1

لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة


85

بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي وهو حسبي وكفى

الحمد لله العليم القاهر الحكيم الذي وجب له القدم واستحال في تعاليه تجويز العدم والصلاة على النبي مبيد الباطل وموضح الحق بواضحات الدلائل

هذا وقد استدعيتم أرشدكم الله عز وجل ذكر لمع من الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة

فاستخرت الله تعالى في إسعافكم بمناكم والله المستعان وعليه التكلان


86

1 - العالم وحدوثه الأصل في حدوث العالم ووجود الصانع )

اعلموا وفقكم الله أن الأولى تقديم عبارات اصطلح الموحدون عليها ابتغاء منهم لجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ الوجيزة

فما أطلقوه العالم فإن قيل ما العالم ولم سمي العالم عالما

قلنا العالم عند سلف الأمة عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى

وعند خلف الأمة عبارة عن الجوهر والأعراض

فأما قوله لم سمي العالم عالما

فأما العالم فمشتق من العلم والعلامة

وإنما سمي العلم علما لأنه أمارة منصوبة على وجود صاحب العلم


87

فكذلك العالم بجواهره وأعراضه وأجزائه وأبعاضه دلالة دالة على وجود الرب سبحانه وتعالى

فإن قيل ما حد الجوهر وما حقيقة العرض

قلنا الجوهر قد ذكرت له حدودا شتى غير أنا نقتصر على ثلاثة منها فنقول الجوهر المتحيز

وقيل الجوهر ماله حجم

وقيل الجوهر ما يقبل العرض

فأما العرض فقد قيل ما يقوم بالجوهر

وقيل ما يطرأ على الجواهر كالألوان والطعوم والروائح والعلوم والقدر والإرادات الحادثة وأضدادها والحياة والموت

وقيل العرض ما يستحيل عليه البقاء

ثم أعلم أن الموجود ينقسم إلى قديم وحادث

فالقديم هو الموجود الذي لا أول لوجوده

والحادث هو الموجود الذي له أول

فإن قيل ما الدليل على حدوث العالم

قلنا الدليل عليه أن أجرام العالم وأجسامها لا تخلو عن الأعراض الحادثة وما لا يخلو عن الحادث حادث


88

السؤال على هذا الكلام من أربعة أوجه

الأول لا نسلم ثبوت الأعراض

ولئن سلمنا ثبوت الأعراض فلا نسلم حدوثها

ولئن سلمنا حدوثها فلا نسلم استحالة خلو الجوهر عن هذه الأعراض الحادثة

والرابع لم قلت إن ما لا يخلو عن الحادث حادث

أما السؤال الأول إنكار ثبوت الأعراض

الدليل على ثبوت الأعراض أن العاقل إذا رأى جوهرا ساكنا ثم رآه متحركا فقد أدرك التفرقة الضرورية 118 وبين هاتين الحالتين

وتلك التفرقة لا تخلو

إما أن ترجع إلى ذات الجوهر

أو إلى معنى زائد على الجوهر

استحال أن يقال ترجع التفرقة إلى ذات الجوهر لأن الجوهر في الحالتين متحد والشيء لا يخالف نفسه فلا يقع الافتراق إلا بين ذاتين فصح ووضح بذلك أن التفرقة راجعة إلى معنى زائد على الجوهر وذلك هو العرض الذي ادعيناه


89

والسؤال الثاني منع حدوث الأعراض

والدليل على حدوث الأعراض أنا نرى الأعراض المتضادة تتعاقب على محالها فنستيقن حدوث الطارئ منها من حيث وجدت ونعلم حدوث السابق منها من حيث عدمت

إذ لو كانت قديمة لاستحال عدمها لأن القدم ينافي العدم وإن ما ثبت له القدم استحال عليه العدم

والدليل على استحالة تعري الجواهر عن الأعراض

أن الجواهر شاغلة للأحياز والجواهر الشاغلة للأحياز غير مجتمعة ولا مفترقة بحال بل باضطرار يعلم أنها لا تخلو عن كونها مجتمعة أو مفترقة

وذلك يقضي باستحالة خلوها عن الاجتماع والافتراق

وكذلك نعلم ببديهة العقول استحالة تعري الأجرام عن الاتصاف بالتحرك والسكون واللبث في المحال والزوال والانتقال

وكل ذلك يوضح استحالة تعري الجواهر عن الأعراض


90

والدليل على استحالة حوادث لا أول لها

أن حقيقة الحادث ماله أول

وإذن كان حقيقة كل حادث أن يكون له أول فبان كثرة الحوادث لا تخرج عن حقيقتها فيكون للكل أول

وهذا كالجوهر فإن حقيقة الجوهر كونه متحيزا فبالكثرة لا يخرج عن حقيقته ويكون الكل متحيزا فكذلك ههنا إذا ثبتت الأعراض وثبت حدوثها وثبت استحالة تعري الجواهر عنها وبطل قول الدهري بأن الحوادث لا أول لها فيترتب على ذلك أن الجواهر لا تسبق الأعراض الحادثة وما لا يسبق الحادث حادث على الاضطرار من غير حاجة إلى نظر وافتكار

والدليل على أن العالم له صانع


91

أنه قد صح حدوث العالم بالدلالة التي ذكرناها

والحادث جائز الوجود إذا يجوز تقدير وجوده بدلا عن عدمه ويجوز تقدير عدمه بدلا عن وجوده فلما اختص بالوجود الممكن بدلا عن العدم الجائز افتقر إلى مخصص وهو الصانع تعالى

ويستحيل أن يكون مخصص العالم طبيعة كما صار إليه الطائعيون

ويستحيل أن يكون علة موجبة كما صار إليه الأوائل لأن تلك الطبيعة لا تخلو إما أن تكون قديمة أو حادثة

فإن كانت قديمة لزم قدم آثارها فإن الطبيعة عند مثبتها لا اختيار لها وهي موجبة آثارها عند ارتفاع الموانع وقد صح حدوثها


92

وإن كانت الطبيعة حادثة افتقرت إلى طبيعة أخرى ثم الكلام في تلك الطبيعة كالكلام في تلك الطبيعة كالكلام في هذه الطبيعة

وينساق هذا القول إلى إثبات حوادث لا أول لها وقد تبين بطلان ذلك

فوضح بذلك أن مخصص العالم صانع مختار موصوف بالاقتدار والاختيار


93

2 - الله وصفاته 11 ظ فصل

صانع العالم أزلي الوجود قديم الذات لا مفتتح لوجوده ولا مبتدأ لثبوته

والدليل عليه أنه تعالى لو كان حادثا لشارك الحوادث في الافتقار إلى محدث

ثم الكلام في محدثه ينزل منزلة الكلام فيه ويتسلسل القول ويؤدي ذلك إلى إثبات حوادث لا أول لها

وقد سبق بطلان ذلك


94

فصل

صانع العالم حي عالم بجميع المعلومات قادر على جميع المقدورات

فإنا ببداهة العقول تعلم استحالة صدور الأفعال من العاجز عنها

وكذلك يستيقن كل لبيب أن الأفعال المحكمة المتقنة الواقعة على أحسن ترتيب ونظام وإتقان وإحكام لا تصدر إلا من عالم بها

ومن جوز صدور خط منظوم على ترتيب معلوم من غير عالم بالخط كان من المعقول خارجا وفي تيه الجهل والجا

وإذا ثبت كون صانع العالم عالما قادرا فبالاضطرار يعلم كونه حيا إذ يستحيل أن يتصف بالعلم والقدرة ميت أو جماد وتجويز ذلك مراغمة وعناد


95

فصل

صانع العالم مريد على الحقيقة عند أهل الحق

وأنكر الكعبي كونه مريدا على الحقيقة وزعم أنه تعالى لو وصف بكونه مريدا لأفعال نفسه فالمراد بذلك أنه خالقها ومنشئها ولو وصف بكونه مريدا لبعض أعمال العباد فالمراد بذلك أنه أمر بها

وزعم أن كون الإله عالما بوقوع الحوادث في أوقاتها على خصائص صفاتها يغني عن تعلق الإرادة بها

وهذا باطل إذ لو أغنى كونه عالما عن كونه مريدا لأغنى كونه عالما عن كونه قادرا وليس كذلك

وأيضا قد وافقونا على افتقار أفعال المحدثين إلى إرادتهم


96

ذهب معتزلة البصرة إلى أن الباري تعالى مريد بإرادة حادثة ثابتة لا في محل

والذي قالوه باطل لأن الحوادث إنما افتقرت إلى إرادة لحدوثها

ولو كانت الإرادة حادثة لافتقرت أيضا إلى إرادة أخرى لحدوثها

ثم يؤدي إثبات ذلك إلى إثبات إرادات لا نهاية لها

فإذا بطلت هذه المذاهب لم يبق بعد ذلك إلا القطع بما صار إليه أهل الحق من وصف الباري سبحانه وتعالى بكونه مريدا بإرادة قديمة أزلية


97

فصل

صانع العالم سميع وبصير متكلم

إذ قد ثبت كونه حيا والحي لا يخلو عن الاتصاف بالسمع والبصر والكلام وأضدادها

وأضداد هذه الصفات نقائص

والرب سبحانه وتعالى يتقدس عن سمات النقص

فصل

الرب سبحانه وتعالى باق واجب الوجود

إذ قد ثبت بما قدمناه قدمه

والقديم يستحيل عدمه باتفاق من العقلاء وذلك يصرح بكونه باقيا 119 و مستمر الوجود


98

فصل

صانع العالم واحد عند أهل الحق

والواحد الحقيقي هو الشيء الذي لا ينقسم

والدليل على وحدانية الإله أنا لو قدرنا إلهين اثنين وفرضنا عرضين ضدين وقدرنا إرادة أحدهما لأحد الضدين وإرادة الثاني للثاني فلا يخلو من أمور ثلاثة إما أن تنفذ إرادتهما

أو لا تنفذ إرادتهما أو تنفذ إرادة أحدهما دون الآخر

واستحال أن تنفذ إرادتهما لاستحالة اجتماع الضدين واستحال أيضا ألا تنفذ إرادتهما لتمانع الإلهين وخلو المحل عن كلا الضدين


99

فإذا بطل القسمان تعين الثالث

وهو أن تنفذ إرادة أحدهما دون الآخر

فالذي لا تنفذ إرادته فهو المغلوب المقهور المستكره

والذي نفذت إرادته فهو الإله القادر على تحصيل ما يشاء

فإن قيل لم لا يجوز أن يتوافقا أبدا ولا يختلفا قط

قلنا إن لم نجوز اختلافهما في الإرادة كان محالا

إذ وجود أحدهما ووجود صفاته يستحيل أن يمنع الثاني من أن يريد ما يصح إرادته عند تقدير الانفراد والعاجز منحط عن رتبة الربوبية وذلك مضمون قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا أي لتناقضت أحكامهما عند تقدير القادرين على الكمال

فصل

القديم الباري سبحانه وتعالى عالم بعلم قديم قادر بقدرة قديمة حي بحياة قديمة


100

وذهب لمعتزلة إلى أن الباري تعالى عن قولهم

حي عالم قادر بنفسه وليس له قدرة ولا علم ولا حياة

دليلنا في المسألة أن نقول

قد تقرر في العقول أن ما يعلم به المعلوم علم

فلو علم الباري تعالى المعلوم بنفسه لكان نفسه علما إذ كل متعلق بمعلوم تعلق إحاطة به علم

وقد تحكمت المعتزلة في صفات الباري تعالى فزعمت أنه عالم حي قادر بنفسه مريد بإرادة حادثة

فلو عكس عاكس ما قالوه وزعم أنه عالم بعلم حادث مريد بنفسه لم يجدوا بين ما اعتقدوه وبين ما ألزموه فصلا

فإن قالوا لو كان الباري تعالى مريدا بنفسه لكان مريدا لكل مراد


101

كما أنه تعالى لما كان عالما بنفسه كان عالما بكل معلوم

قلنا هو باطل على فساد مذهبكم ومعتقدكم بكون الباري تعالى قادرا فإن ذلك من صفات النفس عندكم

ثم يختص كون الإله قادرا عندكم ببعض المقدورات

ولا يتصف الرب عز وجل بالاقتدار على مقدورات العباد

وقد صرحت نصوص من كتاب الله تعالى بإثبات الصفات منها قوله تعالى وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه

وقال عز من قائل أنزله بعلمه

وقال سبحانه متمدحا مثنيا على نفسه إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين


102

أثبت لنفسه القوة وهي القدرة باتفاق المفسرين

فصل

وقد ذكرنا أن الباري تعالى متكلم

فاعلم أن كلامه قديم أزلي لا مبتدأ لوجوده وذهب المعتزلة والنجارية والزيدية والإمامية والخوارج إلى أن كلام الله تعالى حادث

119 ظ وامتنعت طوائف من هؤلاء من إطلاق القول بكونه مخلوقا فسموه حادثا ومحدثا

وأطلق المتأخرون من المعتزلة قولهم بكونه مخلوقا

والدليل على قدم كلام الله تعالى أنه لو كان حادثا لم يخل من أمور ثلاثة


103

إما أن يقوم بذات الباري تعالى

أو يقوم بجسم من الأجسام

أو يقوم لا بمحل بطل قيامه به إذ يستحيل قيام الحوادث بذات الباري تعالى فإن الحوادث لا تقوم إلا بحادث

وبطل قيام كلامه بجسم إذ يلزم أن يكون المتكلم ذلك الجسم

ويبطل قيام الكلام لا بمحل فإن الكلام الحادث عرض من الأعراض ويستحيل قيام الأعراض بأنفسها إذ لوجاز ذلك في ضرب منها لزم في سائرها

فصل

الكلام الحقيقي شاهدا حديث النفس


104

وهو الذي تدل عليه العبارات المتواضع عليها وقد تدل عليه الخطوط والرموز والإشارات

وكل ذلك أمارات على الكلام القائم بالنفس ولذلك قال الأخطل

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلا

ومن الشواهد على ذلك من كتاب الله عز وجل في الإخبار عن المنافقين قوله تعالى

إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله الآية ونحن نعلم أن الله تعالى لم يكذبهم في إقرارهم وإنما يكذبهم فيما تجنه سرائرهم و تكنه ضمائرهم


105

إذا ثبت أن القائم بالنفس كلام وليس هو حروفا منتظمة ولا أصواتا مقطعة من مخارج الحروف فليستيقن العاقل أن الكلام القديم ليس بحروف ولا أصوات ولا ألحان ولا نغمات

فإن الحروف تتوالى وتترتب ويقع بعضها مسبوقا ببعض وكل مسبوق حادث

فصل

وكلام الله تعالى مقروء بألسنة القراء محفوظ بحفظ الحفظة مكتوب في المصاحف على الحقيقة

والقراءة أصوات القارئين ونغماتهم


106

وهي من الأفعال التي يؤمر بها وينهي عنها ويثاب المكلف عليها وقد يعاقب على تركها

وكلام الله تعالى وهو المعلوم المفهوم منها

والحفظ صفة الحافظ

والمحفوظ كلام الله عز وجل

والكتابة أحرف منظومة وأشكال مرقومة وهي حوادث والمفهوم منها كلام الله تعالى كما أن الله تعالى مكتوب معلوم مذكور وهو غير ذكر الذاكرين وعلم العالمين وكتابة الكاتبين


107

باب ذكر ما يستحيل في أوصاف الباري تعالى يشتمل على فصول

وجملة القول فيه

أن كل ما يدل على الحوادث وعلى سمة النقص

فالرب يتعالى ويتقدس عنه

وهذه الجملة 120 و تتبين بفصول تشتمل على تفصيلات منها

أن الرب تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات والاتصاف بالمحاذاة لا تحيط به الأقطار ولا تكتنفه الأقتار ويجل عن قبول الحد والمقدار


108

والدليل على ذلك

أن كل مختص بجهة شاغل لها متحيز وكل متحيز قابل لملاقاة الجواهر ومفارقتها وكل ما يقبل الاجتماع والافتراق لا يخلو عنها وما لا يخلو عن الاجتماع والافتراق حادث كالجواهر

فإذا ثبت تقدس الباري عن التحيز والاختصاص بالجهات فيرتب على ذلك تعاليه عن الاختصاص بمكان وملاقاة أجرام وأجسام

فإن سئلنا عن قوله تعالى الرحمن على العرش استوى

قلنا المراد ب الاستواء القهر والغلبة والعلو

ومنه قول العرب استوى فلان على المملكة أي استعلى عليها واطردت له

ومنه قول الشاعر

قد استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق


109

فصل

الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن قبول الحوادث

وانفق على ذلك أهل الملل والنحل

وخالف إجماع الأمة طائفة نبغوا من سجستان لقبوا بالكرامية

فزعموا أن الحوادث تطرأ على ذات الباري تعالى عن قولهم وهذا نص مذهب المجوس

والدليل على استحالة قيام الحوادث بذات الباري تعالى أنها لو قامت به لم يخل عنها

وما لم يخل عن الحوادث حادث


110

إرادة الله وإرادة العبد

فصل

الحوادث كلها تقع مرادة لله تعالى نفعها وضرها وخيرها وشرها

وذهبت المعتزلة ومن تبعهم من أهل الأهواء إلى أن الواجبات والمندوبات من الطاعات مرادة لله تعالى وقعت أو لم تقع

والمعاصي والفواحش تقع والله تعالى كاره لها غير مريد لوقوعها وهي تقع على كره

والمباحات وما لا يدخل تحت التكليف من أفعال البهائم والمجانين تقع وهو لا يريدها ولا يكرهها

وإذا دللنا على أن الرب سبحانه وتعالى خالق لجميع الحوادث فيترتب على ذلك أنه مريد لما خلق قاصد إلى إبداع ما اخترع


111

ثم نقول

قد قضت العقول بأن قصور الإرادة وعدم نفوذ المشيئة من أصدق الأمارات الدالة على سمات النقص والاتصاف بالعجز والقصور

ومن ترشح للملك ثم كان لا ينفذ مراده في أهل مملكته عد ضعيف المنة ومضاع الفرصة

فإذا كان ذكل يزري على من ترشح للملك فكيف يجوز ذلك في صفة ملك الملوك ورب الأرباب

فإن قالوا

الرب سبحانه وتعالى قادر على أن يرد الخلائق إلى طاعته قهرا وقسرا ويظهر آية تظل رقاب الجبابرة لها خاضعة


112

قلنا

من فاسد أصلكم أنه لا يجوز في حكمه إجبار الخلائق على الطاعات واضطرارهم إلى الخيرات ولا يريد منهم الإيمان إجبارا وإنما يريده منهم اختيارا فما يريده لا يقدر عليه وما لا يقدر عليه لا يريده

وقد أجمع سلف الأمة وخلفها على كلمة لا يجحدها معتز إلى الإسلام وهي قولهم ? < ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن > ?

والآيات الشاهدة لأهل الحق لا تحصى كثرة

ومنها

قوله تعالى ولو شاء الله لجمعهم على الهدى 120 ظ ومنها قوله تعالى

فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا

ومنها قوله تعالى

ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة إلى آخر الآية


113

فإن احتجوا بقوله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر

فالجواب أن نقول

أراد الله تعالى بالعباد الموفقين لطاعته المخلصين لعبادته وهو مثل قوله تعالى عينا يشرب بها عباد الله

وإنما أراد الأولياء الأتقياء من العباد الذين لم يرد لهم الرب الكفر لم يكفروا

وربما يحتجون بقوله تعالى

سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء إلى قوله ( . . . حتى ذاقوا بأسنا )

ووجه الدليل من الآية أن الله رد على الكفار قولهم

لو شاء الله ما أشركنا


114

فالجواب أن نقول

الله تعالى إنما رد عليهم لأنهم قالوا ما قالوه مستهزئين مما راه في الحق وردا لحجة الله تعالى

والدليل على ذلك قوله تعالى في آخر الآية

قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين


115

4 - رؤية الله فصل
مذهب أهل الحق أن الباري تعالى مرئي ويجوز أن يراه الراؤون بالأبصار

وذهب المعتزلة إلى أنه سبحانه وتعالى يستحيل أن يرى

وصار الأكثرون منهم إلى أن الباري تعالى لا يرى نفسه

والدليل على جواز الرؤية عقلا أن الرب سبحانه وتعالى موجود وكل موجود مرئي

وبيان ذلك

أنا نرى الجواهر والألوان شاهدا


116

فإن رئي الجوهر لكونه جوهرا لزم ألا يرى الجوهر

وإن رئيا لوجودهما لزم أن يرى كل موجود

والباري سبحانه وتعالى موجود فصح أن يرى

فإن قالوا

إنما يرى ما يرى لحدوثه والرب تعالى أزلي قديم الذات فلا يرى

فالجواب من وجهين

أحدهما أن نقول

كلامكم هذا نقض عليكم لجواز رؤية الطعوم والروائح والعلوم وخوها فإنها حوادث وعندكم يستحيل أن نرى

ثم الجواب الحقيقي أن نقول


117

ثم الحدوث ينبئ عن موجود مسبوق بعدم والعدم السابق لا يصحح الرؤية فانحصر التصحيح في الوجود

فدل على أن كل موجود صح أن يرى

ويستدل على جواز الرؤية وأنها ستكون في الجنان وعدا من الله صدقا وقولا منه حقا بقوله تعالى

وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة

والنظر إذا عدي ب إلى اقتضى رؤية البصر

فإن عارضونا بقوله تعالى لا تدركه الأبصار

قلنا فمن أصحابنا من قال

الرب تعالى يرى ولا يدرك فإن الإدراك ينبئ عن


118

الإحاطة ودرك الغاية والرب تعالى مقدس عن الغاية والنهاية

فإن عارضونا بقوله تعالى في جواب موسى عليه السلام لن تراني

فزعموا أن لن يقتضي النفي على التأييد

قلنا

هذه الآية من أوضح الأدلة على جواز الرؤية فإنها لو كانت مستحيلة لكان معتقد جوازها ضالا أو كافرا

وكيف يعتقد 121 و ومالا يجوز على الله تعالى من اصطفاه الله تعالى لرسالته واجتباه لنبوته وخصصه بتكريمه وشرفه بتكليمه وجعله أفضل أهل زمانه وأيده ببرهانه

ويجوز على الأنبياء الريب في أمر يتعلق بعلم الغيب أما ما يتعلق بوصف الباري عز وعلا فلا يجوز الريب عليهم


119

فيجب حمل الآية على أن ما اعتقد موسى عليه السلام جوازه جائز لكن ظن أن ما اعتقد جوازه يجيبه إليه ناجزا فيرجع النفي في الجواب إلى السؤال

وما سأل موسى عليه السلام ربه رؤية في الدنيا لينصرف النفي إليها والجواب نزل على قضية الخطاب


120

5 - الرب والخلق فصل

الرب سبحانه متفرد بخلق المخلوقات فلا خالق سواه ولا مبدع غيره وكل حادث فالله تعالى محدثه

وقالت المعتزلة

المحدثون يخترعون أفعالهم بقدرهم ويخلقونها والرب سبحانه وتعالى غير موصوف بالاقتدار على أفعال العباد

والدليل على تفرد الرب تعالى بالخلق قوله تعالى

أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون

وجه الاستدلال بالآية

أن الله تعالى تمدح بالخلق وأثنى على نفسه بذلك ولو شاركه فيه


121

غيره لبطلت فائدة التمدح

وكذلك يستدل بقوله تعالى خالق كل شيء فاعبدوه

وقوله تعالى قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار

ثم الدليل من حيث العقل على أن الرب تعالى منفرد بالإيجاد والاختراع أن الأفعال دالة على علم فاعلها

والأفعال الصادرة من العباد لا يحيطون بمعظم صفاتها ولو كانوا خالقين لها لكانوا محيطين بجملة صفاتها

فصل

العبد غير مجبر على أفعاله بل هو قادر عليها مكتسب لها

والدليل على إثبات القدرة للعبد أن العاقل يفرق بين أن ترتعد يده وبين أن يحركها قصدا

ومعنى كونه مكتسبا أنه قادر على فعله وإن لم تكن قدرته مؤثرة في إيقاع المقدور

وذلك بمثابة الفرق بين ما يقع مرادا وبين ما يقع غير مراد وإن كانت الإرادة لا تؤثر في المراد


122

فصل

لا يجب على الله تعالى شيء وما أنعم به فهو فضل منه وما عاقب به فهو عدل منه ويجب على العبد ما يوجبه الله تعالى عليه ولا يستفاد بمجرد العقول وجوب شيء بل جميع الأحكام المتعلقة بالتكاليف متلقاة من قضية الشرع وموجب السمع

والدليل على أنه لا يجب على الله شيء أن حقيقة الواجب ما يستوجب اللوم بتركه والرب سبحانه وتعالى يتعالى عن التعرض لذلك

والذي يوضح ذلك

أن طاعات المكلفين تجب عند المعتزلة شكرا لله تعالى على ما أولاه من آلائه

فإن كانت الطاعات واجبة عوضا من النعم يستحيل أن يستحق مؤدي الواجب ثوابا

ولو جاز أن يستحق العبد على أداء الواجب عوضا لجاز أن يستحق الرب على الثواب شكرا وإن كان مستحقا


123

فصل القول في إثبات النبوات

لله تعالى أن يرسل الرسل ويبعث الأنبياء مبشرين ومنذرين

وأنكرت البراهمة النبوة ومنعوا جواز انبعاث الرسل وقالوا إن جاءت الرسل بما يدرك عقلا لم يكن في إرسالهم فائدة وكان في قضايا العقل مندوحة عن غيرها

وإن جاءت الرسل بما لا يدرك عقلا فلا يقبل ما يخالف العقل

قلنا

الشرع يرشد إلى ما لا يستدرك بمحض العقول ولا يرد بما يقضي العقل بخلافه وإذا لم يكن في إرسال الرسل استحالة أو خروج عن الحقيقة فيجب الحكم بجوازه


124

6 - الرسالة والنبوة والمعجزة فصل

إنما يثبت صدق مدعي النبوة بالمعجزات

وهي أفعال الله تعالى الخارقة للعادة 121 ظ المستمرة وظاهرها على حسب دعوى النبوة هو تحديه ويعجز عن الإتيان بأمثالها

الذين يتحداهم النبي ووجه دلالتها على صدق النبي

أنها تنزل منزلة التصديق بالقول ونظيرها في الشاهد

أن يتصدى ملك للناس ويأذن لهم بالولوج عليه فلما احتفوا به وأخذ كل مجلسه قام لأهل الجمع قائم وقال

يا أيها الملأ إني رسول الله إليكم وقد ادعيت الرسالة بمرأى منه ومسمع

وآية الرسالة أن الملك يخالف عادته ويقوم ويقعد إذا استدعيته


125

ثم يقول

يا أيها الملك صدقني وقم واقعد فإذا فعل الملك ما استدعاه منه كان ذلك تصديقا نازلا منزلة قوله صدقت

فصل

الدليل على ثبوت نبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام المعجزات

ومن آياته القرآن وفيه وجوه من الإعجاز منها ما اختص به من الجزالة والنظم الخارج عن جميع أساليب أوزان كلام العرب

وتحدى العرب بأن يعارضوا سورة منه وذكر أنهم لو عارضوها لبطلت دعواه وانكف عن التعرض لهم فحاولوا معارضته وهم اللد البلغاء واللسن الفصحاء في نيف وعشرين سنة فلم يتأت لهم معارضة


126

من وجوه الإعجاز إشتمال القرآن على قصص الأولين مع القطع بأن النبي عليه السلام كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ولم يعهد في جميع زمانه متعاطيا لدراسة كتب الأولين وتعملها

ولم يسبق له نهضة يتوقع في مثلها دراسة الكتب

ثم اشتمل القرآن على غيوب متعلقة بالمستقبل كما اتفق إنباء القرآن عنها

فصل

ولرسول الله عليه السلام آيات و معجزات سوى القرآن كانفلاق القمر وتسبيح الحصى وإنطاق العجماء ونبع الماء من بين الأصابع ونحوها

فصل

كل ما جوزه العقل وورد به الشرع وجب القضاء بثبوته فمما ورد الشرع به


127

عذاب القبر وسؤال منكر ونكير ورد الروح إلى الميت في قبره

ومنها

الصراط والميزان والحوض والشفاعة للمذنبين كل ذلك حق

والجنة والنار مخلوقتان في وقتنا قال الله تعالى وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين


128

7 - الإمامة فصل إمامة المسلمين

وأمير المؤمنين من بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام أبو بكر الصديق رضي الله عنه

ثم عمر الفاروق بعده ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين

وما نص النبي عليه السلام على إمامة أحد بعده وتوليته إذا لو نص على ذلك لظهر وانتشر كما اشتهرت تولية رسول الله صلى الله عليه وسلم سائر ولاته وكما اشتهر كل أمر خطير


129

وإذا ثبت أن الإمامة لم تثبت نصا لأحد دل أنها ثبت أختيارا

ثم المسلمون أجمعوا على إمامة أبي بكر رضي الله عنه وانقادوا بأجمعهم له من غير مخالفة

وكذلك جرى الأمر في زمن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم

ومعاوية وإن قاتل عليا فإنه كان لا ينكر إمامته ولا يدعيها لنفسه وإنما كان يطلب قتلة عثمان رضي الله عنه ظانا أنه مصيب وكان مخطئا وعلي رضي الله عنهم وعنه 122 ومتمسك بالحق

فصل

الخلفاء الراشدون لما ترتبوا في الإمامة فالظاهر ترتيبهم في الفضيلة

فخير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين إذ المسلمون كانوا لا يقدمون


130

للإمامة أحدا تشهيا منهم وإنما قدموا من قدموه لاعتقادهم كونه أفضل وأصلح للإمامة من غيره

فصل

لا يصلح للإمامة إلا من تجتمع فيه شرائط

أحدها أن يكون قرشيا فإن رسول الله عليه السلام قال الأئمة من قريش

والآخر أن يكون مجتهدا من أهل الفتوى وأن يكون ذا نجدة وكفاية وتهد لسياسة الأمور وإيالتها

وأن يكون حرا ورعا في دينه

وكل هذه الشرائط كانت موجودة في خلفاء رسول الله عليه السلام

وقد قال عليه السلام

سنة الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا عضوضا

وكانت أيام الخلفاء هذا القدر

والله الهادي