معارج القدس في مدراج معرفة النفس


15

مقدمة في معاني الالفاظ المترادفة على النفس وهي أربعة النفس والقلب والروح والعقل

أما النفس فتطلق بمعنيين أحدهما أن يطلق ويراد به المعنى الجامع للصفات المذمومة وهي القوى الحيوانية المضادة للقوى العقلية وهو المفهوم عند اطلاق الصوفية فيقال من أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك واليه الإشارة بقول نبينا عليه السلام أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك

والثاني أن يطلق ويراد به حقيقة الآدمي وذاته فإن نفس كل شيء حقيقته وهو الجوهر الذي هو محل المعقولات وهو من عالم الملكوت ومن عالم الأمر على ما نبين نعم تختلف أسماؤها باختلاف أحوالها العارضة عليها فإن اتجهت إلى صواب الصواب ونزلت عليها السكينات الآلهية وتواترت عليها نفحات فيض الجود الإلهي فتطمئن إلى ذكر الله عز وجل وتسكن إلى المعارف الإلهية وتطير إلى أعلى أفق الملكية فيقال نفس مطمئنة قال الله تعالى يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية وان كانت مع قواها


16

وجنودها في حراب وقتال وشجار ونزاع وكانت الحرب بينهما سجالا فتارة لها اليد عليها وتارة للقوى عليها اليد فلا تكون حالها مستقيمة فتارة تنزع إلى جانب العقول فتتلقى المعقولات وتثبت على الطاعات وتارة تستولي عليها القوى فتهبط إلى حضيض منازل البهائم فهذه النفس نفس لوامة وهذه النفس هي حالة أكثر الخلق فإن من ارتفع إلى أفق الملائكة حتى تحلى بالعلوم والفضائل النفسية والأعمال الحسنة فهو ملك جسماني لارتفاعه عن الإنسانية وعدم مشاركته للبشر إلا بالصورة التخطيطية ولهذا قال تعالى ماهذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم

ومن اتضع حتى صار في حضيض البهائم فلو تصور كلب أو حمار منتصب القامة متكلم لكان هو اياه لانسلاخه عن الفضائل الانسانية وعدم مشاركته للانسان إلا بالصورة التخطيطية وهذه هي النفس الأمارة بالسوء

فجلهم إذا فكرت فيهم
حمير أو كلاب أو ذئاب

وهو من الأنس المذكورين في قوله تعالى شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا وقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يا أشباه الرجال ولا رجال فمثل هذه النفس تراه أبدا عبدا لحجر أو مدر أو بهيمة أو ضعينة وهذا هو الذي أخبر الله سبحانه عنه فقال إن النفس لأمارة بالسوء

أما القلب فيطلق أيضا بمعنيين أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في جوف الإنسان من جانب اليسار وقد عرف ذلك بالتشريح وهو مركب الدم الأسود ومنبع البخار الذي هو مركب الروح الطبي الحيواني


17

وهذا يكون لجميع الحيوانات وليس بخاص للانسان وهو الذي يفنى بالموت جميع الحواس بسببه

والثاني هو الذي نحن بصدد بيانه هو الروح الانساني المتحمل لأمانة الله المتحلي بالمعرفة المركوز فيه العلم بالفطرة الناطق بالتوحيد بقوله بلى فهو أصل الآدمي ونهاية الكائنات في عالم المعاد قال الله تعالى قل الروح من أمر ربي وقال ألا بذكر الله تطمئن القلوب

وقال نبينا عليه السلام إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن الخ وحيثما ورد في الشرع القلب فيراد به ما نحن بصدد بيانه وان أطلق في موضع على اللحم الصنوبري فلأنه متعلقه الخاص وأول متعلقه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن جوف ابن آدم لمضغة اذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد الا وهي القلب

أما الروح فيطلق ويراد به البخار اللطيف الذي يصعد من منبع القلب ويتصاعد إلى الدماغ بواسطة العروق أيضا إلى جميع البدن فيعمل في كل موضع بحسب مزاجه واستعداده عملا وهو مركب الحياة فهذا البخار كالسراج والحياة التي قامت به كالضوء وكيفية تأثيره في البدن ككيفية تنوير السراج أجزاء البيت ويطلق ويراد به المبدع الصادر من أمر الله تعالى الذي هو محل العلوم والوحي والالهام وهو من جنس الملائكة مفارق للعالم الجسماني قائم بذاته على ما نبين

ويطلق أيضا ويراد به الروح الذي في مقابلة جميع الملائكة وهو المبدع الأول وهو روح القدس


18

ويطلق أيضا ويراد به القرآن وعلى الجملة فهو عبارة عما به حياة ما على الجملة

أما العقل فيطلق ويراد به العقل الاول وهو الذي يعبر عنه بالعقل في قول النبي صلى الله عليه وسلم أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر أي أقبل حتى تستكمل بي وأدبر حتى يستكمل بك جميع العالم دونك وهو الذي قال الله تعالى له وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعز علي ولا أفضل منك بك آخذ وبك أعطي الحديث وهو الذي يعبر عنه بالقلم كما قال عليه السلام ان أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فقال وما أكتب قال ما هو كائن الى يوم القيامة من عمل وأثر ورزق وأجل فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة

والاطلاق الثاني أن يطلق ويراد به النفس الإنسانية والإطلاق الثالث أن يطلق ويراد به صفة النفس وهو بالنسبة إلى النفس كالبصر بالنسبة إلى العين وهي بواسطته مستعدة لادراك المعقولات كما أن العين بواسطة البصر مستعدة لادراك المحسوسات وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه عن ربه عزوجل وعزتي وجلالي لأكمننك فيمن أحببت

ونحن حيث أطلقنا في هذا الكتاب لفظ النفس والروح والقلب والعقل فنريد به النفس الانسانية التي هي محل المعقولات


19

بيان اثبات النفس على الجملة

النفس أظهر من أن تحتاج الى دليل في ثبوتها فان جميع خطابات الشرع تتوجه لا على معدوم بل على موجود حي يفهم الخطاب ولكن نحن نستظهر في بيانه فنقول من المعلوم الذي لا يرتاب فيه إن الأشياء مهما اشتركت في شيء وافترقت في شيء آخر فإن المشترك فيه غير المفترق فيه ونصادف كافة الأجسام مشتركة في أنها أجسام يمكن أن يفرض فيها أبعاد ثلاثة متقاطعة ثم نصادفها بعد ذلك مفترقة بالتحرك والادراك فإن كان تحركها لأجل جسميتها فينبغي أن يكون كل جسم متحركا لأن الحقائق لا تختلف وما يجب لنوع يجب لجميع ما يشاركه في ذلك النوع وتلك الحقيقة وان كان لمعنى وراء الجسمية فقد ثبت على الجملة مبدأ للفعل فذلك المبدأ هو النفس إلى أن يتبين انه جوهر أو عرض مثال ذلك أنا نرى الأجسام النباتية تغتذي وتنمو وتولد المثل وتتحرك حركات مختلفة من التشعيب والتعريق فهذه المعاني ان كانت للجسمية فينبغي أن تكون جميع الأجسام كذلك وان كانت لغير الجسمية بل لمعنى زائد فذلك المعنى يسمى نفسا نباتية ثم الحيوان فيه ما في النبات ويحس ويتحرك بالإرادة ويهتدي إلى مصالح نفسه وله طلب لما ينفع وهرب عما يضر فنعلم قطعا أن فيه معنى زائدا على الأجسام النباتية ثم نجد الانسان


20

فيه جميع ما في النبات والحيوان من المعاني ويتميز بادراك الأشياء الخارجة عن الحس مثل أن الكل أعظم من الجزء فيدرك الجزئيات بالحواس الخمس ويدرك الكليات بالمشاعر العقلية ويشارك الحيوان في الحواس ويفارقه في المشاعر العقلية فإن الانسان يدرك الكلي من كل جزئي ويجعل ذلك الكلي مقدمة قياس ويستنتج منه نتيجة فلا الادراك الكلي ينكر ولا المدرك لذلك يجحد ولا العرض ولا الجسم القابل لعرض ولا النبات ولا الحيوان غير الانسان يدرك الكلي حتى يقوم به الكلي فينقسم بأقسام الجسم إذ الكلي له وحده خاصة من حيث هو كلي لا ينقسم البتة فلا يكون للانسان المطلق الكلي نصف وثلث وربع فقابل الصورة الكلية جوهر لا جسم ولا عرض في جسم ولا وضع له ولا أين له فيشار إليه بل وجوده وجود عقلي أخفى من كل شيء عند الحس وأظهر من كل شيء للعقل فثبت بهذا وجود النفس وثبت على الجملة أنه جوهر وثبت أنه منزه عن المادة والصور الجسمانية

تقسيم يظهر فيه مباديء الأفعال

فنقول كل مبدأ يصدر منه فعل فاما أن يكون له شعور بفعله أو لم يكن فان لم يكن له شعور فأما أن يكون فعله متحدا على نسق واحد وإما أن يكون مختلفا وإن كان له شعور فاما أن يكون تعقل أو لم يكن فان كان له تعقل فاما أن يكون فعله متحدا على نسق واحد وإما أن يكون مختلفا فهذه خمسة أقسام فما كان فعله متحدا وليس له شعور فذلك المبدأ يسمى مبدأ طبيعيا كما في الأجسام الثقيلة من الهبوط وفي الخفيفة من الصعود وان كان فعله مختلفا وليس له شعور فهو النفس النباتي فان النبات يتحرك حركات مختلفة


21

وان كان له شعور وليس له تعقل فهو النفس الحيواني وان كان له تعقل ومع التعقل اختيار في الفعل والترك فهو النفس الإنساني وان كان له تعقل وفعله على نهج واحد غير مختلف فهو النفس الفلكي

رسوم النفوس الثلاثة

فنرسم النفوس الثلاثة بمراسمها فإن شرائط الحد الحقيقي متعذر الوجود ههنا بل وفي كل الموجودات

فنقول أما النفس النباتية فهي الكمال الأول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يتغذى وينمو ويولد المثل

وأما النفس الحيوانية فهي الكمال الأول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الجزئيات ويتحرك بالإرادة

وأما النفس الانسانية فهي الكمال الأول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يفعل الأفاعيل بالأختيار العقلي والاستنباط بالرأي ومن جهة ما يدرك الأمور الكلية

وقولنا الكمال الأول أي من غير واسطة كمال آخر لأن الكمال قد يكون أولا وقد يكون ثانيا

وقولنا لجسم طبيعي أي غير صناعي لا في الأذهان بل في الأعيان

وقولنا آلي أي ذي آلات يستعين بها ذلك الكمال الأول في تحصيل الكمالات الثانية والثالثة ولفظ الكمال أولى من لفظ القوة لأن القوة تكون بالنسبة إلى ما يصدر عنها من الأفعال أو بالقياس إلى ما تقبله من الصور المحسوسة والمعقولة واطلاق لفظ القوة عليهما يكون باشتراك الاسم فيكون الحد مشتملا على لفظ مشترك وإن عني بالحد أحدهما كان الحد ناقصا


22

ولفظ الكمال يشمل القوتين بالتواطؤ فهو أولى فان قيل إنه صورة كان ذلك بالاضافة إلى المادة التي تحلها فيجتمع منهما جوهر نباتي أو حيواني

ولفظ الكمال بالقياس إلى جملة الجواهر ولاستكمال الجنس به نوع محصل في الأنواع وهو نسبة الخاص إلى الشيء العام الغير البعيد من جوهره فهو أولى من لفظ الصورة ويجب أن يعلم أنه إذا قيل نفس أي اطلق على صورة الفلك وعلى صورة النبات والحيوان والانسان فإنما يقال باشتراك الاسم فان النفوس الفلكية ليست تفعل بآلات ولا الحياة فيها حياة التغذي والنمو ولا احساسها احساس الحيوان ولا نطقها نطق الانسان


23

بيان أن النفس جوهر وذلك ثابت من جهة الشرع والعقل

أما الشرع فجميع خطابات الشرع تدل على أن النفس جوهر وكذلك العقوبات الواردة في الشرع بعد الممات تدل على أن النفس جوهر فان الألم وإن حل بالبدن فلأجل النفس ثم للنفس عذاب آخر يخصه وذلك كالخزي والحسرة وألم الفراق وكذلك ما يدل على بقائه على ما سنبين فيما بعد إن شاء الله تعالى

وأما من حيث العقل فمن وجهين وجه عام يمكن اثباته مع كل أحد ووجه خاص يتفطن له أهل الخصوص والانصاف

أما الأول فهو أن يعلم أن حقيقة الانسان ليس عبارة عن الجسم فحسب فانه انما يكون انسانا إذا كان جوهرا وأن يكون له امتداد في أبعاد تفرض طولا وعرضا وعمقا وأن يكون مع ذلك ذا نفس وأن تكون نفسه نفسا يغتذي بها ويحس ويتحرك بالإرادة ومع ذلك يكون بحيث يصلح لأن يتفهم المعقولات ويتعلم الصناعات ويعملها إن لم يكن عائق من خارج لا من جهة الانسانية فإذا التأم جميع هذا حصل من جملتها ذات واحدة هي ذات الانسان فاذا ثبت بهذا أن حقيقة الانسان لا تكون عرضا لأن الأعراض يجوز أن


24

تتبدل والحقيقة بعينها باقية فان الحقائق لا تتبدل فإذا ما هو ثابت فيك مذ كنت فهو نفسك ومايطرأ عليك ويزول فهو الأعراض

وأما الوجه الثاني وهو البيان الخاص فهو الذي يصلح لأهل الفطانة ومن فيه لطف الفهم والاصابة فهو انك إذا كنت صحيحا مطرحا عنك الآفات مجنبا عنك صدمات الهوى وغيرها من الطوارق والآفات فلا تتلامس أعضاؤك ولا تتماس أجزاؤك وكنت في هواء طلق أي معتدل ففي هذه الحالة أنت لا تغفل عن إنيتك وحقيقتك بل وفي النوم أيضا فكل من له فطانة ولطف وكياسة يعلم أنه جوهر وانه مجرد عن المادة وعلائقها وانه لا تعزب ذاته عن ذاته لأن معنى التعقل حصول ماهية مجردة للعاقل وذاته مجردة لذاته فلا يحتاج إلى تجريد وتقشير وليس ههنا ماهية ثم معقولية بل ماهيته معقوليته ومعقوليته ماهيته وهذه نكتة نفيسة عظيمة وستقف عليها ان شاء الله اشرح من هذا

ثم الدليل على صحة هذا البيان الخاص أنه لو لم يكن المدرك والمشعور به هو حقيقتك أي نفسك بل يكون هو البدن وعوارضه لكان لا يخلو إما ان يكون الشعور به جملة بدنك أو بعضه وبطل أن تكون الجملة لأن الانسان في الفرض المذكور قد يكون غلا عن جملة البدن وهو مدرك نفسه وان كان بعضا منه فلا يخلو إما أن يكون ظاهرا أو باطنا فان كان ظاهرا فهو مدرك بالحس والنفس غير مدركة بالحس كيف ونحن في الفرض المذكور قد أغفلنا الحواس عن أفعالها وفرضنا أن الاعضاء لا تتماس وان كان النفس والذات عضوا باطنا من قلب أو دماغ فلا يجوز أيضا لأن الأعضاء الباطنة انما يوصل اليها بالتشريح فثبت أن مدركك ليس شيئا من هذه الأشياء فانك قد لا تدركها وتدرك ذاتك ضرورة فما ألجئت إلى ادراكه ضرورة لا يكون قطعا ما لا يدرك إلا بالنظر فاذا ثبت بهذا أن ذاتك ليس من عداد ماتدركه بالحس أو مما يشبه الحس بوجه من الوجوه


25

زيادة ايضاح من جهة الادراك

فنقول إنك تدرك في جميع الأحوال ذاتك فماذا تدرك فإنه لا بد من مدرك فلا يخلو إما أن يكون أحد مشاعرك ظاهرا أو عقلك أو قوة غير مشاعرك فإن كان عقلك فلا يخلو إما أن يكون ذلك الادراك بوسط أو بقياس أو بقوة متوسطة بين الادراك والنفس أو بغير وسط وما أظنك تفتقر في ذلك الى وسط فإنه لو كان ثم وسط لما أدركت ذاتك 4 فانه لا وسط بين ذاتك وشعورك بذاتك فبقي أن تدرك بغير وسط واذا كان كذلك فلا يخلو إما أن يكون ذلك الادراك بمشاعرك أو بذاتك ولا يتصور أن يكون بمشاعرك فإن الحواس لا تدرك إلا الأجسام وما يتعلق بالأجسام من الألوان والنغمات وغير ذلك فبقي أنك تدرك ذاتك بذاتك فمن هذا ثبت أنك جوهر مفارق

وهذا البيان الخاص إما ضائع وإما قاطع ضائع للمغفلين الذين لم يلحظوا إلا بعين السخط فإن من يلحظ مقدمة بعين السخط كان الشك أسرع اليه من الماء الى الحدور أما للمستبصرين فهو قاطع

فإن قال قائل إنما أثبت ذاتي بوسط وذلك الوسط هو فعل من أفعالي فأستدل بأفعالي على وجود النفس فالجواب عن هذا من وجهين أحدهما ان هذا لا يتمشى في الفرض المذكور فانا جعلناك بمعزل عن الأفعال ومع هذا تثبت ذاتك وانيتك والثاني ان هذا الفعل إما ان تثبته فعلا مطلقا فيجب ان تثبت به فاعلا مطلقا لا نفسك وان أثبته فعلا مطلقا فيجب ان تثبت به فاعلا مطلقا لا نفسك وإن اثبته فعلك وخصصته بالاضافة فقد اثبت اولا نفسك وادركت اولا ذاتك فإنك اخذت ذاتك جزءا من فعلك والشعور بالجزء قبل الشعور بالكل اولا اقل من ان يكون معه فذاتك إذا مثبتة معه او قبله لا به وهذا فصل لطيف يبتنى عليه باب من المعرفة شريف كما سنذكر ان شاء الله تعالى


26


27

بيان أن النفس ليس لها مقدار ومساحة ولا تدرك حسا ولا يدركها جسم وأن إدراكها لا يكون بآلات جسمانية في حال

وهذا أدق واعصى على الأذهان الزائغة عن الجادة الآلفة بالخيالات والموجودات الحسية ولنا أن نتوسل إلى هذا المقصود ببراهين قاطعة ودلائل واضحة

البرهان الأول
أن نقول معلوم إنا نتلقى المعقولات وندرك الأشياء التي لا تدخل في الحس والخيال والمعقول متحد فلوحل في منقسم لانقسم المتحد وهذا محال وتحقيقه هو أنه لو كان النفس ذا مقدار وحل فيه معقول فأما أن يحل في شيء منقسم أو في شيء غير منقسم ومعلوم أن غير المنقسم انما هو طرف الخط وهو نهاية مالا تميز لها في الوضع عن الخط والمقدار الذي هي متصلة به حتى يستقر فيها شيء من غير أن يكون في شيء من ذلك الخط بل كما أن النقطة لا تنفرد بذاتها وانما هي طرف ذاتي لما هو بالذات مقدار كذلك انما يجوز أن يقال بوجه ما أنه يحل فيها طرف شيء حال في المقدار الذي هي طرفه متقدر بالعرض فكما أنه يتقدر به بالعرض كذلك يتناهى بالعرض مع النقطة ولو كانت النقطة منفردة تقبل شيئا من الأشياء لكان يتميز لها ذات


28

وكانت النقطة حينئذ ذات جهتين جهة منها تلي الخط وجهة منها مخالفة له مقابلة فتكون تلك النقطة نهاية الخط لا هذه

والكلام فيها وفي هذه النقطة واحد ويؤدي هذا إلى أن تكون النقطة متشافعة في الخط إما متناهية وإما غير متناهية وهذا أمر قد بان في موضعه استحالته ونشير إلى رمز منه فنقول إن النقطتين حينئذ اللتين تطبقان بنقطة واحدة من جنبتيها إما أن تكون هذه النقطة المتوسطة تحجز بينهما فلا تتماسان فيلزم حينئذ في البديهة العقلية الأولية أن يكون كل واحدة منهما يختص بشيء من الوسطى يماسه فتنقسم حينئذ الوسطى وهذا محال وإما أن تكون الوسطى لا تحجز المكتنفتين عن التماس فحينئذ تكون الصورة المعقولة حالة في جميع النقط وجميع النقط كنقطة واحدة وقد وضعنا هذه النقطة الواحدة المنفصلة عن الخط فللخط من جهة ما ينفصل عنها طرف ونهاية بها ينفصل عنها فتلك النقطة تكون مباينة لهذه في الوضع

وقد وضعت النقط كلها مشتركة في الوضع هذا خلف فقد بطل إذا أن يكون محل المعقولات من الجسم شيئا غير منقسم فبقي أن يكون من الجسم شيئا منقسما فلنفرض صورة معقولة في شيء منقسم فإذا فرضنا في الشيء المنقسم انقساما عرض للصورة أن تنقسم فحينئذ لايخلو إما ان يكون الجزءان متشابهين أو غير متشابهين فاذا كانا متشابهين فكيف يجتمع منهما ما ليس بهما إلا أن يكون ذلك الشيء شيئا يحصل فيهما من جهة المقدار والزيادة في العدد لا من جهة الصورة فتكون حينئذ الصورة المعقولة شكلا ما أو عددا ما وليس كل صورة معقولة شكلا وتصير حينئذ الصورة خيالية لا عقلية

وأظهر من ذلك أنه ليس يمكن أن يقال إن كل واحد من الجزأين هو بعينه الكل في المعنى لأن الثاني إذا كان غير داخل في معنى الكل فيجب أن نضع في الابتداء لمعنى الكل هذا الواحد لا كليهما وان كان داخلا في معناه فمن البين


29

الواضح أن الواحد منهما وحده ليس يدل على نفس معنى التمام وان كانا غير متشابهين فلينظر كيف يمكن أن تكون الصورة المعقولة أجزاء غير متشابهة فإنه ليس يمكن أن تكون الاجزاء الغير المتشابهة إلا أجزاء الحد التي هي الأجناس والفصول ويلزم من هذا محالات منها أن كل جزء من الجسم يقبل القسمة أيضا فيجب أن تكون الأجناس والفصول بالقوة غير متناهية

وقد صح أن الأجناس والفصول الذاتية للشيء الواحد ليست في القوة غير متناهية ولأنه ليس يمكن أن يكون توهم القسمة يفرز الجنس والفصل بل مما لا نشك فيه أنه إذا كان هناك جنس وفصل يستحقان تميزا في المحل أن ذلك التميز لا يتوقف على توهم القسمة فيجب أن تكون الأجناس والفصول بالفعل ايضا غير متناهية وقد صح أن الأجناس والفصول أو أجزاء الحد للشيء الواحد متناهية من كل وجه ولو كانت غير متناهية بالفعل ههنا لكانت توجب أن يكون الجسم الواحد انفصل بأجزاء غير متناهية بالفعل وأيضا لتكن القسمة وقعت من جهة فأفرزت من جانب جنسا ومن جانب فصلا فلو غيرنا القسمة كان يقع منها في جانب نصف جنس ونصف فصل أو كان ينقلب وكان فرضنا الوهمي يدور مقام الجنس والفصل فيه على أن ذلك أيضا لا يغني فانه يمكننا أن نوقع قسما في قسم وأيضا كل معقول يمكن أن يقسم إلى معقولات أبسط فإن ههنا معقولات هي أبسط المعقولات ومبادىء التركيب في سائر المعقولات فليس لها لا أجناس ولا فصول ولا هي منقسمة في الكم ولا هي منقسمة في المعنى كالوحدة والعلة وغير ذلك فاذا ليس يمكن أن تكون الأجزاء المفروضة فيه أجزاء متشابهة كل واحد منها هو في معنى الكل وإنما يحصل الكل بالاجتماع فقط ولا أيضا يمكن أن تكون غير متشابهة فليس يمكن أن تنقسم الصورة المعقولة ولا أن تحل طرفا من المقادير غير منقسم تبين أن محل المعقولات جوهر ليس بجسم ولا أيضا قوة في جسم فيلحقه ما يلحق الجسم من الانقسام ثم يتبعه سائر المحالات

البرهان الثاني
أن نقول القوة العقلية هو ذات تجرد المعقولات عن الكم


30

المحدود والأين والوضع وسائر عوارض الجسم فيجب أن ننظر في ذات هذه الصورة المجردة عن الوضع كيف هي مجردة عنه أبالقياس إلى الشيء المأخوذ منه أو بالقياس إلى الشيء الآخذ أعني هذه الذات المعقولة تتجرد عن الوضع في الوجود الخارجي أو في الوجود المتصور في الجوهر العاقل ومحال أن يكون كذلك في الوجود الخارجي فبقي أن يكون انما هو مفارق للوضع والأين عند وجوده في العقل فإذا إذا وجدت في العقل لم تكن ذات وضع وبحيث يقع اليها إشارة تجزؤ وانقسام أو شيء مما أشبه هذا المعنى فلا يمكن أن يكون في جسم

البرهان الثالث
إذا انطبعت الصورة الأحدية الغير المنقسمة التي لأشياء غير منقسمة في المعنى في مادة منقسمة ذات جهات فلا يخلو إما أن لا تكون لها ولا لشيء من أجزائها التي تفرض فيها بحسب جهاتها نسبة إلى الشيء المعقول الواحد الذات الغير المنقسم المتجرد عن المادة أو تكون تلك النسبة لكل واحد من أجزائها التي تفرض أو تكون لبعضها دون بعض فان لم يكن لشيء منها نسبة فليست لبعضها ولا لكلها لا محالة نسبة فينبغي أن لاتدرك وأن لا يكون بين هذا المعقول ومعقول آخر فرق وليس كذلك فانا نجد تفرقه ضرورية وان كان لبعضها دون بعض نسبة فالبعض الذي لا نسبة له ليس هو من معناه في شيء ويلزم أن يكون الشيء الواحد مجهولا ومعقولا بالقياس إلى البعضين وهذا محال وإن كان لكل جزء يفرض نسبة فإما أن تكون لكل جزء يفرض نسبة إلى الذات المعقول بأسرها أو إلى جزء من الذات المعقول فإن كان لكل جزء يفرض إلى الذات بأسرها نسبة فليست الأجزاء إذا أجزاء معنى المعقول بل كل واحد منها معقول في نفسه مفرد وان كان كل جزء له نسبة غير نسبة الآخر إلى الذات فمعلوم أن الذات منقسمة في المعقول وقد وضعناها غير منقسمة هذا خلف ومن هذا تبين أن الصورة المنطبعة في


31

المادة لا تكون إلا اشباحا لأمور جزئية منقسمة لكل جزء منها نسبة بالفعل أو بالقوة أو بالقوة إلى جزء منها

فان قيل منشأ التلبيس في هذا البرهان قولكم إن المعنى المعقول ان كان له نسبة إلى بعض الذات فيكون البعض الآخر ليس من معنى المعقول في شيء ونحن هكذا نقول فإن المدرك منا هو جزء وذلك الجزء لا ينقسم وهو المسمى بالجوهر الفرد

قلنا أنتم بين أمرين إما ان تقولوا نسبة المعقول إلى بعض منقسم أو إلى بعض غير منقسم فإن كاننسبته إلى بعض منقسم فاذا قسمنا يلزم انقسام المعقول ويعود البرهان الأول بعينه وان قلتم ينتسب إلى جزء لا ينقسم فكل جزء من الجسم منقسم وقد برهنا على ذلك وله براهين هندسية ليس ههنا موضع ذكرها

البرهان الرابع
أن نقول إن القوة العقلية لو كانت تعقل بالآلة الجسدانية حتى يكون فعلها انما يستتم باستعمال تلك الآلة الجسدانية لكان يجب أن لا تعقل ذاتها وان لا تعقل الآلة وان لا تعقل انها عقلت فإنه ليس بينها وبين ذاتها آلة وليس بينها وبين آلتها آلة ولا بينها وبين أنها عقلت آلة لكنها تعقل ذاتها وآلتها والتي تدعى آلتها وأنها عقلت فإذا تعقل بذاتها لا بالآلة وأيضا لا يخلو إما أن يكون تعقلها آلتها إما لوجود ذات صورة آلتها وإما أخرى مخالفة لها وهي صورة أيضا فيها وفي آلتها أو لوجود صورة آلتها فصورة آلتها في آلتها بالشركة دائما فيجب أن تعقل آلتها دائما التي كانت تعقل لوجود صورة آلتها وان كان لوجود صورة غير تلك الصورة فإن المغايرة بين أشياء تدخل في حد واحد إما لاختلاف المواد والأعراض وإما لاختلاف ما بين الكلي والجزئي والمجرد عن المادة والوجود في المادة وليس ههنا اختلاف مواد وأعراض فإن المادة واحدة والاعراض واحدة وليس ههنا


32

اختلاف بالتجريد والوجود في المادة فإن كليهما في المادة وليس ههنا اختلاف الخصوص والعموم لأن أحدهما انما يستفيد الجزئية بسبب المادة الجزئية واللواحق التي تلحقها من جهة المادة التي فيها وهذا المعنى لا يختص بأحدهما دون الآخر وأما ذات النفس فانها تدرك دائما وجودها لا شيئا من الأجسام التي معها وفيها ولا يجوز أن يكون لوجود صورة أخرى معقولة غير صورة آلتها فان هذا أشد استحالة لأن الصورة المعقولة إذا حلت الجوهر العاقل جعلته عاقلا لما تلك الصورة صورته أو لما تلك الصورة مضافة اليه فتكون صورة المضاف داخلة في هذه الصورة وهذه الصورة المعقولة ليست صورة هذه الآلة ولا أيضا صورة شيء مضاف اليها بالذات لأن ذات هذه الآلة جوهر ونحن انما نأخذ ونعتبر صورة ذاته والجوهر في ذاته غير مضاف البتة فهذا برهان عظيم على أنه لا يجوز أن يدرك المدرك للآلة التي هي آلته في الإدراك ولهذا فان الحس انما يحس شيئا خارجيا ولا يحس ذاته ولا فعله ولا آلته بل إن تخيل آلته تخيلها لا على نحو يخصه بأنه لا محالة له دون غيره إلا أن يكون الحس يورد عليه صورة آلته لو أمكن فيكون حينئذ إنما يحكي خيالا مأخوذا عن الحس غير مضاف عنده إلى شيء حتى لو لم تكن آلته كذلك لم يتخيله

البرهان الخامس
مركب من مجموع دلائل واضحة وشواهد لائحة من أحاط علما يقينيا تيقن قطعا أن النفس ليست بجسم ولا تحل الأجسام

وطريقه أن نقول إن النفس لو كانت جسما فلا يخلو إما أن تكون حالة في البدن أو خارجة البدن فإن كانت خارجة البدن فكيف تؤثر وتصرف في هذا الجسم وكيف يكون قوام البدن بها وكيف تتصرف في المعارف العقلية في الملك والملكوت فتعرف الأول الحق وتسافر في العرفان العقلي وتستوفي المعقولات في ذاتها وإن كانت حالة في البدن فلا يخلو إما أن تكون حالة بجميع البدن أو ببعضه فإن كانت حالة بجميع البدن فكان ينبغي إذا قطع


33

منه طرف أن تنتقص أو تنزوي وتنتقل من عضو إلى عضو فتارة تمتد بامتداد الأعضاء وتارة تتقلص بذبول الأعضاء وهذا كله محال عند من له غريزة صحيحة وفطنة مستقيمة طاهرة عن شوائب الخيال وان كانت حالة في بعض البدن فذلك البعض منقسم إما بالفعل أو بالفرض فينبغي أن تنقسم النفس إلى أن تنتهي بالأقسام إلى أقل شيء وأحقره وهذا معلوم إحالته على البديهة فكيف يكون كذلك حال النفس التي هي محل المعارف وبه شرف الانسان على جميع الحيوانات وهو المستعد للقاء الله تعالى وهو المخاطب وهو المثاب وهو المعاقب وهو الذي إذا زكاه الانسان أفلح وإذا دساه خاب وخسر وهو خلاصة الموجودات وزبدة الكائنات في عالم العود وهو الذي يبقى بعد موت البدن وهو الذي كان متحليا بالمعارف وصل إلى السعادة الأبدية فرحا مستبشرا بلقاء الله تعالى أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله فمن كان له أدنى مسكة من العقل يعلم أن الجوهر الذي هذا محله ومنزلته لا يكون حالا في البدن ولا يكون جزءا من البدن لا دم ولا بخار ولا مزاج ولا غيره وأيضا فإنك تعلم أن نفسك مذ كنت لم تتبدل ومعلوم أن البدن وصفات البدن كلها تتبدل إذ لو لم تتبدل لكان لا يغتذي لأن التغذي أن يحل بالبدن بدل ما تحلل فاذا نفسك ليس من البدن وصفاته في شيء

وأيضا لو كانت النفس الانسانية منطبعة في البدن لكان ضعف فعلها مع ضعف البدن لكنها لا تضعف مع ضعف البدن فثبت أنها غير منطبعة فيه ودليل عدم الضعف المشاهدة فإن بعد الأربعين تكون القوة البدنية في انحطاط والقوة العقلية في الزيادة والارتفاع


34

وأما الذي يتوهم من أن النفس تنسى ولاتفعل فعلها مع مرض البدن وعند الشيخوخة وان ذلك بسبب أن فعلها لا يتم إلا بالبدن فظن غير ضروري ولا حق وذلك أنه بعد ما صح لنا أن النفس تفعل بذاتها يجب أن يطلب السبب في هذا فان كان قد يمكن أن يجتمع أن للنفس فعلا بذاتها وانها أيضا تترك فعلها مع مرض البدن ولا تفعل من غير تناقض فليس لهذا الاعتراض اعتبار

فنقول إن النفس له فعلان فعل له بالقياس إلى البدن وهو السياسة وفعل بالقياس إلى ذاته وإلى مبادئه وهو التعقل وهما متعاندان متمانعان فإنه إذا اشتغل باحدهما انصرف عن الآخر ويصعب عليه الجمع بين الأمرين وشواغله من جهة البدن الاحساس والتخيل والشهوات والغضب والخوف والغم والوجع وأنت تعلم هذا بأنك إذا أخذت تفكر في معقول تعطل عليك كل شيء من هذه إلا أن تغلب وتقسر النفس بالرجوع الى جهاتها

وأنت تعلم أن الحس يمانع النفس عن التعقل إذا أكبت على المحسوس من غير أن يكون أصاب آلة التعقل أو ذاتها آفة بوجه وتعلم أن السبب في ذلك هو اشتغال النفس بفعل دون فعل فلهذا السبب ما يتعطل أفعال العقل عند المرض ولو كانت الصورة المعقولة قد بطلت وفسدت لأجل الآلة لكان رجوع الآلة إلى حالها يحوج إلى اكتساب من الرأس وليس الأمر كذلك فإنه قد تعود النفس إلى ملكتها وهيأتها عاقلة بجميع ما عقلته بحاله فقد كانت إذا كلها معها إلا أنها كانت مشغولة عنه وليس اختلاف جهتي فعل النفس فقط يوجب في أفعاله التمانع بل تكثر أفعال جهة واحدة قد يوجب هذا بعينه فان الخوف يغفل عن الوجع والشهوة تصد عن الغضب والغضب يصرف عن الخوف والسبب في جميع ذلك واحد وهو انصراف النفس بالكلية إلى أمر واحد وكلها قوى النفس الواحدة وهي ملكها والقوى رعيتها وجنودها فاذا ليس يجب اذا لم يفعل شيء فعله عند اشتغاله بحالة لشيء أن لا يكون فاعلا فعله إلا عند وجود ذلك الشيء


35

ولنا أن نتوسع في بيان هذا الباب لأن هذا الباب من أصعب أبواب النفس إلا أنه بعد بلوغ الكفاية ننسب الازدياد إلى تكلف ما لا نحتاج اليه فقد ظهر من أصولنا التي قررنا أن النفس ليست منطبعة في البدن ولا قائمة به فيجب أن تكون علاقتها مع البدن علاقة التدبير والتصرف والله تعالى ولي الهداية والتوفيق


36


37

القوى الحيوانية

والقوى الحيوانية تنقسم محركة ومدركة والمحركة إما أن تكون محركة على أنها باعثة على الفعل أو على أنها فاعلة والباعثة إما أن تكون على جذب النفع أو على دفع الضر والباعثة على جذب النفع هو الذي يعبر عنه بالشهوة وهو الذي اذا ارتسم في الخيال معنى يعلم أنه خبر عنده أو يظن يبعث القوة الفاعلة على جذب ذلك النفع

وأما الباعثة على دفع الضر فهي التي يعبر عنها بالغضب وهي القوة التي اذا ارتسم في الخيال ما يعلم أو يظن أنه يضر تبعث على تحريك يدفع به ذلك الضرر أو المؤذي طلبا للانتقام والغلبة

وأما القوة المحركة على أنها فاعلة فهي قوة تنبعث في الأعصاب والعضلات من شأنها أن تشنج العضلات فتجذب الأوطار والرباطات المتصلة بالأعضاء الى نحو جهة المبدأ أو ترخيها فتصير الأوطار والرباطات الى خلاف جهة المبدأ وهذه القوة هي التي يعبر عنها بالقدرة والباعثة هي الإرادة

وتحرير هذا هو أن كل فعل اختياري يدخل في الوجود فلا يدخل ما لم يأت إليه رسول القدرة وهو ذلك المعنى المودع في العضلات والقدرة لا تنبعث من وطنها ومكامنها بل كأنها في دعة ورفاهية ما لم يأت اليها رسول الإرادة


38

أما إرادة جذب النفع أو ازالة الأذى والدفع والارادة لا تنتهض من مكانها ولا تخرج من مكامنها ما لم يأت اليها رسول العلم فاذا أتى وجزم الحكم انبعثت الإرادة ولا تجد بدا من الانقياد والاذعان وإذا جزمت الارادة الحكم انبعثت القدرة لتحريك الأعضاء فلا تجد محيصا وخلاصا من الامتثال والارتسام بموجب رسمها واذا جزمت القدرة الحكم تحركت الأعضاء بحيث لا تجد محيصا من الحركة فما دام رسول العلم مترددا تكون الإرادة مترددة وما دامت الإرادة مترددة تكون القدرة مترددة وما دامت القدرة مترددة فالأفعال لا تدخل في الوجود ولا تظهر على الأعضاء فاذا اتصل الحكم الجزم وجدت الأفعال زيادة تحقيق

اعلم أن الحركة الاختيارية التي هي خاصية الحيوان لها مبدأ ووسط وكمال

أما المبدأ فحاجة الناقص الى الكمال واشتياق الطالب

وأما الكمال فنيل المطلوب وبينهما وسط وهو السلوك الطلبي فالحركات الاختيارية التي للحيوان هي حركات مكانية فعلية الى جهات مختلفة عن علم وشعور وطلب بخلاف حركات النبات فإنها لما كانت غير اختيارية توجهت الى جهات مختلفة من غير علم وشعور وطلب للخير وحركاتها تكون حركة النمو والذبول والحركات الاختيارية للانسان حركات فكرية وحركات قولية وحركات فعلية وإنما جهات اختلافها بخلاف حركات الحيوان فإنها عدمت قسمين منها وهي الفكرية والقولية والحركة النباتية احتاجت الى حسن تعهد وتشذيب حتى تصل الى كمالها المطلوب وهو الثمرة وتوليد المثل

أما الثمرة فللانتفاع بشخصه وأما توليد المثل فللانتفاع بنوعه فلا يخلو وجوده في الكون عن نفع جزئي بشخصه وعن نفع كلي بنوعه

والحركة الحيوانية احتاجت أيضا إلى حسن رعاية وتسخير حتى تصل الى


39

كمالها المطلوب وهو الانتفاع بشخصه حملا وركوبا وأكلا وحراثة والانتفاع بنوعه سوما وتوليدا وانتاجا فلا يخلو وجوده في الكون عن نفع جزئي بشخصه وعن نفع كلي بنوعه

وأما الحركة الانسانية فاحتاجت الى حسن عناية وتكليف بتأييد وتسديد وتعريف فان الحركة الفكرية يدخلها حق وباطل فيجب أن يختار الحق دون الباطل والحركات القولية يدخلها صدق وكذب فيجب أن يختار الصدق دون الكذب والحركات الفعلية يدخلها خير وشر ويجب أن يختار الخير دون الشر ولن يتحقق هذا الاختيار إلا من تأييد وتسديد وتعريف

فأما التأييد فيظهر أثره في الأفعال حتى يختار من الحركات الفعلية الخير ويترك الشر وأما التسديد فيظهر أثره في الأقوال حتى يختار من الحركات القولية الصدق ويترك الكذب واما التعريف فيظهر اثره في الأفكار حتى يختار من الحركات الفكرية الحق ويترك الباطل

وإنما هذه المراتب الثلاثة مقدرة على المراتب الثلاثة العلوية التي يعبر عنها تارة بالملائكة المؤيدين وتارة بالجدود الروحانيين وتارة بالحروف والكلمات في عليين وكما أن الحركات النباتية احتاجت إلى تشذيب والحركات الحيوانية إلى تهذيب كذلك احتاجت الحركات الانسانية إلى تأديب

ومن صفت اختياراته في حركاته الثلاث عن شائبة الباطل والكذب والشر من كل وجه فهو الذي يحق له أن يقول أدبني ربي فأحسن تأديبي وهو الذي يستحق أن يؤدب غيره ويهذب ويزكي ويطهر ويعلم ويذكر لقوله تعالى كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون


40


41

القوى المدركة

وهي منقسمة بالقسمة الأولى قسمين مدركة من ظاهر ومدركة من باطن والمدركة من الظاهر تنقسم خمسة أقسام وهي الحواس الخمس فنذكرها ونذكر كيفية تأديتها الى الحس المشترك

اعلم أن أول الحواس اتصالا بالحيوان وأعمها لجميع الحيوانات وأسراها في بدن الحيوان هي حاسة اللمس وهي قوة مبثوثة في جميع بشرات الحيوان ولحمه وعرقه وعصبه يدرك بها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والصلابة والرخاوة واللين والخشونة والخفة والثقل والحامل لها جسم لطيف في شباك العصب يسمى روحا ويستمد من القلب والدماغ وشرط ادراكه أن يستحيل كيفية البشرة إلى ضد المدرك من الحرارة والبرودة وغيرهما حتى يصير مدركا ولذلك لا يدرك إلا ماهو أبرد منه أو أسخن أو أخشن أو ألين والمثل قلما يدرك والمدركات مختلفة وهي مع اختلافها تستند الى مدرك واحد وعند قوم قوة اللمس جنس لأربعة أنواع من القوى إحداها حاكمة في التضاد بين الحار والبارد والثانية حاكمة في التضاد بين الرطب واليابس والثالثة حاكمة في التضاد بين الصلب واللين والرابعة حاكمة في التضاد بين الخشن والأملس وربما يزيدون على ذلك وهي الطليعة الأولى للنفس ولا يخلو جزء


42

من البشرة عن قوة اللمس ولا يوجد حيوان إلا وفيه قوة اللمس

والحكمة في القوة اللمسية هي أن الحكمة الإلهية لما اقتضت أن يكون حيوان يتحرك بالارادة مركبا من العناصر وكان لا يؤمن عليه اضرار الأمكنة المتعاقبة عليه عند الحركة أيد بالقوة اللمسية حتى يهرب بها من المكان الغير الملائم ويقصد بها المكان الملائم

ثم يليها من الحواس حاسة الشم ولما كان مثله من الحيوانات لا تستغني جبلته عن التغذي وكان اكتسابه للغذاء بتصرف ارادي وكان من الأطعمة ما لا يوافقه ومنها ما يوافقه أيد بالقوة الشمية اذا كانت الروائح تدل الحيوان على الأغذية الملائمة دلالة قوية

وحاسة الشم قوة مبثوثة في زائدتي الدماغ كحلمتي الثدي ويدرك بها الروائح المختلفة الطيبة منها والكريهة والحامل لها أيضا جسم لطيف في الحلمتين والممد لها الهواء اللطيف لا على أنه ينقل الرائحة من المتروح إلى الحاسة فقط بل على أنه يستحيل إليه بالمجاورة كما يستحيل بمجاورة النار والمبرد والهواء بلطافته أسرع قبولا للروائح منه للحرارة والبرودة وهذه القوة في الحيوانات أشد وأكثر وأول ما يتصل بالجنين بعد قوة اللمس هو قوة الشم ولهذا تحفظ الأم عن الروائح الكريهة وأن لاتشم شيئا من المطعومات إلا أكلته حتى لا يظهر خلل في الجنين وقد يظن أن النملة تحس بحس الشم حبا من الحبوب فتخرج من البيت فتطلبه وتصل اليه وان كان من وراء جدار وليس ذلك شما مجردا بل هو حس وقوة في حس وكيف لا والمطلوب ربما لا تكون له رائحة وقد يعبر كثيرا عن الحس بالشم وفي الخبر الأرواح جنود مجندة تشام كما تشام الخيل فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وإنما المراد بالتشام الاحساس

اما حاسة الذوق فهي أيضا طليعة تعرف الطعوم الموافقة والمنافية وهي قوة


43

مرتبة في العصب المفروش على جرم اللسان تدرك الطعوم المتحللة من الاجرام المماسة لها المخالطة للرطوبة العذبة التي فيه مخالطة محيلة فانها تأخذ طعم ذي الطعم وتستحيل اليه وربما تحيله اليها وكلما اتصل الطعم بذلك العصب ادركه العصب وهي التي تتلو الشم وتتصل هذه القوة بالجنين بعد قوة الشم فتظهر فيه عند الولادة فيتحرك الجنين ويحرك لسانه ويلعق نفسه بنفسه

اما حاسة البصر ووجه منفعتها فان الحيوان المتحرك بالارادة لما كان تحركه إلى بعض المواضع كمواقد النيران وعن بعض المواضع كقلل الجبال وشطوط البحار ربما يؤدي الى الاضرار به اوجبت العناية الإلهية اعطاء القوة المبصرة في اكثر الحيوان وهي قوة مرتبة في العصبة المجوفة تدرك صورة ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من اشباح الأجسام ذوات اللون المتأدية في الأجسام الشفافة بالفعل الى سطوح الأجسام الصقيلة

ولا تظن أنه ينفصل من المتلون شيء ويصل الى العين ولا أن ينفصل من العين شعاع فيمتد الى المتلون لكن يحدث صورة في الصقيل المستعد لقبول الصورة بشرط المقابلة المخصوصية وتوسط الشفاف فإذا حصلت الصورة في الجليدية أفضت إلى العصبة المجوفة التي فيها روح هو جسم لطيف مثل ما تقع الصورة على الماء الراكد فيفضي الى ملتقى الأنبوبتين المتصلتين بالعينين في مقدمة الدماغ فيدرك الحس المشترك من الصورتين المتحدتين صورة واحدة وإلا كان يجب أن يرى شيئين إذ الصورة في الجليدية صورتان ولما كانت الرطوبة الجليدية كروية والذي يقابل من سطح الكرة انما يقابلها بالمركز على خطوط موهومة خارجة من السطح الى المركز فحيثما قربت المسافة بين الرائي والمرئي كانت الخطوط أكثر والشكل المخروط منها الى المركز أقصر والزاوية أكبر وحيثما بعدت المسافة كانت الخطوط أقل والشكل المخروط منها الى المركز أطول والزاوية اصغر وذلك بسبب رؤية البعيد صغيرا والقريب على هيئته


44

وأما حاسة السمع فهي قوة مرتبة في العصب المتفرق في سطح الصماخ تدرك صورة ما يتأدى اليه بتموج الهواء المنضغط من قرع أو قلع انضغاطا بعنف يحدث منه صوت يتأدى الى الهواء المحصور الراكد في تجويف الصماخ ويحركه بشكل حركته فتماس الأمواج المختلفة تلك العصبة فتتأدى بها الى الحس المشترك

وقيل إن تلك العصبة مفروشة في أقصى الصماخ ممدودة مد الجلد على الطبل إلا أنها على دقة نسج العنكبوت وصلابة الجلد المدبوغ

وقيل إنها أعصاب كأوتار العود ممدودة في جوانب الصماخ وتتحرك تلك الأوتار بتحرك الهواء الراكد فيه فيحصل منه طنين وانما يتحرك على ترتيب تعاقب الحروف والأصوات واختلافها في الرفع والخفض والخفة والثقل والدقة والغلظ وكما أن الضياء شرط في الأبصار كذلك الهواء في السمع

والسمع انما يسمع من محيط الدائرة والبصر انما يبصر على خط مستقيم على أن تلك الخطوط المستقيمة تخرج من المحيط وتصل الى المركز من الكرة المدورة حتى ظن ظانون أن تلك الخطوط أشعة منبعثة من البصر الى القاعدة أو صور مقبوضة من القاعدة الى البصر وكلا الوجهين خطأ كما ذكرناه

والقوة السامعة تلي المبصرة في النفع ووجه منفعتها أن الأشياء الضارة والنافعة قد يستدل عليها بخاص أصواتها فأوجبت العناية الإلهية وضع القوة السامعة في أكثر الحيوان على أن منفعة هذه القوة في النوع الناطق من الحيوان تكاد تفوق الثلاث

وأما القوى المدركة من باطن فتنقسم بالقسمة الأولى ثلاثة أقسام منها ما يدرك ولا يحفظ ومنها ما يحفظ ولا يعقل ومنها ما يدرك ويتصرف ثم المدرك إما أن يدرك الصورة أو المعنى والحافظ إما أن يحفظ الصورة أو المعنى والمتصرف تارة يتصرف في الصورة وتارة في المعنى والمدرك تارة


45

يكون له ادراك أولي من غير واسطة وقد يكون له ادراك ولكن بواسطة مدرك آخر

والفرق بين الصورة والمعنى أن الصورة نعني بها في هذا المقام ما يدركه الحس الظاهر ثم يدركه الحس الباطن من غير أن يكون للحس الظاهر فيه مدخل فهذه تقاسيم المدركات على الجملة

أما تفصيلها وبيان اثباتها ومحالها فالمدرك للصورة هو الحس المشترك ويسمى بنطاسيا وخازنة الخيال والمدرك للمعنى القوة الوهمية وخازنها الحافظة والذاكرة والذي يدرك ويعقل هو القوة المتخيلة وما لا يعقل ما ذكرناه من الوهم والحس

أما بيان اثباتها فهو بحسب الوجدان أما اثبات الحس المشترك فهو أنك تبصر القطر النازل خطا مستقيما والنقطة الدائرة بسرعة خطا مستديرا كله على سبيل المشاهدة لا على سبيل التخيل ولو كان المدرك هو البصر الظاهر لكان يرى القطر كما هو عليه والنقطة كما هي عليها فانه لا يدرك إلا المقابل النازل وذلك ليس بخط فعلمنا أن ثم قوة أخرى ارتسم فيها هيئة ما رأى أولا وقبل ان تمحي تلك الهيئة لحقتها أخرى واخرى فرآها خطا مستقيما او خطا مستديرا والدليل عليه أنه لو اديرت النقطة لا بسرعة لترى نقطا متفرقة فعندك إذا قوة قبل البصر إليها يؤدي البصر ما يشاهده وعندها تجتمع المحسوسات فتدركها وكذلك الانسان يحس من نفسه انه اذا أبصر شخصا او سمع كلاما ادرك المبصر شخصا واحدا وادرك المسموع كلاما واحدا وما في العين عنده شخصان أعني شبحين في العينين وكلامين في الأذنين فعلم يقينا أن محل الادراك أمر وراء العينين والأذنين فالقوة المدركة لهما قوة واحدة اجتمعت عندها الصورتان أعني الشبحين في العينين على اتفاقهما والمدركان أعني المبصر والمسموع على اختلافهما فتلك القوة مجمع المتماثلات والمختلفات فسميناها الحس المشترك إذ لا


46

تكون النفس مدركة إلا بهذه القوة وسميناها اللوح إذ لا تجتمع المحسوسات إلا في هذه القوة وليس لها إلا الادراك فقط وانما يكون الارتسام والحفظ لقوة اخرى ومن خواص هذه القوة استحضار المحسوسات في الحواس أولا ثم إدراكها ثانيا ومن خواصها انها تدرك الجزئيات الشخصية دون الكليات العقلية ومن خواصها انها تحس باللذة والألم من المتخيلات كما تحس بالألم واللذة من المحسوسات الظاهرة

وأما بيان القوة الخيالية فانا نعلم أنا اذا رأينا شيئا وغبنا عنه أو غاب عنا بقيت صورته فينا كأنا نشاهدها ونراها فهي تحفظ مثل المحسوسات بعد الغيبوبة وبهاتين القوتين يمكنك ان تحكم أن هذا الطعم لغير صاحب هذا الكون وان لصاحب هذا الكون هذا الطعم فان القاضي بهذين الحكمين لا يمكنه القضاء مالم يحضره المقضي عليهما

وأما بيان القوة الوهمية فان الحيوانات ناطقها وغير ناطقها تدرك من الاشخاص الجزئية المحسوسة معاني جزئية غير محسوسة كما تدرك الشاة أن هذا الذئب عدوها والعداوة والمحبة غير محسوستين وتحكم عليهما كما تحكم على المحسوس فعلمنا ان هذه لقوة اخرى وللقوة الوهمية في الانسان أحكام خاصة منها حملها النفس ان تمنع وجود أشياء لا تتخيل ولا ترتسم في الخيال مثل الجواهر العقلية التي لا تكون في حيز ومكان ومنها اثبات الخلاء محيطا بالعالم ومنها موافقة المبرهن على تسليم المقدمات ثم مخالفته في النتيجة

وقد قيل إن القوة الوهمية هي الرئيسة الحاكمة في الحيوان حكما ليس فصلا كالحكم العقلي ولكن حكما تخيليا مقرونا بالأشياء الجزئية والصور الحسية


47

وعنها يصدر أكثر الأفعال الحيوانية

وأما بيان القوة الحافظة فانا نعلم انا إذا أدركنا المعاني الجزئية لا تغيب عنا بالكلية فانا نتذكرها ونستحضرها بأدنى تأمل فعلمنا أن لهذه المعاني خازنا يحفظها فتلك هي الحافظة ما دامت باقية فيها فإذا غابت واستعادت فهي الذاكرة ونسبة الحافظة الى المعاني كنسبة المصورة الى المحسوسات المتصورة في الحس المشترك

وأما بيان قوة التخيل فانا نعلم انا يمكننا أن ندرك صورة ثم نفصل ونركب ونزيد وننقص وندرك معنى فنلحقه بالصورة فهذا التصرف لغير ما ذكر من القوى ومن شأن هذه القوة ان تعمل بالطبع عملا منتظما أو غير منتظم وانما ذلك لتستعملها النفس على أي نظام تريده ولو لم يكن كذلك لكان أمرا طبيعيا غير مفتن ولما كان للانسان أن يتعلم الصناعات المختلفة والنقوش العجيبة والخطوط المنظومة ليكون مطبوعا على فعل واحد كسائر الحيوانات فهذه القوة تستعملها النفس في التركيب والتفصيل تارة بحسب العقل العملي وتارة بحسب العقل النظري وهي في ذاتها تركب وتفصل ولا تدرك وإذا استعملتها النفس في أمر عقلي سميت مفكرة وإذا أكبت على فعلها الطبيعي سميت متخيلة والنفس تدرك ما تركبه وتفصله من الصور بواسطة الحس المشترك وما تركبه وتفصله من الصور بواسطة القوة الوهمية

واما محال هذه القوى فاعلم أن هذه قوى جسمانية فلا بد لها من محال جسمانية خاصة واسم خاص فالحس المشترك آلتها ومحلها الروح المصبوب في مبادىء عصب الحس لا سيما في مقدم الدماغ

وأما القوة المصورة وتسمى الخيال فآلتها الروح المصبوب في البطن الأول من الدماغ ولكن في جانبه الأخير


48

وأما القوة الوهمية فمحلها وآلتها الدماغ كله ولكن الأخص بها التجويف الأوسط لا سيما في جانبه الأخير

وأما القوة المتخيلة فسلطانها في الجزء الأول من التجويف الأوسط وكأنها قوة ما للوهم وبتوسط الوهم للعقل

وأما البواقي من القوى وهي الذاكرة والحافظة فسلطانها في حيز الروح الذي في التجويف الأخير وهو آلتها وإنما هدي الناس الى القضاء بأن هذه هي الآلات وانها مختلفة المحال بحسب اختلاف القوى وأن الفساد إذا اختص بتجويف أورث الآفة فيه ثم اعتبار الواجب في حكمة الصانع الحكيم تعالى أن يقدم الأقنص للجرماني ويؤخر الأقنص للروحاني ويقعد المتصرف فيهما حكما واسترجاعا للمثل المنمحية عن الجانبين في الوسط جلت قدرته


49

القوى الخاصة بالنفس الانسانية

أما النفس الانسانية الناطقة قتقسم قواها أيضا إلى قوة عاملة وإلى قوة عالمة وكل واحدة من القوتين تسمى عقلا باشتراك الأسم فالعاملة قوة هي مبدأ تحريك لبدن الانسان إلى الأفاعيل الجزئية الخاصة بالروية على مقتضى آراء تخصها اصطلاحية ولها اعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية النزوعية واعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية المتخيلة والمتوهمة واعتبار بالقياس إلى نفسها وقياسها إلى القوة الحيوانية النزوعية أن يحدث منها فيها هيئات تخص الانسان يهيأ بها لسرعة فعل وانفعال مثل الخجل والحياء والضحك والبكاء وما أشبه ذلك

وقياسها إلى القوة الحيوانية المتخيلة والمتوهمة هو أن تستعملها في استنباط التدابير في الأمور الكائنة والفاسدة واستنباط الصنائع الانسانية وقياسها إلى نفسها أن فيما بينها وبين العقل النظري تتولد الآراء الذائعة المشهورة مثل إن الكذب قبيح والظلم قبيح والصدق حسن والعدل جميل وعلى الجملة جميع تفاصيل الشريعة فهو تفصيل هذه المشهورات المتولدة بين العقل النظري والعملي وهذه القوة هي التي يجب أن تتسلط على سائر قوى البدن على حسب ما توجبه أحكام القوة التي نذكرها حتى لا تنفعل عنها البتة بل تنفعل هي عنها وتكون


50

مقموعة دونها لئلا يحدث فيها عن البدن هيئات انقيادية مستفادة من الأمور الطبيعية وهي التي تسمى رذائل الأخلاق بل يجب أن تكون غير منفعلة البتة وغير منقادة بل متسلطة مستولية فتكون لها فضائل الأخلاق

وقد يجوز أن تنسب الأخلاق إلى القوى البدنية أيضا ولكن إن كانت هي الغالبة يكون لها هيئة فعلية ولهذه هيئة انفعالية فيكون شيء واحد يحدث منه خلق في هذا وخلق في ذلك وان كانت هي المغلوبة تكون لها هيئة انفعالية ولهذا هيئة فعلية غير غريبة ويكون الخلق واحدا وله نسبتان وانما كانت الأخلاق عند التحقيق لهذه القوة لأن النفس الإنسانية كما ظهر جوهر واحد وله نسبة وقياس إلى جنبتين جنبة هي تحته وجنبة هي فوقه وله بحسب كل جنبة قوة تنظم بها العلاقة بينه وبين تلك الجنبة

فهذه القوة العملية هي القوة التي لها بالقياس إلى الجنبة التي دونها هي البدن وسياسته

وأما القوة النظرية فهي القوة التي بالقياس إلى الجنبة التي فوقها لتنفعل وتستفيد منها وتقبل عنها فكأن للنفس منا وجهين وجه إلى البدن ويجب أن يكون هذا الوجه غير قابل البتة أثرا من جنس مقتضى طبيعة البدن ووجه إ لى المباديء العالية والعقول بالفعل ويجب أن يكون هذا دائم القبول عما هنالك والتأثر منه وبه كمال النفس فإذا القوة النظرية لتكميل جوهر النفس والقوة العملية لسياسة البدن وتدبيره على وجه يفضي به إلى الكمال النظري إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه

وأما القوة النظرية فهي قوة من شأنها أن تنطبع بالصور الكلية المجردة عن المادة فان كانت مجردة بذاتها فذاك وان لم تكن فانها تصيرها مجردة بتجريدها إياها حتى لا يبقى فيها من علائق المادة شيء وسنوضح هذا بعد


51

وهذه القوة النظرية لها إلى هذه الصور نسب وذلك أن الشيء الذي من شأنه أن يقبل شيئا قد يكون بالقوة قابلا له وقد يكون بالفعل والقوة تقال على ثلاثة معان بالتقديم والتأخير

فيقال قوة للاستعداد المطلق الذي لا يكون خرج منه شيء بالفعل ولا أيضا حصل مابه يخرج وهذا كقوة الطفل على الكتابة

ويقال قوة لهذا الاستعداد إذا كان لم يحصل إلا ما يمكن به أن يتوصل إلى اكتساب الفعل بلا واسطة كقوة الصبي الذي ترعرع عرف الدواة والقلم وبسائط الحروف على الكتابة

ويقال قوة لهذا الاستعداد إذا تم بالآلة وحدث معه أيضا كمال الاستعداد بأن يكون له أن يفعل متى شاء بلا حاجة إلى الاكتساب بل يكفيه أن يقصد فقط كقوة الكاتب المستكمل للصناعة إذا كان لا يكتب

والقوة الأولى تسمى قوة مطلقة هيولانية والقوة الثانية تسمى قوة ممكنة وملكة والقوة الثالثة كمال القوة فالقوة النظرية إذا تارة تكون نسبتها إلى الصور المجردة التي ذكرناها نسبة ما بالقوة المطلقة وذلك متى تكون هذه القوة للنفس لم تقبل بعد شيئا من الكمال الذي بحسبها وحينئذ تسمى عقلا هيولانيا وهذه القوة التي تسمى عقلا هيولانيا موجودة لكل شخص من النوع ولكن على السواء وفيها ترتب وتفاضل فيه خلاف بين الحكماء

وانما سميت هيولانية تشبيها بالهيولى الأولى التي ليست بذاتها ذات صورة من الصور وهي موضوعة لكل صورة وتارة نسبة ما بالقوة الممكنة وهي أن تكون الهيولانية قد حصل فيها من المعقولات الأولى التي يتوصل منها إلى المعقولات الثانية أعني بالمعقولات الأولى المقدمات التي بها يقع التصديق لا بالاكتساب ولا أن يشعر بها المصدق أنه كان يجوز له أن يخلو عن التصديق


52

بها وقتا البتة مثل اعتقادنا أن الكل أعظم منالجزء أو أن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية وهذه هي التي تسمى العلوم الضرورية فما دام انما حصل فيه من العقل هذا القدر فقط يسمى عقلا ممكنا أو عقلا بالملكة ويجوز أن تسمى عقلا بالفعل بالنسبة إلى الأولى وقد تكون أقوى من ذلك بان يكون قد حصل له من المعقولات النظرية بحيث يمكنه أن يتوصل بها إلى المعقولات الثانية ويجوز أن تكون نسبة ما بالقوة الكمالية وهو أن يكون قد حصل فيها أيضا الصور المعقولة المكتسبة بعد المعقولة الأولية إلا أنه ليس يطالعها ويرجع اليها بالفعل بل كأنها عنده مخزونة فمتى شاء طالع تلك الصورة بالفعل وعقلها وعقل أنه عقلها وتسمى عقلا بالفعل لأنه يعقل متى شاء بلا اكتساب تكلف وتجشم وإن كان يجوز أن تسمى عقلا بالقوة بالقياس إلى ما بعده

وتارة تكون نسبته نسبة ما بالفعل المطلق وهو أن تكون الصورة المعقولة حاضرة فيه وهو يطالعها بالفعل ويعقلها بالفعل ويعقل أنه يعقلها بالفعل فيكون حينئذ عقلا مستفادا وهذا هو العقل القدسي وانما سمي مستفادا لأنه سيتضح أن العقل بالقوة انما يخرج إلى الفعل بسبب عقل هو دائم الفعل وانه إذا اتصل به العقل بالقوة نوعا من الاتصال انطبع فيه بالفعل نوع من الصورة تكون مستفادة من خارج فهذه أيضا مراتب القوى التي تسمى عقلا نظرية وعند العقل المستفاد يتم الجنس الحيواني والنوع الانساني وهناك تكون القوة الانسانية تشبهت بالمبادىء الأولية للوجود كله وسيأتي زيادة شرح للعقل المستفاد القدسي في النبوة

بيان اختلاف الناس في العقل الهيولاني الذي هو الاستعداد المطلق

إعلم أن الحكماء اختلفوا في هذا الاستعداد هل هو متشابه في جميع أشخاص النوع أم مختلف فقالت جماعة إنها متشابهة في هذا الاستعداد وانما


53

الاختلاف راجع الى استعمال ذلك الأمر المستعد في نوع من العلم دون نوع فيخرج إلى الفعل فيظهر الاختلاف

وقالت جماعة إنها مختلفة الاستعداد على حسب اختلاف الأمزجة وما يخرج منها إلى الفعل فانما يخرج ذلك على حسب ذلك الاستعداد وليس حكمها حكم الهيولى في أنها قابلة لكل صورة فإن الهيولى الأولى قابلة للصورة الأولى وهي الجسمية وهي متشابهة في جميع الأجسام ثم تقبل بواسطتها صورة صورة على حسب تركبها من الصورة الثانية والهيولى الثانية ولهذا لم يكن للهيولى الأولى وجود في ذاتها دون الصورة الأولى ولا للجسم المطلق وجود دون أن يكون إما نارا أو هواء أو غير ذلك والأمر ههنا بخلاف ذلك فان النفس لها وجود محقق واستعداد لذلك الوجود فيجب أن يكون مختلفا بحسب اختلاف الموضوع

وإن قيل إن النفس الانسانية متشابهة في النوع وسلم ذلك فلا شك أنها مختلفة في الشخص والعين بحسب اختلاف العوارض المشخصة فيختلف الاستعداد في العقل الهيولاني على حسب ذلك فان النفس انما تفيض من المباديء على قدر الاستعداد فكلما كان المزاج أعدل كانت النفس أشرف وينضاف اليه طوالع الكواكب واجرام السماوات فاذا كما أن النفس وان كانت متحدة في النوع فبينها تفاضل وترتب فكذلك الاستعداد مترتب على شرف النفس فرب نفس نبي يستغني عن الفكرة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ورب نفس غبي لا يعود عليه الفكر برادة وهذا الرأي أقوى وأقرب إلى مناهج الشرع


54


55

مراتب العقل من الكتاب الالهي

اعلم أن الله تعالى ذكر هذه المراتب في آية واحدة فقال الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم

فالمشكاة مثل للعقل الهيولاني فكما أن المشكاة مستعدة لان يوضع فيها النور فكذلك النفس بالفطرة مستعدة لأن يفيض عليها نور العقل ثم إذا قويت أدنى قوة وحصلت لها مباديء المعقولات فهي الزجاجة فإن بلغت درجة تتمكن من تحصيل المعقولات بالفكرة الصائبة فهي الشجرة لأن الشجرة ذات أفنان فكذلك الفكرة ذات فنون فإن كانت أقوى وبلغت درجة الملكة فان حصل لها المعقولات بالحدس فهي كالزيت فإن كانت أقوى من ذلك فيكاد زيتها يضيء فإن حصل له المعقولات كأنه يشاهدها ويطالعها فهو المصباح ثم إذا حصلت له المعقولات فهو نور على نور نور العقل المستفاد على نور العقل الفطري ثم هذه الأنوار مستفادة من سبب هذه الأنوار بالنسبة اليه كالسراج


56

بالنسبة إلى نار عظيمة طبقت الأرض فتلك النار هي العقل الفعال المفيض لأنوار المعقولات على الأنفس البشرية وان جعلت الآية مثالا للعقل النبوي فيجوز لأنه مصباح يوقد من شجرة أمرية مباركة نبوية زيتونة أمية لا شرقية طبيعية ولا غربية بشرية يكاد زيتها يضيء ضوء الفطرة وان لم تمسه نار الفكرة نور من الأمر الربوبي على نور من العقل النبوي يهدي الله لنوره من يشاء


57

تظاهر العقل والشرع وافتقار أحدهما الى الآخر

اعلم أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع والشرع لم يتبين إلا بالعقل فالعقل كالأس والشرع كالبناء ولن يغني أس ما لم يكن بناء ولن يثبت بناء ما لم يكن أس

وأيضا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر فلهذا قال تعالى قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه

وأيضا فالعقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده فما لم يكن زيت لم يحصل السراج وما لم يكن سراج لم يضىء الزيت وعلى هذا نبه الله سبحانه بقوله تعالى الله نور السموات والأرض إلى قوله نور على نور فالشرع عقل من خارج والعقل شرع من داخل وهما متعاضدان بل متحدان ولكون الشرع عقلا من خارج سلب الله تعالى اسم العقل من الكافر في غير موضع من


58

القرآن نحو قوله تعالى صم بكم عمي فهم لا يعقلون ولكون العقل شرعا من داخل قال تعالى في صفة العقل فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم فسمى العقل دينا ولكونهما متحدين قال نور على نور أي نور العقل ونور الشرع

ثم قال يهدي الله لنوره من يشاء فجعلها نورا واحدا فالشرع إذا فقد العقل لم يظهر به شيء وصار ضائعا ضياع الشعاع عند فقد نور البصر والعقل إذا فقد الشرع عجز عن أكثر الأمور عجز العين عند فقد النور

واعلم أن العقل بنفسه قليل الغناء لا يكاد يتوصل إلى معرفة كليات الشيء دون جزئياته نحو أن يعلم جملة حسن اعتقاد الحق وقول الصدق وتعاطي الجميل وحسن استعمال المعدلة وملازمة العفة ونحو ذلك من غير أن يعرف ذلك في شيء والشرع يعرف كليات الشيء وجزئياته ويبين ما الذي يجب أن يعتقد في شيء شيء

وعلى الجملة فالعقل لا يهدي إلى تفاصيل الشرعيات والشرع تارة يأتي بتقرير ما استقر عليه العقل وتارة بتنبيه الغافل واظهار الدليل حتى يتنبه لحقائق المعرفة وتارة بتذكير العاقل حتى يتذكر ما فقده وتارة بالتعليم وذلك في الشرعيات وتفصيل أحوال المعاد فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة


59

والأفعال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والآخرة ومن عدل عنه فقد ضل سواء السبيل وإلى العقل والشرع أشار بالفضل والرحمة بقوله تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا وعنى بالقليل المصطفين الاخيار


60


61

حقيقة الادراك ومراتبه في التجريد

إعلم أن الادراك أخذ صورة المدرك وبعبارة أخرى الادراك أخذ مثال حقيقة الشيء لا الحقيقة الخارجية فان الصورة الخارجية لا تحل المدرك بل مثال منها فان المحسوس بالحقيقة ليس هو الخارج بل ما تمثل في الحاس فالخارج هو الذي المحسوس انتزع منه والمحسوس هو الذي وقع في الحال فشعر به ولا معنى لشعوره إلا وقوعه فيه وانطباعه به وكذلك المعقول هو مثال الحقيقة المرتسم في النفس لأن العقل يجرده عن جميع العوارض واللواحق الغريبة ان كان يحتاج إلى التجريد

وأما مراتب الادراكات في التجريد فاعلم أولا أن المدرك الذي يفتقر إلى تجريد لا يخلو في الوجود الخارجي عن لواحق غريبة وأعراض غاشية من قدر وكيف وأين ووضع فإن الانسان مثلا له حقيقة وهو الحي الناطق وتلك الحقيقة عامة لأشخاص النوع ولا تكون في الوجود تلك الحقيقة لا خاصة ولا عامة إلا مع لواحق غريبة فان الانسان لو كان عاما لما كان زيد الخاص انسانا ولو كان خاصا بأن يكون زيد هو الانسان لكونه زيدا لما كان عمرو انسانا لأن الشيء إذا كان لذاته ما وجد لغيره

فإذا فهمت هذا فاعلم أن مراتب المدركات مختلفة في التجريد عن هذه الغواشي واللواحق وهو على أربع مراتب


62

الأولى انما هي الحس فانه يجرد نوعا من التجريد إذ لا تحل في الحاس تلك للصورة بل مثال منها إلا أن ذلك المثال انما يكون إذا كان الخارج على قدر مخصوص وبعد مخصوص ويناله مع تلك الهيئة والوضع فلو غاب عنه أو وقع له حجاب لا يدركه

المرتبة الثانية ادراك الخيال وتجريده أتم قليلا وأبلغ تحصيلا فإنه لا يحتاج إلى المشاهدة بل يدرك مع الغيبوبة إلا أنه يدرك مع تلك اللواحق والغواشي من الكم والكيف وغير ذلك

المرتبة الثالثة إدراك الوهم وتجريده أتم وأكمل مما سبق فإنه يدرك المعنى عن اللواحق وغواشي الأجسام كالعداوة والمحبة والمخالفة والموافقة إلا أنه لا يدرك عداوة كلية ومحبة كلية بل يدرك عداوة جزئية بأن يعلم أن هذا الذئب عدو ومهروب عنه وإن هذا الولد صديق معطوف عليه

المرتبة الرابعة إدراك العقل وذلك هو التجريد الكامل عن كل غاشية وجميع لواحق الأجسام بل جناب ادراكه منزه عن أن يحوم به لواحق الاجسام من القدر والكيف وجميع الاعراض الجسمية ويدرك معنى كليا لا يختلف بالاشخاص فسواء عنده وجود الاشخاص وعدمها وسواسية لديه القرب والبعد بل ينفذ في أجزاء الملك والملكوت وينزع الحقائق منها ويجردها عما ليس منها هذا ان كان يحتاج المدرك الى تجريد فإن كان منزها عن لواحق الاجسام مبرا عن صفاتها فقد كفى المؤنة فلا يحتاج إلى أن يفعل به فعلا بل يدركه كما هو


63

سؤالات وانفصالات تحتها نفائس من العلوم

السؤال الأول فان قيل قد قلتم فيما سبق إن النفس قد يكون له استعداد محض بالنسبة إلى المعقول وقد قلتم إن كل مجرد عن لواحق المواد فهو عقل بالفعل فما أرى هذا إلا تناقضا فان كان النفس مجردا فهو عقل بالفعل وان لم يكن مجردا فليس بعقل

فان قلتم إنه عقل بالفعل وانما لا يدرك المعقول لاشتغاله بالبدن فكيف كان يكون البدن تابعا له خادما في كثير من الأشياء وكيف يكون معينا له على التردد في ترتيب المقدمات واستنتاج النتائج من الفكر الخالية وكيف يكون تابعا عائقا

قلنا ليس كل مجرد كيفما كان هو عقل بالفعل أي تكون المعقولات حاصلة له دفعة بل المجرد التام هو الذي لا تكون المادة سببا لحدوثه بوجه من الوجوه ولا سببا لهيئة من هيئاته ولا لتشخصه وقولك كيف يكون تابعا وعائقا هذا غير مستبعد فقد يكون الشيء ممكنا من شيء وعائقا عنه فالبدن قد يعين النفس في كثير من الأشياء على ما سيتلى عليك وقد يكون عائقا عن


64

كثير من الأشياء على ما سيتلى عليك وقد يكون عائقا عن كثير من الاشياء وذلك إذا أكبت على الشهوات ومقتضى صفات البدن واشتغلت بالحواس الظاهرة والباطنة السؤال الثاني

فان قيل قد قيل إن النفس إذا حصلت فيها الصورة المعقولة لا يبطل استعدادها ومعلوم أن الاستعداد مع حصول الصورة بالفعل لا يجتمعان

قلنا هذا نوع مغالطة وعماية فان الاستعداد انما يكون بالنسبة إلى ما لم يحصل لا بالنسبة إلى ما حصل وما يحصل لنا من المعقولات غير متناه ولا يحصل دفعة ما دامت النفس مشغولة بالبدن أو بما صحبها من عوارض البدن بل انما يحصل بقدر ما يكتسب وبقدر ما يفيض عليها من هداية الله وأنوار رحمته

نعم قد تكون النفس في الاستفاضة والاستعداد مختلفة فنفس كأنه زيت يضيء ولو لم تمسسه نار فتطلع على جلايا من المعقولات غير محصورة دفعة واحدة فيكون الفيض به متواصلا متواليا متواترا غير مفقود وأخرى له تفكر كثيرا لا يرجع الفكر عليه برادة واخرى متوسطة بينهما وفي تلك الأوساط تفاوت وأعداد ومراتب لا تحصى وفيها يتفاوت الناس رفعة ودرجة وعزا وذكرا وقربا من الله تعالى السؤال الثالث

فإن قيل معلوم إن النفس انما تطلع على المعقولات بواسطة ملك يسمى عقلا يفيض منه المعقولات على النفس البشرية وهي انما تتصل به بواسطة مطالعة الصور في الخيال أعني الفكر والنظر وترتيب المقدمات بعضها على بعض وهذا انما يكون إذا كان الجسم والخيال باقيا فإذا تعطل الخيال بالموت فكيف تتصل


65

به حتى يفيض عليه حقائق المعقولات وقد قلتم إن البدن عائق فإذا فارق البدن يطلع على المعقولات ويتصل به دوام الفيض فكيف يكون هذا

قلنا اعلم أن النفوس مختلفة فنفس مشرق صاف عن الكدورات يتلألأ فيه أنوار العلوم مؤيد من عند الله ثاقب الحدس ذكي الذهن لا يحتاج إلى الفكر والنظر بل يفيض عليه من أنوار العلوم بواسطة الملأ الأعلى ما يشاء من المعقولات مع براهينها بل ولو لم يشأ حتى كأنه من كثرة ما يستولي عليه من المعقولات يشرق على خياله وحسه فهذا النقش من المعقول يأتي المحسوس والمخيل فيحاكيه بما يناسبه من الأمثلة فيخبر عنه فهذا في جلابيب البدن كأنه قد نضاها واتصل بعالم القدس فسواء عنده مفارقة البدن وملابسته فإنه يستعمل البدن لا البدن يستعمله وينتفع به البدن لا هو ينتفع بالبدن ويخرج العقول إلى الفعل لا انه يخرج إلى الفعل فهذا هو العقل القدسي النبوي ونفس أخرى انما تصل إلى العلوم وحقائق المعقولات بواسطة البدن وقواه واكتسابه العلوم بواسطة المقدمات الخيالية ولكن هذا انما يكون ما دام ملابسا للبدن فإذا فارق البدن وكان مستقلا مستوسقا وكان قد حصل له استعداد بالغ وزيته قد صفي ونفسه قد هذب فإذا فارق اتصل ولا يحتاج إلى الخيال والفكر بل يكون عائقا وكثيرا ما يصير المعين عائقا إذا استغنى عنه وتفاوت هذا الصنف الوسط من النفوس كثير وفيه تتفاوت السعادة والرفعة والقربة من الله تعالى ونفس تكون متشبثة بالاقناعات الواهية والخيالات المتداعية فإذا فارقت البدن تكون الخيالات متشبثة بها فأما أن يبقى فيها أو يتخلص بعد حين السؤال الرابع

فإن قيل قد قيل إن النفس قد تطالع الصور الخيالية وهي في أجسام والنفس مفارقة لا تحاذي الأجسام ولا توازيها فكيف يكون هذا


66

قلنا هذا انما يشكل أن لو كان يأخذها خيالية جسمانية أما إذا كان يأخذها مجردة فليس فيه إشكال وقولك بأنها مفارقة والصور جسمانية هذا صحيح ولكن معلوم ان بين النفس والبدن علاقة معقولة يتأثر أحدهما عن الآخر ولهذا إذا تذكر النفس جانب القدس اقشعر البدن ويقف شعره وكذلك النفس تتأثر عن مقتضيات البدن من الغضب والشهوة والحس وغير ذلك فالنفس مهما طالعت الصور الخيالية على الوجه الذي يليق بها فانه يتأثر عنها وإذا تأثر عنها استعد لأن يفيض عليه المطلوب رحمة من الله ولطفا به ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ان لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها فينبغي أن تكون النفس متعرضة لنفحات فضل الله حتى يفيض عليها إذ ليس في جود الجواد الحق بخل وليس بيدنا تحصيل المعقولات بل التعرض لتلك النفحات ثم استعداد التعرض أيضا موهبة إلهية لا تنال بيد الاكتساب السؤال الخامس

فإن قيل معلوم إن النفس تعقل المعقولات مترتبة مفصلة وقد قيل إن ما يعقل المعقولات المترتبة المفصلة فليس ببسيط واحد من كل وجه وقد ثبت أن ما يدرك المعقولات كيفما كان يكون مجردا لا تقدير للانقسام فيه فالنفس إما أن تكون صورة مادية فتكون جسمانية فينبغي أن لا تدرك المعقولات أو تكون مجردا مفارقا فيكون إدراكها لا على الترتيب والتفصيل وليس بين الحالتين مرتبة أخرى

قلنا صدقت فيما قلت النفس تدرك المعقولات مفصلة ومرتبة وما يدرك المعقولات مفصلة مرتبة فليس له وحدة صرفة وتجريد محض إذ هو بالنسبة إلى بعض المعقولات بالقوة ففيه ما بالقوة وفيه ما بالفعل فالواحد الحق هوالله سبحانه فلا جرم ليس له شيء منتظر لا ذاته ولا صفاته ويكون التركيب منفيا عنه من كل وجه قولا وعقلا وقدرا ما سواه فلا يخلو عن تركيب ما وان كان من حيث


67

العقل لا تركيبا جسمانيا أو متوهما حتى أن العقل الذي هو المبدع الأول لا يكون واحدا صرفا بل فيه اعتباران ولهذا صدر منه أكثر من الواحد السؤال السادس

فان قيل إذا حصلت الصورة المعقولة للنفس استحضرت النفس تلك الصورة فهل تحتاج إلى إدراك آخر انها أدركت أو حصلت لها الصورة المعقولة المجردة

قلنا لا بل نفس الادراك وإنما هو حصول الصورة مجردة للنفس فإن حصلت فقد أدركتها وإلا فيعد غير مدرك ولا واسطة بينهما ولا يحتاج إلى إدراك آخر فإنه يتسلسل السؤال السابع

فان قيل النفس في تحصيل المعقولات تفزع إلى القوة المفكرة فتستعملها في ترتيب المقدمات واستنتاج المطالب وهذا انما يكون في اليقضة إذا أقبلت عليها وفي النوم تتعطل المخيلة وكذا بعد الموت فكيف يحصل بعد ذلك المعقول

قلنا أولا غير مسلم إن القوة المفكرة تبطل في النوم وان النفس تتعطل عن ذلك بل كثيرا ما تستولي النفس على المتخيلة إذا كانت خالية عن شواغل الحواس فتغصبها وتستعملها في مطالبها ولهذا ينكشف كثير من المعقولات في النوم

نعم الغالب أن المتخيلة تستولي في النوم ولا تطيع النفس وتجد الحس المشترك خاليا فتنقش فيه الصورة ولهذا يحتاج أكثر الرؤيا إلى التعبير ثم النفس قد تحتاج في المعقول إلى المفكرة بل يكون قوي الحدس زاكي النفس


68

فيحصل له المعقولات ابتداء فإن لم تحصل ابتداء فعقب شوق إلى تحصيل معقول فيفيض عليه المعقولات فان عجز عن ذلك ولا يكون له القوة الحدسية القدسية فحينئذ تفزع إلى الفكر واستعمال التخيل في استنباط المعقول السؤال الثامن

فإن قيل قد سلف إن النفس تدرك المعاني الكلية المجردة وتدرك نفسها وهي جزئية فكيف يكون هذا

قلنا تدرك المجردات عن لواحق الأجسام وعوارض المواد سواء كان كليا أو جزئيا ونفسك وان كان جزئيا ولكن هو مجرد عن صفات الأجسام فتشعر بنفسك إنما لا تدرك نفسك الأجسام إلا بآلة جسمانية أما نفسك فليست بجسمانية وادراك نفسك لنفسك ليس إلا حصول حقيقتها لها فإن حقيقتها المجردة حاصلة لها وليس ذلك مرتين فإن حقيقتها واحدة ليست مرتين وقد بينا أنه لا معنى للمعقول إلا حصول مجرد للعاقل وليس كل معقول يحصل لشيء كيف كان يكون معقولا بل مع شرط زائد وهو أن يكون مجردا ولا نعني بقولنا حقيقتنا حاصلة لنا بالوجود فان الوجود يكون لكل شيء

ومن هذا تتنبه لسر عظيم وهو أن الحقيقة التي لنا لا يشاركنا فيها غيرنا من الحيوانات فإن حقيقتنا المجردة غير حاصلة لها ولا نعني أيضا ان أصل حقيقتنا بالقياس إلى نفسه أنه موجود الوجود الذي له ثم بالقياس إلى نفسه أنه معقول بزيادة أمر فإن حقيقة النفس لا يعرض لها مرة شيء ومرة ليس ذلك الشيء وهي واحدة في وقت واحد فليس لكونها معقولة زيادة شرط على كونها موجودة الوجود الذي لها بل زيادة شرط على الوجود مطلقا وهو أن وجودها وماهيتها أنها معقولة حاصلة لها في نفسها ليس لغيرها

وهذا أجل ما أعرفه في هذه الفصول والبيانات ويحتاج إلى تصور ورسوخ في


69

النفس فإن الأمور التصديقية لا يمكن أن يخبر عنها ما لم تصور في النفس ولم تترسخ فإذا تمكنت النفس من التصور سارعت إلى التصديق

وينبغي على هذا الفصل معرفة جميع الصفات الآلهية لأن صفاته كلها اعتبارات واضافات وسلوب وليست زائدة على الذات ولا توجب كثرة في الذات السؤال التاسع

فإن قيل إن كان التعقل هو أن يحصل للعاقل حقيقة المعقول فإذا يحصل لنا إذا عقلنا الإله والعقول بصور حقائقها فلكل إذا منها حقيقتان فلم لا يجوز أن يحصل لذواتنا أيضا حقيقتان وهناك يجوز

قلنا إذا أمكننا أن نعقل المفارقات بصور حقائقها في نفوسنا فيكون لها حقيقتان حقائق في أنفسها لأنفسها وهي بها مفارقة وحقائق متصورة فينا فهي لنا وهي أعراض وأمثلة لتلك الحقائق فإن العلوم بالجواهر لا يكون جواهر بل تكون في الأذهان عوارض وفي أنفسها جواهر ثم إنا نشعر بذواتنا وليس شعورنا بها إلا حصول حقيقتنا لنا من غير واسطة وإلا فيحصل دور وذلك أنا إذا قلنا تعقلنا ذاتنا وأردنا بها إدراكا ومثالا غير حصول الحقيقة فانما يكون تعقلا ان لو حصل حقيقته لنا وانما تحصل الحقيقة ان لو تعقلنا وليس يتعلق الكلام بالتعقل أو الشعور بل بكل إدراك كان فانه ملاحظة لحقيقة الشيء لا من حيث هي خارجة ولو كانت المدركات هي الخارجة لم تكن الأمور المعدومة معقولة بل هي فينا وليست الملاحظة وجودا لها ثانيا بل نفس انتقاشها فينا وإلا لتسلسل إلى غير النهاية إلا أنا على سبيل التوسع نقول نلاحظ حقائقها تشبها بالمحسوسات على مجرى العادة وعند التحقيق المحسوسات أيضا


70

ملاحظتها حصول حقائقها التي هي بها محسوسة لنا حتى تصير الخارجة بها ملاحظة السؤال العاشر

فان قال قائل إحسب أنا نعقل ذواتنا ولكن لم يتبين بعد أنه هل يجوز أن نعقل بآلة جسمانية أم لا وهل القوة العقلية في جسم أم لا فلم لا يجوز أن نحصل القوة العقلية في الجسم فتشعر بها القوة الوهمية كما أن القوة العاقلة تشعر بالقوة الوهمية فلا تكون ذات القوة العقلية حاصلة لذاتها بل لغيرها كما أن القوة الوهمية ليست حاصلة لذاتها بل مثلا للقوة العقلية

قلنا فينا أولا قوة ندرك بها المعاني الكلية وأخرى بها ندرك الجزئيات والقوة التي ندرك بها الكلي تدرك بما يدرك به الكلي وذلك سمه ما شئت لكنا نسميه القوة العقلية ولا يخلو إما أن يعتبر الشعور أو الادراك العقلي أما الادراك العقلي فقد عرف ما يوجبه واما الشعور فأنت انما تشعر بهويتك بذاتك لا ببعض قواك إذ لو شعرت ذاتك ببعض قواك كحس أو تخيل أو توهم لم يكن المشعور هو الشاعر وأنت مع شعورك بذاتك تشعر أنك إنما تشعر بنفسك فأنت الشاعر وأنت المشعور

ثم ان كان الشاعر بنفسك قوة غير ذاتك فلا يخلو إما أن تكون قائمة في نفسك أو في جسم فان كانت قائمة في نفسك فيكون وجود نفسك لقوة نفسك فيرجع على نفسها مع القوة ولا يكون لغيرها وان كانت تلك القوة قائمة في جسم ونفسك غير قائمة في ذلك الجسم فيكون الشاعر ذلك الجسم بتلك القوة لشيء مفارق ولا يكون هناك شعور بذاتك بوجه ولا إدراك لذاتك بخصوصيتها بل يكون جسم ما يحس بشيء غيره كما تحس ببدنك على أن إدراك القوة الجسمانية الجوهر المفارق محال وإن كانت نفسك بتلك القوة قائمة في ذلك الجسم فقد بينا استحالة ذلك فإنه يلزم أن تكون النفس


71

وقوتها وجودهما لغيرهما فلا تكون النفس بتلك القوة تدرك ذاتها ولا ذلك الجسم لأن ماهية القوة والنفس معا لغيرهما وهو ذلك الجسم وان كان جوهر النفس هو القوة التي بها يدرك فليسا يفترقان السؤال الحادي عشر

فإن قيل وما يدرينا أن شعورنا بذاتنا هو تعقلنا له فعسى هو ادراك آخر لا يقتضي ذلك الادراك أن تكون حقيقة ذاتنا حاصلة لنا بل هو أثر على وجه ما حصل لنا من ذاتنا فلا يكون ذلك الأثر هو بعينه حقيقة الذات فلا يمتنع أن يكون لنا حقيقة وجود يحصل منها لنا أثر فنشعر بذلك فلا يكون الأثر هو الحقيقة فلا يكون قد حصل لنا ذاتنا لذاتنا

قلنا من لا يتصور حقيقة ماهيته فليس يعقل ماهيته وليس الإدراك إلا تحقق حقيقة الشيء من حيث يدرك وهو معنى الشيء بالقياس إلى لفظه

وقوله يحصل لنا أثر فنشعر بذلك الأثر فلا يخلو إما أن يجعل الشعور نفس حصول الأثر أو شيئا يتبع حصول الأثر فان كان نفس حصول الأثر فقوله فنشعر بذلك الأثر لا معنى له بل هو اسم آخر وقول آخر مرادف له فإن كان الشعور شيئا يتبعه فاما أن يكون حصول معنى ماهية الشيء أو غيره فإن كان غيره فيكون الشعور هو تحصيل ما ليس ماهية الشيء ومعناه وان كان هو هو فتكون ماهية الذات تحتاج في أن يحصل لها ماهية الذات إلى أثر آخر به تحصل ماهية الذات يحصلها أثر فليست متأثرة بل متكونة وان كانت ماهية الذات تحصل ثانيا بحال آخر من التجريد أو نزع بعض ما يقارنها من العوارض أو زيادة تضاف اليها فيكون المعقول هو الذي بحال أخرى وكلامنا في نفس الماهية وجوهرها الثابت في الحالين


72

السؤال الثاني عشر

فإن قال قائل قد ذكرتم إن المانع عن التعقل هو المادة والاشتغال بالبدن فما الدليل على أن المانع هو المادة وأنه محصور فيها

قلنا من علم الذات العاقلة حقيقة علم أن المانع هو المادة وذلك لأن الذات التي تتجلى فيها حقائق الأشياء هي الجوهر المجرد عن غواشي الأجسام وليس فيه ما يكون بالقوة وكل جوهر هذا حقيقته فانه يتأثر ولا ينفعل عن الغواشي الغريبة فان تأثر عن غاش غريب فيكون بسبب المادة لأن المادة هي التي تغشى لها غرائب وعوارض فاذا كل ما يكون عقلا فانه متحقق الذات مجرد عن المواد ولا ينفعل ولا يتأثر ولا يكون ما فيه بالقوة وكل ما يكون له يكون دفعة واحدة السؤال الثالث عشر

فان قيل ما ذكرتموه هدم لقاعدة عظيمة فان مساق هذا الكلام يقتضي أن يكون نفسنا جوهرا ماديا فانه معلوم أنه يقبل المعقولات شيئا فشيئا ويتأثر وينفعل عن الغواشي الغريبة فلو لم يكن جوهرا ماديا فينبغي أن لا يتأثر ويحصل له المعقولات دفعة ومعلوم أن الأمر بخلاف ذلك

قلنا غفلت عن دقيقة فإنا قلنا كل ما يكون عقلا يكون متحقق الذات ولا ينفعل وهذا موجبة كلية فعكسها يكون موجبة جزئية وهو أن بعض ما يكون متحقق الذات ولا ينفعل يكون عقلا ولا يلزم ان نفسنا تكون جوهرا متحقق الذات بريا عن لواحق المادة وعن صفات الأجسام

نعم إنما يقبل المعقولات شيئا فشيئا بسبب انه يحتاج في كثير من المعقولات في أكثر النفوس إلى الاستعانة بالبدن ولا يطاوعه البدن ولا يشايعه


73

في مقصوده فتنبتر عليه مقاصده ومطالبه وان طاوعه في لمحة فيكون كبرق خاطف فيعقبه ما يشوش عليه فكره وينغص وقته فنسأل الله التأييد والتسديد والرشاد إلى سواء السبيل السؤال الرابع عشر

فإن قيل قد قلتم إن ذاتك إذا كانت حاصلة لك فهي معقولة لك ودليله ان الذات إما ان تكون حاصلة لغيرك أو ليس لغيرك فان لم تكن حاصلة لغيرك فتكون حاصلة لك وما يدرينا فلعلها حاصلة لا لغيره ولا لذاته

قلنا هذا روم درجة بين النفي والاثبات ولا واسطة ثم لو لم تكن ذاتك لك لما قلت ذاتي ونفسي لأنه لو كان لغيرك لما قبل هذه الاضافة ثم التحقيق فيه وهو سر عظيم وفتح باب من خزائن العلوم هو أن كل شيء حقيقته الصرفة لا توجد متعينة بلا لوازم تتعين بها فهو من حيث حقيقته شيء ومن حيث أنه ملزوم لوازم شيء وبالجملة إذا أخذت الحقيقة مع اللوازم شيء وهو إنما يتعين لا بأنه حقيقة بل من حيث أنه ملزوم لوازم فبتلك اللوازم يتعين فإذا تكون حقيقة الذات في نفسها لا بشرط آخر شيء ومن حيث هو متعين شيء فتكون هناك غيرية تقبل الاضافة والنسبة والله المرشد السؤال الخامس عشر

فإن قيل قد ذكرتم إن للنفس ملكة بها تتمكن من تحصيل المعقولات فهذه الملكة التي بها تستحصل الصور المعقولة ان كانت قوة طارئة على النفس فالنفس مركبة وقد أقمتم البرهان على أنه واحد ليس بمركب ثم لا يصح البرهان بعد ذلك على أنها لا تفسد بالموت وان لم تكن قوة طارئة عليها بل استكمالا فتكون من حيث تؤثر تتأثرو من حيث تفعل تنفعل ثم ما البرهان على انها ليست قوة طارئة وانها استكمال وكيف حل هذا السؤال ان كان استكمالا


74

قلنا إعلم ان النفس في ذاتها جوهر ليس بمركب الذات إذا أخذ مع تلك الملكة الحاصلة والاستكمال انما يكون من خارج فليس هو من حيث يؤثر يتأثر ولا من حيث يفعل ينفعل وكأن هذا الاستكمال يفعل في جوهر النفس صورا فهو من حيث أنه يتصور بها النفس استكمال ومن حيث انه يتمكن بها من الاطلاع على صور أخرى معقولة قوة ومن حيث هي لازمة لا مقومة ولا طارئة السؤال السادس عشر

فان قيل قد أثبتم بالبرهان أن النفس من المفارقات فكيف تنتفع بالبدن وما فيه من الحس والخيال وكيف تكتسب العلوم بواسطة قوة التخيل وتحصل الفضائل وتكتسب الرذائل بواسطة القوى البدنية وكيف تؤثر الطاعات والمواظبة على العبادة في التنوير والتصفية وكيف تؤثر المعاصي والانهماك في الشهوات حتى يرتقي منها ظلمات إلى النفس فيبطل بها الاستعداد الفطري

قلنا هذا سؤال شريف والانفصال عنه أشرف منه وإعطاء البرهان في ذلك مشكل وإنما الطريق فيه الوجدان والعرفان يقينا والنفس خلقت بالفطرة مستعدة للعلوم والعلوم تحصل فيها بالتدريج فلا بد من استعمال الفكر والخيال كما قدمنا وكما نذكر بعد ذلك من انتفاع النفس بالقوى

اما تأثير الطاعات والمعاصي في التنوير والاظلام فذلك لأن سعادة النفس وكمال جوهرها ان تكون مولية وجهها شطر الحق معرضة عن الحواس منخرطة في سلك القدس مستديمة لشروق نور الحق في سرها فكل ما يكون مانعا من ذلك يكون حاطا لها عن درجتها وتقدر بقدر ما تعرض عن حضرة الجلال والالتفات إلى جانب القدس باتباع الشهوات تعرض عنها الأنوار الآلهية


75

وكلما كانت ادرب بالمعقولات كانت إلى السعادة أقرب فالنفس لها قرب وبعد فقربها بقدر العلوم وتحصيل الفضائل وبعدها بالجهل وتحصيل الرذائل

وبهذا يتبين سر أنوار إتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله فان له خاصية عظيمة في تنوير القلب فان القلب إنما يتجلى فيه جلايا الحقائق بأن يكون معدلا مصقلا منورا وتصقيله بالتوجه إلى جناب القدس وبالأعراض عن مقتضى الشهوات وتعديله بالأخلاق الحسنة الموافقة للسنة وتنويره بالذكر ووظائف العبادات ولا دليل أقوى في هذا من التجربة والوجدان فكل من ليس له سبيل اليه بالعرفان ولا بالوجدان فينبغي ان يصدق به فانه درجة الإيمان والله الموفق


77

منشأ الفضائل والرذائل

اعلم أن أكثر الفضائل والرذائل انما تنشأ من ثلاث قوى في الانسان قوة التخيل وقوة الشهوة وقوة الغضب فهذه الثلاثة معينات للنفس ومثبطات زيادة تبصرة

أما القوة المتخيلة فهي ذات وجهين أحدهما يلي جانب الحس ويقبل منه الصور المحسوسة كما يؤدي اليها الحس حقيقة أو مجازا

أما الحقيقة فالصورة التي هي في نفسها كذلك وأما المجاز فكالصورة التي ليست في نفسها كذلك لكنها ترى كذلك مثل السراب والصدى والمتحرك الذي هو ساكن وكالساكن الذي هو متحرك والخيال يتخيلها كذلك

والوجه الثاني يلي جانب العقل ويقبل به الصورة المعقولة كما يؤدي اليه الفكر العقلي حقا وباطلا

أما الحق فكالصورة التي هي في نفسها كذلك وأما الباطل فكالصورة التي ليست في نفسها كذلك لكنها ترى كذلك كالشبهات والضلالات والسحر والكهانة فان الأذهان كثيرا ما تزيغ عن الجادة فترى الخطأ صوابا والصواب


78

خطأ ولهذا قيل أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه والتدبير أن لا يعتمد عليها ما لم يزنها بالقوانين المنطقية والبراهين اللائحة ثم قد تقع الصور في التخيل دفعة واحدة كالمرآة المقابلة للمرآة تقع الصورة في أحديهما كما تقع في الثانية دفعة وذلك إذا كانت الصورة وقعت في البصر الحاس أولا

أما المسموعات بالسمع فتقع فيه على ترتيب وتدريج على حسب تعاقب الحروف والكلمات وأما من جانب العقل فالمعقولات قد تقع فيه دفعة واحدة كالمرايا المتقابلة وذلك لأن العلوم منتقشة في ذوات النفوس السماوية فاذا اتصلت به النفس الانسانية تقع منها فيها الصور بقدر جلائها واستعدادها وسيأتي شرح هذا بعد ذلك في النبوة والرسالة ثم ان كان ذلك حقا فهو وحي والهام وحدس والوحي هو أن يرى صورة الملك وفي الإلهام والحدس لا يرى وان كان باطلا فهو سحر وكهانة وعرافة وقد يقع فيه أي في النفس على ترتيب وتدريج بحسب المقدمات القياسية وذلك إن كانت يقينية فهو برهان وحجة وان كانت مشهورة محمودة عند قوم فهو خطابي وإن كانت إلزامات على خصم فهو جدلي وان كانت كاذبة ظاهرة الكذب فهو سوفسطائي وان كانت مخيلة فهو شعري

ثم إن غلب على الخيال جانب الحس شبه كل معقول بمحسوس وإن غلب عليه العقل شبه كل محسوس بمعقول فخيال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يرى من المحسوس المعنى المعقول وهو ما كان صدوره منه أو وروده عليه ومرجعه اليه فيرى شخصا في هذا العالم ويحكم عليه أنه تفاحة من الجنة وشخصا قطعت يده في سبيل الله نبت له جناحان يطير بهما في الجنة وشخصا قتل في سبيل الله حيا قائما يرزق فرحا مستبشرا بما آتاه الله من فضائله وعلى العكس من ذلك يرى من المعقول محسوسا ومن الروحاني جسمانيا هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم فتمثل لها بشرا سويا ثم من قوة اشراق نور خياله


79

ونور روحه يشرق أيضا على من يناسبه في تلك القوة والاستعداد فيراه كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم فالتخيل إذا فيصل بين العالمين وحاجز بين البحرين ومفصل بين الحكمين ولولاه لما بقي محسوس ومعقول للانسان ولا كانت الصورة والمعنى مدركين بمدرك الحس والبرهان

وقوة التخيل ليست متشابهة في أصناف الناس بل هي مترتبة متفاضلة وربما تكون متضادة فمن ذلك ما يناسب الروحانيين من الملائكة ويكون مهبطهم اليه ونزولهم عليه وظهورهم له وتأثيرهم فيه وتمثلهم به حتى تكلم الشخص بكلامهم وتكلموا بلسانه ورأى الشخص بأبصارهم وأبصروا بعينيه وسمع بأسماعهم وسمعوا بآذانه وهم ملائكة يمشون في الأرض مطمئنين إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة

ومن ذلك ما يناسب الشياطين من الأبالسة ويكون مهبطهم اليه وظهورهم له وتأثيرهم فيه وتمثلهم به حتى إذا ظهروا عليه تكلم الشخص بكلامهم وتكلموا بلسانه ورأى الشخص بأبصارهم وابصروا بعينيه وسمع بآذانهم وسمعوا بأذنيه وهم شياطين الانس يمشون في الأرض متوهجين هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون وحيثما كانت استقامة في حال الخيال كان منزل الملائكة وحيثما كان اعوجاج في حال الخيال كان منزل الشياطين

أما القوة الشهوية ففيها أيضا مضرة ومنفعة وهي أصعب إصلاحا من سائر القوى لأنها أقدم القوى وجودا في الانسان وأشدها به تشبثا وأكثرها منه تمكنا فانها تولد معه وتو جد فيه وفي الحيوان الذي هو جنسه بل فى


80

النبات الذي هو كجنس جنسه ثم توجد فيه قوة الحمية ثم آخرا توجد فيه قوة الفكر والنطق والتمييز ولا يصير الانسان خارجا من جملة البهائم وأسر الهوى إلا باماتة الشهوات أو بقهرها وقمعها إن لم يمكنه إماتته إياها فهي التي تضره وتعزه وتعوقه وتصرفه عن طريق الآخرة وتثبطه ومتى قمعها أو أماتها صار الإنسان حرا نقيا بل إلهيا ربانيا فتقل حاجاته ويصير غنيا عما في يدي غيره وسخيا بما في يده ومحسنا في معاملاته

وأما منفعتها فهي أن هذه الشهوة مهما أدبت فهي المبلغة للسعادة وجوار رب العزة حتى لو تصورت مرتفعة لما أمكن الوصول إلى الآخرة وذلك أن الوصول إلى الآخرة بالعبادة ولا سبيل إلى العبادة إلا بالحياة الدنيوية ولا سبيل إلى الحياة الدنيوية إلا بحفظ البدن ولا سبيل لحفظه إلا باعادة ما يتحلل منه ولا سبيل إلى اعادة ما يتحلل منه إلا بتناول الأغذية ولا يمكن تناول الأغذية إلا بالشهوة

وأيضا فان الدنيا مزرعة الآخرة وقوام عمارة الأرض وتزجيه المعاش بهذه الشهوة فلو تصورت مرتفعة لاختل نظام الدين والدنيا وارتفعت المعاملات من بين الناس وارتفعت الشريعة والسياسة فاذا هذه القوة الشهوية مثل عدو يخشى مضرته من وجه ويرجى منفعته من وجه ومع عداوته لا يستغنى عن الاستعانة به فحق العاقل أن يأخذ نفعه ولا يركن اليه ولا يعتمد عليه الا بقدر ما ينتفع به وما أصدق في ذلك قول المتنبي

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدوا له ما من صداقته بد

ومن نوافذ الحيل في قمع هذه الشهوة أن يتسلط بقوة الحمية على قوة


81

الشهوة حتى تنقمع ولا تميل إلى مذام الأخلاق وسفسافها كما أن الطريق في قمع الغضب وسورته أن يتسلط بخلابة الشهوة على القوة الغضبية حتى تكسر استشاطتها أو غلواؤها فانها تنقاد للمطامع وعوارض الحاجات ومن الطريق في معالجة أفراط الشهوة حتى يكسرها كسرا ويزبرها زبرا مطالعة فضائل قلة الأكل من الأخبار والآثار والوقوف على فوائد قلة الأكل من صفاء القلب واتقاد القريحة ونفاذ البصيرة ومواتاة الفكر الموصل إلى المعرفة والاستبصار بحقائق الحق ورقة القلب وصفائه الذي به يتهيأ لأدراك لذة المناجاة والتأثر بالذكر ومن الانكسار والذل وزوال البطر والمرح والفرح والأشر الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن الله تعالى وأن لا ينسى بلاء الله وعذابه ولا ينسى أهل البلاد

ومن فوائد قلة الأكل كسر الشهوة الداعية إلى المعاصي والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء ومن فوائد قلة الأكل دفع النوم ودوام السهر وتيسر المواظبة على العبادة ومن فوائدها صحة البدن ودفع الأمراض المنغصة للعيش المانعة من العبادات المشوشة لقوة الفكر ومن فوائدها خفة المؤنة والتحلي بعز القناعة والاستغناء عن الناس الذي هو مظنة الاخلاص والعز ومن فوائدها أن يتمكن من الايثار والبذل والسماحة والتصدق على اليتامى والمساكين

وعلى الجملة مفتاح الزهد والعفة والورع قلة الأكل وقمع الشهوة ومفتاح الدنيا وباب الرغبة فيها استرسال الشهوة بموجب الطبع وهذه القوة الشهوية لها شعبتان احداهما شهوة البطن والثانية شهوة الفرج فشهوة البطن ليبقى الشخص بعينه وشهوة الفرج ليبقى بنسله وأعقابه ونوعه ولكن فيها من


82

الآفات ما يهلك الدين والدنيا إن لم تضبط ولم تقهر ولم تزم بزمام التقوى ولم ترد إلى حد الاعتدال ولو لم تكن هذه الشهوة لما كان للنساء سلطنة على الرجال ولما كانت النساء حبائل الشيطان وجميع الفواحش من هذه الشهوة إذا كانت مفرطة وجميع الفضائح منها إذا كانت خامدة مفرطة كالعنة والخنوثة

والمحمود أن تكون معتدلة ومطيعة للعقل والشرع في انبساطها وانقباضها ومهما أفرطت فكسرها بالجوع وبالنكاح وغض البصر وقلة الاهتمام بها وشغل النفس بالعلوم واكتساب الفضائل فبهذا تندفع

أما القوة الغضبية فانها شعلة نار اقتبست من نار الله الموقدة التي تطلع إلا أنها لا تطلع إلا على الأفئدة وانها المستكنة في ضمن الفؤاد استكنان النار تحت الرماد ويستخرجها الكبر الدفين من قلب كل جبار عنيد كما يستخرج النار من الحديد وقد انكشف لأولي الأبصار بنور اليقين أن الانسان ينزع منه عرق إلى الشيطان الرجيم اللعين فمن استفزته نار الغضب فقد قويت فيه قرابة الشيطان حيث قال خلقتين من نار وخلقته من طين فإن شأن الطين السكون والرقاد وقبول الآثار وشأن النار التلظي والاشتعال والحركة والاضطراب والصعود وعدم قبول الآثار ومن نتائج الغضب الحقد والحسد وكثير من أخلاق السوء ومقيضها ومنشؤها مضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد

وفي هذه القوة إفراط واستيلاء يجذب إلى المهالك والمعاطب وفيها تفريط وخمود يقصر عن المحامد من الصبر والحلم والحمية والشجاعة ومن الاعتدال يحصل أكثر محامد الأخلاق من الكرم والنجدة وكبر النفس والاحتمال والحلم


83

والثبات والشهامة والوقار والأسباب المهيجة للغضب هي الزهو والعجب والمرح والهزل والتعيير والمماراة والمضادة والغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه وهي بأجمعها أخلاق ردية مذمومة شرعا وعقلا ولا خلاص عن الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلا بد من ازالة أسبابها بأضدادها حتى يقهر الغضب ويرد إلى حال الاعتدال وهذا شأن المداواة حسا وعقلا


85

أمهات الفضائل

الفضائل وان كانت كثيرة فيجمعها أربع تشمل شعبها وأنواعها وهي الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة

فالحكمة فضيلة القوة العقلية والشجاعة فضيلة القوة الغضبية والعفة فضيلة القوة الشهوية والعدالة عبارة عن وقوع هذه القوى على الترتيب الواجب فيها فبها تتم جميع الأمور ولذلك قيل بالعدل قامت السماوات والأرض فلنشرح هذه الأمهات وما يتولد منها وينطوي من الأنواع تحتها

أما الحكمة فنعني بها ما عظمها الله تعالى في قوله ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال الحكمة ضالة المؤمن وهي منسوبة إلى القوة العقلية وقد عرفت فيما سبق ان للنفس قوتين إحداهما تلي جهة فوق وهي التي بها تتلقى حقائق العلوم الكلية الضرورية والنظرية من الملأ الأعلى وهي العلوم اليقينية الصادقة أزلا وأبدا لا تختلف باختلاف الأعصار والأمم كالعلم بالله تعالى وصفاته وملائكته وكتبه ورسله وأصناف خلقه وتدبيره لملكه وملكوته وأحوال الإبداء والإعادة خلقا وأمرا وأحوال المعاد من السعادة والشقاوة وعلى الجملة جميع حقائق العلوم


86

والقوة الثانية هي التي تلي جهة تحت أعني جهة البدن وتدبيره وسياسته وبها تدرك النفس الخيرات في الأعمال وتسمى العقل العملي وبها يسوس قوى نفسه ويسوس أهل منزله وأهل بلده

واسم الحكمة لها من وجه كالمجاز لأن معلوماتها كالزيبق تنقلب ولا تثبت وتختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ومن معلوماتها أن بذل المال فضيلة وقد يصير رذيلة في بعض الأوقات وفي حق بعض الاشخاص فلذلك كان اسم الحكمة بالأول أحق وان كان بالثاني أشهر وهذا الثاني كالكمال والتتمة للأول وهذه هي الحكمة الخلقية والأولى هي الحكمة العلمية النظرية ونعني بالحكمة الخلقية حالة وفضيلة للنفس العاقلة بها تسوس القوة الغضبية والشهوية وتقدر حركاتهما على الحد الواجب في الانقباض والانبساط وهي العلم بصواب الأفعال وتدبير أحوال هذا العالم مستمد من العقل النظري فالعقل النظري يستمد من الملائكة الكليات والعقل العملي يستمد من العقل النظري الجزئيات ويسوس البدن بواجب الشرع وهذا على مثال العقل والنفس وأجرام السماء فان العقل يدرك الكليات وليس فيه ما في القوة وتدرك النفس منها الكليات وبواسطة الكليات تدرك الجزئيات فيحرك السماوات فيتحرك من تحريكها العناصر فيتولد منها المركبات وكذلك عقلنا يستمد من الملائكة الكليات ويفيض الكليات على العقل العملي والعقل العملي بواسطة البدن وقوة التخيل يدرك جزئيات عالم البدن فيحركها بواجب الشرع فيتولد منها الاخلاق الجميلة

وهذه الفضيلة الخلقية يكتنفها رذيلتان الخب والبله

أما الخب فهو طرف إفراطها وزيادتها وهو حالة يكون الإنسان بها ذا مكر وحيلة بإطلاق الغضبية والشهوية لتتحركا إلى المطلوب حركة زائدة على قدر الواجب


87

وأما البله فهو طرف تفريطها ونقصانها عن الاعتدال وهو حالة للنفس تقصر بالغضبية والشهوية عن القدر الواجب ومنشؤه بطء الفهم وقلة الاحاطة بصواب الأفعال ويندرج تحت فضيلة الحكمة حسن التدبير وجودة الذهن وثقابة الرأي وصواب الظن

أما رذيلة الخب فيندرج تحتها الدهاء والجربزة وأما رذيلة البله فيندرج تحتها الغمارة والحمق والجنون

أما الشجاعة فهي فضيلة القوة الغضبية بكونها قوية الحمية ومع قوة الحمية منقادة للعقل المتأدب بالشرع في إقدامها وإحجامها وهي وسط بين رذيلتين مطيفتين بها وهما التهور والجبن

فالتهور لطرف الزيادة على الاعتدال وهي الحالة التي بها يقدم الإنسان على الأمور المخطرة التي يجب في العقل الاحجام عنها

وأما الجبن فطرف النقصان وهي الحالة التي بها تنقبض حركة القوة الغضبية عن القدر الواجب فتصرف عن الإقدام حيث يجب الإقدام ومهما حصلت هذه الأخلاق صدرت منها هذه الأفعال أي يصدر من خلق الجبن الاحجام لا في محله ومن التهور الإقدام لا في محله وهما خلقان مذمومان

ومن الشجاعة يصدر الاقدام والاحجام حيث يجب وكما يجب وهو الخلق الحسن المحمود واياه أراد بقوله تعالى أشداء على الكفار رحماء بينهم فلا الشدة في كل مقام محمودة ولا الرحمة بل المحمود ما يوافق معيار العقل والشرع فمتى حصل له ذلك فلينتظر فان كان طبعه مائلا إلى النقصان الذي هو الجبن فليتعاطى أفعال الشجعان تكلفا ومواظبة عليها حتى يصير له بالاعتياد


88

طبعا وخلقا فيفيض منه أفعال الشجعان بعد ذلك طبعا وإن كان مائلا إلى طرف الزيادة وهو التهور فليشعر نفسه بعواقب الأمور وبعظم أخطارها وليتكلف الاحجام إلى أن يعود إلى الاعتدال أو ما يقرب منه فإن الوقوف على حقيقة حد الاعتدال شديد ولو تصور ذلك لارتحلت النفس عن البدن وليس معها علاقة منها فكانت لا تتعذب أصلا بالتأسف على ما يفوته منها وكان لا يتكدر عليه ابتهاجه بما يتجلى له من جمال الحق وجلاله ولكن لما عسر ذلك جاء في قوله تعالى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا

وقال عليه السلام شيبتني سورة هود وأخواتها وأراد به قوله تعالى فاستقم كما أمرت فان الامتداد على الصراط المستقيم في طلب الوسط بين هذه الأطراف شديد وهو أدق من الشعر وأحد من السيف كما وصف من حال الصراط في الدار الآخرة ومن استقام على الصراط في الدنيا استقام عليه في الآخرة بل يكون في الآخرة مستقيما إذ يموت المرء على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه ولذلك يجب في كل ركعة من الصلاة سورة الفاتحة المشتملة على قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم فانه أعز الأمور وأعصاها على الطالب ولو كلف ذلك في خلق واحد لطال العناء فيه فكيف وقد كلفنا ذلك في جميع الأخلاق مع خروجها عن الحصر كما سيأتي ولا مخلص عن هذه المخاطرات إلا بتوفيق الله ورحمته ولذلك قال عليه الصلاة والسلام الناس كلهم هلكى إلا العالمون والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم

فنسأل الله العظيم أن يمدنا بتوفيقه لنتجاوز الأخطار في هذه الدار ولا نخدع بدواعي الاغترار فهذا هذا ثم ما يندرج تحت فضيلة الشجاعة فهو الكرم والنجدة وكبر النفس والاحتمال والحلم والثبات والنبل والشهامة والوقار


89

أما رذيلة التهور فيندرج تحتها البذخ والجسارة والتقبح والاستشاطة والتكبر والعجب

وأما رذيلة الجبن فيندرج تحتها النذالة والنكول وصغر النفس والهلع والانفراط والتخاسس والمهانة

أما العفة فهي فضيلة القوة الشهوية وهي انقيادها على يسر وسهولة للقوة العقلية حتى يكون انقباضها وانبساطها بحسب إشارتها ويكتنفها رذيلتان الشره وخمود الشهوة والشره هو افراط الشهوة إلى المبالغة في اللذات التي تستقبحها القوة العقلية وتنهي عنها والخمود هو قصور الشهوة عن الانبعاث إلى ما يقتضي العقل تحصيله وهما مذمومان كما أن العفة التي هي الوسط محمودة وعلى الانسان ان يراقب شهوته فالغالب عليها الافراط لا سيما إلى الفرج والبطن وإلى المال والرياسة وحب الثناء والافراط في ذلك نقصان وانما الكمال في الاعتدال ومعيار الاعتدال العقل والشرع وذلك بأن يعلم الغاية المطلوبة من خلق الشهوة والغضب مثلا بأن يعلم ان شهوة الطعام انما خلقت لتبعث على تناول الغذاء الذي يسد بدل ما يتحلل من أجزاء بدنه بالحرارة الغريزية حتى يبقى البدن حيا والحواس سليمة فيتوصل بالبدن إلى نيل العلوم ودرك حقائق الامور ويتشبه بالطبقة العالية بالاضافة اليه وهي الملائكة وبها كمالها وسعادتها ومن عرف هذا كان قصده من الطعام التقوى على العبادة دون التلذذ به فيقتصر ويقتصد به لا محالة ولا يشتد اليه شرهه

ويعلم أن شهوة الجماع خلقت فيه لتكون باعثة له على الجماع الذي هو سبب بقاء النوع الإنساني فيطلب النكاح للولد والتحصن لا للعب والتمتع وإن تمتع ولعب كان باعثا عليه التآلف والاستمالة الباعثة على حسن الصحبة وإدامة النكاح ويقتصر من الأنكحة على القدر الذي لا يعجز عن القيام بحقوقه ومن عرف ذلك سهل عليه الاقتصار وعند ذلك لا يقيس نفسه بصاحب الشرع صلى الله عليه وسلم إذ كان لا يشغله كثرة الأنكحة عن ذكر الله تعالى وكان لا يلزمه طلب الدنيا


90

لأجل الزواج ومن ظن أن ما لا يضر صاحب الشرع لا يضره كان كمن يظن أن ما لا يغير البحر الخضم من النجاسات لا يغير كوزا مغترفا من البحر وكم أحمق يتكايس فيقايس نفسه به مقايسة الملائكة بالحدادين فيهلك من حيث لا يدري نعوذ بالله من عمى البصيرة هذا كله حكم العفة

وأما ما يندرج تحت فضيلة العفة ورذيلتها ففضائل العفة الحياء والمسامحة والتصبر والسخاء وحسن التقدير والانبساط والدماثة والانتظام والقناعة والهدوء والورع والطلاقة والمساعدة وحسن الهيئة أعني الزينة الواجبة التي لا رعونة فيها

وأما الرذائل المندرجة تحت رذيلتي العفة وهما الشره وكلال الشهوة فهي الوقاحة والخبث والتبذير والتقتير والرياء والهتيكة والكزارة والمجانة والعبث والتحاشي والشكاسة والملق والحسد والشماتة

وأما العدالة فهي حالة للقوى الثلاثة في انتظامها على التناسب تحت الترتيب الواجب في الاستعلاء مع الانقياد فليس هو جزءا من الفضائل بل هو عبارة عن جملة الفضائل فانه مهما كان بين الملك وجنوده ورعيته ترتيب محمود بكون الملك بصيرا قاهرا وكون الجنود ذوي قوة وطاعة وكون الرعية ضعفاء سلسي القياد قيل إن العدل قائم في البلد ولن ينتظم العدل بأن يكون بعضهم بهذه الصفات دون كلهم كذلك العدل في مملكة البدن بين هذه الصفات والعدل في أخلاق النفس يتبعه لا محالة العدل في المعاملة والسياسة ويكون كالمتفرع منه ومعنى العدل الترتيب المستحسن إما في الأخلاق وإما في حقوق المعاملات وإما في أجزاء ما به قوام البلد والعدل في المعاملة وسط بين رذيلتي الغبن والتغابن وهو أن يأخذ ماله أخذه ويعطي ماله إعطاؤه والغبن أن يأخذ ما ليس له والتغابن أن يعطي في المعاملة ما ليس عليه حمد ولا أجر والعدل في السياسة أن يرتب أجزاء المدينة الترتيب المشاكل لترتيب أجزاء النفس حتى تكون المدينة في ائتلافها وتناسب أجزائها وتعاون أركانها على الغرض المطلوب


91

من الاجتماع كالشخص الواحد فيوضع كل شيء موضعه وينقسم سكانه إلى مخدوم لا يخدم وإلى خادم ليس بمخدوم وإلى طبقة يخدمون من وجه ويخدمون من وجه كما يكون في قوى النفس فان بعضها مخدوم لا يخدم كالعقل المستفاد وبعضها خادم لا يخدم كالقوة الدافعة للفضلات وبعضها خادم من وجه ومخدوم من وجه كالمشاعر الباطنة ولا يكتنف العدل رذيلتان بل رذيلة الجور المقابل له إذ ليس بين الترتيب وعدم الترتيب وسط وبمثل هذا الترتيب والعدل قامت السموات والأرض حتى صار العالم كله كالشخص الواحد متعاون القوى والأجزاء مترتب التقدم والتأخر بتقديم المقدم الحق وتأخير المؤخر الحق جلت عظمته وعظمت قدرته

وشرح ذلك الترتيب من الروحاني المطلق والجسماني المطلق وما بين الروحاني والجسماني وتقسيم العالم إلى مؤثر لا يتأثر كالعقول وإلى متأثر لا يؤثر كالأجسام وإلى متأثر مؤثر كالنفوس فإنها تقبل من العقول وتوصل إلى السماوات وكل ذلك بتقدير العزيز العليم جل جلاله وعظم برهانه وتم سلطانه فالعدالة جامعة لجميع الفضائل والجور المقابل لها جامع لجميع الرذائل والله ولي التوفيق إلى الصراط المستقيم الذي هو الوسط بين طرفي الافراط والتفريط حتى إذا حصل ذلك كله كمل كمالا يقربه إلى الله تعالى تقريبا بالرتبة بحسب قرب الملائكة المقربين من الله فلله البهاء الأعظم والكمال الأتم وكل موجود فمشتاق إلى الكمال الممكن له وهو غايته المطلوبة فان ناله التحق بأفق العالم الذي هو فوقه وإن حرم عنه اطرح إلى الحضيض الذي تحته فالإنسان بين أن ينال الكمال فليلتحق في القرب من الله بأفق الملائكة وذلك سعادته أو يقبل على ما هو مشترك بينه وبين البهائم من رذائل الشهوة والغضب فينحط إلى درجة البهائم ويهلك هلاكا مؤبدا وهو شقاوته أعاذنا الله منها بفضله


93

مثال القلب بالاضافة الى العلوم

اعلم أن مثال القلب الذي هو عبارة عن الروح المدبر لجميع الجوارح المخدوم من جميع القوى والأعضاء بالاضافة إلى حقائق المعلومات كالمرآة بالاضافة إلى صور المتلونات فكما أن للمتلون صورة ومثالا لتلك الصورة ينطبع في المرآة ويحصل فيها فكذلك لكل معلوم حقيقة وتلك الحقيقة صورته فتنطبع في المرآة أعني مرآة القلب فتتضح فيه وكما أن المرآة غير وصورة الأشخاص غير وحصول مثالها في المرآة غير فهي ثلاثة أمور ويحتاج إلى أمر رابع وهو نور بواسطته تنكشف الصورة في المرآة وتظهر فكذلك ههنا أربعة أمور القلب وحقائق الأشياء وحصول نقش الحقائق في القلب وحضوره فيه ونور به تنكشف الحقائق في القلب وهو في الشرع عبارة عن جبريل عليه السلام وفي عبارة الحكماء عبارة عن العقل بواسطته تفيض العلوم على الأرواح البشرية فالعالم عبارة عن القلب الذي يحل فيه مثال حقائق الأشياء والعلم عبارة عن حصول المثال في المرآة والنار والشعاع عبارة عن الملك الموكل بافاضة العلوم على القلوب البشرية وكما أن المرآة لا تنكشف فيها الصور لخمسة أمور أحدها لنقصان صورته كجوهر الحديد قبل أن يدور ويشكل ويصقل والثاني لخبثه وصدئه وكدورته وان كان تام الشكل والثالث لكونه معدولا به عن جهة الصورة إلى غيرها كما إذا كانت الصورة وراء المرآة والرابع لحجاب مرسل بين المرآة والصورة والخامس


94

الجهل بالجهة التي فيها الصورة المطلوبة حتى يتعذر بسببه أن يحاذي بها شطر الصورة وجهتها فكذلك القلب مرآة مستعدة لأن يتجلى فيه حقيقة الأمور كلها وانما خلت القلوب عنها لهذه الأسباب الخمسة

أولها نقصان في ذاته كقلب الصبي فانه لا يتجلى فيه حقائق المعلومات لنقصانه أو كروح ناقص في أصل الفطرة فان النفوس وان كانت نوعا واحدا ولكن في هذا النوع تفاوت عظيم وعرض واسع

والثاني لكدورة المعاصي والخبث الذي تراكم على وجه القلب من كثرة الشهوات فان ذلك يمنع صفاء القلب وجلاءه فيمنع ظهور الحق فيه كالشمس التي ينكسف بعضها أوكلها فيذهب نورها وبهاؤها بقدر ظلمتها واليه الاشارة بقوله عليه السلام من قارب ذنبا فارقه عقل لا يعود اليه أبدا أي حصل في قلبه كدورة لا يزول أثرها أبدا إذ غايته أن يتبعها بحسنة تمحوها فلو جاء بالحسنة ولم تتقدم السيئة سقطت فائدة الحسنة لكن عاد القلب بها إلى ما كان قبل السيئة ولم يزدد بها فالاقبال على طاعة الله تعالى والاعراض عن مقتضى الشهوات هو الذي يجلو القلب ويصفيه ولهذا قال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وقال عليه الصلاة والسلام من عمل بما ورثه الله علم ما لا يعلم

الثالث أن يكون معدولا به عن جهة الحقيقة المطلوبة فان قلب المطيع الصالح وان كان صافيا فانه ليس يتضح فيه جلية الحق لأنه ليس يطلب الحق وليس يحاذي بمرآته شطر المطلوب بل ربما يكون مستوعب الهم بتفصيل الطاعات البدنية أو تهيئة أسباب المعيشة ولا يصرف فكره إلى التأمل في الحضرة الربوبية والحقائق الخفية ولا ينكشف له إلا ما هو متفكر فيه من دقائق آفات الأعمال وخفايا عيوب النفس إن كان متفكرا فيها أو مصالح المعيشة ان كان متفكرا فيها وإذا كان تقيد الهم بالطاعات وتفصيلها مانعا عن انكشاف


95

جلية الحق فما ظنك في صرف الهم إلى الشهوات واللذات الدنيوية وعلائقها وزخارفها فكيف لا يمنع عن الكشف الخفي

الرابع الحجاب فان المطيع القاهر لشهواته المتجرد للفكر في حقيقة من الحقائق قد لا ينكشف له ذلك لكونها محجوبة عليه باعتقاد سبق اليه في ضد الحق منذ الصبا على سبيل التقليد والقبول بحسن الظن يحول ذلك بينه وبين حقيقة الحق ويمنع من أن ينكشف في قلبه خلاف ما تلقفه من ظاهر التقليد

وهذا أيضا حجاب عظيم به حجب أكثر المتكلمين والمتعصبين للمذاهب بل أكثر الصالحين المتفكرين في ملكوت السماوات والأرض لأنهم محجوبون باعتقادات تقليدية جمدت في نفوسهم ورسخت في قلوبهم وصارت حجابا بينهم وبين درك الحقائق

الخامس الجهل بالجهة التي منها يقع العثور على المطلوب فان طالب العلم ليس يمكنه أن يحصل العلم بالمجهول إلا بتذكر العلوم التي تناسب مطلوبه حتى إذا تذكرها ورتبها في نفسه ترتيبا مخصوصا يعرفه العلماء استخرج مطلوبه بطريق الاعتبار وتحصيل المجهول من المعلوم الذي سبق وهذا هو القانون المنطقي

فان المنطق آلة قانونية تعصمه مراعاتها من أن يضل في فكره فإذا حكم القوانين وطرق التفكر فعند ذلك يعثر على جهة المطلوب فتتجلى حقيقة المطلوب لقلبه فان العلوم المطلوبة ليست فطرية لا تحتاج إلى تجشم الاستدلال والنظر والاعتبار بل لا تقنص إلا بشبكة العلوم الحاصلة فكل علم نظري لا يحصل إلا عن علمين سابقين يأتلفان ويزدوجان على وجه مخصوص وشكل معلوم من الاشكال القياسية حمليا أو شرطيا متصلا أو منفصلا فيحصل من ازدواجهما علم ثالث يسمى النتيجة عند حصولها والمطلوب قبل حصولها فالجهل بتلك الأمور


96

وبتلك المقدمات وبكيفية الازدواج والترتيب المفضي إلى المطلوب تصورا أو تصديقا هو مانع من العلم

وهكذا كالمرآة إذا لم تحاذها شطر الصورة فلا تقع فيها الصورة وكذلك إذا حرف عن جهة الصور ففي اقتناص العلوم طرق عجيبة وازورارات وتحريفات خفية أعجب مما ذكرنا في المرآة ويعز على بسيط الأرض من يهتدي إلى كيفية الحيلة في تلك الازورارات فهذه هي الأسباب المانعة للقلوب من معرفة حقائق الأمور وإلا فكل قلب هو بالفطرة صالح لمعرفة الحقائق وان كان بينها تفاوت كثير لأنه أمر رباني شريف كما ذكرناه فارق سائر جواهر العالم بهذه الخاصية والشرف واليه الأشارة بقوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إشارة إلى أن له خاصية تميز بها عن السماوات والأرضين والجبال بها صار مطيقا لحمل أمانة الله تعالى وتلك الأمانة هي المعرفة والتوحيد وقلب كل آدمي مستعد للأمانة ومطيق لها في الأصل ولكن يثبطها عن النهوض بأعبائها والوصول إلى تحقيقها الأسباب التي ذكرنا ولذلك قال عليه الصلاة والسلام كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء اشارة إلى بعض هذه الأسباب التي هي الحجاب بين القلب وبين الملكوت

وفي الخبر قال الله تعالى لم يسعني أرضي وسمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين الوديع وفي الخبر أنه قيل من خير الناس فقال كل مؤمن محموم القلب فقيل وما محموم القلب فقال هو التقي النقي الذي لا غش فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد ولذلك قال عمر رضي الله عنه رأى قلبي ربي إذا كان قد رفع الحجاب بالتقوى ومن ارتفع الحجاب بينه وبين قلبه تجلت صورة الملك والملكوت في قلبه فيرى جنة عرضها السموات والأرض


97

بل أكثر سعة من السماوات والأرض فان الجنة وان كانت واسعة الأطراف متباعدة الاكناف فهي متناهية وأما عالم الملكوت وهي معرفة الحقائق والاسرار الغائبة عن مشاهدة الأبصار المخصوصة بادراك البصر فلا نهاية لها

نعم الذي يلوح للقلب منه أيضا مقدار متناه ولكنه في نفسه بالإضافة إلى علم الله تعالى لا نهاية له وجملة عالم الملك والملكوت إذا أخذت دفعة واحدة يسمى الحضرة الربوبية لأن الحضرة محيطة بكل الموجودات إذ ليس في الوجود شيء سوى الله وافعاله ومملكته وعبيده من أفعاله فما يتجلى من ذلك للقلب هو الجنة بعينه عند قوم وهو سبب استحقاق الجنة عند أهل الحق وتكون سعة ملكه في الجنة بحسب سعة معرفته وبمقدار ما تجلى له من الله تعالى وصفاته وأفعاله وانما مراد الطاعات وأعمال الجوارح كلها تصفية القلب وتزكيته وجلاؤه ومراد تزكيته حصول أنوار المعارف فيه وهو المراد بقوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام وبقوله تعالى أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه

نعم هذا له مراتب فيها تتفاوت العلماء والحكماء وكل واحد له مقدار معلوم وغايته درجة الأنبياء الذين تتلألأ أنوار الحقائق في قلوبهم وينكشف لهم اسرار الملك والملكوت في صفائح أرواحهم على أتم ظهور واجلى بيان وفقنا الله لاتباعهم في جميع أفعالهم وأحوالهم وأخلاقهم أمثلة القلب مع جنوده وله ثلاثة أمثلة

الأول نقول مثل نفس الانسان في بدنه كمثل وال في مدينته ومملكته فان البدن مملكة النفس وعالمه ومستقرة ومدينته وقواه وجوارحه بمنزلة الصناع والعملة والقوة العقلية المفكرة له كالمشير الناصح والوزير العاقل والشهوة له كعبد سوء يجلب الطعام والميرة إلى المدينة والغضب والحمية له


98

كصاحب شرطة والعبد الجالب للميرة كذاب مكار مخادع خبيث يتمثل بصورة الناصح وتحت نصحه الشر الهائل والسم القاتل وديدنه وعادته منازعة الوزير الناصح في كل تدبير يدبره حتى لا يخلو من منازعته ومعارضته في آرائه ساعة فكما أن الوالي في مملكته متى استشار في تدبيراته لوزيره معرضا عن اشارة العبد الخبيث بل يستدل باشاراته على أن الصواب في نقيض رأيه وادب صاحب شرطته وأسلسه لوزيره وجعله مؤتمرا له مسلطا من جهته على هذا العبد الخبيث وأتباعه وأنصاره حتى يكون العبد مسوسا لا سايسا ومأمورا مدبرا لا آمرا مدبرا استقام أمر بلده وانتظم العدل بسببه فكذلك النفس متى استعانت بالعقل وأدبت القوة الغضبية وسلطتها على الشهوة واستعانت باحديهما على الاخرى فتارة بأن تقلل من تيه الغضب وغلوائه بخلابة الشهوة واستدراجها وتارة بقمع الشهوة وبقهرها بتسليط القوة الغضبية عليها وتقبيح مقتضياتها اعتدلت قواه وحسنت أخلاقه ومن عدل عن هذا الطريق كان كمن قال الله سبحانه فيه أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وقال تعالى واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث وقد ذكرنا كيفية تهذيب هذه الجنود في الفصل المتقدم

المثال الثاني ان البدن كالمدينة والعقل اعني القوة المدركة كملك مدبر لها وقواه المدركة من الحواس الظاهرة والمشاعر الباطنة كجنوده وأعوانه وأعضاؤه كرعية والنفس الأمارة بالسوء التي هي الشهوة والغضب كعدو ينازعه في مملكته ويسعى في إهلاك رعيته فصار بدنه كرباط وثغر ونفسه كمقيم فيه مرابط فان جاهد عدوه فهزمه وقهره على ما يجب حمد أثره إذا عاد إلى الحضرة كما قال تعالى فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وإن ضيع ثغره وأهمل رعيته ذم أثره وانتقم منه عند لقاء الله تعالى فيقال له يوم القيامة يا راعي السوء أكلت اللحم وشربت اللبن


99

ولم تؤو الضالة ولم تجبر الكسير اليوم أنتقم منك كما ورد في الخبر وإلى هذه المجاهدة أشاروا بقولهم رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر

المثال الثالث مثل العقل مثل فارس متصيد وشهوته كفرسه وغضبه ككلبه فمتى كان الفارس حاذقا وفرسه مروضا وكلبه مؤدبا معلما كان جديرا بالنجح ومتى كان هو في نفسه أخرق وكان الفرس جموحا والكلب عقورا فلا فرسه ينبعث تحته منقادا ولا كلبه يسترسل باشارته مطيعا فهو خليق بأن يعطب فضلا من أن لا ينال ما طلب وانما خرق الفارس مثل جهل الانسان وقلة حكمته وكلال بصيرته وجماح الفرس مثل لغلبة شهوته خصوصا شهوة البطن والفرج وعقر الكلب مثل لغلبة الغضب واستيلائه وغلوائه وزعارته


100

ئ


101

النفس وحاجتها الى البدن

اعلم أن القوى الحيوانية قد تعين النفس الناطقة في أشياء منها أن يورد الحس عليها الجزئيات فيحدث لها من الجزئيات أمور أربعة

أحدها انتزاع النفس الكليات المفردة عن الجزئيات على سبيل تجريد لمعانيها عن المادة وعن علائق المادة ولواحقها ومراعاة المشترك فيه والمتباين به والذاتي وجوده والعرضي وجوده فيحدث للنفس عن ذلك مباديء التصور عن استعمالها الخيال والوهم مثل الجنس والفصل والعرض العام والعرض الخاص

والثاني ايقاع النفس مناسبات بين هذه الكليات المفردة على مثال سلب وايجاب فما كان التأليف فيه ذاتيا بينا بنفسه أخذه وما كان ليس كذلك تركه إلى مصادفة الواسطة

الثالث تحصيل المقدمات التجريبية وهو أن يوجد بالحس محمول لازم الحكم لموضوع ما كان حكمه بالايجاب والسلب أو تال موجب الاتصال أو مسلوبه أو موجب العناد أو مسلوبه وليس ذلك في بعض الأحايين دون بعض على المساواة بل دائما حتى تسكن النفس على أن طبيعة هذا المحمول أن يكون فيه هذه النسبة إلى هذا الموضوع والتالي أن يلزم هذا المقدم أو ينافيه لذاته لا بالاتفاق فيكون ذلك اعتقادا حاصلا من حس وقياس أما الحس فلأجل


102

مشاهدة ذلك وأما القياس فلأنه لو كان اتفاقا لما وجد دائما أو في الأكثر وهذا كالحكم بان السقمونيا مسهل للصفراء بطبعه لاحساسنا ذلك كثيرا وبقياسنا انه لو كان لا على الطبع بل بالاتفاق لوجد في بعض الأحايين

الرابع الأخبار التي يقع بها التصديق لشدة التواتر فالنفس الانسانية تستعين بالبدن لتحصيل هذه المباديء للتصور والتصديق ثم إذا حصلتها رجعت إلى ذاتها فان تعرض لها من القوى التي دونها بأن يشغلها شغلته عن فعله وأضرت بفعله إلا في أمور تحتاج فيها إليها النفس خاصة بأن تعود إلى القوى الخيالية مرة أخرى لاقتناص مبدأ غير الذي حصل أو معاونة باحضار خيال وهذا يقع في الابتداء كثيرا ولا يقع بعده إلا قليلا

وأما إذا استكملت النفس وقويت فانها تنفرد بأفاعيلها على الاطلاق وتكون القوى الخيالية والحسية وسائر القوة البدنية غير صارفة لها عن فعلها بل شاغلة لها

ومثال ذلك إن الانسان قد يحتاج إلى دابة وآلات ليتوصل بها إلى المقصد فإذا وصل اليه ثم عرض من الاسباب ما يحول عن مقارنته صار السبب الموصل بعينه عائقا

بيان أن هذه القوى كيف يرأس بعضها بعضا وكيف يخدم بعضها بعضا

فانك تجد العقل المستفاد رئيسا مطلقا ويخدمه الكل وهو الغاية القصوى ثم العقل بالفعل يخدمه العقل بالملكة والعقل الهيولاني لما فيه من الاستعداد يخدم العقل بالملكة ثم العقل العملي يخدم جميع هذا لأن العلاقة البدنية لأجل تكميل العقل النظري والعقل العملي هو مدبر تلك العلاقة ثم العقل العملي يخدمه الوهم والوهم يخدمه قوتان قوة بعده وقوة قبله


103

فالقوة التي بعده هي القوة التي تحفظ ما أداه الوهم والقوة التي قبله هي جميع القوى الحيوانية ثم المتخيلة يخدمها قوتان مختلفتا المأخذ فالقوة النزوعية تخدمها بالائتمار لأنها تبعثها على التحريك والقوة الخيالية تخدمها بقبول التركيب والتفصيل فيما فيها من صورها ثم هذان رئيسان لطائفتين أما القوة الخيالية فيخدمها بنطاسيا وبنطاسيايخدمها الحواس الخمس وأما القوة النزوعية فتخدمها الشهوة والغضب والشهوة والغضب تخدمها القوة المحركة بالفعل وإلى ههنا تنتهي القوى الحيوانية ثم القوى الحيوانية بالجملة تخدمها النباتية وأولها وأرأسها المولدة ثم المربية تخدم المولدة ثم الغاذية تخدمها جميعا ثم القوى الطبيعية الأربع تخدم هذه وهي الهاضمة وتخدمها من جهة الماسكة ومن جهة الجاذبة وتخدمها جميعها الدافعة وتخدم جميعها الكيفيات الأربع لكن الحرارة تخدمها البرودة وتخدم كليهما الرطوبة واليبوسة وهناك آخر درجات القوى


104


105

الأرواح البشرية حادثة

حدثت عند استعداد النقطة لقبول النفس من واهبها كما قال الله تعالى فإذا سويته ونفخت فيه من روحي كما حدثت الصورة في المرآة لحدوث الصقالة وان كان ذو الصورة سابق الوجود على الصقالة وتلخيص البرهان أن الأرواح لو كانت موجودة قبل الأبدان لكانت إما كثيرة وإما واحدة وباطل وحدتها وكثرتها فباطل وجودها وانما استحال وحدتها لأنها بعد التعلق بالأبدان إما أن تبقى على وحدتها أو تكثرها ومحال وحدتها وكثرتها فمحال وجودها وانما استحال وحدتها بعد التعلق بالأبدان لعلمنا ضرورة بأن ما يعلمه زيد يجوز أن يجهله عمرو ولو كان الجوهر العاقل منهما واحد لاستحال اجتماع المتضادين فيه كما يستحيل في زيد وحده ونحن نعني بالروح العاقل كما ذكرنا ومحال كثرتها لأن الواحد انما لا يستحيل أن يتثنى وأن ينقسم إذا كان ذا مقدار كالأجسام فالجسم الواحد ينقسم فانه ذو مقدار فله بعض فيتبعض أما ما لا بعض له ولا مقدار فكيف ينقسم أما تقدير كثرتها قبل التعلق بالأبدان فمحال لأنها إما أن تكون متماثلة أو مختلفة وكل ذلك محال وانما استحال التماثل لأن وجود المثلين محال في الاصل ولهذا يستحيل وجود سوادين في محل واحد وجسمين في مكان واحد لأن الاثنينية تستدعي مغايرة ولا مغايرة ههنا وسوادان في محلين جائز لأن هذا يفارق ذلك في المحل إذا اختص هذا بمحل لا يختص به


106

الآخر وكذلك يجوز سوادان في محل واحد في زمانين إذ لهذا وصف ليس للآخر وهو الافتراق بهذا الزمان الخاص فليس في الوجود مثلا مطلقا بل بالاضافة كقولنا زيد وعمرو مثلان في الانسانية والجسمية وسواد الحبر والغراب مثلان في السوادية ومحال تغايرها لأن التغاير نوعان

أحدهما باختلاف النوع والماهية كتغاير النار والماء وتغاير السواد والعلم

الثاني بالعوارض التي لا تدخل في الماهية كتغاير الماء الحار للماء البارد فان كان تغاير الأرواح البشرية بالنوع والماهية فمحال لأن الأرواح البشرية متفقة بالحد والحقيقة وهي نوع واحد لأن الحد وهو الحيوان الناطق يشملها وان كانت متغايرة بالعوارض فمحال لأن الحقيقة الواحدة انما تتغاير عوارضها إذا كانت متعلقة بالأجساد منسوبة اليها بنوع ما ولا تعلق لها بالاجسام قبل وجود الأبدان فكان الاختلاف محالا إذ الاختلاف في أجزاء الجسم ضرورة ولو كان في القرب من السماء والبعد منه مثلا أما إذا لم يكن كذلك كان الأختلاف والتغاير محالا وهذا ربما يحتاج تحقيقه إلى مزيد بيان ولكن في هذا القدر تنبيه عليه

فان قيل فكيف تكون حال الأرواح بعد مفارقة الأجسام ولا تعلق لها بالاجسام فكيف تكثرث وتغايرت

فالجواب أن نقول لأنها اكتسبت بعد التعلق بالأبدان أوصافا مختلفة من العلم والجهل والصفاء والكدرة وحسن الأخلاق وقبحها فبقيت بسببها متغايرة فعقلت كثرتها بخلاف ما قبل الاجساد فانه لا سبب لتغايرها فقد اتضح أن النفس تحدث كما تحدث مادة بدنية صالحة لاستعمالها إياها ويكون البدن آلة ومملكة لها ويكون للنفس الحادثة في جوهرها هيئة نزاع طبيعي إلى الاشتغال بذلك البدن خاصة والاهتمام بأحواله والانجذاب اليه وتلك الهيئة تكون


107

مقتضية لاختصاصها بذلك البدن ولا بد أن تكون مناسبة له مناسبة خاصة لصلوح سياسة بدن خاص دون آخر وان خفيت علينا تلك المناسبة بعينها فان تلك المناسبات غير محصورة ولا ظاهرة والله سبحانه وتعالى يتولى أسرارها وسرائرها

فان قيل لا نسلم بأن النفوس الإنسانية متفقة في النوع والمعنى ولسنا نسلم أن الأنواع انما تتكثر من جهة النسبة إلى المادة والمكان والزمان فحسب بل الماديات انما تتكثر بالمقادير والكائنات الزمانية والنفوس الإنسانية ليست بمادية في ذاتها وانما نسبتها إلى المادة بوجه التدبير والتصرف لا بوجه الانطباع في المادة حتى يستدعي مكانا مميزا وزمانا مميزا والتدبير والتصرف لا يوجب تعددا ذاتيا فان الواحد يجوز أن يكون متصرفا في أشياء والعدد الكثير يجوز أن يكون متصرفا في شيء واحد فهذه النسبة لذاتها لا توجب الكثرة في الذات

قلنا الدليل على أن النفوس الإنسانية متفقة النوع ما ذكرناه وهو أن حد الانسان يشملها وهو الحي الناطق وما شمله حد النوع فهو متفق في النوع والدليل على أن أسباب التكثر ما ذكرته أن الأشياء التي ذواتها حقائق فقط انما تكثرها بالحوامل والقوابل والمنفعلات عنها أو بنسبة ما اليها وإلى أزمنتها فقط فاذا كانت مجردة لم تقترن بذلك فمحال أن يكون بينهما مغايرة وتكثر

وأما قولهم إن النفس الإنسانية ليست بمادية فتتمايز بالمادة فمسلم لكنها ذات نسبة إلى المادة أي نسبة كانت وان لم تكن نسبة الانطباع فنسبة التدبير والتصرف وهذه النسبة مؤثرة في التمييز كافية فيقال إن النفس الإنسانية ملك تلك المدينة الفاضلة

فان قيل لا نسلم إن الأسباب المكثرة محصورة فيما ذكرتم من أقسام الحوامل والقوابل والمنفعلات عنها أو النسبة اليها فماالدليل على الحصر أليست


108

المفارقات متغايرة الذوات والحقائق ولا حوامل لها ولا قوابل ولا مكان ولا زمان وانما تتمايز وتتغاير بحقائقها الذاتية وانما نوعها في شخصها أعني في ذاتها فهلا قلتم في النفوس الانسانية انها تتغاير بخواصها أو بأمر آخر سوى الحوامل أليست النفوس بعد المفارقة تتغاير بالعدد وتقولون انها تتغاير بما اكتسبت من الأبدان من الأخلاق والعلوم وقلتم يكفيها في التمييز هيئة انها كانت نفس البدن الفلاني ولئن كان هذا القدر كافيا في التمييز فهلا كان كافيا في التمييز هيئة انها ستكون نفس البدن الفلاني فان الانطباع في البدن ليس بشرط

قلنا في المفارقات قد قام الدليل على انها متغايرة الحقائق أما النفوس البشرية فيشملها حد واحد كما ذكرنا وانما يمكن وجودها وتعددها بعد المفارقة بهيئات وأخلاق اكتسبت من الأبدان وقبل الاتصال بالبدن لا يمكن أن تكتسب من الأبدان شيئا إذ لا أبدان وما لا يكون ليس له تأثير فانا نعلم قطعا انها بعد الاتصال بالبدن انما تكمل بمعاونة البدن وتكتسب فضائل ورذائل من العلاقة البدنية فقبل البدن لا علاقة فلا اكتساب فلا تغاير فثبت انها تحدث مع البدن

فان قيل أحلتم وجود النفوس البشرية قبل الأبدان ببيان ما ذكرتم من انها لا تتصور قبل الأبدان ونحن نورد اشكالين واقعين على نحو وجودها متصلة بالأبدان وحادثة مع حدوث الأبدان وذلك لأنه من المسلم بيننا أن النفوس الإنسانية ليست مادية ولا منطبعة في مادة وما هذا سبيله فليس حدوثه على تدريج شيء بعد شيء أو زمان بعد زمان بل يكون وجوده ابداعيا محضا ووجود البدن ليس بابداعي محض بل على تدريج شيء بعد شيء واستحالة جزء بعد جزء فأي جزء بعينه انتهت النوبة اليه في الاستحالة حتى يحدث عنده النفس ويتصل به وليس جزءا بعينه إلا ويمكن حدوث النفس قبله بلحظة أو بعده بلحظة ولو قلتم انها تحدث عند كمال الاستعداد فيقال وكمال الاستعداد ليس يحصل بغتة ودفعة بل على تدريج كمال بعد كمال وقد


109

بان انها كمال واحد يحصل ابداعا لا تدريج فيه ثم ان الاستعداد وكمال الاستعداد انما يشترط فيما هو صورة مادية أعني منطبعة في المادة فيكون الاستعداد سببا ما بوجه ما لحصول الصورة فيه من واهب الصور ولا يشترط ذلك في النفوس التي ليست منطبعة في مادة اصلا ولا علاقة بينها وبين القوى المادية إلا علاقة التدبير والتصرف في المملكة فالتصرف فيه كيف يكون سببا لوجوب المتصرف المدبر فيه والمدبر اولى بان يكون متقدما في الوجود على المملكة واشتراط الاستعداد لقبول الصورة حتى توجد الصورة في المستعد غير واشتراط الاستعداد لقبول تصرف النفس غير فان الاستعداد الأول يصلح سببا لوجود النفس بوجه ما بل هو سبب لقبول تصرفه فيه إما ليفيده كمالا أو ليستفيد منه فائدة وهذا إشكال عظيم

فالجواب عنه كلمة واحدة فان العلم نكتة واحدة كثرها الجهل فنقول لا ارتياب في ان النفوس إبداعية وانها ليست منطبعة في المادة وانما تحدث من مبدعها عند كمال الاستعداد الذي عبر عنه في التنزيل بقوله فإذا سويته ومبدعها أعلم بكمال الاستعداد وليس في طاقة القوى البشرية الاحاطة بتفاصيل الاستعدادات ولكن على الجملة نعلم أن الصور تفيض من مبدعها وواهبها كما يقتضيها جود الجواد المحض عن كمال العلم المحيط بتفاصيل المعلومات فيعطي كل مستحق ما يستحقه وكل قاصر ما يكمله بل ماهيات الأشياء واستعداداتها من جوده الفياض بواسطة الأسباب المعطية للاستعدادات الخاصة من الأجرام العنصرية وامتزاجاتها وحركات السماوات واجرامها وأشكالها وخواصها وفيض العقول على النفوس وافاضة النفوس طلبا للاستكمال تحريكا للسماوات فالكل من جود الجواد الحق الذي يعطي كل حقيقة وجودها وهو أعلم بكمال الاستعداد وأي استعداد يستحق أي صورة وعلوم البشر قاصر عن ادراك ذلك وإذا بلغ الكلام إلى الله سبحانه فينقطع سؤال لم كما ينقطع مطلب ما لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون


110

الاشكال الثاني إن النفوس إذا كانت متشابهة في النوع فائضة من واهب الصور وليس في فيضانه اختلاف فمن أين يجب أن يكون كل نفس حادثة ذات هيئة نزاعية طبيعية إلى الاشتغال ببدن مخصوص والاهتما باحواله ومن أين يلزم أن يكون لها مناسبة خاصة تصلح لسياسة بدن خاص دون بدن فان كانت هذه الهيئة لازمة لذاتها فهي متخصصة بهذه الهيئة قبل وجود البدن وإن كانت هذه الهيئة تكتسب هذه الهيئة من البدن فكيف يسبق الموجب على الموجب وكيف تكون تلك الهيئة نزاعية طبيعية

وجملة القول ان لم تكن هيئة مختصة فلم اختصت ببدن دون بدن وان كانت الهيئة طبيعية على حالتها فهي المخصصة لذاتها بعد الاتفاق في النوع وإن كانت مكتسبة من خارج وهو إما هذا البدن أو غيره فليتحقق لها وجود حتى تكتسب الهيئة المخصصة وكل ذلك محال ثم اختلاف المناسبات والهيئات تستدعي اختلاف الأسباب وواهب الصور واحد في ذاته أحدي الافاضة فلا اختلاف هناك ولا تأثير لاختلاف الأمزجة في اختلاف هيئات النفوس إذ لا انطباع ولا حلول ولااتصال بين المجردات وبين الامزجة بخلاف النفوس النباتية والنفوس الحيوانية والصور الجسمانية والصور الطبيعية فان اختلاف النفوس والصور لاختلاف موادها وصورها مقدرة على استعداداتها

وحل هذا الاشكال أن تقول نعم أن المناسبات والهيئات المختلفة تستدعي أسبابا مختلفة واسباب الاستعدادات وأسباب الامتزاجات وجميع ما يحدث في العالم العنصري منوطة بالحركات السماوية وحتى الاختيارات والارادات فانها لا محالة أمور تحدث بعد ما لم تكن ولكل حادث بعد ما لم يكن علة وسبب حادث وينتهي ذلك الى الحركة ومن الحركات إلى المستديرة فجميع الاستعدادات تابعة للحركات السماوية ثم الحركات المستديرة مستندة إلى اختيارات النفوس الفلكية والكل يستند إلى العقل الآلهي المستعلي على الكل الذي منه ينشعب المقدورات فالجود الإلهي بواسطة العقول


111

والنفوس والحركات السماوية يعطي كل مادة استعدادها لصورة خاصة والنفوس لا تحدث بالاستعداد الخاص بل عند الاستعداد الخاص وفرق بين ان تحصل عنده أو به

ثم الهيئة النزاعية في النفس انما تكون بعد الاتصال بها فاذا حدوث النفس له صفة في الفاعل وصفة في القابل أما صفة الفاعل فالجود الإلهي الذي هو ينبوع الوجود وهو فياض بذاته على كل ماله قبول الوجود حقيقة وجوده ويعبر عن تلك الصفة بالقدرة وان أضفت هذا الفيض إلى الوسائط فواهب الصور

ومثاله فيضان نور الشمس على كل قابل للاستنارة عند ارتفاع الحجاب بينهما والقابل للاستنارة هي المتلونات دون الهواء الذي لا لون له

وأما صفة القابل فالاستواء والاعتدال الحاصل بالتسوية كما قال سويته ومثال صفة القابل صقالة الحديد فان المرآة التي ستر الصدأ وجهها لا تقبل الصورة وان كانت محاذية للصورة وإذا اشتغل المصقل بتصقيلها فكلما حصلت الصقالة حدثت فيها الصورة من ذي الصورة المحاذية لها فكذلك إذا حصل الاستواء والاستعداد في النطفة حدثت فيها النفس من واهبها وخالقها من غير تغير في الواهب بل إنما حدث الروح الآن لا قبله لتغير المحل بحصول الإستواء الآن لا قبله كما أن الصورة فاضت من ذي الصورة على المرآة في حكم الوهم من غير تغير في الصورة ولكن كان لا تحصيل من قبل لأن الصورة ليست مهيئة لأن تنطبع في المرآة لكن لأن المرآة لم تكن صقيلة

فان قيل فاذا كانت الأرواح حادثة مع الأجساد فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم خلق الله الأرواح قبل الاجساد بألفي عام وقوله عليه السلام أنا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا وقوله عليه السلام كنت نبيا وآدم لمنجدل بين الماء والطين


112

قلنا شيء من هذا لا يدل على قدم الروح بل على حدوثه وكونه مخلوقا نعم ربما دل بظاهره على تقديم وجوده على الجسد كما ظن جماعة من الحكماء وأمر الظواهر هين فان تأويلها ممكن والبرهان القاطع لا يدرأ بالظواهر بل يسلط على تأويل الظواهر كما في ظواهر الآيات المتشابهات في حق الله تعالى

أما قوله عليه السلام خلق الله الأرواح قبل الأجساد أراد بالأرواح أرواح الملائكة وبالاجساد العالم من العرش والكرسي والسموات والكواكب والهواء والماء والأرض وكما أن أجساد الآدميين بجملتهم صغيرة بالاضافة إلى جرم الأرض وجرم الأرض أصغر من الشمس بكثير ثم لا نسبة لجرم الشمس إلى فلكه ولا لفلكه إلى السموات التي فوقه ثم كل ذلك اتسع له الكرسي إذ وسع كرسيه السموات والأرض والكرسي صغير بالاضافة إلى العرش فاذا تفكرت في جميع ذلك استحقرت أجساد الآدميين ولم تفهمها من مطلق لفظ الاجساد فكذلك فاعلم وتحقق أن أرواح البشر بالاضافة الى أرواح الملائكة كأجسادهم بالاضافة إلى أجساد العالم ولو انفتح لك باب معرفة الملكية لرأيت الأرواح البشرية كسراج اقتبس من نار عظيمة طبقت العالم وتلك النار العظيمة هي الروح الأخير من أرواح الملائكة ولأرواح الملائكة ترتيب وكل واحد منفرد برتبته ولا يجتمع في مرتبة واحدة اثنان بخلاف الأرواح البشرية المتكثرة مع اتحاد النوع أما الملائكة فكل واحد نوع برأسه وهو كل ذلك النوع واليه الإشارة بقوله تعالى وما منا إلا له مقام معلوم وبقوله عليه السلام إن الراكع منهم لا يسجد والقائم لا يركع وانه ما من واحد إلا وله مقام معلوم فلا تفهمن إذا من الأرواح والأجساد المطلقة إلا أرواح الملائكة وأجساد العالم

وأما قوله عليه الصلاة والسلام أنا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا وقوله عليه السلام نحن الآخرون والسابقون وقد قال عليه السلام أول ما خلق الله القلم وقال أول ما خلق الله العرش وقال أول


113

ما خلق الله جوهر محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك فكشف الغطاء عن هذا من وجوه تحت كل وجه فوائد لطيفة ولطائف من الحكمة قلما تسطر في الكتب

الوجه الأول انا شاهدنا الموجودات كلها بشهادة الحس والعقل على ترتب وتفاضل في النوع والشخص

أما في المركبات التي هي أقرب إلى حواسنا فالمعادن والنباتات والحيوان والإنسان على تفاضل وانتهى ذلك بالانسان وانتهى الانسان بالشخص الواحد الأفضل من الكل كالنبي في زمانه والولي في كل زمان

وأما في البسائط الجسمانية أعني المتشابهة الاجزاء فهي أيضا على تفاضل في الجوهر والحيز والعظم والحركة والأفضل من الكل الجرم الأقصى وهو الذي عبر عنه التنزيل بالعرش والكرسي الذي وسع السماوات والأرض

وأما في البسائط الروحانية أعني المجردة عن المواد المنزهة عن المكان والزمان ففيها ترتب وتفاضل فما كان أشد قوة وأوسع علما وإحاطة وأبلغ في الوحدة وأشبه بكمال الربوبية كان في المقام الأعلى والمرتبة الأقصى ولا بد أن ينتهي بواحد فان المترتبات المتفاضلات إن لم تنته بواحد أوجب ذلك الحكم بالتسلسل وذلك محال فالمترتبات في كل قسم انتهت بواحد هو مبدؤها

وربما يعبر لسان النبوة عن ذلك الواحد بانه أول ما خلق الله تعالى فالروحانيات انتهت بروح القدس أو العقل الفعال أو شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو أول المبدعات ثم ينزل بالترتب والتفاضل كما قيل أول ما خلق الله عزو جل العقل ثم النفس ثم الهيولي أو ما روي في الخبر ان أول ما خلق الله عز وجل القلم ثم اللوح ثم الظلمة الخارجة

وأما الجسمانيات فقد انتهت بالجرم الأقصى وهو ما روي أن أول ما


114

خلق الله العرش ثم الكرسي وأما في المركبات فقد انتهت بجوهر النبوة وأكملها وأفضلها جوهر محمد صلى الله عليه وسلم وذلك ما روي إن أول ما خلق الله تعالى جوهر محمد صلى الله عليه وسلم فقد وجدت لكل مقال مجالا ولكل مذهب محملا ومساغا ثم الأولية في كل صنف منها هل هي أولية بالزمان أو أولية بالمكان أو أولية بالذات أعني العلة الفاعلية أو الكمالية فذلك مطلب آخر سهل التناول قريب المأخذ والمجتنى

الوجه الثاني إن المبادىء تساق إلى الكمالات حتى لو لم يكن كمال لم يكن مبدأ كما لو لم يكن مبدأ لم يكن كمال وان المعقولات تظهر بالمحسوسات وكما أن كمال جلال الحق انما يظهر بأفعاله وصنائعه وكذلك الأمر الحق انما يظهر بخلقه وكذلك العقل انما يظهر بالنفس والنفس انما تظهر بالطبيعة والطبيعة إنما تظهر بالجسم الكلي وكذلك جميع الموجودات إنما يظهر بالانسان حتى يكون جسمه وطبيعته مظهر الجسم والطبيعة ونفسه وعقله مظهر النفس والعقل وتسليمه مظهر الأمر الحق فيظهر به جلال الباري تعالى وإكرامه

ويصح ان يقال لولاك ما خلقت الافلاك فهو الخلاصة من الخليقة والصفوة من البرية وهو الكمال والغاية والسدرة المنتهى وهو أول ماخلق وآخر ما بعث كما ذكره عليه السلام

الوجه الثالث ان الطبيعة المسخرة تؤثر في إعداد المادة لقبول فيض الأمر والعقل والنفس حتى يحصل في المركبات باستصفاء العناصر واستخلاص اللباب من المواد وابتلاء الامشاج من المزاج طبقة بعد طبقة واستصفاء بعد استصفاء حتى يحصل في المركبات الجزئية شخص في مقابلة العقل الكلي بل هو شخص العقل أو عقل الشخص وذلك هو نبى زمانه فيكون العود به كما كان البدء اليه فيضاهي صاحب المبدأ صاحب الكمال وتكون النهاية هي الرجوع إلى


115

البداية ويكون أول الفكر آخر العمل ويظهر معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم نحن الآخرون السابقون

الوجه الرابع كما ابتدأ الدين والشريعة من آدم عليه السلام واستكمل نوع كمال بنوح عليه السلام ونوع كمال بموسى عليه السلام ونوع كمال بعيسى عليه السلام ونوع كمال بالمصطفى عليه السلام وابتدأ العود من المصطفى صلى الله عليه وسلم في دار الجزاء ولذلك قال أنا أول من ينشق عنه الأرض وأنا العاقب وانا الحاشر يحشر الناس على قدمي


117

بقاء النفس

ونذكر أنها لا تموت بموت البدن ثم نذكر انها لا تفنى مطلقا ونذكر برهانه من المنقول والمعقول

أما المنقول فقوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ومعلوم أن من كان حيا مرزوقا فرحا مستبشرا به لا يكون ميتا معدوما وكذلك قوله تعالى ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في رياض الجنة وقد ترسخ في جميع عقائد أهل الإسلام هذا فان رسول المغفرة والرحمة لمن يكون باقيا لا لمن يكون فانيا وكذلك اهداء الصدقة فاعتقادهم انها تصل اليه وكذلك المنامات فكل ذلك دليل على أنها باقية

وقد ذكرنا ان النفس ليست منطبعة في البدن بل لها العلاقة مع البدن بالتصرف والتدبير والموت انقطاع تلك العلاقة أعنى تصرفاتها وتدبيراتها عن البدن وانما يموت الروح الحيواني وهوبخار لطيف ينشأ من القلب ويتصاعد إلى الدماغ ومن الدماغ بواسطة العروق إلى جميع البدن وفي كل موضع ينتهي اليه يفيد فائدة من الحواس الظاهرة والمشاعر الباطنة فذلك الروح لا ينقى وإذا بطل ذلك الروح بطل مايتبعه من الحواس الظاهرة والباطنة والقوى المحركة


118

أما البرهان العقلي فلأن كل شيء يفسد بفاسد شيء آخر فهو متعلق به نوعا من التعلق وكل متعلق بشيء آخر نوعا من التعلق فإما أن يكون تعلقه به تعلق المكافئ في الوجود أو تعلق المتأخر عنه في الوجود أو تعلق المتقدم عليه في الوجود الذي هو قبله في الذات لا في الزمان فان كان تعلق النفس بالبدن تعلق المكافيء في الوجود وذلك أمر ذاتي له لا عرضي فكل واحد منهما مضاف الذات إلى صاحبه فليس لا النفس ولا البدن بجوهر ولكنهما جوهران

وإن كان ذلك أمرا عرضيا لا ذاتيا فان فسد أحدهما بطل العارض الآخر من الاضافة ولم يفسد الذات بفساده وإن كان تعلقه به تعلق المتأخر عنه في الوجود فالبدن علة للنفس في الوجود والعلل أربع فاما أن يكون البدن علة فاعلية للنفس معطية لها الوجود وإما أن يكون علة قابلية لها بسبيل التركيب كالعناصر للأبدان أو بسبيل البساطة كالنحاس للصنم وإما أن يكون علة صورية وإما ان يكون علة كمالية ومحال أن يكون علة فاعلية فان الجسم بما هو جسم لا يفعل شيئا وانما يفعل بقواه ولو كان بذاته يفعل لا بقواه لكان كل جسم يفعل ذلك الفعل

ثم القوى الجسمانية كلها إما أعراض وإما صور مادية ومحال أن يفيد الأعراض أو الصور القائمة بالمواد وجود ذات قائمة بنفسها لا في مادة ووجود جوهر مطلق ومحال أيضا أن يكون علة قابلية فقد برهنا وبينا أن النفس ليست منطبقة في البدن بوجه من الوجوه فلا يكون إذا البدن متصورا بصورة النفس لا بحسب البساطة ولا على سبيل التركيب بأن يكون جزءا من أجزاء البدن يتركب فتحدث النفس ومحال أن تكون علة صورية للنفس او كمالية فان الأولى ان يكون الأمر بالعكس فاذا ليس تعلق النفس بالبدن تعلق معلول بعلة ذاتية

نعم البدن والمزاج علة بالعرض للنفس فانه إذا حدث بدن يصلح ان يكون


119

آلة لنفس ومملكة له أحدثت العلل المفارقة النفس الجزئية او حدث عنها ذلك فان احداثها بلا سبب يخصص إحداث واحد دون واحد محال ومع ذلك فانه يمنع عن وقوع الكثرة فيها بالعدد لما بيناه ولأنه لا بد لكل كائن بعد ما لم يكن من ان يتقدمه مادة فيكون فيها تهيؤ قبوله أو تهيؤ نسبة اليه كما تبين في العلوم الأخر ولأنه لو كان يجوز أن تكون نفس جزئية تحدث ولم يحدث لها آلة بها تستكمل وتفعل لكانت معطلة الوجود ولا شيء معطل في الطبيعة المسخرة المبلغة كل شيء من العنصريات إلى كمالها وغايتها ولكن اذا حدث التهيؤ للنسبة والاستعداد للآلة فيلزم حينئذ أن يحدث من الجود الآلهي الفياض بواسطة العلل المفارقة شيء هو النفس وليس إذا وجب حدوث شيء مع حدوث شيء وجب ان يبطل مع بطلانه وانما يكون ذلك إذا كان ذات الشيء قائما بذلك الشيء وفيه

وقد تحدث أمور عن أمور وتبطل تلك الأمور وتبقى هي إذا كانت ذاتها غير قائمة فيها وخصوصا إذا كان مفيد الوجود لها شيئا آخر غير الذي انما هو تهيأ افادة وجوده مع وجوده ومفيد وجود النفس شيء غير الجسم كما بينا وإلا هو قوة في جسم بل هو لا محالة أيضا جوهر غير جسم فاذا كان وجوده من ذلك الشيء ومن البدن يحصل وقت استحقاقه الوجود فقط فليس له تعلق في نفس الوجود بالبدن ولا البدن علة له إلا بالعرض فلا يجوز إذا ان يقال إن التعلق بينهما على نحو يوجب أن يكون الجسم متقدم الذات على النفس

وأما القسم الثالث مما كنا ذكرنا في الابتداء وهو ان يكون تعلق النفس بالجسم تعلق المتقدم في الوجود فاما ان يكون التقدم مع ذلك زمانا فيستحيل ان يتعلق به وجوده وقد تقدمه في الزمان وإما ان يكون التقدم في الذات لا في الزمان لأنه في الزمان لا يفارقه وهذا النحو من التقدم هو أن يكون الذات المتقدمة كلما توجد يلزم أن يستفاد عنها ذات المتأخر في الوجود وحينئذ لا يوجد


120

أيضا هذا المتقدم في الوجود إذا فرض المتأخر قد عدم لا لأن فرض عدم المتأخر أوجب عدم المتقدم ولكن لأن المتأخر لا يجوز ان يكون عدم إلا وقد عرض أولا بالطبع للمتقدم ما اعدمه فحينئذ عدم المتأخر فليس فرض عدم المتأخر يوجب عدم المتقدم ولكن فرض عدم المتقدم نفسه لأنه إنما افترض المتأخر معدوما بعد أن عرض للمتقدم إن عدم في نفسه وإذا كان كذلك فيجب ان يكون السبب المعدم يعرض في جوهر النفس فيفسد معه البدن وان لا يكون البتة يفسد بسبب يخصه لكن فساد البدن بسبب يخصه من تغير المزاج او التركيب فباطل ان تكون النفس تتعلق بالبدن تعلق المتقدم بالذات ثم تفسد بالبدن البتة فليس إذا بينهما هذا التعلق وإذا كان الأمر على هذا فقد بطل انحاء التعلق كلها وبقي ان لا تعلق للنفس في الوجود بالبدن بل تعلقه في الوجود بالجود الإلهي بواسطة المبادىء الأخر التي لا تستحيل ولا تبطل

النفس لا تفنى مطلقا

نقول إن النفس لا يتطرق اليها الفناء والعدم والفساد والهلاك وذلك ان كل شيء من شأنه ان يفسد بسبب ما ففيه قوة ان يفسد وقبل الفساد فيه فعل ان يبقى ومحال ان يكون من جهة واحدة وفي شيء واحد قوة ان يفسد وفعل ان يبقى بل تهيؤه للفساد ليس لفعل ان يبقى فان معنى القوة مغاير لمعنى الفعل واضافة هذه القوة مغايرة لأضافة هذا الفعل لأن اضافة ذلك إلى الفساد واضافة هذا إلى البقاء فاذا لأمرين مختلفين في الشيء يوجد هذان المعنيان وهذا انما يكون في الأشياء المركبة أو الأشياء البسيطة في المركبة وأما في الاشياء البسيطة المفارقة الذات فلا يجوز فيها هذان الامران

ونقول بوجه مطلق أنه لا يجوز ان يجتمع في شيء احدي الذات هذان المعنيان وذلك لان كل شيء يبقى وله قوة ان يفسد فله قوة ان يبقى لأن


121

بقاءه ليس بواجب ضروري وإذا لم يكن واجبا كان ممكنا والامكان طبيعة القوة فإذا يكون له في جوهره قوة ان يبقى وفعل ان يبقى وفعل ان يبقى منه لا محالة ليس هو قوة ان يبقى منه وهذا بين فيكون إذا فعل ان يبقى منه امرا يعرض للشيء الذي له قوة ان يبقى منه فتلك القوة لا تكون لذات ما بالفعل بل للشيء الذي يعرض له ان يبقى بالفعل لا بوجود ذاته

فلزم من هذا ان تكون ذاته مركبة من شيء كان به ذاته موجودا بالفعل وهو الصورة في كل شيء ومن شيء حصل له هذا الفعل وفي طباعه قوته وهو مادته فان كانت النفس بسيطة مطلقة لم ينقسم إلى مادة وصورة وان كانت مركبة فلنترك المركب ولننظر في الجوهر الذي هو مادته ولنصرف القول إلى نفس مادته ولنتكلم فيها

ونقول إن تلك المادة إما ان تنقسم هكذا دائما ونثبت الكلام دائما وهذا محال وإما ان لا يبطل الشيء الذي هو الجوهر والسنخ وكلامنا في هذا الشيء الذي هو السنخ والاصل لا في شيء يجتمع منه ومن شيء آخر فبين أن كل شيء هو بسيط غير مركب أو هو أصل مركب وسنخه فهو غير مجتمع فيه فعل ان يبقى وقوة ان يعدم بالقياس إلى ذاته فاذا كانت فيه قوة أن يعدم فمحال أن يكون فيه فعل أن يبقى وإن كان فيه فعل ان يبقى وان يوجد فليس فيه قوة ان يعدم فبين إذا ان جوهر النفس ليس فيه قوة ان يفسد

وأما الكائنات التي تفسد فان الفاسد منها هو المركب المجتمع وقوة ان تفسد وان تبقى ليس في المعنى الذي به المركب واحد بل في المادة التي هي بالقوة قابلة كلا الضدين فليس إذا في الفاسد المركب لا قوة ان يبقى ولا قوة ان يفسد فلم يجتمعا فيه

وأما المادة فاما ان تكون باقية لا بقوة تستعد بها للبقاء كما يظن قوم وإما ان تكون باقية بقوة بها تبقى وليس لها قوة ان تفسد بل قوة ان تفسد شيء


122

آخر فيها يحدث والبسائط التي في المادة فان قوة فسادها هو في المادة لا في جوهرها والبرهان الذي يوجب ان كل كائن فاسد من جهة تناهي قوة النفي والبطلان انما يوجب فيما كونه من مادة وصورة ويكون في مادته قوة ان يبقى فيه هذه الصورة وقوة ان تفسد هي فيهما معا فقد بان إذا ان النفس لا تفسد البتة وإلى هذا سقنا كلامنا والله ولي التوفيق


123

اثبات العقل المفارق الفعال والعقل المنفعل في النفوس الانسانية ومراتب العقول

واثبات العقل الفعال من حيث الشرع أظهر من ان يثبت لوروده جليا في النصوص

كقوله تعالى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وكقوله تعالى إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين وكقوله وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا

وأما من حيث العقل فمن وجوه الأول ما ذكرناه قبل ذلك من ترتب الموجودات وتفاضلها وانها في أجسام البسائط تنتهي إلى العرش وفي الروحانيات إلى العقل والنفس وفي المركبات إلى جوهر محمد صلى الله عليه وسلم وقد بسطنا ذلك الفصل فلا نعيده

الوجه الثاني قد بان لك ان المرتسم بالصورة العقلية غير جسم ولا في جسم لأن الجسم ينقسم وما في الجسم ايضا والصور العقلية كلية متحدة لا تنقسم فلو حلت جسما لانقسمت وانقسامها محال فحلولها في الجسم وما في الجسم محال

وانت تعلم ان المرتسم بالصورة التي قبلها اعني الوهم والخيال والحس


124

قوى مركوزة في الأجسام وان الصورة إذا كانت حاصلة في القوى ولم تغب عنها وان الانسان يدرك صورا عقلية ثم تغيب عنه وان أراد ان يعود اليها يعود على قرب من غير تكلف اكتساب بل يحتاج إلى الاقبال عليها فهذه الصور العقلية التي غابت إما أن تكون قد انعدمت فينبغي ان يحتاج إلى الاكتساب كما كان أولا يحتاج إليه وان لم تنعدم فاما ان تكون في النفس أو في البدن او خارجا فان كانت في النفس فينبغي ان تكون شاعرة بها عاقلة لأنه لا معنى للتعقل إلا حصول تلك الصورة في النفس ولا يجوز ان تكون في البدن لما ذكرنا ان المعقولات لا تحل الأجسام وما في الاجسام وان كانت خارجة فاما ان تكون قائمة بنفسها أو تكون في جوهر آخر شأنه إفاضة المعقولات على الأنفس البشرية ولا يجوز ان تكون قائمة بنفسها لأن المعاني قيامها بالجوهر فلا تقوم بنفسها فبقي أن تكون في الجوهر المفيض للمعقولات فثبت بهذا وجود ملك شأنه ما ذكرناه وذلك هو العقل الفعال وهو روح القدس

ثم الدليل على ان التعقل لا يكون غير التمثل فانها لو غابت عنها ثم عاودتها لا يحصل غير التمثيل فلو كان هذا التمثيل ثابتا للنفس كانت شاعرة بها عاقلة لها فيجب ان تكون الصورة قد زالت عن النفس زوالا ما وهذا بخلاف ما يدركه الوهم ثم يغيب عنها فان للقوة الوهمية خازنا يحفظ مدركاتها فمتى غابت عن الوهم والتفت اليها اخذ منه المعاني التي استفادت من الصور

نعم لاننكر ان الزوال يكون على قسمين فتارة يزول عن القوة الدراكة ويتحفظ في قوة اخرى كالخازن لها وتارة يزول عن القوة وعن الخازن ففي الوجه الثاني يحتاج إلى تجشم كسب جديد وعلى الأول لا يحتاج الى كسب بل إلى التفاوت ومطالعة للخزانة من غير تجشم كسب وفي المعقولات يحتمل القسمين ولكن قد بينا انه لا خازن لها لا في النفس ولا في البدن فبقي ان يكون شيئا خارجا إذا وقع بين نفوسنا وبينه اتصال ما ارتسم منه فيها الصور العقلية الخاصة بذلك الاستعداد لأحكام خاصة


125

وإذا اعرضت النفس عنه إلى ما يلي العالم الجسداني او الى صورة اخرى انمحى ما تمثل اولا كأن المرآة التي تحاذي بها جانب القدس قد اعرض بها عنه إلى جانب الحس او الى شيء آخر من امور القدس وهذا انما يكون ايضا اذا اكتسبت ملكة الاتصال بالعقل الفعال

الوجه الثالث ان النفس الانسانية قد تكون عاقلة بالقوة ثم تصير عاقلة بالفعل وكل ما خرج من القوة إلى الفعل فانما يخرج بسبب هو بالفعل يخرجه فههنا سبب هو الذي يخرج نفوسنا في المعقولات من القوة إلى الفعل وإذ هو السبب في اعطاء الصور العقلية فيكون عقلا بالفعل عنده مبادىء الصور العقلية مجردة فهذا الشيء سمي بالقياس إلى العقول التي تخرج منه الى الفعل عقلا فعالا كما يسمى العقل الهيولاني بالقياس اليه عقلا منفعلا ويسمى العقل الكائن بينهما عقلا منفعلا ويسمى العقل الكائن بينهما عقلا مستفادا

ونسبة العقل الفعال إلى نفوسنا نسبة الشمس الى ابصارنا فكما ان الشمس تبصر بذاتها بالفعل ويبصر بنورها ما ليس مبصرا بالفعل كذلك حال هذا العقل عند نفوسنا فإن القوة العقلية إذا اطلعت على الجزئيات في الخيال وأشرق عليها نور العقل الفعال استحالت مجردة عن المادة وعلائقها وانطبعت في النفس الناطقة لا على أن نفسها تنتقل من التخيل إلى العقل منا ولا على ان المعنى المغمور في العلائق وهو في نفسه واعتباره مجرد يعقل مثل نفسه بل على معنى ان مطالعتها تعد النفس لأن يفيض عليها المجرد من العقل الفعال فان الافكار والتأملات حركات معدة المنفس نحو قبول الفيض كما أن الحدود الوسطى معدة بنحو أشد تأكيدا لقبول النتيجة وان كان الأول على سبيل والثاني على سبيل فتكون النفس الناطقة إذا وقعت لها نسبة ما إلى هذه الصورة بتوسط اشراق العقل الفعال حدث فيها شيء من جنسها من وجه وليس من جنسها من وجه كما انه إذا وقع الضوء على الملونات فعل في البصر منها اثرا ليس على جملتها من كل وجه


126

فالخيالات التي هي معقولات بالقوة تصير معقولات بالفعل لا أنفسها بل ما يلتقط عنها كما ان الأثر المتأدي بواسطة الضوء من الصور المحسوسة ليس هو نفس تلك الصور بل شيئا آخر مناسبا لها يتولد بتوسط الضوء في القابل المقابل كذلك النفس الناطقة إذا طالعت تلك الصور الخيالية واتصل بها نور العقل الفعال ضربا من الاتصال استعدت لأن يحدث فيها من ضوء العقل مجردات تلك الصور من الشوائب فأول ما يتميز عند العقل الإنساني أمر الذاتي منها والعرضي وما به يتشابه به وما به يختلف فتصير المعاني معنى واحدا في ذات العقل بالقياس إلى التشابه لكنه بالقياس إلى ما تختلف به تصير معاني كثيرة فيكون للعقل قوة على تكثير الواحد من المعاني وعلى توحيد الكثير أما توحيد الكثير فمن وجهين

أحدهما أن تصير المعاني الكثيرة المختلفة في التخيلات بالعدد إذا كانت لا تختلف في الحد معنى واحدا

والثاني أن تركب من معاني الأجناس والفصول معنى واحدا بالحد ويكون وجه التكثير بعكس هذين الوجهين فهذا من خواص العقل الانساني وليس ذلك لغيره من القوى فانها تدرك الكثير كثيرا كما هو والواحد واحدا كما هو ولا يمكنها أن تدرك الواحد البسيط بل الواحد من حيث هو جملة مركبة من أمور واعراضها ولا يمكنها ان تفصل العرضيات وتنزعها عن الذاتيات فاذا عرض الحس على الخيال صورة وعرض الخيال على العقل تلك الصورة يأخذ العقل معنى فان عرض عليه صورة أخرى من ذلك النوع وانما هو آخر بالعدد لم يأخذ منه العقل صورة ما غير ما أخذه أولا إلا من جهة العرض الذي يخص هذا من حيث ذلك العرض بأن يأخذه مرة مجردا ومرة مع ذلك العرض ولأجل هذا يقال إن زيدا وعمرا لهما معنى واحد في الانسانية اعني ان السابق منهما إذا أفاد النفس صورة الانسانية فان الثاني لا يفيد البتة شيئا من ذلك المعنى بل يكون المعنى المنطبع منهما في النفس واحدا هو عن


127

الخيال الأول ولا تأثير للخيال الثاني وللعقل إذا أدرك أشياء فيها تقدم وتأخر أن يعقل معها الزمان ضرورة ويكون ذلك لا في زمان بل في آن والعقل يعقل الزمان في آن

وأما تركيبه للحد والقياس فهو لا محالة يكون في زمان إلا ان تصور النتيجة والمحدود يكون دفعة والعقل ليس قصوره عن تصور الأشياء التي هي في غاية المعقولية والتجريد عن المادة لأمر في ذات تلك الاشياء ولا لامر في غريزة العقل بل لأجل أن العقل مشغول بالبدن ويحتاج في كثير من الأمور إلى البدن فيبعده البدن عن أفضل كمالاته فإذا زال عنه هذا الغمور كان تعقل النفس للمجردات أفضل التعقلات وأوضحها وألذها

وأما مراتب العقل من الهيولاني والملكة والعقل بالفعل والعقل المستفاد فقد ذكرناها وأما العقل القدسي فسنذكره ان شاء الله تعالى في خصائص النبوة


128


129

قاعدة في النبوة والرسالة

تشتمل على بيانات بيان أن الرسالة هل تقتنص بالحد أم لا وبيان أن الرسالة مكتسبة أم أثره ربانية وبيان اثبات الرسالة بالبرهان وبيان خواص الرسالة وهي المعجزات وبيان كيفية الدعوة وما يؤخذ من السمع ومالا يؤخذ

بيان أن الرسالة لا تقتنص بالحد والحقيقة بذكر جنسها وفصلها

وذلك لأن معرفة الأشياء لا تتوقف على الظفر بحدودها ووجدان جنسها وفصلها فكم من موجود لا جنس له ولا فصل ولا حد ولا رسم وماله جنس وفصل فربما لا يظفر بجنسه وفصله وأكثر الأمور كذلك فان اعطاء الحدود صعب عسر على الأذهان

نعم يستدل على وجوده وحقيقته بآثاره فان العقل والنفس وكثيرا من المفارقات تتصور ولا حد لها ولا رسم وانما يدل عليها برهان

ولو سأل سائل نبيا من الانبياء عن خواص الرسالة وماهيتها وابراز حدها بجنسها وفصلها ترى كيف كان جوابه عنها أو كان يشرع في تحقيق ذلك وذكر حده ورسمه وتعديد خواصه حتى تتوقف رسالته على معرفة ذلك كله وان لم يعرف المستجيب ذلك لا يمكنه تصديقه أم كان يجب عليه التصديق في الحال سواء عرف حد الرسالة أو لم يعرف واذا كانت الرسالة


130

مرتبة فوق مرتبة الأنسانية كما كانت الانسانية مرتبة فوق مرتبة الحيوانية لم يتوقف أتباع الرسول على معرفة الرسالة كما لم يتوقف استسخار الحيوان على معرفة الانسانية بل الانسان لو أراد تعريف الحيوان خواص الانسانية كان ذلك سفها منه وتكليف ما لا يطاق كذلك لو أراد الرسول تعريف الانسان خواص الرسالة كان ذلك تكليفا منه ما لا يطاق فلا المطالبة متوجبة عليه ولا الجواب عنه لازم وهذا كما طالب فرعون موسى عليه السلام بذكر ماهية رب العالمين قال وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين وطالبه ثانيا وثالثا فلم يأت بحد ولا رسم ولم يذكر جنسا ولا فصلا في تعريف ما سأله الا بالربوبية المحضة والتعريف بالحقائق مكانياتها وزمانياتها والمواليد التي بين المكان والزمان

الرسالة هل هي حظوة مكتسبة أم أثرة ربانية

اعلم أن الرسالة أثرة علوية وخطوة ربانية وعطية آلهية لا تكتسب بجهد ولا تنال بكسب الله أعلم حيث يجعل رسالته وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان لكن الجهد والكسب في إعداد النفس لقبول آثار الوحي بالعبادات المشفوعة بالفكر والمعاملات الخالصة عن الرؤيا والسمعة من لوازمها فليس الأمر فيها اتفاقيا جغرافيا حتى ينالها كل من دب ودرج أو مرتبا على جهد وكسب حتى يصيبها كل من فكر وأدلج وكما ان الانسانية لنوع الانسان والملكية لنوع الملائكة ليست مكتسبة لأشخاص النوع وان العمل بموجب النوعية ليس يخلو عن اكتساب واختيار لاعداد واستعداد كذلك النبوة لنوع الانبياء ليست مكتسبة لأشخاص النوع وان العمل بموجب النبوة ليس يخلو عن اكتساب واختيار لاعداد واستعداد فيوحى اليه طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى حين تورمت قدماه من العبادة حتى قال عليه السلام أفلا أكون عبدا شكورا وكان صلى الله عليه وسلم يتحنث بحراء


131

قبل الوحي وحبب اليه الخلوة وكان يرى الرؤيا فتأتي مثل فلق الصبح على انها أحوال عرضية وأعراض طارئة على النوعية بنوع استيجاب واستحقاق من كمال تركيب المزاج وحسن الصورة وتمام الاعتدال وطهارة النشوة والتربة وطيب الأعراق ومكارم الأخلاق والسمت الصالح والأناة والوقار ولين الجانب وخفض الجناح والرحمة والرأفة بالأولياء والشدة والبأس على الأعداء وصدق الحديث وأداء الأمانة والصون عن جميع الرذائل والتحلي بانواع الفضائل وزكاء العرض عن جميع الدنيات والعفو عمن ظلمه والاحسان الى من أساء اليه وصلة الرحم وحفظ الغيب وحسن الجوار واعانة المظلوم واغاثة الملهوف وحب المعروف وبغض المنكر وغير ذلك ما ضل صاحبكم وما غوى في هذا العالم مازاغ البصر وما طغى في ذلك العالم تعنو لنفسه نفوس العالمين طوعا وكرها وهو غير متكبر ولا جبار ولا فظ ولا غليظ يهاب اذا سكت ولا يعاب إذا نطق لطيف الشمائل اذا تحرك وسكن قد نهض باحتمال أعباء ماحمل من الرسالة فأداها وأفاض رحمته على العالمين فوفاها صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين

إثبات الرسالة بالبرهان

بيان اثباتها بطريقين أحدهما جملي والآخر تفصيلي أما الجملي فهو كما أن نوع الانسان تميز عن سائر الحيوانات بنفس ناطقة هي فوقها بالفضيلة العقلية والمسخرة لها والمالكة عليها والمتصرفة فيها كذلك نفوس الانبياء عليهم السلام تميزت عن نفوس الناس بعقل هاد مهدي هو فوق العقول كلها بالفضيلة الربانية المدبرة لها والمالكة عليها والمتصرفة فيها وكما أن حركات الانسان معجزات الحيوان فليس حيوان يتحرك مثل حركته الفكرية والقولية والفعلية كذلك جميع حركات النبي معجزات للانسان فليس انسان يتحرك مثل حركته الفكرية والقولية والفعلية

وكما تميز النبي عن الناس بعقله المناسب للعقول المفارقة والعقل الأول كذلك تميز بنفسه المشاكلة لنفوس السماوات والنفس الفلكية وكذلك تميز


132

بطبعه ومزاجه المستعد لقبول مثل هذا العقل والنفس بالفعل وكما لا يتصور في سنة الفطرة الإلهية أن يكون من نطفة كل حيوان انسان كذلك لا يتصور في سنة الفطرة أن يكون من نطفة كل انسان نبي الله يخلق ما يشاء ويجتبي الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس فهو المختار في طبعه ومزاجه المصطفى بنفسه وعقله لا يشاركه فيها أحد من الناس

ومن وجه آخر النبي إذا شارك الناس في البشرية والانسانية من حيث الصورة فقد باينتهم من حيث المعنى اذ بشريته فوق بشرية الناس لاستعداد بشريته لقبول الوحي قل إنما أنا بشر مثلكم أشار الى طرف المشابهة من حيث الصورة يوحى إلي أشار الى طرف المباينة من حيث المعنى أما من حيث التفصيل فمن طرق

الطريق الأول برهان أنشىء من الحركات الاختيارية وهي أقسام ثلاثة فكرية وقولية وعملية والحركة الفكرية يدخلها الحق والباطل والقولية يدخلها الصدق والكذب والعملية يدخلها الخير والشر وهذه العبارات اصطلاحية والمعنى مستقيم فيها مفهوم عنها ولا يشك في انها على تضادها واختلافها ليست واجبة الفعل بجملتها واجبة التحصيل فان من أفتى بهذه الفتوى يكون مستحق القتل بفتواه لأن قتله من جملة الحركات وهو واجب الفعل وليس كلها واجب الترك فإن من أفتى بهذا ينبغي أن لا يتنفس لأن التنفس منه حركة وهي واجبة الترك فظهر من هذا أن بعضها واجب الترك وبعضها واجب الفعل وإذا ثبت هذا فقد ثبت حدود في الحركات حتى كان بعضها خيرا واجب الفعل وبعضها شرا واجب الترك فالتمييز بين حركة وحركة بالحدود ولا يخلو إما ان يعرفه كل أحد أو لا يعرفه أحد أو يعرفه بعض دون


133

بعض وظاهر انه لا يعرفه كل أحد وباطل انه يعرفه كل أحد فظهر أنه يعرفه أحد دون أحد فثبت بالتقسيم الأول حدود في الحركات وثبت بالتقسيم الثاني أصحاب حدود يعرفونها وهم الأنبياء وأصحاب الشرائع عليهم الصلاة والسلام والانسان اذا راجع نفسه علم أنه اذا لم يكن عارفا بالحدود يجب أن يكون في حكم أصحاب الحدود فثبت وجود النبوة بضرورة الحركات

الطريق الثاني أن نقول إن نوع الانسان محتاج الى اجتماع على صلاح في حركاته الاختيارية ومعاملاته المصلحية ولولا ذلك الاجتماع ما بقي شخصه ولا انحفظ نوعه ولا احترس ماله وحريمه وكيفية ذلك الاجتماع تسمى ملة وشريعة

وبيان ذلك أنه في استبقاء حياته واستحفاظ نوعه وحراسة ماله وحريمه يحتاج الى تعاون وتمانع أما التعاون فلتحصيل ما ليس له مما يحتاج اليه في مطعمه وملبسه ومسكنه وأما التمانع فلحفظ ما له من نفسه وولده وحريمه وما له وكذلك في استحفاط نوعه يحتاج الى تعاون في الازدواج والمشاركة وتمانع يحفظ ذلك على نفسه وهذا التمانع والتعاون يجب ان يكونا على حد محدود وقضية عادلة وسنة جامعة مانعة ومن المعلوم أن كل عقل لا يفي بتمهيد هذه السنة على قانون يشمل مصالح النوع جملة ويخص حال كل شخص تفصيلا الا أن يكون عقل مؤيد بالوحي مقيض للرسالة مستمد من الروحانيات التي قيضت لحفظ نظام العالم وهم بأمره يعملون وعلى سنته في الخلق سائرون وبحكمه حاكمون فيكون الفيض متصلا بها من المقادير في الأحكام ثم منها فائضا على الشخص المتحمل لتلك الأمانة القابل لأسرار الديانة يتبع الحق في جميع الأمور ويتبعه الخلق في جميع الحركات يكلم الناس على مقادير عقولهم بعقله الواقف على تلك المقادير ويكلف العباد على قدر استطاعتهم بقدرته المحيطة بتلك الأقذار

وهذه الدلائل فروع لأصل واحد وهو إثبات الأمر لله عز وجل وهو الطريق الثالث لأثبات النبوة ومن لم يعترف بأمره لم يعترف بالنبوة قط فان النبي


134

متوسط الأمر كما أن الملك متوسط الخلق والأمر وكما وجب الايمان بالله من حيث الخلق والأمر وجب الايمان بالله وبمتوسط الخلق والأمر كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله

والطريق في إثبات الأمر على نوعين أحدهما أن الممكنات كما احتاجت الى مرجح لجانب الوجود على العدم وأن الحركات كما احتاجت بتجددها الى محرك يديمها بالتعاقب ثم المائلة من الحركات الى غير ما مالت عنه والمختلفات منها الى غير جهاتها الطبيعية احتاجت بتجددها الى كون المحرك مريدا مختارا ثم المتوجهة منها الى نظام الخير دون الفساد والشر احتاجت الى كون المحرك آمرا أمر التدبير وذلك قوله تعالى وأوحى في كل سماء أمرها ثم الحركات الانسانية كما احتاجت الى إرادة عقلية في جهاتها المتباينة كذلك احتاجت الى مكلف آمر ناه في حدودها المختلفة حتى يختار المكلف الحق دون الباطل في الحركات الفكرية والصدق دون الكذب في الحركات القولية والخير دون الشر في الحركات العملية وكما أن أمر التدبير جار على عموم الخلق لنظام وجود العالم الكبير كله وذلك قوله تعالى والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين كذلك أمر التكليف جار على خصوص الخلق لنظام وجود العالم الصغير وذلك قوله تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم وكذلك جميع الأوامر والنواهي المتوجهة على الناس وكما أوحى في كل سماء أمرها بواسطة ملك كذلك أوحى في كل زمان أمره بواسطة نبي فذلك هو التقدير وهذا هو التكليف

الطريق الثاني في إثبات الأمر الاول أن نقول قد ثبت وتحقق بالبراهين أن الأول المبدع ملك مطاع فله الخلق كله ملكا وملكا ولكل ملك في سلطانه أمر ونهي وترغيب وترهيب ووعد ووعيد ولا يجوز أن يكون أمره محدثا مخلوقا فان المخلوق من حيث هو مخلوق لا يدل الا على خالق فليس له دلالة على الأمر بمعنى الاقتضاء والطلب والتكليف والتعريف والحث والزجر والترغيب والترهيب


135

ومن لم يثبت لله عز وجل أمرا يطاع فقد أحال كل هذه الأوامر والنواهي والتذكيرات والتنبيهات على من ادعى النبوة مقصورة عليه متعدية عنه وما يضيفه الى الله تعالى من قال الله وذكر الله وأمر الله ونهى الله ووعد الله وأوعد الله يكون مجازا لا حقيقة وترويجا للكلام على العامة لا تحقيقا ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء فقد نسبوا النبي الذي في أعلى درجات الانسان الى أشد الظلم الذي هو أسفل الدرجات والخيانة التي هي أخبث السيئات جل منصب النبوة عن ذلك

خواص النبوة

للنبوة خواص ثلاث

احداهما تابعة لقوة التخيل والعقل العملي والثانية تابعة لقوة العقل النظري والثالثة تابعة لقوة النفس

الخاصية الأولى اعلم أولا أنه ليس يمكن أن يبرهن على مبادىء العلوم ومقدماتها من العلوم نفسها فيسلم لنا ههنا أن كل معلول معلول فيجب أن يلزم عن علته حتى يوجد وأن الحركة السماوية اختيارية وأن الحركة الاختيارية لا تلزم الا عن اختيار بالغ موجب للفعل وأن الاختيار للأمر الكلي لا يوجب أمرا جزئيا فانه انما يلزم الأمر الجزئي بعينه عن اختيار جزئي يخصه بعينه وأن الحركات التي بالفعل كلها جزئية فيجب إن كانت اختيارية أن تكون عن اختيار جزئي فيجب أن يكون المحرك لها مدركا للجزئيات ولا يكون البتة عقلا صرفا بل يكون نفسا تستعمل آله جسمانية تدرك بها أمورا جزئية ادراكا إما أن يكون تخيلا أو تعقلا عمليا هو أرفع من التخيل وله أيضا عقل كلي يستمد من العقل المفارق الذي يدرك العلوم الكلية وهذا كله مبين في العلوم الإلهية فيظهر من تسليم هذه أن الحركات السماوية يحرك كل واحد منها جوهر نفساني يتعقل الجزئيات بالنحو من التعقل الذي يخصها ويرتسم فيه صورها وصور الحركات التي يختارها كل واحد منها ويجاوزه حتى تكون هيئات الحركات تتجدد فيها دائما حتى


136

تتجدد الحركات ويكون يتصور لا محالة حينئذ الغايات التي يؤدي اليها الحركات في هذا العالم ويتصور هذا العالم أيضا بتفصيله وتلخيصه والأجزاء التي فيه لا يغرب عنها شيء ويلزم ذلك أن يتصور الأمور التي تحدث في المستقبل وذلك أنها أمور ويلزم وجودها عن النسبة التي بين الحركات المتعلقة عنها بالشخصية والنسب التي بين الأمور التي ههنا والنسب التي بين هذه الأمور وتلك الحركات فلا يخرج شيء البتة من أن يكون حدوثه في المستقبل لازما لوجود هذه على ما هي عليه في الحال فإن الأمور إما أن تكون بالطبع وإما أن تكون بالاختيار وإما أن تكون بالاتفاق والتي تكون عن الطبع انما تكون باللزوم عن الطبع إما طبع حاصل ههنا أوليا أو طبع حادث ههنا عن طبع ههنا أو طبع حادث ههنا عن طبع سماوي

وأما الاختيارات فانها تلزم الاختيار والاختيار حادث وكل حادث بعد ما لم يكن فله علة وحدوثه بلزومه وعلته إما شيء كائن ههنا على احدى الجهات أو شيء سماوي أو شيء مشترك بينهما وأما الاتفاقيات فهي احتكاكات ومصادمات بين هذه الأمور الطبيعية والاختيارية بعضها مع بعض في مجاريها فيكون إذا الأشياء الممكنة ما لم تجب لم توجد وانما تجب لا بذاتها بل بالقياس الى عللها والى الاجتماعات التي لعلل شتى فاذا يكون كل شيء متكون متصورا بجميع الأحوال الموجودة في الحال من الطبيعة والارادة الأرضية والسماوية ولمأخذ كل واحدمنها ومجراه في الحال فانه يتصور ما يجب عن استمرار هذه على مأخذها من الكائنات ولا كائنات إلا ما يجب عنها كما قلنا فالكائنات إذا قد تدرك قبل الكون لا من جهة ما هي ممكنة بل من جهة ما يجب وانما لا ندرك نحن لأنه إما أن يخفى علينا جميع أسبابها الآخذة نحوها أو يظهر لنا بعضها ويخفى علينا بعضها فبمقدار ما تظهر لنا منها يقع لنا حدس وظن بوجودها وبمقدار ما يخفى علينا منها يتداخلنا الشك في وجودها

وأما المحركات للأجرام السماوية فيحضرها جميع الأحوال المتقدمة معا


137

فيلزم جميع الأحوال المتأخرة معا فتكون الهيئة للعالم بما يريد أن يكون فيه يرتسم هناك ثم تلك الصور لا وحدها بل الصور العقلية التي في الجواهر المفارقة غير محتجبة عن أنفسنا بحجاب البتة من جهتها انما الحجاب هو في قبولنا إما لضعفنا أو لاشتغالنا بغير الجهة التي عندها يكون الوصول اليها والاتصال بها وأما إذا لم يكن أحد المعنيين فان الاتصال بها مبذول وليست مما تحتاج أنفسنا في إدراكها إلى شيء غير الاتصال بها ومطالعتها فأما الصور العقلية فان الاتصال بها بالعقل النظري

فأما هذه الصور التي الكلام فيها فإن النفس إنما يتصورها بقوة أخرى وهو العقل العملي ويخدمه في هذا الباب التخيل فتكون الأمور الجزئية تنالها النفس بقوتها التي تسمى عقلا عمليا من الجواهر العالية النفسانية وتكون الأمور الكلية تنالها النفس بقوتها التي تسمى عقلا نظريا من الجواهر العالية العقلية التي لا يجوز أن يكون فيها شيء من الصور الجزئية البتة وتختلف الاستعدادات للنفوس جميعا في الأنفس خصوصا الاستعداد لقبول الجزئيات بالاتصال بهذه الجواهر النفسانية فبعض الأنفس يضعف فيها ويقل هذا الاستعداد لضعف القوة المتخيلة وبعضها لا يكون فيه هذا الإستعداد أصلا لضعف القوة المتخيلة أيضا وبعضها يكون هذا فيه أقوى حتى ان الحس إذا ترك استعماله القوة المتخيلة وترك شغله بما يورد عليها جذبتها القوة العملية إلى تلك الجهة حتى انطبعت فيها تلك الصور إلا أن القوة المتخيلة لما فيها من الغريزة المحاكية والمنتقلة من شيء إلى غيره تترك ما أخذت وتورد شبيهه أو ضده او مناسبه كما يعرض لليقظان من أنه يشاهد شيئا فينعطف عليه التخيل إلى أشياء أخرى يحضرها مما يتصل به بوجه حتى ينسيه الشيء الأول فيعود على سبيل التحليل والتخمين ويرجع إلى الشيء الأول بأن يأخذ الحاضر مما قد تأدى اليه الخيال فيفطن أنه خطر في الخيال تابعا لأي صورة تقدمته وتلك لأي صورة أخرى وكذلك حتى ينتهي إلى البدء ويتذكر ما نسيه كذلك التعبير هو تحليل


138

بالعكس لفعل التخيل حتى ينتهي إلى الشيء الذي تكون النفس شاهدته حين اتصالها بذلك العالم وأخذت المتخيلة تنتقل عنه إلى أشياء أخرى فهذه طبقة

وطبقة أخرى يقوي استعداد نفسها حتى تستثبت ما نالته هناك ويستقر عليه الخيال من غير أن يغلبه الخيال وينتقل إلى غيره فتكون الرؤيا التي لا تحتاج إلى تعبير

وطبقة أخرى أشد تهيئا من تلك الطبقة وهم القوم الذين بلغ من كمال قوتهم المتخيلة وشدتها أنها لا تستغرقها القوى الحسية في إيراد ما يورد عليها حتى يمنعها ذلك عن خدمة النفس الناطقة في اتصالها بتلك المبادىء الموحية اليها بالأمور الجزئية فيتصل لذلك في حال اليقظة ويقبل تلك الصور

ثم إن المتخيلة تفعل مثل ما تفعل في حال الرؤيا المحتاجة إلى التعبير بأن تأخذ تلك الأحوال وتحاكيها وتستولي على الحسية حتى يؤثر ما يتخيل فيها من تلك في قوة بنطاسيا بأن تنطبع الصور الحاصلة فيها في البنطاسيا المشاركة فيشاهد صورا إلهية عجيبة مرئية وأقاويل إلهية مسموعة هي مثل تلك المدركات الوحيية وهذه أدون درجات المعنى المسمى بالنبوة وأقوى من هذا أن يستشبت تلك الأحوال والصور على هيئتها مانعة للقوة المتخيلة على الانصراف إلى محاكاتها بأشياء أخرى

وأقوى من هذا أن تكون المتخيلة مستمرة في محاكاتها والعقل العملي والوهم لا يتخليان عما استثبتاه فثبت في الذاكرة صورة ما أخذت وتقبل المتخيلة على بنطاسيا وتحاكي فيه ما قبلت بصور عجيبة مسموعة ومبصرة ويؤدي كل واحد منهما على وجهه

وهذه طبقات النبوة المتعلقة بالقوى العقلية العملية والخيالية وانظر قصص القرآن كيف أتت على جزئياتها كأنه شاهدها وحضرها وكأنها كانت بمرأى من


139

النبي ومسمع وكيف صدقت بحيث لم ينكرها أحد من منكري النبوة ولا يتعجبن متعجب من قولنا إن المتخيل قد يرتسم في بنطاسيا فيشاهد فان المجانين قد يشاهدون ما يتخيلون ولذلك علة تتصل بابانة السبب الذي لأجله يعرض للممرورين أن يخبروا بالأمور الكائنة فيصدقون في الكثير ولذلك مقدمة وهي أن القوة المتخيلة كالموضوعة بين قوتين مستعملتين لها سافلة وعالية

أما السافلة فالحس فانها تورد عليها صورا محسوسة تشغلها وأما العالية فالعقل فانه بقوته يصرفها عن التخيل للكاذبات التي لا توردها الحواس عليها ولا يستعملها العقل فيها واجتماع هاتين القوتين على استعمالها يحول بينها وبين التمكن من إصدار أفعالها الخاصة على التمام حتى تكون الصورة التي تحضرها بحيث تنطبع في بنطاسيا انطباعا تاما فيحس فاذا أعرض عنها إحدى القوتين لم يبعد أن تقام الأخرى في كثير من الأحوال فلم يمتنع عن فعلها فتمنعها فتارة تتخلص عن مجاذبة الحس فتقوى على مقاومة العقل وتمعن فيما هو فعلها الخاص غير ملتفت إلى معاندة العقل وهذا في حال النوم وعند احضارها الصورة كالمشاهدة وتارة تتخلص عن سياسة العقل عند فساد الآلة التي يستعملها العقل في تدبير البدن فيستعصي على الحس ولا يمكنها من شغلها بل يمعن إيراد أفاعيلها حتى يصير ما ينطبع فيها من الصور كالمشاهدة لانطباعه في الحواس وهذا في حال الجنون

وقد يعرض مثل ذلك عند الخوف لما يعرض من ضعف النفس وانخذالها واستيلاء الوهم والظن المعينين للتخيل على العقل فيشاهد أمورا موحشة فالممرورون والمجانين يعرض لهم أن يتخيلوا ما ليس موجودا بهذا السبب

وأما اخبارهم بالغيب فانما يتفق أكثر ذلك لهم عند أحوال كالصرع والغشي الذي يفسد حركات قواهم الحسية وقد يعرض أن تكل قوتهم المخيلة لكثرة حركاتهم المضطربة لأنها قوة بدنية وتكون هممهم عن المحسوسات


140

مصروفة فيكثر رفضهم للحس وإذا كان كذلك فقد يتفق أن لا تشتغل هذه القوة بالحواس اشتغالا مستغرقا ويعرض لها أدنى سكون عن حركاتها المضطربة ويسهل أيضا انجذابها مع النفس الناطقة فيعرض للعقل العملي إطلاع إلى أفق عالم النفس المذكور فيشاهد ما هناك ويتأدى ما يشاهده إلى الخيال فيظهر فيه كالمشاهد المسموع فحينئذ إذا أخبر به الممرور وخرج وفق مقاله يكون قد تكهن بالكائنات المستقبلة والآن فيجب أن نختم هذا البيان فقد أدينا فيه نكت الأسرار المكتومة والله الموفق

فان قال قائل إذا كان أصحاب الجن والكهنة والعرافون وبعض المجانين ربما يخبرون عن الغيب ويصدق خبرهم وينذرون بالآيات ويتحقق أثرها فبطلت الخاصية النبوية

فالجواب أن نقول قد بينا قبل ذلك في البيانات المتقدمة أن التخيل في الحيوانات على تفاوت وتفاضل وتضاد وترتب حتى قال بعض الحكماء إن أعلى درجاته أن تصل النفس إلى النفس التي هي مدبر فلك القمر الذي هو واهب الصور ولولا أن الجزئيات من الموجودات الكائنة الفاسدة متصورة متخيلة في ذات النفس الفلكي لما أفاض على كل مادة ما تستحقه من الصور ولا مانع لها من تصور اللوازم الجزئية لحركاتها الجزئية من الكائنات عنها في العالم العنصري وكأنه بهذا المعنى صار للأجسام السماوية زيادة معنى على العقل المفارق لتظاهر رأي جزئي وآخر كلي وإن كان الرأي الكلي مستمدا من العقول فاذا فهمت هذا فللنفوس البشرية أن تنتقش من ذلك العالم بحسب الاستعداد وزوال المانع وتكون كالمرآة المقابلة للنفس الفلكي حتى يقع فيها جميع ما في النفس الفلكي فالى هذا الحد عظموا امر الخيال

واما في جانب السفل فالى حيوان عديم التخيل او ضعيف التخيل سريع النسيان لا يمكنه ان يستثبت الصورة ساعة او لحظة بل يتجدد له الخيالات


141

بحسب تجدد الحركات وهذا على نمط التفاوت بالتفاضل واما ما هو على نمط التفاوت بالتضاد فكخيال وتخيل كله حق نشأ عن نفس خيرة وكخيال وتخيل كله باطل نشأ عن نفس شريرة وكخيال وتخيل بين الطرفين إن التفتت إلى الخير التحق به وإن التفتت إلى الشر التحق به وههنا نمط آخر من الكلام وهو إثبات عقل تجرد عن كل خيال وإثبات خيال تجرد عن كل عقل وإثبات عقل كله خيال وإثبات خيال كله عقل وههنا حس عمل من خيال وخيال عمل من حس وعقل عمل من خيال وخيال عمل من عقل وههنا علم على مزاج الظن وظن على مزاج العلم وأنهم ظنوا كما ظننتم ان لن يعبث الله احدا اشارة إلى الظن الأول وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا إشارة إلى الظن الثاني واختصاص الظن بالجن في في القرآن لسر في خصائص الجن وهو ان وجودهم خيالي وتصوراتهم خيالية وصورهم لا تتراءى إلا للخيال وكما ان الخيال على وسط بين الحس والعقل فكل ما هو خيالي على وسط بين الجسماني والروحاني كالجن والشياطين والأوساط أبدا تكون ممزوجة من الطرفين او تكون خالية عن الطرفين

اما الخاصية الثانية للنبوة وهي تابعة للقوة النظرية فنقول

من المعلوم الظاهر ان الأمور المعقولة التي يتوصل إلى اكتسابها بحصول الحد الأوسط بعد الجهل انما يتوصل إلى اكتسابها في القياس وهذا الحد الاوسط قد يحصل على ضربين من الحصول فتارة يحصل بالحدس والحدس هو فعل الذهن يستنبط بذاته الحد الأوسط والذكاء قوة الحدس وتارة يحصل بالتعلم ويتأدى التعليم إلى الحدس فان الابتداء ينتهي لا محالة إلى حدوس استنبطها أرباب تلك الحدوس ثم أدوها إلى المتعلمين فجائز أن يقع للانسان بنفسه


142

الحدس وأن ينعقد في ذهنه القياس بلا معلم بشري وهذا يتفاوت بالكم والكيف أما في الكم فلأن بعض الناس يكون أكثر حدسا للحدود الوسطى

أما بالكيف فلأن بعض الناس يكون أسرع زمان حدس ولأن هذا التفاوت ليس منحصرا في حد بل يقبل الزيادة والنقصان فمنهم غبي لا يعود عليه الفكر برادة ومنهم له فطانة إلى حد ما ويستمتع بفكره ومنهم من هو أثقب من ذلك وله إصابة في المعقولات وتلك الثقابة غير متشابهة في الجميع بل ربما قلت وربما كثرت فكما أنك تجد جانب النقصان ينتهي إلى حد يكون منعدم الحدس فأيقن أن جانب الزيادة يمكن أن ينتهي إلى حد يستغني في أكثر أحواله عن التعلم والتفكر فيحصل له العلوم دفعة ويحصل معه الوسائط والدلائل فيمكن إذا أن يكون شخص من الناس مؤيد النفس لشدة الصفاء وكمال الاتصال بالمبادىء العقلية إلى أن يشتعل حدسا في كل شيء فيرتسم فيه الصورة التي في العقل الفعال اما دفعة وإما قريبا من دفعة ارتساما لا تقليديا بل يقينيا مع الحدود الوسطى والبراهين اللائحة والدلائل الواضحة

والفرق بين الحدس والفكر أن الفكرة هي حركة للنفس في المعاني مستعينا بالتخيل في أكثر الأمور يطلب بها الحد الأوسط وما يجري مجراه مما يقاربه إلى علم بالمجهول في حالة الفقد استعراضا للمخزون في الباطن وما يجري مجراه فربما تأدت إلى المطلوب وربما انبتت وأما الحدس فهو أن يتمثل الحد الأوسط في الذهن دفعة بأن يعلم العلة فيعلم المعلول أو يعلم الدليل فيحصل له العلم بالمدلول دفعة أو قريبا من دفعة وهذا الحصول تارة يكون عقيب طلب وشوق وقد يكون من غير طلب واشتياق بأن يكون نفسا شريفة قوية مستضيئة في نفسها فيحصل له العلوم ابتداء كأنه ماتخلى إلى اختياره يكاد زيتها يضيء ضوء الفطرة ولو لم تمسه نار الفكرة ولا يفارق طريق الإلهام والحدس طريق الاكتساب والفكر في نفس العلم ولا في محله ولا في سببه لأن محل العلم النفس


143

وسبب العلم العقل الفعال أو الملك المقرب ولكن يفارقه في وجهه زوال الحجاب فإن ذلك ليس باختيار العبد ولم يفارق الوحي الإلهام في شيء من ذلك بل في مشاهدة الملك المفيد للعلم

فان قال قائل إذا كانت هذه القوة الحدسية موجودة في غير النبي فان الانسان يجد في نفسه هذا التحدس في مسائل كثيرة ولكل أحد في صناعته حدوس فان شرط في النبي أن يكون في جميع المعقولات فهو شرط غير موجود فانه ربما يمتنع عليه الحدس في مسألة أو مسائل وأيضا فان عقله حينئذ يكون غير مشتبه عليه شيء ما من الغيب والشهادة فيكون بعينه عقلا بالفعل فلا يحتاج إلى وسط فلا يكون له حدس وقد أثبتم له الحدس فهذا خلف وان كان الحدس في بعض المسائل فقد شاركه فيه غيره وليس بخاصية له

وأيضا ليس بعض المسائل أولى من بعض وليس له حد محدود يختص بالنبوة فلم تتعين الخاصية النبوية وأيضا قد رتبتم العقل أربع مراتب الهيولاني والملكة والعقل بالفعل والعقل المستفاد ففي أي مرتبة توجد للنبي خاصية يتميز بها عن سائر الناس

الجواب أن نقول من لم يثبت في العقول الانسانية تضادا وترتبا لم يستقم له إثبات هذه الخاصية أما التضاد فعقل النبي وعقل الكاهن وأما الترتب فكعقل النبي وعقل الصديق والمتضادان خصمان يحتاجان إلى حاكم ليس فوقه حاكم والمترتبان ينتهيان بعقل ليس فوقه عقل وعلى الوجهين جميعا عقل النبي فوق العقول كلها وحاكم عليها ومتصرف فيها ومخرجها من القوة إلى الفعل ومكملها بالتكلف إلى أقصى غايات الكمال اللائق بكل واحد منها فلا يمكن التنصيص على حد محدود أما إذا كان يمكن أن يقال إن هذه القوة قابلة للزيادة والنقصان فعقل النبي فوق العقول كلها

أما الخاصية الثالثة التابعة للنفس فنقول قد ظهر لنا في العلوم الإلهية أن


144

الصورة التي هي في الأجسام العالمية تابعة في الوجود للصور التي في النفوس والعقول الكلية وأن هذه المادة طوع لقبول ما هو متصور في عالم العقل فان تلك الصور العقلية مبادىء لهذه الصور الحسية يجب عنها لذاتها وجود هذه الأنواع في العوالم الجسمانية والأنفس الانسانية قريبة من تلك الجواهر وقد نجد لها فعلا طبيعيا في البدن الذي لكل نفس فان الصورة الارادية التي ترتسم في النفس يتبعها ضرورة شكل قسري للأعضاء وتحريك غير طبيعي وميل غير غريزي يذعن لها الطبيعة والصورة الخوفية التي ترتسم في الخيال يحدث عنها في البدن مزاج من غير استحالة عن محيل طبيعي شبيه بنفسه والصورة الغضبية التي ترتسم في الخيال يحدث عنها في البدن مزاج آخر من غير محيل شبيه والصورة المعشوقية عند القوة الشهوانية إذا لمحت في الخيال حدث عنها مزاج يحدث ريحا من المادة الرطبة في البدن ويحدره إلى العضو الموضوع آلة للفعل الشهواني حتى تستعد لذلك الشأن وليست طبيعة البدن الا من عنصر العالم ولولا أن هذه الطبائع موجودة في جوهر العنصر لما وجد في هذا البدن ولا ننكر أن يكون من القوى النفسانية ما هو أقوى فعلا وتأثيرا من أنفسنا نحن حتى لا يقتصر فعلها في المادة التي رسم لها وهو بدنها بل إذا شاءت أحدثت في مادة مالم ما تتصوره في نفسها وليس يكون مبدأ تلك الاحداث تحريك وتسكين وتبريد وتسخين وتكثيف وتليين كما تفعل في بدنها فيتبع ذلك أن يحدث سحب هاطلة ورياح وصواعق وزلازل وصياح مثير ويتبعه مياه وعيون جارية وما أشبه ذلك في العالم بإرادة هذا الانسان والذي يقع له هذا الكمال في جبلة النفس ثم يكون خيرا متحليا بالسيرة الفاضلة ومحامد الأخلاق وسير الروحانيين مجتنبا عن الرذائل ودنيات الامور فهو ذو معجزة من الأنبياء أي من يدعي النبوة ويتحدى بها وتكون هذه الأمور مقرونة بدعوى النبوة أو كرامة من الأولياء ويزيده تزكية لنفسه وضبطه القوى واسلاسها من هذا المعنى زيادة على مقتضى جبلته ثم من يكون شريرا ويستعمله في الشر فهو الساحر الخبيث


145

واعلم أن هذه الاشياء ليس القول بها والشهادة لها هي ظنون امكانية سير اليها من أمور عقلية فقط وإن كان ذلك أمرا معتمدا لو كان ولكنها تجارب لما ثبتت طلب اسبابها ومن حسن الاتفاق لمحبي الاستبصار أن يعرض لهم هذه الأحوال في انفسهم أو يشاهدوها مرارا متوالية في غيرهم حتى يصير ذلك ذوقا في اثبات امور عجيبة لها وجود وصحة وداعيا له إلى طلب سببها فانه إذا اقترن الذوق بالعلم كان ذلك من أحسن الفوائد وأعظم العوائد والله ولي التوفيق

خاتمة ما أفضل النوع البشري

فأفضل النوع البشري من أوتي الكمال في حدس القوى النظرية حتى استغنى عن المعلم البشري اصلا وأوتي للقوة المتخيلة استقامة وهمة لا يلتفت إلى العالم المحسوس بما فيه حتى يشاهد العالم النفساني بما فيه من احوال العالم ويستثبتها في اليقظة فيصير العالم وما يجري فيه متمثلا لها ومنتقشا بها ويكون لقوته النفسانية أن تؤثر في عالم الطبيعة حتى ينتهي إلى درجة النفوس السماوية

ثم الذي له الأمران الأولان وليس له الأمر الثالث ثم الذي له هذا التهيؤ الطبيعي في القوة النظرية دون العلمية ثم الذي يكتسب هذا الاستكمال في القوة النظرية ولا حصة له في أمر القوة العلمية من الحكماء المذكورين ثم الذي ليس له في القوة النظرية لا تهيؤ طبيعي ولا اكتساب تكلفي ولكن له التهيؤ في القوة العلمية فالرئيس المطلق والملك الحقيقي الذي يستحق بذاته أن يملك هو الأول من العدة المذكورين الذي إن نسب نفسه إلى عالم العقل وجد كأنه يتصل به دفعة واحدة وإن نسب إلى عالم النفس وجد كأنه من سكان ذلك العالم وإن نسب نفسه إلى عالم الطبيعة كان فعالا فيه ما يشاء والذي يتلوه أيضا رئيس كبير بعده في المرتبة والباقون هم اشراف النوع الانساني وكرامه

واما الذين ليس لهم استكمال شيء من القوى إلا انهم يصلحون الأخلاق ويقتنون الملكات الفضيلة فهم الاذكياء من النوع الانساني ليسوا من ذوي المراتب العالية إلا انهم متميزون من سائر اصناف الانسان


146


147

السعادة والشقاوة بعد المفارقة

اعلم ان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين شرحوا أحوال الآخرة اتم شرح وبيان وإنما بعثوا لسوق الناس اليها ترغيبا وترهيبا وتشويقا وتخويفا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل لا سيما ما في الشريعة الأخيرة من تقرير احوال المعاد بالروحاني والجسداني والعاجل والآجل وضرب الأمثال فيها واقامة البراهين عليها وانما يتعرف حال ما بعد الموت من الانبياء عليهم السلام لأنهم الذين اطلعوا على أحواله وحيا واخبارا والعقل المجرد كيف يهتدي إلى مقادير العلوم والأخلاق حتى يرتب على كل علم وعمل جزاء في الآخرة مقدرا عليها مناسبا لها ومن المعلوم أن مترتبة متفاضلة وانما شرفها بشرف معلوماتها ومقادير الشرف فيها مترتبة على مقادير شرف المعلومات ومقادير السعادة بها والجزاء عليها مرتب على مقادير الشرف فيها وكذلك الأخلاق والأعمال متفاوتة متفاضلة ومتمايزة بالخير والشر والمقادير فيها عملا وجزاء مما لا يهتدي اليه عقل كل عاقل إلا ان يكون مؤيدا من عند الله عز وجل بالوحي والانباء مطلعا على ما في ذلك العالم من انواع الجزاء فاذا السعادة البدنية قد شرحها الشرع اتم شرح وبيان فلا يحتاج الى مزيد بسط

اما السعادة او الشقاوة التي بحسب الروح والقلب فقد اشار اليها ونبه عليها في مواضع ونحن نشرح ذلك بقدر ماتهتدي اليه العقول القاصرة في دار الغربة


148

فنقول يجب أن يعلم أن لكل قوة نفسانية لذة وخيرا يخصها وأذى وشرا يخصها مثاله أن لذة الشهوات أن يتأدى اليها من محسوساتها كيفية ملائمة من الحس وكذلك لذة الغضب الظفر ولذة الوهم الرجاء ولذة الحفظ تذكر الأمور الماضية الموفقة وأذى كل واحد منها ما يضاده وتشترك كلها نوعا من الشركة في أن الشعور بموافقها وملائمها هو الخير واللذة الحاصلة بها وموافق كل واحد منها بالذات والحقيقة هو حصول الكمال الذي هو بالقياس اليه كمال بالفعل فهذا أصل وأيضا فإن هذه القوى وان اشتركت في هذه المعاني فإن مراتبها في الحقيقة مختلفة فالذي كماله أفضل وأتم وأدوم وأوصل اليه وأحصل له والذي هو في نفسه أشد إدراكا كانت اللذة التي له أبلغ وأوفر وهذا أصل وقد يكون الخروج إلى الفعل في كمال بحيث يعلم أنه كائن لزيد ولا يشعر باللذة مالم يحصل له ومالم يشعر به لم ينزع نحوه مثل العنين فانه متحقق أن الجماع لذيذ ولكن لا يشتهيه ولا يحن اليه الاشتهاء والحنين اللذين يكونان مخصوصين به بل شهوة أخرى كما يشتهي من يجرب شهوة من حيث يحصل بها إدراك وإن كان مؤذيا وكذلك حال الأكمه عند الصور الجمالية والأصم عند الألحان المنتظمة الرخيمة ولهذا يجب أن لا يتوهم العاقل أن كل لذة فهو كما للحمار في بطنه وفرجه وأن المباديء الأول المقربة عند رب العالمين عادمة للذة والغبطة

وان رب العالمين ليس في سلطانه وخاصيته البهاء الذي له وقوته الغير المتناهية أمر في غاية الفضيلة والشرف والطيب نجله عن أن نسميه لذة فأي نسبة يكون لذلك مع هذه الحسية ونحن نعرف ذلك يقينا ولكن لا نشعر به لفقداننا تلك الحالة فيكون حالنا حال الأصم والأكمه وهذا أصل وأيضا فإن الكمال والأمر الملائم قد يتيسر للقوة الدراكة وهناك مانع أو شاغل للنفس فيكرهه ويؤثر ضده عليه مثل كراهية المريض للعسل وشهوته للطعوم الردية الكريهة بالذات وربما لم يكن كراهية ولكن عدم الاستلذاذ به


149

كالخائف يجد اللذة ولا يشعر بها وهذا أصل وأيضا قد تكون القوة الداركة ممنوة بضد ما هو كمالها ولا يحس به ولا ينفر عنه حتى اذا زال العائق رجع الى غريزته فتأذت به مثل الممرور فربما لا يحس بمرارة فمه الى ان يصلح مزاجه وينقي أعضاءه فحينئذ ينفر عن الحال العارضة له وكذلك قد يكون الحيوان غير مشته للغذاء البتة وهو أوفق شيء له وكارها له ويبقى عليه مدة طويلة فاذا زال العائق عاد الى واجبه في طبعه فاشتد جوعه وشهوته للغذاء حتى لا يصبر عنه ويهلك عند فقدانه وكذلك قد يحصل سبب الألم العظيم مثل حرق النار وتبريد الزمهرير إلا أن الحس قد أصابته آفة فلا يتأذى البدن به حتى تزول الآفة فيحس به حينئذ

فاذا تقررت هذه الأصول فنقول إن النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن يصير عالما عقليا مرتسما فيه صورة الكل والنظام المعقول في الكل والخير الفائض في الكل مبتدأ من مبدأ الكل وسالكا إلى الجواهر الشريفة الروحانية المطلقة ثم الروحانيات المعلقة نوعا ما من التعلق بالأبدان ثم الأجسام العلوية بهيئاتها وقواها ثم كذلك حتى تستوفي في نفسها هيئة الوجود كله فينقلب عالما معقولا موازيا للعالم الموجود كله مشاهدا لما هو الحسن المطلق والجمال المطلق ومتحدا به ومنتقشا بمثاله وهيئته ومنخرطا في سلكه وصايرا من جوهره

فاذا قيس هذا بالكمالات المعشوقة التي للقوى الأخرى توجد في المرتبة التي بحيث يقبح معها أن يقال إنه أفضل وأتم منها بل لانسبة لها البتة بوجه من الوجوه فضيلة وتماما وكثرة ودواما وكيف يقاس الدوام الأبدي بدوام المتغير الفاسد وكذلك شدة الوصول فكيف يكون ما وصوله بملاقاة السطوح والأجسام بالقياس الى ما وصوله بالسريان في جوهر الشيء كأنه هو بلا انفصال اذا العقل والمعقول واحد أو قريب من الواحد وأما أن المدرك في نفسه أكمل فهو أمر لا يخفى وأما انه أشد إدراكا فأمر أيضا يكشف عنه أدنى بحث فإنه أكثر عددا للمدركات وأشد تقصيا للمدرك وتجريدا له عن الزوائد الغير الداخلة في


150

معناه الا بالعرض والخوض في باطنه وظاهره بل كيف يعاير هذا الادراك بذلك الادراك أو كيف يمكننا أن ننسب اللذة الحسية والبهيمية والغضبية الى هذه السعادات واللذات ولكنا في عالمنا هذا وأبداننا هذه وانغمارنا في الرذائل لا نحس بتلك اللذة اذا حصل شيء من أسبابها عندنا كما أومأنا اليه في بعض ما قدمناه من الأصول ولذلك لا نطلبها ولا نحن إليها اللهم الا أن نكون قد خلعنا ربقة الشهوة والغضب وأخواتهما عن أعناقنا وطالعنا شيئا من تلك اللذة فحينئذ ربما نتخيل منها خيالا طفيفا ضعيفا وخصوصا عند انحلال المشكلات واستيضاح المطلوبات اليقينية والتذاذنا بذلك شبيه بالتذاذ الحس عن المذاقات اللذيذة بروائحها من بعيد

وأما اذا انفصلنا عن البدن وكانت النفس تنبهت وهي في البدن لكمالها الذي هو معشوقها ولم تحصله وهي بالطبع نازعة اليه اذا عقلت بالفعل أنه موجود إلا أن اشتغالها بالبدن كما قلنا أنساه ذاته ومعشوقه كما ينسي المرض الحاجة إلى بدل ما يتحلل وكما ينسى الممرور الالتذاذ بالحلو واشتهاءه وتميل بالشهوة منه الى المكروهات في الحقيقة عرض لها حينئذ من الألم لفقدانه كفاء ما يعرض من اللذة التي أوجبنا وجودها ودللنا على عظم منزلتها فيكون ذلك هو الشقاوة والعقوبة التي لا يعدلها تفريق النار للاتصال وتبديلها أو تبديل الزمهرير المزاج فيكون مثلنا حينئذ مثل الخدر الذي أومأنا إليه فيما سلف والذي قد عمل فيه نارا وزمهريرا فمنعت المادة الملابسة وجوه الحس عن الشعور فلم يتأذ ثم عرض أن زال العائق فشعر بالبلاء العظيم

وأما اذا كانت القوة العقلية بلغت من النفس حدا من الكمال فيمكنها به اذا فارقت البدن أن تستكمل الكمال الذي لها أن تبلغه كان مثله مثل الخدر الذي أذيق المطعم الألذ وعرض للحالة الأشهى وكان لا يشعر فزال عنه الخدر فطالع اللذة العظيمة دفعة وتكون تلك اللذة لا من جنس تلك اللذة الحسية والحيوانية


151

بوجه بل لذة تتشاكل الحالة الطيبة التي للجواهر الحية المحضة أجل من كل لذة وأشرف فهذه السعادة وتلك الشقاوة ليست تكون لكل واحد من الناقصين بل للذين أكسبوا اللذة العقلية الشوق الى كمالها وذلك عندما يتبرهن لهم أن من شأن النفس إدراك ماهية الكل بكسب المجهول من المعلوم والاستكمال بالفعل فإن ذلك ليس فيها بالطبع الأول أيضا في سائر القوى بل شعور أكثر القوى بكمالاتها إنما يحدث بعد أسباب

وأما النفوس والقوى الساذجة الصرفة فكأنها هيولى موضوعة لم تكتسب البتة هذا الشوق لأن هذا الشوق إنما يحدث حدوثا وينطبع في جوهر النفس اذا تبرهن للقوة النفسانية أن ههنا أمورا يكسبها العلم بالحدود الوسطى وبمباديء معلومة بأنفسها وأما قبل ذلك فلا يكون لأن هذا الشوق يتبع رأيا وليس رأيا أوليا بل رأيا مكتسبا فهؤلاء اذا اكتسبوا هذا الرأي لزم النفس ضرورة هذا الشوق واذا فارق ولم يحصل معه ما يبلغ به بعد الانفصال التام وقع في هذا النوع من الشقاء الأبدي لأنه إنما كانت تلك السعادة تكتسب بالبدن لا غير وقد فارق وهؤلاء إما مقصرون عن السعي في كسب الكمال الإنسي أو معاندون جاحدون متعصبون لآراء فاسدة متضادة للآراء الحقيقية وحال الجاحدين أشد من حال المقصرين وحال المقصرين أشد من حال النفوس الساذجة الصرفة وأما أنه كم ينبغي أن يحصل عند نفس الانسان من تصور المعقولات حتى يجاوز به الحد الذي في مثله تقع هذه الشقاوة فليس يمكنني أن أنص عليه نصا الا بالتقريب وأظن أن ذلك أن يتصور نفس الانسان المباديء المفارقة تصورا حقيقيا ويصدق بها تصديقا يقينيا لوجودها عنده بالبرهان ويعرف العلل الغائية للأمور الواقعة في الحركات الكلية دون الجزئية التي لا تتناهى ويتقرر عنده هيئة الكل ونسب أجزائه بعضها إلى بعض والنظام الآخذ من المبدأ الأول إلى أقصى الموجودات الواقعة في ترتيبه ويتصور العناية الشاملة للكل وكيفيتها ويتحقق أن الذات الحق الموجد للكل أي وجود يخصها وأي وحدة تخصها وأنها


152

كيف تعرف حتى لا يلحقها تكثر وتغير بوجه من الوجوه وكيف ترتبت نسبة الوجود اليه جل وعلا ثم كلما ازداد الناظر استبصارا ازداد للسعادة استعدادا وكأنه ليس يتبرأ الانسان عن هذا العالم وعلائقه إلا أن يكون أكد العلاقة مع ذلك العالم فصار له شوق الى ماهناك وعشق لما هناك يصده عن الالتفات الى ما خلفه جملة

ونقول أيضا إن هذه السعادة الحقيقية لا تتم إلا بإصلاح الجزء العملي من النفس فاليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ونقدم لذلك مقدمة فنقول إن الخلق هو ملكة يصدر بها عن النفس أفعال ما بسهولة من غير تقدم روية والخلق المحمود هو الوسط بين الطرفين المذمومين فكلا طرفي قصد الأمور ذميم وقد شرحنا ذلك أتم شرح فيما سبق وجملته أن لا تحكم العلاقة مع القوى البدنية قصدا بل يكون للعقل العملي يد الاستيلاء وللقوة الحيوانية الأنقياد والمطاوعة

فالعقل ينبغي أن يتأثر عن القوى الحيوانية بل يؤثر والقوى الحيوانية ينبغي أن تتأثر ولا تؤثر فاذا كان كذلك فتكون النفس على جبلتها مع إفادة هيئة الاستعلاء والتنزه وذلك غير مضاد لجوهره ولا مائل به إلى جهة البدن ثم النفس إنما كان البدن يغمره ويلهيه ويغفله عن الشوق الذي يخصه وعن طلب الكمال الذي له وعن الشعور بلذة الكمال إن حصل له أو الشعور بألم فقد الكمال إن قصر عنه لا بأن النفس منطبعة فيه أو منغمسة فيه لكن للعلاقة التي بينهما وهو الشوق الجبلي الى تدبيره والاشتغال بآثاره وما يورده عليه من عوارضه فاذا فارق وفيه ملكة الاتصال به وكان قريب الشبه من حاله وهو فيه فبقدر ما ينقص من ذلك يزول عنه غفلته عن حركة الشوق الذي له إلى كماله وبقدر ما يبقى منه يصده عن الاتصال الصرف بمحل سعادته ويحدث هناك من الحركات المشوشة ما يعظم أذاه

ثم تلك الهيئة البدنية مضادة لجوهره مؤذية له وانما كان يلهيه عنه البدن


153

وتمام انغماسه فيه فإذا فارقته أحست بتلك المضادة العظيمة فان الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا وتأذت أذى عظيما لكن هذا الأذى وهذا الألم ليس لأمر ذاتي بل لأمر عارض غريب والأمر العارض الغريب لا يدوم ولا يبقى ويزول ويبطل مع ترك الأفعال التي كانت تثبت تلك الهيئة بتكريرها فيلزم اذا أن تكون العقوبة التي بحسب ذلك غير خالدة بل تزول وتنمحي قليلا قليلا حتى تزكو النفس وتبلغ السعادة التي تخصها ولهذا لم ير أهل السنة تخليد أهل الكبائر من المؤمنين لأن أصل الاعتقاد راسخ والعوارض تزول ويعفى عنها وتغفر

وأما النفوس البله التي لم تكتسب الشوق ولم تحن الى المعارف التي للعارفين فانها اذا فارقت الأبدان وكانت غير مكتسبة للهيئات الردية صارت الى سعة رحمة الله تعالى ونوع من الراحة ولهذا قال عليه السلام أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب وأما إن كانت مكتسبة للهيئات البدنية ملطخة بالمعاصي وكدورات الشهوات وليس عندها هيئة غير ذلك ولا معنى يضاده وينافيه فيكون لا محالة شوقها الى مقتضاها فتتعذب عذابا شديدا لفقدان البدن ومقتضيات البدن من غير أن يحصل المشتاق اليه لأن آلة الذكر والفكر قد بطلت وخلق التعلق بالبدن قد بقي وإن اعتقدت اعتقادات باطلة وآراء فاسدة ومع ذلك تعصب لتلك الاعتقادات وجحد الحق فذلك هو حليف ألم ورفيق عذاب أليم مقيم

فخلاصة هذا الفصل أن النفس بعد المفارقة إن كانت قد فارقت قبل أن اكتسبت حقا أو باطلا فهو من أهل النجاة لا مستريح منعم ولا معذب كحال الصبيان والمجانين وإن كانت معتقدة وهمية فاسدة مضادة للحق وأضاف اليها أعمالا على خلاف الشرع فهو في عذاب مقيم وإن اعتقدت اعتقادا حقا لا عن براهين يقينية وأضاف اليها أعمالا صالحة فهو من أهل الجنة وإن اعتقدت اعتقادات حقة ولكن اشتغلت بزخارف الدنيا ولذاتها وشهواتها فهو معذب ملتفت الى ما خلفه غير واصل اليه لأن آلة طلب الدنيا قد بطلت إلا أن هذا العذاب لا


154

يبقى بل يزول إذ أتى عليه مدة من الزمان وان كانت من العلوم في درجة الكمال واعتقدت الحقائق على براهين يقينية ولكن تنتهج مناهج الشرع ولم تسلك سبيل الخيرات ولم يعمل بعلمها فهو معذب مدة ولكن يزول ولا يبقى ويبلغ بالآخرة درجة من السعادة بسبب العلم لأن هذه العوارض بمقتضى الشهوات وتلك تزول وان حصل له العلوم اليقينية إما على سبيل الفكر ونزه أخلاقه وحسنها وعمل بموجب الشرع فله الدرجة العليا في السعادة وله الوصول بلا انفصال وهو النظر الى الجمال الحق والجلال المحض والكمال الصرف كما قال الله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فحق العاقل أن يسعى لطلب تلك السعادة ويحترز عن مضادها وعوائقها والله ولي التيسير والتوفيق

والنفس الانسانية اذا تجردت عن البدن ولم يبق لها علاقة إلا بعالمها فانه يجوز أن يكون فيها ما يكون بالعقل والرأي وسائر ما يعقل مما يليق بذلك العالم الذي هو عالم الثبات والكون بالفعل وهو عالم اتصال النفس بالمبادىء التي فيها هيئة الوجود كلها فتنتقش به فلا يكون هناك نقصان وانقطاع من الفيض المتمم حتى تحتاج أن يفعل فعلا ينال به كمالا ويقول قولا ينال به كمالا وذلك هو الفكر والذكر ونحوهما فانها تنتقش بنقش الوجود كله فلا يحتاج إلى طلب نقش آخر فلا يتصرف في شيء مما كان في هذا العالم وفي تحصيلها على هيئاتها الجزئية طالبة لها من حيث كانت جزئية والنفس الزكية تعرض عن هذا العالم وهي متصلة بعد بالبدن ولا تحفظ ما يجري فيه عليها ولا تحب أن تذكر فكيف الفائز بالتجرد المحض مع الاتصال بالحق والجمال المحض والعالم الأعلى الذي في حيز السرمد وهو عالم ثبات ليس عالم التجدد الذي في مثله يتأتى أن يقع الفكر والذكر وانما عالم التجدد عالم الحركة والزمان فالمعاني العقلية الصرفة والمعاني التي تصير جزئية مادية كلها هناك بالفعل وكذلك حال نفوسنا


155

والحجة في ذلك أنه لا يجوز أن تقول إن صور المعقولات حصلت في الجواهر التي في ذلك العالم على سبيل الانتقال من معقول فلا يكون هناك انتقال من حال إلى حال حتى انه لا يقع أيضا للمعنى الكلي تقدم زماني على المعنى الجزئي كما يقع ههنا فانك تحصل الكلي أولا ثم تأتي الحالة الزمانية فتفصل بل العلم بالمجمل من حيث هو مجمل وبالمفصل من حيث هو مفصل مما لا يفصل بينهما الزمان فاذا كان هذا هكذا في الجوهر الذي هوالخاتم فكذلك هو في الجوهر الذي هو كالشمع فان نسبة الجوهر الذي هو كالشمع حين ترتفع العوائق إلى الذي هو كالخاتم نسبة واحدة فلا يتقدم فيها انتقاش ولا يتأخر بل الكل معا وهذا فصل في غاية التحقيق


156


157

حقيقة اللقاء والرؤية

اعلم أن المدركات تنقسم إلى ما يدخل في الخيال كالصور المتخيلة والأجسام المتلونة والمتشكلة من أشخاص الحيوان والنبات وإلى ما لا يدخل كذات الله سبحانه وكل ما ليس بجسم كالعلم والقدرة والارادة وغيرها ومن رأى إنسانا ثم غمض بصره وجد صورته حاضرة في خياله كأنه ينظر اليها ولكن إذا فتح العين وأبصر أدرك تفرقة بينهما ولا يرجع التفرقة إلى اختلاف بين الصورتين لأن الصورة المرئية تكون موافقة للمتخيلة وإنما الافتراق بمزيد الوضوح والكشف فان صورة المرئي صارت بالرؤية أتم انكشافا ووضوحا وهو كشخص يرى في وقت الإسفار قبل انتشار ضوء النهار ثم يرى عند تمام الضوء فانه لاتفارق إحدى الحالتين الأخرى إلا في مزيد الانكشاف فاذا الخيال أول الادراك والرؤية هو استكمال ادراك الخيال وهو غاية الكشف لا لأنه في العين بل لو خلق الله تعالى هذا الادارك الكامل المكشوف في الجبهة أو الصدر مثلا استحق أن يسمى رؤية

واذا فهمت هذا في المتخيلات فاعلم أن المعلومات التي لا تتشكل في الخيال أيضا لمعرفتها وإدراكها درجتان إحداهما أولى والثانية استكمال لها وبين الثانية والأولى من التفاوت في مزيد الكشف والايضاح ما بين المتخيل والمرئي فتسمى الثانية أيضا بالاضافة إلى الأولى مشاهدة ولقاء ورؤية وهذه التسمية حق لأن الرؤية سميت رؤية لأنها غاية الكشف وكما أن سنة الله جارية بأن تطبيق


158

الأجفان يمنع من تمام الكشف بالرؤية ويكون حجابا بين البصر والمرئي ولا بد من ارتفاع الحجاب لحصول الرؤية وما لم يرتفع كان الادراك الحاصل مجرد التخيل فكذلك مقتضى سنة الله تعالى أن النفس ما دامت محجوبة بعوارض البدن ومقتضى الشهوات وما غلب عليها من الصفات البشرية فانها لا تنتهي إلى المشاهدة واللقاء في المعلومات الخارجية عن الخيال بل هذه الحياة حجاب لها مانع عنها بالضرورة كحجاب الأجفان عن رؤية الأبصار

ولذلك قال الله تعالى لموسى عليه السلام لن تراني وقال تعالى لا تدركه الأبصار أي في الدنيا فاذا ارتفع الحجاب بالموت بقيت النفس ملوثة بكدورات الدنيا غير منفكة عنها بالكلية وان كانت متفاوتة في ذلك التلوث فمنها ما تراكم عليها الخبث والصدأ فصارت كالمرآة التي قد فسد بطول تراكم الخبث جوهرها ولا تقبل الاصلاح والتصقيل وهؤلاء هم المحجوبون عن ربهم أبدالأباد نعوذ بالله منه

ومنها ما لم ينته إلى حد الرين والطبع ولم يخرج عن قبول التزكية والتصقيل فيعرض على النار عرضا يقلع منه الخبث الذي هو متدنس به ويكون عرضه على النار بقدر الحاجة إلى التزكية وأقلها لحظة خفيفة وأقصاها في حق المؤمنين كما ورد في الخبر سبعة آلاف سنة ولن يرتحل نفس من هذا العالم إلا ويصحبها غبرة وكدورة ما وإن قلت

ولذلك قال تعالى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا أللهم إلا نفوسا قد انغمست في تأمل الجبروت وانخرطوا في سلك القدس مستديمين لشروق نور الحق في أسرارهم على الدوام فهؤلاء مبدؤهم ومعادهم سواء فان من النفوس الانسانية وعقولها ما هو نفس مفطورة على التجرد والتقدس


159

عن علائق المواد وغواشي هذا العالم من القوة والاستعداد منخرطا في سلك العقول المفارقة متصلا بالعقل الأول مستمدا من الكلمة العليا مؤيدا من أمر الله تعالى أرسل الى عالم الأجساد لا ليستكمل عنها وعن قواها الجسمانية استكمال العقول الهيولانية لتخرج من القوة الى الفعل بل لتخرج العقول بالقوة من القوة الى الفعل ويكمل النفوس الناطقة المنغمسة في أحوال هذا العالم إلى غايات قدرت لها من الكمال فهؤلاء فطر مبدؤهم على طبيعة معادهم فهم الملأ الأعلى وهم المبادىء الأولى يحق لهم أن يقولوا كنا أظلة عن يمين العرش فسبحنا فسبحت الملائكة بتسبيحنا وحقا قال لهم قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين وصدقا قال عليه السلام كنت نبيا وآدم لمنجدل بين الماء والطين ومن رأى التضاد والترتب في الموجودات والمفروغ والمستأنف في الأحكام لم يبق عليه إشكال أما أكثر النفوس فمستيقنة للورود بقدر التلطخ بالأوزار منها فاذا أكمل الله تعالى تطهيرها وتزكيتها وبلغ للكتاب أجله ووقع الفراغ عن جملة ما وعد به الشرع من العرض والحساب وغيره ووافى استحقاق الجنة وذلك وقت مبهم لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه فإنه واقع بعد القيامة ووقت القيامة مجهول فعند ذلك يستعد بصفائه ونقائه من الكدورات حيث لا يرهق وجهه غبرة ولا قترة لأن يتجلى فيه الحق جل جلاله فيتجلى له تجليا يكون انكشاف تجليه بالاضافة إلى ماعليه كانكشاف تجلي المرئيات بالاضافة إلى ما تخيله وهذه المشاهدة والتجلي هي التي تسمى رؤية فاذا الرؤية حق بشرط أن لا تفهم من الرؤية استكمال الخيال في متخيل متصور مخصوص بجهة ومكان فان ذلك مما يتعالى عنه رب العالمين علوا كبيرا بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقية تامة من غير تصور وتخيل وتقدير شكل وصورة فتراه في الآخرة كذلك بل أقول المعرفة الحاصلة في الدنيا بعينها هي التي تستكمل فتبلغ كمال الانكشاف


160

والوضوح وتنقلب مشاهدة فلا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح فإذا لم يكن في المعرفة إثبات صورة وجهة فلا يكون في استكمال المعرفة بعينها وترقيها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضا جهة وصورة لأنها هي بعينها إلا في زيادة الكشف كما أن الصورة المرئية هي المتخيلة بعينها إلا في زيادة الكشف ولهذا لا يفوز بدرجة النظر والرؤية إلا العارفون في الدنيا لأن المعرفة هي البذر الذي ينقلب في الآخرة مشاهدة كما تنقلب النواة شجرة والبذور زرعا ومن لا نواة له فكيف يحصل له نخل فكذلك من لا يعرف الله في الدنيا فكيف يراه في الآخرة

ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي أيضا على درجات متفاوتة فاختلاف التجلي بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات بالاضافة إلى اختلاف البذور إذ تختلف لا محالة بكثرتها وقلتها وحسنها وقوتها وضعفها ولذلك قال عليه السلام إن الله تجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة لأنه فضل الناس بسر وقر في صدره بلا جرم تفرد يالتجلي وكل من لم يعرف الله في الدنيا لا يراه في الآخرة إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه من الدنيا ولا يحصد أحد إلا ما زرع ولا يحشر المرء إلا على ما مات عليه ولا يموت إلا على ما عاش عليه فما صحبه من المعرفة هي التي يتنعم بها بعينها فقط إلا انها تنقلب مشاهدة بكشف الغطاء عنها فتتضاعف اللذة كمل تتضاعف لذة العاشق إذ استبدل بخيال صورة المعشوق رؤية صورته فان ذلك هو منتهى لذته فاذا نعيم الجنة بقدر حب الله تعالى وحب الله تعالى بقدر المعرفة فأصل السعادات هي المعرفة التي عبر الشرع عنها بالايمان

فإذا قلت فلذة الرؤية إن كان لها نسبة إلى لذة المعرفة فهي قليلة وإن كانت أضعافها لأن لذة المعرفة في الدنيا قليلة ضعيفة فتضاعفها إلى حد قريب لا ينتهي في القوة إلى إن يستحقر سائر لذات الجنة فيها


161

فاعلم أن هذا الاحتقار للذة المعرفة مصدره الخلو عن المعرفة فمن خلا عن المعرفة كيف يدرك لذتها وان انطوى على معرفة ضعيفة وقلب مشحون بعلائق الدنيا فكيف لذتها فللعارفين في معرفتهم وفكرتهم ولطائف مناجاتهم لله تعالى لذات لو عرضت عليهم الجنة في الدنيا بدلا عنها لم يستبدلوا بها الجنة

ثم هذه اللذة مع كمالها لا نسبة لها أصلا إلى لذة اللقاء والمشاهدة كما لا نسبة للذة خيال المعشوق إلى رؤيته واظهار عظم التفاوت بينهما لا يمكن الا بضرب مثال فنقول

لذة النظر إلى وجه المعشوق في الدنيا تتفاوت بأسباب أحدها كمال جمال المعشوق ونقصانه والثاني كمال قوة الحب والثالث كمال الادراك والرابع اندفاع العوائق المشوشة والآلام الشاغلة للقلب فقدر عاشقا ضعيف العشق ينظر إلى وجه معشوقه من وراء ستر رقيق على بعد بحيث يمنع انكشاف كنه صورته في حالة اجتمع عليه عقارب وزنانير تؤذيه وتلدغه وتشغل قلبه فهو في هذه الحالة لا يخلو عن لذة ما من مشاهدة جمال معشوقه فلو طرأت على الفجأة حالة انهتك بها الستر واشرق به الضوء واندفع عنه المؤذيات وبقي سليما فارغا وهجم عليه الشهوة القوية المفرطة والعشق المفرط حتى بلغ أقصى الغايات فانظر كيف تتضاعف اللذة حتى لا يبقى للأولى إليه نسبة يعتد بها فكذلك فافهم نسبة لذة النظر إلى لذة المعرفة فالستر الرقيق مثال للبدن والاشتغال به والعقارب والزنابير مثال للشهوات المتسلطة على الانسان من الجوع والعطش والغضب والغم والحزن وضعف الشهوة والحب مثال لقصور النفس في الدنيا ونقصانها عن الشوق إلى الملأ الأعلى والتفاته إلى أسفل السافلين وهو مثل قصور الصبي عن ملاحظة لذة الرئاسة والعكوف على اللعب بالعصفور فالعارف وإن قويت في الدنيا معرفته فلا يخلو عن هذه الشهوات ولا يتصور أن يخلو عنها البتة نعم قد تضعف هذه العوائق في بعض الأحوال ولا تدوم فلا


162

جرم يلوح من كمال المعرفة ما يبهت العقل ويعظم لذته بحيث يكاد القلب ينفطر لعظمته ولكن يكون ذلك كالبرق الخاطف وقلما يدوم بل يعرض من الشواغل والأفكار والخواطر ما يشوشه وينغصه وهذه ضرورة دائمة في هذه الحياة الفانية ولا تزال هذه اللذة منغصة إلى الموت وانما الحياة الطيبة بعد الموت وإنما العيش عيش الآخرة وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون

وكل من انتهى إلى هذه الرتبة فانه يحب لقاء الله فيحب الموت ولا يكرهه إلا من حيث ينتظر زيادة استكمال في المعرفة فان بحر المعرفة لا ساحل له والاحاطة بكنه جلال الله محال وكلما كثرت المعرفة بالله وبصفاته وبأفعاله وبأسرار مملكته وقويت كثر الابتهاج باللقاء وعظم

اللهم لا تخرجنا من هذه الدار إلا عارفين مستكملين في المعرفة مستغرقين في الوحدانية منقطعين عن علائق الدنيا وزخارفها برحمتك يا أرحم الراحمين


163

معرفة الباري جل جلاله

تنعطف فائدتها على ما سبق من معرفة النفس وقواها وبذلك نتدرج إلى معرفة الحق جل جلاله ومعرفة صفاته وأفعاله لأن المبادىء انما تراد للنهايات والنهايات انما تظهر للمبادىء فكل علم لا يؤدي إلى معرفة الباري جل جلاله فهو عديم الجدوى والفائدة وقليل النفع والعائدة

فنقول إنا أثبتنا النفس على الجملة بمعرفة آثارها وأفعالها فالنفس النباتية عرفناها بآثارها من التغذية والتنمية وتوليد المثل والنفس الحيوانية بآثارها من الحس والحركة الاختيارية والنفس الانسانية بالتحريك وإدراك الكليات وعلمنا أن هذه الأفعال تتعلق بمبدأ يسمى ذلك المبدأ نفسا فيكون قوامها ووجودها وخاصيتها بذلك المبدأ الذي هو النفس فكذلك فاعلم أن الموجود على قسمين إما أن يتعلق وجوده بغيره بحيث يلزم من عدم ذلك الغير عدمه أو لا يتعلق فان تعلق سميناه ممكنا وإن لم يتعلق سميناه واجبا بذاته فيلزم من هذا في واجب الوجود معرفة أمور

الأمر الأول أنه لا يكون عرضا لأنه يتعلق بالجسم ويلزم عدمه بعدم الجسم

الثاني لا يكون جسما لأن الجسم منقسم بالكمية إلى الأجزاء فتكون الجملة متعلقة بالأجزاء فتكون معلولة وأيضا فان الجسم مركب من المادة والصورة وكل واحد منهما متعلق بالآخر نوع تعلق


164

الثالث أنه لا يكون مثل الصورة لأنها متعلقة بالمادة ولا يكون مثل المادة لأنها محل الصورة ولا توجد إلا معها

الرابع أنه لا يكون وجوده غير ماهيته لأن الماهية غير الآنية والوجود الذي الآنية عبارة عنه عارض للماهية وكل عارض معلول لأنه لو كان موجودا بذاته ما كان عارضا لغيره إذ ما كان عارضا لغيره فله تعلق بغيره وعلته إن كان غير الماهية فلا يكون واجب الوجود الذي يتعلق به كل الموجودات وإن كان علته الماهية فالماهية قبل الوجود لا تكون علة لأن السبب ما له وجود تام فقبل الوجود لا يكون له وجود فثبت أن واجب الوجود آنيته ماهيته وإن وجوب الوجود له كالماهية لغيره ومن هذا يظهر أن واجب الوجود لا يشبه غيره البتة ولا يصل أحد إلى كنه معرفته

الخامس أنه لا يتعلق بغيره على وجه يتعلق ذلك الغير به على معنى أن يكون كل واحد منهما علة للآخر فيتقابلان فإن هذا محال

السادس أنه لا يتعلق بغيره على وجه يتعلق ذلك الغير به على سبيل التضايف لأنه يكون ممكن الوجود

السابع أنه لا يجوز أن يكون شيئان كل واحد منهما واجب الوجود كما لا يكون للبدن الواحد إلا نفس واحدة فلا يكون للعالم إلا رب واحد هو مبدع الكل ويتعلق به الكل تعلق الوجود والبقاء وأيضا فلو كان واجب الوجود اثنين فبم يتميز أحدهما عن الآخر فإن كان بعارض فيكون كل منهما معلولا وإن كان بذاتي فيكون مركبا ولا يكون واجب الوجود

الثامن إن كل ما سوى واجب الوجود ينبغي أن يكون صادرا من واجب الوجود كما أن النفس كمال جسم طبيعي آلي فكذلك الرب موجد الكل وبه كمال الكل وبقاء الكل وجمال الكل وقد ذكرنا أن واجب الوجود لا يكون


165

إلا واحدا فما عداه لا يكون واجبا بل ممكنا فيفتقر إلى واجب الوجود

فان قيل فما الدليل على أن في الوجود موجدا واجب الوجود يتعلق الكل به ولا يتعلق وجوده بغيره فيكون منتهى الموجودات ومن عنده نيل الطلبات

قلنا لأن الموجود إما أن يكون واجب الوجود أو ممكن الوجود وممكن الوجود لا بد وأن يتعلق بغيره وجودا ودواما والعالم بأسره ممكن الوجود فيتعلق بواجب الوجود أما ما يبتنى على بيان أن النفس جوهر ليس له مقدار وكمية وقد أثبتنا ذلك ببراهين فاعلم أولا أن النفس جوهر والباري ليس بجوهر لأن الجوهر هو الموجود لا في موضوع أي إذا وجد يكون وجوده لا في موضوع وهذا يشعر بالحدوث والجوهر عبارة عن حقيقة وجود وواجب الوجود حقيقته وجوده ووجوده حقيقته فإذا عرفت هذا فاعلم أنا أثبتنا وجود النفس وأنه جوهر ببرهان خاصي وبرهان تقريبي المقدمات والبرهان الخاصي أن النفس لا يعزب ذاته عن ذاته وإذا كان في الوجود من مبدعاته ما يكون بهذه الصفة فما تقول في موجود ينال به كل حق وجوده فإن كل حق من حيث حقيقته الذاتية التي بها هو حق متفق واحد غير مشار اليه فكيف القيوم على الملكوت وإذا كانت النفس لا تعزب ذاته عن ذاته مع أنه ليس بواحد صرف فالواحد الحق الذي لا يحوم حول وحدانيته التكثر والتجزي والتثني أولى بأن لا يعزب ذاته عن ذاته فيكون عالما بنفسه وعالما بجميع ما أبدعه واخترعه وأوجده وكونه لا تأخذه سنة ولا نوم وهذا هو معنى الحي فإن الحي هو الواحد العالم بذاته وقد بينا أن النفس واحد ليس لها كمية ومقدار فكذلك فاعلم أنه ليس للمبدع الحق سبحانه كمية ومقدار

ومن هذا يعرف أن جميع ما يهذي به المشبه من إثبات الجهات والفوقية والصورة والمكان والانتقال كله باطل وليس الباري تعالى جوهرا يقبل الأضداد فيتغير ولا عرضا فيسبق وجوده الجوهر ولا يوصف بكيف فيشابه


166

ويضاهى ولا بكم فيقدر ويجزأ ولا بمضاف فيوازى في وجوده ويحاذى ولا بأين فيحاط به ويحوى ولا بمتى فينتقل من مدة إلى أخرى ولا بوضع فيختلف عليه الهيئات ويكتنفه الحدود والنهايات ولا بجده فيشمله شامل ولا بانفعال فيغير وجوده فاعل

وإذا ثبت أن واجب الوجود ليس في ذاته كثرة بوجه من الوجوه ولا بد من وصف واجب الوجود بأوصاف فلا بد أن تثبت الأوصاف على وجه لا يؤدي إلى الكثرة فننزهه عن أن يكون له جنس أو فصل فإن من لا إشتراك له مع غيره فلا فصل له يفصله عن سواه ومن هذا يعلم أن جميع أسمائه تعالى حتى الوجود على سبيل الإشتراك لا على سبيل التواطؤ ولا تثبت الصفات على وجه يكون عرضيا كاللون القائم بالمحل وكعلمنا العارض على الذات لأن هذا يؤدي إلى تقدم وتأخر وتكثر بل تثبت الصفات على وجه الإضافة إلى الأفعال أو على سبيل العلل والأسباب والمواد عنه

فيتبين من هذا أنه حي لأنه عالم بذاته ونثبت أنه عالم لأنه مجرد عن المادة ووجوده لذاته وما يكون واحدا بريئا عن المادة تكون ذاته حاصلا له فيكون عالما بذاته لا يعزب عنه ذاته وعلمه بذاته ليس زائدا على ذاته حتى يوجب فيه كثرة وذلك لأن الانسان إذا علم نفسه فمعلومه أهو غيره أو عينه فإن كان غيره فإنه لم يعلم نفسه بل علم غيره وإن كان معلومه هو عينه فالعالم هو نفسه والمعلوم هو نفسه فقد اتحد العالم والمعلوم فكذلك فافهم في الباري جل جلاله وكما أن العالم هو المعلوم فكذلك العلم هو المعلوم كما أن الحس هو المحسوس لأن المحسوس هو الذي انطبع في الحاس لا الخارج فكذلك العلم هو المعلوم وإنما تختلف العبارات بالعلم والعالم والمعلوم وتبين منه أنه عالم بجميع أنواع الموجودات وأجناسها فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من


167

ذلك ولا أكبر لأنه يعلم ذاته فينبغي أن يعلمه على ما هو عليه لأن ذاته مجرد لذاته وذاته مبدأ ومبدع لجميع الموجودات وهو فياض يفيض الوجود على الكل فيعلم ما يوجده ويتبع ذاته وكثرة العلوم المتعددة لا تؤدي إلى كثرة في ذاته لأن علمه لا يبتني على تقديم المقدمات وإجالة الفكر والنظر وذاته فياضة للعلوم على الخلق لا أنه يكتسب من الخلق علما فعلمه سبب الوجود لا الوجود سبب علمه وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو وهو كما يعلم الأجناس والأنواع يعلم الممكنات الحادثة وان كنا نحن لا نعلمها لأن الممكن ما دام يعرف ممكنا يستحيل أن يعلم وقوعه أو لا وقوعه لأنه انما يعلم منه وصف الامكان ومعناه أنه يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون ولكن كل ممكن بنفسه فهو واجب بسببه فإن علم وجود سببه كان وجوده واجبا فلو اطلعنا على جميع أسباب شيء واحد وعلمنا وجودها قطعنا بوجود ذلك الشيء

والأول الحق يعلم الحوادث وأسبابها لأن الكل يرتقي اليه في سلسلة الترقي فلما كان عالما بترتيب الأسباب كان عالما بالكل اسبابها ونتائجها فنزه علمه من الحس والخيال والتكثر والتغير ثم بعد ذلك فافهم علمه فاذا فهمت علمه فاعلم أنه مريد وله إرادة وعناية ولكن إرادته وعنايته لا تزيد على ذاته وبيانه أنه مريد لأن الفاعل إما أن يكون بالطبع وتعالى عنه أو بالارادة والطبع هو الفعل الخالي عن العلم بالمفعول بل بدخل الافعال الطبيعية في الوجود على سبيل التسخير والفاعل بالارادة هوالذي له العلم بمفعولاته فاذا هو عالم بمفعولاته ومخلوقاته وهو راض به غير كاره فيجوز أن يعبر عن هذا بالارادة

وعلى الجملة فتخصيص الأفعال وتميزها بعضها عن بعض دليل على وجود الارادة وعنايته هو تصور نظام الكل وكيفية معلولاته على الوجه الأحسن الأبلغ في النظام وليس له ميل وغرض يحمله على ما يريده فليس شيء أولى به ولا يفعل ليخلص عن مذمة أو يطلب محمدة


168

وكذلك كما أنه عالم مريد فهو قادر لأن القادر عبارة عمن يفعل إن شاء ولا يفعل إن لم يشأ والقادر قادر باعتبار أنه يفعل إن شاء لا باعتبار أنه لا بد وأن يشأ فكل ما هو مريد له فهو كائن وما ليس مريدا له فغير كائن والأول تعالى حكيم لأن الحكمة إما أن تكون عبارة عن العلم بحقائق الأشياء ولا أعلم منه أوتكون عبارة عمن يفعل فعلا مرتبا محكما جامعا لكل ما يحتاج اليه من كمال وزينة وفعله هكذا في غاية الاحكام والكمال ولجمال والزينة أعطى كل شيء خلقه ثم هدى

وهو جواد لأن الجود إفادة الخير والانعام به من غير غرض فالأول تعالى أفاض الجود على الموجودات كلها كما ينبغي وعلى ما ينبغي من غير ادخار ممكن من ضرورة أو حاجة أو زينة وكل ذلك بلا غرض ولا فائدة فهو الجواد الحق والوهاب المطلق واسم الجود على غيره مجاز والأول تعالى مبتهج بذاته على معنى كمال العلم وكمال المعلوم أو كمال الجود والفضل على الموجود لأنه أشد الأشياء إدراكا لأشد الأشياء كمالا الذي هو منزه عن طبيعة الامكان والمادة والكمال في البراءة عن المادة ولوازمها والتقدس عن طبيعة الامكان ولواحقها

خاتمة واعتذار

اعلم أنا وان تدرجنا إلى معرفة ذاته وصفاته من معرفة النفس فذلك على سبيل الاستدلال وإلا فالله تعالى منزه عن جميع صفات المخلوقات فلا يوصف جل أن يوصف وجل أن يقال جل وعز أن يقال عز وأكبر أن يقال أكبر وإذا بلغ الكلام إلى الله تعالى فامسكوا لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وفوق ما يصفه الواصفون فلك العلو الأعلى فوق كل عال


169

والجلال الأمجد فوق كل جلال ضلت فيك الصفات وتقدست دونك النعوت وحارت في كبريائك لطائف الأوهام وهذه كلمات الأبرار المصطفين الأخيار

وهذا دليل على أنه لا يجوز أن يقال في حقه ما يجر نفعا أو يدفع ضرا أو يجلب سرورا أو يوجب لذة وابتهاجا أو يحدث فرحا وضحكا أو يورث عشقا ومحبة تعالى عن ذلك علوا كبيرا وما ورد من هذه الألفاظ في القرآن والأخبار فتفسر بثمراتها ونهاياتها لا بعوارضها ومباديها


170


171

القول في معرفة ترتيب أفعال الله وتوجيه الاسباب الى المسببات

وهذا أيضا انما يعلم من ترتيب معرفة تأثير النفس في قواها وبدنها

اعلم أن مبدأ فعل الآدمي إرادة يظهر أثرها أولا في القلب فيسري منه أثر بواسطة الروح الحيواني الذي هو بخار لطيف في تجويف القلب إلى الدماغ ثم يسري منه أثر إلى الأعصاب الخارجة من الدماغ ومن الأعصاب إلى الأوتار والرباطات المتعلقة بالعضل فينجذب به الأوتار فيتحرك به الاصبع فيتحرك بالأصابع القلم وبالقلم المداد مثلا ويحدث منه صورة ما يريد كتابته على وجه القرطاس على الوجه المتصور في خزانة التخيل فإنه ما لم يتصور في خياله صورة المكتوب أولا لا يمكن إحداثه على البياض ثانيا

ومن استقرأ أفعال الله تعالى وكيفية إحداثه النبات والحيوان على الأرض بواسطة تحريك السماوات والكواكب وذلك بطاعة الملائكة له بتحريك السماوات علم أن تصرف الآدمي في عالمه أعني بدنه يشبه تصرف الخالق في العالم الأكبر وهو مثله وانكشف له أن نسبة شكل القلب إلى تصرفه نسبة العرش ونسبة القلب إلى الدماغ نسبة العرش إلى الكرسي وأن الحواس له كالملائكة الذين يطيعون طبعا ولا يستطيعون لأمره خلافا والأعصاب


172

كالسماوات والقدرة في الأصبع كالطبيعة المسخرة المركوزة في الأجسام والمواد كالعناصر التي هي أمهات المركبات في قبول الجمع والتفريق والتركيب والتمزيج وخزانة التخيل كاللوح المحفوظ فمهما اطلع بالحقيقة على هذه الموازنة عرف كيفية ترتيب أفعال الله تعالى في الملك والملكوت وذلك يحتاج إلى تطويل وهذه إشارة إلى جملتها

أقسام أفعال الله سبحانه وتعالى

قد ذكرنا أن القوى تنقسم إلى محركة ومدركة والمدركة تنقسم إلى ظاهرة كالحواس الخمس وباطنة كالمشاعر الباطنة كالتخيل والوهم وغير ذلك ثم ما يختص بالانسان العقل وهو ينقسم إلى العقل النظري والعملي فكذلك فافهم ان جميع أفعال الله تعالى تنقسم إلى عقول مجردة عن المواد مشاهدة لجلال الله تعالى ولهم رموق الجلال الأعلى ولهم الوصول بلا انفصال وإلى نفوس محركة للسماوات وإلى أجسام وكما أن الجسم الذي هو البدن يتأثر من القوى المركبة فيه ولا يؤثر والعقل العملي يؤثر في القوى الحيوانية ويتأثر من العقل النظري والقوى الحيوانية تتأثر من العقل العملي وتؤثر في الجسم وأعضاء البدن فكذلك فافهم أن جميع أفعال الله تعالى تنقسم إلى هذه الأقسام متأثر لا يؤثر ومؤثر لا يتأثر فالمتأثر الذي لا يؤثر هو أجسام العالم والمتأثر الذي يؤثر هي النفوس فتتأثر من العقول وتؤثر في اجسام السماوات بالتحريك وبواسطة تحريك السماوات في عالم العناصر والعقول تؤثر ولا تتاثر بل كمالاتها حاضرة معها ليس لها استكمال وان كانت تلك الكمالات من ربها وخالقها ومبدعها تعالى وتقدس فالطبيعة في عالم الأجسام مسخرة للنفس تفعل فعلا سواء علمت ما تفعل أو لم تعلم كما أن النفس مدبرة للعقل تعلما سواء طلبت العلوم أو لم تطلب فانتهجت الطبيعة بالتسخير منهاج ما فوقها بالتدبير وعبر التنزيل عن ذلك بقوله والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون ومن


173

كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون فالمخلوقات كلها مفطورة على الازدواج لطيفها وكثيفها معقولها ومحسوسها ففي المركبات ازدواج وفي البسائط ازدواج وبين البسائط والمركبات ازدواج والنفوس بواسطة الأفلاك معطية والعناصر قابلة وبين المعطي والقابل نتائج ومواليد من المعادن والنبات والحيوان والإنسان وبين العقل والنفس ازدواج كما بين القلم واللوح ازدواج ومواليدهما للروحانيات من العقول والنفوس ومن له الخلق والأمر متعال على الازدواج أداء وقبولا سبحانه أن يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء فقدره تقديرا تقسيم آخر

وهو أن القوى الحيوانية والإنسانية مع جسم البدن متفاوتة في الفضل والكمال مترتبة في الشرف والتمام

فكذلك فاعلم أن الموجودات باعتبار الكمال والنقصان تنقسم إلى ما هو بحيث لا يحتاج إلى أن يمده غيره ليكتسب منه وصفا بل كل ممكن فهو موجود له حاضر معه ويسمى تاما وإلى ما لا يحضر معه كل ممكن له بل لا بد من أن يحصل له ما ليس حاصلا له وهذا يسمى ناقصا قبل حصول التمام له ثم الناقص ينقسم إلى ما لا يحتاج إلى أمر خارج عن ذاته حتى يحصل له ما ينبغي أن يحصل فهذا يسمى مكتفيا وإلى مايحتاج ويسمى ناقصا مطلقا فالتام هو العقل والناقص هو الأجسام والناقص من وجه كامل من وجه هو النفس كما أن البدن وكل ماتركب من العناصر ناقص والكامل هو العقل والناقص الكامل هو القوى الروحانية من التخيل والوهم وغير ذلك


174


175

نوع آخر من المعرفة

وكما أن حركة الجسم تدل على المحرك والمتحرك إذا لم يكن طبيعيا فيدل على مدرك يحركه بالارادة والمدرك قد يكون ظاهرا وقد يكون باطنا وقد يكون عقليا نظريا أو عمليا

فكذلك فاعلم أن وجود الأجسام مقعر فلك القمر قابلة للتركيب فإن الطين مثلا مركب من الماء والتراب

فنقول هذا التركيب المشاهد يدل على وجود الحركة المستقيمة وتدل الحركة من حيث مسافتها على ثبوت جهتين محدودتين مختلفتين بالطبع ويدل اختلاف الجهتين على وجود جسم محيط كالسماء وتدل الحركة من حيث حدوثها على أن لها سببا ولسببها سببا إلى غير نهاية ولا يمكن ذلك إلا بحركة السماء حركة دورية والحركة الدورية لاتكون إلا ارادية والارادة الجزئية لا تكون إلا مستمدة من إرادة كلية والإرادة الجزئية تكون للنفس والإرادة الكلية تكون للعقل

فقد ثبت بهذا وجود العناصر القابلة للتركيب ووجود السماوات المتحركة المحركة للعناصر والسماوات المتحركة تدل على محركات هي نفوس سماوية والنفوس مستمدة من العقول والكل مستند إلى الله تعالى إبداعا وانشاء واختراعا وخلقا واحداثا وتكوينا وايجادا وإبداء واعادة وبعثا فله الملك كله والملك


176

كله هو الأول بلا أول كان قبله الآخر بلا آخر يكون بعده الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين وعجزت عن نعته أوهام الواصفين ابتدع الخلق بقدرته ابتداعا واخترعهم على مشيئته اختراعا

فأشرف المبدعات هو العقل أبدعه بالأمر من غير سبق مادة وزمان وما هو إلا مسبوق بالأمر فقط ولا يقال في الأمر أنه مسبوق بالباري تعالى ولا مسبوق بل التقدم والتأخر انما يعتوران على الموجودات التي هي تحت التضاد والباري تعالى هو المقدم المؤخر لا المتقدم المتأخر وما دون العقل هو النفس وهو مسبوق بالعقل والعقل متقدم عليه بالذات لا بالزمان والمكان والمادة فالسبق بالذات انما ابتدأ من العقل فقط والسبق بالزمان إنما ابتدأ من النفس والسبق بالمكان انما ابتدأ من الطبيعة فالطبيعة إذا سابقة على المكان والمكانيات ولا يعتورها المكان بل يبتدي المكان من تحريكها أو حركتها في الجسم والنفس سابقة على الزمان والزمانيات ولا يعتورها الزمان بل الزمان والدهر يبتدىء منها أعني من شوقها إلى كمال العقل والعقل سابق على الذوات والذاتيات ولا يعتوره الذات والجوهرية بل الجوهرية انما تبتدىء منه أعني هو مبدأ الجواهر والسابق على الذوات والجواهر والدهر والزمان والمكان والجسم والمادة والصورة ولا يوصف بشيء مما تحته إلا بالمجاز ومن له الخلق والأمر فله الملك والملك وهو الأول والآخر حتى يعلم أنه ليس بزماني وهو الظاهر والباطن حتى يعلم أنه ليس بمكاني جل جلاله وتقدست أسماؤه ونعني بالأمر القوة الالهية والذي يقال من أن العقل صدر عنه بالابداع شيء ليس ادعاء بأنه المبدع كلا بل نعني به تنزيه الحق الأول أن يفعل بالمباشرة فأما المبدع بالحقيقة فهو من له الخلق والأمر تبارك اسمه

وكما أن النفس واحدة ولها قوى واشراقها على البدن والروح الحيواني يفعل في كل موضع فعلا آخر لاختلاف القوى ففي موضع الابصار وفي موضع السمع وفي موضع الشم وفي موضع الحس المشترك وفي موضع التخيل والتوهم وغير


177

ذلك فكذلك أمر الأول الحق جل جلاله بالنسبة إلى وجود العقل ابداع وبالنسبة إلى وجوده في دوامه تكميل بالفعل بالنسبة إلى النفس تتميم وتوجيه من القوة إلى الفعل وبالنسبة إلى الطبيعة تحريك وبالنسبة إلى الأجسام تصريف وبالنسبة إلى الطبائع والعناصر تعديل وبالنسبة إلى المركبات تصوير وبالنسبة إلى المصورات احياء وبالنسبة إلى الحيوان إحساس وهداية وبالنسبة إلى العقل الانساني تكليف وتعريف وبالنسبة إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أمر وكلام وكلمات وقول وكتاب ورسالات ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي باذنه ما يشاء إنه علي حكيم فالأمر الأعلى بالنسبة إلى المكونات عبارة عن التكوين والابداع وبالنسبة إلى جزئيات المكلفين عبارة عن القول الذي هو الأمر والنهي والوعد والوعيد والخبر والاستخبار فظاهر الأمر التكويني أوضاع الملائكة وسوقها الموجودات إلى كمالاتها وكمالات الموجودات قبولها الأمر وكمالات المكلفين قبولها للثواب فمن لم يقبل الأمر اخرج من عالم الحق والاخراج من الحق لعن كحال الشيطان الأول إذ لم يقبل الأمر فأخرج من جنة العقل وقيل اخرج منها فانك رجيم وذلك معنى اللعن ومن قبل الأمر ادخل في عالم الثواب وتحققت فيه الملكية كحال الملائكة المأمورين بالسجود إذ قبلوا فدخلوا في عالم الثواب

وكما تستغني القوى النباتية والحيوانية والانسانية عن إمداد النفس لحظة واحدة بل لا بد من دوام الأشراق عليها وامداد تأثيرها حتى ينتظم العالم الصغير فكذلك في العالم الكبير نقول في المبدا إن كل صاحب مرتبة وإن تولى ما قيض له وأرصد لعمله فلن يستغني عما فوقه بالامداد له والافاضة عليه والنظر اليه والتأييد له وكذلك في العود إن كل صاحب مرتبة وإن نقل عمله إلى مافوقه فلن ينقطع عمله من معملته بالكلية ولو انقطع عمل الطبيعة لبطلت القوى


178

النباتية وببطلانها بطلت القوى الحيوانية وكذلك لو انقطع عمل النفس لبطلت القوى الحيوانية وببطلانها بطلت الانسانية وكذلك لو انقطع عمل العقل لبطلت القوى الانسانية وببطلانها بطلت النبوة

فالطبيعة حافظة للنفس النباتية والنفس حافظة للنفوس الحيوانية والعقل حافظ للنفس الناطقة الانسانية وأمر الباري تعالى حافظ للنفس القدسية النبوية إن كل نفس عليها حافظ هذا على العموم له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله أي بأمر الله وهذا على الخصوص فالأول الحق كما أبدع العقل الأول أكمله بالفعل وكما اخترع بواسطة النفس أتمها بالقوة المتوجهة إلى كمال العقل وكما ابتدع بواسطتها الطبيعة أمدها بالتحرك وكما أحدث الأجسام قدرها بالتصريف وكما ركب العناصر سواها بالاعتدال وكما عدل الأمشاج والأمزجة أظهرها بالتصور وكما صورها أحياها بالنفوس وكما سخرها بالنفوس دبرها بالعقول وكما دبر العقول ساقها إلى معادها بالتكليف والشرائع فأمر ونهى وبشر وأنذر ووعد وأوعد على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

وبالجملة ليس خلقه العالم كمن بنى دارا وسرح فيها من عبيده خلقا كثيرا فرتب لكل واحد منهم ما خلقه لأجله وقطع عنهم نظره وتدبيره وعلمه وقدرته وإرادته فهم بخلقه يعملون للأمر وبحكمه يتصرفون فلا الدار محتاجة في بقائها إلى ممسك إذ قد استغنى البناء عن الباني كما ظنه قوم ولا أهلها محتاجون إلى مدبر ومقدر إذا استغنوا بفطرتهم على ما هم عليه عن تجديد أحد وبنيان بان كما يخيله قوم بل كما كانوا محتاجين في وجودهم إلى خلقه تعالى كانوا محتاجين في دوام وجودهم بذواتهم لم يكن دوام وجودهم بذواتهم فهو القيوم على الملكوت جل جلاله

وكما استكمل الآدمي بدنا بالطبيعة حتى عاش في هذا العالم فيجب أن


179

يستكمل نفسا بالشريعة حتى يعيش في ذلك العالم فقيضت الملائكة مسخرين للطبيعة فحصل كمال الأبدان وبعث الأنبياء عليهم السلام مدبرين للشريعة حتى حصل كمال النفوس وكما أن الصفوة في المزاج انما حصلت بابتلاء الامشاج واستخلاص المواد حتى صار مولودا سميعا بصيرا في هذا العالم كذلك الصفوة في النفوس إنما حصلت بابتلاء التكاليف واستخلاص النفوس حتى صار سميعا بصيرا كاملا في ذلك العالم ولولا تلك التصفية لم يكن ليبعث ملك إلى عالم الأرحام ولولا هذه التصفية لم يكن ليبعث نبي إلى عالم الأحكام

وأعجب بروحانيين متوسطين في الخلق وجسمانيين متوسطين في الأمر والملائكة يحشرون الخلق من التراب إلى تمام الخلقة الانسانية لهذا العالم والأنبياء عليهم السلام يحشرون الخلق من الجهل إلى تمام الفطرة الملكية لذلك العالم فالملائكة والأنبياء عليهم السلام في عالمي الخلق والأمر عمال الأمر الأعلى وكل بأمره يعملون ومن خشيته مشفقون يسبحون الليل والنهار لا يفترون

فإن قال قائل ما ذكرتم في إثبات هذه المعارج والموازنات بين النفس وبين الله تعالى وصفاته وأفعاله كلها تشير إلى إثبات مشابهة ومضاهاة بين العبد وبين الله ومعلوم شرعا وعقلا إن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء

فالجواب أن نقول قد أشرنا في إثبات هذه المعارف ما يوجب تقدس الباري عن جميع صفات مبدعاته ومكوناته ومع هذا مهما عرفت معنى المماثلة المنفية عن الله سبحانه وتعالى عرفت أنه لا مثال له ولا ينبغي أن نظن أن المشاركة في كل وصف توجب المماثلة أفترى أن الضدين متماثلان وبينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون بعد فوقه وهما يشتركان في أوصاف كثيرة إذ السواد يشارك البياض في كونه عرضا وفي كونه لونا وفي كونه مدركا بالبصر وأمر آخر سواه أفترى ان من قال إن الله موجود لا في محل وإنه


180

حي سميع بصير عالم مريد متكلم قادر فاعل والانسان أيضا كذلك قد شبه وأثبت المثل هيهات ليس الأمر كذلك فلو كان كذلك لكان الخلق كلهم مشبهة إذ لا أقل من إثبات المشاركة في الوجود وهو يوهم المشابهة بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية والفرس وإن كان بالغا في الكياسة لا يكون مثلا للانسان لأنه مخالف له في النوع وانما يشابهه في الكياسة التي هي عارضة خارجة عن النوع والماهية المقومة لذات الانسانية الخاصية الالهية هي الموجود بذاته الذي يوجد عنه كل ما في الامكان وجوده على أحسن وجوه النظام والكمال وهذه الخاصية لا يتصور فيها مشاركة البتة والمماثلة بها لا تحصل فكون العبد رحيما صبورا شكورا لا يوجب المماثلة ككونه سميعا بصيرا عالما قادرا حيا فاعلا

بل أقول الخاصية الألهية ليست إلا لله تعالى ولا يعرفها إلا الله تعالى ولا يتصور أن يعرفها إلا هو ولذلك لم يعط أجل خلقه إلا أسماء حجبه بها فقال سبح اسم ربك الأعلى فو الله ما عرف الله غير الله في الدنيا والآخرة يعني على سبيل الاحاطة والكمال فهو الله المنزه عن الماهية الأحد المقدس عن الكمية الصمد المتعالي عن الكيفية الذي لم يلد بل هو المبدع ولم يولد بل هو قديم الوجود ولم يكن له كفوا أحد في ذاته وصفاته وأفعاله هذا ما أردنا أن نذكره في هذا الكتاب وقد كشفت الغطاء عن وجوه الأسرار المخزونة ورفعت الحجاب عن كنوز العلوم ودللت على الأسرار المخزونة وأبديت فيه العلوم المكنونة المضنون بها تقربا إلى الأخوان الذين لهم قوة القريحة وصفاء الذهن وزكاء النفس ونقاء الحدس وتيقنا بأن الزمان قد حلا من الوارثين لهذه الأسرار تلقفا ومن المقتصرين على الاحاطة بها استنباطا وتاسيا من أن يكون للراغب في تخليد العلم وإيراثه من بعده وجه حيلة الا تدوينه وإيداعه الكتب مسطرا مرقوما دون الاعتماد على رغبة متعلم في تحققه على وجهه وحفظه وإيراثه من بعده ودون الاعتماد على همم أهل العصر ومن يكون بعدهم مثلهم في البحث


181

والتفتيش وإزالة الاشكال وحل الاشكال والغوص في غوامض العلوم فمن أين للغراب هوي العقاب ومن أين للضباب صوب السحاب ثم إني حرمت على جميع من يقرؤه من الاخوان الذين لهم المناسبة العلوية والقريحة الصافية أن يبذله لنفس شريرة أو معاندة أو يطلعها عليه أويضعه في غير موضعه

فمن منح الجهال علما أضاعه
ومن منع المستوجبين فقد ظلم

فان وجد من يثق بنقاء سريرته واستقامة سيرته وبتوقفه عما يتسرع اليه الوسواس وبنظره إلى الحق بعين الرضا والصدق فليؤته مجزئا مدرجا يستغرس مما يسلفه لما يستقبله وعاهده بالله وبأيمان لا مخارج لها أن يجري فيما يؤتيه مجراك متأسيا بك فان أذاع هذا العلم وأضاعه فالله بيني وبينه وكفى بالله حسيبا

وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير


183

تنبيه

وجد في آخر النسخة التي طبعنا عليها هذا الكتاب هذه العبارة

قد استراح من كمد الانتهاض إلى نقل هذا الكتاب من السواد إلى البياض أحمد بن شعبان بن يحيى الأندلسي المعروف بابن عبد العزيز الأمير وذلك بتاريخ يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر رجب الأصم سنة 1066 ه

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

وان تجد عيبا فسد الخللا
جل من لا عيب فيه وعلا


185

القصيدة الهائية

ما بال نفسي تطيل شكواها
إلى الورى وهي ترتجي الله

يفسد إخلاصها شكايتها
ذاك الذي راعها وأرداها

لو أنها من مليكها اقتربت
واخلصت ودها لأدناها

لكنها آثرت بريته
عليه جهلا به فأقصاها

أفقرها للورى ولو لجأت
اليه من دونهم لأغناها

تشكو إلى خلقه كأنهم
قد ملكوا نفعها وضراها

لو فوضت أمرها لخالقها
وصححت صدقها وتكلاها

عوضها من همومها فرجا
ولم يدعها بطول غماها

تسخطه في رضا بريته
تبا لها ما أجل بلواها

لو أنها للعباد مسخطة
مرضية ربها لأرضاها

لدي نفس أحب أنعتها
لتعرفوا نعتها وأسماها

فاسمع صفاتي لها لعلك أن
تفهم ذا اللب سر معناها

تسعى إلى اللهو وهو غايتها
يا ويلها ما أضر مسعاها

أزجرها وهي لي مخالفة
كأنني لست من أوداها


186

تنظر في عيب غيرها سفها
وكم عيوب لها فتنساها

قد ظلمتني بسوء عشرتها
ولم تدع لي تقوى ولا جاها

كثيرة اللغو في مجالسها
قليلة الذكر في مصلاها

قليلة الشكر عند نعمتها
ضعيفة الصبر عند بلواها

بطيئة السعي في مصالحها
سريعة الجري في بلاياها

كثيرة المطل في مواعدها
كذوبة في جميع دعواها

بصيرة بالهوى وفتنته
عمية عن أمور أخراها

نشيطة عند وقت لذتها
كاسلة عند وقت ذكراها

نؤومة العين عن عبادة من
أتقن تصويرها فسواها

كثيرة الأمن عند صحتها
عظيمة الخوف عند ضراها

حليفة الكبر والرياء فقد
أفسدها كبرها وأطغاها

عظيمة المدح والثناء لمن
يرفع مقدارها ومثواها

مطيلة الذم بالقبيح لمن
عرفها قدرها وطغياها

تفرح في أكلها ومشربها
وجها للمنام أغراها

ذاكرة للورى مساويهم
ناسية ما جناه كفراها

كم بين نفسي وبين نفس فتى
طهرها بالتقى ونقاها

علمها رشدها وبصرها
ثم بقوت الحلال غداها

أقامها في الدجى على قدم
فانهملت بالدموع عيناها

إذا اشتهت شهوة يعودها
بخوف معبودها فسلاها

وراضها بالصيام فانقمعت
بالرغم عن غيها ومغراها

ذاكرة للاله شاكرة
مخلصة سرها ونجواها

لله نفس امرء موفقة
آوت إلى ربها فآواها

شرفها ربها وكرمها
ومن مياه اليقين أرواها


187

سمت اليه بحسن فكرتها
ثم صافي ودادها فصفاها

تلك التي إن دعت لحاجتها
أجابها مسرعا ولباها

إن بليت بالخطوب صبرها
أو سألت ما يريد أعطاها

ليست كنفس لدي عاصية
آمرها جاهدا وأنهاها

وهي لأمر الاله عاصية
ويلي لما قد جنت وويلاها

كيف إلى ربها تنوب وقد
ذلت لشيطانها فأغراها

فكلما قلت نفس ازدجرى
وراقبى في أمورك الله

صمت عن الحق وهي سامعة
كأنني ما أريد إياها

لو علمت بعض ماله خلقت
أحزنها علمها وأبكاها

لو تعرف الله حق معرفة
لصححت برها وتقواها

لكنها جهلها بخالقها
أغفلها رشدها وألهاها

يا ويح نفسي والويح حق لها
إن صدها ربها وأرداها

تغرها لذة الحياة وما
تدري إلى ما يكون عقباها

قد ضقت ذرعا بها واحبسها
لم أك أعصى الاله لولاها

إن أنا حاولت طاعة فترت
وأظهرت وحشة واكراها

صرت مع النفس في محاربة
تأمرني بالهوى وأنهاها

نحن كقرنين في معاركة
أدرع الصبر عند لقياها

وهي بجند الهوى مبارزتي
وأي صبر يطيق هيجاها

إن جبنت بالقتال شجعها
أو ضعفت في اللقاء قواها

أصرعها تارة وتصرعني
لكن لها السبق حين ألقاها

أحبها وهي لي معادية
كأنني لست من أحباها

عدوة لا أطيق أبغضها
يا ليتني استطيع أنساها


188

سابحة في بحار فتنتها
جاثية في سدول ظلماها

أحسبها إن أبت موافقتي
خاسرة دينها ودنياها

يا رب عجل لها بتوبتها
واغسل بماء التقى خطاياها

إن تك يا سيدي معذبها
من ذا الذي يرتجي لرحماها

فالطف بها واغتفر خطيئتها
إنك خلاقها ومولاها


189

القصيدة التائية

بنور تجلى وجهه قدسك دهشتي
وفيك على أن لا خفا بك حيرتي

فيا أقرب الأشياء من كل نظرة
لأبعد شيء أنت عن كل رؤية

ظهرت فلما أن بهرت تجليا
بطنت بطونا كاد يقضي بردتي

فأوقعت بين العقل والحس عندما
خفيت خلافا لا يزول بصلحة

إذا ما ادعى عقل وجودك منكرا
على الحس ما ينفيه قال له اثبت

وذلك أن الحس ينفيك صورة
يراها ويرضى العقل فيك بحجة

فمن هاهنا منشأ الخلاف ويصعب
الوفاق بخلف في اقتضاء الجبلة

فان قلت لم ابصرك في كل صورة
أراها أحالت ذاك عين بصيرتي

وان قلت إني مبصر لك انكرت
مقالي ولم تشهد بذلك مقلتي

تجليت مني في حتى ظهرت لي
خفيت خفاء دق عن كل فكرة

على أنه لم يبق لي جبل رأى
تجليك لي إلا ودك بصعقة

وناجيتني في السر مني فأصبحت
وقد طويت عما سواك طويتي

فما في فضل عنك يخطر فيه لي
سواك فوقتي فيك غير موقت

وديعة روح القدس نفسك ردها
فمن واجبات العقل رد الوديعة

وما ردها إلا بتكميلها بما
يليق بها من كسب كل فضيلة

فمهما تجلت من كدورات عالم
الطبيعة شفت جوهرا وتجلت

نصحتك جهدي ان قبلت فلا تكن
على حكم غش حاملا لنصيحة


190

وغاية مقدوري فقلت وانما
قبولك مما ليس في وسع قدرتي

وهل ممكن اسعاد من كان قد جرى
له قلم في اللوح يوما بشقوة

يظن الفتى لذات دنياه نعمة
وما هي إلا نقمة في الحقيقة

ويبلغ منه الجهل ما ليس يبلغ ال
عدو بحد السيف عند الحظيظة

ونفسك فاحفظها وصنها فانما
سعادتها في فعل كل مشقة

وخالف هواها ما استطعت فانه
عدو لها يبغي لها كل نكبة

لعمري لقد انذرت انذار مشفق
وجاوزت في الايضاح حد الوصية

فقم واسع وانهض واجتهد وابغ مطلقا
بداك على ما فيك شر صنيعة

فانك من نور مضيء وظلمة
بما فيك من جسم ونفس نفيسة

تسوس الحياة الجسم وهي مسوسة
بما فيك من أسرار علم مصونة

فشيطان رجم أنت أو ملك بما
تعانيه من فعل قبيح وعفة

ألا ان لي بالنفس مني شاغلا
به تم لي ما دمت من ملكية

جلت شبهة الأعراض عني بديهة
توقد كالمصباح في جوهريتي

رأيت بها النور الالهي لائحا
وراء ستور للأمور دقيقة

فحققت ما قد كنت فيه مشككا
وعاينت ما قد كان في سر خفية

وأدركت ما المقصود من بدأتي وما ال
مراد باحيائي وموتي ورجعتي

بمرآة نفس لاح لي في صقالها ال
مقابل للكونين كل حقيقة

ولم يبق عندي ريبة في الذي استرا
ب منه اناس في أمور كثيرة

فألقت عصاها النفس مني وأيقنت
بأن سفرت عن وجه نجعي سفرتي

يدل على ما قلته حالة الكرى
إذا ركد الاحساس منك برقدة

وقابل لوح الغيب للنفس مثلما
تقابل مرآة باخرى صقيلة

فيطبع ما في اللوح في النفس فهي من
هناك بعلم الغيب نسخة نسختي


191

ولو أمكن التجريد في كل يقظة
لشاهدت لا في النوم كل عجيبة

وما هو عند الله مثل لآدم
ولا ذنب ذا من ذنب ذاك بنسبة

ويطمع جهلا أن سيدخل جنة
ويغبط فيها نفسه كل غبطة

خلافا لما يعطي القياس ولم يقم
له العقل لولا النقل برهان حجة

أيخرج منها آدما إثم زلة
ويدخل هذا فعله كل زلة

وكيف ترى يقضي الكريم بهفوة
ويدني اللئيم النذل مع كل ورطة

ولولا حديث في الشفاعة قد أتى
وتأويل آيات لايناس وحشة

لما طمعت نفس تفوز بجنة
إذا لم تكن من كل اثم تبرت

ومع ذا اختلاف الناس في ذاك ظاهر
تقام عليه واضحات الأدلة

وإذ كان قد صح الخلاف فواجب
على كل ذي عقل لزوم التقية

وترك الأماني الخوادع بعد أن
رأى بأبيه آدم كل عبرة

ولو كان لا يجزي مسيء بفعله
ولا محسن ضاعت أمور البرية

وما كان في الأحياء والموت حكمة
وكان محالا حكم كل شريعة

ومستبعد إحياؤنا ومماتنا
سدى لا لمعنى فيه سر مشية

أيحسن أن تبنى قصور مشيدة
بأحسن أوضاع وأجمل بنية

وتهدم عدما لا لمعنى وانه
ليقبح هذا في العقول السليمة

وذلك شيء فعله عبث وما
يدبر هذا الكون بالعبثية

فلم يبق إلا أن يدبر أمره
حليم محيط العلم عدل الحكومة

فما شقيت نفس أطاعته رهبة
وماسعدت نفس عصته لرغبة

ولكن بنور العلم تسلم هذه
وتعطب جهلا تيك أقبح عطبة

فيا عجبا ممن يروم لنفسه
خلاصا ولم يرغب بها عن جريرة

ومن تائب من ذلة لا ترى له
دموع كأفواه الغمام المكبة

ومن مخبر لا يعجز الله قدره
عليه ولا يخشى بوادر نقمة

ومن أشرقت أنوار مرآة عقله
على ظلمات الطبع منه تجلت


192

وثبت غرس العقل في القلب مثمرا
لباغي الحيا استقباح كل رذيلة

وما وصلت نفس إلى عالم الصفا
بما دون تحصيل العلوم الجلية

وتمييزها عن نوعها بمعارف
يروجها في عالم البشرية

وقد يملأ القطر الاناء فيمتلي
به الماء حتى لا مزيد لقطرة

فاخرجتني عني بادخال محنة
واوحشتني مني بأنس محبة

وأسقيتني من خمر حبك شربة
خماري بها باق إلى يوم بعثتي

محاني بها سكري وأثبتني معا
فأعجب شيء أن ما حي مثبتي

وأقر بتني من رمز طرسي أسطرا
فتمت بها تفصيل عقدك جملتي

وأقررتني مني علي بأنني
صحيفة سر طيها فيه نشرتي

وأفشيت بي سري إلي فأصبحت
وقد أعربت إذ أفصحت عنه عجمتي

وأفهمتني مني بأن ليس موطني
مكانا به في عالم الحس نشأتي

فأبهمت ما أفهمت إذ ليس مدرك
لذلك إلا من خصصت بحكمة

ومن ذا الذي خصصت منك بحكمة
ولم تك قد عممت منك برحمة

فكم اظهرت تلك الاشارات خافيا
وان عزبت عن فهم قوم ودقت

وما لاح ذاك البرق الا ليهتدي
به الركب لكن ظلمة الجهل أعمت

لقد سمع الواعي وقل الذي وعي
لسكر به أهوى أصمت فأصمت

وكم لك داع منك فيك مبصر
لعقلك لكن لست تصغي لدعوة


193

وكل مريض الجسم يمكن برؤه
ويعجز أن يشفى مريض البديهة

ويستبعد الجهال كونا بموطن
إذا كان لا في جنب منبت شعبة

ولو علموا ما عالم العقل منهم
وأنهم بالحس في دار غربة

إذا ولد المولود سروا بفرحة
ومن حقه أن يبدلوها بترحة

ويبكونه عند الممات جهالة
ومن حقه إظهار كل مسرة

ولم يعلموا أن الولادة غربة
أبيحت له عن خير دار وأسرة

وموتته عود له نحو أهله
وأوطانه الأصلية المستلذة

وأعجب من هذا مقال جميعهم
ترى عابدي الأوثان أجهل أمة

وما عظم الأوثان من كان قبلهم
كتعظيم أجسام لهم مضمحلة

فكل غدا معبوده الجسم فاستووا
ولكنهم لم يستووا عند نية

فقد وقعوا مع علمهم في ضلالة
إذا اعتبرت أربت على كل ضلة

فياليت شعري كيف صمت عقولهم
وداعيك فيهم مسمع كل فطنة

وكل فعال لم أكن متقربا
إلي به أعظمت فيه خطيتي

فقربي به بعد وربحي خسارة
وعزي به ذل ونفعي مضرتي

لأني فيه قمت غير موجه
لدى فعله وجهي إلى وجه وجهتي

فدنت بأمر حرمته شريعتي
واحييت حكما قد أماتته سنتي

فكانت بتركي في مناهيه غفلتي
نهاية تأديبي وفرط عقوبتي

تشتت عقلي فيك بعد تجمع
كما اجتمعت بلواي بعد تشتت

هوى فيك لي لا منتهى لامتداده
لدي ولا منه خلاص بسلوة

ازيد بلى إذ يستجد ولم يكن
بتجديد صبري فيه أبلى بليتي

يعيد ويبدي أولا منه آخر
فقد شف جسمي سر عود وبدأة

ألا لا تلمني إن شطحت فانه
قليل لسكر حل بي منك شطحتي


194

ولا تنهني إن تهت سكرا معربدا
فأنت الذي استحسنت فيك هتيكتي

ولا تلح إن غنيت فيك تطربا
فلو وجدت وجدي الجبال لغنت

ومن عجب حمل الجبال هوى به
طلعت وعن حملي قديما تأبت

فمن قيس ليلى العامرية في الهوى
ومن قيس لبنى أو كثير عزة

إذا تليت آيات ذكري فقابل ال
مجنون ذكري بالسجود لحرمتي

وأوجب كل منهم الوقف عندها
وسلم أن لا قصة مثل قصتي

فمن فضل كاسي شرب غيري ولم يكن
يقاس بسكري سكر شارب فضلتي

يبلبل بالي لا لنوح حمامة
وينهل دمعي لا لإيماض برقة

ولو كنت محتاجا للتنمم باعث
يحرك أشجاني لبانت نقيصتي

ولكنني مني وفي نواعش
تحركني في كل سر وجهرة

فلا رقدة تغدو علي بفترة
ولا يقظة تغدو علي بغفلة

فمن يشك يوما في هواه فانني
لي الشكر أولى في الهوى من شكيتي

تسترت جهدي في هواك وطاقتي
فلما منعت الصبر أبديت صفحتي

فاعلنت ما أسررت فيك فلم يكن
بقول ولا فعل سواك فضيحتي

فما لاشتياقي في افتضاحي مدخل
ولا لدموع فيك لي مستهلة

وقد كان لي في الصبر ستر على الهوى
بهتكك ستر الصبر أظهرت عورتي

فلا مذهب في الحب يشبه مذهبي
ولا ملة فيه تقاس بملتي

يكل لساني عن صفاتي وانما
يعبر عني أنني ذات وحدة

فكل نعيم دون وصلي شقوة
وكل ملذ مؤلم عند لذتي

وكل سبيل ليس يفضي سلوكه
إلي فقد أفضى إلى كل خيبة

ولولا هوى لي فيك يحملني على
حنوي لم أعهد اليك بلفظة

وكنت إذا زلت بك النعل هاويا
أقول ألا فاذهب إلى حيث ألقت


195

ولكن ما ينجيك ينجي هويتي
كما أن ما يؤذيك نفس أذيتي

وهل أنا إلا أنت ذاتا ووحدة
وهل أنت إلا نفس عين هويتي

ولولا اعتبار الجسم بالنسبة التي
اليه له ما صح عني سيرتي

ولست بذي شكل فيوجب كثرة
لذاتي ولا جزءا فتمكن قسمتي

ويوقع ما بيني وبينك نسبة
يظن بها غيري لموضع شبهة

واني لم اهبط إلى الأرض يبتغي
بذلك وضعي بل هبوطي ورفعتي

وتقرير هذا ان دعيت خليفة
وما كنت ادعى قبل ذا بخليفة

وصير ملكي عالم الجسم محنة
لغاية تدبيري ومبلغ حكمتي

فان أنا أحسنت الولاية احسنت
إلى العالم العلوي عودي وعزلتي

وعاينت مالا عاينت مقلة ولا
أحاطت به أذن وعت حس سمعة

وآثرت لذاتي ونيل مآربي
واتبعت نفسي كل شيء أحبت

سددت على نفسي سبيل تخلصي
إلى الملأ الأعلى الذي هو نزهتي

وأوقعتها في أسر من لا يرى لها
مكانا ولا يحنو عليها بعطفه

فلا ندم يجزي ولا حسرة يرى
بها فرج يرجى لكشف لشدة

فياويح نفس آثرت طيب زائل
على طيب باق لا يحد بمدة

يموت الفتى بالجهل من قبل موته
ويحيى بروح العلم من بعد ميتة

فما مات حي العلم يوما ولم يكن
بحي ممات الجهل مقدار لحظة

وأنظر أحوال الرجال وقوفهم
على برزخ ما بين نار وجنة

فاما إلى آلام نفس خبيئة
وإما إلى لذات نفس نفيسة

فآلام تلك الترك في دار غربة
ولذات هذا العود من بعد غربة

وهل حسرة في النفس أعظم غصة
من البعد عن أهل ودار وجيرة

كما أنه لا شيء أعظم لذة
لذي غربة من ملتقى بعد فرقة

كأني لم أحجب بها وكأنما
هي احتجبت بي فازدهى الناس عشقتي

وغودرت لا يثني على حسن فعلي ال
جميل ولا يلوي على حسن طلعتي


196

ولو قايسوا بالحسن بيني وبينها
لكانت لديهم لاتسام بحبه

وشق القلوب الجاهلات التي بها
محبتها قالت بهم عن محبتي

وما ذاك شيء يسقط العذر لامرىء
أطاع الهوى وانقاد عبدا لشهوة

وهل نافع شق الفؤاد ندامة
لذي قدم زلت ولم تتثبت

فكيف يليق الوصل مني لمؤثر
على طيب وصل وصل من هي عبدتي

اذا رضيت عنه يهون عليه في
رضاها وأدنى ذاك تسهيل غصة

على انها اعدا عداه ترتبت
له حيلة منها لإمكان فرصة

فهام بها عشقا وآثر وصلها
فزل فنادته إلى الف لعنة

ولولا الشقا والجهل ما آثر العدى
رضاها وجانب طيب وصل الأحبة

وهل أمني بالفضل مثلي وانما
بمثل طباع السوء نحو الدنية

وتأبى الطباع الفاضلات ارتكابها
الأمور التي تفضي إلى حط رتبة

فكم حسرات في نفوس يثيرها
بعادي إذا ما العيس للبين ذمت

وكم عبرة تجري علي تأسفا
وقد فات مالا يسترد بعبرة

وكم قارع سنا علي ندامة
وآخر مكوي بنيران حسرة

وكم أنة تغدو علي ورنة
بروح إذا ما استشعر القوم فرقتي

وهل هاجري وجدا بغيري بالغ
رضاي لصب طالب دار هجرة

لشتان ما بين المقامين انما
المبرز من لا همه غير عشرتي

ألم تر أني منتهى قصد مبدعي
ولم تبدع الأشياء الا لخدمتي

وان لإكرامي وتعظيم حرمتي
أشار إلى الأملاك نحوي بسجدة

وصير ما في عالم الكون كله
بحكم إرادتي وطوع مشيتي

فإن كنت في وصل دعيت فلا تمل
إلى وصل غيري واغتنم وصل صحبتي

وخذ جانبا من رفقة بك وكلوا
ببعدك عن وصلي واثبات جفوتي


197

فعند ارتفاع الحجب ما بيننا ترى
محاسن وجه الغانيات وبهجتي

ولا عجنت الا بحبك طينتي
ولا لهجت إلا بذكرك لهجتي

وردت ورود الهيم فيك من الهوى
شريعة حب هيجت لي غلتي

ولا عجب ان هيجت لي غلة
فما تلك عندي منك أول محنة

إذا كان بي أمر أرى فيه لي أذى
رضاك فما أحلاه في قلب ذلتي

لذلك ما أرضاك مني فعلته
ولو غضبت منه كرام عشيرتي

وما بعت فيك النفس إلا لعل إن
أفوز بوصل منك تربح صفقتي

فان أنت أمضيت التبايع بيننا
فبعت وان لم تمض أكسدت سلعتي

وما قدر نفس لي لديك حقيرة
فأجعلها مهرا لأشرف وصلة

ولكن مقل بادل فيك جهده
أحق بوصل من أخي كل ثروة

توحشت من أبناء نوعي ولم يكن
لشيء سوى أنسي بقربك وحشتي

تغربت عن أهلي اليك وإنني
ليعذب لي في طيب أنسك غربتي

فكم خلوة قد فزت فيها بجلوة
خرجت بها عني اليك بفرحة

وطلقت فيها عالم الحس بتة
لتعلم أني لا أقول برجعة

وفارقت أوطاني وأهلي وجيرتي
لتعلم أني باذل فيك مهجتي

ولولا دخولي في رضاك بكل ما اس
تطعت لعزت فيك عني خرجتي

وكان بودي لوقبلت تقربي
اليك ولكن لست أهلا لقربة

وهل انا إلا نطفة من سلالة
لطين وما مقدار قيمة نطفة

لعمري لقد حاولت أمرا مرامه
عزيز ولكن انت أهل العطية

وليس اعترافي باتضاعي بمانعي
سؤالك أمرا دونه قدر قيمتي

وليس على قدري سؤال فانني
أرى أن قدري دون مقدار ذرة

ولكن على مقدار احسانك الذي
عممت به تخصيص كوني بخلقتي

ولا أنا ممن يخجل الطرد وجهه
فيأنف من عود مخافة طردة

على كل حال ليس لي عنك مذهب
فيصرفني عن جعل بابك قبلتي


198

فما شئت فاصنع وارض عني فانني
أرى كل صنع منك اسباغ نعمة

كفاني اعترافي باقترافي توبة
وحسبي رضا عني قبولك توبتي

وهل أنا إلا دوحة قد غرستها
فإن لم يصبها وابل منك جفت

إذا حصلت لي كيف ما كان نسبة
اليك فلا أخشى ضياعا لنسبتي

فياحيرتي كم حيرة فيك لي غدت
مخصصة بي ما به منك عمت

وكم نعمة اسبغت من سر حكمة
أنرت بها من ناطق كل ظلمتي

وأحييت مني ما أماتت جهالتي
حياة محال أن تحال بموتتي

ومن حييت من موتة الجهل نفسه
بعلم نجت من قطع كل منية

وكم موجة من بحر علم أثرتها
لدي بريح منك أجرت سفينتي

فمرت تشق الكون حين مهبها
ملححة حتى أفادت معيتي

وأدركت معنى آخرا دق فهمه
أريد بوضع الصورة الالفية

ومن لم يحط علما بمعنى وصورة
له فبصير العين أعمى البصيرة

فزرع ولكن لم يفد حصد حبه
ومخض ولكن لم يفد مخض زبدة

إذا جهل الإنسان تحقيق أمره
فكيف بتحقيق الأمور الغريبة

فيا عجبا للمرء يجهل نفسه
ويطمع في فهم المعاني البعيدة

وما ناهض بالنفس يزداد رتبة
من العلم تسميها كوان مفوت

وما موقظ من رقدة الجهل عقله
لتحصيله تكميلها مثل ميت

إذا كملت نفس الفتى بصفاته ال
جميلة من قول وفعل ترقت

وأصبح يدعى عالم العقل عالما
لها وتخطت نفسه كل خطة

وبالعلم بالنفس النفيسة يدرك ال
محصل فهم العلة الأولية

ومن لم يحط علما بذاك فإنه
وإن كان حيا حكمه حكم ميت

وما الحي عند العقل من كان غالبا
على نفسه حكم القوى البدنية

ولكنه من شرفت قدره على
بني نوعه أوصاف نفس زكية

ففي العالم العلوي ذا ملك وذا
لدى العالم السفلي شيطان جنة

وما اختلفا بالنوع حتى يظن ما
به اختلفا فعلا لخلق الغريزة


199

وكل أبوه آدم ويخص ذا
لذا خص ذا من سر معنى النبوة

ومن أعجب الأشياء فرعا أرومة
وما اتحدا بالطبع في الثمرية

بأي لسان أوثر الشكر مثنيا
عليك بما أوليتني من فضيلة

وأكملت من عقلي ووصفي وصورتي
وفهمي وأحشائي وحولي وقوتي

وصفحك عني إن عصيت تكرما
ووعدك لي عن طاعتي بالمثوبة

وهل ممكن إحصاء ذرات كلما
على الأرض من كثبان رمل مهيلة

وإحصاء ما في البحر من كل قطرة
بحيث يحيط المحصي منها بعدة

وذلك أمر مستحيل وكلما اس
تحال فمنفي لحكم الضرورة

وما كل هذا لو أتيت بضعفه
من الشكر أدنى شكرا أصغر حبة

فكيف بشكري كل عضو وقوة
جعلت لنفعي عند تأليف بنيتي

وشكر التي قد حجبت بي وانها
لأظهر لي من نور شمس تبدت

بعيدة أطلال الديار قريبة
وأعجب شيء بعد دار قريبة

بها مثل ما بي من هواها وعندها
من الود ما ليس دون مودتي

وقد أدركتها رقة لي أطمعت
بنيل المنى لولا مخافة وفقتي

وقلت لها مني علي بنظرة
أنال بها من حسن وجهك منيتي

ألم تعلمي ما حل بي منك من جوى
وكابدت من أشجان قلب ولوعة

فان الجبال الشم وهي رواسخ
لو احتملت بعض الذي بي لدكت

فأحزان قلبي لا تجود بسلوة
واجفان عيني لا تسح بدمعة

ولولا حنيني لم تحن مطية
ولولا نواحي لم تنح ورق أيكة

ولولا خطابي لم يقع عين عابد
علي لما مني الصبابة أبلت

فلا ماء إلا بعض فيض مدامعي
ولا نار إلا دون أنفاس زفرتي

فقالت بعيني ما لقيت وانه
ليؤلم قلبي أن تشاك بشوكة

واني على ما في من صلف البها
لراغبة في الوصل أعظم رغبة

ولكن وشاة السوء فيك كثيرة
وليست مع الواشين تمكن رؤيتي

وانت فمغرى بالحسان وانني
لأكره ما بي أن أرى وجه ضرتي


200

ومن لم يصني صنت وجهي ببرقع
وصور فيه صورة دون صورتي

ليمتحن الخطاب لي إذ يرونها
أيلهون عني أم يتمنون خطبتي

وماهي إلا عبدة لي جميلة
تظن وما افعالها بجميلة

فما كان إلا ان رأى الناس وجهها
فهاموا بها في فج وجه ووجهة

ويعلم ما قد كان بالأمس والذي
يكون غدا أوكائن بعد برهة

ويخبر بالأمر المغيب مثل ما
يخبر عن ما كان منك بحضرة

ويعلم ما مفهوم معنى معبر
لسامعه عنه بوحي النبوة

وما الوحي إلا خلع نفس قوية
ملابس إحساس على العقل غطت

وأنى لها نحو المحيط بذاتها
على عالم العقل الذي عنه شبت

وإدراك ما يلقى اليها هناك من
إشارات رمز للعقول دقيقة

وإفهام أفهام النفوس لطائف ال
معاني التي في ذاتها قد تهيت

وما أطرب الأرواح منا لدى الفنا
سوى نغمات أدركتها قديمة

وذلك أن النفس قبل اتصالها
بتدبيرها الجسم الذي قد تولت

وعى سمعها من طيب ألحان نغمة
ينغمها الأفلاك أعظم لذة

إذا أقبلت اجرامها باصطكاكها
يرجعها في قطعها كل ذروة

وشذت لبعد العهد عنها فلم تكن
تذكرها إلا بتجديد نغمة

فلما أحست بالسماع بمثلها
تذكرت العهد القديم فحنت

وحاولت التجريد عن عالم الفنا
إلى العالم الباقي الذي عنه شذ

فجاذبها الجسم الزمام وأقبلت
تجاذب فاهتزت لذاك برقصة

ولا شك في أن العقول محيلة ال
مسامع والأبصار للحس رنت

فإن لم يكن في عالم العقل ما يرى
ويسمع كانت تلك غير مفيدة

وذلك تعطيل وليس بحكمة
يعطلها عماله قد أعدت

وقد يطرب الدولاب عند حنينه
فكيف حنين النغمة الفلكية

وناهيك أن الطفل عند بكائه
يغنى فيغشاه سكينة سكتة

ويذهل عما كان فيه من الأذى
وتبدو لنا منه مخايل طربة


201

ولولا ادكار النفس منه لدى الغنى
عهودا قديمات لها ما استلذت

وقد تطرب العجماء عند استماعها ال
غناء وتنسى عنده كل غمة

وإلا فما بال المطي إذا ونت
عن السير هيجت في الفلاء بحدوة

فتصغي إلى الحادي بأسماعها كما
يكون استماع العاقل المتنصت

وتوسع مد الخطو حتى كأنها
سفائن بحر مقلعات بلجة

ويرتاح بعض الطير عند سماعه
تجاوب أوتار إذا هي خشت

وما ذاك إلا أن أفلاكها على
مراكزها لما استدارت فعنت

فصارت بحكم الطبع تشتاق ما به
يخصصها من دون كل مصوت

فلا تحسب الأشياء مهملة كما
توهم أصحاب العقول الضعيفة

وللحوت بل للدود في العود بل لما
سوى ذاك أفلاك عليها أديرت

وفيها لها آفاق جو فسيحة
عليها نراها نحن غير فسيحة

فما خص نوع لا يتم سواه من
مراكز أفلاك وأوضاع هيئة

وكل له عقل يسدده إلى
مقاصد أفعال وترك شديدة

وما النحل في أوضاعها لبيوتها
مسدسة من حكمة بخلية

وقد يعجز المرء المهندس وضعها
بآلاته الحكمية الهندسية

وجعل لعاب العنكبوت لصيده ال
ذباب شباكا ليس إلا لخبرة

ويفهم بعض الذر مقصود بعضه
بقوة إدراك لنفس زكية

وحسبك الف النوع بالنوع شاهد
بمعرفة في طبعه مستحثة

فإن ازدواج الشكل بالشكل مشعر
بقوة تمييز وصحة فطرة

ولو لم يكن إلا تفاهمها إذا
تناغت بأصوات لها أعجمية

لكان لنا فيه دليل يدلنا
على ان ذا لا عن نفوس بليدة

فمن ظن شيئا غير هذا فإنه
لتقصيره عن فكرة مستقيمة

وقد شهد الذكر الحكيم بأنها
مسبحة والذكر أعظم حجة

وهل يصدق التسبيح من غير عاقل
ولكن عيون الجهل غير بصيرة

تأمل صلاة الشمس عند وقوفها
لدى الظهر في وسط السماء بخشية


202

وإثباتها وقت الزوال بركعة
وإتمامها عند الغروب بسجدة

كذا جملة الأفلاك راكعة بما
جرت سجدة لله في كل طرفة

وماذا الذي أعمى عيون قلوبهم
ونورك فيهم مستطير الأشعة

لقد عظمت تلك الرزية موقعا
لدى كل ذي عقل سليم وجلت

أرى كل ذي سكر سيصحو من الهوى
سواي فصحوي فيك علة سكرتي

فما اتفقت لي مذ عرفتك خلوة
بنفسي إلا همت فيك بجلوة

ولا عرضت لي في دجى الفكر هجمة
فأغفيت الا فزت فيك بيقظة

ولا استغرقتني في المحاسن بهتة
فثارت بحسن غير حسنك بهتتي

ولا سنحت في باطن القلب خشية
فكانت لشيء غير هجرك خشيتي

ولا خضعت نفسي لأمر ترومه
فكانت لشيء غير وصلك خضعتي

ولا استقبلتني من جنابك نفحة
اسرت حديثا عنك الا وسرت

وأصغي إلى تحصيله في مسامع ال
مشاعر مني كل منبت شعرة

وأحسست في نفسي بلطف دبيب ما
سقت من حميا الحب لما تمشت

وهل شارب كأسا من الحب جاهل
بما أحدثت في عقله حين دبت

فقد حقق الدعوى القياس واين من
كثافة جسم الخمر لطف المحبة

إذا غبت عني كنت عندك حاضرا
ومن عجب ان غيبتي فيك حضرتي

فيا باطنا القاه في كل ظاهر
ويا أولا ما زال آخر فكرتي

تشابه اعلاني وسري ومشهدي
وغيبي وستري في هواك وشهرتي

تجمعت الأضداد في ولم يكن
بمستغرب لي في الهوى كل بدعة

فنوعي في شخصي لأني نتيجة
لشكل قياس عن ضروب عقيمة

ملأت جهاتي الست منك فأنت لي
محيط وأيضا أنت مركز نقطتي

فصرت إذا وجهت وجهيمصليا
فرايض أوقاتي فنفسي كعبتي

فصار صيامي لي ونسكي وطاعتي
ونحري وتعريفي وحجي وعمرتي

وحولي طوافي واجب وخلاله اس
تلامي لركني من مناسك حجتي

وذكري وتسبيحي وحمدي وقربتي
لنفسي وتقديسي وصفو سريرتي


203

ولو هم مني خاطر بالتفاتة
لما كان لي إلا إلي تلفتي

ولو لم أؤد الفرض مني إلي لم
يصح بوجه لي ولم تبر ذمتي

وكنت على أني أوحد ظاهرا
ففي باطني قد دنت بالثنوية

كذا من يكن قد صح عقد وداده
ولم يتهم يوما بسقم عقيدة

وينفي اتصال النفس بالعقل واقفا
على حس ما في عالم الحس أبلت

فإن قهرت فيه قوى الجسم ألحقت
بعالمها مملوة بالمسرة

وإن قهرت فيه قوى النفس لم تصل
اليه طوال الدهر يوما بحيلة

وتبقى كما قد جاء تهوى وليتها
هوت ماهوت ثم ارعوت واستقرت

ولكنها تبقى بنيران حسرة ال
بعاد تقاسي ضيق أغلال كربة

مذبذبة لا عالم العقل أدركت
ولا عالم الأجسام فيه تبقت

فترجع إلى أحدى الحنين حنينها
إلى عالم العقل الذي عنه صدت

وهيهات أن يطوى لسير حنينها
اليه الذي قد حال من بعد شقة

وأنى لها والحس قد حال بينها
وبين حماه أن تفوز بنظرة

إذا ذكرته هز هامس طائف
من الشوق لو هز الجبال لهدت

وما ذاك بالمدني إليه ولا الذي
إذا لم يكن يدني فربح بوقفة

أسى كلما قيل انقضت منه لوعة
أعيدت بأخرى مثلها مستحثة

تزول الجبال الشم وهي مقيمة
على حالة منكوسة مستمرة

وذلك أمر نسأل الله عصمة
منجية منه ومن كل حيرة

ألم يك فيما نال آدم عبرة
ومتعظ للعاقل المتثبت

على قربه من ربه واصطفائه
ومنحته اياه أعظم منحة

وابعاده من بعد ذاك وصده
وتجريعه إياه أعظم غصة

ولم يأت ذنبا عامدا غير أنه
بأول حكم الله طالب رخصة

فأخطأ في التأويل جهلا فحطه
إلى الارض من أعلى الجنان المنيفة

ولم يخف ما لاقى إذ انحط هابطا
إلى الارض من هول الأمور العظيمة

وما زال يدعو الله سرا وجهرة
وحاول منه العفو عنه بتوبة


204

وكيف بمن يأتي ذنوبا كثيرة
ويقضي وما وافى بتوبة مخبت

وكم جاهل لم يزدجر بالذي جرى
على آدم من فعله كل خزية

لقد شمل الخير الوجود بأسره
فما كان من شر فذاك لندرة

ولم يكن المقصود بالذات إنما
أتى بطريق الضمن والتبعية

ألم تر أن الغيث خير وانه
ليحصل منه وكف بعض الأكنة

وان لهيب النار للثوب محرق
ويحصل منه نضج كل معيشة

فقد يتبع الخير الكثير الذي نرى
لنا فيهما شر يسير المضرة

ولو روعي الضر الذي فيهما لنا
ولم يخلقا لاختل نظم الخليقة

وكان هلاك الحرث والنسل عاجلا
وذاك بلا شك خراب البسيطة

ولم يك إلا عالم الأمر وحده
ولم يخف ما في ذاك من نقص خلقه

وفي الحشرات الساقطات منافع
يحيط بها أهل العقول السليمة

ولو لم تكن ما عاش من نوعنا امرؤ
لفضل بخارات الهيولى الردية

فمن ذلك الفضل الردي تكونت
وفي مدخل الاوساخ في الارض حلت

وغودر ما نلقيه منا غذاؤها
لصفو الهوى من شوب كل أذية

لتنتعش الارواح منا بطيبه
ويصفو لنا ورد الحياة الهنية

وقد ركب الاجسام منا وكل ما
تركب منحل ولو بعد برهة

وألبس منا كل جزء بحيز
لأركاننا الذاتية العنصرية

وما جمعنا بعد افتراق بمعجز
وهل آخر يخلو عن الأولية

وان معاد الشيء بعد انعدامه
لأسهل من إنشاء إنشاء بداة

ومطلع شمس النفس من مشرق الخلا
سيطلعها من مغرب العدمية

سبحان من يحيي بقدرته الذي
يميت كما أحياه أول مرة