6
الباب الرابع الخطب والوصايا في العصر العباسي الأول 1- خطبة أبي العباس السفاح وقد بويع بالخلافة توفي سنة 136ه

صعد أبو العباس السفاح المنبر حين بويع له بالخلافة فقام في أعلاه وصعد عمه داود بن علي فقام دونه وتكلم أبو العباس فقال

الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه تكرمة وشرفه وعظمه واختاره لنا وأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به والذابين عنه والناصرين له وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها وأهلها وخصنا برحم رسول الله


7
وقرابته وأنشأنا من آبائه وأنبتنا من شجرته واشتقنا من نبعته جعله من أنفسنا عزيزا عليه ما عنتنا حريصا علينا بالمؤمنين رءوفا رحيما ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم فقال عز من قائل فيما أنزل من محكم القران ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) وقال ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) وقال ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) وقال ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى ) وقال ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى ) فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا وأوجب عليهم حقنا ومودتنا وأجزل من الفىء والغنيمة نصيبنا تكرمة لنا وفضلا علينا والله ذو الفضل العظيم

وزعمت السبئية الضلال أن غيرنا أحق بالرياسة والخلافة منا فشاهت وجوههم بم ولم أيها الناس وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم وبصرهم بعد جهالتهم وأنقذهم بعد هلكتهم وأظهر بنا الحق وأدحض بنا الباطل وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا ورفع بنا الخسيسة وأتم بنا النقيصة وجمع الفرقة حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر ومواساة في دينهم ودنياهم وإخوانا على سرر متقابلين في آخرتهم فتح الله ذلك منة ومنحة لمحمد فلما قبضه الله إليه قام بذلك الأمر من بعده أصحابه وأمرهم شورى بينهم فحووا مواريث الأمم فعدلوا فيها


8
ووضعوها مواضعها وأعطوها أهلها وخرجوا خماصا منها ثم وثب بنو حرب ومروان فابتزوها وتداولوها بينهم فجاروا فيها واستأثروا بها وظلموا أهلها فأملى الله لهم حينا حتى آسفوه فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا وتدارك بنا أمتنا وولي نصرنا والقيام بأمرنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض وختم بنا كما افتتح بنا وإني لأرجو ألا يأتيكم الجور من حيث أتاكم الخير ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله

يأهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك ولم يثنكم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم حتى أدركتم زماننا وأتاكم الله بدولتنا فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والثائر المبير

وكان موعوكا فاشتد به الوعك فجلس على المنبر وصعد داود بن علي فقام دونه على مراقي المنبر فقال 2- خطبة داود بن علي

الحمد لله شكرا شكرا شكرا الذي أهلك عدونا وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد أيها الناس الان أقشعت حنادس الدنيا وانكشف


9
غطاؤها وأشرقت أرضها وسماؤها وطلعت الشمس من مطلعها وبزغ القمر من مبزغه وأخذ القوس باريها وعاد السهم إلى النزعة ورجع الحق إلى نصابه في أهل بيت نبيكم أهل الرأفة والرحمة بكم والعطف عليكم

أيها الناس إنا والله ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجينا ولا عقيانا ولا نحفر نهرا ولا نبني قصرا وإنما أخرجنا الأنفة من ابتزازهم حقنا والغضب لبني عمنا وما كرثنا من أموركم وبهظنا من شئونكم ولقد كانت أموركم ترمضنا ونحن على فرشنا ويشتد علينا سوء سيرة بني أمية فيكم وخرقهم بكم واستذلالهم لكم واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم لكم ذمة الله تبارك وتعالى وذمة رسوله وذمة العباس رحمه الله أن نحكم فيكم بما أنزل الله ونعمل فيكم بكتاب الله ونسير في العامة منكم والخاصة بسيرة رسول الله تبا تبا لبني حرب بن أمية وبني مروان آثروا في مدتهم وعصرهم العاجلة على الآجلة والدار الفانية على الدار الباقية فركبوا الأثام وظلموا الأنام وانتهكوا المحارم وغشوا الجرائم وجاروا في سيرتهم في العباد وسنتهم في البلاد التي بها استلذوا تسربل الأوزار وتجلبب الآصار ومرحوا في أعنة المعاصي وركضوا في ميادين الغي جهلا باستدراج الله وأمنا لمكر الله فأتاهم بأس الله بياتا وهم نائمون فأصبحوا أحاديث ومزقوا كل ممزق فبعدا للقوم الظالمين وأدالنا الله من مروان وقد غره بالله الغرور أرسل لعدو الله في عنانه حتى عثر في فضل خطامه فظن عدو الله أن لن نقدر عليه فنادى حزبه وجمع مكايده ورمى بكتائبه فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وشماله من مكر الله وبأسه


10
ونقمته ما أمات باطله ومحق ضلاله وجعل دائرة السوء به وأحيا شرفنا وعزنا ورد إلينا حقنا وإرثنا

أيها الناس إن أمير المؤمنين نصره الله نصرا عزيزا إنما عاد إلى المنبر بعد الصلاة أنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره وإنما قطعه عن استتمام الكلام بعد أن اسحنفر فيه شدة الوعك وادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية فقد أبدلكم الله بمروان عدو الرحمن وخليفة الشيطان المتبع للسفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها بإبدال الدين وانتهاك حريم المسلمين الشاب المتكهل المتمهل المقتدي بسلفه الأبرار الأخيار الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها بمعالم الهدى ومناهج التقوى فعج الناس له بالدعاء ثم قال

يأهل الكوفة إنا والله ما زلنا مظلومين مقهورين على حقنا حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان فأحيا بهم حقنا وأفلج بهم حجتنا وأظهر بهم دولتنا وأراكم الله ما كنتم به تنتظرون وإليه تتشوفون فأظهر فيكم الخليفة من هاشم وبيض به وجوهكم وأدالكم على أهل الشأم ونقل إليكم السلطان وعز الإسلام ومن عليكم بإمام منحه العدالة وأعطاه حسن الإيالة فخذوا ما آتاكم الله بشكر والزموا طاعتنا ولا تخدعوا عن أنفسكم فإن الأمر أمركم فإن لكل أهل بيت مصرا وإنكم مصرنا ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد وأشار بيده إلى أبي العباس فأعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم صلى الله عليه والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا


11
3- خطبة داود بن علي وقد أرتج على السفاح

وروى أنه لما قام أبو العباس في أول خلافته على المنبر قام بوجه كورقة المصحف فاستحيا فلم يتكلم فنهض داود بن علي حتى صعد المنبر فقال المنصور فقلت في نفسي شيخنا وكبيرنا ويدعو إلى نفسه فلا يختلف عليه اثنان فانتضيت سيفي وغطيته بثوبى وقلت إن فعل ناجزته فلما رقى عتبا استقبل الناس بوجهه دون أبي العباس ثم قال أيها الناس إن أمير المؤمنين يكره أن يتقدم قوله فعله ولأثر الفعال أجدى عليكم من تشقيق المقال وحسبكم بكتاب الله ممتثلا فيكم وابن عم رسول الله خليفة عليكم والله قسما برا لا أريد به إلا الله ما قام هذا المقام أحد بعد رسول الله أحق به من علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا فليظن ظانكم وليهمس هامسكم قال أبو جعفر ثم نزل وشمت سيفى 4- خطبة أخرى له

وروى السيد المرتضى في أماليه قال

أراد أبو العباس السفاح يوما أن يتكلم بأمر من الأمور بعد ما أفضت الخلافة إليه وكان فيه حياء مفرط فأرتج عليه فقال داود بن علي بعد أن حمد الله وأثنى عليه

أيها الناس إن أمير المؤمنين الذى قلده الله سياسة رعيته عقل من لسانه


12
عند ما يعهد من بيانه ولكل مرتق بهر حتى تنفسه العادات فأبشروا بنعمة الله في صلاح دينكم ورغد عيشكم 5- خطبة أخرى للسفاح بالكوفة وخطب السفاح في الجمعة الثانية بالكوفة فقال

يأيها الذين امنوا أوفوا بالعقود والله لاأعدكم شيئا إلا وفيت بالوعد والوعيد ولأعملن اللين حتى لا تنفع إلا الشدة ولأغمدن السيف إلا فى إقامة حد أو بلوغ حق ولأعكينكم حتى أرى العطية ضياعا إن أهل بيت اللعنة والشجرة الملعونة في القران لكم أعداء لا يرجعون معكم من حالة إلا إلى ماهو أشد منها ولا يلى عليكم منهم وال إلا تمنيت من كان قبله وإن كان لا خير في جميعهم منعوكم الصلاة في أوقاتها وطالبوكم بأدائها في غير وقتها وأخذوا المقبل بالمدبر والجار بالجار وسلطوا شراركم على خياركم فقد محق الله جورهم وأزهق باطلهم بأهل بيت نبيكم فما نؤخر لكم عطاء ولا نضيع لأحد منكم حقا ولا نجمركم في بعث ولا نخاطر بكم في قتال ولا نبذلكم دون أنفسنا والله على ما نقول وكيل بالوفاء والاجتهاد وعليكم بالسمع والطاعة ثم نزل 6- خطبة السفاح بالشام حين قتل مروان

ولما قتل مروان بن محمد اخر خلفاء بنى أمية خطب السفاح فقال ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم


13
يصلونها وبئس القرار نكص بكم يأهل الشأم آل حرب وآل مروان يتسكعون بكم الظلم ويتهورون بكم مداحض الزلق يطئون بكم حرم الله وحرم رسوله ماذا يقول زعماؤكم غدا يقولون ( ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار ) إذن يقول الله عز وجل ( لكل ضعف ولكن لا تعلمون ) أما أمير المؤمنين فقد أئتنف بكم التوبة واغتفر لكم الزلة وبسط لكم الإقالة وعاد بفضله على نقصكم وبحلمه على جهلكم فليفرخ روعكم ولتطمئن به داركم وليقطع مصارع أوائلكم ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) 7- خطبة عيسى بن علي حين قتل مروان وخطب عيسى بن علي عم السفاح لما قتل مروان فقال

الحمد لله الذى لا يفوته من طلب ولا يعجزه من هرب خدعت والله الأشقر نفسه إذ ظن أن الله ممهله ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون فحتى متى وإلى متى أما والله لقد كرهتهم العيدان التى افترعوها وأمسكت السماء درها والأرض ريعها وقحل الضرع وجفز الفنيق وأسمل


14
جلباب الدين وأبطلت الحدود وأهدرت الدماء وكان ربك بالمرصاد فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها وملكنا الله أمركم عباد الله لينظر كيف تعملون فالشكر الشكر فإنه من دواعي المزيد أعاذنا الله وإياكم من مضلات الأهواء وبغتات الفتن فإنما نحن به وله 8- خطبة داود بن علي بمكة

وخطب داود بن على الناس بمكة في أول موسم ملكه بنو العباس فقال

شكرا شكرا إنا والله ماخرجنا لنحفر فيكم نهرا ولا لنبنى فيكم قصرا أظن عدو الله أن لن نقدر عليه أن روخي له من خطامه حتى عثر في فضل زمامه فالآن حيث أخذ القوس باريها وعادت النبل إلى النزعة ورجع الملك في نصابه من أهل بيت النبوة والرحمة والله لقد كنا نتوجع لكم ونحن في فرشنا أمن الأسود والأحمر لكم ذمة الله لكم ذمة رسول الله لكم ذمة العباس لا ورب هذه البنية وأومأ بيده إلى الكعبة لا نهيج منكم أحدا


15
9- خطبته بالمدينة

قال أيها الناس حتام يهتف بكم صريخكم أما ان لراقدكم أن يهب من نومه كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون أغركم الإمهال حتى حسبتموه الإهمال هيهات منكم وكيف بكم والسوط كفى والسيف مشهر

( حتى يبيد قبيلة فقبيلة ويعض كل مثقف بالهام )

( ويقمن ربات الخدور حواسرا يمسحن عرض ذوائب الأيتام ) 10- خطبة أخرى له

وخطب فقال أحرز لسان رأسه اتعظ امرؤ بغيره اعتبر عاقل قبل أن يعتبر به فأمسك الفضل من قوله وقدم الفضل من عمله ثم أخذ بقائم سيفه فقال إن بكم داء هذا دواؤه وأنا زعيم لكم بشفائه وما بعد الوعيد إلا الإيقاع


16
11-خطبته وقد بلغه أن قوما أظهروا شكاة بني العباس

وبلغه أن قوما أظهروا شكاة بني العباس فافترع المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أغدرا يأهل الختر والتبديل ألم يردعكم الفتح المبين عن الخوض في ذم أمير المؤمنين كلا والله حتى تحملوا أوزاركم وأوزار الذين كانوا من قبلكم كيف قامت شفاهكم بالشكوى لأمير المؤمنين بعد أن حانت آجالكم فأرجأها وانبعثت دماؤكم فحقنها الآن يا منابت الدمن مشيتم الضراء ودببتم الخمر أما ومحمد والعباس إن عدتم لمثل ما بدأتم لأحصدنكم بظبات السيوف ثم يغنى ربنا عنكم ونستبدل غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم

مهلا يا روايا الإرجاف وأبناء النفاق عن الخوض فيما كفيتم والتخطى إلى ما حذرتم قبل أن تتلف نفوس ويقل عدد ويذل عز وما أنتم وتلك ألم تجدوا ما وعد ربكم حقا من إيراث المستضعفين مشارق الأرض ومغاربها بلى والحجر والحجر ولكنه حسد مضمر وحسك في الصدور فرغما للمعاطس وبعدا للقوم الظالمين


17
12-خطبته وقد أرتج عليه

وخطب داود بن على فحمد الله جل وعز وأثنى عليه وصلى علىالنبي فلما قال أما بعد امتنع عليه الكلام ثم قال

أما بعد فقد يجد المعسر ويعسر الموسر ويفل الحديد ويقطع الكليل وإنما الكلام بعد الإفحام كالأشراق بعد الإظلام وقد يعزب البيان ويعقم الصواب وإنما اللسان مضغة من الإنسان يفتر بفتوره إذا نكل ويثوب بانبساطه إذا ارتجل ألا وإننا لا ننطق بطرا ولا نسكت حصرا بل نسكت معتبرين وننطق مرشدين ونحن بعد أمراء القول فينا وشجت أعراقه وعلينا عطفت أغصانه ولنا تهدلت ثمرته فنتخير منه ما احلولى وعذب ونطرح منه ما املولح وخبث ومن بعد مقامنا هذا مقام وبعد أيامنا أيام يعرف فيها فضل البيان وفصل الخطاب والله أفضل مستعان ثم نزل


18
13- خطبة صالح بن علي

وخطب صالح بن على عم السفاح فقال

يا أعضاد النفاق وعبد الضلالة أغركم لين أساسي وطول إيناسي حتى ظن جاهلكم أن ذلك لفلول حد وفتور جد وخور قناة كذبت الظنون إنها العترة بعضها من بعض فإذ قد استوليتم العافية فعندي فطام وفكاك وسيف يقد الهام وإني أقول

( أغركم أنى بأكرم شيمة رفيق وأني بالفواحش أخرق )

( ومثلى إذا لم يجز أحسن سعيه تكلم نعماه بفيها فتنطق )

( لعمري لقد فاحشتني فغلبتني هنيئا مريئا أنت بالفحش أرفق ) 14- خطبة سديف بن ميمون

وروى صاحب العقد قال

لما قدم الغمر بن يزيد بن عبد الملك على أبي العباس السفاح في ثمانين رجلا من


19
بنى أمية وضعت لهم الكراسي ووضعت لهم نمارق وأجلسوا عليها وأجلس الغمر مع نفسه في المصلى ثم أذن لشيعته فدخلوا ودخل فيهم سديف بن ميمون وكان متوشحا سيفا متنكبا قوسا وكان طويلا ادم فقام خطيبا

فحمد الله وأثني عليه ثم قال أيزعم الضلال بما حبطت أعمالهم أن غير ال محمد أولى بالخلافة فلم وبم أيها الناس لكم الفضل بالصحابة دون حق ذوى القرابة الشركاء في النسب الأكفاء في الحسب الخاصة في الحياة الوفاة عند الوفاة مع ضربهم على الدين جاهلكم وإطعامهم في الأولى جائعكم فكم قصم الله بهم من جبار باغ وفاسق ظالم لم يسمع بمثل العباس لم تخضع له أمة بواجب حق أبو رسول الله بعد أبيه وجلدة مابين عينيه أمينه ليلة العقبة ورسوله إلى أهل مكة وحاميه يوم حنين لا يرد له رأيا ولايخالف له قسما إنكم والله معاشر قريش ما اخترتم لأنفسكم من حيث ما اختاره الله لكم تيمى مرة وعدوى مرة وكنتم بين ظهرانى قوم قد اثروا العاجل على الاجل والفانى على الباقى وجعلوا الصدقات في الشهوات والفىء في اللذات والغناء والمغانم


20
في المحارم إذا ذكروا بالله لم يذكروا وإذا قدموا بالحق أدبروا فذلك زمانهم وبذلك كان يعمل شيطانهم 15- خطبة أبى مسلم الخراسانى وروى ابن أبى الحديد قال وخطب أبو مسلم بالمدينة في السنة التي حج فيها في خلافة السفاح فقال

الحمد لله الذي حمد نفسه واختار الإسلام دينا لعباده ثم أوحى إلى محمد رسول الله وآله من ذلك ما أوحى واختاره من خلقه نفسه من أنفسهم وبيته من بيوتهم ثم أنزل عليه في كتابه الناطق الذي حفظه بعلمه وأشهد ملائكته على حقه قوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ثم جعل الحق بعد محمد وآله في أهل بيته فصبر من صبر منهم بعد وفاة رسول الله وآله على اللأواء والشدة وأغضى على الاستبداد والأثرة ثم إن قوما من أهل بيت الرسول وآله جاهدوا على ملة نبيه وسنته بعد عصر من الزمان من عمل بطاعة الشيطان وعداوة الرحمن بين ظهرانى قوم اثروا العاجل على الاجل والفاني على الباقى إن رتق جور فتقوه أو فتق حق رتقوه أهل خمور وماخور وطنابير ومزامير إن ذكروالم يذكروا أو قدموا إلى الحق أدبروا وجعلوا الصدقات في الشبهات والمغانم في المحارم والفئ في الغي هكذا كان زمانهم وبه كان يعمل سلطانهم وزعمو أن غير آل محمد أولى بالأمر منهم فلم وبم أيها الناس ألكم الفضل بالصحابة دون ذوى القرابة الشركاء


21
في النسب والورثة في السلب مع ضربهم على الدين جاهلكم وإطعامهم في الجدب جائعكم والله ما اخترتم من حيث اختار الله لنفسه ساعة قط وما زلتم بعد نبيه تختارون تيميا مرة وعدويا مرة وأمويا مرة وأسديا مرة وسفيانيا مرة ومروانيا مرة حتى جاءكم من لا تعرفون اسمه ولا بيته يضربكم بسيفه فأعطيتموها عنوة وأنتم صاغرون ألا إن ال محمد أئمة الهدى ومنار سبيل التقى القاده الذادة السادة بنو عم رسول الله ومنزل جبريل بالتنزيل كم قصم الله
22
بهم من جبار طاغ وفاسق باغ شيد الله بهم الهدى وجلى بهم العمى لم يسمع بمثل العباس وكيف لا تخضع له الأمم لواجب حق الحرمة أبو رسول الله بعد أبيه وإحدى يديه وجلدة بين عينيه أمينه يوم العقبة وناصره بمكة ورسوله إلى أهلها وحاميه يوم حنين عند ملتقى الفئتين لا يخالف له رسما ولا يعصى له حكما الشافع يوم نيق العقاب إلى رسول الله وآله في الأحزاب ها إن في هذا أيها الناس لعبرة لأولى الأبصار 16-خالد بن صفوان وأخوال السفاح روى الجاحظ قال

كان خالد بن صفوان الأهتمى من سمار أبى العباس السفاح وأهل المنزلة عنده ففخر عليه ناس من بلحارث وأكثروا في القول فقال أبو العباس لم لا تتكلم يا خالد فقال أخوال أمير المؤمنين وعصبته قال فأنتم أعمام أمير المؤمنين وعصبته قال خالد وما عسى أن أقول لقوم كانوا بين ناسج برد ودابغ جلد


23
وسائس قرد وراكب عرد دل عليهم هدهد وغرقتهم فأرة وملكتهم امرأة

وروى الحصرى في زهر الاداب قال

دخل خالد بن صفوان على أبى العباس السفاح وعنده أخواله من بنى الحارث ابن كعب فقال ما تقول في أخوالى فقال هم هامة الشرف وعرنين الكرم وغرس الجود إن فيهم خصالا ما اجتمعت في غيرهم من قومهم لأنهم أطوالهم لمما وأكرم شيما وأطيبهم طعما وأوفاهم ذمما وأبعدهم همما الجمرة في الحرب والرفد في الجدب والرأس في كل خطب وغيرهم بمنزلة العجب

فقال وصفت أبا صفوان فأحسنت فزاد أخواله في الفخر فغضب أبو العباس


24
لأعمامه فقال افخر يا خالد على أخوال أمير المؤمنين قال وأنت من أعمامه قال

كيف أفاخر قوما بين ناسج برد وسائس قرد ودابغ جلد وراكب عرد دل عليهم هدهد وغرقهم جرذ وملكتهم امرأة فأشرق وجه أبى العباس 17-خالد بن صفوان ورجل من بنى عبد الدار

وفاخر خالد بن صفوان رجلا من بنى عبد الدار الذين يسكنون اليمامة فقال له العبدرى من أنت قال أنا خالد بن صفوان بن الأهتم فقال له العبدرى أنت خالد كمن هو خالد في النار وأنت ابن صفوان وقال الله تعالى ( كمثل صفوان عليه تراب ) وأنت ابن الأهتم والصحيح خير من الأهتم فقال له خالد ابن صفوان يا أخا بنى عبد الدار أتتكلم وقد هشمتك هاشم وأمتك بنو أمية وخزمتك بنو مخزوم وجمحتك بنو جمح فأنت عبد دارهم تفتح إذا دخلوا وتغلق إذا خرجوا فقام العبدرى محموما


25
18 خالد بن صفوان يرثى صديقا له

وقال الجاحظ قيل لرجل أراه خالد بن صفوان مات صديق لك فقال رحمة الله عليه لقد كان يملأ العين جمالا والأذن بيانا ولقد كان يرجى فلا يخشى ويغشى فلا يغشى ويعطى فلا يعطى قليلا لدى الشر حضوره سليما للصديق ضميره 19 خالد بن صفوان يمدح رجلا خالد رجلا فقالكان والله بديع المنطق دلق الجرأة جزل الألفاظ عربى اللسان ثابت العقدة رقيق الحواشى خفيف الشفتين بليل الريق رحب الشرف قليل الحركات خفى الإشارات حلو الشمائل حسن الطلاوة حييا جريئا قئولا صموتا يفل الحز ويصيب المفاصل لم يكن بالمعذر فى منطقه ولا بالزمن فى مروءته ولا بالخرق فى خليقته متبوعا غير تابع كأنه علم فى رأسه نار 20 كلمات بليغة لخالد بن صفوان

وقال خالد بن صفوان لبعض الولاة قدمت فأعطيت كلا بقسطه من وجهك


26
وكرامتك حتى كأنك من كل أحد وحتى كأنك لست من أحد

وقال شبيب بن شيية لخالد بن صفوان من أحب إخوانك إليك قال من سد خللى وغفر زللى وقبل عللى

وذكر شبيب عنده مرة فقال ليس له صديق في السر ولا عدو في العلانية قال الجاحظ وهذا كلام ليس يعرف قدره إلا الراسخون في هذه الصناعة

وقال خالد ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة وقال اتقوا مجانيق الضعفاء يريد الدعاء

وذكر المزاح بحضرة خالد بن صفوان فقال ينشق أحدكم أخاه مثل الخردل يفرغ عليه مثل المرجل ويرميه بمثل الجندل ثم يقول إنما كنت أمزح 21-عمارة بن حمزة والسفاح

وقال عمارة بن حمزة لأبى العباس السفاح وقد أمر له بجواز ونفيسة وكسوة وصلة وأدنية مجلسه

وصلك الله يا أمير المؤمنين وبرك فوالله لئن أردنا شكرك على كنه صلتك إن الشكر ليقصر عن نعمتك كما قصرنا عن منزلتك ثم إن الله تعالى جعل لك فضلا علينا بالتقصير منا ولم تحرمنا الزيادة منك لنقص شكرنا


27
خطب أبى جعفر المنصور ( توفي سنة 158ه ) 22-خطبته بمكة خطب أبو جعفر المنصور بمكة فقال

أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده وحارسه على ماله أعمل فيه بمشيئته وإرادته وأعطيه بإذنه فقد جعلني الله عليه قفلا إن شاء أن يفتحنى فتحنى لإعطائكم وقسم أرزاقكم فإن شاء أن يقفلنى عليها أقفلنى فارغبوا إلى الله وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم من فضله ما أعلمكم به إذ يقول اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا أن يوفقنى للرشاد والصواب وأن يلهمنى الرأفة بكم والإحسان إليكم أقول قولى هذا وأستغفر الله لي ولكم 23-خطبته بمكة بعد بناء بغداد

وحج بعد بناء بغداد فقام خطيبا بمكة فكان مما حفظ من كلامه ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون ) أمر مبرم وقول عدل وقضاء فصل والحمد لله الذى أفلج حجته وبعدا للقوم الظالمين


28
الذين اتخذوا الكعبة غرضا والفىء إرثا وجعلوا القران عضين لقد حاق بهم ماكانوا به يستهزئون فكم ترى من بئر معطلة وقصر مشيد أمهلهم الله حتى بدلوا السنة واضطهدوا العترة وعندوا واعتدوا واستكبروا وخاب كل جبار عنيد ثم أخذهم فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ) 24-خطبته بمدينة السلام

وخطب بمدينة السلام بغداد فقال

يا عباد الله لا تظالموا فإنها مظلمة يوم القيامة والله لولا يد خاطئة وظلم ظالم لمشيت بين أظهركم في أسواقكم ولو علمت مكان من هو أحق بهذا الأمر منى لأتيته حتى أدفعه إليه 25- خطبته وقد أخذ عبد الله بن حسن وأهل بيته

ولما أخذ عبد الله بن حسن وإخوته والنفر الذين كانوا معه من أهل بيته صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي ثم قال


29

يأهل خراسان أنتم شيعتنا وأنصارنا وأهل دولتنا ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا من هو خير منا وإن أهل بيتى هؤلاء من ولد على بن أبي طالب تركناهم والله الذي يلا إله إلا هو والخلافة فلم نعرض لهم فيها بقليل ولا كثير فقام فيها على ابن أبى طالب فتلطخ وحكم عليه الحكمين فافترقت عنه الأمة واختلفت عليه الكلمة ثم وثبت عليه شيعته وأنصاره وأصحابه وبطانته وثقاته فقتلوه ثم قام من بعده الحسن بن على فوالله ما كان فيها برجل قد عرضت عليه الأموال فقبلها فدس إليه معاوية إني أجعلك ولى عهدى من بعدى فخدعه فانسلخ له مما كان فيه وسلمه إليه فأقبل علىالنساء يتزوج في كل يوم واحدة فيطلقها غدا فلم يزل على ذلك حتى مات على فراشه ثم قام من بعده الحسين بن على فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة أهل الشقاق والنفاق والإغراق في الفتن أهل هذه المدرة السوداء وأشار إلى الكوفة فوالله ما هي بحرب فأحاربها ولا سلم فأسالمها فرق الله بينى وبينها فخذلوه وأسلموه حتى قتل ثم قام من بعده زيد بن علي فخدعه أهل الكوفة وغروه فلما أخرجوه وأظهروه أسلموه وقد كان أتى محمد بن على فناشده في الخروج وسأله ألا يقبل أقاويل أهل الكوفة وقال له إنا نجد في بعض علمنا أن بعض أهل بيتنا يصلب بالكوفة وأنا أخاف أن تكون ذلك المصلوب وناشده عمي داود بن علي وحذره غدر أهل الكوفة فلم يقبل وتم على خروجه فقتل وصلب بالكناسة ثم وثب علينا بنو أمية فأماتوا شرفنا وأذهبوا عزنا والله ما كانت لهم عندنا ترة يطلبونها وما كان ذلك كله إلا فيهم وبسبب خروجهم عليهم فنفونا من البلاد فصرنا مرة بالطائف ومرة بالشام ومرة بالشراة حتى ابتعثكم الله لنا شيعة


30
وأنصارا فأحيا شرفنا وعزنا بكم أهل خراسان ودمغ بحقكم أهل الباطل وأظهر حقنا وأصار إلينا ميراثنا عن نبينا فقر الحق مقره وأظهر مناره وأعز أنصاره وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين فلما استقرت الأمور فينا على قرارها من فضل الله فيها وحكمه العادل لنا وثبوا علينا ظلما وحسدا منهم لنا وبغيا لما فضلنا الله به عليهم وأكرمنا به من خلافته وميراث نبيه

( جهلا على وجبنا عن عدوهم لبئست الخلتان الجهل والجبن )

فإنى والله يأهل خراسان ما أتيت من هذا الأمر ما أتيت بجهالة بلغنى عنهم بعض السقم والتعرم وقد دسست لهم رجالا فقلت قم يا فلان قم يا فلان فخذ معك من المال كذا وحذوت لهم مثالا يعملون عليه فخرجوا حتى أتوهم بالمدينة فدسوا إليهم تلك الأموال فوالله ما بقي منهم شيخ ولا شاب ولا صغير ولا كبير إلا بايعهم بيعة استحللت بها دماءهم وأموالهم وحلت لي عند ذلك بنقضهم بيعتي وطلبهم الفتنة والتماسهم الخروج على فلا يرون أني أتيت ذلك على غير يقين ثم نزل وهو يتلو على درج المنبر هذه الآية ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب ) 26- خطبته حين خروج محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن

ولما خرج محمد وإبراهيم ابنا عبد الله شن المنصور عليه درعه وتقلد سيفه وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

( مالى أكفكف عن سعد وتشتمنى ولو شتمت بنى سعد لقد سكنوا )


31

( جهلا علينا وجبنا عن عدوهم لبئست الخلتان الجهل والجبن )

أما والله لقد عجزوا عما قمنا به فما عضدوا الكافى وما شكروا المنعم فإذا حاولوا أشرب رنقا على غصص وأبيت منهم على مضض كلا والله لا أصل ذا رحم حلول قطيعتها ولئن لم يرض بالعفو ليطلبن مالم يوجد عندى فليبق ذو نفس على نفسه قبل أن تمضى فلا يبكى عليه 27- خطبته وقد قتل أبا مسلم الخراسانى وخطب بالمدائن عند قتل أبى مسلم الخراسانى فقال

أيها الناس لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية ولا تسروا غش الأئمة فإنه لم يسر أحد قط منكرة إلا ظهرت في آثار يده وفلتات لسانه وصفحات وجهه وأبداها الله لإمامه بإعزاز دينه وإعلاء حقه إنا لن نبخسكم حقوقكم ولن نبخس الدين حقه عليكم إنه من نازعنا عروة هذا القميص أجزرناه خبى هذا الغمد وإن أبا مسلم بايعنا وبايع الناس لنا على أنه من نكث بنا فقد أباح دمه ثم نكث بنا فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا ولم تمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحق عليه


32
28-خطبة أخرى

وخطب فقال

أيها الناس لا تنفروا أطراف النعمة بقلة الشكر فتحل بكم النقمة ولا تستروا غش الأئمة فإن أحدا لا يستر منكرا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه وطوالع نظره وإنا لا نجهل حقوقكم ما عرفتم حقنا ولا ننسى الإحسان إليكم ما ذكرتم فضلنا ومن نازعنا هذا القميص أوطأنا أم رأسه خبء هذا الغمد والسلام 29- قوله وقد قوطع في خطبته وخطب يوم الجمعة فقال

الحمد لله أحمده واستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أيها الناس اتقوا الله فقام إليه رجل فقال أذكرك من ذكرتنا به يا أمير المؤمنين فقطع الخطبة ثم قال سمعا سمعا لمن فهم عن الله وذكر به وأعوذ بالله أن أكون جبارا عنيدا وأن تأخذنى العزة بالإثم لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين وأنت أيها القائل فوالله ما أردت بها وجه الله ولكنك حاولت أن يقال قام فقال فعوقب فصبر وأهون بها ويلك لو هممت فاهتبلها إذ غفرت وإياك وأياكم معشر الناس أختها فإن الحكمة علينا نزلت ومن عندنا فصلت فردوا الأمر إلى أهله توردوه موارده وتصدروه مصادره ثم عاد في خطبته فكأنه يقرؤها من كفه فقال وأشهد أن محمدا عبده ورسوله


33
30- المنصور يصف خلفاء بني أمية

واجتمع عند المنصور أيام خلافته جماعة من ولد أبيه منهم عيسى بن موسى والعباس بن محمد وغيرهما فتذاكروا خلفاء بنى أمية والسبب الذى به سلبوا عزهم فقال المنصور

كان عبد الملك جبارا لا يبالى ما صنع وكان الوليد لحانا مجنونا وكان سليمان همته بطنه وفرجه وكان عمر أعور بين عميان وكان هشام رجل القوم ولم يزل بنو أمية ضابطين لما مهد لهم من السلطان يحوطونه ويصونونه ويحفظونه ويحرسون ما وهب الله لهم منه مع تسنمهم معالى الأمور ورفضهم أدانيها حتى أفضى أمرهم إلى أحداث مترفين من أبنائهم فغمطوا النعمة ولم يشكروا العافية وأساءوا الرعاية فابتدأت النقمة منهم باستدراج الله إياهم امنين مكره مطرحين صيانة الخلافة مستخفين بحق الرياسة ضعيفين عن رسوم السياسة فسلبهم الله العزة وألبسهم الذلة وأزال عنهم النعمة 31-المنصور يصف عبد الرحمن الداخل

وقال المنصور يوما لأصحابه أخبرونى عن صقر قريش من هو قالوا أمير المؤمنين الذى راض الملك وسكن الزلازل وحسم الأدواء وأباد الأعداء قال ما صنعتم شيئا قالوا فمعاوية قال ولا هذا قالوا فعبد الملك بن مروان قال لا هذا قالوا فمن يا أمير المؤمنين قال عبد الرحمن بن معاوية الذى عبر


34
البحر وقطع القفر ودخل بلدا أعجميا مفردا فمصر الأمصار وجند الأجناد ودون الدواوين وأقام ملكا بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة شكيمته إن معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان وذللا لهصعبه وعبد الملك ببيعة تقدم له عقدها وأمير المؤمنين بطلب غيره واجتماع شيعته وعبد الرحمن منفرد بنفسه مؤيد برأيه مستصحب لعزمه وصايا المنصور لابنه المهدى 32-وصية له

قال المنصور لابنه المهدى يا بنى لا تبرم أمرا حتى تفكر فيه فإن فكرة العاقل مراته تريه حسناتهوسيئاته واعلم أن الخليفة لا يصلحه إى التقوى والسلطان لا يصلحه إى الطاعة والرعية لا يصلحها إى العدل وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه 33- وصية أخرى له

ووصاه فقال له إنىلم أدع شيئا إلا قد تقدمت إليك فيه وسأوصيك بخصال والله ما أظنك تفعل واحدة منها وكان له سفط فيه دفاتر علمه وعليه قفل لا يأمن على فتحه ومفتاحه أحدا يصر مفتاحه في كم قميصه فقال للمهدى انظر هذا السفط فاحتفظ به فإن فيه علم ابائك ما كان وما هو كائن إلىيوم القيامة فإن أحزنك أمر فانظر في الدفتر الأكبر فإن أصبت فيه ما تريد وإلا فالثانى والثالث حتى بلغ سبعة فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة فإنك واجد فيها ما تريد وما أظنك تفعل وانظر هذه المدينة فإياك أن تستبدل بها فإنها بيتك وعزك قد جمعت لك فيها من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين كان عندك كفاية لأرزاق الجند والنفقات وعطاء الذرية ومصلحة الثغور فاحتفظ بها فإنك لا تزال عزيزا ما دام


35
وصايا المنصور لابنه المهدى 32-وصية له

قال المنصور لابنه المهدي يا بني لا تبرم أمرا حتى تفكر فيه فإن فكرة العاقل مرآته تريه حسناته وسيئاته واعلم أن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة والرعية لا يصلحها إلا العدل وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه 33- وصية أخرى له

ووصاه فقال له إنىلم أدع شيئا إلا قد تقدمت إليك فيه وسأوصيك بخصال والله ما أظنك تفعل واحدة منها وكان له سفط فيه دفاتر علمه وعليه قفل لا يأمن على فتحه ومفتاحه أحدا يصر مفتاحه في كم قميصه فقال للمهدى انظر هذا السفط فاحتفظ به فإن فيه علم ابائك ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة فإن أحزنك أمر فانظر في الدفتر الأكبر فإن أصبت فيه ما تريد وإلا فالثانى والثالث حتى بلغ سبعة فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة فإنك واجد فيها ما تريد وما أظنك تفعل وانظر هذه المدينة فإياك أن تستبدل بها فإنها بيتك وعزك قد جمعت لك فيها من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين كان عندك كفاية لأرزاق الجند والنفقات وعطاء الذرية ومصلحة الثغور فاحتفظ بها فإنك لا تزال عزيزا ما دام


36
بيت مالك عامرا وما أظنك تفعل وأوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم وتقدمهم وتكثر الإحسان إليهم وتعظم أمرهم وتوطىء الناس أعقابهم وتوليهم المنابر فإن عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل وانظر مواليك فأحسن إليهم وقربهم واستكثر منهم فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك وما أظنك تفعل وأوصيك بأهل خراسان خيرا فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم في دولتك ودماءهم دونك ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم أن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم على ما كان منهم وتخلف من مات منهم في أهله وولده وما أظنك تفعل وإياك أن تبني مدينة الشرقية فإنك لا تتم بناءها وما أظنك تفعل وإياك أن تستعين برجل من بنى سليم وأظنك ستفعل وإياك أن تدخل النساء في مشورتك في أمرك وأظنك ستفعل 34- وصية أخرى له

ووصى المهدى أيضا فقال اتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدى يجعل لك فيما كربك وحزنك مخرجا ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب احفظ يا بنى محمدا في أمته يحفظ الله عليك أمورك وإياك والدم الحرام فإنه حوب عند الله عظيم وعار في الدنيا لازم مقيم والزم الحلال فإن فيه ثوابك في الاجل وصلاحك في العاجل وأقم الحدود ولا تعتد فيها فتبور فإن الله لو علم أن شيئا أصلح لدينه وأزجر عن معاصيه من الحدود لأمربه في كتابه واعلم أنه من شدة غضب الله لسلطانه أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على من سعى في الأرض فسادا مع ما ذخر له عنده من العذاب العظيم فقال


37
( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب عظيم ) فالسلطان يا بنى حبل الله المتين وعروته الوثقى ودين الله القيم فاحفظه وحطه وحصنه وذب عنه وأوقع بالملحدين فيه واقمع المارقين منه واقتل الخارجين عنه بالعقاب لهم والمثلات بهم ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القران واحكم بالعدل ولا تشطط فإن ذلك أقطع للشغب وأحسم للعدو وأنجع في الدواء وعف عن الفىء فليس بك إليه حاجة مع ما أخلفه لك وافتتح عملك بصلة الرحم وبر القرابة وإياك والأثرة والتبذير لأموال الرعية واشحن الثغور واضبط الأطراف وأمن السبل وخص الواسطة ووسع المعاش وسكن العامة وأدخل المرافق عليهم واصرف المكاره عنهم وأعد الأموال واخزنها وإياك والتبذير فإن النوائب غير مأمونة والحوادث غير مضمونة وهى من شيم الزمان وأعد الرجال والكراع والجند ما استطعت وإياك وتأخير عمل اليوم إلى غد فتتدارك عليك الأمور وتضيع جد في إحكام الأمور النازلات لأوقاتها أولا فأولا واجتهد وشمر فيها وأعدد رجالا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار ورجالا بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل وباشر الأمور بنفسك ولا تضجر ولا تكسل ولا تفشل واستعمل حسن الظن بربك وأسىء الظن بعمالك وكتابك وخذ نفسك بالتيقظ وتفقد من يبيت علىبابك وسهل إذنك للناس وانظر في أمر النزاع إليك ووكل بهم عينا غير نائمة ونفسا غير لاهية ولا تنم فإن أباك لم ينم منذ ولى الخلافة ولا دخل عينه غمض إلا وقلبه مستيقظ هذه وصيتى إليك والله خليفتى عليك
38
35- خطبة النفس الزكية حين خرج على المنصور

لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب الملقب بالنفس الزكية على المنصور قام على منبر المدينة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أيها الناس إنه قد كان من أمر هذا الطاغية أبى جعفر من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندة لله في ملكه وتصغيره الكعبة الحرام وإنما أخذ الله فرعون حين قال أنا ربكم الأعلى وإن أحق الناس بالقيام في هذا الدين أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين اللهم إنهم قد أحلوا حرامك وحرموا حلالك وعملوا بغير كتابك وغيروا عهد نبيك وامنوا من أخفت وأخافوا من آمنت فأحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق على الأرض منهم أحدا


39
36-وصية عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على لابنه محمد أو إبراهيم

ووصى عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ابنه محمدا النفس الزكية أو إبراهيم فقال

أي بني إني مؤد حق الله في تأديبك فأد إلى حق الله في الاستماع منى أي بني كف الأذى وارفض البذا واستعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك فيها نفسك إلى الكلام فإن للقول ساعات يضر فيها الخطأ ولا ينفع فيها الصواب واحذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحا كما تحذر مشورة العاقل إذا كان غاشا لأنه يرديك بمشورته واعلم يابني أن رأيك إذا احتجت إليه وجدته نائما ووجدت هواك يقظان فإياك أن تستبد برأيك فإنه حينئذ هواك ولا تفعل فعلا إلا وأنت على يقين أن عاقبته لا ترديك وأن نتيجته لا تجني عليك 37- قول عبد الله بن الحسن وقد قتل ابنه محمد

ولما قتل المنصور ابنه محمدا وكان عبد الله في السجن بعث برأسه إليه مع الربيع حاجبه فوضع بين يديه فقال

رحمك الله أبا القاسم فقد كنت من ( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ) ثم تمثل


40

( فتى كان يحميه عن الذل سيفه ويكفيه سوءات الأمور اجتنابها )

ثم التفت إلى الربيع فقال له قل لصاحبك قد مضى من بؤسنا مدة ومن نعيمك مثلها والموعد الله تعالى قال الربيع فما رأيت المنصور قط أكثر انكسارا منه حين أبلغته الرسالة 38-امرأة محمد بن عبد الله والمنصور ولما قتل المنصور محمد بن عبد الله اعترضته امرأة معها صبيان فقالت

يا أمير المؤمنين أنا امرأة محمد بن عبد الله وهذان ابناه أيتمهما سيفك وأضرعهما خونك فناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تصعر لهما خدك فينأى عنهما رفدك أو لتعطفك عليهما شوابك النسب وأواصر الرحم

فالتفت إلى الربيع فقال اردد عليهما ضياع أبيهما ثم قال كذا والله أحب أن تكون نساء بنى هاشم 39-جعفر الصادق والمنصور

وكان أهل المدينة لما ظهر محمد بن عبد الله أجمعوا على حرب المنصور ونصر محمد فلما ظفر المنصور أحضر جعفرا الصادق بن محمد الباقر فقال له قد رأيت إطباق أهل المدينة على حربى وقد رأيت أن أبعث إليهم من يعور ويجمر نخلهم فقال له جعفر يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطى فشكر وإن أيوب ابتلى فصبر


41
وإن يوسف قدر فغفر فاقتد بأيهم شئت وقد جعلك الله من نسل الذين يعفون ويصفحون فقال أبو جعفر إن أحدا لا يعلمنا الحلم ولا يعرفنا العلم وإنما قلت هممت ولم ترنى فعلت وإنك لتعلم أن قدرتي عليهم تمنعني من الاساءة إليهم

وروى صاحب العقد قال

لما حج المنصور مر بالمدينة فقال للربيع الحاجب علي بجعفر بن محمد قتلنى الله إن لم أقتله فمطل به ثم ألح عليه فحضر فلما كشف الستر بينه وبينه ومثل بين يديه همس جعفر بشفتيه ثم تقرب وسلم فقال لا سلم الله عليك يا عدو الله تعمل على الغوائل في ملكى قتلني الله إن لم أقتلك قال يا أمير المؤمنين إن سليمان صلى الله على محمدوعليه أعطى فشكر وإن أيوب ابتلى فصبر وإن يوسف ظلم فغفر وأنت على إرث منهم وأحق من تأسى بهم فنكس أبو جعفر رأسه مليا وجعفر واقف ثم رفع رأسه وقال إلى أبا عبد الله فأنت القريب القرابة وذو الرحم الواشجة السليم الناحية القليل الغائلة ثم صافحه بيمينه وعانقه بشماله وأجلسه معه على فراشه وانحرف له عن بعضه وأقبل عليه بوجهه يحادثه ويسائله ثم قال يا ربيع عجل لأبى عبد الله كسوته وجائزته وإذنه


42
40- صفح المنصور عن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب

ولما داهن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب في شأن إبراهيم بن عبد الله وصار إلى المنصور أمر الربيع بخلع سواده والوقوف به على رءوس اليمانية في المقصورة يوم الجمعة ثم قال قل لهم

يقول لكم أمير المؤمنين قد عرفتم ما كان من إحسانى إليه وحسن بلائى وقديم نعمتى عليه والذى حاول من الفتنة ورام من البغى وأراد من شق العصا ومعاونة الأعداء وإراقة الدماء وإنه قد استحق بهذا من فعله أليم العقاب وعظيم العذاب وقد رأى أمير المؤمنين إتمام بلائه الجميل لديه ورب نعمائه السابقة عنده لما يتعرفه أمير المؤمنين من حسن عائدة الله عليه وما يؤمله من الخير العاجل والاجل عند العفو عمن ظلم والصفح عمن أساء وقد وهب أمير المؤمنين مسيئهم لمحسنهم وغادرهم لوفيهم 41- استعطاف أهل الشام أبا جعفر المنصور

ولما انهزم عبد الله بن على من الشأم قدم على المنصور وفد منهم فقام عدة منهم فتكلموا ثم قام الحارث بن عبد الرحمن الغفارى فقال يا أمير المؤمنين


43
إنا لسنا وفد مباهاة وإنما نحن وفد توبة وإنا ابتلينا بفتنة استخفت كريمنا واستفزت حليمنا ونحن بما قدمنا معترفون ومما سلف منا معتذرون فإن تعاقبنا فبما أجرمنا وإن تعف عنا فبفضلك علينا فاصفح عنا إذ ملكت وامنن إذ قدرت وأحسن إذ ظفرت فطالما أحسنت إلى من أساء منا فقال المنصور قد فعلت ثم قال للحرسى هذا خطيبهم وأمر برد ضياعه عليه بالغوطة 42-استعطاف أهل الشام أبا جعفر المنصور أيضا

وقال عثمان بن خزيم للمنصور حين عفا عن أهل الشأم في إجلابهم مع عبد الله بن علي عمه يا أمير المؤمنين لقد أعطيت فشكرت وابتليت فصبرت وقدرت فعفوت

وقال اخر يا أمير المؤمنين الانتقام عدل والتجاوز فضل والمتفضل قد جاوز حد المنصف فنحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين

وقال اخر من انتقم فقد شفى غيظ نفسه وأخذ أقصى حقه وإذا انتقمت فقد انتقصت وإذا عفوت تطولت ومن أخذ حقه وشفى غيظه لم يجب شكره ولم يذكر في العالمين فضله وكظم الغيظ حلم والحلم صبر والتشفى طرف من العجز ومن رضى ألا يكون بين حاله وبين حال الظالم إلا ستر رقيق


44
وحجاب ضعيف لم يجزم في تفضيل الحلم وفى الاستيثاق من ترك دواعي الظلم ولم تر أهل النهى والمنسوبين إلى الحجا والتقى مدحوا الحكام بشدة العقاب وقد ذكروهم بحسن الصفح وبكثرة الاغتفار وشدة التغافل وبعد فالمعاقب مستعد لعداوة أولياء المذنب والعافى مستدع لشكرهم امن من مكافأتهم أيام قدرتهم ولأن يثنى عليك باتساع الصدر خير من يثني عليك بضيق الصدر على أن إقالتك عثرة عباد الله موجب لإقالتك عثرتك من رب عباد الله وعفوك عنهم موصول بعفو الله عنك وعقابك لهم موصول بعقاب الله لك قال الله عز وجل ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) 43- أبو جعفر المنصور والربيع

وقال سعيد بن مسلم بن قتيبة دعا المنصور بالربيع فقال سلني ما تريد فقد سكت حتى نطقت وخففت حتى ثقلت وقللت حتى أكثرت فقال والله يا أمير المؤمنين ما أرهب بخلك ولا أستقصر عمرك ولا أستصغر فضلك ولا أغتنم مالك وإن يومى بفضلك على أحسن من أمسى وغدك في تأميلى أحسن من يومي ولو جاز أن يشكرك مثلي بغير الخدمة والمناصحة لما سبقني لذلك أحد قال صدقت علمي بهذا منك أحلك هذا المحل فسلني ما شئت قال أسألك أن تقرب عبدك الفضل وتؤثره وتحبه قال يا ربيع إن الحب ليس بمال يوهب


45
ولا رتبة تبذل وإنما تؤكده الأسباب قال فاجعل لى طريقا إليه بالتفضل عليه قال صدقت وقد وصلته بألف درهم ولم أصل بها أحدا غير عمومتى لتعلم ماله عندى فيكون منه ما يستدعى به محبتى قال فكيف سألت له المحبة يا ربيع قال لأنها مفتاح كل خير ومغلاق كل شر تستر بها عندك عيوبه وتصير حسنات ذنوبه قال صدقت 44- مقام عمرو بن عبيد بين يدى المنصور

دخل عمرو بن عبيد على المنصور بعد ما بايع للمهدى فقال له يا أبا عثمان هذا ابن أمير المؤمنين وولى عهد المسلمين فقال له عمرو يا أمير المؤمنين أراك قد وطدت له الأمور وهي تصير إليه وأنت عنه مسئول فاستعبر المنصور وقال له عظني يا عمرو قال يا أمير المؤمنين إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منها ببعضها وإن هذا الذي في يديك لو بقى في يد غيرك لم يصل إليك فاحذر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعده فوجم أبو جعفر من قوله فقال له الربيع يا عمرو غممت أمير المؤمنين فقال عمرو إن هذا صحبك عشرين سنة لم ير لك عليه أن ينصحك يوما واحدا وما عمل وراء بابك بشيء من كتاب الله ولا سنة نبيه قال أبو جعفر فما أصنع قد قلت لك خاتمى في يدك فتعال وأصحابك فاكفنى قال عمرو ادعنا بعدلك تسخ أنفسنا بعونك ببابك ألف مظلمة اردد منها شيئا نعلم أنك صادق


46
45-مقام رجل من الزهاد بين يدى المنصور

بينما المنصور يطوف ليلا إذ سمع قائلا يقول اللهم إنى أشكو إليك ظهور البغى والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد وأرسل إلى الرجل يدعوه فصلى الرجل ركعتين واستلم الركن وأقبل مع الرسول فسلم عليه بالخلافة فقال المنصور ما الذي سمعتك تذكر من ظهور البغى والفساد في الأرض وما الذي يحول بين الحق وأهله من الطمع فوالله لقد حشوت مسامعى ما أرمضنى قال يا أمير المؤمنين إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها وإلا احتجزت منك واقتصرت على نفسى ففيها لى شاغل فقال أنت امن على نفسك فقل فقال يا أمير المؤمنين إن الذى دخله الطمع حتى حال بينه ما بين ظهر من البغى والفساد لأنت قال ويحك وكيف يدخلنى الطمع والصفراء بوالبيضاء في فبضتى والحلو والحامض عندى قال وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك إن الله تبارك وتعالى استرعاك المسلمين وأموالهم فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجص والاجر وأبوابا من الحديد وحجبة معهم السلاح ثم سجنت نفسك فيها عنهم وبعثت عمالك في جباية الأموال وجمعها وقويتهم بالرجال والسلاح والكراع وأمرت بألا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان نفر سميتهم ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع العارى ولا الضعيف الفقير ولا أحد إلا وله في هذا المال حق فلما راك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك واثرتهم على رعيتك وأمرت ألا يحجبوا عنك تجبى الأموال وتجمعها ولا تقسمها قالوا هذا


47
قد خان الله فما بالنا لانخونه وقد سجن لنا نفسه فأتمروا بألا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا قصبوه عندك ونفوه حتى تسقط منزلته ويصغر قدره فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليقووا بها على ظلم رعيتك ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا به ظلم من دونهم فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا وفسادا وصار هؤلاء القوم شر كاءك في سلطانك وأنت غافل فإن جاء متظلم حيل بينه وبين دخول مدينتك فإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك وأوقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم فإن جاءك ذلك الرجل فبلغ بطانتك خبره سألوا صاحب المظالم ألا يرفع مظلمته إليك فإن المتظلم منه له بهم حرمة فأجابهم خوفا منهم فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث وهو يدفعه ويعتل عليه فإذا أجهد وأحرج وظهرت صرخ بين يديك فضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره وأنت تنظر فلا تنكر فما بقاء الإسلام على هذا وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين فقدمتها مرة وقد أصيب ملكها بسمعه فبكى يوما بكاء شديدا فحثه جلساؤه على الصبر فقال أما إنى لست أبكى للبلية النازلة بى ولكني أبكي لمظلوم بالباب يصرخ ولا أسمع صوته ثم قال أما إذا ذهب سمعى فإن بصرى لم يذهب نادوا في الناس ألا يلبس ثوبا أحمر متظلم ثم كان يركب الفيل طرفى نهاره وينظر هل يرى مظلوما فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله غلبت رأفته بالمشركين شح نفسه وأنت مؤمن بالله ثم من أهل بيت نبيه لا تغلب رأفتك بالمسلمين على شح نفسك فإن كنت إنما تجمع المال لولدك فقد أراك الله عبرا في الطفل يسقط من بطن أمه
48
وما له على الأرض مال وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه فما يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه ولست بالذى تعطى بل الله يعطى من يشاء ما شاء وإن قلت إنما أجمع المال لتشديد السلطان فقد أراك الله عبرا في بنى أمية ما أغنى عنهم ما جمعوامن الذهب والفضة وأعدوا من الرجال والسلاح والكراع حتى أراد الله بهم ما أراد وإن قلت إنما أجمع لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنا فيها فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل قال المنصور لا قال فكيف تصنع بالملك الذى خولك ملك الدنيا وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل ولكن بالخلود في العذاب الأليم قد رأى ما قد عقد عليه قلبك وعملته جوارحك ونظر إليه بصرك واجترحته يداك ومشت إليه رجلاك هل يغني عنك ما شححت عليه من ملك الدنيا إذا انتزعه من يدك ودعاك إلى الحساب فبكى المنصور وقال يا ليتني لم أخلق ويحك فكيف أحتال لنفسي قال يا أمير المؤمنين إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم ويرضون بهم فاجعلهم بطانتك يرشدوك وشاورهم في أمرك يسددوك قال قد بعثت إليهم فهربوا مني قال خافوا أن تحملهم على طريقتك ولكن افتح بابك وسهل حجابك وانصر المظلوم واقمع الظالم وخذ الفىء والصدقات مما خل وطاب واقسمه بالحق والعدل على أهله وأنا الضامن عنهم أن يأتوك ويسعدوك على صلاح الأمة وجاء المؤذنون فسلموا عليه فصلى وعاد إلى مجلسه وطلب الرجل فلم يوجد
49
46-مقام الأوزاعي بين يدي المنصور

قال الأوزاعى دخلت على المنصور فقال لي ما الذى بطأ بك عنى قلت يا أمير المؤمنين وما الذى تريد منى فقال الاقتباس منك قلت انظر ما تقول فإن مكحولا حدثنى عن عطية بن بشير أن رسول الله قال من بلغه عن الله نصيحة في دينه فهى رحمة من الله سيقت إليه فإن قبلها من الله بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه ليزداد إثما وليزداد عليه غضبا وإن بلغه شيء من الحق فرضى فله الرضا وإن سخط فله السخط ومن كرهه فقد كره الله لأن الله هو الحق المبين فلا تجهلن قال وكيف أجهل قال تسمع ولا تعمل بما تسمع قال الأوزاعى فسل على الربيع السيف وقال تقول لأمير المؤمنين هذا فانتهره المنصور وقال أمسك ثم كلمه الأوزاعى وكان في كلامه أن قال

إنك قد أصبحت من هذه الخلافة بالذى أصبحت به والله سائلك عن صغيرها وكبيرها وفتيلها ونقيرها ولقد حدثنى عروة بن رويم أن رسول الله قال ما من راع يبيت غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه رائحة الجنة فحقيق على الوالى أن يكون لرعيته ناظرا ولما استطاع من عوراتهم ساترا وبالقسط


50
فيما بينهم قائما لا يتخوف محسنهم منه رهقا ولا مسيئهم عدوانا فقد كانت بيد رسول الله جريدة يستاك بها ويردع عنه المنافقين فأتاه جبريل فقال يا محمد ما هذه الجريدة بيدك اقذفها لا تملأ قلوبهم رعبا فكيف من سفك دماءهم وشقق أبشارهم وأنهب أموالهم يا أمير المؤمنين إن المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر دعا إلى القصاص من نفسه بخدش خدشه أعرابيا لم يتعمده فهبط جبريل فقال يا محمد إن الله لم يبعثك جبارا تكسر قرون أمتك واعلم أن كل ما فى يدك لا يعدل شربة من شراب الجنة ولا ثمره من ثمارها قال رسول الله لقاب قوس أحدكم من الجنة أو قذة خير له من الدنيا بأسرها إن الدنيا تنقطع ويزول نعيمها ولو بقى الملك لمن قبلك لم يصل إليك يا أمير المؤمنين ولو أن ثوبا من ثياب أهل النار علق بين السماء والأرض لآذاهم فكيف من يتقمصه ولو أن ذنوبا من صديد أهل النار صب على ماء الأرض لآجنه فكيف بمن يتجرعه ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لذاب فكيف من سلك فيها ويرد فضلها على عاتقه وقد قال عمر بن الخطاب لا يقوم أمر الناس إلا حصيف العقدة بعيد الغرة لا يطلع الناس منه على عورة ولا يحنق في الحق على جرة ولا تأخذه في الله لومة لائم

واعلم أن السلطان أربعة أمير يظلف نفسه وعماله فذلك له أجر المجاهد في سبيل الله وصلاته سبعون ألف صلاة ويد الله بالرحمة على رأسه ترفرف وأمير رتع ورتع عماله فذاك يحمل أثقاله وأثقالا مع أثقاله وأمير يظلف نفسه


51
ويرتع عماله فذاك الذى باع اخرته بدنيا غيره وأمير يرتع ويظلف عماله فذاك شر الأكياس

واعلم يا أمير المؤمنين أنك قد ابتليت بأمر عظيم عرض على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنه وأشفقن منه وقد جاء عن جدك في تفسير قول الله عز وجل لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها أن الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك وقال فما ظنكم بالكلام وما عملته الأيدى فأعيذك بالله أن يخيل إليك أن قرابتك برسول الله تنفع مع المخالفة لأمره فقد قال رسول الله يا صفية عمة محمد ويا فاطمة بنت محمد استوهبا أنفسكما من الله إنى لا أغني عنكما من الله شيئا وكان جدك الأكبر سأل رسول الله إمارة فقال أي عم نفس تحييها خير لك من إمارة لا تحصيها نظرا لعمه وشفقة عليه أن يلي فيجور عن سنته جناح بعوضة فلا يستطيع له نفعا ولا عنه دفعا هذه نصيحتى إن قبلتها فلنفسك عملت وإن رددتها فنفسك نحست والله الموفق للخير والمعين عليه قال بلى نقبلها ونشكر عليها وبالله نستعين 47-نصيحة يزيد بن عمر بن هبيرة للمنصور

ودخل يزيد بن عمر بن هبيرة على أمير المؤمنين المنصور فقال يا أمير المؤمنين توسع توسعا قرشيا ولا تضق ضيقا حجازيا

ويروى أنه دخل يوما فقال له المنصور حدثنا فقال يا أمير المؤمنين


52
إن سلطانكم حديث وإمارتكم جديدة فأذيقوا الناس حلاوة عدلها وجنبوهم مرارة جورها فوالله يا أمير المؤمنين لقد محضت لك النصيحة ثم نهض فنهض معه سبعمائة من قيس فأتأره المنصور بصره ثم قال لا يعز ملك يكون فيه مثل هذا 48 معن بن زائدة والمنصور

ودخل معن بن زائدة الشيباني على أبى جعفر المنصور وقد أسن فقارب في خطوه فقال له المنصور لقد كبرت سنك يا معن قال في طاعتك يا أمير المؤمنين قال وإنك لجلد قال على أعدائك يا أمير المؤمنين قال وإن فيك لبقية قال هي لك يا أمير المؤمنين قال فأي الدولتين أحب إليك هذه أم دولة بني أمية قال ذلك إليك يا أمير المؤمنين إن زاد برك على برهم كانت دولتك أحب إلي 49- معن بن زائدة وأحد زواره

ودخل رجل على معن بن زائدة فقال ما هذه الغيبة فقال أيها الأمير ما غاب عن العين من يذكره القلب وما زال شوقي إلى الأمير شديدا وهو دون


53
ما يجب له وذكرى له كثيرا وهو دون قدره ولكن جفوة الحجاب وقلة بشر الغلمان منعانى من الإكثار فأمر بتسهيل حجابه وأجزل صلته 50 المنصور وأحد الأعراب

ودخل أعرابى علىالمنصور فتكلم فأعجب بكلامه فقال له سل حاجتك فقال يبقيك الله ويزيد في سلطانك فقال سل حاجتك فليس في كل وقت تؤمر بذاك قال ولم يا أمير المؤمنين فوالله ما أستقصر عمرك ولا أخاف بخلك ولاأغتنم مالك وإن سؤالك لشرف وإن عطاءك لزين وما بامرىء بذل وجهه إليك نقص ولا شين فأحسن جائزته وأكرمه 51- أعرابية تعزى المنصور وتهنئه وروى القلقشندى قال تعرضت أعرابية للمنصور في طريق مكة بعد وفاة أبي العباس السفاح فقالت

يا أمير المؤمنين احتسب الصبر وقدم الشكر فقد أجزل الله لك الثواب في الحالين وأعظم عليك المنة في الحادثين سلبك خليفة الله وأفادك خلافة الله فسلم فيما سلبك واشكر فيما منحك وتجاوز الله عن أمير المؤمنين وخار لك فيما ملكك من أمر الدنيا والدين


54

وروى الجاحظ قال عزت امرأة المنصور عن أبي العباس مقدمه من مكة قالت أعظم الله أجرك فلا مصيبة أجل من مصيبتك ولا عوض أعظم من خلافتك 52-خطبة محمد بن سليمان يوم الجمعة وكان لا يغيرها

الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون من يعتصم بالله ورسوله فقد اعتصم بالعروة الوثقى وسعد في الأولى والاخرة ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا وخسر خسرانا مبينا أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع رضوانه ويتجنب سخطه فإنما نحن له وبه أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعة الله وأرضى لكم ما عند الله فإن تقوى الله أفضل ما تحاث الناس عليه وتداعوا إليه وتواصوا به فاتقوا الله ما استطعتم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون 53- وصية مسلم بن قتيبة

وقال مسلم بن قتيبة لا تطلبن حاجتك إلى واحد من ثلاثة لا تطلبها إلى الكذاب فإنه يقربها وهى بعيدة ويبعدها وهى قريبة ولا تطلبها إلى الأحمق


55
فإنه يريد أن ينفعك وهو يضرك ولا تطلبها إلى رجل له عند قوم مأكلة فإنه يجعل حاجتك وقاء لحاجته 54-خطبة المهدى توفى سنة 169ه

الحمد لله الذى ارتضى الحمد لنفسه ورضى به من خلقه أحمده على الائه وأمجده لبلائه وأستعينه وأومن به وأتوكل راض بقضائه وصابر لبلائه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله إلى خلقه وأمينه على وحيه أرسله بعد انقطاع الرجاء وطموس العلم واقتراب من الساعة إلى أمة جاهلية مختلفة أمية أهل عداوة وتضاغن وفرقة وتباين قد استهوتهم شياطينهم وغلب عليهم قرناؤهم فاستشعروا الردى وسلكوا العمى يبشر من أطاعه بالجنة وكريم ثوابها ويندر من عصاه بالنار وأليم عقابها ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينة وإن الله لسميع عليم )

أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإن الاقتصار عليها سلامة والترك لها ندامة وأحثكم على إجلال عظمته وتوقير كبريائه وقدرته والانتهاء إلى ما يقرب من رحمته وينجى من سخطه وينال به ما لديه من كريم الثواب وجزيل الماب فاجتنبوا ما خوفكم الله من شديد العقاب وأليم العذاب ووعيد الحساب يوم توقفون بين يدى الجبار وتعرضون فيه على النار ( يوم لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرىء


56
منهم يومئذ شأن يغنيه يوم لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون يوم لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ) فإن الدنيا دار غرور وبلاء وشرور واضمحلال وزوال وتقلب وانتقال قد أفنت من كان قبلكم وهى عائدة عليكم وعلى من بعدكم من ركن إليها صرعته ومن وثق بها خانته ومن أملها كذبته ومن رجاها خذلته عزها ذل وغناها فقر والسعيد من تركها والشقى فيها من اثرها والمغبون فيها من باع حظه من دار اخرته بها فالله الله عباد الله والتوبة مقبولة والرحمة مبسوطة وبادروا بالأعمال الزكية في هذه الأيام الخالية قبل أن يؤخذ بالكظم وتندموا فلا تنالون الندم في يوم حسرة وتأسف وكآبة وتلهف يوم ليس كالأيام وموقف ضنك المقام إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله يقول الله تبارك وتعالى ( وإذا قرىء القران فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ) إلى اخر السورة أوصيكم عباد الله بما أوصاكم الله به وأنهاكم عما نهاكم عنه وأرضى لكم طاعة الله وأستغفر الله لى ولكم
57
مشاورة المهدى لأهل بيته في حرب خراسان روى ابن عبد ربه قال

هذا ما تراجع فيه المهدى ووزراؤه وما دار بينهم من تدبير الرأى في حرب خراسان أيام تحاملت عليهم العمال وأعنفت فحملتهم الدالة وما تقدم لهم من المكانة على أن نكثوا بيعتهم ونقضوا موثقهم وطردوا العمال والتووا بما عليهم من الخراج وحمل المهدى ما يحب من مصلحتهم ويكره من عنتهم على أن أقال عثرتهم واغتفر زلتهم واحتمل دالتهم تطولا بالفضل واتساعا بالعفو وأخذا بالحجة ورفقا بالسياسة ولذلك لم يزل مذ حمله الله أعباء الخلافة وقلده أمور الرعية رفيقا بمدار سلطانه بصيرا بأهل زمانه باسطا للمعدلة في رعيته تسكن إلى كنفه وتأنس بعفوه وتثق بحلمه فإذا وقعت الأقضية اللازمة والحقوق الواجبة فليس عنده هوادة ولا إغضاء ولا مداهنة أثرة للحق وقياما بالعدل وأخذا بالحزم فدعا أهل خراسان الاغترار بحلمه والثقة بعفوه أن كسروا الخراج وطردوا العمال وسألوا ما ليس لهم من الحق ثم خلطوا احتجاجا باعتذار وخصومة بإقرار وتنصلا باعتلال فلما انتهى ذلك إلى المهدى خرج إلى مجلس خلائه وبعث إلى نفر من لحمته ووزرائه فأعلمهم الحال واستنصحهم للرعية ثم أمر الموالى بالابتداء وقال للعباس بن محمد أى عم تعقب قولنا وكن حكما بيننا وأرسل إلى ولديه


58
موسى وهرون فأحضرهما الأمر وشاركهما في الرأى وأمر محمد بن الليث بحفظ مراجعتهم وإثبات مقالتهم في كتاب 55- مقال سلام صاحب المظالم فقال سلام صاحب المظالم

أيها المهدى إن في كل أمر غاية ولكل قوم صناعة استفرغت رأيهم واستغرقت أشغالهم واستنفدت أعمارهم وذهبوا بها وذهبت بهم وعرفوا بها وعرفت بهم ولهذه الأمور التي جعلتنا فيها غاية وطلبت معونتنا عليها أقوام من أبناء الحرب وساسة الأمور وقادة الجنود وفرسان الهزاهز وإخوان التجارب وأبطال الوقائع الذين رشحتهم سجالها وفيأتهم ظلالها وعضتهم شدائدها وقرمتهم نواجذها فلو عجمت ما قبلهم وكشفت ما عندهم لوجدت نظائر تؤيد أمرك وتجارب توافق نظرك وأحاديث تقوى قلبك فأما نحن معاشر عمالك وأصحاب دواوينك فحسن بنا وكثير منا أن نقوم بثقل ما حملتنا من عملك واستودعتنا من أمانتك وشغلتنا به من إمضاء عدلك وإنفاذ حكمك وإظهار حقك

فأجابه المهدى إن في كل قوم حكمة ولكل زمان سياسة وفي كل حال تدبير يبطل الآخر الأول ونحن أعلم بزماننا وتدبير سلطاننا

قال نعم أيها المهدي أنت متسع الرأي وثيق العقدة قوي المنة بليغ الفطنة معصوم النية محضور الروية مؤيد البديهة موفق العزيمة معان بالظفر مهدي إلى الخير إن هممت ففي عزمك مواقع الظن وإن اجتمعت صدع فعلك


59
ملتبس الشك فاعزم يهد الله إلى الصواب قلبك وقل ينطق الله بالحق لسانك فإن جنودك جمة وخزائنك عامرة ونفسك سخية وأمرك نافذ

فأجابه المهدي المشاورة والمناظرة بابا رحمة ومفتاحا بركة لا يهلك عليهما رأي ولا يتفبل معهما حزم فأشيروا برأيكم وقولوا بما يحضركم فإنى من ورائكم وتوفيق الله من وراء ذلك 56- مقال الربيع بن يونس وقال الربيع

أيها المهدى إن تصاريف وجوه الرأي كثيرة وإن الإشارة ببعض معاريض القول يسيرة ولكن خراسان أرض بعيدة المسافة متراخية الشقة متفارقة السبل فإذا ارتأيت من محكم التدبير ومبرم التقدير ولباب الصواب رأيا قد أحكمه نظرك وقلبه تدبيرك فليس وراءه مذهب طاعن ولا دونه معلق لخصومة عائب ثم خبت البرد به وانطوت الرسل عليه كان بالحرى أن لا يصل إليهم محكمه إلا وقد حدث منهم ماينقضه فما أيسر أن ترجع إليك الرسل وترد عليك الكتب بحقائق أخبارهم وشوارد آثارهم ومصادر أمورهم فتحدث رأيا غيره وتبتدع تدبيرا سواه وقد انفرجت الحلق وتحللت العقد واسترخى الحقاب وامتد الزمان ثم لعلم موقع الاخرة كمصدر الأولى ولكن الرأي أيها المهدى وفقك الله أن تصرف إجالة النظر وتقليب الفكر فيما جمعتنا له واستشرتنا فيه من التدبير لحربهم والحيل في أمرهم إلى الطلب لرجل ذى دين فاضل وعقل كامل وورع


60
واسع

ليس موصوفا بهوى في سواك ولا متهما في أثرة عليك ولا ظنينا على دخلة مكروهة

ولا منسوبا إلى بدعة محذورة

فيقدح في ملكك ويريض الأمور لغيرك ثم تستند إليه أمورهم

وتفوض إليه حربهم وتأمره في عهدك ووصيتك إياه

بلزوم أمرك ما لزمه الحزم وخلاف نهيك إذا خالفه الرأى عند استحالة الأمور واشتداد الأحوال التي ينقض أمر الغائب عنها ويثبت رأي الشاهد لها فإنه إذا فعل ذلك فواثب أمرهم من قريب وسقط عنه ما يأتي من بعيد تمت الحيلة وقويت المكيدة ونفذ العمل وأحد النظر إن شاء الله 57-مقال الفضل بن العباس قال الفضل بن العباس

أيها المهدي إن ولي الأمور وسائس الحروب ربما نحى جنوده وفرق أمواله في غير ما ضيق أمر حزبه ولا ضغطة حال اضطرته فيقعد عند الحاجة إليها وبعد التفرقة لها عديما منها فاقدا لها لا يثق بقوة ولا يصول بعدة ولا يفزع إلى ثقة فالرأي لك أيها المهدي وفقك الله أن تعفي خزائنك من الإنفاق للأموال وجنودك من مكابدة الأسفار ومقارعة الأخطار وتغرير القتال ولا تسرع للقوم في الإجابة إلى ما يطلبون والعطاء لما يسألون فيفسد عليك أدبهم وتجرىء من رعيتك غيرهم ولكن اغزهم بالحيلة وقاتلهم بالمكيدة وصارعهم باللين وخاتلهم بالرفق وأبرق لهم بالقول وأرعد نحوهم بالفعل وابعث البعوث


61
وجند الجنود وكتب الكتائب واعقد الألوية وانصب الرايات وأظهر أنك موجه إليهم الجيوش مع أحنق قوادك عليهم وأسوئهم أثرا فيهم ثم ادسس الرسل وابثث الكتب وضع بعضهم على طمع من وعدك وبعضا على خوف من وعيدك وأوقد بذلك وأشباهه نيران التحاسد فيهم واغرس أشجار التنافس بينهم حتى تملأ القلوب من الوحشة وتنطوي الصدور على البغضة ويدخل كلا من كل الحذر والهيبة فإن مرام الظفر بالغيلة والقتال بالحيلة والمناصبة بالكتب والمكايدة بالرسل والمقارعة بالكلام اللطيف المدخل في القلوب القوى الموقع من النفوس المعقود بالحجج الموصول بالحيل المبنى على اللين الذى يستميل القلوب ويسترق العقول والاراء ويستميل الأهواء ويستدعى المواتاة أنفذ من القتال بظبات السيوف وأسنة الرماح كما أن الوالي الذي يستنزل طاعة رعيته بالحيل ويفرق كلمة عدوه بالمكايدة أحكم عملا وألطف منظرا وأحسن سياسة من الذى لا ينال ذلك إلا بالقتال والإتلاف للأموال والتغرير والخطار وليعلم المهدى أنه إن وجه لقتالهم رجلا لم يسر لقتالهم إلا بجنود كثيفة تخرج عن حال شديدة وتقدم على أسفار ضيقة وأموال متفرقة وقود غششة إن ائتمنهم استنفدوا ماله وإن استنصحهم كانوا عليه لا له

قال المهدي هذا رأى قد أسفر نوره وأبرق ضوءه وتمثل صوابه للعيون ويجسد حقه في القلوب ولكن فوق كل ذي علم عليم ثم نظر إلى ابنه على فقال ما تقول


62
58-مقال على بن المهدى قال علي بن المهدى

أيها المهدى إن أهل خراسان لم يخلعوا عن طاعتك ولم ينصبوا من دونك أحدا يقدح في تغيير ملكك ويريض الأمور لفساد دولتك ولو فعلوا لكان الخطب أيسر والشأن أصغر والحال أدل لأن الله مع حقه الذى لا يخذله وعند موعده الذي لا يخلفه ولكنهم قوم من رعيتك وطائفة من شيعتك الذين جعلك الله عليهم واليا وجعل العدل بينك وبينهم حاكما طلبوا حقا وسألوا إنصافا فإن أجبت إلى دعوتهم ونفست عنهم قبل أن يتلاحم منهم حال ويحدث من عندهم فتق أطعت أمر الرب وأطفأت نائرة الحرب ووفرت خزائن المال وطرحت تغرير القتال وحمل الناس محمل ذلك على طبيعة جودك وسجية حلمك وإسجاح خليقتك ومعدلة نظرك فأمنت أن تنسب إلى ضعف وأن يكون ذلك فيما بقى دربة وإن منعتهم ما طلبوا ولم تجبهم إلى ما سألوا اعتدلت بك وبهم الحال وساويتهم في ميدان الخطاب فما أرب المهدى أن يعمد إلى طائفة من رعيته مقرين بمملكته مذعنين بطاعته لا يخرجون أنفسهم عن قدرته ولا يبرئونها من عبوديته فيملكهم أنفسهم ويخلع نفسه عنهم ويقف على الحيل معهم ثم يجازيهم السوء في حد المقارعة ومضمار المخاطرة أيريد المهدى وفقه الله الأموال فلعمرى لا ينالها ولا يظفر بها إلا بإنفاق أكثر منها مما يطلب منهم وأضعاف ما يدعى قبلهم ولو نالها فحملت إليه ووضعت بخرائطها بين يديه


63
ثم تجافى لهم عنها وطال عليهم بها لكان إليه مما ينسب وبه يعرف من الجود الذى طبعه الله عليه وجعل قرة عينه ونهمة نفسه فيه فإن قال المهدي هذا رأي مستقيم سديد في أهل الخراج الذين شكوا ظلم عمالنا وتحامل ولاتنا فأما الجنود الذين نقضوا مواثيق العهود وأنطقوا لسان الإرجاف وفتحوا باب المعصية وكسروا قيد الفتنة فقد ينبغى لهم أن أجعلهم نكالا لغيرهم عظة لسواهم فيعلم المهدى أنه لو أتى بهم مغلولين في الحديد مقرنين في الأصفاد ثم اتسع لحقن دمائهم عفوه ولأقالة عثرتهم صفحة واستبقاهم لما هم فيه من حربه أو لمن بإزائهم من عدوه لما كان بدعا من رأيه ولا مستنكرا من نظره لقد علمت العرب أنه أعظم الخلفاء والملوك عفوا وأشدها وقعا وأصدقها صولة وأنه لايتعاظمه عفو ولايتكاءده صفح وإن عظم الذنب وجل الخطب فالرأى للمهدى وفقه الله تعالى أن يحل عقدة الغيظ بالرجاء لحسن ثواب الله في العفو عنهم وأن يذكر أولى حالاتهم وضيعة عيالاتهم برا بهم وتوسعا لهم فإنهم إخوان دولته وأركان دعوته وأساس حقه الذين بعزتهم يصول وبحجتهم يقول وإنما مثلهم فيما دخلوا فيه من مساخطه وتعرضوا له من معاصيه وانطووا فيه عن إجابته ومثله في قلة ما غير ذلك من رأيه فيهم أو نقل من حاله لهم أو تغير من نعمته بهم كمثل رجلين أخوين متناصرين متوازرين أصاب أحدها خبل عارض ولهو حادث فنهض إلى أخيه بالأذى وتحامل عليه بالمكروه فلم يزدد أخوه إلا رقة له ولطفا به واحتيالا لمداواة مرضه ومراجعة حاله عطفا عليه وبرا به ومرحمة له
64

فقال المهدى أما على فقد نوى سمت الليان وفض القلوب في أهل خراسان ولكل نبإ مستقر فقال ما ترى يا أبا محمد يعنى موسى ابنه الهادى 59-مقال موسى بن المهدى فقال موسى

أيها المهدى لا تسكن إلى حلاوة ما يجرى من القول على ألسنتهم وأنت ترى الدماء تسيل من خلل فعلهم الحال من القوم ينادى بمضمرة شر وخفية حقد قد جعلوا المعاذير عليها سترا واتخذوا العلل من دونهاحجابا رجاء أن يدافعوا الأيام بالتأخير والأمور بالتطويل فيكسروا حيل المهدى فيهم ويفنوا جنوده عنهم حتى يتلاحم أمرهم وتتلاحق مادتهم وتستفحل حربهم وتستمر الأمور بهم والمهدى من قولهم في حال غرة ولباس أمنة قد فتر لها وأنس بها وسكن إليها ولولا ما اجتمعت به قلوبهم وبردت عليه جلودهم من المناصبة بالقتال والإضمار للقراع عن داعية ضلال أو شيطان فساد لرهبوا عواقب أخبار الولاة وغب بكون الأمور فليشدد المهدى وفقه الله أزره لهم ويكتب كتائبه نحوهم وليضع الأمر على أشد ما يحضره فيهم وليوقن أنه لا يعطيهم خطة يريد بها صلاحهم إلا كانت دربة إلى فسادهم وقوة على معصيتهم وداعية إلى عودتهم وسببا لفساد من بحضرته من الجنود ومن ببابه من الوفود الذين إن أقرهم وتلك العادة وأجراهم على ذلك الأرب لم يبرح في فتق حادث وخلاف حاضر لا يصلح عليه دين ولا تستقيم به دنيا وإن طلب نغييره بعد استحكام العادة واستمرار الدربة لم يصل


65
إلى ذلك إلا بالعقوبة المفرطة والمئونة الشديدة والرأى للمهدى وفقه الله أن لا يقيل عثرتهم ولا يقبل معذرتهم حتى تطأهم الجيوش وتأخذهم السيوف ويستحر بهم القتل ويحدق بهم الموت ويحيط بهم البلاء ويطبق عليهم الذل فإن فعل المهدى بهم ذلك كان مقطعة لكل عادة سوء فيهم وهزيمة لكل بادرة شر منهم واحتمال المهدى في مئونة غزوتهم هذه تضع عنه غزوات كثيرة ونفقات عظيمة

فقال المهدى قد قال القوم فاحكم يا أبا الفضل 60-مقال العباس بن محمد فقال العباس بن محمد

أيها المهدى أما الموالى فأخذوا بفروع الرأى وسلكوا جنبات الصواب وتعدوا أمورا قصر بنظرهم عنها أنه لم تأت تجاربهم عليها وأما الفضل فأشار بالأموال ألا تنفق والجنود ألا تفرق وبأن لا يعطى القوم ما طلبوا ولا يبذل لهم ما سألوا وجاء بأمر بين ذلك استصغارا لأمرهم واستهانة بحربهم وإنما يهيج جسيمات الأمور صغارها

وأما على فأشار باللين وإفراط الرفق وإذا جرد الوالي لمن غمط أمره وسفه حقه اللين بحتا والخير محضا لم يخلطهما بشدة تعطف القلوب عن لينه ولا بشر يخبسهم إلى خيره فقد ملكهم الخلع لعذرهم ووسع لهم الفرجة لثنى أعناقهم فإن أجابوا دعوته وقبلوا لينه من غير حوف اضطرهم ولا شدة فنزوة في رءوسهم يستدعون بها البلاء إلى أنفسهم ويستصرخون بها رأى المهدى فيهم وإن لم يقبلوا دعوته ويسرعوا لإجابته باللين المحض والخير الصراح فذلك ما عليه الظن بهم والرأى فيهم وما قد يشبه أن يكون من مثلهم لأن الله تعالى خلق الجنة وجعل فيها


66
من النعيم المقيم والملك الكبير مالا يخطر على قلب بشر ولا تدركه الفكر ولا تعلمه نفس ثم دعا الناس إليها ورغبهم فيها فلولا أنه خلق نارا جعلها لهم رحمة يسوقهم بها إلى الجنة لما أجابوا ولا قبلوا

وأما موسى فأشار بأن يعصبوا بشدة لا لين فيها وأن يرموا بشر لا خير معه وإذا أضمر الوالي لمن فارق طاعته وخالف جماعته الخوف مفردا والشر مجردا وليس معهما طمع ولا لين يثنيهم اشتدت الأمور بهم وانقطعت الحال منهم إلى أحد أمرين إما أن تدخلهم الحمية من الشدة والأنفة من الذلة والامتعاض من القهر فيدعوهم ذلك إلى التمادى في الخلاف والاستبسال في القتال والاستسلام للموت وإما أن ينقادوا بالكره ويذعنوا بالقهر على بغضة لازمة وعداوة باقية تورث النفاق وتعقب الشقاق فإذا أمكنتهم فرصة أو ثابت لهم قدرة أو قويت لهم حال عاد أمرهم إلى أصعب وأغلظ وأشد مما كان

وقال في قول أبي الفضل أيها المهدي أكفى دليل وأوضح برهان وأبين خبر بأن قد أجمع رأيه وحزم نظره على الإرشاد ببعثة الجيوش إليهم وتوجيه البعوث نحوهم مع إعطائهم ما سألوا من الحق وإجابتهم إلى ما سألوه من العدل

قال المهدى ذلك رأي 61-مقال هرون بن المهدي

قال هرون

خلطت الشدة أيها المهدي باللين فصارت الشدة أمر فطام لما تكره وعاد اللين أهدى قائد إلى ما تحب ولكن أرى غير ذلك

قال المهدي لقد قلت قولا بديعا وخالفت فيه أهل بيتك جميعا والمرء


67
مؤتمن بما قال وظنين بما ادعى حتى يأتى ببينة عادلة وحجة ظاهرة فاخرج عماقلت قال هرون أيها المهدى إن الحرب خدعة والأعاجم قوم مكرة وربما اعتدلت الحال بهم واتفقت الأهواء منهم فكان باطن ما يسرون على ظاهر ما يعلنون وربما افترقت الحالان وخالف القلب اللسان فانطوى القلب على محجوبة تبطن واستسر بمدخولة لا تعلن والطبيب الرفيق بطبه البصير بأمره العالم بمقدم يده وموضع ميسمه لا يتعجل بالدواء حتى يقع على معرفة الداء فالرأى للمهدى وفقه الله أن يفر باطن أمرهم فر المسنة ويمخض ظاهر حالهم مخض السقاء بمتابعة الكتب ومظاهرة الرسل وموالاة العيون حتى تهتك حجب عيونهم وتكشف أغطية أمورهم فإن انفرجت الحال وأفضت الأمور به إلى تغيير حال أو داعية ضلال اشتملت الأهواء عليه وانقاد الرجال إليه وامتدت الأعناق نحوه بدين يعتقدونه وإثم يستحلونه عصبهم بشدة لا لين فيها ورماهم بعقوبة لاعفو معها وإن انفرجت العيون واهتصرت الستور ورفعت الحجب والحال فيهم مريعة والأمور بهم معتدلة في أرزاق يطلبونها وأعمال ينكرونها وظلامات يدعونها وحقوق يسألونها بماتة سابقتهم ودالة مناصحتهم فالرأى للمهدي وفقه الله أن يتسع لهم بما طلبوا ويتجافى لهم عما كرهوا ويشعب من أمرهم ما صدعوا ويرتق من فتقهم ما قطعوا ويولي عليهم من أحبوا ويداوى بذلك مرض قلوبهم وفساد أمورهم فإنما المهدى وأمته وسواد أهل مملكته بمنزلة الطبيب الرفيق والوالد الشفيق والراعى المجرب الذى يحتال لمرابض غنمه وضوال رعيته حتى يبرىء المريضة من داء علتها ويرد الصحيحة إلى أنس جماعتها ثم إن خراسان بخاصة
68
الذين لهم دالة محمولة وماتة مقبولة ووسيلة معروفة وحقوق واجبة لأنهم أيدي دولته وسيوف دعوته وأنصار حقه وأعوان عدله فليس من شأن المهدى الاضطغان عليهم ولا المؤاخذة لهم ولا التوعر بهم ولا المكافأة بإساءتهم لأن مبادرة حسم الأمور ضعيفة قبل أن تقوى ومحاولة قطع الأصول ضئيلة قبل أن تغلظ أحزم في الرأى وأصح في التدبير من التأخير لها والتهاون بها حتى يلتئم قليلها بكثيرها وتجتمع أطرافها إلى جمهورها

قال المهدى ما زال هرون يقع وقع الحيا حتى خرج خروج القدح من الماء وانسل انسلال السيف فيما ادعى فدعوا ما سبق موسى فيه أنه هو الرأى وثنى بعده هرون ولكن من لأعنة الخيل وسياسة الحرب وقيادة الناس إن أمعن بهم اللجاج وأفرطت بهم الدالة 62-مقال صالح بن على قال صالح

لسنا نبلغ أيها المهدى بدوام البحث وطول الفكر أدنى فراسة رأيك وبعض لحظات نظرك وليس ينفض عنك من بيوتات العرب ورجالات العجم ذو دين فاضل ورأى كامل وتدبير قوى تقلده حربك وتستودعه جندك ممن يحتمل الأمانة العظيمة ويضطلع بالأعباء الثقيلة وأنت بحمد الله ميمون النقيبة مبارك العزيمة مخبور التجارب محمود العواقب معصوم العزم فليس يقع اختيارك ولا يقف نظرك على أحد توليه أمرك وتسند إليه ثغرك إلا أراك الله ما تحب وجمع لك منه ما تريد


69

قال المهدى إنى لأرجو ذلك لقديم عادة الله فيه وحسن معونته عليه ولكن أحب الموافقة على الرأى والاعتبار للمشاورة في الأمر المهم 63-مقال محمد بن الليث قال محمد بن الليث أهل

خراسان أيها المهدى قوم ذوو عزة ومنعة وشياطين خدعة زروع الحمية فيهم نابتة وملابس الأنفة عليهم ظاهرة فالروية عنهم عازبة والعجلة فيهم حاضرة تسبق سيولهم مطرهم وسيوفهم عذلهم لأنهم بين سفلة لا يعدو مبلغ عقولهم منظر عيونهم وبين رؤساء لا يلجمون إلا بشدة ولا يفطمون إلا بالمر وإن ولى المهدى عليهم وضيعا لم تنقد له العظماء وإن ولى أمرهم شريفا تحامل على الضعفاء وإن أخر المهدى أمرهم ودافع حربهم حتى يصيب لنفسه من حشمه ومواليه أو بنى عمه أو بنى أبيه ناصحا يتفق عليه أمرهم وثقة تجتمع له أملاؤهم بلا أنفة تلزمهم ولا حمية تدخلهم ولا مصيبة تنفرهم تنفست الأيام بهم وتراخت الحال بأمرهم فدخل بذلك من الفساد الكبير والضياع العظيم مالا يتلافاه صاحب هذه الصفة وإن جد ولا يستصلحه وإن جهد إلا بعد دهر طويل وشر كبير وليس المهدى وفقه الله فاطما عاداتهم ولا قارعا صفاتهم بمثل أحد رجلين لا ثالث لهما ولا عدل في ذلك بهما أحدهما لسان ناطق موصول بسمعك ويد ممثلة لعينك وصخرة لا تزعزع وبهمة لا تثنى وبازل لا يفزعه صوت الجلجل نقى العرض نزيه النفس جليل الخطر اتضعت الدنيا عن قدره وسما نحو الاخرة


70
بهمته وجعل الغرض الأقصى لعينه نصبا والغرض الأدنى لقدمه موطئا فليس يقبل عملا ولايتعدى أملا وهو رأس مواليك وأنصح بنى أبيك رجل قد غذى بلطيف كرامتك ونبت في ظل دولتك ونشأ على قوائم أدبك فإن قلدته أمرهم وحملته ثقلهم وأسندت إليه ثغرهم كان قفلا فتحه أمرك وبابا أغلقه نهيك فجعل العدل عليه وعليهم أميرا والإنصاف بينه وبينهم حاكما وإذا أحكم المنصفة وملك المعدلة فأعطاهم مالهم وأخذ منهم ما عليهم غرس لك في الذى بين صدورهم وأسكن لك في السويداء داخل قلوبهم طاعة راسخة العروق باسقة الفروع متماثلة في حواشي عوامهم متمكنة من قلوب خواصهم فلا يبقى فيهم ريب إلا نفوه ولا يلزمهم حق إلا أدوه وهذا أحدهما والآخر عود من غيضتك ونبعة من أرومتك فتى السن كهل الحلم راجح العقل محمود الصرامة مأمون الخلاف يجرد فيهم سيفه ويبسط عليهم خيره بقدر ما يستحقون وعلى حسب ما يستوجبون وهو فلان أيها المهدى فسلطه أعزك الله عليهم ووجهه بالجيوش إليهم ولا تمنعك ضراعة سنة وحداثة مولده فإن الحلم والثقة مع الحداثة خير من الشك والجهل مع الكهولة وإنما أحداثكم أهل البيت فيما طبعكم الله عليه واختصكم به من مكارم الأخلاق ومحامد الفعال ومحاسن الأمور وصواب التدبير وصرامة الأنفس كفراخ عتاق الطير المحكمة لأخذ الصيد بلا تدريب والعارفة لوجوه النفع بلا تأديب فالحلم والعلم والعزم والحزم والجود والتودة والرفق ثابت في صدوركم مزروع في قلوبكم مستحكم لكم متكامل عندكم بطبائع لازمة وغرائز ثابتة
71
مقال معاوية بن عبد الله قال معاوية بن عبد الله

أفتاء أهل بيتك أيها المهدى في الحلم على ما ذكر وأهل خراسان في حال عز على ما وصف ولكن إن ولي المهدى عليهم رجلا ليس بقديم الذكر في الجنود ولا بنبيه الصوت في الحروب ولا بطويل التجربة للأمور ولا بمعروف السياسة للجيوش والهيبة في الأعداء دخل ذلك أمران عظيمان وخطران مهولان أحدهما أن الأعداء يغتمزونها منه ويحتقرونها فيه ويجترئون بها عليه في النهوض به والمقارعة له والخلاف عليه قبل ما حين الاختبار لأمره والتكشف لحاله والعلم بطباعة والأمر الآخر أن الجنود التي يقود والجيوش التي يسوس إذا لم يختبروا منه البأس والنجدة ولم يعرفوه بالصوت والهيبة انكسرت شجاعتهم وماتت نجدتهم واستأخرت طاعتهم إلى حين اختبارهم ووقوع معرفتهم وربما وقع البوار قبل الاختبار وبباب المهدى وفقه الله رجل مهيب نبيه حنيك صيت له نسب زاك وصوت عال قد قاد الجيوش وساس الحروب وتألف أهل خراسان واجتمعوا عليه بالمقة ووثقوا به كل الثقة فلو ولاه المهدى أمرهم لكفاه الله شرهم

قال المهدى جانبت قصد الرمية وأبيت إلا عصبية إذ رأى الحدث من أهل بيتنا كرأى عشرة حلماء من غيرنا ولكن أين تركتم ولي العهد

قالوا لم يمنعنا من ذكره إلا كونه شبيه جده ونسيج وحده ومن الدين وأهله بحيث يقصر القول عن أدنى فضله ولكن وجدنا الله عز وجل حجب عن


72
خلقه وستر دون عباده علم ما تختلف به الأيام ومعرفة ما تجرى عليه المقادير من حوادث الأمور وريب المنون المخترمة لخوالي القرون ومواضي الملوك فكرهنا شسوعه عن محلة الملك ودار السلطان ومقر الإمامة والولاية وموضع المدائن والخزائن ومستقر الجنود ومعدن الجود ومجمع الأموال التي جعلها الله قطبا لمدار الملك ومصيدة لقلوب الناس ومثابة لإخوان الطمع وثوار الفتن ودواعى البدع وفرسان الضلال وأبناء الموت وقلنا إن وجه المهدي ولي عهده فحدث في جيوشه وجنوده ما قد حدث بجنود الرسل من قبله لم يستطع المهدي أن يعقبهم بغيره إلا أن ينهض إليهم بنفسه وهذا خطر عظيم وهول شديد إن تنفست الأيام بمقامه واستدارت الحال بإمامه حتى يقع عوض لا يستغنى عنه أو يحدث أمر لا بد منه صار ما بعده مما هو أعظم هولا وأجل خطرا له تبعا وبه متصلا 65-مقال المهدي قال المهدي

الخطب أيسر مما تذهبون إليه وعلى غير ما تصفون الأمر عليه نحن أهل البيت نجرى من أسباب القضايا ومواقع الأمور على سابق من العلم ومحتوم من الأمر قد أنبأت به الكتب وتنبأت عليه الرسل وقد تناهى ذلك بأجمعه إلينا وتكامل بحذافيره عندنا فبه ندبر وعلى الله نتوكل إنه لا بد لولي عهدي وولي عهد عقبي بعدي أن يقود إلى خراسان البعوث ويتوجه نحوها بالجنود أما الأول فإنه يقدم إليهم رسله ويعمل فيهم حيله ثم يخرج نشيطا إليهم حنقا


73
عليهم يريد أن لا يدع أحدا من إخوان الفتن ودواعى البدع وفرسان الضلال إلا توطأه بحر القتل وألبسه قناع القهر وقلده طوق الذل ولا أحدا من الذين عملوا في قص جناح الفتنة وإخماد نار البدعة ونصرة ولاة الحق إلا أجرى عليهم ديم فضله وجداول نهله فإذا خرج مزمعا به مجمعا عليه لم يسر إلا قليلا حتى يأتيه أن قد عملت حيله وكدحت كتبه ونفذت مكايده فهدأت نافرة القلوب ووقعت طائرة الأهواء واجتمع عليه المختلفون بالرضا فيميل نظرا لهم وبرا بهم وتعطفا عليهم إلى عدو قد أخاف سبيلهم وقطع طريقهم ومنع حجاجهم بيت الله الحرام وسلب تجارهم رزق الله الحلال وأما الاخر فإنه يوجه إليهم ثم تعتقد له الحجة عليهم بإعطاء ما يطلبون وبذل ما يسألون فإذا سمحت الفرق بقراباتها له وجنح أهل النواحى بأعناقهم نحوه فأصغت إليه الأفئدة واجتمعت له الكلمة وقدمت عليه الوفود قصد لأول ناحية بخعت بطاعتها وألقت بأزمتها فألبسها جناح نعمته وأنزلها ظل كرامته وخصها بعظيم حبائه ثم عم الجماعة بالمعدلة وتعطف عليهم بالرحمة فلا تبقى فيهم ناحية دانية ولا فرقة قاصية إلا دخلت عليها بركته ووصلت إليها منفعته فأغنى فقيرها وجبر كسيرها ورفع وضيعها وزاد رفيعها ما خلا ناحيتين ناحية يغلب عليها الشقاء وتستميلهم الأهواء فتستخف بدعوته وتبطئ عن إجابته وتتثاقل عن حقه فتكون أخر من يبعث وأبطأ من يوجه فيصطلى عليها موجدة ويبتغى لها علة لا يلبث يجد بحق يلزمهم وأمر يجب عليهم فتستلحمهم الجيوش وتأكلهم السيوف ويستحر بهم القتل ويحيط بهم الأمر ويفنيهم التتبع حتى يخرب البلاد ويوتم الأولاد وناحية لا يبسط لهم أمانا ولا يقبل لهم عهدا ولا يجعل لهم ذمة لأنهم أول من فتح باب الفرقة
74
وتدرع جلباب الفتنة وربض في شق العصا ولكنه يقتل أعلامهم ويأسر قوادهم ويطلب هرابهم في لجج البحار وقلل الجبال وحميل الأودية وبطون الأرض تقتيلا وتغليلا وتنكيلا حتى يدع الدنيا خرابا والنساء أيامي وهذا أمر لا نعرف له في كتبنا وقتا ولا نصحح منه غير ما قلنا تفسيرا وأما موسى ولي عهدي فهذا أوان توجهه إلى خراسان وحلوله بجرجان وما قضى الله له من الشخوص إليها والمقام فيها خير للمسلمين مغبة وله بإذن الله عاقبة من المقام بحيث يغمر في لجج بحورنا ومدافع سيولنا ومجامع أمواجنا فيتصاغر عظيم فضله ويتذاءب مشرق نوره ويتقلل كثير ما هو كائن منه فمن يصحبه من الوزراء ويختار له من الناس 66-مقال محمد بن الليث قال محمد بن الليث

أيها المهدي إن ولي عهدك أصبح لأمتك وأهل ملتك علما قد تئنت نحوه أعناقها ومدت سمته أبصارها وقد كان لقرب داره منك ومحل جواره لك عطل الحال غفل الأمر واسع العذر فأما إذا انفرد بنفسه وخلا بنظره وصار إلى تدبيره فإن من شأن العامة أن تتفقد مخارج رأيه وتستنصت لمواقع اثاره وتسأل عن حوادث أحواله في بره ومرحمته وإقساطه ومعدلته وتدبيره وسياسته ووزرائه وأصحابه ثم يكون ما سبق إليهم أغلب الأشياء عليهم وأملك الأمور بهم وألزمها لقلوبهم وأشدها استمالة لرأيهم وعطفا لأهوائهم فلا يفتأ المهدى وفقه الله ناظرا له فيما يقوى عمد مملكته ويسدد أركان ولايته


75
ويستجمع رضا أمته بأمر هو أزين لحاله وأظهر لجماله وأفضل مغبة لأمره وأجل موقعا في قلوب رعيته وأحمد حالا في نفوس أهل ملته ولا أدفع مع ذلك باستجماع الأهواء له وأبلغ في استعطاف القلوب عليه من مرحمة تظهر من فعله ومعدله تنتشر عن أثره ومحبة للخير وأهله وأن يختار المهدى وفقه الله من خيار أهل كل بلدة وفقهاء أهل كل مصر أقواما تسكن العامة إليهم إذا ذكروا وتأنس الرعية بهم إذا وصفوا ثم تسهل لهم عمارة سبل الإحسان وفتح باب المعروف كما قد كان فتح له وسهل عليه

قال المهدي صدقت ونصحت ثم بعث في ابنه موسى فقال 67-مقال المهدي

أي بني إنك قد أصبحت لسمت وجوه العامة نصبا ولمثنى أعطاف الرعية غاية فحسنتك شاملة وإساءتك نائية وأمرك ظاهر فعليك بتقوى الله وطاعته فاحتمل سخط الناس فيهما ولا تطلب رضاهم بخلافهما فإن الله عز وجل كافيك من أسخطه عليك إيثارك رضاه وليس بكافيك من يسخطه عليك إيثارك رضا من سواه ثم اعلم أن لله تعالى في كل زمان فترة من رسله وبقايا من صفوة خلقه وخبايا لنصرة حقه يجدد حبل الإسلام بدعواهم ويشيد أركان الدين بنصرتهم ويتخذ لأولياء دينه أنصارا وعلى إقامة عدله أعوانا يسدون الخلل ويقيمون الميل ويدفعون عن الأرض الفساد وإن أهل خراسان أصبحوا أيدى دولتنا وسيوف دعوتنا الذين نستدفع المكاره بطاعتهم ونستصرف نزول العظائم بمناصحتهم وندافع ريب الزمان بعزائمهم ونراحم ركن الدهر ببصائرهم وهم عماد الأرض إذا أرجف كنفها وخوف الأعداء إذا برزت صفحتها وحصون الرعية إذا تضايقت الحال بها قد مضت لهم وقائع صادقات ومواطن صالحات أخمدت نيران


76
الفتن وقسمت دواعى البدع وأذلت رقاب الجبارين ولم ينفكوا كذلك ماجروا مع ريح دولتنا وأقاموا في ظل دعوتنا واعتصموا بحبل طاعتنا التي أعز الله بها ذلتهم ورفع بها ضعتهم وجعلهم بها أربابا في أقطار الأرض وملوكا على رقاب العالمين بعد لباس الذل وقناع الخوف وإطباق البلاء ومخالفة الأسى وجهد البأس والضر فظاهر عليهم لباس كرامتك وأنزلهم في حدائق نعمتك ثم اعرف لهم حق طاعتهم ووسيلة دالتهم وماتة سابقتهم وحرمة مناصحتهم بالإحسان إليهم والتوسعة عليهم والإثابة لمحسنهم والإقالة لمسيئهم

أي بني ثم عليك العامة فاستدع رضاها بالعدل عليها واستجلب مودتها بالإنصاف لها وتحسن بذلك لربك وتوثق به في عين رعيتك واجعل عمال العذر وولاة الحجج مقدمة بين يدى عملك ونصفة منك لرعيتك وذلك أن تأمر قاضي كل بلد وخيار أهل كل مصر أن يختاروا لأنفسهم رجلا توليه أمرهم وتجعل العدل حاكما بينه وبينهم فإن أحسن حمدت وإن أساء عذرت هؤلاء عمال العذر وولاة الحجج فلا يسقطن عليك ما في ذلك إذا انتشر في الآفاق وسبق إلى الأسماع من انعقاد ألسنة المرجفين وكبت قلوب الحاسدين وإطفاء نيران الحروب وسلامة عواقب الأمور ولا ينفكن في ظل كرامتك نازلا وبعرا حبلك متعلقا رجلان أحدهما كريمة من كرائم رجالات العرب وأعلام بيوتات الشرف له أدب فاضل وحلم راجح ودين صحيح والاخر له دين غير مغموز وموضع غير مدخول بصير بتقليب الكلام وتصريف الرأى وأنحاء العرب ووضع الكتب عالم بحالات الحروب وتصاريف الخطوب يضع ادابا نافعة وآثارا باقية من محاسنك وتحسين أمرك وتحلية ذكرك فتستشيره في حربك وتدخله في أمرك فرجل أصبته كذلك فهو يأوي إلي محلتي ويرعى في خضرة جناني ولا تدع أن تختار لك من فقهاء البلدان وخيار الأمصار أقواما يكونون جيرانك وسمارك وأهل


77
مشاورتك فيما تورد وأصحاب مناظرتك فيما تصدر فسر على بركة الله أصحبك الله من عونه وتوفيقه دليلا يهدى إلى الصواب قلبك وهاديا ينطق بالخير لسانك

وكتب في شهر ربيع الاخر سنة سبعين ومائة ببغداد 68-ابن عتبة يعزى المهدى ويهنئه لما توفى المنصور دخل ابن عتبة مع الخطباء على المهدى فسلم فقال

اجر الله أمير المؤمنين على أمير المؤمنين قبله وبارك الله لأمير المؤمنين فيما خلفه له أمير المؤمنين بعده فما مصيبة أعظم من فقد أمير المؤمنين ولا عقبى أفضل من وراثه مقام أمير المؤمنين فاقبل يا أمير المؤمنين من الله أفضل العطية واحتسب عند الله أفضل الرزية 69-يعقوب بن داود يستعطف المهدى

لما سخط المهدى على وزيره يعقوب بن داود أحضره فقال يا يعقوب قال لبيك يا أمير المؤمنين تلبية مكروب لموجدتك شرق بغصتك قال


78
ألم أرفع قدرك وأنت خامل وأسير ذكرك وأنت هامل وألبسك من نعم الله تعالى ونعمى ما لم أجد عندك طاقة لحمله ولا قياما بشكره فكيف رأيت الله تعالى أظهر عليك ورد كيدك إليك

قال يا أمير المؤمنين إن كنت قلت هذا بتيقن وعلم فإني معترف وإن كان بسعاية الباغين ونمائم المعاندين فأنت أعلم بأكثرها وأنا عائذ بكرمك وعميم شرفك

فقال لولا الحنث في دمك لألبستك قميصا لاتشد عليه أزرارا ثم أمر به إلى السجن فتولى وهو يقول الوفاء يا أمير المؤمنين كرم والمودة رحم وما على العفو ندم وأنت بالعفو جدير وبالمحاسن خليق فأقام في السجن إلى أن أخرجه الرشيد 70-رجل من أهل خراسان يخطب بحضرة المهدي

وقدم على المهدى رجل من أهل خراسان فقال أطال الله بقاء أمير المؤمنين إنا قوم نأينا عن العرب وشغلتنا الحروب عن الخطب وأمير المؤمنين يعلم طاعتنا وما فيه مصلحتنا فيكتفي منا باليسير عن الكثير ويقتصر على ما في الضمير دون التفسير فقال المهدي أنت أخطب من سمعته


79
71-مقام صالح بن عبد الجليل بين يدي المهدي

دخل صالح بن عبد الجليل على المهدى فسأله أن يأذن له في الكلام فقال تكلم فقال

إنه لما سهل علينا ما توعر على غيرنا من الوصول إليك قمنا مقام الأداء عنهم وعن رسول الله بإظهار ما فى أعناقنا من فريضة الأمر والنهى عن انقطاع عذر الكتمان ولا سيما حين اتسمت بميسم التواضع ووعدت الله وحملة كتابه إيثار الحق على ما سواه فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص ليتم مؤدينا على موعود الأداء عنهم وقابلنا على موعود القبول أو يزيدنا تمحيص الله إيانا في اختلاف السر والعلانية ويحلينا حلية الكذابين فقد كان أصحاب رسول الله يقولون من حجب الله عنه العلم عذبه على الجهل وأشد منه عذابا من أقبل إليه العلم وأدبر عنه ومن أهدى الله إليه علما فلم يعمل به فقد رغب عن هدية الله وقصر بها فاقبل ما أهدى الله إليك من ألسنتنا قبول تحقيق وعمل لا قبول سمعة ورياء فإنه لا يعدمك منا إعلام لما تجهل أو مواطأة على ما تعلم أو تذكير لك من غفلة فقد وطن الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام على نزولها تعزية عما فات وتحصينا من التمادى ودلالة على المخرج فقال ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) فأطلع الله على قلبك بما ينور الله به القلوب من إيثار الحق ومنابذة الأهواء فإنك إن لم تفعل ذلك ير أثرك وأثر الله عليك فيه ولا حول ولاقوة إلا بالله


80
72- عظة شبيب بن شيبة للمهدى

وقال شبيب بن شيبة للمهدى يا أمير المؤمنين إن الله إذ قسم الأقسام في الدنيا جعل لك أسناها وأعلاها فلا ترض لنفسك من الاخرة إلا مثل مارضى لك به من الدنيا فأوصيك بتقوى الله فعليكم نزلت ومنكم أخذت وإليكم ترد 73-خطبته في تعزية المهدى بابنته

لما ماتت البانوقة بنت المهدى جزع عليها جزعا لم يسمع بمثله فجلس للناس يعزونه وأمر ألا يحجب عنه أحد فأكثر الناس في التعازى واجتهدوا في البلاغة وفي الناس من ينتقد هذا عليهم من أهل العلم والأدب فأجمعوا على أنهم لم يسمعوا تعزيه أوجز ولا أبلغ من تعزية شبيب بن شيبة فإنه قال

أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجرا وأعقبك صبرا ولا أجهد الله بلاءك بنقمة ولا نزع منك نعمة ثواب الله خير لك منها ورحمة الله خير لها منك وأحق ماصبر عليه مالا سبيل إلى رده 74-خطبة اخرى له في مدح الخليفة

قيل لبعض الخلفاء إن شبيب بن شيبة يستعمل الكلام ويستعد له فلو أمرته أن يصعد المنبر فجأة لرجوت أن يفتضح فأمر رسولا فأخذ بيده إلى المسجد فلم يفارقه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي حق الصلاة عليه ثم قال


81

ألا إن لأمير المؤمنين أشباها أربعة الأسد الخادر والبحر الزاخر والقمر الباهر والربيع الناضر فأما الأسد الخادر فأشبه منه صولته ومضاءه وأما البحر الزاخر فأشبه منه جوده وعطاءه وأما القمر الباهر فأشبه منه نوره وضياءه وأما الربيع الناضر فأشبه منه حسنه وبهاءه ثم نزل وأنشأ يقول

( وموقف مثل حد السيف قمت به أحمى الذمار وترمينى به الحدق )

( فما زلقت وما ألقيت كاذبة إذا الرجال على أمثاله زلقوا ) 75-كلمات لشبيب بن شيبة

وقال شبيب اطلب الأدب فإنه دليل على المروءة وزيادة في العقل وصاحب في الغربة وصلة في المجلس

وقال للمهدى يوما أراك الله في بنيك ما أرى أباك فيك وأرى الله بنيك فيك ما أراك في أبيك

وخرج من دار الخلافة يوما فقال له قائل كيف رأيت الناس قال رأيت الداحل راجيا والخارج راضيا 76-خطبة يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب يوم ولى الرشيد الخلافة

روى الطبرى قال لما كانت الليلة التي توفى فيها موسى الهادى أخرج هرثمة ابن أعين هرون الرشيد ليلا فأقعده للخلافة فدعا هرون يحيى بن خالد بن برمك


82
وكان محبوسا وقد كان عزم موسى على قتله وقتل هرون الرشيد في تلك الليلة فحضر يحيى وتقلد الوزارة ووجه إلى يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب فأحضره وأمره بإنشاء الكتب فلما كان غداة تلك الليلة وحضر القواد قام يوسف ابن القاسم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد ثم قال

إن الله بمنة ولطفه من عليكم معاشر أهل بيت نبيه بيت الخلافة ومعدن الرسالة وإياكم أهل الطاعة من أنصار الدولة وأعوان الدعوة من نعمه التي لا تحصى بالعدد ولا تنقضى مدى الأبد وأياديه التامة أن جمع ألفتكم وأعلى أمركم وشد عضدكم وأوهن عدوكم وأظهر كلمة الحق وكنتم أولى بها وأهلها فأعزكم الله وكان الله قويا عزيزا فكنتم أنصار دين الله المرتضى والذابين بسيفه المنتضى عن أهل بيت نبيه اوبكم استنقذهم من أيدى الظلمة أئمة الجور والناقضين عهد الله والسافكين الدم الحرام والآكلين الفىء والمستأثرين به فاذكروا ما أعطاكم الله من هذه النعمة واحذروا أن تغيروا فيغير بكم وإن الله جل وعز استأثر بخليفته موسى الهادى الإمام فقبضه إليه وولى بعده رشيدا مرضيا أمير المؤمنين بكم رءوفا رحيما من محسنكم قبولا وعلى مسيئكم بالعفو عطوفا وهو أمتعه الله بالنعمة وحفظ له ما استرعاه إياه من أمر الأمة وتولاه بما تولى به أولياءه وأهل طاعته يعدكم من نفسه الرأفة بكم والرحمة لكم وقسم أعطياتكم فيكم عند استحقاقكم ويبذل لكم من الجائزة مما أفاء الله على الخلفاء مما في بيوت المال ما ينوب عن رزق كذا وكذا شهرا غير مقاض لكم بذلك فيما تستقبلون من أعطياتكم وحاملا باقى ذلك للدفع عن حريمكم وما لعله أن يحدث في النواحى والأقطار من


83
العصاة المارقين إلى بيوت الأموال حتى تعود الأموال إلى جمامها وكثرتها والحال التي كانت عليها فاحمدوا الله وجددوا شكرا يوجب لكم المزيد من إحسانه إليكم بما جدد لكم من رأى أمير المؤمنين وتفضل به عليكم أيده الله بطاعته وارغبوا إلى الله له في البقاء ولكم به في إدامة النعماء لعلكم ترحمون وأعطوا صفقة أيمانكم وقوموا إلى بيعتكم حاطكم الله وحاط عليكم وأصلح بكم وعلى أيديكم وتولاكم ولاية عباده الصالحين 77-خطبة هرون الرشيد توفى سنة 193ه

الحمد لله نحمده على نعمه ونستعينه على طاعته ونستنصره على أعدائه ونؤمن به حقا ونتوكل عليه مفوضين إليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه على فترة من الرسل ودروس من العلم وإدبار من الدنيا وإقبال من الاخرة بشيرا بالنعيم المقيم ونذيرا بين يدى عذاب أليم فبلغ الرسالة ونصح الأمة وجاهد في الله فأدى عن الله وعده ووعيده حتى أتاه اليقين فعلى النبى من الله صلاة ورحمة وسلام

أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإن في التقوى تكفير السيئات وتضعيف الحسنات وفوزا بالجنة ونجاة من النار وأحذركم يوما تشخص فيه الأبصار وتعلن فيه الأسرار يوم البعث ويوم التغابن ويوم التلاق ويوم التناد يوم لا يستعتب من سيئة ولا يزداد من حسنة يوم الازفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين


84
وما تخفى الصدور واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون

عباد الله إنكم لم تخلقوا عبثا ولن تتركوا سدى حصنوا إيمانكم بالأمانة ودينكم بالورع وصلاتكم بالزكاة فقد جاء في الخبر أن النبي قال لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ولا صلاة لمن لا زكاة له إنكم سفر مجتازون وأنتم عن قريب تنقلون من دار فناء إلى دار بقاء فسارعوا إلى المغفرة بالتوبة وإلى الرحمة بالتقوى وإلى الهدى بالأمانة فإن الله تعالى ذكره أوجب رحمته للمتقين ومغفرته للتائبين وهداه للمنيبين قال الله عز وجل وقوله الحق ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة وقال ( وإني لغفار لمن تاب وامن وعمل صالحا ثم اهتدى ) وإياكم والأمانى فقد غرت وأردت وأوبقت كثيرا حتى أكذبتهم مناياهم فتناوشوا التوبة من مكان بعيد وحيل بينهم وبين ما يشتهون فأخبركم ربكم عن المثلاث فيهم وصرف الآيات وضرب الأمثال فرغب بالوعد وقدم إليكم الوعيد وقد رأيتم وقائعهم بالقرون الخوالى جيلا فجيلا وعهدتم الاباء والأبناء والأحبة والعشائر باحتطاف الموت إياهم من بيوتكم ومن بين أطهركم لا تدفعون عنهم ولا تحولون دونهم فزالت عنهم الدنيا وانقطعت بهم الأسباب فأسلمتهم إلى أعمالهم عند المواقف والحساب والعقاب ( ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى ) إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله يقول الله عز وجل ( وإذا قرئ القران فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم ( قل هو الله أحد


85
الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) آمركم بما أمركم الله به وأنهاكم عما نهاكم عنه وأستغفر الله لى ولكم 78-وصية الرشيد لمؤدب ولده الأمين ووصى الرشيد مؤدب ولده الأمين فقال

يأحمر إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين أقرئه القرآن وعرفه الأخبار وروه الأشعار وعلمه السنن وبصره بمواقع الكلام وبدئه وامنعه من الضحك إلا فى أوقاته وخذه بتعظيم مشايخ بنى هاشم إذا دخلوا عليه ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ولا تمعن في مسامحته فيستحلى الفراغ ويألفه وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة 79-خطبة لجعفر بن يحيى البرمكى قتل سنة 187ه

وهاجت العصبية بالشأم بين أهلها في عهد الرشيد سنة 180ه وتفاقم أمرها فاغتم لذلك الرشيد وعقد لجعفر بن يحيى على الشأم وقال له إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا فقال له جعفر بل أقيك بنفسى فشخص في جلة القواد والكراع والسلاح فأتاهم فأصلح بينهم وقتل زواقيلهم والمتلصصة منهم ولم يدع بها رمحا ولا فرسا فعادوا إلى الأمن والطمأنينة وأطفأ تلك النائرة


86
فلما قدم على الرشيد دخل عليه فقبل يديه ورجليه ثم مثل بين يديه فقال

الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي أنس وحشتي وأجاب دعوتي ورحم تضرعي وأنسأ في أجلي حتى أراني وجه سيدي وأكرمني بقربه وامتن على بتقبيل يده وردني إلى خدمته فوالله إن كنت لأذكر غيبتي عنه ومخرجى والمقادير التي أزعجتنى فأعلم أنها كانت بمعاص لحقتنى وخطايا أحاطت بى ولو طال مقامي عنك يا أمير المؤمنين جعلني الله فذاك لخفت أن يذهب عقلي إشفاقا على قربك وأسفا على فراقك وأن يعجل بى عن إذنك الاشتياق إلى رؤيتك والحمد لله الذى عصمنى في حال الغيبة وأمتعنى بالعافية وعرفنى الإجابة ومسكني بالطاعة وحال بيني وبين استعمال المعصية فلم أشخص إلا عن رأيك ولم أقدم إلا عن إذنك وأمرك ولم يختر منى أجل دونك والله يا أمير المؤمنين فلا أعظم من اليمين بالله لقد عاينت ما لو تعرض لى الدنيا كلها لاخترت عليها قربك ولما رأيتها عوضا من المقام معك ثم قال له بعقب هذا الكلام في هذا المقام

إن الله يا أمير المؤمنين لم يزل يبليك في خلافتك بقدر ما يعلم من نيتك ويريك في رعيتك غاية أمنيتك فيصلح لك جماعتهم ويجمع ألفتهم ويلم شعثهم حفظا لك فيهم ورحمة لهم وإنما هذا للتمسك بطاعتك والاعتصام بحبل مرضاتك والله المحمود على ذلك وهو مستحقه وفارقت يا أمير المؤمنين أهل كور الشأم وهم منقادون لأمرك نادمون على ما فرط من معصيتهم لك متمسكون بحبلك نازلون على حكمك طالبون لعفوك واثقون بحلمك مؤملون فضلك امنون بادرتك حالهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم وحالهم في ألفتهم كحالهم


87
كانت في امتناعهم وعفو أمير المؤمنين عنهم وتغمده لهم سابق لمعذرتهم وصلة أمير المؤمنين لهم وعطفه عليهم متقدم عنده لمسألتهم وايم الله يا أمير المؤمنين لئن كنت قد شخصت عنهم وقد أحمد الله شرارهم وأطفأ نارهم ونفى مراقهم وأصلح دهماءهم وأولانى الجميل فيهم ورزقني الانتصار منهم فما ذلك كله إلا ببركتك ويمنك وريحك ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة وتخوفهم منك ورجائهم لك والله يا أمير المؤمنين ما تقدمت إليهم إلا بوصيتك وما عاملتهم إلا بأمرك ولا سرت فيهم إلا على حد ما مثلته لي ورسمته ووقفتني عليه ووالله ما انقادوا إلا لدعوتك وتوحد الله بالصنع لك وتخوفهم من سطوتك وما كان الذي كان مني وإن كنت قد بذلت جهدى وبلغت مجهودى قاضيا بعض حقك على بل ما ازدادت نعمتك على عظما إلا ازددت عن شكرك عجزا وضعفا وما خلق الله أحدا من رعيتك أبعد من أن يطمع نفسه في قضاء حقك مني وما ذلك إلا أن أكون باذلا مهجتىفي طاعتك وكل ما يقرب إلى موافقتك ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف مثلها عند غيرى فكيف بشكرى وقد أصبحت واحد أهل دهري فيما صنعته في وبي أم كيف بشكري وإنما أقوي على شكرك بإكرامك إياي وكيف بشكري ولو جعل الله شكري في إحصاء ما أو ليتنى لم يأت على ذلك عدي وكيف بشكري وأنت كهفى دون كل كهف لي وكيف بشكري وأنت لا ترضي لي ما أرضاه لى وكيف بشكري وأنت تجدد من نعمتك عندي ما يستغرق كل ما سلف عندك لي أم كيف بشكري وأنت تنسيني ما تقدم من إحسانك إلى بما تجدده لي أم كيف بشكري وأنت
88
تقدمنى بطولك على جميع أكفائى أم كيف بشكري وأنت ولي أم كيف بشكرى وأنت المكرم لى وأنا أسأل الله الذى رزقنى ذلك منك من غير استحقاق له إذ كان الشكر مقصرا عن بلوغ تأدية بعضه بل دون شقص من عشر عشيرة أن يتولى مكافأتك عني بما هو أوسع له وأقدر عليه وأن يقضي عني حقك وجليل منتك فإن ذلك بيده وهو القادر عليه 80-استعطاف أم جعفر بن يحيى للرشيد روى صاحب العقد قال

كانت أم جعفر بن يحيى وهي فاطمة بنت محمد بن الحسين بن قحطبة أرضعت الرشيد مع جعفر لأنه كان ربى في حجرها وغذى برسلها لأن أمه ماتت عن مهده فكان الرشيد يشاورها مظهرا لإكرامها والتبرك برأيها وكان الى وهو في كفالتها أن لا يحجبها ولا استشفعته لأحد إلا شفعها والت عليه أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونا لها ولا شفعت لأحد مقترف ذنبا فكم أسير فكت ومبهم عنده فتحت ومستغلق منه فرجت واحتجب الرشيد بعد قدومه فطلبت الإذن عليه من دار الباقونة ومتت بوسائلها إليه فلم يأذن لها ولا أمر بشيء فيها فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها واضعة لثامها محتفية في مشيها حتى صارت بباب قصر الرشيد فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب


89
فقال ظئر أمير المؤمنين بالباب في حالة تقلب شمانة الحاسد إلى شفقة أم الواحد فقال الرشيد ويحك يا عبد الملك أو ساعية قال نعم يا أمير المؤمنين حافية قال أدخلها يا عبد الملك فرب كبد غذتها وكربة فرجتها وعورة سترتها فدخلت فلما نظر الرشيد إليها داخلة محتفية قام محتفيا حتى تلقاها بين عمد المجلس وأكب على تقبيل رأسها ومواضع ثدييها ثم أجلسها معه فقالت يا أمير المؤمنين أيعدو علينا الزمان ويجفونا خوفا لك الأعوان ويحردك بنا البهتان وقد ربيتك في حجرى وأخذت برضاعك الأمان من عدوي ودهري فقال لها وما ذلك يا أم الرشيد قالت ظئرك يحيى وأبوك بعد أبيك ولا أصفه بأكثر مما عرفه به أمير المؤمنين من نصيحته وإشفاقه عليه وتعرضه للحتف في شأن موسى أخيه قال لها يا أم الرشيد أمر سبق وقضاء حم وغضب من الله نفذ قالت يا أمير المؤمنين يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب قال صدقت فهذا مما لم يمحه الله فقالت الغيب محجوب عن النبيين فكيف عنك يا أمير المؤمنين فأطرق الرشيد مليا ثم قال
90

( وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع ) فقالت بغير روية ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين وقد قال الأول

( وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد دخرا يكون كصالح الأعمال )

هذا بعد قول الله عز وجل ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) فأطرق هرون مليا ثم قال يا أم الرشيد أقول

( إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد إليه بوجه آخر الدهر تقبل ) فقالت يا أمير المؤمنين وأقول

( ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني يمينك فانظر أي كف تبدل )

قال هرون رضيت قالت فهبه لي يا أمير المؤمنين فقد قال رسول الله من ترك شيئا لله لم يوجده الله لفقده فأكب هرون مليا ثم رفع رأسه يقول لله الأمر من قبل ومن بعد قالت يا أمير المؤمنين ( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ) واذكر يا أمير المؤمنين أليتك ما استشفعت إلا شفعتني قال واذكري يا أم الرشيد أليتك أن لا شفعت لمقترف ذنبا فلما رأته صرح بمنعها ولاذ عن مطلبها أخرجت حقا من زمردة خضراء فوضعته بين يديه فقال الرشيد ما هذا ففتحت عنه قفلا من ذهب فأخرجت منه خفضته وذوائبه وثناياه قد غمست جميع ذلك في المسك فقالت يا أمير المؤمنين أستشفع إليك وأستعين بالله عليك


91
وبما صار معي من كريم جسدك وطيب جوارحك ليحيى عبدك فأخذ هرون ذلك فلثمه ثم استعبر وبكى بكاء شديدا وبكى أهل المجلس ومر البشير إلى يحيى وهو لا يظن إلا أن البكاء رحمة له ورجوع عنه فلما أفاق رمى جميع ذلك في الحق وقال لها لحسن ما حفظت الوديعة قالت وأهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين فسكت وأقفل الحق ودفعه إليها وقال ( إن الله يأمركم أن تودوا الأمانات إلى أهلها ) قالت والله يقول ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) ويقول ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) ثم قال وما ذلك يا أم الرشيد قالت أو ما أقسمت لي به ألا تحجبني ولا تمتهنني قال أحب يا أم الرشيد أن نشتريه محكمة فيه قالت أنصفت يا أمير المؤمنين وقد فعلت غير مستقيلة لك ولا راجعة عنك قال بكم قالت برضاك عمن لم يسخطك قال يا أم الرشيد أما لي عليك من الحق مثل الذي لهم قالت بلي يا أمير المؤمنين أنت أعز على وهم أحب إلى قال فتحكمي في تمنية بغيرهم قالت بلي قد وهبتكه وجعلتك في حل منه وقامت عنه وبقى مبهوتا ما يحير لفظه 81-خطبة يزيد بن مزيد الشيباني

لما رضي الرشيد عن يزيد بن مزيد أذن له بالدخول عليه فلما مثل بين يديه قال يا أمير المؤمنين الحمد لله الذى سهل لي سبيل الكرامة بلقائك ورد علي


92
النعمة بوجه الرضا منك وكشف عنى ضبابة الكرب بإفضالك وجزاك الله يا أمير المؤمنين في حال سخطك جزاء المحسنين المراقبين وفي حال رضاك جزاء المنعمين الممتنين المتطولين فقد جعلك الله وله الحمد تثبت تحرجا عند الغضب وتمتن تطولا بالنعم وتستبقى المعروف عند الصنائع تفضلا بالعفو 82-خطبة عبد الملك بن صالح توفى سنة 196ه

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ( أفلا يتدبرون القران أم على قلوب أقفالها ) يأهل الشأم إن الله وصف إخوانكم في الدين وأشباهكم في الأجسام فحذرهم نبيه محمدا فقال ( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ) فقاتلكم الله أني تصرفون جثث ماثلة وقلوب طائرة تشبون الفتن وتولون الدبر إلا عن حرم الله فإنه دريئتكم وحرم رسوله فإنه مغزاكم أما وحرمة النبوة والخلافة لتنفرن خفافا وثقالا أو لأوسعنكم إرغاما ونكالا )


93
83- عبد الملك بن صالح يعزي الرشيد ويهنئه

ودخل عبد الملك بن صالح دار الرشيد فقال له الحاجب إن أمير المؤمنين قد أصيب الليلة بابن له وولد له اخر فلما دخل عليه قال سرك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءك ولا سياءك فيما سرك وجعل هذه بهذه مثوبة على الصبر وجزاء على الشكر 84-غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح

ونصب له ابنه عبد الرحمن وكاتبه قمامة فسعيا به إلى الرشيد وقالا له إنه يطلب الخلافة ويطمع فيها فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع وذكروا أنه أدخل على الرشيد حين سخط عليه فقال له الرشيد أكفرا بالنعمة وجحودا لجليل المنة والتكرمة فقال يا أمير المؤمنين لقد بؤت إذن بالندم وتعرضت لاستحلال النقم وما ذاك إلا بغى حاسد نافسنى فيك مودة القرابة وتقديم الولاية إنك يا أمير المؤمنين خليفة رسول الله في أمته وأمينه على عترته لك عليها فرض الطاعة وأداء النصيحة ولها عليك العدل في حكمها والتثبت في حادثها والغفران لذنوبها فقال له الرشيد أتضع لي من لسانك وترفع لى من جنانك هذا ماكاتبك قمامة يخبر بغلك وفساد نيتك فاسمع كلامه فقال عبد الملك أعطاك ما ليس في عقده ولعله لا يقدر أن يعضهنى ولا يبهتنى بما لم يعرفه منى وأحضر قمامة فقال له الرشيد تكلم غير هائب ولا خائف قال أقول إنه عازم على الغدر بك والخلاف عليك


94
فقال عبد الملك أهو كذاك يا قمامة قال قمامة نعم لقد أردت ختل أمير المؤمنين فقال عبد الملك وكيف لا يكذب علي من خلفي وهو يبهتني في وجهي فقال له الرشيد وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرنى بعتوك وفساد نيتك ولو أردت أن أحتج عليك بحجة لم أجد أعدل من هذين لك فبم تدفعهما عنك فقال عبد الملك هو مأمور أو عاق مجبور فإن كان مأمورا فمعذور وإن كان عاقا ففاجر كفور أخبر الله عز وجل بعدواته وحذر منه بقوله ( إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) فنهض الرشيد وهو يقول أما أمرك فقد وضح ولكني لا أعجل حتى أعلم الذى يرضى الله فيك فإنه الحكم بينى وبينك فقال عبد الملك رضيت بالله حكما وبأمير المؤمنين حاكما فإنى أعلم أنه يؤثر كتاب الله على هواه وأمر الله على رضاه

فلما كان بعد ذلك جلس مجلسا اخر فسلم لما دخل فلم يرد عليه فقال عبد الملك ليس هذا يوما أحتج فيه ولا أجاذب منازعا وخصما قال ولم قال لأن أوله جرى على غير السنة فأنا أخاف اخره قال وما ذاك قال لم ترد على السلام أنصف نصفة العوام قال السلام عليكم اقتداء بالسنة وإيثارا للعدل واستعمالا للتحية ثم التفت نحو سليمان بن أبى جعفر فقال وهو يخاطب بكلامه عبد الملك

( أريد حياته ويريد قتلى عذيرك من خليلك من مراد )

ثم قال أما والله لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع وعارضها قد لمع


95
وكأنى بالوعيد قد أورى نارا تسطع فأقلع عن براجم بلا معاصم ورءوس بلا غاصم فمهلا مهلا فبى والله سهل لكم الوعر وصفا لكم الكدر وألقت إليكم الأمور أثناء أزمتها فنذار لكم نذار قبل حلول داهية خبوط باليد لبوط بالرجل فقال عبد الملك اتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاك وفي رعيته التي استرعاك ولا تجعل الكفر مكان الشكر ولا العقاب موضع الثواب فقد تخلت النصيحة ومحضت لك الطاعة وشددت أواخى ملكك بأثقل من ركنى يلملم وتركت عدوك مشتغلا فالله الله في ذي رحمك أن تقطعه بعد أن بللته بظن أفصح الكتاب لى بعضهه أو ببغى باغ ينهس اللحم ويالغ الدم فقد والله سهلت لك الوعور وذللت الأمور وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور فكم من ليل تمام فيك كابدته ومقام ضيق لك قمته كنت فيه كما قال أخو بني جعفر بن كلاب

( ومقام ضيق فرجته ببنانى ولساني وجدل )

( لو يقوم الفيل أو فياله زل عن مثل مقامي وزحل )

فقال له الرشيد أما والله لولا الإبقاء على بنى هاشم لضربت عنقك


96

ولم يزل عبد الملك محبوسا حتى توفى الرشيد فأطلقه محمد الأمين وعقد له على الشام 85-قوله بعد خروجه من السجن ولما خرج من السجن وذكر الرشيد وفعله به قال

والله إن الملك لشيء مانويته ولا تمنيته ولا نصبت له ولا أردته ولو أردته لكان إلي أسرع من الماء إلى الحدور ومن النار إلى يبس العرفج وإني لمأخوذ بما لم أجن ومسئول عما لا أعرف ولكنه حين رآني للملك قمينا وللخلافة خطيرا ورأى لي يدا تنالها إذا مدت وتبلغها إذا بسطت ونفسا تكمل لخصالها وتستحقها بفعالها وإن كنت لم أختر تلك الخصال ولم أصطنع تلك الفعال ولم أترشح لها في السر ولا أشرت إليها في الجهر وراها تحن إلى حنين الوالدة الوالهة وتميل إلى ميل الهلوك وخاف أن ترغب إلى خير مرغب وتنزع إلى أخصب منزع عاقبني عقاب من سهر في طلبها وجهد في التماسها فإن كان إنما حبسنى على أني أصلح لها وتصلح لى وأليق بها وتليق بي فليس ذلك بذنب جنيته فأتوب منه ولا تطاولت له فأحط نفسي عنه وإن زعم أنه لاصرف لعقابه ولا نجاة من عذابه إلا بأن أخرج له من جد العلم والحلم والحزم فكما لا يستطيع المضياع أن يكون مصلحا كذلك لا يستطيع العاقل أن يكون جاهلا


97
وسواء عليه أعاقبني على علمي وحلمي أم عاقبنى على نسبي وسني وسواء عليه عاقبني على جمالي أم عاقبني على محبة الناس لى ولو أردتها لأعجلته عن التفكير وشغلته عن التدبير ولما كان فيها من الخطب إلا اليسير 86-وصية عبد الملك بن صالح لابنه أوصى عبد الملك بن صالح ابنا له فقال

أى بنى احلم فإن من حلم ساد ومن تفهم ازداد والق أهل الخير فإن لقاءهم عمارة للقلوب ولا تجمح بك مطية اللجاج وفيك من أعتبك والصاحب المناسب لك والصبر على المكروه يعصم القلب المزاح يورث الضغائن وحسن التدبير مع الكفاف خير من الكثير مع الإسراف والاقتصاد يثمر القليل والإسراف يبير الكثير ونعم الحظ القناعة وشر ماصحب المرء الحسد وما كل عورة تصاب وربما أبصر العمي رشده وأخطأ البصير قصده واليأس خير من الطلب إلى الناس والعفة مع الحرفة خير من الغنى مع الفجور ارفق في الطلب وأجمل في المكسب فإنه رب طلب قد جر إلى حرب ليس كل طالب بمنجح ولا كل ملح بمحتاج والمغبون من غبن نصيبه من الله عاتب من رجوت عتباه وفاكه من أمنت بلواه لاتكن مضحاكا من غير عجب ولا مشاء إلى غير أرب ومن نأى عن الحق أضاق مذهبه ومن اقتصر على حاله كان أنعم لباله لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه إنما سعى في مضرته ونفعك وعود نفسك السماح وتخير لها من كل خلق أحسنه فإن الخير عادة والشر لجاجة والصدود اية المقت والتعلل اية البخل ومن الفقه كتمان السر ولقاح المعرفة


98
دراسة العلم وطول التجارب زيادة في العقل والقناعة راحة الأبدان والشرف التقوى والبلاغة معرفة رتق الكلام وفتقه بالعقل تستخرج الحكمة وبالحلم يستخرج غور العقل ومن شمر في الأمور ركب البحور شر القول ما نقض بعضه بعضا ومن سعى بالنميمة حذره البعيد ومقته القريب من أطال النظر بإرادة تامة أدرك الغاية ومن توانى في نفسه ضاع من أسرف في الأمور انتشرت عليه ومن اقتصد اجتمعت له واللجاجة تورث الضياع للأمور غب الأدب أحمد من ابتدائه مبادرة الفهم تورث النسيان سوء الاستماع يعقب العي لا تحدث من لا يقبل بوجهه عليك ولا تنصت لمن لا ينمى بحديثه إليك البلادة للرجل هجنة قل مالك إلا استأثر وقل عاجز إلا تأخر الإحجام عن الأمور يورث العجز والإقدام عليها يورث اجتلاب الحظ سوء الطعمة يفسد العرض ويخلق الوجه ويمحق الدين الهيبة قرين الحرمان والجسارة قرين الظفر وفيك من أنصفك وأخوك من عاتبك وشريكك من وفى لك وصفيك من اثرك أعدى الأعداء العقوق اتباع الشهوة يورث الندامة وفوت الفرصة يورث الحسرة جميع أركان الأدب التأنى للرفق أكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب فإنك لا تجد بما تبذل من دينك ونفسك عوضا لا تساعد النساء فيمللنك واستبق من نفسك بقية فإنهن أن يرين أنك ذو اقتدار خير من أن يطلعن منك على انكسار لا تملك المرأة الشفاعة لغيرها فتميل من شفعت لها عليك معها أى بنى إنى قد احترت لك الوصية ومحضتك النصيحة وأديت الحق إلى الله في تأديبك فلا تغفلن الأخذ بأحسنها والعمل بها والله موفقك
99
87- وصية أخرى له

عن يزيد بن عقال قال

وصى عبد الملك بن صالح ابنه وهو أمير سرية ونحن ببلاد الروم فقال له

أنت تاجر الله لعباده فكن كالمضارب الكيس الذى إن وجد ربحا تجر وإلا احتفظ برأس المال ولا تطلب الغنيمة حتى تحوز السلامة وكن من اجتيالك على عدوك أشد خوفا من احتيال عدوك عليك 88-كلمات حكيمة لابن السماك

وقال محمد بن صبح المعروف بابن السماك

خير الإخوان أقلهم مصانعة في النصيحة وخير الأعمال أحلاها عاقبة وخير الثناء ما كان على أفواه الأخيار وأشرف السلطان مالم يخالطه البطر وأغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيرا وخير الإخوان من لم يخاصم وخير الأخلاق أعونها على الورع وإنما يختبر ذل الرجال عند الفاقة والحاجة 89-ابن السماك والرشيد

وذكر محمد بن هرون عن أبيه قال حضرت الرشيد وقال له الفضل بن الربيع يا أمير المؤمنين قد أحضرت ابن السماك كما أمرتنى قال أدخله فدخل فقال له


100
عظنى قال يا أمير المؤمنين اتق الله وحده لا شريك له واعلم أنك واقف غدا بين يدى الله ربك ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالثة لهما جنة أو نار فبكى هرون حتى اخضلت لحيته فأقبل الفضل على ابن السماك فقال سبحان الله وهل يتخالج أحدا شك في أن أمير المؤمنين مصروف إلى الجنة إن شاء الله لقيامه بحق الله وعدله في عباده وفضله فلم يحفل بذلك ابن السماك من قوله ولم يلتفت إليه وأقبل على أمير المؤمنين فقال يا أمير المؤمنين إن هذا يعنى الفضل بن الربيع ليس والله معك ولا عندك في ذلك اليوم فاتق الله وانظر لنفسك فبكى هرون حتى أشفقنا عليه وأفحم الفضل بن الربيع فلم ينطق بحرف حتى خرجنا

قال ودخل ابن السماك على الرشيد يوما فبينا هو عنده إذ استسقى ماء فأتى بقلة من ماء فلما أهوى بها إلى فيه ليشربها قال له ابن السماك على رسلك يا أمير المؤمنين بقرابتك من رسول الله لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشريها قال بنصف ملكي قال اشرب هنأك الله فلما شربها قال له أسألك بقرابتك من رسول الله لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتريها قال بجميع ملكى قال ابن السماك إن ملكا قيمته شربة ماء لجدير ألا ينافس فيه فبكى هرون فأشار الفضل بن الربيع إلى ابن السماك بالانصراف فانصرف


101
الفتنة بين الأمين والمأمون وفد الأمين إلى المأمون

لما عزم محمد الأمين على خلع أخيه عبد الله المأمون من ولاية العهد كتب إليه كتابا يستقدمه ويحبب أن يكون بقربه وكان المأمون على خراسان ودفع الكتاب إلى العباس بن موسى وإلى عيسى بن جعفر وإلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى صالح صاحب المصلى وأمرهم أن يتوجهوا به إلى المأمون وألا يدعوا وجها من اللين والرفق إلا بلغوه وسهلوا الأمر عليه وذلك سنة 194ه فتوجهوا بكتابه فلما وصلوا إلى المأمون أذن لهم فدفعوا إليه الكتاب ثم تكلم العباس بن موسى 90- خطبة العباس بن موسى

حمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الأمير إن أخاك قد تحمل من الخلافة ثقلا عظيما ومن النظر في أمور الناس عبئا جليلا وقد صدقت نيته في الخير فأعوزه الوزراء والأعوان والكفاة علىالعدل وقليل ما يأنس بأهل بيته وأنت أخوه


102
وشقيقه وقد فزع إليك في أموره وأملك للموازرة والمكانفة ولسنا نستبطئك في بره اتهاما لنصرك له ولا نحضك على طاعة تخوفا لخلافك عليه وفي قدومك عليه أنس عظيم وصلاح لدولته وسلطانه فأجب أيها الأمير دعوة أخيك وآثر طاعته وأعنه على ما استعانك عليه في أمره فإن في ذلك قضاء الحق وصلة الرحم وصلاح الدولة وعز الخلافة عزم الله للأمير على الرشد في أموره وجعل له الخيرة والصلاح في عواقب رأيه 91-خطبة عيسى بن جعفر

وتكلم عيسى بن جعفر بن أبي جعفر فقال

إن الإكثار على الأمير الله الله في القول خرق والاقتصار في تعريفه ما يجب من حق أمير المؤمنين تقصير وقد غاب الأمير أكرمه الله عن أمير المؤمنين ولم يستغن عن قربه من شهد غيره من أهل بيته ولا يجد عنده غنى ولا يجد منه خلفا ولا عوضا والأمير أولى من بر أخاه وأطاع إمامه فليعمل الأمير فيما كتب به إليه أمير المؤمنين بما هو أرضى وأقرب من موافقة أمير المؤمنين ومحبته فإن القدوم عليه فضل وحظ عظيم والإبطاء عنه وكف في الدين وضرر ومكروه على المسلمين 92-خطبة محمد بن عيسى بن نهيك وتكلم محمد بن عيسى بن نهيك فقال

أيها الأمير إنا لا نزيدك بالإكثار والتطويل فيما أنت عليه من المعرفة بحق أمير المؤمنين ولا نشحذ نيتك بالأساطير والخطب فيما يلزمك من النظر والعناية


103
بأمور المسلمين وقد أعوز أمير المؤمنين الكفاة والنصحاء بحضرته وتناولك فزعا إليك في المعونة والتقوية له على أمره فإن تجب أمير المؤمنين فما دعاك إليه فنعمة عظيمة يتلافى بها رعيتك وأهل بيتك وإن تقعد يغن الله أمير المؤمنين عنك ولن يضعه ذلك مما هو عليه من البر بك والاعتماد على طاعتك ونصيحتك 93-خطبة صالح صاحب المصلى

وتكلم صالح صاحب المصلى فقال

أيها الأمير إن الخلافة ثقيلة والأعوان قليل ومن يكيد هذه الدولة وينطوى على غشها والمعاندة لأوليائها من أهل الخلاف والمعصية كثير وأنت أخو أمير المؤمنين وشقيقه وصلاح الأمور وفسادها راجع عليك وعليه إذ أنت ولى عهده والمشارك في سلطانه وولايته وقد تناولك أمير المؤمنين بكتابه ووثق بمعاونتك على ما استعانك عليه من أموره وفي إجابتك إياه إلى القدوم عليه صلاح عظيم في الخلافة وأنس وسكون لأهل الملة والذمة وفق الله الأمير في أموره وقضى له بالذى هو أحب إليه وانفع له 94-خطبة المأمون

فحمد الله المأمون وأثنى عليه ثم قال

قد عرفتمونى من حق أمير المؤمنين أكرمه الله مالا أنكره ودعوتمونى من الموازرة والمعونة إلى ما أوثره ولا أدفعه وأنا لطاعة أمير المؤمنين مقدم والمسارعة إلى ماسره ووافقه حريص وفي الروية تبيان الرأى وفي إعمال الرأى نصح الاعتزام والأمر الذى دعانى إليه أمير المؤمنين أمر لا أتأخر عنه تتبطا ومدافعة ولا أتقدم عليه


104
اعتسافا وعجلة وأنا في ثغر من ثغور المسلمين كلب عدوه شديد شوكته وإن أهملت أمره لم امن دخول الضرر والمكروه على الجنود والرعية وإن أقمت عليه لم امن فوت ما أحب من معونة أمير المؤمنين وموازرته وإيثار طاعته فانصرفوا حتى أنظر في أمري ويصح الرأى فيما أعتزم عليه من مسيرى إن شاء الله

ثم بعث معهم بكتاب إلىالأمين يسأله أن يعفيه من الشخوص إليه وأن يقره على عمله إذ يرى أن ذلك أعظم غناء على المسلمين 95-وصية السيدة زبيدة لعلي بن عيسى بن ماهان

ونمى الشر بين الأخوين واستطار شرره وبعث الأمين جيشا كثيفا بقيادة علي بن عيسى بن ماهان لحرب المأمون وأعد المأمون للقائه جيشا بقيادة طاهر بن الحسين فلما أراد على الشخوص إلى خراسان ركب إلى باب السيدة زبيدة والدة الأمين فودعها فقالت له

يا علي إن أمير المؤمنين وإن كان ولدى إليه تناهت شفقتى وعليه تكامل حذرى فإنى على عبد الله منعطفه مشفقة لما يحدث عليه من مكروه وأذى وإنما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه وغاراه على ما في يده والكريم يؤكل لحمه ويميته غيره فاعرف لعبد الله حق والده وأخوته ولا تجبهه بالكلام فإنك لست نظيره ولا تقتسره اقتسار العبيد ولا ترهنه بقيد ولا غل ولا تمنع منه جارية ولا خادما ولا تعنف عليه في السير ولا تساوره في المسير ولا تركب قبله


105
ولا تستقل على دابتك حتى تأخذ بركابه وإن شتمك فاحتمل منه وإن سفه عليك فلا تراده

ثم دفعت إليه قيدا من فضة وقالت إن صار في يدك فقيده بهذا القيد فقال لها سأقبل أمرك وأعمل في ذلك بطاعتك 96-وصية الأمين لابن ماهان

وخرج علي بن عيسى بن ماهان من بغداد في 7 من شعبان سنة 195ه وخرج معه الأمين يشيعه وأقبل يوصيه فقال

امنع جندك من العبث بالرعية والغارة على أهل القرى وقطع الشجر وانتهاك النساء وول الرى يحيى بن علي واضمم إليه جندا كثيفا ومره ليدفع إلى جنده أرزاقهم مما يجىء من خراجها وول كل كورة ترحل عنها رجلا من أصحابك ومن خرج إليك من جند أهل خراسان ووجوهها فأظهر إكرامه وأحسن جائزته ولا تعاقب أخا بأخيه وضع عن أهل خراسان ربع الخراج ولا تأمن أحدا رماك بسهم أو طعن في أصحابك برمح ولا تأذن لعبد الله في المقام أكثر من ثلاثة أيام من اليوم الذى تظهر فيه عليه فإذا أشخصته فليكن مع أوثق أصحابك عندك فإن غره الشيطان فناصبك فاحرص على أن تأسره أسرا وإن هرب منك إلى بعض كور خراسان فتول إليه المسير بنفسك أفهمت كل ما أوصيك به قال نعم أصاح الله أمير المؤمنين قال سر على بركة الله وعونه


106
97-استهانة ابن ماهان بأمر طاهر بن الحسين

وخرج ابن ماهان فلما جاز حلوان لقيته القوافل من خراسان فكان يسألها عن الأخبار فيقال له إن طاهرا مقيم بالرى يعرض أصحابه ويرم الته فيضحك ثم يقول

وما طاهر فوالله ما هو إلا شوكة من أغصاني أو شرارة من ناري وما مثل طاهر يتولى على الجيوش ويلقى الحروب ثم التفت إلى أصحابه فقال والله ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف إلا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان فإن السخال لا تقوى على نطاح الكباش والثعالب لا صبر لها على لقاء الأسد فإن يقم طاهر بموضعه يكن أول معرض لظبات السيوف وأسنة الرماح

وسار حتى صار في أول بلاد الرى وأتاه صاحب مقدمته وقال لو كنت أبقى الله الأمير أذ كيت العيون وبعثت الطلائع وارتدت موضعا تعسكر فيه وتتخذ خندقا لأصحابك يأمنون به كان ذلك أبلغ في الرأى وآنس للجند

قال لا ليس مثل طاهر يستعد له بالمكايد والتحفظ إن حال طاهر تئول إلى أحد أمرين إما أن يتحصن بالرى فيبهته أهلها فيكفونا مئونته أويخليها ويدبر راجعا لو قربت خيولنا وعساكرنا منه

وأتاه يحيى بن على فقال اجمع متفرق العسكر واحذر على جندك البيات ولا تسرح الخيل إلا ومعها كثف من القوم فإن العساكر لا تساس بالتواني


107
والحروب لا تدبر بالاغترار والثقة أن تحترز ولا تقل المحارب لى طاهر فالشرارة الخفية ربما صارت ضراما والثلمة من السيل ربما اغتر بها وتهون فصارت بحرا عظيما وقد قربت عساكرنا من طاهر فلو كان رأيه الهرب لم يتأخر إلى يومه هذا

قال اسكت فإن طاهرا ليس في هذا الموضع الذى ترى وإنما يتحفظ الرجال إذا لقيت أقرانها وتستعد إذا كان المناوى لها أكفاءها ونظراءها 98-حزم طاهر وقوة عزمه

وعسكر طاهر على خمسة فراسخ من الري وأتاه محمد بن العلاء فقال أيها الأمير إن جندك قد هابوا هذا الجيش وامتلأت قلوبهم خوفا ورعبا منه فلو أقمت بمكانك ودافعت القتال إلى أن يشامهم أصحابك ويأنسوا بهم ويعرفوا وجه المأخذ في قتالهم فقال

لا إني لا أوتي من قلة تجربة وحزم إن أصحابى قليل والقوم عظيم سوادهم كثير عددهم فإن دافعت القتال وأخرت المناجزة لم امن أن يطلعوا على قلتنا وعورتنا وأن يستميلوا من معى برغبة أو رهبة فينفر عنى أكثر أصحابي ويخذلنى أهل الحفاظ والصبر ولكن ألف الرجال بالرجال وألحم الخيل بالخيل وأعتمد على الطاعة والوفاء وأصبر صبر محتسب للخير حريص على الفوز بفضل الشهادة فإن


108
يرزق الله الظفر والفلج فذلك الذي نريد ونرجو وإن تكن الأخرى فلست أول من قاتل فقتل وما عند الله أجزل وأفضل 99-طاهر يشد عزيمة جنده

وكتب طاهر بن الحسين كتائبه وكردس كراديسه وسوى صفوفه وجعل يمر بقائد قائد وجماعة جماعة فيقول

يا أولياء الله وأهل الوفاء والشكر إنكم لستم كهؤلاء الذين ترون من أهل النكث والغدر إن هؤلاء ضيعوا ما حفظتم وصغروا ما عظمتم ونكثوا الأيمان التي رعيتم وإنما يطلبون الباطل ويقاتلون على الغدر والجهل أصحاب سلب ونهب فلو قد غضضتم الأبصار وأثبتم الأقدام قد أنجز الله وعده وفتح عليكم أبواب عزه ونصره فجالدوا طواغيت الفتنة ويعاسيب النار عن دينكم ودافعوا بحقكم باطلهم فإنما هى ساعة واحدة حتى يحكم الله بينكم وهو خير الحاكمين

ونشب القتال بين الفريقين ودارت الدائرة على جيش ابن ماهان وقتل

ووجه الأمين بعد ذلك لحرب طاهر جيشا بقيادة عبد الرحمن بن جبلة فهزم وقتل أيضا


109
100-وصف الفضل بن الربيع غفلة الأمين وندب أسد بن يزيد بن مزيد لقتال طاهر

وبعث الفضل بن الربيع بعد مقتل عبد الرحمن بن جبلة إلى أسد بن يزيد بن مزيد قال فأتيته فلما دخلت عليه وجدته قاعدا في صحن داره وفي يده رقعة قد قرأها واحمرت عيناه واشتد غضبه وهو يقول

ينام نوم الظربان وينتبه انتباه الذئب همته بطنه ولذته فرجه لايفكر في زوال نعمته ولا يروى في إمضاء رأي ولا مكيدة قد ألهاه كأسه وشغله قدحه فهو يجرى في لهوه والأيام تسرع في هلاكه قد شمر عبد الله له عن ساقه وفوق له أصيب أسهمه يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ والموت القاصد قد عبى له المنايا على متون الخيل وناط له البلاء في أسنة الرماح وشفار السيوف

ثم استرجع وتمثل بأبيات للبعيث ثم التفت إلى فقال

يا أبا الحارث إنا وإياك لنجرى إلى غاية إن قصرنا عنها ذممنا وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا وإنما نحن شعب من أصل إن قوى قوينا وإن ضعف ضعفنا إن هذا قد ألقى بيده إلقاء الأمة الو كفاء يشاور النساء ويعتمد على الرؤيا وقد أمكن أهل اللهو والخسارة من سمعه فهم يعدونه الظفر ويمنونه عقب الأيام


110
والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل وقد خشيت والله أن تهلك بهلاكه ونعطب بعطبه

وأنت فارس العرب وابن فارسها وقد فزع إليك في لقاء هذا الرجل طاهر وأطمعه فيما قبلك أمران أما أحدهما فصدق طاعتك وفضل نصيحتك والثاني يمن نقيبتك وشدة بأسك وقد أمرنى بإزاحة علتك وبسط يدك فيما أحببت غير أن الاقتصاد رأس النصيحة ومفتاح اليمن والبركة فأنجز حوائجك وعجل المبادرة إلى عدوك فإني أرجو أن يوليك الله شرف الفتح ويلم بك شعث هذه الخلافة والدولة

فأجاب بالسمع والطاعة غير أنه طلب مطالب لم ترق في عين الأمين فغضب عليه وأمر بسجنه 101-وصية الأمين لأحمد بن مزيد

ثم ندب عمة أحمد بن مزيد فلما أراد الشخوص دخل على الأمين فقال أوصنى أكرم الله أمير المؤمنين فقال

أوصيك بخصال عدة إياك والبغى فإنه عقال النصر ولا تقدم رجلا إلا باستخارة ولا تشهر سيفا إلا بعد إعذار ومهما قدرت عليه باللين فلا تتعده إلى الخرق والشره وأحسن صحابة من معك من الجند وطالعني بأخبارك في كل يوم ولاتخاطر بنفسك في طلب الزلفة عندى ولا تستقها فيما تخوف رجوعه علي وكن لعبد الله أخا مصافيا وقرينا برا وأحسن مجامعته وصحبته ومعاشرته ولا تخذله إن استنصرك ولا تبطىء عنه إذا استصرخك ولتكن أيديكما واحدة وكلمتكما متفقة


111

وتوجه أحمد بن مزيد في عشرين ألفا من الأعراب وعبد الله بن حميد بن قحطبة في عشرين ألفا من الأبناء حتى نزلا خانقين قريبا من حلوان ولم يزل طاهر يحتال في وقوع الاختلاف والشغب بينهم حتى اختلفوا وانتقض أمرهم وقاتل بعضهم بعضا فأخلوا خانقين ورجعوا عنها دون أن يلقوا طاهرا 102-مقال عبد الملك بن صالح للأمين

وكان عبد الملك بن صالح يشكر للأمين تخلية سبيله ويوجب بذلك على نفسه طاعته ونصيحته فلما قوى طاهر واستعلى أمره وهزم من هزم من قواد الأمين وجيوشه دخل عبد الملك على الأمين فقال

يا أمير المؤمنين إنى أرى الناس قد طمعوا فيك وأهل العسكرين قد اعتمدوا ذلك وقد بذلت سماحتك فإن تممت على أمرك أفسدتهم وأبطرتهم وإن كففت أمرك عن العطاء والبذل أسخطتهم وأغضبتهم وليس تملك الجنود بالإمساك ولا يبقى ثبوت الأموال على الإنفاق والسرف ومع هذا فإن جندك قد رعبتهم الهزائم ونهكتهم وأضعفتهم الحرب والوقائع وامتلأت قلوبهم هبية لعدوهم ونكولا عن لقائهم ومناهضتهم فإن سيرتهم إلى طاهر غلب بقليل من معه كثيرهم وهزم بقوة نيته ضعف نصائحهم ونياتهم وأهل الشأم قوم قد ضرستهم الحروب وأدبتهم الشدائد وجلهم منقاد إلى مسارع إلى طاعتى فإن وجهنى أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندا يعظم نكايتهم في عدوه ويؤيد الله بهم أولياءه وأهل طاعته

فقال الأمين فإني موليك أمرهم ومقويك بما سألت من مال وعدة فعجل


112
الشخوص إلى ما هنالك فاعمل عملا يظهر أثره ويحمد بركته برأيك ونظرك فيه إن شاء الله فولاه الشام والجزيرة 103- الشغب في جيش عبد الملك بن صالح

وسار عبد الملك بن صالح فلما قدم الرقة كتب إلى رؤساء أجناد الشأم ووجوه الجزيرة فلم يبق أحد ممن يرجى ويذكر بأسه وغناؤه إلا وعده وبسط له في أمله وأمنيته فقدموا عليه رئيسا بعد رئيس وجماعة بعد جماعة فكان لا يدخل عليه أحد إلا أجازه وخلع عليه وحمله فأتاه أهل الشأم الزواقيل والأعراب من كل فج واجتمعوا عنده حتى كثروا بيد أنه شبت نار الفتنة بين جند أهل خراسان وبين الزواقيل وأفضى الأمر إلى تلاحمهم واقتتالهم ثم قام رجل من أهل حمص فقال

يأهل حمص الهرب أهون من العطب والموت أهون من الذل إنكم بعدتم عن بلادكم وخرجتم من أقاليمكم ترجون الكثرة بعد القلة والعزة بعد الذلة ألا وفي الشر وقعتم وإلى حومة الموت أنختم إن المنايا في شوارب المسودة وقلانسهم النفير النفير قبل أن ينقطع السبيل وينزل الأمر الجليل ويفوت المطلب ويعسر المذهب ويبعد العمل ويقترب الأجل

وقام رجل من كلب فقال

يا معشر كلب إنها الراية السوداء والله ماولت ولاعدلت ولا ذل


113
نصرها ولا ضعف وليها وإنكم لتعرفون مواقع سيوف أهل خراسان في رقابكم واثار أسنتهم في صدوركم اعتزلوا الشر قبل أن يعظم وتخطوه قبل أن يضطرم شأمكم داركم داركم الموت الفلسطينى خير من العيش الجزرى ألا وإنى راجع فمن أراد الانصراف فلينصرف معى

ثم سار وسار معه عامة أهل الشأم وأقبلت الزواقيل حتى أضرموا ما كان جمع من الأعلاف بالنار وكان ذلك في سنة 196ه 104-خطبة الحسين بن على بن عيسى بن ماهان يدعو إلى خلع الأمين

ومات عبد الملك بن صالح بالرقة وكان معه الحسين بن على بن عيسى بن ماهان فأقفل الجند من الجزيرة إلىبغداد فتلقاه أهلها بالتكرمة والتعظيم وضربوا له القباب واستقبله القواد والرؤساء والأشراف ثم اجتمع إليه الناس فقام فيهم فقال

يا معشر الأبناء إن خلافة الله لا تجاوز بالبطر ونعمة لا تستصحب بالتجبر والتكبر وإن محمدا يريد أن يوتغ أديانكم وينكث بيعتكم ويفرق جمعكم وينقل عزكم إلى غيركم وهو صاحب الزواقيل بالأمس وبالله إن طالت به مدة وراجعه من أمره قوة ليرجعن وبال ذلك عليكم وليعرفن ضرره ومكروهه في دولتكم ودعوتكم فاقطعوا أثره قبل أن يقطع آثاركم وضعوا عزه قبل أن يضع عزكم فوالله لا ينصره منكم ناصر إلا خذل ولا يمنعه مانع إلا قتل وما عند الله لأحد هوادة ولا يراقب على الاستخفاف بعهوده والحنث بأيمانه

وخلع الحسين بن على محمدا الأمين وحبسه وأخذ البيعة لعبد الله المأمون


114
105-خطبة محمد بن أبي خالد في فض الناس عن اتباع الحسين بن على بن عيسى

فلما أصبح الناس من الغد طلبوا من الحسين بن علي الأرزاق وماج الناس بعضهم في بعض وقام محمد بن أبي خالد فقال

أيها الناس والله ما أدري بأي سبب يتأمر الحسين بن علي علينا ويتولى هذا الأمر دوننا ما هو بأكبرنا سنا ولا أكرمنا حسبا ولا أعظمنا منزلة وإن فينا من لا يرضى بالدنية ولا يقاد بالمخادعة وإني أولكم نقض عهده وأظهر التغيير عليه والإنكار لفعله فمن كان رأيه رأيي فليعتزل معى 106-إطلاق الأمين من سجنه ورده إلى مجلس الخلافة

وقام أسد الحربى فقال يا معشر الحربية هذا يوم له ما بعده إنكم قد نمتم وطال نومكم وتأخرتم فقدم عليكم غيركم وقد ذهب أقوام بذكر خلع محمد وأسره فاذهبوا بذكر فكه وإطلاقه

فأقبل شيخ كبير من أبناء الكفاية على فرس فصاح بالناس اسكتوا فسكتوا فقال

أيها الناس هل تعتدون على محمد بقطع منه لأرزاقكم قالوا لا قال فهل قصر بأحد منكم أو من رؤسائكم وكبرائكم قالوا ما علمنا قال فهل عزل أحدا من قوادكم قالوا معاذ الله أن يكون فعل ذلك قال فما بالكم خذلتموه وأعنتم عدوه على اضطهاده وأسره أما والله ما قتل قوم خليفتهم قط إلا سلط الله عليهم السيف القاتل والحتف الجارف انهضوا إلى خليفتكم وادفعوا عنه وقاتلوا من أراد خلعه والفتك به


115

فنهضوا معه وقاتلوا الحسين بن على وأصحابه قتالا شديدا وأكثروا في أصحابه الجراح وأسروا الحسين ودخل أسد الحربي على محمد فكسر قيوده وأقعده في مجلس الخلافة وأتى الأمين بالحسين بن على فلامه على خلافه وقال له ألم أقدم أباك على الناس وأوله أعنة الخيل وأملأ يده من الأموال وأشرف أقداركم في أهل خراسان وأرفع منازلكم على غيركم من القواد قال بلى قال فما الذي استحققت به منك أن تخلع طاعتي وتؤلب الناس علي وتندبهم إلى قتالي قال الثقة بعفو أمير المؤمنين وحسن الظن بصفحه وتفضله قال فإن أمير المؤمنين قد فعل ذلك بك وولاك الطلب بثأرك ومن قتل من أهل بيتك ثم دعا له بخلعة فجعلها عليه وحمله على مراكب وأمره بالمسير إلى حلوان وخرج الحسين فهرب في نفر من خدمه ومواليه فنادى محمد في الناس فركبوا في طلبه فأدركوه وقتلوه 107-خطبة داود بن عيسى يدعو إلى خلع الأمين وقام داود بن عيسى وإلى مكة والمدينة وكان خطيبا فصيحا جهير الصوت يدعو إلى خلع الأمين ومبايعة المأمون فقال


116
الحمد لله مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالدين وختم به النبيين وجعله رحمة للعالمين صلى الله عليه في الأولين والاخرين

أما بعد يأهل مكة فأنتم الأصل والفرع والعشيرة والأسرة والشركاء في النعمة إلى بلدكم يفد وفد الله وإلى قبلتكم يأتم المسلمون وقد علمتم ما اخذ عليكم الرشيد هرون رحمه الله عليه وصلاته حين بايع لابنيه محمد وعبد الله بين أظهركم من العهد والميثاق لتنصرن المظلوم منهما على الظالم والمبغى عليه على الباغى والمغدور به على الغادر ألا وقد علمتم وعلمنا أن محمد بن هرون قد بدأ بالظلم والبغى والغدر وخالف الشروط التي أعطاها من نفسه في بطن البيت الحرام وقد حل لنا ولكم خلعه من الخلافة وتصييرها إلى المظلوم المبغى عليه المغدور به ألا وإنى أشهدكم أنى قد خلعت محمد بن هرون من الخلافة كما خلعت قلنسوتى هذه من رأسى وخلع قلنسوته عن رأسه فرمى بها إلى بعض الخدم تحته وكانت من برود حبرة مسلسلة حمراء وأتى بقلنسوة سوداء هاشمية فلبسها ثم قال قد بايعت لعبد الله المأمون أمير المؤمنين بالخلافة ألا فقوموا إلى البيعة لخليفتكم فصعد جماعة من الوجوه إليه إلى المنبر رجل فرجل فبايعه لعبد الله المأمون بالخلافة وخلع محمدا


117
108-خطبة الأمين وقد تولى الأمر عنه

ولما رأى الأمين الأمر قد تولى عنه وأنصاره يتسللون فيخرجون إلى طاهر أمر بإحضار كل من كان معه في المدينة من القواد والجند فأشرف عليهم وقال

الحمد لله الذي يرفع ويضع ويعطي ويمنع ويقبض ويبسط وإليه المصير أحمده على نوائب الزمان وخذلان الأعوان وتشتت الرجال وذهاب الأموال وحلول النوائب وتوفد المصائب حمدا يدخر لى به أجزل الجزاء ويرفدنى أحسن العزاء وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما شهد لنفسه وشهدت له ملائكته وأن محمدا عبده الأمين ورسوله إلى المسلمين آمين رب العالمين

أما بعد يا معشر الأبناء وأهل السبق إلى الهدى فقد علمتم غفلتى كانت أيام الفضل بن الربيع وزير على ومشير فمادت به الأيام بما لزمنى به من الندامة في الخاصة والعامة إلى أن نبهتمونى فانتبهت واستعنتمونى في جميع ما كرهتم من نفسي وفيكم فبذلت لكم ماحواه ملكى ونالته مقدرتى مما جمعته وورثته عن آبائى فقودت من لم يجز واستكفيت من لم يكف واجتهدت علم الله في طلب رضاكم بكل ما قدرت عليه واجتهدتم علم الله في مساءتى في كل يوم ماقدرتم عليه من ذلك توجيهي إليكم على بن عيسى شيخكم وكبيركم وأهل الرأفة بكم والتحنن عليكم فكان منكم ما يطول ذكره فغفرت الذنب وأحسنت واحتملت وعزيت نفسى عند معرفتى بشذوذ الظفر وحرصى على مقامكم مسلحة بحلوان مع ابن كبير صاحب دعوتكم ومن على يدي أبيه كان فخركم وبه تمت طاعتكم


118
عبد الله بن حميد بن قحطبة فصرتم من التألب عليه إلى مالا طاقة له به ولا صبر عليه يقودكم رجل منكم وأنتم عشرون ألفا إلى عامين وعلى سيدكم متوثبين مع سعيد الفرد سامعين له مطيعين ثم وثبتم مع الحسين على فخلعتموني وشتمتموني وانتهبتموني وحبستموني وقيدتموني وأشياء منعتموني من ذكرها حقد قلوبكم وتلكى طاعتكم أكبر وأكثر فالحمد لله حمد من أسلم لأمره ورضى بقدره والسلام

وكانت عاقبة أمره أن قتل سنة 198ه وحمل رأسه إلى المأمون بخراسان 109-استعطاف الفضل بن الربيع للمأمون

وقال المأمون للفضل بن الربيع لما ظفر به يا فضل أكان من حقى عليك وحق آبائى ونعمهم عند أبيك وعندك أن تثلبني وتسبني وتحرض على دمي أتحب أن أفعل بك ما فعلته بى

فقال يا أمير المؤمنين إن عذرى يحقدك إذا كان واضحا جميلا فكيف إذا حفته العيوب وقبحته الذنوب فلا يضيق عني من عفوك ما وسع غيري منك فأنت كما قال الشاعر فيك

( صفوح عن الأجرام حتى كأنه من العفو لم يعرف من الناس مجرما )

( وليس ببالي أن يكون به الأذى إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما )


119
110-خطبة طاهر بن الحسين ببغداد بعد مقتل الأمين

ودخل طاهر بن الحسين بغداد يوم الجمعة بعد قتل الأمين فصلى بالناس وخطبهم خطبة بليغة وقد حضره من بنى هاشم والقواد وغيرهم جماعة كثيرة قال

الحمد لله مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير لا يصلح عمل المفسدين ولا يهدى كيد الخائنين إن ظهور غلبتنا لم يكن من أيدينا ولا كيدنا بل اختار الله للخلافة إذ جعلها عمادا لدينه وقواما لعباده وضبط الأطراف وسد الثغور وإعداد العدة وجمع الفىء وإنقاذ الحكم ونشر العدل وإحياء السنة بعد إذبال البطالات والتلذذ بمريق الشهوات والمخلد إلى الدنيا مستحسن لداعى غرورها محتلب درة نعمها ألف لزهرة روضتها كلف برونق بهجتها وقد رأيتم من وفاء موعود الله عز وجل لمن بغى عليه وما أحل به من بأسه ونقمته لما نكب عن عهده وارتكب معصيته وخالف أمره وغيره ناهية وعظته مؤدبة فتمسكوا بدقائق عصم الطاعة واسلكوا مناحى سبيل الجماعة واحذروا مصارع أهل الخلاف والمعصية الذين قدحوا زناد الفتنة وصدعوا شعب الألفة فأعقبهم الله خسار الدنيا والاخرة


120
خطب المأمون توفى سنة 218ه 111-خطبته وقد ورد عليه نعى الرشيد خطب الناس بمرو حين ورد عيه نعى الرشيد فقال

إن ثمرة الصبر الأجر وثمرة الجزع الوزر والتسليم لأمر الله عز وجل فائدة جليلة وتجارة مربحة فالموت حوض مورود وكأس مشروب وقد أتى على خليفتكم ما أتى على نبيكم فإنا لله وإنا إليه راجعون فما كان إلا عبدا دعي فأجاب وأمر فأطاع وقد سد أمير المؤمنين ثلمه وقام مقامه وفي أعناقكم من العهد ما قد عرفتم فأحسنوا العزاء على إمامكم الماضى واغتبطوا بالنعماء والوفاء في خليفتكم الباقي بأهل الدنيا الموت نازل والأجل طالب وأمس واعظ واليوم مغتنم وغد منتظر 112-خطبته وقد سلم الناس عليه بالخلافه

ولما بلغه بخراسان قتل أخيه وأقبل الناس للتسليم عليه بالخلافة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال

أيها الناس إنى جعلت لله على نفسي إن استرعاني أموركم أن أطيعه فيكم ولا أسفك دما عمدا لا تحله حدوده وتسفكه فرائضه ولا اخذ لأحد مالا ولا أثاثا ولا نحلة تحرم على ولا أحكم بهواى في غضبى ولا رضاي إلا ما كان


121
في الله وله جعلت كله لله عهدا مؤكدا وميثاقا مشددا إنى أفي رغبة في زيادته إياى في نعمتى ورهبة من مسألته أياى عن حقه وخلقه فإن غيرت أو بدلت كنت للغير مستأهلا وللنكال معرضا وأعوذ بالله من سخطه وأرغب إليه في المعونة على طاعته وأن يحول بيني وبين معصيته 113-خطبته يوم الجمعه

الحمد لله مستخلص الحمد لنفسه ومستوجبه علىخلقه أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون أوصيكم عباد الله بتقوى الله وحده والعمل لما عنده والتنجز لوعده والخوف لوعيده فإنه لا يسلم إلا من اتقاه ورجاه وعمل له وأرضاه فاتقوا الله عباد الله وبادروا اجالكم بأعمالكم وابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم وترحلوا فقد جد بكم واستعدوا للموت فقد أظلكم وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا فإن الله لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى وما بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت أن ينزل به وإن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة الواحدة لجديرة بقصر المدة وإن غائبا يحدوه الجديدان الليل والنهار لحرى بسرعة الأوبة وإن قادما يحل بالفوز أو بالشقوة لمستحق لأفضل العدة فاتقى عبد ربه ونصح نفسه وقدم توبته وغلب شهوته فإن أجله مستور عنه وأمله خادع له والشيطان موكل به يزين له المعصية ليركبها ويمنيه التوبة ليسوفها حتى تهجم عليه منيته أغفل ما يكون عنها فيالها حسرة على ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة أو تؤديه أيامه إلى شقوة نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة


122
ولا تقصر به عن طاعته غفلة ولا تحل به بعد الموت فزعة إنه سميع الدعاء وبيده الخير وإنه فعال لمايريد 114-خطبته يوم الأضحى

قال بعد التكبير والتحميد إن يومكم هذا يوم أبان الله فضله وأوجب تشريفه وعظم حرمته ووفق له من خلقه صفوته وابتلى فيه خليله وفدى فيه من الذبح نبيه وجعله خاتم الأيام المعلومات من العشر ومتقدم الأيام المعدودات من النفر يوم حرام من أيام عظام في شهر حرام يوم الحج الأكبر يوم دعا الله إلى مشهده ونزل القرآن بتعظيمه قال الله جل وعز ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ) فتقربوا إلى الله في هذا اليوم بذبائحكم وعظموا شعائر الله واجعلوها من طيب أموالكم وبصحة التقوى من قلوبكم فإنه يقول ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) ثم التكبير والتحميد والصلاة على النبي والوصية


123
بالتقوى ثم قال بعد ذكر الجنة والنار عظم قدر الدارين وارتفع جزاء العملين وطالت مدة الفريقين الله الله فوالله إنه الجد لا اللعب وإنه الحق لا الكذب وما هو إلا الموت والبعث والميزان والحساب والقصاص والصراط ثم العقاب والثواب فمن نجا يومئذ فقد فاز ومن هوى يومئذ فقد خاب الخير كله في الجنة والشر كله في النار 115-خطبته يوم الفطر

قال بعد التكبير والتحميد إن يومكم هذا يوم عيد وسنة وابتهال ورغبة يوم ختم الله به صيام شهر رمضان وافتتح به حج بيته الحرام فجعله خاتمة الشهر وأول أيام شهور الحج وجعله معقبا لمفروض صومكم ومتنفل قيامكم أحل فيه الطعام لكم وحرم فيه الصيام عليكم فاطلبوا إلى الله حوائجكم واستغفروه لتفريطكم فإنه يقال لا كبير مع استغفار ولا صغير مع إصرار ثم التكبير والتحميد وذكر النبي والوصية بالتقوى ثم قال فاتقوا الله عباد الله وبادروا الأمر الذى اعتدل فيه يقينكم ولم يحتضر الشك فيه أحدا منكم وهو الموت المكتوب عليكم فإنه لا تستقال بعده عثرة ولا تحظر قبله توبة واعلموا أنه لا شيء قبله إلا دونه ولا شيء بعده إلا فوقه ولا يعين على جزعه وعلزه وكربه ولايعين على القبر وظلمته وضيقه ووحشته وهول مطلعه ومسألة ملائكته إلا العمل الصالح الذى أمر الله به فمن زلت عند الموت قدمه فقد ظهرت ندامته وفاتته استقالته ودعا من الرجعة إلى مالا يجاب إليه وبذل من الفدية مالا يقبل منه فالله الله عباد الله وكونوا قوما سألوا الرجعة فأعطوها إذ منعها الذين طلبوها


124
فإنه ليس يتمنى المتقدمون قبلكم إلا هذا المهل المبسوط لكم واحذروا ما حذركم الله واتقوا اليوم الذى يجمعكم الله فيه لوضع موازينكم ونشر صحفكم الحافظة لأعمالكم فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقل به وما يمل في صحيفته الحافظة لما عليه وله فقد حكى الله لكم ما قال المفرطون عندها إذ طال إعراضهم عنها قال ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولاكبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا وقال ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) ولست أنهاكم عن الدنيا بأعظم مما نهتكم الدنيا عن نفسها فإن كل ما بها ينهى عنها وكل ما فيها يدعو إلى غيرها وأعظم مما رأته أعينكم من عجائبها ذم كتاب الله لها ونهى الله عنها فإنه يقول ( فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ) وقال ( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو الأيه ) فانتفعوا بمعرفتكم بها وبإخبار الله عنها واعلموا أن قومامن عباد الله أدركتهم عصمة الله فحذروا مصارعها وجانبوا خدائعها وآثروا طاعة الله فيها فأدركوا الجنة بما تركوا منها 116-خطبة ابن طباطبا العلوى

وخطب محمد بن إبراهيم بن إسمعيل بن إبراهيم طباطبا بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب حين انتهب قائد جيوشه أبو السرايا السرى ابن منصور قصر العباس بن موسى بن عيسى فقال


125

أما بعد فإنه لايزال يبلغنى أن القائل منكم يقول إن بنى العباس فيء لنا ونخوض في دمائهم ونرتع في أموالهم ويقبل قولنا فيهم وتصدق دعوانا عليهم حكم بلا علم وعزم بلا روية عجبا لمن يطلق بذلك لسانه ويحدث به نفسه أبكتاب الله تعالى حكم أم لسنة نبيه اتبع أفى ميلي معه طمع أم بسط يدى له بالجود أمل هيهات فازذو الحق بما نوى وأخطأ ذو الباطل بما تمني حق كل ذى حق في يده وكل مدع على حجته ويل لمن اغتصب حقا وادعى باطلا أفلح من رضى بحكم الله وخاف من أرغم الحق أنفه العدل أولى بالأثرة وإن رغم الجاهلون حق لمن أمر بالمعروف أن يجتنب المنكر ومن سلك سبيل العدل أن يصبرعلىمرارة الحق كل نفس تسمو إلى همتها ونعم الصاحب القناعة

أيها الناس إن أكرم العبادة الورع وأفضل الزاد التقوى واعملوا في دنياكم وتزودوا لاخرتكم اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون وإياكم والعصبية وحمية الجاهلية فإنهما يمحقان الدين ويورثان النفاق ولا تعاونوا على الإثم والعدوان يصلح لكم دينكم وتحسن المقالة فيكم الحق أبلج والسبيل منهج والباطل لجلج والناس مختلفون ولكل في الحق سعة من حاربنا حاربناه


126
ومن سالمنا سالمناه والناس جميعا آمنون إلا رجلا نصب لنا نفسه وأعان علينا بماله ولو شئت أن أقول ورجل قال فينا يتناول من أعراضنا لقلت وكفى حسب كل امرئ ما يصنعه وسيكفى الظالمون 117-استعطاف إبراهيم بن المهدي المأمون

لما ظفر المأمون بعمه إبراهيم بن المهدى أمر بإدخاله عليه فجىء بإبراهيم يحجل في قيوده فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقال له المأمون لا سلم الله عليك ولا حفظك ولا رعاك ولا كلأك يا إبراهيم فقال له إبراهيم على رسلك يا أمير المؤمنين ولى الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى ومن مد له الاغترار في الأمل هجمت به الأناة على التلف وقد أصبح ذنبى فوق كل ذنب كما أن عفوك فوق كل عفو فإن تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك ثم قال

( ذنبي إليك عظيم وأنت أعظم منه )

( فخذ بحقك أو لا فاصفح بفضلك عنه )

( إن لم أكن في فعالى من الكرام فكنه )

فأطرق المأمون مليا ثم رفع رأسه فقال أني شاورت أبا إسحق والعباس


127
في قتلك فأشارا على به قال فما قلت لهما يا أمير المؤمنين قال قلت لهما بدأنا له بإحسان ونحن نستأمره فيه فإن غير فالله يغير ما به قال أما أن يكونا قد نصحاك في عظم قدر الملك وما جرت عليه عادة السياسة فقد فعلا ولكن أبيت أن تستجلب النصر إلا من حيث عودك الله ثم استعبر باكيا فقال له المأمون ما يبكيك قال جذلا إذ كان ذنبى إلى من هذه صفته في الأنعام ثم قال يا أمير المؤمنين إنه وإن كان جرمى يبلغ سفك دمى فحلم أمير المؤمنين وتفضله يبلغاننى عفوه ولى بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب وحرمة الأب بعد الأب قال المأمون القدرة تذهب الحفيظة والندم توبة وعفو الله بينهما وهو أكبر ما يحاول يا إبراهيم لقد حببت إلى العفو حتى خفت أن لا أوجر عليه أما لو علم الناس ما لنا في العفو من اللذة لتقربوا إلينا بالجنايات لا تثريب عليك يغفر الله لك ولو لم يكن في حق نسبك ما يبلغ الصفح عن زلتك لبلغك ما أملت حسن توصلك ولطيف تنصلك ثم أمر برد ماله وضياعه فقال

( رددت مالي ولم تبخل على به وقبل ردك مالي قد حقنت دمى )

( فأبت منك وما كافأتها بيد هما الحياتان من وفر ومن عدم )

( وقام علمك بى فاحتج عندك لى مقام شاهد عدل غير متهم )

( فلو بذلت دمي أبغي رضاك به والمال حتى أسل النعل من قدمي )

( ما كان ذاك سوى عارية رجعت إليك لو لم تهبها كنت لم تلم )


128
118-إبراهيم بن المهدى وبختيشوع الطبيب

تنازع إبراهيم بن المهدى هو وبختيشوع الطبيب بين يدى أحمد بن داود القاضى في مجلس الحكم في عقار بناحية السواد فرزى عليه ابن المهدى وأغلظ له بين يدى أحمد بن داود فأحفظه ذلك فقال يا إبراهيم إذا نازعت أحدا في مجلس الحكم فلا أعلمن أنك رفعت عليه صوتا ولا أشرت بيد وليكن قصدك أمما وطريقك نهجا وريحك ساكنة وكلامك معتدلا ووف مجالس الحكومة حقوقها من التوقير والتعظيم والاستكانة والتوجه إلى الواجب فإن ذلك أشبه بك وأشكل لمذهبك في محتدك وعظيم خطرك ولا تعجل فرب عجلة تهب ريثا والله يعصمك من الزلل وخطل القول والعمل ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل إن ربك حكيم عليم

قال إبراهيم أصلحك الله أمرت بسداد وحضضت على رشاد ولست بعائد إلى ما يثلم مروءتى عندك ويسقطنى من عينك ويخرجنى من مقدار الواجب إلى الاعتذار فهأنا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقر بذنبه باخع بجرمه فإن الغضب لا يزال يستفزنى بمواده فيردنى مثلك بحلمه وتلك عادة الله عندنا منك وحسبنا الله ونعم الوكيل وقد وهبت حقى من هذا العقار لبختيشوع فليت ذلك اليوم يعول بأرش الجناية ولم يتلف مال أفاد موعظة وبالله التوفيق


129
119-استعطاف إسحاق بن العباس المأمون

وقال المأمون لإسحاق بن العباس لا تحسبنى أغفلت إجلابك مع ابن المهدى وتأييدك لرأيه وإيقادك لناره قال يا أمير المؤمنين ولرحمى أمس من أرحامهم وقد قال لهم كما قال يوسف لإخوته لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين وأنت يا أمير المؤمنين أحق وارث لهذه المنة وممتثل لخلال العفو والفضل

قال هيهات تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام وجرمك جرم في إسلامك وفي دار خلافتك قال يا أمير المؤمنين فوالله للمسلم أحق بإقالة العثرة وغفران الزلة من الكافر هذا كتاب الله بيني وبينك يقول الله تعالى ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) فهى للناس يا أمير المؤمنين سنة دخل فيها المسلم والكافر والشريف والمشروف قال صدقت اجلس وريت بك زنادي ولا برحت أرى من أهلك أمثالك 120-أحد وجوه بغداد يمدح المامون حين دخلها

لما دخل المأمون بغداد تلقاه وجوه أهلها فقال له رجل منهم يا أمير المؤمنين بارك الله لك في مقدمك وزاد في نعمتك وشكرك عن رعيتك تقدمت من قبلك وأتعبت من بعدك وآيست أن يعاين مثلك أما فيما مضى فلا نعرفه


130
وأما فيما بقى فلا نرجوه فنحن جميعا ندعو لك ونثنى عليك خصب لنا جنابك وعذب ثوابك وحسنت نظرتك وكرمت مقدرتك جبرت الفقير وفككت الأسير فإنك يا أمير المؤمنين كما قال الأول

( ما زلت في البذل والنوال وإطلاق لعان بجرمه غلق )

( حتى تمنى البراء أنهم عندك أسرى في القيد والحلق ) 121-أحد أهل الكوفة يمدح المأمون

وقدم وفد من الكوفة إلى بغداد فوقفوا للمأمون فأعرض عنهم فقال شيخ منهم يا أمير المؤمنين يدك أحق يد بتقبيل لعلوها في المكارم وبعدها من الماثم وأنت يوسفى العفو في قلة التثريب من أرادك بسوء جعله الله حصيد سيفك وطريد خوفك وذليل دولتك فقال يا عمرو نعم الخطيب خطيبهم اقض حوائجهم 122-محمد بن عبد الملك بن صالح بين يدي المأمون ودخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون حين قبض ضياعهم فقال

يا أمير المؤمنين محمد بن عبد الملك بين يديك ربيب دولتك وسليل نعمتك وغصن من أغصان دوحتك أتأذن في الكلام قال نعم قال أستمنح الله حياطة ديننا ودنيانا ورعاية أدنانا وأقصانا ببقائك ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا وفي أثرك من آثارنا ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا هذا مقام العائذ بفضلك الهارب إلى كنفك وظلك الفقير إلى رحمتك وعدلك ثم تكلم في حاجته فقضاها


131
123-الحسن بن سهل يمدح المأمون وقال الحسن بن سهل يوما للمأمون

الحمد لله يا أمير المؤمنين على جزيل ما آتاك وسنى ما أعطاك إذ قسم لك الخلافة ووهب لك معها الحجة ومكنك بالسلطان وحلاه لك بالعدل وأيدك بالظفر وشفعه لك بالعفو وأوجب لك السعادة وقرنها بالسيادة فمن فسح له في مثل عطية الله لك أم من ألبسه الله تعالى من زينة المواهب ما ألبسك أم من ترادفت نعمة الله تعالى عليه ترادفها عليك أم هل حاولها أحد وارتبطها بمثل محاولتك أم أى حاجة بقيت لرعيتك لم يجدوها عندك أم أى قيم للإسلام انتهى إلى عنايتك ودرجتك تعالى الله تعالى ما أعظم ما خص القرن الذى أنت ناصره وسبحان الله أى نعمة طبقت الأرض بك إن أدى شكرها إلى بارئها والمنعم على العباد بها إن الله تعالى خلق السماء في فلكها ضياء يستنير بها جميع الخلائق فكل جوهر زها حسنه ونوره فهل لبسته زينته إلا بما اتصل به من نورك وكذلك كل ولى من أوليائك سعد بأفعاله في دولتك وحسنت صنائعه عند رعيتك فإنما نالها بما أيدته من رأيك وتدبيرك وأسعدته من حسنك وتقويمك 124-يحيى بن أكثم يمدح المأمون وقال المأمون ليحيى بن أكثم صف لي حالي عند الناس فقال

يا أمير المؤمنين قد انقادت لك الأمور بأزمتها وملكتك الأمة فضول


132
أعنتها بالرغبة إليك والمحبة لك والرفق منك والعياذ بك بعدلك فيهم ومنك عليهم حتى لقد أنيستهم سلفك وآيستهم من خلفك فالحمد لله الذي جمعنا بك بعد التقاطع ورفعنا في دولتك بعد التواضع

فقال يا يحيى أتحبيرا أم ارتجالا قال قلت وهل يمتنع فيك وصف أو يتعذر على مادحك قول أو يفحم فيك شاعر أو يتلجلج فيك خطيب 125-أحد بني هاشم والمأمون أذنب رجل من بني هاشم ذنبا فعنفه المأمون فقال

يا أمير المؤمنين من كانت له مثل دالتي ولبس ثوب حرمتي ومت بمثل قرابتي غفر له فوق زلتى فأعجب المأمون كلامه وصفح عنه 126-رجل يتظلم إلى المأمون وتظلم رجل إلى المأمون من عامل له فقال

يا أمير المؤمنين ما ترك لى فضة إلا فضها ولا ذهبا إلا ذهب به ولا غلة إلا غلها ولا ضيعة إلا أضاعها ولا علقا إلا علقه ولا عرضا إلا عرض له ولا ماشية إلا امتشها ولا جليلا إلا أجلاه ولا دقيقا إلا دقه فعجب من فصاحته وقضى حاجته


133
127-عمرو بن سعيد والمأمون

وقال عمرو بن سعيد بن سلم كانت على نوبة أنوبها في حرس المأمون فكنت في نوبتي ليلة فخرج متفقدا من حضر فعرفته ولم يعرفنى فقال من أنت قلت عمرو عمرك الله ابن سعيد أسعدك الله ابن سلم سلمك الله فقال أنت تكلؤن منذ الليلة قلت الله يكلؤك قبلي وهو خير حافظا وهو أرحم الراحمين فقال المأمون

( إن أخاك الصدق من يسعى معك ومن يضر نفسه لينفعك )

( ومن إذا صرف الزمان صدعك بدد شمل نفسه ليجمعك ) 128-الحسن بن رجاء والمأمون

دخل المأمون بعض الدواوين فرأى غلاما جميلا على أذنه قلم فقال من أنت يا غلام فقال

أنا يا أمير المؤمنين الناشىء في دولتك المتقلب في نعمتك المؤمل لخدمتك خادمك وابن خادمك الحسن بن رجاء فقال أحسنت يا غلام وبالإحسان في البديهة تفاضلت العقول وأمر برفع مرتبته 129-سعيد بن مسلم والمأمون وقال سعيد بن مسلم بن قتيبة للمأمون

لولم أشكر الله تعالى إلا على حسن ما أبلانى من أمير المؤمنين من قصده إلى بحديثه وإشارته إلى بطرفه لقد كان في ذلك أعظم الرفعة وأرفع ما توجبه الحرمه


134

فقال يفعل أمير المؤمنين ذلك لأن أمير المؤمنين يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدثت وحسن الفهم إذا حدثت مالم يجده عند أحد ممن مضى ولا يظن أنه يجد عنه أحد ممن بقى فإنك لتستقصي حديثي وتقف عند مقاطع كلامى وتخبر بما كنت أغفلته منه 130-أبو زهمان يعظ سعيد بن مسلم

وقال سعيد بن مسلم كنت واليا بأرمينية فغبر أبو زهمان العلاني على بابي أياما فلما وصل إلى مثل بين يدى قائما بين السماطين وقال

والله إنى لأعرف أقواما لو علموا أن سف التراب يقيم من أود أصلابهم لجعلوه مسكة لازما فيهم إيثارا للتنزه عن عيش رقيق الحواشى أما والله إنى لبعيد الوثبة بطىء العطفة إنه والله ما يثنينى عليك إلا مثل ما يصرفنى عنك ولأن أكون مقلا مقربا أحب إلى من أن أكون مكثرا مبعدا والله ما نسأل عملا لا نضبطه ولا مالا إلا نحن أكثر منه وهذا الأمر الذى صار إليك في يديك كان في يد غيرك فأمسوا والله حديثا إن خيرا فخير وإن شرا فشر فتحبب إلى عباد الله بحسن البشر ولين الجانب فإن حب عباد الله موصول بحب الله وبغضهم موصول ببغض الله لأنهم شهداء الله على خلقه ورقباؤه على من اعوج عن سبيله 131-وصية طاهر بن الحسين لابنه عبد الله لما ولاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما سنة 206ه

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له


135
وخشيته ومراقبته ومزايلة سخطه وحفظ رعيتك والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك وما أنت صائر إليه وموقوف عليه ومسئول عنه والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله وينجيك يوم القيامة من عذابه وأليم عقابه فإن الله قد أحسن إليك وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده وألزمك العدل عليهم والقيام بحقه وحدوده فيهم والذب عنهم والدفع عن حريمهم وبيضتهم والحقن لدمائهم والأمن لسبيلهم وإدخال الراحة عليهم في معايشهم ومؤاخذك بما فرض عليك من ذلك وموقفك عليه ومسائلك عنه ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت ففرغ لذلك فكرك وعقلك وبصرك ورؤيتك ولا يذهلك عنه ذاهل ولا يشغلك عنه شاغل فإنه رأس أمرك وملاك شأنك وأول مايوفقك الله به لرشدك وليكن أول ما تلزم به نفسك وتنسب إليه فعالك المواظبة على ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس والجماعة عليها بالناس قبلك في مواقيتها على سننها في إسباغ الوضوء لها وافتتاح ذكر الله فيها وترتل في قراءتك وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك ولتصدق فيها لربك نيتك واحضض عليها جماعة من معك وتحت يدك وادأب عليها فإنها كما قال الله تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر ثم أتبع ذلك الأخذ بسنن رسول الله والمثابرة على خلائقه واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة الله وتقواه ولزوم ما أنزل الله في كتابه من أمره ونهيه وحلاله وحرامه وائتمام ما جاءت به الاثار عن النبي ثم قم فيه بما يحق لله عليك
136
ولا تمل عن العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو بعيد وآثر الفقه وأهله والدين وحملته وكتاب الله والعاملين به فإن أفضل ما تزين به المرء الفقه في دين الله والطلب له والحث عليه والمعرفة بما يتقرب به إلى الله فإنه الدليل على الخير كله والقائد له والآمر به والناهى عن المعاصى والموبقات كلها وبها مع توفيق الله تزداد العباد معرفة بالله عز وجل وإجلالا له ودركا للدرجات العلا في المعاد مع مافى ظهوره للناس من التوقير لأمرك والهيبة لسلطانك والأنسة بك والثقة بعدلك وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها فليس شيء أبين نفعا ولا أحضر أمنا ولا أجمع فضلا من القصد والقصد داعية إلى الرشد والرشد دليل على التوفيق والتوفيق قائد إلى السعادة وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد فآثره في دنياك كلها ولا تقصر في طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة والسنن المعروفة ومعالم الرشد فلا غاية للاستكثار من البر والسعى له إذا كان يطلب به وجه الله ومرضاته ومرافقة أوليائه في دار كرامته واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز ويحصن من الذنوب وإنك لن تحوط نفسك ومن يليك ولا تستصلح أمورك بأفضل منه فأته واهتد به تتم أمورك وتزد مقدرتك وتصلح خاصتك وعامتك وأحسن الظن بالله عز وجل تستقم لك رعيتك والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلها تستدم به النعمة عليك ولا تتهمن أحدا من الناس فيما توليه من عملك قبل أن تكشف أمره فإن إيقاع التهم بالبرآء والظنون السيئة بهم مأثم واجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك واطرد عنك سوء الظن بهم وارفضه فيهم يعينك ذلك على اصطناعهم ورياضتهم ولا يجدن عدو الله الشيطان في أمرك مفخرا فإنه إنما يكتفي بالقليل من وهنك فيدخل عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لذاذة عيشك واعلم أنك
137
تجد بحسن الظن قوة وراحة وتكفى به ما أحببت كفايته من أمورك وتدعو به الناس إلى محبتك والاستقامة في الأمور كلها لك ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك والمباشرة لأمور الأولياء والحياطة للرعية والنظر فيما يقيمها ويصلحها بل لتكن المباشرة لأمور الأولياء والحياطة للرعية والنظر في حوائجهم وحمل مثوناتهم اثر عندك مما سوى ذلك فإنه أقوم للدين وأحيا للسنة وأخلص نيتك في جميع هذا وتفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم أنه مسئول عما صنع ومجزى بما أحسن ومأخذو بما أساء فإن الله جعل الدين حرزا وعزا ورفع من اتبعه وعززه فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين وطريقة الهدى وأقم حدود الله في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه ولا تعطل ذلك ولا تهاون به ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة فإن في تفريطك في ذلك لما يفسد عليك حسن ظنك واعزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة وجانب الشبه والبدعات يسلم لك دينك وتقم لك مروءتك وإذا عاهدت عهدا فف به وإذا وعدت الخير فأنجزه واقبل الحسنة وادفع بها وأغمض عن عيب كل ذى عيب من رعيتك واشدد لسانك عن قول الكذب والزور وأبغض أهله وأقص أهل النميمة فإن أول فساد أمرك في عاجل الأمور وآجلها تقريب الكذوب والجرأة على الكذب لأن الكذب رأس المآثم والزور والنميمة خاتمتها لأن النميمة لا يسلم صاحبها وقائلها لا يسلم له صاحب ولا يستقيم لمطيعها أمر وأحب أهل الصدق والصلاح وأعز الأشراف بالحق وواصل الضعفاء وصل الرحم وابتغ بذلك وجه الله وعزة أمره والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة واجتنب سوء الأهواء والجور واصرف عنهما رأيك وأظهر براءتك من ذلك لرعيتك وأنعم بالعدل في سياستهم وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهى بك إلى سبيل الهدى واملك نفسك عند الغضب وآثر
138
الوقار والحلم وإياك والحدة والطيش والغروز فيما أنت بسبيله وإياك أن تقول إنى مسلط أفعل ما أشاء فإن ذلك سريع بك إلى نقص الرأي وقلة اليقين بالله وحده لا شريك له وأخلص لله النية فيه واليقين به واعلم أن الملك لله يعطيه من يشاء وينزعه ممن يشاء ولن تجد تغير النعمة وحلول النقمة إلى أحد أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة إذا كفروا بنعم الله وإحسانه واستطالوا بما آتاهم الله من فضله ودع عنك شره نفسك ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدخر وتكنز البر والتقوى والمعدلة واستصلاح الرعية وعمارة بلادهم والتفقد لأمورهم والحفظ لدهمائهم والإغاثة لملهوفهم واعلم أن الأموال إذا كثرت وذخرت في الخزائن لا تثمر وإذا كانت في إصلاح الرعية وإعطاء حقوقهم وكف المئونة عنهم نمت وربت وصلحت به العامة وتزينت به الولاة وطاب به الزمان واعتقد فيه العز والمنعة فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم وأوف رعيتك من ذلك حصصهم وتعهد ما يصلح أمورهم ومعايشهم فإنك إذا فعلت ذلك قرت النعمة عليك واستوجبت المزيد من الله وكنت بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيتك وعملك أقدر وكان الجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أساس لطاعتهم وأطيب نفسا لكل ما أردت فاجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب ولتعظم حسبتك فيه فإنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل حقه واعرف للشاكرين شكرهم وأثبهم عليه وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الاخرة فتتهاون بما يحق عليك فإن التهاون يوجب التفريط والتفريط يورث البوار وليكن عملك لله وفيه تبارك وتعالى وارج الثواب فإن الله قد أسبغ عليك نعمته في الدنيا وأظهر لديك فضله فاعتصم بالشكر وعليه فاعتمد يزدك الله خيرا وإحسانا فإن الله يثيب بقدر شكر الشاكرين
139
وسيرة المحسنين وقضى الحق فيما حمل من النعم وألبس من العافية والكرامة ولا تحقرن ذنبا ولا تمالئن حاسدا ولا ترحمن فاجرا ولا تصلن كفورا ولا تداهنن عدوا ولا تصدقن نماما ولا تأمنن غدارا ولا توالين فاسقا ولاتتبعن غاويا ولا تحمدن مرائيا ولاتحقرن إنسانا ولا تردن سائلا فقيرا ولا تجيبن باطلا ولا تلاحظن مضحكا ولا تخلفن وعدا ولا تزهون فخرا ولا تظهرن غضبا ولا تأتين بذخا ولا تمشين مرحا ولا تركبن سفها ولا تفرطن في طلب الاخرة ولا ترفع للنمام عينا ولا تغمضن عن الظالم رهبة منه أو مخافة ولا تطلبن ثواب الآخرة بالدنيا وأكثر مشاورة الفقهاء واستعمل نفسك بالحلم وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل والرأى والحكمة ولا تدخلن في مشورتك أهل الدقة والبخل ولا تسمعن لهم قولا فإن ضررهم أكثر من منفعتهم وليس شيء أسرع فسادا لما استقبلت في أمر رعيتك من الشح واعلم أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ قليل العطية وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلا فإن رعيتك إنما تعتقد على محبتك بالكف عن أموالهم وترك الجور عنهم ويدوم صفاء أوليائك لك بالإفضال عليهم وحسن العطية لهم فاجتنب الشح واعلم أنه أول ما عصى به الإنسان ربه وأن العاصى بمنزلة خزى وهو قول الله عز وجل ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) فسهل طريق الجود بالحق واجعل للمسلمين كلهم من نيتك حظا ونصيبا وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد فأعدده لنفسك خلقا وارض به عملا ومذهبا وتفقد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم وأدرر عليهم أرزاقهم ووسع عليهم في معايشهم ليذهب بذلك الله فاقتهم ويقوم لك أمرهم ويزيد به قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصا وانشراحا وحسب ذى سلطان
140
من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة في عدله وحيطته وإنصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته فزايل مكروه أحد البابين باستشعار تكملة الباب الآخر ولزوم العمل به تلق إن شاء الله نجاحا وصلاحا وفلاحا واعلم أن القضاء من الله بالمكان الذى ليس به شيء من الأمور لأنه ميزان الله الذى يعتدل عليه الأحوال في الأرض وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح الرعية وتأمن السبل وينتصف المظلوم ويأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة ويؤدى حق الطاعة ويرزق الله العافية والسلامة ويقوم الدين وتجري السنن والشرائع وعلى مجاريها يتنجز الحق والعدل في القضاء واشتد فى أمر الله وتورع عن النطف وامض لإقامة الحدود وأقلل العجلة وابعد من الضجر والقلق واقنع بالقسم ولتسكن ريحك ويقر جدك وانتفع بتجربتك وانتبه في صمتك واسدد في منطقك وأنصف الخصم وقف عند الشبهة وأبلغ في الحجة ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة ولا محاماة ولا لوم لائم وتثبت وتأن وراقب وانظر وتدبر وتفكر واعتبر وتواضع لربك وارأف بجميع الرعية وسلط الحق على نفسك ولا تسرعن إلى سفك دم فإن الدماء من الله بمكان عظيم انتهاكا له بغير حقها وانظر هذا الخراج الذى قد استقامت عليه الرعية وجعله الله للاسلام عزا ورفعة ولأهله سعة ومنعة ولعدوه وعدوهم كبتا وغيظا ولأهل الكفر من معاديهم ذلا وصغارا فوزعه بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم فيه ولا ترفعن منه شيئا عن شريف لشرفه ولا عن غنى لغناه ولا عن كاتب لك ولا أحد من خاصتك ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له ولا تكلفن أمرا فيه شطط واحمل الناس كلهم على مر الحق فإن ذلك أجمع لألفتهم
141
وألزم لرضا العامة واعلم أنك جعلت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا وإنما سمى أهل عملك رعيتك لأنك راعيهم وقيمهم تأخذ منها ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم وتنفقه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم فاستعمل عليهم في كور عملك ذوي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل والعلم بالسياسة والعفاف ووسع عليهم في الرزق فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت وأسند إليك ولا يشغلنك عنه شاغل ولا يصرفنك عنه صارف فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الأحدوثة في عملك واحترزت النصحة من رعيتك وأعنت على الصلاح فدرت الخيرات ببلدك وفشت العمارة بناحيتك وظهر الخصب في كورك فكثر خراجك وتوفرت أموالك وقويت بذلك على ارتباط جندك وإرضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم من نفسك وكنت محمود السياسة مرضى العدل في ذلك عند عدوك وكنت في أمورك كلها ذا عدل وقوة وآلة وعدة فنافس في هذا ولا تقدم عليه شيئا تحمد مغبة أمرك إن شاء الله واجعل في كل كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عمالك ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لأمره كله وإن أردت أن تأمره بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك فإن رأيت السلامة فيه والعافية ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع فأمضه وإلا فتوقف عنه وراجع أهل البصر والعلم ثم خذ فيه عدته فإنه ربما نظر الرجل في أمر من أمره قد واتاه على ما يهوى فقواه ذلك وأعجبه وإن لم ينظر في عواقبه أهلكه ونقض عليه أمره فاستعمل الحزم في كل ما أردت وباشره بعد عون الله بالقوة وأكثر استخارة ربك في جميع أمورك وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك وأكثر مباشرته بنفسك فإن لغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذى أخرت واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه فإذا أخرت عمله
142
اجتمع عليك أمر يومين فشغلك ذلك حتى تعرض عنه فإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك وأحكمت أمور سلطانك وانظر أحرار الناس وذوي الشرف منهم ثم استيقن صفاء طويتهم وتهذيب مودتهم لك ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك فاستخلصهم وأحسن إليهم وتعاهد أهل البيوتات ممن دخلت عليهم الحاجة فاحتمل مئونتهم وأصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسا وأفرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء والمساكين ومن لا يقدر على رفع مظلمته إليك والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه فاسأل عنه أحفى مسألة ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم وتعاهد ذوي البأساء ويتاماهم وأراملهم واجعل لهم أرزاقا من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين أعزه الله في العطف عليهم والصلة لهم ليصلح الله بذلك عيشهم ويرزقك به بركة وزيادة وأجر للأضراء من بيت المال وقدم حملة القرآن منهم والحافظين لأكثره في الجراية على غيرهم وانصب لمرضى المسلمين دورا تؤويهم وقواما يرفقون بهم وأطباء يعالجون أسقامهم وأسعفهم بشهواتهم مالم يؤد ذلك إلى سرف في بيت المال واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيهم لم يرضهم ذلك ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعا في نيل الزيادة وفضل الرفق منهم وربما برم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤنة ومشقة وليس من يرغب في العدل ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل كالذى يستقبل مايقربه إلى الله ويلتمس رحمته به وأكثر الإذن للناس عليك وأبرز لهم وجهك وسكن لهم أحراسك واخفض لهم جناحك وأظهر لهم بشرك ولن لهم في المسألة والمنطق واعطف عليهم بجودك وفضلك وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس والتمس الصنيعة والأجر غير مكدر ولا منان
143
فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى من قبلك من أهل السلطان والرياسة في القرون الخالية والأمم البائدة ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله والوقوف عند محبته والعمل بشريعته وسنته وإقامة دينه وكتابه واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ودعا إلى سخط الله واعرف ما تجمع عمالك من الأموال وما ينفقون منها ولا تجمع حراما ولا تنفق إسرافا وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها وإيثار مكارم الأمور ومعاليها وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيبا فيك لم يمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في سر وإعلامك ما فيه من النقص فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك لك وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتا يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامرته وما عنده من حوائج عمالك وأمر كورك ورعيتك ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك وكرر النظر إليه والتدبير له فما كان موافقا للحزم والحق فأمضه واستخر الله فيه وما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبيت فيه والمسألة عنه ولا تمنن علىرعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور أمير المؤمنين ولا تضعن المعروف إلا على ذلك وتفهم كتابي إليك وأكثر النظر فيه والعمل به واستعن بالله على جميع أمورك واستخره فإن الله مع الصلاح وأهله وليكن أعظم سيرتك وأفضل رعيتك ما كان لله رضا ولدينه نظاما ولأهله عزا وتمكينا وللذمة والملة عدلا وصلاحا وأنا أسأل الله أن يصلح عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك وأن ينزل عليك فضله ورحمته بتمام فضله عليك وكرامته لك حتى يجعلك أفضل أمثالك نصيبا وأوفرهم حظا وأسناهم ذكرا وأمرا وأن يهلك عدوك ومن ناوأك وبغى عليك ويرزقك من
144
رعيتك العافية ويحجز الشيطان عنك ووساوسه حتى يستعلى أمرك بالعز والقوة والتوفيق إنه قريب مجيب وكروا أن طاهرا لما عهد إلى ابنه عبد الله هذا العهد تنازعه الناس وكتبوه وتدارسوه وشاع أمره حتى بلغ المأمون فدعا به وقرئ عليه فقال ما بقى أبو الطيب يعنى طاهرا شيئا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأى والسياسة وإصلاح الملك والرعية وحفظ البيضة وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه وأوصى به وتقدم وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحى الأعمال 132-خطبة عبد الله بن طاهر

خطب عبد الله بن طاهر الناس وقد تيسر لقتال الخوارج فقال

إنكم فئة الله المجاهدون عن حقه الذابون عن دينه الذائدون عن محارمة الداعون إلى ما أمر به من الاعتصام بحبله والطاعة لولاة أمره الذين جعلهم رعاة الدين ونظام المسلمين فاستنجزوا موعود الله ونصره بمجاهدة عدوه وأهل معصيته الذين أشرو وتمردوا وشقوا العصا وفارقوا الجماعة ومرقوا من الدين وسعوا في الأرض فسادا فإنه يقول تبارك وتعالى ( إن تنصروا الله ينصركم


0
حذف
145
ويثبت أقدامكم ) فليكن الصبر معقلكم الذي إليه تلجئون وعدتكم التي بها تستظهرون فإنه الوزر المنيع الذى دلكم الله عليه والجنة الحصينة التي أمركم الله بلباسها غضوا أبصاركم واخفتوا أصواتكم في مصافكم وامضوا قدما على بصائركم فارغين إلى ذكر الله والاستعانة به كما أمركم الله فإنه يقول ( إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ) أيدكم الله بعز الصبر ووليكم بالحياطة والنصر 133-العباس بن المأمون والمعتصم المتوفى سنة 227ه

قال العباس بن المأمون لما أفضت الخلافة إلى المعتصم دخلت فقال هذا مجلس كنت أكره الناس لجلوسى فيه فقلت يا أمير المؤمنين أنت تعفو عما تيقنته فكيف تعاقب على ما توهمته فقال لو أردت عقابك لتركت عتابك 134-استعطاف تميم بن جميل للمعتصم

كان تميم بن جميل السدوسى قد خرج بشاطىء الفرات واجتمع إليه كثير من الأعراب فعظم أمره وبعد ذكره فكتب المعتصم إلى مالك بن طوق في النهوض إليه فبدد جمعه فظفر به فحمله موثقا إلى المعتصم قال أحمد بن أبى داود ما رأينا رجلا عاين الموت فما هاله ولا أذهله عما كان يجب عليه أن يفعله إلا تميم بن جميل فإنه أوفى به الرسول باب أميرالمؤمنين المعتصم في يوم الموكب حين يجلس للعامة ودخل عليه فلما مثل بين يديه دعا بالنطع والسيف فأحضرا فجعل تميم بن جميل ينظر إليهما ولا يقول شيئا وجعل المعتصم يصعد النظر فيه ويصونه وكان جسما


146
وسيما ورأى أن يستنطقه لينظر أين جنانه ولسانه من منظره فقال يا تميم إن كان لك عذر فأت به أو حجة فأدل بها فقال أما إذ قد أذن لي أمير المؤمنين فإنى أقول

الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين جبر بك صدع الدين ولم بك شعث المسلمين وأوضح بك سبل الحق وأخمد بك شهاب الباطل يا أمير المؤمنين إن الذنوب تخرس الألسنة الفصيحة وتعي الأفئدة الصحيحة ولقد عظمت الجريرة وانقطعت الحجة وكبر الذنب وساء الظن ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك وأرجو أن يكون أقربهما مني وأسرعهما إلي أولاهما بامتنانك وأشبههما بخلافتك ثم أنشأ يقول

( أرى الموت بين السيف والنطع كامنا يلاحظنى من حيثما أتلفت )

( وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي وأي أمرئ مما قضى الله يفلت )

( ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة وسيف المنايا بين عينيه مصلت )

( يعز على الأوس بن تغلب موقف يسل على السيف فيه وأسكت )

( وما جزعي من أن أموت وإنني لأعلم أن الموت شيء موقت ) ( ولكن خلفي صبية قد تركتهم وأكبادهم من حسرة تتفتت )

( كأني أراهم حين أنعى إليهم وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا )

( فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة أذود الردى عنهم وإن مت موتوا )

( فكم قائل لا يبعد الله روحه وآخر جذلان يسر ويشمت )


146
حذف
146
وسيما ورأى أن يستنطقه لينظر أين جنانه ولسانه من منظره فقال يا تميم إن كان لك عذر فأت به أو حجة فأدل بها فقال أما إذ قد أذن لى أمير المؤمنين فإنى أقول

الحمد لله الذى أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين جبر بك صدع الدين ولم بك شعث المسلمين وأوضح بك سبل الحق وأخمد بك شهاب الباطل يا أمير المؤمنين إن الذنوب تخرس الألسنة الفصيحة وتعيى الأفئدة الصحيحة ولقد عظمت الجريرة وانقطعت الحجة وكبر الذنب وساء الظن ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك وأرجو أن يكون أقربهما منى وأسرعهما إلى أولاهما بامتنانك وأشبههما بخلافتك ثم أنشأ يقول

( أرى الموت بين السيف والنطع كامنا يلاحظنى من حيثما أتلفت )

( وأكبر ظنى أنك اليوم قاتلى وأى امرىء مما قضى الله يفلت )

( ومن ذا الذى يدلى بعذر وحجة وسيف المنايا بين عينيه مصلت )

( يعز على الأوس بن تغلب موقف يسل على السيف فيه وأسكت )

( وما جزعى من أن أموت وإننى لأعلم أن الموت شيء موقت )

( ولكن خلفى صبية قد تركتهم وأكبادهم من حسرة تتفتت )

( كأنى أراهم حين أنعى إليهم وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا )

( فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة أذود الردى عنهم وإن مت موتوا )

( فكم قائل لا يبعد الله روحه واخر خذلان يسر ويشمت )


147

فتبسم المعتصم وقال كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل أذهب فقد غفرت لك الصبوة ووهبتك للصبية ثم أمر بفك قيوده وخلع عليه وعقد له بشاطئ الفرات 135-بين يدى سليمان بن وهب وزير المهتدى بالله

ولما ولى المهتدى بالله بن الواثق بن المعتصم سليمان بن وهب وزارته قام إليه رجل من ذوى حرمته فقال أعز الله الوزير أنا خادمك المؤمل لدولتك السعيد بأيامك المنطوي القلب على ودك المنشور اللسان بمحك المرتهن بشكر نعمتك 136-أحمد بن أبى داود والواثق المتوفى سنة 233ه

دخل أحمد بن أبى داود علىالواثق فقال ما زال اليوم قوم في ثلبك ونقصك فقال يا أمير المؤمنين لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم والله ولى جزائه وعقاب أمير المؤمنين من ورائه


148
وما ذل يا أمير المؤمنين من أنت ناصره وما صاق من كنت جارا له فما قلت لهم يا أمير المؤمنين قال قلت يا أبا عبد الله

( وسعى إلى بعيب عزة معشر جعل الإله حدودهن نعالها ) 137- ابن أبى داود والواثق أيضا

وقال الواثق يوما لابن أبى داود تضجرا بكثرة حوائجه قد أخليت بيوت الأموال بطلباتك للأمذين بك والمتوسلين إليك فقال

يا أمير المؤمنين نتائج شكرها متصلة بك وذخائرها موصولة لك ومالى من ذلك إلا عشق اتصال الألسن بخلود المدح فقال والله لا منعناك ما يزيد في عشقك ويقوي في همتك فينا ولنا وأمر فأخرج له خمسة وثلاثين ألف درهم 138-ابن أبى داود وابن الزيات

وكان بين القاضي أحمد بن أبي داود وبين الوزير محمد بن عبد الملك الزيات منافسة وشحناء حتى منع الوزير شخصا كان يصحب القاضي ويختص بقضاء حوائجه من الترداد إليه فبلغ ذلك القاضى فجاء إلى الوزير فقال له

والله ما أجيئك متكثرا بك من قلة ولا متعززا بك من ذلة ولكن أمير المؤمنين رتبك مرتبة أوجبت لقاءك فإن لقيناك فله وإن تأخرنا عنك فلك


149
139- الجاحظ وابن أبى داود وكان الجاحظ مختصا بمحمد بن عبد الملك الزيات منحرفا عن أحمد بن أبى داود فلما نكب ابن الزيات حمل الجاحظ مقيدا من البصرة وفي عنقه سلسلة وعليه قميص سمل فلما دخل على القاضى أحمد قال له والله ما أعلمك إلا متناسيا للنعمة كفورا للصنيعة معدنا للمساويء وما فتنتنى باستصلاحى لك ولكن الأيام لا تصلح منك لفساد طويتك ورداءة دخيلتك وسوء اختيارك وغالب طباعك

فقال الجاحظ خفض عليك أيدك الله فوالله لأن يكون لك الأمر على خير من أن يكون لى عليك ولأن أسىء وتحسن أحسن في الأحدوثة عليك من أن أحسن وتسىء ولأن تعفو عنى في حال قدرتك أجمل بك من الانتقام مني

فقال أحمد والله ما علمتك إلا كثير تزويق الكلام فحل عنه الغل والقيد وأحسن إليه وصدره في المجلس


150
140-أبو العيناء وابن أبى داود

وقال أبو العيناء لابن أبى داود إن قوما من أهل البصرة قدموا إلى سر من رأى يدا على فقال يد الله فوق أيديهم فقلت إن لهم مكرا فقال ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فقلت إنهم كثير قال ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) تم الجزء الثالث ويليه ذيل الجمهره


162
الباب الأول في خطب الأندلسيين والمغاربة 1-خطبة عبد الرحمن الداخل المتوفى سنة 171ه يوم حربه مع يوسف الفهري صاحب الأندلس

لما اشتد الكرب بين يدي عبد الرحمن الداخل يوم حربه مع يوسف الفهري صاحب الأندلس ورأى شدة مقاساة أصحابه قال

هذا اليوم هو أس ما يبني عليه إما ذل الدهر وإما عز الدهر فاصبروا ساعة فيما لا تشتهون تربحوا بها بقية أعماركم فيما تشتهون

ولما أنحى أصحابه على أصحاب الفهري بالقتل يوم هزيمتهم على قرطبة قال


163
لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقتهم واستبقوهم لأشد عداوة منهم يشير إلى استبقائهم ليستعان بهم على أعداء الدين 2- عبد الرحمن الداخل ورجل من جند قنسرين

ولما أذعن يوسف صاحب الأندلس لعبد الرحمن واستقر ملكه استحضر الوفود إلىقرطبة فانثالوا عليه ووالى القعود لهم في قصره عدة أيام في مجالس يكلم فيها رؤساءهم ووجوههم بكلام سرهم وطيب نفوسهم

وفي بعض مجالسهم هذه مثل بين يديه رجل من جند قنسرين يستجديه فقال له

يابن الخلائف الراشدين والسادة الأكرمين إليك فررت وبك عذت من زمن ظلوم ودهر غشوم قلل المال وكثر العيال وشعث الحال فصير إلى نداك المال وأنت ولى الحمد والمجد والمرجو للرفد فقال له عبد الرحمن مسرعا

قد سمعنا مقالتك وقضينا حاجتك وأمرنا بعونك على دهرك على كرهنا لسوء مقامك فلا تعودن ولا سواك لمثله من إراقة ماء وجهك بتصريح المسألة والإلحاف في الطلبة وإذا ألم بك خطب أو حزبك أمر فارفعه إلينا في رقعة لا تعدوك كيما نستر عليك خلتك ونكف شمات العدو عنك بعد رفعك لها إلى مالكك ومالكنا عز وجهه بإخلاص الدعاء وبصدق النية


164

وأمر له بجائزة حسنة وخرج الناس يتعجبون من حسن منطقه وبراعة أدبه وكف فيما بعد ذوو الحاجات عن مقابلته بها شفاها في مجلسه 3- عبد الرحمن الداخل ورجل من جنده يهنئه بفتح سرقسطة

ولما فتح عبد الرحمن الداخل سرقسطة وحصل في يده ثائرها الحسين الأنصارى وانتهى نصره فيها إلى غاية أمله أقبل خواصه يهنئونه فجرى بينهم أحد من لا يؤبه به من الجند فهنأه بصوت عال فقال له عبد الرحمن

والله لولا أن هذا اليوم يوم أسبغ على فيه النعمة من هو فوقي فأوجب على ذلك أن أنعم فيه على من هو دوني لأصليتك ما تعرضت له من سوء النكال من تكون حتى تقبل مهنئا رافعا صوتك غير متلجلج ولا متهيب لمكان الإمارة ولا عارف بقيمتها حتى كأنك تخاطب أباك أو أخاك وإن جهلك ليحملك على العود لمثلها فلا تجد مثل هذا الشافع في مثلها من عقوبة

فقال ولعل فتوحات الأمير يقترن اتصالها باتصال جهلى وذنوبي فتشفع لي متى أتيت بمثل هذه الزلة لا أعدمنيه الله تعالى

فتهلل وجه الأمير وقال ليس هذا باعتذار جاهل ثم قال نهونا على أنفسكم إذا لم تجدوا من ينبهنا عليها ورفع مرتبته وزاد في عطائه 4-تاديب عبد الرحمن الاوسط لابنه المنذر

كان المنذر ابن الأمير عبد الرحمن الأوسط سيء الخلق في أول أمره كثير الإصغاء إلى أقوال الوشاة مفرط القلق مما يقال في جانبه معاقبا على ذلك من يقدر على معاقبته


165
مكثر التشكى ممن لا يقدر عليه لوالده الأمير عبد الرحمن فطال ذلك على الأمير فأمر ثقة من ثقاته أن يبنى بجبل منقطع عن العمران بناء يسكن فيه ابنه وألا يدع أحدا من أصحابه يزوره فلما استقر المنذر في ذلك المكان وبقي وحده ونظر إلى ما سلبه من الملك ضجر وقال للثقة عسى أن يصلني غلماني وأصحابى آنس بهم فقال له إن الأمير أمر ألا يصلك أحد وأن تبقى وحدك لتستريح مما يرفع لك أصحابك من الوشاية فعلم أن الأمير قصد بذلك محنته وتأديبه فكتب إليه يشكو استيحاشه بمكانه فلما وقف الأمير على رقعته وعلم أن الأدب بلغ به حقه استدعاه فقال له

وصلت رقعتك تشكو ما أصابك من توحش الانفراد في ذلك الموضع وترغب أن تأنس بخولك وعبيدك وأصحابك وإن كان لك ذنب يترتب عليه أن تطول سكناك في ذلك المكان وما فعلت ذلك عقابا لك وإنما رأيناك تكثر الضجر والتشكى من القال والقيل فأردنا راحتك بأن نحجب عنك سماع كلام من يرفع لك وينم حتى تستريح منهم

فقال له سماع ما كنت أضجر منه أخف على من التوحد والتوحش والتخلي مما أنا فيه من الرفاهية والأمر والنهي

فقال له فإذ قد عرفت وتأدبت فارجع إلى ما اعتدته وعول على أن تسمع كأنك لم تسمع وترى كأنك لم تر وقد قال النبي لو تكاشفتم ما تدافنتم واعلم أنك أقرب الناس إلى وأحبهم في وبعد هذا فما يخلو صدرك في وقت من الأوقات عن إنكار على وسخط لما أفعله في جانبك أو جانب غيرك


166
مما لو أطلعنى الله تعالى عليه لساءنى لكن الحمد لله الذى حفظ ما بين القلوب بستر بعضها عن بعض فيما يجول فيها وإنك لذو همة ومطمح ومن يكن هكذا يصبر ويغض ويحمل ويبدل بالعقاب الثواب ويصبر الأعداء من قبيل الأصحاب ويصير من الشخص على ما يسوء فقد يرى منه بعد ذلك ما يسر ولقد يخف على اليوم من قاسيت من فعله وقوله ما لو قطعتم عضوا عضوا لما ارتكبوه مني ما شفيت منهم غيظى ولكن رأيت الإغضاء والاحتمال لاسيما عند الاقتدار أولى ونظرت إلى جميع من حولي ممن يحسن ويسئ فوجدت القلوب متقاربة بعضها من بعض ونظرت إلى المسيء يعود محسنا والمحسن يعود مسيئا وصرت أندم على من سبق له مني عقاب ولا أندم على من سبق له مني ثواب فالزم يا بني معالي الأمور وإن جماعها في التغاضي ومن لا يتغاض لا يسلم له صاحب ولا يقرب منه جانب ولا ينال ما تترقى إليه همته ولا يظفر بأمله ولا يجد معينا حين يحتاج إليه

فقبل المنذر يده وانصرف ولم يزل يأخذ نفسه بما أوصاه والده حتى تخلق بالخلق الجميل وبلغ ما أوصاه به أبوه ورفع قدره 5-عبد الرحمن الأوسط وابنه المنذر أيضا

وقال له أبوه يوما إن فيك لتيها مفرطا فقال له حق لفرع أنت أصله أن يعلو فقال له يا بنى إن العيون تمج التياه والقلوب تنفر عنه فقال يا أبي لي من العز والنسب وعلو المكان والسلطان ما يجل عن ذلك وإني لم أر العيون إلا مقبلة علي ولا الأسماع إلا مصغية إلى وإن لهذا السلطان رونقا يريقه التبذل وعلوا يخفضه الانبساط ولا يصونه ويشرفه إلا التيه والانقباض وإن هؤلاء الأنذال


167
لهم ميزان يسبرون به الرجل منا فإن رأوه راجحا عرفوا له قدر رجاحته وإن رأوه ناقصا عاملوه بنقصه وصيروا تواضعه صغرا وتخفضه خسة فقال له أبوه لله أنت فابق وما رأيت 6-يعقوب بن عبد الرحمن الأوسط وأحد خدامه

ومدح بعض الشعراء يعقوب بن عبد الرحمن الأوةسطك فأمر له بمال جزيل فلما كان مثل ذلك الوقت جاءه بمدح آخر فقال أحد خدام يعقوب هذا اللئيم له دين عندنا يقتضيه فقال الأمير

يا هذا إن كان الله تعالى خلقك مجبولا على كره رب الصنائع فاجر على ما جبلت عليه في نفسك ولا تكن كالأجرب يعدى غيره وإن هذا رجل قصدنا قبل فكان منا ما أشر به وحمله على العودة وقد ظن فينا خيرا فلا تخيب ظنه والحديث أبدا يحفظ القديم وقد جاءنا على جهة التهنئة بالعمر ونحن نسأل الله تعالى أن يطيل عمرنا حتى يكثر ترداده ويديم نعمنا حتى نجد ما ننعم به عليه ويحفظ علينا مروءتنا حتى يعيننا علىالتجمل معه ولا يبلينا بجليس مثلك يقبض أيدينا عن إسداء الأيادى

وأمر للشاعر بما كان أمر له به قبل وأوصاه بالعود عند حلول ذلك الأوان ما دام العمر


168
7-وفاء الوزير ابن غانم لصديقه الوزير هاشم بن عبد العزيز واعتذاره عنه لدى الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط

كان الوزير الوليد بن عبد الرحمن بن غانم صديقا للوزير هاشم بن عبد العزيز ثابتا على مودته فلما قضى الله على هاشم بالأسر أجرى السلطان محمد بن عبد الرحمن الأموي ذكره في جماعة من خدامه والوليد حاضر فنسبه إلى الطيش والعجلة والاستبداد برأيه فلم يكن فيهم من اعتذر عنه غير الوليد فقال

أصلح الله تعالى الأمير إنه لم يكن على هاشم التخير في الأمور ولا الخروج عن المقدور بل قد استعمل جهده واستفرغ نصحه وقضى حق الإقدام ولم يكن ملاك النصر بيده فخذله من وثق به ونكل عنه من كان معه فلم يزحزح قدمه عن موطن حفاظه حتى ملك مقبلا غير مدبر مبليا غير فشل فجوزى خيرا عن نفسه وسلطانه فإنه لا طريق للملام عليه وليس عليه ما جنته الحرب الغشوم وأيضا فإنه ما قصد أن يجود بنفسه إلا رضا للأمير واجتنابا لسخطه فإذا كان ما اعتمد فيه الرضا جالب التقصير فذلك معدود في سوء الحظ

فأعجب الأمير كلامه وشكر له وفاءه وأقصر عن تفنيد هاشم وسعى في تخليصه


169
8-خطبة منذر بن سعيد البلوطي المتوفي سنة 355ه في الاحتفال بقدوم رسل ملك الروم

روى المؤرخون أن الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله بلغ من عزة الملك ورفعة السلطان بالأندلس أن كانت ملوك الروم والإفرنجة تزدلف إليه تطلب مهادنته وتهدي إليه أنفس الذخائر ومن جملتهم قسطنطين بن ليون صاحب القسطنطينية فقد رغب في موادعته وبعث إليه سنة 338ه وفدا من قبله بهدية له فتأهب الناصر لورودهم واحتفل بقدومهم احتفالا رائعا أحب أن يقوم فيه الخطباء والشعراء بين يديه لتذكر جلالة ملكه وعظيم سلطانه ونصف ما تهيأ من توطيد الخلافة في دولته وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه وولى عهده بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء فأمر الحكم صنيعة الفقيه محمد بن عبد البر بالتأهب لذلك وكان يدعى من القدرة على تأليف الكلام ما ليس في وسع غيره وحضر المجلس السلطانى فلما قام يحاول التكلم بهره هول المقام وأبهة الخلافة فلم يهتد إلى لفظة بل غشى عليه وسقط إلى الأرض فقيل لأبى على القالى صاحب الأمالى وهو حينئذ ضيف الخليفة الوافد عليه من العراق قم فارقع هذا الوهى فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نبيه ثم انقطع به القول فوقف ساكتا متفكرا


170
في كلام يدخل به إلى ذكر ما أريد منه فلما رأى ذلك منذر بن سعيد البلوطى وكان ممن حضر في زمرة الفقهاء قام من ذاته بدرجة من مرقاته فوصل افتتاح أبى على لأول خطبته بكلام كان يسحه سحا كأنما كان يحفظه قبل ذلك بمدة فقال

أما بعد حمد الله والثناء عليه والتعداد لالائه والشكر لنعمائه والصلاة والسلام على محمد صفيه وخاتم أنبيائه فإن لكل حادثة مقاما ولكل مقام مقال وليس بعد الحق إلا الضلال وإني قد قمت في مقام كريم بين يدي ملك عظيم فأصغوا إلى معشر الملا بأسماعكم وأتقنوا عني بأفئدتكم إن من الحق أن يقال للمحق صدقت وللمبطل كذبت وإن الجليل تعالى في سمائه وتقدس في صفاته وأسمائه أمر كليمة موسى صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع أنبيائه أن يذكر قومه بأيام الله جل وعز عندهم وفيه وفي رسول الله أسوة حسنة وإنى أذكركم بأيام الله عندكم وتلافية لكم بخلافة أمير المؤمنين التي لمت شعثكم وأمنت سربكم ورفعت قوتكم بعد أن كنتم قليلا فكثركم ومستضعفين فقواكم ومستذلين فنصركم ولاه الله رعايتكم وأسند إليه إمامتكم أيام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق وأحاطت بكم شعل النفاق حتى صرتم في مثل حدقة البعير من ضيق الحال ونكد العيش والتغيير فاستبدلتم بخلافته من الشدة الرخاء وانتقلتم بيمن سياسته إلى تمهيد كنف العافية بعد استيطان البلاء

أنشدكم بالله معاشر الملأ ألم تكن الدماء مسفوكة فحقنها والسبل مخوفة فأمنها


171
والأموال منتهبة فأحرزها وحصنها ألم تكن البلاد خرابا فعمرها وثغور المسلمين مهتضمة فحماها ونصرها فاذكروا الآء الله عليكم بخلافته وتلافيه جمع كلمتكم بعد افتراقها بإمامته حتى أذهب الله عنكم غيظكم وشفى صدوركم وصرتم يدا على عدوكم بعد أن كان بأسكم بينكم

فأنشدكم الله ألم تكن خلافته قفل الفتنة بعد إنطلاقها من عقالها ألم يتلاف صلاح الأمور بنفسه بعد اضطراب أحوالها ولم يكل ذلك إلى القواد والأجناد حتى باشره بالقوة والمهجة والأولاد واعتزل النسوان وهجر الأوطان ورفض الدعة وهي محبوبة وترك الركون إلى الراحة وهى مطلوبة بطوية صحيحة وعزيمة صريحة وبصيرة ثابته نافذة ثاقبة وريح هابة غالبة ونصرة من الله واقعة واجبة وسلطان قاهر وجد ظاهر وسيف منصور تحت عدل مشهور متحملا للنصب مستقلا لما ناله في جانب الله من التعب حتى لانت الأحوال بعد شدتها وانكسرت شوكة الفتنة عند حدتها ولم يبق لها غارب إلا جبه ولا نجم لأهلها قرن إلا جده فأصبحتم بنعمة الله إخوانا وبلم أمير المؤمنين لشعثكم على أعدائه أعوانا حتى تواترت لديكم الفتوحات وفتح الله عليكم بخلافته أبواب الخيرات والبركات وصارت وفود الروم وافدة عليه وعليكم وآمال الأقصين والأدنين مستخدمة إليه وإليكم يأتون من كل فج عميق وبلد سحيق لأخذ حبل بينه وبينكم جملة وتفصيلا ليقضى الله أمرا كان مفعولا ولن يخلف الله وعده ولهذا الأمر ما بعده وتلك أسباب ظاهرة بادية تدل على أحوال باطنة خافية دليلها قائم وجفنها غير نائم ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم


172
في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) وليس في تصديق ما وعد الله ارتياب ولكل نبإ مستقر ولكل أجل كتاب فاحمدوا الله أيهاالناس على الائه واسألوه المزيد من نعمائه فقد أصبحتم بين خلافة أمير المؤمنين أيده الله بالعصمة والسداد وألهمه خالص التوفيق إلى سبيل الرشاد أحسن الناس حالا وأنعمهم بالا وأعزهم قرارا وأمنعهم دارا وأكثفهم جمعا وأجملهم صنعا لا تهاجون ولا تذادون وأنتم بحمد الله على أعدائكم ظاهرون فاستعينوا علي صلاح أحوالكم بالمناصحة لإمامكم والتزام الطاعة لخليفتكم وابن عم نبيكم فإن من نزع يده من الطاعة وسعى في تفريق الجماعة ومرق من الدين فقد خسر الدنيا والاخرة ذلك هو الخسران المبين

وقد علمتم أن في التعلق بعصمتها والتمسك بعروتها حفظ الأموال وحقن الدماء وصلاح الخاصة والدهماء وأن بدوام الطاعة تقام الحدود وتوفي العهود وبها وصلت الأرحام ووضحت الأحكام وبها سد الله الخلل وأمن السبل ووطأ الأكناف ورفع الاختلاف وبها طاب لكم القرار واطمأنت بكم الدار فاعتصموا بما أمركم الله بالاعتصام به فإنه تبارك وتعالى يقول ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ) وقد علمتم ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب المشركين وصنوف الملحدين الساعين في شق عصاكم وتفريق ملئكم الاخذين في مخاذلة دينكم وهتك حريمكم وتوهين دعوة نبيكم صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع النبيين والمرسلين أقول قولي هذا وأختم بالحمد لله رب العالمين مستغفرا لله الغفور والرحيم فهو خير الغافرين


173

وخرج الناس يتحدثون عن حسن مقامه وثبات جنانه وبلاغة لسانه وكان الناصر أشدهم تعجبا منه فولاه الصلاة والخطابة في المسجد الجامع بالزهراء ثم توفى محمد بن عيسى القاضى فولاه قضاء الجماعة بقرطبة وأقره على الصلاة بالزهراء 9-خطبة أخرى له

وخطب منذر بن سعيد يوما وأراد التواضع فكان من فصول خطبته أن قال

حتى متى وإلى متى أعظ ولا أتعظ وأزجر ولا انزجر أدل الطريق إلى المستدلين وأبقى مقيما مع الحائرين كلا إن هذا لهو البلاء المبين إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين اللهم فرغني لما خلقتنى له ولا تشغلنى بما تكفلت لي به ولا تحرمني وأنا أسألك ولا تعذبني وأنا استغفرك يا أرحم الراحمين 10-أحد حساد الرمادي الشاعر والمنصور بن أبي عامر المتوفي سنة 394ه

وقال المنصور بن أبي عامر المعافري يوما لأبي عمر يوسف الرمادي الشاعر


174
كيف ترى حالك معي فقال فوق قدري ودون قدرك فأطرق المنصور كالغضبان فانسل الرمادي وخرج وقد ندم على ما بدر منه وجعل يقول أخطأت لا والله ما يفلح مع الملوك من يعاملهم بالحق ما كان ضرني لو قلت له إنى بلغت السماء وتمنطقت بالجوزاء وأنشد

( متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة لنفسى إلا قد قضيت قضاءها )

وكان في المجلس من يحسده على مكانه من المنصور فوجد فرصة فقال

وصل الله لمولانا الظفر والسعد إن هذا الصنف صنف زور وهذيان لا يشكرون نعمة ولا يرعون إلا ولا ذمة كلاب من غلب وأصحاب من أخصب وأعداء من أجدب وحسبك منهم أن الله جل جلاله يقول فيهم ( والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون ) والابتعاد منهم أولي من الاقتراب وقد قيل فيهم ما ظنك بقوم الصدق يستحسن إلا منهم

فرفع المنصور رأسه وكان محامي أهل الأدب والشعر وقد اسود وجهه وظهر فيه الغضب المفرط ثم قال

ما بال أقوام يشيرون في شيء لم يستشاروا فيه ويسيئون الأدب بالحكم فيما لا يدرون أيرضي أم يسخط وأنت أيها المبتعث للشر دون أن يبعث قد علمنا غرضك في أهل الأدب والشعر عامة وحسدك لهم لأن الناس كما قال القائل


175

( من رأى الناس له فضلا عليهم حسدوه )

وعرفنا غرضك في هذا الرجل خاصة ولسنا إن شاء الله نبلغ أحدا غرضه في أحد ولو بلغناكم بلغنا في جانبكم وإنك ضربت في حديد بارد وأخطأت وجه الصواب فزدت بذلك احتقارا وصغارا وإنى ما أطرقت من كلام الرمادى إنكارا عليه بل رأيت كلاما يجل عن الأقدار الجليلة وتعجبت من تهديه له بسرعه واستنباطه له على قلة من الإحسان الغامر مالا يستنبطه غيره بالكثير والله لو حكمته في بيوت الأموال لرأيت أنها لا ترجح ما تكلم به قلبه ذرة وإياكم أن يعود أحد منكم إلى الكلام في شخص قبل أن يؤخذ معه فيه ولا تحكموا علينا في أوليائنا ولو أبصرتم منا التغير عليهم فإننا لا نتغير عليهم بغضا لهم وانحرافا عنهم بل تأديبا وإنكارا فإنا من نريد إبعاده لم نظهر له التغير بل ننبذه مرة واحدة فإن التغير إنما يكون لمن يراد استبقاؤه ولو كنت مائل السمع لكل أحد منكم في صاحبه لتفرقتم في أيدي سبا وجونبت أنا مجانبة الأجرب وإني قد أطلعتكم على مافى ضميرى فلا تعدلوا عن مرضاتى فتجنبوا سخطي بما جنيتموه على أنفسكم

ثم أمر أن يرد الرمادى وقال له أعد على كلامك فارتاع فقال الأمر على خلاف ما قدرت الثواب أولى بكلامك من العقاب فسكن لتأنيسه وأعاد ما تكلم به

فقال المنصور بلغنا أن النعمان بن المنذر حشا فم النابغة بالدر لكلام


176
استملحه منه وقد أمرنا لك بما لا يقصر عن ذلك ما هو أنوه وأحسن عائدة وكتب له بمال وخلع وموضع يعيش منه ثم رد رأسه إلى المتكلم في شأن الرمادي وقد كان يغوص في الأرض لو وجد لشدة ما حل به مما رأى وسمع وقال والعجب من قوم يقولون الابتعاد من الشعراء أولى من الاقتراب نعم ذلك لمن ليس له مفاخر يريد تخليدها ولا أياد يرغب في نشرها فأين الذين قيل فيهم

( على مكثريهم رزق من يعتريهم وعند المقلين السماحة والبذل ) وأين الذى قيل فيه

( إنما الدنيا أبو دلف بين مبداه ومحتضره )

( فإذا ولى أبو دلف ولت الدنيا على أثره )

أما كان في الجاهلية والإسلام أكرم ممن قيل فيه هذا القول بلى ولكن صحبة الشعراء والإحسان إليهم أحيت غابر ذكراهم وخصتهم بمفاخر عصرهم وغيرهم لم تخلد الأمداح مآثرهم فدثر ذكرهم ودرس فخرهم


177
11-ابن اللبانة الشاعر وعز الدولة بن المعتصم بن صمادح لما مات المعتصم بن صمادح ملك المرية ركب البحر ابنه وولى عهده الواثق عز الدولة وفارق الملك كما أوصاه والده المعتصم

قال أبو بكر بن اللبانة الشاعر ما علمت حقيقة جدور الدهر حتى اجتمعت ببجاية مع عز الدولة بن المعتصم فإنى رأيت منه خير من يجتمع به كأنه لم يخلقه الله تعالى إلا للملك والرياسة وإحياء الفضائل ونظرت إلى همته تنم من تحت خموله كما ينم فرند السيف وكرمه من تحت الصدأ مع حفظه لفنون الأدب والتواريخ وحسن استماعه وإسماعه ورقة طباعه ولطافة ذهنه ولقد ذكرته لأحد من صحبته من الأدباء في ذلك المكان ووصفته بهذه الصفات فتشوق إلى الاجتماع به ورغب إلى في أن أستأذنه في ذلك فلما أعلمت عز الدولة قال

يا أبا بكر إنك لتعلم أنا اليوم في خمول وضيق لا يتسع لنا معهما ولايجمل بنا الاجتماع مع أحد لاسيما مع ذى أدب ونباهة يلقانا بعين الرحمة ويزورنا بمنة التفضل في زيارتنا ونكابد من ألفاظ توجعه وألحاظ تفجعه ما يجدد لنا هما قد بلى ويحيى كمدا قد فنى وما لنا قدرة على أن نجود عليه بما يرضى عن همنا فدعنا كأننا في قبر نتدرع لسهام الدهر بدرع الصبر وأما أنت فقد أختلطت بنا اختلاط اللحم بالدم وامتزجت امتزاج الماء بالخمر فكأنا لم نكشف حالنا لسوانا ولا أظهرنا ما بنا لغيرنا فلا نحمل غيرك بحملك


178

قال ابن اللبانة فملأ والله سمعى بلاغة لا تصدر إلا عن سداد ونفس أبية متمكنة من أعنة البيان وانصرفت متمثلا

( لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم )

( وكائن ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلم ) 12-دفاع ابن الفخار عن القاضي الوحيدى بحضرة ابن تاشفين

لما تألب بنو حسون على القاضي أبى محمد عبد الله الوحيدي قاضي مالقة انبري للدفاع عنه العالم الأصولي أبو عبد الله بن الفخار فقصد إلى حضرة الإمامة مراكش وقام في مجلس أمير المسلمين يوسف بن تاشفين وقد غص بأربابه فقال

إنه لمقام كريم نبدأ فيه بحمد الله على الدنو منه ونصلي على خيرة أنبيائه محمد الهادى إلى الصراط المستقيم وعلى آله وصحابته نجوم الليل البهيم أما بعد فإنا نحمد الله الذى اصطفاك للمؤمنين أميرا وجعلك للدين الحنيفى نصيرا وظهيرا ونفزع إليك مما دهمنا في حماك ونبث إليك ما لحقنا من الضيم ونحن تحت ظل علاك ويأبى الله أن يدهم من إحتمى بأمير المسلمين ويصاب بضيم من أدرع بحصنه الحصين شكوى قمت بها بين يديك في حق أمرك الذي عضده مؤيده لتسمع منها ما تختبره برأيك وتنقذه وإن قاضيك ابن الوحيدي الذي قدمته في مالقة للأحكام ورضيت


179
بعدله فيمن بها من الخاصة والعوام ولم يزل يدل على حسن اختيارك بحسن سيرته ويرضى الله تعالى ويرضى الناس بظاهره وسريرته ما علمنا عليه من سوء ولا درينا له موقف خزى ولم يزل جاريا على ما يرضى الله تعالى ويرضيك ويرضينا إلى أن تعرضت بنو حسون للطعن في أحكامه والهد من أعلامه ولم يعلموا أن اهتضام المقدم راجع على المقدم بل جمحوا في لجاجهم فعموا وصموا وفعلوا وأمضوا ما به هموا وإلى السحب يرفع الكف من قد جف عنه مسيل عين ونهر

فملا سمعه بلاغه أعقبت نصره ونصر صاحبه 13-موعظة ابن أبي رندقة الطرطوشي المتوفي سنة 520ه للأفضل بن أمير الجيوش

دخل ابن أبي رندقة الطرطوشى مرة على الأفضل بن أمير الجيوش فوعظه وقال له

إن الأمر الذي أصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك وهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك فاتق الله فيما خولك من هذه الأمة فإن الله عز وجل سائلك عن النقير والقطمير والفتيل واعلم أن الله عز وجل آتي سليمان بن داود


180
ملك الدنيا بحذافيرها فسخر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحوش والبهائم وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ورفع عنه حساب ذلك أجمع فقال عز من قائل ( لهذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ) فما عد ذلك نعمة كما عددتموها ولا حسبها كرامة كما حسبتموها بل خاف أن يكون استدراجا من الله عز وجل فقال ( هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ) فافتح الباب وسهل الحجاب وانصر المظلوم 14-خطبة ابن تومرت مؤسس دولة الموحدين المتوفي سنة 534ه استدعى محمد بن عبد الله بن تومرت مؤسس دولة الموحدين أصحابه قبل موته بأيام يسيرة وقد أراد أن يستخلف عليهم عبد المؤمن بن على فلما حضروا بين يديه قام
181

فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلي على محمد نبيه ثم أنشأ يترضي عن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم ويذكر ما كانوا عليه من الثبات في دينهم والعزيمة في أمرهم وأن أحدهم كان لا تأخذه في الله لومة لائم وذكر من حد عمر رضي الله عنه ابنه في الخمر وتصميمه على الحق في أشباه لهذه الفصول ثم قال

فانقرضت هذه العصابة نضر الله وجوهها وشكر لها سعيها وجزاها خيرا عن أمة نبيها وخبطت الناس فتنة تركت الحليم حيران والعالم متجاهلا مداهنا فلم ينتفع العلماء بعلمهم بل قصدوا به الملوك واجتلبوا به الدنيا وأمالوا وجوه الناس إليهم في أشباه لهذا القول إلى هلم جرا

ثم إن الله سبحانه وله الحمد من عليكم أيتها الطائفة بتأييده وخصكم من بين أهل هذا العصر بحقيقة توحيده وقيض لكم من ألفاكم ضلالا لا تهتدون وعميا لا تبصرون لاتعرفون معروفا ولا تنكرون منكرا قد فشت فيكم البدع واستهوتكم الأباطيل وزين لكم الشيطان أضاليل وترهات أنزه لسانى عن النطق بها وأربأ بلفظى عن ذكرها فهداكم الله به بعد الضلالة وبصركم بعد العمى وجمعكم بعد الفرقة وأعزكم بعد الذلة ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين وسيورثكم أرضهم وديارهم ذلك بما كسبته أيديهم واضمرته قلوبهم وما ربك بظلام للعبيد


182

فجددوا الله سبحانه خالص نياتكم وأروه من الشكر قولا وفعلا ما يزكي به سعيكم ويتقبل أعمالكم وينشر أمركم واحذروا الفرقة واختلاف الكلمة وشتات الآراء وكونوا يدا واحدة على عدوكم فإنكم إن فعلتم ذلك هابكم الناس وأسرعوا إلى طاعتكم وكثر أتباعكم وأظهر الله الحق على أيديكم وإلا تفعلوا شملكم الذل وعمكم الصغار واحتقرتكم العامة فتخطفكم الخاصة وعليكم في جميع أموركم بمزج الرأفة بالغلظة واللين بالعنف واعلموا مع هذا أنه لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا على الذي صلح عليه أمر أولها

وقد اخترنا لكم رجلا منكم وجعلناه أميرا عليكم هذا بعد أن بلوناه في جميع أحواله من ليله ونهاره ومدخله ومخرجه واختبرنا سريرته وعلانيته فرأيناه في ذلك كله ثبتا في دينه متبصرا في أمره وإني لأرجو أن لا يخلف الظن فيه وهذا المشار إليه هو عبد المؤمن فاسمعوا له وأطيعوا ما دام سامعا مطيعا لربه فان بدل أو نكص على عقبه أو ارتاب في أمره ففي الموحدين أعزهم الله بركة وخير كثير والأمر أمر الله يقلده من شاء من عباده

فبايع القوم عبد المؤمن ودعا لهم ابن تومرت


183
15-مقال لسان الدين بن الخطيب المتوفى سنة 776ه في الحض على الجهاد وقال لسان الدين بن الخطيب في الحض على الجهاد أيها الناس رحمكم الله تعالى

إخوانكم المسلمون بالأندلس قد دهم العدو قصمه الله تعالى ساحتهم ورام الكفر خذله الله تعالى استباحتهم وزحفت أحزاب الطواغيت إليهم ومد الصليب ذراعيه عليهم وأيديكم بعزة الله تعالى أقوى وأنتم المؤمنون أهل البر والتقوى وهودينكم فانصروه وجواركم القريب فلا تخفروه وسبيل الرشد قد وضح فلتبصروه الجهاد الجهاد فقد تعين الجار الجار فقد قرر الشرع حقه وبين الله الله في الإسلام الله الله في أمة محمد عليه الصلاة والسلام الله الله في المساجد المعمورة بذكر الله الله الله في وطن الجهاد في سبيل الله قد استغاث بكم الدين فأغيثوه قد تأكد عهد الله وحاشاكم أن تنكثوه أعينوا إخوانكم بما أمكن من الإعانة أعانكم الله تعالى عند الشدائد جددوا عوائد الخير يصل الله تعالى


184
لكم جميل العوائد صلوا رحم الكلمة واسوا بأنفسكم وأموالكم تلك الطوائف المسلمة كتاب الله بين أيديكم وألسنة الايات تناديكم وسنة رسول الله قائمة فيكم والله سبحانه يقول فيه ( يأيها الذين امنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم ) ومما صح عنه قوله ( من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار ) لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا أدركوا رمق الدين قبل أن يفوت بادروا عليل الإسلام قبل أن يموت احفظوا وجوهكم مع الله تعالى يوم يسألكم عن عباده جاهدوا في الله بالألسن والأقوال حق جهاده

( ماذا يكون جوابكم لنبيكم وطريق هذا العذر غير ممهد )

( إن قال لم فرطتمو في أمتى وتركتموهم للعدو المعتدى )

( تالله لو أن العقوبة لم تخف لكفى الحيا من وجه ذاك السيد )

اللهم اعطف علينا قلوب العباد اللهم بث لنا الحمية في البلاد اللهم دافع عن الحريم والضعيف والأولاد اللهم انصرنا على أعدائك بأحبابك وأوليائك يا خيرالناصرين اللهم أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين و وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا 16-ما خاطب به لسان الدين تربة السلطان الكبير أبي الحسن المريني

وحاطب لسان الدين بن الخطيب تربة السلطان الكبير أبي الحسن المريني لما قصدها عقب ما شرع في جواره فقال

السلام عليك ثم السلام أيها المولى الهمام الذي عرف فضله الإسلام وأوجبت حقه العلماء الأعلام وخفقت بعز نصره الأعلام وتنافست في أنفاذ أمره


185
ونهيه السيوف والأقلام السلام عليك أيها المولى الذي قسم زمانه بين حكم فصل وإمضاء نصل وإحراز خصل وعبادة قامت من اليقين على أصل السلام عليك يا مقرر الصدقات الجارية ومشبع البطون الجائعة وكاسى الظهور العارية وقادح زناد العزائم الوارية ومكتب الكتائب الغازية في سبيل الله تعالى والسرايا السارية السلام عليك يا حجة الصبر والتسليم ومتلقى أمر الله تعالى بالخلق المرضى والقلب السليم ومفوض الأمر في الشدائد إلى السميع العليم ومعمل البنان الطاهر في اكتتاب الذكر الحكيم كرم الله تعالى تربتك وقدسها وطيب روحك الزكية وآنسها فلقد كنت للدهر جمالا وللإسلام ثمالا وللمستجير مجيرا وللمظلوم وليا ونصيرا لقد كنت للمحارب صدرا وفي المواكب بدرا وللمواهب بحرا وعلىالعباد والبلاد ظلا ظليلا وسترا لقد فرعت أعلام عزك الثنايا وأجزلت همتك لملوك الأرض الهدايا كأنك لم تعرض الجنود ولم تنشر البنود ولم تبسط العدل المحدود ولم توجد الجود ولم تزين الركع السجود فتوسدت الثرى وأطلت الكرى وشربت الكأس التي يشربها الورىوأصبحت ضارع الخد كليل الحد سالكا سنن الأب والجد لم تجد بعد انصرام أجلك إلا صالح عملك ولا صحبت لقبرك إلا رابح تجرك وما أسلفت من رضاك وصبرك فنسأل الله تعالى أن يؤنس اغترابك ويجود بسحاب الرحمة ترابك وينفعك بصدق اليقين ويجعلك من الائمة المتقين ويعلى درجتك في عليين ويجعلك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين
186

وليهنك أن صبر الله تعالى ملكك من بعدك إلى نير سعدك وبارق رعدك ومنجز وعدك أرضى ولدك وريحانة خلدك وشقة نفسك والسرحة المباركة من غرسك ونور شمسك وموصل عملك البر إلى رمسك فقد ظهر عليه أثر دعواتك في خلواتك وأعقاب صلواتك فكلمتك والمنة لله تعالى باقية وحسنتك إلى محل القبول راقية يرعى بك الوسيلة ويتمم مقاصدك الجميلة أعانه الله تعالى ببركة رضاك على ما قلده وعمر بتقواه يومه وغده وأبعد في السعد أمده وأطلق بالخير يده وجعل الملائكة أنصاره والأقدار عدده

وإثنيي أيها المولى الكريم البر الرحيم لما اشتراني وراشني وبراني وتعبدني بإحسانه واستعمل في استخلاصى خط بنانه ووصية لسانه لم أجد مكافأة إلا التقرب إليك وإليه برثائك وإغراء لسانى بتخليد عليائك وتعفير الوجنة في حرمك والإشادة بعد الممات بمجدك وكرمك ففتحت الباب في هذا الغرض إلى القيام بحقك المفترض الذى لولاه لاتصلت الغفلة عن أدائه وتمادت فما يبست الألسن ولا كادت متحيزا بالسبق إلى أداء هذا الحق بادئا بزيارة قبرك الذى هو رحلة الغرب ما نوبته من رحلة الشرق وما أعرضت عنه فأقطعه أثر مواقع الاستحسان وقد جمع بين الشكر والتنويه والإحسان والله سبحانه يجعله عملا مقبولا ويبلغ فيه من القبول مأمولا ويتغمد من ضاجعته من سلفك الكرام بالمغفرة الصيبة والتحيات الطيبة فنعم الملوك الكبار والخلفاء الأبرار والأئمة الأخيار الذين كرمت منهم السير وحسنت الأخبار وسعد بعزماتهم الجهادية المؤمنون وشقى الكفار وصلوات الله تعالى عودا وبدءا على الرسول الذي اصطفاه واختاره فهو المصطفى المختار وعلى آله وأصحابه الذين هم السادة الأبرار وسلم تسليما


187
17-وصية لسان الدين بن الخطيب لأولاده

الحمد لله الذى لا يروعه الحمام المرقوب إذا شيم نجمه المثقوب ولا يبغته الأجل المكتوب ولا يفجؤه الفراق المعتوب ملهم الهدى الذى تطمئن به القلوب وموضح السبيل المطلوب وجاعل النصيحة الصريحة من قسم الوجوب لاسيما للولى المحبوب والولد المنسوب القائل في الكتاب المعجز الأسلوب أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله أكرم من زرت على نوره جيوب الغيوب وأشرف من خلعت عليه حال المهابة والعصمة فلا تقتحمه العيون ولا تصمه العيوب والرضا عن اله وأصحابه المثابرين على لسان الاستقامة بالهوى المغلوب والأمل المسلوب والاقتداء الموصل إلى المرغوب والعز والأمن من اللغوب وبعد فإنى لما علاني المشيب بقمته وقادني الكبر برمته واد كرت الشباب


188
بعد أمته أسفت لما أضعت وندمت بعد الفطام على ما رضعت وتأكد وجوب نصحى لمن لزمنى رعيه وتعلق بعينى سعيه وأملت أن تتعدى إلى ثمرة استقامته وأنا رهين فوات وفي برزخ أموات ويأمن العثور في الطريق التي اقتضت عثاري إن سلك وعسى ألا يكون ذلك علي آثاري فقلت أخاطب الثلاثة الولد وثمرات الخلد بعد الضراعة إلى الله تعالى في توفيقهم وإيضاح طريقهم وجمع تفريقهم وأن يمن على منهم بحسن الخلف والتلافي من قبل التلف وأن يرزق خلفهم التمسك بهدى السلف فهو ولي ذلك والهادي إلى خير المسالك اعلموا هداكم الله تعالى الذي بأنواره تهتدي الضلال وبرضاه ترفع الأغلال وبالتماس قربه يحصل الكمال إذا ذهب المال وأخلفت الامال وتبرأت من يمينها الشمال أني مودعكم وإن سالمني الردي ومفارقكم وإن طال المدى وما عدا مما بدا فكيف وأدوات السفر تجمع ومنادي الرحيل يسمع ولا أقل للحبيب المودع من وصية محتضر وعجالة مقتصر ورتيمة تعقد في خنصر ونصيحة تكون نشيدة واع مبصر تتكفل لكم بحسن العواقب من بعدى وتوضح لكم من الشفقة والحنو قصدي حسبما تضمن وعد الله من قبل وعدي فهي أربكم الذي لا يتغير وقفه ولا ينالكم المكروه ما رف عليكم سقفه وكأني بشبابكم قد شاخ وبراحلكم قد أناخ وبناشطكم قد كسل واستبدل الصاب من العسل ونصول الشيب تروع بأسل لا بل السام من كل حدب قد نسل والمعاد
189
اللحد ولا تسل فبالأمس كنتم فراخ حجر واليوم أبناء عسكر مجر وغدا شيوخ مضيعة وهجر والقبور فاغرة والنفوس عن المألوفات صاغرة والدنيا بأهلها ساخرة والأولى تعقبها الأخرة والحازم من لم يتعظ به في أمر وقال بيدى لا بيد عمرو فاقتنوها من وصية ومرام في النصح قصية خصوا بها أولادكم إذا عقلوا ليجدوا زادها إذا انتقلوا وحسبي وحسبكم الله الذي لم يخلق الخلق هملا ولكن ليبلوهم أيهم أحسن عملا ولا رضي الدنيا منزلا ولا لطف بمن أصبح عن فئة الخير منعزلا ولتلقنوا تلقينا وتعلموا علما يقينا أنكم لن تجدوا بعد أن أنفرد بذنبي ويفترش التراب جنبى ويسح انسكابي وتهرول عن المصلي ركابي أحرص مني على سعادة إليكم تجلب أو غاية كمال بسببكم ترتاد وتطلب حتى لا يكون في الدين والدنيا أورف منكم ظلا ولا أشرف محلا ولا أغبط نهلا وعلا وأقل ما يوجب ذلك عليكم أن تصيخوا إلى قولي الآذان وتستلمحوا
190
صبح نصحى فقد بان وسأعيد عليكم وصية لقمان أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم يا بنى أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) وأعيد وصية خليل الله وإسرائيله حكم ما تضمنه حكم تنزيله ( يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) والدين الذى ارتضاه واصطفاه وأكمله ووفاه وقرره مصطفاه من قبل أن يتوفاه إذا أعمل فيه انتقاد فهو عمل واعتقاد وكلاهما مقرر ومستمد من عقل أو نقل محرر والعقل متقدم وبناؤه مع رفض أخيه متهدم فالله واحد أحد فرد صمد ليس له والد ولاولد تنزه عن الزمان والمكان وسبق وجوده وجود الأكوان خالق الخلق وما يعملون الذى لا يسأل عن شيء وهم يسألون الحى العليم المدبر القدير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير أرسل الرسل رحمة لتدعو الناس إلى النجاة من الشقاء وتوجه الحجة في مصيرهم إلى دار البقاء مؤيدة بالمعجزات التي لا تتصف أنوارها بالاختفاء ولا يجوز على تواترها دعوى الانتفاء ثم ختم ديوانهم بنبى ملتنا المرعية الهمل الشاهدة على الملل فتلخصت الطاعة وتعينت الإمرة المطاعة ولم يبق بعده إلا ارتقاب الساعة ثم إن الله تعالى قبضه إذ كان بشرا وترك دينه يضم من الأمة نشرا فمن تبعه لحق به ومن تركه نوط عنه في منسبه وكانت نجاته على قدر سببه روى عنه عليه الصلاة والسلام
191
أنه قال تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا بعدي كتاب الله وسنتى فعضوا عليهما بالنواجذ

فاعملوا يا بني بوصية من ناصح جاهد ومشفق شفقة والد واستشعروا حبه الذى توافرت دواعيه وعوامر اشد هديه فيافوز واعيه وصلوا السبب بسببه وآمنوا بكل ما جاء به مجملا أو مفصلا على حسبه وأوجبوا التجلة لصحبه الذين اختارهم الله تعالى لصحبته واجعلوا محبتكم إياهم من توابع محبته واشملوهم بالتوقير وفضلوا منهم أولي الفضل الشهير وتبرءوا من العصبية التي لم يدعكم إليها داع ولاتع التشاجر بينهم أذن واع فهو عنوان السداد وعلامة سلامة الاعتقاد ثم اسحبوا فضل تعظيمهم على فقهاء الملة وأئمتها الجلة فهم صقلة نصولهم وفروع ناشئة من أصولهم وورثتهم وورثة رسولهم واعلموا أنني قطعت في البحث زماني وجعلت النظر شاني منذ براني الله تعالى وأنشاني مع نبل يعترف به الشاني وإدراك يسلمه العقل الإنساني فلم أجد خابط ورق ولا مصبب عرق ولا نازع خطام ولا متكلف فطام ولا مقتحم بحر طام إلا وغايته التي يقصدها قد نضلتها الشريعة وسبقتها وفرعت ثنيتها وارتقتها فعليكم بالتزام جادتها السابلة ومصاحبة رفقتها الكاملة والاهتداء بأقمارها غير الآفلة والله تعالى يقول وهو أصدق القائلين ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) وقد علت شرائعه وراع الشكوك رائعة فلا تستنزلكم الدنيا عن الدين وابذلوا دونه النفوس فعل المهتدين فلن ينفع متاع بعد الخلود في النار أبد الابدين ولا يضر مفقود مع الفوز بالسعادة والله أصدق الواعدين ومتاع الحياة الدنيا أخس ما ورث الأولاد عن الوالدين اللهم قد بلغت فأنت خير الشاهدين فاحذروا المعاطب التي توجب في الشقاء الخلود وتستدعي شوه الوجوه ونضج الجلود واستعيذوا برضا الله من سخطه واربئوا بنفوسكم عن غمطه وارفعوا آمالكم عن القنوع بغرور قد خدع


192
أسلافكم ولا تحمدوا على جيفة العرض الزائل ائتلافكم واقنعوا منه بما تيسر ولا تأسوا على مافات وتعذر فإنما هي دجنة ينسخها الصباح وصفقة يتعاقبها الخسار أو الرباح ودونكم عقيدة الإيمان فشدوا بالنواجذ عليها وكفكفوا الشبه أن تدنو إليها واعلموا أن الإخلال بشيء من ذلك خرق لا يرفؤه عمل وكل ما سوى الراعي همل وما بعد الرأس في صلاح الجسم أمل وتمسكوا بكتاب الله تعالى حفظا وتلاوة واجعلوا حمله على حمل التكليف علاوة وتفكروا في آياته ومعانيه وامتثلوا أوامره ونواهيه ولا تتأولوه ولا تغلوا فيه واشربوا قلوبكم حب من أنزل على قلبه وأكثروا من بواعث حبه وصونوا شعائر الله صون المحترم واحفظوا القواعد التي ينبني عليها الإسلام حتى لا ينخرم الله الله في الصلاة ذريعة التجلة وخاصة الملة وحاقنة الدم وغنى المستأجر المستخدم وأم العبادة وحافظة اسم المراقبة لعالم الغيب والشهادة والناهية عن الفحشاء والمنكر إن عرض الشيطان عرضها ووطأ للنفس الأمارة سماءها وأرضها والوسيلة إلى بل الجوانح ببرود الذكر وإيصال تحفة الله إلى مريض الفكر وضامنة حسن العشره من الجار وداعية للمسالمة من الفجار والواسمة بسمة السلامة والشاهدة للعبد برفع الملامة وغسول الطبع إذا شانه طبع والخير الذى كل ما سواه له تبع فاصبروا النفس على وظائفها بين بدء وإعادة فالخير عادة ولا تفضلوا عليها الأشغال البدنية وتؤثروا على العلية الدنية فإن أوقاتها المعينة بالانفلات تنبس والفلك بها من أجلكم لا يحبس وإذا قورنت بالشواغل فلها الجاه الأصيل والحكم الذي لا يغيره الغدو ولا الأصيل والوظائف بعد أدائها لا تفوت وأين حق من يموت من حق الحي الذي لا يموت وأحكموا أوضاعها إذا أقمتموها وأتبعوها النوافل ما أطقتموها فبالإتقان تفاضلت الأعمال وبالمراعاة
193
استحقت الكمال ولا شكر مع الإهمال ولا ربح مع إضاعة رأس المال وذلك أحرى بإقامة الفرض وأدعى إلى مساعدة البعض البعض

والطهارة التي هي في تحصيلها سبب موصل وشرط لمشروطه محصل فاستوفوها والأعضاء نظفوها ومياهها بغير أوصافها الحميدة فلا تصفوها والحجول والغرر فأطيلوها والنيات في كل ذلك فلا تهملوها فالبناء بأساسه والسيف بمراسه واعلموا أن هذه الوظيفة من صلاة وطهور وذكر مجهور وغير مجهور تستغرق الأوقات وتنازع شتى الخواطر المفترقات فلا يضبطها إلا من ضبط نفسه بعقال واستعاض صدأه بصقال وإن تراخى قهقر الباع وسرقته الطباع وكان لما سواها أضيع فشمل الضياع والزكاة أختها الحبيبة ولدتها القريبة مفتاح السعادة بالعرض الزائل وشكران المسئول على الضد من درجة السائل وحق الله تعالى في مال من أغناه لمن أجهده في المعاش وعناه من غير استحقاق ملء يده وإخلاء يد أخيه ولا علة إلا القدر الذى يخفيه وما لم ينله حظ الله تعالى فلا خير فيه فاسمحوا بتفريقها للحاضر لإخراجها في اختيار عرضها ونتاجها واستحيوا من الله تعالى أن تبخلوا عليه ببعض مابذل وخالفوا الشيطان كلما عذل واذكروا خروجكم إلى الوجود لا تملكون ولا تدرون أين تسلكون فوهب وأقدر وأورد بفضله


194
وأصدر ليرتب بكرمه الوسائل أو يقيم الحجج والدلائل فابتغوا إليه الوسيلة بمالة واغتنمو رضاه ببعض نواله وصيام رمضان عبادة السر المقربة إلى الله زلفى الممحوضة لمن يعلم السر وأخفى مؤكدة بصيام الجوارح عن الاثام والقيام ببر القيام والاجتهاد وإيثار السهاد على المهاد وإن وسع الاعتكاف فهو من سننه المرعية ولواحقه الشرعية فبذلك تحسن الوجوه وتحصل من الرقة على ما ترجوه وتذهب قسوة الطباع ويمتد في ميدان الوسائل الباع والحج مع الاستطاعة الركن الواجب والفرض على العين لا يحجبه الحاجب وقد بين رسول الله قدره فيما فرض عن ربه وسنه وقال ( ليس له جزاء عنه الله إلا الجنه ) ويلحق بذلك الجهاد في سبيل الله تعالى إن كانت لكم قوة عليه وغنى لديه فكونوا ممن يسمع نفيره ويطيعه وإن عجزتم فاعينوا من يستطيعه هذه عمد الإسلام وفروضه ونقود مهره وعروضه فحافظوا عليها تعيشوا مبرورين وعلى من يناويكم ظاهرين وتلقوا الله لا مبدلين ولا مغيرين ولا تضيعوا حقوق الله فتهلكوا مع الخاسرين

واعلموا أن بالعلم تستعمل وظائف هذه الألقاب وتجلى محاسنها من بعد الانتقاب فعليكم بالعلم النافع دليلا بين يدي السامع فالعلم مفتاح هذا الباب والموصل إلى اللباب والله عز وجل يقول ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر اولو الألباب ) والعلم وسيلة النفوس الشريفة إلى المطالب المنيفة وشرطه الخشية لله تعالى والخيفة وخاصة الملإ الأعلى وصفة الله في كتبه التى تتلى والسبيل في الآخرة إلى السعادة وفي الدنيا إلى النحلة عادة والذخر الذي قليله يشفع وكثيره ينفع لا يغلبه الغاصب ولا يسلبه العدو المناصب ولا يبتزه الدهر إذا نال ولا يستأثر به البحر إذا هال من لم ينله فهو ذليل وإن كثرت آماله


195
وقليل وإن جم ماله وإن كان وقته قد فات اكتسابكم وتخطى حسابكم فالتمسوه لبنيكم واستدركوا منه ما خرج عن أيديكم وأحملوهم على جمعه ودرسه واجعلوا طباعهم ثرى لغرسه واستسهلوا ما ينالهم من تعب من جراه وسهر يهجر له الجفن كراه تعقدوا لهم ولاية عز لا تعزل وتحلوهم مثابة رفعة لا يحط فارعها ولا يستنزل واختاروا العلوم التي يتعقبها الوقت فلا ينالها في غيره المقت وخير العلوم علوم الشريعة وما نجم بمنابتها المريعة من علوم لسان لا تستغرق الأعمار فصولها ولا يضايق ثمرات المعاد حصولها فإنها هي آلات لغير وأسباب إلى خير منها وخير فمن كان قابلا للازدياد وألفى فهمه ذا انقياد فيلخص تجويد القرآن بتقديمه ثم حفظ الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه ثم الشروع في أصول الفقه فهو العلم العظيم المنة المهدي كنوز الكتاب والسنة ثم المسائل المنقولة عن العلماء الجلة والتدرج في طرق النظر بصحيح الأدلة وهذه هي الغاية القصوى في الملة ومن قصر إدراكه عن هذا المرمى وتقاعد عن التي هي أسمى فليرو الحديث بعد تجويد الكتاب وإحكامه وليقرأ المسائل الفقهية على مذهب إمامه وإياكم والعلوم القديمة والفنون المهجورة الذميمة فأكثرها لا يفيد إلا تشكيكا ورأيا ركيكا ولا يثمر في العاجلة إلا اقتحام العيون وتطريق الظنون وتطويق الاحتقار وسمة الصغار وخمول الأقدار والخسف من بعد الإبدار وجادة الشريعة أعرق في الاعتدال وأوفق من قطع العمر في الجدال هذا ابن رشد قاضي المصر ومفتيه
196
وملتمس الرشد وموليه عادت عليه بالسخطة الشنيعة وهو إمام الشريعة فلا سبيل إلى اقتحامها والتورط في ازدحامها ولا تخلطوا جامكم بجامها إلا ما كان من حساب ومساحة وما يعود بجدوى فلاحة وعلاج يرجع على النفس والجسم براحة وما سوى ذلك فمحجور وضرم مسجور وممقوت مهجور وأمروا بالمعروف أمرا رفيقا وانهوا عن المنكر نهيا حريا بالاعتدال حقيقا واغبطوا من كان من سنة الغفلة مفيقا واجتنبوا ما تنهون عنه حتى لا تسلكوا منه طريقا وأطيعوا أمر من ولاه الله تعالى من أموركم أمرا ولا تقربوا من الفتنة جمرا ولا تداخلوا في الخلاف زيدا ولا عمرا وعليكم بالصدق فهو شعار المؤمنين وأهم ما أضرى عليه آلاباء آلسنة البنين وأكرم منسوب إلى مذهبه ومن أكثر من شيء عرف به وإياكم والكذب فهو العورة التي لا توارى والسوءة التي لا يرتاب في عارها ولا يتمارى وأقل عقوبات الكذاب بين يدى ما أعد الله له من العذاب أن لا يقبل صدقة إذا صدق ولا يعول عليه إن كان بالحق نطق وعليكم بالأمانة فالخيانة لوم وفي وجه الديانة كلوم ومن الشريعة التي لا يعذر بجهلها أداء الأمانات إلى أهلها وحافظوا على الحشمة والصيانة ولا تجزوا من أقرضكم دين الخيانة ولا توجدوا للغدر قبولا ولا تقروا عليه طبعا مجبولا وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ولا تستأثروا بكنز ولا خزن ولا تذهبوا لغير مناصحة المسلمين في سهل ولا حزن ولا تبخسوا الناس أشياءهم في كيل أو وزن والله الله أن تعينوا في سفك الدماء ولو بالإشارة أو الكلام أو ما يرجع إلى وظيفة الأقلام واعلموا أن الإنسان في فسحة ممتدة
197
وسبل الله تعالى غير منسدة مالم ينبذ إلى الله تعالى بأمانه ويمس الدم الحرام بيد أو لسانه قال الله تعالى في كتابه الذى هدى به سننا قويما وجلى من الجهل والضلال ليلا بهيما ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) واجتناب الزنا وما تعلق به من أخلاق من كرمت طباعه وامتد في سبيل السعادة باعه لو لم تتلق نور الله الذى لم يهد شعاعه فالحلال لم تضق عن الشهوات أنواعه ولا عدم إقناعه ومن غلبت غرائز جهله فلينظر هل يجب أن يزنى بأهله والله قد أعد للزاني عذابا وبيلا وقال ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ) والخمر أم الكبائر ومفتاح الجرائم والجرائر واللهو لم يجعله الله في الحياة شرطا والمحرم قد أغنى عنه بالحلال الذى سوغ وأعطى وقد تركها في الجاهلية أقوام لم يرضوا لعقولهم بالفساد ولا لنفوسهم بالمضرة في مرضاة الأجساد والله تعالى قد جعلها رجسا محرما علىالعباد وقرنها بالأنصاب والأزلام في مباينة السداد ولا تقربوا الربا فإنه من مناهي الدين والله تعالى يقول ( وذروا مابقى من الربا إن كنتم مؤمنين ) وقال ( فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) في الكتاب المبين ولا تأكلوا مال أحد بغير حق يبيحه وانزعوا الطعم عن ذلك حتى تذهب ريحه والتمسوا الحلال يسعى فيه أحدكم على قدمه ولا يكل خياره إلا الثقة من خدمه ولا تلجئوا إلى المتشابه إلا عند عدمه فهو في السلوك إلى الله تعالى أصل مشروط والمحافظ عليه مغبوط وإياكم والظلم فالظالم ممقوت بكل لسان
198
مجاهر الله تعالى بصريح العصيان ( والظلم ظلمات يوم القيامة ) كما ورد في الصحاح الحسان والنميمة فساد وشتات لايبقى عليه متات وفي الحديث لا يدخل الجنة قتات واطرحوا الحسد فما ساد حسود وإياكم والغيبة فباب الخير معها مسدود والبخل فما رئى البخيل وهو مودود وإياكم وما يعتذر منه فمواقع الخزى لا تستقال عثراتها ومظنات الفضائح لا تؤمن غمراتها وتفقدوا أنفسكم مع الساعات وأفشوا السلام في الطرقات والجماعات ورقوا على ذوي الزمانات والعاهات وتاجروا مع الله بالصدقة يربحكم في البضاعات وعولوا عليه وحده في الشدائد واذكروا المساكين إذا نصبتم الموائد وتقربوا إليه باليسير من ماله واعلموا أن الخلق عيال الله وأحب الخلق إليه المحتاط لعياله وارعوا حقوق الجار واذكروا ما ورد في ذلك من الآثار وتعاهدوا أولي الأرحام والوشائج البادية الالتحام واحذروا شهادة الزور فإنها تقطع الظهر وتفسد السر والجهر والرشا فإنها تحط الأقدار وتستدعي المذلة والصغار ولا تسامحوا في لعبة قمر ولا تشاركوا أهل البطالة في أمر وصونوا المواعيد من الإخلاف والأيمان من حنث الأوغاد والأجلاف وحقوق الله تعالى من الازدراء والاعتساف ولا تلهجوا بالآمال العجاف ولا تكلفوا بالكهانة والارجاف واجعلوا العمر بين معاش ومعاد وخصوصية وابتعاد واعلموا أن الله سبحانه بالمرصاد وأن الخلق بين زرع وحصاد وأقلوا بغير الحالة الباقية الهموم واحذروا القواطع عن السعادة كما تحذر السموم واعلموا أن الخير أو الشر في الدنيا محال أن يدوم وقابلوا بالصبر أذية المؤذين ولا تعارضوا مقالات الظالمين فالله لمن بغي عليه خير الناصرين ولا تستعظموا
199
حوادث الأيام كلما نزلت ولا تضجوا للأمراض إذا أعضلت فكل منقرض حقير وكل منقض وإن طال قصير وانتظروا الفرج وانتشقوا من جناب الله تعالى الأرج وأوسعوا بالرجاء الجوانح واجنحوا إلى الخوف من الله تعالى فطوبى لعبد إليه جانح وتضرعوا إلى الله تعالى بالدعاء والجئوا إليه في البأساء والضراء وقابلوا نعم الله تعالى بالشكر الذي يقيد به الشارد ويعذب الوارد وأسهموا منها للمساكين وأفضلوا عليهم وعينوا الحظوظ منها لديهم فمن الآثار يا عائشة أحسنى جوار نعم الله فإنها قلما زالت عن قوم فعادت إليهم ولا تطغوا في النعم وتقصروا عن شكرها وتغلبكم الجهالة بسكرها وتتوهموا أن سعيكم جلبها وجدكم حلبها فالله خير الرازقين والعاقبة للمتقين ولا فعل إلا الله إذا نظر بعين اليقين والله الله لا تنسوا الفضل بينكم ولا تذهبوا بذهابه زينكم وليلتزم كل منكم لأخيه ما يشتد به تواخيه بما أمكنه من إخلاص وبر ومراعاة في علانية وسر وللإنسان مزية لا تجهل وحق لا يهمل وأظهروا التعاضد والتناصر وصلوا التعاهد والتزاور ترغموا بذلك الأعداء وتستكثروا الأوداء ولا تتنافسوا في الحظوظ السخيفة ولا تتهارشوا تهارش السباع على الجيفة واعلموا أن المعروف يكدر بالامتنان وطاعة النساء شر ما أفسد بين الإخوان فإذا أسديتم معروفا فلا تذكروه وإذا برز قبيح فاستروه وإذا أعظم النساء أمرا فاحقروه والله الله لا تنسوا مقارضة سجلي وبروا أهل مودتي من أجلي ومن رزق منكم مالا بهذا الوطن القلق المهاد الذي لا يصلح لغير الجهاد فلا يستهلكه أجمع في العقار فيصبح عرضة للمذلة والاحتقار وساعيا لنفسه إن تغلب العدو على بلده
200
في الافتضاح والافتقار ومعوقا عن الانتقال أمام النوب الثقال وإذا كان رزق العبد على المولى فالإجمال في الطلب أولى وازهدوا جهدكم في مصاحبة أهل الدنيا فخيرها لا يقوم بشرها ونفعها لا يقوم بضرها وأعقاب من تقدم شاهدة والتواريخ لهذه الدعوى عاضدة ومن بلى بها منكم فليستظهر بسعة الاحتمال والتقلل من المال وليحذر معاداة الرجال ومزلات الإدلال وفساد الخيال ومداخلة العيال وإفشاء السر وسكر الاغترار فإنه دأب الغر وليصن الديانة ويؤثر الصمت ويلازم الأمانة ويسر من رضا الله على أوضح الطرق ومهما اشتبه عليه أمران قصد أقربهما إلى الحق وليقف في التماس أسباب الجلال دون الكمال غير النقصان والزعازع تسالم اللدن اللطيف من الأغصان وإياكم وطلب الولايات رغبة واستجلابا واستظهارا على الخطوب وغلابا فذلك ضرر بالمروءات والأقدار داع إلى الفضيحة والعار ومن امتحن بها منكم اختيارا أو جبر عليه إكراها وإيثارا فليتلق وظائفها بسعة صدره ويبذل من الخير فيها ما يشهد أن قدرها دون قدره فالولايات فتنة ومحنة وأسر وإحنة وهى بين إخطاء سعادة وإخلال بعبادة وتوقع عزل وإدالة بإزاء بيع جد بهزل ومزلة قدم واستتباع ندم ومآل العمر كله موت ومعاد واقتراب من الله وابتعاد جعلكم الله ممن نفعه بالتبصير والتنبيه وممن لاينقطع بسببه عمل أبيه هذه أسعدكم الله وصيتي التي أصدرتها وتجارتي التى لربحكم أدرتها فتلقوها بالقبول لنصحها والاهتداء بضوء صبحها وبقدر ما أمضيتم من فروعها واستغشيتم من دروعها اقتنيتم من المناقب الفاخرة وحصلتم على سعادة الدنيا والآخرة وبقدر ما أضعتم لآلئها النفيسة القيم استكثرتم من بواعث الندم ومهما سئمتم إطالتها واستغزرتم مقالتها فاعلموا أن تقوىالله فذلكة الحساب وضابط هذا الباب كان الله خليفتي عليكم في كل حال فالدنيا
201
مناخ ارتحال وتأميل الإقامة فرض محال فالموعد للالتقاء دار البقاء جعل الله من وراء خطته النجاة ونفق بضائعها المزجاة بلطائفه المرتجاة والسلام عليكم من حبيبكم المودع والله سبحانه يلئمه حيث شاء من شمل متصدع والدكم محمد بن عبد الله بن الخطيب ورحمة الله وبركاته 18-خطبة وعظية له وصدر عنه على لسان واعظ

الحمد لله الولى الحميد المبدئ المعيد البعيد في قربه من العبيد القريب في بعده وهو أقرب من حبل الوريد محيى ربوع العارفين بتحيات حياة التوحيد ومفنى نفوس الزاهدين بكنوز احتقار الافتقار إلى العرض الزهيد ومخلص خواطر المحققين من سجون دجون التقييد إلى فسح التجريد نحمده وله الحمد المنتظمة درره في سلوك الدوام وسموط التأييد حمد من نزه أحكام وحدانيته وأعلام فردانيته عن مرابط التقييد ومخابط الطبع البليد ونشكره شكر من افتتح بشكره أبواب المزيد ونشهد أنه الله الذى لا إله إلا هو شهادة نتخطى بها معالم الخلق إلى حضرة الحق على كبد التفريد ونشهد أن محمدا عبده ورسوله قلادة الجيد المجيد وهلال العيد وفذلكة الحساب وبيت القصيد المخصوص بمنشور الإدلال وإقطاع الكمال بين مقام المراد ومقام المريد الذي جعله السبب الأوصل في نجاة الناجي وسعادة السعيد وخاطب الخلائق على لسانه الصادق بحجتي الوعد والوعيد فكان مما أوحي به إليه وأنزل الملك به عليه من الذكر الحميد ليأخذ


202
بالحجز والأطواق من العذاب الشديد ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) وعلى آله صلاة تقوم ببعض حقه الأكيد وتسرى إلى تربته الزكية من ظهور المواجد الجائية على البريد

( قعدت لتذكير ولو كنت منصفا لذكرت نفسي فهي أحوج للذكرى )

( إذا لم يكن مني لنفسي واعظ فياليت شعري كيف أفعل في الأخرى )

آه أي وعظ بعد وعظ الله تعالى يا أحبابنا يسمع وفي ماذا وقد تبين الرشد من الغى يطمع من يعطي ويمنع إذا لم تقم الصنيعة فماذا نصنع أجمعنا بقلوبنا يا من يفرق ويجمع ولين حديدها بنار خشيتك فقد استعاذ نبيك من قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع اعلموا رحمكم الله أن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها من الأقوال والأحوال ومن الجماد والحيوان وما أملاه الملوان فإن الحق نور لا يضره أن صدر من الخامل ولا يقصر بمحموله احتقار الحامل وأنتم تدرون أنكم في أطوار سفر لا تستقر لها دون الغاية رحلة ولا تتأتى معها إقامة ولا مهلة من الأصلاب إلى الأرحام إلى الوجود إلى القبور إلى النشور إلى إحدى دارى البقاء أفى الله شك فلو أبصرتم مسافرا في البرية يبنى ويفرش ويمهد ويعرش ألم تكونوا تضحكون من جهله وتعجبون من ركاكة عقله ووالله ما أموالكم ولا أولادكم وشواغلكم عن الله التي فيها اجتهادكم إلا بقاء سفر في قفر أو إعراس


203
في ليلة نفر كأنكم بها مطرحة تعبر فيها المواشى وتنبو العيون عن خبرها المتلاشى ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم ) ما بعد المقيل إلا الرحيل ولا بعد الرحيل إلا المنزل الكريم أو المنزل الوبيل وإنكم تستقبلون أهوالا سكرات الموت بواكر حسابها وعتب أبوابها فلو كشف الغطاء عن ذرة منها لذهلت العقول وطاشت الألباب وما كل حقيقة يشرحها الكلام ( يأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ) أفلا أعددتم لهذه الورطة حيلة وأظهرتم للاهتمام بها مخيلة اتعويلا على عفوه مع المقاطعة وهو القائل في مقام التهديد ( إن عذابى لشديد ) أأمنا من مكره مع المنابذة ( ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) أطمعا في رحمته مع المخالفة وهو يقول ( فسأكتبها للذين يتقون ) أمشاقة ومعاندة ( ومن يشاقق الله فإن الله شديد العقاب ) أشكا في الله فتعالوا نعيد الحساب ونقرر العقد ونتصف بدعوة الحق أو غيرها من اليوم يفقد عقد العقائد عند التساهل بالوعيد فالعامي يدمي الأصبع الوجعة والعارف يضمد لها مبدأ العصب

( هكذا هكذا يكون التعامي هكذا هكذا يكون الغرور )

( يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ) وما عدا مما بدا ورسولكم الحريص عليكم الرءوف الرحيم يقول لكم الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني فعلام بعد هذا المعول وماذا يتأول اتقوا الله تعالى في نفوسكم وانصحوها واغتنموا فرص الحياة وارتجوها ( أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت


204
في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين ) وتنادى أخرى ( هل إلى مرد من سبيل ) وتستغيث أخرى ( يا ليتنا نرد فنعمل غير الذى كنا نعمل ) وتقول أخرى ( رب ارجعون ) فرحم الله من نظر لنفسه قبل غروب شمسه وقدم لغده من أمسه وعلم أن الحياة تجر إلى الموت والغفلة تقود إلى الفوت والصحة مركب الألم والشبيبة سفينة تقطع إلى ساحل الهرم

وإن شاء قال بعد الخطبة

إخواني ما هذا التواني والكلف بالوجود الفاني عن الدائم الباقي والدهر يقطع الأماني وهادم اللذات قد شرع في نقض المباني ألا معتبر في عالم هذه المعانى ألا مرتحل عن مغابن هذه المغاني

( ألا أذن تصغى إلى سميعة أحدثها بالصدق ما صنع الموت )

( مددت لكم صوتى فأواه حسرة على ما بدا منكم فلم يسمع الصوت )

( هو القدر الآتي على كل أمة فتوبوا سراعا قبل أن يقع الفوت )

يا كلفا بما لا يدوم يا مفتونا بغرور الوجود المعدوم يا صريع جدار الأجل المهدوم يا مشتغلا ببنيان الطرق قد ظهر المناخ وقرب القدوم يا غريقا في بحار الأمل ما عساك تعوم يا معلل الطعام والشراب ولمع السراب لا بد أن تهجر المشروب وتترك المطعوم دخل سارق الأجل بيت عمرك فسلب النشاط وأنت تنظر وطوى البساط وأنت تكرب واقتلع جواهر الجوارح وقد وقع بك النهب ولم يبق إلا أن يجعل الوسادة على أنفك ويقعد

( لو خفف الوجد عني دعوت طالب ثاري )

( كلا إنها كلمة هو قائلها ) كيف التراخي والفوت مع الأنفاس ينتظر


205
كيف الأمان وهاجم الموت لا يبقى ولا يذر كيف الركون إلى الطمع الفاضح وقد صح الخبر من فكر في كرب الخمار تنغصت عنده لذة النبيذ من أحس بلفظ الحريق فوق جداره لم يصغ بصوته لنغمة العود من تيقن بذل العزلة هان عليه ترك الولاية

( ماقام خيرك يا زمان بشره أولى لنا ما قل منك وما كفى )

أوحى الله سبحانه إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه أن ضع يدك على متن ثور فبعدد ما حاذته من شعره تعيش سنين فقال يا رب وبعد ذلك قال تموت قال يا رب فالآن

( رأى الأمر يفضي إلى آخر فصير آخره أولا )

إذا شعرت نفسك بالميل إلى شيء فاعرض عليها غصة فراقه ( ليهلك من هلك عن بينه ويحيى من حى عن بينة ) فالمفروح به هو المحزون عليه أين الأحباب مروا فياليت شعرى أين استقروا استكانوا والله واضطروا واستغاثوا من سبقك بأوليائهم ففروا وليتهم إذ لم ينفعوا ما ضروا فالمنازل من بعدهم خالية خاوية والعروش ذابلة ذاوية والعظام من بعد التفاصل متشابهة متساوية والمساكن تندب في أطلالها الذئاب العاوية

( صحت بالربع فلم يستجيبوا ليت شعري أين يمضي الغريب )

( وبجنب الدار قبر جديد منه يستسقي المكان الجديب )

( غاض قلبي فيه عند التماحي قلت هذا القبر فيه الحبيب )

( لا تسل عن رجعتي كيف كانت إن يوم البين يوم عصيب )


206

( باقتراب الموت عللت نفسي بعد إلفي كل آت قريب )

أين المعمر الخالد أين الولد أين الوالد أين الطارف أين التالد أين المجادل أين المجالد هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا وجوه علاهن الثرى وصحائف تفض وأعمال على الله تعرض بحث الزهاد والعباد والعارفون والأوتاد والأنبياء الذين يهدى بهم العباد عن سبب الشقاء الذى لا سعادة بعده فلم يجدوا إلا البعد عن الله تعالى وسببه حب الدنيا لن تجتمع أمتي على ضلالة

( هجرت حبائبى من أجل ليلى فما لىبعد ليلى من حبيب )

( وماذا أرتجى من وصل ليلي ستجزي بالقطيعة عن قريب )

وقالوا ما أورد النفس الموارد وفتح عليها باب الحتف إلا الأمل كلما قومتها مثاقف الحدود فتح لها أركان الرخص كلما عقدت صوم العزيمة أهداها طرف الغرور في أطباق حتى وإذا ولكن وربما فأفرط القلب في تقليبها حتى أفطر

( ما أوبق الأنفس إلا الأمل وهو غرور ما عليه عمل )

( يفرض منه الشخص وهما ماله حال ولا ماض ولا مستقبل )

( ما فوق وجه الأرض نفس حية إلا قد انقض عليها الأجل )

( لو أنهم من غيرها قد كونوا لامتلأ السهل بهم والجبل )

( ما ثم إلا لقم قد هيئت للموت وهو الأكل المستعجل )

( والوعد حق والورى في غفلة قد خودعوا بعاجل وضللوا )

( أين الذين شيدوا واغترسوا ومهدوا وافترشوا وظللوا )


207

( أين ذوو الراحات زادت حسرة إذ جنبوا إلى الثرى وانتقلوا )

( لم تدفع الأحباب عنهم غير أن بكوا على فراقهم وأعولوا )

( الله في نفسك أولى من له ذخرت نصحا وعتابا يقبل )

( لا تتركنها في عمى وحيرة عن هول ما بين يديها تغفل )

( مقر لها الفاني وحاول زهدها وشوقها إلى الذى تستقبل )

( وفد إلى الله بها مضطرة حتى ترى السير عليها يسهل )

( هو الفناء والبقاء بعده والله عن حكمته لا يسأل )

( يا قرة العين ويا حسرتها يوم يوفى الناس ما قد عملوا )

يا طرد المخالفة إنكم مدركون فاستبقوا باب التوبة فإن رب تلك الدار يجير ولا يجار عليه ( فإذا أمنتم فاذكروا الله كما هداكم ) يا طفيلية الهمة دسوا أنفسكم بزمر التائبين وقد دعوا إلى الله دعوة الحبيب فإن لم يكن أكل فلا أقل من طيب الوليمة قال بعض العارفين إذا عقد التائبون الصلح مع الله تعالى انتشرت رعايا الطاعة في عمالة الأعمال ( وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب ) معانى هذا المجلس والله نسيم سحر إذا استنشقه مخمور الغفلة أفاق سعوط هذا الوعظ ينقض إن شاء الله زكمة البطالة إن الذي أنزل الداء أنزل الدواء إكسير هذا الكتاب يلقب بحكمة جابر القلوب المنكسرة عين من كان له قلب


208
( إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ) إلهي دلنا من حيرة يضل فيها إلا إن هديت الدليل وأجرنا من غمرة وكيف إلا بإغاثتك السبيل نفوس صدئ من مر الأزمان منها الصقيل ونبا بجنوبها عن الحق المقيل وآذان أنهضها القول الثقيل وعثرات لا يقبلها إلا أنت يا مقيل العثرات يا مقيل أنت حسبنا ونعم الوكيل 19-وصية موسى بن سعيد العنسي لابنه

قال أبو الحسن على بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد العنسي

لما أردت النهوض من ثغر الإسكندرية إلى القاهرة أول وصولي إلى الإسكندرية رأى أبى أن يكتب لي وصية أجعلها إماما في الغربة فبقى فيها أياما إلى أن كتتها عنه وهي هذه

( أودعك الرحمن في غربتك مرتقبا رحماه في أوبتك )


209

( وما اختيارى كان طوع النوى لكننى أجرى على بغيتك )

( فلا تطل حبل النوى إننى والله أشتاق إلى طلعتك )

( من كان مفتونا بأبنائه فإننى أمعنت في خيرتك )

( فاختصر التوديع أخذا فما لى ناظر يقوى على فرقتك )

( واجعل وصاتى نصب عين ولا تبرح مدى الأيام من فكرتك )

( خلاصة العمر التي حنكت في ساعة زفت إلى فطنتك )

( فللتجاريب أمور إذا طالعتها تشحذ من غفلتك )

( فلا تنم عن وعيها ساعة فإنها عون إلى يقظتك )

( وكل ما كابدته في النوى إياك أن يكسر من همتك )

( فليس يدرى أصل ذى غربة وإنما تعرف من شيمتك )

( وكل مايفضى لعذر فلا تجعله في الغربة من إربتك )

( ولا تجالس من فشا جهله واقصد لمن يرغب في صنعتك )

( ولا تجادل أبدا حاسدا فإنه أدعى إلى هيبتك )

( وامش الهوينى مظهرا عفه وابغ رضا الأعين عن هيئتك )

( أفش التحيات إلى أهلها ونبه الناس على رتبتك )

( وانطق بحيث العى مستقبح واصمت بحيث الخير في سكتتك )

( ولا تزل مجتمعا طالبا من دهرك الفرصة في وثبتك )

( وكلما أبصرتها أمكنت ثب واثقا بالله في مكنتك )

( ولج على رزقك من بابه واقصد له ما عشت في بكرتك )


210

( وايأس من الود لدى حاسد ضد ونافسه على خطتك )

( ووفر الجهد فمن قصده قصدك لا تعتبه في بغضتك )

( ووف كلا حقه ولتكن تكسر عند الفخر من حدتك )

( ولا تكن تحقر ذا رتبة فإنه انفع في غربتك )

( وحيثما خيمت فاقصد إلى صحبة من ترجوه في نصرتك )

( وللرزايا وثبة مالها إلا الذى تذخر من عدتك )

( ولا تقل أسلم لي وحدتي فقد تقاسي الذل في وحدتك )

( والتزم الأحوال وزنا ولا ترجع إلى ما قام في شهوتك )

( ولتجعل العقل محكا وخذ كلا بما يظهر في نقدتك )

( واعتبر الناس بألفاضهم واصحب أخا يرغب في صحبتك )

( بعد اختبار منك يقضى بما يحسن في الآخذ من خلطتك )

( كم من صديق مظهر نصحه وفكره وقف على عثرتك )

( إياك أن تقربه إنه عون مع الدهر علىكربتك )

( واقنع إذا ما لم تجد مطمعا واطمع إذا أنعشت من عسرتك )

( وانم نمو النبت قد زاره غب الندى واسم إلى قدرتك )

( وإن نبا دهر فوطن له جأشك وانظره إلى مدتك )

( فكل ذى أمر له دولة فوف ما وافاك في دولتك )

( ولا تضيع زمنا ممكنا تذكاره يذكى لظى حسرتك )

( والشر مهما اسطعت لا تأته فإنه حوز على مهجتك )


211

يا بني الذي لا ناصح له مثلي ولا منصوح لي مثله قد قدمت لك في هذا النظم ما إن أخطرته بخاطرك في كل أوان رجوت لك حسن العاقبة إن شاء الله تعالى وإن أخف منه للحفظ وأعلق بالفكر وأحق بالتقدم قول الأول

( يزين الغريب إذا ما اغترب ثلاث فمنهن حسن الأدب )

( وثانية حسن أخلاقه وثالثة إجتناب الريب )

وإذا اعتبرت هذه الثلاثة ولزمتها في الغربة رأيتها جامعة نافعة لا يلحقك إن شاء الله مع استعمالها ندم ولا يفارقك بر ولا كرم ولله در القائل

( يعد رفيع القوم من كان عاقلا وإن لم يكن في قومه بحسيب )

( إذا حل أرضا عاش فيها بعقله وما عاقل في بلدة بغريب )

وما قصر القائل حيث قال

( واصبر على خلق من تعاشره وداره فاللبيب من دارى )

( واتخذ الناس كلهم سكنا ومثل الأرض كلها دارا ) وأصغ يا بني إلى البيت الذي هو يتيمة الدهر وسلم الكرم والصبر

( ولو أن أوطان الديار نبت بكم لسكنتم الأخلاق والآدابا )

إذ حسن الخلق أكرم نزيل والأدب أرحب منزل ولتكن كما قال بعضهم في أديب متغرب وكان كلما طرأ على ملك فكأنه معه ولد وإليه قصد غير مستريب بدهره ولا منكر شيئا من أمره وإذا دعاك قلبك إلى صحبة من أخذ بمجامع هواه فاجعل التكلف له سلما وهب في روض أخلاقه هبوب النسيم وحل بطرفه حلول الوسن وأنزل بقلبه نزول المسرة حتى يتمكن لك وداده ويخلص فيك اعتقاده وطهر من الوقوع فيه لسانك وأغلق سمعك ولا ترخص


212
في جانبه لحسود لك منه يريد إبعادك عنه لمنفعته أو حسود له يغار لتجمله بصحبتك ومع هذا فلا تغتر بطول صحبته ولاتتمهد بدوام رقدته فقد ينبهه الزمان ويغير منه القلب واللسان ولذا قيل إذا أحببت فأحبب هونا ما ففى الممكن أن ينقلب الصديق عدوا والعدو صديقا وإنما العاقل من جعل عقله معيارا وكان كالمرآة يلقى كل وجه بمثاله وجعل نصب ناظره قول أبى الطيب

( ولما صار ود الناس خبا جزيت على ابتسام بابتسام )

وفي أمثال العامة من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل فاحتذ بأمثلة من جرب واستمع إلى ما خلد الماضون بعد جهدهم وتعبهم من الأقوال فإنها خلاصة عمرهم وزبدة تجاربهم ولا تتكل على عقلك فإن النظر فيما تعب فيه الناس طول أعمارهم وابتاعوه غاليا بتجاربهم يربحك ويقع عليك رخيصا وإن رأيت من له مروءة وعقل وتجربة فاستفد منه ولا تضيع قوله ولا فعله فإن فيما تلقاه تلقيحا لعقلك وحثا لك واهتداء

وإياك أن تعمل بهذا البيت في كل موضع والحر يخدع بالكلام الطيب فقد قال أحدهم ما قيل أضر من هذا البيت على أهل التجمل وليس كل ما تسمع من أقوال الشعراء يحسن بك أن تتبعه حتى تتدبره فإن كان موافقا لعقلك مصلحا لحالك فراع ذلك عندك وإلا قانبذه نبذ النواة فليس لكل أحد يتبسم ولا كل شخص يكلم ولا الجود مما يعم به ولا حسن الظن وطيب النفس مما يعامل به كل أحد ولله در القائل

( ومالي لا أوفي البرية قسطها على قدر ما يعطي وعقلي ميزان )

وإياك أن تعطي من نفسك إلا بقدر فلا تعامل الدون بمعاملة الكفء ولا


213
الكفء بمعاملة الأعلى ولا تضيع عمرك فيمن يعاملك بالمطامع ويثيبك على مصلحة حاضرة عاجلة بغائبة اجلة واسمع قول الأول

وبع آجلا منك بالعاجل وأقلل من زيارة الناس ما استطعت ولا تجفهم بالجملة ولكن يكون ذلك بحيث لا يلحق منه ملل ولا ضجر ولا جفاء ولاتقل أيضا أقعد في كسر بيتى ولا أرى أحدا وأستريح من الناس فإن ذلك كسل داع إلى الذل والمهانة وإذا علم عدو لك أو صديق منك ذلك عاملاك بحسبه فازدراك الصديق وجسر عليك العدو وإياك أن يغرك صاحب عن أن تدخر غيره للزمان وتطيعه في عداوة سواه ففي الممكن أن يتغير عليك فتطلب إعانة غيره أو استغناء عنه فلا تجد ذخيرة قدمتها وكان هو في أوسع حال وأعلي رأي بما دبره بحيلته في انقطاعك عن غيره فلو اتفق لك أن تصحب من كل صناعة ورياسة من يكون لك عدة لكان ذلك أولي وأصوب وسلني فإنى خبير طال والله ما صحبت الشخص أكثر عمري لا أعتمد على سواه ولا أعتد إلا إياه منخدعا بسرابه موثوقا في حبائل خطابه إلى أن لا يحصل لي منه غير العض على البنان وقول لو كان ولو كان ولا يحملنك أيضا هذا القول أن تظنه في كل أحد وتعجل المكافأة وليكن حسن الظن بمقدار ما والفطن لا تخفى عليه مخايل الأحوال وفي الوجوه دلالات وعلامات وأصغ إلى القائل

( ليس ذا وجه من يضيف ولا يقرى ولا يدفع الأذى عن حريم )

فمن يكن له وجه مثل هذا الوجه فول وجهك عنه قبلة ترضاها ولتحرص جهدك على أن لا تصحب أو تخدم إلا رب حشمة ونعمة ومن نشأ في رفاهية ومروءة فإنك تنام معه في مهاد العافية وإن الجياد على أعراقها تجرى وأهل الأحساب


214
والمروءات يتركون منافعهم متى كانت عليهم فيها وصمة وقد قيل في مجلس عبد الملك ابن مروان أشرب مصعب الخمر فقال عبد الملك وهو عدو له محارب له على الملك لو علم مصعب أن الماء يفسد مروءته ما شربه والفضل ما شهدت به الأعداء

يا بني وقد علمت أن الدنيا دار مفارقة وتغير وقد قيل اصحب من شئت فإنك مفارقه فمتى فارقت أحدا فعلي حسني في القول والفعل فإنك لا تدرى هل أنت راجع إليه فلذلك قال الأول

( ولما مضى سلم بكيت على سلم وإياك والبيت السائر )

( وكنت إذا حللت بدار قوم رحلت بخزية وتركت عارا )

واحرص على ما جمع قول القائل ثلاثة تبقى لك الود في صدر أخيك أن تبدأه بالسلام وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب الأسماء إليه واحذر كل ما بينه لك القائل كل ما تغرسه تجنيه إلا إبن آدم فإنك إذا غرسته يقلعك وقول الآخر ابن آدم يتمسكن حتى يتمكن وقول الآخر ابن آدم ذئب مع الضعف أسد مع القوة

وإياك أن تثبت على صحبة أحد قبل أن تطيل اختباره فيحكى أن ابن المقفع خطب من الخليل صحبته فجاوبه إن الصحبة رق ولا أضع رقى في يدك حتى أعرف كيف ملكتك وأستمل من عين من تعاشره وتفقد في فلتات الألسن وصفحات الأوجه ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن لا تبينه فإن الكلام سلاح السلم وبالأنين يعرف ألم الجرح واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية تجعلها نهاية لك


215
واكد ما أوصيك به أن تطرح الأفكار وتسلم للأقدار

( واقبل من الدهر ما أتاك به من قر عينا بعيشه نفعه )

إذ الأفكار تجلب الهموم وتضاعف الغموم وملازمة القطوب عنوان المصائب والخطوب يستريب به الصاحب ويشمت العدو المجانب ولا تضر بالوساوس إلا نفسك لأنك تنصر بها الدهر عليك ولله در القائل

( إذا ما كنت للأحزان عونا عليك مع الزمان فمن تلوم )

مع أنه لا يرد عليك الفائت الحزن ولا يرعوى بطول عتبك الزمن ولقد شاهدت بغرناطة شخصا قد ألفته الهموم وعشقته الغموم من صغره إلى كبره لا تراه أبدا خليا من فكره حتى لقب بصدر الهم ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكد في الشدة ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج ويتنكد في الرخاء خوفا من أن لا يدوم

وينشد توقع زوالا إذا قيل ثم وينشد وعند التناهي يقصر المتطاول

وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب ومثل هذا عمره مخسور يمر ضياعا

ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمون من العلم ما تحسنه حسدا لك وقصدا لتصغير قدرك عندك وتزهيدا لك فيه فلا يحملك ذلك على أن تزهد في علمك وتر كن إلى العلم الذي مدحوه فتكون مثل الغراب الذى أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلمه فصعب عليه ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه فبقي مخبل المشي كما قيل

( إن الغراب وكان يمشي مشية فيما مضى من سالف الأجيال )

( حسد القطا وأراد يمشي مشيها فأصابه ضرب من العقال )


216

( فأضل مشيته وأخطأ مشيها فلذاك سموه أبا مرقال )

ولا يفسد خاطرك من جعل يذم الزمان وأهله ويقول ما بقى في الدنيا كريم ولا فاضل ولا مكان يرتاح فيه فإن الذين تراهم على هذه الصفة أكثر ما يكونون ممن صحبه الحرمان واستحقت طلعته للهوان وأبرموا على الناس بالسؤال فمقتوهم وعجزوا عن طلب الأمور من وجوهها فاستراحوا إلى الوقوع في الناس وإقامة الأعذار لأنفسهم بقطع أسبابهم وتعذير أمورهم ولا تزل هذين البيتين من فكرك

( لن إذا ما نلت عزا فأخو العز يلين )

( فإذا نابك دهر فكما كنت تكون ) وقول الآخر

( ته وارتفع إن قيل أقتر وانخفض إن قيل أثرى )

( كالغصن يسفل ما اكتسي ثمرا ويعلو ما تعرى ) ولا قول الاخر

( الخير يبقى وإن طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيت من زاد ) واعتقد في الناس ما قاله القائل

( ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يفو لا يعدم على الغى لائما ) وقريب منه قول القائل

( بقدر الصعود يكون الهبوط فإياك والرتب العاليه )

( وكن في مكان إذا ما سقطت تقوم ورجلاك في عافية ) وتحفظ بما تضمنه قول الاخر


217

( ومن دعا الناس إلى ذمة ذموه بالحق وبالباطل ) ولله در القائل

( ما كل ما فوق البسيطة كافيا فإذا قنعت فكل شيء كافى )

والأمثال يضربها لذي اللب الحكيم وذو البصر يمشى على الصراط المستقيم والفطن يقنع بالقليل ويستدل باليسير والله سبحانه خليفتى عليك لا رب سواه 20-خطبة ابن الزيات المنزوعة الألف توفي سنة 728ه

وخطب أحمد بن الحسن بن على بن الزيات خطبة ألغيت الأف من حروفها على كثرة ترددها في الكلام وهي

حمدت ربي جل من كريم محمود وشكرته عز من عظيم معبود ونزهته عن جهل كل ملحد كفور وقدسته عن قول كل مفسد غرور كبير لو تقوم في فهم لحد قدير لو تصور في رسم لحد لو عرته فكرة تصور لتصور ولو حدته فكرة لتقدر ولو فهمت له كيفية لبطل قدمه ولو علمت له كيفية لحصل عدمه ولو حصر في ظرف لقطع بتجسمه ولو قهره وصف لصدع بتقسمه ولو فرض له شبح لرهقه كيف عظيم من غير تركيب قطر عليم من


218
غير ترتيب فكر موجود من غير شيء يمسكه معبود من غير وهم يدركه كريم من غير عوض يلحقه حكيم من غير عرض يلحقه قوي من غير سبب يجمعه على من غير سبب يرفعه لو وجد له جنس لعورض في قيوميته ولو ثبت له حس لنوزع في ديموميته

ومنها تقدس وعز فعله وتنزه عز اسمه وفضله جل قاهر قدرته وعز باهر عزته وعظمت صفته وكثرت منته فتق ورتق وصور وخلق وقطع ووصل ونصر وخذل حمدته حمد من عرف ربه ورهب ذنبه وصفت حقيقة يقينه قلبه وزكت بصيرة دينه لبه ربط سلك سلوكه وشد وهدم صرح عتوه وهد وحرس معقل عقله وحد وطرد غرور غرته ورذله علم علم تحقيق فنحا نحوه نقر له عز وجل بثبوت ربوبيته وقدمه ونعتقد صدور كل جوهر وعرض عن جوده وكرمه ونشهد بتبليغ محمد رسوله وخير خلقه ونعلن بنهوضه في تبيين فرضه وتبليغ شرعه ضرب قبة شرعه فنسخت كل شرع وجدد عزيمته فقمع عدوه خير قمع قوم كل مقوم بقويم سنته وكريم هديه وبين لقومه كيف يركنون ففازوا بقصده وسديد سعيه بشر مطيعه فظفر برحمته وحذر عاصيه فشقى بنقمته

وبعد فقد نصحتكم لو كنتم تعقلون وهديتكم لو كنتم تعلمون بصرتم لو كنتم تبصرون وذكرتم لو كنتم تذكرون ظهرت لكم حقيقة نشركم


219
وبرزت لكم حقيقة حشركم فكم تركضون في طلق غفلتكم وتغفلون عن يوم بعثكم وللموت عليكم سيف مسلول وحكم عزم غير معلول فكيف بكم يوم يؤخذ كل بذنبه ويخبر بجميع كسبه ويفرق بينه وبين صحبه ويعدم نصرة حزبه ويشتغل بهمه وكربه عن صديقه وتربه وتنشر له رقعة وتعين له بقعة فربح عبد نظر وهو في مهل لنفسه وترسل في رضى عمل جنة لحلول رمسه وكسر صنم شهوته ليقر في بحبوحة قدسه

ومنها فتنبه ويحك من سنتك ونومك وتفكر فيمن هلك من صحبتك وقومك هتف بهم من تعلم وشب عليهم منه حرق مظلم فخربت بصيحته ربوعهم وتفرقت لهوله جموعهم وذل عزيزهم وخسئ رفيعهم وصم سميعهم فخرج كل منهم عن قصره ورمى غير موسد في قبره فهم بين سعيد في روضة مقرب وبين شقى في حفرة معذب فنستوهب منه عز وجل عصمة من كل خطيئة وخصوصية تقى من كل نفس جريئة 21-خطبة القاضي عياض التي ضمنها سور القرآن وخطب القاضي أبو الفضل عياض خطبة ضمنها سور القرآن فقال

الحمد لله الذي فتتح بالحمد كلامه وبين في سورة البقرة أحكامه ومد


220
في ال عمران والنساء مائدة الأنعام ليتم إنعامه وجعل في الأعراف أنفال توبة يونس وألر كتاب أحكمت اياته بمجاورة يوسف الصديق في دار الكرامة وسبح الرعد بحمده وجعل النار بردا وسلاما على إبراهيم ليؤمن أهل الحجر أنه إذا أتى أمر الله سبحانه فلا كهف ولا ملجأ إلا إليه ولا يظلمون قلامة وجعل في حروف كهيعص سرا مكنونا قدم بسببه طه على سائر الأنبياء ليظهر إجلاله وإعظامه وأوضح الأمر حتى حج المؤمنون بنور الفرقان والشعراء صاروا كالنمل ذلا وصغارا لعظمته وظهرت قصص العنكبوت فآمن به الروم وأيقنوا أنه كلام الحي القيوم نزل به الروح الأمين على زين من وافى يوم القيامة وأوضح لقمان الحكمة بالأمر بالسجود لرب الأحزاب فسبا فاطر السموات أهل الطاغوت وأكسبهم ذلا وخزيا وحسرة وندامة وأمد يس بتأييد الصافات فصاد الزمر يوم بدره وأوقع بهم ما أوقع صناديدهم في القليب مكدوس ومكبوب حين شالت بهم النعامة وغفر غافر الذنب وقابل التوب للبدريين رضي الله عنهم ما تقدم وما تأخر حين فصلت كلمات الله فذل من حقت عليه كلمة العذاب وأيس من السلامة ذلك بأن أمرهم شورى بينهم وشغلهم زخرف الآخرة عن دخان الدنيا فجثوا أمام الأحقاف بقتال أعداء محمد يمينه وشماله وخلفه وأمامه فأعطوا الفتح وبوئوا حجرات الجنان وحين تلواق والقرآن المجيد وتدبروا جواب قسم الذاريات والطور لاح لهم نجم الحقيقة وانشق لهم قمر اليقين فنافروا السآمة ذلك بأنهم أمنهم الرحمن إذا وقعت الواقعة
221
واعترف بالضعف لهم الحديد وهزم المجادلون وأخرجوا من ديارهم لأول الحشر يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين حين نافروا السلامة

أحمده حمد من امتحنته صفوف الجموع في نفق التغابن فطلق الحرمات حين اعتبر الملك وعامه وقد سمع صريف القلم وكأنه بالحاقة والمعارج يمينه وشماله وخلفه وأمامه وقد ناح نوح الجن فتزمل وتدثر فرقا من يوم القيامة وأنس بمرسلات النبأ فنزع العبوس من تحت كور العمامة وظهر له بالانفطار التطفيف فانشقت بروج الطارق بتسبيح الملك الأعلى وغشيته الشهامة فورب الفجر والبلد والشمس والليل والضحى لقد انشرحت صدور المتقين حين تلوا سورة التين وعلق الإيمان بقلوبهم فكل على قدر مقامه يبين ولم يكونوا بمنفكين دهرهم ليله ونهاره وصيامه وقيامه إذا ذكروا الزلزلة ركبوا العاديات ليطفئوا نور القارعة ولم يلههم التكاثر حين تلوا سورة العصر والهمزة وتمثلوا بأصحاب الفيل ( فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) أرأيتهم كيف جعلوا على رءوسهم من الكور عمامة فالكوثر مكتوب لهم والكافرون خذلوا وهم نصروا وعدل بهم عن لهب الطامة وبسورة الإخلاص قروا وسعدوا وبرب الفلق والناس استعاذوا فأعيذوا من كل حزن وهم وغم وندامة وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله شهادة تنال بها منازل الكرامة صلى الله تعالى عليه وعلى اله وأصحابه ما غردت في الأيك حمامة


222
22-خطبة سعيد بن أحمد المقرى التى ضمنها سور القرآن وخطب سعيد بن أحمد المقري خطبة على هذا النمط نصها

الحمد لله الذي افتتح بفاتحة الكتاب سورة البقرة ليصطفى من آل عمران رجالا ونساء وفضلهم تفضيلا ومد مائدة إنعامه ورزقه ليعرف أعراف أنفال كرمه حقه على أهل التوبة وجعل ليونس في بطن الحوت سبيلا ونجى هودا من كربه وحزنه كما خلص يوسف من جبه وسجنه وسبح الرعد بحمده ويمنه واتخذ الله إبراهيم خليلا الذي جعل في حجر الحجر من النحل شرابا نوع باختلاف ألوانه وأوحى إليه بخفى لطفه سبحانه واتخذ منه كهفا قد شيد بنيانه وأرسل روحه إلى مريم فتمثل لها تمثيلا وفضل طه على جميع الأنبياء فأتى بالحج والكتاب المكنون حيث دعا إلى الإسلام قد أفلح المؤمنون إذ جعل نور الفرقان دليلا وصدق محمدا الذى عجزت الشعراء في صدق نعته وشهدت النمل بصدق بعثه وبين قصص الأنبياء في مدة مكثه ونسج العنكبوت عليه في الغار سترا مسدولا وملئت قلوب الروم رعبا من هيبته وتعلم لقمان الحكمة من حكمته وهدى أهل السجدة للإيمان بدعوته وهزم الأحزاب وسباهم وأخذهم أخذا وبيلا فلقبه فاطر السموات والأرض بيس كما نفذ حكمه في الصافات وبين ص صدقه بإظهار المعجزات وفرق زمر المشركين وصبر على أقوالهم وهجرهم هجرا جميلا فغفر له غافر الذنب ما تقدم من ذنبه وما تأخر وفصلت رقاب المشركين إذ لم يكن أمرهم شورى بينهم وزخرف منار الإسلام وخفى دخان الشرك وخرت المشركون جاثية كما أنذر أهل الأحقاف فلا يهتدون سبيلا وأذل الذين كفروا بشدة القتال


223
وجاء الفتح للمؤمنين والنصر العزيز وحجر الحجرات الحريز وبق القدرة قتل الخراصون تقتيلا كلم موسى على جبل الطور فارتقى نجم محمد فاقتربت بطاعته مبادئ السرور وأوقع الرحمن واقعة الصبح على بساط النور فتعجب الحديد من قوته وكثرة المجادلة في أمته إلى أن أعيد في الحشر بأحسن مقيلا امتحنه في صف الأنبياء وصلى بهم إماما وفي تلك الجمعة ملئت قلوب المنافقين من التغابن خسرا وإرغاما فطلق وحرم تبارك الذي أعطاه الملك وعلم بالقلم ورتل القرآن ترتيلا وعن علم الحاقة كم سأل سائل فسأل الإيمان ودعا به نوح فنجاه الله تعالى من الطوفان وأتت إليه طائفة الجن يستمعون القران فأنزل عليه ( يأيها المزمل قم الليل إلا قليلا ) فكم من مدثر يوم القيامة شفقة على الإنسان إذا أرسل مرسلات الدمع فعم يتساءلون أهل الكتاب وما تقبل من نازعات المشركين إذا عبس عليهم مالك وتولاهم بالعذاب وكورت الشمس وانفطرت السماء وكانت الجبال كثيبا مهيلا فويل للمطففين إذا انشقت السماء بالغمام وطويت ذات البروج وطرق طارق الصور بالنفخ للقيام وعز اسم ربك الأعلى لغاشية الفجر فيومئذ لا بلد ولا شمس ولا ليل طويلا فطوبى للمصلين الضحى عند انشراح صدورهم إذا عاينوا التين والزيتون وأشجار الجنة فسجدوا باقرأ اسم ربك الذى خلق هذا النعيم الأكبر لأهل هذه الدار ما أحيوا ليلة القدر وتبتلوا تبتيلا ولم يكن للذين كفروا من أهل الكتاب من أهل الزلزلة من صديق ولا حميم وتسوقهم كالعاديات إلى سواء الجحيم وزلزلت بهم قارعه العقاب وقيل لهم ألهاكم التكاثر هذا عصر العقاب الأليم وحشر الهمزة وأصحاب الفيل إلى النار فلا يظلمون فتيلا وقالت قريش ما أمنتم من هول الحشر أرأيت الذي يكذب بالدين كيف
224
طرد عن الكوثر وسيق الكافرون إلى النار وجاء نصر الله والفتح فتبت يدا أبى لهب إذ لا يجد إلى سورة الإخلاص سبيلا فنعوذ برب الفلق من شر ما خلق ونعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذى فسق ونتوب إليه ونتوكل عليه وكفى بالله وكيلا 23-خطبة الكفعمى التي ضمنها سور القرآن أيضا وخطب الكفعمي خطبة على هذا النمط أيضا نصها

الحمد لله الذى شرف النبي العربي بالسبع المثاني وخواتيم البقرة من بين الأنام وفضل ال عمران على الرجال والنساء بما وهب لهم من مائدة الأنعام ومنحهم بأعراف الأنفال وكتب لهم براءة من الاثام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي نجى يونس وهودا ويوسف من قومهم برعد الانتقام وغذى إبراهيم في الحجر بلعاب النحل ذات الإسرار فضاهى كهف مريم عليه السلام وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى هو طه الأنبياء وحج المؤمنين ونور فرقان الملك العلام فالشعراء والنمل بفضله تخبر ولقصص العنكبوت الروم تذكر ولقمان في سجدته يشكر والأحزاب كأيادي سبا تقهر وفاطر يس لصافاته ينصر وصاد مقلة زمرة تنظر الأعلام فال حم بقتال فتحه في حجرات قافه قد ظهرت وذاريات طوره ونجمه وقمره قد عطرت وبالرحمن واقعة حديده يوم المجادلة قد نصرت وأبصار معانديه في الحشر يوم الامتحان حسرت وصف جمعته فائز إذ أجساد المنافقين بالتغابن استعرت وله الطلاق والتحريم ومقام الملك والقلم فناهيك به من


225
مقام وفى الحاقة أعلى الله له المعارج نوح المطهر وخصه من بين الإنس والجن بيأيها المزمل ويأيها المدثر وشفعه في القيامه إذا دموع الإنسان مرسلات كالماء المتفجر ووجهه عند نبإ النازعات وقد عبس الوجه كالهلال المتنور ويوم التكوير والانفطار وهلاك المطففين وانشقاق ذات البروج بشفاعته غير متضجر وقد حرست لمولده السماء بالطارق الأعلى وتمت غاشية العذاب إلى الفجر على المردة اللئام فهو البلد الأمين وشمس الليل والضحى المخصوص بانشراح الصدر والمفضل بالتين والزيتون المستخرج من أمشاج العلق الطاهر العلي القدر شجاع البرية يوم الزلزال إذ عاديات القارعة تدوس أهل التكاثر ومشركي العصر أهلك الله به الهمزة وأصحاب الفيل إذ مكروا بقريش ولم يتواصوا بالحق ولم يتواصوا بالصبر المخصوص بالدين الحنيفي والكوثر السلسال والمؤيد على أهل الجحد بالنصر صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما تبت يدا معاديه ونعم بالتوحيد مواليه وما أفصح فلق الصبح بين الناس وامتد الظلام
226
الباب الثاني في خطب ووصايا مجهول عصرها أو قائلها 1-خطبة أبي بكر بن عبد الله بالمدينة

لما ولي أبو بكر بن عبد الله المدينة وطال مكثه عليها كان يبلغه عن قوم من أهلها أنهم ينالون من أصحاب رسول الله وإسعاف من اخرين لهم على ذلك فأمر أهل البيوتات ووجوه الناس في يوم جمعة أن يقربوا من المنبر فلما فرغ من خطبة الجمعة قال

أيها الناس إنى قائل قولا فمن وعاه وأداه فعلى الله جزاؤه ومن لم يعه فلا


227
يعد من ذمامها إن قصرتم عن تفصيله فلن تعجزوا عن تحصيله فأرعوه أبصاركم وأوعوه أسماعكم وأشعروه قلوبكم فالموعظة حياة والمؤمنون إخوة ( وعلى الله قصد السبيل ) ( ولو شاء لهداكم أجمعين ) فأتوا الهدى تهتدوا واجتنبوا الغي ترشدوا ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) والله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه أمركم بالجماعة ورضيها لكم ونهاكم عن الفرقة وسخطها منكم ف ( اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) جعلنا الله وإياكم ممن تبع رضوانه وتجنب سخطه فإنما نحن به وله

وإن الله بعث محمدا بالدين واختاره على العالمين واختار له أصحابا على الحق ووزراء دون الخلق اختصهم به وانتخبهم له فصدقوه ونصروه وعزروه ووقروه فلم يقدموا إلا بأمره ولم يحجموا إلا عن رأيه وكانوا أعوانه بعهده وخلفاءه من بعده فوصفهم فأحسن صفتهم وذكرهم فأثنى عليهم فقال وقوله الحق ( محمد رسول الله والذين امنوا معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم فى وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه


228
فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) فمن غاظه كفر وخاب وفجر وخسر وقال الله عز وجل ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله رسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالأيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) فمن خالف شريطة الله عليه لهم وأمره إياه فيهم فلا حق له في الفىء ولا سهم له في الإسلام في أي كثيرة من القرآن

فمرقت مارقة من الدين وفارقوا المسلمين وجعلوهم عضين وتشعبوا أحزابا أشابات وأوشابا فخالفوا كتاب الله فيهم وثناءه عليهم وآذوا رسول الله فيهم فخابوا وخسروا الدنيا والآخرة ( ذلك هو الخسران المبين ) ( أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم ) مالى أرى عيونا خزرا ورقابا صعرا وبطونا بحرا شجالا يسيغه الماء وداء لا يشرب فيه الدواء ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين ) كلا والله بل هو الهناء والطلاء حتى يظهر العذر ويبوح السر ويضح الغيب


229
ويسوس الجنب فإنكم لم تخلقوا عبثا ولم تتركوا سدى ويحكم إنى لست أتاويا أعلم ولا بدويا أفهم قد حلبتكم أشطرا وقلبتكم أبطنا وأظهرا فعرفت أنحاءكم وأهواءكم وعلمت أن قوما أظهروا الإسلام بألسنتهم وأسروا الكفر في قلوبهم فضربوا بعض أصحاب رسول الله ببعض وولدوا الروايات فيهم وضربوا الأمثال ووجدوا على ذلك من أهل الجهل من أبنائهم أعوانا يأذنون لهم ويصغون إليهم مهلا مهلا قبل وقوع القوارع وطول الروائع هذا لهذا ومع هذا فلست أعتنش ائبا ولا تائبا ( عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام ) فأسروا خيرا وأظهروه واجهروا به وأخلصوه فطالما مشيتم القهقرى ناكصين وليعلم من أدبر وأصر أنها موعظة بين يدى نقمة ولست أدعوكم إلى أهواء تتبع ولا إلى رأى يبتدع إنما أدعوكم إلى الطريقة المثلى التي فيها خير الاخرة والأولى فمن أجاب فإلى رشده ومن عمى فعن قصده فهلم إلى الشرائع الجدائع ولا تولوا عن سبيل المؤمنين ولا تستبدلوا
230
الذي هو أدني بالذي هو خير ( بئس للظالمين بدلا )

إياكم وبنيات الطريق فعندها الترنيق والرهق وعليكم بالجادة فهي أسد وأورد ودعوا الأماني فقد أردت من كان قبلكم وليس للإنسان إلا ما سعى ولله الآخرة والأولى و ( لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى ) ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) 2-وصية أعمى من الأزد لشاب يقوده

عن هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال رأيت ببيشة رجلا من أزد السراة أعمى يقوده شاب جميل وهو يقول له يا سمى لا يغرنك أن فسح الشباب خطوك وخلى سربك وأرفه وردك فكأنك بالكبر قد أرب ظوفك وأثقل أوقك وأوهن طوقك وأتعب سوقك فهدجت بعد الهملجة ودججت بعد الدعلجة فخذ من أيام الترفيه لأيام الانزعاج ومن ساعات المهملة لساعة


231
الإعجال يابن أخي إن اغترارك بالشباب كالتذاذك بسمادير الأحلام ثم تنقشع فلا تتمسك منها إلا بالحسرة عليها ثم تعرى راحلة الصبا وتشرب سلوة عن الهوي واعلم أن أغني الناس يوم الفقر من قدم ذخيرة وأشدهم اغتباطا يوم الحسرة من أحسن سريرة 3-وصية رجل لاخر وقد أراد سفرا عن عبد الرحمن عن عمه قال سمعت رجلا يوصي آخر وأراد سفرا فقال

آثر بعملك معادك ولا تدع لشهوتك رشادك وليكن عقلك وزيرك الذى يدعوك إلى الهدى ويعصمك من الردى الجم هواك عن الفواحش وأطلقه في المكارم فإنك تبر بذلك سلفك وتشيد شرفك 4-وصية رجل لابنه وقد أراد التزوج وقال بعضهم لولده وقد أراد التزوج

يا بني لا تتخذها حنانة ولا أنانة ولا منانة ولا عشبة الدار


232
ولا كبة القفا 5- وصية بعض العلماء لابنه وأوصى بعض العلماء ابنه فقال

أوصيك بتقوى الله وليسعك بيتك واملك عليك لسانك وابك على خطيئتك 6-وصية لبعض الحكماء وقال بعض الحكماء

لا يكونن منكم المحدث ولا ينصت له والداخل في سر اثنين لم يدخلاه ولا آتى الدعوة لم يدع إليها ولا الجالس المجلس لا يستحقه ولا الطالب الفضل من أيدى اللئام ولا المتعرض للخير من عند عدوه ولا المتحمق في الدالة 7-وصية أخرى وقال بعض الحكماء

إياك والعجلة فإن العرب كانت تكنيها أم الندامة لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم ويجيب قبل أن يفهم ويعزم قبل أن يفكر ويقطع قبل أن يقدر ويحمد قبل أن يجرب ويذم قبل أن يخبر ولن يصحب هذه الصفة أحد إلا صحب الندامة واعتزل السلامة


233
- وصية أخري وقال ابن دريد أوصى بعض الحكماء رجلا فقال

امرك بمجاهدة هواك فإنه يقال إن الهوى مفتاح السيئات وخصيم الحسنات وكل أهوائك لك عدو وأهواها هوى يكتمك في نفسه وأعداها هوى يمثل لك الإثم في صورة التقوى ولن تفصل بين هذه الخصوم إذا تناظرت لديك إلا بحزم لا يشوبه وهن وصدق لا يطمع فيه تكذيب ومضاء لا يقاربه التثبط وصبر لا يغتاله جزع ونية لا يتقسمها التضييع 9-عظة لبعض الحكماء عن الأصمعى قال بلغنى أن بعض الحكماء كان يقول

إني لآعظكم وإني لكثير الذنوب مسرف على نفسى غير حامد لها ولا حاملها على المكروه في طاعة الله عز وجل قد بلوتها فلم أجد لها شكرا في الرخاء ولا صبرا على البلاء ولو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه لترك الأمر بالخير والنهى عن المنكر ولكن محادثة الإخوان حياة للقلوب وجلاء للنفوس وتذكير من النسيان واعلموا أن الدنيا سرورها أحزان وإقبالها إدبار وآخر حياتها الموت فكم من مستقبل يوما لا يستكمله ومنتظر غدا لا يبلغه ولو تنظرون إلى الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره


234
10-نصيحة لبعض الحكماء وحذر بعض الحكماء صديقا له صحبه رجل فقال

احذر فلانا فإنه كثير المسألة حسن البحث لطيف الاستدراح يحفظ أول كلامك على اخره ويعتبر ما أخرت بما قدمت فلا تظهرن له المخافة فيرى أنك قد تحرزت واعلم أن من يقظة الفطنة إظهار الغفلة مع شدة الحذر فباثه مباثة الامن وتحفظ منه تحفظ الخائف فإن البحث يظهر الخفى الباطن ويبدى المستكن الكامن 11-كلمات شتى لبعض الحكماء عن الأصمعى قالقال بعض الحكماء

من كانت فيه سبع خصال لم يعدم سبعا من كانجوادا لم يعدم الشرف ومن كان ذا وفاء لم يعدم المقة ومن كان صدوقا لم يعدم القبول ومن كان شكورا لم يعده الزيادة ومن كانذا رعاية للحقوق لم يعدم السؤدد ومن كان منصفا لم يعدم العافية ومن كان متواضعا لم يعدم الكرامة

وقيل لبعض الحكماء كيف ترى الدهر قال يخلق الأبدان ويجدد الامال ويقرب الاجالقيل له فما حال أهله قال من ظفر به نصب ومن فاته حزن قيل فأى الأصحاب أبر قال العمل الصالح قيل فأيهم أضر قال النفس والهوى قيل ففيم المخرج قال فى قطع الراحة وبذل المجهود

وأخبر عبد الرحمن عنعمهقال سمعت رجلا يقول

الحسد ما حق الحسنات والزهو جالب لمقت الله ومقت الصالحين والعجب صارف عن الازدياد من العلم داع إلى التخمط والجهل والبخل أذم الأخلاق وأجلبها لسوء الأحدوثة

وقال قال بعض العرب

أولى الناس بالفضل أعودهم بفضله وأعون الأشياء على تذكية العقل التعلم وأدل الأشياء علىعقل العاقل حسن التدبير

وقال الأصمعى العرب تقول

لا ثناء مع الكبر ولا صديق لذى الحسد ولا شرف لسيء الأدب

قال وكان يقال شر خصال الملوك الجبن عن الأعداء والقسوة على الضعفاء والبخل عند الإعطاء

وقال أبو على القالى وأملى علينا أبو عبد الله قال من كلام العرب ووصاياها

جالس أهل العلم فإن جهلت علموك وإن زللت قوموك وإن أخطأت لم يمفندوك وإن صحبت زانوك وإن غبت تفقدوك ولا تجالس أهل الجهل فإنك إن جهلت عنفوك وإن زللت لم يقوموك وإن أخطأت لم يثبتوك 12-رجل من العرب والحجاج

سأل الحجاج رجلا من العرب عن عشيرته قال أى عشيرتك أفضل قال أتقاهم الله بالرغبة في الاخرة والزهد في الدنيا قال فأيهم أسود قال أرزنهم حلما حين يستجهل وأسخاهم حين يسأل قال فأيهم أدهى قال من كنتم سره


235

وأخبر عبد الرحمن عن عمه قال سمعت رجلا يقول

الحسد ما حق الحسنات والزهو جالب لمقت الله ومقت الصالحين والعجب صارف عن الازدياد من العلم داع إلى التخمط والجهل والبخل أذم الأخلاق وأجلبها لسوء الأحدوثة

وقال قال بعض العرب

أولى الناس بالفضل أعودهم بفضله وأعون الأشياء على تذكية العقل التعلم وأدل الأشياء علىعقل العاقل حسن التدبير

وقال الأصمعى العرب تقول

لا ثناء مع الكبر ولا صديق لذى الحسد ولا شرف لسيء الأدب

قال وكان يقال شر خصال الملوك الجبن عن الأعداء والقسوة على الضعفاء والبخل عند الإعطاء

وقال أبو على القالى وأملى علينا أبو عبد الله قال من كلام العرب ووصاياها

جالس أهل العلم فإن جهلت علموك وإن زللت قوموك وإن أخطأت لم يفندوك وإن صحبت زانوك وإن غبت تفقدوك ولا تجالس أهل الجهل فإنك إن جهلت عنفوك وإن زللت لم يقوموك وإن أخطأت لم يثبتوك 12-رجل من العرب والحجاج

سأل الحجاج رجلا من العرب عن عشيرته قال أي عشيرتك أفضل قال أتقاهم الله بالرغبة في الاخرة والزهد في الدنيا قال فأيهم أسود قال أرزنهم حلما حين يستجهل وأسخاهم حين يسأل قال فأيهم أدهى قال من كتم سره


236
ممن أحب مخافة أن يشاره يوما قال فأيهم أكيس قال من يصلح ماله ويقتصد في معيشته قال فأيهم أرفق قال من يعطي بشر وجهه أصدقاءه ويتلطف في مسألته ويتعاهد حقوق إخوانه في إجابة دعواتهم وعيادة مرضاهم والتسليم عليهم والمشي مع جنائزهم والنصح لهم بالغيب قال فأيهم أفطن قال من عرف مايوافق الرجال من الحديث حين يجالسهم قال فأيهم أصلب قال من اشتدت عارضته في اليقين وحزم في التوكل ومنع جاره من الظلم 13-أحد الوافدين على عمر بن عبد العزيز

ووفد وافد على عمر بن عبد العزيز رحمه الله فقال له كيف تركت الناس فقال

تركت غنيهم موفورا وفقيرهم محبورا وظالمهم مقهورا ومظلومهم منصورا فقال الحمد لله لو لم تتم واحدة من هذه الخصال إلا بعضو من أعضائى لكان يسيرا 14-كاتب وأمير

ودخل بعض الكتاب على أمير بعد نكبة نابته فرأى من الأمير بعض الازدراء فقال له

لا يضعني عندك خمول النبوة وزوال الثروة فإن السيف العتيق إذا مسه كثير الصدإ استغنى بقليل الجلاء حتى يعود حده ويظهر فرنده ولم أصف نفسي عجبا لكن شكرا قال أنا أشرف ولد آدم ولا فخر فجهر بالشكر وترك الاستطالة بالكبر


237
15-وصف الهلباجة

من أمثال العرب أعجز من هلباجة وهو النئوم الكسلان العطل الجافى وقد سار في وصف الهلباجة فصل لبعض الأعراب المتفصحين وفصل آخر لبعض الحضريين فأما وصف الأعرابى فقد سئل ابن أبى كبشة بن القبعثرى عنه فقال الهلباجة الضعيف العاجز الأخرق الأحمق الجلف الكسلان الساقط لا معنى فيه ولا غناء عنده ولا كفاية معه ولا عمل لديه

وأما وصف الحضرى فإن بعض بلغاء الأمصار سئل عن الهلباجة فقال

هو الذي لا يرعوي لعذل العاذل ولا يصغي إلى وعظ الواعظ ينظر بعين حسود ويعرض إعراض حقود إن سأل ألحف وإن سئل سوف وإن حدث حلف وإن وعد أخلف وإن زجر عنف وإن قدر عسف وإن احتمل أسف وإن استغنى بطر وإن افتقر قنط وإن فرح أشر وإن حزن يئس وإن ضحك زأر وإن بكى جأر وإن حكم جار وإن قدمته تأخر وإن أخرته تقدم وإن أعطاك من عليك وإن أعطيته لم يشكرك وإن أسررت إليه خانك وإن أسر إليك اتهمك وإن صار فوقك قهرك وإن صار دونك حسدك وإن وثقت به خانك وإن انبسطت إليه شانك وإن أكرمته أهانك وإن غاب عنه الصديق سلاه وإن حضره قلاه وإن فاتحه لم يجبه وإن أمسك عنه لم يبدأه وإن بدأ بالود هجر وإن بدأ بالبر جفا وإن تكلم فضحه العي وإن عمل قصر به


238
الجهل وإن اؤتمن غدر وإن أجار أخفر وإن عاهد نكث وإن حلف حنث لا يصدر عنه الآمل إلا بخيبة ولا يضطر إليه حر إلا بمحنة

قال خلف الأحمر سألت أعرابيا عن الهلباجة فقال هو الأحمق الضخم الفدم الأكول الذي والذي ثم جعل يلقانى بعد ذلك ويزيد في التفسير كل مرة شيئا ثم قال لى بعد حين وأراد الخروج هو الذي جمع كل شر 16-بعض البلغاء يصف رجلا ووصف بعض البلغاء رجلا فقال

إنه بسيط الكف رحب الصدر موطأ الأكناف سهل الخلق كريم الطباع غيث مغوث وبحر زخور ضحوك السن بشير الوجه بادي القبول غير عبوس يستقبلك بطلاقة ويحييك يبشر ويستدبرك بكرم غيث وجميل بشر تبهجك طلاقته ويرضيك بشره ضحاك على مائدته عبد لضيفانه غير ملاحظ لأكيله بطين من العقل خميص من الجهل راجح الحلم ثاقب الرأي طيب الخلق محصن الضريبة معطاء غير سآل كاس من كل مكرمة عار من كل ملأمة إن سئل بذل وإن قال فعل


239
17-خمس جوار من العرب يصفن خيل آبائهن عن ابن الكلبى عن أبيه قال

اجتمع خمس جوار من العرب فقلن هلممن نصف خيل آبائنا فقالت الأولى

فرس أبى وردة وما وردة ذات كفل مزحلق ومتن أخلق وجوف أخوق ونفس مروح وعين طروح ورجل ضروح ويد سبوح بداهتها إهذاب وعقبها غلاب وقالت الثانية

فرس أبى اللعاب وما اللعاب غبية سحاب واضطرام غاب مترص الأوصال أشم القذال ملاحك المحال فارسه مجيد وصيده عتيد إن أقبل فظبى معاج وإن أدبر فظليم هداج وإن أحضر فعلج هراج وقالت الثالثة

فرس أبي حذمة وما حذمة إن أقبلت فقناة مقومة وإن أدبرت فأثفبة


240
ململمة وإن أعرضت فذئبة معجرمة أرساغها مترصة وفصوصها ممحصة جريها انثرار وتقريبها انكدار وقالت الرابعة

فرس أبي خيفق وما خيفق ذات ناهق معرق وشدق أشدق وأديم مملق لها خلق أشدف ودسيع منفنف وتليل مسيف وثابة زلوج خيفانة رهوج تقريبها إهماج وحضرها ارتعاج وقالت الخامسة

فرس أبى هذلول وما هذلول طريده محبول وطالبه مشكول رقيق الملاغم أمين المعاقم عبل المحزم مخد مرجم منف الحارك أشم


241
السنابك مجدول الخصائل سبط الفلائل غوج التليل صلصال الصهيل أديمه صاف وسبيبه ضاف وعفوه كاف 18-رجل من العرب يصف مطرا

عن عبد الرحمن عن عمه قال

سئل رجل من العرب عن مطر كان بعد جدب فقال

نشأ حملا سدا متقاذف الأحضان محمومى الأركان لماع الأقراب مكفهر الرباب تحن رعوده حنين اضطراب وتزمجر زمجرة الليوث الغضاب لبوارقه التهاب ولرواعده اضطراب فجاحفت صدوره الشعاف وركبت أعجازه القفاف ثم ألقى أعباءه وحط أثقاله فتألق وأصمت وانبجس وانبعق ثم أثجم فانطلق فغادر النهاء مترعة والغيطان ممرعة حباء للبلاد ورزقا للعباد


242
الباب الثالث في نثر الأعراب قولهم في الوعظ والتوصية 1-مقام أعرابى بين يدى سليمان بن عبد الملك قام أعرابى بين يدى سليمان بن عبد الملك فقال

إنى مكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فيه بعض الغلظة فاحتمله إن كرهته فإن وراءه ما تحبه إن قبلته قال هات يا أعرابى إنا نجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه ولا نأمن غشه وأرجو أن تكون الناصح جيبا المأمون غيبا قال يا أمير المؤمنين أما إذ أمنت بادرة غضبك فإني سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن من عظتك تأدية لحق الله وحق إمامتك إنه قد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم فابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك فهم حرب للاخرة سلم للدنيا فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه فإنهم لا يألونك خبالا والأمانة تضييعا والأمة عسفا وخسفا وأنت مسئول عما اجترحوا وليسوا مسئولين عما آجترحت فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك فإن أخسر الناس صفقة يوم القيامة وأعظمهم غبنا من باع آخرته بدنيا غيره


243
قال سليمان أما أنت يا أعرابي فقد سللت لسانك وهو أقطع سيفيك فقال أجل يا أمير المؤمنين لك لا عليك 2-أعرابى يعظ هشام بن عبد الملك ودخل أعرابي على هشام بن عبد الملك فقال له عظنى يا أعرابى فقال

كفى بالقرآن واعظا أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ( ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين ) ثم قال يا أمير المؤمنين هذا جزاء من يطفف في الكيل والميزان فما ظنك بمن أخذه كله 3-خطبة أعرابي وولى جعفر بن سليمان أعرابيا بعض مياههم فخطبهم يوم الجمعة فقال

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله علىسيدنامحمد خاتم النبيين أما بعد فإن الدنيا دار بلاغ والآخرة دار قرار فخذوا لمقركم من ممركم ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم وأخرجوا من الدنيا قلوبكم


244
قبل أن تخرج منها ابدانكم ففيها حييتم ولغيرها خلقتم اليوم عمل بلا حساب وغدا حساب بلا عمل إن الرجل إذا هلك قال الناس ما ترك وقالت الملائكة ما قدم فلله اباؤكم قدموا بعضا يكون لكم قرضا ولا تخلفوا كلا يكون عليكم كلا أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم والمحمود الله والمصلى عليه محمد والمدعو له الخليفة ثم إمامكم جعفربن سليمان قوموا إلى صلاتكم 4-خطبة أخرى وخطب أعرابي فقال الحمد لله الحميد المستحمد وصلى الله على النبى محمد

أما بعد فإن التعمق في ارتجال الخطب لممكن والكلام لا ينثنى حتى ينثنى عنه والله تبارك وتعالى لا يدرك واصف كنه صفته ولا يبلغ خطيب منتهى مدحته له الحمد كما مدح نفسه فانهضوا إلى صلاتكم ثم نزل فصلى 5-خطبة أخرى وخطب أعرابي قومه فقال

الحمد لله وصلى الله علىالنبى المصطفى وعلى جميع الأنبياء ما أقبح بمثلى أن ينهى عن أمر ويرتكبه ويأمر بشيء ويجتنبه وقد قال الأول

( ودع مالمت صاحبه عليه فذم أن يلومك من تلوم )

ألهمنا الله وإياكم تقواه والعمل برضاه 6-أعرابية توصي ابنها وقد أراد السفر

قال أبان بن تغلب وكان عابدا من عباد أهل البصرة توفى سنة 141ه شهدت أعرابية وهي توصي ولدا لها يريد سفرا وهي تقول له


245
أي بني اجلس أمنحك وصيتي وبالله توفيقك فإن الوصية أجدى عليك من كثير عقلك أى بنى إياك والنميمة فإنها تزرع الضغينة وتفرق بين المحبين وإياك والتعرض للعيوب فتتخذ غرضا وخليق أن لا يثبت الغرض على كثرة السهام وقلما اعتورت السهام غرضا إلا كلمته حتى يهى ما اشتد من قوته وإياك والجود بدينك والبخل بمالك وإذا هززت فاهزز كريما يلين لهزتك ولا تهزز اللئيم فإنه صخرة لا يتفجر ماؤها ومثل لنفسك مثال ما استحسنت من غيرك فاعمل به وما استقبحت من غيرك فاجتنبه فإن المرء لا يرى عيب نفسه ومن كانت مودته بشره وخالف ذلك منه فعله كان صديقه منه على مثل الريح في تصرفها ثم أمسكت فدنوت منها فقلت بالله يا أعرابية إلا زدته في الوصية فقالت أوقد أعجبك كلام العرب يا عراقي قلت نعم قالت والغذر أقبح ما تعامل به الناس بينهم ومن جمع الحلم والسخاء فقد أجاد الحلة ريطتها وسربالها 7-أعرابية توصي ابنها وقالت أعرابية لابنها

يا بني إن سؤالك الناس ما في أيديهم من أشد الافتقار إليهم ومن افتقرت إليه هنت عليه ولاتزال تحفظ وتكرم حتى تسأل وترغب فإذا ألحت عليك الحاجة ولزمك سوء الحال فاجعل سؤالك إلى من إليه حاجة السائل والمسئول فإنه يعطى السائل


246
8-أعرابى يوصى ابنه ووصى أعرابى ابنه فقال

ابذل المودة الصادقة تستفد إخوانا وتتخذ أعوانا فإن العداوة موجودة عتيدة والصداقة مستعرزة بعيدة جنب كرامتك اللئام فإنهم إن أحسنت إليهم لم يشكروا وإن نزلت شديدة لم يصبروا 9-أعرابي ينصح لابنه عن عبد الرحمن عن عمه قال سمعت أعرابيا يقول لابنه

لا يغرنك ما ترى من خفض العيش ولين الرياش ولكن فانظر إلى سوء الظعن وسوء المنقلب 10-أعرابى ينصح لابنه وقال سمعت أعرابيا يقول لابنه

كن للعاقل المدبر أرجى منك للأحمق المقبل ثم أنشد

( عدوك ذو الحلم أبقى عليك وأرعى من الوامق الأحمق ) 11-أعرابي ينصح لأخيه ونصح أعرابي لأخيه فقال

اعلم أن الناصح لك المشفق عليك من طالع لك ما وراء العواقب برؤيته ونظره ومثل لك الأحوال المخوفة عليك وخلط الوعر بالسهل من كلامه ومشورته ليكون خوفك كفاء رجائك وشكرك إزاء النعمة عليك وأن الغاش لك


247
والحاطب عليك من مد لك في الاغترار ووطأ لك مهاد الظلم تابعا لمرضاتك منقادا لهواك 12-أعرابى يعظ أخاه ووعظ أعرابى أخا له أفسد ماله في الشراب فقال

لا الدهر يعظك ولا الأيام تنذرك ولا الشيب يزجرك والساعات تحصى عليك والأنفاس تعد منك والمنايا تقاد إليك أحب الأمور إليك أعودها بالمضرة عليك 13-أعرابى يعظ صاحبه وقال أعرابى لصاحبه

والله لئن هملجت إلى الباطل إنك لقطوف عن الحق ولئن أبطأت ليسرعن بك وقد خسر أقوام وهم يظنون أنهم رابحون فلا تغرنك الدنيا فإن الاخرة من ورائك 14-أعرابي يعظ أخاه وقال أعرابي لأخيه

يا أخى أنت طالب ومطلوب يطلبك مالا تفوته وتطلب ما قد كفيته فكأن ما غاب عنك قد كشف لك وما أنت فيه قد نقلت عنه فامهد لنفسك وأعد ذلك وخذ في جهازك


248
15-أعرابي يعظ رجلا وقال أعرابي لرجل

أي أخي إن يسار النفس أفضل من يسار المال فإن لم ترزق غني فلا تحرم تقوى فرب شبعان من النعم عريان من الكرم واعلم أن المؤمن على خير ترحب به الأرض وتستبشر به السماء ولن يساء إليه في بطنها وقد أحسن على ظهرها 16-أعرابي يعظ رجلا وقال الأصمعي سمعت أعرابيا يعظ رجلا وهو يقول

ويحك إن فلانا وإن ضحك إليك فإنه يضحك منك ولئن أظهر الشفقة عليك إن عقاربه لتسرى إليك فإن لم تتخذه عدوا في علانيتك فلا تجعله صديقا في سريرتك 17-أعرابي يعظ رجلا وسمع أعرابي رجلا يقع في السلطان فقال

إنك غفل لم تسمك التجارب وفي النصح لسع العقارب كأني بالضاحك إليك وهوباك عليك 18-كلام أعرابي لابن عمه وشاور أعرابي ابن عم له فأشار عليه برأي فقال

قد قلت بمايقول به الناصح الشفيق الذى يخلط حلو كلامه بمره وحزنه بسهله ويحرك الإشفاق منه ما هو ساكن من غيره وقد وعيت النصح منه وقبلته إذ كان مصدره من عند من لا شك في مودته وصافى غيبه وما زلت بحمد الله إلى الخير منهجا واضحا وطريقا مهيعا


249
19-كلمات حكيمة للأعراب

قيل لأعرابىمالك لا تشرب النبيذ قال لثلاث خلال فيه لأنه متلف للمال مذهب للعقل مسقط للمروءة

وقال أعرابى الدراهم مياسم تسم حمدا وذما فمن حبسها كان لها ومن أنفقها كانت له وما كل من أعطي مالا أعطي حمدا ولا كل عديم ذميم

وقال أعرابى لأخ له يا أخي إن مالك إن لم يكن لك كنت له وإن لم تفنه أفناك فكله قبل أن يأكلك

وقال أعرابى إن الموفق من ترك أرفق الحالات به لأصلحها لدينه نظرا لنفسه إذا لم تنظر نفسه لها

وقال أعرابى إن الله مخلف ما أتلف الناس والدهر متلف ما أخلفوا وكم من ميتة عليها طلب الحياة وكم من حياة سببها التعرض للموت

وقال أعرابي إن الآمال قطعت أعناق الرجال كالسراب غر من راه وأخلف من رجاه

وقال أعرابي لصاحب له أصحب من يتناسى معروفه عليك ويتذكر حقوقك عليه

وقال أعرابى لا تسأل من يفر من أن تسأله ولكن سل من أمرك أن تسأله وهو الله تعالى

وقال أعرابى ما بقاء عمر نقطعه الساعات وسلامة بدن معرض للآفات ولقد عجبت من المؤمن كيف يكره الموت وهو ينقله إلى الثواب الذي أحيا له ليله وأظمأ له نهاره


250

وذكر أهل السلطان عند أعرابي فقال أما والله لئن عزوا في الدنيا بالجور لقد ذلوا في الاخرة بالعدل ولقد رضوا بقليل فان عوضا عن كثير باق وإنما تزل القدم حيث لا ينفع الندم

وقال أعرابى من كانت مطيته الليل والنهار سارا به وإن لم يسر وبلغا به وإن لم يبلغ

وقال أعرابى الزهادة في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة والزهادة في الآخرة مفتاح الرغبة في الدنيا

وقيل لأعرابى وقد مرض إنك تموت قال وإذا مت فإلى أين يذهب بي قالوا إلى الله تعالى قال فما كراهتي أن يذهب بي إلى من لم أو الخير إلا منه

وقال أعرابي من خاف الموت بادر الموت ومن لم ينح النفس عن الشهوات أسرعت به إلى الهلكات والجنة والنار أمامك

وقال أعرابى خير لك من الحياة ما إذا فقدته أبغضت له الحياة وشر من الموت ما إذا نزل بك أحببت له الموت

وقيل لأعرابي من أحق الناس بالرحمة قال الكريم يسلط عليه اللئيم والعاقل يسلط عليه الجاهل

وقيل له أى الداعين أحق بالإجابة قال المظلوم وقيل له فأي الناس أغنى عن الناس قال من أفرد الله بحاجته

وقال الأصمعى سمعت أعرابيا يقول إذا أشكل عليك أمران فانظر أيهما أقرب من هواك فخالفه فإن أكثر ما يكون الخطأ مع متابعة الهوى

وقال أعرابي الشر عاجله لذيذ وآجله وخيم


251

وقال أعرابى من ولد الخير أنتج له فراخا تطير بأجنحة السرور ومن غرس الشر أنبت له نباتا مرا مذاقه وقضبانه الغيظ وثمرته الندم

وقال أعرابي من كساه الحياء ثوبه حفى على الناس عيبه وقال بئس الزاد التعدى على العباد وقال التلطف بالحيلة أنفع من الوسيلة وقال من ثقل على صديقه خف على عدوه ومن أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه مالا يعلمون

وقال أعرابى أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم

وقال أعرابى لابنه لا يسرك أن تغلب بالشر فإن الغالب بالشر هو المغلوب

وقال أعرابى لأخ له قد نهيتك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه فإن حظك من عطيته السؤال

وقال أعرابى إن حب الخير خير وإن عجزت عنه المقدرة وبغض الشر خير وإن فعلت أكثره

وقال أعرابى والله لولا أن المروءة تقيل محملها شديدة مؤنتها ما ترك اللئام للكرام شيئا

واحتضر أعرابي فقال له بنوه عظنا يا أبت فقال عاشروا الناس معاشرة إن غبتم حنوا إليكم وإن متم بكوا عليكم

ودخل أعرابي على بعض الملوك في شملة شعر فلما رآه أعرض عنه فقال له إن الشملة لا تكلمك وإنما يكلمك من هو فيها

وقال أعرابي رب رجل سره منشور على لسانه وآخر قد التحف عليه قلبه التحاف الجناح على الخوافي


252

وقيل لأعرابي كيف كتمانك للسر قال ما جوفى له إلا قبر

ومر أعرابيان برجل صلبه بعض الخلفاء فقال أحدهما أنبتته الطاعة وحصدته المعصية وقال الآخر من طلق الدنيا فالآخرة صاحبته ومن فارق الحق فالجذع راحلته

وقال أعرابي إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل ودوام عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وشوقه إلى إخوانه وبكائه على ما مضى من زمانه

وقال أعرابي إذا كان الرأى عند من لا يقبل منه والسلاح عند من لا يستعمله والمال عند من لا ينفقه ضاعت الأمور

وقال أعرابي إن الدنيا تنطق بغير لسان فتخبر عما يكون بما قد كان

وقال الأصمعى سمعت أعرابيا يقول غفلنا ولم يغفل الدهر عنا فلم نتعظ بغيرنا حتى وعظ غيرنا بنا فقد أدركت السعادة من تنبه وأدركت الشقاوة من غفل وكفى بالتجربة واعظا

وقال أعرابي لرجل اشكر للمنعم عليك وأنعم علي الشاكر لك تستوجب من ربك زيادته ومن أخيك مناصحته

وتذاكر قوم صلة الرحم وأعرابى جالس فقال منسأة في العمر مرضاة للرب محبة في الأهل

وقال أعرابي لا أعرف ضرا أوصل إلى نياط القلب من الحاجة إلى من لم تثق بإسعافه ولا تأمن رده وأكلم المصائب فقد خليل لا عوض منه

وقيل لأعرابي أي شيء أمتع فقال ممازحة المحب ومحادثة الصديق وأمانى تقطع بها أيامك


253

وقال أعرابي من لم يرض عن صديقه إلا بإيثاره على نفسه دام سخطه ومن عاتب على كل ذنب كثر عدوه ومن لم يؤاخ من الإخوان إلا من لا عيب فيه قل صديقه

عن عبد الرحمن عن عمه قال قلت لأعرابي ما تقول في المراء قال ما عسى أن أقول في شيء يفسد الصداقة القديمة ويحل العقدة الوثيقة أقل ما فيه أن يكون دربة للمغالبة والمغالبة من أمتن أسباب الفتنة

عن عبد الرحمن عن عمه قال سمعت أعرابيا يقول لا يوجد العجول محمودا ولا الغضوب مسرورا ولا الملول ذا إخوان ولا الحر حريصا ولا الشره غنيا

وقال سمعت أعرابيا يقول صن عقلك بالحلم ومروءتك بالعفاف ونجدتك بتجانبة الخيلاء وخلتك بالإجمال في الطلب

وقال سمعت أعرابيا يقول أقبح أعمال المقتدرين الانتقام وما استنبط الصواب بمثل المشاورة ولا حصلت النعم بمثل المواساة ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر

وقال أعرابى خير الإخوان من ينيل عرفا أو يدفع ضرا

عن عبد الرحمن عن عمه قال سمعت أعرابيا يقول العاقل حقيق أن يسخى بنفسه عن الدنيا لعلمه أن لا ينال أحد فيها شيئا إلا قل إمتاعه به أو كثر عناؤه فيه واشتدت مرزئته عليه عند فراقه وعظمت التبعة فيه بعده

وقال أعرابي خصلتان من الكرم إنصاف الناس من نفسك ومواساة الإخوان


254
وقال أعرابي ما غبنت قط حتى يغبن قومي قيل وكيف ذلك قال لا أفعل شيئا حتى أشاورهم

وقال أعرابي لرجل مطله في حاجة إن مثل الظفر بالحاجة تعجيل اليأس منها إذا عسر قضاؤها وإن الطلب وإن قل أعظم قدرا من الحاجة وإن عظمت والمطل من غير عسر آفة الجود

وقال أعرابي وعد الكريم نقد وتعجيل ووعد اللئيم مطل وتعليل وقال أعرابي اعتذار من منع أجمل من وعد ممطول وقال أعرابي عود لسانك الخير تسلم من أهل الشر

وقال أعرابي خرجت ليلة حين انحدرت أيدى النجوم وشالت أرجلها فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر فإذا بجارية كأنهاعلم فجعلت أغازلها فقالت يا هذا أمالك ناه من كرم إن لم يكن لك زاجر من عقل قال والله ما يراني إلا الكواكب قالت فأين مكوكها أجوبة الأعراب 20-مجاوبة أعرابي للحجاج

خرج الحجاج ذات يوم فأصحر وحضر غداؤه فقال اطلبوا من يتغدي معي فطلبوا فإذا أعرابي في شملة فأتى به فقال السلام عليكم قال هلم أيها الأعرابى قال قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته قال ومن هو قال دعاني


255
الله ربى إلى الصوم فأنا صائم قال وصوم في مثل هذا اليوم الحار قال صمت ليوم هو أحر منه قال فأفطر اليوم وصم غدا قال ويضمن لي الأمير أني أعيش إلى غد قال ليس ذاك إليه قال فكيف تسألنى عاجلا باجل ليس إليه سبيل قال إنه طعام طيب قال والله ماطيبه خبازك ولا طباخك قال فمن طيبه قال العافية قال الحجاج تالله إن رأيت كاليوم أخرجوه عني 21-مساءلة الحجاج أعرابيا فصيحا

وقال الحجاج لأعرابي كلمه فوجده فصيحا كيف تركت الناس وراءك فقال تركتهم أصلح الله الأمير حين تفرقوا في الغيطان واخمدوا النيران وتشكت النساء وعرض الشاء ومات الكلب فقال الحجاج لجلسائه أخصبا نعت أم جدبا قالوا بل جدبا قال بل خصبا قوله تفرقوا في الغيطان معناه أنها أعشبت فإبلهم وغنمهم ترعى وأخمدوا النيران معناه استغنوا باللبن عن أن يشتووا لحوم إبلهم وغنمهم ويأكلوها وتشكت النساء أعضادهن من كثرة ما يمخضن الألبان وعرض الشاء استن من كثرة العشب والمرعى ومات الكلب لم تمت أغنامهم وإبلهم فيأكل جيفها 22-مجاوبة أعرابى لعبد الملك بن مروان

ودخل أعرابي على عبد الملك بن مروان فقال له يا أعرابي صف الخمر فقال

( شمول إذا شجت وفي الكأس مزة لها في عظام الشاربين دبيب )


256

( تريك القذى من دونها وهي دونه لوجه أخيها في الإناء قطوب )

فقال ويحك يا أعرابي لقد اتهمك عندي حسن صفتك لها قال يا أمير المؤمنين واتهمك عندي معرفتك بحسن صفتي لها 23-مجاوبة أعرابى لخالد بن عبد الله القسرى وخطب خالد بن عبد الله القسري فقال

يأهل البادية ما أخشن بلدكم وأغلظ معاشكم وأجفى أخلاقكم لا تشهدون جمعة ولا تجالسون عالما فقام إليه رجل منهم دميم فقال أما ما ذكرت من خشونة بلدنا وغلظ طعامنا فهو كذلك ولكنكم معشر أهل الحضر فيكم ثلاث خصال هي شر من كل ما ذكرت قال له خالد وما هي قال تنقبون الدور وتنبشون القبور وتنكحون الذكور قال قبحك الله وقبح ما جئت به 24-أجوبة شتى

وقدم أعرابي إلى السلطان فقال له قل الحق وإلا أوجعتك ضربا قال له وأنت فاعمل به فوالله ما أوعدك الله على تركه أعظم مما توعدني به

ونظر عثمان إلى أعرابي في شملة غائر العينين مشرف الحاجبين ناتىء الجبهة فقال له أين ربك قال بالمرصاد

وقيل لأعرابي إنك تحسن الشارة قال ذلك عنوان نعمة الله عندى


257

وقيل لأعرابي كيف أنت في دينك قال أخرقه بالمعاصي وأرقعه بالاستغفار

وسئل أعرابي عن القدر فقال الناظر في قدر الله كالناظر في عين الشمس يعرف ضوءها ولا يقف على حدودها

وسئل اخر عن القدر فقال علم اختصمت فيه العقول وتقاول فيه المختلفون وحق علينا أن يرد إلينا ما التبس علينا من حكمه إلى ماسبق علينا من علمه

وقيل لأعرابي من أبلغ الناس قال أحسنهم لفظا وأسرعهم بديهة

وقيل لأعرابى مالك لا تطيل الهجاء قال يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق

وقال معاوية لأعرابية هل من قرى قالت نعم قال وما هو قالت خبز خمير ولبن فطير وماء نمير

وقيل لأعرابي فيم كنتم قال كنا بين قدر تفور وكأس تدور وحديث لا يحور

وقيل لأعرابي ما أعددت للبرد قال شدة الرعدة وقرفصاء القعدة وذرب المعدة

وقيل لأعرابي ما لك من الولد قال قليل خبيث قيل له ما معناه قال إنه لا أقل من واحد ولا أخبث من أنثى

وقيل لأعرابي وقد أدخل ناقته في السوق ليبيعها صف لنا ناقتك قال


258
ما طلبت عليها قط إلا أدركت ولا طلبت إلا فت وقيل له فلم تبيعها قال لقول الشاعر

( وقد تخرج الحاجات يا أم عامر كرائم من رب بهن ضنين )

وقيل لأعرابي ما عندكم في البادية طبيب قال حمر الوحش لا تحتاج إلى بيطار

وقيل لشريح القاضي هل كلمك أحد قط فلم تطق له جوابا قال ما أعلمه إلا أن يكون أعرابيا خاصم عندي وهو يشير بيديه فقلت له أمسك فإن لسانك أطول من يدك قال أسامري أنت لا تمس

وقيل لأعرابي أي الألوان أحسن قال قصور بيض في حدائق خضر

وقيل لآخر أي الألوان أحسن قال بيضة في روضة عن غب سارية والشمس مكبدة


259

وخطب أعرابي إلى قوم فقالوا ما تبذل من الصداق وارتفع السجف فرأى شيئا كرهه فقال والله ما عندي وإني لأكره أن يكون علي دين

وقيل لأعرابية مات ابنها ما أحسن عزاءك عن ابنك قالت إن مصيبته امنتني من المصائب بعده

وقال محمد بن حرب الهلالي قلت لأعرابي إني لك لواد قال وإن لك من قلبي لرائدا

وقال الأصمعي رأيت أعرابيا أمامه شاء فقلت لمن هذه الشاء قال هي لله عندي قولهم في الاستمناح والاستجداء 25-أعرابي يجتدي عتبة بن أبى سفيان

اعترض أعرابي لعتبة بن أبي سفيان وهو على مكة فقال أيها الخليفة فقال لست به ولم تبعد قال يا أخاه قال أسمعت فقل قال

شيخ من بنى عامر يتقرب إليك بالعمومة ويختص بالخئولة ويشكو إليك كثرة العيال ووطأة الزمان وشدة فقر وترادف ضر وعندك ما يسعه ويصرف عنه بؤسه قال أستغفر الله منك وأستعينه عليك قد أمرت لك بغناك فليت إسراعنا إليك يقوم بإبطائنا عنك


260
26-أعرابي يجتدي عمر بن عبد العزيز وأتى أعرابي عمر بن عبد العزيز فقال

رجل من أهل البادية ساقته إليك الحاجة وبلغت به الغاية والله سائلك عن مقامي غدا فقال عمر والله ما سمعت كلمة أبلغ من قائل ولا أوعظ لمقول له منها 27-خطبة أعرابي بين يدى هشام بن عبد الملك

وكانت الأعراب تنتجع هشام بن عبد الملك بالخطب كل عام فتقدم إليهم الحاجب يأمرهم يالإيجاز فقام أعرابى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

يا أمير المؤمنين إن الله تبارك وتعالى جعل العطاء محبة والمنع مبغضة فلأن نحبك خير من أن نبغضك فأعطاه وأجزل له 28-مقام أعرابي بين يدي هشام وقام أعرابي بين يدي هشام فقال

يا أمير المؤمنين أتت على الناس ثلاث سنين أما الأولى فلحت اللحم وأما الثانية فأكلت الشحم وأما الثالثة فهاضت العظم وعندكم فضول أموال فإن كانت لله فاقسموها بين عباده وإن كانت لهم ففيم تحظر عنهم وإن كانت لكم فتصدقوا عليهم بها إن الله يجزى المتصدقين قال هشام هل من حاجة غير هذه يا أعرابي قال ما ضربت إليك أكباد الإبل أدرع الهجير وأخوض الدجى لخاص دون عام فأمر هشام بمال فقسم بين الناس وأمر


261
للأعرابي بمال فقال أكل المسلمين له مثل هذا قالوا لا ولا يقوم بذلك بيت مال المسلمين قال فلا حاجة لي فيما يبعث لآئمة الناس على أمير المؤمنين 29-أعرابي يستجدي عبيد الله بن زياد وقال العتبي وقف أعرابى بباب عبيد الله بن زياد فقال

يأهل الغضارة حقب السحاب وانقشع الرباب واستأسدت الذئاب وردم الثمد وقل الحفد ومات الولد وكنت كثير العفاة صخب السقاة عظيم الدلاة لاتصال الزمان وغفل الحدثان حي حلال وعدد ومال فتفرقتا أيدي سبا بين فقد الأبناء والاباء وكنت حسن الشارة خصيب الدارة سليم الجارة وكان محلي حمي وقومي أسي وعزى جدا


262
قضى الله ولا رجعان لما قضى بسواف المال وشتات الرجال وتغير الحال فأعينوا من شخصه شاهده ولسانه وافده وفقره سائقه وقائده 30-أعرابية تستجدى عبد الله بن أبي بكرة

ودخلت أعرابية على عبد الله بن أبي بكرة بالبصرة فوقفت بين السماطين فقالت

أصلح الله الأمير وأمتنع به حدرتنا إليك سنة اشتد بلاؤها وانكشف غطاؤها أقود صبية صغارا وآخرين كبارا في بلدة شاسعة تخفضنا خافضة وترفعنا رافعة لملمات من الدهر برين عظمى وأذهبن لحمي وتركنني والهة أدور بالحضيض وقد ضاق بي البلد العريض فسألت في أحياء العرب من الكاملة فضائله المعطي سائله المكفىنائله فدللت عليك أصلحك الله تعالى وأنا امرأة من هوازن قد مات الوالد وغاب الرافد وأنت بعد الله غياثى ومنتهى أملي فافعل بي إحدى ثلاث خصال إما أن تردني إلى بلدي أو تحسن صفدي أو تقيم أودي فقال بل أجمعهن لك فلم يزل يجرى عليها كما يجرى على عياله حتى ماتت

وروى صاحب العقد قال

قال الأصمعي وقفت أعرابية على عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضى الله تعالى عنهما فقالت

إنى أتيت من أرض شاسعة تخفضني خافضة وترفعني رافعة في بوادي


263
برين لحمي وهضن عظمي وتركنني والهة قد ضاق بي البلد بعد الأهل والولد وكثرة من العدد لا قرابة تؤويني ولا عشيرة تحميني فسألت أحياء العرب من المرتجي سيبه المأمون عيبه الكثير نائله المكفي سائله فدللت عليك وأنا امرأة من هوازن فقدت الولد والوالد فاصنع في أمري واحدة من ثلاث إما أن تحسن صفدي وإما أن تقيم أودي وإما أن تردني إلى بلدي قال بل أجمعهن لك ففعل ذلك بها 31-أعرابي يستجدي خالد بن عبد الله القسري ودخل أعرابي على خالد بن عبد الله القسري فقال

أصلح الله الأمير شيخ كبير حدته إليك بارية العظام ومؤرثة الأسقام ومطولة الأعوام فذهبت أمواله وذعذعت آباله وتغيرت أحواله فإن رأي الأمير أن يجبره بفضله وينعشه بسجله ويرده إلى أهله فقال كل ذلك وأمر له بعشرة الاف درهم 32-أعرابي يستجدي معن بن زائدة وقدم أعرابي من بني كنانة على معن بن زائدة وهو باليمن فقال

إني والله ما أعرف سببا بعد الإسلام والرحم أقوي من رحلة مثلي من أهل السن والحسب إليك من بلاده بلا سبب ولا وسيلة إلا دعاءك إلى المكارم ورغبتك في المعروف فإن رأيت أن تضعني من نفسك بحيث وضعت نفسي من رجائك فافعل فوصله وأحسن إليه


264
33-خطبة الأعرابى السائل في المسجد الحرام عن أبي زيد قال بينا أنا في المسجد الحرام إذ وقف علينا أعرابي فقال

يا مسلمون إن الحمد لله والصلاة على نبيه إني امرؤ من أهل هذا الملطاط الشرقى المواصى أسياف تهامة عكفت على سنون محش فاجتبت الذري وهشمت العري وجمشت النجم وأعجت البهم وهمت الشحم والتحبت اللحم وأحجنت العظم وغادرت التراب مورا والماء غورا والناس أوزاعا والنبط قعاعا والضهل جزاعا والمقام جعجاعا يصبحنا الهاوي ويطرقنا العاوي فخرجت لا أتلفع بوصيدة ولا أتفوت هبيدة فالبخصات وقعة والركبات زلعة والأطراف قفعة والجسم مسلهم والنظر مدرهم أعشو فأغطش وأضحي فأخفش أسهل ظالعا وأحزن راكعا فهل من آمر


265
بمير أو داع بخير وقاكم الله سطوة القادر وملكة الكاهر وسوء الموارد وفضوح المصادر قال فأعطيته دينارا وكتبت كلامه واستفسرته ما لم أعرفه 34-خطبة الأعرابي السائل في المسجد الجامع بالبصرة وروى الجاحظ قال

قال أبو الحسن سمعت أعرابيا في المسجد الجامع بالبصرة بعد العصر سنة ثلاث وخمسين ومائة وهو يقول

أما بعد فإنا أبناء سبيل وأنضاء طريق وفل سنة تصدقوا علينا فإنه لا قليل من الأجر ولا غنى عن الله ولا عمل بعد الموت أما والله إنا لنقوم هذا المقام وفي الصدر حزازة وفي القلب غصة 35-صورة أخرى وروى أبو علي القالي هذه الخطبة بصورة أخرى وهاكها

عن يونس قال وقف أعرابي في المسجد الجامع في البصرة فقال

قل النيل ونقص الكيل وعجفت الخيل والله ما أصبحنا ننفخ في وضح وما لنا في الديوان وشمة وإنا لعيال جربة فهل من معين أعانه الله يعين ابن سبيل ونضو طريق وفل سنة فلا قليل من الأجر ولا غنى عن الله ولا عمل بعد الموت


266
36-صورة أخرى ورواها صاحب العقد فقال وقف أعرابي على حلقة يونس فقال

الحمد لله وأعوذ بالله أن ذكر به وأنساه إنا أناس قدمنا المدينة ثلاثون رجلا لا ندفن ميتا ولا نتحول من منزل وإن كرهناه فرحم الله عبدا تصدق على ابن سبيل ونضو طريق وفل سنة فإنه لا قليل من الأجر ولا غنى عن الله ولا عمل بعد الموت يقول الله عز وجل ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) إن الله لا يستقرض من عوز ولكن ليبلو خيار عباده 37-أعرابي يستجدي وقال المدائني سمعت أعرابيا يسأل وهو يقول

رحم الله امرأ لم تمج أذناه كلامي وقدم لنفسه معاذه من سوء مقامي فإن البلاد مجدبة والدار مضيعة والحال سيئة والحياء زاجر ينهي عن كلامكم والعدم عاذر يحملني على إخباركم والدعاء إحدي الصدقتين فرحم الله امرأ أمر بمير أو دعا بخير فقال له بعض القوم ممن الرجل فقال ممن لا تنفعكم معرفته ولا تضركم جهالته ذل الاكتساب يمنع من عز الانتساب 38-أعرابي يستجدي

وقال الأصمعي أصابت الأعراب أعوام جدبة وشدة وجهد فدخلت طائفة منهم البصرة وبين يديهم أعرابي وهو يقول

أيها الناس إخوانكم في الدين وشركاؤكم في الإسلام عابرو سبيل


267
وأفلال بؤس وصرعى جدب تتابعت علينا سنون ثلاثة غبرت النعم وأهلكت النعم فأكلنا مابقى من جلودها فوق عظامها فلم نزل نعلل بذلك أنفسنا ونمنى بالغيث قلوبنا حتى عاد مخنا عظاما وعاد إشراقنا ظلاما وأقبلنا إليكم يصرعنا الوعر ويكننا السهل وهذه آثار مصائبنا لائحة في سماتنا فرحم الله متصدقا من كثير ومواسيا من قليل فلقد عظمت الحاجة وكسف البال وبلغ المجهود والله يجزى المتصدقين 39-أعرابي يستجدي وقال الأصمعي كنت في حلقة بالبصرة إذ وقف علينا أعرابي سائلا فقال

أيها الناس إن الفقر يهتك الحجاب ويبرز الكعاب وقد حملتنا سنو المصائب ونكبات الدهور على مركبها الوعر فواسوا أبا أيتام ونضو زمان وطريد فاقة وطريح هلكة رحمكم الله 40-أعرابى يستجدى وقال الأصمعي وقف أعرابي علينا فقال

يا قوم تتابعت علينا سنون بتغير وانتقاص فما تركت لنا هبعا ولا ربعا ولا عافطة ولا نافطة ولا ثاغية ولا راغبة فأماتت الزرع وقتلت الضرع وعندكم من مال الله فضل نعمة فأعينونى من عطية ما آتاكم الله وارحموا أبا أيتام ونضو زمان فلقد خلفت أقواما يمرضون ولا يكفنون ميتهم ولا ينتقلون من منزل وإن كرهوه ولقد مشيت حتى انتعلت الدماء وجعت حتى أكلت الثرى


268
41-أعرابية تستجدي وقال الأصمعي وقفت أعرابية فقالت

يا قوم سنة جردت وأيد جمدت وحال جهدت فهل من فاعل لخير وآمر بمير رحم الله من رحم فأقرض من لا يظلم 42- أعرابي يستجدي ووقف أعرابي بقوم فقال

أشكو إليكم أيها الملأ زمانا كلح في وجهه وأناخ على بكلكله بعد نعمة من المال وثروة من المآل وغبطة من الحال اعتورتني جدائده بنبل مصائبه عن قسى نوائبه فما تركا لي ثاغيه اجتدي ضرعها ولا راغية أرتجي نفعها فهل فيكم من معين على صرفه أو معد على حتفه فرد القوم عليه ولم ينيلوه شيئا فأنشأ يقول

( قد ضاع من يأكل من أمثالكم جودا وليس الجود من فعالكم )

( لا بارك الله لكم في مالكم ولا أزاح السوء عن عيالكم )

( فالفقر خير من صلاح حالكم ) 43-أعرابي يستجدي وسمع عدي بن حاتم رجلا من الأعراب وهو يقول

يا قوم تصدقوا على شيخ معيل وعابر سبيل شهد له ظاهره وسمع شكواه


269
خالقه بدنه مطلوب وثوبه مسلوب فقال له من أنت قال رجل من بني سعد في دية لزمتني قال فكم هى قال مائة بعير قال دونكما في بطن الوادي 44-أعرابي يستجدي ووقف أعرابي على قوم فقال

إنا رحمكم الله أبناء سبيل وأنضاء طريق وقاسية رحم الله امرأ أعطي من سعة وواسي من كفاف

فأعطاه رجل درهما فقال آجرك الله من غير أن يبتليك 45-أعرابي يستجدي ووقف أعرابي بقوم فقال

يا قوم تتابعت علينا سنون جماد شداد لم يكن للسماء فيها رجع ولا للأرض فيها صدع فنضب العد ونشف الوشل وأمحل الخصب وكلح الجدب وشف المال وكسف البال وشظف المعاش وذهب الرياش وطرحتنى الأيام إليكم غريب الدار فأتي المحل ليس لي مال أرجع إليه ولا عشيرة ألحق بها فرحم الله امرأ رحم اغترابي وجعل المعروف جوابي


270
46-أعرابية تستجدي

وخرج المهدى يطوف بعد هدأة من الليل فسمع أعرابية من جانب المسجد وهي تقول

قوم متظلمون نبت عنهم العيون وفدحتهم الديون وعضتهم السنون بادت رجالهم وذهبت أموالهم وكثر عيالهم أبناء سبيل وأنضاء طريق وصية الله ووصية الله ورسوله فهل من امرىء يجير كلأه الله في سفره وخلفه في أهله

فأمر نصيرا الخادم فدفع إليها خمسمائة درهم 47-أعرابي يستجدي ووقف أعرابي في شهر رمضان على قوم فقال

يا قوم لقد ختمت هذه الفريضة على أفواهنا من صبح أمس ومعي بنتان لي والله ما علمتهما تحللتا بحلال فهل رجل كريم يرحم اليوم مقامنا ويرد حشاشتنا منعه الله أن يقوم مقامه فإنه مقام ذل وعار وصغار

فافترق القوم ولم يعطوه شيئا فالتفت إليهم حتى تأملهم جميعا ثم قال

أشد والله على من سوء حالي وفاقتي توهمي فيكم المواساة انتعلوا الطريق لاصحبكم الله


271
48-أعرابي يستجدي وقام أعرابى ليسأل فقال

أين الوجوه الصباح والعقول الصحاح والألسن الفصاح والأنساب الصراح والمكارم الرياح والصدور الفساح تعيذني من مقامي هذا 49-أعرابي يستجدي ودعا أعرابي في طريق مكة فقال

هل من عائد بفضل أو مواس من كفاف فأمسك عنه فقال اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا فنعجز ولا إلى الناس فنضيع 50-أعرابي يستجدي وقف أعرابي فسأل قوما فقالوا له عليك بالصيارفة قال هناك والله قرارة اللؤم 51-أعرابي يستجدي

وسأل أعرابي ناسا فقال جعل الله حظكم في الخير ولا جعل حظ السائل منكم عذرة صادقة 52-أعرابي يستجدي

وسأل أعرابى فقال له صبي من جوف الدار بورك فيك فقال قبح الله هذا الفم لقد تعلم الشر صغيرا


272
53-أعرابي يستجدي ووقف أعرابي على قوم فمنعوه فقال

اللهم اشغلنا بذكرك وأعذنا من سخطك وأولجنا إلى عفوك فقد ضن خلقك برزقك فلا تشغلنا بما عندهم عن طلب ما عندك وآتنا من الدنيا القنعان وإن كان كثيرها يسخطك فلا خير فيما يسخطك 54-أعرابي يستجدي وقال أبو الحسن وقف علينا أعرابي فقال

أخ في كتاب الله وجار في بلاد الله وطالب خير من رزق الله فهل فيكم من مواس في الله

وسأل أعرابي رجلا فاعتل عليه فقال إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا 55-أعرابي يسأل رجلا حاجة له

أتى أعرابي رجلا لم تكن بينه وبينه حرمة في حاجة له فقال

إنى امتطيت إليك الرجاء وسرت على الأمل ووفدت بالشكر وتوسلت بحسن الظن فحقق الأمل وأحسن المثوبة وأكرم القصد وأتم الود وعجل المراد


273
قولهم في بكاء الموتي 56-أعرابية تبكي ابنها

وحجت أعرابية ومعها ابن لها فأصيبت به فلما دفن قامت على قبره وهي وجعة فقالت

والله يا بني لقد غذوتك رضيعا وفقدتك سريعا وكأنه لم يكن بين الحالين مدة ألتذ بعيشك فيها فأصبحت بعد النضارة والغضارة ورونق الحياة والتنسم في طيب روائحها تحت أطباق الثرى جسدا هامدا ورفاتا سحيقا وصعيدا جرزا

أى بنى لقد سحبت الدنيا عليك أذيال الفنا وأسكنتك دارالبلي ورمتني بعدك نكبة الردي أي بني لقد أسفر لي عن وجه الدنيا صباح داج ظلامه ثم قالت

أي رب ومنك العدل ومن خلقك الجور وهبته لي قرة عين فلم تمتعني به كثيرا بل سلبتنيه وشيكا ثم أمرتني بالصبر ووعدتني عليه الأجر فصدقت وعدك ورضيت قضاءك فرحم الله من ترحم على من استودعته الردم ووسدته الثري اللهم ارحم غربته وأنس وحشته واستر عورته يوم تنكشف الهنات والسوءات


274
فلما أرادت الرجوع إلى أهلها وقفت على قبره فقالت

أى بنى إنى قد تزودت لسفرى فليت شعرى ما زادك لبعد طريقك ويوم معادك اللهم إنى أسألك له الرضا برضاي عنه ثم قالت

استودعتك من استودعنيك في أحشائي جنينا واثكل الوالدات ما أمض حرارة قلوبهن وأقلق مضاجعهن وأطول ليلهن وأقصر نهارهن وأقل أنسهن وأشد وحشتهن وأبعدهن من السرور وأقربهن من الأحزان

فلم تزل تقول هذا ونحوه حتى أبكت كل من سمعها وحمدت الله عز وجل واسترجعت وصلت ركعات عند قبره وانطلقت 57-حديث امرأة سكنت البادية قريبا من قبور أهلها وروى أبو علي القالي عن عبد الرحمن عن عمه قال

دفعت يوما في تلمسى بالبادية إلى واد خلاء لا أنيس به إلا بيت معتنز بفنائه أعنز وقد ظمئت فيممته فسلمت فإذا عجوز قد برزت كأنها نعامة راخم فقلت هل من ماء فقالت أو لبن فقلت ما كانت بغيتى إلا الماء فإذا يسر الله اللبن فإني إليه فقير فقامت إلى قعب فأفرغت فيه ماء ونظفت غسله ثم جاءت إلى الأعنز فتغيرتهن حتى احتلبت قراب ملء القعب ثم أفرغت عليه ماء حتى رغا وطفت ثمالته كأنها غمامة بيضاء ثم ناولتنى إياه فشربت حتى تحببت ريا واطمأننت فقلت


275

إني أراك معتنزة في هذا الوادي الموحش والحلة منك قريب فلو انضممت إلى جنابهم فأنست بهم فقالت

يابن أخي إني لأتس بالوحشة وأستريح إلى الوحدة ويطمئن قلبي إلي هذا الوادى الموحش فأتذكر من عهدت فكأني أخاطب أعيانهم وأتراءى أشباحهم وتتخيل لي أندية رجالهم وملاعب ولدانهم ومندي أموالهم والله يابن أخي لقد رأيت هذا الوادي بشع اللديدين بأهل أدواح وقباب ونعم كالهضاب وخيل كالذئاب وفتيان كالرماح يبارون الرياح ويحمون الصباح فأحال عليهم الجلاء قما بغرفة فأصبحت الاثار دارسة والمحال طامسة وكذلك سيرة الدهر فيمن وثق به

ثم قالت ارم بعينك في هذا الملا المتباطن فنظرت فإذا قبور نحو أربعين أو خمسين فقالت ألا ترى تلك الأجداث قلت نعم قالت ما انطوت إلا على أخ أو ابن أخ أو عم أو ابن عم فأصبحوا قد ألمأت عليهم الأرض وأنا أترقب ما غالهم انصرف راشدا رحمك الله 58-حديث امرأة مات ابنها بين يديها

عن عبد الرحمن عن عمه قال دخلت على امرأة من العرب بأعلى الأرض في خباء لها وبين يديها بنى لها قد نزل به الموت فقامت إليه فأغمضته وعصبته وسجته ثم قالت


276

يابن أخي قلت ما تشائين قالت ما أحق من ألبس النعمة وأطيلت له النظرة أن لا يدع التوثق من نفسه قبل حل عقدته والحلول بعقوته والمحالة بينه وبين نفسه قال وما يقطر من عينها قطرة صبرا واحتسابا ثم نظرت إليه فقالت والله ما كان مالك لبطنك ولا أمرك لعرسك ثم أنشدت تقول

( رحيب الذراع بالتى لا تشينه وإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا ) قولهم في الشكوى 59-أعرابى يشكو حاله عن عبد الرحمن عن عمه قال

قدم علينا البصرة رجل من أهل البادية شيخ كبير فقصدته فوجدته يخضب لحيته فقال ما حاجتك فقلت بلغني ما خصك الله به فجئتك أقتبس من علمك فقال أتيتني وأنا أخضب وإن الخضاب لمن علامات الكبر وطال والله ما غدوت على صيد الوحوش ومشيت أمام الجيوش واختلت بالرداء وهؤت بالنساء وقريت الضيف وأرويت السيف وشربت الراح ونادمت الجحجاح فاليوم قد حناني الكبر وضعف مني البصر وجاء بعد الصفو الكدر ثم قبض على لحيته وأنشأ يقول

( شيب تغيبه كيما تغر به كبيعك الثوب مطويا على حرق )

( قد كنت كالغصن ترتاح الرياح له فصرت عودا بلا ماء ولا ورق )


277

( صبرا على الدهر إن الدهر ذو غير وأهله منه بين الصفو والرنق ) 60-كلمات شتى في الشكوى

قيل لأعرابية أصيبت بابنها ما أحسن عزاءك قالت إن فقدي إياه أمنني كل فقد سواه وإن مصيبتى به هونت على المصائب بعده ثم انشأت تقول

( من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر )

( ليت المنازل والديار حفائر ومقابر )

وقيل لأعرابي كيف حزنك على ولدك قال ما ترك هم الغداء والعشاء لي حزنا

وقيل لأعرابى ما أنحل جسمك قال سوء الغذاء وجدوبة المرعى واختلاف الهموم في صدري ثم أنشأ يقول

( الهم مالم تمضه لسبيله داء تضمنه الضلوع عظيم )

( ولربما استيأست ثم أقول لا إن الذى ضمن النجاح كريم )

وقيل لأعرابي قد أخذ به السن كيف أصبحت قال أصبحت تقيدني الشعرة وأعثر في البعرة قد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره


278

وقال أعرابي لقد كنت أنكر البيضاء فصرت أنكر السوداء فيا خير مبدول ويا شر بدل

وذكر أعرابى منزلا باد أهله فقال منزل والله رحلت عنه ربات الخدور وأقامت فيه رواحل القدور وقد اكتسى بالنبات كأنما ألبس الحلل وكان أهله يعفون فيه اثار الرياح وأصبحت الريح تعفو آثارهم فالعهد قريب والملتقى بعيد

وذكر أعرابي قوما تغيرت أحوالهم فقال أعين والله كحلت بالعبرة بعد الحبرة وأنفس لبست الحزن بعد السرور

وذكر أعرابي قوما تغيرت حالهم فقال كانوا والله في عيش رقيق الحواشى فطواه الدهر بعد سعة حتى لبسوا أيديهم من القر ولم أر صاحبا أغر من الدنيا ولا ظالما أغشم من الموت ومن عصف عليه الليل والنهار أردياه ومن وكل به الموت أفناه

ووقف أعرابي على دار قد باد أهلها فقال دار والله معتصرة للدموع حطت بها السحاب أثقالها وجرت بها الرياح أذيالها


279

وذكر أعرابي رجلا تغيرت حاله فقال طويت صحيفته وذهب رزقه فالبلاء مسرع إليه والعيش عنه قابض كفيه

وذكر أعرابي رجلا ضاق عيشه سعة فقال كان والله في ظل عيش ممدود فقدحت عليه من الدهر زند غير كابية

وذكر أعرابي مصيبة نالته فقال مصيبة والله تركت سود الرءوس بيضا وبيض الوجوه سودا وهونت المصائب بعدها

وذكر أعرابى قطيعة بعض إخوانه فقال صفرت عياب الود بيني وبينه بعد امتلائها وأقفرت وجوه كانت بمائها فأدبر ما كان مقبلا وأقبل ما كان مدبرا

وقيل لأعرابي ما أذهب شبابك قال من طال أمده وكثر ولده ودف عدده وذهب جلده ذهب شبابه

وسئل أعرابي عن سفر أكدي فيه فقال ما غنمنا إلا ما قصرنا في صلاتنا فأما ما أكلته الهواجر ولقيته منا الأباعر فأمر استخففناه لما أملناه


280

وقالت امرأة من الأعراب أصبحنا ما يرقد لنا فرس وما ينام لنا حرس

وقال أعرابي مضي لنا سلف أهل تواصل اعتقدوا مننا واتخذوا الأيادى ذخيرة لمن بعدهم يرون اصطناع المعروف عليهم فرضا لازما وإظهار البر واجبا ثم جاء الزمان ببنين اتخذوا منهم بضاعة وبرهم مرابحة وأياديهم تجارة واصطناع المعروف مقارضة كنقد خذ منى وهات

وقيل لأعرابي في مرضه ما تشتكى قال تمام العدة وانقضاء المدة

ونظر أعرابي إلى رجل يشكو ما هو فيه من الضيق والضر فقال يا هذا أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك

ووصف أعرابي الدنيا فقال هي رنقة المشارب جمة المصائب لا تمتعك الدهر بصاحب

وقال أعرابي حسبك من فساد الدنيا أنك ترى أسنمة توضع وأخفافا ترفع والخير يطلب عند غير أهله والفقير قد حل غير محله


281

وقيل لأعرابي كيف ابنك وكان به عاقا قال عذاب لا يقاومه الصبر وفائدة لا يجب فيها الشكر فليتني قد استودعته القبر

عن الأصمعي قال قيل لأعرابي قدم الحضرة ما أقدمك قال الحين الذى يغطى العين

وأصيب أعرابي بابن له فقال وقد قيل له اصبر أعلي الله أتجلد أم فى مصيبتي أتبلد والله للجزع من أمره أحب إلى الان من الصبر لأن الجزع استكانة والصبر قساوة ولئن لم أجزع من النقص لم أفرح بالمزيد

وقيل لأعرابي لم لا تضرب في الأرض فقال يمنعني من ذلك طفل بارك ولص سانك ثم إني لست بعد ذلك واثقا بنجح طلبتي ولا معتقدا قضاء حاجتي ولا راجيا عطف قرابتى لأني أقدم على قوم أطغاهم الشيطان واستمالهم السلطان وساعدهم الزمان وأسكرهم حداثة الأسنان

وقال بعض الأعراب نالنا وسمى وخلفه ولي فالأرض كأنها وشى


282
عبقري ثم أتتنا غيوم جراد بمناجل حواد فخربت البلاد وأهلكت العباد فسبحان من يهلك القوى الأكول بالضعيف المأكول 61-قولهم في العتاب والاعتذار

عاتب أعرابي أباه فقال يا أبت إن عظيم حقك على لا يذهب صغير حقي عليك والذى تمت به إلى أمت ممثله إليك ولست أزعم أنا سواء ولكني أقول لا يحل لك الاعتداء

وقال أعرابي لصديق استبطأه فلامه كانت بي إليك زلة يمنعني من ذكرها ما أملت من تجاوزك عنها وليس أعتذر إليك منها إلا بالإقلاع عنها

وقال اخر لابن عم له والله ما أعرف تقصيرا فأقلع ولا ذنبا فأعتب ولست أقول إنك كذبت ولا إنني أذنبت

وقال اخر لابن عم له سأتخطى ذنبك إلى عذرك وإن كنت من أحدهما على يقين ومن الاخر على شك ولكن ليتم المعروف مني إليك وتقوم الحجة لي عليك

وعذلت أعرابية أباها في الجود وإتلاف ماله فقالت حبس المال أنفع للعيال من بذل الوجه في السؤال فقد قل النوال وكثر البخال وقد أتلفت


283
الطارف والتلاد وبقيت تطلب ما فى أيدي العباد ومن لم يحفظ ما ينفعه أو شك أن يسعي فيما يضره 62-قولهم في المدح

دخل أعرابي على بعض الملوك فقال رأيتني فيما أتعاطي من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر الذى لا يخفي على الناظر وأيقنت أني حيث انتهي بى القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك

وأثنى أعرابي على رجل فقال إن خيرك لسريح وإن منعك لمريح وإن رفدك لربيح

عن عبد الرحمن عن عمه قال سمعت أعرابيا من بني كلاب يذكر رجلا فقال كان والله الفهم منه ذا أذنين والجواب ذا لسانين لم أر أحدا كان أرتق لخلل رأي منه ولا أبعد مسافة روية ومراد طرف إنما يرمي بهمته حيث أشار إليه الكرم وما زال والله يتحسى مرارة أخلاق الإخوان ويسقيهم عذوبة أخلاقه

وقال سمعت أعرابيا ذكر رجلا فقال كان والله للإخاء وصولا وللمال بذولا وكان الوفاء بهما عليه كفيلا وممن فاضله كان مفضولا


284

ووصف أعرابى رجلا فقال ذاك والله ممن ينفع سلمه ويتواصف حلمه ولا بستمرآ ظلمه إن قال فعل وإن ولي عدل

وذكر أعرابي قوما فقال أدبتهم الحكمة وأحكمتهم التجارب ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة وجانبوا التسويف الذى به قطع الناس مسافة آجالهم فذلت ألسنتهم بالوعد وانبسطت أيديهم بالإنجاز فأحسنوا المقال وشفعوه بالفعال

عن عبد الرحمن عن عمه قال وصفت أعرابية زوجها بمكارم الأخلاق عند أمها فقالت يا أمه من نشر ثوب الثناء فقد أدي واجب الجزاء وفي كتمان الشكر جحود لما وجب من الحق ودخول في كفر النعم فقالت لها أمها أي بنية أطبت الثناء وقمت بالجزاء ولم تدعي للذم موضعا إني وجدت من عقل لم يعجل بذم ولا ثناء إلا بعد اختبار فقالت يا أمه ما مدحت حتي اختبرت ولا وصفت حتى عرفت

ووصف بعض الأعراب أميرا فقال إذا أوعد أخر وإذا وعد عجل وعيده عفو ووعده إبحاز

ونعت أعرابي رجلا فقال كأن الألسن والقلوب ريضت له فما تنعقد إلا على وده ولا تنطق إلا بحمده


285

وذكر رجل عند أعرابى فوقع فيه قوم فقال أما والله إنه لاكلكم للمأدوم وأعطاكم للمغروم وأكسبكم للمعدوم وأعطفكم على المحروم

وأعطى رجل أعرابيا فأكثر له فقال له الأعرابى إن كنت جاوزت قدري عند نفسي فقد بلغت أملي فيك

ومدح أعرابي رجلا فقال كان والله يعني في طلب المكارم غير ضال في معارج طرقها ولا متشاغل عنها بغيرها

ودخل أعرابى على رجل من الولاة فقال أصلح الله الأمير اجعلني زماما من أزمتك يجربها الأعداء فإني مسعر حرب وركاب نجب شديد على الأعداء لين على الأصدقاء منطوي الحصيلة قليل الثميلة غرار النوم قد غذتني الحرب بأفاويقها وحلبت الدهر أشطره ولا تمنعك مني الدمامه فإن من تحتها شهامة


286

ومدح أعرابى رجلا فقال ذاك والله فسيح الأدب مستحكم السبب من أي أقطاره أتيته تثني عليه بكرم فعال وحسن مقال

ومدح أعرابي رجلا فقال كان والله يغسل من العار وجوها مسودة ويفتح من الرأى عيونا منسدة

وذكر أعرابي قوما عبادا فقال تركوا والله النعيم ليتنعموا لهم عبرات متدافقة وزفرات متتابعة لا تراهم إلا في وجه وجيه عند الله

وذكر أعرابي قوما فقال ما رأيت أسرع إلى داع بليل على فرس حسيب وجمل نجيب ثم لا ينتظر الأول السابق الاخر اللاحق

وذكر أعرابي قوما فقال جعلوا أموالهم مناديل أعراضهم فالخير بهم زائد والمعروف لهم شاهد يعطونها بطيبة أنفسهم إذا طلبت إليهم ويباشرون المعروف بإشراق الوجوه إذا بغى لديهم

وذكر أعرابي قوما فقال والله ما أنالوا شيئا بأطراف أناملهم إلا وطئناه بأخماص أقدامنا وإن أقصي همهم لأدنى فعالنا


287

وذكر أعرابي أميرا فقال إذا ولي لم يطابق بين جفونه وأرسل العيون على عيونه فهو غائب عنهم شاهد معهم فالمحسن راج والمسىء خائف

وذكر أعرابي رجلا ببراعة المنطق فقال كان والله بارع المنطق جزل الألفاظ عربي اللسان فصيح البيان رقيق حواشى الكلام بليل الريق قليل الحركات ساكن الإشارات

وذكر أعرابي رجلا فقال رأيت له حلما وأناة يحدثك الحديث على مقاطعه وينشد الشعر على مدارجه فلا تسمع له لحنا ولا إحالة

وذكر أعرابي قوما فقال الت سيوفهم ألا تقضى دينا عليهم ولا تضيع حقا لهم فما أخذ منهم مردود إليهم وما أخذوا متروك لهم

ومدح أعرابي رجلا فقال ما رأيت عينا قط أخرق لظلمة الليل من عينه ولحظة أشبه بلهيب النار من لحظته له هزة كهزة السيف إذا طرب وجرأة كجرأة الليث إذا غضب

ومدح أعرابي رجلا فقال كانت ظلمة ليله كضوء نهاره امرا بارتياد وناهيا عن فساد لحبيب السوء غير منقاد


288

وذكر أعرابي رجلا فقال اشترى والله عرضه من الأذي فلو كانت الدنيا له فأنفقها لرأي بعدها عليه حقوقا وكان منهاجا للأمور المشكلة إذا تناجز الناس باللائمة

وذكر أعرابي رجلا فقال يفوق الكلمة على المعنى فتمرق مروق السهم من الرمية فما أصاب قتل وما أخطأ أشوى وما غطغط له سهم منذ تحرك لسانه في فيه

وذكر أعرابى أخاه فقال كان والله ركوبا للأهوال غير ألوف للحجال إذا أرعد لقوم من غير قر يهين نفسا كريمة على قومها غير مبقية لغد ما فى يومها

ومدح أعرابى رجلا فقال كان والله من شجر لا يخلف ثمره ومن بحر لا يخاف كدره

وذكر أعرابى رجلا فقال ذاك والله فتى رماه الله بالخير ناشئا فأحسن لبسه وزين به نفسه


289

ومدح أعرابي رجلا فقال يصم أذنيه عن استماع الخنا ويخرس لسانه عن التكلم به فهو الماء الشريب والمصقع الخطيب

وذكر أعرابي رجلا فقال ذاك رجل سبق إلى معروفه قبل طلبي إليه فالعرض وافر والوجه بمائه وما أستقل بنعمة إلا أقفلني بأخري

وذكر أعرابي رجلا فقال ذاك رضيع الجود والمفطوم به عقيم عن الفحشاء معتصم بالتقوى إذا حذفت الألسن عن الرأى حذف بالصواب كما يحذف الأرنب فإن طالت الغاية ولم يكن من دونها نهاية تمثل أمام القوم سابقا

وذكر أعرابي رجلا فقال إن جليسه لطيب عشرته أطرب من الإبل على الحداء وتمهل على الغناء

وذكر أعرابي رجلا فقال كان له علم لا يخالطه جهل وصدق لا يشوبه كذب كأنه الوبل عند المحل

وذكر أعرابي رجلا فقال ما رأيت أعشق للمعروف منه وما رأيت المنكر أبغض لأخذ بغضه له


290

وقدم أعرابي البادية وقد نال من بني برمك فقيل له كيف رأيتهم قال رأيتهم وقد أنست بهم النعمة كأنها من ثيابهم

وذكر أعرابي رجلا فقال ما زال يبني المجد ويشتري الحمد حتى بلغ منه الجهد

ودخل أعرابي على بعض الملوك فقال إن جهلا أن يقول المادح بخلاف ما يعرف من الممدوح وإني والله ما رأيت أعشق للمكارم في زمان اللؤم منك وأنشد

( مالي أري أبوابهم مهجورة وكأن بابك مجمع الأسواق )

( حابوك أم هابوك أم شاموا الندى بيديك فاجتمعوا من الآفاق )

( إني رأيتك للمكارم عاشقا والمكرمات قليلة المشاق )

وضل أعرابي الطريق ليلا فلما طلع القمر اهتدي فرفع رأسه إليه فقال ما أدري ما أقول أأقول رفعك الله فقد رفعك أم أقول نورك الله فقد نورك أم أقول حسنك الله فقد حسنك أم أقول عمرك الله فقد عمرك ولكنى أقول جعلنى الله فداك

وذكر أعرابى قومه فقال كانوا والله إذا اصطفوا تحت القتام خطرت بينهم السهام بوفود الحمام وإذا تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا أفواهها فرب


291
يوم عارم قد أحسنوا أدبه وحرب عبوس قد ضاحكتها أسنتهم وخطب شئز قد ذللوا مناكبه ويوم عماس قد كشفوا ظلمته بالصبر حتى ينجلي إنما كانوا البحر الذي لا ينكش غماره ولا ينهنه تياره

ووصف أعرابي رجلا فقال هو أطهر من الماء وأرق طباعا من الهواء وأمضى من السيل وأهدى من النجم

ووصف أعرابي قومه فقال ليوث حرب وليوث جدب إن قاتلوا أبلوا وإن بذلوا أفنوا

وقال الأصمعي سمعت أعرابيا يقول إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقت الألسنة بالفروع والله يعلم أن قلبى لك شاكر ولساني ذاكر ومحال أن يظهر الود المستقيم من الفؤاد السقيم

وسئل أعرابي عن قومه فقال يقتلون الفقر عند شدة القر وأرواح الشتاء وهبوب الجربياء بأسنمة الجزور ومترعات القدور تحسن وجوههم عند طلب المعروف وتعبس عند لمعان السيوف


292

ووصف أعرابي قوما فقال لهم جود كرام اتسعت أحوالها وبأس ليوث تتبعها أشبالها وهمم ملوك آنفسحت آمالها وفخر صميم آباد شرفت أحوالها 63-قولهم في الذم

وذكر أعرابي قوما فقال أولئك سلخت أقفاؤهم بالهجاء ودبغت وجوههم باللؤم لباسهم في الدنيا الملامة وزادهم إلى الاخرة الندامة

وذكر أعرابي قوما فقال لهم بيوت تدخل حبوا إلى غير نمارق ولا وسائد فصح الألسن برد السائل جعاد الأكف عن النائل

وقال أعرابي لقد صغر فلانا في عيني عظم الدنيا في عينه وكأنما يري السائل إذا أتاه ملك الموت إذا راه

وسئل أعرابي عن رجل فقال ما ظنكم بسكير لا يفيق يتهم الصديق ويعصي الشفيق لايكون في موضع إلا حرمت فيه الصلاة ولو أفلتت كلمه سوء لم تضر إلا إليه ولو نزلت لعنة من السماء لم تقع إلا عليه


293
وذكر أعرابى رجلا فقال إن فلانا ليعدى بإثمه من تسمى باسمه ولئن خيبني فلرب باقية قد ضاعت في طلب رجل كريم

وذكر أعرابي رجلا فقال تغدوإليه مراكب الضلالة فترجع من عنده ببذور الآثام معدم مما تحب مكثر مما تكره وصاحب السوء قطعة من النار

وقال أعرابي لرجل أنت والله ممن إذا سأل ألحف وإذا سئل سوف وإذا حدث حلف وإذا وعد أخلف تنظر نظر حسود وتعرض إعراض حقود

وسافر أعرابى إلى رجل فحرمه فقال لما سئل عن سفره ما ربحنا في سفرنا إلا ما قصرنا من صلاتنا فأما الذي لقينا من الهواجر ولقيت منا الأباعر فعقوبة لنا فيما أفسدنا من حسن ظننا ثم أنشأ يقول

( رجعنا سالمين كما خرجنا وما خابت سرية سالمينا )

وذكر أعرابي رجلا فقال كان إذا راني قرب من حاجب حاجبا فأقول له لا تقبح وجهك إلى قبحه فوالله ما أتيتك لطمع راغبا ولا لخوف راهبا

وذم أعرابي رجلا فقال عبد الفعال حر المقال عظيم الرواق دنىء الأخلاق الدهر يرفعه ونفسه تضعه

وقال أعرابي دخلت البصرة فرأيت ثياب أحرار على أجساد عبيد إقبال


294
حظهم إدبار حظ الكرام شجر أصوله عند فروعه شغلهم عن المعروف رغبتهم في المنكر

وذكر أعرابى رجلا فقال ذاك سم المجالس أعيا ما يكون عند جلسائه أبلغ ما يكون عند نفسه

وذكر أعرابي رجلا فقال ذلك من يداوي عقله من الجهل أحوج منه إلى من يداوي عقله من المرض إنه لا مرض أوجع من قلة عقل

وذكر أعرابي رجلا لم يدرك بثأره فقال كيف يدرك بثأره من في صدره من البلغم حشو مرقعة لو دقت بوجهه الحجارة لرضها ولو خلا بالكعبة لسرقها

وذكر أعرابي رجلا فقال تسهر والله زوجته جوعا إذا سهر الناس شبعا ثم لا يخاف مع ذلك عاجل عار ولا اجل نار كالبهيمة أكلت ما جمعت ونكحت ما وجدت

وسمع أعرابي رجلا يزعق فقال ويحك إنما يستجاب لمؤمن أو مظلوم ولست بواحد منهما وأراك يخف عليك ثقل الذنوب فيحسن عندك مقابح العيوب


295

وذكر أعرابي رجلا بضعف فقال سيء الروية قليل التقية كثير السعاية ضعيف النكاية

وذكر أعرابي رجلا فقال عليه كل يوم من فعله شاهد بفسقه وشهادات الأفعال أعدل من شهادات الرجال

وذكر أعرابي رجلا بذلة فقال عاش خاملا ومات موتورا

وقال أعرابي لرجل شريف البيت دني الهمة ما أحوجك أن يكون عرضك لمن يصونه فتكون فوق ما أنت دونه

وذكر أعرابي رجلا فقال إن حدثته يسابقك إلى ذلك الحديث وإن سكت عنه أخذ في الترهات

وذكر أعرابي رجلا راكبا هواه فقال والله لهو أقصد إلى ما يهواه من الطرق إلى المياه أفقره ذلك أو أغناه

وقال أعرابي ليت فلانا أقالنى من حسن ظني به فأختم بصواب إذ بدأت بخطأ ولكن من لم تحكمه التجارب أسرع بالمدح إلي من يستوجب الذم وبالذم إلى من يستوجب المدح


296

وقال أعرابي لرجل هل أنت إلا أنت لم تغير ولو كنت من حديد محمي ووضعت على عين لم تذب

وقال أعرابى لأخيه قد كنت نهيتك أن تدنس عرضك بعرض فلان وأعلمك أنه سمين المال مهرول المعروف من المرزوقين فجأة قصير عمر الغني طويل عمر الفقر

وقال أعرابي لا ترك الله مخا في سلامي ناقة حملتني إليك وللداعي عليها أحق بالدعاء عليه إذ كلفها المسير إليك

وذكر أعرابي رجلا فقال لا يؤنس جارا ولا يؤهل دارا ولا يبعث نارا

وذكر أعرابي امرأة قبيحة فقال ترخي ذيلها على عرقوبي نعامة وتسدل خمارها على وجه كالجعالة

وقال أعرابي لامرأة والله إنك لمشرفة الأذنين جاحظة العينين ذات خلق متضائل يعجبك الباطل إن شبعت بطرت وإن جعت صخبت وإن رأيت حسنا دفنته وإن رأيت سيئا أذعته تكرمين من حقرك وتحقرين من أكرمك


297

وسأل أعرابي رجلا فحرمه فقال له أخوه نزلت والله بواد غير ممطور وأتيت رجلا بك غير مسرور فلم تدرك ما سألت ولا نلت ما أملت فارتحل بندم أو أقم على عدم

ودخلت أعرابية على حمدونة بنت المهدي فلما خرجت سئلت فقالت والله لقد رأيتها فما رأيت طائلا كأن بطنها قربة كأن ثديها دبة كأن استها رفعة كأن وجهها وجه ديك قد نفش عفريته يقاتل ديكا

وذم أعرابي رجلا فقال أفسد اخرته بصلاح دنياه ففارق ما أصلح غير راجع إليه وقدم على ما أفسد غير منتقل عنه ولو صدق رجل نفسه ما كذبته ولو ألقى زمامه أوطأه راحلته

قال الأصمعي سمعت أعرابية تقول لرجل تخاصمه والله لو صور الجهل لأظلم معه النهار ولو صور العقل لأضاء معه الليل وإنك من أفضلهما لمعدم فخف الله واعلم أن من ورائك حكما لا يحتاج المدعي عنده إلى إحضار بينة

وقال أعرابى يعيب قوما هم أقل الناس ذنوبا إلى أعدائهم وأكثرهم جرما إلى أصدقائهم يصومون عن المعروف ويفطرون على الفحشاء


298

ووصف أعرابى رجلا فقال صغير القدر قصير الشبر ضيق الصدر لئيم النجر عظيم الكبر كثير الفخر

وذكر أعرابي أميرا فقال يقضي بالعشوة ويطيل النشوة ويقبل الرشوه

وسمع عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أعرابيا يقول اللهم اغفر لأم أوفى قال ومن أم أوفى قال امرأتي وإنها لحمقاء مرغامة أكول قامة لا تبقي لها حامة غير أنها حسناء فلا تفرك وأم غلمان فلا تترك

عن عبد الرحمن عن عمه قال سمعت امرأة من العرب تخاصم زوجها وهي تقول والله إن شربك لاشتفاف وإن ضجعتك لانجعاف وإن شملتك لالتفاف وإنك لتشبع ليلة تضاف وتنام ليلة تخاف فقال لها والله إنك لكرواء الساقين قعواء الفخذين مقاء الرفغين مفاضة الكشحين ضيفك جائع وشرك شائع


299

عن عبد الرحمن عن عمه قال مر أعرابي برجل يكنى أبا الغمر وكان ضخما جسيما وكان بوابا لبعض الملوك فقال أعن الفقير الحسير فقال ما ألحف سائلكم وأكثر جائعكم أراحنا الله منكم فقال له الأعرابى لو فرق قوت جسمك في جسوم عشرة منا لكفانا طعامك في يوم شهرا وإنك لعظيم السرطة شديد الضرطة لو ذرى بحبقتك بيدر لكفته ريح الجربياء 64-قولهم في الغزل

سئل أعرابي عن امرأة فقال هي أرق من الهواء وأطيب من الماء وأحسن من النعماء وأبعد من السماء

وذكر أعرابي امرأة فقال لها جلد من لؤلؤ مع رائحة المسك وفي كل عضو منها شمس طالعة

وذكر أعرابي مرأة فقال كاد الغزال أن يكونها لولا ما تم منها وما نقص منه

وذكر أعرابي نسوة خرجن متنزهات فقال وجوه كالدنانير وأعناق كأعناق اليعافير وأوساط كأوساط الزنابير أقبلن إلينا بحجول تخفق وأوشحة تعلق وكم أسير لهن وكم مطلق


300

ووصف أعرابي امرأة حسناء فقال تبسم عن خمش اللثات كأقاحي النبات فالسعيد من ذاقه والشقى من راقه

وذكر أعرابي امرأة فقال هي السقم الذي لا برء منه والبرء الذى لاسقم معه وهي أقرب من الحشا وأبعد من السما

ووصف أعرابي امرأة فقال بيضاء جعدة لا يمس الثوب منها إلا مشاشة كتفيها وحلمة ثدييها ورضفى ركبتيها ورانفتي أليتيها وأنشد

( أبت الروادف والثدى لقمصها مس البطون وأن تمس ظهورا )

( وإذا الرياح مع العشى تناوحت نبهن حاسدة وهجن غيورا )

وذكر أعرابي امرأة فقال تلك شمس باهت بها الأرض شمس سمائها وليس لى شفيع في اقتضائها وإن نفسي لكتوم لدائها ولكنها تفيض عند امتلائها

وقال أعرابي في امرأة ودعها للمسير والله ما رأيت دمعة ترقرق من


301
عين بإثمد على ديباجة خد أحسن من عبرة أمطرتها عينها فأعشت بها قلبي

وقال أعرابي إن لي قلبا مروعا وعينا دموعا فماذا يصنع كل واحد منهما بصاحبه مع أن داءهما دواؤهما وسقمهما شفاؤهما

وقال أعرابي ما أشد جولة الرأي عند الهوي وفطام النفس عن الصبا ولقد تقطعت كبدي لوم العاذلين للعاشقين قرطة في اذانهم ولو عات الحب نيران في أبدانهم مع دموع علىالمغاني كغروب السواني

وذكر أعرابي امرأة فقال لقد نعمت عين نظرت إليها وشقيى قلب تفجع عليها ولقد كنت أزورها عند أهلها فيرحب بى طرفها ويتجهمني لسانها قيل له فما بلغ من حبك لها قال إني ذاكر لها وبيني وبينها عدوة الطائر فأجد لذكرها ريح المسك

وقال أعرابي الهوي هوان ولكن غلط باسمه وإنما يعرف من يقول من أبكته المنازل والطلول

وذكر أعرابي امرأة فقال إن لساني لذكرها لذلول وإن حبها لقلبي لقتول وإن قصير الليل بها ليطول


302

ووصف أعرابي نساء ببلاغة وجمال فقال كلامهن أقتل من النبل وأوقع بالقلب من الوبل بالمحل فروعهن أحسن من فروع النخل

وقال أعرابي دخلت البصرة فرأيت أعينا دعجا وحواجب زجا يستحبن الثياب ويسلبن الألباب

وذكر أعرابي نساء فقال ظعائن في سوالفهن طول غير قبيحات العطول إذا مشين أسبلن الذيول وإن ركبن أثقلن الحمول

وقال أعرابي لقد رأيت بالبصرة برودا كأنها صبغت بأنوار الربيع فهي تروع واللابس لها أروع

وقال أعرابي شيعنا الحي وفيهم أدوية السقام فقرأن بالحدق السلام وخرست الألسن عن الكلام

وسئلت أعرابية عن الهوى فقالت لامتع الهوى بملكه ولا ملي


303
بسلطانه وقبض الله يده وأوهن عضده فإنه جائر لا ينصف في حكم أعمى لا ينطق بعدل ولا يقصر في ظلم ولا يرعوى لذم ولا ينقاد لحق ولا يبقى على عقل وفهم لو ملك الهوى وأطيع لرد الأمور على أدبارها والدنيا على أعقابها

وسئل أعرابي عن الهوى فقال هو داء تداوى به النفوس الصحاح وتسل منه الأرواح وهو سقم مكتتم وحميم مضطرم فالقلوب له منضجة والعيون ساكبة

ووصف أعرابى امرأة يحبها فقال هي زينة الحضور وباب من أبواب السرور ولذكرها في المغيب والبعد عن الرقيب أشهى إلينا من كل ولد ونسيب وبها عرف فضل الحور العين واشتيق بها إليهن يوم الدين ووصف أعرابى نساء فقال

يلتثمن على السبائك ويتشحن علىالنيازك ويأتزرن على العوانك ويرتفقن على الأرائك ويتهادين على الدرانك ابتسامهن وميض عن وليع كالإغريض وهن إلى الصبا صور وعن الخنا نور


304
قولهم في الوصف 65-أعرابي يصف مطرا عن عبد الرحمن عن عمه قال سئل أعرابي عن مطر فقال

استقل سد مع إنتشار الطفل فشصا واحزأل ثم اكفهرت أرجاؤه واحمومت أرحاؤه وابذعرت فوارقه وتضاحكت بوارقه واستطار وادقة وارتتقت جوبه وارتعن هيدبه وحشكت أخلافه واستقلت أرادفه وانتشرت أكنافه فالرعد مرتجس والبرق مختلس والماء منبجس فأترع الغدر وانتبث الوجر وخلط الأوعال بالاجال وقرن الصيران بالرئال


305
فللأودية هدير وللشراج خرير وللتلاع زفير وحط النبع والعتم من القلل الشم إلى القيعان الصحم فلم يبق في القلل إلا معصم مجرنتم أو داحض مجرجم وذلك من فضل رب العالمين على عباده المذنبين 66-أعرابي يصف مطرا

عن الأصمعي قال سمعت أعرابيا من غني يذكر مطرا أصاب بلادهم في غب جدب فقال

تدارك ربك خلقه وقد كلبت الأمحال وتقاصرت الآمال وعكف الياس وكظمت الأنفاس وأصبح الماشي مصرما والمترب معدما وجفيت الحلائل وامتهنت العقائل فأنشأ سحابا ركاما كنهورا سجاما بروقه متألقة ورعوده متقعقعة فسح ساجيا راكدا ثلاثا غير ذي فواق ثم أمر ربك الشمال فطحرت ركامه وفرقت جهامه فانقشع محمودا وقد أحيا


306
وأغنى وجاد فأروى والحمد لله الذي لاتكت نعمه ولا تنفد قسمه ولا يخيب سائله ولا ينزر نائله 67-أعرابى يصف مطرا

عن الأصمعي قال سألت أعرابيا من بني عامر بن صعصعة عن مطر صاب بلادهم فقال

نشأ عارضا فطلع ناهضا ثم ابتسم وامضا فأعس في الأقطار فأسجاها وامتد في الآفاق فغطاها ثم ارتجز فهمهم ثم دوى فأظلم فأرك ودث وبغش وطش قم قطقط فأفرط ثم ديم فأغمط ثم ركد فأشجم ثم وبل فسجم وجاد فأنعم فقمس الربا وأفرط الزبى سبعا تباعا ما يريد انقشاعا حتى إذا ارتوت الحزون وتضحضحت المتون ساقه ربك إلى حيث شاء كما جلبه من حيث شاء


307
68-ثلاثة غلمة من الأعراب يصفون مطرا

عن الأصمعي قال مررت بغلمة من الأعراب يتماقلون في غدير فقلت لهم أيكم يصف لي الغيث وأعطيه درهما فخرجوا إلي فقالوا كلنا وهم ثلاثة فقلت لهم صفوا فأيكم ارتضيت وصفه أعطيته الدرهم فقال أحدهم

عن لنا عارض قصرا تسوقه الصبا وتحدوه الجنوب يحبو حبوالممتنك حتى إذا ازلأمت صدوره وانتحلت خصوره ورجع هديره وصعق زئيره واستقل نشاصه وتلام خصاصه وارتعج ارتعاصه وأوفدت سقابه وامتدت أطنابه تدارك ودقة وتألق برقة وحفزت تواليه وانسفحت عزاليه فغادر الثرى عمدا والعزاز ثئدا والحث عقدا والضحاضح متواصية والشعاب متداعية


308

وقال الآخر تراءت المخايل من الأقطار تحن حنين العشار وتترامي بشهب النار قواعدها متلاحكة وبواسقها متضاحكة وأرجاؤها متقاذفة وأعجازها مترادفة وأرحاؤها متراصفة فوصلت الغرب بالشرق والوبل بالودق سحا دراكا متتابعا لكاكا فضحضحت الجفاجف وأنهرت الصفاصف وحوضت الاصالف ثم أقلعت محمودة الآثار مرموقة الخيار

فقال الثالث والله ما خلته بلغ خمسا فقال هلم الدرهم أصفه لك فقلت لا أو تقول كما قالا قال لأبذنهما وصفا ولأوقفنهما رصفا فقلت هات لله أبوك فقال بينما الحاضر بين الباس والإبلاس قد غمرهم الإشفاق رهبة الإملاق وقد جفت الأنواء ورفرف البلاء واستولى القنوط على القلوب وكثر الاستغفار من الذنوب ارتاح ربك لعباده فأنشأ سحابا مستهجرا كنهورا معنونكا محلولكا ثم استقل واخزأل فصار كالسماء دون السماء


309
وكالأرض المدحوة في لوح الهواء فأحسب السهول وأتأق الهجول وأحيا الرجاء وأمات الضراء وذلك من فضل رب العالمين

قال فملأ والله اليفع صدري فأعطيت كل واحد درهما وكتبت كلامهم 69-أعرابي يصف مطرا عن الأصمعي قال سألت أعرابيا عن مطر صابهم بعد جدب فقال

ارتاح لنا ربك بعد ما استولي على الظنون وخامر القلب القنوط فأنشأ بنوء الجبهة قزعة كالفرض من قبل العين فاحزألت عند ترجل النهار لإزميم السرار حتى إذا نهضت في الأفق طالعة أمر مسخرها الجنوب فتنسمت لها فانتشرت أحضانها واحمومت أركانها وبسق عنانها واكفهرت رحاها وانبعجت كلاها وذمرت أخراها أولاها ثم استطارت عقائقها وتقعقعت صواعقها ثم ارثعنت جوانبها وتداعت سواكبها ودرت حوالبها فكانت الأرض طبقا سح فهضب وعم فأحسب فعل القيعان وضحضح


310
الغيطان وجوخ الأضواج وأترع الشراج فالحمد لله الذى جعل كفاء إساءتنا إحسانا وجزاء ظلمنا غفرانا 70-أعرابي يصف مطرا

عن عبد الرحمن عن عمه قال سمعت أعرابيا من بني عامر بن لوى بن صعصعة يصف مطرا فقال

نشأ عند القصر بنوء الغفر حبيا عارضا ضاحكا وامضا فكلا ولا ما كان حتى شجيت به أقطار الهواء واحتجبت به السماء ثم أطرق فاكفهر وتراكم فادلهم وبسق فازلأم ثم حدت به الريح فحن فالبرق مرتعج والرعد متبوج والخرج متبعج فأثجم ثلاثا متحيرا هثهاثا أخلافه حاشكة ودفعه متواشكة وسوامه متعاركة ثم ودع منجما وأقلع متهما محمود البلاء مترع النهاء مشكور النعماء بطول ذي الكبرياء


311
71-أعرابي يصف مطرا

عن أبي عبيدة قال خرج النعمان في بعض أيامه في عقب سماء فلقي أعرابيا على ناقة فأمر فأتي به قال كيف تركت الأرض وراءك فقال

فيح رحاب منها السهول ومنها الصعاب منشوطة بجيالها حاملة لأثقالها قال إنما سألتك عن السماء قال

مطلة مستقلة على غير سقاب ولا أطناب يختلف عصراها ويتعاقب سراجاها قال ليس عن هذا أسألك قال فسل ما بدا لك قال هل صاب الأرض غيث قال

نعم أغمطت السماء فيأرضنا ثلاثا رهوا فثرت وأرزغت ورسغت ثم خرجت من أرض قومى اقرؤها فإذا هى متواصية لاخطيطة بينها حتى هبطت بعشار فتداعي السحاب من الأقطار فجاءنا بالسيل الخرار فعفا الاثار وملأ الجفار وقور عالي الأشجار فأحجر الحضار ومنع السفار ثم أقلع عن نفع وإضرار فلما اتلأبت لي القيعان ووضحت السبل في الغيطان وفات العنان من أقطار الأعنان فلم أجد وزرا إلا الغيران ففات وجار الضبع فغادرت السهول


312
كالبحار تتلاطم بالتيار والحزون متلفعة بالغثاء والوحوش مقذوفة على الأرجاء فما زلت أطأ السماء وأخوض الماء حتى وطئت أرضكم 72-أعرابي يصف مطرا عن أبي عبيدة قال وقف أعرابي على قوم من الحاج فقال

يا قومي بدا شأني والذي الفجني إلى مسألتكم إن الغيث كان قد قوى عنا نم تكرفأ السحاب وشصا الرباب وادلهم سيقه فارتجس ريقه وقلنا هذا عام باكر الوسمي محمود السمي ثم هبت له الشمال فاحزألت طخاريره وتفزع كرفئه متباشرا ثم تتابع لمعان البرق حيث تشيمه الأبصار وتجده النظار ومرت الجنوب ماءه فقوض الحي مزلئمين نحوه فسرحنا المال فيه وكان وخما وخيما فأساف المال وأضف الحال فرحم الله امرأ جاد بمير أو دل علىخير 73-أعرابي يصف مطرا عن عبد الرحمن عن عمه قال

قال أبو مجيب وكان أعرابيا من بني ربيعة بن مالك لقد رأيتنا في أرض


313
عجفاء وزمان أعجف وشجر أعسم في قف غليظ فبينما نحن كذلك إذ أنشأ الله تعالى من السماء غيثا مستكفا نشؤه مسبلة عزاليه ضخاما قطره جودا صوبه زاكيا أنزله الله تعالى رزقا لنا فعيش به أموالنا ووصل به طرقنا وأصابنا وإنا لبنوطة بعيدة الأرجاء فاهرمع مطرها حتى رأيتنا وما نرى غير السماء والماء وضهوات الطلح وضرب السيل النجاف وملأ الأودية فزعبها فما لبثنا إلا عشرا حتى رأيتها روضة تندي 74-أعرابي يصف مطرا ودخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك فقال

أصابتك سماء في وجهك يا أعرابي قال نعم يا أمير المؤمنين غير أنها سحاء طحناء وطفاء كأن هواديها الدلاء مرجحنة النواحي موصولة بالاكام تكاد تمس هام الرجال كثير زجلها قاصف رعدها خاطف برقها حثيث ودقها بطىء مسيرها مثعنجر قطرها مظلم نوؤها قد لجئت الوحش إلى أوطانها تبحث عن أصولها بأظلافها متجمعة بعد شتاتها فلولا اعتصامنا يا أمير المؤمنين


314
بعضاه الشجر وتعلقنا بقنن الجبال لكنا جفاء في بعض الأودية ولقم الطريق فأطال الله للأمة بقاءك ونسألها في أجلك ببركتك وعاد الله بك علىرعيتك وصلى الله وسلم على سيدنا محمد

فقال سليمان لعمر أبيك لئن كانت بديهة لقد أحسنت وإن كانت محبرة لقد أجدت قال بل محبرة مهدورة يا أمير المؤمنين قال يا غلام أعطه فوالله لصدقه أعجب إلينا من صفته 75-أعرابية تصف مطرا

عن الأصمعي قال كان شيخ من الأعراب في خبائه وابنه له بالفناء إذ سمع رعدا فقال ما ترين يا بنية قالت أراها حواء قرحاء كأنها أقراب أتان قمراء ثم سمع راعدة أخرى فقال كيف ترينها قالت أراها جمة الترجاف متساقطة الأكناف تتألق بالبرق الولاف قال هلمى المغرفة انتئى نؤيا 76-أعرابية تصف مطرا

عن الأصمعي قال كان أعرابي ضرير تقوده ابنته وهي ترعي غنيمات لها فرأت سحابا فقالت يا أبت جاءتك السماء فقال كيف ترينها قالت كأنها فرس دهماء تجر جلالها قال ارعى غنيماتك فرعت مليا ثم قالت يا أبت جاءتك السماء قال كيف ترينها قالت كأنها عين جمل طريف قال ارعى


315
غنيماتك فرعت مليا ثم قالت يا أبت جاءتك السماء قال كيف ترينها قالت سطحت وابيضت قال أدخلى غنيماتك قال فجاءت السماء بشيء شطأ الزرع وأينع وخضر ونضر 77-أعرابى يصف أرضا ووصف أعرابي أرضا أحمدها فقال

خلع شيحها وأبقل رمثها وخضب عرفجها واتسق نبتها واخضرت قريانها وأخوصت بطنانها وأحلست أكمامها واعتم نبت جراثيمها وأجرت بقلتها وذرقتها وخبازتها واحورت خواصر إبلها وشكرت حلوبتها وسمنت قتوبتها وعمد ثراها وعقدت تناهيها وأماهت ثمارها ووثق الناس بصائرتها


316
78-رائد يصف أرضا جدبة قال أبو المجيب وصف رائد أرضا جدبة فقال

اغبرت جادتها وذرع مرتعها وقضم شجرها ورقت كرشها وخور عظمها والتقى سرحاها وتميز أهلها ودخل قلوبهم الوهل وأموالهم الهزل 79-رائد يصف أرضا عن محمد بن كناسة قال أخبرني بعض فصحاء أعراب طيء قال

بعث قوم رائدا فقالوا ما وراءك قال عشب وتعاشيب وكمأة متفرقة شيب تقلعها بأخفافها النيب قالوا لم تصنع شيئا هذا كذب فأرسلوا اخر فقالوا ما وراءك قال عشب تأد مأدمولى وعهد متدارك جعد كأفخاذ نساء بنى سعد تشبع منه النيب وهى تعد


317
80-رائد يصف أرضا

وبعث رجل أولاده يرتادون في خصب فقال أحدهم رأيت بقلا وماء غيلا يسيل سيلا وخوصه تميل ميلا يحسبها الرائد ليلا وقال الثانى رأيت ديمة على ديمة في عهدها غير قديمة وكلأ تشبع منه الناب قبل الفطيمة وروى هذا الوصف عن ابن الكلبي بصورة أخرى قال

خطب هند بنة الخس الإيادية ثلاثة نفر من قومها وارتضت أنسابهم وجمالهم وأرادت أن تسبر عقولهم فقالت لهم إني أريد أن ترتادوا إلي مرعي فلما أتوها قالت لأحدهم ما رأيت قال رأيت بقلا وبقيلا وماء غدقا سيلا يحسبه الجاهل ليلا قالت أمرعت قال الاخر رأيت ديمة بعد ديمة على عهاد غير قديمة فالناب تشبع قبل الفطيمة قال الثالث رأيت غيثا ثعدا معدا متراكما جعدا كأفخاذ نساء بني سعد تشبع منه النيب وهي تعد 81-أعرابي يصف أرضه وماله

عن أبي عمر وبن العلاء قال لقيت أعرابيا بمكة فقلت له ممن أنت قال أسدى قلت ومن أيهم قال نهدى قلت من أي البلاد قال من عمان


318
قلت فأني لك هذه الفصاحة قال إنا سكنا قطرا لا نسمع فيه ناجخة التيار قلت صف لي أرضك قال سيف أفيح وفضاء صحصح وجبل صردح ورمل أصبح قلت فما مالك قال النخل قلت فأين أنت من الإبل قال إن النخل حملها غذاء وسعفها ضياء وجذعها بناء وكربها صلاء وليفها رشاء وخوصها وعاء وقروها إناء 82-أعرابي يصف بلدا

وذكر أعرابي بلدا فقال بلد كالترس ما تمشى فيه الرياح إلا عابرات سبيل ولا يمر فيه السفر إلا بأدل دليل

وقال أعرابي مررت ببلد ألقى به الصيف بقاعه فأظهر غديرا يقصر الطرف عن أرجائه وقد نفت الريح القذى عن مائه فكأنه سلاسل درع ذات فضول

وسئل أعرابي عن مسافة ما بين بلدين فقال عمر ليلة وأديم يوم وقال آخر سواد ليلة أو بياض يوم وقال آخر إن المسافر ومتاعه لعلي قلت إلا ما وقى الله


319
83-أعرابي يصف أشد البرد

سئل أعرابي فقيل له ما أشد البرد قال ريح جربياء في طل عماء غب سماء 84-أعرابي يصف إبلا وقال سمعت أعرابيا يصف إبلا فقال

إنها لعظام الحناجر سباط المشافر كوم بهازر نكد خناجر أجوافها رغاب وأعطانها رحاب تمنع من البهم وتبذل للجمم 85-أعرابى يصف ناقة

ووصف أعرابي ناقة فقال إذا إكحالت عينها وأللت أذنها وسجح خدها وهدل مشفرها واستدارت جمجمتها فهي الكريمة


320
أعرابي يصف خيلا

وقال الأصمعي سمعت أعرابيا يقول خرجت علينا خيل مستطيرة النفغ كأن هواديها أعلام وآذانها أطراف أقلام وفرسانها أسود آجام 87-أعرابي يصف خيلا

وذكر أعرابي خيلا فقال والله ما انحدرت في واد إلا ملأت بطنه ولا ركبت بطن جبل إلا أسهلت حزنه 88-أعرابي يصف خيلا

عن عبد الرحمن عن عمه قال سمعت أعرابيا يصف خيلا فقال سباط الخصائل ظماء المفاصل شداد الأباجل قب الأياطل كرام النواجل 89-أعرابي يصف فرسا

ووصف بعض الأعراب فرسا فقال قد انتهي ضموره وذبل فريره وظهر حصيره وتفلقت غروره واسترخت شاكلته يقبل بزور الأسد ويدبر بعجز الذئب


321
إعرابي يصف خاتما

وقال أعرابى يصف خاتما شف تقدير حلقته ودور كرسي فضته وأحكم تركيبه وأتقن تدبيره فبه يتم الملك وينفذ الأمر ويكرم الكتاب ويشرف المكتوب إليه 91-أعرابي يصف أطيب الطعام

وقال عبد الملك لأعرابي ما أطيب الطعام فقال بكرة سنمة معتبطة غير ضمنة في قدور رذمة بشفار خذمة في غداة شبمة فقال عبد الملك وأبيك لقد أطيبت 92-أعرابى يصف السويق

وعاب رجل السويق بحضرة أعرابي فقال لا تعبه فإنه عدة المسافر وطعام العجلان وغذاء المبكر وبلغة المريض ويسرو فؤاد الحزين ويرد من نفس المحدود وجيد في التسمين ومنعوت في الطب وقفاره يحلو


322
البلغم وملتوته يصفي الدم وإن شئت كان شرابا وإن شئت كان طعاما وإن شئت فثريدا وإن شئت فخبيصا 93-أعرابي يصف الجمال

وقيل لأعرابي ما الجمال قال طول القامة وضخم الهامة ورحب الشدق وبعد الصوت وسئل اخر ما الجمال قال غثور العينين وإشراف الحاجبين ورحب الشدقين 94-أبو المخش يصف ابنه

وسأل جعفر بن سليمان أبا المخش عن ابنه المخش وكان جزع عليه جزعا شديدا قال صف لى المخش فقال كان أشدق خرطمانيا سائلا لعابه كأنما ينظر من قلتين كأن ترقوته بوان أو خالفة كأن منكبه كركرة جمل ثقال فقأ الله عينى إن كنت رأيت قبله أو بعده مثله 95-أعرابي يصف بنيه

عن عبد الرحمن عن عمه قال قلت لأعرابي بحمى الربذة ألك بنون قال نعم وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة فقلت صفهم لى فقال جهم وماجهم


323
ينضى الوهم ويصد الدهم ويفري الصفوف ويعل السيوف قلت ثم من قال غشمشم وما غشمشم ماله مقسم وقرنه مجرجم جذل حكاك ومدره لكاك قلت ثم من قال عشرب وما عشرب ليث محرب وسمام مقشب ذكره باهر وخصمه عاثر وفناؤه رحاب وداعيه مجاب قلت صف لي نفسك فقال ليث أبو ريابل ركاب معاضل عساف مجاهل حمال أعباء نهاض ببزلاء 96-أعرابي يصف أخويه

عن العتبي قال أخبرني أعرابي عن إخوة ثلاثة قال قلت لأحدهم أخبرني عن أخيك زيد فقال أزيد إنيه والله ما رأيت أحدا أسكن فورا ولا أبعد غورا ولا اخذ لذنب حجة قد تقدم رأسها من زيد فقلت أخبرني عن أخيك زائد قال كان والله شديد العقدة لين العطفة ما يرضيه أقل مما يسخطه فقلت فأخبرني عن نفسك فقال والله إن أفضل ما فى لمعرفتي بفضلهما وإنى مع ذلك لغير منتشر الرأي ولا مخذول العزم


324
قولهم في الدعاء 97-دعاء أعرابي قال أبو حاتم أملى علينا أعرابي يقال له مرثد

اللهم اغفر لي والجلد بارد والنفس رطبة واللسان منطلق والصحف منشورة والأقلام جارية والتوبة مقبولة والأنفس مريحة والتضرع مرجو قبل آن الفراق وحشك النفس وعلز الصدر وتزيل الأوصال ونصول الشعر واحتياف التراب وقبل أن لا أقدر على استغفارك حين يفني العمل ويحضر الأجل وينقطع الأمل

أعني علي الموت وكربته وعلى القبر وغمته وعلى الميزان وخفته وعلى الصراط وزلته وعلى يوم القيامة وروعته اغفر لي مغفرة عزما لا تغادر ذنبا ولا تدع كربا اغفرلي جميع ما افترضت على ولم أؤده إليك اغفر لي جميع ما تبت إليك منه ثم عدت فيه

يا رب تظاهرت على منك النعم وتداركت عندك منى الذنوب فلك الحمد على النعم التي تظاهرت وأستغفرك للذنوب التي تداركت وأمسيت عن عذابى غنيا وأصبحت إلى رحمتك فقيرا


325

اللهم إني أسألك نجاح الأمل عند انقطاع الأجل اللهم اجعل خير عملي ما ولي أجلي اللهم اجعلني من الذين إذا أعطيتهم شكروا وإذا ابتليتهم صبروا وإذا أذكرتهم ذكروا واجعل لي قلبا توابا أوابا لا فاجرا ولا مرتابا اجعلنى من الذين إذا أحسنوا ازدادوا وإذا أساءوا استغفروا

اللهم لا تحقق على العذاب ولا تقطع بي الأسباب واحفظني في كل ما تحيط به شفقتي وتأتي من ورائه سبحتي وتعجز عنه قوتى أدعوك دعاء ضعيف عمله متظاهرة ذنوبه ضنين على نفسه دعاء من بدنه ضعيف ومنته عاجزة قد إنتهت عدته وخلقت جدته وتم ظمؤه اللهم لا تخيبني وأنا أرجوك ولا تعذبنى وأنا أدعوك والحمد لله على طول النسيئة وحسن التباعة وتشنج العروق وإساغة الريق وتأخر الشدائد والحمد لله على حلمه بعد علمه وعلى عفوه بعد قدرته والحمد لله الذي لا يودى قتيله ولا يخيب سوله ولا يرد رسوله اللهم إنى أعوذ بك من الفقر إلا إليك ومن الذل إلا لك وأعوذ بك أن أقول زورا أو أغشي فجورا أو أكون بك مغرورا وأعوذ بك من شماتة الأعداء وعضال الداء وخيبة الرجاء وزوال النعمة


326
98-دعاء أعرابي ودعا أعرابي وهو يطوف بالكعبة فقال

إلهي من أولي بالتقصير والزلل مني وأنت خلقتني ومن أولي بالعفو منك عني وعلمك بي ماض وقضاؤك بي محيط أطعتك بقوتك والمنة لك وعصيتك بعلمك فأسألك يا إلهي بوجوب رحمتك وانقطاع حجتي وافتقاري إليك وغناك عني أن تغفر لي وترحمني

إلهي لم أحسن حتى أعطيتني فتجاوز عن الذنوب التي كتبت على اللهم إنا أطعناك في أحب الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ولم نعصك في أبغض الأشياء إليك الشرك بك فاغفر لي ما بين ذلك

اللهم إنك انس المؤنسين لأوليائك وأحضرهم للمتوكلين عليك إلهي أنت شاهدهم وغائبهم والمطلع على ضمائرهم وسرى لك مكشوف وأنا إليك ملهوف إذا أوحشتنى الغربة انسنى ذكرك وإذا أكبت على الغموم لجأت إلى الاستجارة بك علما بأن أزمة الأمور كلها بيدك ومصدرها عن قضائك فأقللني إليك مغفورا لي معصوما بطاعتك بقية عمري يا أرحم الراحمين 99-دعاء أعرابى وقال الأصمعي حججت فرأيت أعرابيا يطوف بالكعبة ويقول

يا خير موفود سعي إليه الوفد قد ضعفت قوتي وذهبت منتى وأتيت إليك بذنوب لا تغسلها الأنهار ولا تحملها البحار أستجير برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك ثم التفت فقال أيها المشفقون ارحموا من شملته الخطايا


327
وغمرته البلايا ارحموا من قطع البلاد وخلف ما ملك من التلاد ارحموا من وبخته الذنوب وظهرت منه العيوب ارحموا أسير ضر وطريد فقر أسألكم بالذى أعملتم الرغبة إليه إلا ما سألتم الله أن يهب لي عظيم جرمى ثم وضع في حلقه بالباب خده وقال ضرع خدى لك وذل مقامى بين يديك ثم أنشأ يقول

( عظيم الذنب مكروب من الخيرات مسلوب )

( وقد أصبحت ذا فقر وما عندك مطلوب ) 100-دعاء أعرابي وسمع أعرابي بعرفات عشية عرفة وهو يقول

اللهم إن هذه عشية من عشايا محبتك وأحد أيام زلفتك يأمل فيها من لجأ إليك من خلقك أن لا يشرك بك شيئا بكل لسان فيها يدعي ولكل خير فيها يرجى أتتك العصاة من البلد السحيق ودعتك العناة من شعب المضيق رجاء مالا خلف له من وعدك ولاانقطاع له من جزيل عطائك أبدت لك وجوهها المصونة صابرة على وهج السمائم وبرد الليالى ترجو بذلك رضوانك يا غفار يامستزادا من نعمه ومستعاذا من نقمه ارحم صوت حزين دعاك بزفير وشهيق

ثم بسط كلتا يديه إلى السماء وقال اللهم إن كنت بسطت يدى إليك داعيا


328
فطالما كفيتنى ساهيا بنعمتك التي تظاهرت على عند الغفلة فلا أبأس بها عند التوبة لاتقطع رجائي منك لما قدمت من اقتراف آثامك وإن كنت لا أصل إليك إلا بك فهب لي يا رب الصلاح في الولد والأمن في البلد والعافية في الجسد وعافني من شر الحسد ومن شر الدهر النكد 101-دعاء أعرابي

ودعا أعرابي فقال يا عماد من لا عماد له وياركن من لاركن له ويا مجير الضعفي ويا منقذ الهلكى ويا عظيم الرجاء أنت الذى سبح لك سواد الليل وبياض النهار وضوء القمر وشعاع الشمس وحفيف الشجر ودوي الماء يا محسن يا مجمل يا مفضل لا أسألك الخير بخيرهم عندك ولكنى أسألك برحمتك فاجعل العافية لي شعارا ودثارا وجنة دون كل بلاء 102-دعاء أعرابي وقال الأصمعي سمعت أعرابيا في فلاة من الأرض وهو يقول في دعائه

اللهم إن استغفارى إياك مع كثرة ذنوبي للؤم وإن تركي الاستغفار مع معرفتي بسعة رحمتك لعجز إلهى كم تحببت إلى بنعمتك وأنت غنى عنى وكم أتبغض إليك بذنوبي وأنا فقير إليك سبحان من إذا توعد عفا وإذا وعد وفى


329
103-دعاه أعرابي

قال وسمعت أعرابيا يقول في دعائه اللهم إن ذنوبي إليك لا تضرك وإن رحمتك إياي لا تنقصك فاغفر لي مالا يضرك وهب لي مالا ينقصك 104-دعاء أعرابي

وقال سمعت أعرابيا وهو يقول في دعائه اللهم إنى أسألك عمل الخائفين وخوف العاملين حتى أتنعم بترك النعيم طمعا فيما وعدت وخوفا مما أوعدت اللهم أعذني من سطواتك وأجرني من نقماتك سبقت لي ذنوب وأنت تغفر لمن يحوب إليك بك أتوسل ومنك إليك أفر 105-دعاء أعرابي

وقال سمعت أعرابيا يقول اللهم إن قوما امنوا بك بألسنتهم ليحقنوا دماءهم فأدركوا ما أملوا وقد امنا بك بقلوبنا لتجيرنا من عذابك فأدرك منا ما أملناه 106-دعاء أعرابي

قال ورأيت أعرابيا متعلقا بأستار الكعبة رافعا يديه إلى السماء وهو يقول رب أتراك معذبنا وتوحيدك في قلوبنا وما إخالك تفعل ولئن فعلت لتجمعنا مع قوم طالما أبغضناهم لك


330
. 7 دعاء اعرابي

وقال سمعت أعرابيا يقول في صلاته الحمد لله حمدا لا يبلى جديده ولا يحصى عديده ولا يبلغ حدوده اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره واجعل القبر خير بيت نعمره واجعل ما بعده خيرا لنا منه اللهم إن عينى قد اغرورقتا دموعا من خشيتك فاغفر الزلة وعد بحلمك على جهل من لم يرج غيرك 108-دعاء أعرابي وقال رأيت أعرابيا أخذ بحلقتي باب الكعبة وهو يقول

سائلك عند بابك ذهبت أيامه وبقيت اثامه وانقطعت شهوته وبقيت تباعته فارض عنه وإن لم ترض عنه فاعف عنه غير راض 109-دعاء أعرابى

قال ودعا أعرابي عند الكعبة فقال اللهم إنه لا شرف إلا بفعال ولا فعال إلا بمال فأعطني ما أستعين به على شرف الدنيا والاخرة 110-دعاء أعرابي

عن طاوس قال بينا أنا بمكة إذ دفعت إلى الحجاج بن يوسف فثنى لي وسادا فجلست فبينا نحن نتحدث إذ سمعت صوت أعرابي في الوادي رافعا صوته بالتلبية


331
فقال الحجاج على بالملبى فأتى به فقال من الرجل قال من أفناء الناس قال ليس عن هذا سألتك قال نعم سألتنى قال من أي البلدان أنت قال من أهل اليمن قال له الحجاج فكيف خلفت محمد بن يوسف يعني أخاه وكان عامله على اليمن قال خلفته عظيما جسيما خراجا ولا جا قال ليس عن هذا سألتك قال نعم سألتني قال كيف خلفت سيرته في الناس قال خلفته ظلوما غشوما عاصيا للخالق مطيعا للمخلوق فازور من ذلك الحجاج وقال ما أقدمك لهذا وقد تعلم مكانته منى فقال له الأعرابي أفتراه بمكانة منك أعز مني بمكانتي من الله تبارك وتعالى وأنا وافد بيته وقاضي دينه ومصدق نبيه فوجم لها الحجاج ولم يحر له جوابا حتى خرج الرجل بلا إذن

قال طاوس فتبعته حتى أتى الملتزم فتعلق بأستار الكعبة فقال بك أعوذ وإليك ألوذ فاجعل لي في اللهف إلي جوارك والرضا بضمانك مندوحة عن منع الباخلين وغني عما في أيدى المستأثرين اللهم عد بفرجك القريب ومعروفك القديم وعادتك الحسنة

قال طاوس ثم اختفى في الناس فألفيته بعرفات قائما علىقدميه وهو يقول اللهم إن كنت لم تقبل حجي ونصبي وتعبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته فلا أعلم مصيبة أعظم ممن ورد حوضك وانصرف محروما من وجه رغبتك


332
111-دعاء أعرابي وقال الأصمعي رأيت أعرابيا يطوف بالكعبة وهو يقول إلهي عجت إليك الأصوات بضروب من اللغات يسألونك الحاجات وحاجتي إليك إلهي أن تذكرني على طول البكاء إذا نسيني أهل الدنيا اللهم هب لى حقك وأرض عنى خلقك اللهم لا تعيني في طلب مالم تقدره لي وما قدرته لي فيسره لي 112-دعاء أعرابي

قال ودعت أعرابية لابن لها وجهته إلى حاجة فقالت كان الله صاحبك في أمرك وخليفتك في أهلك وولي نجح طلبتك امض مصاحبا مكلوءا لا أشمت الله بك عدوا ولا أرى محبيك فيك سوءا 113-دعاء أعرابي

وقال الأصمعي خرجت أعرابية إلى منى فقطع بها الطريق فقالت

يا رب أعطيت وأخذت وأنعمت وسلبت وكل ذلك منك عدل وفضل والذى عظم على الخلائق أمرك لابسطت لسانى بمسألة أحد غيرك ولا بذلت رغبتى إلا إليك ياقرة أعين السائلين أغننى بجود منك أتبحبح في فراديس


333
نعمته وأتقلب في رواق نضرته أحملني من الرجلة وأغنني من العيلة واسدل على سترك الذى لا تخرقه الرماح ولا تزيله الرياح إنك سميع الدعاء 114-أدعية شتي

ومات ابن لأعرابى فقال اللهم إني وهبت له ما قصر فيه بري فهب لي ما قصر فيه من طاعتك فإنك أجود وأكرم

ووقف أعرابي في بعض المواسم فقال اللهم إن لك على حقوقا فتصدق بها على وللناس تبعات قبلى فتحملها عنى وقد أوجبت لكل ضيف قرى وأنا ضيفك الليلة فاجعل قراى فيها الجنة

وقال سفيان بن عيينة سمعت أعرابيا يقول عشية عرفة

اللهم لا تحرمني خير ما عندك لشر ما عندي وإن لم تتقبل تعي ونصي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته

وقال الأصمعي سمعت أعرابيا يقول لرجل أطعمك الله الذي أطعمتني له فقد أحييتني بقتل جوعي ودفعت عني سوء ظني فحفظك الله على كل جنب وفرج عنك كل كرب وغفر لك كل ذنب


334

عن الأصمعي قال رأيت أعرابيا يصلي وهو يقول أسألك الغفيرة والناقة الغزيرة والشرف في العشيرة فإنها عليك يسيره

عن عبد الرحمن عن عمه قال سمعت أعرابيا يدعو لرجل فقال جنبك الله الأمرين وكفاك شر الأجوفين وأذاقك البردين

ودعا أعرابي فقال اللهم إنى أسألك البقاء والنماء وطيب الإتاء وحط الأعداء ورفع الأولياء

وقال أعرابي اللهم لا تنزلني ماء سوء فأكون امرأ سوء وقال أعرابي اللهم قني عثرات الكرام

ووهب رجل لأعرابى شيئا فقال جعل الله للمعروف إليك سبيلا وللخير عليك دليلا وجعل عندك رفدا جزيلا وأبقاك بقاء طويلا وأبلاك بلاء جميلا

وقال الأصمعى سمعت أعرابيا يدعو وهو يقول اللهم ارزقني مالا أكبت به الأعداء وبنين أصول بهم على الأقوياء


335

ودعت أعرابية على رجل فقالت أمكن الله منك عدوا حسودا وفجع بك صديقا ودودا وسلط عليك هما يضنيك وجارا يؤذيك

ودعا أعرابي فقال أعوذ بك من الفواقر والبواقر ومن جار السوء في دار المقامة والظعن ومما ينكس رأس المرء ويغرى به لئام الناس

وقال أعرابي أعوذ بك من سقم وعداوة ذى رحم ودعواه ومن فاجر وجدواه وعمل لا ترضاه

ودعت أعرابية لرجل فقالت كبت الله كل عدو لك إلا نفسك

ودعا أعرابي فقال اللهم هب لى حقك وأرض عنى خلقك

وقال أعرابي اللهم إنك أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا وقد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا

وقال أعرابي منحكم الله منحة ليست بجداء ولا نكداء ولا ذات داء

وقال أعرابي اللهم إنك حبست عنا قطر السماء فذاب الشحم وذهب اللحم ورق العظم فارحم أنين الانة وحنين الحانة اللهم ارحم تحيرها في مراتعها وأنينها في مرابضها


336

وحج أعرابي فقال اللهم إن كان رزقي فى السماء فأنزله وإن كان في الأرض فأخرجه وإن كان نائيا فقربه وإن كان قريبا فيسره

ومات ولد لرجل من الأعراب فصلي عليه فقال اللهم إن كنت تعلم أنه كريم الجدين سهل الخدين فاغفر له وإلا فلا

وقالت أعرابية لرجل رماك الله بليلة لا أخت لها أي لا تعيش بعدها

ودعا أعرابي فقال اللهم إنى أعوذ بك أن افتقر في غناك أو أضل في هداك أو أذل في عزك أو أضام في سلطانك أو اضطهد والأمر إليك

وقال الأصمعي سمعت أعرابية تقول اللهم ارزقني عمل الخائفين وخوف العاملين حتى أنعم بترك التنعم رجاء لما وعدت وخوفا مما أوعدت

وقال اخر اللهم من أراد بنا سوءا فأحطه به كإحاطة القلائد بأعناق الولائد وأرسخه على هامته كرسوخ السجيل على هام أصحاب الفيل


337
115-نوادر وملح لبعض الأعراب

غزا أعرابي مع النبي فقيل له ما رأيت مع رسول الله في غزاتك هذه قال وضع عنا نصف الصلاة وأرجو في الغزاة الأخرى أن يضع النصف الباقي

ودخل أعرابي المسجد والنبي جالس فقام يصلي فلما فرغ قال اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فقال النبي عليه الصلاة والسلام لقد تحجرت واسعا يا أعرابي

وخرج الحجاج متصيدا بالمدينة فوقف على أعرابي يرعى إبلا له فقال له يا أعرابي كيف رأيت سيرة أميركم الحجاج قال له الأعرابي غشوم ظلوم لا حياة الله فقال فلم لا شكوتموه إلى أمير المؤمنين عبد الملك قال فأظلم وأغشم فبينا هو كذلك إذا أحاطت به الخيل فأومأ الحجاج إلى الأعرابي فأخذ وحمل فلما صار معه قال من هذا قالوا له الحجاج فحرك دابته حتى صار بالقرب منه ثم ناداه يا حجاج قال ما تشاء يا أعرابى قال السر الذى بينى وبينك أحب أن يكون مكتوما فضحك الحجاج وأمر بتخلية سبيله

وخرج أبو العباس السفاح متنزها بالأنبار فأمعن في نزهته وانتبذ من أصحابه فوافى خباء لأعرابى فقال له الأعرابى ممن الرجل قال من كنانة قال من أي كنانة قال من أبغض كنانة إلى كنانة قال فأنت إذن من قريش قال


338
نعم قال فمن أي قريش قال من أبغض قريش إلى قريش قال فأنت إذن من ولد عبد المطلب قال نعم قال فمن أي ولد عبد المطلب قال من أبغض ولد عبد المطلب إلى ولد عبد المطلب قال فأنت إذن أمير المؤمنين السلام عليك يا أمير المؤمنين ووثب إليه فاستحسن ما رأي منه وأمر له بجائزة

وولي يوسف بن عمر الثقفي صاحب العراق أعرابيا على عمل له فأصاب عليه خيانة فعزله فلما قدم عليه قال له يا عدو الله أكلت مال الله قال الأعرابي فمال من آكل إذا لم آكل مال الله لقد راودت إبليس أن يعطينى فلسا واحدا فما فعل فضحك منه وخلى سبيله

وأخذ الحجاج أعرابيا لصا بالمدينة فأمر بضربه فلما قرعه بسوط قال يا رب شكرا حتى ضربه سبعمائة سوط فلقيه أشعب فقال له تدرى له ضربك الحجاج سبعمائة سوط قال لماذا قال لكثرة شكرك إن الله تعالى يقول لئن شكرتم لأزيدنكم قال وهذا في القرآن قال نعم فقال الأعرابى

( يا رب لا شكرا فلا تزدنى أسأت في شكرى فاعف عنى )

( باعد ثواب الشاكرين منى )

ونزل عبد الله بن جعفر إلى خيمة أعرابية ولها دجاجة وقد دجنت عندها فذبحتها وجاءت بها إليه فقالت يا أبا جعفر هذه دجاجة لي كنت أدجنها وأعلفها من قوتي وألمسها في آناء الليل فكأنما ألمس بنتي زلت عن كبدي فنذرت الله أن


339
أدفنها في أكرم بقعة تكون فلم أجد تلك البقعة المباركة إلا بطنك فأردت أن أدفنها فيه فضحك عبد الله بن جعفر وأمر لها بخسمائة درهم

وسمع أعرابي وهو يقول في الطواف اللهم اغفر لأمي فقيل له مالك لا تذكر أباك قال أبي رجل يحتال لنفسه وأما أمي فبائسة ضعيفة

وقال أبو زيد رأيت أعرابيا كآن أنفه كوز من عظمه فرآنا نضحك منه فقال ما يضحككم فوالله لقد كنت في قوم ما كنت فيهم إلا أفطس

وجىء بأعرابي إلى السلطان ومعه كتاب قد كتب فيه قصته وهو يقول هاؤم اقرءوا كتابيه فقيل له يقال هذا يوم القيامه قال هذا والله شر من يوم القيامة إن يوم القيامة يؤتي بحسناتي وسيئاتي وأنتم جئتم بسيئاتي وتركتم حسناتي

واشترى أعرابي غلاما فقيل للبائع هل فيه من عيب قال لا إلا أنه يبول في الفراش قال هذا ليس بعيب إن وجد فراشا فليبل فيه

ومر أعرابي بقوم وهو ينشد ابنا له فقالوا له صفة قال كأنه دنينير قالوا لم نره ثم لم يلبث القوم أن أقبل الأعرابي وعلى عنقه جعل فقالوا هذا الذي قلت فيه دنينير قال القرنبي في عين أمها حسناء


340

وقيل لأعرابى ما يمنعك أن تغزو قال والله إني لأ بغض الموت على فراشي فكيف أن أمضي إليه ركضا

وخرج أعرابي إلى الحج مع أصحاب له فلما كان ببعض الطريق راجعا يريد أهله لقيه ابن عم له فسأله عن أهله ومنزله فقال اعلم أنك لما خرجت وكانت لك ثلاثة أيام وقع في بيتك الحريق فرفع الأعرابى يديه إلى السماء وقال ما أحسن هذا يا رب تأمرنا بعمارة بيتك أنت وتخرب بيوتنا

وخرجت أعرابية إلى الحج فلما كانت في بعض الطريق عطبت راحلتها فرفعت يديها إلى السماء وقالت يا رب أخرجتنى من بيتى إلى بيتك فلا بيتى ولا بيتك

وعرضت السجون بعد هلاك الحجاج فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا لم يجب على واحد منهم قتل ولا صلب وفيهم أعرابي أخذ يبول في أصل مدينة واسط فكان فيمن أطلق فأنشأ يقول

( إذا ما خرجنا من مدينة واسط خرينا وبلنا لا نخاف عقابا )

ونظر أعرابى إلى قوم يلتمسون هلال شهر رمضان فقال والله لئن آثرتموه لتمسكن منه بذنابى عيش أغبر

ونظر أعرابى إلى رجل سمين فقال أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك


341

وقال أعرابي اللهم إنى أسألك ميتة كميتة أبى خارجة أكل بذجا وشرب مشعلا ونام في الشمس فمات دفان شبعان ريان

وقيل لأبي المخش الأعرابي أيسرك أنك خليفة وأن أمتك حرة قال لا والله ما يسرني قيل له ولم قال لأنها كانت تذهب الأمة وتضيع الأمة

وحضر أعرابي سفرة سليمان بن عبد الملك فجعل يمر إلى ما بين يديه فقال له الحاجب مما يليك فكل يا أعرابي فقال من أجدب انتجع فشق ذلك على سليمان وقال للحاجب إذا خرج عنا فلا يعد إلينا

وشهد بعد هذا سفرته أعرابى اخر فمر إلى ما بين يديه أيضا فقال له الحاجب مما يليك فكل يا عرابى قال من أخصب تخير فأعجب ذلك سليمان فقربه وأكرمه وقضى حوائجه

وحضر أعرابي سفرة سليمان بن عبد الملك فلما أتى بالفالوذج جعل يسرع فيه فقال سليمان أتدري ما تأكل يا أعرابي فقال بلى يا أمير المؤمنين إنى لأجد ريقا هنيئا ومزدردا لينا وأظنه الصراط المستقيم الذى ذكره الله في كتابه فضحك سليمان وقال أزيدك منه يا أعرابى فإنهم يذكرون أنه يزيد في الدماغ قال كذبوك يا أمير المؤمنين لو كان كذلك لكان رأسك مثل رأس البغل

وحضر سفرة سليمان أعرابى فنظر إلى شعرة في لقمة الأعرابي فقال أري


342
شعرة في لقمتك يا أعرابي قال وإنك لتراعينى مراعاة من يبصر الشعرة في لقمتى والله لا واكلتك أبدا فقال استرها يا أعرابى فإنها زلة ولا أعود لمثلها

وقال الأصمعى قلت لأعرابى أتهمز إسرائيل قال إنى إذن لرجل سوء قلت له أفتجر فلسطين قال إنى إذا لقوى

وسمع أعرابى إماما يقرأ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا قرأها بفتح التاء فقال ولا إن امنوا أيضا لم ننكحهم فقيل له إنه يلحن وليس هكذا يقرأ فقال أخروه قبحه الله لا تجعلوه إماما فإنه يحل ما حرم الله

وخطب أعرابى فلما أعجله بعض الأمر عن التصدير بالتحميد والاستفتاح بالتمجيد قال أما بعد بغير ملال لذكر الله ولا إيثار غيره عليه فإنا نقول كذا ونسأل كذا فرارا من أن تكون خطبته بتراء وشوهاء

ودفعوا إلىأعرابية علكا لتمضغه فلم تفعل فقيل لها في ذلك فقالت ما فيه إلا تعب الأضراس وخيبة الحنجرة


343

وقيل لأعرابي عند من تحب أن يكون طعامك قال عند أم صبي راضع أو ابن سبيل شاسع أو كبير جائع أو ذي رحم قاطع

وقال أعرابي

( لولا ثلاث هن عيش الدهر الماء والنوم وأم عمرو )

( لما خشيت من مضيق القبر )

وسمع أعرابى رجلا يقرأ سورة براءة فقال ينبغى أن يكون هذا اخر القران قيل له ولم قال رأيت عهدوا تنبذ

وسمع أعرابي رجلا يقرأ وحملناه على ذات ألواح ودسر تجرى بأعيننا جزاء لمن كان كفر قالها بفتح الكاف فقال الأعرابي لا يكون فقرأها عليه بضم الكاف وكسر الفاء فقال الأعرابي يكون


344
الباب الرابع في خطب النكاح 1-خطبة قريش في الجاهلية روى الجاحظ قال

كانت خطبة قريش في الجاهلية يعني خطبة النساء

باسمك اللهم لك ذكرت فلانة وفلان بها مشغوف باسمك اللهم لك ما سألت ولنا ما أعطيت 2-خطبة النبى في زواج السيدة فاطمة

الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته المرهوب من عذابه المرغوب فيما عنده النافذ أمره في سمائه وأرضه الذى خلق الخلق بقدرته وميزهم بأحكامه وأعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد ثم إن الله تعالى جعل المصاهرة نسبا لاحقاوأمرا مفترضا ووشج به الأرحام وألزمه الأنام قال تبارك اسمه وتعالى ذكره


345
( وهو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ) فأمر الله يجرى إلى قضائه ولكل قضاء قدر ولكل قدر أجل ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب )

ثم إن ربى أمرني أن أزوج فاطمة من على بن أبى طالب وقد زوجتها إياه علي أربعمائة مثقال فضة إن رضى بذلك على 3-خطبة الإمام على كرم الله وجهه وخطب الإمام على كرم الله وجهه حين تزوج بالسيدة فاطمة رضي الله عنها فقال

الحمد لله الذي قرب من حامديه ودنا من سائليه ووعد بالجنة من يتقيه وقطع بالنار عدد من يعصيه أحمده بجميع محامده وأياديه وأشكره شكر من يعلم أنه خالقه وباريه ومصوره ومنشيه ومميته ومحييه ومقربه ومنجيه ومثيبه ومجازيه وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه وأن محمدا عبده ورسوله صلاة تزلفه وتدنيه وتعزه وتعليه وتشرفه وتجتبيه

أما بعد فإن اجتماعنا مما قدره الله تعالى ورضيه والنكاح ما أمر الله به وأذن فيه وهذا محمد قد زوجني فاطمة ابنته على صداق أربعمائة درهم وثمانين درهما ورضيت به فاسألوه وكفى بالله شهيدا 4-خطبة عتبة بن أبي سفيان

خطب عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان إلي عتبه بن أبي سفيان ابنته فأقعده على فخذه وكان حدثا فقال

أقرب قريب خطب أحب حبيب لا أستطيع له ردا ولا أجد من إسعافه بدا قد زوجتكها وأنت أعز علي منها وهي ألصق بقلبي منك فأكرمها يعذب


346
على لساني ذكرك ولاتهنها فيصغر عندى قدرك وقد قربتك مع قربك فلا تبعد قلبى من قلبك 5-خطبة شبيب بن شيبة

وقال العتبي زوج شبيب بن شيبة ابنه بنت سوار القاضي فقلنا اليوم يعب عبابه فلما اجتمعوا تكلم فقال

الحمد لله وصلى الله على رسول الله أما بعد فإن المعرفة منا ومنكم بنا وبكم تمنعنا من الإكثار وإن فلانا ذكر فلانة 6-خطبة الحسن البصري وكان الحسن البصري يقول في خطبة النكاح بعد الحمد والثناء عليه

أما بعد فإن الله جمع بهذا النكاح الأرحام المنقطعة والأنساب المتفرقة وجعل ذلك في سنة مندينه ومنهاج واضح من أمره وقد خطب إليكم فلان وعليه من الله نعمة وهو يبذل من الصداق كذا فاستخيروا الله وردوا خيرا يرحمكم الله 7-خطبة ابن الفقير وقال العتبى حضرت ابن الفقير خطب على نفسه امرأة من باهلة فقال

( وما حسن أن يمدح المرء نفسه ولكن أخلاقا تذم وتمدح ) وإن فلانة ذكرت لي


347
8-خطبة عمر بن عبد العزيز وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز

قد زوجك أمير المؤمنين ابنته فاطمة قال جزاك الله يا أمير المؤمنين خيرا فقد أجزلت العطية وكفيت المسألة 9-خطبة أخرى له وحدث محمد بن عبيد الله القرشي عن أبي المقدام قال

كانت قريش تستحسن من الخاطب الإطالة ومن المخطوب إليه التقصير فشهدت محمد بن الوليد بن عتبة بن أبي سفيان خطب إلى عمر بن عبد العزيز أخته أم عمر بنت عبد العزيز فتكلم محمد بن عبد الوليد بكلام جاز الحفظ فقال عمر

الحمد لله ذي الكبرياء وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء أما بعد فإن الرغبة منك دعتك إلينا والرغبة فيك أجابتك منا وقد أحسن بك ظنا من أودعك كريمته واختارك ولم يختر عليك وقد زوجتكها على كتاب الله إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان 10-خطبة بلال وخطب بلال إلى قوم من خثعم لنفسه ولأخيه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أنا بلال وهذا أخي كنا ضالين فهدانا الله عبدين فأعتقنا الله فقيرين فأغنانا الله فإن تزوجونا فالحمد لله وإن تردونا فالمستعان الله


348
11-خطبة خالد بن صفوان

وزوج خالد بن صفوان مولاه من أمته فقال له العبد لو دعوت الناس وخطبت قال ادعهم أنت فدعاهم العبد فلما اجتمعوا تكلم خالد بن صفوان فقال

أما بعد فإن الله أعظم وأجل من أن يذكر في نكاح هذين الكلبين وأنا أشهدكم أني زوجت هذه الزانية من هذا ابن الزانية 12-خطبة أعرابي

وخطب الفضل الرقاشي إلى قوم من بني تميم فخطب لنفسه فلما فرغ قام أعرابي منهم فقال

توسلت بحرمة وأوليت بحق واستندت إلي خير ودعوت إلى سنة ففرضك مقبول وما سألت مبذول وحاجتك مقضية إن شاء الله تعالى

قال الفضل لو كان الأعرابي حمد الله في أول كلامه وصلى على النبي لفصحنى يومئذ 13-خطبة المأمون

وقال يحيى بن أكثم أراد المأمون أن يزوج ابنته من علي بن موسى الرضا فقال يا يحيى تكلم فأجللته أن أقول أنكحت فقلت يا أمير المؤمنين أنت الحاكم الأكبر والإمام الأعظم وأنت أولى بالكلام فقال

الحمد لله الذى تصاغرت الأمور بمشيئته ولا إله إلا هو إقرارا بربوبيته وصلى الله على محمد عند ذكره أما بعد فإن الله قد جعل النكاح دينا ورضيه حكما وأنزله وحيا ليكون سبب المناسبة ألا وإني قد زوجت ابنة المأمون من علي بن موسى


349
وأمهرتها أربعمائة درهم اقتداء بسنة رسول الله وانتهاء إلى ما درج إليه السلف والحمد لله رب العالمين

وخطب رجل إلى قوم فأتى بمن يخطب له فاستفتح بحمد الله وأطال وصلى على النبي عليه الصلاة والسلام وأطال ثم ذكر البدء وخلق السموات والأرض واقتص ذكر القرون حتى ضجر من حضر والتفت إلى الخاطب فقال ما اسمك أعزك الله فقال والله قد أنسيت اسمى من طول خطبتك وهى طالق إن تزوجتها بهذه الخطبة فضحك القوم وعقدوا في مجلس اخر الباب الخامس في خطب من أرتج عليهم ونوادر طريفة لبعض الخطباء

روى الجاحظ قال صعد عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه المنبر فأرتج عليه فقال

إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب

وروى ابن عبد ربه قال أول خطبة خطبها عثمانبن عفان أرتج عليه فقال

أيها الناس إن أول كل مركب صعب وإن أعش تأتكم الخطب على وجههاوسيجعل الله بعد عسر يسرا إن شاء الله

ولما قدم يزيد بن أبى سفيان الشأم واليا عليها لأبى بكر خطب الناس فأرتج عليه فعاد إلى الحمد لله ثم أرتج عليه فعاد إلى الحمد لله ثم أرتج عليه فقال

يأهل الشأم عسى الله أن يجعل من بعد عسر يسرا ومن بعد عى بيانا


350
الباب الخامس في خطب من أرتج عليهم ونوادر طريفة لبعض الخطباء

روي الجاحظ قال صعد عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه المنبر فأرتج عليه فقال

إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب

وروي ابن عبد ربه قال أول خطبة خطبها عثمان بن عفان أرتج عليه فقال

أيها الناس إن أول كل مركب صعب وإن أعش تأتكم الخطب على وجههاوسيجعل الله بعد عسر يسرا إن شاء الله

ولما قدم يزيد بن أبي سفيان الشأم واليا عليها لأبي بكر خطب الناس فأرتج عليه فعاد إلى الحمد لله ثم أرتج عليه فعاد إلى الحمد لله ثم أرتج عليه فقال

يأهل الشأم عسى الله أن يجعل من بعد عسر يسرا ومن بعد عي بيانا


351
وأنتم إلى إمام فاعل أحوج منكم إلى إمام قائل ثم نزل فبلغ ذلك عمرو بن العاص فاستحسنه

وكان يزيد بن المهلب ولي ثابت قطنة بعض قرى خراسان فلما صعد المنبر يوم الجمعة قال الحمد لله ثم أرتج عليه فنزل وهو يقول

( فإلا أكن فيكم خطيبا فإنني بسيفي إذا وجد الوغي لخطيب ) فقيل له لوقلتها فوق المنبر لكنت أخطب الناس وخطب معاوية بن أبي سفيان لما ولى فحصر فقال

أيها الناس إنى كنت أعددت مقالا أقومبه فيكم فحجبت عنه فإن الله يحول بين المرء وقلبه كماقال في كتابه وأنتم إلى لإمام عدل أحوج منكم إلى إمام خطيب وإنى امركم بما أمر الله به ورسوله وأنهاكم عما نهاكم الله عنه ورسوله وأستغفر الله لى ولكم

وصعد خالد بن عبد الله القسري يوما المنبر بالبصرة ليخطب فأرتج عليه فقال


352

أيها الناس أما بعد فإن هذا الكلام يجئ أحيانا ويعزب أحيانا فيسيح عند مجيئه سيبه ويعز عند عزوبه طلبه ولربما كوبر فأبى وعولج فنأى فالتأتي لمجيه خير من التعاطي لأبيه وتركه عند تنكره أفضل من طلبه عند تعذره وقد يختلج من الجرىء جنانه وينقطع من الذرب لسانه فلا يبطره ذلك ولا يكسره وسأعود فأقول إن شاء الله ثم نزل فما رئى حصر أبلغ منه

وصعد أبو العنبس منبرا من منابر الطائف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

أما بعد فأرتج عليه فقال أتدرون ما أريد أن أقول لكم قالوا لا قال فما ينفعني ما أريد أن أقول لكم ثم نزل فلما كان في الجمعة الثانية وصعد المنبر وقال أما بعد أرتج عليه فقال أتدرون ما أريد أن أقول لكم قالوا نعم قال فما حاجتكم إلى أن أقول لكم ما علمتم ثم نزل فلما كانت الجمعة الثالثة قال أما بعد فأرتج عليه قال أتدرون ما أريد أن أقول لكم قالوا بعضنا يدري وبعضنا لا يدري قال فليخبر الذى يدري منكم الذى لا يدري ثم نزل

وولي اليمامة رجل من بني هاشم يعرف بالدندان فلما صعد المنبر أرتج عليه فقال


353

حيا الله هذه الوجوه وجعلنى فداءها إنى قد أمرت طائفى بالليل أن لا يرى أحدا إلا أتاني به وإن كنت أنا هو ثم نزل

وخطب عبد الله بن عامر بالبصرة في يوم أضحى فأرتج عليه فمكث ساعة ثم قال

والله لا أجمع عليكم عيا ولؤما من أخذ شاة من السوق فهى له وثمنها على

قال الجاحظ ولما حصر عبد الله بن عامر على منبر البصرة شق ذلك عليه فقال له زياد أيها الأمير إنك إن أقمت عامة من ترى أصابه أكثر مما أصابك

وكان سعيد بن بحدل الكلبى على قنسرين فوثب عليه زفر بن الحارث فأخرجه منها وبايع لابن الزبير فلما قعد زفر على المنبر قال الحمد لله الذى أقعدنى مقعد الغادر الفاجر وحصر فضحك الناس من قوله

وصعد عدي بن أرطاة المنبر فلما رأى جماعة الناس حصر فقال الحمد لله الذى يطعم هؤلاء ويسقيهم

وصعد روح بن حاتم المنبر فلما راهم شفنوا أبصارهم وفتحوا أسماعهم نحوه


354

حصر فقال نكسوا رءوسكم وغضوا أبصاركم فإن المنبر مركب صعب وإذا يسر الله فتح قفل تيسر

وكان عبد ربه اليشكري عاملا لعيسى بن موسى على المدائن فصعد المنبر فحمد الله وأرتج عليه فسكت ثم قال والله إنى لأكون في بيتى فتجىء على لساني ألف كلمة فإذا قمت على أعوادكم هذه جاء الشيطان فمحاها من صدري ولقد كنت وما في الأيام يوم أحب إلى من يوم الجمعة فصرت وما في الأيام يوم أبغض إلى من يوم الجمعة وما ذلك إلا لخطبتكم هذه

وأرتج على معن بن زائدة فضرب المنبر برجله ثم قال فتى حروب لا فتى منابر وحدث عيسى بن عمر قال

خطب أمير مرة فانقطع فخجل فبعث إلى قوم من القبائل عابوا ذلك ولفهم وفيهم يربوعى جلد فقال اخطبوا فقام واحد فمر في الخطبة حتى إذا بلغ أما بعد قال أما بعد أما بعد ولم يدر مايقول ثم قال فإن امرأتي طالق ثلاثا لم أرد أن أجمع اليوم فمنعتني وخطب آخر فلما بلغ أما بعد بقى ونظر فإذا إنسان ينظر إليه فقال لعنك الله ترى ما أنا فيه وتلمحنى ببصرك أيضا وقال أحدهم رأيت القراقر من السفن تجري بيني وبين الناس وصعد اليربوعي فخطب فقال أما بعد فوالله ما أدرى ما أقول ولا فيم أقمتموني أقول ماذا


355
فقال بعضهم قل في الزيت فقال الزيت مبارك فكلوا منه وادهنوا

قال فهو قول الشطار اليوم إذا قيل لم فعلت ذا فقل في شأن الزيت وفي حال الزيت

وروى الجاحظ أنه قيل لرجل من الوجوه قم فاصعد المنبر وتكلم فلما صعد حصر وقال الحمد لله الذى يرزق هؤلاء وبقى ساكتا فأنزلوه وصعد اخر فلما استوي قائما وقابل بوجهه وجوه الناس وقعت عينه على صلعة رجل فقال اللهم العن هذه الصلعة

وقيل لوازع اليشكرى قم فاصعد المنبر وتكلم فلما رأي جمع الناس قال لولا أن امرأتي لعنها الله حملتنى على إتيان الجمعة اليوم ما جمعت وأنا أشهدكم أنها مني طالق ثلاثا

ودعى أيوب بن القرية لكلام فاحتبس القول عليه فقال قد طال السمر وسقط القمر واشتد المطر فماذا ينتظر فأجابه فتى من عبد القيس فقال قد طال الأرق وسقط الشفق وكثر اللثق فلينطق من نطق


356
وجاء في أمالى السيد المرتضى

روى أن بعض خلفاء بني العباس وأظنه الرشيد صعد المنبر ليخطب فسقطت على وجهه ذبابة فطردها فرجعت فحصر وأرتج عليه فقال أعوذ بالله السميع العليم يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ثم نزل فاستحسن ذلك منه

وروى أن رجلا صعد المنبر أيام يزيد بن معاوية وكان واليا علىقوم فقال لهم أيها الناس إنى إن لم أكن فارسا طبا بهذا القرآن فإن معي من أشعار العرب ما أرجو أن يكون خلفا منه وما أساء القائل أخو البراجم حيث قال

( وما عاجلات الطير يدنين للفتى رشادا ولا من ريثهن يخيب )

( ورب أمور لا تضيرك ضيرة وللقلب من مخشاتهن وجيب )

( ولا خير فيمن لا يوطن نفسه على نائبات الدهر حين تنوب )

( وفي الشك تفريط وفي الحزم قوة ويخطى الفتى في حدسه ويصيب ) فقال رجل من كلب إن هذا المنبر لم ينصب للشعر بل ليحمد الله تعالى


357
ويصلى على النبى واله عليهم الصلاة والسلام وللقرآن فقال أما لو أنشدتكم شعر رجل من كلب لسركم فكتب إلى يزيد بذلك فعزله وقال قد كنت أراك جاهلا أحمق ولم أحسب أن الحمق يبلغ بك إلى هذا المبلغ فقال له أحمق مني من ولاني

وخطب عتاب بن ورقاء فحث على الجهاد فقال هذا كما قال الله تعالى في كتابه

( كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول )

وخطب يوما فقال هذا كما قال الله تبارك وتعالى إنما يتفاضل الناس بأعمالهم وكل ما هو ات قريب قالوا له إن هذا ليس من كتاب الله ما ظننت إلا أنه من كتاب الله

وخطب وكيع بن أبى سود بخراسان فقال إن الله خلق السموات والأرض في ستة أشهر فقيل له إنها ستة أيام فقال وأبيك لقد قلتها وإنى لأستقلها

وصعد المنبر فقال إن ربيعة لم تزل غضابا على الله مذ بعث نبيه من مضر


358
ألا وإن ربيعة قوم كشف فإذا رأيتموهم فاطعنوا الخيل في مناخرها فإن فرسا لم يطعن في منخره إلا كان أشد على فارسه من عدوه

وضربت بنو مازن الحتات بن يزيد المجاشعى فجاءت جماعة منهم فيهم غالب أبو الفرزدق فقال يا قوم كونوا كما قال الله لا يعجز القوم إذا تعاونوا

وخطب عدى بن زياد الإيادى فقال أقول لكم كما قال العبد الصالح لقومه ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد قالوا له ليس هذا من قول عبد صالح إنما هو من قول فرعون قال من قاله فقد أحسن

وروى الطبرى أن عبد الله بن الزبير كان ولى أخاه عبيدة على المدينة ثم نزعه عنها وكان سبب عزله إياه أنه خطب الناس فقال لهم قد رأيتم ما صنع بقوم في ناقة قيمتها خمسمائة درهم فسمي مقوم الناقة وبلغ ذلك ابن الزبير فقال إن هذا لهو التكلف

وروى الجاحظ وابن عبد ربه هذا الخبر فقالا خطب والي اليمامة فقال إن الله لا يقار عباده على المعاصى وقد أهلك الله أمة عظيمة في ناقة ما كانت تساوي مائتي درهم فسمي مقوم ناقة الله


359

وخطب فبيصة وهو خليفة أبيه على خراسان وأتاه كتابه فقال هذا كتاب الأمير وهو والله أهل لأن أطيعه وهو أبي وأكبر مني

ودعي مصعب بن حيان ليخطب في نكاح فحصر فقال لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله فقالت أم الجارية عجل الله موتك ألهذا دعوناك

وخطب أمير المؤمنين الموالى وهكذا لقبه خطبة نكاح فحصر فقال اللهم إنا نحمدك ونستعينك ولا نشرك بك

وخطب قتيبة بن مسلم على منبر خراسان فسقط القضيب من يده فتفاءل له عدوه بالشر واغتم صديقه فعرف ذلك قتيبة فأخذه وقال ليس الأمر على ماظن العدو وخاف الصديق ولكنه كما قال الشاعر

( فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافر )

وتكلم صعصعة عند معاوية فعرق فقال معاوية بهرك القول فقال صعصعة إن الجياد نضاحة بالماء

وشخص يزيد بن عمر بن هبيرة إلى هشام بن عبد الملك فتكلم فقال هشام ما مات من خلف مثل هذا فقال الأبرش الكلبي ليس هناك أما تراه يرشح جبينه لضيق صدره قال يزيد ما لذلك رشح ولكن لجلوسك في هذا الموضع


360

وقال عبيد الله بن زياد نعم الشيء الإمارة لولا قعقعة البريد والتشرف للخطب

وقيل لعبد الملك بن مروان عجل عليك المشيب يا أمير المؤمنين فقال كيف لا يعجل على وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين أو قال شيبنى صعود المنابر والخوف من اللحن


361
بدء الخطب وختامها

قال ابن قتيبة في عيون الأخبار

تتبعت خطب رسول الله فوجدت أوائل أكثرها الحمد لله نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ووجدت في بعضها أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته ووجدت كل خطبة مفتاحها الحمد إلا خطبة العيد فإن مفتاحها التكبير

وروى ابن عبد ربه في العقد قال

وكان آخر كلام أبي بكر الذى إذا تكلم به عرف أنه قد فرغ من خطبته اللهم اجعل خير زماني آخره وخير عملي خواتمه وخير أيامى يوم ألقاك

وكان اخر كلام عمر الذى إذا تكلم به عرف أنه فرغ من خطبته اللهم لا تدعني في غمرة ولا تأخذني على غرة ولا تجعلنى من الغافلين

وكان عبد الملك بن مروان يقول في اخر خطبته اللهم إن ذنوبى قد عظمت وجلت أن تحصي وهى صغيرة في جنب عفوك فاعف عني تم بحمد الله