1
مصرع التصوف أو تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي

18
خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين خطبة الكتاب

الحمد لله المضل الهاد وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تضمن الإسعاد يوم يقوم الأشهاد

وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الداعي إلى سبيل الرشاد

صلى الله عليه وسلم على آله وأصحابه الذين قمعوا أهل العناد وحكموا سيوفهم في رقاب أهل الفساد فلم يجسر أحد في زمانهم على إلحاد بتمثيل أو تعطيل أو حلول أو اتحاد أبعدنا الله من ذلك أيما إبعاد وحمانا منه على مر الدهور والآباد

وبعد فإني لما رأيت الناس مضطربين في ابن عربي المنسوب إلى التصوف الموسوم عند أهل الحق بالوحدة ولم أر من شفى القلب في ترجمته وكان كفره في كتابه الفصوص أظهر منه في غيره أحببت أن أذكر منه ما كان ظاهرا حتى يعلم حاله فيهجر مقاله ويعتقد انحلاله وكفره وضلاله وأنه إلى الهاوية مآبه ومآله امتثالا لما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن


19
لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان وفي رواية عن عبد الله بن مسعود وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل وما أحضر إلى النسخة التي نقلت ما تراه منها إلا شخص من كبار معتقديه وأتباعه ومحبيه
عقيدة ابن عربي وكيده للإسلام

وينبغي أن يعلم أولا أن كلامه دائر على الوحدة المطلقة وهي أنه لا شيء سوى هذا العالم وأن الإله أمر كلي لا وجود له إلا في ضمن جزئياته

ثم إنه يسعى في إبطال الدين من أصله بما يحل به عقائد أهله بأن كل أحد على صراط مستقيم وأن الوعيد لا يقع منه شيء وعلى تقدير وقوعه فالعذاب المتوعد به إنما هو نعيم وعذوبة ونحو ذلك

وإن حصل لأهله ألم فهو لا ينافي السعادة والرضى كما لم ينافها ما يحصل من الآلام في الدنيا وهذا يحط عند من له وعي على اعتقاد أنه لا إله أصلا وأنه ماثم إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما وراء ذلك شيء

منهاج الصوفية في الكيد بدعوتهم

وكل ما في كلامه من غير هذا المهيع فهو تستر وتلبيس على من ينتقد عليه ولا يلقى زمام انقياده إليه فإنه علم أنه إن صرح بالتعطيل ابتداء بعد كل سامع من قبوله فأظهر لأهل الدين أنه منهم ووقف لهم في أودية اعتقادهم ثم استدرجهم عند المضائق واستغواهم في أماكن الاشتباه وهو أصنع الناس في التلبيس


20
فإنه يذكر أحاديث صحاحا ويحرفها على أوجه غريبة ومناح عجيبة فإذا تدرج معه من أراد الله والعياذ به ضلاله وصل ولا بد إلى مراده من الانحلال من كل شرعة والمباعدة لكل ملة

وخواص أهل هذه النحلة يتسترون بإظهار شعائر الإسلام وإقامة الصلاة والصيام وتمويه الإلحاد بزي التنسك والتقشف وتزويق الزندقة بتسميتها بعلم التصوف فهو ممن أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية

وقد أصل لهم غويهم هذا كما صرح به في النص النوحي أن الدعوة إلى الله مكر ونسب ذلك إلى الأنبياء عليهم السلام فقال ادعوا إلى الله فهذا عين المكر إلى آخر كلامه

وهذا هو السر في تنسكهم

على أنهم قد استغنوا في هذا الزمان عن التنسك لانقياد أهله بغير ذلك وقد يستدرجهم الله وأمثالهم ممن يريد ضلاله بإظهار شيء من الخوارق على أيديهم كما يظهره الله على يد الدجال وأيدي بعض الرهبان ليتبين الموقن من المرتاب

مثالهم في زندقتهم

وقد ضربوا لتصحيح زندقتهم مثالا مكروا فيه بمن لم ترسخ قدمه في الإسلام ولا خالط أنفاس النبوة حتى صار يدفع الشبه

حاصل ذلك المثال أنهم يصلون إلى الله بغير واسطة المبعوث بالشرع فتم لهم المكر


21
وتبعهم في ذلك أكثر الرعاع ولم يبالوا بخرق الإجماع وذلك المثال أن ملكا أقام على بابه سيافا وقال له من دخل بغير إذنك فاقتله وقال لغيره أذنت لك في الدخول متى شئت فإذا دخل الغير فقد أصاب

وإن قتله السياف فقد أصاب وعنوا بالسياف الشارع

فما أفادهم مثالهم مع زندقتهم به شيئا

فإنهم اعترفوا فيه بإباحة دمائهم وهو قصد أهل الشريعة ومن يعتقد أن لأحد من الخلق طريقا إلى الله من غير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر من أولياء الشيطان بالإجماع فإن رسالته صلى الله عليه وسلم عامة ودعوته شاملة

احتجاج الصوفية بقصة الخضر

ولا حجة لهم في قصة الخضر مع موسى عليهما السلام للفرق بخصوص تلك الرسالة مع أن الخبر بعلم الخضر جاء من الله تعالى إلى موسى عليه السلام


22
فأين هي من دعاويهم ولا شبهة عليها فضلا عن دليل بل هي مصادمة للقواطع ومن صادم القواطع انقطعت عنقه ولو بلغ في الزهد والعبادة أقصى الغايات 88 : 42 وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية الآيات

ولو وقعت منهم الخوارق فإنها شيطانية قال الله تعالى 43 : 36 ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين 6 : 121 وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون

القول في صرف الكلام عن ظاهره

وسميت هذه الأوراق تنبيه الغبي على تكفير ابن عربي وإن شئت فسمها النصوص من كفر 4 الفصوص لأني لم أستشهد على كفره وقبيح أمره إلا بما لا ينفع معه التأويل من كلامه فإنه ليس كل كلام يقبل تأويله وصرفه عن ظاهره

وذلك يرجع إلى قاعدة الإقرار بشيء وتعقيبه بما يرفع شيئا ما من معناه ولا خلاف عند الشافعية في أنه إن كان مفصولا لا يقبل وأما إذا كان موصولا ففيه خلاف

ومن صورة ما لا ينفع فيه الصرف عن الظاهر


23
كما لو أقر ببيع أو هبة ثم قال كان ذلك فاسدا فأقررت بظني الصحة فإنه لا يصدق في ذلك
حكم من ينطق بكلمة ردة

ونقل الشيخ سراج الدين بن الملقن في العمدة على المنهاج والزركشي في التكملة عن إمام الحرمين أنه قال في أوائل الإيمان قال الأصوليون لو نطق بكلمة الردة وزعم أنه أضمر تورية كفر ظاهرا وباطنا قال الإمام الغزالي في البسيط بعد حكايته أيضا عن الأصوليين لحصول التهاون منه وهذا المعنى يعني التهاون لا يتحقق في الطلاق فاحتمل قبول التأويل بإطلاقه

وسيأتي ما يشهد لذلك من نقل شيخ الإسلام الشيخ زين الدين العراقي عن العلامة علاء الدين القونوي محسنا له على أن بعض العلماء غلب جانب الحرمة لله ولرسله فمنع التأويل مطلقا

قال القاضي أبو الفضل عياض المالكي في كتابه


24
الشفاء وهو الذي تلقته الأمة بالقبول وتدارسوه في الارتحال والحلول في القسم الرابع منه فصل الوجه الرابع أن يأتي من الكلام بمجمل ويلفظ من القول بمشكل يمكن حمله على النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره أو يتردد في المراد به من سلامته من المكروه أو شره فههنا متردد النظر وحيرة العبر ومظنة اختلاف المجتهدين ووقفة استبراء المقلدين 8 : 43 ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينة فمنهم من غلب حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وحمى حمى عرضه فجسر على القتل ومنهم من عظم حرمة الدم
بيان ما هو من المقالات كفر

وقال في فصل بيان ما هو من المقالات كفر كل مقالة صرحت بنفي الربوبية أو الوحدانية أو عبادة أحد غير الله أو مع الله فهي كفر كمقالة الدهرية وسائر فرق أصحاب الإثنين من الديصانية


25
والمنانية وأشباههم من الصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا
26
بعبادة الأوثان أو الملائكة أو الشياطين أو الشمس أو النجوم أو النار أو أحد غير الله

ثم قال وكذلك من أقر بالوحدانية وصحة النبوة ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ولكن جوز على الأنبياء الكذب فيما أتوا به

ادعى في ذلك المصلحة بزعمه أو لم يدعها فهو كافر بإجماع كالمتفلسفين وبعض الباطنية والروافض وغلاة المتصوفة وأصحاب الإباحة فإن هؤلاء


27
زعموا أن ظواهر الشريعة 5 وأكثر ما جاءت به الرسل من الأخبار عما كان ويكون من أمور الآخرة والحشر والقيامة والجنة والنار ليس منها شيء على مقتضى لفظها ومفهوم خطابها وإنما خاطبوا بها الخلق على جهة المصلحة إذ لم يمكنهم التصريح لقصور أفهامهم فمضمن مقالاتهم إبطال الشرائع وتعطيل الأوامر والنواهي وتكذيب الرسل والارتياب فيما أتوا به

وكذلك نكفر من ذهب مذهب بعض القدماء في أن في كل جنس من الحيوان نذيرا ونبيا من القردة والخنازير والدواب والدود ويحتج بقوله تعالى 35 : 24 وإن من أمة إلا خلا فيها نذير إذ ذلك يؤدي إلى أن توصف أنبياء هذه الأجناس


28
بصفاتهم المذمومة وفيه من الإزراء على هذا المنصب المنيف ما فيه مع إجماع المسلمين على خلافه وتكذيب قائله انتهى

قلت فكيف بمن يدعي أن الإله عين كل شيء من ذلك

وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب أو خص حديثا مجمعا على نقله مقطوعا به مجمعا على حمله على ظاهره كتكفير الخوارج بإبطال الرجم ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل أو توقف فيهم أو شك أو صحح مذهبهم وإن أظهر مع ذلك

الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك انتهى قلت فكيف بمن يقول إن جميع الخلق من أهل الملل وغيرها على صراط مستقيم وأن فرعون مات طاهرا مطهرا بعد النص القطعي على أنه


29
من أهل النار بقوله 10 : 83 وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين وقوله تعالى 4 : 43 وأن المسرفين هم أصحاب النار

وقال إن كل عابد شيئا فهو عابد لله وحرف ما أخبر به عن عذاب قوم نوح وهود ونحوهم بما سيأتي من أن ما حل بهم أعقبهم راحة وعذوبة وأن الله تعالى كان ناصرهم على أنبيائه فإن العداوة ما كانت إلا بينهم وبينهم

قال وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع ثم قال وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية وقاضي قضاتها أبو عمرو المالكي على قتل الحلاج وصلبه لدعواه الإلهية والقول بالحلول وقوله أنا الحق مع تمسكه في الظاهر بالشريعة ولم يقبلوا توبته وكذلك حكموا في ابن أبي الغرافيد


30

وكان على نحو مذهب الحلاج بعد هذا أيام الراضي وقاضي قضاة بغداد يومئذ أبو الحسين ابن أبي عمر المالكي انتهى

قلت فكيف بمن يقول صريحا إن الخلق هو الحق والحق هو الخلق

والحق هو الإنسان الكبير وهو حقيقة العالم وهويته

وقال شيخ الإسلام الشيخ محيى الدين النووي الشافعي في كتاب الردة الروضة مختصر الرافعي قال المتولي من اعتقد قدم العالم أو حدوث 6 الصانع إلى أن قال أو أثبت له الانفصال أو الاتصال كان كافرا انتهى


31

قلت فيكف بمن يصرح بأنه عين كل شيء قال والرضى بالكفر كفر قلت فكيف بمن يصوب كل كفر وينسب ذلك التصويب إلى نقل الله تعالى له عن نبيه هود عليه السلام

ويقول إن الضلال أهدى من الهدى لأن الضال حائر والحائر دائر


32
حول القطب والمهتدي سالك في طريق مستطيل فهو بعيد عن القطب وسترى ذلك كله في عباراته صريحا

ثم نقل الشيخ محيى الدين النووي عن الحنفية مرتضيا له قائلا إن إطلاق أصحابنا يقتضي الموافقة عليه

أنه إذا سخر بوعد الله تعالى أو بوعيده كفر ولو قال لا أخاف القيامة كفر انتهى

قلت فكيف بمن يقول إنه ليس لوعيد الله عين تعاين وأن الآخرة موضع السعادة لكل أحد والمعذب منعم بعذابه

ثم نقل الشيخ عن القاضي عياض مرتضيا له أن من لم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى أو شك في تكفيرهم أو صحح مذهبهم فهو كافر وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده قال وكذا نقطع بتكفير كل قائل قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تكفير الصحابة

ثم قال في الباب الثاني في أحكام الردة إن حكمها إهدار دم المرتد فيجب قتله إن لم يتب سواء كان الكفر الذي ارتد إليه كفرا ظاهرا أو غيره ككفر الباطنية انتهى


33

وقال الإمام شرف الدين إسماعيل بن المقري في مختصر الروضة فمن اعتقد قدم العالم إلى أن قال أو شك في تكفير اليهود والنصارى وطائفة ابن عربي كفر لا إن جهل لقرب لقرب إسلامه أو بعده عن المسلمين انتهى

الباطنية

قال الإمام محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتاب الملل والنحل وإنما لزمهم يعني الباطنية هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنا ولكل تنزيل تأويلا ولهم ألقاب كثيرة سوى هذه على لسان قوم قوم فبالعراق يسمون الباطنية والقرامطة والمزدكية وبخراسان التعليمية والملحدة وهم يقولون نحن إسماعيلية لأنا نميز عن فرق الشيعة بهذا الاسم وهذا


34
الشخص يعني إسماعيل بن جعفر ثم إن الباطنية القديمة خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة وصنفوا كتبهم على ذلك المنهاج فقالوا في الباري تعالى إنا لا نقول هو موجود ولا لا موجود ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز وكذلك في جميع الصفات فإن الإثبات الحقيقي يقتضي شركة بينه وبين سائر الموجودات في الجهة التي أطلقناها عليه وذلك تشبيه فلم يمكن الحكم بالإثبات المطلق والنفي المطلق بل هو إله المتقابلين وخالق الخصمين والحاكم بين المتضادين ونقلوا في هذا نصا عن محمد بن علي الباقر 7 أنه قال لما وهب العلم للعالمين قيل هو عالم ولما وهب القدرة للقادرين قيل هو قادر فهو عالم قادر بمعنى أنه وهب العلم والقدرة لا بمعنى أنه قائم به العلم والقدرة أو وصف بالعلم والقدرة فقيل فيهم إنهم نفاة الصفات حقيقة معطلة الذات عن
35
جميع الصفات قالوا وكذلك نقول في القدم إنه ليس بقديم ولا محدث بل القديم أمره وكلمته والمحدث خلقه وفطرته انتهى

وقول ابن عربي في الجمع بين التشبيه والتنزيه أشنع من هذا وأبشع وأقبح وأفظع

من هو الزنديق

قال الشيخ محي الدين النووي وسواء كان ظاهر الكفر أو زنديقا يظهر الإسلام ويبطن الكفر كذا فسر الزنديق في باب الردة في كتاب الفرائض وضعفه الأئمة

قال ابن الملقن في العمدة وقال في كتاب اللعان في الكلام على التغليظ إنه الذي لا ينتحل دينا قال وهذا أقرب لأن الأول هو المنافق وقد غايروا بينه وبين الزنديق

قال وقال الغزالي في الأصول الزنديق ضربان

زنديق مطلق

وهو الذي ينكر أصل المعاد حسا وعقلا وينكر الصانع وزنديق مقيد وهو الذي يثبت المعاد بنوع عقل مع نفي الآلام واللذات الحسية الجسمية وإثبات الصانع مع نفي علمه فهذه زندقة مقيدة بنوع اعتراف بتصديق الأنبياء انتهى

وسيأتي في آخر هذا الكتاب عن العلامة علاء الدين البخاري تحقيق معنى الزنديق وغيره من أسماء الكفرة


36

على أن قتل المعتقد لمثل هذا لا بد منه ولو توقفنا في تسميته

قال القاضي عياض وما رواه عن عمر بن عبد العزيز وجده وعمه من قولهم في القدرية يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا وقال عيسى عن أبي القسم في أهل الأهواء من الأباضية والقدرية وشبههم ممن خالف الجماعة من أهل البدع والتحريف لتأويل كتاب الله تعالى يستتابون أيضا أظهروا ذلك أو أسروه فإن تابوا وإلا قتلوا وميراثهم لوثتهم وقال مثله ابن القسم في كتاب محمد في أهل القدر وقد انتهى بنا المقال الدال على كفر من اعتقد ما قاله من الضلال وهذا حين الشروع في سوق كلامه الموضح لفساد طويته وقبح مرامه


37
إفك وبهتان

وأعظم الأمر أنه نسب كفره إلى إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الماحي لجميع الإشراك المخلص لمتبعيه من حبائل سائر الأشراك فقال في الخطبة

أما بعد فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مبشرة أريتها في العشر الآخر من محرم سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق وبيده كتاب فقال لي هذا كتاب فصوص الحكم

خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به فقلت السمع والطاعة لله ولرسوله وأولى الأمر منا كما أمرنا فحققت الأمنية وأخلصت النية وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي رسول الله صلى الله عليه وسلم 8 من غير زيادة ولا نقصان

فمن الله فاسمعوا وإلى الله فارجعوا انتهى

دفع ما افتراه على الرسول

ولا شك أن النوم والرؤيا في حد ذاتهما في حيز الممكن لكن ما أصله من مذهبه الباطل ألزمه أن يكون ذلك محالا وذلك أن عنده أن وجود الكائنات هو الله فإذن الكل هو الله لا غير فلا نبي ولا رسول ولا مرسل ولا مرسل إليه فلا خفاء في امتناع النوم على الواجب وفي امتناع افتقار الواجب إلى أن يأمره النبي بشيء في المنام فمن هنا يعلم أنه لا يتحاشى من التناقض لهدم الدين بنوع مما ألفه أهله

نبه على ذلك الإمام علاء الدين البخاري في كتابه فاضحة الملحدين وناصحة الموحدين


38
إيمانه بأن الله إنسان كبير

ثم قال ابن عربي في فص حكمة إلهية في كلمة آدمية لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى [ التي لا يبلغها الإحصاء ] أن يرى أعيانها وإن شئت قلت أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر [ كله ] لكونه متصفا بالوجود ويظهر به سره إليه فإن رؤية الشيء [ نفسه ] بنفسه ما هي مثل رؤية نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة

ثم قال فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير

ثم قال فسمى هذا المذكور إنسانا وخليفة فأما إنسانيته فلعموم


39
نشأته وحصره الحقائق كلها وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي به يكون النظر وهو المعبر عنه بالبصر فلهذا سمي إنسانا فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم فهو الإنسان الحادث الأزلي والنشء الدائم الأبدي

ثم قال ولا شك أن المحدث قد ثبت حدوثه ولما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شيء من اسم وصفه ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح في الحادث وإن كان واجب الوجود ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه

ثم قال فوصف نفسه لنا بنا فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا وإذا شهدنا شهد نفسه ولا نشك أنا كثيرون بالشخص والنوع وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض ولولا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد

آدم عند الصوفية

ثم قال فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا ولهذا قال لإبليس


40
38 : 35 ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي وما هو إلا عين جمعه [ الصورتين ] صورة العالم وصورة الحق [ وهما يدا الحق ]

ثم قال فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى

ولذلك قال فيه كنت سمعه وبصره ما قال كنت عينه وأذنه

زعمه أن الحق مفتقر إلى الخلق

ثم قال ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان 9 للعالم وجود كما أنه لولا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية ومن هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده شعر

فالكل مفتقر ما الكل مستغني

هذا هو الحق قد قلناه لا نكني

41
التنزيه والتشبيه

ثم قال في فص حكمه سبوحية في كلمة نوحية اعلم أن التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين التحديد والتقييد فالمنزه إما جاهل وإما صاحب سوء أدب ولكن إذا أطلقاه وقالا به

فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نزه ووقف عند التنزيه ولم ير غير ذلك فقد أساء الأدب وأكذب الحق والرسل وهو لا يشعر ويتخيل أنه في الحاصل وهو في الفائت وهو كمن آمن ببعض وكفر ببعض ولا سيما وقد علم أن ألسنة الشرائع الإلهية إذا نطقت في الحق تعالى بما نطقت به إنما جاءت به في العموم على المفهوم الأول وعلى الخصوص على كل مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ بأي لسان كان في وضع ذلك اللسان


42
بم يعرف الله عند الصوفية

فإن للحق في كل خلق ظهورا فهو الظاهر في كل مفهوم وهو الباطن عن كل فهم إلا عن فهم من قال إن العالم صورته وهويته وهو الإسم الظاهر كما أنه بالمعنى روح ما ظهر فهو الباطن فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبر للصورة فيؤخذ في حد الإنسان مثلا باطنه وظاهره وكذلك كل محدود

فالحق محدود بكل حد وصور العالم لا تنضبط ولا يحاط بها ولا تعلم حدود كل صورة منها إلا على قدر ما حصل لكل عالم من صورته فلذلك يجهل حد الحق فإنه لا يعلم حده إلا بعلم حد كل صورة

وهذا محال حصوله فحد الحق محال وكذلك من شبهه وما نزهه فقد قيده وحدده وما عرفه ومن جمع في معرفته بين التنزيه والتشبيه ووصفه بالوصفين


43
على الإجمال لأنه يستحيل ذلك على التفصيل لعدم الإحاطة بما في العالم من الصور فقد عرفه [ مجملا ] لا على التفصيل كما عرف نفسه مجملا لا على التفصيل ولذلك ربط النبي صلى الله عليه وسلم معرفة الحق بمعرفة النفس فقال من عرف نفسه فقد عرف ربه وقال الله تعالى 41 : 53 سنريهم آياتنا فى الآفاق وهو ما خرج عنك وفى أنفسهم وهو عينك حتى يتبين لهم أي للناظر أنه الحق أي من حيث أنك صورته وهو روحك فأنت له كالصورة الجسمية لك وهو لك كالروح المدبر لصورة جسدك والحد يشمل الظاهر والباطن منك فإن الصورة الباقية إذا زال عنها الروح المدبر لها لم تبق إنسانا ولكن يقال فيها إنها صورة تشبه صورة الإنسان فلا فرق بينها وبين صورة من خشب أو حجارة ولا ينطلق عليها اسم إنسان إلا بالمجاز لا بالحقيقة وصور العالم لا يمكن زوال 10 الحق عنها أصلا فحد الألوهية له بالحقيقة
44
لا بالمجاز كما هو حد الإنسان إذا كان حيا وكما أن ظاهر صورة الإنسان تثنى بلسانها على روحها ونفسها والمدبر لها كذلك جعل الله تعالى صورة العالم تسبح بحمده ولكن لا فقه تسبيحهم لأنا لا نحيط بما في العالم من الصور فالكل ألسنة الحق ناطقة بالثناء على الحق ولذلك قال الحمد لله رب العالمين أي إليه ترجع عواقب الثناء فهو المثني والمثنى عليه شعر

فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدا

وإن قلت بالتشبيه كنت محددا

وإن قلت بالأمرين كنت مسددا

وكنت إماما في المعارف سيدا

فمن قال بالإشفاع كان مشركا

ومن قال بالإفراد كان موحدا

فإياك والتشبيه إن كنت ثانيا

وإياك والتنزيه إن كنت مفردا

فما أنت هو بل أنت هو وتراه في

عين الأمور مسرحا ومقيدا

45

قال الله تعالى [ 42 : 11 ليس كمثله شيء فنزه وهو السميع البصير ] فشبه وقال تعالى ليس كمثله شيء فشبه وثنى وهو السميع البصير فنزه وأفرد


46
تكفير الصوفية لنوح

لو أن نوحا جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه فدعاهم جهارا ثم دعاهم إسرارا ثم قال لهم 71 : 10 استغفروا ربكم إنه كان غفارا وقال 71 : 5 6 إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا وذكر عن قومه أنهم تصامموا عن دعوته لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته فعلم العلماء بالله ما أشار إليه نوح عليه السلام في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان والأمر قرآن لا فرقان ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى الفرقان وإن كان فيه فإن القرآن يتضمن


47
الفرقان والفرقان لا يتضمن القرآن ولهذا ما اختص بالقرآن إلا محمد صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس ف ليس كمثله شيء يجمع الأمرين في أمر واحد فلو أن نوحا أتى بمثل هذه الآية لفظا أجابوه فإنه شبه ونزه في آية واحدة بل في نصف آية ونوح دعا قومه ليلا من حيث عقولهم وروحانيتهم فإنها غيب ونهارا دعاهم أيضا من حيث ظاهر صورهم وحسهم وما جمع في الدعوة مثل ليس كمثله شيء فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان [ فزادهم ] فرارا ثم قال عن نفسه إنه دعاهم ليغفر لهم لا ليكشف لهم وفهموا ذلك منه صلى الله عليه وسلم لذلك جعلوا أصابعهم في
48
آذانهم واستغشوا ثيابهم وهذه كلها صورة الستر التي دعاهم إليها فأجابوا دعوته بالفعل لا بلبيك ففي ليس كمثله شيء إثبات المثل ونفيه وبهذا قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم أنه أوتي جوامع الكلم فما دعا محمد قومه ليلا ونهارا بل دعاهم ليلا في نهار ونهارا في ليل فقال نوح في حكمته لقومه 71 : 11 يرسل السماء عليكم مدرارا وهي المعارف العقلية في المعاني والنظر الاعتباري ويمددكم بأموال أي بما يميل بكم إليه فإذا مال بكم إليه رأيتم 11 صورتكم
49
فيه فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرف ومن عرف منكم أنه رأى نفسه فهو العارف فلهذا انقسم الناس إلى غير عالم وعالم وولده وهو ما أنتجه لهم نظرهم الفكري والأمر موقوف علمه على المشاهدة بعيد عن نتائج الفكر إلا خسارا فما ربحت تجارتهم فزال عنهم ما كان في أيديهم مما كانوا يتخيلون أنه ملك لهم وهو في المحمديين 57 : 7 وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه وفي نوح 71 : 2 أن لا تتخذوا من دوني وكيلا فأثبت الملك لهم والوكالة لله فيهم فهم مستخلفون فيه فالملك لله وهو وكيلهم فالملك لهم وذلك ملك الاستخلاف وبهذا كان الحق تعالى مالك الملك كما قال الترمذي رحمه الله
الدعوة إلى الله مكر عند الصوفية

ومكروا مكرا كبارا لأن الدعوة إلى الله تعالى مكر بالمدعو لأنه


50
ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية 12 : 108 أدعو إلى الله فهذا عين المكر

قلت فهذا وأشكال من قوله كما يأتي في ال 2 فص اليوسفي يدندن به على تصحيح قول الكفار إن القرآن سحر

ولا يقدر على التصريح به ولقد أخبرني من أثق به أن بعض أتباعهم قال له القرآن أساطير الأولين

ثم قال ابن عربي [ مفسرا قول رب العالمين ] 12 : 108 على بصيرة فنبه على أن الأمر له كله فأجابوه مكرا كما دعاهم فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى الله ما هي من حيث هويته وإنما هي من حيث أسماؤه فقال 19 : 86 يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا فجاء بحرف الغاية وقرنها بالإسم فعرفنا أن العالم كان تحت حيطة إسم إلهي أوجب عليهم أن يكونوا متقين


51
فقالوا في مكرهم 71 : 23 لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله في المحمديين 17 : 23 وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه أي حكم فالعالم يعلم من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية فما عبد غير الله
52
في كل معبود
تكفير العراقي لابن عربي

وقال شيخ شيوخنا الإمام القدوة العارف شيخ الإسلام حافظ عصره الشيخ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي في كراسة أجاب فيها سؤال من سأله عن بعض كلام ابن عربي هذا وقوله في قوم نوح لا تذرن آلهتكم إلى آخره كلام ضلال وشرك واتحاد وإلحاد فجعل تركهم لعبادة الأوثان التي نهاهم نوح عن عبادتها جهلا يفوت عليهم من الحق بقدر ما تركوا انتهى

قلت يا ليت شعري من قال هذا القول في هذا العدد اليسير من الأصنام ماذا يقول فيما روى في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده وجعل يقول 17 : 18 جاء الحق وزهق الباطل


53

وفي السير أنها كانت 12 مثبتة في الأرض بالرصاص فما أشار بذلك العود إلى صنم منها إلا انقلب إن أشار إلى قفاه انكب على وجهه وإن أشار إلى وجهه انقلب على قفاه وكان في جزيرة العرب من الأصنام ما يتعسر حصره فما أبقى لشيء منها باقية وما استباح قتالهم ونهب أموالهم وقتل رجالهم ومزق أبطالهم وركب من دون ذلك الأهوال العظام وقاطع الأخوال والأعمام إلا على ذلك فتبا لمن أنكره أو رأى شيئا أكمل منه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين انتهى

كل شيء عندهم رب وإله

قال ابن عربي فالأدنى من تخيل فيه أي في كل معبود الألوهية فلولا هذا التخيل ما عبد الحجر ولا غيره ولهذا قال 13 : 33 قل سموهم فلو سموهم لسموهم حجارة وشجرا وكوكبا ولو قيل لهم من عبدتم لقالوا إلها ما كانوا يقولون الله ولا الإله والأعلى ما تخيل بل قال هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر فالأدنى صاحب التخيل يقول 3 : 39 ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا والأعلى العالم يقول 34 : 32 فإلهكم إله واحد


54
فله أسلموا وبشر المخبتين الذين خبت نار طبيعتهم فقالوا إلها ولم يقولوا طبيعة

قلت وعلى هذا يحوم ابن الفارض بقوله فالعلماء شهدوا فيه أنه من أهل الاتحاد

الرأي في ابن الفارض وتائيته

وقال الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير إنه نظم التائية على طريقة المتصوفة المنسوبين إلى الاتحاد وقال وقد تكلم فيه غير واحد من مشايخنا بسبب قصيدته المشار إليها وقال في سنة سبع وسبعين وستمائة في ترجمة محمد بن إسرائيل وكان أديبا ولكن في كلامه ما يشير إلى الحلول والاتحاد


55
على طريقة ابن الفارض وابن عربي

وقال الشيخ مدين وهو كان رأس الصوفية زماننا إن التائية هي الفصوص لا فرق بينهما ومن قال ان السراج عمر بن إسحاق الهندي عزر الشهاب أحمد بن يحيى بن أبي حجلة لأجل كلامه في ابن الفارض وجعل ذلك دليلا على ولايته أجيب بأن شيخنا حافظ العصر أحمد بن حجر ذكر في ترجمته في أول تاريخه في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة أن السراج الهندي كان يتعصب للصوفية الاتحادية وأنه شرح التائية فسقط كلامه والاعتبار به وعلى كل تقدير فتعزيره له غير واقع في محله بوجه فإنه لا شيء على من كفر مسلما بتأويل بلا خلاف


56
نعلمه بين العلماء

والحجة فيه قصة عمر وحاطب رضي الله عنهما وغير ذلك مما وقع بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم في وقائع عدة على أن التعزير يحتمل أمورا عدة لا يتعين شيء منها إلا بدليل فسقط الاستدلال به

وقال العلامة علاء الدين البخاري وكان عين العلماء والصوفية قبل الشيخ مدين لشخص حنفي لا فرق بين التائية والفصوص إلا بكونه نثرا وكونها نظما كما أنه لا فرق بين منظومة 13 النسفي والقدوري إلا بذلك

وقال الشافعي مثل ذلك ومثل بالبهجة نظم الحاوي وبالحاوي

وقال العلامة بدر الدين حسين بن الأهدل وهو من أعيان صوفية اليمن وفقهائهم واعلم أن ابن الفارض من رءوس أهل الاتحاد واستشهد على


57
بشراح التائية من أتباعه مثل سعيد الفرغاني وداود القيصري ومحمود الأنزاوي
شواهد من تائية ابن الفارض

وإياك والإعراض عن كل صورة

مموهة أو حالة مستحيلة

فطيف خيال الظل يبدي إليك في

كرى اللهو ما عنه الستائر شقت

ترى صور الأشياء تجلى عليك من

وراء حجاب اللبس في كل خلعة

تجمعت الأضداد فيها لحكمه

وأشكالها تبدو على كل هيئة

صوامت تبدي النطق وهي سواكن

تحرك تهدي النور غير ضوية

ثم ذكر أنواعا من الأضداد في نيف وعشرين بيتا ثم قال

وكل الذي شاهدته فعل واحد

بمفرده لكن بحجب الأكنة

إذا ما أزال الستر لم تر غيره

ولم يبق بالأشكال إشكال ريبة

ويجمعنا في المظهرين تشابه

وليست لحالي حاله بشبيهة

58

فأشكاله كانت مظاهر فعله

بستر تلاشت إذ تجلى وولت

وكانت له بالفعل نفسي شبيهة

وحسي كالأشكال واللبس سترتي
تمجيد الصوفية لعبادة الأصنام

وقال في الفص النوحي أيضا 71 : 23 وقد أضلوا كثيرا أي حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب ولا تزد الظالمين لأنفسهم المصطفين الذين أورثوا الكتاب فهمأول الثلاثة فقدمه على المقتصد والسابق


59
إلا ضلالا إلا حيرة المحمدي زدني فيك تحيرا 2 : 20 كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب فلا يبرج منه وصاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود طالب ما هو فيه صاحب خيال إليه غايته فله من وإلى وما بينهما وصاحب الحركة الدورية لا بدء له فيلزمه من ولا غاية له
60
فتحكم عليه إلى فله الوجود الأتم وهو المؤتي جوامع الكلم والحكم مما خطيئاتهم فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله وهو الحيرة فأدخلوا نارا في عين الماء في المحمديين 81 : 6 وإذا البحار سجرت سجرت التنور إذا أوقدته فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا فكان الله عين أنصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد فلو أخرجهم إلى السيف سيف الطبيعة لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة وإن كان الكل لله وبالله

بل هو الله

قال نوح رب ما قال إلهي فإن الرب له الثبوت والإله يتنوع بالأسماء فهو كل يوم هو في شأن فأراد بالرب ثبوت التكوين إذ لا يصح إلا هو


61
لا تذر على الأرض يدعو عليهم أن يصيروا في بطنها المحمدي ولو دليتم بحبل لهبط على الله له ما في السماوات وما في الأرض وإذا دفنت فيها [ فأنت فيها ] وهي ظرفك 55 : 20 وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى 14 لاختلاف الوجوه من الكافرين الذين استغشوا ثيابهم وجعلوا أصابعهم في آذانهم طلبا للستر لأنه دعاهم ليغفر لهم

والغفر الستر

ديارا أحدا حتى تعم المنفعة كما عمت الدعوة إنك إن تذرهم أي تدعهم وتتركهم يضلوا عبادك إلى الخير فيخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية فينظرون أنفسهم أربابا بعد ما كانوا عند أنفسهم عبيدا فهم العبيد الأرباب ولا يلدوا أي ما ينتجون ولا يظهرون إلا فاجرا أي مظهرا ما ستر كفارا أي ستارا ما ظهر بعد ظهوره فيظهرون ما ستر ثم يسترونه بعد ظهوره فيحار الناظر ولا يعرف قصد الفاجر في فجوره ولا الكافر


62
في كفره والشخص واحد رب اغفر لي استرني واستر من أجلي فيجهل مقامي وقدري كما جهل قدرك في قولك 67 : 39 وما قدروا الله حق قدره ولوالدي من كنت نتيجة عنهما وهما العقل والطبيعة ولمن دخل بيتي أي قلبي مؤمنا أي مصدقا لما يكون فيه من الإخبارات الإلهية وهو ما حدثت به أنفسها وللمؤمنين من العقول وللمؤمنات من النفوس ولا تزد الظالمين من الظلمات أهل الغيب المكتنفين خلف الحجب الظلمانية إلا تبارا أي هلاكا فلا يعرفون نفوسهم لشهودهم وجه الحق دونهم في المحمديين 88 : 28 كل شيء هالك إلا وجهه والتبار الهلاك
الحق عين الخلق عند الصوفية

ثم قال في فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية ومن أسمائه الحسنى العلي على من وما ثم إلا هو فهو العلي لذاته أو عن ماذا وما هو


63
إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو

فهو العلي لا علو إضافة لأن الأعيان التي لها العدم الثابتة فيه ما شمت رائحة من الوجود فهي على حالها مع تعداد الصور في الموجودات والعين واحدة من المجموع في المجموع فوجود الكثرة في الأسماء وهي النسب وهي أمور عدمية وليس إلا العين الذي هو الذات فهو العلي لنفسه لا بالإضافة فما في العالم من هذه الحيثية علو إضافة لكن الوجوه الوجودية متفاضلة فعلو الإضافة موجود في العين الواحدة من حيث الوجوه الكثيرة لذلك نقول فيه هو لا هو

أنت لا أنت

قال الخراز


64
وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه بأن الله لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها فهو الأول والآخر والظاهر والباطن فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره وما ثم من يراه غيره وما ثم من يبطن عنه فهو ظاهر لنفسه باطن عنه وهو المسمى أبا سعيد الخراز وغير ذلك من [ أسماء ] المحدثات

قلت وقال ابن الفارض

أممت إمامي في الحقيقة فالورى

ورائي وكانت حيث وجهت وجهتي

يراها أمامي في صلاتي ناظري

ويشهدني قلبي إمام أئمتي

ولا غرو أن صلى الأنام إلى أن

ثوت بفؤادي وهي قبلة قبلتي

لها صلواتي بالمقام أقيمها

وأشهد فيها أنها لي صلت

كلانا مصل ساجد إلى

حقيقته بالجمع في كل سجدة

وما كان لي صلى سواي ولم تكن

صلاتي لغيري في أدا كل ركعة

إلى كم أواخي الستر ها قد هتكته

وحل أواخي الحجب في عقد بيعتي

أفاد اتخاذي حبها لاتحادنا

نوادر عن عاد المحبين شذت

65

وفي الصحو بعد المحو لم أك غيرها

وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلت

فوصفي إذ لم تدع باثنين وصفها

وهيئتها إذ واحد نحن هيئتي

فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن

منادي أجابت من دعاني ولبت

وإن نطقت كنت المناجي كذاك إن

قصصت حديثا إنما هي قصت

فقد رفعت تاء المخاطب بيننا

وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي

فجاهد تشاهد فيك منك وراء ما

وصفت سكوتا عن وجود سكينة

66

فمن بعد ما جاهدت شاهدت مشهدي

وهادى لي إياي بل بي قدوتي

فبي موقفي لا بل إلي توجهي

كذاك صلاتي لي ومني كعبتي
الوحدة المطلقة دين ابن عربي

قال الإمام زين الدين العراقي في جواب السؤال المذكور وأما قوله فهو عين ما ظهر وعين ما بطن فهو كلام مسموم ظاهره القول بالوحدة المطلقة وأن جميع مخلوقاته هي عينه ويدل على إرادته لذلك صريحا قوله بعد ذلك وهو المسمى أبا سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات وكذا قوله بعد ذلك والمتكلم واحد وهو عين السامع وقائل ذلك والمعتقد له كافر بإجماع العلماء

لا يعتذر عن الصوفية بالتأويل

ثم قال ولا يقبل ممن اجترأ على مثل هذه المقالات القبيحة أن يقول أردت بكلامي هذا خلاف ظاهره ولا نؤول له كلامه ولا كرامة

ولقد أحسن بعض من عاصرناه من العلماء العارفين وهو الشيخ الإمام العلامة علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي حيث سئل عن شيء من هذا

فقال إنما نؤول كلام من ثبتت عصمته حتى نجمع بين كلاميه لعدم


67
جواز الخطأ عليه وأما من لم تثبت عصمته فجائز عليه الخطأ والمعصية والكفر فنؤاخذه بظاهر كلامه ولا يقبل منه ما أول كلامه عليه مما لا يحتمله أو مما يخالف الظاهر وهذا هو الحق انتهى
خطر صرف الكلام عن ظاهره

وكذا قال في عدم التأويل لغير المعصوم الإمام نور الدين علي بن يعقوب البكري الشافعي وقد حقق هذه المسألة حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في أول الإحياء في كتاب العلم بما حاصله أن الكلام إن كان ظاهرا في الكفر بالاتحاد فقتل واحد ممن يقول به أفضل من إحياء عشرة أنفس وإن كان فهمه مشكلا فلا يحل ذكره

وقال إن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام بنقل عن صاحب الشرع وبغير ضرورة تدعو إلى ذلك من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ

ثم قال والباطن لا ضبط


68
له بل تتعارض فيه الخواطر ثم قال وبهذا الطريق توصل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة

وسيأتي تأييد ذلك عن الشيخ زين الدين العراقي وولده الحافظ أبي زرعة 16 وحكاية ابن خليل السكوني الإجماع على ذلك

صلة الخلق بالحق عند الصوفية

ثم قال ابن عربي في الفص الإدريسي أيضا وما ظهر حكم العدد إلا بالمعدود والمعدود منه عدم ومنه وجود فقد يعدم الشيء من حيث الحس وهو موجود من حيث العقل فلا بد من عدد ومن معدود ولا بد من واحد ينشئ ذلك فينشأ بسببه فإن كل مرتبة من العدد حقيقة واحدة كالتسعة مثلا والعشرة [ إلى أدنى وإلى أكثر إلى غير نهاية ] ما هي مجموع ولا ينفك عنها اسم جمع الآحاد

ثم قال ومن عرف ما قررناه في الأعداد وأن نفيها عين إثباتها


69
علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه وإن كان قد تميز الخلق من الخالق فالأمر الخالق المخلوق والأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين واحدة [ لا ] بل هو
70
العين الواحدة وهو العيون الكثيرة
الطبيعة هي الله عند الصوفية

ثم قال وخلق منها زوجها [ فما نكح سوى نفسه فمنه الصاحبة والولد والأمر واحد في العدد ] فمن الطبيعة ومن الظاهر منها وما رأيناها نقصت بما ظهر منها ولا زادت بعدم ما ظهر وما الذي ظهر غيرها وما هي عين ما ظهر لاختلاف الصور بالحكم عليها فهذا بارد يابس وهذا حار يابس فجمع باليبس وأبان بغير ذلك والجامع الطبيعة [ لا ] بل العين الطبيعة فعالم الطبيعة صور في مرآة واحدة لا

بل صورة واحدة في [ مرايا ] مختلفة فما ثم إلا حيرة لتفرق النظر ومن عرف ما قلناه لم يحر وإن كان في مزيد علم فليس إلا من حكم المحل والمحل عين العين الثابتة فيها يتنوع الحق في


71
المجلى فتتنوع الأحكام عليه فيقبل كل حكم وما يحكم عليه إلا عين ما تجلى فيه وما ثم إلا هذا شعر

فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا

وليس خلقا بذاك الوجه فادكروا

من يدر ما قال لم تخذل بصيرته

وليس يدريه إلا من له بصر

جمع وفرق فإن العين واحدة

وهي الكثيرة لا تبقى ولا تذر
دين ابن الفارض

قلت وهذا مراد ابن الفارض بقوله

وجل في فنون الاتحاد ولا تحد

إلى فئة في غيره العمر أفنت

فواحده الجم الغفير ومن عداه

شرذمة في غيره العمر أفنت

فمت بمعناه وعش فيه أو فمت

معناه واتبع أمة فيه أمت

فأنت بهذا المجد أجدر من أخي اجتهاد

مجد عن رجاء وخيفة

فألغ الكنى عني ولا تلغ ألكنا

بها فهي من آثار صيغة صنعتي

72

وأي بلاد الله حلت بها فما

أراها وفي عيني حلت غير مكة

وأي مكان ضمها حرم كذا

أرى كل دار أوطنت دار هجرة

وما سكنته فهو بيت مقدس

بقرة عيني فيه أحشاي قرت

ومسجدي الأقصى مساحب بردها

وطيبي ثرى أرض عليها تمشت

وشكري لي والبر مني واصل

إلي ونفسي باتحادي استبدت

وثم أمور تم لي كشف سترها

بصحو مفيق عن سواي تغطت

بها لم يبح من لم يبح دمه

وفي الإشارة معنى ما العبارة حدت

وقلبي بيت فيه أسكن دونه

ظهور صفاتي عنه من حجبيتي

ومنها يميني في ركن مقبل

ومن قبلتي للحكم في في قبلتي

وحولي بالمعنى طوافي حقيقة

17 وسعيي لوجهي من صفائي لمروتي

وفي حرم من باطني أمن ظاهري

ومن حوله يخشى تخطف جيرتي

73

وشفع وجودي في شهودي ظل في اتحادي وترا في تيقظ غفوتي

ولم أله باللاهوت عن حكم مظهري

ولم أنس بالناسوت مظهر حكمتي

وقد جاءني مني رسول عليه ما

عنت عزيز بي حريص لرأفة

ومن عهد عهدي قبل عصر عناصري

إلى دار بعث قبل إنذار بعثة

إلي رسولا كنت مني مرسلا

وذاتي بآياتي علي استدلت

74
العبد عين الرب عند الصوفية

ثم قال في فص حكمة علية في كلمة إسماعيلية والعبد من كان عند ربه مرضيا وما ثم إلا من هو مرضي عند ربه لأنه الذي يبقى عليه ربوبيته فهو عنده مرضي فهو سعيد ثم قال شعر

فأنت عبد وأنت رب

لمن له فيه أنت عبد

وأنت رب وأنت عبد

لمن له في الخطاب عهد

فكل عقد عليه شخص

يحله من سواه عقد

فرضى الله عن عبيده فهم مرضيون ورضوا عنه فهو مرضي فتقابلت الحضرتان تقابل الأمثال والأمثال أضداد لأن المثلين حقيقة لا يجتمعان إذ لا يتميزان وما ثم إلا متميز فما ثم مثل فما في الوجود مثل فما في الوجود ضد فإن الوجود حقيقة واحدة والشئ لا يضاد نفسه


75

فلم يبق إلا الحق لم يبق كائن

فما ثم موصول وما ثم بائن

بذا جاء برهان العيان فما أرى

بعيني إلا عينه إذ أعاين
النار عين الجنة عند الصوفية

ثم قال الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد [ والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات فيثنى عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد بل بالتجاوز ] 47 : 14 فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله لم يقل ووعيده بل قال ونتجاوز عن سيئاتهم مع أنه توعد على ذلك فأثنى على إسماعيل عليه الصلاة والسلام بأنه كان صادق الوعد

فلم يبق إلا صادق الوعد وحده

وما لوعيد الحق عين تعاين

وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم

على لذة فيها نعيم مباين

نعيم جنان الخلد فالأمر واحد

وبينها عند التجلي تباين

يسمى عذابا من عذوبة لفظه

وذاك لكالقشر والقشر صائن

76
مثل من تفسير ابن عربي للقرآن

ثم قال في فص حكمة نورية في كلمة يوسفية بعد أن قرر أن الشيء قد يرى على خلاف ما هو عليه لبعد أو ظلام ونحوة فما يعلم من العالم إلا قدر ما يعلم من الظلال ويجهل من الحق على قدر ما يجهل من الشخص الذي كان عند ذلك الظل فما حيث هو ظل له يعلم ومن حيث ما يجهل ما في ذات ذلك الظل من صورة شخص من امتد عنه يجهل من الحق فلذلك نقول إن [ الحق ] معلوم لنا من وجه مجهول لنا من وجه 25 : 45 ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا أي يكون فيه بالقوة

يقول ما كان الحق ليتجلى للممكنات التي ما ظهر لها عين في الوجود 25 : 45 ثم جعلنا الشمس عليه دليلا وهو إسمه النور الذي قلنا ويشهد له الحس فإن الظلال لا يكون لها عين بعدم النور 25 : 46 ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا

وإنما قبضه إليه لأنه ظله فمنه ظهر وإليه يرجع الأمر كله فهو هو لا غيره وجود الحق عين

وجود الخلق عند الصوفية

فكل ما تدركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات فمن حيث هوية الحق


77
هو وجوده ومن حيث اختلاف الصور فيه هو أعيان الممكنات فكما لا يزول عنه باختلاف الصور اسم الظل كذلك لا يزول عنه 18 باختلاف الصور اسم العالم أو اسم سوى الحق فمن حيث أحدية كونه ظلا هو الحق لأنه الواحد الأحد ومن حيث كثرة الصور هو العالم فتفطن وتحقق ما أوضحته لك فإذا كان الأمر على ما ذكرته لك فالعالم متوهم ماله وجود حقيقي وهذا معنى الخيال أي خيل إليك أنه أمر زائد قائم بنفسه خارج عن الحق وليس كذلك في نفس الأمر

ألا تراه في الحس متصلا بالشخص الذي امتد عنه يستحيل [ عليه ] الانفكاك عن ذلك الاتصال لأنه يستحيل على الشيء الانفكاك عن ذاته وهذا وما شاكله من قوله كما تقدم في الفص النوحي مشير إلى تصحيح قول الكفار في القرآن إنه سحر لا حقيقة له إشارة تكاد أن تكون صريحة وإلى مثل هذا المحال لوح ابن الفارض والأمر فيه أوضح مما في الفصوص

وها دحية وافى الأمين نبينا

بصورته في بدء وحي النبوة

أجبريل قل لي كان دحية إذ بدا

لمهدي الهدى في هيئة بشريه

وفي علمه عن حاضريه مزية

بماهية المرئي من غير مرية

يرى ملكا يوحى إليه وغيره

يرى رجلا يرعى لديه بصحبة

78

ولى من أتم الرؤيتين إشارة

تنزه عن دعوى الحلول عقيدتي

وفي الذكر ذكر اللبس ليس بمنكر

ولم أعد عن حكمي كتاب وسنة

يعني قوله تعالى 6 : 9 ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون هذا ما كان ظهر لي ثم تبين أن المراد أقبح من هذا بقول شراح التائية الفرغاني وغيره وسيأتي نقله عنه آنفا

رد علاء الدين البخاري

قال الإمام علاء الدين البخاري ما ذكرتم في نفي ثبوت الأشياء معارض بالمثل إذ لا خفاء أنه من أعيان الأكوان غير أنه من الأعراض فيكون ما ذكرتم أيضا خيالا وسرابا لا حقيقة له فلا يمكن به إثبات مذهبكم الباطل وإذا لم يبق في قوس المكابرة منزع ولا لما لزمهم من شنيع المحالات والضلالات مدفع التجأوا إلى دعوى الكشف على ما هو دأب قدماء الفلاسفة حين عجزوا عن إقامة البرهان وأنت خبير بأن الكشف إنما يظهر الحقائق لا أنه يهدم الشرائع وينفي الحقائق فإن ذلك زندقة وقد غلط هؤلاء كغلط


79
النصارى لما رأوا إشراق نور الله تعالى وقد تلألأ في عيسى عليه السلام فقالوا هو الإله وهؤلاء لما رأوا الوجود فائضا من الحضرة الإلهية على الموجودات فلم يفرقوا بين الفيض والمفيض فقالوا الوجود هو الله سبحانه وتعالى ا ه
رأي العضد والجرجاني

وقال الشريف الجرجاني في شرح المواقف للعضد واعلم أن المخالف في هذين الأصلين يعني عدم الاتحاد وعدم الحلول طوائف ثلاث الأولى


80
النصارى ثم ذكر مذاهبهم ثم قال الثانية النصيرية والإسحاقية من غلاة الشيعة قالوا ظهور الروحاني بالجسماني لا ينكر ففي طرف الشر كالشياطين فإنه 19 كثيرا ما يتصور الشيطان بصورة الإنسان ليعلمه الشر ويكلمه بلسانه وفي طرف الخير كالملائكة فإن جبريل صلى الله عليه وسلم كان يظهر بصورة دحية الكلبي [ والأعرابي ] فلا يمتنع [ حينئذ ] أن يظهر الله تعالى في صورة بعض [ الكاملين وأولى الخلق بذلك أشرفهم وأكملهم وهو العترة الطاهرة وهو من يظهر فيه العلم التام والقدرة التامة من الأئمة من تلك العترة ولم يتحاشوا عن إطلاق الآلهة على أئمتهم وهذه ضلالة بينة

الطائفة ] الثالثة [ بعض ] المتصوفة وكل منهم مختبط بين الحلول والاتحاد ثم قال العضد ورأيت من الصوفية الوجودية من ينكره ويقول لا حلول ولا اتحاد إذ ذاك يشعر بالغيرية ونحن لا نقول بها بل نقول ليس في ذات الوجود غيره وهذا العذر أشد قبحا وبطلانا من ذلك الجرم إذ يلزم ذلك المخالطة التي لا يجترئ على القول بها عاقل ولا مميز أدنى تمييز


81
رأي السعد التفتازاني

وهذا المعنى الأخير هو الذي أراده الشيخ سعد الدين التفتازاني بالمذهب الثاني من قوله في شرح المقاصد وههنا مذهبان آخران يوهمان الحلول والاتحاد وليسا منه في شيء

الأول أن السالك إذا انتهى سلوكه إلى الله تعالى في الله يستغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته ويغيب عن كل ما سواه ولا يرى في الوجود إلا الله وهو الذي يسمونه الفناء في التوحيد وإليه يشير الإلهي إن العبد لا يزال يتقرب إلي حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به وحينئذ ربما تصدر عنه عبارات تشعر بالحلول أو بالاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال وبعد الكشف عنها بالمثال ونحن على ساحل التمني نعترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان ونعترف بأن طريق الفناء فيه العيان دون البرهان والله الموفق


82

الثاني أن الواجب هو الوجود المطلق وهو واحد لا كثرة فيه أصلا وإنما الكثرة بالإضافات والتعينات التي هي بمنزلة الخيال والسراب إذ الكل في الحقيقة واحد يتكرر على مظاهر لا بطريق المخالطة ويتكرر في النواظر لا بطريق الانقسام فلا حلول منا ولا اتحاد لعدم الإثنينية والغيرية وكلامهم في


83
ذلك طويل خارج عن طريق العقل والشرع أشرنا في بحث الوجود إلى بطلانه لكن من يضلل الله فما له من هاد انتهى كلام الشيخ سعد الدين رحمه الله
زعم أن الحق يتلبس بصور الخلق

وقال سعيد الفرغاني وهو من أكابر أتباعهم في شرحه للتائية وتنزه تلك الإشارة عقيدتي عن رأي الحلول فإنه لما جاز ووقع أن يكون لملك مخلوق قدرة التلبس بأي صورة شاء بلا معنى الحلول فيه يصح أن يتلبس الحق تعالى بصورتي بفناء أنانيتي بالكلية وإن تعللت بعدم جواز تلبسه بالصورة وعللت بتنزيهه عن ذلك التلبس منعناك ورددنا تعليلك بالكتاب والسنة

ثم قال في شرح البيت الذي فيه استشهاده بالكتاب والسنة وفي الذكر أي 20 القرآن آي القرآن 20 ذكر اللبس أي تلبس الحق بالصورة ليس بمردود بل هو ثابت مذكور معروف موضعه من القرآن ولم أتجاوز في تقريري حكمي الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى 8 : 27 نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين يعني من أن يكون منحصرا ظهوره حالتئذ وقبله وبعده في ذلك التلبس وفي غيره من الصور وغير ما وقوله تعالى 28 : 30 نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة


84
الآية وإذا جاز تلبسه بصورة الجماد فبصورة الإنسان أجمع وأولى عند فنائه عن تعينه وتشخصه وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عنه تعالى كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وقوله أيضا فإن الله تعالى قال
85
على لسان عبده سمع الله لمن حمده ثم حديث القيامة في الإتيان في الصورة
86
ثم قال فالحديث أولا وآخرا معلم أنه يتلبس بأي لباس صورة شاء مما يعرف ومما ينكر من غير حلول فكان ظهوره بصورتي أيضا جائزا من غير حلول فصح بهذا دعوى اتحادي مع الحلول
أمر ابن الفارض باتباع شريعته

ثم قال في شرح قوله

منحتك علما إن ترد كشفه فرد

سبيلي واشرع في اتباع شريعتي

قال يحتمل أن يكون إضافة الشريعة من الناظم إلى نفسه بلسان الجمع والترجمانية ويريد بقوله فرد سبيلي ما أريد به في قوله تعالى 12 : 108 قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة وبقوله شريعتي شريعة النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال

فمنبع صدا من شراب نقيعه

لدي فدعني من سراب بقيعة

87

صدا ماء للعرب يضرب المثل به لعذوبته والنقيع البئر الكثيرة الماء يقول معللا البيت السابق الذي حاصله أمره باتباع شريعته والورود في سبيل هداه وطريقته ونهى عن متابعة غيره ممن يدعي التحقيق في العلم والمعرفة الحقيقية نحو علماء الظاهر من الأصوليين والفلاسفة أن المورد العذب الهنئ النافع عندي ويختص بمشربي وهو المفهوم المطابق من الكتاب والسنة وإشاراتهما الغامضة بلا تأويل عقلي وتقليد بل على ما هو الأمر عليه فإن استطعت أن تخوص فيه وتشرب منه وإلا فدعني من سراب علوم علماء الظاهر وتأويلاتهم ومفهوماتهم التي ظاهرها لأجل الفصاحة وتركيب الدلائل تظهر وتغر السامع الغر فيحسبها شيئا نافعا له فإذا فتش عن حقيقتها لم يجد شيئا ولا تحقيق ولا معرفة فيها ولا طائل تحتها وكذلك دلائل الفلسفة في المسائل الإلهية تغر ولا تقر ولا تذكر عندي مذاهبهم ومقالاتهم ودلائلهم ولا تلتفت إلى ذلك تفز فوزا عظيما

هكذا كلام الفرغاني الذي يثنى ابن بنت ابن الفارض في مقدمة 21 الديوان عليه وشهد له أنه على نفس جده وهكذا يفعل في كل الأبيات مهما وجد شيئا من المتشابه في الكتاب أو السنة أجراه على ظاهره وجعله حجة في


88
الاتحاد واستحسان الأفعال القبيحة من المكلفين فإن عجز بكون الشرع نص على قباحتها يقول إن فيها حسنا وقبحا من بعض الوجوه ولعل ذلك الوجه يقود أصحاب تلك المقالة إلى الخير ويسعى كل السعي في إسقاط الإنكار على أحد في فعل من الأفعال وكذا نقل البدر بن الأهدل عن شرحها للأبزاري وغيره والله المستعان
تكذيب صريح للقرآن

وقال في فص حكمة أحدية في كلمة هودية 11 : 56 وما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم فكل ماش [ فعلى ] صراط الرب المستقيم فهم غير مغضوب عليهم من هذا الوجه ولا ضالون فكما كان الضلال عارضا فكذلك الغضب الإلهي عارض والمآل إلى الرحمة التي وسعت كل شئ


89
إفك على الله

ثم قال اعلم أن العلوم الإلهية الذوقية الحاصلة لأهل الله مختلفة باختلاف القوى الحاصلة منها مع كونها ترجع إلى عين واحدة فإن الله تعالى يقول كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يسعى بها فذكر أن هويته [ هي ] عين الجوارح التي هي عين العبد فالهوية واحدة والجوارح مختلفة ولكل جارحة علم من علوم الأذواق يخصها من عين واحدة تختلف باختلاف الجوارح كالماء حقيقة واحدة مختلف في الطعم باختلاف البقاع

قلت وعلى هذا الضلال عول ابن الفارض فقال

وجاء حديث في اتحادي ثابت

روايته في النقل غير ضعيفة

مشيرا بحب الحق بعد تقرب

إليه بنقل أو أداء فريضة

وموضع تنبيه الإشارة ظاهر

بكنت له سمعا كنور الظهيرة

فكلي لكلي طالب متوجه

وبعضي لبعضي جاذب بالأعنة

ومني بدالي ما علي لبسته

وعني البوادي بي إلي أعيدت

90

وفي شهدت الساجدين لمظهري

فحققت أني كنت آدم سجدتي

تعانقت الأطراف عندي 4 وانطوى

بساط السوى عدلا بحكم السوية

91

وليس ألست الأمس غيرا لمن غدا

وجنحي غدا صبحى ويومي ليلتي

وسر بلى لله مرآة كشفها

وإثبات معنى الجمع نفي المعية

ظهور صفاتي عن أسامي جوارحي

مجازا بها للحكم نفسي تسمت

رقوم علوم في ستور هياكل

على ما وراء الحس في النفس ورت

92

وأسماء ذاتي عن صفات جوانحي

جوازا الأسرار بها الروح سرت

مظاهر لي بدوت فيها ولم أكن

علي بخاف قبل موطن برزني 22

ولما شعبت الصدع والتامت فطور

شمل بفرق الوصف غير مشتت

تحققت أنا في الحقيقة واحد

وأثبت صحو الجمع محو التشتت

وإني وإن كنت ابن آدم صورة

فلي فيه معنى شاهد بأبوتي
تمجيد الصوفية للمجرمين

ثم قال في الفص الهودي أيضا فنسوق المجرمين وهم الذين استحقوا المقام الذي ساقهم إليه بريح الدبور التي أهلكهم عن نفوسهم [ بها ] فهو يأخذ بنواصيهم والريح تسوقهم وهي عين الأهواء التي كانوا عليها إلى جهنم


93
وهي البعد الذي كانوا يتوهمونه فلما ساقهم إلى ذلك الموطن حصلوا في عين القرب فزال البعد فزال مسمى جنهم في حقهم ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق لأنهم مجرمون فما أعطاهم هذا المقام الذوقي اللذيذ من جهة المنة وإنما أخذوه بما استحقته حقائقهم من أعمالهم التي كانوا عليها وكانوا في السعي في أعمالهم على صراط الرب المستقيم لأن نواصيهم كانت بيد من له هذه الصفة فما مشوا بنفوسهم وإنما مشوا بحكم الجبر إلى أن وصلوا إلى عين القرب 56 : 85 ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون
زعمهم أن هوية الحق عين أعضاء العبد وقواه

ثم قال فلا قرب أقرب من أن تكون هويته عين أعضاء العبد وقواه وليس العبد سوى هذه الأعضاء والقوى فهو حق مشهود في خلق


94
متوهم فالخلق معقول والحق محسوس مشهود عند المؤمنين وأهل الكشف والوجود وما عدا هذين الصنفين فالحق عندهم معقول والخلق مشهود فهم بمنزلة الملح الأجاج والطائفة الأولى بمنزلة الماء العذب الفرات السائغ لشاربه فالناس على قسمين من الناس من يمشي على طريق يعرفها ويعرف غايتها فهي في حقه على صراط مستقيم ومن الناس من يمشي على طريق يجهلها ولا يعرف غايتها وهي عين الطريق التي عرفها الصنف الآخر فالعارف يدعو إلى الله على بصيرة وغير العارف يدعو إلى الله على التقليد والجهالة
تفسيرهم لما عذب الله به قوم هود

ثم قال ألا ترى عادا قوم هود كيف قالوا 46 : 24 هذا عارض ممطرنا فظنوا خيرا بالله تعالى وهو عند ظن عبده به فأضرب لهم الحق عن هذا القول فأخبرهم بما هو أتم وأعلى في القرب فإنه إذا أمطرهم فذلك حظ


95
الأرض وسقي الحب فما يصلون إلى نتيجة ذلك المطر إلا عن بعد فقال لهم 26 : 24 بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم

فجعل الريح إشارة إلى ما فيها من الراحة فإن بهذه الريح أراحهم من هذه الهياكل المظلمة والمسالك الوعرة والسدف المدلهمة وفي هذه الريح عذاب أي أمر يستعذبونه إذا ذاقوه إلا أنه يوجعهم لغرقة المألوف انتهى ما قاله مكذبا لصريح الذكر الحكيم في قوم قال فيهم أصدق القائلين سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون 23 علوا كبيرا 7 : 71 قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب 72 : 7 فكذبوه فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين 11 : 59 60 وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود ابن عربي يزعم أنه اجتمع بالأنبياء

ثم ادعى في هذا الفص أنه رأى الأنبياء عليهم السلام في مشهد واحد سنة ست وثمانين وخمسمائة وأنه ما كلمه منهم إلا هود وقال رأيته لطيف


96
المحاورة عارفا بالأمور كاشفا لها ودليلي على كشفه لها قوله ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربى على صراط مستقيم وأي بشارة للخلق أعظم من هذه ثم من امتنان الله علينا أن أوصل إلينا هذه المقالة عنه في القرآن
ظن الصوفية بالله سبحانه

ثم تممها الجامع للكل محمد صلى الله عليه وسلم بما أخبر به عن الحق أنه عين السمع والبصر واليد والرجل واللسان أي هو عين الحواس والقوى الروحانية أقرب من الحواس فاكتفى بالأبعد المحدود عن الأقرب المجهول الحد فترجم الحق لنا عن نبيه هود مقالته لقومه بشرى لنا وترجم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ عن الله ] مقالته بشرى فكمل العلم في صدور الذين أوتوا العلم 49 : 47 وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون فإنهم يسترونها وإن عرفوها حسدا منهم ونفاسة وظلما وما رأينا قط من عند الله في حقه تعالى في آية أنزلها أو إخبار عنه أوصله إلينا فيما يرجع إليه إلا بالتحديد تنزيها كان أو غير تنزيه أولها العماء الذي ما فوقه هواء وما تحته هواء فكان الحق فيه قل أن يخلق الخلق ثم ذكر أنه استوى على العرش فهذا أيضا تحديد ثم ذكر أنه ينزل إلى السماء الدنيا فهذا تحديد ثم ذكر أنه في السماء وأنه في الأرض وأنه


97
معنا أينما كنا إلى أن أخبرنا أنه عيننا ونحن محدودون فما وصف نفسه إلا
98
بالحد وقوله 43 : 11 ليس كمثله شئ حد أيضا إن أخذنا الكاف زائدة لغير الصفة ومن تميز عن المحدود فهو محدود بكونه ليس عين هذا المحدود فالإطلاق عن التقييد تقييد والمطلق مقيد بالإطلاق لمن فهم وإن جعلنا الكاف للصفة فقد حددناه وإن أخذنا ليس كمثله شيء على نفي المثل تحققنا بالمفهوم وبالإخبار الصحيح أنه عين الأشياء والأشياء محدودة وإن اختلفت حدودها فهو محدود بحد كل محدود فما يحد شئ إلا وهو حد الحق فهو الساري في مسمى المخلوقات والمبدعات ولو لم يكن الأمر كذلك ما صح الوجود فهو عين الوجود فهو على كل [ شئ ] حفيظ ولا يؤوده حفظ شئ فحفظه تعالى للأشياء كلها حفظه لصورته أن يكون الشئ غير صورته 24 ولا يصح إلا هذا فهو الشاهد من الشاهد والمشهود من المشهود فالعالم صورته وهو روح العالم المدبر له فهو الإنسان الكبير هذا لفظه هنا وتقدم في الفص الآدمي أن العالم يعبر عنه في اصطلاحهم بالإنسان الكبير فراجعه تعرف صراحة كفر الخبيث
الكون هو رب الصوفية

ثم قال فقل في الكون ما شئت إن شئت قلت هو الخلق وإن شئت [ قلت ] هو الحق وإن شئت قلت هو الحق الخلق وإن شئت قلت


99
لا حق من كل وجه ولا خلق من كل وجه وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك فقد بانت المطالب بتعيينك المراتب ولولا التحديد ما أخبرت الرسل بتحول الحق في الصور ولا وصفته بخلع الصور عن نفسه

فلا تنظر العين إلا إليه

ولا يقع الحكم إلا عليه

ثم قال وبالجملة فلا بد لكل شخص من عقيدة في ربه يرجع بها إليه ويطلبه فيها [ فإذا تجلى له الحق فيها عرفه وأقر به وإن تجلى له في غيرها أنكره وتعوذ منه وأساء الأدب عليه في نفس الأمر وهو عند نفسه أنه قد تأدب معه ] فلا يعتقد معتقد إلها إلا بما جعل في نفسه فالإله في الاعتقادات بالجعل فما رأوا إلا نفوسهم وما جعلوا فيها

لم يقول الصوفية بوحدة الأديان

فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه فكن في نفسك هيولي لصور المعتقدات


100
كلها فإن الله تعالى أوسع وأعظم [ من ] أن يحصره عقد دون عقد فإنه يقول 2 : 115 فأينما تولوا فثم وجه الله

ثم قال فقد بان لك عن الله تعالى أنه في أينية كل وجهة وما ثم إلا الاعتقادات فالكل مصيب وكل مصيب مأجور وكل مأجور سعيد وكل سعيد مرضي عنه وإن شقى زمانا ما في الدار الآخرة فقد مرض وتألم أهل العناية مع علمنا بأنهم سعداء وأهل حق في الحياة الدنيا

الوحدة عند ابن الفارض

وإلى هذه الجهالة والضلالة رمز ابن الفارض في هذه المقالة

فلا تك مفتونا بحسك معجبا

بنفسك موقوفا على لبس غرة

وفارق ضلال الفرق فالجمع منتج

هدى فرقة بالاتحاد تحدت

وصرح بإطلاق الجمال ولا تقل

بتقييده ميلا لزخرف زينة

فكل مليح حسنه من جمالها

معار له أو حسن كل مليحة

101

بها قيس لبنى هام بل كل عاشق

كمجنون ليلى أو كثير عزة

فكل صبا منهم إلى وصف لبسها

لصورة حسن لاح في حسن صورة

وما ذاك إلا أن بدت بمظاهر

فظنوا سواها وهي فيها تجلت

بدت باحتجاب واختفت بمظاهر

على صبغ التلوين في كل برزة

ففي النشأة الأولى تراءت لآدم

بمظهر حوا قبل حكم الأمومة

فهام بها كيما يصير بها أبا

ويظهر بالزوجين حكم البنوة

وما برحت تبدو وتخفى لعلة

على حسب الأوقات في كل حقبة

وتظهر للعشاق في كل مظهر

من اللبس في أشكال حسن بديعة

ففي مرة لبنى وأخرى بثينة

25 وآونة تدعى بعزة عزت

ولسن سواها لا ولا كن غيرها

وما إن لها في حسنها من شريكة

كذاك بحكم الاتحاد بحسنها

كمالي بدت في غيرها وتزيت

بدوت لها في كل صب متيم

بأي بديع حسنة وبأيت

102

وليسوا بغيري في الهوى لتقدم

علي لسبق في الليالي القديمة

وما القوم غيري في هواها وإنما

ظهرت [ لهم ] للبس في كل هيئة

ففي مرة قيسا وأخرى كثيرا

وآونة أبدو جميل بثينة

تجليت فيهم ظاهرا واحتجبت باطنا

بهم فاعجب لكشف بسترة

أسام بها كنت المسمي حقيقة

وكنت لي البادي بنفس تخفت

وما زلت إياها وإياي لم تزل

ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت

103

وليس معي في الكون شئ سواي

والمعية لم تخطر على ألمعيتي
الكثرة عين الوحدة

ثم قال ابن عربي في فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية وصاحب التحقيق يرى الكثرة في الواحد كما يعلم أن مدلول الأسماء الإلهية وإن اختلفت حقائقها وكثرت أنها عين واحدة فهذه كثرة معقولة في واحد العين فيكون في التجلي كثرة مشهودة في عين واحدة كما أن الهيولي تؤخذ في حد كل صورة [ وهي ] مع كثرة الصور [ واختلافها ] ترجع في الحقيقة إلى جوهر واحد هو هيولاها فمن عرف نفسه بهذه المعرفة فقد عرف ربه فإنه على صورة خلقه بل هو عين هويته وحقيقته


104

قلت وإلى هذا المحال أشار ابن الفارض فقال

رجعت لأعمال العبادة عادة

وأعددت أحوال الإرادة عدتي

وعد جملة من أفعال البر في أبيات ثم قال

ودققت فكري في الحلال تورعا

وراعيت في إصلاح قوتي وقوتي

متى حلت عن قولي أنا هي أو أقل

وحاشا لمثلي أنها في حلت

وهذا مثل ما يقال خاب فلان وخسر وكان مثل إبليس إن كان منه كذا فعل العبد عين

فعل الرب عند الصوفية

وقال ابن عربي في فص حكمة نبوية في كلمة عيسوية

فإنا أعبد حقا

وإن الله مولانا

وإنا عينه فاعلم

إذا ما قلت إنسانا

فلا تحجب بإنسان

فقد أعطاك برهانا

فكن حقا وكن خلقا

تكن بالله رحمانا

وقال في فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية والعمل مقسم على ثمانية


105
2 أعضاء من الإنسان وقد أخبر الحق تعالى أنه هوية كل عضو منها فلم يكن العامل غير الحق والصورة للعبد والهوية مدرجة فيه أي في اسمه لا غير لأنه تعالى عين ما ظهر
ما الخلق

ثم قال فنحن نتيجة رحمة الامتنان بالأسماء الإلهية والنسب الربانية ثم أوجبها على نفسه بظهورنا لنا وأعلمنا أنه هويتنا لنعلم أنه ما أوجبها على نفسه إلا لنفسه فما خرجت الرحمة عنه فعلى من 26 امتن وما ثم إلا


106
هو إلا أنه لا بد من حكم لسان التفصيل لما ظهر من تفاضل الخلق في العلوم حتى يقال إن هذا أعلم من هذا مع أحدية العين
زعمه أن التفاضل لا يستلزم التغاير

ثم قال فكل جزء من العالم أي هو قابل لحقائق متفرقات العالم كله فلا يقدح قولنا إن زيدا دون عمرو في العلم أن تكون هوية الحق عين زيد وعمرو وتكون في عمرو أكمل [ وأعلم منه في زيد ] كما تفاضلت الأسماء الإلهية وليست غير الحق فهو تعالى من حيث هو عالم أعم في التعلق من حيث ما هو مريد وقادر وهو هو ليس غيره فلا تعلمه هنا يا ولي وتجهله


107
هنا وتثبته هنا وتنفيه هنا إلا إن أثبته بالوجه الذي أثبت نفسه ونفيته عن كذا بالوجه الذي نفى نفسه كالآية الجامعة للنفي والإثبات في حقه حين قال ليس كمثله شيء فنفى وهو السميع البصير فأثبت بصفة تعم كل سامع بصير
108
من حيوان وما ثم إلا حيوان إلا أنه بطن في الدنيا عن إدراك بعض الناس وظهر في الآخرة لكل الناس فإنها الدار الحيوان وكذلك الدنيا إلا أن حياتها مستورة عن بعض العباد ليظهر الاختصاص والمفاضلة بين عباد الله بما يدركونه من حقائق العالم فمن عم إدراكه كان الحق أظهر في الحكم ممن ليس له ذلك العموم فلا تحجب بالتفاضل وتقول لا يصح كلام من يقول إن الخلق هوية الحق بعد ما أريتك التفاضل في الأسماء الإلهية التي لا تشك أنت أنها [ هي ] الحق ومدلولها المسمى بها وليس إلا الله
الضال مهتد والكافر مؤمن

ثم قال نحن على الصراط المستقيم الذي الرب عليه لكون نواصينا في يده وتستحيل مفارقتنا إياه فنحن معه بالتضمين وهو معنا بالتصريح فإنه قال 57 : 4 وهو معكم أينما كنتم ونحن معه بكونه آخذا بنواصينا فهو تعالى مع نفسه حيثما مشى بنا من صراطه فما أحد من العالم إلا على صراط مستقيم

ثم قال في فص حكمة وجودية في كلمة داودية 21 : 22 لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وإن اتفقنا فنحن نعلم أنهما لو اختلفا تقديرا لنفذ حكم أحدهما فالنافذ الحكم هو الإله على الحقيقة والذي لم ينفذ حكمه ليس بإله ومن هنا تعلم أن كل حكم ينفذ اليوم في العالم أنه حكم الله وإن خالف الحكم المقرر في الظاهر المسمى شرعا إذ لا ينفذ حكم إلا لله في نفس الأمر لأن الأمر الواقع في العالم إنما هو على حكم المشيئة


109
لن يعذب كافر عند الصوفية

ثم قال ولما كان الأمر [ في نفسه ] على ما قررناه لذلك كان مآل الخلق إلى السعادة على اختلاف أنواعها فعبر عن هذا المقام بأن الرحمة وسعت كل شيء وأنها سبقت الغضب الإلهي والسابق متقدم فإذا لحقه هذا الذي حكم عليه المتأخر حكم عليه المتقدم فنالته الرحمة إذا لم يكن غيرها سبق فهذا معنى سبقت رحمته غضبه لتحكم على من وصل 27 إليها فإنها في الغاية وقفت والكل سالك إلى الغاية فلا بد من الوصول إليها فلا بد من الوصول إلى الرحمة ومغادرة الغضب فيكون الحكم لها في كل واصل إليها بحسب ما يعطيه حال الواصل إليها

فمن يك ذا فهم يشاهد ما قلنا

وإن لم يكن فهم فيأخذه عنا

فما ثم إلا ما ذكرناه فاعتمد

عليه وكن في الحال فيه كما كنا

فمنه إليه ما تلونا عليكم

ومنا إليكم ما وهبناكم منا

وقال في فص حكمة نفسية في كلمة يونسية وأما أهل النار فمآلهم إلى النعيم ولكن في النار إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب أن تكون بردا وسلاما على من فيها وهذا نعيمهم فنعيم أهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل الله حين ألقى في النار فإنه عليه السلام تعذب برؤيتها وبما تعود في علمه وتقرر من أنها صورة تؤلم من جاورها من الحيوان وما علم مراد الله فيها ومنها في حقه فبعد وجود هذه الآلام وجد بردا وسلاما مع شهود الصورة اللونية في حقه وهي نار في عيون الناس فالشئ الواحد يتنوع في عيون الناظرين

هكذا هو التجلي الإلهي


110

وقال في فص حكمة غيبية في كلمة أيوبية وقد ورد في العلم الإلهي النبوي اتصاف الحق بالرضا والغضب وبالصفات والرضا مزيل للغضب والغضب مزيل للرضا عن المرضي عنه والاعتدال أن يتساوى الرضا والغضب فما غضب الغاضب على من غضب عليه وهو عنه راض فقد اتصف بأحد الحكمين في حقه وهو ميل وإنما قلنا هذا لأجل من يرى أن أهل النار لا يزال غضب الله عليهم دائما أبدا في زعمه فمآلهم حكم الرضا من [ الله ] فصح المقصود فإن كان كما قلنا مآل أهل النار إلى إزالة الآلام وإن سكنوا النار فذلك رضا فزال الغضب لزوال الآلام إذ عين الألم عين الغضب إن فهمت فمن غضب فقد تأذى فلا يسعى في انتقام المغضوب عليه بإيلامه إلا ليجد الغاضب الراحة بذلك فينتقل الألم الذي كان عنده إلى المغضوب عليه والحق إذا أفردته عن العالم يتعالى علوا كبيرا عن هذه الصفة على هذا الحد وإذا كان الحق هوية العالم فما ظهرت الأحكام كلها إلا فيه ومنه وهو قوله 11 : 123 وإليه يرجع الأمر كله حقيقة وكشفا فاعبده وتوكل عليه حجابا وسترا فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنه على صورة


111
الرحمن أوجده الله تعالى أي ظهر وجوده تعالى بظهور العالم كما ظهر الإنسان بوجود الصورة الطبيعية فنحن صورته الظاهرة وهويته روح هذه الصورة المدبرة لها فما كان التدبير إلا فيه [ كما لم يكن إلا منه ] فهو الأول بالمعنى والآخر بالصورة وهو الظاهر 28 بتغير الأحكام والأحوال والباطن بالتدبير وهو بكل شيء عليم فهو على كل شيء شهيد
الحق عندهم سار في عناصر الطبيعة

وقال في فص حكمة إبناسية في كلمة إلياسية وكان إلياس الذي هو إدريس قد مثل له انفلاق الجبل [ المسمى ] لبنان عن فرس من نار فلما [ رآه ] ركب عليه فسقطت عنه الشهوة فكان عقلا بلا شهوة فلم يبق له تعلق بما تتعلق به الأغراض النفسية فكان الحق فيه منزها فكان على النصف من المعرفة بالله فإن العقل إذا تجرد لنفسه من حيث أخذه العلوم عن نظره كانت معرفته بالله ] عن التنزيه لا على التشبيه وإذا أعطاه الله المعرفة بالتجلي كملت معرفته بالله فنزه في موضع وشبه في موضع ورأى سريان الحق في الصور الطبيعية والعنصرية وما بقيت له صورة إلا ويرى عين الحق عينها وهذه المعرفة التامة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند الله وحكمت بهذه المعرفة الأوهام كلها

رد العراقي على وحدة الأديان

قال الإمام زين الدين العراقي في جواب السؤال المذكور قبل بتوحيد


112
إلياس عليه السلام بعثت الرسل كلها لأن الملل كلها وما جاءت به الرسل لم يختلفوا في التوحيد والإقرار به وقد نزه الله تعالى نفسه عن الشبه بقوله تعالى ليس كمثله شيء وليت شعري ما الفائدة لبعثة الرسل إذا كان من عبد شيئا من المخلوقات عابدا لله تعالى وليت شعري ماذا يقول هذا القائل في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في نهيهم عن عبادة الأوثان وكسرها هل يقول كانوا بعبادتها مصيبين عابدين لله وأنه ما حصل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم اتساع فأنكر عليهم كما قال في حق هارون عليه السلام ولا شك أن الرسل كلهم متفقون في التوحيد وكأنه إنما سكت عن ذلك خيفة من السيوف المحمدية فإن هذه المؤلفات التي كان يسرها إلى أصحابه ويسرها أصحابه إلى أصحابهم ولو كان حقا لأظهروه على رؤوس الأشهاد انتهى
الشرائع أوهام عند الصوفية

ثم قال ابن عربي فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه الصورة الكاملة الإنسانية وبه جاءت الشرائع المنزلة فشبهت ونزهت شبهت في التنزيه بالوهم ونزهت في التشبيه بالعقل فارتبط الكل بالكل فلم يمكن أن يخلو تنزيه عن تشبيه ولا تشبيه عن تنزيه قال الله تعالى ليس كمثله شيء فنزه وشبه وهو السميع البصير فشبه وهي أعظم آية تنزيه نزلت ومع ذلك لم تخل عن تشبيه بالكاف فهو أعلم العلماء بنفسه وما عبر عن نفسه إلا بما ذكرناه

ليس لله وجود عند الصوفية

ثم قال في مثل ضربه للتشبيه في التنزيه والتنزيه في التشبيه مثل من يرى الحق في النوم ولا ينكر هذا وأنه لا شك الحق عينه فتتبعه لوازم تلك الصورة وحقائقها التي تجلى فيها في النوم ثم بعد ذلك يعبر أي


113
يجاز عنها إلى أمر آخر يقتضي التنزيه عقلا فإن كان الذي يعبرها ذا كشف وإيمان فلا يجوز عنها إلى تنزيه فقط بل يعطيها 29 حقها في التنزيه ومما ظهرت فيه فالله على التحقيق عبارة لمن فهم الإشارة
الداعي عين المجيب

ثم قال ومن ذلك قوله تعالى 40 : 60 ادعوني أستجب لكم قال الله 2 : 186 وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعاني إذ لا يكون مجيبا إلا إذا كان من يدعوه وإن كان عين الداعي عين المجيب فلا خلاف في اختلاف الصور فهما صورتان بلا شك وتلك الصور كالأعضاء لزيد فمعلوم أن زيدا حقيقة واحدة شخصية وأن يده ليست صورة رجله ولا رأسه ولا عينه ولا حاجبه فهو الكثير بالصور الواحد بالعين كالإنسان بالعين واحد بلا شك ولا نشك أن عمروا ما هو زيد ولا خالد ولا جعفر وأن أشخاص هذه العين الواحدة لا تتناهى وجودا فهو وإن كان واحدا بالعين فهو كثير بالصور والأشخاص وقد علمت قطعا إن كنت مؤمنا أن الحق عينه يتجلى يوم القيامة في صورة فيعرف ثم يتحول في صورة فينكر ثم يتحول عنها في صورة فيعرف وهو هو المتجلي ليس


114
غيره في كل صورة ومعلوم أن هذه الصورة ما هي تلك الصورة الأخرى فكأن العين الواحدة قامت مقام المرآة فإذا نظر الناظر فيها إلى صورة معتقده في الله عرفه وأقر به وإذا اتفق أن يرى فيها معتقد غيره أنكره كما يرى في المرآة عين صورته وصورة غيره فالمرآة عين واحدة والصور كثيرة في عين الرائي وليس في المرآة صورة منها جملة واحدة مع كون المرآة لها أثر في الصور بوجه وما لها أثر بوجه

ثم قال فإن كوشف على أن الطبيعة عين نفس الرحمن فقد أوتي خيرا كثيرا

قلت وإلى هذا أومأ ابن الفارض بقوله

ولا تحسبن الأمر عني خارجا

فما ساد إلا داخل في عبودتي

ولولاي لم يوجد وجود ولم يكن

شهود ولم تعهد عهود بذمة

وفي عالم التركيب في كل صورة

ظهرت بمعنى عنه بالحسن زينتي

وضربي لك الأمثال مني منة

عليك بشأني مرة بعد مرة

تأمل مقامات السروجي واعتبر

بتلوينه تحمل قبول مشورتي

وتدر التباس النفس بالحس باطنا

بمظهرها في كل شكل وصورة

وشاهد إذا استجليت نفسك ما ترى

بغير مراء في المرائي الصقيلة

115

أغيرك فيها لاح أم أنت ناظر

إليك بها عند انعكاس الأشعة

وأصغ لرجع الصوت عند انقطاعه

إليك بأكناف القصور المشيدة

أهل كان من ناجاك ثم سواك أم

سمعت خطابا عن صداك للصوت

وقل لي من ألقى إليك علومه

وقد ركدت منك الحواس بغفلة

وما كنت تدري قبل يومك ما جرى

بأمسك أو ما سوف يجري بغدوة

فأصبحت ذا علم بأخبار منى مضى

30 وأسرار من يأتي مدلا بخبرة

أتحسب من جاراك في سنة الكرى

سواك بأنواع العلوم الجليلة

وما هي إلا النفس عند اشتغالها

بعالمها عن مظهر البشرية

تجلت لها بالغيب في شكل عالم

هداها إلى فهم المعاني الغريبة

ولا تك ممن طيشته دروسه

بحيث استقلت عقله واستفزت

فثم وراء النقل علم يدق عن

مدارك غايات العقول السليمة

116

تلقيته مني وعني أخذته

ونفسي كانت من عطائي ممدتي

ولا تك باللاهي عن اللهو جملة

فهزل الملاهي جد نفس مجدة
الحق عين كل معلوم عند الصوفية

ثم قال في فص حكمة إحسانية في كلمة لقمانية بعد أن ذكر أن من حكمته الملفوظة أنها إن تك مثقال حبة من خردل الآية وأن من حكمته المسكوبة عموم المؤتى إليه لأنه لم يقل يأت بها الله إليك أو إلى غيرك قال فنبه لقمان بما تكلم به وبما سكت عنه أن الحق عين كل معلوم لأن المعلوم أعم [ من الشيء ] فهو أنكر النكرات ثم تمم الحكمة واستوفاها


117
لتكون النشأة كاملة فيها فقال إن الله لطيف فمن لطافته ولطفه أنه في الشيء المسمى كذا المحدود بكذا عين ذلك الشيء حتى لا يقال فيه إلا ما يدل عليه اسمه بالتواطؤ والاصطلاح فيقال هذا سماء وأرض وصخرة وشجرة وحيوان وملك ورزق وطعام والعين واحدة من كل شيء
118
وفيه كما تقول الأشاعرة إن العالم كله متماثل بالجوهر فهو جوهر واحد فهو عين قولنا [ العين واحدة ] ثم قالت ويختلف بالأعراض وهو عين قولنا
119
ويختلف ويتكثر بالصور والنسب حتى يتميز فيقال هذا ليس هذا من حيث صورته أو عرضه أو مزاجه كيف شئت فقل وهذا عين هذا من حيث جوهره ولهذا تؤخذ عين الجوهر في حد كل صورة أو مزاج فنقول نحن إنه ليس سوى الحق ويظن المتكلم أن مسمى الجوهر الفرد وإن كان حقا ما هو عين الحق الذي يطلقه أهل الكشف والتجلي فهذا حكمة كونه لطيفا ثم نعت فقال خبيرا أي عالما عن اختبار وهو قوله ولنبلونكم حتى نعلم وهذا هو علم الأذواق فجعل الحق نفسه مع علمه بما هو الآمر عليه مستفيدا علما ولا نقدر على إنكار ما نص الحق عليه [ في حق نفسه ] ففرق تعالى بين علم الذوق والعلم المطلق فعلم الذوق مقيد بالقوى وقد قال عن نفسه إنه عين قوى عبده في قوله كنت سمعه

وهو قوة من قوى العبد

وبصره وهو قوة من قوى العبد ولسانه وهو عضو من أعضاء العبد ورجله ويده فما اقتصر في التعريف على القوى فحسب حتى ذكر الأعضاء وليس العبد بغير لهذه الأعضاء والقوى فعين مسمى العبد هو الحق لا عين العبد هو السيد فإن النسب متميزة لذاتها وليس المنسوب إليه متميزا [ 31 ] فإنه ليس ثم سوى عينه في جميع النسب فهو عين واحدة ذات نسب وإضافات وصفات فمن تمام حكمة لقمان في تعليمه ابنه ما جاء به في


120
هذه الآية من هذين الإسمين الإلهيين

وقال في فص حكمة إمامية في كلمة هارونية اعلم أن وجود هارون كان من حضرة الرحموت ثم ذكر غضب موسى عليه السلام وأخذه بلحيته ثم قال وسبب ذلك عدم التثبت في النظر فيما كان في يديه من الألواح التي ألقاها من يده فلو نظر فيها نظرة تثبت لوجد فيها الهدى والرحمة فالهدى بيان ما وقع من الأمر الذي أغضبه مما [ هو ] هارون برئ منه والرحمة بأخيه فكان لا يأخذ بلحيته بمرأى من قومه مع كبره وأنه أسن منه

تمجيد الصوفية لعبادة العجل

ثم قال وكان موسى عليه السلام أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأن الله قد قضى ألا نعبد إلا إياه وما حكم الله بشيء إلا وقع فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع [ الأمر ] في إنكاره وعدم اتساعه فإن العارف من يرى الحق في كل شئ بل يراه عين كل شيء


121
بعض ما كفر به العراقي ابن عربي

قال الشيخ زين الدين العراقي في جواب السؤال المذكور هذا الكلام كفر من قائله من وجوه

أحدها أنه نسب موسى عليكم إلى رضاه بعبادة قومه للعجل

الثاني استدلاله بقوله تعالى 17 : 23 وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه على أنه قدر أن لا يعبد إلا هو وأن عابد الصنم عابد له الثالث أن موسى


122
عليه السلام عتب على أخيه هرون عليهما السلام إنكاره لما وقع وهذا كذب على موسى عليه السلام وتكذيب لله فيما أخبر به عن موسى من غضبه لعبادتهم العجل الرابع أن العارف يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء فجعل العجل عين الإله المعبود فليعجب السامع لمثل هذه الجرأة التي تصدر ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان
آيات تشهد بكفر ابن عربي

ثم ساق من الآيات التي كذب بها في هذه المقالة قوله تعالى 20 : 92 93 ما منعك إذا رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن وقوله بئسما خلفتموني من بعدي وقوله واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين وقوله إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين وقوله


123
ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين
شرك الصوفية أخبث الشرك

ثم قال فجاء هذا المخالف لله ولرسوله ولجميع المؤمنين فصوب فعلهم وصرح بأنهم من العارفين بقوله إن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء ولا شك أن شرك قائل هذا أشد من شرك اليهود والنصارى فإن أولئك عبدوا عبدا من عباد الله المقربين وهذا يرى أن عبادة العجل والصنم عين عبادة الله بل يؤدي كلامه إلى أن يرى الحق عين الكلب والخنزير وعين العذرة وقد أخبرني بعض الصادقين من فضلاء أهل 32 العلم أنه رأى شخصا ممن ينتحل هذه المقالة القبيحة بثغر الإسكندرية وأن ذلك الشخص قال له إن الله تعالى هو عين كل شئ فمر بهما حمار فقال وهذا الحمار فقال وهذا الحمار فروث الحمار من دبره فقال له وهذا الروث فقال وهذا الروث فنسأل الله السلامة والتوفيق


124
تعليلهم لإنكار موسى على السامري

قال ابن عربي وكان موسى يربي هرون عليهما السلام تربية علم وإن كان أصغر منه في السن ولذلك لما قال له هرون ما قال رجع إلى السامري فقال له فما خطبك يا سامري يعني فيما صنعت من عدو لك إلى صورة العجل على الاختصاص وصنعك هذا الشبح من حلى القوم حتى أخذت بقلوبهم من أجل أموالهم وليس للصور بقاء فلا بد من ذهاب صورة العجل لو لم يستعجل موسى بحرقه فغلبت عليه الغيرة فحرقه ثم نسف رماد تلك الصورة في اليم نسفا وقال له أنظر إلى إلهك فسماه إلها بطريق التنبيه للتعليم لما علم أنه بعض المجالي الإلهية لأحرقنه فإن حيوانية الإنسان لها التصرف من حيوانية الحيوان لكون الله سخرها للإنسان ولا سيما وأصله ليس من حيون فكان أعظم في التسخير


125

ثم قرر أمر التسخير وان منه ما هو بالمآل ومنه ما هو بالحال وأن ما هو بالحال مثل تسخير الطفل لأبيه بالقيام في مصالحه وتسخير الرعايا للملك بقيامه في مصالحهم قال وهذا كله تسخير بالحال من الرعايا يسخرون في ذلك مليكهم ويسمى على الحقيقة تسخير المرتبة فالمرتبة حكمت عليه بذلك فالعالم كله يسخر بالحال من لا يمكن أن يطلق عليه إسم مسخر

قال الله تعالى كل يوم هو في شأن فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل كما سلط موسى عليه حكمة من الله ظاهرة في الوجود ليعيد في كل صورة وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية ولهذا ما بقي نوع من الأنواع إلا وعبد إما عبادة تأله وإما عبادة تسخير فلا بد من ذلك لمن عقل وما عبد شيء من العالم إلا بعد التلبس بالرفعة عند العابد والظهور بالدرجة في قلبه ولذلك تسمى الحق لنا برفيع الدرجات ولم يقل رفيع الدرجة فكثر الدرجات في عين واحدة فإنه قضى أن لا يعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة أعطت كل درجة مجلى إلهيا عبد فيها

الهوى رب الصوفية الأعظم

وأعظم مجلى عبد فيه وأعلاه الهوى كما قال 23 : 45 أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وهو أعظم معبود فإنه لا يعبد شئ إلا بالله ولا يعبد هو إلا بذاته ثم قال والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد


126
فيه ولذلك سموه كلهم إلها مع اسمه الخاص بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو ملك أو كوكب
وحدة الأديان عند ابن الفارض

قلت وإلى هذا 32 أشار ابن الفارض بقوله

فبي مجلس الأذكار سمع مطالع

ولي حانة الخمار عين طليعة

وما عقد الزنار حكما سوى يدي

وإن حل بالإقرار بي فهي حلت

وإن نار بالتنزيل محراب مسجد

فما بار بالإنجيل هيكل بيعة

وأسفار توراة الكليم لقومه

يناجي بها الأحبار في كل ليلة

وإن خر للأحجار في البد عاكف

فلا تعد بالإنكار بالعصبية

فما زاغت الأبصار من كل ملة

وما راغت الأفكار من كل نحلة

وما احتار من للشمس عن غرة صبا

وإشراقها من نور إسفار غرني

وإن عبد النار المجوس وما انطفت

كما جاء في الأخبار في ألف حجة

127

فما عبدوا غيري وإن كان قصدهم

سواي وإن لم يعقدوا عقد نيتي

رأوا ضوء ناري مرة فتوهموه

نارا فضلوا في الهدى بالأشعة
الإله الصوفي مجلى صور العالم

وقال في فص حكمة علوية في كلمة موسوية وجود الحق كانت الكثرة له وتعداد الأسماء أنه كذا وكذا بما ظهر عنه من العالم الذي يطلب بنشأته حقائق الأسماء الإلهية فثبت به وبخالقه أحدية الكثرة وقد كان أحدي العين من حيث ذاته كالجوهر الهيولاني أحدي العين من حيث ذاته كثير بالصور الظاهرة فيه التي هو حامل لها بذاته كذلك الحق بما ظهر منه من صور التجلي فكان مجلى صور العالم مع الأحدية المعقولة

حكم ابن عربي بإيمان فرعون ونجاته

ثم ذكر أخذ فرعون لتابوت موسى عليه السلام وأنه أراد قتله وأن امرأته رضي الله عنها قالت قرة عين لي ولك فبه قرت عينها بالكمال الذي


128
حصل لها كما قلنا

قال وكان قرة عين لفرعون بالإيمان الذي أعطاه الله عند الغرق فقبضه طاهرا مطهرا ليس فيه شئ من الخبث لأنه قبضه عند إيمانه قبل أن يكتسب شيئا من الآثام والإسلام يجب ما قبله وجعله آية على عنايته سبحانه وتعالى بمن شاء حتى لا ييأس أحد من رحمة الله فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون


129
رد هذه الفرية

هذا نصه بحروفه مع العلم الضروري لكل من شم رائحة العلم من المسلمين وغيرهم أن فرعون ما نطق بالإيمان إلا عند رؤية البأس وتصريح الله تعالى في غير آية من كتابه العزيز العزيز بأنه لا ينفع أحدا إيمانه عند ذلك وأن ذلك سنة الله التي قد خلت ولن تجد لسنة الله تحويلا وقوله في دعاء موسى عليه السلام فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم مع قوله تعالى 89 : 10 قد أجيبت دعوتكما وقوله تعالى منكرا عليه 91 : 10 آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين وقوله 48 : 23 فكذبوهما فكانوا من المهلكين 34 وقوله تعالى 83 : 10 وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين 43 : 40 وأن المسرفين هم أصحاب النار المنتج قطعا أن فرعون من أصحاب النار وأما السنة فقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الصلاة يوما فقال من حافظ عليها كانت


130
له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف قال الحافظ المنذري رواه رواه أحمد بإسناد جيد والطبراني في الكبير والأوسط وابن ماجه في صحيحه وقال الإمام أبو العباس ابن تيمية في الفتوى التي أجاب فيها الشيخ سيف الدين بن عبد المطلب بن بليان السعودي ويكفيك معرفة بكفرهم يعني ابن عربي وأتباعه أن أخف أقوالهم أن فرعون مات مؤمنا وقد علم بالاضطرار عن دين أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى أن فرعون من أكفر الخلق بالله
سؤال فرعون وجواب موسى

ثم قال ابن عربي وهنا سر كبير فإنه أي موسى عليه السلام أجاب بالفعل لمن سألوه عن الحد الذاتي أي بقوله وما رب العالمين فجعل الحد


131
الذاتي عين إضافته إلى ما ظهر به من صور العالم أو ما ظهر فيه من صور العالم فكأنه قال في جواب قوله وما رب العالمين قال الذي تظهر فيه صورة
132
العالمين من علو وهو السماء وسفل وهو الأرض إن كنتم موقنين
فرعون عند الصوفية رب موسى وسيده

ثم قال فلما جعل موسى المسئول عنه عين صور العالم خاطبه فرعون بهذا اللسان والقوم لا يشعرون فقال له 29 : 26 لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين والسين في السجن من حروف الزوائد أي لأسترنك فإنك أجبت بما أيدتني به أن أقول لك مثل هذا القول

فإن قلت لي فقد جهلت يا فرعون بوعيدك إياي والعين واحدة فكيف فرقت فيقول فرعون إنما فرقت المراتب العين

ما تفرقت العين ولا انقسمت في ذاتها ومرتبتي الآن التحكم فيك يا موسى بالفعل وأنا أنت بالعين وغيرك بالرتبة

ثم قال ولما كان فرعون في منصب التحكم


133
صاحب الوقت وأنه الخليفة بالسيف وإن جار في العرف الناموسي لذلك قال 24 : 79 أنا ربكم الأعلى أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم ولما علمت السحرة صدقه فيما قاله لم ينكروه وأقروا له بذلك فقالوا له 72 : 20 فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فالدولة لك فصح قوله أنا ربكم الأعلى وإن كان عين الحق فالصورة لفرعون فقطع الأيدي والأرجل 35 وصلب بعين حق في صورة باطل لنيل مراتب لا تنال إلا بذلك الفعل فإن الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها لأن الأعيان الثابتة اقتضتها فلا تظهر في الوجود إلا بصورة ما هي عليه في الثبوت إذ لا تبديل لكلمات الله وليس كلمات الله سوى أعيان الموجودات فينسب إليها القديم من حيث ثبوتها وينسب إليها الحدوث من حيث وجودها وظهورها كما تقول حدث اليوم
134
عندنا إنسان أو ضيف ولا يلزم من حدوثه أنه ما كان له وجود قبل الحدوث
حكم من ينسب ربوبية إلى فرعون

قال الشيخ زين الدين العراقي قوله في قول فرعون أنا ربكم الأعلى أنه صح قوله ذلك مستدلا عليه بأن السحرة صدقوه كذب وافتراء على السحرة فلقد كذبوه وخالفوه ودعواه كاذبة وبها أخذ الله فرعون وأهلكه فقال تعالى حكاية عنه فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ثم قال ولا شك أن من صح أنه قال هذا واعتقده مع وجود عقله وهو غيره مكره ولا مجبر الإجبار المجوز للكفر فهو كافر ولا يقبل منه تأويلها على ما أراد ولا كرامة كما قدمنا ذكره وهذا ما لا نعلم فيه خلافا بين العلماء بعلوم الشريعة المطهرة في مذاهب الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل الاجتهاد والصحيح والله أعلم

وهذا كما ترى مبطل لما يقوله بعضهم من الخرافات في تأويله ستر الكفر وأن المراد به فرعون النفس لأنه نزل قوله على جل آيات القرآن جملة جملة ومن المقطوع به أن الله تعالى ما أنزل هذه الآيات إلا في فرعون موسى

تحريم التأويل

ولهذا قال الغزالي في الطامات من كتاب العلم من الإحياء بعد تحريم التأويل بما لا تسبق الأفهام إليه ما نصه وبعض هذه التأويلات يعلم بطلانه قطعا كتنزيل فرعون على القلب فإن فرعون شخص محسوس تواتر إلينا وجوده ودعوة موسى عليه السلام له كأبي جهل وأبي لهب وغيرهما من الكفار


135
وليس من جنس الشياطين والملائكة وما يدرك بالحس حتى يتطرق التأويل إلى ألفاظه انتهى
رأي ولد العراقي في الفصوص والتائية

وقال الإمام ولي الدين أحمد العراقي ابن الشيخ زين الدين المذكور في المسألة الحادية والعشرين من فتاويه المكية ما نصه لا شك في اشتمال الفصوص المشهورة عنه على الكفر الصريح الذي لا شك فيه وكذلك فتوحاته المكية فإن صح صدور ذلك عنه واستمر إلى وفاته فهو كافر مخلد في النار بلا شك وقد صح عندي عن الحافظ المزي أنه نقل من خطه في تفسير قوله تعالى 6 : 2 إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون كلاما ينبو عنه السمع ويقتضي الكفر وبعض كلماته لا يمكن تأويلها


136
والذي يمكن تأويله منها كيف يصار إليها مع مرجوحية التأويل وأن الحكم إنما يترتب على الظاهر وقد بلغني عن الشيخ علاء الدين القونوي وأدركت أصحابه أنه قال في مثل ذلك إنما يؤول كلام المعصومين وهو كما قال

ثم ذكر كلام الذهبي فيه وساق الأسانيد إلى ابن عبد السلام بما يأتي عنه من تكفيره ثم قال وأما ابن الفارض فالاتحاد في شعره وأمرنا أن نحكم بالظاهر وإنما نؤول كلام المعصومين لكن علماء عصره من أهل الحديث رووا عنه في معاجمهم ولم يترجموه بشيء من ذلك فقال الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري في معجمه الشافعي الأديب سمع من


137
أبي القاسم ابن عساكر وحدث سمعت شيئا من شعره وقال الحافظ رشيد الدين العطار في معجمه الشيخ الفاضل الأديب كان حسن النظم متوقد الخاطر وكان يسلك طريق التصوف وينتحل مذهب الشافعي وأقام في مكة مدة وصحب جماعة من المشايخ

وقال الحافظ أبو بكر بن مسدى برع في الأدب فكان رقيق الطبع عذب النبع فصيح العبارة دقيق الإشارة سلس القيادة نبيل الإصدار والإيراد وتصرف فتصوف فكان كالروض المفوف وتخلق بالزي وتزيا بالخلق وجمع كرم النفس كل مفترق انتهى كلام الشيخ ولي الدين

وما قاله هؤلاء الأئمة ليس فيه مناقضة لكلامه أولا في الحكم عليه بالاتحاد فإنهم لم يقضوا على التائية ونحوها وأما قوله إن صح ذلك عنه فهو على طريق من يعتبر في الكتب المشهورة إسنادا خاصا وهي طريقة غير مرضية والصحيح أنها لا تحتاج إلى ذلك بل الشهرة كافية والله الموفق

رأى السكوتي

وقال الإمام أبو علي ابن خليل السكوتي في كتابه تحت العوام فيما يتعلق


138
بعلم الكلام

بعد أن حذر من ابن عربي وأتباعه فقال وليحترز من مواضع كثيرة من كلام ابن عربي الطائي في فصوصه وفتوحاته المكية وغيرهما وليحترز أيضا من مواضع كثيرة من كلام ابن الفارض الشاعر وأمثاله مما يشيرون بظاهره إلى القول بالحلول والاتحاد لأنه باطل بالبراهين القطعية ثم قال وكل كلام وإطلاق يوهم الباطل فهو باطل بالإجماع فأحرى وأولى بطلانه إذا كان صريحا في الباطل فإن قالوا لم نقصد بكلامنا ورموزنا وإشاراتنا الاتحاد والحلول وإنما قصدنا أمرا آخر يفهم عنا قلنا لهم الله أعلم بما في الضمائر وما يخفى في السرائر وإنما اعترضنا نحن الألفاظ والإطلاقات التي تظهر فيها الإشارات إلى الإلحاد والحلول والاتحاد انتهى

حكم من يؤول للصوفية كلامهم

والفيصل في قطع التأويل من أصله أن محقق زمانه وصالحه علاء الدين محمد البخاري الحنفي ذكر عنده ابن عربي هذا فقال قاضي المالكية إذ ذاك شمس


139
الدين محمد البساطي يمكن تأويل كلامه فقال له البخاري كفرت

وسلم له أهل عصره ممن كان في مجلسه ومن غيرهم وما طعن أحد منهم فيه بكلمة واحدة وقد كان منهم حافظ العصر قاضي الشافعية بها شهاب الدين أحمد بن 37 حجر وقاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن التفهني وقاضي القضاة محمود العيني الحنفي والشيخ يحيى السيرامي الحنفي وقاضي القضاة محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي الحنبلي وزيد الدين أبو بكر القمني الشافعي وبدر الدين محمد بن الأمانة الشافعي وشهاب الدين أحمد بن تقي المالكي وغيرهم من العلماء والرؤساء وما خلص البساطي من ذلك إلا بالبراءة من اعتقاد الاتحاد ومن طائفة الاتحادية وتكفيره لمن يقول بقولهم


140
أوهام الصوفية في الحكم بإيمان فرعون

ثم قال ابن عربي وأما قوله 85 : 40 فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده إلا قوم يونس فلم يدل ذلك على أنه لا ينفعهم في الآخرة بقوله في الاستثناء إلا قوم يونس فأراد أن ذلك لا يرفع عنهم الأخذ في الدنيا فلذلك أخذ فرعون مع وجود الإيمان منه ثم قال فآمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل على التيقن بالنجاة فكان كما تيقن لكن على غير الصورة التي أراد فنجاه الله من عذاب الآخرة في نفسه ونجى بدنه كما قال تعالى 92 : 10 فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية لأنه لو غاب بصورته ربما قال قومه احتجب فظهر بالصورة المعهودة ميتا ليعلم أنه هو فقد عمته النجاة حسا ومعنى ومن حقت عليه كلمة العذاب الأخروي لا يؤمن ولو جاءته كل آية حتى يروا العذاب الأليم أي يذوقوا العذاب الأخروي فخرج فرعون من هذا الصنف

هذا هو الظاهر الذي ورد به القرآن ثم إنا نقول بعد ذلك والأمر فيه إلى الله لما استقر في نفوس عامة الخلق من شقائه وما لهم نص في ذلك يستندون إليه انتهى وقد تقدم النص المنتج قطعا بديهة أنه من أهل النار ثم

قال ثم لتعلم أنه


141
ما يقبض الله أحدا إلا وهو مؤمن أي مصدق بما جاءت به الأخبار الإلهية أعني من المحتضرين ولهذا يكره الموت الفجاءة وقتل الغفلة ثم قال وأما حكمة التجلي والكلام في صورة النار فلأنها كانت بغية موسى فتجلى له في مطلوبه ثم قال كنار موسى رآها حين حاجته وهو الإله ولكن ليس يدريه
افتراء على الرسول صلى الله عليه وسلم

وقال في فص حكمة فردية في كلمة محمدية وإنما حبب إليه النساء فحن إليهن لأنه من باب حنين الكل إلى جزئه فأبان بذلك عن الأمر


142
في نفسه من جانب الحق في قوله في هذه النشأة الإنسانية العنصرية ونفخت فيه من روحي

ثم وصف نفسه بشدة الشوق إلى لقائه فقال للمشتاقين يا داود إني أشد شوقا إليهم

التثليث عند الصوفية

ثم ذكر العبد المؤمن وأنه لا يرى ربه إلا بعد الموت فاشتاق الحق لوجود هذه النسبة يعني رؤية المؤمن له تعالى بالموت ثم قال فلما أبان أنه نفخ فيه من روحه فما اشتاق إلا إلى نفسه ألا تراه خلقه على صورته لأنه من روحه ولما كانت نشأته من هذه الأركان الأربعة المسماة 38 في جسده أخلاطا حدث عن نفخة اشتعال بما في جسده من الرطوبة فكان روح الإنسان نارا لأجل نشأته ولهذا ما كلم الله تعالى موسى إلا في صورة النار وجعل حاجته فيها فلو كانت نشأته طبيعية لكان روحه نارا وكنى عنه بالنفخ يشير إلى أنه من نفس الرحمن فإنه بهذا النفس الذي هو النفخة ظهر عينه وباستعداد المنفوخ فيه كان الاشتعال نارا لا نورا فبطن نفس الرحمن فيما كان


143
به الإنسان إنسانا ثم اشتق له منه شخصا على صورته سماه امرأة فظهرت بصورته فحن إليها حنين الشيء إلى نفسه وحنت إليه حنين الشيء إلى وطنه فحببت إليه النساء فإن الله أحب من خلقه على صورته وأسجد له ملائكته النوريين على عظم قدرهم ومنزلتهم وعلو نشأتهم الطبيعية فمن هناك وقعت المناسبة والصورة أعظم مناسبة وأجلها وأكملها فإنها زوج أي شفعت وجود الحق كما أن هناك المرأة شفعت بوجودها الرجل فصيرته زوجا فظهرت الثلاثة حق ورجل وامرأة

فحن الرجل إلى ربه الذي هو أصله حنين المرأة إليه فحبب إليه ربه النساء كما أحب الله من هو على صورته انتهى وقد علم من هنا قطعا أنه يريد بالصورة في خلق آدم على صورته معناها المتعارف

رب الصوفية امرأة

ثم قال فإذا شاهد الرجل الحق في المرأة كان شهودا في منفعل وإذا شاهده في نفسه من حيث ظهور المرأة عنه شاهده في فاعل وإذا شاهده في نفسه من غير استحضار صورة ما كان شهودا في منفعل عن الحق بلا واسطة فشهوده للحق في المرأة أتم وأكمل لأنه يشاهد الحق من حيث هو فاعل


144
منفعل ومن نفسه من حيث هو منفعل خاصة فلهذا أحب صلى الله عليه وسلم النساء لكمال شهود الحق فيهن إذ لا يشاهد الحق مجردا عن المواد أبدا فإن الله بالذات غني عن العالمين وإذا كان الأمر من هذا الوجه ممتنعا
145
ولم تكن الشهادة إلا في مادة فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله وأعظم الوصلة النكاح وهو نظير التوجه الإلهي على من خلقه على صورته ليخلفه فيرى فيه نفسه فسواه وعدله ونفخ فيه من روحه الذي هو نفسه فظاهره خلق وباطنه حق

وهذا يدلك على أن الإله عنده كالكلي الطبيعي لا وجود له إلا في ضمن جزئياته والله الموفق

ثم قال فمن أحب النساء على هذا الحد فهو حب إلهي ومن أحبهن على جهة الشهوة الطبيعية خاصة نقصه علم هذه الشهوة فكان صورة بلا روح عنده وإن كانت تلك الصورة في نفس الأمر ذات روح ولكنها غير مشهودة لمن جاء لامرأته أو لأنثى حيث كانت لمجرد الالتذاذ ولكن لا يدري لمن فجهل من نفسه ما يجهل الغير منه ما لم يسمه هو بلسانه حتى يعلم كما قال بعضهم

صح عند الناس أني عاشق

غير أن لم يعرفوا عشقي لمن

كذلك هذا

أحب الالتذاذ فأحب 39 المحل الذي يكون فيه وهو المرأة ولكن غاب عنه روح المسألة فلو علمها لعلم بمن التذ ومن التذ وكان كاملا وكما نزلت المرأة عن درجة الرجل بقوله 288 : 2


146
وللرجال عليهن درجة نزل المخلوق على الصورة عن درجة من أنشأه على صورته مع كونه على صورته فبتلك الدرجة التي تميز عنه بها كان غنيا عن العالمين وفاعلا أولا فإن الصورة فاعل ثان فماله الأولية التي للحق فتميزت الأعيان بالمراتب فأعطى كل ذي حق حقه كل عارف فلهذا كان حب النساء لمحمد صلى الله عليه وسلم عن تحبب إلهي وأن الله أعطى كل شئ خلقه وهو عين حقه فما أعطاه إلا باستحقاق استحقه بمسماه أي بذات ذلك المستحق وإنما قدم النساء أي في قوله صلى الله عليه وسلم حبب إلي من الدنيا النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة لأنهن محل الانفعال كما تقدمت الطبيعة على من وجد منها بالصورة وليست الطبيعة على الحقيقة إلا النفس الرحماني فإن فيه انفتحت صورة العالم أعلاه وأسفله
الأنوثة صفة الإله الصوفي

ثم قال إنه صلى الله عليه وسلم غلب في هذا الخبر التأنيث على التذكير لأنه قصد التهمم بالنساء فقال ثلاث ولم يقل ثلاثة بالهاء الذي هو لعدد الذكران إذ فيها ذكر الطيب وهو منكر وعادة العرب أن تغلب التذكير


147
على التأنيث ثم قال ثم إنه جعل الخاتمة نظيرة الأولى في التأنيث وأدرج بينهما المذكر فبدأ بالنساء وختم بالصلاة وكلتاهما تأنيث والطيب بينهما كهو في وجوده فإن الرجل مدرج بين ذات ظهر عنها وبين امرأة ظهرت عنه فهو بين مؤنثين تأنيث ذات وتأنيث حقيقي كذلك النساء تأنيث حقيقي والصلاة تأنيث غير حقيقي والطيب مذكر بينهما كآدم بين الذات الموجود هو عنها وبين حواء الموجودة عنه وإن شئت قلت القدرة فمؤنثة أيضا فكن على أي مذهب شئت فإنك لا تجد إلا التأنيث يتقدم حتى عند أصحاب العلة الذين جعلوا الحق علة في وجود العالم والعلة مؤنثة
الإله الصوفي بين التقييد والإطلاق

ثم قال وثم مرتبة يعود الضمير على العبد المسبح فيها في قوله 44 : 17 وإن من شئ إلا يسبح بحمده أي بحمد ذلك الشيء فالضمير الذي في


148
قوله بحمده يعود على الشيء أي بالثناء الذي يكون عليه كما قلنا في المعتقد أنه إنما يثنى على الإله الذي في معتقده وربط به نفسه وما كان من عمله فهو راجع إليه فما أثنى إلا على نفسه فإنه من مدح الصنعة فإنما مدح الصانع بلا شك فإن حسنها وعدم حسنها راجع إلى صانعها وإله المعتقد مصنوع للناظر فيه فهو صنعه فثناؤه على ما اعتقده ثناؤه على نفسه ولهذا يذم معتقد غيره ولو أنصف لم يكن له ذلك إلا أن صاحب هذا المعبود الخاص جاهل بلا شك في ذلك لاعتراضه 40 على غيره فيما اعتقده في الله إذ لو عرف ما قال الجنيد لون الماء لون إنائه لسلم لكل ذي اعتقاد ما اعتقده وعرف الله في كل صورة وكل معتقد فهو ظان ليس بعالم ولذلك قال أنا عند ظن عبدي بي

أي لا أظهر له إلا في صورة معتقده فإن شاء أطلق وإن شاء قيد فإله المعتقدات تأخذه الحدود وهو الإله الذي وسعه قلب عبده فإن الإله المطلق لا يسعه شئ لأنه عين الأشياء وعين نفسه


149
والشيء ولا يقال فيه يسع نفسه لا يسعها فافهم

قلت وهذا أراد ابن الفارض بقوله

فلو أنني وحدت ألحدت وانسلخت

من آي جمعي مشركا بي صنعتي
دعاء ومباهلة

هذا آخر الكتاب المباعد للصواب المراد للشك والارتياب لعنة الله على معتقده ورحمة الله على منتقده قد تم ولله الحمد ما أردت انتقاده منه مترجما بسوء السيرة وقبح السريرة عنه وانتهى ما وقع انتقادي عليه وأداني اجتهادي إليه من واضح كفره ودقيق مكره وجلي شره أعاذنا الله بحوله وقوته من شكوكه وعصمنا من زيغ طريقه وباعدنا من سلوكه ورأيت أن أختم ذلك بحكاية طالما حدثنا بها شيخنا شيخ الإسلام حافظ العصر قاضي القضاة أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر الكناني العسقلاني الأصل المصري الشافعي

ثم رأيتها منقولة عن كتاب الحافظ تقي الدين الفاسي في تكفير ابن عربي وقد أصلح شيخنا بعضها بخطه قال كان في أيام الظاهر برقوق شخص يقال له ابن الأمين شديد التعصب لابن عربي صاحب هذا الفصوص وكنت أنا كثير البيان لعواره والإظهار لعاره وعثاره


150
وكان بمصر شيخ يقال له الشيخ صفا وكان مقربا عند الظاهر فهددني المذكور بأنه يعرفه بي ليذكر للسلطان أن بمصر جماعة أنا منهم يذكرون الصالحين بالسوء ونحو ذلك

وكانت تلك الأيام شديدة المظالم والمصائب والمغارم وكنت ذا مأل فخفت عاقبته وخشيت غائلته فقلت إن هنا ما هو أقرب مما تريد وهو أن بعض الحفاظ قال إنه وقع الاستقراء بأنه ما تباهل اثنان على شئ فحال الحول على المبطل منهما فهلم فلنتباهل ليعلم المحق منا من المبطل فتباهلت أنا وهو فقلت له قل اللهم إن كان ابن عربي على ضلال فالعني بلعنتك فقاله فقلت أنا اللهم إن كان ابن عربي على هدى فالعني بلعنتك وافترقنا وكان يسكن الروضة فاستضافه شخص من أبناء الجند جميل الصورة ثم بدا له أن يتركهم فخرج في أول الليل فخرجوا يشيعونه فأحس بشيء مر على رجله فقال لأصحابه مر على رجله شئ ناعم فانظروا ما هو فنظروا 41 فلم يجدوا شيئا فذهب فما وصل إلى منزله إلا وقد عمى ولم يصبح إلا وهو ميت وكان ذلك في ذي القعدة سنة سبع وتسعين وسبعمائة وكانت المباهلة في رمضان منها قال وكنت عند وقوع المباهلة عرفت من حضر أن من كان مبطلا في المباهلة لا تمضي عليه السنة فكان ولله الحمد ذلك واسترحت من شره وأمنت من عاقبة مكره

المكفرون لابن عربي

وقد صرح بكفر هذا الرجل ومن نحا نحوه في مثل هذه الأقوال الظاهرة


151
في الضلال جماعة من العلماء الأعلام مشايخ الإسلام كما نقل عنهم الإمام شهاب الدين أحمد بن يحيى بن أبي حجلة التلمساني الحنفي في كتابه الذي صنفه في ذلك وكذا نقل بعض ذلك الإمام سيف الدين عبد اللطيف بن بلبان السعودي الصوفي في جزء نقله عنه أحمد بن أقش الحراني قال وقد كتب كل من راقب الله تعالى وخشيه وامتنع كل من التبسه مخافة غيره وغشيه فالذي كتب قام لله تعالى بلوازم فرضه والذي امتيح فهو المسئول عن ذلك في يوم عرضه فإن زعم أنه ترك خوف الفتنة من المخالفين فتلك محنة في الدين بما وجب على كل عالم من التبيين

وكذلك نقل الفتاوى العلامة بدر الدين حسين بن الأهدل شيخ أبيات حسين ببلاد اليمن في تصنيفه المسمى كشف الغطا عن حقائق التوحيد فالمنكرون منهم سلطان العلماء عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القسم السلمي الشافعي كما نقل ذلك عنه شيخ الإسلام تقي الدين محمد بن دقيق العيد قال الحافظ شمس الدين محمد الذهبي فيمعجمه حدثني محمد المفيد حدثنا أبو الفتح اليعمري سمعت أبا الفتح محمد بن علي القشيري سمعت شيخنا ابن عبد السلام يقول وجرى ذكر ابن العربي الطائي فقال هو شيخ سوء كذاب وقال الصلاح خليل الصفدي في تاريخه سمعت أبا الفتح بن سيد الناس يقول سمعت ابن دقيق العيد يقول سألت ابن عبد السلام


152
عن ابن عربي فقال هو شيخ سوء كذاب يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا وقال شيخنا العلامة محمد بن محمد بن علي بن يوسف ويعرف بابن الجرزي الشافعي في جواب أجاب فيه بكفره كما حكاه عنه ابن الأهدل ولقد حدثنا شيخنا شيخ الإسلام الذي لم تر عيناي مثله عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير من لفظه غير مرة حدثني شيخ الإسلام العلامة قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي حدثنا الشيخ العلامة شيخ الشيوخ قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي القشيري المعروف بابن دقيق العيد القائل في آخر عمره لي أربعون 42 سنة ما تكلمت بكلمة إلا أعددت لها جوابا بين يدي الله تعالى قال سألت شيخنا سلطان العلماء عز الدين أبا محمد عبد العزيز بن عبد السلام الدمشقي عن ابن عربي فقال شيخ سوء كذاب يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا انتهى

وقال ابن تيمية في جواب السيف


153
السعودي فكفره الفقيه أبو محمد بذلك ولم يكن بعد ظهر من قوله إن العالم هو الله والعالم صورة الله وهوية الله قال السيف المذكور ثم تابعه في الإنكار الشيخ الإمام بركة الإسلام قطب الدين ابن القسطلاني وحذر الناس من تصديقه وبين في مصنفاته فساد قاعدته وضلال طريقه في كتاب سماه بالارتباط ذكر فيه جماعة من هؤلاء الأنماط ومنهم قاضي القضاة قدوة أهل التصوف إمام الشافعية بدر الدين محمد بن جماعة قال وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأذن في المنام فيما يخالف أو يضاد قواعد الإسلام بل ذلك من وساوس الشيطان ومحنته وتلاعبه برأيه وفتنته وأما إنكاره يعني ابن عربي ما ورد في الكتاب والسنة من الوعيد فهو كافر به عند علماء التوحيد وكذلك قوله في نوح وهود عليهما السلام قول لغو باطل مردود والقدوة العارف عماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطي وقال إنه علق في ذم هذه الطائفة ثلاث كراريس الأول سماه البيان المفيد في الفرق بين الإلحاد والتوحيد الثاني لوامع الاسترشاد في الفرق بين التوحيد والإلحاد والثالث أشعة النصوص في هتك أستار الفصوص كل ذلك ليبقى المؤمنون منهم على بصيرة يحذرون من طرقهم وزندقتهم وحاصل ذلك كله بكلام وجيز مختصر
154
أن هؤلاء جميع ما يبدونه من الكلام الحسن في مصنفاتهم إنما هو ربط واستجلاب فإن الدعاة إلى البدعة إن لم يكونوا ذوي بصيرة يستدرجون الخلق في دعوتهم حتى يحلوهم عن أديانهم لا يستجاب لهم

هذا ابن عربي عنده في أصوله أنه يجعل المعدومات أشياء ثابتة علويها وسفلها قبل وجودها فهي عنده ثابتة في القدم لكن ليس لها وجود ثم أفاض الحق عليها من وجوده الذاتي فقبل كل موجود من وجود عين الحق بحسب استعداده فظهر الكون بعين وجود الحق فكان الظاهر هو الحق فعنده أنه لا وجود إلا للحق ويستحيل عنده أن يكون ثم وجود محدث كما يقوله أهل الحق فإنهم يقولون وجود قديم ووجود حادث وهذا عنده وعند أصحابه أنه ليس بوجود حادث وليس ثم إلا وجود الحق الذاتي وهو الذي فاض على الأعيان والممكنات


155
فهو موجود بعينه ومن شك أن هذا اعتقاده فليراجع كتبه الفصوص وغيرها وعنده أنه لما فاض على الأكوان عين وجود الحق كان هو الظاهر فيها بحكم الوجود وكانت هي الظاهر فيه بحكم الأسماء فإنها كثيرة متعددة وعنده أن الكون افتقر إلى الحق بسبب إفاضة الوجود وأن الحق أيضا افتقر إلى الكون لظهور أسمائه وكل منهما يعبد الآخر
فتوى الجزري

ومنهم العلامة شمس الدين محمد بن يوسف ابن الجزري جد شيخنا العلامة شمس الدين قال وحكمه بصحة عبادة قوم نوح للأصنام كفر وقوله إن الحق المنزه هو الخلق المشبه كلام باطل متناقض وهو كفر وقوله في قوم هود وحصلوا في عين القرب افتراء على الله تعالى ورد لقوله فيهم وقوله زال البعد وصيرورة جهنم في حقهم نعيما كذب وتكذيب للشرائع وأما من يصدقه فيما قال فحكمه كحكمه في التضليل والتكفير إن كان عالما وإن كان ممن لا علم له فإن قال ذلك جهلا عرف بحقيقة ذلك ويجب تعليمه وردعه عنه مهما أمكن ومنهم الإمام القدوة برهان الدين إبراهيم بن معضاد الجعبري ومنهم العلامة زين الدين عمر ابن أبي الحرم الكتناني الشافعي


156
ومن جوابه وقوله في قوم هود كفر لأن الله تعالى أخبر في القرآن العظيم عن عاد أنهم كفروا بربهم والكفار ليسوا على صراط مستقيم فالقول بأنهم كانوا عليه مكذب لصريح القرآن ويأثم من سمعه ولم ينكره إذا كان مكلفا وإن رضي به كفر
رأي أبي حيان

والإمام أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي ذكر ذلك في تفسير سورة المائدة عند قوله تعالى 17 : 5 لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم الآية في أوائلها ومن بعض اعتقاد النصارى استنبط من أقر بالإسلام ظاهرا وانتمى إلى الصوفية حلول الله في الصور الجميلة ومن ذهب من ملاحدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة كالحلاج والشعوذي وابن أحلى وابن عربي المقيم بدمشق وابن الفارض وأتباع هؤلاء كابن سبعين وعد جماعة ثم قال


157
وإنما سردت هؤلاء نصحا لدين الله يعلم الله ذلك وشفقة على ضعفاء المسلمين وليحذروا فهم شر من الفلاسفة الذين يكذبون الله ورسله ويقولون بقدم العالم وينكرون البعث وقد أولع جهلة ممن ينتمي إلى التصوف بتعظيم هؤلاء وادعائهم أنهم صفوة الله
رأي التقي السبكي والفاسي والزواوي

والعلامة قاضي القضاة شيخ الإسلام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي فقال ومن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين كابن عربي وغيره فهم ضلال جهال خارجون عن طريقة الإسلام فضلا عن العلماء قال ذلك في باب الوصية من شرح 44 المنهاج ونقله الكمال الدميري والتقي الحصني وقال الحافظ تقي الدين الفاسي في كتابه فيه وقد أحرقت كتب ابن عربي غير مرة وممن صنع ذلك من العلماء المعتبرين الشيخ بهاء الدين السبكي والعلامة القاضي شرف الدين عيسى بن مسعود الزواوي المالكي شارح صحيح مسلم فقال وأما ما تضمنه هذا التصنيف من الهذيان والكفر والبهتان فهو كله تلبيس وضلال وتحريف وتبديل فيمن صدق بذلك أو اعتقد صحته


158
كان كافرا ملحدا صادا عن سبيل الله مخالفا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ملحدا في آيات الله مبدلا لكلماته فإن أظهر ذلك وناظر عليه كان كافرا يستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن أخفى ذلك وأسره كان زنديقا فيقتل متى ظهر عليه ولا تقبل توبته إن تاب لأن توبته لا تعرف فقد كان قبل أن يظهر عليه يقول بخلاف ما يبطن فعلم بالظهور عليه خبث باطنه وهؤلاء قوم يسمون الباطنية لم يزالوا من قديم الزمان ضلالا في الأمة معروفين بالخروج من الملة يقتلون متى ظهر عليهم وينفون من الأرض وعادتهم التمصلح والتدين وادعاء التحقيق وهم على أسوأ طريق فالحذر كل الحذر منهم فإنهم أعداء الله وشر من اليهود والنصارى لأنهم قوم لا دين لهم يتبعونه ولا رب يعبدونه وواجب على كل من ظهر على أحد منهم أن ينهي أمره إلى ولاة المسلمين ليحكموا فيه بحكم الله تعالى ويجب على من ولي الأمر إذا سمع بهذا التصنيف البحث عنه وجمع نسخه حيث وجدها وإحراقها وأدب من اتهم بهذا المذهب أو نسب إليه أو عرف به على قدر قوة التهمة عليه حتى يعرفه الناس ويحذروه
رأي البكري

ومنهم الشيخ الإمام المحقق الزاهد القدوة العارف نور الدين علي بن يعقوب البكري الشافعي قال وأما تصنيف تذكر فيه هذه الأقوال ويكون المراد بها ظاهرها فصاحبها ألعن وأقبح من أن يتأول له ذلك بل هو


159
كاذب فاجر كافر في القول والاعتقاد ظاهرا وباطنا وإن كان قائلها لم يرد ظاهرها فهو كافر بقوله ضال بجهله ولا يعذر في تأويله لتلك الألفاظ إلا أن يكون جاهلا بالأحكام جهلا تاما عاما ولا يعذر في جهله لمعصيته لعدم مراجعة العلماء والتصانيف على الوجه الواجب من المعرفة في حق من يخوض في أمر الرسل ومتبعيهم أعني معرفة الأدب في التعبيرات على أن في هذه الألفاظ ما يتعذر أو يتعسر تأويله بل كلها كذلك وبتقدير التأويل على وجه يصح في المراد فهو كافر بإطلاق اللفظ على الوجه الذي شرحناه

وأما دلائل ذلك فهي مذكورة في تصانيف العلماء وفيما ألفته أيضا في بعض المسائل وليست هذه الورقة مما تسع الكلام على أقوال هذا المصنف لفظة لفظة

مسألة الوعيد
لكن مسألة الوعيد يعني التي قال فيها ابن عربي وما لوعيد الحق عين تعاين لا بد فيها من نبذة لطيفة للضرورة

اعلم 45 أنه ثبت بالدلائل العقلية والسمعية وإجماع المسلمين أن قول الله حق وخبره صدق وذلك واجب له لذاته سبحانه وتعالى ومن أنكر أن خبر الله حق أو أن وعده ووعيده صدق فهو كافر بإجماع المسلمين وإنما قال بعض الناس من الأصوليين إنه لا يجب وقوع الوعيد بتأويل مقرر في الأصول وحقيقته ترجع إلى أن كلام الله تعالى منزل على عادة العرب في تخاطبها وعادتها إذا أوعدت بالعقوبة وإن كانت


160
صورتها الوعيد الجازم فإنما تريد إذا لم تعف وأصرت على الانتقام وادعى أن ذلك مركوز في طباعها وأن حقيقة اللفظ الحمل عليه سواء أراده حالة التخاطب أو لم يرده

وقال فيه آخرون إن الرب سبحانه وتعالى علق الأشياء بمشيئته في غير موضع وأن الوعد المطلق مقيد بالمشيئة فجوز أن يقع الوعيد بشيء فلا يحصل المتوعد إما لأن حقيقة اللفظ مقيدة بعدم العفو وإما لأن مطلق اللفظ مقيد بنصوص أخر مع أمور أخرى يحتملها اللفظ مطلقا من غير دليل خاص من تقييد المطلق وتخصيص العام واحتمال الإضمار والمجاز

وجوز أن يضع الله تعالى اللفظ وضعا جديدا لمعنى آخر لا تفهمه العرب عند بعض الناس إلى غير ذلك

ومع هذا كله فإنما هو كلام في أصل الوعيد من حيث الجملة

وأما خصوص مسألة وعيد الكافرين فلا خلاف أن المراد به قد علم وأن من ادعى أن الكفار لا يعذبون أصلا فهو كافر إلا أن يكون ممن لم تبلغهم الدعوة أو في معناه

والمراد في وعيد الكافرين المعلوم هو أنهم يعذبون في النار العذاب الشديد ولا يغفر كفرهم المغفرة المزيلة للعقوبة بعد بلوغ الدعوة على الوجه الذي تقوم به الحجة

والعلم بالمراد في هذه القضية متلقي بوجهين أحدهما أخبار التواتر

الثاني فهم الصحابة لذلك عن المعصوم فهما قطعيا منقولا إلينا بالتواتر المعنوي وإنما تكلموا في مسألة الخلود دون أصل


161
التعذيب فمن حاك الخلاف عن السلف ومن حاك الإجماع ففيها نظر والله أعلم
فتوى البالسي وابن النقاش

ومنهم العلامة نجم الدين محمد بن عقيل البالسي الشافعي فقال من صدق هذه المقالة الباطلة أو رضيها كان كافرا بالله تعالى يراق دمه ولا تنفعه التوبة عند مالك وبعض أصحاب الشافعي ومن سمع هذه المقالة القبيحة تعين عليه إنكارها بلسانه بل يجب عليه منع قائلها بالضرب إن لم ينزجر باللسان فإن عجز 46 عن الإنكار بلسانه أو بيده وجب عليه إنكار ذلك بقلبه وذلك أضعف الإيمان

ومنهم نادرة زمانه العلامة أبو أمامة محمد بن علي بن النقاش المصري الشافعي في تفسيره وأجاد جدا في تقرير مذهبهم وبيان عواره فقال وقد ظهرت أمة ضعيفة العقل نزرة العلم اشتغلوا بهذه الحروف وجعلوا لها دلالات واشتقوا منها ألفاظا واستدلوا منها على مدد وسموا أنفسهم بعلماء الحروف ثم جاءهم شيخ وقح من جهلة العالم يقال له


162
البوني ألف فيها مؤلفات وأتى فيها بطامات ومن الحروف دخلوا للباطن وأن للقرآن باطنا غير ظاهر بل وللشرائع باطنا غير ظاهرها ومن ذلك تدرجوا إلى وحدة الوجود وهو مذهب الملحدين كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض ممن يجعل الوجود الخالق هو الوجود المخلوق وقد لا يرضى هؤلاء بلفظ الاتحاد بل يقولون بالوحدة لأن الاتحاد يكون افتعالا بين شيئين وهم يقولون الوجود واحد لا تعدد فيه ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع فإن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود ولكن ليس وجود هذا وجود هذا

والقدر المشترك هو كلي والكلي المطلق لا يوجد كليا مطلقا إلا في الأذهان لا في الأعيان بل كل موجود من المخلوقات له وصف يختص به لا يشاركه فيه غيره في الخارج وأنقص المراتب عند هؤلاء مرتبة أهل الشريعة ثم قال وهم متأهلون للخيال معظمون له ولا سيما ابن عربي منهم ويسميه أرض الحقيقة ولهذا يقولون بجواز الجمع بين النقيضين وهو من الخيال الباطل وقد علم المعتنون بحالهم من علماء الإسلام كالشيخ عز الدين ابن عبد السلام


163
وابن الحاجب وغيرهما أن الجن والشياطين تمثلت لهم وألفت كلاما يسمعونه وأنوارا يرونها فيظنون ذلك كرامات وإنما هي أحوال شيطانية لا رحمانية وهي من جنس السحر

ولقدولقد حكى سعيد الفرغاني في شرح قصيدة ابن الفارض أن رجلا نزل دجلة ليغتسل لصلاة الجمعة فخرج من النيل فأقام بمصر عدة سنين وتزوج وولد له هناك ثم نزل ليغتسل لصلاة الجمعة فخرج من دجلة فرأى غلامه ودابته والناس لم يصلوا بعد الجمعة ومن المعلوم لكل ذي حس أن يوم الجمعة ببغداد ليس بينه وبين يوم الجمعة بمصر يوم فضلا عن أكثر منه ولا الشمس توقفت عدة أعوام في السماء وإنما هو الخيال فيظنونه لجهلهم في


164
الخارج ثم قال وحقيقة قولهم إن ما ثم وجودا 47 إلا هذا العالم لا غير كما قاله فرعون لكن هم يقولون إن العالم هو الله وفرعون أنكر وجود الله ثم قال قيل لبعض أكابرهم ما الفرق بينكم وبين النصارى قال النصارى خصصوا وهذا موجود في كلام ابن عربي وغيره ينكرون على المشركين تخصيصهم عبادة بعض والعارف عندهم يعبد كل شيء ثم قال ومن المعتقدين الحلول الخاص طائفة من أتباع العبيدية الباطنية الذين ادعوا أنهم علويون ثم قال وقد اعتقدت طائفة منهم الإلهية في الحاكم كالدريزية
165
أتباع شهنكير الدرزي الذي كان من موالي الحاكم وأضل أقواما بالشام في وادي تيم الله بن ثعلبة انتهى
رأي ابن هشام وابن خلدون

ومنهم العلامة جمال الدين عبد الله بن يوسف بن هشام صاحب المغنى وغيره من المصنفات البديعة وكتب على نسخة من كتاب الفصوص

هذا الذي بضلاله

ضلت أوائل مع أواخر

من ظن فيه غير ذا

فلينأ عني فهو كافر

هذا كتاب فصوص الظلم ونقيض الحكم وضلال الأمم كتاب يعجز الذم عن وصفه قد اكتنفه الباطل من بين يديه ومن خلفه لقد ضل مؤلفه ضلالا بعيدا وخسر خسرانا مبينا لأنه مخالف لما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه وفطر عليه خليقته انتهى

وقال العلامة قاضي القضاة أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون إن طريق المتصوفة منحصر في طريقين الأولى وهي


166
طريقة السنة طريقة سلفهم الجارية على الكتاب والسنة والاقتداء بالسلف الصالح من الصحابة والتابعين والطريقة الثانية وهي مشوبة البدع وهي
167
طريقة قوم من المتأخرين يجعلون الطريقة الأولى وسيلة إلى كشف حجاب الحس لأنها من نتائجها ومن هؤلاء المتصوفة ابن عربي وابن سبعين وابن برجان وأتباعهم ممن سلك سبيلهم ودان بنحلتهم ولهم تواليف كثيرة يتداولونها مشحونة بصريح الكفر ومستهجن البدع وتأويل الظاهر لذلك على أبعد الوجوه وأقبحها مما يستغرب الناظر فيها من نسبتها إلى الملة أو عدها في الشريعة وليس ثناء أحد على هؤلاء حجة ولو بلغ المثنى ما عسى أن يبلغ من الفضل لأن الكتاب والسنة أبلغ فضلا أو شهادة من كل أحد

وأما حكم هذه الكتب المتضمنة لتلك العقائد المضلة وما يوجد من نسخها بأيدي الناس مثل الفصوص والفتوحات المكية لابن عربي والبد لابن سبعين وخلع النعلين لابن قسي وعين اليقين لابن برجان وما أجدر الكثير من شعر ابن الفارض والعفيف التلمساني وأمثالهما أن يلحق بهذه الكتب وكذا شرح ابن الفرغاني للقصيدة التائية من نظم ابن الفارض فالحكم في هذه


168
الكتب وأمثالها إذهاب أعيانها متى وجدت بالتحريق بالنار والغسل بالماء حتى ينمحي أثر الكتاب لما في ذلك من المصلحة العامة 48 في الدين بمحو العقائد المختلفة فيتعين على ولي الأمر إحراق هذه الكتب دفعا للمفسدة العامة ويتعين على من كانت عنده التمكين منها للإحراق
رأي الشمس العيزري

ومنهم العلامة شمس الدين محمد العيزري الشافعي في كتاب سماه الفتاوي المنتشرة قال عن الفصوص قال العلماء جميع ما فيه كفر لأنه دائر مع عقيدة الاتحاد وهو من غلاة الصوفية المحذر من طرائقهم وهم شعبان شعب حلولية يعتقدون حلول الخالق في المخلوق وشعب اتحادية لا يعتقدون تعددا في الوجود في زعمهم أن العالم هو الله وكل فريق منهم يكفر الآخر وأهل الحق يكفرون الفريقين

ثم قال

ومنهم ابن الفارض صاحب الديوان وعد جماعة معه ثم قال ذكر هؤلاء بالحلول والاتحاد جماعة من علماء الشريعة المتأخرين كالشيخ عز الدين بن عبد السلام وأبي عمرو بن الصلاح وابن دقيق العيد وشيخ الفقهاء الزين الكتناثي وقاضي القضاة الشيخ تقي الدين السبكي وحكم بتكفيرهم القضاة الأربعة البدر بن جماعة والزين الحنفي والشرف الزواوي والسعد الحنبلي ثم ذكر كلام الشيخ أبي حيان فيهم


169
من تفسيره البحر إلى أن قال وقد انتدب بعض المغالطين من أهل العلم ممن يحسن الظن ببعضهم ولا صواب معه وصنف تأويلات لنظم السلوك وتعسف بما لا يصح الأخذ به لقوة ظواهر الألفاظ الخارقة جزما لسياج عصمة الديانة وانتهاك حرمة الربوبية ثم قال ويحوم بظاهر كلامه على أنه هو الله وأن الله هو وهذا بهتان قبيح وكفر صريح ثم قال وكان ابن الفارض يقول إنما قتل الحلاج لأنه باح بسره إذ شرط هذا التوحيد الكتم
رأي لسان الدين ابن الخطيب والموصلي

ومنهم العلامة لسان الدين محب بن الخطيب الأندلسي المالكي في كتابه روضة التعريف بالحب الشريف وأجاد في تقرير مذهبهم ورد ما شاء فقال الفرع الخامس فيرأي أهل الوحدة المطلقة ثم قال وحاصله أن الباري جل وعلا هو مجموع ما ظهر وما بطن وأنه لا شيء خلاف ذلك وأن تعدد هذه الحقيقة المطلقة والآنية الجامعة التي هي عين كل آنية والهوية التي هي


170
عين كل هوية إنما وقع بالأوهام من الزمان والمكان والخلاف والغيبة والظهور والألم واللذة والوجود والعدم

قالوا وهذه إذا حققت إنما هي أوهام راجعة إلى أخبار الضمير وليس في الخارج شيء منها فإذا سقطت الأوهام صار مجموع العالم بأسره وما فيه واحدا وذلك الواحد هو الحق وإنما العبد مؤلف من طرفي حق وباطل فإذا سقط الباطل وهو اللازم بالأوهام لم يبق إلا الحق وصرحت بذلك أقوال شيوخهم فمنه قول ابن أحلى حق أقام باطلا ببعض صفاته وقال الحلاج وابن العربي وقد تعرض لما به وقع التعدد وأنه وهم فالكل واحد وإن كان متفرقا

فسبحان من هو الكل ولا شيء سواه الواحد بنفسه المتعدد بنفسه

ومنهم الحافظ الرحلة شمس الدين أبو عبد الله محمد الموصلي الشافعي نزيل دار الحديث بدمشق

فقال وفي كلام ابن عربي من الكفر الصريح الذي لا يمكن تأويله شيء كثير يضيق هذا الوقت من وصفه ومنه تفسير اسمه العلي بأن قال العلي على من وما ثم إلا هو وهو المسمى أبا سيعد الخراز

رأي البساطي

ومنهم شيخنا علامة زمانه قاضي القضاة شمس الدين محمد بن أحمد البساطي المالكي قاضي مصر قال في أول كتاب له في أصول الدين في المسألة السادسة في حدوث العالم وخالفنا في ذلك طوائف الأولى الدهرية والثانية


171
متأخرو الفلاسفة كأرسطو ومن تبعهم من ضلال المسلمين كابن سينا والفارابي ومن حلي كلامه وزخرفه بشعار الصالحين كابن عربي وابن سبعين ثم قال في الكتاب الثاني في المسألة السادسة في أنه سبحانه ليس متحدا بشيء واعلم أن هذه الضلالة المستحيلة في العقول سرت في جماعة المسلمين نشأوا في الابتداء على الزهد والخلوة والعبادة فلما حصلوا من ذلك على شيء صفت أرواحهم وتجردت نفوسهم وتقدست أسرارهم وانكشف لهم ما كانت الشواغل الشهوانية مانعة من انكشافه وقد كانت طرق أسماعهم من
172
خرافات النصارى أنه إذا حل روح القدس في شيء نطق بالحكمة وظهر له أسرار ما في هذا العالم مع تشوف النفوس إلى المناصب العلية فذهبوا إلى هذه المقالة السخيفة فمنهم من صرح بالاتحاد على المعنى الذي قالته النصارى وزادوا عليه أنهم لم يقصروه على المسيح كما ذهب إليه الغلاة من الروافض في علي رضي الله عنه وكذا ما ذهب إليه جماعة في خاتم الأولياء عندهم من
174
الحلول ولهم في ذلك كلمات يعسر تأويل كلها لمن يريد الاعتذار عنهم بل منها مالا يقبل التأويل ولهم في التأويل خلط وخبط كلما أرادوا أن يقربوا من المعقول ازدادوا بعدا حتى أنهم استنبطوا قضية حلت لهم الراحة وقنعوا في مغالطة الضرورة بها بالمغيب وهي وهي أن ما هم فيه ويزعمونه وراء العقل وأنه بالوجدان يحصل ومن نازعهم محجوب مطرود عن الأسرار الإلهية وفي هذا كفاية والله أعلم انتهى
البساطي وشرحه للتائية

وقد قام في زماننا ناس حدثان الأسنان سفهاء الأحلام أرادوا 50 إظهار هذا المذهب ثم أخزاهم الله تعالى فقلقلوا كل مقلقل وكان مما قالوه إن الشمس البساطي هذا منهم وأنه شرح تائية ابن الفارض فاستبعد هذا منه

وإن كان ما قالوه صحيحا فقد قضى على نفسه في كلامه هذا بأنه خرج من دائرة العقل

ثم يسر الله وله الحمد الاطلاع على الشرح المنسوب إليه فإذا هو بريء مما فرقوه به كما كنت أظن فرأيته قال في أوله أما بعد فهذا كتاب شرح قصيدة ابن الفارض ولباب فتح وصيد لحن ابن الفارض على وجه أنا نبين مراده من كلامه بقدر فهمنا لمقصوده منه ولا يلزمنا صحة ما قاله في العربية لفظا أو في الشريعة معنى أو استحسانا عقلا أو شرعا أو عرفا ثم تكلم على الأبيات على وجه يظهر منها حملها على موافقة الشرع ما أمكنه فإذا عجز صرح في ذلك الموضع بما يليق به من الحكم عليه من غير


175
ثم قرر أمر التسخير وأن منه ما هو بالمآل ومنه ما هو بالحال وأن ما هو بالحال مثل تسخير الطفل لأبيه بالقيام في مصالحه وتسخير الرعايا الملك بقيامه في مصالحهم قال وهذا كله تسخير بالحال من الرعايا يسخرون في ذلك مليكهم ويسمى على الحقيقة تسخير المرتبة فالمرتبة حكمت عليه بذلك فالعالم كله يسخر بالحال من لا يمكن أن يطلق عليه اسم مسخر

قال الله تعالى كل يوم هو في شأن فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل كما سلط موسى عليه حكمة من الله ظاهرة في الوجود ليعيد في كل صورة وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية ولهذا ما بقي نوع من الأنواع إلا وعبد إما عبادة تأله وإما عبادة تسخير فلا بد من ذلك لمن عقل وما عبد شئ من العالم إلا بعد التلبس بالرفعة عند العابد والظهور بالدرجة في قلبه ولذلك تسمى الحق لنا برفيع الدرجات ولم يقل رفيع الدرجة فكثر الدرجات في عين واحدة فإنه قضى أن لا يعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة أعطت كل درجة مجلى إلهيا عبد فيها

الهوى رب الصوفية الأعظم

وأعظم مجلى عبد فيه وأعلاه الهوى كما قال 23 : 45 أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وهو أعظم معبود فإنه لا يعبد شئ إلا بالله ولا يعبد هو إلا بذاته ثم قال والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد


176
وما قبله وما بعده مما ادعى فيه أن الله يتحد به ويتجلى بصورته من غير حلول ما نصه ولكن دعوى تجلي الله بصورة ما مكفر بها شرعا بإجماع المسلمين والكافرين من آمن به وإن لم يكن حلولا
رأي ابن حجر والبلقيني وغيرهما

ومنهم شيخنا شيخ الإسلام حافظ عصره قاضي القضاة أبو الفضل بن حجر وشيخه شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني فقال في ترجمة عمر بن الفارض في لسان الميزان بعد أن ذكر ترجمة الذهبي له بأنه شيخ الاتحادية وأنه ينعق بالاتحاد الصريح في شعره وقد كنت سألت شيخنا سراج الدين البلقيني عن ابن العربي فبادر بالجواب بأنه كافر فسألته عن ابن الفارض فقال لا أحب التكلم فيه فقلت فما الفرق بينهما والمهيع واحد وأنشدته من التائية 51 فقطع علي بعد إنشاد عدة أبيات بقوله هذا كفر هذا كفر

ومنهم الشيخ ولي الدين العراقي وأبوه كما تقدم في الفص الموسوي وغيره ومنهم العلامة برهان الدين السفاقيني صاحب الإعراب ونظم قصيدة طويلة يتحرق فيها ويندب أهل الإسلام لهؤلاء الضلال فقال فيها

فشيخهم الطائي في ذاك قدوة

يرى كل شيء في الوجود هو الحقا

177

وكم من غوي كابن سبعين مثله

وكلهم بالكفر قد طوقوا طوقا

وكالششتري القونوي وابن فارض

فلا برد الله ثراهم ولا أسقى

ومن كفر ابن الفارض بصريح اسمه شيخنا محقق عصره قاضي القضاة شيخ الإسلام محمد بن علي الغاياتي الشافعي

أخبرني عنه بذلك الثقة من غير وجه وأخبرني الثقة عن الشيخ مدين أنه قال التائية هي الفصوص لا فرق بينهما وقد كان المذكور رأس صوفية عصرنا

مقتل الحلاج

ومنهم الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير الدمشقي الشافعي وقال هؤلاء كلهم يقتفون في مسالكهم هذه طريقة الحسين بن الحلاج الذي أجمع الفقهاء في زمانه على كفره وقتله قاله الإمام أبو بكر المازري الفقيه المالكي قلت وما قاله القاضي عياض كما تقدم نقله عنه في مقدمة هذا الكتاب

والله الموفق

قال وقد بسطت سيرته في التاريخ بعد الثلاثمائة وذكرت صفة قتله واجتماع الكلمة على تكفيره من العلماء والصوفية العباد سوى ابن عطاء وابن خفيف حتى أنشدهما بعضهم من شعره قائلا ما تقولان في قول بعض الشعراء

سبحان من أظهرنا شوته

سر سنا لاهوته الثاقب

ثم بدا في خلقه ظاهرا

في صورة الآكل والشارب

178

حتى لقد عاينه خلقه

كلحظة الحاجب بالحاجب

فقالا هذا شعر الزنادقة فقال هذا شعر الحسين بن منصور الحلاج فلعنا الحلاج ورجعنا عنه انتهى

رأي الذهبي

وممن صرح بكفره وأحسن في بيان أمره حافظ عصره شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي فقال في كتابه تاريخ الإسلام بعد خط الحافظ سيف الدين بن المجد علي الحريري المتصوف فكيف لو رأى الشيخ كلام ابن عربي الذي هو محض الكفر والزندقة لقال هذا الدجال المنتظر ولكن كان ابن العربي منقطعا عن الناس إنما يجتمع به آحاد الاتحادية ولا يصرح بأمره لكل أحد ولم تشتهر كتبه إلا بعد موته ولهذا تمادى أمره فلما كان على رأس السبعمائة جدد الله لهذه الأمة دينها بهتكه وفضيحته ودار بين العلماء كتابه الفصوص وقد خط عليه الشيخ القدوة الصالح إبراهيم بن معضاد الجعبري فيما حدثني به شيخنا ابن تيمية عن التاج 52 البارنباري أنه سمع الشيخ إبراهيم يذكر ابن عربي كان يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا وحكى عنه ابن تيمية أنه قال لما اجتمع بابن عربي رأيت شيخا نجسا يكذب بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي أرسله الله


179
رأي ابن تيمية وغيره من العلماء

وقال الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وقد صنف بعضهم أي أهل الاتحاد كتبا وقصائد على مذهبه مثل قصيدة ابن الفارض المسماة بنظم السلوك يقول فيها وذكر منها عدة أبيات ثم قال إلى مثل هذا الكلام أي الدال على الاتحاد ولهذا كان عند الموت ينشد

إن كان منزلتي في الحب عندكم

ما قد رأيت فقد ضيعت أيامي

أمنية ظفرت روحي بها زمنا

واليوم أحسبها أضغاث أحلام

فإنه كان يظن أنه هو الله فلما حضرت ملائكة الله لقبض روحه تبين له بطلان ما كان يظنه وقال في إفتائه الذي استفتاه فيه الشيخ سيف الدين عبد اللطيف بن بلبان السعودي بعد أن حكى جملة من أقوال ابن عربي صريحة في الكفر فإن صاحب هذا الكتاب المذكور الذي هو فصوص الحكم وأمثاله مثل صاحبه القونوي يعني صدر الدين والتلمساني وابن سبعين والششتري وابن الفارض وأتباعهم مذهبهم الذي هم عليه أن الوجود واحد ويسمون أهل وحدة الوجود ويدعون التحقيق والعرفان وهم يجعلون وجود


180
الخالق عين وجود المخلوقات فكل ما تتصف به المخلوقات من حسن وقبح ومدح وذم إنما المتصف به عندهم عين الخالق وليس للخالق عندهم وجود مباين لوجود المخلوقات منفصل عنها بل عندهم ما ثم غير أصلا للخالق ولا سواه فعباد الأصنام لم يعبدوا غيره عندهم لأنه ما عندهم له غير وأما العلامة ابن دقيق العيد فذكر أنه سمع عز الدين بن عبد السلام يقول في ابن عربي شيخ سوء كذاب وممن حط عليه وحذر منه الشيخ القدوة إبراهيم الرقي ثم ذكر جماعة ممن تقدم ذكرهم في إفتائهم بأن كتابه الفصوص فيه الكفر الأكبر وقد ذكر ابن أبي حجلة أيضا عن غير هؤلاء ممن كفر هذه الطائفة من علماء الإسلام وذكر في كلام كل منهم في إبطال هذا المذهب ما لا لبس فيه وفيما ذكرته مقنع وذكر الحافظ تقي الدين الفاسي في كتابه فيه ممن كفره الإمام أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الحضري ابن خلدون قاضي المالكية بمصر وقال في فتوى ذكرها فيه وفي أضرابه فيتعين على ولي الأمر إحراق هذه الكتب دفعا للمفسدة العامة
181

ومما ذكره الفاسي أيضا من مكفريه الإمامان رضي الدين أبو بكر بن محمد بن صالح 53 الجبلي المعروف بابن الخياط الشافعي مدرس المعينية بتعز ومفتي تلك النواحي والقاضي شهاب الدين أحمد بن علي الناشري الشافعي مفتي زبيد وفاضل اليمن شرف الدين إسماعيل ابن أبي بكر المقري الشافعي قال وبين من حال ابن عربي ما لم يبينه غيره وقال وأما من أثنى على ابن عربي فلفضله وزهده وإيثاره واجتهاده في العبادة ولم يعرفوا ما في كلامه من المنكرات لاشتغالهم عنها بالعبادات وقال الفاسي أيضا وبعض المثنين عليه يعرفون ما في كلامه من المنكرات ولكنهم يزعمون أن


182
لها تأويلات وحملهم على ذلك كونهم تابعين لابن عربي في طريقته فثناؤهم على ابن عربي مطروح لتزكيتهم معتقدهم
رأي علاء الدين البخاري

وممن كفر أهل هذا المذهب شيخ مشايخنا نادرة زمانه علاء الدين محمد بن محمد بن محمد البخاري الحنفي وصنف فيهم رسالة سماها فاضحة الملحدين وناصحة الموحدين وبين أن وحدتهم الوحدة التي قرر أصلها بعض الفلاسفة لا التي يسميها أهل الله الفناء ونقل عن القاضي عضد الدين تكفيرهم فإنه قال في وصفه لابن عربي يحكى عنه أنه كان كذابا حشاشا كأوغاد الأوباش فقد صح عن صاحب كتاب المواقف عضد الملة والدين أعلى الله درجته في عليين أنه لما سئل عن كتاب الفتوحات لصاحب الفصوص حين وصل هنالك قال أفتطمعون من مغربي يابس المزاج بحر مكة ويأكل الحشيش شيئا غير ذلك وقد تبعه أي ابن عربي في ذلك ابن الفارض حيث يقول أمرني النبي صلى الله عليه وسلم بتسمية التائية نظم السلوك إذ لا يخفى على العاقل أن ذلك من الخيالات المتناقضة الحاصلة من الحشيش إذ عندهم أن وجود الكائنات هو الله تعالى فإذن الكل هو الله لا غير فلا نبي ولا رسول ولا مرسل إليه ولا خفاء في امتناع النوم على الواجب وفي امتناع افتقار الواجب إلى أن يأمره النبي بشيء في المنام لكن لما كان لكل ساقطة لاقطة ترى طائفة من الجهال ذلت أعناقهم لها خاضعين أفرادا وأزواجا


183
وشرذمة من الضلال يدخلون في فسوق الكفر بعد الإيمان زمرا وأفواجا مع أنهم يرون أنه اتخذ آيات الله وما أنذروا به هزوا وأشرك جميع الممكنات حتى الخبائث والقاذورات بمن لم يكن له كفوا أحد
تحقيق معنى الكافر والملحد والزنديق والمنافق

وقال في آخر رسالته إنهم يسمون كفرة وملاحدة وزنادقة وذلك أن الكافر اسم لمن لا إيمان له فإن أظهر الإيمان من غير اعتراف بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم خص باسم المنافق دون الزنديق لأن الله تعالى لم يسم الذين نافقوا 54 في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم زنادقة فدروز الشام على ما تشهد به كتبهم الملعونة إنما يظهرون الإيمان ولا يعترفون بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم فهم مباحيون منافقون لا زنادقة على ما يتوهم ذلك لعدم التفرقة بين المنافق والزنديق وإن طرأ كفره بعد الإيمان خص باسم المرتد لرجوعه عن الإيمان وإن قال بإلهين أو أكثر خص باسم المشرك لإثباته الشريك في الألوهية وإن كان متدينا ببعض الأديان والكتب المنسوخة خص باسم الكتابي كاليهودي والنصراني وإن كان يقول بقدم الدهر واستناد الحوادث خص باسم الدهري وإن كان لا يثبت الصانع خص باسم المعطل وإن كان مع اعترافه بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار شعائر الإسلام يتبطن عقائد هي كفر بالاتفاق خص باسم الزنديق وهو في الأصل منسوب


184
إلى زند اسم كتاب أظهره مزدك في أيام قباذ وزعم أنه تأويل كتاب المجوسي الذي جاء به زرادشت الذي يزعم أنه نبيهم وإن كان مع تبطن تلك العقائد الباطلة يستحل الفروج وسائر المحرمات بتأويلات فاسدة كما يزعم الباطنية والوجودية خص باسم الملحد والزنديق في عرف الشرع اسم لما عرفت لا لكل من صدر عنه فعل أو قول يوجب الكفر على ما هو
185
متعارف أهل عصرنا وقد يتوهم بناء على عدم الشعور بمعنى الحلول والاتحاد أن الوجودية حلولية أواتحادية وليس كذلك إذ الحلول والاتحاد إنما يكون بين موجودين متغايرين في الأصل والوجودية يجعلون الله تعالى عين وجود الممكنات فلا مغايرة بينهما ولا اثنينية فلا يتصور ههنا الاتحاد والحلول
186
بل زندقة أخرى أنجس منهما باطلة ببديهة العقل إذ القائلون بها يجعلون الله تعالى أمرا اعتباريا لا وجود له في الخارج
بعض مصطلحات الصوفية

وقال إن الملاحدة عبروا عن ضلالتهم بعبارات العارفين بالله يتسترون بها في زندقتهم فينبغي الحذر من ذلك فأرادوا بالفناء نفي حقائق الأشياء وجعلوها خيالا وسرابا على ما هو مذهب السوفسطائية وبالبقاء ملاحظة الوجود المطلق وبالوحدة المطلقة كون ما سوى الوجود من الأشياء خيالا وسرابا وكون وجود جميع الأشياء حتى وجود الخبائث والقاذورات إلها وذلك


187
غير ما أراده العارفون فإنهم أرادوا بها معاني يصدقها الشرع وهم مصرحون بأن كل حقيقة يردها الشرع فهي زندقة وأنه ليس في أسرار المعرفة شئ يناقض ظاهر الشرع بل باطن الشريعة يتم بظاهره وسره يكمل صريحه 55 ولهذا إذا انكشفت على أهل الحقيقة أسرار الأمور على ما هي عليه نظروا إلى الألفاظ الواردة في الشرع فما وافق ما شاهدوه قرروه وما خالف أولوه بما يطابق الشرع كالآيات المتشابهة ولا يستبعد وقوع المتشابه في الكشف ابتلاء
188
لقلوب العارفين كما أن وقوع المتشابه في الشرع ابتلاء لقلوب الراسخين فأراد بالبقاء التخلق بالأخلاق الإلهية والتنصل عن كدورات الصفات البشرية والفناء عندهم عبارة عن اضمحلال الكائنات في نظرهم مع وجودها وعن الغيبة عن نسبة أفعالهم إليهم وكذا الوحدة المطلقة عبارة عن مشاهدة الله لا غير من بين الموجودات لاضمحلالها مع تحققها ووجودها عند ظهور أنوار التجليات كاضمحلال الكواكب مع وجودها عند ظهور نور الشمس في النهار فإن كان العارف في هذه الحال يرى نفسه فذلك هو الفناء في التوحيد وهو مرتبة الخواص وهو مشوب بكدورة وقصور وإن غاب مع ذلك عن مشاهدة نفسه
189
وعن أحواله الظاهرة والباطنة وعن ذلك الفناء بحيث لا يشاهد شيئا غير الله كما لا يشاهد في النهار من الكواكب غير الشمس فذلك هو فناء الفناء في التوحيد وهو درجة خواص الخواص فيصير لهم معنى قوله تعالى كل شئ هالك إلا وجهه ذوقا وحالا كما أن حظ غيرهم من المؤمنين منه يكون علما وإيمانا فالذوق نيل عين تلك الحال بالحصول الاتصافي والعلم معرفة ذلك بالبرهان ومأخذه القياس بأن ينظر إلى اضمحلال تلك الكواكب عند إشراق الشمس فيقاس به اضمحلال وجود الكائنات عند إشراق أنوار التجليات والإيمان قبوله بالتسامع والإذعان له ولا يخالف هذا قولهم إن الطريق إلى المعلوم بالكشف إنما هو العيان دون البرهان لأن المراد منا إقامة البرهان على تحقق الكشف لا على إثبات المعلوم فقد عرفت أن معنى الوحدة المطلقة عند العارفين بعيد عما يريد به الكفرة الوجودية من الفلاسفة ومن تبعهم ممن يدعي الإسلام ليتمكن من هدمه عند الضعفاء
190
أسطورة الكشف

ويروجون تلك السفسطة بإحالتها على الكشف ويتفيهقون بأن مرتبة


191
الكشف وراء طور العقل وأنت خبير بأن مرتبة الكشف نيل ما ليس له العقل ينال لا نيل ما هو ببديهة العقل محال وذلك أن الله تعالى خلق العباد وبين لهم سبيل الرشاد وزينهم بالعقل نورا يهتدون به إلى معرفته وحجة توصلهم إلى محجته بالاستدلال على وجود الصانع بالمصنوعات والنظر فيما يجوز ويستحيل 56 عليه من الأفعال والصفات وأن إرسال الرسل من أفعاله الجائزة وأنه قادر على تعريف صدقهم بالمعجزة وعند ذلك ينتهي تصرف العقل لعدم استقلاله بمعرفة المعاد وبما يحصل السعادة والشقاوة هنالك للعباد وإنما يستقل بمعرفة الله تعالى وصدق الرسول ثم يعزل نفسه ويتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم ما يقول في أحكام الدنيا والآخرة بالقبول إذ لا ينطق
192
بما يحيل العقل بالبديهة والبرهان لامتناع ثبوت ما تحكم حجة الله عليه بالبطلان فلا مجال في مورد الشرع ولا في طور الولاية والكشف لما يحكم العقل عليه بأنه محال بل يجب أن يكون كل منهما في حيز الإمكان والاحتمال غير أن الشرع يرد بما لا يدركه العقل بالاستقلال وبالكشف يظهر ما ليس له العقل ينال لأن الطريق إليه الكشف والعيان دون بديهة العقل والبرهان لكن إذا عرض عليه لا يحكم عليه بالبطلان لكونه في حيز الإمكان ولا ينبغي متوهم أن ما يتستر به الوجودية من دعوى الكشف من قبيل ما ليس له العقل ينال بل هو مستحيل وللعقل في إبطاله تمكن ومجال إذ الطريق إليه التصور ثم التصديق بالبطلان وذلك وظيفة العقل بالبديهة أو البرهان وأما الأمور الممكنة الكسبية فيجعلها العقل في حظيرة الإمكان ولا يحكم عليها بالبطلان ثم إن ما يناله الكشف ولا يناله العقل الممكن الذي الطريق إليه العيان دون البرهان لا المحال الممتنع الوجود في الأعيان إذ الكشف لا يجعل الممتنع متصفا بالإمكان موجودا في الأعيان لأن قلب الحقائق بين الامتناع والبطلان فلو تخايل حصول المحال بالكشف ككون الوجود المطلق واحدا شخصيا وموجودا خارجيا وكون الواحد الشخصي منبسطا في المظاهر متكررا عليها
193
بلا مخالطته متكثرا مع النواظر بلا انقسام فذلك شعوذة الخيال وخديعة الشيطان وقال بعد ذلك إنهم صرحوا بأن التكثر في الموجودات ليس بتكثر وجوداتها بل تكثر الإضافات والتعينات والتعينات ثم قال فقالوا معنى قولنا الواجب موجود أنه وجود ومعنى قولنا الإنسان أو الفرس موجود أنه ذو وجود بمعنى أن له نسبة إلى الوجود لا أنه متصف بالوجود على ما هو معنى الوجود لغة وعرفا وشرعا احترازا عن شناعة التصريح بكون الواجب صفة الممكن وأنت خبير بأن جواز الإطلاق فرع صحة الاشتقاق ولو سلم فما ذكروا في بيان معناه في الواجب والممكن ليس معناه لا لغة ولا عرفا ولا شرعا ومنشأ الغلط فيما يكشفه الشرع بما يقصر عنه العقل وما يدعيه هؤلاء مما يحيله 57 عدم التفرقة بين ما أحاله العقل كهذه المذكورات وبين ما لا يناله العقل كاضمحلال وجود الكائنات عند سطوع أنوار التجليات وإنما ينال ذلك بجذبة الإلهية أو رياضة في متابعة الحضرة النبوية في الوظائف العلمية والعملية
194
والنيل هو الحصول الاتصافي والعلم هو الحصول الإدراكي ثم إن كلا مما لا يدركه العقل بالاستقلال وما ليس له العقل ينال لما كان مستوقفا على الإعلام والإرشاد من رب العالمين بعث الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لبيان الأول وهو علم الشريعة صريحا والإشارة إلى الثاني وهو علم الحقيقة رمزا وتلويحا كما يلوح من القرآن المجيد 28 : 88 كل شيء هالك إلا وجهه إلى درجة الفناء في الفناء في التوحيد
195

انتهى ما نقلته من رسالة الشيخ علاء الدين البخاري لكني تصرفت فيه بالتقديم والتأخير وقد وضح بذلك محالهم وتبين به ضلالهم والله الموفق

عود إلى من كفروا ابن عربي

وعن الحافظ تقي الدين محمد بن أحمد الفاسي المكي في كتابه تحذير النبيه والغبي من الافتتان بابن عربي أنه قال وقد سئل عنه وعن شيء من كلامه


196

شيخنا العلامة أبو عبد الله محمد بن عرفة الورغمي التونسي عالم إفريقية فقال ما معناه إن من نسب إليه هذا الكلام لا يشك مسلم منصف في فسقه وضلاله وزندقته انتهى

ومنهم شيخنا العلامة إمام القراء شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري الدمشقي نزيل بلاد الروم ثم العجم قال ومما يجب على ملوك الإسلام ومن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يعدموا الكتب المخالفة لظاهر الشرع المطهر من كتب المذكور وغيره ولا يلتفت إلى قول من قال هذا الكلام المخالف للظاهر ينبغي أن يؤول فإنه غلط من قائله

إنما يؤول كلام المعصوم ولو فتح باب تأويل كل كلام ظاهره الكفر لم يكن في الأرض كافر ومنهم العلامة نادرة زمانه علما وعملا بدر الدين حسين بن عبد الرحمن الأهدل اليمني الحسيني نسبا وبلدا وصنف في ابن عربي وابن الفارض كتابا كبيرا نافعا جدا وذكر فيه أنه كان في اليمن شخص من أكابر أتباعه يقال له الكرماني حصلت به في اليمن فتن كبيرة وحصل بينه وبين ابن المقري خطوب وصنف في الرد على ابن المقري كتابا قال فيه عن نفسه وأهل مذهبه ما لفظه إنا حيث قلنا المخلوق فمرادنا الخالق وحيث قلنا الحجر فمرادنا الله انتهى


197
من مكر الصوفية

ومن مكر هذه الطائفة كما شرعه لهم شيخهم من أن الدعوة إلى الله مكر أن يخيلوا كل من ظنوا أنه مال عنهم بأنه يصاب في نفسه أو ماله ويقولون ما تكلم أحد فيهم إلا أصيب ويباهتون 58 بأشياء هي كذب ظاهر ولا عليهم وأكثر الناس صبيان العقول مرضى الأفكار تجد أحدهم إذا سمع هذا نفر منك نفرة النعام الشارد ثم يكون أحسنهم خلالا الذي يقول التسليم أسلم ولا يتأمل أن الشك في الكفر بعد البيان كفر وهو مع كونه كذبا بمن أنكر عليهم من أكابر العلماء الذين لا يحصون كثرة وماتوا على أحسن الأحوال تشبه باليهود في قولهم في الإسلام لما مات أبو أمامة أسعد


198
ابن زرارة الأنصاري رضي الله عنه فإنهم شرعوا يقولون تخييلا لبعض الضعفاء لو كان نبيا ما مات صاحبه فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بئس الميت أبو أمامة ليهود يقولون كذا ووالله ما أملك لنفسي ولا لصاحبي شيئا وتسنن بالكفرة في قولهم وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ونحو ذلك من الآيات ومتى مال الإنسان نحو تخييلهم كان كمن قال الله تعالى فيه ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين
من آيات ثبات الإيمان في القلب

مع أن الكتاب والسنة ناطقان بأن علامة صحة الإسلام في القلب المصائب قال الله تعالى الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون الآيتين وقال الله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء


199
وزلزلوا الآية إلى غير ذلك من آيات الكتاب الناطق بالصواب وقال شخص للنبي إني أحبك قال فأعد للبلاء تجفافا وقال صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يصب منه أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى المرء على قدر دينه إلى أمثال ذلك وهو كثير جدا وأعجب من ذلك أن البيعة على الإسلام كانت ليلة العقبة على الصبر على المصائب فإن العباس بن نضلة رضي الله عنه قال لقومه قبل المبايعة يثبتهم على البيعة إن كنتم ترون أنه إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم فتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة قالوا فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا قال الجنة قالوا ابسط يدك فبسط يده فبايعوه على هذا كانت
200
المبايعة وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ولقد شرع لنا 59 رسول الله صلى الله عليه وسلم سنن الهدى وتركنا على بيضاء نقية ليلها كنهارها ولم يتغير دينه بعده ولم يتبدل ولم يزدد إلا شدة

وأخبرنا صلى الله عليه وسلم أن الدين بدأ غريبا وأنه سيعود كما بدأ وقال فيا طوبى للغرباء فلا يهتم الإنسان بقلة الموافق فإن الله معه ومن كان الله معه كان كثيرا ولا بكثرة المخالف المشاقق فإنهم أعداء الله فليس معهم ومن لم يكن الله معه كان قليلا 39 : 3637 أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام

هوان الدين عند الأكثرية

ومما ينبغي أن يكون نصب العين معيارا يعرف به هوان الدين عند أكثر الناس وهو أن أحدهم لو كان مشرفا على الموت من الجوع ووجد


201
طعاما شهيا فقال له أحد إنه مسموم لم يقربه بعد ذلك ثم لا يبالي بقول هؤلاء العلماء الذين هم القدوة في الدين أن كلام هؤلاء الاتحادية سم حاسم للدين من أصله ذابح للإيمان بسيفه ونصله فإنا لله وإنا إليه راجعون
من هم الأولياء

هذه نبذة من ذم أهل الحق له وهم الأولياء حقيقة لما شاع لهم من الأنوار التي ملأت الأقطار بمصنفاتهم التي أحيوا بها الدين وأيدوا سنة سيد المرسلين فقد قال الشيخ محيي الدين النووي في مقدمة شرح المهذب فصل في النهي الأكيد والوعيد الشديد لمن يؤذي أو يبغض الفقهاء والمتفقهين

وروى الخطيب البغدادي عن الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما أنهما قالا إن لم يكن الفقهاء أولياء لله فليس لله ولي وعن ابن عباس رضي الله


202
عنهما من آذى فقيها فقد آذى رسول صلى الله عليه وسلم ومن آذى رسول صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله عز وجل انتهى

ومن نابذ كلامهم فقد عاداهم

وقال النبي صلى الله عليه وسلم قال الله من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ومن رد أقوالهم لأجل توهم أن من حكموا بكفره ولى لشهرة باطلة وكلام مزوق يراد به الإضلال والغرور فمن كمن أصابه داء فوصف له الأطباء العارفون دواء فقال له عامي لا تسمع منهم وخذ هذا فقد قال لي فلان وفلان وعد جماعة مثله أنه نافع فاعتمد على مجرب ولا تعتمد على طبيب

وأمثال هذا من الخرافات فقبل كلامه لكونه قريب الطبع من طبعه فأعطاه سما فتحساه فهلك إلى لعنة الله فإنه لا عبرة بشهرة أصلا إلا شهرة كانت بين أهل العلم 60 الموثوق بهم لأن الاستفاضة والشهرة من العامة لا يوثق بها وقد يكون أصلها التلبيس وأما التواتر فلا يفيد العلم إذا لم ينتبه إلى معلوم محسوس وأما من مدحه فهو أحد رجلين كما مضى عن الفاسي وغيره رجل بلغه زهده وانقطاعه عن الناس ولم يبلغه ما في كلامه من المصائب فالجرح مقدم على ثنائه أو رجل كان يعتقده في الباطن فهو يناضل


203
عن نفسه فلا عبرة به
رأى ابن أيوب في الحلاج وابن عربي

وحدثني الفاضل جمال الدين عبد الله بن الشيخ القدوة زاهد زمانه والمشار إليه بالصلاح والمعارف والورع وحفظ اللسان في أوانه بدمشق الشيخ علي بن أيوب أن أباه الشيخ عليا المذكور كان يجلس في الجامع مطرقا يقيم إحدى رجليه هيئة المستوفز ويضع ذقنه على ركبته فلا يكلم لهيئته فإذا رفع رأسه علم أنه أذن في الكلام فسأله من أراد عما شاء ففعل ذلك يوما فلما رفع رأسه سأله شخص عن ابن عربي هذا فأطرق زمانا طويلا ثم رفع رأسه فقال إنه كفر كفرا ما وافق فيه كفر ملة من الملل بل خرق بكفره إجماع الملل وزاد عليهم

قال الشيخ جمال الدين فحكيت ذلك لبعض من يشار إليه بالعلم والميل إلى ابن عربي فقال والله لو سمع ابن عربي هذا الكلام لقال ما عرفني أحد غير هذا الرجل

قال وسئل والدي أيضا عن الحلاج فقال لا شك أن الحجاج قتل من العلماء خلائق يتعسر حصرهم وشتت شملهم


204
وأبادهم وقتل سعيد بن جبير وأهل الأرض محتاجون إلى علمه وخلعه العلماء وخرجوا عليه وقاتلوه ومع هذا كله لم يقل أحد منهم إنه كافر بل قالوا إنه من عصاة المسلمين لا تحل امرأته لذلك

والحلاج ما تعرض لأحد من أهل العلم بأذى في دنياه وأجمع جميع أهل زمانه منهم على كفره واستباحة دمه فلو كان العلماء يقولون بالهوى لقالوا في الحجاج الذي ما ترك نوعا من الأذى حتى رماهم به فثبت أنهم لا يقولون بالهوى فوجب على الناس اتباعهم وقبول كلامهم وهذا غاية في البيان والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

قال الشيخ الإمام العلامة الحافظ الضابط المتقن المتفنن أستاذ المفسرين نادرة المحدثين برهان دين العالمين أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط ابن علي ابن أبي بكر البقاعي الشافعي نزيل القاهرة المحروسة فرغت من مسودة هذا الكتاب بحمد الهادي للصواب في شوال سنة أربع وستين وثمانمائة والحمد لله وحده

وفرغ من نسخ هذه النسخة المباركة في وقت العصر من يوم الأربعاء من شهر ربيع الآخر من شهور سنة سبع وأربعين وتسعمائة


205
تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد

207

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

الحمد لله الهاد لأركان الجبابرة الشداد القامع لأهل الإلحاد بسيوف السنة الحداد

وأشهد أن لا إله إلا الله المفضل الهاد وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الداعي لسائر العباد إلى سبيل الرشاد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الخيرة الأمجاد وصحابته الأبطال الأنجاد وسلم تسليما يغلب التعداد ويبقى على مر الآباد

وبعد فهذه رسالة سمتيها تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد أنفذتها إلى العباد في جميع البلاد الراغبين في الاستعداد ليوم المعاد بموالاة أهل الوداد وملاواة الأشقياء الأضداد الضالين بنحلة الاتحاد أرجو أن تكون ضامنة للاسعاد يوم التناد فقلت اعلموا أيها الإخوان الذين هم على البر أعوان حفظكم الله ورعاكم وصانكم من كل سوء وحماكم أنه لا يقدم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا من جعل نفسه هدفا للحتوف وتجرع من مر الكلام ما هو أمر من السهام فإن الناهي عن المنكر يعاني الهوان الأكبر بمعاداة كل شيطان من الإنس والجان يقوم عليه الجيلان ويرشقه بسهام الأذى القبيلان شياطين الإنس ظاهرا بالمقال والفعال وشياطين الجن باطنا بما يوحون إليهم من الضلال


208
آيات سلى الله بها نبيه

ولصعوبة المقام وما فيه من الأخطار والآلام سلى الله نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين وقال الله تعالى قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون وقال تعالى كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون وقال تعالى ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون وقال تعالى وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك 63 زين للكافرين ما كانوا يعملون وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون إلى غير ذلك من الآيات والدلالات الواضحات ففي الأنبياء الذين هم أشرف الخلق عليهم أفضل صلى الله عليه وسلم مسلاة لأتباعهم واعتبار بأحوالهم واعتصام وما أتى أحد قط أحدا بمخالفة هواه إلا ساءه وأذاه إلا من عصم الله 87 : 2 أفكلما جاءكم


209
رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون وهؤلاء الذين اتسموا بسمة الاتحاد وقد ألفهم الطغام من الأنام لما غروهم به من إظهار التصوف ليأخذوهم من المأمن وما دروا أن الصوفية أشد الناس تحذيرا منهم وتنفيرا للعباد عنهم
الرأي في سلف الصوفية

فإن المحققين منهم والمحققين بنوا طريقهم على الاقتداء بالكتاب والسنة كما نقل القاضي عياض في أوائل القسم الثاني من الشفاء فيما يجب من حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم عن الحسن رحمه الله أنه قال إن أقواما قالوا يا رسول الله إنا نحب الله فأنزل الله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وعنه أنه قال عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة وعن أبي عثمان الحيري أنه قال من أمر على نفسه السنة قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة وقال سهل ابن عبد الله التستري أصول مذهبنا ثلاثة الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأفعال والأكل من الحلال وإخلاص النية في جميع


210
الأعمال وفي كتب القوم كالرس الة و العوارف من ذلك شيء كثير والشهادة على من قال الحقيقة خلاف الشريعة بالزندقة وأن الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم قاله الجنيد وقال أبو عثمان الحيري خلاف السنة في الظاهر علامة رياء في الباطن وقال النووي من ادعى حالا يخرجه من حد العلم الشرعي فلا تقربن منه وقال الخراز كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل وقال القشيري حكم الوقت فيما ليس لله فيه أمر إذ التضييع لما أمرت به والإحالة على التقدير وعدم المبالاة بما يحصل من التقصير خروج عن الدين وقال السهروردي في قوم تسموا
211
بالملامتية إنهم في غرور يزعمون أن الارتسام بالشريعة رتبة العوام وهذا عين الإلحاد وكل حقيقة ردتها الشريعة فهي زندقة وكذا قال الشيخ 64 عبد القادر الكيلاني وقال القشيري من كان سكره بحظ مشوبا كان صحوه بحظ صحيح مصحوبا ومن كان محقا في حاله كان محفوظا في سكره والعبد في حال سكره يشاهد الحال وفي حال صحوه يشاهد العلم إلا أنه في حال سكره محفوظ لا بتكلفه وفي حال صحوه متحفظ بتصرفه ومن شرط الولي أن يكون محفوظا كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما وإنما نقلت هذه النبذة الماضية من الشفاء ليعلم أن طريق
212
الفقهاء هي طريق الصوفية هذا ما بنى عليه الصوفية أمرهم وأما هؤلاء الذين تشبهوا بهم ونبه العلماء حتى الصوفية على أنهم ليسوا منهم ودلسوا على الناس ولبسوا أحوالهم ليقطعوا الطريق على أهل الله وهم يظهرون أنهم منهم
منابذة الصوفية للعقل والشرع

فأول ما بنوا عليه أمرهم ترك العقل الذي بنى الله أمر هذا الوجود على حكمه بشرط استناده إلى النقل الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله عليهم الصلاة والسلام لئلا يزل العقل بما يغلبه من الفتور والشهوات والحظوظ وجعل العقل حاكما لا يعزل بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات في ملة من الملل وضموا إلى ذلك الداهية الدهياء وهي ترك ما عطر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الكون بمدحه وملأ الوجود بذكر مناقبه وفضائله وهو العلم والشرع


213
وحذروا من اتباع شيء من ذلك غاية التحذير فكانوا كالأنعام بل هم أضل سبيلا وذلك بين جدا في فصوص ابن عربي ونظم تائية ابن الفارض اللذين قصد بهما هدم الشريعة وكل منهما ثابت عمن نسب إليه عند أهله ثبوتا رافعا للريب والتائية متصلة بابن الفارض بالآحاد والتواتر
موقف العلماء من ابن عربي وابن الفارض

وقد كفرهما العلماء بسبب ما نقل عن حالهما وما صدق ذلك من كلامهما

أما ابن عربي فالمتكلمون فيه كثير جدا وكان له علم كثير في فنون كثيرة وله خداع كبير غر به خلقا فأثنى عليه لأجل ذلك ناس من المؤرخين ممن


214
خفي عليهم أمره أطبق العلماء على تكفيره وصار أمرا إجماعيا وأما ابن الفارض فأمره أسهل وذلك أنه لم يوجد لأحد من أهل عصره الخبيرين بحاله ثناء عليه بعدالة ولا ولاية ولا ظهر عنه علم من العلوم الدينية ولا مدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة واحدة على كثرة شعره فدل ذلك على سوء طويته ونقل القدح فيه نقلا قطعيا عن محبيه ومبغضيه فقد قال شراح تائية التابعون لطريقته والمنتقدون عليه من أهل السنة إن أهل زمانه كلهم من أهل الشريعة وأرباب الطريقة رموه بالفسق والإباحة والزندقة 65 على الإجمال
المكفرون لابن الفارض

وأما التفصيل والتعيين فقد رماه بالزندقة بشهادة الكتب الموثوق بها نحو من أربعين عالما وهم دعائم الدين من عصره إلى عصرنا فمن أهل عصره سلطان العلماء عز الدين ابن عبد السلام الشافعي والحافظ الفقيه الأصول تقي الدين ابن الصلاح الشافعي والإمام الفقيه المحدث الصوفي قطب الدين القسطلاني الشافعي والإمام نجم الدين أحمد بن حمدان الحنبلي وشرح التائية وبين


215
عواره فيها بيتا بيتا وأبو علي عمر بن خليل السكوني المالكي والشيخ جمال الدين ابن الحاجب المالكي

وممن يليهم قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد الصوفي الشافعي وقاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز الشافعي وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعي والشرف عيسى الزواوي المالكي والسعد الحارثي الحنبلي والإمام أبو حيان الشافعي وأبو أمامة ابن النقاش الشافعي والحافظ شمس الدين الموصلي الشافعي وشيخ الإسلام تقي الدين السبكي الشافعي وشيخ الفقهاء الزين الكتناني الشافعي والشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي

وممن يليهم الكمال جعفر الأدفوي الشافعي ونقل ذم التائية عن العلماء والبرهان إبراهيم السفاقسي المالكي والشهاب أحمد بن أبي حجلة الحنفي والحافظ شمس الدين الذهبي الشافعي والحافظ عماد الدين ابن كثير الشافعي

وممن يليهم العلامة شمس الدين محمد العيزري الشافعي وشيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني الشافعي وعلامة زمانه علاء الدين محمد البخاري الحنفي الصوفي وكفر بعض من قال بحضرته إن ذلك يؤول وما أنكر عليه أحد ممن كان حاضره من العلماء تكفيره له ولا غيرهم من أهل زمانه من مذهب من المذاهب وما وسع المكفر إلا البراءة من الاتحادية ومذهبهم

وممن يليهم قاضي القضاة ولي الدين العراقي وقاضي القضاة حافظ عصره


216
شهاب الدين أحمد بن حجر الشافعي وقاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي وقاضي القضاة شمس الدين البساطي المالكي وعلامة اليمن بدر الدين حسين ابن الأهدل الشريف الشافعي الصوفي كما شهد بهذا النقل عنهم نحو عشرين كتابا من مصنفاتهم ومصنفات غيرهم من العلماء وهي شرح التائية لابن حمدان وديباجة ديوان ابن الفارض و لحن العوام لابن خليل وتفسير أبي حيان البحر والنهر والفرقان لابن تيمية وقصيدة السفاقسي التي يقول فيها

وكالششتري القونوي ابن فارض

فلا برد الله ثراهم ولا أسقى

والقونوي الذي ذكره

صدر الدين 66 صاحب ابن عربي وكتاب ابن أبي حجلة والميزان ولسانه لابن حجر والتاريخ لابن كثير بخطه وناصحة الموحدين للعلاء البخاري والفتاوي المكية للعراقي وتاريخ العينى وشرح التائية للبساطي وكشف الغطاء لابن الأهدل فهذه ستة عشر كتابا وقصيدة شهدت بكفره من بضع وعشرين عالما هم أعيان كل عصر

موقف شيوخ المذاهب من ابن الفارض

وممن كفره قاضي القضاة سعد الدين الديري الحنفي وقاضي القضاة محقق زمانه شمس الدين القاياتي ونادرة وقته عز الدين بن عبد السلام القدسي الشافعي والعلامة علاء الدين القلقشندي الشافعي والشيخ يحيى العجيسي المالكي والعلامة


217
شمس الدين البلاطنيسي الشافعي شيخ الشاميين في وقته وشيخ الإسلام عبد الأول السمرقندي الحنفي ابن صاحب الهداية والعلامة الصوفي كمال الدين ابن إمام الكاملية الشافعي والعلامة شهاب الدين ابن قر الشافعي والعلامة أبو القاسم النويري المالكي كما شهد بذلك الثقات من أصحابهم

فهؤلاء أعيان العلماء في عصر ابن الفارض وفي كل عصر أتى بعده طبقة بعد طبقة إلى وقتنا هذا وقد اجتمع فيهم أهل المذاهب الأربعة التي هي عمدة الإسلام فشهادة هؤلاء العلماء الموثوق بهم حجة على من قال بكفره أما من لم ندركه فبشهادة الكتب الموثوق بصحة نسبتها إلى قائليها وأما من أدركناه فبشهادة الكتب في بعضهم وشهادة الثقاة في باقيهم هذا إلى ما شهدت به شروح التأئية كما يأتي

تواتر نسبة ابن الفارض إلى الكفر

فقد صارت نسبة العلماء له إلى الكفر متواترة تواترا معنويا وقد علم بهذا عذر من كفره لو لم يكن له سند غير هذا فكيف وقد تأيد هذا بما في كلامه وكلام ابن عربي من الطامات التي منها منابذة العقل والشرع كما مضى


218
الضلال عند الصوفية خير من الهدى

أما ما في الفصوص من ذلك فقد قال في الفص النوحي في أثناء تحريفه لسورة نوح عليه السلام التحريف الذي يكفر الإنسان بأدنى شيء فيه وقد أضلوا كثيرا أي حيروهم في تعداد الواحد ولا تزد الظالمين المصطفين الذين أورثوا الكتاب فهم أول الثلاثة إلا ضلالا إلا حيرة فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب فلا يبرح منه وصاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود طالب ما هو فيه صاحب خيال إليه غايته وله من و إلى وما بينهما وصاحب الحركة الدورية لا بدء له فيلزمه من ولا غاية له فيحكم عليه إلى فله الوجود الأتم وهو المؤتى جوامع الكلم والحكم وقال 22 : 71 ومكروا مكرا كبارا لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو لأنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية ادعوا إلى الله فهذا 67 عين المكر

رب ابن الفارض أنثى

وأما ما في التائية من ذلك فقال فيها مخاطبا لله تعالى كما أجمع عليه شراحه بضمير المؤنث من أولها إلى آخرها وهي نحو سبعمائة بيت ولو خاطب أحد من أهل الزمان غيره بمثل ذلك قاتله لكن الناس لا يحلمون إلا عند حقوق مولاهم سبحانه وأما في حقوقهم فهم في غاية الحدة والمشاححة والله الهادي


219
تفضيل الزنديق نفسه على الرسل

قال

وحزني ما يعقوب بث أقله

وكل بلا أيوب بعض بليتي

فضله الشارع على من ذكر في البيت كما هو ظاهر العبارة وعلل ذلك بقوله لقوة استعداده فسار في خطوة واحدة مالا يستطيعه غيره إلا في أزمنة طوال

وقال القاضي عياض في أواخر الشفاء من قال صبرت كصبر أيوب إن دريء عنه القتل لم يسلم من عظيم النكال وأقول فكيف إذا فضل نفسه وكذب نحو قوله صلى الله عليه وسلم أشد الناس بلاء الأنبياء

الخلاعة سنة ابن الفارض

قال

وخلع عذارى فيك فرضي وإن أبى اقترابي

قومي والخلاعة سنتي

وليسوا بقومي ما استعابوا تهتكي

فأبدوا قلى واستحسنوا فيك جفوتي

وأهلي في دين الهوى أهله وقد

رضوا لي عاري واستطابوا فضيحتي

فمن شاء فليغضب سواك فلا أذى

إذا رضيت عني كرام عشيرتي

220

ذللت بها في الحي حتى وجدتني

وأدنى منال عندهم فوق همتي

وأخملني وهنا خضوعي لهم فلم

يروني هوانا بي محلا لخدمتي

ومن درجات العز أمسيت مخلدا

إلى دركات الذل من بعد نخوتي

فلا باب لي يغشى ولا جاه يرتجى

ولا جار لي يحمي لفقد حميتي

كأن لم أكن فيهم خطيرا ولم أزل

لديهم حقيرا في رخائي وشدتي

فحالي بها حال بعقل مدلة

وصحة مجهود وعز مذلة

أسرت تمني وصلها النفس حيث لا

رقيب حجا سرا لسري وخصت

يغالط بعض عنه بعضي صيانة

وميني في إخفائه صدق لهجتي

أجمع شراح التائية على أن المراد بالأبيات التسعة الأولى أن طريقة هتك أستار الحرمة والخرق في بعض النواميس الإلهية وتخليته الناس مع ربهم من غير أمر بمعروف ولا نهي عن منكر ورضاه بكل ما يقع منهم لشهوده الأفعال


221
كلها الواحد الحقيقي الظاهر في صور الكثرات وعدم الالتفات إلى المترسمين من الزهاد العباد وكسر نواميسهم والرد عليهم وعدم التقييد بظواهر العلوم والاعتقادات فحملهم ذلك على أن رموه بالفسق والبدعة والكفر والإباحة والزندقة والخروج عن طريقهم فذل بين حي أهل الشريعة والطريقة وأجمعوا على أن المراد من الثلاثة 68 الأخرى أن نفسه أسرت تمني الوصل وتحققها بحقيقته حتى غاب عنها رقيب العقل خوفا من اطلاعه على ذلك فيغلب عليه حكم التنزيه فيقوم بالمنع والتشنيع فيقول ما للراب ورب الأرباب وأنه بالغ في الإخفاء خوفا من أن يتنبه العقل فيقوم يشنع وينكر فصار كل واحد من الصفات يغالط الآخر وكذبه في هذا صدق لهجته

وقال بعد ذلك بكثير

ولا استيقظت عين الرقيب ولم تزل

علي بها في الحب عيني رقيبتي

قال التلمساني يعني لما سكرت روحي ونامت عين الرقيب وهو الشرع والعقل أقمت عيني رقيبة علي لرعاية آداب حضرة المحبوبة

ذمه للرسل وللشرائع

وقال في ذم الشرع أيضا


222

منحتك علما إن ترد كشفه فرد

سبيلي واشرع في اتباع شريعتي

فنبع صداء من شراب نقيعه

لدي فدعني من سراب بقيعة

ودونك بحرا خضته وقف الأولى

بساحله صونا لموضع حرمتي

قال الشراح إن معنى ذلك أنه منح أتباعه علما كماء صداء وهو ماء يضرب به المثل في الغزارة والعذوبة ونهى عن متابعة غيره من علماء الظاهر من الأصوليين والفلاسفة والفقهاء وغيرهم من أهل العلوم الفكرية فإنها تغر السامع وهي كسراب بقيعة ليست شيئا وأنه خاض بحر التوحيد وأخرج منه ما لم ينله أحد من السابقين من الأنبياء والأولياء لوقوفهم في ساحل ذلك البحر لأجل حفظ حرمته ثم خادعوا بأن قالوا قال هذا على لسان الحضرة المحمدية إذ كمال التوحيد مختص بمقام جمعه والكمل والتابعين إياه انتهى

وقد وقع من شرحه بذلك مع الحيدة عما لا محيد عنه في الكفر من


223
جهة أخرى وهي أنه يلزم منه تفضيل أتباع النبي صلى الله عليه وسلم على الأنبياء الماضين عليهم السلام
يفضل أتباعه على الرسل وزندقته على شرعة الله

ومن نمطه لكونه لا ينفك عن كفر قوله عقبه

وأصغر أتباعي على عين قلبه

عرائس أبكار المعارف زفت

فإن سيل عن معنى أتي بغرائب

من الفهم جلت أو عن الوهم دقت

فإنه لا يصح على لسانه ولا لسان غيره

ثم قال في ذم الشرع والعلم

ولاتك ممن طيشته دروسه

بحيث استقلت عقله واستفزت

فثم وراء النقل علم يدق عن

مدارك غايات العقول السليمة

تلقيته مني وعني أخذته

ونفسي كانت من عطائي ممدتي

224

قالوا في معناه لا يستخفنك كثرة دروس العلوم النقلية فوراءها علم مكنون أخذت ظاهره من حسي وباطنه من عقلي وسره من روحي ومكنونه من سري من حيث أن كل واحد منها عيني وذاتي ولا وصف ولا نعت زائد علي حاكم بمغايرتي وغيريتي إياها فكنت المعطي وكنت المعطى وكنت الممد وكنت المستمد والفاعل والقابل

هذا أمرهم 69 في الانسلاخ من العقل

الصلة بين التصوف والنصرانية

وقد شهد عليهم العلماء بذلك قال العلامة قاضي القضاة شمس الدين البساطي في أول كتاب له في أصول الدين في المسألة السادسة من الكتاب الثاني في أنه سبحانه ليس متحدا بشيء واعلم أن هذه الضلالة المستحيلة في العقول سرت في جماعة من المسلمين نشأوا في الابتداء على الزهد والعبادة إلى أن قال ولهم في ذلك أي الاتحاد بالمعنى الذي قالته النصارى كلمات يعسر تأويلها بل منها ما لا يقبل التأويل ولهم في التأويل خلط وخبط كلما أرادوا أن يقربوا من المعقول ازدادوا بعدا حتى أنهم استنبطوا قضية حلت لهم الراحة وقنعوا في مغالطة الضرورة بها بالمغيب وهي أن ما هم فيه ويزعمونه وراء طور العقل وأنه بالوجدان يحصل ومن نازعهم محجوب مطرود عن الأسرار الإلهية وهكذا قال الشيخ سعد الدين في شرح المقاصد والشريف في شرح المواقف

ادعاؤه الربوبية

ولما تمهد له في زعمه ادعى أنه الله عنادا لقوله تعالى 17 : 5 لقد كفر


225
الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقوله تعالى 31 : 9 اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وقوله تعالى 31 : 19 هل تعلم له سميا ولأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتاله لكل من سمى شيئا غير الله إلها فقال شعر

فبي دارت الأفلاك فأعجب لقطبها

المحيط بها والقطب مركز نقطتي

226

فمن قال أو من طال أو صال إنما

يمن بإمدادي له برقيقة

وما سار فوق الماء أو طار في الهوا

أو اخترق النيران إلا بهمتي

وعني من أمددته برقيقة

تصرف عن مجموعة في دقيقة

ومني لو قامت بميت لطيفة

لردت إليه نفسه وأعيدت

ولا تحسبن الأمر عني خارجا

فما ساد إلا داخل في عبودتي

فلا حي إلا عن حياتي حياته

وطوع مرادي كل نفس مريدة

ولولاي لم يوجد وجود ولم يكن

شهود ولم تعهد عهود بذمة

ولا قائل إلا بلفظي محدث

ولا ناظر إلا بناظر مقلتي

هذا لا يصح كونه عنه ولا عن الله

زعمه أن صفات الله عين صفاته

ويقول أيضا أن الله يتحد به بحيث يصير الذاتان ذاتا واحدة فمن ذلك قوله

ولا منصت إلا بسمعي سامع

ولا باطش إلا بأزلي وشدتي

ولا ناطق غيري ولا ناظر ولا

سميع سوائي من جميع الخليقة

227

وهأنا أبدي في اتحادي مبدئي

وأنهي انتهائي في تواضع رفعتي

جلت في تجليها الوجود لناظري

ففي كل مرئي أراها برؤية

وأشهدت غيبي إذ بدت فوجدتني

هنالك إياها بجلوة خلوتي

فوصفي إذ لم تدع باثنين وصفها

وهيئتها إذ واحد نحن هيئتي

228

فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن

منادى أجابت من دعاني ولبت

وإن نطقت كنت المناجى كذاك إن

قصصت حديثا إنما هي قصت

فقد رفعت تاء المخاطب بيننا

وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي

فإن لم يجوز رؤية اثنين واحدا

حجاك ولم يثبت لبعد تثبت

سأجلو إشارات عليك خفية

بها كعبارات لديك جلية

وأثبت بالبرهان قولي ضاربا

مثال محق والحقيقة عمدتي

بمتبوعة ينبيك في الصرع غيرها

على فمها في مسها حين جنت

ومن لغة تبدو بغير لسانها

عليه براهين الأدلة صحت

وفي العلم حقا أن مبدي غريب ما

سمعت سواها وهي في الحس أبدت

229

قال الإمام شمس الدين البساطي في شرح هذه الأبيات ومن ظن هذا برهانا فجنونه أعظم من جنون المتبوعة وقال قبل ذلك

زعمه أن الله سبحانه يصلي له

ولا غرو أن صلى الأنام إلى أن

ثوت بفؤادي وهي قبلة قبلتي

لها صلواتي بالمقام أقيمها

وأشهد فيها أنها لي صلت

كلانا مصل واحد ساجد إلى

حقيقته بالجمع في كل سجدة

وما كان لي صلى سواي ولم تكن

صلاتي لغيري في أدا كل ركعة

ثم قال بعد ذلك وفارق ضلال الفرق فالجمع منتج

هدى فرقة بالاتحاد تحدت

230
رب الصوفية في صور العاشقات

وصرح بإطلاق الجمال ولا تقل

بتقييده ميلا لزخرف زينة

بها قيس لبنى هام بل كل عاشق

كمجنون ليلى أو كثير عزة

فكل صبا منهم إلى وصف لبسها

بصورة حسن لاح في حسن صورة

وما ذاك إلا أن بدت بمظاهر

فظنوا سواها وهي فيها تجلت

ففي النشأة الأولى تراءت لآدم

بمظهر حوا قبل حكم الأمومة

فهام بها كيما يصير بها أبا

ويظهر بالزوجين سر النبوة

انظر إلى هذا التجاسر مع الكفر على صفي الله آدم عليه السلام في وصفه


231
بالهيام بالذات الأقدمين كما لا يخفى ولما لا يخفى

وما برحت تبدو وتخفى لعله

على حسب الأوقات في كل حقبة

وتظهر للعشاق في كل مظهر

من اللبس في أشكال حسن بديعة

ففي مرة لبنى وأخرى بثينة

وأونة تدعى بعزة عزت

ولسن سواها لا ولا كن غيرها

وما إن لها في حسنها من شريكة

كذاك بحكم الاتحاد لحسنها

كما لي بدت في غيرها وتزيت

بدوت لها في كل صب متيم

بأي بديع حسنه وبأيت

وليسوا بغيري في الهوى لتقدم

علي بسبق في الليالي القديمة

وما القوم غيري في هواي وإنما

ظهرت بهم للبس في كل هيئة

232

ففي مرة قيسا وأخرى كثيرا

وآونة أبدو جميل بثينة 71

تجليت فيهم ظاهرا واحتجبت

باطنا بهم فاعجب لكشف بسترة

وهن وهم لا وهن وهم مظاهر

لنا بتجلينا بحب ونضرة

فكل فتى حب أنا هو وهي

حب كل فتى والكل أسماء لبسة

أسام بها كنت المسمى حقيقة

وكنت لي البادي بنفس تخضت

وما زلت إياها وإياي لم تزل

ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت

وليس معي في الملك شئ سواي

والمعية لم تخطر على ألمعيتي

233

فهذا ظاهر في إرادة الاتحاد بحيث أن الذاتين تكونان ذاتا واحدة لا شبهة فيه أصلا

ثباته على اعتقاد الوحدة

ثم قال في إثباته ونفي الحلول

رجعت لأعمال العبادة عادة

وأعددت أحوال الإرادة عدتي

وعذت بنسكي بعد هتكي وعدت من

خلاعة بسطي لانقباض بعفتي

وصمت نهاري رغبة في مثوبة

وأحييت ليلي رهبة من عقوبة

وعمرت أوقاتي بورد لوارد

وصمت لسمت واعتكاف لحرمة

وبنت عن الأوطان هجران قاطع

مواصلة الأحباب واخترت عزلتي

ودققت فكري في الحلال تورعا

وراعيت في إصلاح قوتي وقوتي

وأنفقت من يسر القناعة راضيا

من العيش في الدنيا بأيسر بلغة

وهذبت نفسي بالرياضة ذاهبا

إلى كشف ما حجب العوائد غطت

وجردت في التجريد عزمي تزهدا

وآثرت في نسكي استجابة دعوتي

متى حلت عن قولي أنا هي أو أقل

وحاشا لمثلي أنها في حلت

جميع هذه الأفعال التي هي محاسن الشريعة جعلها نقائض ودعا على نفسه بها إن ادعى الحلول أو حال عن دعوى الاتحاد


234
استدلاله على زندقته

ثم قال بعد هذا بكثير في أواخر القصيدة دالا على مذهبه فيما زعم

وجاء حديث في اتحادي ثابت

روايته في النقل غير ضعيفة

يشير بحب الحق بعد تقرب

إليه بنفل أو أداء فريضة

وموضع تنبيه الإشارة ظاهر

بكنت له سمعا كنور الظهيرة

قال شارحه إن الحب ميل باطني أثره رفع امتياز المحب والمحبوب ورفع ما بينهما والمحب عين الحضرة الإلهية والمحبوب ظهور كماله الذاتي والأسمائي ولن يصح لقبول هذا الظهور المحبوب منصة إلا الحقيقة الإنسانية صورة ومعنى لكمال جمعيتها وتتميمها دائرة الأزلية والأبدية والحديث المشير بهذا الاتحاد لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ولسانا ورجلا وعبارة التلمساني في مقدمة شرحه نص


235
في المراد وهي فالسمع والبصر وغيرهما من الصفات في أي موصوف كان هو الله حقيقة وسيأتي كلام القشيري 72 والسهروردي أن هذا زندقة وساق ابن الفارض بعد الأبيات الماضية ما زعم أنه يدل على دعواه الاتحاد وأنه إذا دل على ذلك انتفى الحلول فقال

ولست على غيب أحيلك لا ولا

على مستحيل موجب سلب حليتي

وكيف وباسم الحق ظل تحققي

تكون أراجيف الضلال مخيفتي

وها دحية وافى الأمين نبينا

بصورته في بدء وحي النبوة

236

أجبريل قل لي كان دحية إذ بدا

لمهدي الهدى في هيئة بشرية

وفي علمه عن حاضريه مزية

بماهية المرئي من غير مرية

يرى ملكا يوحى إليه وغيره

يرى رجلا يرعى لديه لصحبة

ولي من أصح الرؤيتين إشارة

تنزه عن رأي الحلول عقيدتي
يدين بتلبس الله بصورة خلقه

قالوا إن المراد كما هو ظاهر جدا أن جبريل عليه السلام ظهر في صورة دحية من غير حلول فيه ولأجل ظهوره كذلك ادعى أن الله تعالى تجلى بصورة الناظم لم يدع حلوله فيه


237

قال البساطي لكن دعوى تجلى الله بصورة ما مكفر بها شرعا بإجماع المسلمين والكافرين من آمن به وإن لم يكن حلولا

ثم قال دالا على أن ما قاله بزعمه في الكتاب والسنة

وفي الذكر ذكر اللبس ليس بمنكر

ولم أعد عن حكمي كتاب وسنة

وشرحه الشراح كلهم بقوله تعالى في الكتاب العزيز 30 : 28 نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله


238
وقوله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
239

وقوله تعالى يد الله فوق أيديهم وفي السنة حديث الإتيان في الصورة التي تنكر يوم القيامة ثم في الصورة التي تعرف

ثم قال فعلم أنه تعالى يتلبس بأي لباس صورة شاء مما يعرف ومما ينكر من غير حلول فكان ظهوره بصورتي جائزا من غير حلول فصح بهذا دعوى اتحادي مع نفي الحلول

انتهى وليس وراءه تصريح بالكفر

نسأل الله العافية

وقالوا في شرح البيت الثاني إن الحق من أسماء الذات ومن اتصف بأسماء


240
الذات أعلى ممن اتصف بأسماء الصفات وقد أخبر عن اتصافه باسم الحق وهو الثابت بذاته المثبت لغيره فلا يمكن أن يتغير عما ذهب إليه
رأى القشيري والسهروردي

وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري في شرحه للأسماء الحسنى إن العبد لا يجوز أن يتصف بصفات ذات الحق كما زعم بعضهم أن العبد يكون باقيا ببقاء الحق سميعا بسمعه بصيرا ببصره وهذا خروج عن الدين وانسلاخ عن الإسلام بالكلية وهذه البدعة أشنع من قول النصارى إن الكلمة القديمة اتحدت بذات عيسى عليه السلام وهي توازي قوله 73 الحلولية

وقال السهروردي في الباب الحادي والستين من عوارفه في الكلام على المحبة ما حاصله إن المحبة التخلق بأخلاق الله ومن ظن من الوصول غير ما ذكرنا أو تخايل له غير هذا القدر فهو متعرض لمذهب النصارى في اللاهوت والناسوت وقال علم البقاء والفناء يدور على إخلاص الوحدانية وصحة العبودية وما كان غير هذا فهو من المغاليط والزندقة

وحدة الأديان عند ابن الفارض

وعلى هذا الأصل المخبث الخبيث وهو الاتحاد بين جميع الكائنات


241
وأنه لا غير ولا غيريه في شئ من الوجود فرع صحة كل دين لأن الفاعل عنده إنما هو الله فأبطل دين الإسلام القائل بأن كل ما عداه باطل فصار المحامي له خاذلا لمن ينصره فإن من كفر ابن الفارض ساع جهده في نصر دين الإسلام وتأييد النبي صلى الله عليه وسلم وأغلب المحامين له يعتقدون أن دين الإسلام القائل بضلال ما عداه هو الحق ويسعون في نصر من يصوب كل ملة ويصحح كل نحلة وهم لا يشعرون أنه قال في تصويب جميع الأباطيل شعر
شعره في وحدة الأديان

وإن عبد النار المجوس وما انطفت

كما جاء في الأخبار من ألف حجة

فما عبدوا غيرية وإن كان قصدهم

سواي وإن لم يعقدوا عقد نيتي

رأوا ضوء نورى مرة فتوهموه

نارا فضلوا في الهدى بالأشعة

وإن خر للأحجار في البد عاكف

فلا وجه للإنكار بالعصبية

فقد عبد الدينار معنى منزه

عن العار بالإشراك بالوثنية

242

وإن نار بالتنزيل محراب مسجد

فما بار بالإنجيل هيكل بيعة

وأسفار توراة الكليم لقومه

يناجي بها الأحبار في كل ليلة

وما احتار من للشمس عن غرة صبا

وإشراقها من نور إسفار غرتي

وقد بلغ الإنذار عني من بغى

وقامت بي الأعذار في كل فرقة

فما زاغت الأبصار من كل ملة

ولا راغت الأفكار في كل نحلة

قال شراحه إنه مهد في هذه الأبيات أعذار كل فرقة وأن كل صاحب ملة ونحلة وإن بطل سعيه على نصيب من الهدى فعباد النار غير مؤاخذين من جميع الوجوه بل من وجه دون وجه ولا لوم على أحد بل لكل واحد وجه ومحمل خير يحمل عليه فكل يعمل على شاكلته وكذا عابد الأصنام

قالوا لا تنكر عليه فإن أنكرت لم يكن إنكارك إلا تعصبا لأنك لا تنكر على المقبل على الدنيا مع أنه أقوى شركا من عابد الصنم وقالوا كما أن القرآن نور المساجد فكذلك الإنجيل نور المعابد وقالوا نحو هذا في التوراة وفي عابد الشمس إنه بإثباته عين الألوهية لم يكن ناقصا فقام له عذر من وجه من الوجوه وذلك كاف للكريم ولا يقول بشئ من هذا مسلم

معاندته للتوحيد الحق

وقد عاند التوحيد الحق في قوله


243

ولو أنني وحدت ألحدت وانسلخت

من آي جمعي مشركا بي صنعتي

قالوا في شرحه لو أنني أثبت وحدة الذات الحق المطلوب المحبوب ونفيت كثرة نسبه عنه كما أثبتت ونفت المنزهة وبعض الفلاسفة لكنت مائلا عن سنن الاستقامة لأني أثبت لنفسي وغيري وجودا يقابل وجود الحق وهذا عين الإلحاد والشرك فليس وراء هذا كفر فإن كان هذا مما يفهمه المنازع كما يفهم الذاب عن الشارع فقد علم منابذته لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وإن كان لا يفهمه ويدعي أن له معنى حسنا فيكفيه أنه يخوض بالجهل فيما هو أخطر الأشياء وهو أصول الدين الذي في الزلة فيه ذهاب الروح والدين وهو معاند بمنازعته لقوله تعالى 66 : 3 هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون 33 : 7 قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها


244
وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون 36 : 17 ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا

ويكون تابعا لمجرد العصبية وحمية الجاهلية مع أنك لا تجد من يحامي عنه إلا منهمكا في الفسوق والبغي والعقوق أو قريبا منه تبعا له في قوله

دعوته إلى المجون

وينبيك عن شأني الوليد وإن نشأ

بليدا بإلهام كوحي وفطنة

ويعرب عن حال السماع بحاله

فيثبت للرقص انتفاء النقيصة

ولا تك باللاهي عن اللهو جملة

فهزل الملاهي جد نفس مجدة

وإياك والإعراض عن كل صورة

مموهة أو حالة مستحيلة

قالوا في شرحه إن الطفل يبين بحاله من الإصغاء إلى المناغي عن حال أهل السماع والرقص فيثبت بهذا انتفاء النقص خلافا لما قاله المحجوبون ولما كان سماع الطفل ورقصه بريا عن الشهوة والرئاء كان معربا عن صحة حال سماع الواجدين ورقصهم وهزل الملاهي جد نفس مجدة فلا تكن غافلا


245
عنه فإنه فائض من الأسماء الإلهية وما يفيض عن الحق إلا ما هو حق لا باطل
الباطل إله الصوفية

ولذلك قال ابن عربي لا تنكر الباطل في طوره فإنه بعض ظهوراته فقد أفاد هذا أنهم يعتقدون أن الباطل هو الله ولو لم يكن في هذا إلا أنه يدعو إلى البطالة والخلاعة والضلالة لكان كافيا في استهجانه 75 ومنابذته للدين

وقد نقل شيخنا حافظ العصر ابن حجر في لسان الميزان أنه كان لهذا الناظم جوار في البهنسة موظفات للغناء والضرب بآلات الملاهي وكلما ماتت واحدة منهن اشترى بدلها أخرى وكان يذهب إليهن في بعض الأوقات فيسمعهن ويرقص على غنائهن ويرجع

المناضل عن ابن الفارض

فالمناضل عنه مسارع إلى شكله ومضارع لمن كان فعله كفعله كما قال علي


246
رضي الله عنه بعد قدومه الكوفة بثلاثة أيام قد عرفنا خياركم من شراركم قالوا كيف ومالك عندنا إلا ثلاثة أيام قال كان معنا خيار وشرار فانضم خيارنا إلى خياركم وشرارنا إلى شراركم وحديث الأرواح جنود مجندة الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أعدل شاهد لذلك ويتعين على كل مسلم إنكار ما أنكره الشرع من مثل هذا
قوله يوجب إراقة دمه

وقد اعترف هو أن ما قاله موجب لإراقة الدم وأنه قاله في الصحو والإفاقة لا في السكر والجذبة فقال

وثم أمور تم لي كشف سترها

بصحو مفيق عن سواي تغطت

بها لم يبح من لم يبح دمه وفي الإشارة

معنى ما العبارة حدت

قالوا في شرحه أي انكشفت لي أمور وأسرار بواسطة الصحو الذي حصل لي بعد السكر والإفاقة وهي متغطية عن غيري من المحجوبين ولم يظهر تلك الأسرار إلا من أباح دمه للمحجوبين فإنهم يقتلون العارفين الذين باحوا بأسرار التوحيد وصرح بأن ما بقوله حقيقة لا مجاز فقال

عليها مجازي سلامي فإنما

حقيقته مني علي تحيتي

247

قال الشراح أي على حضرة المحبوبة سلامي في قولي التحيات إلى آخره مجاز لأنها عيني لا غيري فحقيقة السلام مني وإلي وقد مثلوا كون التشخص مجازيا والإطلاق حقيقيا بأن الروح الكلي الذي هو الإله عندهم كالبحر والأشخاص الناشئة منه مثل البخار الصاعد من صورته البخارية ثم في صورة السحابية ثم يرجع إلى الماء ويختلط بالبحر فيصير إياه وهو بخار وسحاب حقيقة وتلك الصورة العارضة مجاز

فأين هذا الانهماك في اللذة قولا وفعلا والانقياد للهوى عقدا وحلا من رتبة الولاية التي يدعيها المتعصبون له التي من شرطها الإعراض عن الانهماك في اللذات الدنيوية ومن رتبة الولاية التي يدعيها هو


248

ومن هنا تعلم أنهم لا أرضوه ولا أرضوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا أحدا من المؤمنين فإنه هو لا يرضى إلا أن يكون خليعا وهم يقولون متقيد وهو يقول إن ما قاله مبيح للدم وهم يقولون لا يبيحه وهو يقول إنه عاقل صاح وهم يقولون مجنون 76 سكران وهو يقول إن ما قاله حقيقة وهم يقولون مجازا ولا يقدرون على تخريجه على المجاز وهو لا يرضى إلا أن يكون هو الله وينهى عن ذكره بغير لماذا يزجر عن تكنيته بكنية أو تلقيبه بلقب

وألغ الكنى عني ولا تلغ ألكنا

بها فهي من آثار صيغة صنعتي

وعن لقبي بالعارف ارجع فإن ترى

التنابذ بالألقاب في الذكر تمقت

قال شراحها أي أسقط الكنى عني ولا تستعمل اللغو في إطلاقها على حال كونك عييا عن الكلام في تعريف مقامي فإنها من آثار مصنوعاتي إذ الإنسان صاغها وهو من جملة مصنوعاتي التي أوجدتها وارجع عن إطلاقك علي اسم العارف لاتحادي بذات من لا يطلق عليه هذا الاسم

فلم يدع جهدا في زجرهم عن تسميته بالعارف ولم يدع النبي صلى الله عليه وسلم لبسا في أمرهم بتكفيره وهم يعصون كلا من الأمرين


249
ولا يرجعون عن شئ من المنهيين فيا خسارتهم بما ضروا به أنفسهم فيما لا ينفعهم كما قال تعالى فيمن يعبد الله على حرف يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير
زعمه أنه عرج إلى السماء

وادعى العروج إلى الله والوصول إلى مقام أو أدنى فقال

و من أنا إياها إلى حيث لا إلى
عرجت وعطرت الوجود برجعتي

قالوا في شرحه عرجت من مقام أنا إياها وهو ابتداء الاتحاد ومن قولهم أنا الحق ولا إله إلا أنا فاعبدني إلى أن وصلت إلى مقام لا نهاية فيه وعطر الوجود برجوعه لاتصافه بصفات الرحمن واتحاده بذات الملك الديان


250

والبيت الذي بعده أشد كفرا ثم قال

ولى عن مفيض الجمع عند سلامه

علي بأو أدنى إشارة نسبة

قالوا في شرحه إنه لما فنى في النبي صلى الله عليه وسلم ثم بقي به حصة بمشاركته في قبول عين السلام من حيث عين ذلك المقام وهو مقام أو أدنى


251
فإنه جل جناب هذا المقام من أن يطلع عليه إلا واحد بعد واحد فالواحد السابق هو صلى الله عليه وسلم والواحد اللاحق به أنا إن شاء الله تعالى من جهة غرقي في لجيته انتهى

وقال عياض في أواخر الشفاء وكذلك أي يكفر من ادعى مجالسة الله تعالى والعروج إليه ومكالمته أوحلوله في أحد الأشخاص كقول بعض المتصوفة

لا شئ على من يكفر ابن الفارض

وأما من أنكر عليه لأمثال ما رأيته من الألفاظ الصريحة بالنص في الكفر فلا شئ عليه بإجماع المسلمين بقاعدة من كفر مسلما متأولا فلا أضل ممن ترك طريقا مضمون السلامة واتبع طريقا أخف أحواله أنه مظنون العطب والملامة 77 ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح على تقدير تسليم أن يكون لهم فيما هم فيه مصلحة وليس فيه والله مصلحة بوجه فقد اعترف كل من يحامي له أن ظاهر كلامه منابذ للكتاب والسنة وإلا لما احتاجوا إلى ادعاء تأويله مع أن الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي ما سلك فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجه قد أنكر التأويل لغير كلام المعصوم ومنع منه رضي الله عنه وأرضاه وأهلك كل


252
من خالفه وأرداه وبسيف الشرع قتله وأخزاه فقال فيما رواه عنه البخاري في كتاب الشهادات من صحيحه إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر خيرا أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته شئ والله يحاسبه في سريرته

ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة

وقد أخذ هذا الأثر الصوفية وأصلوا عليه طريقهم

منهم صاحب العوارف استشهد به في عوارفه وجعله من أعظم معارفه فمن خالف الفاروق رضي الله عنه كان أخف أحواله أن يكون رافضيا خبيثا وأثقلها أن يكون كفارا عنيدا وهذا الذي سماه الفاروق رضي الله عنه ظاهرا هو الذي يعرف في لسان المتشرعة بالصريح وهو ما قابل النص والكناية والتعريض وقد تبع الفاروق رضي الله على ذلك بعد الصوفية سائر العلماء لم يخالف منهم أحد كما نقله إمام الحرمين عن الأصوليين كافة وتبعه الغزالي وتبعهما الناس

وقال الحافظ زين الدين العراقي أنه أجمع عليه الأمة من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل الاجتهاد الصحيح وكذا قال الإمام أبو عمر وابن عبد البر في التمهيدوأصله إمامنا الشافعي رضي الله عنه في كتاب


253
الرسالة لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنكم تختصمون إلي ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته فأقضي له الحديث رواه الستة عن أم سلمة رضي الله عنها في أمثال كثيرة وقال الأصوليون كافة التأويل إن كان لغير دليل كان لعبا وما ينسب إلى بعض المذاهب من تأويل ما هو ظاهر في الكفر فكذب أو غلط منشؤه سوء الفهم كما بينت ذلك بيانا شافيا في غير هذه الرسالة وإنما أولنا كلام المعصوم لأنه لا يجوز عليه الخطأ وأما غيره فيجوز عليه الخطأ سهوا وعمدا
المتوقف في تكفير الصوفية

ولا يسع أحدا أن يقول أنا واقف أو ساكت لا أثبت ولا أنفي لأن ذلك يقتضي الكفر لأن الكافر من أنكر ما علم من الدين بالضرورة

ومن شك في كفر مثل هذا كفر 78 ولهذا قال ابن المقري في مختصر الروضة من شك في اليهود والنصارى وطائفة ابن عربي فهو كافر

وحكى القاضي عياض في الباب الثاني من القسم الرابع من الشفاء الإجماع على كفر من لم يكفر أحدا من النصارى واليهود وكل من فارق


254
دين المسلمين أو وقف في تكفيرهم أو شك قال القاضي أبو بكر لأن التوقيف والإجماع اتفقا على كفرهم فمن وقف في ذلك فقد كذب النص أو التوقيف أو شك فيه والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر انتهى

وقال الإمام حافظ الدين النسفي في كتابه العمدة في أصول الدين التوقف باطل لاقتضائه الشك والشك فيما يفترض اعتقاده كالإنكار ومن العجب أنهم يعاندوننا لأننا لا نؤول لمن يجوز عليه الزلل وينصرون من يتعصبون له وهو لا يؤول المتشابه من كلام المعصوم بل يجريه على ظاهره خلافا لإجماع الأمة مع تأدية ذلك إلى إبطال الشرع ويدعون


255
الإسلام فما أحقهم بقوله تعالى فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل له فلن تجد له سبيلا ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء إلى هذا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام حملة شريعته من الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم دعونا 22 : 41 ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين
الرأي في شعر ابن الفارض

وأما المحامون له فإنهم داعون إلى شاعر لم يؤثر عنه قط شئ غير ديوان شعر لم يمدح النبي صلى الله عليه وسلم فيه بقصيدة واحدة بل هو كفر وضلالة وخلاعة وبطالة وقد علم ذم الله وذم رسوله صلى الله عليه وسلم للشعر والشعراء إذا كان حالهم مثل هذا كما قال تعالى والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه الستة عن ابن عمر رضي الله عنهما لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا وذلك إذا انفرد بالشعر


256
كهذا الرجل فإنه ليس له شئ ينفع الدين أصلا وليس له من الشعر إلا ما عادى به الإسلام وأهله وأذاهم غاية الأذى وأوقع به بينهم العداوة والبغضاء لأنه ملأه كفرا وخلاعة وصدا عن الدين وشناعة فقد حاد به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى 22 : 58 لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله 79 ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشريتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه

فنحن في غاية السلامة إن شاء الله تعالى لما قدمت

وأما من يحامي عنه فهو دائر بين اعتقاد ما تضمنه كلامه وذلك هو الكفر الموجب للسيف في الدنيا والخلود في النار في الأخرى وبين الذب عنه مع الجهل لما قال وذلك موجب لموادة من حاد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الموجبة لعداوتهما الجارة إلى كل شقاء


257
تواتر الخبر بتكفير العلماء له

هذا مستندنا وهو قطعي من جميع وجوهه تواتر لنا تواترا معنويا نسبة العلماء له إلى الكفر وتواترا حقيقيا أن التائية نظمه ونحن على القطع بأنها صريحة في القول بالاتحاد بالذات والصفات وما يتبع ذلك من تصويب جميع الملل والنحل إن لم يكن نصا فيه وعلى القطع بأن ذلك كفر والقائل به كافر وقد انتقيت من التائية ما يقارب أربعمائة وخمسين بيتا شهد شراحها البررة والكفرة أن مراده منها صريح الاتحاد وما تفرع عليه من تصويب جميع الأباطيل في مجلد سميته الفارض


258
لا عبرة بقول حفيد ابن الفارض

ولا مستند لمن ينابذنا إلا ما أثبته ابن بنته في ديباجة الديوان من الزور والبهتان وهو نكرة لا يعرف ولو أنه شهد على أحدهم بدينار لم تقبل شهادته حتى يعدله العدول الموثوق بهم ولا معدل له ولا لجده ممن هو خبير بحالهما أصلا فصار المحامون له لا مستند لهم إلا سند قريش في منابذة النبي صلى الله عليه وسلم في التوحيد حين قالوا 32 : 45 إن نظن إلا ظنا وما نخن بمستيقنين 7 : 38 ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق 22 : 43 إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون 104 : 5 وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباءهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون 30 : 7 إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون

وكل من هكذا يوشك أن يقول عند سؤال الملكين في قبره ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافق أو المرتاب هاه هاه لا أدري سمعت


259
الناس يقولون شيئا فقلته على أنه لو ثبت ما في ديباجة الديوان لم يفد ولاية فإن العلماء قسموا الخوارق إلى معجزة وكرامة ومعونة وإهانة

وأشار إلى ذلك الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في الفقه الأكبر انظر إلى ما ورد للدجال من الخوارق وهو أكفر الكفرة

بم يكون الإنسان وليا

إنما يفيد الولاية بذل المجهود في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم فمن بذل جهده في 80 اتباع السنة قلنا إنه ولي فإن خيل بعض المحلولين منهم أحدا ممن ظهر له الحق بقوله التسليم أسلم فليقل له هذا خلاف ما أمر به صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم في الكتاب والسنة من جهاد أعداء الله والبغض في الله من ذلك حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه المتفق عليه في تسليته عن التخلف عن أصحابه بمكة ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون على أن التسليم لأهل الشريعة وأهل الطريقة المجمع عليهم الذين رموا هذا الرجل بالكفر ورأسهم الفاروق رضي الله عنه بمنعه من التأويل أجدر بإيجاب السلامة وقد قال الإمامان أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهما


260
إن لم تكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي نقله عنهما النووي في تبيانه عن الخطيب البغدادي ودليله إنما يخشى الله من عباده العلماء ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون فقد أرشد الله تعالى إلى أن الولي هو العالم وأن العالم هو العامل بعلمه
دفاع وادعاء

وإن قالوا أنت تبغض الصوفية فقل هذه مباهتة إنما أبغض من كفره من أجمعنا على أنهم صوفية مثل الجنيد وسري وأبي يزيد


261
وأبي سعيد الخراز والأستاذ أبي القاسم القشيري والشيخ عبد القادر الكيلاني والشيخ شهاب الدين عمر السهروردي صاحب العوارف فإن بعضهم قال طريقنا مشبك بالكتاب والسنة فمن خالفهما فليس منا وبعضهم جعل أثر عمر رضي الله عنه أصلا وبنى عليه طريقهم وبعضهم قال من قال إن الشريعة خلاف الحقيقة فهو زنديق ومن قال إن المراد بمحبة الله تعالى ووصوله إليه غير كمال المتابعة للكتاب والسنة أو بمحبة الله غير إكرامه بحسن الثواب فهو زنديق إلى غير ذلك مما حدوه فتعداه من عاديتمونا بسببهم
262
بل أنتم بعد بغضكم للصوفية نابذتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بموالاتكم من نابذ شريعته ونحن نذب عنها وأنتم تناضلون عمن يهدمها من غير فائدة في ذلك وتقولون إنهم أرادوا بكلامهم الذي ظاهره قبيح غير ظاهره ولو قال أحد من الناس لأحد منكم كلمة توهم نقصا كالعلق الذي قال أهل اللغة أن معناه الشئ النفيس عاداه وإن حلف له أنه ما قصد ذما وإن كرر ذلك كانت القاصمة فتحرر بذلك أن نابذتم أهل الدين من الفقهاء والصوفية المجمع
263
عليهم بالتأويل في جانب الله تعالى ومنعتم مثله في حقكم فأف لهذا عقلا فكيف بالنظر إلى الدين
وجوب الكشف عن زندقة الصوفية وبيانها

وإن قالوا لا تجرب بالإنكار عليه في نفسك فليقل وإن تركت الإنكار عليه كنت أيضا مجربا في نفسي بمنابذة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم عنه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان وفي حديث آخر لمسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل وقد صرح العلماء بأن من خاف


264
على أحد أنه يقع في هلكة يجب عليه إنذاره ولو كان في الصلاة 41 : 29 مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون
الجاهلية في الصوفية

على أنهم تابعون في هذا التحريف سنة الجاهلية في قولهم لنوح صلى الله عليه وسلم ما أجابهم عنه بما حكاه تعالى عنه في قوله 71 : 10 فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ثم قولهم لهود عليه السلام وقوله لهم ما حكاه تعالى بقوله إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ثم قولهم لإبراهيم عليه السلام كذلك وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله


265
وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شئ علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم

وقال كفار قريش لزنيرة الرومية رضي الله عنها لما أسلمت فعميت ما أعماها إلا اللات والعزى فرد الله عليها بصرها وقالت ثقيف والله لا يستطيع أحد أن يخرب اللات فلما أخربوها قالوا والله ليغضبن الأساس وقال اليهود لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة رضي الله عنه لو كان نبيا ما مات صاحبه إلى أمثال هذه الترهات

دفع اعتراض

وإن قالوا استخفافا لضعفاء العقول إن هذا الرجل له ما يزيد على مائتي سنة ميتا فما للناس يقلقونه في قبره تلك أمة قد خلت فقل بعد التأسي بفعل الله بفرعون وأضرابه هذا الكلام لنا عليكم فإنه


266
لو كان حيا لظن أن الكلام فيه لعداوة أو حظ من الحظوظ الدنيوية وحيث انتفت التهم كلها كان الكلام بسبب ما خلفه من كلامه الذي أقر الذابون عنه أن ظاهره خبيث حتى احتاجوا إلى تأويله فلو تركوا كلامه تركنا الكلام فيه فمن غض منه علمنا أنه ما غض مع معاداة أكثر الناس إلا ذبا عن حمى الشريعة خوفا على الضعفاء من الاغترار بهذه الظواهر ومن حامى عنه كان ذلك قرينة دالة على أنه يعتقد ما ظهر من كلامه وإن قالوا لا تذكروا موتاكم إلا بخير رواه النسائي عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا قيل حتى يكون من موتانا وإن قالوا لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا رواه البخاري عنها أيضا مرفوعا قيل هذا إذا كان في أمرهم شك بدليل تبت يدا أبي لهب ونحن لم نسبه بل أخبرنا بما وصفه به العلماء الذين ثبتت ولايتهم تحذيرا من كلامه واتباعا لحديث البخاري عن أنس
267
رضي الله عنه رفعه مروا بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال وجبت واتباعا لإجماع الأمة في جرح من يستحق الجرح هذا من فوائد قولنا فليذكر الخصم للدفع عنه فائدة واحدة لنفعه أو لنفع الدين أو أحد من المسلمين وإن قالوا ما لأهل زمانه ما أنكروا عليه قيل قد أنكروا عليه كما مضى بيانه وإن قالوا ما لهم ما قتلوه قيل منعهم اختلاف الأغراض كما منع ذلك في الباجريقي وكما ترى الآن من هذا التجاذب على أن القتل أيضا لا يفيد قطع التعنت من المتعنتين فقد أجمع أهل زمان الحلاج الذي هو رأس هذه الطائفة الاتحادية بعد فرعون وهم أتباع طريقته على قتله على الزندقة كما نقله القاضي عياض في آخر كتابه الشفاء الذي هو من أشهر الكتب وأعظمها ونقل الأستاذ أبو القاسم القشيري رأس الصوفية في زمانه في الرسالة عن أحد مشايخنا عمرو ابن عثمان المكي تكفيره للحلاج وذلك في باب حفظ قلوب المشايخ وقتل بسيف الشرع وأنت تجد الآن هذه الطائفة وأتباعهم من
268
العامة يعتقدون فيه اعتقادا عظيما وينابذون أهل الشريعة وذلك يدل على أنهم إنما يقولون نؤول تقية وخوفا من السيوف المحمدية وأنهم يعتقدون الكلام على ظاهره فاستوى حينئذ القتل على الزندقة وعدمه 33 : 40 ومن يضلل الله فما له من هاد نصيحة

ولا تهتموا أيها الإخوان بكثرة كلام أتباع الشيطان وهجائهم لنا بالإثم والعدوان فهم إنما يقولون ذلك في الغيبة ولهم عليه الإثم والخيبة فإن الله تعالى قد ضمن النصرة وإن كان مع المبطل الكثرة

روى 83 الشيخان عن معاوية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون وحتى يقاتل بقيتهم الدجال وفي رواية وهم بالشام وقال تعالى 82 : 6 الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون


269
وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم إلى أن قال وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين

وقد قلت في حالنا وحالهم

نصرنا سنة المختار حقا

فهاجينا لذاك الأكافر

وراموا نصر شاعرهم فخابوا

وضلل سعيهم في نصر شاعر

ولتعلمن نبأه بعد حين 29 : 8 إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا 40 : 22 ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين وتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

قال منشؤها سيدنا الشيخ الإمام العامل العلامة أبو الحسن برهان الدين إبراهيم البقاعي الشافعي نفع الله المسلمين بعلومه إني فرغت من هذه الرسالة


270
في مقدار يوم وكان فراغي منها ليلة الأحد ثامن عشرين شهر رجب الفرد الحرام سنة ثمان وسبعين وثمانمائة في مسجد دلر رجمه العبد بالقاهرة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين

وفرغ من كتابتها الفقير إلى رحمة ربه سليمان بن عبد الرحيم في شهر ربيع الآخر من شهور سنة سبع وأربعين وتسعمائة الهجرة النبوية

زاد الناسخ أو غيره بعد هذا

وممن يقول بكفر ابن عربي غير مصنف هذه الرسالة أيضا من العلماء الشيخ إبراهيم ابن داود الآمدي والشيخ أبو بكر بن قاسم الكناني والشيخ الفاضل سليمان بن يوسف الياسوفي الدمشقي والإمام الجليل علي بن عبد الله الأردبيلي والعلامة محمد بن خليل عز الدين الحاضري الحلبي الحنفي الفاضل محمد بن علي الدكالي ثم المصري والشيخ الصالح موسى بن محمد الأنصاري الشافعي قاضي حلب وكلهم ذكر الشيخ برهان الدين إبراهيم البقاعي عن شيخه شهاب الدين أحمد بن حجر في تراجمهم ما فيه الكفاية من فضلهم وحذقهم وعلمهم وزهدهم وورعهم وإنما أردت ذكر أسمائهم ليعلم أن من قال بكفر


271
هذا الضال جماعة من العلماء غير واحد ليحذر من مذهبه من لا يعرفه تحقيقا ويعلم أن جماعة من العلماء لا يتفقون على ضلالة وهؤلاء من المتأخرين دون من لم يذكرهم من المتقدمين كالشيخ عز الدين بن عبد السلام وصاحب المواقف وغيرهما وكذلك الشيخ الجليل أفضل المتأخرين علامة زمانه الشيخ علاء الدين البخاري وقد عمل في الرد على ابن عربي غبي وبيان كفره رسالة شافعية مسماة بفاضحة الملحدين وناصحة الموحدين

ومن أراد البحث والرد على هذه الطائفة فليطالعها صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين