فهرست عناوين فهرست آيات
كتاب الحج-الثانى

1

كتاب الحج تقرير ابحاث فقيه العصر سماحة آية الله العظمى السيد محمد رضا الموسوي الگلپايگاني دام ظله الوارف (الجزء الاول) تأليف الشيخ احمد الصابري الهمداني

(الطبعة الاولى) مطبعة الخيام - قم 1400 ه‍


2

بسم الله الرحمن الرحيم الحد لله الذى رفع منازل العلماء وفضل مدادهم على دماء الشهداء والصلاة والسلام على افضل السفراء وخاتم الانبياء وعلى ابن عمه وصهره على أمير المؤمنين سيد الاوصياء واولاده الائمة الامناء والعن على اعدائهم اعداء الله من الان إلى يوم الجزاء وبعد فان شرف العلم لا يخفى وفضله لا يحصى قد ورثه اهله من الانبياء وفازوا في تحصيله برتب الاولياء وممن سلك سبيل السلف وصرف عمره الشريف في تحصيله جناب العلامة حجة الاسلام والمسلمين الحاج الشيخ احمد الصابري الهمداني دامت بركاته مجدا مجتهدا حتى نال بحمد الله مراتب عاليه من العلم ومدارج سامية من الفضل والكمال وقد حضر ابحاثناالعالية في الفقه والاصول حضور تفهم وتحقيق وتعمق وتدقيق وقام بضبطها وتدوينها ومنها ما كتبه في كتاب الحج وسرحت النظر فيه فألقيته وافيا بالمراد حسن الاسلوب والتبويب واستجازنى في طبعه فاجزت له فلله دره وعليه سبحانه اجره وكثره في العلماء العاملين امثاله والسلام عليه وعلى سائر العلماء والفضلاء ورحمة الله وبركاته 23 شعبان المعظم 1400 محمد رضا الموسوي الگلپايگانى


3
فهرست عناوين
اقسام الحج 7
التمتع في الحج رحمة من الله 8
دلالة الكتاب والسنة على مشروعية حج التمتع والقران والافراد 9
كيفية حج النبي " ص " في حجة الوداع 10
في الاجماع على مشروعية اقسام الحج 11
في نهى ابن الخطاب عن حج التمتع والقول فيه 11
كيفية حج التمتع 13
في عدم الحاجة إلى طواف النساء في العمرة المتمتع بها إلى الحج ونقل ما يعارض ذلك 14
كيفية حج الافراد 17
كيفية حج القران ومعناه ونقل الاقوال فيه 19
(المقصد الثانى ) 0
في ان حج التمتع فرض على النائي 24
البعد المعتبر في النائي 26
في ان الواجب بالاصل على الناس التمتع ونقل كلام صاحب العروة " قده " 31
مبدأ البعد المعتبر في النائي 34
في حكم الشك في الحد المعتبر 35
طريق الاحتياط عند الشك 36
في ان التمتع في الحج ولزومه على النائى انما هو في حجة الاسلام دون المندوب 37
في حكم ذى الوطنين 38
في حكم الوطن الغالب 39
فيما لو اشتبه الوطن الغالب 40
في حكم من احتمل الغلبة 41
في حكم الوطنين المتساويين 42
في حكم من استطاع في الوطنين كليهما 44
في حكم من ترك الوطن الاول ولم يأت بفريضته فيه 44
في حكم النائى اذا اقام بمكة ستة اشهر متوطنا 45
في حكم النائى المجاور بمكة سنتين 46
في حكم المجاور بمكة سنة او اقل 48
في ان انقلاب الفرض ملازم لانقلاب الاستطاعة ام لا 49
في حكم حصول الاستطاعة بمكة قبل سنين 50
حكم المكى اذا اقام بغير مكة 51
(المقصد الثالث ) 0
الشرائط المعتبرة في الحج - الاول النية 54
في نية العمرة المتمتع بها 54
كيفية النية 55
في كفاية العمرة المفردة في التمتع وعدمها 56
في اشتراط وقوع العمرة والحج في اشهر الحج 61
في اشتراط وقوع العمرة والحج في سنة واحدة 64
في ان الاحرام للحج من بطن مكة وتفصيله 67
في بيان افضل ميقات حج التمتع 72
في من احرم للحج من غير مكة عامدا 73
القدر المتيقن من مكة 74
لو ترك الاحرام من مكة جهلا او نسيانا 74
لو ترك الاحرام جهلا او نسيانا حتى اتى المناسك 75
لو ترك الاحرام بالحج من مكة لعذر ثم ارتفع 77
حكم المغمى عليه 78
من نسى الاحرام ثم تذكر في عرفات او الطريق 79
في اشتراط وقوع العمرة والحج من مكلف واحد 79
(احكام التمتع ) 0
في عدم جواز خروج المتمتع عن مكة 82
لو احتاج المتمتع إلى الخروج 84
فيمن خرج من مكة بعد العمرة فعلا ورجع قبل مضي الشهر 91
في ان المراد من الشهر شهر الاحرام او الخروج 91
في حكم من خرج بعد العمرة من مكة ورجع بعد شهر الاحرام وقبل شهر الاحلال 93
حكم من خرج بعد اعمال العمرة من مكة لحاجة محلا عمدا 100
في العمرة المبتولة ووجوب طواف النساء وعدمه 101
في ان العمرة المتبولة مبتولة بالخروج او بالعمرة الثانية 103
في عدم جواز العدول من التمتع إلى غيره الا للضرورة 105
في جواز العدول من التمتع إلى الافراد لضيق الوقت 105
فيما لو ضاق الوقت عن درك الاعمال الاختيارى دون الاضطرارى 110
في وجوب اتمام العمرة المتمتع بها في الحج المندوب 111
في وجوب الحج وعدمه بعد العمرة المتمتع بها في التطوع 111
في ان العمرة والحج عمل واحد او عملان 111
في عدم جواز العدول إلى الافراد اذا علم انه يتمكن من اتمام العمرة واللحوق بالناس 113
فيما تدل على ذهاب المتعة يوم التروية وحملها 116
بسط الكلام في وجوب العدول إلى الافراد اذا لم يمكن من الاختيارى والاضطرارى من حج التمتع 125
في وجوب العدول إلى الافراد وعدمه اذا تمكن من وقوف الاضطرارى دون الاختيارى من الافراد 125
نظر الاستاذ مدظله في ذلك 125
حكم العدول فيما يتمكن من الوقوف قبل الغروب 126
حكم العدول فيما تمكن من الوقوفين الاضطراريين 128
حكم العدول إلى الافراد في الحج المندوب 131
العدول إلى الافراد بعروض الطمث 134
حكم عروض الطمث اثناء الطواف 141
جواز الاحرام حال الحيض وبسط الكلام فيه 146
(شروط حج الافراد) 0
العدول من الافراد والقران إلى التمتع 157
تحقيق الاستاذ مدظله 160
(العمرة المفردة ) 0
في اجزاء العمرة المتمتع بها عن المفردة 165
في ان العمرة المفردة في حج الافراد بعده 166
في حكم المستطيع للعمرة المفردة دون الحج 170
في وجوب الفورية في العمرة المفردة على المستطيع بها 170
في ادنى الحل وكونه ميقاتا للعمرة المفردة 174
ذو الحليفة ، مسجد الشجرة وحدها 179
الجحفة وجواز الاحرام منها لاهل المدينة 185
في حكم من دخل المدينة واراد الاحرام من غير مسجد الشجرة 189
يلملم وقرن المنازل 190
وادى العقيق وحده 191
ميقات من منزله اقرب إلى مكة 193
في ان الاحرام من المنزل عزيمة او رخصة 195
في المحاذاة والاحرام منها 196
في اعتبار العلم بالمحاذاة 0
كفاية الظن وخبر اهل الخبرة 201
في عدم الفرق بين طريقى الجو والارض 202
كلام صاحب العروة في المحاذاة 202
نقل كلام الفقيه الفقيد البروجردى 202
في اشكال الاستاذ مدظله في المقام 203
في معنى المحاذاة 203
لو احرم وتبين الخلاف 204
في ميقات العمرة المفردة 205
في ميقات الصبيان 206
في ان تجريد الصبيان من فخ احرام ام لا 207
تحقيق الاستاذ في المقام 209
(احكام المواقيت ) 0
الاحرام قبل الميقات وعدم صحته 212
نذر الاحرام قبل الميقات 214
الاشكال الروائى في المقام 215
اشكال الاستاذ مدظله على صاحب المنتقى 216
في اعتبار الرجحان في متعلق النذر 217
بيان من المقرر في المقام 217
في ان العهد واليمين كالنذر ام لا 218
الاحرام قبل الميقات لعمرة رجب 219
عدم جواز تأخير الاحرام من الميقات 220
جواز التأخير للمانع ونقل الاقوال فيه 220
في الاغماء والمغمى عليه 225
لو جاوز من الميقات بلا ارادة النسك ثم بداله ان يأتى بها 227
لو زال المانع بعد العبور من الميقات 228
في نسيان الاحرام من الميقات 229
في وجوب الرجوع بقدر ما امكن 231
في ترك الاحرام من الميقات عمدا 232
تحقيق من الاستاذ مدظله 233
في ترك الاحرام شاكا في وجوبه 238
في ترك الاحرام عمدا وعدم التمكن من العود 238
نسيان الاحرام والتذكر بعد المناسك 239
نسيان الاحرام والتذكر اثناء العمل 240
(أفعال الحج ) 0
الاحرام وبيان حقيقته 242
الغسل قبل الاحرام وتشريع التيمم 247
جواز تقديم الغسل على الميقات 248
اعادة الغسل في بعض الموارد 249
في اجزاء غسل اول الليل في ليلته وكذا النهار 249
فيمن احرم قبل الغسل والصلاة 250
في اعادة الاحرام قبل الصلاة ومعنى ذلك 250
في ايقاع الاحرام بعد الصلاة وحكمه 251
في سقوط نافلة الاحرام وقت الفريضة وعدمه 257
كيفية نافلة الاحرام 262
في ان الفريضة يشمل القضاء او يختص بالاداء 263
مكروهات الاحرام 263
( واجبات الاحرام ) 0
النية وتفصيلها 264
في ان التعيين للعمرة او الحج شرط ام لا 266
في القول بعدم الحاجة إلى التعيين وادلته 266
في التمسك بأصالة البراءة في المقام 268
ايراد الاستاذ مدظله في المقام 268
في كفاية التعيين الاجمالى 271
نية العمرة والحج معا 272
فيما لو قال : احرم كاحرام فلان 274
في حكم نسيان ما احرم به 275
في التلبية ووجوبها 280
في ان الاحرام لا ينعقد الا بالتلبية 281
في جواز تأخير التلبية عن الميقات 285
كيفية التلبية 288
في ثوبى الاحرام ووجوب لبسهما 289
الاجماع على لبس الثوبين 290
كيفية لبس الثوبين 295
فيما يشترط في ثوبى الاحرام 300
كل ثوب تصلى فيه يجوز الاحرام فيه 301
في ما يجوز لبسه للنساء في الاحرام 302
لبس الخنثى والانثى الحرير في الاحرام 306
هل يجب لبس ثوبى الاحرام على المرأة 307
يجوز للمحرم لبس اكثر من ثوبين 308
يجوز للمحرم أن يبدل ويحول ثياب احرامه 309
لبس القباء المقلوب بدلا عن الاحرام 312
لا يشترط عدم وجدان الازار عند لبس القباء مقلوبا 314
جواز لبس القباء مقلوبا هل هو من باب التخصيص أو التخصص 315
جواز لبس السراويل لمن ليس له أزار 316
( فى احكام الاحرام ) 0
عدم جواز انشاء الاحرام للمحرم 318
لو احرم متمتعا وأحرم بالحج ثانيا 321
الادلة على الموضوع 323
جعل حج الافراد عمرة 324
(احكام احرام الصبى ) 0
جواز تأخير احرام الصبيان من فخ 325
الهدي هل هو من مال الصبى أو الولي 327
وجوب الصوم على الولي بدلا عن الهدي 330
المراد من الغلمان الصبيان 331
لو أتى الصبى المحرم بما يجب الكفارة 332
في أن عمد الصبى خطأ 333
الخلاف فيما اذا عقد الولي لصبيه حال احرام الصبى 334
نقل كلام صاحب الجواهر " قده " 337
نقل الاخبار في المسألة 338
هل تحل النساء للمحصور 339

5

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعلنا من المسلمين، وعلمنا برسوله شرائع الدين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد سيد المرسلين، وأهل بيته المطهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

وبعد: فهذه دراسات مفيدة حول أحكام الحج، ألقاها سيد الفقهاء والمجتهدين، الفقيه الكبير، والزعيم الشهير، آية الله العظمى مولانا السيد محمد رضا الگلپايگاني أدام الله ظله العالي.

وقد كان مد ظله درس الحج في دورته الاولى لجمع من فضلاء الحوزة، وبعد ما ألقت الرياسة الدينية وزعامة الجامعة الكبرى العلمية أزمتها إليه، درس الدورة الثانية لرواد الفضل وطلاب العلم وحملة الفقه، فأحببت أن أجمع درر تحقيقاته كما ألفت من أبحاثه فيما سبق كتاب (الهداية إلى من له الولاية) و (نخبة الاشارات في أحكام الخيارات).

ومن المؤسف أنه قد فاتتني مسائل من أوائل الكتاب لسفري


6

إلى استانبول (القسطنطنية القديمة) ولكني أكملتها بما استخرجتمن أشرطة أبحاثه، وبما استفدت مما كتبه الاستاذ مد ظله تذكرة لنفسه.

وأرجو من الله تعالى أن يجعل ذلك نافعا ليوم فقري وحشرى، ومفيدا لاهل الفضل والتحقيق، انه خير موفق وشفيق.

قم المشرفة احمد الصابري الهمداني


7

كتاب الحج ويقع البحث فيه في مقاصد: المقصد الاول (في اقسامه) وهو على ثلاثة أقسام ( تمتع ) و (افراد) و (قران) كتابا وسنة واجماعا.

فأما التمتع فيدل على مشروعيته قوله تعالى (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) (1).

الاية الكريمة صريحة في تشريع التمتع بالعمرة إلى الحج في الجملة، ولم تكن تلك العمرة معروفة بين الناس في أشهر الحج قبل الاسلام، فانهم كانوا ملتزمين بالاحرام والبقاء عليه إلى

(1) السورة 2 الاية 196 (


8

أن يفرغوا من الاعمالى ويتموا الحج، ثم الاتيان بعمرة مفردة إذاشاؤا.

وما كانوا يعرفون عمرة

التمتع اصلا، فمن الله

تعالى على أمة محمد صلى الله عليه وآله بتشريع تلك العمرة تسهيلا للامر عليهم، ورفقا ورحمة بهم، كما في العيون والعلل بسنده عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في حديث قال: وانما أمروا بالتمتع إلى الحج، لانه تخفيف من ربكم ورحمة ولان يسلم الناس في احرامهم، ولا يطول ذلك عليهم فيدخل عليهم الفساد، وان يكون الحج والعمرة واجبين فلا تعطل العمرة وتبطل، ولا يكون الحج مفردا (1).

وعن الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله حين حج حجة الاسلام خرج في أربع بقين من ذي القعدة حتى أتى الشجرة فصلى بها، ثم قاد راحلته حتى أتى البيداء فأحرم منها وأهل بالحج، وساق مائة بدنة، وأحرم الناس كلهم بالحج لا ينوون عمرة، ولا يدرون ما المتعة (2).

ولكنه تبارك وتعالى خص بتلك الرحمة النائي الذي لم يكن حاضر المسجد الحرام، وقال تعالى (ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام واتقو الله واعلموا أن الله شديد العقاب) (3).

(1) الوسائل ج 8 الباب الثاني من اقسام الحج الحديث 7.

(2) الوسائل ج 8 باب الثاني من اقسام الحج الحديث 14.

(3) البقرة الاية 196.


9

وأما القران فيدل على مشروعيته قوله تعالى (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) (1).

واما الافراد فهو عين القران عملا ووقتا، ولا فرق بينهما الا في سوق الهدي الذي يشترط في القران دون الافراد.

ويظهر من تخصيص آية التمتع بالنائى، أن المشروع في حق غيره ليس الا الافراد أو القران، كما هو المبين في صحيحة الحلبي الاتية ايضا، فان الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع انما هم بين سائقين للهدي وغير سائقيه.

ولما نزلت آية التمتع أمر رسول الله صلى الله عليه وآله كل من ساق الهدي بالبقاء على احرامه واتمام حجه.

وأما الذين لم يسوقوا الهدي، فأمر صلى الله عليه وآله من لم يكن حاضر المسجد الحرام أي النائي عنه بالاحلال والتمتع بعد أعمال العمرة، وأمر غيره وهم أهل مكة ومن بحكمهم بالبقاء على الاحرام واتمام العمل كما أوجبه على الذين كانوا قد ساقوا الهدي.

فالكتاب العزيز صريح في تشريع التمتع والقران، وظاهر في مشروعية الافراد بمعونة شأن النزول في آية التمتع، وعدم ردع النبي صلى الله عليه وآله عن الافراد الذي كان معمولا بين الناس قبل نزول الاية الكريمة.

(1) البقرة 196.


10

وأما السنة الدالة على مشروعية الاقسام الثلاثة للحج فهي على حد الاستفاضة بل التواتر من طرق العامة والخاصة المفصلة في جوامعنا وجوامع أهل السنة، المتلقاة بالقبول والصحة نذكر منهابعض ما ورد في خصوص التمتع: ( منها ) ما رواه معاوية بن عمار عن أبى عبد الله جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من سعيه بين الصفا والمروة، أتاه جبرئيل عند فراغه من السعي فقال: ان الله يأمرك أن تأمر الناس أن يحلوا الا من ساق الهدي، فأقبل رسول الله على الناس بوجهه فقال: يا أيها الناس هذا جبرئيل (واشار بيده إلى خلفه) يأمرني عن الله عزوجل أن آمر الناس أن يحلوا الا من ساق الهدي.

فامرهم بما أمر الله به، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله نخرج إلى منى ورؤوسنا تقطر من النساء؟ وقال آخرون: يأمرنا بشئ، ويصنع هو غيره.

فقال صلى الله عليه وآله: يا أيها الناس لو استقبلت من أمري ما استدبرت صنعت كما صنع الناس، ولكني سقت الهدي فلا يحل من ساق الهدي حتى يبلغ الهدي محله.

فقصر الناس وأحلوا وجعلوها عمرة، فقام إليه سراقة بن مالك ابن جعشم المدلجي فقال: يا رسول الله هذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أم للابد؟ فقال: بل للابد، وشبك بين أصابعه، وانزل الله في


11

ذلك قرآنا (فمن تمتعع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) (1).

وعن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد كان عندي رهط من أهل البصرة فسألوني الحج، فأخبرتهم بما صنع رسول الله بما أمر به، فقالوا لي: ان عمر قد أفرد الحج.

فقلت لهم: ان هذا رأي رآه عمر وليس رأي عمر كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله (2).

وعن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحج، فقال: تمتع.

ثم قال: انا إذا وقفنا بين يدي الله عزوجل قلنا: يا رب أخذنا بكتابك وسنة نبيك، وقال الناس: رأينا رأينا (3).

وأما الاجماع على مشروعية أقسام الحج، فهو أيضا ثابت ومحقق، ولم ينكره أحد من علماء الامة، حتى أن الذي كان يمنع عن التمتع اعترف بمشروعيته، وانه كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله حلالا وقال كما هو المشهور عنه: متعتان كانتا في زمن رسول الله حلالين وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما (4).

وما حرم ذلك الا عن رأيه واجتهاده، وليس رأيه كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله، وتبعه في هذا المنع عثمان ومعاوية وقليل من

(1) الوسائل ج 8 الباب الثالث من اقسام الحج الحديث 1.

(2) الوسائل ج 8 الباب الثالث من اقسام الحج الحديث 6.

(3) المصدر الحديث 17.

(4) رواه الجصاص في احكام القرآن 1 / 342 و 345 والفخر الرازي في تفسيره 10 / 50.


12

الناس، ولكن كثيرا من الصحابة والتابعين أنكروا ذلك عليهم، حتى أن عبد الله بن عمر لم يأخذ بقول أبيه وترك رأيه، ولما احتجوا عليه بقول أبيه، قال: عمر أولى بالاتباع ام كتاب الله وسنة نبيه (1).

بل قد يقال ان عمر لم ينه عن حج التمتع ابتداءا وعمرته، بأن ينوي حين الاحرام عمرة يتمتع بها إلى الحج، وانما نهى عن العدول من حج الافراد بعد الطواف والسعي إلى العمرة والاحلال منها، فجواز التمتع بالمعنى الاول مجمع عليه بين المسلمين،ولكن المشهور أن عمر انما نهى عن التمتع بالمعنى الاول (2).

فتحصل أن جميع الفقهاء قد أجمعوا من العصر الاول إلى زماننا هذا، على تشريع الاقسام الثلاثة للحج وانها باقية إلى يوم القيامة ويدل عليه كما اسلفنا الكتاب والسنة الصحيحة من طرق العامة والخاصة، بحيث لا يبقى شك ولا شبهة لمن أنصف ونظر، فلا حاجة إلى تفصيل الكلام فيه، وانما المهم البحث عن أحكام الاقسام

(1) روى مسلم في الصحيح 4 / 37 عن جابر بن عبد الله قال: حج النبي صلى الله عليه وآله - إلى أن قال: قام النبي فينا فقال: قد علمتم ان أتقاكم لله وأصدقكم وابركم، ولولا هديى لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من امرى ما استدبرت لم أسق الهدى فحلوا، فحللنا وسمعنا واطعنا.

] (2) روى مسلم في الصحيح 4 / 49 عن عمران بن حصين: نزلت آية المتعة في كتاب الله (يعنى متعة الحج) وأمرنا بها رسول الله ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينه عنها رسول الله حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء.


13

الثلاثة وبيان شرائطها، ونبدأ بالتمتع الذي عليه كان عمل أهل البيت عليهم السلام ومتابعيهم إلى عصرنا هذا.

كيفية حج التمتع

حج التمتع مركب من عملين: أحدهما عمرة التمتع التي يجب الاحلال منها بعد اتمام العمل، وثانيهما حج التمتع.

وأما العمرة فهي عبارة عن الاحرام من أحد المواقيت في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة.

ويشترط فيه النية ولبس الثوبين والتلبية، ثم طواف البيتسبعة أشواط وركعتان للطواف، ثم السعي بين الصفا والمروة سبعا ثم التقصير بقص الشعر أو قلم الظفر، فيحل له حينئذ جميع ما كان حرم عليه بالاحرام حتى النساء، ولا يحتاج هنا إلى طواف النساء وركعتيه، بخلاف الحج بأقسامه والعمرة المفردة واجبة كانت أم مستحبة، لوجوب الطواف فيها وركعتيه في تحلة النساء، كما تدل عليه الروايات: منها ما عن صفوان بن يحيى قال: سأله أبو حارث عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فطاف وسعى وقصر هل عليه طواف النساء قال: لا، انما طواف النساء بعد الرجوع من منى (1).

وعن محمد بن عيسى قال: كتب أبو القاسم مخلد بن موسى

(1) الوسائل ج 9 الباب 82 من ابواب الطواف الحديث 6.


14

الرازي إلى الرجل يسأله عن العمرة المبتولة هل على صاحبها طواف النساء، والعمرة التي يتمتع بها إلى الحج.

فكتب عليه السلام: أما العمرة المبتولة فعلى صاحبها طواف النساء، واما التي يتمتع بها إلى الحج فليس على صاحبها طواف النساء (1).

ولا يعارضهما ما روي عن سليمان بن حفص المروزي لضعف السند وقصور الدلالة.

فعن محمد بن عيسى عن سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه قال: إذا حج الرجل فدخل مكة متمتعا فطاف بالبيت وصلى ركعتين خلف مقام ابراهيم وسعى بين الصفا والمروة وقصر، فقد حل كل شئ ما خلا النساء لان عليه لتحلة النساء طوافان وصلاة (2).

أما القصور في الدلالة فلاحتمال كونه متلبسا بالحج وانه دخل مكة بعد اعمال الحج وكان متمتعا كما يظهر من قوله (حج الرجل فدخل مكة)، فلا يبعد أن يكون دخوله بمكة بعد اعمال منى.

وأما السند فلاشتراك سليمان بين ابن جعفر وابن حفص الذي لم يثبت توثيقه (3).

(1) الوسائل ج 9 الباب 82 من ابواب الطواف الحديث 1.

(2) الوسائل ج 9 الباب 82 من ابواب الطواف الحديث 7.

(3) أما الخدشة في الدلالة فهى ضعيفة، كما احتمله الشيخ واستحسنه في الوسائل ووافقهما الاستاذ مد ظله، بعيد جدا.

واحتمال ارادة دخوله مكة بعد أعمال منى فان قوله (سعى بين الصفا والمروة وقصر فقد حل كل شئ ما ‌


15

وفي الدروس: ونقل عن بعض الاصحاب ان في العمرة المتمتع بها طواف النساء، ولكن القائل به غير معروف والاحتياط باتيانه رجاءا لا بأس به.

وأما حج التمتع فأفعاله عبارة عن الاحرام له من مكة، بعد الفراغ عن عمرة التمتع بالتقصير، في زمان يتمكن من درك الوقوفين بعرفات ومزدلفة.

وأفضل أوقاته يوم التروية ثامن ذي الحجة، ويشترط فيه النية

(هامش)

‌ خلا النساء) صريح في أنه كان معتمرا بعمرة التمتع لا أنه دخل مكة بعد اعمال الحج والنفر من منى، فان التقصير بعد السعي بين الصفا والمروة من أعمال العمرة لا من اعمال الحج وان قلنا بكفاية التقصير عن الحلق، إذ يشترط وقوعه في منى قبل الطواف والسعى.

وأما السند فالخدشة فيه أيضا غير واردة، فان سليمان بن حفص المروزى ان كان متحدا مع سليمان بن جعفر بن ابراهيم الجعفري الطالبى من أولاد جعفر الطيار فهو وابوه كانا ثقتين، وان كان غيره كما احتمله البهبهانى (قده) في التعليقة وغيره من علماء الرجال وذكره الاردبيلى في جامع الرواة فهو أيضا لم يرد فيه قدح ولم ينقل فيه ذم، بل نقل البهبهانى عن جده أنه كان من علماء خراسان وأوحديهم وباحث مع الرضا ورجع إلى الحق، وله مكاتبات إلى الجواد والهادي والعسكري عليهم السلام - انتهى.

ويظهر من احتجاجه مع الرضا عليه السلام أنه كان عالما بموقف الامام وكان يعبر عنه بيا سيدى وجعلت فداك، وقد يخاطبه الامام يا جاهل.

ولكن اعراض الاصحاب عن الرواية وعدم الافتاء بمضمونها موهن جدا وموجب للضعف.


16

ولبس ثوبي الاحرام والتلبية.

ثم الوقوف بعرفات من زوال يوم التاسع من شهر ذي الحجة إلى الغروب، ثم الافاضة بعد الغروب من عرفات إلى مزدلفة للمبيت فيها والوقوف من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من يوم الاضحى.

ثم الافاضة إلى منى لرمي جمرة العقبة يوم النحر، ثم ذبح الهدي، ثم الحلق أو التقصير على ما سيأتي انشاء الله فيحل حينئذ للحاج المحرم جميع ما كان حرم عليه بالاحرام حتى الصيد الا الطيب والنساء.

ثم الرجوع من منى إلى مكة لطواف البيت طواف الحج، ثم صلاة ركعتين للطواف، ثم السعي بين الصفا والمروة، فعندذلك يحل له جميع ما حرم بالاحرام حتى الطيب الا النساء.

والاحوط عدم تأخير الرجوع إلى مكة عن يوم النحر، فضلا عن أيام التشريق الا لعذر، وان كان الاقوى جوازه كما يأتي.

ثم يجب عليه طواف النساء وركعتان للطواف فتحل له النساء أيضا.

ثم البيتوتة بمنى ليلة الحادى عشر والثاني عشر، ورمي الجمار الثلاث في يومهما، مبتدءا بالجمرة الاولى ثم الوسطى ثم العقبة فيجوز النفر من منى بعد زوال اليوم الثاني عشر لمن اتقى النساء والصيد حال الاحرام، والا يجب عليه المبيت بمنى ليلة الثالث عشر وكذا يجب على من أدرك غروب الشمس بمنى اليوم الثاني عشر.


17

ولا يخفى أن الرجوع من منى إلى مكة يوم النحر للطواف والسعي غير واجب، فلا اثم على من تأخر، بل الاقوى اجزاء الطواف والسعي خلال شهر ذي الحجة، وان قيل بالاثم في التأخير.

ثم ان الاركان من تلك الافعال في العمرة والحج، الاحرام، والطواف، والسعي، والترتيب بين الطواف والسعي، والتقصير في العمرة على الاقوى، والوقوفان في الحج.

والمراد من الركن هنا ما تبطل العمرة والحج بتركه عمدا لا سهوا، الا الوقوفين لبطلان الحج بتركهما عمدا وسهوا.

وأما غيرها من النسك والافعال والاعمال، فلا تبطل العمرة ولا الحج بفواته، وان كان الترك عن عمد وعصيان، بل يتدارك ويقضى.

(مسألة) حج التمتع وعمرته عملان مرتبطان لا ينفك أحدهماعن الاخر ولا يصلحان الامعا.

فلو أحرم لعمرة التمتع ولو ندبا وجب الاتيان بحجه أيضا، ولا يجوز له الخروج من مكة حتى يقضي حجه، الا لحاجة فيخرج محرما بالحج، وكذا يجب على من وجب عليه حج التمتع ان يأتي بالعمرة التي يتمتع بها إلى الحج أولا ثم يأتي بالحج.

حج الافراد وأما الافراد فصورته: أن يحرم له من الميقات أو من مكان يصلح الاحرام منه على ما سيأتي التفصيل انشاء الله، ثم الوقوف


18

بعرفات من زوال يوم التاسع من ذي الحجة إلى الغروب، ثم يمضي إلى مزدلفة فيبيت بها ويقف بها بين الطلوعين، ثم يمضي إلى منى بعد طلوع الشمس من يوم العيد فيأتى بأعمال منى من رمي الجمار وغيره، ثم يمضي إلى مكة يوم العيد أو بعده ويطوف طواف الحج ويصلي ركعتي الطواف، ثم يسعى بين الصفا والمروة ثم يطوف طواف النساء ويصلي ركعتيه ويعود إلى منى للمبيت بها ليالي التشريق ورمي الجمرات الثلاث يوم الحادى عشر والثاني عشر، ويأتي جواز تقديم الطواف والسعي على الوقوفين للمفرد وتأخيرهما إلى آخر ذي الحجة.

ثم ان المفرد للحج يأتي بعمرة مفردة ان كان مستطيعا لها ولم يأت بها قبل، واما لو لم تجب عليه العمرة بالاستطاعة لها ولا بنذر وغيره، فلا يجب عليه الاتيان بعمرة بعد الحج من جهة الافراد، ولكن يظهر من عبارة غير واحد من الاصحاب وجوبها عليه بعده.

قال المحقق (قده) في الشرائع، بعد ذكر صورة حج الافراد: وتجب عليه عمرة مفردة بعد الاحلال انتهى.

واطلاق عبارته كعبارة غيره، يوهم وجوب العمرة على المفرد بعد الحج، ولو أتى بعمرته الواجبة قبل ذلك، أو لم يكن مستطيعا لها، أو كان حجه واجبا عليه بالنذر وغيره ولم تكن العمرة منذورة، واثباته يحتاج إلى الدليل.


19

حج القران أما القران فهو كحج الافراد وقتا وعملا ونسكا، الا انه يتميز عنه بسياق الهدي، على ما هو المشهور بين علماء الخاصة ونقل الشيخ (قده) في الخلاف، بعد اختياره لما هو المشهور عندنا، أن القارن عند جميع فقهاء العامة، من قرن بين الحج والعمرة في احرامه، فيدخل أفعال العمرة في افعال الحج انتهى.

ونقل عبد الرحمن الحريري في الفقه على المذاهب الاربعة عن علماء الحنفية أن القران في اللغة الجمع بين شيئين، ومعناه شرعا أن يحرم بحجة وعمرة معا حقيقة أو حكما، فالجمع بينهما حقيقة هو أن يجمع بينهما باحرام واحد في زمان واحد، والجمع بينهما حكما هوأن يؤخر احرام الحج عن احرام العمرة ثم يجمع بين أفعالهما.

وذلك بأن يحرم بالعمرة أولا، ثم قبل أن يطوف لها اربعة أشواط يحرم بالحج انتهى.

فالقران وأفعاله عند الحنفية هو التمتع وأفعاله باحرام واحد أو باحرامين وتحليل واحد.

وفي الدروس عن الحسن أن القران عنده مثل التمتع الا فيسوق الهدي وتأخير التحلل وتعدد السعي، فان القارن عنده يكفيه السعي الاول للعمرة عن السعي للحج بعد طواف الزيارة.

واستظهر من الصدوقين أن القران هو الجمع بين الحج والعمرة


20

بنية واحدة.

وعن صريح ابن الجنيد أن القارن من يجمع بينهما، فان ساق الهدي وجب عليه الطواف والسعي قبل الخروج إلى عرفات ولا يتحلل، وان لم يسق جدد الاحرام بعد الطواف، ولا تحل له النساء وان قصر.

وعن الجعفي ان القارن كالمتمتع غير أنه لا يحل حتى يأتي بالحج لسوق الهدي.

والاقوى ما هو المشهور بين الاصحاب، للنصوص المستفيضة المعتبرة الدالة على اتحاد الافراد والقران في جميع النسك الا في سوق الهدي، كصحيحة معاوية بن عمار، وصحيح منصور، وصحيح الفضيل، وصحيح الحلبي، وخبر زرارة، وابى بصير وغيرها من الاحاديث المروية في المقام.

عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام أنه قال في القارن: لا يكون قران الا بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت وركعتان عند مقام ابراهيم، وسعي بين الصفا والمروة، وطواف بعد الحج وهو طواف النساء (1).

وعن منصور بن حازم عن أبى عبد الله عليه السلام قال: لا يكون القارن الا بسياق الهدي، وعليه طوافان بالبيت وسعي بين الصفاوالمروة كما يفعل المفرد، فليس بأفضل من المفرد الا بسياق الهدي (2).

(1) الوسائل الجزء 8 الباب الثاني من ابواب اقسام الحج الحديث 1.

(2) المصدر الحديث 1


21

وعن الفضيل بن يسار عن ابى عبد الله عليه السلام القارن الذي يسوق الهدي، عليه طوافان بالبيت وسعي واحد بن الصفا والمروة (1).

وعن الحلبي عن أبى عبد الله عليه السلام قال: انما نسك الذي يقرن بين الصفا والمروة مثل نسك المفرد، ليس بأفضل منه الا بسياق الهدي (2).

وفي قبال هذه الاخبار روايات تمسك بها بعض على أن القران هو الجمع بين الحج والعمرة باحرام واحد مع وحدة العمل والنسك فيهما من الطواف والسعي أو تعدده، ولكن لا يحل من العمرة ما لم يفرغ من نسك الحج ولم يحل منه.

أو على أن القارن هو الذي يحرم للعمرة، وقبل الاحلال منها يحرم للحج، سواء كان الاحرام قبل الاتيان بأعمال العمرة أو بعده وقبل الاحلال منها، ولا يحل حتى يفرغ من أعمال الحج ويحل منه.

وهذه الاخبار كلها مأولة أو محمولة على التقية، ولا تقاوم ما تقدم من الصحاح المستفيضة.

منها ما رواه الحلبي عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث: أيما رجل قرن بين الحج والعمرة فلا يصلح الا أن يسوق الهدي

(1) وسائل الشعية الجزء 8 الباب الثاني من اقسام الحج الحديث 3.

(2) المصدر الحديث 6.


22

قد اشعره، وقلده.

قال: وان كان لم يسق فليجعلها متعة (1).

والظاهر من قوله عليه السلام (أيما رجل قرن بين الحج والعمرة) ان من اراد القران لا يصح الا بسوق الهدي والا كان الحج تمتعا يجب عليه أن يحل من عمرته، ثم الاحرام للحج، لا ان من جمع بين الحج والعمرة في النية لا يصلح الا أن يسوق الهدي كما زعمه المستدل.

ومنها رواية الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ان عثمان خرج حاجا، وفلما صار إلى الابواء أمر مناديا ينادي بالناس اجعلوها حجة ولا تمتعوا، فنادى المنادي، فمر المنادي بالمقداد ابن الاسود فقال: اما لتجدن عند القلائص رجلا ينكر ما تقول، فلما انتهى المنادي إلى علي عليه السلام وكان عند ركائبه يلقمها خبطا ودقيقا فلما سمع النداء تركها ومضى إلى عثمان وقال: ما هذا الذي أمرت به.

فقال: رأي رأيته.

فقال: والله لقد أمرت بخلاف رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم أدبر موليا رافعا صوته: لبيك بحجة وعمرة معا لبيك.

وما يظهر من الرواية بادئ الامر أن عليا عليه السلام جمع بين الحج والعمرة في النية والتلبية، وعليه اعتمد المستدل أيضا، ولكن التأمل والدقة فيها يشهدان أن عليا نوى التمتع بالعمرة إلى الحج

(1) الوسائل ج 8 الباب 5 من اقسام الحج الحديث 2.

(2) الوسائل ج 9 الباب 21 من ابواب الاحرام الحديث 7.


23

لقوله عليه السلام ((لبيك بحجة وعمرة معا لبيك) لشدة الارتباط بينهما المسوغ لذلك، كما يشهد به انكاره على عثمان في النهي عن التمتع.

مضافا إلى أن المستفاد من النصوص أن نية العمرة التي يتمتع بها إلى الحج مستلزمة لنية الحج أيضا، لعدم انفكاكها عنها، ويشهد بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله شبك اصابعه وقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، ولازم ذلك عدم انفكاك كل منهما عن الاخر وورد في بعض الروايات الامر بالتلبية للحج عند الاحرام بالعمرة المتمتع بها (1).

وقد تحمل الرواية على التقية، ولكن ما ذكرناه هو الارجح، فلا يصح الاستدلال بالروايتين المتقدمتين قبال الروايات الدالة على أن القران ليس الا بسوق الهدي لا الجمع بين العمرة والحج في النية عند الاحرام.

(1) ولعل نظر الاستاذ مد ظله العالي إلى رواية احمد بن محمد قال: قلت لابي الحسن على بن موسى الرضا عليه السلام: كيف أصنع إذا أردت ان اتمتع.

فقال: لب بالحج وانو المتعة - الوسائل الجزء 9 الباب 22 من ابواب الاحرام الحديث 4.


24

المقصد الثاني وفيه أمور:(الامر الاول) ان حج التمتع فرض على النائي، والافراد والقران على غيره، كما هو الظاهر بل الصريح من قوله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي إلى قوله ﴿ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام (1) بناءا على أن يكون ذلك اشارة إلى التمتع لا إلى الهدي كما هو الظاهر المتبادر، مؤيدا باستدلال الائمة عليهم السلام، وعليه اجماع العلماء رضوان الله تعالى عليهم، كما في الجواهر والمنتهى والتذكرة والغنية والخلاف وتدل عليه الروايات المستفيضة.

منها ما عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لان الله تعالى يقول (فمن تمتع

(1) البقرة الاية 196.


25

بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي)، فليس لاحد الا ان يتمتع، لان الله انزل ذلك في كتابه وجرت به السنة من رسول الله (1).

وعن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الحج ثلاثة اصناف حج مفرد، وقران، وتمتع بالعمرة إلى الحج وبها امر رسول الله صلى الله عليه وآله، والفضل فيها ولا نأمر الناس الا بها (2).

وعن الحلبي أيضا قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحج، فقال: تمتع.

ثم قال: انا إذا وقفنا بين يدي الله تعالى قلنا يا ربنا اخذنا بكتابك، وقال الناس: رأينا رأينا، ويفعل الله بنا وبهم ما أراد (3).

وعن ليث المرادي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ما نعلمحجا الله غير المتعة، وانا إذا لقينا ربنا قلنا يا ربنا عملنا بكتابك وسنة نبيك، ويقول القوم: عملنا برأينا فيجعلنا الله واياهم حيث يشاء (4).

وعن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من حج فليمتع، انا لا نعدل بكتاب الله وسنة نبيه (5).

وعن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في كتابه إلى

(1) الوسائل ج 8 - الباب الثالث من اقسام الحج الحديث 2.

(2) المصدر ج 8 - الباب الاول من اقسام الحج الحديث 1.

(3) الوسائل ج 8 - الباب الثالث من اقسام الحج الحديث 3.

(4) المصدر ج 8 - الباب الثالث من اقسام الحج الحديث 7.

(5) الوسائل الجزء 8 - الباب الثالث من اقسام الحج الحديث 14.


26

المأمون قال: ولا يجوز الحج الا متمتعا، ولا يجوز القرآن والافراد الذي تستعمله العامة الا لاهل مكة وحاضريها (1).

وعن صفوان الجمال عن أبى عبد الله عليه السلام قال: من لم يكن معه هدي وافرد رغبة عن المتعة فقد رغب عن دين الله (2).

إلى غيرها من النصوص الدالة على أن النائي عن مكة المكرمة فرضه التمتع وان حاضر المسجد الحرام ومن بحكمه فرضه الافراد أو القران، وهذا لا كلام فيه ولا يهمنا التفصيل فيه أيضا، وانما المهم بيان البعد الذي يعتبر في النائى حتى يجب عليه التمتع، والحد الذي يتحقق به عنوان الحاضر الواجب عليه الافراد أو القران كما سيأتي.

البعد المعتبر في النائى(الامر

الثاني) المشهور بين الاصحاب ان البعد المعتبر في تحقق عنوان النائى عن مكة ثمانية وأربعون ميلا، كما في صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: قول الله عزوجل في كتابه (ذلك لمن يكن اهله حاضري المسجد الحرام).

فقال عليه السلام: يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، كل من كان اهله دون ثمانية وأربعين ميلا، ذات عرق، وعسفان، كما يدور حول

(1) الوسائل ج 8 الباب السادس من اقسام الحج الحديث 8.

(2) المصدر ج 8 الباب السادس من اقسام الحج الحديث 15.


27

مكة، فهو ممن دخل في هذه الاية، وكل من كان أهله وراء ذلك فعليهم المتعة (1).

فسر الامام عليه السلام الحاضر في المسجد الحرام بأهل مكة اولا، ثم بين أن حد مكة من الجوانب الاربعة ثمانية واربعون ميلا، د فمن كان خارجا عن تلك المسافة فهو النائى، ومن كان داخلا فيها فهو من أهل مكة وحاضري المسجد الحرام.

والظاهر أن ذات عرق وعسفان مصداقان لما دون ثمانية وأربعين ميلا لا لثمانية وأربعين، فعلى هذا أهل ذات عرق وأهل عسفان يعدون من حاضري المسجد الحرام ومن أهل مكة فلا متعة عليهم، فيوافق مضمون هذه الرواية ما روي عن ابى بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت لاهل مكة متعة؟ قال: لا، ولا لاهل بستان ولا لاهل ذات عرق ولا لاهل عسفان ونحوها (2).

فلا تعارض بين الروايتين بناءا على ما اخترناه.

ولا يخفى ان المراد من قوله عليه السلام (كل من كان أهله دون ثمانية واربعين ميلا فهو ممن دخل في هذه الاية) دخولهم في مفهوم الاية لا منطوقها، إذ المنطوق انما يدل على وجوب المتعة على من لم يكن حاضر المسجد الحرام، والمفهوم يدل على عدم جواز التمتع لمن كان حاضرا، وهو كل من كان دون ثمانية وأربعين

(1) الوسائل ج 8 الباب السادس من اقسام الحج الحديث 3.

(2) الوسائل ج 8 الباب السادس من اقسام الحج الحديث 12.


28

ميلا من مكة، سواء كان من أهل مكة أو عسفان أو ذات عرق على ما فسره الصادق عليه السلام.

وبعبارة اخرى: ان الامام عليه السلام فسر حاضري المسجد الحرام بأهل مكة وبين حدها بأنه ثمانية وأربعون ميلا من كل جانب فمن لم يكن حاضرا في هذا الحد يجب عيه المتعة ويدخل في منطوق الاية، والمفهوم أن من كان حاضرا فيه فلا يجوز له المتعة، وهو أهل مكة ومن كان ما دون الحد.

وفى خبر آخر لزرارة قال: سألته عن قول الله عزوجل ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.

قال: ذلك أهل مكة ليس لهم متعة ولا عليهم عمرة.

قال: قلت فما حد ذلك؟ قال: ثمانية وأربعين ميلا من جميع نواحي مكة دون عسفان ودون ذات عرق (1).

ولفظة (دون) في هذه الرواية بمعنى غير، والمعنى أن حدمكة ثمانية وأربعون ميلا لا ذات عرق وعسفان فانهما داخلان في الحد إذا المسافة بينهما وبين مكة ليست ثمانية وأربعين ميلا، أو بمعنى بعد، وعليه يكون دخولهما في الحد أوضح.

ولا ينافي ذلك ما عن العلامة قدس سره، من أن ذات عرق على مرحلتين بمكة، وان كل مرحلة مسيرة يوم.

إذ كونهما على رأس مرحلتين اعم من أن يكونا خارجين عن الحد، لامكان انطباق

(1) الوسائل الجزء 8 الباب السادس من اقسام الحج الحديث 7.


29

المرحلتين على الحد من باب دخول الغاية في المغيى.

ولا يعارض ما تقدم من النصوص الدالة على الحد المذكور الا ما رواه حريز في الحسن عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.

قال: من كان منزله على ثمانية عشر ميلا من بين يديها وثمانية عشر من خلفها وثمانية عشر من يسارها فلا متعة له مثل مرو أشباهه (1).

ولكن الرواية معرض عنها وغير مفتى بمضمونها، ان كان المراد تحديد مكة بثمانية عشر ميلا، ووجوب المتعة على من كان وراء ذلك الحد وخارجا عنه، وان لم يبلغ ثمانية واربعين ميلا.

وقال شيخنا الحر العاملي بعد ذكر الرواية: هذا غير صريح في حكم ما زاد عن ثمانية عشر ميلا، فهو موافق لغيره فيها وفيما دونها فيبقى تصريح حديث زرارة وغيره بالتفصيل سالما عن المعارض - انتهى.

وفى المدارك: يمكن الحكم بالتخيير فيما زاد عن ثمانية عشر - انتهى.

وفى كلا النظرين نظر (2)، والاقوى ما هو المنسوب إلى المشهور

(1) الوسائل ج 8 الباب السادس من اقسام الحج الحديث 10.

(2) أقول: ظاهر الحديث بمفرده يمكن حمله على ما احتمله صاحب الوسائل (قده)، فان قوله عليه السلام (من كان منزله على ثمانية عشر ميلا فلا متعة له) لا يدل على اكثر من نفى المتعة لمن كان في هذا الحد، وأما اثبات ‌


30

من تحديد مكة بثمانية وأربعين ميلا، خلافا للشيخ في المبسوط وجماعة من الاعلام حيث اختاروا في تحديد مكة اثني عشر ميلا من كل جانب، وحكموا بوجوب المتعة على من كان بينه وبين مكة اثني عشر ميلاو ما زاد.

ولم نجد لهذا القول رواية تدل عليه ولكن ابن ادريس حمل الرواية الدالة على اعتبار ثمانية واربعين ميلا عليه، بأن يكون الحد المعتبر اثنى عشر ميلا من كل جانب من الجوانب الاربعة، فيصير المجموع ثمانية وأربعين ميلا كما في خبر زرارة المتقدمة.

وفيه: ان هذا النوع من الحمل مضافا إلى انه خلاف الظاهر من تلك الروايات مخالف لصريح ما يدل على عدم المتعة لاهل ذات عرق وعسفان وغيرهما، المقطوع بكونها أكثر من اثني عشر ميلا.

ودعوى أن قوله تعالى ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام يصدق عرفا على من هو بعيد عن مكة اثني عشر

‌ جواز المتعة لمن كان وراء ثمانية عشر ميلا وما دون ثمانية وأربعين ميلا فلا يستفاد من الحديث حتى يكون معارضا لحديث زرارة.

ولعل نظر الاستاذ مد ظله إلىأن الحديث انما ورد في تفسير قوله تعالى (ذلك لمن يكن أهله حاضرى المسجد الحرام) وبيان مصداقه، فعلى هذا يكون مصداق الحاضر من كان منزله على ثمانية عشر ميلا وما زاد على هذا الحد مصداقا لمن لم يكن حاضر المسجد، وهذا معارض لحديث زرارة ومخالف له صريحا.


31

ميلا.

تحكم باطل، كما ان قياس المقام على السفر في باب الصلاة بتقريب ان اثني عشر ميلا ذهابا وايابا سفر شرعي، فمن كان ساكنا في الحد المذكور وذهب إلى مكة ورجع في يومه لا يعد حاضرا بمكة حتى يتم صلاته ولا يقصر.

قياس مع الفارق وفى غير محله، إذ الحكم في باب قصر الصلاة واتمامها لم يتعلق بعنوان الحاضر وغير الحاضر، كما هو الواضح.

ولو سلم ذلك فلا دليل على اتحاد معنى الحاضر في المسألتين.

لا يقال: ان مقتضى عموم جملة من النصوص وجوب المتعة على كل مكلف، والمتيقن الخارج من هذا العموم من كان على اثني عشر ميلا من مكة ويبقى الزائد عليه تحت العموم، كما احتمله صاحب العروة قدس سره.

فانه يقال: ان العموم بهذا النحو غير ثابت في المقام، إذ الاية الكريمة انما خصت وجوب التمتع بمن لم يكن حاضر المسجد الحرام، والمتيقن من غير الحاضر من كان على ثمانية وأربعين ميلا من مكة، لدلالة جميع الاخبار عليه، ويبقى الاقل من ذلك تحت عنوان العام وهو قوله تعالى (والله على الناس حج البيت) وحيث ان الاخبار وردت في تفسير الاية وبيان مصداق غير الحاضر لا يستفادمنها عموم يدل على وجوب التمتع على كل مكلف، حتى يقال: ان القدر المتيقن الخارج عن تحت هذا العموم من كان على اثني عشر ميلا.

مضافا إلى انه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وهو


32

غير صحيح كما بين في محله (1).

والاشكال بأن القاطن على رأس ثمانية وأربعين ميلا لا يصدق عليه الحاضر عرفا عند العرف لا حقيقة ولا مجازا، أما الاول فواضح

(1) لا يبعد دعوى أن المستفاد والمتبادر من مجموع الادلة الواردة في المقام أن الحج المطلوب في الاسلام هو التمتع لا غيره، أو هو الافضل من غيره فيجب أو يجوز لكل فرد من المكلفين التمتع الا من اخرجه الدليل وهو اهل مكة، حتى ان السؤال من المعصوم عليه السلام ان لاهل مكة متعة، وجوابه (ع): ليس لاهل مكة متعة، ولا لاهل مر وعسفان، يؤيد ما ذكر من العموم ويعلم ان المرتكز في الاذهان كان وب المتعة عليهم ايضا.

عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من حج فليتمتع انا لا نعدل بكتاب الله وسنة نبيه.

وعن ليث المرادى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ما نعلم حجا لله غير المتعة.

وعن صفوان الجمال عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من لم يكن معه هدى وافرد رغبة عن المتعة فقد رغب عن دين الله.

وعن الرضا عليه السلام في كتابه إلى المأمون: ولا يجوز الحج الا متمتعا، ولا يجوز القران والافراد الذى تستعمله العامة الا لاهل مكة وحاضريها وغيرها من الروايات الدالة أو المشعرة بأن الحج المطلوب لله هو التمتعخرج من هذا العموم اهل مكة وحاضر المسجد الحرام، فيؤخذ بالقدر المتيقن ويتمسك بالعموم في المشكوك، والقدر المتيقن من كان على اثنى عشر ميلا كما احتمله صاحب العروة، ولكن هذا البيان محجوج بروايات معتبرة (المقرر).


33

وأما الثاني فلاحتياج المجاز إلى مناسبة وعلاقة عرفية ليست في المقام.

غير وارد، ولا يعبأ بمثل هذه الاشكالات في مقابل النص المعتبر الجامع لشرائط الحجية الذي عمل به جمع من الاعاظم بل نسب إلى المشهور، مع انا لا نحتاج إلى صدق الحاضر بل يكفى لوجوب غير التمتع صدق الناس عليه.

ويظهر من بعض النصوص أن حاضر المسجد الحرام من كان على ما دون المواقيت إلى مكة، كصحيح الحلبي وحماد.

فعن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام في حاضري المسجد الحرام، قال: ما دون المواقيت إلى مكة فهو حاضري المسجد الحرام وليس لهم متعة (1).

وعن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله عليه السلام في حاضرى المسجد الحرام.

قال: ما دون الاوقات إلى مكة.

والاظهر أن المقصود من الصحيحتين ما دون جميع المواقيت وعلى ذا لا يعارض النصوص المتقدمة، إذ أقرب المواقيت إلى مكة ذات عرق، وهي على ثمانية وأربعين ميلا، ولو فرض أن مفاد الصحيحتين غير ما استظهرناه فهو غير معمول به.

بقي كلام ينبغي الاشارة إليه، وهو ان من كان على رأس ثمانية وأربعين ميلا، لا أزيد ولا اقل، هل يجب عليه التمتع، أو الافرادوالقران؟ الظاهر أنه يجب عليه التمتع، لتعليق الافراد والقران على

(1) الوسائل الجزء 8 - الباب السادس من اقسام الحج الحديث 4.


34

ما دون ثمانية وأربعين ميلا، كما في صحيحة زرارة المتقدمة (1).

مبدأ البعد (الامر الثالث) ان الحد المذكور في الروايات المعتبر في وجوب التمتع على النائى، انما يلاحظ بين مكة ومنزل الشخص النائي، لا من المسجد الحرام، وان كان المصرح به في الاية الكريمة هو الثاني، فان الامام عليه السلام بعد ما سئل عن قوله تعالى ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام قال: يعنى اهل مكة ليس عليهم متعة.

وفسر حاضري المسجد بأهل مكة، وغير الحاضرين فيه بغير أهل مكة.

وانما عبر عنها بالمسجد تعظيما له، كما عبر عنها بالمسجد الحرام في قوله تعالى ﴿سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام وقد اسرى به صلى الله عليه وآله من بيت أم هاني أخت امير المومنين عليه السلام لا من المسجد (2).

(1) أقول: يمكن أن يستدل له بما روى عن زرارة أيضا في تحديد مكة في تفسير قوله تعالى ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام قال: ذلك أهل مكة وليس لهم متعة ولا عليهم عمرة.

قال: قلت فما حد ذلك؟ قال: ثمانية وأربعين ميلا - الخبر.

وظاهر الخبر أن من كان على ذاك الحد فهو يعد من أهل مكة وليس لهم متعة.

ويدل عليه أيضا ذيل صحيحة زرارة قال: وكل من كان أهله وراء ذلك(أي ثمانية وأربعين ميلا) فعليهم المتعة (المقرر).

(2) ويؤيد ذلك ما في خبر زرارة، فان الامام عليه السلام بعد ما ف


35

(وهنا مسائل لابد من التعرض لها) (المسألة الاولى) من شك في ان منزله والمحل الذي يعيش فيه، هل هو في الحد الذي يجب على قاطنه التمتع أو في ما دون الحد فيجب الافراد أو القران، يجب عليه التفحص عن ذلك، حتى يأتي بما هو الواقع والمأمور به، للعلم الاجمالي بوجود التكليف المردد بن التمتع وغيره المقتضي لذلك والموجب له.

والتمسك بالعمومات الدالة على وجوب التمتع، والحكم بوجوب حج التمتع عليه كما احتمله صاحب العروة، تمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وهو غير صحيح كما مر فراجع (1).

أو يجب الاحتياط بتكرار الحج في سنتين، بأن يأتي بالتمتع

‌ حاضرى المسجد الحرام بأهل مكة، سأل الراوى عن حدها، فقال عليه السلام (ثمانية وأربعون ميلا من نواحى مكة)، وظاهره أن مبدأ الحد مكة لا المسجد.

واستظهر الحكيم (قده) في كتابه المستمسك كون المبدأ المسجد، ثم قال: ولا ينافى ذلك قوله (من جميع نواحى مكة)، فان مكة أخذت موضوعا للنواحي لا مبدأ للتقدير - انتهى.

ولا يخفى ما فيه.

ويدل على ما اختاره الاستاذ مد ظله رواية حماد عن ابى عبد الله عليه السلام في تفسير ﴿حاضرى المسجد قال: ما دون الاوقات إلى مكة.

(1) تقدم البحث عن ذلك من المقرر، وكان الاستاذ مد ظله ينكر وجود العام من الاصل فيما تقدم، وكلامه هنا يوهم وجود العمومات ويورد على التمسك بها في الشبهة المصداقية.


36

في السنة الاولى، وفي الثانية بالافراد أو القرآن أو العكس، ولا رجحان في بعض الانواع على بعض، وبه يحصل العلم بفراغ الذمة وان كان شاكا فيه في السنة الاولى.

ويمكن اختيار طريق آخر في الاحتياط، حتى يحصل العلم بالفراغ في السنة الاولى ولا يحتاج إلى التكرار، بل الظاهر تعين هذا النحو من الاحتياط عليه مع تعذر تحصيل اليقين تفصيلا، حتى لا يكون عاصيا أو متجريا بالنسبة إلى التكليف الثابت الموجه إليه يقينا، الواجب امتثاله فورا.

بأن يأتي بعمرة بقصد ما هو المطلوب في نفس الامر من عمرة التمتع أو المفردة، لما اخترناه في محله من جواز تقديم العمرة المفردة على الحج لمن وجب عليه الافراد ولا يجب تأخيرها عنه، وبعد الفراغ من أعمال العمرة والتقصير يطوف طواف النساء ويصلي صلاته رجاءا، ثم يأتي بالحج ناويا لما في ذمته من التمتع أو الافراد، ولكنه ينشئ الاحرام للحج من مكة رجاءا للتمتع، ثم يخرج إلى ميقات اهله بنية الاحرام لحج الافراد رجاءا، فيقف بالعرفات ومزدلفة ناويا لما في الذمة ويأتى بالمناسك كلها، ويذبح الهدي رجاءا للتمتع، ثم يأتي مكة المكرمة ويطوف طواف الزيارة ويصلي صلاته، ويسعى بين الصفا والمروة ثم يطوف طواف النساء ويصلي صلاته، وبعد جميع ذلك يخرج إلى أدنى الحل ويحرم بعمرة مفردة رجاء كونه مطلوبا ومكلفا به.

وقد يستشكل على هذا النحو من الاحتياط بانه إذا أتى بالعمرة


37

ناويا لما في الذمة يعلم اجمالا بعد السعي اما بحرمة التقصير إذا كان مفردا الذي هو واجب في العمرة المتمتع بها إلى الحج، واما بوجوب الهدي عليه إذا كان متمتعا، فيجب عليه الاحتياط بترك التقصير وذبح الهدي، فلا يتمكن من التقصير المحتمل وجوبه من جهة عمرة التمتع، ولا يحصل القطع بفراغ الذمة.

ويدفع بأن العلم الاجمالي المتعلق اما بحرمة التقصير أو وجوب الهدي، لا يوجب تنجز الحرمة بالنسبة إلى التقصير المردد في الواقع كونه اما اجبا أو حراما.

وبالجملة الحرمة المحتملة في التقصير غير قابلة للتنجز، سواء كان من جهة العلم الاجمالي المذكور أو من جهة دوران أمره في الواقع بين الواجب والحرام، لتردده بين كونه من أعمال العمرة المتمتع بها إلى الحج فيكون واجبا وبين كونه من محرمات حج الافراد، إذ يمتنع العقاب عقلا على الحرمة المحتملة التي يحتمل الوجوب فيه أيضا، فالحرمة التكليفية من جهة العلم الاجمالي وغيره لا يمكن أن تكون منجزة تصح العقوبة عليها فلا مانع من التقصير تكليفا، واما وضعا فلا حرج فيه أيضا لصحة الحج مع التقصير قبل الوقوفين عمدا، غاية الامر تجب الكفارة عليه لاجلة.

(المسألة الثانية) ان ما بيناه في الابحاث المتقدمة، من أن النائى لا يصح منه الا التمتع وان الحاضر فرضه الافراد أو القران، انما هو بالنسبة إلى حجة الاسلام الواجب على المستطيع لمرة واحدة


38

في تمام العمر، وأما المتطوع فيصح كل من الانواع الثلاثة منالنائى والحاضر، وكذا النذر المطلق وشبهه، واما الحج الاستيجاري فهو تابع للجعل والتعيين والشرط، ولو بالانصراف إلى أحد الاقسام الثلاثة، واما مع الاطلاق وعدم الانصراف فهو أيضا كالنذر المطلق ولكن التمتع افضل لما ورد في الصحيح عن ابى جعفر عليه السلام كان يقول: ليس يدخل الحاج بشئ افضل من المتعة (1).

وعن زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: المتعة والله أفضل وبها نزل القرآن وبها جرت السنة.

وغيرهما من الروايات المحمولة على مورد يصح فيه ويشرع كل من الانواع الثلاثة، وقد عقد في الوسائل بابا لذلك.

(المسألة الثالثة) من كان له وطنان أحدهما بمكة أو حواليها إلى ما دون الحد، والاخر خارج الحد فان كانت الاقامة في احدهما اكثر واغلب لزمه حكم الاغلب، فمن كانت اقامته في خارج الحد اكثر واغلب منها في داخله، يجب عليه التمتع، وان كان العكس فالافراد أو القران كما في صحيح زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: أرأيت ان كان له اهل بالعراق واهل بمكة.

فقال: فلينظر أيهما الغالب عليه فهو من اهله (2).

وقال سيد المدارك بعد نقل الصحيحة: ويستفاد منها أن الاعتبار

(1) الوسائل الجزء 8 - الباب السادس من اقسام الحج الحديث 1 - 5.

(2) الوسائل الجزء 8 - الباب التاسع من اقسام الحج الحديث 1.


39

بالاهل لا بالمنزل - انتهى.

وفيه: ان الظاهر من أهل الرجل في السؤال مسكنه والمنزل الذي يعيش فيه ويسكنه،، وان لم يكن له أهل وزوجة وولد اصلاويشهد له ما في صحيحة زرارة المتقدمة في تفسير قوله تعالى ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام عن ابى جعفر عليه السلام قال: يعنى أهل مكة ليس لهم متعة، إذ لو كان وجود الاهل معتبرا في الحكم وشرطا فيه، لكان المناسب أن يقال: من كان اهله بمكة ليس له متعة، كما لا يخفى.

ثم ان تعين فرض الغالب على من له وطنان وعدم جواز فرض غير الغالب له، انما هو تعبد شرعي يختص بمورده، ولا يسري إلى غيره، إذ يصدق المسكن

العرفي على الغالب

وغيره، لا أن الغالب منزل له عرفا دون غيره، كما أن هذا كان مركوزا في ذهن السائل، حيث قال: أ رأيت ان كان له أهل بالعراق وأهل بمكة.

والحاصل ان تقديم الغالب على غيره واختصاص الحكم به، انما هو تعبد خاص لا بيان مصداق الوطن وتخطئة العرف فيه.

وتظهر الثمرة في ترتب آثار الوطن على غير الغالب شرعا في غير مورد الرواية، لاختصاص التعبد بالحج دون غيره، بخلاف ما إذا قلنا ان الرواية في مقام بيان المصداق وتخطئة العرف لعدم ترتب آثار الوطن على غير الغالب من المرور عليه والاقامة فيه في الصلاة والصوم، وغيرها من الاثار الشرعية المترتبة على الوط


40

العرفي شرعا، المذكورة في الفقه مشروحا.

ثم انه ان كان ذو المنزلين له منزل بمكة وكان هو الغالب اقامة فلا اشكال في أن الواجب عليه فرض أهل مكة من افراد أو قران، وكذا لا اشكال في وجوب التمتع عليه ان كان الغالب غير مكة ولميجاورها سنتين.

وانما الكلام

فيما إذا كان الغالب

غير مكة ولكنه جاور مكة سنتين، فحينئذ هل يحكم عليه بفرض الغالب ويجب عليه التمتع، أو يحكم بحكم أهل مكة فيجب عليه الافراد أو القران تحكيما لادلة المجاورة وتقديما لها على صحيحة زرارة؟ وجهان الاوجه الثاني، لحكومتها على الدليل الدال على تعين التمتع على النائي والغالب في غير مكة، ولا وجه للقول باختصاص ادلة المجاورة بغير ذي الوطنين الذي له منزل بمكة ومنزل بغيرها (1).

(المسألة الرابعة) لو علم غلبة أحد الوطنين معينا ثم اشتبه عليه وجب عليه التفحص والتبين مع الامكان، ومع عدمه الاحتياط،

(1) والتحقيق أن الحكم بالغالب ثابت حتى مع المجاورة سنتين بمكة ولا وجه لتقديم ادلة المجاورة، بل الرواية انما وردت في هذا لمورد، فعن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: من أقام بمكة سنتين فهو من اهل مكة لا متعة له.

فقلت لابي جعفر: ارأيت ان كان له اهل بالعراق واهل بمكة.

قال: فلينظر ايهما الغالب عليه فهو من اهله.

مضافا إلى انه لو اتخذ من الاول منزلين منزلا بمكة ومنزلا بالعراق وكان الغالب عليه الثاني، كان الحكم أيضا تابعا للغالب ولا يزيد المجاورة على ذلك (المقرر).


41

وقد تقدم طريق الاحتياط ولا نعيده.

(المسألة الخامسة) لو احتمل الغلبة لاحد المنزلين معينا، فان كان مسبوقا بالغلبة واحتمل زوالها وحدوث التساوي، اخذ بالحالة السابقة عملا بالاستصحاب ويترتب عليه الاثر الشرعي.

وأما إذا لم يكن مسبوقا بالغلبة يستصحب عدمها وينتفي حكم الغالب ويحكم بالتساوي.

لا يقال: ان أصالة عدم التساوي أيضا جارية في المقام فيتعارضان.

فانه يقال: لا أثر لاصالة عدم التساوى شرعا حتى تتعارض مع أصالة عدم الغلبة (1).

(المسألة السادسة) لو احتمل غلبة أحد الوطنين لا على التعيين فان كان ذلك الفرد المردد مسبوقا بالغلبة عنده، يستصحب ويحكم بأنه الغالب، وحين ذا يجب الفحص عن الفرد المردد حتى يعلم ما هو الفرض عليه وان لم يتمكن يحتاط كما تقدم في حكم الفرد المعلوم غلبته ثم اشتبه.

وان كان مسبوقا بعدم الغلبة يستصحب عدمه لا على التعيين ويحكم بالتساوي، وأما إذا كان مسبوقا بالحالتين وشك في تقدم أحدهما على الاخر على نحو الترديد، فان قلنا بالتخيير في المتساويين فالامر دائر بين التعيين والتخيير في كل واحد من الوطنين، والاصل

(1) أقول: لا حاجة لاستصحاب عدم الغلبة اصلا، فان الشك فيها كاف في نفى الحكم وعدم ترتب الاثر الشرعي عليه.


42

يقتضي عدم الخصوصية والبراءة منها عند الشك فيها، وأما إذا قلنا بتعين أحد الاقسام

في المتساويين

كما يأتي فهو المتعين، والا فالواجب عليه الاحتياط بتكرار الحج في السنتين، أو بالطريق المتقدم ذكره.

(المسألة السابعة) من كان له وطنان متساويان من جهة الاقامةأحدهما في خارج الحد الذي يجب على الساكن فيه التمتع، والاخر ما دون الحد الواجب على الحاضر فيه الافراد أو القران وكان مستطيعا لهما.

لا اشكال في ان الحج غير ساقط عنه، كما أنه لا شبهة في عدم وجوب حجتين عليه في سنتين.

فعلى ذا هل يجب عليه التمتع، كما حكي عن الشهيد الثاني (قده) احتماله، أو الافراد كما حكي عن كشف اللثام ان الاحتياط اختياره، أو يتخير بين التمتع وما يقابله من الافراد والقران مع الاستطاعة لكل منها؟ وجوه.

يمكن أن يقال: ان ما يقتضيه ظهور الاية الكريمة، ان التمتع يختص بمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام، فمن كان حاضرا فيه ليس له متعة مطلقا، سواء كان له أهل في غير مكة أو لم يكن، بل يجب عليه الافراد أو القران.

ولا عموم لدليل التمتع حتى يتمسك به في المقام، لما تقدم من أن الادلة الدالة على وجوب التمتع انما هي في مقام بيان مصداق الاية وتعيين موردها، ولا عموم لها في قبال الاية حتى يؤخذ به.


43

ولو صرفنا عن ظهور الاية، ولم نقل بوجوب الافراد أو القران يمكن أن يقال: ان صاحب المنزلين المتساويين، اما خارج عن أدلة التمتع والافراد والقران، أو مشمول لها.

وعلى التقديرين الحكم هو التخيير بين التمتع وغيره، للعلم بعدم سقوط التكليف عنه، وعدم وجوب حجتين عليه، وعدم الترجيح في البين.

نعم، لا يبعد القول بأفضلية التمتع، نظرا إلى الاخبار الدالةعلى أنه أفضل من غيره، المحمولة على مورد يشرع فيه التمتع وغيره.

ولكن الاحوط ان لم يكن أقوى الافراد أو القران، لما مرمن ان الاية ظاهرة في أن التمتع يختص بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وما نحن فيه ليس كذلك كما أشير إليه.

نعم لو قطع بأن المكلف به في الواقع أحدهما المعين (التمتع أو الافراد والقران) ولم يتمكن من العلم به، فالواجب هو الاحتياط وأنى له هذا العلم.

(المسألة الثامنة) الحكم بالتخيير لمن له وطنان، وبناء على القول به انما هو فيما إذا كان مستطيعا لحج التمتع والافراد ولو على البدل وأما لو كان مستطيعا لاحدهما المعين بان كان متمكنا من الافراد فقط الظاهر تعينه عليه، لان وجوب كل من الفردين مشروط بالاستطاعة له، فلو أتى بما لم يكن مستطيعا له، فانما أتى بغير الواجب عليه، وهو لا يجزي عما هو فرض عليه.

ولا يشترط في وجوب ما استطاع إليه معينا، كونه في ذلك


44

المنزل، بل يجب ما استطاع إليه، وان كان حين الاستطاعة في غيره أو في محل آخر.

(المسألة التاسعة) الوطن والمنزل ليس له وضع خاص في الشرع، بل هو تابع لنظر العرف، ويدور مدار الصدق العرفي وعدمه، وهو يختلف من حيث الاختيار في السكونة والاضطرار والحبس وغيرها، من الامور التي يختلف بها نظر العرف في اطلاق الوطن عليه وعدمه.

لو توقف ذو المنزلين المتساويين

في احدهما ناويا للتوطن فيه

دائما، وأعرض عن الاخر ستة أشهر أو اكثر، يتعين عليه فرض ذاك البلد ويخرج الاخر عن كونه وطنا له.

(المسألة العاشرة) لو استطاع إلى حج البيت نائيا، ووجب عليه التمتع، ولكنه ترك المنزل الاول قبل أن يأتي بفريضته، وأقام بمكة أو حواليها، ما دون الحد سنتين، أو قاصدا للتوطن دائما، فهل ينقلب تكليفه من التمتع إلى الافراد والقران أو يبقى على حاله؟ فيه تأمل.

قد ادعى غير واحد من الاصحاب عدم الخلاف بل الاجماع على أنه ينقلب تكليفه بالاقامة في مكة ولو سنتين، بل مع قصد التوطن فيها دائما والاعراض عن الوطن الاول.

ولولا الاجماع لكان للخدشة فيما ذكر مجال، كما تأمل فيه صاحب المدارك قدس سره، إذ بعد الاقامة في مكة ناويا للتوطن


45

فيها وصيرورته من اهلها، يشمله ظاهر الاية الكريمة الدالة على ان التمتع وتشريعه يختص بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام وكذا المعتبرة الدالة على أن أهل مكة لا متعة لهم (1).

واستقرار وجوب التمتع عليه من قبل لا يمنع عن انقلاب الحكم بانقلاب موضوعه، كما في الصلاة الواجبة على الحاضر تماما بعد دخول الوقت قبل أن يسافر، فانه قد افتى كثير من الفقهاء بأنه لو سافر بعد دخول الوقت قبل الاتيان بالصلاة تماما ينقلب الوجوب من التمام إلى القصر، لان بقاء الحكم تابع لبقاء موضوعهيدور حيثما يدور، وما نحن فيه أيضا كذلك، فان بقاء وجوب التمتع عليه واستمراره تابع لبقاء كون المكلف ممن لا يكون أهله حاضري المسجد الحرام.

ولكن أولى الاحتياط بتكرار الحج في سنتين أو بما مر من طريق آخر للاحتياط في المسألة الاولى، نظرا إلى دعوى الاجماع على عدم انقلاب الحكم والى ما استظهرنا من الاية.

(المسألة الحادية عشر) لو أقام النائي بمكة أو حواليها ما دون الحد ستة أشهر، بقصد التوطن دائما، قبل استطاعته للحج، ثم استطاع له فيها، فلا اشكال في أنه يجب عليه الافراد أو القران، ولا يجوز له التمتع، لكونه أهل مكة، ويشمله جميع ما يشمله، ويشترط أن تكون استطاعته من منزله الحالي لا السابق.

وما يظهر من بعض النصوص أن من جاور مكة له أن يتمتع إلى

(1) الوسائل ج 8 - الباب السادس من اقسام الحج الحديث 7 - 11.


46

سنتين، لا عموم له حتى يشمل من جاورها بقصد التوطن دائما، الذي يصدق عليه عرفا أنه أهل مكة، كصحيحة عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين، فإذا جاوز سنتين كان قاطنا وليس له أن يتمتع (1).

هذا فيما إذا أقام ستة أشهر بقصد التوطن واستطاع بمكة، وأما لو جاورها النائي أقل من ستة اشهر أو غير قاصد للتوطن فيه ثم استطاع فلا اشكال في ان الواجب عليه التمتع، ولا يتبدل إلى الافراد والقران.

نعم يشترط أن تكون الاستطاعة من المحل السابق لا من مكة، فيعتبر أن يكون له من الزاد ما يقدر به على الاتيان بالعمرةوالحج، ثم العود إلى محله مع قصد العود إليه كما هو المفروض والظاهر عدم الخلاف في حكم المسألة.

(المسألة الثانية عشر) النائي غير المستطيع إذا أقام سنتين بمكة بقصد المجاورة غير قاصد للتوطن فيه، ثم حصل له الاستطاعة بعد الدخول في السنة الثالثة، الظاهر أنه لا اشكال في تبدل فرضه من التمتع إلى الافراد، بل نسب هذا القول إلى علمائنا سوى الشيخ قدس سره، والمستند روايات تدل عليه: منها صحيح زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: من أقام بمكة سنتين فهو من اهل مكة لا متعة له (2).

(1) الوسائل الجزء 8 - الباب التاسع من اقسام الحج الحديث 2.

(2) الوسائل الجزء 8 - الباب التاسع من اقسام الحج الحديث 1.


47

وصحيح عمر بن يزيد عن الصادق عليه السلام قال: قال أبو عبد الله: المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين، فإذا جاوز سنتين كان قاطنا وليس له أن يتمتع (1).

واما ما ذهب إليه الشيخ رحمه الله من اعتبار اقامة ثلاث سنين في تبدل الحكم، فلم نجد له مستندا، واحتمال أن مراده الدخول في السنة الثالثة مخالف لظاهر المبسوط.

وفي قبال هذه الروايات المتقدمة نصوص يدل بعضها على كفاية سنة واحدة أو خمسه اشهر أو اكثر من ستة أشهر: منها خبر عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام قال: المجاور بمكة سنة يعمل عمل أهل مكة يعنى يفرد الحج مع اهل مكةوما كان دون السنة فله أن يتمتع (2).

ومرسل حريز عن ابى جعفر عليه السلام قال: من دخل مكة بحجة عن غيره ثم اقام سنة فهو مكي الخبر (3).

وصحيحة حماد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أهل مكة أيتمتعون؟ قال: ليس لهم متعة.

قلت: فالقاطن بها.

قال: إذا أقام بها سنة أو سنتين صنع صنع اهل مكة (4).

(1) الوسائل الجزء 8 - الباب التاسع من اقسام الحج الحديث 2.

(2) الوسائل الجزء 8 - الباب التاسع من اقسام الحج الحديث 8.

(3) المصدر الجزء 8 - الباب التاسع من اقسام الحج الحديث 9.

(4) الوسائل الجزء 8 - الباب التاسع من اقسام الحج الحديث 7.


48

وعن محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: من اقام بمكة سنة فهو بمنزلة اهل مكة (1).

وعن الحلبي قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام: لاهل مكة أن يتمتعوا؟ قال: لا.

قلت: فالقاطنين بها.

قال: إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكة، فإذا اقاموا شهرا فان لهم ان يتمتعوا الخبر (2).

ومفاد الجميع كفاية سنة واحدة في تبديل الحكم، ولكن الاصحاب أعرضوا عنها ولم يفتوا بمضمونها، فلا ينبغي الاعتماد عليها.

وأما كفاية أقل من سنة واحدة كخمسة اشهر أو اكثر من ستة أشهر فيدل عليه أيضا بعض النصوص كمرسل حسين بن عثمان وروايةحفص بن البختري.

روى محمد بن الحسن الطوسى باسناده عن ايوب بن نوح عن عبد الله بن المغيرة عن الحسين بن عثمان وغيره عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من أقام بمكة خمسة أشهر فليس له أن يتمتع (3).

وباسناده عن يعقوب بن يزيد عن ابن ابى عمير عن حفص بن

(1) الوسائل الجزء 8 الباب الثامن من اقسام الحج الحديث 4.

(2) الوسائل الجزء 8 الباب التاسع من اقسام الحج الحديث 3.

(3) الوسائل الجزء 8 الباب الثامن من اقسام الحج الحديث 5.


49

البختري عن ابي عبد الله عليه السلام في المجاور بمكة يخرج إلى أهله ثم يرجع إلى مكة باي شئ يدخل؟ فقال: ان كان مقامه بمكة اكثر من ستة اشهر فلا يتمتع، وان كان أقل من ستة اشهر فله ان يتمتع (1).

هذه النصوص مضافا إلى اعراض الاصحاب عنها وعدم الافتاء بمضمونها، لا يبعد حملها على من جاور مكة قاصدا للتوطن فيها، وحمل صاحب الوسائل بعضها على التقية وعلى الجواز

في الحج المندوب.

وعلى أي كان لا

يصح الاعتماد على النصوص الدالة على كفاية سنة واحدة أو خمسة أشهر أو اكثر من ستة اشهر، لما تقدم.

(المسألة الثالة عشر) اختلف الاصحاب في من انقلب فرضه من التمتع إلى الافرد، هل ينقلب استطاعته حتى يكون مثل أهل مكة من هذه الجهة ايضا، في كفاية الاستطاعة للحج من مكة أو هومحكوم بالحكم السابق قبل المجاورة فيها فيعتبر الاستطاعة من المحل الاول؟ الظاهر عدم الفرق بين القولين الا في مؤنة العود إلى البلد إذا لم يكن منصرفا عنه، فان غير المكي الواجب عليه التمتع إذا سافر إلى مكة وكان له من الزاد ما يكفيه للحج من مكة يصير مستطيعا ولا يعتبر أن تكون استطاعته من بلده.

نعم لو كان عازما على العود إليه أو إلى محل آخر يريد الاقامة فيه يشترط الاستطاعة له أيضا،

(1) الوسائل الجزء 8 الباب الثامن من اقسام الحج الحديث 3.


50

كما يشترط أن يعتبر الاستطاعة بالنسبة إلى ما هو وظيفته وفرضه، من افراد وقران، أو تمتع إذا كان غير مكى.

(المسألة الرابعة عشر) لو اقام النائي غير المستطيع بمكة وحصلت له الاستطاعة للحج قبل مضي السنتين، فالظاهر أنه كالمستطيع في بلده، فيجب عليه التمتع، ولا ينقلب فرضه إلى الافراد والقران وان حصلت الاستطاعة بمكة، فان أتى بحجه قبل مضي سنتين فلا اشكال في صحة حجه تمتعا واجزائه.

وأما لو أهمل واخر حتى مضى عليه سنتان فهل عليه ان يتمتع لاستقراره عليه، أو ينتقل فرضه إلى الافراد والقران، نظرا إلى ادلة المجاورة؟ وجهان، والاحتياط بتكرار الحج، أو طريق آخر كما تقدم، في محله.

(المسألة الخامسة عشر) لو أخر الحج من كان مستطيعا له قبل سنتين حتى زادت المؤنة والنفقة، وجب عليه الاتيان بحجه ولومتسكعا، لاستقرار الحج عليه قبل ذلك وتأخيره له من غير عذر.

ولا فرق في زوال الاستطاعة بين كونه قبل السنتين أو بعدهما.

ولا يرد الاشكال بتبدل الموضوع من المستطيع إلى غيره، لان حدوث الاستطاعة في سنة يكفي في استقرار الحج عليه، ولا يشترط بقاؤها بعدها بالنسبة إلى أصل الحج، نعم يشترط بقاء الموضوع بالنسبة إلى كيفية الحج، من التمتع والافراد والقران.

هذا تمام الكلام بالنسبة إلى النائى المقيم بمكة، واما المكي


51

إذا أقام في غير مكة، فيأتي البحث فيه انشاء الله تعالى.

حكم المكى إذا أقام في غير مكة

(المسألة السادسة عشر) لو أقام مكي في غير مكة خارج الحد المعتبر في النائي، قاصدا للتوطن فيه دائما، بحيث يصدق عليه عرفا انه من أهله كما إذا جاور ستة اشهر، فحكمه حكم النائي في الاستطاعة ووجوب التمتع عليه.

فلو كان ضرورة ولم يكن مستطيعا للحج بمكة ثم حصلت الاستطاعة له في محل اقامته، ينقلب فرضه بانقلاب الموضوع، فيجب عليه التمتع، لكونه مصداقا لمن ليس اهله حاضري المسجد الحرام.

وتتحقق الاستطاعة بأن يكون له من الزاد ما يكفيه للعمرة والحج وللعود إلى محل اقامته إذا كان عازما عليه، مع سائر الشرائط المعتبرة فيها.

وأما لو أقام مكي خارج الحد غير قاصد للتوطن فيه لا ينقلب حكمه من الافراد والقران إلى التمتع، وان جاور سنتين أو جاوزهما لعدم الدليل على ذلك.

وقياس المقام بمن جاور مكة سنتين، باطلمع الفارق، والفارق النص، ودعوى تنقيح المناط في ذلك إذا لم يكن قطعيا غير مسموعة.

ولا فرق في حصول الاستطاعة بين ما تحققت في مكة أو غيرها نعم يعتبر ان تكون استطاعته من محل اقامته، ولا يكفي ما لو حصل


52

بمكة لكان مستطيعا، واما العود إلى محل الاقامة فهو كما مر.

(المسألة السابعة عشر) قد مر أن حاضري المسجد الحرام وهم اهل مكة ليس لهم أن يتمتعوا، وان فرضهم الافراد أو القران.

ولكن هذا فيما إذا حج مكي من مكة كما عليه الاتفاق، وأما لو بعد عن أهله وخرج عن المواقيت ثم رجع إلى مكة ومر بأحداها واراد ان يحج حجة الاسلام، فالمشهور جواز المتمتع له، كما يدل عليه صحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: سألته عن رجل من أهل مكة يخرج إلى بعض الامصار، ثم يرجع إلى مكة فيمر ببعض المواقيت أله أن يتمتع؟ قال: ما أزعم أن ذلك ليس له لو فعل، وكان الاهلال أحب إلى (1).

وعن عبد الرحمن بن الحجاج و عبد الرحمن بن اعين قالا: سألنا ابا الحسن عليه السلام عن رجل من اهل مكة خرج إلى بعض الامصار، ثم رجع فمر ببعض المواقيت التي وقت رسول الله صلى الله عليه وآله له أن يتمتع؟ فقال: ما أزعم ان ذلك ليس له، والاهلال بالحج أحب الي (2).

لا يخفى أن الاستدلال بالصحيح موقوف على شمول اطلاقه للصورة من أهل مكة، حتى يحكم له في الحج الواجب بالتخييربين التمتع والافراد أو القران، ولكن ندرة كون أهل مكة صرورة

(1) الوسائل الجزء 8 الباب السابع من اقسام الحج الحديث 2.

(2) الوسائل الجزء 8 الباب السابع من اقسام الحج الحديث 1.


53

وعدم اتيانهم بالواجب وتاخرهم له عن سنة الوجوب، مما يوجب انصراف الاطلاق إلى غير الصرورة وغير حجة الاسلام بل إلى الحج المندوب، فلا يشمل من لم يأت بواجبه وخرج إلى بعض الامصار ثم رجع إلى مكة، لكونه فردا نادرا من أهل مكة.

ولا أقل من كون الندرة صالحة للقرينة، مانعة عن الجزم بالاطلاق وشموله للمقام.

ومع الشك مقتضى الاصل عدم تبدل الفرض وبقاء الاشتغال اليقيني حتى يأتي بالافراد أو القران، وكذا الاصل بقاء عدم جواز التمتع لاهل مكة ومن كان حاضرا فيها.

هذا فيما إذا خرج المكي إلى بعض الامصار خارج الحد وحصل له الاستطاعة فيه، وأما إذا كان مستطيعا للحج بمكة وخرج إلى خارج الحد ثم رجع ومر ببعض المواقيت، فلا شبهة في أن حكمه حكم أهل مكة وفرضه الافراد أو القران، ولا يجوز له التمتع (1).

وأما قوله في آخر الرواية (والاهلال بالحج أحب الي) اما محمول على التقية، واما تخصيص للعمومات الدالة على افضلية التمتع لمن يشرع له كل من التمتع والافراد والقران.

(1) أقول: لا خصوصية لحصول الاستطاعة في مكة، إذ لو تم الدليل يشمل كلا الفرضين والا فالحكم في الفرضين واحد.


54

المقصد الثالث (في الشرائط المعتبرة في الحج) أما التمتع فيشترط فيه أمور أربعة: (الامر الاول) النية، بأن ينوي حين انشاء الاحرام للعمرة من الميقات أو من كل مكان يصح منه الاحرام، العمرة المتمتع بها إلى الحج لله تبارك وتعالى.

وهذه هي النية المعتبرة في المقام، فلو لم يقصد الاحرام أصلا بل لبس الثوبين لاغيا، أو نوى الاحرام ولم ينو العمرة، بل نوى الاحرام على نحو الاطلاق بأن يكون مختارا في الاتيان بالعمرة أو الحج واختيار أيهما شاء، بعد لا يصح التمتع، وكذا لا يصح لو نوى العمرة ولم ينو التمتع بها إلى الحج، بل اخر تعيين احد الفردين من التمتع والافراد إلى وقت آخر، وذلك للزوم قصد المأمور به وتعيينه عقلا، فاللازم في المقام هو نية النوع الخاص


55

من انواع الحج، وهو حج التمتع المركب من عملين، فحين الاحرام للعمرة المتمتع بها إلى الحج لابد ان ينوي الحج ايضا لقوله صلى الله عليه وآله: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة (1).

ويوده رواية يعقوب بن شيعب قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام فقلت: كيف ترى ان أهل؟ فقال: ان شئت سميت، وان شئت لم تسم شيئا.

فقلت له: كيف تصنع أنت؟ قال: اجمعهما فأقول (لبيك بحجة وعمرة معا لبيك) (2).

وكذا ما روي عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام فيحديث: ان عليا عليه السلام قال رافعا صوته (لبيك بحجة وعمرة معا لبيك) (3).

وبالجملة المستفاد من الادلة، أن النية المعتبرة عند الاحرام بالعمرة المتمتع بها إلى الحج، هي قصد النوع الخاص من أنواع الحج، الذي ينيغي ان يعد من الشروط العقلية لعدم تميز المأمور به، وعدم تعينه الا بالقصد.

ولكن القوم اختلف كلامهم في معنى النية في المقام: فقيل انها نية الاحرام، وقيل نية حج التمتع بجملته، وقيل نية النوع

(1) الوسائل الجزء 8 الباب الثالث من اقسام الحج الحديث 4.

(2) الوسائل الجزء 9 الباب 17 من ابواب الاحرام الحديث 3.

(3) الوسائل الجزء 9 الباب 17 من ابواب الاحرام الحديث 7.


56

المخصوص من الحج (1).

وكيف كان، فان كان مرادهم من نية الاحرام، قصد النوع الخاص ومن نية الجملة النوع المركب من عملين، فدليله العقل كما اشرنا إليه، وان ارادوا غير ما ذكر فعلى المدعي الدليل على المدعى.

وأما نية الخروج إلى الحج المنسوب إلى سلار، فلم يعلم معنه، الا ان يكون مراده نية الحج كما احتمله بعض، فيلائم نية النوع الخاص ويتحد معه.

ويظهر من بعض النصوص صحة حج التمتع عقيب عمرة مفردة وان لم ينوها حين الاحرام تمتعا، إذا كانت العمرة في أشهر الحجبل يستحب ويتأكد الاستحباب إذا توقف في مكة إلى ذي الحجة، ويكون آكد إذا أدرك يوم التروية.

عن سماعة عن الصادق عليه السلام انه قال: من حج معتمرا في شوال، ومن نيته أن يعتمر ويرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك، وان هو أقام إلى الحج فهو يتمتع، لان أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن اعتمر فيهن وأقام إلى الحج فهي متعة، ومن رجع إلى بلاده، ولم يقم إلى الحج فهي عمرة، وان اعتمر في شهر رمضان أو قبله وأقام إلى الحج فليس بمتمتع (2).

(1) عن الدروس ان المراد من النية هنا نية الاحرام، وعن المسالك الظاهر ان المراد بها نية الحج بجملته.

(2) الوسائل الجزء 8 الباب العاشر من اقسام الحج الحديث 2.


57

وفى صحيحة عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام: من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله، الا أن يدركه خروج الناس يوم التروية (1).

وعن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من دخل مكة معتمرا مفردا للعمرة فقضى عمرته فخرج كان ذلك له، وان أقام إلى أن يدركه الحج كانت عمرته متعة.

وقال: ليس يكون متعة الا في أشهر الحج (2).

وفى صحيحة اخرى عنه عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من دخل مكة بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجة فليس له أن يخرج حتى يحج مع الناس (3).

وفي مرسل موسى بن القاسم: من اعتمر في أشهر الحج فليتمتع.

وصحيح يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المعتمر في أشهر الحج.

قال: هي متعة (4).

وخبر وهيب بن حفص عن علي عليه السلام قال: سأله أبو بصير وأنا حاضر عمن أهل بالعمرة في أشهر الحج، أله ان يرجع؟ قال: ليس في أشهر الحج عمرة يرجع منها إلى أهله، ولكنه يحتبس

(1) المصدر الجزء 8 الباب 15 من اقسام الحج الحديث 1.

(2) الوسائل الجزء 10 الباب السابع من ابواب العمرة الحديث 9.

(3) الوسائل الجزء 10 الباب 7 من ابواب العمرة الحديث 6.

(4) الوسائل ج 10 الباب 7 من ابواب العمرة الحديث 4.


58

بمكة حتى يقضي حجه، لانه انما أحرم لذلك (1).

وفي خبر آخر لموسى بن القاسم قال: أخبرني بعض أصحابنا انه سأل أبا جعفر عليه السلام في عشر شوال فقال: اني أريد أن افرد عمرة هذا الشهر.

فقال له: انت مرتهن بالحج (2).

وقال السيد رحمه الله في العروة بعد نقل تلك الاخبار: قد عمل بها جماعة، بل في الجواهر لا أجد فيه خلافا، ومقتضاها صحة التمتع مع عدم القصد له حين الاحرام بالعمرة، بل الظاهر من بعضها الانقلاب إلى التمتع قهرا من دون حاجة إلى نية التمتع بها، بل يمكن أن يستفاد منها أن التمتع هو الحج الواقع عقيب عمرة وقعت في أشهر الحج بأي نحو أتى بها، ولا بأس بالعمل بها انتهى.

ولا يخفى أن المتيقن من تلك النصوص هو ما إذا أتى بالحجبقصد التمتع بعد عمرة مفردة وقعت منه في أشهر الحج، فيكون عدولا من العمرة المفردة إلى حج التمتع ويقع صحيحا، وليس معناه عدم صحة حج الافراد منه، بل لو أتى به بعد تلك العمرة ناويا للافراد فهو أيضا صحيح ويصير افرادا، كما يدل عليه صحيح ابراهيم بن عمر اليماني.

عن حماد بن عيسى عن ابراهيم بن عمر اليماني عن ابى عبد الله

(1) المصدر ج 10 الباب 7 من ابواب العمرة الحديث 7.

(2) الوسائل ج 10 الباب 7 من ابواب العمرة الحديث 8.


59

عليه السلام انه سال عن رجل خرج في اشهر الحج معتمرا ثم خرج إلى بلاده.

قال: لا بأس، وان حج من عامه ذلك وأفرد الحج فليس عليه دم، وان الحسين بن علي عليه السلام خرج يوم التروية إلى العراق وكان معتمرا (1).

ورواية معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: من أين افترق المتمتع والمعتمر؟ فقال: ان المتمتع مرتبط بالحج والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء، وقد اعتمر الحسين عليه السلام في ذي الحجة، ثم راح يوم التروية إلى العراق والناس يروحون إلى منى، ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج (2).

والصحيحة الاولى تدل على صحة الافراد إذا نواه وأتى به، وانه لا يقع تمتعا إذا قصد الافراد، ولا يجب عليه قصد التمتع بل يتخير بين أن يأتي بالتمتع أو الافراد بعد عمرته التى وقعت في أشهرالحج، أولا يأتي بحج اصلاكما هو المستفاد من رواية عمار، خلافا للقاضى حيث أفتى بوجوب التمتع حينئذ عليه.

وما يظهر من بعض، من تبدل العمرة المفردة بالتمتع قهرا، فلا مناص من حمله على ما لو قصد التمتع ونواه، إذ القول بأن التمتع هو الحج عقيب عمرة وقعت في أشهر الحج بأي نحو أتى بها

(1) الوسائل ج 10 الباب 7 من ابواب العمرة الحديث 2.

(2) الوسائل ج 10 الباب 7 من ابواب العمرة الحديث 3.


60

كما يستظهر من صاحب العروة قدس سره، غير وجيه.

والحاصل ان مفاد النصوص المتقدمة بعد الجمع بينها، هو أن من أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج، له ان يرجع إلى بلده وله أن يقيم بمكة إلى أو ان الحج فيأتى بالافراد، وله ان يأتي بالتمتع ويتأكد ذلك لو بقي إلى شهر ذي الحجة، ويصير آكد إذا بقي إلى يوم التروية.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه النصوص المتقدمة، ولكن الانصاف أن القدر المتيقن منها هو الحج المندوب لا حجة الاسلام ولا الواجب بالنذر، كما صرح به في العروة أيضا.

فعلى ذا من وجب عليه التمتع لو أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج وبقي إلى ذي الحجة وحج تمتعا، كما هو مضمون الروايات، يشكل الاجتزاء به، سواء وجب عليه لحجة الاسلام أو بالنذر أو الاستيجار وغيرهما.

وعلى أي، الاتيان بالتمتع بعد العمرة المفردة الواقعة فيأشهر الحج، كما هو مضمون الرواية، واجبا كان أو مندوبا، انما يكون عدولا من العمرة المفردة إلى المتمتع بها، بالتعبد الشرعي والدليل الخاص، كما في العدول من العصر إلى الظهر، فلا ينافي ما تقدم آنفا من اعتبار النية، واشتراط القصد للنوع الخاص من الحج حين الاحرام، كما لا ينافى العدول من العصر إلى الظهر، تعبدا ما يدل على اشتراط قصد الظهرية في تحقق العنوان المأمور به، عقلا أو نقلا.


61

(الشرط الثاني) أن يقع تمام العمرة والحج

في أشهر الحج،

بلا خلاف بين الفقهاء في ذلك، لقوله تعالى ( الحج أشهر معلومات ) وللاخبار المستفيضة المعمول بها، وأشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، منها: عن معاوية بن عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: ان الله تعالى يقول ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة (1).

عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: الحج أشهر معلومات سوال وذو القعدة وذو الحجة، ليس لاحد أن يحرم بالحج في سواهن (2).

عن ابى جعفر الاحول عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل فرض الحج في غير اشهر الحج.

قال: يجعلها عمرة (3).

عن ابن اذينة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من أحرم بالحج في غير أشهر الحج فلا حج له (4).

وقيل ان اشهر الحج شوال وذو القعدة والعشر الاول من ذي الحجة، نقل ذلك عن الحسن والبيان وروض الجنان، ويدل عليه

(1) الوسائل ج 8 الباب 11 من اقسام الحج الحديث 1.

(2) الوسائل ج 8 الباب 11 من اقسام الحج الحديث 5.

(3) الوسائل الجزء 8 الباب 11 من اقسام الحج الحديث 7.

(4) الوسائل ج 8 الباب 11 من اقسام الحج الحديث 4


62

رواية على بن ابراهيم باسناده قال: أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة الخبر (1).

وقيل أشهر الحج شوال وذو القعدة وثمانية أيام من ذي الحجة حكى ذلك عن ابن زهرة، وقيل تسعة أيام وليلة الاضحى، وقيل إلى طلوع الشمس من اليوم العاشر، حكى ذلك عن المبسوط والخلاف والوسيلة والجامع، ونسب إلى ظاهر جمل العلم والعمل.

الظاهر أن النزاع بينهم لفظي، إذ لا اشكال في صحة الاتيان ببعض أفعال الحج إلى طول شهر ذي الحجة، كالطوافين والسعي والهدي، كما أنه لا اشكال في أن وقت العمرة المتمتع بها من أول شوال إلى الوقت الذي يتمكن فيه من اتمام افعال العمرة ودرك الحج بعده، فيمكن أن يكون مرادهم من تحديد آخر الوقت، ان الاوقات المذكورة هي آخر وقت يمكن درك الحج فيه بعد اعمال العمرة، كما أن أول وقت تصح فيه العمرة المتمتع بها إلى الحج هو شوال.

ثم انه لو وقعت العمرة بتمامها أو بعضها قبل شهر شوال، ناوياللتمتع بها، لا يصح تمتعا بلا اشكال ولا خلاف، ولكن هل تصح مفردة أم تقع فاسدة؟ ففيه خلاف.

والعمرة المفردة في غير أشهر الحج، وان كانت لا تحتاج إلى قصد الافراد، بل تقع صحيحة وان لم ينو الافراد، الا ان ذلك

(1) الوسائل ج 8 الباب 11 من اقسام الحج الحديث 6.


63

فيما إذا لم ينو غيره ولم يقصد خلافه، والا فصحتها بهذا العنوان يحتاج إلى دليل شرعي.

ولهذه الجهة اختار بعض البطلان، لان ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع، وقال بعض آخر بالصحة مطلقا وان نوى التمتع، استنادا إلى روايتي الاحول وسعيد الاعرج.

وقال السيد في العروة بعد نقل القول بالبطلان عن المدارك مقتضى القاعدة وان كان ذلك الا أنه لا بأس بما ذكره البعض استنادا للخبرين.

روى الصدوق باسناده عن ابى جعفر الأحول عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج، قال: يجعلها عمرة (1).

محمد بن يعقوب باسناده عن سعيد الاعرج، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من تمتع في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة، ومن تمتع في غير أشهر الحج ثم جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم انما هي حجة مفردة، انما الاضحى على أهل الامصار (2).

والانصاف أنه دلالة لرواية الاحول على صحة العمرة، لا

(1) الوسائل ج 8 الباب 11 من اقسام الحج الحديث 7.

تبع صاحب كشف اللثام المدارك في البطلان وتردد في التحرير، وفي الجواهر لا ريب في البطلان بمقتضى القواعد ولا بأس بالقول بالصحة للخبر.

(2) الوسائل ج 8 الباب 10 من اقسام الحج الحديث 1.


64

بعنوان المتعة ولا بعنوان المفردة، إذا اتى بها في غير أشهر الحج ناويا للتمتع، كما هو مورد البحث، لاحتمال أن يكون المراد أن من فرض الحج في غير أشهر الحج يجعل وينوي العمرة المفردة ابتداءا ولا ينوي الحج.

أو ان الرجل كما هو الظاهر انما كان احرم بحج الافراد، فقال عليه السلام: يأتي بالعمرة المفردة لا بالحج.

وهذا غير مربوط بما نحن فيه.

وأما رواية سعيد الاعرج فهي أيضا لا تدل على صحة العمرة الواقعة في غير أشهر الحج ناويا للتمتع بعنوان المفردة، بل الظاهر من قوله (انما هي حجة مفردة) ان ما يأتي به بعد حضور الحج انما هي حجة مفردة لا التمتع، لا ان العمرة التي اتى بها في غير أشهر الحج هي حجة، فالرواية ساكتة عن حكم العمرة الواقعة في غيرها بعنوان التمتع.

(الشرط الثالث) أن يأتي بالعمرة وحج التمتع

في سنة واحدة

لان المتبادر من الاخبار المبينة لكيفية حج التمتع ومن النصوص الدالة على أن المحرم بعمرة التمتع لا يجوز له الخروج من مكة بعد اتمام العمرة حتى يأتي بالحج، أو أنه مرتهن به، إذ يعلم منها ان العمرة والحج عملان مرتبطان، لا يجوز الفصل بينهما بسنة.

ودعوى أن اطلاق الروايات يشمل عدم الخروج ولو إلى سنة أو سنتين بان لا يخرج بعد العمرة من مكة إلى العام القابل حتى يأتي بالحج بعد سنة أو إلى السنتين حتى يأتي به في السنة الثانية -


65

خلاف المرتكز في الذهن والمتبادر عند العرف.

إذا المنساق إلى الذهن والمتبادر إليه من النصوص الواردة في المقام بتعابير مختلفة، كقوله (أو ليس هو مرتبطا بالحج لا يخرج حتى يقضيه) أو (أنت مرتهن بالحج) أو (هو محتبس ليس له أن يخرج من مكة حتى يحج) ان المعتمر بالتمتع يجب عليه أن يأتي بالحج في السنة التى اعتمر فيها لا في غيرها، كما هو المشهور بل ادعي عليه الاجماع.

عن حماد بن عيسى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من دخل مكة متمتعا في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضى الحج فان عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى ذات عرق خرج محرما ودخل ملبيا بالحج الخبر (1).

محمد بن الحسن باسنادة عن حريز عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: قلت له: كيف أتمتع؟ قال: تأتي الوقت فتلبي (إلى أن قال) وليس لك أن تخرج من مكة حتى تحج (2).

محمد بن يعقوب باسناده عن أبان بن عثمان عمن أخبره عن ابى عبد الله عليه السلام قال: المتمتع محتبس لا يخرج من مكة حتى يخرج إلى الحج، الا أن يأبق غلامه أو تضل راحلته فيخرج محرما ولا يجاوز الا على قدر ما لا تفوقه عرفة (3).

(1) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 6.

(2) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 1.

(3) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 9.


66

وفى مرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام أنه قال: إذا أراد المتمتع الخروج من مكة إلى بعض المواضع، فليس له ذلك لانه مرتبط بالحج حتى يقضيه، الا أن يعلم أنه لا يفوته الحج الخبر (1).

عن علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل قدم متمتعا ثم أحل قبل يوم التروية أله أن يخرج؟ قال: لا يخرج حتى يحرم بالحج، ولا يجاوز الطائف واشبهها.

وغيرها من الروايات الدالة على عدم جواز الخروج من مكة بعد العمرة حتى يأتي بالحج، الظاهرة في وجوب الاتيان به في سنة واحدة، كما هو المشهور بل ادعى عليه الاجماع.

مضافا إلى أنه مقتضى الاحتياط، للعلم بمشروعية ذلك وأنه موجب لفراغ الذمة قطعا دون غيره.

فما عن الشهيد قدس سره من أنه لو أحرم للعمرة في أشهر الحج وأتى ببعض أعمالها لا كلها، وبقي على الاحرام إلى العام القابل فأتى بمناسك الحج، يحتمل الاجزاء عن التمتع.

بعيد جدا، ولا يساعده الدليل، ولو فرض أن لادلة حج التمتع اطلاقا يشمل هذا الفرد، لا يفرق بين ما إذا أتى ببعض أعمال العمرة أو كلها، بل يشمله وان أحل من العمرة، ولا يشترط أن يبقى على الاحرام إلىالعام القابل، كما في عبارة الشهيد (قده).

(1) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 10.


67

ثم انه لا فرق في عدم صحة التمتع إذا لم تقع العمرة والحج في سنة واحدة، بين أن تمتع بالعمرة قبل أيام الحج أو بعدها إلى آخر ذي الحجة، مع وقوع الحج في العام القابل.

كما لا فرق بين اتمام أفعال العمرة وعدمه في السنة الاولى، ولا بين الاحلال منها وعدمه، ولا بين الخروج من مكة بعد الاحلال وعدمه.

ومثله في البطلان ما لو أتى بأفعال العمرة كلها وأحل منها وأحرم للحج، ولكنه لم يقف الموقفين أو ترك ركنا آخر، وبقي على الاحرام إلى العام القابل وأتم الحج تمتعا، فانه لا يصح تمتعا للفصل بين العمرة والحج، كما فسد حجه السابق بترك الافعال عمدا.

فتحصل من جميع ما ذكرناه ان عمرة التمتع وحجه عملان مرتبطان، يشترط أن يقعا في اشهر الحج في سنة واحدة، ولا يحصل الفصل بينهما.

(الشرط الرابع) أن يكون الاحرام الحج التمتع من بطن مكة أي من داخلها مع العلم والاختيار، وادعي الاجماع عليه، وعن بعض نفي الخلاف فيه، واستدل بروايات منها: رواية عمرو بن حريث الصيرفي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: من أين أهل بالحج؟ فقال: ان شئت من رحلك وان شئت من الكعبة وان شئت من الطريق (1).

(1) الوسائل ج 8 الباب 21 من ابواب المواقيت الحديث 10.


68

والاستدلال بالرواية، يتوقف على أن يكون المراد من الرحل مكة، ومن الطريق السكك بها، وان يكون السائل متمتعا، ويكون الامام عليه السلام في مقام بيان جميع ما يصح الاهلال بالحج منه.

وبعض هذه وان كان يظهر من الرواية الا أن احراز الجميع مشكل فعلى ذا دلالتها على المقصود لا يخلو من خفاء.

وصحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم التروية انشاء الله تعالى، فاغستل ثم البس ثوبيك، وادخل المسجد حافيا، وعليك السكينة والوقار، ثم صل ركعتين عند مقام ابراهيم أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة فأحرم بالحج وعليك السكينة والوقار الخبر (1).

وفي دلالة الصحيحة أيضا خفاء، ولا يستفاد منها حصر الميقات بالحجر أو المقام أو المسجد، للعلم بعدم وجوب الاحرام من خصوص المقام أو الحجر كما تقدم في رواية يونس بن يعقوب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: من أي المسجد أحرم يوم التروية؟ قال: من أي المسجد شئت وكذا لا يجب الاحرام من خصوص المسجد كما في رواية عمرو بن حريث المتقدمة، بل لا يستفاد منها الحصر بمكة بعد اشتمال الرواية على كثير من المستحبات.

وكذا لا يستفاد الحصر بمكة، مما يدل على أن من دخل مكة

(1) الوسائل ج 9 الباب 52 من ابواب الاحرام الحديث 1.


69

معتمرا فلا يخرج منها الا محرما، إذ غاية ما يستفاد منه أن مكة ميقات لهذا الشخص أي الذى يريد ان يخرج من مكة بعد العمرة وأما الحصر بها بحيث يكون الاحرام من غير مكة باطلا، فلا يستفاد من تلك الروايات.

ولكن يمكن أن يقال: ان دلالة تلك النصوص على كون مكة ميقاتا لاحرام حج التمتع تامة بضميمة ما يدل من النصوص على أن من خرج من مكة بعد العمرة يجب عليه أن يدخلها من غير احرام، ان رجع في شهر التمتع، ومع الاحرام للعمرة ان دخل بعد الشهر، إذ لو كان الاحرام بالحج جائزا من غير مكة كان اللازم على الامام بيانه والاشارة إليه كما لا يخفى.

هدا غاية ما يمكن أن يقال حول روايات الباب نفيا واثباتا، وأما الفقهاء من الاصحاب رضوان الله عليهم فأقوالهم كافة متفقة على أن ميقات حج التمتع منحصر بمكة، كما هو الظاهر من عباراتهم ونقل الاجماع عليه.

مضافا إلى أنه مطابق للاحتياط، للقطع بصحة الاحرام منها، للتصريح به في الاخبار، وهو المعهود من زمن الرسول صلى الله عليه وآله إلى يومنا هذا، وأما الاحرام لحج التمتع من غير مكة لم يرد فيه شئ ولا خبر.

نعم قد يتوهم دلالة رواية اسحاق بن عمار على جواز الاحرام لحج التمتع من غير مكة، ولكنه كما ستعرت غير تام.

محمد بن يعقوب باسناده عن صفوان عن اسحاق بن عمار


70

قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن المتمتع يجئ فيقضى متعة ثم تبدوله الحاجة فيخرج إلى المدينة والى ذات عرق أو إلى بعض المعادن.

قال: يرجع إلى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لان لكل شهر عمرة، وهو مرتهن بالحج.

قلت: فانه دخل في الشهر الذي خرج فيه.

قال: كان أبى مجاورا هيهنا فخرج يتلقى (ملتقيا) بعض هؤلاء، فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج، ودخل وهو محرم بالحج (1).

والوجه في عدم تمامية الدلالة، أن ابا الحسن عليه السلام لم يذكر أن أباه كان متمتعا، بل ذكر انه كان مجاورا، فعلى ذا يمكن أن يكون احرامه لحج الافراد، كما يمكن أن يكون احرامه من ذات عرق للعمرة المتمتع بها، واطلاق الحج عليها لشدة الارتباط بينها في حج التمتع، ولانها أول عمل من التمتع.

ولا يتوهم تناقض صدر الرواية للذيل، فانه عليه السلام بعد ما حكم بوجوب الاحرام إذا دخل في غير شهر التمتع، سأل الراوي أنه دخل في الشهر الذي خرج فيه، فأجاب عليه السلام بأن اباه دخل محرما، وحكم بوجوب الاحرام أيضا إذا دخل في الشهر الذي خرج فيه، إذ لا تنافي بين وجوب الاحرام إذا دخل في غير شهر التمتع ووجوبه أيضا إذا دخل في شهر الخروج، لامكان ان يتحد غير شهر التمتع مع شهر الخروج، فان لغير شهر التمتع مصداقان

(1) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 8


71

أحدهما ما يتحد مع شهر الخروج والثاني مع غيره.

وبعبارة أوفى: ان شهر الخروج قد يكون متحدا مع غير شهر التمتع فيجب الدخول مع الاحرام، وقد لا يتحد، وحيث أن السائل توهم أن شهر الخروج مثل شهر التمتع، أجاب عليه السلام بأنه ليس كذلك، بل دخل ابوه محرما في شهر الخروج، واطلاق الحج على العمرة هنا انما هو لمناسبة قدمناه.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه الرواية من أن الاحرام من ذات عرق يمكن كونه لحج الافراد ويمكن كونه للعمرة المتمتع بها، لانقضاء شهر التمتع وان كان في شهر الخروج، وقد يقال انها محمولة على التقية.

وعلى كل حال ان الرواية بظاهرها غير معمول بها: ولم يفت احد بها وأعرض الاصحاب عنها، فلا تقاوم لمعارضة الرواية الدالة على أن الاحرام لحج التمتع يشترط أن يكون من مكة.

وستأتي الاشارة إليه أيضا.

هذا ما يقتضيه الدليل الخاص المنقول في المسأله.

وأما مقتضى الاصل فهو في حد نفسه البراءة من كل قيد وخصوصية يشك في اعتباره في الاحرام، من كونه من بطن مكة، أو من المقام أو الحجر أو المسجد مطلقا، بناء على ان الاحرام عبارة عن عدة افعال وأعمال، وأما على ما اخترناه في معنى الاحرام فالاصل هو الاشتغال.

وتوضيح ذلك انه قد يقال تارة: ان الاحرام عبارة عن عدة


72

أفعال خارجية، من لبس الثوبين والتلبية والنية، فعند ذلك إذا شك في اعتبار شئ زائد على ما علم ثبوته واعتباره، ينفى بأصالةالبراءة، لكونه شكا في التكليف الزائد كما بين في الاصول.

واخرى يقال: ان الاحرام أمر انشائي اعتباري مسبب عن أفعال خاصة من النية ولبس الثوبين والتلبية في محل معين، وقت وقته الشارع، فهو متحصل من تلك الافعال لا نفسها.

فحينئذ لو شك في دخالة شئ واعتبار قيد في تحقق المسبب وتحصله، يرجع ذلك إلى الشك في المحصل، فان المأمور به الذي هو أحد من النسك عبارة عن الاحرام الاعتباري المتحصل من الاسباب المعينة، والشك في الاقل والاكثر من تلك الافعال والاسباب يرجع إلى الشك في المحصل، والاصل فيه الاحتياط، وليس شكا في التكليف الزائد حتى ينفى بالبراءة.

بل يمكن أن يقال: ان مقتضى الاستصحاب أيضا: عدم انعقاد الاحرام، عدم حرمة المحرمات بالاحرام من غير بطن مكة.

في افضل ميقات حج التمتع

ثم انه بناءا على اعتبار بطن مكة في احرام حج التمتع، يكفي كل موضع منها حتى السكك والشوارع، لصحيحة عمرو بن حريث الصيرفي المتقدمة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: من اين أهل بالحج؟ فقال: ان شئت من رحلك، وان شئت من الكعبة،


73

وان شئت من الطريق (1).

ولكن أفضل الاماكن من مكة المسجد، وأفضل أماكن المسجد المقام أو حجر اسماعيل، للامر بهما في الاخبار.

وصرح غير واحد من الاكابر بأفضلية تحت الميزاب، ولكنلم نعثر على رواية خاصة في ذلك.

نعم انه من الحجر، ولعله هو الوجه عند من أفتى بالتخيير بينه وبين المقام وتساويهما في الفضل وأما القول بالتخيير بين تحت الميزاب والحجر فلا محصل له، لكونه بعضا من الحجر (2).

فروع لابد من التعرض لها (الاول) لو أحرم المتمتع من غير بطن مكة لحج التمتع متعمدا وان كان من الميقات، بطل احرامه ويفسد حجه، إذا لم يتدارك، وان كان غير متمكن من العود إلى مكة أو معذورا منه، ويجب عليه العود إليها، والاحرام منها في حال التمكن منه، ولا يكفي العود

(1) الوسائل ج 8 الباب 21 من ابواب المواقيت الحديث 1.

(2) نقل الصدوق التخيير بين المقام والحجر، وعن الكافي والغنية والجامع والنافع وشرحه والتحرير والمنتهى والتذكرة والدروس التخيير بينه وبين تحت الميزات في الافضلية، وأما التخيير بين الحجر وتحت الميزاب لم ينقل عن أحد لعدم المعنى له، أما أفضلية تحت الميزاب فقد نقل عن محكى الارشاد والتلخيص والتبصرة، وقال في الجواهر: لم نعثر على شاهد يقتضى فضله على المقام.


74

إليها من دون تجديد الاحرام، ولا المرور بها، وكذا لا يكفي تجديد الاحرام من غيرها.

ويأتي حكم من أحرم من غير مكة جهلا أو نسيانا.

لا يخفى أن المتيقن من مكة الذي يصح الاحرام منها ويجب في التمتع، ما كان موجودا في زمان صدور تلك الاخبار من حيثالسعة والضيق والطول والعرض، وأما ما زيد عليه بمرور الزمان في القرون المتمادية والازمنة المتتابعة، فهو غير داخل في بطن مكة وشمول الادلة له غير معلوم، وان كان شمولها قويا في النظر.

(الثاني)

لو ترك المتمتع الاحرام بالحج من مكة جهلا أو نسيانا

ومضى إلى عرفات، وجب العود إلى مكة والاحرام منها، إذا تمكنه منه ومن الرجوع إلى عرفات بعد الاحرام لدرك الوقوف.

وأما إذا لم يتمكن من العود أحرم من مكانه ولو كان بعرفات، وعليه تحمل رواية علي بن جعفر الدالة على وجوب الاحرام بعرفات.

محمد بن يعقوب باسناده عن على بن جعفر عن اخيه قال: سألته عن رجل نسي الاحرام بالحج فذكر وهو بعرفات فما حاله؟ قال: يقول (اللهم على كتابك وسنة نبيك) فقد تم احرامه (1).

وعنه أيضا عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل كان متمتعا خرج إلى عرفات وجهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده.

قال: إذا قضى المناسك كلها فقد تم حجه (2).

(1) الوسائل ج 8 الباب 20 من ابواب المواقيت الحديث 3.

(2) الوسائل ج 8 الباب 20 من ابواب المواقيت الحديث 2.


75

والمتيقن من مفاد الصحيحة صورة عدم التمكن من العود إلى مكة، كما في صورة الجهل، والا لوجب عليه العود إلى مكة والاحرام منها، بل الاحوط العود إليها مهما كان ميسورا وان لم يبلغ مكة، ثم الاحرام من ذلك الموضع.

(الثالث)

لو نسي الاحرام لحج التمتع أو جهل حتى أتى بجميعالمناسك،

فقد تم حجه ولا شئ عليه، كما صرح به في ذيل صحيحة علي بن جعفر، ويدل عليه موثقة ابن عمير الاتية.

محمد بن يعقوب باسناده عن ابن ابى عمير عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما عليهما السلام في رجل نسي أن يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلها وطاف وسعى.

قال: تجزيه نيته، إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه وان لم يهل (1).

وظاهر قوله (وقد شهد المناسك كلها) اما تمام الحج أو مع العمرة، كما أنه يظهر من ترك الاستفصال عدم الفرق بين انواع الحج والعمرة في هذا الحكم.

وكذا الظاهر من قوله (إذ كان قد نوى ذلك) هو نية الاتيان بما فرض الله تعالى عليه من النسك، حتى لا يكون متعمدا في ترك الاحرام، وان لم ينشئ الاحرام ظاهرا.

وحمله على نية الاحرام غير وجيه، لمنافاته للجهل به ونسيانه له.

وكذا حمل الجهل والنسيان في الرواية على الجهل بلزوم التلبية والاهلال ونسيانه مع العلم بوجوب أصل الاحرام وكونه

(1) الوسائل ج 8 الباب 20 من ابواب المواقيت الحديث 1.


76

قاصدا له، خلاف الظاهر، فان المنساق إلى الذهن من الجهل بالاحرام أو نسيانه، الجهل بأصل الاحرام ووجوبه لا الجهل بالتلبية وغيرها، وكذا النسيان.

ويعلم مما ذكر أنه لو ترك الاحرام جهلا أو نسيانا وأتى ببعض المناسك لا كلها، فلا اشكال في صحة ما أتى به وصحة حجه، لوضوح أنه إذا كان جميع المناسك مع الجهل بالاحرام أو نسيانه صحيحا،فالبعض أيضا كذلك، فان الفرق في الصحة والاجزاء بين الاتيان بالكل وبين البعض، مما لا يساعده نظر العرف بل ينكره.

نعم القدر المتيقن من صحة البعض ما لو تذكر وجوب الاحرام بعد فوت محل البعض المأتي به، فانه يكتفى به ويجزى، وأما إذا تذكر قبل فوت المحل وجب عليه الرجوع إلى مكة والاحرام منها، ثم يأتي بما أتى به من قبل ان تمكن من العود إليها، والا يحرم من مكانه ويأتي به، بل الاحوط أن يحرم بعد الالتفات ويأتى بما أتى به من البعض، ولو بالاضطراري منه، كالوقوفين ان أمكن ذلك.

ومثل ما تقدم من الحكم بالصحة لو أحرم بالحج من غير مكة جهلا أو نسيانا، ثم تذكر بعد الاتيان بالمناسك كلها أو بعضها، من غير فرق بين كون المحل الذي أحرم فيه ميقاتا أو غير ميقات، فياتي هنا ما أشرنا إليه من وجوب العود إلى مكة ان تمكن وكفاية الاحرام من موضعة إذا لم يتمكن، وان الاتيان ببعض المناسك انما يجزي


77

إذا فات محله، وأما لو تذكر قبل فوت المحل يجب تداركه كما تقدم.

(الرابع) من ترك الاحرام الحج التمتع من بطن مكة لعذر من الاعذار غير الجهل والنسيان، كخوف من العدو أو مرض وغيرهما، ثم ارتفع العذر، فهل يجب عليه الرجوع إلى مكة والاحرام منها أو يجوز له الاحرام من مكان ارتفع فيه عذره؟ وجهان.

لم أجد من تعرض للمسألة بخصوصها.

نعم يشملها اطلاق كلمات الفقهاء قدس سرهم في ان المعذور يحرم من مكان يرتفععذره فيجب عليه الاحرام من ذلك المكان، ولكن المتيقن منه ما لم يتمكن من العود إلى مكة والاحرام من بطنها، ولا يبعد استفادة هذا الحكم من موثقة ابن بكير التي سنذكرها في الفرع الاتي.

(الخامس) لو اغمي عليه ولم يحرم من مكة، فان أفاق قبل الاعمال وتمكن من العود، رجع وأحرم من بطن مكة، وان ترك ولم يرجع وأحرم من غير مكة عمدا فحجه باطل لا يجزيه، لانه أحرم من غير الميقات عمدا، وقد تقدم أنه باطل.

وأما إذا أفاق ولكن لا يتمكن من العود إلمكة والاحرام منها ودرك الوقوفين بعد، حتى الاضطراري منهما، رجع إلى حيثما أمكن وأحرم منه، وان لم يتمكن من العود أصلا أحرم من مكانه كما تدل عليه موثقة ابن بكير.

محمد بن يعقوب باسناده عن ابن بكير عن زرارة: عن أناس من أصحابنا حجوا بأمرأة معهم فقدموا إلى الميقات وهي لا تصلي


78

فجهلوا ان مثلها ينبغي أن تحرم، فمضوا بها كما هي حتى قدموا مكة وهي طامث حلال، فسألوا الناس فقالوا: تخرج إلى بعض الموايت فتحرم منه، فكانت إذا فعلت، لم تدرك الحج، فسألوا ابا جعفر عليه السلام فقال: تحرم من مكانها قد علم الله نيتها (1).

والمراد من النية ليس نية الاحرام، لانها كانت جاهلة بجواز الاحرام، مع الجهل كيف يمكن أن تنوي الاحرام، بل المقصود انها لم تترك الاحرام عمدا وعن عصيان وعلم الله نيتها، وكانت نيتها أن الاتيان بجميع ما أمر الله تعالى به، وحيث ان الامام عليهالسلام علل جواز الاحرام من مكانه مع عدم التمكن من العود إلى الميقات، بعدم تركها الاحرام عن علم وعمد، يستفاد منه أن كل من فاته الاحرام من الميقات عن غير عمد ولم يتمكن من العود إليها والاحرام منها، أحرم من مكانه ويصح حجه.

(السادس) من كان متمتعا فأغمي عليه عند الخروج من مكة، احرم عنه غيره، بأن يلبسه الثوبين ويلبي عنه، فان أفاق قبل حلول وقت الاعمال أتى بالمناسك ولا شئ عليه ويصح حجه، لكونه محرما.

وان أفاق بعد مضي وقت الاعمال أو أثنائه بحيث لا يتمكن من درك ما فات من المناسك، كمن أفاق بعد الوقوفين حتى الاضطراري منهما، فحجه باطل، ويحل بعمرة مفردة كما تدل عليه روايات صحيحة:

(1) الوسائل الجزء 8 الباب 14 من ابواب المواقيت الحديث 6.


79

منها رواية جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن احدهما عليهما السلام، في مريض أغمي عليه فلم يعقل حتى أتى الوقت.

فقال: يحرم عنه رجل (1).

(السابع)

من نسي الاحرام لحج التمتع من مكة وتذكر في عرفات أو في الطريق

ولم يتمكن من العود إلى مكة لضيق الوقت أو غيره، أحرم من موضعه، فان قلنا بصحة حجه تمتعا كما تقدم لا يسقط عنه الهدي، وان أحرم من أحد المواقيت أو مر بعد الاحرام عليه، ولا يجب عليه دم آخر بترك الاحرام من بطن مكة، وكذا من أحرم لحج التمتع من مكة ومر على الميقات بعد الاحرام لا يسقطعنه الهدي بالمرور عليها.

(تتميم) قد يذكر شرط خامس لحج التمتع، وهو أن يقع العمرة والحج المأتي بهما في سنة واحدة من مكلف واحد لمكلف واحد

(1) الوسائل الجزء 8 من ابواب الميقات الباب 20 الحديث 1.

اقول: نقل صاحب الوسائل ثلاث روايات عن جميل بهذا المضمون، أحدها ما ذكر رواه عن ابن ابى عمير عن جميل، والثانى رواه عن موسى بن القاسم عن جميل وهو الحديث الرابع من ذاك الباب، والثالث رواه في الباب 55 من ابواب الاحرام الحديث الثاني مع اختلاف يسير

فيه، وظن بعض أنها ثلاث روايات، والحال ليست الا رواية واحدة

سمعها بعض الاصحاب عن أحدهما مرة واحدة.

وكان الاستاذ الاعظم الفقيه الفقيد الحاج آقا حسين البروجردي قدس سره يشير إلى أمثال هذا في مجلس درسه، وينبه الفضلاء عليه.


80

فلو أتى بعمرة التمتع لنفسه وأتى بحجه لغيره أو العكس لا يصح أو اتى بالعمرة لشخص وأتى بالحج لشخص آخر لا يصح تمتعا، وكذا لا يصح التمتع لو أتى شخص بالعمرة تمتعا وأتى شخص آخر بحجه كذلك، لما يستفاد من النصوص أن العمرة المتمتع بها والحج عمل واحد مركب من عملين، وقد دخلت العمرة في الحج، لا يجوز التفكيك بينهما سواء كان لنفسه أو لغيره.

وعموم أدلة النيابة لا يشرع التفكيك فيما لم يشرع لنفس المنوب عنه، نعم لو ورد دليل على جواز التفكيك بين العمرة والحج في النيابة عن الغير، يكشف به عن القاء الارتباط بينهماوعدم دخله في عمل النائب.

قد يستدل على جواز التفكيك برواية محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل حج عن أبيه أيتمتع؟ قال: نعم المتعة له والحج لابيه (1).

والاستدلال مبني على أن يكون المقصود من قوله (أيتمتع) الاتيان بعمرة التمتع لنفسه والحج لابيه، فعلى هذا يكون صريحا في جواز التفكيك بين العمرة والحج وعدم اعتبار كونهما لشخص واحد.

ولكن الرواية لا ظهور لها في ذلك، وان كان يحتمل بعيدا بل المتبادر إلى الذهن والظاهر من قول السائل (أيتمتع) هو السؤال عن جواز اتيان حج التمتع عن أبيه، وأجابه الامام عليه الجواز

(1) الوسائل ج 8 الباب 27 من ابواب النيابة الحديث 1.


81

بقوله (نعم)، مع التشويق والترغيب بأن المتعة له أي الالتذاذ من المحرمات بالاحرام بعد الاحلال له والحج لابيه، فلا ربط للرواية بالمسألة حتى يستدل لها.

وكذا دلالة ما رواه جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله، غير تامة ولا يصح الاستدلال به.

محمد بن يعقوب باسناده عن ابى جميلة عن جابر عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله: من وصل قريبا بحجة أو عمرة كتب الله له حجتين وعمرتين، وكذلك من حمل عن حميم يضاعف الله له الاجر ضعفين (1).

فان اطلاق النبوي لا يشمل ما ليس بمشروع لنفس النائب ولا يكون مشرعا حتى يصل قريبه بما لا يجوز لنفسه.

(1) الوسائل ج 8 الباب 25 من ابواب النيابة الحديث 6.


82

احكام التمتع ( منها ) عدم جواز الخروج من مكة للمعتمر بعمرة التمتع، قبل أن يأتي بالحج.

ويقع الكلام

فيه في طي مباحث: (البحث الاول) من دخل مكة

معتمرا بعمرة التمتع لا يجوز له الخروج من مكة بعد الاتيان بها قبل ان يحج، من غير اضطرار وحاجة لا محلا ولا محرما، لانه مرتهن بحجه، سواء علم أن الحج يفوت بالخروج أو احتمل ذلك أو علم أنه لا يفوته أصلا وفاقا للمشهور كما عن المدارك والوسيلة والمهذب والاصباح وموضع من المبسوط والنهاية.

واستدلوا بروايات: منها مرسلة موسى بن القاسم عن بعض أصحابنا أنه سال ابا جعفر عليه السلام في عشر من شوال فقال: اني أريد أن أفرد عمرة هذا الشهر.

فقال: انت مرتهن بالحج.

فقال له الرجل: فان لي ضياعا حول مكة واحتاج إلى الخروج إليها.


83

فقال عليه السلام: تخرج حلالا وترجع حلالا إلى الحج (1).

ورواية زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: قلت له: كيف أتمتع؟ قال: تأتي الوقت فتلبي بالحج، فإذا دخلت مكة طفت بالبيت وصليت ركعتين خلف المقام وسعيت بين الصفا والمروة وقصرت وأحللت من كلى شئ، وليس لك ان تخرج من مكة حتى تحج (2).

ورواية معاوية بن عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: تمتع فهو والله أفضل.

ثم قال: ان أهل مكة يقولون ان عمرته عراقية وحجه مكية، كذبوا أو ليس هو مرتبطا بالحج، لا يخرج حتى يقضيه (3).

ومرسلة الصدوق قال: قال الصادق عليه السلام: إذا اراد المتمتع الخروج من مكة إلى بعض المواضع فليس له ذلك لانه مرتبط بالحج حتى يقضيه، الا أن يعلم انه لا يفوته الحج (4).

وصحيحة حماد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من دخل مكة متمتعا في اشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج فان عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى ذات عرق

(1) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 3.

(2) الوسائل ج 9 الباب 22 من ابواب الاحرام الحديث 3.

(3) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 2.

(4) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 10.


84

خرج محرما ودخل ملبيا بالحج الخبر (1).

وغيرها من الروايات المصرحة فيها بعدم جواز الخروج من مكة للمتمتع حتى يقضي حجه، ولا مانع من العمل بها، ولا معارض لها.

وما يدل على جواز الخروج من مكة قبل الاتيان بالحج أو يستشعر منها ذلك، فهو محمول على صورة الحاجة والاضطرار العرفي، كما صرح به في ذيل رواية حماد، ويأتي حكم الاضطرار انشاء الله.

وأما

لو احتاج المتمتع إلى الخروج

من مكة قبل الحج يحرم بالحج من مكة ويخرج لحاجته، إذا علم انه لا يفوته الحج، ثم يدخل مكة ويفيض إلى عرفات بهذا الاحرام، ويجوز له أن يذهب إلى عرفات من مكانه من غير أن يدخل مكة، كما يشهد له بعض الروايات: منها رواية حفص البخترى عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل قضى متعته وعرضت له حاجة اراد أن يمضي إليها.

قال: فقال فليغتسل للاحرام وليهل بالحج وليمض في حاجته، فان لم يقدر على الرجوع إلى مكة مضى إلى عرفات (2).

ورواية الحلبي قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتمتع بالعمرة إلى الحج يريد الخروج إلى الطائف.

قال: يهل

(1) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 6.

(2) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 4.


85

بالحج من مكة، وما أحب أن يخرج منها الا محرما ولا يتجاوز الطائف، انها قريبة من مكة (1).

ومثلها رواية حماد بن عيسى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من دخل مكة متمتعا في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج، فان عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى ذات عرق خرج محرما ودخل ملبيا بالحج فلا يزال على احرامه الخبر وقد تقدم (2).

ورواية أبان بن عثمان عمن اخبره عن ابى عبد الله عليه السلامقال: المتمتع محتبس لا يخرج من مكة حتى يخرج إلى الحج، الا أن يأبق غلامه أو تضل راحلته فيخرج محرما ولا يجاوز الا على قدر ما لا تفوته عرفة (3).

ورواية على بن جعفر عن اخيه قال: سألته عن رجل قدم مكة متمتعا فأحل أيرجع؟ قال: لا يرجع حتى يحرم بالحج، ولا يجاوز الطائف وشبهها مخافة أن لا يدرك الحج، فان أحب أن يرجع إلى مكة رجع، وان خاف أن يفوته الحج مضى على وجهه إلى عرفات (4).

(1) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 7.

(2) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 6.

(3) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 9.

(4) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 12.


86

والمستفاد من تلك الروايات ان المتمتع إذا عرضت له الحاجة إلى الخروج يخرج محرما للحج لا محلا، ولا يعارضها الا مرسلة أرسلها الطوسي قدس سره عن بعض اصحابنا أنه سأل ابا جعفر عليه السلام في عشر من شوال فقال: انى اريد أن أفرد عمرة هذا الشهر فقال: انت مرتهن بالحج.

فقال له الرجل: ان المدينة منزلي ومكة منزلي ولي بينهما أهل وبينهما أموال.

فقال له: أنت مرتهن بالحج فقال له الرجل: فان لي ضياعا حول مكة واحتاج إلى الخروج إليها فقال: تخرج حلالا وترجع حلالا إلى الحج (1).

هذه المرسلة رواها الشيخ (قده) تارة مع الذيل الدال علىجواز الخروج من مكة بدون الاحرام، وأخرى أرسلها بدون الذيل وعلى أي فهى ليست بحجة، ولا تعارض النصوص المعتبرة المتقدمة التي تدل على وجوب الاحرام عليه للحج إذا احتاج إلى الخروج من مكة.

نعم قد يستظهر من صحيحة الحلبي المتقدمة كراهة الخروج من غير احرام، حيث قال الصادق عليه السلام: وما أحب ان يخرج منها الا محرما، ولا يتجاوز الطائف (2).

ولكن ظهور قوله عليه السلام (ما أحب) في الكراهة، ليس بحيث يكافؤ ظهور الروايات المتقدمة في الحرمة أو يعارضها.

وبالجملة

(1) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 3.

(2) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 7.


87

العمل بالروايات السابقة والقول بحرمة خروج المتمتع من مكة بغير احرام مما لا شبهة فيه.

هذا إذا علم بعدم فوت الحج إذا خرج من مكة، واما لو علم انه إذا خرج منها يفوته الحج أو خاف ان يفوت، فلا يجوز له الخروج محرما كان أو محلا، لانه مرتهن بحجه، ولان الادلة الدالة على جواز الخروج عند الحاجة إليه انما قيدت بالعلم بعدم فوت الحج إذا خرج كصحيحة ابان بن عثمان المتقدمة، ففيها: فيخرج محرما ولا يجاوز الا على قدر ما لا يفوته عرفة (1).

وفي مرسلة الصدوق المذكورة قبل: فليس له ذلك لانه مرتبط بالحج حتى يقضيه، الا ان يعلم انه لا يفوته الحج (2).

وفي رواية قرب الاسناد: لا يجاوز الطائف وشبهها مخافة ان لا يدرك الحج (3).

(البحث الثاني) من دخل مكة معتمرا بعمرة التمتع وجهل أنه لا يجوز له الخروج من مكة قبل الحج، وخرج منها بغير احرام ودخلها في الشهر الذي أحرم فيه، يجوز له أن يدخل مكة بغير احرام بلا خلاف فيه.

ويدل عليه رواية حماد عن ابى عبد الله عليه السلام حيث قال: ان رجع في شهره دخل بغير احرام، وان دخل في غير

(1) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 6.

(2) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 10.

(3) المصدر ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 12.


88

الشهر دخل محرما (1).

وقال في التهذيب في ضمن أحكام التمتع: من خرج عن مكة بغير احرام ودخل في الشهر الذي خرج منه، فالافضل أن يدخلها محرما، ويجوز له أن يدخلها بغير احرام.

وتبعه العلامة في التذكرة.

واستدل الشيخ (قده) برواية اسحاق بن عمار، قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن المتمتع يجئ فيقضي متعة، ثم تبدو له فيخرج إلى المدينة والى ذات عرق أو إلى بعض المعادن.

قال: يرجع إلى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لان لكل شهر عمرة، وهو مرتهن بالحج.

قلت: فانه دخل في الشهر الذي خرج فيه.

قال: كان ابى مجاورا هيهنا فخرج يتلقى (ملتقيا) بعض هؤلاء، فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحجودخل وهو محرم بالحج (2).

ويشكل عليه بأنه لم يذكر في الرواية ان أباه عليه السلام كان متمتعا فأحرم بعمرة التمتع، بل ذكر أنه كان مجاورا، ولعل احرامه كان لحج الافراد.

ولا يتوهم أنه بناءا على ذلك لا يبقى مناسبة بين السؤال والجواب، إذا السائل انما سأل عن التمتع فأجاب الامام عليه السلام عن الافراد.

فانه يدفع بأنه يمكن أن يكون السؤال عن مسألتين احداهما جواز ابطال العمرة المأتي بها تمتعا والثانية

(1) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 6.

(2) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 8.


89

جواز دخول الحرم بغير احرام.

فأجاب عليه السلام عن الثانية بأن اباه كان مجاورا ودخل في الحرم، مع انه دخل في الشهر الذى خرج فيه.

ويمكن ان يحمل احرامه على احرام التمتع، ولكن دخوله بمكة انما كان بعد مضي شهر التمتع وقبل شهر الخروج، فيتوافق الصدر والذيل، للحكم في الصدر بأن الملاك في عدم وجوب الاحرام عليه دخول مكة في شهر التمتع، ثم سأل السائل عن شهر الخروج وانه مثل شهر التمتع في عدم وجوب الاحرام عليه إذا دخل فيه، فأجاب الامام عليه السلام بأن اباه انما احرم من ذات عرق وظاهر السؤال والجواب أن شهر الخروج إذا لم يتحد مع شهر التمتع يجب الاحرام للعمرة كما فعل ابوه عليه السلام.

والانصاف ان الرواية اظهر في ذلك من سائر المحامل، ولكنهلم يفت بمضمونها الا نادر.

ويمكن أن يقال: ان ذيل الرواية معرض عنه.

وكيف كان لا يفهم من رواية اسحاق بن عمار جواز الاحرام لحج التمتع من غير مكة، لمن خرج منها بعد الاتيان بالعمرة التى تمتع بها إلى الحج قبل اتيانه.

وأما الاحرام للعمرة إذا دخل في شهر التمتع، فلم أعثر على فتوى من الفقهاء على جوازه ولا على رواية تدل عليه.

فتحصل من جميع ما ذكرناه أن المتمتع إذا خرج من مكة


90

بعد العمرة قبل الحج، ان رجع إليها قبل شهر التمتع يدخل مكة بدون الاحرام، وأما لو رجع بعد مضي شهره فيأتي بحثه.

(البحث الثالث) من دخل مكة معتمرا بعمرة التمتع وخرج منها بعد العمرة حلالا ثم دخلها بعد مضي شهر من يوم خروجه يجب عليه أن يدخلها محرما للعمرة المتمتع بها إلى الحج، وتكون هي العمرة المتصلة بحجه، وتصير الاولى عمرة مفردة مبتولة.

وحكي عن الشهيد رحمه الله في حاشية الدروس، ما يدل على أن العمرة الاولى هي المتمتع بها إلى الحج لا الثانية، ولكنه مخالف لصريح حسنة حماد المتقدمة (1)، فانه لما قال الامام عليه السلام (ان رجع في شهره دخل بغير احرام وان دخل في غير الشهر دخل محرما) سأل الراوى فأي الاحرامين والمتعتين متعة الاولى أو الاخيرة.

قال: الاخيرة هي عمرته، وهي اللمحتبس بها التى وصلت بحجته.

وبالجملة يدل على أصل الحكم، مضافا إلى عدم الخلاف فيه رواية اسحاق بن عمار المتقدمة ومرسلة الصدوق ورواية حماد بن عيسى المصرحة فيها، بأن من خرج من مكة بعد العمرة ودخلها قبل مضي شهر دخلها محلا، ومن دخلها بعد مضي شهر دخلها محرما لعمرة التمتع.

ومن مرسلة الصدوق: ان خرج وعاد في الشهر الذي خرج

(1) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 6.


91

دخل مكة محلا، وان دخلها في غير ذلك الشهر دخلها محرما (1).

وفي صحيحة حماد قال: ان رجع في شهره دخل بغير احرام وان دخل

في غير الشهر دخل محرما (2).

ولكن المتيقن من الشهر شهر الخروج،

الذي يجب الاحرام بعد مضيه، كما يأتي تفصيله.

(البحث الرابع) من اعتمر بعمرة التمتع ودخل مكة وقضى أعمالها، ثم خرج من مكة محلا ورجع إليها ودخلها قبل مضي الشهر الذي خرج فيه وبعد الشهر الذي تمتع، فهل يدخل مكة بغير احرام لعدم انقضاء الشهر الذى خرج فيه، أو يدخلها محرما لعمرة التمتع لانقضاء الشهر الذي احرم فيه بالعمرة المتمتع بها؟ فيه تردد.

ومنشأ ذلك ما ذكر في مرسلة الصدوق ورواية أبان من التصريح بشهر الخروج، واستظهره بعض من حسنة حماد أيضا، فيدخل بغير احرام، لعدم مضي شهر الخروج، ومن ذكر شهر التمتع في رواية اسحاق بن عمار، فيدخلها محرما.

أما شهر الخروج وان صرح به في مرسلة الصدوق، ولكن استظهاره من حسنة حماد مشكل، خصوصا مع التعليل الوارد في رواية اسحاق، بأن لكل شهر عمرة، بل يمكن استظهار شهر التمتع من الحسنة، بقرينة ما ذكر في صدرها من قوله عليه السلام (من

(1) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 10.

(2) المصدر ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 6.


92

دخل مكة في اشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج) وكذا قوله (ثم رجع في ابان الحج في اشهر الحج) لوضوح أن المراد من أشهر الحج هو شوال وذو القعدة وعشرة ايام من ذي الحجة على ما تقدم.

فعلى هذا، اضافة الشهر إلى المعتمر بمناسبة ما صدر منه من العمل في قوله (ان رجع في شهره دخل بغير احرام، وان دخل في غير الشهر دخل محرما) تكون ظاهرة في شهر التمتع.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في استظهار شهر التمتع من حسنة حماد، ولكن الانصاف انها غير ظاهرة فيه لو لم تكن ظاهرة في شهر الخروج، ولا اقل من الاجمال في الرواية المانع من الاستدلال بها.

وأما رواية أبان وحفص البخترى فهي صريحة في شهر الخروج ولا شبهة فيه، لقوله عليه السلام (ان رجع في الشهر الذي خرج فيه دخل بغير احرام، فان دخل في غيره دخل باحرام) فتعارض رواية اسحاق بن عمار التي تدل على أن الاعتبار بشهر التمتع لا شهر الخروج، ولكن النسبة بينهما العام والخاص.

وتوضيح ذلك: ان كل من دخل في شهر التمتع دخل في شهر الخروج، وبعض من دخل في شهر الخروج لم يدخل في شهر التمتع، فيخصص عموم رواية ابان وحفص برواية اسحاق بن عمار فيكون المعنى كل من دخل في شهر الخروج دخل مكة بغير احرام الا من دخل في غير شهر التمتع، فيجب عليه الاحرام، ان لم نقل:


93

ان ذيل رواية اسحاق معارض لصحيحة ابان وحفص، فان الراوي لرواية اسحاق سأل الامام عن حكم شهر الخروج بعد بيان حكم شهر التمتع وقال (فانه دخل في الشهر الذي خرج فيه) فأجابه الامام عليه السلام بأن اباه كان مجاورا ودخل وهو محرم بالحج.

والانصاف ان ذيل رواية اسحاق ظاهرة في وجوب الاحرام للحج إذا دخل في الشهر الذي خرج فيه، وهو غير معارض لما يدل على عدم وجوب الاحرام للعمرة في شهر الخروج (1)، ولكن العمل برواية اسحاق والقول باعتبار شهر التمتع أوفق بالقواعد، خلافا لما اختاره في النهاية والمنتهى والتذكرة ووفاقا لما في المسالك والقواعد.

(البحث الخامس) من دخل مكة متمتعا وخرج منه حلالا، ثم دخل بعد مضي شهر الاحرام وقبل مضي شهر الاحلال، فهل يجب عليه أن يدخل محرما بالعمرة أو يدخلها بغير احرام؟ فيه تردد واشكال.

(1) تقدم البحث حول رواية اسحاق في مسألة الاحرام للحج، وان لها محامل: الاول حمل الرواية على التقية، وأورد عليه الاستاذ.

والثانى حمل الحج على حج الافراد.

والثالث ما احتمله الاستاذ مد ظله من أن الاحرامفي شهر الخروج انما كان من جهة ان شهر الخروج كان غير شهر التمتع واحرم للعمرة المتمتع بها، واطلاق الحج على العمرة شائع في الروايات.

وعلى هذا لا يكون الذيل معارضا لرواية أبان وحفص، ويجمع بينها وبين رواية اسحاق بما ذكر في المتن من التخصيص، ولكن لا يبقى مورد لرواية أبان وحفص على هذا المبنى.


94

ومنشأ الاشكال هنا أنه بعد الجمع بين الروايات والبناء على الاعتبار بشهر التمتع، كما في رواية اسحاق، يأتي البحث في أن مبدأ الشهر هو الاحرام والاهلال بالعمرة، أي الشهر الذى أحرم فيه أو ان المبدأ الاحلال من العمرة والفراغ منها، أو التمتع والالتذاذ بعد الاحلال لا صرف الفراغ من العمل؟ وجوه، اوجهها الثاني، فان صدور الفعل ونسبته إلى المعتمر لا يصح الا بعد تمام العمل والفراغ منه، ولا يحتاج إلى شئ آخر بعده، ولا يكفي الشروع في صحة النسبة.

فعلى هذا، يكون المراد من قوله عليه السلام (ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه) الشهر الذي فرغ من اعمال العمرة واتمها، لا الذي اهل بها وشرع فيها، ولا الذي تمتع فيه وتلذذ بعد الاحلال والفراغ.

ويظهر من بعض الروايات الواردة في احكام العمرة، ان الملاك والاعتبار في نسبة عمرة إلى شهر من الشهور هو الشروع فيها والاهلال بها لا الاحلال منها، لقوله عليه السلام: إذا أحرمت في رجب وان كان في يوم واحد منه فقد أدركت عمرة رجب، ان قدمت في شعبان فانما عمرة رجب ان تحرم في رجب (1).

(1) الوسائل ج 10 الباب 3 من ابواب العمرة الحديث 14.

أقول: يظهر من رواية ابى ايوب الخزاز أن الملاك والاعتبار في نسبة العمرة إلى شهر، هو الاحرام فيه والاهلال بها، لا الاحلال منها.

عن ابى ايوب الخزاز عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: انى كنت أخرج لبلة أو ‌


95

والانصاف أن المتيقن من الرواية درك فضيلة عمرة رجب باعتبار وقوع الاحرام في يوم منه، وأما ترتب جميع الاحكام والاثار حتى فيما نحن فيه، فمحل تأمل وخفاء.

مضافا إلى أنها من روايات قرب الاسناد، وان في حسنة عبد الرحمن ما يوجب الترديد فيها.

عن عبد الرحمن عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل احرم في شهر وأحل في آخر.

قال: يكتب له في الذى نوى وقال يكتب له في افضلهما (1).

وكيف كان الظاهر من رواية اسحاق المتقدمة في اعتبار شهر التمتع، هو الاحلال من العمرة لا الاهلال بها، لما تقدم في وجه تأييد هذا الاحتمال، كما هو مقتضى الاستصحاب الجاري في المقام ايضا، بعد تعارض الادلة الواردة في المسألة لو قيل به.

توضيح ذلك: ان مقتضى العمومات المستفيضة الدالة على

‌ ليلتين يبقيان من رجب فتقول ام فروة: ان عمرتنا شعبانية، فأقول له بنية انها فيما أهللت وليس فيما احللت.

الوسائل باب العمرة الحديث 10.

ومثلها رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل أحرم في شهر واحل في آخر.

قال: يكتب له في الذى نوى.

الوسائل ج 10 ص 240 الحديث 5.

ويخالفها رواية عيسى الفراء عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا أهل بالعمرة في رجب واحل في غيره كانت عمرته لرجب، وإذا اهل في غير رجب وطاف في رجب فعمرته لرجب.

الوسائل ج 10 ص 240.

(1) الوسائل ج 10 الباب الثالث من ابواب العمرة الحديث 5.


96

عدم جواز العبور من الميقات الا محرما، ان لا يجاوزها أحد الا بالاحرام، سواء كان قد خرج من مكة ورجع إليها قبل مضي شهر من خروجه أو بعده.

ومقتضى الروايات الدالة على أنه ان رجع إلى مكة قبل مضي الشهر دخل بغير احرام، جواز العبور من الميقات بغير احرام.

وما يدل على أن من اتى بالعمرة المتمتع بها إلى الحج لا يجوز له ابطال العمرة، وقطعها عن الحج وجعلها مبتولة، فمقتضاه أيضا العبور من الميقات ودخول مكة بغير احرام، والاحرام للحج من بطن مكة.

والنسبة بين الطائفتين من الروايات هي العموم من وجه، فان قول ابى جعفر عليه السلام في جواب السائل، هل يدخل الرجل الحرم (لا، الا ان يكون مريضا أو مبطونا) وكذا قول الصادق عليه السلام ((الا مريض أو مبطون) شامل بعمومه للمتمتع الخارج عن مكة، الراجع إليها بعد مضي شهر التمتع قبل مضي شهر الخروج.

وكذا قوله عليه السلام في جواب السائل انى اريد ان افرد عمرة هذا الشهر (انت مرتهن بالحج) الظاهر في أنه كان اعتمر بعمرةالتمتع ثم أراد أن يفردها، اما برجوعه إلى بلده وترك الحج اصلا واما بالخروج من مكة واتيانه بعمرة اخرى ليتمتع بها إلى الحج ومنعه عليه السلام عن ذلك بقوله (انت مرتهن بالحج) شامل


97

بعمومه لما نحن فيه أيضا، فمقتضى عموم وجوب الاحرام من الميقات على كل من يمر بها أن يدخل مكة محرما، ومقتضى عموم الطائفة الثانية عدم وجوب الاحرام وجواز الدخول محلا، والاحرام بالحج من مكة حتى لا تنقطع العمرة الاولى عن الحج، ولا يقع الفصل بينهما، كما هو مقتضى قوله صلى الله عليه وآله (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) ومفاد كل ما يدل على أن المعتمر بالعمرة المتمتع بها مرتهن به حتى يقضي الحج فيقع التعارض بين تلك الادلة فيما إذا خرج من مكة بعد العمرة محلا ورجع قبل مضي الشهر.

فبناءا على عموم الادلة الدالة على أنه لا يدخل الحرم أحد الا محرما، يجب عليه الاحرام من الميقات ودخول مكة محرما، وبناءا على ما يستفاد من الطائفة الثانية الدالة على أن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة وان المعتمر مرتهن بحجه، يجب عليه أن يدخلها بغير احرام لكي لا يقع الفصل بين العمرة والحج، ولابد من رفع التعارض اما بالنصوص الواردة في المقام، واما بالاصل الجاري فيه.

يمكن أن يقال: ان حسنة حماد الدالة على أنه ان رجع في شهره دخل مكة بغير احرام، تخصص ما يدل على عدم جواز العبورمن الميقات ودخول الحرم الا بالاحرام، ان قلنا ان صدر الحسنة مجمل من جهة الشهر وفسرناه بمعونة موثقة اسحاق بشهر التمتع


98

الذي هو أيضا مجمل من حيث الاهلال أو الاحلال، المقطوع منهما هو الاول.

فالمتيقن من المستثنى شهر الاحرام، لانه مقطوع خروجه عن عموم ما يدل على عدم جواز دخول مكة بغير احرام، وأما من خرج من مكة ودخلها بعد شهر الاهلال وقبل شهر الاحلال، فيمكن القول ببقائه تحت ذلك العموم.

وأما النصوص الدالة على عدم جواز الفصل بين العمرة والحج وانه مرتهن به حتى يقضيه، فتخصص ايضا بذيل حسنة حماد بقوله عليه السلام (وان دخل في غير الشهر دخل محرما) (1).

ولكن القدر المتيقن من المستثنى هنا شهر الاحلال دون الاهلال، فان من دخل مكة بعد شهر من احلاله من عمرة التمتع، خارج عن عموم (انت مرتهن بالحج) أو (هو مرتبط بالحج وليس لك ان تخرج من مكة حتى تحج) (2) فيدخل محرما بعمرة التمتع.

وأما من دخلها بعد شهر الاحرام والاهلال وقبل مضي شهر الاحلال، فهو باق تحت العموم، فلا يجوز له الاحرام بها، لكونه مرتبطا بحجه بالعمرة الاولى ويبقى غير المتيقن تحت عامين متعارضين، وهو من خرج من مكة بعد العمرة ورجع إليها ودخلها بعد شهر الاهلال وقبل شهر الفراغ والاحلال منها.

والمرجع فيه

(1) الوسائل ج 8 الباب 22 من اقسام الحج الحديث 6.

(2) الوسائل ج 8 الباب 22 من ابواب وجوب الاتيان بعمرة التمتعوحجه عام واحد الحديث 1.


99

الاصل، وهو استصحاب جواز الدخول في الحرم بغير احرام بل وجوبه.

وتوضحيح ذلك: انه كان قبل مضي شهر الاحرام مكلفا بدخول مكة محلا، كما تدل عليه حسنة حماد، فإذا دخلها بعد مضي شهر الاحرام وقبل مضي شهر الاحلال، يشك في ان تكليفه دخول مكة محرما أو محلا، لتردد الشهر في الرواية بين شهر الاحرام والاحلال فيستصحب حكمه الاول، أي قبل مضي شهر الاحرام الذى كان له ان يدخل مكة من غير احرام، فالان أيضا كذلك.

نعم من خرج بعد شهر الاحرام من مكة ودخلها قبل شهر الاحلال لا يجري استصحاب الحكم المذكور لعدم اليقين السابق، الا على القول بجواز الاستصحاب التعليقي.

وما ذكرنا من الاستصحاب في مورد تعارض الدليلين جار فيمن خرج من مكة ورجع بهد شهر التمتع وقبل مضي الشهر الذي خرج فيه، ان قلنا بتعارض الدليلين وعدم تقدم أحدهما على الاخر.

فعلى هذا من خرج من مكة بعد اتمام اعمال العمرة، واراد الرجوع إليها بعد مضي شهر التمتع وقبل شهر الخروج، فبناءا على اعتبار شهر التمتع يجب عليه الاحرام لدخول مكة، وبناءا على اعتبار شهر الخروج يدخلها بدون احرام، وحيث انه لا دليل على ترجيح احد الاحتمالين يتعارضان فيتساقطان، ويكون المرجع هو الاستصحاب على ما تقدم تفصيله.


100

هذا ما تقتضيه القواعد الفقهية من جهة وجوب الاحرام وعدمه تكليفا، للعبور من الميقات ودخول مكة بعد الخروج منها، وأما احتمال ذخل عدم الخروج منها في المكلف به، واعتباره فيه ولو بهذا المقدار فلابد في نفيه من التمسك بالبراءة، ولا مجال للاستصحاب فيه (1).

(المسألة السادسة) من دخل مكة معتمرا بعمرة التمتع وخرج منها بعد اعمال العمرة لحاجة محلا عمدا لا جهلا ولا نسيانا، فهل الحكم فيه نظير المسألة السابقة، من التفصيل بين من دخل قبل الشهر فيدخل محلا، ومن دخل بعد مضي الشهر فيدخل محرما.

أو الحكم هنا مغاير لحكمها وأنه لابد من التمسك فيها بغير الاخبار المتقدمة؟ وجهان.

الظاهر الاول، فان قول الراوي اسحاق بن عمار سألت أبا الحسن عليه السلام عن المتمتع يجئ فيقضي متعته ثم تبدوله الحاجة فيخرج إلى المدينة أو إلى ذات عرق أو إلى بعض المعادن، باطلاقه شامل للعامد والجاهل، فلا يختص الحكم بالثاني دون الاول، إذ لا فرق في الاخذ بالاطلاق بين السؤال والجواب، إذ

(1) واحتمال دخل عدم الخروج من مكة في المكلف به، اما من جهة أن الخروج منها بعد اعمال العمرة مانع عن انطباق عنوان المأمور به على المأتى به، أو ان المكث بمكة بعد العمرة من شرائط المكلف به، كما يظهر من التعبير بأنه مرتهن بحجه.

وعلى كل حال المعتبر في المقام الاحاديث الواردة في المسألة.

راجع وسائل الشيعة الجزء 8 الباب 22 من اقسام الحج.


101

اطلاق الاول مثل الثاني.

ولو فرضنا أن السؤال انما وقع في مورد خاص شخصي لم يعلم الوجه فيه، لامكن القول بالاطلاق أيضا بترك الاستفصال من الامام عليه السلام وعدم سؤاله عن خصوصية السؤال.

ويعلم من المسألة حكم من خرج من مكة عامدا بلا حاجة وضرورة، إذ الخصوصية بين المتعمدين مفقودة أيضا.

(المسألة السابعة) من أحرم في محل لا يجوز الاحرام منه فهو كالعدم لا تترتب عليه الاحكام أصلا، ولو تعمد ذلك كان تشريعا محرما.

(المسألة الثامنة): قد تقدم أن العمرة الثانية التى احرم بها حين الرجوع إلى مكة بعد مضي الشهر، هي العمرة المتمتع بها إلى الحج دون الاولى المبتولة فعلى هذا يترتب عليها جميع الاحكام المترتبة على تلك العمرة فهى المحتبس بها إلى الحج والمرتبطة به ولا يجوز له الخروج من مكة حتى يقضي الحج وغير ذلك من الاحكام الا أن يدل دليل على خلافه.

وهل يشترط في العمرة الثانية الاحرام بها من ميقات أهله أو احد المواقيت، أو يجوز له الاحرام بها من خارج الحرم؟ وجوه وأقوال.

الاقوى هو الاول، لانه المتبادر من الاخبار وقد يقال ان الاقوى هو الثاني نظرا إلى اتحاد الحكم بينه وبين ما جاور مكة من شهر


102

رمضان أو قبله، فقد ورد فيه جواز الاحرام بالعمرة من جعرانة وان كان القول الاول مقتضى الاحتياط.

هذا إذا لم يمر بأحد المواقيت والا فلا يجوز له ترك الاحرام والعبور منه بدون احرام لعدم استفادة ذلك من أخبار المجاورة.

وأما الاحكام الاخر فيترتب جميعها عليها كما أشير إليها فلا يجوز له الخروج من مكة بعد دخولها اختيار، بل هو مرتهن بالحج إلى أن يقضيه.

وأما الخروج لحاجة فقد تقدم، فان ضاق الوقت عن اتمامها (أي العمرة الثانية) يجب العدول منها إلى الافراد، فانها العمرة التي يتمتع بها إلى الاحج، فمتى كان العدول من التمتع إلى الافراد جائزا عند ضيق الوقت كما تدل عليه الاخبار الاتية، فيجوز في المقام أيضا إذ لم يثبت من الشرع حكم خاص لتلك العمرة، غير ما ثبت لكل عمرة يتمتع بها إلى الحج.

ثم انه هل يجب طواف النساء للعمرة الاولى بعد ما صارت مبتولة أم لا؟ الظاهر أن طواف النساء انما يجب في كل عمرة مفردة أتى بها من الاول بقصد العمرة المفردة وعليها تحمل الاخبار الدالة على وجوب طواف النساء في كل عمرة، وأما العمرة التى أتى بها بقصد التمتع وأحل منها وحلت له النساء فلا دليل على حرمتها عليه ثانيا ووجوب الطواف عليه لاجلها، ولكن الاحتياط حسن.

(المسألة التاسعة) لو خرج المعتمر بعمرة التمتع بعد اتمامها من


103

مكة محلا ودخلها بعد مضي الشهر محلا عصيانا أو جهلا أو نسيانا فهل له ان ياتي بحج التمتع مع العمرة الاولى، أو يجب عليه الرجوع إلى الميقات والاحرام منها بقصد العمرة ثم الاتيان بالحج حتى يرتبط حجه بعمرته الثانية؟ فيه وجهان.

والمنشأ أن العمرة الاولى هل تصير مبتولة بالخروج من مكة ومضي الشهر، أو لا يتبتل الا باتيان العمرة الثانية، فيجب عليه تكليفا أن يأتي بعمرة ثانية بعد مضي الشهر، حتى تتبتل العمرة الاولى وتصير الثانية هي المتمتع بها إلى الحج.

فحينئذ لو عصى ولم يأت بعمرة ثانية، واتى بالحج مرتبطا بالعمرة الاولى يصح حجه ويكون متمتعا وان عصى تكليفا بعدم الاتيان بالعمرة الثانيه؟ الظاهر من الوجهين هو الثاني، ولا يبعد كونه أوفق للقواعد أيضا، فان المستفاد من حسنة حماد حيث قال عليه السلام (ان الاخيرة هي العمرة) ان انقطاع الاولى عن الحج انما يتحقق باتيان العمرة الثانية، لا بمجرد الخروج من مكة واطالته حتى يمضي عليه الشهر، ولو شك

في ذلك فيدفع بالبراءة عن وجوب العمرة الثانية

بعد الرجوع إلى مكة محلا عصيانا.

اللهم الا أن يقال: ان وجوب الاحرام والاتيان بالعمرة بعد الشهر إذا رجع إلى مكة كان معلوما لا شبهة فيه من جهة التكليف وانما الشك في اشتراط الحج المأمور به بذلك، فلا تجرى البراءة في نفي الشرطية، إذ العلم بأصل الوجوب كاف في تنجز الحكم


104

واستحقاق العقوبة على فرض الشرطية، فيجب الاحتياط بمقتضى الاشتغال اليقيني.

هذا بالنسبة إلى العامد، وأما الجاهل والناسي إذا رجعا غير محرمين فلا يبعد دخولهما تحت العمومات الدالة على وجوب الرجوع إلى الميقات جهلا أو نسيانا، أو إلى ما يمكن على من مربالميقات بغير احرام جهلا أو نسيانا، فيجب عليهما أيضا الرجوع إلى الميقات إذا أمكن، والا فيحرمان من مكانهما.

لا يقال: ان الاخبار الدالة على وجوب الرجوع إلى الميقات كما تشمل الجاهل والناسي شاملة للعامد أيضا، إذ من المسلم ان من مر بالميقات عالما من دون احرام يجب عليه الرجوع إلى الميقات، والا فيبطل حجه كما هو ثابت في محله، وما نحن فيه يشمله أيضا حكم العامد ويجب عليه الرجوع إلى ميقات أهله كما قويناه، إذا رجع إلى مكة بعد شهر بغير احرام عالما عامدا وان لم يمكنه يبطل حجه.

فانه يقال: ان الاصحاب قدس سرهم من فقهائنا المتقدمين قد أفتوا في تلك المسألة ببطلان حج من ترك الاحرام في موضعه عمدا ووجوب الرجوع إلى الميقات بمقتضى القاعدة الاولية، وليس في أيدينا ما يدل على خلافها.

وما نحن فيه ليس كذلك، فانه انما أحرم من الميقات وأتى بعمرة صحيحة ليتمتع بها إلى الحج ولكنه بعد ما خرج من مكة ورجع بعد شهر يشك في اشتراط


105

المأمور به بعدم الفصل بهذا المقدار، والاصل عدم اعتباره.

اللهم الا أن يقال: انه بعد العلم بوجوب الاحرام عليه تكليفا إذا رجع بعد مضي شهر، لا مورد لاجراء الاصل.

نعم لو احتمل وقيل أن الامر بالاحرام بعد مضي شهر انما هو في مورد توهم الحظر لاحتمال عدم جواز الاحرام بعد العمرة التي أتى بها، فلا مانع من اجراء الاصل والحكم بالبراءة حينئذ.

عدم جواز العدول من التمتع إلى غيره.

الظاهر أنه لا خلاف بين الفقهاء في أن من كانت فريضته التمتع لا يجوز له العدول إلى غيره من الافراد والقران، اختيارا، كما في الذخيرة، وعن المعتبر وفى جملة من مؤلفات العلامة اجماعا منا.

ويدل عليه كل ما يدل على أن فرض النائى التمتع، فلو فرض عليه التمتع وعدل إلى غيره يكون تاركا للمأمور به عمدا فلا يجزيه فعدم الدليل على جواز العدول اختيارا كاف في عدم الجواز.

وأما في حال الاضطرار والضرورة فيجوز العدول بلا خلاف ولا اشكال في الجملة، وانما المهم بيان الموارد التى يجوز

فيها العدول: ( منها ) ضيق الوقت

عن الاتيان بأعمال العمرة التي يتمتع بها إلى الحج، فمن أحرم بالعمرة زاعما التمكن من اتمامها، ولكن لم يتمكن من الاتمام ودرك الحج بعده، يجوز له العدول إلى ح


106

الافراد، فيأتي بالحج ثم يأتي بالعمرة بعده.

بلا خلاف فيه، كما ادعاه في الجواهر وقال: بل لعل الاجماع عليه، وتدل عليه أيضا أخبار كثيرة مستفيضة: منها صحيحة ابان بن تغلب عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث قال: اضمر في نفسك المتعة، فان ادركت متمتعا والا كنت حاجا (1).

ومنها صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن الرجل والمرأة يتمتعان بالعمرة إلى الحج ثم يدخلانمكة يوم عرفة كيف يصنعان؟ قال: يجعلانها حجة مفردة وحد المتعة إلى يوم التروية (2).

ومنها رواية عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا قدمت يوم التروية وقد غربت الشمس فليس لك متعة امض كما أنت بحجك (3).

ومنها صحيحة الحلبي أو حسنته، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أهل بالحج والعمرة جميعا ثم قدم مكة والناس بعرفات، فخشي ان هو طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يفوته الموقف.

فقال عليه السلام: يدع العمرة، فإذا أتم حجه صنع

(1) وسائل الشيعة الجزء 8 الباب 1 من اقسام الحج الحديث 1.

(2) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من ابواب اقسام الحج الحديث 11.

(3) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من ابواب اقسام الحج الحديث 12.


107

كما صنعت عائشة ولا هدي عليه (1).

ورواية زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يكون في يوم عرفة وبينه وبين مكة ثلاثة أميال وهو متمتع بالعمرة؟ فقال: يقطع التلبية تلبية المتعة ويهل بالحج بالتلبية إذا صلى الفجر، ويمضي إلى عرفات فيقف مع الناس ويقضي جميع المناسك ويقيم بمكة حتى يعتمر عمرة المحرم ولا شئ عليه (2).

ومنها رواية موسى بن عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المتمتع يقدم مكة ليلة عرفة.

قال: لا متعة له، يجعلها حجة مفردة ويطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويخرج إلى منىولا هدي عليه، انما الهدي على المتمتع (3).

وظاهر قوله (ويخرج إلى منى) هو الخروج إلى منى بعد طواف الزيارة والسعي ليتم سائر الاعمال بمنى، ولكن الفيض قدس سره ذكره له في الوافي معنيين آخرين فراجع.

وبالجملة المستفاد من تلك الاخبار المستفيضة المعتبرة المشتملة على الصحاح والحسان تشريع العدول من التمتع إلى الافراد لمن لم يتمكن لضيق الوقت من اتمام العمرة ثم الاتيان بالحج.

ولا معارض لتلك الاخبار الا رواية محمد بن سهل عن زكريا

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من ابواب اقسام الحج الحديث 6.

(2) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من ابواب اقسام الحج الحديث 7.

(3) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من ابواب اقسام الحج الحديث 10.


108

ابن عمران المروية في الاستبصار، أو زكريا بن آدم كما في غيره باسناده عن موسى بن القاسم عن محمد بن سهل عن زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن المتمتع إذا دخل يوم عرفة؟ قال: لا متعة له، يجعلها عمرة مفردة (1).

لكنها غير صالحة للمعارضة، فان محمد بن سهل الواقع في السند مجهول الحال في كتب الرجال، وان استظهر بعض كونه اماميا أو موثقا، لكنه يحتاج إلى حدس قوي.

واما زكريا بن عمران المذكور في الاستبصار فهو أيضا مجهول لم يذكر في كتب الرجال، وانما نقل عنه الشيخ هذه الرواية فقط، ولذا قيل ان ثبوت نقل محمد بن سهل عن زكريا بن آدم وعدم معهودية روايته عنزكريا بن عمران، موجب لاحتمال ان يكون نقل الاستبصار اشتباها في النسخة، وان كان ذلك أيضا يحتاج إلى حدس قوي.

ومع ذلك الرواية قد أعرض عنها الاصحاب، إذ لم نجد من أفتى بمضمونها أو تعرض لحملها أوردها، مع كونها بمرأى منهم ومسمع، فعلى هذا لا تعارض الروايات المتقدمة.

ويمكن حملها على من دخل مكة يوم عرفة ولم يتمكن من ادراك الحج اصلا، فتحلل بالعمرة المفردة، إذ لا فرق بين المحرم بالحج إذا فاته والمحرم بعمرة التمتع إذا فاته الحج.

ويمكن أن يكون المراد من جعل العمرة مفردة تأخيرها عن

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من ابواب اقسام الحج الحديث 8.


109

الحج، بمعنى أنه يجب عليه أن يؤخر العمرة ويأتي بها مفردة بعد الحج، فيوافق حينئذ اخبار العدول، وذلك غير بعيد عن الرواية.

هذا بالنسبة إلى أصل العدول من التمتع إلى الافراد لمن لا يتمكن من درك الحج بعد العمرة المتمتع بها إلى الحج، لضيق الوقت وفواته الذى تدل عليه الاخبار المتقدمة المشتملة على المستفيضة والموثقة والحسنة، ولا يعارضها ما يرى من الاختلاف في تحديد فوات وقت المتعة ومضيه، من التحديد بزوال يوم التروية أو قبله أو قبل زوال يوم عرفة كما يظهر وجهة بالتأمل، ولكن في المقام مسائل لابد من التعرض لها والاشارة إلى ما فيها: (المسألة الاولى) قد تبين مما اسلفناه وحققناه، ان من وجب عليه التمتع فرضا أو نذرا ونحوهما، يتعين عليه أن يأتي بالتمتعما لم يتضيق وقته وتمكن من الاتيان بمناسك العمرة والحج جميعا الواجبة اختيارا اي الواجبة عليه في حال الاختيار لا في حال الاضطرار.

فعلى هذا لو قام دليل تام بلا معارض على انقضاء الوقت وعدم صلاحيته لاتيان العمرة المتمتع بها إلى الحج في زمان مخصوص مع سعة الوقت، مثل يوم التروية أو ليلة عرفة، فيجب العدول إلى الافراد في ذلك الزمان وان كان غير مضيق في الواقع، عملا بمقتضى الاخبار الظاهرة في وجوب العدول حين ذاك، وكذا لو دل دليل معتبر على جوازه في وقت مخصوص نلتزم به.


110

وأما لو كان الدليل قاصرا عن اثبات ذلك أو ساقطا عن الحجية بمعارضته لما هو أقوى منه، فالقاعدة تقتضي الاتيان بالعمرة المتمتع بها ثم الاحرام للحج والاتيان بمناسكه ما لم يتضيق الوقت وتمكن من الاتيان بالحج ولا يجوز له العدول إلى الافراد قطعا.

وأما إذا لم يتمكن من درك أفعال الحج الاختيارية ولكن تمكن من درك الافعال والمناسك الاضطرارية، فان قلنا ان الظاهر من ادلة العدول جواز العدول أو وجوبه إذا ضاق الوقت الاختياري من الوقوفين، فيجوز العدول أو يجب إذا خاف فوت الاختياري من الوقوفين، سواء تمكن من الاضطراري منهما أم لا.

وأما إذا منعنا ظهور أدلة العدول

فيما ذكر وقلنا ان موردها خوف فوت الوقوفين حتى الاضطراري

منهما فلا يجوز العدول الا إذا لم يتمكن من درك الوقوفين حتى الاضطراري، وكذا الحال لو سلمنا ظهور أدلةالعدول فيما تقدم، من دلالتها على خوف فوت الوقوفين الاختياريين ولكن منعنا حجية ذلك الظهور بمعارضته بما هو أقوى منه.

هذا إذا قلنا ان الدليل الدال على اجزاء الاضطراري من الوقوفين يشمل ما لو ترك الاختياري لولا تمام العمرة، والا فلا مناص من العدول إلى الافراد إذا خاف فوت الاختياري من الوقوفين فقط، لولا تمام عمرته.

والانصاف أن المستفاد من الادلة والاخبار الواردة في المقام أن الوقوف بعرفة ما بين الزوال إلى غروب الشمس مما يشترط في صحة حج التمتع، وإذا خاف المتمتع عدم درك هذا


111

المقدار من الوقوف يجب عليه العدول إلى الافراد.

(الثانية) من أحرم بالعمرة المتمتع بها إلى الحج تطوعا، يجب عليه اتمام العمرة بلا اشكال، ما لم يمنع عنه مانع ويصد عنه صاد، أو يتضيق الوقت عن الاتيان بالحج بعد اتمام العمرة أو لم يفت وقتها بناءا على التوقيت، ويأتي حكم كل ذلك انشاء الله.

( الثالثة ) من أتم العمرة المندوبة المتمتع بها وأحل منها، فهل يجب عليه الحج بعد ذلك؟ قال في القواعد: فيه اشكال.

ومنشأه كما في التوضيح وكشف اللثام وجامع المقاصد ان العمرة والحج هل هما عملان مستقلان لا يرتبط احدهما بالاخر، فالاصل حينئذ البراءة من وجوب الاتيان بالثاني بعد الفراغ عن الاول، أو هما عمل واحد بحيث يعدان واحدا من المناسك كما شبك رسول الله صلى الله عليه وآله أصابعه وقال (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) فيجب الاتيان بالثاني بعد الفراغ من الاول، لقولهتعالى (وأتموا الحج والعمرة فان احصرتم فما استيسر من الهدي) (1).

الظاهر من الاتمام في الاية وجوب الاتيان بجميع الاجزاء والشرائط المعتبرة في العمرة والحج، بقرينة الذيل، فمن شرع فيه يجب عليه الاتمام الا إذا أحصر فيكفيه الهدي.

ولا ينافي ذلك ما ورد من أن معنى الاتمام في الحج أداؤه تاما، باتقاء ما يحرم والاجتناب من الرفث والفسوق والجدال، مما يجب على المحرم

(1) سورة البقرة الاية 196.


112

تركه ورفضه، فان كل ذلك يؤيد ما استظهرناه من معنى الاتمام، وحمله على وجوب الاتيان بجميع ما يعتبر في الحج والعمرة، حتى الشرائط المعتبرة في كمالهما.

لكن الانصاف أن الاية ظاهرة في وجوب اتمام كل من العمرة والحج بعد الشروع فيهما وعدم البقاء في الاحرام، فما في كشف اللثام، من أن من بقي على احرامه إلى أن يموت لا يعد عاصيا، استنادا إلى الاصل وعدم الدليل على وجوب الاتمام، الا الاية الكريمة التي لا تدل صريحا عليه.

غير تام، لما تقدم من ظهور دلالة الاية على وجوب الاتمام بعد الشروع، وتماميته في المقام.

نعم اثبات أن العمرة والحج عمل واحد بحيث يجب الاتيان بهما إذا شرع بالعمرة، مشكل جدا، فان الاية الشريفة ليست بصدد بيان ذلك بل في مقام وجوب اتمام كل واحد من الحج والعمرة على من شرع فيه، وكذا قوله صلى الله عليه وآله (دخلت العمرةفي الحج) يكفي في صدق الدخول تشريعا وجوب اتيان حجة الاسلام بعد الاتيان بالعمرة في أشهر الحج متصلا بها، ولا يلزم من هذا كونهما عملا واحدا حتى يجب اتمامهما بالشروع في أحدهما.

هذا، ولكن النصوص الدالة على أن المعتمر مرتبط بالحج حتى يقضيه، وكذا الاخبار الناهية عن الخروج عن مكة بعد العمرة المتمتع بها، كلها ظاهرة في أن الاتيان بالحج لازم بعد العمرة المتمتع بها، ولا يجوز الاقتصار عليها مندوبة كانت أو واجبة، فالاقوى


113

وجوب الاتيان بالحج بعد العمرة المتمتع بها وان كانت مندوبة، كما حكي عن المبسوط والنهاية والمهذب والوسيلة والمختلف والايضاح.

( الثالثة ) من دخل مكة متمتعا بالحج الواجب، فان علم أنه يتمكن من اتيان جميع أفعال العمرة ثم اللحوق بالناس والاتيان بمناسك الحج، يجب عليه اتمام التمتع ولا يجوز له العدول إلى الافراد كما عن الشيخ في النهاية والمبسوط والتهذيب، وحكي عن الاسكافي والقاضي في المهذب وابن حمزة في الوسيلة، واختارة في المدارك والذخيرة.

ويدل عليه قوية أبى بصير المروية في الفقيه قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: المرأة تجئ متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت فيكون طهرها ليلة عرفة.

فقال عليه السلام: ان كانت تعلم انها تطهر وتطوف بالبيت وتحل من احرامها وتلحق الناس بمنى فلتفعل.

والرواية من جهة السند لا اشكال فيها، فان ابا بصير وان كانمرددا بين ليث بن البختري و عبد الله بن محمد الاسدي الا ان كليهما ثقتان، وطريق الصدوق إلى ابى بصير أيضا قوي (1).

واما الدلالة فهى أيضا تامة، لان اللحوق بالناس في منى عبارة عن التمكن عن درك أفعال الحج وقضاء مناسكه تاما، والا فالذهاب

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 20 من اقسام الحج الحديث 3.


114

إلى منى قبل عرفات ليس من المناسك، بل الذهاب إليه ثم الافاضة منه إلى عرفات مستحب، ولو ترك الذهاب إلى منى وخرج إلى عرفات مستقيما ليس عليه شئ ولا ينقص حجه، فلو تمكن من اتمام العمرة ثم من درك أعمال الحج يجب عليه ذلك، كما هو مفاد قوله عليه السلام (فلتفعل)، لظهور الامر في الوجوب.

واحتمال اختصاص الحكم بالمرأة عند طمثها فقط، يدفعه ما في صحيحة الحلبي الاتية، من قوله عليه السلام (يدع العمرة فإذا أتم حجه صنع كما صنعت عائشة ولا هدي عليه) الظاهر في أن حكم الرجل والمرأة في ذلك واحد.

وليس في الاخبار ما يعارض ما تقدم ويناقضه، فان ما يدل على وجوب العدول إلى الافراد حتى في التمتع الواجب، محمول على من خاف عدم درك الحج، مثل حسنة الحلبي قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل أهل بالحج والعمرة جميعا ثم قدم مكة والناس بعرفات فخشي ان هو طاف وسعى بين الصفا والمروة ان يفوته الموقف.

قال: يدع العمرة، فإذا أتم حجه صنع كما صنعت عائشة ولا هدي عليه (1).

وصحيحته عن ابى عبد الله عليه السلام قال: المتمتع يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ما ادرك الناس بمنى (2).

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 6.

(2) وسائل الشيعة ج 8 الباب 20 من اقسام الحج الحديث 8.


115

ومرسلة ابن بكير انه سأل ابا عبد الله عليه السلام عن المتعة متى تكون؟ قال: يتمتع ما ظن أنه يدرك الناس بمنى (1).

ورواية جميل عن أبى عبد الله عليه السلام قال: المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة، وله الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر (2).

ومكاتبة محمد بن مسرور قال: كتبت إلى ابى الحسن الثالث عليه السلام، ما تقول في رجل متمتع بالعمرة إلى الحج وافى في غداة عرفة وخرج الناس من منى إلى عرفات، أعمرته قائمة أو قد ذهبت منه، إلى أي وقت عمرته إذا كان متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يواف يوم التروية ولا ليلة التروية، فكيف يصنع؟ فوقع عليه السلام: ساعة يدخل مكة انشاء الله يطوف ويصلي ركعتين ويسعى ويقصر ويحرم بحجه ويمضي إلى الموقف ويفيض مع الامام (3).

والظاهر من الافاضة مع الامام الافاضة من عرفات إلى المشعر إذا المفروض انه قدم مكة بعد ما خرج الناس من منى إلى عرفات فلا يمكن ارادة الافاضة من منى إلى عرفات.

ويظهر من هذا ويعلم انه يجب اتمام المتعة، إذا تمكن من درك الامام بعرفات قبل الافاضة منها، الذي هو الركن من الوقوف بها.

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 20 من اقسام الحج الحديث 6.

(2) وسائل الشيعة ج 8 الباب 20 من اقسام الحج الحديث 15.

(3) وسائل الشيعة ج 8 الباب 20 من اقسام الحج الحديث 16.


116

وظهور انشاء الحكم بالجملة الخبرية في الوجوب ليس بأخفى من ظهور صيغة الامر فيه، لما قيل في الاصول أن الامر إذا راى المأمور به جزما ولا يرضى بتركه يفرضه محققا في الخارج ويخبر عنه بالوقوع.

ومنه يظهر عدم جواز العدول من التمتع إلى الافراد لدرك الوقوف بعرفات من أول الزوال، إذ يكفى في وجوب الاتمام درك الوقوف بعرفة قبل الغروب ولو بقليل.

ثم ان المتمتع بالحج الواجب المتمكن من اتمام العمرة واتيان الحج داخل في تلك الاخبار قطعا، فان احتمال وجوب الاتمام على المتمتع ندبا وحمل الاخبار عليه دون المتمتع واجبا، مشكل جدا، بل مقطوع عدمه، فان المتطوع إذا وجب عليه اتمام حجه وان لا يجوز له العدول من التمتع إلى الافراد، إذا تمكن من درك الوقوف، ففي الواجب يكون كذلك بالاولوية.

فتحصل من جميع ما ذكر أن المتمتع بالعمرة إلى الحج إذا تمكن من اتمام عمرته ودرك الوقوف بعرفات يجب عليه الاتمام ثم الاحرام بالحج إذا علم ذلك، وما ورد في بعض النصوص من انقضاء مدة المتعة يوم التروية أو يوم عرفة محمول على غير العالم به، مثل صحيحة ابن بزيع قال:سألت ابا الحسن الرضا عليه السلام عن المرأة تدخل مكة متمتعة فتحيض قبل أن تحل متى تذهب متعتها؟ قال عليه السلام:


117

كان جعفر (ع) يقول: زوال الشمس من يوم التروية، وكان موسى عليه السلام يقول: صلاة الصبح من يوم التروية.

فقلت: جعلت فداك عامة مواليك يدخلون يوم التروية ويطوفون ويسعون ثم يحرمون بالحج.

فقال: زوال الشمس، فذكرت له رواية عجلان ابى صالح فقال: لا، إذا زالت الشمس ذهبت المتعة.

فقلت: فهى على احرامها أو تجدد احرامها للحج؟ فقال: لا هي على احرامها.

قلت: فعليها هدي.

قال: لا، الا أن تحب ان تطوع.

ثم قال: اما نحن فإذا رأينا هلال ذي الحجة قبل أن نحرم فاتتنا المتعة (1).

هذه الرواية محمولة على من حاضت قبل أن تحل ولم تكن عالمة بأنها متى تطهر، فقال عليه السلام (ان متعتها قد ذهبت بزوال الشمس يوم التروية) ولا يجب عليها الصبر والانتظار إلى غداة عرفة بل ينتقل متعتها إلى الافراد عند الزوال وتذهب إلى عرفات.

ولا تنافي بينها وبين ما ورد في رواية ابى بصير من أنها ان كانت تعلم انها تطهر وتطوف فلتفعل.

والمراد من ذهاب المتعة رفع الحكم بوجوب اتمامها وجواز تبديل التمتع بالافراد أو وجوبه، إذا كان الحج في معرض الفوت يقينا لو لم تفعل ذلك على ما سيأتي.

ويشهد لما حملنا عليه الرواية ما في ذيلها من قوله عليه السلام (اما نحن فإذا رأينا هلال ذي الحجة قبل أن نحرم فاتتا المتعة)

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 14.


118

إذا الظاهر أن أهل المدينة إذا رأوا هلال ذي الحجة فاتتهم المتعة على ما هو المتعارف، لاحتمال عدم الوصول إلى مكة وعدم التمكن من اتمام العمرة ثم الاتيان بالحج، لموانع يحتمل في السير وفي العمل احيانا، وان كان الوصول والتمكن من الحج ممكنا بحسب الواقع، ولكن أهل المدينة كانوا إذا أرادوا التمتع يحرمون قبل هلال ذي الحجة بيوم أو يومين، وأما بعد الهلال ما كانوا يريدون التمتع بل يرونه في معرض الفوت على ما هو المتعارف بينهم حين ذاك.

ويعلم من هذا أن قول جعفر عليه السلام بفوات المتعة إذا زالت الشمس، وقول موسى عليه السلام بفواتها صلاة الصبح يوم التروية، انما كان كل منهما مبنيا على الاحتياط، وانها تقع معرضا للفوت.

وعلى هذا يحمل أيضا اكثر ما ورد في تحديد فوات المتعة بيوم التروية أو ليلة عرفة أو غداة عرفة، مثل صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج قال: أرسلت إلى ابى عبد الله عليه السلام ان بعض من معنا من صرورة النساء قد اعتللن، فكيف تصنع؟ قال عليه السلام: تنتظر ما بينها وبين التروية، فان طهرت فلتهل، والا فلا يدخلن عليها التروية الا وهى محرمة (1).

وهذه الرواية تدل على أنها ان طهرت قبل التروية أحلت من

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 15.


119

العمرة ثم تهلل بالحج بعد الاحلال منها، وان لم تطهر بقيت على احرامها إلى يوم التروية لتحج مع الناس، وعلى هذا فهي اما منصرفة عمن تعلم انها تطهر قبل التروية وتتمكن من اداء الوظيفة المقررة لها من العمرة والحج، واما محمولة على غير العالمة به.

وموثقة اسحاق بن عمار عن أبى الحسن عليه السلام قال: سألته عن المراة تجئ متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت حتى تخرج إلى عرفات.

قال: تصير حجة مفردة.

قلت: عليها شئ؟ قال: دم تهريقه وهى أضحيتها (1).

ومورد الموثقة أيضا غير مورد رواية ابى بصير المصرحة فيها بأنها ان كانت تعلم أنها تطهر وتطوف البيت فلتفعل.

وصحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية.

قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثم تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة (2).

وظاهر الصحيحة أيضا المرأة التى لم تكن عالما بأنها تطهر وتتمكن من اتمام العمرة ودرك الحج بعده.

تلك الطائفة من النصوص الواردة في توقيت متعة الحائض بأوقات مختلفة، كلها محمولة على مورد يكون حجها معرضا للفوت

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 13.

(2) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 2.


120

بأدامه طمثها، وانها لا تعلم متى تطهر، وأما إذا علمت بطهرها وتمكنها من اتمام العمرة قبل الوقوف بعرفات ثم الاحرام بالحج ودرك عرفات، فوظيفتها وفرضها التمتع كما صرح به في رواية ابى بصير المتقدمة.

هذا كله في تحديد متعة المرأة، وأما الرجل ففي توقيت متعته روايات لابد من نقلها والتأمل فيها وبيان مفادها ومحاملها، منها: رواية على بن يقطين قال: سألت ابا الحسن موسى عليه السلام عن الرجل والمرأة يتمتعان بالعمرة إلى الحج، يدخلان مكة يوم عرفة كيف يصنعان؟ قال عليه السلام: يجعلانها حجة مفردة، وحد المتعة إلى يوم التروية (1).

لا يبعد حمل هذه الرواية على من يخاف فوت حجه ان أتم اعمال العمرة ثم خرج إلى عرفات، ولهذا أمره عليه السلام بالعدول إلى الافراد، إذا الغالب ان من ورد مكة يوم عرفة لا يتمكن كثيرا ما من اتمام اعمال العمرة ودرك الحج، سيما إذا ورد بعد الزوال، مع حاجة السير إلى عرفات إلى ساعات عديدة، الملازمة لخوف فوت الحج لكثير من الناس في ذلك العصر.

وأما الفقرة الاخيرة في الرواية من قوله عليه السلام (وحد المتعة إلى يوم التروية) محمولة على غروب يوم التروية، بناءا على دخول الغاية في الحد، لما تعارف بين الناس من الحركة قبل

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 11.


121

الغروب إلى منى ليفيضوا منه إلى عرفات.

وعلى هذا المقصود منالتحديد اما عدم جواز التأخير عمدا عن الغروب لكونه خلاف الاحتياط في الحركة مع الرفقة ويمكن ان ينجر إلى عدم الوصول إلى عرفات في الوقت المقرر، واما تحديد لوجوب اتمام العمرة بمعنى أنه يجب اتمام العمرة والاتيان بوظيفة المتمتع إلى غروب يوم التروية، وأما ليلة عرفة فيجوز لمن دخل مكة فيها العدول من التمتع إلى الافراد.

وحينئد يدور الامر في جوار العدول من التمتع إلى الافراد بين القول بالجواز ليلة عرفة مطلقا سواء كان واجبا أو مندوبا، وبين حمل الرواية الدالة على جواز العدول على خصوص المندوب من التمتع فعلى الاول تكون الرواية مخصصة للاية والنصوص الدالة على أن النائى فرضه التمتع (1)، فيكون المستفاد من المجموع أن النائى فرضه التمتع الا من لم يتم عمرته إلى غروب يوم التروية، فله أن يعدل إلى الافراد، وان كان متمكنا من التمتع في نفس الامر والواقع ولا يجب عليه اتمام التمتع واجبا كان أو مندوبا.

وعلى الثاني يخصص بها عموم الادلة الدالة على وجوب اتمام العمرة المتمتع بها إلى الحج والحج بعدها، ويبقى العموم الدال على أن فرض النائي التمتع بحاله، ولا يلزم تخصيص فضلا عن

(1) اضاف الاستاذ مد ظله في الحاشية ما هذا لفظه: وموجبا لتخصيص الاكثر للادلة الدالة على وجوب تتميم ما شرع فيه من التمتع - انتهى.


122

تخصيص الاكثر.

نعم يخرج التمتع المندوب عن عموم وجوب الاتمام، وإذا دار الامر بين الاحتمالين فالمتعين هو الثاني، لانهالمتيقن من التخصيص، إذا لاصل عدم التخصيص في الاية والروايات الكثيرة الدالة على وجوب التمتع على النائي وعدم التخصيص الزائد في أدلة وجوب اتمام التمتع.

وبتعبير أوفى ان الادلة الدالة على جواز العدول في مقام بيان عدم وجوب اتمام المتعة بما هي متعة، ولا تعرض فيها لتكليف النائي حتى يؤخذ باطلاقها، ويخصص بها الاية والرواية التي تدل على أن فرض النائي التمتع.

فعلى هذا يبقى قوله تعالى ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام (1) سليما عن التخصيص وسالما عن المعارض.

وتوضيح المقام: ان المستفاد من الاية الكريمة ﴿ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام أن الواجب على النائى التمتع وانه فرضه، يجب عليه الاتيان به، ولازم ذلك عدم جواز العدول منه إلى غيره مع التمكن من اتمامه، وعدمه تبدل فرضه إلى غيره الا بدليل شرعي تعبدي.

وكذا المستفاد من قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة (2) بمعونة الاخبار الدالة على أن العمرة في الحج إلى يوم القيامة

(1) سورة البقرة الاية 196.

(2) سورة البقرة الاية 196


123

أن من أحرم بعمرة التمتع يجب عليه اتمامها والاتيان بالحج بعدها ولا يجوز له العدول إلى غيره، سواء كان التمتع واجبا أو مندوبا.

وفي قبال هذين الحكمين الاخبار الدالة على جواز العدول،ولكن ما يستفاد منها بادئ النظر هو تحديد وجوب اتمام العمرة وحرمة العدول إلى الافراد إلى غروب يوم التروية، لا تبدل الفرض من التمتع إلى الافراد وفوات وقته.

ويشهد لما ذكرنا رواية ابى بصير المتقدمة، الدالة على أن المرأة إذا طهرت ليلة عرفة وتمكنت من اتيان التمتع فلتفعل (1) وغيرها من الروايات التي تدل على عدم فوت وقت التمتع يوم عرفة أو إلى زوال الشمس من يوم عرفة كما في مكاتبة محمد بن مسرور المتقدمة (2).

وأما ما يترأى منه من انقضاء وقت التمتع يوم التروية كصحيحة عمربن يزيد وموسى بن عبد الله واسحق بن عبد الله وزكريا بن عمران (أو آدم) فكلها مأولة بما يأتي عن عمربن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا قدمت مكة يوم التروية وقد غربت الشمس فليس لك متعة، امض كما انت بحجك (3).

عن موسى بن عبد الله قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 20 من اقسام الحج الحديث 3.

(2) وسائل الشيعة ج 8 الباب 20 من اقسام الحج الحديث 15.

(3) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 12.


124

المتمتع يقدم مكة ليلة عرفة؟ قال عليه السلام: لا متعة له يجعلها حجة مفردة ويطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويخرج إلى منى ولا هدي عليه، وانما الهدي على المتمتع (1).

والمراد من خروجه إلى منى الخروج إليه للبيتوتة، ومنالطواف طواف الحج بعد الوقوفين والرجوع إلى مكة، وكذا السعي.

ورواية اسحاق بن عبد الله عن ابى الحسن عليه السلام قال: المتمتع إذا قدم مكة ليلة عرفة فليس له متعة يجعلها حجة مفردة، انما المتعة إلى يوم التروية (2).

ورواية زكريا بن آدم (أو عمران على اختلاف نسختي التهذيب والاستبصار) قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن المتمتع إذا دخل يوم عرفة.

قال: لا متعة له يجعلها عمرة مفردة (3).

وكل تلك الروايات اما محمولة على من لا يطمئن من اتمام العمرة ثم الاتيان بالحج من جهة الضعف أو الخوف، واما تحمل على عدم وجوب اتمام العمرة بعد الشروع وجواز العدول إلى الافراد.

فحينئذ تحمل على المندوب من التمتع لا الواجب منه، وقد تقدم الكلام في رواية زكريا بن آدم ورواية موسى بن عبد الله

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 10.

(2) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 9.

(3) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من اقسام الحديث 8.


125

ولا نعيده.

(الرابعة) لو علم المحرم بالعمرة الواجبة المتمتع بها إلى الحج بأنه لو أتى بأفعال العمرة يفوته الحج، حتى الوقوف الاضطراري منه، سواء كان لضيق الوقت أو لعذر آخر، كالطمث والنفاس وعدم الرفيق في الطريق والخوف وحده، يجب عليه العدول إلى الافرادوالذهاب إلى عرفات واتمام مناسك الحج ثم الاتيان بعمرة مفردة بعده، ووقت العدول من زوال يوم التروية إلى ما يتمكن من درك الوقوف الاختياري.

وهذا ما لا كلام

فيه، وتقدم ما دلت عليه من النصوص.

وانما الكلام فيما إذا علم انه لا يدرك الاختياري من حج الافراد

بعد العدول إليه، ولكنه يتمكن من درك الاضطراري من مناسكه، فهل يجب عليه العدول أيضا أم لا؟ الظاهر أنه لا خلاف في وجوب العدول إلى الافراد وان لا يتمكن الا من الوقوف الاضطراري منه، وتدل جملة من الاخبار المتقدمة الدالة على وجوب العدول إلى الافراد من يوم التروية إلى ما يتمكن من درك حج الافراد، وحيث أنه لم يقيد جواز العدول فيها بدرك الاختياري منه، يشمل ما لو تمكن من درك الاضطراري من حج الافراد، بعد انقضاء وقت التمتع وانقلاب التكليف منه إلى الافراد.

(الخامسة) إذا علم المعتمر بعمرة التمتع، انه يتمكن من اتمام اعمال العمرة والحج باتيان جميع اعمالهما، الا أنه لا يتمكن من


126

الوقوف بعرفات من أول زوال يوم عرفة، بل يتمكن منه بقدر ما يتحقق به الركن من الوقوف بها، فهل يجوز أو يجب العدول إلى الافراد، لكي يقف بعرفات من الزوال إلى الغروب مستوعبا لجميع الوقت، أو يجب عليه اتمام العمرة ثم انشاء الاحرام للحج والوقوف بعرفات قبل الغروب، بمقدار يتحقق به الركن وان لم يحصل الاستيعاب؟ الظاهر هو الثاني.

وتدل عليه صحيحة جميل عن ابىعبد الله عليه السلام: المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة، وله الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر (1).

لوضوح أن منتهى وقت العمرة إذا كان زوال الشمس من يوم عرفة، لا يتمكن أحد من الوقوف بها باستيعاب الوقت من الزوال إلى الغروب، بل يتمكن مقدارا من الوقوف بها، سيما في تلك الازمنة المعمول فيها السير بالقوافل والابل.

ومثلها مكاتبة محمد بن مسرور المتقدمة، قال: كتبت إلى ابى الحسن الثالث عليه السلام: ما تقول في رجل متمتع بالعمرة إلى الحج وافى غداة عرفة وخرج الناس من منى إلى عرفات، أعمرته قائمة أو قد ذهبت منه، إلى أي وقت عمرته قائمة إذا كان متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يواف يوم التروية ولا ليلة التروية، فكيف يصنع؟ فوقع عليه السلام: ساعة يدخل مكة انشاء الله يطوف ويصلي ركعتين ويسعى ويقصر ويحرم بحجته ويمضي إلى الموقف

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 20 من اقسام الحديث 15.


127

ويفيض مع الامام (1).

ومن الواضح أن كل ما وافى مكة غداة عرفة، لا يتمكن من درك الوقوف جميع الوقت، فان الظاهر انه ساعة دخوله مكة غداة عرفة يتم أعمال العمرة ويذهب إلى عرفات حتى يفيض مع الامام منها، وظاهر ذلك كفاية درك الامام قبل الافاضة.

ورواية يعقوب بن شعيب الميثمي، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا بأس للمتمتع ان لم يحرم من ليلة الترويةمتى ما تيسر له، ما لم يخف فوت الموقفين (2).

ومن البين أن فوت الموقف لا يصدق إذا أدرك ساعة من يوم عرفة أو أقل منها، بل إذا أدرك مقدارا يتحقق به الركن من الوقوف وقد أوضحنا فيما تقدم أن كل ما يدل على توقيت المتعة وانقضاء وقتها ليلة عرفة أو يومها أو يوم التروية محمول على من خاف فوت الحج، أو محمول على المندوب من التمتع، أو على جواز العدول إلى الافراد، أو يحمل على جواز العدول إلى الافراد في الحج المندوب، بمعنى أنه لا يجب عليه اتمام العمرة بل له العدول إلى الافراد.

(السادسة) إذا علم المعتمر بعمرة التمتع أنه لا يقدر على اتمام اعمال العمرة ودرك الوقوف الاختياري بعرفة والمشعر، ولكنه يتمكن

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 20 من اقسام الحج الحديث 16.

(2) وسائل الشيعة ج 8 الباب 20 من اقسام الحج الحديث 5.


128

بعد العمرة من درك الوقوفين الاضطراريين، بأن يقف بعرفات ليلة النحر وبالمزدلفة قبل زوال الشمس من يوم النحر، فهل يجب عليه العدول من التمتع إلى الافراد لكي يدرك الاختياري من الوقوفين أو يجب عليه اتمام العمرة المتمتع بها ثم الاحرام بحجه ولو ادرك الاضطراري من الموقفين؟ فيه وجهان.

ومنشأ التردد أن قوله عليه السلام في رواية يعقوب بن شعيب (لا بأس للمتمتع ان لم يحرم من ليلة التروية متى ما تيسر له ما لم يخف فوت الموقفين) هل هو ظاهر في الوقوف الاختياري بعرفاتومزدلفة، أو أعم منه ومن الاضطراري.

الظاهر هو الثاني، لان فوت الموقفين لا يصدق بفوت الاختياري منهما فقط، ويؤيده أن الوقوف الاختياري والاضطراري حكمهما معا حكم السجدتين في الصلاة، فكما تبطل الصلاة بتركهما معا سهوا أو عمدا أو اضطرارا فكذلك الوقوفان، فان ترك الوقوف الاختياري والاضطراري معا سهوا كان أو جهلا أو عمدا، موجب لبطلان الحج، وأما بفوت احدهما فلا يفسد الحج الا إذا كان عن عمد واختيار كما في ترك السجدة الواحدة في الصلاة، وبذلك يدفع قول من ادعى ان الظاهر من فوت الموقفين فوت الوقوف الاختياري منهما.

ولعل ما ذكرناه يستظهر من صحيحة الحلبي قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اهل بالحج والعمرة جميعا ثم قدم مكة والناس بعرفات فخشي ان هو طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يفوته


129

الموقف.

قال عليه السلام: يدع العمرة، فإذا أتم حجه صنع كما صنعت عائشة ولا هدي عليه (1).

إذ يعلم منها أن المناط في وجوب اتمام التمتع درك الموقف وكان هذا مرتكزا في ذهن السائل أيضا، ولما خشي فوت الموقف تردد في حكمه، والظاهر مو خوف فوت الوقوف اعم من الاختياري والاضطراري، كما استظهرناه من الرواية المتقدمة.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في المقام، ولكن الانصاف انه لا صراحة في الاخبار لبقاء وجوب التمتع واتمامه ما لم يخش فوت الموقفين، الا في رواية يعقوب بن شعيب، وهى غير نقية السند.

وأما صحيحة الحلبي فليس فيها الا اشعار بتقرير الامام عليه السلام ما كان مرتكزا في ذهن السائل، مضافا إلى امكان ارادة الاختياري من الموقفين، كما استظهره غير واحد من أصحابنا، فالحكم بوجوب اتمام العمرة المتمتع بها واتمام الحج تمتعا ولو بدرك الاضطراري من الوقوفين، وعدم جواز العدول إلى الافراد الذى يتمكن فيه من درك الوقوف الاختياري بعرفات ومزدلفة، خلاف ظواهر النصوص والفتاوي وكذا مخالف للاحتياط، لتظافر النصوص الظاهرة في جواز العدول إلى الافراد حينئذ وافتاء الفقهاء على طبقها، الا بعض منهم كابن ادريس وبعض المتأخرين.

اللهم ان يقال ان وظيفة النائي عن مكة هو حج التمتع، كما

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 6.


130

تدل عليه الاية والروايات، حتى فيما إذا لم يتمكن من درك الوقوف الاختياري بل تمكن من الاضطراري، بضميمة النصوص التي تدل على كفاية الاضطراري من الوقوفين إذا لم يتمكن من الاختياري منهما، فالاضطراري من النسك يقوم مقام الاختياري، ولا يحتاج إلى العدول ولا تصل النوبة إليه.

ومن تلك النصوص ما رواه معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله في سفر فإذا شيخ كبير فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل أدرك الامام بجمع؟ فقال له: ان ظن أنه يأتي عرفات فيقف قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، وان ظن ان لا يأتيها حتى يفيض الناس من جمع فلا يأتهافقد تم حجه (1).

واطلاق الرواية شامل لكل من المتمتع والمفرد، فيجب على النائي اتمام عمرته وحجه إذا تمكن من الوقوف الاضطراري ما لم يقم دليل معتبر على جواز العدول إلى الافراد، والقدر المتيقن من النصوص الدالة على جواز العدول إلى الافراد من التمتع إذا خشي فوت الموقفين هو فوت الاختياري والاضطراري معا، لا الاختياري فقط كما عليه البعض.

فعموم الدليل الدال على وجوب التمتع على النائى واطلاقه سليم عن التخصيص والتقييد، والحكم بعدم جاز العدول إلى

(1) وسائل الشيعة ج 10 من ابواب الوقوف بالمشعر الباب 22 الحديث 4.


131

الافراد إذا تمكن من درك الوقوف الاضطراري من حج التمتع، مطابق للقواعد الاولية، كما أفتى به ابن ادريس وبعض المتأخرين.

ولقائل أن يقول: انه لو حملنا النصوص الدالة على وجوب العدول من التمتع إلى الافراد إذا خشي فوت الموقفين على من لا يدركهما حتى الاضطراري منهما، لا يبقى لها الا موارد نادرة، فان من لا يتمكن من درك الوقوف الاختياري والاضطراري إذا أتم متعته، بان لا يتمكن بعد اتمام العمرة من الوقوف بعرفات حتى ليلة النحر ولا يتمكن من درك المشعر حتى قبل الزوال من يوم النحر أي الاضطراري من الموقفين لا يتمكن منهما ايضا إذا عدل إلى الافراد ايضا، فما معنى وجوب العدول إليه والحال أن النصوص انما توجب ذلك ليتمكن من درك الوقوفين الاختياريين بالعدولإلى الافراد وترك التمتع، كما قاله الشيخ قدس سره حيث أفتى بأن من لم يتم اعمال إلى زوال يوم عرفة يجب عليه العدول إلى الافراد.

(السابعة) قد تقمد حكم العدول إلى الافراد من التمتع إذا ضاق الوقت عن اتمام العمرة المتمتع بها إلى الحج في الحج الواجب، وأما الحج المندوب فحكمه أيضا مثل ما تقدم، فمن دخل مكة معتمرا بعمرة التمتع تطوعا ولا يتمكن من اتمام افعال العمرة ودرك الافعال الاختيارية للحج معا وجب عليه العدول إلى الافراد والاتيان بعمرة مفردة بعد اتمام أفعال الحج، وكذا لو خاف


132

فوت الحج اصلا.

ويدل عليه ما تقدم من النصوص الدالة على وجوب العدول إلى الافراد إذا لم يتمكن من درك الحج لضيق الوقت أو خاف فوته.

وأما إذا ورد مكة زوال يوم التروية معتمرا بعمرة التمتع تطوعا وعلم أنه يتمكن من اتمام أفعال العمرة ودرك الحج بجميع افعاله الاختيارية، فهل يجب عليه اتمام التمتع لقدرته عليه وتمكنه منه أو يجوز له العدول إلى الافرا، لدلالة بعض الاخبار عليه، وانه جائز من زوال يوم التروية إلى أن يخاف فوت الحج، فيجب حينئذ العدول؟ الظاهر هو الثاني، والحكم بجواز العدول من زوال يوم التروية في الحج المندوب، لما تقدم من الجمع بين الروايات الدالة على ذهاب المتعة وانقضاء وقتها يوم التروية أو زواله أو غروبه كصحيحة ابن بزيع وما يتحد مضمونه معها، وبين الاخبار الدالةعلى بقاء وقت التمتع إلى زوال يوم عرفة كرواية جميل بن دراج عن ابى عبد الله عليه السلام قال: المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة وله الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر (1).

أو إلى ليلة عرفة، كرواية محمد بن ميمون قال: قدم أبو الحسن عليه السلام متمتعا ليلة عرفة لطاف واحل واتى جواريه، ثم أحرم بالحج وخرج (2) أو ما يدل على بقاء وقتها ما ادرك الناس بمنى، كرواية

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 20 من اقسام الحج الحديث 15.

(2) الوسائل ج 8 الباب 20 من اقسام الحج الحديث 2.


133

يعقوب بن شعيب وموثقة ابن بكير ومرفوعة سهل ورواية شعيب وصحيحة محمد بن مسلم (1) وغيرها من الروايات التي تدل على بقاء وقت المتعة بعد التروية ايضا.

ومقتضى الجمع بين تلك الاخبار كما تقدم أن تحمل الطائفة الاولى الدالة على انتهاء وقت المتعة وانقضائة على ذهاب الامر الوجوبى التعييني، المتعلق باتمام التمتع في الحج المندوب من زوال يوم التروية، لا الامر الجوازى بمعنى أنه لا يجب عليه اتمام العمرة وحج التمتع إذا ورد مكة يوم التروية، بل يجوز له أن يعدل إلى الافراد كما أنه يجوز له أن يتم عمرته وأن ياتي بالتمتع إلى أن يخاف فوت الحج، فيجب حينئذ العدول.

وتحمل الطائفة الثانية الدالة على بقاء وقت التمتع على جواز التمتع لا الوجوب والتعيين، ما يتمكن من أعمال الحج، بمعنى أنه يجوز له التمتع إلى وقت يتمكن فيه من اتمام العمرة والحجإلى يوم عرفة أو ليلة عرفة أو بعد زوال عرفة وان كان يجوز له العدول إلى الافراد ايضا من يوم التروية.

وأما الحمل على المندوب من حج التمتع لا الواجب منه، فهو مقتضى عموم الاية الكريمة الدالة على أن فرض النائي التمتع والروايات الصريحة في وجوب اتمام المتعة على من يتمكن منه

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 20 من ابواب الاقسام الحج الحديث 5 6، 7، 1، 4، 9.


134

ولو في يوم عرفة، ولا مجال لتخصيص الاية وتلك الروايات بما تقدم من النصوص الدالة على جواز العدول من يوم التروية، فان المتيقن من التخصيص تخصيص ما يدل على أن المعتمر مرتهن بحجه الشامل للواجب والمندوب، فيخصص بالمندوب، وأما الفرض من حج التمتع المستفاد من الاية والرواية فيبقى على عمومه ولا يخصص بما تقدم، للشك فيه، والاصل بقاؤه على عمومه، وقد مر توضيحه، ولعل الشيخ (قده) جمع بين الاخبار بما ذكر لما أشير إليه في طي البحث.

ينبغى التنبيه على امور (الامر الاول) قد تقدم أن مما يوجب العدول من التمتع إلى الافراد عروض الطمث على المرأة المحرمة، بحيث لا تتمكن من اتيان أعمال العمرة بعد حصول الطهر والاتيان بالحج بعدها والشك في التمكن من الاتيان بأفعال الحج بعد العمرة وخوف فوته.

وقد مر ما يمكن أن يستدل به لذلك من النصوص، ولكن فيقبال تلك النصوص اخبار تدل على انها تتم عمرتها وتسعى بين الصفا والمروة وتقصر وتقضي طوافها بعد الفراغ من مناسك الحج وأفعاله ولا تعدل إلى الافراد.

وأصح ما في المقام سندا صحيحة رواها أربعة من اصحاب الصادق عليه السلام منهم علي بن رئاب عنه أنه قال: المرأة المتمتعة


135

إذا قدمت مكة ثم حاضت تقيم ما بينها وبين التروية، فان طهرت طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة، وان لم تطهر إلى يوم التروية اغتسلت واحتشت ثم سعت بين الصفا والمروة ثم خرجت إلى منى، فإذا قضت المناسك وزارت بالبيت طافت بالبيت طوافا لعمرتها ثم طافت طوافا للحج ثم خرجت فسعت، فإذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شئ يحل منه المحرم الا فراش زوجها، فإذا طافت طوافا آخر حل لها فراش زوجها (1).

ونقل غير واحد عن عجلان ابى صالح قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن امراة متمتعة قدمت مكة فرأت الدم.

قال: تطوف بين الصفا والمروة ثم تجلس في بيتها، فان طهرت طافت بالبيت وان لم تطهر فإذا كان يوم التروية افاضت عليها الماء واهلت بالحج من بيتها وخرجت إلى منى وقضت المناسك كلها، فإذا قدمت مكة طافت بالبيت طوافين ثم سعت بين الصفا والمروة (2).

وفي رواية اخرى عنه: فإذا طهرت وانصرفت من الحج قضت طواف العمرة (3).

وقد أفتى بعض الاصحاب بالتخيير بين العدول إلى الافرادوبين تتميم العمرة وقضاء الطواف بعد الحج، كما في رواية علي ابن رئاب المتقدمة.

(1) وسائل الشيعة ج 9 الباب 84 من ابواب الطواف الحديث 1.

(2 و 3) وسائل الشيعة ج 9 الباب 84 من ابواب الطواف الحديث 2 - 3.


136

ولكن التحقيق أن يقال: ان كان المراد من التخيير هو التخيير الواقعي المجعول لها بمقتضى الجمع بين طائفتين من الروايات فلا شاهد له وليس جمعا عرفيا ويأبى العرف عنه، لان الاخبار الدالة على العدول ظاهرة في تعين العدول، وأن وظيفة الحائض ليس الا ذلك، وكذا الظاهر من أخبار الباب تعين اتمام العمرة عليها ثم قضاء طوافها بعد الحج ليكون حجها تمتعا، فالامر الوارد في الطائفتين ظاهر في الوجوب التعييني، ولا شاهد لحمله على التخييري، بل لا يحتمله بعض العبارات اصلا، فان قوله عليه السلام في رواية عجلان: (لا إذا زالت الشمس ذهبت المتعة) (1) وقوله (تمت عمرتها) كما في رواية ابى بصير (2) تعبيران مختلفان ومتناقضان من جميع الوجوه لا يمكن حملهما على التخيير، وارادة الامر التخييري منها مما لا يساعده العرف بل يبعده وينفيه.

ولا ينافي هذا ما تقدم منا من حمل قوله (ذهبت متعتها) على انقضاء التعيين، وذهاب الامر التعييني، جمعا بينه وبين قوله (ولها المتعة)، إذ لا اشكال ولا استبعاد في ذلك الجمع بخلاف النصوص المتعارضة في المقام، فان قوله (تصير حجها مفردة)، وقوله (متعتها تامة وتقضي طوافها) غير قابل لتحمل الجمع المذكور بارادةالتخيير منهما.

(1) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 14.

(2) وسائل الشيعة ج 9 الباب 84 من ابواب الطواف الحديث 4.


137

هذا إذا كان المراد من التخيير هو الحكم الواقعي، وأما لو كان المقصود من التخيير، الحكم الظاهرى، في التخيير في العمل بين المتعارضين من باب الاخذ بأحد الخبرين، فهذا انما يصح بعد ثبوت التكافؤ المفقود في المقام، لان الاخبار التي تدل على العدول مطابقة لفتوى المشهور.

وأما رواية عجلان ابى صالح الدالة على بقاء التمتع وقضاء الطواف بعد الحج، ضعيفة.

لاشتراك ابى صالح بين الثقة والضعيف فلا يعتمد على روايته ولا يستدل بها.

ولا يثبت مضمون رواية ابى صالح بما روى عن درست بن ابى منصور عن عجلان في حديث قال: كنت انا و عبد الله بن صالح سمعنا هذا الحديث في المسجد، فدخل عبد الله على ابن الحسن عليه السلام فخرج الي فقال: قد سألت ابا الحسن عليه السلام عن رواية عجلان فحدثني بنحو ما سمعناه من عجلان (1).

وذلك لان عبد الله بن صالح ايضا مجهول، فكيف يوثق مجهول بمجهول آخر وضعيف بضعيف، مضافا إلى نفي ابى الحسن عليه السلام مضمون رواية عجلان، كما في صحيحة ابن بزيع المتقدمة بعد ما سأل الراوي عنه.

فقال أبو الحسن: لا إذا زالت الشمس ذهبت المتعة (2).

(1) وسائل الشيعة ج 9 الباب 84 من ابواب الطواف الحديث 6.

(2) وسائل الشيعة ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 14.


138

فان الظاهر من النفي نفي ما ذكر في رواية عجلان من الحكم ببقاء المتعة وتمامية العمرة وقضاء الطواف بعد الحج، لا نفي الوقت المذكور في صدر الرواية، بل لا وجه أصلا لرجوع النفي إليه، إذ لا تنافي بين صحيحة ابن بزيع ورواية عجلان من جهة التوقيت، بل التمانع والتنافي من جهة الحكم وانقضاء المتعة وذهابها، وعدم الانقضاء زوال يوم التروية وقضاء الطواف، بل يمكن تصور اتحادهما في الوقت بخلاف الحكم، إذا المذكور في رواية ابن بزيع ان متعتها تذهب إذا زالت الشمس وتصير حجها مفردا، وأما ما ذكر في رواية عجلان (انها اغتسلت واحتشت وسعت بين الصفا والمروة وتقضى طوافها).

ولا يخفى ان المعمول والمتعارف بين الحجاج انهم يشغلون بمقدمات الحج من الغسل وغيره من اول الزوال غالبا، فتحمل الرواية عليه، فتكون متحدة مع رواية ابن بزيع من جهة الوقت ولكنها تخالفها من جهة الحكم بعدم ذهاب المتعة وعدم جواز العدول إلى الافراد ووجوب قضاء الطواف بعد الحج، وحيث أن الصحيحة متعرضة لرواية عجلان ونافية لمضمونها، تكون حاكمة ومقدمة عليها.

واحتمال كون المنفى في رواية ابى الحسن عليه السلام غير رواية عجلان الموجودة بأيدينا بعيد جدا، ولو فرضنا ذلك لامكنأن يقال: ان لعجلان رواية مخالفة لوجوب العدول إلى الافراد،


139

وفوت المتعة زوال يوم التروية قد نفاها أبو الحسن وردها بقوله (لا)، فحينئذ يقال الرواية المردودة والمنفية اما هي الموجودة عندنا أو غيرها، وعلى كل حال يوجب ذلك وهنا وضعفا في مفاد الرواية الموجودة، ولا ينبغى أن يجعل معارضا لغيره.

وكذا يوجب ذلك وهنا وضعفا في رواية ابن رئاب التي تطابق مضمونها، فيحكم بتقدم الاخبار الدالة على العدول إلى الافراد وذهاب المتعة زوال يوم التروية.

وقد يجمع بينها بنحو آخر، وهو أن يقال: ان المرأة إذا كانت طاهرة حين الاحرام ثم طمثت قبل الاتيان بأفعال العمرة، فعمرتها تامة لكنها تقضي طوافها بعد الحج وأما إذا كانت حين الاحرام طامثا فتعدل إلى الافراد ان لم تطهر قبل أعمال الحج، بحيث تتمكن من اتيان أعمال العمرة، وقد تجعل رواية ابى بصير شاهدا لهذا الجمع قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول في المرأة المتمتعة: إذا أحرمت وهي طاهر ثم حاضت قبل أن تقضي متعتها سعت ولم تطف حتى تطهر ثم تقضي طوافها وقد قضت عمرتها، وان هي احرمت وهي حائض لم تسع ولم تطف حتى تطهر (1).

ويرد على هذا الجمع: أولا أن نفس ما جعل شاهدا لرفع التعارض مبتلى بمعارض آخر، وهو صحيح ابن بزيع حيث قال: سئل عن المرأة تقدم مكة

(1) الوسائل ج 9 الباب 84 من ابواب الطواف الحديث 5.


140

متمتعة ثم حاضت قبل أن تحل.

إلى ان قال عليه السلام: إذا زالت الشمس ذهبت المتعة (1).

وثانيا أن رواية ابى بصير قد أعرض عنها الفقهاء ولم يفت بمضمونها الا قليل منهم، كابن جنيد على ما نسب إليه، ولهذا حملها الشيخ على من حاضت أثناء الطواف، كما يأتي حكمه انشاء الله تعالى.

ولكنه أيضا خلاف الظاهر والسياق، ويصعب حملها عليه حتى في مقام الجمع لصراحتها في أنها حاضت قبل أن تحل، وهو ظاهر في عروض الطمث قبل الطواف لا في اثنائه.

اللهم الا أن يقال ان حملها على ذلك أولى من الطرح.

(الامر الثاني) لو حاضت امرأة اثناء الطواف، ففيه ثلاثة اقوال: الاول البطلان مطلقا، والثانى الصحة مطلقا، والثالث التفصيل بين عروض الحيض قبل النصف فيبطل أو بعده فيحكم بصحة الطواف وهو المشهور المنصور لعدة من الروايات: منها مرسلة أبى اسحاق صاحب اللؤلؤ قال: حدثنى من سمع ابا عبد الله عليه السلام يقول في المرأة المتمتعة إذا طافت بالبيت أربعة اشواط ثم حاضت فمتعتها تامة.

وزاد في التهذيب: وتقضي ما فاتها من الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وتخرج إلى منى قبل أن تطوف الطواف الاخر (2).

(1) الوسائل ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 14.

(2) وسائل الشيعة ج 9 الباب 86 من ابواب الطواف الحديث 2.


141

أما الراية فمخدوشة من جهة السند، لان أبا الحسن بياع اللؤلوء أو اسحاق صاحب اللؤلوء كلاهما مجهولان، وقال الممقانى (ره) لم أر من ذكره الا الشيخ، حيث عده من اصحاب الصادق عليه السلام في رجاله.

مضافا إلى كونها مرسلة، الا أن نقل صفوان الذي هو من أصحاب الاجماع وكذا عبد الله بن مسكان على ما نقل من الكشي يجعلها كالصحيحة.

واما من جهة الدلالة فهى تامة بناءا على نقل الكافي، حيث تدل منطوقا على أن عروض الحيض لا يبطل الطواف إذا كان بعد أربعة أشواط ولا تبطل متعتها.

ومفهومها أنه لو كان قبل اتمام أربعة أشواط فتبطل ومتعتها غير تامة، الا أنها ساكتة عن وجوب قضاء الطواف عليها في الصورة الاولى.

وأما بناءا على ما نقله التهذيب فتدل على وجوب قضاء ما بقي من الطواف، ولكنها ساكتة عن بيان وقت القضاء ومقتضى القاعدة فيه أنها إذا طهرت قبل الخروج إلى منى تقضيها قبله، والا تقضي بعد الرجوع من منى، وقد فسر بعض الشراح قوله (قبل أن تطوف الطواف الاخر بقضاء ما فاتها من الطواف)، بمعنى عدم الحاجة إلى الزائد على أربعة أشواط، بل تخرج إلى منى وتكون متعتها تامة.

فيكون المحصل من الرواية أن المرأة المفروضة ممنوعة عن اتمام الطواف، بل تخرج إلى منى للذهاب إلى عرفات ولا شئ عليها الا قضاء ما فات من طوافها، (وهى ثلاثة اشواط) المصرح به في


142

صدر الرواية، وان كان المراد من قوله (قبل أن يطوف الطوافالاخر) طواف الزيارة بعد مراجعتها من منى أو طواف النساء، بمعنى أنه يجب عليها بعد المراجعة من منى أن تقضي أو لا ما فاتها من الاشواط قبل طواف الزيارة وطواف النساء.

فالمعنى أيضا أنه لا يجب عليها الا قضاء ما فات منها قبل الاتيان بطواف الزيارة، وان كان ذلك خلاف الظاهر، لكن الرواية على كل حال تدل على تمامية المتعة إذا عرضها الحيض بعد اربعة أشواط.

ويدل عليه أيضا ما رواه الشيخ بسنده عن ابراهيم بن ابى اسحاق عن سعيد الاعرج قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن أمراة طافت بالبيت أربعة أشواط وهي معتمرة ثم طمثت؟ قال: تتم طوافها فليس عليها غيره ومتعتها تامة، فلها أن تطوف بين الصفا والمروة، وذلك لانها زادت على النصف، وقد مضت متعتها ولتستأنف بعد الحج (1) ورواها الشيخ مرسلة عن ابراهيم بن اسحاق وزاد فيه: وان هي لم تطف الا ثلاثة اشواط فلتستأنف الحج، فان أقام بها جمالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر (2).

وما رواه عن أحمد بن محمد عمن ذكره عن أحمد بن عمر الحلال عن أبى الحسن عليه السلام قال: سألته عن أمراة طافت خمسة أشواط ثم اعتلت؟ قال: إذا حاضت المراة وهي في الطواف

(1) الوسائل ج 9 الباب 86 من ابواب الطواف الحديث 1.

(2) الوسائل ج 9 الباب 86 من ابواب الطواف الحديث 4.


143

بالبيت أو بالصفا والمروة وجاوزت النصف علمت ذلك الموضع الذى بلغت، فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أنتستأنف الطواف من أوله (1).

وما رواه الكافي عن أبي بصير عن أبى عبد الله عليه السلام قال: إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، فجاوزت النصف فعلمت ذلك الموضع، فإذا طهرت رجعت فأتمت بقية طوافها من الموضع الذي علمته، فان هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها ان تستأنف الطواف من أوله (2).

وهذه الروايات كما ترى تدل على تمامية المتعة إذا عرض الحيض اثناء الطواف بعد النصف، وعلى وجوب قضاء ما فات من الاشواط، وهي وان كان اكثرها لا يخلو من الضعف في السند واختلال واضطراب في المضمون، الا أنها منجبرة بعمل الاصحاب بها والافتاء بمضمونها (3).

واحتمال كون مستند فتاواهم غير ما ذكر من الاخبار المودعة في كتب الاصحاب لا يضر بجبر الضعف فيها، مع تطابق عبارة الفتاوى والنصوص المتقدمة.

(1) الوسائل ج 9 الباب 86 من ابواب الطواف الحديث 1.

(2) الوسائل ج 9 الباب 85 من ابواب الطواف الحديث 1.

(3) الرواية بالنسبة إلى وجوب اعادة السعي غير معمول بها ولكن تحمل على الافضلية، فان السعي بين الصفا والمروة وان لم يكن مشروطا بالطهارة الا انه معها أفضل.


144

ولا يعارض تلك الاخبار المتقدمة مع تطابق الفتاوي عليها، ما روي عن ابن بزيع قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلامعن المرأة تدخل مكة متمتعة، ثم حاضت قبل أن تحل متى تذهب متعتها إلى ان قال: قال عليه السلام: إذا زالت الشمس ذهبت المتعة (1).

وهذه الرواية ونظائرها مستند صاحب المدارك تبعا لابن ادريس في الحكم ببطلان المتعة بعروض الحيض قبل الاحلال مطلقا، ولكنها قابلة للتقييد بما تقدم من النصوص وأن المتعة لا تبطل إذا طمثت بعد تجاوز النصف، وكذا يطرح أو يأول ما يدل على صحة الطواف والمتعة بعروض الحيض قبل تجاوز النصف، مثل ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن امرأة طافت ثلاثة أشواط أو اقل من ذلك ثم رأت دما.

قال: تحفظ مكانها، فإذا طهرت طافت واعتدت بما مضى (2)، ورواه الصدوق باسناده عنه عن احدهما وقال: وبهذا افتي لانه رخصة ورحمة.

فانه معرض عنه، والصدوق منفرد في الافتاء بمضمونه، ولذا حمله الشيخ على طواف النافلة ولم يعمل به في الفريضة.

بقي في المقام شئ ينبغى له، وهو أنه قد جعل ملاك تمامية المتعة في الاخبار عروض الحيض بعد تجاوز النصف، وملاك

(1) الوسائل ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 14.

(2) الوسائل ج 9 الباب 85 من ابواب الطواف الحديث 3.


145

البطلان العروض قبله، وهي ساكتة عن حكم عروض الحيض في النصف من سبعة اشواط، إذ ما ذكر فيها هو أربعة أشواط في الحكم بالصحة وثلاثة اشواط في الحكم بالبطلان، ولم يذكر ثلاثة أشواطونصف لا في الرواية ولا في كلام العلماء، فان كلامهم ايضا مختلف، فجعل بعض ملاك التمامية التجاوز عن النصف ومناط البطلان قبل النصف، وذكر بعض آخر أربعة أشواط وثلاثة أشواط.

وحيث أنه قد علل تمامية المتعة في رواية سعيد، بأنها زادت على النصف، يمكن أن يجعل الميزان في الحكم بالصحة التجاوز عن النصف، وفي البطلان عدم التجاوز عنه.

وأما ذكر الاربعة والثلاثة في الروايات فانما هو لبيان أحد المصاديق للقسمين لا لخصوصية فيها، فالحكم إذا زاد على النصف ولو يسيرا الصحة والتمامية وإذا قل عن النصف ولو يسيرا بطلان التمتع.

وأما النصف الحقيقي لا أقل ولا أكثر منه فيتوجه البطلان فيه أيضا، لعدم صدق التجاوز عن النصف عليه.

ويمكن ان يقال أيضا: ان موضوع الحكم في التمامية انما هو اربعة أشواط بتمامها وكمالها، والتجاوز عن النصف انما يعتبر ان يتحقق في ضمن الاشواط التامة لا الناقصة منها، وهو لا يتحقق ولا يوجد الا في ضمن أربعة أشواط تامة، وكذا يعتبر أن يتحقق الاقل من النصف الدي هو الملاك في الحكم بالبطلان في ضمن اشواط تامة كاملة، وهى الثلاثة المذكورة في الرواية، فحينئذ يكون


146

الميزان في تمامية المتعة تحقق اربعة أشواط، ومفهوم ذلك البطلان في الثلاثة.

واما الثلاثة والنصف فهو أيضا من مصاديق المفهوم المستفاد من قيد الاربعة.

هذا غاية ما يمكن أن يقال، ولكن النفس لا تطمئن به ولاتستريح، فلابد في المقام من دليل قوي يعتمد عليه.

وحيث أن مقتضى صحيحة ابن بزيع بطلان التمتع بعروض الحيض قبل الاحلال فيقال: ان الخروج من مقتضاها وتخصيصها يحتاج إلى دليل معتبر، وورود التخصيص عليها بعد أربعة أشواط قطعي لا شبهة فيه، واما التخصيص في أقل من أربعة ولو كان الثلاثة والنصف فمشكوك فيه، والمخصص مجمل لا يصح التمسك به، والشبهة ايضا مفهومية.

والمرجع فيها عموم العام، فيبقى غير الاربعة باقيا تحت العام ويحكم بالبطلان في أقل من أربعة أشواط وكذا في النصف الحقيقي ثلاثة اشواط ونصف.

(الامر الثالث): ان الحيض كما تقدم لا يمنع عن الاحرام وصحته، فيجوز الاحرام حال الطمث.

فلو ان امرأة حاضت عند الميقات فان علمت انها تطهر قبل أيام الحج وتتمكن من أعمال العمرة أحرمت من الميقات ونوت العمرة المتمتع بها إلى الحج وتدخل مكة ولا تدخل المسجد حتى تطهر، فإذا تطهرت طافت وصلت ركعتين وسعت وقصرت، فان لم تطهر الى يوم التروية أو لا تعلم أنها تطهر قبل يوم عرفة أو زوال يوم التروية يجوز لها


147

العدول من الافراد إلى التمتع زوال يوم التروية، ويجوز لها أيضا الصبر إلى أن يضيق الوقت، فان لم تطهر وجب عليها العدول.

أما عدم كون الحيض مانعا عن الاحرام فتدل عليه الروايات: منها رواية منصور بن حازم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام المرأة الحائض تحرم وهي لا تصلي؟ قال: نعم إذا بلغت الوقتفلتحرم (1).

ورواية يونس بن يعقوب قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الحائض تريد الاحرام.

قال: تغتسل وتستثفر وتحتشي بالكرسف وتلبس ثوبا دون ثياب احرامها وتستقبل القبلة، ولا تدخل المسجد وتهل بالحج بغير الصلاة (2).

ورواية زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن أمراة حاضت وهى تريد الاحرام فتطمثت؟ قال: تغتسل وتحتشي بكرسف وتلبس ثياب الاحرام وتحرم، فإذا كان الليل خلعتها ولبست ثيابها الاخرى حتى تطهر (3).

ورواية معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحائض تحرم وهى حائض.

قال: نعم تغتسل وتحتشي وتصنع كما تصنع المحرمة ولا تصلى (4).

(1) الوسائل ج 9 الباب 48 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(2) الوسائل 9 الباب 48 من ابواب الاحرام الحديث 2.

(3 و 4) الوسائل ج 9 الباب 48 من ابواب الاحرام الحديث 3 - 4.


148

ورواية عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام أتحرم المرأة وهى طامث؟ قال: نعم تغتسل وتلبي (1).

وهذه الروايات المنقولة في كتب الاصحاب كما ترى ظاهرة في أن الحيض لا يمنع عن الاحرام، واما الاحكام الاخرى من وجوب العدول وجوازه فقد علم مما تقدم من المسائل، ولا اشكال فيها، وانما الكلام في المقام ان اطلاق الاخبار الدالة على عدم منعالحيض عن الاحرام، هل هي شاملة للمرأة التى تعلم انها لا تطهر إلى انقضاء وقت العمرة فيجب عليها الاحرام بالعمرة المتمتع بها إذا كانت نائية، ثم العدول إلى الافراد اولا تشملها فمشكل.

ووجه الاشكال أنها إذا كانت عالمة بعدم الطهر إلى آخر وقت العمرة لا تتمكن من قصد التمتع حتى يجب عليها فتحرم بها.

اللهم الا ان يقال: ان الاخبار الواردة في المقام لم تعين لها وظيفة خاصة من التمتع والافراد، فلها أن تنوي الافراد إذا علمت أنها لا تطهر إلى آخر الوقت.

وفيه: ان الحائض كغيرها من المكلفين ان لم تكن حاضرة المسجد الحرام فوظيفتها التمتع، ويشملها اطلاق الاية والروايات، ولا يجزيها غير ما تكون مكلفة به الا بالدليل، كما أنها لو كانت حاضرة لم يكن فرضها الا الافراد ولا يجزي غيره الا بالدليل الخاص، فان كان الدليل اطلاق عدم مانعية الحيض عن الاحرام

(1) الوسائل ج 9 الباب 48 من ابواب الاحرام الحديث 5.


149

المستفاد من النصوص فهو غير تام، لان مفادها أن الخلو من الحيض ليس شرط للاحرام، واما أن الفرض في هذا الحال التمتع أو الافراد فهي ساكتة عنه وغير ناظرة إليه حتى يتمسك بالاطلاق في المقام.

اللهم الا ان يقال: أن المرأة المسئول عن حكمها في النصوص هي المرأة العالمة بعدم طهرها إلى انقضاء وقت متعتها، فيكون الجواب بوجوب الاحرام عليها من الميقات ظاهرا في الاحرامبالافراد، لعدم تمكنها من العمرة المتمتع بها إلى الحج.

ويمكن أن يقال: ان السؤال انما وقع عن النسوة في الزمن السابق وكان ميقات اكثرهن ذا الحليفة أو الجحفة، وكان المتعارف في ذلك الزمان الخروج من المدينة وما شابهها أو اخر شهر ذي القعدة، والحائض منهن في الاغلب انما تكون عالمة بأنها تطهر قبل انقضاء الوقت، أو محتملة له، والروايات محمولة ومنزلة على ما هو المتعارف في زمان صدورها، فلا تشمل الحائض التى تعلم بعدم الطهر إلى انقضاء وقت التمتع.

لا يقال: ان لازم ما ذكر أن لا تكون المرأة العالمة بعدم طهرها إلى آخر وقت عمرتها مكلفة بالحج اصلا، فان النساء اللاتي عادتهن أن يحضن من خامس ذي الحجة مثلا إلى خمسة عشر يوما منها لا يستطعن من حج التمتع ابدا.

والحال انهن مكلفات به، كغيرهن ممن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.


150

فانه يقال: ان المفروضة ان كانت متمكنة من الخروج إلى عمرتها وان تأتي بأفعالها قبل أيام العادة، يجب عليها الخروج واداء مناسك العمرة قبل ذلك ثم تحرم للحج وتأتي بجميع المناسك الا الطواف، فإذا طهرت اتت به مع ركعتي الطواف ان امكنها التوقف بمكة بعد الطهر بذلك المقدار، وأما إذا لم تتمكن من التوقف بعدا الطهر لان تأتي بطوافها، أو لم تمهلها السيارة والرفقة أو الحكومة استنابت شخصا يطوف عنها، فيكون حجها تاما ومتعتها كاملة.

مضافا إلى أن استقرار العادة على رؤية الدم في خامس ذي الحجةمثلا انما هي أمارة غالبية اعتبرها الشارع، لا قطعية ويقينية بحيث لا يحتمل خلافها أصلا، بل يمكن التخلف.

فعلى هذا لا يوجد العلم بعدم الطهر إلى فوت زمان العمرة، بحيث يصح أن يقال ان الاخبار والايات منصرفة عن تلك النسوة، فكل حائض تحتمل الطهر قبل مضي وقت العمرة تحرم وتنوي التمتع، فان لم تطهر قبل ذلك تعدل إلى الافراد.

نعم لو علمت وتيقنت امرأة انها لا تطهر إلى آخر وقت العمرة.

فأمرها دائر بين القول بوجوب الاحرام عليها بالتمتع والاستنابة لطواف العمرة وركعتيه، أو قضائهما بعد الطهر أو الاحرام لحج الافراد وحيث ان الامر مردد ولم يعلم وظيفتها من أخبار الباب أيضا، فلا مناص من وجوب الاحتياط عليها حتى تحصل البراءة اليقينية عن


151

الاشتغال اليقيني (1).

قال المحقق القمي: يجب عليها العدول إلى الافراد قبل الاحرام، بمعنى لزوم الاحرام للافراد، كما يجب على كل من ضاق عليه وقت العمرة ولم يتمكن من التمتع، واستدل لذلك بالاجماع ونفي الحرج والضرر وبأولوية المقام عن عروض الحيض بعد الاحرام، وما إليه السيد في العروة مستدلا بعدم التمكن من قصد التمتع.

أما الاجماع المدعى في كلام المحقق فغير ثابت، نعم لا يخلو بعض الاخبار عن الظهور فيما ذكر، ولكنه أيضا ليس بحيث يعتمد الفقيه عليه في فتواه.

وأما الحرج والضرر، فغاية ما يترتب عليه نفي التكليف الحرجى والضرري، وأما تبدل التكليف ووجوب العدول إلى الافراد من التمتع فيحتاج إلى دليل آخر ولا يستفاد من رفع التكليف الحرجى والضرري، نظير ما قيل في المسح على المرارة، فان رفع وجوب المسح على البشرة بعدم الحرج ونفيه لا يثبت بدلية المسح على المرارة عن مسح البشرة بل يحتاج ذلك إلى دليل آخر كما قال

(1) اقول: يمكن لكل امرأة أن توخر عادتها بابتلاع الحب المعد لذلك الرائج في عصرنا، يستعمله كثير من النسوان في شهر رمضان وسائر الايام ولا حظر فيه، كما يجوز لها ان تأكل طعاما أو تشرب شرابا يوجبه بل يستحب ذلك كما ورد في الحديث.

راجع الوسائل ج 9 الباب 92 و 93 من ابواب الطواف.


152

(امسح على المرارة).

واما الاولوية فادعاؤها والجزم بها موقوف على العلم بالمصالح والحكم الواقعية، المقتضية لجعل الاحكام الشرعية على الموضوعات الخارجية، وانى لنا ذلك.

وأما ما استدل به صاحب العروة من عدم تمكنها من قصد التمتع، فهو مبني على القول بعدم جواز الاستنابة في الطواف أو عدم وجوب الاتمام بلا طواف وصلاة، ثم قضائهما حال الطهر، والا فيتمشى منها قصد التمتع والقربة كغيرها.

هذا كله إذا قلنا بعدم سقوط التكليف عنها في هذه السنة، وأما إذ شككنا في انها مكلفة بالحج في هذه السنة مع علمها بأنها لا تطهر إلى آخر وقت العمرة فالمرجع البراءة من الوجوب.

ويمكن استفادة ما اختاره المحقق القمي من وجوب العدول إلى الافراد قبل الاحرام من صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: أرسلت إلى ابى عبد الله عليه السلام أن بعض من معنا من صرورة النساء قد اعتللن فكيف تصنع؟ قال: تنتظر ما بينها وبين التروية، فان طهرت فلتهل والا فلا يدخلن عليها التروية الا وهي محرمة (1).

بناءا على أن يكون المراد من الاهلال بعد الطهارة الاهلال بالعمرة، ومن الاحرام الاحرام للحج، مع فرض أن المرأة كانت مكلفة بالتمتع لكونها مدنية، ومع العلم بعدم تمكنها من اتمام

(1) الوسائل ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 15.


153

العمرة أمرها الامام عليه السلام بالاحرام للحج، واما عدم امرها بالخروج لاحرام العمرة المفردة بعد اتمام الحج، انما هو للتقية.

وفيه: ان الصحيحة لا ظهور لها فيما ذكر، ولا يصح الاستدلال بها اعتمادا على الاحتمالات التي لا شاهد لها.

فتحصل من جميع ما تقدم أن من أحرم لعمرة التمتع ولم يتمكن من اتمامها لضيق الوقت أو لمانع كعروض الحيض والنفاس يعدل إلى الافراد، ثم يأتي بعد الحج بعمرة مفردة.

وأما من علم قبل الاحرام بأنه لا يتمكن من اعمال العمرة قبل الحج إلى انقضاء آخر وقت العمرة التي يتمتع بها إلى الحج، فان كان في بلده وكان عدم التمكن من جهة ضيق الوقت، مسببا عن اهماله وتأخيره مع تمكنه من التعجيل والبدار إلى العمرة، فهو عاص بالتأخير وعليه الحج في العام القابل.

وأما مع عدم التمكن من الخروج والتعجيل فهو غير مستطيع في عامه هذا، وان تمكن من العدول إلى الافراد، إذ لم يعهد من الفقهاء والاصحاب الحكم بتبدل وظيفة النائي من التمتع إلى الافراد، وكذلك المرأة إذا كانت في بلدها وعلمت بعدم التمكن من العمرة قبل الحج، فانها عاصية لو كان ذلك باهمالها في وظيفتها وعليها الحج في القابل.

نعم لو علمت أنها لا تتمكن منها في جميع السنوات في أشهر الحج، فبعد عدم وجود الدليل على تبدل تكليفها إلى الافراد،


154

فلابد من القول بوجوب التمتع عليها والاستنابة للطواف وصلاته أو قضائهما بعد الطهر، لصحة الاتيان بالعمرة وطواف الحج في تمام شهر ذي الحجة.

هذا ما يقتضيه الدليل في مفروض المقام من عدم التمكن من الاتيان بالعمرة، ولكن تحقق الفرض في الخارج بعيد جدا، لامكان الاتيان بالعمرة المتمتع بها في جميع اشهر الحج، وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة إلى يوم عرفة، فيشمله الدليل العام الدال على وجوب التمتع على النائى المتمكن من الاتيان به ولو بهذه الكيفية أي في جميع اشهر الحج.

ولو فرضنا ان الدليل العام لا يشمله اما للاجمال فيه أو لاحتمال تبدل التكليف من التمتع بالافراد في ذلك المورد فلا مناص من أن يقال: لو شك في اصل التكليف تمتعا كان أو غيره فالاصل عدمه والبراءة منه، كما أنه لو شك في تبدل التكليف من التمتع إلى الافرادبعد العلم بثبوته، فالاصل عدم التبدل وبقاء وجوب التمتع، ولو فرض تحقق الاجماع على عدم سقوط التكليف في هذا الحال أو الضرورة القطعية، فيحصل العلم الاجمالي بوجوب الاحرام اما بالتمتع مع الاستنابة للطواف والصلاة، واما بالافراد بمباشرة الاتيان لجميع المناسك، ومقتضاه الجمع بين الحجين في سنتين إذا تمكن من ذلك والا تتخير بين أحدهما.

(الرابع) ان حكم النفساء حكم الحائض في جميع ما ذكر


155

للاجماع على اتحاد حكمهما، ولما رواه معاوية بن عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: أن اسماء بنت عميس نفست بمحمد بن ابى بكر بالبيداء لاربع بقين من ذي القعدة في حجة الوداع، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله فاغتسلت واحتشت وأحرمت ولبت مع النبي وأصحابه، فلما قدموا مكة لم تطهر حتى نفروا من منى، وقد شهدت المواقف كلها عرفات وجمعا، ورمت الجمار ولكن لم تطف بالبيت ولم تسع بين الصفا والمروة، فلما نفروا من منى امرها رسول الله فاغتسلت وطافت بالبيت وبالصفا والمروة (1).

والرواية كما ترى تدل على وجوب الاحرام على النفساء، الا أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر.

(1) الوسائل ج 9 الباب 49 من ابواب الاحرام الحديث 1.

وفى الرواية اضطراب، فان كل امرأة إذا رأت الدم إذا ابتلت بالنفاس في أربع بقين من ذى القعدة تطهر في اليوم السابع من ذى الحجة قطعا وتتمكن من الطواف والصلاة، إذ لا تزيد أيام النفاس والحيض على عشرة أيام، فلابدمن توجيه الرواية (المقرر).


156

شروط حج الافراد أما شروط حج الافراد فهى ثلاثة: (الاول) النية، وقد مر الكلام فيها تفصيلا في التمتع فلا نعيده.

(الثاني) وقوع الاحرام وجميع المناسك في اشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة بلا خلاف بيننا كما في الجواهر، وعليه الاتفاق على ما في المعتبر، ويدل عليه قوله تعالى ﴿الحج اشهر معلومات (1) خلافا لبعض العامة حيث جوز الاحرام للافراد قبل أشهر الحج.

(الثالث) الاحرام من الميقات الذي يمر به ان كان منزله قبل الميقات والا فمن دويرة أهله إذا كان منزله دون الميقات، كما تقدم في المواقيت.

ولا خلاف في ذلك كما في الجواهر الا عن مجاهد

(1) سورة البقرة الاية 196.


157

فانه جوز الاحرام من مكة لحج الافراد، وأما المقيم بمكة فانه يحرم له من مكة للحج، وللعمرة من أدنى الحج.

وذكر الشيخ في المبسوط شرطا رابعا، وهو ان يقع الحج في سنة، والمراد من ذلك الشرط وقوع الحج في السنة التي وقع الاحرام في أشهر الحج من تلك السنة، فلو أحرم بالحج مفردا ثم لم يقف الوقوفين حتى ينقضي الوقت، لا يصح الحج في العام القابل بذلك الاحرام لو بقي عليه، بل يجب عليه الطواف والسعيوالتحليل، فيصير عمرة مفردة كما في الدروس.

والظاهر أنه المقصود أيضا في كلمات العلماء قدس سرهم، ولا يبعد أن يقال ببطلان الحج بعدم الوقوف بعرفات، والتحلل بأعمال العمرة أيضا.

وأما حج القران فهو عين الافراد، ولا فرق بينهما الا في سوق الهدي كما تقدم تفصيلا، ويشترط فيه ما يشترط في الافراد، وأما العدول منهما إلى التمتع فيأتى تفصيله بعد هذا.

العدول من الافراد والقران إلى التمتع

قد تقدم أن الافراد والقران فرض اهل مكة ومن بحكمهم، والتمتع يختص بالنائى فقط، كما تدل عليه الاية، والرواية وعليه فتاوى العلماء، وقد أشبعنا الكلام في النائى والحاضر في المسجد الحرام واهل مكة ونواحيها وحكم التمتع والعدول منه إلى الافراد والقران جوازا وعدما، ولنذكر هنا بعض ما يختص بالمفرد والقارن


158

ومنه جواز العدول منهما إلى التمتع.

فهل يجوز لمن وظيفته وفرضه الافراد أو القران، العدول إلى التمتع مطلقا أو لا يجوز كذلك، أو يفرق بين حال الاضطرار والاختيار فيحكم بالجواز في الاول دون الثاني؟ أقوال.

قال المحقق قدس سره في الشرائع، بعد ذكر ان الافراد والقران فرض اهل مكة ومن بحكمهم، انه لو عدل هؤلاء إلى التمتع حال الاضطرار جاز، كخوف الحيض المتأخر عن النفر من منى مع عدم امكان تأخير العمرة إلى أن تطهر وأما حال الاختيار فقيل نعم، كما حكي عن الشيخ في أحد قوليه، وقيل لا، وهو الاكثر بل هوالمشهور، بل عن الغنية الاجماع عليه، ولو قيل بالجواز لم يلزمهم هدى انتهى.

وتفصيل البحث ان التمتع كما هو المستفاد من الاية يختص بالنائى، وانه ليس لاهل مكة تمتع ابتداءا ولا عدولا كما هو المتبادر من النصوص المفسرة للاية الكريمة.

فعلى هذا جواز العدول إلى التمتع ابتداءا أو بعد الشروع يحتاج إلى الدليل المجوز لذلك حتى حال الاضطرار، فإذا اضطر المفرد أو القارن إلى ترك العمرة بأن علم أنه لا يتمكن بعد الحج من الاتيان بالعمرة المفردة، بناءا على اشتراط تأخرها عنه لحيض أو عدم توقف الرفقة يمكن أن يقال انه غير مستطيع بالنسبة إلى العمرة اصلا، ولا يجب عليه الا الحج.


159

فان استطاع إلى العمرة بعد ذلك يأتي بها والا فلا تجب عليه.

هذا ما تقتضيه القاعدة الاولية المستفادة من الاية والرواية وقد يستدل لجواز إلى التمتع حال الاضطرار بالاجماع المدعى في كلام الاصحاب.

قال صاحب الجواهر بعد نقل كلام المحقق: لو عدل هؤلاء إلى التمتع اضطرارا جاز العدول ولو بعد الشروع فيه، لا أجد فيه خلافا حتى في القران، على ما اعترف به غير واحد، بل عن بعضهم دعوى الاتفاق عليه انتهى وفيه: ان الاجماع والاتفاق غير ثابت، بل حكي عن التبيان والاقتصاد والغنية والسرائر عدم الجواز، بل هو ظاهر كل من قال ان القران والافراد فرض أهل مكة ومن بحكمهم، كما في الجواهر.

وقد يتمسك لجواز العدول إلى التمتع بالروايات الواردة فيحج النبي صلى الله عليه وآله حجة الوداع.

ويرد بأن النصوص الواردة فيه انما هي في بيان تبديل تكليف النائي واختصاصه بالتمتع دون غيره، لا جواز العدول لمن فرضه الافراد أو القران إلى التمتع ابتداءا أو بعد الشروع فيهما.

واستدل له أيضا برواية معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل لبى بالحج مفردا ثم دخل مكة وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة.

قال: فليحل وليجعلها متعة، الا أن يكون


160

ساق الهدي فلا يستطيع ان يحل حتى يبلغ الهدي محله (1).

وفيه: ان الرواية صريحة في عدم جواز العدول من القران إلى التمتع، خلافا لمن يقول بالجواز، وأما بالنسبة إلى الافراد فهي أيضا غير صريحة في جواز العدول منه إلى التمتع لمن فرضه الافراد تعينا، بل لا اطلاق فيها بالنسبة إليه، والمتيقن من مفادها ومن نظائرها ان من كانت المتعة مشروعة له كمن أتى بالافراد استحبابا أو من كانت وظيفته التمتع فاحرم بالافراد جهلا يجوز له أو يجب عليه العدول إلى ما هو المفروض عليه أو المشروع له، فلا تنهض الرواية لمعارضة الاخبار الدالة على أن أهل مكة ليس لهم متعة.

نعم حيث ان تلك الاخبار الواردة في تفسير الاية في مقام بيان ما هو الواجب على المكلفين من حجة الاسلام لا يشمل غيره، ولا ينافي جواز الاتيان بالمتعة ندبا لاهل مكة أيضا.

وملخص الكلام: ان العدول من الافراد والقران إلى التمتعلا يجوز لمن فريضته والواجب عليه أحدهما لا اختيارا ولا اضطرارا مضافا إلى أن الاضطرار إلى العدول من الافراد والقران إلى التمتع لا يتحقق الا على القول بلزوم الاتيان بالعمرة المفردة بعد الحج، وعلم المفرد أيضا بعدم القدرة على اتيانها بعد الحج، واضطر إلى العدول إلى التمتع والاتيان بالعمرة قبل الحج، سواء كان ذلك قبل

(1) الوسائل ج 9 الباب 22 من ابواب الاحرام الحديث 5.


161

الشروع في الافراد أو بعده.

ولكنه أيضا غير ثابت كما حققناه في محله، واخترنا جواز الاتيان بالعمرة المفردة قبل الحج هناك.

ولو سلمنا ذلك لامكن القول بأن من لا يقدر على الاتيان بالعمرة المفردة بعد حج الافراد، لا يكون مستطيعا بالنسبة إلى العمرة، كما اشير إليه، ولا تجب عليه.

قد يقال: ان العدول من الافراد والقران إلى التمتع اولى من العدول من التمتع إلى الافراد، فإذا صح العدول إلى الافراد عند الضرورة جاز العكس أيضا.

ويدفع: بأن الاولوية في المقام ممنوعة، فان المتمتع الذي لا يقدر على الاتيان بالعمرة قبل الحج، لو لم يعدل إلى الافراد لزمته المشقة الشديدة والضرر الكثير، لوجوب اعادة الحج في العام القابل من ميقات اهله بعد الرجوع إلى وطنه، أو الاقامة في مكة إلى العام القابل، والخروج إلى أحد المواقيت ثم الاحرام منه ناويا للتمتع بخلاف المفرد المقيم بمكة أو حواليها، إذ لا حرج عليه ولا عسر في عدم جواز العدول من الافراد إلى التمتع، ووجوب اعادة حجهمع العمرة المفردة في العام القابل.

وأما ما استدل به الشيخ (ره) لجواز العدول من أن المتمتع يأتي بأفعال الحج مع الزيادة، فلا ينقص من نسك الافراد شئ لو عدل منه إلى التمتع.

ففيه أيضا أن ميقات حج الافراد دويرة أهله إذا كان المفرد من غير اهل مكة أي المقيم بها وأما ميقات حج


162

التمتع بطن مكة، فلا يشتمل التمتع على جميع ما اشتمل عليه الافراد.

على ان الرواية والاية إذا دلتا على أن اهل مكة لا متعة لهم، فلا يجوز رفع اليد عنهما الا بدليل خاص معتبر لا بما ذكر من المناسبات والاستحسانات.


163

العمرة المفردة (الامر الخامس) العمرة واجبة على المستطيع لها، كما يجب الحج على من استطاع إليه، ويشترط فيها ما يشترط فيه، وهى على قسمين: عمرة مفردة، وعمرة متمتع بها إلى الحج.

أما الثاني فيشترط فيه أن يؤتى بها في أشهر الحج قبل الاحرام لحج التمتع، ولا يجوز للمعتمر بتلك العمرة ان يخرج من مكة بعد الاتيان بها، حتى يأتي بالحج أيضا على ما مر تفصيله، واما المفردة فيصح الاتيان بها في كل زمان، ولا يرتبط بالحج اصلا، بل هي واجبة مستقلة.

نعم يكفي العمرة المتمتع بها عن العمرة المفردة، بل يمكن ان يقال: ان النائى لا يكلف الا بالعمرة التى يتمتع بها إلى حجه.

وتدل على اجزاء عمرة حج التمتع عن العمرة المفردة مضافا إلى الاجماع المدعى في كلام غير واحد من الاصحاب روايات:


164

منها ما رواه الكليني في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة (1).

وعن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث، قال: قلت فمن تمتع بالعمرة إلى الحج أيجزي عنه ذلك؟ قال: نعم (2).

وعن احمد بن محمد بن ابى نصر قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن العمرة أ واجبة هي؟ قال: نعم.

قلت: فمن تمتع يجزى عنه؟ قال: نعم (3).

وروى الشيخ في الموثق عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: قول الله عزوجل (واتموا الحج والعمرة الله) يكفى الرجل إذا تمتع بالعمرة إلى الحج فكان تلك العمرة المفردة؟ قال: كذلك امر رسول الله أصحابه (4).

وروى الصدوق باسناده عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: العمرة مفروضة مثل الحج، فإذا أدى المتعة فقد ادى العمرة المفروضة (5).

(1) الوسائل ج 10 الباب 5 من ابواب العمرة الحديث 1.

(2) الوسائل ج 10 الباب 5 من ابواب العمرة الحديث 2.

(3) الوسائل ج 10 الباب 5 من ابواب العمرة الحديث 3.

(4) الوسائل ج 10 الباب 5 من ابواب العمرة الحديث 4.

(5) الوسائل ج 10 الباب 5 من ابواب العمرة الحديث 6.


165

(تنبيه) قد تكرر في الروايات السابقة سؤالا وجوابا ان العمرة المتمتع بها إلى الحج تجزي عن العمرة المفردة، هذا التعبير مشعر بأن الواجب اولا وبالذات على الناس العمرة المفردة، الا ان العمرة المتمتع بها إلى الحج مجزية عنها ومسقطة للتكليف بها.

وهذا ينافي ما تقدم وتكرر أن تكليف النائي التمتع، الظاهر في ان الواجب عليه العمرة والحج معا دون الحج فقط.

ولعل

السرفية: ان الواجب على الناس قبل تشريع التمتع العمرة المفردة

والحج افرادا ولما فرض التمتع على النائي بقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي (1)، وعلم النبي صلى الله عليه وآله كيفية حج التمتع وقال: دخلت العمرة إلى الحج إلى يوم القيامة وقع الشك في ان العمرة الواجبة على الناس مرة واحدة في تمام العمر قبل ذلك، هل هي باقية على حالتها الاولى ولا يغيرها وجوب حج التمتع ودخول العمرة فيه، أو ليست كذلك بل رفع وجوبها بعد تشريع التمتع وزالت حالتها الاولى، ولهذا وقع السؤال عنها في الروايات، واجيب بأن العمرة المتمتع بها إلى الحج تجزئ عن العمرة المفردة، ولا يجب على النائى عمرة غير ما تمتع به إلى حجه.

(1) سورة البقرة الاية 196


166

(الامر السادس) المفرد بالحج إذا كانت عليه عمرة مفردة يأتي بها بعد حجه، وأما إذا لم تكن واجبة عليه لعدم الاستطاعة أو لاتيانه بها قبل وجوب الحج عليه فلا يجب عليه الاتيان بها بعد الحج، لعدم التلازم بين حج الافراد والعمرة المفردة ووجوبها، كما هو ثابت بين حج التمتع والعمرة المتمتعة بها، فله أن يأتي بعمرة مفردة وان لا يأتي بها.

ويظهر من عبارة بعض الاصحاب بل عن غير واحد منهم وجوب الاتيان بالعمرة المفردة بعد حج الافراد، واطلاقها يشمل من اتى بعمرته المفردة الواجبة عليه قبل ذلك ومن لم تجب عليه العمرة أصلا، لعدم استطاعته لها، أو من نذر حج الافراد فقط بدون عمرة مفردة.

ولكن ما هو الظاهر من فتاوى الاصحاب ان العمرة المفردة لا تجب بالذات في الشرع الامرة واحدة كالحج، فعلى هذا ارادة الاطلاق من عبائر القوم من الحكم بوجوب العمرة المفردة كما تقدم بعيد جدا، مع تصريح كثير منهم بأن من وجب عليه الافراد بالاستطاعة إليه يجب عليه الحج دون العمرة، وعدم تعرض الاخبار التي وردت

في كيفية حج الافراد لذكر العمرة بعده

وبيان حكمها.

يمكن أن يقال: ان مساق كلامهم ومحط النظر في عباراتهم ان من وجب عليه الحج والعمرة مفردين يجب عليه ان ياتي بالعمرة بعد حجه، بمعنى أنه لا يجوز تقديمها عليه كما لا يجوز تقديم حج التمتع على عمرته.


167

وبعبارة اخرى: ان العمرة المفردة إذا كانت واجبة مع الحج يجب تأخيرها عنه، بخلاف العمرة المتمتع بها فانها يجب تقديمها على الحج، ولا يجوز تأخيرها عنه كما أفتى به جماعة من الفقهاء بل ادعي عليه الاجماع.

قال في الجواهر بعد نقل فتوى الاصحاب: كما هو ظاهر بعض العبارات، بل في الرياض ان ظاهر الاصحاب الاتفاق عليه، وفى المنتهى وغير الاجماع عليه، بل في مصابيح العلامة الطباطبائى التصريح بالاجماع عليه.

انتهى.

والدليل المدعى في كلامهم ليس الا الاجماع، فان تم فهو و الا فاثبات الحكم ايضا مشكل، بل ظاهر بعض الاخبار جواز تقديم العمرة على حج الافراد، مثل ما عن الصدوق قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: أمرتم بالحج والعمرة فلا تبالوا بأيهما بدئ (1).

وعنه أيضا باسناده عن سماعة بن مهران عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: من حج معتمرا في شوال ومن نيته ان يرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك، وان هو أقام إلى الحج فهو متمتع لان اشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن اعتمر فيهن وأقام إلى الحج فهي متعة، ومن رجع إلى بلاده ولم يقم إلى الحج فهى عمرة، وان اعتمر في شهر رمضان أو قبله واقام إلى الحج فليس بمتمتع، وانما هو مجاور افرد العمرة، فان هو أحب ان يتمتع في اشهر الحج

(1) الوسائل ج 10 من ابواب العمرة الحديث 6.


168

بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يجاوزعسفان فيدخل متمتعا بالعمرة (بعمرة) إلى الحج، فان هو أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبى منها (1).

قوله في الفقرة الاخيرة (فان هو أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعفرانة) يشمل من كان منزلة دون ثمانية واربعين ميلا، الذى يجب عليه الافراد من الحج مع كون العمرة المأتي بها واجبة عليه وأما قوله (فمن اعتمر فيهن وأقام إلى الحج فهى متعة) فيحمل على من كانت المتعة له مشروعة، واجبة كانت أو مستحبة.

وبالجملة التصريح بأن من أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة ويلبى منها، مع تقديم العمرة المأتي بها على حجه الذى يجب أن يفرده، تدل على جواز تقديم العمرة المفردة على حج الافراد.

ويمكن الاستدلال لعدم وجوب الاتيان بها بعد الحج على من لا يجب العمرة عليه، بفعل النبي صلى الله عليه وآله، فانه لم يأت بالعمرة بعد الحج، فيدل على عدم وجوبها بعد الحج على نحو الاطلاق.

نعم لا يدل فعله صلى الله عليه وآله على نفي وجوب الاتيان بعده عمن وجبت عليه، لعدم وجوبها عليه صلى الله عليه وآله (2).

(1) الوسائل ج 8 الباب 10 من اقسام الحج الحديث 1.

(2) روى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله اعتمر أربع عمر - إلى أن قال - الرابعة التى مع حجه.

فعلى هذا عدم اتيانه صلى الله عليه وآله بالعمرة في حجه غير ثابت حتى يستدل به على عدم لزوم الاتيان بالعمرة كما استدل به الاستاذ مد ظله، وتأتى الرواية في ميقات العمرة انشاء الله.


169

وأما التمسك بالسيرة في ذلك فلا يصح أيضا، لعدم وجودالسيرة المستمرة إلى زمان المعصوم عليه السلام على اتيان العمرة المفردة بعد الحج ملتزمين بذلك على نحو اللزوم الشرعي.

فعلى ما ذكر يمكن حمل كلام العلماء (وعليه عمرة مفردة بعد الحج) على من وجبت عليه العمرة المفردة ولم يأت بها.

فعليه أن يأتي بعمرة مفردة بعد حجه، لا ان كل من كان مفردا للحج يجب عليه أن يأتي بالعمرة المفردة بعده مطلقا.

هذا ما يمكن أن يقال على حسب ما تقتضيه الادلة مع قطع النظر على الاصل الجاري في المقام.

واما إذا شك في وجوب العمرة زائدا على مرة واحدة في تمام العمر سواء كان بعد الحج أو قبله فالمرجع البراءة.

وكذا لو شك في ان من شروط حج الافراد ان يكون متعقبا بالعمرة المفردة أم لا، فتجرى أصالة عدم الاشتراط.

كما أنه لو شك في وجوب الترتيب بين الحج والعمرة اما تعبدا أو شرطا لصحة العمرة، بمعنى أن من شرائط صحة العمرة المفردة ان تقع بعد الافراد من الحج، فينفي بالاصل ويحكم بعدم الوجوب والاشتراط مطلقا.

ولكن الاحوط ومقتضى الورع ان من وجب عليه الحج والعمرة المفردتين، أن يأتي بالعمرة بعد الحج لا قبله.


170

(فروع) (الاول) انه لو كان مستطيعا بالنسبة إلى العمرة فقط دون الحج فيجب عليه الاتيان بالعمرة من دون ترقب حصول الاستطاعة للحج، فانهما فريضتان مستقلتان.

نعم حيث ان النائي مكلف بحج التمتعلا يستطيع للعمرة المكلفة بها الا إذا استطاع لحج التمتع أيضا.

(الثاني) من استطاع للحج والعمرة المفردة كليهما قبل أشهر الحج، فالاحوط ان يبادر باتيان العمرة المفردة مع التمكن قبل موسم الحج، ولكن الاولى ان ياتي بها بعد الحج أيضا ان كان متمكنا من الاتيان بالعمرتين قبل الحج وبعده، وأما إذا لم يتمكن الا من اتيان عمرة واحدة اما قبل الحج أو بعده، فالاحوط كما تقدم أن يأتي بها بعد الحج.

(الثالث) انه هل للعمرة المفردة وقت معين يوتى بها فيه ام لا وكذا هل يجب الاتيان بها فورا ففورا أم يجوز التأخير والتراخي؟ اما التوقيت فما هو الظاهر من الاخبار عدمه، روى الكليني في الموثق عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله عليه السلام قال: المعتمر بعمرة في أي شهور السنة شاء، وأفضل العمرة عمرة رجب (1).

علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألته عن العمرة متى هي؟ قال: يعتمر فيما احب من الشهور (2).

(1) الوسائل ج 10 الباب 3 من ابواب العمرة الحديث 13.

(2) الوسائل ج 10 الباب 6 من ابواب العمرة الحديث


171

ويظهر من بعض النصوص أفضلية تأخير العمرة ورجحانه بعد حج الافراد، ولكنه لا يدل على التوقيت، مثل ما رواه الشيخ باسناده عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله عن الصادق عليه السلام قال: سألت أبا عبد الله عن المعتمر بعد الحج؟ قال: إذا أمكن الموسى من رأسه فحسن (1).

ويقرب منه ما نقله الصدوق عن معاوية بن عمار (2) وروى الكلينيعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق عليه السلام قال: قلت له: العمرة بعد الحج؟ قال: إذا أمكن الموسى من الرأس (3).

والمستفاد من هذه الروايات ان تأخير العمرة إلى أن تمكن الموسى من رأسه حسن، ولا يستفاد منها وجوب التأخير والتوقيت.

نعم قد امر النبي صلى الله عليه وآله عائشة باتيان العمرة بعد الحج من غير تأخير، روى الشيخ مرسلا ان المتمتع إذا فاتته عمرة المتعة اعتمر بعد الحج، وهو الذى امر به رسول الله صلى الله عليه وآله عائشة.

قال: وقال أبو عبد الله عليه ا لسلام: قد جعل الله ذلك فرضا للناس (4).

عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يكون في يوم عرفة وبينه وبين مكة ثلاثة أميال وهو متمتع بالعمرة إلى الحج؟

(1) الوسائل ج 10 الباب 8 من ابواب العمرة الحديث 2.

(2) الوسائل ج 10 الباب 8 من ابواب العمرة الحديث 1.

(3) الوسائل ج 10 الباب 8 من ابواب العمرة الحديث 3.

(4) الوسائل ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 4.


172

فقال: يقطع التلبية تلبية المتعة ويهل بالحج بالتلبية إذا صلى الفجر وميضي إلى عرفات فيقف مع الناس ويقضي جميع المناسك، و يقيم بمكة حتى يعتمر عمرة المحرم ولا شئ عليه (1).

ورووا مرسلا عن ابى عبد الله عليه السلام قال: المتمتع إذا فاتته عمرة المتعة اقام إلى هلال المحرم واعتمر فأجزأت عنه مكان عمرة المتعة (2).

والمستفاد منها ان درك عمرة المحرم أرجح ولا يستفاد منهاالتوقيت، حتى لو قلنا بالمفهوم في المرسل، لا يستفاد منه الا عدم الاجزاء عن عمرة المتعة لو لم يقم إلى هلال محرم، ولا ينافي ذلك صحة العمرة المفردة إذا أتى بها قبل شهر محرم.

ولعل وجه ارجحية التأخير إلى محرم انه إذا أتى بالعمرة المفردة في شهر محرم بعد حجة، فقد ادى وظيفة ذلك الشهر أيضا، فيزداد الاجر على اجر العمرة، فان المستفاد من قولهم عليهم السلام (لكل شهر عمرة) (3) انه ينبغي للمؤمن أن يأتي بعمرة في كل شهر، وان لا يمضي عليه شهرالا وقد أتى بعمرة ذلك الشهر، وحيث انه زار البيت في ذى الحجة فان أتى بالعمرة في غيرها أدى وظيفة شهر محرم أيضا، ضمن الاتيان بما كان عليه واجبا أو مستحبا قبل ذلك.

(1 و 2) الوسائل ج 8 الباب 21 من اقسام الحج الحديث 7 - 5.

(3) الوسائل ج 10 الباب 6 من ابواب العمرة الحديث 1 - 2 - 4 - 5.


173

وأما الفورية فالمستفاد من تلك الروايات عدم الفورية، بحيث يجب عليه الاتيان بها أول أزمنة الامكان بعد حصول الاستطاعة وتعلق الوجوب عليها.

نعم لا تنافي بين عدم وجوب الفورية بهذا المعنى، والفورية بمعنى لزوم الاتيان بالعمرة المفردة في سنة استطاعتها، إذ لا اشكال في وجوب الفورية بهذا المعنى، بل يدل عليه ما يدل على وجوب الحج فورا بالمعنى الذي اشير إليه، مثل ما رواه الشيخ باسناده عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاعإليه سبيلا)؟ قال: هذه لمن كان عنده مال وصحة، وان كان سوقه للتجارة فلا يسعه، وان مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الاسلام إذا هو يجد ما يحج به (1).

العياشي في تفسيره عن ابراهيم بن علي عن عبد العظيم الحسني عن الحسن بن محبوب عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا مثل ما تقدم.

العياشي في تفسيره ايضا عن عمربن اذينة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا يعني به الحج دون العمرة؟ قال: لا، ولكنه

(1 و 2) الوسائل ج 8 الباب 6 من ابواب وجوب الحج الحديث 1 - 11.


174

الحج والعمرة جميعا لانهما مفروضان (1).

وغيرها من الروايات الدالة على أن المراد من قوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا هو الحج والعمرة معا، فحيث ان الثابت من الشرع أن أمر الحج فوري لا يجوز التسويف فيه لتجارة وغيرها وان لم يكن موقتا، فتكون العمرة ايضا كذلك، ولا يجوز التسويف فيها.

نعم المستفاد من أدلة فورية امر الحج، انه لا يجوز تأخيره عن سنة الاستطاعة إلى سنة اخرى، ولا يبعد القول بجواز تأخير العمرة إلى اوان الحج.

فتحصل من جميع ما ذكرناه أن أمر العمرة كا مر الحج فوري بمعنى انه لا يجوز التسويف فيها بالتأخير من سنة إلى سنة اخرى،لا بمعنى انه لا يجوز تأخيرها ولو ساعة أو أيام.

وعلم أيضا انها ليست موقتة مخصوصة بشهر دون شهر، بل يجوز الاتيان بها في كل شهر من الاشهر.

نعم يشترط أن يكون الاحرام بعمرة في حال أحل من احرامه للحج لعدم جواز انشاء الاحرام

في حال الاحرام.

(الرابع) أنه يجب الاحرام للعمرة المفردة

من ادنى الحل أو أحد المواقيت، واما الاحرام بين أدنى الحل وأحد المواقيت فهو خلاف الاحتياط، كما أنه لو أحرم بها في الحرم لا يجزي، وان خرج بعد الاحرام إلى أدنى الحل ما لم يجدد الاحرام منه، بل يجب عليه استيناف الاحرام من خارج الحرم.

(1) الوسائل ج 10 الباب 1 من ابواب العمرة الحديث 7.


175

في المواقيت واحكامها وهي جمع ( ميقات ) التي بمعنى مقدار من الزمان في اللغة وفى عرف المتشرعة عبارة عن أماكن مخصوصة معينة لاحرام الحج أو العمرة منها، وهي ستة أماكن: ذو الحليفة، والعقيق، وجحفة، ويلملم، وقرن المنازل، ومكة.

وقد يطلق على كل موضع يصح الاحرام منه ولو احيانا وهو اربعة عشر موضعا: الستة المتقدمة والمحاذاة للميقات لمن لا يمر بها وينزل من كان منزله أقرب إلى مكة من الميقات، والفخ للصبيان، ومحل الامكان لمن تعذر عليه الاحرام من الميقات، والمكان المنذور فيه الاحرام، والمكان الذي يخاف انقضاء عمرة شهر رجب لو لم يحرم فيه، والمكان الذي يساوي أقرب المواقيت وأدنى الحل كماتدل على ذلك روايات.

ويظهر من بعض الروايات أن الجعرانة هي ايضا من المواقيت


176

أحرم منها رسول الله صلى الله عليه وآله حين رجع من غزوة حنين.

عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: انى اريد الجوار بمكة فكيف أصنع؟ فقال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج إلى الجعرانة فأحرم منها بالحج الحديث (1).

وعن صفوان عن ابى الفضل قال: كنت مجاورا بمكة، فسألت ابا عبد الله عليه السلام: من أين احرم بالحج؟ فقال: من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله من الجعرانة، أتاه في ذلك المكان فتوح فتح الطائف فتح الخيبر والفتح (2).

وما هو المهم في المقام نقل الاخبار الدالة على اختصاص بعض تلك المواقيت بقوم دون آخر، وبيان ما يظهر من كلمات الاصحاب وأرباب اللغة في ذلك، وتعيين ما هو الافضل من المواقيت المذكورة: ( منها ) ما رواه الحلبي عن الصادق عليه السلام: الاحرام من مواقيت خمسة، وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر ان يحرم قبلها ولا بعدها، وقت لاهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة يصلي فيه ويفرض الحج، ووقت لاهل الشام الجحفة، ووقت لاهل النجد العقيق، ووقت لاهل الطائف قرن المنازل، ووقت لاهل اليمن يلملم، ولا ينبغي لاحد أن يرغب عن مواقيت رسول الله صلى الله عليه وآله (3).

(1 و 2) الوسائل ج 8 الباب 9 من اقسام الحج الحديث 5 - 6.

(3) الوسائل ج 8 الباب 1 من ابواب المواقيت الحديث 3.


177

وعن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من تمام الحج والعمرة ان تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله، لا تجاوزها الا وانت محرم، فانه وقت لاهل العراق ولم يكن يومئذ عراق بطن العقيق من قبل اهل العراق، ووقت لاهل اليمن يلملم، ووقت لاهل الطائف قرن المنازل، ووقت لاهل المغرب الجحفة وهى مهيعة، ووقت لاهل المدينة ذا الحليفة، ومن كان منزله خلف هذه المواقيت مما يلي مكة فوقته منزله (1).

ومنها ما رواه الكليني باسناده عن أبى أيوب الخزاز قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: حدثنى عن العقيق أ وقت وقته رسول الله أو شئ صنعه الناس؟ فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وقت لاهل المدينة ذا الحليفة، ووقت لاهل المغرب الحجفة، وهي عندنا مكتوبة مهيعة ووقت لاهل اليمن يلملم، ووقت لاهل الطائف قرن المنازل، ووقت لاهل نجد العقيق وما أنجدت (2).

وقد ذكر في رواية الحلبي المتقدمة بدل اهل (المغرب) أهل الشام.

وفي رواية معاوية بن عمار ذكر بدل (لاهل نجد) لاهل العراق بطن العقيق.

ومنها ما رواه الصدوق باسناده عن العمركي عن علي بن

(1) الوسائل ج 8 الباب 1 من ابواب المواقيت الحديث 2.

(2) الوسائل ج 8 الباب 1 من ابواب المواقيت الحديث 1.


178

جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن احرام اهل الكوفة واهل خراسان وما يليهم واهل الشام ومصر من أين هو؟ فقال: اما اهل الكوفة وخراسان وما يليهم فمن العقيق، واهل المدينة من ذي الحليفة والجحفة، واهل الشام ومصر من الجحفة واهل اليمن من يلملم، واهل السند من البصرة يعني من ميقات أهل البصرة (1).

ومنها ما رواه باسناده عن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: وقت رسول الله (ص) لاهل المشرق العقيق نحوا من بريد ما بين بريد البعث إلى غمرة، ووقت لاهل المدينة ذا الحليفة ولاهل نجد قرن المنازل، ولاهل الشام الجحفة، ولاهل اليمن يلملم (2).

وذكر قرن المنازل لاهل نجد في هذه الرواية اما سهو من النساخ واما محمول على القسمة والمنطقة التي تقع نحو المشرق من الحرم من ناحية نجد، لما تقدم في رواية ابى ايوب الخزاز والحلبي: أن العقيق ميقات لاهل نجد.

ومنها رواية قرب الاسناد: عن محمد بن عيسى عن الحسن ابن محبوب عن علي بن رئاب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاوقات التي وقتها رسول الله (ص) للناس؟ فقال: ان رسول الله وقت لاهل المدينة ذا الحليفة وهي الشجرة، ووقت لاهل الشام

(1 و 2) الوسائل ج 8 الباب 1 من ابواب المواقيت الحديث 5 - 6.


179

الجحفة، ووقت لاهل اليمن قرن المنازل، ولاهل نجد العقيق (1).

وتعيين قرن المنازل وقتا لاهل اليمن في هذه الرواية لا يلائم ما تقدم من الاخبار المصرحة فيها بأنه صلى الله عليه وآله وقت لاهل يمن يلملم لان قرن المنازل وقع في شرق يمن وطريقهم إلى مكة يلملم.

ومنها رواية اخرى في قرب الاسناد: عن علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن احرام أهل الكوفة وخراسان ومن يليهم واهل مصر من أين هو؟ قال: احرام أهل العراق من العقيق ومن ذي الحليفة، واهل الشام من الجحفة، واهل اليمن من قرن المنازل، واهل السند من البصرة أو مع اهل البصرة (2).

وهنا روايات أخرى لا يهمنا ذكرها، وانما المهم البحث عن حدود تلك المواقيت وبيان الاحكام المترتبة عليها: (أما ذو الحليفة) وهو مسجد الشجرة، فقد وقع الخلاف في المسافة بينه وبين المدينة.

عن السمهودي في خلاصة الوفاء أنه قال: قد اختبرت ذلك فكان من عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب السلام إلى عتبة مسجد الشجرة بذى الحليفة تسعة عشر ألف ذراع واثنان وثلاثون ذراعا ونصف ذراع.

وعن القاموس أنه موضع على ستة أميال من المدينة، وهو ماء

(1) الوسائل ج 8 الباب 1 من ابواب المواقيت الحديث 7.

(2) الوسائل ج 8 الباب 1 من ابواب المواقيت الحديث 8.


180

لبني جشم، وقيل سبعة وقيل أربعة، وأما من مكة فالمسافة إلى ذى الحليفة عشر مراحل وقيل غير ذلك.

عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث: ومسجد ذي الحليفة الذي كان خارجا من السقائف عن صحن المسجد ثم اليوم ليس شئ من السقائف منه (1).

وبالجملة ان ذا الحليفة ميقات اهل المدينة وهو افضل المواقيت واحرم منها رسول الله صلى الله عليه وآله.

في العلل باسناده عن الحسين بن الوليد عمن ذكره قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لاى علة احرم رسول الله صلى الله عليه وآله من مسجد الشجرة ولم يحرم من موضع دونه؟ فقال عليه السلام: لانه لما اسري به إلى السماء وصار بحذاء الشجرة نودي: يا محمد؟ قال: لبيك.

قال: الم أجدك يتيما فآويتك، ووجدتك ضالا فهديتك؟ فقال النبي: ان الحمد والنعمة لك والملك لك لا شريك لك.

فلذلك أحرم من الشجرة دون المواضع كلها (2).

وما هو الجدير بالبحث في المقام ان (ذاالحليفة) الدى احرم منه رسول الله افضل المواقيت هل هو مسجد الشجرة بلا زيادة ونقيصة، أو هو أوسع من المسجد بل هو جزء منه.

وعلى الثاني فهل مساحة ذى الحليفة معلومة تفصيلا أو هي مجهولة، وحينئذ لا

(1) الوسائل ج 8 الباب 4 من ابواب المواقيت الحديث 1.

(2) الوسائل ج 8 الباب 1 من ابواب المواقيت الحديث 13.


181

مناص من الاخذ بالقدر المتيقن منها عند الشك فيها، ان ثبت أنذا الحليفة أو الميقات منها هو المسجد فقط فلا يجوز الاحرام خارج المسجد حتى للجنب والحائض، فيجب عليهما أن يوخر الاحرام إلى حصول الطهارة أو الاحرام حال العبور من المسجد، وان لم يتمكنا يجب عليهما تأخير الاحرام إلى الجحفة للضرورة المسوغة لذلك كما يأتي.

أقول: الظاهر من الاخبار المصرحة فيها بأن ذا الحليفة هو مسجد الشجرة، ان خارج المسجد ليس منه ومن الميقات، كرواية الحلبي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الاحرام من مواقيت خمسة، وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها، وقت لاهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة (1).

وعن علي بن رئاب قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الاوقات التى وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله للناس.

فقال: ان رسول الله وقت لاهل المدينة ذا الحليفة، وهى الشجرة (2).

وعن الامالي في حديث: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وقت لاهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة (3).

بناء على أن يراد من المسجد نفس المسجد لا المحل الذى وقع المسجد فيه كما هو الظاهر من اللفظ ايضا، مع قطع النظر

(1 و 2) الوسائل ج 8 الباب 1 من ابواب المواقيت الحديث 3 - 7.

(3) الوسائل ج 8 الباب 1 من ابواب المواقيت الحديث 12.


182

عن القرائن الخارجية الدالة على خلاف ذلك، ولكن الظاهر من رواية الحلبي ان الميقات أوسع من المسجد لما ذكر فيها: أنرسول الله حين حج حجة الاسلام خرج في أربع بقين من ذى القعدة حتى اتى الشجرة فصلى بها، ثم قاد راحلته حتى اتى البيداء فاحرم منها واهل بالحج وساق مائة بدنة وأحرم الناس كلهم بالحج (1).

ويقرب منها رواية معاوية بن عمار عن أبى عبد الله عليه السلام وفيها: فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في أربع بقين من ذى القعدة، فلما انتهى إلى ذى الحليفة فزالت الشمس اغتسل ثم خرج حتى أتى المسجد الذى عند الشجرة فصلى فيه الظهر وعزم (أحرم) بالحج مفردا، وخرج حتى انتهى إلى البيداء عند الميل الاول فصف الناس له سماطين فلبى بالحج مفردا الخبر (2).

الظاهر منها أن ذاالحليفة كان أوسع من المسجد الواقع عند الشجرة، فانه صلى الله عليه وآله اغتسل في ناحية من ذى الحليفة وخرج من المغتسل وانتهى إلى المسجد الذى كان بعيدا من المغتسل كما هو المتبادر من قوله (حتى اتى المسجد)، إذ لو كان متصلا بالمغتسل لما يصح هذا التعبير والاطلاق، كما ان الظاهر من قوله (عزم بالحج) انه صلى الله عليه وآله نوى الحج مفردا ولبى به في البيداء عند الميل الاول

(1) الوسائل ج 8 الباب 2 من اقسام الحج الحديث 14.

(2) الوسائل ج 8 الباب 2 من اقسام الحج الحديث 4.


183

وساق هديه هناك.

والمسافة بين الميل الاول والمسجد وان كانت مجهولة عندنا الا ان المسلم أنه خارج عن المسجد وانه من الميقاتالواقع في ذى الحليفة.

ويظهر من الرواية أيضا ان رسول الله صلى الله عليه وآله لما انتهى إلى ذى الحليفة زالت الشمس واغتسل وأتى المسجد وصلى فيه، وخرج حتى اتى البيداء قبل صلاة العصر ولبى بالبيداء وكذا الذين صفوا سماطين لبوا بالبيداء، إذ لا يمكن لهم الاحرام في المسجد لعدم سعته لجماعة كثيرة بل لبوا خارج المسجد واحرموا منه.

ولا يستقيم هذا الا على القول بأن خارج المسجد من الميقات وذي الحليفة.

ويمكن استفادة ذلك من رواية عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من أقام بالمدينة شهرا وهو يريد الحج ثم بداله أن يخرج في غير طريق أهل المدينة الذى يأخذونه، فليكن احرامه من مسيرة ستة اميال، فيكون حذاء الشجرة من البيداء (1).

لوضوح ان البيداء لو لم يكن من الميقات لكان الانسب أن يقال حذاء الشجرة.

فتحصل من جميع ما ذكر أن ذا الحليفة الذى هو ميقات لاهل المدينة اوسع من المسجد الذى وقع عند الشجرة، و تفسيره بالمسجد واطلاق المسجد عليه كما في الروايات، ليس الا من باب تسمية الكل باسم الجزء، وارادة الكل منه تعظيما للمسجد

(1) الوسائل ج 8 الباب 7 من ابواب المواقيت الحديث 1.


184

كما في قوله تعالى ﴿سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام حيث أريد من المسجد مكة المكرمة، وكما في قوله تعالى ﴿ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام المفسر فيالرواية بمن لم يكن حاضرا بمكة مطلقا.

مضافا إلى ان من الممكن والمحتمل ان يغلب اسم المسجد على ذي الحليفة في عصر الائمة عليهم السلام عند الناس لكثرة الاستعمال أو لاهمية المسجد الذى في ذى الحليفة، ولذا فسروه بالمسجد وقالوا في كلماتهم (وهو المسجد).

على أنه لا يبعد أن يقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله انما وقت المواقيت للاحرام منها لاعتبار مسافة بينها وبين مكة لئلا يجوزها الناس بلا احرام، وان يراعوا ادبا خاصا بالنسبة إلى حرم الله تعالى من تلك المسافة، لا من جهة وقوع المسجد في جانب منها.

ولذا جعل الدروس الاحرام من المسجد أفضل من غيره في ذي الحليفة، وفى جامع المقاصد جواز الاحرام من جميع مواضع ذي الحليفة لا يكاد يدفع فالاقوى بحسب الادلة جواز الاحرام من خارج المسجد اختيارا.

ولا يجب على الجنب والحائض الاحرام من المسجد اجتيازا وان كان ذلك جائزا لهما ايضا، ولا يجب الاحتياط عليهما إذ لم يمكن العبور من المسجد والاحرام منه اجتيازا، بأن يحرما من خارج المسجد ويجددا الاحرام بالجحفة رجاءا وان كان الاحتياط عل


185

نحو ما ذكر حسنا.

ثم انه هل يجب على اهل المدينة ان يحرموا من مسجد الشجرة ولا يجاوزوا المسجد الا محرما، ام يجوز لهم تأخير الاحرام إلى الجحفة اختيارا أو اضطرارا؟ ففيه خلاف يأتي في ذكر الجحفة انشاء الله تعالى.

واما الجحفة التى هي وقت لاهل الشام، فهي موضع على سبع مراحل من المدينة وثلاث عن مكة، وبينها وبين البحر ستة اميال، وقيل ميلان، لعله لاختلاف البحر باختلاف الازمنة، وكانت قرية جامعة على اثنين وثلاثين ميلا من مكة، وسميت (جحفة) لاجحاف السيل بها وبأهلها، وعن المصباح المنير: منزل بين مكة والمدينة قريب من رابغ بين بدر وخليص.

لا اشكال ولا خلاف في أن الجحفة احد المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله وهى وقت لاهل الشام ومصر والمغرب، ان لم يمروا بميقات غيرها قبل ذلك.

ويدل عليه ما تقدم من النصوص الصحيحة في اول البحث، و لا كلام فيه، وانما هو في أن الجحفة كما هي وقت لاهل المغرب، هل هي وقت لاهل المدينة مطلقا أو عند الاضطرار؟ ففيه خلاف بين الاصحاب.

نقل عن ظاهر الجعفي وابن حمزة جواز الاحرام من جحفة لاهل المدينة مطلقا، ويظهر أيضا من رواية قرب الاسناد المتقدمة، وفيها


186

(أما اهل الكوفة وخراسان فمن العقيق، وأهل المدينة من ذي الحليفة والجحفة) (1).

وكذا من رواية ابى بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: خصال عابها عليك اهل مكة.

قال: وما هي؟ قلت: قالوا احرم من الجحفة ورسول الله صلى الله عليه وآله احرم من الشجرة، قال عليه السلام: الجحفة احد الوقتين، فأخذت بأدناهما وكنت عليلا (2).

ورواية الحلبي قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام من أين يحرم الرجل إذا جاوز الشجرة؟ فقال: من الجحفة، ولا يجاوز الجحفة الا محرما (3).

ولكن ظاهر بعض الروايات اختصاص الجواز بالضرورة وانه لا يجوز الاحرام من الجحفة لاهل المدينة في غير تلك الصورة.

(ومنها) رواية ابى بكر الحضرمي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: انى خرجت بأهلي ماشيا فلم اهل حتى اتيت الجحفة وقد كنت شاكيا، فجعل اهل المدينة يسألون عني فيقولون: لقيناه وعليه ثيابه، وهم لا يعلمون، وقد رخص رسول الله صلى الله عليه وآله لمن كان مريضا أو ضعيفا ان يحرم من الجحفة (4).

ويظهر أيضا من رواية ابى بصير المتقدمة قال: قلت لابي عبد

(1) الوسائل ج 8 الباب 1 من ابواب المواقيت الحديث 5.

(2 و 3) الوسائل ج 8 الباب 6 من ابواب المواقيت الحديث 4 - 3.

(4) الوسائل ج 8 الباب 6 من ابواب المواقيت الحديث 5.


187

الله عليه السلام: خصال عابها عليك اهل مكة.

قال: وما هي؟ قلت: قالوا احرم من الجحفة ورسول الله صلى الله عليه وآله أحرم من الشجرة.

قال: الجحفة احد الوقتين وكنت عليلا (1).

و ( منها ) رواية معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ان معي والدتي وهي وجعة.

قال: قل لها فلتحرم من آخر الوقت، فان رسول الله صلى الله عليه وآله وقت لاهل المدينة ذا الحليفة ولاهل المغرب الجحفة، ولا تجاوز الجحفة الا محرما (2).

بناءا على أن المراد من آخر الوقت الميقات الاخر من المواقيت كما في الحدائق، أو الوقت الاخر وهي الجحفة في طريقهم إلى مكة.

وليس فيما بأيدينا من الروايات ما يخالفها، مضافا إلى أن معظم الاصحاب قد عملوا بها، فيقيد بها ما يدل على أن الجحفة أحد المواقيت لاهل المدينة مطلقا، وعمل الاصحاب بها يجبر ضعفها، وان كان من الممكن ان يقال: ان فتوى الاصحاب بجواز الاحرام من الجحفة عند الضرورة ليس من باب العمل بالروايتين والاستناد اليهما حتى يجبر ضعفهما، بل من جهة الاخذ بالقدر المتيقن من الادلة الدالة على أن الجحفة احد الميقاتين لاهل المدينة، وحينئذ يشكل تقييدها بها، ولكن ما ذهب إليه المعظم موافق لقاعدة الاحتياط، وهو الذى اختاره في الجواهر ايضا.

(1 و 2) الوسائل ج 8 الباب 6 من ابواب المواقيت الحديث 4 - 3.


188

ثم انه بناءا على وجوب الاحرام من مسجد الشجرة، لو عصى وجاوز بلا احرام منه أو نسي أو جهل، فهل يصح له الاحرام من جحفة أو يجب عليه الرجوع إلى ذي الحليفة والاحرام منها؟ الظاهر هو الاول، لكفاية الاحرام من الجحفة لكل من يمر منها، وان اثم بترك الاحرام قبل ذلك عند المرور من الميقات.

ويدل عليه ايضا رواية الحلبي قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام من اين يحرم الرجل إذا جاوز الشجرة؟ فقال: من الجحفة ولا يجاوز الجحفة الا محرما (1).

ورواية معاوية بن عمار انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل من أهل المدينة احرم من الجحفة.

فقال: لا بأس (2).

ولا يعارضهما ما تقدم من الاخبار المقيدة لجواز الاحرام من الجحفة بصورة الضرورة والاضطرار، إذ لا مانع بين عدم جواز تأخير الاحرام من الشجرة الا عند الضرورة وبين اجزاء الاحرام من الجحفة لو عصى وجاوز الشجرة من غير ضرورة، فان الاول حكم تكليفي مقيد بما ذكر، والثانى حكم وضعي لا قيد له، ونقل عن بعض انه قال: وينبغي القطع بذلك.

لا يقال: ان الاخبار الدالة على وجوب الرجوع إلى الميقات على من نسي وجاوز بغير احرام عمدا أو جهلا إذا تمكن يشمل ما نحن فيه، فيجب الرجوع على من مر بالشجرة ولم يحرم منها من غير عذر.

(1 و 2) الوسائل ج 8 الباب 6 من ابواب المواقيت الحديث 3 - 1.


189

فانه يقال: ان تلك الروايات واردة فيمن نسي الميقات ومر بها، من دون احرام ولم يكن وقت بعدها حتى يحرم منها إذا مر بخلاف المقام، فان الرواية التى تدل على ان الجحفة أحد الميقاتين تشمل باطلاقها لمن جاوز الشجرة من دون احرام، فتكون حاكمة عليها، لانها وردت فيمن مر من المسجد بلا احرام، ويصح احرامه ولا يجب عليه الرجوع إلى ذي الحليفة.

(مسألة) من دخل المدينة وأراد الحج منها فهل يجب عليه الاحرام من مسجد الشجرة كأهل المدينة أو يجوز له العدول إلى طريق ينتهي إلى ميقات آخر من غير مرور بالمسجد فيحرم منه؟ الظاهران ذلك جائز، ولا اشكال في اجزاء الاحرام منه ايضا إذا كان المرور عن غير طريق المسجد، ولا ينافي ما ذكر ما روي عن ابراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن موسى عليه السلام قال: سألته عن قوم قدموا المدينة فخافوا كثرة البرد وكثرة الايام يعنى الاحرام من الشجرة وأرادوا أن يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها؟ فقال: لا وهو مغضب، من دخل المدينة فليس له الا أن يحرم من المدينة (1).

ووجه عدم

التنافي: أن الرواية محمولة على من أراد العبور من مسجد الشجرة

بدون الاحرام منه حتى يمروا بميقات آخر خوفا من البرد وكثرة الايام، ويمكن حملها على الكراهة كما اختاره الجواهر.

(1) الوسائل ج 8 الباب 8 من ابواب المواقيت الحديث 1.


190

(مسألة) ثم انه بناءا على جواز تأخير الاحرام من الشجرة إلى الجحفة عند الضرورة للمريض وغيره، فهل هو امر ترخيصي له أن يحرم من مسجد الشجرة أو يؤخر إلى الجحفة، أو يجب على المعذور التأخير؟ الظاهر هو الاول، إذ لا يستفاد من الادلة الا جواز التأخير لا تعينه ولزومه.

فعلى هذا لو أحرم من المسجد في حال المرض وارتكب في مسيره ما يوجب الكفارة أو الفدية يلزمه حكم ما ارتكب واحرامه صحيح.

واما يلملم فهو وقت لاهل اليمن، يقال له ايضا الملم ويرمرم وهو جبل على مرحلتين من مكة، وقيل انه في زماننا محاط بالماء،وأهل اليمين يحرمون من محاذاته، وقيل انه جبل من جبال تهامة يبعد عن مكة أربعة وتسعون كيلو مترا.

وعلى كل حال لا خلاف في كونه وقتا لاهل اليمن.

واما قرن المنازل فهو ميقات أهل الطائف، وهو بفتح القاف وسكون الراء، وعن الجوهري فتحهما جبل مشرف على عرفات على مرحلتين من مكة معروف في زماننا.

وفي بعض الروايات انه ميقات لاهل نجد، لعله وقت لمن يمر منهم من طريق الطائف.

ويدل على كونه وقتا لاهل الطائف رواية الحلبي المتقدمة ومعاوية بن عمار، مضافا إلى عدم نقل الخلاف فيه.

واما وادى العقيق فهو ميقات من كان طريقه من العراق.

عن


191

الوسيلة بطن العقيق وهو لاهل العراق ومن حج على طريقهم، وعن المراسم ان ميقات اهل العراق بطن العقيق واوله مسلخ واوسطه غمرة وآخره ذات عرق، ولا يتجاوز ذات عرق الا لعذر.

قال المرتضى في المسائل الناصريات في مسألة (140): ميقات اهل العراق العقيق، واليه يذهب اصحابنا ويقولون: ان ميقات اهل العراق وكل من حج من المشرق على طريقهم بطن العقيق، واوله المسلخ ووسطه الغمرة وآخره ذات عرق، والافضل الاحرام من المسلخ، ودليلنا على ذلك الاجماع.

والعقيق لغة كل واد عقه السيل اي نسقه فانهره ووسعه، وسمي به أربعة أودية في بلاد العرب، أحدها الميقات وهو واد يندفقسيله في غوري تهامة، كما عن تهذيب اللغة.

والمشهور ان أفضل العقيق أوله، ويقال له المسلخ بالخاء أو المسلح بالحاء المهملة، بل نسب إلى الاصحاب وادعي الاجماع، وأوسطه غمرة بالغين المعجمة والراء المهملة والميم الساكنة سميت بها لزحمة الناس فيها، نهل من مناهل مكة، وهو

فصل

ما بين نجد وتهامة، آخره ذات عرق.

والمشهور كما تقدم ان الاحرام جائز في أول العقيق ووسطه و آخره ذات عرق، والافضل أوله.

ولكن ظاهر كلام الشيخ في النهاية والصدوق في المقنع وابن بابويه، يشعر بعدم جواز التأخير إلى ذات عرق الا لمرض وتقية،


192

ويدل على الجواز ما روى عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: حد العقيق أوله المسلخ وآخره ذات عرق (1).

ومرسلة الصدوق قال: قال الصادق عليه السلام: وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل العراق العقيق، وأوله المسلخ ووسطه غمرة وآخره ذات عرق، وأوله افضل (2).

ويدل بعض الاخبار على عدم جواز تأخر الاحرام إلى ذات عرق، بل يظهر من بعضها خروجها عن العقيق ولعلها مستند الشيخ والصدوقين في المنع عن التأخير إلى ذات عرق الا لعذر.

عن عمربن يزيد عن أبى عبد الله عليه السلام قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل المشرق العقيق نحوا من بريد ما بين بريد البعث إلى غمرة (3).

وعن أبى بصير عن أحدهما عليهما السلام قال: حد العقيق ما بين المسلخ إلى عقبة غمرة (4).

وروى الكليني باسناده عن ابن أبي عمير عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: آخر العقيق بريد أوطاس.

وقال: بريد البعث دون غمرة ببريدين (5).

(1) الوسائل ج 8 الباب 2 من ابواب المواقيت الحديث 7.

(2) الوسائل ج 8 الباب 2 من ابواب المواقيت الحديث 9.

(3) الوسائل ج 8 الباب 1 من ابواب المواقيت الحديث 6.

(4) الوسائل ج 8 الباب 2 من ابواب المواقيت الحديث 5.

(5) الوسائل ج 8 الباب 2 من ابواب المواقيت الحديث 1.


193

وعن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميرى أنه كتب إلى صاحب الزمان عليه السلام يسأله عن الرجل يكون مع بعض هؤلاء ويكون متصلا بهم يحج ويأخذ عن الجادة ولا يحرم هؤلاء من المسلخ، فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخر احرامه إلى ذات عرق، فيحرم معهم لما يخاف الشهرة أم لا يجوز الا أن يحرم من المسلخ؟ فكتب إليه في الجواب: يحرم من ميقاته ثم يلبس الثياب ويلبي في نفسه، فإذا بلغ إلى ميقاتهم أظهره (1).

فيستفاد منها عدم جواز تأخير الاحرام إلى ذات عرق، وان كان الحمل على الافضيلة أيضا مما يساعده الدليل.

واما

ميقات من منزله أقرب إلى مكة

من الميقات، منزله.

هذا الحكم مجمع عليه بين الاصحاب وادعي عدم الخلاففيه، وكذا بين العامة الا مجاهد، ولم ينقل الخلاف من الخاصة الا عن المجلسي (قده)، ولابد في هذه المسألة من بيان امور: (الاول) انه لا يخفى على المتتبع في الاخبار المأثورة أن للاحرام مواقيت خاصة يجب على من يريد دخول مكة أن يحرم منها، ولا يصح الاحرام من أي مكان شاء، والى ذلك يشير قوله عليه السلام في صحيح معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من تمام الحج والعمرة أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله (2).

(1) الوسائل ج 8 الباب 2 من ابواب المواقيت الحديث 10.

(2) الوسائل ج 8 الباب 16 من ابواب المواقيت الحديث 1.


194

(الثاني) ان من كان منزله الميقات فوقته منزله، كما صرح به في الصحيحة المتقدمة حيث قال عليه السلام: (ومن كان منزله خلف هذه المواقيت مما يلي مكة فوقته منزله) وكذا في الفقه الرضوي ففيه (ومن كان منزله دون هذه المواقيت ما بينها وبين مكة فعليه أن يحرم من منزله) وفى صحيح مسمع عن أبى عبد الله عليه السلام: إذا كان منزل الرجل دون ذات عرق إلى مكة فليحرم من منزله (1).

وعن عبد الله بن مسكان عن أبى سعيد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن كان منزله دون الجحفة إلى مكة.

قال: يحرم منه (2).

وغير ذلك من الروايات.

(الامر الثالث) ان تلك الروايات شاملة لاهل مكة، ولا فرقبينهم وبين غيرهم ممن يعيشون دون الميقات ويكون منزلهم دون المواقيت إلى مكة.

فما عسى يتوهم من عدم شمول الاخبار لاهل مكة واختصاصها بمن كان منزله دون الميقات خارج مكة، في غير محله ولا يعتنى به، ضرورة أنها ظاهرة في كل من كان منزله دون الميقات، ولا فرق في ذلك بين المكي وغيره.

(1) الوسائل ج 8 الباب 17 من ابواب المواقيت الحديث 3.

(2) الوسائل ج 8 الباب 17 من ابواب المواقيت الحديث 4.


195

وبالجملة كما أن غير أهل مكة مكلفون بالاحرام من المواقيت الخاصة المعينة ومن كان منزله دون الميقات فمن منزله، فكذلك المكي يجب أن يحرم من الامكنة الخاصة لا من أي مكان أراد، فإذا لم يجب عليه الاحرام من الميقات فيجب من منزله لا من الجعرانة أو التنعيم.

وأما الرواية الواردة في أن الامام عليه السلام انما أمر أصحابه من أهل مكة بالاحرام من التنعيم، فانما هي شاذة لم يعمل بها، أو هي مخصوصة بالمجاور بمكة، كما في الحدائق عن ابن مسكان عن ابراهيم بن ميمون قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ان أصحابنا مجاورون بمكة وهم يسألوني لو قدمت عليهم كيف يصنعون؟ فقال قل لهم إذا كان هلال ذي الحجة فليخرجوا إلى التنعيم فليحرموا.

الخبر (1).

(الامر الرابع) ان الاحرام من المنزل لاهل مكة ومن كان منزلهدون الميقات ليس على نحو العزيمة والوجوب بل على نحو التوسعة والترخيص، فلو خرج مكي أو من كان منزله دون الميقات إلى أحد المواقيت فأحرم منه يصح احرامه، بل هو أفضل.

(1) الوسائل ج 8 الباب 9 من اقسام الحج الحديث 4.


196

المحاذاة من حج على ميقات لزم الاحرام منه، ومن حج على طريق لا يفضي ولا يمر بأحد المواقيت يحرم من محاذاة أقرب المواقيت التي تقع في طريقه.

قال المحقق في الشرائع: يحرم من أقرب المواقيت إلى مكة، وأطلق ابن ادريس وابن سعيد محاذاة الميقات، وصرح في التصريح بأقرب المواقيت إلى من يريد الاحرام، واختاره الفاضل في المنتهى، وللمنتهى قول آخر وهو الاحرام من أبعد المواقيت.

واستجود صاحب المدارك ما اختاره صاحب الشرائع.

فعلى هذا المسألة ذات أقوال أربعة: (الاول) الاحرام من محاذاة أقرب المواقيت إلى مكة، وهو خيرة الشرائع.

(الثاني) محاذاة ابعد المواقيت إلى مكة، كما في المنتهى


197

في أحد قوليه.

(الثالث) محاذاة أقرب المواقيت إلى من يريد الحج من ذلك الطريق.

(الرابع) جواز الاحرام من محاذاة اي ميقات من المواقيت وهو مقتضى اطلاق عبارة ابى حمزة وابن سعيد.

وإذا عرفت ذلك فأقول: وجوب الاحرام من المحاذاة وجوازه قد يكون من جهة النصوص الواردة في المسألة، واخرى من جهة مقتضى القواعد الفقهية.

اما الاولى فمقتضاها الاحرام من محاذاة اول ميقات يمر به في طريقه سواء كان أقرب المواقيت إلى من يريد الحج أو إلى مكة أو أبعدها كذلك، لان المستفاد من الصحيح الوارد في المقام وجوب الاحرام متى تحققت المحاذاة.

عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من أقام بالمدينة شهرا وهو يريد الحج ثم بداله أن يخرج في غير طريق اهل المدينة الذي يأخذونه، فليكن احرامه من مسيرة ستة أميال، فيكون حذاء الشجرة من البيداء (1).

وفي رواية اخرى رواها الصدوق عنه عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من أقام بالمدينة وهو يريد الحج شهرا أو نحوه ثم بدا له ان يخرج في غير طريق المدينة، فإذا كان حذاء الشجرة

(1) الوسائل ج 8 الباب 7 من ابواب المواقيت الحديث 1.


198

والبيداء مسيرة ستة اميال فليحرم منها (1).

الرواية من حيث السند صحيحة، عمل بها جمع من الاعاظم بل ادعي عمل المشهور عليها.

وأما من حيث الدلالة فبالنسبة إلىمحاذاة مسجد الشجرة صريحة لا اجمال فيها، فإذا خرج أحد من المدينة وسار ستة أميال يكون محاذيا للمسجد، كما صرح به الامام عليه السلام في الرواية، ولا حاجة إلى البحث في معنى المحاذاة هنا أو معنى الاقربية.

وأما محاذاة سائر المواقيت وجواز الاحرام منها فيمكن أن يقال: ان رواية ابن سنان وردت في مورد خاص، وتسرية الحكم إلى غيره يشبه القياس.

وأجاب عنه في المستند بالاجماع المركب، بمعنى أن الاجماع قائم على الملازمة بين جواز الاحرام من محاذاة مسجد الشجرة وبين جوازه من محاذاة غيره، فإذا ثبت الحكم في احد المتلازمين بصراحة الصحيحة يثبت في ملازم آخر ايضا، وهو جواز الاحرام من محاذاة سائر المواقيت.

ويمكن ان يجاب عنه بنحو آخر، وهو أن المناسبة بين الحكم والموضوع يقتضي عدم دخالة شئ من خصوصيات المورد في الحكم، عدى كونه محاذيا للميقات كما يشعر به قوله عليه السلام فليكن احرامه من مسيرة ستة أميال فيكون حذاء الشجرة، وواضح

(1) الوسائل ج 8 الباب 7 من ابواب المواقيت الحديث 3.


199

ان الشجرة من حيث أنه ميقات يقتضي ذلك دون سائر الخصوصيات ولعل ما ذكرناه هو السرفى كلام من افتى بجواز الاحرام من ساير المحاذاة ايضا.

وأما مقتضى القاعدة الموجودة في المسألة، فتارة يقال انه قدتحصل من النصوص الواردة وثبت بها أن لكل من يريد الاحرام لدخول مكة وقتا خاصا يجب احرامه منها، وأخرى انه لم يثبت من النصوص هذا الحكم على نحو العموم الشامل لكل من يريد الاحرام لدخول مكة.

فان قلنا بالاول فيجب على من يسير في طريق لا يفضي إلى ميقات، ان يذهب إلى أحد المواقيت وأحرم منه، لان ذمته قد اشتغلت بوجوب الاحرام من المواقيت الخاصة، والشغل اليقيني يقتضي البراءة كذلك، فإذا لم يحرم من احد المواقيت وان احرم من المحاذاة حذاء الشجرة أو غيرها لا يحصل القطع بالبراءة والفراغ من الذمة، لولا الدليل الخاص على كفاية الاحرام من المحاذاة كما في محاذاة مسجد الشجرة.

وأما إذا قلنا بعدم ثبوت ميقات خاص لكل واحد من المحرمين بل قلنا ان المستفاد من الادلة أن من مر في طريقه بأحد المواقيت الخمسة أو الستة يجب عليه ان لا يجاوزه الا محرما، فحينئذ لا يجب عليه العبور والمرور بأحد المواقيت، ولو شك في الوجوب فينفيه الاصل والبراءة.


200

نعم لا يجوز له الدخول في الحرم بغير احرام، فيجب الاحرام لذلك.

وحيث أن مقتضى النص الوارد في المسألة وجوب الاحرام عند تحقق المحاذاة فيحرم حذاء اول ميقات يمر بحذائه في طريقه، وأما ما اختاره المحقق في الشرائع من وجوب الاحرام بحذاء أقرب الميقات إلى مكة لا يمكن اقامة الدليل عليه.

ثم انه هل يعتبر العلم بالمحاذاة أو يكفي الظن به، صرح في الجواهر بالثاني، واستدل عليه بالاصل والحرج وانسباق الذهن إلى ارادة الظن وكفايته في أمثال ذلك.

أما الحجر فيرد على الاستدلال به في المقام: أو لا بعدم لزوم الحرج في تحصيل العلم بالمحاذاة، وثانيا بأن دليل الحرج انما يرتفع به التكليف الذى يكون بنفسه حرجا على المكلف وأما الحرج الاتى من الامتثال والقطع بالبراءة فلا يرفعه، إذ لا حرج في أصل التكليف لوجوب الاحرام من المحاذاة في حد نفسه، وانما الحرج في العلم بامتثال هذا التكليف، نظير الصلاة إلى جوانب أربعة إذا اشتبهت عليه القبلة وجهل بها، فان الحرج في تلك المسألة لم يأت من جعل وجوب الصلاة وتشريعها على المكلف، بل هو أمر تعلق بوجوب صلاة واحدة إلى القبلة، وانما الحرج من ناحية الجهل بها.

وبالجملة المجعول شرعا صلاة واحدة إلى القبلة، لا الصلاة إلى أربع جهات، ودليل الحرج انما يرفع وينفي المجعول الحرجى


201

لا غيره.

وما نحن فيه أيضا كذلك، إذ لا حرج في وجوب الاحرام من المحاذاة حتى ينفى بدليل نفي الحرج.

وأما الاستدلال بالاصل، فالظاهر أنه لا مورد له في المقام، لثبوت التكليف بالاحرام من المحاذاة.

نعم لو كان تحصيل العلم بالمحاذاة تكليفا شرعيا مستقلا مشكوكا قبال وجوب الاحرام من المحاذاة لامكن اجراء البراءة منه عند الشك في وجوب تحصيلالعلم، ويقال الاصل عدم وجوب تحصيل العلم به، وان المتيقن من التكليف وجوب تحصيل الظن، والزائد مشكوك فينفي بالاصل، ولكنه أول الكلام واثباته مشكل.

وأما دعوى انسباق الذهن إلى كفاية الظن في أمثال المورد وان كان لا يبعد في مثل الموارد التى يكون باب العلم فيها مسدودا غالبا الا أنه ليس بحيث يوجب الاطمئنان بحصول البراءة من التكليف الثابت القعي.

نعم لو سأل أهل الخبرة عن ذلك وأخبروه بالمحاذاة لا يبعد كونه حجة مطلقا حتى فيما إذا لم يحصل منه العلم أو الظن، كما في رواية معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: يجزيك إذا لم تعرف العقيق أن تسأل الناس والاعراب عن ذلك (1).

لوضوح أن الاخذ بقول أهل الخبرة والاطلاع في مثل تلك الموارد كان معمولا بين الناس وعليه السيرة المستمرة، كما في

(1) الوسائل ج 8 الباب 5 من ابواب المواقيت الحديث 1.


202

الاخذ بالامارات وقول ذي اليد.

لكن الاحتياط مع هذا كله تحصيل العلم بالحذاء ان أمكن أو الاخذ بقولهم فيما إذا أفاد الظن وان كان الظاهر من الرواية كفاية قولهم مطلقا.

ثم انه لا فرق في كفاية الاحرام من حذاء أحد المواقيت بين كون السير على الارض أو على طريق الجو أو البحر لشمول الادلة للجميع ولا وجه لانصراف الادلة إلى طريق الارض، وذكر طريقالارض انما هو من باب المثال لا الخصوصية، فلو وصل في الجو إلى موضع علم بحذائه لاحد المواقيت أو ظن ذلك بناءا على كفايته يحرم منه، بل يكفي الاحرام فوق الميقات أيضا إذا علم به.

(تنبيه) قال صاحب العروة قدس سره: الظاهر أنه لا يتصور طريق إلى مكة لا يعبر بأحد المواقيت أو بمحاذاتها، فان المواقيت محيطة بالحرم، فعلى هذا لا يتصور خط من الخطوط المتصلة إلى الحرم الا وهو اما محاذ لميقات من المواقيت أو نفسها ولا يكون خارجا عنها.

وقد أورد عليه الفقيه الفقيد البروجردي قدس سره في الحاشية على العروة بما لا يخلو من الاشكال، قال: (قده): ليس الامر كما ذكره صاحب العروة من احاطة المواقيت بالحرم، فان ذا الحليفة والجحفة كليهما في شمال الحرم على خط واحد تقريبا، وقرن المنازل


203

في شرقه، والعقيق بين الشمال والمشرق، فيبقى يلملم وحده لثلاثة أرباع الدائرة المحيطة بالحرم، وبينهما وبين قرن المنازل أكثر من ثلاثة أثمان الدائرة انتهى.

وقد كتبنا في الحاشية على العروة مطابقا للخريطة الجغرافيائية الحديثة: ان يلملم يقع في جنوب مكة، وقرن المنازل في مشرقها ومسجد الشجرة في الشمال، والجحفة في الشمال الغربي، ووادي العقيق في الشمال الشرقي، ولا يضر كون يلملم في ثلاثة ارباع الدائرة، فان ميقات تلك الناحية بأجمعها يلملم، فالمواقيت في شتى مواردها محيطة بالحرم، وان كانت المسافة بينها مختلفة والجهاتمتباينة، فما اختاره السيد في العروة من احاطة المواقيت بالحرم من جميع الجوانب يكون صحيحا، ولا يرد الاشكال عليه.

ولو سلمنا اشكال سيدنا الفقيه البروجردي قدس سره من أن يلملم يبقى وحده لثلاثة أرباع الدائرة لا يضر بما ذكرناه لتحقق المحاذاة عرفا أيضا.

(في معنى المحاذاة)

ثم ان المحاذاة تتحقق بأن يصل المسافر في طريقه إلى مكة إلى موضع يكون الميقات على يمينه أو شماله بالخط المستقيم، ولكن عبارة العروة في المسألة مضطربة أو محرفة غير وافية بالمقصود، والظاهر تحقق المحاذاة بقوع الميقات على يمين المسافر أو شماله،


204

ولا يعتبر كون المسافة بينه وبين مكة كما بين ذلك الميقات وبين مكة وعلى هذا ينزل ما عن ابن ادريس من أن ميقات أهل مصر ومن صعد البحرجدة، بناءا على أن الجدة محاذية لاحد المواقيت لا انها ميقات بنفسها، وان كان ذلك غير محرز لنا.

(فرع) لو أحرم في موضع ظن انه محاذ لاحد المواقيت ولم يتبين الخلاف، فلا اشكال في صحة احرامه وحجه، واما لو تبين بعد الاحرام انه كان قبل المحاذاة ولم يتجاوزها، اعاد الاحرام وان جاوزها أو تبين كونه الاحرام بعد المحاذاة يجب عليه العود إلى المحاذاة ان امكن وتجديد الاحرام منها، والا يجدد الاحرام من مكانه، الا إذا علم أنه حين الاحرام بعد المحاذاة لم يكن متمكنا في نفس الامر من العود إليها، فيكفي حينئذ الاحرام السابق بعدالمحاذاة وان كان تجديد الاحرام في هذا الفرض أيضا أولى.


205

ميقات العمرة المفردة واما العمرة المفردة للقارن والمفرد إذا كانا في مكة سواء كانا مكيين أو مجاورين أو قادمين بمكة فميقاتها أدنى الحل بلا خلاف في ذلك، ويستحب ان يحرم بها من الجعرانة أو من الحديبية أو من التنعيم، للتصريح بها في الروايات.

وعن التذكرة ينبغي الاحرام من الجعرانة، فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتمر منها، فمن فاتته فمن التنعيم، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله عائشة بالاحرام منه، فمن فاته فمن الحديبية.

قال في الجواهر: استفادة الترتيب في الفضل من النصوص مشكل انتهى.

وأما النصوص فمنها ما عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث عمر متفرقات: عمرة ذي القعدة اهل من عسفان وهى عمرة الحديبية، وعمرة أهل من الجحفة


206

وهى عمرة القضاء، وعمرة من الجعرانة بعد ما رجع من الطائف من غزوة حنين.

ورواه الصدوق مرسلا، الا أنه قال: ثلاث عمر متفرقات كلهن في ذي القعدة (1).

هذا ما عثرت عليه في كتب الخاصة، وأما العامة فقد روى عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء من قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التى مع حجه (2).

وعن سماعة في حديث عن ابى عبد الله عليه السلام: من دخلها لعمرة في غير أشهر الحج ثم أراد ان يحرم فليخرج إلى الجعرانة فيحرم منها (3).

وعن جميل ابن دراج قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية.

قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثم تقيم حتى تطهر، فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة (4).

(فخ) وهو موضع معروف على فرسخ من مكة يجرد الصبيان منه.

(1) الوسائل ج 10 الباب 2 من ابواب العمرة الحديث 2.

(2) الوسائل ج 10 الباب 2 من ابواب العمرة الحديث 6.

(3) الوسائل ج 8 الباب 8 من اقسام الحج الحديث 1.

(4) الوسائل ج 8 الباب 21 من اقسام الحديث 2.


207

لا اشكال في أصل المسألة حكما، ويدل عليه رواية ايوب اخى اديم قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام من أين تجرد الصبيان.

قال: كان ابى يجردهم من فخ.

وروى مثله علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليهما السلام (1).

انما الكلام في أن تجريد الصبيان من فخ كناية عن احرامهم منه، أو المراد أن الصبيان بعد ما أحرموا كغيرهم من المواقيت يجوز لهم لبس المخيط حال احرامهم، إلى أن يصلوا إلى فخ

فيجردوا منها؟ قولان،

ذهب إلى كل منهما جماعة.

والمهم في المقام نقل الاخبار الواردة في المسألة والتأمل فيمقتضاها، وهى على طوائف ثلاث: ( منها ) ما أمر فيها بتجريد الصبيان من فخ، كصحيحة علي بن جعفر وايوب.

و ( منها ) ما تدل على احرامهم من مكان أبعد من فخ، كبطن مرو والجحفة، كرواية معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: أنظروا من كان معكم من الصبيان فقدموا إلى الجحفة أو إلى بطن مروو يصنع بهم ما يصنع بالمحرم ويطاف بهم ويرمى عنهم، ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه (2).

و ( منها ) ما تدل على وجوب احرامهم من العرج، روى يونس

(1) الوسائل ج 8 الباب 18 من ابواب المواقيت الحديث 1.

(2) الوسائل ج 8 الباب 17 من اقسام الحج الحديث


208

ابن يعقوب عن ابيه، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ان معي صبية صغارا وأنا أخاف عليهم البرد، فمن أين يحرمون؟ قال: ائت بهم العرج فليحرموا منها، فانك إذا أتيت بهم العرج وقعت في تهامة.

ثم قال: فان خفت عليهم فأت بهم الجحفة (1).

قال في المدارك: المراد من التجريد هو الاحرام بهم من فخ كما صرح به المصنف في المعتبر والعلامة في جملة من كتبه، بل ربما نسب إلى الاكثر، وعن الرياض يظهر من آخر عدم الخلاف فيه، وقد نص الشيخ قدس سره وغيره كما في المدارك، على ان الافضل الاحرام بالصبيان من الميقات، لكن رخص في تأخير الاحرام بهم حتى يصيروا إلى فخ، وجواز التأخير إلى فخ ليس على نحو العزيمة، بل هو رخصة لهم، هذا هو القول الاول.

والقول الثاني ان احرم الصبيان من الميقات كغيرهم من المكلفين، الا أنه رخص لهم لبس المخيط إلى فخ فيجردون منه كما عن السرائر والمقداد والكركي وقواه في الجواهر.

واستدلوا بعموم نص المواقيت والنهي عن تأخير الاحرام عنها وهو يشمل الصبى، سواء قلنا بأن عبادته شرعية أو تمرينية، فميقاته مثل ميقات المكلفين، الا أنه رخص له في لبس المخيط إلى أن يتمكن من التجريد، وهو يختلف بحسب اختلاف الازمنة والامكنة.

ولعل القول الثاني هو الاقوى، لما يوجد في الروايات من

(1) الوسائل ج 8 الباب 17 من اقسام الحج الحديث 7.


209

التلويح والاشارة إلى أن الشارع لم يجعل حج الصبيان خارجا عن حكم حج سائر المكلفين من جهة الميقات وغيره، فيشملهم ما يشمل الكبير من العمومات الدالة على وجوب الاحرام من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله وعدم جوازه قبلها، وغيرها من الاحكام الا في لبس المخيط وتجريدهم من فخ، لخوف الضعف والعسر على الصبيان.

وأشكل صاحب المدارك بأن شمول العام وتناوله غير البالغين المكلفين ممنوع، مضافا إلى ظهور التجريد فيما اخترناه من الاحرام بهم من فخ انتهى.

وفيه: ان العمومات التي تدل على عدم جواز المرور والعبور من الميقات الا بالاحرام لا قيد فيها ولا خصوصية بالنسبة إلى من يمر بها، من ذكر وأنثي وصغير وكبير وقريب وغريب، بل انما هيفي مقام بيان أصل الحكم، وان للحرم والكعبة حرمة خاصة يجب رعايتها من المسافة المعينة من جوانبها، ولا يجاوز تلك الامكنة أحد الا محرما مؤديا لحق الحرم ومكة والمسجد والكعبة.

وهذا حكم عام شامل لكل صغير وكبير، يشمل الصغار وغير البالغين كما يشمل الكبار والبالغين، كما يستفاد من بعض النصوص أن من تمام الحج الاحرام من المواقيت.

فعلى هذا يبقى العموم بحاله ولا يرد عليه التخصيص اصلا.

واما جواز تأخير التجريد إلى فخ، انما هو لضعف الصبيان


210

وعدم تحملهم المشاق، فيكون مخصصا لادلة حرمة لبس المخيط فقط.

وأما النصوص التي يمكن استفادة العموم منها بالنسبة إلى الصبيان: ( فمنها ) ما تقدم كرواية علي بن جعفر وابن حر ومعاوية بن عمار ويونس بن يعقوب.

و ( منها ) ما عن عبد الرحمن بن حجاج عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: قلت له: ان معنا صبيا مولودا فكيف نصنع به؟ فقال: مر أمه تلقى حميدة فتسألها كيف تصنع بصبيانها.

فأتتها وسألتها كيف تصنع فقالت: إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه وجردوه وغسلوه كما يجرد المحرم وقفوا به المواقف، فإذا كان يوم النحر فارموا عنه واحلقوا راسه، ثم زوروا به البيت، ومري الجارية أن تطوف به بالبيت وبين الصفا والمروة (1).

ورواية معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: أنظروامن كان معكم من الصبيان فقدموهم إلى الجحفة أو إلى بطن مرو، يصنع بهم مايصنع بالمحرم ويطاف بهم ويرمى عنهم، ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه (2).

والظاهر أن تخصيص أدلة حرمة لبس المخيط على المحرم،

(1) الوسائل ج 8 الباب 17 من اقسام الحج الحديث 1.

(2) الوسائل ج 8 الباب 17 من اقسام الحج الحديث 3.


211

أولى من تخصيص أدلة وجوب الاحرام من الميقات على من يمر به، لاباء بعضها عن التخصيص.

وبتقريب أوضح: ان الرواية ظاهرة في جواز تأخير الاحرام إلى فخ وصريحة في جواز لبس المخيط وتأخير التجريد إليه، فالامر يدور بين القول بجواز تأخير الاحرام إلى فخ، والقول بجواز لبس المخيط إليه مع انشاء الاحرام من الميقات، والثاني هو المتيقن، والاول محتمل، وليس ظهوره بحيث يكافؤ عمومات وجوب الاحرام من الميقات.

ثم ان ترخيص تجريد الصبيان إلى فخ انما هو بلحاظ ضعف الصبيان ورعاية حالهم والا فيجوز الاحرام من الميقات كما عليه صريح بعض الاعاظم، فالاحوط احرامهم من الميقات وتجريد هم في فخ مع الحاجة.


212

في احكام المواقيت قال المحقق في الشرائع: وفيها مسائل:(الاولى) انه لا يصح الاحرام قبل الميقات الا لناذر، أما عدم صحة الاحرام قبل الميقات لغير الناذر فلا خلاف فيه بين الاصحاب، بل ادعى الاجماع عليه بقسميه.

وتدل عليه ايضا اخبار مستفيضة كثيرة، وفى المدارك استفاضت الاخبار على عدم صحة الاحرام قبلها، والمحكي عن المنتهي أن بطلان الاحرام قبل الميقات قول علمائنا اجمع، وفى الجواهر لا خلاف بيننا بل الاجماع عليه بقسميه، فما عن العامة من جواز ذلك فواضح البطلان، فعن الشافعي والحنفي ان الاحرام من الميقات انما هو من باب الترخيص، بمعنى أن الشارع لم يوجب الاحرام بالحج والعمرة قبل تلك المواقيت ومن المنزل بل رخص تأخيره إلى المواقيت، ونقل عن بعض أن هذا قول ابن الخطاب أيضا.


213

ولكن الاخبار المروية عن الائمة عليهم السلام من طرق أصحابنا تدل على أن الاحرام قبل الميقات بدعة وتشريع الا لناذر كما يأتي.

( منها ) ما رواه الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: الاحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا ينبغى لحاج ولا معتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها.

وذكر المواقيت ثم قال: ولا ينبغي لاحد ان يرغب عن مواقيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) (1).

وعن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام في حديث: وليس لاحد ان يحرم دون المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله، فانما مثل ذلك مثل من صلى في السفر أربعا وترك الثنتين (2).

وعن ميسر قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل أحرم منالعقيق وآخر من الكوفة أيهما افضل؟ فقال: يا ميسر، اتصلي العصر اربعا أفضل أم تصليها ستا.

فقلت: أصليها أربعا أفضل.

قال: (ع): فكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل من غيرها (3).

وعنه أيضا قال: دخلت على ابى عبد الله عليه السلام وأنا متغير اللون فقال لي: من أين أحرمت؟ قلت: من موضع كذا وكذا.

فقال: رب طالب خير تزل قدمه.

ثم قال: يسرك ان صليت الظهر اربعا في السفر.

قلت: لا.

قال: فهو والله ذاك (4).

(1) الوسائل ج 8 الباب 11 من ابواب المواقيت الحديث 1.

(2) الوسائل ج 8 الباب 11 من ابواب المواقيت الحديث 3.

(3) الوسائل ج 8 الباب 11 من ابواب المواقيت الحديث 6.

(4) الوسائل ج 8 الباب 11 من ابواب المواقيت الحديث 5.


214

وفى رواية حنان بن سدير قال: كنت أنا وأبى وأبو حمزة الثمالي و عبد الرحيم القصير وزياد الاحلام حجاجا، فدخلنا على ابى جعفر عليه السلام فرأى زياد فقد تسلخ جسده فقال له: من أين احرمت؟ قال: من الكوفة.

وقال: ولم أحرمت من الكوفة.

فقال: بلغني عن بعضكم انه قال: ما بعد من الاحرام فهو أفضل وأعظم للاجر.

فقال: وما بلغك هذا الا كذاب الخبر (1).

وغيرها من الاخبار الصريحة في ان الاحرام قبل الميقات باطل وان من أحرم قبلها كمن صلى الظهر ست ركعات.

ثم انه قد استثني من هذا الحكم (عدم جواز الاحرام قبل الميقات) موردان: الاول من

نذر أن يحرم قبل الميقات،

والثانيالاحرام لدرك عمرة شهر رجب قبلها.

أما المورد الاول فلابد من البحث فيه من جهتين: الاولى في الدليل الدال على ذالك، والثانية من جهة الادلة الدالة على أنه يعتبر في متعلق النذر أن يكون راجحا حتى ينعقد النذر.

(اما الجهة الاولى) فقد روى الحلبي عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن رجل جعل الله عليه شكرا ان يحرم من الكوفة.

قال: فليحرم من الكوفة وليف لله بما قال (2).

وعن علي بن ابى حمزة قال: كتبت إلى ابى عبد الله عليه السلام

(1) الوسائل ج 8 الباب 9 من ابواب المواقيت الحديث 7.

(2) الوسائل ج 8 الباب 13 من ابواب المواقيت الحديث 1.


215

أسأله عن رجل جعل الله ان يحرم من الكوفة.

قال: يحرم من الكوفة (1).

وعن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: لو أن عبدا أنعم الله عليه نعمة أو ابتلاه ببلية فعافاه من تلك البلية فجعل على نفسه أن يحرم بخرسان كان عليه ان يتم (2).

وظاهر تلك الاخبار ان النذر إذا تعلق بالاحرام قبل الميقات ينعقد ويجب الوفاء به، حتى إذا كان من بلاد بعيدة كخراسان، المشهد الذي دفن فيه الامام علي الرضا عليه السلام (أو بلدة من نواحي بغداد) وعلى كل حال إذا نذر الاحرام قبل الميقات كما لو نذر أن يحرم من خراسان أو المدينة قبل الوصول إلى مسجد الشجرة يجب الوفاء بالنذر، كما هو مدلول الروايات التى لا اشكال فيها من جهةالدلالة والصراحة.

وأما السند فقد قال في الجواهر: المناقشة في السند لو سلمت في الجميع، مدفوعة بالشهرة، في الدلالة باحتمال ارادة الذهاب إلى أحد المواقيت ليحرم منه كما ترى.

ولا ينافي الظهور الذي هو المدار في الاحكام، خصوصا مع عدم المعارض سوى قاعدة اعتبار مشروعية متعلق النذر ورجحانه في نفسه، التي يجب الخروج عنها بما عرفت، خصوصا مع وجوب النظير له في الفقه كما في نذر

(1) الوسائل ج 8 الباب 13 من ابواب المواقيت الحديث 2.

(2) الوسائل ج 8 الباب 13 من ابواب المواقيت الحديث 3.


216

الصوم في السفر.

وقد يدعى الوهن في رواية الحلبي التى عليها الاعتماد في المسألة وفى رواية البطائني، اما في رواية البطائني بانها قد نقلت تارة بنحو المكاتبة مع الامام الصادق عليه السلام واخرى على نحو المشافهة مع ابى الحسن الامام موسى بن جعفر عليه السلام كما في الوافي الباب (41) في اخبار الاحرام قبل الميقات عن التهذيب عن الحلبي، وفى ابواب النذر والايمان من التهذيب.

وأما الوهن المدعى في رواية الحلبي فخلاصة ما أفاده الاستاد في ذلك: ان صاحب المنتقى قد أورد على الرواية بما حاصله: ان كلمة المتعرضين لتصحيح الاخبار اتفقت على صحة هذا الخبر، اولهم العلامة في المنتهى، ولا شك عند الممارس انه غير صحيح فان حمادا المذكور في سند الرواية ان كان ابن عثمان فلم يثبترواية الحسين بن سعيد عنه بغير واسطة وان كان حمادبن عيسى فروايته عن الحلبي غير معهودة في الروايات انتهى.

وفيه: ان حماد بن عثمان يروي عنه الحسين بن سعيد كثيرا ما كما في جامع الرواة والتهذيب، وأما حماد بن عيسى فهو أيضا يروي عن الحلبي كثيرا ما كما قاله المجلسي، فيثبت أنه لا يحتمل في الرواية سهو ولا نسيان، فالرواية صحيحة من جهة السند وعمل بها جمع من العلماء (1).

(1) يقول المقرر: ان الدليل صحة النذر قبل الميقات لا ينحصر برواية ‌


217

(وأما الجهة الثانية) وهي أنه يعتبر

في متعلق النذر

أن يكون راجحا في حد نفسه، والاحرام قبل الميقات ليس كذلك.

بل هو كما في الروايات نظير من صلى الظهر ست ركعات.

هذا ما يمكن ان يقال في الاشكال.

لكنه بعد دلالة الروايات على صحة النذر المتعلق بالاحرام قبل الميقات، ووجوب الوفاء به ولو كان من مسافة بعيدة، يكشف به رجحانه الذاتي، ومطلوبيته في نفسه، ويستفاد ايضا ان الله رخص

‌ الحلبي حتى يورد عليه بما نقل من صاحب المنتقى ويجاب عنه بما ذكره الاستاذ مد ظله من تحقيقاته، بل هذا المضمون نقل من طرق عديدة لا تنتهى إلى الحلبي كما في كتاب ترتيب التهذيب المطبوع جديدا.

مضافا إلى ما يمكن أن يقال: لا يبعد دعوى أن الاحرام والتلبس بلباس الخضوع والخشوع لزيارة بيت الله، والتعرى عن لباس أهل الدنيا، والخروج عن زى الجبابرة والفراعنة وعامة الناس انما هو أمر راجح في حد نفسه يعدهالعرف نوعا من الادب والحرمة، ولكن الشرع رخص الناس ترك هذا الاحرام قبل الميقات هدية منه إليهم وأوجبه من الميقات، الا من جعل لله على نفسه أن يحرم قبل الميقات شكرا له تعالى.

فعلى هذا لا يرد تخصيص على قاعدة اعتبار الرجحان في متعلق النذر، ولا يرد اشكال أصلا.

هذا ما يمكن أن يقال في جواب اشكال ابن ادريس وغيره.

نعم لو أحرم قبل الميقات مع العلم بأن الشارع لا يريد ذلك منه تسهيلا للمكلفين ورحمة بهم يكون محرما وبدعة، كما لو صلى أربعا في السفر مع العلم بأن الشارع وضع عنهم الركعتين هدية منه إليهم، تكون باطلا وردا للهدية فكذلك في الاحرام قبل الميقات.


218

لغير الناذر ترك الاحرام قبل الميقات، هدية منه تعالى لعباده، ويجب أن يؤخذ برخصه كما يجب أن يؤخذ بعزائمه، كما

في نذر الصوم في السفر.

فعلى هذا لا

داعي للالتزام بالخروج عن قاعدة اعتبار رجحان متعلق النذر بالنصوص الخاصة الواردة في المقام.

هذا إذا كان النذر للحج وعمرة التمتع له ووقع الحج في اشهره وأما إذا بعدت المسافة بحيث لا يمكن من اتمام النسك لو أحرم في اشهر الحج فلا ينعقد النذر بالنسبة إلى هذه السنة، فان صحة وقوع الاحرام قبل الوقت المكاني لا يتقضي صحته قبل الوقت الزمانى.

وأما العمرة المفردة، فيصح النذر للاحرام بها قبل الميقات في كل وقت ويشمله الادلة.

(فرع) فهل العهد واليمين كالنذر إذا تعلقا بالاحرام قبل الميقاتفيجب الوفاء به، أو يختص ذلك بالنذر فقط ولا يعتدى منه إلى غيره.

وجهان لا يبعد دعوى شمول قوله (جعل الله عليه شكرا) لمن حلف لله أو تعاهد له الاحرام قبل الميقات شكرا على نعمة أو دفع بلية، كما استظهره بعض، ولكن الحكم لما كان مخالفا للقاعدة فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن من مفاد الادلة، وهو النذر.

فعلى هذا الحاق العهد واليمين بالنذر مشكل، مضافا إلى أن معقد فتاوى العلماء هو النذر، لكن الاحوط إذا حلف على الاحرام قبل الميقات أو تعاهد عليه، الاحرام من المكان المعهود فيه أو المقسم


219

فيه، رجاءا ثم تجديد الاحرام من ميقات اهله، واحوط منه ترك العهد والحلف على ذلك.

(المورد الثاني) عمرة شهر رجب، فقد صرح جماعة بأن الاحرام قبل الميقات لدرك عمرة شهر رجب إذا خشي فوتها لو لم يحرم قبلها، فيجو

ز له الاحرام قبل الوقت ويحسب له عمرة رجب

وان وقع بقية النسك في شهر شعبان، أو وصل إلى الميقات بعد انقضاء شهر رجب، ويكفي ذلك في درك فضيلة عمرة رجب، نظير من أدرك ركعة ممن الوقت فقد أدرك الوقت.

وادعى عدم الخلاف فيه، وعن المعتبر عليه اتفاق علمائنا وعن المسالك موضع نص ووفاق، ويدل عليه رواية معاوية بن عمار قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: ليس ينبغي أن يحرم دون الوقت الذى وقته رسول الله صلى الله عليه وآله الا أن يخاف فوت الشهر في العمرة (1).

وهي تدل على أن الاحرام قبل الميقات جائز ان خاف فوت العمرة في شهر، ولا وجه لاختصاصه بشهر رجب، بل هو مطلق بالنسبة إلى كل شهر يخاف فوت عمرته إذا لم يحرم قبل الميقات، ولا دليل للقول بأن الالف واللام للعهد، لعدم ذكر (الرجب) في الرواية قبله أو بعده، ولكن الاصحاب لم يعملوا بهذا الاطلاق ولم يفتوا على طبقه، فعلى هذا يشكل الفتوى به في غير شهر رجب.

(1) الوسائل ج 8 الباب 12 من ابواب المواقيت الحديث 1.


220

ورواية اسحاق بن عمار قال: سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الرجل يجئ معتمرا ينوي عمرة رجب فيدخل عليه الهلال هلال شعبان قبل أن يبلغ العقيق، فيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب أم يؤخر الاحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان؟ قال: يحرم لرجب قبل الوقت، فان لرجب فضلا وهو الذى نوى (1).

وظاهرها أن المحرم ان نوى الافضل إذا خاف فوته واحرم قبل الميقات يحسب ذلك له ويكتب افضلهما، وهذا الامر لا يختص بعمرة رجب بل كل عمرة تكون له فضيلة على غيره فهى أيضا كذلك الا أن الفتوى استقر على عمرة رجب، والاحتياط في المقام أيضا يقتضي ذلك.

ومن أحكام المواقيت انه لا يجوز تأخير الاحرام من الميقات عمدا واختيارا، اجماعا بقسميه، كما في الجواهر ونصا.

وأما التأخير لمانع وعذر من مرض وغيره، فعن الشيخ قدس سره جوازه، قال في النهاية: من عرض له مانع جاز له أن يؤخر الاحرام عن الميقات، فإذا زال المانع أحرم من الموضع الذيانتهى إليه وزال عذره فيه.

فهل مراد الشيخ ترك الاحرام حتى النية والتلبية، أو المراد ترك التعري وكشف الراس ولبس لثوبين لا النية والتلبية، فان المرض لا يمنع عنهما.

(1) الوسائل ج 8 الباب 12 من ابواب المواقيت الحديث 2.


221

وفى السرائر بعد نقل قول الشيخ (جاز له أن يؤخر) قال: مقصوده ترك كيفية الاحرام الظاهرة، وهو التعري وكشف الرأس والارتداء والاتزار والتوشح، وأما النية والتلبية فلا يجوز له ترك ذلك لعدم المانع عنها ولا ضرورة ولا تقية فيها.

وعن الحدائق مثل ذلك.

واختاره العلامة في جملة من كتبه التحرير والمختلف والمنتهى، واما المحقق في الشرائع فظاهر كلامه تأخير الاحرام حتى النية والتلبية لتقية أو مرض، ولكن نقل عنه في المعتبر ما يوافق أول كلامه ما اختاره ابن ادريس ويخالفه آخره، قال في المدارك بعد نقل كلام الشيخ والحلي: وفصل المصنف في المعتبر تفصيلا حسنا فقال: من منعه مانع عند الميقات فان كان عقله ثابتا عقد الاحرام بقلبه، لو زال عنه عقله باغماء وشبهه سقط عنه الحج، ولو أخر وزال المانع عاد إلى الميقات ان يمكن، والا أحرم من موضعه.

والمنقول من المعتبر كما ترى يوافق أوله كلام ابن ادريس ويخالفه آخره.

واستدل لمختار الشيخ بعدة من الاخبار: فمنها ما رواه محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن صفوانابن يحيى عن ابى الحسن الرضا عليه السلام قال: كتبت إليه أن بعض مواليك بالبصرة يحرمون ببطن العقيق، وليس بذلك الموضع ماء ولا منزل، وعليهم في ذلك مؤنة شديدة ويعجلهم أصحابهم وجمالهم، ومن وراء بطن عقيق بخمسة عشر ميلا منزل فيه ماء،


222

وهو منزلهم الذي ينزلون فيه، فترى أن يحرموا من موضع الماء لرفقه بهم وخفته عليهم.

فكتب عليه السلام: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وقت المواقيت لاهلها، ومن أتى عليها من غير أهلها وفيها رحمة لمن كانت به علة، فلا تجاوز الميقات الا من علة (1).

وعن شعيب المحاملي عن بعض أصحابنا عن أحدهما عليهما السلام قال: إذا خاف الرجل على نفسه اخر الاحرام إلى الحرم (2).

وقد عمل بهما عدة من الاصحاب وفاقا للشيخ (قده) وقالوا: إذا زال المانع يحرم، ويجوز التأخير إلى الحرم إذا خاف على نفسه كما في الخبر الثاني.

وأما ابن ادريس فقد خالف الشيخ ولم يعمل بالروايتين بناءا على مذهبه من عدم حجية الخبر الواحد.

واستدل صاحب الجواهر لما اختاره ابن ادريس بقاعدة الميسور وخبر الحميري الاتى في التقية.

ولقائل أن يقول: ان مقتضى القاعدة أن الاحرام عبارة عن أمور متعددة من النية والتلبية ولبس الثوبين، وله شرائط وأجزاء وأحكام يجب على كل من مر بالميقات أن يحرم ويلتزم بالاحكام المقررة له، فإذا تعذر جزء أو شرط مما يعتبر في الاحرام يرتفع هذاالجزء والشرط، ولا دليل على ارتفاع شرطية غيره أو جزئيته،

(1) الوسائل ج 8 الباب 15 من ابواب المواقيت الحديث 1.

(2) الوسائل ج 8 الباب 16 من ابواب المواقيت الحديث 3.


223

بل يبقى على حاله، والتقية والمرض لا يمنعان عن النية والتلبية، فما اختاره ابن ادريس موافق للقاعدة ومطابق لرواية الحميرى.

وأما خبر الحميرى ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن محمد ابن عبد الله بن جعفر الحميرى أنه كتب إلى صاحب الزمان عليه السلام يسأله عن الرجل يكون مع بعض هؤلاء ويكون متصلا بهم يحج ويأخذ عن الجادة ولا يحرم هؤلاء من المسلخ، فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخر احرامه إلى ذات عرق، فيحرم معهم لما يخاف الشهرة، أم لا يجوز الا أن يحرم من المسلخ؟ فكتب (ع) إليه في الجواب: يحرم من ميقاته، ثم يلبس الثياب ويلبى في نفسه، فإذا بلغ إلى ميقاتهم أظهره (1).

والاشكال بأن مورد المكاتبة التقية والحاق المرض والخوف بها قياس ممنوع في الشرع.

غير وارد، فان مضمون المكاتبة موافق لقاعدة الميسور، وكأنه امضاء لها، لا يختص بالتقية حتى يشكل في المرض والخوف بأن الحاقهما بها في الحكم قياس، فلا اشكال من تلك الجهة.

مضافا إلى اطلاق الخوف في رواية شعيب المتقدمة الشامل للتقية وغيرها.

نعم ما يمكن أن يقال في المكاتبة: ان الاستدلال بها في التقية فقط المتحققة في اظهار الاحرام، إذا المورد ان الامام عليه السلامفرض السائل ممن يتمكن من النية والتلبية في نفسه ولكنه لا يظهر

(1) الوسائل ج 8 الباب 2 من ابواب المواقيت الحديث 10.


224

التلبية الا في المسلخ.

والحاصل ان التقية التي هي موجبة لتأخير الاحرام من الميقات لم تكن في نفس عقد الاحرام حتى النية والتلبية عند نفسه خفاء، بل كانت في اظهار التلبية والجهر بها والتجريد والتعري من المخيط فلا تكون مجوزة لتأخير النية والتلبية الا إذا تحققت فيهما ايضا، وهو فرض نادر.

فعلى هذا لا تكون المكاتبة ردا على الشيخ ومعارضا لروايتي صفوان والمحاملي، مع فتوى الاصحاب على مضمونهما ودلالتهما على جواز تأخير أصل الاحرام منه الميقات إذا منع منه خوف أو مرض إلى أن يزول المانع عنه.

نعم لو فرضنا أن الخوف والمرض لا يتحققان في أصل الاحرام من عقد القلب والتلبية عند نفسه بل في اظهار التلبية والتعري، ينوى الاحرام ويؤخر الجهر بالتلبية والتجريد عن المخيط.

وأما قاعدة الميسور فهي مخصوصة بما إذا تمكن من اصل الاحرام ولم يتمكن من بعض الاجزاء والشرائط، وأما إذا كان أصل الاحرام ممنوعا وغير ميسور فلا تجري فيه القاعدة.

وبعبارة اخرى: ان في المقام فرعين: فرع تعرض له الشيخ وهو ما إذا عرض له مانع عن أصل الاحرام، وفرع تعرض له ابن ادريس، وهو ما إذا عرض له مانع عن اظهار الاحرام والتعريوالتجريد.


225

اما الفرع الاول فيجوز تأخير الاحرام من الميقات كما اختاره الشيخ، ودليله رواية صفوان ومرسلة المحاملي المتقدمتان.

وأما الفرع الثاني فلا يجوز فيه ترك النية والتلبية، بل ينوي الاحرام ويلبي، ولكن يؤخر اظهار التلبية والتجريد إلى زوال المانع، كما اختاره ابن ادريس.

فعلى هذا لا يبقى لابن ادريس اعتراض على ما ذكره الشيخ، لاختلاف الموردين

في كلامهما.

في حكم الاغماء والمغمى عليه

(فرع) لو كان ترك الاحرام من الميقات لاغماء ونحوه مما لا يمكن معه من النية والتلبية، فقد ورد أنه يحرم عنه رجل ويلبى عنه.

عن جميل بن دراج عن بعض اصحابنا عن احدهما عليهما السلام في مريض اغمي عليه فلم يعقل حتى أتى الوقت.

فقال عليه السلام: يحرم عنه رجل (1).

وتفصيل المقام: ان الاغماء قد يكون من الميقات ويستمر إلى بعد الاضحى، وقد يحصل في برهة من الزمان عند العبور من الميقات ثم يفيق بعد ذلك قبل الاتيان باعمال الحج وانقضاء الوقت.

اما الاول فيكشف انه لم يكن مكلفا بالحج ولا بأمر واجب اصلا، سواء احرم عنه رجل آخر أم لا، أو لم يحرم عنه، حتى انه لو أحرم عنه آخر لا يجزى عنه، لان النيابة عن الحي تحتاج إلى

(1) الوسائل ج 8 الباب 20 من ابواب المواقيت الحديث 4.


226

الاذن، والتبرع عن الميت انما خرج بالدليل، كما ان احرام الصبى لدليل خاص، ولا يستفاد من مرسلة جميل الا مشروعية ذلك الاحرام وأما الاجزاء والنيابة فلا، فان قوله (يحرم عنه)، اما يراد منه الاحرام عن المغمى عليه بالنيابة عنه في النية والتلبية، أو الاحرام به بمباشرته، لامر الامام بذلك من باب الولاية كما في احرام الصبى.

وعلى كل حال لا يدل الا على مشروعية ذلك الاحرام، واما اجزاؤه عن حجه الواجب عليه فلا يستفاد منه، مضافا إلى انه من الممكن ان يكون الامر بالاحرام به أو الاحرام عنه من جهة الاحتياط في امره، ولاحتمال افاقته قبل الاعمال فيحرم به أو عنه، لكي يأتي بالاعمال مباشرة إذا أفاق، فان لم يفق حتى انقضى الوقت وفاته الحج يكشف عن عدم كونه مكلفا به ومأمورا بذلك.

فعلى هذا لا يبقى مجال للقول بالاحتياط والجمع بين الحج في هذه السنة باحرام الغير عنه، والاتيان بالمناسك وبين حج نفسه في القابل إذا برء وأفاق.

هذا إذا لم يفق قبل مضي الوقت، وأما لو افاق قبل فوت الوقوفين فان تمكن من الرجوع إلى الميقات فيجب عليه العود إليه والاحرام منه، والا فيحرم من موضعه ويتم حجه.

ولو احرم به رجل أو احرم عنه ثم افاق ولم يكن عليه حج واجب فهل يجب عليه اتمام الحج واتمام المناسك كلها للدخول في الحج والشروع فيه، مندوبا كان أو غيره، ام لا يجب عليه ذلك؟ الظاهر


227

عدمه لعدم الدليل على وجوب الاتمام على من شرع فيه، ولكنالاحتياط بالاتمام حسن، بل وجوبه لا يخلو عن وجه، لان مرسلة جميل تدل على مشروعية الاحرام، بمنى أنه بعد الافاقة يكون محرما بتنزيل احرام الغير منزلة احرامه، وشروعه بمنزلة شروعه، فيشمله دليل وجوب اتمام ما شرع.

والانصراف في وجوب الاتمام إلى ما شرع بنفسه لا ينافى تنزيل احرام غيره بمنزلة احرامه حتى في وجوب الاتمام عليه.

نعم لو تمكن من الرجوع إلى الميقات والاحرام منه يجب عليه الرجوع.

(فرع) لو جاوز الميقات بلا احرام ولم يكن يريد النسك كالحطاب وغيره ممن لا يجب عليهم الاحرام لدخول الحرم ثم اراد النسك فحكمه حكم الناسي، فان امكن له الرجوع إلى الميقات يرجع والا فيحرم من موضعه، وليس كالعامد للترك لعدم وجوب الاحرام عليه.

وقيل انه لا خلاف في مساواته للناسي، بل هو أعذر من الناسي وانسب بالتخفيف.

ونقل عن بعض العامة انه يحرم من موضعه مطلقا أمكن الرجوع أم لا.

لكنه واضح الضعف، لوجوب العود عليه من التمكن منه وشمول اطلاق ما دل على اعتبار الاحرام من الميقات في صحة المأمور به له ايضا.

(مسألة) إذا زال المانع عن الاحرام من الميقات فهل يجب


228

الاحرام من محل زوال العذر أو يجب الرجوع إلى الميقات؟ وجهان.

قال المحقق في الشرائع: إذا زال المانع عاد إلى الميقات،فان تعذر جدد الاحرام حيث زال،

ولو دخل مكة خرج إلى الميقات

ولو تعذر أحرم من مكة.

وعن المدارك أما وجوب العود إلى الميقات مع المكنة، فلا ريب فيه، لتوقف الواجب عليه، وأما الاكتفاء بتجديد الاحرام من محل زوال العذر مع تعذر العود إلى الميقات، فلان تأخيره لم يكن محرما، فكان كالناسي، وهو كما سيأتي يحرم من موضع الذكر.

وقال صاحب الجواهر: بل ذكر ذلك غير واحد ايضا مرسلين له ارسال المسلمات.

قال الاستاذ مد ظله: ان كلام الاصحاب قدس سرهم موجه إذا لم نعمل بالروايتين المتقدمتين ولم نعتمد عليهما في حكم المسألة والا فكلامهم رضوان الله عليهم لا يكون صحيحا لدلالة الروايتين على جواز تأخير الاحرام إلى زوال المانع ولا دليل على وجوب العود إلى الميقات، وكذا بناءا على ما اختاره ابن ادريس في توجيه كلام الشيخ، وذلك لما عرفت وتقدم أن المراد من تأخير الاحرام عند الخوف والتقية، هو ترك التعري وتأخير التجريد عن المخيط لا تأخير النية والتلبية، فان المرض والخوف والتقية لا يمنع عن عقد القلب والتلبية سرا، فلا حاجة إلى العود إلى الميقات


229

والاحرام منها، بل يظهر صورة الاحرام من موضع زوال العذر وليس مقتضى المكاتبة وقاعدة الميسور الا ذلك، أي تأخير صورة الاحرام والتعري والتجريد

في الميقات

لا العبور منها بدون الاحرامنعم الاحتياط ان يرجع إلى الميقات إذا زال المانع ان أمكن، وتجديد الاحرام منه رجاءا، والا فمن موضعه.

وأما قياس المقام بالناسي في جواز الاحرام من محل الذكر، فهو فياس مع الفارق لوجود النص في الناسي دون ما نحن فيه.

هذا حكم المعذور في تأخير الاحرام واما الناسي فسيأتي حكمه.

(مسألة): لو نسي الاحرام من الميقات وذكر بعد ذلك، يجب عليه الرجوع إلى الميقات والاحرام منه ان أمكن ذلك، ولم ينقل خلاف من أحد، وان لا يتمكن من العود يحرم من محله.

هذا لا اشكال فيه ولا خلاف، وانما الكلام في أنه إذا لم يتمكن من العود إلى الميقات ولكن يتمكن من الرجوع إلى مسافة محدودة فهل يجب العود بقدر ما امكن أولا يجب؟ فيه وجهان، بل قولان وذلك لاختلاف فقه الحديث والفهم من الاخبار، وفالمهم نقلها أولا والتأمل التام فيها ثانيا.

عن حماد عن الحلبي قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يحرم حتى دخل الحرم.

قال: قال ابى يخرج إلى ميقات أهل أرضه، فان خشي ان يفوته الحج أحرم من مكانه، فان


230

استطاع ان يخرج من الحرم فليخرج ثم ليحرم (1).

وعن عبد الله بن سنان قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل مر على الوقت الذى يحرم الناس منه، فنسي أو جهل فلم يحرم حتى اتى مكة، فخاف ان رجع إلى الوقت ان يفوته الحج.

فقال: يخرج من الحرم ويحرم ويجزيه ذلك (2).

وعن ابى الصباح الكناني قال: سالت ابا عبد الله السلام عن رجل جهل ان يحرم حتى دخل الحرم كيف يصنع؟ قال: يخرج من الحرم ثم يهل بالحج (3).

وعن معاوية بن عمار قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن أمرأة كانت مع قوم فطمثت فأرسلت إليهم فسألتهم فقالوا ما ندري أعليك احرام أم لا وانت حائض فتركوها حتى دخلت الحرم.

فقال عليه السلام: ان كان عليها مهلة فترجع إلى الوقت فلتحرم منه وان لم يكن عليها وقت ومهلة فلترجع إلى ما قدرت عليه بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها (4).

والرواية وان وردت في الطمث الا انه يعلم من مناسبة الحكم والموضوع ان المناط في وجوب الرجوع إلى الميقات أو الخروج

(1) الوسائل ج 8 الباب 14 من ابواب المواقيت الحديث 1.

(2) الوسائل ج 8 الباب 14 من ابواب المواقيت الحديث 2.

(3) الوسائل ج 8 الباب 14 من ابواب المواقيت الحديث 3.

(4) الوسائل ج 8 الباب 14 من ابواب المواقيت الحديث 4.


231

من الحرم بقدر ما لا يفوت الحج ثم الاحرام منه هو الجهل بالحكم أو نسيانه للاحرام من الميقات، ولا خصوصية في الطمث بل الملاك ترك الاحرام لعذر من جهل ونسيان.

وغيرها من الروايات الدالة على وجوب العود إلى الميقات ان تمكن منه أو الخروج من الحرم والاحرام منه.

وأما وجوب الرجوع بقدر ما يتمكن من العود وان لم يصلإلى الميقات، فان استظهرناه من الروايات فهو والا فاثباته بقاعدة الميسور مشكل.

وقد يستدل لعدم وجوب الرجوع بقدر ما أمكن بالاصل وظاهر بعض الروايات كما عن المدارك، حيث اقتصر بالاحرام في محل زوال العذر، كما انه قد يستشهد لوجوب الرجوع بقدر ما أمكن برواية معاوية بن عمار المتقدمة، فان الظاهر منها كما تقدم عدم الخصوصية للطمث والجهل والنسيان في ترك الاحرام من الميقات ووجوب الرجوع إلى الميات عند ارتفاع العذر إذا تمكن منه، والا فيرجع بقدر ما يقدر عليه.

ومع عدم التمكن من الرجوع يحرم في محله، فلا بد من الجمع بينها وبين ما تدل على وجوب الاحرام خارج الحرم ان لم يقدر على الرجوع إلى الميقات، بحمل الطائفة الثانية على ما لا يقدر على الرجوع مطلقا، وحمل رواية معاوية بن عمار على من يقدر عليه، أو حملها على الاستحباب.

والاول اولى من الثاني، فلا يترك الرجوع بقدر ما يقدر عليه في جميع فروض


232

المسألة.

(مسألة): لو ترك الاحرام وأخره من الميقات عمدا لا يصح احرامه من غيرها يرجع إليها ويحرم منها، فان رجع وأحرم من الوقت صح حجه، وان تعذر عليه العود ولم يتمكن من الرجوع فهل حكمه حكم الناسي حتى يجوز الاحرام من محله أو ليس كذلك فوجهان.

الظاهر انه ليس له الاحرام من محله إذا لم يتمكن من الرجوع إلى الوقت، بل حجه باطل وفاقا للاكثر، بل ربما يظهرعدم الخلاف فيه.

مقتضى القاعدة الاولية بطلان الحج بالاحرام بعد الميقات ولو تعذر الرجوع إليها إذا ترك الاحرام منها عمدا، ضرورة ان الحج مركب من الاجزاء والشرائط التي يوجب تركها عمدا بطلان المأمور به، ومنها الاحرام من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله ولا يجزي البدل الاضطراري في المقام، كما يجزى فيمن نسي الاحرام من الوقت، الا إذا كان في دليل البدل الاضطراري اطلاق يشمل المقام، ويدل على صحة الحج بالاحرام بعد الميقات إذا تعذر الرجوع إليها حتى لمن تركه عمدا فيها.

وبالجملة اطلاق دليل الشرطية والجزئية يوجب بطلان المأمور به بترك الشرط أو الجزء، الا ان يدل دليل على اجزاء البدل الاضطراري حتى في العامد لترك الجزء أو الشرط، كما ورد في التيمم، فان الطهارة الترابية تكفي عن الطهارة المائية حتى فيما


233

إذا ترك الوضوء عمدا ولم يبق من الوقت الا مقدار التيمم واداء الفريضة.

وأما في المقام فيدل الدليل على اجزاء الاحرام بعد الميقات لمن نسيه في الميقات وتعذر الرجوع إليها أو جهل ذلك، وأما التارك للاحرام عمدا من الميقات إذا لم يتمكن من العود إليها، فلا يدل دليل على اجزاء احرامه من محله، الا ان يدعى اطلاق في ادلة اجزاء البدل الاضطراري.

قد يستظهر ذلك من رواية الحلبي قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل ترك الاحرام حتى دخل الحرم.

فقال: يرجعإلى ميقات اهل بلاده الذين يحرمون منه فيحرم، فان خشي ان يفوته الحج فليحرم من مكانه، فان استطاع ان يخرج من الحرم فليرجع (1).

بدعوى الاطلاق في سؤال السائل عن رجل ترك الاحرام الشامل للترك عمدا ونسيانا وجهلا، وجواب الامام (ع) عنه وترك الاستفصال.

والتحقيق ان دعوى الاطلاق في الصحيحة حتى بالنسبة إلى من ترك الاحرام من الميقات عمدا وبلا عذر، ليست بصحيحة، مضافا إلى انه قول نادر وغير معمول به عند الاصحاب.

وتوضيح ذلك: ان ظهور اطلاق صحيحة الحلبي في تقييد الادلة العامة الدالة على اشتراط الحج بالاحرام من الميقات بغير

(1) الوسائل ج 8 الباب 14 من ابواب المواقيت الحديث 1.


234

صورة تعذر الرجوع إلى الميقات، ولو كان بسوء اختياره وتركه الاحرام منها عمدا ليس بحيث يقاوم ظهور الادلة العامة في اشتراط الحج بالاحرام من الميقات، وعدم كفاية الاحرام بعدها، وان من تمام الحج والعمرة الاحرام من مواقيت وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله المقطوع شمولها لتارك الاحرام منها عمدا، خصوصا بعد تقييدها في الادلة لغير الجاهل بالحكم والناسي، ضرورة ان لازم دعوى الاطلاق في الصحيحة والقول بكفاية الاحرام بعد الميقات مطلقا، إذا تعذر الرجوع إليها حتى بالنسبة إلى من تركها عمدا، ثم تعذر الرجوع إليه، لغوية شرطية الاحرام للحج من الميقات وعدم بقاء المورد للادلة العامة.

فعلى هذا لا مناص من حمل الصحيحة على غير التارك للاحرام عمدا، والحكم بان من ترك الاحرام عمدا في الميقات يبطل حجه ولو تعذر الرجوع إليها لضيق الوقت أو لغيره، فما عن بعض وعن اطلاق عبارة المبسوط من القول بصحة الاحرام ممن محله مما لا يساعده الدليل بل يعارضه ويعانده.

وبالجملة ان في المقام اطلاقين: اطلاق الدليل العام الدال عن أن من تمام الحج والعمرة الاحرام من المواقيت الشامل لتاركه عمدا وسهوا وجهلا، واطلاق المخصص الدال على كفاية الاحرام بعد الميقات إذا تعذر الرجوع إليها سواء تركه منها عمدا أو سهوا أو جهلا، فيدور الامر بين تقييد اطلاق الدليل العام في وجوب


235

الاحرام، بما إذا لم يكن ترك الاحرام من الميقات جهلا وسهوا، والا فيكفى من مكانه إذا تعذر عليه الرجوع والحكم ببطلان حج من ترك الاحرام عمدا ثم تعذر عليه الرجوع إلى الميقات، وبين ان يقيد اطلاق المخصص الدال على كفاية الاحرام من مكانه إذا تعذر الرجوع، سواء ترك الاحرام عمدا أو سهوا أو جهلا بما إذا لم يكن تاركا للاحرام من الميقات عن عمد.

والقاعدة وان كانت تقتضي تقديم اطلاق المخصص ورفع اليد عن اطلاق العام وتقييده به، الا أن لاطلاق الادلة العامة في المقام خصوصية لا يمكن تقييدها، وهي الاباء عن التخصيص والتقييد، فان قوله عليه السلام (ان ممن تمام الحج والعمرة الاحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول الله ولا ينبغى لحاج ولا معتمر أن يحرمقبلها ولابعدها) (1) آب عن التخصيص، سيما بعد تخصيصه بما ورد في الناسي والجاهل، فيشكل دعوى الاطلاق في صحيحة الحلبي والحكم بوجوب الاحرام وصحته من مكانه إذا تعذر الرجوع حتى فيمن ترك الاحرام من الميقات عمدا وهو يريد النسك، خلافا لجماعة من المتأخرين، ويحتمله اطلاق عبارة المبسوط والمصباح ايضا.

لكن مقتضى الاحتياط في المقام ان يجمع بين الحج في هذه السنة بأن يحرم من خارج الحرم أو مما يمكن الاحرام منه ويأتي

(1) الوسائل ج 8 الباب 11 من ابواب المواقيت الحديث 1.


236

بالمناسك كلها والحج في السنة القابلة بالاحرام من الميقات واداء جميع النسك.

وكذا الحكم فيما إذا ترك الاحرام من الميقات لعذر ومانع، وارتفع العذر وتمكن من الرجوع إلى الميقات ولكنه ترك الرجوع إليه والاحرام منه، فأحرم من محل زوال العذر حتى ضاق الوقت وتعذر الرجوع، فانه يجب الاحتياط عليه بالجمع بين حج هذه السنة والحج من قابل كما تقدم.

هذا إذا لم يكن في طريقه ميقات آخر، واما لو كان ميقات فهل يجب عليه الرجوع إلى ميقات أهله أيضا، أو يكفى الاحرام من الميقات الذى على طريقه، أو غيره من المواقيت؟ ذهب جمع إلى الاول، مستدلين بأن لكل بلد ميقات، وبالروايات الواردة في الناسي الدالة على وجوب عوده إلى ميقات أهله.

وأجيب عنه بأن ذلك انما يصح لو قلنا ان ميقات أهل كل بلد مختص بهم، وهم يختصون به، ليس كذلك بل المواقيت كلها ميقات لاهل أرضه وكل من يمر به، وأما الروايات الدالة على وجوب الرجوع إلى ميقات أهله فهي منصرفة إلى مورد لم يكن في طريقه ميقات آخر.

وقد يستدل له بالروايات الواردة في جواز الاحرام من الجحفة فيمن لم يحرم من الشجرة وكان به علة أو عذر، فعن الحلبي قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام من أين يحرم الرجل اذاا جاوز الشجرة؟


237

فقال: من الجحفة ولا يجاوز الجحفة الا محرما (1).

فان الظاهر من تلك الروايات أن من جاوز ميقاتا من المواقيت ولم يحرم منه لعذر، يصح له الاحرام من ميقات آخر يقع في طريقه ولا يجب عليه الرجوع إلى ميقات أهله إذا كاان التأخير رخصة لا عزيمة.

ثم انه لا فرق فيما ذكرنا من الاحكام المترتبة على ترك الاحرام من الميقات بين الحج والعمرة والتمتع والافراد والقران، غاية الامر ان ميقات حج التمتع بطن مكة.

قد يقال: ان بطلان العمرة بترك الاحرام من الميقات عمدا انما هو إذا كانت متعة للحج، وأما إذا كانت مفردة فلا تبطل بترك الاحرام لها من ميقات مربها، بل يكفي الاحرام لها من ادنى الحل وان أمكن الرجوع إلى ميقات اهله فانه ميقات اختياري للعمرة المفردة على الاصح.

وظاهر عبارة الشرائع بطلان الاحرام من غير الميقات ولو للعمرة المفردة إذا تركه من الميقات عمدا، وصرح به بعض الاصحاب، وقيل يحرم تأخير الاحرام عن الميقات عمدا ويأثم به إذا كانت العمرة مفردة، وأما بطلانها وعدم جواز الاحرام لها من غيرها فلا يستفاد من الادلة.

وقال في الجوهر: يمكن صرف ظاهر عبارة الشرائع وغيره

(1) الوسائل ج 8 الباب 6 من ابواب المواقيت الحديث 3.


238

إليه ايضا.

(فروع) (الاول) لو كان شاكا في وجوب الاحرام من الميقات وعدمه وترك الاحرام منها ثم علم به فحكمه حكم الناسي والجاهل لا العامد، فان امكنه الرجوع إلى ميقات اهل ارضه يرجع ويحرم منها، والا فيرجع بما يقدر عليه، وان لم يتمكن من الرجوع اصلا فيحرم من مكانه.

لصحيحة معاوية بن عمار الواردة في امرأة طمثت وكانت مع قوم فسألتهم فقالوا: ما ندرى اعليك احرام أم لا، فتركوها حتى دخلت الحرم.

قد تقدمت الرواية بطولها فليراجع (1).

(الثاني) لو أخر الاحرام من الميقات عمدا وكان مستطيعا للحج ولم يتمكن من العود إلى الميقات والاحرام منها فحجه باطل، ويجب عليه ان يأتي بحجة في القابل، واما إذا لم يكن مستطيعا للحج أو اتى بحجه الواجب من قبل، فهل يجب عليه في العامالقابل الحج أم لا بل اثم بترك الاحرام فقط؟ وجهان، فعن الشهيد في المسالك ان من دخل الحرم وجب أن يحرم الا في موارد، فلو ترك عمدا يجب عليه ان يقتضى، وخالفه جماعة من العلماء بعدم الدليل على ذلك وهو المطابق للقواعد والمساعد للدليل.

(1) الوسائل ج 8 الباب 14 من ابواب المواقيت الحديث 4.


239

(الثالث) لو نسي الاحرام ولم يذكره حتى أكمل المناسك كلها وطاف وسعى، قيل يقضي حجه، وهو المحكي عن ابن ادريس وقيل يجزيه، وهو المنسوب إلى الاصحاب وادعي عليه الشهرة العظيمة والمروي أيضا.

عن جميل بن دراج عن بعض اصحابنا عن أحدهما عليهما السلام في رجل نسي أن يحرم أو جهل، وقد شهد المناسك كلها وطاف وسعى.

قال: تجزيه نيته، إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه وان لم يهل (1).

فهل مورد السوال في الرواية نسيان التلبية أو لبس الثوبين بقرينة قوله (لم يهل) بناءا على أن الاهلال انما هو بالتلبية، أو نسيان اصل الاحرام كما هو الظاهر من نسيان الاحرام.

والظاهر أن ظهور قوله (نسي ان يحرم) في نسيان أصل الاحرام ليس بأقوى من ظهور قوله (ان كان قد نوى ذلك) في نسيان التلبية ولبس الثوبين، خصوصا بعد الحاق الجهل بالنسيان في الحكم، لعدم تمشي النية مع الجهل فعلى هذا فالمراد من النية اما العزم السابق على الاحرام كما عن الشيخ في النهاية، أو نية جميع اجزاءالحج كما عن بعض الاصحاب لئلا يكون عامدا للترك.

وعن ابن ادريس ما ملخصه: ان الاعمال بالنيات، وهذا عمل بلا نية، فيبطل لعدم القصد حين العمل، وليس من دأبه العمل

(1) الوسائل ج 8 الباب 20 من ابواب المواقيت الحديث 1.


240

بخبر الواحد.

أما قول الشيخ فهو صحيح على مبناه من كفاية الداعي أو العزم السابق ولا يصدق الترك عمدا، ولكن لا يناسبه عطف الجهل على النسيان، لعدم تحقق العزم والداعي من الجاهل بالحكم، ولعل الشيخ فرض المسألة في الناسي بناءا على أن المراد من قوله (نوى ذلك) نية جميع أجزائه الحج كما في الجواهر، فتحقق حينئذ العزم السابق والداعي في الجاهل أيضا.

وأما حمل النية في قوله (نوى ذلك) على النية الفعلية عند الميقات قبل الاحرام فلا يناسب النسيان، إذ لا يتحقق النسيان مع النية فعلا في الميقات قبل الاحرام.

(الرابع) لو ترك الاحرام ونسي ولم يتذكر الا في اثناء الاعمال فهل حكمه حكم من تذكر بعد الفراع عنها أم لا.

يمكن الفرق بينهما بما ورد في المرسلة من التقييد بقوله عليه السلام (وقد شهد المناسك كلها) وقوله (وقد تم حجه) إذا الظاهر ان الحكم متوجه إلى من فرغ عن الاعمال كلها.

(الخامس) بناءا على اعتبار تمامية الحج والفراغ عن المناسك كلها في الحكم بالصحة إذا ترك الاحرام نسيانا، فلو تذكر بعد اتماممناسك الحج وقبل طواف النساء فهل يحكم بالصحة لتمامية المناسك واعمال الحج وان لم تحل له النساء أو يحكم بالبطلان لعدم الفراغ عن جميع الاعمال التي يؤتى بها في الحج وطواف النساء ايضا


241

من جملتها؟ وجهان، بل قولان.

يمكن الاستدلال للاول بقوله عليه السلام (فقد تم حجه)، إذ لا دخل لطواف النساء في تمامية الحج، بل هو واجب مستقل آخر لحلية النساء.

ولكنه ايضا مشكل، ومقتضى القاعدة البطلان، فان الحج بجميع اجزائه وشرائطه من الاحرام وغيره إلى أن يحل للمحرم جميع ما حرمه على نفسه بالاحرام له، عمل واحد.


242

المقصد الثالث (في افعال الحج ومناسكه) ( منها ) الاحرام.

ولابد قبل البحث في الاحكام المتعلقة به من بيان حقيقة الاحرام وهو لغة جعل الشئ حراما على النفس، واما اصطلاحا فالظاهر أن المقصود منه تحريم المحرمات على النفس بمعنى جعلها حراما على نفسه، بتوطين النفس والالتزام على تركها، أو تشريع التحريم على نفسه، كما في قوله تعالى ( الا ما حرم اسرائيل على نفسه )، فيتعلق عليه الحرمة حينئذ شرعا.

نظير النذر لترك الشئ الذى يجب على الناذر تركه بالتزامه له بالنذر، فيكون تحريمه على نفسه التزاماموضوعا للتحريم شرعا، كما هو الظاهر من قول الصادق عليه السلام فيما رواه معاوية بن عمار عنه في كيفية الاحرام حيث قال (ع): وتقول (أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخ


243

وعصبي من النساء والثياب والطيب) (1).

ومثله ما رواه ابن سنان وابو بصير عن الصادق عليه السلام (2).

والحاصل ان التأمل في الروايات المتعرضة لكيفية الاحرام يوجب ظنا قويا بأن حقيقة الاحرام هو تحريم المحرمات على النفس بناءا، أي اعتبار تحريم المحرمات عليها.

ولعل هذا هو المراد من قول السيد في العروة في المسألة (26) من احكام المواقيت: بل هو البناء على تحريمها على نفسه انتهى.

فان البناء على تحريم شئ على النفس ليس الا التحريم البنائى الاعتباري.

وما ذكرناه هو الظاهر من الصدوق في المقنع والمفيد في المقنعة والشيخ في النهاية والمراسم، حيث ذكروا في بيان التلفظ بالنية ما ذكر في تلك الروايات (احرم لك شعرى) الخ، والظاهر انه يعتبر عندهم التلفظ بما ذكر في نية الاحرام.

وأوضح العبارات في المقام فيما اخترناه من معنى الاحرام عبارة الغنية حيث تعدى فيها عما ذكر في الروايات إلى سائر المحرمات وقال بعد ما اعتبر تعيين نوع الحج والعمرة: يقول المحرم (أحرم لك لحمي ودمي وشعري وبشري عن النساء والطيب والصيد وكل محرم على المحرمين، ابتغي بذلك وجهك والدار الاخرة) انتهى.

(1) الوسائل ج 9 الباب 16 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(2) الوسائل ج 9 الباب 52 من ابواب الاحرام الحديث 2.


244

إذا الظاهر من ذكر هذا الدعاء أن الاحرام عنده عبارة عن تحريم المحرمات على نفسه قربة إلى الله تعالى، تلفظ به أو نوى ذلك من دون التلفظ.

وفى كشف الغطاء: ان حقيقة الاحرام عبارة عن حالة تمنع عن فعل شئ من المحرمات المعلومة، ولعل حقيقة الصوم ايضا كذلك فهما عبارة عن المحبوسية عن الامور المعلومة، فيكونان غير القصد والكف والترك والتوطين، فلا يدخلان في الافعال ولا الاعدام، بل هما حالتان متفرعتان عليهما، ولا يجب على المكلفين من العلماء فضلا عن العوام الاهتداء إلى معرفة الحقيقة، والا لزم بطلان عبادة اكثر العلماء وجميع العوام - انتهى.

والظاهر أن مقصوده من الحالة التي تمنع عن المحرمات، الحالة النفسانية التي تتولد منها التروك المذكورة، نظير ملكة العدالة وتلك الحالة تحدث في النفس بعد العزم والتوطين على ترك المحرمات، وكذا تحدث بعد البناء على تحريم المحرمات على النفس احيانا.

ولكن ما هو الظاهر من كلمات العلمات وكذا من الاخبار أن الاحرام فعل من أفعال الحج، ويجب على المكلف ايجاده في الخارج، لا أنه حالة نفسانية يجب عليه الاتصاف بها.

وأما ما ذكره من أنه لا يجب على المكلفين الاهتداء إلى معرفة الحقيقة، ففيهايضا انه كيف يجب على المكلف، ما لا يتصوره ولا يعلمه ولو اجمالا


245

وكيف يقصده ويأتي به.

وفي المستند: لا نسلم ان الاحرام غير التلبس بأحد النسكين والشروع فيه مطلقا أو بما يحرم محظورات الحج والعمرة من اجزائهما، فهو لفظ معناه احد الامرين، لا انه امر آخر وجزء مأمور به بنفسه من حيث هو انتهى.

ومراده بما تحرم محظورات الحج والعمرة من اجزائهما، اما خصوص التلبية أو مع لبس الثوبين، أو هما مع نية الحج أو العمرة ولكنه خلاف ما يترائى ويستظهر من قوله عليه السلام فيما رواه ابوالمعزا عن ابى عبد الله عليه السلام: ان الله جعل الاحرام مكان القربان (1).

وما وراه الصدوق مرسلا عن النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام: انه وجب الاحرام لعلة الحرم (2).

وعن ابى عبد الله عليه السلام على ما في العلل: حرم المسجد لعلة الكعبة وحرم الحرم لعلة المسجد ووجب الاحرام لعلة الحرم (3).

فان الظاهر منها أن الاحرام غير مجرد الدخول والشروع في الحج، وان كان جزأ منه وانه عنوان انشائي يتحقق بالمجموع من لبس الثوبين والنية والتلبية، أو يتحقق بالتلبية بعدهما، ويساعده العرف أيضا، فان المحرمية عند الناس شئ يعتبره العقلاء، وقد خاطبهم الله بقوله ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم وقوله ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم وقوله (حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما).

(1 و 2 و 3) الوسائل ج 9 الباب 1 من ابواب الاحرام الحديث 1 - 3 - 5


246

فيعلم من مخاطبتهم أن عنوان المحرم عندهم انما كان معلوما بينهم ومرتكزا في أذهانهم، واما كونه حالة نفسانية أو عبارة عن نفس التروك أو العزم عليها أو التوطين للترك، خلاف ما هو الظاهر عندهم والمعروف بينهم.

وبالجملة الاظهر ان الاحرام امر انشائي يوجده المحرم بتحريم المحرمات على نفسه وان كان لا يؤثر في التحريم قبل التلبية، كما هو المستفاد من المحقق في الشرائع حيث قال في بيان كيفية الحج: فصورته أن يحرم من الميقات للعمرة.

إلى ان قال ثم ينشئ احراما آخر للحج من مكة.

الظاهر في ان الاحرام امر انشائي، وقد عبر بمثل ذلك في التحرير والسرائر.

وقال بعض الاعاظم في تعليقته على العروة: ان الاحرام من العناوين القصدية لا يمكن تحققه بدون القصد إليه.

ولا ينافى ما ذكرناه قولهم في كيفية الاحرام: ان واجباته ثلاثة النية ولبس الثوبين والتلبية، وكذا قولهم: ان الاحرام مركب من النية ولبس الثوبين والتلبية أو الاشعار والتقليد، فان وجوب تلك الامور في الاحرام لا يلازم كونه عبارة عن تلك الامور لا غيرها بل يدل على ان الاحرام بأي معنى كان لا يصح بدونها.

واما كونه مركبا من الامور المتقدمة انه لا يحكم شرعا بتحريم المحرمات الا بعد الامور المذكورة من النية ولبس الثوبين والتلبية أو الاشعار والتقليد، ولا يكفي مجرد انشاء التحريم من


247

المحرم، بل يحتاج في ترتب الاثر على انشائه شرعا إلى التلبية أو الاشعار.

هذا ما هو المحقق في معنى الاحرام، واما ما هو الواجب فيه والمندوب والمكروه فيأتى في ضمن مسائل.

(المسالة الاولى): يستحب الغسل قبل الاحرام كما هو المشهور بل ادعي الاجماع عليه، بل لم يعرف الخلاف الا من ابن عقيل الذى قال بوجوبه، ولكن لا يعتنى بخلافه.

وتدل عليه النصوص الكثيرة المتواترة، واصل الحكم مما لا كلام فيه وانما هو فيما إذا لم يجد الماء فهل يجوز التيمم ام لا، قد يقال بالجواز كما عن الشيخ في محكي المبسوط وابن البراج ولعل نظره إلى ما ورد من أن رب الماء ورب التراب واحد يكفيك عشر سنين، إذ يقتضي اطلاقه ان التراب يقوم مقام الماء في كل ما يشترط فيه الطهارة.

لكن الظاهر من الادلة الواردة في المقام ان الغسل قبل الاحرام انما هو النظافة وازالة الخبث والدرن من الجسد وتحصيل النشاط ولو لم يكن المحرم محدثا بحدث اصغر أو اكبر بل كان متطهرا فتشريع التيمم عند عدم وجدان الماء لا يشمل المورد، بل هو مخالف للنظافة ايضا، بل شرع الغسل ايضا للحائض التى لا مورد لتيمم فيها.

مضافا إلى أن الاية الكريمة الدالة على تشريع التيمم، انما


248

وردت فيما يكون المكلف محدثا باحد الحدثين ولم يجد ماءالرفع الحدث، فحينئذ يشرع له التيمم بدلا عن الطهارة المائية لاداء ما عليه من التكليف المشروط فيه الطهارة، واما كونه بدلا عن كل غسل مشروع ولو لم يكن واجبا بل كان لايجاد النظافة كما في المقام فلا يستفاد من الاية كما هو واضح لمن تأمل في قوله تعالى (وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء احد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) (1) وكذا في الاخبار الواردة في المقام (2).

وبالجملة أدلة تشريع التيمم بدلا عن الطهارة المائية عند عدم وجدان الماء يشكل شمولها للمورد، خصوصا مع العلم بحكمة تشريع الغسل قبل الاحرام.

نعم لا مانع من التيمم رجاء أو تقديم الغسل على الميقات إذا خاف عدم وجدان الماء فيها كما يأتي.

(المسألة الثانية) يجوز تقديم الغسل على الميقات إذا خاف عدم وجدان الماء فيها، وادعى عليه الاجماع وعدم الخلاف كما عن المدارك والذخيرة.

ويدل عليه صحيح هشام بن سالم قال: ارسلنا إلى ابى عبد الله عليه السلام ونحن جماعة ونحن بالمدينة انا نريد ان نودعك.

فارسل الينا ان اغتسلوا بالمدينة فانى اخاف ان يعز الماء عليكم بذى الحليفة

(1) سورة النساء الاية 43.

(2) وعن التذكرة ان هذا الغسل غسل مشروع ينوب عنه التيمم كالواجب.


249

فاغتسلوا بالمدينة والبسوا ثيابكم التي تحرمون فيها ثم تعالوا فرادى أو مثانى (1).

(المسألة الثالثة) لو أكل المحرم ما لا يجوز اكله أو لبس ما لا يجوز لبسه بعد الغسل قبل الاحرام اعاده استحبابا، كما في رواية علي بن ابى حمزة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اغتسل للاحرام، ثم لبس قميصا قبل ان يحرم.

قال: قد انتقض غسله (2).

ورواية معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا لبست ثوبا لا ينبغي لك لبسه أو اكلت طعاما لا ينبغي لك اكله فاعد الغسل (3).

(المسألة الرابعة): يجزى غسل أول الليل ليلته وأول النهار ليومه، كما في رواية هشام بن الحكم عن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: غسل يومك ليومك وغسل ليلتك لليلتك (4).

وعن سماعة بن مهران عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من اغتسل قبل طلوع الفجر وقد استحم قبل ذلك ثم احرم من يومه اجزاؤه غسله.

(5)

(1) الوسائل ج 9 الباب 8 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(2) الوسائل ج 9 الباب 11 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(3) الوسائل ج 9 الباب 12 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(4) الوسائل ج 9 الباب 9 من ابواب الاحرام الحديث 2.

(5) المصدر الباب 9 من ابواب الاحرام الحديث 5.


250

(المسألة الخامسة): لو أحرم قبل الغسل أو الصلاة ثم ذكره يتدارك ما تركه من الغسل والصلاة ويعيد الاحرام استحبابا كما في الصلاة المعادة، وكما فيمن نسي الاذان والاقامة ودخل في الصلاة، فانه يستحب له قطع الصلاة ما لم يركع واعادتها بالاذانومثله الوضوء بعد الوضوء.

وأجاب

في المختلف عن ذلك

بالفرق بين الموضعين بقبول الصلاة الابطال، دون الاحرام فلا يمكن اعادته.

ويمكن ان يقال: انه إذا كان الاحرام عبارة عن حالة مخصوصة وأمر معنوي يحصل بالافعال المأتي بها حين الاحرام من لبس الثوبين والتلبية فلا يمكن اعادته ولا ابطاله، فانه لا يبطل ولا يزول الا بما جعله الشارع موجبا للاحلال ومزيلا لذلك الامر المعنوي الحاصل بالافعال المخصوصة في وقت معين، فلا معنى لاستحباب الاعادة، بل لا يتصور اصلا.

الا ان يقال: ان الاحرام عبارة عن نفس تلك الافعال من لبس الثوبين والتلبية والغسل والصلاة، فعلى هذا لا مانع من اعادة الاحرام بتكرار الاعمال السابقة ويصح قياسه بالصلاة المعادة ايضا ويصح اعادته ويكون تبديل الامتثال بامتثال آخر، بل يمكن القول بصحة اعادة الاحرام بناءا على كونه امرا معنويا حاصلا من الافعال ايضا بعد دلالة الدليل عليه، كما في اعادة الوضوء بعد الوضوء، إذ لا اشكال في أن الوضوء أمر معنوى يحصل من الافعال الخارجية من المسحتين والغسلتين يعبر عنه بالطهارة، وهي باقية


251

بعد تحققها إلى أن يزيلها مزيل ويبطلها مبطل، ولا يمكن اعادتها لكونه تحصيل الحاصل.

ومع ذلك وردت روايات في استحباب اعادته وأن الوضوء على الوضوء نور على نور، فكذلك الاحرام بعد الاحرام، فانه بعد دلالة الدليل على استحباب اعادته بالغسل والصلاة، يستكشفاشتداد الامر المعنوي الحاصل بالاحرام السابق، باعادته ثانيا ويكون نورا على نورو ضياء فوق ضياء.

عن الحسن بن سعيد قال: كتبت إلى العبد الصالح ابى الحسن عليه السلام: رجل احرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلا أو عالما، ما عليه في ذلك وكيف ينبغى له ان يصنع؟ فكتب: يعيده (1).

وحمل الرواية على الندب بقرينة قوله (كيف ينبغي له أن يصنع) وهو المفروغ عنه بين الاصحاب ايضا.

ومن مندوبات الاحرام ان يقع بعد الصلاة فريضة كانت أو نافلة.

قال المحقق في الشرائع يحرم عقيب فريضة الظهر أو فريضة غيرها وان لم يتفق صلى للاحرام ست ركعات، وأوسطه أربع ركعات، وأقله ركعتان انتهى.

يظهر من النصوص الواردة في الباب أن وقوع الاحرام بعد الصلاة واجب لا انه ندب، واختاره الاسكافي.

(1) الوسائل ج 9 الباب 20 من ابواب الاحرام الحديث 1.


252

واستشكل بأن الاصل يقتضي البراءة من الوجوب، ولكنه غير وارد، إذ لا مورد للاصل بعد ظهور الاخبار في الوجوب لانه دليل حيث لا دليل، وكذا لو قلنا ان الاحرام أمر معنوي وحالة خاصة متحصلة للمحرم باتيان الافعال المحصلة له، فإذا شك في اعتبار شى واشتراطه في الاحرام وحصول هذا الامر المعنوي، يكون شكا في المحصل، والقاعدة في ذلك المورد واشباهه تقتضيالاشتغال والاتيان بالمشكوك لا البراءة منه، فالتمسك بالبراءة في المقام غير تام.

وما هو المهم في الجواب عن القائل بوجوب ايقاع الاحرام بعد الصلاة كالاسكافي وغيره، ان النصوص الواردة في المسألة وان كانت ظاهرة في الوجوب وانه يشترط ان يقع الاحرام بعد الصلاة الا أن الاصحاب عدا من عرف حسبه ونسبه أجمعوا على أنه غير واجب، بل هو مستحب ومندوب.

وهذا الاتفاق مع كون تلك الاخبار بمرأى ومسمع منهم وبين ايديهم تراها اعينهم وتسمعها آذانهم، يوجب الضعف فيها وان كانت صحيحة، بل كلما ازدادت صحة وقوة ازدادت ضعفا، لاعراض الجهابذة من الفقهاء عنها، وعدم الافتاء بظاهرها.

وعلى كل حال ينبغي التعرض لذكر الاخبار والتفقه فيها: عن الصادق عليه السلام: خمس صلوات لا تترك على حال:


253

إذا طفت بالبيت، وإذا أردت ان تحرم الخبر (1).

وفى صحيحته الاخر عنه عليه السلام: لا يكون الاحرام الا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة، فان كانت مكتوبة احرمت في دبرها بعد التسليم، وان كانت نافلة صليت ركعتين وأحرمت في دبرهما (2).

وفى رواية أخرى له أيضا عن ابى عبد الله عليه السلام قال: صل المكتوبة ثم أحرم بالحج أو بالمتعة (3).

ورواية ابى الصباح الكنانى قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ارأيت لو أن رجلا أحرم في دبر صلاة مكتوبة أ كان يجزيهذلك.

قال: نعم (4).

ورواية عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: واعلم أنه واسع لك أن تحرم في دبر فريضة أو نافلة أو ليل أو نهار (5).

ورواية ادريس بن عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي بعض المواقيت بعد العصر كيف يصنع؟ قال: يقيم إلى المغرب.

قلت: فان ابى جماله أن يقم عليه.

قال: ليس له أن يخالف السنة.

قلت: أله ان يتطوع؟ قال: لا بأس به ولكني اكرهه للشهرة وتأخير ذلك احب الي.

قلت: كم اصلي إذا تطوعت؟

(1) الوسائل ج 9 الباب 19 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(2) الوسائل ج 9 الباب 16 من ابواب الاحرام الحديث 1 - 5.

(3) الوسائل ج 9 الباب 18 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(4) الوسائل ج 9 الباب 18 من ابواب الاحرام الحديث 2.

(5) الوسائل ج 9 الباب 18 من ابواب الاحرام الحديث 3.


254

قال: اربع ركعات (1).

ورواية ابن فضال عن ابى الحسن عليه السلام في الرجل يأتي ذا الحليفة أو بعض الاوقات بعد صلاة العصر أو في غير وقت صلاة قال: لا ينتظر حتى تكون الساعة التى يصلي فيها، وانما قال ذلك مخافة الشهرة (2).

والجملة الاخيرة يمكن ان تكون كلام ابن فضال ويمكن كونها من الصدوق، ودلالة هذه الرواية على عدم الوجوب أظهر كما لا يخفى.

وعن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: تصلى للاحرام ست ركعات تحرم في دبرها (3).

وعن صفوان عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا أردت الاحرام في غير وقت صلاة الفريضة فصل ركعتين ثم أحرم في دبرها (4).

فهذه جملة من الاخبار الواردة في المقام، وتجد غيرها في أبواب متفرقة.

وهى كما ترى تدل على وجوب ايقاع الاحرام بعد الصلاة فريضة كانت أو نافلة.

(1) الوسائل ج 9 الباب 19 من ابواب الاحرام الحديث 3.

(2) الوسائل ج 9 الباب 19 من ابواب الاحرام الحديث 4.

(3) الوسائل ج 9 الباب 18 من ابواب الاحرام الحديث 4.

(4) الوسائل ج 9 الباب 18 من ابواب الاحرام الحديث 5.


255

قد يقال: انها لا تدل على الوجوب لاختلاف المضامين فيها ففي بعضها (يصلي ست ركعات) وفى أخرى (ركعتين) وفى ثالثة ( بعد الفريضة ) وهذه الاختلافات شاهدة على عدم اعتبار الصلاة في الاحرام.

لكن الاشكال غير وارد، فانها وان كانت مختلفة المضامين من جهة الفريضة والنافلة وعدد الركعات، الا أن الجميع متفق في اعتبار وقوع الاحرام بعد الصلاة ولا اختلاف فيه، وانما الاختلاف في كيفية هذه الصلاة وكميتها، فأصل الصلاة معتبر في الاحرام ولا شبهة فيه ولا اشكال، ولا يضره الاختلاف في الكمية والكيفية فريضة كانت أو نافلة ست ركعات أو اقل منها.

انما الاشكال في أن العلماء والفقهاء لم يفتوا بالوجوب عدا الاسكافي المعلوم حاله، فعلى هذا تكون تلك الاخبار معرضا عنها من جهة الدلالة على الوجوب أو جهة الصدور.

وقد يقال: انه كيف يتصور أن تكون النافلة شرط لواجب.

وفيه: انه لا مانع من أن يكون الامر المندوب شرطا لواجب لولا كونه شرطا لكان نفلا وندبا، وأما نظرا إلى كونه شرطا يكون واجبا من جهة الشرطية للغير، كما إذا قيل الوضوء بالماء البارد افضل، فان هذا الفرد من الماء مع كونه افضل الافراد ومندوبا يقع شرطا لواجب ولا حذر في ذلك.

ثم ان المقصود من كلام المحقق (يحرم عقيب فريضة الظهر أو فريضة غيرها وان لم يتفق يصلي للاحرام ست ركعات) أن يقع


256

الاحرام بعد الفريضة من دون أن يأتي بنافلة الاحرام، أو أن المراد أن يأتي المحرم بست ركعات أو أربع أو ركعتين للاحرام ثم يصلي الفريضة ويحرم بعدها.

وجهان.

وقد اتفق اكثر عبارات الاصحاب أن كلامه قاصر عن افادة المراد، قال في المسالك: المقصود انه يصلي ست ركعات للاحرام ثم يصلي الظهر ويحرم في دبرها.

واورد عليه في المدارك وقال: لا وجه لحمل كلام المصنف على ذلك وشدد على من قال بقصور العبارة عن تأدية المراد، واختار نفسه سقوط نافلة الاحرام إذا اتفق وقت الفريضة وحمل عبارة المحقق ايضا على ذلك ونقل الجواهر عن محكي المبسوط والنهاية عدم سقوط النافلة للاحرام، بل يقدمهاعلى الفريضة ثم يصلي الفريضة ويحرم دبرها.

وهو أيضا مختاره، بل ادعى صراحة العبارة في ذلك.

وذيل عبارة المحقق يدل على ان نافلة الاحرام لا يسقط إذا اتفق وقت الفريضة بل يقدم على الفريضة ست ركعات أو اربع ركعات أو ركعتين ثم يأتي بالفريضة ويحرم دبرها، لا ان النافلة تسقط.

ويدل على ما ذكرناه قول الصادق عليه السلام في حديث معاوية بن عمار: خمس صلوات لا تترك على حال إذا طفت بالبيت وإذا أردت ان تحرم الخبر (1).

(1) الوسائل ج 9 الباب 19 من ابواب الاحرام الحديث 1.


257

والحاصل انه وقع الخلاف بين الاعلام في ان نافلة الاحرام إذا اتفق وقت الفريضة هل يسقط ام لا؟ قيل يسقط كما اختاره المسالك واختار جماعة عدم السقوط كما هو المحكي عن المبسوط والمقنعة والتذكرة والنهاية، واختاره صاحب المدارك والجواهر.

وقد يستدل للقول الثاني بالروايات الخاصة واخرى بالعمومات: اما الاولى مثل ما في الفقه المنسوب إلى ابى الحسن الرضا عليه السلام قال: فان كان وقت صلاة فريضة

فصل

هذه الركعات قبل الفريضة ثم صل الفريضة.

وروى ان افضل ما يحرم الانسان في دبر صلاة الفريضة ثم احرم في دبرها ليكون افضل (1).

وهذا كما ترى صريح في لزوم الاتيان بالنوافل قبل الفريضة، وان نافلة الاحرام لا تسقط إذا اتفقت وقت الفريضة، بل يأتي بهاقبلها ثم يأتي بالفريضة ويحرم دبرها ليكون افضل.

ولكن الاشكال في انه فقه الرضا وحده لا يكون دليلا وحجة، وان قال صاحب الحدائق كثيرا ما يعتمد العلماء عند ما لم يجدوا نصا على فقه الرضا عليه السلام.

واما الثانية فمنها صحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام: خمس صلوات لا تترك على حال: إذا طفت بالبيت، وإذا اردت ان تحرم (2).

(1) المستدرك الباب 13 من ابواب الاحرام الحديث 2.

(2) الوسائل ج 9 الباب 19 من ابواب الاحرام الحديث 1.


258

وهي باطلاقها تدل على مشروعية نافلة الاحرام، سواء وافقت وقت الريضة أو لم تكن في وقتها.

ومنها صحيحة ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام: خمس صلوات تصليها في كل حال، منها صلاة الاحرام (1).

ومنها صحيح عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: واعلم انه واسع لك ان تحرم في دبر فريضة أو نافلة أو ليل أو نهار (2).

ومنها ما تقدم من رواية محمد بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لا يكون الاحرام الا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة فان كانت مكتوبة أحرمت في دبرها بعد التسليم، وان كانت نافلة صليت ركعتين واحرمت في دبرهما (3).

الظاهر من الرواية أنه لو اتفق الاحرام وقت الفريضة يحرمعقيبها، وتدل بضميمة الاخبار المتقدمة الدالة على أن نافلة الاحرام لا تسقط على حال، على أن النافلة التى شرعت للاحرام يؤتى بها قبل الفريضة ثم يصلى المكتوبة ويحرم دبرها.

ويشعر بما ذكرناه قول الصادق عليه السلام في رواية معاوية ابن عمار: إذا أردت الاحرام في غير وقت الفريضة فصل ركعتين

(1) المصدر ج 9 الباب 19 من ابواب الاحرام الحديث 2.

(2) الوسائل ج 9 الباب 18 من ابواب الاحرام الحديث 3.

(3) الوسائل ج 9 الباب 16 من ابواب الاحرام الحديث 1.


259

ثم أحرم في دبرها (1).

والمفهوم من الرواية أن الاحرام بعد الركعتين انما هو إذا وقع في غير وقت الفريضة، وأما إذا اتفق وقت الفريضة فيأتي بالركعتين ثم بالفريضة ويوقع الاحرام بعدها.

ولا يعارض ما اخترناه صحيح معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لا يكون الاحرام الا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة فان كانت مكتوبة أحرمت في دبرها بعد التسليم، وان كانت نافلة صليت ركعتين (2).

بدعوى ان الظاهر منها أن الاحرام لابد أن يقع بعد المكتوبة أو النافلة، وأما الجمع بينهما خلاف ما هو الظاهر منهما.

وذلك لان المترائى والتبادر من الرواية ان الاحرام لابد من وقوعه بعد الصلاة اما المكتوبة أو النافلة على طريق منع الخلو، وأما الجمع بينهما بأن يصلي النافلة ثم المكتوبة ويوقع الاحرامفلا يستفاد منها منعه وعدم جوازه إذا اتفق وقت الفريضة، ولا تعارض الاخبار المتقدمة الدالة على أن نافلة الاحرام لا تسقط على حال.

فتحصل من جميع ما ذكرناه ان الاحرام شرع قبله ست ركعات أو أربع أو ركعتان، ولا يسقط على كل حال، غاية الامر انه إذا لم يتفق وقت الفريضة يأتي بالنافلة ويحرم دبرها، وأما إذا

(1) الوسائل ج 9 الباب 18 من ابواب الاحرام الحديث 5.

(2) الوسائل ج 9 الباب 16 من ابواب الاحرام الحديث 1.


260

صادف وقت الفريضة فالافضل أن يأتي بالنافلة اولا ثم يصلي الفريضة ويقع الاحرام دبرها ليكون تبعا لها ومتصلا بها، فان ذلك أفضل أفراد الاحرام على ما في الروايات.

واستدل صاحب المستند على عدم سقوط النافلة برواية معاوية ابن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم التروية انشاء الله تعالى فاغتسل ثم البس ثوبيك وادخل المسجد حافيا وعليك السكينة والوقار، ثم صل ركعتين عند مقام ابراهيم أو في الحجر ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة ثم قل في دبر صلاتك الخبر (1).

بناءا على أن المراد من الركعتين ركعتا الاحرام لا التحية للمسجد، وانه لا فرق بين احرام العمرة وبين احرام الحج ولكنه لا يخلو من وجه.

ثم انه لا فرق في وقت الاحرام من جهة الوقت ليلا كان أو نهارا قبل الظهر أو بعده، وان كان الجميع مشتركا في أن يوقع الاحرامدبر الصلاة الا أنه من جهة الوقت في فسحة وسعة كما في رواية معاوية بن عمار (لا يضرك ليلا أحرمت أو نهارا) (2).

ورواية عمربن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام: واعلم أنه واسع لك ان تحرم في دبر فريضة أو نافلة أو ليل أو نهار (3).

(1) الوسائل ج 9 الباب 1 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(2) الوسائل ج 9 الباب 15 من ابواب الاحرام الحديث 4.

(3) الوسائل ج 9 الباب 15 من ابواب الاحرام الحديث 2.


261

ولكن أفضل أوقاته كما قيل الظهر، لان رسول الله صلى الله عليه وآله انما أحرم في ذلك الوقت، والتأسي به في كل أمر حسن.

ولكنه كما يظهر من بعض الاخبار أن احرام الرسول صلى الله عليه وآله في ساعة الظهر انما كان لعدم وجدان الماء في غير تلك الساعة وكان هو السبب في التأخير لا غير، فلا يستفاد منه أفضلية وقت الظهر، لان تأخيره صلى الله عليه وآله الاحرام إلى الظهر انما كان لامر طبيعي عرفى لا لامر شرعي معنوي عبادي.

عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته أ ليلا أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله أم نهارا؟ قال: نهارا.

فقلت: أي ساعة.

قال: صلاة الظهر.

فسألته: متى ترى ان نحرم؟ قال: سواء عليكم، انما احرم رسول الله صلاة الظهر لان الماء كان قليلا كان في رؤوس الجبال فيهجر إلى مثل ذلك من الغد، ولا يكاد يقدرون على الماء، وانما احدثت هذه المياه حديثا (1).

اللهم أن يقال: ان التأسي بالرسول في كل أمر ولو كان طبيعياعاديا حسن يحبه أهل بيته وورثة علمه وحفظة دينه، كما ورد فيما رواه معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام في حديث، بين فيه شطرا من آداب الاحرام إلى أن قال: ولكن فراغك من ذلك انشاء الله عن زوال الشمس، وان لم يكن عند زوال الشمس فلا يضرك ذلك غير انى أحب أن يكون ذلك عن زوال الشمس (2).

(1 و 2) الوسائل ج 9 الباب 15 من ابواب الاحرام الحديث 5 - 6.


262

هذا كله في الاحرام من الميقات للعمرة أو الحج، وأما الاحرام للحج من مكة فيظهر من الروايات أن له أن يحرم في كل وقت حتى قبل صلاة الظهر، بل يظهر من بعض النصوص أن الفضل له أن يحرم قبل الظهر ويصلي الفريضة في منى، كما في مرسلة الكليني ورواها الصدوق عن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام، ويأتى أيضا في أحكام الحج انشاء الله.

(كيفية نافلة الاحرام)

ثم ان نافلة الاحرام ست ركعات أو أربع، وأقلها ركعتان.

قال المحقق: يقرأ في الاولى الحمد وقل يا ايها الكافرون، وفى الثانية الحمد وقل هو الله احد.

(وفيه رواية اخرى تدل على العكس.

وقال صاحب الجواهر والحدائق المتبحران في الاخبار: لم نقف فيها الا على خبر معاذ بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لا يدع أن يقرأ قل هو الله احد وقل يا أيها الكافرون في سبعة مواطن: في الركعتين قبل الفجر، وركعتي الزوال، وركعتين بعد المغرب، وركعتين في أول صلاة الليل، وركعتي الاحراموالفجر إذا أصبحت بها، وركعتي الطواف (1).

وهذه الرواية لا تدل على الترتيب، بل تدل على أن سورتي التوحيد والجحد ينبغي ان لا يتركا في تلك الصلوات التي فيها ركعتا

(1) الوسائل ج 4 الباب 15 من ابواب القرائة الحديث 1.


263

الاحرام ولا يستفاد الترتيب من ذلك.

اللهم الا أن يقال: ان ذكر التوحيد اولا والجحد ثانيا يشير إلى الترتيب بينهما، وهو غير واضح.

ولكن التهذيب بعد ذكر الرواية قال: وفى رواية أخرى: يبدأ في كل منها بقل هو الله احد الا في الركعتين قبل الفجر فانه يبدأ بقل يا أيها الكافرون ثم يقرأ في الركعة الثانية قل هو الله احد.

واشار إليها أيضا في الجواهر، وذكرها صاحب الوسائل بعد رواية معاذ بقوله: وفي رواية أخري.

(مسألة) هل الفريضة التي ينبغى أن يوقع الاحرام بعدها يشمل القضاء أو يختص بالاداء.

وجهان، الظاهر الثاني، فان المتبادر من الاخبار أن الاحرام إذا اتفق وقت الفريضة يصليها، ويحرم دبرها، وهذا ظاهر في وقت الاداء ولا يشمل القضاء.

(في

مكروهات الاحرام)

ويكره الاحرام في الثياب المصبوغة بالسواد أو بالعصفر وفى الثياب الوسخة وفى الثياب المعلمة.

ويكره الخضاب للمرأة إذا بقي أثره بعد الاحرام، ونسب ذلك إلى ظاهر الاكثر، وقيل انه حرام، والرواية الواردة في المقام وانكانت في المرأة الا أن الحكم شامل للرجل أيضا، فيكره الخضاب له قبل الاحرام ان بقي أثره بعده.


264

عن ابى الصباح الكناني عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن امرأة خافت الشقاق فارادت أن تحرم، هل تخضب يدها بالحناء قبل ذلك؟ قال: ما يعجبني أن تفعل.

ودلالة الرواية على الكراهة واضحة.


265

في واجبات الاحرام الواجبات في الاحرام ثلاثة: (الاول) النية، وهي أن يقصد امورا أربعة: ما يحرم به من حج أو عمرة متقربا إلى الله تعالى، ونوعه من تمتع وقران وافراد وصفته من وجوب وندب، وما يحرم له من حجة الاسلام أو غيرها.

لا اشكال ولا خلاف في وجوب النية، بل الاجماع عليه بقسميه ولا فرق في ذلك بين أن يكون الاحرام انشاء التحريم على نفسه كما في ايجاب البيع، أو التصميم والعزم على ترك المحرمات، أو يكون امرا معنويا متحصلا من الافعال المعتبرة عند الاحرام من لبس الثوبين والتلبية.

فعلى جميع التقادير يحتاج إلى النية عند الاحرام.

ولا ينعقد بدونها، خلافا لصاحب المستند حيث قال: ان التروك لا تحتاج إلى النية.

وفيه: ان الاحرام أمر عبادي يحتاج إلى القصد والتقرب


266

وليس أمرا توصليا كتطهير الثوب وغسل اليد الذي لا يحتاج فيامتثاله إلى النية وقصد التقرب.

وأما التعيين الذى اعتبرناه في الاحرام من كونه لحج أو عمرة فقد يقال انه لا يحتاج إلى التعيين.

ولا يشترط ذلك في انعقاد الاحرام بوجوه: (الاول) ان رسول الله صلى الله عليه وآله أهل بالحج ولم يعين شيئا، وكان ينتظر الوحي في ذلك.

وفيه: ان رسول الله صلى الله عليه وآله أحرم وساق معه الهدي، وظاهر ذلك أن احرامه كان للقران وكان قارنا، وبقي في احرامه حتى يبلغ الهدي محله.

(الثاني) ان عليا عليه السلام كان في حجة الوداع باليمن وأهل بالحج منه ولم يعين شيئا من العمرة ونوع الحج، وقال: اهلالا كاهلال رسول الله صلى الله عليه وآله.

وفيه: انه لم يثبت أنه عليه السلام

لم يكن عالما باحرام النبي صلى الله عليه وآله، بل كان عالما باحرامه واهل كاهلاله فالاستدلال به عين المدعى ومصادرة بالمطلوب.

(الثالث) من الوجوه: أن تعيين الحج أو العمرة ليس مما يعتبر بعد نية اصل الاحرام والقصد إليه وليس شرطا فيه، ولهذا لا يبطل الحج إذا تركه، بل له تجديد نية الحج أو العمرة قبل مضى الوقت وانقضائه، وليس هو الا مثل الطهارة المعتبرة في الصلاة في القصد


267

إلى أصل الطهارة ونفسها، ولا يعتبر أن ينوي المشروط بها، بل يكفي القصد إلى أصل الطهارة، وكذا الاحرام يكفي القصد إلىنفسه.

ولا يشترط في الطهارة ان ينوي الصلاة المشروط بها من صلاة واجب وندب.

وفيه: ان عدم بطلان الحج بترك التعيين، وجواز تجديده لو فرض صحته، وان لم نعثر على دليل هذا الدعوى، انما هو لدليل خاص، كما ورد في العدول في موارد خاصة ولا يلزم منه عدم الاحتياج إلى التعيين، واما التنظير بالطهارة المشروطة بها الصلاة فهو في غير محله.

(الرابع) انه يعلم من أخبار العدول من التمتع إلى الافراد، أن التعيين ليس شرطا، بل الاحرام أمر مستقل غير مرتبط بالحج أو العمرة، كما في الطهارة المشروطة بها الصلاة التي لا يعتبر فيها بعد نية أصل الطهارة تعيين الظهر أو العصر المشروط بها لانه واجب مستقل في القصد، فكذا الاحرام.

وفيه: ان دليل جواز العدول من نوع إلى نوع آخر لا يكون دليلا على عدم اشتراط التعيين، ولا يجعل الاحرام شيئا مستقلا كما ادعاه المستدل، بل هو دليل خاص في مورد خاص، ولا يكون دليلا وحجة لاحد الخصمين.

وقد يتمسك لعدم اشتراط التعيين للحج والعمرة وعدم لزوم ذلك في انعقاد الاحرام وصحته، باطلاقات الادلة الدالة على وجوب


268

الاحرام ولزومه من دون تقييد بتعيين ما يحرم به، ولو كان التعيين معتبرا وشرطا في صحة الاحرام وانعقاده، لكان المناسب ذكره والاشارة إليه أيضا.

وفيه: ان الادلة الواردة في المقام

لو لم تدل على جزئيته، وارتباطه بالحج والعمرة، فلا تدل على كونه مستقلا وواجبا نفسيا لوضوح انه بعد ما ثبت وجوبه واشتراط الحج به في ضمن وجوب سائر الاجزاء التي تدل عليه الاخبار يكون كسائر الاجزاء مربوطا بالحج ومرتبطا به ولا يعلم استقلاله لو لم يعلم خلافه، فاطلاق الادلة لو لم تدل على الجزئية والارتباط لا تدل على استقلاله.

واستدل ايضا على عدم وجوب التعيين بأصالة البراءة من الوجوب، بدعوى أن وجوب أصل الاحرام معلوم وثابت، وأما تقييده بالتعيين لما يحرم به فغير ثابت بل مشكوك، فالاصل يقتضي عدمه.

وفيه: ان الاصل لا مورد له في المقام، فان وجوب الاحرام معلوم لا شك فيه حتى يتمسك فيه بالاصل، وينفى بالبراءة، وانما المشكوك وجوب ارتباطه بما يحرم به، بأن ينوي الحج أو العمرة عند الاحرام.

وهذا ليس تكليفا زائدا تعبدا، بل التعيين لو كان واجبا انما يجب بحكم العقل بلزوم ارتباط الاجزاء بالمأمور به بالقصد إليه وتعيينه، إذا أراد الاتيان به، كما في سائر العناوين القصدية.


269

مثلا: لو أراد تعظيم رجل وقام لا يكون هذا القيام تعظيما له ولا يعنون بعنوان الاحترام الا بالقصد وربط القيام له.

مضافا إلى انه بعد تعلق الامر بالمأمور به المشتمل على اجزاء متعددة مختلفة إذا شك في أن الاتيان بالجزء المعلوم، من دون أن يربطه بالمأموربه ويقيده به، هل يجزي في اسقاط التكليف أم لا؟ تقتضي القاعدة الاشتغال لا البراءة.

وبعبارة اخرى وأوفى: ان الشك في المقام شك في الامتثال والمحصل بعد العلم بتعلق الامر بالمركب، والاصل حينئذ الاشتغال لا البراءة، إذ لا مجرى لاصل البراءة في هذا المورد، لعدم تمامية قبح العقاب بلا بيان، فان ما هو الواجب بيانه على الشارع أصل التكليف، وأما كيفية الامتثال للتكليف فليس وظيفته، وانما هو وظيفة حكم العقل.

ولا فرق في ذلك بين القول بكون الاحرام أمرا معنويا متحصلا من الافعال، وبين كونه انشاء التحريم أو توطين النفس على ترك المحرمات، لوضوع انه على كل تقدير يشك في أن المأمور به هل يتحقق ويمتثل امره إذا لم يعين ما يحرم به أو لا يمتثل، بعد العلم بوجوب الاحرام والشك في لزوم تقييده بما يحرم به، والقاعدة تقتضي الاشتغال، إذا الشك في المقام ليس في أنه نفسي أو غيري، كما لو أمر بنصب السلم وشك في انه للصعود إلى السطح أم لا حتى يقال ان الامر بالنصب معلوم وأما نصبه للصعود مشكوك والاصل


270

عدمه، فكذلك الاحرام معلوم وجوبه، واما تقييده بما يحرم به وتعيينه مشكوك والاصل عدمه.

ووجهه: ان وجوب التعيين في المقام من القيود العقلية التى يحكم العقل باعتباره، ولا يمكن نفيه بالبراءة أو اطلاق الادلة، كما في اخذ قصد القربة في متعلق الامر، ان قلنا انه بحكم العقل لابالجعل الثاني، كما ذكر مفصلا في دوران الامر بين التعبدي والتوصلي.

وبالجملة وجوب تعيين ما يحرم به عند الاحرام لازم، وتدل عليه ايضا الاخبار التي تدل على اعتبار نية التمتع والعمرة، كما في صحيح حماد بن عثمان تقول (اللهم انى أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج) (1).

وفى صحيح عبد الله بن سنان: إذا أردت الاحرام والتمتع فقل (اللهم اني أريد ما أمرت من التمتع بالعمرة إلى الحج) (2).

وفى رواية ابى الصلاح قال: أردت الاحرام بالمتعة فقلت لابي عبد الله عليه السلام كيف اقول: قال: تقول (اللهم اني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج) (3).

ويظهر من تلك الروايات ان لزوم تعيين ما يحرم به من حج أو عمرة انما كان مفروغا عنه عند العرف، بمعنى انهم لا يرون الحج

(1) الوسائل ج 9 الباب 17 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(2) الوسائل ج 9 الباب 16 من ابواب الاحرام الحديث 2.

(3) الوسائل ج 9 الباب 17 من ابواب الاحرام الحديث 2.


271

الا مركبا من احرام وسائر الافعال الواجبة فيه، لا بمعنى التعبد بوجوب الاحرام مستقلا، من غير ربط له بما يحرم به.

(في كفاية التعيين الاجمالي)

ثم انه بناءا على اعتبار التعيين لما يحرم به، لا يجب ان يعين مفصلا بل كيفي التعيين الاجمالي، اما بحصر المأمور به في فرد معين، فيقصد ما هو الواجب عليه، كما لو علم بترك احدى الصلاتينالظهر أو العصر، فيأتى باربع ركعات ناويا له ما في ذمته.

هذا إذا كانت الفريضة مشتركة بين فردين متحدين في جميع العنوان، واما لو كانت متفاوتة ومختلفة كما في القران والافراد فيجب التعيين بالتفصيل، فلو أحرم ولم يعين احدهما بطل.

هذا، واما قصد الوجوب والندب فليس معتبرا، بل يكفي قصد الامر وانقداح الداعي في النفس، وتحرك العضلات به، وبعث الامر إلى العمل.

فان قصد الوجوب والندب، فهو مما ذكره المتكلمون في ابحاثهم الكلامية، وأما الفقهاء فلا يعتبرونه بل يقولون بكفاية قصد الامر، الا إذا توقف التعيين على قصد الوجوب أو الندب، كما إذا نوى الاتيان بركعتين من دون قصد لفريضة الصبح أو نافلته، فانهما لا تكونان فريضة الصبح الا بالقصد لها، وكذا لا ينطبق عنوان النافلة عليهما الا بالقصد اياها.

نعم لا يشترط في النية والقصد الاخطار بالبال حين الشروع


272

والتلفظ به، بل يكفى الداعي المستمر إلى حين العمل إذا لم يكن غافلا عنه، بحيث لو سئل عنه يبقى متحيرا ولا يدري ما يصنع والا يجب عليه تجديد النية.

ثم انه لا يعتبر في الاحرام استدامة نية ترك المحرمات وعدم الاتيان بها بعد انعقاد الاحرام، كما يعتبر في الصوم بالنسبة إلى المفطرات، بل لا يضر نية قطع الاحرام وابطاله، كما يضر نية الافطار في الصوم، إذ ليس الاحرام كالصوم، حتى انه لو ارتكب محرما من تروك الاحرام يبقى الاحرام على حاله الا في بعضالمحرمات كما سيأتي تفصيله.

(فروع) وهنا فروع ينبغي الاشارة إليها: (الاول) لو نوى العمرة والحج معا باحرام واحد، فان قصدهما بوصف الاجتماع، والانضمام والاتيان بهما وامتثال امرهما المتعلق لكل واحد منهما، بحيث يكون كل واحد منهما جزأ للنية من دون أن يأتي باحرام آخر بينهما، فالاحرام باطل لعدم مشروعيته بهذا النحو وعدم مشروعية العمرة والحج كذلك.

وان قصد امتثال الامر المتعلق بكل واحد من الحج والعمرة على نحو الاستقلال لا الاجتماع والانضمام، بحيث يكون كل واحد من الامرين مؤثرا تاما لقصده وامتثاله، فان كان ذلك في غير اشهر


273

الحج، يصح احرامه للعمرة فيأتي بها ويلغو نية الحج، لعدم صحته كذلك، لاشتراط الصحة بوقوع عمرته في اشهر الحج، ولا يضرضم نية الحج بالعمرة وصحتها.

وكذلك لو كان في اشهر الحج وتعين عليه احدهما المعين في الواقع، بان لا يصح منه الا العمرة المفردة أو الحج فيصح الاحرام فيأتي بما هو المتعين عليه، ويلغو نية غيره ولا يضره ضمه إليه.

وأما إذا صح كل واحد من العمرة والحج منه بأن لم يتعين ولم يجب عليه واحد منهما فالاقوى بطلان الاحرام، لعدم صحتهما باحرام واحد وعدم الترجيح في البين.

نعم لا بأس بنية العمرة والحج معا في الاحرام بالعمرة المتمتع بها إلى الحج، بأن ينويالعمرة مريدا بها إلى حج التمتع الذي دخلت العمرة فيه، بل هو مستحب كما في بعض الروايات.

فتحصل من جميع ما ذكر ان الجمع في النية بين العمرة والحج بحيث يكون كل منهما علة تامة مستقلة مؤثرة في العمل غير صحيح لعدم تعين المنوي، ويكون الاحرام باطلا، ولا يكون مخيرا في تعيين أحد الفردين بعده، كتزويج الاختين معا من دون تعيين أحدهما حين العقد في البطلان وعدم جواز التعيين بعده وعدم التخيير بينهما.

وقد يستدل لصحة الجمع بين العمرة والحج في النية، بما روى عن علي عليه السلام في قضية عثمان، عن الحلبي عن ابى


274

عبد الله عليه السلام قال: ان عثمان خرج حاجا فلما خرج إلى الابواء أمر مناديا ينادي في الناس اجعلوها حجة ولا تمتعوا، فنادى المنادي فمر المنادي بالمقداد بن الاسود فقال: أما لتجدن عند الغلائص رجلا ينكر ما تقول، فلما انتهى المنادى إلى على (ع) وكان عند ركائبه يلقمها خبطا ودقيقا، فلما سمع النداء تركها ومضى إلى عثمان وقال: ما هذا الذى أمرت به.

فقال: رأي رأيته.

فقال: والله لقد أمرت بخلاف رسول الله، ثم أدبر موليا رافعا صوته: لبيك بحجة وعمرة لبيك معا (1).

وظاهر الرواية انه عليه السلام نوى الحج والعمرة معا وفيه: ان عليا عليه السلام كان بذلك رادا على عثمان ومنكرا لعمله المخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله ومعلنا بأن الواجب على النائى حج التمتعلا القران، كما نطق به القرآن الكريم وأمر به النبي صلى الله عليه وآله، وكان علي عليه السلام بذلك ناويا للعمرة إلى الحج والا كان هو أيضا مخالفا لعمل الرسول والكتاب الكريم.

(الفرع الثاني) لو أحرم ونوى وقال (احرم كاحرام فلان)، فتارة يعلم أنه أحرم كذا، فلا اشكال فيه لانه تعيين تفصيلي وأخرى لا يعلم نوع احرامه اصلا بل يعلم انه أحرم اجمالا، فلا يبعد القول ببطلانه لعدم التعيين أصلا.

قد يقال: انه صحيح، مستدلا بما روى عن علي عليه السلام

(1) الوسائل ج 9 الباب 21 من ابواب الاحرام الحديث


275

انه أحرم وأهل كاهلال رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع، وكان وقتئذ باليمن.

وفيه: انه كما تقدم لم يثبت عدم كونه عالما باحرام النبي صلى الله عليه وآله حينما أحرم، ولعله كان يعلمه من قبل باخبار النبي أو من طريق آخر فالاستدلال به مع عدم ثبوت جهله باحرام الرسول غير صحيح.

(الفرع الثالث) لو نسي ما أحرم به ولم يعلم أنه أحرم بالحج أو بالتمتع، قال المحقق: كان مخيرا بين الحج والعمرة إذا لم يتعين عليه أحدهما المعين، والا صرف إليه.

ونقل ذلك عن الفاضل والشهيدين وغيرهم.

واستدل له: بأنه كان له الاحرام بأيهما شاء فله صرف احرامه إلى أيهما شاء، والوجه في ذلك استصحاب حال المكلف قبل الاحرام، إذا المحرم قبل الاحرام كان له أن يصرف احرامه إلى أي من النسكين، ويختار ايا منهما شاء والان كذلك، فله التخيير كماكان له ابتداءا بناء على اتحاد الموضوع وان نسيانه لما أحرم به لا يوجب تعدد الموضوع.

بدعوى أن الموضوع هو الشخص، وهو في الحالتين متحد.

ولكن التحقيق ان الاستصحاب في المقام لا يجري للتعارض.

كما في الانائين المشتبهين، فان المكلف قبل العلم بوقوع الدم في أحدهما كان مخيرا أن يتوضا من أي من الانائين، ولكن بعد العلم بالنجاسة يتعارض الاستصحاب في كل منهما مع الاخر.

وفى


276

المقام أيضا كذلك، فان المحرم قبل احرامه وان لم يتعين عليه العمرة أو الحج، وكان له التخيير في صرف الاحرام إلى أي منهما شاء، ولكنه بعد الاحرام لاحدهما ونسيانه ذلك يعلم وجوب اتمام ما أحرم له وعين عليه وعدم جواز صرفه إلى غيره، فيتعارض استصحاب جواز التعيين في كل واحد منهما مع الاخر ولا يجري الاستصحاب.

ثم ان صاحب الجواهر نقل عن المستدل تعليله للحكم بعدم الرجحان في أحدهما، وعدم جواز الاحلال له بدون النسك، الا إذا صد أو أحصر، وعدم امكان الجمع بين النسكين فيتخير بين الفردين.

فهل عدم الرجحان المذكور في دليل المستدل دليل مستقل قبال الاستصحاب، أو هو من تتمة الدليل الاول فيتخير بين النسكين والظاهر أن عدم الرجحان لاحدهما بنفسه لا يوجب التخيير بينهما في الحكم، كما أن التخيير بين النسكين إذا عرض عارض لا يوجبالتخيير هنا، فان عدم القدرة على الجمع انما هو من جهة أمر خارجي ومنع وصد، فيصح القول بالتخيير بعد الاحرام لاحدهما.

وأما عدم القدرة على الجمع في المقام انما هومن جهة أن المحرم لا يدري ما نوى ولا يعلم ما قصده، وهذا لا يوجب التخيير بل يمكن ان يحكم بالبطلان رأسا، وعدم توجه التكليف إليه أصلا وان لا يكون مسقطا للتكليف الواجب لو اختار احدهما.


277

وأما عدم جواز الاحلال له، فهو أمر آخر، وتكليف مستقل لا يلزم منه التخيير شرعا.

فان من أحرم ونسي ما أحرم به، يجب عليه أن يحل بأي وجه يمكن له، ولكن مع ذلك كله، التكليف الثابت عليه في الواقع باق على عهدته ولا يبرء ذمته عنه.

هذا إذا لم يمكن الاحتياط، وهو في المقام ممكن بالعدول إلى العمرة.

وبالجملة التخيير هنا ليس حكما شرعيا، بل طريق إلى التخلص من تعهدات الاحرام والتحليل ما كان ممنوعا منه، كما لو عقد احدى الاختين ونسي المعقودة، إذ لا يمكن القول بالتخيير بينهما وانه يمسك ايتهما شاء، بل لابد له من الاحتياط أما بالنسبة إلى النفقة وحق السكنى فيعطى كل واحدة منهما نفقتها وسكناها، وأما التماس الجنسي فلا يقرب أية منهما ولا يجامعها، ولكن يمكن له ان يحتاط ويطلق كل واحدة منهما.

وفي المقام أيضا كذلك ان امكن له الاحتياط كما تقدم اختياره يحتاط بالعدول إلى العمرة والا فلا تخيير له شرعا.

هذا كله إذا لم يلزمه أحد النسكين، وأما إذا لزمه فيأتي حكمهفي الفرع الاتى.

(فرع) لو أحرم ونسي ما أحرم به وكان أحد النسكين فرضا عليه في الواقع، صرف إليه كما في الشرائع.

ولعله لظاهر الامر، وان المكلف لا يقدم إلى على ما هو الواجب عليه، وانه حين العمل أذكر.

وهو الذي يقتضيه أصالة الصحة في العمل أيضا، فانه يشك


278

في أن احرامه صحيح، بأن كان لما يجب عليه ولزمه، أو باطل لكونه لغير الواجب عليه، كما في صوم شهر رمضان إذا شك في انه نوى صوم شهر رمضان أو غيره من الواجب والمندوب، فيحكم بصحة صومه، وانه نوى صوم شهر رمضان، فكذلك في المقام يحكم بأن احرامه انما كان لما كان واجبا ولازما عليه دون غيره.

هذا غاية تقريب أصالة الصحة.

وفيه: ان الحكم بصحة صوم رمضان إذا شك انه نواه أم نوى غيره، انما هو لدليل خاص شرعي غير ثابت في المقام، وأما أصالة الصحة فهي تجرى فيما إذا احرز عنوان العمل وفرغ عن وجوده، ثم شك في انه اتى به صحيحا ام باطلا، كما إذا فرغ عن صلاة الظهر أو العصر، وشك في أنه أتى بها صحيحا أو باطلا، يحكم بالصحة بحكم الاصل.

وأما لو شك في انه نوى الظهر أو العصر، فلا يمكن الحكم بأن المنوي هو الظهر بأصالة الصحة، بخلاف ما لو نوى الظهر تعيينا وفرغ منه، ثم شك في انه صحيح أم باطل.

فعلى هذا لو شك في أنه أحرم لما لزمه حتى يكون احرامه صحيحا، أو احرام لغيره فيقعباطلا، لا يمكن اثباته لما يجب عليه بأصالة الصحة في العمل، كما في اثبات عنوان الظهر بها.

نعم لو أحرم بالحج أو بالعمرة وفرغ من الاحرام ثم شك في انه كان صحيحا أو باطلا، فيحكم بالصحة بحكم الاصل، بخلاف الاول فان امكن فيه الاحتياط والا فيحكم


279

بالبطلان.

وعن الشيخ في الخلاف يجعله عمرة، لانه ان كان متمتعا فقد وافق وان كان غيره فالعدول منه إلى غيره جائز.

وقال: وإذا أحرم بالعمرة (في الواقع) لا يمكنه أن يجعلها حجة مع القدرة على أفعال العمرة، فلهذا قلنا يجعلها عمرة على كل حال انتهى.

وحسنه في التحرير والمنتهى، ولعل الوجه أن الموافقة الاحتمالية مرجح على المخالفة القطعية إذا لم يمكن الامتثال القطعي.

لكن لا وجه لهذا الاحتمال، لان الموافقة الاحتمالية حاصلة على التخيير ايضا.

هذا إذا كان العدول جائزا، وأما إذا لم يمكن العدول كما لو نسي أنه احرم لحج الافراد أو العمرة المفردة فيأتى بأيهما شاء.

وفى الجواهر قوى البطلان وسقوط الخطاب اصلا، وقد تقدم منا في الفروع السابقة، أنه ان أمكن الاحتياط في الموارد المشتبهة يعمل به.

فهل الاحتياط هنا ممكن أم لا؟ لا يبعد أن يقال لو نسي أنه احرم لحج الافراد أو العمرة المفردة يمكن الاحتياط، بأن يأتي بالطواف والسعي ويقف بالعرفات والمشعر رجاءا، إذ لا مانع من تقديم الطواف والسعي في حج الافراد، ثم يرمي الجمرة يوم العيدرجاءا ويحلق أو يقصر بقصد ما في الذمة من الحج أو العمرة، ويأتي بسائر اعمال الحج رجاءا، ثم يطوف طواف النساء ناويا لما في الذمة.


280

في التلبية (الثاني) من واجبات الاحرام التلبية، والكلام فيها في مواقع: الاول في وجوبها، والثانى في أن الاحرام لا ينعقد الا بها بمعنى أنه يجوز ارتكاب ما يحرم على المحرم قبل التلبية، والثالث في كيفيتها وعددها.

(اما الاول) فلا اشكال في وجوبها ولا خلاف، بل ادعي الاجماع وعدم الخلاف فيه في الجملة.

وتدل عليه أخبار معتبرة كثيرة: ( منها ) رواية معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث: واعلم انه لابد من التلبيات الاربع في اول الكلام، وهي الفريضة وهى التوحيد وبها لبى المرسلون (1).

وعن علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

(1) الوسائل ج 9 الباب 36 من ابواب الاحرام الحديث 1.


281

سألته عن التلبية لم جعلت؟ قال: ان ابراهيم (ع) حين قال الله عزوجل له ﴿واذن في الناس بالحج يأتوك رجالا نادى وأسمع فأقبل الناس من كل وجه يلبون، فلذلك جعلت التلبية.

(1) وعن الصدوق عن امير المؤمنين عليه السلام قال: جاء جبرئيلإلى النبي صلى الله عليه وآله وقال له: ان التلبية شعار المحرم فارفع صوتك بالتلبية (2).

(واما الثاني) مضافا إلى الاجماع بقسميه كما عن الانتصار والغنية والخلاف والتذكرة، تدل عليه اخبار كثيرة متظافرة: منها صحيح معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام قال: لا بأس أن يصلي الرجل في مسجد الشجرة ويقول الذى يريد أن يقوله ولا يلبى، ثم يخرج فيصيب من الصيد وغيره فليس عليه فيه شئ (3).

وفي صحيح ابن الحجاج في الرجل يقع على أهله بعد ما يعقد الاحرام ولم يلب.

قال: ليس عليه شئ (4).

وفي رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد الله عليه السلام: صلى ركعتين في مسجد الشجرة وعقد الاحرام ثم خرج

(1) الوسائل ج 9 الباب 36 من ابواب الاحرام الحديث 8.

(2) الوسائل ج 9 الباب 37 من ابواب الاحرام الحديث 3.

(3) الوسائل ج 9 الباب 14 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(4) الوسائل ج 9 الباب 14 من ابواب الاحرام الحديث 2.


282

فأتي بخميص فيه زعفران فأكل قبل أن يلبى منه (1).

وفى مرسلة جميل بن دراج عن احدهما عليهما السلام أنه قال في رجل صلى في مسجد الشجرة وعقد الاحرام وأهل بالحج ثم مس الطيب وأصاب طيرا أو وقع على اهله.

قال: ليس بشئ حتى يلبى (2).

ومنها صحيح حريز عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل إذا تهيأ للاحرام فله أن يأتي النساء ما لم يعقد التلبية أو يلب (3).

(ومنها) رواية زياد بن مروان قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: ما تقول في رجل تهيأ للاحرام وفرغ من كل شئ الا الصلاة وجميع الشروط الا انه لم يلب، أله ان ينقض ذلك ويواقع النساء؟ فقال: نعم (4).

وفى رواية الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن بعض أصحابه قال: كتبت إلى ابى ابراهيم عليه السلام رجل دخل مسجد الشجرة فصلى وأحرم وخرج من المسجد فبدا له قبل أن يلبى أن ينقض ذلك بمواقعة النساء أله ذلك؟ فكتب: نعم أو لا بأس به (5).

(1) الوسائل ج 9 الباب 14 من ابواب الاحرام الحديث 3.

(2) الوسائل ج 9 الباب 14 من ابواب الاحرام الحديث 6.

(3) الوسائل ج 9 الباب 14 من ابواب الاحرام الحديث 8.

(4) الوسائل ج 9 الباب 14 من ابواب الاحرام الحديث 10.

(5) الوسائل ج 9 الباب 14 من ابواب الاحرام الحديث 12.


283

وفى رواية حفص بن البخترى عن ابى عبد الله عليه السلام فيمن عقد الاحرام في مسجد الشجرة ثم وقع على اهله قبل أن يلبى.

قال: ليس عليه شئ (1).

وفى رواية ابان عن ابى عبد الله عليه السلام يوجب الاحرام ثلاثة أشياء: الاشعار والتلبية والتقيد، فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم (2).

وعن محمد بن ادريس في آخر السرائر نقلا عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب قال: قال ابن سنان: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاهلال بالحج وعقدته.

قال: هو التلبية إذ لبى وهو متوجه فقد وجب عليه ما يجب على المحرم (3).

والمستفاد من تلك النصوص التي ادعى استفاضتها، أن من نوى الحج أو العمرة وعقد الاحرام اما بانشاء التحريم أو توطين النفس على ترك المحرمات، ولم يلب فله أن ينقض احرامه، بمعنى ان له ارتكاب ما يحرم على المحرم إلى أن يلبى لا بمعنى ابطال الاحرام ونقضه.

والمراد من النقض الوارد في الروايات، هو عدم وجوب الوفاء بما التزم المحرم، ولو ارتكب شيئا من المحرمات قبل التلبية فليس عليه شئ، وإذا لبى يجب الوفاء

(1) الوسائل ج 9 الباب 14 من ابواب الاحرام الحديث 13.

(2) المصدر الباب 14 من ابواب الاحرام الحديث 5.

(3) الوسائل ج 9 الباب 14 من ابواب الاحرام الحديث 15.


284

بما التزم بالاحرام.

ويعلم من هذا كما قيل ان التلبية في الاحرام بمنزلة القبض في السلف في وجوب الوفاء بما أنشأ، فان العقد السلفي وان كان تاما من جهة الانشاء والقصد وسائر الشروط المعتبرة فيه، الا انه لا يجب الوفاء به الا بعد القبض في المجلس، فكذلك الاحرام لا يجب الوفاء به الا بعد التلبية.

لكنه مشكل، بل لا يبعد استفادة كون التلبية جزءا أخيرا للاحرامولا يحرم المحرمات الا بعد تمامية الاحرام، كما يشير إليه قوله تعالى ﴿لا تقتلوا الصيد وانتم حرم.

ولا يعارض تلك الروايات المتقدمة الا خبر احمد بن محمد قال: سمعت ابى يقول في رجل يلبس ثيابه ويتهيأ للاحرام ثم يواقع اهله قبل ان يهل بالاحرام.

قال: عليه دم (1).

لكنه محمول على الاستحباب أو متروك، ونقل عن الشيخ أنه حمله على من لبى سرا ولم يجهر بالتلبية واحتمل على من عقد الاحرام بالاشعار أو التقليد أيضا، ولكنه بعيد (2).

(1) الوسائل ج 9 الباب 14 من ابواب الاحرام الحديث 14.

(2) اقول: ان الرواية من جهة الاعتبار ساقطة عن الحجية رأسا، لعدم اتصالها بالامام، فان احمد بن محمد نقل عن ابيه يقول كذا ولم يروه عن العمصوم.


285

(في جواز تأخير التلبية عن الميقات)

م انه يظهر من النصوص جواز تأخير التلبية إلى البيداء وعدم وجوب المقارنة زمانا ولا مكانا بينها وبين عقد الاحرام ونيته، ومن الغريب ان بعض المحدثين مال إلى وجوب تأخير التلبية إلى البيداء في هذا الميقات عملا بالاوامر الواردة فيها، ولكن لم يعرف القول به من أحد من الفقهاء.

وقد يقال: انه بناءا على كون النية هو الداعي لا يتصور انفكاك الداعي عن التلبية، فان الداعي مستمر إلى أن يلبي فلا ثمرة غالبا في ذلك.

وفيه: ان القول في المقام في ان التلبية، هل يجوز تأخيرها مكانا وزمانا عن عقد الاحرام ونيته وان كانت النية هي الداعي لا غير وبعبارة أوفى: ان البحث في أن الحاج إذا عقد الاحرام ونوى الحج في مسجد الشجرة مثلا هل يجب عليه ان يلبى في ذلك المكان والزمان حتى تحرم عليه المحرمات ويتم الامر ولا يجوز له ارتكاب المحرمات، أم يجوز له تأخير التلبية زمانا ومكانا؟ فلا ملازمة بينه وبين القول بكون الداعي هو النية والقول بالمقارنة ووجوبها.

قد يستدل على عدم وجوب المقارنة بأصل البراءة عن الوجوب إذا شك فيه، ولكنه غير تام، فان الشك في المقام شك في المحصل بعد العلم باشتغال الذمة بالاحرام الذي يوجب العلم بالفراع،


286

فالاصل الجاري في المقام الاشتغال لا البراءة.

فالعمدة في المقام هي الاخبار الواردة في المسألة، ولابد من ذكرها والتأمل في مفادها وكيفية دلالتها، ثم الجمع بينها بما يقتضيه النظر الدقيق، فانها مختلفة الدلالة والمضامين جدا: فمنها صحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: صل المكتوبة ثم احرم بالحج أو بالمتعة واخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أول البيداء إلى أول ميل إلى يسارك فإذا استوت بك الارض راكبا كنت أو ماشيا فلب (1).

وصحيح عبد الله بن سنان قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: ان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يلبى حتى يأتي بالبيداء (2).

وصحيح الفضلاء حفص بن البخترى و عبد الرحمن بن الحجاجوحماد بن عثمان عن الحلبي جميعا عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا صليت في مسجد الشجرة فقل وانت قاعد في دبر الصلاة قبل أن تقوم ما يقول المحرم، ثم قم فامش حتى تبلغ الميل وتستوي بك البيداء، فإذا استوت بك فلب (3).

وصحيح منصور بن حازم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا صليت عند الشجرة فلا تلب حتى تأتى البيداء حيث يقول الناس

(1) الوسائل ج 9 الباب 34 من ابواب الاحرام الحديث 6.

(2) الوسائل ج 9 الباب 34 من ابواب الاحرام الحديث 5.

(3) الوسائل ج 9 الباب 35 من ابواب الاحرام الحديث 3.


287

يخسف بالجيش (1).

وصحيح معاوية بن عمار أو حسنته عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا فرغت من صلاتك وعقدت ما تريد فقم وامش هنيئة، فإذا استوت بك الارض ماشيا كنت أو راكبا فلب (2).

وصحيح معاوية بن وهب قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن التهيوء للاحرام فقال في مسجد الشجرة فقد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وقد ترى اناسا يحرمون فلا تفعل حتى تنتهى إلى البيداء حيث الميل فتحرمون كما أنتم في محاملكم تقول: لبيك اللهم لبيك الحديث (3).

وصحيح عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ان كنت ماشيا فاجهر باهلالك وتلبيتك من المسجد، وان كنت راكبا فإذا علت بك راحلتك البيداء (4).

ورواية عبد الله بن سنان انه سأل ابا عبد الله هل يجوز للمتمتع بالعمرة إلى الحج أن يظهر التلبية في مسجد الشجرة؟ فقال: نعم انما لبى النبي صلى الله عليه وآله في البيداء لان الناس لم يعرفوا التلبية فأحب

(1) الوسائل ج 9 الباب 34 من ابواب الاحرام الحديث 4.

(2) الوسائل ج 9 الباب 34 من ابواب الاحرام الحديث 2.

(3) الوسائل ج 9 الباب 34 من ابواب الاحرام الحديث 3.

(4) الوسائل ج 9 الباب 34 من ابواب الاحرام الحديث 1.


288

ان يعلمهم كيف التلبية (1).

وأما التلبية فكيفيتها على ما في الشرائع ونقل عن التحرير والمنتهى (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) وهى خيرة الكركي وكذا في الفقه الرضوي، واختلف في اضافة (ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).

ومنشأ الخلاف ما نقل في رواية معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام: والتلبية ان تقول (لبيك، اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك ذا المعارج لبيك، لبيك داعيا إلى دار السلام لبيك) إلى أن قال عليه السلام: واعلم انه لابد من التلبيات الاربع التى كن في أول الكلام، هي الفريضة، وهى التوحيد وبها لبى المرسلون الخبر.

فهل التلبيات الاربع عبارة عن أربع تلبيات مذكورة في أول الكلام وحدها، أو هي مع ما يليها من الدعاء بحيث يعد كل تلبيةمع ما بعدها من الدعاء واحدة من التلبيات الاربع المفروضة.

فعلى الاول تتم أربع تلبيات بالتلبية الرابعة قبل ( أن الحمد )

(1) الوسائل ج 9 الباب 35 من ابواب الاحرام الحديث.

يقول المقرر: هذه جملة من الاخبار التى اشار إليها الاستاذ مد ظله في اثناء بحثه ثم تعرض للجمع بينها والرد على بعض الاقوال فيها.


289

ويكون الباقي مستحبا كسائر الجملات الواقعة في الرواية، وأما بناءا على الثاني يلزم ويجب اضافة (ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) حتى تتم التلبيات الاربع، كما عن ظاهر المختلف وعن رسالة ابن بابويه والمقنع والفقيه.

وقيل صورة التلبية (لبيك اللهم لبيك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك) كما عن جمل السيد والمبسوط والسرائر والغنية.

ولكن ما هو الاظهر الاقوى القول الاول، وينطبق عليه ايضا صحيح معاوية بن عمار ايضا، لصدق التلبيات الاربع باتمام التلبية الرابعة نفسها، ولا يحتاج في صدق تمامية الاربع إلى ما بعدها من الجملات، وان كان الاحوط اضافتها أيضا.

الثاني من واجبات الاحرام لبس الثوبين كما في كثير من متون الفقه، وما يصلح أن يكون دليلا عليه أمور: (الاول) الامر الوارد بلبسهما في المعتبرة المستفيضة المروية عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم التروية انشاء الله تعالى فاغتسل ثم البس ثوبيك، وادخل المسجدبالسكينة والوقار، ثم صل ركعتين عند مقام ابراهيم أو في الحجر الخبر (1).

(1) الوسائل ج 9 الباب 52 من ابواب الاحرام الحديث 1.


290

وحيث أن المعتبرة مشتملة على الواجب والمندوب لا تكون ظاهرة في وجوب لبس الثوبين واشتراط الاحرام به.

اللهم ان يقال: ان ظهور الامر في الوجوب بحسب الوضع الاولى، لا يرفع اليد عنه الا بالقرينة الصارفة، ومجردا لاشتمال على الامور المندوبة ووقوع لبس الثوبين في سياق المستحباب الواقعة تحت الامر، لا يمنع عن الظهور في الوجوب بالنسبة إليه، ولا يصرفه عن ذلك فتأمل.

(الثاني) فعل النبي صلى الله عليه وآله، إذ المسلم أنه لبس الثوبين عند الاحرام.

ويتم الاستدلال به إذا علم أن لبسه الثوبين انما كان من باب الوجوب، لان فعله صلى الله عليه وآله لا يختص بالواجب بل يعمه والندب.

ولكن اثبات ذلك مشكل، ولو بالسيرة المستمرة بين المسلمين فان الظاهر من العامة عدم وجوبه.

نعم غاية ما يمكن اثباته تحقق السيرة من زمان الائمة عليهم السلام إلى زماننا، على اصل لبس الثوبين فقط، وهى ايضا لا تفيد الوجوب.

(الثالث)

الاجماع المدعى على وجوب لبس الثوبين

في كلمات الاصحاب، كما في التحرير وان وقع الترديد في عبائر بعضهم وصرح غير واحد منهم أيضا بعدم الخلاف فيه.

وظاهر ذلك الاجماعالمصطلح بين العلماء.

ويرد عليه أولا: ان عدة من أعاظم الفقهاء لم يصرحوا بالوجوب


291

كالشيخ المفيد والصدوق والشيخ وغيرهم.

بل كلماتهم مطابقة لما ورد في النصوص من الامر بلبس الثوبين وغيره من الواجب والمستحب، وهذا لا يزيد على ما في الاخبار من الاجمال وعدم الظهور في الوجوب، ولذا أشكل عليه كاشف اللثام.

نعم صرح الشهيدان وكذا المقنعة والمراسم والشرائع والقواعد بالوجوب، والقول بذلك احتياط في الدين فلا يترك اقتداءا بائمة المسلمين.

هذا من جهة الوجوب التكليفى وعدمه، وأما الحكم الوضعي واشتراط صحة الاحرام به، فوجوب لبس الثوبين وعدم انعقاده بدونه لو أحرم عاريا أو بغيرهما، فهو أيضا مما اضطربت فيه كلمات القوم، ولم أجد من صرح بذلك.

نعم قد ينسب إلى ابن الجنيد حيث قال على ما في المختلف: ثم اغتسل ويلبس ثوبي احرامه ويصلي لاحرامه ولا يجزيه غير ذلك الا الحائض فانها تحرم بغير صلاة.

ثم قال بعد كلام طويل: ولا ينعقد الاحرام الا من الميقات بعد الغسل والتجرد انتهى.

والظاهر من صدر كلامه وجوب لبس الثوبين والغسل والصلاة أيضا، وأما ما يعطي الذين أن الاحرام لا ينعقد الا من الميقات، ولم يذكر لبس الثوبين ولا غيرها شرطا لانعقاد الاحرام، وظاهره شرطية الميقات والتجرد له فقط دون غيرهما، وفي الدروس: أنظاهر الاصحاب انعقاد الاحرام بدون لبس الثوبين لما قالوا لو أحرم


292

وعليه قميص نزعه ولا يشقه ولو لبسه بعد الاحرام شقهه وأخرجه من تحته كما هو مروى انتهى.

وظاهر كلام الدروس ونقله كلمات الاصحاب انه فتوى منه بعدم شرطية التوبين في انعقاد الاحرام كما هو المترائى من النصوص أيضا: منها ما رواه معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام: إذا لبست قميصا وانت محرم فشقه وأخرجه من تحت قدميك (1).

وفى صحيح آخر عنه وعن غير واحد عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل احرم وعليه قميصه.

قال: ينزعه ولا يشقه، وان كان لبسه بعد ما أحرم شقه واخرجه مما يلي رجليه (2).

وعن عبد الصمد بن بشير عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث: ان رجلا اعجميا دخل المسجد يلبي وعليه قمصيه، فقال: انى كنت رجل أعمل بيدى واجتمعت لي نفقة فحيث أحج لم اسأل أحدا عن شئ، وافتوني هؤلاء ان أشق قميصي وأنزعه من قبل رجلى وان حجي فاسد وان علي بدنة.

فقال له: متى لبست قميصيك، أبعد ما لبيت ام قبل؟ قال: قبل ان ألبى.

قال: فاخرجه من رأسك فانه ليس عليك بدنة وليس عليك الحج من قابل، أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شئ عليه طف بالبيت سبعا وصل ركعتين عند مقام

(1) الوسائل ج 9 الباب 45 من ابواب تروك الاحرام الحديث 1.

(2) المصدر ج 9 الباب 45 من ابواب تروك الاحرام الحديث 2.


293

ابراهيم واسع بين الصفا والمروة وقصر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل وأهل بالحج واصنع كما يصنع الناس (1).

وهذه الروايات كلها تدل على صحة الاحرام من دون لبس الثوبين، حتى رواية عبد الصمد، فانها وان كانت تدل بمفهوم المخالفة على أن من أحرم في قميصه عن علم، يجب عليه شق الثوب واخراجه من قبل رجليه، ويبطل حجه وعليه البدنة والحج من قابل، كما افتوا هؤلاء، الا أن دلالتها على اعتبار الثوبين في انعقاد الاحرام غير واضحة، بل ثابت عدمها، فان وجوب شق الثوب واخراجه عن قبل الرجل في هذا الحال لا وجه له ان قلنا ببطلان الاحرام بترك لبس الثوبين، وكونه غير محرم في الواقع، لان وجوب شق الثوب على غير المحرم واخراجه من تحت قدميه خلاف ما ارتكز عند المسلمين ولم يعهد ذلك منهم.

مضافا إلى أن جميع ما في هذه الرواية غير معمول به عند الاصحاب على ما هو الظاهر منهم، كما نسب الدروس ذلك إليهم، فانهم قالوا بعدم وجوب الشق وعدم فساد الحج وعدم وجوب البدنة عليه إذا أحرم في قميصه، ولم يفرقوا بين العالم والجاهل في ذلك الحكم.

ومثلها رواية خالد بن محمد الاصم (2)، في اعراض الاصحاب

(1) الوسائل ج 9 الباب 45 من ابواب تروك الاحرام الحديث 3.

(2) الوسائل ج 9 الباب 45 من ابواب تروك الاحرام الحديث 4.


294

عن العمل بمضمونها، حيث علل وجوب شق الثوب واخراجه من قبل الرجل بالجهل، فان الظاهر من كلماتهم انعقاد الاحرام مطلقا.

والفرق بين قبل الاحرام وبعده في وجوب الشق وعدمه انما هو للاستناد بصحيح معاوية بن عمار وغيره عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل احرم وعليه قميصه.

فقال: ينزعه ولا يشقه، وان كان لبسه بعد ما احرم شقه واخرجه مما يلي رجليه (1).

وما قاله كاشف اللثام من ان كلامهم هذا والفرق في شق الثوب وعدمه بين اللبس قبل الاحرام وبعده، يدل على عدم انعقاد الاحرام فان وجوب الشق انما هو للتحرز عن ستر الرأس المحرم على من احرم، وعدم وجوبه يكشف عن عدم انعقاد الاحرام إذا أحرم وعليه قميصه، خلاف ظاهر النص والفتوى، إذ المتبادر منهما انعقاد الاحرام في قميص لبسه، الا انه يجب عليه نزعه ولا يشقه، ولا يترتب على ذلك كفارة ايضا ولا عقوبة، بخلاف اما إذا لبسه بعد ما احرم، فيجب عليه الشق ويأثم به، بل كاد ان يكون ذلك مقطوعا به في كلامهم.

ومما يدل على عدم اشتراط انعقاد الاحرام بلبس الثوبين ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: يوجب الاحرام ثلاثة اشياء التلبية والاشعار والتقليد، فإذا فعل شيئا

(1) الوسائل ج 9 الباب 45 من ابواب تروك الاحرام الحديث 2.


295

من هذه الثلاثة فقد أحرم (1).

إذ يستفاد منها أن ما يعتبر في انعقاد الاحرام، هي الامور الثلاثة وتدل باطلاقها على عدم اشتراط شئ فيه غيرها.

ولكن ذلك الاطلاق ونظائره ليس بحيث يعارض ويقاوم ما يدل على الاشتراط والاعتبار لو ثبت، كالاوامر الواردة في لبس الثوبين، بناءا على تمامية الدلالة، والنواهي التي تدل على عدم لبس المخيط، فيقيد بها المطلقات.

وان كان من الممكن القول بأن تلك الاوامر والنواهي تحمل على الاحكام التكليفية لا الوضعية، بقرينة ما تدل على صحة الاحرام في القميص.

ولكن ما هو الظاهر من الاوامر الواردة في العبادات المركبة الدالة على اعتبار شئ فيها هو الجزئية أو الشرطية، دون التكليفية المحضة.

اللهم الا أن يحمل عليها بمعونة الاخبار الدالة على عدم شرطيته فيها وصحة الاحرام وعليه قميصه المعمول بها عند الاصحاب ايضا.

في

كيفية لبس الثوبين

ثم انه بعد اعتبار لبس الثوبين في انعقاد الاحرام بأي معنى كان فهل يعتبر الكيفية الخاصة فيه، بأن يرتدي بأحدهما ويتزر بالاخر،

(1) الوسائل ج 8 الباب 12 من اقسام الحج الحديث 2.


296

كما هو المتعارف والمعمول به في عصرنا، ام لا؟ الظاهر اتفاق الاصحاب واجماعهم على ذلك، مضافا إلى انه الموافق للاحتياط.

وتدل عليه ايضا بعض الروايات الواردة في كيفية حج النبيصلى الله عليه وآله، وفيه: فلما نزل (ص) الشجرة أمر الناس بنتف الابط وحلق العانة والغسل والتجرد في ازار ورداء أو ازار وعمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء (1).

(مسألة) هل يجوز عقد الازار وشده بشئ آخر مثل الابرة وغيرها، ام لا يجوز بل يعتبر لبسه، وكذا الرداء على النحو المتعارف.

قد عقد صاحب الوسائل بابا لهذه المسألة وقال (باب عدم جواز عقد المحرم ثوبه الا إذا اضطر إلى ذل لقصره)، فيعلم من العنوان انه رحمه الله لا يجوز ذلك حال الاختيار، وروى فيه اخبارا منها: عن سعيد الاعرج انه سأل ابا عبد الله عليه السلام عن المحرم يعقد ازاره في عنقه؟ قال: لا (2).

والنهى في الرواية انما تعلق بعقد الازار وشده، واحتمال كون المراد من العقد جمعه ووضعه على عنقه، خلاف الظاهر، وان كان محتملا في رواية الاحتجاج كما سيأتي.

عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميرى عن صاحب الزمان عليه السلام انه كتب إليه يسأله عن المحرم يجوز أن يشد المئزر من

(1) الوسائل ج 8 الباب 2 من اقسام الحج الحديث 15.

(2) الوسائل ج 9 الباب 53 من ابواب تروك الاحرام الحديث 1.


297

خلفه على عنقه (عقبه خ ل) بالطول ويرفع طرفيه إلى حقويه ويجمعهما في خاصرته ويعقدهما ويخرج الطرفين الاخيرين من بين رجليه ويرفعهما إلى خاصرته ويشد طرفيه إلى وركيه فيكون مثل السراويل يستر ما هناك، فان المئزر الاول كنا نتزر به إذا ركب الرجل جملهيكشف ما هناك وهذا أستر.

فأجاب (ع): جائز ان يتزر الانسان كيف شاء إذا لم يحدث في المئزر حدثنا بمقراض ولا ابرة تخرجه به عن حد المئزر وغرزه غرزا ولم يعقده ولم يشد بعضه ببعض، وإذا غطى سرته وركبته كلاهما فان السنة المجمع عليها بغير خلاف تغطية السرة والركبتين، والاحب الينا والافضل لكل أحد شده على السبيل المألوفة والمعروفة للناس جميعا انشاء الله (1).

وعنه أيضا انه سأله: هل يجوز أن يشد عليه مكان العقد تكة؟ فأجاب: لا يجوز شد المئزر بشئ سواه من تكة أو غيرها (2).

وفى قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: المحرم لا يصلح له أن يعقد ازاره على رقبته، ولكن يثنيه على عنقه ولا يعقده (3).

فهل المراد من جواب الامام عليه في رواية الاحتجاج: (جائز أن يتزر الانسان كيف شاء إذا لم يحدث في المئزر حدثا

(1) الوسائل ج 9 الباب 53 من ابواب تروك الاحرام الحديث 3.

(2) المصدر الباب 53 من ابواب تروك الاحرام الحديث 4.

(3) الوسائل ج 9 الباب 53 من ابواب تروك الاحرام الحديث 5.


298

بمقراض ولا ابرة تخرجه به عن حد المئزر وغرزه غرزا ولم يعقده) ان المانع نفس قرضه أو ادخال الابرة فيه، أو المنهى احداث أي عمل يخرج الازار عن كونه مئزرا ويجعله شبيها بالسراويل، أو المراد النهى عن المخيط وكونه مخيطا، وان لم يكن شبيها بالسراويل ثم ان قوله (غرزه غرزا) هل هو جملة مستقلة أو مربوطةومعطوفة بما تقدم؟ والثانى خلاف الظاهر (1).

وعلى كل حال تدل الرواية على عدم جواز العقد والشد بشئ إذا اخرجه عن كونه مئزرا بأي نحو كان وأي عمل حدث، وأما غيره من العقد والشد فيحتاج إلى الدليل.

وكيف كان ان الازار والرداء المذكور في رواية ابن سنان المعتبر عند الاحرام، معروف عند العرف يفهمه العرب والعجم كما يعلم مفهوم الماء وغيره من الاشياء، ويصدق المفهوم ويتحقق إذا كان مطلقا وغير مشدود ولا معقود، وأما مع الشد والعقد فان خرج بهما عن انطباق العنوان عليه فلا يجوز قطعا ولا اشكال، والا فعدم الجواز يحتاج إلى دليل يثبته.

والاخبار المذكورة غير منقحة من جهة السند، بل روى عن على عليه السلام انه كان لا يرى بأسا بعقد الثوب إذا قصر ثم يصلى فيه وان كان محرما (2).

(1) غرز الابرة في الشئ ادخلها فيه، وعلى هذا تكون الجملة عطفا على ما سبق.

(2) الوسائل ج 9 الباب 53 من ابواب التروك الحديث 2.


299

نعم بناءا على التسامح في أدلة السنن، حتى في الكراهة لا مانع من القول بكراهة العقد، وبل هو حسن، وان كان الاحتياط يقتضي ترك العقد مطلقا سيما في العقد في العنق.

وأما الرداء فهو أن يتردى به، أي يلقيه على عاتقيه جميعا ويسترهما به كما هو المعمول والمتعارف، ولعل رعاية تلك الهيئة أولى وأنسب.

وأما التوشح بأن يدخل طرفه تحت ابطه الايمن ويلقيه علىعاتقه الايسر كالتوشح بالسيف فان صدق التردي به فلا اشكال في جوازه وعدم وجوب هيئة خاصة فيه، سواء كان التوشح من طرف الايمن أو الايسر.

نعم يشترط في الرداء من جهة الطول والعرض أن يكون مقدارا يستر المنكبين، كما يشترط في الازار ان يستر السرة والركبتين.

وقد يقال: ان الميزان فيها الصدق العرفي، فان صدق كفى وان كان أقل مما ذكروا لا فلا يكفى.

(فرع): لو شك في اعتبار ذلك المقدار وعدمه بعد صدق المفهوم العرفي، فهل الاصل يقتضي الاشتغال أو البراءة من وجوب الزائد المشكوك؟ الظاهر هو الثاني، لان الشك انما تعلق بوجوب الاكثر بعد العلم بوجوب الاقل، والمرجع في المقام البراءة من وجوب الزائد، نعم لو احتمل دخالة ذلك المقدار في تحقق الاحرام وانعقاده فالاصل هل الاشتغال كما مر.

ثم هل يكفي ثوب واحد طويل يستر المنكبين والسرة والركبتين


300

أم يعتبر التعدد وان حصل الستر بواحد منه؟ قولان، ظاهر النص والفتوى اعتبار التعدد وعدم كفاية ثوب واحد، ونقل عن كاشف اللثام أن الميزان في لباس الاحرام، رعاية الستر ولو حصل من واحد، وعن الشهيد رحمه الله بعد ما أوجب لبس الثوبين انه قال: لو كان الثوب طويلا فاتزر ببعضه وارتدى بالباقي أو توشح به أجزأه.

ولكنه مشكل، فان حمل ما تدل على لبس الثوبين على ما يحصل به الستر، وجعل ذلك هو الملاك والميزان في ثوبي الاحراماجتهاد في مقابل النص، مضافا إلى ان المتعارف في ستر المنكبين والسرة إلى الركبتين ايضا هو التعدد لا الواحد، ولا دليل على كونه في الازمنة السابقة واحدا.

فيما يشرتط في ثوبي الاحرام

قال المحقق رحمه الله: ولا يجوز الاحرام فيما لا يجوز لبسه في الصلاة، أما عدم الجواز في بعض ما لا يجوز الصلاة فيه فمما لا اشكال ولا خلاف فيه ولا يحتاج إلى دليل خاص، بل يكفى الدليل العام فيه، كعدم جواز الاحرام في المغصوب واجزاء الميتة، والذهب والحرير الخالص للرجال.

فان الاحرام أمر عبادي يشترط فيه القربة ولا يتمشى التقرب بما يكون لبسه والتقلب فيه حراما، سواء قلنا باجتماع الامر والنهى أم لم نقل، لعدم حصول القربة بما ذكر، ففى مثل لا يحتاج إلى دليل خاص.


301

وأما غيرها كاشتراط الطهارة وعدم كونه نجسا فيحتاج إلى الدليل ولا يكفي دليل عدم جواز الصلاة فيه، في اثبات الحكم والقول بعدم جواز الاحرام فيه ايضا، كأجزاء غير المأكول، فلا بد من التأمل في الاخبار المروية لكي يتضح الحال: منها ما عن حريز عن ابى عبد الله عليه السلام قال:

كل ثوب تصلي فيه

فلا بأس أن تحرم فيه (1).

ومفهومه أن كل ما لا تصح الصلاة فيه، ففي الاحرام فيه بأس ومنع، فيستفاد من الرواية ان كل ما لا تجوز الصلاة فيه كالميتة وأجزاء ما لا يؤكل لحمه والذهب والحرير الخالص للرجال لا يصح الاحرامفيه، وان كان دعوى الكلية في المفهوم لا يخلو من بحث.

وأما شرطية الطهارة مضافا إلى شمول عموم المفهوم له يؤيدها رواية معاوية بن عمار قال: سألته (ابا عبد الله) عن المحرم يصيب ثوبه الجنابة.

قال: لا يلبسه حتى يغسله واحرامه تام (2).

وصحيحة الاخر عن ابى عبد الله عليه السلام ايضا قال: سألته عن المحرم يقارن بين ثيابه التي احرم فيها وبين غيرها.

قال: نعم إذا كانت طاهرة (3).

يعلم من الروايتين أن المحرم لا يجوز له لبس الثوب النجس سواء كان ثوبا أحرم فيه أو غيره.

ولا فرق في ذلك بين الابتداء

(1) الوسائل ج 9 الباب 27 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(2 و 3) الوسائل ج 9 الباب 37 من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 - 2.


302

واستدامة، بل يستأنس منهما شرطية طهارة البدن أيضا وان لم يتعرض له الاصحاب الا بعض المتأخرين، وكذا يستأنس أن لبس كل ثوب نجس سواء كان معفوا في الصلاة أم لا، لا يجوز للمحرم ولكن يقيد هذا الاطلاق بما تقدم عن حريز عن ابى عبد الله عليه السلام من قوله (كل ثوب يصلى فيه فلا بأس ان تحرم فيه)، فيستفاد ان ما كان معفوا

في الصلاة فهو معفو أيضا في ثوبي الاحرام.

واما الحرير الخالص فلا يجوز لبسه للرجال ولا الاحرام فيه، ويدل عليه ما تقدم في رواية حريز من المفهوم العام.

مضافا إلى أن الاحرام لما كان امرا عباديا يشترط فيه قصد التقرب، فحيث ان لبس الحرير حرام على الرجال لا يتمشى منهقصد التقرب لكونه مبغوضا عند الشارع، فلا يكون مطلوبا عنده.

عن ابى بصير قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الخميصة سداها ابريسم ولحمتها من غزل.

قال: لا بأس بأن يحرم فيها، انما يكره الخالص (1).

ومثله رواية سعيد الاعرج سعيد الاعرج عن ابى الحسن النهدي قال: سأل سعيد الاعرج وأنا عنده عن الخميصة سداها ابريسم ولحمتها من غزل (مرغزي)، فقال: لا بأس بأن يحرم فيها، انما يكره الخالص منها (2).

والظاهر أن المسئول عنه هو الامام عليه السلام، وكذا المراد

(1 و 2) الوسائل ج 9 الباب 29 من ابواب الاحرام الحديث 1 - 3.


303

من الكراهة هو النهي، لمعروفية حرمة الخالص من الحرير.

وأما المخلوط من الحرير فلا اشكال في جواز الاحرام فيه، ويدل عليه ما روى حنان بن سدير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كنت جالسا عنده فسئل عن رجل يحرم في ثوب فيه حرير، فدعا بأزار قرقبي فقال: فأنا أحرم في هذا وفيه حرير (1).

هذا بالنسبة إلى الرجال، وأما النساء فلبس الحرير الخالص والاحرام فيه لا يبعد القول بجوازه لهن، ولكن الاحوط تركه.

قال المحقق: وهل يجوز الاحرام في الحرير للنساء؟ قيل نعم لجواز لبسهن في الصلاة انتهى.

واختاره المفيد وابن ادريس ونسسب إلى اكثر المتأخرين أيضا ولا يبعد القول به.

وقيل لا يجوز كما عن الشيخ والصدوق وظاهر عبارتي السيدوالمفيد، وهو المطابق للاحتياط، لاختلاف الاخبار في المسألة وان نفينا البعد عن القول بالجواز نظرا إلى رواية حريز المتقدمة عن ابى عبد الله عليه السلام (كل ثوب تصلي فيه فلا بأس ان تحرم فيه) وصلاة المرأة في الحرير الخالص لا اشكال فيها، فيكون احرامها فيه أيضا كذلك، ولكن الاخبار كما أشير مختلفة الدلالة، والاولى الاشارة إليها أيضا: عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: المرأة تلبس القميص تزره عليها، وتلبس الحرير والخز والديباج

(1) الوسائل ج 9 الباب 29 من ابواب الاحرام الحديث 2.


304

فقال: نعم لا بأس به وتلبس الخلخالين والمسك (1) ودلالتها على الجواز صريحة.

وعن النصر بن سويد عن ابى الحسن عليه السلام سألته عن المرأة المحرمة أي شئ تلبس من الثياب؟ قال: تلبس الثياب كلها الا المصبوغة بالزعفران والورس، ولا تلبس القفازين، ولا حليا تتزين بها لزوجها، ولا تكتحل الا من علة، ولا تمس طيبا، ولا تلبس حلبا ولا فرندا، ولا بأس بالعلم في الثوب (2).

وهي تدل على جواز الاحرام في الحرير الخالص ولبسه بقوله (تلبس الثياب كلها) الشامل باطلاقة الحرير.

ويظهر من بعض الروايات أيضا عدم الجواز في الحرير الخالص للنساء، فمنها ما روى عن ابى عيينة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته ما يحل للمرأة ان تلبس وهي محرمة.

فقال: الثياب كلها ماخلا القفازين والبرقع والحرير.

قلت: أ تلبس الخز؟ قال: نعم قلت: فان سداه ابريسم وهو حرير.

قال: ما لم يكن حريرا خالصا فلا بأس (3).

وهذه الرواية كما ترى تدل على عدم جواز الاحرام في الحرير المحض للنساء، ومثل ما روى عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه

(1) الوسائل ج 9 الباب 33 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(2) الوسائل ج 9 الباب 49 من ابواب تروك الاحرام الحديث 3.

(3) الوسائل ج 9 الباب 33 من ابواب الاحرام الحديث 3.


305

السلام قال: لا بأس أن تحرم المرأة في الذهب والخز وليس يكره الا الحرير المحض (1).

وعن ابى بصير المرادي انه سأل ابا عبد الله عليه السلام عن القز تلبسه المرأة في الاحرام.

قال: لا بأس، انما يكره الحرير المبهم (2).

وعن سماعة انه سأل ابا عبد الله عليه السلام عن المحرمة تلبس الحرير.

فقال: لا يصلح أن تلبس حريرا محضا لا خلط فيه (3).

وعن عيص بن القاسم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير والقفازين (4).

وعن اسماعيل بن الفضيل قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المرأة هل يصلح لها أن تلبس ثوبا حريرا وهى محرمة.

قال: لا ولها أن تلبس في غير احرامها (5).

وعن ابى الحسن الاخمسي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن العمامة السابرية فيها علم حرير تحرم فيها المرأة.

قال:نعم انما يكره ذلك إذا كان سداه ولحمته جميعا حريرا.

وتلك الرواية تدل على عدم الاحرام في الحرير الخالص

(1) الوسائل ج 9 الباب 33 من ابواب الاحرام الحديث 4.

(2) الوسائل ج 9 الباب 33 من ابواب الاحرام الحديث 5.

(3) الوسائل ج 9 الباب 33 من ابواب الاحرام الحديث 7.

(4) الوسائل ج 9 الباب 33 من ابواب الاحرام الحديث 9.

(5) الوسائل ج 9 الباب 33 من ابواب الاحرام الحديث 11.


306

للنساء والكراهة في المبهم.

والروايتان المتقدمتان عن يعقوب بن شعيب ونضر بن سويد تدلان بالصراحة أو بالاطلاق على الجواز.

وقد جمع الشيخ رحمه الله في التهذيب بحمل الطائفة الثانية على الممزوج والاولى على الخالص، وقال صاحب الجواهر: ولا ريب ان الاجتناب هو الاحوط، وان كان التدبر في النصوص ولو بملاحظة ( لا ينبغي ) و ( لا يصلح ) ولفظ (الكراهة) ونحو ذلك يقتتضي الحمل على الكراهة جمعا بين النصوص، وهو أولى من الجمع بينها بحمل نصوص الجواز على الممتزج ونصوص المنع على الخالص، من وجوه.

وما اختاره الجواهر هو المختار كما تقدم.

(فرع) ثم انه بناءا على جواز الاحرام في الحرير للنساء، فهل يلحق الخنثى بالانثى أو الرجل؟ فيه وجهان بل قولان، اقواهما وجوبالاحتياط عليه كما يأتي وجهه.

واما إذا قلنا بعدم الجواز لهن مثل الرجال، فلا يأتي البحث في الخنثى لعدم الجواز على كل حال، وقال صاحب الجواهر: في الحاق الخنثى في ذلك بالرجل أو بالمرأة، نظر كما في المسالك من تعارض الاصل والاحتياط، بل الاشكال في أصل جواز لبسه له


307

وان كان قد يقوى الاول، لان الاحتياط ما لم يكن واجبا للمقدمة لا يعارض الاصل.

والحق أن الاحتياط في المقام واجب، للعلم اجمالا اما بوجوب ستر البدن من الرجال أو حرمة لبس الحرير في ثوبي الاحرام، فيجب الاجتناب على كليهما، وأما في غير ثوبي الاحرام من سائر الالبسة والثياب فيجوز لها لبسه كما للنساء (1).

(فرع) كما أن لبس ثوبي الاحرام واجب على الرجل، فهل يجب على المرأة المحرمة، ام لا يجب عليها؟ قال صاحب الجواهر: الظاهر عدم وجوب لبس ثوبين لخصوص الاحرام للمرأة تحت ثيابها وان احتمله بعض، بل جعله أحوط، ولكن الاقوى ما عرفت خصوصا بعد عدم شمول النصوص السابقة للاناث الا بقاعدة الاشتراك التى يخرج منها هنا بظاهر النص والفتوى انتهى.

والتحقيق أن اعتبار لبس الثوبين على النساء ان لم يكن أقوى فهو الاحوط، فان ظاهر القول بوجوب لبس ثوبي الاحرام على الحاج، عام شامل للرجل والمرأة، وقد تقدم في صحيحة عبد الله ابن سنان الواردة في حج النبي صلى الله عليه وآله أنه امر الناس بأشياء منها لبس

(1) هكذا أفاد الاستاذ مد ظله الا أن الفرق بين ثوبي الاحرام وغيره غير واضح لتحقق العلم الاجمالي فيه أيضا.


308

الثوبين، وظاهرها أن جميع الناس من الرجال والنساء كانوا مأمورين به، مضافا إلى أن قاعدة الاشتراك تقتضي ذلك ولا دليل على الخروج منها.

وقد نقل عن الشيخ في النهاية أن ما يحرم على الرجال يحرم على النساء المحرمات أيضا، ويجب عليهن ما يجب عليهم، الا ما أخرجه الدليل كجواز لبس المخيط والحرير، ولم أجد في كتب اصحابنا بابا خاصا لاحرام النساء.

نعم روى في الجعفريات بسنده عن علي بن الحسين عليه السلام ان ازواج رسول الله صلى الله عليه وآله كن إذا خرجن حاجات خرجن بعبيدهن معهن عليهن الثيابين والسراويلات (1).

وفى الدعائم ونجاة العباد: تتجرد المحرمة في ثوبين أبيضين ثم قال: وهو محمول على الندب.

ومع ذلك كله الاحتياط عدم تركهن لبس الثوبين، بل الاولى الجمع بين الثوبين ولباس آخر.

(فرع)

يجوز للمحرم ان يلبس اكثر من ثوبين،

ولا يحتاج ذلك إلى دليل خاص إذا لم يكن ممنوعا لبسه كالمغصوب ونحوه للاصل، ولان ما يدل على وجوب لبس الثوبين لم يقيد بعدم الزيادة عليهما بل هو حكم لا بشرط، مع دلالة بعض النصوص عليه أيضا، ولا يختص بصورة الاضطرار والضرورة.

(1) الجعفريات المطبوعة مع قرب الاسناد ص 64.


309

على الحلبي قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المحرم يتردى بالثوبين.

قال نعم والثلاثة ان شاء يتقى بها البرد والحر (1).

وشرط الاتقاء من البرد ليس قيدا للجواز، بل هو بيان الداعي من هذا الامر، فلا يختص بصورة الحاجة ولا يقيد بها، وان كان العلامة في المنتهى عبر بمضمون الرواية، ولكن كلامه يدل على عدم تقيد الحكم بالضرورة حيث قال: انه حكم موافق للاصل.

نعم يشترط في الزائد ان لا يكون متنجسا ولا مغصوبا ولا حريرا ولا مخيطا وغيرها مما يكون ممنوعا في ثوبي الاحرام ولا يجوز الصلاة فيه، لرواية حريز (كل ثوب تصلي فيه فلا بأس ان تحرم فيه) (2).

ثم انه هل يشترط أن يكون الزائد رداء أو ازارا على هيئة تكون في الثوبين أو لا يعتبر ذلك؟ الظاهر عدم اعتباره، للاصل وعدم الدليل على لزوم هيئة خاصة في غيرهما.

(مسألة)

يجوز للمحرم أن يبدل ويحول ثياب احرامه،

والمراد منه التبديل بثوب غير ما أحرم فيه لا القلب والنقل.

وقال صاحب الجواهر: لا يجب استدامة اللبس ما دام محرما

(1) الوسائل ج 9 الباب 30 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(2) الوسائل 9 الباب 27 من ابواب الاحرام الحديث 1.


310

كما قطع به في المدارك، للاصل بعد صدق الامتثال.

عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث: ولا بأس أن يحول المحرم ثيابه.

قلت: إذا أصابها شئ يغسلها.

قال: نعم ان احتلم فيها (1).

وعن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال أبو عبد الله: لا بأس بأن يغير المحرم ثيابه، ولكن إذا دخل مكة لبس ثوبي احرامه اللذين احرم فيها وكره أن يبيعها (2).

قال الصدوق: وقد روى رخصة في بيعها مع الكراهة (3).

وعن الحلبي في حديث سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المحرم يحول ثيابه.

فقال: نعم.

وسألته: يغسلها إذا أصابها شئ.

قال: نعم (4).

وعنه أيضا عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: لا بأس ان يحول المحرم ثيابه (5).

وعن محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يحرم في ثوب وسخ.

قال: لا ولا أقول انه حرام ولكن

(1) الوسائل ج 9 الباب 38 من ابواب تروك الاحرام الحديث 2.

(2) الوسائل ج 9 الباب 31 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(3) الوسائل ج 9 الباب 31 من ابواب الاحرام الحديث 3.

(4) الوسائل ج 9 الباب 31 من ابواب الاحرام الحديث 4.

(5) الوسائل ج 9 الباب 31 من ابواب الاحرام الحديث 3.


311

تطهيره أحب الي وطهوره غسله، ولا يغسل الرجل ثوبه الذى يحرم فيه حتى يحل وان توسخ الا أن تصيبه جنابة أو شئ فيغسله (1).

وهى تدل على وجوب استدامة اللبس، وأنه لا يجوز التبديل الا إذا أصابه شئ، فما عن المدارك من أنه لا يجب الاستدامة بعد صدق الامتثال للاصل، لا يخلو من شئ، فان الامتثال في لبس الثوب ظاهره الاستدامة فيه، وليس نظير التلبية وصلاة الاحرام التي يتحقق الامتثال فيهما بوجود الطبيعة وحدوثها، ولا يحتاج إلى الاستدامة.

مضافا إلى ان السيرة قبل البعثة وكذا بعدها، على استدامة اللبس، بل يكره بيع ثوب الاحرام ويستحب الكفن به والطواف معه (2).

فعلى هذا، الاحوط لو لم يكن أقوى ان لا يبدل ثوب الاحرام الا إذا اقتضت الضرورة من اصابة شى وجنابة، راعيا في ذلك أيضا الهيئة في الرداء والازار، بل يستحب الطواف في الثوب الذى أحرم فيه كما في صحيح معاوية بن عمار المتقدمة.

فعلى هذا ان كان مراد المدارك تبديل ثوبي الاحرام بثوب آخر مثلهما مع حفظ هيئة الاحرام وعدم وجوب استدامة عين ثوب الاحرام، فلا مانع منه، وتدل عليه الروايات، وأما لو كان المراد تبديل ثوبي الاحرام

(1) الوسائل ج 9 الباب 38 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(2) الوسائل ج 9 الباب 31 من ابواب الاحرام الحديث 1.


312

بغيرهما وتغيير هيئة الاحرام والخروج عن زي المحرم، فهو مشكل.

(مسألة) إذا لم يكن معه ثوبا الاحرام وكان له قباء جاز لبسه مقلوبا،بأن يجعل ذيله على كتفه أو يجعل باطنه ظاهرا، ولا يدخل يديه في كميه، أو لبسه مقلوبا منكوسا، بأن يجعل أسفله أعلاه وظاهره باطنا كما يجوز له لبسه كذلك إذا اضطر إليه لبرد أو مرض وان كان له ثوبا الاحرام.

وادعي عدم الخلاف في أصل الحكم، وعن التذكرة انه موضع وفاق، وتدل عليه النصوص: منها ما عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا اضطر المحرم إلى القباء، ولم يجد ثوبا غيره فليلبسه مقلوبا ولا يدخل يديه في يدى القباء (1).

وعن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: يلبس المحرم الخفين إذا لم يجد نعلين، وان لم يكن له رداء طرح قميصه على عنقه (عاتقه) أو قباء بعد أن ينكسه (2).

وعن مثنى الحناط عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من اضطر إلى الثوب وهو محرم وليس معه الا قباء فلينكسه وليجعل أعلاه أسفله

(1) الوسائل ج 9 الباب 44 من ابواب تروك الاحرام الحديث 1.

(2) الوسائل ج 9 الباب 44 من ابواب تروك الاحرام الحديث 2.


313

ويلبسه (1).

وعن علي بن ابى حمزة عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: وان اضطر إلى قباء من برد ولا يجد ثوبا غيره فليلبسه مقلوبا ولا يدخل يديه في يدى القباء (2).

وعن جميل عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من اضطر إلىثوب وهو محرم وليس له الا قباء فلينكسه وليجعل اعلاه اسفله وليلبسه (3).

وعن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام في حديث قال: ويلبس المحرم القباء إذا لم يكن له رداء ويقلب ظهره لباطنه (4).

فهذه ستة روايات في المسألة ويوجد اكثر منها لا حاجة لذكرها فهل مفاد الجميع ان من يرد الاحرام وأداء هذا التكليف وليس له رداء ومعه قباء فليحرم في قبائه مقلوبا أو منكوسا عوضا عن الرداء أو المفاد أن المحرم بعد تحقق احرامه وانعقاده إذا اضطر إلى لبس القباء لبرد أو مرض فليلبسه مقلوبا أو منكوسا.

الظاهر من جملة (إذا اضطر المحرم) كما في الرواية الاولى والثالثة والرابعة والخامسة الاضطرار إلى لبس القباء في قضاء حوائجه

(1) الوسائل ج 9 الباب 44 من ابواب تروك الاحرام الحديث 3.

(2) الوسائل ج 9 الباب 44 من ابواب تروك الاحرام الحديث 5.

(3) الوسائل ج 9 الباب 44 من ابواب تروك الاحرام الحديث 8.

(4) الوسائل ج 9 الباب 44 من ابواب تروك الاحرام الحديث 7.


314

الشخصية الطبيعية لا لاداء التكليف الثابت عليه من لزوم الاحرام لحج أو عمرة.

وهذا لا اشكال فيه ولا كلام، فان المحرم يحل له عندا لاضطرار ما كان حرم عليه بالاحرام، سواء كان لبس المخيط أو غيره من تروك الاحرام.

وأما الظاهر من الرواية الثانية والسادسة وجوب لبس القباءمقلوبا أو منكوسا عند الاحرام إذا لم يكن له رداء بدلا عنه، وهذا محط البحث في المسألة.

ثم انه بناءا على وجوب

الاحرام في القباء مقلوبا

إذا لم يجد رداء، لا يشترط فيه عدم وجدان الازار، بل يجوز لبس البقاء وان كان الازار موجودا، كما هو كذلك عند الاضطرار لبرد وغيره.

وأما كيفية اللبس مقلوبا بأن يجعل ويقلب ظهره بطنه ولا يدخل يديه في يدى القباء ولا يشترط النكس بأن يجعل اعلاه أسفله لعدم تصور ادخال اليدين في يدى القباء حينئذ حتى ينهى عنه، كما صرح به في الروايات المتقدمة، وهو المتبادر من لبس القباء مقلوبا وان دخل كتفاه فيه وتسترا به.

ولكن يمكن أن يقال: انه كما يصدق لبس القباء على ما هو المتعارف المتداول لبسه بادخال اليدين في يديه، فكذلك يصدق على لبسه بادخال الكتفين فيه وان قلب ظهره بطنه، فيكون لبسا منهيا عنه، ويصح أن يقال: انه لبس قباءه مثل الرداء حقيقة.


315

وعلى هذا فالقدر المتيقن من لبس القباء مقلوبا أن لا يدخل فيه كتفيه ايضا، ولدا أفتى الشيخ بلزوم الكفارة إذا أدخل كتفيه فيه أو لبسه نكسا، كما في رواية جميل ومثنى الحناط.

ولا تنافي بين الروايات في ذلك، إذا المستفاد من جميع النصوص ترخيص اللبس بكلتي الكيفيتين، بل لا يبعد الجمع بين الكيفيتين، بأن يلبسه مقلوبا مع جعل أسفله أعلاه، لشمول اطلاق قوله (ولينكسه وليجعل اعلاه أسفله) لصورة القلب.

وانكان لا يشمل اطلاق القلب لصورة النكس.

(نكتة): وهى أن جواز لبس القباء منكوسا أو مقلوبا وخروجه عن عموم المخيط المنهي لبسه، هل من باب التخصيص أو التخصص بمعنى أن لبس القباء مقلوبا أو منكوسا، هل كان داخلا في عموم النهي عن لبس المخيط ومشمولا لذلك العام، فيكون الترخيص في لبسه عند عدم وجدان الرداء أو الاضطرار تخصيصا له أو النهى عن لبس المخيط متعلق باللبس المتعارف المعمول بين الناس.

فعلى هذا لبس القباء منكوسا أو مقلوبا لم يكن منهيا من الاول لانطباق النهي على المصاديق العرفية المعمولة، وانصرافه عن غير المتعارف والفرد النادر، فلم يكن في حال الاختيار موردا للنهي فضلا عن الاضطرار.

والظاهر هو الاول، لشمول العموم للكيفيتين من اللبس، وكون الانصراف إلى المتعارف المعمول بدويا يزول بأدنى توجه وتأمل.


316

فان قيل: بناءا على ذلك يلزم جواز اللبس سواء كان مقلوبا أو غيره.

قلت: ان ترخيص اللبس مقلوبا أو منكوسا انما لرعاية الشباهة بالرداء وحفظ الهيئة المختصة بالمحرم، بل يؤيد حصر الترخيص بتلك الحالة والكيفية كونها محرمة في حال الاختيار.

(مسألة) يجوز لبس السراويل لمن ليس له ازار بدلا عنه، وان كان له رداء يستر عورتيه، بل الاحوط أن لا يترك ذلك.

ويدل عليه ما رواهمعاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: ولا تلبس سراويل الا أن لا يكون له ازار (1).

وعن حمران عن ابى جعفر عليه السلام قال: المحرم يلبس السراويل إذا لم يكن معه ازار، ويلبس الخفين إذا لم يكن معه نعل (2).

(تذييل) هل يكفي الاحرام في الجلود أم لا؟ أما المصنوع مما لا يؤكل لحمه فلا اشكال في عدم جواز الاحرام فيه، لمفهوم رواية حريز (كل ثوب تصلى فيه فلا بأس أن تحرم فيه).

وقد تقدم أن مفهوم رواية حريز انما يدل على ثبوت البأس

(1) الوسائل ج 9 الباب 50 من ابواب تروك الاحرام الحديث 1.

(2) الوسائل ج 9 الباب 50 من ابواب تروك الاحرام الحديث 3.


317

والمنع فيما لا تصح الصلاة فيه وأما ما يتخذ من الجلود مما يؤكل لحمه، أو من غير الحيوان من المصنوعات البدلية، أو من جنس النايلون فقيل لا، لما ادعى من عدم صدق الثوب عليها ولا أقل من الشك في صدقه على ذلك.

وهو باطلاقه مشكل، لما نرى في زماننا من اطلاق الثوب على أمثال ذلك، ومع ذلك الاحوط ترك الاحرام في الجلود وامثالها من المصنوعات البدلية والنايلون والبلاستيك.


318

في احكام الاحرام وهى في ضمن مسائل:(الاولى) لا يجوز لمن أحرم أن ينشئ احراما آخر حتى يكمل أفعال ما أحرم له، كذا قاله المحقق في الشرائع.

والمقصود ان من أحرم لنسك من المناسك لا يجوز له أن يحرم ثانيا لمثل ما أحرم له أو لغيره حتى يكمل مناسك ما أحرم له اولا، إذ يجب عليه الاتمام بلا خلاف، بل ادعى الاجماع عليه بقسميه.

ويدل عليه الكتاب والنصوص المشتملة على كيفية الحج.

وظاهر كلام المحقق عدم الفرق بين العامد والناسي والجاهل والعالم.

نعم لو كان ذلك عن عمد يبطل الاحرام ويعصى به ويعاقب عليه، بخلاف ما إذا نسي لعدم العصيان فيه أيضا، وان كان احرامه الثاني باطلا الا إذا كان بعد السعي كما ياتي.

(الثانية) لو أحرم متمتعا ودخل مكة وأحرم بالحج قبل التقصير


319

ناسيا لم يكن عليه شئ من دم وقضاء التقصير، وكانت عمرته صحيحة، واحرامه للحج أيضا صحيحا.

نظير من نسي السلام وشرع في صلاة اخرى.

ويدل عليه أيضا رواية عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل تمتع ونسي أن يقصر حتى أحرم بالحج.

قال: يستغفر الله (1).

والامر باستغفار وان لم يكن صريحا في الحكم، ولكنه بمناسبة الحكم والموضوع يعلم منه أن ذلك نظير من نسي وتكلم في الصلاة وأمر بالسجدة للسهو بعدها، في أن صلاته صحيحة الا أن السجدة وجبت عليه لتدارك المصلحة الفايتة أو لرفع النقص الحاصل بالتكلم نسيانا.

والاستغفار في المقام أيضا كذلك لكونه أمرا مندوباعلى كل حال وقد أمر به في المقام لتدارك ما فات من الثواب والكمال في حجه، لا لصدور الذنب وتحقق المعصية بترك التقصير نسيانا وبطلان عمله، إذ لو كان العمل باطلا من الاصل لكان اللازم بيانه.

وعن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت ابا ابراهيم عليه السلام عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فدخل مكة فطاف وسعى ولبس ثيابه وأحل، ونسي ان يقصر حتى خرج إلى عرفات.

قال: لا بأس به، يبنى على العمرة وطوافها وطواف الحج على أثره (2) وهي صريحة في صحة العمرة والحج إذا نسي التقصير وأحرم للحج.

(1) الوسائل ج 9 الباب 54 من ابواب الاحرام الحديث 1.

(2) الوسائل ج 9 الباب 54 من ابواب الاحرام الحديث 2.


320

وعن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل أهل بالعمرة ونسي أن يقصر حتى دخل في الحج.

قال: يستغفر الله ولا شى عليه وقد تمت عمرته (1).

ويعارض ما تقدم من الروايات، رواية العلاء بن الفضيل قال: سألته عن رجل متمتع طاف ثم أهل بالحج قبل أن يقصر.

قال: بطلت متعته هي حجة مبتولة (2).

وعن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: المتمتع إذا طاف وسعى ثم لبى بالحج قبل ان يقصر فليس له أن يقصر وليس عليه متعة (2).

وحيث أن الروايتين لم يذكر فيهما النسيان والجهل والعمد لا يمكن معارضتهما لما تقدم من النصوص الدالة على تمامية العمرةوالحج إذا نسي التقصير، ولهذا حملهما الشيخ وغيره على العامد وبهذا يرتفع التعارض بين الطائفتين.

وبالجملة المستفاد من النصوص أن من أحرم بالحج قبل أن يقصر من العمرة نسيانا ليس عليه شئ، وان عمرته تامة، وكذلك حجه، بل ادعي عليه الاجماع، وان كانت القاعدة الاولية تقتضي وجوب اتمام النسك الاولى وتكميلها ثم الشروع في النسك الثانية

(1) الوسائل ج 9 الباب 54 من ابواب الاحرام الحديث 3.

(2) الوسائل ج 9 الباب 54 من ابواب الاحرام الحديث 4.

(3) الوسائل ج 9 الباب 54 من ابواب الاحرام الحديث 5.


321

الا أن الاخبار واجماع العلماء قيدها بغير صورة النسيان.

فهذا مما لا كلام فيه، وانما الكلام في أنه هل يجب عليه دم أم لا؟ فيه وجهان، بل قولان، ومنشأهما الروايات المأثورة الدالة بعضها على عدم شئ عليه كما تقدم.

ويظهر من رواية اسحاق بن عمار أن عليه دما يهريقه، قال: قلت لابي ابراهيم عليه السلام: الرجل متمتع فينسى ان يقصر حتى يهل بالحج.

فقال: عليه دم يهريقه (1).

وقد جمع بينهما بحمل رواية اسحق على الندب ولا حظر فيه ولان غير الناسي في الصيد ليس عليه كفارة وان كان ذلك في المحرمات دون ترك الواجبات.

(فرع) لو أحرم متمتعا ودخل مكة وأحرم بالحج قبل التقصير عامدا بطلت عمرته وصارت حجته مبتولة، كذا ذكره المحقق فيالشرائع، ونسبه في الدروس والمسالك إلى الشهرة، وقيل يبقى على احرامه الاول وكان الثاني باطلا، والاول هو المروى.

ومقتضى القاعدة في المسألة وجوب تتميم العمرة بالتقصير وعدم جواز الشروع في الاحرام الثاني الا بعد اتمام الاول بجميع مناسكه، فلو شرع في الثاني قبل اكمال الاول، اما يكون الثاني باطلا فقط، واما يكون مبطلا للاول ايضا.

ولكن ورد في روايتين موثقتين بل في المنتهى والمختلف

(1) الوسائل ج 9 الباب 54 من ابواب الاحرام الحديث 6.


322

والمسالك والروضة تصحيح احداهما ان ترك التقصير عمدا لا يوجب بطلان احرام العمرة، بل ينقلب إلى الحج كما في ذوي الاعذار.

عن العلاء بن الفضيل قال: سألته عن رجل متمتع طاف ثم أهل بالحج قبل أن يقصر.

قال: بطلت متعته، هي حجة مبتولة (1).

وعن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: المتمتع إذا طاف وسعى ثم لبى بالحج قبل أن يقصر فليس له ان يقصر وليس عليه متعة.

والمستفاد منها أن الاحرام الاول للعمرة المتمتع بها إلى الحج لا يبطل بترك التقصير عمدا والاهلال بالحج، بل يصير حجا مبتولا لا تمتعا، وهذا يخالف ما نقل عن ابن ادريس في السرائر حيث قال: لا يجوز ادخال العمرة في الحج ولا ادخال الحج في العمرة بمعنى أنه إذا احرم بالعمرة لا يجوز له أن يحرم بالحج حتى يفرغمن جميع مناسكه، وكذا إذا أحرم بالحج.

واليه اشار المحقق في كلامه حيث قال: وقيل يبقى على احرامه الاول وكان الثاني باطلا.

قال في السرائر: والذى تقتضيه الادلة وأصول المذهب، انه لا ينعقد احرامه بحج بعد ما أحرم بالعمرة حتى يتحلل منها، وقد أجمعنا على أنه لا يجوز ادخال الحج على العمرة ولا ادخال العمرة على

(1) الوسائل ج 9 الباب 54 من ابواب الاحرام الحديث 4.


323

الحج، قبل الفراغ من مناسكها انتهى.

وتبعه بعض الاصحاب في ذلك واستدل له بأمور: منها: ان الشروع في الثاني يوجب ابطال الاحرام الاول للنقص الحاصل فيه بترك التقصير.

وفيه: انه مدفوع بالروايتين المتقدمتين، إذ المستفاد منها أن الاحرام الاول لا يبطل بل ينقلب إلى الحج المبتول، وأما الاحرام الثاني فلا يصح.

ومنها: انه نوى التمتع باحرامه الاول الذى لا يتحقق الا باتمام العمرة ثم الشروع في الحج بعدها، وأما صيرورتها إلى الحج من دون قصد له من الاول لم يكن منويا، فما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع.

هذا صحيح على مبناه من عدم حجية اخبار الاحاد، وأما بناءا على العمل بالروايتين يكون المقام كذوي الاعذار وشبيه الحائض في انقلاب العمرة إلى الافراد من الحج، ولا مانع منه بعد الدليل.

ومنها: انه ان نوى التمتع من الحج الذى هو فرض للبعيد، فيجب عليه اتمام ذلك حتى يكون آتيا بما هو فرضه، ولا يجوز تبديل الفريضة بفريضة أخري وعمل آخر.

وفيه: انه بعد فتوى المشهور ودلالة الروايتين لا مانع من الالتزام بصيرورة عمرته حجة مبتولة، اما من حين الاحرام الاول أو من حين الاحرام الثاني، غاية الامر انه عن فريضة إذا


324

كان الواجب عليه التمتع (1).

هذا حكم الناسي والعامد، وأما الجاهل بالحكم فهل هو كالناسي حتى تكون عمرته تامة أو كالعامد فتكون حجته مبتولة؟ فيه وجهان، القدر المتيقن من الرواية الدالة على صحة الاحرام الاول وصيرورته العمرة حجة مبتولة، هو الجاهل بالحكم لخروج الناسي عنه قطعا كما تقدم، والعامد إذا كان عالما بالحكم، لعدم تمشي القربة منه، فيكون احرامه كالعدم، فالرواية شاملة للجاهل سواء ادعى شمولها للعامد أيضا أولا.

(فرع): لو أحرم لحج الافراد ودخل مكة جاز له أن يطوف ويسعى ويقصر

ويجعلها عمرة

يتمتع بها ما لم يلب، فان لبى انعقد احرامه.

وقيل لا اعتبار بالتلبية وانما هو بالقصد.

وقد قلنا فيما تقدم في مكلف يصح منه التمتع والافراد معا، انه يجوز له العدول إلى التمتع إذا أحرم للافراد ودخل مكة، ويصح احرامه قبل التلبية، لدلالة الاخبار عليه، ولكنها حملت على من لم يتعين عليه الافراد أو التمتع والا فلا يجوز.

وهكذا من أحرمللعمرة المفردة في أشهر الحج ودخل مكة يصح ان يجعلها عمرة يتمتع بها إلى الحج، للنصوص الدالة عليه.

(1) لا مانع من القول بالاجزاء بعد التسليم لدلالة الروايتين كغيره من ذوى الاعذار.


325

في احكام احرام الصبى قد تقدم أن الصبيان يجردون من فخ، والاجماع قائم على

جواز تأخير احرام الصبيان إلى فخ،

وقلنا ان المراد منه هل هو ترك الاحرام من الميقات إلى فخ أو المراد ترك التجريد من المخيط المحرم على المحرم.

ثم انه بناءا على كون المراد ترك التجريد وجواز لبس المخيط إلى فخ فهل الجواز مختص بالمخيط أو يعم كل ما يحرم على المكلفين ممن أحرموا من الميقات، كالنظر إلى المرأة والطيب والصيد وغيرها من المحرمات على المحرم.

كل ذلك يحتاج إلى دليل، والمهم نقل الاخبار الواردة في المقام.

لا يخفى ان الظاهر من النصوص المميزون من الصبيان لا جميعهم، ضرورة أن رفع التكليف عن الصبى انما يختص بالذين يصح منهم العبادة، الا أن الشارع رفع الالزام عنهم رحمة لهم


326

ورفقا بهم، وأما أصل المحبوبية والرجحان في اعمالهم، فهو باق على حاله.

وأما غير المميز منهم، فان دل الدليل على محبوبية احرامهمومطلوبيته، احرم بهم وليهم أن أراد والا فلا وجه لشمول الاطلاقات لهم.

ومن النصوص ما روى عن ايوب أخى اديم قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام من أين يجرد الصبيان؟ فقال: كان ابى يجردهم من فخ (1).

فهل المراد من التجريد احرامهم أو تجريدهم عن المخيط كما هو الظاهر من اللفظ، ثم انه بناءا على الثاني هل الجواز مختص بالمخيط أو يعم التروك، وكذلك هل يختص بصورة الضرورة والعذر أو شرع لتسهيل الامر على الصبيان، وان لم يكن الصبى مضطرا إلى لبس المخيط إلى فخ؟ فكل محتمل.

وعن يونس بن يعقوب عن ابيه قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ان معي صبية صغارا وأنا أخاف عليهم البرد فمن اين يحرمون؟ قال: ائت بهم العرج فليحرموا منها، فانك إذا اتيت بهم العرج وقعت في تهامه، ثم قال: فان خفت عليهم فائت بهم الجحفة.

وهذه الرواية يحتمل التعميم فيها وجواز تأخير الاحرام من

(1) الوسائل ج 8 الباب 17 من اقسام الحج الحديث 6.


327

الاصل، ولكن القدر المتيقن منها جواز تأخير التجريد لا الاحرام، وان كان الظاهر من سؤال الراوي (فمن أين يحرمون) وجواب الامام (ائت بهم العرج فليحرموا منها) الرخصة في تأخير الاحرام إلى الجحفة، ولكن لا يستفاد منه تخصيص أدلة وجوب الاحراممن الميقات لاجل أن الجحفة ميقات اضطراري لمن لا يتمكن من الاحرام من مسجد الشجرة أو يشق عليه.

وعن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة أو إلى بطن مرو، يصنع بهم ما يصنع بالمحرم يطاف بهم ويرمى عنهم، ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه (1).

وهذه الرواية أيضا ليست صريحة في تأخير الاحرام، بل يمكن ان يكون المراد من قوله عليه السلام (يصنع بهم ما يصنع بالمحرم) تجريدهم عن المخيط كما يجرد المحرم، فلا يخصص به عموم عدم جواز تأخير الاحرام من الميقات، ولا أدلة سائر المحرمات غير التجريد الذى صرح في الاخبار بجوازه، ويبقى عموم سائر المحرمات بحاله.

ثم ان

الهدي هل هو من مال الصبى أو الولي،

قال المحقق: ويجب على الولي الهدي من ماله أيضا، لانه كالنفقة الزائدة أو الصوم عنه إذا لم يجده.

(1) الوسائل ج 8 الباب 17 من اقسام الحج الحديث 3.


328

ويظهر من رواية أنه من مال الصبى، ولكنه يمكن حملها على أنه عن الصبى لا من الصبى.

وقال في الجواهر: مقتضى القاعدة ان يكون من مال الولي لانه السبب في صرف المال كما سيأتي انشاء الله تعالى.

عن اسحاق بن عمار قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عنغلمان لنا دخلوا معنا مكة بعمرة وخرجوا معنا إلى عرفات بغير احرام.

قال: قل لهم يغتسلون ثم يحرمون، واذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم (1).

وهي ظاهره في كون الذبح من مال الولي كما أن اذبحهم عن انفسهم من مالهم.

وعن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة أو إلى بطن مرو، يصنع بهم ما يصنع بالمحرم، يطاف بهم ويرمى عنهم، ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه (2).

وهذه الرواية تدل على أن الصبى إذا لم يجد هديا يصوم عنه وليه بدلا عن الهدي لم يجده الصبى، وظاهرها أنه كان من مال الصبى إذا وجده لا الولي، وان كان الصوم من الولي عوضا عن الصبى إذا لم يجد الهدي.

(1) الوسائل ج 8 الباب 17 من اقسام الحج الحديث 2.

(2) الوسائل ج 8 الباب 17 من اقسام الحج الحديث 3.


329

وفى الجواهر: وأما ما يظهر من صحيح معاوية بن عمار من اعتبار عدم وجدان الصبى الهدي في وجوب الصوم على الولى فلم نجد به قائلا، بل ظاهر الاصحاب خلافه، فيجب حمله على ارادة معنى ( عنهم ) من قوله ( منهم ).

وحاصله ان قوله (من لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه) بمعنى أن الولي الذى لا يجد الهدى عن الصبيان يصوم عنه.

وعن زرارة عن احدهما قال: إذا حج الرجل بابنه وهو صغير فانه يأمره أن يلبى ويفرض الحج، فان لم يحسن أن يلبى لبوا عنه ويطاف ويصلى عنه.

قلت: ليس لهم ما يذبحون.

قال: يذبح عن الصغار ويصوم الكبار ويتقى عليهم ما يتقى على المحرم من الثياب والطيب، وان قتل صيدا فعلى ابيه (1).

والمفروض في الرواية أن الصبى إذا لم يجد ما يذبح عنه يذبح ما وجد عن الصغار ويصوم الكبار عوضا عن الهدي، وليس المراد التفصيل بين الصغار، بان الكبار من الصبيان أي المميزين منهم يصومون ويذبح عن غيرهم، لعدم مطابقة الجواب للسؤال حينئذ، بل المراد بحسب الظاهر أن الولي يصوم عن نفسه ويذبح الهدي عن الصبى كما في رواية ابن اعين.

عن عبد الرحمن بن اعين قال: حججنا سنة ومعنا صبيان فعزت الاضاحي، فأصبنا شاة بعد شاة فذبحنا لانفسنا وتركنا صبياننا،

(1) الوسائل ج 8 الباب 17 من اقسام الحج الحدي


330

فأتى بكير أبا عبد الله عليه السلام فسأله فقال: انما كان ينبغي أن تذبحوا عن الصبيان وتصوموا أنتم عن انفسكم، ذا لم تفعلوا فليصم عن كل صبي منكم وليه (1).

والرواية صريحة في ان الهدي انما يكون من مالى الولى، فان لم يذبح عن الصبى يجب عليه أن يصوم بدله، ومثلها رواية أخرى ذكرها في الوسائل.

ثم انه هل يجب الصوم على الولي بدلا على الهدي إذا لم يجدهمطلقا أو لا يجب عليه الا إذا لم يتمكن الصبى عن الصوم، والا فيصوم الصبى لا الولي؟ وجهان.

قال المحقق: وروى أنه إذا كان الصبى مميزا جاز امره بالصيام عن الهدى، ولو لم يقدر على الصيام صام عنه وليه مع الجعز عن الهدي.

وأورد عليه صاحب الجواهر بعدم العثور على خبر بهذا المضمون.

ولكن يمكن أن يستدل له بما روى عن زرارة عن أحدهما قال: إذا حج الرجل بابنه وهو صغير، فانه يأمره أن يلبى ويفرض الحج، فان لم يحسن أن يلبى لبوا عنه ويطاف به ويصلى عنه.

قلت: ليس لهم ما يذبحون.

قال: يذبح عن الصغار ويصوم الكبار الخبر.

بناءا على أن المراد من الكبار المميزون من الصغار، وأما الصغار الذين يذبح عنهم فالمراد منهم غير المميزين على ما صرح

(1) الوسائل ج 10 الباب 3 من ابواب الذبح الحديث 3.


331

به غير واحد من الاصحاب، ولكن قد مر أن المراد غيره وان هذا الاحتمال مخالف للظاهر.

وما روي عن سماعة في موثقة سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أمر غلمانه أن يتمتعوا.

قال: عليه أن يضحي عنهم.

قلت: فانه أعطاهم دراهم بعضهم ضحى وبعضهم أمسك الدراهم وصام.

قال: قد أجزأ عنهم وهو بالخياران شاء تركها.

قال: ولو أنه أمرهم فصاموا أجزأ عنهم.

بناءا على أن

المراد من الغلمان الصبيان،

ولكن قد يقال: انالظاهر ارادة المماليك من الغلمان كما قد يقال ان القاعدة تقتضي أن يصوم الصبى فانه من النسك، فإذا قدر يجب عليه ان يأتي به بنفسه ولا ينوب عنه غيره كما في التلبية وغيرها ممن النسك التي يأتي بها الصبى إذا قدر عليها.

ويدفع بأن الهدي انما وجب على الولي لانه السبب لمؤنة زائدة على الصبى، فإذا لم يتمكن من الهدي عنه يجب عليه الصوم دونه، حتى لو صام الصبى يقتضى الاحتياط ان يصوم الولى عنه أيضا، ولا معنى للقول بأن وجوب الهدي انما هو بملاحظة ملازمة الصبى للولى، فلا يجب الصوم على الولى إذا لم يجد هديا وذلك لان ملازمة الصبى لا يلازم احرامه، فان الامر وان توجه إلى الصبى الا أن الولى لما كان باحرامه للصبى سببا لوجوب الهدي عليه يجب عليه أن يذبح عنه، وإذا لم يتمكن يصوم عنه، عوضا


332

عن الهدي الذى كان سببا لوجوبه عليه.

(فرع): لو لم يجد الا هديا واحدا فهل يذبحه لنفسه أو عن الصبى أو يتخير بين جعله لنفسه أو للصبي ويصوم عن آخر.

وجوه.

والقاعدة تقتضي التخيير، ولكن مقتضي الروايات أن يذبحه عن الصبى ويصوم لنفسه، وهو الافضل كما تقدم في رواية عبد الرحمن ابن اعين (1).

(فرع):

لو أتى الصبى المحرم بما يجب الكفارة

به لزم ذلك الولي في ماله كما قاله المحقق في الشرائع، ونقل عن القواعد والنهاية والكافي، وتقدم أيضا ما يدل على ذلك فيما رواه زرارةعن أحدهما في رجل حج بابنه إلى أن قال ويتقى عليهم ما يتقى على المحرم من الثياب والطيب، وان قتل صيدا فعلى ابيه (2).

وهذا لا بحث فيه، وانما ينبغي التأمل في أن المراد من الولى في الروايات هل هو الولي المصطلح عليه في الفقه حتى يشمل الحاكم ولا يشمل غير الولي الشرعي أو المراد من يتولى أمر الصبى في احرامه، واتيان النسك والنظارة في أعماله، وانما ذكر الاب من باب المثال لغلبة مباشرته أمر ابنه؟ الظاهر هو الثاني، ووجوب الكفارة عليه انما هو من جهة كونه السبب في ذلك، لانه أحرم به وفرض الحج عليه لا من جهة الولاية الشرعية.

(1) الوسائل ج 8 الباب 17 من اقسام الحج الحديث 5.

(2) الوسائل ج 8 الباب 17 من اقسام الحج الحديث 5.


333

ثم ان وجوب الكفارة على الولي هل يختص بما إذا قتل الصبى المحرم صيدا أو يعم جميع المحرمات التى يوجب الكفارة عمدا وسهوا مثل الصيد؟ مقتضى القاعدة الاولية ان عمدا الصبى خطا، لا شئ عليه أصلا لا عمدا ولا سهوا، لكن المشهور ثبوت الكفارة على الصبى إذا قتل الصيد عمدا للصحيحة المتقدمة، بل ثبوتها عليه في كل فعل محرم يوجب الكفارة على البالغ، وعدم تخصيص الحكم بقتل الصيد فقط، فان ذكر الصيد في الصحيحة انما هو من باب أنه أحد المصاديق من المحرمات، غاية الامر ان ما يجب على الصبى من الكفارات انما يدفع من مال الولي لانه السبب في ذلك، ولا يبقى وجه لما استدل به لنفى الكفارة من الوجوه الثلاثة بعد دلالةالصحيحة على ثبوتها فيما ارتكبه الصبى: منها ان أدلة الكفارة منصرفة عن الصبى، ومنها ان عمد الصبى خطأ، فلا كفارة عليه في العمد فضلا عن النسيان.

والقول بأن عمده خطأ في الديات لا في غيرها، مدفوع بعموم التنزيل ونفي الحكم وعدم الخطاب إليه اصلا.

اللهم أن يقال: ان حكم المحرمات في المقام كالاحكام الوضعية المترتبة على أفعال الصبى أيضا، وان لم يتوجه إليه خطاب تكليفي، ومنها ان الكفارة انما جعلت عقوبة على ما ارتكبه المحرم من العصيان والخروج عن الوظيفة الشرعية، ولا عقوبة على الصبى الذى رفع القلم عنه حتى يحتلم، لكي يترتب عليها كفارة ليتدارك


334

بها ما فاته من المصلحة الاخروية، أو يمنع بها عن العقوبة الاخروية.

فان الاستدلال بهذه الوجوه، في مقابل الصحيحة وعمل المشهور اجتهاد في مقابل النص أو قياس منهي في الشرع.

ثم ان حكم الفداء كحكم الكفارة لا فرق بينهما وان فصل بعض بأن الفداء من مال الصبى دون الكفارة، لكن الحق أن حكمهما واحد وكليهما من مال الولي.

نعم يجب عليه أن ينهى الصبى عما يوجب الكفارة والفداء أولا، وأما لو ارتكب ولم ينته عنه يجب على الولي الفداء من ماله وأما غير الكفارة والفداء فيترتب على أفعال الصبى كما يترتب على الكبير المحرم، فيكون الجماع قبل السعي مفسدا للعمرة والحج قبل الوقوفين، وكذا حال الاحرام.

نعم وقع النزاع

والخلاف فيما إذا عقد الولي لصبيه حال احرام الصبى،

فهل يحرم عليه إلى الابد أو يبطل النكاح فقط، أولا يؤثر عقد الولى شيئا؟ فقد مال بعض إلى البطلان والحرمة الابدية لكن الحق أن ولاية الاب على الابن فيما هو مشروع له وجائز، ولا ولاية له عليها فيما لا يجوز له شرعا فعقده كلا عقد في عدم التأثير.

(مسألة) قال المحقق: إذا اشترط في احرامه أن يحل حيث حبس ثم احصر تحلل فهل يسقط الهدي؟ قيل نعم.

لا اشكال في استحباب هذا الشرط شرعا، وكذا في جواز الاحلال من حيث حبس وأحصر إذا اشترط ذلك، كما يجوز له


335

الاحلال وان لم يشترط، وانما الاشكال في أن الاشتراط هل يوجب سقوط الهدي أم لا كما إذا لم يشترط ذلك.

وجهان، بل قولان، قيل نعم، ونقل عن المرتضى والحلي ويحيى بن سعيد وعن التذكرة فعلى هذا لو أحرم واشترط في احرامه ان يحله الله حيث حبسه ثم أحصر يحل بمجرد الاحصار، من غير أن يحتاج إلى الهدي.

وقال صاحب الجواهر في شرح قول المحقق (قيل نعم): بل الاجماع عليه، بل لا فائدة لهذا الشرط الا ذلك، وهو الحجة بعد صحيح ذريح المحاربي.

واطلاق الاية الكريمة الدالة على عدم الاحلال حتى يبلغ الهدي محله، محمول على من لم يشترط التحلل في احرامه، قال عزوجل (فان احصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) (1).

والمراد من الاجماع المكرر في كلمات الاصحاب الاجماعالدخولي، بمعنى العلم بقول الامام في المسألة، فيصح دعواه لرواية معتبرة مقطوع بها، فلا يكون دليلا مستقلا.

وأما الصحيح فعن ذريح المحاربي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل متمتع بالعمرة إلى الحج وأحصر بعد ما أحرم كيف يصنع؟ قال: فقال أو ما اشترط على ربه قبل أن يحرم أن يحله من احرامه عند عارض عرض له من امر الله؟ فقلت: بلى قد

(1) سورة البقرة الاية 192.


336

اشترط ذلك.

قال: فليرجع إلى اهله حلا لا احرام عليه، ان الله أحق من وفى بما اشترط عليه.

قال: فقلت أفعليه الحج من قابل؟ قال: لا (1).

وحيث أن من أحرم لحجه الواجب المستقر عليه إذا أحصر ولم يأت بالفريضة يجب عليه الحج من قابل، فلابد من حمل الرواية على من حج تطوعا أو احرم بغير المستقر، وعلى أي حال لا يجب عليه الهدي ويحل من الاحرام ولا شئ عليه.

وروى احمد بن ابى نصر البزنطي قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن محرم انكسرت ساقه أي شئ يكون حاله وأى شئ عليه؟ قال: هو حلال من كل شئ.

فقلت: من النساء والثياب والطيب.

فقال: نعم من جميع ما يحرم على المحرم.

ثم قال: أما بلغك قول ابى عبد الله عليه السلام حلنى حيث حبستنى لقدرك الذى قدرت.

قلت: أصلحك الله ما تقول في الحج؟ قال: لابد من أن يحج من قابل.

فقلت: اخبرني عن المحصور والمصدود هماسواء.

فقال: لا.

قلت: فأخبرني عن النبي (ص) حين صده المشركون قضى عمرته.

قال: لا ولكنه اعتمر بعد ذلك (2).

وظاهر الرواية ان الامام عليه السلام فرض مورد السؤال صورة اشتراط المحرم الحل من حيث حبسه الله، ثم اجابه بأنه حلال من

(1) الوسائل ج 9 الباب 24 من ابواب الاحرام الحديث 3.

(2) الوسائل ج 9 الباب 8 من ابواب الاحصار الحديث 1.


337

كل شئ، فلما تعجب الراوي فسأل من النساء والطيب قال (ع): أما بلغك قول ابى عبد الله عليه السلام (حلني حيث حبستنى لقدرك الذى قدرت على ذلك) ثم أجاب عن وجوب الحج عليه من قابل لاستقرار وجوب الحج عليه.

وكيف كان دلالتها على الاحلال بمجرد عروض العارض من غير حاجة إلى هدي وحلق وقصد الاحلال تامة لا خفاء فيها الا انها غير معمول بها عند الاصحاب، ولذا قال المحقق بعد نقل القول بسقوط الهدي: وقيل لا يسقط، وهو الاشبه.

وقال صاحب الجواهر في شرح كلام المحقق (وهو الاشبه) بأصول المذهب وقواعده التى منها الاصل وعموم الاية وغيرها، والاحتياط وقول الصادق عليه السلام في خبر عامر بن عبد الله بن جذاعة المروي عن الجامع من كتاب المشيخة لابن محبوب: في رجل خرج معتمرا فاعتل في بعض الطرق وهو محرم.

قال (ع): ينحر بدنة ويحلق رأسه ويرجع إلى رحله ولا يقرب النساء، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما فان برأ من مرضه اعتمر ان كان لم يشترطعلى ربه في احرامه، وان كان قد اشترط فليس عليه أن يعتمر الا أن يشاء فيعتمر الخبر.

الظاهر أن الاستدلال بالاصل مع وجود الاخبار ودلالتها على عدم سقوط الهدي مضافا إلى صراحة الاية غير وجيه.

ورواية ذريح المحاربي المتقدمة الدالة على الاحلال بمجرد الحصر لا تدل على


338

سقوط الهدي وكذا صحيحة البزنطي، إذ يمكن حملهما على صورة ارسال الهدي وحصول الاحلال بعده، لعدم العمل من الاصحاب على ظاهرهما، ومع الاجمال فيهما يبقى اطلاق الاية على حاله، ويلزم الهدي ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله.

وتدل عليه ايضا أخبار: ( منها ) ما عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: ان الحسين بن علي عليه السلام خرج معتمرا فعرض في الطريق فبلغ عليا ذلك وهو بالمدينة، فخرج في طلبه فأدركه بالسقيا وهو مريض بها فقال: يا بني ما تشتكي.

فقال: اشتكي رأسي فدعا علي ببدنة فنحرها وحلق رأسه ورده إلى المدينة، فلما برأ اعتمر.

فقلت: أرأيت حين برأ احل له النساء.

فقال: لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة.

فقلت: فما بال النبي صلى الله عليه وآله حين رجع إلى المدينة حل له النساء ولم يطف بالبيت.

فقال: ليس هذا مثل هذا، النبي كان مصدودا والحسين محصورا (1).

ويظهر من الرواية أن فائدة الاشتراط مع الاجماع على جوازالاحلال إذا أحصر سواء شرط أم لا ليس الاحلال قهرا، بل فائدته ترتب الثواب عليه لا سقوط الهدي.

(فرع) إذا تحلل المحصور لا يسقط عنه الحج في القابل ان

(1) الوسائل ج 9 الباب 1 من ابواب الاحصار الحديث 3.


339

كان واجبا، نعم يسقط ان كان مندوبا كذا قاله المحقق.

والمقصود أنه إذا اشترط في احرامه التحلل حيث احصر ثم أحصر فتحلل مع الشرائط المعتبرة فيه، فهل يجب عليه العمرة أو الحج في القابل أم لا؟ وجهان بل قولان، والاخبار في المقام مختلفة الدلالة، فيدل بعضها على أن عليه الحج من قابل، وبعضها على انه ليس عليه شئ.

ففي رواية ذريح المحاربي قال: فقلت أفعليه الحج من قابل؟ قال: لا.

وروى عن ابى الصباح الكنانى فيمن يشترط في احرامه الاحلال قال: فقلت له فعليه الحج من قابل.

قال: نعم (1).

ومقتضى الجمع بين الطائفتين أن يقال: ان من استقر عليه الحج والعمرة سابقا فعليه الاعادة في القابل، واما إذا كان مندوبا واشترط الاحلال وأحصر فتحلل لا يجب عليه الاعادة، والشاهد على هذا الجمع ما تقدم من رواية عامر عن مشيخة ابن محبوب، وفيها (ويجب أن يعود للحج الواجب المستقر وللاداء ان استمرت الاستطاعة في قابل والعمرة الواجبة كذلك في أشهر الداخل وان كانا متطوعين فيهما بالخيار) (2).

(فرع) فهل تحل له النساء إذا أحصر وأحل من موضع الحصر

(1) الوسائل ج 9 الباب 24 من ابواب الاحرام الحديث 3.

(2) الجواهر كتاب الحج ص 261.


340

أو لا يحل الا بعد طواف النساء؟ والمشهور انه لا تحل النساء له الا بعد الطواف في الحج والعمرة إذا كان واجبا، فيجب عليه ان يطوف طواف النساء بنفسه.

نعم يجوز في المندوب نيابة الغير عنه وتدل عليه روايات: ( منها ) عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: المصدود تحل له النساء والمحصور لا تحل له النساء (1).

وعنه أيضا عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث: ان الحسين ابن على (ع) خرج معتمرا فمرض في الطريق إلى أن قال فدعا علي ببدنة فنحرها وحلق راسه ورده إلى المدينة، فلما برأ من وجعه اعتمر.

فقلت: ارأيت حين برأ من وجعه أحل له النساء.

فقال: لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة الخبر.

وفى مقابل القول المشهور روايات اخرى تدل على أن النساء تحل له ولا يحتاج إلى الطواف (2).

( منها ) ما عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: المصدود يذبح حيث صد ويرجع صاحبه فيأتي النساء، والمحصور يبعث بهديه فيعدهم يوما فإذا بلغ الهدي أحل هذا في مكانه.

قلت: ارأيت ان ردوا عليه دراهم ولو يذبحوا عنه وقد أحل فأتى النساء.

قال:

(1) الوسائل ج 9 الباب 6 من ابواب الاحصار الحديث 1.

(2) الوسائل ج 9 الباب 1 من ابواب الاحصار الحديث 2.


341

فليعد وليس عليه شئ وليمسك الان من النساء إذا بعث (1).

ويجمع بين الطائفتين بحمل الطائفة الثانية على الواجب من العمرة أو الحج والطائفة الاولى على المندوب، فيجب عليه الاتمام في القابل إذا كان احرامه لحج واحب أو عمرة كذلك، ولكن العمدة في المقام الاخبار الواردة في من نسي الطواف وأحل، فتدل تلك الاخبار على وجوب الاتيان بالطواف ولو باستنابة ولا يجب المباشرة فإذا أجزأت النيابة في من نسى الطواف ففي المقام بطريق أولى.

نعم يبقى الاشكال فيما رواه البزنطي عن ابى الحسن عليه السلام في محرم انكسرت ساقه إلى أن قال هو حلال من كل شئ.

فقلت: من النساء والثياب والطيب.

فقال: نعم من جميع ما يحرم على المحرم الخبر (2).

وهي صريحة في أن النساء تحل له كما يحل الطيب وغيره، فلابد من رفع التعارض بينهما وبين ما تقدم ولو كان بالجمع التبرعي ويمكن حملها على من كان محرما بالعمرة المتمتع بها إلى الحج، فإذا اشترط في احرامه بتلك العمرة وأحصر احل حيث أحصر ويحل له جميع ما حرم على المحرم حتى النساء، واما الاخبار المتقدمة فتحمل على العمرة المفردة أو الحج.

هذا ان لم يكن له شاهد من الخارج، الا أنه لا مانع منه في

(1) الوسائل ج 9 الباب 1 من ابواب الاحصار الحديث 5.

الاخبار على وجوب الاتيان بالطواف ولو باستنابة ولا يجب المباشرة فإذا أجزأت النيابة في من نسى الطواف ففي المقام بطريق أولى.

نعم يبقى الاشكال فيما رواه البزنطي عن ابى الحسن عليه السلام في محرم انكسرت ساقه إلى أن قال هو حلال من كل شئ.

فقلت: من النساء والثياب والطيب.

فقال: نعم من جميع ما يحرم على المحرم الخبر (2).

وهي صريحة في أن النساء تحل له كما يحل الطيب وغيره، فلابد من رفع التعارض بينهما وبين ما تقدم ولو كان بالجمع التبرعي ويمكن حملها على من كان محرما بالعمرة المتمتع بها إلى الحج، فإذا اشترط في احرامه بتلك العمرة وأحصر احل حيث أحصر ويحل له جميع ما حرم على المحرم حتى النساء، واما الاخبار المتقدمة فتحمل على العمرة المفردة أو الحج.

هذا ان لم يكن له شاهد من الخارج، الا أنه لا مانع منه في

(هامش)

(1) الوسائل ج 9 الباب 1 من ابواب الاحصار الحديث 5.

(2) الوسائل ج 9 الباب 8 من ابواب الاحصار الحديث 1.


342

مقام الجمع كما قيل فيما روي (لا بأس ببيع العذرة) وما روى (بيع العذرة سحت) فيحمل الاول على بيع العذرة الطاهرة والثاني على غير الطاهرة.

ولا وجه للحمل على التقية.

نعم لو شك في حلية النساء وعدمها لاجمال الادلة يجري الاستصحاب ويحكم بالحرمة إلى أن يطوف بنفسه أو ينوب عنه غيره.

فهرست آيات
فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي24
ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام24
ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام28
ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام29
ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام30
ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام34
سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام34
ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام34
حاضرى المسجد35
ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام39
الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج61
ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام122
ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام122
وأتموا الحج والعمرة122
الحج اشهر معلومات156
فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي165
ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا173
ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا173
ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا174
سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام184
ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام184
لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم245
غير محلي الصيد وأنتم حرم245
واذن في الناس بالحج يأتوك رجالا281
لا تقتلوا الصيد وانتم حرم284