صابتهم مجاعة فأكلوه فقال بعضهم # ( أكلت حنيفة ربها % زمن التقحم والمجاعة ) # ( لم يحذروا من ربهم % سوء العواقب والتباعة ) +كامل+ # وقال آخر # ( أكلت ربها حنيفة من جوع % قديم بها ومن إعواز ) +خفيف+ # وكان في مشركيهم بقية من دين إسماعيل عليه السلام كالنكاح والختان والمناسك وتعظيم الأشهر الحرم وغير ذلك وأحدثوا أمر الحمس من قريش فكان لا يخرجون من الحرم ولا يقفون مع الناس بعرفات ويقولون نحن آل الله لا نخرج من حرمه وكان الرجل من الغرباء إذا قدم مكة لا يطوف في الثوب الذي قارف فيه الذنب فإن أصاب من ثياب الحمس طاف فيه وإن لم يصب طاف الرجل بالنهار عريانا والمرأة بالليل عريانة وكانت الحمس لا يسلئون السمن ولا يأقطون الأقط ولا يأكلون أنه ابن الله مع اختلاف كثير ويزعم بعضهم أن الاتحاد وقع بين جوهرين لاهوتي وناسوتي وجوهر اللاهوتي بسيط غير منقسم ولا يتجزء ومنهم من يقول أن الاتحاد على جهة حلول الابن في الجسد ومخالطته إياه ومنهم من يقول الاتحاد على جهة الظهور كظهور كتابة الخاتم والنقش إذا وقع على الطين والشمع وكظهور صورة الإنسان في المرآة واعلم أنه لا مذهب أكثر اختلافا في العبارة من النصارى حتى لا يكاد يوجد منهم اثنان على قول واحد ويذكره اللاحقي في قصيدة له # ( وبابن الأب ما دنت % وروح منه قدسي ) # ( ثلاث من أقانيم % بمعنى واحداتي ) # ( ولاهوتية حلت % بإنسان ولادي ) +هزج+ # وليس هذا موضع الرد عليهم ولكن من نظر إلى قولهم في القديم وما يصفونه به من الأعراض الطارية عليه علم فساد مذهبهم واستحالة القديم أن يكون بشيء من تلك الصفات فالملكانية ينسب إلى ملك الروم ويقولون الله اسم لثلاثة لست بأفقر إلى الله عز وجل مني وجعل يقول فيما روى الزهري لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة وجعل المسلمون يرتجزون # ( لئن قعدنا والنبي يعمل % فذاك منا العمل المضلل ) +رجز+ # قالوا وبني المسجد في طول مائة ذراع مربعا أساسه الحجر وجدرانه اللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل ثلاثة أبواب فقيل له ألا تسقفه فقال لا عرش كعرش موسى وتمام الشان أعجل من ذلك فهذا ما كان من أمر المسجد في عهد رسول الله وأمر أن يحصب فمات قبل ذلك فحصبه عمر رضي الله عنه وزاد فيه دار العباس ثم زاد فيه عثمان وجعل سقفه من الساج وحيطانه بالحجارة المنقوشة ثم لما استعمل الوليد بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز على المدينة كتب إليه أن يوسع المسجد ويدخل فيه بيوت أزواج النبي وبعث إليه بفعلة من الروم والقبط وأربعين ألف مثقال من ذهب باس رضي الله عنه أن النبي انتسب فلما بلغ إلى عدنان وقف وقال كذب النسابون وقد روى ابن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عائشة أن النبي قال استقامت نسبة الناس إلى عدنان ويدلك على هذا قول لبيد # ( فإن لم نجد من دون عدنان والدا % ودون معد فلترعك العواذل ) +طويل+ # فولد عدنان عك بن عدنان ومعد بن عدنان فأما عك فأول من تبدى في البادية والعدد في معد فولد معد بن عدنان ثمانية نفر يذكر منهم أربعة قضاعة بن معد وإياد ابن معد ونزار بن معد والعدد في نزار فولد نزار ثلثة نفر ربيعة ومضر وأنمارا فأما أنمار فإنه ولد خثعم وبجيلة فصاروا إلى اليمن فأما مضر فولد إلياس ويقال لولد إلياس خندف ينسبون إلى أمهم وولد إلياس ثلثة نفر مدركه بن إلياس وطابخه بن إلياس وقمعة بن إلياس فأما قمعة فزعم بعض الناس أنهم في اليمن ورجعت خندفها إلى مدركة وطابخة وأما إلياس بو العيص فقالوا ولد أسيدا أبا عتاب بن أسيد أمير مكة وأما هاشم بن عبد مناف فاسمه عمرو وسمي هاشما لأنه هشم الخبز ويقال كثر الخبز بالرحلتين بينهما في الصيف إلى الشام وفي الشتاء إلى اليمن وفيه يقول الشاعر # ( عمرو الذي هشم الثريد لقومه % ورجال مكة مسنتون عجاف ) +كامل+ # وإليه صار السودد بعد عبد مناف وولد هاشم ولدا لم يعقب منهم أحد غير أسيد بن هاشم وعبد المطلب بن هاشم وهلك هاشم بغزة من أرض الشام وكان وافاها في تجارة له ومات المطلب بردمان من أرض اليمن ومات نوفل بسلمان من أرض العراق ومات عبد شمس بمكة وفيه يقول مطرود بن كعب # ( ميت بردمان وميت بسلمان وميت بين غزات ) # ( وميت أسكن اللحد لدى % المحجوب شرقي البنيات ) +سريع+ # فهؤلاء بنو عبد مناف ثم صار الأمر إلى عبد المطلب بن هاشم بعد عمه المطلب بن عبد مناف
فد ماءهم فظمئوا وأيقنوا بالهلاك فانفجرت من تحت خف راحلة عبد المطلب عين من مآء فشربوا منه وعاشوا وقالوا قد والله قضى لك علينا لا نخاصمك فيها أبدا إن الذي سقاك المآء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم فانصرفوا وحفر زمزم فوجد فيها غزالين من ذهب كانت جرهم دفنتهما عند خروجهم من مكة ووجد فيها أسيافا قلعية ودروعا فضرب الغزالين في باب الكعبة وأقام عبد المطلب سقاية زمزم للحجاج وفيه يقول حذيفة بن غانم # ( وساقي الحجيج ثم للخبز هاشم % وعبد مناف ذلكم سيد فهر ) # ( طوى زمزما عند المقام فأصبحت % سقايته فخرا على كل ذي فخر ) +طويل+ # قصة ذبح عبد المطلب ابنه عبد الله أبا رسول الله قالوا وكان عبد المطلب نذر لله عز وجل حيث كان لقي من قريش ما لقي عند حفرة زمزم لئن ولد لي عشرة نفر يمنعونه ممن يريده لينحرن أحدهم لله عز وجل عند الكعبة شكرا له فلما توافى بنوه العشرة جمعهم فأخبرهم بنذره قالوا شأنك وما ناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي فزوجه ابنته آمنة بنت وهب وأم آمنة برة بنت عبد العزى ابن قصي بن كلاب فحملت آمنة بالنبي وهلك أبوه عبد الله بالمدينة والرسول حمل في بطن أمه فرثته آمنة بنت وهب أم رسول الله فيما يروى # ( عفا جانب البطحآء من آل هاشم % وجاور لحدا مدرجا بالغماغم ) # ( دعته المنايا دعوة فأجابها % وما تركت في الناس مثل ابن هاشم ) +طويل+ # في أبيات غيرها قالوا ثم مات وهب بن عبد مناف فرثته ابنته آمنة أم رسول الله # ( إني لباكية وهبا فمعولة % وهب بن عبد مناف سيد الناس ) # ( فقد رزئت كريما غير مؤتشب % ضخم الدسيعة حناسا لحناس ) # ( ماضي العزيمة لا يخشى غوائله % من جوهر من قريش غير أنكاس ) +بسيط+ # في أبيات أخر ثم توفي عبد المطلب ورسول الله ابن ثمان سنين أو أقل # نسب أهل اليمن لا خلاف أنهم من ولد قحطان وإنما الخلاف ولد كهلان بن سبأ زيد بن كهلان فولد زيد بن كهلان ملك بن زيد وأدد بن زيد فولد أدد طي بن أدد والغوث بن أدد ومن طي بنو نبهان الذي يذكره أبو تمام الطائي # ( تنبهت لبني نبهان حين ثوى % يد الزمان فعاثت فيهم وفمه ) +بسيط+ # ويقول في افتخاره بهم # ( لنا جوهر زيدية أددية % إذا نجمت زلت لها الأنجم الزهر ) +طويل+ # ومن طي بنو ثعل الذي يذكره امرؤ القيس # ( رب رام من بني ثعل % مخرج كفيه من ستره ) +مدريد+ # ومن طي بنو سنبس الذين يذكرهم الأعشى # ( فصبحها القانص السنسي % فشلى كلابا بإيسادها ) +متقارب+ # وولد مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ يحابر بن مالك وقر ابن مالك ومربع بن مالك فولد يحابر مذحج وولد مذحج مرادا وجلدا وعنسا وسعد العشيرة وإنما سمي سعد العشيرة النار وفيهم يقول حسان # ( أولاد جفنة عند قبر أبيهم % قبر ابن مارية الكريم المفضل ) # ( يسقون من ورد الرحيق عليهم % بردا يصفق بالرحيق السلسل ) # ( يوتون منهم ما تهر كلابهم % لا يسألون عن السواد المقبل ) # ( بيض الوجوه كريمة أخلاقهم % شم الأنوف من الطراز الأول ) # ( إن التي ناولتني فشربتها % قتلت قتلت فهاتها لم تقتل ) +كامل+ # يزعمون أن عندما أرسل الله عز وجل على أهل سبأ سيل العرم فلما قال عمرو بن عامر في كهانته ومن كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل فكانت الأوس والخزرج وقد قال سويد بن صامت # ( أنا ابن مزيقيا عمرو وجدي % أبوه عامر مآء السمآء ) # وقال المنذر بن حرام جد حسان بن ثابت بن المنذر في الجاهلية العميآء يذكر نسبهم إلى غسان ثم إلى نابت بن مالك ثم إلى نبت بن إسماعيل بن إبراهيم ( وكنا ولاة البيت من بعد نابت % نطوف بباب البيت والخير ظاهر ) # ( فأخرجنا منها المليك بقدرة % كذاك على الباقين تجري المقادر ) # ( وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة % كما عضت الأولى السنون الغوابر ) +الطويل+ # في أبيات أخر ووليت خزاعة البيت ثلاث مائة سنة يتوارثون ذلك كابرا عن كابر حتى كان آخرهم حليل بن حبش الخزاعي وقريش إذ ذاك صريح ولد إسماعيل حلول وصرم وبيوتات متفرقة إلى أن أردك قصي وتزوج بحبى بنت حليل بن حبش وولدت له عبد مناف وعبد العزى وعبدا وكثر ولده وعظم شرفه وهلك حليل بن حبش فرأى قصي أنه أولى بالكعبة من خزاعة فأخذ ما بأيديهم وقصي أول من أصاب ملكا من العرب من قريش بعد ولد إسماعيل وذلك في زمن المنذر بن النعمان على الحيرة والملك بهرام جور في الفرس فقطع قصي مكة
لسنة كما يدل عليه التأريخ ثم ضمه أبو طالب إلى نفسه وأقام عنده أربع سنين فلما بلغ اثنتي عشرة سنة عرض لأبي طالب الخروج إلى الشأم في تجارة فخرج بالنبي صبابة به ورقة قالوا حتى إذا كانوا ببصرى أشرف عليهم راهب يقال له بحيرا فرأى علامة من علامات النبوة فاتخذ طعاما ودعا الركب إليه فحضروه وخلفوا النبي في رحالهم لحداثة سنه فقال بحيرا لا يتخلفن أحد عن طعامي فدعوه فلما أبصره بحيرا توسم فيه مخائل النبوة وعرف دلائلها فاحتضنه وضمه إلى نفسه وقال لأبي طالب من هذا الغلام منك قال هو ابني قال ما ينبغي له أن يعيش أبوه قال ابن أخي قال ارجع بابن أخيك واحذر عليه من اليهود فإنه كائن لابن أخيك شأن عظيم فقضى أبو طالب تجارته وأسرع به إلى مكة وفيه يقول # ( ألم يكن لقريش آية عجب % فيما يقول بحيرآء وعداس ) +بسيط+ # قالوا فشب رسول الله شبابا حسنا يكلؤه الله عز وجل ويحوطه من أقذار الجاهلية لما يريد به من كرامته حتى كان اسمه في قومه الصدوق الأمين فلما بلغ عشرين سنة هاجت حرب ستحيى فآمنت به وصدقته وكثير من الناس يقولون أن أول الناس إيمانا بالنبي خديجة وروينا عن أبي رافع أنه قال صلى رسول الله غداة يوم الاثنين وصلت خديجة في آخر ذلك اليوم قالوا ونزلت في هذه القصة ( ^ ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) قال ورقة بن نوفل فيما روى ابن إسحاق عنه # ( لججت وكنت في الذكرى لجوجا % لهم طالما بعث النشيجا ) # ( ووصف من خديجة بعد وصف % فقد طال انتظاري يا خديجا ) # ( بما خبرتنا من قول قس % من الرهبان أكره أن يعوجا ) # ( بأن محمد سيسود يوما % ويخصم من يكون له حجيجا ) # ( فيا ليتى إذا ما كان ذاكم % شهدت فكنت أولهم ولوجا ) # ( ولوجا في الذي كرهت قريش % ولو عجت بمكتها عجيجا ) # ( فإن تبقوا وأبق يكن أمور % يضج الكافرون لها ضجيجا ) # ( وإن أهلك فكل فتى سيلقى % من الأقدار متلفة خروجا ) +وافر+ # قال الزهري فهلك ورقة بن نوفل قبل الوحي وقبل إظهار النبي الدعوة والله أعلم بصدقه ابن أبي كبشة يذكر آلهتنا بخير وبلغ الخبر عثمان بن عفان ومن معه بأن قريشا قد أسلموا فأقبلوا راجعين فلما دنوا من مكة أخبروا أن ذلك باطلا فلم يدخل منهم مكة أحد إلا مستخفيا أو بجواز فاشتد الأمر وأطبق البلاء بالمسلمين فأمرهم النبي بالخروج ثانيا إلى الحبشة # ذكر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة قالوا فخرجوا وأميرهم جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة ثلاثة وثمانين رجلا فقال عبد الله بن الحارث بن قيس يذكر لهم ما فيه من الأمن والدعة # ( يا راكبا بلغن عني مغلغلة % من كان يرجو بلاغ الله والدين ) # ( كل امرئ من عباد الله مضطهد % ببطن مكة مقهور ومفتون ) # ( إنا وجدنا بلاد الله واسعة % تنجي من الذل والمخزاة والهون ) # ( فلا تقيموا على ذل الحياة ولا % خزي الممات وعيب غير مأمون ) +بسيط+ # وخرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه حتى بلغ برك الغماد فلقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال إلى أين يا أبا بكر قال أخرجني قومي فأسيح ن خروجه إلى مرجعه خمسة وعشرين يوما ويقال شهرا وفيه يقول حسان بن ثابت # ( فلو كان مسجد يخلد اليوم واحدا % من الناس أبقى مجده اليوم مطعما ) # ( أجرت رسول الله فيهم فأصبحوا % عبيدك ما لبى ملب وأحرما ) +طويل+ # قصة الجن الثانية قالوا ولما انصرف النفر من نصيبين إلى قومهم وأنذروهم جاءت جماعة منهم زهاء ثلثمائة رجل وخرج رسول الله إلى الحجون فقرأ عليهم ودعاهم إلى الله عز وجل فآمنوا به وصدقوه ثم صلى بهم وقرأ في الصلاة تبارك الملك وسورة الجن وهي فسمي ليلة الجن ثم هاجت الأزمة وهي الجوع فدعا النبي عليهم حتى أكلوا العلهز والقد والعظام المحرقة والكلاب الميتة وحتى كان الرجل يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان فجاءه أبو سفيان بن حرب وقال يا محمد جئت بصلة الرحم وقومك قد هلكوا فادع الله لهم فلما دخلت سنة إحدى عشرة من النبوة دعا رسول الله فكشف عنهم بقول الله عز وجل ( ^ إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون ) ثم كان انشقاق القمر بقول الله عز وجل ( ^ اقتربت قام خطيبهم فقال إن هذا الرجل قد كان من أمره ما كان وإنا لا نأمنه على الوثوب بنا فاجمعوا فيه رأيا فقال قائل منهم أرى أن تقتلوه بحديد أو أن تغلقوا عليه الباب حتى يموت فقال إبليس ما هذا برأي لأنكم لو فعلتم ذلك لأوشك أن ينزعه أصحابه من أيديكم فقال آخر أرى أن تربطوه على ظهر راحلة ثم اضربوا وجهها تهيم في الأرض حيث شاءت فقال إبليس ما هذا برأي ألم تروا إلى حسن لفظه وحلاوة منطقه ولا يحل بحي ولا بلد إلا سحرهم بكلامه فقال أبو جهل أرى أن نجمع من كل قبيلة منا فتى شبيبا نشيطا ثم نعطي كل واحد منهم سيفا صقيلا فيعمدون إليه ويضربونه ضربة رجل واحد ويفرقون دمه في القبائل فلا يقدر بنو عبد مناف على الإقادة بجميع الناس فقال إبليس هذا الرأي وقد حكي في ذلك شعر ومنه من ينسبه إلى إبليس # ( الرأي رأيان رأي ليس يعرفه % غاو ورأي كحد السيف معروف ) # ( يكون أوله بشرى لآخره % حقا وآخره مجد وتشريف ) +بسيط+
بي حقا قال ابن إسحاق حدثني حميد الطويل عن أنس أن أصحاب رسول الله قالوا يا رسول الله تنادي قوما قد حتفوا فقال ما أنتم بأسمع ما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا وفيه يقول حسان # ( يناديهم رسول الله لما % قذفناهم كباكب في القليب ) # ( فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا % صدقت وكنت ذا رأي مصيب ) +وافر+ # ومر رسول الله في العسكر وكر راجعا إلى المدينة فلما خرج من مضيق الصفراء قسم هناك النفل وقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث من بين الأسارى وقدم المدينة واستشار أصحابه في الأسارى فقال أبو بكر أهلك وعشيرتك وبنو أبيك أبق عليهم واستأن بهم وقال عمر بل انظروا واديا ملتفا أشبا فاضرمه عليهم فقال العباس قطعت رحمك يا ابن الخطاب ثم فاداهم وكان الفداء أربعين أوقية ذهبا وألزم العباس فدائين وقيل له افد ابن أخيك عقيلا فقال تركتني يا محمد أسأل الناس ما عشت قال ما فعلت الدنانير التي دفعتها ( لقد عشت دهرا وما إن أرى % من الناس دارا ولا مجمعا ) # ( أبر عهودا وأوفى لمن % تعاقد فيهم إذا ما رعى ) # ( من أولاد قيلة في جمعهم % تهدى الخيال ولن أخضعا ) # ( فصدعهم راكب جاءهم % حرام حلال لشيء معا ) # ( فلو أن بالعز صدقتم % أو الملك بايعتم إن معا ) +متقارب+ # قال النبي من لي بهذا الخبيث فخرج سالم بن عمير أحد البكائين فقتله على فراشه وكان قد بلغ من السن مائة وعشرين سنة وفيه يقول # ( حباك حنيف آخر الليل طعنة % أبا عفك خذها على كبر السن ) +طويل+ # غزوة يهود بني قينقاع في شوال وذلك أنه لما قدم الرسول إلى المدينة وادع اليهود وعاهدهم فكان هؤلاء أولهم نقضا وهاجروا بالعداوة وقالوا يا معشر المسلمين لا يغركم إنكم لقيتم قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبتم منهم إنكم لو خاصمتمونا لعلمتم أننا رجال الحرب فسار إليهم رسول الله وحاصرهم في ديارهم حتى نزلوا في حكمه فهم بضرب أعناقهم فقام عبد الله بن أبي وكانوا حلفاؤه فقال أربع مائة قتله وأصاب العدو من المسلمين وكان يوم بلاء وتمحيص وانثالوا على رسول الله ودث بالحجارة حتى وقع لشقه وشج وجهه وكلمت شفتيه وكسرت رباعيته ودخلت حلقة من الدرع في وجهه ووقع حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر الفاسق وكان مظاهر درعين وصرخ صارخ من أعلى الجبل ألا أن محمدا قد قتل فانهزم المسلمون وأخذ علي وطلحة بيد رسول الله فانتاشاه من الحفرة وأكب أبو دجانة عليه بنفسه يقيه النبل وروي أن نشابة أصابت إصبعه فقال # ( هل أنت إلا إصبع دميت % وفي سبيل الله ما لقيت ) +كامل+ # وقال من رجل يشري لنا نفسه فقام زياد بن السكن في نفر من الأنصار فقاتلوا دونه رجلا رجلا حتى قتلوا عن آخرهم ثم فاءت فيه المسلمون فكشفوهم عن رسول الله وهو يناول السهم سعد بن أبي وقاص وقال ارم فداك ( نحن جزيناكم بيوم بدر % والحرب بعد الحرب ذات السعر ) # ( ما كان من عتبة لي من مضر % ولا أخيه لا ولا من صهر ) # ( شفيت نفسي وقضيت نذري % فشكر وحشي على عمر ) # ( حتى ترم أعظمي في قبري % ) +رجز+ # فأجابتها هند بنت أثاثة بن عبد المطلب # ( جزيت في بدر وبعد بدر % يا ابنت وقاع عظيم الكفر ) # في أبيات وفيها يقول حسان بن ثابت # ( لعن الإلاه وزوجها معها % هند الهنود طويلة البظر ) +كامل+ # ثم صرخ أبو سفيان أنعمت وقال إنما الحرب سجال يوم بيوم أعل تعل فقال النبي لعمر بن الخطاب أجبه فقال الله أعلى وأجل لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار فقال أبو سفيان أنشدك الله يا عمر هل قتل محمد قال لا والله ليسمع قال أنه قد كانت هناة ما أمرت بها ولا رضيت وإن موعدكم بدر فقال النبي لعمر قل إن شاء الله وألقى في قلوبهم الرعب ( حين ألقت بقباء بركها % واستحر القتل في عبد الأشل ) # ( ثم خفوا عند ذاكم رقصا % رقص الحفان تعلوا في الجبل ) # ( فقتلنا الضعف من أشرافهم % وعدلنا مثل بدر واعتدل ) +رمل+ # فأجابه حسان بن ثابت في قصيدة طويلة # ( ذهبت يا بن الزبعري وقعة % كان منا الفضل فيها لو عدل ) # ( ولقد نلتم ونلنا منكم % وكذاك الحرب أحيانا دول ) # ( نضع السيف أكتافكم % حيث نهوى عللا بعد نهل ) # ( نخرج الأصج من أستاهكم % كسلاح النيب يأكلن العضل ) # ( إذ شددنا شدة صادقة % فأجأناكم إلى سفل الجبل ) # ( وتركنا في قريش عورة % يوم بدر وأحاديث المثل ) # قالوا في هذه السنة ولد الحسن بن علي وعلقت فاطمة بالحسين وتزوج النبي زينب بنت خزيمة أم المساكين وزوج ابنته كلثوم من عثمان بن عفان ثم دخلت سنة أربع من
خرج النبي للميعاد وخرج أبو سفيان حتى بلغ عسفان ثم ألقى في قلبه الرعب وانصرف وفيه يقول عبد الله بن رواحة # ( وعدنا أبا سفيان وعدا ولم نجد % لميعاده صدقا ولا كان وافيا ) +طويل+ # وفي هذه السنة تزوج النبي أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة وفيها مات عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنت رسول الله وله سنتان وفيها ولدت فاطمة الحسين صلى الله عليه ثم دخلت سنة خمس من الهجرة وهي سنة الزلازل فيها غزا رسول الله دومة الجندل وهي من حد الروم وذلك أن التجار والسابلة شكوا أكيدر الكندي عامل هرقل عليها فسار إليها في ألف رجل يسير الليل ويكمن النهار وأحس بذلك أكيدر فهرب واحتمل الرحل وخلى السوق وتفرق أهلها فلم يجد رسول الله أحدا فرجع # ثم كانت غزاة بني المصطلق سار إليهم رسول الله فوجدهم على ماء يقال له المريسع فقاتلهم وسباهم وكان عليهم يومئذ الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية زوجة النبي وفي غزاة المصطلق كان حديث الإفك قالوا وكانت عائشة مع رسول الله اقتحمت فوارس الخندق منهم عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب بن مرداس فخرج إليهم علي في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا الخيل منها وبارز علي عمرا فقال له عمرو وكان من مشهوري فرسان العرب ما أحب أن أقتلك يا ابن أخي قال أنا أحب أن أقتلك فحمى عمرو واحتدم ونزل عن فرسه فعقره ثم أقبل على علي فتنازلا وتطاردا وتجادلا واختلف بينهما ضربتان فأصابته ضربة علي فقتلته فخرجوا منهزما من الخندق وفي ذلك يقول علي فيما روي عنه # ( نصر الحجارة من سفاهة رأيه % ونصرت رب محمد بصواب ) # ( فصددت حين تركته متجدلا % كالجذع بين دكادك وروابي ) # ( وعففت عن أثوابه ولو أنني % كنت المقطر بزنى أثوابي ) +كامل+ # ورمي سعد بن معاذ يومئذ فقطع منه الأكحل فقال اللهم إن كنت أبقيت من حرب شيئا فأبقني وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من رية بشر بن سويد الجهني إلى بني الحارث واعتصموا فأضرمها عليهم حتى احترقوا ثم سرية كرز بن جابر الفهري في إثر العرنيين وذلك أنهم لما قدموا إلى المدينة اجتووها فأمر بهم النبي إلى إبل الصدقة فشربوا من ألبانها حتى صحوا وانطوت بطونهم ثم وثبوا على الراعي فقتلوه وغرزوا الشوك في عينيه واستاقوا الإبل فبعث إليهم في إثرهم كرز بن جابر فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرة حتى ماتوا وقد قيل أن فيهم نزلت ( ^ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ) الآية ثم غزا رسول الله ذا قرد وذلك أن عيينة بن حصن بن بدر الفزاري أغار على لقاح رسول الله فخرج في إثره وقاتل قتالا شديدا واستنقذ بعض اللقاح وفيه يقول حسان # ( أظن عيينة أن زارها % بأن سوف يهدم منها قصورا ) # ( فعفت المدينة أن زرتها % وألقيت للأسد فيها زئيرا ) # ( أمير علينا رسول المليك % أحبب بذاك إلينا أميرا ) +متقارب+ قاتل حتى فتح الله على يده قال سلمة بن الأكوع فلقد رأيتني في سبعة نفر نجتهد أن نقلب ذلك الباب فما نقدر أن نقلبه هذه الرواية الصحيحة فأما ما يقوله القصاص فلا نعرفه وبخيبر أهدت امرأة سلام بن مشكم الشاة المشوية إلى النبي وبها قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة في من معه من المسلمين وفيه يقول حسان # ( بئس ما قاتلت خيابر عما % جمعت من مزارع ونخيل ) # ( كرهوا الحرب فاستبيح حماهم % وأقروا فعل اللئيم الذليل ) +خفيف+ # وذلك قول الله تعالى ( ^ فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ) ثم غزا رسول الله وادي القرى بعد منصرفه من خيبر ويقال قايل فيئها ثم بعث سرية عمر بن الخطاب إلى تربة فرجع ولم يلق كيدا ثم بعث سرية غالب بن حثون عليهم التراب ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله فقال رسول الله ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله وفيه يقول حسان # ( فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا % بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر ) # ( وزيد وعبد الله هم خير عصبة % تواصوا وأسباب المنية تخطر ) +طويل+ # ثم بعث سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من ناحية الشأم فكتب إلى النبي يستمده فبعث إليه بسرية أميرها أبو عبيدة بن الجراح وفيها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فأصابوا شيئا كثيرا ثم سرية الخبط وأميرها أبو عبيدة إلى سيف البحر فجعلوا يختبطون لما أرملوا فأخرج الله لهم دابة أصابوا من لحمها وودكها شيئا حتى سمنوا وغلظوا ثم سرية أبي قتادة إلى خضيرة من أرض الشأم فلم يلق كيدا # فتح مكة في شهر رمضان وذلك أن خزاعة كانت دخلت في عقد النبي يوم الحديبية وبنو بكر في عقد قريش فعدت
اري فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن فتفرق الناس وأخذت بلحيته هند بنت عتبة وقالت بئس الشيخ والله اقتلوه هلا مت كريما ودخل رسول الله في عشر سرايا كل سرية ألف رجل وهو في كتيبة خضراء من المهاجرين والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق فأتى المسجد فطاف وحول الكعبة أصنام فجعل يشير إليها بقضيب في يده وهو يقول ( ^ جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) وهي تخر لوجهها وفيه يقول بعضهم # ( وفي الأصنام معتبر وعلم % لمن يرجو الثواب والعقابا ) +وافر+ # وأقام بمكة خمسة عشر يوما يقصر الصلاة ثم خرج إلى حنين # ذكر غزوة حنين خرج رسول الله من مكة إلى هوازن وثقيف والطائف وقائدهم مالك بن عوف قد جمعوا أحابيشهم ولفهم وساقوا نعمهم ونساءهم التماس الحفيظة وأخرجوا معهم دريد بن الصمة في شجار وهو شيخ كبير ليس فيه شيء غير التيمن برأيه فلما بلغوا أوطاس قال دريد نعم مجال الخيل تة آلاف رأس ومن النعم والأموال ما لا يحصى وفيه يقول العباس بن مرداس السلمي # ( ونحن يوم حنين كان مشهدنا % للدين عزا وعند الله مدخر ) # ( وقد ضربنا بأوطاس أسنتنا % والله ينصر من يهدي وينتصر ) +بسيط+ # وسار رسول الله من حنين إلى الطائف قال فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة ورماهم بالمنجنيق ثم زحف نفر من أصحابه تحت الدبابة فأرسلوا عليهم الحديدة المحماة فأحرقوهم وقال النبي لأبي بكر رأيت أني أهديت إلي قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك فهراقت فقال أبو بكر رضي الله عنه ما أظن أن تدرك هذه قال وأنا وارتحل من ساعته حتى نزل الجعرانة فأتاه وفد هوازن وفيهم ظئره حليمة بنت ذؤيب فقالوا يا رسول الله إنما في الحصار عماتك وخالاتك وحواضنك فامنن علينا من الله عليك فقال أولادكم ونساءكم أحب إليكم أم أموالكم قالوا أولادنا ونساءنا قال أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وإذا صليت فتقدموا وقولوا إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين في أبنائنا ه قول الناس فقال أما ترضى يابا الحسن أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فرضي علي ورجع وسار النبي حتى أتى تبوك وقد تفرقت جموع هرقل فلم يلق كيدا وبعث من تبوك خالد بن الوليد إلى دومة الجندل # سرية خالد بن الوليد إلى أكيدر صاحب دومة الجندل من تبوك وقد قال له النبي تجده يصيد البقر فأتاه خالد في ليلة مقمرة وهو على سطح فجاءت البقر تحك بقرونها باب القصر فخرج في فرسان وتلقاهم فأسروه وأتى به النبي فحقن دمه وصالحه على الجزية وخلى سبيله وفيه قال # ( تبارك سائق البقرات أني % رأيت الله يهدي كل هاد ) # ( فمن يك حائدا عن ذي تبوك % فإنا قد أمرنا بالجهاد ) +وافر+ # وفي هذه السنة نزلت سورة براءة فبعث أبا بكر أميرا على الحاج وأتبعه بعلي بن أبي طالب مع تسع آيات من سورة براءة وأمره بأن يقرأها على الناس ويؤذنهم بنقض العهد وقطع الذمة فانصرف
1 4 1
الفصل الثاني عشر في ذكر أديان أهل الأرض ونحلهم ومذاهبهم وأرائهم من أهل الكتاب وغيرهم
اعلم أن اختلاف الناس في مذاهبهم واعتقاداتهم كفاء اختلافهم في أخلاقهم وهممهم وإرادتهم وألوانهم وألسنتهم فكما لا تجد اثنين على صورة واحدة وصيغة واحدة وهمة واحدة إلا في الشاذ النادر فكذلك في وجود اثنين على رأي واحد وخاطر واحد وإن كان الدين الواحد يجمع عالما من الخلق فإن الآراء يتوزعهم والهمم تتشعب بهم اللهم إلا الطوائف المقلدة فإن إجماعهم على على يزعمون دعوى لا حقيقة له عند 2 التفتيش فليذكر الآن ما بلغنا من ديانات أهل الأرض على سبيل الإيجاز والاختصار ونقول وبالله التوفيق أن لا يخلو الإنسان العاقل من اعتقاد حق أو باطل أو الوقوف موقف الشك ولا يجوز أن لا يوجد لمميز إحدى الحالات التي ذكرنا إلا أن يكون ناقص العقل عن الاعتقاد والشك فلا يجوز أن يعد من جملة المخاطبين ولا يجوز بقاء الشك لأن الشك من الجهل بالشيء وتكافؤ العلل فيه بتحقيق شيء أو إبطاله كما لا يجوز قيام الأدلة على وجود شيء وعدمه في حالة واحدة ووقت واحد وبورود العلم بالشيء وزوال الجهل عنه فيحصل المشكوك فيه إما معلوما أو مجهولا وقد بطلت منزلة الشك والسلام فالناس إذا لا يخلون من اعتقاد ديانة ما أو تعطيل في الجملة
ذكر المعطلة ولهم أسماء أخرى يقال لهم الملاحدة والدهرية والزنادقة والمهملة وهم أقل الناس عددا وأفيلهم رأيا وأشرهم حالا وأوضعهم منزلة يقولون بقدم أعيان العالم والأجسام وتولد النبات والحيوان من الطبائع باختلاف الأزمنة ورجوعها إلى أصولها ولا صانع لها ولا خالق ولا مدبر ولا محي ولا مميت ولا معاقب ولا مثيب ولا حافظ ولا حسيب فلا يرون 3 السعي إلا فيما يعود بصلاح أجسامهم وقوة نفوسهم في أعطائها مناها من الملاذ والشهوات والملاهي من غير مراقبة أحد ولا إيثار تجمل ولا الكف عن تعاطي محظور تاقت النفس إليه ولا مشكور صانع فيما صنع إليه ولم يفتعل على غيره أو يكف مساءته أو يغيث ملهوفا أو ينصر مظلوما أو يراعي حقا أو يؤدي فرضا أو ينجز وعدا أو يفي بعهد أو يرحم ذا ضفف أو يستعمل الإنسانية أو يتكلف التجمل في شيء سرا وعلانية من لا يرى لنفسه صانعا ولأفعاله مراقبا ولا له على إحسانه وإساءته مثيبا ولا معاقبا ولا بعد الموت والبلى نشورا وحياة وما الذي يمنع من هذا نحلته وعقيدته من ركوب الفواحش وإتيان المآثم وانتهاك المحارم والإشراف في المظالم والتهور في الفساد والخوض في الباطل وقلة المبالاة بموجب العقل والإعراض عن اللوازم والاستحقاق بملتزمي الشرائع ومن لا يعد على حرمه ولم يغتظ ممن يترخص في مثل عمله ولم يحقد على من يمسه من نفسه أو ماله أو أهله وهو أسوته في نحلته وعقيدته وما معنى استعمال العقل وتجرع مرارة النفس من غير باطل ولا عائد وهل يجوز توهم 4 بقاء الخلق وقوام العيش مع هذه العقيدة وكفاك بها سبة وفضيحة ومتى كان لهذه الفرقة في الأرض مجمع ومشهد وهل شاع لهم دين أو مذهب وأهل الأرض مع اختلافهم في الأديان والملل مجمعون على تنقض هذا الرأي والإزرآء به الغض منه ومحق رايته وإتلاف مستحليه وقد مضى من الحجج عليهم في الفصل الثاني من الكتاب ما يوقع اليقين ويدحض الشك ويكشف عنه عواره ولله الحمد والمنة على ذلك فإن احتمى أحدهم عند ذكر هذه الفضائح واستنكف من التصاقها به فالتجأ إلى أن العقل كاف في تحسين الحسن وتقبيح القبيح قيل أنت تملك أو هو يملكك فإن زعم أن عقله مالكه فقد أقر بأمر ناه له وضويق في المعارضة والسؤال فإنه لا بد أن يشير إليه بالربوبية أو تنقض قوله زعم أنه مالك عقله قيل فاصرفه إلى استحسان القبيح واستقباح الحسن إذا كنت مالكا له فإن زعم هذا غير جائز لأنه لم يصلح 5 للضد كالآلة المهيأة لإصلاح شيء لا تصلح لفساده قيل أهو جعل نفسه كذلك أم جعل فإن زعم أنه جعل نفسه كذلك فقد وصفه بالقدرة والعلم والإرادة والاختيار وعاد إلى تصحيح قوله أن العقل هو الباري وإن زعم أنه جعل كذلك فقد أقر بصانع له وبطل قوله وإن أنكر العقل خرج من جملة أهل الخطاب والتمييز ووجب تقويمه فيما يقوم به البهائم الصامتة وإن أنكر النظر دخل في مذهب السوفسطائية وكيف ما دار اتجهت عليه حجة الله الدامغة واضطرته إلى الإقرار به بقول الله عز وجل (
فلله الحجة البالغة ) ويقول (
أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) وقال تعالى (
أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ) وقال تعالى (
من يعمل سوأ يجز به ) وقال (
جزاء وفاقا ) وأصل التعطيل إنكار الخالق والرسول والثواب والعقاب اعتقادا لا إقرارا منهم اختاروا في دفع عادية الناس عنهم فاثبتوا الثواب والعقاب التناسخ في السعادة والشقاوة اللتين عندهم الجنة والنار في هذا العالم إذ لا دار عندهم غيرها ولا هي فانية ولا منقضية ويدلك على موضع تمويههم في هذا الناموس أنهم إذا لم يكن لهم خالق قديم ولا صانع مدبر حكيم فمن الذي ينسخ نفوسهم وأرواحهم 6 ويسعد المحسن ويشقى المسيء منهم وقط ما انتشروا في أمة من الأمم ولا أقروا في وقت من الأوقات انتشارهم في هذه الأمة لإعطائهم الإقرار بالديانة ظاهرا وحقن الشريعة دم من أجاب إليها وهم هؤلاء الباطنية الباطلية الذين تخلعوا عن الأديان وأمرجوا نفوسهم في ميادين الشهوات فمطوا عند الظلمة بترخيصهم لهم في ارتكاب ما يهوون وتهوينهم عليهم عواقب ما يحذرون حتى ترى المظالم قد فشت والقلوب قد قست والمنكرات ظهرت والفواحش كثرت وارتفعت الأمانة وغلبت الخيانة وعطلت المروءة واستخف بالربانيين واهتضم المستضعفون وأميت العدل وأحيي الجور فظهر ما لم يذكر في عهد ملك من الملوك في قديم الدهر وحديثه ولا في زمن نبي من الأنبياء عليهم السلام ولولا فضل الله عز وجل على هذه الفرقة المسترذلة المحقورة ببقايا من العوام متمسكين بأديانهم لاصطلمهم أشكالهم وأشباههم واجتاحهم أولياءهم وأصحابهم الذين وقفوا على غور كلامهم وأحاطوا بحقيقة مذهبهم ولا بد أنه تارك بهم ما يقدرونه في غيرهم لوعد الله تبارك وتعالى (
وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) وأنا واصف بعض مذاهبهم وواكل بعده 7 ذا العقل والمروءة ومن هو راجع إلى نفس وحسب إلى اختياره كما قال الله تبارك وتعالى (
وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) اعلموا رحمكم الله أنهم قوم يبيحون ما حظرته الأديان ويتأولون ما جاءت به الشرائع من الأحكام إلى الرخص والتجوز فيما يتمنون ويشتهون ويستحلون المحارم كلها من الزنا واللواطة والغصب والسرقة والقتل والجرح والكذب والغيبة والنميمة والبهتان والوقيعة وشهادة الزور وقول الإفك ورمي المحصن والسعاية والغمر والسخرية والطنز والإستهزاء والبطر والكبر والخيلاء والظلم والعقوق والميل والغدر والخلاف ونقض العهد وإخلاف الوعد وأشباه ذلك من الرذائل المحظورة في العقل والمحارم المزجور عنها في الشرع لا يعرفون معرفة الحق ولا محافظة على ذمام ولا تنظفا من نجاسة ولا حياء من خساسة الملوك عندهم أرباب والعتاة 8 شياطين والضعفى والمبتلون أهل النار وأصحابهم عندهم الجن وسائر الناس البهائم لا يرحمون مسترحما ولا يغيثون مستغيثا ولا ينهون عن الاطلاع على حرم الناس ولا يأنفون من اطلاع الناس على حرمهم ولا يمتنعون من مواقعة من أمكنهم من الذكور والإناث ولا يتحاشون من مواقعة من واقعهم أو واقع حرمهم ولا يعيبون القيادة والدياثة والاكتفاء والمبادلة ولا يرون النهي عن كل ما اشتاقت إليه النفس جمعوا رخص النحل كلها وزادوا عليها الدياثة والكشخ فأخذوا من المجوس بقولهم في نكاح البنات والأمهات ومن الخرمية في التراضي بالأمهات والأزواج ومن الهند بإباحة الزنا والسفاح ومن الخناقين بقتل من خالفهم فلا حياهم الله من قوم ولا حيا مذهبهم من مذهب وقد ينكرون ما ذكرنا إذا بدهوا به جهارا ولكن إذا اجتررتهم في الكلام إلى الأول الذي هو العقل والثاني الذي هو النفس الأساسين والأصلين اللذين هما الأركان صح لك كله وإن كانوا له منكرين في الظاهر ولم يمتنعوا عنه وليس لهم خالق مثيب 9 معاقب لو تسكت عنهم وبلوتهم ليظهر لك الامتحان جميع ذلك إما قولا وإما فعلا وإما إجازة لأن كل ذي دين عندهم معذور والله أعلم ذكر أديان البراهمة أعلم أن لكل قوم دينا وأدبا وشريعة ففي الدين بقاءهم وصلاحهم وفي الأدب زيهم وشرفهم وفي الشريعة رسومهم ومعاملاتهم وقد ذكر قوم أن في الهند تسع مائة ملة مختلفة وأن الذي عرف منها تسعة وتسعون ضربا يجمع ذلك اثنان وأربعون مذهبا مدارها على أربعة أوجه ثم يرجع إلى اسمين البراهمة والسمنية فالسمنية هي التي معطلة والبراهمة ثلاثة أصناف صنف منهم يقولون بالتوحيد 10 والثواب والعقاب ويبطلون الرسالة وصنف يقولون بالثواب والعقاب على التناسخ ويبطلون التوحيد والرسالة هذا جملة دينهم فأما آدابهم وأخلاقهم ففيهم الحساب والنجوم والطب واللهو والمعازف والرقص والخفة والشجاعة والشعبذة وعمل النيرنجات وعلم الحروب ويدعون صفاء الفكر ونفاذ الوهم والأخذ بالعيون وإظهار التخييلات والرقا والإتيان بالمطر والبرد وحبسه وتحويله من مكان إلى مكان ويدعون حفظ الصحة ومنع الشيب والزيادة في القوة والذهن ورجوع الموتى إليهم وأما شرائعهم فمختلفة لاتساع بلادهم وتفاوت أقطارهم واختلاف الدين يوجب اختلاف الشرائع فالذي بلغنا أن إيمانهم في 11 حديدة يحمونها حتى إذا بلغت غايتها في الحمى والحمرة أمروا المنكر أن يلحسها قالوا فإن كان كاذبا مبطلا احترق لسانه وإن كان صادقا محقا لم يضره ومنهم فرقة يغلون الزيت في برمة من حديد ويقذفون فيها حديدة ويأمرون المنكر أن يدخل يده فيستخرج الحديدة قالوا وإن كان كاذبا احترقت يده وإن كان صادقا لم يضره وعقوبة السارق والقاطع وسابي ذراريهم إذا ظفروا بهم أن يحرقوا بالنار ومنهم من يصلبهم وصلبهم أن يحد رأس الخشبة ثم يسلكه في مقعد 12 المصلوب والمسلمون عندهم نجس لا يمسونهم ولا يمسون ما يمسونه ولحم البقر عندهم حرام وحرمة البقر عندهم كحرمة أمهاتهم وجزاء من ذبح بقرة القتل لا يعفى عنه والزنا حلال عندهم للعزاب لئلا ينتقص النسل ويتعاقب المحصن منهم إذا زنا ومن ارتد منهم إذا سباه المسلمون لم يقتلوه حتى يزكوه ويطهروه أن تحلق كل شعرة عليه من رأسه وجلده ثم يجمع أبوال البقر وأخثاءها وسمنها ولبنها فيسقى منها أياما ثم يذهب به إلى البقرة فيسجد لها ولا ينكحون في الأقارب بتة وعقوبة اللواطة عندهم القتل وشرب الخمر عند البراهمة حرام وكذلك ذبيحة أهل ملتهم ولكل قوم منهم ملة وشريعة يتعاملون عليها ويتعايشون بها
ذكر مللهم وأهوائهم زعمت الموحدة من البراهمة أن الله عز وجل بعث إليهم ملكا من الملائكة بالرسالة في صورة بشر اسمه 13 ناشد له أربع أيد في إحدى يديه سيف وفي الأخرى شكة الدرع وفي الثالثة سلاح يقال له شكرته على هيأة حلقة وفي الرابعة وهق وهو راكب على العنقاء وله اثنا عشر رأسا رأس إنسان ورأس فرس ورأس أسد ورأس ثور ورأس نسر ورأس فيل ورأس خنزير حتى عدوها قالوا أمرنا بتعظيم النار التي عظمها الله عز وجل بالسناء والرفعة وألبسها الضياء والبهاء والنور وجعلها سببا لمنافع الدنيا ونهانا عن القتل وشرب الخمر وأباح لنا الزنا وأمر بعبادة البقر وأن نتخذ صنما على مثاله نعبده وأمرنا أن لا نجوز نهر كنك فإنه لا دين لمن جاوزه من البراهمة وأن الدين حسب لمن قبله ولذريته من بعده ولا يجوز لمن لم يكن منهم الدخول في دينه واسم هذه الفرقة الناشدية ومنهم البهابوذية زعموا أن رسولهم ملك يقال له بهابوذ أتاهم في صورة بشر وهو راكب على ثور وعلى رأسه إكليل من عظام الموتى متقلد بقلادة من أقحاف الرؤوس وفي إحدى 14 يديه قحف وفي الأخرى مزراق ذو ثلاث شعب مستظل بظلال من ذنب الطاؤوس فأمرهم بعبادة الله عز وجل وأن يتخذوا على مثاله صنما يعبدونه فيكون وسيلتهم إليه وأن لا يعافوا شيئا من الأشياء فإن الأشياء كلها من صنع الله عز وجل ومنهم الكابالية يزعمون أن رسولهم ملك يقال له شيب أتاهم في صورة بشر على رأسه قلنسوة من لبد مخبط عليها صفائح من أقحاف رءوس الناس فأمرهم أن يتخذوا صنما على مثال ذكر الإنسان ويعظموه ويعبدوه فإن الذكر سبب النسل في العالم ومنهم الدامانية والداونية هؤلاء الذين يقرون مع التوحيد بالرسالة فأما الذين يثبتون الخالق وينفون الرسل فأصناف منهم الرشتية وهم أصحاب الفكر الذين يعطلون حواسهم بطول فكرهم ويزعمون أنهم إذا أخذوا أنفسهم بشدة التبرؤ والتخلي تجلت لهم الملائكة ويلطفونهم واستفادوا منهم وهؤلاء لا يأكلون الألبان واللحمان وما مسته النار غير النبات والثمار مغمضة عيونهم عامة دهرهم ملحة أفكارهم 15 يزعمون أنهم يدركون بها ما يريدون من مطر ورياح وقتل ونزول طير وإجابة دعوة ومنهم المصفدة قوم يصفدون أوساطهم إلى ظهورهم بالحديد قالوا لئلا ينشق بطونهم من غلبة الفكرة وكثرة العلم ومنها المهاكلية لهم صنم يقال له مهاكال على ظهره جلد فيل يقطر منه الدم وأذناه مثقوبتان وعلى رأسه إكليل من عظام التحف يحجون إليه ويقصدونه لطلب حوائجهم ويزعمون أنه يقضيها لهم ومنهم التهكنية قوم لهم صنم على صورة امرأة يقال أن لها ألف يد في كل يد ضرب من السلاح ولهم عنده عيد إذا دخلت الشمس الميزان فيقربون قرابين من الجواميس والإبل والغنم ويقربون عبيدهم وإماءهم ويقاتلون الناس قربانا له حتى أن الضعفى يتوارون في تلك الأيام مخافة أن يكون الصنم يأمر ويأذن بقتلهم ومنهم الجلهكية يعبدون الماء ويزعمون أن معه ملكا وأنه أصل كل نشو ونماء وحياة وعمارة 16 وطهارة ومنهم الأكنهوطرية يعبدون النار وهي لهي أعظم العناصر ولا يحرقون موتاهم لئلا ينجس النار ومنهم قوم يعبدون الشمس وقوم يعبدون الفهد وقوم يعبدون ملوكهم ولكل واحد منهم مذهب ورأي ودعوى ولا فائدة في ذكرها من التعجب والاعتبار فيما حكينا من فضائحهم وجهلهم وسخافة رأيهم وكفرهم كفاية
ذكر تحريق أبدانهم وإلقائها في النار يزعمون أن في ذلك نجاة لها وخلاصا إلى حيوة الأبد في الجنة ومنهم من يحفر له أخدود ويجمع فيه الألوان والأدهان والطيب ويوقد عليه ثم يجيء وحوله المعازف بالصنوج والطبول ويقولون طوبى لهذه النفس التي تعلو إلى الجنة مع الدخان وهو يقول في نفسه ليكن هذا القربان مقبولا ثم يسجد نحو المشرق والمغرب والشمال والجنوب ويرمي بنفسه في النار فيحترق ويصير إلى جهنم ومنهم من يجمع له أخثاء البقر فيقف في وسطه إلى أنصاف ساقيه وتشعل فيه 17 النار ولم يزل واقفا حتى تأتي النار إليه ويحترق فيها ومنهم من يوضع على رأسه إكليل من المقل ويوقد حتى يسيل دماغه وحدقتاه ومنهم من يحمى له الصخور فلا يزال يضع على جوفه صخرة بعد صخرة حتى تخرج أمعاؤه ومنهم من أخذ مدية ويقطع من فخذه وساقه خصلة خصلة ويلقيها في النار وعلماؤهم وقوفا حوله يمدحونه ويزكونه حتى يموت ومنهم من يحفر له حفرة بجنب نهر ويوقد فيها ولا يزال يثب في النار من الماء ومن النار إلى الماء إلى أن تزهق نفسه فإن مات فيما بينهما جزع أهله وحزنوا وقالوا حرم عليه الجنة وإن مات في الماء أو في النار شهدوا له بالجنة ومنهم قوم يرهقون أنفسهم بالجوع فيمسكون عن الطعام حتى تبطل حواس أحدهم فيصير مثل الحشفة والشن البالي ثم يجمد ومنهم من يهيم في الأرض حتى يموت ولهم جبل شامخ في أصله صنم قد أشار بإحدى يديه إلى ربه فقر بين يديه ووضع يده الأخرى على نحره وإلى جانبه رجل قاعد على كرسي حوله أصحابه يقرؤون في كتاب طوبى لمن 18 سلك هذا السبيل الذي أشار إليه هذا الصنم فإنه يؤدي إلى الجنة وقد ضمن الصنم ذلك فيركبون ردعهم حتى يموتوا ولهم جبل آخر تحته شجرة من حديد لها أغصان كالسفافيد وعندها رجل بيده كتاب يقرأ فيه طوبى لمن ارتقى هذا الجبل وحاذى هذه الشجرة ثم بعج بطنه وأخرج أمعاءه فأمسكها بأسنانه ثم خر على هذه الشجرة ليبقى خالدا ومخلدا في الجنة تختطفه الحور العين قبل وصوله إلى الشجرة فيتسارع إليه قوم فيخرقون أمعاءهم ويكبون على الشجرة ومنهم قوم يجيئون إلى نهر كنك في يوم عيد لهم ويجيء السدنة فيقطعونهم بنصفين ويطرحونهم في النهر ويزعمون أنه يخرج إلى الجنة ومنهم من يرمي نفسه بالحجارة ومنهم من يقعد عريانا حتى يأتي طير فيقطع لحمه ويأكله وكل من لا يؤمن بالرسالة والآخرة فإنه يؤمن بالثواب والعقاب في الانتقال والتناسخ واعتل عبدة الأصنام بأن البارئ جل جلاله في النهاية القصوى في كل ما يدرك ويعلم ويحس ويوصف ولا بد لكل متقرب إلى من يعظمه ويعبده إذا كان غائبا عن حواسه من واسطة 19 ووسيلة فجعلنا هذه المتوسطات من الأجرام العلوية والسفلية إلى عبادته وقربة لديه وهكذا قالت العرب (
ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) فسبحان من غرض كل عابد عبادته والوصول إليه وإن كان قد ضل وأخطأ الطريق وقرأت في كتاب المسالك أن السمنية فرقتان فرقة يزعم أن البد كان نبيا مرسلا وفرقة يزعم أن البد هو البارئ تراءيا للناس في تلك الصورة ونعوذ بالله
ذكر أهل الصين ويزعمون أن أهل الصين عامتهم الثنوية والسمنية ولهم فرخارات فيها أصنام لهم يعبدونها هذا دينهم ولهم آداب وأخلاق وحذق بلطيف التركيبات وعجيب الصنائع ولا يوجد في غيرهم ومن حسن أدبهم أن لا يقعد الصبي بين يدي الأب ولا يأكل معه ولا يمشي بين يديه ويسجد له وكذلك يسجد صغارهم لكبارهم تعظيما لهم وأما شرائعهم فإنهم 20 يسجدون للشمس والقمر والكواكب والماء والنار وكل ما استحسنوا من شيء خروا له سجدا وكل مولود يولد كتبوا في الوقت مولده ونظروا إلى طالعه وحكموا له بما دل عليه فليس في مملكة الصين ذكرا إلا وعددهم محصور في ديوان الملك لأنه يأخذ منهم الجزية ولا يموت منهم ميت إلا وأخر فيه إلى العام والشهر الذي ولد فيه ويطرح عليه دواء لئلا يفسد ومن سرق على زيادة ثلثمائة فلس وقيمتها عشرة دراهم قتل ومن استحق من السلطان أدبا أو قتلا أو عقوبة لم يفعل به شيء حتى يعطى كتابا بخطه ويقرأه بلسانه بحضرة المشايخ والصلحاء أني قد أذنبت كيت وكيت واستحققت الضرب أو العقوبة أو القتل ثم أمضى عليه ما استحقه ويزعمون أن الشاهد واليمين باطل لأن الرجل إذا أعطي شيئا شهد بالزور ومذهبهم في هذا إذا كان لرجل على رجل دين أعطى كل واحد منهم صاحبه كتابا فيه علامته فيكتب فيه صاحب الدين إن لي على فلان كذا ويكتب المطلوب لفلان علي إلا كذا فإذا تداعيا وأنكر أحدهما طولبا بالخطين فيصح الحق ومن ولد بأرض وانتقل عنها 21 ومات في غيرها نقل إلى أرض مولده ودفن فيها ومن استنكح من الغرباء بامرأة منهم وولد جارية ثم أرادوا الخروج منهم دفعوا الولد إليه وحبسوا الوالدة وقالوا لك ما زرعت ولنا الأصل ويبيحون الزنا للسفلة والضعفى ومن زنا من أهل اليسار والشرف قتلوه وعامة عقوبتهم في الذنوب القتل وأكثر زروعهم الأغذاء قالوا وإذا قلت الأمطار وغلت الأسعار جمع الملك السمنية وسدنة الأصنام ويهددهم بالقتل إن لم يأتوا بالمطر فلا يزالون محبوسين معتقلين حتى يأتي المطر قالوا وللملك كوسات في قصره فإذا غربت الشمس قرعوها قرعة واحدة فلا يبقى في المدينة أحد إلا سمعها ففزعوا إلى بيوتهم ومنازلهم فأغلقوا عليهم أبوابهم وتحككت بالسكك والأزقة الجيوش والعسس إلى أن يسفر الصبح فمن وجدوه خارج داره ضربوا عنقه وكتبوا على ظهره بدمه هذا جزاء من تعدى أمر الملك
ذكر ما حكي من شرائع الترك وهم في شمال الصين ومغاربها يزعمون أن في بعضهم كتابا لهم وفي بعضهم كتاب التبتية لأنهم يجاورونهم وفي بعضهم كتاب السغدية قالوا وفي 22 التغزغز نصارى وسمنية وليس من عادتهم قتل الأسارى ولا التجهيز على الجرحى ومن ظفروا به في الحرب فإن كان جريحا داووه وحملوه إلى منزله وأهله قالوا وخرخيز يحرقون موتاهم ويقولون أن النار تطهر جثته ودنيته ويعبدون الأوثان ومنهم من يعبد الشمس ومنهم من يعبد السماء ومنهم من يدفن على الميت عبيده وخدمه أحياء في التل حتى يموتوا ويعقرون الدواب عليه والتل بلغتهم القبر قالوا وفيهم قوم يزعمون أنهم يأتون بالثلج والريح والبرد وأكثر حكمهم على كتف الشاة والله أعلم
ذكر شرائع الحرانيين ذكر أحمد بن الطيب أنهم يقولون أن البارئ علة العالم لا يلحقه وصف شيء من المعلومات كلف أهل التمييز الإقرار بربوبيته وبعث الرسل تثبيتا لحجته ووعد من أطاع نعيما لا يزول وأوعد من عصا العذاب بقدر استحقاقه قال وقصدوا في أمرهم أن يبحثوا عن الحكمة وأن يدفعوا ما ناقض الفطرة وأن يلزموا الفضائل ويجتنبوا الرذائل 23 وصلواتهم ثلاث أولاها عند طلوع الشمس والثانية عند زوالها والثالثة عند غروبها ونصبوا قبلة بأن يجعلوا القطب الشمالي في نقرة القفا قالوا ويصلون كل يوم للكوكب الذي هو ربه فيصلون للزحل يوم السبت وللشمس يوم الأحد وللقمر يوم الاثنين وللمريخ يوم الثلاثاء ولعطارد يوم الأربعاء وللمشتري يوم الخميس وللزهرة يوم الجمعة قالوا ولا صلاة عندهم إلا على الظهور ولهم صيام وأعياد وقربان يتقربون فيها فيأكلون اللحم ويحرقون العظام وشحم الكلى ويغتسلون من الجنابة ومس الميت والطامثة ويعتزلون الطوامث ولا يأكلون ما لم يذبح وينهون عن لحم الخنزير والسمك والباقلي والثوم ويعظمون أمر الجمل حتى يقولون من مشى تحت خطام ناقة لم يقض حاجته في ذلك اليوم ويتجنبون كل من به مرض مثل الجذام والبرص ولا يتزوجون بغير ولي وشهود ولا يتزوجون بالقريب ولا يجيزون الطلاق بغير حجة بينة عن فاحشة ظاهرة ولا يراجع المطلقة أبدا ولا يطأون إلا طلبا للولد والذكر والأنثى في الفرض عندهم سواء والثواب والعقاب يلحقان الأنفس وليس يؤخر 24 ذلك عندهم إلى وقت معلوم بل يقولون أنها تصير إلى ما يجب عليها ولها من الجزاء عند ترك الأنفس استعمال البدن قال ويقولون أن النبي هو البريء من المذمومات في النفس ومن الآفات في الجسم الكامل في كل محمود المستجاب الدعوة في إنزال الغيث ودفع الآفات وأن مذهبه مذهبا يصلح به العالم وتكثر به العمارة ولم تحصوا أسماء الرسل الذين دعوا إلى الله عز وجل كثرة قال وقولهم في العلوم قول أرسطاطاليس في كتبه وكتب إمامهم لا يخالفوا بها وهذا مذهب الفلاسفة اليونانيين في القديم
ذكر أديان الثنوية وهم أصناف فمنهم المنانية والديصانية والماهانية والسمنية والمرقونية والكبانئون والصابئون وكثير من البراهمة والمجوس وكل من قال باثنين أو بأكثر أو بشيء قديم مع البارئ فإن هذا الاسم يتناوله ويلحقه وكذلك القائلون بالجثة والجوهر والفضاء يزعم بعضهم أن الأصل هو النور والظلمة ثم يختلفون فيقول قائل أنهما جميعا حيان مميزان ويقول آخر بل النور حي عالم والظلمة جاهلة معمية وهذا رأي الصابئين ويقول مرقيون ثلاثة أشياء قديمة نور وظلمة وثالث معدل بينهما 25 يخلق من هذا ومن هذا ليس من جنسهما ولولاه لم يك من طبعهما إلا التنافر ويقول المنانية النور خالق الخير والظلمة خالق الشر وأصحاب الطبائع قالوا بأربع طبائع وكثير من الفلاسفة بخامس معها خلافها ومنهم من يقول بقدم البارئ والطينة والعدم والصورة والزمان والمكان والعرض والمعطلة منهم قالوا بعدم العالم في أجسامه وأعراضه وشك قوم فلم يدر كيف يقولون وكل هذه المذاهب مخالفة لمذهب أهل التوحيد يكفيك ما مر من النقض عليهم في الفصل الثاني والله الموفق والمعين
ذكر عبدة الأوثان جاء في روايات أهل الإسلام أن أول ما عبدت الأوثان في زمن نوح النبي عليه السلام كما حكى الله تعالى عنهم (
وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ) روينا عن محمد بن كعب القرظي أنه قال هؤلاء رجال صالحون من أولاد آدم عليه السلام وكان إذا مات أحدهم جزع عليه اخوته وعظم به وجدهم فجاءهم الشيطان وقال ألا أصور لكم صور اخوتكم فتتسلون بالنظر إليها وتستأنسون بها ففعل إلى أن مضت قرون فجاء وقال لأعقابهم إن آباءكم كانوا 26 يعبدونها من دون الله فنصبوها آلهة ثم لما أغرق الله الأرض زمن نوح استخرجهم فنصبتها قريش يعبدونها كذا الرواية والله أعلم ثم تتابع الناس على عبادة الأوثان فمنهم من يجعلها وسيلة وذريعة إلى الله عز وجل ومنهم من استحسن ذلك لمشاكلة أفضل الصور ومنهم من يعبدها تقليدا حتى عبد قوم النار وقوم الشمس وقوم الماء وقوم الشجر وقوم النسر وقوم الفهد وقوم البشر وقوم الملائكة وقوم النجوم وقوم الحجر وفي الجملة كلهم يعبدون مع الله غيره إلا المسلمين وصنفا من اليهود
ذكر مذاهب المجوس وشرائعهم أعلم أنهم أصناف فمنهم اللغرية والبهافريذية والخرمية ولا قوم أكثر هوسا وتخليطا منهم فمنهم من يقول بالاثنين كالمنانية وبالثلاثة كالمرقونية ومنهم من يعبد النار والشمس والقمر والنجوم ويزعم أن الإله القديم لم يزل وأنه خلق أهرمي وهو بمنزلة إبليس عندهم فعاداه وناصبه ويزعم آخرون أن البارئ يفكر فكرة ردية فحدث منها هذا الشرير الخبيث المضاد له بغير إرادته ومنهم الزردشتية 27 يقرون بنبوة زردشت وثلاثة أنبياء يكون بعده ويقرؤون كتابه الأبسطا ويعظمون النار قربة إلى الله عز وجل لأنها أعظم الاسطقسات ثم يزعم بعضهم أن النار من نور الله عز وجل ويزعم آخرون أنها بعض من الله عز وجل ويحرمون الميتة وكل ما خرج من باطن الإنسان من أي منفذ كان ولذلك يزمزمون عند طعامهم ويصلون ثلاث صلوات يدورون فيها مع الشمس كيف دارت إحداها عند طلوع الشمس والثانية نصف النهار كل واحد لطولها وعرضها ويعظمون من يعلمها ويزعمون أنهم كلما أرادوا طربا ازداد إبليس حربا وحزنا ويحرمون الأكل والشرب في أواني الخشب والخزف لأنهما يقبلان النجاسات وإذا غسلوا أيديهم على إثر الطعام لم يدخلوا الماء أفواههم لأنه من الاستخفاف به ويغسلون الشفاه ويستحلون نكاح الأخوات والبنات ويحتجون على من خالفهم بفعل آدم عليه السلام ذلك ويأكلون من الحيوان ما يأكله المسلمون وما كان من خلق إبليس فلا يأكلونه ويعظمون النيروز والمهرجان وأيام الفروردجان ويزعمون أن أرواح موتاهم ترجع إلى منازلهم وينظفون البيوت ويبسطون الفرش ويصنعون 28 الأطعمة تلك الأيام ويقولون إنما يصيب الموتى منها روائحها بقواها ونورها وإذا احتضر أحدهم قربوا منه كلبا ويزعمون أن الشيطان يحضره عند مفارقة الروح فيلتبس بجسده كظل الشجرة إذا وقع على الحائط فإذا التفت إليه الكلب فزع منه ففارقه ولا يجوز عندهم أن يقربوا الميت من الماء والنار ومن مسه وجب عليه الغسل لأنه نجس بانتقال روحه والطهارة واجبة عليهم في اليوم والليلة مرة واحدة وهي غسل اليدين وغسل الوجه بما يستخرج من الأشجار أو من البقر ثم يغسلون بعده بالماء الطاهر ولا غسل عليهم للجنابة والاختتان والزكوة واجبة عليهم من جميع أموالهم أن يخرجوا الثلث منها للفقراء والمضطرين من أهل ملتهم ومن غيرهم وفي إصلاح القناطر وكنس الأنهار وعمارة الأرض وينكحون من النساء ما شاءوا وكيف شاءوا ولا يقع الطلاق إلا بأحد ثلاثة الأشياء الزنا والسحر وترك الدين والسكر والزنا والسرقة عليهم حرام وعقوبة الزاني أن يضرب ثلاث مائة خشبة أو يؤخذ منه ثلاثمائة إستار فضة ومن سرق وشهد عليه ثلاثة عدول وأقر خرم أنفه 29 وأذنه ويسمون ذلك درويش ويغرم مثل قيمة ما سرق فإن عاد وسرق ثانيا اكتفى عليه بشاهدين عدلين وقامت العلامة مقام شاهد وخرم في أنفه وأذنه في موضع آخر وغرم مثل قيمة ما سرق فإن عاد وسرق ثالثا اكتفى منه بشاهد وخرم في أنفه وأذنه من موضع آخر وغرم قيمة ما سرق فإن عاد وسرق رابعا لم يستشهد عليه بعد ذلك وغرم كل ما ادعى عليه الخصم ومن قطع الطريق أخذ منه قيمة ما أخذ أربع مرات وقتل ومن خرج عن الولاة فعقوبته أول مرة قطع اليدين من المعصم وفي الثانية قطعها من الذراع وفي الثالثة من الكتف وفي الرابعة ضرب العنق فإن كان في خروجه على السلطان لم يجن شيئا بيده ولكنه قال قولا مواجهة فقئت عيناه فإن كان سعى سعيا قطعت رجلاه وأحكامهم في المواريث عجيبة فلو أن رجلا مات وخلف امرأة وابنين وابنة فإن المرأة إن شاءت أخذت مهرها ويجب على ورثة زوجها إمساكها والإنفاق عليها ما عاشت وإن لم يكن لها منه ولد فإن المال والمرأتان موقوفان إلى أن تتزوج المرأة فإذا تزوجت المرأة رفعت النفقة عنها وإن 30 مات رجل وخلف أبا وأخا دفع المال إلى الأب على أن يتزوج امرأة ويولد لها ولد باسم هذا المتوفى ليكون المال له وكذلك الأخ لا يرث شيئا إلا على هذه الشريعة وكذلك إن كان للمتوفى أختان دفع المال إلى الكبرى على أن تتزوج رجلا وتلد غلاما تسميه باسم هذا المتوفى ويدفع المال إليه فإن كانت الكبيرة متزوجة دفع المال إلى الصغيرة على هذه الشريطة وإن كانتا متزوجتين دفع المال إلى من يضمن إيلاد ولد باسم المتوفى ويدفع المال إليها ويكون المال له وجملة هذا الباب أنه إذا كان للمتوفى ولد كان المال كله له وإن لم يكن له ولد فلمن يقبل هذا الشرط
ذكر مذاهب الخرمية هم فرق وأصناف غير أنهم يجمعون القول بالرجعة ويقولون بتغيير الاسم وتبديل الجسم ويزعمون أن الرسل كلهم على اختلاف شرائعهم وأديانهم يحصلون على روح واحد وأن الوحي لا ينقطع أبدا وكل ذي دين مصيب عندهم إذا كان راجي ثواب وخاشي عقاب ولا يرون 31 تهجينه والتخطيء إليه بالمكروه ما لم يرم كيد ملتهم وخسف مذهبهم ويتجنبون الدماء جدا إلا عند عقد راية الخلاف ويعظمون أمر أبي مسلم ويلعنون أبا جعفر على قتله ويكثرون الصلاة على مهدي بن فيروز لأنه من ولد فاطمة بنت أبي مسلم ولهم أئمة يرجعون إليهم في الأحكام ورسل يدورون بينهم ويسمونهم فريشتكان ولا يتبركون بشيء مثل تبركهم بالخمور والأشربة وأصل دينهم القول بالنور والظلمة ومن شاهدنا منهم في ديارهم ماسبذان ومهرجان قذق فإنا وجدناهم في غاية التحري للنظافة والطهارة والتقرب إلى الناس بالملاطفة بتقديم الصنيعة ووجدنا منهم من يقول بإباحة النساء على الرضا منهن وإباحة كل ما يستلذ النفس وينزع إليه الطبع ما لم يعد على أحد بالضرر
ذكر شرائع أهل الجاهلية كان فيهم من كل ملة ودين وكانت الزندقة والتعطيل في قريش والمزدكية والمجوسية في تميم واليهودية والنصرانية في غسان والشرك وعبادة الأوثان في سائرهم واتخذ بنو حنيفة إلها من حيس وعبدوه دهرا ثم 32
صابتهم مجاعة فأكلوه فقال بعضهم # ( أكلت حنيفة ربها % زمن التقحم والمجاعة ) # ( لم يحذروا من ربهم % سوء العواقب والتباعة ) +كامل+ # وقال آخر # ( أكلت ربها حنيفة من جوع % قديم بها ومن إعواز ) +خفيف+ # وكان في مشركيهم بقية من دين إسماعيل عليه السلام كالنكاح والختان والمناسك وتعظيم الأشهر الحرم وغير ذلك وأحدثوا أمر الحمس من قريش فكان لا يخرجون من الحرم ولا يقفون مع الناس بعرفات ويقولون نحن آل الله لا نخرج من حرمه وكان الرجل من الغرباء إذا قدم مكة لا يطوف في الثوب الذي قارف فيه الذنب فإن أصاب من ثياب الحمس طاف فيه وإن لم يصب طاف الرجل بالنهار عريانا والمرأة بالليل عريانة وكانت الحمس لا يسلئون السمن ولا يأقطون الأقط ولا يأكلون
33
اللحم أيام الموسم وكانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها ويقولون لا ينبغي أن يحول بيننا وبين السماء شيء وكانوا يحرمون من النساء ما حرمه الله عز وجل في القرآن إلا امرأة الأب فأنزل الله سبحانه ( ^ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ) وكانوا يبحرون البحيرة ويسيبون السائبة ويصلون الوصيلة ويحمون الحامي ويستقسمون بالأزلام ويقربون القربان وغير ذلك مما هو مذكور في أخبارهم وأشعارهم فأبطل الله عز وجل بأحكام الإسلام أكثرها وكانوا يقولون أن روح الميت تخرج من قبره وتصير هامة فتقول اسقوني اسقوني ومن ثم قال ذو الأصبع # ( يا عمرو إن لم تدع سبى ومنقصتي % أضربك حتى تقول الهامة اسقوني ) بسيط # ومنهم من كان يؤمن بالبعث والنشور بعد الموت ويزعم أن من عقرت مطيته عند قبره حشر عليها وفيه يقول حريثة # ( واحمل أباك على بعير صالح % ويقي البقية أنه هو أقرب ) كامل
بسيط
ومنهم من كان يؤمن بالبعث والنشور بعد الموت ويزعم أن من عقرت مطيته عند قبره حشر عليها وفيه يقول حريثة
( واحمل أباك على بعير صالح
ويقي البقية أنه هو أقرب )
كامل
34
ذكر شرائع اليهود هم أصناف فمنهم العانانية والأشمعيثية والجالوتية والفيومية والسامرية والعكبرية والأصبهانية والعراقية والمغاربة والشرستانية والفلسطينية والمالكية والربانية فأما عانان فإنه يقول بالتوحيد والعدل ونفى التشبيه وأشمعث يقول بخلافه وجمهور اليهود على هاذين الرجلين وأما سائر المخالفين فإنه يقع الخلاف بينهم في الشيء بعد الشيء وزاد رأس جالوت في التشبيه على أشمعث حتى يزعم أن معبوده شيخ أشمط واحتج أنه وجد في سفر دانيال رأيت قديم الأباء قاعدا على كرسي أبيض الرأس واللحية حوله الأملاك فهم يسمون الجالوتية وأما الفيومية فصاحبهم أبو سعيد الفيومي يفسرون التورية على الحروف المقطعة كما يفعله الباطنية في الإسلام وأما السامرية فإنهم ينكرون كثيرا من شرائعهم ولا يقرون بنبوة من كان بعد يوشع بن نون مثل داود وسليمان وزكريا ويحيى وغيرهم يزعمون أنهم ليس لهم في التورية اسم وأما العكبرية فأصحاب أبي موسى البغدادي العكبري يخالفونهم في أشياء من السبت وتفسير التورية وأما الأصبهانية 35 فأصحاب أبي عيسى الأصبهاني وادعى النبوة وأنه عرج إلى السماء فمسح الرب رأسه وأنه رأى محمدا في السماء فآمن به ويهود أصبهان يزعمون أن الدجال منهم يكون ومن ناحيتهم يخرج وأما العراقية مخالفون الخراسانية في أوقات أعيادهم ومدد أيامهم وأما المغاربة فإنهم يرون السفر في السبت وطبخ القدور فيه وأما الشرستانية فإنهم أصحاب شرستان زعم أنه ذهب من التورية ثمانون بسوقة ومعنى بسوقة آية ويدعى أن للتورية تأويلا باطنا مخالفا لظاهرها وأما يهود فلسطين فإنهم يزعمون أن عزيرا ابن الله على جهة التكرمة والرحمة كما يقال إبراهيم خليل الله وكثير من اليهود ينكرون هذا القول والواجب أن تعلم مذاهبهم ليتبين وجه الحق فلا ينسب إلى كل فرقة إلا ما ينحلونه وأما المالكية فإنهم يقولون أن الله عز وجل لا يحيى يوم القيامة من الموتى إلا من قد احتج عليه الرسل والكتب ومالك هذا تلميذ عانان وأما الربانية فإنهم يزعمون أن حائضا لو مست ثوبا من الثياب المنضودة وجب الغسل على جميع الأثواب والعراقية 36 يأخذون رؤوس الشهور بالأهلة والآخرون يأخذون بالعدد والحساب
ذكر أحكامهم واجب عليهم الإيمان بالله وحده وبموسى رسوله وبالتورية وما فيها والعشر الآيات لا بد لهم من درسها وتعلمها وأما وضؤهم واغتسالهم فمثل طهارة المسلمين سواء غير أنه ليس فيه مسح الرأس ويبدؤون بالرجل اليسرى واختلفوا في شيء منه قال عانان يستنجي قبل الوضوء لأن الإنسان لا يطهر ما لم يمط الأذى عنه وقال أشمعث يستنجي بعد الوضوء لأنه يجوز أن يغسل وجهه بعد الاستنجاء ولا يتوضؤون بماء قد تغير لونه أو طعمه أو ريحه ولا يجيزون الطهارة من غدير ما لم يكن عشرة أذرع في عشر والنوم قاعدا لا ينقص الوضوء ما لم يضع جنبه ومن أحدث في صلاته من قيء أو رعاف أو ريح انصرف وتوضأ وبنى على صلاته ولا يجوز للرجل الصلاة في أقل من ثلاثة أثواب قميص وسراويل وملاءة يتردى بها فإن لم يجد الملاءة صلى جالسا وإن لم يجد القميص والسراويل صلى بقلبه ولا يجوز الصلاة للمرأة في أقل من أربعة ثياب 37 والصلاة فرض عليهم في اليوم والليلة ثلاث صلوات إحداهن عند الصبح والثانية بعد الزوال إلى غروب الشمس والثالثة إلى وقت العتمة إلى أن يمضي من الليل ثلثه يسجدون في دبر كل صلاة سجدة طويلة ويزيدون يوم السبت وأيام الأعياد خمس صلوات سوى ما كانوا يصلونها فلهم خمسة أعياد عيد الفطر وهو يوم الخامس عشر من نيسان وهو سبعة أيام يأكلون فيها الفطير وينظفون بيوتهم من خبز الخمير لأنها الأيام التي خلص الله فيها بني إسرائيل من يد فرعون وأغرقه في اليم فخرجوا من البحر وجعلوا يأكلون اللحم والعجين الفطير وعيد الأسابيع بعد عيد الفطر سبعة أسابيع وهو الذي كلم الله فيه بني إسرائيل من طور سيناء وعيد رأس الشهر وهو أول يوم من تشرين يزعمون أنه يوم فدي فيه إسحاق عليه السلام من الذبح ويسمونه عيد راش هشنا أي عيد رأس الشهر وعيد صوما ربا معناه الصوم العظيم ويزعمون أن الله عز وجل يغفر لهم في ذلك اليوم جميع ذنوبهم وخطاياهم إلا ثلاثا الزنا لمحصنة وظلم الرجل أخاه وجحده ربوبية الله وعيد مظلي يستظلون سبعة أيام 38 بقضبان الآس والخلاف ويزعم بعضهم أن بني إسرائيل انتهوا في هذه الأيام إلى مفازة فاستظلوا بالشجر وكان واجبا عليهم الحج في كل سنة ثلاث مرات حين كان الهيكل عامرا والمذبح قائما وأما الصوم فيجب عليهم صوم أربعة أيام يوم السابع عشر من تموز وحده من غروب الشمس إلى غروب الشمس ويزعمون أن هذا اليوم الذي كسر فيه بخت نصر سور أوريشلم يعني بيت المقدس ودخلها والثاني يوم العاشر من آب والثالث يوم العاشر من كانون الأول والرابع يوم الثالث عشر من آذار وأمرهم في الحيض والحائض شديد يجب عليهم أن يعتزلوها وثيابها وأوانيها وما مسته الحائض من شيء فقد نجس ووجب أن يغسل وإن مست لحم القربان وجب أن يحرق ذلك اللحم بالنار ومن مس الحائض أو خبزت أو طبخت أو غسلت فكله نجس حرام على الطاهرين وحل للحيض ومن غسل ميتا وجب عليه أن يغتسل سبعة أيام لا يصلي فيها ويغسلون الموتى ولا يصلون عليهم وأما الزكوة فالواجب عليهم أن يخرج العشر من أموالهم كائنا ما كان من السوائم والناض ولا يجب العشر في شيء من أموالهم دون مائة عدديا كان أو وزنيا لأن ما لا يخرج منه 39 عشر العشر لا يجب فيه العشر وكل ما أخرج منه مرة واحدة فليس فيه إعادة العشر وأما نكاحهم فلا يصح إلا بولي وخطبة وثلاثة شهود ومهر مائتي درهم للبكر ومائة للثيب فإن كان أقل من ذلك لم يجز ويحضر عند عقد النكاح كاس من خمر ودستجة من ريحان فيأخذ الإمام الكاس فيبرك عليها ويخطب خطبة النكاح ثم يدفعه إلى الختن ويقول قد تزوجت فلانة بهذه الفضة أو بهذا الذهب وهو خاتم في يده وبهذه الكاس من الخمر وبمهر كذا درهم ويشرب منها جرعة ثم ينزلون إلى منزل الجارية ويأمرونها أن تأخذ الخاتم والريحان والكاس من يد الختن فإذا أخذت وشربت منها جرعة يعقد النكاح ويضمن أولياء المرأة البكارة فإذا زفت وكل أبو المرأة رجلا وامرأة بباب البيت الذي يقتضها فيه الزوج وفرشوا لها ثيابا بيضا فإذا الزوج نظر إلى الثياب وشهد بما رأيا اقتضها فإن لم يجدها بكرا رجمت ولا يجوز لهم التمتع بالإماء إلا أن يعتقوهن وينكحوهن ومن واقع امرأته فقد عتقت عليه وأي عند عمل لمولاه سنين معلومة فقد عتق ومن احتاج من اليهود حزمه بيع أولاده إذا كانوا صغارا غير مدركين كذا هم في 40 شريعة بني إسرائيل وأما طلاقهم وخلعهم فإنهم لا يجوز لهم ذلك إلا أن يقفوا منهم على زنا أو سحر أو رفض دين ومن أراد أن يطلق امرأته فإن كانت بكرا أتى بخمسة وعشرين درهما وإن كانت ثيبا أتى باثني عشر درهما ونصف وأحضر الإمام والشهود وكتاب الطلاق وقال لها أنت طالق مني مائة مرة ومختلعة مني وفي سعة أن تتزوجي من شئت ولا يقع الطلاق على الحامل بتة وللرجل أن يراجع امرأته ما لم تتزوج انقضت عدتها أم لم تنقض فإذا تزوجت حرمت على الزوج الأول أبدا وحكمهم في البيوع أنه ما لم ينقل المشتري ما اشتراه إلى حيث شاء وسلمه إليه البائع فإنهما بالخيار والحدود عندهم على خمسة أوجه الحرق والقتل والرجم والتعزير والتغريم أما الحرق فعلى من زنى بأم امرأته أو بربيبته أو بامرأة ابنه والقتل على من قتل والرجم على المحصن إذا زنا أو لاط وعلى 41 المرأة إذا مكنت البهيمة من نفسها والتعزير على من قذف والتغريم على من سرق والبينة على المدعي واليمين على من أنكر وهذه سبعة وثلاثون عملا من أتى بواحد منها في السبت أو في ليلة السبت استحق القتل تكريب الأرض زرع الأرض حصد الزرع سياقة الماء إلى الزرع ضرب الممخضة حلبة اللبن كسر الحطب إيقاد النار عجن العجين خبز الخبز خياطة الثوب نسج السلك كتابة حرفين أخذ الصيد ذبح الحيوان الخروج من القرية التحويل من موضع إلى موضع الشرى والبيع الدق والطحن والاحتطاب قطع الجبن دق اللحم إصلاح النعل إذا انقطعت خلط علف الدابة ولا يجوز للكاتب أن يخرج يوم السبت من منزله ومعه قلمه ولا الخياط أن يخرج ومعه إبرته ومن أتى بشيء استحق به القتل فلم يسلم نفسه فهو ملعون 42
ذكر شرائع النصارى وفيهم اختلاف وفرق فمنهم الملكانية والنسطورية واليعقوبية والبرذعانية والمرقونية والفولية وهم الرهاويون الذين بنواحي حران وأصناف حادثة غيرها ولا يخالفون في أشياء كثيرة ومنهم من يذهب مذهب الحرانية بعينه ومنهم من يقول بالنور والظلمة والثنوية يقولون أجمعهم بنبوة المسيح ومنهم من يعتقد مذهب أرسطاطاليس ويجر كتابهم إلى تصويب ذلك فأما الملكانية واليعقوبية والنسطورية فمتفقون على أن معبودهم ثلاثة أقانيم وهذه هي الأقانيم الثلاثة شيء واحد وهو جوهر قديم ومعناه أب وابن وروح القدس إله واحد وأن الابن نزل من السماء فتدرع جسدا من مريم وظهر للناس يحيي ويبرئ وينبي ثم قتل وصلب وجرح فخرج من القبر لثلاث وظهر لقوم من أصحابه وعرفوه حق معرفته ثم صعد إلى السماء فجلس عن يمين الله هذا الذي يجمعهم اعتقاده غير أنهم يختلفون في العبارة والعلل فمنهم من 43 زعم أن القديم جوهر واحد وثلاثة أقانيم كل واحد منها جوهر خاص وأحد هذه الأقانيم أب واحد غير مولود والآخر ابن مولود وغير والد والثالث روح فائضة منثنية بين الأب والابن وزعم أن الابن لم يزل مولودا ابن الابن الابن والأب لم يزل والدا لا على جهة النكاح والتناسل لكن على جهة تولد ضياء الشمس من ذات الشمس وتولد حر النار من ذات النار ومنهم من يزعم أن معنى قولهم أن الإله ثلاثة أقانيم أنها ذات لها حياة ونطق فالحياة هي روح القدس والنطق هو العلم والحكمة والكلمة النطق والعلم والحكمة والكلمة عبارة عن الابن كما يقال الشمس وضياءها وحرها فهو عبارة عن ثلاثة أشياء ترجع إلى أصل واحد ومنهم من زعم أنه لا يصح له تثبيت الإله فاعلا حكيما إلا أن يثبته حيا ناطقا ومعنى الناطق العالم المميز لا الذي يخرج الصوت بالحروف المركبة ومعنى الحي عندهم من له حياة بها يكون حيا ومعنى العالم من له علم به يكون عالما قالوا فذاته وعلمه وحياته ثلاثة أشياء والأصل واحد فالذات 44 هي العلة للاثنين اللذين العلم والحياة والاثنان هما المعلولان للعلة ومنهم من يتجنب اللفظ بالعلة والمعلول في صفة القديم فيقول أب وابن ووالد وروح وحياة وعلم وحكمة ونطق قالوا والابن اتحد إنسانا مخلوقا فصار هو وما اتحد به مسيحا واحدا وأن المسيح هو إله العباد وربهم ثم اختلفوا في صفة الاتحاد فزعم بعضهم أنه وقع بين جوهر لاهوتي وجوهر ناسوتي اتحاد فصار مسيحا واحدا ولم يخرج الاتحاد كل واحد منهما عن جوهريته وعنصره وأن المسيح إله معبود وأنه ابن مريم الذي حملته وولدته وأنه قتل وصلب وزعم قوم أن المسيح بعد الاتحاد جوهران أحدهما لاهوتي والآخر ناسوتي وأن القتل والصلب وقعا به من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته وأن مريم حملت بالمسيح وولدته من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته وهذا قول النسطورية ثم يقولون أن المسيح بكماله إله معبود 45
أنه ابن الله مع اختلاف كثير ويزعم بعضهم أن الاتحاد وقع بين جوهرين لاهوتي وناسوتي وجوهر اللاهوتي بسيط غير منقسم ولا يتجزء ومنهم من يقول أن الاتحاد على جهة حلول الابن في الجسد ومخالطته إياه ومنهم من يقول الاتحاد على جهة الظهور كظهور كتابة الخاتم والنقش إذا وقع على الطين والشمع وكظهور صورة الإنسان في المرآة واعلم أنه لا مذهب أكثر اختلافا في العبارة من النصارى حتى لا يكاد يوجد منهم اثنان على قول واحد ويذكره اللاحقي في قصيدة له # ( وبابن الأب ما دنت % وروح منه قدسي ) # ( ثلاث من أقانيم % بمعنى واحداتي ) # ( ولاهوتية حلت % بإنسان ولادي ) +هزج+ # وليس هذا موضع الرد عليهم ولكن من نظر إلى قولهم في القديم وما يصفونه به من الأعراض الطارية عليه علم فساد مذهبهم واستحالة القديم أن يكون بشيء من تلك الصفات فالملكانية ينسب إلى ملك الروم ويقولون الله اسم لثلاثة
46
معان الأب والابن والجوهر وهو روح القدس والنسطورية ينسب إلى نسطور رجل منهم يزعمون أن الله اسم لثلاثة معان فهو واحد ثلاثة وثلاثة واحد واليعقوبية قالوا هو واحد قديم وأنه كان لا جسم ولا إنسان ثم تجسم وتأنس والفولية قالوا الله واحد وعلمه قديم معه والمسيح ابنه على جهة الرحمة كما يقال إبراهيم خليل الله والمرقونية يزعمون أن المسيح يطوف عليهم كل يوم طوفة والبرذعانية يزعمون أن المسيح هو الذي يحشر الموتى من قبورهم ويحاسبهم مع ترهات كثيرة وأقاويل مردودة لعنهم الله وقبح مذهبهم # ذكر أحكامهم لا بد من تنصير أولادهم وذلك أنهم يعمدون إلى من يريدون تنصيره فيغمسونه في ماء قد أغلى بالرياحين وألوان الطيب في إجانة جديدة ويقرؤون عليه شيئا من كتابهم ويزعمون أنه ينزل عليه روح القدس ويسمون هذا العمل المعمودية وطهارتهم غسل اليدين والوجه وليس الختان عليهم بفرض وصلاتهم سبع وقبلتهم المشرق وحجهم إلى البيت المقدس وزكاتهم العشر من جميع أموالهم وصيامهم خمسون يوما ويكون
47
اليوم الثاني والأربعون منه عيد الشعانين ويزعمون أن هو اليوم الذي نزل فيه عيسى بن مريم عليه السلام من الجبل ودخل بيت المقدس وبعده بأربعة أيام عيد الفصح وهو اليوم الذي خرج فيه موسى عليه السلام ببني إسرائيل من مصر وبعده بثلاثة أيام عيد القيامة وهو اليوم الذي يزعمون أن عيسى عليه السلام خرج من قبره بعد ما قتل ودفن وبعده بثمانية أيام عيد الجديد ويزعمون أنه اليوم الذي ظهر فيه عيسى لتلامذته بعد ما خرج من القبر وبعده بثمانية وثلاثين يوما عيد السلاق ويزعمون أنه اليوم الذي صعد فيه عيسى إلى السماء ولهم أعياد سوى ما ذكرنا عيد الصليب وهو اليوم الذي وجدوا فيه خشبة الصليب وإنما علموا ذلك أنه وضع على ميت فحيي بزعمهم وعيد الدنح وعيد الميلاد ولهم قراؤون وكهنة منهم شماس وفوقه القس وفوق القس الأسقف وفوق الأسقف المطران وفوق المطران البطريق والسكر حرام عليهم ولا يحل لهم اللحم والجماع في الصوم وكل ما بيع في الأسواق ولم يعفه أنفسهم فمباح لهم ولا يصح نكاحهم إلا بحضور شماس والعدول والمهر ويحرمون على
48
النساء ما حرم المسلمون ولا يحل لهم الجمع بين امرأتين ولا التسري بالجواري إلا أن يعتقوهن ويتزوجوهن وأي عبد من عبيدهم خدمهم سبع سنين فقد عتق ولا يحل للرجل طلاق إلا أن يأتي بالفاحشة فقد طلقت ولا يحل له أن يتزوج بها أبدا وحدودهم الرجم للمحصن والمحصنة فإن كانا غير محصنين وعلقت المرأة من الرجل زوجت به ويقتل قاتل العمد والواجب على قاتل الخطأ أن يهرب وليس للموتور أن يطلبه لما أمروا به من استعمال العفو وكثير من أحكامهم أحكام التورية وقد لعن منهم اللوطي والشاهد بالزور والمقامر والزاني والسكير هذا أحكامهم والله أعلم
49
$ الفصل الثالث عشر في صفة الأرض ومبلغ عمرانها وعدد أقاليمها وصفة البحار والأنهار وعجائب الأرض والخلق $ # اعلموا أن القدماء قسموا المعمور من الأرض على سبعة أقسام يسمونها الأقاليم فالإقليم الأول يبتدي من المشرق من أقاصي بلاد الصين ويمر على ما يلي الجنوب من الصين وعلى سواحل البحر من جنوب بلاد السند يقطع البحر إلى جزيرة العرب وأرض اليمن ويقطع بحر القلزم إلى بلاد الحبشة ويقطع نيل مصر وينتهي إلى بحر المغرب وفيه المدن من مدينة ملك الصين وبلاد جنوب السند وجزيرة الكرك وجنوب الهند من اليمن عمان وحضرموت وعدن وصنعاء وسبأ وجرش وظفار ومهرة ومن الغرب تبالة ومدينة ملك الحبشة جرمى ومدينة
50
النوبة دمقلي وجنوب البربرية إلى البحر الأخضر ويكون أطول نهار هؤلاء ثلاث عشرة ساعات والإقليم الثاني يبتدي من المشرق فيمر على بلاد الصين وبلاد الهند وبلاد السند ويمر بملتقى البحر الأخضر وبحر البصرة ويقطع جزيرة العرب في أرض نجد وتهامة والبحرين ثم يقطع بحر القلزم ونيل مصر إلى أرض المغرب وفيه من المدن مدن من بلاد الصين والهند ومن السند المنصورة والبيرون والديبل ومن أرض العرب مكة والطائف وجدة والجار ويثرب واليمامة وهجر ومن النيل قوس وأخميم وأنصنا وأسوان ومن المغرب مدن إفريقية وبربر إلى بحر المغرب ويكون أطول نهار هؤلاء عشرة ساعات ونصف والإقليم الثالث يبتدي من المشرق فيمر على شمال بلاد الصين ثم الهند ثم السند ثم كابل وكرمان وسجستان والبصرة وفارس والأهواز والعراقين والشام
51
ومصر والإسكندرية والمغرب إلى البحر وفيه من المدن بعض بلاد الصين والهند والسند قندهار وغزنة وكابل والرخج وبست وزرنج وكرمان وجيرفت ومن فارس اصطخر وجور وفسا وسابور وشيراز وسيراف وجنابة وسينيز ومهرويان وكور الأهواز كلها ومن العراق البصرة وواسط والكوفة وبغداد والأنبار وهيت ومن الشام حمص ودمشق وصور وعكة وطبرية وقيسارية ورسوف والرملة وبيت المقدس وعسقلان وغزة ومدين والقلزم ومن أرض مصر الفرما وتنيس ودمياط والفسطاط والإسكندرية والفيوم ومن المغرب برقة وإفريقية والقيروان وأطول نهار هؤلاء أربع عشرة ساعة والإقليم الرابع يبتدي من المشرق فيمر ببلاد تبت وخراسان وجرجان وطبرستان والري وأصبهان وهمدان وحلوان وشهرزور وسر من رأى وأرض الجزيرة وشمال الشام إلى
52
بحر المغرب وفيه من مدن خراسان فرغانة وخجند وأشروسنه وسمرقند وبخارا وبلخ وآمل ومرو الروذ وهراة وسرخس وطوس ونيسابور وقومس ودماوند وقزوين والديلم وقم ونهاوند والدينور والجزيرة والموصل وبلد نصيبين وآمد ورأس العين وقاليقلا وسميساط والرقة وقرقيسيا ومن شمال الشام بالس والمصيصة وأصيدان والكنيسة السوداء وآدنه وطرسوس وعمورية ولاذيقية ثم يمر من بحر الشام على جزيرة قبرس ثم يمر في المغرب على بلاد طنجة إلى البحر وأطول نهار هؤلاء أربع عشرة ساعة ونصف والإقليم الخامس يبتدي من المشرق إلى بلاد يأجوج ومأجوج ثم على شمال خراسان وأذربيجان والخزر والروم إلى المغرب وفيه من مدن خراسان الطراز ونويكث وخوارزم واسبجاب والشاش وطاربند وبخارا ومن أذربيجان كور أرمينيه
53
وبرذعة ونشوى وسيسجان وأرزن وأخلاط ومن الروم خرشنه وقره والرومية الكبرى ثم سواحل بحر الشام مما يلي الشمال ثم بلاد أندلس حتى ينتهي إلى بحر المغرب والإقليم السادس يبتدي من المشرق فيمر على بلاد يأجوج ومأجوج ثم على بلاد الخزر ثم على وسط بحر جرجان إلى بلاد الروم فيمر على جرزان وهرقلة وقسطنطينية وبلاد برجان إلى بحر المغرب قال أهل هذا العلم أما ما وراء هذه الأقاليم إلى تمام الموضع المسكون الذي عرفناه فإنه يبتدي من المشرق من بلاد يأجوج ومأجوج فيمر على بلاد التغزغز وأرض الترك وعلى بلاد الان ثم على بلاد برجان ثم على شمال الصقالبة إلى أن ينتهي إلى بحر المغرب فهذا موضع عمران الأرض والبحور مما يعرف وأما ما وراء ذلك فأرضون مجهولة لا يعرف ما وراءها أحد إلا الله عز وجل قالوا وأما الذين يسكنون خارج الأقاليم
54
فإنهم أناس لا يفهمون قولا ولا يعلمون شيئا من الصناعات والعلامات وكانت الأرض مقسومة في الدهر الأول على خمسة أجزاء فمنها الصين والترك وتبت والهند وجزء منها الروم والصقالبة وسعد وخوارزم وأرمينية وجزء منها القبط والبربر والشام وجزء منها السودان وخراسان وكرمان وفارس واليمن وجزء منها الأرض المعروفة بإيران شهر وهي ما بين منتهى نهر بلخ إلى منتهى آذربيجان وأرمينية إلى الفرات والقادسية إلى بحر اليمن وفارس إلى مكران وكابل إلى طخارستان وهي صفوة الأرض وسرتها وهي تسمى إقليم بابل # ذكر المعروف من البحار والأودية والأنهار قال القدماء البحار المعروفة العظام خمسة أحدها بحر الهند وفارس والصين والثاني بحر الروم وأفريقية والثالث بحر أوقيانوس وهو بحر المغرب والرابع بحر بنطس والخامس بحر جرجان وفي رسالة أرسطاطاليس إلى الإسكندر التي تسمى بيت الذهب أن بحر أوقيانوس بحر محيط بالأرض كإكليل وينفجر منه خلجان هي سائر البحار وقد وصفوا
55
طول هذه البحار وعرضها وجزائرها وسواحلها وما يخرج منها من الأرجل والخلجان ويسمون بحر فارس الخليج الفارسي طوله مائة وخمسون فرسخا وعرضه مائة وخمسون فرسخا ويسمون بحر اليمن خليجا وكذلك سائر البحار وقالوا وفي البحر الهندي ألف وثلثمائة وسبعون جزيرة وربما بلغ طول الجزيرة مائة فرسخ في مائة فرسخ ومائتين وثلثمائة وفيها من المدن والقرى والأنهار والعيون والجبال والمفاوز والممالك قالوا وفي البحر الرومي مائة ونيف وستون جزيرة عامرة وبحر جرجان يقال له عابسكن وبحر باب الأبواب وهو أصغر البحار طوله من المشرق إلى المغرب ثلثمائة ميل وكانت فيه جزيرتان عامرتان فخربتا وبحر بنطس يمتد من اللازقة إلى خلف قسطنطينية وطوله ألف وثلثمائة ميل وعرضه ثلثمائة ميل ويخرج منه خليج القسطنطينية فيجري كهيأة النهر وينصب في بحر مصر وعرض الخليج ثلاثة
56
أميال وبحر الروم طوله من المشرق من صور وصيدا إلى الخليج الذي يخرج من بحر المغرب وطوله خمس مائة ميل وعرضه في بعض المواضع ثماني مائة ميل وفي بعضها ست مائة ميل وبحر الهند طوله من المشرق من أقصى الهند إلى أقصى الحبش ثلاثة آلاف ميل وعرضه ألفان وسبع مائة ميل يخرج منه خليج إلى ناحية البربر يسمى الخليج الفارسي طوله ألف وأربع مائة ميل وعرضه خمس مائة ميل وفيما بين هذين الخليجين خليج فارس وخليج أيلة أرض الحجاز واليمن وأما بحر أقيانوس فإنه لا يعرف منه إلا ما يلي شمال المغرب من أقصى بلاد الحبش إلى برطلية وهو بحر لا تجري فيه السفن ويبعد عن العمران وفيه جزائر مقابل الأندلس وطنجة وأما البحيرتان الجاريتان اللتان بهما تتم سبعة أبحر كما ذكر الله عز وجل فإنهم يزعمون خلف خط الاستواء فوق النوبة وهما مادتا النيل وأما البحر الزنجي فإنه لا يكون فيه شيء من الحيوان
57
لحرارة مائه وحرازته وليس يوجد اللؤلؤ والجوهر في عذاب البحور إلا في بحر الصين فإن ماءه عذب ويوجد فيه اللؤلؤ قال الله عز وجل ( ^ يخرج منها اللؤلؤ والمرجان ) وأنا البحار الصغار فلا تعد لأنها مستنقعات المياه كما لا تعد العيون والأنهار فمنها بالشام بحيرة زغر وبحيرة طبرية وبأذربيجان بحر أرمينية وأسفل خوارزم بحيرة سياه كوه وبدماوند بحيرة # ذكر المعروف من الأنهار نهر الكنك بأرض الهند ينبعث من جبال قشمير ويجري في أعالي الهند من ناحية الجنوب حتى ينصب في البحر الهندي ونهر مهران بأرض السند ينبعث من جبال أشغنان وينصب في البحر الهندي وأما الأنهار التي تنصب في بحر فارس فهي دجلة تخرج من جبال فوق أرمينية فأعظمها تقع في دجلة بالحديثة وأصغرهما تقع في دجلة بالسن ومخرج النهروان من أرمينية فإذا مر بباب صلوى يسمى تامرا ويستمد
58
من الهواطل فإذا صار بباجسري سمي النهروان وينصب في دجلة أسفل من جبل ومخرج الفرات من أرض الروم من جبال بها من موضع يقال له إبريق صخر ويمر بالجزيرة والرقة وينحدر إلى الكوفة ثم يمر حتى ينصب في البطائح فيختلط بدجلة ومخرج الخابور من رأس العين ويستمد من الهرماس وينصب في الفرات أسفل قرقيسيا وتجتمع هذه الأنهار كلها في دجلة ويمر دجلة بالأبلة إلى عبادان فينصب في الخليج الفارسي ومخرج نهر الأهواز ونهر جندي سابور من جبال أصبهان ويجتمعان في دجيل الأهواز ثم يفيض في بحر فارس وأما الأنهار التي تفيض في بحر جرجان فنهر كر ينبعث من بلاد الان ونهر تفليس وبرذعة وسبيذ روذ يمر ببلاد أذربيجان ويدخل بلاد الديلم ثم يقع في بحر جرجان وكذلك شاه روذ يخرج من طالقان الري فيفيض في بحر جرجان وهذه أنهار صغار وأما النيل فإنه يخرج من جبل القمر وينصب في بحيرتين من
59
خلف خط الاستواء ويطيف بأرض النوبة ويتشعب دون الفسطاط فيصير شعبة إلى الإسكندرية وشعبة إلى دمياط فيفيضان إلى بحر الشام وتلتقي شعبة منه بالماء الذي يحيط بجزيرة تنيس من البحر فإذا هبت جنوب عذب ماؤهم وإذا هبت الشمال ملح ومخرج نهر المصيصة وسيحان وجيحان كلها من بلاد الروم ومصبها في بحر الشام ومخرج نهر دمشق في جبال دمشق يسقي غوطة دمشق وينصب في بحيرة دمشق ومخرج نهر حلب من حدود دابق دون حلب بثمانية عشر ميلا ويفيض في أجمة أسفل حلب ومخرج جيحون من جبال بلاد تبت فيمر بوخان ويسمى وخان ثم ينحدر إلى الترمذ ويسمى نهر بلخ ثم يمر فيجاوز خوارزم وتبسط دونه فيصير بطائح ومستنقعات يصطاد منها السمك ثم يمر مستسفلا مقدار ثلاثين فرسخا حتى ينصب في بحيرة سياكوه وفي ساحلها الشرقي رياض ومروج ذات أشجار وشوك لا يكاد يمكن اخراقها إلا في طرق اتخذتها الخنازير ويفيض في هذه البحيرة نهر فرغانه ونهر
60
الشاش ومخرج نهر فرغانة من بامير فوق راشت وكميذ ومخرج نهر الشاش من بلاد الترك وأربعة أنهار تنبعث من جبال باميان أحدها يدخل بلاد الهند من ناحية لامغان والثاني يسقي مرو الروذ والثالث يسقي بلخ والرابع يسقي سجستان وما فضل منه يجتمع في بحيرة تسمى زرة وهي التي سمينا هي الأنهار العظام المذكورة في الكتب وأما الصغار والعيون فلا يحيط بها إلا علم الله سبحانه وتعالى وأهل الكتاب يزعمون أن أربعة أنهار تخرج من الجنة سيحان وجيحان والفرات والنيل وزعموا أن الفرات مد فرمى برمانة شبه البعير البازل وذلك في زمن معاوية فسئل كعب الأحبار فقال هي من الجنة وفي كتب العجم أن جم شاذ حفر سبعة أنهار سيحون وجيحون والفرات ودجلة ونهر مهران بأرض السند قالوا ونهرين لم يسمهما لنا وهذا غير جائز ولا ممكن اللهم إلا أن يقال هو ساق ماء هذه الأنهار إلى أراضي البلاد فاستعمرها واستنزلها وحفر الأنهار منها
61
# ذكر الممالك المعروفة قال أهل هذا العلم أن الصين على ساحل بحر الهند طوله ألف وخمس مائة فرسخ فيها ثلاث مائة وستون مدينة يحمل كل يوم إلى الملك خراج مدينة وثياب بدنه وجارية يرضاها قالوا وعدد جند الملك أربع مائة ألف مرتزق من فارس وراجل واسم المدينة التي يسكنها الملك خمدان والغالب عليهم استدارة الوجوه وفطس الأنوف وشقرة الألوان وصهبة الشعور وعامة لباسهم الحرير والديباج والفرو ومن هيئتهم في اللباس توسيع الأكمام وتطويل الذيول ويباهون بتزويق المنازل وكثرة الفرش والأواني وأكثر أراضيهم الأعذاء يسقيهم المطر والأنداء ودينهم السمنية والثنوية وعبادة الأوثان قالوا وفي شمال الصين بلاد يأجوج ومأجوج وفي مغاربهم الترك وتبت والهند وفي مشارقهم قوم يكنون في الأسراب لشدة وقع الشمس عليهم ولا يعلم ما في جنوبهم أحد إلا الله وفي كتاب المسالك والممالك أن في مشارق الصين مدينة لا يدخلها أحد فيخرج منها لطيب هوائها وفرط شعاعها
62
وزكاء أرضها وعذوبة مائها وحسن عشرة أهلها فرشهم الحرير والديباج وأوانيهم الذهب وكيت وكيت والله أعلم وأما الهند فصرود وجروم وأولها قشمير وهي خمسة وأربعون مصرا ممصرة كل مصر تشتمل على حدود ومدن وكل مدينة لها سواد وقرى ومنها جبال وشعاب ومفاوز وكل ذلك للملك خاصة والناس حراثوه وأكرته قالوا وفي الملك للخمارين ستون ألف جارية حانية وموظف عليهم أن يكنسوا الميدان ويرشوه إذا أراد الملك الضرب بالصوالجة ودينهم البرهمية وزيهم تطويل الشعر الغالب عليهم البياض لبرد هوائهم وفيهم علم النجوم والطب والشعبذة والسحر قالوا وشرق قشمير ختن وتبت والصين وجنوبها مملكة كور وشمالها بلورلوب ووخان وغربها كابل وغزنة ولهم الأنهار والعيون والقني والآبار وعندهم من أصناف الدواب والطير والألوان من الأطعمة والثمار وأما جروم الهند فجزائر وسواحل حتى تتصل بأرض الصين فمن مدنها الكبار قنوج وقندهار وسرنديب وسندان ألف وثلاثمائة وسبعون جزيرة عامرة فيها المدن والقرى غير السواحل قالوا وأول شرقي بحر الهند مكران وآخره بلاد الصين وأول غربيه عدن وآخره
63
بلاد الزنج وهم قوم خلاف الزنج والهند يمطرون في الصيف ولا يمطرون في الشتاء وعامة طعامهم الأرز والذرة ومشاربهم من مستنقعات يجتمع فيها ماء المطر يسمونها تلاج وليس عندهم من الفواكه ما لأهل قشمير والغالب عليهم السمرة والصفرة ودينهم البرهمية والسمنية وملكهم الأعظم يقال له بلهرا تفسيره ملك الملوك وإن في الجزائر ملوكا لا يطيع بعضهم بعضا ومشارق الهند الصين وقشمير وشمالهم السند وجنوبهم بلاد محرقة مجهولة وبحار ومغاربهم الزنج والرانج واليمن وأما تبت فهم صنف بين الترك والهند زيهم زي أهل الصين لهم فطس الترك وسمرة الهند وفيهم الكتابة والحساب والنجوم وأرضهم أرض باردة مشرقها الصين وشمالها الترك ومغربها وخان وراشت وهي أعالي خراسان وجنوبها قشمير وأعظم مدنها ختن بلدتين غيرين فيه من ألوان الثمار والفواكه وعامة لباسهم وفرشهم القز وهم عبدة الأصنام وبختن جماعة من ولد الحسين
64
ابن علي عليهما السلام ولهم بها مساجد وفي كتاب البلدان والبنيان من دخل تبت لم يزل مسرورا ضاحكا حتى يخرج وأما يأجوج ومأجوج فصنف بين الصين والترك الغالب عليهم خفش العيون وفطس الأنوف وقصر القامة جنوبهم الصين وشمالهم الترك ومغاربهم مشارق قشمير وتبت فلا يدرى ما في مشارقهم وهم أسوء الناس عيشا وأخبثهم طعما وأخرقهم خرقة وأقلهم تمييزا وفطنة كما يزعمون وقد ذكرهم الله عز وجل في القرآن المجيد والكتاب الكريم ووصفهم العلماء بصفات قد بيناها في مواضعها وأما الترك فهم عدد كثير وبلادهم واسعة وممالكهم متفرقة وقبائلهم لا تحصى منهم أهل وبر وأهل مدر جنوبهم تبت وبعض الصين ومشرقهم الصين ويأجوج ومأجوج ومغربهم ما وراء النهر من منبعث جيحون إلى مغيضه وشمالهم التغزغز وهم صنف منهم وأصناف من الناس من أخلاق البهائم والسباع متوحشة زعرة ثم يلي شمال هؤلاء فياف ومجاهيل وأراض باردة لا يعلم ما فيها إلا الله عز وجل وحد
65
بلاد الترك ينتهي إلى أحد جوانب بحر الروم وينتهي إلى بحر جرجان وسمعت أبا عبد الرحمن الأندلسي بمكة حرسها الله يحدث أنها ركضت راكضة من الترك على بعض حدود الأندلس وسبوا منه واستاقوا السوائم وأنه تبعهم الطلب فظفروا بواحد منهم فقالوا فذاك أول ما رأينا من الترك وكنا نكلمه ويكلمنا فلا يفهم ولا نفهم والغالب على الترك البياض والفطس وفيهم الثنوية والنصارى وعبدة الأوثان والشمس وأكثر بلادهم باردة قالوا وفي التغزغز ملك له خيمة من ذهب مركبة كالوطيس يرى تلك من فوق قصره على خمس فراسخ يعبدها قوم منهم وبلادهم سهلية قل ما يقع الثلج ويشتد الحر في الصيف حتى يسكن أهلها في أسراب وربما جاءت الحية هاربة من الحر فتساكنهم ولهم أنواع الفواكه وألوان الثمار قالوا وخيرخيز أيضا لهم المزارع والأشجار وملك خرخيز خاقان قالوا ومن الطراز إلى التغزغز مسيرة
66
شهر ومن التغزغز إلى خرخيز مسيرة شهر وسائر الترك قبائل وأحياء كلهم يرون الطاعة لملك الصين بالاسم قالوا ويجاور الترك الخزر روس وصقلاب وولج والان والروم وأصناف كثيرة من أشباههم والطريق إليهم في البر من خوارزم إلى بلغار ومن باب الأبواب وفي البحر من عابسكين فأما الخزر فعامتهم يهود يشتون في المدن ويصيفون في الخيام وأما روس فإنهم في جزيرة وبيئة يحيط بها بحيرة وهي حصن لهم ممن أرادهم وجملتهم في التقدير زهاء مائة ألف إنسان وليس لهم زرع ولا ضرع يتاخم بلدهم بلد الصقالبة فيغيرون عليهم ويأكلون أموالهم ويسبونهم قالوا وإذا ولد لأحد منهم مولود ألقى إليه سيف وقيل له ليس لك إلا ما تكسبه بسيفك ولهم ملك إذا حكم بين الخصمين بشيء فلم يرضيا به قال تحاكما بسيفكما فأي السيفين كان أحد كانت الغلبة له وهم استولوا على برذعة
67
سنة فارتكبوا من الإسلام وانتهكوا من محارمهم ما لم يسبقه إليه أحد من أهل الشرك فقتلهم الله عز وجل كلهم بالوباء والسيف قالوا وبلاد الخزر يتاخم بلاد ملك السرير وله قلعة على رأس جبل شاهق يحيط به سور من حجارة لا طريق إليها إلا من باب وله سرير من ذهب وسرير من فضة توارثهما من آبائه يذكرون أنهما فيهم من ألوف سنين والملك وحاشيته نصارى وسائر أهل مملكته عبدة الأوثان وصقلاب أكبر من الروس وأوسع خيرا وفيهم عبدة الشمس والأوثان وفيهم من لا يعبد شيئا وولج والان ليسا بالكثيرين في العدد وأما الروم فمشارقهم وشمالهم الترك والخزر والروس وجنوبهم الشام والإسكندرية ومغاربهم البحر والأندلس وطنجة وما يليها وكانت الرقة بعضا من حدود الروم أيام الأكاسرة والشامات ودار الملك أنطاكية إلى أن نفاهم المسلمون إلى أقصى بلادهم قالوا والروم أربعة وعشرون عملا على كل عمل جند وعامل وديوان جندهم مائة ألف وعشرون ألف مقاتل على كل عشرة آلاف
68
بطريق وعلى كل خمسة آلاف طرموخ وتحت يد كل بطريق طرموخان وهو اسم قائد الجيوش والمدبر لها دمستق وأكثر أعطائهم مقاتلهم في السنة أربعون رطلا ذهبا وأقلها اثنا عشر مثقالا ودينهم النصرانية ومذهبهم النسطورية وفيهم الحساب والحكماء والمنجمون والأطباء والحذاق بعمل الطلسمات والمنجنيقات وعجائب الصيغة ولهم صباحة وشقرة ونظافة وبلادهم برية بحرية سهلية جبلية باردة وفيهم يهود ومجوس يأخذون منهم الجزية ويأخذون من سائر الناس سوى خراج الضياع والأعشار والصدقات من كل بيت يوقد فيه النار درهما واحدا وأكثر غلمان الملك الترك والخزر ويسترق من الروم ما شاء قالوا وأعظم مدنهم الرومية وفيها أربعون ألف حمام ومنزل ملكهم قسطنطينية قالوا ومن وراء الروم ممالك لا يعظمون الطاعة لملك الروم ولا ينقادون له والحرب بينهم طول الصيف قائمة فإذا هجم الشتاء سد مسالكهم الثلج وأما البربر فإنهم من العمالقة الذين كانوا نزولا بأرض الشام وفلسطين فلما
69
قاتلهم يوشع بن نون وقتل منهم من قتل انحازت بقيتهم إلى أعالي المغرب فهم اليوم نزول بين قصر ابن بايان إلى برقة وقيروان في الرمال والجبال والسواحل أصحاب قناطر وأعمدة وفيهم جفاء وجلادة ويقال أن جالوت الذي قتله داود النبي عليه السلام كان منهم وفيهم شرك وإسلام والسبي الذي يجلب منهم من دار شركهم وفي حافاتهم أصناف من السودان يقال زغل وزغاوة ومن ثم يحمل هؤلاء الخصيان السود وأما الحبشة فقوم سود وبلادهم محرقة سهول وسواحل دينهم النصرانية طعامهم العسل والذرة ومشارقهم الحجاز ومغاربهم البحر وبأرضهم يقنص هذه الزرافات وأما البشرية فإنهم قوم سود بلادهم حارة وماءهم من النيل ودينهم النصرانية وهم أصحاب الخيام منهم البجة وفوقهم موضع يقال له عبرات السلاحف قالوا لا نكاح بين أهلها ولا يعرف الولد أباه ويأكلون الناس
70
والله أعلم وأما الزنج فقوم سود الألوان فطس الأنوف جعاد الشعر قليلو الفهم والفطنة مشارقهم مغارب الهند ومغاربهم البحر وأرضهم أرض متخلخلة منهارة لا تحمل نبأ ولا تنبت شجرا يجلب إليهم الطعام والثياب ويحمل من عندهم الذهب والرقيق والنارجيل وأما بلاد الإسلام فواسعة بحمد الله ومنه عريضة واسعة وهي ممالك فأولها الحجاز دار النبي ومبعث الإسلام مشرقهم العراق مغربهم بلاد مصر وشمالهم الشام وجنوبهم اليمن والحبشة ونجد ما ارتفع منها وتهامة ما تطاء من نحو البحر فمكة حرسها الله من تهامة والمدينة من نجد وهي بدو وحضر فمن مدن الحضر مكة والطائف والجدة والجحفة والمدينة ووادي القرى وخيبر ومدين وأيلة وتبالة ومدن آخر صغار مثل بدر والفرع والمروة وفدك والرحبة والسيالة والربذة ومن المدن بالحجاز تيماء وحصنها الأبلق ودومة الجندل وحصنها مارد وفيها تقول الزباء تمرد ما رد وعز الأبلق وقرى كثيرة غير
71
ما ذكرنا وأما البدو القبائل وأصحاب الخيام وبدوهم أكثر من حضرهم اليمن قالوا وكانت أعمال اليمن مقسومة على ثلاثة ولاة وال على الحرم ومخاليفها ووال على حضرموت ومخاليفها وهي أوسطها وأطيب بلادها وأبردها وأكثر ما ارتفع من أموالها ما جباه بعض عمال بني العباس ستمائة ألف دينار وأهلها قوم فيهم جهل وغباوة وسلامة الصدر وضعف الحال وأكثر فواكههم الموز وعامة لحومهم لحم البقر وفي مشارق سواحلهم صحار ومسقط وسقوطرا وشحر محلب ومن عندهم اللبان والصبر وهم قوم ضعاف الحال سيوء العيش قليلو الخيل والصناعات ولهم لغة لا يفهمها غيرهم وتليهم الاحساء وهي من أرض العرب قد استوطنها القرامطة اليوم الشام وهي أربعة أجناد جند من حمص وجند دمشق وجند فلسطين وجند الأردن ولكل جند عمل يشتمل على عدة مدن وقرى وفيها العجائب والمساجد لأنها أرض الأنبياء عليهم السلام فشرقي الشام غربي الفرات
72
وغربي الشام ساحل الروم وشماله جبال الروم وجنوبه فلسطين والأردن وبعض البادية فمدينة الأردن الطبرية والرملة وبيت المقدس من سواد رملة وكان دار ملك سليمان وداود عمل مصر مسيرة شهر في مسيرة شهر طولها من رفح إلى أسوان من حد النوبة وعرضها من برقة إلى أيلة وهي من بلاد مقدونية يونان وماءها من النيل وكانت المدينة في القديم عين الشمس ثم صارت الفسطاط من مصر إلى إسكندرية ثلاثون فرسخا وما وراء ذلك من حد المغرب وما فوق أسوان من حد النوبة وما فوق رفح من حد فلسطين وكان خراج مصر زمن فرعون ثمانية وعشرين ألف دينار وجباه بنو أمية ألفى ألف وثمان مائة ألف دينار المغرب من الإسكندرية إلى برقة مائتا فرسخ وبرقة أول مدينة من مدن المغرب وهي حمراء شديدة حمرة التربة موضوعة في صحراء محفوفة بالجبال ومنها إلى الإفريقية
73
وهي القيروان العلوي المهدي مائة وخمسون فرسخا عمارات متصلة حضرها المغاربة وبدوها البرابر ومن المهدية إلى السوس مسافة أيام كل هذا في يد العلوي وهو من أولاد إدريس بن عبد الله بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ثم ما وراء ذلك في يد ابن رستم الأباضي وهو رجل من الفرس يرى رأي الخوارج ويسلم عليه بالخلافة ومن إفريقية إلى تاهرت مسيرة شهر ثم ما وراء تاهرت في يدي الأموية عبد الرحمن بن معاوية من ولد هشام بن عبد الملك بن مروان وهي طنجة ولنجة وأندلس وعمل طنجة مثل عمل مصر مسيرة شهر في شهر وهي متاخمة شمال الروم ومجمع البحرين الذي يجري فيه السفن والذي لا تجري وفي جنوب المغرب السودان زغل وزغاوة إلى النوبة والحبشة ومغارب طنجة البحر الأخضر المظلم الذي لا يركبه أحد
74
ولا يعلم أحد ما وراءه ويقابل طنجة وأندلس وأفريقية جزائر من البحر فيها عمارات ومدن وأكثرها من عمل الروم العراق شرقي الحجاز طوله مائة وعشرون فرسخا من عقبة حلوان إلى العذيب وكانت الأكاسرة ينزلون المدائن إلى أن جاء الإسلام وجباها سهل بن حنيف زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مائة ألف ألف وثمانية وعشرين ألف ألف درهم وجباها الحجاج ثمانية عشر ألف ألف درهم وليس فيها مائة ألف ألف درهم تراجع إلى هذا المقدار في مدة أربعين سنة وزيادة مدنها الكبار أربع الكوفة والبصرة وواسط وبغداد وليس بالعراق ماء جار إلا بالسواقي والدوالي غير عين البصرة فإن المد يسقيها والبطائح دون واسط بعشرين فرسخا وهي ثلاثون فرسخا في ثلاثين فرسخا وكانت هذه البطائح في القديم قرى عامرة ومزارع متصلة والماء يجري من دجلة العوراء يمر بين يدي المذار وعبدسي وفم الصلح حتى يأتي المدائن والسفن تجري فيها من أرض الهند إلى المدائن ثم خدت الأرض حتى مرت بين يدي واسط قبل أن يكون واسط فجعلت بذلك الضياع بطائح قبلها جوخى بين المذار
75
وعبدسي فصارت صحارى وسميت تلك دجلة العوراء لتحول الماء عنها وأنفق كسرى مالا عظيما على أن يحول الماء إلى دجلة العوراء فأعياه ذلك ورام بعده خالد بن عبد الله فأعجزه الجزيرة ما بين دجلة والفرات فمنها سروج ورها وعين شمس ودارا ونصيبين وآمد وبرقعيد وبلد الموصل وبالس ورقة وهيت والرحبة أعلاها أرمينية السواد سوادان سواد الكوفة وسواد البصرة وسمي سورستان طولها من حد الموصل إلى آخر الكوفة المعروفة ببهمن أردشير على فرات البصرة مائة وخمسة وعشرون فرسخا وعرضها ثمانون فرسخا من عقبة حلوان إلى العذيب مما يلي البادية يكون ذلك مكسرا عشرة آلاف فرسخ والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع كل ذلك مستعمر مستنزل وكان مبلغ خراج السواد مائة ألف ألف درهم وخمسين ألف ألف درهم ولم يزل على المقاسمة في أيام قباذ بن فيروز الملك فإنه مسحها ووضع الخراج عليها وبعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عثمان بن حنيف فمسح السواد فوجده
76
ستة وثلاثون ألف ألف جريب فوضع على كل جريب درهما وقفيزا آذربيجان وأرمينية هي شمال الجبل والعراق مشارقهم جرجان ومغاربهم الروم شمالهم أصناف أهل الشرك لأنه يقال أن وراء باب الأبواب اثنين وسبعين فرقة من الكفار فمن مدنها الكبار أردبيل ومراغة وموقان وبرذعة وتفليس وثغورها ثغور أهل الشام وأهل الجزيرة وهي تسمى العواصم فمنها قالى قلا وسميساط وأخلاط وقنسرين وكذلك طرسوس وعين زربة وآدنه والمصيصة الأهواز طولها من سفح جبال إينان إلى شط البصرة وعرضها من حد واسط إلى حد فارس ومدنها الكبار ست كور تستر وجندي سابور والسوس والعسكر ورام هرمز ونفس مدينة الأهواز وكان يبلغ خراجها أيام الأكاسرة مائة ألف ألف درهم وخمسين ألف ألف درهم واف وحكى أنها جبيت في بعض الأوقات ألف حمل فضة فارس طولها مائة وخمسون فرسخا في مائة وخمسين فرسخا منها صرود وجروم
77
وجبال وسهول وسواحل وكورها في الأصل أربع كور اصطخر وسابور ودارابجرد وأردشير خره فمدينة أردشير خره شيراز ومدينة دارابجرد فسا ومدينة سابور نوبندجان ومدينة اصطخر البيضاء وخراجها أربعة وستون ألف ألف درهم واف ويتاخمها كرمان كرمان وسجستان ومكران وما فوقها أما كرمان ففيها صرود وجروم وعيون وأودية وأعظم مدنها أربع برماشير وبم وجيرفت ودار الملك المعروف بالسيرجان وبتاخمها بلاد مكران وسجستان فأما مكران فإنها تمتد إلى قيقان من أرض السند وفيه مدن وكور كثيرة ثم إلى مولتان تسمى فرج بيت الذهب لأن محمد بن يوسف لما افتتحها أصاب بها أربعين بهارا من الذهب والبهار ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون منا ذهبا ثم يتصل حدود مولتان بحدود الهند وأما سجستان فمشارقها أرض كابل ومغاربها كرمان وجنوبها مكران وقيقان وشمالها قهستان وخراسان
78
وتتاخم سجستان بلدي الرور والرخج وبست وهذه النواحي تتاخم أرض غزنة وقد ظهر في نواح يقال لها خشباجي معدن الذهب يحفرون الآبار ويخرجون من التراب الذهب وظهر هذا في سنة تسعين وثلاثمائة وزيد هذا الفصل في هذا الكتاب لأنه من العجائب ثم يرتفع إلى فنجهير وهي معادن الفضة إلى أندراب وبذخشان ووخان ثم يتصاعد إلى تبت ومن تبت إلى المشرق وفي شمال تبت والرخج الغور وهي جبال شامخة يخرقها نهر زرنج وفي جنوبها أرض السند الجبل وهي من شرقي العراق وغربي خراسان أدناها إلى العراق حلوان ثم قرماسين ثم الدينور ثم همذان ونهاوند يسمى ماء البصرة وفي شمال هذه النواحي أذربيجان وفي جنوبها ماسبذان والسيروان ومدينة مهرجان قذق وهذه المدن بين العراق والأهواز والجبل وما يلي أرض فارس من الجبل الكرج وأصبهان وما بينها آخر عمل الجبل مما يلي خراسان الري وقزوين
79
ثم في شمالها متصاعدا جرجان وطبرستان والجيل والديلم فالديلم لهم الجبال وهم أقل عددا من الجيل والجيل لهم سواحل بحر عابسكين وفي مشارق الري قومس ثم يمر متصاعدا حتى يدخل حدود خراسان قالوا وبين الحدين تل لما وافى عبد الله بن طاهر خراسان واليا عليها وقف على ذلك التل ونادى يا أهل خراسان لا أجبيكم حتى أحميكم خراسان طوله من حد الدامغان إلى شط نهر بلخ وعرضه من حد زرنج إلى حد جرجان ومدنها الكبار أربع نيسابور ومرو وهراة وبلخ ثم فوق بلخ إذا لم يعبر النهر ممالك منها طخارستان وختل وشغنان وبذخشان إلى حدود الهند من نحو باميان وإلى حدود تبت من نحو وخان وإن عبرت النهر أداك إلى الصغانيين من الترمذ إلى نخشب وكميذ وراشت تتاخم بلاد الترك الخرلخية ومن قبلهم يجيئهم الماء وأما ما وراء النهر فممالك واسعة منها سمرقند وفرغانة
80
والشاش واسبيجاب ودار الملك بخارا وأما المدن الصغار فكثيرة مثل كش ونسف وكور سغد وإيلاق وخجند وفرب وعلى شطي جيحون إذا انحدرت على آمل بلاد خوارزم وهي تتاخم بلاد الترك بالغربية ومن خوارزم إلى بلغار يفضى إلى الخزر والروم ومن وراء باب الأبواب وفي مشارق خوارزم الترك وما وراء النهر وفي جنوبهم مرو الروذ وأبيورد ونسا وفي مغاربهم البحر وفي شمالهم الترك فسبحان من أحصى هؤلاء الخلق عددا وقدر لهم الأراضي والنواحي مستقرا وموطنا وخالف بين أهوائهم وإراداتهم وهممهم ولغاتهم ومعاملاتهم ومعائشهم فهم كلهم بعينه وعينه وفي قبضته وتحت قدرته لا يخفى منهم خافية عليه ولا يغيب غائبة فهم بين مرضي عنه ومسخوط عليه ومقرب إليه ومقصي عنه فلا المرضي بالمقرب آمن من عقوبته وسطوته ولا المقصي المسخوط عليه يائس من عفوه ورحمته تبارك الله وتعالى كيف لا يحار الأفهام في عجيب تدبيره وبديع تقديره ومحكم صنيعه وفاضل قسمته تكفل بأرزاقهم ولم يخف عليه عدد أنفاسهم وجعل بعضهم لبعض فتنة يبلو بهم صبرهم وشكرهم في معافى ومبتلي وفقير وغني وضعيف وقوي وحسن ورميم
81
وعالم وجاهل دلالة منه بما يصنع على وحدانيته ودعوة إلى معرفة ربوبيته فله الحمد بالاستحقاق والاستغناء ومن أحق بحمده ممن دعاه فأجابه وهداه فاهتدى به اللهم فألهمنا التوفيق لبلوغ رضاك وأداء حقك في إشاعة شكرك والقيام بلوازم فرضك وعرفنا بركتك بإعطاء القوة وزيادة النشاط في طاعتك وعبادتك ولا تجمع بيننا سوء اختيارنا وكثرة تفريطنا وبين من عاديناه فيك وناصبناه لدينك يا أرحم الراحمين وكم للناظر في هذا الفصل من العبر والتنبيه إن كان ذا عقل ودين يقول الله عز وجل ( ^ وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ) ويقول ( ^ قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) ويقول سبحانه ( ^ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ) ويقول ( ^ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ) # ذكر المساجد والبقاع الفاضلة والثغور مكة جاء في أخبار أهل الإسلام أن أول ما خلق الله عز وجل في الأرض مكان الكعبة ثم دحا الأرض من تحتها فهي سرة الأرض ووسط
82
الدنيا وأم القرى أولها الكعبة وبكة وحول بكة مكة وحول مكة الحرم وحول الحرم الدنيا قالوا ولما هبط آدم إلى الأرض حزن على ما فاته من نعيم الجنة فعزاه الله عنه بخيمة من خيام الجنة درة مجوفة فوضعها في موضع الكعبة اليوم وجعل يطوف بها مع الملائكة قالوا فلما كان زمن الغرق رفعت الخيمة إلى السماء وزعم وهب أن أول من بنى الكعبة بالطين والحجارة شيث بن آدم عليه السلام فلما كان زمن إبراهيم عليه السلام أمره الله تعالى ببناء البيت وأرسل إليه السكينة وهي في هيأة سحابة لها وجه ولسان وعينان تتكلم فوقفت فوق موضع الكعبة وقالت يا إبراهيم خذ على قدر ظلي فبنى البيت على قدر ذلك الظل بقول الله عز وجل ( ^ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) قالوا وليست أمة في الأرض إلا وهم يعظمون ذلك البيت ويعترفون بقدمه وفضله وأنه من بناء إبراهيم الخليل عليه السلام حتى اليهود والنصارى والمجوس وقد قيل أن زمزم سميت بزمزمة المجوس عليها وأنشدوا بيتا
83
# ( رمزمت الفرس على زمزم % ذلك في سالفها الأقدم ) سريع # قال الله تعالى ( ^ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ) قالوا فلما فرغ إبراهيم من بناء البيت نادى يأيها الناس إن الله كتب عليكم الحج إلى بيته تحجوه وبلغ الله عز وجل صوته من كان في أرحام الأمهات وأصلاب الآباء فمن أجابه ولباه فلا بد من أن يحج ومن لم يجبه فلا سبيل إلى ذلك قالوا وأول من كسا الكعبة تبع لما أتى به مالك بن عجلان إلى يثرب وقتل اليهود ومر بمكة وقد أخبر بفضلها وشرفها فكساها الخصف ثم رأى في المنام أن أكسها أحسن من ذلك فكساها الأنطاع فرأى في المنام أن اكسها أحسن من ذلك فكساها المعافر والوصائل وأول من حلى البيت عبد المطلب لما حفر بئر زمزم أصاب فيه من دفن جرهم غزالتين من ذهب فضربهما في باب الكعبة ثم لما قام
سريع
قال الله تعالى (
وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ) قالوا فلما فرغ إبراهيم من بناء البيت نادى يأيها الناس إن الله كتب عليكم الحج إلى بيته تحجوه وبلغ الله عز وجل صوته من كان في أرحام الأمهات وأصلاب الآباء فمن أجابه ولباه فلا بد من أن يحج ومن لم يجبه فلا سبيل إلى ذلك قالوا وأول من كسا الكعبة تبع لما أتى به مالك بن عجلان إلى يثرب وقتل اليهود ومر بمكة وقد أخبر بفضلها وشرفها فكساها الخصف ثم رأى في المنام أن أكسها أحسن من ذلك فكساها الأنطاع فرأى في المنام أن اكسها أحسن من ذلك فكساها المعافر والوصائل وأول من حلى البيت عبد المطلب لما حفر بئر زمزم أصاب فيه من دفن جرهم غزالتين من ذهب فضربهما في باب الكعبة ثم لما قام 84 الإسلام كساها عمر بن الخطاب رضي الله عنه القباطي ثم كساها الحجاج بن يوسف الديباج ويقال أن أول من كساها الديباج الخسرواني يزيد بن معاوية وأول من خلق جوف الكعبة بالخلوق عبد الله بن الزبير وأول من بناها بعد بناء إبراهيم عليه السلام أهل الجاهلية قبل مبعث النبي وذلك أنه جاء سيل من أعلى مكة فهدم جدار الكعبة وساق مالها فاجتمعت قريش وتشاوروا في بنائها فبنوها ورفعوا بابها عن الأرض مخافة السيل وأن لا يدخل فيها إلا من أحبوا ثم اختلفوا في الركن فوضعه رسول الله بيده قبل الوحي وكان المسجد في عهده غير محاط عليه فضاق بالناس أيام عمر فاشترى دورا فهدمها وزاد في المسجد وأحاط عليها بحائط دون قامة الرجل ثم زاد عثمان بعده ثم هدم البيت عبد الله بن الزبير على حديث عائشة وجعل له بابين في الأرض ونقل إليه ثلاث أساطين من قليس صنعاء ثم لما قتله الحجاج هدم بناءه وبناه على البناء 85 الأول ثم وسع المسجد أبو جعفر المنصور ثم زاد فيه بقدر المهدي في سنة مائة وستين فهو اليوم على ما بنوه مسجد المدينة كان بالمدينة على عهد رسول الله تسع مساجد يصلون ولا يحضرون مسجد الرسول إلا يوم الجمعة وأول ما بني بها من المساجد مسجد قبا وذلك أن رسول الله لما قدم نزل في بني عمرو بن عوف وأسس به مسجد قبا ثم خرج من عندهم يوم الجمعة فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف فصلى الجمعة في بطن الوادي وبني فيه مسجدا ثم جاء إلى المدينة ونزل على أبي أيوب الأنصاري وكان المربه فيه قبور جاهلية وغرقد وما يستحل فسأل النبي عنه فقال له معاذ بن عفراء وأسعد بن زرارة إنه لسهل وسهيل ابني عمرو ويتيمين في حجري وسأرضيهما عنه فأبى الرسول حتى ابتاعه منهما وأمر بالقبور فنبشت وبالغرقد فقطع وباللبن فضرب ونقلت الحجارة لأساسه وكان رسول الله ينقل الحجر على بطنه فلقيه أسد بن حصين فقال أعطنيه يا رسول الله فقال اذهب فاحمل غيره 86
لست بأفقر إلى الله عز وجل مني وجعل يقول فيما روى الزهري لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة وجعل المسلمون يرتجزون # ( لئن قعدنا والنبي يعمل % فذاك منا العمل المضلل ) +رجز+ # قالوا وبني المسجد في طول مائة ذراع مربعا أساسه الحجر وجدرانه اللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل ثلاثة أبواب فقيل له ألا تسقفه فقال لا عرش كعرش موسى وتمام الشان أعجل من ذلك فهذا ما كان من أمر المسجد في عهد رسول الله وأمر أن يحصب فمات قبل ذلك فحصبه عمر رضي الله عنه وزاد فيه دار العباس ثم زاد فيه عثمان وجعل سقفه من الساج وحيطانه بالحجارة المنقوشة ثم لما استعمل الوليد بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز على المدينة كتب إليه أن يوسع المسجد ويدخل فيه بيوت أزواج النبي وبعث إليه بفعلة من الروم والقبط وأربعين ألف مثقال من ذهب
87
فسوره وبطنه بالفسيفساء وألوان الزجاج ثم زاد فيه المهدي ثم المأمون بعده فهو اليوم على ما فعله المأمون بيت المقدس زعم وهب أن يعقوب النبي عليه السلام كان يمر في بعض حاجاته فأدركه النوم في موضع المسجد فرأى في المنام كأن سلما منصوبا إلى السماء والملائكة تعرج فيه وتنزل وأوحى الله عز وجل إني قد ورثتك هذه الأرض المقدسة ولذريتك من بعدك فابن لي فيها مسجدا فاختط عليه يعقوب ثم بعده قبة إيليا وهو الخضر ثم بنى بعده داود وأتمه سليمان وخربه بخت نصر فأوحى الله عز وجل إلى كوشك ملك من ملوك فارس فعمرها ثم خربها ططس الرومي الملعون فلم يزل خرابا إلى أن قام الإسلام وعمره عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم معاوية ابن أبي سفيان وبه بايعوه للخلافة وليس ببيت المقدس ماء جار وإنما يشربون ماء الأمطار في الجباب إلا عيينة تسمى عين سلوان فيه ملوحة يزعمون أن الله عز وجل أظهرها لمريم حين أرادت أن تغتسل وظهر المسجد مغطى بصفائح من رصاص وأرض المسجد مفروشة بالرخام لئلا يضيع ماء المطر وللمسجد
88
أبواب باب داود وباب سليمان وباب الأسباط وباب البقر والمسجد من أحد جوانبه يفضي إلى وادي جهنم وفيه مقابر ومزارع وفي وسط المسجد قبة الصخرة وعلى باب المدينة باب داود يصعد إليه بدرجات وفي المدينة مسجد لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وفيها كنائس اليهود والنصارى منها كنيسة يقال لها جلجلة فيها قبر آدن أبي زكريا عليه السلام ومنها كنيسة صهيون التي كان يتعبد فيها داود عليه السلام وكنيسة القيامة في الموضع الذي يزعم النصارى أن المسيح لما قتل دفن فيها ثم قام وصعد إلى السماء ومن رملة إلى بيت المقدس ثمانية عشر ميلا وفي نصف الطريق قرية شنا يقال لها قرية العنب ومن بيت المقدس إلى بيت لحم فرسخ وبه كنيسة مولد المسيح عليه السلام وبجنبها كنيسة الصبيان يزعمون أن الملك هيروذوس قتل بها صبيانا على اسم المسيح ومن بيت لحم إلى قبر الخليل عليه السلام فرسخان طور سينا يخرج
89
الرجل من مصر إلى قلزم في ثلاثة أيام ومن قلزم إلى الطور طريقان أحدهما في البحر والآخر في البر وهما جميعا يؤديان إلى فاران وهي مدينة العمالقة ثم يسير منها إلى الطور في يومين فإذا انتهى إليه صعد ست آلاف وست مائة وستا وستين مرقاة وفي نصف الجبل كنيسة لإيليا النبي وفي قلة الجبل كنيسة مبنية باسم موسى عليه السلام بأساطين من رخام وأبواب من صفر وهو الموضع الذي كلم الله عز وجل فيه موسى وقطع منه الألواح للتورية ولا يكون فيها إلا راهب واحد للخدمة ويزعمون أنه لا يقدر أحد أن يبيت فيها فيهيء له بيت صغير من خارج ينام فيه مسجد الكوفة بناه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالآجر وزاد فيه المأمون ويقال من موضعه فار التنور من الغرق مسجد البصرة بناه عتبة بن غزوان بالقصب ثم بناه عبد الله بن عامر بالطين ثم بناه زياد بن أبيه بالآجر وزاد فيه المأمون وفيه موضع الحكم الذي كان يقضي فيه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مسجد مصر بناه عمرو بن العاص زمن إمارته بها مسجد دمشق
90
بناه الوليد بن عبد الملك ويقال أنه أحد عجائب الدنيا مسجد الرملة يقال فيه قبر كذا نبي والله أعلم وأحكم # الطريق من العراق إلى مكة حرسها الله يقال من الكوفة إلى مكة مائتان وثلاثة وخمسون فرسخا والفرسخ ثلاثة أميال يخرج من الكوفة إلى القادسية ثم إلى العذيب وهي كانت مسلحة للفرس بينها وبين القادسية حائطان متصلان بينهما نخل وهي ستة أميال فإذا خرجت منها دخلت البادية ثم المغيثة ثم القرعا ثم واقصة ثم العقبه ثم القاع ثم زبالة وبها حصن وجامع ثم الشقوق ثم قبر العبادي ثم الثعلبية وهي ثلث الطريق ثم الخزيمية ثم الأجفر ثم فيد وهي نصف الطريق وبها حصن وجامع والبلد لطيئ ثم سميرا ثم الحاجر ثم النقرة ومنها يفترق الطريق إلى المدينة فمن أراد مكة أخذ المغيثة ثم الربذة ثم السليلة ثم العمق ثم معدن بني سليم ثم أفيعية ثم المسلح ثم الغمرة
91
ومنها يحرم الناس إلا الجمالين فإنها يحرمون من ذات عرق ثم بستان بني عامر ومن البستان إلى مكة ثمانية فراسخ أربعة وعشرون ميلا ومن أراد المدينة من النقرة أخذ العسيلة ثم بطن النخل عمرها مصعب بن الزبير ثم الطرف ثم المدينة ومن المدينة إلى مكة ثلث طرق الجادة والساحل وطريق المخالف ولكل قوم طريق ومنازل معدودة فلا فائدة في حفظها لغير أهلها # ذكر الثغور والرباطات إعلم أن لكل قوم عدوا يحاذرونهم فلأهل الشام وأذربيجان والجزيرة عدوهم الروم وأرمينية وثغورهم السواحل وطرسوس والمصيصة وعين زربة وقاليقلا وسميساط واخلاط وكذلك عودو المغاربة الروم وعدو أهل الجبل وجرجان والجيل والديلم الغزية الترك وكانت قزوين ثغر الديلم ودهستان ثغر الترك فأسلمت الديالمة وتباعدت عنهم الترك عدو أهل كرمان البلوص وعدو
92
أهل بلخ وباميان وجوزجان الهند وأهل خراسان عدوهم الترك وعدو أهل مكران البارج وخاشت وثغرهم تيز وأهل زرنج وبست الغور وكثير من الثغور قد تباعد عنها العدو وأسلموا مثل قزوين أسلمت الديلم ومثل ويسكرد أسلمت راشت والتحرز من المسلمين أولى من غيرهم # ذكر ما يحكى من عجائب الأرض وأهلها قد ذكر في الكتب أن عجائب الدنيا أربع شجر الزرزور ومنارة الإسكندرية وكنيسة الرها ومسجد دمشق ومن العجائب الهرمان بمصر ارتفاعهما في السماء أربع مائة وخمسون ذراعا في انخراط مكتوب عليهما من ادعى قوة فليهدمهما فإن الهدم أسهل من البناء ومنها قنطرة بختن معقودة من رأس جبل إلى جبل عقدها أهل الصين في الدهر ومنها جبل تبت يقال له جبل السم إذا مر به الناس أخذ بأنفاسهم فمنهم من يموت ومنهم من ينغل لسانه
93
ومنها أن قتيبة بن مسلم لما افتتح ويكند أصاب بها قدورا عظاما يصعد إليها بالسلاليم فتذاكروا أنها مما عملته الشياطين لسليمان عليه السلام بقوله تعالى ( ^ يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ) ومنها ما يحكى أن في مطلع الشمس أرضا ينبت الذهب قطعا كالنبات يظهر عند انفجار الصبح كالسرج ثم يغوص إذا دنا طلوع الشمس وفي تلك الأرض دابة على صورة النمل تأكل الناس قالوا ولما أغزى كشتاسب بن لهراسب أسفنديار فسار في أرض الترك حتى خرج من وراء الروم في أقصى الغرب وضع ثم صنما ونقش فيه ليس وراء هذا أحد يقاتل ولما فتح طارق بن زياد الأندلس في ولاية الوليد بن عبد الملك أصاب بها مائدة بثلاثة أطواق لؤلؤ وزبرجد وياقوت فذكر أهل الكتاب أنهما مما استخرجه الشياطين من البحر لسليمان بن داود ومنها أن من دخل تبت لم يزل مسرورا ضاحكا حتى يخرج كما يزعمون من غير علة ومنها أساطين أنصنا مرأى الصعيد وغضائر السروج ومنها
94
البحر المغربي لا تجري فيه السفن لأن فيه جبالا من حجر المغناطيس إذا انتهت إليه السفن جذبت ما فيها من المسامير فانتقضت قالوا وفي بحر الهند حيتان يبتلعون القارب وفيه سمك طيارة وفي بحر المغرب سمك على صورة الناس سواء وبأرض الهند شجر تقود فروعها إلى الأرض فتغوص فيها ثم تخرج رؤوسها من موضع آخر فإذا صارت شجرا عادت رؤوسها إلى الأرض ثم لا يزال كذلك حتى بلغت فراسخ ويغلب على بلدان كثيرة بعروقها وفروعها وزعموا أن قصب الخيزران يسير تحت الأرض خمسة فراسخ أو ستة وبها شجر يقال لها وقواق فيزعمون أن صورة ثمره على صورة وجوه الناس وأما الحمات والنيران الظاهرة ومخارق الريح التي لا تسكن أبدا ومساقط الثلوج التي لا تخلو طول السنة ومستنقعات المياه المختلفة الطعوم والأرائيح والترب المختلفة فلا تحصى ولا تعد وقد ذكر محمد بن زكريا في كتاب الخواص منه طرفا صالحا فمما زعموا أن بأرض الترك جبلا إذا انتهوا إليه شدوا في حوافر
95
دوابهم اللبد والصوف لئلا يثير عجاجا فيمطروا قالوا ويحملون معهم من حجارة ذلك الجبل فإذا عطشوا حركوها في الماء فيمطرون في الحال وفي كتاب المسالك والممالك حكاية أن بأقصى الترك مما يلي شمالهم نهرا عظيما يدخل في نقب جبل عظيم لا يدري أحد أين مخرج ذلك الماء ومصبه وأن رجلا منهم اتخذ ضغثا ودخل في زق عظيم وأمر أن ينفخ فيه واستوثق من رأسه ثم شد الزق على الضغث وطرح في الماء قالوا وأنه غاص يومين أو ثلاثة ثم خرج ببسيط من الأرض فلما أحس بضوء النهار شق عنه الزق فإذا هو بأرض ذات شجر وحيوان لم ير مثلها في طولها وعرضها وعظمها وناس طوال القامات عراض الأجسام على دواب عظام فلما بصروا به جعلوا يضحكون تعجبا منه ومن خلقته وجسمه هكذا الحكاية فلا أدري من أي طريق عاد إليهم هذا الرجل وأخبرهم بالخبر ومن أراد معرفة هذه الأشياء فلينظر في طبائع الحيوان وطبائع الأحجار وطبائع النبات يزده علما ومعرفة وعبرة
96
ومن عجائب أصناف الناس قد جاء في الأخبار من صفة يأجوج ومأجوج ما ذكرناه في موضعه وكذلك من صفة النسناس بأرض وبار وصنف منهم بناحية بأمير وهي مفازة بين قشمير وتبت ووخان والصين ناس وحشية مشعرة جميع أبدانهم إلا الوجه ينقزون نزو الظباء وحدثني غير واحد من أهل وخان أنهم يصطادونه ويأكلونه قالوا وفي غياض سرنديب ناس وحشية يصفر بعضها لبعض وينفرون من الناس وبالزنج في أقاصيها قوم ليس لهم طعام إلا ما أحرقت الشمس من دواب البحر عند غروبها ولا لهم لباس غير ورق الشجر ولا لهم بناء إلا أكنان تحت الأرض وهم يأكلون بعضهم بعضا ولا يعرف أحد منهم أباه ولا نكاح فيهم قالوا وفي ناحية الترك قوم إذا خرجوا إلى عدوهم أخذوا الملح معهم فمن قتلوه ملحوه وأكلوه قالوا وبنواحي خرخيز أمة وحشية لا يخالطون الناس ولا يفهمون عنهم لباسهم وأوانيهم من جلود الوحش يتناكحون على أربع كالوحش والبهائم وإذا مات منهم ميت علقوه على الشجر حتى يبلى قالوا وفي جهة الشمال أمة في طباع السباع الزعرة
97
هم سباع الناس وحدثني غير واحد من الغواصين بأنهم يرون حيوانا في البحر على صورة الناس يكلم بعضهم بعضا وفي كتاب المسالك أن في جزيرة من جزائر الهند قوما عظام الأجسام قدم أحدهم ذراع يأكلون الناس يقول الله عز وجل ( ^ ويخلق ما لا تعلمون ) وروينا عن عبد الله بن عمر أنه قال ربع من لا يلبس الثياب من السودان أكثر من جميع الناس وقد قال رسول الله ما أنتم في الناس إلا كالرقمة في ذراع البكر وروي إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود وروي أنه قال لما ذكر أهل النار أما ترضون أن يكون من يأجوج ومأجوج تسع مائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد قالوا وأعدل أقسام الأرض وأصفاها وأطيبها إيران شهر وهو المعروف بإقليم بابل ما بين نهر بلخ إلى نهر الفرات في الطول وبين بحر عابسكين إلى بحر فارس واليمن في العرض ثم إلى مكران وكابل وطخارستان ومنتهى أذربيجان صفوة الأرض وسرتها لاعتدال ألوان أهلها واستواء أجسامهم وسلامة عقولهم وذلك أنهم سلموا من شقرة الروم وفظاظة الترك ودمامة الصين وقصر يأجوج
98
ومأجوج وسواد الحبشان وخبل الزنوج ولذلك سمي إيران شهر يعنون قلب البلدان وإيران هو القلب بلسان أهل بابل في القديم وهي أرض الحكماء والعلماء وفيهم السخاء والرحمة والتمييز والفطنة وكل خصلة محمودة التي عدمها الناس من سكان الأرض ويحسبك معرفة هذه البلاد أنه لا يحمل إليها أحد من غيرها ولا يقع إليها بنفسه فيشتاق بعد ذلك إلى أرضه أن يعود إليها وليس كذلك حال هذه البلاد والله أعلم # ذكر ما بلغنا من المدن والقرى ومن بناها ذكر في الأخبار أن أول قرية بنيت على وجه الأرض بعد الطوفان بقرذى وسوق ثمانين وذلك أن نوحا عليه السلام لما خرج من السفينة وكانوا ثمانين إنسانا هذه الرواية أربعون رجلا وأربعون امرأة بنى لهم تلك القرية وسموها سوق ثمانين وجاء أن أول بناء بني على وجه الأرض بيت الله الكعبة بناه شيث بن آدم وفي كتب العجم أن المدائن بناها هوشنك وسماه كرد بنداذ معمولا وجد فكأنه كان بناء قبله ثم درس فبناه زاب الملك وهو الذي
99
حفر الزابين ثم بناه الإسكندر ثم بناه شابور ذو الأكتاف قالوا وبني طهمورث بابل وهي المدينة العتيقة وإبريز بأرض أذربيجان واواق على رأس جبل شاهق بأرض الهند وقهندز مرو بأرض خراسان قالوا بنى جم شاذ همذان بأرض الجبل واصطخر بأرض فارس والمذار بأرض بابل وطوس بأرض خراسان قالوا وبنى كيلهراسب الجبار بلخ الحسناء بأرض الهند وقهندز بأرض مكران قالوا وبنى بهمن حول اصطخر بناء عجيبا وبنى دارا دارابجرد بأرض فارس وبنى دارا بن دارا دارا بأرض الجزيرة وبنى أوشهنج مدينة بابل ومدينة السوس بأرض الأهواز ومعناه حسن ثم بنى بعدها تستر ومعناه أحسن وبنى شابور بن أردشير جندي شابور بأرض الأهواز
100
والأنبار بأرض العراق وبنى هرمز البطل دسكرة الملك وبنى يزدجرد الجشن بناء بباب أرمينية وبناء بأرض جرجان وبنى شابور ذو الأكتاف نيسابور بخراسان وبنى الإسكندر عشر مدن سرنديب بأرض الهند والإسكندرية بأرض اليونان وجى بأرض أصبهان وهراة ومرو وسمرقند بأرض خراسان ومن يحصي بناة المدن وواضعي القرى ومن يعلم مبادي إنشائها إلا الله عز وجل وهبنا أخبرنا بمدن فارس على نحو ما نجده في كتبهم والمدن التي أحدثت في الإسلام بقرب العهد وجدة التاريخ فمن لنا بمدن الهند والصين والروم والترك وليس كل مدينة أو قرية مبنية منسوبة إلى بانيها لأنه قد تسمى المدينة باسم الباني أو باسم لها قبل حدوثها أو باسم ماء أو شجر أو شيء ما وقد يجوز أن يجتمع قوم بموضع من المواضع فيصير ذلك مدينة فهذا يبين لك أن كل مدينة لا يوجب بانيا لها قاصدا إليها وقد قيل أن قسطنطينية مدينة ملك الروم بناها قسطنطين فسميت به ونيسابور بناها سابور فسميت به وإفريقية بناها إفريقيس فسميت به وحران نزلها هاران بن آزر أخو إبراهيم عليه السلام فسميت به وسمرقند خربها شمر ملك من
101
ملوك اليمن فقيل شمر كند ثم عرب وغمدان بناها غمدان الملك باليمن فسميت به وصنعاء سميت بجودة الصنعة وعدن سميت بالمقام قالوا وسميت مكة لازدحام الناس بها وسميت المدينة لاجتماع الناس فيها وهي تسمى يثرب وسماها رسول الله طيبة وسميت الجحفة بسيل أتى فيها فجحف من فيها والكوفة مصرها سعد بن أبي وقاص وكان بها رمل فسميت به ويقال لها الكوفان والبصرة مصرها عتبة بن غزوان وسماها بحجارة بيض كانت في موضعها وواسط بناها الحجاج ويقال لذلك واسط القصب ويقال بل توسطت البصرة والكوفة وهي سهلية جبلية برية بحرية يوجد بها الرطب والثلج والقمح والسمك وبغداد سميت باسم موضع كان قبلها ويقال لها الزورآء ويقال بغ اسم صنم وسمتها الخلفآء مدينة السلام وأول من بناها أبو جعفر المنصور بنى بها قصر الخلد وسر من رأى بناها المعتصم وذلك أنه تنحى عن مدينة السلم ليبلي في السراة الذين تجمعوا بديار ربيعة ومضر فنزلها وهي ضاحية على جهة
102
مناخ العسكر لا سور عليها ولا خندق ولا ميرة ولا مآء ثم عطلت وكان أبو العباس نزل الأنبار فبناها وبنى المتوكل المتوكلية وانتقل إليها فقتل بها وطرسوس بني في أيام هارون الرشيد والمصيصة بناها المنصور وعسكر مكرم نزلها مكرم بن مطرف اللخمي فصارت مدينة ونسبت إليه فاعلم أن المدن تبنى على ثلاثة أشياء على الماء والكلآء والحطب فإذا فقدت واحدة من هذه الثلاثة لم تبق # ذكر ما جآء في خراب البلدان في كتاب أبي حذيفة عن مقاتل أنه قال قرأت في كتب الضحاك بعد موته وهي الكتب المخزونة عنده في قوله عز وجل ( ^ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا ) أما القرى مكة فيخربها الحبشان فذلك عذابهم وأما المدينة فالجوع يخربها وأما البصرة فالغرق وأما الكوفة فالترك وخراب الشام من قبل الملحمة بالكدى عند
103
فتح القسطنطينية وخراب الأندلس وطنجة من قبل الريح وخراب الإفريقية من قبل الأندلس وخراب مصر من انقطاع النيل وخراب اليمن من الجراد والحبش وخراب أرمينية من الصواعق والرواجف وخراب أذربيجان بسنابك الخيل وخراب الجبل بالصواعق وخراب الري وأصفهان وهمذان على أيدي الديالمة والطبرية وهلاك حلوان بهلاك الزوراء قال وهلاك الزوراء بريح ساكنة تمر بها فيصبح أهلها قردة وخنازير وأما الكوفان فيخربها رجل من آل عنبسة بن أبي سفيان يعني السفياني وخراب سجستان برياح ورمال وحيات وأما خراسان فإنها تهلك بأصناف العذاب وبلخ يصيبها رجة وهدة فيغلب عليها المآء فتهلك وبذخشان يغلب عليها أقوام عليهم الدواويج المشقوقة فيتركونها كجوف الحمار والترمذ يموتون بجارف الصغانية تهلك بقتل صريع لهم من عدو وسمرقند والشاش وفرغانة واسبيجاب وخوارزم يغلب عليها بنو قيطورا بن كركر وأما بخارا فأرض الجبابرة يصيبهم نحو ما يصيب خوارزم ثم يموتون قحطا وجوعا ومن الجملة خراب ما وراء النهر بالترك قالوا ويضيق
104
بهم الأمر حتى لو نبح كلب على شاطئ آمل لتمنى من على شط فرات أنه مكان ذلك الكلب وخراب كرمان وفارس وأصفهان من قبل عدو لهم وخراب مرو بالرمل ونيسابور بالريح وخراب هراة بالحيات قال تمطر عليهم الحيات فتأكلهم قال مقاتل وخراب السند من قبل الهند وخراب خراسان من قبل تبت وخراب تبت من قبل الصين كذا الرواية والله أعلم فقد روي من خراب البلدان عن الصحابة فمن ذلك ما روى أبو هريرة أن النبي قال للمدينة لتركها أهلها على حين ما كانت مذللة للعوافي وما روى عن علي عليه السلام أنه قال ليخرب البصرة وليفرقن حتى يصير المسجد كأنه جؤجؤ سفينة
105
$ الفصل الرابع عشر في ذكر أنساب العرب وأيامها المشهورة على غاية هذا الكتاب من الإيجاز والاختصار $ # اختلف الناس في نسب العرب فقال بعضهم كلهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهم السلام وقال آخرون ليست النمر من ولد إسماعيل ولكنها من ولد قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح فهم أنسب وأقدم من غيرهم ولذلك تفتخر أعراب اليمن على غيرها من العرب وقال ابن إسحاق لم أجد أحدا من نساب اليمن له علم إلا وهو يزعم أنهم ليسوا من ولد إسماعيل ويقولون نحن العرب العاربة كنا قبل إسماعيل وإنما تكلم إسماعيل بلساننا لما جاورته جرهم إلا هاذين الحيين الأنصار وخزاعة فإنهم يزعمون أنهم من ولد إسماعيل عليه السلام قالوا وأخو قحطان يقطر بن عامر بن عابر فولد يقطر جرهم وجزيلا فلم
106
يبق في جزيل بقية فنزلت جرهم مكة فنكح فيهم إسماعيل عليه السلام وقد قال رجل من قحطان بن هميسع بن نابت بن إسماعيل والنساب على أنه قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام ابن نوح والله أعلم وقحطان ونزار هما جرثومتان لأنه نسبة ولد إسماعيل من نزار ونسبة اليمن من قحطان هذا هو الأصل قال الشاعر # ( بجيلة حين جاءت ليس تدري % أقحطان أبوها أم نزار ) وافر # ونزار نزاران فهذا نزار بن معد بن عدنان والثاني نزار بن أنمار ثم اختلفوا في نسب عدنان فقال بعضهم عدنان بن أدد بن يخنوخ ابن مقوم بن ناحور بن تيرخ بن يعرب بن يشجب بن إسماعيل هذا قول محمد بن إسحاق وقال بعضهم عدنان بن مبدع بن يسع بن الأدد بن كعب بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن حميل بن سليمان بن ثابت بن قيدر بن إسماعيل وقد روى ابن
وافر
ونزار نزاران فهذا نزار بن معد بن عدنان والثاني نزار بن أنمار ثم اختلفوا في نسب عدنان فقال بعضهم عدنان بن أدد بن يخنوخ ابن مقوم بن ناحور بن تيرخ بن يعرب بن يشجب بن إسماعيل هذا قول محمد بن إسحاق وقال بعضهم عدنان بن مبدع بن يسع بن الأدد بن كعب بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن حميل بن سليمان بن ثابت بن قيدر بن إسماعيل وقد روى ابن 107
باس رضي الله عنه أن النبي انتسب فلما بلغ إلى عدنان وقف وقال كذب النسابون وقد روى ابن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عائشة أن النبي قال استقامت نسبة الناس إلى عدنان ويدلك على هذا قول لبيد # ( فإن لم نجد من دون عدنان والدا % ودون معد فلترعك العواذل ) +طويل+ # فولد عدنان عك بن عدنان ومعد بن عدنان فأما عك فأول من تبدى في البادية والعدد في معد فولد معد بن عدنان ثمانية نفر يذكر منهم أربعة قضاعة بن معد وإياد ابن معد ونزار بن معد والعدد في نزار فولد نزار ثلثة نفر ربيعة ومضر وأنمارا فأما أنمار فإنه ولد خثعم وبجيلة فصاروا إلى اليمن فأما مضر فولد إلياس ويقال لولد إلياس خندف ينسبون إلى أمهم وولد إلياس ثلثة نفر مدركه بن إلياس وطابخه بن إلياس وقمعة بن إلياس فأما قمعة فزعم بعض الناس أنهم في اليمن ورجعت خندفها إلى مدركة وطابخة وأما إلياس
108
ابن مضر فهو قيس بن عيلان فمضر ترجع كلها إلى هاذين الحيين خندف وقيس وولد مدركة بن إلياس هذيل وولد سعد تميم بن معاوية بن تميم وقد ولدوا غير ما نذكره غير أنا نذكر من له العدد وولد خزيمة بن مدركة أسد ابن خزيمة فمنه تفرقت بطون العرب وهم بنو أسد والهون بن خزيمة فولد الهون القارة الذي يقال في المثل قد أنصف القارة من رماها ومن القارة عضل وديش وكنانة بن خزيمة فولد كنانة النضر بن كنانة ومالك بن كنانة وملكان بن كنانة وعبد مناة بن كنانة فأما النضر بن كنانة فهو أبو قريش كلها وولد النضر بن كنانة مالك بن النضر والصلت بن النضر فصارت الصلت في اليمن ورجعت قريش كلها إلى مالك بن النضر فولد مالك فهر بن مالك والحارث ابن مالك فمن بني الحارث المطيبون والخلج وأما فهر فمنه تفرقت قبائل قريش وولد فهر غالب بن فهر ومحارب بن فهر فولد الغالب لؤي بن غالب وتيم بن غالب فأما تيم فهم بنو الأدرم من أعراب قريش ليس منهم بمكة أحد وفيهم يقول الشاعر
109
# ( إن بني الأدرم ليسوا من أحد % ولا توفاهم قريش في العدد ) رجز # وأما لؤي بن غالب فإليه ينتهي عدد قريش وشرفها وولد لؤي سبعة نفر منهم كعب بن لؤي فولد كعب مرة بن كعب فمن عدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن مرة أبو بكر الصديق رضي الله عنه وولد مرة بن كعب كلاب بن مرة وولد كلاب قصي بن كلاب وزهرة بن كلاب فأما قصي فاسمه زيد وإنما سمي قصيا لأنه تقصى مع أبيه وتسميه قريش مجمعا لأنه جمع قبائل قريش وأنزلها مكة وبنى بها دار الندوة وأخذ مفتاح البيت من خزاعة وكان قريش قبل ذلك حلولا فمن ذلك قريش الأباطح كانوا ينزلون الأبطح ومنهم قريش الظواهر كانوا ينزلون بظاهر مكة فجمعهم قصي وفيه يقول الشاعر # ( أبوكم قصي كان يدعى مجمعا % به جمع الله القبائل من فهر ) # ( وأنتم بنو زيد وزيد أبوكم % به زيدت البطحاء فخرا على فخر ) طويل # فتزوج قصي بن كلاب ابنة حليل بن حبش الخزاعي فولدت له
رجز
وأما لؤي بن غالب فإليه ينتهي عدد قريش وشرفها وولد لؤي سبعة نفر منهم كعب بن لؤي فولد كعب مرة بن كعب فمن عدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن مرة أبو بكر الصديق رضي الله عنه وولد مرة بن كعب كلاب بن مرة وولد كلاب قصي بن كلاب وزهرة بن كلاب فأما قصي فاسمه زيد وإنما سمي قصيا لأنه تقصى مع أبيه وتسميه قريش مجمعا لأنه جمع قبائل قريش وأنزلها مكة وبنى بها دار الندوة وأخذ مفتاح البيت من خزاعة وكان قريش قبل ذلك حلولا فمن ذلك قريش الأباطح كانوا ينزلون الأبطح ومنهم قريش الظواهر كانوا ينزلون بظاهر مكة فجمعهم قصي وفيه يقول الشاعر
( أبوكم قصي كان يدعى مجمعا
به جمع الله القبائل من فهر )
( وأنتم بنو زيد وزيد أبوكم
به زيدت البطحاء فخرا على فخر )
طويل
فتزوج قصي بن كلاب ابنة حليل بن حبش الخزاعي فولدت له 110 أربعة نفير عبد مناف وعبد الدار وعبد العزى وعبدا فأما عبد فبادوا كلهم وأما عبد الدار فإنهم قتلوا يوم أحد إلا عثمان ابن طلحة فإنه أسلم ودفع النبي المفتاح إليه يوم فتح مكة ثم دفعه إلى شيبة فهو في ولده إلى اليوم وأما عبد العزى فبقوا ومنهم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى وأما عبد مناف فولد عشرة نفر منهم هاشم والحارث وعباد ومخرمة وعبد شمس والمطلب ونوفل واسم عبد مناف المغيرة وكانوا يسمونه الغمر لجوده وفضله وإليه صار السودد بعد قصي فأما عبد شمس بن عبد مناف فإنه ولد أولادا يسمون العبلات لأن اسم أمهم عبلة ويقال أيضا أمية الأصغر لأن لعبد مناف ولدا يقال له أمية الأكبر وولدا يقال له عبد العزى والربيع يقال له جرو البطحآء وولد الربيع أبا العيص بن الربيع زوج بنت رسول الله ابن أخت خديجة وأما أمية الأكبر فإنه ولد حربا وأبا حرب وسفيان وعمروا وأبا عمرو يقال لهم العنابس شبهوا بالأسد والعاص وأبا العاص وأبا العيص يقال لهم الأعياص فأما حرب بن أمية فولد أبا سفيان بن حرب وأما أبو العاص فولد أبا عثمان بن عفان وأما 111
بو العيص فقالوا ولد أسيدا أبا عتاب بن أسيد أمير مكة وأما هاشم بن عبد مناف فاسمه عمرو وسمي هاشما لأنه هشم الخبز ويقال كثر الخبز بالرحلتين بينهما في الصيف إلى الشام وفي الشتاء إلى اليمن وفيه يقول الشاعر # ( عمرو الذي هشم الثريد لقومه % ورجال مكة مسنتون عجاف ) +كامل+ # وإليه صار السودد بعد عبد مناف وولد هاشم ولدا لم يعقب منهم أحد غير أسيد بن هاشم وعبد المطلب بن هاشم وهلك هاشم بغزة من أرض الشام وكان وافاها في تجارة له ومات المطلب بردمان من أرض اليمن ومات نوفل بسلمان من أرض العراق ومات عبد شمس بمكة وفيه يقول مطرود بن كعب # ( ميت بردمان وميت بسلمان وميت بين غزات ) # ( وميت أسكن اللحد لدى % المحجوب شرقي البنيات ) +سريع+ # فهؤلاء بنو عبد مناف ثم صار الأمر إلى عبد المطلب بن هاشم بعد عمه المطلب بن عبد مناف
112
# قصة عبد المطلب واسمه شيبة الحمد وذلك أن هاشم بن عبد مناف خرج إلى الشام في تجارة فمر بالمدينة وتزوج بسلمى بنت عمرو النجارية فحملت بشيبة ورحل هاشم فمات بأرض الشام وولدته سلمى وترعرع الغلام وصار وصيفا فقدم ثابت بن المنذر أبو حسان بن ثابت الشاعر مكة فقال للمطلب بن عبد مناف لو رأيت ابن أخيك لرأيت جمالا وشرفا ورأيته بين آطام بني قينقاع يناضل فتيانا من أخواله فيدخل في مرماتيه جميعا في مثل راحتي هذه والمرماة السهام وكانوا إذ ذاك يرمون بسهمين فخرج المطلب حتى قدم المدينة ومكث يرقب شيبة فلما أبصره عرفه بالشيبة ففاضت عينه ثم دعاه فكساه حلة ورده إلى أمه وأنشأ يقول # ( عرفت شيبة والنجار قد جعلت % أناءها حوله بالنبل تنتضل ) # ( عرفت أجلاده منا وشيمته % ففاض مني عليه واكف سبل ) بسيط # ثم أتى أمه فضنت به فلم يزل بها يقبل في الغارب والسنام حتى دفعته فاحتمله وقفل راجعا إلى مكة وهو رديفه ولم يكن
بسيط
ثم أتى أمه فضنت به فلم يزل بها يقبل في الغارب والسنام حتى دفعته فاحتمله وقفل راجعا إلى مكة وهو رديفه ولم يكن 113 للمطلب ولد فقيل هذا عبده فنشب اللقب عليه ثم لما هلك المطلب بن عبد مناف قام بالأمر عبد المطلب بن هاشم وكثرت أمواله وتأثلت مواشيه فأجمع أن يحفر بئرا
قصة حفر عبد المطلب زمزم قد بينا في قصة إسماعيل وهاجر ما ذكر من أمر زمزم فمن قائل أنها ركضة جبرئيل وآخر أنها همزة إسماعيل بكعبه ثم عورتها السيول وعفتها الأمطار روى ابن إسحاق عن علي بن أبي طالب عليه السلام أن عبد المطلب بينا هو نائم في الحجر إذ أتي فأمر بحفر زمزم فقال ما زمزم فقال لا ينزف ولا يذم لتسقى الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم وعند نقرة الغراب الأعصم فغدا عبد المطلب ومعه الحارث ابنه ليس له يومئذ ولد غيره فوجد الغراب ينقر بين أساف ونائلة فحفر منه فلما بدا الطي كبر فاستشركته قريش وقالوا أنها بئر أبينا إسماعيل ولنا فيها حق فأبى أن يعطيهم حتى تحاكموا إلى كاهنة بني سعد بأشراف الشام فركبوا وساروا حتى إذا كانوا ببعض الطريق 114
فد ماءهم فظمئوا وأيقنوا بالهلاك فانفجرت من تحت خف راحلة عبد المطلب عين من مآء فشربوا منه وعاشوا وقالوا قد والله قضى لك علينا لا نخاصمك فيها أبدا إن الذي سقاك المآء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم فانصرفوا وحفر زمزم فوجد فيها غزالين من ذهب كانت جرهم دفنتهما عند خروجهم من مكة ووجد فيها أسيافا قلعية ودروعا فضرب الغزالين في باب الكعبة وأقام عبد المطلب سقاية زمزم للحجاج وفيه يقول حذيفة بن غانم # ( وساقي الحجيج ثم للخبز هاشم % وعبد مناف ذلكم سيد فهر ) # ( طوى زمزما عند المقام فأصبحت % سقايته فخرا على كل ذي فخر ) +طويل+ # قصة ذبح عبد المطلب ابنه عبد الله أبا رسول الله قالوا وكان عبد المطلب نذر لله عز وجل حيث كان لقي من قريش ما لقي عند حفرة زمزم لئن ولد لي عشرة نفر يمنعونه ممن يريده لينحرن أحدهم لله عز وجل عند الكعبة شكرا له فلما توافى بنوه العشرة جمعهم فأخبرهم بنذره قالوا شأنك وما
115
نذرت قال ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم ليكتب فيه اسمه ثم ليأتني به ففعلوا فقام ودخل بهم على هبل في جوف الكعبة وضرب عليهم قداحهم فخرج قدح عبد الله أبي رسول الله وهو أصغرهم فأخذ بيده وحدد الشفرة وجره إلى المذبح فقامت قريش من أنديتها وقالوا لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه لئذ فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه فما بقآء الناس على هذا ولكن انطلق إلى الحجاز فإن بها عرافة لها تابع فسلها فرحل عبد المطلب وقص عليها القصص فقالت صاحبكم وعشرا من الإبل ثم اضربوا عليها بالقداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا حتى يرضى ربكم فرجعوا إلى مكة وقربوا الإبل هبل ولم يزالوا يضربون عليها بالقداح وعلى عبد الله والقداح تخرج عليه حتى بلغت الإبل مائة ثم خرجت على الإبل فأمر فنحرت بالبطحاء وفي شعاب مكة وفجاجها وعلى رؤوس الجبال حتى أكلها الناس والطير وفيه يقول أبو طالب # ( وتطعم حتى تترك الطير سورها % إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد ) طويل # ثم أخذ عبد المطلب بيد عبد الله حتى أتى وهب بن عبد
طويل
ثم أخذ عبد المطلب بيد عبد الله حتى أتى وهب بن عبد 116
ناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي فزوجه ابنته آمنة بنت وهب وأم آمنة برة بنت عبد العزى ابن قصي بن كلاب فحملت آمنة بالنبي وهلك أبوه عبد الله بالمدينة والرسول حمل في بطن أمه فرثته آمنة بنت وهب أم رسول الله فيما يروى # ( عفا جانب البطحآء من آل هاشم % وجاور لحدا مدرجا بالغماغم ) # ( دعته المنايا دعوة فأجابها % وما تركت في الناس مثل ابن هاشم ) +طويل+ # في أبيات غيرها قالوا ثم مات وهب بن عبد مناف فرثته ابنته آمنة أم رسول الله # ( إني لباكية وهبا فمعولة % وهب بن عبد مناف سيد الناس ) # ( فقد رزئت كريما غير مؤتشب % ضخم الدسيعة حناسا لحناس ) # ( ماضي العزيمة لا يخشى غوائله % من جوهر من قريش غير أنكاس ) +بسيط+ # في أبيات أخر ثم توفي عبد المطلب ورسول الله ابن ثمان سنين أو أقل # نسب أهل اليمن لا خلاف أنهم من ولد قحطان وإنما الخلاف
117
في قحطان وهو قحطان أبو يعرب وولد يعرب يشجب وولد يشجب سبأ واسم سبأ عبد شمس بن يشجب وإنما سمي به لأنه أول من سبا في العرب وولد سبأ سبعة نفر الأشعر بن سبأ ومنه رهط أبي موسى الأشعري وحمير بن سبأ وأنمار بن سبأ وعاملة بن سبأ ومرة بن سبأ فولد مرة بن سبأ شعبان بن مرة وولد الأشعر بن سبأ الأشعريين وولد عمرو بن سبأ عدي بن عمرو فولد عدي لخما وجذاما وجذام قبائلها وبطونها منهم جديس وغنم وجشم وغطفان ونفاثة ومدالة والدار التي تنسب إليها الداريون وولد أنمار بن سبأ ولدا فخالفوا خثعما وبجيلة وقال نساب مضر أن خثعما وبجيلة ابنا أنمار ابن نزار فجر أنمار بن سبأ نسبهم باسم أبيهم يتمنى به وقد قال جرير بن عبد الله البجلي نافرا لفرافصة الكلبي إلى الأقرع بن حابس # ( يا أقرع بن حابس يا أقرع % إنك إن يصرع أخوك تصرع ) # وقال أيضا
118
# ( ابني نزار أبصرا أخاكما % إن أبى وجدته أباكما ) # ( لن يغلب اليوم أخ والاكما % ) # وبجيلة امرأة نسبت القبيلة إليها ومن بطون بجيلة قسر رهط خالد بن عبد الله القسري وولد عاملة بن سبأ قبائل ويزعم نساب مضر أنهم من ولد قاسط قال الأعشى # ( أعامل حتى متى يذهبن % إلى غير والدك الأكرم ) # ( ووالدكم قاسط فارجعوا % إلى النسب الأبلد الأقدم ) متقارب # وولد حمير بن سبأ ست نفر مالك بن حمير وعامر بن حمير وعوف ابن حمير وسعد بن حمير ووائلة بن حمير وعمرو بن حمير فولد مالك بن حمير قضاعة بن مالك وولد قضاعة قبائل منها كلب بن وبرة ومصاد وبنوا القين وتنوخ وجرم بن زياد وراسب وبهرآء وبلى ومهره وعذرة وسعد هذيم وهذيم عبد حبشي نسب إليه والشائعة منه ذو الكلاع وذو نواس وذو إصبح وذو جدن وذو يزن وبطون كثيرة وفيه يقول الفاكهي # ( الحسب المعروف غير المنكر % قضاعة بن ملك بن حمير ) رجز
متقارب
وولد حمير بن سبأ ست نفر مالك بن حمير وعامر بن حمير وعوف ابن حمير وسعد بن حمير ووائلة بن حمير وعمرو بن حمير فولد مالك بن حمير قضاعة بن مالك وولد قضاعة قبائل منها كلب بن وبرة ومصاد وبنوا القين وتنوخ وجرم بن زياد وراسب وبهرآء وبلى ومهره وعذرة وسعد هذيم وهذيم عبد حبشي نسب إليه والشائعة منه ذو الكلاع وذو نواس وذو إصبح وذو جدن وذو يزن وبطون كثيرة وفيه يقول الفاكهي
( الحسب المعروف غير المنكر
قضاعة بن ملك بن حمير )
رجز
119
ولد كهلان بن سبأ زيد بن كهلان فولد زيد بن كهلان ملك بن زيد وأدد بن زيد فولد أدد طي بن أدد والغوث بن أدد ومن طي بنو نبهان الذي يذكره أبو تمام الطائي # ( تنبهت لبني نبهان حين ثوى % يد الزمان فعاثت فيهم وفمه ) +بسيط+ # ويقول في افتخاره بهم # ( لنا جوهر زيدية أددية % إذا نجمت زلت لها الأنجم الزهر ) +طويل+ # ومن طي بنو ثعل الذي يذكره امرؤ القيس # ( رب رام من بني ثعل % مخرج كفيه من ستره ) +مدريد+ # ومن طي بنو سنبس الذين يذكرهم الأعشى # ( فصبحها القانص السنسي % فشلى كلابا بإيسادها ) +متقارب+ # وولد مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ يحابر بن مالك وقر ابن مالك ومربع بن مالك فولد يحابر مذحج وولد مذحج مرادا وجلدا وعنسا وسعد العشيرة وإنما سمي سعد العشيرة
120
لأنه شهد الموسم ومعه بنون عشرة فقيل له من هؤلآء فقال هم العشيرة وولد سعد العشيرة جعفي بن سعد وحبيب ابن سعد وصعب بن سعد وعائذ الله بن سعد وفيه يقول مهلهل الشاعر # ( أنكحها فقدها الأراقم في % جنب وكان الخباء من أدم ) # ( لو بأبانين جاء يخطبها % ضرج ما أنف خاطب بدم ) منسرح # وفي الجملة أكثر قبائل العرب من اليمن فمنهم السكون وخولان والأزد ومازن بن الأزد وميدعان بن الأزد والهنو بن الأزد ورماد بن سلامان ومنهم آل العنقاء والفراهيد وقسامل وبلادس وثهلان وحرحنه وبطون كثيرة قد دونت في كتب الأنساب حتى ما تسقط قبيلة ولا فخذ ولا رهط ولا بطن # نسب الأوس والخزرج وهم الأنصار وهم من بلد كهلان بن سبأ الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة ابن ثعلبة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن عبد الله بن الأزد بن غوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ
منسرح
وفي الجملة أكثر قبائل العرب من اليمن فمنهم السكون وخولان والأزد ومازن بن الأزد وميدعان بن الأزد والهنو بن الأزد ورماد بن سلامان ومنهم آل العنقاء والفراهيد وقسامل وبلادس وثهلان وحرحنه وبطون كثيرة قد دونت في كتب الأنساب حتى ما تسقط قبيلة ولا فخذ ولا رهط ولا بطن
نسب الأوس والخزرج وهم الأنصار وهم من بلد كهلان بن سبأ الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة ابن ثعلبة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن عبد الله بن الأزد بن غوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ 121 ابن يشجب بن يعرب بن قحطان وأمهم قيلة فيقال للأنصار أبناء قيلة فولد الخزرج بن حارثة خمسة نفر جشم بن الخزرج وعوف بن الخزرج وهما الخرطومان يقال إن سرك العز فحجيج في جشم والحارث بن الخزرج وكعب بن الخزرج وعمرو بن الخزرج وكان يقال لهم القواقل وذلك أن الرجل كان إذا استجار بيثرب قيل له قوقل حيث شئت فقد أمنت ومن ولد عمرو بن الخزرج النجار ويقال لهم بنو النجار واسمه تيم اللات ابن ثعلبة ويقال سمي بذلك لأنه نجر وجه رجل بالقدوم ويقال أختتن بالقدوم وولد أوس بن حارثة مالك ابن أوس فمن مالك تفرقت قبائل الأوس كلها وبطونها فمنها عمرو بن عوف أهل قبا ومنهم جحجبي بن كلفه رهط أحيحة بن الجلاح زوج سلمى قبل هاشم ومنهم الجعادرة يقال لهم أوس الله ومنهم اليست وجردس وبنو عبد الأشهل وبنو الحبلي رهط عبد الله بن أبي ابن سلول ومنهم جفنة بن عمرو وآل القعقاع وآل محرق وهم ملوك غسان بالشام واسم محرق بالشام الحارث بن عمرو وإنما سمي محرقا لأنه كان يعاقب 122
النار وفيهم يقول حسان # ( أولاد جفنة عند قبر أبيهم % قبر ابن مارية الكريم المفضل ) # ( يسقون من ورد الرحيق عليهم % بردا يصفق بالرحيق السلسل ) # ( يوتون منهم ما تهر كلابهم % لا يسألون عن السواد المقبل ) # ( بيض الوجوه كريمة أخلاقهم % شم الأنوف من الطراز الأول ) # ( إن التي ناولتني فشربتها % قتلت قتلت فهاتها لم تقتل ) +كامل+ # يزعمون أن عندما أرسل الله عز وجل على أهل سبأ سيل العرم فلما قال عمرو بن عامر في كهانته ومن كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل فكانت الأوس والخزرج وقد قال سويد بن صامت # ( أنا ابن مزيقيا عمرو وجدي % أبوه عامر مآء السمآء ) # وقال المنذر بن حرام جد حسان بن ثابت بن المنذر في الجاهلية العميآء يذكر نسبهم إلى غسان ثم إلى نابت بن مالك ثم إلى نبت بن إسماعيل بن إبراهيم
123
# ( ورثنا من البهلول عمرو بن عامر % وحارثة الغطريف مجدا موثلا ) # ( موارث من أبناء نبت بن مالك % ونبت بن إسماعيل ما أن تحولا ) طويل # قالوا وولد واثلة بن حمير الشكاشك بن واثلة والعدد من حمير في واثلة # ذكر قيس بن عيلان بن مضر بن النزار بن معد ومن قيس فهم وعدوان وأعصر وغنى بن أعصر وسعد بن أعصر وهو أبو باهلة وباهلة امرأة من همدان ومنبه بن أعصر فهم الطعاوه وبنو أصمع رهط الأصمعي ومن بني باهلة قتيبة بن مسلم ومن قيس بنو وائل ومن بني وائل سحبان وائل وثقيف هؤلآء كلهم من مضر # ذكر ربيعة وأما ربيعة بن نزار بن معد فإنه ولد أسد بن ربيعة وأكلب بن ربيعة وضبيعة بن ربيعة فهؤلآء قبيلة وبطون كثيرة فمنهم جديلة ودعمي وشن ولكيز ونكرة وهم أهل البحرين ومنهم الغدق وهنب بن أفصى والأراقم وفدوكس رهط الأخطل الشاعر وبكر بن وائل وعجل وحنيفة وسدوس وقبائل كثيرة وبطون مشهورة مذكورة في الكتب ومن قبائل مضر بنو الأخيل
طويل
قالوا وولد واثلة بن حمير الشكاشك بن واثلة والعدد من حمير في واثلة
ذكر قيس بن عيلان بن مضر بن النزار بن معد ومن قيس فهم وعدوان وأعصر وغنى بن أعصر وسعد بن أعصر وهو أبو باهلة وباهلة امرأة من همدان ومنبه بن أعصر فهم الطعاوه وبنو أصمع رهط الأصمعي ومن بني باهلة قتيبة بن مسلم ومن قيس بنو وائل ومن بني وائل سحبان وائل وثقيف هؤلآء كلهم من مضر
ذكر ربيعة وأما ربيعة بن نزار بن معد فإنه ولد أسد بن ربيعة وأكلب بن ربيعة وضبيعة بن ربيعة فهؤلآء قبيلة وبطون كثيرة فمنهم جديلة ودعمي وشن ولكيز ونكرة وهم أهل البحرين ومنهم الغدق وهنب بن أفصى والأراقم وفدوكس رهط الأخطل الشاعر وبكر بن وائل وعجل وحنيفة وسدوس وقبائل كثيرة وبطون مشهورة مذكورة في الكتب ومن قبائل مضر بنو الأخيل 124 رهط ليلى الأخيلية والمجنون الشاعر وعامر رهط لبيد بن ربيعة العامري ومنهم القرطاء قرط وقريط ومقرطة ومن يعد قبائلهم إلا النساب وفي مقدار ما ذكرنا كفاية فإن علم الأنساب من صناعة الأعراب والعرب كلها من قحطان وعدنان فأما قحطان فأبو اليمن من عددنا من جملتهم وأما عدنان فأبو سائر العرب وهم يرجعون إلى ابني نزار مضر وربيعة وقد ذكرنا بعضهم وثقيف بن مضر وهم فرقتان بنو مالك والأحلاف
ذكر رؤساء مكة جاء في الخبر أن إبراهيم عليه السلام لما حمل إسماعيل وأمه إلى مكة جاء جرهم وقطورا من اليمن وهما ابنا عم فرأيا بلدا ذا ماء وشجر فنزلا ونكح إسماعيل في جرهم فلما توفي ولى البيت بعده نبت بن إسماعيل وهو أكبر ولده ثم ولى بعده مضاض بن عمرو الجرهمي خال ولد إسماعيل ما شاء الله أن يليه ثم تنافس جرهم وقطورا الملك فخرج جرهم في قعيقعان وهي أعلى مكة وعليهم مضاض بن عمرو وخرجت قطورا في أجياد وهي أسفل مكة وعليهم السميدع فالتقوا بفاضح واقتتلوا قتالا شديدا وقتل السميدع فسميت تلك البقعة فاضحا لأن قطورا 125 فضحت وسمي أجيادا لما كان معهم من جياد الخيل وسميت قعيقعان لتقعقعة السلح ثم تداعوا إلى الصلح واجتمعوا في الشعب وطبخوا القدور واصطلحوا فسمي المطابخ قالوا ونشر الله عز وجل ولد إسماعيل فكثروا وربلوا ثم تنشروا في البلاد لا يطأون أرضا إلا ظهروا على أهلها بدينهم ثم إن جرهما بغوا بمكة واستحلوا حراما من الحرمة فظلموا من دخلها وأكلوا مال الكعبة وكانت مكة تسمى الناسة لا تقر ظلما ولا بغيا ولا يبغي فيها أحد على أحد إلا أخرجته وكانت بنو بكر بن عبد مناة وغبشان ابن خزاعة حلولا حول مكة فأدنوهم بالقتال فاقتتلوا عمرو بن الحارث بن مضاض الأصغر وليس هو بمضاض الأكبر يقول لا هم إن جرهما عبادك الناس طرف وهم تلادك فغلبتهم خزاعة ونفتهم عن مكة نفية يقول عمرو بن الحارث بن مضاض الأصغر
( كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
أنيس ولم يسمر بمكة سامر )
( بلى نحن كنا أهلها فأزالنا
صروف الليالي والجدود العواثر ) 126
( وكنا ولاة البيت من بعد نابت % نطوف بباب البيت والخير ظاهر ) # ( فأخرجنا منها المليك بقدرة % كذاك على الباقين تجري المقادر ) # ( وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة % كما عضت الأولى السنون الغوابر ) +الطويل+ # في أبيات أخر ووليت خزاعة البيت ثلاث مائة سنة يتوارثون ذلك كابرا عن كابر حتى كان آخرهم حليل بن حبش الخزاعي وقريش إذ ذاك صريح ولد إسماعيل حلول وصرم وبيوتات متفرقة إلى أن أردك قصي وتزوج بحبى بنت حليل بن حبش وولدت له عبد مناف وعبد العزى وعبدا وكثر ولده وعظم شرفه وهلك حليل بن حبش فرأى قصي أنه أولى بالكعبة من خزاعة فأخذ ما بأيديهم وقصي أول من أصاب ملكا من العرب من قريش بعد ولد إسماعيل وذلك في زمن المنذر بن النعمان على الحيرة والملك بهرام جور في الفرس فقطع قصي مكة
127
أرباعا وبنى بها دار الندوة فلا يتزوج امرأة إلا في دار الندوة ولا يعقد لواء ولا يعذر غلام ولا تدرع جارية إلى فيها وسميت الندوة لأنهم ينتدون فيها للخير والشر وكانت قريش تؤدي الرفادة إلى قصي وهي خرج يخرجونه من أموالهم يترافدون فيه فصنع طعاما وشرابا للحاج أيام الموسم وكانت صوفة وهي قبيلة من جرهم بقيت بمكة تلي الإجازة بالناس من عرفة وخزاعة كانت تحجب البيت فإذا أفاض الناس أخذت صوفة بجانبي العقبة وقالت أجيزي صوفة فإذا نفذت صوفة وجازت خلوا سبيل سائر الناس حتى إذا كان العام الذي أراد الله عز وجل أن يظهر أمر قصي ففعلت صوفة كما يفعله فأتاهم قصي في من معه من قريش وقاتلوا صوفة فهزموهم وولي قصي البيت والرفادة والسقاية والندوة واللواء فلما كبر قصي ودق عظمه جعل الأمر إلى عبد الدار لأنه أكبر ولده وهلك قصي وأقامت على ذلك زمانا ثم إن بني عبد مناف أجمعوا أن يأخذوا ما بأيدي عبد الدار وهموا بالقتال ثم تداعوا إلى الصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية
128
والرفادة وأن يكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار وتعاقدوا ذلك حلفا حلفا مؤكدا لا ينقضونه ما بل بحر صوفة فأخرجت بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا وغمسوا فيها أيديهم ومسحوا بها الكعبة توكيدا على أنفسهم فسموا المطيبين فأخرجت بنو عبد الدار جفنة من دم وغمسوا فيها أيدهم ومسحوا بها الكعبة فسموا الأحلاف ولم يزالوا على ذلك حتى جاء الله عز وجل بالإسلام فقال النبي ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة فأول من أصاب من قريش ملكا قصي بن كلاب ثم ابنه عبد الدار وبنوه إلى أن قاسمهم بنو عبد مناف ثم هاشم بن عبد مناف واسمه عمرو وإنما سمي هاشما لهشمه الثريد للحاج وذلك أنه قال يا معاشر قريش أنتم جيران الله وأهل بيته يأتيكم في الموسم زوار الله شعثا غبرا من كل فج عميق على ضوامر كأنهم القداح قد أرصفوا ونهكوا وثقلوا وأرملوا فأكرموا ضيف الله فترافدت قريش مالا عظيما كل سنة حتى كان يخرج أهل اليسار منهم مائة دينار هرقلية فكان يأمر بالحياض فيضرب ويترع من البئار ويطعم الناس اللحم والسويق والتمر إلى أن صدروا
129
وفيه يقول الشاعر # ( يا أيها الرجل المحول رجله % هلا سألت عن آل عبد مناف ) # ( كانت قريش بيضة فتفلقت % فالمح خالصها لعبد مناف ) # ( عمرو الذي هشم الثريد لقومه % ورجال مكة مسنتون عجاف ) # ( نسبت إليه الرحلتان كلاهما % سفر الشتاء ورحلة الأصياف ) كامل # فهلك هاشم بأرض غزة فصار الأمر إلى عبد المطلب بن هاشم صاحب زمزم وساقي الحجيج ومطعم الوحش ثم هلك وولي الأمر أبو طالب ثم وليه العباس ثم أقر رسول الله المفتاح في يدي عثمان بن طلحة والسقاية في يدي العباس فهو في ولدهم إلى اليوم # ذكر رؤسآء المدينة ووقوع قريظة والنضير إليها جاء في الخبر أن ططوس بن أستيانوس الرومي الكافر لما خرب بيت المقدس إحدى المرتين وتفرقت بنو إسرائيل جاءت قريظة والنضير وهما من صريح ولد هارون بن عمران أخي موسى بن عمران حتى نزلوا يثرب وذلك في الفترة وكان نزول الأوس
كامل
فهلك هاشم بأرض غزة فصار الأمر إلى عبد المطلب بن هاشم صاحب زمزم وساقي الحجيج ومطعم الوحش ثم هلك وولي الأمر أبو طالب ثم وليه العباس ثم أقر رسول الله المفتاح في يدي عثمان بن طلحة والسقاية في يدي العباس فهو في ولدهم إلى اليوم
ذكر رؤسآء المدينة ووقوع قريظة والنضير إليها جاء في الخبر أن ططوس بن أستيانوس الرومي الكافر لما خرب بيت المقدس إحدى المرتين وتفرقت بنو إسرائيل جاءت قريظة والنضير وهما من صريح ولد هارون بن عمران أخي موسى بن عمران حتى نزلوا يثرب وذلك في الفترة وكان نزول الأوس 130 والخزرج إياها زمن سيل العرم لا شك ويقال أن مسقط يهود إليها من عهد موسى بن عمران عليه السلام وذلك أنه بعث جيشا إلى يثرب وأمرهم أن يقتلوا كل من وجدوا على قامة السوط قال فقتلوا إلا غلاما لم يروا أحسن منه فإنهم استبقوه وانصرفوا إلى الشام وإذا موسى قد هلك وتبرأت بنو إسرائيل من هذه الطبقة لمخالفة أمر موسى واستحيائهم من هذا الغلام فأقبلوا راجعين إليها واستوطنوا بها فإن كان هذا حقا فقد سبقوا الأوس والخزرج إلى يثرب والله أعلم قالوا وكان الملك في اليهود وملكهم قيطون وكان يبدأ بالعروس قبل زوجها حتى قتله مالك بن عجلان بن زيد بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج كما ذكرنا في قصة ملوك اليمن وملك مالك فصارت الرياسة له والشرف ثم جعلت الأوس والخزرج يتوارثون الرياسة إلى أن هاجر إليهم النبي فصارت الرياسة للإسلام وأهله والسلم 131
الفصل الخامس عشر في ذكر مولد النبي ومنشأه ومبعثه إلى هجرته
هذا نسب رسول الله في رواية محمد بن إسحاق المطلبي وقد بينا اختلاف الناس في نسبه عدنان وما فوقه في فصل الأنساب
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ابن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد ابن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم بن تارح بن ناحور بن ساروح بن رعو بن شالخ ابن عابر بن فالج بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لامك بن متوشلح بن أخنوخ بن يارد بن مهلايل بن قينان بن شيث بن آدم عليه السلام
ذكر مولد النبي ولد بمكة عام الفيل بعد قدوم أبرهة بخمسين ليلة وكان أول يوم من المحرم عام الفيل يوم الجمعة وقدم 132 الفيل يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ثماني مائة واثنين وثمانين للإسكندر الرومي وستة عشر ومائتين من تأريخ العرب الذي أوله حجة الغدر وسنة أربع وأربعين من ملك أنوشروان بن قباذ ملك العجم فيما يروى وكان مولده يوم الاثنين لثماني ليال خلون من ربيع الأول وقال ابن إسحاق لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول قالوا وكان طالع النبي برج الأسد والقمر فيه بثماني عشرة درجة ودقائق والشمس في الثور بدرجة وهو يوم السابع عشر من دي ماه ويوم العشرين في الأرض التي تعرف بابن يوسف بمكة فصيرتها الخيزران بنت عطاء امرأة المهدي مسجدا ويدل خبر عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله وضع ليلا لأنه قال كان أهل الجاهلية إذا ولد لهم مولود من تحت الليل رموه تحت الإناء فلا ينظرون إليه حتى يصبحوا فلما ولد رسول الله رموه تحت البرمة فلما أصبحوا إذا هي قد انفلقت بيتين وعيناه إلى السماء فعجبوا من ذلك وأرسلوا إلى عبد المطلب فجاء فنظر إليه فقال ارفعوا 133 ابني هذا فإنه منا ودفع إلى امرأة من بني سعد بن بكر فلما أرضعته دخل عليها الخير من كل جانب وكانت لها شويهات فنمت وازدادت زيادة حسنة هذا الصحيح من خبر حليمة قال ابن إسحاق والتمس الرضعاء لرسول الله فاسترضع في بني سعد بن بكر بثدي حليمة بنت أبي ذؤيب وزوجها الحارث بن عبد العزى وإخوة رسول الله من الرضاعة عبد الله بن الحارث وأنيسة بنت الحارث والشيماء بنت الحارث فكان عند ظئرة سنتين إلى أن فطمته وردته إلى أمه ثم عادت إلى بلادها فلما تمت له خمس سنين حملته إلى أمه فكان عند أمه سنة حملته إلى بني عدي بن النجار تريد إياهم للخؤولة التي كانت لهم فكان مصيرها به إلى من منصرفها شهر وتوفيت آمنة بنت وهب أم رسول الله بالأبواء منزل بين مكة والمدينة وهي راجعة إلى مكة ورسول الله ابن ست سنين فحملته أم أيمن وهي حاضنته ومولاة أبيه إلى مكة فكان في حجر عبد المطلب فلما بلغ ثماني سنين توفي عبد المطلب وهلك أنوشروان في هذه 134
لسنة كما يدل عليه التأريخ ثم ضمه أبو طالب إلى نفسه وأقام عنده أربع سنين فلما بلغ اثنتي عشرة سنة عرض لأبي طالب الخروج إلى الشأم في تجارة فخرج بالنبي صبابة به ورقة قالوا حتى إذا كانوا ببصرى أشرف عليهم راهب يقال له بحيرا فرأى علامة من علامات النبوة فاتخذ طعاما ودعا الركب إليه فحضروه وخلفوا النبي في رحالهم لحداثة سنه فقال بحيرا لا يتخلفن أحد عن طعامي فدعوه فلما أبصره بحيرا توسم فيه مخائل النبوة وعرف دلائلها فاحتضنه وضمه إلى نفسه وقال لأبي طالب من هذا الغلام منك قال هو ابني قال ما ينبغي له أن يعيش أبوه قال ابن أخي قال ارجع بابن أخيك واحذر عليه من اليهود فإنه كائن لابن أخيك شأن عظيم فقضى أبو طالب تجارته وأسرع به إلى مكة وفيه يقول # ( ألم يكن لقريش آية عجب % فيما يقول بحيرآء وعداس ) +بسيط+ # قالوا فشب رسول الله شبابا حسنا يكلؤه الله عز وجل ويحوطه من أقذار الجاهلية لما يريد به من كرامته حتى كان اسمه في قومه الصدوق الأمين فلما بلغ عشرين سنة هاجت حرب
135
الفجار في رواية ابن إسحاق والواقدي وروى أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء قال هاجت الفجار ورسول الله ابن أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة وقال النبي كنت أنبل إلى أعمامي في الفجار قالوا وإنما سميت هذه الحرب الفجار وكانت وقعات لما صنعوا فيها من الفجور في الشهر الحرام وذلك أن النعمان بن المنذر عامل أبرويز على الحيرة كان يبعث كل سنة بلطيمة إلى سوق عكاظ في جوار رجل من العرب فلما كان في هذه السنة قال من يجير هذه العير قال عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب الرحال أنا أيها الملك وقال البراض بن قيس وكان خليعا والخليع من خلع حلفآءه فمن قتله فدمه هدر أنا أيها الملك فقال أتجيرها على أهل الشيح والقيصوم وأنت كالكلب الخليع إنما أنت أضيق إستا من ذلك فقال البراض أتجيرها على كنانة قال نعم وعلى الخلق جميعا فسلم النعمان اللطيمة إلى عروة وتبعه البراض حتى إذا كان بتيمن ذي طلال أصاب فرصة من عروة فوثب عليه فقتله في الشهر الحرام وقال في ذلك
136
# ( وداهية يهم الناس قتلى % شددت لها بني بكر ضلوعي ) # ( هدمت بها بيوت بني كلاب % وأرضعت الموالي بالضروع ) # ( قتلت به بتيمن ذي طلال % فخر يميد كالجدع الصريع ) وافر # وتسامع الناس به فخرج كنانة وقريش بطلب ثأر عروة وخرجت قيس بن عيلان لأجل البراض واقتتلوا قتالا شديدا بعكاظ في الشهر الحرام ثم تحاجزوا وتداغشوا إلى الصلح ورهن حرب بن أمية ابنه أبا سفيان بن حرب في ذلك الصلح وفيه يقول الشاعر # ( قد بعثنا الحجار من كل حي % وقمعنا الفجار يوم الفجار ) خفيف # قالوا أن رجلا تاجرا قدم مكة وباع سلعته من العاص ابن وائل السهمي فمطله حتى أجهده فصعد الرجل جبل أبي قبيس ونادى # ( يا للرجال لمظلوم بضاعته % ببطن مكة نائي الأهل والنفر ) # ( إن الحرام لمن تمت حرامته % ولا حرام لمثوى لابس الغدر ) بسيط
وافر
وتسامع الناس به فخرج كنانة وقريش بطلب ثأر عروة وخرجت قيس بن عيلان لأجل البراض واقتتلوا قتالا شديدا بعكاظ في الشهر الحرام ثم تحاجزوا وتداغشوا إلى الصلح ورهن حرب بن أمية ابنه أبا سفيان بن حرب في ذلك الصلح وفيه يقول الشاعر
( قد بعثنا الحجار من كل حي
وقمعنا الفجار يوم الفجار )
خفيف
قالوا أن رجلا تاجرا قدم مكة وباع سلعته من العاص ابن وائل السهمي فمطله حتى أجهده فصعد الرجل جبل أبي قبيس ونادى
( يا للرجال لمظلوم بضاعته
ببطن مكة نائي الأهل والنفر )
( إن الحرام لمن تمت حرامته
ولا حرام لمثوى لابس الغدر )
بسيط
137 فاجتمعت قريش في دار عبد الله بن جدعان وتحالفوا على أن يكونوا يدا واحدا على المظلوم حتى يأخذوا له حقه فسمته قريش حلف الفضول وقد قال رسول الله لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعي به في الإسلام لأجبت وما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة
خروج النبي إلى الشأم في مال خديجة رضي الله عنها قالوا وكانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي من مياسير قريش وتجارها تستأجر الرجال وتبعثهم في مالها وذكر الواقدي أن أبا طالب قال يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي وقد ألحت علينا سنون منكرة فلو جئت خديجة وعرضت عليها نفسك لأسرعت إليك بما يبلغها من صدقك وعظم أمانتك فقال رسول الله فلعلها ترسل إلي في ذلك وبلغ خديجة خبر أبي طالب وما فاوض ابن أخيه فأرسلت وسألته أن يخرج معه ميسرة غلام لها فخرج وباع سلعتها واشترى ما أراد أن يشتري وأقبل قافلا إلى مكة فباعت 138 الحمولات فأضعفت وأثمرت فرغبت في نكاح رسول الله
نكاح خديجة رضي الله عنها قالوا ولما ظهر لها من بركة رسول الله وعظم أمانته وصدق وفائه رغبت في نكاحه قال الواقدي فأرسلت نفيسة مولاة لها دسيسا فقالت يا محمد ما يمنعك أن تتزوج قال ما بيدي شيء ما أتزوج فقال نفيسة فإن كفيت ذلك ألا تجيب قال ومن هي قالت خديجة فذكر رسول الله لأعمامه ذلك فخرج معه حمزة بن عبد المطلب فخطبها إلى أبيها خويلد بن أسد ومعه ثمل فلما أصبح وصحا قال ما هذا الخلوق وهذه الحلة قالوا كساكها محمد ابن عبد الله فقد أنكحته خديجة ودخل بها فانتهرهم قال وأصدقها عشرين بكرة وروى الواقدي أنه أنكحها عمها عمرو بن أسد وكان رسول الله ابن خمسة وعشرين سنة يوم تزوجها وخديجة بنت أربعين سنة ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت وكانت قبله تحت عتيق بن عبد الله ويقال ابن عابد وولدت له جارية ثم خلف عليها بعد عتيق أبو هالة هند بن زرارة 139 فولدت له هند بن هند وولدت لرسول الله جميع ولده إلا إبراهيم بن مارية فإنه من القبطية فأكبر ولده القاسم وبه كان يكنى أبا القاسم ثم الطيب ثم الطاهر ثم رقية ثم زينب ثم أم كلثوم ثم فاطمة قال الواقدي ولم أر أصحابنا يثبتون الطيب ويقولون هو الطاهر وفي رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أنها ولدت لرسول الله عبد مناف في الجاهلية وولدت له في الإسلام غلامين وأربع بنات القاسم وعبد الله فماتا صغيرين وفي كتاب ابن إسحاق أن ابنيه هلكا في الجاهلية وأن بناته أدركن الإسلام وهاجرن والله أعلم
ذكر بنيان الكعبة قالوا ولما بلغ رسول الله خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة ليرفعوها ويسقفوها وإنما كانت رضما فوق القامة فجاء سيل فهدمه وفي جوفها بئر يحرز فيه كنز الكعبة وما يهدى لها فسرق منها رجل يقال له دويك فقطعت قريش يده وتهيأوا لبناء الكعبة وكان البحر قد رمى بسفينة إلى 140 جدة فتحطت فأخذوا خشبها وكان بمكة رجل قبطي نجار فسوى لهم ذلك وبنوها ثماني عشرة ذراعا فلما انتهوا إلى موضع الركن اختصموا وأراد كل قوم أن يكونوا هم الذين يلونه ويرفعونه إلى موضعه وتفاقم الأمر بينهم وتواعدوا للقتال ثم تحاجزوا وتناصفوا على أن يجعلوا بينهم أول طالع من باب المسجد يقضي بينهم فكان ذلك رسول الله فقال هلم ثوبا فأتي به فوضع الركن فيه ثم قال ليأخذ كل فئة بناحية من الثوب ثم ليرفعوه ففعلوا حتى إذا رفعوه إلى موضعه أخذ الحجر بيده فوضعه في الركن فرضوا بذلك وأنهوا عن الشر
ذكر المبعث ونزول الوحي قالوا فلما بلغ رسول الله أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين وهدى للخلق أجمعين وكان في مبتدأ الأمر يرى الرؤيا ويسمع الصوت ويتمثل له الخيال فراع لذلك وذعر وروينا عن عكرمة أنه قال أنزلت النبوة على محمد وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين فكان يترآى له ويلقي الكلمة إليه ولم ينزل القرآن على لسانه ثم قرن بنبوته جبريل عليه السلام فنزل القرآن عشرين سنة عشرا بمكة وعشرا بالمدينة وروى ابن إسحاق عن الزهري عن 141 عائشة أن أول ما ابتدى رسول الله من النبوة الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح ثم حببت إليه الخلوة فلم يكن شيء أحب إليه أن يخلو وحده ثم جاءه الملك قالوا وكان قريش يتحنثون بحرآء في رمضان وكان رسول الله يفعل ذلك لأنه من البر فبينا هو عاكف بحرآء ومعه التمر واللبن يطعم الناس ويسقيهم إذ استعلق له جبرائيل ليلة السبت وليلة الأحد ثم أتاه بالرسالة يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان بقول الله تعالى (
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) وهو الخامس والعشرون من أبان ماه والتاسع من شباط وذلك في سنة عشرين من ملك أبرويز وأهل الأخبار على أن أول ما أنزل من القرآن خمس آيات من سورة (
اقرأ باسم ربك الذي خلق ) إلى قوله (
علم الإنسان ما لم يعلم ) وذكر بعضهم أنه قال أتاني رجل وفي يده سمط ديباج وأنا نائم فركضني برجله وقال اقرأ ففعل ذلك مرة أو مرتين ثم قال (
باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) ثم قال أبشر فأنا جبريل وأنت نبي هذه الأمة وصلى به 142 ركعتين وفي رواية عبيد بن عمير الليثي أنه أتاه وهو نائم ولم يذكر أنه ركضه برجله قال فأتيت خديجة وقد هالني من رأيت وكأنما كتاب كتب في قلبي وقلت أخشى أن أكون شاعرا أو مجنونا قالت وما ذاك ابن أخي فقصصت عليها القصة فقالت أبشر فإنك تطعم الطعام وتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة لا يصنع الله بك إلا خيرا ثم جمعت عليها ثيابها وانطلقت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن قصي وكان نصرانيا قد قرأ الكتب فقصت عليه الخبر فلما ذكرت جبريل قال قدوس قدوس مالك تذكرين الروح الأمين بهذا الوادي الذي أهله عبدة الأوثان لئن كنت صدقتني لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى بن عمران فقولي له فليتثبت وإذا جاءه فتحسري بين يديه فإن كان شيطانا ثبت وإن كان ملكا لا تراه حينئذ فرجعت خديجة إلى رسول الله وقالت إذا أتاك صاحبك فناد بي فبينما هو عندها إذ جاءه جبريل عليه السلام فقال النبي ها هو يأخذ بي فقالت فقم واقعد على فخذي وحسرت عن رأسها وقالت تراه قال لا قالت أبشر فإنه والله ملك وما هو شيطان ولو كان شيطانا ما 143
ستحيى فآمنت به وصدقته وكثير من الناس يقولون أن أول الناس إيمانا بالنبي خديجة وروينا عن أبي رافع أنه قال صلى رسول الله غداة يوم الاثنين وصلت خديجة في آخر ذلك اليوم قالوا ونزلت في هذه القصة ( ^ ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) قال ورقة بن نوفل فيما روى ابن إسحاق عنه # ( لججت وكنت في الذكرى لجوجا % لهم طالما بعث النشيجا ) # ( ووصف من خديجة بعد وصف % فقد طال انتظاري يا خديجا ) # ( بما خبرتنا من قول قس % من الرهبان أكره أن يعوجا ) # ( بأن محمد سيسود يوما % ويخصم من يكون له حجيجا ) # ( فيا ليتى إذا ما كان ذاكم % شهدت فكنت أولهم ولوجا ) # ( ولوجا في الذي كرهت قريش % ولو عجت بمكتها عجيجا ) # ( فإن تبقوا وأبق يكن أمور % يضج الكافرون لها ضجيجا ) # ( وإن أهلك فكل فتى سيلقى % من الأقدار متلفة خروجا ) +وافر+ # قال الزهري فهلك ورقة بن نوفل قبل الوحي وقبل إظهار النبي الدعوة والله أعلم بصدقه
144
انقضاض الكواكب رأيت في بعض كتب التأريخ أنه كان بين مبعث رسول الله وإلى أن رأت قريش النجوم يرمى بها في السمآء عشرون يوما وقال الله عز وجل ( ^ إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يستمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ) فدل بقوله ( ^ حفظا من كل شيطان مارد ) أنها لم تزل محفوظة مذ خلقت الكواكب لها زينة وقد سئل الزهري عن انقضاض الكواكب في الجاهلية فقال قد كان ذلك فلما بعث رسول الله شدد وغلظ ألا ترى إلى قول الشاعر # ( فانقض كالكوكب الدري يتبعه % نقع يخال على أرجآئه الطنبا ) بسيط # وقد روي أخبار في هذا الباب والذي يشبه الحق أنه قد كان قبل ذلك انقضاض الكواكب وأنه قرن به عند الوحي ضرب من العذاب يقضي به الخاطف المستمع والله أعلم # ذكر فترة الوحي قالوا ثم فتر الوحي عن رسول الله
بسيط
وقد روي أخبار في هذا الباب والذي يشبه الحق أنه قد كان قبل ذلك انقضاض الكواكب وأنه قرن به عند الوحي ضرب من العذاب يقضي به الخاطف المستمع والله أعلم
ذكر فترة الوحي قالوا ثم فتر الوحي عن رسول الله 145 حتى شق عليه مشقة شديدة وفي رواية ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يعدو مرة إلى ثبير ومرة إلى حراء يريد أن يلقي نفسه منها فبينا هو كذلك إذ سمع صوتا فرفع صوته فإذا هو بالملك الذي جاءه بحراء بين السماء والأرض قال فخشيت رعبا ورجعت إلى أهلي فقلت زملوني فألقوا علي قطيفة سوداء وصبوا علي ماء باردا فنزل (
يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر )
ذكر اختلافهم أول من أسلم قيل خديجة رضي الله عنها صلى رسول الله غداة يوم الاثنين وصلت خديجة آخر اليوم وقيل علي بن أبي طالب صلى رسول الله يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء وقيل زيد بن حارثة وقيل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأما ابن إسحاق فإنه يقول أول من ذكر من الناس آمن بمحمد علي بن أبي طالب عليه السلام ثم زيد بن حارثة ثم أبو بكر الصديق وأسلم بدعآئه عثمان بن عفان ثم سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله فهؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا بالإسلام وروى الواقدي أن سعد بن أبي وقاص قال لقد أتى علي يوم وإني لثالث الإسلام وعن عمرو بن عنبسة 146 كنت ثالثا أو رابعا في الإسلام وعن خالد بن سعيد بن العاص كنت خامسا في الإسلام وممن سبق إسلامه أبو عبيدة بن الجراح والزبير بن العوام وعثمان بن مظعون وقدامة بن مظعون وعبيدة بن الحارث وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد بن جحش وأبو سلمة بن عبد الأسد وواقد بن عبد الله وخنيس بن حذافة ونعيم بن عبد الله النحام وخباب بن الأرت وعامر بن فهيرة رضي الله عنهم أجمعين ومن النساء أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر ابن أبي طالب وفاطمة بن الخطاب امرأة سعيد بن زيد بن عمرو وأسما بنت أبي بكر وعائشة وهي صغيرة فكان إسلام هؤلاء في ثلاث سنين ورسول الله يدعو في خفية قبل أن يدخل دار أرقم بن أبي الأرقم ثم أسلم صهيب بن سنان وعمار ابن ياسر وكان إسلامهما بعد إسلام بضعة ثلاثين رجلا ثم فشا بمكة وتحدث به وأمر الله عز وجل رسوله بإظهار الدعوة فقال (
فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) وذلك في السنة الرابعة من النبوة 147
ذكر إظهار الدعوة إلى الإسلام قالوا فجهر رسول الله بدينه ودعا الخلق إليه وأبدى الصفحة لهم فلم يبعد عليه قومه ولا عابوا عليه رأيه لما عرفوه من صدق الحديث وحسن الجوار وتحري الخير والتواضع للخلق وكمال العقل والشرف وعلو البيت وطهارة النسب حتى سب آلهتهم وسفه أحلامهم وضلل أرآءهم ونقض دينهم فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وقد حدب عليه عمه أبو طالب وقام يناضل دونه ويحامي عليه فتضاغن القوم وتوامروا ومشوا إلى أبي طالب منهم أشراف قريش عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة وأبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس وأبو جهل بن هشام بن المغيرة المخزومي وكنيته أبو الحكم وأبو البختري بن هشام والوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزومي والعاص بن وائل السهمي فقالوا يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا وإن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل أبآءنا فإما أن تكفه وإما أن ننازله وإياك فقال له أبو طالب اتق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر 148 ما لا أطيق فظن رسول الله أن أبا طالب قد تركه وأنه قد ضعف عن نصرته وهو خاذله فاستعبر ثم قال يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله وأهلك دونه ما تركته فقال أبو طالب لا تخذله فمشوا إليه بعمارة بن الوليد فقالوا هذا أنهد فتى قريش وأجمله فخذه واتخذه ولدا وسلم إلينا ابن أخيك هذا الصابئ الذي خالف ديننا وفرق جماعتنا نقتله فقال أبو طالب تعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه هذا مما لا يكون فتنابذ القوم وتنادوا بعضهم بعضا وأقبلوا على من في القبائل من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله عز وجل رسوله بعمه أبي طالب أن تخلصوا في شعره وبشره غير أنهم يرمونه بالسحر والشعر والكهانة والجنون والقرآن ينزل عليهم بتكذيبهم والرد عليهم ورسول الله قائم بالحق ما يثنيه ذلك عن الدعاء إلى الله عز وجل سرا وجهرا حتى لحق أبو طالب بالله عز وجل فتخطؤا إليه بالمكروه ونالوا منه ما كانوا يجمحون عنه من جنانه قالوا ولما أسلم حمزة بن عبد المطلب عز به النبي وأهل الإسلام فشق ذلك على 149 المشركين فعدلوا عن المنابذة إلى المعاتبة وأقبلوا عليه يرغبونه في المال والأنعام ويعرضون عليه الأزواج فنزل (
قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) فلما أعياهم أمره ويئسوا أن يستنزلوه عن دينه بشيء من حطام الدنيا أخذوا في طلب الآيات والتماس المعجزات كما حكى الله عز وجل عنهم في القرآن (
وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) الآيات وتواصؤا على من أسلم يعذبونهم جهارا ويقاتلونهم سرا فأمر رسول الله بالهجرة إلى الحبشة فرارا بدينهم وهي الهجرة الأولى سنة خمس من البعث
ذكر الهجرة الأولى إلى الحبشة قالوا فخرج أحد عشر رجلا وأربع نسوة وأميرهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله وخرجت قريش في أثرهم فلم يلحقوهم ومروا القوم إلى الحبشة فآمنوا واطمأنوا قالوا وتلا رسول الله سورة النجم فألقى الشيطان في أمنيته تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فسجد المشركون وسروا بذلك وقالوا ما إن 150
ابن أبي كبشة يذكر آلهتنا بخير وبلغ الخبر عثمان بن عفان ومن معه بأن قريشا قد أسلموا فأقبلوا راجعين فلما دنوا من مكة أخبروا أن ذلك باطلا فلم يدخل منهم مكة أحد إلا مستخفيا أو بجواز فاشتد الأمر وأطبق البلاء بالمسلمين فأمرهم النبي بالخروج ثانيا إلى الحبشة # ذكر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة قالوا فخرجوا وأميرهم جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة ثلاثة وثمانين رجلا فقال عبد الله بن الحارث بن قيس يذكر لهم ما فيه من الأمن والدعة # ( يا راكبا بلغن عني مغلغلة % من كان يرجو بلاغ الله والدين ) # ( كل امرئ من عباد الله مضطهد % ببطن مكة مقهور ومفتون ) # ( إنا وجدنا بلاد الله واسعة % تنجي من الذل والمخزاة والهون ) # ( فلا تقيموا على ذل الحياة ولا % خزي الممات وعيب غير مأمون ) +بسيط+ # وخرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه حتى بلغ برك الغماد فلقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال إلى أين يا أبا بكر قال أخرجني قومي فأسيح
151
في الأرض وأعبد ربي فقال ابن الدغنة مثلك لا يخرج تكسب المعدوم وتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق فرجع أبو بكر في جواره فقال ابن الدغنة يا معشر قريش إني أجرت أبا بكر قالوا فمره يعبد ربه في بيته ولا يفسد علينا صبياننا قالوا وبعثت قريش بعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة مع هدايا إلى النجاشي ملك الحبشة على أن يسلم المسلمين إليهما فقدما وأوصلا الهدية قال إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان من عندنا سفهآء فارقوا دينهم ولم يدخلوا في دينكم فبعثنا أشرافنا إليكم لتردهم إليهم فقال النجاشي حتى أسئلهم عما يقولون ثم استدعى أصحاب رسول الله فجاؤه وقد جمع أساقفته وبطارقته وفرشوا مضاجعهم فقال لهم ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم فقال جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنه إنا كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونهريق الدماء ونأتي الفواحش حتى بعث الله عز وجل إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته فدعانا
152
إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده ونخلع الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وصلة الرحم وحسن الجوار ونهانا عن الفواحش والمحارم فعدوا علينا ليردونا إلى عبادة الأصنام والأوثان فهربنا إلى بلادك واخترناك على من سواك فقال لهم انطلقوا فوالله لا أرسلكم إليهم أبدا فخرجا من عنده مقبوحين فقال عمرو لأتينه بما يستأصل به خضرآؤهم ثم غدا إليهم من الغد فقال أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما فأرسل فاسألهم ما يقولون في عيسى فقال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه نقول فيه ما جاء به نبينا أنه عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم فضرب النجاشي يده إلى الأرض وتناول منها عودا وقال ما عدا عيسى ما قلتم هذا العود ثم قرأ عليه جعفر بن أبي طالب صدر سورة كهيعص فآمن بالنبي ورد هدية عمرو وعبد الله وصرفهما إلى مكة ثم لما هاجر رسول الله إلى المدينة وكان المسلمون يخرجون إليه وكان آخرهم جعفر أدرك النبي وهو بخيبر قالوا ولما خرج رجع عمرو وعبد الله وجدوا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أسلم وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره فامتنع رسول الله به
153
وبحمزة بن عبد المطلب حتى عادوا قريشا وكاثروهم ثم وقع الحصار في السنة السادسة من النبوة وبقي ثلاث سنين # ذكر الحصار قالوا واجتمعت قريش على بني هاشم وبني عبد المطلب وتعاقدوا على أن لا يبايعوهم ولا يخالطوهم ولا ينكحوا منهم ولا ينكحوهم حتى يتبرؤا من صاحبهم ويسلمونه للقتل وكتبوا صحيفة كاتبها منصور بن عكرمة بن عامر وعلقوها في الكعبة فانحازت بنو هاشم وبنو عبد المطلب فدخلوا الشعب وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب وحده وضاق الأمر عليهم لا يصل إليهم شيء من الطعام إلا سرا وبقوا فيه ثلاث سنين فلما كان في السنة التاسعة من النبوة قال النبي لأبي طالب هل شعرت بأن ربي قد سلط الأرضة على الصحيفة فلم تدع لله اسما إلا أثبتته ونفت القطيعة والظلم فقام أبو طالب حتى أتى المسجد فقال يا معشر قريش إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا فهلموا صحيفتكم فإن كان كما قال فانتهوا عن ظلمنا وقطيعتنا فإن كان كاذبا دفعته إليكم
154
قالوا رضينا فنظروا فإذا هو كما قال فزادهم ذلك شرا ثم اجتمع نفر من قريش وقالوا يا قومنا تأكلون الطعام وتشربون الشراب وتلبسون الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبايعون ولا يناكحون والله لا نقعد حتى نشق هذه الصحيفة الظالمة لقاطعة فقام إليها مطعم بن عدي فشقها فقال أبو طالب # ( الأهل أتى بحرينا صنع ربنا % على نأيهم والله بالناس أرود ) # ( ألم يأتهم أن الصحيفة مزقت % وإن كل ما لم يرضه الله مفسد ) # ( جزى الله رهطا بالحجون تبايعوا % على ملإ يهدي لحزم ويرشد ) # ( قضوا ما قضوا من ليلهم ثم أصبحوا % على مهل وسائر الناس رقد ) طويل # فخرجوا من الشعب # ذكر خروجهم من الشعب قال الواقدي مات أبو طالب وخديجة في السنة العاشرة من النبوة بعد خروج بني هاشم من الشعب بيسير وكان بين موت خديجة إلى أن مات أبو طالب شهر وخمسة أيام وقيل كان بينهما ثلاثة أيام فتشابعت على رسول الله المصائب واستكلبت عليه شوكة المشركين
طويل
فخرجوا من الشعب
ذكر خروجهم من الشعب قال الواقدي مات أبو طالب وخديجة في السنة العاشرة من النبوة بعد خروج بني هاشم من الشعب بيسير وكان بين موت خديجة إلى أن مات أبو طالب شهر وخمسة أيام وقيل كان بينهما ثلاثة أيام فتشابعت على رسول الله المصائب واستكلبت عليه شوكة المشركين 155 وبالغوا في الأذى وكان أشدهم عليه عمه أبو لهب عليه اللعنة وأبو جهل وعقبة وأبي بن خلف فمنهم من يقدر ببابه ومنهم من يطرح الأذى في برمته إذا نصبت ومنهم من يطرح رحم الشاة إذا سجد على ظهره ومنهم من يطأ برجليه على عنقه ومنهم من يذر التراب على رأسه ومنهم من يبزق في وجهه وجعلوا يستهزؤن به ويتضاحكون منه ورسول الله صابر محتسب على الأذى ثم خرج رسول الله إلى الطائف يستنصر
خروج النبي إلى الطائف قالوا وخرج مع زيد بن حارثة على حمار من هذه الدناية يلتمس النصر والمنعة وأقام بها عشرة أيام فلم يدع أحدا من أشراف ثقيف إلا جاءه وكلمه وكانت رؤساء ثقيف ثلاثة إخوة عبد ياليل بن عمرو وحبيب ابن عمرو ومسعود بن عمرو فجاءهم رسول الله وسألهم أن يمنعوه حتى يبلغ من الله عز وجل أمره فقال أحدهم أنا أمرط ثياب الكعبة إن الله أرسلك نبيا وقال الآخر أما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث والله لا أكلمك أبدا 156 فقام رسول الله وقد يئس من نصرتهم فقالوا اكتموا علي وكره أن يبلغ ذلك قومه فيذأرهم عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم وعبيدهم فجعلوا يسبونه ويغطغطون وراءه ويرمونه بالحجارة حتى التجأ إلى ظل حبلة في جنب حائط فجلس فيه ودعا دعوات فسأل ربه النصر والصبر وانصرف وكان مقامه بالطائف عشرة أيام فلما بلغ في منصرفه بطن نخل استمع إليه نفر من الجن
قصة الجن الأولى قالوا وقام رسول الله من خوف الليل يصلي فمر به سبعة نفر من جن نصيبين يقال أسماءهم حسا ومسا وشارصه وناحر ولاورد وسار سان والأحقب فآمنوا به ورجعوا إلى قومهم منذرين كما قال الله عز وجل (
وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) الآيات وسار رسول الله من نخلة يريد مكة حتى أتى حرآء وبعث إلى سهيل بن عمرو والأخنس بن شريق أدخل في جواركما فأبيا عليه فأرسل إلى مطعم بن عدي فأجاره وأمر بنيه فلبسوا السلاح ووقفوا عند خروجه إلى البيت فدخل رسول الله مكة وكان غيبته 157
ن خروجه إلى مرجعه خمسة وعشرين يوما ويقال شهرا وفيه يقول حسان بن ثابت # ( فلو كان مسجد يخلد اليوم واحدا % من الناس أبقى مجده اليوم مطعما ) # ( أجرت رسول الله فيهم فأصبحوا % عبيدك ما لبى ملب وأحرما ) +طويل+ # قصة الجن الثانية قالوا ولما انصرف النفر من نصيبين إلى قومهم وأنذروهم جاءت جماعة منهم زهاء ثلثمائة رجل وخرج رسول الله إلى الحجون فقرأ عليهم ودعاهم إلى الله عز وجل فآمنوا به وصدقوه ثم صلى بهم وقرأ في الصلاة تبارك الملك وسورة الجن وهي فسمي ليلة الجن ثم هاجت الأزمة وهي الجوع فدعا النبي عليهم حتى أكلوا العلهز والقد والعظام المحرقة والكلاب الميتة وحتى كان الرجل يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان فجاءه أبو سفيان بن حرب وقال يا محمد جئت بصلة الرحم وقومك قد هلكوا فادع الله لهم فلما دخلت سنة إحدى عشرة من النبوة دعا رسول الله فكشف عنهم بقول الله عز وجل ( ^ إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون ) ثم كان انشقاق القمر بقول الله عز وجل ( ^ اقتربت
158
الساعة وانشق القمر ) ثم غلبت الروم بقول الله عز وجل ( ^ آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ) # قصة الروم وذلك أن أبرويز لما انهزم من بين يدي بهرام جوبينة مضى إلى الروم واستنجد بملكهم موريقيس فأمده بالرجال والمال وزوجه ابنته مريم وانصرف وقاتل بهرام فنفاه إلى أقصى خراسان ووثبت الروم على ملكهم فقتلوه فسرح إليهم أبرويز شهرابراز الفارسي وجندا من الفرس فدخلوا قسطنطينية واحتووا على خزائنها وأموالها وقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية وحملوا الخشبة التي يزعم النصارى أن المسيح عليه السلام صلب عليها وذلك في سنة إحدى عشرة من النبوة قبل الهجرة بسنتين وأخبر الله عز وجل نبيه ( ^ آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ) وسر المشركون به وجادلوا المسلمين وقالوا تزعمون أنكم تغلبوننا لأنكم أهل كتاب وهذه المجوس قد ظهرت على الروم وهم أهل كتاب فنزل ( ^ وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ) فأنكروا ذلك وجحدوه فناجب أبو بكر أبي بن خلف على ذود من
159
الإبل ليظهرن الروم على فارس إلى خمس سنين فقال النبي زده في الخطر ومده في الأجل فجعل الخطر ذودين والأجل سبع سنين فلما كان يوم الحديبية انكشف شهرابراز عن الروم حتى سار هرقل إلى العراق فأغار عليه وصدق وعد الله ثم كان بعد غلبة الروم المسرى # ذكر المسرى والمعراج اعلم أنه لا شيء أكثر من اختلاف هذه القصة أما المعراج فينكره بعض الناس وبعض يزعم أن المعراج هو المسرى ثم اختلفوا في كيفية المسرى فكانت عائشة ومغوية يقولان ما فقد جسد رسول الله ولكن الله أسرى بروحه وكان الحسن رضي الله عنه يقول كانت رؤيا ويحتج بقوله ( ^ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) وبقول إبراهيم ( ^ إني أرى في المنام أني أذبحك ) ثم مضى على ذلك فعرفت أن الوحي يأتي الأنبياء أيقاظا ونياما وكان النبي يقول تنام عيناي ولا ينام قلبي قال ابن إسحاق والله أعلم أي ذلك كان ونحن نذكر في ذلك طرفا كما جاء في الخبر قال الواقدي أسرى به قبل الهجرة بسنة وكان المعراج قبل ذلك بثمانية عشر شهر قال النبي فاستلقاني على قفاي ثم شقا بطني
160
واستخرجا حشوي ومعهما طست من ذهب يغسل فيه بطون الأنبياء فكان جبريل يختلف بالماء من زمزم وميكائيل يغسل جوفي فقال جبرائيل لميكائيل شق قلبه فشق قلبي فأخرج علقة سوداء فألقاها ثم أدخل هرمه ثم ذر عليه من ذرور كان معه وقال وقلب وكيع له عينان بصيرتان وأذنان سميعتان أنتم قشر المغفل الحاشر ثم قال ببطني هكذا فالتأم وقالا ملئ حكمة وإيمانا ثم وثبت قائما فأتيت بالمعراج فإذا هو أحسن ما رأيت منظرا ألم تروا إلى ميتكم إذا احتضر كيف يشخص ببصره إليه فإنه إنما ينظر إلى حسن المعراج قال فعرجا بي إلى السماء الدنيا فلما انتهينا إلى باب الحفظة وعليه ملك يقال له إسماعيل تحت يده سبعون ألف ملك ما منهم ملك إلا وهو على مائة ألف فقال من هذا قالوا محمد قال وقد بعث قال نعم قال فتبادروا واجتمعوا وفتحوا ورحبوا ودعوا بالبركة قال ورأيت في السماء الدنيا رجلا أعظم الناس جهة فقلت من هذا يا جبريل قال أبوك آدم وإذا أرواح ذريته تعرض عليه فإذا عرض عليه روح المؤمن قال ريح طيبة وروح طيب جعلوا
161
كتابه في عليين وإذا عرض عليه روح الكافر قال ريح خبيثة وروح خبيث جعلوا كتابه في سجين ثم وصف السموات ومن فيهن ووصف الجنة والنار وأهلها قال ثم انتهيت إلى السماء السابعة فلم أسمع شيئا إلا صرير الأقلام ورأيت جبريل يتضاءل حتى كان فرخ طائر ما أكاد أتأمله وسمعت وحيه فقال لي جبرائيل اسجد فسجدت ودنوت قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده ما أوحى ثم قال ارفع رأسك يا محمد وقد فرض الله عليك خمسين صلاة قال فرجعت إلى موسى عليه السلام ولم يزل يرده حتى حطه إلى خمس صلوات قال موسى ارجع إلى ربك واسئله أن يخفف عن أمتك فإن أمتك ضعيفة قال فقلت قد استحييت من ربي ولأصبرن على هذه الخمس قال فنوديت إني قد أمضيت فريضتي وخففتها على عبادي وأجزي الحسنة بعشرة أمثالها هذا من رواية الواقدي وأما ابن إسحاق فإنه روى أن النبي لما حدث عن المسرى وما بالمسجد الأقصى قال فلما فرغت مما كان في بيت المقدس أتى المعراج ولم أر شيئا أحسن منه وأصعدني صاحبي حتى انتهى بي إلى باب
162
من أبواب السماء ثم ساق قصة شبيهة بما ساق الواقدي وسنذكر اختلاف الناس والكشف عن وجه الحق في آخر هذا الفصل # قصة المسرى قال ابن إسحاق ثم أسرى برسول الله كان فيه بلاء وتمحيض وأمر من الله عز وجل فيه عبرة وهدى ورحمة وكيف شآء ليريه من آياته فكان ابن مسعود يقول أتي رسول الله بالبراق وهي الدابة التي كان يحمل عليها الأنبياء قبله تضع حافرها منتهى طرفها فحمل عليها ثم خرج صاحبه يريه الآيات فيما بين السماء والأرض حتى انتهى إلى بيت المقدس فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء فصلى بهم ثم أتي بثلاث أوان إناء فيه لبن وإناء فيه خمر وإناء فيه ماء قال فسمعت حين عرضت علي قائلا يقول إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته وإن أخذ الخمر غوي وغويت أمته وإن أخذ اللبن هدي وهديت أمته قال فأخذت اللبن فشربته وكان الحسن يقول أن النبي قال بينا أنا نائم في الحجر إذ أتاني جبريل فهمزني برجله فجلست فلم أر فيه شيئا فعدت إلى مضجعي فجاءني الثانية فهمزني بقدمه فجلست فأخذ بعضدي وخرج بي إلى باب المسجد فإذا أنا بدابة أبيض بين البغل
163
والحمار وفي فخذيه جناحان ومضى في حديثه مثل حديث ابن مسعود وزاد قال لما شربت اللبن حرمت عليكم الخمر فلما أصبح عدا على قريش فقالوا إن هذا والله لبين أن العير ليطرد شهرا من مكة إلى الشأم مدبرة وشهرا مقبلة فيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع فارتد كثير ممن كان أسلم وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا إن صاحبكم يزعم كذا وكذا فقال أبو بكر لئن كان قاله فقد صدق فما يعجبكم من ذلك أنه يخبر الخبر من السماء إلى الأرض في ساعة فأصدقه قال وقال رسول الله فرفع بي حتى نظرت إليه فجعل يصفه وأبو بكر يصدقه وروى الواقدي عن جابر بن عبد الله أن النبي قال لما كذبني قريش قمت في الحجر فخيل إلي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه وروي عن أم هاني بنت أبي طالب أنها قالت نام رسول الله عندي وفي بيتي تلك الليلة فلما كان قبل الصبح أهبنا وقال لقد صليت عشاء الآخرة والفجر بهذا الوادي وصليت ما بينهما بالبيت المقدس وقد نشر لي الأنبيآء فصليت بهم ثم قص القصة والوجه في هذا وما أشبهه أن لا يجاوز فيه نص الكتاب
164
ومستفيض السنة مع المخالف المنكر المستعظم لما يخرج عن العادة المعهودة والطبع القديم قال الله سبحانه ( ^ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) فالمسرى قد يكون بالروح والجسم ثم قال ( ^ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) ولا خلاف بين أهل اللغة أن الرؤيا في المنام لا غير وإن كان جاء في التفسير أنه رؤية العين فحكم العاقل أن يخاطب كلا على قدر فهمه وأي تفضيل يلحق النبي في رفع جسمه وجثته أو ليس قد أخبر أنه قد رأى في السماوات إبراهيم وموسى وعيسى وآدم وغير مختلف أنهم لم يرفعوا بأجسامهم مع أنا لا ننكر أن يرفع الله ما يشآء من جبل وحجر فكيف أنبيآءه ورسله ولكن ذكرنا ما ذكرنا ليهون عليك ما يرد من كلام الخصوم ولتقصيد الأشبه بالمتعالم المعروف والله أعلم # ذكر مقدمات الهجرة وأول من هاجر قالوا وكان رسول الله يوافي كل موسم سوق عكاظ وسوق ذي المجاز وسوق
165
المجنة يتبع القبائل في رحالها ويغشاها في أنديتها يدعوهم إلى أن يمنعوه ليبلغ رسالة ربه فلا يجد أحدا ينصره حتى كانت سنة إحدى عشرة من النبوة لقي ستة نفر من الأوس عند العقبة فدعاهم رسول الله إلى الإسلام وعرض عليهم أن يمنعوه فعرفوه وقالوا هذا النبي الذي يوعدنا يهودنا به وهموا يقتلوننا قتل عاد وإرم فأمنوا به وصدقوه وهم أسعد بن زرارة وقطبة بن عامر بن حديدة ومعاذ بن عفرآء وجابر بن عبد الله بن رئاب وعوف بن عفرآء وعقبة بن عامر وأول من أسلم فيهم أسعد بن زرارة وقطبة بن عامر وكان يقول في الجاهلية لا إله إلا الله ويقال بل أول من أسلم أبو الهيثم بن التيهان وكان لا يقرب في الجاهلية الأوثان فانصرفوا إلى المدينة وذكروا أمر رسول الله فأجابهم ناس وفشا فيهم الإسلام لما كانت اثنتي عشرة من النبوة وافى الموسم منهم اثنا عشر رجلا هؤلآء الستة وستة أخر أسمآءهم أبو الهيثم بن التيهان وعبادة ابن الصامت وعويم بن ساعدة ورافع بن مالك وذكوان ابن عبد القيس وأبو عبد الرحمان بن ثعلبة فآمنوا وأسلموا
166
وواعدوا رسول الله العام القابل وسألوه أن يبعث معهم من يصلي بهم ويعلمهم القرآن فبعث معهم مصعب ابن عمير بن هاشم بن عبد مناف فتى قريش كلها يدعو الناس إلى الإسلام وكان يدعى المهدي في زمن رسول الله فأسلم بدعائه بشر كثير وكان في من أسلم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيد الأوس والخزرج فلما كان سنة ثلاث عشرة من النبوة قدم من الأنصار سبعون رجلا وامرأتان أم عامر وأم منيع ورئيسهم البرآء بن معرور فجاءهم رسول الله عند العقبة وبايعوه على المنع والنصرة قال الواقدي واختلفوا في أول من ضرب يده على يد رسول الله فقيل البرآء بن معرور وقيل أسعد بن زرارة وقيل أسيد بن حضير وقيل أبو الهيثم بن التيهان فقال لهم النبي اخرجوا إلي اثني عشر نقيبا يكونوا على قومهم وأخذ عليهم الميثاق والعهد والوفاء كنقبآء بني إسرائيل فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس فمن الخزرج أسعد بن زرارة وسعد بن الربيع وسعد ابن عبادة والبرآء بن معرور وعبادة بن الصامت وعبد الله بن
167
رواحة ورافع بن مالك بن عجلان والمنذر بن عمرو بن خنيس ومن الأوس أسيد بن حضير وسعد بن خيثمة وأبو الهيثم بن التيهان فقال كعب بن مالك يذكر تلك البيعة في قصيدة طويلة # ( فأبلغ أبيا أنه قال رايه % وحان غداة الشعب والحين واقع ) # ( وأبلغ أبا سفيان أن قد بدا لنا % بأحمد نور من هدى الله ساطع ) # ( فلا تزهدن في حشد أمر تريده % وألب وجمع كل ما أنت جامع ) # ( ودونك فاعلم أن نقض عهودنا % أباه عليك الرهط حتى يبايعوا ) طويل # وانصرف الأنصار إلى المدينة وأمر رسول الله بالهجرة وكان هاجر إليها قبل بيعة العقبة أبو سلمة بن عبد الأسد بسنة وهو أول من هاجر إلى المدينة ثم هاجر بعده عبيدة بن الحارث وعثمان بن مظعون ومسطح بن أثاثه ثم هاجر بعدهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعياش بن أبي ربيعة وهو أخو أبي جهل بن هشام فنذرت أمه أن لا يظلها سقف بيت حتى يرتد فخرج أبو جهل
طويل
وانصرف الأنصار إلى المدينة وأمر رسول الله بالهجرة وكان هاجر إليها قبل بيعة العقبة أبو سلمة بن عبد الأسد بسنة وهو أول من هاجر إلى المدينة ثم هاجر بعده عبيدة بن الحارث وعثمان بن مظعون ومسطح بن أثاثه ثم هاجر بعدهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعياش بن أبي ربيعة وهو أخو أبي جهل بن هشام فنذرت أمه أن لا يظلها سقف بيت حتى يرتد فخرج أبو جهل 168 ابن هشام والحارث بن هشام فرداه فلم يزالا يعذبانه حتى فتناه عن دينه وفيه نزلت (
ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) ثم هاجر بعد ذلك وأسلم ثم خرج سائر المسلمين وبقي النبي وعلي بن أبي طالب وأبو بكر ومن لا قوة له في الحركة من ضعف وفاقة فلما رأت قريش أن شيعة النبي قد خرجوا فزعوا من ذلك وعلموا أنه إن خرج واقع بهم فاجتمعوا في دار الندوة وتشاوروا في أمره وروي أن الشيطان صرخ على العقبة يا أهل الأخاشب هل لكم في محمد وأصحابه فقد اجتمعوا لحربكم
ذكر دار الندوة قالوا فاجتمع رؤسآء قريش في دار الندوة ومنهم أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والعاص بن وائل وأبو سفيان بن حرب ونبيه ومنبه ابنا الحجاج قال بعضهم فاعترض لهم إبليس في صورة شيخ جليل عليه إتب فقالوا من الشيخ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم فحضر ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا 169
قام خطيبهم فقال إن هذا الرجل قد كان من أمره ما كان وإنا لا نأمنه على الوثوب بنا فاجمعوا فيه رأيا فقال قائل منهم أرى أن تقتلوه بحديد أو أن تغلقوا عليه الباب حتى يموت فقال إبليس ما هذا برأي لأنكم لو فعلتم ذلك لأوشك أن ينزعه أصحابه من أيديكم فقال آخر أرى أن تربطوه على ظهر راحلة ثم اضربوا وجهها تهيم في الأرض حيث شاءت فقال إبليس ما هذا برأي ألم تروا إلى حسن لفظه وحلاوة منطقه ولا يحل بحي ولا بلد إلا سحرهم بكلامه فقال أبو جهل أرى أن نجمع من كل قبيلة منا فتى شبيبا نشيطا ثم نعطي كل واحد منهم سيفا صقيلا فيعمدون إليه ويضربونه ضربة رجل واحد ويفرقون دمه في القبائل فلا يقدر بنو عبد مناف على الإقادة بجميع الناس فقال إبليس هذا الرأي وقد حكي في ذلك شعر ومنه من ينسبه إلى إبليس # ( الرأي رأيان رأي ليس يعرفه % غاو ورأي كحد السيف معروف ) # ( يكون أوله بشرى لآخره % حقا وآخره مجد وتشريف ) +بسيط+
170
فتفرقوا على هذا وجمعوا من فتيان قريش أربعين شابا وأعطوهم السيوف وأمروهم أن يغتالوا النبي ويقتلوه # ذكر ليلة الدار قالوا فأتوا داره وأحاطوا به يرصدونه حتى ينام فيبيتون به وأتاه الخبر من السماء فثبت حتى أمسى ثم اضطجع على فراشه وتجلل ريطة له خضراء والرصد يرون ما صنعه ويترقبون نومه فدعا عليا وقال نم على فراشي فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه وإن أتاك أبو بكر فأخبره أني قد خرجت إلى ثور أطحل وهو غار بأسفل مكة ومره فليلحق بي وخرج رسول الله وقد أخذ حفنة من التراب فجعل ينثر على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات ( ^ يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم ) إلى قوله ( ^ فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) ومر إلى الغار وقد أخذ الله عز وجل أبصارهم عنه فأتاهم آت فقال ما مقامكم قالوا ننتظر نوم محمد لنثور عليه قال إن محمدا قد مر وما ترك أحدا منكم إلا وضع التراب على رأسه فقالوا فها هو نائم قال ذاك علي بن أبي طالب فاقتحموا الدار ونصوا الحلة فإذا هو علي فسقط في أيديهم وفيه نزل ( ^ وإذ يمكر بك
171
الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) # ذكر حديث الغار قالوا وكان أبو بكر قد ابتاع راحلتين وحبسهما في الدار يعلفهما إعدادا لذلك الأمر فاستأجر دليلا يقال له عبد الله بن أريقط الليثي ويقال ابن أرقد ليأخذ بهما على الجادة وأمر غلامه عامر بن فهيرة أن يروح عليه يستحثه مغسفا وسوت له أسماء سفرة فحملها ومر إلى الغار فأقاما فيه ثلاثا وروى ابن إسحاق أن النبي لما خرج من داره أتى إلى دار أبي بكر وخرج معه من ظهر بيته إلى ثور فاكتتما فيه قال قائل وصرخ صارخ أن محمدا قد خرج فخرج المشركون في إثرهما فكانا يريانهم ولا يرونهما وروى الواقدي أن الله عز وجل بعث العنكبوت فضرب على باب الغار ونهى رسول الله عن قتل العنكبوت فلما أكدت قريش وخابت جعلت مائة ناقة لمن رده فخرج سراقة بن مالك وكان من فرسان القوم وأشدآئهم # ذكر خروج سراقة في إثرهما قالوا وخرج في أثرهما ثم روى بعد ما أسلم قال فلما بدا لي القوم عثر بي فرسي وذهبت يداه
172
في الأرض وسقطت عنه قال ثم انتزع يديه وتبعهما دخان كالإعصار فعرفت أنه حق فناديتهم انظروني أكلمكم فوالله لا آذيتكم فقال النبي لأبي بكر سل ما يطلب قال ما تبتغي منا قال قلت تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك فأمر أبا بكر فكتب لي كتابا في رقعة أو قال في عظم فلما كان يوم فتح مكة أتيته بالكتاب فقال اليوم يوم وفاء وبر أدن مني فأسلم فدنوت وأسلمت وقد روي في هذا الخبر أنه ساخت قوائم دابته ثم خرجت ولها عثار # ذكر خروج النبي وأبي بكر من الغار إلى المدينة قال ابن إسحاق وخرج بهما دليلهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل أسفل من عسفان فهبط بهما العرج ثم لزم الجادة إلى المدينة وذكر حديث أم معبد بطوله قال وكان المسلمون بالمدينة لما سمعوا بخروج رسول الله من مكة يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه فإذا ارتفع النهار وعلا انصرفوا إلى بيوتهم حتى كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله وكانوا قد انتظروه ورجعوا فرآه رجل من يهود فصرخ بأعلى صوته يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء فخرج الناس وثاروا إلى أسلحتهم
173
وأسرعوا يتلقونه وكان ذلك يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الأول فيما روى ابن إسحاق حين اشتد الضحى وكادت الشمس تعتدل وكان الزبير بن العوام لقيه في الطريق مقبل من الشأم فطرح على رسول الله ثيابا بيضا فنزل رسول الله وأبو بكر بقبا في ظل نخلة وهي قرية بني عمرو بن عوف # في ذكر اختلاف الناس في هذا الفصل أعلم أن ما كان في هذه الأخبار من المعجزات فكلها مصدقة مقبولة إذا صحت الرواية والنقل أو شهد لها نص القرآن والدلالة عليها كذهاب قوائم فرس سراقة في الأرض وكإنزال شاة أم معبد اللبن بعد يبسها وكأخذ الله بأبصار الفتكة عن نبيه وككلام إبليس في دار الندوة وكخبر المعراج والمسرى وقصة الروم والجن ولحس الأرضة الصحيفة ونزول جبريل بالوحي وتظليل الغمام والطير له في سفره وإخبار بحيرا وعداس وورقة بأمره وما ذكر من العجائب في مولده في ظئره حليمة من نزول اللبن في ضرعها وفي ضرع شاتها وغير ذلك مما يوصف ويحكى مع ما ذكر من هذه الخصال كلها داخل في حد الجواز والإمكان بعد أن كنا مجيزين للممتنع
174
في الطبع والعادة للأنبياء وفي أيامهم فكيف الممكن المتوهم من ذلك وقد ناقض المنكرون لهذه الحال لخروجها عن العادة المجيزين لها بأنه قد تسوخ القوائم في السهلة والسباخ وفي نافقاء اليرابيع والجرذان ويعود اللبن في الضرع بعد ذهابه وجفوفه بتغير الطبع وزوال العلة ووجود قوة حادثة كما قد يبصر الإنسان بعد العمى ويسمع بعد الصمم بحدوث سبب أو معنى دواء الطعام ويأخذ الله بأبصار قوم بأن يأتي عليهم النعاس أو يخفى شخص المار بهم فلا يرونه وكلام إبليس غير عجيب لأنه قد يقال لمن عمل بعمل إبليس هذا إبليس وكذلك لمن تكلم بكلام إبليس يوسوس إبليس بمثله وقد سمى الله عز وجل من اقتدى بالشيطان شيطانا فقال ( ^ وإذا خلوا إلى شياطينهم ) وإبليس شيطان وأما المعراج والمسرى فكفاك حجة على الخصم عدم اختلاف أهل الملة فيه وخبر الروم ولحس الأرضة الصحيفة وغير ذلك مما أخبر النبي من أخبار الغيب فمن وحي الله وتنزيله مع أن ذلك ممكن معرفته من جملة الخبر وأما كيفية نزول جبريل بالوحي وظهوره له فإن الواجب أن لا يكلم
175
الخصم إلا بإيجاب الوحي كيف شاء لأن الوحي على وجوه وحي إلهام ووحي القاء ووحي تلقين ووحي رؤيا وقد سئل النبي كيف يأتيك الوحي فقال أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني رواه الواقدي ونحن بحمد الله مصدقون بكل ما جاء على ظاهره وجدنا له مثلا وشبها أو لم نجد ومقرون بنزول الملك على الأنبيآء سفيرا بينهم وبين الله عز وجل وواسطة قال هذا المناقض في حجاجه فإن قال الملحد إذا كان الأمر كما زعمت وكان كل ذلك ممكنا لعامة الناس فلم سميتها معجزات الأنبيآء وخصصتهم بها قيل قد يكون الشيء معجزة في وقت وهو بعينه غير معجزة في وقت آخر ويكون معجزة لقوم وغير معجزة لقوم ويكون الشيء باجتماع أجزائه معجزة ويكون كل جزء منه على الانفراد غير معجزة قال وذلك قولنا أن النبي نصر ببدر في قلة عددهم فلو وجد مثله في زماننا أو في بلد الشرك لجاز ذلك وكان ممكنا ثم لا يجوز أن يسمى معجزة وقد كان لرسول الله معجزة عظيمة في زمانه لأنه قد يقع بالاتفاق ما لا يرجى كونه
176
ووقوعه قال والقرآن معجزة عظيمة لهم قال فاتفاق تلك المعاني للنبي وتناسقها في زمانه معجزة له أتاحها الله عز وجل وقدرها علامة لنبوته هذا يرحمك الله باب كان الله أغنى هذا المتكلف عن الخوض فيه والتمرس به وما أراه أبلى عنا في الإسلام أو رد عنه عادية إن لم يكن فتح عليهم باب شنعة وتلبيس وسبيل المعجزات للأنبيآء في خروجها عن العادة سبيل إيجاد أعيان الخلق لا من سابقه فكما أن إيجاد الخلق لا من شيء لا مفهوم ولا معقول ولكن بعرف وتعلم بقيام الأدلة عليه كذلك معجزات الأنبيآء عليهم السلام غير موهومة ولا معقولة وإنما بعلم بقيام الأدلة عليها ولذلك جعلت مسألة الرسالة تابعة لمسألة التوحيد مرتبة عليها وقد مضى من هذا في فصله ما كفى وأغنى ولله الحمد والمنة والحول والقوة والتوفيق والهداية
177
$ الفصل السادس عشر في مقدم رسول الله وسراياه وغزواته إلى وقت وفاته $ # قال قدم رسول الله المدينة يوم الاثنين حين اشتد الضحى لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول وكان خرج من الغار ليلة الخميس غرة شهر ربيع الأول ودخله يوم الاثنين وأقام فيه ثلاثا وبقي في الطريق اثنتي عشرة ليلة فكان من خروجه من مكة إلى دخوله المدينة خمسة عشر يوما فنزل تحت ظل نخلة بقبا فطفق الناس يأتونه وينظرونه وكان أبو بكر معه في مثل سنه فما كان بعرفه إلا من كان رآه فلما زال الظل قام أبو بكر فأظله بردآئه فعرفه حينئذ من لم يكن يعرفه ثم نزل على كلثوم بن هدم ويقال على سعد بن خيثمة وأقام عندهم يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ولم تكن المدينة يومئذ ممصرة وإنما كانت آطاما وحوائط وكان بنو عمرو بن عوف ينتابونه عند كلثوم بن هدم فأول ما أمر فيهم بالأصنام أن تكسر
178
فجعلوا يكسرونها ويوقدون النار فيها وأسس مسجد قبا وصلى فيه ثم خرج يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في بطن الوادي وهي أول جمعة صلاها في الإسلام وبنى في مصلاه مسجدا واستقبله الناس فجعل يقول كل قبيلة أقم عندنا في العدة والعدد ويقول خلوا سبيلها فإنها مأمورة قالوا فلما انتهت إلى بيت أبي أيوب الأنصاري بركت ووضعت جرانها في الأرض فنزل رسول الله على أبي أيوب وأقام عنده سبعة أشهر إلى أن بنى المسجد في فضل البلدان قالوا وبعث رسول الله أبا رافع مولاه وزيد بن الحارثة يقدمان بعياله وأعطاهما بعيرين وخمس مائة درهم أخذها من أبي بكر الصديق فقدما بفاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله وسودة بنت زمعة زوجة رسول الله وأما زينب بنت رسول الله فإن زوجها أبا العاص بن الربيع حبسها وأما رقية بنت رسول الله فإنها هاجرت قبله مع زوجها عثمان بن عفان وكان هاجرت معه إلى الحبشة وقدم عبد الله ابن أبي بكر بأختيه عائشة وأسما بنتي أبي بكر وأم رومان امرأة أبي بكر وكان رسول الله لما خرج خلف عليا بمكة وأمره
179
أن يرد الودائع التي كانت عند رسول الله للناس إلى أهلها ففعل علي وخرج في إثره بعد ثلاث وفرضت الصلاة أربعا أربعا بعد الهجرة بشهر وكانوا يصلون قبلها ركعتين ركعتين ثم آخى بين المهاجرين والأنصار وأقطع الدور وخط الخطط فلبثوا فيها وكتب كتابا وادع فيه اليهود وأقرهم على دينهم وشرط لهم أن لا يهيجهم ولا يباديهم وشرط عليهم أن ينصروه ممن دهمه ولا يظاهروا عليه عدوا فلما رأت اليهود ظهور أمره واستجابة الناس له نقضوا العهد وأخفروا الذمة وناصبوه بغيا وحسدا فجعلوا يغشونه ويسألونه عن الأغلوطات منهم حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب وجدي بن أخطب وزيد بن تابوة وعبد الله بن صورى ومحاض بن عابور والربيع بن أبي الحقيق وكعب ابن الأشرف وشاس بن عمرو وفردم بن كردم وغيرهم من أشرافهم ونافق رهط من أهل المدينة وظاهروهم على ذلك منهم خذام ابن خالد الذي أخرج مسجد الضرار من داره وجارية بن عامر وبخرج بن عمرو وعبد الله بن الأزعر هم الذين بنوا مسجد الضرار ومجمع بن جارية هو الذي كان يصلي بهم وأوس بن قيظي وهو الذي قال يوم الخندق إن بيوتنا عورة وأبيرق
180
سارق الدرع ووديعة بن ثابت ومعتب بن قشير هم اللذان قالا إنما نخوض ونلعب وجد بن قيس الذي قال ائذن لي ولا تفتني وعبد الله بن أبي ابن سلول الخزرجي رأس النفاق وكان القرآن ينزل فيهم ويعبر عن خبث عقيدتهم ودرن سرائرهم إلى أن أذن الله لرسوله في السيف ونزل ( ^ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله فأخذ في تسريب السرايا وبعث الجيوش وكانت سراياه ووفائعه أربعا وسبعين غزاة ويقال خمسا وسبعين في مهاجرة عشر سنين منها التي غزا بنفسه سبع وعشرون وقع منها في تسع القتال في بدر وأحد والمريسع والخندق وقريظة وخيبر والفتح وحنين والطائف ويقال أنه قاتل في بني النضير وكانت سنو الهجرة عشرة سنين السنة الأولى سنة الهجرة والثانية سنة الأمر بالقتال والثالثة سنة التمحيص والرابعة سنة الترفيه والخامسة سنة الزلازل والسادسة سنة الاستئناس والسابعة سنة الاستغلاب والثامنة سنة الإستواء والتاسعة سنة البرآءة والعاشرة سنة حجة الوداع ثم دخلت سنة إحدى عشرة من الهجرة مضى منها شهران واثنا عشر يوما ولحق بربه
181
أما سنة إحدى من الهجرة فإن رسول الله قدم المدينة فأقام بها بقية ربيع وربيعا وجماديين ورجبا وشعبان فلما دخل شهر رمضان عقد لواء أبيض لحمزة بن عبد المطلب وهو أول لواء عقد في الإسلام وبعثه في ثلاثين راكبا من المهاجرين والأنصار يعترض عير القريش جاءت من الشأم فلقي أبا جهل بن هشام في ثلثمائة راكب وحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني فانصرفوا ولم يكن بينهما قتال فهذه أول سرية سرت في الإسلام وفي سبيل الله فلما دخل شوال بعث عبيدة ابن الحارث بن عبد المطلب في ستين راكبا من المهاجرين والأنصار فلقي جمعا عظيما من قريش بسيف البحر وعليهم عكرمة ابن أبي جهل فانصرفوا ولم يكن بينهما قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص رمى بسهم وهو أول سهم رمي في الإسلام ثم لما دخل ذو القعدة بعث سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط من المهاجرين فرجع ولم يلق كيدا وفي هذه السنة بنى بعائشة وكان تزوجها بمكة وفيها ولد عبد الله بن الزبير وهو أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة وفيها ولد النعمان بن بشير وهو أول
182
مولود ولد من الأنصار بعد الإسلام وأما سنة اثنتين من الهجرة فإن رسول الله لما مضى المحرم منها ودخل صفر خرج غازيا بنفسه حتى بلغ ودان بينهما وبين الأبواء ستة أميال فوادعته بنو ضمرة فانصرف ولم يلق كيدا وهي أول غزاة غزاها رسول الله فلما دخل ربيع الأول غزا بواط وهو موضع في طريق الشام يعترض عيرا لقريش فرجع ولم يلق كيدا ثم أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة فخرج في إثره حتى بلغ سفوان من ناحية بدر وهي بدر الأولى فرجع ولم يدركه وذاك في جمادى الأولى ثم غزا ذا العشيرة في جمادى الآخرة وفي تلك الغزاة قال لعلي يابا تراب أشقى الناس رجلان أحيمر ثمود والذي يخضب هذا من هذا ووضع يده على رأسه ولحيته ثم بعث عبد الله بن جحش في ثمانية رهط من المهاجرين في شهر جمادى الآخرة منهم أبو حذيفة بن عتبة وسعد بن أبي وقاص وعكاشة بن محصن الأسدي وعتبة بن غزوان وواقد ابن عبد الله وكتب له كتابا أمره أن لا ينظر فيه حتى يسير
183
يومين ثم يقرأه على أصحابه ولا يستكره منهم أحدا فسار عبد الله بن جحش يومين ثم فتح الكتاب فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم سر على اسم الله وبركته حتى تنزل نخلة فترصد بها عير قريش لعلك تأتينا منهم بخبر فسار عبد الله بأصحابه حتى نزلوا نخلة فمرت العير تحمل زبيبا وأدما وفيها عمرو بن عبد الله الحضرمي والحكم بن كيسان ونوفل بن عبد الله المخزومي وأخوه عثمان بن عبد الله فلما رآهم هابوا فتشاور أصحاب رسول الله قبل أن يهل الهلال وكان آخر يوم من جمادى الآخرة على زعم الكلبي فحلقوا رأس عكاشة بن محصن فأشرف لهم فلما رأوه أمنوا وقال قوم عمار لا بأس عليكم فرمى واقد بن عبد الله الحنظلي عمرو بن الحضرمي فقتله واستأسر الحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله وأعجزهم نوفل على فرس له وأقبل عبد الله ابن جحش بالعير والأسارى وهو أول غنيمة غنمت في الإسلام وأول قتيل قتله المسلمون وأول أسر أسروه فخاض الناس في ذلك وقالوا استحل محمد العير وأتى منه شيئا وقال ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام فقالوا يا رسول الله
184
قتلناهم ثم نظرنا إلى رجب فنزلت ( ^ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ) فأباح الله عز وجل القتل في الشهر الحرام وأبطل ما كان قبل ذلك قالوا وجعلت يهود يتفألون به ويقولون واقد وقدت الحرب والحضرمي حضرت الحرب وروى في المغازي هذا الشعر لأبي بكر الصديق رضي الله عنه # ( يعدون قتلى في الحرام عظيمة % وأعظم منه لو يرى الرشد راشد ) # ( صدودهم عما يقول محمد % وكفر به والله رآء وشاهد ) # ( وإخراجهم من مسجد الله أهله % لئلا يرى لله في البيت ساجد ) # ( فإنا وإن عيرتمونا بقتله % وأرجف في الإسلام باغ وحاسد ) # ( سقينا من ابن الحضرمي رماحنا % بنخلة لنا أوقد الحرب واقد ) # ( دما وابن عبد الله عثمان عندنا % ينازعه غل من القد عاند ) طويل # ولما دخل شعبان صرفت القبلة لنصف منه وقال ابن إسحاق
طويل
ولما دخل شعبان صرفت القبلة لنصف منه وقال ابن إسحاق 185 صرفت في رجب ورأى عبد الله بن زيد الأذان فلما دخل رمضان فرض الصيام وكان فيه بدر العظمى
ذكر قصة بدر قالوا بلغ رسول الله أن أبا سفيان يبن حرب مقبل من الشأم في عير لقريش زهاء ألف بعير لا أحد بمكة ممن له طعمة إلا وله فيها تجارة ومعها ثلاثون راكبا فندب المسلمين وقال اخرجوا لعل الله عز وجل أن ينفلكموها فخف بعض الناس وثقل بعض لأنهم لم يظنوا أنهم يلقون حربا وبلغ الخبر أبا سفيان بن حرب فبعث ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة يستنفرهم ورأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم بن عمرو بثلاث كأن واقفا وقف بالأبطح فصرخ بأعلى صوته إلا انفروا إلى مصارعكم إلى ثلاث يا أهل غدر ثم مشى به بعيره على ظهر أبي قبيس فصرخ مثل ذلك ثم حمل صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقيت دار من دور مكة إلا وقعت فيها فلقة وفشت الرؤيا بمكة فلقي أبو جهل العباس بن عبد المطلب فقال ما حدثت 186 فيكم هذه النبية يا بني هاشم أما ترضون أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ولكن نتربص بكم هذه الثلاث فإن كان كما قالت وأإا كتبنا عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب قال فلما كان يوم الثالث إذا ضمضم بن عمرو ببطن الوادي قد جدع بعيره وثوبه وحول رحله يصرخ اللطيمة اللطيمة قد عرض لها محمد ألا أنفروا وما أراكم تدركونها فخرجت قريش سراعا حتى نزلوا الجحفة وخرج رسول الله من المدينة لثمان خلون من شهر رمضان وبعث بعدي بن أبي الزغباء وبسبس بن عمرو يتجسسان خبر أبي سفيان فجاءا حتى نزلا ببدر فوجدا الخبر بأن العير يستقدم غدا وبعد غد فانصرفا بالخبر إلى النبي وأقبل أبو سفيان حتى وقف على مناخهما ففت أبعار بعيريهما فقال علائف يثرب والله فانصرف وضرب وجه العير عن الطريق وساحل به ونزل بدرا على سيارة وأرسل إلى قريش أنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم وقد 187 نجاها الله فارجعوا فقال أبو جهل لا نرجع والله حتى نرد بدرا وكان موسما من مواسم العرب فنعكف عليها وننحر الجزور ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع العرب بنا وبمسيرنا هذا فلا يزالون يهابوننا أبدا فرجع طالب ابن أبي طالب والأخنس بن شريق في مائة رجل وسار الباقون وهم تسع مائة وخمسون رجلا أشراف قريش وأعلام العرب حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي وسار رسول الله وهم ثلثمائة وأربعة عشر رجلا حتى أتى بدرا ونزل بالعدوة الدنيا وكان معهم سبعون من نواضح يثرب يعتقبونها وكان رسول الله وعلي ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرا ولم يكن من الخيل إلا فرس للمقداد بن الأسود الكندي ومن السلاح إلا سبعون سيفا فأمر النبي فبنوا حوضا وملؤوه ماء وقذفوا فيه الآنية وأمر بسائر القلب فعورت وضربوا له عريشا يكون فيه وجاءت قريش تضور من الكثيب فقال النبي هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها واستشار الناس في القتال فقام أبو بكر رضي الله عنه فتكلم وأحسن ثم قام عمر فتكلم وأحسن فقال النبي 188 أشيروا علي فقام المقداد بن الأسود فقال امض بنا فإنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام (
فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) والذي بعثك بالحق لو سرت بن اإلى برك الغماد لجادلنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له النبي خيرا ودعا له ثم قال أشيروا علي وإنما يريد الأنصار وذلك أنهم كانوا بايعوه عند العقبة على أنا براء من ذمتك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت فأنت في ذمتنا وكان يتخوف أن الأنصار لا يرون له نصرة إلا ممن دهمه بالمدينة فقام سعد ابن معاذ لعلك تريدنا يا رسول الله فقال نعم فقال إن آمنا بك وصدقناك فامض بنا لما أردت فلو استعرضت بنا على هذا البحر لخضناه معك أنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء فقال النبي تهيأوا وأبشروا فإن الله عز وجل قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم فمشى القوم إلى القتال والتقوا وحميت الحرب بينهم ورسول الله يناشد ربه ويدعوه قالوا فخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي وكان شرسا سيء الخلق فقال أعاهد الله لأشربن من حوضهم ولأهدمنه أو لأموتن دونه وقصد الحوض ليمنع 189 المسلمين الماء فشد عليه أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب فضربه ضربة الحن قدمه فخر على وجهه وجعل يحبو إلى الحوض وقد قال بعض أهل العلم أن حمزة لما قطع رجله حملها الأسود فرمى بها رجلا من المسلمين فقتله والله أعلم ثم خرج عتبة بن ريبعة والوليد بن عتبة ودعوا إلى البراز فخرج إليهم عوف بن عفراء ومعوذ بن عفراء وعبد الله بن روامة فقالوا لهم من أنتم قالوا نحن رهط من الأنصار قالوا لا حاجة بنا إليكم ونادوا يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فخرج عبيدة بن الحارث إلى عتبة بن ربيعة وحمزة بن عبد المطلب إلى شيبة بن ربيعة وعلي بن أبي طالب إلى الوليد ابن عتبة فتجادلوا وتطاردوا واختلف الضرب بينهم فأما علي فلم يمهل صاحبه أن قتله وقتل حمزة شيبة وكان عبيدة بن الحارث أسن القوم وأضعفهم وقد بارزه عتبة بن ربيعة فاختلف بينهما ضربتان أثبت كل واحد منهم صاحبه فكر علي وحمزة على عتبة فذففا عليه واحتملا عبيدة إلى أصحابهما ثم رمى المشركون 190 مهجع بن عبد الله بسهم فقتلوه وهو أول من قتل في الحرب من المسلمين وخرج أبو جهل وهو يرتجز
( ما تنقم الحرب العوان مني
بازل عامين حديث سنى )
( لمثل هذا ولدتني أمي
)
وحقق حقيقه فرأى الملائكة فانتبه وقال ابشر يا أبا بكر أتاك النصر هذا جبريل يقود فرسه على ثناياه النقع ثم خرج إلى الصفوف فحرضهم ورغبهم وأخذ حفنة من الحصا فاستقبل بها القوم وقال شاهت الوجوه وأذراها على وجوههم وقال لأصحابه شدوا فكان نفحهم بها ووضع المسلمون أيديهم يقتلون ويأسرون حتى أسروا اثنين وأربعين رجلا ويقال اثنين وسبعين رجلا وقتلوا سبعين رجلا ويقال خمسين رجلا وقال النبي إن فيهم رجالا من بني هاشم قد أخرجوا إكراها فمن لقي منهم أحدا فلا يقتله وأسروا من بني هاشم خمسة نفر العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب ونعمان 191 ابن عمرو بن علقمة بن عبد المطلب والسائب بن عدي بن زيد بن هاشم وأسروا أبا العاص زوج زينب بنت رسول الله وقال أبو جهل اللهم اقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فكان هو المستفتح بقول الله عز وجل (
إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح ) الآية فأدركه معاد بن عمرو بن الجموح فضربه ضربة أطبقت قدمه فكر عليه عكرمة بن أبي جهل فضربه على عاتقه فطرح يده ثم مر بأبي جهل معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته ووجده عبده بن مسعود بآخر رمقه فوضع رجله على عنقه قال ففتح عينه وقال لقد ارتقيت مرتقى صعبا لمن الدبرة قال قلت لله ولرسوله ألم يخزك الله يا عدو الله قال أعار على سيد قتله قومه ثم احتز رأسه وجاء به إلى النبي فألقاه بين يديه واستشهد ذلك اليوم من المسلمين ثمانية نفر ثم أمر رسول الله بالقتلى فألقوا في القليب وهو يقول يابا جهل يا عتبة يا شيبة يا فلان ويا فلان يدعوهم بأسمآئهم هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني 192
بي حقا قال ابن إسحاق حدثني حميد الطويل عن أنس أن أصحاب رسول الله قالوا يا رسول الله تنادي قوما قد حتفوا فقال ما أنتم بأسمع ما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا وفيه يقول حسان # ( يناديهم رسول الله لما % قذفناهم كباكب في القليب ) # ( فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا % صدقت وكنت ذا رأي مصيب ) +وافر+ # ومر رسول الله في العسكر وكر راجعا إلى المدينة فلما خرج من مضيق الصفراء قسم هناك النفل وقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث من بين الأسارى وقدم المدينة واستشار أصحابه في الأسارى فقال أبو بكر أهلك وعشيرتك وبنو أبيك أبق عليهم واستأن بهم وقال عمر بل انظروا واديا ملتفا أشبا فاضرمه عليهم فقال العباس قطعت رحمك يا ابن الخطاب ثم فاداهم وكان الفداء أربعين أوقية ذهبا وألزم العباس فدائين وقيل له افد ابن أخيك عقيلا فقال تركتني يا محمد أسأل الناس ما عشت قال ما فعلت الدنانير التي دفعتها
193
إلى أم الفضل عند خروجك وقلت إن حدث لي حادث كانت لك ولولدك فقال من أخبرك به فوالله ما كان غيري وغيرها ثالثا قال أخبرني بذلك ربي فأسلم العباس وافتدى واختلفوا في الغنائم والنفل فنزلت سورة الأنفال بأسرها وفي يوم بدر يقول حسان بن ثابت # ( سرنا وساروا إلى بدر لحينهم % لو يعلمون يقين العلم ما ساروا ) # ( وقال إني لكم جار فأوردهم % سرى الموارد فيه الخزي والعار ) بسيط # قالوا ولما رجع فل قريش إلى مكة قال عمير بن وهب الجمحي قبح الله العيش بعد قتلى بدر ولولا دين علي وعيال لي لرحلت إلى محمد وقتلته فقال له صفوان بن أمية علي دينك وعيالك ثم حمله وجهزه وصقل سيفا شحيذا وسمه وضرب راحلته حتى أتى المدينة فعقل بباب المسجد ودخل إلى رسول الله فصاح عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال اتقوا الكلب فإنه حرش بيننا وحزرنا للمشركين يوم بدر فأخذوه وقدموه إلى النبي فقال ما أقدمك يا عمير قال قدمت لأجل أسيري قال فما بال السيف في رقبتك قال نسيته قال
بسيط
قالوا ولما رجع فل قريش إلى مكة قال عمير بن وهب الجمحي قبح الله العيش بعد قتلى بدر ولولا دين علي وعيال لي لرحلت إلى محمد وقتلته فقال له صفوان بن أمية علي دينك وعيالك ثم حمله وجهزه وصقل سيفا شحيذا وسمه وضرب راحلته حتى أتى المدينة فعقل بباب المسجد ودخل إلى رسول الله فصاح عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال اتقوا الكلب فإنه حرش بيننا وحزرنا للمشركين يوم بدر فأخذوه وقدموه إلى النبي فقال ما أقدمك يا عمير قال قدمت لأجل أسيري قال فما بال السيف في رقبتك قال نسيته قال 194 فما ذا شرطت صفوان في دينك وعيالك ففزع عمير وعلم أنه أمره الحق فآمن به وأسلم وحسن إسلامه وفي هذا الشهر هلك أبو لهب بمكة وأبو أحيحة سعيد بن العاص بالطائف وكان أبو لهب فأمر أبا العاص بن هشام أخا أبي جهل ابن هشام فقعره ماله ونفسه وأسلمه حدادا ثم وجهه بدلا منه إلى بدر فقتل كافرا ومات أبو لهب بالعدسة ثم كانت سرية عصماء بنت مروان وكانت امرأة كافرة بذية اللسان تهجو النبي وتحرض على المسلمين فبعث النبي إليها عمير بن عدي الأنصاري فقتلها وقال لا ينتطح فيها عنزان وفي هذا الشهر أمر بإخراج زكوة الفطر قبل الفطر بيوم وخرج يوم الفطر إلى المصلى فصلى وخطب وهو أول عيد في الإسلام ثم بعث سرية سالم بن عمير إلى أبي عفك في شوال وعفك رجل منافق يهجو النبي ويحرض عليه ويقول ما أهدى قوم إلى رحالهم شرا من هذا الحرمي الذي أخرجته لحمته وبنو أبيه وهذه الأبيات من هجائه فيما يروى 195
( لقد عشت دهرا وما إن أرى % من الناس دارا ولا مجمعا ) # ( أبر عهودا وأوفى لمن % تعاقد فيهم إذا ما رعى ) # ( من أولاد قيلة في جمعهم % تهدى الخيال ولن أخضعا ) # ( فصدعهم راكب جاءهم % حرام حلال لشيء معا ) # ( فلو أن بالعز صدقتم % أو الملك بايعتم إن معا ) +متقارب+ # قال النبي من لي بهذا الخبيث فخرج سالم بن عمير أحد البكائين فقتله على فراشه وكان قد بلغ من السن مائة وعشرين سنة وفيه يقول # ( حباك حنيف آخر الليل طعنة % أبا عفك خذها على كبر السن ) +طويل+ # غزوة يهود بني قينقاع في شوال وذلك أنه لما قدم الرسول إلى المدينة وادع اليهود وعاهدهم فكان هؤلاء أولهم نقضا وهاجروا بالعداوة وقالوا يا معشر المسلمين لا يغركم إنكم لقيتم قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبتم منهم إنكم لو خاصمتمونا لعلمتم أننا رجال الحرب فسار إليهم رسول الله وحاصرهم في ديارهم حتى نزلوا في حكمه فهم بضرب أعناقهم فقام عبد الله بن أبي وكانوا حلفاؤه فقال أربع مائة
196
حاسر وثلاث مائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود أدعك تحصدهم في غداة واحدة فقال هم لك وكان لسعد بن عبادة من حلفهم مثل ما لعبد الله بن أبي ويقال لعبادة بن الصامت فقال إني أبرأ إلى الله ورسوله منهم ويقال فيهم نزلت ( ^ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) الآية # ذكر غزوة السويق في ذي الحجة وذلك أن أبا سفيان جاء في مائتي راكب فحرق في أصوار من النخل وقتل رجلين من الأنصار ودخل المدينة فبات عند سلام بن مشكم سيد بني النضير فسقاه وقراه وبطن له من خبر الناس ثم رجع من الليل إلى مكة وخرج النبي في إثره ففاته وأصاب المسلمون من أزوادهم ما طرحوها يتخففون بها للنجاء فبذلك سميت غزوة السويق وفي هذا الشهر توفيت رقية بنت النبي وفيه بني علي بفاطمة وفيه مات مطعم بن عدي بمكة وفيه ضحى رسول الله وذبح شأتين بيده ثم دخلت سنة ثلاث من الهجرة وهي سنة التمحيص والبلاء فخرج رسول الله إلى بني سليم حتى بلغ الكدر ثم رجع ولم يلق كيدا وهي تسمى غزاة الكدر وكانت في المحرم ثم بعث
197
سرية محمد بن مسلمة الأنصاري إلى كعب بن الأشرف فقتله # ذكر مقتل كعب بن الأشرف قالوا ولما أصيب أهل بدر قال كعب قد قتل محمد أشراف الناس فبطن الأرض خير من ظهرها فنقض العهد وخرج إلى مكة في أربعين راكبا فناح على قتلى بدر وبكاهم وحرض المشركين على رسول الله فبعث النبي محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة في نفر فأتوه في جوف الليل وهو فوق حصنه فناداه سلكان إن هذا الرجل قد يطالبنا بالصدقة وجئتك برهن لتقرضني طعاما فوثب كعب من ملحفته فتعلقت امرأته بناحية ثوبه وقالت إني لأرى حمرة الدم في هذا الصوت فقال دعيني فلو دعي ابن حرة بليل إلى طعنة لأجاب فنزل إليهم فأخذ سلكان تحت كشحه بداسه وضربوه بأسيافهم حتى برد وفيه يقول كعب بن مالك # ( فغودر منهم كعب صريعا % فذلت بعد مصرعه النضير ) وافر # ثم غزا رسول الله نجدا يريد غطفان حتى نزل
وافر
ثم غزا رسول الله نجدا يريد غطفان حتى نزل 198 بطن نخل وذلك في شهر ربيع الأول ثم رجع ولم يلق كيدا وفيه كان حديث دعثور بن الحارث المحارى ثم غزا بني سليم في جمادى الأولى فرجع ولم يلق كيدا ثم بعث سرية القردة وأميرهم زيد بن حارثه فأصاب عيرا لقريش مقبلة من الشأم فأعجزه الرجال فقدم به وبلغ الخمس عشرين ألفا ثم كانت غزوة أحد لست خلون من شوال يوم الجمعة خرج من المدينة ويوم السبت كانت الواقعة
قصة أحد قالوا ولما أصيب المشركون ببدر ورجع فلهم إلى مكة مشى أشراف قريش إلى أبي سفيان بن حرب فقالوا إن محمدا قد وترنا وقتل خيارنا فأعنا نطلب بثأرنا ونعين بهذا المال يعنون العير فاجتمعت قريش وجمعت أحابيشها ومن أطاعهم من القبائل وخرجت بظعنها التماس الحفيظة قائدهم أبو سفيان بن حرب ومعه زوجته بنت عتبة وقد نذرت لئذ أمكنها الله من دم حمزة لتشربنه ولتأكلن كبده وجاءوا حتى نزلوا بعينين موضع مقابل المدينة ورأى النبي في منامه 199 رؤيا فقصها على أصحابه فقال رأيت بقرا يصرع ورأيت في ذباب سيفي ثلما ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة قالوا ما تأويلها يا رسول الله قال أما البقرة فهم قوم من أصحابي يقتلون وأما السيف فرجل من بيتي يقتل وأما الدرع الحصينة فإني أولتها بالمدينة وكان رأيه أن يقيم بالمدينة وقالوا إن دخلوا قاتلناهم في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وإن نزلوا نزلوا بشر مجلس فقال رجال ممن أكرمهم الله بالشهادة وكان فاتهم بدر يتمنون ما وصف الله عز وجل به الشهداء من الثواب والحياة أخرج بنا إلى أعداء الله لئلا يرون إنا جبنا عنهم وعن لقائهم وكان ذلك اليوم يوم الجمعة فصلى بالناس ودخل منزله ولبس لأمته ثم خرج وقد ندم الناس فقال استكرهناك ولم يكن لنا ذلك فإن شئت 200 فاقعد فقال ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يخلعها حتى يقاتل وخرج من المدينة بألف رجل والمشركون ثلاثة آلاف وزيادة فسار حتى إذا كان بالشوط وهو على ميل من المدينة انجزل عبد الله بن سلول رأس المنافقين بثلث الناس وقال أطاعهم وعصاني علام نقتل أنفسنا انصرفوا فتبعهم عمرو بن حرام وقال أناشدكم الله في حرمكم ونبيكم ما ثم قتال لو نعلم قتالا لاتبعناكم كما حكي عنهم وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف فعزم الله لهم على الرشد ثم ذكر نعمته عليهم فقال (
إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ) ومضى رسول الله بأصحابه حتى نزل الشعب من أحد وأمر عبد الله بن جبير أمير الرماة وكان في خمسين ناشبا أن يبيتوا على فم الشعب وأن ينضحوا الخيل بالنبل لئلا يأتيهم من ورائهم ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم ونشبت الحرب بين الفريقين فدعت 201 هند بنت عتبة وحشيا غلام جبير بن مطعم بن عدي وكان طعيمة بن عدي قتل ببدر فقالت إن أنت قتلت حمزة يأبى عتبة بن ربيعة فلك قلبي وسواري وقلائدي وخلخالي وشنفي وقال له جبير بن مطعم إن أنت قتلت حمزة بعمي طعيمة ابن عدي فأنت عتيق ثم قامت هند في صواحباتها يضربن بالدفوف ويحرضن الرجال وهي تقول ويها بني عبد الدار ويها حماة الأذمار ضربا بكل سيار وقالت أيضا نحن بنات الطارق نمشي على النمارق إن تقبلوا نعانق أو تدبروا نفارق فراق غير وامق
وحميت الحرب فقتل مصعب بن عمير فدفع النبي اللواء إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فأنزل الله عز وجل نصره حتى كانت هزيمة القوم لا شك فترك الرماة مركزهم وأقبلوا على النهب غير أميرهم عبد الله بن جبير فإنه ثبت مكانه حتى استشهد وعطف عليهم خالد ابن الوليد على الخيل فانقلبت الدبرة على المسلمين واكتمن الوحشي لحمزة حتى مر به فأتاه من ورائه وضربه بحربته 202
قتله وأصاب العدو من المسلمين وكان يوم بلاء وتمحيص وانثالوا على رسول الله ودث بالحجارة حتى وقع لشقه وشج وجهه وكلمت شفتيه وكسرت رباعيته ودخلت حلقة من الدرع في وجهه ووقع حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر الفاسق وكان مظاهر درعين وصرخ صارخ من أعلى الجبل ألا أن محمدا قد قتل فانهزم المسلمون وأخذ علي وطلحة بيد رسول الله فانتاشاه من الحفرة وأكب أبو دجانة عليه بنفسه يقيه النبل وروي أن نشابة أصابت إصبعه فقال # ( هل أنت إلا إصبع دميت % وفي سبيل الله ما لقيت ) +كامل+ # وقال من رجل يشري لنا نفسه فقام زياد بن السكن في نفر من الأنصار فقاتلوا دونه رجلا رجلا حتى قتلوا عن آخرهم ثم فاءت فيه المسلمون فكشفوهم عن رسول الله وهو يناول السهم سعد بن أبي وقاص وقال ارم فداك
203
أبي وأمي والذي ضرب رسول الله أخوه عتبة بن أبي وقاص وفيه يقول حسان # ( فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك % ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق ) # ( بسطت يمينا للنبي محمد % فأدميت فاه قطعت بالبوائق ) طويل # ثم نهضوا إلى الشعب ومر علي على المهراس فملأ حجفته ماء وجاء يغسل الدم عن وجه رسول الله وهو يقول كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله عز وجل ثم قام مالك بن سنان الخدري أبو أبي سعيد فمص الدم من وجه رسول الله فقال من مس دمه دمي لم تمسه النار ويقال إن النبي ضربه عبد الله بن قميئة وروى بعضهم أنه قتل مصعب بن عمير وهو يظنه رسول الله ووقعت هند عليها اللعنة ومن معها على القتلى فمثلن بهم جدع الأنوف وتبك الآذان ويتخذن خدما وقلائد وعمدت إلى بطن حمزة فبعجتها واستخرجت حشوته وكبده ولاكته ولم تسغه ثم علت على صخرة وهي تقول
طويل
ثم نهضوا إلى الشعب ومر علي على المهراس فملأ حجفته ماء وجاء يغسل الدم عن وجه رسول الله وهو يقول كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله عز وجل ثم قام مالك بن سنان الخدري أبو أبي سعيد فمص الدم من وجه رسول الله فقال من مس دمه دمي لم تمسه النار ويقال إن النبي ضربه عبد الله بن قميئة وروى بعضهم أنه قتل مصعب بن عمير وهو يظنه رسول الله ووقعت هند عليها اللعنة ومن معها على القتلى فمثلن بهم جدع الأنوف وتبك الآذان ويتخذن خدما وقلائد وعمدت إلى بطن حمزة فبعجتها واستخرجت حشوته وكبده ولاكته ولم تسغه ثم علت على صخرة وهي تقول 204
( نحن جزيناكم بيوم بدر % والحرب بعد الحرب ذات السعر ) # ( ما كان من عتبة لي من مضر % ولا أخيه لا ولا من صهر ) # ( شفيت نفسي وقضيت نذري % فشكر وحشي على عمر ) # ( حتى ترم أعظمي في قبري % ) +رجز+ # فأجابتها هند بنت أثاثة بن عبد المطلب # ( جزيت في بدر وبعد بدر % يا ابنت وقاع عظيم الكفر ) # في أبيات وفيها يقول حسان بن ثابت # ( لعن الإلاه وزوجها معها % هند الهنود طويلة البظر ) +كامل+ # ثم صرخ أبو سفيان أنعمت وقال إنما الحرب سجال يوم بيوم أعل تعل فقال النبي لعمر بن الخطاب أجبه فقال الله أعلى وأجل لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار فقال أبو سفيان أنشدك الله يا عمر هل قتل محمد قال لا والله ليسمع قال أنه قد كانت هناة ما أمرت بها ولا رضيت وإن موعدكم بدر فقال النبي لعمر قل إن شاء الله وألقى في قلوبهم الرعب
205
فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل وتوجهوا إلى مكة وتفرغ المسلمون لقتلاهم يدفنونهم ووقف رسول الله على حمزة ونظر إلى ما مثل به فقال لن أصبت بمثلك أبدا ثم صلى على القتلى السبعين صلاة واحدة وانصرف إلى المدينة وأستشهد يوم أحد من المسلمين سبعون رجلا ويقال خمسة وستون رجلا منهم حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ومصعب بن عمير العبدي وعبد الله بن جبير أمير الرماة وحنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة وسعد بن الربيع أحد النقباء وقتل من المشركين اثنان وعشرون رجلا ورجع رسول الله إلى المدينة ثم خرج في أثرهم يوم الأحد مرهبا لهم ويريهم أن به قوة حتى بلغ حمراء الأسد في ستين راكبا منهم أبو بكر وعمر وعلي وعبد الله ابن مسعود فمر به معبد بن أبي معبد الخزاعي وكانت خزاعة عيبة رسول الله فلقي أبا سفيان بن حرب بالروحاء قد أجمع على الرجعة إلى المدينة وذلك أنهم لما انصرفوا سقط في
206
أيديهم وقالوا قد كنا أجهضنا محمدا وأصحابه وأشرفنا على استئصالهم لو صبرنا فقالوا لمعبد بن أبي معبد ما وراءك قال لقد خرج محمد وأصحابه في جمع لم أر مثله يحرقون عليكم أنيابهم من الحنق قال وأين هم قال هم يصبحونكم من حمراء الأسد فثنى ذلك أبا سفيان عن عزمه وفت في عضده ومر به راكب من عبد القيس يقال له نعيم الأشجعي يريد المدينة للميرة فقال بلغ محمدا أنا قد أزمعنا المسير إليهم فلما قال ذلك للنبي قال النبي حسبنا الله ونعم الوكيل وانصرفوا إلى المدينة ونزلت ستون آية من سورة آل عمران في قصة أحد من قوله ( ^ وإذ غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم ) وقالوا في أحد أشعارا كثيرة فمنها قول كعب بن مالك يذكر عزيمة أبي سفيان على الرجوع ومبلغ عددهم # ( إذا جاء منهم راكب كان قوله % اعدوا لما يزجي ابن حرب ويجمع ) # ( ونحن أناس لا نرى القتل سبة % على كل من يحمي الذمار ويمنع ) # ( بني الحرب أن نظفر فلسنا بمفحش % ولا نحن في أظفارها نتوجع )
207
# ( فجئنا إلى موج من البحر وسطه % أحابيش منهم حاسر ومقنع ) # ( ثلاثة آلاف ونحن نصيبه % ثلاث مأين إن كثرنا وأربع ) طويل # وفيه يقول ابن الزبعري # ( يا غراب البين أنعمت فقل % إنما تنطق شيئا قد فعل ) # ( نضع الأسياف في أكتافهم % وكذاك الحرب أحيانا دول ) # ( إن للخير وللشر مدى % وكلا ذاك وجيه وقبل ) # ( والعطيات خساس بينهم % وسواء قبر مثر ومقل ) # ( كل عيش ونعيم زائل % وبنات الدهر يلعبن بكل ) # ( أبلغا حسان عني آية % فقريض الشعر يشفي ذا الغلل ) # ( كم نرى بالحر من جمجمة % وأكف قد أترت وحدل ) # ( وسرابيل حسان سريت % عن حماة هلكوا في المنتزل ) # ( فسل المهراس من ساكنه % بين أقحاف وهام كالحجل ) # ( ليت أشياخي ببدر شهدوا % جزع الخزرج من وقع الأسل )
طويل
وفيه يقول ابن الزبعري
( يا غراب البين أنعمت فقل
إنما تنطق شيئا قد فعل )
( نضع الأسياف في أكتافهم
وكذاك الحرب أحيانا دول )
( إن للخير وللشر مدى
وكلا ذاك وجيه وقبل )
( والعطيات خساس بينهم
وسواء قبر مثر ومقل )
( كل عيش ونعيم زائل
وبنات الدهر يلعبن بكل )
( أبلغا حسان عني آية
فقريض الشعر يشفي ذا الغلل )
( كم نرى بالحر من جمجمة
وأكف قد أترت وحدل )
( وسرابيل حسان سريت
عن حماة هلكوا في المنتزل )
( فسل المهراس من ساكنه
بين أقحاف وهام كالحجل )
( ليت أشياخي ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الأسل ) 208
( حين ألقت بقباء بركها % واستحر القتل في عبد الأشل ) # ( ثم خفوا عند ذاكم رقصا % رقص الحفان تعلوا في الجبل ) # ( فقتلنا الضعف من أشرافهم % وعدلنا مثل بدر واعتدل ) +رمل+ # فأجابه حسان بن ثابت في قصيدة طويلة # ( ذهبت يا بن الزبعري وقعة % كان منا الفضل فيها لو عدل ) # ( ولقد نلتم ونلنا منكم % وكذاك الحرب أحيانا دول ) # ( نضع السيف أكتافكم % حيث نهوى عللا بعد نهل ) # ( نخرج الأصج من أستاهكم % كسلاح النيب يأكلن العضل ) # ( إذ شددنا شدة صادقة % فأجأناكم إلى سفل الجبل ) # ( وتركنا في قريش عورة % يوم بدر وأحاديث المثل ) # قالوا في هذه السنة ولد الحسن بن علي وعلقت فاطمة بالحسين وتزوج النبي زينب بنت خزيمة أم المساكين وزوج ابنته كلثوم من عثمان بن عفان ثم دخلت سنة أربع من
209
الهجرة وهي سنة الترفيه فبعث في المحرم سرية إلى بني أسد أميرها أبو سلمة بن عبد الأسد فغنم وسبى ولم يلق كيدا ولم يلق أن يقيد هذه الحوادث بالشهور والأعوام لأنه مما يصعب ويفوت الحق لكثرة الاختلاف وتفاوت التاريخ فرأيت أن أجمعها وأضمها سنة سنة ليكون أقرب إلى الحق وأسهل في الحفظ إن شاء الله تعالى # قصة الرجيع وهو بأرض هذيل قال ابن إسحاق لما رجع رسول الله من أحد جاءه رهط من عضل والقارة وقالوا يا رسول الله إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهونا في الدين فبعث معهم ستة نفر منهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح وكان قتل يوم أحد ابنين لسلافة بنت سعد فنذرت لئذ قدرت على رأس عاصم لتشربن الخمر في قحفه وكان أعطى الله عهدا ألا يمس مشركا ولا يمسه مشرك ومنهم خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فخرجوا بهم حتى إذا كانوا بالرجيع غدروا بهم واستصرخوا هذيلا فما راعهم إلا الرجال بأيديهم السيوف فأخذ القوم أسيافهم ليقاتلوهم فقالوا والله لا نريد قتالكم ولكن نريد أن نصيب بكم من أهل مكة شيئا ولكم عهد الله
210
وميثاقه فقالوا لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا وناصبوهم القتال فوتر عاصم قوسه وكان راميا وأنشأ يقول # ( ما علتي وأنا جلد نابل % والقوس فيها وتر عنابل ) # ( تزل عن صفحتها المعابل % الموت حق والحيوة باطل ) # ( وكل ما حم الإله نازل % بالمرء والمرء إليه آئل ) # ( إن لم أقاتلكم فأمي هابل % ) رجز # ثم قاتل حتى نفدت سهامه وأخذ سيفه وجحفته وقال # ( أبو سليمان وريش المقعد % وضالة مثل الجحيم الموقد ) # ( ومجنأ من مسك ثور أجرد % ومؤمن بما تلا محمد ) رجز # وقاتل حتى قتل رضي الله عنه وأرادوا أن يأخذوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد فمنعه الدبر فقالوا ندعه إلى أن يمسي فلما أمسى جاء السيل فذهب به وقتلوا معه ثلاثة نفر من أصحابه
رجز
ثم قاتل حتى نفدت سهامه وأخذ سيفه وجحفته وقال
( أبو سليمان وريش المقعد
وضالة مثل الجحيم الموقد )
( ومجنأ من مسك ثور أجرد
ومؤمن بما تلا محمد )
رجز
وقاتل حتى قتل رضي الله عنه وأرادوا أن يأخذوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد فمنعه الدبر فقالوا ندعه إلى أن يمسي فلما أمسى جاء السيل فذهب به وقتلوا معه ثلاثة نفر من أصحابه 211 وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق فلانوا ورغبوا في الحياة وأعطوا بأيديهم وشدوا أكتافا وحملوهم إلى مكة وباعوهم ممن قتل أولياؤهم ببدر فصلبوهم ورموهم بالنشاب وطعنوهم بالرماح وذكروا عجائب من أمر خبيب بن عدي وشعرا له في ذلك وقال ابن إسحاق في أصحاب الرجيع نزلت (
ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد )
قصة بئر معونة قالوا وبعث النبي المنذر بن عمرو الأنصاري في أربعين رجلا من خيار المسلمين كانوا من أهل الصفة يرضحون النوى بالنهار ويعلمون القرآن بالليل بعثهم إلى نجد يدعوهم إلى الإسلام في خفارة أبي براء ملاعب الأسنة فلما أتوا بئر معونة استصرخ عليهم عامر بن الطفيل عصية وذكوان فأحاطوا بهم وقتلوهم عن آخرهم إلا عمرو بن أمية الضمري فإنه كان في سرح القوم فأسره عامر وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة كانت على أمه فأقبل عمرو حتى أتى المدينة فإذا هو برجلين من بني عامر 212 قد أقبلا من عند رسول الله ومعهما عهد فقتلهما بأصحابه وأخذ سلاحهما ثم جاء النبي وأخبره الخبر فقال بئس ما صنعت رجلين من أهل ذمتي قتلتهما لا لأجل ذنبهما وقد قيل أنه نزلت فيه (
يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) الآية وشق على رسول الله مقتل أصحابه وغدر عامر بن الطفيل بهم فدعا على عصية وذكوان أربعين صباحا فيقال والله أعلم ما أسلم منهم أحد ولا أفلت
ذكر غزاة بني النضير قال فجاءهم رسول الله يستعينهم في دية ذينك القتيلين اللذين أصابهما عمرو بن أمية وكان في العهد الذي بينهم وبين رسول الله أن يتغاوثوا ويتحمل ما ينوب بعضهم عن بعض قالوا نعم يا أبا القاسم وهموا بالغدر به وخرجوا يجمعون الرجال والسلاح فقام رسول الله فانسل من بين أصحابه وما شعر به أحد إلا حين دخوله المدينة فمضى أصحابه في إثره حتى لحقوا به ونزل فيه سورة المائدة كما قال الله عز وجل (
يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ) وأمر 213 أصحابه بالمسير إليهم فحاصرهم ست ليال حتى نزلوا على أن لهم ما حملت الإبل من الأموال إلا الحلقة ولحقوا بأذرعات من أطراف الشأم وفيهم نزلت سورة الحشر
ثم غزاة ذات الرقاع والرقاع شجرة سميت بها تلك الغزاة ويقال بل سميت لأنهم كانوا رقعوا راياتهم ولقي رسول الله في تلك الخروج جمعا عظيما من غطفان وصلى صلاة الخوف وفيها كانت قصة غورث بن الحارث المحاربي وذلك أن بني محارب كانوا تحصنوا في رأس جبل فقال غورث لأفتكن لمحمد فجاء حتى وقف وكان سيف رسول الله محلى بفضة فقال أنظر إلى سيفك هذا قال نعم فأخذه وسله وهم به فمنعه الله عز وجل لذلك وانكب على وجهه فنزلت (
يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ) الآية
ثم غزاة بدر الميعاد وذلك أن أبا سفيان لما ارتحل يوم أحد نادى موعدكم بدر فقال النبي لعمر قل إن شاء الله 214
خرج النبي للميعاد وخرج أبو سفيان حتى بلغ عسفان ثم ألقى في قلبه الرعب وانصرف وفيه يقول عبد الله بن رواحة # ( وعدنا أبا سفيان وعدا ولم نجد % لميعاده صدقا ولا كان وافيا ) +طويل+ # وفي هذه السنة تزوج النبي أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة وفيها مات عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنت رسول الله وله سنتان وفيها ولدت فاطمة الحسين صلى الله عليه ثم دخلت سنة خمس من الهجرة وهي سنة الزلازل فيها غزا رسول الله دومة الجندل وهي من حد الروم وذلك أن التجار والسابلة شكوا أكيدر الكندي عامل هرقل عليها فسار إليها في ألف رجل يسير الليل ويكمن النهار وأحس بذلك أكيدر فهرب واحتمل الرحل وخلى السوق وتفرق أهلها فلم يجد رسول الله أحدا فرجع # ثم كانت غزاة بني المصطلق سار إليهم رسول الله فوجدهم على ماء يقال له المريسع فقاتلهم وسباهم وكان عليهم يومئذ الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية زوجة النبي وفي غزاة المصطلق كان حديث الإفك قالوا وكانت عائشة مع رسول الله
215
في هذه السفرة فخرجت من هودجها لحاجة وارتحل القوم فجاءت وليس في المناخ إلا صفوان بن المعطل فاحتملها على راحلته وسار بها فما لحقهم إلا بعد ما نزلوا وقد خاض الناس وماجوا يتكلمون فيها من مصدق ومكذب قالوا فلما قدم النبي المدينة أذن لعائشة في الانقلاب إلى أبيها ولا علم لها بشيء مما جرى فروي عنها أنها قالت خرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح بن أثاثة خالة أبي بكر إذ عثرت في مرطها فقالت تعس مسطح فقلت بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين شهد بدرا قالت أوما بلغك الخبر فقلت لا فأخبرتني بما تحدث الناس فيه قالت فوالله ما قدرت أن أقضي حاجتي وما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع قلبي قالت وأتى على ذلك شهر ثم دخل علينا رسول الله وقال يا عائشة إن كنت قارفت سوءا فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده فقلت والله لا أتوب ولكني أقول كما قال أبو يوسف ( ^ فصبر جميل والله المستعان على ما
216
تصفون ) فما برح رسول الله حتى نزل الوحي ببراءتي وذلك قوله عز وجل في سورة النور ( ^ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم ) إلى رأس ستة عشر آية وضرب رسول الله حسان ابن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وعبد الله بن أبي الحد وفيه يقول قائلهم # ( لقد ذاق حسان الذي كان أهله % وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح ) # ( تعاطوا بظهر الغيب زوج نبيهم % وسخطة ذي العرش الكريم فأبرحوا ) طويل # وقال حسان يعتذر من مقالته وينتقي منها # ( حصان رزان ما تزن بريبة % وتصبح غرثى من لحوم الغوافل ) # ( فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم % فلا رفعت سوطي إلي أناملي ) # ( وكيف وودي ما حييت ونصرتي % لآل رسول الله زين المحافل ) # ( وإن الذي قد قيل ليس بلائط % ولكنه قول امرئ بي ماحل ) طويل # ثم الخندق وكانت في ذي القعدة وذلك أن نفرا من اليهود
طويل
وقال حسان يعتذر من مقالته وينتقي منها
( حصان رزان ما تزن بريبة
وتصبح غرثى من لحوم الغوافل )
( فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم
فلا رفعت سوطي إلي أناملي )
( وكيف وودي ما حييت ونصرتي
لآل رسول الله زين المحافل )
( وإن الذي قد قيل ليس بلائط
ولكنه قول امرئ بي ماحل )
طويل
ثم الخندق وكانت في ذي القعدة وذلك أن نفرا من اليهود 217 نقضوا العهد وأخفروا الذمام وأتوا مكة فحالفوا قريشا على محاربة رسول الله منهم سلام بن أبي الحقيق النضري وحيي بن أخطب وكنانة بن الربيع ثم جاءوا إلى غطفان وقائدها عيينة بن حصن الفزاري فاستنزلوهم ودعوا إلى مثل ما دعوا إليه قريشا فتخربت الأحزاب وتجمع الأحابيش وساروا إلى المدينة يقصدون النبي فاستشار النبي سلمان فيما يزعمون بأمر الخندق فضرب الخندق وعمل فيه بنفسه ينشطهم وخرج في ثلاثة ألف رجل حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع والخندق بينهم وبين الأحزاب ونزلت قريش في عشرة آلاف وقائدها أبو سفيان بن حرب ونزلت غطفان في من تبعها وأطاعها وحاصروا النبي والمسلمين تسعا وعشرين ليلة لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل والحصى إلا أنه اشتد الأمر وضاق كما قال إذ جاؤكم من فوقكم الأسدي ومن أسفل منكم أبو الأعور السلمي وغطفان وناصبهم أبو سفيان (
وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ) 218
اقتحمت فوارس الخندق منهم عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب بن مرداس فخرج إليهم علي في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا الخيل منها وبارز علي عمرا فقال له عمرو وكان من مشهوري فرسان العرب ما أحب أن أقتلك يا ابن أخي قال أنا أحب أن أقتلك فحمى عمرو واحتدم ونزل عن فرسه فعقره ثم أقبل على علي فتنازلا وتطاردا وتجادلا واختلف بينهما ضربتان فأصابته ضربة علي فقتلته فخرجوا منهزما من الخندق وفي ذلك يقول علي فيما روي عنه # ( نصر الحجارة من سفاهة رأيه % ونصرت رب محمد بصواب ) # ( فصددت حين تركته متجدلا % كالجذع بين دكادك وروابي ) # ( وعففت عن أثوابه ولو أنني % كنت المقطر بزنى أثوابي ) +كامل+ # ورمي سعد بن معاذ يومئذ فقطع منه الأكحل فقال اللهم إن كنت أبقيت من حرب شيئا فأبقني وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من
219
قريظة لأنهم خانوا الأمانة وتركوا الوفاء ونقضوا عهد المسلمين قالوا ولما اشتد الأمر جاءه نعيم بن مسعود الأشجعي مسلما وكان من دواهي العرب فقال له النبي إن الحرب خدعة فاحتل لنا مخرج حتى أتى قريظة وقال قد عرفتم ودي لكم وتحقيقي بكم قالوا لست عندنا بمتهم قال والرأي أن لا تقاتلوا محمدا ما لم تأخذوا رهائن من قريش كيلا يتشمروا إلى بلادهم إن عضتهم الحرب وتحلوا بينكم وبين محمد قالوا هو الوجه ثم أتى قريشا فقال إن اليهود قد ندموا على نقض العهد وقد أرسلوا إلى محمد نرضيك منا أن نأخذ من قريش وغطفان مائة رجل فندفعهم إليك لتضرب أعناقهم فإن التمسوا منكم رجالا فلا تجيبوهم إليه قالوا هو الوجه ثم إن قريشا قالوا لقريظة إنا لسنا بدار مقامة وقد هلك الخف والحافر وأنتم أزعجتمونا عن بلادنا فاغدوا للقتال واخرجوا للميعاد فقالت قريظة إنا لا نأمن منكم أن تتشمروا إلى بلادكم إن عضتكم الحرب فإن أردتم ذلك فأعطونا رهائن تكون ثقة لنا قالت قريش صدق نعيم وقالت قريظة صدق نعيم ونصح
220
فتخاذلوا وتواكلوا وأتت عليهم ليلة شاتية عاصفة الريح فجعل تكفأ قدورهم وتقطع أطناب خيامهم فارتحلوا وانصرفوا خائبين بقول الله عز وجل في سورة الأحزاب ( ^ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا ) وانصرف رسول الله إلى المدينة وأمر بالمسير إلى بني قريظة فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى استنزلهم على حكم سعد بن معاذ فحكم سعد بقتل الرجال وأخذ الأموال وسبي الذراري فساقهم رسول الله إلى المدينة وأمر فأخذت الأخائذ وضربت أعناق سبع مائة رجل منهم في غداة واحدة وفي هاتين الغزوتين نزلت سورة الأحزاب واستشهد من المسلمين فيها ستة نفر وقد ذكر ابن إسحاق من أشعارهم فيها شيئا غير قليل فمنها قول ضرار ابن الخطاب بن مرداس # ( ومشفقة تظن بنا الظنونا % وقد قدنا عرندسة طحونا ) # ( فلولا خندق كانوا لديه % لدمرنا عليهم أخمصينا )
221
# ( وإن نرحل فإنا قد تركنا % لدى أبياتكم سعدا رهينا ) وافر # في قصيدة طويلة فأجابه كعب بن مالك الأنصاري # ( وسائلة تسايل ما لقينا % ولو شهدت رأتنا صابرينا ) # ( رأتنا في فضافض سابغات % كغدران الملا متسربلينا ) # ( سيعلم أهل مكة حين ساروا % وأحزاب أتوا متحزبينا ) # ( بأن الله ليس له شريك % وأن الله مولى المؤمنينا ) # ( كما قد ردكم فلا شريدا % يغيظكم حزابا خائبينا ) # ( حزابا لم تنالوا ثم خيرا % وكدتم أن تكونوا دامرينا ) # ( فإما تقتلوا سعدا سفاها % فإن الله خير القادرينا ) # ( سيدخله جنانا طيبات % تكون مقامة للصالحينا ) # في قصيدة طويلة واصطفى رسول الله من سبي قريظة ريحانة القرظية فلم تزل عنده إلى أن توفي وفي هذه السنة تزوج زينب بنت جحش وأمها أميمة بنت عبد المطلب
وافر
في قصيدة طويلة فأجابه كعب بن مالك الأنصاري
( وسائلة تسايل ما لقينا
ولو شهدت رأتنا صابرينا )
( رأتنا في فضافض سابغات
كغدران الملا متسربلينا )
( سيعلم أهل مكة حين ساروا
وأحزاب أتوا متحزبينا )
( بأن الله ليس له شريك
وأن الله مولى المؤمنينا )
( كما قد ردكم فلا شريدا
يغيظكم حزابا خائبينا )
( حزابا لم تنالوا ثم خيرا
وكدتم أن تكونوا دامرينا )
( فإما تقتلوا سعدا سفاها
فإن الله خير القادرينا )
( سيدخله جنانا طيبات
تكون مقامة للصالحينا )
في قصيدة طويلة واصطفى رسول الله من سبي قريظة ريحانة القرظية فلم تزل عنده إلى أن توفي وفي هذه السنة تزوج زينب بنت جحش وأمها أميمة بنت عبد المطلب 222 وقصتها في سورة الأحزاب مذكورة وفيها بعث عمرو بن أمية الضمري لقتل أبي سفيان فلم يظفر به ثم دخلت سنة ست من الهجرة وهي سنة الاستئناس فبعث رسول الله عبد الله بن أنيس سرية وحده إلى خالد بن سفيان بن نبيح وكان يجمع الجموع ليقاتل النبي فخلا به عبد الله بن أنيس ثم علاه بسيفه حتى قتله ثم بعث سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء ثم غزا بني لحيان ثم غزا الغابة ثم بعث سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر ثم بعث سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة ثم بعث سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة ثم بعث سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى ثم غزا لحيان يطلب بدم خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة ومرثد بن أبي مرثد وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أصحاب الرجيع ثم بعث سرية عبد الرحمن ابن عوف إلى دومة الجندل ثم سرية علي بن أبي طالب عليه السلام إلى فدك فاحتازها ثم سرية زيد ين حارثة إلى أم قرفة ثم سرية عبد الله بن رواحة إلى خيبر فتطرقها وأصاب من أموالها ثم 223
رية بشر بن سويد الجهني إلى بني الحارث واعتصموا فأضرمها عليهم حتى احترقوا ثم سرية كرز بن جابر الفهري في إثر العرنيين وذلك أنهم لما قدموا إلى المدينة اجتووها فأمر بهم النبي إلى إبل الصدقة فشربوا من ألبانها حتى صحوا وانطوت بطونهم ثم وثبوا على الراعي فقتلوه وغرزوا الشوك في عينيه واستاقوا الإبل فبعث إليهم في إثرهم كرز بن جابر فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرة حتى ماتوا وقد قيل أن فيهم نزلت ( ^ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ) الآية ثم غزا رسول الله ذا قرد وذلك أن عيينة بن حصن بن بدر الفزاري أغار على لقاح رسول الله فخرج في إثره وقاتل قتالا شديدا واستنقذ بعض اللقاح وفيه يقول حسان # ( أظن عيينة أن زارها % بأن سوف يهدم منها قصورا ) # ( فعفت المدينة أن زرتها % وألقيت للأسد فيها زئيرا ) # ( أمير علينا رسول المليك % أحبب بذاك إلينا أميرا ) +متقارب+
224
ثم كانت عمرة الحديبية في ذي القعدة من سنة ست وذلك أن رسول الله رأى في المنام أنه دخل مكة فأخبر أصحابه وأحرم بعمرة وخرج في سبع مائة رجل وساق الهدي حتى إذا كان بعسفان استقبله بشر بن سفيان الكعبي فقال إلى أين يا محمد هذه قريش قد أقبلت ومعها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لا يدخلها عليهم وهذا خالد ابن الوليد قد قدموه إلى كراع العميم فقال النبي ويل أم قريش لقد أكلتهم الحرب فوالله لا أزال أجاهد على ما بعثني الله به حتى يظهر دينه وتنقرض هذه السالفة خالفوا بنا الطريق فأخذوا على طريق وعر حتى نزل الحديبية وبعث عثمان بن عفان يخبرهم أنه لم يأت لحرب ولا مكاشفة وإنما أتى زائرا لهذا البيت فحبسوا عثمان وبلغ النبي أن عثمان بن عفان قد قتل فقال إن كان عثمان قتل فلا نبرح حتى نناجز القوم ثم دعا إلى البيعة وهي بيعة الرضوان تحت الشجرة وكانت البيعة على الموت ثم أتاه أن الذي ذكر من أمر عثمان كان باطلا وبعثت قريش سهيل بن عمرو ليصالح النبي على أن يرجع
225
عنهم عامه هذا وأن تخلو له مكة عاما قابلا ثلاثة أيام ليقضي حاجته وأن يضع الحرب من بين الناس عشر سنين يكف بعضهم عن بعض وأن من أتى من قريش رده إليهم ومن أتى قريشا ممن مع محمد لم يردوه إليه وأن من أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه واصطلحوا على هذا وكتبوا العقد بينهم وتواثبت خزاعة فقالوا نحن في عهد محمد وعقده وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن في عهد قريش وعقدهم ثم قام رسول الله إلى هديه فنحره وحلق رأسه وفعل المسلمون مثل ذلك وأقبل راجعا إلى المدينة فنزل في الطريق ( ^ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) فصار تصديق الرؤيا في العام القابل وفي هذه السنة ظهرت الروم على فارس وانكشف شهرابراز عن طريق هرقل حتى سار إلى العراق فأفسدوا عليه وأغاروا وفيها جاء وفد السباع إلى رسول الله كما روي ثم دخلت سنة سبع من هذه الهجرة وهي سنة الاستغلاب وفيها كانت غزوة خيبر قالوا وسار رسول الله إليها في ألف وأربع مائة رجل ونزل بساحتهم ويفتتحها حصنا حصنا وهي حصون وآطام حتى انتهى إلى الوطيح والسلالم فحاصرهم سبع عشرة ليلة فخرج
226
مرحب وقد جمع عليه سلاحه وهو يقول # ( قد علمت خيبر أني مرحب % شاكي السلاح بطل مجرب ) # ( أطعن أحيانا وحينا أضرب % ) رجز # فأجابه كعب بن مالك # ( قد علمت خيبر أني كعب % وأنني ممن يشب الحرب ) # ( معي حسام كالعقيق عضب % ) # وخرج إليه محمد بن مسلمة وتجاولا وتطاردا وعرضت بينهما شجرة فتجاولا يلوذان بها إلى أن قطعاها ثم ضربه محمد بن مسلمة فقتله هذا رواية أصحاب الحديث وأما الشيعة فإنهم يختلفون أن عليا قتله وذلك مشهور في أشعارهم قالوا وبعث النبي أبا بكر إلى حصن من حصونهم فذهب وقاتل ثم رجع ولم يفتح فقال لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله وليس بفرار وكان علي عليه السلام رمد العين فتفل في وجهه وأعطاه الراية فمضى إليه وخرج إليه أهل الحصن وألقى به
رجز
فأجابه كعب بن مالك
( قد علمت خيبر أني كعب
وأنني ممن يشب الحرب )
( معي حسام كالعقيق عضب
)
وخرج إليه محمد بن مسلمة وتجاولا وتطاردا وعرضت بينهما شجرة فتجاولا يلوذان بها إلى أن قطعاها ثم ضربه محمد بن مسلمة فقتله هذا رواية أصحاب الحديث وأما الشيعة فإنهم يختلفون أن عليا قتله وذلك مشهور في أشعارهم قالوا وبعث النبي أبا بكر إلى حصن من حصونهم فذهب وقاتل ثم رجع ولم يفتح فقال لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله وليس بفرار وكان علي عليه السلام رمد العين فتفل في وجهه وأعطاه الراية فمضى إليه وخرج إليه أهل الحصن وألقى به 227
قاتل حتى فتح الله على يده قال سلمة بن الأكوع فلقد رأيتني في سبعة نفر نجتهد أن نقلب ذلك الباب فما نقدر أن نقلبه هذه الرواية الصحيحة فأما ما يقوله القصاص فلا نعرفه وبخيبر أهدت امرأة سلام بن مشكم الشاة المشوية إلى النبي وبها قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة في من معه من المسلمين وفيه يقول حسان # ( بئس ما قاتلت خيابر عما % جمعت من مزارع ونخيل ) # ( كرهوا الحرب فاستبيح حماهم % وأقروا فعل اللئيم الذليل ) +خفيف+ # وذلك قول الله تعالى ( ^ فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ) ثم غزا رسول الله وادي القرى بعد منصرفه من خيبر ويقال قايل فيئها ثم بعث سرية عمر بن الخطاب إلى تربة فرجع ولم يلق كيدا ثم بعث سرية غالب بن
228
عبد الله إلى الميفعة وفيها قتل أسامة بن زيد مرداس بن نهيك بعدما شهد بالحق فنزل ( ^ ولا يقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا ) الآية ثم بعث سرية بشير بن سعد إلى مرو جناب من فدك ووادي القرى ثم اعتمر رسول الله عمرة القضاء في ذي القعدة وهو الشهر الذي صده فيه المشركون ويقال لها عمرة القصاص فدخل مكة وقضى نسكه وأقام بها ثلاثا وتزوج ميمونة بنت الحارث وفيها نزل ( ^ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ) الآية ثم بعث عبد الله بن أبي حدرد إلى أضم سرية فقتلوا عامر بن الأضبط بعدما حياهم بتحية الإسلام فأنكر ذلك عليهم رسول الله وفي هذه السنة اتخذ الخاتم ونقش فصه محمد رسول الله وبعث رسله إلى الملوك يدعوهم إلى دين الله فبعث حذافة السهمي إلى كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان فمزق كتابه وكتب إلى باذان عامل اليمن بأن يبعث بمحمد إليه مربوطا وقد ذكرنا قصته في موضعه فقال النبي مزق
229
كتابي مزق الله عليه ملكته وبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل بن قيصر ملك الروم فوجده بحمص يمشي راجلا إلى بيت المقدس شكرا لله على ما منحه من الظفر على فارس وذلك وعد الله فيهم ( ^ وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بعض سنين ) فوضع كتاب رسول الله على وجهه ودعا الناس إلى إتباعه فأبوا عليه فلما أخبر النبي قال بقي ملكهم أو ثبت وبعث عمرو ابن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة فآمن وأسلم وبعث حاطب بن بلتعة إلى المقوقس ملك القبط والإسكندرية فأجاب بأن القبط لا يتابعني على إتباعك وأنا أظن بملكي وبعث إليه بمارية القبطية أم إبراهيم بن رسول الله وأصحبها خصيا وألف مثقال ذهبا وعشرين ثوبا ووهب لحاطب مالا عظيما وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين فأسلم وبعث سليط بن عمرو إلى هوذة الحنفي فرد ردا جميلا وبعث شجاع بن وهب إلى الحارث الأصغر وهو الحارث بن أبي شمر الغساني ملك دمشق فاستخف به ورمى بكتابه فقال
230
باد ملكه وفي هذه السنة كانت وقعة ذي قار وقد مضت قصتها ثم دخلت سنة ثمان من الهجرة وهي الاستواء فبعث سرية غالب بن عبد الله إلى بني الملوح فأوقع بهم وقتل وسبى وساق نعما كثيرا وشاء وخرج صريخ القوم للقتال فسال وادي قديد من غير سحاب عندهم ولا مطر حتى حال بينهم وبين الصريخ فوقفوا ينظرون إليه وهم يسوقون نهبهم ثم بعث سرية شجاع بن وهب إلى بني عامر فلم يلق كيدا ثم بعث كعب بن عمير إلى ذات أطلاح ثم غزوة مؤتة وهي بأرض الشام # قصة مؤتة قالوا أن رسول الله بعث الحارث بن عمير رسولا إلى بني شرحبيل بن عمرو عامل هرقل فقتل رسول رسول الله ولم يقتل له رسول غيره فبعث إليها ثلاثة ألف رجل واستعمل عليهم زيد بن حارثة إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب وإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة فصاروا حتى بلغوا مؤتة وهي قرية من حدود الشام فبلغهم أن هرقل نزل بأرض
231
البلقاء في مائة ألف وانضم إليه من لخم وجذام مائة ألف فانحازوا إلى مؤتة وأتتهم هوادي الخيل وناوشهم القتال حتى استشهد زيد بن حارثة فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب وتقدم فقاتل حتى إذا ألجمه القتال نزل عن فرسه فعرقبه وهو يقول # ( يا حبذا الجنة واقترابها % طيبة وطيب شرابها ) # ( والروم روم قد دنا عذابها % علي إذ لاقيتها ضرابها ) رجز # فقطعت يمينه فأخذ الراية بشماله فقطعت شماله فاحتضن بصدره واستشهد وقتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة في سن عيسى عليه السلام فأبدله الله عز وجل منها جناحين يطير بهما في الجنة ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة وهو يقول # ( أقسمت يا نفس لتنزلنه % قد طال ما قد كنت مطمئنه ) # ( هل أنت إلا بطنة في شنه % ) رجز # وقاتل حتى قتل رحمه الله فاجتمع المسلمون إلى خالد بن الوليد فانحاز بهم حتى انصرف فتلقاهم الناس وجعل الصبيان
رجز
فقطعت يمينه فأخذ الراية بشماله فقطعت شماله فاحتضن بصدره واستشهد وقتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة في سن عيسى عليه السلام فأبدله الله عز وجل منها جناحين يطير بهما في الجنة ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة وهو يقول
( أقسمت يا نفس لتنزلنه
قد طال ما قد كنت مطمئنه )
( هل أنت إلا بطنة في شنه
)
رجز
وقاتل حتى قتل رحمه الله فاجتمع المسلمون إلى خالد بن الوليد فانحاز بهم حتى انصرف فتلقاهم الناس وجعل الصبيان 232
حثون عليهم التراب ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله فقال رسول الله ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله وفيه يقول حسان # ( فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا % بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر ) # ( وزيد وعبد الله هم خير عصبة % تواصوا وأسباب المنية تخطر ) +طويل+ # ثم بعث سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من ناحية الشأم فكتب إلى النبي يستمده فبعث إليه بسرية أميرها أبو عبيدة بن الجراح وفيها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فأصابوا شيئا كثيرا ثم سرية الخبط وأميرها أبو عبيدة إلى سيف البحر فجعلوا يختبطون لما أرملوا فأخرج الله لهم دابة أصابوا من لحمها وودكها شيئا حتى سمنوا وغلظوا ثم سرية أبي قتادة إلى خضيرة من أرض الشأم فلم يلق كيدا # فتح مكة في شهر رمضان وذلك أن خزاعة كانت دخلت في عقد النبي يوم الحديبية وبنو بكر في عقد قريش فعدت
233
بنو بكر على خزاعة وهم على ماء بأسفل مكة يقال له الوتير فبيتوهم ورفدتهم قريش بالسلاح فقاتلوهم فخرج عمرو ابن سالم الخزاعي حتى وقف بين يدي رسول الله وذكر شأنهم وما كان من بني بكر وقريش من نقض العهد وقال # ( لا هم إني ناشد محمدا % حلف أبينا وأبيه الأبلدا ) # ( إن قريشا أخلفوك الموعدا % ونقضوا ميثاقك الموكدا ) # ( هم بيتونا بالوتير هجدا % نتلو القرآن ركعا وسجدا ) رجز # فأمر رسول الله بالتجهيز إليهم فقال له أبو بكر أتنصرهم على قومك قال لا نصرت إن لم أنصرهم فخرج في عشرة آلاف رجل وسار حتى نزل بساحتهم ولا علم لهم بشيء من ذلك فأمر كل رجل أن يوقد نارين عظيمتين وخرج العباس بن عبد المطلب على بغلة رسول الله يلتمس أحدا يبعثه إلى قريش بالخبر وكانت قريش لما خفي عليهم أمر المدينة رابهم ذلك وخرج أبو سفيان بن حرب وبديل بن ورقاء يتجسسان فلما أشرفا على العسكر والنيران هالهما ذلك فسمع العباس قول أبي سفيان لبديل
رجز
فأمر رسول الله بالتجهيز إليهم فقال له أبو بكر أتنصرهم على قومك قال لا نصرت إن لم أنصرهم فخرج في عشرة آلاف رجل وسار حتى نزل بساحتهم ولا علم لهم بشيء من ذلك فأمر كل رجل أن يوقد نارين عظيمتين وخرج العباس بن عبد المطلب على بغلة رسول الله يلتمس أحدا يبعثه إلى قريش بالخبر وكانت قريش لما خفي عليهم أمر المدينة رابهم ذلك وخرج أبو سفيان بن حرب وبديل بن ورقاء يتجسسان فلما أشرفا على العسكر والنيران هالهما ذلك فسمع العباس قول أبي سفيان لبديل 234 ما رأيت عسكرا قط أكثر من هذا فناداه العباس يا حنظلة هذا رسول الله ومصباح قريش قال فما الحيلة قال أن تركب في عجز هذه البغلة حتى أستأمن لك رسول الله فركب خلفه ومر حتى بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما رآه قال الحمد لله الذي أمكن منك بلا عهد ولا عقد وخرج يشد نحو رسول الله فقال عمر وهذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه فدعني أضرب عنقه فقال له العباس لا سبيل لك عليه إني قد أجرته فبات عنده تلك الليلة فلما أصبح أتى النبي فقال ما آن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله فقال بأبي أنت وأمي ما أجملك وأكرمك وأوصلك للرحم لو كان معه غيره لقد أغنى عنا شيئا فقال له العباس إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن إلا عبد الله بن سعد بن أبي سرح ومقيس بن ضبابة وحويرث بن نقيذ فاقتلوهم ولو وجدتموهم تحت أستار الكعبة فجاء أبو سفيان إلى مكة فنادى هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به فمن حل 235
اري فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن فتفرق الناس وأخذت بلحيته هند بنت عتبة وقالت بئس الشيخ والله اقتلوه هلا مت كريما ودخل رسول الله في عشر سرايا كل سرية ألف رجل وهو في كتيبة خضراء من المهاجرين والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق فأتى المسجد فطاف وحول الكعبة أصنام فجعل يشير إليها بقضيب في يده وهو يقول ( ^ جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) وهي تخر لوجهها وفيه يقول بعضهم # ( وفي الأصنام معتبر وعلم % لمن يرجو الثواب والعقابا ) +وافر+ # وأقام بمكة خمسة عشر يوما يقصر الصلاة ثم خرج إلى حنين # ذكر غزوة حنين خرج رسول الله من مكة إلى هوازن وثقيف والطائف وقائدهم مالك بن عوف قد جمعوا أحابيشهم ولفهم وساقوا نعمهم ونساءهم التماس الحفيظة وأخرجوا معهم دريد بن الصمة في شجار وهو شيخ كبير ليس فيه شيء غير التيمن برأيه فلما بلغوا أوطاس قال دريد نعم مجال الخيل
236
لا حزن ضرس ولا سهل دهس وأنشد # ( يا ليتني فيها جذع % أخب فيها وأضع ) # ( أقود وطفاء الزمع % كأنها شاة صدع ) رجز # وخرج رسول الله في اثني عشر ألفا عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وألفين من طلقاء مكة ويقال أنه لما نظر إلى كثرة من معه قال لن نغلب اليوم من قلة فلما استقبلوا وادي حنين كان القوم قد كمنوا في الشعاب والأخبات وكسروا جفون سيوفهم فشدوا على المسلمين شدة رجل واحد فانهزموا راجعين لا يلوى أحد على أحد ورسول الله ينادي هلموا أنا رسول الله ثم قال للعباس اصرخ في الناس وكان رجلا صيتا يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة ففاء فيه المسلمون وحمي الوطيس واشتدت الحرب واجتلدوا فانهزم المشركون وانحازوا إلى الطائف وأغلقوا باب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال من الدبابات والضبور والمجانيق وأصاب المسلمون من سبى هوازن
رجز
وخرج رسول الله في اثني عشر ألفا عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وألفين من طلقاء مكة ويقال أنه لما نظر إلى كثرة من معه قال لن نغلب اليوم من قلة فلما استقبلوا وادي حنين كان القوم قد كمنوا في الشعاب والأخبات وكسروا جفون سيوفهم فشدوا على المسلمين شدة رجل واحد فانهزموا راجعين لا يلوى أحد على أحد ورسول الله ينادي هلموا أنا رسول الله ثم قال للعباس اصرخ في الناس وكان رجلا صيتا يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة ففاء فيه المسلمون وحمي الوطيس واشتدت الحرب واجتلدوا فانهزم المشركون وانحازوا إلى الطائف وأغلقوا باب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال من الدبابات والضبور والمجانيق وأصاب المسلمون من سبى هوازن 237
تة آلاف رأس ومن النعم والأموال ما لا يحصى وفيه يقول العباس بن مرداس السلمي # ( ونحن يوم حنين كان مشهدنا % للدين عزا وعند الله مدخر ) # ( وقد ضربنا بأوطاس أسنتنا % والله ينصر من يهدي وينتصر ) +بسيط+ # وسار رسول الله من حنين إلى الطائف قال فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة ورماهم بالمنجنيق ثم زحف نفر من أصحابه تحت الدبابة فأرسلوا عليهم الحديدة المحماة فأحرقوهم وقال النبي لأبي بكر رأيت أني أهديت إلي قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك فهراقت فقال أبو بكر رضي الله عنه ما أظن أن تدرك هذه قال وأنا وارتحل من ساعته حتى نزل الجعرانة فأتاه وفد هوازن وفيهم ظئره حليمة بنت ذؤيب فقالوا يا رسول الله إنما في الحصار عماتك وخالاتك وحواضنك فامنن علينا من الله عليك فقال أولادكم ونساءكم أحب إليكم أم أموالكم قالوا أولادنا ونساءنا قال أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وإذا صليت فتقدموا وقولوا إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين في أبنائنا
238
ونسائنا ففعلوا ذلك فقال النبي أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم فقال المهاجرون وما كان لنا فهو لرسول الله فردوا إليهم أولادهم ونساءهم وأعطى رسول الله ذلك اليوم المؤلفة قلوبهم مائة مائة وأعطى أبا سفيان مائة وأعطى لمعاوية بن أبي سفيان مائة وأعطى صفوان بن أمية مائة وحويطب بن عبد العزى وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة وأعطى العباس بن مرداس أباعر فسخطها وقال # ( وكانت نهابا تلافيتها % بكرى على المهر في الأجرع ) # ( فأصبح نهبي ونهب العبيد % بين عيينة والأقرع ) # ( وما كنت دون امرئ منهما % ومن يضع اليوم لا يرفع ) متقارب # فقال اقطعوا عني لسانه فأعطوه حتى رضي واعتمر رسول الله من الجعرانة وانصرف راجعا إلى المدينة وفي هذه السنة ولد إبراهيم بن رسول الله وأتاه جبريل فقال السلام عليك يا إبراهيم وفيها مات ملك دمشق الحارث بن أبي شمر الغساني فملك مكانه جبلة بن الأيهم وفيها ملكت بوران دخت
متقارب
فقال اقطعوا عني لسانه فأعطوه حتى رضي واعتمر رسول الله من الجعرانة وانصرف راجعا إلى المدينة وفي هذه السنة ولد إبراهيم بن رسول الله وأتاه جبريل فقال السلام عليك يا إبراهيم وفيها مات ملك دمشق الحارث بن أبي شمر الغساني فملك مكانه جبلة بن الأيهم وفيها ملكت بوران دخت 239 بنت أبرويز فقال الرسول حين بلغه الخبر لا يفلح قوم عليهم امرأة ثم دخلت سنة تسع من الهجرة وهي سنة براءة فبعث سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم فأغار وسبى وغنم ثم بعث سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى الساحل بمراكب الحبشة فلم يلق كيدا ثم سار إلى تبوك
ذكر غزوة تبوك وهي من حد الروم ويسمى جيش العسرة وكان سبب هذه الغزاة أن هرقل أظهر قصد رسول الله بنفسه فقال النبي تهيؤا لغزاة الروم وذلك في شدة الحر وجدب البلاد وقد طابت الظلال وأينعت الثمار وبين تبوك والمدينة تسعون فرسخا وما خرج رسول الله في سفر إلا يوري بعيره إلا تبوك فإنه أفصح بها وبينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدد وأمر الناس بالنفقة والحملان في سبيل الله وهذه القصة مذكورة في كتاب الله في سورة براءة وخرج رسول الله في ثلاثين ألفا منهم عشرة آلاف فارس واثنا عشر ألف راكب وثمانية آلاف راجل وخلف عليا في أهله فقال رجل ما خلفه إلا استثقالا له فلما سمع علي أخذ سلاحه ومضى حتى أدركه فذكر 240
ه قول الناس فقال أما ترضى يابا الحسن أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فرضي علي ورجع وسار النبي حتى أتى تبوك وقد تفرقت جموع هرقل فلم يلق كيدا وبعث من تبوك خالد بن الوليد إلى دومة الجندل # سرية خالد بن الوليد إلى أكيدر صاحب دومة الجندل من تبوك وقد قال له النبي تجده يصيد البقر فأتاه خالد في ليلة مقمرة وهو على سطح فجاءت البقر تحك بقرونها باب القصر فخرج في فرسان وتلقاهم فأسروه وأتى به النبي فحقن دمه وصالحه على الجزية وخلى سبيله وفيه قال # ( تبارك سائق البقرات أني % رأيت الله يهدي كل هاد ) # ( فمن يك حائدا عن ذي تبوك % فإنا قد أمرنا بالجهاد ) +وافر+ # وفي هذه السنة نزلت سورة براءة فبعث أبا بكر أميرا على الحاج وأتبعه بعلي بن أبي طالب مع تسع آيات من سورة براءة وأمره بأن يقرأها على الناس ويؤذنهم بنقض العهد وقطع الذمة فانصرف
241
# أبو بكر إلى النبي فقال أنت الأمير وعلي المبلغ فإنه لا يبلغ رجل عني إلا مني فقام علي في الموسم والناس على سكناتهم من أهل الشرك فنادى أني رسول رسول الله إليكم قالوا بماذا قال إنه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عهد من رسول الله فهو إلى مدته ومن لا عهد له فله المدة إلى مأمنه وتلا عليهم الآيات فقال المشركون إنا نبرأ إلى الله من عهدك وعهد ابن عمك اللهم إنا منعنا تبرك ثم دخلت سنة عشرة من الهجرة وهي سنة حجة الوداع فبعث سرية عكاشة بن محصن إلى الجناب فلم يلق كيدا ثم بعث سرية أسامة بن زيد إلى بلقاء من أرض فلسطين قال أثير بدم أبيك فقتل وسبى وأحرق ثم بعث سرية علي ابن أبي طالب إلى اليمن لقبض الصدقات ويقال كانت مرتين ثم بعث سرية عبد الله بن حذافة السهمي وفي هذه ضربت الوفود إلى رسول الله وذلك أن الناس كانوا يتربصون بالإسلام قريشا فلما أسلمت قريش أسلمت العرب ودخلوا في دين
242
الله أفواجا وفيها حج رسول الله لخمس بقين من ذي القعدة وأحج نساءه كلهن وساق الهدي وخطب خطبة الوداع ويقال خطبة البلاغ وهي مشهورة في العامة فقال يا أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا أبدا وقفل إلى المدينة وفي هذه السنة كتب مسيلمة الكذاب إلى رسول الله ثم دخلت سنة إحدى عشرة من الهجرة وهي سنة الوفاة فبعث عمرو بن العاص إلى جيفر بن جلندى الأزدي ملك عمان يدعوه إلى الإسلام وأمر أسامة بن زيد على البعث إلى الشام ومرض رسول الله مرضه التي قبضه الله فيها وذلك أنه نعى نفسه إلى أصحابه قبل موته بشهر ثم ابتدأ بشكواه في ليال بقين من شهر ربيع الأول وعلى آله وصحابه إلى يوم الدين أجمعين # آخر الجزء الثاني ويتلوه في الجزء الثالث الفصل السابع عشر في خلق رسول الله وخلقه والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين الطيبين وسلم تسليما كثيرا # تم الجزء الرابع