن كان حكي لي ذلك حقا تقربت إلى الله تعالى بدمائهم فإن دمائهم حلال ثم قال يا معشر عبد القيس إن ولاتنا هؤلاء هم أعرف شيء بكم وبرأيكم فلا تجعلوا لهم عليكم سبيلا فإنهم أسرع شيء إليكم وإلى أمثالكم

وأقبل أصحاب المستورد يأتونه فليس منهم رجل إلا يخبره بما قام به المغيرة بن شعبة في الناس وبما جاءهم رؤساؤهم وقاموا فيهم وقالوا له اخرج بنا فوالله ما نأمن أن نؤخذ في عشائرنا فخرج بهم من الكوفة ووجه المغيرة لقتالهم معقل بن قيس الرياحى فلما علم المستورد بمسير معقل إليه جمع أصحابه


441

418 خطبة المستورد

فحمد الله وأثني عليه ثم قال أما بعد فإن هذا الخرف معقل بن قيس قد وجه إليكم وهو من السبئية الممترين الكاذبين وهو لله ولكم عدو فأشيروا علي برأيكم فقال له بعضهم والله ما خرجنا نريد إلا الله وجهاد من عادى الله وقد جاءونا فأين نذهب عنهم بل نقيم حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين وقالت طائفة أخرى بل نعتزل ونتنحى ندعو الناس ونحتج عليهم بالدعاء

فقال يا معشر المسلمين إني والله ما خرجت ألتمس الدنيا ولا ذكرها ولا فخرها ولا البقاء وما أحب أنها لي بحذافيرها وأضعاف ما يتنافس فيه منها بقبال نعلى وما خرجت إلا التماس الشهادة وأن يهدينى الله إلى الكرامة بهوان بعض أهل الضلالة وإنى قد نظرت فيما استشرتكم فيه فرأيت أن لا أقيم لهم حتى يقدموا علي وهم حامون متوافرون ولكن رأيت أن أسير حتى أمعن فإنهم إذا بلغهم ذلك خرجوا في طلبنا فتقطعوا وتبددوا فعلى تلك الحال ينبغى لنا قتالهم فاخرجوا بنا على اسم الله عز وجل


442
فخرجوا فمضوا على شاطئ دجلة فعبروه ومضوا في أرض جوخى حتى بلغوا المذار فأقاموا فيها وأقبل معقل بن قيس فأقام بالمدائن ثلاثا ثم جمع أصحابه فقال

419 خطبة معقل بن قيس

إن هؤلاء المارقة الضلال إنما خرجوا فذهبوا على وجوههم إرادة أن تتعجلوا في آثارهم فتتقطعوا وتتبددوا ولا تلحقوا بهم إلا وقد تعبتم ونصبتم وإنه ليس شيء يدخل عليكم من ذلك إلا وقد يدخل عليهم مثله فخرج في آثارهم حتى لحقهم بالمذار مقيمين ودارت بينهما رحى الحرب بشدة ودعا المستورد معقلا للمبارزة فتبارزا وطعنه المستورد حتى خرج سنان الرمح من ظهره وضربه معقل بالسيف حتى خالط سيفه أم الدماغ فوقع ميتا وقتل معقل وشد أصحابه على الخوارج فما لبثوهم أن قتلوهم 420

كلمات حكيمة للمستورد إلى

كان المستورد يقول إذا أفضيت بسري إلي صديقي فأفشاه لم ألمه لأنى كنت أولى بحفظه ويقول لا تفش إلى أحد سرا وإن كان مخلصا إلا على جهة المشاورة ويقول كن أحرص على حفظ سر صاحبك منك على حقن دمك ويقول أول ما يدل عليه عائب الناس معرفته بالعيوب ولا يعيب إلا معيب ويقول المال غير باق عليك فاشتر من الحمد ما يبقى عليك ويقول بذل المال في حقه استدعاء للمزيد من الجواد وكان يكثر أن يقول لو ملكت الأرض بحذافيرها ثم دعيت إلى أن أستفيد بها خطيئة ما فعلت


0
حذف
443
ائتمار الخوارج ثانية

421 خطبة حيان بن ظبيان

فلما كانت سنة 58ه جمع حيان بن ظبيان السلمي أصحابه إليه ثم إنه حمد الله وأثني عليه ثم قال لهم أما بعد فإن الله عز وجل كتب علينا الجهاد فمنا من قضي نحبه ومنا من ينتظر وأولئك الأبرار الفائزون بفضلهم ومن يكن منا من ينتظر فهو من سلفنا القاضين نحبهم السابقين بإحسان فمن كان منكم يريد الله وثوابه فليسلك سبيل أصحابه وإخوانه يؤته الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله مع المحسنين

422 خطبة معاذ بن جوين

قال معاذ بن جوين الطائى يأهل الإسلام إنا والله لو علمنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة وإنكار الجور كان لنا به عند الله عذر لكان تركه أيسر علينا وأخف من ركوبه ولكنا قد علمنا واستيقنا أنه لا عذر لنا وقد جعل لنا القلوب والأسماع حتى ننكر الظلم ونغير الجور ونجاهد الظالمين ثم قال ابسط يدك نبايعك فبايعه وبايعه القوم فضربوا على يد حيان فبايعوه وذلك في إمارة عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفى


444

ثم أن القوم اجتمعوا بعد ذلك بأيام إلى منزل معاذ بن جوين فقال لهم حيان عباد الله أشيروا برأيكم أين تأمرونني أن أخرج فقال معاذ إني أري أن تسير بنا إلى حلوان حتى ننزلها فإنها كورة بين السهل والجبل وبين المصر والثغر يعني بالثغر الري فمن كان يرى رأينا من أهل المصر والثغر والجبل والسواد لحق بنا

423 رد حيان بن ظبيان

فقال له حيان عدوك معاجلك قبل اجتماع الناس إليك لعمري لا يتركونكم حتى يجتمعوا إليكم لكن قد رأيت أن أخرج معكم في جانب الكوفة والسبخة أو زرارة والحيرة ثم نقاتلهم حتى نلحق بربنا فإني والله لقد علمت أنكم لا تقدرون وأنتم دون المائة رجل أن تهزموا عدوكم ولا ان يشتد نكايتكم فيهم ولكن متى علم الله أنكم قد أجهدتم أنفسكم في جهاد عدوه وعدوكم كان لكم به العذر وخرجتم من الإثم قالوا رأينا ورأيك

434 مقال عتريس بن عرقوب فقال لهم عتريس بن عرقوب ولكن لا أرى رأي جماعتكم فانظروا في رأي لكم إني لا إخالكم تجهلون معرفتي بالحرب وتجربتي للأمور فقالوا له أجل أنت كما ذكرت فما رأيك قال ما أرى أن تخرجوا على الناس بالمصر إنكم قليل في كثير والله ما تزيدون على أن تحرزوهم أنفسكم وتقروا أعينهم بقتلكم وليس هكذا تكون المكايدة إذا آثرتم أن تخرجوا على قومكم فكيدوا عدوكم


445
ما يضرهم قالوا فما الرأي قال تسيرون إلى الكورة التي أشار بنزولها معاذ ابن جوين يعني حلوان أو تسيرون بنا إلى عين التمر فنقيم بها فإذا سمع بنا إخواننا أتونا من كل جانب وأوب

425 رد حيان

فقال له حيان إنك والله لو سرت بنا أنت وجميع أصحابك نحو أحد هذين الوجهين ما اطمأننتم به حتى يلحق بكم خيول أهل المصر فأنى تشفون أنفسكم فوالله ما عدتكم بالكثيرة التي ينبغي أن تطمعوا معها بالنصر في الدنيا على الظالمين المعتدين فاخرجوا بجانب من مصركم هذا فقاتلوا عن أمر الله من خالف طاعة الله ولا تربصوا ولا تنتظروا فإنكم إنما تبادرون بذلك إلى الجنة وتخرجون أنفسكم بذلك من الفتنة قالوا أما إذا كان لا بد لنا فإنا لن نخالفك فاخرج حيث أحببت

426 خطبة حيان

ثم إن أصحاب حيان بن ظبيان اجتمعوا إليه فقال لهم يا قوم إن الله قد جمعكم لخير وعلى خير والله الذي لا إله غيره ما سررت بشيء قط في الدنيا بعد ما أسلمت سروري لمخرجي هذا على الظلمة الآثمة فوالله ما أحب أن الدنيا بحذافيرها لي وأن الله حرمني في مخرجي هذا الشهادة وإني قد رأيت أن نخرج حتى ننزل جانب دار جرير فإذا خرج إليكم الأحزاب ناجزتموهم

فقال عتريس بن عرقوب أما أن نقاتلهم في جوف المصر فإنه يقاتلنا الرجال


446
وتصعد النساء والصبيان والإماء فيرموننا بالحجارة فقال لهم رجل منهم انزلوا بنا إذن من وراء المصر الجسر وهو موضع زرارة وإنما بنيت زرارة بعد ذلك إلا أبياتا يسيرة كانت منها قبل ذلك فقال لهم معاذ بن جوين لا بل سيروا بنا فلننزل بانقيا فما أسرع ما يأتيكم عدوكم فإذا كان ذلك استقبلنا القوم بوجوهنا وجعلنا البيوت في ظهورها فقاتلناهم من وجه واحد فخرجوا فبعث إليهم جيش فقتلوا جميعا

427 خطبة مسلم بن عبيس حين خرج لقتال الأزارقة

لما ملك نافع بن الأزرق زعيم الأزارقة بلاد الأهواز وفشا عماله في السواد ارتاع لذلك أهل البصرة فاجتمعوا إلى الأحنف بن قيس فشكوا ذلك إليه وقالوا ليس بيننا وبين العدو إلا ليلتان وسيرتهم ما ترى فقال الأحنف إن فعلهم في مصركم إن ظفروا به كفعلهم في سوادكم فجدوا في جهاد عدوكم فاجتمع إليه عشرة آلاف فأتى عبد الله بن الحرث بن نوفل أمير البصرة فسأله أن يؤمر عليهم فاختار لهم مسلم بن عبيس وكان دينا شجاعا فأمره عليهم وشيعه


447

فلما نفذ من جسر البصرة أقبل على الناس فقال إني ما خرجت لامتيار ذهب ولا فضة وإنى لأحارب قوما إن ظفرت بهم فما وراءهم إلا سيوفهم ورماحهم فمن كان شأنه الجهاد فلينهض ومن أحب الحياة فليرجع

فلما صاروا بدولاب خرج إليهم نافع فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل في المعركة ابن عبيس وابن الأزرق سنة 65ه


448
خطب المهلب أبي صفرة

428 خطبته في حث جنده على قتال الأزارقة

وكان المهلب بن أبي صفرة وهو علي قتال الأزارقة يأمر أصحابه بالتحرز ويخوفهم البيات وإن بعد منهم العدو ويقول احذروا أن تكادوا كما تكيدون ولا تقولوا هزمنا وغلبنا فإن القوم خائفون وجلون والضرورة تفتح باب الحيلة ثم قام فيهم خطيبا فقال يأيها الناس إنكم قد عرفتم مذهب هؤلاء الخوارج وأنهم إن قدروا عليكم فتنوكم في دينكم وسفكوا دماءكم فقاتلوهم على ما قاتل عليه أولهم علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فقد لقيهم قبلكم الصابر المحتسب مسلم بن عبيس والعجل المفرط عثمان بن عبيد الله والمعصى المخالف


449
حارثة بن بدر فقتلوا جميعا وقتلوا فألفوهم بجد وحد فإنما هم مهنتكم وعبيدكم وعار عليكم ونقص في أحسابكم وأديانكم أن يغلبكم هؤلاء على فيئكم ويطئوا حريمكم

429 خطبة أخرى له في جنده

وخطب أصحابه وقد مال الخوارج بأجمعهم على العسكر وانهزم الناس بسولاف فقال والله ما بكم من قلة وما ذهب عنكم إلا أهل الجبن والضعف والطمع والطبع فإن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله فسيروا إلى عدوكم على بركة الله

430 نص آخر

وروي الطبري خطبة المهلب في أصحابه يوم هزموا فقال ثم إن الخوارج شدت على الناس بأجمعها شدة منكرة فأجفل الناس وانصابوا منهزمين لا تلوي أم على ولد حتى بلغ البصرة هزيمة الناس وخافوا السباء وأسرع المهلب حتى سبقهم إلى مكان يفاع في جانب عن سنن المنهزمين ثم إنه نادى الناس إلي إلي عباد الله فثاب إليه جماعة من قومه فاجتمع إليه منهم نحو من ثلاثة آلاف فلما نظر إلى من قد اجتمع رضي جماعتهم فحمد الله وأثني عليه ثم قال


450
أما بعد فإن الله ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون وينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون ولعمري ما بكم الآن من قلة إني لجماعتكم لراض وإنكم لأنتم أهل الصبر وفرسان أهل المصر وما أحب أن أحدا ممن انهزم معكم فإنهم لو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا عزمت على كل امرئ منكم لما أخذ عشرة أحجار ثم امشوا بنا نحو عسكرهم فإنهم الآن آمنون وقد خرجت خيلهم في طلب إخوانكم فوالله إني لأرجو ألا ترجع إليهم خيلهم حتى تستبيحوا عسكرهم وتقتلوا أميرهم

431 خطبته في جنده وقد استخلف عليهم ابنه المغيرة

ولما كتب إليه مصعب بن الزبير أن أقدم علي واستخلف ابنك المغيرة جمع الناس فقال لهم إني قد استخلفت عليكم المغيرة وهو أبو صغيركم رقة ورحمة وابن كبيركم طاعة وبرا وتبجيلا وأخو مثله مواساة ومناصحة فلتحسن له طاعتكم وليلن له جانبكم فوالله ما أردت صوابا قط إلا سبقتنى إليه ثم مضي إلى مصعب


451

432 خطبة الزبير بن علي في الأزارقة

وكان نافع بن الأزرق قبل قتله استخلف عبيد الله بن بشير بن الماحوز السليطي وقتل ابن الماحوز يوم سلمى وسلبرى فاجتمعت الخوارج بأرجان فبايعوا الزبير بن علي السليطي فرأى فيهم انكسارا شديدا وضعفا بينا فقال لهم اجتمعوا

فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد ثم أقبل عليهم فقال إن البلاء للمؤمنين تمحيص وأجر وهو على الكافرين عقوبة وخزي وإن يصب منكم أمير المؤمنين فما صار إليه خير مما خلف وقد أصبتم منهم مسلم ابن عبيس وربيعا الأجذم والحجاج بن باب وحارثة بن بدر وأشجبتم المهلب وقتلتم أخاه المعارك والله يقول لإخوانكم من المؤمنين ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ) فيوم سلي كان لكم بلاء وتمحيصا ويوم سولاف كان لهم عقوبة ونكالا فلا تغلبن على الشكر في حينه والصبر في وقته وثقوا بأنكم المستخلفون في الأرض والعاقبة للمتقين


452

433 خطبة عتاب بن ورقاء الرياحى وقد طال عليه الحصار

وانحط الزبير بن علي على اصفهان فحصر بها عتاب بن ورقاء الرياحي سبعة أشهر وعتاب يحاربه في بعضهن فلما طال به الحصار وأصابه الجهد الشديد دعا أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس ما تنتظرون وقد أصابكم من الجهد ما قد ترون فوالله إن بقي مع هذا الحصار إلا أن يموت أحدكم على فراشه فيجئ أخوه فيدفنه إن استطاع وبالحرى أن يضعف عن ذلك ثم يموت هو فلا يجد من يدفنه ولا يصلي عليه فاتقوا الله فوالله ما أنتم بالقليل الذين تهون شوكتهم على عدوهم وإن فيكم لفرسان أهل المصر وإنكم لصلحاء من أنتم منه ولقد حاربتموهم مرارا فانتصفتم منهم اخرجوا بنا إلى هؤلاء القوم وبكم حياة وقوة قبل أن لا يستطيع رجل منكم أن يمشي إلي عدوه من الجهد وقبل أن لا يستطيع رجل أن منكم يمتنع من امرأة لو جاءته فقاتل رجل عن نفسه وصبر وصدق فوالله إني لأرجو إن صدقتموهم أن يظفركم الله بهم وأن يظهركم عليهم

فلما أصبح الغد صلى بهم الصبح ثم خرج إلى الخوارج وهم غارون فلم يشعروا بهم حتى غشوهم فقاتلوهم بجد لم ير الخوارج منهم مثله فعقروا منهم خلقا وقتلوا رئيسهم الزبير بن علي وانهزمت الخوارج

ثم أدار الخوارج أمرهم بينهم فولوا عليهم قطري بن الفجاءة المازنى وبايعوه


453

434 نصيحة عرهم العدوي لخالد بن عبد الله

ولما بعث خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد أخاه عبد العزيز لقتال الأزارقة قام إليه عرهم أخو بني العدوية فقال

أصلح الله الأمير إن هذا الحي من تميم تئط بقريش منهم رحم داسة ماسة وإن الأزارقة ذؤبان العرب وسباعها وليس صاحبهم إلا المباكر المناكر المحرب المجرب الذي أرضعته الحرب بلبانها وجرسته وضرسته وذلك أخو الأزد المهلب بن أبي صفرة والله إن غثك أحب إلينا من سمينه ولكني أخاف عدوات الدهر وغدره وليس المجرب كمن لا يعلم ولا الناصح المشفق كالغاش المتهم قال له خالد اسكت ما أنت وذا وقد هزمت الأزارقة عبد العزيز وأحدوا امرأته وفر عنها


454

435 خطبة قطري بن الفجاءة

وصعد قطري بن الفجاءة منبر الأزارقة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة حفت بالشهوات وراقت بالقليل وتحببت بالعاجلة وحليت بالآمال وتزينت بالغرور لا تدوم حبرتها ولا تؤمن فجعتها غرارة ضرارة خوانة غدارة وحائلة زائلة ونافدة بائدة أكالة غوالة بدالة نقالة لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا عنها أن تكون كما قال الله تعالى ( كماء أنزلناه من


455
السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا ) مع أن أمرا لم يكن منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا ولم تطله غيثة رخاء إلا هطلت عليه مزنة بلاء وحري إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة وإن جانب منها اعذوذب واحلولى أمر عليه منها جانب وأوبى وإن آتت أمرا من غضارتها ورفاهتها نعما أرهقته من نوائبها تعبا ولم يمس امرؤ منها في جناح أمن إلا أصبح منها على قوادم خوف غرارة غرور ما فيها فانية فان ما عليها لا خير في شيء من زادها إلا التقوى من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر منه استكثر مما يوبقه ويطيل حزنه ويبكي عينيه كم واثق بها قد فجعته وذي طمأنينة إليها قد صرعته وذي اختيال فيها قد خدعته وكم من
456
ذي أبهة فيها قد صيرته حقيرا وذي نخوة قد ردته ذليلا وكم من ذي تاج قد كبته لليدين والفم سلطانها دول وعيشها رنق وعذبها أجاج وحلوها صبر وغذاؤها سمام وأسبابها رمام وقطاعها سلع حبها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم ومنيعها بعرض اهتضام مليكها مسلوب وعزيزها مغلوب وسليمها منكوب وجامعها مخروب مع أن وراء ذلك سكرات الموت وهول المطلع والوقوف بين يدي الحكم العدل ( ليجزي الذين أصابوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى )

ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا وأوضح منكم آثارا وأعد عديدا وأكثف جنودا وأعتد عتادا وأطول عمادا تعبدوا للدنيا أي تعبد وآثروها أي إيثار وظعنوا عنها بالكره والصغار فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية أو أغنت عنهم فيما قد اهلكتهم بخطب بل قد أرهقتهم بالفوادح وضعضعتهم بالنوائب وعقرتهم بالمصائب وقد رأيتم تنكرها


457
لمن دان لها وأخلد إليها حين ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر المسند هل زودتهم إلا السغب وأحلتهم إلا الضنك أو نورت لهم إلا الظلمة أو أعقبتهم إلا الندامة أفهذه تؤثرون أم على هذه تحرصون أم إليها تطمئنون يقول الله جل ذكره ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ) فبئست الدار لمن لم يتهمها ولم يكن فيها على وجل منها

فاعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بد فإنما هي كما وصفها الله باللعب واللهو وقد قال الله تعالى ( أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين ) واتعظوا فيها بالذين قالوا ( من أشد منا قوة ) حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا وأنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفانا وجعل لهم من الصريح أكنان ومن التراب أكفان ومن الرفات جيران فهم حيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما ولا يبالون مندبة إن أخصبوا لم يفرحوا وإن قحطوا لم يقنطوا جمع وهم آحاد وجيرة وهم أبعاد متناءون لا يزورون ولا يزارون حلماء قد ذهبت أضغانهم وجهلاء


458
قد ماتت أحقادهم لا يخشى فجعهم ولا يرجى دفعهم وكما قال الله تعالى ( فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين ) استبدلوا بظهر الأرض بطنا وبالسعة ضيقا وبالأهل غربة وبالنور ظلمة ففارقوها كما دخلوها حفاة عراة فرادى غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة وإلى خلود الأبد يقول الله تعالى ( كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) فاحذروا ما حذركم الله وانتفعوا بمواعظه واعتصموا بحبله عصمنا الله وإياكم بطاعته ورزقنا وإياكم أداء حقه

436 خطبة عبد ربه الصغير

ولما دبت عقارب الخلاف بين الأزارقة ولعبت بهم يد الشقاق خلعوا قطري ابن الفجاءة وولوا عبد ربه الصغير فانفصل إلى عبد ربه أكثر من الشطر ونشبت الحرب بينه وبين المهلب فأجلت الوقعة عنه قتيلا وقد جمع أصحابه في الليلة التي قتل فيها في صبيحتها فقال يا معشر المهاجرين إن قطريا وعبيدة هربا طلب البقاء ولا سبيل إليه فالقوا عدوكم فإن غلبوكم على الحياة فلا يغلبنكم على الموت فتلقوا الرماح بنحوركم والسيوف بوجوهكم وهبوا أنفسكم لله في الدنيا يهبها لكم في الآخرة


459

437 خطبة صالح بن مسرح

وروى الطبري في تاريخه قال كان صالح بن مسرح يرى رأي الصفرية وكان رجلا ناسكا مخبتا مصفر الوجه صاحب عبادة وكان بدارا وأرض الموصل والجزيرة له أصحاب يقرئهم القرآن ويفقههم ويقص عليهم وكان قصصه الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون اللهم إنا لا نعدل بك ولا نحفد إلا إليك ولا نعبد إلا إياك لك الخلق والأمر ومنك النفع والضر وإليك المصير ونشهد أن محمدا عبدك الذي اصطفيته ورسولك الذي اخترته وارتضيته لتبليغ رسالاتك ونصيحة عبادك ونشهد أنه قد بلغ الرسالة ونصح للأمة ودعا إلى الحق وقام بالقسط ونصر الدين وجاهد المشركين حتى توفاه الله

أوصيكم بتقوى الله والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة وكثرة ذكر الموت وفراق الفاسقين وحب المؤمنين فإن الزهادة في الدنيا ترغب العبد فيما عند الله


460
وتفرغ بدنه لطاعة الله وإن كثرة ذكر الموت تخيف العبد من ربه حتى يجأر إليه ويستكين له وإن فراق الفاسقين حق على المؤمنين قال الله في كتابه ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ) وإن حب المؤمنين للسبب الذي ينال به كرامة الله ورحمته وجنته جعلنا الله وإياكم من الصادقين الصابرين ألا أن من نعمة الله علي المؤمنين أن بعث فيهم رسولا من أنفسهم فعلمهم الكتاب والحكمة وزكاهم وطهرهم وفقههم في دينهم وكان بالمؤمنين رءوفا رحيما حتى قبضه الله صلوات الله عليه ثم ولي الأمر من بعده التقي الصديق على الرضا من المسلمين فاقتدى بهديه واستن بسنته حتى لحق بالله رحمه الله واستخلف عمر فولاه الله أمر هذه الرعية فعمل بكتاب الله وأحيا سنة رسول الله ولم يحنق في الحق على جرته ولم يخف في الله لومة لائم حتى لحق به رحمة الله عليه وولي من بعده عثمان فاستأثر بالفيء وعطل الحدود وجار في الحكم واستذل المؤمن وعزر المحرم فسار إليه المسلمون فقتلوه فبرئ الله منه ورسوله وصالح المؤمنين وولي أمر الناس من بعده علي ابن أبي طالب فلم ينشب أن حكم في أمر الله الرجال وشك في أهل الضلال وركن وأدهن فنحن من علي وأشياعه براء فتيسروا رحمكم الله لجهاد هذه الأحزاب المتحزبة وأئمة الضلال الظلمة وللخروج من دار الفناء إلى دار البقاء واللحاق بإخواننا المؤمنين الموقنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة وأنفقوا أموالهم التماس رضوان الله في العاقبة ولا تجزعوا من القتل في الله فإن القتل أيسر من الموت والموت نازل بكم غير ما ترجم الظنون فمفرق بينكم وبين آبائكم وأبنائكم وحلائلكم ودنياكم
461
وإن اشتد لذلك كرهكم وجزعكم ألا فبيعوا الله أنفسكم طائعين وأموالكم تدخلوا الجنة آمنين وتعانقوا الحور العين جعلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين الذين يهدون بالحق وبه يعدلون

438 خطبة أخرى له

وروى الطبري أيضا قال بينا أصحاب صالح يختلفون إليه إذ قال لهم ذات يوم ما أدري ما تنتظرون وحتى متى أنتم مقيمون هذا الجور قد فشا وهذا العدل قد عفا ولا تزداد هذه الولاة على الناس إلا غلوا وعتوا وتباعدا عن الحق وجرأة على الرب فاستعدوا وابعثوا إلى إخوانكم الذين يريدون من إنكار الباطل والدعاء إلى الحق مثل الذي تريدون فيأتوكم فنلتقي وننظر فيما نحن صانعون وفي أي وقت إن خرجنا نحن خارجون

439 خطبة أخرى

وقال لأصحابه ليلة خرج اتقوا الله عباد الله ولا تعجلوا إلى قتال أحد من الناس إلا أن يكونوا قوما يريدونكم وينصبون لكم فإنكم إنما خرجتم غضبا لله حيث انتهكت محارمه وعثي في الأرض فسفكت الدماء بغير حلها وأخذت الأموال بغير حقها فلا تعيبوا على قوم أعمالا ثم تعملوا بها فإن كل ما أنتم عاملون


462
أنتم عنه مسئولون وإن عظمكم رجاله وهذه دواب لمحمد بن مروان في هذا الرستاق فابدءوا بها فشدوا عليها فاحملوا أرجلكم وتقووا بها على عدوكم

440 خطبة زائدة بن قدامة

وخلف على رياسة الخوارج الصفرية بعد مقتل صالح بن مسرح أحد أصحابه وهو شبيب بن يزيد الشيباني فكتب الحجاج لقتاله الكتائب وكان أميرها في بعض الوقعات زائدة بن قدامة وجاء شبيب حتى وقف مقابل القوم فخرج زائدة يسير بين الميمنة والميسرة يحرض الناس ويقول عباد الله إنكم الطيبون الكثيرون وقد نزل بكم الخبيثون القليلون فاصبروا جعلت لكم الفداء إنهما حملتان أو ثلاث ثم هو النصر ليس دونه شيء ألا ترونهم والله لا يكونون مائتي رجل إنما هم أكلة رأس وهم السراق المراق إنما جاءوكم ليهريقوا دماءكم ويأخذوا فيئكم فلا يكونوا على أخذه أقوي منكم على منعه وهم قليل وأنتم كثير وهم أهل فرقة وأنتم أهل جماعة غضوا الأبصار واستقبلوهم بالأسنة ولا تحملوا عليهم حتى آمركم فما برح يقاتلهم مقبلا غير مدبر حتى قتل

441 خطبة الحجاج بن يوسف

ولما هزم شبيب الجيش الذي كان الحجاج وجهه إليه مع عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث أقبل نحو المدائن وبلغ ذلك الحجاج فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال


463

أيها الناس والله لتقاتلن عن بلادكم وعن فيئكم أو لأبعثن إلى قوم هم أطوع وأسمع وأصبر على اللأواء والغيظ منكم فيقاتلون عدوكم ويأكلون فيئكم يعني جند الشأم

فقام إليه الناس من كل جانب فقالوا نحن نقاتلهم ونعتب الأمير فليندبنا الأمير إليهم فإنا حيث سره

422 خطبة أخرى للحجاج

وبعث الحجاج إلى عتاب بن ورقاء ليأتيه وكان مع المهلب ووجهه في جيش لقتال شبيب وخطب الناس حين وجهه فقال يأهل الكوفة اخرجوا مع عتاب بن ورقاء بأجمعكم لا أرخص لأحد من الناس في الإقامة إلا رجلا قد وليناه من أعمالنا ألا إن للصابر المجاهد الكرامة والأثرة ألا وإن للناكل الهارب الهوان والجفوة والذي لا إله غيره لئن فعلتم في هذا الموطن كفعلكم في المواطن التي كانت لأولينكم كنفا خشنا ولأعركنكم بكلكل ثقيل ثم نزل

443 خطبة شبيب بن يزيد الشيبانى

وعرض شبيب أصحابه بالمدائن فكانوا ألف رجل فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا معشر المسلمين إن الله قد كان ينصركم عليهم وأنتم مائة ومائتان وأكثر من ذلك قليلا وأنقص منه قليلا وأنتم اليوم مئون ومئون ألا إني مصلي الظهر ثم سائر بكم إن شاء الله


464

444 خطبة عتاب بن ورقاء

ولما تواقف الفريقان للقتال جعل عتاب يسير فيما بين الميمنة إلى الميسرة يمر بأهل راية راية فيحثهم على تقوي الله ويأمرهم بالصبر ويقص عليهم قصصا كثيرا منه قوله يأهل الإسلام إن أعظم الناس نصيبا في الجنة الشهداء وليس الله لأحد من خلقه بأحمد منه للصابرين ألا ترون أنه يقول ( واٌصبروا إن الله مع الصابرين ) فمن حمد الله فعله فما أعظم درجته وليس الله لأحد أمقت منه لأهل البغي ألا ترون أن عدوكم هذا يستعرض المسلمين بسيفه لا يرون إلا أن ذلك لهم قربة عند الله فهم شرار أهل الأرض وكلاب أهل النار

فلم يجبه أحد فقال أين القصاص يقصون على الناس ويحرضونهم فلم يتكلم أحد فقال أين من يروي شعر عنترة فيحرك الناس فلم يجبه أحد ولا رد عليه كلمة فقال إنا لله والله لكأنى بكم وقد فررتم عن عتاب بن ورقاء وتركتموه تسفى في استه الريح وحمل عليه شبيب فتفرق عنه كثير من أصحابه وخذلوه وثبت في عصابة قليلة صبرت معه وقاتل حتى قتل

445 خطبة الحجاج

ولما رأى الحجاج عجز أهل الكوفة عن قتال شبيب في مواطن كثيرة في كلها يقتل أمراءهم ويفل جنودهم كتب إلى عبد الملك يستمده فبعث إليه سفيان بن الأبرد الكلبي في أربعة آلاف وحبيب بن عبد الرحمن الحكمى من مذحج في ألفين ودخلا فيمن معهما من أهل الشأم الكوفة فشدوا للحجاج ظهره فاستغنى بهما عن أهل الكوفة فقام على منبرها فحمد الله وأثنى عليه ثم قال


465
أما بعد يأهل الكوفة فلا أعز الله من أراد بكم العز ولا نصر من أراد بكم النصر اخرجوا عنا ولا تشهدوا معنا قتال عدونا الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود والنصارى ولا تقاتلوا معنا إلا من كان لنا عاملا ومن لم يكن شهد قتال عتاب ابن ورقاء

446 خطبة عبد الله بن يحيي الإباضى

لما استولى عبد الله بن يحى الكندي على بلاد اليمن سنة 129 خطب الناس فحمد الله جل وعز وأثنى عليه وصلى على نبيه ووعظ وذكر وحذر ثم قال إنا ندعوكم إلي كتاب الله تعالي وسنة نبيه وإجابة من دعا إليهما الإسلام ديننا ومحمد نبينا والكعبة قبلتنا والقرآن إمامنا رضينا بالحلال حلالا لا نبغي به بديلا ولا نشتري به ثمنا قليلا وحرمنا الحرام ونبذناه وراء ظهورنا ولا حول


466
ولا قوة إلا بالله وإلى الله المشتكى وعليه المعول من زنى فهو كافر ومن سرق فهو كافر ومن شرب الخمر فهو كافر ومن شك في أنه كافر فهو كافر ندعوكم إلى فرائض بينات وآيات محكمات وآثار مقتدى بها ونشهد أن الله صادق فيما وعد عدل فيما حكم وندعو إلى توحيد الرب واليقين بالوعيد والوعد وأداء الفرائض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولاية لأهل ولاية الله والعداوة لأعداء الله

أيها الناس إن من رحمة الله أن جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم يدعون من ضل عن الهدى ويصبرون على الألم في جنب الله تعالى يقتلون على الحق في سالف الدهور شهداء فما نسيهم ربهم وما كان ربك نسيا أوصيكم بتقوى الله وحسن القيام على ما وكلكم الله بالقيام به فأبلوا لله بلاء حسنا في أمره وذكره أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم


467
خطب أبي حمزة الشاري

447 خطبته حين دخل المدينة

ولما دخل أبو حمزة المدينة سنة 130 رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال يأهل المدينة سألناكم عن ولاتكم هؤلاء فأسأتم لعمر الله فيهم القول قلتم والله ما فيهم الذي يعلم أخذوا المال من غير حله فوضعوه في غير حقه وجاروا في الحكم فحكموا بغير ما أنزل الله واستأثروا بفيئنا فجعلوه دولة بين الأغنياء


468
منهم وجعلوا مقاسمنا وحقوقنا في مهور النساء وفروج الإماء فقلنا لكم تعالوا نحن وأنتم إلى هؤلاء الذين ظلمونا وظلموكم وجاروا في الحكم فحكموا بغير ما أنزل الله نناشدهم الله أن يتنحوا عنا وعنكم ليختار المسلمون لأنفسهم فقلتم لا يفعلون فقلنا لكم تعالوا نحن وأنتم نقاتلهم فإن نظهر نحن وأنتم نأت بمن يقيم فينا وفيكم كتاب الله وسنة نبيه محمد فقلتم لا نقوى على ذلك فقلنا لكم فخلوا بيننا وبينهم فإن نظفر نعدل في أحكامكم ونحملكم على سنة نبيكم ونقسم فيئكم بينكم فأبيتم وقاتلتمونا دونهم فقاتلناكم وقتلناهم فأبعدكم الله وأسحقكم

448 خطبة أخرى له

وروي انه لما دخل المدينة قام فخطب فقال في خطبته

يأهل المدينة مررت بكم في زمن الأحول هشام بن عبد الملك وقد أصابتكم عاهة بثماركم وكتبتم إليه تسألونه أن يضع خراجكم عنكم فكتب إليكم بوضعه عن قوم من ذوي اليسار منكم فزاد الغني غنى وزاد الفقير فقرا فقلتم جزاك الله خيرا فلا جزاكم الله خيرا ولا جزاه خيرا


469

449 خطبته وقد بلغه أن أهل المدينة يعيبون صحابه

وبلغ أبا حمزة أن أهل المدينة يعيبون أصحابه لحداثة أسنانهم وخفة أحلامهم فصعد المنبر وعليه كساء غليظ وهو متنكب قوسا عربية فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه وآله ثم قال يأهل المدينة قد بلغتني مقالتكم لأصحابي ولولا معرفتي بضعف رأيكم وقلة عقولكم لأحسنت أدبكم ويحكم إن رسول الله أنزل عليه الكتاب وبين له فيه السنن وشرع له فيه الشرائع وبين له فيه ما يأتي وما يذر فلم يكن يتقدم إلا بأمر الله ولا يحجم إلا عن أمر الله حتى قبضه الله إليه وقد أدي الذي عليه وعلم المسلمين معالم دينهم ولم يدعهم من أمرهم في شبهة وولي أبا بكر صلاتهم فولاه المسلمون أمر دنياهم حين ولاه رسول الله أمر دينهم فعمل بالكتاب والسنة وقاتل أهل الردة وشمر في أمر الله حتى قبضه الله إليه والأمة عنه راضون رحمة الله عليه ومغفرته ثم ولي بعده عمر بن الخطاب فسار بسيرة صاحبه وعمل بالكتاب والسنة وجند الأجناد ومصر الأمصار وجبى الفيء وفرض الأعطية وشمر عن ساقه وحسر عن ذراعه وجلد في الخمر ثمانين وجمع الناس في شهر رمضان وغزا العدو في بلادهم وفتح المدائن والحصون حتى قبضه الله إليه والأمة عنه راضون رحمة الله عليه ورضوانه ومغفرته ثم ولي من بعده عثمان بن عفان فسار ست سنين بسيرة صاحبيه وكان دونهما ثم سار في الست الأواخر بما أحبط به الأوائل واضطرب حبل الدين بعدها فطلبها كل امرئ


470
لنفسه وأسر كل رجل منهم سريرة أبداها الله عنه حق مضوا على ذلك ثم ولي علي بن أبي طالب فلم يبلغ من الحق قصدا ولم يرفع له منارا ثم مضى لسبيله

ثم ولي معاوية بن أبي سفيان لعين رسول الله وابن لعينه وجلف من الأعراب وبقية من الأحزاب مؤلف طليق فسفك الدم الحرام واتخذ عباد الله خولا ومال الله دولا وبغى دينه عوجا ودغلا وأحل الفرج الحرام وعمل بما يشتهيه حتى مضى لسبيله فالعنوه لعنه الله ثم ولي بعده ابنه يزيد يزيد الخمور ويزيد الصقور ويزيد الفهود ويزيد الصيود ويزيد القرود


471
الفاسق في بطنه المأبون في فرجه فخالف القرآن واتبع الكهان ونادم القرد وعمل بما يشتهيه حتى مضى على ذلك لعنه الله وفعل به وفعل ثم ولي مروان بن الحكم طريد لعين رسول الله وآله وابن لعينه فاسق في بطنه وفرجه فالعنوه والعنوا أباءه

ثم تداولها بنو مروان بعده أهل بيت اللعنة طرداء رسول الله وآله وقوم من الطلقاء ليسوا من المهاجرين والأنصار ولا التابعين بإحسان فأكلوا مال الله أكلا ولعبوا بدين الله لعبا واتخذوا عباد الله عبيدا يورث ذلك الأكبر منهم الأصغر فيا لها أمة ما أضيعها وأضعفها والحمد لله رب العالمين ثم مضوا على ذلك من سيئ أعمالهم واستخفافهم بكتاب الله تعالى قد نبذوه وراء ظهورهم لعنهم الله فالعنوهم كما يستحقون وقد ولي منهم عمر بن عبد العزيز فبلغ ولم يكد وعجز عن الذي أظهره حتى مضى لسبيله ولم يذكره بخير ولا شر

ثم ولي يزيد بن عبد الملك غلام ضعيف سفيه غير مأمون على شيء من أمور المسلمين لم يبلغ أشده ولم يؤنس رشده وقد قال الله عز وجل ( فإن آنستم


472
منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) فأمر أمة محمد في أحكامها وفروجها ودمائها أعظم عند الله من مال اليتيم وإن كان عند الله عظيما غلام مأبون في بطنه وفرجه يشرب الحرام ويأكل الحرام ويلبس الحرام يلبس بردتين قد حيكتا له وقومتا على أهلهما بألف دينار وأكثر وأقل قد أخذت من غير حلها وصرفت في غير وجهها بعد أن ضربت فيها الأبشار وحلقت فيها الأشعار وهتكت فيها الأستار واستحل ما لم يحل الله لعبد صالح ولا لنبي مرسل ثم يجلس حبابة عن يمينه وسلامة عن شماله تغنيانه بمزامير الشيطان ويشرب الخمر الصراح المحرمة نصا بعينها حتى إذا أخذت منه مأخذها وخالطت روحه ولحمه ودمه وغلبت سورتها على عقله مزق حلنيه ثم التفت إليهما فقال أتأذنان لي أن أطير نعم فطر إلى لعنة الله وحريق ناره وأليم عذابه طر إلى حيث لا يردك الله
473
ثم ذكر بني أمية وأعمالهم وسيرهم فقال أصابوا إمرة ضائعة وقوما طعاما جهالا لا يقومون لله بحق ولا يفرقون بين الضلالة والهدى ويرون أن بني أمية أرباب لهم فملكوا الأمر وتسلطوا فيه تسلط ربوبية بطشهم بطش الجبابرة يحكمون بالهوى ويقتلون على الغضب ويأخذون بالظنة ويعطلون الحدود بالشفاعات ويأمنون الخونة ويقصون ذوي الأمانة ويأخذون الفريضة من غير موضعها ويضعونها في غير أهلها وقد بين الله أهلها فجعلهم ثمانية أصناف فقال ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين
474
وفي سبيل الله واٌبن السبيل ) فأقبل صنف تاسع ليس منها فأخذ كلها تلكم الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله فالعنوهم لعنهم الله

وأما إخواننا من هذه الشيعة وليسوا بإخواننا في الدين لكني سمعت الله عز وجل قال في كتابه ( يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) فإنها فرقة تظاهرت بكتاب الله وأعلنت الفرية على الله لا يرجعون إلى نظر نافذ في القرآن ولا عقل بالغ في الفقه ولا تفتيش عن حقيقة الصواب قد قلدوا أمورهم أهواءهم وجعلوا دينهم العصبية لحزب لزموه وأطاعوه في جميع ما يقوله لهم غيا كان أو رشدا ضلالة أو هدى ينتظرون الدول في رجعة الموتى ويؤمنون بالبعث قبل الساعة ويدعون علم الغيب لمخلوق لا يعلم أحدهم ما في بيته بل لا يعلم ما ينطوي عليه ثوبه أو يحويه جسمه ينقمون المعاصي على أهلها ويعملون إذا ولوا بها يصرون على الفتنة ولا يعرفون المخرج منها جفاة في دينهم


475
قليلة عقولهم قد قلدوا أهل بيت من العرب دينهم وزعموا أن موالاتهم لهم تغنيهم عن الأعمال الصالحة وتنجيهم من عقاب الأعمال السيئة قاتلهم الله أنلا يؤفكون

فأي هؤلاء الفرق يأهل المدينة تتبعون أم بأي مذاهبهم تقتدون وقد بلغني أنكم تنتقصون أصحابي قلتم هم شباب أحداث وأعراب جفاة ويحكم يأهل المدينة وهل كان أصحاب رسول الله وآله المذكورون في الخير إلا شبابا أحداثا أما والله إني لعالم بتتابعكم فيما يضركم في معادكم ولولا اشتغالي بغيركم عنكم ما تركت الأخذ فوق أيديكم شباب والله مكتهلون في شبابهم غضيضة عن الشر أعينهم ثقيلة عن الباطل أرجلهم أنضاء عبادة وأطلاح سهر باعوا أنفسا تموت غدا بأنفس لا تموت أبدا قد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن كلما مر أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقا إليها وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أذنيه قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم وجباههم ووصلوا كلال الليل بكلال النهار مصفرة ألوانهم ناحلة أجسامهم من طول القيام وكثرة الصيام مستقلون لذلك في جنب الله موفون بعهد الله منجزون لوعد الله حتى إذا رأوا سهام العدو وقد فوقت ورماحهم وقد أشرعت وسيوفهم وقد انتضيت وبرفت الكتيبة ورعدت بصواعق الموت استخفوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله ولم يستخفوا بوعيد الله لوعيد


476
الكتيبة ولقوا شبا الأسنة وشائك السهام وظبات السيوف بنحورهم ووجوهم وصدورهم فمضى الشاب منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه واختضبت محاسن وجهه بالدماء وعفر جبينه بالثرى وانحطت عليه طير السماء وتمرقته سباع الأرض فطوبى لهم وحسن مآب فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها في جوف الليل من خوف الله وكم من يد قد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها راكعا وساجدا وكم من وجه رقيق وجبين عتيق قد فلق بعمد الحديد ثم بكى وقال آه آه على فراق الإخوان رحمة الله على تلك الأبدان وأدخل أرواحهم الجنان

450 خطبة أخرى

ورقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أوصيكم بتقوى الله وطاعته والعمل بكتابه وسنة نبيه وصلة الرحم وتعظيم ما صغرت الجبابرة من حق الله وتصغير ما عظمت من الباطل وإماتة ما أحيوا من الجور وإحياء ما أماتوا من الحقوق وأن يطاع الله ويعصى العباد في طاعته فالطاعة لله ولأهل طاعة الله ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ندعو إلى كتاب الله وسنة نبيه والقسم بالسوية والعدل في الرعية ووضع الأخماس في مواضعها التي أمر الله بها تعلمون يأهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرا


477
ولا بطرا ولا عبثا ولا لهوا ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه ولا لثأر قديم نيل منا ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد أطفئت ومعالم العدل قد عطلت وكثر الادعاء في الدين وعمل بالهوى وعنف القائل بالحق وقتل القائم بالقسط ضاقت علينا الأرض بما رحبت وسمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن فأجبنا داعي الله ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض فأقبلنا من قبائل شتى النفر منا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم يتعاورون لحافا واحدا قليلون مستضعفون في الأرض فآوانا الله وأيدنا بنصره وأصبحنا والله جميعا بنعمته إخوانا وعلى الدين أعوانا ثم لقينا رجالكم بقديد فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكم مروان وآل مروان فشتان لعمر الله ما بين الغي والرشد ثم أقبلوا يهرعون ويزفون قد ضرب الشيطان بجرانه وغلت بدمائهم مراجله وصدق عليهم إبليس ظنه وأقبل أنصار الله عصائب وكتائب بكل مهند ذي رونق فدارت رحانا واستدارت رحاهم بضرب يرتاب منه المبطلون

وأنتم يأهل المدينة إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ويشف صدور قوم مؤمنين يأهل المدينة إن أولكم خير أول وآخركم شر آخر يأهل المدينة الناس منا ونحن منهم إلا مشركا عابد وثن أو كافرا من أهل الكتاب أو إماما جائرا أو شادا على عضده يأهل المدينة من زعم أن الله تعالى كلف نفسا فوق طاقتها أو سألها ما لم يؤتها فهو لله عدو ولنا حرب


478
خطبة له في سب أهل المدينة وتقريعهم

وخطب المدينة فحمد الله وأثني عليه ثم قال يأهل المدينة مالي رأيت رسم الدين فيكم باقيا وآثاره دارسة لا تقبلون عظته ولا تفقهون من أهله حجة قد بليت فيكم حدته وانطمست عنكم سنته ترون معروفه منكرا والمنكر من غيره معروفا إذا انكشفت لكم العبر وأوضحت لكم النذر عميت عنها أبصاركم وصمت عنها أسماعكم ساهين في غمرة لاهين في غفلة تنبسط قلوبكم للباطل إذا نشر وتنقبض عن الحق إذا ذكر مستوحشة من العلم مستأنسة بالجهل كلما وقعت عليها موعظة زادتها عن الحق نفورا تحملون قلوبا في صدوركم كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة أو لم تلن لكتاب الله الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله يأهل المدينة ما تغني عنكم صحة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم إن الله قد جعل لكل شئ سببا غالبا ينقاد له ويطيع أمره وجعل القلوب غالبة على الأبدان فإذا مالت القلوب ميلا كانت الأبدان لها تبعا وإن القلوب لا تلين أهلها إلا بصحتها ولا يصححها إلا المعرفة بالله وقوة النية ونفاذ البصيرة ولو استشعرت تقوى الله قلوبكم لاستعملت في طاعة الله أبدانكم يأهل المدينة داركم دار الهجرة ومثوى رسول الله لما نبت به داره وضاق به قراره وآذاه الأعداء وتجهمت له فنقله الله إليكم بل إلى قوم لعمري لم يكونوا أمثالكم متوازرين مع الحق على الباطل مختارين الآجل على العاجل يصبرون للصراء رجاء ثوابها فنصروا الله وجاهدوا في سبيله وآووا رسول الله ونصروه واتبعوا النور


479
الذي أنزل معه وآثروا الله على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة قال الله تعالى لأمثالهم ولمن اٌهتدي بهداهم ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) وأنتم أبناؤهم ومن بقي من خلفهم تتركون أن تقتدوا بهم أو تأخذوا بسنتهم عمي القلوب صم الآذان اتبعتم الهوى فأرداكم عن الهدى وأسهاكم فلا مواعظ القرآن تزجركم فتزدجرون ولا تعظكم فتعتبرون ولا توقظكم فتستيقظون لبئس الخلف أنتم من قوم مضوا قبلكم ما سرتم بسيرتهم ولا حفظتم وصيتهم ولا احتذيتم مثالهم لو شقت عنهم قبورهم فعرضت عليهم أعمالكم لعجبوا كيف صرف العذاب عنكم

وجاء في رواية العقد الفريد يأهل المدينة أولكم خير أول وآخركم شر آخر إنكم أطعتم قراءكم وفقهاءكم فاختانوكم عن كتاب غير ذي عوج بتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين فأصبحتم عن الحق نائبين أمواتا غير أحياء وما تشعرون يأهل المدينة يا أبناء المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ما أصح أصلكم وأسقم فرعكم كان آباؤكم أهل اليقين وأهل المعرفة بالدين والبصائر النافذة والقلوب الواعية وأنتم أهل الضلالة والجهالة استعبدتكم الدنيا فأذلتكم والأماني فأضلتكم فتح الله لكم باب الدين فسددتموه وأغلق عنكم باب الدنيا ففتحتموه سراع إلى الفتنة بطاء عن السنة عمي عن البرهان صم عن العرفان عبيد الطمع حلفاء الجزع نعم ما ورثكم آباؤكم لو حفظتموه وبئس ما تورثون أبناءكم أن تمسكوا به نصر الله آباءكم على الحق وخذلكم على الباطل كان عدد آبائكم قليلا طيبا وعددكم كثير


480
خبيث اتبعتم الهوى فأرداكم واللهو فأسهاكم ومواعظ القرآن تزجركم فلا تزدجرون وتعبركم فلا تعتبرون

452 خطبة أخرى

وخطب فقال أما بعد فإنك في ناشئ فتنة وقائد ضلالة قد طال جثومها واشتد عليك غمومها وتلونت مصايد عدو الله فيها وما نصب من الشرك لأهل الغفلة عما في عواقبها فلن يهد عمودها ولن ينزل أوتادها إلا الذي بيده ملك الأشياء وهو الله الرحمن الرحيم ألا وإن لله بقايا من عباده لم يتحيروا في ظلمها ولم يشايعوا أهلها على شبهها مصابيح النور في افواههم تزهو وألسنتهم بحجج الكتاب تنطق ركبوا منهج السبيل وقاموا على العلم الأعظم هم خصماء الشيطان الرجيم بهم يصلح الله البلاد ويدفع عن العباد فطوبي لهم وللمستصبحين بنورهم وأسأل الله أن يجعلنا منهم


481

403 خطبته حين خرج من المدينة

وخطب حين خرج من المدينة لقتال جيش مروان فقال يأهل المدينة إنا خارجون لحرب مروان فإن نظهر نعدل في أحكامكم ونحملكم على سنة نبيكم ونقسم بينكم فيئكم وإن يكن ما تمنون لنا فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

454 عمران بن حطان والحجاج

ولما ظفر الحجاج بعمران بن حطان الشاري قال اضربوا عنق ابن الفاجرة فقال عمران لبئس ما أدبك أهلك يا حجاج كيف أنت أن أجيبك بمثل ما لقيتني به أبعد الموت منزلة أصانعك عليها فأطرق الحجاج اٌستحياء وقال خلوا عنه فخرج إلى أصحابه فقالوا والله ما أطلقك إلا الله فارجع إلى حربه معنا فقال هيهات غل يدا مطلقها وأسر رقبة معتقها


482
الخطب الوعظية والوصايا

455 خطبة سحبان بن زفر الوائلى توفي سنة 54ه

خطب فقال إن الدنيا دار بلاغ والآخرة دار قرار أيها الناس فخذوا من دار ممركم لدار مقركم ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ففيها حييتم ولغيرها خلقتم إن الرجل إذا هلك قال الناس ما ترك وقالت الملائكة ما قدم لله قدموا بعضا يكون لكم ولا تخلفوا كلا يكون عليكم


483

456 خطبة معاوية

وخطب معاوية بدمشق فقال أيها الناس سافروا بأبصاركم في كر الجديدين ثم ارجعوها كليلة عن بلوغ الأمل فإن الماضي عظة للباقي ولا تجعلوا الغرور سبيل العجز عن الجد فتنقطع حجتكم في موقف الله سائلكم فيه ومحاسبكم فيما أسلفتم أيها الناس أمس شاهد فاحذروه واليوم مؤدب فاعرفوه وغدا رسول فأكرموه

457 خطبة عبد الملك بن مروان

وخطب عبد الملك بن مروان فقال

أيها الناس اعملوا لله رغبة ورهبة فإنكم نبات نعمته وحصيد نقمته ولا تغرس لكم الآمال إلا ما تجتنيه الآجال وأقلوا الرغبة فيما يورث العطب فكل ما تزرعه العاجلة تقلعه الآجلة واحذروا الجديدين فهما يكران عليكم إن عقبى من بقى لحوق بمن مضي وعلى أثر من سلف يمضي من خلف فتزودوا فإن خير الزاد التقوى


484

458 خطبة لعمر بن عبد العزيز

قال أبو العباس المبرد حدثت في بعض الأسانيد أن عمر بن عبد العزيز قال في خطبة له أيها الناس إنما الدنيا أمل مخترم وأجل منتقص وبلاغ إلى دار غيرها وسير إلى الموت ليس فيه تعريج فرحم الله امرأ فكر في أمره ونصح لنفسه وراقب ربه واستقال ذنبه ونور قلبه أيها الناس إن أباكم قد أخرج من الجنة بذنب واحد وإن ربكم وعد على التوبة فليكن أحدكم من ذنبه على وجل ومن ربه على أمل


485
كلام الحسن البصري

المتوفى سنة 110ه

459 خطبة له

قال الحسن البصري رحمه الله يا بن آدم بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا يا بن آدم إذا رأيت الناس في الخير فنافسهم فيه وإذا رأيتهم في الشر فلا تغبطهم عليه الثواء ها هنا قليل والبقاء هناك طويل أمتكم آخر الأمم وأنتم آخر أمتكم وقد أسرع بخياركم فماذا تنتظرون المعاينة فكأن قد هيهات هيهات ذهبت الدنيا بحاليها وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني آدم فيا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة أما إنه والله لا أمة بعد أمتكم ولا نبي بعد نبيكم ولا كتاب بعد كتابكم أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم وإنما ينتظر بأولكم أن يلحقه آخركم من رأي محمدا فقد رآه غاديا ورائحا لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة رفع له علم فشمر إليه فالوحاء الوحاء


486
والنجاء النجاء علام تعرجون أتيتم ورب الكعبة قد أسرع بخياركم وأنتم كل يوم ترذلون فماذا تنتظرون إن الله تبارك وتعالى بعث محمدا عليه الصلاة والسلام على علم منه اختاره لنفسه وبعثه برسالته وأنزل عليه كتابه وكان صفوته من خلقه ورسوله إلى عباده ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر إليه أهل الأرض وآتاه منها قوتا وبلغة ثم قال ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) فرغب أقوام عن عيشه وسخطوا ما رضي له ربه فأبعدهم الله وأسحقهم

يا بن آدم طإ الأرض بقدمك فإنها عن قليل قبرك واعلم أنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك رحم الله رجلا نظر فتفكر وتفكر فاعتبر وأبصر فصبر فقد أبصر أقوام ولم يصبروا فذهب الجزع بقلوبهم ولم يدركوا ما طلبوا ولم يرجعوا إلى ما فارقوا

يا بن آدم اذكر قوله ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك خذوا صفا الدنيا وذروا كدرها فليس الصفو ما عاد كدرا ولا الكدر ما عاد صفوا دعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم ظهر الجفاء وقلت العلماء وعفت السنة وشاعت البدعة لقد صحبت أقواما ما كانت صحبتهم إلا قرة العين وجلاء الصدور ولقد رأيت أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم من سيئاتكم أن تعذبوا عليها وكانوا فيما أحل الله لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرم الله عليكم منها ما لي أسمع حسيسا ولا أرى


487
أنيسا ذهب الناس وبقي النسناس لو تكاشفتم ما تدافنتم تهاديتم الأطباق ولم تهادوا النصائح قال ابن الخطاب رحم الله امرأ أهدي إلينا مساوينا أعدوا الجواب فإنكم مسئولون المؤمن من لم يأخذ دينه عن رأيه ولكنه أخذه من قبل ربه إن هذا الحق قد جهد أهله وحال بينهم وبين شهواتهم وما يصبر عليه إلا من عرف فضله ورجا عاقبته فمن حمد الدنيا ذم الآخرة وليس يكره لقاء الله إلا مقيم على سخطه

يا بن آدم الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر في القلوب وصدقه العمل

460 خطبة أخرى

وكان إذا قرأ ( ألهاكم التكاثر ) قال عم ألهاكم عن دار الخلود وجنة لا تبيد هذا والله فضح القوم وهتك الستر وأبدى العوار تنفق مثل دينك في شهواتك سرفا وتمنع في حق الله درهما ستعلم يا لكع الناس ثلاثة مؤمن وكافر ومنافق فأما المؤمن فقد ألجمه الخوف وقومه ذكر العرض وأما الكافر فقد قمعه السيف وشرده الخوف فأدعن بالجزية وسمح بالضريبة وأما المنافق ففي الحجرات والطرقات يسرون غير ما يعلنون ويضمرون غير ما يظهرون فاعتبروا إنكارهم ربهم بأعمالهم الخبيثة ويلك قتلت وليه ثم تتمنى عليه جنته


488

461 خطبة أخرى

وكان يقول رحم الله رجلا خلا بكتاب الله فعرض عليه نفسه فإن وافقه حمد ربه وسأله الزيادة من فضله وإن خالفه أعتب وأناب وراجع من قريب رحم الله رجلا وعظ أخاه وأهله فقال يأهلى صلاتكم صلاتكم زكاتكم زكاتكم جيرانكم جيرانكم إخوانكم إخوانكم مساكينكم مساكينكم لعل الله يرحمكم فإن الله تبارك وتعالى أثنى على عبد من عباده فقال ( وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا ) يا بن آدم كيف تكون مسلما ولم يسلم منك جارك وكيف تكون مؤمنا ولم يأمنك الناس

462 خطبة أخرى

وكان يقول لا يستحق أحد حقيقة الإيمان حتى لا يعيب الناس بعيب هو فيه ولا يأمر بإصلاح عيوبهم حتى يبدأ بإصلاح ذلك من نفسه فإنه إذا فعل ذلك لم يصلح عيبا إلا وجد في نفسه عيبا آخر ينبغي له أن يصلحه فإذا فعل ذلك شغل بخاصة نفسه عن عيب غيره وإنك ناظر إلى عملك بوزن خيره وشره فلا تحقرن شيئا من الخير وإن صغر فإنك إذا رأيته سرك مكانه ولا تحقرن شيئا من الشر وإن صغر فإنك إذا رأيته ساءك مكانه


489

463 خطبة أخرى

وكان يقول رحم الله عبدا كسب طيبا وأنفق قصدا وقدم فضلا وجهوا هذه الفضول حيث وجهها الله وضعوها حيث أمر الله فإن من كان قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغهم ويؤثرون بالفضل ألا إن هذا الموت قد أضر بالدنيا ففضحها فلا والله ما وجد ذو لب فيها فرحا فإياكم وهذه السبل المتفرقة التي جماعها الضلالة وميعادها النار أدركت من صدر هذه الأمة قوما كانوا إذا جنهم الليل فقيام على أطرافهم يفترشون خدودهم تجري دموعهم على خدودهم يناجون مولاهم في فكاك رقابهم إذا عملوا الحسنة سرتهم وسألوا الله أن يتقبلها منهم وإذا عملوا سيئة ساءتهم وسألوا الله أن يغفرها لهم يا بن آدم إن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس ها هنا شىء يغنيك وإن كان يغنيك ما يكفيك فالقليل من الدنيا يكفيك يا بن آدم لا تعمل شيئا من الحق رياء ولا تتركه حياء

464 خطبة أخرى

وكان يقول إن العلماء كانوا قد استغنوا بعلمهم عن أهل الدنيا وكانوا يقضون بعلمهم على أهل الدنيا ما لا يقضي أهل الدنيا بدنياهم فيها وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم لأهل العلم رغبة في علمهم فأصبح اليوم أهل العلم يبذلون علمهم لأهل الدنيا رغبة في دنياهم فرغب أهل الدنيا بدنياهم عنهم وزهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم وكان يقول لا أذهب إلى من يوارى


490
غني غناه ويبدي لى فقره ويغلق دوني بابه ويمنعني ما عنده وأدع من يفتح لي بابه ويبدي لي غناه ويدعوني إلى ما عنده

465 خطبة أخرى

وكان يقول يا بن آدم لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر مؤمن مهتم وعلج اغتم وأعرابي لا فقه له ومنافق مكذب ودنياوي مترف نعق بهم ناعق فاتبعوه فراش نار وذبان طمع والذي نفس الحسن بيده ما أصبح في هذه القرية مؤمن إلا أصبح مهموما حزينا وليس لمؤمن راحة دون لقاء الله الناس ما داموا في عافية مستورون فإذا نزل بلاء صاروا إلى حقائقهم فصار المؤمن إلى إيمانه والمنافق إلى نفاقه أي قوم إن نعمة الله عليكم أفضل من أعمالكم فسارعوا إلى ربكم فإنه ليس لمؤمن راحة دون الجنة ولا يزال العبد بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همه

466 خطبة أخرى

وقال في يوم فطر وقد رأى الناس وهيئاتهم إن الله تبارك وتعالى جعل رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق أقوام ففازوا وتخلف آخرون فخابوا فالعجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون أما والله أن لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه ومسيء بإساءته عن ترجيل شعر أو تجديد ثوب


491

467 مقام الحسن البصري عند عمر بن هبيرة

لما ولي عمر بن هبيرة الفزارى العراق وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي سنة ثلاث ومائة فقال لهم إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده وأحد عليهم الميثاق بطاعته وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة وقد ولاني ما ترون فيكتب إلي بالأمر من أمره أعرف في تنفيذه الهلكة فأخاف إن أطعته غضب الله وإن عصيته لم آمن سطوته فما ترون فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه تقية وكان ابن هبيرة لا يستشفي دون أن يسمع قول الحسن فقال قل ما عندك يا أبا سعيد فقال يا بن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله وأوشك أن يبعث إليك ملكا فيزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ثم لا ينجيك إلا عملك يا بن هبيرة إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرا لدين الله وعباده فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق

وفي رواية أخرى قال أقول والله إنه يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله فظ غليظ لا يعصي الله ما أمره فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فلا يغني عنك ابن عبد الملك شيئا وإني لأرجو أن الله عز وجل سيعصمك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله فاتق الله أيها الأمير فإنك لا تأمن أن ينظر الله إليك وأنت على أقبح ما تكون عليه من طاعة يزيد نظرة يمقتك بها فيغلق عنك باب الرحمة واعلم أنى أخوفك ما خوفك الله سبحانه حين يقول ( ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ) وإذا كنت مع الله عز وجل في طاعته كفاك بوائق يزيد وإن كنت مع يزيد على معصية الله وكلك الله إلى يزيد حين لا يغني عنك شيئا


492
فبكي عمر بن هبيرة بكاء شديدا ثم أجازهم وأضعف جائزة الحسن فقال الشعبي لابن سيرين سفسفنا له فسفسف لنا

468 مقام الحسن عند النضر بن عمرو

وأحضر النضر بن عمرو وكان واليا على البصرة الحسن البصري يوما فقال يا أبا سعيد إن الله عز وجل خلق الدنيا وما فيها من رياشها وبهجتها وزينتها لعباده وقال عز وجل ( كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) وقال عز من قائل ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ) فقال الحسن أيها الرجل اتق الله في نفسك وإياك والأماني التي ترجحت فيها فتهلك إن أحدا لم يعط خيرا من خير الدنيا ولا من خير الآخرة بأمنيته وإنما هي داران من عمل في هذه أدرك تلك ونال في هذه ما قدر له منها ومن أهمل نفسه خسرهما جميعا إن الله سبحانه اختار محمدا لنفسه وبعثه برسالته ورحمته وجعله رسولا إلى كافة خلقه وأنزل عليه كتابا مهيمنا وحد له في الدنيا حدودا وجعل له فيها أجلا ثم قال عز وجل ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) وأمرنا أن نأخذ بأمره ونهتدي بهديه وأن نسلك طريقته ونعمل بسنته فما بلغنا إليه فبفضله ورحمته وما قصرنا عنه فعلينا أن نستعين ونستغفر فذلك باب مخرجنا فأما الأماني فلا خير فيها ولا في أحد من أهلها


493

فقال النضر والله يا أبا سعيد إنا على ما فينا لنحب ربنا فقال الحسن لقد قال ذلك قوم على عهد رسول الله فأنزل الله تعالى عليه ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) فجعل سبحانه اتباعه علما للمحبة وأكذب من خالف ذلك فاتق الله أيها الرجل في نفسك وايم الله لقد رأيت أقواما كانوا قبلك في مكانك يعلون المنابر وتهتز لهم المراكب ويجرون الذيول بطرا ورياء الناس يبنون المدر ويؤثرون الأثر ويتنافسون في الثياب أخرجوا من سلطانهم وسلبوا ما جمعوا من دنياهم وقدموا على ربهم ونزلوا على أعمالهم فالويل لهم يوم التغابن ويا ويحهم ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه )

469 مقام آخر له عند النضر

ودخل عليه يوما آخر فقال أيها الأمير أيدك الله إن أخاك من نصحك في دينك وبصرك عيوبك وهداك إلى مراشدك وإن عدوك من غرك ومناك أيها الأمير اتق الله فإنك أصبحت مخالفا للقوم في الهدى والسيرة والعلانية والسريرة وأنت مع ذلك تتمنى الأماني وترجح في طلب العذر والناس أصلحك الله طالبان فطالب دنيا وطالب آخرة وايم الله لقد أدرك طالب الآخرة واستراح وتعب الآخر واخترم


494
فاحذر أيها الأمير أن تشقى بطلب الفاني وترك الباقي فتكون من النادمين واعلم أن حكيما قال

( أين الملوك التي عن حظها غفلت حتى سقاها بكأس الموت ساقيها )

نعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن الضلالة بعد الهدي لقد حدثت أيها الأمير عن بعض الصالحين أنه كان يقول كفي بالمرء خيانة أن يكون للخونة أمينا وعلى أعمالهم معينا

470 مقال الحسن حين رأى دار الحجاج التي بناها بواسط

وروي أن الحجاج بني دارا بواسط وأحضر الحسن ليراها فلما دخلها قال الحمد لله إن الملوك ليرون لأنفسهم عزا وإنا لنرى فيهم كل يوم عبرا يعمد أحدهم إلى قصر فيشيده وإلى فرش فينجده وإلى ملابس ومراكب فيحسنها ثم يحف به ذباب طمع وفراش نار وأصحاب سوء فيقول اٌنظروا ما صنعت فقد رأينا أيها المغرور فكان ماذا يا أفسق الفاسقين أما أهل السموات فقد مقتوك وأما أهل الأرض فقد لعنوك بنيت دار الفناء وخربت دار البقاء وغررت في دار الغرور لتذل في دار الحبور ثم خرج وهو يقول إن الله سبحانه أخذ عهده على العلماء ليبينه للناس ولا يكتمونه

وبلغ الحجاج ما قال فاشتد غضبه وجمع أهل الشأم فقال يأهل الشأم أيشتمني عبد من عبيد أهل البصرة وأنتم حضور فلا تنكرون ثم أمر بإحضاره فجاء وهو يحرك شفتيه بما لم يسمع حتى دخل على الحجاج فقال يا أبا سعيد أما كان لإمارتي عليك حق حين قلت ما قلت فقال يرحمك الله أيها الأمير إن من خوفك حتى


495
تبلغ أمنك أرفق بك وأحب فيك ممن أمنك حتى تبلغ الخوف وما أردت الذي سبق إلى وهمك والأمران بيدك العفو والعقوبة فافعل الأولي بك وعلى الله فتوكل وهو حسبنا ونعم الوكيل فاستحيا الحجاج منه واعتذر إليه وأكرمه وحياه

وفي رواية أخرى فلما دخل قال له الحجاج ها هنا فأجلسه قريبا منه وقال ما تقول في علي وعثمان قال أقول قول من هو خير مني عند من هو شر منك قال فرعون لموسى ( فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ) علم علي وعثمان عند الله قال أنت سيد العلماء يا أبا سعيد ودعا بغالية وعلف بها لحيته فلما خرج تبعه الحاجب فقال له ما الذي كنت قلت حين دخلت عليه قال قلت يا عدتي عند كربتي ويا صاحبي عند شدتي ويا ولى نعمتي ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب ارزقني مودته واصرف عني أذاه ففعل ربي عز وجل

471 صفة الإمام العادل

لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إلى الحسن أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل فكتب إليه الحسن رحمه الله اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل وقصد كل جائر وصلاح كل فاسد وقوة كل ضعيف ونصفة كل مظلوم ومفزع كل ملهوف والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق الذي يرتاد


496
لها أطيب المرعى ويذودها عن مراتع الهلكة ويحميها من السباع ويكنفها من أذى الحر والقر والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده يسعى لهم صغارا ويعلمهم كبارا يكتسب لهم في حياته ويدخر لهم بعد مماته والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها حملته كرها ووضعته كرها وربته طفلا تسهر بسهره وتسكن بسكونه ترضعه تارة وتفطمه أخرى وتفرح بعافيته وتغتم بشكايته والإمام العادل يا أمير المؤمنين وصي اليتامى وخازن المساكين يربي صغيرهم ويمون كبيرهم والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله ويسمعهم وينظر إلى الله ويريهم وينقاد إلى الله ويقودهم فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله فبدد المال وشرد العيال فأفقر أهله وفرق ماله واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من يليها وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت فيه يطول فيه ثواؤك ويفارقك أحباؤك يسلمونك في قعره فريدا وحيدا فتزود له ما يصحبك يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه واذكر يا أمير المؤمنين إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور فالأسرار ظاهرة والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد
497
الله بحكم الجاهلين ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك لا تنظر إلى قدرتك اليوم ولكن انظر إلى قدرتك غدا وأنت مأسور في حبائل الموت وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين وقد عنت الوجوه للحي القيوم إني يا أمير المؤمنين وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النهى من قبلي فلم آلك شفقة ونصحا فأنزل كتابي إليك كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجو له في ذلك من العافية والصحة والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته

472 موعظته لعمر بن عبد العزيز

وكتب إليه عمر بن عبد العزيز رحمهما الله اكتب إلي يا أبا سعيد بموعظة فأوجز فكتب إليه أما بعد يا أمير المؤمنين فكأن الذي كان لم يكن وكأن الذي هو كائن قد نزل واعلم يا أمير المؤمنين أن الصبر وإن أذاقك تعجيل مرارته فلنعم ما أعقبك من طيب حلاوته وحسن عاقبته وأن الهوى وإن أذاقك طعم حلاوته فلبئس ما أعقبك من مرارته وسوء عاقبته واعلم يا أمير المؤمنين أن الفائز من حرص على السلامة في دار الإقامة وفاز بالرحمة فأدخل الجنة


498

473 موعظته لعمر بن عبد العزيز أيضا

وكتب إليه عمر بن عبد العزيز اكتب إلي يا أبا سعيد بذم الدنيا فكتب إليه أما بعد يا أمير المؤمنين فإن الدنيا دار ظعن وانتقال وليست بدار إقامة على حال وإنما أنزل إليها آدم عقوبة فاحذرها فإن الراغب فيها تارك والغني فيها فقير والسعيد من أهلها من لم يتعرض لها إنها إذا اختبرها اللبيب الحاذق وجدها تذل من أعزها وتفرق من جمعها فهي كالسم يأكله من لا يعرفه ويرغب فيه من يجهله وفيه والله حتفه فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جراحه يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا الصبر على لأوائها أيسر من احتمال بلائها واللبيب من حذرها ولم يغتر بزينتها فإنها غدارة ختالة خداعة قد تعرضت بآمالها وتزينت لخطابها فهي كالعروس العيون إليها ناظرة والقلوب عليها والهة وهي والذي بعث محمدا بالحق لأزواجها قاتلة فاتق يا أمير المؤمنين صرعتها واحذر عثرتها فالرخاء فيها موصول بالشدة والبلاء والبقاء مؤد إلى الهلكة والفناء

واعلم يا أمير المؤمنين أن أمانيها كاذبة وآمالها باطلة وصفوها كدر وعيشها نكد وتاركها موفق والمتمسك بها هالك غرق والفطن اللبيب من خاف ما خوفه الله وحذر ما حذره وقدر من دار الفناء إلى دار البقاء فعند الموت يأتيه اليقين الدنيا والله يا أمير المؤمنين دار عقوبة لها يجمع من لا عقل له وبها يغتر من لا علم عنده والحازم اللبيب من كان فيها كالمداوي جراحه يصبر على مرارة الدواء لما يرجو من


499
العافية ويخاف من سوء عاقبة الدار والدنيا وايم الله يا أمير المؤمنين حلم والآخرة يقظة والمتوسط بينهما الموت والعباد في أضغاث أحلام وإني قائل لك يا أمير المؤمنين ما قال الحكيم

( فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجيا )

ولما وصل كتابه إلى عمر بكى وانتحب حتى رحمه من كان عنده وقال يرحم الله الحسن فإنه لا يزال يوقظنا من الرقدة وينبهنا من الغفلة ولله هو من مشفق ما أنصحه وواعظ ما أصدقه وأفصحه

474 كلمات حكيمة للحسن البصري

وقال احذر من نقل إليك حديث غيرك فإنه سينقل إلى غيرك حديثك أيها الناس إنكم لا تنالون ما تحبون إلا بترك ما تشتهون ولا تدركون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون الصبر صبران صبر عند المصيبة وصبر عن المعصية فمن قدر على ذلك فقد نال افضل الصبرين أفضل الجهاد جهاد الهوى لا تكن ممن يجمع علم العلماء وحكم الحكماء ويجري في الحق مجرى السفهاء من خاف الله أخاف الله سبحانه منه كل شيء ومن خاف الناس أخافه الله من كل شيء لولا ثلاثة ما طأطأ ابن آدم رأسه الموت والمرض والفقر وإنه بعد ذلك لوثاب احذروا العابد الجاهل والعالم الفاسق فإن فيهما فتنة لكل مفتون ترك الخطيئة أهون من معالجة التوبة لا تكن شاة الراعي أعقل منك تزجرها الصيحة وتطردها الإشارة المؤمن تلقاه الزمان بعد الزمان بأمر ووجه واحد ونصيحة واحدة وإنما يتبدل المنافق ليستأكل كل قوم المؤمن صدق قوله فعله وسره علانيته ومشهده مغيبه لا يزال العبد بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت الفكرة من عمله


500
والذكر من شأنه والمحاسبة من همته ولا يزال بشر ما استعمل التسويف واتبع الهوى وأكثر الغفلة ورجح في الأماني الحق مر لا يصبر عليه إلا من عرف حسن العاقبة ومن رجا الثواب خاف العقاب حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور واقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة وإنكم إلا تزعوها تنزع بكم إلى شر غاية يا بن آدم نهارك ضيفك فأحسن إليه فإنك إن أحسنت إليه ارتحل يحمدك وإن أسأت إليه ارتحل يذمك وكذلك ليلك إنما أنت أيها الإنسان عدد فإذا مضى لك يوم فقد مضى بعضك وقيل له يا أبا سعيد من أشد الناس صراخا يوم القيامة فقال رجل رزق نعمة فاستعان بها على معصية الله وكان يقول لو قمت الليل حتى ينحني ظهرك وصمت النهار حتى يسقم جسمك لم ينفعك ذلك إلا بورع صادق وسمع رجلا يكثر الكلام فقال يا بن أخي أمسك عليك لسانك فقد قيل ما شيء أحق بسجن من لسان وكان يقول لو لم يكن من شؤم الشراب إلا أنه جاء إلي أحب خلق الله إلى الله فأفسده لكان ينبغي للعاقل أن يتركه يعني العقل ويقول ما أطال أحد الأمل إلا أساء العمل وما أساء العمل إلا ذل

وقال يا عجبا لقوم قد أمروا بالزاد وأوذنوا بالرحيل وأقام أولهم على آخرهم فليت شعري ما الذي ينتظرون وقال اجعل الدنيا كالقنطرة تجوز عليها ولا تعمرها وقال ليس العجب ممن عطب كيف عطب إنما العجب ممن نجا كيف نجا وقال من أخلاق المؤمن قوة في دين وحرص على العلم وقناعة في فقر ورحمة للمجهود وإعطاء في حق وبر في استقامة وفقه في يقين وكسب في حلال


501

475 خطبة واصل بن عطاء المنزوعة الراء

الحمد لله القديم بلا غاية والباقي بلا نهاية الذي علا في دنوه ودنا في علوه فلا يحويه زمان ولا يحيط به مكان ولا يئوده حفظ ما خلق ولم يخلقه على مثال سبق بل أنشأه ابتداعا وعدله اصطناعا فأحسن كل شيء خلقه وتمم مشيئته وأوضح حكمته فدل على ألوهيته فسبحانه لا معقب لحكمه ولا دافع لقضائه تواضع كل شيء لعظمته وذل كل شيء لسلطانه ووسع كل شيء فضله لا يعزب عنه مثقال حبة وهو السميع العليم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده إلها تقدست أسماؤه وعظمت آلاؤه وعلا عن صفات كل مخلوق وتنزه عن شبيه كل مصنوع فلا تبلغه الأوهام ولا تحيط به العقول ولا الأفهام يعصى فيحلم ويدعى فيسمع ويقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون وأشهد شهادة حق وقول صدق بإخلاص نية وصحة طويلة أن محمد بن عبد الله عبده ونبيه وخالصته وصفيه ابتعثه إلى خلقه بالبينة والهدى ودين الحق فبلغ مألكته ونصح لأمته وجاهد في سبيل الله لا تأخذه في الحق لومة لائم ولا يصده عنه زعم زاعم ماضيا على سنته موفيا على قصده حتى أتاه اليقين فصلى الله على محمد وعلى آل محمد


502
أفضل وأزكى وأتم وأنمى وأجل وأعلى صلاة صلاها على صفوة أنبيائه وخالصة ملائكته وأضعاف ذلك إنه حميد مجيد أوصيكم عباد الله مع نفسي بتقوى الله والعمل بطاعته والمجانبة لمعصيته وأحضكم على ما يدينكم منه ويزلفكم لديه فإن تقوى الله أفضل زاد وأحسن عاقبة في معاد ولا تلهينكم الحياة الدنيا بزينتها وخدعها وفواتن لذاتها وشهوات أمالها فإنها متاع قليل ومدة إلى حين وكل شيء منها يزول فكم عاينتم من أعاجيبها وكم نصبت لكم من حبائلها وأهلكت من جنح إليها واعتمد عليها أذاقتهم حلوا ومزجت لهم سما أين الملوك الذين بنوا المدائن وشيدوا المصانع وأوثقوا الأبواب وكاثفوا الحجاب وأعدوا الجياد وملكوا البلاد واستخدموا التلاد قبضتهم بمحملها وطحنتهم بكلكلها وعضتهم بأنيابها وعاضتهم من السعة ضيقا ومن العزة ذلا ومن الحياة فناء فسكنوا اللحود وأكلهم الدود وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ولا تجد إلا معالمهم ولا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم نبسا فتزودوا عافاكم الله فإن أفضل الزاد التقوى واتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون جعلنا الله وإياكم ممن ينتفع بمواعظه ويعمل لحظه وسعادته وممن يستمع القول فيتبع أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب إن أحسن قصص المؤمنين وأبلغ مواعظ المتقين كتاب الله الزكية آياته الواضحة بيناته فإذا تلي عليكم فأنصتوا له واسمعوا لعلكم تفلحون أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي إن الله هو السميع العليم قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ثم قال
503
نفعنا الله وإياكم بالكتاب الحكيم والوحي المبين وأعادنا وإياكم من العذاب الأليم وأدخلنا وإياكم جنات النعيم

476 وصية عبد الملك بن مروان لبني أمية

وقال عبد الملك بن مروان يا بني أمية ابذلوا نداكم وكفوا أذاكم واعفوا إذا قدرتم ولا تبخلوا إذا سئلتم فإن خير المال ما أفاد حمدا أو نفى ذما ولا يقولن أحدكم ابدأ بمن تعول فإنما الناس عيال الله قد تكفل الله بأرزاقهم فمن وسع أخلف الله عليه ومن ضيق ضيق الله عليه

477 وصية عبد الملك بن شداد لابنه

لما حضرت عبد الله بن شداد الوفاة دعا ابنا له يقال له محمد فقال يا بني إني أرى داعى الموت لا يقلع وأرى من مضي لا يرجع ومن بقي فإليه ينزع وإني موصيك بوصية فاحفظها عليك بتقوى الله العظيم وليكن أولي الأمور بك شكر الله وحسن النية في السر والعلانية فإن الشكور يزداد والتقوى خير زاد وكن كما قال الحطيئة

( ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد )

( وتقوى الله خير الزاد ذخرا وعند الله للأتقى مزيد )

( وما لا بد أن يأتي قريب ولكن الذي يمضي بعيد )


504
ثم قال أي بني لا تزهدن في معروف فإن الدهر ذو صروف والأيام ذات نوائب على الشاهد والغائب فكم من راغب أصبح مطلوبا ما لديه واعلم أن الزمان ذو ألوان ومن يصحب الزمان ير الهوان وكن أي بني كما قال أبو الأسود الدؤلي

( وعد من الرحمن فضلا ونعمة عليك إذا ما جاء للعرف طالب )

( وإن امرأ لا يرتجى الخير عنده يكن هينا ثقلا على من يصاحب )

( فلا تمنعن ذا حاجة جاء طالبا فإنك لا تدري متى أنت راغب )

( رأيت التوا هذا الزمان بأهله وبينهم فيه تكون النوائب )

ثم قال أي بني كن جوادا بالمال في موضع الحق بخيلا بالأسرار عن جميع الخلق فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر وإن أحمد بخل الحر الضن بمكتوم السر وكن كما قال قيس بن الخطيم الأنصاري

( أجود بمكنون التلاد وإنني بسرك عمن سالني لضنين )

( إذا جاوز الإثنين سر فإنه بنث وتكثير الحديث قمين )

( وعندي له يوما إذا ما ائتمننى مكان بسوداء الفؤاد مكين ) ثم قال أي بني وإن غلبت يوما على المال فلا تدع الحيلة على حال فإن الكريم يحتال والدنى عيال وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالا أقل


505
ما تكون في الباطن مالا فإن الكريم من كرمت طبيعته وظهرت عند الإنفاد نعمته وكن كما قال ابن خذاق العبدى

( وجدت أبي قد أورثه أبوه خلالا قد تعد من المعالي )

( فأكرم ما تكون على نفسي إذا ما قل في الأزمات مالي )

( فتحسن سيرتي وأصون عرضي ويجمل عند أهل الرأي حالي )

( وإن نلت الغني لم أغل فيه ولم أخصص بجفوتي الموالي )

ثم قال أي بني وإن سمعت كلمة من حاسد فكن كأنك لست بالشاهد فإنك إن أمضيتها حيالها رجع العيب على من قالها وكان يقال الأريب العاقل هو الفطن المتغافل وكن كما قال حاتم الطائي

( وما من شيمتي شتم ابن عمي وما أنا مخلف من يرتجينى )

( وكلمة حاسد في غير جرم سمعت فقلت مري فانقذيني )

( فعابوها على ولم تسؤني ولم يعرق لها يوما جبينى )

( وذو اللونين يلقاني طليقا وليس إذا تغيب يأتليني )

( سمعت بعيبه فصفحت عنه محافظة على حسبى ودينى )

ثم قال أي بني لا تؤاخ امرأ حتى تعاشره وتتفقد موارده ومصادره فإذا استطعت العشرة ورضيت الخبرة فواخه على إقالة العثرة والمواساة في العسرة وكن كما قال المقنع الكندي

( أبل الرجال إذا أردت إخاءهم وتوسم فعالهم وتفقد )


506

( فإذا ظفرت بذى اٌللبابة والتقى فبه اليدين قرير عين فاشدد )

( وإذا رأيت ولا محالة زلة فعلى أخيك بفضل حلمك فاردد )

ثم قال أي بني إذا أحببت فلا تفرط وإذا أبغضت فلا تشطط فإنه قد كان يقال أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما وكن كما قال هدبة بن الخشرم العذري

( وكن معقلا للحلم واصفح عن الخنا فإنك راء ما حييت وسامع )

( وأحبب إذا أحببت حبا مقاربا فإنك لا تدري متى أنت نازع )

( وأبغض إذا أبغضت بغضا مقاربا فإنك لا تدري متى أنت راجع )

وعليك بصحبة الأخيار وصدق الحديث وإياك وصحبة الأشرار فإنه عار وكن كما قال الشاعر

( اصحب الأخيار وارغب فيهم رب من صاحبته مثل الجرب )

( ودع الناس فلا تشتمهم وإذا شاتمت فاشتم ذا حسب )

( إن من شاتم وغدا كالذي يشتري الصفر بأعيان الذهب )

( واصدق الناس إذا حدثتهم ودع الناس فمن شاء كذب )


507

478 وصية أسماء بن خارجة لابنته

زوج أسماء بن خارجة الفزاري بنته هندا من الحجاج بن يوسف فلما كانت ليلة أراد البناء بها قال لها أسماء يا بنية إن الأمهات يؤدبن البنات وإن أمك هلكت وأنت صغيرة فعليك بأطيب الطيب الماء وأحسن الحسن الكحل وإياك وكثرة المعاتبة فإنها قطيعة للود وإياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق وكوني لزوجك أمة يكن لك عبدا واعلمي أني القائل لأمك

( خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب )

( ولا تنقريني نقرة الدف مرة فإنك لا تدرين كيف المغيب )

( فإني وجدت الحب في الصدر والأذى إجتمعا لم يلبث الحب يذهب )

479 رجل ينصح لهشام بن عبد الملك

وخرج الزهري يوما من عند هشام بن عبد الملك فقال ما رأيت كاليوم ولا سمعت كأربع كلمات تكلم بهن رجل عند هشام دخل عليه فقال يا أمير المؤمنين احفظ عني أربع كلمات فيهن صلاح ملكك واستقامة رعيتك قال وما هن قال لا تعد عدة لا تثق من نفسك بإنجازها ولا يغرنك المرتقى وإن كان سهلا إذا كان المنحدر وعرا واعلم أن للأعمال جزاء فاتق العواقب وأن للأمور بغتات فكن على حذر

قال عيسي بن دأب فحدثت بهذا الحديث المهدي وفي يده لقمة قد رفعها إلى فيه


508
فأمسكها وقال ويحك أعد علي فقلت يا أمير المؤمنين أسغ لقمتك فقال حديثك أعجب إلي

480 وصية عبد الحميد بن يحى الكاتب للكتاب

كتب عبد الحميد بن يحى الكاتب رسالة إلى الكتاب يوصيهم فيها قال

أما بعد حفظكم الله يأهل صناعة الكتابة وحاطكم ووثقكم وأرشدكم فإن الله عز وجل جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين ومن بعد الملوك المكرمين أصنافا وإن كانوا في الحقيقة سواء وصرفهم في صنوف الصناعات وضروب المحاولات إلى أسباب معايشهم وأبواب أرزاقهم فجعلكم معشر الكتاب في أشرف الجهات أهل الأدب والمروءة والعلم والرواية بكم تنتظم للخلافة محاسنها وتستقيم أمورها وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم وتعمر بلادهم لا يستغني الملك عنكم ولا يوجد كاف إلا منكم فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التي بها يسمعون وأبصارهم التي بها يبصرون وألسنتهم التي بها ينطقون وأيديهم التي بها يبطشون فأمتعكم الله بما خصكم من فضل صناعتكم ولا نزع عنكم ما أضفاه من النعمة عليكم

وليس أحد أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم أيها الكتاب إذا كنتم على ما يأتي في هذا الكتاب من صفتكم فإن الكاتب يحتاج من نفسه ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره أن يكون حليما في موضع الحلم فهيما في موضع الحكم مقداما في موضع الإقدام محجاما في موضع الإحجام مؤثرا للعفاف والعدل والإنصاف كتوما للأسرار وفيا عند


509
الشدائد عالما بما يأتي من النوازل يضع الأمور مواضعها والطوارق أماكنها قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكمته فإن لم يحكمه أخذ منه بمقدار يكتفي به يعرف بغريزة عقله وحسن أدبه وفضل تجربته ما يرد عليه قبل وروده وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدوره فبعد لكل أمر عدته وعتاده ويهيئ لكل وجه هيئته وعادته قتنافسوا يا معشر الكتاب في صنوف الآداب وتفقهوا في الدين وابدءوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض ثم العربية فإنها ثقاف ألسنتكم ثم أجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها فإن ذلك معين لكم على ما تسمو إليه هممكم ولا تضيعوا النظر في الحساب فإنه قوام كتاب الخراج وارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيها ودنيها وسفساف الأمور ومحاقرها فإنها مدلة للرقاب مفسدة للكتاب ونزهوا صناعتكم عن الدناءات واٌربئوا بأنفسكم عن السعاية والنميمة وما فيه أهل الجهالات وإياكم والكبر والصلف والعظمة فإنها عداوة مجتلبة من غير إحنة وتحابوا في الله عز وجل في صناعتكم وتواصوا عليها بالذي هو أليق بأهل الفضل والعدل والنبل من سلفكم

وإن نبا الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه حتى يرجع إليه حاله ويثوب إليه أمره وإن أقعد أحدكم الكبر عن مكبه ولقاء إخوانه فزوروه وعظموه وشاوروه واستظهروا بفضل تجربته وقدم معرفته وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ليوم حاجته إليه أحفظ منه على ولده وأخيه فإن عرضت في الشغل محمدة فلا يضيفها إلا إلى صاحبه وإن عرضت مذمة فليحملها


510
هو من دونه وليحذر السقطة والزلة والملل عند تغير الحال فإن العيب إليكم معشر الكتاب أسرع منه إلى القراء وهو لكم أفسد منه لها

فقد علمتم أن الرجل منكم إذا صحبه الرجل يبذل له من نفسه ما يجب له عليه من حقه فواجب عليه أن يعتقد له من وفائه وشكره واحتماله وصبره ونصيحته وكتمان سره وتدبير أمره ما هو جزاء لحقه ويصدق ذلك بفعاله عند الحاجة إليه والاضطرار إلى ما لديه

فاستشعروا ذلكم وفقكم الله من أنفسكم في حالة الرخاء والشدة والحرمان والمواساة والإحسان والسراء والضراء فنعمت الشيمة هذه لمن وسم بها من أهل هذه الصناعة الشريفة فإذا ولي الرجل منكم أو صير إليه من أمر خلق الله وعياله أمر فليراقب الله عز وجل وليؤثر طاعته وليكن على الضعيف رفيقا وللمظلوم منصفا فإن الخلق عيال الله وأحبهم إليه أرفقهم بعياله ثم ليكن بالعدل حاكما وللأشراف مكرما وللفيء موفرا وللبلاد عامرا وللرعية متألفا وعن إيذائهم متخيفا وليكن في مجلسه متواضعا حليما وفي سجلات خراجه واستقضاء حقوقه رفيقا وإذا صحب أحدكم رجلا فليختبر خلائقه فإذا عرف حسنها وقبيحها أعانه على ما يوافقه من الحسن واحتال لصرفه عما يهواه من القبيح بألطف حيلة وأجمل وسيلة وقد علمتم أن سائس البهيمة إذا كان بصيرا بسياستها التمس معرفة أخلاقها فإن كانت رموحا لم يهجها إذا ركبها وإن كانت شبوبا اتقاها من قبل يديها وإن خاف منها شرودا توقاها من ناحية رأسها وإن كانت حرونا قمع برفق هواها في طريقها فإن استمرت غطفها يسيرا فيسلس له قيادها وفي هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس الناس وعاملهم وخدمهم وداخلهم

والكاتب بفضل أدبه وشريف صنعته ولطيف حيلته ومعاملته لمن يحاوره


511
من الناس ويناظره ويفهم عنه أو يخاف سطوته أولي بالرفق بصاحبه ومداراته وتقويم وده من سائس البهيمة التي لا تحير جوابا ولا تعرف صوابا ولا تفهم خطابا إلا بقدر ما يصيرها إليه صاحبها الراكب عليها ألا فأمعنوا رحمكم الله في النظر وأعملوا فيه ما أمكنكم من الروية والفكر تأمنوا بإذن الله ممن صحبتموه النوة والاستثقال والجفوة ويصير منكم إلى الموافقة وتصيروا منه إلى المؤاخاة والشفقة إن شاء الله تعالى

ولا يجاوزن الرجل منكم في هيئة مجلسه وملبسه ومركبه ومطعمه ومشربه وبنائه وخدمه وغير ذلك من فنون أمره قدر حقه فإنكم مع ما فضلكم الله به من شرف صنعتكم خدمة لا تحملون في خدمتكم على التقصير وحفظة لا تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير واستعينوا على عفافكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم وقصصته عليكم واحذروا متالف السرف وسوء عاقبة الترف فإنهما يعقبان الفقر ويذلان الرقاب ويفضحان أهلهما ولا سيما الكتاب وأرباب الآداب وللأمور أشباه وبعضها دليل على بعض فاستدلوا علي مؤتنف أعمالكم بما سبقت إليه تجربتكم ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجة وأصدقها حجة وأحمدها عاقبة

واعلموا أن للتدبير آفة متلفة وهي الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ عمله ورؤيته فليقصد الرجل منكم في مجلسه قصد الكافي من منطقه وليوجز في ابتدائه وجوابه وليأخذ بمجامع حججه فإن ذلك مصلحة لفعله ومدفعة للتشاغل عن إكثاره


512
وليضرع إلى الله في صلة توفيقه وإمداده بتسديده مخافة وقوعه في الغلط المضر ببدنه وعقله وأدبه فإنه إن ظن منكم ظان أو قال قائل إن الذي برز من جميل صنعته وقوة حركته إنما هو بفضل حيلته وحسن تدبيره فقد تعرض بظنه أو مقالته إلى أن يكله الله عز وجل إلى نفسه فيصير منها إلى غير كاف وذلك على من تأمله غير خاف

ولا يقل أحد منكم إنه أبصر بالأمور وأحمل لعبء التدبير من مرافقه في صناعته ومصاحبه في خدمته فإن أعقل الرجلين عند ذوي الألباب من رمي بالعجب وراء ظهره ورأى أن صاحبه أعقل منه وأحمد في طريقته وعلى كل واحد من الفريقين أن يعرف فضل نعم الله جل ثناؤه من غير اغترار برأيه ولا تزكية لنفسه ولا تكاثر على أخيه أو نظيره وصاحبه وعشيره وحمد الله واجب على الجميع وذلك بالتواضع لعظمته والتذلل لعزته والتحدث بنعمته

وأنا أقول في كتابي هذا ما سبق به المثل من يلزم النصيحة يلزمه العمل وهو جوهر هذا الكتاب وغرة كلامه بعد الذي فيه من ذكر الله عز وجل فلذلك جعلته آخره وتممته به تولانا الله وإياكم يا معشر الطلبة والكتبة بما يتولى به من سبق علمه بإسعاده وإرشاده فإن ذلك إليه وبيده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


513
الصراع بين الأموية والعباسية

481 خطبة قحطبة بن شبيب الطائي

لما دخل أبو مسلم الخراسانى زعيم الدعوة العباسية مدينة مرو سنة 130ه هرب منها نصر بن سيار أمير خراسان من قبل مروان بن محمد الأموي ثم سار إلى نباته ابن حنظلة عامل جرجان فوجه أبو مسلم قحطبة بن شبيب في جيش لقتاله وقدم قحطبة فنزل بإزاء نباتة وأهل الشأم في عدة لم ير الناس مثلها فلما رآهم أهل خراسان هابوهم حتى تكلموا بذلك وأظهروه وبلغ قحطبة فقام فيهم خطيبا فقال يأهل خراسان هذه البلاد كانت لآبائكم الأولين وكانوا ينصرون على عدوهم لعدلهم وحسن سيرتهم حتى بدلوا وظلموا فسخط الله عز وجل عليهم فانتزع سلطانهم وسلط عليهم أذل أمة كانت في الأرض عندهم فغلبوهم على بلادهم واستنكحوا نساءهم واسترقوا أولادهم فكانوا بذلك يحكمون بالعدل ويوفون بالعهد وينصرون


514
المظلوم ثم بدلوا وغيروا وجاروا في الحكم وأخافوا أهل البر والتقوى من عترة رسول الله فسلطكم عليهم لينتقم منهم بكم ليكونوا أشد عقوبة لأنكم طلبتموهم بالثأر وقد عهد إلى الإمام أنكم تلقونهم في مثل هذه العدة فينصركم الله عز وجل عليهم فتهزمونهم وتقتلونهم

وقد قرئ على قحطبة كتاب أبي مسلم من ألى مسلم إلي قحطبة بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فناهض عدوك فإن الله عز وجل ناصرك فإذا ظهرت عليهم فأثخن في القتل فالتقوا في مستهل ذي الحجة سنة 130ه في يوم الجمعة فقال قحطبة

482 خطبة أخرى له

يأهل خراسان إن هذا يوم قد فضله الله تبارك وتعالى على سائر الأيام والعمل فيه مضاعف وهذا شهر عظيم فيه عيد من أعظم أعيادكم عند الله عز وجل وقد أخبرنا الإمام أنكم تنصرون في هذا اليوم من هذا الشهر على عدوكم فالقوه بجد واحتساب فإن الله مع الصابرين ثم ناهضهم فاقتتلوا وصبر بعضهم لبعض فانهزم أهل الشام وقتل منهم عشرة آلاف وقتل نباتة وبعث قحطبة برأسه ورأس ابنه حية إلى أبي مسلم


515
استدراك على الجزء الأول

سقطت هذه الخطبة سهوا في أثناء الطبع فأوردناها هنا خطبة السيدة عائشة حين أنبئت بقتل عثمان

كانت السيدة عائشة خرجت إلى مكة للحج وعثمان محصور ثم خرجت من مكة تريد المدينة فلما كانت بسرف أنبئت بمقتل عثمان فانصرفت إلى مكة فقصدت الحجر فسترت فيه واجتمع إليها الناس فقالت أيها الناس إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما بالأمس ونقموا عليه استعمال من حدثت سنه وقد استعمل أمثالهم قبله ومواضع من الحمى حماها لهم فتابعهم ونزع لهم عنها فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا بادروا بالعدوان فسفكوا الدم الحرام واستحلوا البلد الحرام والشهر الحرام وأخذوا المال الحرام والله لإصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم والله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه أو الثوب من درنه إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء انتهي الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله الباب الرابع في خطب ووصايا العصر العباسي الأول