مغنى المحتاج الى معرفة معاني الفاظ المنهاج ج1


1

شرح الشيخ محمد الشريينى الخطيب عين اعيان علماء الشافعية في القرن العاشر الهجرى على متن المنهاج لابي زكريا يحيى بن شرف النووي من اعلام علماء الشافعية في قرن السابع الهجرى رحمهما الله، ونفع بعلومهما آمين الجزء الاول (تمتاز هذه الطبعة بوضع " متن المنهاج " باعلى الصحائف مضبوطا بالشكل الكامل 1377 ه‍ ‌ 1958 م ملتزم الطبع والنشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي واولاده بمصر


2

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الغنى المغنى الكريم الفتاح.

الذى شرح صدور العلماء العاملين في المساء والصباح.

بسلوك المنهاج المستقيم، ونور بهم سبل الفلاح.

البسهم حلل الولاية والكراهة والتعظيم، واسبل عليهم الوية الصلاح.

والصلاة والسلام على من اشرقت كواكب مجده وسعده في سماء الاسعاد، وكان هاديا مهديا اماما لائمة قبلة الاوشاد، المحمود في السر والاعلان.

المسعود في كل زمان ومكان، القائل: " العلماء ورثة الانبياء ": أي ولم يورثوا المال، وعلى آله واصحابه الذين بهم بقتدى في الاعمال، ما ازهرت وتلالات في سماء الصحائف، ولاحت انوار نجوم الفضال الفرائد، وازهرت روضة اللطائف، وفاحت انوار نجوم المسائل والفوائد.

احمد على نعمه التى لا نهاية لحدها، واشكره على مننه التى تقصروإن اريد به الصفة كما هو راى أبى الحسن الأشعري انقسم انقسام الصفة عنده الى ما هو نفس المسمى كالواحد والقديم، والى ما هو غير كالخالق والرازق، وإلى ما ليس هو ولا غيره كالعلم والقدرة: أي فانهما زائد على الذات وليسا غير الذات، لان المراد بالغير ما ينفك عن الذات وهما لا ينفكان.

والله علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد لم يتسم به سواه، تسمى به قبل ان يسمى وأنزله على آدم في جملة الاسماء.

قال تعالى " هل تعلم له سميا ": أي هل تعلم احدا سمى الله غير الله.

وأصله إله.

قال الرافعى في كتابه (العلاوة والتذنيب) كامام ثم ادخلوا عليه الالف واللام ثم حذفت الهمزة طلبا للخفة ونقلت حركتها الى اللام فصار اللاه فصار اللاه بلامين متحركين سكنت الاولى وادغمت في الثانية للتسهيل ا ه‍.

وقيل حذفت همزته وعوض عنها حرف التعريف ثم جعل علما.

والاله في الاصل يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق كما ان النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، وهل هو مشتق أو مرتجل ؟ فيه خلاف.

والحق انه اصل بنفسه غير مأخوذ من شى بل وضع علما ابتداء، فكما ان ذاته لا يحيط بها شى ولا ترجع الى شئ فكذلك اسمه


4

تعالى، وهو عربي عند الاكثر، وعند المحققين انه اسم الله الاعظم.

وقد ذكر في القران العزيز في القين وثلثمائة وستين موضعا.

واختار المصنف تبعا لجماعة انه الحى القيوم.

قال ولذلك لم يذكر في القران الا في ثلاثة مواضع: في البقرة وآل عمران وطه.

والرحمن الرحيم صفتان مشبهتان بنيتا للمبالغة من رحم بتنزيله منزلة اللازم أو بجعله لازما، ونقله الى فعل بالضم.

والرحمة لغة: رقة في القلب تقتضي التفضل والاحسان، فالتفضل غايتها، واسماء الله تعالى المأخوذ من نحو ذلك انما تؤخذ باعتبار الغايات التى هي افعال دون المبادى التى تكون انفعالات، فرحمة الله تعالى ارادة ايصال الفضل والاحسان أو نفس ايصال ذلك فهى من صفات الذات على الاول ومن صفات الفعل على الثاني، والرحمن ابلغ من الرحيم لان زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قطع بالتخفيف وقطع بالتشديد.

فان قيل حذر ابلغ من حاذر.

اجيب بان ذلك اكثري لا كلى، وبان الكلام فيما إذا كان المتلاقيان في الاشتقاق متحدي النوع في المعنى كغث وغرثنان لا كحذر وحاذر لااختلاف وقدم الله عليهما لانه اسم ذات وهما اسما صفة والذات مقدمة على الصفة، والرحمن على الرحيم لانه خاص، إذ لا يقال لغير الله بخلاف الرحيم، والخاص مقدم على العام، وانما قدم والقياس يقتضى الترقي من الادنى الى الاعلى كقولهم: عالم نحرير لانه صار كالعلم من حيث انه لا يوصف به غيره، لان معناه المنعم الحقيقي البالغ في الزحمة غايتها وذلك لا يصدق على غيره، ولذلك رجح جماعة انه علم ولانه لما دل على جلائل النعم والتكميل وللمحافظة على رءوس الاى.

(فائدة) قال النسفى في تفسيره: قيل الكتب المنزلة من السماء الى الدنيا مائة واربعة صحف شيث ستون، وصحف ابراهيم ثلاثون، وصحف موسى قبل التوارة عشرة، والتوراة لموسى، والانجيل لعيسى، والزبور لداود، والفرقان لمحمد.

ومعانى كل الكتب مجموعة في القران، ومعانى كل القران مجموعة في الفاتحة، ومعانى الفاتحة مجموعة في البسملة ومعانى البسملة مجموعة في بائها، ومعناها: بى كان ما كان وبى يكون ما يكون، زاد بعضهم: ومعانى الباء في نقطتها.

(الحمد لله) بدا بالبسملة ثم باحمدلة اقتداء باكتاب العزيز، وعملا بخبر " كل امر ذى بال - أي حال يهتم به - لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم تعالى كغيره بين الابتداءين عملا بالروايتين، وإشارة إلى أنه لا تعارض بينهما، إذ الابتداء حقيقي واضافي فالحقيقي حصل بالبسملة، والاضافى بالحمدلة، أو ان الابتداء ليس حقيقيا بل امر عرفى يمتد من الاخذ في التاليف الى الشروع في المقصود فاكتب المصنفة مبدءها الخطبة بتمامها.

والحمد اللفظى لغة الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التبجيل: أي التعظيم سواء اتعلق سواء أتعلق بالفضائل وهى النعم القاصرة ام بالفواضل وهى النعم المتعدية، فدخل في الثناء الحمد وغيره وخرج باللسان الثناء بغيره كالحمد النفسي، وبالجميل الثناء باللسان على غير الجميل، ان قلنا برأى ابن عبد السلام ان الثناء حقيقة في الخير والشر، وإن قلنا برأى الجمهور وهو الظاهر انه حقيقة في الخير فقط، ففائدة ذلك تحقيق الماهية أو دفع توهم ارادة الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يجوزه كالشافعي وبالاختياري المدح فانه يعم الاختياري وغيره، تقول: مدحت اللولوة على حسنها دون حمدتها، وعلى جهة التهجيل مخرج لما كان على جهة الاستهزاء والسخرية نحو " ذق انك انت العزيز الكريم " ومتناول للظاهر والباطن، إذ لو تجرد الثناء على الجميل عن مطابقة الاعتقاد أو خالف أفعال الجوارح لم يكن حمدا بل تهكم أو تمليح، وهذا لا يقتضى دخول الجوارح والجنان في التعريف لانهما اعتبرا فيه شرطا لا شطرا.

وعرفا فعل ينبئ عن تعظيم المنعم على الحامد أو غيره، سواء كان ذكرا باللسان ام اعتقادا ومجبة بالجنان أم عملا وخدمة بالاركان كما قيل: أفادتكم النعماء منى ثلاثة

ولساني والضمير المحجبا مورد اللغوى هو اللسان وحده، ومتعلقه يعم النعمة وغيرها، ومورد العرفي يعم اللسان وغيره، ومتعلقه تكون النعمة وحدها، فاللغوى أعم باعتبار المتعلق وأخص باعتبار المورد والعرفي بالعكس.

والشكر لغة هو الحمد عرفا، وعرفا صرف


5

العبد جميع ما انعم الله تعالى به عليه من السمع وغيره الى ما خلق لاجله، وهذا يكون لمن حفته العناية الربانية.

قال اللهتعالى " وقليل من عبادي الشكور ".

والمدح لغة الثناء باللسان على الجميل الاختياري مطلقا على جهة التعظيم.

وعرفا ما يدل على اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل، فبين الحمد والشكر اللغويين عموم وخصوص من وجه، وبين الحمد والمدح اللغويين عموم وخصوص مطلق.

والشكر عرفا اخص من الحمد والمدح والشكر لغة.

وجملة الحمد لله خبرية لفظا انشائية معنى لحصول الحمد بالتكلم بها مع الاذعان لمدلولها ويجوز ان تكون موضوعة شرعا للانشاء، و الحمد مختص بالله تعالى كما افادته الجملة سواء اجعلت فيه أل للاستغراق كما عليه الجمهور وهو ظاهر ام للجنس كما عليه الزمخشري لان لام لله للاختصاص فلا فرد منه لغيره تعالى والا فلا اختصاص لتحقق الجنس في الفرد الثابت لغيره ام للعهد كالتى في قوله تعالى " إذ هما في الغار " كما نقله ابن عبد السلام واجازه الواحدى على معنى ان الحمد الذى حمد الله به نفسه وحمده به انبياؤه واولياؤه مختص به والعبرة تحمد من ذكر فلا فرد منه لغيره، واولى الثلاثة الجنس (البر) بفتح الياء الموحدة: أي المحسن، وقيل الصادق فيما وعد، وقيل خالق البر بكسر الباء الذى هو اسم جامع للخير، وقيل اللطيف، وقيل هو الذى إذا عبد اثاب وإذا سئل اجاب، وقيل هو العطوف على عباده ببره ولطفه (الجواد) بتخفيف الواو: وقد خرج الترمذي في جامعه حديثا مرفوعا ذكر فيه عن الرب سبحانه وتعالى انه قال: " وذلك انى جواد ماجد " ويجمع على اجود وأجاويد وجود (الذى جلت) أي عظمت، والجليل: العظيم (نعمه) بمعنى انعامه: أي احسانه، وفي بعض النسخ نعمته بالافراد وهو الموافق لقوله تعالى " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " وأبلغ في المعنى، والنعمة بكسر النون وسكون العين الاحسان، وبفتح النون التنعم، وبضمها المسرة (عن الاحصاء) بكسر الهمزة: أي الضبط والاحاطة.

قال تعالى " احصاه الله ونسوه " (بالاعداد) بفتح الخمزة جمع عدد: أي نعم الله تعالى لا يحصيها عدد للاية المتقدمة.

فان قيل الاعداد جمع قلة والشئ لا يضبطه العدد القليل ويضبطه الكثير، ولذا قيل لو عبر بالتعداد الذى هو مصدر عد لكان اولى.

اجيب بان جمع القلة المحلى بالالف واللام يفيد العموم (المان) أي المنعم تفضلا منه لا وجوبا عليه، وقيل الذى يبدأ بالنوال قبل السؤال، والحنان هو الذى يقبل على من اعرض عنه، والمن والمنة يطلقان على النعمة.

قال تعالى " لقد من الله على المؤمنين " الاية، ويطلقان على تعداد النعم، تقول: فعلت مع فلان كذا وكذا.

قال تعالى " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى " والمان هنا يجوز ان يكون ماخوذ من كل منهما لانهما في حق الله تعالى صحيحان وان كان الثنى في حق الانسان ذما (باللطف) وهو بضم اللام وسكون الطاء: أي الرأفة والرفق، وهو من الله تعالى التوفيق والعصمة بان يخلق قدرة الطاعة في العبد.

قال المصنف في شرح مسلم وفتحهما لغة فيه.

(فائدة) قال السهيلي لما جاء البشير الى يعقوب اعطاه في البشارة كلمات كان يروبها عن ابيه عن جده عليهم الصلاة والسلام وهى: يالطيفا فوق كل لطيف الطف بى في اموري كلها كما احب ورضني في دنياى وآخرتي (والارشاد) مصدر ارشده: أي وفقه وهداه (الهادى) أي الدال (الى سبيل) أي طريق (الرشاد) أي الهدى والاستقامة: وهو الرشد بضم الراء وسكون الشين وبفتحهما نقيض الغى (الموفق) أي المقدر (للتفقه) أي التفهم (في الدين) أي الشريعة، وهى ما شرعه الله تعالى من الاحكام (من لطف به) أي اراد به الخير (واختاره) أي اصطفاه له (من العباد) اشار بذلك الى قوله صلى عليه وسلم " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " أي ويلهمه العمل به.

وفي الاحياء ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قليل من التوفيق خير من كثير من العلم " وفي بعض الرويات " العقل " بدل العلم، ولما كان التوفيق عزيزا لم يذكر في القرآن الا في ثلاثة مواضع: قوله تعالى " وما توفيقي الا بالله ".

و " إن يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما ".

و " إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ".

قال القاضى الحسين و التوفيق المختص بالمتعلم اربعة اشياء: شدة العناية، ومعلم ذو نصيحة، وذ


6

القريحة، واستواء الطبيعة: أي خلوها من الميل الى غير ذلك.

والتفقه اخذ الفقه شيئا فشيئا.

وهو لغة الفهم، واصطلاحا العلم بالاحكام الشرعية العلمية المكتسب من ادلتها التفصيلية.

موضوعه افعال المكلفين من حيث عروض الاحكام لها.

واستمداده من الكتاب والسنة والاجماع والقياس وسائر الادلة المعروفة.

وفائدته امتثال اوامر الله واجتناب نواهيه المحصلان للفوائد الدنيوية والاخروية (أحمده) سبحانه وتعالى على ما انعم به وتفضل (ابلغ حمد) انهاه (واكمله) أتمه (وأزكاه) انما (واشمله) اعمه.

فان قيل كيف يتصور ان يصدر منه عموم الحمد مع ان بعض المحمود عليه وهو النعم لا يتصور حصرها كما مر.

اجيب بان المراد ان ينسب عموم المحامد إليه تعالى على جهة الاجمال بان تعترف مثلا باشتماله تعالى على جميع صفات الكمال، ولاشك ان هذا ينطبق عليه حد الحمد المذكور وهو ابلغ من حمده الاول لانه حمد بجميع الصفات برعاية الابلغية وذاك بواحدة منها وهى المالكية وان لم تراع الابلغية بان يراد الثناء ببعض الصفات فذاك البعض اعم من هذه الواحدة لصدقه بها وبغيرها الكثير، فالثناء بهذا ابلغ في الجملة ايضا، نعم الثناء بالاول من حيث تفصيله.

أي تعينه اوقع في النفس من هذا.

فان قيل كيف يكون ابلغ مع ان الاول افتتح به الكتاب العزيز.

اجيب بان الحمد فيه لمقام التعليم والتعيين له اولى (واشهد) أي اعلم وابين (ان لا آله) أي لا معتود بحق في الوجود (الا الله) الواجب الوجود روى الترمذي باسناد صحيح عن الى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " كل خطبة ليسفيها تشهد كاليد الجذماء " أي المقطوعة البركة.

وقال صلى الله عليه وسلم " مفتاح الجنة لا آله الا الله ".

وفي البخاري " وقيل لوهب: اليس مفتاح الجنة لا آله الا الله ؟ قال بلى ولكن ليس مفتاح الا وله اسنان، فان جئت بمفتاح له اسنان فتح لك ولا لم يفتح لك " أي مع السابقين، فان من مات مسلما لابد من دخوله الجنة، وذكر لابن عباس قول وهب فقال: صدق وانا اخبركم عن الاسنان ماهى فذكر الصلاة والزكاة وشرائع الاسلام (الواحد) أي الذى لا تعدد له فلا ينقسم بوجه ولا نظير له فلا مشابهة بينه وبين غيره بوجه (الغفار) اسم مبالغة من الغفر: وهو الستر: أي الستار لذنوب من اراد من عباده المؤمنين فلا يظهرها بالعقاب عليها، ولم يقل بدل الغفار القهار استبشارا وترجيا، ولان معنى القهر ماخوذ مما قبله إذ من شان الواحد في ملكه القهر.

(فائدة) قال الدميري: في كلمة لا آله الا الله اسرار: منها ان جميع حروفها جوفية ليس فيها حرف شفهى اشارة الى الاتيان بها من خالص الجوف وهر القلب: أي ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم " اسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا آله الا الله خالصا مخلصا من قلبه ".

ومنها انه ليس فيها حرف معجم اشارة الى التجرد من كل معبود سواه: أي ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم " اتانى جبريل فبشرني ان من مات من امتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت وان زنى وان سرق ؟ قال وان زنى وان سرق ".

ومنها انها اثنا عشر حرفا كشهور السنة منها اربعة حرم: وهى الجلالة حرف فرد وثلاثة سرد وهى افضل كلماتها كما ان الحرم افضل السنة، فمن قالها مخلصا كفرت عنه ذنوب سنة: أي كما روى عن بعض السلف.

ومنها ان الليل والنهار اربعة وعشرون ساعة وهى ومحمد رسول الله اربعة وعشرون حرفا كل حرف منها يكفر ذنوب ساعة.

(اشهد) أي واعلم وابين (ان محمدا عبده ورسوله) ثبت هذا اللفظ في صحيح مسلم في التشهد، ومحمد علم على نبينا صلى الله عليه وسلم منقول من اسم مفعول المضعف سمى به بالهام من الله تعالى بانه يكثر حمد الخلق له محمدا وليس من اسماء آبائك ولا قومك ؟ قال رجوت ان يحمد في السماء والاوض وقد حقق الله رجاءه كما سبق في علمه.

قال ابن العربي لله تعالى الف اسم ولنبيه صلى الله وسلم كذلك، ووصف بالعبودية لانه ليس للمؤمن صفة اتم ولا اشرف من العبودية كما قاله أبو على الدقاق، قيل: لا تدعني الا بيا عبدها

فانه اشرف اسم


7

ولهذا دعى به النبي صلى الله عليه وسلم في اشرف الموطن كما لحمد لله الذى انزل على عبده الكتاب - سبحان الذى اسرى بعبده " والرسولاخص من النبي، فانه انسان اوحى إليه بشرع للعمل والتبليغ، والنبى فقط انسان اوحى إليه بشرع للعمل، خاصة، فالاول نبى ورسول فكل رسول نبى ولا عكس (المصطفى) اسم مفعول من الصفوة وهو الخلوص.

روى مسلم عن واثلة بن الاسقع ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " ان الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بنى هاشم واصطفانى من بنى هاشم " (المختار) اسم مفعول اصله مختير، اختاره الله تعالى على سائر خلقه ليدعوهم الى دين الاسلام ولذلك قال صلى الله عليه وسلم " انا سيد ولد آدم ولا فخر " وحذف المصنف رحمه الله تعالى المفضل ايذانا منه بانه افضل المخلوقات من انس وجن وملك وهو كذلك لان حذف المعمول يؤذن بالعموم وقرن الثناء على الله بالثناء على نبيه (صلى الله عليه وسلم) لقوله تعالى " ورفعنا لك ذكرك " أي، لا اذكر وتذكر معى، كما في صحيح ابن حبان، ولقول الشافعي رضى الله عنه احب ان يقدم المرء بين يدى خطبته: أي بكسر الخاء وكل امر طلبه غيرها حمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

وجمع بين الصلاة والسلام عليه خروجا من الكراهة إذ يكره افراد الصلاة عن السلام كما قاله في الاذكار: أي وكذا عكسه.

والصلاة من الله رحمة مقرونة بتعظيم، ومن الملائكة إذ يكره استغفار ومن الادميين أي ومن الجن تضرع ودعاء، قاله الازهرى وغيره.

واختلف في وقت وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على اقوال: احدها كل صلاة، واختاره الشافعي في التشهد الاخير منها.

والثانى في العمر مرة.

والثالث كلما ذكر.

واختاره الحليمى من الشافعية، والطحاوى من الحنفية، واللخمي من المالكية، وابن بطة من الحنابلة.

الرابع في كل مجلس.

والخامس في الاول كل دعاء وآخره لقوله صلى الله عليه وسلم " لا تجعلونى " كقدح (1) الراكب اجعلوني في اول كل دعاء وفي وسطه وفي آخره " رواه الطبراني عن جابر (وزاده فضلا وشرعا لديه) أي عنده.

والفضل: ضد النقض.

والشرف: العلو.

فان قيل كيف تطلب له زيادة وهو صلى الله عليه وسلم في غاية الكمال كما فيه: واحسن منك لم بر قط عينى

واجمل منك لم تلد النساء خلقت مبرا من كل عتب

كانك قد خلقت كما تشاء اجيب بان قدرة الله تعالى شاملة لكل ممكن فيرقى الكامل من رتبة عليه فهو ابدا في علو.

(فائدة): استنبط بعض العلماء من محمد ثلثمائة واربعة عشر رسولا فقال فيه ثلاث ميمات وإذا بسطت كلا منها قلت فيه م ى م وعدتها بحساب الجمل الكبير تسعون فيحصل منها مائتان وسبعون، وإذا بسطت الحاء والدال قلت: دال بخمسة وثلاثين، وحاء بتسعة، فالجملة ما ذكر، والسم واحد، فتم عدد الرسل كما قيل انهم ثلثمائة وخمسة عشر، واولو العزممنهم خمسة كما قيل فيهم: محمد ابراهيم موسى كليمه

فعيسى فنوح هم اولو العزم فاعلم (اما بعد) أي بعد ما ذكر من الحمد والتشهد والصلاة، وهذه الكلمة يؤتى بها للانتقال من اسلوب الى آخر ولا يجوز الاتيان بها في اول الكلام، ويستحب الاتيان بها في الخطب والمكاتبات اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد عقد البخاري لها بابا في كتاب الجمعة وذكر فيه احاديث كثيرة.

وفي المبتدى بها اقول: احدها داود صلى الله عليه وسلم وانها فصل الخطاب المشار إليه في الاية.

والثانى فس بن ساعدة.

والثالث كعب بن لؤى.

والرابع يعرب بن قحطان.

والخامس سحبان بن وائل.

ولذلك قال: لقد علم اليمانون اننى

إذا قلت اما بعد انى خطيبها والمشهور بناء بعد هنا على الضم فان لها اربع حالات: إحدها ان تكون مضافة فتعرب إما نصبا على الظرفية أو خفضا بمن.

ثالثها: ان يحذف المضاف إليه وينوى ثبوت لفظه فتعرب الاعراب المذكور ولا تنون لنية الاضافة.

ثالثها: ان

(1) قوله قدح: هو الاناء الذى يؤكل فيه: أي لا تؤخروني في الذكر، لان الراكب يعلق قدحه في آخر رحله عند فراغه من ترحاله يجعله خلفه ا ه‍ نهاية.


8

تقطع عن الاضافة لفظا ولا ينوى المضاف إليه فتعرب ايضا الاعراب المذكور ولكن تنون لانها حينئذ اسم تام كسائر الاسماء النكرات.

ورابعها: ان يحذف المضاف إليه وينوى معناه دون لفظه فتبنى على الضم، ودخلت الفاء في حيزها لتضمن اما معنى الشرط، والعامل فيها اما عند سيبويه لنيابتها عن الفعل، والفعل نفسه عند غيره، والاصل مهما يكن من شئ بعد (فان الاشتغال بالعلم) المعهود شرعا الصادق بالفقه والحديث والتفسير وما كان آلة لذلك كالنحو والصرف، فلا يندرج في ذلك معرفة الله تعالى ولا غيرها مما يعتبر تقديمه (من افضل الطاعات) لانها مفروضة ومندوبة، والمفروض اولى من المندوب، والاشتغال بالعلم من المفروض.

وقد تظاهرت الايات والاخبار والاثار وتواترت وتطابقت الدلائل الصريحة وتوافقت على فضيلة العلم والحث على تحصيله والاجتهاد في اقتباسه وتعليمه.

قال تعالى " هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون " وقال تعالى " وقل رب زدنى علما " وقال تعالى " انما يخشى الله من عباده العلماء " وقال تعالى " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات " والايات في ذلك كثيرة معلومة، وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " رواه البخاري ومسلم.

وعن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا حسد الا في اثنتين: رجل آتاه الله ما لا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الكحمة فهو يقضى بها ويعلمها " والمراد بالحسدالغبطة، وهى ان يتمنى مثله.

وعن سهل بن سعد رضى الله تعالى عنه ان رسولا الله صلى الله عليه وسلم قال لعلى رضى الله تعالى عنه " فو الله لان يهدى بك الله رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " وعن ابى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من دعا الى هدى كان له من الاجر مثل اجور من تبعه لا ينقص ذلك من اجورهم شيئا، ومن دعا الى ضلالة كان عليه من الاثم مثل آثام من تبعه لا ينقض ذلك من آثامهم شيئا ".

وعن ابى هريرة رضى الله تعالى عنه ايضا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " وعنه ايضا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول والدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه وعالما ومتعلما " وعن ابى الدرداء رضى الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله يقول: " من سلك طريقا يبتغى فيه علما سهل الله له طريقا الى الجنة، وان الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وان العالم ليستغفر له كل من في السموات ومن في الارض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وان العلماء ورثة الانبياء، فمن اخذه اخذ بحظ وافر ".

وعن امامة الباهلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فضل العالم على العابد كفضلي على ادناكم ".

ثم قال صلى الله عليه وسلم " ان الله وملائكته واهل السموات واهل الارض حتى النملة في حجرها، وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير " والاحاديث في الباب كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية.

ومن الاثار عن على رضى الله تعالى عنه: كفى بالعلم شرفا ان يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى باجهل ذما ان يتبرا منه من هو فيه كما قيل: فلله در العلم ومن به تردى، وتعسا للجهل ومن في اوديته تردى.

وقال أبو مسلم الخولانى: مثل العلماء في الارض مثل النجوم في السماء إذا برزت للناس اهتدوا بها، وإذا خفيت عليهم تحيروا.

وعن معاذ رضى الله تعالى عنه: تعلم العلم فان تعلمه لك حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا بعلمه صدقة، وبذله لاهله قربة.

وقال على رضى الله تعالى عنه: العلم خير من المال، العلم يحرسك وانت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو بالانفاق.

وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه: من لا يحب العلم لا خير فيه، فلا يكن بينك وبينه معرفة ولا صداقة طلب العلم، يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم " إذا مررتم يرياض الجنة فارتعوا، قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة ؟ قال حلق الذكر " قال عطاء: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام كيف تشترى وتبيع وتصلى وتصوم وتنكح وتطلق وتحج واشباه ذلك.

وقال: من اراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن اراد الاخرة فعليه بالعلم: أي فانه يحتاج إليه في كل منهما.

وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال: مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة " يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم " يسير الفقه خير من كثير


9

العبادة " واقاويلهم في ذلك كثيرة لا تحصى.

ثم اعلم ان ما ذكرناه في فضل العلم انما هو فيمن طلبه مريدا به وجه الله تعالى فمن اراده لغرض دنيوى كمال أو رياسة أو منصب أو جاه أو شهرة أو استمالة الناس إليه أو نحو ذلك فهو مذموم.

قال تعالى " من كان يريد حرث الاخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الاخرة من نصيب "، وقال صلى الله عليه وسلم " من تعلم علما ينتفع به في الخرة يريد به غرضا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة " أي لم يجد ريحها.

وقال صلى الله عليه وسلم " من طلب العلم ليمارى به السفهاء أو يكاثر به العلماء أو يصرف به وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار " وقال صلى الله عليه وسلم " اشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه " وقال صلى الله عليه وسلم " شرار الناس شرار العلماء " وقال علي رضى الله تعالى عنه: يا حملة العلم اعملوا به فانما العالم من عمل بما علم ووافق علمه عمله، وسيكون اقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم يخالف عملهم علمهم وتخالف سريرتهم علا نيتهم يجلسون حلقا يباهى بعضهم بعضا حتى ان الرجل ليغضب على جليسه ان يجلس الى غيره ويدعه، اولئك لا تصعد اعمالهم في مجاسهم تلك الى الله تعالى.

وقال سفيان: ما ازداد عبد علما فازداد في الدنيا رغبة الا ازداد من الله بعدا.

والاثار في ذلك كثيرة، فنسال الله تعالى ان يوفقنه بفضله وان يحفظنا من اشيطان وجنده (و) إذا كان الاشتغل بالعلم بهذه المنقبة العظيمة، فيكون الاشتغال ته من (اولى ما انفقت) بالبناء للمفعول (فيه) أي تعلمه وتعليمه (نفئس الاوقات) أي الاوقات النفسية، إذ الاوقات كلها كذلك لانه لا يمكن تعويض ما يفوت منها بلا عبادة، واضف إليها صفتها للسجع، فهو من باب اضافة الصفة الى الموصوف، كقولهم: جرد قطيفة أي قطيفة مجرودة، أو من اضافة الاعم الى الاخص كمسجد الجامع، أو ان المراد بنفائس الاوقات ازمنة الصحة والفراغ فتكون الاضافة فيه مخصصة.

قال في الدقائق: يقال في الخير انفقت، وفي الباطل ضيعت وخسرت وغرمت والتعبير بالانفق مجاز، لان انقضاء لاوقات لا يتوقف على بذله.

لكنه لما اختار ان يوقع فيه الشئ دون غيره عبر عنه بالانفاق ونفئس جمع لنفيسة.

قال الاسنوى: ولا يصح ان يكون جمعا لنفيس لما تقرر في عليم العربية، وحينئذ فيكون المصنف قد وصف الاوقات بانفيسة ثم جمع النفيسة على النقائس، ولو عبر بما مفرده مؤنث كاساعات ونحوها لكان اظهرا قال الشارح ولا يصح عطف اولى على من افضل للتنافى بينهما على هذا التقدير: أي لو قدر عطف اولى على من افضل كان كونه اولى ما انفقت فيه نفائس الاوقات منافيا لكونه من افضل الطاعات لان كونه اولى يستلزم كونه افضل وكونه من افضل يستلزم كونه من اولى لا كونه اولى فالاشارة بهذا التقدير الى تقدير عطف الولى على من افضل (وقد اكثراصحابنا) أي اتباع الشافعي رضى الله تعالى عنه، فالصحبة هنا الاجتماع في اتباع الامام المجتهد فيما يراه من الاحكام فهو مجاز سببه الموافقة بينهم وشدة ارتباي بعضهم ببعض كالصاحب حقيقة (رحمهم الله) تعالى دعا لهم (من التصنيف) مصدر صنف مما هو فيه عن الاخر، فالفقيه يفرد مثلا العبادات عن المعاملات ونحوها وكذلك الابواب.

قيل اول من صنف الكتب الربيع بن صبيح.

وقيل سعد بن ابى عروبة.

وقيل ابن جريج (من المبسوطات) في الفقه، وهى ما كثر لفظها ومعناها (والمختصرات) فيه، وهى ماقل لفظها وكثر معناها.

قال الخليل: الكلام يبسط ليفهم، ويختصر ليحفظ (واتقن) أي احكم (مختصر المحرر) أي المهذب المتقى: وهو هنا علم الكتاب (للامام) الحبر الهمام: عبد الكريم امام الدين (ابى القاسم) إعترض على تكنيته له بابى القاسم فانه يحرم كما قاله الشافعي رضى الله تعالى عنه ولو لغير من اسمه محمد أو لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم.

وقيل انما يحرم على من اسمه محمد، ورجحه الامام الرافعى وقيل: يختص ذلك بزمنه صلى الله عليه وسلم ورجحه المصنف، فذلك جائز على ما رجحاه: لكن المشهور في المذهب الاول (الرافعى) قال في الدقائق: هو منسوب الى رافعان بلدة معروفة من بلاد قزوين، وكان اماما بارعا في العلوم والمعارف والزهد والكرامات واللطائف لم يصنف في المذهب مثل كتابه شرح ا ه‍.

واعترضه قاضى القضاة: جلال الدين القزويني بانه لا يعرف ببلاد قزوين بلدة يقال لها


10

رافعان، بل هو منسوب الى جد من اجداده، وربما يقال: ان من حفظ حجة على من لم يحفظ.

وقال الشارح منسوب الى رافع بن خديج الصحابي كما وجد بخطه فيما حكى (رحمه الله تعالى) ورضى عنه (ذى التحقيقات) الكثيرة في العلم والتدقيقات الغزيرة في الدين: ذى الخاطر العاطر، والفهم الثاقب والمفاخر والمناقب، كان من بيت علم: ابوه وجده وجدته.

قيل انها تفتى النساء.

توفى سنة ثلاث أو اربع وعشرين وستمائة، وهو ابن ست وستين سنة، وكان إذا خرج من المسجد اضاءت له الكروم.

حكى ان شجرة اضاءت له لما فقد وقت التصنيف ما يسرحه عليه.

ومن اشعاره رضى الله عنه ورحمه وعفا عنه: اقيما على باب الكريم اقيما

ولا تنيا في ذكره فتهيما هو الرب من يقرع على الصدقة بابه

يجده رؤفا بالعباد رحيما فان قيل ليس فيما ذكره المصنف كبير مدح لان ذلك تحقيقة: وهى المرة من التحقيق وهو جمع وسلامة وهو للقلة عند سيبويه ولو اتى بجمع كثرة لكان انسب.

واجيب بما تقدم في الاعداد من ان جمع القلة المحلى بالالف واللام يفيد العموم.

(فائدة) من كلام سيدى ابى المواهب يعرف منها الفرق بين التحقيق والتدقيق.

قال: اثبات المسالة بدليلها تحقيق واثباتها بدليل آخر تدقيق، والتعبير عنها بفائق العبارة الحلوة برقيق، وبمراعاة علم المعاني والبديع في تركيبها تنميق، والسلامة فيها من اعترض الشرع توفيق (وهو) أي المحرر (كثير الفوائد) جمع فائدة، وهى ما استفيد من علم أو مال، وحق له ان يصفه بذلك فانه بحر لا يدرك قعره ولا ينزف غمره (عمدة) أي يعتمد عليه (في تحقيق المذهب) أي ما ذهب إليه الشافعي واصحابه من الاحكام في المسائل مجازا عن مكان الذهاب (معتمد للمفتي) أي يعتمد عليه ويرجع عند الحاجة إليه والمفتى وارث الانياء وموصح الدلالة والمبين بجوابه حرام الشع وحلاله، ويكفيه هذا الوصف تعظيما له وجلالة (وغيره) أي المفتى ممن يصنف أو يدرس (من اولى) أي اصحاب (الرغبات) بفتح الغين جمع رغبة بسكونها.

قال تعالى " ويدعوننا رغبا ورهبا " تقول: رغبت عن الشئ بركته، ورغبت فيه اردته، وهذا من المصنف رحمه الله تعالى دليل على انصافه في العلم.

قال قال صلى الله عليه وسلم " انما يعرف الفضل لاهل الفضل ذو الفضل ".

وقال ابن عبد البر: من بركة العلم وآدابه الانصاف وقال مالك: ما في زماننا اقل من الانصاف.

قال الدميري هذا في زمان مالك فكيف بهذا الزمان: أي وما بعده الذى هلك فيه كل هالك (وقد التزم مصنفه رحمه الله ان ينص) في مسائل الخلاف (على ما صححه) فيها (معظم) أي اكثر (الاصحاب) لان نقل المذهب من باب الرواية فيرجح بالكثرة: قاله تلميذ المصنف ابن العطار: ولكن انما يرجع الى قول الاكثر إذا لم يظهر دليل بخلافه، لان العدة تقضى بان الخطأ الى القليل اقرب (ووفى) بالتخفيف والتشديد (بما التزمه) حسبما اطلع عليه فلا ينافى ذلك استدراكه عليه التصحيح في بعض المواضع الاتية، لكن قال السبكى: ان من فهم عن الرافعى انه لا ينص الا ما عليه المعظم فقد اخطأ فهمه فانه انما قال في خطبة المحرر انه ناص على ما رجحه المعظم من الوجوه والاقاويل ولم يقل انه لا ينص الا على ذلك، وكيف وقد صرح في مواضع كثيرة بخلاف قولهم كقوله: إن موضع التحذيف من الوجه، وإن الجلوس بين السجدتين ركن قصير، ومنع النظر الى وجه الحرة.

كفيها، والاكثرون على خلاف ذلك.

ثم انه قد يجزم في المحرر بشئ وهو بحث للامام وغيره كما سيأتي في الجمعة في انصراف المعذور إذا حضر الجامع وفي الزكاة في العلف المؤثر، بل الكتب التى لم يقف عليها مشحونة بما لا يحصيه الا الله، من النصوص والمسائل التى لم يذكرها، وقد ذكر ابن الرفعة من ذلك ما يقتضى للناظر العجب من كثرته (وهو) أي ما التزمه (من اهم أو) هو (أهم المطلوبات) لطالب الفقه من الوقوف على المصحح من الخلاف في مسائله وكان قائلا يقول للمصنف لما كان المحرر بهذا الوصف فالاى شئ تختصره فاعتذر عن ذلك بقوله (لكن في حجمه) أي المحرر (كير (وحجم الشئ ملمسه الناتئ


11

تحت اليد، ولكبر نقيض الصغر (يعجز عن حفظه اكثر اهل العصر) الراغبين في حفظ مختصر في الفقه لان الهمم قد تقاصرات عن حفظ المطولات بل والختصرات وصارت على النذر اليسير مقتصرات (الا بعض اهل العنايات) من اهل العصر، وهو سهل الله تعالى عليه ذلك فلا يكبر: أي يعظم غليه حفظه (فرايت) من الراى في الامور المهمة لامن الرؤية (اختصاره) بان لا يفوت شئ من مقاصده.

والاختصار ايجاز اللفظ مع استيفاء المعنى، قيل ما دل قلياه على كثيره (في نحو نصف حجمه) هو صادق بما وقع في الخارج من الزيادة على النصف بيسير بل هو الى ثلاثة ارباعه اقرب كما قيل ولعله ظن ذلك حين شرع في اختصاره ثم احتاج الى زيادة.

وقيل ان مراده بذلك ما يتعلق بالمحرر دون الزوائد، ونون النصف مثلثة وفيه لغة رابعة نصيف بزيادة ياء وفتح اوله، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " قوله انفق احدكم مل ء الارض ما بلغ مد احدهم ولا نصيفه " (وليسهل حفظه) أي المختصر لكل من يرغب في حفظ مختصر، وتقدم عن الخليل انه قال: الكلام يبسط ليفهم ويخبصر ليخفظ.

والحفظ نقيص النسيان (مع ما) أي مصحوبا ذلك المختصر بما (اضمه إليه) في اثنائه (ان شاء الله تعالى) وبذلك قرب من ثلاثة ارباع اصله كما مر (من الاصل) أي المحرر (محذوفات) أي متروكات اكتفاء بذكرها في المبسوطات (ومنها مواضع يسيرة) نحو الخمسين موضعا اذكرها على المختار (ذكرها في المحرر على خلاف المختار في المذهب) الاتى ذكره فيه مصححا (كما ستراها ان شاء الله تعالى) في خلافها له نظرا للمدرك (واضحات) فذكر المختار فيها هو المراد ولو عبر به اولا كما قدرته كان اولى (ومنها ابدال ما كان من الفاظه غريبا) أي غير مألوف الاستعمال (أو موهما) أي موقعا في الوهم، أي الذهن (خلاف الصواب) أي الاتيان بدل ذلك (باوضح واخصر منه بعبارات جليات) أي ظاهرات لاخفاء فيها في اداء المراد، وادخال الباء بعد لفظ الابدال على الماتى به موافقة للاستعمال العرفي وان كان خلاف المعروف لغة من ادخالها على المتروك، فلو قال ومنها ابدال الاوضح والاخصر بما كان من الفاظه غريبا أو موهما خلاف الصواب كان اولى نحو: ابدلت الجيد بالردئ: اخذت الجيد بدل الردئ، وسياتى تحرير ذلك في صفة الصلاة ان شاء الله تعالى.

(فائدة) قال الجوهرى: الابدال قوم صالحون لا تخلو الدنيا منهم إذا مات منهم واحد ابدل الله تعالى مكانه آخر.

وقال على رضى الله تعالى عنه: الابدال بالشام والنجباء بمصر والعصائب بالعراق: أي الزهاد، وعلامة الابدال ان لا يولد لهم وكان منهم حماد بن زيد تزوج بسبعين امراة فلم يولد له (ومنها بيان القولين والوجهين والطريقين والنص ومراتب الخلاف) قوة وضعفا في المسائل (في جميع الحالات) هذا الاصطلاح لم يسبق إليه المصنف احد، وهو اصطلاح حسن بخلاف المحررفانه تارة يبين نحو اصح القولين واظهر الوجهين، وتارة لا يبين نحو الاصح والاظهر.

فان قيل لم لم يوف المصنف بذلك في كثير من المواضع كما ستقف ان شاء الله تعالى على كثير من ذلك ؟ وقد قال الاسنوى: ما ادعاه من بيان ذلك في جميع المسائل مردود، فاما بيان القولين والوجهين، فيرد عليه ما عبر فيه بالمذهب فانه لا اصطلاح له فيه كما سيأتي.

واما بيان الطريقين والنص فلم يستوعب بهما المسائل والاقارب.

واما مراتب الخلاف فيرد عليه فيه انواع سلكها المصنف في كتابه واما ما عدا ذلك فقد استوفاه وان كان بعضه مردودا اه‍ ملخصا.

اجيب بان مراده ما ذكره فلا اعتراض عليه لانه سيأتي ما لم يبين فيه مراتب الخلاف كقوله: وحيث اقول، وقيل كذا فهو وجه ضعيف والصحيح أو الاصح خلافه، أو ان


12

مراده في اغلب الاحوال بحسب طاقته وربما يكون هذا اولى (فحيث اقول في الاظهر أو المشهور فمن القولين أو الاقوال) للامام الشافعي رضى الله تعالى عنه (فان قوى الخلاف) لقوة مدركه (قلت الاظهر) المشعر بظهور مقابلة (والا فالمشهور) الشعر بغرابة مقابلة لضعف مدركه (حيث اقول الاصح أو الصحيح فمن الوجهين أو الاوجه) لاصحاب يستخرجونها من كلام الشافعي رضى الله تعالى عنه فيستخرجونها على اصله ويستنبطونها من قواعده وقد يجتهدون في بعضها وان لم ياخذوه من اصله (فان قوى الخلاف قلت الاصح) المشعر بصحة مقابلة (والا) أي وان لم يقو الخلاف (فأ) قول (الصحيح) المشعر بفساد مقابله لضعف مدركه، ولم يعبر بذلك في الاقوال تأدبا مع الامام الشافعي رضى الله تعالى عنه كما قال فان الصحيح منه مشعر بفساد مقابله كما مر (وحيث اقول المذهب فمن الطريقين أو الطرق) وهى اختلاف الاصحاب في حكاية المذهب كان يحكى بعضهم في المسالة قولين أو وجهين لمن تقدم ويقطع بعضهم باحدهما.

قال الاسنوى: اعلم ان مدلول هذا الكلام ان المفتى به هو ما عبر عنه بالمذهب.

واما كون الراجح طريقة القطع أو الخلاف وكون الخلاف قولين أو وجهين فانه لا يؤخذ منه لانه لا اصطلاح له فيه ولا استقراء ايضا يدل على تعيين واحد منهما حتى يرجع إليه، بل الراجح تارة يكون طريقة القطع وتارة طريقة الخلاف فاعلمه فانى استقريته (وحيث اقول النص) أي المنصوص من باب اطلاق المصدر على اسم المفعول (فهو نص) الامام (الشافعي رحمه الله) تعالى.

وسمى ما قاله نصا لانه مرفوع القدر لتنصيص الامام عليه أو لانه مرفوع الى الامام، من قولك نصصت الحديث الى فلان: إذا رفعته إليه (ويكون هناك وجه ضعيف) أي خلاف الراجح لا المصطلح عليه قبل ذلك، وهو المذكور عند قوله، الاصح أو الصحيح أو الاظهر أو المشهور.

قال الاسنوى ويدل عليه قوله (أو قول مخرج) فان القول المخرج ليس فيه تعريض لشئ من ذلك.

على هذا فليس في هذا القسم بيانمراتب الخلاف في القوة والضعف اه‍.

قد قدمنا انه يبين ذلك في اغلب الاحوال لا مطلقا.

والتخريج ان يجيب الشافعي بحكمين مختلفين في صورتين متشابهتين ولم يظهر ما يصلح للفرق بينهما فينقل الاصحاب جوابه في كل صورة الى الاخرى فيحصل في كل صورة منهما قولان بالنقل والتخريج.

والغالب في مثل هذا عدم إطباق الاصحاب على التخريج بل منهم من يخرج ومنهم من يبدى فرقا بين الصورتين.

والاصح ان القول المخرج لا ينسب للشافعي لانه ربما روجح فيه، فذكر فارقا، قاله المصنف في مقدمة شرح المهذب وفي الروضة في القضاء.

وإذ قد ذكر المصنف هنا الشافعي رضى الله تعالى عنه، فلنتعرض الى طرف من اخباره تبركا بها فنقول: هو حبر الامة وسلطان الائمة: محمد أبو عبد الله بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب عبيد بن عبد يزيد بن هاشم ابن المطلب بن عبد مناف جد النبي صلى الله عليه وسلم لانه صلى الله عليه وسلم: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بتن عبد مناف.

هذا نسب عظيم كما قيل: نسب كأن عليه من شمس الضحى

نورا ومن فلق الصباح عمودا ما فيه إلا سيد من سيد

حاز المكارم والتقى والجودا وشافع بن السائب هو الذى ينسب إليه الشافعي، لقى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع، وأسلم أبوه السائب يوم فانه كان صاحب راية بنى هاشم، فاسر في جملة من اسر وفدى نفسه ثم اسلم.

عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤى بالهمزة وتركه ابن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد


13

بن عدنانا.

والاجماع منعقد على هذا النسب الى عدنان، وليس فيما بعده الى آدم طريق صحيح فيما ينقل.

وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم " كان إذا انتهى في النسب الى عدنان امسك، ثم يقول كذب النسابون " أي بعده.

قال تعالى " وقرونا بين ذلك كثيرا ".

ولد رضى الله تعالى عنه على الاصح بغزة، التى توفى فيها هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم.

وقيل بعسقلان.

وقيل بمنى سنة خمسين ومائة، ثم حمل الى مكة وهو ابن سنتين ونشأ بها، وحفظ وحفظ القران وهو ابن سبع سنين، والموطأ وهو ابن عشر، وتفقه على مسلم بن خالد مفتى مكة المعروف بازنجى لشدة شقرته، فهو من باب اسماء الاضداد، واذن له في الافتاء وهو ابن خمس عشرة سنة مع انه نشا يتيما في حجر امه في قلة من العيش وضيق حال، وكان في صباه يجالس العلماء، ويكتب ما يستفيده في العظام ونحوها حتى ملا منها خبايا، ثم رحل الى مالك بالمدينةولازمه مدة، ثم قدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة فاقام بها سنتين واجتمع عليه علماؤها ورجع كثير منهم عن مذاهب كانوا عليها الى مذهبه وصنف بها كتابه القديم، ثم عاد الى مكة فاقام بها مدة ثم عاد الى بغداد سنة ثمان وتسعين فاقام بها شهرا، ثم خرج الى مصر فلم يزل بها ناشرا للعلم ملازما للاشتغال بجامعها العتيق الى ان اصابته ضربة شديدة فمرض بسبها اياما على ما قيل، ثم انتقل الى رحمة الله تعالى، وهو قطب الوجود يوم الجمعة سلخ رجب سنة اربع ومائتين، ودفن بالقرافة بعد العصر من يومه، وانتشر علمه في جميع الافاق، وتقدم على الائمة في الخلاف والوفاق، فانه اول من تكلم في اصول الفقه، واول من قرر ناسخ الاحاديث ومنسوخها، واول من صنف في ابواب كثيرة من الفقه معروفة، وعليه حمل الحديث المشهور " عالم قريش يملا الارض علما ".

قال للربيع انت راوية كتبي فعاش بعده قريبا من سبعين سنة حتى صارت الرواحل تشد إليه من اقطار الارض لسماع كتب الشافعي، ومع هذا قال: وددت ان لو اخذ عنى هذا العلم من غير ان ينسب الى منه شئ.

وكان رضى الله عنه مجاب الدعوة لا تعرف له كبيرة ولا صغيرة رضى الله تعالى عنه: امت مطامعي فارحت نفسي

فان النفس ما طمعت تهون واحييت القنوع وكان ميتا

ففى احيائه عرضى مصون إذا طمع يحل بقلب عبد

علته انت جميع امرك وإذا قصدت لحاجة

فاقصد لمعترف بقدرك وقد افرد بعض اصحابه في فضله وكرمه ونسبه واشعاره كتبا مشهورة، وفيما ذكرناه تذكرة لاولى الالباب، ولو لا خوف الملل لشحنت كتابي هذا منها بابواب.

(حيث اقول الجديد فالقديم خلافه أو القديم أو في قول قديم فالجديد خلافه) الجديد ما قاله الشافعي بمصر تصنيفا أو إفتاء، ورواته البويطى والمزنى والربيع المرادى وحرملة ويونس بن عبد الاعلى وعبد الله بن الزبير الملكى ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم الذى انتقل اخيرا الى مذهب ابيه وهو مذهب مالك، وغير هؤلاء، والثلاثة الاول هم الذين تصدوا لذلك وقاموا به، والباقون نقلت عنهم اشياء محصورة على تفاوت بينهم والقديم ما قاله بالعراق تصنيفا: وهو الحجة أو افتى به، ورواة جماعة اشهرهم: الامام احمد بن حنبل والزعفراني والكرابيسي وابو ثور.

وقد رجع الشافعي عنه وقال: لا اجعل في حل من رواه عنى.

وقال الامام لا يحل عد القديم من المذهب وقال الماوردى في اثناء كتاب الصداق غير الشافعي جميع كتبه القديمة في الجديد الا الصداق فانه ضرب على مواضع منه وزاد مواضع.

واما ما وجد بين مصر والعراق، فالتاخر جديد، والمتقدم قديم، وإذا كان في المسالة قولان: قديم وجديد فالجديد هو المعمول به الا في مسائل يسيرة نحو السبعة عشر افتى فيها بالقديم.

قال بعضهم: وقد تتبع ما افتى فيه بالقديمفوجد منصوصا عليه في الجديد ايضا، وان كان فيها قولان جديدان فالعمل بآخرهما، فان لم يعلم فبما رجحه الشافعي، فان قالهما في وقت واحد ثم عمل باحدهما كان ابطالا للاخر عند المازنى، وقال غيره: لا يكون ابطالا بل برجيحا وهذا


14

أولى، واتفق ذلك للشافعي في نحو ستة عشر مسألة، وان لم يعلم هل قالهما أو مرتبا لزم البحث عن ارجحهما بشرط الاهلية، فان اشكل توقف فيه.

ونبه في شرح المهذب هنا على شيئين: احدهما ان افتاء الاصحاب بالقديم في بعض المسائل محمول على ان اجتهادهم اداهم الى القديم لظهور دليله، ولا يلزم من ذلك نسبته الى الشافعي.

قال وحينئذ فمن ليس اهلا للتخريج لها يتعين عليه العمل والفتوى بالجديد، ومن كان اهلا للتخريج والاجتهاد فالمذهب يلزمه اتباع ما اقتضاه الدليل في العمل والفتوى به مبينا ان هذا رأيه وان مذهب الشافعي فقد صح انه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.

الثاني ان قولهم القديم مرجوع عنه وليس بمذهب الشافعي محلة في قديم نص الجديد على خلافه: اما قديم لم يتعرض في الجديد لما يوافقه ولا لما يخالفه فانه مذهبه (وحيث اقول وقيل كذا فهو وجه ضعيف.

والصحيح أو الاصح خلافه) لان الصيغة تقتضي ذلك (وحيث اقول وفي قول كذا فالراجح خلافه) لان اللفظ يشعر به، ويتبين قوة الخلاف وضعه من مدركه، فمراده باضعيف هنا خلاف الراجح، يدل عليه انه جعل مقابلة الاصح تارة والصحيح اخرى فلا يعلم مراتب الخلاف من هذين ولا من اللذين قبلهما، وتقدم الجواب عن ذلك (ومنها مسائل نفيسة اضمها إليه) أي المختصر في مظانها (ينبغى ان لا يخلى الكتاب) أي المختصر وما يضم إليه (منها).

قال الشارح: صرح بوصفها الشامل له ما تقدم: أي في قوله من النفائس المستحبات، وزاد عليه ينبغى الخ اظهارا للعذر في زيادتها فانها عارية عن التنكيت بخلاف ما قبلها ا ه‍ أي انه لا ننكيت على المصنف في زيادة فروع على ما ذكره من الفروع إذ لا سبيل الى استيعاب الفروع الفقهية حتى ينكت عليه بانه لم يذكر مسألة كذا وكان ينبغى ان يذكرها بخلاف التنبيه على القيود واستدراك التصحيح، فان التنكيت يتوجه على من اطلق في موضع التقييد أو مشى على خلاف المصحح ونحو ذلك (واقول في اولها قلت وفي آخرها والله اعلم) لتتميز عن مسائل المحرر، وقد قال مثل ذلك في استدراك التصحيح عليه مع انه ليس من المسائل المزيدة كقوله قلت الاصح تحريم ضبة الذعب مطلقا والله اعلم، وقد زاد عليه من غير تمييز كقوله في فصل الخلاء ولا يتكلم، ومعنى والله اعلم: أي من كل عالم (وما وجدته) ايها الناظر في هذا المختصر (من زيادة لفظة) أي بدون قلت (ونحوها على ما في المحرر فاعتمدها فلابد منها) كزيادة كثير وفي عضو ظاهر في قوله في التيمم الا ان يكون بجرحه دم كثير أو الشين الفاحش في عضو ظاهر (وكذاما وجدته من الاذكار مخالفا لما في المحرر وغيره من كتب الفقه فاعتمده فانى حققته من كتب الحديث المعتمدة) في نقله لان مرجع ذلك الى علماء الحديث وكتبه المعتمدة فانهم يعتنون بلفظه بخلاف الفقهاء فانهم انما يعتنون غالبا بمعناه (وقد اقدم بعض مسائل الفصل لمناسبة أو اختصار) مراعاة لتسهيل حفظه وترتيبه وتسهيل فهمه وتقريبه، والمناسبة المشاكلة (وربما قدمت فصلا للمناسبة) كما فعل في باب الاحصار والفوات فانه اخره عن الكلام على الجزاء، والمحرر قدمه عليه وما فعله في المنهاج احسن لانه ذكر محرمات الاحرام واخرها عن الاصطياد، ولا شك ان فصل التخيير في جزاء الصيد مناسب له لتعلقه بالاصطياد فتقدم الاحصار والفوات عليه غير مناسب كما لا يخفى (وارجوا ان تم هذا المختصر) وقد تم ولله الحمد (ان يكون في معنى الشرح) وهو الكشف والتبيين (المحرر) أي لدقائقه وخفى الفاظه وبيان صحيحه ومراتب خلافه ومحمل خلافه هل هو قولان أو وجهان أو طريقان وما يحتاج من مسائله الى قيد أو شرط أو تصوير وما


15

غلط فيه من الاحكام وما صحح فيه خلاف الاصح عند الجمهور وما اخل به من الفروع المحتاج إليها ونحو ذلك، نبه على ذلك في الدقائق، ولم يقل انه شرح للمحرر لخلوه عن الدليل والتعليل (فانى لا احذف) بالذال المعجمة: أي لا اسقط (منه شيئا من الاحكام اصلا ولا من الخلاف ولو كان) أي الخلاف (واهيا) أي ضعيفا جدا مجازا عن الساقط.

فان قيل قد حذف من المحرر اشياء: منها انه بين في الحرر مجلس الخلع ولم يبينه هنا، ومنها انه حذف التفريع على القديم في ضمان ما سيحب وذكره في المحرر وغير ذلك.

اجيب بان المراد الاصول فلا ينافى حذف المفرعات أو ان ذلك بحسب الطاقة وهذا اولى كما مر (مع ما) بفتح العين وسكونها: أي ابى بجميع ما اشتمل عليه مصحوبا بما (اشرت اله من النفائس) المتقدمة (وقد شرعت) مع المشروع في هذا المختصر (في جمع جزء لطيف على صورة الشرح لدقائق هذا المختصر) من حيث الاختصار لان المقصود منه هو بيان دقائق المنهاج من هذه الحيثية ولم يبين المصنف في خطبة الكتاب تسميته على خلاف المعروف من عادة المصنفين ولكنه سماه بالمنهاج في موضع الترجمة المعتادة التى تكتب على ظهر الخطبة.

والمنهاج والمنهج والنهج بنون مفتوحة ثم هاء ساكنة هو الطريق الواضح: قاله الجوهرى (ومقصودي به التنبيه على الحكمة في العدول عن عبارة المحرر) لاى شئ عدل عنها (وفي الحاق قيد أو حرف) أي كلمة فهو من باب اطلاق الجزء على الكل (أو شرط المسالة ونحو ذلك) مما بينه (اكثر ذلك من الضروريات التى لابد منها) فيخل خلوها بالمقصود، ومنها ما ليس بضروري ولكنه حسن كما قاله في زيادة لفظة الطلاق في قوله في الحيض فإذا انقطع لم يحل قبل الغسل غير الصوموالطلاق، فان الطلاق لم يذكر قبل المحرمات (وعلى الله الكريم اعتمادي) في جميع اموري، ومنها اتمام هذا المختصر بان يقدرني على اتمامه كما اقدرني على ابتدائه.

قال الشارح تما تقدم على وضع الخطبة اشار بذلك الى ان المصنف صنف بعض المنهاج قبل خطبة كما يفهم مما مر أو الى توفر الالات مع التهيئ فانه كريم جواد لا يرد من ساله واعتمد عليه وفي الحديث " ان الله كريم يحب مكارم الاخلاق " (واليه تقويضي) أي رد اموري لان التفويض رد الامر الى الله تعالى والبراءة من الحول والقوة الا به (واستنادي) في ذلك وغيره فانه لا يخيب من قصده واستند إليه ثم قدر وقوع المطلوب برجاء الاجابة فقال (واساله النفع) وهو ضد الضر (به) أي المختصر في الدنيا والاخرة (لي) بتأليفه (ولسائر) أي باقى (المسلمين) ويطلق سائر ايضا على الجميع ولم يذكر الجوهرى غيره بان يلهمهم الاعتناء به بعضهم بالاشتغال به ككتابه وقراءة وتفهم وشرح وبعضهم بغير ذلك كالاعانة عليه بوقف أو غير ذلك ونفعهم يستتبع نفعه اسضا لانه سبب فيه (ورضوانه عنى) الرضا والرضوان ضد السخط (وعن احبائى) بالتشديد والهمز جمع حبيب: أي من احبهم (جميع المؤمنين) من عطف العام على بعض افراده تكرر به الدعاء لذلك البعض الذى منه المصنف رحمه الله تعالى وغاير بين الاسلام والايمان فكل ايمان اسلام ولا ينعكس وكل مؤمن مسلم ولا ينعكس، قيل الايمان والاسلام في حكم الشرع واحد وفي المعنى والاشتقاق مختلفان وباجملة فلا يصح ايمان بغير اسلام ولا اسلام بغير ايمان فكل واحد منهما شرط في الاخر على الاول وشطر على الثاني، وسؤل المصنف ان ينفع الله تعالى بكتابه مما يرغب فيه لانه مجيب الدعوة وقد حقق الله تعالى له ذلك وجعله عمدة في المذهب، واذ انتهى الكلام بحمد الله على ما قصدناه من الفاظ الخطبة فنذكر طرفا من اخبار المصنف تبركا قبل الشروع في القصود فنقول: هو الحبر الامام قطب دائرة العلماء الاعلام الشيخ: يحيى الدين أبو زكريا بن شرف الحزامى بحاء مهملة مكسورة بعدها زاى معجمة النواوى ثم الدمشقي محرر المذهب ومهذبه ومحققه ومرتبه المتفق على امانته وديانته وورعه


16

وزهادته وسودده وسيادته كان ذا كرامات ظاهرة وآيات باهرة وسطوات قاهرة، فلذلك احيا الله تعالى ذكره بعد مماته، واعترف اله العلم بعظيم بركاته ونفع بتصانيفه في حياته وبعد وفاته فلا يكاد يستغنى عنها احد من اصحاب المذاهب المختلفا ولا تزال القلوب على محبة ما الفه مؤتلفة، قد داب في طلب العلم حتى فاق اهل زمانه ودعا الى الله تعالى في سره واعلانه.

حفظ التنبيه في اربعة اشهر ونصف وحفظ زبع المهذب في بقية السنة ومكث قريبا من سنتين لا يضع جنبه على الارض، وكان يقرا في اليوم والليلة اثنى عشر درسا في عدة من العلوم وكان يديم الصيام ولا تزال مقلته ساهرة وللا ياكل من فواكهدمشق لما في ضمنها من الشبه الظاهرة ولا يدخل الحمام تنعما وانخرط في سلك " انما يخشى الله من عباده العلماء " وكان يقتات مما ياتيه من قبل ابويه كفافا ويؤثر على نفسه الذين لا يسألون الناس الحافا، فلذلك لم يتزوج الى ان خرج من الدنيا معافى ولا ياكل الا اكلة واحدة في اليوم والليلة بعد العشاء الاخرة ولا يشرب الاشربة واحدة عند السحر ولا يشرب الماء المبرد الملقى فيه الثلج وكان كثير السهر في العبادة والتصنيف آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر يواجه الملوك فمن دونهم، وحج حجتين مبرورتين لا رياء فيهما ولا سمعة وطهر الله من الفواحش قلبه ولسانه وسمعه واولى دار الحديث الاشرفية سنة خمس وستين وستمائة فلم ياخذ من علومها شيئا الى ان توفى وكان يلبس ثوبا قطنا وعمامة سختيانية وفي لحيته شعرات بيض وعليه سكينة ووقار في حال البحث مع الفقهاء وفي غيره.

ولد في العشر الاول من المحرم سنة احدى وثلاثين وستمائة بنوى ثم انتقل الى دمشق ثم سافر الى بلده وزار القدس والخليل ثم عاد إليها فمرض بها عند ابويه وتوفى ليلة الاربعاء رابع عشر شهر رجب سنة ست وسبعين وستمائة ودفن ببلده، وهذه اشارة لطيفة ذكرناها من بعض مناقبه تبركا به رضى الله تعالى عنه واحله رضا رضوانه، ومتعه بوجهه الكريم وبالداني من ثمار جنانه.

ولما كانت الصلاة افضل العبادات تعد الايمان ومن اعظم شروطها الطهارة لقوله صلى الله عليه وسلم " مفتاح الصلاة الطهور " والشرط مقدم طبعا فقدم وضعا بدا المصنف بها فقال: هذا: (كتاب) بيان أحكام (الطهارة) اعلم أن الكتاب لغة معناه الضم والجمع، يقال: كتبت كتبا وكتابة وكتابا، ومنه قولهم: تكتبت بنو فلان، إذا اجتمعوا، وكتب: إذا خط بالقلم لما فيه من اجتماع الكلمات والحروف، فهو إما مصدر لكن لضم مخصوص أو اسم مفعول بمعنى مكتوب، كقولهم: هذا درهم ضرب الامير، أي مضروبه.

أو اسم فاعل بمعنى الجامع لما أضيف إليه.

قال أبو حيان: ولا يصح أن يكون مشتقا من الكتب لان المصدر لا يشتق من المصدر.

وأجيب بأن المزيد يشتق من المجرد.

واصطلاحا اسم لجملة مختصة من العلم، ويعبر عنها بالباب وبالفصل أيضا، فإن جمع بين الثلاثة قيل: الكتاب اسم لجملة مختصة من العلم مشتملة على أبواب وفصول غالبا، والباب اسم لجملة مختصة من الكتاب مشتملة على فصول غالبا، والفصل اسم لجملة مختصة من الباب مشتملة على مسائل غالبا.

والباب لغة: ما يتوصل منه إلى غيره، والفصل لغة: هو الحاجز.

والكتاب هنا خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى محذوفين كما قدرته، وكذا كل كتاب وباب وفصل بحسب ما يليق به.

وإذ قد علمت ذلك فلا احتياج إلى تقدير ذلك في كل كتاب أو باب كما فعلت في شرح التنبيه بعدما ذكر اختصارا.

والطهارة بالفتح مصدر طهر بفتح الهاء وضمها، والفتح أفصح، يطهر بالضم فيهما.

وهي لغة: النظافة والخلوص منالادناس حسية كالانجاس أو معنوية كالعيوب، يقال: تطهر بالماء، وهم قوم يتطهرون: أي يتنزهون عن العيب.

وشرعا: تستعمل بمعنى زوال المنع المترتب على الحدث والخبث، وبمعنى الفعل الموضوع لافادة ذلك أو لافادة بعض آثاره كالتيمم فإنه يفيد جواز الصلاة الذي هو من آثار ذلك، والمراد هنا الثاني لا جرم.

وقد عرفها المصنف في مجموعه مدخلا فيها الاغسال المسنونة ونحوها بأنها رفع حدث أو إزالة نجس أو ما في معناهما وعلى صورتهما.

وقوله: وعلى صورتهما يعلم به أنه لم يرد بما في معناهما ما يشاركهما في الحقيقة، ولهذا قال: وقولنا أو ما في معناهما أردنا به التيمم والاغسال المسنونة


17

وتجديد الوضوء والغسلة الثانية والثالثة في الحدث والنجس ومسح الأذن والمضمضة ونحوها من نوافل الطهارة وطهارة المستحاضة وسلس البول اه

قال شيخنا وبما تقرر اندفع الاعتراض عليه بأن الطهارة ليست من قسم الأفعال والرفع من قسمها فلا تعرف به وبأن ما لا يرفع حدثا ولا نجسا ليس في معنى ما يرفعهما وبأن التعريف لا يشمل الطهارة بمعنى الزوال اه

ووجه اندفاع هذا كما قال القاياتي أن التعريف باعتبار وضع لا يعترض عليه بعدم تناوله أفراد وضع آخر

وقدم الأصحاب العبادات على المعاملات اهتماما بالأمور الدينية والمعاملات على النكاح وما يتعلق به لشدة الاحتياج إليها والمناكحة على الجنايات لأنها دونها في الحاجة وأخروا الجنايات لقلة وقوعها بالنسبة لما قبلها

والطهارة في الترجمة شاملة للوضوء والغسل وإزالة النجاسة والتيمم الآتية مع ما يتعلق بها

وبدأ ببيان الماء الذي هو الأصل في آلتها مفتتحا بآية دالة عليه فقال ( قال الله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) أي مطهرا ويعبر عنه بالمطلق

وافتتح بهذه الآية تبركا وتيمنا بإمامه الشافعي رضي الله تعالى عنه إذ من عادته إذا كان في الباب آية تلاها أو خبر رواه أو أثر ذكره ثم رتب عليه مسائل الباب

وتبعه في المحرر وحذفه المصنف في باقي الأبواب اختصارا

وإنما كان الماء أصلا في آلتها لأن الطهارة لا بد لها من آلة وتلك الآلة منها أصل وهو الماء ومنها بدل وهو غيره كالتراب وأحجار الاستنجاء

فإن قيل الدليل يكون متأخرا عن المدلول فما باله عكس أجيب بأنه لم يسقه استدلالا بل تبركا وتيمنا كما مر وبأن هذا الدليل من القواعد الكلية المنطبقة على غالب مسائل الباب والدليل إذا كان بهذه الصفة كان تقديمه أولى لينطبق على جزئياته

فإن قيل لم عدل المصنف عن قوله تعالى وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به مع أنه أصرح في الدلالة كما قيل أجيب بأن ما ذكره يفيد أن الطاهر غير الطهور لأن قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء يدل على كونه طاهرا لأن الآية سيقت في معرض الامتنان وهو تعالى لا يمن بنجس وحينئذ يكون الطاهر غير الطهور وإلا لزم التأكيد والتأسيس أولى وهل المراد بالسماء في الآية الجرم المعهود أو السحاب قولان حكاهما المصنف في دقائق الروضة ولا مانع أن ينزل من كل منهما

( يشترط لرفع الحدث ) وهو في اللغة الشيء الحادث وفي الشرع يطلق على أمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص وعلى الأسباب التي ينتهي بها الطهر وعلى المنع المترتب على ذلك

والمراد هنا الأول لأنه الذي لا يرفعه إلا الماء بخلاف المنع لأنه صفة الأمر الاعتباري فهو غيره فإن المنع هو الحرمة

وهي ترتفع ارتفاعا مقيدا بنحو التيمم بخلاف الأول

ولا فرق في الحدث بين الأصغر وهو ما نقض الوضوء والمتوسط وهو ما أوجب الغسل من جماع أو إنزال والأكبر وهو ما أوجبه حيض أو نفاس

( و ) لإزالة ( النجس ) بفتح النون والجيم مصدر بمعنى الشيء النجس وهو في اللغة ما يستقذر وفي الشرع مستقذر يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص ولا فرق فيه بين المخفف كبول صبي لم يطعم غير لبن والمتوسط كبول غيره من غير نحو الكلب والمغلظ كبول نحو الكلب ولسائر الطهارات واجبة كطهارة دائم الحدث ومندوبة كالوضوء المجدد غير الاستحالة والتيمم

( ماء مطلق ) أي استعماله ولو عبر بالإزالة كما قدرته كان أولى لأن النجس لا يوصف بالرفع في الإصلاح لكن سهله تقدم الحدث عليه

وإنما اقتصر على رفع الحدث والنجس مع أن الماء المطلق يشترط لسائر الطهارات كما ذكرته لأن رفعهما هو الأصل في الطهارة فلذلك اقتصر عليه على عادة المشايخ من الاقتصار على الأصول

( وهو ما يقع عليه اسم ماء بلا قيد ) بإضافة كماء ورد أو بصفة كماء دافق أو بلام عهد كقوله صلى الله عليه وسلم نعم إذا رأت الماء يعني المني قال الولي العراقي ولا يحتاج لتقييد القيد بكونه لازما لأن القيد الذي ليس بلازم كماء البئر مثلا يطلق اسم الماء عليه بدونه فلا حاجة للاحتراز عنه وإنما يحتاج إلى القيد في جانب الإثبات كقولنا غير المطلق هو المقيد بقيد لازم اه

ويدخل في التعريف ما نزل من السماء وهو ثلاثة المطر وذوب الثلج والبرد وما نبع من الأرض هو أربعة ماء العيون والآبار والأنهار والبحار وما نبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم من الماء أو من ذاتها على خلاف فيه والأرجح الثاني وهو أفضل المياه مطلقا أو نبع من الزلال وهو


18

شيء ينعقد من الماء على صورة حيوان وما ينعقد ملحا لأن اسم الماء يتناوله في الحال وإن تغير بعد أو كان رشح بخار الماء لأنه ماء حقيقة

وينقص بقدره وهو المعتمد كما صححه المصنف في مجموعه وغيره وإن قال الرافعي نازع فيه عامة الأصحاب وقالوا يسمونه بخارا ورشحا لا ماء على الإطلاق وخرج بذلك الخل ونحوه وما لا يذكر إلا مقيدا كما مر وتراب التيمم وحجر الاستنجاء وأدوية الدباغ والشمس والنار والريح وغيرها حتى التراب في غسلات الكلب فإن المزيل هو الماء بشرط امتزاجه بالتراب في غسلة منها كما سيأتي في بابه

وإنما تعين الماء في رفع الحدث لقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا والأمر للوجوب فلو رفع غير الماء لما وجب التيمم عند فقده

ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على اشتراطه في الحدث وفي إزالة النجس لقوله صلى الله عليه وسلم في خبر الصحيحين حين بال الأعرابي في المسجد صبوا عليه ذنوبا من ماء والذنوب بفتح الذال المعجمة الدلو الممتلئة ماء

والأمر للوجوب كما مر فلو كفى غيره لما وجب غسل البول به

ولا يقاس به غيره لأن الطهر به عند الإمام تعبد وعند غيره لما فيه من الرقة واللطافة التي لا توجد في غيره وحمل الماء في الآية والحديث على المطلق لتبادر الأذهان إليه

فائدة اعترض بعضهم على الشافعي في قوله كل ماء من بحر عذب أو مالح فالتطهير به جائز بأنه لحن وإنما يصح ماء ملح وهو مخطىء في ذلك قال الشاعر فلو تفلت في البحر والبحر مالح لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا بل فيه أربعة لغات ملح ومالح ومليح وملاح ولكن فهمه السقيم أداه إلى ذلك كما قال الشاعر وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الآذان منه على قدر القريحة والفهوم وعدل المصنف عن قول المحرر لا يجوز ليشترط قال في الدقائق لأنه لا يلزم من عدم الجواز الاشتراط لكنه قال في مجموعه بأن يجوز يستعمل تارة بمعنى يصح وتارة بمعنى يحل وتارة يصلح للأمرين وهو هنا يصلح لهما اه أي فيكون هو المراد فنفي الجواز يستلزم نفي الصحة والحل معا بناء على الأصح من جواز استعمال المشترك في معنييه كما وجه به المصنف عبارة المهذب في شرحه أي فهو أبلغ من التعبير ب يشترط لدلالته عليهما بالمنطوق وعلى هذا فالتعبير ب لا يجوز أولى كما قيل

وأجيب بأن لفظة يشترط تقتضي توقف الرفع على الماء ولفظة لا يجوز مترددة بين تلك المعاني ولا قرينة فالتعبير ب يشترط أولى

ورد بمنع التردد لأنه إن حمل المشترك على جميع معانيه عموما كما قاله الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فظاهر وإلا حمل على جميعها هنا بقرينة السياق والتبويب

وأورد على التعريف المتغير كثيرا بما لا يؤثر فيه كطين وطحلب وبما في مقره وممره فإنه مطلق مع أنه لم يعبر عما ذكر

وأجيب بمنع بأنه مطلق وإنما أعطي حكمه في جواز التطهر به للضرورة فهو مستثنى من غير المطلق

على أن الرافعي قال أهل اللسان والعرف لا يمتنعون من إيقاع اسم الماء المطلق عليه فعليه لا إيراد ولا يرد الماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة ولم تغيره ولا المستعمل لأنه غير مطلق

فائدة الماء ممدود على الأفصح وأصله موه تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ثم أبدلت الهاء همزة

ومن عجيب لطف الله أنه أكثر منه ولم يحوج فيه إلى كثير معالجة لعموم الحاجة إليه

( فالمتغير ) بشيء ( مستغنى ) بفتح النون وكسرها ( عنه ) طاهر مخالط ( كزعفران وماء شجر ومنى وملح جبلي ( تغيرا يمنع ) لكثرته ( إطلاق اسم الماء ) عليه ( غير طهور ) سواء أكان قليلا أم كثيرا لأنه لا يسمى ماء ولهذا لو حلف لا يشرب ماء فشرب ذلك أو وكل في زاوية أو اشتراه وكيله لم يحنث ولم يقع الشراء له وسواء أكان التغير حسيا أم تقديريا حتى لو وقع في الماء مائع يوافقه في الصفات كماء الورد المنقطع الرائحة فلم يتغير ولو قدرناه بمخالف وسط كلون العصير وطعم الرمان وريح اللاذن لغير ضر بأن تعرض عليه جميع هذه الصفات لا المناسب للواقع فيه فقط خلافا لبعضهم

ولا يقدر بالأشد كلون الحبر وطعم الخل وريح المسك بخلاف الخبث لغلظه فلو لم يؤثر فيه الخليط حسا ولا تقديرا استعمله كله وكذا لو استهلكت النجاسة المائعة في ماء كثير

وإذا لم يكفه


19

الماء وحده ولو كمله بمائع يستهلك فيه لكفاه وجب تكميل الماء به إن لم تزد قيمته على قيمة ماء مثله

أما الملح المائي فلا يضر التغير به وإن كثر لأنه ينعقد من الماء والماء المستعمل كمائع فيفرض مخالفا وسطا للماء في صفاته لا في تكثير الماء فلو ضم إلى ماء قليل فبلغ قلتين صار طهورا وإن أثر في الماء بفرضه مخالفا

( ولا يضر تغير ) يسير بطاهر ( لا يمنع الاسم ) لتعذر صون الماء عنه ولبقاء إطلاق اسم الماء عليه وكذلك لو شك في أن تغيره كثير أو يسير

نعم إن تغير كثيرا ثم شك في أن التغير الآن يسير أو كثير لم يطهر عملا بالأصل في الحالين قاله الأذرعي

( ولا ) يضر في الطهارة بالماء ( متغير بمكث ) بتثليث ميمه مع إسكان كافه وإن فحش التغير

( وطين وطحلب ) بضم الطاء وبضم اللام وفتحها شيء أخضر يعلو الماء من طول المكث

( وما في مقره وممره ) ككبريت وزرنيخ ونورة لتعذر صون الماء عن ذلك ولا يضر أوراق شجر تناثرت وتفتتت واختلطت وإن كانت ربيعية أو بعيدة عن الماء لتعذر صون الماء عنها فلا يمنع التغير به إطلاق اسم الماء عليه وإن أشبه التغير به في الصورة التغير الكثير بمستغنى عنه لا إن طرحت وتفتتت أو أخرج منه الطحلب أو الزرنيخ ودق ناعما وألقي فيه فغيره فإنه يضر أو تغير بالثمار الساقطة فيه لإمكان التحرز عنها غالبا

( وكذا ) لا يضر في الطهارة ( متغير بمجاور ) طاهر ( كعود ودهن ) ولو مطيبين وكافور صلب ( أو بتراب ) ولو مستعملا ( طرح ) بقصد في غير تراب تطهير النجاسة الكلبية ونحوها ( في الأظهر ) لأن تغيره بذلك لكونه في غير التراب تروحا وفي التراب كدورة لا يمنع إطلاق اسم الماء عليه نعم إن تغير حتى صار لا يسمى إلا طينا رطبا ضر

والثاني يضر كالمتغير بنجس مجاور في الأول وبزعفران في الثاني

وفرق الأول بلغظ أمر النجاسة وبطهورية التراب ولأن تغيره به مجرد كدورة

وما تقرر في التراب المستعمل هو المعتمد وهو مقتضى التعليل الثاني كما اعتمده شيخي وإن خالف فيه بعض المتأخرين

ولو صب المتغير بمخالط لا يضر على ما لا تغير فيه فتغير به كثيرا ضر لأنه تغير بما يمكن الاحتراز عنه قاله ابن أبي الصيف وقال الإسنوي إنه المتجه

وعليه يقال لنا ماءان تصح الطهارة بكل منهما منفردا ولا تصح بهما مختلطين والمخالط هو الذي لا يتميز في رأى العين

وقيل ما لا يمكن فصله بخلاف المجاور فيهما

وقيل المعتبر العرف فالتراب مخالط على الأول ومجاور على الثاني لأنه يمكن فصله بعد رسوبه أما التغير بتراب تطهير النجاسة الكلبية ونحوها أو بتراب تهب به الريح أو طرح بلا قصد كأن ألقاه صبي قال الأذرعي فلا يضر جزما

تنبيه كان الأحسن أن المصنف يحذف الميم من قوله ولا متغير بمكث ومن قوله وكذا متغير بمجاور فيقول ولا تغير بمكث وكذا تغير بمجاور لأن المتغير لا يصح التغير به لأنه لا يضر نفسه بل المضر التغير

ويندفع ذلك بما قدرته بقولي في الطهارة تبعا للشارح

فائدة الكافور نوعان خليط ومجاور وكذا القطران

واختلف في التغير بالكتان والذي عليه الأكثر أنه يتغير بشيء يتحلل منه فيكون كالتغيير بمخالط

( ويكره ) شرعا تنزيها الماء ( المشمس ) أي ما سخنته الشمس أي استعماله في البدن في الطهارة وغيرها كأكل وشرب لما روى الشافعي عن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يكره الاغتسال به وقال إنه يورث البرص

لكن بشرط أن يكون ببلاد حارة أي تقلبه الشمس عن حالته إلى حالة أخرى كما نقله في البحر عن الأصحاب في آنية منطبعة غير النقدين وهي كل ما طرق كالنحاس ونحوه

وأن يستعمل في حال حرارته لأن الشمس بحدتها تفصل منه زهومة تعلو الماء فإذا لاقت البدن بسخونتها خيف أن تقبض عليه فيحتبس الدم فيحصل البرص بخلاف ما إذا استعمله في غير بدنه كغسل ثوبه فلا يكره لفقد العلة المذكورة وبخلاف المسخن بالنار المعتدلة وإن سخن بنجس ولو بروث نحو كلب وإن قال بعضهم فيه وقفة فلا يكره لعدم ثبوت نهي عنه ولذهاب الزهومة لقوة تأثيرها وبخلاف ما إذا كان في بلاد باردة أو معتدلة وبخلاف المشمس في غير المنطبع كالخزف والحياض أو في منطبع نقد لصفاء جوهره واستعمل في البدن بعد أن برد

وأما المطبوخ به فقال الماوردي و الروياني إنه إن بقي مائعا كره وإن لم يبق مائعا


20

كالخبز والأرز المطبوخ به لم يكره

ويؤخذ من ذلك أن الماء المشمس إذا سخن بالنار لم تزل الكراهة وهو كذلك

وظاهر كلام الجمهور أنه يكره في الأبرص لزيادة الضرر وكذا في الميت لأنه محترم

قال البلقيني وغير الآدمي من الحيوان إن كان البرص يدركه كالخيل أو يتعلق بالآدمي منه ضرر اتجهت الكراهة وإلا فلا

قال الإسنوي وفي سقي الحيوان منه نظر اه

وينبغي فيه التفصيل الذي قاله البلقيني

قال الزركشي وغير الماء من المائعات كالماء

قال ابن عبدالسيد

وإنما لم يحرم المشمس كالسم لأن ضرره مظنون بخلاف السم

وقيل لا يكره استعماله واختاره المصنف في بعض كتبه وبه قال الأئمة الثلاثة

وقال في شرح المهذب إنه الصواب لأن أثر عمر لم يثبت

وقيل إن شهد عدلان بأنه يورث البرص كره وإلا فلا واختاره السبكي

والمذهب هو الأول فقد روى الأثر الدارقطني بإسناد صحيح وأيضا فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال دع ما يريبك إلى ما لا يريبك

والأثر وإن لم يثبت فقد حصل به ريب ويجب استعماله عند فقد غيره أي عند ضيق الوقت

ولا يتيمم بل يجب شراؤه حيث يجب شراء الماء للطهارة ويكره تنزيها شديد السخونة أو البرودة في الطهارة لمنعه الإسباغ ويجب استعماله إذا فقد غيره وضاق الوقت كما مر ويحرم إن خاف منه ضررا ويكره مياه ثمود وكل ماء مغضوب عليه كماء ديار قوم لوط وهي بركة عظيمة في موضع ديارهم التي خسفت

وماء البئر التي وضع فيها السحر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى مسخ مياهها حتى صار كنقاعة الحناء ومسخ طلع النخيل التي من حولها حتى صار كرؤوس الشياطين

وماء ديار بابل لا ماء بئر الناقة ولا ماء بحر ولا ماء متغير بما لا بد منه ولا ماء زمزم لعدم ثبوت نهي فيه نعم يكره إزالة النجاسة به كما قال الماوردي قال البلقيني ماء زمزم أفضل من الكوثر أي فيكون أفضل المياه لأن به غسل صدره صلى الله عليه وسلم ولا يكون يغسل صدره إلا بأفضل المياه لكن تقدم أن أفضل المياه ما نبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم

والمراد بالمشمس المتشمس وإن لم يقصد تشميسه كما حولت العبارة إليه وإن لم يفهم من العبارة

( و ) الماء القليل ( المستعمل في فرض الطهارة ) عن حدث كالغسلة الأولى فيه ( قيل ونفلها ) كالغسلة الثانية والثالثة والغسل المسنون والوضوء المجدد طاهر ( غير طهور في الجديد ) لأن السلف الصالح كانوا لا يحترزون عن ذلك ولا عما يتقاطر عليهم منه وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم عاد جابرا في مرض فتوضأ وصب عليه من وضوئه

وكانوا مع قلة مياههم لم يجمعوا المستعمل للاستعمال ثانيا بل انتقلوا إلى التيمم ولم يجمعوه للشرب لأنه مستقذر

والقديم أنه طهور لوصف الماء في الآية السابقة بلفظ طهور المقتضي تكرر الطهارة به كضروب لمن يتكرر منه الضرب

وأجيب بأن فعول يأتي اسما للآلة كسحور لما يتسحر به فيجوز أن يكون طهور كذلك ولو سلم اقتضاؤه التكرار فالمراد جمعا بين الأدلة ثبوت ذلك لجنس الماء أو في المحل الذي يمر عليه فإنه يطهر كل جزء منه

والمراد بالفرض ما لا بد منه أثم الشخص بتركه كحنفي توضأ بلا نية أم لا كصبي إذ لا بد لصحة صلاتهما من وضوء ولا أثر لاعتقاد الشافعي أن ماء الحنفي فيما ذكر لم يرفع حدثا بخلاف اقتدائه بحنفي مس فرجه حيث لا يصح اعتبارا باعتقاده لأن الرابط معتبر في الاقتداء دون الطهارات ولأن الحكم بالاستعمال قد يوجد من غير نية معتبرة كما في إزالة النجاسة بخلاف الاقتداء لا بد فيه من نية معتبرة ونية الإمام فيما ذكر غير معتبرة في ظن المأموم

واختلف في علة منع استعمال الماء المستعمل فقيل وهو الأصح إنه غير مطلق كما صححه المصنف في تحقيقه وغيره

وقيل مطلق ولكن منع من استعماله تعبدا كما جزم به الرافعي

وقال المصنف في شرح التنبيه إنه الصحيح عند الأكثرين وسيأتي المستعمل في النجاسة في بابها

والأصح أن المستعمل في نقل الطهارة على الجديد طهور لانتفاء العلة وخرج بنفل الطهارة تجديد الغسل فالمستعمل فيه طهور قطعا لأنه لا يسن تجديده ومن المستعمل ماء غسل بدل مسح من رأس أو خف وماء غسل كافرة لتحل لحليلها المسلم وماء غسل ميتة وماء غسل مجنونة لتحل لحليلها المسلم

فإن قيل يدخل في الطهارة الغسلة الأولى من الوضوء المجدد ومن الغسل المسنون لأنهما طهارتان في كل منهما فرض وسنة فيصدق على المرة الأولى منها أنها فرض الطهارة وليست محل جزم على الجديد بل هي من محل الوجهين فيما أدى به عبادة غير مفروضة

أجيب بأن مراده ما قدرته تبعا للشارح ولو صرح به المصنف كان أولى وأورد على ضابط


21

المستعمل ماء غسل به الرجلان بعد مسح الخف وماء غسل به الوجه قبل بطلان التيمم وماء غسل به الخبث المعفو عنه فإنها لا ترفع مع أنها لم تستعمل في فرض

وأجاب شيخنا عن الأول بمنع عدم رفعه لأن غسل الرجلين لم يؤثر شيئا وفيه احتمال للبغوي وعن الثاني بأنه استعمل في فرض وهو رفع الحدث المستفاد به أكثر من فريضة وعن الثالث بأنه استعمل في فرض أصالة

( فإن جمع ) المستعمل على الجديد ( فبلغ قلتين فطهور في الأصح ) لأن النجاسة أشد من الاستعمال

وأما الماء المتنجس لو جمع حتى بلغ قلتين أي ولا تغير به صار طهورا قطعا فالمستعمل أولى

والثاني لا يعود طهورا لأن قوته صارت مستوفاة بالاستعمال فالتحق بماء الورد ونحوه وهذا اختيار ابن سريج

واعلم أن الماء ما دام مترددا على المحل لا يثبت له حكم الاستعمال ما بقيت الحاجة إلى الاستعمال بالاتفاق للضرورة فلو نوى جنب رفع لللللالجنابة ولو قبل تمام الإنغماس في ماء قليل أجزأه الغسل به في ذلك الحدث وكذا في غيره ولو من غير جنسه كما هو مقتضى كلام الأئمة وصرح به القاضي وغيره لأن صورة الاستعمال باقية إلى الانفصال والماء في حال استعماله باق على طهوريته خلافا لما بحثه الرافعي وتبعه ابن المقري من أنه لا يجزئه لغير ذلك الحدث

ويؤيد الأول ما لو كان به خبث بمحلين فمر الماء بأعلاهما ثم بأسفلهما طهرا معا كما قاله البغوي

ويؤخذ مما مر أن الجنب لو نزل في الماء القليل ونوى رفع الجنابة قبل تمام الإنغماس ثم اغترف الماء بإناء أو بيده وصبه على رأسه أو غيره لا ترتفع جنابة ذلك العضو الذي اغترف له بلا خلاف كما صرح به المتولي والروياني وغيرهما

وهو واضح لأنه انفصل

ولو نوى جنبان معا بعد تمام الإنغماس في ماء قليل طهرا أو مرتبا ولو قبل تمام الإنغماس فالأول فقط أو نويا معا في أثنائه لم يرتفع حدثهما عن باقيهما

ولو شكا في المعية قال شيخنا فالظاهر أنهما يطهران لأنا لا نسلب الطهورية بالشك وسلبها في حق أحدهما فقط ترجيح بلا مرجح

والماء المتردد على عضو المتوضىء وعلى بدن الجنب وعلى المتنجس إن لم يتغير طهور فإن جرى الماء من عضو المتوضىء إلى عضوه الآخر وإن لم يكن من أعضاء الوضوء كأن جاوز منكبه أو تقاطر من عضو ولو من عضو بدن الجنب صار مستعملا

نعم ما يغلب فيه التقاذف كمن الكف إلى الساعد وعكسه لا يصير مستعملا للعذر وإن خرقه الهواء كما جزم به الرافعي ولو غرف بكفه جنب نوى رفع الجنابة أو محدث بعد غسل وجهه الغسلة الأولى على ما قاله الزركشي وغيره أو الغسلات الثلاث كما قاله العز بن عبد السلام وهو أوجه إن لم يرد الاقتصار على أقل من ثلاث من ماء قليل ولم ينو الإغتراف بأن نوى استعمالا أو أطلق صار مستعملا فلو غسل بما في كفه باقي يده لا غيرها أجزأه وأما إذا نوى الإغتراف بأن قصد نقل الماء من الإناء والغسل به خارجه لم يصر مستعملا ولا يشترط لنية الاغتراف نفي رفع الحدث

( ولا تنجس قلتا الماء ) الصرف ( بملاقاة نجس ) جامد أو مائع لقوله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث قال الحاكم على شرط الشيخين

وفي رواية لأبي داود وغيره بإسناد صحيح فإنه لا ينجس وهو المراد بقوله لم يحمل الخبث

أي يدفع النجس ولا يقبله

وفارق كثير الماء كثير غيره فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة بأن كثيره قوي ويشق حفظه عن النجس بخلاف غيره وأن كثر

وخرج بقولنا الصرف ما لو وقع في الماء مائع يوافقه في الصفات وفرضناه مخالفا فلم يغيره فحكمنا بطهوريته وكان الماء الصرف ينقص عن قلتين بقدر المائع الواقع فيه فصار قلتين ووقعت فيه بعد صيرورته قلتين نجاسة فإنه ينجس بمجرد ملاقاتها وإنما تدفع النجاسة قلتان من محض الماء

واستشكل بتصحيحهم جواز استعمال جميع ذلك الماء وإن كان وحده غير كاف للطهارة ونزلوا المائع المستهلك منزلة الماء من وجه دون وجه

وأجيب بأن رفع الحدث وإزالة النجس من باب الرفع ودفع النجاسة من باب الدفع والدفع أقوى من الرفع والدافع لا بد أن يكون أقوى من الرافع

ويؤيد ذلك أن الماء القليل إذا ورد على نجاسة طهرها وتجوز الطهارة به ولا يدفع عن نفسه النجاسة إذا وقعت فيه وبأن المستعمل إذا بلغ قلتين كان في عوده طهورا وجهان ولو استعمل قلتين ابتداء لم يصر مستعملا بلا خلاف لأن الماء إذا استعمل وهو قلتان كان دافعا للاستعمال وإذا جمع كان رافعا والدفع أقوى من الرفع كما مر

ويؤخذ من الحكم بتنجيسه أنه لو انغمس فيه جنب


22

صار مستعملا لأنه كما لا يدفع النجاسة لا يدفع الاستعمال نبه على ذلك الزركشي

ولو شك في كونه قلتين ووقعت فيه نجاسة هل ينجس أو لا المعتمد الثاني بل قال المصنف في شرح المهذب الصواب أنه لا ينجس إذ الأصل الطهارة وشككنا في نجاسة منجسة ولا يلزم من حصول النجسة التنجيس

وصوب في المهمات أنه إن جمع شيئا فشيئا وشك في وصوله قلتين فالأصل القلة وإن كان كثيرا وأخذ منه فالأصل بقاء الكثرة وإن ورد نجس على ما يحتمل القلة والكثرة فهذا محل التردد

والصواب ما قاله المصنف كما لو شك هل تقدم على الإمام أو تأخر والتفصيل هناك ضعيف فكذا هنا

( فإن غيره ) أي غير النجس الملاقى الماء القلتين ولو يسيرا حسا أو تقديرا ( فنجس ) بالإجماع المخصص للخبر السابق

والخبر للترمذي وغيره الماء لا ينجسه شيء كما خصه مفهوم خبر القلتين السابق فالتغيير الحسي ظاهر والتقديري بأن وقعت فيه نجاسة مائعة توافقه في الصفات كبول انقطعت رائحته ولو فرض مخالفا له في أغلظ الصفات كلون الحبر وطعم الخل وريح المسك لغيره فإنه يحكم بنجاسته

واكتفى هنا بأدنى تغير واعتبر الأغلظ في الصفات بخلاف ما تقدم في التغير بالطاهر فيهما لغلظ النجاسة ولو تغير بعض الماء فالمتغير كنجاسة جامدة لا يجب التباعد عنها بقلتين والباقي إن قل فنجس وإلا فطاهر

فلو غرف دلوا من ماء قلتين فقط وفيه نجاسة جامدة لم تغيره ولم يغرفها مع الماء فباطن الدلو طاهر لانفصال ما فيه عن الباقي قبل أن ينقص عن قلتين لا ظاهرها لتنجسه بالباقي المتنجس بالنجاسة لقلته فإن دخلت مع الماء أو قبله في الدلو انعكس الحكم

وتأنيث الدلو أفصح من تذكيره

( فإن زال تغيره ) الحسي أو التقديري ( بنفسه ) بأن لم يحدث فيه شيء كأن زال بطول المكث ( أو بماء ) انضم إليه بفعل أو غيره ولو نجسا ولو أخذ منه كما قاله في المهذب أي نقص والباقي قلتان

وصوره في شرحه بأن يكون الإناء مختنقا لا يدخله الريح فإذا نقص دخلته وقصرته

( طهر ) بفتح الهاء أفصح من ضمها

الزوال سبب التنجيس ولا يضر عود تغيره إن خلا عن نجس جامد ويعرف زوال تغيره التقديري بأن يمضي عليه زمن لو كان تغيره حسيا لزال تغيره وذلك بأن يكون بجنبه غدير فيه ماء متغير فزال تغيره بنفسه بعد مدة أو بماء صب عليه فيعلم أن هذا أيضا زال تغيره

( أو ) زال تغيره ظاهرا كأن زال ريحه ( بمسك و ) لونه بنحو ( زعفران ) وطعمه بنحو خل ( فلا ) يطهر لأنا لا ندري أن أوصاف النجاسة زالت أو غلب عليها المطروح فسترها وإذا كان كذلك فالأصل بقاؤها

فإن قيل العلة في عدم عود الطهورية احتمال أن التغير استتر ولم يزل فكيف يعطفه المصنف على ما جزم فيه بزوال التغير وذلك تهافت

أجيب بأن المراد زواله طاهرا كما قدرته وإن أمكن استتاره باطنا فلو طرح مسك على متغير الطعم فزال تغيره طهر إذ المسك ليس له طعم

وكذا يقال في الباقي

( وكذا ) لا يطهر ظاهرا إذا وقع عليه ( تراب وجص ) أي جبس أو أحدهما أو نحو ذلك كنورة لم تطبخ

( في الأظهر ) للشك المذكور والثاني يطهر بذلك لأنه لا يغلب فيه شيء من الأوصاف الثلاثة فلا يستر التغيير

ودفع بأنه يكدر الماء والكدرة من أسباب الستر فإن صفا الماء ولا تغير فيه طهر هو والتراب معه جزما

فائدة الجص ما يبنى به ويطلى وكسر جيمه أفصح من فتحها وهو عجمي معرب وتسميه العامة بالجبس وهو لحن

( ودونهما ) أي الماء دون القلتين ( ينجس ) هو ورطب غيره كزيت وإن كثر ( بالملاقاة ) للنجاسة المؤثرة وإن لم يتغير وإن كانت مجاورة أما الماء فلمفهوم حديث القلتين السابق المخصص لمنطوق حديث الماء لا ينجسه شيء السابق ولخبر مسلم إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده نهاه عن الغمس خشية النجاسة

ومعلوم أنها إذا خفيت لا تغير الماء فلولا أنها تنجسه بوصولها لم ينهه نعم إن ورد على النجاسة ففيه تفصيل يأتي في بابها

وأما غير الماء فبالأولى

وفارق كثير الماء كثير غيره بأن كثيره قوي ويشق حفظه من النجس بخلاف غيره وإن كثر كما مر ولو تنجست يده اليسرى مثلا ثم غسل إحدى يديه وشك في المغسول أهو يده اليمنى أم اليسرى ثم أدخل اليسرى في مائع لم ينجس المائع بغمس اليد اليسرى فيه كما أفتى به شيخي قال لأن الأصل طهارته


23

وقد اعتضد باحتمال طهارة اليد اليسرى ويعفى عما تلقيه الفئران من النجاسة في حياض الأخلية وعن ذرق الطيور الواقع فيها لمشقة الاحتراز عن ذلك ما لم يغيره ما ذكر

وخرج بالرطب الجامد الخالي عن رطوبة عند الملاقاة وبالمؤثرة غيرها كما سيأتي

وقدرت الماء في عبارة المصنف تبعا للشارح لأجل موافقة سيبويه وجمهور البصريين لأن دون عندهم ظرف لا ينصرف فلا يصح أن يكون مبتدأ ويجوز عند الأخفش والكوفيين

ثم اختلفوا فيما أضيف إلى مبني كالواقع في كلام المصنف فقال الأخفش يجوز بناؤه على الفتح لإضافته إلى مبني وقال غيره يجب رفعه على الابتداء

( فإن بلغهما ) أي المتنجس قلتين ( بماء ) ولو مستعملا ومتنجسا ومتغيرا بنحو زعفران ( و ) الحال أنه ( لا تغير به فطهور ) لزوال العلة وهي القلة حتى لو فرق بعد ذلك لم يضر ويكفي الضم وإن لم يمتزج صاف بكدر لحصول القوة بالضم لكن إن انضما بفتح حاجز اعتبر اتساعه ومكثه زمنا يزول فيه التغير لو كان أخذا من قولهم ولو غمس كوز ماء واسع الرأس في ماء كمله قلتين وساواه بأن كان الإناء ممتلئا أو امتلأ بدخول الماء فيه ومكث قدرا يزول فيه تغير لو كان واحد الماءين نجس أو مستعمل طهر لأن تقوي أحد الماءين بالآخر إنما يحصل بذلك فإن فقد شرط من ذلك بأن كان ضيق الرأس أو واسعه بحيث يتحرك ما فيه بتحرك الآخر تحركا عنيفا لكن لم يكمل الماء قلتين أو كمل لكن لم يمكث زمنا يزول فيه التغير لو كان أو مكث لكن لم يساوه الماء لم يطهر ولا ينجس أسفل ما يفور بتنجس أعلاه كعكسه

ولو وضع كوز على نجاسة وماؤه خارج من أسفله لم ينجس ما فيه ما دام يخرج فإن تراجع تنجس كما لو سد بنجس

مهمة إذا قل ماء البئر وتنجس لم يطهر بالنزح لأنه وإن نزح فقعر البئر يبقى نجسا وقد تنجس جدران البئر أيضا بالنزح بل بالتكثير كأن يترك أو يصب عليه ماء ليكثر ولو كثر الماء وتفتت فيه شيء نجس كفأرة تمعط شعرها فهو طهور تعسر استعماله باغتراف شيء منه كدلو إذ لا تخلو مما تمعط فينبغي أن ينزح الماء كله ليخرج الشعر معه

فإن كانت العين فوارة وتعسر نزح الجميع نزح ما يغلب على الظن أن الشعر كله خرج معه فإن اغترف منه قبل النزح ولم يتيقن فيما اغترفه شعرا لم يضر

( فلو كوثر ) المتنجس القليل ( بإيراد ) ماء ( طهور ) أي أورد عليه طهورا أكثر منه ( فلم يبلغهما لم يطهر ) لمفهوم حديث القلتين لأنه ماء قليل فيه نجاسة ولأن المعهود في الماء أن يكون غاسلا لا مغسولا

( وقيل ) هو ( طاهر ) بشرط أن لا يكون به نجاسة جامدة قياسا للماء على غيره

وفي الكفاية وغيرها ما يقتضي أن الجمهور على هذا الوجه ولا فرق بين أن يكون ذلك القليل متغيرا أم لا

( لا طهور ) لأنه مغسول فهو كالثوب فلو انتفت الكثرة أو انتفى الإيراد أو الطهورية أو كان به نجاسة جامدة لم يطهر جزما فهذه القيود شرط للقول بالطهارة لا للقول بعدمها

فلو قال فلو لم يبلغهما لم يطهر وقيل إن كوثر إلخ فهو طاهر غير طهور كان أولى

قال الشارح و لا هنا اسم بمعنى غير ظهر إعرابها فيما بعدها لكونها على صورة الحرف وهي معه صفة لما قبلها أي لأن شرط العطف ب لا أن يكون ما بعدها مغايرا لما قبلها كقولك جاء رجل لا امرأة بخلاف قولك جاء رجل لا زيد

لأن الرجل يصدق على زيد

( ويستثنى ) من النجس ( ميتة لا دم لها ) أصالة

( سائل ) أي لا يسيل دمها عند شق عضو منها في حياتها كزنبور بضم أوله وعقرب ووزغ وذباب وقمل وبرغوث لا نحو حية وضفدع وفأرة

( فلا تنجس مائعا ) ماء أو غيره بوقوعها فيه بشرط أن لا يطرحها طارح ولم تغيره ( على المشهور ) لمشقة الاحتراز عنها ولخبر البخاري إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء أي وهو اليسار كما قيل وفي الآخر شفاء زاد أبو داود إنه يتقى بجناحه الذي فيه الداء وقد يفضي غمسه إلى موته فلو نجس المائع لما أمر به

وقد يؤخذ من ذلك أنه لو نزعها بأصبعه أو عود بعد موتها لم يتنجس وهو كذلك كما يؤخذ من كلام الكمال بن أبي شريف

وعلى هذا لو رد ما نزع به في المائع ونزع به واحدة بعد واحدة لم ينجس المائع بذلك لأن الباقي على أصبعه أو العود محكوم بطهارته لأنه جزء من ذلك المائع انفصل عنه ثم عاد إليه

وقيس بالذباب ما في معناه من كل ميتة لا يسيل دمها فلو شككنا في سيل دمها امتحن بجنسها فتجرح للحاجة


24

قاله الغزالي في فتاويه ولو كانت مما يسيل دمها لكن لا دم فيها أو فيها دم لا يسيل لصغرها فلها حكم ما يسيل دمها قاله القاضي أبو الطيب

والثاني تنجسه قال في التنبيه وهو القياس كسائر الميتات النجسة

ومحل الخلاف إذا لم تنشأ فيه فإن نشأت فيه وماتت كالعلق ودود الخل لم تنجسه جزما فإن غيرته الميتة لكثرتها أو طرحت فيه بعد موتها قصدا تنجس جزما كما جزم به في الشرح والحاوي الصغيرين

ومفهوم قولهما بعد موتهما قصدا أنه لو طرحها شخص بلا قصد أو قصد طرحها على مكان آخر فوقعت في المائع أو أخذ الميتة ليخرجها فوقعت فيه بعد رفعها من غير قصد إلى رميها فيه من غير تقصير بل قصد إخراجها فوقعت فيه بغير اختياره أو طرحها من لا يميز أو قصد طرحها فيه فوقعت فيه وهي حية فماتت فيه أنه لا يضر وهو كذلك

ومن ذلك ما لو وضع خرقة على إناء وصفى بها هذا المائع الذي وقعت فيه هذه الميتة بأن صبه عليها لأنه يضع المائع وفيه الميتة متصلة به ثم يتصفى عنها المائع وتبقى هي منفردة عنه لا أنه طرح الميتة في المائع كما قد يتوهم فلو زال التغير من المائع أو من الماء القليل وهو باق على قلته لم يطهر كما أفاده شيخي فإن بلغ الماء قلتين طهر

( وكذا في قول نجس لا يدركه طرف ) أي لا يشاهد بالبصر لقلته لا لموافقة لون ما اتصل به كنقطة بول وخرء وما تعلق بنحو رجل ذبابة عند الوقوع في النجاسات

( قلت ذا القول أظهر ) من مقابله وهو التنجيس ( والله أعلم ) لعسر الاحتراز عنه فأشبه دم البراغيث ووجه مقابله القياس على سائر النجاسات وهو ما نقله في الشرحين عن المعظم

ومجموع ما في المسألة سبع طرق إحداها وهو الأصح قولان في الماء والثوب

والثانية يؤثر فيهما قطعا وهو رأي ابن سريج

والثالثة لا يؤثر فيهما قطعا

والرابعة يؤثر في الماء وفي الثوب قولان

والخامسة عكس ذلك

والسادسة يؤثر في الماء دون الثوب قطعا

والسابعة عكسه

وقضية ما ذكر في العفو أنه لا فرق بين أن يقع في محل واحد أو أكثر وهو قوي لكن قال الجيلي صورته أن يقع في محل واحد وإلا فله حكم ما يدركه الطرف

قال ابن الرفعة وفي كلام الإمام إشارة إليه

قال شيخنا والأوجه تصويره باليسير عرفا وهو حسن

قال الزركشي وقياس استثناء دم الكلب من يسير الدم المعفو عنه أن يكون هذا مثله وقد يفرق بينهما بالمشقة والفرق أوجه

وعطف المصنف هذا على ما مر يقتضي طرد الخلاف في الماء والمائع وهو كذلك وإن كان كلام التنبيه يفهم تنجس المائع به جزما ولذلك قلت في شرحه وغير الماء في ذلك كالماء

ويعفى أيضا عن روث سمك لم يغير الماء وعن اليسير عرفا من شعر نجس من غير نحو كلب وعن كثيره من مركوب وعن قليل دخان نجس وغبار سرجين ونحوه مما تحمله الريح كالذر وعن حيوان متنجس المنفذ إذا وقع في المائع للمشقة في صونه ولهذا لا يعفى عن آدمي مستجمر قال المصنف في شرح المهذب بلا خلاف

وعن الدم الباقي على اللحم والعظم فإنه يعفى عنه

ولو تنجس حيوان طاهر من هرة أو غيرها ثم غاب وأمكن وروده ماء كثيرا ثم ولغ في طاهر لم ينجسه مع حكمنا بنجاسة فمه لأن الأصل نجاسته وطهارة الماء وقد اعتضد أصل طهارة الماء باحتمال ولوغه في ماء كثير في الغيبة فرجح

قال في التوشيح ولا يستثنى مسألة الهرة أي ونحوها وإن كان قد استثناها في أصل الروضة لأن العفو لاحتمال أن يكون فمها طاهرا إذ لو تحقق نجاسته لم يعف عنه بخلاف ما نحن فيه فإن العفو فيه وارد على محقق النجاسة اه

وهو حسن

واستشكل في الشرح الصغير طهارة الهرة بما ذكر لأنها تشرب بلسانها وتأخذ منه الشيء القليل ولا تلغ في الماء بحيث يطهر فمها من أكل الفأرة أي مثلا فلا يفيد احتمال مطلق الولوغ احتمال عود فمها إلى الطهارة

وأجاب عنه البلقيني بأن فرض المسألة فيما إذا احتمل طهارة الفم والاحتمال موجود بأن تكون وضعت جميع فمها في الماء أو نحو ذلك

وأجاب غيره بأن الذي لاقى الماء من فمها ولسانها يطهر بالملاقاة وما لا يلاقيه يطهر بإجراء الماء عليه ولا يضر ناقلته لأنه وارد

( و ) الماء ( الجاري ) وهو ما اندفع في مستو أو منخفض ( كراكد ) فيما مر من التفرقة بين القليل والكثير وفيما يستثنى لمفهوم حديث القلتين فإنه لم يفصل بين الجاري والراكد لكن العبرة في الجاري بالجرية نفسها لا مجموع الماء وهي كما في المجموع الدفعة بين حافتي النهر عرضا والمراد بها ما يرتفع من الماء عند تموجه أي تحقيقا أو تقديرا فإن كبرت الجرية لم تنجس إلا بالتغير وهي في نفسها منفصلة عما أمامها وما خلفها من الجريات حكما


25

وإن اتصلت بهما حسا

إذ كل جرية طالبة لما أمامها هاربة عما خلفها

قال بعضهم ولأنها لو كانت متصلة بها حكما لتنجس الماء في الكوز إذا انصب على الأرض وورد عليه نجس فلو وقع فيها نجس فكما لو وقع في راكد حتى لو كانت قليلة تنجست بوصوله إليها وإن بلغت مع ما أمامها وما خلفها قلتين لتفاصل أجزاء الجاري فلا يتقوى بعضه ببعض بخلاف الراكد والجرية إذا بلغ كل منهما قلتين ولو وقع فيها وهي قليلة نجس جامد فإن كان موافقا لجريانها تنجست دون ما أمامها وما خلفها أو واقفا أو جريها أسرع فمحله وما أمامه مما مر عليه نجس وإن طال امتداده إلا أن يتراد أو يجتمع في نحو حفرة وعليه يقال لنا ماء هو ألف قلة ينجس بلا تغير والجرية التي تعقب جرية النجس الجاري تغسل المحل فلها حكم الغسالة حتى لو كان من كلب فلا بد من سبع جريات مع كدورة الماء بالتراب الطهور في إحداهن

ويعرف كون الجرية قلتين بأن تمسحا ويجعل الحاصل ميزانا ثم يؤخذ قدر عمق الجرية ويضرب في قدر طولها ثم الحاصل في قدر عرضها بعد بسط الأقدار من مخرج الربع لوجوده في مقدار القلتين في المربع فمسح القلتين بأن تضرب ذراعا وربعا طولا في مثلهما عرضا في مثلهما عمقا يحصل مائة وخمسة وعشرون وهي الميزان

أما إذا كان أمام الجاري ارتفاع يرده فله حكم الراكد

( وفي القديم لا ينجس ) القليل منه ( بلا تغير ) لقوة الجاري ولأن الأولين كانوا يستنجون على شطوط الأنهار الصغيرة ثم يتوضأون منها ولا ينفك عن رشاش النجاسة غالبا

وعلله الرافعي بأن الجاري وارد على النجاسة فلا ينجس إلا بالتغير كالماء الذي تزال به النجاسة وقضية هذا التعليل أن يكون طاهرا غير طهور والظاهر أنه ليس مرادا

( والقلتان ) بالوزن ( خمسمائة رطل ) بكسر الراء أفصح من فتحها ( بغدادي ) أخذا من رواية البيهقي وغيره إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه شيء

والقلة في اللغة الجرة العظيمة سميت بذلك لأن الرجل العظيم يقلها بيديه أي يرفعها

وهجر بفتح الهاء والجيم قرية بقرب المدينة النبوية تجلب منها القلال وقيل هي بالبحرين قاله الأزهري قال في الخادم وهو الأشبه

ثم روي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه عن ابن جريج أنه قال رأيت قلال هجر فإذا القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئا أي من قرب الحجاز

فاحتاط الشافعي فحسب الشيء نصفا إذ لو كان فوقه لقال تسع ثلاث قرب إلا شيئا على عادة العرب فتكون القلتان خمس قرب

والغالب أن القربة لا تزيد على مائة رطل بغدادي وهو مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم في الأصح فالمجموع به خمسمائة رطل

( تقريبا في الأصح ) قدم تقريبا عكس المحرر ليشمله وما قبله التصحيح فيعفى عن نقص رطل ورطلين على ما صححه في الروضة

وصحح في التحقيق ما جزم به الرافعي أنه لا يضر نقص قدر لا يظهر بنقصه تفاوت في التغير بقدر معين من الأشياء المغيرة كأن تأخذ إناءين في واحد قلتان وفي الآخر دونهما ثم تضع في أحدهما فدرا من المغير وتضع في الآخر قدره فإن لم يظهر بينهما تفاوت في التغير لم يضر ذلك وإلا ضر وهذا أولى من الأول لضبطه والمقابل في قدرهما ما قيل إنهما ألف رطل لأن القربة قد تسع مائتي رطل وقيل هما ستمائة رطل لأن القلة ما يقله البعير ويحمله وبعير العرب لا يحمل غالبا أكثر من وسق وهو ثلثمائة وعشرون يحط عشرون للظرف والحبل

والعدد على الثلاثة قيل تحديد فيضر نقص أي شيء نقص فإن قيل على ما صححه في الروضة ترجع القلتان أيضا إلى التحديد فإنه يضر نقص ما زاد على الرطلين

أجيب بأن هذا تحديد غير المختلف فيه وبالمساحة في المربع كما تقدم ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا وفي المدور ذراعان طولا وذراع عرضا قاله العجلي والمراد فيه بالطول العمق وبالعرض ما بين حائطي البئر من سائر الجوانب وبالذراع في المربع ذراع الآدمي وهو شبران تقريبا وأما في المدور فالمراد في الطول ذراع النجار الذي هو ذراع الآدمي ذراع وربع تقريبا ووجهه أنه يبسط كل من العرض والطول ومحيط العرض وهو ثلاثة أمثاله وسبع أرباعا لوجود مخرجها في قدر القلتين في المربع فيجعل كل واحد أرباعا فيصير العرض أربعة والطول عشرة والمحيط إثني عشر وأربعة أسباع ثم يضرب نصف العرض وهو إثنان في نصف المحيط وهو ستة وسبعان تبلغ إثني عشر وأربعة أسباع هو بسط المسطح فيضرب بسط المسطح في بسط الطول وهو عشرة تبلغ مقدار مسح القلتين في المربع وهو مائة وخمسة وعشرون ربعا مع زيادة خمسة أسباع ربع وبها حصل التقريب


26

فائدة المقدرات أربعة أقسام أحدها ما هو تقريب بلا خلاف كسن الرقيق المسلم فيه أو الموكل في شرائه

ثانيها تحديد بلا خلاف كتقدير مسح الخف وأحجار الاستنجاء وغسل الولوغ والعدد في الجمعة ونصب الزكوات والأسنان المأخوذة فيها وسن الأضحية والأوسق في العرايا والحول في الزكاة والجزية ودية الخطأ وتغريب الزاني وإنظار المولى والعنين ومدة الرضاع ومقادير الحدود

ثالثها تحديد على الأصح فمنه أميال مسافة القصر ومنه تقدير خمسة أوسق بألف وستمائة رطل الأصح أنه تحديد

ووقع للمصنف أنه صحح في رؤوس المسائل أنه تقريب ونسب فيه للسهو

رابعها تقريب على الأصح كسن الحيض والمسافة بين الصفين

( والتغير المؤثر ) حسا أو تقديرا ( بطاهر أو نجس طعم أو لون أو ريح ) أي أحد الثلاثة كاف أما النجس فبالإجماع وأما الطاهر فعلى المذهب

ويعتبر في التغير التقديري بالطاهر المخالف الوسط المعتدل وبالنجس المخالف الأشد كما مر

وخرج بالمؤثر بطاهر التغير اليسير به وبالمؤثر بنجس التغير بجيفة على الشط قرب الماء وهذا هو المراد إذ ليس لنا تغير بنجس لا يؤثر

( ولو اشتبه ) على أحد ( ماء ) أو تراب ( طاهر ) أي طهور ( ب ) ماء أو تراب ( نجس ) أي متنجس أو بماء أو تراب مستعمل ( اجتهد ) في المشتبهين منهما لكل صلاة أرادها بعد الحدث وجوبا إن لم يقدر على طاهر بيقين موسعا إن لم يضق الوقت ومضيقا إن ضاق وجوازا إن قدر على طهور بيقين كأن كان على شط نهر أو بلغ الماءان قلتين بالخلط بلا تغير لجواز العدول إلى المظنون مع وجود المتيقن لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كان بعضهم يسمع من بعض مع قدرته على المتيقن وهو سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم

قال الولي العراقي ولا حاجة لهذا التفصيل بل هو محمول على الوجوب مطلقا ووجود متيقن لا يمنع وجوب الاجتهاد في هذين لأن كلا من خصال المخير يصدق عليه أنه أوجب اه

وفيما قاله كما قال الجلال الكبري نظر وإن كنت جريت عليه في شرح التنبيه لأنه مع وجود الطاهر بيقين اختلف في جواز الاجتهاد فيه كما سيأتي فضلا عن وجوبه والأفضل عدم الاجتهاد فمطلوب الترك كيف يوصف بوجوبه فإن قيل لابس الخف الأفضل له الغسل مع أن الواجب عليه أحد الأمرين

قلت لم يختلف هناك في جواز المسح مع القدرة على الغسل بخلافه هنا

والاجتهاد والتحري والتأخي بذل الجهد في طلب المقصود

والجهد بفتح الجيم وضمهاهو الطاقة قال تعالى فأولئك تحروا رشدا

وقال الشاعر فتحريت أحسب الثغر عقدا لسليمى وأحسب العقد ثغرا فلثمت الجميع قطا لشكي وكذا فعل كل من يتحرى ( وتطهر بما ظن طهارته ) أي طهوريته بأمارة كأطراب أو رشاش أو تغير أو قرب كلب فيغلب على الظن نجاسة هذا وطهارة غيره وله معرفة ذلك بذوق أحد الإناءين

ولا يقال يلزم منه ذوق النجاسة لأن الممنوع ذوق النجاسة المتيقنة نعم ممتنع عليه ذوق الإناءين لأن النجاسة تصير متيقنة كما أفاده شيخي وإن خالف في ذلك بعض العصريين فلو هجم وأخذ أحد المشتبهين من غير اجتهاد وتطهر به لم تصح طهارته وإن وافق الطهور بأن انكشف له الحال لتلاعبه

( وقيل إن قدر على طاهر ) أي طهور ( بيقين ) كأن كان على شط نهر في استعمال الماء أو في صحراء في استعمال التراب ( فلا ) يجوز له الاجتهاد كمن بمكة ولا حائل بينه وبين الكعبة وقال صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك رواه الإمام أحمد وصححه الحاكم والترمذي

وأجاب الأول بأن القبلة في جهة واحدة فإذا قدر عليها كان طلبه لها في غيرها عبثا وبأن الماء مال وفي الإعراض عنه تفويت مالية مع إمكانها بخلاف القبلة وعن الحديث بأنه محمول على الندب

فإن قيل كان ينبغي للمصنف أن يقول على طاهر معين فإن أحد المشتبهين طاهر بيقين أجيب بأنه لا حاجة إلى ذلك لأنه وإن كان طاهرا بيقين لا يقدر عليه وقد فرض المصنف الخلاف فيما إذا قدر على طاهر بيقين

( والأعمى ) في الاجتهاد فيما ذكر ( كبصير في الأظهر ) لأنه يدرك الأمارة باللمس أو الشم أو الذوق على ما تقدم أو الاستماع كاضطراب الغطاء وقضية التعليل بما ذكر أن الأعمى لو فقد هذه الحواس التي يدرك بها ذلك أنه لا يجتهد

قال الأذرعي وينبغي الجزم به وهو حسن والثاني لا يجتهد لأن


27

النظر له أثر في حصول الظن في المجتهد فيه وقد فقده فلم يجز كالقبلة

وأجاب الأول بأن القبلة أدلتها بصرية

وبما قدرته سقط ما قيل إنه لو قال والأعمى يجتهد في الأظهر لكان أحسن أي لأن المراد أنه كالبصير في أصل الاجتهاد وإن خالفه في بعض الصور فإن الأعمى إذا تحير قلد بصيرا على الأصح

وقيل لا كالبصير قال في المجموع فإن لم يجد من يقلده أو وجده فتحير تيمم

( أو ) اشتبه عليه ( ماء وبول ) أو نحوه كأن انقطعت رائحته ( لم يجتهد ) فيهما ( على الصحيح ) سواء أكان أعمى أم بصيرا لأن الاجتهاد يقوي ما في النفس من الطهارة الأصلية والبول لا أصل له فيها فامتنع الاجتهاد

فإن قيل البول له أصل في الطهارة فإن أصله ماء

أجيب بأنه ليس المراد بقولهم له أصل في التطهير الحالة التي كان عليها من قبل حتى يرد عليهم ذلك بل المراد إمكان رده إلى الطهارة بوجه وهذا متحقق في المتنجس بالمكاثرة بخلاف البول والثاني يجوز كالماء المتنجس وقال الإمام إنه المتجه في القياس واختاره البلقيني

( بل يخلطان ) بنون الرفع كما في خط المصنف استئنافا أو عطفا على لم يجتهد بناء على ما قاله ابن مالك أن بل تعطف الجمل فسقط بذلك ما قيل إن الصواب حذف النون لأنه مجزوم بحذفها عطفا على يجتهد

لكن الأصح خلاف ما قاله ابن مالك إذ شرط العطف ببل إفراد معطوفها أي كونه مفردا فإن تلاها جملة لم تكن عاطفة بل حرف ابتداء لمجرد الإضراب ولا يجوز عطف يخلطان على يجتهد وأن يقرأ بحذف النون كما قاله بعض الشراح لفساد المعنى إذ يصير التقدير بل لم يخلطا

قال المصنف والصب كالخلط

( ثم يتيمم ) لتعذر استعمال الماء فإن تيمم قبل ذلك لم يصح لأنه تيمم بحضرة ماء متيقن الطهارة مع تقصيره بترك إعدامه

فما ذكر شرط لصحة التيمم كما صححه المصنف في شرح المهذب وقيل شرط لعدم وجوب القضاء وهو مقتضى كلام الرافعي في الشرحين والمصنف في الروضة والتحقيق

و بل هنا وفيما يأتي للانتقال من غرض إلى آخر لا للإبطال

( أو ) أشتبه عليه ماء ( وماء ورد ) كأن انقطعت رائحته ( توضأ بكل ) منهما ( مرة ) ليتيقن استعمال الطهور ولا يجتهد لأن ماء الورد لا أصل له في التطهير

ويعذر في عدم الجزم بالنية كنسيان إحدى الخمس وإن أمكنه الجزم بها بأن يأخذ غرفة من كل منهما في يد ويستعملها في شقي الوجه دفعة واحدة من غير خلط مقترنا بالنية ثم يعيد غسل وجهه ويكمل وضوءه بأحدهما ثم يتوضأ بالآخر للمشقة عليه في ذلك

وظاهر كلامهم أن ذلك جائز له عند قدرته على طهور بيقين وإن كان مقتضى العلة كما قال في المجموع لامتناع

واستشكل الإسنوي وجوب الوضوء بالماء وماء الورد بما ذكروه فيمن معه ماء لا يكفيه لوضوئه ولو كمله بمائع يستهلك فيه كماء ورد وغيره أنه يلزمه التكميل بشرط أن لا يزيد ثمنه على ثمن القدر الناقص فكيف يوجبون هنا استعمال ماء كامل وماء ورد مثله وهو يزيد على ذلك فالصواب الانتقال إلى التيمم

وأجيب عنه بجوابين الأول أنه هنا قدر على طهارة كاملة بالماء وقد اشتبه وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وهناك لم يقدر على الكاملة فتكليفه التكميل بأزيد مما أوجبه الشرع عليه لا يتجه

الثاني أن صورة المسألة هنا في ماء ورد انقطعت رائحته وصار كالماء وذلك لا قيمة له غالبا أو قيمته تافهة بخلاف تلك

ويؤخذ من ذلك أنه لو زادت قيمته على قيمة ماء الطهارة لم يلزمه استعماله ويتيمم كما جزم به ابن المقري في الروضة ( وقيل له الاجتهاد ) فيهما كالماءين وفرق الأول بمثل ما مر في البول

قال المارودي وله أن يجتهد فيهما لشرب ماء الورد فإذا بان له بالاجتهاد أن أحدهما ما ورد أعده للشرب وله التطهير بالآخر للحكم عليه بأنه ماء

واستشكل بأن الشرب لا يحتاج إلى اجتهاد

وأجيب بأن الشرب وإن لم يحتج إليه لكن شرب ماء الورد في ظنه يحتاجه فيه إليه

تنبيه للاجتهاد شروط علم بعضها مما مر الأول أن يتأيد بأصل الحل فلا يجتهد فيما اشتبه ببول كما تقدم

الثاني أن يقع الاشتباه في متعد فلو تنجس أحد كميه أو إحدى يديه وأشكل فلا يجتهد كما سيأتي في شروط الصلاة إن شاء الله تعالى

الثالث أن يبقى المشتبهان فلو تلف أحدهما لم يجتهد في الباقي بل يتيمم ولا يعيد وإن بقي الآخر لأنه ممنوع من استعماله غير قادر على الاجتهاد

الرابع بقاء الوقت فلو ضاق عن الاجتهاد تيمم وصلى وأعاد قاله العمراني في البيان

الخامس أن يكون للعلامة فيه مجال بأن يتوقع ظهور الحال فيه كالثياب والأواني والأطعمة فلا يجتهد فيما إذا اشتبهت محرمة بأجنبية وكأنه رأى كالرافعي أن هذه الأشياء تخرج بتأيد الاجتهاد بالأصل فاكتفى به

وشرط الأخذ والعمل بالاجتهاد أن تظهر


28

بعده العلامة

( وإذا ) اجتهد

و ( استعمل ما ظنه ) الطاهر كله أو بعضه من الماءين ( أراق الآخر ) ندبا وقيل وجوبا إذا لم يخف العطش ليشربه إذا اضطر لئلا يتغير اجتهاده فيشتبه عليه الأمر كما يندب له ذلك قبل الاستعمال أيضا كما في المجموع والتحقيق

وهو أولى لئلا يغلط فيستعمله

ويمكن حمل كلام المتن عليه على قصد الإرادة كما في قوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم

( فإن تركه ) أي لم يرقه وصلى بالأول الصبح مثلا ثم حضرت الظهر وهو محدث ولم يبق من الأول شيء لم يجب الاجتهاد لعدم التعدد

وأما جوازه فثابت على رأي الرافعي دون المصنف فلو اجتهد على رأي الرافعي أو قويت عنده أمارة بعد ضعفها مع استناده في القوة والضعف لاجتهاد واحد ( وتغير ظنه ) فيه من النجاسة إلى الطهارة ( لم يعمل بالثاني ) من الاجتهادين على رأي الرافعي أو ظني الاجتهاد على رأي المصنف

( على النص ) لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد

( بل يتيمم ) لأنه لا يمكنه استعمال ما معه كما مر ويصلي ( بلا إعادة في الأصح ) إذ ليس معه ماء طاهر بيقين والثاني يعيد لأن معه ماء طاهر بالظن فإن بقي من الأول شيء لم يجز لغيره أن يستعمله إلا باجتهاد ولو أحدث هو لزمه الاجتهاد للصلاة الثانية وإن لم يكف الباقي طهارته أي إذا لم يكن متذكرا للعلامة الأولى فإن تغير اجتهاده اجتنبهما وتيمم لما مر وأعاد ما صلاه بالتيمم لبقائهما منفردين لأنه تيمم بحضرة ماء طاهر بيقين له طريق في إعدامه

أما إذا لم يحدث بأن استمر متطهرا حتى حضرت صلاة أخرى فإنه لا يلزمه الاجتهاد وإن تغير ظنه لأن الطهارة لا ترفع بالظن

وخرج ابن سريج من النص في تغير الاجتهاد في القبلة العمل بالثاني وفرق بأن العمل به هنا يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد إن غسل ما أصابه الأول وإلى الصلاة بنجاسة إن لم يغسله وهناك لا يؤدي إلى صلاة بنجاسة ولا إلى غير القبلة

ومنع ابن الصباغ ذلك بأنه إنما يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد لو أبطلنا ما مضى من طهره وصلاته ولم نبطله بل أمرناه بغسل ما ظن نجاسته كما أمرناه باجتناب بقية الماء الأول

وأجيب بأنه يكفي في النقض وجوب غسل ما أصابه الأول واجتناب البقية

ويؤخذ من ذلك أنه إذا اشتبه عليه ماء مستعمل بطهور أو كان غسل أعضاء الوضوء من الأول أنه يعمل بالثاني لفقد العلة وهو كذلك

وبما قررت به كلام المصنف سقط ما قيل إن ذلك لا يتأتى إلا على رأي الرافعي

ويجتهد في غير الماء أيضا وجوبا إن اضطر وإلا فجوازا ولو في جنسين كلبن وخل

( ولو أخبره بتنجسه ) أي الماء أو غيره عدل ( مقبول الرواية ) كعبد وامرأة لا فاسق ومجنون ومجهول وصبي ولو مميزا

ووقع في شرح المهذب في باب الأذان قبول إخبار المميز فيما طريقه المشاهدة بخلاف ما طريقه النقل والمعتمد عدم قبوله مطلقا كما صححه في زيادة الروضة ونقله عن الجمهور

نعم لو أخبر جماعة من الفساق لا يمكن تواطؤهم على الكذب قبل خبرهم وكذا لو أخبر الفاسق عن فعل نفسه كقوله بلت في الإناء قاله الزركشي

ومثله الصبي المميز كما قاله بعض المتأخرين

وقد قالوا فيما وجدت شاة مذبوحة فقال ذمي أي تحل ذبيحته أنا ذبحتها أنها تحل وكفى به فاسقا

( وبين السبب ) في تنجسه كولوغ كلب ( أو كان فقيها ) بما ينجس ( موافقا ) للمخبر في مذهبه في ذلك وإن لم يبين السبب ( اعتمده ) لأنه خبر يغلب على الظن التنجيس

ويؤخذ من ذلك أن الكلام في فقيه يغلب على الظن أنه يعرف ترجيحات المذهب فسقط بذلك ما قيل إن في المذهب خلافا في مسائل كولوغ هرة في ماء قليل بعد نجاسة فمها وغيبتها وكوقوع فأرة أو هرة في ماء قليل إذا خرجت منه حية ونحو ذلك

فقد يظن الفقيه الموافق ترجيح المرجوح لعدم علمه بالراجح ولو اختلف عليه خبر عدلين فصاعدا كأن قال أحدهما ولغ الكلب في هذا دون ذاك وقال الآخر بل في ذاك دون هذا صدقا إن أمكن صدقهما فيحكم بنجاسة الماءين لاحتمال الولوغ في وقتين

فلو تعارضا في الوقت أيضا بأن عيناه صدق أوثقهما فإن استويا فالأكثر عددا فإن استويا سقط خبرهما لعدم الترجيح وحكم بطهارة الإنائين كما لو عين أحدهما كلبا كأن قال ولغ هذا الكلب في هذا الماء وقت كذا وقال الآخر كان حينئذ ببلد آخر مثلا

فروع لو اغترف من دنين في كل منهما ماء قليل أو مائع في إناء واحد فوجد فيه فأرة ميتة لا يدري من أيهما هي اجتهد فإن ظنها من الأول واتحدت المغرفة ولم تغسل بين الاغترافين حكم بنجاستهما وإن ظنها من الثاني أو من الأول واختلفت


29

المغرفة أو اتحدت وغسلت بين الإغترافي حكم بنجاسة ما ظنها فيه ولو اشتبه عليه إناء بول بأواني بلد أو ميتة بمذكاة أخذ منها ما شاء بغير اجتهاد إلا واحدا كما لو حلف لا يأكل ثمرة بعينها فاختلطت بثمر فأكل الجميع إلا ثمرة لم يحنث

ولو رفع نحو كلب النجاسة في شيء والأصل فيه الطهارة كثياب مدمني الخمر ومتدينين بالنجاسة كالمجوس ومجانين وصبيان بكسر الصاد أشهر من ضمها وجزارين حكم له بالطهارة عملا بالأصل

وكذا ما عمت به البلوى من ذلك كعرق الدواب ولعابها ولعاب الصبي والحنطة التي تداس والثور يبول عليها والجوخ وقد اشتهر استعماله بشحم الخنزير

ومن البدع المذمومة غسل ثوب جديد وقمح وفم من أكل نحو خبز وترك مؤاكلة الصبيان لتوهم نجاستها قاله في العباب والبقل النابت في نجاسة متنجس لا مرتفع عن منبته فإنه طاهر

ولو وجد قطعة لحم في إناء أو خرقة ببلد لا مجوس فيه فطاهرة أو مرمية مكشوفة فنجسة أو في إناء أو خرقة والمجوس بين المسلمين ولم يكن المسلمون أغلب فكذلك وإن كان المسلمون أغلب فطاهرة وكذا إذا استويا فيما يظهر

( ويحل استعمال ) واقتناء ( كل إناء طاهر ) في الطهارة وغيرها بالإجماع أي من حيث أنه طاهر فلا يرد المغصوب وجلد الآدمي لأن تحريمهما لمعنى آخر وهو تحريم استعمال ملك الغير إلا برضاه وانتهاك حرمة جلد الآدمي وقد توضأ صلى الله عليه وسلم من جلد ومن قدح من خشب ومن مخضب من حجر ومن إناء من صفر وكره بعضهم الأكل والشرب من الصفر

قال القزويني اعتياد ذلك يتولد منه أمراض لا دواء لها وخرج بالطاهر النجس كالمتخذ من ميتة فيحرم استعماله فيما ينجس به كماء قليل ومائع لا فيما لا ينجس به كماء كثير أو غيره مع الجفاف لكن يكره في الثاني

فالمفهوم فيه تفصيل فقد خالف حكمه حكم المنطوق

( إلا ذهبا وفضة ) أي إناءهما المعمول منهما أو من أحدهما ( فيحرم ) استعماله على الرجل والمرأة والخنثى بالإجماع ولقوله صلى الله عليه وسلم لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها متفق عليه

ويقاس غير الأكل والشرب عليهما وإنما خصا بالذكر لأنهما أظهر وجوه الاستعمال وأغلبها

ويحرم على الولي أن يسقي الصغير بمسعط من إنائهما ولا فرق بين الإناء الكبير والصغير حتى ما يخلل به أسنانه والميل إلا لضرورة كأن يحتاج إلى جلاء عينه بالميل فيباح استعماله والوضوء منه صحيح

والمأخوذ منه من مأكول أو غيره حلال لأن التحريم للاستعمال لا لخصوص ما ذكر

ويحرم التطيب بماء الورد ونحوه من إناء مما ذكر والتبخر بالاحتواء على مجمرة منه أو إتيان رائحتها من قرب لا من بعد

قال في المجموع وينبغي أن يكون بعدها بحيث لا ينسب إليه أن يتطيب بها ولو بخر ثيابه بها أو قصد تطيب البيت فمستعمل

قال في المجموع والحيلة في الاستعمال أن يخرج الطعام من الإناء إلى شيء بين يديه كقشرة رغيف ثم يأكله ويصب الماء في شيء ولو في يده التي لا يستعمله بها فيصبه أولا في يده اليسرى ثم في اليمنى ثم يستعمله ويصب ماء الورد في يساره ثم ينقله إلى يمينه ثم يستعمله ويحرم البول في الإناء منهما أو من أحدهما ولا يشكل ذلك بقولهم يجوز الاستنجاء بالذهب والفضة لأن الكلام هناك في قطعة ذهب أو فضة وهنا في إناء هي منهما لذلك

واستثنى في شرح المهذب الذهب إذا صديء ولكن فيه التفصيل الذي في التمويه بنحاس ونحوه

( وكذا ) يحرم ( اتخاذه ) أي اقتناؤه من غير استعمال ( في الأصح ) لأن ما لا يجوز استعماله للرجال ولا لغيرهم يحرم اتخاذه كآلة الملاهي

والثاني لا يحرم لأن النهي الوارد إنما هو في الاستعمال لا الاتخاذ وليس كآلة الملاهي لأن اتخاذها يدعو إلى استعمالها لفقد ما يقوم مقامها بخلاف الأواني ولا أجرة لصنعته ولا أرش لكسره كآلة اللهو

فائدة جمع الإناء آنية كسقاء وأسقية وجمع الآنية أوان ووقع في الوسيط إطلاق الآنية على المفرد وليس بصحيح

ويحرم بيان تزيين الحوانيت والبيوت بآنية النقدين على الأصح في الروضة وشرح المهذب ويحرم تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب والفضة

( ويحل المموه ) أي المطلي بذهب أو فضة ومنه تمويه القول أي تلبيسه

فإن موه غير النقد كإناء نحاس وخاتم وآلة حرب منه بالنقد ولم يحصل منه شيء ولو بالعرض على النار أو موه النقد بغيره أو صدىء مع حصول شيء من المموه به أو الصدأ حل استعماله ( في الأصح ) لقلة المموه به في الأولى فكأنه معدوم ولعدم الخيلاء في الثانية فإن حصل شيء


30

من النقد في الأولى لكثرته أو لم يحصل شيء من غيره في الثانية لقلته حرم استعماله وكذا اتخاذه في الأصح أخذا مما سبق فالعلة مركبة من تضييق النقدين والخيلاء وكسر قلوب الفقراء والثاني يحرم ذلك للخيلاء وكسر قلوب الفقراء في الأولى والتضييق في الثانية

ويحرم تمويه سقف البيت وجدرانه وإن لم يحصل منه شيء بالعرض على النار وتحرم استدامته إن حصل منه شيء بالعرض عليها وإلا فلا

( و ) يحل ( النفيس ) بالذات من غير النقدين أي استعماله واتخاذه ( كياقوت ) وفيروزج وبلور بكسر الباء وفتح اللام ومرجان وعقيق والمتخذ من الطيب المرتفع كمسك وعنبر وعود ( في الأظهر ) لأنه لم يرد فيه نهي ولا يظهر فيه معنى السرف والخيلاء لكنه يكره والثاني يحرم للخيلاء وكسر قلوب الفقراء ورد بأن ذلك لا يعرفه إلا الخواص

أما النفيس بالصنعة كزجاج وخشب محكم الخرط والمتخذ من طيب غير مرتفع فيحل بلا خلاف

ومحل الخلاف أيضا في غير الخاتم أما هو فإنه جائز قطعا كما قاله في شرح المهذب

فائدة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من اتخذ خاتما فصه ياقوت نفي عنه الفقر قال ابن الأثير يريد أنه إذا ذهب ماله باع خاتمه فوجد به غنى قال والأشبه إن صح الحديث أن يكون لخاصية فيه كما أن النار لا تؤثر فيه ولا تغيره

وقيل من تختم به أمن من الطاعون وتيسرت له أسباب المعاش ويقوى قلبه وتهابه الناس ويسهل عليه قضاء الحوائج

وقيل إن الحجر الأسود من ياقوت الجنة فمسحه المشركون فاسود من مسحهم

وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عليا فصا من ياقوت وأمره أن ينقش عليه لا إله إلا الله ففعل وأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم لم زدت محمد رسول الله فقال والذي بعثك بالحق ما فعلت إلا ما أمرتني به فهبط جبريل عليه صلى الله عليه وسلم وقال يا محمد إن الله تعالى يقول لك أحببتنا فكتبت اسمنا ونحن أحببناك فكتبنا اسمك

( وما ضبب ) من إناء ( بذهب أو فضة ضبة كبيرة ) وكلها أو بعضها وإن قل ( لزينة حرم ) استعماله واتخاذه

وأصل الضبة أن ينكسر الإناء فيوضع على موضع الكسر نحاس أو فضة أو غيره لتمسكه ثم توسع الفقهاء فأطلقوه على إلصاقه به وإن لم ينكسر

( أو صغيرة بقدر الحاجة فلا ) يحرم للصغر ولا يكره للحاجة ولما رواه البخاري عن عاصم الأحول قال رأيت قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وكان قد انصدع أي انشق فسلسله بفضة أي شده بخيط فضة والفاعل هو أنس كما رواه البيهقي قال أنس لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا القدح أكثر من كذا وكذا

( أو صغيرة ) وكلها أو بعضها ( لزينة أو كبيرة ) كلها ( لحاجة جاز ) مع الكراهة فيهما ( في الأصح ) أما في الأولى فللصغر ولقدرة معظم الناس على مثلها وكره لفقد الحاجة وأما في الثانية فللحاجة وكره للكبر

والثاني يحرم نظرا للزينة في الأولى وللكبر في الثانية

( وضبة موضع الاستعمال ) لنحو شرب ( كغيره ) فيما ذكر من التفصيل ( في الأصح ) لأن الاستعمال منسوب إلى الإناء كله ولأن معنى العين والخيلاء لا يختلف بل قد تكون العين الزينة في غير موضع الاستعمال أكثر والثاني يحرم إناؤها مطلقا لمباشرتها بالاستعمال

( قلت المذهب تحريم ) إناء ( ضبة الذهب ) سواء أكان معه غيره أم لا ( مطلقا ) أي من غير تفصيل كما مر ( والله أعلم ) لأن الخيلاء فيه أشد من الفضة ولأن الحديث المار في الفضة ولا يلزم من جوازها جوازه لأنها أوسع بدليل جواز الخاتم للرجل منها

ومقابل المذهب أن الذهب كالفضة فيأتي فيه ما مر كما نقله الرافعي عن الجمهور

ومعنى الحاجة غرض إصلاح الكسر ولا يعتبر العجز عن التضبيب بغير الذهب والفضة لأن العجز عن غيرهما يبيح استعمال الإناء الذي كله ذهب أو فضة فضلا عن المضبب به

ومرجع الكبر والصغر العرف وقيل الكبيرة ما تستوعب جانبا من الإناء وقيل ما كانت جزءا كاملا كشفة أو أذن والصغيرة دون ذلك وقيل ما يلمع للناظر من بعد كبير وما لا فصغير فإن شك في كبرها فالأصل الإباحة قاله في المجموع

ويشكل على ذلك ما قالوه في باب اللباس من أنه لو شك في ثوب فيه حرير وغيره هل الأكثر حريرا أو لا أنه يحرم استعماله وكذا لو شك


31

في التفسير هل هو أكثر من القرآن أو لا فإنه يحرم على المحدث مسه وأجبت عن ذلك في شرح التنبيه

تنبيه قال الشارح وتوسع المصنف في نصب الضبة بفعلها نصب المصدر أي لأن انتصاب الضبة على المفعول المطلق فيه توسع على خلاف الأكثر فإن أكثر ما يكون المفعول المطلق مصدرا وهو اسم الحدث الجاري على الفعل كما هو معروف في محله نحو وكلم الله موسى تكليما

لكن قد ينوب عن المصدر في الانتصاب على المفعول المطلق أشياء منها ما يشارك المصدر في حروفه التي بنيت صيغته منها ويسمى المشارك في المادة وهو أقسام منها ما يكون اسم عين لا حدث كالضبة فيما نحن فيه ونحو قوله عز وجل والله أنبتكم من الأرض نباتا فضبة اسم عين مشارك لمصدر ضبب وهو التضبيب في مادته فأنيب منابه في انتصابه على المفعول المطلق

فائدة سئل فقيه العرب عن الوضوء من الإناء المعوج فقال إن أصاب الماء أي القليل تعويجه لم يجز وإلا جاز

والمراد به المضبب بالعاج وهو ناب الفيل ولا يسمى غيرنا به عاجا

وليس مرادهم بفقيه العرب شخصا معينا وإنما يذكرون ألغازا وملحا ينسبونها إليه وهو مجهول لا يعرف ونكرة لا يتعرف

تتمة تسمير الدراهم في الإناء كالتضبيب فيأتي فيه التفصيل السابق بخلاف طرحها فيه لا يحرم به استعمال الإناء مطلقا ولا يكره وكذا لو شرب بكفه وفي أصبعه خاتم أو في فمه دراهم أو شرب بكفه وفيها دراهم فإن جعل للإناء حلقة من فضة أو سلسلة منها أو رأسا جاز وإنما جاز ذلك في الرأس لأنه منفصل عن الإناء لا يستعمل قال الرافعي ولك منعه بأنه مستعمل بحسبه وإن سلم فليكن فيه خلاف الاتخاذ ويمنع بأن الاتخاذ يجر إلى الاستعمال المحرم بخلاف هذا

والمراد به ما يجعل في الكوز فهو قطعة فضة أما ما يجعل كالإناء ويغطى به فإنه يحرم أما الذهب فلا يجوز منه ذلك

ويسن إذا جن الليل تغطية الإناء ولو بعرض عود وإيكاء السقاء وإغلاق الأبواب مسميا لله تعالى في الثلاثة وكف الصبيان والماشية أول ساعة من الليل وإطفاء المصباح للنوم

خاتمة أواني المشركين إن كانوا لا يتعبدون استعمال النجاسة كأهل الكتاب فهي كآنية المسلمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة وتوضأ عمر من جر نصرانية والجر والجرار جمع جرة ويكره استعمالها لعدم تحرزهم

وإن كانوا يتدينون بإستعمال النجاسة كطائفة من المجوس يغتسلون ببول البقر تقربا ففي جواز استعمالها وجهان أخذ من القولين في تعارض الأصل والغالب ولكن يكره استعمال أوانيهم وملبوسهم وما يلي أسافهم أي مما يلي الجلد أشد وأواني مائهم أخف

ويجري الوجهان في أواني مدمني الخمر والقصابين الذين لا يحترزون من النجاسة والأصح الجواز أي مع الكراهة أخذا مما مر

باب أسباب الحدث

والمراد به عند الإطلاق كما هنا الأصغر غالبا

والأسباب جمع سبب وهو كل شيء يتوصل به إلى غيره وتقدم تعريف الباب والحدث لغة واصطلاحا والمراد بالحدث هنا الأسباب نفسها ولكن إضافتها إليه تقتضي تفسير الحدث بغير الأسباب إلا أن تجعل الإضافة بيانية والأصح أنه مختص بالأعضاء الأربعة لأن وجوب الغسل والمسح مختصان بها وأن كل عضو يرتفع حدثه بغسله في المغسول وبمسحه في الممسوح وإنما حرم مس المصحف بذلك العضو بعد غسله قبل تمام الطهارة لأنه لا يسمى متطهرا وقد قال تعالى لا يمسه إلا المطهرون وتعبيره كالمحرر بالأسباب أولى من التعبير بما ينقض الوضوء لأن الأصح أنه لا يقال انتقض الوضوء بل انتهى كما يقال انتهى الصوم لا بطل قال في الدقائق

لكن المصنف عبر بعد ذلك بالنقض بقوله فخرج المعتاد نقض ويؤول بمعنى انتهى الطهر به

قال الزمخشري وإنما بوب المصنفون في كل فن من كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم لأن القارىء إذا ختم بابا من كتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأبعث على الدرس والتحصيل بخلاف ما لو استمر على الكتاب بطوله ومثله المسافر إذا علم أنه قطع ميلا أو طوى فرسخا نفس ذلك


32

عنه ونشط للمسير ومن ثم كان القرآن الكريم سورا وجزأه القراء عشورا وأسباعا وأخماسا وأحزابا

وقدم المصنف تبعا لأصله هذا الباب على الوضوء كما قدم موجب الغسل على الغسل وهو ترتيب طبيعي وخالف في الروضة فقدم الوضوء ولم يقدم الغسل على موجبه لأن الإنسان يولد محدثا فيعرف الوضوء ثم ما ينتهي به ولا يولد جنبا فقدم موجب الغسل عليه

( هي ) أي الأسباب ( أربعة ) ثابتة بالأدلة الآتية وعلة النقض بها غير معقولة المعنى فلا يقاس عليها غيرها فلا نقض بالبلوغ بالسن ولا بمس الأمرد الحسن ولا بمس فرج البهيمة ولا بأكل لحم الجزور على المذهب في الأربعة وإن صحح المصنف الأخير منها من جهة الدليل ثم أجاب من جهة المذهب فقال أقرب ما يستروح إليه في ذلك قول الخلفاء الراشدين وجماهير الصحابة

ومما يضعف النقض به أن القائل به لا يعديه إلى شحمه وسنامه مع أنه لا فرق ولا بالقهقهة في الصلاة وإلا لما اختص النقض بها كسائر النواقض وما روي من أنها تنقض فضعيف ولا بالنجاسة الخارجة من غير الفرج كالفصد والحجامة لما روى أبو داود بإسناد صحيح أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حرسا المسلمين في غزوة ذات الرقاع فقام أحدهما يصلي فرماه رجل من الكفار بسهم فنزعه وصلى ودمه يجري وعلم النبي صلى الله عليه وسلم به ولم ينكره

وأما صلاته مع الدم فلقلة ما أصابه منه

ولا بشفاء دائم الحدث لأن حدثه لم يرتفع فكيف يصح عد الشفاء سببا للحدث مع أنه لم يزل ولا بنزع الخف لأن نزعه يوجب غسل الرجلين فقط على الأصح

( أحدها ) أي الأسباب ( خروج شيء ) عينا كان أو ريحا طاهرا أو نجسا جافا أو رطبا معتادا كبول أو نادرا كدم انفصل أو لا قليلا أو كثيرا طوعا أو كرها

( من قبله ) أي المتوضيء الحي الواضح ولو بخروج الولد أو أحد ذكرين يبول بهما أو أحد فرجين يبول بأحدهما ويحيض بالآخر فإن بال بأحدهما أو حاض به فقط اختص الحكم به

أما المشكل فإن خرج الخارج من فرجيه جميعا فهو محدث وإن خرج من أحدهما فالحكم كما لو خرج من ثقبة تحت المعدة مع انفتاح الأصلي وسيأتي أنه لا نقض بها

( أو ) خروج شيء من ( دبره ) أي المتوضيء الحي والأصل في ذلك قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط الآية والغائط المكان المطمئن من الأرض تقضى فيه الحاجة سمي باسمه الخارج للمجاورة

قال القاضي أبو الطيب وفي الآية تقديم وتأخير ذكره الشافعي عن زيد بن أسلم رضي الله تعالى عنهما تقديرها إذا قمتم إلى الصلاة من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم إلى قوله أو على سفر فيقال عقبه فلم تجدوا ماء فتيمموا قال وزيد من العالم بالقرآن

والظاهر أنه قدرها توقيفا مع أن التقدير فيها لا بد منه فإن نظمها يقتضي أن المرض والسفر حدثان ولا قائل به اه

وحديث الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال في المذي يغسل ذكره ويتوضأ وفيهما اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة قال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا

والمراد العلم بخروجه لا سمعه ولا شمه وليس المراد حصر الناقض في الصوت والريح بل نفي وجوب الوضوء بالشك في خروج الريح

ويقاس بما في الآية والأخبار كل خارج مما ذكر وإن لم تدفعه الطبيعة كعود خرج من الفرج بعد أن دخل فيه

وتعبير المصنف أولى من تعبير غيره بالسبيلين إذ للمرأة ثلاثة مخارج اثنان من قبلها وواحد من دبرها ولشموله ما لو خلق له ذكران فإنه ينتقض بالخارج من كل منهما كما مر وكذا لو خلق للمرأة فرجان كما ذكره في شرح المهذب

( إلا المني ) أي من الشخص نفسه الخارج منه أولا كأن أمنى بمجرد نظر أو احتلام ممكنا مقعده فلا ينقض الوضوء لأنه أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل بخصوصه أي بخصوص كونه منيا فلا يوجب أدونهما وهو الوضوء بعمومه أي بعموم كونه خارجا كزنا المحصن لما أوجب أعظم الحدين لكونه زنا المحصن فلا يوجب أدونهما لكونه زنا

وإنما أوجبه الحيض والنفاس مع إيجابهما الغسل لأنهما يمنعان صحة الوضوء فلا يجامعانه بخلاف خروج المني يصح معه الوضوء في صورة سلس المني فيجامعه

وفائدة عدم النقض تظهر فيما لو كان عليه حدث أصغر وغسل جنابة فاغتسل للجنابة ففي صحة صلاته خلاف فههنا تصح قطعا وفيما إذا فعل الوضوء قبل الغسل فإنه سنة

فإن قلنا ينقض نوى بالوضوء رفع الحدث الأصغر وإلا نوى سنة الغسل كما سيأتي تفصيل ذلك

أما مني غيره أو منيه إذ عاد فينقض خروجه لفقد العلة نعم لو ولدت ولدا جافا انتقض وضوؤها كما في فتاوى شيخي أخذا من قول المصنف إن صومها يبطل بذلك لأن الولد منعقد


33

من منيها ومني غيرها

( ولو انسد مخرجه ) أي الأصلي من قبل أو دبر بأن لم يخرج شيء منه وإن لم يحتلم ( وانفتح ) مخرج ندله ( تحت معدته ) وهي بفتح الميم وكسر العين على الأفصح مستقر الطعام وهي من السرة إلى الصدر كما قاله الأطباء والفقهاء واللغويون هذا حقيقتها والمراد بها هنا السرة

( فخرج ) معه ( المعتاد ) خروجه كبول ( نقض ) إذ لا بد للإنسان من مخرج يخرج منه ما تدفعه الطبيعة فأقيم هذا مقامه

( وكذا نادر كدود ) ودم ( في الأظهر ) لقيامه مقام الأصلي فكما ينقض الخارج النادر منه فكذلك هذا أيضا والثاني لا لأنا إنما أقمناه مقام الأصلي للضرورة ولا ضرورة في خروج غير المعتاد

وما تقرر من الإكتفاء بأحد المخرجين هو ظاهر كلام الجمهور وهو المعتمد وإن صرح الصيمري باشتراط انسدادها وقال لو انسد أحدهما فالحكم للباقي لا غير

( أو ) انفتح ( فوقها ) أي المعدة والمراد فوق تحتها كما في بعض النسخ أو فوقه أي فوق تحت المعدة حتى تدخل هي بأن انفتح في السرة أو بمحاذيها أو فيما فوق ذلك

( وهو ) أي الأصلي منسد أو تحتها وهو منفتح فلا ينقض الخارج منه ( في الأظهر ) أما في الأول فلأن ما يخرج من فوق المعدة أو منها أو من محاذيها لا يكون مما أحالته الطبيعة لأن ما تحيله تلقيه إلى أسفل فهو بالقيء أشبه وأما في الثانية فلا ضرورة إلى جعل الحادث مخرجا مع انفتاح الأصلي والثاني ينقض فيهما ولو نادرا

أما في الأولى فلأنه لا بد من مخرج وأما الثانية فلأنه كالمخرج المعتاد وحيث أقمنا المنفتح كالأصلي إنما هو بالنسبة للنقض بالخارج منه فلا يجزيء فيه الحجر ولا ينتقض الوضوء بمسه ولا يجب الغسل ولا غيره من أحكام الوطء بالإيلاج فيه ولا يحرم النظر إليه حيث كان فوق العورة قال الماوردي هذا من الانسداد العارض أما الخلقي فينقض معه الخارج من المنفتح مطلقا والمنسد حينئذ كعضو زائد من الخنثى لا وضوء بمسه ولا غسل بإيلاجه والإيلاج فيه

قال في المجموع ولم أر لغيره تصريحا بموافقته أو مخالفته وقال في نكته على التنبيه إن تعبيرهم بالانسداد يشعر بما قاله الماوردي اه

وظاهر كلام الماوردي أن الحكم حينئذ للمنفتح مطلقا حتى يجب الوضوء بمسه والغسل بإيلاجه والإيلاج فيه وغير ذلك وهو كذلك كما اعتمده شيخي وإن استبعده بعض المتأخرين

ومما يرد الاستبعاد أن الإنسان لو خلق له ذكر فوق سرته يبول منه ويجامع به ولا ذكر له سواه ألا ترى أنا نذير الأحكام عليه ولا ينبغي أن يقال إنا نجعل له حكم النقض فقط ولا حكم له غير ذلك

وخرج بقوله انفتح ما لو خرج من المنافذ الأصلية كالفم والأذن فإنه لا نقض بذلك كما هو ظاهر كلامهم

( الثاني زوال العقل ) أي التمييز بنوم أو غيره كإغماء وسكر وجنون وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم العينان وكاء السه فمن نام فليتوضأ رواه أبو داود وغيره وهو بسين مهملة مشددة مفتوحة وهاء حلقة الدبر والوكاء بكسر الواو والمد الخيط الذي يربط به الشيء والمعنى فيه أن اليقظة هي الحافظة لما يخرج والنائم قد يخرج منه الشيء ولا يشعر به وغير منوم مما ذكر أبلغ منه في الذهول الذي هو مظنة لخروج شيء من الدبر كما أشعر به الخبر

فإن قيل الأصل عدم خروج شيء فكيف عدل عنه وقيل بالنقض أجيب بأنه لما جعل مظنة لخروجه من غير شعور به أقيم مقام اليقين كما أقيمت الشهادة المفيدة للظن مقام اليقين في شغل الذمة ولهذا لم يعولوا على احتمال ريح يخرج من القبل لأن ذلك نادر

وخرج بزوال التمييز النعاس وحديث النفس وأوائل نشوة السكر فلا نقض بها

ومن علامات النوم الرؤيا ومن علامات النعاس سماع كلام الحاضرين وإن لم يفهمه

ولو شك هل نام أو انعكس أو نام ممكنا أو لا لم ينتقض ولو تيقن الرؤيا وشك في النوم انتقض لما مر أنها من علاماته

والعقل لغة المنع لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب الفواحش ولذا قيل إن العقل لا يعطى لكافر إذ لو كان له عقل لآمن إنما يعطى الذهن لما روى الترمذي أن رجلا قال يا رسول الله ما أعقل فلانا النصراني فقال مه إن الكافر لا عقل له أما سمعت قوله تعالى وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير وأجاب الجمهور بحمل هذا على العقل النافع

وأما اصطلاحا فأحسن ما قيل فيه إنه صفة يميز بها بين الحسن والقبيح وعن الشافعي أنه آلة التمييز

وقيل هو غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات وقيل غير ذلك

واختلف في محله فقال أصحابنا وجمهور المتكلمين إنه في القلب وقال أصحاب أبي حنيفة وأكثر الأطباء إنه في الدماغ وسيأتي في الجنايات


34

إن شاء الله تعالى أنه لا قصاص فيه للاختلاف في محله

( إلا نوم ممكن مقعده ) أي ألييه من مقره من أرض أو غيرها فلا ينقض وضوؤه ولو مستندا إلى ما لو زال لسقط لا من خروج شيء حينئذ من دبره

ولا عبرة باحتمال خروج ريح من قبله لأنه نادر كما مر ومثل ذلك ما لو نام متمكنا بالمنفتح الناقض كما يؤخذ من كلام التنبيه ولقول أنس رضي الله تعالى عنه كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضأون رواه مسلم وفي رواية لأبي داود ينامون حتى تخفق رؤوسهم الأرض وحمل على نوم الممكن جمعا بين الحديثين

ودخل في ذلك ما لو نام محتبيا وأنه لا فرق بين النحيف وغيره وهو ما صرح به في الروضة وغيرها وقال ابن الرفعة إنه المذهب

ونقل الرافعي في الشرح الصغير عن الروياني أن النحيف ينتقض وضوؤه وقال الأذرعي إنه الحق

وجمع شيخي بينهما بأن عبارة الروضة محمولة على نحيف لم يكن بين مقره ومقعده تجاف والشرح على خلافه وهو جمع حسن لكن عبارة الشرح الصغيرة بين بعض مقعده ومقره تجاف فيكون الفرق التجافي الكامل

ولا تمكين لمن نام على قفاه ملصقا مقعده بمقره وكذا لو تحفظ بخرقة ونام غير قاعد

ولو نام متمكنا فسقطت يده على الأرض لم ينتقض ما لم تزل أليته عن التمكن

ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه لا ينتقض وضوؤه بنومه مضطجعا كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب النكاح

ويستحب الوضوء من النوم متمكنا خروجا من الخلاف بالنوم غيره مما ذكر معه فينتقض الوضوء به مطلقا

فائدة قال الغزالي الجنون يزيل العقل والإغماء يغمره والنوم يستره ولهذا قال بعضهم لو عبر المصنف بالغلبة على العقل ليكون الاستثناء متصلا لكان أحسن

ويندفع ذلك بما حملت عليه عبارته تبعا للشارح

( الثالث التقاء بشرتي الرجل والمرأة ) لقوله تعالى أو لامستم النساء أي لمستم كما قريء به فعطف اللمس على المجيء من الغائط ورتب عليهما الأمر بالتيمم عند فقد الماء فدل على أنه حدث كالمجيء من الغائط لا جامعتم لأنه خلاف الظاهر إذ اللمس لا يختص بالجماع قال تعالى فلمسوه بأيديهم وقال صلى الله عليه وسلم لعلك لمست

ولا فرق في ذلك بين أن يكون بشهوة أو إكراه أو نسيان أو يكون الذكر ممسوحا أو خصيا أو عنينا أو المرأة عجوزا شوهاء أو كافرة بتمجس أو غيره أو حرة أو رقيقة أو العضو زائدا أو أصليا سليما أو أشل أو أحدهما ميتا لكن لا ينتقض وضوء الميت أولا

واللمس الجس باليد والمعنى فيه أنه مظنة ثوران الشهوة ومثله في ذلك باقي صور الالتقاء فألحق به بخلاف النقض بمس الفرج كما سيأتي فإنه يختص ببطن الكف لأن المس إنما يثير الشهوة ببطن الكف واللمس يثيرها به وبغيره والبشرة ظاهر الجلد وفي معناها اللحم كلحم الأسنان واللسان واللثة وباطن العين وخرج ما إذا كان على البشرة حائل ولو رقيقا

نعم لو كثر الوسخ على البشرة من العرق فإن لمسه ينقض لأنه صار كالجزء من البدن بخلاف ما إذا كان من غبار والسن والشعر والظفر كما سيأتي وبالرجل والمرأة الرجلان والمرأتان والخنثيان والخنثى مع الرجل أو المرأة ولو بشهوة لانتفاء مظنتها ولاحتمال التوافق في صور الخنثى والعضو المبان كما سيأتي

والمراد بالرجل الذكر إذا بلغ حدا يشتهي لا البالغ وبالمرأة الأنثى إذا بلغت كذلك لا البالغة

ولو لمست المرأة ذكر أجنبيا أو الرجل امرأة أجنية هل ينتقض وضوء الآدمي أو لا ينبغي أن ينبني ذلك على صحة مناكحتهم وفي ذلك خلاف يأتي في النكاح إن شاء الله تعالى

( إلا محرما ) له بنسب أو رضاع أو مصاهرة فلا ينقض لمسها ولو بشهوة ( في الأظهر ) لأنها ليست مظنة للشهوة بالنسبة إليه كالرجل

وهي من حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها كما سيأتي في النكاح إن شاء الله تعالى والثاني تنقض لعموم الآية

والقولان مبنيان على أنه هل يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه أو لا والأصح الجواز وقيل لا ينتقض المحرم من النسب وينقض من غيره

ولا يرد على ذلك زوجات النبي صلى الله عليه وسلم لأن تحريمهن لحرمته صلى الله عليه وسلم لا لحرمتهن ولذلك قال بعض المتأخرين ولا يورد ذلك على الضابط إلا قليل الفطنة

ولو شك في المحرمية لم ينتقض وضوؤه لأن الأصل الطهارة

وظاهر كلامهم أن الحكم كذلك وإن اختلطت محرمة بأجنبيات غير محصورات وهو كذلك فقول الزركشي أن اللمس في هذه الحالة ينقض لأنه لو نكحها جاز بعيد لأن الطهر لا يرفع بالشك ولا بالظن كما سيأتي والنكاح لو منع منه لأنسد عليه باب النكاح نعم إن تزوج بواحدة منهن انتقض وضوؤه بلمسها لأن الحكم لا يتبعض ومثل


35

ذلك ما لو تزوج بامرأة مجهولة النسب واستلحقها أبوه ولم يصدقه فإن النسب يثبت فتصير أختا له ولا ينفسخ نكاحه وينتقض وضوؤه بلمسها لما تقدم

وما لو شك هل رضع من هذه المرأة خمس رضعات فتصير أمه أو لا وما لو شك هل رضعت هذه المرأة على أمه خمس رضعات فتصير أخته أو لا فيأتي في ذلك التفصيل المذكور وهو أن لمسهما لا ينقض وضوءه إن لم يتزوج بها لأنا لا ننقض الطهارة بالشك وإذا تزوج بها لا نبعض الأحكام كما أفتى بذلك شيخي

( والملموس ) وهو من لم يوجد منه فعل اللمس رجلا كان أو امرأة ( كلامس ) في نقض وضوئه ( في الأظهر ) لاستوائهما في لذة اللمس كالمشتركين في لذة الجماع فهما كالفاعل والمفعول والثاني لا وقوفا مع ظاهر الآية وكما في مس ذكر غيره

وفرق المتولي بأن الملامسة مفاعلة ومن لمس إنسانا فقد حصل من الآخر اللمس له وأما الملموس فلم يحصل منه مس الذكر وإنما حصل له مس اليد والشارع أناط الحكم بمس الذكر

وأجيب عما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفراش ليلة فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في سجوده وهما منصوبتان وهو يقول اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك باحتمال الحائل

واعترض على المصنف لأنه لم يتقدم للامس حكم ليحيل عليه فإن الالتقاء يشمل اللامس والملموس فإن فرض الالتقاء منها دفعة بحركتهما فإنهما حينئذ لامسان صح ولكنهما صورة نادرة لا شعور للفظه بها فتبعد الإحالة عليها

( ولا تنقض صغيرة ) ولا صغير لم يبلغ كل منهما حدا يشتهي عرفا

وقيل من له سبع سنين فما دونها لانتفاء مظنة الشهوة بخلاف ما إذا بلغاها وإن انتفت بعد ذلك لنحو هرم كما تقدمت الإشارة إليه

( و ) لا ( شعر ) بفتح العين وسكونها ( وسن وظفر ) بضم أوله مع إسكان الفاء وضمها وبكسره مع إسكانها وكسرها ويقال فيه أظفور كعصفور ويجمع على أظافر وأظافير

وعظم إذا كانت هذه المذكورات متصلات

( في الأصح ) لأن معظم الالتذاذ في هذه الحالة إنما هو بالنظر دون اللمس والثاني تنقض أما في الصغيرة فلعموم الآية وأما في البواقي فقياسا على سائر أجزاء البدن

ويستحب الوضوء من لمس ذلك خروجا من الخلاف أما إذا انفصلت فلا تنقض قطعا ولا ينقض العضو المبان غير الفرج

ولو قطعت المرأة نصفين هل ينقض كل منهما أو لا وجهان والأقرب عدم الانتقاض

قال الناشري وكان أحد الجزءين أعظم نقض دون غيره اه

والذي يظهر أنه إن كان بحيث يطلق عليه اسم امرأة نقض وإلا فلا وإن كنت جريت على كلامه في شرح التنبيه

أما الفرج فسيأتي وتقدم أنه ينتقض الوضوء بلمس الميت ووقع للمصنف في رؤوس المسائل أنه رجح عدم النقض بلمس الميتة والميت وعد من السهو ونقل ابن الرفعة في كفايته عن الرافعي عدم النقض بلمس الميت ونسب للوهم

( الرابع مس قبل الآدمي ) ذكرا كان أو أنثى من نفسه أو غيره متصلا أو منفصلا

( ببطن الكف ) من غير حائل لخبر من مس فرجه فليتوضأ رواه الترمذي وصححه ولخبر ابن حبان إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ والإفضاء لغة المس ببطن الكف فثبت النقض في فرج نفسه بالنص فيكون في فرج غيره أولى لأنه أفحش لهتك حرمة غيره ولهذا لا يتعدى النقض إليه

وقيل فيه خلاف الملموس وتقدم الفرق بينهما

وأما خبر عدم النقض بمس الفرج فقال ابن حبان وغيره إنه منسوخ والمراد بالمس مس جزء من الفرج بجزء من بطن الكف وبطن الكف الراحة مع بطون الأصابع والأصبع الزائدة إن كانت على سنن الأصابع انتقض بالمس بها وإلا فلا خلافا لما نقله في المجموع عن الجمهور من إطلاق النقض بها

والكف مؤنثة وسميت كفا لأنها تكف عن البدن الأذى

وبفرج المرأة ملتقى الشفرين على المنفذ فلا نقض بمس الأنثيين ولا باطن الأليين ولا ما بين القبل والدبر ولا العانة

وما أفنى به القفال من أن من مس شعر الفرج ينقض ضعيف ومس بعد الذكر المبان كمس كله إلا ما قطع في الختان إذ لا يقع عليه اسم الذكر قاله الماوردي

وأما قبل المرأة والدبر فالمتجه أنه إن بقي بعد اسمها قطعهما نقض مسهما وإلا فلا لأن الحكم منوط بالاسم

ويؤخذ من ذلك أن الذكر لو قطع ودق حتى صار لا يسمى ذكرا ولا بعضه أنه لا ينقض وهو كذلك

ومن له كفان نقضتا بالمس سواء أكانتا عاملتين أم غير عاملتين لا زائدة مع عاملة فلا تنقض على الأصح في الروضة بل الحكم للعاملة فقط وصحح في التحقيق النقض


36

بغير العامل أيضا وعزاه في المجموع لإطلاق الجمهور ثم نقل الأول عن البغوي فقط

وجمع ابن العماد بين الكلامين فقال كلام الروضة فيما إذا كان الكفان على معصمين وكلام التحقيق فيما إذا كانتا على معصم واحد أي وكانت على سمت الأصلية كالأصبع الزائدة وهو جمع حسن ومن له ذكر أن نقض المس بكل منهما سواء أكانا عاملين أم غير عاملين لا زائدة مع عامل ومحله كما قال الإسنوي نقلا عن الفوزاني إذا لم يكن مسامتا للعامل وإلا فهو كأصبع زائدة مسامتة للبقية فتنقض

( وكذا في الجديد حلقة دبره ) أي الآدمي لأنه فرج وقياسا على القبل بجامع النقض بالخارج منهما

والقديم لا نقض بمسها لأنه لا يلتذ بمسها والمراد بها ملتقى المنفذ لا ما وراءه جزما

ولام حلقة ساكنة وحكى فتحها

( لا فرج بهيمة ) وطير أي لا ينقض مسه في الجديد قياسا على عدم وجوب ستره وعدم تحريم النظر إليه والقديم وحكاه جمع جديد أنه ينقض لأنه كفرج الآدمي في وجوب الغسل بالإيلاج فيه فكذا في المس

( وينقض فرج الميت والصغير ) لشمول الاسم

( ومحل الجب ) أي القطع للفرج لأنه أصل الفرج

( والذكر الأشل ) وهو كما سيأتي في الجنايات الذي ينقض ولا ينبسط أو بالعكس وينبغي أن يكون مثل ذلك الفرج الأشل

( وباليد الشلاء ) وهي التي بطل عملها ( في الأصح ) لأن محل الجب في معنى الفرج

ومحل الخلاف إذا جب الذكر من أصله فإن بقي منه شاخص نقض قطعا ولشمول الاسم في الباقي

والثاني لا تنقض المذكورات لانتفاء الفرج في محل الجب ولانتفاء مظنة الشهوة في غيره

قال في المجموع ولو نبت موضع الجب جلدة فمسه كمسه بلا جلدة هذا كله إذا كان الممسوس واضحا فإن كان مشكلا فإما أن يكون الماس له واضحا أو مشكلا وفي ذلك تفصيل وهو أنه إن مس مشكل فرجي مشكل أو فرجي مشكلين بأن مس آلة الرجال من أحدهما وآلة النساء من الآخر أو فرجي نفسه انتقض وضوؤه لأنه مس في غير الثانية ومس أو لمس في الثانية الصادقة بمشكلين غيره وبنفسه ومشكل آخر ولكن يعتبر فيها أن لا يمنع من النقض مانع من محرمية أو غيرها ولا ينتقض بمس أحدهما فقط لاحتمال زيادته

ولو مس أحدهما وصلى الصبح مثلا ثم مس الآخر وصلى الظهر مثلا أعاد الأخرى إن لم يتوضأ بين المسين عن حدث أو عن مس احتياطا ولم يظهر له الحال لأنه محدث عندها قطعا بخلاف الصبح إذ لم يعارضها شيء

وإن مس رجل ذكر خنثى أو مست امرأة فرجه انتقض وضوء الماس إذا لم يكن بينهما محرمية أو غيرها مما يمنع النقض كما علم مما مر لأنه إن كان مثله فقد انتقض وضوؤه بالمس وإلا فباللمس بخلاف ما إذا مس الرجل فرج الخنثى والمرأة ذكره فإنه لا نقض لاحتمال زيادته

ولو مس أحد مشكلين ذكر صاحبه والآخر فرجه أو فرج نفسه انتقض واحد منهما لا بعينه لأنهما إن كانا رجلين فقد انتقض لماس الذكر أو امرأتين فلماس الفرج أو مختلفين فكليهما باللمس إذا لم يكن بينهما ما يمنع النقض كما مر إلا أن هذا غيره متعين فلم يتعين الحدث فيهما فلكل أن يصلي

وفائدته أنه إذا اقتدت امرأة بواحد في صلاة لا تقتدي بالآخر

( ولا ينقض رأس الأصابع وما بينها ) وجرفها وحرف الكف لخروجها عن سمت الكف

وضابط ما ينقض ما يستر عند وضع أحد اليدين على الأخرى مع تحامل يسير

وما المراد ببين الأصابع وحرفها فقيل بينهما النقر التي بينها وحرفها وجوانبها وقيل حرفها جانب الخنصر والسبابة والإبهام وما عداها بينها والأول أوجه

( ويحرم بالحدث ) حيث لا عذر

( الصلاة ) بأنواعها بالإجماع وحديث الصحيحين لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ

والقبول يقال لحصول الثواب ولوقوع الفعل صحيحا وهو المراد هنا بقرينة الإجماع فالمعنى لا تصح صلاة إلا بوضوء ومنها صلاة الجنازة لكن فيها خلاف للشعبي و ابن جرير الطبري وفي معناها سجدتا التلاوة والشكر وخطبة الجمعة

أما عند العذر فلا تحرم بل قد تجب كأن فقد الماء والتراب وضاق الوقت فالمراد بالحدث هنا المنع المترتب على ما ينتهي به الوضوء

( والطواف ) فرضه ونفله في ضمن نسك أو غيره لقوله صلى الله عليه وسلم الطواف صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام فمن تكلم لا يتكلم إلا بخير رواه الحاكم عن ابن عباس وقال صحيح الإسناد

وقيل يصح طواف الوداع بلا طهارة ووقع في الكفاية نقله في طواف القدوم ونسب للوهم

( وحمل المصحف ) بتثليث ميمه لكن الفتح غريب

( ومس ورقه ) المكتوب فيه وغيره بأعضاء الوضوء أو بغيرها


37

ولو كان فاقدا للطهورين أو مسه من وراء حائل كثوب رقيق لا يمنع وصول اليد إليه أو مس ما كان منسوخ الحكم دون التلاوة

قال تعالى لا يمسه إلا المطهرون أي المتطهرون هو خبر بمعنى النهي

ولو كان باقيا على أصله لزم الخلف في كلامه تعالى لأن غير المطهر يمسه

وقال صلى الله عليه وسلم لا يمس القرآن إلا طاهر رواه الحاكم وقال إسناده على شرط الصحيح والحمل أبلغ من المس

نعم يجوز حمله لضرورة كخوف عليه من غرق أو حرق أو نجاسة أو وقوعه في يد كافر ولم يتمكن من الطهارة بل يجب أخذه حينئذ كما ذكره في التحقيق وشرح المهذب فإن قدر على التيمم وجب وخرج بالصحف غيره كتوراة وإنجيل ومنسوخ تلاوة من القرآن وإن لم ينسخ حكمه فلا يحرم لزوال حرمتها بالنسخ بل وبالتبديل في الأولين

قال المتولي فإن الظن أن في التوراة ونحوها غير مبدل كره مسه

( وكذا جلده ) المتصل به يحرم مسه بما ذكر ( على الصحيح ) لأنه كالجزء منه ولهذا يتبعه في البيع

والثاني يجوز لأنه ليس جزءا متصلا حقيقة فإن انفصل عنه فقضية كلام البيان حل مسه وبه صرح الإسنوي وفرق بينه وبين حرمة الاستنجاء بأن الاستنجاء أفحش

ونقل الزركشي عن الغزالي أنه يحرم مسه أيضا ولم ينقل ما يخالفه

وقال ابن العماد إنه الأصح إبقاء لحرمته قبل انفصاله اه

وهذا هو المعتمد إذا لم تنقطع نسبته عن المصحف فإن انقطعت كأن جعل جلد كتاب لم يحرم مسه قطعا كما قاله شيخنا

( وخريطة ) وهي وعاء كالكيس من أدم وغيره

( وصندوق ) وهو بضم الصاد وفتحها وعاء معروف معدان للمصحف كما قاله ابن المقري

( فيهما مصحف ) يحرم مسهما بما ذكر في الأصح لأنهما لما كانا معدين له كانا كالجلد وإن لم يدخلا في بيعه والعلاقة كالخريطة والثاني يجوز مسهما لأن الأدلة وردت في المصحف وهذه خارجة عنه ولهذا لا يجوز تحليتهما جزما وإن جوزنا تحلية المصحف وفرق الأول بالاحتياط في الموضعين

ومحل الخلاف في المس كما تفهمه عبارته

أما الحمل فيحرم قطعا

أما إذا لم يكن المصحف فيهما أو هو فيهما ولم يعدا له فلا يحرم مسهما

( وما كتب لدرس قرآن ) ولو بعض آية ( كلوح ) يحرم مسه بما ذكر ( في الأصح ) لأن القرآن قد أثبت فيه للدراسة فأشبه المصحف والثاني يجوز مسه لأنه لا يراد للدوام كالمصحف

أما ما كتب لغير الدراسة كالتميمة وهي ورقة يكتب فيها شيء من القرآن وتعلق على الرأس مثلا للتبرك والثياب التي يكتب عليها والدراهم كما سيأتي فلا يحرم مسها ولا حملها لأنه صلى الله عليه وسلم كتب كتابا إلى هرقل وفيه يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الآية ولم يأمر حاملها بالمحافظة على الطهارة

وتكره كتابة الحروز وتعليقها إلا إذا جعل عليها شمح أو نحوه

ويستحب التطهر لحمل كتب الحديث ومسها

( والأصح حل حمله ) أي القرآن ( في ) متاع كما عبر به في الروضة أو ( أمتعة ) تبعا لما ذكر إذا لم يكن مقصودا بالحمل بأن قصد حمل غيره أو لم يقصد شيئا لعدم الإخلال بتعظيمه حينئذ

ويؤخذ من ذلك جواز حمل حامل المصحف بخلاف ما إذا كان مقصودا بالحمل ولو مع الأمتعة فإنه يحرم وإن كان ظاهر كلام الشيخين يقتضي الحل في هذه الصورة كما لو قصد الجنب القراءة وغيرها

والثاني يحرم تغليبا للحرمة ولأنه ممنوع عند الانفراد فمنع مع التبعية كحامل النجاسة في الصلاة

فرع لو حمل مصحفا مع كتاب

في جلد واحد فحكم حمله حكم المصحف مع المتاع ففيه التفصيل وأما مس الجلد فيحرم مس الساتر للمصحف دون ما عداه كما أفتى بذلك شيخي

( و ) في ( تفسير ) سواء تميزت ألفاظه بلون أم لا إذا كان التفسير أكثر من القرآن لعدم الإخلال بتعظيمه حينئذ وليس هو في معنى المصحف

بخلاف ما إذا كان القرآن أكثر منه لأنه في معنى المصحف أو كان مساويا له كما يؤخذ من كلام التحقيق

والفرق بينه وبين الحمل فيما إذا استوى الحرير مع غيره أن باب الحرير أوسع بدليل جوازه للنساء وفي بعض الأحوال للرجال كبرد

قال بعض المتأخرين والظاهر أن العبرة بالقلة والكثرة باعتبار الحروف لا الكلمات وأن العبرة في الكثرة وعدمها في المس بحالة موضعه وفي الحمل بالجميع اه

وظاهر كلام الأصحاب حيث كان التفسير أكثر لا يحرم مسه مطلقا

قال في المجموع لأنه ليس بمصحف أي ولا في معناه كما قاله شيخنا

وقياس ما قاله في الأنوار من أنه لو شك هل الحرير أكثر أو لا أنه يحرم لبسه أنه يحرم هنا عند الشك في


38

أن القرآن أقل أو لا بل أولى كما يؤخذ من الفرق وحيث لم يحرم حمل التفسير ولامسه بلا طهارة كرها

( و ) في دراهم و ( دنانير ) كالأحدية لأنها المقصودة دونه والثاني يحرم لإخلاله بالتعظيم

( لا ) حل ( قلب ورقه ) أي المصحف ( بعود ) ونحوه فإنه ممنوع في الأصح لأنه نقل للورقة فهو كحملها والثاني لا يحرم لما سيأتي

واحترز بذلك عما لو لف كمه على يده وقلب الأوراق بها فإنه يحرم قطعا

قال في المجموع وفرقوا بينه وبين العود بأن الكم متصل به وله حكم أجزائه في منع السجود عليه وغيره

وقال إمام الحرمين ولأن التقليب يقع باليد لا بالكم اه وعلى كلام إمام الحرمين وهو الظاهر إذا قلبه بكمه فقط كان فتله وقلب به فهو كالعود

( و ) الأصح ( أن الصبي ) المميز ( المحدث ) ولو حدثا أكبر كما في فتاوى المصنف ( لا يمنع ) من مس ولا من حمل لوح ولا مصحف يتعلم منه أي لا يجب منعه من ذلك لحاجة تعلمه ومشقة استمراره متطهرا بل يستحب

وقضية كلامهم أن محل ذلك في الحمل المتعلق بالدراسة فإن لم يكن لغرض أو كان لغرض آخر منع منه جزما كما قاله في المهمات وإن نازع في ذلك ابن العماد

وأما غير المميز فيحرم تمكينه في ذلك لئلا ينتهكه

( قلت الأصح حل قلبه ) أي ورق المصحف ( بعود ) ونحوه ( وبه قطع العراقيون والله أعلم ) قال في الروضة لأنه ليس بحامل ولا ماس

قال الأذرعي والقياس أنه إن كانت الورقة قائمة فصفحها بعود جاز وإن احتاج في صفحها إلى رفعها حرم لأنه حامل لها اه

وما قاله علم من التعليل

فوائد يكره كتب القرآن على حائط ولو لمسجد وثياب وطعام ونحو ذلك ويجوز هدم الحائط ولبث الثوب وأكل الطعام ولا يضر ملاقاته ما في المعدة بخلاف ابتلاع قرطاس عليه اسم الله تعالى فإنه يحرم

ولا يكره كتب شيء من القرآن في إناء ليسقى ماؤه للشفاء خلافا لما وقع لابن عبد السلام في فتاويه من التحريم

وأكل الطعام كشرب الماء فلا كراهة فيه

ويكره إحراق خشب نقش بالقرآن إلا إن قصد به صيانة القرآن فلا يكره كما يؤخذ من كلام ابن عبد السلام وعليه يحمل تحريق عثمان رضي الله تعالى عنه المصاحف

ويحرم كتب القرآن أو شيء من أسمائه تعالى بنجس وعلى نجس ومسه به إذا كان غير معفو عنه كما في المجموع لا بطاهر من متنجس

ويحرم الوطء على فراش أو خشب نقش بالقرآن كما في الأنوار أو بشيء من أسمائه تعالى

ولو خيف على مصحف تنجس أو كافر أو تلف بنحو غرق أو ضياع ولم يتمكن من تطهره جاز له حمله مع الحدث في الأخيرة ووجب في غيرها صيانة له كما مرت الإشارة إليه

ويحرم السفر به إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم وتوسده وإن خاف سرقته وتوسد كتب علم محترم إلا لخوف من نحو سرقة نعم إن خاف على المصحف من تلف نحو حرق أو تنجس أو كافر جاز له أن يتوسده بل يجب عليه

ويستحب كتبه وإيضاحه ونقطه وشكله ويجوز كتب آيتين ونحوهما إليهم في أثناء كتاب كما علم مما مر

ويمنع الكافر من مسه لا سماعه ويحرم تعليمه وتعلمه إن كان معاندا وغير المعاند إن رجي إسلامه جاز تعليمه وإلا فلا

وتكره القراءة بفم متنجس وتجوز بلا كراهة بحمام وطريق إن لم يتله عنها وإلا كرهت

والقراءة أفضل من ذكر لم يخص بمحل فإن خص به بأن ورد الشرع به فيه فهو أفضل منها

ويندب أن يتعوذ لها جهرا إن جهر بها في غير الصلاة أما في الصلاة فيسر مطلقا

ويكفيه تعوذ واحد ما لم يقطع قراءته بكلام أو فصل طويل كالفصل بين الركعات وأن يجلس وأن يستقبل وأن يقرأ بتدبر وتخشع وأن يرتل وأن يبكي عند القراءة

والقراءة نظرا في المصحف أفضل منها عن ظهر قلب إلا إن زاد خشوعه وحضور قلبه في القراءة عن ظهر غيب فهي أفضل في حقه

وتحرم بالشاذ في الصلاة وخارجها وهو ما نقل آحادا قرآنا ك أيمانهما في قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما وهو عند جماعة منهم المصنف ما وراء السبعة أبي عمرو ونافع وابن كثير وعامر وعاصم وحمزة والكسائي

وعند آخرين منهم البغوي ما وراء العشرة السبعة السابقة وأبي جعفر ويعقوب وخلف

قال في المجموع وإذا قرأ بقراءة من السبع استحب أن يتم القراءة بها فلو قرأ بعض الآيات بها وبعضها بغيرها من السبع جاز بشرط أن لا يكون ما قرأه بالثانية مرتبطا بالأول وبعكس الآي لا بعكس السور ولكن


39

تكره إلا في تعليم لأنه أسهل للتعليم

ويحرم تفسير القرآن بلا علم

ونسيانه أو شيء منه كبيرة والسنة أن يقول أنسيت كذا لانسيته ويندب ختمه أول نهار أو ليل والدعاء بعده وحضوره والشروع بعده في ختمة أخرى وكثرة تلاوته

وقد أفرد الكلام على ما يتعلق بالقرآن بالتصانيف وفيما ذكرته تذكرة لأولي الألباب

( ومن تيقن طهرا أو حدثا وشك ) أي تردد باستواء أو رجحان كما في الدقائق ( في ضده ) هل طرأ عليه أو لا ( عمل بيقينه ) لأن اليقين لا يزول بالشك لخبر مسلم إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أو لا فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا

فمن ظن الضد لا يعمل بظنه لأن ظن استصحاب اليقين أقوى منه

فعلم بذلك أن المراد باليقين استصحابه وإلا فاليقين لا يجامعه شك

وأما قول الرافعي يعمل بظن الطهر بعد تيقن الحدث فمراده أن الماء المظنون طهارته بالاجتهاد مثلا يرفع يقين الحدث

وحمله على هذا وإن كان بعيدا أولى من حمله على أن ظن الطهر يرفع يقين الحدث الذي حمله عليه ابن الرفعة وغيره وقال لم أره لغير الرافعي وأسقطه المصنف من الروضة وقال النسائي إنه معدود من أوهامه

( فلو تيقنهما ) أي الطهر والحدث بأن وجدا منه بعد الشمس مثلا

( وجهل السابق ) منهما ( فضد ما قبلهما ) يأخذ به ( في الأصح ) فإن كان قبلهما محدثا فهو الآن متطهر اعتاد تجديد الطهارة أم لا لأنه تيقن الطهارة وشك في تأخر الحدث عنها والأصل عدمه وإن كان قبلهما متطهرا فهو الآن محدث لأنه تيقن الحدث وشك في تأخر الطهارة عنه والأصل عدمه

هذا إن اعتاد تجديد الطهارة وإن لم تطرد عادته أما إذا لم يعتد التجديد فهو متطهر لأن الظاهر تأخرها عن الحدث فإن تذكر أنه كان قبلهما متطهرا أو محدثا أخذ بما قبل الأولين عكس ما مر قاله في البحر قال وهما في المعنى سواء

والحاصل أنه إن كان الوقت الذي وقع فيه الإشتباه وترا أخذ بالضد أو شفعا فبالمثل بعد اعتبار التجديد وعدمه فإن جهل ما قبلهما وجب الوضوء لتعارض الاحتمالين بلا مرجح

ولا سبيل إلى الصلاة مع الترددالمحض في الطهارة وهذا فيمن يعتاد التجديد أما غيره فيأخذ بالطهارة مطلقا كما مر فلا أثر لتذكره

والوجه الثاني لا ينظر إلى ما قبلهما ويلزمه الوضوء بكل حال احتياطا وصححه المصنف في شرحي المهذب والوسيط واختاره في التحقيق وغيره وقال في الروضة إنه الصحيح عند جماعات من محققي أصحابنا وقال في المهمات إنه المفتى به لذهاب الأكثرين إليه أي ولأن ما قبل الشمس بطل يقينا وما بعده معارض ولا بد من طهر معلوم أو مظنون

ومع هذا فالأول هو المعتمد كما صححه في الروضة والتحقيق

فائدة قال القاضي حسين إن مبنى الفقه على أربع قواعد اليقين لا يزال بالشك والضرر يزال والعادة محكمة والمشقة تجلب التيسير

قال بعضهم والأمور بمقاصدها

ثم قال بني الإسلام على خمس والفقه على خمس

وقال ابن عبد السلام يرجع الفقه كله إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد

وقال السبكي بل إلى اعتبار المصالح فقط لأن درء المفاسد من جملتها

وموجب الطهارة وضوءا وغسلا هل هو الحدث أو القيام إلى الصلاة ونحوها أو هما أوجه أصحها ثالثها

فصل في أداب الخلاء

وفي الاستنجاء وقد بدأ بالأول منهما فقال ( يقدم ) ندبا ( داخل الخلاء يساره ) بفتح الياء أفصح من كسرها

( والخارج يمينه ) على العكس من المسجد لأن كل ما كان من التكريم يبدأ فيه باليمين وخلافه باليسار لمناسبة اليسار للمستقذر واليمين لغيره

وقد روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه إن من بدأ برجله اليمنى قبل يساره إذا دخل الخلاء ابتلي بالفقر وفي معنى الرجل بدلها من أقطعها

والخلاء بالمد المكان الخالي نقل إلى البناء المعد لقضاء الحاجة عرفا

قال الترمذي سمي باسم شيطان فيه يقال له خلاء وأورد فيه حديثا وقيل لأنه يتخلى فيه أي يتبرز وجمعه أخلية كرداء وأردية ويسمى أيضا المرفق والكنيف والمرحاض وتعبيره به وبالدخول جرى على الغالب فلا مفهوم له كما في قوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم فيقدم يساره إلى موضع جلوسه في الصحراء ويمناه عند منصرفه

ودناءة الموضع قبل قضاء الحاجة فيه تحصل بمجرد قصد قضائها فيه كالخلاء الجديد قبل أن يقضي فيه أحد حاجته وقياس ذلك أن يكون الحكم في الصلاة في الصحراء هكذا أيضا فيقدم اليمين للموضع الذي اختاره للصلاة

ويندب


40

أن يعد أحجار الاستنجاء إن أراد الاستنجاء بها لخبر إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن

أو الماء إن أراد الاستنجاء به أو هما إن أراد الجمع

( ولا يحمل ) في الخلاء ( ذكر الله تعالى ) أي مكتوب ذكر من قرآن أو غيره حتى حمل ما كتب من ذلك في درهم أو نحوه تعظيما له واقتداء به صلى الله عليه وسلم فإنه كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه وكان نقشه ثلاثة أسطر محمد سطر و رسول سطر و الله سطر رواه ابن حبان في صحيحه عن أنس

قال الإسنوي وفي حفظي أنه كان يقرأ من أسفل فصاعدا ليكون اسم الله فوق الجميع اه

وقيل كان النقش معكوسا ليقرأ مستقيما إذا ختم به

قال ابن حجر العسقلاني ولم يثبت في الأمرين خبر

وحمل ما عليه ذكر الله تعالى على الخلاء مكروه لا حرام ومثل ذلك اسم رسوله وكل اسم معظم كما في الكفاية تبعا للإمام قال المصنف في التنقيح ولعل المراد الأسماء المختصة بالله ونبيه مثلا دون ما لا يختص ك عزيز و كريم و محمد و أحمد إذا لم يكن ما يشعر بأن المراد اه

ومثل ما يشعر بذلك ما إذا قصده به فإن ترك ذلك ولو عمدا حتى قعد لقضاء حاجته ضم كفه عليه أو وضعه في عمامته أو غيرها وهذا الأدب مستحب قال ابن الصلاح وليتهم قالوا بوجوبه

قال الأذرعي والمتجه تحريم إدخال المصحف ونحوه الخلاء من غير ضرورة إجلالا له وتكريما اه

قال الإسنوي ومحاسن كلام الشريعة يشعر بتحريم بقاء الخاتم الذي عليه ذكر الله تعالى في اليسار حال الاستنجاء وهو ظاهر إذا أفضى ذلك إلى تنجيسه اه ملخصا

وينبغي حمل كلام الأذرعي على ما إذا خيف عليه التنجيس

ولا يدخل المحل حافيا ولا مكشوف الرأس للاتباع رواه البيهقي مرسلا

قال في المجموع اتفق العلماء على أن الحديث المرسل والضعيف والموقوف يتسامح به في فضائل الأعمال ويعمل بمقتضاه

( ويعتمد ) ندبا في قضاء الحاجة ( جالسا يساره ) وينصب اليمنى تكريما لها بأن يضع أصابعها على الأرض ويرفع باقيها ويضم كما قال الأذرعي فخذيه لأن ذلك أسهل لخروج الخارج

ومقتضى هذا التسوية في قضاء الحاجة بين القائم والقاعد نعم لو بال قائما فرج بينهما فيعتمدهما كما قاله الشارح خوفا من التنجيس

ويندب له أن يرفع لقضاء الحاجة ثوبه عن عورته شيئا فشيئا إلا إن خاف تنجس ثوبه فيرفعه بقدر حاجته ويسبله شيئا فشيئا قبل انقضاء قيامه

( ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ) ندبا إذا كان في غير المعد لذلك مع سائر مرتفع ثلثي ذراع تقريبا فأكثر نعم لو بال قائما لا بد من ارتفاعه إلى أن يستر عورته ولا بد أن يكون عريضا بحيث يسترها سواء أكان قائما أم لا بخلاف سترة الصلاة لا يشترط فيها عرض وأن يكون بينه وبينه ثلاثة أذرع فأقل بذراع الآدمي وإرخاء ذيله كاف في ذلك فهما حينئذ خلاف الأولى

( ويحرمان ) في البناء غير المعد لقضاء الحاجة ( بالصحراء ) بدون الساتر المتقدم

والأصل في ذلك ما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا

وفيهما أنه صلى الله عليه وسلم قضى حاجته في بيت حفصة مستقبل الشام مستدبر الكعبة

وقال جابر نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها رواه الترمذي وحسنه

فحملوا الخبر الأول المفيد للحرمة على القضاء وما ألحق به لسهولة اجتناب المحاذاة فيه بخلاف البناء غير المذكور مع الصحراء فيجوز فيه ذلك كما فعله صلى الله عليه وسلم بيانا للجواز وإن كان الأولى لنا تركه كما مر

أما في المعد لذلك فلا حرمة فيه ولا كراهة ولا خلاف الأولى قاله في المجموع

ويستثنى من الحرمة ما لو كانت الريح تهب على يمين القبلة وشمالها فإنهما لا يحرمان للضرورة وإذا تعارض الاستقبال والاستدبار تعين الاستدبار

ولا يحرم ولا يكره استقبال القبلة ولا استدبارها حال الاستنجاء أو الجماع أو إخراج الريح إذ النهي عن استقبالها واستدبارها مقيد بحالة البول والغائط وذلك منتف في الثلاثة ويكره استقبال الشمس أو القمر أو بيت المقدس وكذا المدينة المنورة إكراما له فيما يظهر ببول أو غائط دون استدبارها كما نقله المصنف في أصل الروضة عن الجمهور وقال في المجموع وهو الصحيح المشهور وقيل يكره الاستدبار أيضا وجرى عليه ابن المقري في روضه

وقيل لا يكرهان

قال المصنف في التحقيق إنه لا أصل للكراهة فالمختار إباحته

( ويبعد ) عن الناس في الصحراء أو ما ألحق بها من البنيان إلى حيث لا يسمع للخارج منه صوت ولا يشم له ريح فإن


41

تعذر عليه الإبعاد عنهم استحب لهم الإبعاد عنه كذلك

( ويستتر ) عن أعينهم بمرتفع ثلثي ذراع فأكثر بينه وبينه ثلاثة أذرع فأقل لقوله صلى الله عليه وسلم من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستتر به فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج

قال الترمذي أنه حسن

ويحصل الستر براحلة أو وهدة أو إرخاء أي عادة كفى كما في أصل الروضة

قال في المجموع وهذا الأدب متفق على استحبابه ومحله كما قال شيخنا إذا لم يكن ثم من لا يغض بصره عن نظر عورته ممن يحرم عليه نظرها وإلا وجب الاستتار

وعليه يحمل قول المصنف في شرح مسلم يجوز كشف العورة في محل الحاجة في الخلوة كحالة الاغتسال والبول ومعاشرة الزوجة أما بحضرة الناس فيحرم كشفها

( ولا ببول ) ولا يتغوط ( في ماء راكد ) للنهي عن البول في حديث مسلم ومثله الغائط بل أولى والنهي في ذلك للكراهة وإن كان الماء قليلا لإمكان طهره بالكثرة وفي الليل أشد كراهة لأن الماء بالليل مأوى الجن

وأما الجاري ففي المجموع عن جماعة الكراهة في القليل منه دون الكثير أي ولكن يكره في الليل لما مر ثم قال وينبغي أن يحرم في القليل مطلقا لأن فيه إتلافا عليه وعلى غيره

ورد بما تقدم من التعليل وبأنه مخالف للنص وسائر الأصحاب فهو كالاستنجاء بخرقة ولم يقل أحد بتحريمه ولكن يشكل بما مر من أنه يحرم استعمال الإناء النجس في الماء القليل

وأجيب بأن هناك استعمالا بخلافه هنا ومحل عدم التحريم إذا كان الماء له ولم يتعين عليه الطهر به بأن وجد غيره أما إذا لم يكن له ذلك كمملوك لغيره أو مسبل أوله وتعين للطهارة بأن دخل الوقت ولم يجد غيره فإنه يحرم

فإن قيل الماء العذب ربوي لأنه مطعوم فلا يحل البول فيه كما لا يحل في الطعام

أجيب بما تقدم

ويكره أيضا قضاء الحاجة بقرب الماء الذي يكره قضاؤها فيه لعموم النهي عن البول في الموارد وصب البول في الماء كالبول فيه

( و ) لا في ( جحر ) وهو بضم الجيم وسكون الحاء المهملة الخرق النازل المستدير للنهي عنه في خبر أبي داود وغيره لما يقال أنه مسكن الجن ولأنه قد يكون فيه حيوان ضعيف فيتأذى أو قوي فيؤذيه أو ينجسه

قيل إن سعد بن عبادة أتى سباطة قوم فبال قائما فخر ميتا فقالت الجن في ذلك نحن قتلنا سيد الخز سعد بن عباده ورميناه بسهم فلم يخط فؤاده وقيل إن سبب موته أنه بال في جحر

ومثله السرب وهو بفتح السين والراء الشق المستطيل

قال في المجموع ينبغي تحريم ذلك للنهي عنه إلا أن يعد لذلك أي لقضاء الحاجة فلا تحريم ولا كراهة

( و ) لا في ( مهب ريح ) أي موضع هبوبها وإن لم تكن هابة إذ قد تهب بعد شروعه في البول فترد عليه الرشاش

وهذا ظاهر في استقبالها وأما استدبارها فلا يأتي فيه ذلك ولكن يعلل بعود الرائحة الكريهة إليه كما علل به الخطابي في غريب الحديث

ومنه المراحيض المشتركة فينبغي البول في إناء وإفراغه فيها ليسلم من النجاسة قاله الزركشي

ولا في مكان صلب لما ذكر فإن لم يجد غيره دقه بحجر أو نحوه

( و ) لا في ( متحدث ) للناس وهو بفتح الدال مكان الاجتماع للنهي عن التخلي في ظلهم كما سيأتي أي في الصيف

ومثله موضع اجتماعهم في الشمس في الشتاء وشملهما قوله متحدث

( و ) لا في ( طريق ) لهم مسلوك لقوله صلى الله عليه وسلم اتقوا اللعانين

قالوا وما اللعانان قال الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم تسببا بذلك في لعن الناس لهما كثيرا عادة فيتسبب إليهما بصيغة المبالغة إذ أصله اللاعنان فحول للمبالغة

والمعنى احذروا سبب اللعن المذكور

ولخبر أبي داود بإسناد جيد اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل والملاعن مواضع اللعن والموارد طرق الماء والتخلي التغوط وكذا البراز وهو بكسر الباء على المختار وقيس بالغائط البول وصرح في المذهب وغيره بكراهة ذلك في المواضع الثلاثة وفي المجموع ظاهر كلام الأصحاب كراهته وينبغي حرمته للأخبار الصحيحة ولإيذاء المسلمين اه

والمعتمد ما في المتن

وقارعة الطريق أعلاه وقيل صدره وقيل ما برز منه

أما الطريق المهجور فلا كراهة فيه

ولا يبول قائما لخبر الترمذي وغيره بإسناد جيد أن


42

عائشة قالت من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه أي يكره له ذلك إلا لعذر فلا يكره له ذلك ولا خلاف الأولى فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائما قيل إن العرب كانت تستشفي به لوجع الصلب فلعله كان به

وقيل فعله بيانا للجواز

وقيل لغير ذلك

وفي الإحياء عن الأطباء أن بوله في الحمام في الشتاء قائما خير من شربة دواء

( و ) لا ( تحت ) شجرة ( مثمرة ) ولو كان الثمر مباحا وفي غير وقت الثمر صيانة لها عن التلويث عند الوقوع فتعافها النفس

ولم يحرموه لأن التنجس غير متيقن نعم إذا لم يكن عليها تمر وكان يجري عليها الماء من مطر أو غيره قبل أن تثمر لم يكره كما لو بال تحتها ثم أورد عليه ماء طهورا ولا فرق في هذا وفي غيره مما تقدم بين البول والغائط إلا في المكان الصلب ومهب الريح فيختصان بالبول بل ينبغي فيهما التفصيل في الغائط بين الجامد والمائع فيكون المائع كالبول

( ولا يتكلم ) حال قضاء الحاجة بذكر ولا غيره

وهذا من زيادته من غير تمييز كما مرت الإشارة إليه أي يكره له ذلك إلا لضرورة كإنذار أعمى فلا يكره بل يجب لخبر لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك رواه الحاكم وصححه

ومعنى يضربان يأتيان

والمقت البغض وهو وإن كان على المجموع فبعض موجباته مكروه فلو عطس حمد الله بقلبه ولا يحرك لسانه أي بكلام يسمع به نفسه إذ لا يكره الهمس ولا التنحنح وظاهر كلامهم أن القراءة لا تحرم حينئذ

وقول ابن كج إنها لا تجوز إن حمل على الجواز المستوى الطرفين أي فتكره فهو موافق لظاهر كلام الأصحاب ولما صرح به في المجموع والتبيان من الكراهة وإلا فضعيف وإن قال الأذرعي اللائق بالتعظيم المنع

ويسن أن لا ينظر إلى فرجه ولا إلى الخارج منه ولا إلى السماء ولا يعبث بيده ولا يلتفت يمينا ولا شمالا

( ولا يستنجي بماء في مجلسه ) إن لم يكن معدا لذلك أي يكره له ذلك لئلا يعود عليه الرشاش فينجسه بخلاف المستنجي بالحجر والمعد لذلك للمشقة في المعد لذلك ولما سيأتي في الاستنجاء بالحجر بل قد يجب حيث لا ماء ولو انتقل لتضمخ بالنجاسة وهو يريد الصلاة بالتيمم أو بالوضوء والماء لا يكفي لهما

ويكره أن يبول في المغتسل لقوله صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه ومحله إذا لم يكن ثم منفذ ينفذ منه البول والماء

وعند قبر محترم احتراما له قال الأذرعي وينبغي أن يحرم عند قبور الأنبياء وتشتد الكراهة عند قبور الأولياء والشهداء

قال والظاهر تحريمه بين القبور المتكرر نبشها لاختلاط تربتها بأجزاء الميت اه

وهو حسن

ويحرم على قبر محترم وبمسجد ولو في إناء تنزيها لهما عن ذلك

( ويستبرىء من البول ) ندبا عند انقطاعه بنحو تنحنح ومشي وأكثر ما قيل فيه سبعون خطوة ونثر ذكر

وكيفية النتر أن يمسح بيسراه من دبره إلى رأس ذكره وينتره بلطف ليخرج ما بقي إن كان ويكون ذلك بالإبهام والمسبحة لأنه يتمكن بهما من الإحاطة بالذكر

وتضع المرأة أطراف أصابع يدها اليسرى على عانتها

قال في المجموع والمختار أن ذلك يختلف باختلاف الناس

والقصد أن يظن أنه لم يبق بمجرى البول شيء يخاف خروجه فمنهم من يحصل هذا بأدنى عصر ومنهم من يحتاج إلى تكرره ومنهم من يحتاج إلى تنحنح ومنهم من لا يحتاج إلى شيء من هذا

وينبغي لكل أحد أن لا ينتهي إلى حد الوسوسة وإنما لم يجب الاستبراء كما قال به القاضي و البغوي وجرى عليه المصنف في شرح مسلم لقوله صلى الله عليه وسلم تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه لأن الظاهر من انقطاع البول عدم عوده

ويحمل الحديث على ما إذا تحقق أو غلب على ظنه بمقتضى عادته أنه إن لم يستبرىء خرج منه شيء

ويكره حشو مخرج البول من الذكر بنحو قطن وإطالة المكث في محل قضاء الحاجة لما روي عن لقمان أنه يورث وجعا في الكبد

فإن قيل شرط الكراهة وجود نهي مخصوص ولم يوجد

أجيب بأن هذا ليس بلازم بل حيث وجد النهي وجدت الكراهة لا أنها حيث وجدت وجد لكثرة وجودها في كلام الفقهاء بلا نهي مخصوص

ويندب أن يتخذ له إناء للبول ليلا قاله في العباب

( ويقول ) ندبا ( عند ) إرادة ( دخوله ) أو عند وصوله إلى مكان قضاء حاجته بنحو صحراء ( باسم الله ) أي أتحصن من الشيطان هكذا


43

يكتب بالألف وإنما حذفت من بسم الله الرحمن الرحيم لكثرة تكررها

( اللهم ) أي يا الله ( إني أعوذ ) أي أعتصم ( بك من الخبث ) بضم الخاء والباء جمع خبيث ( والخبائث ) جمع خبيثة والمراد ذكور الشياطين وإناثهم وذلك للإتباع رواه الشيخان

وفارق تأخير التعوذ عن البسملة هنا تعوذ القراءة حيث قدموه عليها بأنه تم لقراءة القرآن والبسملة منه فتقدم عليه بخلافه هنا

قال الأذرعي فإن نسي تعوذ بقلبه كما يحمد العاطس وكذا لو تركه عمدا كما قاله الزركشي وفي فتاوى ابن البزري ولا يزيد الرحمن الرحيم أي لا يستحب له ذلك لأن المحل ليس محل ذكر فلا يتجاوز فيه المأثور وزاد الغزالي اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم رواه أبو داود في مراسيله

والاستعاذة منهم في البناء المعد لقضاء الحاجة لأنه مأواهم وفي غيره لأنه سيصير مأوى لهم بخروج الخارج

( و ) يقول ندبا ( عند ) أي عقب ( خروجه ) أو انصرافه ( غفرانك الحمد لله الذي أذهب عن الأذى وعافاني ) للإتباع رواه النسائي ويكرر غفرانك ثلاثا

قيل سبب سؤاله ذلك ترك ذكر الله في تلك الحالة

وقيل سأل المسامحة بسبب ترك الذكر في تلك الحالة

وقيل استغفر خوفا من تقصيره في شكر نعمة الله التي أنعمها عليه فأطعمه ثم هضمه ثم سهل خروجه فرأى شكره قاصرا عن بلوغ حق هذه النعم فتداركه بالاستغفار

وقيل سأل دوام نعمته بتسهيل الأذى وعدم حبسه لئلا يؤدي إلى شهرته وانكشافه

والغفران على هذا مأخوذ من الغفر وهو الستر

وقيل إنه لما خلص من النجو المثقل للبدن سأل التخليص مما يثقل القلب وهو الذنب لتكمل الراحة

وفي مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة أن نوحا عليه الصلاة والسلام كان يقول الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى في منفعته وأذهب عني أذاه

( ويجب الاستنجاء ) إزالة للنجاسة من كل خارج ملوث ولو نادرا كدم ومذي وودي لا على الفور بل عند الحاجة إليه

( بماء ) على الأصل في إزالة النجاسة ( أو حجر ) لأنه صلى الله عليه وسلم جوزه به حيث فعله كما رواه البخاري وأمر بفعله بقوله فيما رواه الشافعي وغيره وليستنج بثلاثة أحجار الموافق له ما رواه مسلم وغيره من نهيه صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار وهو طهارة مستقلة على الأصح فيجوز تأخيره عن الوضوء دون التيمم لأن الوضوء يرفع الحدث وارتفاعه يحصل مع قيام المانع والتيمم لا يرفعه وإنما يبيح الصلاة ولا استباحة مع المانع ومقتضاه كما قال الإسنوي عدم صحة وضوء دائم الحدث قبل الاستنجاء لكونه لا يرفع الحدث وهو الظاهر وإن قال بعض المتأخرين إن الماء أصل في رفع الحدث فكان أقوى من التراب الذي لا يرفعه أصلا

وعلم من قوله أو حجر أن الواجب أحدهما

( وجمعهما ) بأن يقدم الحجر ( أفضل ) من الاقتصار على الماء لأن العين تزول بالحجر والأثر يزول بالماء من غير حاجة إلى مخامرة النجاسة والاقتصار على الماء أفضل من الاقتصار على الحجر لأنه يزيل العين والأثر بخلاف الحجر

وقضية التعليل أنه لا يشترط في حصول فضيلة الجمع طهارة الحجر وأنه يكفي بدون الثلاث مع الإنقاء وبالأول صرح الجيلي نقلا عن الغزالي

وقال الإسنوي في الثاني المعنى وسياق كلامهم يدلان عليه اه

والظاهر أن بهذا يحصل أصل فضيلة الجمع وأما كمالها فلا بد من بقية شروط الاستنجاء بالحجر

وقضية كلامهم أن فضيلة الجمع لا فرق فيها بين البول والغائط وبه صرح سليم وغيره وهو المعتمد وإن جزم القفال باختصاصه بالغائط وصوبه الإسنوي

وشمل إطلاقه الحجر حجارة الحرم فيجوز الاستنجاء بها وهو الأصح

( وفي معنى الحجر ) الوارد ( كل جامد طاهر قالع غير محترم ) كخشب وخزف لحصول الغرض به كالحجر فخرج بالجامد وهو من زيادته المائع غير الماء الطهور كماء الورد والخل وبالطاهر النجس كالبعر والمتنجس كالماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة وبالقالع نحو الزجاج والقصب الأملس والمتناثر كتراب ومدر وفحم رخوين بخلاف التراب والفحم الصلبين

والنهي عن الاستنجاء بالفحم ضعيف قاله في المجموع وإن صح حمل على الرخو وشمل إطلاقه حجر الذهب والفضة إذا كان كل منهما قالعا وهو الأصح

وبغير محترم المحترم كجزء حيوان متصل به كيده ورجله وكمطعوم آدمي كالخبز أو جني كالعظم لما روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستنجاء بالعظم وقال إنه زاد إخوانكم


44

يعني من الجن فمطعوم الآدمي أولى ولأن المسح بالحجر رخصة وهي لا تناط بالمعاصي

وأما مطعوم البهائم كالحشيش فيجوز به

والمطعوم لها وللآدمي يعتبر فيه الأغلب فإن استويا فوجهان بناء على ثبوت الربا فيه والأصح الثبوت قاله الماوردي و الروياني

وإنما جاز بالماء مع أنه مطعوم لأنه يدفع النجس عن نفسه بخلاف غيره أما جزء الحيوان المنفصل عنه كشعره فيجوز الاستنجاء به

قال الإسنوي والقياس المنع في جزء الآدمي

وأما الثمار والفواكه فمنها ما يؤكل رطبا لا يابسا كاليقطين فلا يجوز الاستنجاء به رطبا أو يجوز يابسا إذا كان مزيلا

ومنها ما يؤكل رطبا ويابسا وهو أقسام أحدها مأكول الظاهر والباطن كالتين والتفاح فلا يجوز برطبه ولا يابسه

والثاني ما يؤكل ظاهره دون باطنه كالخوخ والمشمش وكل ذي نوى فلا يجوز بظاهره ويجوز بنواه المنفصل

والثالث ما له قشر ومأكوله في جوفه فلا يجوز بلبه وأما قشره فإن كان لا يؤكل رطبا ولا يابسا كالرمان جاز الاستنجاء به وإن كان حبه فيه وإن أكل رطبا ويابسا كالبطيخ لم يجز في الحالين وإن أكل رطبا فقط كاللوز والباقلاء جاز يابسا لا رطبا ذكر ذلك الماوردي مبسوطا واستحسنه في المجموع

ويجزىء الحجر بعد الاستنجاء بشيء محترم وغير قالع لم ينقلا النجاسة فإن نقلاها تعين الماء كما سيأتي

ومن المحترم ما كتب عليه اسم معظم أو علم كحديث وفقه قال في المهمات ولا بد من تقييد العلم بالمحترم سواء أكان شرعيا كما مر أم لا كحساب ونحو وطب وعروض فإنها تنفع في العلوم الشرعية أما غير المحترم كفلسفة ومنطق مشتمل عليها كما قاله بعض المتأخرين فلا أما غير المشتمل عليها فلا يجوز

وعلى هذا التفصيل يحمل إطلاق من جوزه وجوزه القاضي بورق التوراة والإنجيل وهو محمول على ما علم تبديله منهما وخلا عن اسم الله تعالى ونحوه

وألحق بما فيه علم محترم جلده المتصل به دون المنفصل عنه بخلاف جلد المصحف فإنه يمتنع الاستنجاء به مطلقا

( وجلد ) بالجر عطف على جامد وبالرفع على كل ( دبغ دون غيره في الأظهر ) فيهما لأن المدبوغ انتقل بالدبغ عن طبع اللحوم إلى طبع الثياب بدليل جواز بيع جلد بجلدين

وغير المدبوغ محترم لأنه مطعوم ولهذا يؤكل مع الرؤوس والأكارع وغيرهما وفيه دسومة تمنع التنشيف أو نجس إن كان غير مأكول وهذا التفصيل هو المنصوص عليه في الأم والثاني وهو المنصوص عليه في البويطي يجوز بهما والثالث وهو المنصوص عليه في حرملة لا يجوز بهما

ومحل المنع فيما ذكركما قال ابن القطان وغيره إذا استنجى به من الجانب الذي لا شعر عليه وإلا جاز إذ لا دسومة فيه وليس بطعام

وشملت عبارة المصنف جلد الحوت الكبير الجاف فيمتنع الاستنجاء به وقول الأذرعي الظاهر الجواز به لأنه صار كالمدبوغ بعيد

تنبيه كان ينبغي للمصنف تقديم المنع الذي هو من أمثلة المحترم فيقول فيمتنع بجلد طاهر غير مدبوغ دون كل مدبوغ طاهر في الأظهر فإن كلامه الآن غير منتظم لأنه إن كان ابتداء كلام فلا خبر له وإن كان معطوفا على كل كما قدرته في كلامه وقريء بالرفع فيكون الجلد المدبوغ قسيما لكل جامد طاهر إلخ فيكون غيره والفرض أنه بعض منه وإن كان مجرورا كما قدرته أيضا عطفا على جامد فكان ينبغي أن يقول ومنه جلد دبغ

أي من أمثلة هذا الجامد جلد دبغ دون جلد غير مدبوغ طاهر في الأظهر

فائدة يجوز التدلك وغسل الأيدي بالنخالة ودقيق الباقلاء ونحوه

( وشرط الحجر ) وما ألحق به لأن يجزيء ( أن لا يجف النجس ) الخارج فإن جف تعين الماء نعم لو بال ثانيا بعد جفاف بوله الأول ووصل إلى ما وصل إليه الأول كفى فيه الحجر والغائط المائع كالبول في ذلك

( و ) أن ( لا ينتقل ) عن المحل الذي أصابه عند خروجه واستقر فيه فإن انتقل عنه بأن انفصل عنه تعين في المنفصل الماء وأما المتصل بالمحل ففيه تفصيل يأتي

( و ) أن ( لا يطرأ ) عليه ( أجنبي ) نجسا كان أو طاهرا رطبا ولو بلل الحجر كما شمله إطلاق المصنف

أما الجاف الطاهر فلا يؤثر وهو ما احترز عنه الشارح بقوله نجس

فإن طرأ عليه ما ذكر تعين الماء نعم البلل بعرق المحل لا يضر لأنه ضروري وأن يكون الخارج المذكور من فرج معتاد فلا يجزىء في الخارج من غيره كالخارج بالفصد ولا في منفتح تحت المعدة ولو كان الأصلي منسد أي إذا كان الإنسداد عارضا كما مر لأن الاستنجاء به على خلاف القياس

و 4 لا في بول خنثى مشكل وإن كان الخارج من أحد قبليه


45

لاحتمال زيادته نعم إن كان له آلة فقط لا تشبه آلة الرجال ولا آلة النساء أجزأه الحجر فيها

ولا في بول ثيب تيقنته دخل مدخل الذكر لانتشاره عن مخرجه بخلاف البكر لأن البكارة تمنع نزول البول إلى مدخل الذكر

ولا في بول الأقلف إذا وصل البول إلى الجلدة

ويجزىء في دم حيض أو نفاس

وفائدته فيمن انقطع دمها وعجزت عن استعمال الماء فاستنجت بالحجر ثم تيممت لنحو مرض فإنها تصلي ولا إعادة عليها

( ولو ندر ) الخارج كالدم والودي والمذي ( أو انتشر فوق العادة ) أي عادة الناس وقيل عادة نفسه ( ولم يجاوز ) في الغائط ( صفحته ) وهو ما انضم من الأليين عند القيام

( وحشفته ) وهي ما فوق الختان أو قدرها من مقطوعها كما قاله الإسنوي في البول ( جاز الحجر ) وما في معناه ( في الأظهر ) في ذلك أما النادر فلأن انقسام الخارج إلى معتاد ونادر مما يتكرر ويعسر البحث عنه فأنيط الحكم بالمخرج

والثاني لا يجوز بل يتعين الماء فيه لأن الإقتصار على الحجر على خلاف القياس

ورد فيما تعم فيه البلوى فلا يلتحق به غيره

وأما المنتشر فوق العادة فلعسر الإحتراز عنه ولما صح أن المهاجرين أكلوا التمر لما هاجروا ولم يكن ذلك عادتهم وهو مما يرق البطون ومن رق بطنه انتشر ما يخرج منه ومع ذلك لم يؤمروا بالاستنجاء بالماء ولأن ذلك يتعذر ضبطه فنيط الحكم بالصفحة والحشفة أو ما يقوم مقامهما

فإن جاوز الخارج ما ذكر مع الاتصال لم يجز الحجر لا في المجاوز ولا في غيره لخروجه عما تعم به البلوى

( ويجب ) في الاستنجاء بالحجر ليجزىء أمران أحدهما ( ثلاث مسحات ) بفتح السين جمع مسحة بسكونها بأن يعم بكل مسحة جميع المحل

( ولو ) كانت ( بأطراف حجر ) لخبر مسلم عن سلمان نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستنجيء بأقل من ثلاثة أحجار وفي معناها ثلاثة أطراف حجر بخلاف رمي الجمار لا يكفي حجر له ثلاثة أطراف عن ثلاث رميات لأن المقصود ثم عدد الرمي وهنا عدد المسحات

ولو غسل الحجر وجف جاز له استعماله ثانيا كدواء دبغ به وتراب استعمل في غسل نجاسة نجو الكلب

فإن قيل التراب المذكور صار مستعملا فكيف يكفي ثانيا أجيب بأنه لم يزل المانع وإنما أزاله الماء بشرط مزجه بالتراب وحينئذ فيجوز التيمم به إن كان استعمل في المرة السابعة وإن كان قبلها فلا لتنجسه فاستفدها فإنها مسألة نفيسة

ثانيها إنقاء المحل ( فإن لم ينق ) بالثلاث ( وجب الإنقاء ) برابع فأكثر إلى أن لا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء أو صغار الخذف لأنه المقصود من الاستنجاء

( وسن ) بعد الإنقاء إن لم يحصل بوتر ( الإيتار ) بالمثناة بواحدة كأن حصل برابعة فيأتي بخامسة وهكذا لما روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا استجمر أحدكم فليستجمر وترا وصرفه عن الوجوب رواية أبي داود وهي قوله صلى الله عليه وسلم من استجمر فليوتر ومن فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج وقيل إنه واجب لظاهر الخبر الأول وهو شاذ

( و ) سن ( كل حجر ) أو نحوه مما يقوم مقامه ( لكل محله ) أي الخارج فيسن في كيفية الاستنجاء في الدبر أن يضع الحجر أو نحوه على مقدم الصفحة اليمنى عل محل طاهر قرب النجاسة وأن يديره قليلا حتى يرفع كل جزء منه جزءا منها إلى أن يصل إلى موضع ابتدائه وأن يعكس الثاني كذلك وأن يمر الثالث على الصفحتين والمسربة وهي بضم الراء وفتحها وبضم الميم مجرى الغائط

( وقيل يوزعن ) أي الثلاث ( لجانبيه والوسط ) فيجعل واحدا لليمنى وآخر لليسرى والثالث للوسط

وقيل واحدا للوسط مقبلا وآخر له مدبرا ويحلق بالثالث

والخلاف في الأفضل لا في الوجوب على الصحيح في أصل الروضة

وعلى كل قول لا بد أن يعم جميع المحل بكل مسحة ليصدق أنه مسحه ثلاث مسحات

وقول ابن المقري في شرح إرشاده الأصح أنه لا يشترط أن يعم بالمسحة الواحدة المحل وإن كان أولى بل يكفي مسحة لصفحة وأخرى لأخرى والثالثة للمسربة مردود كما قاله شيخنا لأن الوجه الثاني الذي أخذ منه ذلك غلط الأصحاب كما قال في المجموع قائله من حيث الإكتفاء بما لا يعم المحل بكل مسحة لا من حيث الكيفية وللمسحة الزائدة على الثلاث في الكيفية حكم الثالثة وما قررت به كلام المصنف من


46

أن كل حجر معطوف على قوله الإيتار تبعت فيه الإسنوي فإنه قال تقديره وسن الإيتار وأن يكون كل حجر إلخ قال فتستفيد منه أن الخلاف في الاستحباب ولا يستفاد ذلك من المحرر اه

وتبعه الشارح أيضا على ذلك

وظاهر كلام السبكي أنه معطوف على قوله ثلاث مسحات أي يجب ذلك

ومال إليه ابن النقيب قال لئلا يلزم أن التعميم سنة وهو واجب على الأصح اه

ويندفع بما تقدم

( ويسن الاستنجاء ) بماء أو نحو حجر ( بيساره ) للاتباع ولأنها الأليق بذلك

ويكره باليمين لما روى مسلم عن سلمان الفارسي قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستنجي باليمين

وقول المهذب والكافي أنه لا يجوز الاستنجاء باليمين للنهي الصريح فيه أوله المصنف بأن الاستنجاء يقع بما في اليمين لا باليد فلا معصية في الرخصة اه

أو يقال إن المراد لا يجوز جوازا مستوي الطرفين فيكره

ويسن تقديم القبل على الدبر في الاستنجاء بالماء عكس الاستنجاء بالحجر

ويسن أن لا يستعين بيمينه في شيء من الاستنجاء بغير عذر فيأخذ الحجر بيساره بخلاف الماء فإنه يصبه بيمينه ويغسل بيساره ويأخذ بها ذكره إن مسح البول على جدار أو حجر كبير أو نحوه فإن كان الحجر صغيرا جعله بين عقبيه أو بين إبهامي رجليه فإن لم يتمكن بشيء من ذلك وضعه في يمينه ويضع الذكر في موضعين وضعا لتنتقل البلة وفي الموضع الثالث مسحا ويحرك يساره وحدها فإن حرك اليمين أو حركهما كان مستنجيا باليمين وإنما لم يضع الحجر في يساره والذكر في يمينه لأن مس الذكر بها مكروه

وشرط القاضي حسين أن لا يمسح ذكره في الجدار صعودا قال في المجموع وفي هذا التفصيل نظر اه

والظاهر أنه لا يشترط

وأما قبل المرأة فتأخذ الحجر بيسارها إن كان صغيرا وتمسحه ثلاثا وإلا فحكمها حكم الرجل فيما مر

وتقدم أنه يسن للمستنجي بالحجر أن يضعه أولا على مكان طاهر قرب النجاسة وأن يديره برفق فإن أمر الحجر ولم يدره ولم ينقل شيئا من الخارج أجزأه فإن نقل ما لا ضرورة إليه تعين الماء

وأما القدر المضرور إليه في ذلك فيعفى عنه

وأن ينظر إلى الحجر المستنجى به قبل رميه ليعلم هل قلع أو لا

وللمستنجى بالماء أن يدلك يده بنحو أرض ثم يغسلها بعد الاستنجاء وأن ينضح بعده أيضا فرجه وإزاره من داخله دفعا للوسواس وأن يعتمد في غسل الدبر على إصبعه الوسطى لأنه أمكن ولا يتعرض للباطن وهو ما لا يصل الماء إليه فإنه منبع الوسواس لكن يستحب للبكر أن تدخل أصبعها في الثقب الذي في الفرج فتغسله

( ولا استنجاء لدود وبعر ) بفتح العين ( بلا لوث ) أي لا يجب الاستنجاء منه كما عبر به في المحرر ( في الأظهر ) لفوات مقصود الاستنجاء من إزالة النجاسة أو تخفيفها

والثاني يجب لأن ذلك لا يخلو عن رطوبة خفيت

على الأول يستحب خروجا من الخلاف

وجمع بين الدود والبعر ليعلم أنه لا فرق بين الطاهر والنجس

خاتمة الواجب في الاستنجاء أن يغلب على ظنه زوال النجاسة ولا يضر شم ريحها بيده فلا يدل على بقائها على المحل وإن حكمنا على يده بالنجاسة لأنا لم نتحقق أن محل الريح باطن الأصبع الذي كان ملاصقا للمحل لاحتمال أنه كان في جوانبه فلا تنجس بالشك أو أن هذا المحل قد خفف فيه في الاستنجاء بالحجر فخفف فيه هنا فاكتفى بغلبة ظن زوال النجاسة

وهل يسن شم اليد أو لا وجهان مبنيان على أن رائحتها تدل على نجاسة المحل أو لا إن قلنا تدل استحب وإلا فلا

ولا استنجاء من غير ما ذكر فقد نقل المتولي وغيره الإجماع على أنه لا يجب الاستنجاء من النوم والريح

قال ابن الرفعة ولم يفرق الأصحاب بين أن يكون المحل رطبا أو يابسا

ولو قيل بوجوبه إذا كان المحل رطبا لم يبعد كما قيل به في دخان النجاسة وهذا مردود فقد قال الجرجاني إن ذلك مكروه وصرح الشيخ نصر المقدسي بتأثيم فاعله لأنه تنطع وعدو

والظاهر كلام الجرجاني

وقال في الإحياء يقول بعد فراغ الاستنجاء اللهم طهر قلبي من النفاق وحصن فرجي من الفواحش

باب الوضوء

هو بضم الواو اسم للفعل وهو استعمال الماء في أعضاء مخصوصة وهو المراد هنا

وبفتحها اسم للماء الذي يتوضأ به

وقيل بفتحها فيهما وقيل بضمها كذلك وهو أضعفها

وهو اسم مصدر إذ قياس المصدر التوضؤ بوزن التكلم


47

والتعلم وقد استعمل استعمال المصادر وهو مأخوذ من الوضاءة وهي الحسن والنظافة والضياء من ظلمة الذنوب

وأما في الشرع فهو أفعال مخصوصة مفتتحة بالنية

قال الإمام وهو تعبدي لا يعقل معناه لأن فيه مسحا ولا تنظيف فيه وكان وجوبه مع وجوب الخمس كما رواه ابن ماجة

واختلفوا في خصوصيته بهذه الأمة وفي موجبه أوجه أحدها الحدث وجوبا موسعا

ثانيها القيام إلى الصلاة ونحوها

ثالثها هما

وهو الأصح في التحقيق وشرح مسلم وكلام الرافعي في باب الغسل يقتضي ترجيحه كما مرت الإشارة إليه

وله شروط وفروض وسنن فشروطه وكذا الغسل ماء مطلق ومعرفة أنه مطلق ولو ظنا وعدم الحائل وجري الماء على العضو وعدم المنافي من نحو حيض ونفاس في غير أغسال الحج ونحوها ومس ذكر وعدم الصارف ويعبر عنه بدوام النية وإسلام وتمييز

ومعرفة كيفية الوضوء كنظيره الآتي في الصلاة وإزالة خبث على رأي يأتي وأن يغسل مع المغسول جزءا يتصل بالمغسول ويحيط به ليتحقق به استيعاب المغسول وتحقق المقتضي للوضوء فلو شك هل أحدث أو لا فتوضأ ثم بان أنه كان محدثا لم يصح وضوؤه على الأصح

وأن يغسل مع المغسول ما هو مشتبه به فلو خلق له وجهان أو يدان أو رجلان واشتبه الأصلي بالزائد وجب غسل الجميع

ويزيد وضوء الضرورة باشتراط دخول الوقت ولو ظنا وتقدم الاستنجاء والتحفظ حيث احتيج إليه

والموالاة بينهما وبينهما وبين الوضوء وكذا في أفعال الوضوء كما صرح به ابن المقري

وأما فروضه فذكرها بقوله ( فرضه ) هو مفرد مضاف فيعم كل فرض منه أي فروضه كما في المحرر ( ستة ) وزاد بعضهم سابعا وهو الماء الطهور

قال في شرح المهذب والصواب أنه شرط كما مر

واستشكل بعد التراب ركنا في التيمم

وأجيب بأن التيمم طهارة ضرورة بل قال بعضهم إنه لا يحسن عد التراب ركنا لأن الآلة جسم والفعل عرض فكيف يكون الجسم جزءا من العرض والفرض والواجب بمعنى واحد والمراد هنا الركن لا المحدود في كتب أصول الفقه

( أحدها نية رفع حدث ) عليه أي رفع حكمه لأن الواقع لا يرتفع وذلك كحرمة الصلاة ولو لماسح الخف لأن القصد من الوضوء رفع المانع فإذا نواه فقد تعرض للمقصود

وإنما نكر الحدث ولم يقل الحدث ليشمل ما لو نوى من عليه أحداث رفع بعضها فإن الأصح إنه يكفي وإن نفى بعضها لأن الحدث لا يتجزأ فإذا ارتفع بعضه ارتفع كله

وعورض بمثله ورجع الأول بأن الأسباب لا ترتفع وإنما يرتفع حكمها وهو واحد تعددت أسبابه ولا يجب التعرض لها فيلغو ذكرها

وخرج بقولنا عليه ما لو نوى غيره كأن بال ولم ينم فنوى رفع حدث النوم فإن كان عامدا لم يصح أو غالطا صح

وضابط ما يضر الغلط فيه وما لا يضر كما ذكره القاضي وغيره أن ما يعتبر التعرض له جملة وتفصيلا أو جملة لا تفصيلا يضر الغلط فيه فالأول كالغلط من الصوم إلى الصلاة وعكسه والثاني كالغلط في تعيين الإمام

وما لا يجب التعرض له لا جملة ولا تفصيلا لا يضر الخطأ فيه كالخطأ هنا وفي تعيين المأموم حيث لم يجب التعرض للإمامة أما إذا وجب التعرض لها كإمام الجمعة فإنه يضر

والأصل في وجوب النية قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين إنما الأعمال بالنيات أي الأعمال المعتد بها شرعا ولأن الوضوء عبادة محضة طريقها الأفعال فلم يصح من غير نية كالصلاة فاحترز بالعبادة عن الأكل والشرب والنوم ونحو ذلك وبالمحضة عن العدة وبطريقة الأفعال قال صاحب البيان عن الأذان والخطبة وقيل عن إزالة النجاسة وستر العورة فإن طريقها التروك

وحقيقتها لغة القصد وشرعا قصد الشيء مقترنا بفعله وحكمها الوجوب كما علم مما مر ومحلها القلب والمقصود بها تمييز العبادة عن العادة كالجلوس للاعتكاف تارة وللاستراحة أخرى أو تمييز رتبتها كالصلاة تكون للفرض تارة وللنفل أخرى

وشرطها إسلام الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوي وعدم إتيانه بما ينافيها بأن يستصحبها حكما

وأن لا تكون معلقة فلو قال إن شاء الله تعالى فإن قصد التعليق أو أطلق لم تصح وإن قصد التبرك صحت

ووقتها أول الفروض كأول غسل جزء من الوجه هنا كما سيأتي

وإنما لم يوجبوا المقارنة في الصوم لعسر مراقبة الفجر وتطبيق النية عليه

وكيفيتها تختلف بحسب الأبواب فيكفي هنا نية رفع حدث كما مر

( أو ) نية ( استباحة ) شيء ( مفتقر ) صحته ( إلى طهر ) أي وضوء كالصلاة والطواف ومس المصحف لأن رفع الحدث إنما يطلب لهذه


48

الأشياء فإذا نواها فقد نوى غاية القصد

وشمل إطلاقه ما لو نوى استباحة صلاة معينة كالظهر فإنه يصح لها ولغيرها وإن نفاه على الأصح كأن نوى استباحة الظهر ونفى غيرها لأن الحدث لا يتجزأ كما مر والتعرض لما عينه غير واجب فيلغو ذكره

ونقل الزركشي عن فتاوى البغوي أنه لو نوى رفع حدثه في حق صلاة واحدة لا في حق غيرها لم يصح وضوؤه قولا واحدا لأن ارتفاع حدثه لايتجزأ فإذا بقي بعضه بقي كله اه

ورد هذا شيخنا بما تقدم

وفرق ابن شهبة بأن في مسألة البغوي نفي بعض حدثه الذي رفعه فيما رد به الباقي غير الحدث المرفوع وهو لا يضر فإنه لا أثر له إذا رفع غيره وهذا الفرق ظاهر

وقال شيخي المعتمد كلام البغوي لأن النافي فيه كالمتلاعب لأن الحدث إذا ارتفع كان له أن يصلي به هذه وغيرها فصار كمن قال أصلي به ولا أصلي به اه

وعلى الأول دائم الحدث لا يستبيح المنفي بدل المعين وما لو يمكنه فعله كأن نوى صلاة العيد بوضوء في رجب

وقيل لا يصح لتلاعبه

فإن قيل لو عبر ب وضوء بدل طهر لكان أولى لأن القراءة والمكث في المسجد مفتقران إلى طهر وهو الغسل مع أنه لا يصح الوضوء بنيتهما

أجيب بأن مراده ما قدرته تبعا للشارح وبأن ذلك خرج بقوله استباحة لأن نية استباحتهما تحصيل للحاصل وبأن ذلك علم من قوله بعد أو ما يندب له وضوء

وشرط نية استباحة الصلاة قصد فعلها بتلك الطهارة فلو لم يقصد فعل الصلاة أي أو نحوها بوضوئه قال في المجموع فهو متلاعب لا يصار إليه

( أو أداء فرض الوضوء ) أو فرض الوضوء وإن كان المتوضىء صبيا أو أداء الوضوء أو الوضوء فقط لتعرضه للمقصود فلا يشترط التعرض للفرضية كما لا يشترط في الحج والعمرة وصوم رمضان

قال الرافعي والأولى اعتبار كون النية في الوضوء للتمييز لا للقربة وإلا لما اكتفى بنية أداء الوضوء لأن الصحيح اعتبار نية الفرضية في العبادات

قال وإنما صح الوضوء بنية فرضه قبل الوقت مع أنه لا وضوء عليه بناء على قول الشيخ أبي حامد أن موجبه الحدث أو يقال ليس المراد هنا لزوم الإتيان به وإلا لامتنع وضوء الصبي بهذه النية بل المراد فعل طهارة الحدث المشروط للصلاة وشرط الشيء يسمى فرضا اه

وما تقرر من الاكتفاء بالأمور السابقة محله في الوضوء غير المجدد أما المجدد فالقياس عدم الاكتفاء فيه بنية الرفع أو الاستباحة

قال الإسنوي وقد يقال يكتفى بها كالصلاة المعادة غير أن ذلك مشكل خارج عن القواعد فلا يقاس عليه

قال ابن العماد وتخريجه على الصلاة المعادة ليس ببعيد لأن قضية التجديد أن يعيد الشيء بصفته الأولى اه

والأول أولى كما اعتمده شيخي لأن الصلاة اختلف فيها هل فرضه الأولى أو الثانية ولم يقل أحد في الوضوء بذلك

وعلم مما مر أنه لا يشترط التعرض للأداء والفرضية وإن كان ظاهر كلامه خلافه وإنما اكتفى بنية الوضوء فقط دون نية الغسل لأن الوضوء لا يكون إلا عبادة فلا يطلق على غيرها بخلاف الغسل فإنه يطلق على غسل الجنابة وغسل النجاسة وغيرهما

ولا تنحصر كيفية النية فيما تقدم فإنه لو نوى الطهارة عن الحدث صح جزما فإن لم يقل عن الحدث لم يصح على الصحيح كما في زوائد الروضة

وعلله في المجموع بأن الطهارة قد تكون عن حدث وقد تكون عن خبث فاعتبر التمييز

وقيل تصح وهو ظاهر كلام الرافعي

وقواه في المجموع بأن نية الطهارة لأعضاء الوضوء على الوجه الخاص لا تكون عن خبث قال وهذا ظاهر نص البويطي لكن حمله الأصحاب على إرادة نية الحدث وكذا لو نوى فرض الطهارة لم يكف لما ذكر

ولو نوى أداء فرض الطهارة صح كما صرح به جمع منهم سليم في التقريب وكذا لو نوى الطهارة للصلاة أو غيرها مما يتوقف على الوضوء كما ذكره في التنبيه والمهذب ووافقه عليه المصنف في شرحه

وفيه بحث إذ يقال إن هذا كإطلاق الطهارة لترددها بين الأكبر والأصغر وإزالة النجاسة فلا يصح ذلك إلا على القول الثاني

ويجاب بأن الطهارة لما أضيفت إلى الصلاة شملت رفع الحدث والخبث فهي متضمنة لرفع الحدث فصحت بخلاف فرض الطهارة أو الطهارة فإنها تصدق بإزالة النجاسة فقط فلم تكف دون الأول

( ومن دام حدثه كمستحاضة ) ومن به سلس بول أو ريح ( كفاه نية الاستباحة ) المتقدمة ( دون ) نية ( الرفع ) المار لبقاء حدثه ( على الصحيح فيهما ) وجه الاكتفاء فيه بنية الاستباحة القياس على التيمم بجامع بقاء الحدث

وأما عدم الاكتفاء بنية الرفع فلبقاء حدثه كما تقدم فإنه لا يرتفع على الصحيح والثاني يصح فيهما


49

والثالث لا يصح فيهما بل لا بد أن يجمع بينهما وعلى الأول يندب له الجمع بينهما خروجا من خلاف من أوجبه لتكون نية الرفع للحدث السابق ونية الاستباحة أو نحوها للاحق وبهذا يندفع ما قيل إنه قد جمع في نيته بين مبطل وغيره

فإن قيل نية الاستباحة وحدها تفيد الرفع كنية رفع الحدث فالغرض يحصل بها وحدها

أجيب بأن الغرض الخروج من الخلاف وهو إنما يحصل بما يؤدي المعنى مطابقة لا إلتزاما وذلك إنما يحصل بجمع النيتين

ويكفيه أيضا نية الوضوء ونحوها مما تقدم كما اعتمده الإسنوي و النسائي وصرح به في الحاوي الصغير

وقال الكمال بن أبي شريف إنه الحقيق بالاعتماد وإن خالف في ذلك ابن المقري في إرشاده لأن الوضوء لا يستلزم رفع الحدث ويصح مع الحدث في الجملة

تنبيه حكم نية دائم الحدث فيما يستبيحه من الصلوات حكم نية المتيمم كما ذكره الرافعي هنا وأغفله من الروضة فإن نوى الفرض استباحه وإلا فلا على المذهب وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط ذلك في التيمم

لا يشترط في النية الإضافة إلى الله تعالى لكن تستحب كما في الصلاة وغيرها ولو توضأ الشاك بعد وضوئه في حدثه احتياطا فبان محدثا لم يجزئه للتردد في النية بلا ضرورة كما لو قضى فائتة الظهر مثلا شاكا في أنها عليه ثم بان أنها عليه لا يكفي

أما إذا لم يتبين حدثه فإنه يجزئه للضرورة ولو توضأ الشاك وجوبا بأن شك بعد حدثه في وضوئه فتوضأ أجزأه وإن كان مترددا لأن الأصل بقاء الحدث بل لو نوى في هذه إن كان محدثا فعن حدثه وإلا فتجديد صح أيضا وإن تذكر نقله في المجموع عن البغوي وأقره

( ومن نوى ) بوضوئه ( تبردا ) أو شيئا يحصل بدون قصد كتنظف ولو في أثناء وضوئه ( مع نية معتبرة ) أي مستحضرا عند نية التبرد أو نحوه نية الوضوء ( جاز ) أي أجزأه ذلك ( على الصحيح ) لحصول ذلك من غير نية كمصل نوى الصلاة ودفع الغريم فإنها تجزئه لأن اشتغاله عن الغريم لا يفتقر إلى نية

والثاني يضر لما في ذلك من التشريك بين قربة وغيرها

فإن فقد النية المعتبرة كأن نوى التبرد أو نحوه وقد غفل عنها لم يصح غسل ما غسله بنية التبرد ونحوه ويلزمه إعادته دون استئناف الطهارة

قال الزركشي وهذا الخلاف في الصحة أما الثواب فالظاهر عدم حصوله

وقد اختار الغزالي فيما إذا شرك في العبادة غيرها من أمر دنيوي اعتبار الباعث على العمل فإن كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن فيه أجر وإن كان القصد الديني أغلب فله بقدره وإن تساويا تساقطا

واختار ابن عبد السلام أنه لا أجر فيه مطلقا سواء أتساوى القصدان أم اختلفا

ويبطل بالردة التيمم ونية الوضوء والغسل

ولو نوى قطع الوضوء انقطعت النية فيعيدها للباقي وإذا بطل وضوءه في أثنائه بحدث أو غيره قال في المجموع عن الروياني يحتمل أن يثاب على الماضي كما في الصلاة أو يقال إن بطل باختياره فلا أو بغير اختياره فنعم

ومن أصحابنا من قال لا ثواب له بحال لأنه يراد لغيره بخلاف الصلاة اه

والأوجه التفصيل في الوضوء والصلاة

( أو ) نوى بوضوئه ( ما يندب له وضوء كقراءة ) لقرآن أو حديث وكدخول مسجد ( فلا ) يجوز له ذلك أي لا يجزئه

( في الأصح ) لأنه مباح مع الحدث فلا يتضمن قصده قصد رفع الحدث فكان كزيارة الوالدين والصديق وعيادة المريض وكل ذلك لا يصح الوضوء بنيته والثاني يصح لأن مقصوده تحصيل المستحب وهو لا يحصل بدون رفع الحدث فكانت نيته متضمنة له

أما ما لا يندب له الوضوء كدخول السوق ولبس الثياب فلا يصح الوضوء بنيته جزما

فروع الأول لو نوى أن يصلي بوضوئه ولا يصلي به لم يصح وضوؤه لتلاعبه وتناقضه وكذا لو نوى به الصلاة بمكان نجس

الثاني لو انغرس بعض أعضاء من نوى الطهر بسقطة في ماء أو غسلها فضولي ونيته فيهما عازبة لم يجزه لانتفاء فعله مع النية

فقولهم لا يشترط فعله محله إذا كان متذكرا للنية بخلاف ما لو ألقاه غيره في نهر مكرها فنوى فيه رفع الحدث صح وضوؤه كما صرح به في الروضة

الثالث لو نسي لمعة في وضوئه أو غسله فانغسلت في الغسلة الثانية أو الثالثة بنية التنفل أو في إعادة وضوء أو غسل لنسيان له أجزأه أما في الأولى فلأن قضية نيته الأولى كمال غسلها قبل غيرها وتوهمه الغسل عن غير ما لا يمنع الوقوع عنها كما لو جلس للتشهد الأخير ظانا أنه الأول فإنه يكفي وإن توهمه الأول وأما في الثانية فلأنه أتى بذلك بنية الوجوب بخلاف ما لو انغسلت في تجديد وضوء فإنه لا يجزئه لأنه طهر مستقل بنية لم تتوجه لرفع الحدث أصلا وبخلاف ما لو توضأ احتياطا فانغسلت فيه فإنه لا يجزئه أيضا لما مر في تعليله

( ويجب قرنها ) بسكون الراء


50

مصدر قرن بفتحها

( بأول ) غسل ( الوجه ) لتقترن بأول الفرض كالصلاة وغيرها من العبادات ما عدا الصوم لما مر فلا يكفي اقترانها بما بعد الوجه قطعا لخلو أول المغسول وجوبا عنها

وأما اقترانها بما قبله من السنن ما عدا الاستنجاء ففيه خلاف ذكره بقوله ( وقيل يكفي ) قرنها ( بسنة قبله ) لأنها من جملة الوضوء

والأصح المنع إذ المقصود من العبادة أركانها والسنن توابع أما الاستنجاء فلا يكفي اقترانها به جزما

ومحل الخلاف إذا عزبت قبل غسل الوجه فإن بقيت إلى غسله كفى بل هو أفضل ليثاب على السنن السابقة لأنها إذا خلت عن النية لم يحصل له ثوابها

فإن قيل من نوى صوم التنفل في أثناء اليوم فإن النية تنعطف على الماضي ويحصل له ثواب جميع اليوم فلم لا كان هذا كذلك أجيب بأنه لا ارتباط لصحة الوضوء بالسنن المذكورة فإنه يصح بدونها بخلاف بقية النهار وأيضا الصوم خصلة واحدة فإذا صح بعضها صح كلها والوضوء أفعال متفاصلة فالانعطاف فيها أبعد

ولو اقترنت النية بالمضمضة أو الاستنشاق وانغسل معه جزء من الوجه أجزأ وإن عزبت النية بعده سواء أغسله بنية الوجه وهو ظاهر أم لا لوجوب غسل جزء من الوجه مقرونا بالنية لكن يجب إعادة غسل الجزء مع الوجه على الأصح في الروضة لوجود الصارف

ولا تجزىء المضمضة ولا الاستنشاق في الشق الأول لعدم تقدمها على غسل الوجه قاله القاضي مجلي فالنية لم تقترن بمضمضة ولا استنشاق حقيقة

ولو وجدت النية في أثناء غسل الوجه دون أوله كفت ووجب إعادة المغسول منه قبلها فوجب قرنها بالأول ليعتد به

ويفهم منه أنه لا يجب استصحاب النية إلى آخر الوضوء لكن محله في الاستصحاب الذكري وأما الحكمي وهو أنه لا ينوي قطعها ولا يأتي بمنافيها كالردة فواجب كما علم مما مر

( وله تفريقها ) أي النية ( على أعضائه ) أي الوضوء بأن ينوي عند كل عضو رفع الحدث عنه كما ذكره الرافعي لأنه يجوز تفريق أفعاله كما سيأتي فكذلك تفريق النية على أفعاله

وجعل في مشكل الوسيط من صور التفريق أن ينوي رفع الحدث مطلقا عند كل عضو وتوقف في ذلك ابن الصلاح لأن النية الثانية تتضمن قطع الأولى أي كما في نية الصلاة

قال ابن شهبة وقد يقال هي مؤكدة ونية الوضوء ليست كنية الصلاة حتى تقطع الثانية الأولى اه

وهذا حسن لكنه ليس من التفريق لأن النية الأولى حصل بها المقصود لجميع الأعضاء

وهل يقطع النية نوم ممكن وجهان أوجههما لا

والحدث الأصغر لا يحل كل البدن بل أعضاء الوضوء خاصة كما صححه في التحقيق والمجموع وإنما لم يجز مس المصحف بغيرها لأن شرط الماس أن يكون متطهرا ويرتفع حدث كل عضو بمجرد غسله كما مرت الإشارة إليه

( الثاني ) من الفروض ( غسل ) ظاهر ( وجهه ) لقوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وللإجماع

والمراد بالغسل الإنغسال سواء أكان بفعل المتوضيء أم بغيره وكذا الحكم في سائر الأعضاء

( وهو ) طولا ( ما بين منابت ) شعر ( رأسه غالبا و ) تحت ( منتهى لحييه ) وهما بفتح اللام على المشهور العظمان اللذان تنبت عليهما الأسنان السفلى

( و ) عرضا ( ما بين أذنيه ) لأن الوجه ما تقع به المواجهة وهي تقع بذلك وخرج بظاهر داخل الفم والأنف والعين فإنه لا يجب غسل ذلك قطعا بل ولا يستحب غسل داخل العين بل صرح بعضهم بالكراهة للضرر

ولكن يجب غسل ذلك إن تنجس والفرق غلظ النجاسة بدليل أنها تزال عن الشهيد إذا كانت من غير دم الشهادة

أما ماق العين فيغسل بلا خلاف فإن كان عليه ما يمنع وصول الماء إلى المحل الواجب كالرماص وجب إزالته وغسل ما تحته وبغالبا الأصلع وهو من انحسر الشعر عن ناصيته فإنه لا يلزمه غسلها وقد نبه في المحرر عليه وأسقطه المصنف ودخل موضع الغمم كما قال

( فمنه ) أي من الوجه ( موضع الغمم ) لحصول المواجهة به وهو ما ينبت عليه الشعر من الجبهة والغمم أن يسيل الشعر حتى تضيق الجبهة والقفا يقال رجل أغم وامرأة غماء والعرب تذم به وتمدح بالنزع لأن الغمم يدل على البلادة والجبن والبخل والنزع بضد ذلك

كما قيل فلا تنكحي إن فرق الله بيننا أغم القفا والوجه ليس بأنزعا


51

بل قوله غالبا لا حاجة إليه كما قاله الإمام لأن الجبهة ليست منبتا وإن نبت الشعر عليها لعارض والناصية منبت وإن انحسر عنها الشعر لعارض فمنبت الشيء ما صلح لنباته وغير منبته ما لم يصلح له كما يقال الأرض منبت لصلاحيتها لذلك وإن لم يوجد فيها نبات والحجر ليس منبتا لعدم صلاحيته وإن وجد فيه نبات بل قال الولي العراقي إنه لا معنى له فإن منابت شعر رأسه شيء موجود لاغالب فيه ولا نادر

وإنما يصح الإتيان بقوله غالبا لو عبر بشعر الرأس من غير إضافة كما فعل غيره اه

ومنتهى اللحيين من الوجه كما تقرر وإن لم تشمله عبارة المصنف

( وكذا التحذيف ) بالمعجمة أي موضعه من الوجه ( في الأصح ) لمحاذاته بياض الوجه وهو ما ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العذار والنزعة وسمي بذلك لأن النساء والأشراف يحذفون الشعر عنه ليتسع الوجه

وضابطه كما قاله الإمام وجزم المصنف به في الدقائق أن تضع طرف خيط على رأس الأذن والطرف الثاني على أعلى الجبهة وتفرض هذا الخيط مستقيما فما نزل عنه إلى جانب الوجه فهو موضع التحذيف

والثاني أنه من الرأس وسيأتي تصحيحه

( لا النزعتان ) بفتح الزاي ويجوز إسكانها ويقال فيه رجل أنزع ولا يقال امرأة نزعاء بل يقال زعراء

( وهما بياضان يكتنفان الناصية ) وهي مقدم الرأس من أعلى الجبين فليستا من الوجه لأنهما في حد تدوير الرأس

( قلت صحح الجمهور أن موضع التحذيف من الرأس والله أعلم ) لاتصال شعره بشعر الرأس

ونقل الرافعي ترجيحه في شرحه عن الأكثرين وتبع في المحرر ترجيح الغزالي للأول

ومن الرأس أيضا الصدغان وهما فوق الأذنين متصلان بالعذارين لدخولهما في تدوير الرأس

ويسن غسل موضع الصلع والتحذيف والنزعتين والصدغين مع الوجه للخلاف في وجوبها في غسله

ويجب غسل جزء من الرأس ومن الحلق ومن تحت الحنك ومن الأذنين

وتجب أدنى زيادة في غسل اليدين والرجلين على الواجب فيهما لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب

ومن الوجه البياض الذي بين العذار والأذن لدخوله في حده وما ظهر من حمرة الشفتين ومن الأنف بالجدع

( ويجب غسل كل هدب ) وهو بضم الهاء وسكون الدال المهملة وضمها وبفتحهما معا الشعر النابت على أجفان العين

( وحاجب ) جمعه حواجب وحاجب الأمير جمعه حجاب

سمي بذلك لأنه يحجب عن العين شعاع الشمس

( وعذار ) وهو بالذال المعجمة الشعر النابت المحاذي للأذن بين الصدغ والعارض وقيل هو ما على العظم الناتيء بإزاء الأذن وهو أول ما ينبت للأمرد غالبا

( وشارب ) وهو الشعر النابت على الشفة العليا سمي بذلك لملاقاته الإنسان عند الشرب

( وخد ) أي الشعر النابت عليه كذا ذكره البغوي والمصنف في شرح المهذب ولم يذكره الرافعي في شيء من كتبه ولا المصنف في الروضة فهو من زيادته على المحرر من غير تمييز

( وعنفقة ) وهو الشعر النابت على الشفة السفلى

( شعرا ) بفتح العين ( وبشرا ) أي ظاهرا وباطنا وإن كثف الشعر لأن كثافته نادرة فألحق بالغالب

فإن قيل كان ينبغي إسقاط شعر أو يقولوبشرتها أي بشرة جميع ذلك فقوله شعرا تكرار فإن ما تقدم اسم لها لا لمنابتها وقوله وبشرا غير صالح لتفسير ما تقدم

أجيب بأنه ذكر الخد أيضا فنص على شعره كما نص على بشرة ما ذكره من الشعر

( وقيل لا يجب ) غسل ( باطن عنفقة كثيفة ) بالمثلثة ولا بشرتها كاللحية

ولو قال وقيل عنفقة كلحية لكان أشمل وأخصر وفي ثالث يجب إن لم تتصل باللحية

( واللحية ) من الرجل وهي بكسر اللام وحكي فتحها الشعر النابت على الذقن خاصة وهي مجمع اللحيين

( إن خفت كهدب ) فيجب غسل ظاهرها وباطنها ( وإلا ) بأن كثفت ( فليغسل ظاهرها ) ولا يجب غسل باطنها لعسر إيصال الماء إليه مع الكثافة الغير النادرة ولما روى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه وكانت لحيته الكريمة كثيفة وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى ذلك غالبا فإن خف بعضها وكثف بعضها وتميز فلكل حكمه وإن لم يتميز بأن كان الكثيف متفرقا بين أثناء الخفيف وجب غسل الكل كما قاله الماوردي لأن إفراد الكثيف بالغسل يشق وإمرار الماء على الخفيف لا يجزىء

وهذا هو المعتمد وإن قال في المجموع ما قاله الماوردي خلاف ما قاله الأصحاب

والشعر الكثيف ما يستر البشرة عن المخاطب بخلاف الخفيف

والعارضان وهما المنحطان عن


52

القدر المحاذي للأذن كاللحية في جميع ما ذكر وإن لم يعلم ذلك من عبارة المصنف

وخرج بالرجل المرأة فيجب غسل ذلك منها ظاهرا وباطنا وإن كثف لندرة كثافتها ولأنه يسن لها إزالتها لأنها مثلة في حقها ومثلها الخنثى في غسل ما ذكر إن لم نجعل ذلك علامة على ذكورته وهو المعتمد

فإن قيل إيجاب ذلك في الكثيف عليهما مشكل لأن ذلك وإن كان نادرا لكنه دائم والقاعدة أن النادر الدائم كالغالب

أجيب بأن القاعدة مختصة بالأعذار المسقطة لقضاء الصلاة كالمستحاضة وسلس البول وأما غيرها فيلحق نادر كل جنس بغالبه مع أن الإشكال لا يأتي في المرأة للعلة الثانية ويجب غسل سلعة نبتت في الوجه وإن خرجت عن حده لحصول المواجهة بها

واعلم أن التفصيل المذكور في شعور الوجه إذا كانت في حده أما الخارجة عنه فيجب غسل ظاهرها وباطنها مطلقا إن خفت كما في العباب وظاهرها فقط مطلقا إن كثفت كما في الروض بل عبارته تقتضي أن يكتفى بغسل ظاهرها وإن كانت خفيفة لكنه غير مراد وبعضهم قرر في هذه الشعور خلاف ذلك فاحذره

( وفي قول لا يجب غسل خارج عن ) حد ( الوجه ) من لحية وغيرها كالعذار خفيفا كان أم كثيفا لا ظاهرا ولا باطنا لخروجه عن محل الفرض

ومن له وجهان وكان الثاني مسامتا للأول كما أفتى به شيخي وجب عليه غسلهما كاليدين على عضو واحد أو رأسان كفى مسح بعض أحدهما والفرق أن الواجب في الوجه غسل جميعه فتجب غسل جميع ما يسمى وجها وفي الرأس بعض ما يسمى رأسا وذلك يحصل ببعض أحدهما ذكره في المجموع

( الثالث ) من الفروض ( غسل يديه ) من كفيه وذراعيه للآية والإجماع

( مع ) بفتح العين وتسكن بقلة ( مرفقيه ) بكسر الميم وفتح الفاء أفصح من عكسه

أو قدرهما إن فقدا كما نبه عليه في العباب لما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم اليسرى حتى أشرع في العضد إلى آخره وللإجماع ولقوله تعالى وأيديكم إلى المرافق وجه دلالة الآية على ذلك أن تجعل اليد التي هي حقيقة إلى المنكب على الأصح مجازا إلى المرفق مع جعل إلى غاية للغسل الداخلة هنا في المغيا بقرينتي الإجماع والإحتياط للعبادة

والمعنى اغسلوا أيديكم من رؤوس أصابعها إلى المرافق

أو للمعية كما في قوله تعالى من أنصاري إلى الله ويزدكم قوة إلى قوتكم

أو تجعل باقية على حقيقتها إلى المنكب مع جعل إلى غاية إلى الترك المقدر فتخرج الغاية

والمعنى اغسلوا أيديكم واتركوا منها إلى المرافق

قال البيضاوي في تفسيره قيل إلى بمعنى مع أي كما تقدم أو أن إلى متعلقة بمحذوف تقديره وأيديكم مضافة إلى المرافق ثم قال ولو كان كذلك لم يكن لمعنى التحديد ولا لذكره مزيد فائدة لأن مطلق اليد يشتمل عليها أي المرافق

ثم ذكر أقوالا أخر يطول الكلام بذكرها فلتراجع

ولا بد من غسل جزء من العضد ليتحقق غسل اليد وللحديث المذكور وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك

( فإن قطع بعضه ) أي بعض ما يجب غسله من اليدين واليد مؤنثة

( وجب ) غسل ( ما بقي ) منه لأن الميسور لا يسقط بالمعسور ولقوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم

( أو ) قطع ( من مرفقيه ) بأن سل عظم الذراع وبقي العظمان المسميان برأس العضد

( فرأس عظم العضد ) يجب غسله ( على المشهور ) لأنه من المرفق بناء على أنه مجموع العظمين والإبرة الداخلة بينهما لا الإبرة وحدها ومقابله لا يجب غسله بناء على أنه طرف عظم الساعد فقط ووجوب غسل رأس العضد بالتبعية

( أو ) قطع من ( فوقه ) أي المرفق ( ندب ) غسل ( باقي عضده ) لئلا يخلو العضو عن طهارة ولتطويل التحجيل كما لو كان سليم اليد

وإنما لم يسقط التابع بسقوط المتبوع كرواتب الفرائض أيام الجنون لأن سقوط المتبوع ثم رخصة فالتابع أولى به وسقوطه هنا ليس رخصة بل لتعذره فحسن الإتيان بالتابع محافظة على العبادة بقدر الإمكان كإمرار المحرم الموسى على رأسه عند عدم شعره

وإن قطع من منكبيه ندب غسل محل القطع بالماء كما نص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه وجرى عليه الشيخ أبو حامد وغيره

ويجب غسل شعر على اليدين ظاهرا وباطنا وإن كثف لندرته وغسل ظفر وإن طال وغسل باطن ثقب وشقوق فيهما إن لم يكن له غور في اللحم وإلا وجب غسل ما ظهر منه فقط

ويجري هذا في سائر الأعضاء كما يقتضيه كلام المجموع في باب صفة الغسل

وغسل يد زائدة إن نبتت بمحل الفرض ولو من المرفق


53

كأصبع زائدة وسلعة سواء جاوزت الأصلية أم لا

وإن نبتت بغير محل الفرض وجب غسل ما حاذى منها محله لوقوع اسم اليد عليه مع محاذاته لمحل الفرض بخلاف ما لم يحاذه فإن لم تتميز الزائدة عن الأصلية بأن كانتا أصليتين أو إحداهما زائدة ولم تتميز بنحو فحش قصر ونقص أصابع وضعف بطش غسلهما وجوبا سواء أخرجتا من المنكب أم من غيره ليتحقق الإتيان بالفرض بخلاف نظيره من السرقة بقطع إحداهما فقط كما سيأتي إن شاء الله تعالى في بابها لأن الوضوء مبناه على الإحتياط لأنه عبادة والحد على الدرء لأنه عقوبة

وتجري هذه الأحكام في الرجلين

وإن تدلت جلدة العضد منه لم يجب غسل شيء منها لا المحاذي ولا غيره لأن اسم اليد لا يقع عليها مع خروجها عن محل الفرض أو تقلصت جلدة الذراع منه وجب غسلها لأنها منه

وإن تدلت جلدة أحدهما من الآخر بأن تقلعت من أحدهما وبلغ التقلع إلى الآخر ثم تدلت منه فالاعتبار بما انتهى إليه تقلعها لا بما منه تقلعها فيجب غسلها فيما إذا بلغ تقلعها من العضد إلى الذراع دون ما إذا بلغ من الذراع إلى العضد لأنها صارت جزءا من محل الفرض في الأول دون الثاني

ولو التصقت بعد تقلعها من أحدهما بالآخر وجب غسل محاذي الفرض منها دون غيره

ثم إن تجافت عنه لزمه غسل ما تحتها أيضا لندرته وإن سترته اكتفى بغسل ظاهرها

ولا يلزمه فتقها فلو غسله ثم زالت لزمه غسل ما ظهر من تحتها لأن الاقتصار على ظاهرها كان للضرورة وقد زالت

ولو توضأ فقطعت يده أو تثقبت لم يجب غسل ما ظهر إلا لحدث فيجب غسله كالظاهر أصالة

ولو عجز عن الوضوء لقطع يده مثلا وجب عليه أن يحصل من يوضئه والنية من الآذن ولو بأجرة مثل فإن تعذر عليه ذلك تيمم وصلى وأعاد لندرة ذلك

( الرابع ) من الفروض ( مسمى مسح ل ) بعض ( بشرة رأسه أو ) بعض ( شعر ) ولو واحدة أو بعضها ( في حده ) أي الرأس بأن لا يخرج بالمد عنه من جهة نزوله فلو خرج به عنه منها لم يكف حتى لو كان متجعدا بحيث لو مد لخرج عن الرأس لم يجز المسح عليه قال تعالى وامسحوا برؤوسكم

وروى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى العمامة واكتفى بمسح البعض فيما ذكر لأنه المفهوم من المسح عند إطلاقه

ولم يقل أحد بوجوب خصوص الناصية وهي الشعر الذي بين النزعتين والاكتفاء بها يمنع وجوب الاستيعاب ويمنع وجوب التقدير بالربع أو أكثر لأنها دونه والباء إذا دخلت على متعدد كما في الآية تكون للتبعيض أو على غيره كما في قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق فإنها تكون للإلصاق

فإن قيل صيغة الأمر بمسح الرأس والوجه في التيمم واحدة فهلا أوجبتم التعميم أيضا أجيب بأن ذلك ثبت بالسنة وبأن المسح ثم بدل للضرورة فاعتبر بمبدله ومسح الرأس أصل فاعتبر لفظه

فإن قيل المسح على الخف بدل فهلا وجب تعميمه كمبدله أجيب بقيام الإجماع على عدم وجوبه وبأن التعميم يفسده مع أن مسحه مبني على التخفيف لجوازه مع القدرة على الغسل بخلاف التيمم إنما جاز للضرورة كما مر

وعلم من كلام المصنف أن كلا من البشرة والشعر أصل فإنه خير بينهما وهو الصحيح

فإن قيل لو غسل بشرة الوجه وترك الشعر لم يجزه على الصحيح

أجيب بأن كلا من الشعر والبشرة يصدق عليه مسمى الرأس عرفا إذ الرأس اسم لما رأس وعلا والوجه ما تقع به المواجهة وهي تقع على الشعر أيضا

فإن قيل هلا اكتفى بالمسح على النازل عن حد الرأس كما اكتفى بذلك للتقصير في النسك أجيب بأن الماسح عليه غير ماسح على الرأس والمأمور به في التقصير إنما هو شعر الرأس وهو صادق بالنازل

( والأصح ) وفي الروضة الصحيح ( جواز غسله ) أي الرأس لأنه مسح وزيادة فأجزأ بطريق الأولى والرأس مذكر

( و ) جواز ( وضع اليد ) عليه ( بلا مد ) لحصول المقصود من وصول البلل إليه

وأشار بالجواز إلى عدم استحباب ذلك وإلى عدم كراهته

والثاني لا يجزئه فيهما لأنه لا يسمى مسحا

وعلى الأول لو قطر الماء على رأسه أو تعرض للمطر

وإن لم ينو المسح خلافا لابن المقري في اشتراط النية أجزأه لما ذكر

ويجزيء مسح ببرد وثلج لا يذوبان لما تقدم ويجزيء غسل بهما إذا ذابا وجريا على العضو لحصول المقصود بذلك

ولو حلق رأسه بعد مسحه لم يعد المسح لما مر في قطع اليد

( الخامس ) من الفروض ( غسل رجليه ) بإجماع من يعتد بإجماعه

( مع كعبيه ) من كل رجل أو قدرهما إن فقدا كما مر في المرفقين وهما العظمان الناتئان من


54

الجانبين عند مفصل الساق والقدم ففي كل رجل كعبان لما روى النعمان بن بشير أنه صلى الله عليه وسلم قال أقيموا صفوفكم فرأيت الرجل منا يلصق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه

رواه البخاري

وفي وجه أن الكعب هو الذي فوق مشط القدم وهو شاذ ضعيف

قال تعالى وأرجلكم إلى الكعبين قريء في وجه السبع بالنصب وبالجر عطفا على الوجوه لفظا في الأول ومعنى في الثاني لجره على الجواز

ودل على دخول الكعبين في الغسل ما دل على دخول المرفقين فيه وقد مر

وما أطلقه الأصحاب هنا من أن غسل الرجلين فرض محمول كما قاله الرافعي على غير لابس الخف أو على أن الأصل الغسل والمسح بدل عنه

ويجب إزالة ما في شقوق الرجلين من عين كشمع وحناء قال الجويني إن لم يصل إلى اللحم ويحمل على ما إذا كان في اللحم غور أخذا مما مر عن المجموع

ولا أثر لدهن ذائب ولون حناء

ويجب إزالة ما تحت الأظفار من وسخ يمنع وصول الماء

ولو قطع بعض القدم وجب غسل الباقي وإن قطع فوق الكعب فلا فرض عليه ويستحب غسل الباقي كما مر في اليد

( السادس ) من الفروض ( ترتيبه هكذا ) أي كما ذكره من البداءة بغسل الوجه مقرونا بالنية ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين لفعله صلى الله عليه وسلم المبين للوضوء المأمور به رواه مسلم وغيره ولقوله في حجته ابدأوا بما بدأ الله به رواه النسائي بإسناد صحيح

والعبرة بعموم اللفظ

ولأنه تعالى ذكر ممسوحا بين مغسولات وتفريق المتناجس لا ترتكبه العرب إلا لفائدة وهي هنا وجوب الترتيب لا ندبه بقرينة الأمر في الخبر ولأن الآية بيان للوضوء الواجب

وقيل لا يشترط الترتيب بل الشرط فيه عدم التنكيس حتى لو استعان بأربعة غسلوا أعضاءه دفعة واحدة ونوى صح وضوؤه

وعلى الأول يحصل له في هذه الحالة غسل الوجه فقط كما لو نكس وضوءه ولو ساهيا فلو وضأوه بعد ذلك ثلاث مرات أخر أجزأه كما لو نكس وضوءه أربع مرات فإنه يجزئه لحصول غسل كل عضو في مرة

( ولو اغتسل محدث ) حدثا أصغر فقط بنية رفع الحدث أو نحوه ولو متعمدا أو بنية رفع الجنابة أو نحوها غالطا ورتب فيهما أجزأه أو انغمس بنية ما ذكر

( فالأصح أنه إن أمكن تقدير ترتيب بأن غطس ومكث ) قدر الترتيب ( صح ) له الوضوء لأن الترتيب حاصل بذلك لأنه إذا لاقى الماء وجهه وقد نوى يرتفع الحدث عنه وبعده عن اليدين لدخوله وقت غسلهما وهكذا إلى آخر الأعضاء

والثاني لا يصح لأن هذا الترتيب أمر تقديري لا تحقيقي ولهذا لا يقوم الغمس في الماء الكثير مقام العدم في النجاسة المغلظة

( وإلا ) أي وإن لم يمكث قدر الترتيب بأن غطس وخرج في الحال أو غسل الأسافل قبل الأعالي كما في المحرر

( فلا ) يصح لأن الترتيب من واجبات الوضوء أو الواجب لا يسقط بفعل ما ليس بواجب

ووجه مقابله أن الغسل أكمل من الوضوء فلذلك قال ( قلت الأصح الصحة بلا مكث والله أعلم ) لأنه يكفي لرفع أعلى الحدثين فللأصغر أولى ولتقدير الترتيب في لحظات لطيفة هذا إذا لم يغتسل منكسا بالصب عليه وإلا لم يحصل له سوى الوجه كما مر

وأما انغماسه فيكفي مطلقا

ولو أغفل لمعة من غير أعضاء الوضوء قطع الفاضي بأنه لا يكفي وهو على الراجح ممنوع وعلى غيره محمول على ما إذا لم يمكث فإن مكث أجزأه واكتفى بنية الجنابة ونحوها مع أن المنوي طهر غير مرتب لأن النية لا تتعلق بخصوص الترتيب نفيا وإثباتا

ولو أحدث وأجنب أجزأ الغسل عنها لاندراج الأصغر وإن لم ينوه في الأكبر فلو اغتسل إلا رجليه أو إلا يديه مثلا ثم أحدث ثم غسلهما عن الجنابة توضأ ولم يجب عليه إعادة غسلهما لارتفاع حدثهما بغسلهما عن الجنابة وهذا وضوء خال عن غسل الرجلين أو اليدين وهما مكشوفتان بلا علة قال ابن القاص وعن الترتيب وغلطه الأصحاب بأنه غير خال عنه بل هو وضوء لم يجب فيه غسل الرجلين أو اليدين قال في المجموع وهو إنكار صحيح

ولو غسل بدنه إلا أعضاء الوضوء ثم أحدث لم يجب ترتيبها ولو شك في تطهير عضو قبل الفراغ طهره وما بعده أو بعد الفراغ لم يؤثر ولو صلى فرضين بوضوءين عن حدث ثم تذكر ترك المسح من أحدهما لا بعينه مسح وغسل ما بعده وأعاد الصلاتين

ولو توضأ وصلى ثم نسي الوضوء والصلاة فتوضأ وصلاها ثم على ترك عضو وسجدة وجهل عينهما فوضوؤه تام ويعيد الصلاة لاحتمال كون العضو من الوضوء الأول والسجدة من الصلاة


55

الثانية

ولو صلى الصبح بطهارة عن حدث ثم جدد للظهر ثم صلى العصر بطهارة عن حدث ثم جدد للمغرب ثم صلى للعشاء بطهارة عن حدث ثم علم ترك مسح طهارة مهمة أعاد صلاة طهارات الحدث وكذا غيرها

ويصح وضوء من على بعض بدنه نجاسة لا يعرف موضعها خلافا للقاضي

ولو بان بعد فراغه ترك ظفر فقطعه وجب غسل ما ظهر بقطعه وما بعده وفي الحدث الأكبر يجب غسله فقط

ثم لما فرغ من ذكر الأركان شرع في بعض السنن فقال ( وسننه ) أي الوضوء أي ومن سننه

( السواك ) وهو لغة الدلك وآلته و شرعا استعمال عود أو نحوه كأشنان في الأسنان وما حولها

والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل وضوء أي أمر إيجاب رواه البخاري تعليقا بصيغة الجزم وتعليقاته هكذا صحيحة

ومحله في الوضوء على ما قاله ابن الصلاح و ابن النقيب في عمدته بعد غسل الكفين

وكلام الإمام وغيره يميل إليه وينبغي اعتماده

وقال الغزالي ك الماوردي و القفال محله قبل التسمية قال ابن النقيب في نكته أو معها مخالفا لما في عمدته

قال الأذرعي وإذا تركه أوله أرى أن يأتي به في أثنائه كالتسمية وأولى

قال ولم أره منقولا اه

وهو حسن

وقضية تخصيصهم الوضوء بالذكر أنه لا يطلب السواك للغسل وإن طلب بكل حال قيل ولعل سبب ذلك الإكتفاء باستحبابه في الوضوء المسنون فيه

وسن كونه ( عرضا ) أي في عرض الأسنان ظاهرا وباطنا في طول الفم لخبر إذا استكتم فاستاكوا عرضا رواه أبو داود في مراسيله

ويجزىء طولا لكن مع الكراهة لأنه يدمي اللثة ويفسد لحم الأسنان وقيل إن الشيطان يستاك طولا

أما اللسان فيسن أن يستاك فيه طولا كما ذكره ابن دقيق العيد واستدل له بخبر في سنن أبي داود

ويحصل ( بكل خشن ) مزيل للقلح طاهر كعود من أراك أو غيره أو خرقة أو أشنان لحصول المقصود بذلك لكن العود أولى من غيره والأراك أولى من غيره من العيدان

قال ابن مسعود كنت أجتني لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكا من أراك رواه ابن حبان

وما أحسن قول القائل تالله إن جزت بوادي الأراك وقبلت أغصانه الخضر فاك فابعث إلى المملوك من بعضها فإنني والله ما لي سواك وقال آخر طلبت منك سواكا وما طلبت سواكا وما أردت أراكا لكن أردت أراكا واليابس المندى بالماء أولى من الرطب ومن اليابس الذي لم يند ومن اليابس المندى بغير الماء كماء الورد وعود النخل أولى من غير الأراك كما قاله في المجموع وقيل الأولى بعد الأراك قصبان الزيتون ويسن غسله للاستياك

ثانيا إذا حصل عليه وسخ أو ريح أو نحوه كما قاله في المجموع

ويكره غمسه في ماء وضوئه كما قاله الصيمري

ويستحب أن يمر السواك على سقف فمه بلطف وعلى كراسي أضراسه ولا بأس بالاستياك بسواك غيره بإذنه

وحرم بدونه كالاستياك بما فيه سم ويكره بعود وريحان يؤذي

وخرج بمزيل للقلح المبرد فلا يجزيء فإنه يزيل جزءا من السن وبطاهر النجس فلا يجزيء لخبر السواك مطهرة للفم مرضاة للرب رواه ابنا خزيمة وحبان في صحيحيهما والمطهرة بفتح الميم وكسرها كل إناء يتطهر به أي منه

فشبه السواك به لأنه يطهر الفم

قاله في المجموع أي فهو آلة تنظفه من الرائحة الكريهة

وقوله ( بكل خشن ) من زيادته بغير تمييز وكذا قوله ( لا أصبعه ) أي المتصلة به ولو كانت خشنة فلا تكفي ( في الأصح ) لأنه لا يسمى استياكا

أما المنفصلة الخشنة فتجزيء إن قلنا بطهارتها وهو الأصح ودفنها مستحب لا واجب

وإن قلنا بنجاستها لم يجز كسائر النجاسات خلافا للإسنوي كما لا يجزيء الاستنجاء بها وقيل يجزيء

ويجب غسل الفم للنجاسة وعلى هذا يفرق بينه وبين الاستنجاء بأن الاستنجاء بالحجر رخصة

وهي لا تناط بالمعاصي مع أن الغرض منه الإباحة وهي لا تحصل بالنجاسة بخلاف الاستياك فإنه عزيمة من أن الغرض منه إزالة الرائحة الكريهة وهو حاصل

ويسن أن يستاك باليمين من يمنى فمه قال الزنكلوني إلى الوسط ويفعل بالأيسر مثل ذلك لشرف الأيمن ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله وسواكه رواه أبو داود

وقيل إن كان المقصود به العبادة


56

فباليمين أو إزالة الرائحة فباليسار وقيل باليسار مطلقا لأنه إزالة مستقذر فكان كالحجر في الاستنجاء ولينو به السنة كما أنه ينوى بالجماع النسل إن لم يكن للوضوء وإلا فنيته تشمله

ويسن أن يعوده الصغير ليألفه

ولو قال ومن سننه السواك كما قدرته وعبر به في المحرر لكان أولى لئلا يوهم الحصر فإن له سننا لم يذكرها وسأذكر شيئا منها إن شاء الله تعالى

( ويسن للصلاة ) ولو نفلا ولكل ركعتين من نحو التراويح أو لمتيمم أو فاقد الطهورين أو صلاة جنازة ولو لم يكن الفم متغيرا أو استاك في وضوئها لخبر الصحيحين لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة أي أمر إيجاب ولخبر ركعتان بسواك أفضل من سبعين ركعة بلا سواك رواه الحميدي بإسناد جيد

واستشكل بأن صلاة الجماعة بخمس أو سبع وعشرين مع أنها فرض كفاية على الأصح وأجبت عن ذلك في شرح التنبيه بأجوبة بعضها لشيخنا

وللطواف ولو نفلا ولسجدة تلاوة أو شكر ولو نسي أن يستاك قبل تحرمه ثم تذكره بعده هل يسن أن يتداركه كما قيل به في الوضوء أو لا أفتى بعض المتأخرين بأنه يتدارك بأفعال خفيفة والظاهر عدم الاستحباب لأن الكفء مطلوب في الصلاة فمراعاته أولى

( وتغير الفم ) بتثليث فائه أو الأسنان بنوم أو أكل أو جوع أو سكوت طويل أم كلام كثير أو نحو ذلك لخبر الصحيحين كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من النوم يشوص فاه أي يدلكه بالسواك

وقيس بالنوم غيره بجامع التغير

وكما أنه يتأكد فيما ذكر يتأكد أيضا لقراءة قرآن أو حديث ولعلم شرعي كما بحثه بعضهم ولذكر الله تعالى ولنوم وليقظة كما مر ولدخول منزله وعند الاحتضار ويقال إنه يسهل خروج الروح وفي السحر وللأكل وبعد الوتر وللصائم قبل وقت الخلوف كما يسن التطيب قبل الإحرام

( ولا يكره ) بحال ( إلا للصائم بعد الزوال ) ولو نفلا لخبر الصحيحين لخلوف الصائم أطيب عند الله من ريح المسك والخلوف بضم الخاء تغير رائحة الفم

والمراد الخلوف بعد الزوال لخبر أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا

ثم قال وأما الثانية فإنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك والمساء بعد الزوال وأطيبية الخلوف تدل على طلب إبقائه فكرهت إزالته

وتزول الكراهة بالغروب لأنه ليس بصائم الآن

ويؤخذ من ذلك أن من وجب عليه الإمساك لعارض كأن نسي نية الصوم لا يكره له السواك بعد الزوال وهو كذلك لأنه ليس بصائم حقيقة

والمعنى في اختصاصها بما بعد الزوال أن تغير الفم بالصوم إنما يظهر حينئذ قاله الرافعي

ويلزم من ذلك كما قال الإسنوي أن يفرقوا بين من تسحر أو تناول في الليل شيئا أو لا فيكره للمواصل قبل الزوال وأنه لو تغير فمه بأكل أو نحوه ناسيا بعد الزوال أنه لا يكره له السواك وهو كذلك

ولا يتوهم أنه يستاك لنحو الصلاة بعد الزوال لأنه يلزم منه أن لا يبقى خلوف غالبا إذ لا بد بعد الزوال من الصلاة

وأما هذه الأمور فعارضة فلا يؤخذ منها ما ذكر

فإن قيل لم حرم إزالة دم الشهيد مع أن رائحته كريح المسك كما ورد في الخبر إنهم يأتون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك وكره إزالة الخلوف مع كونه أطيب من ريح المسك أجيب بأن في إزالة دم الشهيد تفويت فضيلة على الشهيد لم يؤذن في إزالتها فإن فرض أن شخصا سوك صائما بغير إذنه حرم عليه كما هنا أو أن شهيدا أزال الدم عن نفسه في مرض يغلب على ظنه الموت فيه سبب القتال كره فتفويت المكلف الفضيلة على نفسه جائز وتفويت غيره لها عليه لا يجوز إلا بإذنه

قال أبو الخير القزويني في كتاب خصائص السواك وغيره فلا يجب السواك على من أكل الميتة عند الاضطرار لإزالة الدسومة النجسة

ويؤخذ من تعليله أن الواجب إزالتها بسواك أو غيره فلا يجب السواك عينا وهو ظاهر

قال الترمذي الحكيم يكره أن يزيد طول السواك على شبر

وفي البيهقي عن جابر قال كان موضع سواك رسول الله صلى الله عليه وسلم موضع القلم من أذن الكاتب واستحب بعضهم أن يقول في أوله اللهم بيض به أسناني وشد به لثاتي وثبت به لهاتي وبارك لي فيه يا أرحم الراحمين

قال المصنف وهذا لا بأس به وإن لم يكن له أصل فإنه دعاء حسن

فائدة قوله في الحديث وخلوف إلخ جملة حالية مقيدة لعاملها فيفهم منه أن ذلك في الدنيا وهو الأصح عند ابن الصلاح و السبكي وخصصه ابن عبد السلام بالآخرة ولا مانع أن يكون فيهما

فرع من فوائد السواك

أنه يطهر الفم ويرضي الرب كما مر ويبيض الأسنان ويطيب النكهة ويسوي


57

الظهر ويشد اللثة

ويبطىء الشيب ويصفي الخلقة ويذكي الفطنة ويضاعف الأجر ويسهل النزع كما مر ويذكر الشهادة عند الموت

ويسن التخليل قبل السواك وبعده ومن أثر الطعام وكون الخلال من عود السواك ويكره بنحو الحديد

( و ) من سننه ( التسمية أوله ) أي أول الوضوء لخبر النسائي بإسناد جيد عن أنس قال طلب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وضوءا فلم يجدوا فقال صلى الله عليه وسلم هل مع أحد منكم ماء فأتي بماء فوضع يده في الإناء الذي فيه الماء ثم قال توضئوا بسم الله أي قائلين ذلك فرأيت الماء يفور من بين أصابعه حتى توضأ نحو سبعين رجلا

ولخبر توضئوا بسم الله رواه النسائي وابن خزيمة

وإنما لم تجب لآية الوضوء المبينة لواجباته

وأما خبر لا وضوء لمن لم يسم الله فضعيف

وأقلها بسم الله وأكملها كمالها ثم الحمد لله على الإسلام ونعمته و الحمد لله الذي جعل الماء طهورا وزاد الغزالي بعدها في بداية الهداية ربي أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون وحكى المحب الطبري عن بعضهم التعوذ قبلها

وتسن لكل أمر ذي بال أي حال يهتم به من عبادة وغيرها كغسل وتيمم وذبح وجماع وتلاوة ولو من أثناء سورة لا لصلاة وحج وذكر وتكره لمحرم أو مكروه

والمراد بأول الوضوء أول غسل الكفين

فينوي الوضوء ويسمي الله عنده بأن يقرن النية بالتسمية عند أول غسلهما ثم يتلفظ بالنية ثم يكمل غسلهما لأن التلفظ بالنية والتسمية سنة ولا يمكن أن يتلفظ بهما في زمن واحد

( فإن ترك ) سهوا أو عمدا أو في أول طعام كذلك ( ففي أثنائه ) يأتي بها فيقول بسم الله أوله وآخره لخبر إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى فإن نسي أن يذكر الله تعالى في أوله فليقل بسم الله أوله وآخره رواه الترمذي وقال حسن صحيح

ويقاس بالأكل الوضوء وبالنسيان العمد

وأفهم أنه لا يأتي بها بعد فراغ الوضوء لانقضائه وبه صرح في المجموع

قال شيخنا والظاهر أنه يأتي بها بعد فراغ الأكل ليتقايأ الشيطان ما أكله

وينبغي أن يكون الشرب كالأكل

( و ) من سننه ( غسل كفيه ) إلى كوعيه قبل المضمضة وإن تيقن طهرهما أو توضأ من نحو إبريق للاتباع رواه الشيخان

( فإن لم يتيقن طهرهما ) بأن تردد فيه ( كره غمسهما في الإناء ) الذي فيه ماء قليل أو مائع ولو كثر

( قبل غسلهما ) ثلاثا لقوله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده متفق عليه إلا لفظ ثلاثا فلمسلم فقط

أشار بما علل به فيه إلى احتمال نجاسة اليد في النوم كأن تقع على محل الاستنجاء بالحجر لأنهم كانوا يستنجون به فيحصل لهم التردد

وعلى هذا حمل الحديث لا على مطلق النوم كما ذكره المصنف في شرح مسلم

وإذا كان هذا هو المراد فمن لم ينم واحتمل نجاسة يده كان في معنى النائم ولهذا عبر المصنف بما ذكره ليشمل القائم من النوم وغيره ولكنه يشمل ما إذا تيقن نجاسة يده ويندفع ذلك بما قدرته تبعا للشارح

وهذه الغسلات الثلاث هي المندوبة أول الوضوء لكن ندب تقديمها عند الشك على غمس يده ولا تزول الكراهة إلا بغسلهما ثلاثا لأن الشارع إذا غيا حكما بغاية إنما يخرج عن عهدته باستيعابها فسقط ما قيل من أنه ينبغي زوال الكراهة بواحدة لتيقن الطهر بها كما لا كراهة إذا تيقن طهرهما ابتداء

ومن هنا يؤخذ ما بحثه الأذرعي أن محل عدم الكراهة عند تيقن طهرهما إذا كان مستندا ليقين غسلهما ثلاثا فلو غسلهما فيما مضى عن نجاسة متيقنة أو مشكوكة مرة أو مرتين كره غمسهما قبل غسلهما إكمال الثلاث

ومثل المائع في ذلك كل مأكول رطب كما في العباب

فإن تعذر عليه غسلهما بالصب لكبر الإناء ولم يجد ما يعرف به منه استعان بغيره أو أخذه بطرف ثوب نظيف أو بفيه أو نحو ذلك أما الماء الكثير فلا يكره كما قال في الدقائق احترز أي المنهاج بالإناء عن البركة ونحوها

( و ) من سننه ( المضمضة و ) بعدها ( الاستنشاق ) ولو ابتلع الماء أو لم يدره في فمه لحديث مسلم ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق


58

ويستنثر إلا خرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء ومعنى خرت سقطت وذهبت ويروى جرت بالجيم أي جرت مع ماء الوضوء

وإنما لم يجبا لما مر في البسملة

وأما خبر تمضمضوا واستنشقوا فضعيف

وعلم بما قدرته وبما سيشير إليه بعد ذلك بقوله ثم الأصح إلخ إن الترتيب مستحق لا مستحب عكس تقدم اليمنى على اليسرى

وفرق الروياني بأن اليدين مثلا عضوان متفقان اسما وصورة بخلاف الفم والأنف فوجب الترتيب بينهما كاليد والوجه فلو أتى بالاستنشاق مع المضمضة حسبت دونه أو أتى به فقط حسب له دونها أو قدمه عليها فقضية كلام المجموع أن المؤخر يحسب

قال بعضهم وهو الوجه كنظائره في الصلاة والوضوء

وقال في الروضة لو قدم المضمضة والاستنشاق على غسل الكف لم يحسب الكف على الأصح

قال الإسنوي وصوابه ليوافق ما في المجموع لم يحسب المضمضة والاستنشاق على الأصح

والمعتمد كما قاله شيخي ما في الروضة

قال لقولهم في الصلاة الثالث عشر ترتيب الأركان خرج السنن فيحسب منها ما أوقعه أولا فكأنه ترك غيره فلا يعتد بفعله بعد ذلك كما لو تعوذ ثم أتى بدعاء الإفتتاح

ومن فوائد غسل اليدين والمضمضة والاستنشاق أولا معرفة أوصاف الماء وهي اللون والطعم والرائحة هل تغيرت أو لا ويسن أخذ الماء باليد اليمنى

( والأظهر أن فصلهما أفضل ) من جمعهما الآتي لما رواه أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم فصل بينهما

( ثم الأصح ) على هذا الأفضل ( يتمضمض بغرفة ثلاثا ثم يستنشق بأخرى ثلاثا ) حتى لا ينتقل من عضو إلى عضو إلا بعد كمال ما قبله فذلك أفضل من الفصل بست غرفات

والثاني أن الست غرفات أفضل بأن يتمضمض بثلاث ثم يستنشق بثلاث وهذه أنظف الكيفيات وأضعفها

وقدم الفم على الأنف لشرفه فإنه مدخل الطعام والشراب اللذين بهما قوام البدن وهو محل الأذكار الواجبة والمندوبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك

( ويبالغ فيهما غير الصائم ) لقوله صلى الله عليه وسلم في رواية صحح ابن القطان إسنادها إذا توضأت فأبلغ في المضمضة والإستنشاق ما لم تكن صائما ولحديث لقيط بن صبرة أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الإستنشاق إلا أن تكون صائما صححه الترمذي وغيره

والمبالغة في المضمضة أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان واللثات ويسن إمرار أصبع يده اليسرى على ذلك وفي الإستنشاق أن يصعد الماء بالنفس إلى الخيشوم ويسن إدارة الماء في الفم ومجه وكذا الاستنثار وللأمر به في خبر الصحيحين وهو أن يخرج بعد الإستنشاق ما في أنفه من ماء وأذى بخنصر يده اليسرى

وإذ بالغ في الإستنشاق فلا يستقصي فيصير سعوطا لا استنشاقا قاله في المجموع وأما الصائم فلا يسن له المبالغة بل تكره لخوف الإفطار كما في المجموع

وقال الماوردي و الصيمري يبالغ في المضمضة دون الإستنشاق لأن المتمضمض متمكن من رد الماء عن وصوله إلى جوفه بطبق حلقه ولا يمكن دفعه بالخيشوم

فإن قيل لم لم يحرم ذلك كما قالوا بتحريم القبلة إذا خشي الإنزال مع أن العلة في كل منهما خوف الفساد ولذا سوى القاضي أبو الطيب بينهما فجزم بتحريم المبالغة أيضا أجيب بأن القبلة غير مطلوبة بل داعية لما يضاد الصوم من الإنزال بخلاف المبالغة فيما ذكر وبأنه هنا يمكنه إطباق الحلق ومج الماء وهناك لا يمكنه رد المني إذا خرج لأنه ماء دافق وبأنه ربما كان في القبلة إفساد لعبادة اثنين

( قلت الأظهر تفضيل الجمع ) بين المضمضة والإستنشاق على الفصل بينهما لصحة الأحاديث الصريحة في ذلك

ولم يثبت في الفصل شيء كما قاله ابن الصلاح والمصنف في المجموع

وأما حديث أبي داود و المتقدم ففي إسناده ليث بن أبي سليم وقد ضعفه الجمهور وعلى تقدير صحته يحمل على بيان الجواز جمعا بين الأحاديث

و ( بثلاث غرف يتمضمض من كل ثم يستنشق ) أفضل من الجمع بغرفة يتمضمض منها ثلاثا ثم يستنشق منها ثلاثا أو يتمضمض منها ثم يستنشق مرة كذلك ثانية وثالثة

( والله أعلم ) للأخبار الصحيحة في ذلك

الثاني الأفضل أن يتمضمض منها ثم يستنشق منها ثم يفعل منها كذلك ثانيا وثالثا واستحسنه في الشرح الصغير والسنة تتأدى بواحدة من هذه الكيفيات لما علم أن الخلاف في الأفضل منها ولو قال وبثلاث بالواو كما قدرته لأفاد ما صححه في المجموع من أن الجمع مطلقا أفضل من الفضل كذلك


59

( و ) من سننه ( تثليث الغسل والمسح ) المفروض والمندوب للاتباع رواه مسلم وغيره

وإنما لم يجب لأنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وتوضأ مرتين مرتين

ولو أطلق المصنف التثليث كان أولى ليشمل التخليل والقول كالتسمية والتشهد آخره فقد روى التثليث في التخليل البيهقي وفي القول في التشهد أحمد و ابن ماجة وصرح به الروياني وظاهر أن غير التشهد مما في معناها كالتسمية مثله وسيأتي إن شاء الله تعالى أن يكره تكرير مسح الخف

قال الزركشي والظاهر إلحاق الجبيرة والعمامة إذا كمل بالمسح عليها بالخف

وتكره الزيادة على الثلاث وكذا النقص عليها إلا لعذر كما سيأتي لأنه صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم رواه أبو داود وغيره وقال في المجموع إنه صحيح قال نقلا عن الأصحاب وغيرهم

فمن زاد على الثلاث أو نقص عنها فقد أساء وظلم في كل من الزيادة والنقص وقيل أساء في النقص وظلم في الزيادة على الثلاث وقيل عكسه

فإن قيل كيف يكون النقص إساءة وظلما على الأول أو إساءة على الثاني أو ظلما على الثالث وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ومرتين مرتين أجيب بأن ذلك كان لبيان الجواز فكان في ذلك الحال أفضل لأن البيان في حقه صلى الله عليه وسلم واجب

قال ابن دقيق العيد ومحل الكراهة في الزيادة على الثلاث إذا أتى بها على قصد نية الوضوء أي أو أطلق فلو زاد عليها بنية التبرد أو مع قطع نية الوضوء عنها لم يكره

وقال الزركشي ينبغي أن يكون موضع الخلاف ما إذا توضأ بماء مباح أو مملوك له فإن توضأ من ماء موقوف على من يتطهر به أو يتوضأ منه كالمدارس والربط حرمت الزيادة بلا خلاف لأنها غير مأذون فيها اه

وقد يطلب ترك التثليث كأن ضاق الوقت بحيث لو اشتغل به لخرج الوقت فإنه يحرم التثليث أو قل الماء بحيث لا يكفيه إلا للفرض فتحرم الزيادة لأنها تحوجه إلى التيمم مع القدرة على الماء كما ذكره البغوي في فتاويه وجرى عليه المصنف في التحفة أو احتاج إلى الفاضل عنه لعطش بأن كان معه من الماء ما يكفيه للشرب لو توضأ به مرة مرة ولو ثلث لم يفضل للشرب شيء فإنه يحرم التثليث كما قاله الجيلي في الإعجاز

وإدراك الجماعة أفضل من تثليث الوضوء وسائر آدابه

ولا يجزيء تعدد قبل تمام العضو نعم لو مسح بعض رأسه ثلاثا حصل له التثليث لأن قولهم من سنن الوضوء تثليث الممسوح شامل لذلك

وأما ما تقدم فمحله في عضو يجب استيعابه بالتطهير ولا بعد تمام الوضوء فلو توضأ مرة مرة ثم توضأ ثانيا وثالثا كذلك لم يحصل التثليث كما جزم به ابن المقري في روضه وفي فروق الجويني ما يقتضيه وإن أفهم كلام الإمام خلافه

فإن قيل قد مر في المضمضة والإستنشاق أن التثليث يحصل بذلك أجيب بأن الفم والأنف كعضو واحد فجاز ذلك فيهما كاليدين بخلاف الوجه واليد مثلا لتباعدهما فينبغي أن يفرغ من أحدهما ثم ينتقل إلى الآخر

( ويأخذ الشاك باليقين ) في المفروض وجوبا وفي المسنون ندبا لأن الأصل عدم ما زاد كما لو شك في عدد الركعات فإذا شك هل غسل ثلاثا أو مرتين أخذ بالأقل وغسل الأخرى وقيل يأخذ بالأكثر حذرا من أن يزيد رابعة فإنها بدعة وترك سنة أهون من بدعة

وأجاب الأول بأن البدعة ارتكاب الرابعة عالما بكونها رابعة

( و ) من سننه ( مسح كل رأسه ) للإتباع رواه الشيخان وخروجا من خلاف من أوجبه

والسنة في كيفيته أن يضع يديه على مقدم رأسه ويلصق سبابته بالأخرى وإبهاميه على صدغيه ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يردهما إلى المكان الذي ذهب منه إذا كان له شعر ينقلب وحينئذ يكون الذهاب والرد مسحة واحدة لعدم تمام المسحة بالذهاب فإن لم يقلب شعره لضفره أو قصره أو عدمه لم يرد لعدم الفائدة فإن ردهما لم تحسب ثانية لأن الماء صار مستعملا

فإن قيل هذا مشكل بمن انغماسه في ماء قليل ناويا رفع الحدث ثم أحدث وهو منغمس ثم نوى رفع الحدث في حال انغماسه فإن حدثه يرتفع ثانيا

أجيب بأن ماء المسح تافه فليس له قوة كقوة هذا ولذلك لو أعاد ماء غسل الذراع مثلا ثانيا لم تحسب له غسلة أخرى لأنه تافه بالنسبة إلى ماء الانغماس

وإذا مسح كل رأسه هل يقع كله فرضا أو ما يقع عليه الاسم والباقي سنة وجهان كنظيره من تطويل الركوع والسجود والقيام وإخراج البعير عن خمس في الزكاة

واختلف كلامهما في كتبهما في الترجيح في ذلك ورجح صاحب العباب أن ما يقع


60

عليه الاسم في الرأس فرض والباقي تطوع ومثله في ذلك ما أمكن فيه التجزي كالركوع بخلاف ما لا يمكن كبعير الزكاة

وجرى على هذا التفصيل شيخي وهو تفصيل حسن

( ثم ) بعد مسح الرأس يمسح ( أذنيه ) ظاهرهما وباطنهما بماء جديد لأنه صلى الله عليه وسلم مسح في وضوئه برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وأدخل أصبعيه في صماخي أذنيه ويأخذ لصماخيه أيضا ماء جديدا

وأشار ب ثم إلى اشتراط ترتيب الأذن على الرأس في تحصيل السنة كما هو الأصح في الروضة

ولو أخذ بأصابعه ماء لرأسه فلم يمسحه بماء بعضها ومسح به الأذنين كفى لأنه ماء جديد

فائدة روى الدارقطني وغيره عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أعطاني نهرا يقال له الكوثر في الجنة لا يدخل أحد أصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر قالت فقلت يا رسول الله وكيف ذلك قال أدخلي أصبعيك في أذنيك وسدي فالذي تسمعين فيهما من خرير الكوثر

وهذا النهر تتشعب منه أنهار الجنة وهو مختص بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم

ولا يسن مسح الرقبة إذ لم يثبت فيه شيء قال المصنف بل هو بدعة

قال وأما خبر مسح الرقبة أمان من الغل فموضوع وأثر ابن عمر من توضأ ومسح عنقه وقي الغل يوم القيامة غير معروف

( فإن عسر رفع ) نحو ( العمامة ) كالخمار والقلنسوة أو لم يرد رفع ذلك ( كمل بالمسح عليها ) وإن لبسها على حدث لخبر مسلم أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته سواء أعسر عليه تنحيتها أم لا كما قررته تبعا للشارح وصرح به في المجموع وإن اقتضت عبارة المصنف خلافه

وأفهم قوله كمل أنه لا يكفي الاقتصار على العمامة وهو كذلك

وهل يشترط لتحصيل السنة أن يكون التكميل بعد أو يكفي ولو قبل لم أر من تعرض له وظاهر التعبير بالتكميل يقتضي التأخر والذي يظهر أنه لا فرق كما في غسل الرجل مع الساق

وظاهر التكميل يقتضي أيضا أنه يمسح ما عدا مقابل الممسوح من الرأس فيكون محصلا للسنة بذلك وهو الظاهر

( و ) من سننه ( تخليل اللحية الكثة ) وكل شعر يكفي غسل ظاهره بالأصابع من أسفله لما روى الترمذي وصححه أنه صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته ولما روى أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال هكذا أمرني ربي

أما ما يجب غسله من ذلك كالخفيف والكثيف الذي في حد الوجه من لحية غير الرجل وعارضيه فيجب إيصال الماء إلى ظاهره وباطنه ومنابته بتخليل أو غيره

وظاهر كلام المصنف في سن التخليل أنه لا فرق بين المحرم وغيره وهو المعتمد كما اعتمده الزركشي في خادمه خلافا لابن المقري في روضه تبعا للمتولي لكن المحرم يخلل برفق لئلا يتساقط منه شعر كما قالوه في تخليل شعر الميت

( و ) من سننه تخليل ( أصابعه ) أي أصابع يديه ورجليه كما قاله في الدقائق لخبر لقيط بن صبرة السابق في المبالغة

والتخليل في أصابع اليدين بالتشبيك بينها وفي أصابع الرجلين يبدأ بخنصر الرجل اليمنى ويختم بخنصر الرجل اليسرى يخلل بخنصر يده اليسرى أو اليمنى كما رجحه في المجموع من أسفل الرجل

وإيصال الماء إلى ما بين الأصابع واجب بتخليل أو غيره إذا كانت ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل أو نحوه فإن كانت ملتحمة لم يجز فتقها

قال الإسنوي ولم يتعرض المصنف ولا غيره إلى تثليث التخليل وقد روى الدارقطني والبيهقي بإسناد جيد كما قاله في شرح المهذب عن عثمان رضي الله عنه أنه توضأ فخلل بين أصابع قدميه ثلاثا ثلاثا وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت

ومقتضى هذا استحباب تثليث التخليل اه

وهذا ظاهر

( و ) من سننه ( تقديم اليمنى ) على اليسرى من كل عضوين لا يسن غسلهما معا كاليدين والرجلين لخبر إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم رواه ابنا خزيمة وحبان في صحيحيهما ولما مر أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في شأنه كله

أي مما هو للتكريم كالغسل واللبس والاكتحال والتقليم وقص الشارب ونتف الإبط وحلق الرأس والسواك ودخول المسجد وتحليل الصلاة ومفارقة الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر والركن اليماني والأخذ والإعطاء

والتياسر في ضده كدخول الخلاء والاستنجاء والامتخاط وخلع اللباس وإزالة القذر وقد تقدم بعض ذلك وكره عكسه

أما ما يسن غسلهما معا كالأذنين والخدين والكفين فلا يسن تقديم اليمنى فيها نعم من به علة لا يمكنه


61

معها ذلك كان قطعت إحدى يديه يسن له تقديم اليمنى

( و ) من سننه ( إطالة غرته ) بغسل زائد على الواجب من الوجه من جميع جوانبه وغايتها غسل صفحة العنق مع مقدمات الرأس

( و ) إطالة ( تحجيله ) بغسل زائد على الواجب من اليدين والرجلين من جميع الجوانب وغايته استيعاب العضدين والساقين ولا فرق في ذلك بين بقاء محل الفرض وسقوطه

والأصل في ذلك خبر الصحيحين إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل وخبر مسلم أنتم الغر المحجلون يوم القيامة بإسباغ الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله

ومعنى غرا محجلين بيض الوجوه واليدين والرجلين كالفرس الأغر وهو الذي في وجهه بياض والمحجل وهو الذي قوائمه بيض

وهذا من خصائص هذه الأمة كما يؤخذ من الحديث الثاني

وأما الوضوء ففيه خلاف تقدم والراجح أنه ليس من خصائصها

( و ) سننه ( الموالاة ) بين الأعضاء في التطهير بحيث لا يجف الأول قبل الشروع في الثاني مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص نفسه والزمان والمكان

ويقدر الممسوح مغسولا هذا في غير وضوء الضرورة كما تقدم وما لم يضق الوقت وإلا فتجب والاعتبار بالغسلة الأخيرة

ولا يحتاج التفريق الكثير إلى تجديد نية عند عزوبها لأن حكمها باق

( وأوجبها القديم ) لخبر أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي قدميه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة

ودليل الجديد ما روي أنه صلى الله عليه وسلم توضأ في السوق فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه فدعي إلى جنازة فأتى المسجد فمسح على خفيه وصلى عليها قال الإمام الشافعي وبينهما تفريق كثير

وقد صح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما التفريق ولم ينكر عليه أحد ولأنها عبادة لا يبطلها التفريق اليسير فكذا الكثير كالحج

وقال في المجموع إن الحديث الذي استند إليه في القديم ضعيف

ومحل الخلاف في التفريق بغيرعذر وفي طول التفريق أما بالعذر فلا يضر قطعا وقيل يضر على القديم وأما اليسير فلا يضر إجماعا

( و ) من سننه ( ترك الاستعانة ) بالصب عليه لغير عذر لأنه الأكثر من فعله صلى الله عليه وسلم ولأنها نوع من التنعيم والتكبر وذلك لا يليق بالمتعبد والأجر على قدر النصب وهي خلاف الأولى

وقيل تكره

وخرج بقيد الصب الاستعانة بغسل الأعضاء فهي مكروهة والاستعانة بإحضار الماء فهي لا بأس بها أما إذا كان ذلك لعذر كمرض فلا تكون خلاف الأولى ولا مكروهة دفعا للمشقة بل قد تجب الاستعانة إذا لم يمكنه التطهر إلا بها ولو ببذل أجرة مثلا

والمراد بترك الاستعانة الاستقلال بالأفعال لا طلب الإعانة فقط حتى لو أعانه غيره ولو ساكت كان الحكم كذلك وإن اقتضى التعبير بالاستعانة عدم ثبوت هذا الحكم حينئذ

وإذا استعان بالصب فليقف المعين على اليسار لأنه أعون وأمكن وأحسن أدبا قاله في المجموع

( و ) من سننه ترك ( النفض ) للماء في الأصح لأنه كالتبري من العبادة فهو خلاف الأولى كما جزم به المصنف في التحقيق وقال في شرحي مسلم و الوسيط إنه الأشهر قال في المهمات وبه الفتوى وقيل مكروه كما جزم به الرافعي في شرحيه وقيل مباح تركه فعله سواء ورجحه المصنف في زيادة الروضة وفي المجموع ونكت التنبيه

( وكذا التنشيف ) بالرفع أي تركه من بلل ماء الوضوء بلا عذر خلاف الأولى ( في الأصح ) لأنه يزيل أثر العبادة ولأنه صلى الله عليه وسلم بعد غسله من الجنابة أتته ميمونة بمنديل فرده وجعل يقول بالماء هكذا ينفضه رواه الشيخان

ولا دليل في ذلك لإباحة النفض فقد يكون فعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز

والثاني فعله وتركه سواء قال في شرح مسلم

وهذا هو الذي نختاره ونعمل به

والثالث فعله مكروه

ولو ترك قوله وكذا ليعود الخلاف إلى النفض كما قدرته لكان أولى

أما إذا كان هناك عذر كحر أو برد أو التصاق نجاسة فلا كراهة قطعا أو كان يتيمم عقب الوضوء لئلا يمنع البلل في وجهه ويديه التيمم قال في المجموع ولا يقال إنه خلاف المستحب

قال الأذرعي بل يتأكد استحبابه عند ذلك

فإن قيل كان الأولى للمصنف أن يعبر بالنشف على زنة الضرب لأن فعله نشف بكسر الشين على الأشهر كما ذكره أهل اللغة والتعبير بالتنشيف يقتضي أن المسنون ترك المبالغة فيه وليس مرادا

يجيب بأن التنشيف أخذ الماء بخرقة ونحوها كما في القاموس والتعبير به هو المناسب

وأما النشف بمعنى الشرب فلا يظهر هنا إلا بنوع تكلف كما قاله أبو عبدالله القاناتي

وإذا نشف فالأولى أن لا يكون بذيله وطرف ثوبه ونحوهما قال في الذخائر فقد قيل إن ذلك يورث الفقر

فإن كان معه من يحمل الثوب الذي يتنشف فيه وقف عن يمين


62

المتطهر قاله في الحاوي

وقد قدمنا أن المصنف لم يحصر سنن الوضوء فيما ذكره فنذكر منها شيئا مما تركه من ذلك أن يضع المتوضيء إناء الماء عن يمينه إن كان يغترف منه وعن يساره إن كان يصب منه على يديه كإبريق لأن ذلك أمكن فيهما قاله في المجموع وتقديم النية مع أول السنن المتقدمة على الوجه ليحصل له ثوابها كما مر

والتلفظ بالمنوي قال ابن المقري سرا مع النية بالقلب فإن اقتصر على القلب كفى أو التلفظ فلا أو تلفظ بخلاف ما نوى فالعبر بالنية واستصحابها ذكر إلى آخره والتوجه للقبلة وذلك أعضاء الوضوء

ويبالغ في العقب خصوصا في الشتاء فقد ورد ويل للأعقاب من النار

والبداءة بأعلى الوجه وأن يأخذ ماءه بكفيه معا وأن يبدأ بأطراف أصابعه وإن صب عليه غيره كما جرى عليه في التحقيق واختاره في المجموع خلافا لما قاله الصيمري من أنه يبدأ بالمرفق إذا صب عليه غيره

وأن يقتصد في الماء فيكره السرف فيه وأن لا يتكلم بلا حاجة وأن لا يلطم وجهه بالماء وأن يتعهد موقه وهو طرف العين الذي يلي الأنف بالسبابة الأيمن باليمنى والأيسر باليسرى ومثله اللحاظ وهو الطرف الآخر ومحل سن غسلهما إذا لم يكن فيهما رمص يمنع وصول الماء إلى محله وإلا فغسلهما واجب ذكره في المجموع وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك

وكذا كل ما يخاف إغفاله كالغضون وأن يحرك خاتما ليصل الماء تحته

وأن يتوقى الرشاش

وأن يصلي ركعتين عقب الفراغ

( ويقول بعده ) أي بعد فراغ الوضوء وهو مستقبل القبلة رافعا يديه إلى السماء كما قاله في العباب ( أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) لخبر مسلم من توضأ فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلخ فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء

( اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ) زاده الترمذي على مسلم

( سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ) لخبر الحاكم وصححه من توضأ ثم قال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت إلخ كتب في ورق ثم طبع بطابع وهو بكسر الباء وفتحها الخاتم فلم يكسر إلى يوم القيامة أي لم يتطرق إليه إبطال

ويسن أن يقول بعده وصلى الله أي وسلم على محمد وآل محمد ذكره في المجموع

وواو وبحمدك زائدة فسبحانك مع ذلك جملة واحدة وقيل عاطفة أي وبحمدك وسبحانك فذلك جملتان

( وحذفت دعاء الأعضاء ) وهو أن يقول عند غسل الكفين اللهم احفظ يدي من معاصيك كلها وعند المضمضة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وعند الاستنشاق اللهم أرحني رائحة الجنة وعند غسل الوجه اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وعند غسل اليد اليمنى اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا وعند غسل اليد اليسرى اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري وعند مسح الرأس اللهم حرم شعري وبشري على النار وعند مسح الأذنين اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه

وعند غسل رجليه اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الأقدام

( إذ لا أصل له ) في كتب الحديث وإن عده الرافعي في المحرر من السنن وكذا في الشرح وقال ورد به الأثر عن السلف والصالحين اه

ولم يذكره الشافعي والجمهور

قال المصنف في أذكاره وتنقيحه لم يجيء فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم

قال الشارح وفات الرافعي و النووي أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق في تاريخ ابن حبان وغيره وإن كانت ضعيفة للعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال

ومشى شيخي على أنه مستحب وأفتى به لهذا الحديث

فائدة شرط العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال أن لا يكون شديد الضعف وأن يدخل تحت أصل عام وأن لا يعتقد سنيته بذلك الحديث


63

خاتمة يندب إدامة الوضوء ويسن لقراءة القرآن أو سماعه أو الحديث أو سماعه أو روايته أو حمل كتب التفسير أو الحديث أو الفقه وكتابتها فيكره مع الحدث ولقراءة علم شرعي وإقرائه ولأذان وجلوس في مسجد أو دخوله وللوقوف بعرفة وللسعي ولزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره ولنوم ويقظة وعند أكل وشرب لنحو جنب كحائض بعد انقطاع حيضها ووطء الجنب قال صلى الله عليه وسلم إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا رواه مسلم وزاد البيهقي فإنه أنشط للعود

وفي الصحيحين كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة وكان صلى الله عليه وسلم إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة

وقيس بالجنب الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما وبالأكل والشرب والحكمة في ذلك تخفيف الحدث غالبا والتنظيف وقيل لعله ينشط للغسل

فلو فعل شيئا من ذلك بلا وضوء كره له نقله في شرح مسلم عن الأصحاب قال وأما طوافه صلى الله عليه وسلم على نسائه بغسل واحد فيحتمل أنه كان يتوضأ بينهما أو تركه بيانا للجواز

ويسن من مس ميت وحمله أو من فصد وحجم وقيء أو أكل لحم جزور وقهقهة مصل وكل مس ولمس أو نوم اختلف في نقضه للوضوء ومن لمس الرجل والمرأة بدن الخنثى أو أحد قبليه وعند الغضب وكل كلمة قبيحة ولمن قص شاربه أو حلق رأسه ولخطبة غير الجمعة

والمراد بالوضوء الوضوء الشرعي لا اللغوي

ولا يندب للبس ثوب وصوم وعقد نكاح وخروج لسفر ولقاء قادم وزيارة والد وصديق وعيادة مريض وتشييع جنازة وأكل وشرب لغير نحو جنب ولا لدخول سوق ولا لدخول على نحو أمير وقد تقدمت الإشارة إلى بعض هذه الأمور وكلما كرر الشيء حلا وازداد وضوحا وانجلى

باب مسح الخف

لما كان الواجب في الوضوء غسل الرجلين والمسح بدل عنه عقب به باب الوضوء ولم يبوب له في المحرر وذكره الرافعي عقب التيمم لأنهما مسحان يبيحان الصلاة ولو عبر كالتنبيه بالخفين لكان أولى إذ لا يجوز غسل رجل ومسح أخرى ولكنه أراد الجنس لا التوحيد وأخباره كثيرة كخبر ابني خزيمة و حبان في صحيحيهما عن أبي بكرة أنه صلى الله عليه وسلم أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما وعن جرير بن عبد الله البجلي أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه متفق عليه

وقال الترمذي وكان يعجبهم يعني أصحاب عبد الله حديث جرير لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة لأنها نزلت سنة ست فلا يكون الأمر الوارد فيها بغسل الرجلين ناسخا للمسح كما صار إليه بعض الصحابة

وروى ابن المنذر عن الحسن البصري أنه قال حدثني سبعون من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين

وقال بعض المفسرين إن قراءة الجر في قوله تعالى وأرجلكم للمسح على الخف

ثم النظر في شرطه وكيفيته وحكمه وقد أخذ في بيانها فقال ( يجوز ) المسح على الخفين لا على خف رجل مع غسل أخرى كما مر ولو في الخف كما بحثه الإسنوي

وللأقطع لبس خف في السالمة إلا إن بقي بعض المقطوعة فلا يكفي ذلك حتى يلبس ذلك البعض خفا

ولو كانت إحدى رجليه عليلة بحيث لا يجب غسلها لم يجز إلباس الأخرى الخف ليمسح عليه إذ يجب التيمم عن العليلة فهي كالصحيحة

وإنما يجوز المسح ( في الوضوء ) بدلا عن غسل الرجلين فالواجب على لابسه الغسل أو المسح

وأشار ب يجوز إلى أنه لا يجب ولا يسن ولا يحرم ولا يكره وإلى أن الغسل أفضل كما قاله في الروضة في آخر صلاة المسافر

نعم إن ترك المسح رغبة عن السنة أو شكا في جوازه أي لم تطمئن نفسه إليه لأنه شك هل يجوز له فعله أو لا أو خاف فوت الجماعة أو عرفة أو إنقاذ أسير أو نحو ذلك فالمسح أفضل بل يكره تركه في الأولى وكذا القول في سائر الرخص واللائق في الأخيرتين الوجوب كما بحثه الإسنوي

ولو كان لابس الخف بشرطه محدثا ودخل الوقت وعنده ما يكفي المسح فقط فعن الروياني وجوبه

وتفقهه ابن الرفعة وهو فقه حسن بخلاف ما لو أرهقه الحدث وهو متطهر ومعه ما يكفيه لو


64

مسح ولا يكفيه لو غسل لا يجب عليه لبس الخف ليمسح عليه لما فيه من إحداث فعل زائد ربما يشق عليه وفرق أيضا بأنه في صورة الإدامة تعلق به وجوب الطهارة فهو قادر على أداء طهارة وجبت عليه بالماء باستصحاب حالة هو عليها وفي صورة اللبس لم يجب عليه الطهارة لأن الحدث لم يوجد فلا وجه لتكليفه الإتيان بفعل مستأنف لأجل طهارة لم تجب بعد

وخرج بالوضوء إزالة النجاسة والغسل واجبا كان أو مندوبا فلا مسح فيهما أما الغسل الواجب فلخبر الجنابة الآتي وأما باقي الأغسال وغسل النجاسة فبالقياس ولأن ذلك لا يتكرر تكرر الحدث الأصغر

( للمقيم ) ولو عاصيا بإقامته وللمسافر سفرا قصيرا أو طويلا وهو عاص بسفره وكذا كل سفر يمتنع فيه القصر

( يوما وليلة ) فيستبيح بالمسح ما يستبيحه بالوضوء في هذه المدة

( وللمسافر ) سفر قصر ( ثلاثة ) من الأيام ( بلياليها ) فيستبيح بالمسح ما يستبيحه بالوضوء في هذه المدة ودليل ذلك الخبر السابق أول الباب وخبر مسلم عن شريح بن هانيء قال سألت علي بن أبي طالب عن المسح على الخفين فقال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم

والمراد بلياليها ثلاث ليال متصلة بها سواء أسبق اليوم الأول ليلته أم لا فلو أحدث في أثناء الليل أو اليوم اعتبر قدر الماضي منه من الليلة الرابعة أو اليوم الرابع وعلى قياس ذلك يقال في مدة المقيم وما ألحق به

فإن قيل كان ينبغي للمصنف أن يقيد السفر بسفر القصر كما قيدته به

أجاب الشارح بأن مسح المسافر ثلاثة يستدعي أن يكون سفره قدرها ولو ذهابا وإيابا اه

فاستغنى بذلك عن التقييد ومعلوم أنه لا بد أن يكون السفر مباحا

ويندفع بقولي والمراد بلياليها إلخ ما قيل إن ليلة اليوم هي المتقدمة عليه لا المتأخرة عنه فالمسافر يمسح ثلاثة أيام وثلاث ليال مطلقا كما يمسح المقيم يوما وليلة كذلك ولا يؤخذ ذلك من التعبير بلياليها إلا على تقدير وقوع ابتداء المدة عن الغروب دون ما إذا كان عند الفجر

وشمل إطلاقه دائم الحدث كالمستحاضة فيجوز له المسح على الخف على الصحيح لأنه لا يحتاج إلى لبسه والإرتفاق به كغيره ولأنه يستفيد الصلاة بطهارته فيستفيد المسح أيضا وقيل لا يجوز له لأن طهارته ضعيفة والمسح ضعيف فلا يضم ضعيف إلى ضعيف

وعلى الأول لو أحدث بعد لبسه غير حدثه الدائم قبل أن يصلي بوضوء اللبس فرضا مسح لفريضة ولنوافل وإن أحدث وقد صلى بوضوء اللبس فرضا لم يمسح إلا لنفل لأن مسحه مرتب على طهره وهو لا يفيد أكثر من ذلك فإن أراد فريضة أخرى وجب نزع الخف والطهر الكامل لأنه محدث بالنسبة إلى ما زاد على فريضة ونوافل فكأنه لبس على حدث حقيقة فإن طهره لا يرفع الحدث على المذهب أما حدثه الدائم فلا يحتاج معه إلى استئناف طهر إلا إذا أخر الدخول في الصلاة بعد الطهر لغير مصلحتها وحدثه يجري فإن طهره يبطل كما سيأتي في باب الحيض إن شاء الله تعالى

فإن قيل اللبس يمنع المبادرة

أجيب بأنه قد يكون في زمن الاشتغال بأسباب الصلاة والمتحيرة تمسح عند عدم وجوب الغسل عليها

وابتداء مدة المسح ( من ) تمام ( الحدث بعد لبس ) لأن وقت جواز المسح أي الرافع للحدث يدخل بذلك فاعتبرت مدته منه فإذا أحدث ولم يمسح حتى انقضت المدة لم يجز المسح حتى يستأنف لبسا على طهارة أو لم يحدث لم تحسب المدة ولو بقي شهرا مثلا لأنها عبادة مؤقتة فكان ابتداء وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة هكذا استدل بهذا الرافعي وغيره

وربما يفهم منه أنه لا يجوز للابس الخف أن يجدد الوضوء قبل الحدث مع أنه قيل بجوازه مع الكراهة وقيل باستحبابه وهو الأصح كما جزم به المصنف في التنقيح والمجموع

ويندفع هذا التوهم بما قدرته تبعا لغيري

وقال الكمال بن أبي شريف لما كانت مدة جواز المسح هي مدة جواز الصلاة وقبل الحدث لا يتصور استناد جواز الصلاة إلى المسح كان ابتداء المدة ما ذكر فلا يرد المسح في الوضوء المجدد قبل الحدث فإنه وإن جاز ليس محسوبا من المدة لأن جواز الصلاة ونحوها ليس مستندا إليه اه

وأفهم كلام المصنف أنه لو توضأ بعد حدث وغسل رجليه في الخف ثم أحدث كان ابتداء مدته من حدثه الأول وهو كذلك وبه صرح الشيخ أبو علي في شرح الفروع

واختار المصنف في مجموعه أن ابتداء المدة من المسح لأن قوة الأحاديث تعطيه

وعلم من تقدير تمام أن المدة لا تحسب من ابتداء الحدث وهو كذلك

نعم أفتى شيخي بأن الحدث بالنوم تكون المدة من ابتدائه لأنه ربما يستغرق غالب المدة ومثله اللمس والمس والظاهر إطلاق كلام الأصحاب

( فإن مسح ) بعد الحدث ( حضرا ) على خفيه أو على أحدهما كما صححه المصنف

( ثم سافر ) سفر


65

قصر ( أو عكس ) أي مسح سفرا تقصر فيه الصلاة ثم أقام ( لم يستوف مدة سفر ) تغليبا للحضر فيقتصر على مدة مقيم في الأولى بقسميها خلافا للرافعي في الشق الثاني منها

ومثل ذلك ما لو مسح إحدى رجليه وهو عاص بسفره ثم مسح الأخرى بعد توبته فيما يظهر وكذا في الثانية إن أقام قبل استيفائها فإن أقام بعدها لم يمسح ويجزئه ما مضى وإن زاد على يوم وليلة

وعلم من كلامه أن العبرة فيما ذكر بالمسح لا باللبس لأنه أول العبادة فمن ابتدأ بالمسح في السفر أتم مسح مسافر سواء ألبس في الحضر وأحدث فيه أم لا وسواء أسافر بعد خروج الوقت أم لا وعصيانه إنما هو بالتأخير لا بالسفر الذي به الرخصة ومن ابتدأه في الحضر ولو إحدى خفيه كما تقدم أتم مسح مقيم

( وشرطه ) أي جواز مسح الخف أمران أحدهما ( أن يلبس بعد كمال طهر ) من الحدثين للحديث السابق فلو لبسه قبل غسل رجليه وغسلهما فيه لم يجز المسح إلا أن ينزعهما من موضع القدم ثم يدخلهما فيه ولو أدخل إحداهما بعد غسلها ثم غسل الأخرى وأدخلها لم يجز المسح إلا أن ينزع الأولى من موضع القدم ثم يدخلها فيه ولو غسلهما في ساق الخف ثم أدخلهما موضع القدم جاز المسح ولو ابتدأ اللبس بعد غسلهما ثم أحدث قبل وصولهما إلى موضع القدم لم يجز المسح ولو كان عليه الحدثان فغسل أعضاء الوضوء عنها أو الجنابة وقلنا بالإندراج ولبس الخف قبل غسل باقي بدنه لم يمسح عليه لأنه لبسه قبل كمال الطهر

فإن قيل لفظة كمال لا حاجة إليها لأن حقيقة الطهر أن يكون كاملا ولذلك اعترض الرافعي على الوجيز بأنه لا حاجة إلى قيد التمام لأن من لم يغسل رجليه أو إحداهما ينتظم أن يقال إنه ليس على طهر

أجيب بأن ذلك ذكر تأكيدا لنفي مذهب المزني فيما إذا غسل رجلا وأدخلها الخف ثم الأخرى كذلك ولاحتمال توهم إرادة البعض

ولا يقال يحترز بذلك عن دائم الحدث فإنه يجوز له المسح كما مر لأن ضد الكامل الناقص وطهارته ضعيفة لا ناقصة وحكم المحترز عنه إنما يكون ضد المدعي

وشمل تنكير الطهر التيمم فالحكم فيه أنه إن كان لإعواز الماء لم يستفد به المسح بل إذا وجد الماء لزمه نزعه والوضوء الكامل وإن كان لمرض ونحوه فأحدث ثم تكلف الوضوء ليمسح فكذا ثم الحدث وقد مر حكمه لكن الإسنوي تردد في جواز هذا التكليف هل هو جائز أو لا والذي يظهر كما قاله شيخي أنه إن غلب على ظنه الضرر حرم وإلا فلا ولو شفي دائم الحدث أو المتيمم لا لفقد الماء لم يمسح لبطلان الطهارة المرتب هو عليها ولو لبس الخف وهو يدافع الحدث لم يكره كما في المجموع

الأمر الثاني صلاحية الخف للمسح بثلاثة شروط بأن يكون كل منهما ( ساترا محل فرضه ) وهو القدم بكعبيه من سائر الجوانب لا من الأعلى فلو رؤي القدم من أعلاه كأن كان واسع الرأس لم يضر عكس ساتر العورة فإنه من الأعلى والجوانب لا من الأسفل لأن القميص في ستر العورة يتخذ لستر أعلى البدن والخف يتخذ لستر أسفل الرجل

فإن قصر عن محل الفرض أو كان به تخرق في محل الفرض ضر ولو تخرقت البطانة بكسر الباء أو الظهارة بكسر الظاء والباقي صفيق لم يضر وإلا ضر ولو تخرقتا من موضعين غير متحاذيين لم يضر

والمراد بالستر هنا الحيلولة لا ما يمنع الرؤية فيكفي الشفاف عكس ساتر العورة لأن القصد هنا منع نفوذ الماء وثم منع الرؤية

وقال في المجموع إن المعتبر في الخف عسر غسل الرجل بسبب الساتر وقد حصل والمقصود بستر العورة سترها بحرم عن العيون ولم يحصل

ومن نظائر المسألة رؤية المبيع من وراء زجاج فإنه لا يكفي لأن المطلوب نفي الغرر وهو لا يحصل بذلك لأن الشيء من وراء زجاج يرى غالبا على خلاف ما هو عليه

وأن يكون ( طاهرا ) فلا يصح المسح على خف اتخذ من جلد ميتة قبل الدباغ لعدم إمكان الصلاة فيه

وفائدة المسح وإن لم تنحصر فيها فالقصد الأصلي منه الصلاة وغيرها تبع لها ولأن الخف بدل عن الرجل وهي لا تطهر عن الحدث ما لم تزل نجاستها فكيف يمسح على البدل وهو نجس العين والمتنجس كالنجس كما في المجموع خلافا لابن المقري في أنه يصح على الموضع الطاهر

ويستفيد به مس المصحف قبل غسله والصلاة بعده لأن الصلاة هي المقصود الأصلي من المسح وما عداها من مس المصحف ونحوه كالتابع لها ولأن الخف بدل عن الرجل ولو كانت نجسة لم تطهر عن الحدث مع بقاء النجس عليها كما مر

نعم لو كان على الخف نجاسة معفو عنها ومسح من أعلاه ما لا نجاسة عليه صح مسحه فإن مسح على النجاسة زاد التلويث ولزمه


66

حينئذ غسله وغسل يده ذكره في المجموع

ولو خرز خفه بشعر نجس والخف أو الشعر رطب طهر بالغسل ظاهره دون محل الخرز ويعفى عنه فلا ينجس الرجل المبتلة ويصلى فيه الفرائض والنوافل لعموم البلوى به كما في الروضة في الأطعمة خلافا لما في التحقيق من أنه لا يصلى فيه

وأن يكون قويا ( يمكن ) لقوته ( تباع المشي فيه لتردد مسافر لحاجاته ) عند الحط والترحال وغيرهما مما جرت به العادة ولو كان لابسه مقعدا

واختلف في قدر المدة المتردد فيها فضبطه المحاملي بثلاث ليال فصاعدا ووافقه الإسنوي في التنقيح

وقال في المهمات إن المعتمد ما ضبطه الشيخ أبو حامد بمسافة القصر تقريبا

وقال ابن النقيب لو ضبط بمنازل ثلاثة أيام ولياليهن لم يبعد قال وهل المراد المشي فيه بمداس أم لا لم أر من ذكره اه

والذي يظهر من كلامهم الثاني إذ لو كان المراد الأول لكان غالب الخفاف يحصل به بذلك

وينبغي أن يعتبر اعتدال الأرض سهولة وصعوبة والأقرب إلى كلام الأكثرين كما قاله ابن العماد أن المعتبر التردد فيه بحوائج سفر يوم وليلة للمقيم ونحوه وسفر ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر سفر قصر لأنه بعد انقضاء المدة يجب نزعه فقوته تعتبر بأن يمكن التردد فيه لذلك وسواء في ذلك المتخذ من جلد أو غيره كلبد وزجاج وخرق مطبقة بخلاف ما لا يمكن المشي فيه لما ذكر لثقله كالحديد أو لتحديد رأسه المانع له من الثبوت أو ضعفه كجورب الصوفية والمتخذ من جلد ضعيف أو لغلظه كالخشبة العظيمة أو لفرط سعته أو ضيقه أو نحو ذلك فلا يكفي المسح عليه إذ لا حاجة لمثل ذلك ولا فائدة في إدامته قال في المجموع إلا إن كان الضيق يتسع بالمشي فيه

قال في الكافي عن قرب كفى المسح عليه بلا خلاف

( قيل وحلالا ) فلا يكفي المسح على المغصوب لأنه رخصة والرخصة لا تناط بالمعاصي

والأصح لا يشترط ذلك لأن الخف يستوفي به الرخصة لا أنه المجوز للرخصة بخلاف منع القصر في سفر المعصية إذ المجوز له السفر ولا يشكل ذلك بعدم صحة الاستجمار بالمحترم كما مر لأن الحرمة ثم لمعنى قائم بالآلة بخلافه هنا وعلى هذا فيكفي المسح على المغصوب والديباج الصفيق والمتخذ من فضة أو ذهب للرجل وغيره كالتيمم بتراب مغصوب

واستثنى في العباب ما لو كان اللابس للخف محرما بنسك ووجهه ظاهر والفرق بينه وبين المغصوب ونحوه أن المحرم منهي عن اللبس من حيث هو لبس فصار كالخف الذي لا يمكن متابعة المشي عليه والنهي عن لبس المغصوب ونحوه من حيث أنه متعد في استعمال مال الغير

واستثنى غيره جلد الآدمي إن اتخذ منه خفا والظاهر عدم الاستثناء كما هو ظاهر كلام الأصحاب

فإن قيل ساتر وما بعده أحوال مقيدة لصاحبها فمن أين يلزم الأمر بها إذ لا يلزم من الأمر بشيء الأمر بالمقيد له بدليل اضرب هندا جالسة

أجيب بأن محل ذلك إذا لم يكن الحال من نوع المأمور به ولا من فعل المأمور كالمثال المذكور أما إذا كانت من نوعه نحو حج مفردا أو من فعله نحو ادخل مكة محرما فهي مأمور بها وما هنا من هذا القبيل فيشترط في الخف جميع ما ذكر

( ولا يجزيء منسوج لا يمنع ماء ) أي نفوذه إلى الرجل من غير محل الخرز لو صب عليه لعدم صفاقته ( في الأصح ) لأن الغالب من الخفاف أنها تمنع النفوذ فتنصرف إليها النصوص الدالة على الترخص فيبقى الغسل واجبا فيما عداها

والثاني يجزيء كالمتخرق ظهارته من موضع وبطانته من آخر غير متحاذيين فإنه يجوز وإن نفذ البلل إلى الرجل لو صب عليه

تنبيه لو حذف المصنف لفظة منسوج وقال ولا يجزيء ما لا يمنع ماء لشمل المنسوج وغيره

فإن قيل بقي على المصنف من الشروط أن يسمي خفا فلو لف قطعة أدم على رجليه وأحكمها بالشد وأمكن تباع المشي عليها لم يصح المسح عليها كما جزم به في أصل الروضة لعسر إزالته وإعادته على هيئته مع استيفاز المسافر فلا يحصل الإرتفاق المقصود بالمسح فيتبع مورد النص وهو الخف

أجيب بأن ذلك يفهم من قوله أول الباب فإن الضمير في قوله يجوز عائد على المسح على الخف فخرج غيره

( ولا ) يجزيء ( جرموقان ) وهما خف فوق خف كل منهما صالح للمسح عليه فلا يجوز الاقتصار على مسح الأعلى منهما

( في الأظهر ) لأن الرخصة وردت في الخف لعموم الحاجة إليه والجرموق لا تعم الحاجة إليه وهو بضم الجيم والميم فارسي معرب وهو في الأصل شيء كالخف فيه وسع يلبس فوق الخف للبرد

وأطلق الفقهاء بأنه


67

خف فوق خف وإن لم يكن واسعا لتعلق الحكم به

والثاني يجزيء لأن شدة البرد قد تحوج إلى لبسه ونزعه عند كل وضوء للمسح على الأسفل مشقة

وأجاب الأول بأنه لا مشقة عليه في ذلك إذ يمكنه أن يدخل يده بينهما ويمسح الأسفل فإن لم يصح واحد منهما للمسح عليه لم يصح قطعا وإن صلح الأعلى دون الأسفل صح المسح عليه والأسفل كلفافة وإن صلح الأسفل دون الأعلى فإن لم يصل البلل للأسفل لم يصح وإن وصل إليه لا يقصد الأعلى فقط بأن قصد الأسفل ولو مع الأعلى أو لم يقصد شيئا كفى ويأتي هذا التفصيل أيضا في القويين كأن يصل إلى الأسفل من محل خرز الأعلى ولو تخرق الأسفل من القويين وهو على طهارة لبسهما مسح الأعلى لأنه صار أصلا لخروج الأسفل عن صلاحيته للمسح أو وهو محدث فلا كاللبس على حدث أو وهو على طهارة المسح فوجهان أظهرهما كما هو مقتضى كلام الروضة وعليه اختصر أبو عبد الله الحجازي كلامها أنه يمسح كما لو كان على طهارة اللبس

قال البغوي والخف ذو الطاقين غير الملتصقين كالجرموقين قال وعندي يجوز مسح الأعلى فقط لأن الجميع خف واحد فمسح الأسفل كمسح باطن الخف اه

وينبغي اعتماده

ولو لبس خفا على جبيرة لم يجز المسح عليه لأنه ملبوس فوق ممسوح فأشبه العمامة ويؤخذ من ذلك أنه لو تحمل المشقة وغسل رجليه ثم وضع الجبيرة ثم لبس الخف أنه يجوز له المسح لعدم ما ذكر

( ويجوز مشقوق قدم شد ) بالشرج وهي العرا بحيث لا يظهر شيء من محل الفرض إذا مشى أي فيكفي المسح عليه

( في الأصح ) لحصول الستر وتيسر المشي فيه

والثاني لا يجوز فلا يكفي المسح عليه كما لو لف على قدمه قطعة أدم وأحكمها بالشد فإنه لا يمسح عليها كما مر

وأجاب الأول بعسر الارتفاق بها فيما مر

فإن قيل المشقوق لا يسمى خفا بل زربولا وقد مر اشتراط كون الممسوح عليه يمسى خفا

أجيب بأنا لا نعول على مجرد التسمية فقط بل مع مراعاة العلة لأنا إنما أخرجنا بذلك قطعة الأدم ونحوها وعللناها بعسر الارتفاق فحيث كان فيه ذلك المعنى الموجود في الخف كفى

( ويسن مسح ) ظاهر ( أعلاه ) أي الساتر لمشط الرجل ( وأسفله ) وعقبه وحرفه ( خطوطا ) بأن يضع يده اليسرى تحت العقب واليمنى على ظهر الأصابع ثم يمر إلى ساقه أي إلى آخره كما صرح به الدميري

كما أنه يستحب غسله كذلك ولكن في المجموع أنه لا يسن مسحه واليسرى إلى أطراف الأصابع من تحت مفرجا بين أصابع يديه ولا يضمها لئلا يصير مستوعبا له

ولا يسن استيعابه بالمسح ويكره تكراره وغسله لأن ذلك مفسد للخف ولو فعل ذلك أجزأه ومقتضى ذلك أنه لا كراهة وإذا كان الخف من نحو زجاج وأمكن المشي فيه

( ويكفي مسمى مسح ) كمسح الرأس فيكفي بيد وعود ونحوهما لأن المسح ورد مطلقا ولم يصح في تقدير شيء فتعين الاكتفاء بما ينطلق عليه الاسم

ولا بد أن يكون المسح ( يحاذي ) أن يقابل ( الفرض ) من الظاهر لا من باطنه الملاقي للبشرة فلا يكفي إتفاقا

فإن قيل مقتضى التشبيه بالرأس أن الخف لو كان عليه شعر أن المسح يكفي عليه مع أنه لا يكفي الاقتصار على مسح الشعر جزما كما قاله الدميري

أجيب بأنه لا يلزم من التشبيه أن يعطى المشبه حكم المشبه به من كل وجه

( إلا أسفل الرجل وعقبها فلا ) يكفي المسح عليهما ( على المذهب ) لأن الاقتصار عليهما لم يرد وثبت الاقتصار على الأعلى والرخصة يجب فيها الاتباع

وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه

والعقب بفتح العين وكسر القاف ويجوز إسكانها مع فتح العين وكسرها مؤخر الرجل وهي مؤنثة وجمعها أعقاب

وقد مر أنه صلى الله عليه وسلم قال ويل للأعقاب من النار ( قلت حرفه كأسفله والله أعلم ) لاشتراكهما في عدم الرؤية غالبا فلا يكفي الاقتصار عليه لقربه منه

( ولا مسح لشاك ) سواء في ذلك المسافر والمقيم ( في بقاء المدة ) هل انقضت أو لا أوشك المسافر هل ابتدأ في السفر أو في الحضر لأن المسح رخصة بشروط منها المدة فإذا شك فيها رجع إلى الأصل وهو الغسل

وظاهر كلامه أن الشك إنما يؤثر في منع المسح لا أنه يقتضي الحكم بانقضاء المدة وهو كذلك فلو زال الشك وتحقق بقاء المدة جاز المسح )


68

فرع لو شك من مسح

بعد الحدث هل صلاته الرابعة أو الثالثة لم يبرأ من الرابعة وحسب عليه وقتها فلو أحدث ومسح وصلى العصر والمغرب والعشاء وشك أتقدم حدثه ومسحه أول وقت الظهر وصلاها به أم تأخر إلى وقت العصر ولم يصل الظهر فيلزمه قضاؤه لأن الأصل بقاؤها عليه وتجعل المدة من أول الزوال لأن الأصل عدم غسل الرجلين

ولو مسح شاكا فيما ذكر وصلى به لم تصح صلاته

فإن بان بقاء المدة أعاد المسح والصلاة بخلاف ما لو مسح غير شاك كأن مسح في اليوم الأول واستمر على طهارته إلى اليوم الثالث فله أن يصلي به لأنه صحيح ولكن يعيد ما صلاه به على الشك

( فإن أجنب ) لابس الخف أو حصل منه ما يوجب الغسل من نحو حيض في أثناء المدة ( وجب تجديد لبس ) بعد الغسل إن أراد المسح بأن ينزع ويتطهر ثم يلبس لحديث صفوان بن غسان قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا بفتح السين وسكون الفاء أي مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة صححه الترمذي وغيره

دل الأمر بالنزع على عدم جواز المسح في الغسل والوضوء لأجل الجنابة فهي مانعة من المسح قاطعة لمدته حتى لو اغتسل لابسا لا يمسح بقيتها كما هو مقتضى كلام الرافعي وإن اقتضى ما في الكفاية أنه يمسح بقيتها لارتفاع المانع

وقيس بالجنابة غيرها مما هو في معناها كالحيض والنفاس والولادة كما في المجموع والأمر في الحديث للإباحة لمجيئه في خبر النسائي أرخص لنا

فإن قيل الجبيرة إذا وضعت على طهر لا يجب نزعها لما ذكر مع أن في كم كل منهما مسحا على سائر لحاجة موضوع على طهر

أجيب بأن الحاجة ثم أشد والنزع أشق

( ومن نزع ) في المدة خفيه أو أحدهما أو خرجا أو أحدهما عن صلاحية المسح أو انقضت المدة أو شك في بقائها أو ظهر بعض الرجل بتخرق أو غيره كانحلال شرج أو نحو ذلك ( وهو بطهر المسح ) في جميع ذلك ( غسل قدميه ) لبطلان طهرهما بما ذكر لأن الأصل غسلهما والمسح بدل فإذا زال حكم البدل رجع إلى الأصل كالتيمم بعد وجود الماء

( وفي قول يتوضأ ) لأن الوضوء عبادة يبطلها الحدث فتبطل كلها ببطلان بعضها كالصلاة

واختار المصنف في شرح المهذب ك ابن المنذر أنه لا يلزمه واحد منهما ويصلي بطهارته

وخرج بطهر المسح طهر الغسل بأن لم يحدث بعد اللبس أو أحدث لكن توضأ وغسل رجليه في الخف فلا حاجة فيه إلى غسل قدميه

خاتمة لو تنجست رجله في الخف بدم أو غيره بنجاسة غير معفو عنها وأمكن غسلها في الخف غسلها ولم يبطل مسحه وإن لم يمكن وجب النزع وغسل النجاسة وبطل مسحه

ولو بقي من مدة المسح ما يسع ركعة واعتقد طريان حدث غالب فأحرم بركعتين فأكثر انعقدت صلاته لأنه على طهارة في الحال وصح الاقتداء به وعلم المقتدى بحاله ويفارقه عند عروض المبطل وإن كان أحرم بأكثر من ركعة في صلاة نافلة كان له الاقتصار على ركعة

قال في الإحياء يستحب لمن أراد أن يلبس الخف أن ينفضه لئلا يكون فيه حية أو عقرب أو شوكة واستدل لذلك بما رواه الطبراني عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما

باب الغسل

هو بالفتح مصدر غسل الشيء غسلا والغسل بالكسر ما يغسل به الرأس من نحو سدر وخطمي والغسل بالضم اسم للاغتسال واسم للماء الذي يغتسل به فيجوز في الترجمة فتح الغين وضمها والفتح أشهر كما قاله المصنف في التهذيب ولكن الفقهاء أو أكثرهم إنما تستعمله بالضم وهو لغة سيلان الماء على الشيء مطلقا وشرعا سيلانه على جميع البدن مع النية

( موجبه ) بكسر الجيم خمسة أمور أحدها ( موت ) المسلم غير شهيد كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الجنائز فاستغنى بذلك عن ذكره هنا لكن يرد على مفهومه السقط الذي لم تظهر أمارات حياته وظهر خلقه فإنه يجب غسله مع أنه لا يوصف بالموت على القول الأصح في تعريفه لأن الموت عدم الحياة ويعبر عنه بمفارقة الروح الجسد وقيل عدم الحياة عما


69

من شأنه الحياة وقيل عرض يضادها لقوله تعالى خلق الموت والحياة

ورد بأن المعنى قدر والعدم مقدر

فإن قيل عدم الموت من الموجبات مشكل لأنه إن كان المراد الغسل ولو مع خلوه عن النية لزم أن يعدوا من تنجس جميع بدنه أو بعضه واشتبه ولم يعدوه وإن أريد الغسل الذي تجب فيه النية لزم خروج الميت فإنه لا يجب في غسله نية على الأصح

أجيب بجوابين أحدهما أن المراد الشق الأول والكلام في الغسل عن الأحداث فخرج من على بدنه نجاسة ودخل غسل الميت على رأي أنه عن حدث

والثاني أن المراد الشق الأول ومنع عد تنجس البدن من الموجبات لأن الواجب إنما هو إزالة النجاسة حتى لو فرض كشط جلده حصل المقصود

( و ) ثانيها ( حيض ) لقوله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض أي الحيض ولخبر البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي

( و ) ثالثها ( نفاس ) لأنه دم حيض مجتمع

ويعتبر مع خروج كل منهما وانقطاعه القيام إلى الصلاة أي أو نحوها كما في الرافعي والتحقيق وإن صحح في المجموع أن موجبه الانقطاع فقط

وظاهر قول المصنف بعد ذلك وجنابة بدخول حشفة إلخ أن الموجب الإيلاج أو الإنزال ويجري ذلك في دم الحيض والنفاس والمعتمد الأول

فإن قيل هل لهذا الخلاف ثمرة فقهية قال إمام الحرمين لا

وقال غيره نعم وهي فيما إذا قال لزوجته إن وجب عليك غسل فأنت طالق وذكر له فوائد أخر لكن على ضعف

ورابعها ما ذكره بقوله ( وكذا ولادة ) ولو علقة أو مضغة ( بلا بلل في الأصح ) لأنه مني منعقد ولأنه لا يخلو عن بلل غالبا فأقيم مقامه كالنوم مع الخارج وتفطر به المرأة على الأصح في التحقيق وغيره بخلاف ما لو ألقت يدا أو رجلا أو نحو ذلك فإنه لا يجب عليها الغسل ولا تفطر به أي بل تتخير بين الغسل والوضوء فيما يظهر

( و ) خامسها ( جنابة ) لقوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا

وتحصل لآدمي حي فاعل أو مفعول به ( بدخول حشفة ) ولو بلا قصد أو كان الذكر أشل أو غير منتشر

( أو قدرها ) من مقطوعها ( فرجا ) ولو غير مشتهى كأن كان من بهيمة أو ميتة أو دبر ذكر أو كان على الذكر خرقة ملفوفة ولو غليظة

أما في فرج المرأة فلقوله صلى الله عليه وسلم إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وإن لم ينزل رواه مسلم

وأما الأخبار الدالة على اعتبار الإنزال كخبر إنما الماء من الماء فمنسوخة

وأجاب ابن عباس رضي الله عنهما بأن معناه أنه لا يجب الغسل بالاحتلام إلا أن ينزل وذكر الختان جرى على الغالب فيجب الغسل بجميع ما ذكر لأنه جماع في فرج

وليس المراد بالتقاء الختانين انضمامهما لعدم إيجابه الغسل بالإجماع بل تحاذيهما يقال التقى الفارسان إذا تحاذيا وإن لم ينضما

وذلك إنما يحصل بإدخال الحشفة في الفرج إذ الختانان محل القطع في الختان وختان المرأة فوق مخرج البول ومخرج البول فوق مدخل الذكر

ولو أولج حيوان قرد أو غيره في آدمي ولا حشفة له فهل يعتبر إيلاج كل ذكره أو إيلاج قدر حشفة معتدلة قال الإمام فيه نظر موكول إلى رأي الفقيه اه

وينبغي اعتماد الثاني

ويجنب صبي ومجنون أولجا أو أولج فيهما ويجب عليهما الغسل بعد الكمال

وصح من مميز ويجزئه ويؤمر به كالوضوء

وإيلاج الخنثى وما دون الحشفة لا أثر له في الغسل

وأما الوضوء فيجب على المولج فيه بالنزع من دبره مطلقا ومن قبل أنثى

وإيلاج الحشفة بالحائل جار في سائر الأحكام كإفساد الصوم والحج

ويخير الخنثى بين الوضوء والغسل بإيلاجه في دبر ذكر لا مانع من النقض بلمسه أو في دبر خنثى أولج ذكره في قبل المولج لأنه إما جنب بتقدير ذكورته فيهما وأنوثته وذكورة الآخر في الثانية أو محدث بتقدير أنوثته فيهما مع أنوثة الآخر في الثانية فخير بينهما لما سيأتي فيمن اشتبه عليه المني بغيره

وكذا يخير الذكر إذا أولج الخنثى في دبره ولا مانع من النقض كما هو مقتضى كلام الشيخين في باب الوضوء وإن صوب البلقيني وجوب الوضوء على الذكر وتخيير الخنثى

أما إيلاجه في قبل خنثى أو في دبره ولم يولج الآخر في قبله فلا يوجب عليه شيئا

ولو أولج رجل في قبل خنثى فلا يجب عليهما غسل ولا وضوء لاحتمال أنه رجل فإن أولج ذلك الخنثى في واضح آخر أجنب يقينا وحده لأنه جامع أو جومع فيه بخلاف الآخرين لا جنابة عليهما وأحدث الواضح الآخر بالنزع منه

أما لو أولج الخنثى في الرجل المولج فإن كلا منهما يجنب

ومن أولج أحد ذكريه أجنب إن كان يبول به وحده ولا أثر للآخر في نقض الطهارة إذا لم يكن على سننه فإن كان


70

على سننه أو كان يبول بكل منهما أو لا يبول بواحد منهما وكان الانسداد عارضا أجنب بكل منهما

( و ) يحصل أيضا ( بخروج مني ) بتشديد الياء وسمع تخفيفها أي مني الشخص نفسه الخارج منه أول مرة من رجل أو امرأة وإن لم يجاوز فرج الثيب بل وصل إلى ما يجب غسله في الاستنجاء

أما البكر فلا بد من بروزه إلى الظاهر كما أنه في حق الرجل لا بد من بروزه عن الحشفة

والأصل في ذلك خبر مسلم إنما الماء من الماء وخبر الصحيحين عن أم سلمة قالت جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا احتلمت قال نعم إذا رأت الماء

أما الخنثى المشكل إذا خرج المني من أحد فرجيه فلا غسل عليه لاحتمال أن يكون زائدا مع انفتاح الأصلي فإن أمنى منهما أو من أحدهما وحاض من الآخر وجب عليه الغسل

ولا فرق في وجوب الغسل بخروج المني بين أن يخرج ( من طريقه المعتاد ) وإن لم يكن مستحكما ( وغيره ) أي ومن غيره إذا كان مستحكما مع انسداد الأصلي وخرج من تحت الصلب فالصلب هنا كالمعدة في باب الحدث فيفرق بين الإنسداد العارض والخلقي كما فرق هناك هذا هو المعتمد كما صوبه في المجموع وإن أوهمت عبارة المصنف خلاف ذلك

والصلب إنما يعتبر للرجل كما قاله في المهمات أما المرأة فما بين ترائبها وهي عظام الصدر قال تعالى يخرج من بين الصلب والترائب أي صلب الرجل وترائب المرأة

فإن خرج غير المستحكم من غير المعتاد كأن خرج لمرض فلا يجب الغسل به بلا خلاف كما في المجموع عن الأصحاب ولا بخروج مني غيره منه ولا بخروج منيه منه بعد استدخاله

( ويعرف ) المني ( بتدفقه ) بأن يخرج بدفعات قال تعالى من ماء دافق وسمي منيا لأنه يمنى أي يصب

( أو لذة ) بالمعجمة ( بخروجه ) مع فتور الذكر وانكسار الشهوة عقبه وإن لم يتدفق لقلته أو خرج على لون الدم

( أو ريح عجين ) لحنطة أو نحوها أو طلع كما في المحرر

( رطبا أو ) ريح ( بياض بيض ) لدجاج أو نحوه ( جافا ) وإن لم يلتذ ولم يتدفق كأن خرج باقي منيه بعد غسله

أما إذا خرج من قبل المرأة مني جماعها بعد غسلها فلا تعيد الغسل إلا إن قضت شهوتها فإن لم يكن لها شهوة كصغيرة أو كان ولم تنقض كنائمة لا إعادة عليها

فإن قيل إذا قضت شهوتها لم يتيقن خروج منيها ويقين الطهارة لا يرتفع بظن الحدث إذ حدثها وهو خروج منيها غير متيقن وقضاء شهوتها لا يستدعي خروج شيء من منيها كما قاله في التوشيح

أجيب بأن قضاء شهوتها منزل منزلة نومها في خروج الحدث فنزلوا المظنة منزلة المئنة

وخرج بقبل المرأة ما لو وطئت في دبرها فاغتسلت ثم خرج منها مني الرجل لم يجب عليها إعادة الغسل كما علم مما مر

و رطبا و جافا حالان من المني

( فإن فقدت الصفات ) المذكورة في الخارج ( فلا غسل ) عليه لأنه ليس بمني

فإن احتمل كون الخارج منيا أو غيره كودي أو مذي تخير بينهما على المعتمد فإن جعله منيا اغتسل أو غيره توضأ وغسل ما أصابه لأنه إذا أتى بمقتضى أحدهما بريء منه يقينا والأصل براءته من الآخر ولا معارض له بخلاف من نسي صلاة من صلاتين حيث يلزمه فعلهما لاشتغال ذمته بهما جميعا والأصل بقاء كل منهما وقيل يلزمه العمل بمقتضى كل منهما احتياطا قياسا على ما قالوه في الزكاة من وجوب الاحتياط بتزكية الأكثر ذهبا وفضة في الإناء المختلط منها إذا جهل قدر كل منهما وصححه المصنف في رؤوس المسائل وقال في المجموع إنه الذي يظهر رجحانه

وأجاب الأول بمنع القياس لأن اليقين ثم ممكن بسبكه بخلافه هنا

وحيث أوجبنا الوضوء أو اختاره لزمه الترتيب وغسل ما أصابه وإذا اختاره أحدهما وفعله اعتد به فإن لم يفعله كان له الرجوع عنه وفعل الآخر إذ لا يتعين عليه باختياره

وإذا اختار أنه مني لا يحرم عليه قبل اغتساله ما يحرم على الجنب من المكث في المسجد وغيره للشك في الجنابة كما أفتى به شيخي قال ولهذا من قال بوجوب الاحتياط بفعل مقتضى الحدثين لا يوجب عليه غسل ما أصاب ثوبه لأن الأصل طهارته

( والمرأة كرجل ) بضم الجيم وإسكانها فيما مر من حصول الجنابة بالطريقين المارين ولو


71

استدخلت ذكرا مقطوعا أو قدر الحشفة منه لزمها الغسل كما في الروضة ومقتضاه أنه لا فرق بين استدخاله من رأسه أو أصله أو وسطه بجمع طرفيه

قال الإسنوي وفي ذلك نظر اه

والظاهر كما قال شيخي أن المعول على الحشفة حيث وجدت

ومقتضى التشبيه أن منيها يعرف بالخواص المذكورة وهو قول الأكثرين

وقال إمام الحرمين و الغزالي لا يعرف إلا بالتلذذ وقال ابن الصلاح لا يعرف إلا بالتلذذ والريح وجزم به المصنف في شرح مسلم وقال السبكي إنه المعتمد و الأذرعي إنه الحق

والمعتمد الأول ويؤيده كما قال ابن الرفعة قول المختصر وإذا رأت المرأة الماء الدافق

فرع لو رأى في فراشه

أو ثوبه ولو بظاهره منيا لا يحتمل أنه من غيره لزمه الغسل وإعادة كل صلاة لا يحتمل خلوها عنه

ويستحب إعادة كل صلاة احتمل خلوها عنه لا إعادة الغسل فإنه لا تسن إعادته كما سيأتي

وإن احتمل كونه من آخر نام معه في فراشه مثلا فإنه يستحب لهما الغسل والإعادة

ولو أحس بنزول المني فأمسك ذكره فلم يخرج منه شيء فلا غسل عليه كما علم مما مر وصرح به في الروضة

( ويحرم بها ) أي بالجنابة الحاصلة من دخول الحشفة أو خروج المني

أما ما قبل ذلك فسيأتي محرماته في باب الحيض

( ما حرم بالحدث ) الأصغر مما مر في بابه لأنها أغلظ منه

( و ) شيئان آخران أحدهما ( المكث ) لمسلم غير النبي صلى الله عليه وسلم ( بالمسجد ) أو التردد فيه لغير عذر لقوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل

قال ابن عباس وغيره أي لا تقربوا مواضع الصلاة لأنه ليس فيها عبور سبيل بل في مواضعها وهو المسجد نظيره قوله تعالى لهدمت صوامع وبيع وصلوات ولقوله عليه الصلاة والسلام لا أحل المسجد لحائض ولا جنب رواه أبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها وقال ابن القطان إنه حسن

وخرج بالمكث والتردد العبور كما قال ( لا عبوره ) للآية المذكورة

وكما لا يحرم لا يكره إن كان له فيه غرض مثل أن يكون المسجد أقرب طريقيه فإن لم يكن له غرض كره كما في الروضة وأصلها وقال المجموع إنه خلاف الأولى لا مكروه

وينبغي اعتماد الأول حيث وجد طريقا غيره فقد قيل إن العبور يحرم في هذه الحالة وإلا فالثاني وحيث عبر لا يكلف الإسراع في المشي بل يمشي على العادة

ولهواء المسجد حرمة المسجد نعم لو قطع بصاقه هواء المسجد ووقع خارجه لم يحرم كما لو بصق في ثوبه في المسجد وبالمسلم الكافر فإنه يمكن من المكث في المسجد على الأصح في الروضة وأصلها لأنه لا يعتقد حرمة ذلك نعم الحائض والنفساء عند خوف التلويث كالمسلمة

وليس للكافر ولو غير جنب دخول المسجد إلا أن يكون لحاجة كإسلام وسماع قرآن لا كأكل وشرب وإن يأذن له مسلم في الدخول إلا أن تكون له خصومة وقد قعد الحاكم للحكم فيه وبغير النبي صلى الله عليه وسلم هو فلا يحرم عليه قال صاحب التلخيص ذكر من خصائصه صلى الله عليه وسلم دخول المسجد جنبا ومال إليه المصنف

وبالمسجد المدارس والربط ومصلى العيد ونحو ذلك

وكذا ما وقف بعضه مسجدا شائعا لكن قال الإسنوي المتجه إلحاقه بالمسجد في ذلك وفي التحية للداخل ونحو ذلك بخلاف صحة الاعتكاف فيه

وكذا صحة الصلاة فيه للمأموم إذا تباعد عن إمامه أكثر من ثلثمائة ذراع وبلا عذر ما إذا حصل له عذر كأن احتلم في المسجد وتعذرعليه الخروج لإغلاق باب أو خوف على نفسه عدوه أو منفعة ذلك أو على ماله فلا يحرم عليه المكث ولكن يجب عليه كما في الروضة التيمم أن وجد غير تراب المسجد ولا ينافيه قول الشرح الصغير ويحسن أن يتيمم لأن الواجب حسن

على إنه قيل أن قوله يحسن مصحف عن يجب

فإن لم يجد غيره لا يجوز له أن يتيمم به فلو خالف وتيمم به صح تيممه كالتيمم بتراب مغصوب والمراد بتراب المسجد الداخل في وقفه لا المجموع من الريح ونحوه

ولو لم يجد الجنب الماء إلا في المسجد فإن وجد ترابا تيمم ودخل واغترف وخرج إن لم يشق عليه ذلك وإلا اغتسل فيه ولا يكفيه التيمم على المعتمد كما بحثه المصنف في مجموعه بعد نقله عن البغوي أنه يتيمم ولا يغتسل فيه

وإطلاق الأنوار جواز الدخول للاستقاءة والمكث لها بقدرها فقط محمول على هذا التفصيل

فائدة لا بأس بالنوم في المسجد لغير الجنب ولو لغير أعزب فقد ثبت أن أصحاب الصفة وغيرهم كانوا ينامون


72

فيه في زمنه صلى الله عليه وسلم

نعم إن ضيق على المصلين أو شوش عليهم حرم النوم فيه قاله في المجموع قال ولا يحرم إخراج الريح فيه لكن الأولى اجتنابه لقوله صلى الله عليه وسلم الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم

( و ) ثانيهما ( القرآن ) لمسلم أي ويحرم بالجنابة القرآن باللفظ وبالإشارة من الأخرس كما قاله القاضي في فتاويه فإنها منزلة النطق هنا ولو بعض آية كحرف للإخلال بالتعظيم سواء أقصد مع ذلك غيرها أم لا ولحديث الترمذي وغيره لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن

و يقرأ روي بكسر الهمزة على النهي وبضمها على الخبر المراد به النهي ذكره في المجموع وضعفه لكن له متابعات تجبر ضعفه

والحائض والنفساء في ذلك كالجنب وسيأتي حكمهما في باب الحيض

ولمن به حدث أكبر إجراء القرآن على قلبه ونظر في المصحف وقراءة ما نسخت تلاوته وتحريك لسانه وهمسه بحيث لا يسمع نفسه لأنها ليست بقراءة قرآن

وفاقد الطهورين يقرأ الفاتحة وجوبا فقط للصلاة لأنه مضطر إليها خلافا للرافعي في قوله لا يجوز له قراءتها كغيرها

أما خارج الصلاة فلا يجوز له أن يقرأ شيئا ولا أن يمس المصحف مطلقا ولا أن توطأ الحائض أو النفساء إذا انقطع دمها

وأما فاقد الماء في الحضر فيجوز له إذا تيمم أن يقرأ ولو في غير الصلاة

أما الكافر فلا يمنع من القراءة لأنه لا يعتقد حرمة ذلك كما قاله الماوردي

وإما تعليمه وتعلمه فذكرته وفوائد أخر في باب الحدث

( وتحل ) لجنب ( أذكاره ) وغيرها كمواعظه وأخباره وأحكامه ( لا بقصد قرآن ) كقوله عند الركوب سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين أي مطيقين وعند المصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون ولا ما جرى به لسانه بلا قصد

فإن قصد القرآن وحده أو مع الذكر حرم وإن أطلق فلا كما نبه عليه في الدقائق لعدم الإخلال بحرمته لأنه لا يكون قرآنا إلا بالقصد قاله المصنف وغيره

وظاهر أن ذلك جار فيما يوجد نظمه في غير القرآن كالآيتين المتقدمتين والبسملة والحمدلة وما لا يوجد نظمه إلا فيه كسورة الإخلاص وآية الكرسي وهو كذلك وإن قال الزركشي لا شك في تحريم ما لا يوجد نظمه في غير القرآن وتبعه على ذلك بعض المتأخرين كما شمل ذلك قول الروضة

أما إذا قرأ شيئا منه لا على قصد القرآن فيجوز ولو عبر المصنف بها هنا كان أولى ليشمل ما قدرته بل أفتى شيخي بأنه لو قرأ القرآن جميعه لا بقصد القرآن جاز

( وأقله ) أي غسل الواجب الذي لا يصح بدونه أمران أحدهما ( نية رفع جنابة ) أي رفع حكمها إن كان جنبا ورفع حدث الحيض إن كانت حائضا أو لتوطأ كما في الروضة وأصلها أو الغسل من الحيض كما قاله ابن المقريء فلو نوى رفع الجنابة وحدثه الحيض أو عكسه أو نوى رفع جنابة الجماع وجنابته باحتلام أو عكسه صح مع الغلط دون العمد كنظيره في الوضوء ذكر ذلك في المجموع أي ولو كان غير ما عليه لا يمكن أن يكون منه كالحيض من الرجل كما قال به شيخي خلافا لبعض المتأخرين

وقضية تعليمهم إيجاب الغسل في النفاس لكونه دم حيض مجتمع أنه يصح نية أحدهما بالآخر عمدا أو لا وبه جزم في البيان

وتكفي نية رفع الحدث عن كل البدن وكذا مطلقا في الأصح لاستلزام رفع المطلق رفع المقيد ولأنه ينصرف إلى حدثه لوجود القرينة الحالية فلو نوى الأكبر كان تأكيدا وصورة المسألة فيما إذا اجتمعا عليه إن قلنا باندراج الأصغر وإلا وجب التعيين قاله الماوردي وتبعه المصنف في التحقيق

فلو نوى رفع الحدث الأصغر عمدا لم ترتفع جنابته لتلاعبه أو غلطا ارتفعت عن أعضاء الأصغر لأن غسلها واجب في الحدثين وقد غسلها بنيته إلا الرأس فلا ترتفع عنه لأن غسله وقع عن مسحه الذي هو فرض في الأصغر وهو إنما نوى المسح وهو لا يغني عن الغسل بخلاف غسل باطن لحية الرجل الكثيفة فإنه يكفي لأن غسل الوجه هو الأصل فإذا غسله فقد أتى بالأصل

أما غير أعضاء الأصغر فلا ترتفع جنابته لأنه لم ينوه

قال في المجموع ولو اجتمع على المرأة غسل حيض وجنابة كفت نية أحدهما قطعا

( أو ) نية ( استباحة مفتقر إليه ) أي إلى الغسل كأن ينوي استباحة الصلاة أو الطواف مما يتوقف على غسل فإن نوى ما لا يفتقر إليه كالغسل ليوم العيد لم يصح وقيل إن ندب له صح

( أو أداء فرض الغسل ) أو فرض الغسل أو الغسل المفروض أو أداء الغسل وكذا الطهارة للصلاة كما في الكفاية وتقدم الاستشكال فيها والجواب عنه في باب الوضوء

فعلم من ذلك أن الجمع بين الفرض والأداء لا يجب وإن اقتضته عبارة المصنف وأن النية لا تنحصر فيما ذكره

وأما إذا نوى


73

الغسل فقط فإنه لا يكفي وتقدم شروط نية الغسل والفرق بينه وبين نية الوضوء في بابه

( مقرونة بأول فرض ) وهو أول ما يغسل من البدن سواء أكان من أعلاه أم من أسفله إذ لا ترتيب فيه فلو نوى بعد غسل جزء منه وجب إعادة غسله

وفي تقديمها على السنن وعزوبها قبل غسل شيء من المفروض ما مر في الوضوء فإذا خلا عنها شيء من السنن لم يثبت عليه

ولو أتى بها من أول السنن وعزبت قبل أول الفروض لم تكف

فإن قيل السنن التي قبله من محل الواجب فإذا نوى عندها رفع الجنابة مثلا وقع فرضا بخلاف سنن الوضوء التي قبله من غسل كفيه ومضمضة ونحو ذلك لأنه ليس محلا للفرض فلا يتصور أن تقترن النية بسنة قبل الغسل

أجيب بأن ذلك قد يتصور كأن ينوي عند المضمضة ولم يمس الماء حمرة شفتيه كأن يتمضمض من إبريق

ويستحب أن يبتدىء النية مع التسمية كما صرح به في المجموع هنا قال وإذا اغتسل من إناء كإبريق ينبغي له أن ينوي عند غسل محل الاستنجاء بعد فراغه منه لأنه إذا لم ينو عنده قد يغفل عنه أو يحتاج إلى المس فينتقض وضوؤه أو إلى كلفة في لف خرقة على يده

قال الشارح و مقرونة بالرفع في خط المصنف وقيل بالنصب صفة نية المقدرة المنصوبة بنية الملفوظة اه

أما الفرع فعلى أنها صفة لقوله نية وأما النصب فعلى أن مقرونة صفة لمصدر محذوف عامله المصدر الملفوظ به في كلام المصنف وتقديره وأقله أن ينوي كذا نية مقرونة ف نية المقدرة مفعول مطلق والعامل فيه نية الملفوظة والمفعول المطلق مصدر وهو ينصب بمثله الذي هو نية لأنها مصدر

( و ) ثانيهما ( تعميم شعره ) ظاهرا وباطنا وإن كثف ويجب نقض الضفائر إن لم يصل الماء إلى باطنها إلا بالنقض لكن يعفى عن باطن الشعر المعقود ولا يجب غسل الشعر النابت في العين والأنف وإن كان يجب غسله من النجاسة

( وبشره ) حتى الأظفار وما يظهر من صماخي الأذنين ومن فرج المرأة عند قعودها لقضاء الحاجة وما تحت القلفة من الأقلف وموضع شعر نتفه قبل غسله

قال البغوي ومن باطن جدري اتضح

فائدة لو اتخذ له أنملة أو أنفا من ذهب أو فضة وجب عليه غسله من حدث أصغر أو أكبر ومن نجاسة غير معفو عنها لأنه وجب عليه غسل ما ظهر من الأصبع والأنف بالقطع وقد تعذر للعذر فصارت الأنملة والأنف كالأصليين

( ولا تجب ) في الغسل ( مضمضة و ) لا ( استنشاق ) بل يسن كما في الوضوء وغسل الميت

( وأكمله ) أي الغسل ( إزالة القذر ) بالمعجمة طاهرا كان كالمني أو نجسا كودي استظهارا وإن قلنا يكفي لهما غسلة واحدة

( ثم ) بعد إزالة القذر ( الوضوء ) كاملا ومنه التسمية للاتباع رواه الشيخان

فهو أفضل من تأخير قدميه عن الغسل

( وفي قول يؤخر غسل قدميه ) لما روى البخاري عن ميمونة في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ وضوءه للصلاة غير غسل القدمين قال في المجموع نقلا عن الأصحاب وسواء أقدم الوضوء كله أم بعضه أم أخره أم فعله في أثناء الغسل فهو محصل للسنة لكن الأفضل تقديمه

ثم إن تجردت الجنابة عن الحدث كأن احتلم وهو جالس متمكن نوى سنة الغسل وإلا نوى رفع الحدث الأصغر وإن قلنا يندرج خروجا من خلاف من أوجبه

وإذا أخر الوضوء عن الغسل هل ينوي به رفع الحدث خروجا من خلاف من قال بعدم الإندراج أو سنة الغسل ولأن حدثه ارتفاع على الأصح لم أر من تعرض له والذي يظهر أخذا مما جمع به شيخي بين عبارة الكتاب وعبارة الروضة في الصلاة المعادة وهو إن أراد الخروج من الخلاف نوى الفرض كما في الكتاب وإن لم يرد ذلك نوى الطهر مثلا ولا يحتاج لنية الفرضية كما في الروضة وأن يقال هنا إن أراد الخروج من الخلاف نوى رفع الحدث وإلا فسنة الغسل فإن ترك الوضوء والمضمضة والاستنشاق كره له ويستحب له أن يتدارك ذلك ولو توضأ قبل غسله ثم أحدث قبل أن يغتسل ولم يحتج لتحصيل سنة الوضوء إلى إعادته بخلاف من غسل يديه في الوضوء ثم أحدث قبل المضمضة مثلا فإنه يحتاج في تحصيل السنة إلى إعادة غسلهما بعد نية الوضوء لأن تلك النية بطلت بالحدث

( ثم ) بعد الوضوء ( تعهد معاطفه ) كأن يأخذ الماء بكفه فيجعله على المواضع التي فيها انعطاف وإلتواء كالأذنين وطبقات البطن وداخل السرة لأنه أقرب إلى الثقة بوصول الماء

ويتأكد في الأذن


74

فيأخذ كفا من ماء ويضع الأذن عليه برفق ليصل الماء إلى معاطفه وزواياه

( ثم يفيض الماء على رأسه ويخلله ) أي شعر رأسه وكذا شعر لحيته بالماء وليست الواو في عبارته للترتيب

فيدخل أصابعه العشر فيشرب بها أصول الشعر ثم يفيض الماء ليكون أبعد عن الإسراف في الماء وأقرب إلى الثقة بوصول الماء

( ثم ) يفيضه على ( شقه الأيمن ثم الأيسر ) لأنه عليه الصلاة والسلام كان يحب التيمن في طهوره متفق عليه

( ويدلك ) ما وصلت إليه يده من بدنه احتياطا وخروجا من خلاف من أوجبه وإنما لم يجب عندنا لأن الآية والأحاديث ليس فيهما تعرض لوجوبه

( ويثلث ) تأسيا به صلى الله عليه وسلم كما في الوضوء

وكيفية ذلك وإن لم تؤدها عبارة المصنف أن يتعهد ما ذكر ثم رأسه ويدلكه ثلاثا ثم باقي جسده كذلك بأن يغسل ويدلك شقه الأيمن المقدم ثم المؤخر ثم الأيسر كذلك مرة ثم ثانية ثم ثالثة كذلك للأخبار الصحيحة الدالة على ذلك

قال شيخنا وما قيل أي ما قاله الإسنوي أن المتجه إلحاقه بغسل الميت حتى لا ينتقل إلى المؤخر إلا بعد الفراغ من المقدم رد بسهولة ما ذكر هنا على الحي بخلافه في الميت لما يلزم فيه من تكرير تقليب الميت قبل الشروع في شيء من الأيسر

ولو انغمس في ماء فإن كان جاريا كفى في التثليث أن يمر عليه ثلاث جريات لكن قد يفوته الدلك لأنه لا يتمكن منه غالبا تحت الماء إذ ربما يضيق نفسه

وإن كان راكدا انغمس فيه ثلاثا بأن يرفع رأسه منه وينقل قدميه أو ينتقل من مقامه إلى آخر ثلاثا ولا يحتاج إلى انفصال جملته ولا رأسه كما في التسبيع من نجاسة الكلب فإن حركته تحت الماء كجري الماء عليه

( وتتبع ) المرأة غير المحرمة والمحدة ( لحيض ) أو نفاس ولو كانت خلية أو بكرا

( أثره ) أي أثر الدم ( مسكا ) فتجعله في قطنة وتدخلها الفرج بعد غسلها

وهو المراد بالأثر وهو بفتح الهمزة والمثلثة ويجوز كسر الهمزة وإسكان الثاء وذلك لما روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن الغسل من الحيض فقال خذي فرصة من مسك فتطهري بها فقالت كيف أتطهر بها فقال صلى الله عليه وسلم سبحان الله واستتر بثوبه تطهري بها فاجتذبتها عائشة فعرفتها أنها تتبع بها أثر الدم

ويكره تركه بلا عذر كما في التنقيح

والمسك فارسي معرب الطيب المعروف وكانت العرب تسميه المشموم والنبي صلى الله عليه وسلم يسميه أطيب الطيب رواه مسلم

( وإلا ) أي وإن لم يتيسر بأن لم تجده أو لم تسمح به

( فنحوه ) مما فيه حرارة كالقسط والأظفار

فإن لم تجد طيبا فطينا فإن لم تجده كفى الماء

أما المحرمة فيحرم عليها الطيب بأنواعه والمحدة تستعمل قليل أظفار أو قسط

قال المحاملي في المقنع كل موضع أصابه الدم تتبعه بالطيب

قال الدميري وهو شاذ لا يعرف لغيره

والصحيح أو الصواب أن المقصود به تطبيب المحل ودفع الرائحة الكريهة لا سرعة العلوق فلذلك كان الأصح أنها تستعمله بعد الغسل

قال الزركشي والمستحاضة ينبغي لها أن لا تستعمله لأنه يتنجس بخروج الدم فيجب غسله فلا تبقى فيه فائدة

( ولا يسن تجديده ) أي الغسل لأنه لم ينقل ولما فيه من المشقة

( بخلاف الوضوء ) فيسن تجديده إذا صلى بالأول صلاة ما كما قاله المصنف في باب النذر من زوائد الروضة وشرح المهذب والتحقيق وظاهره أنه لا فرق بين تحية المسجد وسنة الوضوء وغيرهما

فإن قيل يتسلسل عليه الأمر ويحصل له مشقة

أجيب بأن هذا مفوض إليه إن أراد زيادة الأجر فعل نعم إن عارضه فضيلة أول الوقت قدمت عليه لأنها أولى منه كما أفتى به شيخي أما إذا لم يصل به فلا يسن فإن خالف وفعل لم يصح وضوؤه لأنه غير مطلوب لما روى أبو داود وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات ولأنه كان في أول الإسلام يحب الوضوء لكل صلاة فنسخ وجوبه وبقي أصل الطلب

وشمل إطلاقه تجديده لماسح الخف وتقدم في بابه والوضوء المكمل بالتيمم لجراحة ونحوها وهو الظاهر كما نقله مجلي عن القفال وإن نظر فيه ابن الرفعة

( ويسن أن لا ينقص ماء الوضوء ) في معتدل الجسد ( عن مد ) تقريبا وهو رطل وثلث بغدادي ( والغسل عن صاع ) تقريبا وهو أربعة أمداد لحديث


75

مسلم عن سفينة أنه صلى الله عليه وسلم كان يغسله الصاع ويوضئه المد

أما من لم يعتدل جسده فيعتبر بالنسبة إلى جسده صلى الله عليه وسلم كما قاله العز بن عبد السلام زيادة ونقصا

( ولا حد له ) أي لماء الوضوء والغسل فلو نقص عن ذلك وأسبغ كفى

قال الشافعي قد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير فلا يكفي

وفي خبر أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم توضأ بإناء فيه قدر ثلثي مد

وظاهر عبارة المصنف عدم النقص عن المد والصاع لا الاقتصار عليهما

وعبر آخرون بأنه يندب المد والصاع وقضيته أنه يندب الاقتصار عليهما

قال ابن الرفعة ويدل له الخبر وكلام الأصحاب لأن الرفق محبوب وهذا هو الظاهر وإن نازع الإسنوي ابن الرفعة فيما نسبه للأصحاب

ولا تنحصر السنن فيما قاله المصنف بل يسن أن يستصحب النية إلى آخر الغسل وأن لا يغتسل في الماء الراكد ولو كثر أو بئر معينة كما في المجموع بل يكره ذلك لخبر مسلم لا يغتسل أحدكم في الماء الراكد وهو جنب فقيل لأبي هريرة الراوي للحديث كيف يفعل قال يتناوله تناولا

قال في المجموع قال في البيان والوضوء فيه كالغسل وهو محمول كما قال شيخنا على وضوء الجنب

وإنما كره ذلك لاختلاف العلماء في طهورية ذلك الماء أو لشبهه بالماء المضاف إلى شيء لازم كماء الورد فيقال ماء عرق أو وسخ

وينبغي أن يكون ذلك في غير المستبحر وأن يكون اغتساله بعد بول لئلا يخرج بعده مني وأن يأتي بالتشهد المذكور في الوضوء عقبه

وحكم الموالاة هنا كحكمها في الوضوء وأن يرتبه فيبدأ بعد الوضوء بأعضائه كما في الروضة وغيرها لشرفها ثم بالرأس ثم بالبدن مبتدئا بأعلى ذلك بأن يفيض الماء على كل منهما مبتدئا بالأيمن من كل منهما بالأعلى كما علم مما مر

فائدة قال في الإحياء لا ينبغي أن يقلم أو يحلق أو يستحد أو يخرج دما أو يبين من نفسه جزءا وهو جنب إذ يرد إليه سائر أجزائه في الآخرة فيعود جنبا ويقال إن كل شعرة تطالب بجنابتها

فرع يجوز أن ينكشف للغسل

في خلوة أو بحضرة من يجوز له نظره إلى عورته والستر أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم لبهز بن حكيم احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك

قال أرأيت إن كان أحدنا خاليا قال الله أحق أن يستحيي منه الناس

فإن قيل الله سبحانه وتعالى لا يحجب عنه شيء فما فائدة الستر له أجيب بأن يرى متأدبا بين يدي خالقه ورازقه

( ومن به ) أي ببدنه شيء ( نجس يغسله ثم يغتسل ) لأنه أبلغ في التطهير

والنجس بفتح الجيم النجاسة

( ولا تكفي لهما غسلة ) واحدة ( وكذا في الوضوء ) لأنهما واجبان مختلفا الجنس فلا يتداخلان وعلى هذا تقديم إزالته شرط لا ركن

( قلت الأصح تكفيه والله أعلم ) كما لو اغتسل من جنابة وحيض ولأن واجبهما غسل العضو وقد حصل ومحل الخلاف إذا كان النجس حكميا كما في المجموع ويرفعهما الماء معا وللسابعة في المغلظة حكم هذه الغسلة فإن كان النجس عينا ولم تزل بقي الحدث أما غير السابعة في النجاسة المغلظة فلا يرتفع حدث ذلك المحل لبقاء نجاسته

فإن قيل قد جزم في الروضة والمنهاج تبعا للرافعي في غسل الميت بأن أقل الغسل استيعاب بدنه بالماء بعد إزالة النجاسة مع أن الإكتفاء بالغسلة في الميت أولى لأن النية لا تجب في غسله

أجاب الشارح في كتاب الجنائز بأنه مبني على ما صححه الرافعي في الحي وترك الاستدراك عليه للعلم به مما قدمه

وأجاب غيره بأن ما ذكراه في الجنائز ليس بصريح في اشتراط تقدم إزالة النجاسة لأن كلمة بعد لا تدل على الترتيب فهي بمعنى مع كما في قوله تعالى عتل بعد ذلك زنيم أي مع ذلك زنيم أي دعي في قريش

فيكون التقدير استيعاب بدنه مع إزالة النجاسة ونظير ذلك ما قاله المصنف في باب الوقف في قوله وقفت على أولادي وأولاد أولادي بطنا بعد بطن أنه يقتضي التسوية بين الكل وهذا الجواب أظهر

وقيل يفرق بين غسل الحي والميت بأن هذا آخر أحواله فاحتيط له فيراعى في حقه الأكمل كما يجب تكفينه في ثلاثة أثواب لأنها حقه حتى لو اتفق الورثة على ثوب واحد لم يجابوا إلى ذلك كما صححه في الروضة مع أن المصنف جزم بما جزم به الرافعي في صفة غسل الجنابة من شرح المهذب

( ومن اغتسل لجنابة ) أو نحوها كحيض


76

( و ) نحو ( جمعة ) كعيد بأن نواهما ( حصلا ) أي غسلهما كما لو نوى الفرض وتحية المسجد وقيل لا يحصل واحد منهما لأن كل واحد منهما مقصود بخلاف التحية لحصولها ضمنا فعلى الأولى الأكمل أن يغتسل للجنابة ثم للجمعة كما نقله في البحر عن الأصحاب

فإن قيل قد صرحوا بأنه لو اجتمع جمعة وكسوف وقدم الكسوف ثم خطب ونوى بخطبته خطبة الجمعة والكسوف لم يصح للتشريك بين فرض ونفل

أجيب بأن خطبة الجمعة في معنى الصلاة ولهذا اشترط فيها ما يشترط في الصلاة فالتشريك بينها وبين الكسوف كالتشريك بين الظهر وسنته بخلاف ما هنا فإن مبنى الطهارات على التداخل

( أو لأحدهما حصل ) غسله ( فقط ) اعتبارا بما نواه

وإنما لم يندرج النفل في الفرض لأنه مقصود فأشبه سنة الظهر مع فرضه

فإن قيل لو نوى بصلاته الفرض دون التحية حصلت التحية وإن لم ينوها أو نوى رفع الجنابة حصل الوضوء وإن لم ينوه

أجيب بأن القصد ثم إشغال البقعة بصلاة وقد حصل وليس القصد هنا النظافة فقط بدليل أنه يتيمم عند عجزه عن الماء ومن وجب عليه فرضه كغسلي جنابة وحيض كفاه الغسل لأحدهما وكذا لو سن في حقه سنتان كغسلي عيد وجمعة ولا يضر التشريك بخلاف نحو الظهر مع سنته لأن مبنى الطهارات على التداخل كما مر بخلاف الصلاة

( قلت ولو أحدث ثم أجنب أو عكسه ) أي أجنب ثم أحدث أو أجنب وأحدث معا ( كفى الغسل ) سواء أنوى الوضوء معه أم لا غسل أعضاء الوضوء مرتبة أم لا

( على المذهب والله أعلم ) لاندراج الوضوء في الغسل لأنه صلى الله عليه وسلم قال أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت رواه ابن ماجة وغيره عن جبير بن مطعم

ولم يفصل صلى الله عليه وسلم مع أن الغالب أن الجنابة لا تتجرد عن الحدث فتداخلتا كالجنابة والحيض

وقد نبه الرافعي على أن الغسل إنما يقع عن الجنابة وأن الأصغر يضمحل معه أي لا يبقى له حكم ولهذا عبر المصنف ب كفى

والثاني لا يكفي وإن نوى معه الوضوء بل لا بد من الوضوء معه

والثالث إن نوى مع الغسل الوضوء كفى وإلا فلا

وقيل إن كان سبب اجتماعهما هو الجماع كفى وإلا فلا

وفي الصورة الثانية طريق قاطع بالإكتفاء لتقدم الأكبر فيها فلا يؤثر بعده الأصغر فقوله على المذهب إنما يأتي على اصطلاحه في الصورة الثانية فإنها ذات طرق وأما الأولى ففيها أوجه لا طرق

وأجاب الشارح عن هذا الاعتراض بقوله فالطريقان في مجموع الصورتين من حيث الثانية لا في كل منهما أي لا في جميعهما فيكفي في صدق كونه في المجموع كونه في بعض الأفراد بخلاف كونه في الجميع

تتمة لو أحدث في أثناء غسله جاز أن يتمه ولا يمنع الحدث صحته لكن لا يصلي به حتى يتوضأ كذا في زوائد الروضة

وهو محمول كما قال الإسنوي على ما إذا أحدث بعد فراغ أعضاء الوضوء أما قبل الفراغ فيأتي ببقية أعضاء الوضوء مرتبة ولا يحتاج إلى استئنافه

خاتمة يباح للرجال دخول الحمام ويجب عليهم غض البصر عما لا يحل لهم وصون عورتهم عن الكشف بحضرة من لا يحل له النظر إليها وفي غير وقت الاغتسال كما علم مما مر ونهيهم الغير عن كشف عورته وإن ظنوا أنه لا ينتهي وقد روي أن الرجل إذا دخل الحمام عاريا لعنه ملكاه رواه القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون

وروى النسائي و الحاكم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حرام على الرجال دخول الحمام إلا بمئزر

وأما النساء فيكره لهن بلا عذر لخبر ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله تعالى رواه الترمذي وحسنه

وروى أبو داود وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال ستفتح عليكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات فلا يدخلنها الرجال إلا بالإزار وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء

ولأن أمرهن مبني على المبالغة في الستر ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة والشر

قال شيخنا والخناثي كالنساء فيما يظهر

ويجب أن لا يزيد في الماء على قدر الحاجة ولا العادة وآدابه أن يقصد التطهير والتنظيف لا الترفه والتنعيم وأن يسلم الأجرة قبل دخوله وأن يسمي للدخول ثم يتعوذ كما في دخول الخلاء وكذا في تقديم رجله اليسرى دخولا واليمنى خروجا وأن يتذكر بحرارته حرارة نار جهنم لشبهه بها وأن لا يدخله إذا رأى فيه عريانا وأن لا يعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق في الأول وأن لا يكثر


77

الكلام وأن يدخل وقت الخلوة أو يتكلف إخلاء الحمام إن قدر على ذلك فإنه وإن لم يكن فيه إلا أهل الدين فالنظر إلى الأبدان مكشوفة فيه شوب من قلة الحياء وأن يستغفر الله تعالى ويصلي ركعتين بعد خروجه منه فقد كانوا يقولون يوم الحمام يوم إثم

ويكره دخوله قبيل الغروب وبين العشاءين لأنه وقت انتشار الشياطين وللصائم

ومن جهة الطب صب الماء البارد على الرأس وشربه عند خروجه منه ولا بأس بدلك غيره إلا عورة أو مظنة شهوة

قال في المجموع ولا بأس بقوله لغيره عافاك الله ولا بالمصافحة

ويسن لمن يخالط الناس التنظف بالسواك وإزالة شعر وريح كريهة وحسن الأدب معهم

باب النجاسة

وفي الباب إزالتها ولو ذكره في الترجمة أو اقتصر عليه كما في التنبيه لكان أولى لأنه اللائق بكتاب الطهارة

وإزالة النجاسة متوقفة على معرفة النجاسة فتذكر تبعا وهي لغة كل ما يستقذر وشرعا مستقذر يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص

وعرفها بعضهم بكل عين حرم تناولها مطلقا في حالة الاختيار مع سهولة تمييزها وإمكان تناولها لا لحرمتها ولا لاستقذارها ولا لضررها في بدن أو عقل فاحترز بمطلقا عما يباح قليله كبعض النباتات السمية وبحالة الاختيار عن حالة الضرورة فيباح فيها تناول النجاسة وبسهولة تمييزها عن دود الفاكهة ونحوها فيباح تناوله معها وهذان القيدان للإدخال لا للإخراج وبإمكان تناولها عن الأشياء الصلبة كالحجر وبالبقية عن الآدمي وعن المخاط ونحوه وعن الحشيشة المسكرة والسم الذي يضر قليله وكثيره والتراب فإنه لم يحرم تناولها لنجاستها بل حرمة الآدمي واستقذار المخاط ونحوه وضرر البقية

قال الزركشي واعلم أن الإخراج بعدم الاستقذار مضر فإنه وإن أخرج المخاط ونحوه فإنه يخرج غالب النجاسات من العذرة والبول والقيء والقيح ونحو ذلك فإنها مستقذرة وحرمت لاستقذارها وكلها نجسة

وعرفها المصنف كأصله بالعد فقال ( هي كل مسكر مائع ) لكن ظاهره حصرها فيما عده وليس مرادا لأن منها أشياء لم يذكرها وسأنبه على بعضها فلو ذكر لها ضابطا إجماليا كما تقدم لكان أولى بل قال ابن النقيب فيما ذكره تجوز لأن النجاسة حكم شرعي فكيف تفسر بالأعيان بل ما ذكر حد للنجس لا للنجاسة اه

وشملت عبارة المصنف الخمر وهي المتخذة من ماء العنب ولو محترمة وبباطن عنقود ومثلثة وهي المغلي من ماء العنب حتى صار على الثلث والنبيذ وهو المتخذ من ماء الزبيب أو نحوه

أما الخمر فلقوله تعالى إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس والرجس في عرف الشرع هو النجس صد عما عداها الإجماع فبقيت هي

واستدل على نجاستها الشيخ أبو حامد بالإجماع

وحمل على إجماع الصحابة ففي المجموع عن ربيعة شيخ مالك أنه ذهب إلى طهارتها ونقله بعضهم عن الحسن والليث

واستدل بعضهم على نجاستها بأنها لو كانت طاهرة لفات الامتنان بكون شراب الآخرة طهورا

وقد قال تعالى وسقاهم ربهم شرابا طهورا أي طاهرا وعبر بطهورا للمبالغة في طهارته بخلاف خمر الدنيا

وأما النبيذ فبالقياس على الخمر مع التنفير عن المسكر وخالف في ذلك أبو حنيفة ودليلنا ما ذكر

والخمر المحترمة قالا في الغصب هي ما عصرت لا بقصد الخمرية وفي الرهن ما عصرت بقصد الخلية والأول أوجه وأعم

والخمر مؤنثة وتذكيرها لغة ضعيفة وتلحقها التاء على قلة

والتقييد بالمائع من زيادته ذكر بغير تمييز وخرج به البنج ونحوه من الحشيش المسكر فإنه ليس بنجس وإن كان حراما قاله في الدقائق

فإن قيل كان ينبغي للمصنف أن يقيدها بالأصالة لئلا يرد عليه الخمر إذا جمدت والحشيشة إذا أذيبت

أجيب بأن الخمر مائعة في الأصل وقد حكم بنجاستها وهي مائعة ولم يحدث ما يطهرها بخلاف الحشيش المذاب

فائدة قال بعض المتعنتين إن الكشك نجس لأنه يتخمر كالبوظة ثم قال وهل يكون جفافه كالتخلل في الخمر فيطهر أو يكون كالخمر المعقودة فلا يطهر قال شيخي لا اعتبار بقول هذا القائل فإنه لو فرض أنه صار مسكرا لكان طاهرا لأنه ليس بمائع اه

ويؤخذ منه أن البوظة طاهرة وهو كذلك

من الخمر مثلا

أجيب بأنه سيذكر في باب الأشربة أن ما أسكر كثيره حرم عليه وحد شاربه فعلم من ذلك نجاسة القليل كالكثير للتسوية بينهما فيما ذكر

ثم اعلم أن الأعيان جماد وحيوان فالجماد كله طاهر لأنه خلق لمنافع العباد ولو من بعض الوجوه قال تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض فإن قيل كان ينبغي للمصنف أن يقول مسكر الجنس


78

لئلا ترد عليه القطرة جميعا

وإنما يحصل الإنتفاع أو يكمل بالطهارة إلا ما نص الشارع على نجاسته وهو ما ذكره المصنف فيما مر بقوله كل مسكر مائع

وكذا الحيوان كله طاهر لما مر إلا ما استثناه الشارع أيضا وقد نبه المصنف على ذلك بقوله ( وكلب ) ولو معلما لخبر مسلم طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب وجه الدلالة أن الطهارة إما لحدث أو خبث أو تكرمة ولا حدث على الإناء ولا تكرمة فتعين طهارة الخبث فثبتت نجاسة فمه وهو أطيب أجزائه بل هو أطيب الحيوان نكهة لكثرة ما يلهث فبقيته أولى وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم دعي إلى دار قوم فأجاب ثم دعي إلى دار أخرى فلم يجب فقيل له في ذلك فقال إن في دار فلان كلبا

قيل له وإن في دار فلان هرة فقال إن الهرة ليست بنجسة رواه الدارقطني والحاكم فأفهم أن الكلب نجس

وأدخل شيخنا فيما تقدم أو تكرمة لأجل دخول غسل الميت وقول بعضهم وليست في كلام الأصحاب مع أنه لا يحتاج إليها لأن غسله من القسم الأول كما يؤخذ من كلامهم ممنوع بل قال في المجموع وإنما يجب غسل الميت تنظيفا وإكراما

( وخنزير ) لأنه أسوأ حالا من الكلب لأنه لا يقتنى بحال

ونقض هذا التعليل بالحشرات ونحوها ولذلك قال المصنف ليس لنا دليل واضح على نجاسته لكن ادعى ابن المنذر الإجماع على نجاسته وعورض بمذهب مالك ورواية عن أبي حنيفة بأنه طاهر ويرد النقض بأنه مندوب إلى قتله بلا ضرر فيه ولأنه يمكن الإنتفاع به بحمل شيء عليه ولا كذلك الحشرات فيهما وقال تعالى أو لحم خنزير فإنه رجس والمراد جملته لأن لحمه دخل في عموم الميتة

( وفرعهما ) أي فرع كل منهما مع الآخر أو مع غيره من الحيوانات الطاهرة ولو آدميا كالمتولد مثلا بين ذئب وكلبة تغليبا للنجاسة ولتولدها منها والفرع يتبع الأب في النسب والأم في الرق والحرية وأشرفهما في الدين وإيجاب البدل وتقرير الجزية وأخفهما في عدم وجوب الزكاة وأخسهما في النجاسة وتحريم الذبيحة والمناكحة

( وميتة غير الآدمي والسمك والجراد ) وإن لم يسل دمها لحرمة تناولها قال تعالى حرمت عليكم الميتة وتحريم ما ليس بمحترم ولا مستقذر ولا ضرر فيه يدل على نجاسته

والميتة ما زالت حياته لا بذكاة شرعية كذبيحة المجوسي والمحرم بضم الميم وما ذبح بالعظم وغير المأكول إذا ذبح ودخل الجنين فإن ذكاته بذكاة أمه وصيد لم تدرك ذكاته والبعير الناد والمتردي إذا ماتا بالسهم

ودخل في نجاسة الميتة جميع أجزائها من عظم وشعر وصوف ووبر وغير ذلك لأن كلا منها تحله الحياة

ودخل في ذلك ميتة دود نحو خل وتفاح فإنها نجسة لكن لا تنجسه لعسر الاجتراز عنها ويجوز أكله معه لعسر تمييزه

أما الآدمي فإنه لا ينجس بالموت على الأظهر لقوله تعالى ولقد كرمنا بني آدم وقضية التكريم أن لا يحكم بنجاسته بالموت وسواء المسلم وغيره

وأما قوله تعالى إنما المشركون نجس فالمراد به نجاسة الاعتقاد أو اجتنابهم كالنجس لا نجاسة الأبدان

وأما خبر الحاكم لا تنجسوا موتاكم فإن المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا فجرى على الغالب ولأنه لو تنجس بالموت لكان نجس العين كسائر الميتات ولو كان كذلك لم يؤمر بغسله كسائر الأعيان النجسة

فإن قيل ولو كان طاهرا لم يؤمر بغسله كسائر الأعيان الطاهرة

أجيب بأنه عهد غسل الطاهر بدليل المحدث بخلاف نجس العين

القول الثاني أنه ينجس لأنه طاهر في الحياة غير مأكول فأشبه سائر الميتات

ورد بما تقدم والخلاف في غير ميتة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وألحق ابن العربي المالكي بهم الشهداء وأما ميتة السمك والجراد فللإجماع على طهارتهما

ولقوله صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال وقوله صلى الله عليه وسلم في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته والمراد بالسمك كل ما أكل من حيوان البحر وإن لم يسم سمكا كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الأطعمة والجراد اسم جنس واحدته جرادة تطلق على الذكر والأنثى

( و ) المستحيل في باطن الحيوان نجس وهو ( دم ) ولو تحلب من كبد أو طحال لقوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم أي الدم المسفوح لقوله تعالى أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس


79

ولخبر اغسلي عنك الدم وصلي

وأما الدم الباقي على اللحم وعظامه فقيل إنه طاهر وهو قضية كلام المصنف في المجموع وجرى عليه السبكي ويدل له من السنة قول عائشة رضي الله عنها كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ينكره

وظاهر كلام الحليمي وجماعة أنه نجس معفو عنه

وهذا هو الظاهر لأنه دم مسفوح وإن لم يسل لقلته ولا ينافيه ما تقدم من السنة

ولا يستثنى من ذلك المني إذا خرج دما لأنه مني وإن كان أحمر والصفرة والكدرة ليستا بدم وهما نجسان

( وقيح ) لأنه دم مستحيل لا يخالطه دم وصديد وهو ماء رقيق يخالطه دم وماء قروح ونفاطات إن تغيرت رائحته كما سيأتي إن شاء الله تعالى في شروط الصلاة

( وقيء ) وإن لم يتغير وهو الخارج من المعدة لأنه من الفضلات المستحيلة كالبول

وقيل غير المتغير متنجس لا نجس ومال إليه الأذرعي

أما الراجع من الطعام وغيره قبل وصوله إلى المعدة فليس بنجس

والبلغم الصاعد من المعدة نجس بخلاف النازل من الرأس أو من أقصى الحلق والصدر فإنه طاهر

والماء السائل من النائم إن كان من المعدة كأن خرج منتنا بصفرة فنجس لا إن كان من غيرها أو شك في أنها منها أو لا فإنه طاهر وقيل إن كان متغيرا فنجس وإلا فطاهر

فإن ابتلي به شخص لكثرته منه قال في الروضة فالظاهر العفو

والجرة نجسة وهي بكسر الجيم ما يخرجه البعير أو غيره للاجترار وكذا المرة وهي بكسر الميم ما في المرارة

والزباد طاهر قال في المجموع لأنه إما لبن سنور جرى كما قاله الماوردي أو عرق سنور بري كما سمعته من ثقات من أهل الخبرة بهذا لكن يغلب اختلاطه بما يتساقط من شعره فليحترز عما وجد فيه فإن الأصح منع أكل البري وينبغي العفو عن قليل شعره كما بحثه صاحب العباب وليحترز أيضا أن يصيب النجاسة التي على دبره فإن العرق المذكور من نقرتين عند دبره لا من سائر جسده كما أخبرني بذلك من أثق به

وأما المسك فهو أطيب الطيب كما رواه مسلم وفأرته طاهرة وهي خراج بجانب سرة الظبية كالسلعة فتحتك حتى تلقيها وقيل إنها في جوفها كالإنفحة تلقيها كالميتة

ولو انفصل كل من المسك والفأرة بعد الموت فنجس كاللبن والشعر

واختلفوا في العنبر فمنهم من قال إنه نجس لأنه مستخرج من بطن دويبة لا يؤكل لحمها ومنهم من قال إنه طاهر لأنه ينبت في البحر ويلفظه وهذا هو الظاهر

( وروث ) بالمثلثة ولو من سمك وجراد لما روى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم لما جيء له بحجرين وروثة ليستنجي بها أخذ الحجرين ورد الروثة وقال هذا ركس والركس النجس

والعذرة والروث قيل مترادفان وقال المصنف في دقائقه العذرة مختصة بفضلة الآدمي والروث أعم قال الزركشي وقد يمنع بل وهو مختص بغير الآدمي

ثم نقل عن صاحب المحكم وابن الأثير ما يقتضي أنه مختص بذي الحافر قال وعليه فاستعمال الفقهاء له في سائر البهائم توسع

( وبول ) للأمر بصب الماء عليه في بول الأعرابي في المسجد رواه الشيخان

وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث القبرين أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول رواه مسلم وقيس به سائر الأبوال

وأما أمره صلى الله عليه وسلم العرنيين بشرب أبوال الإبل فكان للتداوي والتداوي بالنجس جائز عند فقد الطاهر الذي يقوم مقامه

وأما قوله صلى الله عليه وسلم لم يجعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها فمحمول على الخمر

( ومذي ) وهو بالمعجمة ماء أبيض رقيق يخرج بلا شهوة قوية عند ثورانها للأمر بغسل الذكر منه في خبر الصحيحين في قصة علي رضي الله تعالى عنه

( وودي ) وهو بالمهملة ماء أبيض كدر ثخين يخرج عقب البول أو عند حمل شيء ثقيل قياسا على ما قبله وإجماعا

وهذه الفضلات من النبي صلى الله عليه وسلم طاهرة كما جزم به البغوي وغيره وصححه القاضي وغيره وأفتى به شيخي خلافا لما في الشرح الصغير والتحقيق من النجاسة لأن بركة الحبشية شربت بوله صلى الله عليه وسلم فقال لن تلج النار بطنك صححه الدارقطني

وقال أبو جعفر الترمذي دم النبي صلى الله عليه وسلم طاهر لأن أبا طيبة شربه وفعل مثل ذلك ابن الزبير وهو غلام حين أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم دم حجامته ليدفنه فشربه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من خالط دمه دمي لم تمسه النار

واختلف المتأخرون في حصاة تخرج عقب البول في بعض الأحيان وتسمى عند العامة بالحصية هل هي نجسة أو متنجسة تطهر بالغسل والذي يظهر فيها ما قال بعضهم وهو إن أخبر طبيب عدل بأنها منعقدة من البول فهي نجسة وإلا فمتنجسة

( وكذا مني غير الآدمي )


80

ونحو الكلب ( في الأصح ) كسائر المستحيلات

أما مني نحو الكلب فنجس بلا خلاف

وأما مني الآدمي فطاهر على الأظهر لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تحك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي فيه متفق عليه وفي رواية كنت أحكه من ثوبه وهو يصلي فيه رواها ابنا خزيمة وحبان في صحيحهما

ومعلوم أن هذا إنما يأتي على القول بنجاسة فضلاته صلى الله عليه وسلم أما على القول بطهارتها فلا ينهض ذلك دليلا على الخصم فلعله يقول به

والثاني وأنه نجس مطلقا لأنه يستحيل في الباطن فأشبه الدم

والثالث أن مني المرأة نجس بناء على نجاسة رطوبة فرجها وألحق مني الخنثى بمني المرأة على هذا القول

ولو بال الرجل ولم يغسل ذكره تنجس منيه وإن استنجى بالحجر بملاقاة المنفذ لا أن مجراهما واحد كما قيل فقد حكى القاضي أبو الطيب أنه قد شق ذكر بالروم فوجد مختلفا ولو ثبت اتحادهما لم تلزم النجاسة لأن تلاقيهما في الباطن لا يؤثر وإنما يؤثر تلاقيهما في الظاهر

ولو استنجت المرأة بالأحجار ثم جامعها الرجل فمنيهما متنجس ويحرم عليه ذلك لأنه ينجس ذكره

وينجس دود منيه وحب روث وقيء فيه قوة الإنبات وإلا فنجس العين كما عرف مما مر قلت الأصح طهارة مني غيرالكلب والخنزير وفرع أحدهما والله أعلم لأنه أصل حيوان طاهر فأشبه مني الآدمي

ويستحب غسل المني كما في المجموع للأخبار الصحيحة فيه وخروجا من الخلاف

والثاني أنه طاهر من المأكول نجس من غيره كلبنه والبيض المأخوذ من حيوان طاهر ولو من غير مأكول طاهر وكذا المأخوذ من ميتة إن تصلب

وبزر القز وهو البيض الذي يخرج منه دود القز ولو استحالت البيضة دما فهي طاهرة على ما صححه المصنف في تنقيحه هنا وصحح في شروط الصلاة منه وفي التحقيق وغيره أنها نجسة قال شيخنا وهو ظاهر على القول بنجاسة مني غير الآدمي وأما على غيره فالأوجه حمله على ما إذا لم يستحل حيوانا والأول على خلافه

فائدة يقال مذرت البيضة بالذال المعجمة إذا فسدت وفي الحديث شر النساء المذرة الوذرة أي الفاسدة التي لا تستحي عند الجماع

ولبن ما لا يؤكل غير لبن الآدمي كلبن الأتان لأنه يستحيل في الباطن كالدم

أما لبن ما يؤكل لحمه كلبن الفرس وإن ولدت بغلا فطاهر قال تعالى لبنا خالصا سائغا للشاربين وكذا لبن الآدمي إذ لا يليق بكرامته أن يكون منشؤه نجسا

وكلامهم شامل للبن الميتة وبه صرح في المجموع نقلا عن الروياني قال لأنه في إناء طاهر ولبن الذكر والصغيرة وهو المعتمد الموافق لتعبير الصيمري بقوله ألبان الآدميين والآدميات لم يختلف المذهب في طهارتها وجواز بيعها وقال الزركشي إنه الصواب

وقول القاضي أبي الطيب و ابن الصباغ لبن الميتة والذكر نجس مفرع على نجاسة ميتة الآدمي كما أفاده الروياني

ولو خرج اللبن على لون الدم فالقياس طهارته كما لو خرج المني على هيئة الدم هذا إذا كانت خواص اللبن موجودة فيه كما قاله في الخادم

والإنفحة وهي بكسر الهمزة وفتح الفاء وتخفيف الحاء على الأفصح لبن في جوف نحو سخلة في جلدة تسمى إنفحة أيضا إن أخذت من حيوان مأكول بعد ذبحه لم يطعم غير اللبن طاهرة للحاجة إليها في عمل الجبن بخلاف ما إذا أخذت من ميت أو من مذبوح أكل غير اللبن على الأصل في المستحيلات في الباطن

وقول الزركشي أو أكل لبنا نجسا كلبن أتان مخالف لكلامهم قال شيخي لأن الباطن يحيل ما يدخله بمجرد وصوله إليه فلا فرق بين النجس وغيرها

وهل يقال إن البهيمة إذا طعمت شيئا للتداوي لا يضر ذلك في طهارة الإنفحة كما قالوا في الصبي الذي لم يطعم غير اللبن أن ذلك لا يضر في أجزاء الرش من بوله أو لا الظاهر الثاني لأنها تصير بذلك كرشا لا إنفحة ولذلك لم يقيد سنها بالحولين كالصبي لأن المعول فيه على التغذي وعدمه وشربه بعد الحولين يسمى تغذيا والمعول عليه فيها ما يسمى إنفحة وهي ما دامت تشرب اللبن لا تخرج عن ذلك

( والجزء المنفصل من ) الحيوان ( الحي ) ومشيمته ( كميتته ) أي ذلك الحي إن طاهرا فطاهر وإن نجسا فنجس لخبر ما قطع من حي فهو ميتة رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين

فالمنفصل من الآدمي أو السمك أو الجراد طاهر ومن غيرها نجس وسواء في المشيمة وهي غلاف الوالد مشيمة الآدمي وغيره

( إلا شعر ) أو صوف أو ريش أو وبر ( المأكول فطاهر ) بالإجماع ولو نتف منها أو انتتف قال تعالى ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا أما المنفصل


81

منه بعد موته فحكمه حكم ميتة بلا شك ومتاعا إلى حين وهو محمول على ما إذا أخذ بعد التذكية أو في الحياة كما هو المعهود وذلك مخصص للخبر السابق

أما المنفصل من غير المأكول كالحمار الأهلي فنجس ولو شككنا فيما ذكر هل انفصل من طاهر أو من نجس حكمنا بطهارته لأن الأصل الطهارة وشككنا في النجاسة والأصل عدمها بخلاف ما لو رأينا قطعة لحم وشككنا هل هي من مذكاة أو لا لأن الأصل عدم التذكية

والشعر على العضو المبان نجس إن كان العضو نجسا تبعا له وشعر المأكول المنتتف الطالع بأصوله من الجلد في حال حياته طاهر فإن انفصل أصله مع شيء مما نبت فيه من الجلد وفيهما رطوبة قال شيخي فهو متنجس يطهر بغسله

( وليست العلقة ) وهي الدم الغليظ المستحيل من الدم في الرحم سميت بذلك لأنها تعلق لرطوبتها بما تمر عليه ( والمضغة ) وهي العلقة تستحيل فتصير قطعة لحم وسميت بذلك لأنها صغيرة بقدر ما يمضغ قاله الزمخشري

( ورطوبة الفرج ) من حيوان طاهر ولو غير مأكول من آدمي أو غيره

( بنجس ) بفتح الجيم ( في الأصح ) بل طاهرة لأن الأولين أصل حيوان طاهر كالمني والثالث كعرقه والقائل بالنجاسة يلحق الأولى بالدم والثانية بالميتة ويقول الثالثة متولدة من محل النجاسة ينجس بها ذكر المجامع والبيض الخارج من المحل فيجب غسل الذكر وغسل البيض ولا يجب غسل الولد إجماعا

قال في المجموع ورطوبة الفرج ماء أبيض متردد بين المذي والعرق وأما الرطوبة الخارجة من باطن الفرج فنجسة وظاهر كلامه أنه لا فرق بين اللاصقة لقلتها وبين غيرها وهو كذلك وإن قيدها في الأنوار باللاصقة وسكت عليه في شرح التنبيه

والشارح قيد الثلاثة بكونها من الآدمي ليفيد به مع قوله آخر المقالة والثلاثة من غير الآدمي أولى بالنجاسة أن الخلاف في الثلاثة جار سواء أكانت من الآدمي أم من غيره وأن مقابل الأصح في الثلاثة من غير الآدمي أقوى من مقابله فيها من الآدمي لأن الحكم مختلف بين الآدمي وغيره من الحيوانات الطاهرة فلا يخالف ما قررته بل كان ينبغي للمصنف على إصلاحه أن يعبر في رطوبة الفرج بالأظهر لأن الخلاف فيها قولان منصوصان

فرع دخان النجاسة

نجس يعفى عن قليله وعن يسيره عرفا من شعر نجس من غير نحو كلب ويعفى عن كثيره من مركوب لعسر الاحتراز عنه

أما شعر نحو الكلب فلا يعفى عن شيء منه ويعفى عن روث سمك فلا ينجس الماء لتعذر الاحتراز عنه ما لم يغيره فإن غيره نجسه

وبخار النجاسة إن تصاعد بواسطة نار نجس لأن أجزاء النجاسة تفصلها النار بقوتها فيعفى عن قليله وإلا بأن كان كالبخار الخارج من نجاسة الكنيف فطاهر كالريح الخارج من الدبر كالجشاء وبهذا جمع بعضهم بين كلامي من أطلق الطهارة كبعض المتأخرين وبين من أطلق النجاسة

وقال الحليمي إذا خرج من الإنسان ريح وكانت ثيابه مبلولة تنجست وإن كانت يابسة فلا قال وكذلك دخان كل نجاسة أصاب شيئا رطبا كما إذا دخل اصطبلا راثت فيه دواب وتصاعد دخانه فإن أصاب رطبا نجسه اه

والأوجه الجمع

ولما يغلب ترشحه كالدمع والعرق والمخاط واللعاب حكم حيوانه طهارة ونجاسة لخبر مسلم أنه صلى الله عليه وسلم ركب فرسا معرورا وركضه ولم يجتنب عرقه ويقاس به غيره مما في معناه والزرع النابت على نجاسة طاهر العين ويطهر ظاهره بالغسل وإذا سنبل فحبه طاهر بلا غسل وكذا القثاء ونحوها وأغصان شجرة سقيت بماء نجس وثمرها

( ولا يطهر نجس العين ) بغسل ولا باستحالة كالكلب إذا وقع في ملاحة فصار ملحا أو احترق فصار رمادا أما المتنجس فسيأتي

( إلا ) شيئان أحدهما ( خمر ) ولو غير محترمة ( تخللت ) بنفسها فتطهر لأن علة النجاسة والتحريم الإسكار وقد زال ولأن العصير غالبا لا يتخلل إلا بعد التخمر

فلو لم نقل بالطهارة لتعذر إيجاد حل الخل وهو حلال إجماعا ويطهر دنها معها وإن غلت حتى ارتفعت وتنجس بها ما فوقها منه ويشرب منها للضرورة

( وكذا إن نقلت من شمس إلى ظل وعكسه ) وإن كان لأجل الخلل أو فتح رأس الدن لزوال الشدة من غير نجاسة خلفتها تطهر ( في الأصح ) لما مر

والثاني لا تطهر لما سيأتي

( فإن خللت بطرح شيء ) فيها كالبصل والخبز الحار ولو قبل التخلل ( فلا )


82

تطهر لتنجس المطروح بها فينجسها بعد انقلابها خلا وقيل لاستعجاله بالمعالجة المحرمة فعوقب بضد قصده وينبغي على العلتين الخلاف في مسألة النقل المذكورة

فإن قيل لو عبر بالوقوع بدل الطرح لكان أولى لئلا يرد عليه ما لو وقع فيها شيء بغير طرح كإلفاء ريح فإنها لا تطهر معه على الأصح

أجيب بأنه إنما ذكر ذلك لأجل الخلاف القائل بالمعالجة المحرمة وإن كان الحكم فيما ذكر كذلك

نعم لو عصر العنب ووقع منه بعض حبات في عصيره لم يمكن الاحتراز عنها ينبغي أنها لا تضر ولو نزع العين الطاهرة منها قبل التخلل لم يضر لفقد العلة بخلاف العين النجسة لأن النجس يقبل التنجيس فلا يطهر بالتخلل ولو ارتفعت بلا غليان بل بفعل فاعل لم يطهر الدن إذ لا ضرورة ولا الخل لاتصالها بالمرتفع النجس

فلو غمر المرتفع بخمر طهرت بالتخلل ولو بعد جفافه خلافا للبغوي في تقييده بقبل الجفاف ولو نقلت من دن إلى آخر طهرت بالتخلل بخلاف ما لو أخرجت منه ثم صب فيه عصير فتخمر ثم تخلل

والخمر هي المشتدة من ماء العنب كما مر

ويؤخذ من الاقتصار عليها أن النبيذ وهو المتخذ من غير العنب كالتمر لا يطهر بالتخلل وبه صرح القاضي أبو الطيب لتنجس الماء به حالة الاشتداد فينجسه بعد الانقلاب خلا

وقال البغوي يطهر واختاره السبكي لأن الماء من ضرورته وهذا هو المعتمد

ويدل له ما صرحوا به في باب الربا من أنه لو باع خل تمر بخل عنب أو خل زبيب بخل غالب رطب صح ولو اختلط عصير بخل مغلوب ضر لأنه لقلة الخل فيه يتخمر فيتنجس به بعد تخلله أو بخل غالب فلا يضر لأن الأصل والظاهر عدم التخمر وأما المساوي فينبغي إلحاقه بالخل الغالب لما ذكر

فائدة قال الحليمي قد يصير العصير خلا من غير تخمر في ثلاث صور إحداها أن يصب في الدن المعتق بالخل

ثانيها أن يصب الخل في العصير فيصير بمخالطته خلا من غير تخمر لكن محله كما علم مما مر أن لا يكون العصير غالبا

ثالثها إذا تجردت حبات العنب من عناقيده ويملأ منها الدن ويطين رأسه ويجوز إمساك ظروف الخمر والانتفاع بها واستعمالها إذا غسلت وإمساك المحترمة لتصير خلا وغير المحترمة يجب إراقتها فلو لم يرقها فتخللت طهرت على الصحيح كما مر

( و ) ثانيهما ( جلد نجس بالموت ) ولو من غير مأكول ( فيطهر بدبغه ) يعني باندباغه ولو بإلقاء الدابغ عليه بنحو ريح أو إلقائه على الدابغ كذلك

( ظاهره ) وهو ما لاقى الدابغ لقوله صلى الله عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر رواه مسلم وفيه وفي البخاري هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به

( وكذا باطنه ) وهو ما لم يلاق الدابغ ( على المشهور ) لظاهر الخبرين المتقدمين

والثاني يقول آلة الدبغ لا تصل إلى الباطن ودفع بأنها تصل إليه بواسطة الماء أو رطوبة الجلد فعلى الثاني لا يصلى فيه ولا يباع ولا يستعمل في الشيء الرطب

وأما على الأول فهو كالثوب المتنجس كما سيأتي

وخرج بالجلد الشعر لعدم تأثره بالدبغ ويؤخذ مما مر من أنه يطهر بالدبغ باطن الجلد أنه لو نتف الشعر بعد الدبغ صار موضعه متنجسا يطهر بالغسل وهو كذلك

قال المصنف ويعفى عن قليله فيطهر تبعا

واستشكله الزركشي بأن ما لا يتأثر بالدبغ كيف يطهر قليله وأجاب بأن قوله يطهر أي يعطى حكم الطاهر اه

وهذا مأخوذ من قوله ويعفى وهذا هو الظاهر

وبعضهم وجه كلام المصنف بأنه يطهر تبعا للمشقة وقال السبكي الذي اختاره وأفتي به أن الشعر يطهر مطلقا لخبر في صحيح مسلم اه

وينجس بالموت جلد نحو الكلب فإنه لا يطهر بالدباغ لأن الحياة في إفادة الطهارة أبلغ من الدبغ والحياة لا تقيد طهارته

( والدبغ نزع فضوله ) وهي مائيته ورطوباته التي يفسده بقاؤها ويطيبه نزعها بحيث لو تقع في الماء لم يعد إليه النتن والفساد

وذلك إنما يحصل ( بحريف ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الراء ما يحرف الفم أي يلذع اللسان بحرافته قاله الجوهري كالقرظ والعفص وقشور الرمان والشث بالمثلثة وهو شجر مر الطعم طيب الريح يدبغ به والشب بالموحدة من جواهر الأرض معروف يشبه الزاج يدبغ به أيضا ولا فرق في ذلك بين الطاهر كما مر والنجس كذرق الطيور

( لا شمس وتراب ) وتجميد وتمليح مما لا ينزع الفضول وإن جف الجلد وطابت رائحته لأن الفضلات لم تزل وإنما جمدت بدليل أنه لو تقع في الماء عادت إليه العفونة

( ولا يجب الماء في أثنائه ) أي


83

الدبغ ( في الأصح ) تغليبا لمعنى الإحالة ولحديث مسلم إذا دبغ الإهاب فقد طهر

والثاني يجب تغليبا لمعنى الإزالة ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر يطهرها أي الإهاب الماء والقرظ وحمله الأول على الندب

والخلاف مبني على أن الدباغ إحالة فلا يشترط وهو الأصح أو إزالة فيشترط

( و ) يصير ( المدبوغ ) والمندبغ ( كثوب نجس ) أي متنجس لملاقاته للأدوية النجسة أو التي تنجست به قبل طهر عينه فيجب غسله لذلك

وإذا أوجبنا الماء في أثناء الدباغ فلم يستعمله فإنه يكون نجس العين وعلى هذا هل يطهر بمجرد نقعه في الماء أو لا بد من استعمال الأدوية ثانيا وجهان أصحهما في زيادة الروضة الثاني والمراد نقعه في ماء كثير

وإذا لم نوجبه فيصلي فيه بعد غسله ويجوز بيعه وإن لم يغسله ما لم يمنع من ذلك مانع

ولا يحل أكله سواء أكان من مأكول اللحم أم من غيره لخبر الصحيحين إنما حرم من الميتة أكلها

فإن قيل يرد على حصر المصنف فيما ذكره المسك واللبن والمني فإنها كانت دما نجس العين وصارت طاهرة

أجيب بأن أصلها لا يحكم عليه بالنجاسة ما دام في الجوف وما لم يتصل بخارج ويطهر كل نجس استحال حيوانا كدم بيضة استحال فرخا على القول بنجاسته ولو كان دود كلب لأن للحياة أثرا بينا في دفع النجاسة ولهذا تطرأ بزوالها ولأن الدود متولد فيه لا منه ولو صار الزبل المختلط بالتراب على هيئة التراب لطول الزمان لم يطهر

ثم اعلم أن النجاسة إما مغلظة أو مخففة أو متوسطة وقد ذكرها المصنف على هذا الترتيب فبدأ بأولها فقال ( وما نجس ) من جامد ولو بعضا من صيد أو غيره ( بملاقاة شيء من كلب ) سواء في ذلك لعابه وبوله وسائر رطوباته وأجزائه الجافة إذا لاقت رطبا

( غسل سبعا إحداهن ) في غير أرض ترابية ( بتراب ) طهور يعم محل النجاسة بأن يكون قدرا يكدر الماء ويصل بواسطته إلى جميع أجزاء المحل

ولا بد من مزجه بالماء إما قبل وضعهما على المحل أو بعده بأن يوضعا ولو مرتين ثم يمزجا قبل الغسل وإن كان المحل رطبا إذ الطهور الوارد على المحل باق على طهوريته خلافا للإسنوي في اشتراط المزج قبل الوضع على المحل

والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم وإذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات أولاهن بالتراب رواه مسلم وفي رواية له وعفروه الثامنة بالتراب أي بأن يصاحب السابعة كما في رواية أبي داود السابعة بالتراب

وفي رواية صححها الترمذي أولاهن أو أخراهن بالتراب

وبين روايتي مسلم تعارض في محل التراب فيتساقطان في تعيين محله ويكتفي بوجوده في واحد من السبع كما في رواية الدارقطني إحداهن بالبطحاء فنص على اللعاب وألحق به ما سواه لأن لعابه أشرف فضلاته وإذا ثبتت نجاسته فغيره من بول وروث وعرق ونحو ذلك أولى

وفي وجه أن غير لعابه كسائر النجاسات اقتصارا على محل النص لخروجه عن القياس

وإذا لم تزل النجاسة إلا بست غسلات مثلا حسبت واحدة كما صححه المصنف خلافا لما صححه الرافعي من أنها ست وإن قواه الإسنوي

ولو أكل لحم نحو كلب لم يجب تسبيع محل الاستنجاء كما نقله الروياني عن النص

فرع حمام غسل داخله كلب

ولم يعهد تطهيره واستمر الناس على دخوله والاغتسال فيه مدة طويلة وانتشرت النجاسة إلى حصر الحمام وفوطه ونحو ذلك فما تيقن إصابة شيء له من ذلك فنجس وإلا فطاهر لأنا لا ننجس بالشك

ويطهر الحمام بمرور الماء عليه سبع مرات إحداهن بطفل مما يغتسل به فيه لأن الطفل يحصل به التتريب كما صرح به جماعة

ولو مضت مدة يحتمل أنه مر عليه ذلك ولو بواسطة الطير الذي في نعال داخليه لم يحكم بنجاسته كما في الهرة إذا أكلت نجاسة ثم غابت غيبة يحتمل فيها طهارة فمها

( وإلا ظهر تعين التراب ) ولو غبار رمل وإن أفسد الثوب جمعا بين نوعي الطهور فلا يكفي غيره كأشنان وصابون

والثاني لا يتعين ويقوم ما ذكر ونحوه مقامه وجرى عليه صاحب التنبيه

والثالث يقوم مقامه عند فقده للضرورة ولا يقوم عند وجوده وقيل يقوم مقامه فيما يفسده التراب كالثياب دون ما لا يفسده

( و ) الأظهر ( أن الخنزير ككلب ) وكذا ما تولد منهما أو من أحدهما مع حيوان طاهر لأن الخنزير أسوأ حالا من الكلب كما مر وللمتولد حكم أصله لأنه يتبع أخسهما في النجاسة كما سلف

والثاني يكفي لذلك الغسل مرة من غير


84

تراب كغيره من النجاسات لأن الوارد في الكلب وما ذكر لا يسمى كلبا

ويسن جعل التراب في غير الأخيرة والأولى أولى لعدم احتياجه بعد ذلك إلى تتريب ما يترشش من جميع الغسلات

فروع لو تعدد نحو الكلب وولغ في الإناء أو ولغ فيه واحد مرارا كفى له سبع مرات إحداها بالتراب وقيل لكل واحد سبع وقيل إن تكرر من واحد كفى سبع وإلا فلكل سبع

ولو لاقى محل التنجس مما ذكر نجسا آخر كفى له ذلك ولو انغمس الإناء المتنجس منه في ماء كثير راكد حسب مرة وإن مكث فإن حرك فيه سبع مرات ولو لم يظهر منه شيء بأن حرك داخل الماء حسبت سبعا أو في جار وجرى على المحل سبع جريات حسبت سبعا

ولو كان في إناء ماء كثير فولغ فيه نحو الكلب ولم ينقص بولوغه عن قلتين لم ينجس الماء ولا الإناء إن لم يكن أصاب جرمه الذي لم يصله الماء مع رطوبة أحدهما قاله في المجموع وقضيته أنه لو أصاب ما وصله الماء مما هو فيه لم ينجس وتكون كثرة الماء مانعة من تنجسه وبه صرح الإمام وغيره وهو مقيد لمفهوم قول التحقيق لم ينجس الإناء إن لم يصب جرمه ولو ولغ في إناء فيه ماء قليل ثم كوثر حتى بلغ قلتين طهر الماء دون الإناء كما نقله البغوي في تهذيبه عن ابن الحداد وأقره وجزم به جمع وصحح الإمام طهارته لأنه صار إلى حالة لو كان عليها حالة الولوغ لم ينجس وتبعه ابن عبد السلام و الدميري

والأول أوجه

وهل تجب إراقة الماء الذي تنجس بولوغه أو تندب فيه وجهان أصحهما الثاني وحديث الأمر بإراقته محمول على من أراد استعمال الإناء أو أدخل رأسه في إناء فيه ماء قليل فإن خرج فمه جافا لم يحكم بنجاسته أو رطبا فكذا في أصح الوجهين عملا بالأصل ورطوبته يحتمل أنها من لعابه

( ولا يكفي تراب ) مستعمل في حدث أو خبث ولا ( نجس ) في الأصح كما لا يكفي ذلك في التيمم ولأن النجس لا يزيل نجاسة

والثاني يكفي كالدباغ بالشيء النجس والمستعمل أولى منه

( ولا ) يكفي ( ممزوج بمائع ) كخل ( في الأصح ) لتنصيص الحديث على أنه يغسله سبعا والمراد من الماء بدليل أنه لا خلاف أنه لا يجزيء الخل في غير مرة التراب

نعم لو مزج الماء بالتراب بعد مزجه بغيره ولم يتغير الماء بذلك تغيرا فاحشا كفى والثاني يكفي التراب الممزوج بالمائع لأن المقصود من تلك الغسلة إنما هو التراب

ولا يجب تتريب أرض ترابية إذ لا معنى لتتريب التراب فيكفي تسبيعها بماء وحده ولو أصاب ثوبا مثلا منها شيء قبل تمام السبع هل يجب تتريبه لأنه إنما لم يجب في الأرض للمعنى المتقدم أو لا يجب قياسا على ما لو أصابه من غير الأرض بعد تتريبه اختلف فيه إفتاء شيخي فأفتى أولا بالثاني وثانيا بالأول واستمر عليه

وما أفتى به أولا هو الظاهر وإن كنت مشيت على ما أفتى به ثانيا في شرح التنبيه لأن حكم المتنقل حكم المتنقل عنه

ثم شرع في القسم الثاني من النجاسة وهي المخففة فقال ( وما تنجس ) من جامد ( ببول صبي لم يطعم ) بفتح الياء أي يتناول قبل مضي حولين ( غير لبن ) للتغذي ( نضح ) بضاد معجمة وحاء مهملة وقيل معجمة أيضا ولو كان اللبن من غير آدمي أو من غير طاهر خلافا للأذرعي في الأولى من التخصيص بلبن المرضع و للزركشي في الثانية من أنه يغسل من النجس والمتنجس قياسا منه على لبن الأنفحة وقد تقدم ما فيه بأن يرش عليه ماء يعمه ويغلبه بلا سيلان بخلاف الصبية والخنثى لا بد في بولهما من الغسل على الأصل ويتحقق بالسيلان وذلك لخبر الشيخين عن أم قيس أنها جاءت بابن لها صغير لم يأكل الطعام فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فبال عليه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله ولخبر الترمذي وحسنه يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام وفرق بينهما بأن الائتلاف بحمل الصبي أكثر فخفف في بوله وبأن بوله أرق من بولها فلا يلصق بالمحل لصوق بولها به وألحق بها الخنثى وبأن بول الصبي من ماء وطين وبولها من لحم ودم لأن حواء خلقت من ضلع آدم القصير

رواه ابن ماجة في سننه عن الشافعي

وقيل لما كان بلوغ الغلام بمائع طاهر وهو المني وبلوغها بمائع كذلك وبنجس وهو الحيض جاز أن يفترقا في حكم طهارة البول قاله الماوردي

ونظر بعضهم في الفرق الثالث بأن المخلوق من تراب هو آدم ومن ضلع هي حواء وأما من بعدهما فالكل مخلوق من نطفة ومتغذ بدم الحيض فكيف يقال يرجع إلى الأصل وخرج بقيد التغذي تحنيكه بنحو تمر وتناوله نحو سفوف لإصلاح فلا


85

5 يمنعان النضح كما في المجموع

وبقبل مضي الحولين ما بعدهما إذ اللبن حينئذ كالطعام كما نقل عن النص

ولا بد مع النضح من إزالة أوصافه كبقية النجاسات وإنما سكتوا عن ذلك لأن الغالب سهولة زوالها خلافا للزركشي من أن بقاء اللون والريح لا يضر

ثم شرع في القسم الثالث من النجاسة وهي المتوسطة فقال ( وما تنجس بغيرهما ) أي الكلب ونحوه وبول الصبي المذكور ( إن لم تكن عين ) أي عينية بأن كانت حكمية وهي ما تيقن وجودها ولا يدرك لها طعم ولا لون ولا ريح

( كفى جري الماء ) على ذلك المحل إذ ليس ثم ما يزال

والمراد بالجري وصول الماء إلى المحل بحيث يسيل عليه زائدا على النضح

ولو عبر بما قدرته لكان أولى وأقرب إلى مراده إذ لا يلزم من نفي العين نفي الأثر

( وإن كانت ) عينية ( وجب ) بعد زوال عينها ( إزالة الطعم ) وإن عسر لأن بقاءه يدل على بقاء العين ووجب محاولة إزالة غيره

( ولا يضر بقاء لون ) كلون الدم ( أو ريح ) كرائحة الخمر ( عسر زواله ) فيطهر للمشقة بخلاف ما إذا سهل فيضر بقاؤه لدلالة ذلك على بقاء العين

( وفي الريح قول ) أنه يضر بقاؤه كسهل الزوال

قال في البسيط هذا في رائحة تدرك عند شم الثوب دون ما يدرك في الهواء وفي اللون وجه كذلك فترتكب المشقة في زوالهما

( قلت فإن بقيا ) بمحل واحد ( معا ضرا على الصحيح والله أعلم ) لقوة دلالتهما على بقاء العين

والثاني لا يضر لاغتفارهما منفردين فكذا مجتمعين والعسر من زوال ريح المغلظة أو لونها كغيرها كما يؤخذ من عموم كلامهم وإن قال الزركشي ينبغي خلافه

ولا تجب الاستعانة في زوال الأثر بغير الماء كصابون وحت بالمثناة وقرص بالمهملة بل تسن إلا إذا تعينت بأن لم يزل إلا بها وعلى هذا حمل الزركشي ما صححه المصنف في التحقيق والتنقيح من إطلاق وجوب الاستعانة

فرع ماء نقل من البحر

فوضع في زبل فوجد فيه طعم زبل أو لونه أو رائحته حكم بنجاسته كما قاله البغوي في تعليقه ولا يشكل عليه قولهم ولا يحد بريح الخمر لوضوح الفرق وإن احتمل أن يكون ذلك من قربه جيفة لم يحكم بنجاسته

ونظير ذلك ما مر من أنه لو رأى في فراشه أو ثوبه منيا فإنه إن احتمل أن يكون من غيره لم يجب عليه الغسل وإلا وجب

( ويشترط ورود الماء ) على المحل إن كان قليلا في الأصح لئلا يتنجس الماء لو عكس لما علم مما سلف أنه ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه

والثاني وهو قول ابن سريج لا يشترط لأنه إذا قصد بالغمس في الماء القليل إزالة النجاسة طهر كما لو كان الماء واردا بخلاف ما إذا ألقته الريح

( لا العصر ) له ( في الأصح ) أي فيما يمكن عصره إذ البلل بعض المنفصل وقد فرض طهره

والخلاف مبني كما نبه عليه في المحرر على أن الغسالة طاهرة أو نجسة إن طهرناها لم يجب وإلا وجب أما ما لا يمكن عصره فلا يشترط بلا خلاف

ويسن عصر ما يمكن عصره خروجا من الخلاف

( والأظهر طهارة غسالة ) قليلة ( تنفصل بلا تغير وقد طهر المحل ) لأن البلل الباقي على المحل هو بعض المنفصل فلو كان المنفصل نجسا لكان المحل كذلك فيكون المنفصل طاهرا لا طهورا لأنه مستعمل في خبث

والثاني أنها نجسة لانتقال المنع إليها فإن انفصلت متغيرة أو غير متغيرة ولم يطهر المحل فنجسة قطعا وزيادة وزنها بعد اعتبار ما يأخذه المحل من الماء ويعطيه من الوسخ الطاهر كالتغير

ويحكم بنجاسة المحل فيما إذا انفصلت متغيرة أو زائدة الوزن لأن البلل الباقي على المحل هو بعض ما انفصل كما مر

أما الكثيرة فطاهرة ما لم تتغير وإن لم يطهر المحل كما علم مما مر في باب الطهارة

ويطهر بالغسل مصبوغ بمتنجس انفصل عنه ولم يزد المصبوغ وزنا بعد الغسل على وزنه قبل الصبغ وإن بقي اللون لعسر زواله فإن زاد وزنه ضر فإن لم ينفصل عنه لتعقده به لم يطهر لبقاء النجاسة فيه

والصقيل من سيف وسكين ونحوهما كغيره فلا يكفي مسحه بل لا بد من غسله

ولو صب على موضع نحو بول أو خمر من أرض ماء غمره طهر ولو لم يغمر أما إذا صب على نفس نحو البول فإنه لا يطهر لما علم مما مر أن شرط طهارة الغسالة أن لا يزيد وزنها ومعلوم أن هذا يزيد وزنه

واللبن بكسر


86

الموحدة إن خالط نجاسة جامدة كالروث لم يطهر وإن طبخ بأن صار آجرا لعين النجاسة

وإن خالطه غيرها كالبول طهر ظاهره بالغسل وكذا باطنه إن نقع في الماء ولو مطبوخا إن كان رخوا يصله الماء كالعجين أو مدقوقا بحيث يصير ترابا ولو سقيت سكين أو طبخ لحم بماء نجس كفى غسلهما ولا يحتاج إلى سقي السكين وإغلاء اللحم بالماء ولا إلى عصره على الأصح

فإن قيل لما اكتفي بغسل ظاهر السكين ولم يكتف بذلك في الآجر أجيب بأنه إنما لم يكتف بالماء في الآجر لأن الانتفاع به متأت من غير ملابسة له فلا حاجة للحكم بطهارة باطنه من غير إيصال الماء إليه بخلاف السكين

ويطهر الزئبق المتنجس بغسل ظاهره إن لم يتخلل بين تنجسه وغسله تقطع وإلا لم يطهر كالدهن لأنه لا ينقطع عند ملاقاة الماء على الوجه الذي يتقطع عند إصابة النجاسة ولا ينجس إلا بتوسط رطوبة لأنه جاف فلو وقع فيه فأرة فماتت ولا رطوبة لم ينجس

قاله ابن القطان ويكفي غسل موضع نجاسة وقعت على ثوب ولو عقب عصره ولا يجب غسل جميعه وكذا لو صب ماء على مكانها وانتشر حولها فلا يحكم بنجاسة محل الانتشار لأن الماء الوارد على النجاسة طهور ما لم يتغير ولم ينفصل لقوته لكونه فاعلا فإن تغير تنجس كما مر وإذا كان طهورا فيما ذكر فإذا أداره في الإناء طهر

( ولو نجس مائع ) غير الماء ولو دهنا ( تعذر تطهيره ) إذ لا يأتي الماء على كله لأنه بطبعه يمنع إصابة الماء

( وقيل يطهر الدهن بغسله ) قياسا على الثوب النجس

وكيفية تطهيره كما ذكره في المجموع أن يصب الماء عليه ويكاثره ثم يحركه بخشبة ونحوها بحيث يظن وصوله لجميعه ثم يترك ليعلو ثم يثقب أسفله فإذا خرج الماء سد

قال في الكفاية ومحل الخلاف فيما إذا تنجس الدهن بما لا دهنية فيه كالبول فإن تنجس بما له دهنية كودك الميتة لم يطهر بلا خلاف

ودليل الأول خبر أبي داود وغيره أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تموت في السمن فقال إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه وفي رواية للخطابي فأريقوه

فلو أمكن تطهيره شرعا لم يقل فيه ذلك لما فيه من إضاعة المال

والجامد هو الذي إذا أخذ منه قطعة لا يتراد من الباقي ما يملأ محلها عن قرب والمائع بخلافه ذكره في المجموع

خاتمة يندب أن يغسل غسلتين بعد الغسلة المزيلة لعين النجاسة لتكمل الثلاث فإن المزيلة للنجاسة واحدة وإن تعددت كما مر في غسلات الكلب لاستحباب ذلك عند الشك في النجاسة في حديث إذا استيقظ أحدكم من نومه فعند تحققها أولى

وشمل في ذلك المغلظة وبه صرح صاحب الشامل الصغير فيندب مرتان بعد طهرها

وقال الجبلي في بحر الفتاوى في نشر الحاوي لا يندب ذلك لأن المكبر لا يكبر كما أن المصغر لا يصغر أي فتثلث النجاسة المخففة دون المغلظة وهذا أوجه

وعلم مما تقرر أن النجاسة لا يشترط في إزالتها نية بخلاف طهارة الحدث لأنها عبادة كسائر العبادات وهذا من باب التروك كترك الزنا والغصب

وإنما وجبت في الصوم مع أنه من باب التروك لأنه لما كان مقصودا لقمع الشهوة ومخالفة الهوى التحق بالفعل

ويجب أن يبادر بغسل المتنجس عاص بالتنجيس كأن استعمل النجاسة في بدنه بغير عذر خروجا من المعصية وإن لم يكن عاصيا به فلنحو الصلاة ويندب أن يعجل به فيما عدا ذلك

وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين المغلظة وغيرها وهو كذلك وإن قال الزركشي ينبغي وجوب المبادرة بالمغلظة مطلقا قال الإسنوي والعاصي بالجنابة يحتمل إلحاقه بالعاصي بالتنجيس والمتجه خلافه لأن الذي عصى به هنا متلبس به بخلافه ثم وإذا غسل فمه المتنجس فليبالغ في الغرغرة ليغسل كل ما في حد الظاهر ولا يبلع طعاما ولا شرابا قبل غسله لئلا يكون آكلا للنجاسة نقله في المجموع عن الشيخ أبي محمد الجويني وأقره

ويغسل من رشاش غسلات الكلبية ستا إن أصابته في الأولى وإلا فالباقي من السبع والمراد بغسلات النجاسة ما استعمل في واجب الإزالة أما المستعمل في مندوبها فطهور وما غسل به نجاسة معفو عنها كقليل الدم فالظاهر كما قال ابن النقيب أنه كغسالة الواجب

باب التيمم

هو لغة القصد يقال تيممت فلانا ويممته وتأممته وأممته أي قصدته ومنه قوله تعالى ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون


87

وقول الشاعر فما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني وشرعا إيصال التراب إلى الوجه واليدين بدلا عن الوضوء والغسل أو عضو منهما بشرائط مخصوصة

وخصت به هذه الأمة والأكثرون على أنه فرض سنة ست من الهجرة

وهو رخصة وقيل عزيمة وبه جزم الشيخ أبو حامد قال والرخصة إنما هي إسقاط القضاء وقيل إن تيمم لفقد الماء فعزيمة أو لعذر فرخصة

ومن فوائد الخلاف ما لو تيمم في سفر معصية لفقد الماء فإن قلنا رخصة وجب القضاء وإلا فلا قاله في الكفاية

وأجمعوا على أنه مختص بالوجه واليدين وإن كان الحدث أكبر

والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى وإن كنتم مرضى أو على سفر إلى قوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا أي ترابا طهورا وقيل ترابا حلالا

وخبر مسلم جعلت لنا الأرض كلها مسجدا وتربتها طهورا وغيره من الأخبار الآتي بعضها في الباب

( يتيمم المحدث والجنب ) والحائض والنفساء ومن ولدت ولدا جافا لخبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم صلى ثم رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم فقال يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم فقال أصابتني جنابة ولا ماء فقال عليك بالصعيد فإنه يكفيك

وفيهما عن عمار بن ياسر قال أجنبت فلم أجد الماء فتمعكت في التراب

فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم نفضهما ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه

قال في المجموع ومعنى تمعكت تدلكت وفي رواية تمرغت وهو بمعنى ثدلكت اه

قال شيخنا والأولى تفسير تمعكت بتمرغت إذ هو معناه لغة ولأن في هذه الرواية فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة

وخرج بالمحدث وما ذكر معه المتنجس فلا يتيمم للنجاسة لأن التيمم رخصة فلا يتجاوز محل ورودها

ولو اقتصر المصنف على المحدث كما اقتصر عليه في الحاوي لكان أولى ليشمل جميع ما ذكر

قال الولي العراقي وقد يقال ذكره الجنب بعد المحدث من عطف الأخص على الأعم اه

وعلى كل حال إنما اقتصر على ما ذكره لأنه الأصل وحمل النص وإلا فالمأمور بغسل مسنون كغسل جمعة وعيد يتيمم أيضا كما ذكره في باب الجمعة وغيره

قال الإسنوي والقياس أن المأمور بوضوء مسنون يتيمم أيضا كما في نظيره من الغسل وكذا الميت ييمم كما سيأتي

( لأسباب ) جمع سبب يعني لواحد من أسباب

والسبب ما يتوصل به إلى غيره

والمبيح للتيمم في الحقيقة شيء واحد وهو العجز عن استعمال الماء وللعجز أسباب ولو عبر بما قدرته كان أولى لكن هذا ظاهر ولكني ذكرته تشحينا للذهن

( أحدها فقد الماء ) حسا أو شرعا للآية فمن الفقد الشرعي خوف طريقه إلى الماء أو بعده عنه أو الاحتياج إلى ثمنه كما سيأتي أو وجد ماء مسبلا للشرب حتى قالوا إنه لا يجوز أن يكتحل منه بقطرة ولا أن يجعل منه في دواة ونحو ذلك لأنه لم يبح إلا لشيء مخصوص كما أنه لا يجوز له أن يتيمم بتراب غيره

قال الدميري وهو مشكل لأنه يؤدي إلى أنه إذا مر بأراضي القرى الموقوفة أو المملوكة لا يجوز له التيمم بترابها وفيه بعد والمسامحة بذلك مجزوم بها عرفا فلا ينبغي أن يشك في جوازه بها اه

وهذا من الحلال المستفاد بقرينة الحال فقد قال الأصحاب إنه يجوز المرور بملك غيره إذا لم يصر طريقا للناس وسيأتي إن شاء الله تعالى في صلح تحرير ذلك

( فإن تيقن المسافر ) أو المقيم فالتعبير بالمسافر جرى على الغالب

( فقده ) أي الماء حوله ( تيمم بلا طلب ) بفتح اللام ويجوز إسكانها لأن طلب ما علم عدمه عبث كما إذا كان في بعض رمال البوادي وقيل لا بد من الطلب لأنه لا يقال لمن لم يطلب لم يجد

( وإن توهمه ) قال الشارح أي وقع في وهمه أي ذهنه أي جوز ذلك اه

يعني تجويزا راجحا وهو الظن أو مرجوحا وهو الوهم أو مستويا وهو الشك فليس المراد بالوهم هنا الثاني بل وهو صحيح أيضا

ويفهم منه إنه يطلب عند الشك والظن بطريق الأولى

وإنما حول الشارع ذلك ليصير منطوقا وليس في ذلك كبير أمر فقد قال الله تعالى فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما


88

ويفهم منه النهي عن الضرب ونحوه بطريق الأولى

( طلبه ) بعد دخول الوقت وجوبا مما توهمه فيه لأن التيمم طهارة ضرورة ولا ضرورة مع الإمكان وله طلبه بوكيله الموثوق به حتى لو أرسل جماعة واحدا ثقة يطلب لهم كفاهم ولو أذن قبل الوقت ليطلب له بعد الوقت كفى أيضا

ولو أخبره فاسق أن الماء بمكان معين لم يعتمده وإن أخبره أنه ليس به ماء اعتمده لأن العدم هو الأصل بخلاف الوجدان قاله الماوردي و الروياني

أما طلب غيره له بغير إذنه أو بإذنه ليطلب له قبل الوقت أو أذن له قبل الوقت وأطلق فطلب له قبل الوقت أو شاكا فيه لم يكف جزما فإن طلب له في مسألة الإطلاق في الوقت ينبغي أن يكفي كنظيره في المحرم يوكل رجلا ليعقد له النكاح ثم رأيت شيخنا نبه على ذلك

( من رحله ) بأن يفتش فيه إن لم يتحقق العدم فيه وهو منزل الشخص من حجر أو خشب أو نحو ذلك ويطلق أيضا على ما يستصحبه الشخص من أثاث ويجمع في الكثرة على رحال وفي القلة على أرحل

( ورفقته ) بتثليث الراء سموا بذلك لارتفاق بعضهم ببعض وهم الجماعة ينزلون جملة ويرحلون جملة والمراد بهم المنسوبون إليه

ولا يجب أن يطلب من كل واحد بعينه بل يكفيه أن ينادي نداء عاما فيهم بنفسه أو مأذونه كما مر بأن يقول من معه ماء يبيعه أو يجود به أو نحو ذلك ويستوعبهم إذا كثروا إلا أن يضيق الوقت عن تلك الصلاة وقيل يستوعبهم وإن خرج الوقت وقيل إلا أن يضيق الوقت عن ركعة

( ونظر حواليه ) من الجهات الأربع إن لم يجده فيما ذكر إلى الحد الآتي ( إن كان بمستو ) من الأرض ويخص موضع الخضرة وإجماع الطيور بمزيد احتياط

ولا يلزمه المشي وقيل يمشي قدر غلوة سهم

( فإن احتاج إلى تردد ) بأن كان ثم وهدة أو جبل أو نحو ذلك

( تردد ) إن أمن نفسا ومالا وعضوا واختصاصا محترما وانقطاعا عن رفقة ولم يضق الوقت عن تلك الصلاة إلى حد تسمع استغاثته بأن يسمعها رفقته لو استغاث بهم مع ما هم فيه من تشاغلهم بأشغالهم وتفاوضهم في أقوالهم وهذا هو مراد المصنف بقوله ( قدر نظره ) أي في المستوى والشرح الصغير بغلوة سهم أي غاية رميه وهذا يسمى حد الغوث

قال في المجموع وليس المراد أن يدور الحد المذكور لأن ذلك أكثر ضررا عليه من إتيان الماء في الموضع البعيد بل المراد أن يصعد جبلا أو نحوه بقربه ثم ينظر حواليه اه

ويقال حوليه بلا ألف و حوله وحواله بزيادة ألف وهذا هو مراد من عبر بالتردد إليه فإنه لم يأمن على شيء مما ذكر سواء أكثر المال أم قل أو ضاق وقت الصلاة بأن لم يبق منه ما يسعها لم يجب التردد للضرر وللوحشة في انقطاعه وإخراج بعض الصلاة عن وقتها بخلاف واجد الماء لو خاف فوات الوقت لو توضأ فإنه يجب عليه الوضوء ولا يتيمم لأنه ليس بفاقد للماء

( فإن لم يجد ) ماء بعد البحث المذكور ( تيمم ) لحصول الفقد ولا يضر تأخير التيمم عن الطلب إذا كانا في الوقت ولم يحدث سبب يحتمل معه وجود الماء

( فلو ) طلب كما مر و ( مكث ) بضم الكاف وفتحها ( موضعه ) ولم يتيقن العدم ولم يحدث ما يحتمل معه وجود ماء ( فالأصح وجوب الطلب لما يطرأ ) مما يحوج إلى تيمم مستأنف كحدث وفريضة أخرى لأنه قد يطلع على بئر خفيت عليه أو يجد من يدله عليه وقياسا على إعادة الاجتهاد في القبلة ولكن يكون طلبه هذا أخف من الأول

والثاني لا يجب لأنه لو كان هناك ماء لظفر به بالطلب الأول فلو تيقن العدم في موضع بالطلب ولم يحدث ما يحتمل معه وجود ماء لم يجب الطلب منه على الصحيح فإن انتقل إلى مكان آخر أو حدث ما يحتمل معه وجود ماء كطلوع ركب وإطباق غمامة وجب الطلب قطعا

وقوله فلو مكث موضعه مزيد على المحرر من غير تمييز

( فلو علم ) مسافر بمحل ( ماء ) في حد القرب وهو ما ( يصله المسافر لحاجته ) كاحتطاب واحتشاش مع اعتبار الوسط المعتدل بالنسبة إلى الوعورة والسهولة والصيف والشتاء وهذا فوق حد الغوث الذي يقصده عند التوهم قال محمد بن يحيى لعله يقرب من نصف فرسخ

( وجب قصده ) أي طلبه منه لأنه إذا كان يسعى إليه لأشغاله الدنيوية فللعبادة أولى هذا ( إن لم يخف ضرر نفس ) أو عضو ( أو مال ) لا يجب بذله في


89

تحصيل الماء ثمنا أو اجرة أو انقطاعه عن رفقته يتضرر بتخلفه عنهم وكذا إن لم يتضرر على الأصح لما يلحقه من الوحشة أو خروج الوقت

( فإن ) خاف ما ذكر أو ( كان ) الماء بمحل ( فوق ذلك ) المحل المتقدم وهذا يسمى حد البعد ( تيمم ) ولا يجب عليه الطلب لما فيه من المشقة والضرر

ولو كان في سفينة وخاف لو استقى من البحر على شيء مما تقدم فإنه يتيمم بخلاف من معه ماء ولو توضأ به خرج الوقت فإنه لا يتيمم لأنه واجد للماء كما مر

وخرج بالمال الاختصاصات وبما لا يجب بذله إلخ ما وجب بذله فلا يمنع الطلب وهذا بخلاف ما مر في توهم الماء لتيقن وجود الماء هنا

وبهذا جمع بعضهم بين ما وقع في المجموع من إيجاب الطلب مع الخوف على القدر المذكور في موضع ومن المنع في آخر

ولو انتهى إلى المنزل في آخر الوقت والماء في حد القرب ولو قصده خرج الوقت لم يجب عليه قصده خلافا للرافعي في وجوبه

أما المقيم فلا يتيمم وعليه أن يسعى إلى الماء وإن فات به الوقت قال في الروضة لأنه لا بد من القضاء أي لتيممه مع القدرة على استعمال الماء فلا يرد جواز التيمم للبرد مع وجوب القضاء

وظاهر هذا أنه لا فرق بين طول المسافة وقصرها

وهو كذلك أي حيث لا مشقة عليه في ذلك كما يؤخذ من القوت وأن التعبير بالمسافر والمقيم فيها إذا خاف فوت الوقت لو سعى إلى الماء جرى على الغالب وإنما الحكم منوط بمحل يغلب فيه وجود الماء كما سيأتي

( ولو تيقنه ) أي وجود الماء ( آخر الوقت ) مع جواز تيممه في أثنائه ( فانتظاره أفضل ) من تعجيل التيمم لأن الوضوء هو الأصل والأكمل فإن الصلاة به ولو آخر الوقت أفضل منها بالتيمم أوله

ولا فرق في ذلك بين أن يتيقن وجوده في منزله أي بأن يأتي له الماء وهو فيه أولا خلافا للماوردي في وجوب التأخير فيما إذا تيقن وجوده في منزله

وقد يكون التعجيل أفضل العوارض كأن كان يصلي أول الوقت بسترة ولو أخر لم يصل بها أو كان يصلي في أوله جماعة ولو أخر صلى منفردا أو كان يقدر على القيام أول الوقت ولو أخر لم يقدر على ذلك فالتعجيل بالتيمم في ذلك أفضل

فإن شك في وجوده آخر الوقت ( أو ظنه ) بأن ترجح عنده وجوده آخره ( فتعجل التيمم أفضل ) على المذهب في الأول و ( في الأظهر ) في الثانية لأن فضيلة التقديم محققة بخلاف فضيلة الوضوء والثاني التأخير أفضل لما مر

ومحل الخلاف إذا اقتصر على صلاة واحدة فإن صلى أول الوقت بالتيمم وبالوضوء في أثنائه فهو النهاية في إحراز الفضيلة

فإن قيل الصلاة بالتيمم لا تستحب إعادتها بالوضوء

أجيب بأن محله فيمن لا يرجو الماء بعد قرينة سياق كلامهم أما إذا ترجح عنده الفقد أو تيقنه آخر الوقت فالتعجيل أفضل جزما

ومثل ذلك في هذا التفصيل ما لو صلى أول الوقت منفردا وآخر الوقت في جماعة

وقال المصنف ينبغي أن يقال إن فحش التأخير فالتقديم أفضل وإن خف فالتأخير أفضل اه

والمعتمد الأول وللمسافر القصر وأن تيقن الإقامة آخر الوقت لوجود السبب حين الفعل

ولا ينتظر مزاحم على بئر لا يمكن أن يستقي منها إلا واحد واحد وقد تناوبها جمع أو ثوب لا يمكن أن يلبسه إلا واحد واحد وقد تناوبه عراة أو مقام لا يسع إلا قائما واحدا وقد تناوبه جمع للصلاة فيه وعلم أن نوبته لا تحصل إلا بعد الوقت بل يصلي فيه متيمما أو عاريا أو قاعدا ولا إعادة عليه لعجزه في الحال وجنس عذره غير نادر وينتظر نوبته إذا توقع انتهاءها إليه في الوقت

وإدراك الجماعة أولى من تثليث الوضوء وسائر آدابه فإذا خاف فوت الجماعة بسلام الإمام لو أكمل الوضوء بآدابه فإدراكها أولى من إكماله وإدراك الركعة الأخيرة لا غيرها من الركعات أولى من إدراك الصف الأول ليدرك فضل الجماعة اتفاقا أما غير الأخيرة فإدراك الصف الأول أولى منها فلا يشتغل بالذهاب إليه حتى تفوته الركعة الأخيرة لأنه لا يدرك الجماعة حينئذ اتفاقا

ولو ضاق الوقت أو الماء عن سنن الوضوء وجب الاقتصار على فرائضه كما قاله المصنف في شرح التنبيه

ولا يلزم البدوي النقلة للتطهير بالماء عن التيمم

( ولو وجد ماء ) صالحا للغسل ( لا يكفيه فالأظهر وجوب استعماله ) في بعض أعضائه مرتبا إن كان حدثه أصغر أو مطلقا إن كان غيره كما يفعل من يغسل كل بدنه لخبر الصحيحين إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ولأنه قدر على غسل بعض أعضائه فلم يسقط وجوبه بالعجز عن الباقي كما لو كان ذلك البعض معدما أو جريحا

والثاني يقتصر


90

على التيمم كما لو وجد بعض الرقبة في الكفارة فإنه لا يجب عليه إعتاقه ويعدل إلى الصوم وفرق الأول بأن بعض الرقبة لا يسمى رقبة وبعض الماء يسمى ماء لأن الله تعالى ذكر الماء في سياق النفي فاقتضى أن لا يجد ما يسمى ماء

( ويكون ) استعماله ( قبل التيمم ) عن الباقي لقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا وهذا واجد ماء أما إذا لم يجد ترابا فالأظهر القطع باستعماله

أما ما لا يصلح للغسل كثلج أو برد لا يذوب فالأصح القطع بأنه لا يجب مسح الرأس به إذ لا يمكن ههنا تقديم مسح الرأس فنقرأ ماء في عبارة المصنف مهموزة منونة لا موصولة لئلا يرد عليه ذلك

ولو لم يجد إلا ترابا لا يكفيه فالمذهب القطع بوجوب استعماله

ومن به نجاسة ووجد ما يغسل به بعضها وجب عليه للحديث المتقدم أو وجد ماء وعليه حدث أصغر أو أكبر وعلى بدنه نجاسة ولا يكفي إلا لأحدهما تعين للنجاسة لأن إزالتها لا بدل لها بخلاف الوضوء والغسل

وظاهر هذا أنه لا فرق فيه بين المسافر والمقيم كما هو ظاهر كلام الروضة وأفتى به البغوي

وقال القاضي أبو الطيب محل تعيينه لها في المسافر أما المقيم فلا لأنه لا بد له من الإعادة لكن النجاسة أولى

وجرى على ذلك المصنف في تحقيقه ومجموعه والأول أوجه

ويجب غسل النجاسة قبل التيمم فلو تيمم قبل إزالتها لم يصح كما صححه في الروضة والتحقيق في باب الاستنجاء لأن التيمم للإباحة ولا إباحة مع المانع فأشبه التيمم قبل الوقت

وصحح في الروضة والمجموع هنا الجواز والأول هو الراجح فإنه هو المنصوص في الأم كما في الشامل والبيان والذخائر والأقيس كما في البحر

( ويجب ) في الوقت ( شراؤه ) أي الماء وإن لم يكفه وكذا التراب كما صرح به الحناطي

( بثمن مثله ) وهو على الأصح ما انتهى إليه الرغبات في ذلك الموضع في تلك الحالة

قال الإمام والأقرب على هذا أنه لا تعتبر الحالة التي ينتهي فيها الأمر إلى سد الرمق فإن الشربة قد تشترى حينئذ بدنانير أي ويبعد في الرخص إيجاب ذلك

قال السبكي وهو الحق

وقيل يعتبر بذلك الموضع في غالب الأحوال

وقيل يعتبر بقدر أجرة نقله في الموضع الذي فيه الشخص هذا إذا كان قادرا عليه بنقد أو غيره فلا يجب عليه شراؤه بزيادة على ذلك وإن قلت لكن إن بيع فيه لأجل بزيادة لائقة بذلك الأجل وكان موسرا والأجل ممتد إلى موضع ماله وجب الشراء لأن ذلك لا يخرجه عن ثمن المثل ويندب له أن يشتريه إذا زاد على ثمن مثله وهو قادر على ذلك

وآلات الاستقاء كالدلو والرشاء إذا بيعت أو أجرت يجب تحصيلها إذا لم تزد عن ثمن مثلها في البيع وأجرة مثلها في الإجارة

( إلا أن يحتاج إليه ) أي الثمن ( لدين ) عليه ولو مؤجلا كما قاله ابن الرفعة

وقوله ( مستغرق ) لا حاجة إليه لأن ما يفضل عن الدين غير محتاج إليه فيه ولكنه ذكره زيادة إيضاح

( أو مؤنة سفره ) مباحا كان أو طاعة ذهابا وإيابا والمؤنة هي المذكورة في كتاب الحج

( أو نفقة حيوان محترم ) سواء أكان آدميا أو غيره

ولا فرق بين أن يحتاجه في الحال أو بعد ذلك ولا بين نفسه وغيره من مملوك وزوجة ورقيق ونحوهم مما يخاف انقطاعهم وإن لم يكونوا معه وكالنفقة سائر المؤن حتى المسكن والخادم كما صرح بهما ابن كج في التجريد بخلاف الدين لا بد أن يكون عليه كما مر إذ لا يجب عليه أداء دين غيره

ودخل في نفقة الحيوان نفسه ورقيقه ودوابه سواء فيه الكافر والمسلم

وخرج بالمحترم الحربي والمرتد والزاني المحصن وتارك الصلاة والكلب الذي لا نفع فيه

ووقع للمصنف فيه إذا لم يكن عقورا تناقض قال في المهمات ومذهب الشافعي جواز قتله فقد نص عليه في الأم وجزم به ابن المقري في الأطعمة وسيأتي تحريره إن شاء الله تعالى هناك

فروع لو احتاج واجد ثمن الماء إلى شراء سترة للصلاة قدمها لدوام النفع بها ولو كان معه ماء لا يحتاج إليه للعطش ويحتاج إلى ثمنه في شيء مما سبق جاز له التيمم كما في المجموع

ولو وجد ثوبا يمكن تحصيل الماء بشده في الدلو ولو مع شقه أو بإدلائه في البئر وعصره ونحو ذلك وجب إن لم يزد نقصانه على الأكثر من ثمن الماء وأجرة مثل الحبل

قال في المجموع قال الماوردي ولو عدم الماء وعلم أنه لو حفر محله وصل إليه فإن كان يحصل بحفر قريب لا مشقة فيه وجب الحفر وإلا فلا

قال في المجموع ولو كان مالكه يحتاج إليه في المنزل الثاني وثم من يحتاج إليه في الأول فهل


91

يقدم الأول لأنه المالك أو الثاني لتحقق حاجته في الحال وجهان والراجح الثاني كما يعلم مما يأتي في الأطعمة اه

وهل تذبح قهرا شاة الغير التي لم يحتج إليها لكلبه المحترم المحتاج إلى الإطعام وجهان نقل في المجموع عن القاضي هنا أحدهما وعلى نقله عن القاضي اقتصر في الأطعمة

نعم كالماء فيلزم مالكها بذلها له

والثاني لا لأن للشاة حرمة لأنها ذات روح

والأوجه الأول

( ولو وهب له ماء ) أو أقرضه ( أو أعير دلوا ) أو نحوه من آلات الاستقاء في الوقت ( وجب ) عليه ( القبول في الأصح ) إذا لم يمكنه تحصيلها بشراء أو نحوه لأن المسامحة بذلك غالبة فلا تعظم فيه المنة فلو خالف وصلى متيمما أثم ولزمته الإعادة إلا أن يتعذر الوصول إليه بتلف أو غيره حالة تيممه فلا تلزمه الإعادة

والثاني لا يجب قبول الماء للمنة كالثمن ولا قبول العارية إذا زادت قيمة المستعار على ثمن الماء لأنه قد يتلف أي في غير المأذون فيه فيضمن زيادة على ثمن الماء أما تلفه في المأذون فيه فإنه لا ضمان فيه

وعلى الأول يجب عليه سؤال الهبة والعارية على الأصح إذا لم يحتج واهب الماء والمعير إليه وضاق الوقت عن طلب الماء لأنه حينئذ يعد واجدا للماء ولا تعظم فيه المنة وبهذا فارق عدم وجوب اتهاب الرقبة في الكفارة فإن احتاج إليه الواهب لعطش حالا أو مآلا أو لغيره حالا أو اتسع الوقت لم يجب اتهابه كما اقتضاه كلامهم ونقله الزركشي عن بعضهم وأقره وفي المجموع أنه لا يجب على مالك الماء الذي لا يحتاج إليه بذله لطهارة المحتاج إليه ببيع أو هبة أو قرض في الأصح

فإن قيل لم وجب عليه قبول قرض الماء ولم يجب عليه قبول ثمنه وهو موسر به بمال غائب كما سيأتي أجيب بأنه إنما يطالب بالماء عند الوجدان وحينئذ يهون الخروج عن العهدة كذا وجهه الرافعي

فإن قيل إن أريد وجدان الماء فقد نص الشافعي على أنه إذا أتلف الماء في مفازة ولقيه ببلد أن الواجب قيمته في المفازة وإن أريد قيمته فقيمته وثمنه الذي يقرضه إياه سواء في المعنى فإذن لا فرق

أجيب بأنا إنما أوجبنا على المتلف ذلك لتعديه وأما المقترض فلم نأخذه إلا برضا من مالكه فيرد مثله مطلقا سواء أراد في البلد أم في المفازة وفاء بقاعدة القرض أنه يلزمه رد المثل ولهذا يقول في عقد القرض أقرضتك هذا أو خذه بمثله والمالك قد دخل على ذلك ووطن نفسه عليه ومع التصريح بذلك فلا يغلظ على المقترض فيما هو عقد إرفاق

وأيضا لو قلنا إنه يلزم المقترض رد القيمة حيث تكون أكثر من المثل لدخل ذلك في نهيه صلى الله عليه وسلم عن القرض الذي يجر منفعة

( ولو وهب ثمنه ) أي الماء أو ثمن آلة الاستقاء أو أقرض ثمن ذلك وإن كان موسرا بمال غائب ( فلا ) يجب قبوله بالإجماع لعظم المنة ولو من الوالد لولده

( ولو نسيه ) أي الماء ( في رحله أو أضله فيه فلم يجده بعد ) إمعان ( الطلب ) وغلب على ظنه فقده هذا تفسير إضلاله لأن النسيان لا يقال فيه ذلك وإذا غلب على ظنه فقده

( فتيمم ) في الحالين وصلى ثم تذكره في النسيان ووجده في الإضلال ( قضى في الأظهر ) لأنه في الحالة الأولى واجد للماء ولكنه قصر في الوقوف عليه فيقضي كما لو نسي ستر العورة وفي الثانية عذر نادر لا يدوم والثاني لا قضاء عليه في الحالين لأن النسيان في الأولى عذر حال بينه وبين الماء فأشبه ما لو حال بينهما سبع ولأنه لم يفرط في الثانية في الطلب ولو نسي ثمن الماء أو بئرا أو آلة الاستقاء كما بحثه بعض المتأخرين فالحكم كذلك

( ولو أضل رحله في رحال ) بسبب ظلمة أو غيرها فتيمم وصلى ثم وجده وفيه الماء فإن لم يمعن في الطلب قضى لتقصيره وإن أمعن فيه ( فلا يقضي ) إذ لا ماء معه حال التيمم

وفارق إضلاله في رحله بأن مخيم الرفقة أوسع غالبا من مخيمه فلا يعد مقصرا

ويؤخذ منه كما قال شيخنا أن مخيمه إن اتسع كما في مخيم بعض الأمراء يكون كمخيم الرفقة

ولو أدرج الماء في رحله ولم يشعر به أو لم يعلم ببئر خفية هناك فلا إعادة وكان الأولى تأخير هاتين المسألتين إلى آخر الباب عند ذكره ما يقضى من الصلاة فإن الكلام الآن في الأسباب المبيحة

ولو تيمم لإضلاله عن القافلة أو عن الماء أو لغصب مائه فلا إعادة عليه بلا خلاف ذكره في المجموع

فروع لو أتلف الماء في الوقت لغرض كتبرد وتنظف وتحير مجتهد لم يعص للعذر أو أتلفه عبثا في الوقت أو بعده عصى لتفريطه بإتلاف ما تعين للطهارة

ولا إعادة عليه إذا تيمم في الحالين لأنه تيمم وهو فاقد للماء أما إذا أتلفه قبل الوقت


92

فلا يعصي من حيث إتلاف ماء الطهارة وإن كان يعصي من حيث أنه إضاعة مال ولا إعادة أيضا لما مر

ولو باعه أو وهبه في الوقت بلا حاجة له ولا للمشتري أو المتهب كعطش لم يصح بيعه ولا هبته لأنه عاجز عن تسليمه شرعا لتعينه للطهر وبهذا فارق صحة هبة من لزمته كفارة أو ديون فوهب ما يملكه وعليه أن يسترده فلا يصح تيممه ما قدر عليه لبقائه على ملكه فإن عجز عن استرداده تيمم وصلى وقضى تلك الصلاة التي فوت الماء في وقتها لتقصيره دون ما سواها لأنه فوت الماء قبل دخول وقتها

ولا يقضي تلك الصلاة بتيمم في الوقت بل يؤخر القضاء إلى وجود الماء أو حالة يسقط الفرض فيها بالتيمم

ولو تلف الماء في يد المتهب أو المشتري ثم تيمم وصلى لا إعادة عليه لما سلف ويضمن الماء المشتري دون المتهب لأن فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه

ولو مر بماء في الوقت وبعد عنه بحيث لا يلزمه طلبه ثم تيمم وصلى أجزأه ولا إعادة عليه لما تقدم

ولو عطشوا ولميت ماء شربوه ويمموه وضمنوه للوارث بقيمة لا بمثله وإن كان مثليا إذا كانوا ببرية للماء فيها قيمة ثم رجعوا إلى وطنهم ولا قيمة له فيه وأراد الوارث تغريمهم إذ لو ردوا الماء لكان إسقاطا للضمان فإن فرض الغرم بمكان الشرب أو مكان آخر للماء فيه قيمة ولو دون قيمته بمكان الشرب أو زمانه غرم مثله كسائر المثليات ولو أوصى بصرف ماء لأولى الناس وجب تقديم العطشان المحترم حفظا لمهجته ثم الميت لأن ذلك خاتمة أمره فإن مات اثنان ووجد الماء قبل موتهما قدم الأول لسبقه فإن ماتا معا أو جهل السابق أو وجد الماء بعدهما قدم الأفضل لأفضليته بغلبة الظن بكونه أقرب إلى الرحمة لا بالحرية والنسب ونحو ذلك فإن استويا أقرع بينهما

ولا يشترط قبول الوارث له كالكفن المتطوع به ثم المتنجس لأن طهره لا بدل له ثم الحائض أو النفساء لعدم خلوهما عن النجس غالبا ولغلظ حدثهما فإن اجتمعتا قدم أفضلهما فإن استويا أقرع بينهما ثم الجنب لأن حدثه أغلظ من حدث المحدث حدثا أصغر نعم إن كفى المحدث دونه فالمحدث أولى لأنه يرتفع به حدثه بكماله دون الجنب

فإن قيل هلا فرق في النجاسة بين المغلظة وغيرها فيقدم من عليه نجاسة مغلظة على غيرها كما تقدم الحائض على الجنب أجيب بأن مانع النجاسة شيء واحد ومانع الحيض يزيد على مانع الجنابة

( الثاني ) من أسباب التيمم ( أن يحتاج ) بالبناء للمفعول ( إليه ) أي الماء ( لعطش ) حيوان ( محترم ) من نفسه أو غيره ( ولو ) كانت حاجته لذلك ( مآلا ) أي في المستقبل صونا للروح أو غيرها عن التلف لأن ذلك لا بد له بخلاف طهارة الحدث والعطش المبيح للتيمم معتبر بالخوف المعتبر في السبب الآتي فجيب عليه حينئذ أن يتيمم مع وجوده

ولو تزودوا للماء وساروا على العادة ولم يمت منهم أحد وجب القضاء كما في فتاوى البغوي لا إن مات منهم من لو بقي لم يفضل من الماء شيء ولا إن جدوا في السير على خلاف العادة بحيث لو مشوا على العادة لم يفضل منه شيء

ولا يكلف أن يستعمل الماء في الطهارة ثم يشرب المستعمل في ذلك لأن النفس تعافه ولا أن يشرب المستعمل النجس من الماءين ويتطهر بالطاهر بل لا يجوز له شرب النجس كما صححه في المجموع خلافا لبعض المتأخرين بخلاف الدابة فإنه يكلف لها ذلك لأنها لا تعافه وخرج بالمحترم غيره كما مر

قال الولي العراقي في فتاويه قول الفقهاء إن حاجة العطش مقدمة على الوضوء ينبغي أن يكون مثالا ويلحق به حاجة البدن لغير الشرب كالاحتياج للماء لعجن دقيق ولت سويق وطبخ طعام بلحم وغيره اه

وهذا أولى من قول ابن المقري في روضه ولايدخره أي الماء لطبخ وبل كعك وفتيت اه

ويجب أن يقدم شراء الماء لعطش بهيمته المحترمة على شرائه لطهره

وإن وجد من يبيعه الماء لعطش بقيمته لزمه شراؤه فلو امتنع البائع من بيعه إلا بزيادة على القيمة فاشتراه العطشان كارها لزمه الزائد لأنه عقد صدر من أهله وللعطشان أخذه من مالكه قهرا إن امتنع من بذله بيعا وغيره لا أخذه من مالك عطشان لأن المالك أحق ببقاء مهجته

قال في المجموع وإذا عطش العاصي بسفره ومعه ماء لم يجز له التيمم حتى يتوب

( الثالث ) من أسباب التيمم ( مرض يخاف معه من استعماله ) أي الماء ( على منفعة عضو ) بضم العين وكسرها أن تذهب كالعمى والخرس أو تنقص كضعف البصر أو الشم لعموم قوله تعالى وإن كنتم مرضى الآية

قال ابن عباس نزلت في المريض يتأذى بالوضوء وفي الرجل إذا كانت به جراحة في سبيل الله أو القروح والجدري فيجنب فيخاف إن اغتسل أن يموت فيتيمم إسناده حسن والأصح وقفه عليه

وفهم من عبارة المصنف أن خوف فوت النفس والعضو كذلك من


93

باب أولى وصرح بهما في المحرر

ولو كان مرضه يسيرا أو لم يكن به مرض فخاف حدوث مرض مخوف من استعمال الماء تيمم على المذهب أو يخاف شدة الضنا قال في المجموع هذا إن لم يعص بالمرض فإن عصى به لم يصح تيممه حتى يتوب

فإن قيل قول المصنف مرض ليس وجود المرض شرطا بل الشرط أن يخاف من استعمال الماء ما ذكر كما تقرر

أجيب بأن الغالب أن الخوف إنما يحصل مع المرض ومع هذا لو قال أن يخاف من استعماله كذا كان أولى

( وكذا بطء البرء ) بفتح الباء وضمها أي طول مدته وإن لم يزد الألم وكذا زيادة العلة وهو إفراط الألم وكثرة المقدار وإن لم تطل المدة

( أو الشين الفاحش ) كسواد كثير ( في عضو ظاهر في الأظهر ) فيهما لأن ضرر ذلك فوق ثمن المثل ولأنه يشوه الخلقة ويدوم ضرره

والمراد بالظاهر كما قال الرافعي ما يبدو عند المهنة غالبا كالوجه واليدين وقيل ما لا يعد كشفه هتكا للمروءة وقيل ما عدا العورة

والشين الأثر المستكره من تغير لون ونحول واستحشاف وثغرة تبقى ولحمة تزيد قاله الرافعي في أثناء الديات

والثاني لا يتيمم لذلك لانتفاء التلف

وقد روي عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا تفسير المرض في الآية بالذي يخاف معه التلف

وعلى الأول إنما يتيمم إن أخبره بكونه يحصل منه ذلك وبكونه مخوفا فيما تقدم طبيب مقبول الرواية ولو عبدا أو امرأة أو عرف هو ذلك من نفسه وإلا فلا يتيمم كماجزم به في التحقيق ونقله في الروضة عن أبي علي السنجي وأقره هذا هو المعتمد وجزم البغوي بأنه يتيمم

قال الإسنوي ويدل له ما في شرح المهذب في الأطعمة عن نص الشافعي أن المضطر إذا خاف من الطعام المحضر إليه أنه مسموم جاز له تركه والانتقال إلى الميتة اه

وفرق شيخي بأن ذمته هنا اشتغلت بالطهارة بالماء فلا تبرأ من ذلك إلا بدليل ولا كذلك أكل الميتة

وخرج بالفاحش اليسير كقليل سواد أو أثر جدري وبالظاهر الفاحش في الباطن فلا أثر لخوف ذلك

واستشكله ابن عبد السلام بأن المتطهر قد يكون رقيقا فتنقص قيمته نقصا فاحشا فكيف لا يباح له التيمم مع إباحته فيما لو امتنع من بيع الماء إلا بزيادة يسيرة وكذا لو كان حرا فإن الفلس مثلا أهون على النفوس من أثر الجدري على الوجه من الشين الفاحش في الباطن لا سيما الشابة المقصودة للاستمتاع

وأجيب بأن الخسران في الزيادة محقق بخلافه في نقص الرقيق ولذا وجب استعمال الماء المشمس إذا لم يجد غيره وإن كان يخشى منه البرص لأن حصول البرص غير محقق وبأن تفويت المال إنما يؤثر إذا كان سببه تحصيل الماء لا استعماله ولا لأثر نقص الثوب ببله بالاستعمال ولا قائل به

وأما الشين فإنما يؤثر إذا كان سببه الاستعمال والضرر المعتبر في الاستعمال فوق الضرر المعتبر في التحصيل ويشهد له ما مر من أنه لو خاف خروج الوقت بطلب الماء تيمم ولو خاف خروجه بالاستعمال لا يتيمم

( وشدة البرد ) في إباحة التيمم ( كمرض ) إذا خيف من استعمال الماء المعجوز عن تسخينه أو عما يدثر به الأعضاء بعد استعماله ما تقدم لأن عمرو بن العاص تيمم عن جنابة لخوف الهلاك من البرد وأقره صلى الله عليه وسلم على ذلك رواه أبو داود وصححه الحاكم وابن حبان

( وإذا امتنع استعماله ) أي الماء وجوبه ( في عضو ) من محل الطهارة لنحو مرض أو جرح ( إن لم يكن عليه ساتر وجب التيمم ) جزما لئلا يبقى موضع العلة بلا طهارة فيمر التراب ما أمكن على موضع العلة إن كان بمحل التيمم

وعرف التيمم بالألف واللام إشارة للرد على من قال من العلماء إنه يمر التراب على المحل المعجوز عنه

( وكذا ) يجب ( غسل الصحيح ) بقدر الإمكان ( على المذهب ) لما رواه أبو داود وابن حبان في حديث عمرو بن العاص في رواية لهما أنه غسل معاطفه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم قال البيهقي معناه أنه غسل ما أمكنه وتوضأ وتيمم للباقي

والطريق الثاني في وجوب غسله القولان فيمن وجد من الماء ما لا يكفيه ذكر ذلك في المجموع

وذكر في الدقائق أنه عدل عن قول المحرر وغسل الصحيح والصحيح أنه يتيمم إلى ما في المنهاج لأنه الصواب فإن التيمم واجب قطعا زاد في الروضة لئلا يبقى موضع الكسر بلا


94

طهر

وقال لم أر خلافا في وجوب التيمم لأحد من أصحابنا

ويتلطف في غسل الصحيح المجاور للعليل فيوضع خرقة مبلولة بقربه ويتحامل عليها ليغسل بالمتقاطر منها ما حواليه من غير أن يسيل إليه فإن لم يقدر على ذلك بنفسه استعان ولو بأجرة فإن تعذر ففي المجموع أنه يقضي

وفهم من كلامه أنه لا يجب مسح موضع العلة بالماء وإن لم يخف منه وهو كذلك كما نقله الرافعي عن الأئمة لأن الواجب إنما هو الغسل قال وفيه نص بالوجوب اه

فينبغي أن يستحب أي التيمم وغسل الصحيح ( للجنب ) ونحوه كالحائض وكذا الأغسال المسنونة لأن التيمم بدل عن غسل العليل والمبدل لا يجب فيه الترتيب فكذا بدله

ولو قال ولا ترتيب بينهما للمغتسل لشمل ما قدرته

فإن قيل هلا وجب تقديم غسل الصحيح كوجود ماء لا يكفيه أجيب بأن العاجز هناك أبيح له التيمم لفقد الماء فلا يجوز مع وجوده وهنا أبيح للعلة وهي موجودة بل النص ههنا أن يندب أن يبدأ بالتيمم ليزيل الماء أثر التراب

( فإن كان ) من به العلة ( محدثا ) حدثا أصغر ( فالأصح اشتراط التيمم وقت غسل العليل ) أي العضو العليل لاعتبار الترتيب في الوضوء فلا ينتقل عن العضو المعلول إلا بعد كمال طهارته أصلا وبدلا ويقدم ما شاء من الغسل والتيمم في العضو الواحد

ويستحب تقديم التيمم على غسله هنا أيضا كما في المجموع والثاني يجب تقديم غسل المقدور عليه من الأعضاء كلها لما مر في الجنب والثالث يتخير كالجنب

( فإن جرح عضواه ) أي المحدث أو امتنع استعمال الماء فيهما لغير جراحة ( فتيممان ) يجبان بناء على الأصح وهو اشتراط التيمم وقت غسل العليل لتعدد العليل وكل من اليدين والرجلين كوضوء واحد ويستحب أن تجعل كل واحدة كعضو فإن كان في أعضائه الأربعة جراحة ولم تعمها فلا بد من ثلاث تيممات الأول للوجه والثاني لليدين والثالث للرجلين والرأس يكفي فيه مسح ما قل منه كما مر

فإن عمت الرأس فأربعة وإن عمت الأعضاء كلها فتيمم واحد عن الجميع لسقوط الترتيب بسقوط الغسل قال في المجموع فإن قيل إذا كانت الجراحة في وجهه ويديه وغسل صحيح الوجه أولا جاز توالي تيمميهما فلم لا يكفيه تيمم واحد كمن عمت الجراحة أعضاءه فالجواب أن التيمم هنا في طهر تحتم فيه الترتيب فلو كفاه تيمم واحد حصل تطهير الوجه واليدين في حالة واحدة وهو ممتنع بخلاف التيمم عن الأعضاء كلها لسقوط الترتيب بسقوط الغسل اه

فيه كلام ذكرته مع الجواب عنه في شرح التنبيه

ويؤخذ من التعليل المذكور أن الجراحة لو عمت الوجه واليدين كفاهما تيمم واحد وكذا لو عمتهما والرأس وهو ظاهر لسقوط الترتيب بسقوط الغسل

( فإن كان ) على العضو الذي امتنع استعمال الماء فيه ساتر ( كجبيرة لا يمكن نزعها ) لخوف محذور مما تقدم بيانه وكذا اللصوق بفتح اللام والشقوق التي في الرجل إذا احتاج إلى تقطير شيء فيها يمنع من وصول الماء

والجبيرة بفتح الجيم والجبارة بكسرها خشب أو قصب يسوى ويشد على موضع الكسر أو الخلع لينجبر

وقال الماوردي الجبيرة ما كان على كسر واللصوق ما كان على جرح ومنه عصابة الفصد ونحوها ولهذا عبر المصنف بالساتر لعمومه ومثل بالجبيرة

وإذا عسر عليه نزع ما ذكر ( غسل الصحيح ) على المذهب لأنها طهارة ضرورة فاعتبر الإتيان فيها بأقصى الممكن

( وتيمم ) لما روى أبو داود و الدارقطني بإسناد كل رجاله ثقات عن جابر في المشجوج الذي احتلم واغتسل فدخل الماء شجته فمات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب على رأسه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده

( كما سبق ) في مراعاة الترتيب في المحدث وتعدد التيمم عند تعدد العلة وغير ذلك مما مر

وفهم منه أنه إذا أمكن النزع بلا خوف وجب وهو كذلك قطعا ونقل عن الأئمة الثلاثة عدم الوجوب

وقد يفهم من قوله كما سبق الجزم بوجوب التيمم كالمسألة قبلها وليس مرادا ففيه قولان مشهوران صرح بحكايتهما التنبيه أظهرهما أنه يتيمم

( ويجب مع ذلك مسح كل


95

جبيرته ) التي يضر نزعها ( بماء ) استعمالا للماء ما أمكن بخلاف التراب لا يجب مسحها به وإن كانت في محله لأنه ضعيف فلا يؤثر من وراء الحائل ولا يقدر المسح بمدة بل له الاستدامة إلى الإندمال لأنه لم يرد فيه توقيت ولأن الساتر لا ينزع للجنابة بخلاف الخف فيهما

والتيمم المتقدم بدل عن غسل العضو العليل ومسح الساتر بدل عن غسل ما تحت أطرافه من الصحيح كما في التحقيق وغيره

وعليه يحمل قول الرافعي إنه بدل عما تحت الجبيرة وقضية ذلك أنه لو كان الساتر بقدر العلة فقط أو بأزيد وغسل الزائد كله لا يجب المسح وهو كذلك فإطلاقهم وجوب المسح جرى على الغالب من أن الساتر يأخذ زيادة على محل العلة ولا يغسل

( وقيل ) يكفي مسح ( بعضها ) كالخف والرأس ويمسح الجنب ونحوه متى شاء والمحدث وقت غسل عليله ويشترط في السائر ليكتفي بما ذكر أن لا يأخذ من الصحيح إلا ما لا بد منه للاستمساك ولو قدر على غسله بالتلطف المتقدم وجب لخبر إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فإن تعذر ذلك أمس ما حوالي الجرح ماء بلا إفاضة كما في التحقيق وغيره

والفصد كالجرح الذي يخاف من غسله ما مر فيتيمم له إن خاف استعمال الماء وعصابته كاللصوق ولما بين حبات الجدري حكم العضو الجريح إن خاف من غسله ما مر فإذا ظهر دم الفصادة من اللصوق وشق عليه نزعه وجب عليه مسحه ويعفى عن هذا الدم المختلط بالماء تقديما لمصلحة الواجب على دفع مفسدة الحرام

قال شيخي كوجوب تنحنح مصلي الفرض حيث تعذرت عليه القراءة الواجبة

( فإذا تيمم ) الذي غسل الصحيح وتيمم عن الباقي وأدى فريضة ( لفرض ثان ) وثالث وهكذا ( ولم يحدث ) بعد طهارته الأولى ( لم يعد الجنب ) ونحوه ( غسلا ) لما غسله ولا مسحا لما مسحه

( ويعيد المحدث ) غسل ( ما بعد عليله ) لأن التيمم بدل عن غسل العليل

ولا ترتيب في حق الجنب بين غسل العليل وبين ما بعده بخلاف المحدث فإذا وجب إعادة تطهير عضو خرج ذلك العضو عن أن تكون طهارته تامة فإذا أتمها أعاد ما بعدها كما لو نسي منه لمعة

( وقيل يستأنفان ) أي الجنب ونحوه الغسل والمحدث الوضوء

وهذا مخرج من القول بوجوب الاستئناف على ماسح الخف إذا نزعه لأن كلا منهما طهارة مركبة من أصل وبدل فإذا بطل البدل بطل الأصل

واستغرب في المجموع هذا الوجه فقال اتفقت الطرق على عدم وجوب استئناف الغسل

وقال الرافعي فيه خلاف كالوضوء وهذا ضعيف متروك

( وقيل المحدث كجنب ) فلا يحتاج إلى إعادة غسل ما بعد عليله لأنه إنما يحتاج إليه لو بطلت طهارة العليل وطهارة العليل باقية إذ يتنفل بها وإنما يعيد التيمم لضعفه عن أداء فرض ثان بخلاف من نسي لمعة فإن طهارة ذلك العضو لم تحصل

( قلت الثالث أصح ) لما قلناه ( والله أعلم ) فيعيد كل منهما التيمم فقط

وهل إذا كان التيمم الأول متعددا هل يعيده كذلك حتى لو تيمم في الأول أربع تيممات يعيدها كلها أو لا اختلف المتأخرون في ذلك والذي ينبغي اعتماده كما قاله شيخي أنه يتيمم تيمما واحدا

والذي قال بالتعدد إنما يأتي على طريقة الرافعي لأجل الترتيب

وخرج بقوله ولم يحدث ما إذا أحدث فإنه يعيد جميع ما مر قال في المجموع ولو أجنب صاحب الجبيرة اغتسل وتيمم ولا يجب عليه نزعها بخلاف الخف والفرق أن في إيجاب النزع مشقة

ولو اغتسل الجنب وتيمم عن جراحة في غير أعضاء الوضوء ثم أحدث بعد أداء فريضة من صلاة أو طواف لم يبطل تيممه لأنه وقع عن غير أعضاء الوضوء فلا يؤثر فيه الحدث فيتوضأ ويصلي بوضوئه ما شاء من النوافل ولو برأ بتثليث الراء وهو على طهارة بطل تيممه لزوال علته ووجب غسل موضع العذر كان أو محدثا ويجب على المحدث أن يغسل ما بعد موضع العذر رعاية للترتيب لأنه لما وجب إعادة تطهير عضو لبطلانه خرج عن كونه تام الطهر فإذا أتمه وجب إعادة ما بعده كما لو أغفل لمعة بخلاف نحو الجنب ولا يستأنفان الطهارة وبطلان بعضها لا يقتضي بطلان كلها ولو توهم البرء بفتح الباء وضمها فرفع الساتر فبان خلافه لم يبطل تيممه بخلاف توهم الماء فإنه يبطله وإن تبين أن لا ماء لأن توهمه يوجب الطالب وتوهم البرء لا يوجب البحث عنه

فإن قيل قال في المجموع لو سقطت جبيرته في الصلاة بطلت صلاته وإن لم يبرأ كانخلاع الخف فيشكل على ما هنا

أجيب بأن ما هنا محمول على ما إذا لم يظهر من الصحيح ما يجب غسله بأن لم يظهر منه شيء أصلا بأن يكون اللصوق على قدر الجراحة وإن يكون العليل بحيث لا يلزمه إن يمر التراب عليه وما هناك على ما إذا ظهر منه ولو كان على عضوه جبيرتان فرفع إحداهما لم يلزمه رفع الأخرى بخلاف الخفين لأن لبسهما جميعا شرط بخلاف الجبيرتين ذكره في الجموع


96

فصل في بيان أركان التيمم
وكيفيته وغير ذلك مما سيأتي

( يتيمم بكل تراب ) وهو اسم جنس وقيل جمع واحدته ترابة

ومن فوائد الخلاف ما لو قال لزوجته أنت طالق بعدد التراب فعلى الأولى يقع طلقة وعلى الثاني يقع ثلاث كما سيأتي إن شاء الله تعالى في محله

( طاهر ) لقوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا قال ابن عباس هو التراب الطاهر وقال الشافعي تراب له غبار وقوله حجة في اللغة ويؤيده قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه فإن الإتيان ب من الدالة على التبعيض يقتضي أن يمسح بشيء يحصل على الوجه واليدين بعضه

وأجاب بعض الأئمة ممن لا يشترط التراب بأن من لابتداء الغاية

وضعفه الزمخشري بأن أحدا من العرب لا يفهم من قول القائل مسح برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب إلا معنى التبعيض والإذعان للحق أحق من المراء اه

ويدل له من السنة قوله صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا

رواه مسلم وهذه الرواية مبينة للرواية المطلقة التي فيها وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا

واسم التراب يدخل فيه الأصفر والأعفر والأحمر والأسود والأبيض

( حتى ما ) يؤكل سفها وهو الخراساني أو ( يداوي به ) كالطين الإرمني بكسر الهمزة وفتح الميم إذا سحق لوقوع اسم التراب عليه والبطحاء وهو تراب بمسيل الماء فيه حصى دقاق والسبخ بكسر الموحدة وهو ما لا ينبت إذا لم يعله الملح فإن علاه لم يصح التيمم به والتراب الذي خرجت به أرضه من مدر لأنه تراب لا من خشب لأنه لا يسماه وإن أشبهه

ولا أثر للعابها المختلط بالتراب ولا أثر لتغير طين أسود ولو شوي وتسود لأن اسم التراب لا يبطل بمجرد الشيء إلا ما صار رمادا

وإن انتفض من نحو كلب تراب ولم يعلم ترطبه عند التصاقه به بماء أو عرق أو غيره أجزأه لأنه طاهر حقيقة وأصالة بخلاف ما إذا علم ذلك

( وبرمل ) لا يلصق بالعضو ولو كان ناعما

( فيه غبار ) منه ولو بسحقه لأنه من طبقات الأرض والتراب جنس له فلا يصح برمل ولو ناعما لا غبار فيه أو فيه غبار لكن الرمل يلصق بالعضو لمنعه وصول التراب إلى العضو كما سيأتي في التراب المختلط بغيره

ويؤخذ من هذا شرط آخر في التراب وهو أن يكون له غبار يعلق بالوجه واليدين فإن كان جرشا أو نديا لا يرتفع له غبار لم يكف

( لا بمعدن ) بكسر الدال كنفط وكبريت ونورة ( وسحاقة خزف ) وهو ما يتخذ من الطين ويشوى كالكيزان إذ لا يسمى ذلك ترابا ومثله سحاقة نحو آجر

ولا بتراب متنجس كمقبرة تيقن نبشها لاختلاطها بصديد الموتى

( و ) لا بتراب ( مختلط بدقيق ونحوه ) كزعفران وجص لمنعه وصول التراب إلى العضو بخلاف المختلط برمل لا يلصق بالعضو كما مر

ولو عجن التراب بنحو خل فتغير به ثم جف صح التيمم به

( وقيل إن قل الخليط جاز ) كالماء القليل إذا اختلط بمائع وفرق الأول بأن الموضع الذي علق به نحو الدقيق لا يصل إليه التراب لكثافته بخلاف الماء فإنه لطيف فيجري على المحل الذي جرى عليه الخليط

واختلف في ضبط القليل والكثير على هذا القول فقال الإمام الكثير ما يظهر في التراب والقليل ما لا يظهر

وقال الروياني وجماعة تعتبر الأوصاف الثلاثة كما في الماء وجرى على هذا المصنف في الروضة وغيرها

( ولا ب ) تراب ( مستعمل على الصحيح ) وبه قطع الجمهور لأنه أدي به فرض فلم يجز استعماله ثانيا كالماء

والثاني يجوز لأنه لا يرتفع الحدث فلا يتأثر بالاستعمال بخلاف الماء

ويجري الخلاف في الماء المستعمل في طهارة دائم الحدث فإن حدثه لا يرفع على الصحيح

( وهو ) أي التراب المستعمل ( ما بقي بعضوه ) حال التيمم ( وكذا ما تناثر ) بالمثلثة بعد مسه العضو حالة التيمم ( في الأصح ) المقطوع به كالمتقاطر من الماء

والثاني لا يكون مستعملا لأن التراب كثيف إذا علق منه شيء بالمحل منع غيره أن يلصق به وإذا لم يلصق به فلا يؤثر بخلاف الماء فإنه رقيق يلاقي جميع المحل

وهذا الوجه ضعيف جدا أو غلط فكان التعبير بالصحيح أولى

أما ما تناثر ولم يمس العضو بل لاقى ما لصق


97

بالعضو فليس بمستعمل قطعا كالباقي بالأرض وقول الرافعي إنما يثبت للمتناثر حكم الاستعمال إذا انفصل بالكلية وأعرض المتيمم عنه مراده كما قال شيخي أن ينفصل عن الماسحة والممسوحة لا ما فهمه الإسنوي من أنه لو أخذه من الهواء قبل إعراضه عنه أنه يكفي

وعلم من حصر المستعمل فيما ذكر أنه يجوز أن يتيمم الجماعة أو الواحد مرات كثيرة من تراب يسير في خرقة ونحوها كما يجوز الوضوء مرات من إناء واحد

( ويشترط قصده ) أي التراب لقوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا أي اقصدوا فالآية آمرة بالتيمم وهو القصد والنقل طريقه

( فلو سفته ريح عليه ) أي عضو من أعضاء التيمم ( فردده ) عليه ( ونوى لم يجزىء ) بضم أوله وإن قصد بوقوفه في مهب الريح التيمم لانتفاء القصد من جهته بانتفاء النقل المحقق له

والقصد المذكور لا يكفي هنا بخلاف ما لو برز للمطر في الطهر بالماء فانغسلت أعضاؤه لأن المأمور به فيه الغسل واسمه مطلق ولو بغير قصد بخلاف التيمم

( ولو يمم بإذنه ) بأن نقل المأذون التراب إلى العضو وردده عليه ( جاز ) على النص كالوضوء لا بد من نية الآذن عند النقل وعند مسح الوجه كما لو كان هو المتيمم وإلا لم يصح جزما كما لو يممه بغير إذنه فإنه يكون كتعرضه للريح

( وقيل يشترط ) لجواز أن ييممه غيره بإذنه

( عذر ) لأنه لم يقصد التراب

وأجاب الأول بإقامة فعل مأذونه مقام فعله لكن يستحب له أن لا يأذن لغيره في ذلك مع القدرة خروجا من الخلاف بل يكره له ذلك كما صرح به الدميري ويجب عليه عند العجز ولو بأجرة عند القدرة عليها

( وأركانه ) أي التيمم هنا خمسة وركن الشيء جانبه الأقوى

وعدها في الروضة سبعة فجعل التراب والقصد ركنين وأسقط في المجموع التراب وعدها ستة وجعل التراب شرطا

والأولى ما في الكتاب إذ لو حسن عد التراب ركنا لحسن عد الماء ركنا في الطهر به وأما القصد فداخل في النقل الواجب قرن النية به

الركن الأول ( نقل التراب ) إلى العضو الممسوح بنفسه أو بمأذونه كما مر فلو كان على العضو تراب فردده عليه من جانب إلى جانب لم يكف

وإنما صرح بالقصد مع أن النقل المقرون بالنية متضمن له رعاية للفظ الآية

( فلو ) تلقى التراب من الريح بكمه أو يده ومسح به وجهه أو تمعك في التراب ولو لغير عذر أجزأه

فإن قيل إن الحدث بعد الضرب وقبل مسح الوجه يضر وكذا الضرب قبل الوقت أو مع الشك في دخوله مع أن المسح بالضرب المذكور لا يتقاعد عن التمعك والضرب بما على الكم أو اليد فينبغي جوازه في ذلك

أجيب بأنه يجوز عند تجديد النية كما لو كان التراب على يديه ابتداء والمنع إنما هو عند عدم تجديدها لبطلانها وبطلان النقل الذي قارنته

ولو ( نقل ) التراب ( من وجه إلى يد ) بأن حدث عليه بعد زوال تراب مسحه عنه تراب ( أو عكس ) أي نقله من يد إلى وجه أو نقله من يد إلى أخرى أو من عضو ورده إليه ومسحه به ( كفى في الأصح ) لوجود مسمى النقل

والثاني لا يكفي لأنه منقول من محل الفرض فهو كالنقل من بعض العضو إلى بعضه بالترديد

ودفع بأنه بالانفصال انقطع حكم ذلك العضو عنه بخلاف ترديده عليه ولو مسح بما سفته الريح على كمه مثلا كفى لوجود النقل

( و ) الركن الثاني ( نية استباحة الصلاة ) ونحوها مما تفتقر استباحته إلى طهارة كطواف وحمل مصحف وسجود تلاوة إذ الكلام الآن في صحة التيمم وأما ما يستباح به فسيأتي

ولو تيمم بنية الاستباحة ظانا أن حدثه أصغر فبان أكبر أو عكسه صح لأن موجبهما واحد وإن تعمد لم يصح في الأصح لتلاعبه

فلو أجنب في سفره ونسي وكان يتيمم وقتا ويتوضأ وقتا أعاد صلاة الوضوء فقط لما ذكر ولو نوى الظهر مقصورة عند جوازه فله الإتمام أو عند امتناعه لم يصح تيممه لعصيانه قاله البغوي في فتاويه

( لا ) نية ( رفع حدث ) أصغر أو أكبر أو الطهارة عن أحدهما فلا يكفي لأن التيمم لا يرفعه

فإن قيل الحدث الذي ينوى رفعه هو المنع من الصلاة نحوها وهذا يرفعه التيمم

أجيب بأن الحدث منع متعلقه كل صلاة فريضة كانت أو نافلة وكل طواف فرضا كان أو نفلا وغير ذلك وهذا المنع العام لا يرفعه التيمم وإنما يرتفع به منع خاص وهو المنع من فريضة فقط أو ونوافل أو نوافل فقط والخاص غير العام

ويؤخذ


98

من هذا أنه لو نوى رفع الحدث الخاص صح وهو كذلك كما قاله شيخي

( ولو نوى فرض التيمم ) أو فرض الطهارة أو التيمم المفروض أو الطهارة عن الحدث أو الجنابة ( لم يكف في الأصح ) لأن التيمم ليس مقصودا في نفسه وإنما يؤتى به عن ضرورة فلا يجعل مقصودا بخلاف الوضوء ولهذا يستحب تجديد الوضوء بخلاف التيمم والثاني يكفي كالوضوء

وفرق الأول بما تقدم

ولو نوى التيمم لم يكف جزما وسيأتي أنه لو تيمم عن غسل مسنون كغسل الجمعة أنه يكفيه نية التيمم بدل الغسل

( ويجب قرنها ) أي النية ( بالنقل ) الحاصل بالضرب إلى الوجه لأنه أول الأركان ( وكذا ) يجب ( استدامتها إلى مسح شيء من الوجه على الصحيح ) فلو عزبت قبل المسح لم يكف لأن النقل وإن كان ركنا فهو غير مقصود في نفسه

قال الإسنوي والمتجه الإكتفاء باستحضارها عندهما وإن عزبت بينهما

واستشهد له بكلام لأبي خلف الطبري بل وتعليل الرافعي يفهمه وهذا هو المعتمد

والتعبير بالاستدامة كما قال شيخي جرى على الغالب لأن هذا الزمن يسير لا تعزب فيه النية غالبا بل لو لم ينو إلا عند إرادة مسح الوجه أجزأه ذلك أخذا من الفرق المتقدم ولا ينافي ذلك قول الأصحاب يجب قرنها بالنقل لأن المراد النقل المعتد به وهذا لا يعتد به فإن النقل المعتد به الآذن هو النقل من اليدين إلى الوجه وقد اقترنت النية به

والثاني لا تجب الاستدامة كما لو قارنت نية الوضوء أول غسل الوجه ثم انقطعت

وأجاب الأول بما مر

ولو نقل التراب قبل الوقت وتيمم بعده لم يجزه ولو يممه غيره بإذنه ونوى الآذن عند ضرب المأذون له وأحدث أحدهما قبل المسح لم يضر قاله القاضي حسين في فتاويه لأن الآمر ليس بناقل فلا يبطل بحدثه والمأمور ليس بناقل لنفسه حتى يبطل بحدثه وهذا هو المعتمد وإن قال الرافعي ينبغي أن يبطل بحدث الآمر كما في تعليق القاضي حسين

ولو تقدمت النية على المفروضات وقارنت شيئا من السنن كالتسمية والسواك فكما سبق في الوضوء

ولو ضرب يده على بشرة تنقض وعليها تراب فإن منع التقاء البشرتين صح تيممه وإلا فلا

ثم شرع في بيان ما يباح له بنيته فقال ( فإن نوى فرضا ونفلا ) أي استباحتهما ( أبيحا ) له عملا بنيته

وعلم من تنكيره الفرض عدم اشتراط التعيين وهو الأصح

فإذا أطلق صلى أي فرض شاء وإن عين فرضا جاز أن يصلي غيره فرضا أو نفلا في الوقت أو غيره

وله أن يصلي به الفرض المنوي في غير وقته فإن عين فرضا وأخطأ في التعيين كمن نوى فائتة ولا شيء عليه أو ظهرا وإنما عليه عصر لم يصح تيممه لأن نية الاستباحة واجبة في التيمم وإن لم يجب التعيين

فإذا عين وأخطأ لم يصح كما في تعيين الإمام والميت في الصلاة بخلاف مثله في الوضوء لعدم وجوب نية الاستباحة فيه فلا يضر الخطأ فيها كما لو عين المصلي اليوم وأخطأ ولأنه يرفع الحدث فيستبيح ما شاء والتيمم يبيح ولا يرفع فنيته صادفت استباحة ما لا يستباح

( أو ) نوى ( فرضا فله النفل ) معه ( على المذهب ) لأن النوافل تابعة وإذا صلحت طهارته للأصل فللتابع أولى كما إذا أعتق الأم بعتق الحمل

وعبر بالمذهب لأن النوافل المتقدمة على الفرض فيها قولان والمتأخرة تجوز قطعا وقيل على القولين

ويتلخص من ذلك ثلاثة أقوال أحدها له النفل مطلقا والثاني لا مطلقا لأنه لم ينوها والثالث له ذلك بعد الفرض لا قبله لأن التابع لا يقدم

قال السبكي ولو قيل يستبيح النافلة التابعة لتلك الفريضة دون ما عداها لم يبعد ولكن لم أر من قال به

ومن ظن أو شك هل عليه فائتة فتيمم لها ثم ذكرها لم يصح تيممه لأن وقت الفائتة بالتذكر كما سيأتي

( أو ) نوى ( نفلا ) من الصلوات ولم يتعرض للفرض ( أو ) نوى ( الصلاة ) وأطلق ( تنفل ) أي له فعل النفل المنوي وغيره ( لا الفرض على المذهب ) فيهما

أما في الأولى فلأن الفرض أصل والنفل تابع فلا يجعل المتبوع تابعا والثاني يستبيح الفرض قياسا على الوضوء

وأما في الثانية فقياسا على ما لو تحرم بالصلاة فإن صلاته تنعقد نفلا والثاني يستبيح الفرض أيضا لأن الصلاة اسم جنس يتناول النوعين فيستبيحهما كما لو نواهما

قال


99

الإسنوي وهو المتجه لأن المفرد المحلى بأل للعموم عند الشافعي وفي قول ثالث له فعل الفرض في الثانية دون الأولى

والأقوال التي تحصلت من حكاية قولين في المسألتين كما في المجموع وطريقة قاطعة في الثانية بالجواز

وقطع بعضهم في الأولى بعدمه فساغ للمصنف أن يعبر بالمذهب

و الرافعي حكى الخلاف في الثانية وجهين وتبعه في الروضة

ولو نوى بتيممه حمل المصحف أو سجود التلاوة أو الشكر أو نوى نحو الجنب الاعتكاف أو قراءة القرآن أو الحائض استباحة الوطء كان ذلك كله كنية النفل في أنه لا يستبيح به الفرض ولا يستبيح به النفل أيضا لأن النافلة آكد من ذلك

وظاهر كلامهم أن ما ذكر في مرتبة واحدة حتى إذا تيمم لواحد منها جاز له فعل البقية وهو كذلك ولو نوى بتيممه صلاة الجنازة فالأصح أنه كالتيمم للنفل والثاني أنه كالتيمم للفرض والثالث حكاه في المجموع التفصيل بين أن يتعين عليه أو لا فعلى الصحيح يستبيح معها النفل لا الفرض ويستبيحها بالتيمم للنفل ولو نوى فريضتين فائتتين أو فائتة ومؤداة أو منذورتين أو منذورة وفريضة أخرى صح تيممه لواحد لأن من نوى استباحة فرضين فقد نوى استباحة فرض

( و ) الركن الثالث ( مسح وجهه ) حتى ظاهر مسترسل لحيته والمقبل من أنفه على شفته لقوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه

والركن الرابع ما ذكره بقوله ( ثم ) مسح ( يديه مع مرفقيه ) على وجه الاستيعاب للآية لأن الله تعالى أوجب طهارة الأعضاء الأربعة في الوضوء أول الآية ثم أسقط منها عضوين في التيمم في آخر الآية فبقي العضوان في التيمم على ما ذكر في الوضوء إذ لو اختلفا لبينهما كذا قاله الشافعي رضي الله تعالى عنه والقديم يكفي مسحهما إلى الكوعين

ورجحه في شرح المهذب والتنقيح وقال في الكفاية إنه الذي يتعين ترجيحه اه

وهذا من جهة الدليل وإلا فالمرجح في المذهب ما في المتن

والركن الخامس الترتيب بين الوجه واليدين المستفاد من ثم ولما مر في الوضوء ولا فرق في ذلك بين التيمم عن حدث أكبر أو أصغر أو غسل مسنون الوضوء مجدد أو غير ذلك مما يطلب له التيمم

فإن قيل لم لم يجب الترتيب في الغسل ووجب في التيمم الذي هو بدل عنه أجيب بأن الغسل لما وجب فيه تعميم جميع البدن صار كعضو واحد والتيمم يجب في عضوين فقط فأشبه الوضوء

( ولا يجب إيصاله ) أي التراب ( منبت الشعر الخفيف ) لما فيه من العسر بخلاف الوضوء بل لا يستحب كما في الكفاية فالكثيف أولى

( ولا ترتيب ) واجب ( في نقله ) أي التراب إلى العضوين ( في الأصح ) بل هو مستحب ( فلو ضرب بيديه ) التراب دفعة واحدة أو ضرب اليمين قبل اليسار ( ومسح بيمينه وجهه وبيساره يمينه ) أو عكس ( جاز ) لأن الفرض الأصلي المسح والنقل وسيلة إليه والثاني يشترط كما في المسح

وأجاب الأول بأنه لا يلزم من الاشتراط في المقصد الاشتراط في وسيلته

ويشترط قصد التراب لعضو معين يمسحه أي أو يطلق فلو أخذ التراب ليمسح به وجهه فتذكر أنه مسحه لم يجز أن يمسح يديه بذلك التراب وكذا لو أخذه بيديه ظانا أنه مسح الوجه ثم تذكر أنه لم يمسحه لم يجز أن يمسح به وجهه ذكره القفال في فتاويه

ثم لما فرغ من أركان التيمم شرع في ذكر بعض سننه فقال ( وتندب ) للمتيمم ولو محدثا حدثا أكبر ( التسمية ) أوله كالوضوء والغسل ( ومسح وجهه ويديه بضربتين ) لورودهما في الأخبار مع الاكتفاء بالضربة إذا حصل بها التعميم لحديث عمار السابق ولأن المقصود إنما هو إيصال التراب وقد حصل

( قلت الأصح المنصوص وجوب ضربتين وإن أمكن بضربة بخرقة ونحوها ) بأن يأخذ خرقة كبيرة فيضرب بها ثم يمسح ببعضها وجهه وببعضها يديه

( والله أعلم ) لخبر الحاكم التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين

وروى أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم تيمم بضربتين مسح بإحداهما وجهه وبأخرى ذراعيه لكن الأول موقوف على ابن عمر والثاني فيه راو ليس بالقوي عند المحدثين ذكره في المجموع

ومع هذا صحح وجوب الضربتين وقال إنه المعروف من مذهب الشافعي أي لأن الاستيعاب غالبا لا يتأتى بدونهما فأشبها


100

الأحجار الثلاثة في الاستنجاء ولأن الزيادة جائزة بالاتفاق بل قيل يستحب ثلاث ضربات لكل عضو ضربة فلو جاز أيضا النقصان لم يبق للتقييد بالعدد فائدة

فإن قيل في حديث عمار أنه صلى الله عليه وسلم قال له إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم نفضهما ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه رواه الشيخان

أجيب بأن المراد بيان صورة الضرب للتعليم لا بيان جميع ما يحصل به التيمم قال الزركشي ولا يخفى ضعفه

وتكره الزيادة كما قاله المحاملي و ابن المقري على مرتين أي إن حصل الاستيعاب بهما وإلا لم تكره بل تجب وظاهر عبارة المصنف أنه لو ضرب بنحو خرقة ضربة ومسح بها وجهه ويديه إلا جزءا منهما أو من أحدهما كأصبع ثم ضرب ضربة أخرى ومسح بها ذلك الجزء أنه يكفي لوجود الضربتين وظاهر الحديث المتقدم يخالفه ولا يتعين الضرب فلو وضع يديه على تراب ناعم وعلق بهما غبار كفى فسقط ما قيل إنه يشكل على وجوب ضربتين تصحيح جواز التمعك بالتراب

( ويقدم ) ندبا ( يمينه ) على يساره ( وأعلى وجهه ) على أسفله كما في الوضوء وقيل يبدأ بأسفله ثم يستعلي

وفارق الوضوء لأن الماء ينحدر بطبعه فيعم الوجه والتراب لا يجري إلا بإمراره باليد فيبدأ بأسفل وجهه ليقل ما يحصل في أعلاه من الغبار فيكون أسلم لعينيه

وقال في المجموع ظاهر عبارة الجمهور أنه لا استحباب في البداءة بشيء من الوجه دون شيء اه

وأسقط المصنف من المحرر ذكر كيفية التيمم المشهورة من غير تنبيه عليها في الدقائق وهي كما في المجموع مستحبة وإن قال ابن الرفعة إنها غير مستحبة لأنه لم يثبت فيها شيء لأن من حفظ شيئا حجة على من لم يحفظ

وصورتها أن يضع بطون أصابع اليسرى سوى الإبهام على ظهر أصابع اليمنى سوى الإبهام بحيث لا تخرج أنامل اليمنى عن مسبحة اليسرى ولا مسبحة اليمنى عن أنامل اليسرى ويمرها على ظهر كفه اليمنى فإذا بلغ الكوع ضم أطراف أصابعه إلى حرف الذراع ويمرها إلى المرفق ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع فيمرها عليه رافعا إبهامه فإذا بلغ الكوع أمر إبهام اليسرى على إبهام اليمنى ثم يفعل باليسرى كذلك ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى ويمر التراب على العضو كالوضوء وخروجا من خلاف من أوجبه

( ويخفف الغبار ) من كفيه أو ما يقوم مقامهما إن كان كثيرا بالنفض أو النفخ بحيث يبقى قدر الحاجة لخبر عمار وغيره ولئلا تتشوه به خلقته

أما مسح التراب من أعضاء التيمم فالأحب أن لا يفعله حتى يفرغ من الصلاة كما نص عليه في الأم

( وموالاة التيمم كالوضوء ) فيأتي فيه القولان لأن كلا منهما طهارة عن حدث

وإذا اعتبرنا هناك الجفاف اعتبرناه هنا أيضا بتقديره ماء

وتسن الموالاة أيضا بين التيمم والصلاة خروجا من خلاف من أوجبها

وتجب الموالاة بقسميها في تيمم دائم الحدث كما تجب في وضوئه تخفيفا للمانع لأن الحدث يتكرر وهو مستغن عنه بالموالاة وهذه الصورة داخلة في عبارة المصنف فإنه شبه التيمم بالوضوء

( قلت وكذا الغسل ) أي تسن موالاته كالوضوء

( ويندب ) أن لا يرفع اليد الماسحة عن عضو قبل تمامه مسحا خروجا من خلاف من أوجبه لأن الباقي بالماسحة يصير بالفصل مستعملا

ورد بأن المستعمل هو الباقي بالممسوحة وأما الباقي بالماسحة ففي حكم التراب الذي تضرب عليه اليد مرتين

ويسن ( تفريق أصابعه أولا ) أي أول الضرب في الضربتين

أما في الأولى فلزيادة إثارة الغبار باختلاف مواقع الأصابع إذا تفرقت وأما في الثانية فليستغني بالواصل عن المسح بما على الكف

فإن قيل يلزم على التفريق في الأولى عدم صحة تيممه بمنع الغبار الحاصل فيها بين الأصابع وصول الغبار في الثانية

أجيب بأنه لو اقتصر على التفريق في الأولى أجزأه لعدم وجوب ترتيب النقل كما مر فحصول التراب الثاني إن لم يزد الأول قوة لم ينقصه

وأيضا الغبار على المحل لا يمنع المسح بدليل أن من غشيه غبار السفر لا يكلف نفضه للتيمم كما ذكره الرافعي

وقول البغوي يكلف نفض التراب محمول على تراب يمنع وصول التراب إلى المحل كما قاله شيخنا يندب تخليل أصابعه بعد مسح اليدين احتياطا

ويجب أن لم يفرق أصابعه في الثانية لأن ما وصل إليه قبل مسح الوجه غير معتد به في حصول المسح

ويندب مسح إحدى


101

الراحتين بالأخرى كما مر عند الفراغ من مسح الذراعين وإنما لم يجب لأن فرضهما تأدى بضربهما بعد مسح الوجه

وإنما جاز مسح الذراعين بترابهما لعدم انفصاله وللحاجة إذ لا يمكن مسح الذراع بكفها فصار كنقل الماء من بعض العضو إلى بعضه كما قاله في المجموع

قال شيخنا وينبغي أن يكون مراده بنقل الماء تقاذفه الذي يغلب كما عبر به الرافعي وهو مراده بلا شك

( ويجب نزع خاتمه في الثانية ) ليصل التراب إلى محله ولا يكفي تحريكه ( والله أعلم ) وهذا بخلاف الوضوء لأن التراب كثيف لا يسري إلى ما تحت الخاتم بخلاف الماء

وأفهم أنه لا يجب في الأولى وهو كذلك بل هو مستحب ليكون مسح جميع الوجه باليد اتباعا للسنة

وإيجاب النزع إنما هو عند المسح لا عند النقل وإن كان ظاهر عبارته الثاني

وإيجابه ليس لعينه بل لإيصال التراب إلى ما تحته لأنه لا يتأتى غالبا إلا بالنزع فإن فرض وصوله إلى ما تحته لوسعه مثلا لم يجب نزعه

والخاتم بفتح التاء وكسرها قال تعالى وخاتم النبيين قريء بفتح التاء وكسره

ويقال فيه خاتام وخيتام وختم بفتح الأول والثاني وختام على وزن كتاب

ويسن عدم تكرار المسح لأن المطلوب فيه تخفيف التراب وأن يأتي بالشهادتين عقبه وأن يستقبل القبلة كالوضوء فيهما

ولو مسح وجهه بيده النجسة لم يجز كالمسح عليها كما لا يصح غسلها عن الحدث مع بقاء النجاسة ولأن التيمم لإباحة الصلاة ولا إباحة مع المانع فأشبه التيمم قبل الوقت وتقدم في آداب الخلاء وجوب تقديم الاستنجاء على التيمم ويجب أيضا تقديم إزالة نجس بباقي البدن كما صححه في التحقيق في باب الاستنجاء وهو المفتى به فإنه المنصوص في الأم

ولو تنجس بدنه بعد أن تيمم لم يبطل تيممه

ويصح تيمم العريان ولو كان قادرا على السترة والتيمم قبل الاجتهاد في القبلة قال في التحقيق كتيمم من عليه نجاسة ونقله في الروضة وغيرها عن الروياني

وقضيته عدم الصحة ويفرق بينه وبين الصحة مع العري بأن الستر أخف من معرفة القبلة بدليل صحة الصلاة مع العري بلا إعادة بخلافها مع عدم معرفة القبلة هذا والأوجه الصحة كصحته قبل الستر

ويفارق إزالة النجاسة أنه أخف منها ولهذا تصح صلاة من صلى أربع ركعات لأربع جهات بالاجتهاد بلا إعادة بخلاف إزالة النجاسة

والتشبيه المذكور لا يستلزم إتحاد المشبه والمشبه به في الترجيح

ثم شرع في أحكام التيمم وهي ثلاثة أحدها ما يبطله غير الحدث المبطل له وقد بدأ به فقال ( من تيمم لفقد ماء فوجده إن لم يكن في صلاة بطل ) تيممه وإن ضاق الوقت بالإجماع كما قاله ابن المنذر ولخبر أبي ذر التراب كافيك ولو لم تجد الماء عشر حجج فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك رواه الحاكم وصححه الترمذي وقال حسن صحيح ولأنه لم يشرع في المقصود فصار كما لو رآه في أثناء التيمم

ووجود ثمن الماء عند إمكان شرائه كوجود الماء وكذا توهم الماء وإن زال سريعا لوجوب طلبه بخلاف توهمه السترة لا يجب عليه طلبها لأن الغالب عدم وجدانها بالطلب للبخل بها

ومما يبطله أيضا الردة كما مر في الوضوء

ومن التوهم رؤية سراب وهو ما يرى نصف النهار كأنه ماء أو رؤية غمامة مطبقة بقربه أو رؤية ركب طلع أو نحو ذلك مما يتوهم معه الماء فلو سمع قائلا يقول عندي ماء لغائب بطل تيممه لعلمه بالماء قبل المانع أو يقول عندي لغائب ماء لم يبطل تيممه لمقارنة المانع وجود الماء ولو قال عندي لحاضر ماء وجب طلبه منه ولو قال لفلان ماء ولم يعلم السامع غيبته ولا حضوره وجب السؤال عنه أي وبطل تيممه في الصورتين لما مر من أن وجوب الطلب يبطله

ولو سمعه يقول عندي ماء ورد هل يبطل تيممه أو لا فيه نظر ولم أر من تعرض له ثم رأيت بعض المتأخرين تعرض له وجزم ببطلان التيمم ووجود ما ذكر قبل تمام تكبير الإحرام كوجوده قبل الشروع فيها فإن قلت هلا كان وجود الماء كوجود المكفر الرقبة بعد فراغه من الصوم وكحيض المرأة بعد فراغها من العدة بالأشهر أجيب بأن الصوم والأشهر مقصودان بخلاف التيمم أما بعد شروعه فيها فلا بطلان بتوهم أو شك أو ظن وسيأتي حكم التيقن

واحترز بقوله لفقد ماء عما إذا تيمم لمرض ونحوه فإنه إنما يبطل تيممه بالقدرة على استعماله ولا أثر لوجوده وإنما يبطله وجود الماء أو توهمه

( إن لم يقترن بمانع ) يمنع من استعماله ( كعطش ) وسبع لأن وجوده والحالة هذه


102

كالعدم ( أو ) إن وجده ( في صلاة لا تسقط ) أي لا يسقط قضاؤها ( به ) أي بالتيمم بأن صلى في مكان يغلب فيه وجود الماء

( بطلت ) صلاته ( على المشهور ) إذ لا فائدة بالاشتغال بها لأنه لا بد من إعادتها والثاني لا تبطل محافظة على حرمتها ويعيدها وهو وجه ضعيف

فالخلاف كما في الروضة وغيرها وجهان فكان التعبير بالصحيح كما في الشرحين والروضة أولى ولو وجه البطلان للتيمم لكان أولى إذ لا يلزم من بطلانها بطلانه بخلاف العكس مع أن الكلام في بطلانه لا في بطلانها

( وإن أسقطها ) أي أسقط التيمم قضاءها ( فلا ) تبطل صلاته لأنه شرع في المقصود فكان كما لو وجد المكفر الرقبة بعد الشروع في الصوم ولأن وجود الماء ليس حدثا لكنه مانع من ابتداء التيمم وليس كالمصلي بالخف يتخرق فيها إذ لا يجوز افتتاحها مع تخرقه بحال ولتقصيره بعدم تعهده ولا كالمعتدة بالأشهر فتحيض فيها لقدرتها على الأصل قبل الفراغ من البدل بخلاف المتيمم فيهما

ولا فرق في ذلك بين صلاة الفرض كظهر وصلاة جنازة

والنفل كعيد ووتر ( وقيل يبطل النفل ) لقصور حرمته عن حرفة الفرض إذ الفرض يلزم بالشروع بخلاف النفل

فإن قيل هلا بطلت صلاته برؤية الماء كما لو قلد الأعمى غيره في القبلة ثم أبصر في الصلاة فإن صلاته تبطل مع أن الضرورة زالت فيهما أجيب بأن هذا قد فرغ من البدل وهو التيمم بخلافه ثم فإنه ما دام في الصلاة فإنه مقلد

ولو رأى المسافر الماء في أثناء صلاته وهو قاصر ثم نوى الإقامة أو نوى القاصر الإتمام عند رؤية الماء بطلت صلاته تغليبا لحكم الإقامة في الأولى ولحدوث ما لم يستبحه فيها في الثانية لأن الإتمام كافتتاح صلاة أخرى

واندفع بتصوير الأولى بالقصر كالثانية ما استشكله الإسنوي من أن ما ذكر فيها غير صحيح لما سيأتي أن المتيمم إن تيمم بمحل يغلب فيه وجود الماء لزمه القضاء إن لم ينو الإقامة أو بمحل يغلب فيه عدمه فلا وإن نواها فلا تأثير لنيتها

فإن قيل هاتان الصورتان واردتان على المصنف فإنه شرع فيهما في محل لا يجب عليه القضاء فيه

أجيب بأن قوله أسقطها أخرج الصورتين لأنها صلاة صارت مما لا تسقط بالتيمم وخرج بعند رؤية الماء ما لو تأخرت رؤيته عن نية الإقامة أو الإتمام فلا تبطل صلاته ولو قارنت الرؤية الإقامة أو الإتمام هل هي كالمتقدمة فتضر أو كالمتأخرة فلا تضر مقتضى التعبير ب عند رؤية الماء كما عبرت به تبعا لابن المقري الأول واعتمده شيخي ومقتضى التعبير ب بعد رؤية الماء كما عبر به في الروضة الثاني واعتمده شيخنا والأول أوجه لمقارنة المانع وشفاء المريض من مرضه في الصلاة كوجدان المسافر الماء فيها فينظر إن كانت مما تسقط بالتيمم لم تبطل وإن كانت مما لا تسقط بالتيمم كأن تيمم وقد وضع الجبيرة على حدث بطلت

( والأصح أن قطعها ) أي الفريضة التي تسقط بالتيمم ( ليتوضأ ) ويصلي بدلها ( أفضل ) من إتمامها فرضا إن كانت الصلاة أو نفلا كوجود المكفر الرقبة في أثناء الصوم وليخرج من خلاف من حرم إتمامها إلا إذا ضاق وقت الفريضة فيحرم قطعها كما جزم به في التحقيق ونقله في المجموع عن الإمام وقال إنه متعين ولا أعلم أحدا يخالفه وقضية كلام الروضة أنه وجه ضعيف

والثاني الإتمام أفضل لأن الخروج فيه إبطال للعضل وقد قال تعالى ولا تبطلوا أعمالكم

وقيل الأفضل أن يقلب فرضه نفلا ويسلم عن ركعتين

أما النفل فقطعه ليتوضأ أفضل جزما

فروع لو يمم ميت وصلى عليه ثم وجد الماء وجب غسله والصلاة عليه سواء أكان في أثناء الصلاة أو بعدها ذكره البغوي في فتاويه ثم قال ويحتمل أن لا يجب

وما قاله محله في الحضر أما في السفر فلا يجب شيء من ذلك كالحي جزم به ابن سراقة في تلقينه لكنه فرضه في الوجدان بعد الصلاة فعلم أن صلاة الجنازة كغيرها وأن تيمم الميت كتيمم الحي

ولو رأى الماء في صلاته التي تسقط بالتيمم بطل تيممه بسلامه منها وإن علم تلفه قبل سلامه لأنه ضعف برؤية الماء وكان مقتضاه بطلان الصلاة التي هو فيها لكن خالفناه لحرمتها ويسلم الثانية لأنها من جملة الصلاة كما بحثه المصنف تبعا للروياني وإن خالف في ذلك والد الروياني

ولو رأت حائض تيممت لفقد الماء الماء وهو يجامعها حرم عليها تمكينه كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره ووجب النزع كما في المجموع وغيره لبطلان طهرها

ولو رآه هو دونها لم يجب عليه النزع لبقاء طهرها


103

خلافا لما في الأنوار من وجوب النزع

ولو رأى الماء في أثناء قراءة قد تيمم لها بطل تيممه بالرؤية سواء أنوى قراءة قدر معلوم أم لا لبعد ارتباط بعضها ببعض قاله الروياني

( و ) الأصح ( أن المتنفل ) الواجد للماء في صلاته الذي لم ينو قدرا ( لا يجاوز ركعتين ) بل يسلم منهما لأنه الأحب والمعهود في النفل هذا إذا رأى الماء قبل قيامه للثالثة فما فوقها وإلا أتم ما هو فيه كما صرح به القاضي أبو الطيب وغيره

وقيل له أن يزيد ما شاء كما له تطويل الأركان

وقيل يقتصر على ركعة بناء على أن حمل النذر المطلق عليها إلا من نوى شيئا عددا أو ركعة فيتمه لانعقاد نيته عليه فأشبه المكتوبة المقدرة ولا يزيد عليه لأن الزيادة كافتتاح نافلة بدليل افتقارها إلى قصد جديد

ولو عبر بما قدرته ليشمل الركعة لكان أولى فإنه لا يزيد عليها كما مر لأن الواحد ليس بعدد وإنما هو مبدأ العدد

ولو رأى الماء في أثناء الطواف قال الفوراني إن قلنا يجوز تفريقه أي وهو الأصح توضأ وإلا فكالصلاة

ثم شرع في الحكم الثاني وهو ما يستباح بالتيمم فقال ( ولا يصلي بتيمم غير فرض ) لأن الوضوء كان لكل فرض لقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة والتيمم بدل عنه ثم نسخ ذلك في الوضوء بأنه صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد فبقي التيمم على ما كان عليه ولما روى البيهقي بإسناد الصحيح عن ابن عمر قال يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث ولأنه طهارة ضرورة

ومثل فرض الصلاة في ذلك فرض الطواف وخطبة الجمعة فيمتنع الجمع بتيمم واحد بين طوافين مفروضين وبين طواف فرض وفرض صلاة وبين صلاة الجمعة وخطبتها على ما رجحاه

وهو المعتمد لأن الخطبة وإن كانت فرض كفاية ألحقت بفرض العين إذ قيل إنها قائمة مقام ركعتين

فإن قيل لم جمع بين خطبتي الجمعة بتيمم وهما فرضان أجيب بأنهما في حكم شيء واحد ولو عبر بقوله ولا يفعل بتيمم غير فرض كان أولى ليعم الطوافين والطواف والصلاة كما تقرر

والصبي لا يؤدي بتيممه غير فرض كالبالغ لأن ما يؤديه كالفرض في النية وغيرها نعم لو تيمم للفرض ثم بلغ لم يصل به الفرض لأن صلاته نفل كما صححه في التحقيق ونقله في المجموع عن العراقيين

فإن قيل لم جعل كالبالغ في أنه لا يجمع بتيمم فرضين ولا يصلي به الفرض إذا بلغ أجيب بأن ذلك احتياطا للعبادة في أنه يتيمم للفرض الثاني ويتيمم إذا بلغ وهذا في غاية الاحتياط

وخرج بما ذكر تمكين الحائض من الوطء مرارا وجمعها بين فرض آخر بتيمم واحد فإنهما جائزان

وقول الدميري ويستثنى من إطلاقه المتيمم للجنابة عند عجزه عن الماء إذا تجردت جنابته عن الحدث فإنه يصلي بتيممه فرائض ضعيف تبع فيه صاحب الحاوي الصغير ونقله عن صاحب المصباح وهو غير مرضي لأن الجنابة مانعة

( ويتنفل ) مع الفريضة وبدونها بتيمم ( ما شاء ) لأن النوافل تكثر فيؤدي إيجاب التيمم لكل صلاة منها إلى الترك أو إلى حرج عظيم فخفف في أمرها كما خفف بترك القيام فيها مع القدرة وبترك القلة في السفر

ولو نذر إتمام كل صلاة دخل فيها فله جمعها مع فرض لأن ابتداءها نفل ذكره الروياني

ولو صلى بالتيمم منفردا أو في جماعة ثم أراد إعادتها جماعة به جاز كما صرح به الخفاف لأن فرضه الأولى على الأصح كما سيأتي في محله

ثم كل صلاة أوجبناها في الوقت وأوجبنا إعادتها كمربوط على خشبة ففرضه الثانية وله أن يعيدها بتيمم الأولى لأن الأولى وإن وقعت نفلا فالإتيان بها فرض

فإن قيل كيف جمعهما بتيمم مع أن كلا منهما فرض أجيب بأن هذا كالمنسية من خمس يجوز جمعها بتيمم وإن كانت فروضا لأن الفرض بالذات واحدة

ويؤخذ من ذلك أنه لو تيمم للجمعة ولزمه إعادة الظهر كان له أن يصليه بذلك التيمم لما ذكر

( والنذر ) بالمعجمة ( كفرض ) عيني ( في الأظهر ) لتعينه على الناذر فأشبه المكتوبة فليس له أن يجمعه مع فرض آخر مؤداة كانت أو مقضية بتيمم واحد والثاني لا لأنه واجب لعارض فلا يلحق بالفرض الأصلي فله ما ذكر

ولو تعين على ذي حدث أكبر تعلم فاتحة أو حمل مصحف أو نحو ذلك كحائض انقطع حيضها وأراد الزوج وطأها وتيمم من ذكر لفريضة كان له أن يجمع ذلك معها خلافا لبعض المتأخرين من أنه كالمنذور

( والأصح صحة جنائز ) أو جنازتين أو جنازة كما فهم بالأولى ( مع فرض ) بتيمم واحد وإن تعينت عليه بأن لم يحضر غيره لأنها ليست من جنس فرائض الأعيان فهي كالنفل في جواز الترك في الجملة وإنما تعين القيام


104

فيها مع القدرة لأن القيام قوامها لعدم الركوع والسجود فيها فتركه يمحق صورتها والثاني لا تصح لأنها فرض في الجملة والفرض بالفرض أشبه والثالث إن لم تتعين عليه صحت كالنفل وإن تعينت عليه فلا كالفرض

تنبيه قولهمع فرض مراده أنه إذا تيمم الفرض جاز له أن يصلي به ذلك الفرض ويصلي معه أيضا على جنائز

وتقدم أنه إذا تيمم لنافلة جاز له أن يصلي به الجنازة لأنها كالنفل كما مر وبعض المتأخرين فصل تفصيلا غريبا فقال صلاة الجنازة رتبة متوسطة بين الفرائض والنوافل أي فيصلي بتيمم الفريضة الجنازة وبتيمم الجنازة النافلة ولا يصلي بتيمم النافلة الجنازة ولا بتيمم الجنازة الفريضة وهو ممنوع في الصورة الثالثة صحيح في الباقي

( و ) الأصح وعبر في الروضة بالصحيح ( أن من نسي إحدى الخمس ) ولم يعلم عينها وجب عليه أن يصلي الخمس لتبرأ ذمته بيقين

وإذا أراد صلاتهن بالتيمم ( كفاه تيمم لهن ) لأن المقصود بهن واحدة والباقي وسيلة

ولو قدم لهن على تيمم لكان أولى لئلا يتوهم أنه إنما يكفيه تيمم إذا نوى به الخمس وليس مرادا بل المراد أنه إنما يتيمم تيمما واحدا للمنسية ويصلي به الخمس نبه على ذلك السبكي

وهو ظاهر إن علق لهن بتيمم فإن علق ب كفاه وهو أولى زال التوهم والثاني يجب خمس تيممات لوجوب الخمس

ولو تردد هل ترك طواف فرض أو صلاة من الخمس صلى الخمس وطاف بتيمم واحد لما مر وقد علم من ذلك أن من نسي صلاة من الخمس أن ذمته لا تبرأ إلا بالجميع

وأغرب المزني فقال ينوي الفائتة ويصلي أربع ركعات يجهر في الأوليين ويقعد في الثلاثة الأخيرة وحينئذ يكون آتيا بما عليه بيقين ويعذر في زيادة القعود وتردد النية للضرورة ويسجد للسهو لأجل ذلك اه

وإنما قال يجهر في الأوليين لأن غالب الصلوات جهرية وغلطه الأصحاب في ذلك

( وإن نسي ) منهن صلاتين وعلم كونهما ( مختلفتين ) كصبح وظهر سواء أعلم أنهما من يوم أو من يومين فإن شاء ( صلى كل صلاة ) منهن ( بتيمم ) فيصلي الخمس بخمس تيممات وهذه طريقة ابن القاص ( وإن شاء تيمم مرتين وصلى بالأول ) من التيممين ( أربعا )

وقوله ( ولاء ) كالصبح والظهر والعصر والمغرب مثال لا شرط

وقوله ( وبالثاني ) من التيممين ( أربعا ليس منها التي بدأ بها ) شرط كالظهر والعصر والمغرب والعشاء فيبرأ بيقين لأن المنسيتين إما الصبح والظهر أو إحداهما مع إحدى الثلاث أو هما من الثلاث وعلى كل تقدير صلى كلا منهما بتيمم

أما إذا كان منها التي بدأ بها كأن صلى الظهر والعصر والمغرب والصبح فلا يبرأ بيقين لجواز كون المنسيتين العشاء وواحدة غير الصبح فبالتيمم الأول تصح تلك الواحدة دون العشاء وبالثاني لم يصل العشاء

وهذه طريقة ابن الحداد واستحسنها الأصحاب وفرعوا عليها ما زاد من المنسي

وفي ضبطها ثلاث عبارات الأولى ما ذكره المصنف كالحاوي الصغير وهي أن يصلي بكل تيمم عدد غير المنسي وزيادة صلاة وبيانه في مثال المصنف أن غير المنسي ثلاثة لأن المنسي ثنتان ويزيد على الثلاثة واحدة ويصلي بكل تيمم أربعا

الثانية ما في شرح الصغير وهو أن يضرب المنسي في المنسي فيه وتزيد على الحاصل قدر المنسي ثم تضرب المنسي في نفسه وتسقط الحاصل من الجملة فالباقي عدد الصلوات وبيانه في مثال المصنف أن تضرب اثنين في خمسة يحصل عشرة تزيد على الحاصل اثنين ثم تضربهما فيهما يحصل أربعة تسقطها من الإثني عشر يبقى ثمانية

الثالثة ما في الشرح والروضة وهي أن يتيمم بعدد المنسي وتزيد على قدر المنسي فيه عددا لا ينقص عما يبقى من المنسي فيه بعد إسقاط المنسي وينقسم صحيحا على المنسي وبيانه في مثال المصنف أن المنسي صلاتان والمنسي فيه خمس تزيد عليها ثلاثا لأنها لا تنقص عما يبقى من الخمسة بعد إسقاط الاثنين بل تساويه

وعلى العبارات كلها يشترط أن يترك في كل مرة ما بدأ به في المرة قبلها كما عرف

( أو ) نسي صلاتين وعلم كونهما ( متفقتين ) ولم يعلم عينهما كظهرين ( صلى الخمس مرتين بتيممين ) فيصلي بكل تيمم الخمس ليخرج عن العهدة بيقين ولا يكونان ذلك إلا من يومين وقيل لا بد من عشر تيممات لكل صلاة تيمم فإن لم يعلم اتفاقهما ولا اختلافهما أخذ بالاتفاق احتياطا ولا يكفيه ما تقدم وهو ثمان صلوات لاحتمال أن الذي عليه صبحان أو عشاءان وقس ما زاد من المنسي على صلاتين على ذلك

وحاصله أنه يتيمم بعدد المنسي ويصلي بكل تيمم الخمس


105

تنبيه لو تذكر المنسية بعد ذلك لم تجب إعادتها كما صرح به الروياني ورجحه في المجموع من احتمالين ثانيهما تخريجه على ما لو ظن حدثا فتوضأ له ثم تيقنه ومقتضاه وجوب الإعادة وجزم به ابن الصلاح والمعتمد الأول

( ولا يتيمم لفرض قبل ) دخول ( وقت فعله ) لقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة الآية والقيام إليها بعد دخول الوقت

خرج الوضوء بدليل فبقي التيمم ولأنها طهارة ضرورة فلا تباح إلا عند وقت الضرورة

وهو قبل الوقت غير مضرور إليها ولا بد من العلم بدخوله يقينا أو ظنا فلو تيمم شاكا فيه لم يصح وإن صادف الوقت كما في زيادة الروضة

ويشترط أخذ التراب المقرون بالنية في الوقت أيضا فلو أخذه قبله ثم مسح به بعده لم يصح

وشمل إطلاق الفرض الفائتة ووقتها بالتذكر لخبر الصحيحين من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها ولو تذكر فائتة فتيمم لها ثم صلى به حاضرة أو عكسه أجزأه لأن التيمم قد صح لما قصده فصح أن يؤدى به غيره

والمنذورة المتعلقة بوقت معين والجنازة ويدخل وقتها بانقضاء طهر الميت من غسل أو تيمم وإن لم يكفن لكن يكره التيمم لها قبل التكفين كما يؤخذ من كلام المجموع ولو مات شخص بعد أن تيمم لجنازة جاز له أن يصلى عليه بذلك التيمم لما مر

ويدخل في الوقت ما تجمع فيه الثانية من وقت الأولى فلو تيمم للظهر فصلاها ثم تيمم للعصر ليجمعها معها صح فإن دخل وقت العصر قبل أن يصليها بطل الجمع لزوال التبعية قال ابن المقري تبعا لأصله وبطل التيمم لأنه وقع قبل الوقت ولم يذكره الرافعي بل كلامه يقتضي بقاءه

وإن خرج الوقت حتى لو صلى به فريضة غيرها ونافلة صح قال الزركشي وهو الصواب

والأولى ما جرى عليه ابن المقري لأن التيمم إنما صح تبعا على خلاف القياس وقد زالت التبعية بانحلال رابطة الجمع ولأن ذلك يستلزم أنه يستبيح بالتيمم غير ما نواه دون ما نواه وهو بعيد

ومقتضى هذا أنه لو لم يدخل وقت العصر ولكن بطل الجمع لطول الفصل مثلا أنه يبطل

ولو تيمم مريد تأخر الظهر للعصر في وقت العصر صح أو في وقت الظهر صح أيضا لأنه وقتها بالأصالة بخلاف ما لو تيمم فيه للعصر لم يصح لأن وقتها لم يدخل

ولو نوى مقصورة ثم أراد تامة أو نوى الصبح ثم أراد الظهر مثلا جاز كما في فتاوى البغوي

ولو تيمم لمؤداة في أول وقتها وصلاها به في آخره أو بعده جاز

ولو تيمم غير الخطيب للجمعة بعد دخول الوقت وقبل الخطبة وقال الترمذي قضية إطلاقهم أنه لا يصح والظاهر أنه أخذه من قولهم ولا يتيمم لفرض قبل وقت فعله ومقتضى ما تقدم من أنه يصح تيممه قبل الستر وقبل الاجتهاد في القبلة الصحة وهو الظاهر وكذا لو تيمم الخطيب أو غيره قبل تمام الأربعين الذين تنعقد بهم الجمعة

وإنما لم يصح التيمم قبل زوال النجاسة عن البدن للتضمخ بها مع كون التيمم طهارة ضعيفة لا لكون زوالها شرطا للصلاة وإلا لم يصح التيمم قبل زوالها عن الثوب والمكان

( وكذا النفل المؤقت ) كالرواتب مع الفرائض وغيرها لا يتيمم له قبل وقته ( في الأصح ) المنصوص لما ذكر في الفرض

وأوقات النفل المؤقت معروفة في أبوابها

ووقت صلاة الاستسقاء إن صليت جماعة فوقتها بالاجتماع وإلا فمن أراد صلاتها تيمم لها عند إرادة فعلها

ووقت التحية بدخول المسجد

والثاني يصح ذلك قبل دخول الوقت لأن أمره أوسع ولهذا جاز الجمع بين نوافل بتيمم واحد

والتعبير بالأصح يقتضي قوة الخلاف والذي رجحه في أصل الروضة طريقة القطع بالمنع فقال على المذهب وقيل وجهان

واحترز بالمؤقت عن النوافل المطلقة فيتيمم لها متى شاء إلا في وقت الكراهة فلا يصح تيممه لها

قال الزركشي وينبغي أن يكون هذا فيما إذا تيمم في وقتها ليصلي في وقتها فلو تيمم فيه ليصلي مطلقا وفي غيره فلا ينبغي منعه وهو مرادهم بلا شك

ويؤخذ منه ما قاله شيخنا أنه لو تيمم في غير وقت الكراهة ليصلي به فيه لم يصح

قال بعض المتأخرين ولك أن تقول أي وقت شاء فهو وقت المطلقة فساوت المؤقتة إذ لم يتيمم أيضا إلا في وقتها

ثم شرع في الحكم الثالث وهو وجوب القضاء فقال ( ومن لم يجد ماء ولا ترابا ) بأن فقدهما حسا كأن حبس في موضع ليس فيه واحد منهما أو شرعا كأن وجد ماء وهو محتاج إليه لنحو عطش أو وجد ترابا نديا ولم يقدر على تجفيفه بنحو نار ( لزمه في الجديد أن يصلي الفرض )


106

المؤدي لحرمة الوقت

والظاهر كما قال الأذرعي أنه لا يجوز له أن يصلي مارجا أحد الطهورين حتى يضيق الوقت

وهذه الصلاة توصف بالصحة ولهذا قال في المجموع تبطل بالحدث والكلام ونحوهما

وظاهر كلامه أنها تبطل بالحدث ولو سبقه وهو كذلك

( ويعيد ) إذا وجد أحدهما لأن هذا العذر نادر ولا دوام له قال في المجموع نقلا عن الأصحاب وإنما يعيد بالتيمم في محل يسقط به الفرض إذ لا فائدة في الإعادة به في محل لا يسقط به

وجزم به في التحقيق وإن كان في نكته ما يخالف ذلك

ولو رأى أحد الطهورين في أثناء هذه الصلاة بطلت وظاهره أنه لا فرق في التراب بين أن يكون في محل يغني التيمم فيه عن القضاء أو لا خلافا للزركشي في الشق الثاني لقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا ولم يقيد بكونه يسقط القضاء

قال في العباب قال بعضهم ويندب له التيمم على نحو الصخر خروجا من خلاف من يجوزه أي التيمم ثم يقضي بالماء أو بالتيمم إن سقط فرضه به ومن فوت صلاة عمدا وفقد الطهورين حرم عليه قضاؤها حينئذ للتسلسل اه

ومقابل الجديد أقوال أحدها تجب الصلاة بلا إعادة وطرد ذلك في كل صلاة وجبت في الوقت مع خلل وهو مذهب المزني واختاره المصنف في المجموع قال لأنه أدى وظيفة الوقت وإنما يجب القضاء بأمر جديد

ثانيها يندب له الفعل وتجب الإعادة

ثالثها يندب له الفعل ولا إعادة

رابعها يحرم عليه فعلها ففي مسلم لا تقبل صلاة بغير طهور لأنه عاجز عن الطهارة فأشبه الحائض ومن على بدنه نجاسة يخاف من غسلها شيئا مما مر في مبيحات التيمم أو حبس عليها وجب عليه أن يصلي ويؤميء بالسجود فيما إذا حبس عليها بحيث لو سجد لسجد عليها بأن ينحني له بحيث لو زاد لأصابها وهذا هو المعتمد كما جزم به في المجموع والتحقيق وإن كان مقتضى كلام أصل الروضة وضع جبهته على الأرض وعلى كلا التقديرين يلزمه القضاء

وهؤلاء الثلاثة وهم من لم يجد ماء ولا ترابا ومن على بدنه نجاسة يخاف من غسلها ومن حبس عليها يصلون الفريضة فقط لأجل حرمة الوقت ولا يصلون النافلة إذ لا ضرورة إليها

وتقدم أن صلاة الجنازة كالنفل في أنها تؤدى مع مكتوبة بتيمم واحد وقياسه أن هؤلاء لا يصلونها وهو الظاهر وجرى عليه الزركشي وغيره في فاقد الطهورين ونقله في بابها عن مقتضى كلام القفال

قال في العباب قال الجرجاني ولا يتنفل العاري وفيه نظر اه

والمعتمد أنه يتنفل لأنه لا يلزمه الإعادة لأنه يتم ركوعه وسجوده وإن خالف بعض المتأخرين في ذلك

وعلم من منع هؤلاء صلاة النافلة منعهم من مس المصحف وحمله والجلوس في المسجد لمن به حدث أكبر ولا يقرأ من به حدث أكبر في الصلاة غير الفاتحة عند المصنف ويمنع من قراءتها أيضا عند الرافعي كما يمنع من القراءة خارج الصلاة

والمراد بالإعادة في كلام المصنف القضاء كما عبر به في المحرر لا المصطلح عليه عند الأصوليين وهو أن الإعادة حقيقة ما وقع في الوقت والقضاء ما وقع خارجه

وهذه لا تعاد في الوقت لما تقدم أنه لا يصليها إلا عند ضيقه

( ويقضي المقيم المتيمم ) وجوبا ( لفقد الماء ) لندور الفقد وعدم دوامه

وفي قول لا يقضي واختاره المصنف لأنه أتى بالمقدور

وفي قول لا تلزمه الصلاة في الحال بل يصبر حتى يجده

وعلى الأول إذا كان حدثه أكبر هل يقرأ في الصلاة غير الفاتحة أو لا كفاقد الطهورين بجامع وجوب القضاء على كل منهما ظاهر كلام الشيخين الأول وظاهر كلام القاضي وصاحب الكافي الثاني والأول أوجه

( لا المسافر ) المتيمم لفقده وإن قصر سفره على المشهور لعموم الفقد فيه

( إلا العاصي بسفره ) كآبق وناشزة ومن سافر ليتعب نفسه أو دابته عبثا فإنه يلزمه أن يصلي بالتيمم ويقضي ( في الأصح ) لأنه ليس من أهل الرخصة والثاني لا يقضي لأنه لما وجب عليه صار عزيمة وفي وجه ثالث لا يستبيح التيمم أصلا ويقال له إن تبت استبحت وإلا أثمت بترك الصلاة

وكالعاصي بسفره العاصي بإقامته فيقضي والجمعة لا تقضى فيصليها ويقضي الظهر كما قاله الدميري

تنبيه ما ذكره من القضاء في الإقامة وعدمه في السفر جرى على الغالب فلو أقام في مفازة وطالت إقامته وصلاته بالتيمم فلا قضاء ولو دخل المسافر في طريقه قرية وعدم الماء وصلى بالتيمم وجب القضاء ولو استوى الأمران أي الوجود والعدم فالظاهر كما بحثه بعض المتأخرين أن لا قضاء

فائدة لو تيمم في موضع يغلب فيه وجود الماء وصلى في آخر يندر فيه أو عكسه هل العبرة بموضع الصلاة أو


107

التيمم لم أر من صرح بذلك وقد أفتاني شيخي بالأول واستدل على ذلك بعبارات كتب من كلام الشيخين وغيرهما يطول الكلام بذكرها فاستفده فإنها مسألة نفيسة

( ومن تيمم لبرد ) في السفر وصلى به ( قضى في الأظهر ) لأن البرد وإن لم يكن سببا نادرا فالعجز عما يسخن به الماء وعن ثياب يتدفأ بها نادر لا يدوم إذا وقع

والثاني لا يقضي لحديث عمرو بن العاص السابق وبه قال أبو حنيفة وأحمد ويوافقه المختار المار عن المصنف لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالإعادة

وأجاب الأول بأن القضاء على التراخي وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز وبأنه يحتمل كونه عالما بوجوب القضاء فلم يحتج لبيان

أما إذا تيمم المقيم للبرد فالمشهور كما قال الرافعي القطع بالوجوب

وقال في المجموع إن الجمهور قطعوا به في كل الطرق

( أو ) تيمم ( لمرض يمنع الماء مطلقا ) أي في جميع أعضاء الطهارة ( أو ) يمنعه ( في عضو ) من أعضائها ( ولا ساتر ) على ذلك العضو من لصوق أو نحوه ( فلا ) قضاء عليه سواء أكان حاضرا أم مسافرا لأن المرض عذر عام تشق معه الإعادة وقد قال تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج

والمراد بالمرض هنا أعم من الحرج وغيره

( إلا أن يكون بجرحه دم كثير ) بحيث لا يعفى عنه ويخاف من غسله محذورا مما مر فيصلي معه ويقضي لعدم العفو عن الكثير فيما رجحه الرافعي كما سيأتي في شروط الصلاة لأن العجز عن إزالته بماء مسخن ونحوه نادر لا يدوم

وزاد المصنف لفظة كثير وقال في الدقائق لا بد منها قال الشارح أي في مراد الرافعي للعفو عن القليل في محله وما سيأتي له في شروط الصلاة من تشبيه بدم الأجنبي فلا يعفى عنه في الأصح محمول بقرينة التشبيه على المنتقل عن محله

ورجح المصنف هناك العفو عن القليل والكثير

وقال شيخنا إنما لم يعف عن الكثير هنا لأن التيمم طهارة ضرورة فلم يغتفر فيه الدم الكثير كما لم يغتفر فيه جواز تأخير الاستنجاء عنه بخلاف الطهر بالماء

ويمكن أيضا حمل ما هنا على كثير جاوز محله أو حصل بفعله فلا يخالف ما في شروط الصلاة

على أن بعضهم جعل الأصح عدم العفو أخذا مما صححه في المجموع والتحقيق ثم من عدم العفو خلافا لما صححه في المنهاج والروضة اه

وما حمله عليه الشارح أوجه وسيأتي تحرير محل العفو عن الكثير في محله إن شاء الله تعالى

واحترز عن اليسير فإنه لا يضر

نعم إن كان على موضع التيمم وكان كشيفا يمنع وصول التراب إلى المحل فإنه يضر ويجب حينئذ القضاء لا لأجل النجاسة بل لنقصان البدل والمبدل كما سيأتي في الجبيرة إذا كانت في محل التيمم

( وإن كان ) بالأعضاء أو بعضها ( ساتر ) كجبيرة ( لم يقض في الأظهر إن وضع ) الساتر ( على طهر ) لأنه أولى من المسح على الخف للضرورة هنا

والثاني يقضي لأنه عذر نادر غير دائم

هذا إذا لم تكن الجبيرة على محل التيمم وإلا وجب القضاء قال في الروضة بلا خلاف لنقص البدل والمبدل جميعا ونقله في المجموع ك الرافعي عن جماعة ثم قال وإطلاق الجمهور يقتضي أنه لا فرق اه

وما في الروضة أوجه لما ذكر

( فإن وضع ) الساتر ( على حدث ) سواء أكان في أعضاء التيمم أم في غيرها من أعضاء الطهارة ( وجب نزعه ) إن أمكن بلا ضرر يبيح التيمم لأنه مسح على ساتر فاشترط فيه الوضع على طهر كالخف

وقيل لا يجب للضرورة والمراد طهارة ذلك المحل فقط ولا ينافي ذلك قولهم كالخف إذ المشبه قد لا يعطي حكم المشبه به من كل وجه لأن الجبيرة وضعت للضرورة ويجب استيعابها بالمسح وإذا نزع إحدى الجبيرتين لا يجب عليه نزع الأخرى بخلاف الخف في ذلك

وقد يوهم تخصيص وجوب النزع بالوضع على حدث أنه لا يجب نزعه إذا وضع على طهر ولا ضرر عليه في نزعه وليس مرادا بل يجب نزعه أيضا

وإنما يفترق الحال عند تعذر النزع في القضاء وعدمه كما نبه على ذلك بقوله ( فإن تعذر ) نزعه ومسح وصلى ( قضى على المشهور ) لفوات شرط الوضع على طهارة فانتفى تشبيهه حينئذ بالخف والثاني لا يقضي


108

للعذر

وهذا كله على الجديد أما على القديم المختار عند المصنف فلا قضاء كما سبق

وكان ينبغي أن يقول على المذهب فإن الأصح القطع بالقضاء

قال الشارح لكنه استغنى عن ذلك بتعبيره ب المشهور المشعر بضعف الخلاف عن تعبير المحرر كالشرح بأصح الطريقين أي لأن التعبير به في اصطلاحه يدل على أن مقابله ضعيف فيغني ذلك في الدلالة على معرفة ما عليه الفتوى وأن فيه خلافا وأنه ضعيف وإن كان لم يستغن بذلك في إفادة كون الخلاف طريقين فالاعتذار بما ذكر ضعيف

خاتمة لو تيمم عن حدث أكبر ثم أحدث حدثا أصغر انتقض طهره الأصغر لا الأكبر كما لو أحدث بعد غسله فيحرم عليه ما يحرم على المحدث ويستمر تيممه عن الحدث الأكبر حتى يجد الماء بلا مانع فلو وجد خابية ماء مسبل تيمم ولا يجوز الطهر منها لأنها إنما وضعت للشرب وكذا لو لم يعلم أنه مسبل للشرب نظرا للغالب ولم يقض صلاته كما لو تيمم بحضرة ماء يحتاج إليه لعطش وصلى به

ولو غسل نحو جنب جميع بدنه إلا رجليه ثم فقد الماء وأحدث حدثا أصغر وتيمم له ثم وجد كافيا لرجليه فقط تعين لهما ولا يبطل تيممه

ولو تيمم أو لا لتمام غسله ثم أحدث وتيمم له ثم وجد كافيهما بطل تيممه الأول

وللرجل جماع أهله وإن علم عدم الماء وقت الصلاة فيتيمم ويصلي بلا إعادة

ولو منع شخص ترتيب الوضوء وجب عليه عكس الترتيب لتمكنه من بعض الوضوء فيحصل له غسل الوجه ويتيمم للباقي لعجزه عن الماء ولا إعادة عليه لأنه في معنى من غصب ماؤه بخلاف ما لو أكره على الصلاة محدثا فإنه تلزمه الإعادة لأنه لم يأت ثم عن وضوئه ببدل بخلافه هنا

قال في العباب ولو رعف في الصلاة ووجد ماء يكفي الدم فقط بطل تيممه اه

وفيه نظر والظاهر عدم البطلان

باب الحيض

وما يذكر معه من الاستحاضة والنفاس

وترجم الباب بالحيض لأنه مع أحكامه أغلب وهو لغة السيلان تقول العرب حاضت الشجرة إذا سال صمغها وحاض الوادي إذا سال

وشرعا دم جبلة أي تقتضيه الطباع السليمة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل الصحة من غير سبب في أوقات معلومة

قال الجاحظ في كتاب الحيوان والذي يحيض من الحيوان أربعة الآدميات والأرنب والضبع والخفاش

وزاد عليه غيره أربعة أخرى وهي الناقة والكلبة والوزغة والحجرة أي الأنثى من الخيل

وله عشرة أسماء حيض وطمث بالمثلثة وضحك وإكبار وإعصار ودراس وعراك بالعين المهملة وفراك بالفاء وطمس بالسين المهملة ونفاس

والاستحاضة دم علة يسيل من عرق من أدنى الرحم يقال له العاذل بالذال المعجمة ويقال بمهملة كما حكاه ابن سيده وفي الصحاح بمعجمة وراء

وسواء أخرج أثر حيض أم لا

واختلف في الدم الذي تراه الصغيرة والآيسة والأصح أنه يقال له استحاضة ودم فساد وقيل لا تطلق الاستحاضة إلا على دم وقع بعد حيض

والنفاس هو الدم الخارج بعد فراغ الرحم من الحمل فخرج بما ذكر دم الطلق والخارج مع الولد فليسا بحيض لأن ذلك من آثار الولادة ولا نفاس لتقدمه على خروج الولد بل ذلك دم فساد

نعم المتصل بذلك من حيضها المتقدم حيض

والأصل في الحيض آية ويسألونك عن المحيض أي الحيض وخبر الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحيض هذا شيء كتبه الله على بنات آدم وفي البخاري عن بعضهم أن بني إسرائيل أول من وقع الحيض فيهم ثم أبطله بهذا الحديث

وقيل أول من حاضت أمنا حواء بالمد لما كسرت شجرة الحنطة وأدمتها قال الله تعالى ?< وعزتي وجلالي لأدمينك كما أدميت هذه الشجرة >? وقدم المصنف رحمه الله تعالى على معرفة أحكام الحيض معرفة سنه وقدره وقدر الطهر وقد شرع في بيان ذلك فقال ( أقل سنه ) كلبن الرضاع ( تسع سنين ) قمرية كما في المحرر ولو بالبلاد الباردة للوجود لأن ما ورد في الشرع ولا ضابط له شرعي ولا لغوي يتبع فيه الوجود كالقبض والحرز

قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه أعجل من


109

سمعت من النساء تحيض نساء تهامة يحضن لتسع سنين أي تقريبا لا تحديدا فيسامح قبل تمامها بما لا يسع حيضا وطهرا دون ما يسعهما

وقيل أقله أول التاسعة وقيل مضي نصفها

ولو رأت الدم أياما بعضها قبل زمن الإمكان وبعضها فيه جعل الثاني حيضا إن وجدت شروطه الآتية

( وأقله ) زمنا ( يوم وليلة ) أي مقدار يوم وليلة قال الشارح متصلا كما يؤخذ من مسألة تأتي آخر الباب يعني أن أقل الحيض من حيث الزمان مقدار يوم وليلة على الاتصال وليس المراد أنه لا بد في زمان الأقل من يوم وليلة يتوالى فيهما الدم من غير تخلل نقاء كما يوهمه لفظ الاتصال بل المراد أنها إذا رأت دماء ينقص كل منها عن يوم وليلة إلا أنها إذا اجتمعت كانت مقدار يوم وليلة على الاتصال كفى ذلك في حصول أقل الحيض والمسألة الآتية هي قوله والنقاء بين أقل الحيض حيض وهما أربعة وعشرون ساعة وهذا ما قاله الشافعي في عامة كتبه ونص في موضع على أن أقله قدر يوم فقط وقيل دفعة كالنفاس وهو غريب

( وأكثره خمسة عشر ) يوما ( بلياليها ) وإن لم تتصل الدماء

والمراد خمس عشرة ليلة وإن لم يتصل دم اليوم الأول بليلته كأن رأت الدم أول النهار للاستقراء وأما خبر أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام فضعيف كما في المجموع

( وأقل طهر بين الحيضتين ) زمنا ( خمسة عشر ) يوما لأن الشهر غالبا لا يخلو عن حيض وطهر وإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر لزم أن يكون أقل الطهر كذلك

وخرج بقوله بين الحيضتين الطهر بين الحيض والنفاس فإنه يجوز أن يكون أقل من ذلك سواء أتقدم الحيض على النفاس أم تأخر عنه وكان طروه بعد بلوغ النفاس أكثره كما في المجموع أما إذا طرأ قبل بلوغ النفاس أكثره فلا يكون حيضا إلا إذا فصل بينهما خمسة عشر يوما

وسكت المصنف عن غالب الحيض وذكر غالب النفاس كما سيأتي وغالب الحيض ست أو سبع وباقي الشهر غالب الطهر لخبر أبي داود وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال لحمنة بنت جحش رضي الله تعالى عنها تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة كما تحيض النساء ويطهرن ميقات حيضهن وطهرهن أي التزمي الحيض وأحكامه فيما أعلمك الله من عادة النساء من ستة أو سبعة والمراد غالبهن لاستحالة اتفاق الكل عادة

( ولا حد لأكثره ) أي الطهر بالإجماع فقد لا تحيض المرأة في عمرها إلا مرة وقد لا تحيض أصلا حكى القاضي أبو الطيب أن امرأة في زمنه كانت تحيض كل سنة يوما وليلة وكان نفاسها أربعين وأخبرني من أثق به أن والدتي كانت لا تحيض أصلا وأن أختي منها كانت تحيض في كل سنتين مرة ونفاسها ثلاثة أيام بعد موتهما

ولو اطردت عادة امرأة بأن تحيض أقل من يوم وليلة أو أكثر من خمسة عشر لم يتبع ذلك على الأصح لأن بحث الأولين أتم واحتمال عروض دم فاسد للمرأة أقرب من خرق العادة المستمرة

ثم شرع في أحكام الحيض فقال ( ويحرم به ) أي بالحيض ( ما حرم بالجنابة ) من صلاة وغيرها لأنه أغلظ ويدل على أنه أغلظ منها أنه يحرم به ما يحرم بها

( و ) أشياء أخر

أحدها ( عبور المسجد إن خاف تلويثه ) صيانة للمسجد عن النجاسة فإن أمنته جاز لها العبور كالجنب لكن مع الكراهة كما في المجموع

ولا خصوصية للحائض بهذا بل كل من به نجاسة يخاف تلويث المسجد منها مثلها كمن به سلس البول واستحاضة ومن بنعله نجاسة رطبة فإن أراد الدخول به فليدلكه قبل دخوله

( و ) ثانيها ( الصوم ) للإجماع على تحريمه وعدم صحته

قال الإمام وكون الصوم لا يصح منها لا يدرك معناه لأن الطهارة ليست مشروطة فيه

وهل وجب عليها ثم سقط أو لم يجب أصلا وإنما يجب القضاء بأمر جديد وجهان أصحهما الثاني قال في البسيط وليس لهذا الخلاف فائدة فقهية

وقال في المجموع يظهر هذا وشبهه في الإيمان والتعاليق بأن يقول متى وجب عليك صوم فأنت طالق

وأظهر غيره فوائد أخر على ضعيف

( ويجب قضاؤه بخلاف الصلاة ) لقول عائشة رضي الله تعالى عنها كان يصيبنا ذلك أي الحيض فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة متفق عليه وانعقد الإجماع على ذلك

وفيه من المعنى أن الصلاة تكثر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم

وقد أعاد المصنف مسألة الصلاة في أوائل الصلاة وهل يحرم قضاؤها أو يكره فيه خلاف ذكره في المهمات فنقل فيها عن ابن الصلاح والمصنف عن البيضاوي أنه يحرم لأن عائشة رضي الله تعالى عنها


110

نهت السائل عن ذلك ولأن القضاء محله فيما أمر بفعله

وعن ابن الصلاح و الروياني و العجلي أنه مكروه بخلاف المجنون والمغمى عليه فيسن لهما القضاء اه

والأوجه كما قاله شيخنا عدم التحريم ولا يؤثر فيه نهي عائشة رضي الله عنها

والتعليل المذكور منتقض بقضاء المجنون والمغمى عليه وعلى هذا تنعقد صلاتها أو لا فيه نظر والأوجه عدم الانعقاد لأن الأصل في الصلاة إذا لم تكن مطلوبة عدم الانعقاد ووجوب القضاء عليها في الصوم بأمر جديد من النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن واجبا حال الحيض والنفاس كما مر لأنها ممنوعة منه والمنع والوجوب لا يجتمعان

وثالثها الطلاق من ممسوسة كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى لقوله عز وجل إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن أي في الوقت الذي يشرعن فيه في العدة والمعنى فيه تضررها بطول المدة فإن زمن الحيض لا يحسب من العدة فإن كانت حاملا لم يحرم طلاقها لأن عدتها إنما تنقضي بوضع الحمل

ورابعها الطهارة لرفع الحدث فتحرم عليها إذا قصدت التعبد بها مع علمها بأنها لا تصح لتلاعبها

أما الطهارة المقصودة للتنظيف كأغسال الحج فإنها تأتي بها كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى

( و ) خامسها أنه يحرم الوطء في فرجها ولو بحائل والمباشرة ب ( ما بين سرتها وركبتها ) ولو بلا شهوة لقوله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض ولخبر أبي داود بإسناد جيد أنه صلى الله عليه وسلم سئل عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال ما فوق الإزار وخص بمفهومه عموم خبر مسلم اصنعوا كل شيء إلا النكاح ولأن الاستمتاع بما تحت الإزار يدعو إلى الجماع فحرم لخبر من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه

( وقيل لا يحرم غير الوطء ) واختاره في التحقيق لخبر مسلم السابق بجعله مخصصا لمفهوم خبر أبي داود

قال شيخنا وما قاله الأصحاب أوجه لما فيه من رعاية الأحوط للخبر السابق

وخرج بما بين السرة والركبة هما وباقي الجسد فلا يحرم الاستمتاع بهما

وعبرت بالمباشرة تبعا للتحقيق والمجموع ليخرج الاستمتاع بالنظر ولو بشهوة فإنه لا يحرم إذ ليس هو أعظم من تقبيلها في وجهها بشهوة

وعبر الرافعي في الشرحين والمحرر وتبعه في الروضة بالاستمتاع وهو يشمل النظر واللمس بشهوة قال الإسنوي فبين التعبير بالاستمتاع والمباشرة عموم وخصوص من وجه أي لأن المباشرة لا تكون إلا باللمس سواء أكان بشهوة أم لا والاستمتاع يكون باللمس والنظر ولا يكون إلا بشهوة

قال وسكتوا عن مباشرة المرأة للزوج والقياس أن مسها للذكر ونحوه من الاستمتاعات المتعلقة بما بين السرة والركبة حكمه حكم تمتعاته بها في ذلك المحل اه

والصواب كما قاله بعض المتأخرين في نظم القياس أن نقول كل ما منعناه منه تمنعها أن تلمسه به فيجوز له أن يلمس بجميع بدنه سائر بدنها إلا ما بين سرتها وركبتها ويحرم عليه تمكينها من لمسه بما بينهما

ووطء الحائض في الفرج كبيرة من العامد العالم بالتحريم المختار يكفر مستحله كما في المجموع عن الأصحاب وغيرهم بخلاف الجاهل والناسي والمكره لخبر إن الله تعالى تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وهو حسن رواه البيهقي وغيره

ويسن للواطيء المتعمد المختار العالم بالتحريم في أول الدم وقوته التصدق بمثقال إسلامي من الذهب الخالص وفي آخر الدم وضعفه بنصف مثقال لخبر إذا واقع الرجل أهله وهي حائض إن كان دما أحمر فليتصدق بدينار وإن كان أصفر فليتصدق بنصف دينار رواه أبو داود والحاكم وصححه

ويقاس النفاس على الحيض

ولا فرق في الواطيء بين الزوج وغيره فغير الزوج مقيس على الزوج الوارد في الحديث

والوطء بعد انقطاع الدم إلى الطهر كالوطء في آخر الدم ذكره في المجموع ويكفي التصدق ولو على فقير و احد وإنما لم يجب لأنه وطء محرم للأذى إذ لا يجب به كفارة كاللواط ويستثنى من ذلك المتحيرة فلا كفارة بوطئها وإن حرم ولو أخبرته بحيضها ولم يمكن صدقها لم يلتفت إليها وإن أمكن وصدقها حرم وطؤها وإن كذبها فلا لأنها ربما عائدته ولأن الأصل عدم التحريم بخلاف ما لو علق به طلاقها وأخبرته به فإنها تطلق وإن كذبها لتقصيره بتعليقه بما لا يعرف إلا من جهتها

ولا يكره طبخها ولا استعمال ما مسته من ماء أو عجين أو نحوه

( فإذا انقطع ) دم الحيض ومثله النفاس لزمن إمكانه ارتفع عنها سقوط الصلاة و ( لم يحل ) مما حرم به ( قبل الغسل ) أو التيمم ( غير الصوم ) لأن تحريمه بالحيض لا بالحدث بدليل صحته من الجنب وقد زال

( و ) غير ( الطلاق ) المزيد على المحرر لزوال المعنى المقتضي للتحريم وهو تطويل العدة وغير الطهر فإنها مأمورة به وغير الصلاة المكتوبة بماء أو تيمم أما ما عدا الاستمتاع فلأن المنع منه إنما هو لأجل الحدث والحدث باق

وأما الاستمتاع فلقوله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن وقد قريء إذا فقدت الطهورين


111

وما عدا ذلك من المحرمات فهو باق إلى أن تطهر بالتشديد والتخفيف في السبع

أما قراءة التشديد فصريحة فيما ذكر وأما التخفيف فإن كان المراد به أيضا الاغتسال كما قال ابن عباس وجماعة لقرينة قوله فإذا تطهرن فواضح وإن كان المراد به انقطاع الحيض فقد ذكر بعده شرطا آخر وهو قوله تعالى فإذا تطهرن فواضح وإن كان المراد به انقطاع الحيض فقد ذكر بعده شرطا آخر وهو قوله تعالى فإذا تطهرن فلا بد منهما معا

فائدة حكى الغزالي أن الوطء قبل الغسل يورث الجذام في الولد

ثم لما فرغ من أحكام الحيض شرع في بيان الاستحاضة وحكمها فقال ( والاستحاضة ) وقد تقدم تعريفها ويأتي فيها مزيد بيان

فإن قيل قوله ( حدث دائم ) ليس حدا لاستحاضة وإلا لزم كون سلس البول استحاضة وليس كذلك وإنما هو بيان لحكمها الإجمالي أي حكم الدم الخارج بالصفة المذكورة حكم الحدث الدائم وقوله ( كسلس ) بفتح اللام أي سلس البول والمذي والغائط والريح هو للتشبيه لا للتمثيل

أجيب بعدم لزوم ما ذكر لأنه إنما حكم على الاستحاضة بأنها حدث دائم ولا يلزم من ذلك أن سلس البول ونحوه استحاضة وقوله كسلس مثال للحدث الدائم

( فلا تمنع الصوم والصلاة ) وغيرهما مما يمنعه الحيض كسائر الأحداث للضرورة ولأمره صلى الله عليه وسلم حمنة بهما وكانت مستحاضة كما صححه الترمذي

ثم شرع في بيان حكمها التفصيلي فقال ( فتغسل المستحاضة فرجها ) قبل الوضوء أو التيمم إن كانت تتيمم ( و ) بعد ذلك ( تعصبه ) بفتح التاء وإسكان العين وتخفيف الصاد المكسورة على المشهور بأن تشد وبعد غسله بخرقة مشقوقة الطرفين تخرج أحدها من أمامها والآخر من خلفها وتربطهما بخرقة تشدها على وسطها كالتكة فإن احتاجت في رفع الدم أو تقليله إلى حشو بنحو قطن وهي مفطرة ولم تتأذ به وجب عليها أن تحشو قبل الشد والتلجم وتكتفي به إن لم تحتج إليهما

أما إذا كانت صائمة أو تأذت باجتماعه فلا يجب عليها الحشو بل يلزم الصائمة تركه إذا كان صومها فرضا

فإن قيل لم حافظوا هنا على مصلحة الصوم لا على مصلحة الصلاة عكس ما فعلوا فيمن ابتلع بعض خيط قبل الفجر وطلع الفجر وطرفه خارج فهلا سووا بينهما أجيب بأن الاستحاضة علة مزمنة فالظاهر دوامها فلو راعينا الصلاة هنا لتعذر قضاء الصوم للحشو ولأن المحذور هنا لا ينتفي بالكلية فإن الحشو تنجس وهي حاملته بخلافه ثم

تنبيه ظاهر كلام المصنف وغيره تعين غسل فرجها

قال الأذرعي لكن قضية كلام المصنف في الاستنجاء إجزاء الحجر في الأظهر وصرح به في التنقيح هناك قال ولعل مرادهم هنا ما إذا تفاحش بحيث لا يجزيء الحجر في مثله من المعتاد

( و ) بعد ذلك ( تتوضأ ) وتجب المبادرة به أو ببدله عقب الاحتياط ولذلك قيل لو عبر بالفاء لكان أولى

ويكون ذلك ( وقت الصلاة ) لأنه طهارة ضرورة فلا تصح قبل الوقت كالتيمم

وقد سبق بيان الأوقات في بابه فيجيء هنا جميع ما سبق ثم قاله في المجموع فدخل في ذلك النوافل والمؤقتة فلا تتوضأ لها قبل وقتها وهو كذلك

ولا يفهم من ذلك أنه يمتنع عليها أن تجمع بين نوافل بوضوء كما قيل لما سيأتي أنه يجب الوضوء لكل فرض

( و ) بعدما ذكر ( تبادر بها ) أي بالصلاة وجوبا تقليلا للحدث لأنه يتكرر منها وهي مستغنية عنه بالمبادرة بخلاف المتيمم السليم لانتفاء ما ذكر أما غير السليم فالحكم فيه كما هنا

( فلو أخرت لمصلحة الصلاة كستر ) لعورة وأذان وإقامة ( وانتظار جماعة ) واجتهاد في قبلة وذهاب إلى مسجد وتحصيل ستر ( لم يضر ) لأنها لا تعد بذلك مقصرة

فإن قيل كيف يصح التمثيل بأذان المرأة مع أنه غير مشروع لها أجيب بأنه محمول على الإجابة وبأن تأخيرها للأذان لا يستلزم أذانها

ولو اعتادت الانقطاع بقدر ما يسع الوضوء والصلاة فانقطع وجب عليها المبادرة ولا يجوز لها التأخير لجماعة ولا لغيرها

( وإلا ) بأن أخرت لا لمصلحة الصلاة كأكل وشرب وغزل وحديث ( فيضر ) التأخير ( على الصحيح ) فيبطل وضوؤها فتجب إعادته وإعادة الاحتياط لتكرر الحدث والنجس مع استغنائها عن احتمال ذلك بقدرتها على المبادرة والثاني لا يضر كالمتيمم

قال في المجموع وحيث أوجبنا


112

المبادرة

قال الإمام ذهب ذاهبون من أئمتنا إلى المبالغة واغتفر آخرون الفصل اليسير وضبطه بقدر ما بين صلاتي الجمع اه

وينبغي اعتماد الثاني

وخروج الدم بلا تقصير منهما لا يضر فإن كان خروجه لتقصير في الشد ونحوه كالحشو بطل وضوؤها وكذا صلاتها إن كانت في صلاة ويبطل أيضا وضوؤها بالشفاء وإن اتصل بآخره

( ويجب الوضوء لكل فرض ) ولو منذورا كالمتيمم لبقاء الحدث وإنما جوزت الفريضة الواحدة للضرورة

وخرج بالفرض النفل فلها أن تتنفل ما شاءت بوضوء

وتقدم أن صلاة الجنازة حكمها النافلة

( وكذا ) يجب لكل فرض ( تجديد العصابة ) وما يتعلق بها من غسل وحشو ( في الأصح ) قياسا على تجديد الوضوء والثاني لا يجب تجديدها لأنه لا معنى للأمر بإزالة النجاسة مع استمرارها

ومحل الخلاف إذا لم يظهر الدم على جوانب العصابة ولم تزل العصابة عن موضعها زوالا له وقع وإلا وجب التجديد بلا خلاف لأن النجاسة قد كثرت مع إمكان تقليلها

( ولو انقطع دمها بعد الوضوء ) أو فيه وقبل الصلاة أو فيها ( ولم تعتد انقطاعه وعوده ) ولم يخبرها ثقة عارف بعوده ( أو اعتادت ) ذلك أو أخبرها من ذكر بعوده ( ووسع ) بكسر السين ( زمن الانقطاع ) بحسب العادة أو بإخبار من ذكر ( وضوءا والصلاة وجب الوضوء ) وإزالة ما على الفرج من الدم

أما في الأولى فلاحتمال الشفاء والأصل عدم عوده

وأما في الثانية فلإمكان أداء الصلاة على الكمال في الوقت فلو خالفت وصلت بلا وضوء لم تنعقد صلاتها سواء امتد الانقطاع أم لا لشروعها مترددة في طهرها

ولو عاد الدم فورا لم يبطل وضوؤها إذ لم يوجد الانقطاع المغني عن الصلاة بالحدث والنجس والمراد ببطلان وضوئها بذلك إذا خرج منها دم في أثنائه أو بعده وإلا فلا يبطل وتصلي به قطعا صرح به في المجموع وكذا في البسيط وغيره ووجهه بأنه بان أن طهرها رافع حدث

وشمل كلامه كغيره ما لو كانت عادته العود على ندور وهو ما نقله الرافعي عن مقتضى كلام معظم الأصحاب ثم قال ولا يبعد أن تلحق هذه النادرة بالمعدومة وهو مقتضى كلام الغزالي اه

والأول أوجه فلو عاد الدم قبل إمكان الطهر والصلاة المتطهر لها في الحالتين فطهرها بحاله فتصلي به لكن تعيد ما صلت به قبل العود

ولو اعتادت العود عن قرب فامتد الزمن بحيث يسع ما ذكر وقد صلت بطهرها تبين بطلان الطهارة والصلاة اعتبارا بما في نفس الأمر

ومن اعتادت انقطاعه في أثناء الوقت ووثقت بانقطاعه فيه بحيث تأمن الفوات لزمها انتظاره لاستغنائها حينئذ عن الصلاة بالحدث والنجس وإلا ففيه التفصيل المذكور في المتيمم الذي يرجو الماء في آخر الوقت

وجزم صاحب الشامل بوجوب التأخير قال الزركشي وهو الوجه كما لو كان على بدنه نجاسة ورجا الماء آخر الوقت فإنه يجب التأخير عن أول الوقت لإزالة النجاسة فكذا هنا اه

والأوجه الأول

وإنما أوجبنا عليها التأخير فيما إذا اعتادت انقطاعه لأن العادة منزلة منزلة القدرة

تنبيه اختلف في العادة التي تسع الوضوء والصلاة قال الأذرعي هل المراد بقولهم مدة تسعهما مع سننهما أم ما يسع أقل ما يجزيء منهما أم يفرق بين المتأكد من سننها وغيره لم أر فيه نصا وهو محتمل

وقال الإسنوي لم يبينا هنا مقدار الصلاة والمتجه الجاري على القواعد اعتبار أقل ما يمكن كركعتين في ظهر المسافر وقال في الروضة بعد ذكر ما في الكتاب فإن كان يسيرا لا يسع الطهارة والصلاة التي طهرت لها فلها الشروع في الصلاة اه

والمتجه أن العبرة بالواجب من الوضوء ومن الصلاة التي تطهرت لها ولو عبر المصنف بالطهارة بدل الوضوء لكان أولى ليشمل ما زدته بعده

وطهارة المستحاضة مبيحة للصلاة وغيرها لا ترفع حدثا كما مر في الوضوء وقيل ترفعه وقيل ترفع الماضي دون غيره

وكل من به حدث دائم حكمه حكم المستحاضة فيما ذكر وكذا من به جرح سائل فيما عدا الوضوء

ومن دام خروج منيه يلزمه الغسل لكل فرض ولو استمسك السلس بالقعود دون القيام وجب عليه أن يصلي من قعود احتياطا للطهارة ولا إعادة عليه

ولا يجوز له أن يعلق قارورة ليتقطر فيها بوله لأنه يصير حاملا للنجاسة في غير معدنها بلا ضرورة

ويجوز وطء المستحاضة في الزمن المحكوم عليه بأنه طهر ولا كراهة في ذلك وإن كان الدم جاريا


113

فصل إذا ( رأت ) المرأة من الدماء

( لسن الحيض أقله ) أي الحيض فأكثر ( ولم يعبر ) أي يجاوز ( أكثره فكله حيض ) سواء أكان أسود أم لا وسواء أكانت مبتدأة أم معتادة تغيرت عادتها أم لا إلا أن يكون عليها بقية طهر كأن رأت ثلاثة أيام دما ثم إثني عشر نقاء ثم ثلاثة دما ثم انقطع فالثلاثة الأخيرة دم فساد لاحيض ذكر ذلك في المجموع مفرقا

ولو عبر بزمن إمكان الحيض قدره بدل قوله لسن الحيض أقله لشمل ما ذكر واستغنى عن زيادة فأكثر لأن الأقل لا يعبر الأكثر ثم رأيت شيخنا في منهجه عبر بذلك

( والصفرة والكدرة ) كل منهما ( حيض في الأصح )

وفي الروضة الصحيح لأنه الأصل فيما تراه المرأة في زمن الإمكان

والثاني لا لأنه ليس على لون الدم لقول أم عطية كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئا

وأجاب الأول بأن هذا معارض بقول عائشة رضي الله تعالى عنها لما كانت النساء يبعثن إليها بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة رواه مالك

والدرجة بضم الدال وإسكان الراء وبالجيم وروي بكسر الدال وفتح الراء

وهي نحو خرقة كقطنة تدخلها المرأة فرجها ثم تخرجها لتنظر هل بقي شيء من أثر الدم أو لا

والكرسف القطن

وحاصل ذلك أنها تضع قطنة في أخرى أكبر منها أو في نحو خرقة وتدخلها فرجها وكأنها تفعل ذلك لئلا يتلوث بدنها بالقطنة الصغرى

والقصة بفتح القاف الجص شبهت الرطوبة النقية بالجص في الصفاء

ومحل الخلاف إذا رأت ذلك في غير أيام العادة فإن رأته في العادة قال في الروضة فحيض جزما لكن في التتمة لا بد من قوي معه

وقيل يجب تقدم القوي فيحسن حينئذ إطلاق الخلاف

وكلام المصنف يفهم أن الصفرة والكدرة دمان

والذي في المجموع قال الشيخ أبو حامد هما ماء أصفر وماء كدر وليسا بدم والإمام هما شيء كالصديد تعلوه صفرة وكدرة ليسا على لون الدماء اه

وكلام الإمام هو الظاهر كما جزم به في أصل الروضة

ثم أخذ في بيان ما إذا جاوز دم المرأة خمسة عشر يوما وتسمى بالمستحاضة ولها سبعة أحوال لأنها إما مميزة أو لا وكل منهما إما مبتدأة أو معتادة وغير المميزة الناسية للعادة وهي المتحيرة إما ناسية للقدر والوقت أو للأول دون الثاني أو للثاني دون الأول

فقال مبتدئا بالمبتدأة المميزة ( فإن عبره ) أي جاوز الدم أكثر الحيض ( فإن كانت ) أي من جاوز دمها أكثر الحيض ( مبتدأة ) وهي التي ابتدأها الدم ( مميزة بأن ترى ) في بعض الأيام دما ( قويا و ) في بعضها دما ( ضعيفا ) يعني بأن ترى ذلك في أول حيضة كالأسود والأحمر فهو ضعيف بالنسبة للأسود قوي بالنسبة للأشقر والأشقر أقوى من الأصفر وهو أقوى من الأكدر وما له رائحة كريهة أقوى مما لا رائحة له والثخين أقوى من الرقيق فالأقوى ما صفاته من ثخن ونتن وقوة لون أكثر فيرجح أحد الدمين بما زاد منها فإن استويا فبالسبق

والمراد بالضعيف الضعيف المحض فلو بقي فيه خطوط مما قبله فهو ملحق به بالشروط الآتية

( فالضعيف ) من ذلك ( استحاضة ) وإن طال ( والقوي ) منه ( حيض إن لم ينقص ) القوي ( عن أقله ) أي الحيض وهو يوم وليلة كما مر ( ولا عبر ) أي جاوز ( أكثره ) وهو خمسة عشر يوما كما مر أيضا متصلة لأن الحيض لا يزيد على ذلك

( ولا نقص الضعيف ) إن استمر ( عن أقل الطهر ) وهو خمسة عشر يوما كما مر أيضا متصلة فأكثر حتى لو رأت يوما وليلة أسود ثم اتصل به الضعيف وتمادى سنين كان طهرا وإن كانت ترى الدم دائما لأن أكثر الطهر لا حد له كما سلف

فإن فقد شرط من ذلك كأن رأت الأسود يوما فقط أو ستة عشر أو الضعيف أربعة عشر ورأت أبدا يوما أسود ويومين أحمر فكغير المميزة وسيأتي حكمها وإنما يفتقر إلى القيد الثالث إذا استمر الدم كما قررته وصرح به المتولي للاحتراز عما لو رأت عشرة سواد ثم عشرة حمرة أو نحوها وانقطع الدم فإنها تعمل بتمييزها مع أن الضعيف نقص عن خمسة عشر وهذا معلوم والتنبيه عليه للإيضاح وإن اجتمع قوي وضعيف وأضعف فالقوي مع ما يناسبه منهما وهو الضعيف حيض بشروط ثلاثة وهي أن يتقدم القوي ويتصل به الضعيف


114

وأن يصلحا معا للحيض بأن لا يزيد مجموعهما على أكثره كخمسة سوادا ثم خمسة حمرة ثم أطبقت الصفرة فالأولان حيض كما رجحه الرافعي في الشرح الصغير والمصنف في تحقيقه ومجموعه لأنهما قويان بالنسبة لما بعدهما فإن لم يصلحا للحيض كعشرة سوادا وستة أحمر ثم أطبقت الصفرة أو صلحا لكن تقدم الضعيف كخمسة حمرة ثم خمسة سوادا ثم أطبقت الصفرة أو تأخر لكن لم يتصل الضعيف بالقوي كخمسة سوادا ثم خمسة صفرة ثم أطبقت الحمرة فحيضها في ذلك السواد فقط وما تقرر في الثالثة هو ما صرح به الروياني وصححه المصنف في تحقيقه وشراح الحاوي الصغير لكنه في المجموع كأصل الروضة جعلها كتوسط الحمرة بين سوادين وقال في تلك لو رأت سوادا ثم حمرة ثم سوادا كل واحد سبعة أيام فحيضها السواد الأول مع الحمرة

وفرق شيخي بينهما بأن الضعيف في المقيس عليها توسط بين قويين فألحقناه بأسبقهما ولا كذلك المقيسة

ثم شرع في المستحاضة الثانية وهي المبتدأة غير المميزة فقال ( أو ) كانت من جاوز دمها أكثر الحيض ( مبتدأة لا مميزة بأن رأته بصفة ) واحدة ( أو ) رأته بصفات مختلفة لكن ( فقدت شرط تمييز ) من شروطه السابقة فإن لم تعرف وقت ابتداء دمها فكمتحيرة وسيأتي حكمها وإن عرفته ( فالأظهر أن حيضها يوم وليلة ) من أول الدم وإن كان ضعيفا لأن ذلك هو المتيقن وما زاد مشكوك فيه فلا يحكم بأنه حيض

( وطهرها تسع وعشرون ) تتمة الشهر ليتم الدور ثلاثين مراعاة لغالبه ولذا لم نحضها الغالب احتياطا للعبادة

وأما خبر حمنة السابق فذاك لكونها كانت معتادة على الراجح ومعناه ستة إن اعتادتها أو سبعة كذلك أو لعلها شكت هل عادتها ستة أو سبعة فقال ستة إذا لم تذكري عادتك أو سبعة إن ذكرت أنها عادتك أو لعل عادتها كانت مختلفة فيهما فقال ستة في شهر السنة وسبعة في شهر السبعة

والثاني تحيض غالب الحيض ستة أو سبعة وبقية الشهر طهر

وإنما نص المصنف على أن طهرها ما ذكره لدفع توهم أنه أقل الطهر أو غالبه وأنه يلزمها الاحتياط فيما عدا أقل الحيض إلى أكثره كما قيل بكل منهما

وإنما لم يقل وطهرها بقية الشهر لأن الشهر قد يكون ناقصا فنص على المراد

إذا علمت ذلك فقوله وطهرها تسع وعشرون يحتمل عود الأظهر إليه أيضا أي الأظهر أن حيضها الأقل لا الغالب

والأظهر أيضا أن طهرها تسع وعشرون لا الغالب وحينئذ فيقرأ وطهرها بالنصب ويحتمل أنه مفرع على القول الأول فيقرأ بالرفع

قال الولي العراقي والأول أقرب إلى عبارة المحرر اه

نعم إن طرأ لها في أثناء الدم تمييز عادت إليه نسخا لما مضى بالتمييز

تنبيه ما ذكر من كون فاقدة شرط تمييز غير مميزة هو ما في الروضة أيضا واعترضه بعضهم بأنها مميزة ولكن تمييزها غير معتبر فلا تسمى غير مميزة ثم أجاب بأن قوله أو فقدت شرط معطوف على قوله لا مميزة وتقديره أو مبتدأة لا مميزة أو مبتدأة مميزة فقدت شرط تمييز اه

وهذا خلاف في مجرد التسمية وإلا فالحكم صحيح

فرع لو رأت المبتدأة

خمسة عشر حمرة ثم مثلها سوادا تركت الصوم والصلاة وغيرهما مما تتركه الحائض شهرا ثم إن استمر الأسود فلا تمييز لها وحيضها يوم وليلة من أول كل شهر وتقضي الصوم والصلاة

قالا ولا يتصور مستحاضة تترك الصلاة إحدى وثلاثين يوما إلا هذه وأورد عليهما بأنها قد تؤمر بالترك أضعاف ذلك كما لو رأت كدرة ثم صفرة ثم شقرة ثم حمرة ثم سوادا من كل شهر خمسة عشر فتؤمر بالترك في جميع ذلك لوجود العلة المذكورة في الثلاثين وهي قوة المتأخر على المتقدم مع رجاء انقطاعه

وأجيب عنه بأنه إنما اقتصر على هذه المدة المذكورة لأن دور المرأة غالبا شهر والخمسة عشر الأولى يثبت لها حكم الحيض بالظهور فإذا جاء بعدها ما ينسخها للقوة رتبنا الحكم عليه فلما جاوز الخمسة عشر علمنا أنها غير مميزة أما المعتادة فيتصور كما قال البارزي أن تترك الصلاة خمسة وأربعين يوما بأن تكون عادتها خمسة عشر من أول كل شهر فرأت من أول شهر خمسة عشر حمرة ثم أطبق السواد فتؤمر بالترك في الخمسة عشر الأولى أيام عادتها وفي الثانية لفوتها رجاء استمرار التمييز وفي الثالثة لأنه لما


115

استمر السواد تبين أن مردها العادة

ثم شرع في المستحاضة الثالثة وهي المعتادة غير المميزة فقال ( و ) كانت من جاوز دمها أكثر الحيض ( معتادة ) غير مميزة ( بأن سبق لها حيض وطهر ) وهي تعلمهما قدرا ووقتا ( فترد إليهما قدرا ووقتا ) كخمسة أيام من كل شهر لما روى الشافعي وغيره بأسانيد صحيحة على شرط الشيخين عن أم سلمة أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتدع الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستتر بثوب ثم لتصل قال في المجموع وتهراق بضم التاء وفتح الهاء أي تصب والدم منصوب بالتشبيه بالمفعول به أو بالتمييز على مذهب الكوفي قال الزركشي ولا حاجة إلى هذا التكلف وإنما هو مفعول به والمعنى تهريق الدم قاله السهيلي وغيره قالوا لكن العرب تعدل بالكلمة إلى وزن ما هو في معناها وهي في معنى تستحاض وتستحاض على وزن ما لم يسم فاعله

( وتثبت ) العادة المرتب عليها ما ذكر إن لم تختلف ( بمرة في الأصح ) فلو حاضت في شهر خمسة ثم استحيضت ردت إليها لأن الحديث السابق قد دل على اعتبار الشهر الذي قبل الاستحاضة ولأن الظاهر أنها فيه كالذي يليه لقربه إليها فهو أولى مما انقضى وهذا ما نص عليه في الأم والبويطي

والثاني إنما تثبت بمرتين لأن العادة مشتقة من العود وأجاب الأول بأن لفظ العادة لم يرد به نص فيتعلق به

والثالث لا بد من ثلاث مرات لحديث دعي الصلاة أيام أقرائك والأقراء جمع قرء وأقله ثلاثة فمن حاضت خمسة في شهر ثم ستة في آخر ثم سبعة في آخر ثم استحيضت ردت إلى السبعة على الأول وإلى الستة على الثاني وإلى الخمسة على الثالث فإن اختلفت عادتها وانتظمت كأن كانت تحيض في شهر ثلاثة وفي الثاني خمسة وفي الثالث سبعة وفي الرابع ثلاثة وفي الخامس خمسة وفي السادس سبعة ثم استحيضت في الشهر السابع ردت إلى الثلاثة أو في الثامن فإلى الخمسة أو في التاسع فإلى السبعة وهكذا أبدا وأقل ما تستقيم العادة به في المثال المذكور ستة أشهر فلو لم تدر الدور الثاني على النظم السابق كأن استحيضت في الشهر الرابع ردت إلى السبعة لا إلى العادات السابقة فإن لم تنتظم بأن كانت تتقدم هذه مرة وهذه أخرى ردت إلى ما قبل شهر الاستحاضة إن ذكرته بناء على ثبوت العادة بمرة ثم تحتاط إلى آخر أكثر العادات إن لم يكن هو الذي قبل شهر الاستحاضة

فإن نسيت ما قبل شهر الاستحاضة أو نسيت كيفية الدوران دون العادة حيضناها في كل شهر ثلاثة لأنها المتيقن وتحتاط إلى آخر أكثر العادات وتغتسل آخر كل نوبة لاحتمال الانقطاع عنده

ثم شرع في المستحاضة الرابعة وهي المعتادة المميزة فقال ( ويحكم المعتادة المميزة بالتمييز ) حيث خالف العادة لم يتخلل بينهما أقل الطهر

( لا العادة في الأصح ) كما لو كان عادتها خمسة من أول كل شهر وباقيه طهر فاستحيضت فرأت عشرة سوادا من أول الشهر وباقيه حمرة فحيضها العشرة السواد لحديث دم الحيض أسود يعرف ولأن التمييز علامة في الدم والعادة علامة في صاحبته ولأنه علامة حاضرة والعادة علامة قد انقضت

والثاني يحكم بالعادة لأن العادة قد ثبتت واستقرت وصفة الدم بصدد الزوال فعلى هذا يكون حيضها الخمسة الأولى منها والباقي بعد العشرة على الأول والخمسة على الثاني طهر فإن تخلل بينهما أقل الطهر عمل بهما كأن رأيت بعد عادتها الخمسة من أول الشهر عشرين أحمر ثم خمسة أسود ثم أحمر فالأصح أن كلا منهما حيض لأن بينهما طهرا كاملا

وقيل يطرد الخلاف وعند التوافق الأمر واضح

تنبيه المبتدأة وغير المميزة والمعتادة كذلك تترك الصلاة وغيرها مما تتركه الحائض بمجرد رؤية الدم لأن الظاهر أنه حيض فتتربص فإن انقطع لدون يوم وليلة فليس بحيض في حقهن لتبين أنه دم فساد فيقضين الصلاة وكذا الصوم إذا نوين مع العلم بالحكم لتلاعبهن

أما إذا نوين قبل وجود الدم أو علمهن به أو لظنهن أنه دم فساد أو لجهلهن بالحكم فيصح صومهن وانقطع ليوم وليلة فأكثر ولدون أكثر من خمسة عشر يوما فالكل حيض ولو كان قويا


116

وضعيفا وإن تقدم الضعيف على القوي فإن جاوز الخمسة عشر ردت كل منهما إلى مردها وقضت كل منهن صلاة وصوم ما زاد على مردها

ثم في الشهر الثاني وما بعده يتركن التربص ويصلين ويفعلن ما تفعله الطاهرات فيما زاد على مردهن لأن الاستحاضة علة مزمنة فالظاهر دوامها

فإن شفين في دور قبل مجاوزة أكثر الحيض كان الجميع حيضا كما في الشهر الأول فيعدن الغسل لتبين عدم صحته لوقوعه في الحيض

ثم شرع في المستحاضة الخامسة وهي المتحيرة فقال ( أو ) كانت من جاوز دمها أكثر الحيض ( متحيرة ) سميت بذلك لتحيرها في أمرها وتسمى المحيرة أيضا بكسر الياء لأنها حيرت الفقيه في أمرها وفي المستحاضة غير المميزة

ولها ثلاثة أحوال لأنها إما أن تكون ناسية للقدر والوقت أو للقدر دون الوقت أو بالعكس

وقد شرع في القسم الأول فقال ( بأن نسيت عادتها قدرا ووقتا ) لنحو غفلة أو جنون وهي المتحيرة المطلقة ( ففي قول كمبتدأة ) بجامع فقد العادة والتمييز فيكون حيضها من أول الوقت الذي عرفت ابتداء الدم فيه أقل الغالب أو غالبه كما سبق

وقيل هنا ترد إلى غالبه قطعا فإن لم نعرف وقت ابتداء الدم أو كانت مبتدأة أو نسيت وقت ابتداء الدم كما سبق فحيضها من أول كل هلال ودورها شهر هلالي ومتى أطلق الشهر في المستحاضة فالمراد ثلاثون يوما إلا في هذا الموضع

( والمشهور وجوب الاحتياط ) بما يجيء إذ كل زمن يحتمل الحيض والطهر فاشتبه حيضها بغيره ولا يمكن التبعيض من غير معرفة أوله ولا جعلها طاهرا أبدا في كل شهر لقيام الدم ولا حائضا أبدا في كل شهر لقيام الإجماع على بطلانه فتعين الاحتياط للضرورة لا لقصد التشديد عليها

( فيحرم ) على الحليل ( الوطء ) والاستمتاع بما بين سرتها وركبتها كما مر في الحائض لاحتمال الحيض

وقيل يجوز ذلك لأن الاستحاضة علة مزمنة والتحريم دائما موقع في الفساد

وعلى الأول يستمر وجوب النفقة على الزوج وإن منع من الوطء ولا خيار له في فسخ النكاح لأن وطئها متوقع وعدتها إذا لم تكن حاملا بثلاثة أشهر في الحال لتضررها بطول الانتظار إلى سن اليأس وإن ذكرت الأدوار فعدتها ثلاثة منها

ولا تجمع تقديما لسفر ونحوه لأن شرطه تقدم الأولى صحيحة يقينا أو بناء على أصل ولم يوجد هنا

ولا تؤم في صلاتها بطاهر ولا متحيرة بناء على وجوب القضاء عليها ولا يلزمها الفداء عن صومها إن أفطرت للرضاع لاحتمال كونها حائضا وسيأتي إن شاء الله تعالى التنبيه على هذه المسائل في أبوابها وإنما جمعناها هنا لنحفظ

( و ) يحرم عليها ( مس المصحف ) وحمله كما علم بالأولى ( والقراءة في غير الصلاة ) لاحتماله أيضا أما في الصلاة فجائزة مطلقا

وقيل تباح لها القراءة مطلقا خوف النسيان بخلاف الجنب لقصر زمن الجنابة

وقيل تحرم الزيادة على الفاتحة في الصلاة كالجنب الفاقد للطهورين وفرق الأول بأن الجنب مدته محقق بخلافها وشمل كلامه تحريم المكث في المسجد عليها وبه صرح في أصل الروضة

قال في المهمات وهو متجه إذا كان لغرض دنيوي أو لا لغرض فإن كان للصلاة فكقراءة السورة فيها أو لاعتكاف أو طواف فكالصلاة فرضا أو نفلا

قال ولا يخفى أن محل ذلك إذا أمنت التلويث

واعتمد ذلك شيخي

وتطوف الفرض ( وتصلي الفرائض أبدا ) وجوبا فيهما لاحتمال طهرها ولا فرق في ذلك بين المكتوب والمنذور

قال الإسنوي والقياس أن صلاة الجنازة كذلك

( وكذا النفل ) أي لها صلاته وطوافه وصيامه ( في الأصح ) لأنه من مهمات الدين فلا وجه لحرمانها منه

والثاني لأنه لا ضرورة إليه كمس المصحف والقراءة في غير الصلاة

وقيل تصلي الراتبة دون غيرها

قال الدميري واقتضى إطلاق المصنف إنه لا فرق في جواز النقل لها بين أن يبقى وقت الفريضة أو يخرج وهو الأصح في زوائد الروضة وخالف في شرح المهذب والتحقيق وشرح مسلم فصحيح الجميع عدم الجواز بعد خروج الوقت اه

أي لأن حدثها يتجدد ونجاستها تتزايد ومع هذا فما في الزوائد أوجه وقضية سكوت المصنف عن قضاء الصلاة بعد فعلها في الوقت وتصريحه بوجوب قضاء الصوم أنه لا يجب قضاؤها وهو ما في البحر عن النص

وقال في المجموع إنه ظاهر نص الشافعي لأنه نص على وجوب قضاء الصوم دون الصلاة قال وبذلك صرح الشيخ أبو حامد و القاضي أبو الطيب و ابن الصباغ وجمهور العراقيين وغيرهم لأنها إن كانت حائضا فلا صلاة عليها أو طاهرا فقد


117

صلت

قال في المهمات وهو المفتى به لكن الذي رجحه الشيخان وجوب القضاء والتفريع عليه يطول مع مخالفته النص وطريقة الجمهور وستأتي الإشارة إليه في قول المصنف في صلاة الجماعة في قوله غير المتحيرة وقد بينت التفريع على ذلك في شرح التنبيه

( وتغتسل ) وجوبا إن جهلت وقت انقطاع الدم ولم يكن دمها متقطعا ( لكل فرض ) بعد دخول وقته لاحتمال الانقطاع حينئذ فإن علمت وقت الانقطاع كعند الغروب لم يلزمها الغسل في كل يوم وليلة إلا عقب الغروب كما قاله المصنف في التحقيق

وقال في المجموع إن إطلاق الأصحاب الغسل لكل فريضة محمول على هذا التفصيل وأما ذات التقطع فلا يلزمها الغسل زمن النقاء لأن الغسل سببه الانقطاع والدم منقطع

ولا يلزمها المبادرة إلى الصلاة عقب الغسل على الأصح في أصل الروضة وقيل يلزمها كما في وضوء المستحاضة

وفرق الأول بأنا إنما أوجبنا المبادرة هناك تقليلا للحدث والغسل إنما تؤمر به لاحتمال الانقطاع ولا يمكن تكرر الانقطاع بين الغسل والصلاة فإذا أخرت وجب عليها الوضوء فقط

( وتصوم ) وجوبا ( رمضان ) لاحتمال أن تكون طاهرا جميعه ( ثم شهرا كاملين ) بأن يكون رمضان ثلاثين وتأتي بعده بثلاثين متوالية

( فيحصل ) لها ( من كل ) منهما ( أربعة عشر ) يوما إذا لم تعتد الانقطاع ليلا بأن اعتادته نهارا أو شكت لاحتمال أن تحيض فيهما أكثر الحيض ويطرأ الدم في أثناء يوم وينقطع في أثناء يوم فيفسد عليها ستة عشر يوما من كل منهما لأن وجود الحيض في بعض اليوم مبطل له

أما إذا اعتادته ليلا فلم يبق عليها شيء وربما ترد هذه الصورة على المصنف

وقوله كاملين حال من رمضان و شهرا وإن كان شهرا نكرة

فإن كان رمضان ناقصا حصل لها منه ثلاثة عشر يوما والمقضي منه بكل حال ستة عشر يوما فإذا صامت شهرا كاملا بعد ذلك بقي عليها على كل من التقديرين يومان فلو قال وتصوم رمضان ثم شهرا كاملا ويبقى يومان لأغنى عن كاملين وما بعده قاله ابن شهبة

( ثم ) إذا بقي عليها قضاء صوم فلها في قضائه طريقتان إحداهما وهي طريقة الجمهور وتجري في أربعة عشر يوما فما دونها أن تضعف ما عليها وتزيد عليه يومين فتصوم ما عليها ولاء متى شاءت ثم تأتي بذلك مرة أخرى من أول السابع عشر من صومها وتأتي باليومين بينهما تواليا أو تفرقا اتصلا بالصوم الأول أو بالثاني أو لم يتصلا بواحد أو اتصل أحدهما بالأول والآخر بالثاني وقد نبه المصنف على هذه الطريقة بقوله ( تصوم من ثمانية عشر ) يوما ( ثلاثة أولها وثلاثة ) من ( آخرها فيحصل اليومان الباقيان ) لأنها قد ضاعفت الصوم الذي عليها وصامت يومين بينهما لأن غاية ما يفسده الحيض ستة عشر يوما فيحصل لها يومان على كل تقدير لأن الحيض إن طرأ في أثناء اليوم الأول من صومها انقطع في أثناء السادس عشر فيحصل اليومان بعده أو في اليوم الثاني انقطع في السابع عشر فيحصل الأول والأخير أو في اليوم الثالث فيحصل اليومان الأولان أو في اليوم السادس عشر انقطع اليوم الأول فيحصل لها الثاني والثالث أو في السابع عشر انقطع في الثاني فيحصل لها السادس عشر والثالث أو في الثامن عشر انقطع في الثالث فيحصل لها السادس عشر والسابع

وقد توهم عبارة المصنف أنه لا يمكن قضاء يومين بأقل من ستة أيام فإنه في معرض بيان الأقل وليس مرادا بل يمكن بخمسة كما يعلم من قولي

والطريقة الثانية وهي طريقة الدارمي واستحسنها المصنف في المجموع وتجري في سبعة أيام فما دونها أن تصوم بقدر ما عليها بزيادة يوم متفرق بأي وجه شاءت في خمسة عشر ثم تعيد صوم كل يوم غير الزيادة يوم سابع عشرة ولها تأخيره إلى خامس عشر ثانية

وقد نبه المصنف على هذه الطريقة بقوله ( ويمكن قضاء يوم بصوم يوم ثم الثالث ) من الأول ( والسابع عشر ) منه لأنها قد صامت بقدر ما عليها أولا بزيادة يوم متفرقا في خمسة عشر يوما وبقدر ما عليها في سابع عشرة فيقع لها يوم من الأيام الثلاثة في الطهر على كل تقدير وقد علمت كيفيته في الطريقة الأولى

وفي مثال المصنف استوى سابع عشر الأول وخامس عشر ثانيه لأنها فرقت صومها


118

بيوم فلو فرقته بأكثر تغايرا

هذا في غير الصوم المتتابع أما المتتابع بنذر أو غيره فإن كان سبعة أيام فما دونها صامتة ولاء ثلاث مرات الثالثة منها من سابع عشر شروعها في الصوم بشرط أن تفرق بين كل مرتين من الثلاث بيوم فأكثر حيث يتأتى الأكثر وذلك فيما دون السبع فلقضاء يومين ولاء تصوم يوما وثانيه وسابع عشره وثامن عشره ويومين بينهما ولاء غير متصلين بشيء من الصومين فتبرأ لأن الحيض إن فقد في الأولين صح صومهما وإن وجد فيهما صح الأخيران إذ لم يعد فيهما وإلا فالمتوسطان وإن وجد في الأول دون الثاني صحا أيضا أو بالعكس

فإن انقطع قبل السابع عشر صح مع ما بعده وإن انقطع فيه صح الأول والثامن عشر

وتخلل الحيض لا يقطع الولاء وإن كان الصوم الذي تخلله قدرا يسعه وقت الظهر لضرورة تحير المستحاضة فإن كان المتتابع أربعة عشر فما دونها صامت له ستة عشر ولاء ثم تصوم قدر المتتابع أيضا ولاء بين أفراده وبينها وبين الستة فلقضاء ثمانية متتابعة تصوم أربعة وعشرين ولاء فتبرأ إذ الغاية بطلان ستة عشر فيبقى لها ثمانية من الأول أو من الآخر أو منهما أو من الوسط ولقضاء أربعة عشر تصوم ثلاثين

وإن كان ما عليها شهرين متتابعين صامت مائة وأربعين يوما ولاء فتبرأ إذ يحصل من كل ثلاثين أربعة عشر يوما فيحصل من مائة وعشرين ستة وخمسون ومن عشرين الأربعة الباقية

وإنما وجب الولاء لأنها لو فرقت احتمل وقوع الفطر في الطهر فيقطع الولاء

ثم شرع في الحالين الباقيين للمتحيرة فقال ( وإن حفظت ) من عادتها ( شيئا ) ونسيت شيئا كأن ذكرت الوقت دون القدر أو بالعكس

( فلليقين ) من الحيض والطهر ( حكمه ) وقضية كلامه أن هذه تسمى متحيرة

قال ابن شهبة والجمهور على خلافه اه

وقد علمت مما مر أن المتحيرة لها ثلاثة أحوال فكلام الجمهور محمول على المتحيرة المطلقة فلا ينافي ما ذكر

( وهي ) أي المتحيرة الحافظة لأحد الأمرين ( في ) الزمن ( المحتمل ) للطهر والحيض ( كحائض في الوطء ) ونحوه مما مر ( وطاهر في العبادات ) لما سبق في المتحيرة المطلقة من وجوب الاحتياط

( وإن احتمل انقطاعا وجب الغسل لكل فرض ) للاحتياط أيضا وإن لم يحتمله وجب الوضوء فقط

ويسمى محتمل الانقطاع طهرا مشكوكا فيه والذي لا يحتمله حيضا مشكوكا فيه مثال الحافظة للوقت دون القدر كأن تقول كان حيضي يتبدىء أول الشهر فيوم وليلة منه حيض بيقين لأنه أقل الحيض ونصفه الثاني طهر بيقين لما مر أن أكثر الحيض خمسة عشر وما بين ذلك يحتمل الحيض والطهر ولا انقطاع

ومثال الحافظة للقدر دون الوقت كأن تقول حيضي خمسة في العشر الأول من الشهر لا أعلم ابتداءها وأعلم أني في اليوم الأول طاهر فالسادس حيض بيقين والأول طهر بيقين كالعشرين الأخيرين والثاني إلى آخر الخامس محتمل للحيض والطهر والسابع إلى آخر العاشر محتمل لهما وللانقطاع

تنبيه قال الأصحاب إن الحافظة للقدر إنما تخرج عن التحير المطلق إذا حفظت قدر الدور وابتداءه وقدر الحيض كما مثلنا فلو قالت حيضي خمسة وأضللتها في دوري ولا أعرف غير ذلك فلا فائدة في حفظها لاحتمال الحيض والطهر والانقطاع في كل زمن وكذا لو قالت حيضي خمسة ودوري ثلاثون ولا أعرف ابتداءه وكذا لو قالت حيضي خمسة وابتداؤه يوم كذا ولا أعرف قدر دوري

نعم لو صامت رمضان وكان حيضها خمسة في ثلاثين فيصح لها خمسة وعشرون إن علمت أن حيضها كان يبتدئها في الليل وكان رمضان تاما فإن علمت أنه كان يبتدئها بالنهار أو شكت حصل لها أربعة وعشرون يوما وتقضي الخمسة في أحد عشر يوما نقله في المجموع عن الأصحاب

ولو قالت كنت أخلط شهرا بشهر حيضا فلحظة من أول كل شهر ولحظة من آخره حيض يقينا وما بين الأولى ولحظة من آخر الخامس عشر يحتمل الثلاثة وهذه اللحظة مع لحظة من أول ليلة السادس عشر طهر يقينا ثم إلى اللحظة من آخر الشهر يحتمل الحيض والطهر دون الانقطاع

( والأظهر ) الجديد ( أن دم الحامل ) حيض وإن ولدت متصلا بآخره بلا تخلل نقاء لإطلاق الآية السابقة والأخبار ولأنه دم متردد بين دمي الحبلة والعلة والأصل السلامة من العلة وإن لم تنقض به العدة لأنها لطلب براءة الرحم وهي لا تحصل بالأقراء مع وجود الحمل على أنها قد تنقضي بها وذلك فيما إذا كان الحمل من زنا كأن فسخ نكاح صبي بعيب أو غير


119

بعد دخوله بزوجته وهي حامل من زنا أو تزوج الرجل حاملا من زنا وطلقها بعد الدخول لأن حمل الزنا كالمعدوم

ووقع في المجموع أنه مثل لذلك بموت صبي عن زوجته وهي حامل من زنا واعترض عليه في ذلك لأن زوجة الميت إنما تعتد بالأشهر لا بالأقراء والثاني هو القديم أنه ليس بحيض بل هو حدث دائم كسلس البول لأن الحمل يسد مخرج الحيض وقد جعل دليلا على براءة الرحم فدل على أن الحامل لا تحيض

وأجاب الأول بأنه إنما حكم الشارع ببراءة الرحم به لأنه الغالب

( و ) الأظهر أن ( النقاء بين ) دماء ( أقل الحيض ) فأكثر ( حيض ) تبعا لها بشروط وهي أن لا يجاوز ذلك خمسة عشر يوما ولم تنقص الدماء عن أقل الحيض وأن يكون النقاء محتوشا بين دمي حيض فإذا كانت ترى وقتا ما ووقتا نقاء واجتمعت هذه الشروط حكمنا على الكل بأنه حيض وهذا يسمى قول المحب

والثاني أن النقاء طهر لأن الدم إذا دل على الحيض وجب أن يدل النقاء على الطهر وهذا يسمى قول اللفظ وقول التلفيق أما النقاء بعد آخر الدماء فطهر قطعا وإن نقصت الدماء عن أقل الحيض فهي دم فساد وإن زادت مع النقاء بينها على خمسة عشر يوما فهي دم استحاضة

ومحل الخلاف في الصلاة والصوم ونحوهما فلا يجعل النقاء طهرا في انقضاء العدة إجماعا وفيما إذا زاد النقاء على الفترات المعتادة بين دفعات الحيض أما الفترات فهي حيض قطعا

والفرق بين الفترة والقناء كما قاله في زوائد الروضة أن الفترة هي الحالة التي ينقطع فيها جريان دم ويبقى أثر لو أدخلت قطنة في فرجها لخرجت ملوثة والنقاء أن تخرج نقية لا شيء عليها والدم بين التوأمين حيض كالخارج بعد عضو انفصل من الولد المجتن لخروجه قبل فراغ الرحم كدم الحامل بل أولى بكونه حيضا إذا إرخاء الدم بين الولادتين أقرب منه قبلهما لانفتاح الرحم بالولادة

تنبيه قال ابن الفركاح إن نسخة المصنف والنقاء بين الدم حيض ثم أصلحه بعضهم بقوله بين أقل الحيض لأن الراجح أنه إنما ينسحب إذا بلغ مجموع الدماء أقل الحيض اه

قال الولي العراقي وهذه النسخة التي شرح عليها السبكي

وقال ابن النقيب وقد رأيت نسخة المصنف التي بخطه وقد أصلحت كما قال بغير خطه

ثم لما فرغ من ذكر المستحاضة وأقسامها شرع في ذكر النفاس وقدره فقال ( وأقل النفاس ) مجة كما عبر به في التنبيه أي دفعة وزمانها ( لحظة ) وفي الروضة وأصلها لا حد لأقله أي لا يتقدر بل ما وجد منه وإن قل يكون نفاسا ولا يوجد أقل من مجة فالمراد من العبارات كما قال في الإقليد واحد

وهو بكسر النون لغة الولادة وشرعا ما مر أول الباب

وسمي بذلك لأنه يخرج عقب النفس أو من قولهم تنفس الصبح إذا ظهر

ويقال لذات النفاس نفساء بضم النون وفتح الفاء وجمعها نفاس ولا نظير له إلا ناقة عشراء فجمعها عشار قال تعالى وإذا العشار عطلت

ويقال في فعله نفست المرأة بضم النون وفتحها وبكسر الفاء فيهما والضم أفصح

وأما الحائض فيقال فيها نفست بفتح النون وكسر الفاء لا غير ذكره في المجموع

( وأكثره ستون ) يوما ( وغالبه أربعون ) يوما اعتبارا بالوجود في الجميع كما مر في الحيض

وأما خبر أبي داود عن أم سلمة رضي الله تعالى عنهما كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما فلا دلالة فيه على نفي الزيادة أو محمول على الغالب أو على نسوة مخصوصات ففي رواية لأبي داود كانت المرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقعد في النفاس أربعين ليلة واختلف في أوله فقيل بعد خروج الولد وقيل أقل الطهر

فأوله فيما إذا تأخر خروجه عن الولادة من الخروج لا منها وهو ما صححه في التحقيق

وموضع من المجموع عكس ما صححه في أصل الروضة وموضع آخر من المجموع

وقضية الأخذ بالأول أن زمن النقاء لا يحسب من الستين لكن البلقيني صرح بخلافه فقال ابتداء الستين من الولادة وزمن النقاء لا نفاس فيه وإن كان محسوبا من الستين ولم أر من حقق هذا اه

وعلى هذا يلزمها قضاء ما فاتها من الصلوات المفروضة في هذه المدة

ويشكل على هذا قول المصنف أنها إذا ولدت ولدا جافا أن صومها يبطل ولا يصح ذلك إلا إذا قلنا إن هناك دما وإن خفي وينبغي على هذا أنه يحرم على حليلها أن يستمتع بها بما بين السرة والركبة قبل غسلها

وكلام ابن المقري يميل إلى الثاني وينبغي اعتماده وإن كنت جريت على الأول في شرح التنبيه

وإن لم تر الدم إلا بعد مضي خمسة عشر يوما فأكثر فلا نفاس لها أصلا على الأصح في شرح المهذب


120

وعلى هذا فيحل للزوج أن يستمتع بها قبل غسلها كالجنب

وقول المصنف في باب الصيام إنه يبطل صومها بالولد الجاف محله ما إذا رأت الدم قبل خمسة عشر يوما

فائدة أبدى أبو سهل معنى لطيفا في كون أكثر النفاس ستين أن المني يمكث في الرحم أربعين يوما لا يتغير ثم يمكث مثلها علقة ثم مثلها مضغة ثم ينفخ فيه الروح كما جاء في الحديث الصحيح والولد يتغذى بدم الحيض وحينئذ فلا يجتمع الدم من حين النفخ لكونه غذاء الولد وإنما يجتمع في المدة التي قبلها وهي أربعة أشهر وأكثر الحيض خمسة عشر يوما فيكون أكثر النفاس ستين

وقال بعض العلماء أكثره سبعون

وقال أبو حنيفة أربعون ولعله أخذ بظاهر الحديث المتقدم

( ويحرم به ما حرم بالحيض ) بالإجماع لأنه دم حيض مجتمع فحكمه حكم الحيض في سائر أحكامه إلا في شيئين أحدهما أن الحيض يوجب البلوغ والنفاس لا يوجبه لثبوته قبله بالإنزال الذي جبلت منه

الثاني أن الحيض يتعلق به العدة والاستبراء ولا يتعلقان بالنفاس لحصولهما قبله بمجرد الولادة

قال ابن الرفعة نقلا عن البندنيجي ولا يسقط بأقله الصلاة أي لأن أقل النفاس لا يستغرق وقت الصلاة لأنه إن وجد في الأثناء فقد تقدم وجوبها وإن وجد في الأول فقد لزمت بالانقطاع بخلاف أقل الحيض فإنه يعم الوقت وربما يقال قد يسقطه فيما إذا بقي من وقت الضرورة ما يسع تكبيرة الإحرام فنفست أقل النفاس فيه فإنه لا يجب قضاء تلك الصلاة فعلى هذا لا يستثنى ما قاله

( وعبوره ) أي النفاس ( ستين ) يوما ( كعبوره ) أي الحيض ( أكثره ) لأن النفاس كالحيض في غالب أحكامه فكذلك في الرد إليه عند الإشكال فينظر أمبتدأة في النفاس أم معتادة مميزة أم غير مميزة ويقاس بما تقدم في الحيض فترد المبتدأة المميزة إلى التمييز بشرط أن لا يزيد القوي على ستين ولا ضبط في الضعيف وغير المميزة إلى لحظة في الأظهر والمعتادة المميزة إلى التمييز لا العادة في الأصح وغير المميزة الحافظة إلى العادة وتثبت بمرة أي إن لم تختلف في الأصح وإلا ففيه التفصيل السابق في الحيض والناسية إلى مرد المبتدأة في قول وتحتاط في الآخر الأظهر في التحقيق

ولا يمكن تصور متحيرة مطلقة في النفاس بناء على المذهب أن من عادتها أن لا ترى نفاسا أصلا إذا ولدت فرأت الدم وجاوز الستين أنها كالمبتدأة لأنه حينئذ يكون ابتداء نفاسها معلوما وبه ينتفي التحير المطلق

خاتمة يجب على المرأة تعلم ما تحتاج إليه من أحكام الحيض والاستحاضة والنفاس فإن كان زوجها عالما لزمه تعليمها وإلا فلها الخروج لسؤال العلماء بل يجب ويحرم عليه منعها إلا أن يسأل هو ويخبرها فتستغني بذلك وليس لها الخروج إلى مجلس ذكر أو تعلم خير إلا برضاه

وإذا انقطع دم الحيض أو النفاس واغتسلت أو تيممت حيث يشرع لها التيمم فللزوج أن يطأها في الحال من غير كراهة فإن خافت عود الدم استحب لها التوقف في الوطء احتياطا

وفي التيمم فللزوج أن يطأها في الحال من غير كراهة فإن خافت عود الدم استحب لها التوقف في الوطء احتياطا

وفي كتب الغريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الغائصة والمغوصة فالغائصة هي التي لا تعلم زوجها أنها حائض ليجتنبها فيجامعها وهي حائض

والمغوصة هي التي لا تكون حائضا فتكذب على زوجها وتقول أنا حائض ليجتنبها

كتاب الصلاة

جمعها صلوات وهي لغة الدعاء بخير قال تعالى وصل عليهم أي ادع لهم

وتقدم بسطه أول الكتاب ولتضمنها معنى التعطف عديت ب على و شرعا أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة ولا ترد صلاة الأخرس لأن الكلام في الغالب فتدخل صلاة الجنازة بخلاف سجدة التلاوة والشكر وسميت بذلك لاشتمالها على الدعاء إطلاقا لاسم الجزء على الكل وقد بدأ بالمكتوبات لأنها أهم وأفضل فقال ( المكتوبات ) أي المفروضات


121

العينية من الصلاة في كل يوم وليلة ( خمس ) معلومة من الدين بالضرورة والأصل فيها قبل الإجماع آيات كقوله تعالى وأقيموا الصلاة أي حافظوا عليها دائما بإكمال واجباتها وسننها وقوله تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا أي محتمة مؤقتة وأخبار في الصحيحين كقوله صلى الله عليه وسلم فرض الله على أمتي ليلة إلاسراء خمسين صلاة فلم أزل أراجعه وأسأله التخفيف حتى جعلها خمسا في كل يوم وليلة وقوله للأعرابي خمس صلوات في اليوم والليلة قال الأعرابي هل علي غيرها قال لا إلا أن تطوع وقوله ل معاذ حين بعثه إلى اليمن أخبرهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة

وأما وجوب قيام الليل فنسخ في حقنا وهل نسخ في حقه صلى الله عليه وسلم أكثر الأصحاب لا والصحيح نعم ونقله الشيخ أبو حامد عن النص وسيأتي بيانه في باب النكاح إن شاء الله تعالى

وخرج بقولنا العينية صلاة الجنازة لكن الجمعة من المفروضات العينية ولم تدخل في كلامه إلا إذا قلنا إنها بدل عن الظهر وهو رأي والأصح أنها صلاة مستقلة

وكان فرض الخمس ليلة المعراج كما مر قبل الهجرة بسنة وقيل بستة أشهر

فائدة في شرح المسند للرافعي أن الصبح كانت صلاة آدم والظهر كانت صلاة داود والعصر كانت صلاة سليمان والمغرب كانت صلاة يعقوب والعشاء كانت صلاة يونس وأورد في ذلك خبرا فجمع الله سبحانه وتعالى جميع ذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم ولأمته تعظيما له ولكثرة الأجور له ولأمته

ولما كانت الظهر أول صلاة ظهرت لأنها أول صلاة صلاها جبريل عليه الصلاة والسلام بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد بدأ الله تعالى بها في قوله أقم الصلاة لدلوك الشمس بدأ المصنف بها فقال ( الظهر ) أي صلاة الظهر سميت بذلك لأنها تفعل في وقت الظهيرة أي شدة الحر وقيل لأنها ظاهرة وسط النهار وقيل لأنها أول صلاة ظهرت

فإن قيل تقدم أن الصلوات الخمس فرضت ليلة الإسراء فلم لم يبدأ بالصبح أجيب بجوابين الأول أنه حصل التصريح بأن أول وجوب الخمس من الظهر قاله في المجموع

الثاني أن الإتيان بالصلاة متوقف على بيانها ولم يبين إلا عند الظهر ولما صدر الأكثرون تبعا للشافعي رضي الله تعالى عنه الباب بذكر المواقيت لأن بدخولها تجب الصلاة وبخروجها تفوت

والأصل فيها قوله تعالى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون قال ابن عباس أراد ب حين تمسون صلاة المغرب والعشاء وب حين تصبحون صلاة الصبح وب عشيا صلاة العصر وب حين تظهرون صلاة الظهر

وخبر أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكان الفيء قدر الشراك والعصر حين كان ظله أي الشيء مثله والمغرب حين أفطر الصائم أي دخل وقت إفطاره والعشاء حين غاب الشفق والفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم

فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله والعصر حين كان ظله مثليه والمغرب حين أفطر الصائم والعشاء إلى ثلث الليل والفجر فأسفر وقال هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت ما بين هذين الوقتين رواه أبو داود وغيره

وقوله صلى بي الظهر حين كان ظله مثله أي فرغ منها حينئذ كما شرع في العصر في اليوم الأول حينئذ قاله الشافعي رضي الله تعالى عنه نافيا به اشتراكهما في وقت ويدل له خبر مسلم وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر

وتبعهم المصنف فقال ( وأول وقته ) أي الظهر ( زوال الشمس ) أي وقت زوالها يعني يدخل وقتها بالزوال كما عبر به في الوجيز وغيره وهو ميل الشمس عن وسط السماء المسمى بلوغها إليه بحالة الاستواء إلى جهة المغرب لا في الواقع بل في الظاهر لأن التكليف إنما يتعلق به وذلك بزيادة ظل الشيء على ظله حالة الاستواء أو بحدوثه إن لم يبق عنده ظل قال في الروضة كأصلها وذلك يتصور في بعض البلاد كمكة وصنعاء اليمن في أطول أيام السنة

فلو شرع في التكبير قبل ظهور الزوال ثم ظهر الزوال عقب التكبير أو في أثنائه لم يصح الظهر وإن كان التكبير حاصلا بعد الزوال في نفس الأمر وكذا الكلام في الفجر وغيره

( وآخره ) أي وقت الظهر ( مصير ظل الشيء مثله سوى ظل استواء الشمس ) الموجود عند الزوال

وإذا أردت معرفة الزوال فاعتبره بقامتك أو شاخص تقيمه في أرض مستوية وعلم على


122

رأس الظل فما زال الظل ينقص من الخط فهو قبل الزوال وإن وقف لا يزيد ولا ينقص فهو وقت الاستواء وإن أخذ الظل في الزيادة علم أن الشمس زالت

قال العلماء وقامة كل إنسان ستة أقدام ونصف بقدمه

والشمس عند المتقدمين من أرباب علم الهيئة في السماء الرابعة وقال بعض محققي المتأخرين في السادسة

وهي أفضل من القمر لكثرة نفعها

قال الأكثرون وللظهر ثلاثة أوقات وقت فضيلة أوله ووقت اختيار إلى آخره ووقت عذر وقت العصر لمن يجمع

وقال القاضي لها أربعة أوقات وقت فضيلة أوله إلى أن يصير ظل الشيء مثل ربعه ووقت اختيار إلى أن يصير مثل نصفه ووقت جواز إلى آخره ووقت عذر وقت العصر لمن يجمع

ولها وقت ضرورة وسيأتي ووقت حرمة وهو آخر وقتها بحيث لا يسعها ولا عذر

وإن وقعت أداء ويجريان في سائر أوقات الصلوات

فائدة الظل أصله الستر ومنه أنا في ظل فلان

وظل الليل سواده وهو يشمل ما قبل الزوال وما بعده

والفيء مختص بما بعد الزوال

وقد سئل السبكي عن الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولا إذا تراءت له شجرة يقول يا رب أدنني من هذه لأستظل في ظلها الحديث من أي شيء يستظل والشمس قد كورت أجاب بقوله تعالى وظل ممدود وبقوله هم وأزواجهم في ظلال إذ لا يلزم من تكوير الشمس عدم الظل لأنه مخلوق لله تعالى وليس بعدمي بل هو أمر وجودي له نفع بإذن الله تعالى في الأبدان وغيرها فليس الظل عدم الشمس كما قد يتوهم

( وهو ) أي مصير ظل الشيء مثله سوى ما مر ( أول وقت العصر ) للحديث السابق والصحيح أنه لا يشترط حدوث زيادة فاصلة بينه وبين وقت الظهر وعبارة التنبيه إذا صار ظل كل شيء مثله وزاد أدنى زيادة وأشار إلى ذلك الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بقوله فإذا جاوز ظل الشيء مثله بأقل زيادة فقد دخل وقت العصر

وليس ذلك مخالفا لما ذكر بل هو محمول على أن وقت العصر لا يكاد يعرف إلا بها وهي من وقت العصر وقيل من وقت الظهر وقيل فاصلة بينهما

( ويبقى ) وقته ( حتى تغرب ) الشمس لحديث من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر متفق عليه

وروى ابن أبي شيبة بإسناده في مسلم وقت العصر ما لم تغرب الشمس

( والاختيار أن لا تؤخر عن مصير الظل مثلين ) بعد ظل الاستواء إن كان لحديث جبريل المار

وسمي مختارا لما فيه من الرجحان على ما بعده

وفي الإقليد يسمى بذلك لاختيار جبريل إياه

وقوله فيه بالنسبة إليها الوقت ما بين هذين محمول على وقت الاختيار

وقال الإصطخري يخرج وقت العصر بمصير الظل مثليه ووقت العشاء بالثلث والصبح بالإسفار لظاهر بيان جبريل السابق

وأجيب عنه بما تقدم

وللعصر سبعة أوقات وقت فضيلة أول الوقت ووقت اختيار ووقت عذر وقت الظهر لمن يجمع ووقت ضرورة ووقت جواز بلا كراهة ووقت كراهة ووقت حرمة وهو آخر وقتها بحيث لا يسعها وإن قلنا إنها أداء

قال بعض المتأخرين وفي هذا نظر فإن الوقت ليس بوقت حرمة وإنما يحرم التأخير إليه وهذا الوقت وقت إيجاب لأنه يجب فعل الصلاة فيه فنفس التأخير هو المحرم لا نفس الصلاة في الوقت اه

ويأتي هذا النظر أيضا في قولهم وقت كراهة

وزاد بعضهم ثامنا وهو وقت القضاء فيما إذا أحرم بالصلاة في الوقت ثم أفسده عمدا فإنها تصير قضاء كما نص عليه القاضي حسين في تعليقه و المتولي في التتمة و الروياني في البحر ولكن هذا رأي ضعيف في المذهب والصحيح لا تصير قضاء

وزاد بعضهم تاسعا وهو وقت أداء إذا بقي من وقت الصلاة ما يسع ركعة فقط

( والمغرب ) يدخل وقتها ( بالغروب ) لخبر جبريل سميت بذلك لفعلها عقب الغروب

وأصل الغروب البعد يقال غرب بفتح الراء إذا بعد والمراد تكامل الغروب ويعرف في العمران بزوال الشعاع من رؤوس الجبال وإقبال الظلام من المشرق

( ويبقى ) وقتها ( حتى يغيب الشفق الأحمر في القديم ) لما في حديث مسلم وقت المغرب ما لم يغب الشفق وسيأتي تصحيح هذا

وخرج بالأحمر الأصفر والأبيض ولم يذكره في المحرر لانصراف الاسم إليه لغة لأن المعروف في اللغة أن الشفق


123

هو الحمرة كذا ذكره الجوهري و الأزهري وغيرهما قال الإسنوي ولهذا لم يقع التعرض له في أكثر الأحاديث

( وفي الجديد ينقضي ) وقتها ( بمضي قدر ) زمن ( وضوء وستر عورة وأذان وإقامة وخمس ركعات ) لأن جبريل صلاها في اليومين في وقت واحد بخلاف غيرها كذا استدل به أكثر الأصحاب ورد بأن جبريل إنما بين الوقت المختار وهو المسمى بوقت الفضيلة وأما الوقت الجائز وهو محل النزاع فليس فيه تعرض له وإنما استثنى قدر هذه الأمور للضرورة

والمراد بالخمس المغرب وسنتها البعدية وذكر الإمام سبع ركعات فزاد ركعتين قبلها وكان ينبغي للمصنف ترجيحه لأنه صحح في الكتاب استحباب ركعتين قبلها واستحب أبو بكر البيضاوي أربعا بعدها فيعتبر على هذا تسع ركعات والاعتبار في جميع ما ذكر بالوسط المعتدل كذا أطلقه الرافعي

وقال القفال يعتبر في حق كل إنسان الوسط من فعل نفسه لأنهم يختلفون في ذلك ويمكن حمل كلام الرافعي على ذلك

ويعتبر أيضا قدر أكل لقم يكسر بها حدة الجوع كما في الشرحين والروضة لكن صوب في التنقيح وغيره اعتبار الشبع لما في الصحيحين إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم وحمل كلامه على الشبع الشرعي وهو أن يأكل لقيمات يقمن صلبه والعشاء في الحديث محمول على هذا أيضا

قال بعض السلف أتحسبونه عشاءكم الخبيث إنما كان أكلهم لقيمات

ولو عبر المصنف بالطهر بدل الوضوء لكان أولى ليشمل الغسل والتيمم وإزالة الخبث

وعبر جماعة بلبس الثياب بدل ستر العورة واستحسنه الإسنوي لتناوله التعمم والتقمص والارتداء ونحوها فإنه مستحب للصلاة

فإن قيل يشكل على الجديد أنه يجوز جمع المغرب والعشاء جمع تقديم ومن شرط صحة الجمع وقوع الصلاتين في وقت المتبوعة فكيف ينحصر وقت المغرب فيما ذكر أجيب بأن الوقت المذكور يسع صلاتين خصوصا إذا كانت الشرائط عند الوقت مجتمعة فإن فرض ضيقه عنهما لأجل اشتغاله بالأسباب امتنع الجمع

( ولو شرع ) فيها ( في الوقت ) على القول الجديد ( ومد ) بتطويل القراءة وغيرها ( حتى غاب الشفق الأحمر جاز على الصحيح ) وإن خرج بذلك وقتها بناء على أن له في سائر الصلوات المد وهو الأصح لأن الصديق رضي الله تعالى عنه طول مرة في صلاة الصبح فقيل له كادت الشمس أن تطلع فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين

ولكنه خلاف الأولى كما في المجموع ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيها بالأعراف في الركعتين كلتيهما رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين وفي البخاري نحوه وقراءته صلى الله عليه وسلم تقرب من مغيب الشفق لتدبره لها

والثاني لا يجوز لوقوع بعضها خارج الوقت بناء على أن الصلاة إذا خرج بعضها عن الوقت تكون قضاء كلها أو بعضها قال الإسنوي وإذا قلنا بجواز المد فيتجه إيقاع ركعة في وقتها الأصلي اه

وظاهر كلام الأصحاب أنه لا فرق وهو المتجه

نعم يشترط إيقاع ركعة لتسميتها أداء وإلا فتكون قضاء لكن لا إثم فيها بخلاف ما إذا شرع فيها في وقت لا يسعها كما سيأتي التنبيه على ذلك عند قول المصنف ومن وقع بعض صلاته في الوقت

( قلت القديم أظهر والله أعلم ) قال في المجموع بل الجديد أيضا لأن الشافعي رضي الله تعالى عنه علق القول به في الإملاء وهو من الكتب الجديدة على ثبوت الحديث فيه وقد ثبت فيه أحاديث في مسلم منها الحديث المتقدم

وأما حديث صلاة جبريل في اليومين في وقت واحد فمحمول على وقت الاختيار كما مر وأيضا أحاديث مسلم مقدمة عليه لأنها متأخرة بالمدينة وهو متقدم بمكة ولأنها أكثر رواة وأصح إسنادا منه

قال وعلى هذا للمغرب ثلاثة أوقات وقت فضيلة واختياره أول الوقت ووقت جواز ما لم يغب الشفق الأحمر ووقت عذر وقت العشاء لمن يجمع

قال الإسنوي نقلا عن الترمذي ووقت كراهة وهو تأخيرها عن وقت الجديد اه

ومعناه واضح مراعاة للقول بخروج الوقت

ولها أيضا وقت ضرورة ووقت حرمة ووقت أداء وهو أن يبقى من الوقت ما يسع ركعة فقط

وعلى الأول لها وقت فضيلة واختيار ووقت عذر ووقت ضرورة ووقت حرمة

( والعشاء ) يدخل وقتها ( بمغيب الشفق ) الأحمر لما سبق لا ما بعده من الأصفر ثم الأبيض خلافا للإمام في الأول و للمزني في الثاني ومن لا عشاء لهم بأن يكونوا بنواح


124

لا يغيب فيها شفقهم يقدرون قدر ما يغيب فيه الشفق بأقرب البلاد إليهم كعادم القوت المجزيء في الفطرة ببلده أي فإن كان شفقهم يغيب عند ربع ليلهم مثلا اعتبر من ليل هؤلاء بالنسبة لأنهم يصبرون بقدر ما يمضي من ليلهم لأنه ربما استغرق ذلك ليلهم نبه على ذلك في الخادم

( ويبقى ) وقتها ( إلى الفجر ) الصادق كما صرح به في المحرر لحديث ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى رواه مسلم

خرجت الصبح بدليل فبقي على مقتضاه في غيرها وخرج بالصادق الكاذب وسيأتي بيانهما

( والاختيار أن لا تؤخر عن ثلث الليل ) لخبر جبريل السابق وقوله فيه بالنسبة إليها الوقت ما بين هذين محمول على وقت الاختيار

( وفي قول نصفه ) لخبر لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل صححه الحاكم على شرط الشيخين ورجحه المصنف في شرح مسلم وكلامه في المجموع يقتضي أن الأكثرين عليه

فلها سبعة أوقات وقت فضيلة ووقت اختيار ووقت جواز ووقت حرمة ووقت ضرورة ووقت عذر ووقت المغرب لمن يجمع ووقت كراهة وهو ما قاله الشيخ أبو حامد بين الفجرين

( والصبح ) بضم الصاد وحكي كسرها في اللغة أول النهار فلذلك سميت به هذه الصلاة وقيل لأنها تقع بعد الفجر الذي يجمع بياضا وحمرة والعرب تقول وجه صبيح لما فيه بياض وحمرة

ويدخل وقتها ( بالفجر الصادق ) لحديث جبريل فإنه علقه على الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب على الصائم وإنما يحرمان بالفجر الصادق

( وهو المنتشر ضوؤه معترضا بالأفق ) أي نواحي السماء بخلاف الكاذب فإنه يطلع مستطيلا بأعلاه ضوء كذنب السرحان أي الذئب ثم تعقبه ظلمة

وشبه بذنب السرحان لطوله وقيل لأن الضوء يكون في الأعلى دون الأسفل كما أن الشعر على أعلى ذنب السرحان دون أسفله

تنبيه تقييده هنا الفجر بالصادق وإهماله في خروج وقت العشاء ربما يوهم أن هذا الوصف لا يعتبر هناك وليس مرادا بل إنما يخرج بالصادق كما قدرته الذي يدخل به وقت الصبح

ولو عكس فوصفه به أولا وأطلقه ثانيا بلام العهد ليعود إليه لكان أولى

( ويبقى ) وقتها ( حتى تطلع الشمس ) لحديث مسلم وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس والمراد بطلوعها هنا طلوع بعضها بخلاف غروبها فيما مر إلحاقا لما لم يظهر بما ظهر فيهما ولأن وقت الصبح يدخل بطلوع بعض الفجر فناسب أن يخرج بطلوع بعض الشمس

( والاختيار أن لا تؤخر عن الإسفار ) وهو الإضاءة لخبر جبريل السابق وقوله فيه بالنسبة إليها الوقت ما بين هذين محمول على وقت الاختيار فلها ستة أوقات وقت فضيلة أول الوقت ووقت اختيار ووقت جواز بلا كراهة إلى الاحمرار ثم وقت كراهة ووقت حرمة ووقت ضرورة وهي نهارية لقوله تعالى وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الآية وللأخبار الصحيحة في ذلك

وهي عند الشافعي والأصحاب الصلاة الوسطى لقوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى الآية إذ لا قنوت إلا في الصبح ولخبر مسلم قالت عائشة رضي الله عنها لمن يكتب لها مصحفا أكتب والصلاة الوسطى وصلاة العصر ثم قالت سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ العطف يقتضي التغاير

قال المصنف عن الحاوي الكبير صحت الأحاديث أنها العصر لخبر شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ومذهب الشافعي اتباع الحديث فصار هذا مذهبه ولا يقال فيه قولان كما توهم فيه بعض أصحابنا

وقال في شرح مسلم الأصح أنها العصر كما قاله الماوردي

ولا يكره تسمية الصبح غداة كما في الروضة والأولى عدم تسميتها بذلك وتسمى صبحا وفجرا لأن القرآن جاء بالثانية والسنة بهما معا

( قلت يكره تسمية المغرب عشاء ) وتسمية ( العشاء عتمة ) للنهي عن الأول في خبر البخاري لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب وتقول الأعراب هي العشاء وعن الثاني في خبر مسلم لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا


125

إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل بفتح أوله وضمه وفي رواية بحلاب الإبل قال في شرح مسلم معناه أنهم يسمونها العتمة لكونهم يعتمون بحلاب الإبل أي يؤخرونه إلى شدة الظلام

والله تعالى إنما سماها في كتابه العشاء

وما ذكره من كراهة تسمية العشاء عتمة وهو ما جزم به في التحقيق وزوائد الروضة لكن قال في المجموع نص في الأم على أنه يستحب أن لا تسمى بذلك وهو مذهب محققي أصحابنا وقالت طائفة قليلة يكره

قال في المهمات فظهر أن الفتوى على عدم الكراهة

وقال في العباب ويندب أن لا تسمى العشاء عتمة ولا يكره أن يقال للمغرب والعشاء العشاءان ولا العشاء العشاء الآخرة

فإن قلت قد سميت في الحديث عتمة لقوله صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ما في الصبح والعتمة

أجيب بأنه خاطب بالعتمة من لا يعرف العشاء أو أنه استعمله لبيان الجواز وأن النهي للتنزيه

( و ) يكره ( النوم قبلها ) أي صلاة العشاء بعد دخول وقتها لأنه صلى الله عليه وسلم كان يكره ذلك متفق عليه

والمعنى فيه خوف استمراره إلى خروج الوقت ولهذا قال ابن الصلاح إن هذه الكراهة تعم سائر الصلوات ومحله إذا ظن تيقظه في الوقت وإلا حرم عليه ولو تيقظ في الوقت إلا أنه غلبه النوم فلا يعصي بل ولا يكره له ذلك لعذره

قال الإسنوي وينبغي أن يكره أيضا قبل دخول العشاء وإن كان بعد فعل المغرب للمعنى السابق اه

والظاهر عدم الكراهة قبل دخول الوقت لأنه لم يخاطب بها ولا يحرم عليه إذا غلب على ظنه استغراق الوقت لما ذكر

( و ) يكره ( الحديث بعدها ) أي بعد فعلها لأنه صلى الله عليه وسلم كان يكره ذلك متفق عليه

وعلل ذلك بأن نومه يتأخر فيخاف فوت صلاة الليل وإن كان له صلاة ليل أو فوت الصبح عن وقتها أو عن أوله ولتقع الصلاة التي هي أفضل الأعمال خاتمة عمله والنوم أخو الموت وربما مات في نومه

وقضية هذا أنه لا يكره بين الفرض والنافلة وعلله بعضهم بأن الله تعالى جعل الليل سكنا وهذا يخرجه عن ذلك

والمراد الحديث المباح في غير هذا الوقت أما المكروه فهو أشد كراهة

وشمل إطلاقه ما لو جمع العشاء مع المغرب تقديما قال الإسنوي والمتجه خلافه

والأول أوجه لما تقدم في بعض التعاليل

ولو تحدث قبلها فمفهوم كلامهم عدم الكراهة

قال ابن النقيب ولو قيل إنه بالكراهة أولى لزيادة المحذور بتأخير العشاء على القول بأفضلية التقديم لكان له وجه ظاهر

( إلا في خير والله أعلم ) كقراءة قرآن وحديث ومذاكرة فقه وإيناس ضيف وزوجة عند زفافها وتكلم بما دعت الحاجة إليه كحساب ومحادثة الرجل أهله لملاطفة أو نحوها فلا كراهة لأن ذلك خير ناجز فلا يترك لمفسدة متوهمة

وروى الحاكم عن عمران بن حصين قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل

واستثنى بعضهم من كراهة الحديث بعدها المسافر ومن كراهة الحديث قبلها إذا قلنا به المنتظر لصلاة الجماعة بعد مضي وقت الاختيار لقوله صلى الله عليه وسلم لا سمر بعد العشاء إلا لمصل أو مسافر رواه الإمام أحمد في مسنده

فائدة روى مسلم عن النواس بن سمعان قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ولبثه في الأرض أربعين يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم قلنا فذلك اليوم الذي كسنة يكفينا فيه صلاة يوم قال لا اقدروا له قدره قال الإسنوي فيستثني هذا اليوم مما ذكر في المواقيت ويقاس به اليومان التاليان له

قال في المجموع وهذه مسألة سيحتاج إليها نص على حكمها رسول الله صلى الله عليه وسلم اه

واعلم أن وجوب هذه الصلوات موسع إلى أن يبقى ما يسعها وإذا أراد تأخيرها إلى أثناء وقتها لزمه العزم على فعلها في الوقت على الأصح في التحقيق والمجموع فإن أخرها مع العزم على ذلك ومات في أثناء الوقت وقد بقي منه ما يسعها قبل فعلها لم يعص بخلاف الحج إذا مات بعد التمكن من فعله ولم يفعله لأن الصلاة لها وقت محدود ولم يقصر بإخراجها عنه

نعم إن غلب على ظنه أنه يموت في أثناء الوقت بعد مضي قدرها كأن لزمه قود فطالبه ولي الدم باستيفائه فأمر الإمام بقبله تعينت الصلاة في أول الوقت فيعصي بتأخيرها عنه لأن الوقت تضيق عليه بظنه وقضية كلام التحقيق أن الشك كالظن

وأما الحج فآخر وقته غير معلوم فأبيح له تأخيره بشرط أن يبادره الموت فإذا لم يبادره فقد قصر بإخراجه عن وقته بموته قبل الفعل

والأفضل أن يصليها أول وقتها كما قال ( ويسن تعجيل الصلاة لأول الوقت ) إذا تيقنه ولو عشاء لقوله صلى الله عليه وسلم في جواب


126

أي الأعمال أفضل الصلاة في أول وقتها رواه الدارقطني وغيره وقال الحاكم إنه على شرط الشيخين ولفظ الصحيحين الصلاة لوقتها

وعن ابن عمر مرفوعا الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله رواه الترمذي

قال الشافعي رضي الله تعالى عنه رضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو يشبه أن يكون للمقصرين ولو اشتغل أول الوقت بأسباب الصلاة كالطهارة والأذان والستر وأكل لقم بل الصواب الشبع كما مر في المغرب وتقديم سنة راتبة أو أخر بقدر ذلك عند عدم الحاجة إليه ثم أحرم بها حصلت له فضيلة أول الوقت ولا يكلف العجلة على خلاف العادة يحتمل مع ذلك شغل خفيف وكلام قصير وإخراج حدث يدافعه وتحصيل ماء ونحو ذلك

( وفي قول تأخير العشاء ) ما لم يجاوز وقت الاختيار ( أفضل ) لخبر الشيخين أنه صلى الله عليه وسلم كان يستحب أن يؤخر العشاء قال الأذرعي وهذا هو المنصوص في أكثر كتبه الجديدة وقال في المجموع إنه أقوى دليلا اه

قيل والحكمة في تأخيرها إلى وقت الاختيار لتكون وسط الليل بإزاء صلاة الظهر في وسط النهار والمشهور استحباب التعجيل لعموم الأحاديث ولأنه هو الذي واظب عليه صلى الله عليه وسلم

وحمل بعضهم القولين على حالين فحيث قيل التعجيل أفضل أريد ما إذا خاف النوم وحيث قيل التأخير أفضل أريد ما إذا لم يخف

ويستثنى من التعجيل مسائل منها ما ذكره المصنف بقوله ( ويسن الإبراد بالظهر ) أي بصلاته أي تأخير فعلها عن أول وقتها ( في شدة الحر ) إلى أن يصير للحيطان ظل يمشي فيه طالب الجماعة لخبر الصحيحين إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة وفي رواية للبخاري بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم أي هيجانها وانتشار لهيبها أجارنا الله تعالى منها

والحكمة فيه أن في التعجيل في شدة الحر مشقة تسلب الخشوع أو كماله فسن له التأخير كمن حضره طعام يتوق إليه أو دافعه الخبث وما ورد مما يخالف ذلك فمنسوخ ولا تؤخر عن نصف الوقت على الصحيح

وخرج بالصلاة الأذان وبالظهر غيرها من الصلوات ولو جمعة فلا يسن فيها الإبراد أما غير الجمعة فلفقد العلة المذكورة وأما الجمعة فلخبر الصحيحين عن سلمة كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ولشدة الخطر في فواتها المؤدي إليه تأخيرها بالتكاسل ولأن الناس مأمورون بالتبكير إليها فلا يتأذون بالحر

فإن قيل ورد في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم كان يبرد بها

أجيب بأنه فعله بيانا للجواز جمعا بين الأدلة مع أن الخبر رواه الإسماعيلي في صحيحه في الظهر فتعارضت الروايتان فيعمل بخبر سلمة لعدم المعارض

( والأصح اختصاصه ) أي الإبراد ( ببلد حار ) قال في البويطي كالحجاز وبعض العراق

( وجماعة ) نحو ( مسجد ) كرباط ومدرسة ( يقصدونه من بعد ) ويمشون إليه في الشمس

فلا يسن الإبراد في غير شدة الحر ولو بقطر حار ولا في قطر معتدل أو بارد وإن اتفق فيه شدة الحر ولا لمن يصلي منفردا أو جماعة بيته أو بمحل حضره جماعة لا يأتيهم غيرهم أو يأتيهم غيرهم من قرب أو بعد لكن يجد ظلا يمشي فيه إذ ليس في ذلك كبير مشقة نعم الإمام الحاضر في المسجد الذي يقصده الجماعة من بعد يسن له الإبراد اقتداء به صلى الله عليه وسلم

وقضية كلامه أنه لا يسن الإبراد لمنفرد يريد الصلاة في المسجد وفي كلام الرافعي إشعار بسنه وقال الإسنوي إنه الأوجه وضابط البعد ما يتأثر قاصده بالشمس

والثاني لا يختص بذلك فيسن في كل ما ذكر لإطلاق الخبر

ولو عبر بمصلى بدل مسجد لشمل ما قدرته إلا أن يراد بالمسجد موضع الاجتماع للصلاة فيشمل ما ذكر

ومنها أنه يندب التأخير لمن يرمي الجمار ولمسافر سائر وقت الأولى ولمن تيقن وجود الماء أو السترة أو الجماعة أو القدرة على القيام آخر الوقت ولمن اشتبه عليه الوقت في يوم غيم حتى يتيقنه أو يظن فواته لو أخره ولدائم الحدث إذ رجا الانقطاع وللواقف بعرفة فيؤخر المغرب وإن كان نازلا وقتها ليجمعها مع العشاء بمزدلفة إذا كان سفره سفر قصر وللمعذور في ترك الجمعة فيؤخر الظهر إلى اليأس من الجمعة إذا أمكن زوال عذره كما سيأتي في الجمعة

( ومن وقع بعض صلاته في الوقت ) وبعضها خارجه ( فالأصح إنه أن وقع ) في الوقت ( ركعة ) أو أكثر كما فهم بالأولى ( فالجميع أداء ) لخبر الصحيحين من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة أي مؤداة


127

( وإلا ) بأن وقع فيه أقل من ركعة ( فقضاء ) لمفهوم الخبر المتقدم إذ مفهومه أن من لم يدرك ركعة لا يدرك الصلاة مؤداة والفرق أن الركعة مشتملة على معظم أفعال الصلاة وغالب ما بعدها كالتكرار لها فكان تابعا لها والوجه الثاني أن الجميع أداء مطلقا تبعا لما في الوقت

والثالث أنه قضاء مطلقا تبعا لما بعد الوقت

والرابع أن ما وقع في الوقت أداء وما بعده قضاء وهو التحقيق

وعلى القضاء يأثم المصلي بالتأخير إلى ذلك وكذا على الأداء نظرا للتحقيق وقيل لا نظرا إلى الظاهر

وتظهر فائدة الخلاف في مسافر شرع في الصلاة بنية القصر وخرج الوقت وقلنا إن المسافر إذا فاتته الصلاة لزمه الإتمام فإن قلنا إن صلاته كلها أداء كان له القصر وإلا لزمه الإتمام قال في الروضة ولو شرع فيها وقد بقي من الوقت ما يسع جميعها فمدها بتطويل القراءة حتى خرج الوقت لم يأثم قطعا ولا يكره على الأصح

قلت في تعليق القاضي حسين وجه أنه يأثم والله أعلم اه

( ومن جهل الوقت ) لعارض كغيم أو حبس في موضع مظلم وعدم ثقة يخبره به عن علم ( اجتهد ) جوازا إن قدر على اليقين بالصبر أو الخروج ورؤية الشمس مثلا وإلا فوجوبا ( بورد ) من قرآن أو درس ومطالعة وصلاة ( ونحوه ) أي الورد كخياطة وصوت ديك مجرب وسواء البصير والأعمى وعمل على الأغلب في ظنه وإن قدر على اليقين بالصبر أو غيره كالخروج لرؤية الفجر وللأعمى كالبصير العاجز تقليد مجتهد لعجزه في الجملة أما إذا أخبره ثقة من رجل أو امرأة ولو رقيقا بدخوله عن علم أي مشاهدة كأن قال رأيت الفجر طالعا أو الشفق غاربا فإنه يجب عليه العمل بقوله إن لم يمكنه العلم بنفسه وجاز إن أمكنه

وفي القبلة لا يعتمد الخبر عن علم إلا إذا تعذر علمه كما سيأتي وفرق بينهما بتكرر الأوقات فيعسر العلم بكل وقت بخلاف القبلة فإنه إذا علم علمها مرة اكتفى به ما دام مقيما بمحله فلا عسر

ولا يجوز له أن يجتهد إذا أخبره ثقة عن علم بخلاف ما إذا أخبره عن اجتهاد فإنه لا يقلده لأن المجتهد لا يقلد مجتهدا حتى لو أخبره باجتهاد أن صلاته وقعت قبل الوقت لم يلزمه إعادتها

وهل يجوز للأعمى والبصير تقليد المؤذن الثقة العارف أو لا قال الرافعي يجوز في الصحو دون الغيم لأنه فيه مجتهد وهو لا يقلد مجتهدا وفي الصحو مخبر عن عيان

وصحح المصنف جواز تقليده فيه أيضا ونقله عن النص فإنه لا يؤذن في العادة إلا في الوقت فلا يتقاعد عن الديك المجرب

قال البندنيجي ولعله إجماع المسلمين

ولو كثر المؤذنون وغلب على الظن إصابتهم جاز اعتمادهم مطلقا بلا خلاف ولو صلى بلا اجتهاد أعاد مطلقا لتركه الواجب

وعلى المجتهد التأخير حتى يغلب على ظنه دخول الوقت وتأخيره إلى خوف الفوات أفضل

ويعمل المنجم بحسابه جوازا لا وجوبا ولا يقلده غيره على الأصح في التحقيق وغيره والحاسب وهو من يعتمد منازل النجوم وتقدير سيرها في معنى المنجم وهو من يرى أن أول الوقت طلوع النجم الفلاني كما يؤخذ من نظيره في الصوم

( فإن ) صلى باجتهاده ثم ( تيقن ) أن ( صلاته ) وقعت ( قبل الوقت ) أو بعضها ولو تكبيرة الإحرام أو أخبره ثقة بذلك وعلم بذلك في الوقت أو قبله أعادها بلا خلاف

أو علم به بعده

( قضا ) ها ( في الأظهر ) لفوات شرطها وهو الوقت حتى لو فرض أنه صلى الصبح مثلا سنين قبل الوقت لزمه أن يقضي صلاة فقط

وبيانه أن صلاة اليوم الأول تقضى بصلاة اليوم الثاني والثاني بالثالث وهكذا بناء على أنه لا يشترط نية الأداء لا نية القضاء وأنه يصح الأداء بنية القضاء وعكسه عند الجهل بالوقت كما سيأتي في محله والثاني لا قضاء اعتبارا بظنه

( وإلا ) أي وإن لم يتيقن وقوعها قبل الوقت بأن تيقنه فيه أو بعده أو لم يتبين له الحال ( فلا ) قضاء عليه لكن الواقعة بعده قضاء على الأصح لكن لا إثم فيها

( ويبادر بالفائت ) ندبا إن فاته بعذر كنوم ونسيان ووجوبا إن فاته بغير عذر على الأصح فيهما تعجيلا لبراءة ذمته وقيل المبادرة مستحبة فيهما وقيل واجبة فيهما وعن ابن بنت الشافعي أن غير المعذور لا يقضي لمفهوم قوله عليه الصلاة والسلام من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها متفق عليه وحكمته التغليظ عليه وهو مذهب جماعة

وأيد بأن تارك الأبعاض عمدا لا يسجد للسهو على وجه مع أنه أحوج إلى الجبر وقد مر أن من أفسد الصلاة في وقتها لا تصير قضاء خلافا للمتولي ومن تبعه لكن يجب إعادتها على الفور كما صرح به صاحب العباب

( ويسن ترتيبه ) أي الفائت فيقضي الصبح قبل الظهر وهكذا خروجا من خلاف من أوجبه

( و ) يسن ( تقديمه على الحاضرة


128

التي لا يخاف فوتها ) محاكاة للأداء وللخروج من خلاف من أوجب ذلك أيضا ولأنه صلى الله عليه وسلم فاتته صلاة العصر يوم الخندق فصلاها بعد الغروب ثم صلى المغرب متفق عليه

فإن لم يرتب ولم يقدم الفائتة جاز لأن كل واحدة عبادة مستقلة

والترتيب إنما وجب في الأداء لضرورة الوقت فإنه حين وجب الصبح لم يجب الظهر فإذا فات لم يجب الترتيب في قضائه كصوم رمضان وفعله صلى الله عليه وسلم المجرد إنما يدل عندنا على الاستحباب فإن خاف فوت الحاضرة لزمه البداءة بها لئلا تصير فائتة أيضا

وتعبيره ب لا يخاف فوتها صادق بما إذا أمكنه أن يدرك ركعة من الحاضرة فيسن تقديم الفائت عليها في ذلك أيضا وبه صرح في الكفاية وهو المعتمد كما جرى عليه شيخنا في شرح منهجه وإن اقتضت عبارة الروضة كالشرحين خلافه

ويحمل إطلاق تحريم إخراج بعض الصلاة عن وقتها على غير هذا ونحوه

ولو تذكر فائتة بعد شروعه في حاضره وجب إتمامها ضاق الوقت أو اتسع ولو شرع في فائتة معتقدا سعة الوقت فبان ضيقه عن إدراكها أداء وجب قطعها ولو خاف فوت جماعة حاضرة فالأفضل عند المصنف الترتيب للخلاف في وجوبه

فإن قيل لم يراع الخلاف في صلاة الجماعة فقد قيل بوجوبها أيضا ولذلك رجحه الإسنوي ونقله عن جماعة

أجيب بأن الخلاف في الترتيب خلاف في الصحة بخلافه في الجماعة

تنبيه قد أطلقوا استحباب ترتيب الفوائت وهو ظاهر إذا فاتت كلها بعذر أو غيره فإن فات بعضها بعذر وبعضها بغير عذر وجب قضاء ما فات بلا عذر على الفور كما مر

وحينئذ فقد يقال تجب البداءة به

وقد تعارض خلافان أحدهما قول أبي حنيفة يجب الترتيب والثاني قولنا يجب قضاء الفائت بلا عذر على الفور ومراعاة الثاني أولى فيجب تقديمها

ويجب تقديمها أيضا على الحاضرة عند سعة وقتها كما بحثه الأذرعي وهو ظاهر

قال في المجموع ويسن إيقاظ النائم للصلاة ولا سيما إذا ضاق وقتها ففي سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما إلى الصلاة فلم يمر بنائم إلا أيقظه

وكذا إذا رآه أمام المصلين أو كان نائما في الصف الأول أو محراب المسجد أو كان نائما على سطح لا حجاز له لورود النهي عنه أو كان نائما بعضه في الشمس وبعضه في الظل أو كان نائما بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس أو كان نائما قبل صلاة العشاء أو بعد صلاة العصر أو نام خاليا وحده أو كانت المرأة نائمة مستلقية ووجهها إلى السماء أو نام الرجل منبطحا فإنها ضجعة يبغضها الله

ويستحب أن يوقظ غيره لصلاة الليل وللتسحر والنائم بعرفات وقت الوقوف لأنه وقت طلب وتضرع

قال الإسنوي وهذا بخلاف ما لو رأى شخصا يتوضأ بماء نجس فإنه يلزمه إعلامه كما قاله الحليمي في شعب الإيمان بكسر الهمزة

( وتكره الصلاة عند الاستواء ) كراهة تحريم كما صححه في الروضة والمجموع هنا وإن صححه في التحقيق وفي الطهارة من المجموع أنها كراهة تنزيه لما روى مسلم عن عقبة بن عامر ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف ( الشمس ) للغروب ( حتى تغرب ) فالظهيرة شدة الحر وقائمها هو البعير يكون باركا فيقوم من شدة حر الأرض وتضيف بتاء مثناة من فوق ثم ضاد معجمة ثم مثناة من تحت مشددة أي تميل

وتزول الكراهة بالزوال

ووقت الاستواء لطيف لا يتسع لصلاة ولا يكاد يشعر به حتى تزول الشمس إلا أن التحريم يمكن إيقاعه فيه فلا تصح الصلاة ( إلا يوم الجمعة ) لاستثنائه في خبر أبي داود وغيره والأصح جواز الصلاة في هذا الوقت مطلقا سواء أحضر إلى الجمعة أم لا وقيل يختص بمن حضر الجمعة وصححه جماعة وقيل يختص بمن حضر وغلبه النعاس فيدفعه بركعتين

( و ) تكره أيضا ( بعد ) طلوع الشمس صلى الصبح أم لا وبعد صلاة ( الصبح ) أداء ( حتى ترتفع الشمس ) فيهما ( كرمح ) في رأي العين وإلا فالمسافة بعيدة ( و ) بعد اصفرار الشمس حتى تغرب صلى العصر أم لا وبعد صلاة


129

( العصر ) أداء ولو مجموعة في وقت الظهر ( حتى تغرب ) للنهي عنها بعد الصلاتين في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وعند الطلوع والاصفرار في خبر مسلم السابق وليس فيهما ذكر الرمح وهو تقريب

وما قررت به عبارة المصنف من أن الأوقات خمسة هي عبارة الجمهور وتبعهم في المحرر وهو أولى من الاقتصار على الثلاثة المذكورة في المتن لأن من لم يصل الصبح حتى طلعت الشمس أو العصر حتى اصفرت يكره له التنفل حتى ترتفع أو تغرب وهذا يفهم من عبارة الجمهور دون عبارة الكتاب ولأن حال الاصفرار يكره التنفل فيه على العبارة الأولى بسببين وعلى الثانية بسبب واحد

ولعل المصنف توهم إندراجهما في قوله وبعد الصبح وبعد العصر وقد علمت ما فيه

قال الإسنوي والمراد بحصر الصلاة في الأوقات إنما هو بالنسبة إلى الأوقات الأصلية فستأتي كراهة التنفل في وقت إقامة الصلاة ووقت صعود الإمام لخطبة الجمعة اه

وإنما ترد الأولى إذا قلنا إن الكراهة للتنزيه وزاد بعضهم كراهة وقتين آخرين وهما بعد طلوع الفجر إلى صلاته وبعد المغرب إلى صلاته وقال إنها كراهة تحريم على الصحيح ونقله عن النص اه

والمشهور في المذهب خلافه

قال الأصحاب وإذا صلى في الأوقات المنهي عنها عزر ولا تنعقد إذا قلنا أنها كراهة تحريم وكذا على كراهة التنزيه على الأصح

فإن قيل يلزم من عدم الانعقاد أن الكراهة للتحريم لا للتنزيه لأن الإقدام على العبادة التي لا تنعقد حرام اتفاقا لكونه تلاعبا

أجيب بأنه لا يلزم من القول بعدم الانعقاد القول بأن الكراهة للتحريم لأن نهي التنزيه إذا رجع إلى نفس الصلاة يضاد الصحة كنهي التحريم كما هو مقرر في الأصول

( إلا لسبب ) غير متأخر فإنها تصح ( كفائتة ) لأن سببها متقدم سواء أكانت فرضا أم نفلا حتى النوافل التي اتخذها وردا ولخبر فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها وخبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر ركعتين وقال هما اللتان بعد الظهر وفي مسلم لم يزل يصليهما حتى فارق الدنيا

وهذا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم فليس لمن قضى في وقت الكراهة صلاة أن يداوم عليها ويجعلها وردا

( و ) صلاة ( كسوف ) واستسقاء وطواف ( وتحية ) وسنة وضوء ( وسجدة شكر ) وتلاوة كما ذكره في المحرر لأن بعضها له سبب متقدم كركعتي الوضوء وتحية المسجد وبعضها له سبب مقارن كركعتي الطواف وصلاة الجنازة وصلاة الاستسقاء والكسوف ولأن نحو الكسوف والتحية معرض للفوات

وفي الصحيحين في توبة كعب بن مالك أنه سجد سجدة للشكر بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس وفيهما عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال لبلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة

قال ما عملت عملا أرجى عندي من أني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي

والدف صوت النعل وحركته على الأرض

أما ما له سبب متأخر كركعتي الاستخارة والإحرام فإنه لا ينعقد كالصلاة التي لا سبب لها لأن الاستخارة والإحرام سببهما متأخر عنهما

والمراد بالتقدم وقسيميه بالنسبة إلى الصلاة كما في المجموع أو إلى الأوقات المكروهة على ما في أصل الروضة والأول أظهر كما قاله الإسنوي وعليه جرى ابن الرفعة فعليه صلاة الجنازة وما ذكر معها سببها متقدم وعلى الثاني قد يكون متقدما وقد يكون مقارنا بحسب وقوعه في الوقت أو قبله

ومحل صحة ما ذكر معها إذا لم يتحر به وقت الكراهة ليوقعها فيه وإلا بأن قصد تأخير الفائتة أو الجنازة ليوقعها فيه أو دخل المسجد وقت الكراهة بنية التحية فقط أو قرأ آية سجده ليسجدها فيه

ولو قرأ قبل الوقت لم يصح للأخبار الصحيحة كخبر لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها

فإن قيل كان ينبغي كما قال السبكي أن يكون المكروه الدخول لغرض التحية وتأخير الفائتة إلى ذلك الوقت أما فعلها فيه فكيف يكون مكروها وقد يكون واجبا بأن فاتته عمدا بل العصر المؤداة تأخيرها لتفعل وقت الاصفرار مكروه ولا تقول بعد التأخير إن إيقاعها فيه مكروه بل واجب

أجيب بأن فعل كل من ذلك فيما ذكر مكروه أيضا للأخبار الصحيحة كالخبر المتقدم وإنما صحت المؤداة لوقوعها في وقتها بخلاف التحية والفائتة المذكورتين وكونها قد تجب لا يقتضي صحتها فيما ذكر لأنه بالتأخير إلى ذلك مراغم للشرع بالكلية ولأن


130

المانع يقدم على المقتضى عند اجتماعهما

وأما مداومته صلى الله عليه وسلم على الركعتين بعد العصر فتقدم الجواب عنها

أما إذا دخل المسجد لا لغرض التحية أو لغرض غير التحية أو لغرضهما فلا تكره بل تسن لخبر الصحيحين إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين فهو مخصص لخبر النهي

فإن قيل خبر النهي عام في الصلوات خاص في الأوقات وخبر التحية بالعكس فلم رجح تخصيص خبر النهي أجيب بأن التخصيص دخله بما مر من الأخبار في صلاة العصر وصلاة الصبح وبالإجماع على جواز صلاة الجنازة بعدهما

وأما خبر التحية فهو على عمومه ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم الداخل في يوم الجمعة في حال الخطبة بالتحية بعد أن قعد ولو كانت تترك في وقت لكان هذا الوقت لأنه يمتنع حال الخطبة من الصلاة إلا التحية ولأنه تكلم في الخطبة وبعد أن قعد الداخل وكل هذا مبالغة في تعميم التحية ذكر ذلك في المجموع

قال الروياني ولو قرأ آية سجدة في وقت جواز الصلاة ثم سجد في وقت الكراهة لم يجزه أي إذا تحرى السجود فيه وإلا فهو أولى بالجواز مما إذا قرأها وقت الكراهة

( وإلا في حرم مكة على الصحيح ) لخبر يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار رواه الترمذي وغيره وقال حسن صحيح ولما فيه من زيادة فضل الصلاة فلا تكره بحال

نعم هي خلاف الأولى كما في مقنع المحامي خروجا من الخلاف

والثاني أنها تكره لعموم الأخبار

وحملت الصلاة المذكورة في هذا الحديث على ركعتي الطواف قال الإمام وهو بعيد لأن الطواف سببهما فلا حاجة إلى تخصيص بالاستثناء

وقيل الاستثناء خاص بالمسجد الحرام وقيل بنفس البلد

وخرج بحرم مكة حرم المدينة فإنه كغيره

ثم شرع فيمن تجب عليه الصلاة ويعلم منه من لا تجب عليه وترجم لذلك بفصل فقال فصل إنما تجب الصلاة على كل مسلم ذكر أو أنثى فلا تجب على كافر أصلي وجوب مطالبة بها في الدنيا لعدم صحتها منه لكن تجب عليه وجوب عقاب عليها في الآخرة لتمكنه من فعلها بالإسلام

( بالغ ) كذلك فلا تجب على صغير لعدم تكليفه ( عاقل ) كذلك فلا تجب على مجنون لما ذكر ( طاهر ) فلا تجب على حائض أو نفساء لعدم صحتها منهما

فمن اجتمعت فيه هذه الشروط وجبت عليه الصلاة بالإجماع

( ولا قضاء على الكافر ) إذا أسلم لقوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف

وقد يؤدي إيجاب ذلك إلى التنفير فخفف عنه ذلك ترغيبا

قال في المجموع إذا أسلم أثيب على ما فعله من القرب التي لا تحتاج إلى نية كصدقة وصلة وعتق

( إلا المرتد ) فيلزمه قضاؤها بعد إسلامه تغليظا عليه ولأنه التزمها بالإسلام فلا تسقط عنه بالجحود كحق الآدمي

ولو ارتد ثم جن قضى أيام الجنون مع ما قبلها تغليظا عليه بخلاف من كسر رجليه تعديا ثم صلى قاعدا لا قضاء عليه لانتهاء معصيته بانتهاء كسره ولإتيانه بالبدل حالة العجز

ولو سكر متعديا ثم جن قضى المدة التي ينتهي إليها سكره لا مدة جنونه بعدها بخلاف مدة جنون المرتد لأن من جن في ردته مرتد في جنونه حكما ومن جن في سكره ليس سكران في دوام جنونه

ولو ارتدت أو سكرت ثم حاضت أو نفست ولو استعجلت الحيض بدواء أو استخرجت به جنينا لم تقض زمن الحيض والنفاس وفارقت المجنون بأن إسقاط الصلاة عنها عزيمة لأنها مكلفة بالترك وعنه رخصة والمرتد والسكران ليسا من أهلها وما وقع في المجموع من قضاء الحائض المرتد زمن الجنون نسب فيه إلى السهو

تنبيه قوله إلا المرتد يجوز جرد على البدل ونصبه على الاستثناء فقول الشارح بالجر على البدل على مذهب البصريين من أن الكلام المستثنى منه إذا كان تاما غير موجب كقوله تعالى ما فعلوه إلا قليل منهم فالأرجح إتباع المستثنى للمستثنى منه ويجوز النصب لما روى سيبويه عن يونس وعيسى جميعا أن بعض العرب الموثوق بعربيتهم يقول ما مررت بأحد إلا زيدا وقرىء به في السبع إلا قليل منهم قرأ به ابن عامر

فإذا عرفت ذلك فالشارح إنما أراد بيان الراجح من الضبط لا أنه يمنع النصب

وهذا دأبه في الضبط يقتصر على ذكر الراجح وإن كان غيره جائزا

( ولا ) على ( الصبي ) إذا بلغ لما مر ولو عبر بالطفل كما في الحاوي لكان أولى لأنه يشمل الذكر والأنثى

وقد


131

اعترض المصنف في المجموع على صاحب المهذب حيث اقتصر على الصبي فقال لو قال الصبي والصبية لكان أولى لأنه لا فرق بينهما بلا خلاف لكن نقل ابن حزم أن لفظ الصبي في اللغة يتناول الذكر والأنثى فلا اعتراض إذن

( ويؤمر ) الصبي المميز ( بها ) ولو قضاء لما فاته بعد السبع

والتمييز ( لسبع ) من السنين أي بعد استكمالها

( ويضرب عليها ) أي على تركها ( لعشر ) منها لخبر مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها أي على تركها صححه الترمذي وغيره

وظاهر كلامهم أنه يشترط للضرب تمام العاشرة لكن قال الصيمري بفتح الميم كما قاله المصنف في التبيان أنه يضرب في أثنائها وصححه الإسنوي وجزم به ابن المقري وينبغي اعتماده لأن ذلك مظنة البلوغ

ومقتضى ما في المجموع أن التمييز وحده لا يكفي في الأمر بل لا بد معه من السبع وقال في الكفاية إنه المشهور

وأحسن ما قيل في ضبط التمييز أن يصير الطفل بحيث يأكل ويشرب ويستنجي وحده

وفي أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم سئل متى يصلي الصبي فقال إذا عرف شماله من يمينه

قال الدميري والمراد عرف ما يضره وما ينفعه

قال في المجموع والأمر والضرب واجبان على الولي أبا كان أو جدا أو وصيا أو قيما من جهة القاضي وفي المهمات والملتقط ومالك الرقيق في معنى الأب وكذا المودع والمستعير ونحوهما كما قاله بعض المتأخرين

قال الطبري ولا يقتصر على مجرد صيغته بل لا بد معه من التهديد

وقال في الروضة يجب على الآباء والأمهات تعليم أولادهم الطهارة والصلاة والشرائع وأجرة تعليم الفرائض في مال الطفل فإن لم يكن فعلى من تلزمه نفقته ويجوز أن يصرف من ماله أجرة ما سوى الفرائض من القرآن والأدب على الأصح في زوائد الروضة ووجهه بأنه مستمر معه وينتفع به بخلاف حجه

وفي صحة المكتوبات من الطفل قاعدا وجهان رجح بعض المتأخرين المنع وهو مقتضى إطلاقهم ويجريان في الصلاة المعادة

( ولا ) قضاء على شخص ( ذي حيض ) إذا تطهر وإن تسبب له بدواء وقد مرت هذه المسألة في باب الحيض فهي مكررة والنفساء كالحائض

ولو عبر ذات لاستغنى عن التقدير المذكور وكان أولى

وهل يحرم على الحائض قضاء الصلاة أو يكره وجهان أوجههما الثاني

( أو ) ذي ( جنون أو إغماء ) إذا أفاق ومثلهما المبرسم والمعتوه والسكران بلا تعد في الجميع لحديث رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يبرأ صححه ابن حبان والحاكم

فورد النص في المجنون وقيس عليه كل من زال عقله بسبب يعذر فيه وسواء قل زمن ذلك أو طال

وإنما وجب قضاء الصوم على من أغمي عليه جميع النهار لمشقة قضاء الصلاة لأنها قد تكثر بخلاف الصوم نعم يسن للمجنون والمغمى عليه ونحوهما القضاء

وقد تقدم أن الجنون إذا طرأ على الردة أنه يجب قضاء أيام الجنون الواقعة في الردة إذا لم يكن في أصوله مسلما وأنه إذا طرأ الجنون على السكر العاصي به أنه يجب قضاء المدة التي ينتهي إليها سكره فمحله هنا في غير ذلك

( بخلاف ) ذي ( السكر ) أو الجنون أو الإغماء المتعدي به إذا أفاق فإنه يجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات زمن ذلك لتعديه فإن لم يعلم كونه مسكرا أو أكره عليه فلا قضاء عليه لعذره قال المصنف وهذه الحشيشة المعروفة حكمها حكم الخمر في وجوب قضاء الصلوات

ثم شرع في بيان وقت الضرورة والمراد به وقت زوال موانع الوجوب وهو الصبا والجنون والكفر والإغماء والحيض والنفاس فقال ( ولو زالت هذه الأسباب ) المانعة من وجوب الصلاة ( و ) قد ( بقي من الوقت تكبيرة ) أي قدر زمنها فأكثر ( وجبت الصلاة ) لأن القدر الذي يتعلق به الإيجاب يستوي فيه قدر الركعة ودونها كما أن المسافر إذا اقتدى بمتم في جزء من صلاته يلزمه الإتمام

وقضية كلامه أنها لا تلزم بإدراك دون تكبيرة وهو كذلك كما جزم به في الأنوار وإن تردد فيه الجويني

( وفي قول يشترط ركعة ) أخف ما يقدر عليه أحد كما أن الجمعة لا تدرك بأقل من ركعة ولمفهوم حديث من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر متفق عليه

ويشترط للوجوب على القولين بقاء السلامة من الموانع بقدر فعل الطهارة والصلاة أخف ما يمكن فلو عاد المانع قبل


132

ذلك لم تجب الصلاة ولا يشترط أن يدرك مع التكبيرة أو الركعة قدر الطهارة على الأظهر

( والأظهر ) على الأول ( وجوب الظهر ) مع العصر ( بإدراك ) قدر زمن ( تكبيرة آخر ) وقت ( العصر و ) وجوب ( المغرب ) مع العشاء بإدراك ذلك ( آخر ) وقت ( العشاء ) لاتحاد وقتي الظهر والعصر ووقتي المغرب والعشاء في العذر ففي الضرورة أولى

ويشترط للوجوب أن يخلو الشخص من الموانع قدر الطهارة والصلاة أخف ما يجزيء كركعتين في صلاة المسافر

قال في المهمات ويدخل في الطهارة أي هنا وفيما مر الخبث والحدث أصغر أو أكبر وهو متجه قال والقياس اعتبار وقت الستر والتحري في القبلة لأنهما من شروط الصلاة اه

والذي ينبغي اعتماده كما قاله شيخي أن ذلك لا يعتبر لأن الستر وإن كان من شروط الصلاة لكنه لا يختص بها والتحري في القبلة لا يشترط وقوعه في الوقت وفي كلام ابن الرفعة ما يدل لذلك فلو بلغ ثم جن بعدما لا يسع ما ذكر فلا لزوم

نعم إن أدرك ركعة آخر العصر مثلا وخلا من الموانع قدر ما يسعها وطهرها فعاد المانع بعد أن أدرك من وقت المغرب ما يسعها وطهرها تعين صرفه للمغرب وما فضل لا يكفي العصر فلا تلزمه ذكره البغوي في فتاويه

وقال ابن العماد محله ما لم يشرع في العصر قبل المغرب وإلا فيتعين صرفه لها لعدم تمكنه من المغرب باشتغاله بالعصر التي شرع فيها وجوبا قبل المغرب

والوجه ما قاله البغوي لأنه أدرك زمنا يسع الصلاة فيه كاملة فيلزمه قضاؤها ويقع له العصر نافلة وجرى على ذلك ابن أبي شريف في شرح الإرشاد

والثاني لا يجب الظهر والمغرب بما ذكر بل لا بد من زيادة أربع ركعات للظهر في المقيم وركعتين للمسافر وثلاث للمغرب على التكبيرة على القول الأول وعلى ركعة على القول الثاني لأن جمع الصلاتين الملحق به إنما يتحقق إذا تمت الأولى وشرع في الثانية في الوقت

وخرج بما ذكر الصبح والعصر والعشاء فلا يجب واحدة منها بإدراك جزء مما بعدها لانتفاء الجمع بينهما

( ولو بلغ ) الشخص ( فيها ) أي الصلاة بالسن كما قاله في المحرر ( أتمها ) وجوبا لأنه أدرك الوجوب وهي صحيحة فلزمه إتمامها كما لو بلغ بالنهار وهو صائم فإنه يجب عليه إمساك بقية النهار

( وأجزأته على الصحيح ) ولو جمعة لأنه صلى الواجب بشرطه كالعبد إذا عتق في أثناء الظهر قبل فوت الجمعة ووقوع أولها نفلا لا يمنع وقوع آخرها واجبا كحج التطوع وصوم مريض شفي في أثنائه

والثاني لا يجب إتمامها بل يستحب ولا يجزئه لابتدائها حال النقصان وعلى الأول يستحب له إعادتها خروجا من الخلاف وليؤديها حال الكمال

( أو ) بلغ ( بعدها ) أي بعد فعلها بالسن أو بغيره والوقت باق أجزأته صلاته ولو عن الجمعة وإن أمكن إداركها لأنه أداها صحيحة

( فلا إعادة ) عليه واجبة ( على الصحيح ) وإن تغير حاله إلى الكمال كالأمة إذا صلت مكشوفة الرأس ثم عتقت

نعم لو صلى الخنثى الظهر ثم بان رجلا وأمكنته الجمعة لزمته

والثاني تجب الإعادة لأن المأتى به نفل فلا يسقط به الفرض وهو مذهب الأئمة الثلاثة كما لو حج ثم بلغ

وأجاب الأول بأن الطفل مأمور بالصلاة مضروب عليها بخلاف الحج ولأنه لما كان وجوبه مرة في العمر اشترطنا وقوعه في حال الكمال بخلاف الصلاة

والثالث إن بقي من الوقت ما يسع تلك الصلاة وجبت إعادتها وإلا فلا

والرابع إن كان المفعول ظهرا في يوم الجمعة ثم بلغ والجمعة غير فائتة وجبت إعادتها لأن الظهر لا يغني عن الجمعة وإلى هذا ذهب ابن الحداد

وعلى الأول يستحب له إعادتها لما تقدم فيما إذا بلغ فيها

( ولو حاضت ) أو نفست ( أو جن ) أو أغمي عليه ( أول الوقت ) واستغرق المانع باقيه ( وجبت تلك ) الصلاة لا الثانية التي تجمع معها

( إن أدرك ) من عرض له المانع قبل عروضه ( قدر الفرض ) أخف ممكن ولو مقصور المسافر ووقت طهر لا يصح تقديمه عليه كتيمم لتمكنه من الفعل في الوقت فلا يسقط بما يطرأ بعده كما لو هلك النصاب بعد الحول وإمكان الأداء فإن الزكاة لا تسقط وكذا لو خلا عن الموانع في أثناء الوقت القدر المذكور لكن لا يتأتى استثناء الطهارة التي لا يمكن


133

تقديمها في غير الصبي ويجب الفرض الذي قبلها أيضا إن كان يجمع معها وأدرك قدره كما مر لتمكنه من فعلها

وإنما لم تجب الصلاة الثانية التي تجمع معها إذا خلا من الموانع ما يسعها لأن وقت الأولى لا يصلح للثانية إلا إذا صلاهما جمعا بخلاف العكس

وأيضا وقت الأولى في الجمع وقت للثانية تبعا بخلاف العكس بدليل عدم وجوب تقديم الثانية في جمع التقديم وجواز تقديم الأولى بل وجوبه على وجه في جمع التأخير

أما الطهارة التي يمكن تقديمها على الوقت فلا يعتبر مضي زمن يسعها

( وإلا ) أي وإن لم يدرك قدر الفرض كما وصفنا ( فلا ) وجوب في ذمته لعدم التمكن من فعلها كما لو هلك النصاب قبل التمكن

تنبيه اقتصر المصنف على ذكر الحيض ليعلم منه أن النفاس كذلك لأنه دم حيض مجتمع كما مر وعلى الجنون ليعلم منه الإغماء بالأولى ولا يمكن طريان الصبا لاستحالته ولا الكفر المسقط للإعادة لأنه ردة وهو ملزوم فيها بالإعادة

فصل الأذان والأذين والتأذين

بالمعجمة لغة الإعلام قال تعالى وأذن في الناس بالحج أي أعلمهم

و شرعا قول مخصوص يعلم به وقت الصلاة المفروضة

والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى وإذا ناديتم إلى الصلاة وخبر الصحيحين إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم وفي أبي داود بإسناد صحيح عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري أنه قال لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس ليضرب به الناس لجمع الصلوات طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس فقال وما تصنع به فقلت ندعو به إلى الصلاة فقال أو لا أدلك على ما هو خير من ذلك فقلت بلى فقال تقول الله أكبر الله أكبر إلى آخر الأذان ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال وتقول إذا قمت إلى الصلاة الله أكبر الله أكبر إلى آخر الإقامة

فلما أصبحت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال إنها رؤيا حق إن شاء الله تعالى قم إلى بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتا منك فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه فيؤذن به فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى فقال صلى الله عليه وسلم فلله الحمد

فإن قيل رؤيا المنام لا يثبت بها حكم

أجيب بأنه ليس مستند الأذان الرؤيا فقط بل وافقها نزول الوحي فقد روى البزار أن النبي صلى الله عليه وسلم أري الأذان ليلة الإسراء وأسمعه مشاهدة فوق سبع سموات ثم قدمه جبريل فأم أهل السماء وفيهم آدم ونوح عليهم أفضل الصلاة والسلام فأكمل له الله الشرف على أهل السموات والأرض

فائدة كانت رؤيا الأذان في السنة الأولى من الهجرة قيل إن عبد الله بن زيد لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده فعمي من ساعته

وقيل إنه أذن مرة بإذن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أول مؤذن في الإسلام

وقيل أول مؤذن هو بلال ولم يؤذن لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة ل عمر حين دخل الشام فبكى الناس بكاء شديدا

روى الحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خير السودان ثلاثة بلال ولقمان ومهجع مولى عمر وهو أول قتيل من المسلمين يوم بدر

وذكر ابن حزم أنه لا يكمل حسن الحور العين في الجنة إلا بسواد بلال فإنه يفرق سواده شامات في خدودهن فسبحان من أكرم أهل طاعته

( والإقامة ) في الأصل مصدر أقام وسمي الذكر المخصوص بها لأنه يقيم إلى الصلاة والأذان والإقامة مشروعان بالإجماع لكن اختلف في كيفية مشروعيتهما فقال المصنف كل منهما ( سنة ) لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بهما في حديث الأعرابي مع ذكر الوضوء والاستقبال وأركان الصلاة ولقوله صلى الله عليه وسلم لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه رواه البخاري ولأنهما للإعلام بالصلاة فلم يجبا كقوله الصلاة جامعة حيث يشرع ذلك

لكنه ضعف هذا في المجموع بأنه ليس في ذلك إشعار ظاهر بخلاف الأذان وفي المهمات بأن ذاك دعاء إلى مستحب وهذا دعاء إلى واجب وهما سنة على الكفاية كما في المجموع أي في حق الجماعة كما في سائر سنن الكفاية كابتداء السلام

أما المنفرد فهما في حقه سنة عين

وإنما أفرد المصنف الخبر وهو عائد


134

على شيئين لتأويله بالمجموع كما قدرته تبعا للشارح ولو أتى به مثنى كما فعل في المحرر لكان أولى

( وقيل ) هما ( فرض كفاية ) للحديث المتقدم الفصل ولأنهما من الشعائر الظاهرة وفي تركهما تهاون فلو اتفق أهل البلد على تركهما قوتلوا على هذا دون الأول

وقيل هما فرض كفاية في الجمعة دون غيرها لأنهما دعاء إلى الجماعة والجماعة واجبة في الجمعة مستحبة في غيرها فيكون الدعاء إليها كذلك وعلى هذا فالواجب في الجمعة هو الذي يقام بين يدي الخطيب

وهل يسقط بالأول فيه وجهان وينبغي السقوط

وشرط حصولهما فرضا أو سنة أن يظهرا في البلد بحيث يبلغ جميعهم لو أصغوا فيكفي في القرية الصغيرة في موضع وفي الكبيرة في مواضع يظهر الشعار بها فلو أذن واحد في جانب فقط حصلت السنة فيه دون غيره

( وإنما يشرعان لمكتوبة ) دون غيرها من سائر الصلوات كالسنن وصلاة الجنازة والمنذورة لعدم ثبوتهما فيه بل يكرهان فيه كما صرح به صاحب الأنوار وغيره

وأما قول صاحب الذخائر إن المنذورة يؤذن لها ويقيم إذا قلنا يسلك بها مسلك واجب الشرع فقال المصنف إنه غلط منه وهو كثير الغلط فقد اتفق الأصحاب على أنه لا يؤذن لها ولا يقيم وبما قررت به عبارته سقط ما قيل إنه يرد عليه أن الأذان يشرع في أذن المولود اليمنى والإقامة في اليسرى كما يأتي في العقيقة وأنه يشرع إذا تغولت الغيلان أي غردت الجان لخبر صحيح ورد فيه

تنبيه إنما عبر ب يشرعان دون يسنان ليأتي ذلك على قولي السنة والفرض

( ويقال في العيد ونحوه ) من كل نفل تشرع فيه الجماعة كما صرح به في الحاوي كالعيد والكسوف والاستسقاء والتراويح حيث يفعل ذلك جماعة قال شيخنا والوتر حيث يسن جماعة فيما يظهر اه

وهذا دخل في كلامهم ( الصلاة جامعة ) لوروده في الصحيحين في كسوف الشمس وقيس به الباقي والجزاءان منصوبان الأول على الإغراء والثاني بالحالية أي احضروا الصلاة والزموها حالة كونها جامعة ويجوز رفعهما على المبتدأ والخبر ورفع أحدهما على أنه مبتدأ حذف خبره أو عكسه ونصب الآخر على الإغراء في الجزء الأول وعلى الحالية في الثاني وكالصلاة جامعة الصلاة كما نص عليه في الأم أو هلموا إلى الصلاة والصلاة وحكم الله أو نحو ذلك كالصلاة الصلاة

وخرج بذلك الجنازة والمنذورة والنافلة التي لا تسن الجماعة فيها كالضحى أو سنت فيها لكن صليت فرادى فلا يسن لها ذلك

أما غير الجنازة فظاهر وأما الجنازة فلأن المشيعين لها حاضرون فلا حاجة للإعلام

( والجديد ) قال الرافعي الذي قطع به الجمهور ( ندبه ) أي الأذان ( للمنفرد ) في بلد أو صحراء إذا أراد الصلاة للحديث الآتي

والقديم لا يندب له لانتفاء المعنى المقصود منه وهو الإعلام

وظاهر إطلاقه تبعا للمحرر مشروعية أذان المنفرد وإن بلغه أذان غيره وهو الأصح في التحقيق والتنقيح وقال الإسنوي إن العمل عليه وهذا هو المعتمد وإن صحح في شرح مسلم أنه لا يؤذن وقال الأذرعي هو الذي نعتقد رجحانه ويكفي في أذانه إسماع نفسه بخلاف أذان الإعلام للجماعة فيشترط فيه الجهر بحيث يسمعونه لأن ترك ذلك يخل بالإعلام ويكفي فيه إسماع واحد

أما الإقامة فتسن على القولين ويكفي فيها إسماع نفسه أيضا بخلاف المقيم للجماعة كما في الأذان لكن الرفع فيها أخفض

( ويرفع ) المنفرد بديا ( صوته ) بالأذان

روى البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أن أبا سعيد الخدري قال له إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أي سمعت ما قلته لك يعني قوله إني أراك تحب الغنم إلخ بخطاب لي أي من النبي صلى الله عليه وسلم كما فهمه الإمام الغزالي و الماوردي وأورده باللفظ الدال على ذلك أي لم يوردوه بلفظ الحديث بل بمعناه فقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد الخدري إنك تحب الغنم إلخ

إنما فعلوا ذلك ليظهر الاستدلال على أذان المنفرد ورفع صوته

وقيل إن ضمير سمعته لقوله لا يسمع إلخ فقط

( إلا بمسجد ) أو نحوه كرباط من أمكنة الجماعات كما بحثه الإسنوي ( وقعت فيه جماعة ) قال في الروضة كأصلها وانصرفوا

قال ابن المقري أو أذن فيه فيسن أن لا يرفع صوته لئلا يتوهم السامعون دخول وقت الصلاة الأخرى


135

لا سيما في يوم الغيم

والتقييد بانصرافهم يقتضي سن الرفع قبله لعدم خفاء الحال عليهم

قال في المهمات وفيه نظر لأنه يوهم غيرهم من أهل البلد

قال وإنما قيدوا بوقوع جماعة لأنه لا يسن له الأذان قبله لأنه مدعو بالأول ولم ينته حكمه

( ويقيم للفائتة ) المكتوبة قطعا من يريد فعلها لأنها افتتاح الصلاة وهو موجود

( ولا يؤذن ) لها ( في الجديد ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم فاته يوم الخندق صلوات فقضاها ولم يؤذن لها

رواه الشافعي وأحمد رضي الله تعالى عنهما في مسنديهما بإسناد صحيح كما قاله في المجموع

وإنما جاز لهم تأخير الصلاة لشغلهم بالقتال وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف والقديم يؤذن لها أي حيث تفعل جماعة ليجامع القديم السابق في المؤداة فإنه إذا لم يؤذن المنفرد لها فالفائتة أولى كما قاله الرافعي وعلى ما تقدم عنه من اقتصار الجمهور في المؤداة على أنه يؤذن يجري القديم هنا على إطلاقه فيؤذن لها سواء أفعلت جماعة أم لا إذ ليس ثم قديم يقول بأن الأذان لا يندب للمنفرد في المؤداة على طريقة الجمهور

( قلت القديم أظهر والله أعلم ) لأنه صلى الله عليه وسلم لما نام في الوادي هو وأصحابه حتى طلعت الشمس فساروا حتى ارتفعت الشمس ثم نزل صلى الله عليه وسلم فتوضأ ثم أذن بلال رضي الله عنه بالصلاة فصلى صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم صلى صلاة الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم رواه مسلم

والأذان في الجديد حق للوقت وفي القديم حق للفريضة وهو المعتمد وفي الإملاء حق للجماعة

( فإن كان فوائت ) وأراد قضاءها في وقت واحد ( لم يؤذن لغير الأولى ) بلا خلاف كما ذكره في المحرر والشرح والروضة لكن حكى ابن كج فيه وجهين في الأولى الخلاف السابق ويقيم لكل منها فإن قضاها متفرقات ففي الأذان لكل واحدة الخلاف السابق ولو أتبع الفائتة بحاضرة بلا فصل طويل لم يؤذن للحاضرة إلا إن دخل وقتها بعد أذان الفائتة فيعيده للإعلام بوقتها

نعم لو أذن لمؤداة ثم تذكر فائتة لا يسن الأذان لها إذا والى بينها وبين المؤداة لأن هذا ليس وقتها حقيقة

وأيضا فإنهم قالوا لا يوالي بين أذانين إلا في هذه الصورة المذكورة والاستثناء معيار العموم قلت ذلك بحثا ولم أر من ذكره

ولو جمع جمع تقديم أو جمع تأخير والى فيه وبدأ بصاحبة الوقت أذن للأولى في الصورتين دون الثانية بلا خلاف وإن بدأ بغير صاحبة الوقت ووالى بينهما لم يؤذن للثانية بلا خلاف وفي الأولى الخلاف السابق فيؤذن لها على الراجح ويقيم للثانية فقط لأنه صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين رواه الشيخان من رواية جابر ورويا من رواية ابن عمر أنه صلاهما بإقامتين وأجابوا عنه بأنه إنما حفظ الإقامة وقد حفظ جابر الأذان فوجب تقديمه لأن معه زيادة علم فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ وبأن جابر استوفى حجة النبي صلى الله عليه وسلم وأتقنها فهو أولى بالاعتماد

( ويندب لجماعة النساء الإقامة ) بأن تأتي بها إحداهن ( لا الأذان على المشهور ) فيهما لأن الأذان يخاف من رفع المرأة الصوت به الفتنة والإقامة لاستنهاض الحاضرين ليس فيها رفع صوت كالأذان

والثاني يندبان بأن تأتي بها واحدة منهن لكن لا ترفع صوتها فوق ما تسمع صواحبها

والثالث لا يندبان الأذان لما تقدم والإقامة تبع له ويجري الخلاف في المنفردة بناء على ندب الأذان للمنفرد

أما إذا قلنا لا يندب له فلا يندب لها جزما فلو قال ويندب للنساء لكان أولى

قال في المجموع والخنثى المشكل في هذا كله كالمرأة

وعلى الأول لو أذنت لها أولهن سرا لم يكره وكان ذكر الله تعالى أو جهرا بأن رفعت صوتها فوق ما تسمع صواحبها قال شيخنا في شرح الروض وثم أجنبي حرم كما يحرم تكشفها بحضرة الرجال لأنه يفتتن بصوتها كما يفتتن بوجهها

وأسقط وثم أجنبي من شرح البهجة تبعا للشيخين وذكره أولى للتعليل المذكور

فإن قيل قد جوزوا غناءها بحضرة الأجنبي فلم لا سووا بينهما أجيب بأن الغناء يكره للأجنبي استماعه وإن أمن الفتنة والأذان يستحب له استماعه

فلو جوز للمرأة لأدى إلى أن يؤمر الأجنبي باستماع ما يخشى منه الفتنة وهو ممتنع

وينبغي أن تكون قراءتها كالأولى لأنه يسن استماع القرآن

( والأذان ) معظمه ( مثنى ) هو معدول عن اثنين اثنين

وإنما قدرت في كلامه ذلك لأن التكبير في أوله أربع ولا إله إلا الله في آخره مرة والحكمة في إفرادها الإشارة إلى وحدانية الله تعالى وكلماته مشهورة وعدتها بالترجيع


136

تسع عشرة كلمة

( والإقامة فرادى إلا لفظ الإقامة ) والأصل في ذلك حديث أنس أمر بلال بأن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة متفق عليه

واستثناء لفظ الإقامة من زيادته واعتذر في الدقائق عن عدم استثنائه التكبير فإنه يثني في أولها وآخرها بأنه على نصف لفظه في الأذان فكأنه فرد اه

وهذا ظاهر في التكبير أولها وأما في آخرها فهو مساو للأذان فالأولى أن يقال ومعظهما فرادى

والحكمة في تثنية لفظ الإقامة كونها المصرحة بالمقصود وكلمات الإقامة مشهورة وعدتها إحدى عشر كلمة

( ويسن إدراجها ) أي الإسراع بها مع بيان حروفها فيجمع بين كل كلمتين منها بصوت والكلمة الأخيرة بصوت

( وترتيله ) أي الأذان أي التأني فيه فيجمع بين كل تكبيرتين بصوت ويفرد باقي كلماته للأمر بذلك كما أخرجه الحاكم لأن الأذان للغائبين فكان الترتيل فيه أبلغ والإقامة للحاضرين فكان الإدراج فيه أنسب

قال الهروي عوام الناس يقولون أكبر بضم الراء إذا وصل وكان المبرد يفتح الراء من أكبر الأولى ويسكن الثانية

قال المبرد لأن الأذان سمع موقوفا فكان الأصل إسكانها لكن لما وقعت قبل فتحة همزة الله الثانية فتحت كقوله تعالى الم الله وجرى على كلام المبرد ابن المقري

والأول كما قال شيخنا هو القياس

وما علل به المبرد ممنوع إذ الوقف ليس على أكبر الأول وليس هو مثل ميم الم كما لا يخفى

( والترجيح فيه ) أي الأذان لثبوته في خبر مسلم عن أبي محذورة وهو أن يأتي بالشهادتين سرا قبل أن يأتي بهما جهرا فهو اسم للأول كما صرح به المصنف في مجموعه ودقائقه وتحريره وتحقيقه وإن قال في شرح مسلم إنه للثاني وظاهر كلام ابن المقري كأصله أنه اسم لمجموعهما

والمراد بالإسرار بهما أن يسمع من بقربه أو أهل المسجد أي أو نحوه إن كان واقفا عليهم والمسجد متوسط الخطة كما صححه ابن الرفعة ونقله عن النص وغيره وهذا تفسير مراد وإلا فحقيقة الإسرار هو أن يسمع نفسه لأنه ضد الجهر ولذلك قال بعضهم إنه يحتمل أن يكون كإسرار القراءة في الصلاة السرية وربما يقال إنه يتعين أن يكون الترجيح هو السر لأنه سنة ولو تركه صح الأذان بخلاف ما إذا قلنا إنه الثاني أو هما

فإن قيل إن السر هنا هو بحيث يسمع من بقربه فيكفي

أجيب بأن إسماع من بقربه لا يكفي إلا إذا كان هو المصلي فالكلام أعم من ذلك وحكمته تدبر كلمتي الإخلاص لكونهما المنجيتين من الكفر المدخلتين في الإسلام ويذكر خفاءهما في أول الإسلام ثم ظهورهما وفي ذلك نعمة ظاهرة

وسمي بذلك لأنه رجع إلى الرفع بعد أن تركه أو إلى الشهادتين بعد ذكرهما

( و ) يسن ( التثويب ) ويقال التثوب بالمثلثة فيهما

( في ) أذان ( الصبح ) وهو قوله بعد الحيعلتين الصلاة خير من النوم مرتين لوروده في خبر أبي داود وغيره بإسناد جيد كما في المجموع

وخص بالصبح لما يعرض للنائم من التكاسل بسبب النوم

وإطلاقه شامل لأذان الفائتة إذا قلنا به وبه صرح ابن عجيل اليمني نظرا لأصله وشامل لأذاني الصبح وهو ما صححه في التحقيق وهو المعتمد وإن قال البغوي إنه إذا ثوب في الأول لا يثوب في الثاني على الأصح وأقره في الروضة تبعا لأصلها

ويكره أن يثوب لغير أذان الصبح لقوله صلى الله عليه وسلم من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وسمي ذلك تثويبا من ثاب إذا رجع لأن المؤذن دعا إلى الصلاة بالحيعلتين ثم دعا إليها بقوله الصلاة خير من النوم أي اليقظة للصلاة خير من الراحة التي تحصل من النوم

ويسن أن يقول في الليلة المطيرة أو المظلمة ذات الريح بعد الأذان ألا صلوا في رحالكم

فلو جعله بعد الحيعلتين أو عوضا عنهما جاز ففي البخاري الأمر بذلك

( و ) يسن ( أن يؤذن ) ويقيم ( قائما ) لخبر الصحيحين قم يا بلال فناد بالصلاة ولأنه أبلغ في الإعلام

وأن يكون متوجها ( للقبلة ) فيهما لأنها أشرف الجهات ولأنه منقول سلفا وخلفا فلو ترك الاستقبال أو القيام مع القدرة عليه كره وأجزأه لأن ذلك لا يخل بالأذان والاضطجاع فيما ذكر أشد كراهة من القعود

ويسن الالتفات بعنقه في حيعلات الأذان والإقامة

ولا يصدره من غير انتقال عن محله ولو بمنارة محافظة على الاستقبال يمينا مرة في قوله حي على الصلاة مرتين وشمالا مرة في قوله حي على الفلاح مرتين حتى يتمهما في الالتفاتين روى الشيخان أن أبا جحيفة قال رأيت بلالا يؤذن فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يقول يمينا وشمالا حي على الصلاة حي على الفلاح ولا يلتفت في قوله الصلاة خير من النوم كما صرح به ابن عجيل اليمني

وهو مقتضى قولهم واختصت


137

الحيعلتان بالالتفات لأنه دعاء إلى الصلاة بخلاف باقي الكلمات والفرق بين هذا وبين كراهة الالتفات في الخطبة أن المؤذن داع للغائبين والالتفات أبلغ في إعلامهم والخطيب واعظ للحاضرين فالأدب أن لا يعرض عنهم

فإن قيل مقتضى الفرق أنه لا يستحب الالتفات في الإقامة مع أنه يستحب الالتفات فيها كالأذان

أجيب بأن القصد منها الإعلام أيضا فليس فيها ترك أدب

ويسن أن يؤذن على موضع عال كمنارة وسطح لخبر الصحيحين كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان بلال وابن أم مكتوم ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا ولزيادة الإعلام بخلاف الإقامة لا تسن على عال إلا في نحو مسجد كبير فيحتاج فيه إلى علو للإعلام بها

وإذا لم يكن ثم منارة ولا سطح استحب أن يؤذن على باب المصلى فإن أذن في صحنه جاز وكان تاركا للسنة

وأن يجعل المؤذن أصبعيه في صماخي أذنيه لأنه روي في خبر أبي جحيفة وأصبعاه في أذنيه والمراد أنملتا سبابتيه ولأنه أجمع للصوت ويستدل به الأصم والبعيد بخلاف الإقامة لا يسن فيها ذلك

وأن يبالغ في رفع الصوت بالأذان لخبر أبي سعيد الخدري السابق أوائل الباب بلا إجهاد للنفس لئلا يضر بها

( ويجب ترتيبه ) أي الأذان وكذا الإقامة للإتباع كما رواه مسلم وغيره ولأن تركه يوهم اللعب ويخل بالإعلام فإن عكس لم يصح ذلك لما ذكره

وله أن يبني على المنتظم منه والاستئناف أولى ولو ترك بعض الكلمات في خلالهما أتى بالمتروك وأعاد ما بعده

( و ) تجب ( موالاته ) وكذا الإقامة أي موالاة كلماتهما لأن تركها يخل بالإعلام ولا يضر يسير نوم أو إغماء أو ردة أو سكوت أو كلام

ويسن أن يستأنف في غير الأخيرتين

( وفي قول لا يضر كلام وسكوت طويلان ) بين كلماتهما كغيرهما من الأذكار وقيل يضر كثير الكلام دون كثير السكوت

ومحل الخلاف إذا لم يفحش الطول فإن فحش قال في المجموع بحيث لا يسمى مع الأول أذانا أي في الأذان ولا إقامة في الإقامة استأنف جزما فإن عطس بفتح الطاء المؤذن أو المقيم في أثناء ذلك سن له أن يحمد الله في نفسه وأن يؤخر رد السلام إذا سلم عليه غيره والتشميت إذا عطس غيره وحمد الله تعالى إلى الفراغ فيرد ويشمت حينئذ فإن رد أو شمت أو تكلم بمصلحة لم يكره وكان تاركا للسنة ولو رأى أعمى مثلا يخاف وقوعه في بئر وجب إنذاره

ويشترط في الأذان والإقامة عدم بناء غيره على أذانه أو إقامته لأن ذلك من شخصين يوقع في لبس غالبا فسقط ما قيل إنه يؤخذ منه صحة البناء إذا اشتبها صوتا

( وشرط المؤذن ) والمقيم ( الإسلام ) فلا يصحان من كافر لعدم أهليته للعبادة ولأنه لا يعتقد الصلاة التي هما دعاء لها فإتيانه بذلك ضرب من الإستهزاء ويحكم بإسلامه بالشهادتين إن لم يكن عيسويا بخلاف العيسوي والعيسوية فرقة من اليهود تنسب إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصبهاني كان في خلافة المنصور يعتقد أن محمدا رسول الله أرسل إلى العرب خاصة وفارق اليهود في أشياء غير ذلك منها أنه حرم الذبائح

فإن أذن أو أقام غير العيسوي بعد إسلامه ثانيا اعتد بالثاني

ولو ارتد المؤذن بعد فراغ الأذان ثم أسلم ثم أقام جاز والأولى أن يعيدهما غيره حتى لا يصلي بأذانه وإقامته لأن ردته تورث شبهة في حاله

( و ) شرط من ذكر ( التمييز ) فلا يصحان من غير مميز لعدم أهليته للعبادة

وفي اشتراط النية في الأذان وجهان في البحر والأصح عدم الاشتراط لكن يشترط عدم الصرف فإن قصد به تعليم غيره لم يعتد به قاله ابن كج

( و ) شرط المؤذن ( الذكورة ) ولو عبدا أو صبيا مميزا فلا يصح أذان امرأة وخنثى لرجال وخناثي كما لا تصح إمامتهما لهم وتقدم أذانهما لغير الرجال والخناثي

وقضية كلامهم أنه لا فرق في الرجال بين المحارم وغيرهم وهو كذلك وإن نظر فيه الإسنوي

قال في المجموع وشرط المرتب للأذان علمه بالمواقيت دون من أذن لنفسه أو الجماعة مرة أي فلا يشترط معرفته بها بل إذا علم دخول الوقت صح أذانه بدليل صحة أذان الأعمى وهذا كما قال شيخنا يقتضي أن الراتب إذا لم يعلمها لم يصح أذانه وليس مرادا بل يصح إذا عرفها بخبر ثقة كغير الراتب كما دل عليه كلام الأئمة حتى المتولي في تتمته فشرط المؤذن راتبا أو غيره معرفة دخول الأوقات بأمارات أو غيرها فإن ابن أم مكتوم كان راتبا مع أنه كان لا يعرفها


138

بالأمارة فإنه كان لا يؤذن للصبح حتى يقال له أصبحت أصبحت كما رواه البخاري

ويؤخذ من ذلك ما جرت به العادة من أن المؤذنين لا يعرفون الوقت ولكن ينصب لهم مؤقت يخبرهم بالوقت أن ذلك يكفي كما قاله بعض المتأخرين

ولو أذن جاهلا بدخول الوقت فصادفه اعتد به بناء على عدم اشتراط النية وبهذا فارق التيمم والصلاة ويؤخذ من ذلك أن الخطبة كالأذان بناء على ما ذكر

( ويكره ) الأذان ( للمحدث ) حدثا أصغر لخبر كرهت أن أذكر الله إلا على طهر أو قال على طهارة رواه أبو داود وغيره وقال في المجموع إنه صحيح ولأنه يدعو إلى الصلاة فليكن بصفة من يمكنه فعلها وإلا فهو واعظ غير متعظ

وقضيته أنه يسن له التطهر من الخبث أيضا

( و ) الكراهة ( للجنب أشد ) منها للمحدث لأن الجنابة أغلظ

( والإقامة ) من كل منهما ( أغلظ ) أي أشد كراهة من الأذان لقربها من الصلاة

وقضية كلامه كأصله أن كراهة إقامة المحدث أغلظ من كراهة أذان الجنب والمتجه كما قال الإسنوي تساويهما

وتقدم أن الحيض والنفاس أغلظ من الجنابة فتكون الكراهة معهما أغلظ من الكراهة مع الجنابة

فإن قيل يرد على ذلك المتيمم ومن به نحو سلس بول وفاقد الطهورين فإن الصلاة مطلوبة منهم ولا يقال إنه يكره لهم الأذان أو الإقامة

أجيب بأن المراد بالمحدث أو الجنب من لا تباح له الصلاة

ويجزيء أذان وإقامة مكشوف العورة والجنب وإن كان في مسجد لأن المراد حصول الإعلام وقد حصل والتحريم لمعنى آخر وهو حرمة المسجد وكشف العورة

ولو حصل له حدث ولو أكبر في أثناء ذلك استحب إتمامه ولا يستحب قطعه ليتوضأ لئلا يوهم التلاعب فإن تطهر ولم يطل زمنه بنى والاستئناف أولى

( ويسن ) للأذان مؤذن حر لأنه أكمل من غيره

( صيت ) أي عالي الصوت لقوله صلى الله عليه وسلم في خبر عبد الله بن زيد ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتا أي أبعد ولزيادة الإبلاغ

( حسن الصوت ) ليرق قلب السامع ويميل إلى الإجابة ولأن الداعي أن يكون حلو المقال

وروى الدارمي وابن خزيمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عشرين رجلا فأذنوا فأعجبه صوت أبي محذورة فعلمه الأذان

( عدل ) ليقبل خبره عن الأوقات ويؤمن نظره إلى العورات

ويكره أذان فاسق وصبي وأعمى ليس معه بصير يعرف الوقت لأنه ربما غلط في الوقت ولأنه يفوت على الناس فضيلة أول الوقت ولذلك استحب كونه عالما بالمواقيت

فروع يكره تمطيط الأذان أي تمديده والتغني به أي التطريب

ويسن أن يكون المؤذن من ولد مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم كبلال وابن أم مكتوم وأبي محذورة و سعدالقرظي فإن لم يكن فمن أولاد مؤذني أصحابه فإن لم يكن أحد منهم فمن أولاد الصحابة ذكره في المجموع

ويكره الركوب فيه للمقيم لما فيه من ترك القيام المأمور به بخلاف المسافر لا يكره إذ أنه راكبا للحاجة إلى الركوب في السفر فإن أذن ماشيا أجزأه إن لم يبعد عن مكان ابتدائه بحيث لا يسمع آخره من يسمع أوله وإلا لم يجزه ويندب أن يتحول من مكان الأذان للإقامة ولا يقيم وهو يمشي

ويسن أن يفصل المؤذن والإمام بين الأذان والإقامة بقدر اجتماع الناس في مكان الصلاة وبقدر أداء السنة التي قبل الفريضة ويفصل بينهما في المغرب بنحو سكتة لطيفة كقعود لطيف لضيق وقتها ولاجتماع الناس لها قبل وقتها عادة وعلى ما صححه المصنف من أن للمغرب سنة قبلها يفصلها بقدر أدائها أيضا

( والإمامة أفضل منه ) أي الأذان ( في الأصح ) لمواظبته صلى الله عليه وسلم وخلفائه رضي الله تعالى عنهم عليها ولأن القيام بالشيء أولى من الدعاء إليه

واختار هذا السبكي مع قوله إن السلامة في تركها ونقل في الإحياء عن بعض السلف أنه قال ليس بعد الأنبياء أفضل من العلماء ولا بعد العلماء أفضل من الأئمة المصلين لأنهم قاموا بين الله وبين خلقه هؤلاء بالنبوة وهؤلاء بالعلم وهؤلاء بعماد الدين

( قلت الأصح أنه ) أي الأذان ( أفضل منها والله أعلم ) لقوله تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله قالت عائشة رضي الله تعالى عنها هم المؤذنون ولخبر إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأظلة لذكر الله رواه الحاكم وصحح إسناده ولدعائه صلى الله عليه وسلم له بالمغفرة وللإمام بالإرشاد والمغفرة أعلى من الإرشاد كما قاله الرافعي

وقال الماوردي دعا


139

للإمام بالرشد خوف زيغه وللمؤذن بالمغفرة لعلمه بسلامة حاله

وأجيب عن الأول بأن الأذان يحتاج إلى فراغ وكانوا مشتغلين بمصالح الأمة وقيل لأنه صلى الله عليه وسلم لو أذن لوجب الحضور على من سمعه وضعف هذا بأن قرينة الحال تصرفه إلى الاستحباب ولأنه صلى الله عليه وسلم أذن مرة في السفر كما رواه الترمذي بإسناد جيد وقيل أذن مرتين

وصحح المصنف في نكته أن الأذان مع الإقامة أفضل من الإمامة وجرى على ذلك بعض المتأخرين والمعتمد ما في الكتاب تبعا لصاحب التنبيه

وإذا كان أفضل من الإمامة فهو أفضل من الخطابة لأن الإمامة أفضل منها لأن الإمام يأتي بالمشروط والخطيب يأتي بالشرط والإتيان بالمشروط أولى

وقيل الأذان والإمامة سواء وقيل إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل وإلا فالأذان وحكي عن نص الأم

فإن قيل كيف فضل المصنف الأذان مع موافقته للرافعي على تصحيحه أنه سنة وتصحيحه فرضية الجماعة إذ يلزم من ذلك تفضيل سنة على فرض وإنما يرجحه عليها من يقول بسنيتها أجيب بأنه لا مانع من تفضيل سنة على فرض فقد فضل ابتداء السلام على الجواب وإبراء المعسر على إنظاره مع أن الأول فيهما سنة والثاني واجب

فروع يسن لمن صلح للأذان والإمامة الجمع بينهما قال في الروضة وفيه حديث حسن في الترمذي وقيل يكره وقيل يباح

ويسن أن يتطوع المؤذن بالأذان لخبر من أذن سبع سنين محتسبا كتب الله له براءة من النار رواه الترمذي وغيره وفي رواية من أذن خمس صلوات إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه

وأن يكون الأذان بقرب المسجد وأن لا يكتفي أهل المساجد المتقاربة بأذان بعضهم بل يؤذن في كل مسجد

ويكره أن يخرج من المسجد بعد الأذان قبل أن يصلي إلا بعذر

ووقت الأذان منوط بنظر المؤذن ولا يحتاج فيه إلى مراجعة الإمام والإقامة بنظر الإمام فلا يقيم إلا بإذنه لقوله صلى الله عليه وسلم المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة رواه ابن عدي من رواية أبي هريرة فلو أقام المؤذن بغير إذن الإمام اعتد به

( وشرطه ) أي الأذان ( الوقت ) لأنه للإعلام بدخوله فلا يصح ولا يجوز قبله بالإجماع لما فيه من الإلباس لكن نص في البويطي على سقوط مشروعيته بفعل الصلاة وهذا يدل على أن مشروعية الأذان للصلاة وهو المعتمد كما مر لا للوقت وعلى هذا لو نوى المسافر تأخير الصلاة فإن قلنا بالأول لم يؤذن وإلا أذن

( إلا الصبح ) أي أذانه ( فمن نصف الليل ) يصح لخبر الصحيحين إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم زاد البخاري وكان رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال أصبحت أصبحت كما مر وإنما جعل وقته في النصف الثاني لأنه أقرب إلى الصبح إذ معظم الليل قذ ذهب وقرب الأذان من الوقت فهو منسوب إلى الصبح ولهذا تقول العرب بعده أنعم صباحا

قال في الإقليد فيستحب تقديمه قبل الوقت خلافا لما أطلقه الأكثرون من أنه يجوز لأن وقته يدخل على الناس وفيهم الجنب والنائم فاستحب تقديم أذانها لينتبهوا ويتأهبوا ليدركوا فضيلة أول الوقت

وخرج بالأذان الإقامة فلا تقدم بحال

ويشترط فيه أيضا أن لا يطول الفصل بينها وبين الصلاة كما في المجموع

قال المصنف في شرح مسلم في كلامه على أنه لم يكن بين أذانيهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا قال العلماء معناه أن بلالا كان يؤذن قبل الفجر ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه ثم يرقب الفجر فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم مكتوم فيتأهب ثم يرقى وقيل يدخل وقت أذانه في الشتاء لسبع يبقى من الليل وفي الصيف لنصف سبع وصححه الرافعي في شرحه وضعفه المصنف في زيادة الروضة وقال إن قائله اعتمد حديثا باطلا محرفا

ويدخل سبع الليل الأخير بطلوع الفجر الأول وقيل وقته جميع الليل وقيل إذا خرج وقت اختيار العشاء

وضبط المتولي السحر بما بين الفجر الكاذب والصادق وقال ابن أبي الصيف السحر هو السدس الأخير

( ويسن مؤذنان للمسجد ) ونحوه تأسيا به صلى الله عليه وسلم ومن فوائدهما أنه ( يؤذن واحد ) للصبح ( قبل الفجر وآخر بعده ) للخبر السابق

ويزاد عليهما بقدر الحاجة والمصلحة كما صححه المصنف خلافا للرافعي في استحباب الاقتصار على أربعة ويترتبون إن اتسع الوقت ويقترعون للبداءة إن تنازعوا

فإن ضاق الوقت والمسجد كبير تفرقوا في أقطاره وإن صغر اجتمعوا إن لم يؤد اجتماعهم إلى اضطراب واختلاط ويقفون عليه كلمة كلمة


140

فإن أدى إلى ذلك أذن بعضهم بالقرعة

قال في المجموع وعند الترتيب لا يتأخر بعضهم عن بعض لئلا يذهب أول الوقت

فإن لم يكن إلا مؤذن واحد سن له أن يؤذن المرتين فإن اقتصر على مرة فالأولى أن تكون بعد الفجر

والمؤذن الأول أولى بالإقامة إلا أن يكون الراتب أولى

ويجوز للإمام أن يرزق المؤذن من مال المصالح قال في المجموع ولا يجوز أن يرزق مؤذنا وهو يجد متبرعا كما نص عليه قال القاضي حسين لأن الإمام في بيت المال كالوصي في مال اليتيم والوصي لو وجد من يعمل في مال اليتيم متبرعا لم يجز أن يستأجر عليه من مال اليتيم فكذا الإمام

فإن تطوع به فاسق وثم أمين أحسن صوتا منه وأبى الأمين في الأولى والأحسن صوتا في الثانية إلا بالرزق رزقه الإمام من سهم المصالح عند الحاجة بقدرها

وللإمام أن يرزقهم وإن تعددوا بعدد المساجد وإن تقاربت وأمكن جمع الناس بأحدها لئلا تتعطل

ويبدأ وجوبا إن ضاق بيت المال وندبا إن اتسع بالأهم كمؤن الجامع

وأذان صلاة الجمعة أهم من غيره لكثرة جماعتها وقصد الناس لها وللإمام وغيره استئجاره على الأذان لأنه عمل معلوم يرزق عليه ككتابة الصك ولرجوع نفعه إلى عموم المسلمين فهو كتعليم القرآن ولا يشترط بيان المدة إذا استأجره الإمام من بيت المال بل يكفي أن يقول استأجرتك كل شهر بكذا بخلاف ما إذا استأجره من ماله أو استأجره غيره فلا بد من بيانها على الأصل في الإجارة وتدخل الإقامة في استئجار الأذان ضمنا ويبطل إفرادها بإجارة إذ لا كلفة فيها وفي الأذان كلفة غالبا لرعاية الوقت فسقط ما قيل إن هذه الصورة ليست بصافية عن الإشكال

ولا يصح الأذان للجماعة بالعجمية وهناك من يحسن العربية بخلاف ما إذا كان هناك من لا يحسنها فإن أذن لنفسه وكان لا يحسن العربية صح وإن كان هناك من يحسنها وعليه أن يتعلم حكاه في المجموع عن الماوردي وأقره

( ويسن لسامعه ) أي المؤذن ومستمعه كما فهم بالأولى ومثل المؤذن المقيم

( مثل قوله ) لقوله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن متفق عليه ويقاس بالمؤذن المقيم

وتناولت عبارته الجنب والحائض ونحوهما وهو المعتمد كما جزما به خلافا للسبكي في قوله لا يجيبان لحديث كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ولابنه في قوله ويمكن أن يتوسط فيقال تجيب الحائض لطول زمنها بخلاف الجنب

وتناولت أيضا المجامع وقاضي الحاجة لكن إنما يجيبان بعد الفراغ كما قاله في المجموع ومحله إذا لم يطل الفصل فإن طال لم تستحب لهما الإجابة

وفارق هذا تكبير العيد المشروع عقب الصلاة حيث يتدارك وإن طال الفصل بأن الإجابة تنقطع مع الطول بخلاف التكبير ومن في صلاة والأصح أنه لا يستحب له الإجابة بل تكره فإن قال في التثويب صدقت وبررت أو قال حي على الصلاة أو الصلاة خير من النوم بطلت صلاته بخلاف صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبطل به كما صرح به في المجموع

وإن أجاب في أثناء الفاتحة وجب استئنافها وإذا كان السامع أو المستمع في قراءة أو ذكر استحب له أن يقطعهما ويجيب أو في طواف أجاب فيه كما قاله الماوردي

ويسن أن يجيب في كل كلمة عقبها بأن لا يقارن ولا يتأخر كما في المجموع قال الإسنوي ومقتضاه الإجزاء في هذه الحالة وامتناعه عند التقدم

وأفهم كلام المصنف أنه لو علم أذان غيره أو إقامته ولم يسمعه لبعد أو صمم لا تسن له الإجابة

وقال في المجموع إنه الظاهر لأنها معلقة بالسماع في خبر إذا سمعتم المؤذن وكما في نظيره في تشميت العاطس قال وإذا لم يسمع الترجيع فالظاهر أنه تسن له الإجابة فيه لقوله صلى الله عليه وسلم قولوا مثل ما يقول ولم يقل مثل ما تسمعون

ويؤخذ من كلام المجموع في ذلك أنه لو سمع بعض الأذان يسن له أن يجيب في الجميع وبه صرح الزركشي وغيره

قال في المجموع وإذا سمع مؤذنا بعد مؤذن فالمختار أن أصل الفضيلة في الإجابة شامل للجميع إلا أن الأول متأكد يكره تركه

وقال ابن عبد السلام إجابة الأول أفضل إلا أذاني الصبح فلا أفضلية فيهما لتقدم الأول ووقوع الثاني في الوقت إلا أذاني الجمعة لتقدم الأول ومشروعية الثاني في زمنه صلى الله عليه وسلم

( إلا في حيعلتيه ) وهما حي على الصلاة حي على الفلاح

( فيقول ) بدل كل منهما ( لا حول ) أي عن المعصية إلا بعصمة الله ( ولا قوة ) على الطاعة ( إلا بالله ) أي بعون الله فقد ثبت عن ابن مسعود أنه قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدري ما تفسيرها قلت لا قال لا حول عن معصية الله إلا


141

بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله ثم ضرب بيديه على منكبي وقال هكذا أخبرني جبريل عليه السلام

ويقول ذلك في الأذان أربعا وفي الإقامة مرتين قاله في المجموع

وقيل يحوقل مرتين في الأذان واختاره ابن الرفعة وكلام المصنف يميل إليه

ولو عبر بحيعلاته لوافق الأول المعتمد وإنما لم يقل في الحيعلتين مثل ما يقول لأنهما دعاء إلى الصلاة لا يليق بغير المؤذن والمقيم فسن للمجيب ذلك لأنه تفويض محض إلى الله تعالى ولقوله في خبر مسلم وإذا قال حي على الصلاة قال أي سامعه لا حول ولا قوة إلا بالله وإذا قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله وفي آخر الحديث من قال ذلك مخلصا من قلبه دخل الجنة

وفي الصحيحين لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة

أي أجرها مدخر لقائلها كما يدخر الكنز

فائدة الحاء والعين لا يجتمعان في كلمة واحدة أصلية الحروف لقرب مخرجهما إلا أن تؤلف كلمة من كلمتين كقولهم حيعل فإنها مركبة من كلمتين من حي على الصلاة ومن حي على الفلاح ومن المركب من كلمتين قولهم حوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله هكذا قاله الجوهري

وقال الأزهري وغيره حولق بتقديم اللام على القاف فهي مركبة من حاء حول وقاف قوة وكقولهم بسمل إذا قال بسم الله

و حمدل إذا قال الحمد لله و الهيللة إذا قال لا إله إلا الله و الجعفلة جعلت فداءك و الطلبقة أطال الله بقاءك و الدمعزة أدام الله عزك

والفلاح الظفر بالمطلوب والنجاة من المطلوب

قال الإسنوي والقياس أن السامع يقول في قول المؤذن ألا صلوا في رحالكم لا حول ولا قوة إلا بالله

( قلت وإلا في التثويب ) في أذاني الصبح ( فيقول ) بدل كلمتيه ( صدقت وبررت ) بكسر الراء الأولى وسكون الثانية وحكي فتح الأولى أي صرت ذا بر أي خير كثير ( والله أعلم ) لما في ذلك من المناسبة ولخبر ورد فيه قاله ابن الرفعة قال الدميري ولا يعرف من قاله

وقيل يقول صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة خير من النوم

والمشهور استحباب الإجابة في كلمات الإقامة كما تقرر إلا في كلمتي الإقامة فيقول أقامها الله وأدامها ما دامت السموات والأرض لما فيه من المناسبة أيضا ولخبر رواه أبو داود ولكن بسند ضعيف

وقال الإمام يقول اللهم أقمها وأدمها واجعلني من صالحي أهلها وهو أيضا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم

وقيل لا يجيب إلا في كلمتيها فقط

( و ) يسن ( لكل ) من مؤذن وسامع ومستمع قال شيخنا ومقيم ولم أره لغيره

( أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ) ويسلم أيضا لما مر من أنه يكره إفرادها عنه

( بعد فراغه ) من الأذان أو الإقامة على ما مر لقوله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا

( ثم ) يقول ( اللهم ) أصله يا الله حذفت منه يا وعوض عنه الميم ولهذا لا يجوز الجمع بينهما

( رب هذه الدعوة ) بفتح الدال أي الأذان أو الإقامة على ما مر

( التامة ) أي السالمة من تطرق نقص إليها

( والصلاة القائمة ) أي التي به تقام

( آت ) أعط ( محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ) لقوله صلى الله عليه وسلم من قال ذلك حين يسمع النداء حلت له شفاعتي يوم القيامة رواه البخاري أي حصلت

وزاد في التنبيه بعد والفضيلة والدرجة الرفيعة وبعد وعدته يا أرحم الراحمين

والوسيلة أصله ما يتوسل به إلى الشيء والجمع وسائل والمراد منها في الحديث القرب من الله تعالى وقيل منزلة في الجنة كما ثبت في صحيح مسلم

وقيل قبتان في أعلى عليين إحداهما من لؤلؤة بيضاء يسكنها محمدا وآله والأخرى من ياقوته صفراء يسكنها إبراهيم وآله

والمقام المذكور هو المراد في قوله تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا وهو مقام الشفاعة في فصل القضاء يوم القيامة يحمده فيه الأولون والآخرون رواه البزار من حديث أبي هريرة

وقال مجاهد و الطبري المقام المحمود أن الله تعالى يجلسه على العرش

ووقع في المحرر والشرح المقام المحمود معرفا ونكره في المجموع واعترض برواية النسائي وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي له معرفا بإسناد صحيح

فإن قيل ما فائدة طلب ذلك له صلى الله عليه وسلم وهو واجب الوقوع بوعد الله تعالى أجيب بأن في


142

ذلك إظهارا لشرفه وعظيم منزلته صلى الله عليه وسلم وزاده فضلا وشرفا لديه

وقول المصنف الذي وعدته في محل نصب بدل من قوله مقاما لا نعت له لأنه يجوز إبدال المعرفة من النكرة ولا يجوز نعت النكرة بالمعرفة كما لا يجوز نعت المعرفة بالنكرة ويجوز أن يكون منصوبا بتقدير أعني ومرفوعا خبرا لمبتدأ محذوف

تتمة يندب الدعاء بين الأذان والإقامة لخبر الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة فادعوا رواه الترمذي وحسنه

قال في العباب وأكده بسؤال العافية في الدنيا والآخرة وأن يقول المؤذن ومن سمعه بعد أذان المغرب اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي وبعد أذان الصبح اللهم هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك وأصوات دعاتك فاغفر لي

فصل استقبال القبلة

بالصدر لا بالوجه ( شرط لصلاة القادر ) على الاستقبال لقوله تعالى فول وجهك شطر أي نحو ( المسجد الحرام )

والاستقبال لا يجب في غير الصلاة فتعين أن يكون فيها وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته وهو خلاد بن رافع الزرقي الأنصاري إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة رواه الشيخان ورويا أنه صلى الله عليه وسلم ركع ركعتين قبل الكعبة أي وجهها وقال هذه القبلة مع خبر صلوا كما رأيتموني أصلي فلا تصح الصلاة بدونه إجماعا

والقبلة في اللغة الجهة والمراد هنا الكعبة ولو عبر بها لكان أولى لأنها القبلة المأمور بها ولكن القبلة صارت في الشرع حقيقة الكعبة لا يفهم منها غيرها سميت قبلة لأن المصلي يقابلها وكعبة لارتفاعها وقيل لاستدارتها

أما العاجز عنه كمريض لا يجد من يوجهه إليها ومربوط على خشبة فيصلي على حاله ويعيد وجوبا

قال في الكفاية ووجوب الإعادة دليل على الاشتراط أي فلا يحتاج إلى التقييد بالقادر فإنها شرط للعاجز أيضا بدليل القضاء ولذلك لم يذكره في التنبيه والحاوي

واستدرك على ذلك السبكي فقال لو كان شرطا لما صحت الصلاة بدونه ووجوب القضاء لا دليل فيه اه

وفي هذا نظر لأن الشرط إذا فقد تصح الصلاة بدونه وتعاد كفاقد الطهورين ثم رأيت الأذرعي تعرض لذلك

( إلا في ) صلاة ( شدة الخوف ) فيما يباح من قتال أو غيره فرضا كانت أو نفلا فليس التوجه بشرط فيها لقوله تعالى فإن خفتم فرجالا أو ركبانا قال ابن عمر مستقبلي القبلة وغير مستقبليها رواه البخاري في التفسير

قال في الكفاية نعم لو قدر أن يصلي قائما إلى غير القبلة وراكبا إلى القبلة وجب الاستقبال راكبا لأنه آكد من القيام لأن القيام يسقط في النافلة بغير عذر بخلاف الاستقبال

وقد أعاد المصنف المسألة مبسوطة في صلاة الخوف ونذكر ما فيها هناك إن شاء الله تعالى

( و ) إلا في ( نفل السفر ) المباح لقاصد محل معين لأن النفل يتوسع فيه كجوازه قاعدا للقادر وخرج بذلك النفل في الحضر فلا يجوز وإن احتيج فيه للتردد كما في السفر لعدم وروده

( فللمسافر ) السفر المذكور ( التنفل راكبا ) لحديث جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت به أي في جهة مقصده فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة رواه البخاري

( وماشيا ) قياسا على الراكب بل أولى

والحكمة في التخفيف في ذلك على المسافر أن الناس محتاجون إلى الأسفار فلو شرط فيها الاستقبال للنفل لأدى إلى ترك أورادهم أو مصالح معايشهم ويشترط ترك الأفعال الكثيرة من غير عذر كالركض والعدو

( ولا يشترط طول سفره على المشهور ) لعموم الحاجة قياسا على ترك الجمعة والسفر القصير

قال الشيخ أبو حامد وغيره مثل أن يخرج إلى ضيعة مسيرتها ميل أو نحوه وقال القاضي و البغوي أن يخرج إلى مكان لا تلزم فيه الجمعة لعدم سماع النداء وهما متقاربان

والثاني يشترط كالقصر وفرق الأول بأن النفل أخف فيتوسع فيه ولهذا جاز من قعود في الحضر مع القدرة على القيام

( فإن أمكن ) أي سهل ( استقبال الراكب ) غير ملاح ( في مرقد ) كمحمل واسع وهودج في جميع صلاته ( وإتمام ) الأركان كلها أو بعضها نحو ( ركوعه وسجوده لزمه ) ذلك لتيسره عليه كراكب السفينة وفي قول لا يلزمه لأن الحركة


143

تضر بالدابة بخلاف السفينة

( وإلا ) أي وإن لم يمكن أي يسهل ذلك كأن كان على سرج أو قتب ( فالأصح إنه إن سهل الإستقبال ) بأن تكون الدابة واقفة وأمكن انحرافه عليها أو تحريفها أو سائرة وبيده زمامها وهي سهلة ( وجب ) لتيسيره عليه ( وإلا ) أي وإن لم يسهل بأن كانت الدابة سائرة وهي مقطورة ولم يسهل انحرافه عليها أو جموح لا يسهل تحريفها ( فلا ) يجب للمشقة واختلال أمر السير عليه وقيل يجب عليه مطلقا فإن تعذر لم تصح صلاته وقيل لا يجب مطلقا لأن وجوبه يشوش عليه السير

( ويختص ) وجوب الاستقبال ( بالتحرم ) فلا يجب فيما عداه وإن سهل والفرق أن الانعقاد يحتاط له ما لا يحتاط لغيره لوقوع أول الصلاة بالشرط ثم يجعل ما بعده تابعا له ويدل لذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه رواه أبو داود بإسناد حسن كما قاله في المجموع

( وقيل يشترط في السلام أيضا ) لأنه آخر طرفي الصلاة فاشترط فيه ذلك كالتحرم والأصح المنع كما في سائر الأركان ولا يشترط فيما بينهما جزما

قال في المهمات وقضية كلام الشيخين فيما إذا كانت سهلة أنه لا يلزمه الاستقبال في غير التحرم أيضا وإن كانت واقفة وهو بعيد قال ابن الصباغ والقياس أنه مهما دام واقفا لا يصلي إلا إلى القبلة وهو متعين

وفي الكفاية عن الأصحاب أنه لو وقف لاستراحة وانتظار رفقة لزمه الاستقبال ما دام واقفا فإن سار أتم صلاته إلى جهة سفره إن كان سيره لأجل سير الرفقة وإن كان مختارا له بلا ضرورة لم يجز أن يسير حتى تنتهي صلاته لأنه بالوقوف لزمه فرض التوجه وفي شرح المهذب عن الحاوي نحوه اه

وما قاله كما قال شيخي ظاهر في الواقفة ولكن لا يلزمه بالوقوف إتمام التوجه لظاهر الحديث السابق

أما الماشية فلا يجب الاستقبال عليها في غير التحرم وإن سهل

أما ملاح السفينة وهو الذي يسيرها فلا يلزمه توجه لأن تكليفه ذلك يقطعه عن التنفل أو عمله بخلاف بقية من في السفينة فإنه يلزمهم ذلك وهذا ما صححه المصنف في التحقيق وغيره وإن صحح الرافعي في الشرح الصغير اللزوم

( ويحرم انحرافه عن ) صوب ( طريقه ) لأنه بدل عن القبلة ( إلا إلى القبلة ) لأنها الأصل حتى لو انحرف بركوبه مقلوبا عن صوب مقصده إلى القبلة لم يضر سواء أكانت القبلة خلفه أم لا خلافا لما وقع في الدميري من أنه يضر إذا كانت خلفه فإن انحرف إلى غيرها عالما مختارا بطلت صلاته وكذا النسيان أو خطأ طريق أو جماح دابة إن طال الزمن وإلا فلا ولكن يسجد للسهو لأن عمد ذلك مبطل وفعل الدابة منسوب إليه وهذا ما جزم به ابن الصباغ وصححاه في الجماح و الرافعي في الشرح الصغير في النسيان ونقله الخوارزمي فيه عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وقال الإسنوي تتعين الفتوى به

لكن المنصوص فيه كما في الروضة وأصلها أنه لا يسجد وصححه في المجموع وغيره

والمعتمد الأول ولو انحرفت الدابة بنفسها من غير جماح وهو غافل عنها ذاكرا للصلاة ففي الوسيط إن قصر الزمان لم تبطل وإلا فوجهان اه

قال شيخنا أوجههما البطلان

ولو أحرفه غيره قهرا بطلت وإن عاد عن قرب لندرته ولو كان لصوب مقصده طريقان أحدهما يستقبل فيه القبلة والآخر لا يستقبل فيه فسلكه فهل يشترط فيه أن يكون له غرض في سلوكه كما في مسافة القصر لم أر من ذكره والظاهر كما قال شيخي عدم الاشتراط والفرق بينهما أن النفل يتوسع فيه

( ويوميء ) أي يكفيه الإيماء ( بركوعه وسجوده ) ويكون سجوده ( أخفض ) من ركوعه وفي بعض النسخ وسجوده وجوبا إن أمكن تمييزا بينهما للاتباع

ولا يجب عليه وضع الجبهة على السرج ونحوه لما فيه من المشقة ولا أن ينحني غاية الوسع وذلك لما روى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته حيث توجهت به يوميء إيماء إلا الفرائض وفي حديث الترمذي في صلاته صلى الله عليه وسلم على الراحلة بالإيماء يجعل السجود أخفض من الركوع

( والأظهر أن الماشي يتم ) وجوبا ( ركوعه وسجوده ويستقبل فيهما


144

وفي إحرامه ) وجلوسه بين سجدتيه لسهولته عليه بالمكث

والثاني يكفيه أن يوميء بالركوع والسجود كالراكب

ولا يلزمه الاستقبال فيهما ويلزمه في الإحرام على الأصح ولا يلزمه على القولين في السلام

( و ) الأظهر أنه ( لا يمشي ) أي يحرم عليه المشي ( إلا في قيامه ) الشامل لاعتداله ( وتشهده ) ولو التشهد الأول فلا يجوز له أن يمشي في غيرهما كجلوسه بين السجدتين

والثاني لا يمشي إلا في القيام فقط

والثالث لا يشترط اللبث بالأرض في شيء ويؤمىء بالركوع والسجود كالراكب

فإن قيل قيام الاعتدال ركن قصير فلم جوز تم فيه المشي دون الجلوس بين السجدتين أجيب بأن مشى القائم سهل فسقط عنه التوجه فيه ليمشي فيه شيئا من سفره قدر ما يأتي بالذكر المسنون فيه ومشي الجالس لا يمكن إلا بالقيام وهو غير جائز فلزمه التوجه فيه ولو بلغ المسافر المحط الذي ينقطع به السير أو بلغ طرف بنيان بلد تلزم الإقامة به أو نوى وهو مستقل ماكث بمحل الإقامة به وإن لم يصلح لها لزمه أن ينزل عن دابته إن لم يستقر في نحو هودج ولم يمكنه أن يتمها مستقبلا وهي واقفة لانقطاع سفره الذي هو سبب الرخصة بخلاف المار بذلك ولو بقرية له فيها أهل فلا يلزمه النزول

فالشرط في جواز التنفل راكبا وماشيا دوام السفر والمسير فلو نزل في أثناء صلاته لزمه أن يتمها للقبلة قبل ركوبه

فإن ركب قبل ذلك أو ابتدأها وهو نازل للقبلة ثم ركب قبل أن يتمها بطلت صلاته إلا أن يضطر إلى الركوب

وله العدو وركض الدابة في صلاته لحاجة تتعلق بسفره كخوف تخلفه عن الرفقة

فإن فعل ذلك بلا حاجة أو لحاجة لا تتعلق بالسفر كصيد يريد إمساكه بطلت صلاته وإن كان ظاهر كلام ابن المقري في الثانية أنها لا تبطل

ولو بالت أو راثت دابته أو أوطأها نجاسة لم يضر لأنه لم يلاقها نعم قال صاحب العباب لو دمي الدابة وعنانها بيده ضر اه

وينبغي أن يلحق بذلك كل نجاسة اتصلت بالدابة وعنانها بيده أخذا من مسألة مسك الحبل المتصل بساجور الكلب وهذا ظاهر إذا صلى عليها وهي واقفة فإن كانت سائرة لم يضر لأن الحاجة تدعو إلى ذلك

أما الماشي فتبطل صلاته إن وطيء نجاسة عمدا ولو يابسة وإن لم يجد معدلا عن النجاسة كما جزم به ابن المقري وهو مقتضى كلام التحقيق بخلاف ما لو وطئها ناسيا وهي يابسة للجهل بها مع مفارقته لها حالا فأشبهت ما لو وقعت عليه فنحاها في الحال وهي يابسة أو رطبة وهي معفو عنها كذرق طير عمت به البلوى كما جزم به ابن المقري أيضا

ولا يكلف التحفظ والاحتياط في المشي لأن تكليفه يشوش عليه غرض السير

( ولو صلى ) مميز ( فرضا على دابة واستقبل وأتم ركوعه وسجوده ) وسائر أركانه بأن كان في نحو هودج ( وهي واقفة ) وإن لم تكن معقولة أو على سرير يحمله رجال وإن مشوا وفي أرجوحة وفي الزورق الجاري ( جاز ) وقيد في المحرر والتنبيه الدابة بالمعقولة

قال المصنف في الدقائق الصواب حذفه

( أو سائر فلا ) يجوز لأن سيرها منسوب إليه بدليل جواز الطواف عليها

وفرق المتولي بينها وبين الرجال السائرين بالسرير بأن الدابة لا تكاد تثبت على حالة واحدة فلا تراعى الجهة بخلاف الرجال قال حتى لو كان للدابة من يلزم لجامها ويسيرها بحيث لا تختلف الجهة جاز ذلك

ويؤخذ منه أنه لو كان الحامل للسرير غير مميز كمجنون لم يصح لما ذكر وشملت عبارته الصلاة المنذورة وصلاة الجنازة لسلوكهم بالأول مسلك واجب الشرع ولأن الركن الأعظم في الثانية القيام وفعلها على الدابة السائرة يمحو صورتها فإن فرض إتمامها عليها فكذلك كما اقتضاه كلامهم خلافا لما صرح به الإمام من الجواز وصوبه الإسنوي لأن الرخصة في النفل إنما كانت لكثرته وتكرره وهذه نادرة

ولا يجوز لمن يصلي فرضا في سفينة ترك القيام إلا من عذر كدوران رأس ونحوه فإن حولتها الريح فتحول صدره عن القبلة وجب رده إليها ويبني إن عاد فورا وإلا بطلت صلاته

ويصلي المصلوب أو الغريق ونحوه حيث توجه للضرورة ويعيد

( ومن صلى ) فرضا أو نفلا ( في الكعبة واستقبل جدارها أو بابها مردودا أو مفتوحا مع ارتفاع عتبته ثلثي ذراع ) بذراع الآدمي تقريبا ( أو ) صلى ( على سطحها ) أو في عرصتها إذا انهدمت والعياذ بالله تعالى

( مستقبلا من بنائها


145

ما سبق ) وهو قدر ثلثي ذراع أو استقبل شاخصا كذلك متصلا بالكعبة وإن لم يكن منها كشجرة نابتة وعصا مسمرة أو مبنية وإن لم يكن قدر قامته طولا وعرضا

( جاز ) أي ما صلاه لأنه متوجه إلى جزء من الكعبة أو إلى ما هو كالجزء منها وإن خرج بعضه عن محاذاة الشاخص لأنه مواجه ببعضه جزءا وبباقيه هواء الكعبة بخلاف ما إذا كان الشاخص أقل من ثلثي ذراع فلا تصح الصلاة إليه لأنه سترة المصلي فاعتبر فيها قدرها لأنه صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال كمؤخرة الرحل رواه مسلم

وظاهر كلامهم أنه لو استقبل الشاخص المذكور في حال قيامه دون بقية صلاته كأن استقبل خشبة عرضها ثلثا ذراع معترضة في باب الكعبة تحاذي صدره في حال قيامه دون بقية صلاته أنها تصح وفي ذلك وقفة بل الذي ينبغي أنها لا تصح في هذه الحالة إلا على الجنازة لأنه مستقبل في جميع صلاته بخلاف غيرها لأنه في حال سجوده غير مستقبل لشيء منها

ولو أزيل هذا الشاخص في أثناء صلاته لم يضر لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء وبخلاف ما إذا صلى إلى متاع موضوع أو زرع نابت أو خشبة مغروزة فيها لم تصح صلاته لأن ذلك ليس كالجزء منها

فإن قيل قد عدوا الأوتاد المغروزة من الدار بدليل دخولها في بيع الدار فلم لم يعدوا العصا المغروزة في الكعبة منها أجيب بأن العادة جرت بغرز الأوتاد في الدار للمصلحة فعدت من الدار لذلك ولو وقف خارج العرصة ولو على جبل أجزأه ولو بغير شاخص لأنه يعد متوجها إليها بخلاف المصلي فيها والغرض في القبلة إصابة العين في القرب يقينا وفي البعد ظنا فلا يكفي إصابة الجهة للأدلة السابقة أول الفصل

فلو خرج عن محاذاة الكعبة ببعض بدنه بأن وقف بطرفها وخرج عنه ببعضه بطلت صلاته

ولو امتد صف طويل بقرب الكعبة وخرج بعضهم عن المحاذاة بطلت صلاته لأنه ليس مستقبلا لها ولا شك أنهم إذا بعدوا عنها حاذوها وصحت صلاتهم وإن طال الصف لأن صغير الحجم كلما زاد بعده زادت محاذاته كغرض الرماة واستشكل بأن ذلك إنما يحصل مع الانحراف

ولو استقبل الركن صح كما قاله الأذرعي لأنه مستقبل البناء المجاور للركن وإن كان بعض بدنه خارجا عن الركن من الجانبين بخلاف ما لو استقبل الحجر بكسر الحاء فقط لأنه لا يكفي لأن كونه من البيت مظنون لا مقطوع به لأنه إنما ثبت بالآحاد

ولو استدبر الكعبة ناسيا وطال الزمن بطلت صلاته لمنافاة ذلك لها بخلاف ما إذا قصر أو أميل عنها قهرا بطلت صلاته وإن قصر الزمن

وصلاة النفل في الكعبة أفضل منه خارجها وكذا الفرض إن لم ترج جماعة خارجها فإن رجيت فخارجها أفضل لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكانها كالجماعة ببيته فإنها أفضل من الانفراد في المسجد وكالنافلة ببيته فإنها أفضل منها في المسجد وإن كان المسجد أفضل منه وإنما لم يراع خلاف من قال بعدم صحة الصلاة في الكعبة لعدم احترامه بمخالفته لسنة صحيحة فإنه صلى الله عليه وسلم صلى فيها

( ومن أمكنه علم القبلة ) بأن كان بحضرة البيت أو بمكة ولا حائل أو على جبل أبي قبيس أو على سطح بحيث يعاينها وشك فيها لظلمة أو غيرها لم يعمل بغير علمه و ( حرم عليه التقليد ) أي الأخذ بقول مجتهد ( والاجتهاد ) أي العمل به كالحاكم يجد النص وكذا يحرم عليه الأخذ بخبر الغير كما يعلم مما سيأتي

ولو عبر المصنف بقوله حرم عليه الرجوع إلى غيره لشمله فإن قبول قول المخبر ليس تقليدا

ولو بنى محرابه على العيان صلى إليه أبدا ولا يحتاج في كل صلاة إلى المعاينة وكذا لو صلى بالمعاينة لا يحتاج إليها في كل صلاة

وفي معنى المعاين من نشأ بمكة وتيقن إصابة القبلة وإن لم يعاينها حين يصلي

ولو حال بين الحاضر بمكة وبين الكعبة حائل خلقي كجبل أو حادث كبناء جاز له أن يجتهد للمشقة في تكليف المعاينة كما ذكره في التحقيق ومحله إذا كان لحاجة فإن بنى حائلا منع المشاهدة بلا حاجة لم تصح صلاته بالاجتهاد لتفريطه ومحله أيضا عند فقد المخبر عن علم فإن وجب فهو مقدم على الاجتهاد كما سيأتي

ولا يجوز له الاجتهاد في محاريب المسلمين ومحاريب معظم طريقهم وقراهم القديمة إن نشأ بها قرون من المسلمين وإن صغرت وخربت إن سلمت من الطعن لأنها لم تنصب إلا بحضرة جمع من أهل المعرفة بالأدلة فجرى ذلك مجرى الخبر عن علم إلا تيامنا وتياسرا فيجوز إذ لا يبعد الخطأ فيهما بخلافه في الجهة

ولا يجوز ذلك في محراب النبي صلى الله عليه وسلم ومساجده التي صلى فيها إن علمت لأنه لا يقر صلى الله عليه وسلم


146

على خطأ فلو تخيل حاذق فيها يمنة أو يسرة فخياله باطل

ومحاريبه كل ما ثبتت صلاته فيه إذ لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم هذا المحراب الذي هو الطاق المعروف

والمحراب لغة صدر المجلس سمي به لأن المصلي يحارب فيه الشيطان

وألحق بعض الأصحاب قبلة البصرة والكوفة بموضع صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم لنصب الصحابة لهما

ويجوز الاجتهاد في خربة أمكن أن يكون بناها الكفار وكذا في طريق يندر مرور المسلمين بها أو يستوي مرور الفريقين بها

( وإلا ) أي وإن لم يمكنه علم القبلة بشيء مما ذكر ( أخذ ) وجوبا ( بقول ثقة ) بصير مقبول الرواية ولو عبدا أو امرأة ( يخبر عن علم ) بالقبلة أو المحراب المعتمد

ولا يجوز له الاجتهاد ويجب عليه السؤال عمن يخبره بذلك عند الحاجة إليه

فإن قيل قد يشكل هذا بما تقدم من أن من بمكة وبينه وبين القبلة حائل لا يكلف الصعود

أجيب بأن السؤال لا مشقة فيه بخلاف الصعود فإن فرض أن عليه في السؤال مشقة لبعد المكان أو نحوه كان الحكم فيها كما في تلك نبه على ذلك الزركشي

وخرج بمقبول الرواية غيره كفاسق وصبي مميز وكافر

ويعتمد الأعمى ومن في ظلمة المحراب بالمس وإن لم يرياه قبل ذلك كما يعتمده البصير الذي ليس في ظلمة بالمشاهدة

تنبيه قد علم من عدم جواز الاجتهاد مع القدرة على الخبر عدم جواز الأخذ بالخبر مع القدرة على اليقين وهو كذلك فلا يجوز للأعمى ولا لمن هو في ليلة مظلمة الأخذ به مع القدرة على اليقين باللمس نبه على ذلك شيخنا

نعم إن حصل له بذلك مشقة جاز له الأخذ بقول ثقة يخبر عن علم كما يؤخذ من الجواب المتقدم

( فإن فقد ) ما ذكر ( وأمكن الاجتهاد ) بأن كان بصيرا يعرف أدلة القبلة وهي كثيرة أضعفها الرياح لاختلافها وأقواها القطب قالا وهو نجم صغير في بنات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي وكأنهما سمياه نجما لمجاورته له وإلا فهو كما قال السبكي وغيره ليس نجما بل نقطة تدور عليها هذه الكواكب بقرب النجم ويختلف باختلاف الأقاليم ففي العراق يجعله المصلي خلف أذنه اليمنى وفي مصر خلف اليسرى وفي اليمن قبالته مما يلي جانبه الأيسر وفي الشام وراءه وقيل ينحرف بدمشق وما قاربها إلى الشرق قليلا

( حرم ) عليه ( التقليد ) وهو قبول قول المخبر عن اجتهاد لأن المجتهد لا يقلد مجتهدا ووجب عليه الاجتهاد إلا إن ضاق الوقت عنه فالأصح أنه لا يجتهد ويصلي على حسب حاله ويعيد وجوبا

( فإن تحير ) المجتهد فلم يظهر له شيء لنحو تعارض أدلة أو غيم أو ظلمة ( لم يقلد في الأظهر ) لأنه مجتهد وقد يزول التحير عن قرب ( وصلى كيف كان ) لحرمة الوقت ( ويقضي ) وجوبا لأنه نادر والثاني يقلد ولا يقضي لأنه الآن عاجز عن معرفة الصواب فأشبه الأعمى

قال الإمام ومحل الخلاف عند ضيق الوقت أما قبله فيمتنع التقليد قطعا

قال في شرح الوسيط وما قاله الإمام شاذ والمشهور التعميم

( ويجب تجديد الاجتهاد ) أو التقليد في نحو الأعمى ( لكل صلاة ) مفروضة عينية ولو منذورة أو قضاء ( تحضر على الصحيح ) وعبر في الروضة بالأصح إن لم يكن ذاكرا للدليل الأول سعيا في إصابة الحق لتأكد الظن عند الموافقة وقوة الثاني عند المخالفة لأنها لا تكون إلا عن أمارة أقوى والأقوى أقرب إلى اليقين والثاني لا يجب لأن الأصل استمرار الظن الأول

أما إذا كان ذاكرا لدليله الأول فلا يجب عليه تجديد الاجتهاد قطعا ولا يجب للنافلة جزما ومثلها صلاة الجنازة كما في التيمم

وعبارته شاملة لكل صلاة فلو عبر بالمفروضة العينية كما قدرته لسلم من ذلك

( ومن عجز ) بفتح الجيم أفصح من كسرها ( عن الاجتهاد في ) الكعبة ( و ) عن ( تعلم الأدلة كأعمى ) البصر أو البصيرة ( قلد ) وجوبا ( ثقة ) ولو عبدا أو امرأة ( عارفا ) بالأدلة لقوله تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بخلاف الفاسق والمميز وغير العارف فإن صلى بلا تقليد قضى وإن صادف القبلة بخلاف ما صلاه بالتقليد إذا صادف القبلة أو لم يتبين له الحال ويعيد فيه السؤال لكل فريضة تحضر على الخلاف المتقدم في تجديد الاجتهاد كما ذكره في الكفاية فإن اختلف عليه مجتهدان قلد أعلمهما ندبا كما في الشرح الكبير للرافعي ووجوبا


147

كما في الصغير له قال بعض المتأخرين وهو الأشبه ونقله في الكفاية عن نص الأم

فإن استويا تخير وقيل يصلي مرتين

( وإن قدر ) المكلف على تعلم الأدلة ( فالأصح وجوب التعلم ) عند إرادة السفر لعموم حاجة المسافر إليها وكثرة الاشتباه عليه بخلافه في الحضر ففرض كفاية إذ لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم ثم السلف بعده ألزموا آحاد الناس تعلمها بخلاف شروط الصلاة وأركانها

وما قررت به كلام المصنف وهو ما صححه في بقية كتبه وهو المعتمد وإن كان ظاهره هنا الإطلاق بل قال السبكي محله في السفر الذي يقل فيه العارفون بأدلتها دون ما يكثر فيه كركب الحجيج فهو كالحضر وهو تقييد حسن

( فيحرم ) عليه ( التقليد ) ضاق الوقت عن التعلم أو اتسع فإن ضاق صلى كيف كان ووجبت عليه الإعادة والثاني لا يجب عليه التعلم بخصوصه بل هو فرض كفاية فيجوز له التقليد ولا يقضي ما يصليه به

( ومن صلى بالاجتهاد ) منه أو من مقلده ( فتيقن الخطأ ) في جهة أو تيامن أو تياسر معينا قبل الوقت أو فيه أعاد أو بعده ( قضى ) وجوبا ( في الأظهر ) وإن لم يظهر له الصواب لتيقنه الخطأ فيما يؤمن مثله في العادة كالحاكم يحكم باجتهاده ثم يجب النص بخلافه

واحترزوا بقولهم فيما يؤمن مثله في العادة عن الأكل في الصوم ناسيا والخطأ في الوقوف بعرفة حيث لا تجب الإعادة لأنه لا يؤمن من مثله فيها

والثاني لا يقضي لأنه ترك القبلة بعذر فأشبه تركها في حال القتال ونقله الترمذي عن أكثر أهل العلم واختاره المزني

وخرج بتيقن الخطأ ظنه والمراد باليقين هنا ما يمنع الاجتهاد فيدخل فيه خبر الثقة عن معاينة وبمعين المبهم كما في الصلاة إلى جهات أربع باجتهادات فلا قضاء فيها كما سيأتي

( فلو تيقنه فيها ) أي الصلاة ( وجب استئنافها ) بناء على وجوب القضاء بعد الفراغ لعدم الاعتداد بما مضى وإلى هذا البناء أشار بقوله فلو وينحرف عن مقابله إلى جهة الصواب ويتمها إن ظهر له مع ذلك جهة الصواب لأن الماضي معتد به

ودخل في عبارته تيقن الخطأ يمنة أو يسرة وهو كذلك

( وإن تغير اجتهاده ) ثانيا فظهر له الصواب في جهة غير الجهة الأولى ( عمل بالثاني ) وجوبا إن ترجح سواء أكان في الصلاة أم لا لأنه الصواب في ظنه والخطأ فيه غير معين

( ولا قضاء ) لأن الاجتهاد لا ينقص بالاجتهاد

( حتى لو صلى ) صلاة ( أربع ركعات لأربع جهات بالاجتهاد ) أربع مرات بالشرط المتقدم ( فلا ) إعادة ولا ( قضاء ) لأن كل ركعة مؤداة باجتهاد ولم يتعين فيها الخطأ

فإن استويا ولم يكن في صلاة تخير بينهما إذ لا مزية لأحدهما على الآخر

وإن كان فيهما عمل بالأول وجوبا كما نقله في أصل الروضة عن البغوي وصوبه الإسنوي خلافا لظاهر كلام المجموع من تصحيح وجوب العمل بالثاني ولو مع التساوي وفارق حكم التساوي قبلها بأنه هنا التزم بدخوله فيها جهة فلا يتحول إلابأرجح من أن التحول فعل أجنبي لا يناسب الصلاة فاحتيط لها وشرط العمل بالثاني في الصلاة أن يظن الصواب مقارنا لظهور الخطأ فإن لم يظنه مقارنا بطلت صلاته وإن قدر على الصواب على قرب لمضي جزء من صلاته إلى غير قبلة محسوبة

ولو طرأ على المجتهد في أثناء صلاته شك في جهة القبلة ولم يترجح له شيء من الجهات لم يؤثر كما نقله في المجموع عن نص الأم واتفاق الأصحاب

خاتمة لو اجتهد اثنان في القبلة واتفق اجتهادهما وصلى أحدهما بالآخر فتغير اجتهاد أحدهما لزمه الانحراف إلى الجهة الثانية وينوي المأموم المفارقة وإن اختلفا تيامنا وتياسرا والتغير المذكور عذر في مفارقة المأموم

ولو قيل لأعمى وهو في صلاته صلاتك إلى الشمس وهو يعلم أن قبلته غيرها استأنف لبطلان تقليد الأول بذلك

وإن أبصر وهو في أثنائها وعلم أنه للقبلة بخبر ثقة أو نجم أو محراب أو نحو ذلك أتمها أو على الخطأ أو تردد بطلت لانتفاء ظن الإصابة وإن ظن الصواب غير جهته انحرف إلى ما ظنه كما لو تغير اجتهاد البصير فيها

ولو قال مجتهد للمقلد وهو في صلاته أخطأ بك مقلدك والمجتهد الثاني عنده أعرف من الأول أو قال له أنت على الخطأ قطعا وإن لم يكن عنده أعرف من الأول وجب عليه أن يتحول إن بان له الصواب مقارنا للقول بأن أخبر به وبالخطأ معا لبطلان تقليد الأول بقول من هو


148

أرجح منه في الأولى وبقطع القاطع في الثانية فلو كان الأول في الثانية أيضا قطع بأن الصواب ما ذكره ولم يكن الثاني أعلم لم يؤثر فإن لم يتبين له الصواب مقارنا بطلت صلاته وإن بان له الصواب عن قرب لما مر

باب صفة أي كيفية ( الصلاة )

وهي تشتمل على أركان وهي المذكورة هنا وعلى شروط وهي المذكورة في أول الباب الآتي وأبعاض وهي السنن المجبورة بسجود السهو وهيئات وهي السنن التي لا تجبر

والركن كالشرط في أنه لا بد منه ويفارقه في أن الشرط هو الذي يتقدم على الصلاة ويجب استمراره فيها كالطهر والستر

والركن ما تشتمل عليه الصلاة كالركوع والسجود فخرج بتعريف الشرط التروك كترك الكلام فليست بشروط كما صوبه في المجموع بل مبطلة للصلاة كقطع النية وقيل إنها شروط كما قاله الغزالي ووافقه ابن المقري كأصله في باب شرط الصلاة

ويشهد للأول أن الكلام اليسير ناسيا لا يضر ولو كان تركه من الشروط لضر

فإن قيل تعريف الشرط بما ذكر يخرج التوجه للقبلة عن كونه شرطا كما قاله ابن الرفعة لأنه إنما يعتبر في القيام والقعود مع أن المشهور أنه شرط

أجيب بأن التوجه إليها حاصل في غيرهما أيضا عرفا إذ يقال على المصلي حينئذ إنه توجه إليها لا منحرف عنها مع أن التوجه إليها ببعض مقدم بدنه حاصل حقيقة أيضا وذلك كاف

فائدة قد شبهت الصلاة بالإنسان فالركن كرأسه والشرط كحياته والبعض كأعضائه والهيئات كشعره

( أركانها ثلاثة عشر ) كذا في المحرر بجعل الطمأنينة كالهيئة التابعة

وجعلها في التنبيه ثمانية عشر فزاد الطمأنينة في الركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين ونية الخروج في الصلاة

وجعلها في التحقيق والروضة سبعة عشر لأن الأصح أن نية الخروج لا تجب

وجعلها في الحاوي الرابعة عشر فزاد الطمأنينة إلا أنه جعلها في الأركان الأربعة ركنا واحدا

والخلاف بينهم لفظي فمن لم يعد الطمأنينة ركنا جعلها في كل ركن كالجزء منه وكالهيئة التابعة له ويؤيده كلامهم في التقدم والتأخر بركن أو أكثر وبه يشعر خبر إذا قمت إلى الصلاة الآتي

ومن عدها أركانا فذاك لاستقلالها وصدق اسم السجود ونحوه بدونها وجعلت أركانا لتغايرها باختلاف محالها

ومن جعلها ركنا واحدا لكونها جنسا واحدا كما عدوا السجدتين ركنا لذلك

الأول ( النية ) لأنها واجبة في بعض الصلاة وهو أولها لا في جميعها فكانت ركنا كالتكبير والركوع

وقيل هي شرط لأنها عبارة عن قصد فعل الصلاة فتكون خارج الصلاة ولهذا قال الغزالي هي بالشرط أشبه

وتظهر فائدة الخلاف فيما لو افتتح النية مع مقارنة مفسد من نجاسة أو غيرها وتمت بلا مانع

إن قلنا إنها ركن لم تصح أو شرط صحت وفيها كلام للرافعي ذكرته مع زيادة في شرح التنبيه

والأصل فيها قوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين قال الماوردي والإخلاص في كلامهم النية وقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى وأجمعت الأمة على اعتبار النية في الصلاة وبدأ بها لأن الصلاة لا تنعقد إلا بها

( فإن صلى ) أي أراد أن يصلي ( فرضا ) ولو نذرا أو قضاء أو كفاية ( وجب قصد فعله ) بأن يقصد فعل الصلاة لتتميز عن سائر الأفعال وهي هنا ما عدا النية لأنها لا تنوى للزوم التسلسل في ذلك ولأن ما كان من الأعمال حصول صورته كاف في حصول مصلحته لم يفتقر إلى نية والنية كذلك لأن المقصود منها شيئان تمييز العبادات عن العادات وتمييز رتب العبادات وذلك حاصل بحصولها من غير توقف على شيء آخر

( و ) وجب ( تعيينه ) من ظهر أو غيره ليمتاز عن سائر الصلوات قال في العباب وفي إجزاء نية صلاة يشرع التثويب في أذانها القنوت فيها أبدا عن نية الصبح تردد اه

وينبغي الاكتفاء وتقدم الكلام على النية في باب الوضوء

ولو عبر بقوله قصد فعلها وتعيينها لكان أولى واستغنى عما قدرته تبعا للشارح فالمراد قصد فعل الفرض من حيث كونه صلاة


149

لا من حيث كونه فرضا وإلا لتضمن قصد الفرضية فإن من قصد فعل الفرض فقد قصد الفرضية لا شك فلا يحسن بعد ذلك قوله ( والأصح وجوب نية الفرضية ) لأنه معنى الأول وإنما وجبت نية الفرضية مع ما ذكر الصادق بالصلاة المعادة ليتعين بنية الفرض للصلاة الأصلية وفي المعادة خلاف في نية الفرضية كما سيأتي إن شاء الله تعالى في صلاة الجماعة

والثاني لا تجب لأن ما يعينه ينصرف إليها بدون هذه النية بخلاف المعادة فلا ينصرف إليها إلا بقصد الإعادة

وعلى الأول تكفي نية النذر في المنذور عن نية الفرضية كما قاله في الذخائر ولا تجب في صلاة الصبي كما صححه في التحقيق وصوبه في المجموع خلافا لما في الروضة وأصلها لأن صلاته تقع نفلا فكيف ينوي الفرضية

فائدة العبادات المشروط فيها النية في وجوب التعرض للفرض خمسة أقسام الأول يشترط بلا خلاف كالزكاة هكذا في الدميري وليس كذلك لأن نية الفرضية في المال ليست بشرط لأن الزكاة لا تقع إلا فرضا وبه فارقت ما لو نوى صلاة الظهر

الثاني عكسه كالحج والعمرة

الثالث يشترط على الأصح كالصلاة

الرابع عكسه كصوم رمضان على ما في المجموع من عدم الاشتراط

الخامس عبادة لا يكفي فيها ذلك بل يضر وهي التيمم فإنه إذا نوى فرضه لم يكف

( دون الإضافة إلى الله تعالى ) فلا تجب لأن العبادة لا تكون إلا له تعالى وقيل تجب ليتحقق معنى الإخلاص وعلى الأول تستحب لذلك

قال الدميري وفي تصوير عدم الإضافة إلى الله تعالى إشكال فإن فعل الفرض لا يكون إلا لله فلا ينفك قصد الفرضية عن نية الإضافة إلى الله تعالى اه

ولا تجب نية استقبال القبلة ولا عدد الركعات في الأصح فيهما ولكن تسن خروجا من الخلاف ولو غير العدد كأن نوى الظهر ثلاثا أو خمسا لم ينعقد وفرضه الرافعي في العالم وقضيته أنه لا يضر في الغلط ومقتضى قولهم أن ما وجب التعرض له جملة يضر الخطأ فيه أنه يضر لأن الظهر يشتمل على العدد جملة فيضر الخطأ فيه وهذا هو الظاهر

( و ) الأصح ( أنه يصح الأداء بنية القضاء ) عند جهل الوقت بغيم أو نحوه كأن ظن خروج الوقت فصلاها قضاء فبان بقاؤه

( وعكسه ) كأن ظن بقاء الوقت فصلاها أداء فبان خروجه لاستعمال كل بمعنى الآخر تقول قضيت الدين وأديته بمعنى واحد قال تعالى فإذا قضيتم مناسككم أي أديتم

والثاني لا يصح بل يشترطان ليتميز كل منهما عن الآخر كما في الظهر والعصر

وعلى الأول يسن لذلك أما إذا فعل ذلك عالما فلا تصح صلاته قطعا لتلاعبه كما نقله في المجموع عن تصريحهم

نعم إن قصد بذلك المعنى اللغوي لم يضر كما قاله في الأنوار وقيل يشترط التعرض لنية القضاء دو الأداء لأن الأداء يتميز بالوقت بخلاف القضاء وقيل إن كان عليه فائتة مثلها اشترط التعرض لنية الأداء وإلا فلا يشترط التعرض للوقت فلو عين اليوم وأخطأ قال البغوي و المتولي صح في الأداء لأن معرفته بالوقت المتعين للفعل بالشروع فلغا خطؤه فيه ولا تصح في القضاء لأن وقت الفعل غير متعين له بالشروع ولم ينو قضاء ما عليه

وقضية كلام أصل الروضة في التيمم الصحة مطلقا وهو الظاهر

ومن عليه فوائت لا يشترط أن ينوي ظهر يوم كذا بل يكفيه نية الظهر أو العصر أو الفائتة إن شرطنا نية القضاء

( والنفل ذون الوقت أو ) ذو ( السبب كالفرض فيما سبق ) من اشتراط قصد فعل الصلاة وتعيينها كصلاة الكسوف أو الاستسقاء أو عيد الفطر والأضحى أو راتبة العشاء

قال في المجموع كسنة الظهر التي قبلها أو التي بعدها وتبعه السبكي

ووجهه أن تعيينها إنما يحصل بذلك لاشتراكها في الاسم والوقت وإن لم يؤخر المقدمة كما يجب تعيين الظهر لئلا يلتبس بالعصر وكما يجب تعيين عيد الفطر عن الأضحى لئلا يلتبس به فاندفع ما قيل إن محل هذا إذا أخر المقدمة عن الفرض

وقال ابن عبد السلام ينبغي في صلاة العيد أن لا يجب التعرض لكونه فطرا أو نحرا لاستوائهما في جميع الصفات فيلتحق بالكفارات بخلاف الكسوف والخسوف لاختلافهما بالجهر والإسرار

والوتر صلاة مستقلة فلا يضاف إلى العشاء فإن أوتر بواحدة أو بأكثر ووصل نوى الوتر وإن فصل نوى بالواحدة الوتر ويتخير في غيرها بين نية صلاة الليل ومقدمة الوتر وسنته وهي أولى أو ركعتين من الوتر على الأصح

قال الإسنوي


150

ومحل ذلك إذا نوى عددا فإن لم ينو فهل يلغو لإبهامه أو يصح ويحمل على ركعة لأنه المتيقن أو ثلاث لأنها أفضل كنية الصلاة فإنها تنعقد ركعتين مع صحة الركعة أو إحدى عشرة لأن الوتر له غاية فحملنا الإطلاق عليها بخلاف الصلاة فيه نظر اه

والظاهر كما قال شيخنا أنه يصح ويحمل على ما يريده من ركعة إلى إحدى عشرة وترا

ويستثنى من ذوات السبب تحية المسجد وركعتا الوضوء والإحرام والاستخارة فيكفي فيها نية فعلها كما في الكفاية في الأولى والإحياء في الثانية وقياسا عليها في الثالثة والرابعة كما بحثه بعضهم وإن قال في الكفاية إن المنقول في الثالثة أنه لا يكفي

( وفي ) أصل المصنف كذلك لكنه كشط الألف واللام وصحح عليه لأن فيهما إيهام اشتراطها

وقد صوب في الروضة والمجموع الجزم بخلافه وقال هنا ( قلت الصحيح لا تشترط نية النفلية والله أعلم ) لأن النفلية ملازمة للنفل بخلاف الظهر ونحوها فإنها قد تكون فرضا وقد لا تكون بدليل المعادة وصلاة الصبي كما سبق

وفي اشتراط نية الأداء والقضاء والإضافة إلى الله تعالى الخلاف السابق

( ويكفي في النفل المطلق ) وهو الذي لا يتقيد بوقت ولا سبب ( نية فعل الصلاة ) لأن النفل أدنى درجات الصلاة فإذا قصدها وجب حصوله

ولم يذكروا هنا خلافا في اشتراط نية النفلية ويمكن مجيئه كما قال الرافعي ومجيء الخلاف في الإضافة إلى الله تعالى

( والنية بالقلب ) بالإجماع لأنها القصد فلا يكفي النطق مع غفلة القلب بالإجماع

ونبه بذلك هنا على جميع الأبواب فإنه لم يذكره إلا هنا ولا يضر النطق بخصف ما في القلب كأن قصد الصبح وسبق لسانه إلى الظهر

( ويندب النطق ) بالمنوي ( قبل التكبير ) ليساعد اللسان القلب ولأنه أبعد عن الوسواس

قال الأذرعي ولا دليل للندب اه

وهو ممنوع بل قيل بوجوب التلفظ بالنية في كل عبادة ولو عقب النية بلفظ إن شاء الله أو نواها وقصد بذلك التبرك أو أن الفعل واقع بالمشيئة لم يضر أو التعليق أو أطلق لم يصح للمنافاة

ولو قلب المصلي صلاته التي هو فيها صلاة أخرى عالما عامدا بطلت صلاته أو أتى بما ينافي الفرض دون النفل كأن أحرم القادر بالفرض قاعدا أو أحرم به الشخص قبل الوقت عامدا عالما بذلك لم تنعقد صلاته لتلاعبه

فإن كان معذورا كمن ظن دخول الوقت فأحرم بالفرض أو قلبه نفلا مطلقا ليدرك جماعة مشروعة وهو منفرد فسلم من ركعتين ليدركها أو ركع المسبوق قبل تمام التكبير جاهلا انقلبت نفلا للعذر إذ لا يلزم من بطلان الخصوص بطلان العموم

وخرج بذلك ما لو قلبها نفلا معينا كركعتي الضحى فلا تصح لافتقاره إلى التعيين وما إذا لم تشرع الجماعة كما لو كان يصلي الظهر فوجد من يصلي العصر فلا يجوز القطع كما ذكره في المجموع في بابها وما لو علم أنه أحرم قبل الوقت في أثناء صلاته فإنه لا يتمها لتبين بطلانها وإنما وقعت له نافلة لقيام العذر كمن صلى بالاجتهاد لغير القبلة ثم تبين له الحال فإن كان ذلك بعد الفراغ منها وقعت له نافلة وإن كان في أثنائها بطلت كما مر ولا يجوز له أن يستمر فيها

فروع لو قال شخص لآخر صل فرضك ولك علي دينارا فصلى بهذه النية لم يستحق الدينار وأجزأه صلاته ولو نوى الصلاة ودفع الغريم صحت صلاته لأن دفعه حاصل وإن لم ينوه بخلاف ما لو نوى بصلاته فرضا ونفلا غير نحو تحية المسجد لتشريكه بين عبادتين لا تندرج إحداهما في الأخرى ولو قال أصلي لثواب الله تعالى أو للهرب من عقابه صحت صلاته خلافا للفخر الرازي

( الثاني ) من الأركان ( تكبيرة الإحرام ) في القيام أو بدله لحديث أبي داود والترمذي بإسناد صحيح مفتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم وحديث المسيء صلاته إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها رواه الشيخان وفي رواية للبخاري ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تستوي قائما ثم افعل ذلك في صلاتك كلها

وفي صحيح ابن حبان بدل


151

قوله حتى تعتدل قائما حتى تطمئن قائما

فائدة إنما سميت هذه التكبيرة بتكبيرة الإحرام لأنه يحرم بها على المصلي ما كان حلالا له قبلها من مفسدات الصلاة كالأكل والشرب والكلام ونحو ذلك

( ويتعين ) فيها ( على القادر ) على النطق بها ( الله أكبر ) لأنه المأثور من فعله صلى الله عليه وسلم مع رواية البخاري صلوا كما رأيتموني أصلي

فإن قيل الأقوال لا ترى فكيف يستدل بذلك أجيب بأن المراد بالرؤية العلم أي كما علمتموني أصلي فلا يجزيء الله الكبير لفوات مدلول أفعل وهو التفضيل وكذا الرحمن أو الرحيم أكبر عن الأصح ولو قال الرحمن أجل أو الرب أعظم لم يجز قطعا لفوات اللفظين معا

( ولا تضر زيادة لا تمنع الاسم ) أي اسم التكبير ( كالله الأكبر ) بزيادة اللام لأنه لفظ يدل على التكبير وعلى زيادة مبالغة في التعظيم وهو الإشعار بالتخصيص فصار كقوله الله أكبر من كل شيء إذ معنى الله أكبر أي من كل شيء

( وكذا ) لا يضر الله أكبر وأجل أو ( الله الجليل أكبر في الأصح ) وكذا كل صفة من صفاته تعالى إذا لم يطل بها الفصل كقوله الله عز وجل أكبر لبقاء النظم والمعنى بخلاف ما لو تخلل غير صفاته تعالى كقوله الله هو الأكبر أو طالت صفاته تعالى ك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس أكبر أو طال سكوته بين كلمتي التكبير أو زاد حرفا فيه يغير المعنى كمدة همزة الله وألف بعد الباء أو زاد واوا ساكنة أو متحركة بين الكلمتين أو زادها قبل الكلمتين كما في فتاوى القفال

ولو شدد الباء من أكبر ففي فتاوى ابن رزين أنها لا تنعقد ووجهه واضح لأنه لا يمكن تشديدها إلا بتحريك الكاف لأن الباء المدغمة ساكنة والكاف ساكنة ولا يمكن النطق بهما وإذا حركت تغير المعنى لأنه يصير أكبر

ونقل عنه شيخنا أنه قال لو شدد الراء بطلت صلاته واعترض عليه بأن الوجه خلافه ولعل النقل اختلف عنه

ولو لم يجزم الراء من أكبر لم يضر خلافا لما اقتضاه كلام ابن يونس في شرح التنبيه واستدل له الدميري بقوله صلى الله عليه وسلم التكبير جزم اه

قال الحافظ ابن حجر إن هذا لا أصل له وإنما هو قول النخعي نبه على ذلك في تخريج أحاديث الرافعي

وعلى تقدير وجوده فمعناه عدم التردد فيه

والثاني تضر الزيادة فيه بالصفات المذكورة لاستقلالها بخلاف الله أكبر وعلى الأول الاقتصار على الله أكبر أولى اتباعا للسنة وللخروج من الخلاف

( لا أكبر الله ) فإنه يضر ( على الصحيح ) لأنه لا يسمى تكبيرا بخلاف عليكم السلام آخر الصلاة كما سيأتي لأنه يسمى سلاما والثاني لا يضر لأن تقديم الخبر جائز

فائدة همزة الجلالة همزة وصل فلو قال المصلي مأموما الله أكبر بحذف همزة الجلالة صح كما جزم به في المجموع لكنه خلاف الأولى

والحكمة في افتتاح الصلاة بالتكبير كما ذكره القاضي عياض استحضار المصلي عظمة من تهيأ لخدمته والوقوف بين يديه ليمتلىء هيبة فيحضر قلبه ويخشع ولا يعبث

ويجب أن يكبر قائما حيث يلزمه القيام لظاهر الخبر السابق وأن يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع لا عارض عنده من لغط أو غيره

ويسن أن لا يقصره بحيث لا يفهم وأن لا يمططه بأن يبالغ في مده بل يأتي به مبينا والإسراع به أولى من مده لئلا تزول النية وبخلاف تكبير الانتقالات لئلا يخلو باقيها عن الذكر وأن يجهر بتكبيرة الإحرام وتكبيرات الانتقال الإمام ليسمع المأمومين فيعلموا صلاته بخلاف غيره من مأموم ومنفرد فالسنة في حقه الإسرار

نعم إن لم يبلغ صوت الإمام جميع المأمومين

جهر بعضهم واحد أو أكثر بحسب الحاجة ليبلغ عنه لخبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم صلى في مرضه بالناس وأبو بكر رضي الله عنه يسمعهم التكبيرة

ولو كبر للإحرام تكبيرات ناويا بكل منها الافتتاح دخل في الصلاة بالأوتار وخرج منها بالأشفاع لأن من افتتح صلاة ثم نوى افتتاح صلاة بطلت صلاته هذا إن لم ينو بين كل تكبيرتين خروجا أو افتتاحا وإلا فيخرج بالنية ويدخل بالتكبير فإن لم ينو بغير التكبيرة الأولى شيئا لم يضر لأنه ذكر

ومحل ما ذكر مع العمد كما قاله ابن الرفعة أما مع السهو فلا بطلان

( ومن عجز ) وهو ناطق عن النطق بالتكبير بالعربية ولم يمكنه التعلم في الوقت ( ترجم ) لأنه لا إعجاز فيه والأصح أنه يأتي بمدلول التكبير بأي لغة شاء وقيل إن عرفه بالسريانية أو العبرانية تعينت لشرفها


152

بإنزال بعض كتب الله تعالى بها

وبعدهما الفارسية أولى من التركية والهندية وانفرد أبو حنيفة بجواز الترجمة للقادر

( ووجب التعلم إن قدر ) عليه ولو بسفر إلى بلد آخر في الأصح لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب

وقيل لا يلزمه السفر كما لا يلزمه ذلك عند عدم الماء ليتوضأ

وفرق الأول بأن هذا تعلم كلمة واحدة ينتفع بها طول عمره بخلاف الماء وبعد التعلم لا يجب عليه فضاء ما صلاه بالترجمة قبله إلا أن يكون أخر مع التمكن منه فإنه لا بد من صلاته بالترجمة عند ضيق الوقت لحرمته ويجب القضاء لتفريطه بالتأخير وهذه الأحكام جارية فيما عدا القرآن من الواجبات

فائدة ترجمة التكبير بالفارسية خداي بزركتر فلا يكفي خداي بزرك لتركه التفضيل كالله كبير

ويلزم السيد أن يعلم غلامه العربية لأجل التكبير أو يخليه ليكتسب أجرة المعلم فلو لم يعلمه واستكسبه عصى بذلك

وأما العاجز لخرس فيجب عليه تحريك لسانه وشفتيه ولهاته بالتكبير قدر إمكانه

قال في المجموع وهكذا حكم تشهده وسلامه وسائر أذكاره

قال ابن الرفعة فإن عجز عن ذلك نواه بقلبه كما في المريض

( ويسن ) للمصلي ( رفع يديه في تكبيره ) للإحرام بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره ولو مضطجعا مستقبلا بكفيه القبلة مميلا أطراف أصابعهما نحوها كما قاله المحاملي وإن استغربه البلقيني مفرقا أصابعهما تفريقا وسطا كما في الروضة قال وإن في المجموع المشهور عدم التقييد به كاشفا لهما فالمراد باليدين هنا الكفان

ويرفعهما ( حذو ) بذال معجمة أي مقابل ( منكبيه ) لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة متفق عليه

قال في شرح مسلم وغيره معنى حذو منكبيه أن تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه وإبهاماه شحمتي أذنيه وراحتاه منكبيه

وقال الأذرعي بل معناه كون رؤوس أصابعه حذو منكبيه

والمنكب مجمع عظم العضد والكف

فإن لم يمكن الرفع إلا بزيادة على المشروع أو نقص منه أتى بالممكن منهما فإن أمكنه الإتيان بكل منهما فالزيادة أولى لأنه أتى بالمأمور وزيادة فإن لم يمكنه رفع إحدى يديه رفع الأخرى

وأقطع الكفين يرفع ساعديه وأقطع المرفقين يرفع عضديه تشبيها برفع اليدين

( والأصح ) في زمن الرفع ( رفعه مع ابتدائه ) أي التكبير للإتباع كما في الصحيحين سواء انتهى التكبير مع الحط أم لا كما ذكره الرافعي ورجحه المصنف في الروضة وشرح مسلم

وصحح في التحقيق والمجموع وشرح الوسيط أنه يسن انتهاؤهما معا ونقله في الأخيرين عن نص الأم قال في المهمات فهو المفتي به

والثاني يرفع قبل التكبير ويكبر مع ابتداء الإرسال وينهيه مع انتهائه وقيل يرفع غير مكبر ثم يكبر ويداه مرتفعتان فإذا فرغ أرسلهما من غير تكبير فإن ترك الرفع حتى شرع في التكبير أتى به في أثنائه لا بعده لزوال سببه وردهما من الرفع إلى تحت صدره أولى من إرسالهما بالكلية ثم استئناف رفعهما إلى تحت صدره قال المتولي وينبغي أن ينظر قبل الرفع والتكبير إلى موضع سجوده ويطرق رأسه قليلا

( ويجب قرن النية بالتكبير ) أي تكبيرة الإحرام لأنها أول الأركان وذلك بأن يأتي بها عند أولها ويستمر ذاكرا لها إلى آخرها كما يجب حضور شهود النكاح إلى الفراغ منه

( وقيل يكفي ) قرنها ( بأوله ) بأن يستحضر ما ينويه قبله ولا يجب استصحابها إلى آخره واختار المصنف في شرح المهذب والوسيط تبعا للإمام و الغزالي الاكتفاء بالمقارنة العرفية عند العوام بحيث يعد مستحضر الصلاة اقتداء بالأولين في تسامحهم بذلك وقال ابن الرفعة إنه الحق وصوبه السبكي ولي بهما أسوة

وعلى الأول لو عزبت قبل تمام التكبير لم تصح الصلاة لأن النية معتبرة في الانعقاد والانعقاد لا يحصل إلا بتمام التكبيرة

وظاهر كلامهم اشتراط مقارنة النية للجليل مثلا إذا قال الله الجليل أكبر والظاهر كما أفتى به شيخي أن كلامهم خرج مخرج الغالب من عدم زيادة شيء بين لفظي التكبير فلا دلالة له على اشتراط المقارنة فيما عدا لفظي التكبير نظرا للمعنى إذ المعتبر اقترانها باللفظ الذي يتوقف الانعقاد عليه وهو الله أكبر فلا يشترط اقترانها بما تخلل بينهما ولا يجب استصحابها بعد التكبير للعسر لكنه يسن ويعتبر عدم المنافي كما في عقد الإيمان بالله تعالى فإن نوى الخروج من الصلاة أو تردد في أن يخرج أو يستمر بطلت بخلاف الوضوء والاعتكاف والحج والصوم لأنها أضيق بابا من


153

الأربعة فكان تأثيرها باختلاف النية أشد

فالعبادة في قطع النية أضرب الأول الإيمان والصلاة يبطلان بنية الخروج وبالتردد

الثاني الحج والعمرة لا يبطلان بهما

الثالث الصوم والاعتكاف الأصح أنهما لا يبطلان

الرابع الوضوء لا يبطل بنية الخروج بعد الفراغ على المذهب ولا بالتردد فيه قطعا

ولا أثر للوساوس الطارقة للفكر بلا اختيار بأن وقع في فكره أنه لو تردد في الصلاة كيف يكون الحال فقد يقع مثله في الإيمان بالله تعالى

فروع لو علق الخروج من الصلاة بحصول شيء بطلت في الحال ولو لم يقطع بحصوله كتعليقه بدخول شخص وفارق ذلك ما لو نوى في الركعة الأولى أن يفعل في الثانية فعلا مبطلا لصلاة كتكلم وأكل حيث لا تبطل في الحال بأنه هنا ليس بجازم وهناك جازم والمحرم عليه إنما هو فعل المنافي للصلاة ولم يأت به

ولو شك هل أتى بتمام النية أو لا أو هل نوى ظهرا أو عصرا فإن تذكر بعد طول زمان أو بعد إتيانه بركن ولو قوليا كالقراءة بطلت صلاته لانقطاع نظمها وندرة مثل ذلك في الأولى ولتقصيره بترك التوقف إلى التذكر في الثانية وإن كان جاهلا إذا كان من حقه أن لا يأتي به ويتوقف عن الإتيان به بخلاف من زاد في صلاته ركنا ناسيا إذ لا حيلة في النسيان ذكره في المجموع

وبعض الركن القولي فيما ذكر ككله ومحله إذا طال زمن الشك أو لم يعد ما قرأه فيه

وألحق البغوي في فتاويه قراءة السور به فيما ذكر بقراءة الفاتحة وفيها عن الأصحاب أنه لو ظن أنه في صلاة أخرى فأتم عليه صحت صلاته اه

فإن تذكر قبل طول الزمان وإتيانه بركن لم تبطل لكثرة عروض مثل ذلك

وقول ابن المقري تبعا للقمولي أنه لو قنت في سنة الفجر ظانا أنها الصبح وطال الزمان أو أتى بركن ثم تذكر بطلت

قال شيخي ضعيف لمخالفته لما نقله البغوي عن الأصحاب في المسألة التي قبل هذه ولو شك في الطهارة وهو جالس للتشهد الأول فقام إلى الثالثة ثم تذكر الطهارة بطلت صلاته كما لو شك في النية ثم تذكر بعد إحداث فعل بخلاف ما لو قام ليتوضأ فتذكر فإنها لا تبطل بل يعود ويبني ويسجد للسهو

( الثالث ) من أركان الصلاة ( القيام في فرض القادر ) عليه ولو بمعين بأجرة فاضلة عن مؤنته ومؤنة ممونه يومه وليلته فيجب حالة الإحرام به وهذا معنى قول الروضة كأصلها يجب أن يكبر قائما حيث يجب القيام لخبر البخاري عن عمران بن حصين كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب زاد النسائي فإن لم تستطع فمستلقيا لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وأجمع الأمة على ذلك وهو معلوم من الدين بالضرورة

وخرج بالفرض النفل وبالقادر العاجز وسيأتي حكمهما لكنه أفهم صحة صلاة الصبي قاعدا مع القدرة على القيام والأصح كما في البحر خلافه ومثل صلاة الصبي الصلاة المعتادة

واستثنى بعضهم من كلامه مسائل منها ما لو خاف راكب السفينة غرقا أو دوران رأس فإنه يصلي من قعود ولا إعادة عليه

ومنها ما لو كان به سلس بول لو قام سال بوله وإن قعد لم يسل فإنه يصلي من قعود على الأصح بلا إعادة

ومنها ما لو قال طبيب ثقة لمن بعينه ماء إن صليت مستلقيا أمكن مداواتك فله ترك القيام على الأصح ولو أمكن المريض القيام منفردا بلا مشقة ولم يمكنه ذلك في جماعة إلا أن يصلي بعضها قاعدا فالأفضل الانفراد وتصح مع الجماعة وإن قعد في بعضها كما في زيادة الروضة

ومنها ما لو كان للغزاة رقيب يرقب العدو ولو قام لرآه العدو أو جلس الغزاة في مكمن ولو قاموا لرآهم العدو وفسد تدبير الحرب صلوا قعودا ووجبت الإعادة على المذهب لندرة ذلك لا إن خافوا قصد العدو لهم فلا تلزمهم الإعادة كما صححه في التحقيق ونقله في الروضة عن تصحيح المتولي وقيل تلزمهم الإعادة كما نقله الروياني عن النص

وعلى الأول يفرق بأن العذر هنا أعظم منه ثم وفي الحقيقة لا استثناء لأن من ذكر عاجز إما لضرورة التداوي أو خوف الغرق أو الخوف على المسلمين أو نحو ذلك فتناوله كلامه

فإن قيل لم أخر القيام عن النية والتكبير مع أنه مقدم عليهما أجيب بأنهما ركنان في الصلاة مطلقا وهو ركن في الفريضة فقط فلذا قدما عليه

( وشرطه ) أي القيام ( نصب فقاره ) أي المصلي وهو بفتح الفاء عظام من الظهر أو مفاصله لأن اسم القيام دائر معه لا نصب رقبته لما مر أنه يستحب إطراق الرأس

( فإن وقف


154

منحنيا ) إلى قدامه أو خلفه ( أو مائلا ) إلى يمينه أو يساره ( بحيث لا يسمى قائما لم يصح ) قيامه لتركه الواجب بلا عذر

والانحناء السالب للاسم أن يصير إلى الركوع أقرب كما في المجموع ومقتضاه أنه لو كان أقرب إلى القيام أو استوى الأمران صح وهو كذلك وإن نظر فيه الأذرعي

ولو استند إلى شيء كجدار أجزأه مع الكراهة ولو تحامل عليه وكان بحيث لو رفع ما استند إليه لسقط لوجود اسم القيام وإن كان بحيث يرفع قدميه إن شاء وهو مستند لم يصح لأنه لا يسمى قائما بل معلقا نفسه

( فإن لم يطق انتصابا ) لنحو مرض ككبر ( وصار كراكع فالصحيح أنه يقف ) وجوبا ( كذلك ) لأنه إلى القيام أقرب ( ويزيد انحناءه لركوعه إن قدر ) على الزيادة ليتميز الركنان

والثاني لا بل يقعد فإذا وصل إلى الركوع لزمه الارتفاع لأن حد الركوع يفارق حد القيام فلا يتأدى هذا بذاك

( ولو أمكنه ) القيام متكئا على شيء أو القيام على ركبتيه لزمه ذلك لأنه ميسوره أو أمكنه ( القيام دون الركوع والسجود ) لعلة بظهره مثلا تمنع الإنحناء ( قام ) وجوبا ( وفعلهما بقدر إمكانه ) في الإنحناء لهما بالصلب لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم

فإن عجزه فبالرقبة والرأس فإن عجز أومأ إليهما

ولو قدر على الركوع دون السجود أتى به مرتين مرة للركوع ومرة للسجود وإن قدر على زيادة على الركوع لزمه أن يقتصر في الركوع على حد الكمال ويأتي بالزيادة للسجود

ومن قدر على القيام والاضطجاع فقط قام بدل القعود قال في الروضة عن البغوي لأنه قعود وزيادة وأومأ بالركوع والسجود إمكانه وتشهد قائما

( ولو عجز عن القيام قعد ) للحديث السابق وللإجماع ( كيف شاء ) لإطلاق الحديث المذكور ولا ينقص ثوابه عن ثواب المصلي قائما لأنه معذور

قال الرافعي ولا نعني بالعجز عدم الإمكان فقط بل في معناه خوف الهلاك أو الغرق وزيادة المرض أو لخوف مشقة شديدة أو دوران الرأس في حق راكب السفينة كما تقدم بعض ذلك

قال في زيادة الروضة والذي اختاره الإمام في ضبط العجز أن تلحقه مشقة تذهب خشوعه لكنه قال في المجموع إن المذهب خلافه اه

وجمع شيخي بين كلامي الروضة والمجموع بأن إذهاب الخشوع ينشأ عن مشقة شديدة

( و ) لكن ( افتراشه ) وسيأتي في بيانه موضع قيامه ( أفضل من تربعه ) وغيره ( في الأظهر ) لأنها هيئة مشروعة في الصلاة فكانت أولى من غيرها

والثاني تربيعه أفضل وهو نصه في البويطي

وقيل إن تربيع المرأة أفضل واختاره في الحاوي لأنه أستر لها وقيل التورك أفضل لأنه أعون للمصلي

فإن قيل لا يؤخذ من العبارة تفضيل الإفتراش على سائر الهيئات بل على التربيع فقط ولم يقيده في المحرر بالتربيع

أجيب بأنه إذا فضل على التربيع فغيره أولى وفيه نظر إذ لا يلزم من أفضليته على التربيع أفضليته على التورك لأن التورك قعود عبادة بخلاف التربيع وإنما فضل الافتراش على التورك لأنه قعود يعقبه حركة فأشبه التشهد الأول فلو أطلق كالمحرر أو زاد ما قدرته كان أولى

( ويكره الإقعاء ) هنا وفي سائر قعدات الصلاة للنهي عنه كما أخرجه الحاكم وصححه

وفسر الإقعاء بتفاسير أحسنها ما ذكره المصنف بقوله ( بأن يجلس ) المصلي ( على وركيه ) وهما أصل فخذيه ( ناصبا ركبتيه ) بأن يلصق ألييه بموضع صلاته وينصب فخذيه وساقيه كهيئة المستوفز وضم إليه أبو عبيدة أن يضع يديه على الأرض

ووجه النهي عنه ما فيه من التشبه بالكلب والقرد كما وقع التصريح به في بعض الروايات

ومن الإقعاء نوع مستحب عند المصنف و ابن الصلاح وهو أن يفرش رجليه ويضع ألييه على عقبيه وجعله الرافعي أحد الأوجه في تفسير الإقعاء المكروه وعلى هذا فهو تفسير ثان للمكروه وفسر البيهقي المستحب بأن يضع أطراف أصابعه بالأرض وألييه على عقبيه وفي البويطي نحوه وظاهره نصب قدميه لا فرشهما

والتفسير الثالث أن يضع يديه على الأرض ويقعد على أطراف أصابعه


155

قال في المجموع ويكره أيضا أن يقعد مادا رجليه

( ثم ينحني ) المصلي قاعدا ( لركوعه بحيث تحاذي ) أي تقابل ( جبهته ما قدام ركبتيه ) وهذا أقل ركوعه ( والأكمل أن تحاذي موضع سجوده ) لأنه يضاهي ركوع القائم في المحاذاة في الأقل والأكمل

( فإن عجز ) المصلي ( عن القعود ) بأن ناله من القعود تلك المشقة الحاصلة من القيام ( صلى لجنبه ) مستقبلا القبلة بوجهه ومقدم بدنه وجوبا لحديث عمرو السابق وكالميت في اللحد

والأفضل أن يكون على ( الأيمن ) ويكره على الأيسر بلا عذر كما ذكره في المجموع

( فإن عجز ) عن الجنب ( فمستلقيا ) على ظهره وأخمصاه للقبلة ولا بد من وضع نحو وسادة تحت رأسه ليستقبل بوجهه القبلة إلا أن يكون في الكعبة وهي مسقوفة فالمتجه كما قال في المهمات جواز الاستلقاء على ظهره وكدا على وجهه وإن لم تكن مسقفة لأنه كيفما توجه فهو متوجه لجزء منها

ويركع ويسجد بقدر إمكانه فإن قدر المصلي على الركوع فقط كرره للسجود ومن قدر على زيادة على أكمل الركوع تعينت تلك الزيادة للسجود لأن الفرق بينهما واجب على المتمكن

ولو عجز عن السجود إلا أن يسجد بمقدم رأسه أو صدغه وكان بذلك أقرب إلى الأرض وجب فإن عجز عن ذلك أومأ برأسه

والسجود أخفض من الركوع فإن عجز فببصره فإن عجز أجرى أفعال الصلاة بسننها على قلبه ولا إعادة عليه ولا تسقط عنه الصلاة وعقله ثابت لوجود مناط التكليف

فروع لو قدر في أثناء صلاته على القيام أو القعود أو عجز عنه أتى بالمقدور له وبنى على قراءته ويستحب إعادتها في الأوليين لتقع حال الكمال

وإن قدر على القيام أو القعود قبل القراءة قرأ قائما أو قاعدا ولا تجزئه قراءته في نهوضه لقدرته عليها فيما هو أكمل منه فلو قرأ فيه شيئا أعاده

وتجب القراءة في هوي العاجز لأنه أكمل مما بعده

ولو قدر على القيام بعد القراءة وجب قيام بلا طمأنينة ليركع منه لقدرته عليه وإنما لم تجب الطمأنينة لأنه غير مقصود لنفسه وإن قدر عليه في الركوع قبل الطمأنينة ارتفع لها إلى حد الركوع عن قيام فإن انتصب ثم ركع بطلت صلاته لما فيه من زيادة ركوع أو بعد الطمأنينة فقد تم ركوعه ولا يلزمه الانتقال إلى حد الراكعين

ولو قدر في الاعتدال قبل الطمأنينة قام واطمأن وكذا بعدها إن أراد قنوتا في محله وإلا يلزمه القيام لأن الاعتدال ركن قصير فلا يطول

وقضية المعلل جواز القيام وقضية التعليل منعه وهو كما قال شيخنا أوجه فإن قنت قاعدا بطلت صلاته

فائدة سئل الشيخ عز الدين عن رجل يتقي الشبهات ويقتصر على مأكول يسد الرمق من نبات الأرض ونحوه فضعف بسبب ذلك عن الجمعة والجماعة والقيام في الفرائض

فأجاب بأنه لا خير في ورع يؤدي إلى سقاط فرائض الله تعالى

( وللقادر ) على القيام ( التنفل قاعدا ) بالإجماع سواء الرواتب وغيرها لأن النفل يكثر فاشتراط القيام فيه يؤدي إلى الحرج أو الترك ولهذا قيل لا يصلي العيدين والكسوفين والاستسقاء من قعود مع القدرة لندرتها

( وكذا ) له النفل ( مضطجعا ) مع القدرة على القيام ( في الأصح ) لحديث البخاري من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما أي مضطجعا فله نصف أجر القاعد والأفضل أن يكون على شقه الأيمن فإن اضطجع على الأيسر جاز

ويلزمه أن يقعد للركوع والسجود وقيل يوميء بهما أيضا والثاني لا يصح من اضطجاع لما فيه من انمحاق صورة الصلاة قال في شرح مسلم فإن استلقى مع إمكان الاضطجاع لم يصح وقيل الأفضل أن يصلي مستلقيا فإن اضطجع صح قال والصواب الأول

ومحل نقصان أجر القاعد والمضطجع عند القدرة وإلا لم ينقص من أجرهما شيء

( الرابع ) من أركان الصلاة ( القراءة ) للفاتحة كما سيأتى

( ويسن بعد التحرم ) أي عقبه ولو للنفل ( دعاء الافتتاح ) وهو وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي أي عبادتي ومحياي بفتح الياء ومماتي بإسكان الياء على ما عليه الأكثر فيهما ويجوز فيهما الإسكان


156

والفتح لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين وإن كان الذي في الآية وأنا أول المسلمين وذلك للاتباع رواه مسلم إلا كلمة مسلما فابن حبان وفي رواية وأنا أول المسلمين

وكان صلى الله عليه وسلم يقول بما فيها لأنه أول مسلمي هذه الأمة

ويسرع به لمأموم ويقتصر عليه ليسمع قراءة إمامه ويزيد المنفرد وإمام علم رضا مقتد به اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وأهدني لأحسن الأخلاق لا يهديني لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك أي لا يتقرب به إليك وقيل لا يفرد بالإضافة إليك وقيل لا يصعد وإنما يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح وقيل ليس شرا بالنسبة إليك فإنك خلقته لحكمة بالغة وإنما هو شر بالنسبة إلى الخلق

أنا بك وإليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك

وقد صح في دعاء الافتتاح أخبار أخر لا نطيل بذكرها

وظاهر كلام الأصحاب أنه لا فرق في التعبير بقوله حنيفا ومن المشركين ومن المسلمين بين الرجل والمرأة وهي صحيح على إرادة الأشخاص أي وأنا من الأشخاص المسلمين وأنا شخص حنيفا مسلما فتأتي بهما المرأة كذلك على أنهما حالان من الوجه

والمراد بالوجه ذات الإنسان وجملة بدنه ولا يصح كونهما حالين من تاء الضمير في وجهت لأنه كان يلزم التأنيث ويدل له ما رواه الحاكم في مستدركه أنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله تعالى عنها قومي فاشهدي أضحيتك وقولي إن صلاتي ونسكي إلى قوله وأنا من المسلمين وقال تعالى وكانت من القانتين أي القوم المطيعين

ولو ترك دعاء الافتتاح عمدا أو سهوا حتى شرع في التعوذ لم يعد إليه في الأصح

ولا يسن لمن خاف فوت القراءة خلف الإمام أو فوت وقت الصلاة أو وقت الأداء بأن لم يبق من وقتها إلا ما يسع ركعة بل يأتي بالقراءة لأنها فرض فلا يشتغل عنه بالنفل ولا فيما إذا أدرك الإمام في غير القيام إلا فيما إذا أدرك الإمام في التشهد الأخير وسلم قبل أن يجلس أو في التشهد وقام قبل أن يجلس أو خرج من الصلاة بحدث أو غيره قبل أن يوافقه ولا في صلاة جنازة

( ثم التعوذ ) قبل القراءة لقوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم والرجيم المطرود وقيل المرجوم بالشهب ويحصل بكل ما اشتمل على التعوذ من الشيطان وأفضله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقيل أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

ويستثنى من استحباب التعوذ ما تقدم استثناؤه في دعاء الافتتاح إلا في صلاة الجنازة فإنه يسن التعوذ فيها

( ويسرهما ) أي الافتتاح والتعوذ ندبا في الجهرية والسرية كسائر الأذكار المستحبة بحيث يسمع نفسه لو كان سميعا

وقيل يستحب الجهر بالتعوذ في الجهرية تبعا للقراءة فأشبه التأمين

( ويتعوذ في كل ركعة على المذهب ) لحصول الفصل بين القراءتين بالركوع وغيره والأولى آكد مما بعدها للاتفاق عليها ولأن افتتاح القراءة في الصلاة إنما هو فيها

والطريق الثاني قولان أحدهما هذا والثاني يتعوذ في الأولى فقط لأن القراءة في الصلاة واحدة كما لا يعيده لو سجد للتلاوة ثم عاد للقراءة كما صرح به الرافعي وصرح به المصنف في مجموعه وعلى هذا لو تركه في الأولى عمدا أو سهوا أتى به في الثانية بخلاف دعاء الافتتاح

تنبيه كلام المصنف يقتضي استحباب التعوذ لمن أتى بالذكر للعجز كما أنه يأتي بدعاء الافتتاح

وقال في المهمات أن المتجه أنه لا يستحب وهو ظاهره لأن التعوذ لقراءة القرآن العظيم ولم توجد بخلاف دعاء الافتتاح

( وتتعين الفاتحة ) أي قراءتها حفظا أو نظرا في مصحف أو تلقينا أو نحو ذلك

( في كل ركعة ) في قيامها أو بدله للمنفرد وغيره سرية كانت الصلاة أو جهرية فرضا أو نفلا لقوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب متفق عليه وخبر لا تجزيء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب رواه ابنا خزيمة وحبان في صحيحيهما ولفعله صلى الله عليه وسلم كما في مسلم مع خبر البخاري صلوا كما رأيتموني أصلي

وأما قوله تعالى فاقرؤوا ما تيسر منه فوارد في قيام الليل لا في قدر القراءة أو محمول مع خبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن على الفاتحة أو على العاجز عنها جمعا بين الأدلة

وتتعين الفاتحة أيضا في القيام الثاني من صلاة الكسوفين ويتعوذ قبل قراءتها كما سيأتي إن شاء الله تعالى


157

فائدة نقل تعين الفاتحة الشيخ أبو زيد عن نيف وعشرين صحابيا

وسميت بذلك لافتتاح القرآن بها وبأم الكتاب وبأم القرآن والأساس لأنها أوله وأصله كما سميت مكة أم القرى لأنها أول الأرض وأصلها ومنها دحيت

وزيد على ذلك أنها سميت أيضا السبع المثاني لأنها سبع آيات وتثنى في الصلاة وأنزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة والوافية بالفاء لأن تبعيضها لا يجوز والواقية بالقاف لأنها تقي من السوء والكافية لأنها تجزيء عن غيرها والشفاء وورد فيه حديث ومعناه واضح والكنز والحمد لذكر الحمد فيها

قال الدميري وفي تفسير تقي الدين بن مخلد أن إبليس لعنه الله تعالى رن أربع رنات رنة حين لعن ورنة حين هبط ورنة حين ولد صلى الله عليه وسلم ورنة حين أنزلت فاتحة الكتاب

( إلا ركعة مسبوق ) فإنها لا تتعين على الأصح الآتي في صلاة الجماعة

وظاهر كلامه عدم لزوم المسبوق الفاتحة وهو وجه والأصح أنها وجبت عليه وتحملها عنه الإمام

وتظهر فائدة الخلاف فيما لو بان إمامه محدثا أو في خامسه أن الركعة لا تحسب له لأن الإمام ليس أهلا للتحمل فلعل المراد أن تعيينها لا يستقر عليه لتحمل الإمام عنه ويتصور سقوط الفاتحة أيضا في كل موضع حصل للمأموم فيه عذر تخلف بسببه عن الإمام بأربعة أركان طويلة وزال عذره والإمام راكع فيحتمل عنه الفاتحة كما لو كان بطيء القراءة أو نسي أنه في الصلاة أو امتنع من السجود بسبب زحمة أو شك بعد ركوع إمامه في قراءة الفاتحة فتخلف لها نبه على ذلك الإسنوي معترضا به على الحصر في ركعة المسبوق

( والبسملة ) آية ( منها ) أي الفاتحة لما روي أنه صلى الله عليه وسلم عد الفاتحة سبع آيات وعد بسم الله الرحمن الرحيم آية منها

رواه البخاري في تاريخه

وروي الدارقطني عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال إذا قرأتم الحمد لله فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم الكتاب والسبع المثاني بسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها

وروى ابن خزيمة بإسناد صحيح عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عد بسم الله الرحمن الرحيم آية والحمد لله رب العالمين أي إلى آخرها ست آيات

فإن قيل يشكل وجوبها في الصلاة بقول أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين كما رواه البخاري وبقوله صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم كما رواه مسلم

أجيب بأن معنى الأول كانوا يفتتحون بسورة الحمد ويبينه ما صح عن أنس كما قال الدارقطني

إنه كان يجهر بالبسملة وقال لا آلو أن أقتدي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم

وأما الثاني فقال أئمتنا إنه رواية للفظ الأولى بالمعنى الذي عبر عنه الراوي بما ذكر بحسب فهمه ولو بلغ الخبر بلفظه كما في البخاري لأصاب إذ اللفظ الأول هو الذي اتفق عليه الحفاظ

وآية من كل سورة إلا براءة لإجماع الصحابة على إثباتها في المصحف بخطه أوائل السور سوى براءة دون الأعشار وتراجم السور والتعوذ فلو لم تكن قرآنا لما أجازوا ذلك لأنه يحمل على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا ولو كانت للفصل كما قيل لأثبتت في أول براءة ولم تثبت في أول الفاتحة

فإن قيل القرآن إنما يثبت بالتواتر

أجيب بأن محله فيما يثبت قرآنا قطعا أما ما يثبت قرآنا حكما فيكفي فيه الظن كما يكفي في كل ظني

وأيضا إثباتها في المصحف بخطه من غير نكير في معنى التواتر وأيضا قد ثبت التواتر عند قوم دون آخرين

فإن قيل لو كانت قرآنا لكفر جاحدها

أجيب بأنها لو لم تكن قرآنا لكفر مثبتها وأيضا التكفير لا يكون بالظنيات

وهي آية كاملة من أول الفاتحة قطعا وكذا فيما عدا براءة من باقي السور على الأصح وفي قول إنها بعض آية

والسنة أن يصلها بالحمد لله وأن يجهر بها حيث يشرع الجهر بالقراءة

فائدة ما أثبت في المصحف الآن من أسماء السور والأعشار شيء ابتدعه الحجاج في زمنه

( وتشديداتها ) منها لأنها هيئات لحروفها المشددة ووجوبها شامل لهيئاتها فالحكم على التشديد بكونه من الفاتحة فيه تجوز ولذا عبر في المحرر بقوله ويجب رعاية تشديداتها فلو عبر بها لكان أولى

وهي أربع عشر شدة منها ثلاث في البسملة فلو خفف منها تشديدة بطلت قراءة تلك الكلمة لتغييره النظم بل قال في الحاوي والبحر لو ترك الشدة من قوله إياك متعمدا وعرف معناه أنه يكفر لأن الإيا ضوء الشمس فكأنه قال نعبد ضوء الشمس وإن كان ناسيا أو جاهلا سجد للسهو

ولو شدد


158

المخفف أساء وأجزأه كما قاله الماوردي و الروياني

( ولو أبدل ضادا ) منها أي أتى بدلها ( بظاء لم تصح ) قراءته لتلك الكلمة ( في الأصح ) لتغييره النظم واختلاف المعنى فإن الضاد من الضلال والظاء من قولهم ظل يفعل كذا ظلولا إذا فعله نهارا وقياسا على باقي الحروف والثاني تصح لعسر التمييز بين الحرفين على كثير من الناس

والخلاف مخصوص بقادر لم يتعمد أو عاجز أمكنه التعلم فلم يتعلم أما العاجز عن التعلم فتجزئه قطعا وهو أمي والقادر المتعمد لا تجزئه قطعا

ولو أبدل الضاد بغير الظاء لم تصح قراءته قطعا

ولو أبدل ذال الذين المعجمة بالمهملة لم تصح كما اقتضى إطلاق الرافعي وغيره الجزم به خلافا للزركشي ومن تبعه

ولو نطق بالقاف مترددة بينها وبين الكاف كما ينطق بها العرب صح مع الكراهة كما جزم به الروياني وغيره وإن قال في المجموع فيه نظر

فإن قيل كان الصواب أن يقول ولو أبدل ظاء بضاد إذ الباء مع الإبدال تدخل على المتروك لا على المأتي به كما قال تعالى ومن يتبدل الكفر بالإيمان وقال تعالى وبدلناهم بجنتيهم جنتين

أجيب بأن الباء في التبديل والإبدال إذا اقتصر فيهما على المتقابلين ودخلت على أحدهما إنما تدخل على المأخوذ لا على المتروك فقد نقل الأزهري عن ثعلب بدلت الخاتم بالحلقة إذا أذبته وسويته حلقة وبدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلها خاتما وأبدلت الخاتم بالحلقة إذا نحيت هذا وجعلت هذه مكانه

قال السبكي بعد نقله بعض ذلك عن الواحدي عن ثعلب عن الفراء ورأيت في شعر الطفيل بن عمرو الدوسي لما أسلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فألهمني هداي الله عنه وبدل طالعي نحسي بسعدي ومنشأ الاعتراض توهم أن الإبدال المساوي للتبديل كالاستبدال والتبدل فإن ذينك تدخل الباء فيهما على المتروك

قال شيخنا وبذلك علم فساد ما اعترض به على الفقهاء من أن ذلك لا يجوز بل يلزم دخولها على المتروك

( ويجب ترتيبها ) بأن يأتي بها على نظمها المعروف لأنه مناط البلاغة والإعجاز فلو بدأ بنصفها الثاني مثلا ثم أتى بالنصف الأول لم يعتد بالنصف الثاني ويبني على الأول إن سها بتأخيره ولم يطل الفصل ويستأنف إن تعمد ولم يغير المعنى أو طال الفصل بين فراغه من النصف الأول وتذكره فإن تركه عامدا ولم يغير المعنى استأنف القراءة وإن غيره بطلت صلاته

فإن قيل لم وجب الاستئناف هنا ولم يجب في الوضوء والأذان والطواف والسعي أجيب بأن الترتيب هنا لما كان مناط الإعجاز كما مر كان الاعتناء به أكثر فجعل قصد التكميل بالمرتب صارفا عن صحة البناء بخلاف تلك الصور ومن صرح بأنه يبني في ذلك مراده ما إذا لم يقصد التكميل بالمرتب وإن تركه ساهيا ولم يطل غير المرتب بنى وإن طال استأنف

( و ) يجب ( موالاتها ) بأن يصل الكلمات بعضها ببعض ولا يفصل إلا بقدر التنفس للاتباع مع خبر صلوا كما رأيتموني أصلي

فلو أخل بها سهوا لم يضر كترك الموالاة في الصلاة بأن طول ركنا قصيرا ناسيا بخلاف ما لو ترك الفاتحة سهوا فإنه يضر لأن الموالاة صفة والقراءة أصل

فإن قيل نسيان الترتيب يضر مع أن كلا منهما واجب أجيب بأن أمر الموالاة أسهل من الترتيب بدليل تطويل الركن القصير ناسيا كما مر بخلاف الترتيب إذ لا يعتد بالمقدم من سجود على ركوع مثلا ولو شك هل قرأها أو لا لزمه قراءتها لأن الأصل عدم قراءتها أو شك هل ترك منها شيئا بعد تمامها لم يؤثر فإن شك في ذلك قبل تمامها استأنفها

( فإن تخلل ذكر ) أجنبي لا يتعلق بالصلاة ( قطع الموالاة ) وإن قل كالتحميد عند العطاس وإجابة المؤذن والتسبيح للداخل لأن الاشتغال به يوهم الإعراض عن القراءة فليستأنفها

هذا إن تعمد فإن كان سهوا فالصحيح المنصوص أنه لا يقطع كما علم مما مر بل يبني وقيل إن طال الذكر قطع الموالاة وإلا فلا

فائدة الذكر باللسان ضد الإنصات وذاله مكسورة وبالقلب ضد النسيان وذاله مضمومة قال الكسائي

وقال غيره هما لغتان بمعنى

( فإن تعلق بالصلاة كتأمينه لقراءة إمامه وفتحه عليه ) إذا توقف فيها والفتح هو تلقين الآية عند التوقف فيها ومحله كما في التتمة إذا سكت فلا يفتح عليه ما دام يردد التلاوة وسجوده لتلاوته وسؤال رحمة واستعاذة


159

من عذاب لقراءة آيتهما

( فلا ) يقطع الموالاة ( في الأصح ) لندب ذلك للمأموم في الأصح والثاني يقطعها لأنه ليس مندوب كالحمد عند العطاس وغيره ورد بأن ذلك ليس من مصلحة الصلاة والاحتياط استئنافها للخروج من الخلاف

ومحل الخلاف في العامد فإن كان ساهيا لم يقطع ما ذكر جزما

( ويقطع ) الموالاة ( السكوت ) العمد ( الطويل ) لإشعاره بالإعراض مختارا كان أو لعائق لإخلاله بالموالاة المعتبرة

أما الناسي فلا على الصحيح وإن أفهم كلام المصنف خلافه

( وكذا ) يقطع ( يسير قصد به قطع القراءة في الأصح ) لتأثير الفعل مع النية كنقل الوديعة بنية الخيانة فإنه يضمن وإن لم يضمن بأحدهما منفردا

والثاني لا يقطع لأن قصد القطع وحده لا يؤثر والسكوت اليسير وحده لا يؤثر أيضا فكذا إذا اجتمعا

وجوابه كما قال الشارح المنع فإن لم يقصد القطع ولم يطل السكوت لم يضر كثقل الوديعة بلا نية تعد وكذا إن نوى قطع القراءة ولم يسكت

فإن قيل لم بطلت الصلاة بنية قطعها فقط أجيب بأن نية الصلاة ركن تجب إدامتها حكما والقراءة لا تفتقر إلى نية خاصة فلم يؤثر فيها نية قطعها ويؤخذ من ذلك أن نية القطع لا تؤثر في الركوع وغيره من الأركان وهو كذلك

واليسير ما جرت به العادة كتنفس واستراحة والطويل ما زاد على سكتة الاستراحة كما قاله ابن المقري أخذا من كلام المجموع وعدل إليه عن ضبط أصله له بما أشعر بقطع القراءة أو إعراضه عنها مختارا أو لعائق وهذا أولى لأنه يفيد أن السكوت للإعياء لا يؤثر وإن طال لأنه معذور ونقله في المجموع عن نص الأم

ويستثنى من كل من الضابطين ما لو نسي آية فسكت طويلا لتذكرها فإنه لا يؤثر كما قاله القاضي وغيره ولو قرأ نصف الفاتحة مثلا وشك هل أتى بالبسملة ثم ذكر بعد الفراغ أنه أتى بها أعاد ما قرأه بعد الشك فقط كما قاله البغوي واعتمده شيخي خلافا لابن سريج القائل بوجوب الاستئناف

ولو كرر آية من الفاتحة الأولى أو الأخيرة أو شك في غيرهما فكرره لم يضر وكذا إن لم يشك على المذهب كما قاله الإمام واعتمده في التحقيق وقال المتولي إن كرر الآية التي هو فيها لم يضر وإن أعاد بعض الآيات التي فرغ منها بأن وصل إلى أنعمت عليهم ثم قرأ مالك يوم الدين فإن استمر على القرارة أجزأته وإن اقتصر عمدا على مالك يوم الدين ثم عاد فقرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين لزمه استئناف القرارة لأن هذا غير معهود في التلاوة اه

واعتمد ما قاله المتولي في الأنوار والأول أوجه

ويسن أن يصل أنعمت عليهم بما بعده إذ ليس وقفا ولا منتهى آية

( فإن جهل الفاتحة ) بكمالها بأن لم يمكنه معرفتها لعدم معلم أو مصحف أو نحو ذلك ( فسبع آيات ) إن أحسنها عدد آياتها بالبسملة واستحب الشافعي قراءة ثمان آيات لتكون الثامنة بدلا عن السورة نقله الماوردي

وفي اشتراط كون البدل مشتملا على ثناء ودعاء كما في الفاتحة وجهان في شرح التنبيه للطبري أوجههما عدم الاشتراط فلا يجزيء دون عدد آياتها وإن طال لرعايته فيها ولا دون حروفها كالآي بخلاف صوم يوم قصير عن طويل لعسر رعاية الساعات ولا الترجمة لقوله تعالى إنا أنزلناه قرآنا عربيا بدل على أن العجمي ليس بقرآن بخلاف ما إذا عجز عن التكبير أو الخطبة أو الإتيان بالشهادتين بالعربية فإنه يترجم عنها لأن نظم القرآن معجز

( متوالية ) لأنه أشبه الفاتحة

( فإن عجز ) عن المتوالية ( فمتفرقة ) لأنه المقدور

( قلت الأصح المنصوص جواز المتفرقة ) من سورة أو سور ( مع حفظه متوالية والله أعلم ) كما في قضاء رمضان قال في الروضة وقطع به جماعة منهم القاضي أبو الطيب و البندنيجي وصاحب البيان واعترضه في المهمات بأن من نقل عنه جواز كونها من سورة أو سور لم يصرح بالجواز مع حفظ المتوالية بل أطلق فيمكن حمل إطلاقه على ما قيده غيره اه

وظاهر إطلاقه أنه لا فرق بين أن تفيد المتفرقة معنى منظوما أم لا فثم نظر

قال في المجموع والتنقيح وهو المختار كما أطلقه الجمهور لإطلاق الأخبار اه

واختار الإمام الأول وأقره في الروضة وأصلها

قال بعضهم والثاني هو القياس لأنه كما يحرم قراءتها على الجنب فكذلك يعتد بقراءتها ههنا ويلزم الإمام أنه لو كان يحفظ أوائل السور


160

خاصة ك الم و الر و طسم أنه لا يجب عليه قراءتها عند من يجعلها أوائل للسور وهو بعيد لأنا متعبدون بقراءتها وهي قرآن متواتر اه

وقال الأذرعي المختار ما ذكره الإمام وإطلاقهم محمول على الغالب ثم ما اختاره الشيخ أي المصنف إنما ينقدح إذا لم يحسن غير ذلك

أما مع حفظه متوالية أو متفرقة منتظمة المعنى فلا وجه له وإن شمله إطلاقهم اه

هذا يشبه أن يكون جمعا بين الكلامين وهو جمع حسن

ومن يحسن بعض الفاتحة يأتي به ويبدل الباقي إن أحسنه وإلا كرره في الأصح وكذا من يحسن بعض بدلها من القرآن ويجب الترتيب بين الأصل والبدل فإن كان يحسن الآية في أول الفاتحة أتى بها ثم يأتي البدل وإن كان آخر الفاتحة أتى بالبدل ثم بالآية وإن كان في وسطها أتى ببدل الأول ثم قرأ ما في الوسط ثم أتى ببدل الآخر

فإن قيل كان الأولى للمصنف أن يعبر بالمرتبة لأن الموالاة تذكر في مقابلة التفرق والمرتب يذكر في مقابلة القلب بالتقديم والتأخير فتفريق القراءة يخل بموالاتها ولا يخل بترتيبها وقد يأتي بالقراءة متوالية لكن لا مع ترتيبها

أجيب بأن المراد بالمتوالية التوالي على ترتيب المصحف فيستفاد الترتيب مع التوالي جميعا بخلاف ما لو عبر بالمرتبة فإنه لا يستفاد منها التوالي

( فإن عجز ) عن القرآن ( أتى بذكر ) غيره لما روى أبو داود وغيره أن رجلا قال يا رسول الله إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزيني عنه فقال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قيل يتعين هذا الذكر ويضيف إليه كلمتين أي نوعين آخرين من الذكر نحو ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لتصير السبعة أنواع مقام سبع آيات وجرى على ذلك في التنبيه

وقيل تكفي هذه الخمسة أنواع لذكرها في الحديث وسكوته عليها

ورد بأن سكوته لا ينفي الزيادة عليها

والأصح أنه لا يتعين شيء من الذكر لأن القرآن بدل عن الفاتحة والذكر بدل عن القرآن وغير الفاتحة من القرآن لا يتعين فكذلك هو بل يجب أن يأتي بسبعة أنواع من أي ذكر كان وإما المذكور أو غيره ليقوم كل نوع مقام آية

وأمره صلى الله عليه وسلم للأعرابي بالذكر المخصوص يحتمل أنه كان يحفظه ولا يحفظ ما سواه قال الإمام والأشبه إجزاء دعاء يتعلق بالآخرة دون الدنيا ورجحه في المجموع والتحقيق

قال الإمام فإن لم يعرف غير ما يتعلق بالدنيا أتى به وأجزأه

وهذا هو المعتمد وإن نازع في ذلك بعض المتأخرين كالإمام السبكي

( ولا يجوز نقص حروف البدل ) من قرآن أو غيره ( عن ) حروف ( الفاتحة في الأصح ) كما لا يجوز النقص عن آياتها وحروفها مائة وستة وخمسون حرفا بالبسملة وبقراءة مالك بالألف

قال في الكفاية ويعد الحرف المتشدد من الفاتحة بحرفين من الذكر ولا يراعي في الذكر التشديد والمراد أن المجموع لا ينقص عن المجموع لا أن كل آية أو نوع من الذكر والدعاء من البدل قدر آية من الفاتحة

والثاني يجوز سبع آيات أو سبعة أذكار أقل من حروف الفاتحة كما يجوز صوم يوم قصير قضاء عن صوم يوم طويل ودفع بأن الصوم يختلف زمانه طولا وقصرا فلم يعتبر في قضائه مساواة بخلاف الفاتحة لا تختلف فاعتبر في بدلها المساواة

قال ابن الأستاذ قطعوا باعتبار سبع آيات واختلفوا في عدد الحروف والحروف هي المقصود لأن الثواب عليها اه

ولا يشترط في الذكر والدعاء أن يقصد بهما البدلية بل الشرط أن لا يقصد بهما غيرها

( فإن لم يحسن شيئا ) بأن عجز عن ذلك كله حتى عن ترجمة الذكر والدعاء ( ووقف ) وجوبا ( قدر الفاتحة ) في ظنه لأنه واجب في نفسه

قال ابن النقيب وهل يندب أن يزيد في القيام قدر سورة لم أر من ذكره وفيه نظر اه

وينبغي أن يزيد ذلك

ولما كان للفاتحة سنتان سابقتان وهما دعاء الافتتاح والتعوذ وسنتان لاحقتان وهما التأمين وقراءة السورة وقد فرغ من ذكر الأوليين شرع في ذكر الأخيرتين فقال ( ويسن عقب الفاتحة ) بعد سكتة لطيفة ( آمين ) سواء أكان في الصلاة أم لا ولكن في الصلاة أشد استحبابا لما روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن وائل بن حجر قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قال ولا الضالين قال آمين ومد بها صوته وروى البخاري عن أبي هريرة إذا قال الإمام ولا الضالين فقالوا آمين فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر

وليس المراد بالعقب هنا أن يصل التأمين


161

بها كما يعلم مما قدرته وإنما فصل بينهما بذلك ليتميز عن القراءة

ولا يفوت التأمين إلا بالشروع في غيره على الأصح كما في المجموع وقيل في الركوع واختص بالفاتحة لأن نصفها دعاء فاستحب أن يسأل الله تعالى إجابته

ولا يسن عقب بدل الفاتحة من قراءة ولا ذكر كما هو مقتضى كلامهم وقال الغزي ينبغي أن يقال إن تضمن ذلك دعاء استحب وما بحثه صرح به الروياني

فائدة روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا حسدنا اليهود على القبلة التي هدينا إليها وضلوا عنها وعلى الجمعة وعلى قولنا خلف الإمام آمين

ويجوز في عقب ضم العين وإسكان القاف وأما قول كثير من الناس عقيب بياء بعد القاف فهي لغة قليلة

وآمين اسم فعل بمعنى استجب وهي مبنية على الفتح مثل كيف وأين

( خفيفة الميم بالمد ) هذه هي اللغة المشهورة الفصيحة

قال الشاعر آمين آمين لا أرضى بواحدة حتى أبلغها ألفين مينا ( ويجوز القصر ) لأنه لا يخل بالمعنى

وحكى الواحدي مع المد لغة ثالثة وهي الإمالة وحكي التشديد مع القصر والمد أي قاصدين إليك وأنت أكرم أن لا تخيب من قصدك

وهو لحن بل قيل إنه شاذ منكر ولا تبطل به الصلاة لقصده الدعاء به كما صححه في المجموع

قال في الأم ولو قال آمين رب العالمين وغير ذلك من الذكر كان حسنا

( ويؤمن مع تأمين إمامه ) لا قبله ولا بعده لخبر إذا أمن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وخبر إذا قال أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه رواهما الشيخان

وليس لنا ما تستحب فيه مقارنة الإمام سوى هذه لأن التأمين للقراءة لا للتأمين وقد فرغ منها وبذلك علم أن المراد بقوله إذا أمن الإمام إذا أراد التأمين ومعنى موافقة الملائكة أن يوافقهم في الزمن وقيل في الصفات من الإخلاص وغيره

والمراد بالملائكة هنا الحفظة وقيل غيرهم لخبر فوافق قوله قول أهل السماء

وأجاب الأول بأنه إذا قالها الحفظة قالها من فوقهم حتى ينتهي إلى أهل السماء

قال شيخنا ولو قيل بأنهم الحفظة وسائر الملائكة لكان أقرب

فإن لم تتفق موافقته أمن عقبه فإن لم يؤمن الإمام أو لم يسمعه أو لم يدر هل أمن أو لا أمن هو

ولو أخر الإمام التأمين عن وقته المندوب أمن المأموم

قال في المجموع ولو قرأ معه وفرغا معا كفى تأمين واحد أو فرغ قبله قال البغوي ينتظره والمختار أو الصواب أنه يؤمن لنفسه ثم للمتابعة

( ويجهر به ) المأموم في الجهرية ( في الأظهر ) تبعا لإمامه للاتباع رواه ابن حبان وغيره وصححوه مع خبر صلوا كما رأيتموني أصلي

والثاني يسر كسائر أذكاره وقيل إن كثر الجمع جهر وإلا فلا

أما الإمام والمنفرد فيجهران قطعا وقيل فيهما وجه شاذ

وأما السرية فيسرون فيها جميعهم كالقراءة

قال في المجموع ومحل الخلاف إذا أمن الإمام فإن لم يؤمن استحب للمأموم التأمين جهرا قطعا ليسمعه الإمام فيأتي به اه

وجهر الأنثى والخنثى بالتأمين كجهرهما بالقراءة وسيأتي

فائدة يجهر المأموم خلف الإمام في خمسة مواضع أربعة مواضع تأمين يؤمن مع تأمين الإمام وفي دعائه في قنوت الصبح وفي قنوت الوتر في النصف الثاني من رمضان وفي قنوت النازلة في الصلوات الخمس وإذا فتح عليه

( وتسن ) للإمام والمنفرد ( سورة ) يقرؤها في الصلاة ( بعد الفاتحة ) ولو كانت الصلاة سرية ( إلا في الثالثة ) من المغرب وغيرها ( والرابعة ) من الرباعية ( في الأظهر ) للاتباع في الشقين رواه الشيخان

ومقابل الأظهر دليله الإتباع في حديث مسلم والإتباعان في الظهر والعصر ويقاس عليهما غيرهما والسورة على الثاني أقصر كما اشتمل عليه الحديث وسيأتي آخر الباب سن تطويل قراءة الأولى على الثانية في الأصح وكذا الثالثة على الرابعة على الثاني

قال الشارح ثم في ترجيحهم الأول تقديم لدليله النافي على دليل الثاني المثبت عكس الراجح في الأصول لما قام عندهم في ذلك اه

ويظهر أنهم إنما قدموه لتقويته بحديث الصحيحين عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بالأوليين بأم الكتاب وسورتين وفي الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب ويسمعنا الآية أحيانا


162

ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية وكذا في العصر وهكذا في الصبح اه

وإنما لم تجب السورة لحديث أم القرآن عوض من غيرها وليس غيرها عوض منها رواه الحاكم وقال إنه على شرطهما

وخرج بقوله بعد الفاتحة ما لو قرأها قبلها أو كرر الفاتحة فإنه لا يجزئه لأنه خلاف ما ورد في السنة ولأن الشيء الواحد لا يؤدى به فرض ونفل في محل واحد

نعم لو لم يحسن غير الفاتحة وأعادها يتجه كما قال الأذرعي الإجزاء ويحمل كلامهم على الغالب

ويحصل أصل السنة بقراءة شيء من القرآن ولو آية والأولى ثلاث آيات لتكون قدر أقصر سورة والسورة الكاملة أفضل من قدرها من طويلة لأن الابتداء بها والوقف على آخرها صحيحان بالقطع بخلافهما في بعض السورة فإنهما يخفيان

ومحله في غير التراويح أما فيها فقراءة بعض الطويلة أفضل كما أفتى به ابن عبد السلام وغيره

وعللوه بأن السنة فيها القيام بجميع القرآن وعليه فلا يختص ذلك بالتراويح بل كل محل ورد فيه الأمر بالبعض فالاقتصار عليه أفضل كقراءة آيتي البقرة وآل عمران في ركعتي الفجر

( قلت فإن سبق بهما ) أي بالثالثة والرابعة من صلاة نفسه لأن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته ( قرأها فيهما ) حين تداركهما ( على النص والله أعلم ) لئلا تخلو صلاته من سورتين

وقيل لا كما لا يجهر فيهما على المشهور

وفرق الأول بأن السنة في آخر الصلاة الإسرار بخلاف القراءة فإنه لا يقال إنه لا يسن تركها بل لا يسن فعلها وأيضا القراءة سنة مستقلة والجهر صفة للقراءة فكانت أحق

وإنما قدرت الثالثة والرابعة لا الأولتين وإن كان صحيحا أيضا لاتحاد الضميرين

ثم محل ما تقرر على الأول كما أفهمه التعليل إذا لم يقرأ السورة في أولييه فإن قرأها فيهما لسرعة قراءته وبطء قراءة إمامه أو لكون الإمام قرأها فيهما لم يسن له قراءتها في الأخيرتين ولو سقطت قراءتها عنه لكونه مسبوقا أو بطيء القراءة فلا يقرؤها في الأخيرتين ويستثنى من ذلك فاقد الطهورين إذا كان عليه حدث أكبر فلا يجوز له قراءة السورة كما تقدم في التيمم

( ولا سورة للمأموم ) في جهرية ( بل يستمع ) لقراءة إمامه لقوله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له الآية وقوله صلى الله عليه وسلم إذا كنتم خلفي فلا تقرءوا إلا بأم القرآن حسن صحيح

والاستماع مستحب وقيل واجب وجزم به الفارقي في فوائد المهذب

( فإن ) لم يسمع قراءته كأن ( بعد ) المأموم عنه أو كان به صمم أو سمع صوتا لا يفهمه كما قاله المصنف في أذكاره ( أو كانت ) الصلاة ( سرية ) ولم يجهر الإمام فيها أو جهرية وأسر فيها ( قرأ ) المأموم السورة ( في الأصح ) إذ لا معنى لسكوته

أما إذا جهر الإمام في السرية فإن المأموم يستمع لقراءته كما صرح به في المجموع اعتبارا بفعل الإمام وصحح الرافعي في الشرح الصغير اعتبار المشروع في الفاتحة فعلى هذا يقرأ المأموم في السرية مطلقا ولا يقرأ في الجهرية مطلقا ومقابل الأصح لا يقرأ مطلقا لإطلاق النهي

فروع يستحب للإمام والمنفرد الجهر في الصبح والأوليين من المغرب والعشاء وللإمام في الجمعة للإتباع والإجماع في الإمام وللقياس عليه في المنفرد ويسر كل منهما فيما عدا ذلك هذا في المؤداة وأما المقضية فيجهر فيها من مغيب الشمس إلى طلوعها ويسر من طلوعها إلى غروبها ويستثنى كما قال الإسنوي صلاة العيد فإنه يجهر في قضائها كما يجهر في أدائها

هذا كله في حق الذكر أما الأنثى والخنثى فيجهران حيث لا يسمع أجنبي ويكون جهرهما دون جهر الذكر فإن كان يسمعهما أجنبي أسرا فإن جهرا لم تبطل صلاتهما

ووقع في المجموع والتحقيق أن الخنثى يسر بحضرة الرجال والنساء

قال في المهمات وهو مردود أي لأنه بحضرة النساء إما ذكر أو أنثى وفي الحالين يسن له الجهر

ويمكن حمل كلامهما على أنه يسر إذا اجتمع الرجال والنساء وهو صحيح

وأما النوافل غير المطلقة فيجهر في صلاة العيدين وخسوف القمر والاستسقاء والتراويح والوتر في رمضان وركعتي الطواف إذا صلاهما ليلا وسيأتي الكلام عليها في أبوابها إن شاء الله تعالى ويسر فيما عدا ذلك

وأما النوافل المطلقة فيسر فيها نهارا ويتوسط فيها ليلا بين الإسرار والجهر إن لم يشوش على نائم أو مصل أو نحوه وإلا فالسنة الإسرار فقد نقل في المجموع عن العلماء أن محل فضيلة رفع الصوت بقراءة القرآن إذا لم يخف رياء ولم يتأذ به أحد وإلا فالإسرار أفضل

وهذا جمع بين الأخبار المقتضية لأفضلية


163

الإسرار والأخبار المقتضية لأفضلية الرفع اه

ويقاس على ذلك من يجهر بالذكر أو القراءة بحضرة من يطالع أو يدرس أو يصنف كما أفتى به شيخي قال ولا يخفى أن الحكم على كل من الإسرار والجهر بكونه سنة من حيث ذاته

واختلفوا في التوسط فقال بعضهم يعرف بالمقايسة بين الجهر والإسرار كما أشار إليه بقوله تعالى ولا تجهر بصلاتك الآية

وقال بعض آخر يجهر تارة ويسر أخرى كما ورد في فعله صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل والأول أولى

ويندب للإمام أن يسكت بعد تأمينه في الجهرية قدر قراءة المأموم الفاتحة ويشتغل حينئذ بذكر أو دعاء أو قراءة سرا وجزم به في المجموع والقراءة أولى

فائدة السكتات المندوبة في الصلاة أربعة سكتة بعد تكبيرة الإحرام يفتتح فيها وسكتة بين ولا الضالين و آمين وسكتة للإمام بين التأمين في الجهرية وبين قراءة السورة بقدر قراءة المأموم الفاتحة وسكتة قبل تكبيرة الركوع

قال في المجموع وتسمية كل من الأولى والثانية سكتة مجاز فإنه لا يسكت حقيقة لما تقرر فيها

وعدها الزركشي خمسة الثلاثة الأخيرة وسكتة بين تكبيرة الإحرام والإفتتاح والقراءة وعليه لا مجاز إلا في سكتة الإمام بعد التأمين والمشهور الأول

( ويسن للصبح والظهر طوال المفصل ) بكسر الطاء جمع والمفرد طويل وطوال بضم الطاء وتخفيف الواو فإذا أفرط في الطول شددتها

( وللعصر والعشاء أوساطه ) وسنية هذا في الإمام مقيدة كما في المجموع وغيره برضا مأمومين محصورين

( وللمغرب قصاره ) لخبر النسائي في ذلك

وظاهر كلام المصنف التسوية بين الصبح والظهر ولكن المستحب أن يقرأ في الظهر قريب من الطوال كما في الروضة كأصلها

والحكمة في ذلك أن وقت الصبح طويل والصلاة ركعتان فحسن تطويلهما ووقت المغرب ضيق فحسن فيه القصار وأوقات الظهر والعصر والعشاء طويلة لكن الصلوات أيضا طويلة فلما تعارض ذلك رتب عليه التوسط في غير الظهر وفيها قريب من الطوال

واستثنى الشيخ أبو محمد في مختصره و الغزالي في الخلاصة والإحياء صلاة الصبح في السفر فالسنة فيها أن يقرأ في الأولى قل يا أيها الكافرون وفي الثانية الإخلاص

والمفصل المبين المميز قال تعالى كتاب فصلت آياته أي جعلت تفاصيل في معان مختلفة من وعد ووعيد وحلال وحرام وغير ذلك وسمي بذلك لكثرة الفصول فيه بين السور وقيل لقلة المنسوخ فيه

وآخره قل أعوذ برب الناس وفي أوله عشرة أقوال للسلف قيل الصافات وقيل الجاثية وقيل القتال وقيل الفتح وقيل الحجرات وقيل قاف وقيل الصف وقيل تبارك وقيل سبح وقيل الضحى

ورجح المصنف في الدقائق والتحرير أنه الحجرات

وعلى هذا طواله كالحجرات واقتربت والرحمن وأوساطه كالشمس وضحاها والليل إذا يغشى وقصاره كالعصر وقل هو الله أحد

وقيل طواله من الحجرات إلى عم ومنها إلى الضحى أوساطه ومنها إلى آخر القرآن قصاره

فائدة قال ابن عبد السلام القرآن ينقسم إلى فاضل ومفضول كآية الكرسي وتبت فالأول كلام الله في الله والثاني كلام الله في غيره فلا ينبغي أن يداوم على قراءة الفاضل ويترك المفضول لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولأنه يؤدي إلى هجران بعض القرآن ونسيانه

( ولصبح الجمعة في الأولى الم تنزيل وفي الثانية هل أتى ) بكمالهما للاتباع رواه الشيخان

فإن ترك الم في الأولى سن أن يأتي بها في الثانية فإن اقتصر على بعضهما أو قرأ غيرهما خالف السنة

قال الفارقي ولو ضاق الوقت عنهما أتى بالممكن ولو آية السجدة وبعض هل أتى على الإنسان قال الأذرعي ولم أره لغيره

وعن أبي إسحاق و ابن أبي هريرة لا تستحب المداومة عليهما ليعرف أن ذلك غير واجب

وقيل للشيخ عماد الدين بن يونس إن العامة صاروا يرون قراءة السجدة يوم الجمعة واجبة وينكرون على من تركها فقال تقرأ في وقت وتترك في وقت فيعلمون أنها غير واجبة

( الخامس ) من الأركان ( الركوع ) لقوله تعالى اركعوا ولخبر إذا قمت إلى الصلاة وللإجماع

( وأقله ) أي الركوع في حق القائم ( أن ينحني ) انحناء خالصا لا انخناس فيه ( قدر بلوغ راحتيه ) أي راحتي يدي المعتدل خلقة ( ركبتيه ) إذا أراد وضعها فلا يحصل بانخناس ولا به مع انحناء لأنه لا يسمى ركوعا

أما ركوع


164

القاعد فتقدم

وظاهر تعبيره بالراحة وهي بطن الكف أنه لا يكتفي بالأصابع وهو كذلك وإن كان مقتضى كلام التنبيه الإكتفاء بها

فلو طالت يداه أو قصرتا أو قطع شيء منهما لم يعتبر ذلك فإن عجز عما ذكر إلا بمعين ولو باعتماد على شيء أو انحناء على شقه لزمه والعاجز ينحني قدر إمكانه فإن عجز عن الإنحناء أصلا أومأ برأسه ثم بطرفه

ويشترط في صحة الركوع أن يكون ( بطمأنينة ) لحديث المسيء صلاته المتقدم وأقلها أن تستقر أعضاؤه راكعا ( بحيث ينفصل رفعه ) من ركوعه ( عن هويه ) بفتح الهاء أفصح من ضمها أي سقوطه فلا تقوم زيادة الهوي مقام الطمأنينة

( ولا يقصد به ) أي الهوي ( غيره ) أي الركوع قصده هو أم لا كغيره من بقية الأركان لأن نية الصلاة منسحبة عليه

( فلو هوى لتلاوة فجعله ركوعا لم يكف ) لأنه صرفه إلى غير الواجب بل ينتصب ليركع

ولو قرأ إمامه آية سجدة ثم ركع عقبها فظن المأموم أنه يسجد للتلاوة فهوى لذلك فرآه لم يسجد فوقف عن السجود فالأقرب كما قاله الزركشي أنه يحسب له ويغتفر ذلك للمتابعة وإن قال بعض المتأخرين الأقرب عندي أنه يعود إلى القيام ثم يركع

( وأكمله ) أي الركوع ( تسوية ظهره وعنقه ) أي يمدهما بانحناء خالص بحيث يصيران كالصفيحة الواحدة للاتباع رواه مسلم

فإن تركه كره نص عليه في الأم

( ونصب ساقيه ) وفخذيه لأن ذلك أعون له ولا يثني ركبتيه ليتم له تسوية ظهره

والساق بالهمز وتركه ما بين القدم والركبة فلا يفهم منه نصب الفخذ ولذا قال في الروضة ونصب ساقيه إلى الحقو فكان ينبغي للمصنف أن يزيد ذلك أو ما قدرته

والساق مؤنثة وتجمع على أسوق وسيقان وسوق

( وأخذ ركبتيه بيديه ) أي بكفيه للاتباع رواه الشيخان

( وتفرقة أصابعه ) تفريقا وسطا للاتباع من غير ذكر الوسط رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي

( للقبلة ) أي لجهتها لأنها أشرف الجهات

قال ابن النقيب ولم أفهم معناه

قال الولي العراقي احترز بذلك عن أن يوجه أصابعه إلى غير جهة القبلة من يمنة أو يسرة

والأقطع ونحوه كقصير اليدين لا يوصل يديه ركبتيه حفظا لهيئة الركوع بل يرسلهما إن لم يسلما معا أو يرسل إحداهما إن سلمت الأخرى

( ويكبر في ابتداء هويه ) للركوع ( ويرفع يديه كإحرامه ) وقد تقدم لثبوت ذلك في الصحيحين عن فعله صلى الله عليه وسلم

وقال البخاري في تصنيف له في الرد على منكري الرفع رواه سبعة عشر من الصحابة ولم يثبت عن أحد منهم عدم الرفع وقضية كلامه أن الرفع هنا كالرفع للإحرام وأن الهوي مقارن للرفع

والأول ظاهر والثاني ممنوع فقد قال في المجموع قال أصحابنا ويتبديء التكبير قائما ويرفع يديه ويكون ابتداء رفعه وهو قائم مع ابتداء التكبير فإذا حاذى كفاه منكبيه انحنى

وفي البيان وغيره نحوه قال في المهمات وهذا هو الصواب

قال في الأقليد لأن الرفع حال الإنحناء متعذر أو متعسر

والجديد أنه يمد التكبير إلى آخر الركوع لئلا يخلو فعل من أفعال الصلاة بلا ذكر وكذا في سائر انتقالات الصلاة لما ذكر

ولا نظر إلى طول المد بخلاف تكبيرة الإحرام يندب الإسراع بها لئلا تزول النية كما مر

( ويقول سبحان ربي العظيم ) للاتباع رواه مسلم

وعن عقبة بن عامر قال لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم قال ولما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال اجعلوها في سجودكم رواه أبو داود وابن حبان والحاكم وصححه الأخيران

والحكمة في تخصيص الأعلى بالسجود أن الأعلى أفعل تفضيل بخلاف العظيم فإنه يدل على رجحان معناه على غيره والسجود في غاية التواضع فجعل الأبلغ مع الأبلغ والمطلق مع المطلق

وزاد على ذلك في التحقيق وغيره وبحمده ( ثلاثا ) للاتباع رواه أبو داود

وقد يفهم من ذلك


165

أن السنة لا تتأدى بمرة ولكن في الروضة عن الأصحاب أن أقل ما يحصل به الذكر في الركوع تسبيحة واحدة اه

وذلك يدل على أن أصل السنة يحصل بواحدة وعبارة التحقيق أقله سبحانه الله أو سبحان ربي وأدنى الكمال سبحانه ربي العظيم وبحمده ثلاثا ثم للكمال درجات فبعد الثلاث خمس ثم سبع ثم تسع ثم إحدى عشرة وهو الأكمل كما في التحقيق وغيره واختار السبكي أنه لا يتقيد بعدد بل يزيد في ذلك ما شاء

والتسبيح لغة التنزيه والتبعيد تقول سبحت في الأرض إذا أبعدت ومعنى وبحمده أسبحه حامدا له أو وبحمده سبحته

( ولا يزيد الإمام ) على التسبيحات الثلاث أي يكره له ذلك تخفيفا على المأمومين

( ويزيد المنفرد ) وإمام قوم محصورين راضين بالتطويل ( اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي ) رواه مسلم زاد ابن حبان في صحيحه ( وما استقلت به قدمي ) بكسر الميم وسكون الياء وهي مؤنثة قال تعالى فتزل قدم بعد ثبوتها فيجوز في استقلت إثبات التاء وحذفها على أنه مفرد ولا يصح هنا التشديد على أنه مثنى لفقدان ألف الرفع

ولفظة مخي مزيدة على المحرر وهي في الشرح والروضة وفيهما وفي المحرر وشعري وبشري بعد عصبي وفي آخره لله رب العالمين

قال في الروضة وهذا مع الثلاث أفضل من مجرد أكمل التسبيح

قال في المجموع وتكره القراءة في الركوع وغيره من بقية الأركان غير القيام اه

والحكمة في وجوب القراءة في القيام والتشهد في الجلوس وعدم وجوب التسبيح في الركوع والسجود أنه في القيام والقعود ملتبس بالعادة فوجب فيهما ليتميزا عنها بخلاف الركوع والسجود

ويستحب الدعاء في الركوع لأنه صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي رواه الشيخان

( السادس ) من الأركان ( الاعتدال ) لو في النافلة كما صححه في التحقيق لحديث المسيء صلاته

وأما ما حكاه في زيادة الروضة عن المتولي من أنه لو تركه في الركوع والسجود في النافلة ففي صحتها وجهان بناء على صلاتها مضطجعا مع القدرة على القيام لا يلزم من البناء الاتحاد في الترجيح

( قائما ) إن كان قبل ركوعه كذلك إن قدر وإلا فيعود لما كان عليه أو يفعل مقدوره إن عجز

( مطمئنا ) لما في خبر المسيء صلاته بأن تستقر أعضاؤه على ما كان قبل ركوعه بحيث ينفصل ارتفاعه عن عوده إلى ما كان

قال في الروضة واعلم أنه تجب الطمأنينة في الاعتدال كالركوع

وقال إمام الحرمين في قلبي من الطمأنينة في الاعتدال شيء وفي كلام غيره ما يقتضي ترددا فيها والمعروف الصواب وجوبها اه

ولو ركع عن قيام فسقط عن ركوعه قبل الطمأنينة فيه عاد وجوبا إليه واطمأن ثم اعتدل أو سقط عنه بعدها نهض معتدلا ثم سجد وإن سجد ثم شك هل تم اعتداله اعتدل وجوبا ثم سجد

( ولا يقصد غيره فلو رفع فزعا ) بفتح الزاي على أنه مصدر مفعول لأجله أي خوفا أو بكسرها على أنه اسم فاعل منصوب على الحال أي خائفا

( من شيء ) كحية ( لم يكف ) رفعه لذلك عن رفع الصلاة لأنه صارف كما تقدم

( ويسن رفع يديه ) كما سبق في تكبيرة الإحرام ( مع ابتداء رفع رأسه ) من الركوع بأن يكون ابتداء رفعهما مع ابتداء رفعه

( قائلا ) في رفعه إلى الاعتدال ( سمع الله لمن حمده ) أي تقبل منه حمده وجازاه عليه وقيل غفر له للإتباع رواه الشيخان مع خبر صلوا كما رأيتموني أصلي

ولو قال من حمد الله سمع له كفى في تأدية أصل السنة لأنه أتى باللفظ والمعنى بخلاف أكبر الله لكن الترتيب أفضل وسواء في ذلك الإمام وغيره

وأما خبر إذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد فمعناه قولوا ذلك مع ما علمتوه من سمع الله لمن حمده لعلمهم بقوله صلوا كما رأيتموني أصلي مع قاعدة التأسي به مطلقا

وإنما خص ربنا لك الحمد بالذكر لأنهم كانوا لا يسمعونه غالبا ويسمعون سمع الله لمن حمده

ويسن الجهر بها للإمام والمبلغ ان احتيج إليه لأنه ذكر انتقال ولا يجهر بقوله ربنا لك الحمد لأنه ذكر الرفع فلم يجهر به كالتسبيح وغيره


166

وقد عمت البلوى بالجهر به وترك الجهر بالتسميع لأن أكثر الأئمة والمؤذنين صاروا جهلة بسنة سيد المرسلين

( فإذا انتصب ) أرسل يديه و ( قال ) كل من الإمام والمنفرد والمأموم سرا ( ربنا لك الحمد ) أو ربنا ولك الحمد أو اللهم ربنا لك الحمد أو ولك الحمد أو ولك الحمد ربنا أو الحمد لربنا

والأول أولى لورود السنة به لكن قال في الأم الثاني أحب إلي أي لأنه جمع معنيين الدعاء والاعتراف أي ربنا استجب لنا ولك الحمد على هدايتك إيانا

وزاد في التحقيق بعده حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ولم يذكره الجمهور وهو في البخاري من رواية رفاعة بن رافع وفيه أنه ابتدر ذلك بضعة وثلاثون ملكا يكتبونه وذلك لأن عدد حروفها كذلك

وأغرب المصنف في المجموع فقال لا يزيد الإمام على ربنا لك الحمد إلا برضا المأمومين وهو مخالف لما في الروضة والتحقيق

( ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ) أي بعدهما كالعرش والكرسي وغيرهما مما لا يعلمه إلا هو قال الله تعالى وسع كرسيه السماوات والأرض

ويجوز في ملء الرفع على الصفة والنصب على الحال أي مالئا لو كان جسما

( ويزيد المنفرد ) وإمام قوم محصورين راضين بالتطويل سرا ( أهل ) منصوب على النداء أي يا أهل ( الثناء ) أي المدح ( والمجد ) أي العظمة وقال الجوهري الكرم

وقوله ( أحق ما قال العبد ) مبتدأ

وقوله ( وكلنا لك عبد ) اعتراض

وقوله ( لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد ) بفتح الجيم أي الغني ( منك ) أي عندك ( الجد ) وروي بالكسر وهو الاجتهاد خبر المبتدأ والمعنى ولا ينفع ذا الحظ في الدنيا حظه في العقبى إنما ينفعه طاعتك

قال ابن الصلاح ويحتمل كون أحق خبرا لما قبله وهو ربنا لك الحمد أي هذا الكلام أحق

والأصل في ذلك الاتباع رواه الشيخان إلى لك الحمد ومسلم إلى آخره

قال المصنف وإثبات ألف أحق وواو وكلنا هو المشهور ويقع في كتب الفقهاء حذفهما والصواب إثباتهما كما رواه مسلم وسائر المحدثين

واعترض عليه بأن النسائي روى حذفهما

( ويسن القنوت في اعتدال ثانية الصبح ) بعد ذكر الاعتدال كما ذكره البغوي وغيره وصوبه الإسنوي وقال الماوردي محل القنوت إذا فرغ من قوله سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد فحينئذ يقنت وعليه اقتصر ابن الرفعة

وقال في الإقليد إنه قضية القياس لأن القنوت إذا انضم إلى الذكر المشروع في الاعتدال طال الاعتدال وهو ركن قصير بلا خلاف وعمل الأئمة بخلافه لجهلهم بفقه الصلاة فإن الجمع إن لم يكن مبطلا فلا شك أنه مكروه اه

ويمكن حمل كلام الماوردي ومن ذكر معه على الإمام إذا أم قوما غير محصورين راضين بالتطويل وكلام الأولين على خلافه

( وهو اللهم اهدني فيمن هديت إلى آخره ) كذا في المحرر وتتمته كما في الشرح وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقتضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تبارك ربنا وتعاليت للاتباع رواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية رفع يديه فيدعو بهذا الدعاء اللهم اهدني فيمن هديت إلى آخر ما تقدم لكن لم يذكر ربنا وقال صحيح

ورواه البيهقي في الصبح وفي قنوت الوتر

قال الرافعي وزاد العلماء فيه أي القنوت قبل تباركت وتعاليت و لا يعز من عاديت وبعده فلك الحمد على ما قضيت أستغفرك وأتوب إليك

قال في الروضة قال أصحابنا لا بأس بهذه الزيادة وقال أبو حامد و البندنيجي وآخرون وهي مستحبة

وعبر عنها في تحقيقه بقوله وقيل

( و ) يسن أن يقنت ( الإمام بلفظ الجمع ) لأن البيهقي رواه في إحدى روايتيه بلفظ الجمع فحمل على الإمام فيقول اهدنا وهكذا

وعلله المصنف في أذكاره بأنه يكره للإمام تخصيص نفسه بالدعاء لخبر لا يؤم عبد قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم رواه الترمذي وحسنه وقضية هذا طرده في سائر أدعية الصلاة وبه صرح


167

القاضي حسين و الغزالي في الإحياء في كلامه على التشهد ونقل ابن المنذر في الإشراف عن الشافعي أنه قال لا أحب للإمام تخصيص نفسه بالدعاء دون القوم والجمهور لم يذكروه إلا في القنوت

قال ابن المنذر وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر في الصلاة يقول قبل القراءة اللهم نقني اللهم اغسلني الدعاء المعروف وبهذا أقول اه

وذكر ابن القيم أن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم كلها بلفظ الإفراد ولم يذكر الجمهور التفرقة بين الإمام وغيره إلا في القنوت وكأن الفرق بين القنوت وغيره أن الكل مأمورون بالدعاء بخلاف القنوت فإن المأموم يؤمن فقط اه

وهذا هو الظاهر كما أفتى به شيخي وظاهر كلام المصنف كأصله تعين هذه الكلمات القنوت وهو وجه اختاره الغزالي

والذي رجحه الجمهور أنها لا تتعين وعلى هذا لو قنت بما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه في الوتر وهو اللهم إنا نستعينك إلخ كان حسنا

ويسن الجمع بينهما للمنفرد ولإمام قوم محصورين راضين بالتطويل وأيهما يقدم سيأتي في صلاة النفل إن شاء الله تعالى

ولو قرأ آية من القرآن ونوى بها القنوت فإن تضمنت دعاء أو شبهه كآخر البقرة أجزأته عن القنوت وإن لم تتضمنه كتبت يدا وآية الدين أو فيها معناه ولم يقصد بها القنوت لم تجزه لما مر أن القراءة في الصلاة في غير القيام مكروهة

قال في المجموع عن البغوي ويكره إطالة القنوت أي بغير المشروع كالتشهد الأول

وظاهره عدم البطلان وهو كذلك لأن البغوي القائل بكراهة التطويل قائل بأن تطويل الركن القصير يبطل عمده

وقال القاضي حسين ولو طول القنوت زائدا على العادة كره وفي البطلان احتمالان

وكان الشيخ أبو حامد يقول في قنوت الصبح اللهم لا تعقنا عن العلم بعائق ولا تمنعنا عنه بمانع

( والصحيح سن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخره ) للأخبار الصحيحة في ذلك والثاني لا تسن بل لا تجوز حتى تبطل الصلاة بفعلها على وجه لأنه نقل ركنا قوليا إلى غير موضعه

وجزم في الأذكار على القول الأول بسن السلام

ويسن الصلاة على الآل وأنكره ابن الفركاح وقال هذا لا أصل له

واستدل الإسنوي لسن السلام بالآية و الزركشي لسن الآل بخبر كيف نصلي عليك

وخرج بقوله في آخره أنها لا تسن فيما عداه وهو كذلك وإن قال في العدة لا بأس بها أوله وآخره لأثر ورد فيه

وما قاله العجلي في شرحه من أنه لو قرأ آية فيها اسم محمد صلى الله عليه وسلم استحب أن يصلي عليه أفتى المصنف بخلافه

( و ) يسن ( رفع يديه ) فيه وفي سائر الأدعية للاتباع رواه فيه البيهقي بإسناد جيد وفي سائر الأدعية الشيخان وغيرهما والثاني لا يرفع في القنوت لأنه دعاء في صلاة فلا يسن فيه الرفع قياسا على دعاء الافتتاح والتشهد

وفرق الأول بأنه ليديه فيه وظيفة ولا وظيفة لهما هنا وسيأتي إن شاء الله تعالى في الاستسقاء أنه يسن في الدعاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء إن دعا لرفع بلاء وعكسه إن دعا لتحصيل شيء فهل يقلب كفيه عند قوله في القنوت وقني شر ما قضيت أو لا أفتى شيخي بأنه لا يسن أي لأن الحركة في الصلاة ليست مطلوبة

( و ) الصحيح أنه ( لا يمسح ) بهما ( وجهه ) أي لا يسن له ذلك لعدم وروده كما قال البيهقي والثاني يسن لخبر فامسحوا بهما وجوهكم ورد بأن طرقه واهية وظاهر كلام المصنف عدم جريان الخلاف لولا التقدير المذكور

وعبارة المحرر ظاهرة في الخلاف فيه فلو قال لا مسح وجهه لكان أخصر وأفاد الخلاف من غير تقدير

وأما مسح غير الوجه كالصدر فلا يسن مسحه قطعا بل نص جماعة على كراهته

وأما مسح الوجه عقب الدعاء خارج الصلاة فقال ابن عبد السلام بعد نهيه عنه لا يفعله إلا جاهل اه

وقد ورد في المسح بهما أخبار بعضها غريب وبعضها ضعيف ومع هذا جزم في التحقيق باستحبابه

( و ) الصحيح ( أن الإمام يجهر به ) للاتباع رواه البخاري وغيره قال الماوردي وليكن جهره به دون جهره بالقراءة

والثاني لا كسائر الأدعية المشروعة في الصلاة

أما المنفرد فيسر قطعا

( و ) الصحيح ( أنه يؤمن المأموم للدعاء )

للاتباع رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح ويجهر به كما في تأمين القراءة

( ويقول الثناء ) سرا وهو فإنك تقضي

إلى آخره لأنه ثناء وذكر فكانت الموافقة فيه أليق

وفي الروضة وأصلها أنه يقول الثناء أو يسكت وقال المتولي أو يقول أشهد وقال الغزالي أو صدقت وبررت

ولا يشكل على هذا ما تقدم في الأذان من أن المصلي إذا أجاب به المؤذن تبطل صلاته لأنه لا ارتباط بين المصلي والمؤذن بخلاف الإمام والمأموم

هذا والأوجه


168

البطلان فيهما

قال في المجموع وغيره والمشاركة أولى

والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم دعاء فيؤمن لها كما صرح به المحب الطبري شارح التنبيه وقال الغزي ويحتمل أنها ثناء بل قيل يشاركه وإن قيل إنها دعاء لم يبعد ففي الخبر رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي اه ولذا قال بعض مشايخي الأولى أن يؤمن على إمامه ويقوله بعده والأول أوجه

وقيل يؤمن في الكل وقيل يوافقه في الكل كالاستعاذة وقيل يتخير بين التأمين والقنوت

هذا كله إذا قلنا يجهر به الإمام أو خالف السنة على القول الثاني وجهر به كما يؤخذ مما مر فيما إذا جهر بالسرية

أما إذا لم يجهر به أو جهر به ولم يسمعه فإنه يقنت كما قال ( فإن لم يسمعه ) لصمم أو بعد أو لعدم جهره به أو سمع صوتا لم يفسره ( قنت ) ندبا معه سرا كسائر الدعوات والأذكار التي لا يسمعها

( ويشرع ) أي يسن ( القنوت ) بعد التحميد ( في ) اعتدال أخيرة ( سائر ) أي باقي ( المكتوبات للنازلة ) أي التي نزلت كأن نزل بالمسلمين خوف أو قحط أو وباء أو جراد أو نحوها للاتباع لأنه صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يدعو على قاتلي أصحابه القراء ببئر معونة رواه الشيخان مع خبر صلوا كما رأيتموني أصلي

( لا مطلقا على المشهور ) لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقنت إلا عند النازلة

وخالفت بالصبح غيرها لشرفها ولأنها أقصر الفرائض فكانت بالزيادة أليق

والثاني يتخير بين القنوت وعدمه ويجهر به الإمام في الجهرية والسرية ويسر به المنفرد كما في قنوت الصبح

وخرج بالمكتوبات غيرها من نفل ومنذور وصلاة جنازة فلا يسن القنوت فيها ففي الأم ولا قنوت في صلاة العيدين والاستسقاء فإن قنت لنازلة لم أكرهه وإلا كرهته

قال في المهمات وحاصله أنه لا يسن في النفل وفي كراهته التفصيل اه

ويقاس على النفل في ذلك المنذور

قال شيخنا والظاهر كراهته مطلقا في صلاة الجنازة لبنائها على التخفيف وقضية إطلاق النازلة أنه لا فرق بين العامة والخاصة ببعضهم كالأسر ونحوه حتى يستحب له ولغيره وهذا هو الظاهر وإن كان كلامهم يشعر بخلافه

قال في المهمات وقد يقال بالمشروعية ويتجه أن يقال إن كان ضرره متعديا كأسر العالم والشجاع ونحوهما قنتوا وإلا فلا

( السابع ) من الأركان ( السجود ) مرتين لكل ركعة لقوله تعالى اركعوا واسجدوا ولخبر إذا قمت إلى الصلاة وإنما عدا ركنا واحدا لاتحادهما كما عد بعضهم الطمأنينة في محالها الأربعة ركنا واحدا لذلك

وهو لغة التطامن والميل وقيل الخضوع والتذلل ( و ) شرعا ( أقله مباشرة بعض جبهته مصلاه ) أي ما يصلي عليه من أرض أو غيرها لخبر إذا سجدت فمكن جبهتك ولا تنقر نقرا رواه ابن حبان في صحيحه ولخبر خباب بن الأرت شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا أي لم يزل شكوانا رواه البيهقي بسند صحيح ورواه مسلم بغير جباهنا وأكفنا

فلو لم تجب مباشرة المصلي بالجبهة لأرشدهم إلى سترها

وقيل يجب وضع جميعها

وعلى الأول يستحب بل الاقتصار على بعضها مكروه

وإنما اكتفى به لصدق اسم السجود عليها بذلك وخرج بها الجبين والأنف فلا يكفي وضعهما ولا يجب لما سيأتي

( فإن سجد على متصل به ) كطرف كمه الطويل أو عمامته ( جاز إن لم يتحرك بحركته ) لأنه في حكم المنفصل عنه فإن تحرك بحركته في قيام أو قعود أو غيرهما كمنديل على عاتقه لم يجز فإن كان متعمدا عالما بطلت صلاته أو ناسيا أو جاهلا لم تبطل وأعاد السجود

ولو صلى من قعود فلم يتحرك بحركته ولو صلى من قيام لتحرك لم يضر إذ العبرة بالحالة الراهنة هذا هو الظاهر وإن لم أر من تعرض له

ويؤخذ من كلامه أن الامتناع على اليد بطريق الأولى وخرج بمتصل به ما هو في حكم المنفصل

وإن تحرك بحركته كعود بيده فلا يضر السجود عليه كما في المجموع في نواقض الوضوء

وفرق بين صحة صلاته فيما إذا سجد على طرف ملبوسه ولم يتحرك بحركته وعدم صحتها فيما إذا كان به نجاسة بأن المعتبر هنا وضع جبهته على قرار للأمر بتمكينها كما مر

وإنما يخرج القرار بالحركة والمعتبر ثم أن لا يكون شيء مما ينسب إليه ملاقيا لها لقوله تعالى وثيابك فطهر والطرف المذكور من ثيابه ومنسوب إليه

ولو سجد على شيء في موضع سجوده كورقة فإن التصقت بجبهته وارتفعت معه وسجد عليها ثانيا ضر وإن نحاها ثم سجد لم يضر

ولو سجد على عصابة جرح أو نحوه لضرورة بأن شق عليه إزالتها لم يلزمه سجد على شعر نبت على جبهته لأن ما نبت عليها مثل بشرته ذكره البغوي في فتاويه ولم يطلع عليه الإسنوي فقال يحتمل الإجزاء مطلقا بدليل أنه لا يلزم المتيمم نزعه وهو متجه ثم قال وأوجه منه أنه إن استوعبت الجبهة كفى وإلا وجب أن يسجد على الخالي منه لقدرته على الأصل

( ولا يجب وضع يديه وركبتيه وقدميه ) في سجوده ( في الأظهر ) لقوله تعالى سيماهم في وجوههم من أثر السجود الإعادة لأنها إذا لم تلزمه مع الإيماء


169

للعذر فهذا أولى وكذا لو

وللخبر المتقدم إذا سجدت فمكن جبهتك فإفرادها بالذكر دليل على مخالفتها لغيرها ولأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز عن وضعها والإيماء بها لا يجب فلا يجب وضعها ولأن المقصود منه وضع أشرف الأعضاء على مواطيء الأقدام وهو خصيص بالجبهة

ويتصور رفع جميعها كأن يصلي على حجرين بينهما حائط قصير ينبطح عليه عند سجوده ويرفعها

( قلت الأظهر وجوبه والله أعلم ) لخبر الصحيحين أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين

وإنما لم يجب الإيماء بها عند العجز وتقريبها من الأرض كالجبهة لأن معظم السجود وغاية الخضوع بالجبهة دونها ويكفي وضع جزء من كل واحد من هذه الأعضاء كالجبهة

والعبرة في اليدين ببطن الكف سواء الأصابع والراحة قاله في المجموع وفي الرجلين ببطن الأصابع فلا يجزيء الظهر منها ولا الحرف ولا يجب كشفها بل يكره كشف الركبتين لأنه يفضي إلى كشف العورة وقيل يجب كشف باطن الكفين أخذا بظاهر خبر خباب السابق وأجيب عنه بأن قوله فيهفلم يشكنا في مجموع الجبهة والكفين وأيد بما رواه ابن ماجة أنه صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني الأشهل وعليه كساء ملفع به يضع يديه عليه يقيه الحصى

ويسن كشفهما خروجا من الخلاف وكشف قدميه حيث لا خف ويحصل توجيه أصابعهما للقبلة بأن يكون معتمدا على بطونهما

ثم محل وجوب وضع هذه الأعضاء إذا لم يتعذر وضع شيء منها وإلا فيسقط الفرض فلو قطعت يده من الزند لم يجب وضعه ولا وضع رجل قطعت أصابعها لفوت محل الفرض

فرع لو خلق له رأسان

وأربع أيد وأربع أرجل هل يجب عليه وضع بعض كل من الجبهتين وما بعدهما مطلقا أو يفصل بين أن يكون البعض زائدا أو لا لم أر من تعرض لذلك ولكن أفتاني شيخي فيها بأنه إن عرف الزائد فلا اعتبار به وإلا اكتفى في الخروج عن عهدة الوجوب بسبعة أعضاء منها أي إحدى الجبهتين ويدين وركبتين وأصابع رجلين إذا كانت كلها أصلية للحديث فإن اشتبه الأصلي بالزائد وجب وضع جزء من كل منها

( ويجب أن يطمئن ) لحديث المسيء صلاته ( وينال مسجده ) وهو بفتح الجيم وكسرها محل سجوده ( ثقل رأسه ) للخبر السابق وإذا سجدت فمكن جبهتك ومعنى الثقل أن يتحامل بحيث لو فرض تحته قطن أو حشيش لا تكبس وظهر أثره في يده لو فرضت تحت ذلك

واكتفى الإمام بإرخاء رأسه قال بل هو أقرب إلى هيئة التواضع من تكلف التحامل و ينال معناه يصيب ويحصل و مسجده هنا منصوب و ثقل فاعل

ولا يعتبر هذا في بقية الأعضاء كما يؤخذ من عبارة الروضة وأفتى به شيخي مخالفا فيه شيخه في شرح منهجه

وقال الزركشي أما غير الجبهة من الأعضاء إذا أوجبنا وضعه فلا يشترط فيها التحامل وحكي عن الإمام أن الذي صححه الأئمة أن يضع أطراف الأصابع على الأرض من غير تحامل عليها اه

وقال المصنف في تحقيقه ويندب أن يضع كفيه حذو منكبيه وينشر أصابعهما مضمومة للقبلة ويعتمد عليهما

( وأن لا يهوي لغيره ) أي السجود بأن يهوي له أو من غير قصد كما مر في الركوع ( فلو سقط لوجهه ) أي عليه من الاعتدال ( وجب العود إلى الاعتدال ) ليهوي منه لانتفاء الهوي في السقوط فإن سقط من الهوي لم يلزمه العود بل يحسب ذلك سجودا إلا إن قصد بوضع الجبهة الاعتماد عليها فقط فإنه يلزمه إعادة السجود لوجود الصارف

ولو سقط من الهوي على جنبه فانقلب بنية السجود أو بلا نية أو بنيته ونية الاستقامة وسجد أجزأه فإن نوى الاستقامة فقط لم يجزه لوجود الصارف بل يجلس ثم يسجد ولا يقوم ثم يسجد فإن قام عامدا بطلت صلاته


170

كما صرح به في الروضة وغيرها وإن نوى مع ذلك صرفه عن السجود بطلت صلاته لأنه زاد فعلا لا يزاد مثله في الصلاة عمدا

( وأن ترتفع أسافله ) أي عجيزته وما حولها ( على أعاليه في الأصح ) للاتباع كما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان فلو صلى في سفينة مثلا ولم يتمكن من ارتفاع ذلك لميلانها صلى على حاله ولزمه الإعادة لأن هذا عذر نادر

والثاني ونقله الرافعي في شرح السند عن النص أنه يجوز مساواتهما لحصول اسم السجود فلو ارتفعت الأعالي لم يجز جزما كما لو أكب على وجهه ومد رجليه نعم إن كان به علة لا يمكنه معها السجود إلا كذلك صح فإن أمكنه السجود على وسادة بتنكيس لزمه قطعا لحصول هيئة السجود بذلك أو بلا تنكيس لم يلزمه السجود عليها خلافا لما في الشرح الصغير لفوات هيئة السجود بل يكفيه الانحناء الممكن

ولا يشكل بما مر من أن المريض إذا لم يمكنه الانتصاب إلا باعتماده على شيء لزمه لأنه هناك إذا اعتمد على شيء أتى بهيئة القيام وهنا إذا وضع الوسادة لا يأتي بهيئة السجود فلا فائدة في الوضع

( وأكمله ) أي السجود ( يكبر ) المصلي ( لهويه ) لثبوته في الصحيحين ( بلا رفع ) ليديه لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع ذلك في السجود رواه البخاري

( ويضع ركبتيه ثم يديه ) أي كفيه للاتباع رواه أبو داود وغيره وحسنه الترمذي

( ثم ) يضع ( جبهته وأنفه ) مكشوفا للاتباع أيضا رواه أبو داود

فلو خالف الترتيب أو اقتصر على الجبهة كره نص عليه في الأم

ويسن أن يكون وضع الجبهة والأنف معا كما جزم به في المحرر ونقله في المجموع عن البندنيجي وغيره وإن قال في موضع آخر منه عن الشيخ أبي حامد هما كعضو واحد يقدم أيهما شاء

وإنما لم يجب وضع الأنف كالجبهة مع أن خبر أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ظاهره الوجوب للأخبار الصحيحة المقتصرة على الجبهة

قالوا وتحمل أخبار الأنف على الندب

قال في المجموع وفيه ضعف لأن روايات الأنف زيادة ثقة ولا منافاة بينهما

( ويقول ) بعد ذلك الإمام وغيره ( سبحان ربي الأعلى ثلاثا ) للحديث السابق في الركوع ولا يزيد الإمام على ذلك تخفيفا على المأمومين

( ويزيد المنفرد ) وإمام قوم محصورين راضين بالتطويل ( اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين ) للاتباع رواه مسلم زاد في الروضة قبل تبارك بحوله وقوته قال فيها ويستحب فيه سبوح قدوس رب الملائكة والروح

ويسن للمنفرد ولإمام قوم محصورين راضين بالتطويل الدعاء فيه وعلى ذلك حمل خبر مسلم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا فيه الدعاء وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول فيه اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ويأتي المأموم بما أمكنه من ذلك من غير تخلف

( ويضع يديه ) في سجوده ( حذو منكبيه ) أي مقابلهما للاتباع رواه أبو داود وصححه المصنف

( وينشر أصابعه مضمومة ) ومكشوفة ( للقبلة ) للاتباع رواه في الضم والنشر البخاري وفي الباقي البيهقي

( ويفرق ) الذكر ( ركبتيه ) وبين قدميه قدر شبر ( ويرفع بطنه عن فخذيه ومرفقيه عن جنبيه في ركوعه وسجوده ) للاتباع كما ثبت في الأحاديث الصحيحة

وقوله في ركوعه وسجوده يعود إلى الثلاث

( وتضم المرأة والخنثى ) وهو من زيادته على المحرر بعضها إلى بعض في ركوعهما وسجودهما بأن يلصقا بطنهما بفخذيهما لأنه أستر لها وأحوط له وفي المجموع عن نص الأم أن المرأة تضم في جميع الصلاة أي المرفقين إلى الجنبين لما تقدم والخنثى مثلها قال


171

السبكي وكان الأليق ذكر هذه الصفات قبل قوله سبحان ربي الأعلى

وبرفع كل منهم ذراعيه عن الأرض فإن لحقه مشقة بالاعتماد على كفيه كأن طول المنفرد سجوده وضع ساعديه على ركبتيه كما قاله المتولي وغيره

( الثامن ) من الأركان ( الجلوس بين سجدتيه مطمئنا ) ولو في نفل لحديث المسيء صلاته

وفي الصحيحين كان صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه لم يسجد حتى يستوي جالسا

وهذا فيه رد على أبي حنيفة حيث يقول يكفي أن يرفع رأسه عن الأرض أدنى رفع كحد السيف

( ويجب أن لا يقصد برفعه غيره ) لما مر في الركوع فلو رفع فزعا من شيء لم يكف ويجب عليه أن يعود إلى السجود

( وأن لا يطوله ولا الاعتدال ) لأنهما ركنان قصيران ليسا مقصودين لذاتهما بل للفصل وسيأتي حكم تطويلهما في سجود السهو إن شاء الله تعالى

هذا أقله ( وأكمله يكبر ) بلا رفع يد مع رفع رأسه من سجوده للاتباع رواه الشيخان

( ويجلس مفترشا ) وسيأتي بيانه للاتباع رواه الترمذي وقال حسن صحيح ولأن جلوسه يعقبه حركة فكان الافتراش فيه أولى لأنه على هيئة المستوفز

وروى البويطي عن الشافعي أنه يجلس على عقبيه ويكون صدور قدميه على الأرض وتقدم أن هذا نوع من الإقعاء مستحب والافتراش أفضل منه

( واضعا يديه ) أي كفيه على فخذيه ( قريبا من ركبتيه ) بحيث تساوي رؤوس أصابعه ركبتيه

( وينشر أصابعه ) إلى القبلة قياسا على السجود وغيره ولا يضر انعطاف رؤوسها على الركبة كما قاله الشيخان وإن أنكره ابن يونس وقال ينبغي تركه لأنه يخل بتوجيهها للقبلة

وترك اليدين حواليه على الأرض كإرسالهما في القيام وسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى

( قائلا رب اغفر لي وارحمني وأجبرني وارفعني وارزقني وأهدني وعافني ) للإتباع روى بعضه أبو داود وباقيه ابن ماجة

و ارفعني وارحمني ليستا في المحرر والشرح وأسقط من الروضة ذكر ارفعني وزاد في الإحياء واعف عني بعد قوله وعافني

وفي تحرير الجرجاني يقول رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم

وفي رواية لمسلم أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف أقول حين أسأل ربي قال قل اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك أي لأن الغفر الستر والعافية اندفاع البلاء عن البعد

والأرزاق نوعان ظاهرة للأبدان كالأقوات وباطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم

( ثم يسجد ) السجدة ( الثانية كالأولى ) في الأقل والأكمل كما قاله في المحرر

فائدة ما الحكمة في جعل السجود مرتين دون غيره قيل لأن الشارع لما أمر بالدعاء فيه وأخبر بأنه حقيق بالإجابة سجد ثانيا شكرا لله تعالى على الإجابة كما هو المعهود فيمن سأل ملكا شيئا فأنعم عليه به

وقيل لأنه أبلغ في التواضع

وقيل لأنه لما ترقى فقام ثم ركع ثم سجد وأتى بنهاية الخدمة أذن له في الجلوس فسجد ثانيا شكرا لله على استخلاصه إياه

وقيل لأنه لما عرج به صلى الله عليه وسلم إلى السماء فمن كان من الملائكة قائما سلموا عليه قياما ثم سجدوا شكرا لله تعالى على رؤيته صلى الله عليه وسلم ومن كان منهم راكعا رفعوا رؤوسهم من الركوع وسلموا عليه ثم سجدوا شكرا لله تعالى على رؤيته فلذلك صار السجود مثنى مثنى ومن كان منهم ساجدا رفعوا رؤوسهم وسلموا عليه ثم سجدوا شكرا لله تعالى على رؤيته فلم يرد الله أن يكون للملائكة حال إلا وجعل لهذه الأمة حالا مثل حالهم قاله القرطبي

وقيل إشارة إلى أنه خلق من الأرض وسيعود إليها وقيل غير ذلك

وجعل المصنف للسجدتين ركنا واحدا وصححه في البيان والأصح كما في الوسيط أنهما ركنان

وفائدة الخلاف كما قاله في الكفاية تظهر في المأموم إذا تقدم على إمامه في الأفعال أو تأخر عنه وقدمت الجواب عنه عند قوله السابع السجود

( والمشهور سن جلسة


172

خفيفة ) للاستراحة ( بعد السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها ) بأن لا يعقبها تشهد ولم يصل قاعدا للاتباع رواه البخاري

والثاني لا تسن لخبر وائل بن حجر أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من السجود استوى قائما

وأجاب الأول بأن الحديث غريب أو محمول على بيان الجواز

وشمل قوله كل ركعة الفرض والنفل وهو كذلك وخرج سجدة التلاوة والشكر إذا قام عنها كما سيأتي في بابها إن شاء الله تعالى

وهل المراد بقوله يقوم عنها فعلا أو مشرعية صرح البغوي في فتاويه بالأول فقال إذا صلى أربع ركعات بتشهد فإنه يجلس للاستراحة في كل ركعة منها لأنها إذا ثبتت في الأوتار ففي محل التشهد أولى ولو تركها الإمام وأتى بها المأموم لم يضر تخلفه لأنه يسير وبه فارق ما لو ترك التشهد الأول

ويكره تطويلها على الجلوس بين السجدتين ذكره في التتمة

ويؤخذ منه أن الصلاة لا تبطل بتطويلها كما أفتى به شيخي وإن خالفه بعض العصريين له والأصح أنها فاصلة بين الركعتين لا من الأولى ولا من الثانية

ويسن أن يمد التكبير من الرفع من السجود إلى القيام لا أنه يكبر تكبيرتين

( التاسع والعاشر والحادي عشر ) من الأركان ( التشهد ) سمي بذلك لأن فيه الشهادتين فهو من باب تسمية الكل باسم الجزء

( وقعوده والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ) في آخره والقعود لها على ما سيأتي تفصيله

( فالتشهد وقعوده إن عقبهما سلام ) فهما ( ركنان ) أما التشهد فلقول ابن مسعود كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد السلام على الله قبل عباده السلام على جبريل السلام على ميكائيل السلام على فلان فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام ولكن قولوا التحيات لله إلخ

رواه الدارقطني والبيهقي وقالا إسناده صحيح والدلالة منه من وجهين أحدهما التعبير بالفرض والثاني الأمر به والمراد فرضه في جلوس آخر الصلاة لما سيأتي

وأما الجلوس له فلأنه محله فيتبعه

وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والجلوس لها فسيأتي الكلام عليهما

( وإلا ) أي وإن لم يعقبهما سلام ( فسنتان ) للأخبار الصحيحة وصرفنا عن وجوبهما خبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قام من ركعتين من الظهر ولم يجلس فلما قضى صلاته كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل السلام ثم سلم دل عدم تداركهما على عدم وجوبهما

( وكيف قعد ) في جلسات الصلاة ( جاز و ) لكن ( يسن في ) قعود التشهد ( الأول الافتراش فيجلس على كعب يسراه ) بعد أن يضجعها بحيث يلي ظهرها الأرض كما صرح به في المحرر ( وينصب يمناه ) أي قدمها ( ويضع أطراف أصابعه ) منها على الأرض متوجهة

( للقبلة و ) يسن ( في ) التشهد ( الآخر ) وما معه ( التورك وهو كالافتراش لكن يخرج يسراه من جهة يمينه ويلصق وركه بالأرض ) للاتباع كما أخرجه البخاري والحكمة في المخالفة بين الأخير وغيره من بقية الجلسات أن المصلي مستوفز فيها للحركة بخلافه في الأخير والحركة عن الافتراش أهون

( والأصح ) وفي الروضة الصحيح ( يفترش المسبوق ) في التشهد الأخير لإمامه لاستيفازه للقيام ( والساهي ) في تشهده الأخير إذا لم يرد عدم سجود السهو بأن أراد السجود أو لم يرد شيئا لاحتياجه إلى السجود بعده

أما القسم الأول فظاهر

وأما الثاني فنظرا إلى الغالب من السجود مع قيام سببه

أما إذا أراد عدم السجود فيتورك لفقد الحركة

( ويضع فيهما ) أي التشهدين وما معهما ( يسراه على طرف ركبته ) اليسرى بحيث تسامت رؤوسها الركبة ( منشورة الأصابع ) للاتباع رواه مسلم ( بلا ضم ) بل يفرجها تفريجا وسطا وهكذا كل موضع أمر فيه بالتفريج

( قلت الأصح الضم والله أعلم ) لأن تفريجها يزيل


173

الإبهام عن القبلة فيضمها ليتوجه جميعها للقبلة

وهذا جرى على الغالب وإلا فمن يصلي داخل البيت فإنه يضم مع أنه لو فرجها هو متوجه للقبلة وكذا يسن لمن لا يحسن التشهد وجلس له فإنه يسن في حقه ذلك وكذا لو صلى من اضطجاع أو استلقاء عند جواز ذلك ولم أر من تعرض لهذا

( ويقبض من يمناه ) بعد وضعها على فخذه اليمنى ( الخنصر والبنصر ) بكسر أولهما وثالثهما ( وكذا الوسطى في الأظهر ) للاتباع كما رواه مسلم

والثاني يحلق بين الوسطى والإبهام لرواية أبي داود عن فعله صلى الله عليه وسلم بذلك

وفي كيفية التحليق وجهان أصحهما أن يحلق بينهما برأسيهما والثاني يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام

( ويرسل المسبحة ) على القولين وهي بكسر الباء التي تلي الإبهام سميت بذلك لأنه يشار بها إلى التوحيد والتنزيه وتسمى أيضا السبابة لأنه يشار بها عند المخاصمة والسب

( ويرفعها ) مع إمالتها قليلا كما قاله المحاملي وغيره ( عند قوله إلا الله ) للاتباع رواه مسلم من غير ذكر إمالة

ويسن أن يكون رفعها إلى القبلة ناويا بذلك التوحيد والإخلاص ويقيمها ولا يضعها كما قاله نصر المقدسي

وخصت المسبحة بذلك لأن لها اتصالا بنياط القلب فكأنها سبب لحضوره

والحكمة في ذلك هي الإشارة إلى أن المعبود سبحانه وتعالى واحد ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد

وتكره الإشارة بمسبحته اليسرى ولو من مقطوع اليمنى قال الولي العراقي بل في تسميتها مسبحة نظر فإنها ليست آلة التنزيه والرفع عند الهمزة لأنه حال إثبات الوحدانية لله تعالى وقيل يشير بها في جميع التشهد

( ولا يحركها ) عند رفعها لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يفعله رواه أبو داود من رواية عبد الله بن الزبير

وقيل يحركها لأن وائل بن حجر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله

قال البيهقي والحديثان صحيحان

قال الشارح وتقديم الأول النافي على الثاني المثبت لما قام عندهم في ذلك اه

ولعله طلب عدم الحركة في الصلاة بل قيل إنه حرام مبطل للصلاة

وعلى الأول يكره ولا تبطل

( والأظهر ضم الإبهام إليها ) أي المسبحة ( كعاقد ثلاثة وخمسين ) بأن يضعها تحتها على طرف راحته لحديث ابن عمر في مسلم كان عليه الصلاة والسلام إذا قعد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثة وخمسين وأشار بالسبابة

والثاني يضع الإبهام على الوسطى كعاقد ثلاثة وعشرين رواه مسلم أيضا عن ابن الزبير

وإنما عبر الفقهاء بالأول دون الثاني تبعا لرواية ابن عمر

واعترض في المجموع قولهم كعاقد ثلاثة وخمسين فإن شرطه عند أهل الحساب أن يضع الخنصر على البنصر وليس مرادا هنا بل مرادهم أن يضعها على الراحة كالبنصر والوسطى وهي التي يسمونها تسعة وخمسين ولم ينطقوا بها تبعا للخبر

وأجاب في الإقليد بأن عبرة وضع الخنصر على البنصر في عقد ثلاثة وخمسين وهي طريقة أقباط مصر ولم يعتبر غيرهم فيها ذلك وقال في الكفاية عدم اشتراط ذلك طريقة المتقدمين اه

وقال ابن الفركاح إن عدم الاشتراط طريقة لبعض الحساب وعليه يكون لتسعة وخمسين هيئة أخرى أو تكون الهيئة الواحدة مشتركة بين العددين فيحتاج إلى قرينة

واعلم أن الخلاف في الأفضل فكيف فعل المصلي من الهيئات كأن أرسل الإبهام مع المسبحة أو وضعه على الوسطى أو حلق بينهما بإحدى الكيفيتين المتقدمتين أو جعل رأسها بين عقدتيه أتى بالسنة لورود الأخبار بها جميعا وكأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل مرة كذا ومرة كذا ولعل مواظبته على الأول أكثر فلذا كان أفضل وقال ابن الرفعة وصححوا الأول لأن روايته أفقه

فائدة الإبهام من الأصابع مؤنث ولم يحك الجوهري غيره

وحكى في شرح المجمل التذكير والتأنيث وجمعها أباهم على وزن أكابر وقال الجوهري أباهيم بزيادة ياء

وقيل كانت سبابة قدم النبي صلى الله عليه وسلم أطول من الوسطى والوسطى أطول من البنصر والبنصر أطول من الخنصر وعبارة الدميري توهم أن ذلك في يده

( والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض في التشهد ) الذي يعقبه سلام وإن لم يكن للصلاة تشهد أول كما في صلاة الصبح والجمعة فقوله ( الأخير ) جرى


174

على الغالب من أن أكثر الصلوات الخمس لها تشهدان لقوله تعالى صلوا عليه قالوا وقد أجمع العلماء على أنها لا تجب في غير الصلاة فتعين وجوبها فيها والقائل بوجوبها مرة في غيرها محجوج بإجماع من قبله ولحديث قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد إلخ متفق عليه وفي رواية كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا فقال قولوا إلخ رواها الدارقطني وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال إنه على شرط مسلم

والمناسب لها من الصلاة التشهد آخرها فتجب فيه أي بعده كما صرح به في المجموع

وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه في الوتر كما رواه أبو عوانة في مسنده وقال صلوا كما رأيتموني أصلي ولم يخرجها شيء عن الوجوب بخلافها في التشهد الأول لما مر فيه

وأما عدم ذكرها في خبر المسيء صلاته فمحمول على أنها كانت معلومة له ولهذا لم يذكر له التشهد والجلوس له والنية والسلام

وإذا وجبت الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وجب القعود لها بالتبعية ولا يؤخذ وجوب القعود لها من عبارة المصنف فلو أخر القعود فقال والقعود لهما كان أولى

( والأظهر سنها في الأول ) أي الإتيان بها فيه أي بعده تبعا له لأنها ذكر يجب في الأخير فيسن في الأول كالتشهد والثاني لا تسن فيه لبنائه على التخفيف

( ولا تسن ) الصلاة ( على الآل في ) التشهد ( الأول على الصحيح ) لبنائه على التخفيف والثاني تسن فيه كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه إذ لا تطويل في قوله وآله أو آل محمد وكذا اختاره الأذرعي

وقال المصنف في التنقيح إن التفرقة بينهما فيها نظر فينبغي أن يسنا جميعا أو لا يسنا ولا يظهر فرق مع ثبوت الجمع بينهما في الأحاديث الصحيحة اه

والخلاف كما في الروضة وأصلها مبني على وجوبها في الأخير فإن لم تجب فيه وهو الراجح كما سيأتي لم تسن في الأول جزما وسيأتي تعريف الآل في كتاب قسم الصدقات إن شاء الله تعالى

وما رجحه المصنف من أن الخلاف وجهان رجحه في مجموعه ورجح في الروضة أنه قولان

( وتسن في ) التشهد ( الآخر وقيل تجب ) فيه لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد والأمر يقتضي الوجوب ويجري الخلاف في الصلاة على إبراهيم صلى الله عليه وسلم كما حكاه في البيان عن صاحب الفروع ( وأكمل التشهد مشهور ) ورد فيه أحاديث صحيحة بألفاظ مختلفة اختار الشافعي رضي الله تعالى عنه منها خبر ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد فكان يقول التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله رواه مسلم على رواية ابن مسعود

وهي التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وعلى رواية عمر وهي التحيات لله الزاكيات لله الطيبات لله الصلوات لله السلام عليك إلى قوله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله لزيادة المباركات فيه ولموافقة قوله تعالى تحية من عند الله مباركة طيبة ولتأخره عن تشهد ابن مسعود

قال المصنف وكلها مجزئة يتأدى بها الكمال وأصحها خبر ابن مسعود ثم خبر ابن عباس وعلل بما ذكر أي فالاختيار من حيث الأفضلية

( وأقله التحيات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله )

قال في المجموع لورود إسقاط المباركات وما يليها في بعض الروايات

واعترض بأن إسقاط المباركات صحيح ثبت في الصحيحين وأما الصلوات والطيبات فلم يرد إسقاطهما في شيء من التشهدات التي ذكرها وصرح الرافعي بأن حذفهما لم يرد وعلل الجواز بكونهما تابعين للتحيات وجعل الضابط في جواز الحذف إما الإسقاط في رواية وإما التبعية

وقد يجاب بأنها قد تكون سقطت في غير الروايات التي ذكرها وبأن الرافعي ناف والمصنف مثبت والمثبت مقدم على النافي


175

وتعريف السلام أفضل كما قال المصنف من تنكيره لكثرته في الأخبار وكلام الشافعي ولزيادته وموافقته التحلل وصحح الرافعي أنهما سواء

وقيل تنكيره أفضل ولا يسن في أول التشهد بسم الله وبالله على الأصح والحديث فيه ضعيف

والتحيات جمع تحية وهي ما يحيا بها من سلام وغيره

وقيل الملك وقيل العظمة وقيل السلامة من الآفات وجميع وجوه النقص والقصد بذلك الثناء على الله تعالى بأنه مالك لجميع التحيات من الخلق وإنما جمعت لأن كل واحد من الملوك كان له تحية معروفة يحيا بها

ومعنى المباركات الناميات

والصلوات الصلوات الخمس وقيل كل الصلوات والطيبات الأعمال الصالحة وقيل الثناء على الله تعالى وقيل ما طاب من الكلام

والسلام قيل معناه اسم السلام أي اسم الله عليك

وقيل معناه سلم الله عليك ومن سلم الله عليه سلم

وعلينا أي الحاضرين من إمام ومأموم وملائكة وغيرهم

والعباد جمع عبد

والصالحين جمع صالح وهو القائم بما عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده

والرسول هو الذي يبلغ خبر من أرسله

تنبيه قضية كلام المصنف عدم اشتراط ترتيب التشهد لأنه ذكره بغير حرف عطف وهو الأصح لكن محله ما لم يغير ترك الترتيب المعنى فإن غيره لم يصح قطعا وتبطل صلاته إن تعمد كما في المجموع

وقضيته أيضا عدم اشتراط الموالاة ولكن الراجح وجوبها كما في التتمة وقال ابن الرفعة إنه قياس ما مر في قراءة الفاتحة

( وقيل يحذف وبركاته ) للغني عنه برحمة الله

وقيل يحذف ( والصالحين ) للغنى عنه بإضافة العباد إلى الله تعالى لانصرافه إلى الصالحين كما في قوله تعالى عينا يشرب بها عباد الله واعترض البلقيني على المصنف بأن ما صححه هنا في أقل التشهد من لفظة وبركاته مخالف لقوله إنه لو تشهد بتشهد ابن مسعود أو غيره جاز فإنه ليس في تشهد عمر وبركاته

وأجيب عنه بأن المراد به أنه لو تشهد عمر بكماله أجزأه فأما كونه يحذف بعض تشهد عمر اعتمادا على أنه ليس في تشهد غيره ويحذف وبركاته لأنها ليست في تشهد عمر فقد لا يكفي لأنه لم يأت بالتشهد على واحدة من الكيفيات المروية

( و ) قيل ( يقول وأن محمدا رسوله ) بدل وأشهد إلخ لأنه يؤدي معناه

( قلت الأصح ) يقول ( وأن محمدا رسول الله وثبت في صحيح مسلم والله أعلم ) قال الشارح لكن بلفظ وأن محمدا عبده ورسوله فالمراد إسقاط أشهد أشار بذلك إلى دفع اعتراض الإسنوي وهو أن الثابت في ذلك ثلاث كيفيات إحداها وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رواه الشيخان من حديث ابن مسعود

الثانية وأشهد أن محمدا رسول الله رواه مسلم

الثالثة وأن محمدا عبده ورسوله بإسقاط وأشهد رواه مسلم أيضا من رواية أبي موسى فليس ما قاله واحدا من الثلاثة لأن الإسقاط إنما ورد مع زيادة العبد اه

وأجاب عنه الغزي أيضا بأن قصد المصنف الرد على الرافعي في تضعيفه إسقاط لفظة أشهد الثانية فقال هي ثابتة في صحيح مسلم فهذا القدر هو مقصود المصنف والباقي لم يقع عن قصد اه

وبالجملة فالاعتراض قوي

وقال الأذرعي الصواب إجزاء وأن محمدا رسوله لثبوته في تشهد ابن مسعود بلفظ عبده ورسوله وقد حكوا الإجماع على جواز التشهد بالروايات كلها ولا أعلم أحدا اشترط لفظة عبده اه

وهذا هو المعتمد كما اعتمده شيخي لما ذكر

( وأقل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله ) حيث أوجبنا الصلاة على الآل في التشهد الأخير أو سنناها في الأول على المرجوح فيهما أو سنناها على الراجح في الأخير ( اللهم صل على محمد وآله ) لحصول اسم الصلاة المأمور بها في قوله تعالى صلوا عليه وسلموا تسليما

فإن قيل لم يأت بما في الآية لأن فيها اسم السلام ولم يأت به أجيب بأنه حصل بقوله السلام عليك إلخ وأكمل من هذا أن يقول وعلى آل محمد ولا يتعين هذا اللفظ وإن كان ظاهر كلام المصنف تعين تسمية محمد وصرح به القاضي حسين فلو قال صلى الله على محمد أو على رسوله أو على النبي كفى دون عليه وكذا على أحمد كما صححه في التحقيق والأذكار

( والزيادة ) على ذلك ( إلى ) قوله ( حميد


176

مجيد ) الواردة فيه وهي اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وفي الأذكار وغير الأفضل أن يقول اللهم صلي على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وكذا في التحقيق

قال في المهمات واشتهر زيادة سيدنا قبل محمد وفي كونها أفضل نظر وفي حفظي أن الشيخ عز الدين بناه على أن الأفضل سلوك الأدب أم امتثال الأمر فعلى الأول يستحب دون الثاني اه

وظاهر كلامهم اعتماد الثاني

ونقل الرافعي عن الصيدلاني أن من الناس من يزيد وارحم محمدا كما ترحمت على إبراهيم وربما يقولون كما رحمت قال وهذا لم يرد في الخبر وقال المصنف إنه بدعة

( سنة في ) التشهد ( الآخر ) بخلاف الأول فلا تسن فيه كما لا تسن فيه الصلاة على الآل لبنائه على التخفيف كما مر

قال الأذرعي وهذا حسن للمنفرد وإمام الراضين بالتطويل دون غيرهما بل في مختصر الجويني وغيره أن السنة أن لا يزيد الإمام هنا على اللهم صل على محمد وعلى آل محمد اه

وظاهر كلام الأصحاب يخالفه

وآل إبراهيم كما قال الزمخشري إسماعيل وإسحاق وأولادهما

فائدة قال محمد بن أبي بكر البارزي كل الأنبياء بعد سيدنا إبراهيم الخليل من ولد إسحاق إلا نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه من إسماعيل عليه السلام وعلى بقية الأنبياء

وإنما خص إبراهيم بالذكر لأن الصلاة من الله هي الرحمة ولم تجمع الرحمة والبركة لنبي غيره قال تعالى رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد فسأل صلى الله عليه وسلم إعطاء ما تضمنته هذه الآية مما سبق إعطاؤه لإبراهيم

فإن قيل تقرر أن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء فكيف يسأل أن يصلي عليه كما صلى على إبراهيم أجيب بأن الكلام قد تم عند قوله اللهم صل على محمد واستأنف وعلى آل محمد إلخ

والحميد الذي يحمد فعله

والمجيد الكامل الشرف

( وكذا ) يسن ( الدعاء بعده ) أي التشهد الآخر بما اتصل به من الصلاة المذكورة للإمام وغيره لخبر إذا قعد أحدكم للصلاة فليقل التحيات لله إلى آخرها ثم ليختر من المسألة ما شاء أو ما أحب رواه مسلم وفي رواية للترمذي ثم يدعو بما شاء وفي رواية للبخاري ثم ليختر من الدعاء أحبه إليه فيدعو به بل يكره تركه كما هو قضية النص وقضية إطلاقه كالروضة وأصلها أنه لا فرق في الدعاء بين الديني والدنيوي

وقال الماوردي وغيره إنه سنة في الديني مباح في الدنيوي واستحسن

ولو دعا بدعاء محرم بطلت صلاته كما في الشامل

واحترز بقوله بعده عن التشهد الأول فإنه يكره فيه الدعاء طلبا للتخفيف

( ومأثوره ) بالمثلثة أي منقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أفضل ) من غيره لتنصيص الشارع عليه

( ومنه ) أي المأثور ( اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت إلى آخره ) وهو وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت

رواه مسلم من حديث علي رضي الله تعالى عنه وروى أيضا من رواية أبي هريرة إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال

وأوجب بعض العلماء هذا الدعاء

وقال أبو الوليد النيسابوري إن المراد بالتأخر في الحديث الأول إنما هو بالنسبة لما وقع لاستحالة الاستغفار قبل الذنب

ورد بأن الطلب قبل الوقوع أن يغفر إن وقع لا يستحيل بل المستحيل طلب المغفرة قبل الوقوع

والمراد بالمحيا والممات في الحديث الثاني هما الحياة والموت

وسمي الدجال بالمسيح لأنه يمسح الأرض كلها أي يطوفها إلا مكة والمدينة وقيل غير ذلك

وسمي الدجال لكذبه وتمويهه

وروى البخاري اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا بالمثلثة في أكثر الروايات وفي بعضها بالباء الموحدة ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم

( ويسن أن لا يزيد ) الإمام في الدعاء ( على قدر ) أقل ( التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ) كما قاله العمراني نقلا عن الأصحاب لأنه تبع لهما

وقضية كلام المصنف كأصله أن المساواة لا يطلب تركها ولكن الأفضل كما في الروضة وأصلها أن يكون أقل منهما وهو المنصوص في الأم والمختصر فإن زاد عليهما لم


177

يضر لكن يكره التطويل بغير رضا المأمومين وخرج بالإمام غيره فيطيل ما أراد ما لم يخف وقوعه به في سهو كما جزم به جمع ونص عليه في الأم وقال فإن لم يزد على ذلك كرهته

وممن جزم بذلك المصنف في مجموعه فإنه ذكر النص ولم يخالفه

( ومن عجز عنهما ) أي التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ناطق والكلام في الواجبين لما سيأتي ( ترجم ) عنهما وجوبا لأنه لا إعجاز فيهما

أما القادر فلا يجوز له ترجمتهما وتبطل به صلاته

( ويترجم للدعاء ) المندوب ( الذكر المندوب ) ندبا كالقنوت وتكبيرات الانتقالات وتسبيحات الركوع والسجود ( العاجز ) لعذره ( لا القادر ) لعدم عذره ( في الأصح ) فيهما كالواجب لحيازة الفضيلة

والثاني يجوز للقادر أيضا لقيام غير العربية مقامها في أداء المعنى

والثالث لا يجوز لهما إذ لا ضرورة إليهما بخلاف الواجب

ولفظ المندوب زاده على المحرر ولو عبر بالمأثور كان أولى فإن الخلاف المذكور محله في المأثور أما غير المأثور بأن اخترع دعاء أو ذكرا بالعجمية في الصلاة فلا يجوز كما نقله الرافعي عن الإمام تصريحا في الأولى واقتصر عليها في الروضة وإشعارا في الثانية وتبطل به صلاته

( الثاني عشر ) من الأركان ( السلام ) لخبر مسلم تحريمها التكبير وتحليلها التسليم قال الحاكم صحيح على شرط مسلم

قال القفال الكبير والمعنى في السلام أن المصلي كان مشغولا عن الناس وقد أقبل عليهم

( وأقله السلام عليكم ) مرة فلا يجزيء السلام عليهم ولا تبطل به صلاته لأنه دعاء لغائب ولا عليك ولاعليكما ولا سلامي عليكم ولا سلام عليكم بلا تنوين فإن تعمد ذلك مع علمه بالتحريم بطلت صلاته ويجزيء عليكم السلام مع الكراهة كما نقله في المجموع عن النص

( والأصح جواز سلام عليكم ) بالتنوين كما في التشهد لأن التنوين يقوم مقام الألف واللام

( قلت الأصح المنصوص لا يجزئه والله أعلم ) لأنه لم ينقل لأن الأحاديث قد صحت بأنه صلى الله عليه وسلم كان يقول السلام عليكم ولم ينقل عنه خلافه بخلاف سلام التشهد فإنه ورد فيه التعريف والتنكير

فإن قيل عليكماالسلام ولم يرد وقلتم فيه بالإجزاء أجيب بأن الصيغة الواردة فيه ولكنها مقلوبة ولذاكره

( و ) الأصح ( أنه لا تجب نية الخروج ) من الصلاة قياسا على سائر العبادات ولأن النية السابقة منسحبة على جميع الصلاة ولكن تسن خروجا من الخلاف

والثاني تجب مع السلام ليكون الخروج كالدخول فيه بنية وعلى هذا يجب قرنها بالتسليمة الأولى فإن قدمها عليها أو أخرها عنها عامدا بطلت صلاته

واستثنى الإمام على الأول ما إذا سلم المتطوع في أثناء صلاته قصدا فإن قصد التحلل يفيد الاقتصار على بعض ما نوى

وإن سلم عمدا ولم يقصد التحلل كان كلاما عمدا مبطلا وحينئذ فلا بد من قصد التحلل في حق المتنفل الذي يريد الاقتصار على بعض ما نواه والفرق بينه وبين قصد التحلل في آخر الصلاة أن المتنفل المسلم في أثناء صلاته يأتي بما لم تشتمل عليه نية عقده فلا بد من قصده

( وأكمله السلام عليكم ورحمة الله ) لأنه المأثور

ولا تسن زيادة وبركاته كما صححه في المجموع وصوبه

( مرتين ) إلا أن يعرض له عقب الأولى ما ينافي صلاته فيجب الاقتصار على الأولى وذلك كأن خرج وقت الجمعة بعد الأولى أو انقضت مدة المسح أو شك فيها أو تخرق الخف أو نوى القاصر الإقامة أو انكشفت عورته أو سقط عليه نجس لا يعفى عنه أو تبين له خطؤه في الاجتهاد أو عتقت أمة مكشوفة الرأس ونحوه أو وجد العاري سترة ذكره في الخادم

ويسن إذا أتى بهما أن يفصل بينهما كما صرح به الغزالي في الإحياء وأن تكون الأولى ( يمينا و ) الأخرى ( شمالا ) للاتباع رواه ابن حبان وغيره

( ملتفتا في ) التسليمة ( الأولى حتى يرى خده الأيمن ) فقط لا خداه ( وفي ) التسليمة ( الثانية ) حتى يرى خده ( الأيسر ) كذلك فيبتديء السلام مستقبل القبلة ثم يلتفت ويتم سلامه بتمام التفاته لما في مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص قال كنت أرى النبي


178

صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده وفي رواية الدارقطني كان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده وعن يساره حتى يرى بياض خده

( ناويا السلام ) بمرة اليمين الأولى ( على من عن يمينه و ) بمرة اليسار على من عن ( يساره ) وبأيهما شاء على محاذيه وإن لم يفهم من عبارته قياسا على ما سيأتي

( من ملائكة و ) مؤمني ( إنس وجن ) إماما كان أو مأموما وأما المنفرد فينوي بالمرتين على الملائكة كما في الروضة وأصلها وعلى مؤمني الإنس والجن كما يؤخذ مما مر

( وينوي الإمام ) زيادة على ما مر ( السلام على المقتدين ) من عن يمينه بالمرة الأولى ومن عن يساره بالثانية وعلى من خلفه بأيهما شاء

( وهم ) أي المقتدون ينوون ( الرد عليه ) وعلى من سلم عليهم من المأمومين فينويه من عن يمين المسلم من إمام ومأموم بالتسليمة الثانية ومن على يساره بالأولى وعلى من خلفه وأمامه بأيهما شاء

والأولى أولى لأنه قد اختلف الترجيح في الثانية هل هي من الصلاة أو لا فصححا في الجمعة أنها ليست من الصلاة وصححا في آخر صلاة الجماعة أنها منها والمعتمد الأول

فإن قيل كيف ينوي من على يسار الإمام الرد عليه بالأولى لأن الرد إنما يكون بعد السلام والإمام إنما ينوي السلام من على يساره بالثانية فكيف يرد عليه قبل أن يسلم أجيب بأن هذا مبني على أن المأموم إنما يسلم الأولى بعد فراغ الإمام من التسليمتين كما سيأتي والأصل في ذلك حديث علي رضي الله تعالى عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن معهم من المسلمين والمؤمنين رواه الترمذي وحسنه وحديث سمرة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرد على الإمام وأن نتحاب وأن يسلم بعضنا على بعض رواه أبو داود وغيره

فإن قيل قولهم ينوي السلام على المقتدين لا معنى للنية فإن الخطاب كان في الصرف إليهم فلا معنى للنية والصريح لا يحتاج إلى نية كما لا يحتاج المسلم خارج الصلاة إذا سلم على قومه إلى نية في أداء السنة

أجيب بأنه لما عارض ذلك تحلل الصلاة احتاج إلى نية بخلافه خارجها

( الثالث عشر ) من الأركان ( ترتيب الأركان كما ذكرنا ) في عدها المشتمل على قرن النية بالتكبير وجعلهما مع القراءة في القيام وجعل التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في القعود فالترتيب عند من أطلقه مراد فيما عدا ذلك ومنه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإنها بعد التشهد كما جزم به في المجموع وتقدمت الإشارة إليه فهي مرتبة وغير مرتبة باعتبارين

ودليل وجوب الترتيب الاتباع كما في الأخبار الصحيحة مع خبر صلوا كما رأيتموني أصلي

وعده من الأركان بمعنى الفروض كما مر أول الباب صحيح وبمعنى الإجزاء فيه تغليب

ولم يتعرض المصنف هنا لعد الولاء ركنا وصوره الرافعي تبعا للإمام بعدم تطويل الركن القصير و ابن الصلاح بعدم طول الفصل بعد سلامه ناسيا

ومن صور فقد الولاء ما إذا شك في نية الصلاة ولم يحدث ركنا قوليا أو فعليا ومضى زمن طويل فتبطل صلاته كما مر لانقطاع نظمها ولم يعده الأكثرون ركنا لكونه كالجزء من الركن القصير أو لكونه أشبه بالتروك

وقال المصنف في تنقيحه الولاء والترتيب شرطان وهو أظهر من عدهما ركنين اه

والمشهور عد الترتيب ركنا والولاء شرطا

وأما السنن فترتيب بعضها على بعض كالاستفتاح والتعوذ وترتيبها على الفرائض كالفاتحة والسورة شرط في الاعتداد بها سنة لا في صحة الصلاة

( فإن تركه ) أي ترتيب الأركان ( عمدا ) بتقديم ركن فعلي ومن صوره ما ذكره المصنف بقوله ( بأن سجد قبل ركوعه ) أو ركع قبل قراءته أو سلم كأن سلم قبل سجوده ( بطلت صلاته ) إجماعا لتلاعبه

أما لو قدم ركنا قوليا غير سلام كتشهد على سجود أو قوليا على قولي كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على التشهد فإنها لا تبطل لكن يعتد بما قدمه بل يعيده

ولو عبر ب كأن بدل بأن لكان أولى لكن كثيرا ما يقع في كلامهما التعبير بأن مكان كأن وهو خلاف المصطلح عليه بينهم

( وإن سها )


179

أي ترك الترتيب سهوا ( فما ) فعله ( بعد المتروك لغو ) لوقوع في غير محله

( فإن تذكره ) أي المتروك ( قبل بلوغ ) فعل ( مثله ) من ركعة أخرى ( فعله ) بعد تذكره فورا فإن تأخر بطلت صلاته

تنبيه قوله تذكره غير شرط فلو شك في ركوعه أنه قرأ الفاتحة أو في سجوده أنه ركع أم لا وجب أن يقوم في الحال فلو مكث قليلا ليتذكر بطلت بخلاف ما لو شك في القيام أنه قرأ الفاتحة أو لا فسكت ليتذكر

وقوله فعله يستثنى منه ما لو تذكر في سجوده ترك الركوع فإنه يرجع إلى القيام ليركع منه ولا يكفيه أن يقوم راكعا إذ الانحناء غير معتد به ففي هذه الصورة زيادة على المتروك

( وإلا ) أي وإن لم يتذكر حتى بلغ مثله ( تمت به ركعته ) المتروك آخرها كسجدته الثانية منها ويأتي بما بعده إن كان في أثنائها كالقراءة والركوع

( وتدارك الباقي ) من صلاته لأنه ألغى ما بينهما

هذا إذا عرف عين المترك وموضعه فإن لم يعرف أخذ بالمتيقن وأتى بالباقي وفي الأحوال كلها يسجد للسهو كما سيأتي في بابه

نعم إن وجب الاستئناف بأن ترك ركنا وجوز أن يكون المتروك النية أو تكبيرة الإحرام وجب الاستئناف أو كان المتروك السلام وتذكر قبل طول الفصل سلم ولا سجود للسهو وكذا إن طال كما بحثه شيخنا لأن غايته أنه سكوت طويل وتعمد طول السكوت لا يضر كما مر فلا يسجد لسهوه ولا تجزيء سجدة التلاوة عن سجدة من نفس الصلاة كما في المجموع عن النص

فإن قيل لو تشهد التشهد الأخير ظانا أنه الأول ثم علم أجزأه وكذا لو قام عن السجود وجلس بنية الاستراحة ظانا أنه سجد السجدة الثانية ثم تبين أنه لم يسجدها أجزأه ذلك عن الجلوس بين السجدتين وسجد الثانية فهلا كان هنا كذلك أجيب بأن نية الصلاة لم تشمل سجدة التلاوة لأنها ليست من الصلاة بل هي سنة فيها بخلاف ما ذكر وتقدم أن المعتمد أن التسليمة الثانية ليست من الصلاة وعليه إن ظن أنه سلم الأولى فسلم الثانية فتبين له أنه لم يسلم الأولى لم تجز الثانية عنها وإن نازع في ذلك بعض المتأخرين

( فلو تيقن في آخر صلاته ) أو بعد فراغه منها ولم يطل الفصل عرفا ولم تتصل به نجاسة ( ترك سجدة من ) الركعة ( الأخيرة سجدها وأعاد تشهده ) لأنه وقع بعد متروك فلم يعتد به

( أو من غيرها ) أي الأخيرة ( لزمه ركعة ) لأن الناقصة قد تكملت بسجدة من الركعة التي بعدها وألغي باقيها

( وكذا إن شك فيهما ) أي هل ترك السجدة من الأخيرة أو من غيرها جعله من غيرها أخذا بالأحوط ولزمه ركعة أخرى وسجد للسهو في الصورتين

( وإن علم في قيام ثانية ) مثلا ( ترك سجدة ) من الأولى نظرت ( فإن كان جلس بعد سجدته ) التي قام عنها ( سجد ) من قيامه اكتفاء بجلوسه سواء أنوى به الاستراحة أم لا ( وقيل إن جلس بنية الاستراحة لم يكفه ) لقصده سنة وتقدم الفرق بينه وبين سجدة التلاوة حيث لم تكف عن السجود وقيل لا بد أن يجلس مطلقا ثم يسجد لينتقل من الجلوس إلى السجود لأن السجود هكذا واجب

( وإلا ) أي وإن لم يكن جلس بعد سجدته التي قام عنها ( فليجلس مطمئنا ثم يسجد ) لأن الجلوس ركن فلا بد منه وكذا الحكم في ترك سجدتين فأكثر تذكر مكانهما أو مكانها فإن كان قد سبق له جلوس فيما سبق له من الركعات تمت ركعته السابقة بالسجدة الأولى وإلا فبالثانية

( وقيل يسجد فقط ) اكتفاء بالقيام عن الجلوس لأن القصد به الفصل وهو حاصل بالقيام ويسجد في الصورتين للسهو

( وإن علم في آخر رباعية ترك سجدتين أو ثلاث جهل موضعها ) أي السجدات الخمس في المسألتين ( وجب ركعتان ) أخذا بالأسوأ

أما في الأولى فلأن الأسوأ تقدير سجدة من الركعة الأولى وسجدة من الثالثة فتنجبر الركعة الأولى بسجدة من الثانية ويلغو باقيها وتنجبر الركعة الثالثة بسجدة من الرابعة ويلغو باقيها

وأما في الثانية فلأنك إذا قدرت


180

ما ذكر في السجدتين وقدرت معه ترك سجدة أخرى من أي ركعة شئت لم يختلف الحكم

( أو ) علم ترك ( أربع ) من رباعية ( فسجدة ثم ركعتان ) لاحتمال ترك ثنتين من ركعة وثنتين من ركعتين غير متواليتين لم يتصلا بها كترك واحدة من الأولى وثنتين من الثانية وواحدة من الرابعة فالحاصل ركعتان إلا سجدة إذ الأولى تمت بالثالثة والرابعة ناقصة سجدة فيتمها ويأتي بركعتين بخلاف ما إذا اتصلتا بها كترك واحدة من الأولى وثنتين من الثانية وواحدة من الثالثة فلا يلزم فيها إلا ركعتان

وقال الشارح لاحتمال أنه ترك سجدتين من الركعة الأولى وسجدة من الثانية وسجدة من الرابعة فتلغو الأولى وتكمل الثانية بالثالثة اه ولو قال فتكمل الأولى بسجدتين من الثانية والثالثة ويلغو باقيهما والرابعة ناقصة سجدة لكان أولى لأن الأولى لا تلغي

( أو ) علم ترك ( خمس أو ست جهل موضعها فثلاث ) لاحتمال ترك واحدة من الأولى وثنتين من الثانية وثنتين من الثالثة والسادسة من الأولى أو من الرابعة فتكمل الأولى بالرابعة ويبقى ثلاث ركعات

( أو ) علم ترك ( سبع ) جهل موضعها ( فسجدة ثم ثلاث ) إذ الحاصل له ركعة إلا سجدة أو علم ترك ثمان جهل موضعها فسجدتان ثم ثلاث ركعات

ويتصور ذلك بترك طمأنينة أو سجود على نحو عمامة تتحرك بحركته وفي كل ذلك يسجد للسهو كما مرت الإشارة إلى بعضه

تنبيه ذكر بعض المتأخرين كالإصفوني و الإسنوي اعتراضا على الجمهور فقال يلزم بترك ثلاث سجدات سجدة وركعتان لأن أسوأ الأحوال أن يكون المتروك السجدة الأولى من الركعة الأولى والثانية من الثانية وواحدة من الرابعة وحينئذ فيحصل من الثانية جبرا لجلوس بين السجدتين لا جبر السجود إذ لا جلوس محسوب في الأول فتكمل الركعة الأولى بالسجدة الأولى من الثالثة وتفسد الثانية وتجعل السجدة الثانية متروكة من الرابعة فيلزم سجدة وركعتان ويلزم بتروك أربع سجدات ثلاث ركعات لاحتمال أنه ترك السجدة الأولى من الأولى والثانية من الثانية فيحصل له منهما ركعة إلا سجدة وأنه ترك ثنتين من الثالثة فلا تتم الركعة إلا بسجدة من الرابعة ويلغو ما سواها ويلزمه في ترك الست ثلاث وسجدة لاحتمال أنه ترك السجدة الأولى من الأولى والثانية من الثانية وثنتين من الثالثة وثنتين من الرابعة

وأجيب عنه بأن ذلك خلاف فرض الأصحاب فإنهم فرضوا ذلك فيما إذا أتى بالجلسات المحسوبات بل قال الإسنوي إنما ذكرت هذا الاعتراض وإن كان واضح البطلان لأنه قد يختلج في صدر من لا حاصل له وإلا فمن حق هذا السؤال السخيف أن لا يدون في تصنيف

وحكى ابن السبكي في التوشيح أن والده وقف على رجز له في الفقه وفيه اعتماد هذا الاعتراض فكتب على الحاشية لكنه مع حسنه لا يرد إذ الكلام في الذي لا يفقد إلا السجود فإذا ما انضم له ترك الجلوس فليعامل عمله وإنما السجدة للجلوس وذاك مثل الواضح المحسوس قلت يسن إدامة نظره ) أي المصلي ( إلى موضع سجوده ) في جميع صلاته لأن جمع النظر في موضع أقرب إلى الخشوع وموضع سجوده أشرف وأسهل

وخرج بموضع سجوده المصلي على جنازة فينظر إليها

واستثنى من النظر إلى موضع السجود حالة التشهد فإن السنة إذا رفع مسبحته أن لا يجاوز بصره إشارته ذكره في المجموع وفيه حديث صحيح في سنن أبي داود

وعن جماعة أن المصلي في المسجد الحرام ينظر إلى الكعبة لكن صوب البلقيني أنه كغيره وقال الإسنوي إن استحباب نظره إلى الكعبة في الصلاة وجه ضعيف وقيل من صلى خلف نبي نظر إليه وقيل ينظر في القيام إلى موضع سجوده وفي الركوع إلى ظهر قدميه وفي السجود إلى أنفه وفي القعود إلى حجره لأن امتداد البصر يلهي فإذا قصر كان أولى وبهذا جزم البغوي و المتولي

( وقيل يكره تغميض عينيه ) قاله العبدري من أصحابنا تبعا لبعض التابعين لأن اليهود تفعله ولم ينقل فعله عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم

وقد ورد في النهي عنه حديث ضعيف كما أشار إليه البيهقي

( وعندي لا يكره ) عبر في الروضة


181

بالمختار ( إن لم يخف ) منه ( ضررا ) على نفسه أو غيره لعدم ورود نهي فيه كما مر فإن خاف منه ضررا كره

قال ابن النقيب وينبغي أن يحرم في بعض صوره وأفتى ابن عبد السلام بأنه إذا كان عدم ذلك يشوش عليه خشوعه أو حضور قلبه مع ربه فالتغميض أولى من الفتح

( و ) يسن ( الخشوع ) فيتصف به ظاهره وباطنه ويستحضر أنه واقف بين يدي ملك الملوك يناجيه وأن صلاته معروضة عليه ومن الجائز أن يردها عليه ولا يقبلها

والأصل في ذلك قوله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون فسره علي رضي الله تعالى عنه بلين القلب وكف الجوارح وخبر مسلم ما من عبد مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بوجهه وقلبه إلا وجبت له الجنة وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة ولذلك قيل إنه شرط في جزء من الصلاة فلو سقط رداؤه أو طرف عمامته كره له تسويته إلا لضرورة كما ذكره في الإحياء

( و ) يسن ( تدبر القراءة ) أي تأملها لأن بذلك يحصل مقصود الخشوع والأدب قال تعالى أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها

ويسن ترتيل القراءة وهو التأتي فيها بل قال القاضي حسين يكره تركه والإسراع في القراءة

ويسن للقاريء في الصلاة وخارجها إذا مر بآية الرحمة أن يسأل الله الرحمة أو بآية عذاب أن يستعيذ منه أو بآية تسبيح أن يسبح أو بآية مثل أن يتفكر

وإذا قرأ أليس الله بأحكم الحاكمين قال بلى وأنا على ذلك من الشاهدين وإذا قرأ فبأي حديث بعده يؤمنون قال آمنت بالله وإذا قرأ فمن يأتيكم بماء معين قال الله رب العالمين

( و ) يسن تدبر ( الذكر ) قياسا على القراءة

وقد يفهم من هذا أن من قال سبحان الله مثلا غافلا عن مدلوله وهو التنزيه يحصل له ثواب ما يقوله وهو كذلك وإن قال الإسنوي فيه نظر

( و ) يسن ( دخول الصلاة بنشاط ) للذم على ترك ذلك قال تعالى وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى والكسل الفتور عن الشيء والتواني فيه وضده النشاط وأنشد الشيخ أبو حيان في ذم من ينتمي إلى الفلاسفة وما انتسبوا إلى الإسلام إلا لصون دمائهم أن لا تسالا فيأتون المناكر في نشاط ويأتون الصلاة وهم كسالى ( وفراغ قلب ) من الشواغل الدنيوية لأنه أعون على الخضوع والخشوع

وقال القاضي حسين يكره أن يفكر في صلاته في أمر دنيوي أو مسألة فقهية أما التفكر في أمور الآخرة فلا بأس به وأما فيما يقرؤه فمستحب

فائدة فيها بشرى روى ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا إن العبد إذا قام يصلي أتي بذنوبه فوضعت على رأسه أو على عاتقه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه أي حتى لا يبقى منها شيء إن شاء الله تعالى

( و ) يسن ( جعل يديه تحت صدره ) وفوق سرته في قيامه وفي بدله ( آخذا بيمينه يساره ) بأن يقبض بيمينه كوع يساره وبعض ساعدها ورسغها للإتباع روى بعضه مسلم وبعضه ابن خزيمة والباقي أبو داود

وقيل يتخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها صوب الساعد

والأصح كما في الروضة أن يحط يديه بعد التكبير تحت صدره وقيل يرسلهما ثم يستأنف نقلهما إلى تحت صدره

قال الإمام والقصد من القبض المذكور تسكين اليدين فإن أرسلهما ولم يعبث بهما فلا بأس كما نص عليه في الأم

والكوع هو العظم الذي يلي إبهام اليد والرسغ المفصل بين الكف والساعد وأما البوع فهو العظم الذي يلي إبهام الرجل كما قال بعضهم وعظم يلي الإبهام كوع وما يلي لخنصره الكرسوع والرسغ في الوسط وعظم يلي إبهام رجل ملقب ببوع فخذ بالعلم واحذر من الغلط و ) يسن ( الدعاء في سجوده ) لما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أي حقيق أن يستجاب لكم وفي رواية له أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء


182

وفي لفظ فاجتهدوا في الدعاء

وروى الحاكم عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والأرض وفيه عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وفيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها إن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة

وروى ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا من لم يسأل الله يغضب عليه

ويبالغ المنفرد في الدعاء ومأثور الدعاء أفضل ومنه اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله أوله وآخره سره وعلانيته رواه مسلم

( و ) يسن ( أن يعتمد في قيامه من السجود والقعود على يديه ) لأنه أشبه بالتواضع وأعون للمصلي ولثبوته في الصحيح عن فعله صلى الله عليه وسلم

وكيفية الاعتماد أن يجعل بطن راحته وبطون أصابعه على الأرض وسواء فيه القوي والضعيف

وأما الحديث الذي في الوسيط عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الصلاة وضع يده بالأرض كما يضع العاجن فليس بصحيح وإن صح حمله على ذلك ويكون المراد بالعاجن الشيخ الكبير لا عاجن العجين كما قيل فأصبحت كميئا وأصبحت عاجنا وشر خصال المرء كميء وعاجن و ) يسن ( تطويل قراءة ) الركعة ( الأولى على الثانية في الأصح ) للاتباع في الظهر والعصر رواه الشيخان وفي الصبح رواه مسلم ويقاس غير ذلك عليه

وكذا يطول الثالثة على الرابعة إذا قرأ السورة فيهما كالأولى مع الثانية والثاني أنهما سواء ورجحه الرافعي ونقله في زيادة الروضة عن الجمهور ونص عليه في الأم

وحملوا الحديث على أنه صلى الله عليه وسلم أحس بداخل

ومحل الخلاف فيما لا نص فيه ولا مصلحة في خلافه أما ما فيه نص بتطويل الأولى كصلاة الكسوف والقراءة بالسجدة وهل أتى في صبح الجمعة أو بتطويل الثانية كسبح وهل أتاك في صلاة الجمعة أو العيد فيتبع أو المصلحة في خلافه كصلاة ذات الرقاع للإمام فيسن له أن يخفف في الأولى ويطيل الثانية حتى تأتي الفرقة الثانية ويسن للطائفتين التخفيف في الثانية لئلا يطول في الانتظار ويطيل الثانية في مسألة الزحام ليلحقه منتظر السجود

( و ) يسن ( الذكر ) والدعاء ( بعدها ) أي الصلاة ثبت ذلك في الصحيحين بأنواع من الأذكار والأدعية فمن ذلك حديث ثوبان قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام

قيل للأذرعي وهو أحد رواته كيف الاستغفار قال يقول أستغفر الله

ومنها ما روى مسلم عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال معقبات لا يخيب قائلهن دبر كل صلاة مكتوبة ثلاثا وثلاثين تسبيحة وثلاثا وثلاثين تحميدة وأربعا وثلاثين تكبيرة وفي رواية من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثا وثلاثين ( فتلك تسعة وتسعون ) ثم قال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر

قال المصنف والأولى الجمع بين الروايتين فيكبر أربعا وثلاثين ويقول لا إله إلا الله إلخ وروي من قال دبر صلاة الفجر وهو ثان رجله قبل أن يتكلم لا إله إلا الله وحده ولا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات كتب له عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان في يومه ذلك في حرز ( من كل مكروه وحرس ) من الشيطان رواه الترمذي وقال حسن صحيح

وعن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت رواه النسائي وابن حبان في صحيحه

والأحاديث في الباب كثيرة

ويسن أن يبدأ من هذه الأذكار بالاستغفار وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الدعاء أسمع أي أقرب إلى الإجابة قال جوف الليل ( الآخر ) ودبر الصلوات المكتوبات رواه الترمذي

وقد ورد في ذلك أدعية مشهورة منها ما تقدم ومنها ما روى أبو داود والنسائي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد معاذ وقال يا معاذ والله إني أحبك وأوصيك يا معاذ لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك

ويسن الإسرار بالذكر والدعاء إلا أن يكون إماما يريد تعليم المأمومين فيجهر بها فإذا تعلموا أسر

قال في المجموع وغيره ويستحب للإمام أن يقبل عليهم


183

في الذكر والدعاء والأفضل جعل يمينه إليهم ويساره إلى المحراب وقيل عكسه وقال الصيمري وغيره يستقبلهم بوجهه في الدعاء

وقولهم من أدب الدعاء استقبال القبلة مرادهم غالبا لا دائما

ويسن الإكثار من الذكر والدعاء قال في المهمات وقيد الشافعي رضي الله عنه استحباب إكثار الذكر والدعاء بالمنفرد والمأموم ونقله عنه في المجموع لكن لقائل أن يقول يسن للإمام أن يختصر فيهما بحضرة المأمومين فإذا انصرفوا طول وهذا هو الحق اه

وهم لا يمنعون ذلك

فائدة قال بعض العلماء خاطب الله هذه الأمة بقوله فاذكروني أذكركم فأمرهم أن يذكروه بغير واسطة وخاطب بني إسرائيل بقوله اذكروا نعمتي لأنهم لم يعرفوا الله إلا بها

فأمرهم أن يتصوروا النعم ليصلوا بها إلى ذكر المنعم

( و ) يسن ( أن ينتقل للنفل ) أو الفرض ( من موضع فرضه ) أو نفله لتكثير مواضع السجود فإنها تشهد له

ولو قال وأن ينتقل لصلاة من محل إلى آخر لكان أشمل وأخصر واستغنى عن التقدير المذكور

قال في المجموع فإن لم ينتقل فليفصل بكلام إنسان

قال الشافعي والأصحاب يستحب للإمام إذا سلم أن يقوم من مصلاه عقب سلامه إذا لم يكن خلفه نساء قال الأصحاب لئلا يشك هو أو من خلفه هل سلم أو لا ولئلا يدخل غريب فيظنه بعد في صلاته فيقتدي به اه

قال الأذرعي والعلتان تنتفيان إذا حول وجهه إليهم أو انحرف عن القبلة اه

وينبغي كما بحثه بعضهم أن يستثني من ذلك ما إذا قعد مكانه يذكر الله بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس لأن ذلك كحجة وعمرة تامة رواه الترمذي عن أنس أما إذا كان خلفه نساء فسيأتي

( وأفضله ) أي الانتقال للنفل من موضع صلاته ( إلى بيته ) لقوله صلى الله عليه وسلم صلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة رواه الشيخان

وسواء في هذا المسجد الحرام ومسجد المدينة والأقصى وغيرها لعموم الحديث

والحكمة فيه بعده من الرياء ولا يلزم من كثرة الثواب التفضيل وفي صحيح مسلم إذا قضى أحدكم صلاته في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته فإن الله جاعل ( في بيته ) من صلاته خيرا والمراد صلاة النافلة وروي اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا وروي مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت

واستثني من ذلك النافلة يوم الجمعة لفضيلة البكور وركعتا الطواف وركعتا الإحرام إذا كان في الميقات مسجد أو خاف فوت الراتبة لضيق وقت أو بعد منزله أوخاف التهاون بتأخيرها أو كان معتكفا

وقال القاضي أبو الطيب إذا أخفى نافلته في المسجد كان أفضل من البيت

وظاهر كلام الأصحاب أنه لا فرق بين الليل والنهار ولا بين أن يكون المسجد مهجورا أو لا

( وإذا صلى وراءهم نساء مكثوا ) أي مكث الإمام بعد سلامه ومكث معه الرجال قدرا يسيرا يذكرون الله تعالى

( حتى ينصرفن ) ويسن لهن أن ينصرفن عقب سلامه للإتباع في ذلك رواه البخاري ولأن الاختلاط بهن مظنة الفساد

أما الخناثى فالقياس انصرافهم فرادى بعد النساء وقبل الرجال

( وأن ينصرف ) المصلي بعد فراغه من صلاته ( في جهة حاجته ) أي جهة كانت إن كان له حاجة ( وإلا ) بأن لم يكن له حاجة أو له حاجة لا في جهة معينة ( فيمينه ) أي فينصرف في جهة يمينه لأن التيامن محبوب نقله في المجموع عن النص والأصحاب لكن ذكر المصنف في الرياض أنه يستحب في الحج والعمرة والصلاة وعيادة المريض وسائر العبادات أن يذهب من طريق ويرجع من أخرى

قال الإسنوي وبين الكلامين تناف وقد يقال إنه لا تنافي ويحمل قولهم أنه يرجع في جهة يمينه إذا لم يرد أن يرجع في طريق أخرى أو وافقت جهة يمينه وإلا فالطريق الأخرى أولى لتشهد له الطريقان

وظاهر كلامهم أنه لا يكره أن يقال انصرفنا من الصلاة وهو كذلك فقد نقل ابن عدي في كامله عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من الصلاة قال اللهم بحمدك انصرفت وبذنبي اعترفت وأعوذ بك من شر ما اقترفت وإن أسند الطبري عن ابن عباس أنه يكره ذلك لقوله تعالى ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم

( وتنقضي القدوة بسلام الإمام ) التسليمة الأولى لخروجه الصلاة بها فلو سلم المأموم


184

قبلها عامدا بلا نية مفارقة بطلت صلاته ولا تضر مقارنته كبقية الأذكار وفارق تكبيرة الإحرام بأنه لا يصير في الصلاة حتى يفرغ منها فلا يربط صلاته بمن ليس في صلاة

ويسن للمأموم أن لا يسلم الأولى إلا بعد تسليمتي الإمام كما في التحقيق والمجموع

( فللمأموم ) الموافق ( أن يشتغل بدعاء ونحوه ) لانفراده فلا يتحمل عنه الإمام سجود السهو حينئذ فيسجد ( ثم يسلم ) وله أن يسلم في الحال

أما المسبوق فيلزمه القيام عقب التسليمتين إن لم يكن جلوسه مع الإمام محل تشهده فإن مكث عامدا عالما بالتحريم بطلت صلاته أو ناسيا أو جاهلا لم تبطل فإن كان محل تشهده لم يلزمه ذلك ولكن يكره له تطويله كما مر

( ولو اقتصر إمامه على تسليمة سلم ) هو ( ثنتين والله أعلم ) لإحراز فضيلة الثانية ولزوال المتابعة بالأولى بخلاف التشهد الأول مثلا لو تركه إمامه لا يأتي به لوجوب متابعته

خاتمة سئل الشيخ عز الدين هل يكره أن يسأل الله بعظيم من خلقه كالنبي والملك والولي فأجاب بأنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم بعض الناس اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد نبي الرحمة إلخ فإن صح فينبغي أن يكون مقصورا عليه عليه الصلاة والسلام لأنه سيد ولد آدم ولا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة لأنهم ليسوا في درجته ويكون هذا من خواصه اه

والمشهور أنه لا يكره بشيء من ذلك

باب بالتنوين مشتمل على شروط الصلاة وموانعها

وقد شرع في القسم الأول فقال : ( شروط الصلاة خمسة ) والشروط جمع شرط بسكون الراء وهو لغة العلامة ومنه أشراط الساعة : أي علاماتها هذا هو المشهور وإن قال شيخنا : الشرط بالسكون : إلزام الشيء والتزامه لا العلامة وإن عبر بعضهم بها فإنها إنما هي معنى الشرط بالفتح اه

فإن هذا من تفرداته

واصطلاحا : ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته

والمانع لغة الحائل واصطلاحا : ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته كالكلام فيها عمدا

فإن قيل : قد تقدم أول الباب الماضي أن الشرط هو الذي يتقدم على الصلاة ويجب استمراره فيها والركن ما تشتمل عليه الصلاة فكان الأولى تقديم هذا الباب على الباب الذي قبله

أجيب بأنه لما اشتمل على موانعها وهي لا تكون إلا بعد انعقادها ناسب تأخره

فإن قيل : من شروطها أيضا الإسلام والتمييز والعلم بفرضيتها وبكيفيتها وتمييز فرائضها من سننها فلم لم يعدها أجيب بأن ذلك ليس بشرط مختص بالصلاة فلو جهل كون أصل الصلاة أو صلاته التي شرع فيها أو الوضوء أو الطواف أو الصوم أو نحو ذلك فرضا أو علم أن فيها فرائض وسننا ولم يميز بينهما لم يصح ما فعله لتركه معرفة التمييز الواجبة ونقل عن الغزالي أن من لم يميز من العامة فرض الصلاة أي أو غيرها من سننها تصح صلاته أي وكذا غيرها من العبادات بشرط أن لا يقصد النفل بالفرض وصححه المصنف في مجموعه

قال في المهمات : وتقيده بالعامي يفهم أن العالم إن لم يميز بقصده الفرض من السنة بطلت صلاته وهو ما في فتاوى الإمام وفيه نظر والظاهر الصحة فلا يعتبر إلا أن لا يقصد بفرض نفلا اه

بل الظاهر ما في فتاوى الإمام

ولو اعتقد عامي أو غيره أن جميع أفعالها فرض صحت لأنه ليس فيه أكثر من أنه أدى سنة باعتقاد الفرض وذلك لا يضر

أول الخمسة : ( معرفة ) دخول ( الوقت ) يقينا أو ظنا بالاجتهاد كما دل عليه كلامه في المجموع وليس المراد مدلول المعرفة الذي هو العلم بمعنى اليقين ليخرج الظن فمن صلى بدونها لم تصح صلاته وإن وقعت في الوقت

( و ) ثانيها : ( الاستقبال ) وقد تقدم بيانهما في كتاب الصلاة

( و ) ثالثها : ( ستر العورة ) عن العيون ولو كان خاليا في ظلمة عند القدرة لقوله تعالى : خذوا زينتكم عند كل مسجد قال ابن عباس : المراد به الثياب في الصلاة ولقوله


185

صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار رواه الحاكم

وقال : إنه على شرط مسلم والمراد بالحائض : البالغ التي بلغت سن الحيض لأن الحائض في زمن حيضها لا تصح صلاتها بخمار ولا غيره

فإن عجز وجب أن يصلي عاريا ويتم ركوعه وسجوده ولا إعادة عليه في الأصح وقيل : يوميء بهما ويعيد وقيل : يتخير بين الإيماء والإتمام

فإن قيل : ما الحكمة في السترة في الصلاة أجيب بأن مريد التمثيل بين يدي كبير يتجمل بالستر والتطهر والمصلي يريد التمثل بين يدي ملك الملوك فالتجمل له بذلك أولى ويجب ستر العورة في غير الصلاة أيضا ولو في الخلوة إلا لحاجة كاغتسال وقال صاحب الذخائر : يجوز كشف العورة في الخلوة لأدنى غرض وقال : يشترط حصول الحاجة قال : ومن الأغراض كشف العورة للتبريد وصيانة الثوب من الأدناس والغبار عند كنس البيت وغيره وإنما وجب الستر في الخلوة لاطلاق الأمر بالستر ولأن الله تعالى أحق أن يستحيا منه فإن قيل : ما فائدة الستر في الخلوة مع أن الله سبحانه وتعالى لا يحجب عن بصره شيء أجيب بأن الله سبحانه وتعالى يرى عبده المستور متأدبا دون غيره

ولا يجب ستر عورته عن نفسه بل يكره نظره إليها من غير حاجة

والعورة لغة النقصان والشيء المستقبح وسمي المقدار الآتي بيانه بذلك لقبح ظهوره والعورة تطلق على ما يجب ستره في الصلاة وهو المراد هنا وعلى ما يحرم النظر إليه وسيأتي إن شاء الله تعالى في النكاح

( وعورة الرجل ) أي الذكر ولو عبدا أو كافرا أو صبيا ولو غير مميز وتظهر فائدته في الطواف إذا أحرم عنه وليه ( ما بين سرته وركبته ) لما روى الحارث بن أبي أسامة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي قال : عورة المؤمن ما بين سرته إلى ركبته وروى البيهقي : وإذا زوج أحدكم أمته عبده أو أجيره فلا تنظر أي الأمة إلى عورته والعورة ما بين السرة والركبة

( وكذا الأمة ) ولو مدبرة ومكاتبة ومستولدة ومبعضة عورتها ما بين السرة والركبة

( في الأصح ) إلحاقا لها بالرجل يجامع أن رأس كل منهما ليس بعورة

والثاني : عورتها كالحرة إلا رأسها أي عورتها ما عدا الوجه والكفين والرأس

والثالث : عورتها ما لا يبدو منها في حال خدمتها بخلاف ما يبدو كالرأس والرقبة والساعد وطرف الساق وخرج بذلك السرة والركبة فليسا من العورة على الأصح وقيل : الركبة منها دون السرة وقيل عكسه وقيل : السوأتان فقط وبه قال مالك وجماعة

فائدة : السرة موضع الذي يقطع من المولود والسر ما يقطع من سرته ولا يقال له سرة لأن السرة لا تقطع وجمع السرة سرر وسرات

والركبة موصل بين أطراف الفخذ وأعالي الساق والجمع ركب وكل حيوان ذي أربع ركبتاه في يديه وعرقوباه في رجليه

( و ) عورة ( الحرة ما سوى الوجه والكفين ) ظهرهما وبطنهما من رؤوس الأصابع إلى الكوعين لقوله تعالى : ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها

قال ابن عباس و عائشة رضي الله تعالى عنهم : هو الوجه والكفان

وفي قوله أو وجه أن باطن قدميها ليس بعورة

وقال المزني : ليس القدمان عورة

والخنثى كالأنثى رقا وحرية فإن اقتصر الحر على ستر ما بين سرته وركبته لم تصح صلاته على الأصح في الروضة والأفقه في المجموع للشك في الستر وصحح في التحقيق الصحة ونقل في المجموع في نواقض الوضوء عن البغوي وكثير القطع به للشك في عورته وقال الإسنوي : وعليه الفتوى

وعلى الأول يجب القضاء وإن بان ذكرا للشك حال الصلاة ويمكن أن يقال : إذا دخل في الصلاة مقتصرا على ذلك لم تصح صلاته للشك في الانعقاد وإن دخل مستورا كالحرة وانكشف شيء من غير ما بين السرة والركبة لم يضر للشك في البطلان نظير ما قالوه في صلاة الجمعة أن العدو لو كمل يخشى لم تنعقد الجمعة للشك في الانعقاد وإن انعقدت الجمعة بالعدد المعتبر وهناك خنثى زائد عليه ثم بطلت صلاة واحد منهم وكمل العدد بالخنثى لم تبطل الصلاة لأنا تيقنا الانعقاد وشككنا في البطلان

( وشرطه ) أي الساتر ( ما ) أي جرم ( منع إدراك لون البشرة ) لا حجمها فلا يكفي ثوب رقيق ولا مهلهل لا يمنع إدراك اللون ولا زجاج يحكي اللون لأن مقصود الستر لا يحصل بذلك

أما إدراك الحجم فلا يضر لكنه للمرأة مكروه وللرجل خلاف الأولى

قال الماوردي وغيره : فإن قيل يرد على عبارته الظلمة فإنها


186

مانعة من الإدراك ولطخ العورة بنحو حبر كحناء

أجيب بأن مراده ما قدرته إذ الكلام في الساتر وما ذكر لا يسمى ساترا بل غير الظلمة يسمى مغيرا

( ولو ) هو ( طين ) أو حشيش أو ورق ( وماء كدر ) أو نحو ذلك كماء صاف متراكم بخضرة لمنع ما ذكر الإدراك

وصورة الصلاة في الماء أن يصلي على جنازة أو يمكنه السجود فيه

قال في المجموع عن الدارمي : ولو قدر على أن يصلي فيه ويسجد على الشط لم يلزمه أي لما فيه من الحرج

( والأصح وجوب التطين على فاقد الثوب ) ونحوه ولو لمن هو خارج الصلاة خلافا لبعض المتأخرين لقدرته على الستر والثاني : لا للمشقة والتلويث

( ويجب ستر أعلاه ) أي الساتر ( وجوانبه ) للعورة ( لا أسفله ) لها ولو كان المصلي امرأة فستر مصدر مضاف إلى فاعله لتذكير الضمير في قوله أعلاه وجوانبه وأسفله ولو كان مضافا إلى مفعوله لأنثها فقال : ويجب ستر أعلاها إلخ

( فلو رؤيت عورته ) أي المصلي ذكرا أو أنثى أو خنثى سواء أكان الرائي لها هو كما في فتاوى المصنف الغير المشهورة أم غيره ( من جيبه ) أي طوق قميصه لسعته ( في ركوع أو غيره لم يكف ) الستر بهذا القميص ( فليزره ) بإسكان اللام وكسرها وضم الراء على الأحسن ويجوز فتحها وكسرها

( أو يشد ) بفتح الدال في الأحسن ويجوز الضم والكسر ( وسطه ) بفتح السين على الأصح ويجوز إسكانها حتى لا ترى عورته منه ولو ستر بلحيته أو بشعر رأسه كفى لحصول المقصود بذلك فإن لم يفعل شيئا من ذلك انعقدت صلاته ثم تبطل عند وجود المفسد وفائدته في الاقتداء به وفيما إذا ألقي عليه شيء بعد إحرامه وقيل : لا تنعقد بالكلية

والجيب هو المنفذ الذي يدخل فيه الرأس كما مرت الإشارة إليه

ولو رؤيت عورته من ذيله كأن كان في علو والرائي في سفل لم يضر ذلك

ومعنى رؤيت عورته كانت بحيث ترى وليس المراد رؤيت الفعل ولو وقف مثلا في خابية أو حفرة ضيقي الرأس يستران الواقف فيهما جاز لحصول المقصود بذلك وشرط الساتر أن يشمل المستور لبسا ونحوه فلا تكفي الخيمة الضيقة ونحوها

( وله ستر بعضها ) أي عورته من غير السوأة أو منها بلا مس ناقض ( بيده في الأصح ) لحصول المقصود والثاني : لا لأن بعضه لا يعد ساترا له

أما بيد غيره فيكفي قطعا وإن فعل محرما كما قاله في الكفاية كما لو ستر بقطعة حرير وكذا لو جمع الثوب المخرق وأمسكه بيده

وإذا وجد المصلي سترة نجسة ولا ماء يغسلها به أو وجد الماء ولم يجد من يغسلها وهو عاجز عن غسلها أو وجده ولم يرض إلا بأجرة ولم يجدها أو وجدها ولم يرض إلا بأكثر من أجرة المثل أو حبس على نجاسة واحتاج إلى فرش السترة عليها صلى عاريا وأتم الأركان كما مر ولو أدى غسل السترة إلى خروج الوقت غسلها وصل خارجه ولا يصلي في الوقت عاريا كما نقل القاضي أبو الطيب الاتفاق عليه

ولو وجد المصلي بعض السترة لزمه أن يستتر به بلا خلاف

فإن قيل : من وجد ماء لا يكفيه لطهارته جرى فيه خلاف والأصح وجوب استعماله

أجيب بأن المقصود من الطهارة رفع الحدث وهو لا يتجزأ والمقصود ههنا الستر وهو يتجزأ

( فإن وجد كافي سوأتيه ) أي قبله ودبره ( تعين لهما ) للاتفاق على أنهما عورة ولأنهما أفحش من غيرهما وسميا سوأتين لأن كشفهما يسوء صاحبهما قال تعالى : فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما أي ظهرت لهما وكان لا يريانها من أنفسهما أو لا يرى أحدهما من الآخر كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : ما رأيت منه ولا رأى مني

( أو ) كان ( أحدهما فقبله ) يستره وجوبا سواء أكان ذكرا أم غيره لأنه بارز إلى القبلة والدبر مستور غالبا بالأليين وبدل القبلة كالقبلة كما لو صلى صوب مقصده

ويستر الخنثى قبليه فإن كفى لأحدهما تخير والأولى كما قال الإسنوي : ستر آلة الرجل إن كان هناك امرأة وآلة النساء إن كان هناك رجل

( وقيل ) يستر ( دبره ) وجوبا لأنه أفحش في الركوع والسجود

( وقيل يتخير ) بينهما لتعارض المعنيين وسواء في ذلك الرجل وغيره

وقيل : تستر المرأة القبل والرجل الدبر ومنهم من حكى بدل الوجوب الاستحباب

والقبل والدبر بضم أولهما وثانيهما ويجوز في ثانيهما الإسكان


187

فروع : ليس للعاري غصب الثوب من مستحقه بخلاف الطعام في المخمصة لأنه يمكنه أن يصلي عاريا ولا تلزمه الإعادة إلا إن احتاج إليه لنحو دفع حر أو برد فإنه يجوز له ذلك

ويجب عليه قبول عاريته وإن لم يكن للمعير غيره وقبول هبة نحو الطين لا قبول هبة الثوب ولا اقتراضه لثقل المنة

ويجب شراؤه واستئجاره بثمن المثل وأجرة المثل ولو وجد ثمن الثوب أو الماء قدم الثوب وجوبا لدوام النفع به ولأنه لا بدل له بخلاف ماء الطهارة

ولو وصى بصرف ثوب الأولى الناس به في ذلك الموضع أو وقفه عليه أو وكل في إعطائه وجب تقديم المرأة لأن عورتها أفحش ثم الخنثى لاحتمال الأنوثة ثم الرجل وقياس ما مر فيما لو أوصى بماء لأولى الناس به أنه لو كفى الثوب المؤخر دون المقدم قدم المؤخر

ولا يجوز لأحد أن يعطي ثوبه لآخر ويصلي عاريا لكن يصلي فيه ويستحب أن يعيره ممن يحتاج إليه

ولو وجد ثوب حرير فقط لزمه الستر به ولا يلزمه قطع ما زاد على العورة وإن قال الإسنوي : المتجه لزوم قطعه إذا لم ينقص أكثر من أجرة الثوب لأن لبس الحرير يجوز لأدون من ذلك كدفع القمل

ويقدم على المتنجس للصلاة ويقدم المتنجس عليه في الخلوة ونحوها مما لا يحتاج إلى طهارة الثوب

ولو صلت أمة مكشوفة الرأس فعتقت في صلاتها ووجدت سترة بعيدة بحيث إن مضت إليها احتاجت إلى أفعال كثيرة أو انتظرت من يلقيها إليها ومضت مدة في التكشف بطلت صلاتها فإن لم تجد السترة بنت على صلاتها وكذا إن وجدت قريبا منها فتناولتها ولم تستدبر قبلتها وسترت بها رأسها فورا

ولو وجد عار سترته في صلاته فحكمه حكمها فيما ذكر

ولو قال شخص لأمته إن صليت صلاة صحيحة فأنت حرة قبلها فصلت بلا ستر رأسها عاجزة عن سترها عتقت وصحت صلاتها أو قادرة عليه صحت صلاتها ولم تعتق للدور إذ لو عتقت بطلت صلاتها وإذا بطلت صلاتها لا تعتق فإثبات العتق يؤدي إلى بطلانه وبطلان الصلاة فبطل وصحت الصلاة

ويسن للرجل أن يلبس للصلاة أحسن ثيابه ويتقمص ويتعمم ويتطيلس ويرتدي ويتزر أو يتسرول وإن اقتصر على ثوبين فقميص مع رداء أو إزار أو سراويل أولى من رداء مع إزار أو سراويل ومن إزار مع سراويل وبالجملة فالمستحب أن يصلي في ثوبين لظاهر قوله تعالى : خذوا زينتكم عند كل مسجد والثوبان أهم الزينة ولخبر : إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله تعالى أحق أن يزين له فإن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى ولا يشتمل اشتمال اليهود رواه البيهقي

فإن اقتصر على واحد فقميص فإزار فسراويل ويلتحف بالثوب الواحد إن اتسع ويخالف بين طرفيه فإن ضاق اتزر به وجعل شيئا منه على عاتقه

ويسن للمرأة ومثلها الخنثى في الصلاة ثوب سابغ لجميع بدنها وخمار وملحفة كثيفة

وإتلاف الثوب وبيعه في الوقت كالماء ولا يباع له مسكن ولا خادم كما في الكفارة

ويكره أن يصلي في ثوب فيه صورة وأن يصلي عليه وإليه وأن يصلي بالاضطجاع وأن يغطي فاه فإن تثاءب غطاه بيده ندبا وأن يشتمل اشتمال الصماء بأن يجلل بدنه بالثوب ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر وأن يشتمل اشتمال اليهود بأن يجلل بدنه بالثوب بدون رفع طرفيه وأن يصلي الرجل متلثما والمرأة متنقبة

( و ) رابعها : ( طهارة الحدث ) الأصغر وغيره عند القدرة لما مر في باب الحدث فإن عجز فقد تقدم في باب التيمم

فلو لم يكن متطهرا عند إحرامه مع قدرته على الطهارة لم تنعقد صلاته وإن أحرم متطهرا ثم أحدث نظر ( فإن سبقه ) الحدث غير الدائم ( بطلت ) صلاته في الجديد كما لو تعمد الحدث لبطلان طهارته بإجماع

ويؤخذ من التعليل أن فاقد الطهورين إذا سبقه الحدث لم تبطل صلاته وجرى على ذلك الإسنوي وظاهر كلام الأصحاب أنه لا فرق

والتعليل خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له كقوله تعالى : وربائبكم اللاتي في حجوركم فإن الربيبة تحرم مطلقا فلفظ الحجور لا مفهوم له

( وفي القديم ) والإملاء وهو جديد يتطهر و ( يبني ) على صلاته لعذره بالسبق وإن كان حدثه أكبر لحديث فيه لكنه ضعيف باتفاق المحدثين كما في المجموع وعلى هذا يجب أن يقلل الزمان والأفعال بحسب الإمكان

ولا يجب عليه البدار الخارج عن العادة فلو كان للمسجد بابان فسلك الأبعد لغير عذر بطلت صلاته

ويشترط أن لا يتكلم إلا إذا احتاج إليه في تحصيل الماء وليس له بعد طهارته أن يعود إلى الموضع الذي كان يصلي فيه إلا لعذر كأن كان إماما لم يستخلف وانتظره المأموم


188

فله العود إليهم وأما إذا لم ينتظروه بل أتموا صلاتهم فرادى أو قدموا واحدا منهم مثلا فلا يعود للاستغناء عن ذلك بما ذكر أو مأموما يبتغي فضيلة الجماعة ولم تحصل له في غير موضعه كأن يكون في الصف الأخير لما سيأتي من كراهة وقوف المأموم فردا فلو كانت صلاته في الصف الأول مثلا فتطهر وعاد لم يتجاوز الصف الأخير لأن فضيلة الجماعة تحصل له في غير موضعه

أما الحدث الدائم كسلس بول فلا يضر على تفصيل مر في الحيض وإن أحدث مختارا بطلت صلاته قطعا سواء أكان عالما أنه في الصلاة أم ناسيا

ولو صلى ناسيا للحدث أثيب على قصده لا على فعله إلا القراءة ونحوها مما لا يتوقف على الوضوء فإنه يثاب على فعله أيضا قال ابن عبد السلام : وفي إثابته على القراءة إذا كان جنبا نظر اه

ويؤخذ مما تقدم عدم الإثابة

( ويجريان ) أي القولان ( في كل مناقض ) أي مناف للصلاة ( عرض ) فيها ( بلا تقصير ) من المصلي ( وتعذر دفعه في الحال ) كما لو تنجس بدنه أو ثوبه بما لا يعفى عنه واحتاج إلى غسله أو طيرت الريح سترته إلى مكان بعيد

( فإن أمكن ) دفعه في الحال ( بأن كشفته ريح ) أي أظهرت عورته أو وقعت على بدنه أو ثوبه نجاسة يابسة أو على ثوبه نجاسة رطبة ( فستر ) العورة أو ألقى النجاسة اليابسة أو ألقى الثوب في الرطبة ( في الحال لم تبطل ) صلاته لانتفاء المحذور ويغتفر هذا العارض اليسير

ولا يجوز أن ينحي النجاسة بيده أو كمه فإن فعل بطلت صلاته فإن نحاها بعود فكذا في أحد وجهين هو المعتمد

( وإن قصر ) في دفعه ( بأن فرغت مدة خف فيها ) أي الصلاة ( بطلت ) قطعا لتقصيره حيث افتتحها في وقت لا يسعها لأنه حينئذ يحتاج إلى غسل رجليه أو الوضوء على القولين في ذلك فلو غسل رجليه في الخف قبل فراغ المدة لم يؤثر لأن مسح الخف يرفع الحدث فلا تأثير للغسل قبل فراغ المدة وكذا لو غسلهما بعدها لمضي مدة وهو محدث حتى لو وضع رجليه في الماء قبل فراغ المدة واستمر إلى انقضائها لم تصح صلاته لأنه لا بد من حدث ثم يرتفع وأيضا لا بد من تجديد نية لأنه حدث لم تشمله نية الوضوء الأول

وصورة المسألة كما قاله السبكي : أن يدخل في الصلاة وهو يظن بقاء المدة إلى فراغه فإن علم بأن المدة تنقضي فيها فينبغي عدم انعقادها نعم إن كان في نفل مطلق يدرك منه ركعة فأكثر انعقدت ولو افتصد مثلا فخرج منه الدم ولم يلوث بشرته أو لوثها قليلا لم تبطل صلاته لأن المنفصل في الأولى غير مضاف إليه وفي الثانية مغتفر

ويسن لمن أحدث في صلاته أن يأخذ بأنفه ثم ينصرف ليوهم أنه رعف سترا على نفسه وينبغي أن يفعل كذلك إذا أحدث وهو منتظر للصلاة خصوصا إذا قربت إقامتها أو أقيمت

( و ) خامسها : ( طهارة النجس ) الذي لا يعفى عنه ( في الثوب والبدن ) أي بثوبه أو بدنه حتى داخل أنفه أو فمه أو عينه أو أذنه

( والمكان ) أي مكانه الذي يصلي فيه فلا تصح صلاته مع شيء من ذلك ولو مع جهله بوجوده أو بكونه مبطلا لقوله تعالى : وثيابك فطهر ولخبر الصحيحين : إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي ثبت الأمر باجتناب النجس وهو لا يجب بغير تضمخ في غير الصلاة فيجب فيها والأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي في العبادات يقتضي فسادها فلزم ما ذكر

وإنما جعل داخل الفم والأنف هنا كظاهرهما بخلاف غسل الجنابة لغلظ أمر النجاسة بدليل أنه لو وقعت نجاسة في عينه وجب غسلها ولا يجب غسلها في الطهارة فلو أكل متنجسا لم تصح صلاته ما لم يغسل فمه ولو رأينا في ثوب من يريد الصلاة نجاسة لا يعلم بها لزمنا إعلامه لأن الأمر بالمعروف لا يتوقف على العصيان قاله ابن عبد السلام كما لو رأينا صبيا يزني بصبية فإنه يجب علينا منعهما وإن لم يكن عصيانا

واستثنى من المكان ما لو كثر ذرق الطير فإنه يعفى عنه للمشقة في الاحتراز منه

وقيد في المطلب العفو بما إذا لم يتعمد المشي عليه قال الزركشي : وهو مقيد متعين قال شيخي : وأن لا يكون رطبا أي أو رجله مبلولة

فرع : لو تنجس ثوبه بما لا يعفى عنه ولم يجد ماء يغسله به وجب قطع موضعها إن لم تنقص قيمته بالقطع أكثر من أجرة ثوب يصلي فيه لو اكتراه هذا ما قالاه تبعا للمتولي وقال الإسنوي : يعتبر أكثر الأمرين من ذلك ومن ثمن


189

الماء لو اشتراه مع أجرة غسله عند الحاجة لأن كل منهما لو انفرد وجب تحصيله اه

وهذا هو الظاهر

وقيد أيضا وجوب القطع بحصول ستر العورة بالظاهر قال الزركشي : ولم يذكره المتولي والظاهر أنه ليس بقيد بناء على أن من وجد ما يستر به بعض العورة لزمه ذلك وهو الصحيح اه

وهذا هو الظاهر

( ولو اشتبه ) عليه ( طاهر ونجس ) من ثوبين أو بيتين ( اجتهد ) فيهما للصلاة قال في المحرر : كما في الأواني وتقدم الكلام على ذلك

ولو صلى فيما ظنه الطاهر من الثوبين أو البيتين بالاجتهاد ثم حضرت صلاة أخرى لم يجب تجديد الاجتهاد في الأصح ولا يشكل ذلك بما تقدم في المياه من أنه يجتهد فيها لكل فرض لأن بقاء الثوب أو المكان كبقاء الطهارة فلو اجتهد فتغير ظنه عمل بالاجتهاد الثاني في الأصح فيصلي في الآخر من غير إعادة كما لا تجب إعادة الأولى إذ لا يلزم من ذلك نقض اجتهاد باجتهاد بخلاف المياه كما مر

ولو غسل أحد الثوبين بالاجتهاد صحت الصلاة فيهما ولو جمعهما عليه ولو اجتهد في الثوبين أو البيتين فلم يظهر له شيء صلى عاريا أو في أحد البيتين لحرمة الوقت وأعاد لتقصيره لعدم إدراك العلامة ولأن معه ثوبا في الأولى ومكانا في الثانية طاهرا بيقين

ولو اشتبه عليه بدنان يريد الاقتداء بأحدهما اجتهد فيهما وعمل باجتهاده فإن صلى خلف واحد ثم تغير ظنه إلى الآخر صلى خلفه ولا يعيد الأولى كما لو صلى باجتهاد إلى القبلة ثم تغير اجتهاده إلى جهة أخرى فإن تحير صلى منفردا

( ولو نجس ) بفتح الجيم وكسرها ( بعض ثوب أو ) بعض ( بدن ) أو مكان ضيق ( وجهل ) ذلك البعض في جميع ما ذكر ( وجب غسل كله ) لتصح الصلاة فيه إذ الأصل بقاء النجاسة ما بقي جزء منه فإن كان المكان واسعا لم يجب عليه الاجتهاد ولكن يسن فله أن يصلي فيه بلا اجتهاد

وسكتوا عن ضبط الواسع والضيق والأحسن في ضبط ذلك العرف وإن قال ابن العماد : المتجه في ذلك أن يقال إن بلغت بقاع الموضع لو فاقت حد العدد غير المحصور فواسع وإلا فضيق وتقدر كل بقعة بما يسع المصلي اه

قال في المجموع عن المتولي : وإذا جوزنا الصلاة في المتسع فله أن يصلي فيه إلى أن يبقى موضع قدر النجاسة وهو نظير ما تقدم في الأواني

ولو أصاب شيء رطب بعض ما ذكر لم يحكم بنجاسته لأنا لم نتيقن نجاسة موضع الإصابة ويفارق ما لو صلى عليه حيث لا تصح صلاته وإن احتمل أن المحل الذي صلى عليه طاهر بأن الشك في النجاسة مبطل للصلاة دون الطهارة

ولو كانت النجاسة في مقدم الثوب مثلا وجهل موضعها وجب غسل مقدمه فقط

ولو شق الثوب المذكور نصفين لم يجز أن يجتهد فيهما لأنه ربما يكون الشق في محل النجاسة فيكونان نجسين

( فلو ظن ) بالاجتهاد ( طرفا ) من موضعين متميزين أو مواضع متميزة كأحد طرفي الثوب وأحد الكمين واليدين والأصابع ( لم يكف غسله على الصحيح ) وفي الروضة : الأصح لعدم جواز الاجتهاد لأن الثوب والبدن واحد والاجتهاد إنما يكون في شيئين

ولو فصل كمي ثوب تنجس أحدهما وجهل أو فصل أحدهما جاز له الاجتهاد لتعدد المشتبه فيه فلو غسل ما ظن نجاسته بالاجتهاد جاز له أن يصلي فيهما ولو جمعهما كالثوبين

( ولو غسل ) بعض شيء متنجس كأن غسل ( نصف ) ثوب ( نجس ثم ) غسل ( باقيه فالأصح أنه إن غسل مع باقيه مجاوره ) مما غسل أولا ( طهر كله وإلا ) أي وإن لم يغسل معه مجاوره ( فغير المنتصف ) بفتح الصاد يطهر وهو الطرفان فقط ويبقى المنتصف نجسا في النجاسة المخففة فيغسله وحده لأنه رطب ملاق لنجس ويجتنب الثوب المتنجس بعضه الذي جهل مكان النجاسة فيه

لا يقال في الصورة الثانية إنا لم نتيقن نجاسته لأنا نقول : قد تيقنا نجاسة الثوب ولم نتيقن طهارته والطهارة لا ترفع بالشك

ولا يشكل على هذا أنه لو مس شيئا رطبا لا ينجسه لأنا لا تنجس بالشك والثاني : لا يطهر لأنه تنجس بالمجاور مجاوره وهكذا وإنما يطهر بغسله دفعة واحدة

ودفع بأن نجاسة المجاور لا تتعدى إلى ما بعده كالسمن الجامد ينجس منه ما حول النجاسة فقط وقيل : يطهر مطلقا وقيل : إن علق الثوب وصب الماء على أعلاه إلى النصف ثم صب


190

على النصف الثاني طهر لأن الماء لا يتراد إلى الأعلى وإلا لم يطهر لأنه يتراد

ومحل الأول ما إذا غسله بالصب عليه في غير إناء فإن غسله في إناء كجفنة ونحوها بأن وضع نصفه ثم صب عليه ماء يغمره لم يطهر حتى يغسل دفعة كما هو الأصح في المجموع خلافا لبعض المتأخرين لأن ما في نحو الجفنة يلاقيه الثوب المتنجس وهو وارد على ماء قليل فينجس وإذا تنجس الماء لم يطهر الثوب

( ولا تصح صلاة ملاق بعض لباسه ) أو بدنه ( نجاسة ) في شيء من صلاته لما مر ( وإن لم يتحرك بحركته ) كطرف عمامته الطويلة أو كمه الطويل المتصل بنجاسة

وخالف ذلك ما لو سجد على متصل به حيث تصح إن لم يتحرك بحركته لأن اجتناب النجاسة في الصلاة شرع للتعظيم وهذا ينافيه

والمطلوب في السجود كونه مستقرا على غيره لحديث : مكن جبهتك فإذا سجد على متصل به لم يتحرك بحركته حصل المقصود

( ولا ) تصح صلاة نحو ( قابض ) كشاد بنحو يده ( طرف شيء ) كحبل طرفه الآخر نجس أو موضوع ( على نجس إن تحرك ) ما ذكر بحركته ( وكذا إن لم يتحرك ) بها ( في الأصح ) لأنه حامل لمتصل بنجاسة في المسائل المذكورة فكأنه حامل لها والثاني : تصح لأن الطرف الملاقي للنجاسة ليس محمولا له

ولو كان طرف الحبل ملقى على ساجور نحو كلب وهو ما يجعل في عنقه أو مشدودا بدابة أو بسفينة صغيرة بحيث تنجر بجر الحبل أو قابضه يحملان نجسا أو متصلا به لم تصح صلاته على الأصح في الروضة والمجموع بخلاف سفينة كبيرة لا تتحرك بجره فإنها كالدار ولا فرق في السفينة بين أن تكون في البر أو في البحر خلافا لما قاله الإسنوي من أنها إذا كانت في البر لم تبطل قطعا صغيرة كانت أو كبيرة اه

تنبيه : لا يشترط في اتصال الحبل بساجور الكلب ولا بما ذكر معه أن يكون مشدودا به بل الإلقاء عليه كاف كما عبرت به في الساجور

قال شيخنا في شرح الروض : ولا حاجة لقول المصنف مشدود لأنه يوهم خلاف المراد ولو كان الحبل على موضع طاهر من نحو حمار وعليه نجاسة في موضع آخر فعلى الخلاف في الساجور وأولى بالصحة منه لأن الساجور قد يعد من توابع الحبل وأجزائه بخلاف الحمار

( فلو جعله ) أي طرف ما طرفه الآخر نجس أو الكائن على نجس ( تحت رجله صحت ) صلاته ( مطلقا ) سواء أتحرك بحركته أم لا لأنه ليس لابسا أو حاملا فأشبه ما لو صلى على بساط طرفه نجس أو مفروش على نجس أو على سرير قوائمه في نجس

قال في المجموع : ولو حبس في مكان نجس صلى وتجافى عن النجس قدر ما يمكنه ولا يجوز وضع جبهته بالأرض بل ينحني بالسجود إلى قدر لو زاد عليه لاقى النجس ثم يعيد

( ولا يضر ) في صحة الصلاة ( نجس يحاذي صدره في الركوع والسجود ) وغيرهما ( على الصحيح ) لعدم ملاقاته له

والثاني : يضر لأنه منسوب إليه لكونه مكان صلاته فتعين طهارته كالذي يلاقيه

أما إذا لاقاه فتبطل جزما كما علم مما مر

وشمل ما ذكر ما لو صلى ماشيا وبين خطواته نجاسة ولذلك قيل : لو عبر بيحاذي شيئا من بدنه لكان أشمل وقد عبر به في الروضة واعترض بأنه يوهم طرد الخلاف في الأعلى والجوانب كسقف البيت وحيطانه وليس كذلك قطعا

ورد بأن المحب الطبري ذكر في شرح التنبيه أنه يكره استقبال الجدار النجس وفي الكفاية عن القاضي حسين جريان الخلاف فيما لو كان يصلي ماشيا وكان بين خطواته نجاسة كما مر وفيما إذا جعل على النجاسة ثوبا مهلهل النسج وصلى عليه فإن حصلت مماسة النجاسة من الفرج بطلت صلاته

( ولو وصل عظمه ) لانكساره مثلا واحتياجه إلى الوصل ( بنجس لفقد الطاهر ) الصالح للوصل أو وجده وقال أهل الخبرة : إنه لا ينفع ووصله بالنجس ( فمعذور ) في ذلك فتصح صلاته معه للضرورة قال في الروضة كأصلها : ولا يلزمه نزعه إذا وجد الطاهر اه

وظاهره أنه لا يجب نزعه وإن لم يخف ضررا وهو كذلك وإن قال بعض المتأخرين إن محله إذا خاف من نزعه ضررا وإلا وجب نزعه ولو قال أهل الخبرة إن لحم الآدمي لا ينجبر سريعا إلا بعظم نحو كلب فيتجه كما قال الإسنوي أنه عذر وهو قياس ما ذكروه في التيمم في بطء البرء وعظم غيره من الآدميين في تحريم الوصل به ووجوب نزعه كالعظم النجس وظاهر هذا أنه لا فرق بين الآدمي المحترم


191

وغيره وهو كذلك وإن قال الأذرعي : إن في النفس من عظم غير المحترم كالحربي والمرتد شيئا

( وإلا ) أي وإن وصله به مع وجود الطاهر الصالح أو لم يحتج إلى الوصل حرم عليه لتعديه و ( وجب ) عليه نزعه وأجبر على ذلك ( إن لم يخف ضررا ظاهرا ) وهو ما يبيح التيمم

ولو اكتسى لحما لحمله نجاسة تعدى بحملها مع تمكنه من إزالتها كوصل المرأة شعرها بشعر نجس فإن امتنع لزم الحاكم نزعه لأنه مما تدخله النيابة كرد المغصوب ولا مبالاة بألمه في الحال إذا لم يخف منه في المآل ولا تصح صلاته معه لأنه حامل لنجاسة في غير معدنها تعدى بحملها ويمكنه إزالتها بخلاف شارب الخمر فإنه تصح صلاته وإن لم يتقايأ ما شربه تعديا لحصوله في معدن النجاسة

( قيل ) ويجب نزعه أيضا ( وإن خاف ) ضررا ظاهرا لتعديه لأن ذلك يؤدي إلى أن يصلي بقية عمره بنجاسة تعدى بحملها ونحن نقتله بترك صلاة واحدة والأصح عدم الوجوب رعاية لخوف الضرر فتصح صلاته وكذا إمامته في أحد وجهين يظهر ترجيحه كصحة صلاة الطاهرة خلف المستحاضة وقيل : إن استتر باللحم لم يجب نزعه وقيل : إن خاف تلف نفس أو عضو أو منفعة لم يجب وإلا وجب وقال الأذرعي : إنه الذي اشتمل عليه أكثر الكتب

( فإن مات ) من وجب عليه النزع ( لم ينزع على الصحيح ) المنصوص لهتك حرمته ولسقوط التعبد عنه

قال الرافعي : وقضية التعليل الأول تحريم النزع والثاني حله اه

والذي صرح به الماوردي و الروياني ونقله في البيان عن عامة الأصحاب تحريمه مع تعليلهم بالثاني وهذا هو المعتمد وإن كان قضية كلام المحرر وغيره الحل والثاني : ينزع لئلا يلقى الله تعالى حاملا لنجاسة تعدى بحملها

فإن قيل : هذا التعليل لا يتأتى على مذهب أهل السنة لأن الله تعالى يعيد جميع أجزاء الميت حتى ما احترق كما كانت

أجيب بأن يلقاه في القبر فإنه في معنى لقاء الله تعالى وقيل : إن المعاد من أجزاء الميت هو التي مات عليها وبالجملة فالأولى أن يعلل بأنه يجب غسل الميت طلبا للطهارة لئلا يبقى عليه نجاسة وهذا نجس فتجب إزالته

فروع : الوشم وهو غرز الجلد بالإبرة حتى يخرج الدم ثم يذر عليه نحو نيلة ليرزق أو يخضر بسبب الدم الحاصل بغرز الجلد بالإبرة حرام لخبر الصحيحين : لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمةوالمستوشمة والواشرة والمستوشرة والنامصة والمتنمصة أي فاعلة ذلك وسائلته فتجب إزالته ما لم يخف ضررا يبيح التيمم فإن خاف لم يجب إزالته ولا إثم عليه بعد التوبة

وهذا إذا فعله برضاه كما قال الزركشي : أي بعد بلوغه وإلا فلا تلزمه إزالته كما صرح به الماوردي أي وتصح صلاته وإمامته ولا ينجس ما وضع فيه يده مثلا إذا كان عليها وشم

ولو داوى جرحه بدواء نجس أو خاطه وتصح صلاته وإمامته ولا ينجس ما وضع فيه يده مثلا إذا كان عليها وشم

ولو داوى جرحه بدواء نجس أو خاطه بخيط نجس أو شق موضعا في بدنه وجعل فيه دما فكالجبر بعظم نجس فيما مر

ولو غسل شارب الخمر أو نجس آخر فمه وصلى صحت صلاته ووجب عليه أن يتقايأه إن قدر عليه بلا ضرر يبيح التيمم وإن شربه لعذر

ووصل شعر الآدمي بشعر نجس أو شعر آدمي حرام للخبر السابق ولأنه في الأول مستعمل للنجس العيني في بدنه وفي الثاني مستعمل لشعر آدمي والآدمي يحرم الانتفاع به وبسائر أجزائه لكرامته

ويحرم بغير إذن زوج أو سيد وصل شعر بغيرهما وكالشعر الخرق والصوف كما قاله في المجموع قال : وأما ربط الشعر بخيوط الحرير الملونة ونحوها مما لا يشبه الشعر فليس بمنهي عنه

وتجعيد الشعر ووشر الأسنان : وهو تحديدها وترقيقها للخبر السابق أيضا والخضاب بالسواد لخبر : يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة رواه أبو داود وغيره

وتحمير الوجنة بالحناء ونحوه

وتطريف الأصابع به مع السواد

والتنميص : وهو الأخذ من شعر الوجه والحاجب للحسن لما في ذلك من التغرير أما إذا أذن لها الزوج أو السيد في ذلك فإنه يجوز لأن له غرضا في تزيينها له وقد أذن لها فيه هذا ما في الروضة وأصلها وخالف في التحقيق في الوصل والوشر فألحقهما بالوشم في المنع مطلقا والأول أوجه

ويكره نتف الشيب من المحل الذي لا يطلب منه إزالة شعره لخبر : لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم يوم القيامة رواه الترمذي وحسنه وإن نقل ابن الرفعة تحريمه عن نص الأم وقال في المجموع : ولو قيل بتحريمه لم يبعد

ونتف لحية المرأة وشاربها مستحب لأن ذلك مثلة في حقها

ويسن خضب الشيب بالحناء ونحوه للاتباع

ويسن للمرأة المزوجة أو المملوكة خضب كفيها وقدميها بذلك تعميما لأنه زينة


192

وهي مطلوبة منها لزوجها أو سيدها

أما التطريف أو التنقيش فلا يستحب وخرج بالمزوجة أو المملوكة غيرهما فيكره لها وبالمرأة الرجل والخنثى فيحرم عليهما الخضاب إلا لعذر وسيأتي إن شاء الله تعالى في العقيقة زيادة على ذلك

( ويعفى عن ) أثر ( محل استجماره ) في حق نفسه قطعا لجواز الاقتصار على الحجر ولو عرق محل الأثر وانتشر ولم يجاوز محل الاستنجاء كما قاله في المجموع في موضع فإن جاوزه وجب غسله قطعا وما أطلقه في موضع آخر في المجموع وكذا الرافعي محمول على ذلك

فلو لاقى الأثر رطبا آخر لم يعف عنه لندرة الحاجة إلى ملاقاة ذلك

( ولو حمل ) في الصلاة ( مستجمرا ) أو من عليه نجاسة أخرى معفو عنها كثوب فيه دم براغيث على تفصيل يأتي أو حيوانا متنجس المنفذ بخروج الخارج منه

( بطلت ) صلاته ( في الأصح ) إذ العفو للحاجة ولا حاجة إلى حمله فيها والثاني : لا تبطل في حقه كالمحمول للعفو عن محل الاستجمار

ويؤخذ مما مر من أنه إذا قبض طرف شيء متنجسا أنه يضر أنه لو مسك المصلي مستجمرا أو ملبوسه أو أمسك المستجمر المصلي أو ملبوسه أنه يضر وهو كذلك

ولو وقع الطائر الذي على منفذه نجاسة في مائع أو ماء قليل لم ينجسه على الأصح لعسر صوته عنه بخلاف المستجمر فإنه ينجسه ويحرم عليه ذلك لما فيه من التضمخ بالنجاسة

ويؤخذ منه أنه لو جامع زوجته في هذه الحالة أنه يحرم عليه لما ذكر وإن خالف في ذلك بعض العصريين

ولو حمل المصلي حيوانا مذبوحا وإن غسل الدم عن مذبحه أو آدميا أو سمكا أو جرادا ميتا أو بيضة مذرة استحالت دما أو عنبا استحال خمرا أو قارورة ختمت على دم أو نحوه كبول ولو برصاص لم تصح صلاته أما في الخمسة الأول فللنجاسة التي بباطن الحيوان لأنها كالظاهرة بخلاف الحيوان الحي لأن للحياة أثرا في دفع النجاسة وأما في الباقي فلحمله نجاسة لا حاجة إلى حملها

( وطين الشارع المتيقن نجاسته يعفي عنه عما يتعذر ) أي يتعسر ( الاحتراز عنه غالبا ) إذ لا بد للناس من الانتشار في حوائجهم وكثير منهم لا يملك أكثر من ثوب فلو أمروا بالغسل كلما أصابتهم عظمت المشقة عليهم بخلاف ما لا يعسر الاحتراز عنه فلا يعفى عنه

( ويختلف ) المعفو عنه ( بالوقت وموضعه من الثوب والبدن ) فيعفى في زمن الشتاء عما لا يعفى عنه في زمن الصيف ويعفى في الذيل والرجل عما لا يعفى عنه في الكم واليد وضابط القليل المعفو عنه هو الذي لا ينسب صاحبه إلى سقطة على شيء أو كبوة على وجهه أو قلة تحفظ فإن نسب إلى ذلك فلا يعفى عنه

قال الزركشي : وقضية إطلاقهم العفو عنه ولو اختلط بنجاسة كلب أو نحوه وهو المتجه لا سيما في موضع تكثر فيه الكلاب لأن الشوارع معدن النجاسات اه

ونقل عن صاحب البيان أنه لا يعفى عنه والمتجه الأول

واحترز بالمتيقن نجاسته عما يغلب على الظن اختلاطه بها كغالب الشوارع فإن فيه وأمثاله كثياب الخمارين والأطفال والجزارين والكفار الذين يتدينون باستعمال النجاسة قولين : أصحهما الطهارة عملا بالأصل فإن لم يظن نجاسته فطاهر قطعا

فروع : ماء الميزاب الذي تظن نجاسته ولم تتيقن طهارته فيه الخلاف في طين الشوارع واختار المصنف الجزم بطهارته

وسئل ابن الصلاح عن الجوخ الذي اشتهر على ألسنة الناس أن فيه شحم الخنزير فقال : لا يحكم بنجاسته إلا بتحقق النجاسة وسئل عن الأوراق التي تعمل وتبسط وهي رطبة على الحيطان المعمولة برماد نجس فقال : لا يحكم بنجاستها أي عملا بالأصل

ومحل العمل به إذا كان مستند النجاسة إلى غلبتها وإلا عمل بالظن فلو بال حيوان في ماء كثير وتغير وشك في سبب تغيره هل هو البول أو نحو طول المكث حكم بتنجسه عملا بالظاهر لاستناده إلى سبب معين ولو تنجس خفه أو نعله لم يطهر بدلكه بنحو أرض كالثوب إذا تنجس

وأما خبر أبي داود : إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه في الأرض فمحمول على المستقذر الطاهر

( و ) يعفى ( عن قليل دم البراغيث ) والقمل والبق ( وونيم الذباب ) وهو بفتح الواو وكسر النون : ذرقه وغير ذلك مما لا نفس له سائلة كما في المجموع وكذا يعفى عن قليل بول


193

الخفاش والقياس أن روثه وبول الذباب كذلك لأن ما ذكر مما تعم به البلوى ويشق الاحتراز عنه قال في الصحاح : والبق هو البعوض لكن الظاهر كما قال شيخنا أن المراد هنا ما يشمل البق المعروف والبراغيث جمع برغوث بالضم والفتح قليل ويقال له طامر بن طامر

روى أحمد والبزار والبخاري في الأدب عن أنس رضي الله تعالى عنه : أن النبي سمع رجلا يسب برغوثا فقال : لا تسبه فإنه أيقظ نبيا لصلاة الفجر ودم البراغيث رشحات تمصها من الإنسان ثم تمجها وليس لها دم في نفسها ذكره الإمام وغيره

والذباب مفرد وجمعه ذبان بالكسر وأذبة ولا يقال ذبانة بنون قبل الهاء قاله الجوهري

( والأصح لا يعفى عن كثيره ) لندرته ولسهولة الاحتراز عنه ( ولا ) عن ( قليل انتشر ) منه ( بعرق ) لمجاوزته محله ولأن البلوى به لا تعم

( وتعرف الكثرة ) والقلة ( بالعادة ) فما يقع التلطخ به غالبا ويعسر الاحتراز عنه قليل وإن زاد فكثير ويختلف ذلك باختلاف الأوقات والأماكن ويرجع في ذلك إلى رأي المصلي فيجتهد في ذلك وقيل : الكثير ما يظهر للناظر من غير تأمل وإمعان نظر والقليل دونه وللمشكوك في كثرته حكم القليل

والثاني : يعفى عنهما لأن الغالب في هذا الجنس عسر الاحتراز فيلحق غير الغالب منه بالغالب كما أن المسافر يترخص وإن لم يلحقه مشقة لهذا المعنى ولأن التمييز فيه بين القليل والكثير مما يوجب المشقة لكثرة البلوى به ولهذا قال المصنف : ( قلت : الأصح عند المحققين العفو مطلقا والله أعلم ) أي قل أو كثر انتشر بعرق أم لا لما تقدم

وقال في المجموع : إنه الأصح باتفاق الأصحاب ومحل ذلك في ثوب ملبوس أصابه الدم بلا تعمد فلو حمل ثوبا فيه دم براغيث في كمه أو فرشه وصلى عليه أو لبسه وكانت الإصابة بفعله قصدا كأن قتلها في ثوبه أو بدنه لم يعف إلا عن قليل كما في التحقيق وغيره وأشار إليه الرافعي في الصوم ومثل دم البراغيث ما في معناه مما ذكر معه ومما هو آت ومثل حمله ما لو كان زائدا على تمام لباسه كما قاله القاضي لأنه غير مضطر إليه قال في المهمات : ومقتضاه منع زيادة الكم على الأصابع ولبس ثوب آخر لا لغرض من تجمل ونحوه اه

وهذا ظاهر في الثاني دون الأول

ثم محل العفو بالنسبة للصلاة فلو وقع الثوب في ماء قليل قال المتولي : حكم بتنجيسه

( ودم البثرات ) وهي بالمثلثة خراج صغير ( كالبراغيث ) أي كدمها فيعفى عن قليله قطعا وعن كثيره على الراجح ما لم يكن بفعله لأن الإنسان لا يخلو منها غالبا فلو وجب الغسل في كل مرة لشق عليه ذلك أما ما خرج منها بفعله فيعفى عن قليله فقط كما يؤخذ مما مر ومن كلام الكفاية

( وقيل إن عصره فلا ) يعفى عنه لأنه مستغنى عنه

( والدماميل والقروح ) أثر الخراجات ( وموضع الفصد والحجامة قيل كالبثرات ) فيعفى عن دمها وإن كثر على ما سبق لأنها وإن لم تكن غالبة فليست بنادرة

( والأصح ) أنها ليست مثلها لأنها لا تكثر كثرتها بل يقال في جزئيات دمها أنه ( إن كان مثله يدوم غالبا فكالاستحاضة ) أي كدمها فيجب الاحتياط له بقدر الإمكان بإزالة ما أصاب منه وعصب محل خروجه عند إرادة الصلاة نظير ما تقدم في المستحاضة

ويعفى عما يشق الاحتراز منه بعد الاحتياط كما مر في موضعه ( وإلا ) بأن كان مثله لا يدوم غالبا ( فكدم الأجنبي ) يصيبه ( فلا يعفى ) عنه أي ما لا يدوم غالبا قليلا كان أو كثيرا كما أن دم الأجنبي كذلك

( وقيل : يعفى عن قليله ) كما قيل بذلك في دم الأجنبي

وما قررت به كلامه من أنه لا يعفى راجع إلى ما لا يدوم غالبا هو ما جرى عليه الأذرعي وجعله الإسنوي وغيره راجعا إلى دم الأجنبي

قال بعض المتأخرين : والأول أولى أو متعين

( قلت : الأصح أنها ) أي دم الدماميل والقروح وموضع الفصد والحجامة ( كالبثرات ) فيما مر فيعفى عن قليله وكثيره وهذا ما في الروضة لكن خالف في التحقيق والمجموع فصحح ما عليه الجمهور أنه كدم الأجنبي قال شيخنا : ويمكن حمل ما في التحقيق والمجموع على طهر


194

التيمم اه

والأولى حمل ذلك على ما إذا كان بفعله أو انتقل عن محله كما يؤخذ من كلامه في منهجه وشرحه

( والأظهر العفو عن قليل دم الأجنبي ) من نفسه كأن انفصل منه ثم عاد إليه ومن غير نحو الكلب ( والله أعلم ) لأن جنس الدم يتطرق إليه العفو فيقع القليل منه في محل المسامحة

قال في الأم : والقليل ما تعافاه الناس أي عدوه عفوا وعن القديم يعفى عما دون الكف أما دم نحو الكلب فلا يعفى عن شيء منه لغلظه كما صرح به في البيان ونقله عنه في المجموع وأقره وكذا لو أخذ دما أجنبيا ولطخ به بدنه أو ثوبه فإنه لا يعفى عن شيء منه لتعديه بذلك فإن التضمخ بالنجاسة حرام

( والقيح والصديد ) وتقدم بيانهما في باب النجاسة ( كالدم ) فيما ذكر لأنهما دمان استحالا إلى نتن وفساد ( وكذا ماء القروح والمتنفط الذي له ريح ) كالدم قياسا على القيح والصديد ( وكذا بلا ريح في الأظهر ) قياسا على الصديد الذي لا رائحة له

والثاني : أنه طاهر لأنه كالعرق ولذا قال المصنف : ( قلت : المذهب طهارته ) قطعا ( والله أعلم ) لما مر

تنبيه : محل العفو عن سائر الدماء ما لم يختلط بأجنبي فإن اختلط به ولو دم نفسه كأن خرج من عينه دم أو دميت لثته لم يعف عن شيء منه

نعم يعفى عن ماء الطهارة إذا لم يتعمد وضعه عليها وإلا فلا يعفى عن شيء منه

قال المصنف في مجموعه في الكلام على كيفية المسح على الخف : لو تنجس أسفل الخف بمعفو عنه لا يمسح على أسفله لأنه لو مسحه زاد التلويث ولزمه حينئذ غسله وغسل اليد اه

واختلف فيما لو لبس ثوبا فيه دم نحو براغيث وبدنه رطب فقال المتولي : يجوز وقال الشيخ أبو علي : لا يجوز لأنه لا ضرورة إلى تلويث بدنه وبه جزم المحب الطبري تفقها

ويمكن حمل كلام الأول على ما إذا كانت الرطوبة بماء وضوء أو غسل مطلوب لمشقة الاحتراز كما لو كانت بعرق والثاني على غير ذلك كما علم مما مر

وينبغي أن يلحق بماء الطهارة ما يتساقط من الماء حال شربه أو من الطعام حال أكله أو جعل على جرحه دواء لقوله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج

( ولو صلى بنجس ) لا يعفى عنه ( لم يعلمه ) في ابتداء صلاته ثم علم كونه فيها ( وجب القضاء في الجديد ) لأن ما أتى به غير معتد به لفوات شرطه والقديم لا يجب القضاء لعذره ولحديث خلع النعلين في الصلاة قال : إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا رواه أبو داود وقال الحاكم : إنه على شرط مسلم

وجه الدلالة منه أنه لم يستأنف الصلاة واختار هذا في المجموع

وأجاب الأول بأنه يحتمل أن يكون دما يسيرا وأن يكون مستقذرا طاهرا لأن المستقذر يطلق على النجس وعلى فعله وفعله تنزها

وقيل : إن اجتناب النجاسة لم يكن حينئذ واجبا أول الإسلام ومن حينئذ وجب ويدل عليه حديث : وضع سلا الجزور على ظهره وهو يصلي بمكة ولم يقطعها

( وإن علم ) بالنجس ( ثم نسي ) فصلى ثم تذكر في الوقت أو قبله أعادها أو بعده ( وجب القضاء على المذهب ) المقطوع به لتفريطه بترك التطهير لما علم به والطريق الثاني في وجوبه القولان لعذره بالنسيان

وحيث أوجبنا الإعادة فيجب إعادة كل صلاة تيقن فعلها مع النجاسة فإن احتمل حدوثها بعد الصلاة فلا شيء عليه لأن الأصل في كل حادث تقدير وجوده في أقرب زمن والأصل عدم وجوده قبل ذلك

فائدة : قال في الأنوار : إذا صلى وفي ثوبه مثلا نجاسة ولم يعلم بها حتى مات فالمرجو عن عفو الله عدم المؤاخذة أي وقد مر أنه إذا صلى ناسيا للطهارة أنه يثاب على قصده لا فعله إلخ فيأتي هنا

( فصل : تبطل ) الصلاة ( بالنطق ) بكلام البشر بلغة العرب وبغيرها على ما سيأتي ( بحرفين ) أفهما ك قم ولو لمصلحة الصلاة كقوله : لا تقم أو اقعد أم لا ك عن و من لخبر مسلم عن زيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت وقوموا لله قانتين


195

فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وعن معاوية بن الحكم السلمي قال : بينما أنا أصلي مع رسول الله إذ عطس رجل من القوم فقلت : له يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت : واثكل أماه ما شأنكم تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني سكت فلما صلى النبي قال : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس والحرفان من جنس الكلام لأن أقل ما ينبني عليه الكلام حرفان للابتداء والوقف وتخصيصه بالمفهم فقط اصطلاح حادث للنحاة

( أو حرف مفهم ) نحو ق من الوقاية و ع من الوعي و ف من الوفاء و ش من الوشي

( وكذا مدة بعد حرف في الأصح ) وإن لم يفهم نحو آ والمد ألف أو واو أو ياء فالممدود في الحقيقة حرفان

والثاني : لا تبطل لأن المدة قد تتفق لإشباع الحركة ولا تعد حرفا وهذا كله يسير فبالكثير من باب أولى

( وإلا أن التنحنح والضحك والبكاء ) ولو من خوف الآخرة ( والأنين ) والتأوه ( والنفخ ) من الفم أو الأنف ( إن ظهر به ) أي بواحد مما ذكر ( حرفان بطلت ) صلاته ( وإلا فلا ) تبطل لما مر والثاني : لا تبطل بذلك مطلقا لأنه لا يسمى كلاما في اللغة ولا يكاد يتبين منه حرف محقق فأشبه الصوت الغفل

وخرج بالضحك التبسم فلا تبطل الصلاة لأن النبي تبسم فيها فلما سلم قال : مر بي ميكائيل فضحك لي فتبسمت له

( ويعذر في يسير الكلام ) عرفا ( إن سبق لسانه ) إليه أي لما سيأتي أن الناسي مع قصده الكلام معذور فيه فهذا أولى لعدم قصده

( أو نسي الصلاة ) أي نسي أنه فيها للعذر وفي الصحيحين عن أبي هريرة : صلى بنا رسول الله الظهر أو العصر فسلم من ركعتين ثم أتى خشبة بالمسجد واتكأ عليها كأنه غضبان فقال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله فقال لأصحابه : أحق ما يقول ذو اليدين قالوا : نعم فصلى ركعتين أخريين ثم سجد سجدتين

وجه الدلالة أنه تكلم معتقدا أنه ليس في الصلاة وهم تكلموا مجوزين النسخ ثم بنى هو وهم عليها

( أو جهل تحريمه ) أي الكلام فيها ( إن قرب عهده بالإسلام ) أو نشأ بعيدا عن العلماء بخلاف من بعد إسلامه وقرب من العلماء لتقصيره بترك التعلم

قال الخوارزمي والاشبه أن الذمي الذي نشأ بين أظهرنا أنه لا يعذر وإن قرب عهده بالإسلام لأن مثل هذا لا يخفى عليه من ديننا اه

وهذا ليس بظاهر بل هو داخل في عموم كلام الأصحاب وهو لو سلم إمامه فسلم معه ثم سلم الإمام ثانيا فقال له مأموم قد سلمت قبل هذا فقال كنت ناسيا لم تبطل صلاة واحد منهما ويسلم المأموم ويندب له سجود السهو لأنه تكلم بعد انقطاع القدوة

ولو سلم من ثنتين ظانا كمال صلاته فكالجاهل كما ذكره الرافعي في كتاب الصيام

( لا ) في ( كثيره ) فإنه لا يعذر فيه فيما ذكر من الصور ( في الأصح ) لأنه يقطع نظم الصلاة وهيئاتها والقليل يحتمل لقلته ولأن السبق والنسيان في الكثير نادر والفرق بين هذا وبين الصوم حيث لا يبطل بالأكل الكثير ناسيا عند المصنف أن المصلي متلبس بهيئة مذكرة بالصلاة يبعد معها النسيان وليس كذلك الصائم

والثاني : يسوى بينهما في العذر كما سوي في العمد ومرجع القليل والكثير إلى العرف على الأصح وقيل : الكلمة الكلمتان ونحوهما وقيل : ما يسع زمانه ركعة وصحح السبكي تبعا للمتولي أن الكلام الكثير ناسيا لا يبطل لقصة ذي اليدين

( و ) يعذر ( في ) اليسير عرفا من ( التنحنح ونحوه ) مما مر وغيره كالسعال والعطاس وإن ظهر به حرفان ولو من كل نفخة ونحوها

( للغلبة ) إذ لا تقصير وهي راجعة للجميع

( وتعذر القراءة ) الواجبة وكذا غيرها من الأركان القولية للضرورة

وهذا راجع إلى التنحنح فقط أما إذا كثر التنحنح ونحوه للغلبة كأن ظهر منه حرفان من ذلك وكثر فإن صلاته تبطل كما قالاه في الضحك والسعال والباقي في معناهما لأن ذلك يقطع نظم الصلاة

وصوب الإسنوي عدم البطلان في التنحنح والسعال والعطاس للغلبة وإن كثرت إذ لا يمكن


196

الاحتراز عنها اه

وينبغي أن يكون محل الأول ما إذا لم يصر السعال أو نحوه مرضا ملازما له

أما إذا صار السعال ونحوه كذلك فإنه لا يضر كمن به سلس بول ونحوه بل أولى

( لا ) تعذر ( الجهر ) فلا يعذر في يسير التنحنح له ( في الأصح ) لأنه سنة لا ضرورة إلى التنحنح له

وفي معنى الجهر سائر السنن كقراءة السورة والقنوت وتكبيرات الانتقالات وإن قال الإسنوي المتجه جواز التنحنح للجهر بأذكار الانتقالات عند الحاجة إلى سماع المأمومين إذ لا يلزمه تصحيح صلاة غيره

فروع : لو جهل بطلانها بالتنحنح مع علمه بتحريم الكلام فمعذور لخفاء حكمه على العوام ولو علم تحريم الكلام وجهل كونه مبطلا لم يعذر كما لو علم تحريم شرب الخمر دون إيجابه الحد فإنه يحد إذ حقه بعد العلم بالتحريم الكف

ولو تكلم ناسيا لتحريم الكلام في الصلاة بطلت كنسيان النجاسة على ثوبه صرح به الجويني وغيره

ولو جهل تحريم ما أتى به منه مع علمه بتحريم جنس الكلام فمعذور كما شمله كلام ابن المقري في روضه صرح به أصله وكذا لو سلم ناسيا ثم تكلم عامدا أي يسيرا كما ذكره الرافعي في الصوم

ولو تنحنح إمامه فبان منه حرفان لم يفارقه حملا على العذر لأن الظاهر تحرزه عن المبطل والأصل بقاء العبادة وقد تدل كما قال السبكي قرينة حال الإمام على خلاف ذلك فتجب المفارقة

قال الزركشي : ولو لحن في الفاتحة لحنا يغير المعنى وجب مفارقته كما لو ترك واجبا لكن هل يفارقه في الحال أو حتى يركع لجواز أنه لحن ساهيا وقد يتذكر فيعيد الفاتحة الأقرب الأول لأنه لا تجوز متابعته في فعل السهو اه

بل الأقرب الثاني لأن إمامه لو سجد قبل ركوعه لم تجب مفارقته في الحال

( ولو أكره ) المصلي ( على الكلام ) اليسير في صلاته ( بطلت في الأظهر ) لأنه أمر نادر كالإكراه على الحدث والثاني : لا تبطل كالناسي

أما الكثير فتبطل به جزما

( ولو نطق بنظم القرآن بقصد التفهم ك يا يحيى خذ الكتاب ) مفهما به من يستأذن في أخذ شيء أن يأخذه ومثل قوله لمن استأذن عليه في دخول : ادخلوها بسلام وقوله لمن ينهاه عن فعل شيء : يوسف أعرض عن هذا

( إن قصد معه ) أي التفهيم ( قراءة لم تبطل ) لأنه قرآن فصار كما لو قصد القرآن وحده ولأن عليا رضي الله تعالى عنه كان يصلي فدخل رجل من الخوارج فقال : لا حكم إلا لله ورسوله فتلا علي : فاصبر إن وعد الله حق

( وإلا ) أبان قصد التفهيم فقط أو لم يقصد شيئا ( بطلت ) به لأنه فيهما بشبه كلام الآدميين فلا يكون قرآنا إلا بالقصد

قال في الدقائق : يفهم من قول المنهاج أربع مسائل إحداها : إذا قصد القراءة الثانية : إذا قصد القراءة والإعلام الثالثة : إذا قصد الإعلام فقط الرابعة : أن لا يقصد شيئا ففي الأولى والثانية لا تبطل وفي الثالثة والرابعة تبطل وتفهم الرابعة من قوله وإلا بطلت كما يفهم منه الثالثة وهذه الرابعة لم يذكرها المحرر وهي نفيسة لا يستغنى عن بيانها وسبق مثلها في قول المنهاج وتحل أذكاره لا بقصد قرآن اه

وسومح في أخذ الأولى والرابعة من كلامه لأنه جعل الكلام فيما لو قصد التفهيم وجعل في ذلك قسمين وهما : قصد القراءة معه وعدم قصدها معه فلا يندرج في ذلك قصد القراءة فقط وعدم قصد شيء أصلا لأن ما قصد فيه التفهيم يستحيل أن يندرج فيه ما لا يقصد فيه التفهيم

وهذا التفصيل يجري في الفتح على الإمام بالقرآن والجهر بالتكبير أو التسميع فإنه إن قصد الرد مع القراءة أو القراءة فقط أو قصد التكبير أو التسميع فقط أو مع الإعلام لم تبطل وإلا بطلت وإن كان في كلام بعض المتأخرين ما يوهم خلاف ذلك

وخرج بقوله بنظم القرآن ما لو أتى بكلمات منه متوالية مفرداتها فيه دون نظمها ك يا إبراهيم سلام كن فإن صلاته تبطل فإن فرقها أو قصد بها القراءة لم تبطل به نقله في المجموع عن المتولي وأقره

وقضيته أنه لو قصد بها القراءة في الشق الأول أن صلاته تبطل وهو ظاهر كما قال شيخنا في شرح البهجة فيما إذا لم يقصد القراءة بكل كلمة على انفرادها وإلا لم تبطل ونقل في المجموع عن العبادي أنه لو قال : والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة بطلت صلاته إن تعمد وإلا فلا ويسجد للسهو


197

ثم قال : وفيما قاله نظر

قال الأذرعي : وليس كما قال وما قاله العبادي ظاهر اه

وهو كذلك

وقال القفال في فتاويه : إنه إن قال ذلك متعمدا معتقدا كفر ولو قال : قال الله أو النبي كذا بطلت صلاته كما شمله كلامهم وصرح به القاضي

وتبطل بمنسوخ التلاوة وإن لم ينسخ حكمه لا بمنسوخ الحكم دون التلاوة

( ولا تبطل ) الصلاة ( بالذكر والدعاء ) وإن لم يندبا ولا بنذر قال في المجموع : لأنه مناجاة لله تعالى فهو من جنس الدعاء وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب النذر هل هو قربة أو لا إلا ما علق من ذلك كقوله : اللهم اغفر لي إن أردت أو : إن شفى الله مريضي فعلي عتق رقبة أو إن كلمت زيدا فعلي كذا فتبطل به صلاته وكذا لو كان الدعاء محرما

ويشترط النطق بذلك بالعربية وإن كان لا يحسنها كما مرت الإشارة إليه وأن لا يكون فيه خطاب مخلوق غير النبي من إنس وجن وملك كما قال : ( إلا أن يخاطب ) به ( كقوله لعاطس : يرحمك الله ) ونحو ذلك ك سبحان ربي وربك أو قال لعبده : لله علي أن أعتقك فتبطل به

واستثنى الزركشي وغيره مسائل : إحداها دعاء فيه خطاب لما لا يعقل كقوله : يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما دب عليك وكقوله إذا رأى الهلال : آمنت بالله الذي خلقك ربي وربك الله

ثانيها : إذا أحس بالشيطان فإنه يستحب أن يخاطبه بقوله : ألعنك بلعنة الله أعوذ بالله منك لأنه قال ذلك في الصلاة

ثالثها : لو خاطب الميت في الصلاة عليه فقال : رحمك الله غفر الله لك لأنه لا يعد خطابا ولهذا لو قال لامرأته : إن كلمت زيدا فأنت طالق فكلمته ميتا لم تطلق والمعتمد خلاف ما ذكر من الاستثناء

وقد ذكر المصنف في شرح مسلم الحديث الذي ورد بأنه خاطب الشيطان بقوله : ألعنك بلعنة الله وقال : إنه إما مؤول أو كان ذلك قبل تحريم الكلام اه

أما خطاب الخالق ك إياك نعبد وخطاب النبي ك السلام عليك في التشهد فلا تبطل به

قال الأذرعي : وقضيته أنه لو سمع بذكره فقال : السلام عليك أو الصلاة عليك يا رسول الله أو نحوه لم تبطل صلاته ويشبه أن يكون الأرجح بطلانها من العالم لمنعه من ذلك وفي إلحاقه بما في التشهد نظر لأنه خطاب غير مشروع اه

والأوجه عدم البطلان إلحاقا له بما في التشهد كما يؤخذ مما مر

قال الزركشي : والظاهر أن إجابة عيسى بعد نزوله كإجابة نبينا لكن مقتضى كلام الرافعي أن خطاب الملائكة وباقي الأنبياء تبطل به الصلاة اه

والمقتضى هو المعتمد والمتجه كما قاله الإسنوي أن إجابة النبي بالفعل الكثير كإجابته بالقول

ولا تجب إجابة الأبوين في الصلاة بل تحرم في الفرض وتجوز في النفل والأولى الإجابة فيه إن شق عليهما عدمها كما بحثه بعض المتأخرين وتبطل بإجابة أحدهما لا بإشارة الأخرس وإن باع بها واشترى

ولو قال قاف أو صاد أو نون فإن قصد كلام الآدميين بطلت صلاته وكذا إن لم يقصد شيئا كما بحثه بعضهم أو القرآن لم تبطل

وعلم بذلك أن المراد بالحرف غير المفهم الذي لا تبطل الصلاة به هو مسمى الحرف لا اسمه

ولو قرأ إمامه : إياك نعبد وإياك نستعين فقالها بطلت صلاته إن لم يقصد تلاوة أو دعاء كما في التحقيق فإن قصد ذلك لم تبطل أو قال : استعنت بالله أو استعنا بالله بطلت صلاته وإن قصد بذلك الثناء أو الذكر كما في فتاوى شيخي قال : إذ لا عبرة بقصد ما لم يفده اللفظ ويقاس على ذلك ما أشبهه

( ولو سكت طويلا ) عمدا في غير ركن قصير ( بلا غرض لم تبطل ) صلاته ( في الأصح ) لأن ذلك لا يحرم هيئة الصلاة والثاني : تبطل لإشعاره بالإعراض عنها

أما تطويل الركن القصير فتبطل الصلاة بتطويله كما سيأتي في الباب الآتي

قال الإسنوي : واحترز بقوله طويلا عن اليسير فإنه لا يضر جزما و بلا غرض عن السكوت ناسيا ولتذكر شيء نسيه فالأصح فيهما القطع بعدم البطلان اه

ونظر في دعواه الاحتراز بقوله : بلا غرض عن النسيان فإن الناسي يصدق عليه بأنه سكت بلا غرض وإنما يخرج ما قدرته تبعا للشارح

( ويسن لمن نابه شيء ) في صلاته ( كتنبيه إمامه ) لنحو سهو ( وإذنه لداخل ) استأذن في الدخول عليه ( وإنذاره أعمى ) مخافة أن يقع في محذور أو نحو ذلك كغافل وغير مميز ومن قصده ظالم أو نحو سبع ( أن يسبح


198

وتصفق المرأة ) ومثلها الخنثى ( بضرب ) بطن ( اليمين على ظهر اليسار ) أو عكسه أو بضرب ظهر اليمين على بطن اليسار أو عكسه فهذه أربع صور تناولها قول التحقيق تصفق بظهر كف على بطن أخرى ونحوه لا بطن على بطن فتناول كلامه أولا جواز الضرب بظهر اليمنى على بطن اليسرى وبظهر اليسرى على بطن اليمنى وقوله : ونحوه عكسهما وهو الضرب ببطن اليمنى على ظهر اليسرى وبطن اليسرى على ظهر اليمنى وأما الضرب ببطن إحداهما على بطن الأخرى فقال الرافعي : لا ينبغي فإنه لعب ولو فعلته على وجه اللعب عالمة بالتحريم بطلت صلاتها وإن كان قليلا فإن اللعب ينافي الصلاة اه

ويؤخذ من ذلك أنها إذا فعلت فعلة من الصور الأربع على وجه اللعب كان الحكم كذلك وهو كذلك وإنما نصوا على هذه لأن الغالب أن اللعب لا يقصد إلا بها

وقد أفتى شيخي في شخص أقام إصبعه الوسطى وهو في صلاته لشخص لاعبا معه بأن صلاته تبطل والأصل في ذلك خبر الصحيحين : من نابه شيء في صلاته فليسبح وإنما التصفيق للنساء ومثلهن الخناثى كما مر

وقد تقدم أنه لا بد أن يقصد بذلك الذكر مع التفهيم فإن قصد التفهيم فقط بطلت صلاته وإن قال في المهذب إنها لا تبطل لأنه مأمور به وسكت عليه المصنف وكذا إن أطلق

فإن قيل : قد أطلق المصنف استحباب الإنذار وهو تارة يكون واجبا كإنذار الأعمى وتارة يكون مستحبا كتنبيه إمامه إذا هم بترك مستحب كالتشهد الأول وتارة يكون مباحا كإذنه لداخل

أجيب بأنه إنما أراد التفرقة بين حكم الرجال والنساء بالنسبة إلى التسبيح والتصفيق ولم يرد بيان حكم التنبيه وعلى هذا يفوته حكم التنبيه هل هو واجب أو مندوب أو مباح ولا ريب أنه مندوب لمندوب كالمثال الأول في المتن ومباح لمباح كالمثال الثاني وواجب لواجب كالمثال الثالث وما ألحق به فلو صفق الرجل وسبحت المرأة جاز لكن خالفا السنة كما هو قضية كلام المصنف

قال الزركشي : وقد أطلقوا التصفيق للمرأة ولا شك أن موضعه إذا كانت بحضرة رجال أجانب فلو كانت بحضرة النساء أو الرجال المحارم فإنها تسبح كالجهر بالقراءة بحضرتهم والمعتمد إطلاق كلام الأصحاب وإن وافقه شيخنا على هذا البحث في شرح الروض ولم يعزه له

وظاهر كلامهم أن تصفيق المرأة لا يضر إذا كثر وتوالى عند الحاجة إليه وهو كذلك كما في الكفاية وإن قال بعض المتأخرين إنه يضر

فإن قيل : دفع المار إذا توالى وكثر يضر فهلا كان هذا كذلك أجيب بأن هذا فعل خفيف فاغتفر فيه التوالي مع الكثرة كتحريك الأصابع بسبحة إن لم تحرك كفها وإلا فكتحريك الكف للجرب بجامع الحاجة وهو لا يضر بل قال الزركشي : إن تحريك الكف كتحريك الأصابع وسيأتي ما فيه

وإذا لم يحصل الإنذار الواجب إلا بالفعل المبطل أو بالكلام وجب وبطلت صلاته بالأول وكذا بالثاني على الأصح في الروضة وأصلها وهو المعتمد وإن قال في التحقيق بالصحة واقتضاه كلام المجموع إذا لم يمكن إلا به

( ولو فعل في صلاته غيرها ) أي فعل فيها غير ما شرع فيها ( إن كان ) المفعول ( من جنسها ) أي من جنس أفعالها كزيادة ركوع أو سجود أو قعود أو قيام وإن لم يطمئن لا على وجه المتابعة من المسبوق

( بطلت ) صلاته لتلاعبه لكن لو جلس من اعتداله قدر جلسة الاستراحة ثم سجد أو جلس من سجود التلاوة للاستراحة قبل قيامه لم يضر لأن هذه الجلسة معهودة في الصلاة غير ركن بخلاف نحو الركوع فإنه لم يعهد فيها إلا ركنا فكان تأثيره في تغيير نظمها أشد

نعم لو انتهى من قيامه إلى حد الركوع لقتل نحو حية لم يضر كما قاله الخوارزمي وكذا لو فعل ما ذكر ناسيا كما قال : ( إلا أن ينسى ) لأنه صلى الظهر خمسا وسجد للسهو ولم يعدها رواه الشيخان

والجهل مع قرب العهد بالإسلام أو البعد عن العلماء كالنسيان كما قاله الأذرعي وقال في الأنوار : لو فعل ما لا يقتضى سجود سهو فظن أنه يقتضيه وسجد لم تبطل إن كان جاهلا لقرب عهده بالإسلام أو لبعده عن العلماء

أما ما فعله على وجه المتابعة لإمامه فلا يضر كأن اقتدى بمن اعتدل من الركوع فإنه يلزمه متابعته في الزائد ولو ركع أو سجد قبل الإمام كان له العود ثانيا كما سيأتي في صلاة الجماعة إن شاء الله تعالى ولا يضر ذلك وإن صدق عليه أنه زاد ركوعا أو سجودا لأجل المتابعة

ولو قرأ في صلاته آية سجدة فهوى ليسجد حتى وصل لحد الركوع ثم بدا له فتركه جاز كقراءة بعض التشهد الأول

ولو سجد


199

على خشن فرفع رأسه لئلا تنجرح جبهته ثم سجد ثانيا بطلت صلاته وإن كان تحامل على الخشن بثقل رأسه في أحد احتمالين للقاضي حسين يظهر ترجيحه وإلا فتبطل والاحتمال الثاني تبطل مطلقا

وخرج بقول المصنف : فعل القول فلو نقل ركنا قوليا غير السلام أو كرره عمدا فإنه لا يضر على النص كما سيأتي في الباب الآتي

أما نقل السلام إلى غير محله فإنه يضر كما مرت الإشارة إليه

( وإلا ) أي وإن لم يكن المفعول من جنس أفعالها كالمشي والضرب ( فتبطل بكثيره ) ولو سهوا لأن الحاجة لا تدعو إليه إما إذا دعت الحاجة إليه كصلاة شدة الخوف أو المتنفل على الراحلة إذا احتاج إلى تحريك يده أو رجله فإنه لا يضر وإن كثر

( لا قليله ) ولو عمدا وفارق الفعل القول حيث استوى قليله وكثيره في الإبطال بأن الفعل يتعذر أو يعسر الاحتراز عنه فعفي عن القدر الذي لا يخل بالصلاة بخلاف القول وقد ثبت أنه صلى وهو حامل أمامة بنت بنته فكان إذا سجد وضعها وإذا قام حملها رواه الشيخان وأمر بقتل الأسودين في الصلاة الحية والعقرب و خلع نعليه في صلاته

نعم الأكل القليل العمد يبطلها كما سيأتي وكذا الفعل القليل بقصد اللعب كما يؤخذ مما مر

( والكثرة ) والقلة ( بالعرف ) في الأصح فما يعده الناس قليلا كخلع الخف ولبس الثوب الخفيف وقتل قملة ودمها عفو فقليل نعم إن حمل جلد القملة المقتولة بطلت صلاته ومثل المصنف لذلك بقوله : ( فالخطوتان ) المتوسطتان ( أو الضربتان ) كذلك أو الإشارة برد السلام ( قليل ) لحديث خلع النعلين

وما يعده الناس كثيرا مما ذكر أو غيره فكثير وقد مثل له المصنف بقوله : ( والثلاث ) من ذلك أو غيره ( كثير إن توالت ) سواء أكانت من جنس الخطوات أم أجناس كخطوة وضربة وخلع نعل وسواء أكانت الخطوات الثلاث بقدر خطوة واحدة أم لا كما قاله الإمام

وقيل : القليل ما لا يحتاج فيه إلى كلتا اليدين والكثير ما يحتاج إلى ذلك كعقد الإزار والتعمم وقيل : الكثير ما يسع وقته ركعة والقليل خلافه وقيل غير ذلك

وخرج بقوله : إن توالت ما لو أتى بالثلاث متفرقة بحيث تعد الثانية مثلا منقطعة عن الأولى أو الثانية منقطعة عن الثالثة فإنه لا يضر لحديث حمل أمامة وعند البغوي أن يكون بينهما قدر ركعة

ولو فعل واحدة بنية الثلاث بطلت صلاته كما قاله العمراني وإذا تكلم بحرف ونوى أن يأتي بحرفين هل تبطل صلاته قياسا على ذلك أو لا ولم أر من تعرض له والظاهر الأول ولو تردد في فعل فعله هل وصل إلى حد الكثرة أو لا لم يضر كما قاله الإمام لأن الأصل عدمه

( وتبطل بالوثبة ) لمنافاتها للصلاة وقوله : ( الفاحشة ) يفهم أن لنا وثبة غير فاحشة لا تبطل الصلاة وليس مرادا ولذلك عدل ابن المقري عن هذه العبارة إلى قوله : ولو فحشت الفعلة كوثبة بطلت

( لا الحركات الخفيفة المتوالية كتحريك أصابعه ) بلا حركة كفه ( في سبحة ) أو عقد أو حل ( أو حك ) أو نحو ذلك كتحريك لسانه أو أجفانه أو شفتيه أو ذكره مرارا ولاء فلا تبطل بذلك ( في الأصح ) إذ لا يخل ذلك بهيئة الخشوع والتعظيم فأشبه بالفعل القليل والثاني : تبطل بذلك لأنها أفعال كثيرة متوالية فأشبهت الخطوات فإن حرك كفه في ذلك ثلاثا متوالية بطلت خلافا للزركشي وما يفهم من كلام الإمام من التسوية بينها وبين الأصابع

نعم إن كان معه جرب لا يقدر معه على الصبر لم تبطل بتحريك كفه ثلاثا ولاء كما قاله الخوارزمي في كافيه للضرورة ولو فتح كتابا وفهم ما فيه أو قرأ في مصحف ولو قلب أوراقه أحيانا لم تبطل لأن ذلك يسيرا وغير متوال لا يشعر بالإعراض

والقليل من الفعل الذي يبطل كثيره إذا تعمده بلا حاجة مكروه لا في فعل مندوب كقتل نحو حية وعقرب فلا يكره بل يندب كما مر

فائدة : هل الخطوة نقل رجل واحدة فقط حتى يكون نقل الأخرى إلى محاذاتها خطوة أخرى أو نقل الأخرى إلى محاذاتها داخل في مسمى الخطوة قال ابن أبي شريف في شرح الإرشاد : كل منهما محتمل والثاني أقرب

أما نقل كل من الرجلين على التعاقب إلى التقدم أو التأخر إلى الأخرى فخطوتان فلا إشكال اه

والمتجه ما قاله في ذلك شيخي وهو أن نقل الرجل الأخرى خطوة ثانية مطلقا لأن الخطوة بفتح الخاء المرة الواحدة وأما بالضم فاسم لما بين القدمين


200

( وسهو الفعل ) المبطل لفحشه أو كثرته ( كعمده ) في بطلان الصلاة به ( في الأصح ) فيبطل كثيره وفاحشه لندور السهو ولأنه يقطع نظم الصلاة

والثاني واختاره في التحقيق : أنه كعمد قليله واختاره السبكي وغيره لما مر في حديث ذي اليدين وجهل التحريم كالسهو أخذا مما سيأتي

( وتبطل بقليل الأكل ) لشدة منافاته لها لأن ذلك يشعر بالإعراض عنها وقيل : لا تبطل به كسائر الأفعال القليلة أما الكثير فتبطل به قطعا ويرجع في القلة والكثرة إلى العرف كما مر

وهل المبطل الفعل أو وصول المفطر جوفه وجهان أصحهما الثاني وسيأتي أن المضغ أيضا من الأفعال

( قلت : إلا أن يكون ناسيا ) للصلاة ( أو جاهلا تحريمه ) لقرب عهده بالإسلام أو لبعده عن العلماء فلا تبطل بقليله قطعا ( والله أعلم ) لعدم منافاته للصلاة

أما كثيره فيبطل مع النسيان أو الجهل في الأصح ولو مفرقا بخلاف الصوم فإنه لا يبطل بذلك

وفرقوا بأن للصلاة هيئة مذكرة بخلافه وهذا لا يصلح فرقا في جهل التحريم والفرق الصالح لذلك أن الصلاة ذات أفعال منظومة والفعل الكثير يقطع نظمها بخلاف الصوم فإنه كف والمكره هنا كغيره لندرة الإكراه

( فلو كان بفمه سكرة ) فذابت ( فبلع ) بكسر اللام وحكي فتحها ( ذوبها ) بمص ونحوه لا بمضغ ( بطلت ) صلاته ( في الأصح ) لمنافاته للصلاة كما مر والثاني : لا تبطل لعدم المضغ

ثم إن المضغ من الأفعال فتبطل بكثيره وإن لم يصل إلى الجوف شيء من الممضوغ

( ويسن للمصلي ) أن يتوجه ( إلى ) سترة نحو ( جدار أو سارية ) أي عمود كخشبة مبنية ( أو ) إلى نحو ( عصا مغروزة ) كمتاع عند عجزه عن المرتبة الأولى للإتباع في ذلك رواه الشيخان ولخبر : استتروا في صلاتكم ولو بسهم رواه الحاكم وقال : على شرط مسلم

( أو بسط مصلى ) عند عجزه عن المرتبة الثانية كسجادة بفتح السين

( أو خط قبالته ) عند عجزه عن المرتبة الثالثة خطا طولا كما في الروضة روى أبو داود خبر : إذا صلى أحدكم فليجعل أمام وجهه شيئا فإن لم يجد فلينصب عصا فإن لم يكن معه عصا فليخط خطا ثم لا يضره ما مرأمامه

وقيس بالخط المصلي وقدم على الخط لأنه أظهر في المراد

وطول المذكورات حتى الخط ثلثا ذراع فأكثر تقريبا وبينها وبين المصلي ثلاثة أذرع فأقل وإذا صلى إلى شيء منها على هذا الترتيب سن له وكذا لغيره كما صرح به الإسنوي وغيره تفقها ( دفع المار ) بينه وبينها

والمراد بالمصلي والخط منهما أعلاهما وذلك لخبر الشيخين : إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان أي معه شيطان أو هو شيطان الإنس

( والصحيح تحريم المرور حينئذ ) وإن لم يجد المار سبيلا آخر لخبر : لو يعلم المار بين يدي المصلي أي إلى السترة ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خريفا خيرا له من أن يمر بين يديه رواه الشيخان إلا من الإثم فالبخاري وإلا خريفا فالبزار

وقضية هذا وجوب الدفع وقد بحثه الإسنوي لحرمة المرور وهو قادر على إزالتها وليس كدفع الصائل فإن من لم يوجبه احتج بخبر : كن عبد الله المظلوم ولا تكن عبدالله الظالم والمنقول عدم الوجوب وبهذا يلغز ويقال لنا حرام لا يجب إنكاره

قال شيخنا : وكأن الصارف عن وجوبه شدة منافاته لمقصود الصلاة من الخشوع والتدبر وأيضا للاختلاف في تحريمه والتحريم مقيد بما إذا لم يقصر المصلي بصلاته في المكان وإلا كأن وقف بقارعة الطريق فلا حرمة بل ولا كراهة كما قاله في الكفاية أخذا من كلامهم وبما إذا لم يجد المار فرجة أمامه وإلا فلا حرمة بل له خرق الصفوف والمرور بينها ليسد الفرجة كما قاله في الروضة كأصلها وفيها : لو صلى بلا سترة أو تباعد عنها أي أو لم تكن بالصفة المذكورة فليس له الدفع لتقصيره ولا يحرم المرور بين يديه لكن الأولى تركه فقوله في غيرها : لكن يكره محمول على الكراهة غير الشديدة

قال : وإذا صلى إلى سترة فالسنة أن يجعلها مقابلة ليمينه أو يساره ولا يصمد لها بضم الميم أي ولا يجعلها تلقاء وجهه وإذا دفع دفع بالأسهل فالأسهل كدفع الصائل فإن أدى إلى موته فهدر


201

قال الأصحاب : ويدفعه بيده هو مستقر في مكانه ولا يحل له المشي إليه لأن مفسدة الشيء أشد من المرور وقضية هذا أن الخطوة أو الخطوتين حرام وإن لم تبطل بهما الصلاة وليس مرادا أي لا يحل حلا مستوي الطرفين فيكره

ولو دفعه ثلاث مرات متواليات بطلت صلاته كما في الأنوار وتقدم الفرق بينه وبين التصفيق

وبما تقرر علم ما في كلام المصنف من الإجحاف فإنه لم يذكر حكم الصلاة إلى ما ذكر من جدار وما بعده وكلامه يوهم أن الشاخص وغيره سواء ولم يبين طول السترة ولا قدر ما بينه وبينها وغير ذلك مما يظهر بالتأمل

فائدة : لو وضع سترة فأزالها الريح أو غيرها فمن علم حاله فمروره كمروره مع وجود السترة دون من لم يعلم ولو صلى بلا سترة فوضعها له شخص آخر فالظاهر كما قاله ابن الأستاذ تحريم المرور حينئذ نظرا لوجودها لا لتقصير المصلي

قال في المجموع : ويكره أن يصلي وبين يديه رجل أو امرأة يستقبله ويراه اه

ولا تبطل صلاته بمرور شيء بين يديه كامرأة وكلب وحمار للأخبار الصحيحة الدالة عليه وأما خبر مسلم : يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار فالمراد منه قطع الخشوع للشغل بها والظاهر أن بعض الصفوف لا يكون سترة لبعضها كما هو ظاهر كلامهم

( قلت : يكره الالتفات ) في الصلاة بوجهه يمنة أو يسرة فإنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد كما صح في البخاري ولمنافاته الخشوع

وقد روى أبو داود والنسائي : لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه ولهذا قال المتولي بحرمته وقال الأذرعي : والمختار أنه إن تعمد مع علمه بالخبر حرم بل تبطل إن فعله لعبا اه

ومحل الخلاف إذا لم تكن حاجة كما قال : ( لا لحاجة ) فلا يكره لأنه كان في سفر فأرسل فارسا إلى شعب من أجل الحرس فجعل يصلي وهو يلتفت إلى الشعب رواه أبو داود بإسناد صحيح

أما صدره فإن حوله عن القبلة بطلت صلاته كما علم من فصل الاستقبال وخرج بما ذكر اللمح بالعين دون الالتفات فإنه لا بأس به ففي صحيح ابن حبان من حديث علي بن شيبان قال : قدمنا على النبي وصلينا معه فلمح بمؤخر عينه رجلا لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فقال : لا صلاة لمن لا يقيم صلبه

( و ) يكره ( رفع بصره إلى السماء ) لحديث البخاري : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم فاشتد قوله في ذلك حتى قال : لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم ولذلك قال الأذرعي : والوجه تحريمه على العامد العالم بالنهي المستحضر له اه

وروي أنه : كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزل : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون فطأطأ رأسه رواه الحاكم من حديث أبي هريرة وقال : إنه على شرط الشيخين

ويكره نظر ما يلهي عن الصلاة كثوب له أعلام لخبر عائشة : كان النبي يصلي وعليه خميصة ذات أعلام فلما فرغ قال : ألهتني هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانيته رواه الشيخان

( و ) يكره ( كف شعره أو ثوبه ) لحديث : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف ثوبا ولا شعرا رواه الشيخان واللفظ لمسلم

ومن ذلك كما في المجموع أن يصلي وشعره معقوص أو مردود تحت عمامته أو ثوبه أو كمه مشمر ومنه شد الوسط وغرز العذبة

والمعنى في النهي عن كف ذلك أنه يسجد معه ولذا نص الشافعي على كراهة الصلاة وفي إبهامه الجلدة التي يجر بها وتر القوس قال : لأني آمره أن يفضي ببطون كفيه إلى الأرض

( و ) يكره ( وضع يده على فمه ) لثبوت النهي عنه ولمئنته لهيئة الخشوع

( بلا حاجة ) فإن كان لها كما إذا تثاءب فإنه لا يكره بل يستحب وضعها لصحة الحديث في ذلك

قال ابن الملقن : والظاهر أنه يضع اليسرى لأنها لتنحية الأذى ويكره التثاؤب لخبر مسلم : إذا تثاءب أحدكم وهو في الصلاة فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا قال ها ها ضحك الشيطان منه قال في المجموع : ويكره التثاؤب في غير الصلاة أيضا ويكره النفخ لأنه عبث ومسح الحصى ونحوه حيث يسجد لخبر أبي داود بإسناد على شرط الشيخين : لا تمسح الحصى وأنت تصلي فإن كنت لا بد فاعلا فواحدة تسوية للحصى ولأنه يخالف التواضع والخشوع


202

( و ) يكره ( القيام على رجل ) واحدة لأنه تكلف ينافي الخشوع إلا إن كان لعذر كوجع الأخرى فلا كراهة

( و ) تكره ( الصلاة حاقنا ) بالنون : أي مدافعا للبول ( أو حاقبا ) بالموحدة : أي مدافعا للغائط أو حازقا بالقاف : وهو مدافع الريح أو حاقما بهما فيستحب أن يفرغ نفسه من ذلك إذا اتسع الوقت وإن فاتته الجماعة كما سيأتي في بابها

وقيل : يستحب وإن فات الوقت

ونقل عن القاضي حسين أنه قال : إذا انتهى به مدافعة الأخبثين إلى أن ذهب خشوعه لم تصح صلاته

( أو بحضرة ) بتثليث الحاء المهملة ( طعام ) مأكول أو مشروب ( يتوق ) بالتاء المثناة من فوق : أي يشتاق ( إليه ) لحديث مسلم : لا صلاة أي كاملة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان بالمثلثة : أي البول والغائط

والشرب كالأكل وتوقان النفس في غيبة الطعام كحضوره قاله في الكفاية وهو ظاهر إن كان يرجى حضوره عن قرب كما يؤخذ من كلام ابن دقيق العيد بل قيل : إن غيبة الطعام ليست كحضوره مطلقا لأن حضوره يوجب زيادة تشوق وتطلع إليه

وتعبير المصنف بتوقان يفهم أنه إنما يأكل ما ينكسر به التوقان والذي جرى عليه في شرح مسلم في الأعذار المرخصة في ترك الجماعة أنه يأكل حاجته بكمالها وهو الظاهر ومحل ذلك إذا اتسع الوقت

( و ) يكره ( أن يبصق قبل وجهه أو عن يمينه ) لحديث الشيخين : إذا كان أحدكم في الصلاة فإنما يناجي ربه فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه زاد البخاري : فإن عن يمينه ملكا وعن يساره أو تحت قدمه

ويكره البصاق عن يمينه وأمامه وهو في غير الصلاة أيضا كما قاله المصنف خلافا لما رجحه الأذرعي تبعا للسبكي من أنه مباح لكن محل كراهة ذلك أمامه إذا كان متوجها إلى القبلة كما بحثه بعضهم إكراما لها

فائدة : روى ابن عساكر عن عبادة بن الصامت عن معاذ بن جبل أنه قال ما بزقت عن يميني منذ أسلمت

قال الدميري : وينبغي أن يستثنى من البصاق عن يمينه ما إذا كان بمسجد النبي فإن بصاقه عن يمينه أولى لأن النبي عن يساره اه

وهو ظاهر إذا كان القبر الشريف عن يساره

فإن قيل : عن يساره ملك آخر فما وجه اختصاص المنع بما ذكر أجيب بأن الصلاة أم الحسنات البدنية فلا دخل لكاتب السيئات فيها ففي الطبراني : فإنه يقوم بين يدي الله تعالى وملكه عن يمينه وقرينه عن يساره فالبصاق حينئذ إنما يقع على القرين وهو الشيطان ولعل ملك اليسار حينئذ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك

هذا إذا كان في غير مسجد فإن كان فيه بصق في ثوبه في الجانب الأيسر وحك بعضه ببعض ولا يبصق فيه فإنه حرام كما صرح به في المجموع والتحقيق ويجب الإنكار على فاعله وإن قال في المهمات إن المشهور الكراهة لحديث الشيخين : البصاق في المسجد خطيئةوكفارتها دفنها أي ولو في تراب المسجد لظاهر الخبر بل يبصق في طرف ثوبه في جانبه الأيسر ككمه

وبصق وبزق لغتان بمعنى

ومن رأى بصاقا أو نحوه في المسجد فالسنة أن يزيله وأن يطيب محله قاله في المجموع

فإن قيل : لماذا لم تجب الإزالة لأن البصاق فيه حرام كما مر أجيب بأنه مختلف في تحريمه كما قالوه في دفع المار بين يدي المصلي كما مر

( و ) يكره ( وضع يده ) أي المصلي ذكرا كان أو غيره ( على خاصرته ) لغير ضرورة أو حاجة للنهي عنه رواه الشيخان

وفي رواية ابن حبان : الاختصار في الصلاة راحة أهل النار قال ابن حبان يعني اليهود والنصارى وهم أهل النار

واختلف العلماء في تفسير الاختصار على أقوال : أصحها ما ذكره المصنف والثاني : أن يتوكأ على عصا والثالث : يختصر السورة فيقرأ آخرها والرابع : أن يختصر صلاته فلا يتم حدودها والخامس : أن يقتصر على الآيات التي فيها السجدة ويسجد فيها والسادس : أن يختصر السجدة إذا انتهى في قراءته إليها ولا يسجدها

وعلى الأول اختلف في علة النهي فقيل : لأنه فعل الكفار وقيل : فعل المتكبرين وقيل : فعل الشيطان

وحكى في شرح مسلم : أن إبليس هبط من الجنة كذلك

ويكره أن يروح على نفسه في الصلاة وأن يفقع أصابعه أو يشبكها لأن ذلك عبث وأن يمسح وجهه فيها وقبل الانصراف مما يتعلق بها من غبار ونحوه

( و ) تكره ( المبالغة في خفض الرأس ) عن الظهر ( في ركوعه ) لمجاوزته فعله فإنه كان إذا ركع لم


203

يشخص رأسه : أي لم يرفعه ولم يصوبه : أي لم يخفضه

وقضية كلام المصنف أن خفض الرأس من غير مبالغة لا كراهة فيه والذي دل عليه كلام الشافعي والأصحاب كما قاله السبكي وجرى عليه شيخنا في منهجه الكراهة وهو المعتمد

( و ) تكره ( الصلاة في ) الأسواق والرحاب الخارجة عن المسجد قاله في الإحياء قال : وكان بعض الصحابة يضرب الناس ويقيم من الرحاب

وفي ( الحمام ) ولو في مسلخه لحديث صحيح أسنده ابن حبان : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام

واختلف في علة النهي على أقوال : أصحها لأنه مأوى الشياطين وقيل : خوف النجاسة وقيل : لاشتغال المصلي بدخول الناس وقيل غير ذلك

وهو مذكر مأخوذ من الحميم وهو الماء الحار

( و ) في ( الطريق ) للنهي عن الصلاة في قارعة الطريق وهي أعلاه وقيل : صدره وقيل : ما برز منه والكل متقارب

والمراد هنا نفس الطريق كما قاله ابن الأثير في النهاية فلهذا عبر به المصنف

وظاهر كلامه أنه لا فرق بين البنيان والبرية وصححه في الكفاية ولكن المعتمد ما صححه في التحقيق من الكراهة في البنيان دون البرية

وفي قول إن الصلاة في الشارع باطلة بناء على تغليب الغالب الظاهر على الأصل

( و ) في ( المزبلة ) بفتح الباء وضمها : موضع الزبل ونحوه كالمجزرة وهي موضع ذبح الحيوان

ومحل ذلك ما إذا بسط طاهرا وصلى عليه وإلا لم تصح لأنه مصل على نجاسة

وإنما تكره على الحائل إذا كانت النجاسة محققة فإن بسطه على ما غلبت فيه النجاسة لم تكره على ما يقتضيه كلام الرافعي لضعف ذلك الحائل

( و ) في ( الكنيسة ) وهي بفتح الكاف معبد النصارى وفي البيعة بكسر الباء وهي معبد اليهود ونحوهما من أماكن الكفر لأنها مأوى الشياطين

نعم لو منعنا أهل الذمة من دخول أماكنهم حرم علينا دخولها

( و ) في ( عطن الإبل ) ولو طاهرا وهو الموضع الذي تنحى إليه الإبل الشاردة ليشرب غيرها فإذا اجتمعت سيقت منه إلى المرعى لقوله : صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين رواه ابن ماجة وصححه ابن حبان ولنفارها المشوش للخشوع

والمرابض المراقد فلا تكره الصلاة فيها

وفرق الرافعي بين الإبل والغنم بأن خوف نفار الإبل يذهب الخشوع بخلاف الغنم

ولا تختص الكراهة بالعطن بل مأواها ومقيلها ومباركها بل مواضعها كلها كذلك

قال الرافعي : والكراهة في العطن أشد من مأواها لأن نفارها في العطن أكثر لازدحامها ذهابا وإيابا

والبقر كالغنم كما قاله ابن المنذر وغيره وإن نظر فيه الزركشي

ومعلوم أن أماكن المواشي مطلقا إن تنجست لم تصح الصلاة فيها بلا حائل وتصح بالحائل مع الكراهة لكن الكراهة في موضع الغنم ونحوها لمحاذاة النجاسة كما مر وفي موضع الإبل لذلك ولما مر

( و ) في ( المقبرة ) بتثليث الموحدة ( الطاهرة ) وهي التي لم تنبش ( والله أعلم ) لنهيه عن الصلاة في سبعة مواطن : في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق بيت الله العتيق رواه الترمذي وقال : إسناده ليس بالقوي

ولنجاسة ما تحتها بالصديد

وإنما كرهت الصلاة فوق البيت لهتك حرمته

أما المنبوشة فلا تصح الصلاة فيها بغير حائل ومعه تكره واستثنى كما في التوشيح لابن السبكي مقابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أي إذا كانت أرضا ليس فيها مدفون إلا نبي أو أنبياء فلا تكره الصلاة فيها لأن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم وإنما هم أحياء في قبورهم يصلون

وينبغي كما قال بعض المتأخرين أن تكون مقابر شهداء المعركة كذلك لأنهم أحياء واعترض الزركشي كلام ابن السبكي بأن تجويز الصلاة في مقبرة الأنبياء ذريعة إلى اتخاذها مسجدا وجاء النهي عن اتخاذ مقابر الأنبياء مساجد وسد الذرائع مطلوب اه

وليس هذا الاعتراض بظاهر

قال في المجموع : وتكره الصلاة في مأوى الشياطين كالخمارة ومواضع المكس ونحو ذلك من المعاصي الفاحشة وفي الوادي الذي نام فيه لا في غيره من الأودية وان أطلق الرافعي تبعا للإمام و الغزالي الكراهة في بطون الأودية مطلقا وعللوه باحتمال السيل المذهب للخشوع ويكره استقبال القبر في الصلاة لخبر مسلم : لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها

نعم يحرم استقبال قبره كما جزم به في التحقيق ويقاس به سائر قبور الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام


204

فائدة : أجمع المسلمون إلا الشيعة على جواز الصلاة على الصوف وفيه ولا كراهة في الصلاة على شيء من ذلك إلا عند مالك فإنه كره الصلاة عليه تنزيها وقالت الشيعة : ولا يجوز ذلك لأنه ليس من نبات الأرض

خاتمة : في أحكام المسجد يحرم تمكين الصبيان غير المميزين والمجانين والبهائم والحيض ونحوهن والسكران من دخوله إن غلب تنجيسهم له وإلا كره كما يعلم مما سيأتي إن شاء الله تعالى في الشهادات

وكذا يحرم دخول الكافر له إلا بإذن مسلم قال الجويني : مكلف

قال الأذرعي : ولم يشترط على الكافر في عهده عدم الدخول كما صرح به الماوردي وغيره

وإن أذن له أو قعد قاض للحكم فيه وكان له حكومة جاز له الدخول ولو كان جنبا لأنه لا يعتقد حرمة ذلك

ويستحب الإذن له فيه لسماع قرآن ونحوه كفقه وحديث رجاء إسلامه لا لأكل ونوم فيه فلا يستحب له الإذن بل يستحب عدمه وهو الظاهر بل قال الزركشي : ينبغي تحريمه

والكلام في غير المسجد الحرام لأن في دخوله حرم مكة تفصيلا يأتي في الجزية إن شاء الله تعالى

ويكره نقش المسجد واتخاذ الشرافات له بل إن كان ذلك من ريع ما وقف على عمارته فحرام

ويكره دخوله بلا ضررة لمن أكل ما له ريح كريه كثوم بضم المثلثة وحفر بئر وغرس شجر فيه بل إن حصل بذلك ضرر حرم

وعمل صناعة فيه إن كثر هذا إذا لم تكن خسيسة تزري بالمسجد ولم يتخذه حانوتا يقصد فيه بالعمل وإلا فيحرم ذكره ابن عبد السلام في فتاويه

ولا بأس بإغلاقه في غير أوقات الصلاة صيانة له وحفظا لما فيه ومحله كما قال في المجموع : إذا خيف امتهانه وضياع ما فيه ولم تدع حاجة إلى فتحه وإلا فالسنة عدم إغلاقه ولو كان فيه ماء مسبل للشرب لم يجز غلقه ومنع الناس من الشرب

ولا بأس بالنوم والوضوء والأكل فيه إذا لم يتأذ بشيء من ذلك الناس وما قاله البغوي من تحريم نضح المسجد بالماء المستعمل وجرى عليه ابن المقري في باب الاعتكاف قال المصنف في مجموعه : ضعيف قال : والمختار الجواز كما يجوز الوضوء فيه مع أن ماءه مستعمل اه

وهذا هو المعتمد وإن فرق بعض المتأخرين بأن الوضوء محتاج إليه بخلاف النضح بالمستعمل وبأن تلويثه يحصل في الوضوء ضمنا بخلافه في النضح والشيء يغتفر ضمنا ما لا يغتفر مقصودا

والبصاق فيه حرام وكفارته دفنه كما مر ولحائطه مثل حرمته فيحرم البصاق عليها لا في هوائه فلو رمى نخامة من داخل المسجد إلى خارجه لم يحرم

ويسن أن يقدم رجله اليمنى دخولا واليسرى خروجا وأن يقول : أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم الحمد لله اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ثم يقول : بسم الله ويدخل

وكذا يقول عند الخروج إلا أنه يقول : أبواب فضلك

قال في المجموع : فإن طال عليه هذا فليقتصر على ما في مسلم : أنه قال : إذا دخل أحدكم المسجد فليقل : اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل : اللهم إني أسألك من فضلك

وتكره الخصومة ورفع الصوت ونشد الضالة فيه

ولا بأس أن يعطي السائل فيه شيئا ولا بأس بإنشاد الشعر فيه إذا كان مدحا للنبوة أو للإسلام أو كان حكمة أو في مكارم الأخلاق أو الزهد ونحو ذلك

باب بالتنوين

في مقتضى سجود السهو وحكمه ومحله وما يتعلق به والسجدات التي ليست من صلب الصلاة ثلاث سجود السهو والتلاوة والشكر

وقدم الأول فقال ( سجود السهو ) في الصلاة فرضا أو نفلا ( سنة ) للأحاديث الآتية فيه وليجبر خللها الحاصل على سجود التلاوة لكونه لا يفعل إلا في الصلاة لكنه في التنبيه قدم سجود التلاوة عليه لأنه في الصلاة سابق لسجود السهو وقدم سجود التلاوة على سجود الشكر لكونه يفعل فيها وخارجها وسجود الشكر لا يفعل إلا خارجها

وهو لغة نسيان الشيء والغفلة عنه والمراد هنا الغفلة عن شيء في الصلاة

وإنما يسن ( عند ترك مأمور به ) من الصلاة ( أو فعل منهي عنه ) فيها ولو بالشك كما سيأتي بيانه فيهما فيما لو شك هل صلى ثلاثا أم أربعا وغير


205

ذلك فسقط بذلك ما قيل إنه لا يسن السجود لكل ترك مأمور به ولا لكل فعل منهي عنه وأنه أهمل سببا ثالثا وهو إيقاع بعض الفرض مع التردد في وجوبه كما إذا شك هل صلى ثلاثا أم أربعا فإنه يقوم إلى الرابعة ويسجد كما سيأتي قاله الإسنوي وغيره ورده في الخادم أيضا بأن سبب السجود التردد في الركعة المفعولة زائدة وهو راجع لارتكاب المنهي ولم يجب لأنه لم ينب عن فرض بل شرع لترك غير واجب

والبدل إما كالمبدل أو أخف منه وبهذا فارق جبران الحاج لكونه بدلا عن واجب

( فالأول ) من السببين وهو ترك مأمور به ( إن كان ركنا وجب تداركه ) بفعله ولا يغني عنه السجود لأن حقيقة الصلاة لا توجد بدونه

( وقد يشرع ) مع تداركه ( السجود كزيادة ) بالكاف ( حصلت بتدارك ركن كما سبق في ) ركن ( الترتيب ) وهو الركن الثالث عشر من أركان الصلاة وذلك من قوله وإن سها فما بعد المتروك لغو إلى آخر المسألة ففي تلك الصور كلها إذا تدارك سجد للسهو كما مر

ومراده ب ما سبق بيان الزيادة لا السجود فإنه لم يذكره هناك

وقد لا يشرع السجود بأن لا تحصل زيادة كما إذا ترك النية أو التحريم أو احتمل ذلك فإنه يستأنف الصلاة ولا سجود وما لو كان المتروك السلام فتذكره عن قرب ولم ينتقل من موضعه فيسلم من غير سجود فإن طال الفصل فهو مسألة السكوت الطويل وقد مر في باب غير هذا أنه لا يبطل على الراجح

وقد يقال يسجد له أخذا مما سيأتي في تطويل الركن القصير بالسكوت والصحيح أنه لا يسجد أو انتقل عن موضعه فقد مر في الباب قبل هذا

فإن قيل لا حاجة إلى قوله كزيادة حصلت إلخ لعلم ذلك من قوله أو فعل منهي عنه

أجيب بأن المراد بالفعل المنهي عنه ما ليس من أفعال الصلاة غير مسألة الشك والزيادة الحاصلة بتدارك الركن من أفعالها لكن لا يعتد بها لعدم الترتيب

( أو ) كان المتروك من المأمور به ( بعضا وهو ) ستة كما قاله الشيخان الأول ( القنوت ) الراتب وهو قنوت الصبح وقنوت الوتر في النصف الثاني من رمضان دون قنوت النازلة لأنه سنة في الصلاة لا بعضها

والكلام فيما هو بعض منها وترك بعض القنوت كترك كله قاله الغزالي

والمراد ما لا بد منه في حصوله بخلاف ما لو ترك أحد القنوتين كأن ترك قنوت سيدنا عمر رضي الله عنه لأنه أتى بقنوت تام وكذا لو وقف وقفة لا تسع القنوت إذا كان لا يحسنه لأنه أتى بأصل القيام أفادنيه شيخي رحمة الله عليه وجعل قراره الجنة وسيأتي أن ذلك لا يكفي

( و ) ثانيها ( قيامه ) أي القنوت الراتب وإن استلزم تركه ترك القنوت

ولو ترك القنوت تبعا لإمامه الحنفي سجد للسهو لأن العبرة بعقيدة المأموم على الأصح خلافا للقفال في عدم السجود فإنه بناه على طريقته من أن العبرة بعقيدة الإمام

( و ) ثالثها ( التشهد الأول ) لأنه صلى الله عليه وسلم ترك التشهد الأول من الظهر ناسيا وسجد قبل أن يسلم رواه الشيخان

واستثنى منه ما لو نوى أربعا وأطلق أو قصد أن يتشهد تشهدين فلا يسجد لترك أولهما ذكره في الذخائر في الكلام على النفل المطلق وكذا ابن الرفعة عن الإمام لكن فصل البغوي في فتاويه فقال يسجد لتركه إن كان على عزم الإتيان به فنسيه وإلا فلا وهذا أظهر وترك بعضه ككله قياسا على القنوت والمراد به اللفظ الواجب في الأخير خاصة فلا يسجد لترك ما هو فيه سنة كما نبه على ذلك الإسنوي

ورابعها ما ذكره بقوله ( أو قعوده ) أي التشهد الأول وإن استلزم تركه ترك التشهد لأن السجود إذا شرع لترك التشهد شرع لترك جلوسه لأنه مقصود ويتصور تركه وترك قيام القنوت بأن لا يحسن التشهد أو القنوت فإنه يسن له أن يجلس أو يقف بقدره فإذا لم يفعل سجد للسهو

وخامسها ما ذكره بقوله ( وكذا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه ) أي بعده ( في الأظهر ) بناء على الأظهر أنها سنة فيه على ما مر فقوله ( سجد ) راجع للصور كلها

والثاني لا يسجد لترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بناء على عدم استحبابها فيه

وقيس بالنسيان في ذلك العمد بجامع الخلل بل خلل العمد أكثر فكان للجبر أحوج

( وقيل إن تركه عمدا فلا ) يسجد لتقصيره بتفويت السنة على نفسه والناسي معذور فناسب أن يشرع له الجبر

ورد بما تقدم

وسادسها ما أشار إليه بقوله قلت وكذا الصلاة على


206

الآل حيث سنناها والله أعلم ) وذلك بعد التشهد الأخير على الأصح وبعد الأول على وجه وكذا بعد القنوت لأنها سنة فيه على الصحيح

وزيد سابع وهو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت كما جزم به ابن الفركاح

ويسجد أيضا لترك القعود للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد ولترك القعود للآل ولترك القيام للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد القنوت ولترك القيام للآل ويتصور ترك الصلاة على الآل في التشهد الأخير بأن يتيقن ترك إمامه لها بعد سلامه وقبل أن يسلم هو

وسميت هذه السنن أبعاضا لقربها بالجبر بالسجود من الأبعاض الحقيقية أي الأركان

( ولا تجبر سائر السنن ) أي باقيها كأذكار الركوع والسجود وقنوت النازلة إذا تركت بالسجود لعدم وروده فيها لأن سجود السهو زيادة في الصلاة فلا يجوز إلا بتوقيف فلو فعله لشيء من ذلك ظانا جوازه بطلت صلاته إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو بعيدا عن العلماء

قاله البغوي في فتاويه بخلاف الأبعاض لوروده في بعضها وهو السجود لترك التشهد الأول كما مر وقيس عليه الباقي

( والثاني ) من السببين وهو فعل المنهي عنه ( إن لم يبطل عمده ) الصلاة ( كالالتفات والخطوتين لم يسجد لسهوه ) ولا لعمده كما ذكره في التحقيق والمجموع لعدم ورود السجود له ولأن عمده في محل العفو فسهوه أولى وسيأتي ما يستثنى من ذلك

( وإلا ) أي وإن أبطل عمده الصلاة كركعة زائدة أو ركوع أو سجود أو قليل أكل أو كلام ( سجد ) لسهوه ( إن لم تبطل ) الصلاة ( بسهوه ) كالأمثلة المذكورة لأنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا ثم سجد للسهو متفق عليه ويقاس غير ذلك عليه

أما إذا أبطل سهوه ( ككلام كثير في الأصح ) كما مر وأكل كثير وفعل كثير كثلاث خطوات ولاء فلا سجود فإنه ليس في الصلاة

وقد علم مما تقرر أن قوله في الأصح راجع إلى التمثيل بما يبطل سهوه وهو الكلام الكثير لا إلى قوله سجد ولو سكت عن المثال لكان أخصر وأبعد عن الإيهام إذ لا سجود مع الحكم بالبطلان

والمعتمد كما مر في فصل الاستقبال أن المستقبل في السفر إذا انحرف عن طريقه إلى غير القبلة ناسيا وعاد عن قرب أنه يسجد للسهو كما صححه الرافعي في الشرح الصغير وجزم به ابن المقري في روضه واعتمده شيخي لأن عمده مبطل فيسجد لسهوه إذ هو كما قال الإسنوي القياس وإن صحح في المجموع وغيره عدم السجود

ويستثنى من ذلك ما لو سجد للسهو ثم سها قبل سلامه لم يسجد في الأصح فلو سجد عمدا بطلت صلاته أو سهوا فلا ومع ذلك لا يسجد للسهو

( وتطويل الركن القصير ) بسكوت أو ذكر لم يشرع فيه ( يبطل عمده ) الصلاة ( في الأصح ) لأن تطويله تغيير لموضوعه كما لو قصر الطويل فلم يتم الواجب

قال الإمام ولأن تطويله يخل بالموالاة

( فيسجد لسهوه ) قطعا والثاني لا يبطل عمده لما رواه مسلم عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى يقول القائل قد نسي وعلى هذا ففي سجود السهو وجهان أصحهما نعم

( فالاعتدال قصير ) لأنه للفصل بين الركوع والسجود

واختار المصنف من حيث الدليل جواز تطويل كل اعتدال بذكر غير ركن وقال الأذرعي أنه الصحيح مذهبا ودليلا وأطال في ذلك ونقله عن نص الشافعي رضي الله تعالى عنه وغيره بخلاف تطويله بركن كالفاتحة والتشهد

أما تطويله بمشروع كقنوت في موضعه أو تسبيح في صلاة التسبيح الآتي بيانها في صلاة النفل فلا يبطل الصلاة لوروده

( وكذا الجلوس بين السجدتين ) ركن قصير ( في الأصح ) لأنه للفصل بينهما فهو كالاعتدال بل أولى لأن الذكر المشروع فيه أقصر من المشروع في الاعتدال

والثاني أنه طويل لأن في صحيح مسلم ما يقتضي إطالته بالذكر

قال في المهمات وكان ينبغي للمصنف طرد اختياره في الجلوس بين السجدتين أيضا على أنه في التحقيق هنا صحح أنه ركن طويل وعزاه في المجموع إلى الأكثرين وسبقه إليه الإمام ووافق في التحقيق والمجموع في صلاة الجماعة على أنه قصير

ومقدار التطويل كما نقله الخوارزمي عن الأصحاب أن يلحق بالاعتدال بالقيام للقراءة والجلوس بين السجدتين بالجلوس للتشهد


207

والمراد قراءة الواجب فقط لا قراءته مع المندوب

( ولو نقل ركنا قوليا ) غير سلام وتكبيرة إحرام أو بعضه إلى ركن طويل ( كفاتحة ) أو بعضها ( في ) نحو ( ركوع ) كسجود ( أو ) جلوس ( تشهد ) أو نقل تشهدا أو بعضه في نحو قيام كركوع ( لم تبطل بعمده في الأصح ) لأنه لا يخل بصورتها بخلاف نقل الركن الفعلي والثاني تبطل كنقل الركن الفعلي وفرق الأول بما مر

أما نقل السلام فيبطل عمده الصلاة وكذا تكبيرة الإحرام كما يقتضيه كلام الروضة

وأما نقل ذلك إلى ركن قصير فإن طوله فمبطل كما مر وإلا ففيه الخلاف

( و ) على الأصح ( يسجد لسهوه ) ولعمده كما في المجموع ( في الأصح ) لترك التحفظ المأمور به والثاني لا كغيره مما لا يبطل عمده

( وعلى هذا ) أي الأصح ( تستثني هذه الصورة من قولنا ) المتقدم ( ما لا يبطل عمده لا سجود لسهوه ) واستثنى أيضا مسائل منها ما لو قنت عمدا أو سهوا قبل الركوع بنية القنوت لم يحسب بل يعيده في اعتداله ويسجد للسهو فإن أتى به لا بنية القنوت لم يسجد قاله الخوارزمي

ومنها ما لو قرأ غير الفاتحة كسورة الإخلاص عمدا أو سهوا في غير محل القراءة فإنه يسجد للسهو كما في المجموع بخلاف ما لو قرأها قبل الفاتحة فإنه لا يسجد كما قاله ابن الصباغ لأن القيام أو بدله محلها في الجملة

قال الإسنوي وقياس التسبيح في القيام أن يكون كذلك أيضا وهو مقتضى ما في شرائط الأحكام لابن عبدان اه

والمعتمد عدم السجود

ومنها ما إذا قلنا اختصاص القنوت بالنصف الثاني من رمضان وهو الصحيح فإذا قنت في غيره سجد للسهو ولو تعمده لم تبطل صلاته لكنه مكروه كما ذكره الرافعي في صلاة الجماعة وفي هذا نظر والذي ينبغي البطلان

ومنها ما لو فرقهم في الخوف أربع فرق وصلى بكل فرقة ركعة أو فرقتين وصلى بإحداهما ثلاثا فإنه يجوز على المشهور لكنه يكره ويسجد للسهو للمخالفة بالانتظار في غير موضعه

ومنها ما إذا زاد القاصر ركعتين سهوا فإنه يسجد مع أنه يجوز له زيادتهما هكذا استثناها ابن الصباغ والأولى عدم استثنائها لأن عمد الزيادة بلا نية إتمام مبطل

( ولو نسي التشهد الأول ) مع قعوده أو وحده أو قعوده وحده فيما إذا لم يحسن التشهد ( فذكره بعد انتصابه لم يعدله ) أي يحرم عليه العود لأنه تلبس بفرض فلا يقطعه لسنة

( فإن عاد ) عامدا ( عالما بتحريمه بطلت ) صلاته لأنه زاد قعودا عمدا وقيل يجوز له القعود ما لم يشرع في القراءة

( أو ) عاد له ( ناسيا ) أنه في صلاة ( فلا ) تبطل لعذره ويلزمه القيام عند تذكره ( ويسجد للسهو ) لأنه زاد جلوسا وترك تشهدا

( أو جاهلا ) بتحريم العود ( فكذا ) لا تبطل ( في الأصح ) كالناسي لأنه مما يخفي على العوام ويلزمه القيام عند العلم ويسجد للسهو

والثاني تبطل لتقصيره بترك التعلم وهذا الخلاف في المنفرد والإمام وأما المأموم فلا يجوز له أن يتخلف عن إمامه للتشهد فإن تخلف بطلت صلاته لفحش المخالفة

فإن قيل قد صرحوا بأنه لو ترك إمامه القنوت فله أن يتخلف ليقنت إذا لحقه في السجدة الأولى

أجيب بأنه في تلك لم يحدث في تخلفه وقوفا وهذا أحدث فيه جلوس تشهد فقول بعض المتأخرين من أنه لو جلس إمامه للاستراحة فالأوجه أن له التخلف ليتشهد إذا لحقه في قيامه لأنه حينئذ لم يحدث جلوسا فمحل بطلانها إذا لم يجلس إمامه ممنوع لأن جلوس الاستراحة هنا غير مطلوب ولو قعد المأموم فانتصب الإمام ثم عاد قبل قيام المأموم حرم قعوده معه لوجوب القيام عليه بانتصاب الإمام ولو انتصبا معا ثم عاد الإمام لم يعد المأموم لأنه إما مخطىء به فلا يوافقه في الخطأ أو عامد فصلاته باطلة بل يفارقه أو ينتظره حملا على أنه عاد ناسيا فإن عاد معه عامدا عالما بالتحريم بطلت صلاته أو ناسيا أو جاهلا فلا

( وللمأموم ) إذا انتصب ناسيا وجلس إمامه للتشهد الأول أو نهضا سهوا معا ولكن تذكر الإمام فعاد قبل انتصابه وانتصب المأموم ( العود لمتابعة إمامه في الأصح ) لأن المتابعة فرض فرجوعه رجوع إلى فرض لا إلى سنة والثاني ليس له العود بل ينتظر إمامه قائما لأنه متلبس بفرض وليس فيما فعله إلا التقدم على الإمام بركن

( قلت الأصح


208

وجوبه ) أي العود ( والله أعلم ) لأن المتابعة آكد مما ذكروه من التلبس بالفرض ولهذا سقط بها القيام والقراءة عن المسبوق فإن لم يعد بطلت صلاته إذا لم ينو المفارقة

فإن قيل إذا ظن المسبوق سلام الإمام فقام لزمه العود وليس له أن ينوي المفارقة

أجيب بأن المأموم هنا فعل فعلا للإمام أن يفعله ولا كذلك في المستشكل بها لأنه بعد فراغ الصلاة فجاز له المفارقة هنا لذلك

أما إذا تعمد الترك فلا يلزمه العود وإن كان ظاهر كلام المصنف وجوبه بل يسن كما رجحه في التحقيق وغيره وإن صرح الإمام بتحريمه حينئذ

وفرق الزركشي بين هذه وبين ما لو قام ناسيا حيث يلزمه العود كما مر بأن العامد انتقل إلى واجب وهو القيام فخير بين العود وعدمه لأنه تخيير بين واجبين بخلاف الناسي

فإن فعله غير معتد به لأنه لما كان معذورا كان قيامه كالعدم فتلزمه المتابعة كما لو لم يقم ليعظم أجره

والعامد كالمفوت لتلك السنة بتعمده فلا يلزمه العود إليها

ولو ركع قبل إمامه ناسيا تخير بين العود والانتظار ويفارق ما مر من أنه يلزمه العود فيما لو قام ناسيا بفحش المخالفة ثم فيقيد فرق الزركشي بذلك أو عامدا سن له العود

ولو ظن المصلي قاعدا أنه تشهد التشهد الأول فافتتح القراءة للثالثة لم يعد إلى قراءة التشهد وإن سبقه لسانه بالقراءة وهو ذاكر أنه لم يتشهد جاز له العود إلى قراءة التشهد لأن تعمد القراءة كتعمد القيام وسبق اللسان إليها غير معتد به

( ولو تذكر ) المصلي التشهد الأول ( قبل انتصابه ) أي قبل استوائه معتدلا ( عاد للتشهد ) الذي نسيه أي جاز له ذلك لأنه لم يتلبس بفرض

( ويسجد ) للسهو ( إن كان صار إلى القيام أقرب ) منه إلى القعود لأنه أتى بفعل غير به نظم الصلاة ولو أتى به عمدا في غير موضعه بطلت صلاته كما سيأتي

فالسجود للنهوض مع العود لا للنهوض فقط خلافا للإسنوي في قوله إنه للنهوض لا للعود لأنه مأمور به

فإن قيل لو قام الإمام إلى خامسة سهوا ففارقه المأموم بعد بلوغه حد الراكعين فإنه يسجد مع أن هذا قيام لا عود فيه

أجيب بأن عمد هذا القيام وحده غير مبطل بخلاف ما قالاه فإنه وحده مبطل أما إذا كان إلى القعود أقرب أو على السواء فلا يسجد لسهوه لقلة ما فعله حينئذ

وهذا التفصيل هو المصحح في الشرحين وهو المعتمد وإن صحح في التحقيق أنه لا يسجد مطلقا وقال في المجموع إنه الأصح عند الجمهور وأطلق في تصحيح التنبيه تصحيحه وقال الإسنوي وبه الفتوى

( ولو نهض عمدا ) أي قصد ترك التشهد الأول ( فعاد ) له عمدا ( بطلت ) صلاته ( إن كان ) فيها ( إلى القيام أقرب ) من القعود لأنه زاد في صلاته عمدا ما لو وقع منه سهوا جبره بالسجود فكان مبطلا

وهذا التفصيل كما قال الأذرعي جار على التفصيل المتقدم وهو المعتمد أيضا كما نقله الرافعي عن المهذب وإن لم يقيد في المحرر البطلان بكونه إلى القيام أقرب بل أطلق البطلان

تنبيه قول المصنف عمدا قسيم لقوله أولا ولو نسي التشهد الأول

( ولو نسي قنوتا فذكره في سجوده ولم يعد له ) لتلبسه بفرض ( أو قبله ) بأن لم يضع جميع أعضاء السجود حتى لو وضع لجبهة فقط أو مع بعض أعضاء السجود ( عاد ) أي جاز له العود لعدم التلبس بالفرض وإن كان ظاهر كلام ابن المقري أنه لو وضع الجبهة فقط لا يعود

( ويسجد للسهو إن بلغ حد الراكع ) أي أقل الركوع في هويه لأنه زاد ركوعا سهوا والعمد به مبطل بخلاف ما إذا لم يبلغه فلا يسجد

ولو تركه عمدا فكترك التشهد كما يقتضيه كلام الروضة

تنبيه قول المصنف إن بلغ قيد في السجود للسهو خاصة لا في العود وقد يفهم من عبارته عوده لهما

فروع لو تشهد سهوا في الركعة الأولى أو ثالثة الرباعية أو قعد سهوا بعد اعتداله من أولى أو غيرها وأتى بتشهد أو بعضه أو جلس لاستراحة أو بعد اعتدال سهوا بلا تشهد فوق جلسة الاستراحة ثم تذكر تدارك ما عليه وسجد للسهو أما في الأخيرة فلزيادة قعود طويل وأما في غيرها فلذلك أو لنقل ركن قولي أو بعضه

فإن كانت الجلسة في الأخيرة كجلسة الاستراحة فلا سجود لأن عمدها مطلوب أو مغتفر

ولو مكث في السجود يتذكر هل ركع أو لا وأطال بطلت


209

صلاته أو هل سجد السجدة الأولى أو لا لم تبطل وإن طال إذ لا يلزمه ترك السجود في هذه بخلافه في تلك فلو قعد في هذه من سجدته وتذكر أنها الثانية وكان في الركعة الأخيرة فتشهد قال البغوي في فتاويه إن كان قعوده على الشك فوق القعود بين السجدتين بطلت صلاته لأن عليه أن يعود إلى السجود وإلا فلا تبطل ولا يسجد للسهو

ولو سجد ثم ذكر في سجوده أنه لم يركع لزمه أن يقوم ثم يركع ولا يكفيه أن يقوم راكعا لأنه قصد بالركوع غيره

ولو قام إلى خامسة في رباعية ناسيا ثم تذكر قبل جلوسه عاد إلى الجلوس فإن كان قد تشهد في الرابعة أو لم يتذكر حتى قرأه في الخامسة أجزأه ولو ظنه التشهد الأول كما مر ثم يسجد للسهو ويسلم وإن كان لم يتشهد أتى به ثم سجد للسهو وسلم

( ولو شك في ترك بعض ) بالمعنى السابق معين كقنوت ( سجد ) لأن الأصل عدم الفعل بخلاف الشك في ترك مندوب في الجملة لأن المندوب قد لا يقتضي السجود وبخلاف الشك في ترك بعض مبهم كأن شك في المتروك هل هو بعض أو لا لضعفه بالإبهام

وبهذا علم أن للتقييد بالمعين معنى خلافا لمن زعم خلافه فجعل المبهم كالمعين وإنما يكون كالمعين فيما إذا علم أنه ترك بعضا وشك هل هو قنوت مثلا أو تشهد أول أو غيره من الأبعاض فإنه في هذه يسجد لعلمه بمقتضى السجود

( أو ) شك ( في ارتكاب منهي ) عنه وإن أبطل عمده ككلام قليل ( فلا ) يسجد لأن الأصل عدمه

ولو سها وشك هل سها بالأول أو بالثاني سجد لتيقن مقتضيه

( ولو سها وشك ) أي تردد ( هل سجد للسهو ) أو لا ( فليسجد ) لأن الأصل عدمه أو هل سجد واحدة أو اثنتين سجد أخرى

( ولو شك ) أي تردد في رباعية ( أصلى ثلاثا أم أربعا أتى بركعة ) لأن الأصل عدم فعلها ( وسجد ) للسهو للتردد في زيادتها ولا يرجع في فعلها إلى ظنه ولا إلى قول غيره وإن كان جمعا كثيرا لأنه تردد في فعل نفسه فلا يأخذ بقول غيره فيه كالحاكم إذا نسي حكمه لا يأخذ بقول الشهود عليه

فإن قيل أنه صلى الله عليه وسلم راجع الصحابة ثم عاد للصلاة في خبر ذي اليدين

أجيب بأن ذلك محمول على تذكره بعد مراجعته

قال الزركشي وينبغي تخصيص ذلك بما إذا لم يبلغوا حد التواتر وهو بحث حسن

وينبغي أنه إذا صلى في جماعة وصلوا إلى هذا الحد أنه يكتفي بفعلهم والأصل في ذلك خبر مسلم إذا شك أحدكم في صلاته ولم يدر أصلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته أي ردتها السجدتان إلى الأربع ويحذفان الزيادة لأنهما جابران الخلل الحاصل من النقصان تارة ومن الزيادة أخرى لا أنهما يصيرانها ستا

و إن كان صلى إتماما لأربع كانتا رغما للشيطان

( والأصح أنه يسجد وإن زال شكه قبل إسلامه ) بأن تذكر أنها رابعة لفعلها مع التردد

والثاني لا يسجد إذ لا عبرة بالتردد بعد زواله

( وكذا حكم ما يصليه مترددا واحتمل كونه زائدا ) أنه يسجد للتردد في زيادته وإن زال شكه قبل سلامه

( ولا يسجد لما يجب بكل حال إذا زال شكه مثاله شك ) في رباعية ( في ) الركعة ( الثالثة ) في نفس الأمر ( أثالثة هي أم رابعة فتذكر فيها ) أي الثالثة أنها ثالثة أي تبين له الأمر بعد ذلك قبل أن يقوم إلى الرابعة ( لم يسجد ) لأن ما فعله ههنا مع التردد لا بد منه

فإن قيل كان ينبغي أن يقول ولو شك في ركعة أثالثة هي وإلا فقد فرضها ثالثة فكيف يشك أثالثة هي أم رابعة أجيب بأن مراده ما قدرته وقال الشارح بدل ذلك في الواقع ومودى العبارتين واحد

( أو ) تذكر ( في ) الركعة ( الرابعة ) بأن لم يتذكر ذلك فيما قبلها بل استمر تردده المتقدم في الثالثة حتى قام إلى ركعة في نفس الأمر رابعة وهو إنما قام إليها احتياطا مع احتمال أنها خامسة ثم زال تردده في الرابعة أنها رابعة ( سجد ) لتردده حال قيامه إلى الرابعة هل هي رابعة أو خامسة فقد أتى بزائد على تقدير دون تقدير

وإنما اقتضى التردد


210

في زيادتها السجود لأنها إن كانت زائدة فظاهر وإلا فلا فالتردد يضعف النية ويحوج إلى الجبر

فإن قيل لو شك في أنه قضى الفائتة التي كانت عليه أم لا فإنا نأمره بالقضاء بلا سجود وإن كان مترددا في أنها عليه أم لا

أجيب بأن التردد ثم لم يقع في باطل بخلافه هنا وبأن السجود إنما يكون للتردد الطارىء في الصلاة للسابق عليها

وقضية تعبيرهم بقبل القيام أنه لو زال تردده بعد نهوضه وقبل انتصابه لم يسجد إذ حقيقة القيام الانتصاب وما قبله انتقال لا قيام

قال شيخنا فقول الإسنوي إنهم أهملوه مردود وكذا قوله والقياس أنه إن صار إلى القيام أقرب سجد وإلا فلا لأن صيرورته إلى ما ذكر لا تقتضي السجود لأن عمده لا يبطل وإنما يبطل عمده مع عوده كما مر نبه على ذلك ابن العماد

( ولو شك بعد السلام في ترك فرض ) غير النية وتكبيرة الإحرام ( لم يؤثر ) وإن قصر الفصل ( على المشهور ) لأن الظاهر وقوعه عن تمام ولأنه لو أثر لعسر على الناس خصوصا على ذوي الوسواس

والثاني يؤثر لأن الأصل عدم فعله فيبني على اليقين ويسجد كما في صلب الصلاة إن لم يطل الفصل فإن طال استأنف

أما إذا شك في النية أو تكبيرة الإحرام فإنه تلزمه الإعادة وكذا لو شك في أنه هل نوى الفرض أو النفل كما لو شك هل صلى أم لا ذكره البغوي في فتاويه قال ولو شك أن ما أداه ظهر أو عصر وقد فاتتاه لزمه إعادتهما جميعا

فإن قيل في زوائد الروضة أن المكفر لو صام يوما وشك بعد فراغه في النية لا يلزمه الاستئناف على الصحيح فهلا كان هنا كذلك أجيب بأن تعلق النية بالصلاة أشد من تعلقها بالصوم بدليل أنه لو شك فيها في الصلاة وطال الزمن بطلت ولا كذلك الصوم

وخرج بقوله فرض الشرط وقد اختلف فيه فقال في المجموع في موضع لو شك هل كان متطهرا أنه يؤثر فارقا بأن الشك في الركن يكثر بخلافه في الطهر وبأن الشك في الركن حصل بعد تيقن الانعقاد والأصل الاستمرار على الصحة بخلافه في الطهر فإنه شك في الانعقاد والأصل عدمه

قال الإسنوي ومقتضى هذا الفرق أن تكون الشروط كلها كذلك

وقال في الخادم وهو فرق حسن لكن المنقول عدم الإعادة مطلقا وهو المتجه وعلله بالمشقة وهذا هو المعتمد كما هو ظاهر كلام ابن المقري ونقله في المجموع بالنسبة للطهر في باب مسح الخف عن جمع وهو الموافق لما نقله هو عن القائلين به عن النص أنه لو شك بعد طواف نسكه هل طاف متطهرا أم لا لا يلزمه إعادة الطواف

وقد نقل عن الشيخ أبي حامد جواز دخول الصلاة بطهر مشكوك فيه وظاهر أن صورته أن يتذكر أنه تطهر قبل شكه وإلا فلا تنعقد

تنبيه لا يخفى أن مرادهم بالسلام الذي لا يؤثر بعده الشك سلام لا يحصل بعده عود إلى الصلاة بخلاف غيره فلو سلم ناسيا لسجود السهو ثم عاد وشك في ترك ركن لزمه تداركه كما يقتضيه كلامهم وخرج بالشك العلم فلو تذكر بعده أنه ترك ركنا بنى على ما فعله إن لم يطل الفصل ولم يطأ نجاسة وإن تكلم قليلا واستدبر القبلة وخرج من المسجد

وتفارق هذه الأمور وطء النجاسة باحتمالها في الصلاة في الجملة والمرجع في طوله وقصره إلى العرف وقيل يعتبر القصر بالقدر الذي نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في خبر ذي اليدين والطول بما زاد عليه والمنقول في الخبر أنه قام ومضى إلى ناحية المسجد وراجع ذا اليدين وسأل الصحابة فأجابوه

( وسهوه ) أي المأموم ( حال قدوته ) الحسية كأن سها عن التشهد الأول أو الحكمية كأن سهت الفرقة الثانية في ثانيتها من صلاة ذات الرقاع ( يحمله إمامه ) لقوله صلى الله عليه وسلم الإمام ضامن رواه أبو داود وصححه ابن حبان

قال الماوردي يريد بالضمان والله أعلم أنه يتحمل سهو المأموم كما يتحمل الجهر والسورة وغيرهما ولأن معاوية شمت العاطس وهو خلف النبي صلى الله عليه وسلم كما مر ولم يسجد ولا أمره صلى الله عليه وسلم بالسجود

واحترز بحال القدوة عن سهو قبل القدوة كما لو سها وهو منفرد ثم اقتدى به فلا يتحمله وإن اقتضى كلامهما في باب صلاة الخوف ترجيح تحمله لعدم اقتدائه به حال سهوه وإنما لم يتحمله كما أنه يلحقه سهو إمامه الواقع قبل القدوة كما سيأتي لأنه قد عهد تعدي الخلل من صلاة الإمام إلى صلاة المأموم دون عكسه


211

وعن سهوه بعدها فإنه لا يتحمله كما سيأتي

( فلو ظن سلامه ) أي الإمام ( فسلم ) المأموم ( فبان خلافه ) أي خلاف ظنه ( سلم معه ) أو بعده وهو أولى لأنه لا يجوز تقديمه على سلام إمامه

( ولا سجود ) لسهوه حال القدوة فيتحمله إمامه

( ولو ذكر ) المأموم ( في ) آخر صلاته في ( تشهده ) أو قبله أو بعده ( ترك ركن ) تركه بعد القدوة ولا يعرف ما هو لكنه ( غير النية والتكبيرة ) للإحرام لم يعد لتداركه لما فيه من ترك المتابعة الواجبة و ( قام بعد سلام إمامه إلى ركعته ) التي فاتت بفوات الركن ( ولا يسجد ) لوجود سهوه حال القدوة

وخرج بذلك ما لو شك في ترك الركن المذكور فإنه يأتي به ويسجد للسهو كما في التحقيق

وإنما لم يتحمله عنه الإمام لأنه شاك فيما أتى به بعد سلام إمامه كما لو شك المسبوق هل أدرك ركوع الإمام أم لا فقام وأتى بركعة فإنه يسجد للتردد فيما انفرد به ولو تذكر بعد القيام أنه أدرك الركوع لأن ما فعله مع تردده فيما ذكر محتمل للزيادة أما النية وتكبيرة الإحرام وهما من زيادته فالتدارك لواحدة منهما ليس في صلاة

( وسهوه ) أي المأموم ( بعد سلامه ) أي إمامه ( لا يحمله ) أي إمامه مسبوقا كان أو موافقا لانتهاء القدوة كما لا يحمل الإمام سهوه قبل القدوة كما مر

( فلو سلم المسبوق بسلام إمامه ) فذكره حالا ( بنى ) على صلاته ( وسجد ) لأن سهوه بعد انقطاع القدوة

ويؤخذ من العلة أنه لو سلم معه لم يسجد وهو كذلك كما قاله الأذرعي وإن ذكر فيه ابن الأستاذ احتمالين

فإن ظنه المسبوق بركعة مثلا سلم فقام وأتى بركعة قبل سلامه لم تحسب لفعلها في غير موضعها فإذا سلم إمامه أعادها ولم يسجد للسهو لبقاء حكم القدوة

ولو علم في القيام أنه قام قبل سلام إمامه لزمه أن يجلس ولو جوزنا مفارقة الإمام لأن قيامه غير معتد به فإذا جلس ووجده لم يسلم إن شاء فارقه وإن شاء انتظر سلامه فلو أتمها جاهلا بالحال ولو بعد سلام الإمام لم تحسب فيعيدها لما مر ويسجد للسهو للزيادة بعد سلام الإمام

ولو نطق بالسلام ولم ينو الخروج من الصلاة ولم يقل عليكم لم يسجد لعدم الخطاب والنية فإن نوى الخروج ولو لم يقل عليكم سجد كما قال الإسنوي إنه القياس

( ويلحقه ) أي المأموم ( سهو إمامه ) غير المحدث وإن أحدث الإمام بعد ذلك لتطرق الخلل لصلاته من صلاة إمامه ولتحمل الإمام عنه السهو

أما إذا بان إمامه محدثا فلا يلحقه سهوه ولا يتحمل هو عنه إذ لا قدوة حقيقة حال السهو

فإن قيل الصلاة خلف المحدث صلاة جماعة على المنصوص المشهور حتى لا يجب عند ظهوره في الجمعة إعادتها إذا تم العدد بغيره

أجيب بأن كونها جماعة لا يقتضي لحوق السهو لأن لحوقه تابع لمطلوبيته من الإمام وهي منتفية لأن صلاة المحدث لبطلانها لا يطلب منه جبرها فكذا صلاة المؤتم به

( فإن سجد ) إمامه ( لزمه متابعته ) وإن لم يعرف أنه سها حملا على أنه سها بل لو اقتصر على سجدة سجد المأموم أخرى حملا على أنه سها أيضا وهذا السجود لسهو الإمام لا لمتابعته

ولو ترك المأموم المتابعة عمدا بطلت صلاته لمخالفته حال القدوة وهذا بخلاف ما لو قام الإمام إلى خامسة ناسيا لم يجز للمأموم متابعته حملا على أنه ترك ركنا من ركعة وإن كان مسبوقا لأن قيامه إلى خامسة لم يعهد بخلاف سجوده فإنه معهود لسهو إمامه

وأما متابعة المأمومين له صلى الله عليه وسلم في قيامه للخامسة في صلاة الظهر فلأنهم لم يتحققوا زيادتها لأن الزمن كان زمن الوحي وإمكان الزيادة والنقصان ولهذا قالوا أزيد في الصلاة يا رسول الله ولا يشكل ذلك بما سيأتي في باب الجمعة من أن المسبوق إذا رأى الإمام في التشهد ينوي الجمعة لاحتمال أن يكون نسي شيئا يلزمه به ركعة لأنه إنما يتابعه فيما سيأتي إذا علم ذلك كما قال شيخي وهنا لم يعلم

واستثنى في الروضة كأصلها ما إذا تيقن غلط الإمام في ظنه بسبب سجود السهو كأن ظن ترك بعض بعلم المأموم فعله قالا فلا يوافقه إذا سجد قال بعض المتأخرين وهو مشكل تصويرا وحكما واستثناء فتأمله اه

وجه إشكال تصويره كيف يعلم المأموم أن الإمام يسجد لذلك جوابه أن يغلب على ظنه أنه يسجد


212

لذلك وهو كاف

ووجه إشكال حكمه أنه إذا سجد الإمام لشيء ظنه سها به وتبين خلافه يسجد لذلك وإذا سجد ثانيا لزم المأموم متابعته

وجوابه أنه لا يسجد معه أولا وإن سجد ثانيا ووجه إشكال استثنائه أن هذا الإمام لم يسه فكيف يستثنى من سهو الإمام وجوابه أنه استثناء صورة

( وإلا ) أي وإن لم يسجد إمامه بأن تركه عمدا أو سهوا أو اعتقادا منه أنه بعد السلام ( فيسجد ) المأموم بعد سلام الإمام ( على النص ) جبرا للخلل بخلاف تركه التشهد الأول أو سجدة التلاوة فلا يأتي المأمور بهما لأنهما يقعان خلال الصلاة فلو انفرد بهما لخالف الإمام

وفي قول مخرج لا يسجد لأنه لم يسه وإنما سها الإمام وسجوده معه كان للمتابعة فإذا لم يسجد المتبوع فالتابع أولى

وعلى النص لو تخلف بعد سلام إمامه ليسجد فعاد الإمام إلى السجود لم يتابعه سواء أسجد قبل عود إمامه أم لا لقطعه القدوة بسجوده في الأولى وباستمراره في الصلاة بعد سلام إمامه في الثانية بل يسجد فيهما منفردا بخلاف ما لو قام المسبوق ليأتي بما عليه فالقياس كما قال الإسنوي لزوم العود للمتابعة

والفرق أن قيامه لذلك واجب وتخلفه ليسجد مخير فيه وقد اختاره فانقطعت القدوة فلو سلم المأموم معه ناسيا فعاد الإمام إلى السجود لزمه موافقته فيه لموافقته له في السلام ناسيا

فإن تخلف عنه بطلت صلاته أي عند عدم المنافي للسجود كما لو أحدث أو نوى الإقامة وهو قاصر أو بلغت سفينته دار إقامته أو نحو ذلك

وإن سلم عامدا فعاد الإمام لم يوافقه لقطعه القدوة بسلامه عمدا

( ولو اقتدى مسبوق بمن سها بعد اقتدائه وكذا قبله في الأصح ) وسجد الإمام ( فالصحيح ) في الصورتين ( أنه ) أي المسبوق ( يسجد معه ) رعاية للمتابعة ( ثم ) يسجد أيضا ( في آخر صلاته ) لأنه محل السهو الذي لحقه

ومقابل الصحيح لا يسجد معه نظرا إلى أن موضع السجود آخر الصلاة وفي قول في الأولى ووجه في الثانية يسجد معه متابعة ولا يسجد في آخر صلاة نفسه وهو المخرج السابق وفي وجه في الثانية هو مقابل الأصح أنه لا يسجد معه ولا في آخر صلاة نفسه لأنه لم يحضر للسهو

ولو قام إمامه لخامسة ناسيا ففارقه بعد بلوغ حد الراكعين لا قبله سجد للسهو كالإمام ولو كان إمامه حنفيا فسلم قبل أن يسجد للسهو سجد المأموم قبل سلامه اعتبارا بعقيدته ولا ينتظره ليسجد معه لأنه فارقه بسلامه وقيل يتبعه في السجود بعد السلام وقيل لا يسلم إذا سلم الإمام بل يصبر فإذا سجد سجد معه

هذا إذا كان موافقا أما المسبوق فيخرج نفسه ويتم لنفسه ويسجد آخر صلاته

وظاهر هذا أنه ينوي المفارقة إذا قام ليأتي بما عليه

والظاهر أنه لا يحتاج إلى نية مفارقة لقولهم وتنقضي القدوة بسلام الإمام

( فإن لم يسجد الإمام ) في الصورتين ( سجد ) المسبوق ( آخر صلاة نفسه على النص ) ومقابله القول المخرج السابق

( وسجود السهو وإن كثر ) السهو ( سجدتان ) لاقتصاره صلى الله عليه وسلم عليهما في قصة ذي اليدين مع تعدده فإنه صلى الله عليه وسلم سلم من اثنتين وتكلم ومشى

ولو أحرم منفردا برباعية وأتى منها بركعة وسها فيها ثم اقتدى بمسافر قاصر فسها إمامه ولم يسجد ثم أتى هو بالرابعة بعد سلامه فسها فيها كفاه للجميع سجدتان وهما للجميع أو لما نواه منه ويكون تاركا لسجود الباقي في الثانية

وقضية كونه سجدتين أنه لو سجد واحدة بطلت صلاته وهو ما حكي عن ابن الرفعة لكن جزم القفال في فتاويه بأنها لا تبطل وهو مقتضى تعليل الرافعي الآتي فيما لو هوى لسجود تلاوة ثم بدا له فتركه بأنه مسنون فله أن لا يتمه كما له أن لا يشرع فيه

قال شيخنا وقد يحمل كلام ابن الرفعة على ما إذا قصد سجدة ابتداء وكلام القفال على ما إذا قصد الاقتصار عليها بعد فعلها بقرينة كلام الرافعي اه

وهو جمع حسن

وكيفيتهما ( كسجود الصلاة ) في واجباته ومندوباته كوضع الجبهة والطمأنينة والتحامل والتنكيس والافتراش في الجلوس بينهما والتورك بعدهما ويأتي بذكر سجود الصلاة فيهما

وحكى بعضهم أنه يندب أن يقول فيهما سبحان من لا ينام ولا يسهو

قالا وهو اللائق بالحال


213

قال الزركشي إنما يتم إذا لم يتعمد ما يقتضي السجود فإن تعمده فليس ذلك لائقا بل اللائق الاستغفار

قال الأذرعي وسكتوا عن الذكر بينهما والظاهر أنه كالذكر بين سجدتي صلب الصلاة فإن سجد ولم يأت بالشروط قال الإسنوي احتمل بطلان الصلاة لأنه زاد فيها فعلا لا يعتد به والمتجه الصحة ويكون ذلك رجوعا عن إتمام النفل اه

وما جمع به بين كلام ابن الرفعة و القفال يقال هنا أيضا

( والجديد أن محله بين تشهده وسلامه ) وذلك لخبر مسلم السابق ولأنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر فقام من الأوليين ولم يجلس فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم رواه الشيخان

قال الزهري وفعله قبل السلام هو آخر الأمرين من فعله صلى الله عليه وسلم ولأنه لمصلحة الصلاة فكان قبل السلام كما لو نسي سجدة منها

وأجابوا عن سجوده بعده في خبر ذي اليدين بحمله على أنه لم يكن عن قصد مع أنه لم يرد لبيان حكم سجود السهو سواء أكان السهو بزيادة أم بنقص أم بهما

ومقابل الجديد قديمان أحدهما أنه إن سها بنقص سجد قبل السلام أو بزيادة فبعده والثاني أنه مخير بين التقديم والتأخير لثبوت الأمرين

وقوله بين تشهده وسلامه أي مع الذكر الذي بعده من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة على الآل والأدعية

وعبارة ابن المقري ومحلهما قبيل السلام أي بحيث لا يتخلل بينهما شيء من الصلاة كما أفاده تصغير قبل نعم المسبوق إذا استخلف وعلى المستخلف سجود سهو فإنه يسجد آخر صلاة الإمام سجدتي السهو ويسجد من خلفه ثم يقوم ويفارقونه ذكر القاضي حسين عند كيفية الجلوس في التشهد وتشترط له النية لأن نية الصلاة لم تشمله ولا يطلب بعده تشهد كما علم مما مر

( فإن سلم عمدا ) أي ذاكرا للسهو ( فات ) السجود ( في الأصح ) لأنه قطع الصلاة بالسلام

والثاني أن العمد كالسهو فإن قصر الفصل سجد وإلا فلا

( أو سهوا وطال الفصل ) عرفا ( فات ) السجود ( في الجديد ) لفوات المحل بالسلام وتعذر البناء بالطول بخلاف القديم في السهو بالنقص فلا يفوت عليه لأنه جبران عبادة فيجوز أن يتراخى عنها كجبرنات الحج

( وإلا ) أي وإن لم يطل الفصل ولم يرد السجود فلا سجود لعدم الرغبة فيه فصار كالمسلم عمدا في أنه فوته على نفسه بالسلام

فإن أراده ( فلا ) يفوت ( على النص ) لما تقدم من الحديث المحمول على ذلك وقيل يفوت حذرا من إلغاء السلام بالعود إلى الصلاة

نعم لو سلم من الجمعة فخرج الوقت أو سلم القاصر فنوى الإقامة أو بلغت سفينته دار إقامته فاته السجود فلا يأتي به لما فيه من تفويت الجمعة في الأولى وفعل بعض الصلاة بدون سببها في الثانية وصحت جمعته وصلاته المقصورة

ويفوت أيضا فيما لو رأى المتيمم الماء عقب السلام أو انتهت مدة المسح أو تخرق الخف أو شفي دائم الحدث أو نحو ذلك كما لو أحدث عقب سلامه فإنه لا يتداركه وإن أمكنه الطهر في الحال بأن كان واقفا في ماء

( وإذا سجد ) فيما إذا قرب الفصل على النص أو مع طوله على القديم ( صار عائدا إلى الصلاة ) بلا إحرام ( في الأصح ) كما لو تذكر بعد سلامه ركنا

والمتجه كما قال في المهمات أنه يعود إليها بالهوي بل بإرادة السجود كما أفاده كلام الغزالي وجماعة واعتمده شيخي فلو أحدث فيها بطلت صلاته أو نوى القاصر في سجوده الإتمام أو بلغت فيه سفينته دار إقامته لزمه الإتمام ولا يعيد التشهد بل يعيد السلام

والثاني لا يصير عائدا لأن التحلل حصل بالسلام

تنبيه قال في الخادم هل معنى قولهم صار عائدا إلى الصلاة أنا نتبين بعوده إلى السجود أنه لم يخرج منها أصلا أو أنه خرج منها ثم عاد إليها الصواب الأول فإنه يستحيل الخروج من الصلاة ثم العود إليها بلا نية ولا تكبيرة إحرام وبه صرح الإمام ولما قدم أن سجود السهو وإن كثر سجدتان أي لأنه يجبر ما قبله وما وقع فيه وبعده حتى لو سجد للسهو ثم سها قبل سلامه بكلام أو غيره أو سجد للسهو ثلاثا سهوا فلا يسجد ثانيا لأنه لا يأمن وقوع مثله في السجود ثانيا فيتسلسل

قال الدميري وهذه المسألة التي سأل عنها أبو يوسف الكسائي لما ادعى أن من تبحر في علم اهتدى به إلى سائر العلوم فقال له أنت إمام في النحو والأدب فهل تهتدي إلى الفقه فقال سل ما شئت


214

فقال لو سجد سجود السهو ثلاثا هل يلزمه أن يسجد قال لا لأن المصغر لا يصغر لكنه قد يتعدد صوره ذكره بقوله ( ولو سها إمام الجمعة وسجدوا ) للسهو ( فبان فوتها أتموا ظهرا ) لما يأتي في بابها ( وسجدوا ) ثانيا آخر الصلاة لتبين أن السجود الأول ليس في آخر الصلاة

( ولو ظن ) أو اعتقد كما قال الإمام ( سهوا فسجد فبان عدمه ) أي عدم السهو ( سجد في الأصح ) لأنه زاد سجدتين سهوا

وضابط هذا أن السهو في سجود السهو لا يقتضي السجود كما مر والسهو به يقتضيه

والثاني لا لأن سجود السهو يجبر كل خلل في الصلاة فيجبر نفسه كما يجبر غيره كإخراج شاة من أربعين تزكي نفسها وغيرها

ولو سجد في آخر صلاة مقصورة فلزمه الإتمام سجد ثانيا فهذا مما يتعدد فيه السجود صورة لا حكما

خاتمة لو نسي من صلاته ركنا وسلم منها بعد فراغها ثم أحرم عقبها بأخرى لم تنعقد لأنه محرم بالأولى فإن ذكر قبل طول الفصل بين السلام وتيقن الترك بنى على الأول وإن تخلل كلام يسير ولا يعتد بما أتى به من الثانية أو بعد طوله استأنفها لبطلانها بطول الفصل فإن أحرم بالأخرى بعد طول الفصل انعقدت الثانية لبطلان الأولى بطول الفصل وأعاد الأولى

ولو صلى الجمعة أربعا ناسيا أو أحرم بمقصورة فأتمها ناسيا ونسي من كل ركعة من كل منهما سجدة حصلت له الركعتان ويسجد للسهو ولا يلزمه في الثانية الإتمام لأنه لم ينوه

ولو ظن أنه سها بترك قنوت مثلا فسجد ثم بان قبل السلام أنه سها بغيره أجزأه

ولو شرع في الظهر ثم ظن في الركعة الثانية أنه في العصر ثم في الثالثة أنه في الظهر لم يضر كما ذكره البغوي و العمراني قال الزركشي وقياسه أنه لو أحرم بالعشاء قضاء ثم ظن في الركعة الأولى أنه في الصبح وفي الثانية أنه في الظهر وفي الثالثة أنه في العصر وفي الرابعة أنه في المغرب ثم تذكر قبل السلام أنه في العشاء لم يضره وهو نظير ما لو نوى أن يصوم غدا بظنه أنه يوم الاثنين فكان السبت صحت نيته وصومه اه

ولا حاجة كما قال شيخنا لقوله قضاء

ولو دخل في الصلاة وظن أنه لم يكبر للإحرام فاستأنف الصلاة فإن علم بعد فراغ الصلاة الثانية أنه كان كبر تمت بها الأولى أو علم قبله بنى على الأولى وسجد للسهو في الحالين لأنه بما لو فعله عامدا بطلت صلاته وهو الإحرام الثاني

ثم شرع في السجدة الثانية فقال باب بالتنوين ( تسن سجدات ) بفتح الجيم ( التلاوة ) بالإجماع وبالأحاديث الصحيحة منها خبر ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه رواه أبو داود والحاكم

ومنها ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويلتا أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار ومنها ما في الصحيحين عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قرأ والنجم فسجد وسجد معه الجن والإنس إلا أمية بن خلف فقتل يوم بدر مشركا

وإنما لم تجب لأن زيد بن ثابت قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم والنجم فلم يسجد رواه الشيخان ولقول ابن عمر أمرنا بالسجود يعني للتلاوة فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه رواه البخاري

فإن قيل قد ذم الله تعالى من لم يسجد بقوله تعالى وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون

أجيب بأن الآية في الكفار بدليل ما قبلها وما بعدها

( وهن ) أي سجدات التلاوة ( في الجديد أربع عشرة ) سجدة ( منها سجدتا الحج ) واثنتا عشرة في الأعراف والرعد والنحل والإسراء ومريم والفرقان والنمل والم تنزيل وحم السجدة والنجم والانشقاق والعلق

والأصل فيها خبر عمرو بن العاص أقرأني رسول الله


215

صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان رواه أبو داود والحاكم بإسناد حسن

والسجدة الباقية منه سجدة ص وسيأتي حكمها

وأسقط القديم سجدات المفصل لخبر ابن عباس رضي الله عنهما ولم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من المفصل منذ تحول للمدينة رواه أبو داود

وأجيب من جهة الجديد بأن هذا الحديث ضعيف وناف وغيره صحيح ومثبت وأيضا الترك إنما ينافي الوجوب دون الندب وفي مسلم عن أبي هريرة سجدنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك وكان إسلام أبي هريرة سنة سبع من الهجرة

ومحال هذه السجدات معروفة لكن اختلف في أربع منها إحداها سجدة النحل عند قوله تعالى ويفعلون ما يؤمرون وقال الماوردي إنها عند قوله تعالى وهم لا يستكبرون ونقله الروياني عن أهل المدينة

وثانيها سجدة النمل عند قوله تعالى لا إله إلا هو رب العرش العظيم

ونقل العبدري في الكفاية أن مذهبنا أنها عند قوله تعالى ويعلم ما تخفون وما تعلنون

وفي المجموع أن هذا باطل مردود

وقال الأذرعي وليس كما قال بل هو قول أكثر أهل المدينة وابن عمر والحسن البصري وغيرهم وبه جزم الماوردي

والمسألة محتملة ولا توقيف فيما نعلمه اه

وثالثها سجدة حم السجدة عند قوله تعالى وهم لا يسأمون

وقيل عند قوله تعالى إن كنتم إياه تعبدون

ورابعها سجدة إذا السماء انشقت عند قوله تعالى وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون

وقيل إنها في آخر السورة ذكره بعض شراح البخاري

وصرح المصنف كأصله بسجدتي الحج لخلاف أبي حنيفة في الثانية ( لا ) سجدة ( ص ) وهي عند قوله تعالى وخر راكعا وأناب فليست من سجدات التلاوة لقول ابن عباس ص ليست من عزائم السجود رواه البخاري أي متأكداتها وأثبتها ابن سريج فجعلها خمس عشر لحديث عمرو المتقدم

( بل هي ) أي سجدة ص ( سجدة شكر ) لتوبة الله تعالى على داود عليه الصلاة والسلام أي لقبولها والتلاوة سبب لتذكر ذلك لخبر أبي سعيد الخدري خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقرأ ص فلما مر بالسجود نشرنا أي تهيأنا للسجود فلما رآنا قال إنما هي توبة نبي ولكن قد استعددتم للسجود فنزل وسجد

رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري

( تستحب في غير الصلاة ) عند تلاوة آيتها للإتباع كما مر ( وتحرم فيها ) وتبطلها ( على الأصح ) لمن علم ذلك وتعمده أما الجاهل أو الناسي فلا تبطل صلاته لعذره لكن يسجد للسهو

ولو سجدها إمامه وكان يعتقدها كحنفي جاز له مفارقته وانتظاره قائما كما ينتظره قاعدا إذا قام إمامه لركعة خامسة سهوا ولا يسجد للسهو إذا انتظره قال في الروضة لأن المأموم لا سجود لسهوه

فإن قيل هذا التعليل لا يلاقي التصوير فإن المأموم لم يسه

أجيب بأن مراده لا سجود عليه في فعل يقتضي سجود السهو لأن الإمام يتحمله عنه فلا يسجد لانتظاره وإن سجد لسجدة إمامه

واستشكل انتظاره مع أن العبرة بعقيدة المأموم وعنده أن صلاة الإمام قد بطلت وأجبت عن ذلك في شرح التنبيه

والثاني لا تحرم فيها ولا تبطلها لتعلقها بالتلاوة بخلاف غيرها من سجود الشكر

فائدة المشهور في ص وما أشبهها من الحروف التي في أوائل السور أنها أسماء لها وتقرأ ص بالإسكان وبالفتح وبالكسر بلا تنوين وبه مع التنوين وإذا كتبت في المصحف كتبت حرفا واحدا وأما في غيره فمنهم من يكتبها كذلك ومنهم من يكتبها باعتبار اسمها ثلاثة أحرف

( وتسن ) سجدة التلاوة ( للقارىء ) حيث تشرع له القراءة ( والمستمع ) أي قاصد السماع حيث ندب له الاستماع ولو كان القارىء صبيا مميزا أو امرأة والمستمع رجلا كما في المجموع أو محدثا أو كافرا لا لقراءة جنب وسكران لأنها غير مشروعة لهما قال الإسنوي ولا لنائم وساه لعدم قصدهما التلاوة

قال الزركشي وينبغي السجود لقراءة ملك وجني لا لقراءة ذرة ونحوها لعدم القصد قال تبعا للسبكي ولو قرأ أو سمع أول دخوله المسجد آية سجدة فالأقرب أنه يسجد لكن هل يكون ذلك عذرا في عدم فوات التحية أو لا فيه نظر اه

والأقرب


216

كما قاله بعض المتأخرين أن يكون عذرا

( وتتأكد له ) أي المستمع ( بسجود القارىء ) للاتفاق على استحبابه في هذه الحالة للمستمع بخلاف ما إذا لم يسجد فإنه لا يستحب له على وجه ولا يقتدى في سجودها في غير الصلاة ولا ترتبط به فله الرفع من السجود قبله كما صرح به في الروضة

قال الزركشي وقضية ذلك منع الاقتداء به لكن قضية كلام القاضي و البغوي جوازه وينبغي اعتماده

( قلت وتسن للسامع ) وهو من لم يقصد السماع ( والله أعلم ) لكنها للمستمع آكد منه للسامع

ولو قرأ آية سجدة في غير محل القراءة كأنه قرأها في حال ركوعه أو في سجوده أو في صلاة جنازة لم يسجد بخلاف قراءته قبل الفاتحة لأن القيام محل القراءة في الجملة وكذا إن قرأها في الركعة الثالثة والرابعة لأنهما محل القراءة بدليل أن المسبوق يتدارك القراءة فيهما بل قيل تسن القراءة فيهما مطلقا

قال الزركشي ويستحب تركها للخطيب إذا قرأ آيتها على المنبر ولم يمكنه السجود مكانه إن خشي طول الفصل والإنزال وسجد إن لم يكن فيه كلفة فإن أمكنه مكانه سجد

والأصل فيما ذكر ما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن فيقرأ السورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته

أما من لم يسمع فلا يسجد اتفاقا وإن علم برؤية الساجدين ونحوها

( وإن قرأ في الصلاة ) في محل القراءة ( سجد الإمام والمنفرد ) أي كل منهما ( لقراءته فقط ) فلا يسجد لقراءة غيره فإن فعل عامدا عالما بالتحريم بطلت صلاته

( و ) يسجد ( المأموم لسجدة إمامه ) فقط فلو سجد لقراءة نفسه أو غيره أو لقراءة إمامه لكن عند عدم سجوده كما سيأتي عامدا عالما بالتحريم بطلت صلاته ( فإن سجد إمامه فتخلف ) هو ( او انعكس ) بأن سجد دون إمامه ( بطلت صلاته ) للمخالفة هذا مع استمراره مأموما فإن أخرج نفسه من الجماعة لأجل السجدة فهل هي مفارقة بعذر أو بغيره مقتضى ما في المجموع أنها بعذر ويندب للمأموم عند ترك الإمام قضاؤها بعد السلام كذا قاله الرافعي ومراده بالقضاء القضاء اللغوي وهو الأداء إذ الواقع في هذه المسألة كما قال الإسنوي عدم القضاء ومعلوم أن محله إذا لم يطل الفصل وإلا فات

ويكره للمأموم قراءة أية سجدة وإصغاء لقراءة غير إمامه لعدم تمكنه من السجود ويكره أيضا للمنفرد والإمام الإصغاء لغير قراءتهما ولا يكره لهما قراءة آية سجدة ولو في السرية لكن يستحب للإمام تأخيرها فيها إلى فراغه كما في الروضة

ومحله كما قال الإسنوي عند قصر الفصل

تنبيه قول المصنف الإمام و المنفرد تنازع فيه قرأ و سجد فالقراء يعملهما فيه و الكسائي يقول حذف فاعل الأول والبصريون يضمرونه والفاعل المضمر عندهم مفرد لا مثنى إذ لو كان ضمير تثنية لبرز على رأيهم فيصير قرآ ثم الإفراد مع عوده على الاثنين بتأويل كل منهما كما تقدم فالتركيب صحيح على مذهب البصريين كغيره من المذهبين

قبله وليست صحته خاصة بالمذهبين قبله نظر إلى عدم تثنية الضمير للتأويل المذكور

( ومن سجد ) أي أراد السجود ( خارج الصلاة نوى ) سجدة التلاوة وجوبا لحديث إنما الأعمال بالنيات

( وكبر للإحرام ) بها كذلك للاتباع كما أخرجه أبو داود لكن بإسناد ضعيف وقياسا على الصلاة

( رافعا يديه ) ندبا كما مر في تكبيرة الإحرام ( ثم ) كبر ندبا ( للهوي ) للسجود ( بلا رفع ) يديه ( وسجد ) سجدة ( كسجدة الصلاة ) في الأركان والشروط والسنن ( ورفع ) رأسه من السجود بلا رفع يديه ( مكبرا ) ندبا ( وسلم ) وجوبا بعد القعود كالصلاة

ولا يشترط التشهد في الأصح بل الأصح في زيادة الروضة أنه لا يستحب

وقيل يتشهد أيضا

وقيل وهو المنصوص في البويطي إنه لا يتشهد ولا يسلم كما لا يسلم منه في الصلاة

ولا يستحب أن يقوم ثم يكبر على الأصوب في الروضة والأصح في المجموع لعدم ثبوت شيء فيه

( وتكبيرة الإحرام ) مع النية كما مر ( شرط ) فيها ( على الصحيح ) وفي الروضة الأصح

والمراد بالشرط هنا ما لا بد منه لأن


217

النية وتكبيرة الإحرام والسلام كما سيأتي أركان والثاني أنها سنة وهو المنصوص وصححه الغزالي

( وكذا السلام ) شرط فيها ( في الأظهر ) قياسا على التحرم والثاني لا يشترط كما لا يشترط ذلك إذا سجد في الصلاة

ومدرك الخلاف في هذه الثلاثة أن هذه السجدة هل تلحق بالصلاة فتشترط أو لا فلا ( وتشترط شروط الصلاة ) قطعا كالاستقبال والستر والطهارة والكف عن مفسدات الصلاة كالأكل ودخول وقت السجود قال في المجموع بأن يكون قد قرأ الآية أو سمعها

وقضيته أن سماع الآية بكمالها شرط كالقراءة وهو كذلك حتى لا يكفي كلمة السجدة ونحوها فلو سجد قبل الانتهاء إلى آخر السجدة ولو بحرف واحد لم يجز

( ومن سجد فيها ) أي الصلاة ( كبر للهوي ) للسجود ( وللرفع ) منه ندبا ( ولا يرفع يديه ) فيهما أي لا يسن له ذلك كمن سجد في صلب الصلاة ونوى وجوبا لأن نية الصلاة لم تشملها كما صرحوا بذلك في ترك السجدات فقالوا لو ترك سجدة سهوا ثم سجد للتلاوة لا تكفي عنها لأن نية الصلاة لم تشملها بخلاف ما لو ترك الجلوس بين السجدتين وجلس للاستراحة فإنه يكفي لأن نية الصلاة شملته فهي كسجود السهو

كذا قيل والأوجه قول ابن الرفعة ولا يجب على المصلي نيتها اتفاقا لأن نية الصلاة تنسحب عليها بواسطة وبهذا يفرق بينها وبين سجود السهو اه

ولا ينافي ذلك ما تقدم من قولهم إن نية الصلاة لم تشملها أي بلا واسطة والسنة التي تقوم مقام الواجب ما شملته النية بلا واسطة كما مثلوا به

وقول المصنف

و للرفع مزيد على المحرر وصرح به في المحرر في غير الصلاة

( قلت ولا يجلس للاستراحة ) بعدها ( والله أعلم ) أي لا يسن له ذلك لعدم وروده بل يكره تنزيها ولا تبطل به صلاته كما مرت الإشارة إليه

ويجب أن يقوم منها ثم يركع فلو قام راكعا لم يصح لأن الهوي من القيام واجب كما مر

ويستحب أن يقرأ قبل ركوعه في قيامه من سجوده شيئا من القرآن

( ويقول ) فيها داخل الصلاة وخارجها ( سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته ) فتبارك الله أحسن الخالقين

ويقول اللهم اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عني بها وزرا واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود رواهما الحاكم وصححهما

ويندب كما في المجموع عن الشافعي أن يقول سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا

قال في الروضة ولو قال ما يقوله في سجوده جاز أي كفى

ولو عبر به كان أولى

قال المتولي وغيره ويسن أن يدعو بعد التسبيح وفي الإحياء يدعو في سجوده بما يليق بالآية فيقول في سجدة الإسراء اللهم اجعلني من الباكين إليك والخاشعين لك وفي سجدة الم السجدة اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك وعلى أوليائك

( ولو كرر آية ) فيها سجدة تلاوة أي أتى بها مرتين مثلا خارج الصلاة ( في مجلسين سجد لكل ) من المرتين عقبها لتجدد السبب بعد توفية الحكم الأول ( وكذا المجلس في الأصح ) لما مر والثاني تكفيه السجدة الأولى عن المرة الثانية كما لو كررها قبل أن يسجد للأولى

الثالث إن طال الفصل سجد لكل مرة وإلا كفاه سجدة عنهما قال في العدة وعليه الفتوى لا أنه قال إن الفتوى على الثاني كما قاله المصنف في المجموع بل نسب في ذلك إلى السهو

وقد علم مما تقرر أن محل الخلاف إذا سجد الأولى ثم كرر الآية فيسجد ثانيا أما لو كررها قبل السجود فإنه يقتصر على سجدة واحدة قطعا

( وركعة كمجلس ) وإن طالت ( وركعتان كمجلسين ) وإن قصرتا فيسجد فيهما

ولو قرأ آية خارج الصلاة وسجد لها ثم أعادها في الصلاة أو عكس سجد ثانيا ( فإن لم يسجد ) من طلب منه السجود عقب فراغ آية السجدة ( وطال الفصل ) عرفا ولو بعذر ( لم يسجد ) لأنه من توابع القراءة ولا قضاء لأنه ذو سبب عارض كالكسوف

فإن قصر الفصل سجد وكذا سجدة الشكر كما قال شيخنا إنه الأوجه

فإن كان القارىء أو المستمع أو السامع أو من


218

يسجد شكرا محدثا فتطهر عن قرب سجد وإلا فلا

ولا تستحب القراءة لآية سجدة أو أكثر بقصد السجود بل تكره القراءة بقصده في الصلاة ومنع ابن عبد السلام من ذلك وأفتى ببطلان الصلاة وهو المعتمد

ومحل الخلاف في غير صلاة صبح الجمعة أما فيها لقراءة سجدة الم تنزيل فإنها لا تبطل كما قاله البلقيني وأفتى به شيخي لأن قراءة السجدة فيها مسنونة

ولو قرأ آية سجدة ليسجد في الأوقات المكروهة حرم عليه السجود وسواء قرأ في أوقات الكراهة أم قبلها وإن كان في صلاة بطلت صلاته بالسجود كما أفتى به ابن عبد السلام

وفي الروضة والمجموع لو أراد أن يقرأ آية سجدة أو آيتين فيهما سجدة ليسجد فلم أر فيه نقلا عندنا وفي كراهته خلاف للسلف

ومقتضى مذهبنا أنه إن كان في غير وقت الكراهة وفي غير الصلاة لم يكره وإلا ففي كراهته الوجهان فيمن دخل المسجد في وقت الكراهة لا لغرض سوى التحية وهذا إذا لم يتعلق بالقراءة غرض سوى السجود وإلا فلا كراهة مطلقا قطعا اه

ثم شرع في السجدة الثالثة فقال ( وسجدة الشكر لا تدخل الصلاة ) لأن سببها ليس له تعلق بالصلاة فلو سجدها فيها عامدا عالما بالتحريم بطلت صلاته

( وتسن لهجوم ) أي حدوث ( نعمة ) كحدوث ولد أو جاه أو مال أو قدوم غائب أو نصر على عدو ( أو اندفاع نقمة ) كنجاة من حريق أو غرق لما روى أبو داود وغيره أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه أمر يسره خر ساجدا

وروى أبو داود بإسناد حسن أنه صلى الله عليه وسلم قال سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فسجدت شكرا لربي ثم رفعت رأسي فسألت ربي فأعطاني ثلث أمتي فسجدت شكرا لربي ثم رفعت رأسي فسألت ربي فأعطاني الثلث الآخر فسجدت شكرا لربي

وخرج بالحدوث الاستمرار كالعافية والإسلام والغنى عن الناس لأن ذلك يؤدي إلى استغراق العمر في السجود

وقيد في التنبيه والمهذب ونقله المصنف في شرحه عن الشافعي والأصحاب النعمة والنقمة بكونهما ظاهرتين ليخرج الباطنتين كالمعرفة وستر المساوي وقيدهما في أصل الروضة وفي المحرر بقوله من حيث لا يحتسب أي يدري قال في المهمات وفيه نظر وإطلاق الأصحاب يقتضي عدم الفرق بين أن يتسبب فيه وأن لا ولهذا لم يذكره في المجموع اه

وهذا أوجه ولهذا أسقطه ابن المقري من أصله

( أو رؤية مبتلي ) في بدنه أو غيره للاتباع رواه البيهقي

وشكر الله على سلامته

( أو ) رؤية ( عاص ) يجهر بمعصيته كما نقله في الكفاية عن الأصحاب ويفسق بها كما نقله الولي العراقي عن الحاوي لأن المصيبة في الدين أشد منهما في الدنيا قال صلى الله عليه وسلم اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا فعند رؤية الكافر أولى

ولو حضر المبتلي أو العاصي في ظلمة أو عند أعمى أو سمع صوتهما سامع ولم يحضرا فالمتجه كما قال في المهمات استحبابها أيضا

( ويظهرها ) أي السجدة ( للعاصي ) المتجاهر بمعصيته التي يفسق بها إن لم يخف ضرره وتعبيرا له لعله يتوب بخلاف من لم يتجاهر بمعصيته أو لم يفسق بها بأن كانت صغيرة ولم يصر عليها فلا يسجد لرؤيته أو خاف منه ضررا فلا يظهرها له بل يخفيها كما في المجموع

وفي معنى الفاسق الكافر وبه صرح الروياني في البحر بل هو أولى بذلك

( لا للمبتلي ) لئلا ينكسر قلبه

نعم إن كان غير معذور كمقطوع في سرقة أظهرها له قاله القاضي و الفوراني وغيرهما وقيده في المهمات بما إذا لم يعلم توبته وإلا فيسرها ويظهرها أيضا لحصول نعمة أو اندفاع نقمة كما في المجموع

قال ابن يونس وعندي أنه لا يظهرها لتجدد ثروة بحضرة فقير لئلا ينكسر قلبه

قال في المهمات وهو حسن

فرع هل يظهرها للفاسق

المجاهر المبتلى في بدنه بما هو معذور فيه يحتمل الإظهار لأنه أحق بالزجر والإخفاء لئلا يفهم أنه على الابتلاء فينكسر قلبه ويحتمل أنه يظهر ويبين السبب وهو الفسق وهذا هو الظاهر وإن قال الولي العراقي لم أر فيه نقلا

ولو شاركه في ذلك البلاء أو العصيان فهل يسجد قال الولي العراقي لم أر من تعرض له وظاهر إطلاقهم يقتضي السجود والمعنى يقتضي عدمه فقد يستثنى حينئذ اه

والأولى أن يقال إن كان ذلك البلاء من غير نوع بلائه أو منه وهو زائد أو كان ذلك الفسق من غير نوع فسقه أو منه وهو أزيد سجد وإلا فلا


219

( وهي ) أي سجدة الشكر ( كسجدة التلاوة ) خارج الصلاة في كيفيتها وشرائطها كما قاله في المحرر لما مر في تلك ومر أنها لا تقضى كسجدة التلاوة

( والأصح جوازهما ) أي السجدتين خارج الصلاة ( على الراحلة للمسافر ) بالإيماء لمشقة النزول وخالف الجنازة على الراجح وإن كان في إقامة كان عليها إبطال ركنه الأعظم وهو تمكين الجبهة من موضع السجود والقيام في الجنازة لأن الجنازة تندر فلا يشق النزول لها ولأن حرمة الميت تقتضي النزول

والثاني لا يجوز لفوات أعظم أركانها وهو التصاق الجبهة من موضع السجود

أما لو كان في مرقد وأتم سجوده فإنه يجوز بلا خلاف

والماشي يسجد على الأرض ( فإن سجد لتلاوة صلاة جاز ) الإيماء ( عليها ) أي الراحلة ( قطعا ) تبعا للنافلة كسجود السهو

وخرج بسجود التلاوة سجود الشكر فإنه لا يفعل في الصلاة كما مر

خاتمة يسن مع سجدة الشكر كما في المجموع الصدقة والصلاة للشكر

وقال الخوارزمي لو أقام التصدق أو صلاة ركعتين مقام السجود كان حسنا ولو قرأ آية سجدة في الصلاة ليسجد بها للشكر لم يجز

وتبطل صلاته بسجوده كما لو دخل المسجد في وقت النهي ليصلي التحية

وتبطل أيضا لو قصد بها التلاوة والشكر تغليبا للمبطل بخلاف ما لو قصد القراءة والرد على الإمام لأن في الرد مصلحة للصلاة ولهذا قيل لا تبطل ولو قصد الرد فقط

ولو تقرب إلى الله بسجدة من غير سبب حرم ولو بعد صلاة كما يحرم بركوع مفرد ونحوه لأنه بدعة وكل بدعة ضلالة إلا ما استثني

ومما يحرم ما يفعله كثير من الجهلة من السجود بين يدي المشايخ ولو إلى القبلة أو قصده لله تعالى وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر عافانا الله تعالى من ذلك

باب في صلاة النفل

وهو لغة الزيادة واصطلاحا ما عدا الفرائض سمي بذلك لأنه زائد على ما فرضه الله تعالى

ويرادف النفل السنة والمندوب والمستحب والمرغب فيه والحسن هذا هو المشهور

وقال القاضي وغيره غير الفرض ثلاثة تطوع وهو ما لم يرد فيه نقل بخصوصه بل ينشئه الإنسان ابتداء

وسنة وهي ما واظب عليه صلى الله عليه وسلم

ومستحب وهو ما فعله أحيانا أو أمر به ولم يفعله

ولم يتعرضوا للبقية لعمومها للثلاثة مع أنه لا خلاف في المعنى فإن بعض المسنونات آكد من بعض قطعا وإنما الخلاف في الاسم

وأفضل عبادات البدن بعد الإسلام الصلاة لخبر الصحيحين أي الأعمال أفضل فقال الصلاة لوقتها

وقيل الصوم لخبر الصحيحين قال الله كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به

وقيل إن كان بمكة فالصلاة أو بالمدينة فالصوم

ورد ذلك بأن الصلاة تجمع ما في سائر العبادات وتزيد عليها بوجوب الاستقبال ومنع الكلام والمشي وغيرهما ولأنها لا تسقط بحال ويقتل تاركها بخلاف غيرها

وقال القاضي الحج أفضل

وقال ابن أبي عصرون الجهاد أفضل

وقال في الإحياء العبادات تختلف أفضليتها باختلاف أحوالها وفاعلها

قال في المجموع والخلاف في الإكثار من أحدهما مع الاقتصار على الآكد من الآخر وإلا فصوم يوم أفضل من ركعتين بلا شك

وخرج بإضافة العبادات إلى البدن أمران أحدهما عبادة القلب كالإيمان والمعرفة والصبر والرضا والخوف والرجاء وأفضلها الإيمان وهي أفضل من العبادات البدنية

والثاني العبادات المالية قال الفارقي إنها أفضل من العبادات البدنية لتعدي النفع بها

والأولى كما قاله ابن عبد السلام إن كانت مصلحة القاصر أرجح فهو أرجح أو المتعدي فهو أرجح

وإذا كانت الصلاة أفضل العبادات كما مر ففرضها أفضل الفروض وتطوعها أفضل التطوع ولا يرد حفظه غير الفاتحة من القرآن ولا الاشتغال بالعلم حيث نص الشافعي على أنه أفضل من صلاة التطوع لأنهما فرضا كفاية

وهو ينقسم إلى قسمين كما قال صلاة النفل قسمان قسم لا يسن جماعة بالنصب على التمييز المحول عن نائب الفاعل أي لا تسن فيه الجماعة لمواظبته صلى الله عليه وسلم على فعله فرادى لا على الحال وإلا لكان معناه نفي السنة عنه حال كونه في جماعة وليس مرادا وبهذا التقدير يندفع ما قيل إنه لو قال يسن فرادى كان أحسن فإن


220

السنة أن لا يكون في جماعة وإن جاز بالجماعة بلا كراهة لاقتداء ابن عباس بالنبي صلى الله عليه وسلم في بيت خالته ميمونة في التهجد متفق عليه

( فمنه الرواتب ) وهي على المشهور التي ( مع الفرائض ) وقيل هي ما له وقت

والحكمة فيها تكميل ما نقص من الفرائض بنقص نحو خشوع كترك تدبر قراءة

( وهي ركعتان قبل الصبح وركعتان قبل الظهر وكذا بعدها وبعد المغرب والعشاء ) لخبر الصحيحين عن ابن عمر قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين بعد الجمعة

وفي بعض طرقه عن ابن عمر وحدثتني أختي حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر

( وقيل لا راتب للعشاء ) لأن الركعتين بعدها يجوز أن يكونا من صلاة الليل

( وقيل ) من الرواتب ( أربع قبل الظهر ) للاتباع رواه مسلم

( وقيل وأربع بعدها ) لحديث من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار رواه الترمذي وصححه

( وقيل وأربع قبل العصر ) لخبر ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال رحم الله امرءا صلى قبل العصر أربعا رواه ابنا خزيمة وحبان وصححاه

( والجميع سنة ) راتبا قطعا لورود ذلك في الأحاديث الصحيحة

ولا فرق في ذلك بين المجمع بالمزدلفة وغيره وما نقل عن النص من أن السنة للجامع بمزدلفة ترك التنفل له بعد المغرب والعشاء محمول كما قالاه على النافلة المطلقة

( وإنما الخلاف في الراتب المؤكد ) من حيث التأكيد

فعلى الوجه الأخير الجميع مؤكد وعلى الراجح المؤكد العشر الأول فقط لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليها دون غيرها

( و ) قيل من الرواتب غير المؤكدة ( ركعتان خفيفتان قبل المغرب ) لما سيأتي

( قلت هما سنة على الصحيح ففي صحيح البخاري الأمر بهما ) ولفظه صلوا قبل صلاة المغرب قال في الثالثة لمن شاء كراهة أن يتخذها الناس سنة أي طريقة لازمة

وليس في روايته التصريح بالأمر بركعتين

نعم في سنن أبي داود صلوا قبل المغرب ركعتين

وفي الصحيحين من حديث أنس أن كبار الصحابة كانوا يبتدرون السواري لهما أي للركعتين إذا أذن المغرب وفي رواية مسلم حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب الصلاة قد صليت

والثاني أنهما ليستا بسنة لقول ابن عمر ما رأيت أحدا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما

وأجاب عنه البيهقي وغيره بأنه ناف وغيره مثبت خصوصا من أثبت أكثر عددا ممن نفي

قال بعضهم وفي الجواب نظر لأنه نفي محصور

وفي النظر نظر لأنه ادعى عدم الرؤية ولا يلزم من عدم رؤيته أن لا يكون غيره رأى

والمفهوم من عبارة المصنف أنهما عند من استحبهما ليستا من الرواتب لأنه أخرهما عن تمام الكلام في الرواتب

قال الولي العراقي وقد يقال عطفهما على أمثلة الرواتب يفهم أنهما منهما

قال في المجموع واستحبابهما قبل شروع المؤذن في الإقامة فإن شرع فيها كره الشروع في غير المكتوبة

والمتجه كما قال الإسنوي تقديم الإجابة عليهما ولو أدى الاشتغال بهما إلى عدم إدراك فضيلة التحرم فالقياس كما قال الإسنوي تأخيرهما إلى بعد المغرب

وفي المجموع استحباب ركعتين قبل العشاء لخبر بين كل أذانين صلاة

والمراد الأذان والإقامة ونقله الماوردي عن البويطي

( وبعد الجمعة أربع ) ركعتان مؤكدتان وركعتان غير مؤكدتين كما في الظهر لخبر مسلم إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا

( وقبلها ما قبل الظهر ) أي ركعتان مؤكدتان وركعتان غير مؤكدتين ( والله أعلم ) لخبر الترمذي أن ابن مسعود كان يصلي قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا والظاهر أنه


221

توقيف

وما قررت به عبارته وهو ما صرح به في التحقيق وإن كان مقتضى عبارته أن الجمعة مخالفة للظهر فيما بعدها

ولو قال والجمعة كالظهر في الرواتب قبلها وبعدها لكان أولى

( ومنه ) أي من القسم الذي لا يسن جماعة ( الوتر ) بكسر الواو وفتحها وليس بواجب

أما كونه مطلوبا فبالإجماع ولقوله صلى الله عليه وسلم يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر رواه أبو داود وصححه الترمذي

فإن قيل هذا أمر وظاهره الوجوب كما يقول به أبو حنيفة

أجيب بأنه محمول على التأكيد لحديث الأعرابي هل علي غيرها قال لا إلا أن تطوع ولخبر الصحيحين في حديث معاذ إن الله افترض عليكم خمس صلوات في اليوم والليلة

وهو قسم من الرواتب كما في الروضة كأصلها وظاهر عبارة المحرر وإن كان ظاهر عبارة المصنف أنه قسيم لها فلو عبر بقوله ومنها ليعود الضمير على الرواتب لكان أولى

( وأقله ركعة ) لخبر مسلم من حديث ابن عمر و ابن عباس الوتر ركعة من آخر الليل

وفي الكفاية عن أبي الطيب أنه يكره الإيتار بركعة

وفيه وقفة إذ لا نهي

وقد روى أبو داود وغيره من حديث أبي أيوب من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل

وفي صحيح ابن حبان من حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم أوتر بواحدة

وأدنى الكمال ثلاث وأكمل منه خمس ثم سبع ثم تسع ثم إحدى عشرة وهي أكثر

كما قال ( وأكثره إحدى عشرة ) للأخبار الصحيحة منها خبر عائشة ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة

فلا تصح الزيادة عليها كسائر الرواتب فإن أحرم بالجميع دفعة واحدة لم يصح وإن سلم من كل ركعتين صح غير الإحرام السادس فلا يصح وترا

ثم إن علم المنع وتعمد فالقياس البطلان وإلا وقع نفلا كإحرامه بالصلاة قبل وقتها غالطا

( وقيل ) أكثره ( ثلاث عشرة ) ركعة لأخبار صحيحة تأولها الأكثرون بأن من ذلك ركعتين سنة العشاء قال المصنف وهو تأويل ضعيف مباعد للأخبار

قال السبكي وأنا أقطع بحل الإيتار بذلك وصحته ولكن أحب الاقتصار على إحدى عشرة فأقل لأنه غالب أحواله صلى الله عليه وسلم

ويسن لمن أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة في الأولى الأعلى وفي الثانية الكافرون وفي الثالثة الإخلاص ثم الفلق ثم الناس مرة مرة وينبغي أن الثلاثة الأخيرة فيما إذا زاد على الثلاثة أن يقرأ فيها ذلك

( ولمن زاد على ركعة ) في الوتر ( الفصل ) بين الركعات بالسلام فينوي ركعتين مثلا من الوتر لما روى ابن حبان أنه صلى الله عليه وسلم كان يفصل بين الشفع والوتر

( وهو أفضل ) من الوصل الآتي لأن أحاديثه أكثر كما قاله في المجموع ولأنه أكثر عملا لزيادته عليه السلام وغيره

وقيل الوصل أفضل خروجا من خلاف أبي حنيفة فإنه لا يصحح الفصل

والقائلون بالأول قالوا إنما يراعي الشافعي الخلاف إذا لم يؤد إلى محظور أو مكروه وهذا منه فإن الوصل فيما إذا وتر بثلاث مكروه كما جزم به ابن خيران

وقال القفال لا يصح وصلها وبه أفتى القاضي حسين لخبر لا توتروا بثلاث ولا تشبهوا الوتر بصلاة المغرب

وقيل الفصل أفضل للمنفرد دون الإمام إذ قد يقتدي به حنفي

وعكسه الروياني لئلا يتوهم خلل فيما صار إليه الشافعي مع أنه ثابت

وهذا كله في الإتيان بثلاث فإن زاد فالفصل أفضل قطعا كما جزم به في التحقيق وثلاث فأكثر موصولة أفضل من ركعة فردة لا شيء قبلها

( و ) لمن زاد على ركعة ( الوصل بتشهد ) في الأخيرة ( أو تشهدين في الأخيرتين للاتباع رواه مسلم

وليس له غير ذلك فلا يجوز له أن يتشهد في غيرهما فقط أو معهما أو مع أحدهما لأنه خلاف المنقول من فعله صلى الله عليه وسلم

وقد تفهم عبارته استواء التشهد والتشهدين في الفضيلة وهو وجه قال الرافعي إنه مقتضى كلام كثيرين ولكن الأصح كما في التحقيق أن الوصل بتشهد أفضل منه بتشهدين فرقا بينه وبين المغرب وللنهي عن تشبيه الوتر بالمغرب ففي الخبر السابق ( ووقته بين صلاة العشاء وطلوع الفجر ) الثاني لنقل الخلف على السلف

وروى أبو داود وغيره خبر إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر فجعلها لكم من العشاء إلى طلوع الفجر

وقال المحاملي وقته المختار إلى نصف الليل والباقي وقت جواز وهو محمود كما قاله البلقيني على من لم يرد التهجد كما يعلم مما سيأتي

وقضية كلام المصنف أنه لو جمع العشاء مع


222

المغرب جمع تقديم كان له أن يوتر وإن لم يدخل وقت العشاء وهو كذلك

( وقيل شرط الإيتار بركعة سبق نفل بعد العشاء ) من سنتها أو غيرها بناء على أن الوتر يوتر النفل قبله والأصح أنه لا يشترط بل يكفي كونه وترا في نفسه أو وترا لما قبله فرضا كان أو سنة

( ويسن جعله آخر صلاة الليل ) ولو نام قبله لخبر الشيخين اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا

فإن كان له تهجد أخر الوتر إلى أن يتهجد وإلا أوتر بعد فريضة العشاء وراتبتها هذا ما في الروضة كأصلها وقيده في المجموع بما إذا لم يثق بيقظته آخر الليل وإلا فتأخيره أفضل لخبر مسلم من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل وعليه يحمل خبره أيضا بادروا الصبح بالوتر

وأما خبر أبي هريرة أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام

فمحمول على من لم يثق بيقظته آخر الليل جمعا بين الأخبار

قال بعضهم ويمكن حمله على النومة الثانية آخر الليل المأخوذة من قوله صلى الله عليه وسلم أفضل القيام قيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه

( فإن أوتر ثم تهجد ) وكذا إن لم يتهجد ( لم يعده ) أي الوتر ثانيا أي لا يسن له إعادته لخبر لا وتران في ليلة

والأصل في الصلاة إذا لم تكن مطلوبة عدم الانعقاد فلو أوتر ثانيا لم يصح وتره

( وقيل يشفعه بركعة ) أي يصلي ركعة حتى يصير وتره شفعا ثم يتهجد ما شاء

( ثم يعيده ) كما فعل ذلك ابن عمر وغيره ليقع الوتر آخر صلاته

ويسمى هذا نقض الوتر وفي الإحياء صحة النهي عن نقض الوتر

والوتر نفسه تهجد إن فعل بعد نوم وإلا فوتر لا تهجد وعلى هذا يحمل ما وقع للشيخين من تغايرهما

ولا يكره التهجد بعد الوتر لكن لا يستحب تعمده

وإذا أوتر ثم بدا له أن يصلي قبل أن ينام فليؤخر قليلا نص عليه في البويطي

وقال في اللباب يسن أن يصلي ركعتين بعد الوتر قاعدا متربعا يقرأ في الأولى بعد الفاتحة إذا زلزلت وفي الثانية قل يا أيها الكافرون فإذا ركع وضع يديه على الأرض ويثني رجليه

وجزم بذلك الطبري أيضا وأنكر في المجموع على من اعتقد سنية ذلك وقال إنه من البدع المنكرة

وقال في العباب ويندب أن لا يتنفل بعد وتره وصلاته صلى الله عليه وسلم ركعتين بعده جالسا لبيان الجواز اه

( ويندب القنوت آخر وتره ) بثلاث أو أكثر وكذا لو أوتر بركعة وإن أفهم كلام المصنف خلافه

( في النصف الثاني من رمضان ) روى أبو داود أن أبي بن كعب قنت فيه لما جمع عمر الناس عليه فصلى بهم أي صلاة التراويح

( وقيل ) يقنت فيه في ( كل السنة ) لإطلاق ما مر في قنوت الصبح واختاره المصنف في بعض كتبه

وعلى الأول لو قنت فيه في غير النصف ولم يطل به الاعتدال كره وسجد للسهو وإن طال به الاعتدال بطلت صلاته إن كان عامدا عالما بالتحريم وإلا لم تبطل ويسجد للسهو

( وهو كقنوت الصبح ) في لفظه ومحله والجهر به واقتضاء السجود بتركه كما مرت الإشارة إليه وصرح به في المحرر وغير ذلك

وقيل يقنت في الوتر قبل الركوع ليحصل الفرق بين الفرض والنفل

ويسن أن يقتصر عليه إمام قوم غير محصورين رضوا بالتطويل

( ويقول ) غيره ( قبله اللهم إنا نستعينك ونستغفرك

إلى آخره ) أي ونستهديك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله نشكرك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد بالدال المهملة أي نسرع نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بكسر الجيم أي ألحق بالكفار ملحق بكسر الحاء على المشهور أي لاحق بهم فهو كأنبت الزرع بمعنى نبت

ويجوز فتحها لأن الله تعالى ألحقه بهم اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون أي يمنعون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك أي أنصارك اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأصلح ذات بينهم أي أمورهم ومواصلاتهم وألف اجمع بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة وهي كل ما منع القبيح وثبتهم على ملة رسولك


223

وأوزعهم أي ألهمهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق واجعلنا منهم

قال في الروضة وينبغي أن يقول اللهم عذب الكفرة ليعم كل كافر

وما قاله ابن القاص واستحسنه الروياني من أنه يزيد في القنوت ربنا لا تؤاخذنا إلى آخر السورة ضعفه في المجموع بأن المشهور كراهة القراءة في غير القيام

( قلت الأصح ) أن يقول ذلك ( بعده ) أي بعد قنوت الصبح لأنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوتر فكان تقديمه أولى

فإن اقتصر على أحدهما فقنوت الصبح أفضل لما ذكر

( وأن الجماعة تندب في الوتر ) في جميع رمضان سواء أصليت التراويح أم لا صليت فرادى أم لا وسواء أصلاه عقبها أم لا فقوله ( عقب التراويح جماعة والله أعلم ) ليس بقيد بل هو جرى على الغالب فلا مفهوم له

ويسن أن يقول بعد الوتر ثلاث مرات سبحان الملك القدوس رواه أبو داود بإسناد صحيح وجاء في رواية أحمد والنسائي أنه كان يرفع صوته بالثالثة

وأن يقول بعده أيضا اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك

( ومنه ) أي ومن القسم الذي لا يسن جماعة ( الضحى وأقلها ركعتان ) لحديث أبي هريرة السابق ولخبر مسلم يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة ويجزيء عن ذلك ركعتان يصليهما من الضحى

وأدنى الكمال أربع وأكمل منه ست

واختلف في أكثرها فقال المصنف هنا ( وأكثرها اثنتا عشرة ) ركعة لخبر أبي داود قال النبي صلى الله عليه وسلم إن صليت الضحى ركعتين لم تكتب من الغافلين أو أربعا كتبت من المحسنين أو ستا كتبت من القانتين أو ثمانيا كتبت من الفائزين أو عشرا لم يكتب عليك ذلك اليوم ذنب أو ثنتي عشرة بنى الله لك بيتا في الجنة رواه البيهقي وقال في إسناده نظر وضعفه في المجموع

وقال في الروضة أفضلها ثمان وأكثرها ثنتا عشرة

ونقل في المجموع عن الأكثرين أن أكثرها ثمان وصححه في التحقيق وهذا هو المعتمد كما جرى عليه ابن المقري

وقال الإسنوي بعد نقله ما مر فظهر أن ما في الروضة والمنهاج ضعيف مخالف لما عليه الأكثرون اه

وقالت أم هانيء صلى النبي صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى ثمان ركعات يسلم من كل ركعتين

رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري كما قاله في المجموع وفي الصحيحين عنها قريب منه

والسبحة بضم السين الصلاة

ويسن أن يسلم من كل ركعتين كما قاله القمولي وينوي ركعتين من الضحى ووقتها من ارتفاع الشمس إلى الزوال كما جزم به الرافعي في الشرحين والمصنف في التحقيق والمجموع

ووقع في زيادة الروضة أن الأصحاب قالوا يدخل وقتها بالطلوع وأن التأخير إلى الارتفاع مستحب ونسب إلى أنه سبق قلم والاختيار فعلها عند مضي ربع النهار لخبر مسلم وصلاة الأوابين حين ترمض الفصال بفتح الميم أي تبرك من شدة الحر في خفافها ولئلا يخلو كل ربع من النهار عن عبادة

( و ) منه ( تحية المسجد ) لداخله غير المسجد الحرام وهي ( ركعتان ) قبل الجلوس لكل دخول ولو تقارب ما بين الدخولات أو دخل من مسجد إلى آخر وهما متلاصقان لخبر الصحيحين إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ومن ثم يكره له أن يجلس من غير تحية بلا عذر

وظاهر كلامه كغيره أنه لا فرق في سنها بين مريد الجلوس وغيره ولا بين المتطهر وغيره إذا تطهر في المسجد لكن قيده شيخ نصر بمريد الجلوس ويؤيده الخبر المذكور

قال الزركشي لكن الظاهر أن التقييد بذلك خرج مخرج الغالب وهذا هو الظاهر فإن الأمر بذلك معلق على مطلق الدخول تعظيما للبقعة وإقامة للشعار كما يسن لداخل مكة الإحرام سواء أراد الإقامة بها أم لا

قال في المجموع وتجوز الزيادة على ركعتين إذا أتى بسلام واحد وتكون كلها تحية لاشتمالها على الركعتين

قال في المهمات فإن فصل فمقتضى كلامه المنع والجواز محتمل اه

والمنع أظهر

( وتحصل بفرض أو نفل آخر ) وإن لم تنو لأن القصد بها أن لا ينتهك المسجد بلا صلاة بخلاف غسل الجمعة أو العيد بنية الجنابة لأنه مقصود

ويحصل فضلها أيضا وإن لم تنو كما صرح به ابن الوردي في بهجته وإن


224

خالف بعضهم في ذلك

( لا بركعة ) أي لا تحصل بها التحية ( على الصحيح ) للحديث المار

( قلت وكذا الجنازة وسجدة التلاوة و ) سجدة ( الشكر ) فلا تحصل التحية بشيء من ذلك على الصحيح للخبر السابق

والثاني تحصل بواحدة من هذه الأربع لحصول الإكرام بها المقصود من الخبر

( وتتكرر ) التحية أي طلبها ( بتكرر الدخول على قرب في الأصح والله أعلم ) لوجود المقتضى كالبعد

والثانية لا للمشقة

وتفوت بجلوسه قبل فعلها وإن قصر الفصل إلا إن جلس سهوا وقصر الفصل كما جزم به في التحقيق

وتفوت بطول الوقوف كما أفتى به شيخي

ولو أحرم بها قائما ثم أراد القعود لإتمامها فالقياس عدم المنع وكذا لو دخل زحفا فالقياس أنه مأمور بالتحية

أما إذا دخل المسجد الحرام فلا تسن له لأنه يبدأ بالطواف وكذا لو دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة أو قرب إقامتها بحيث لو اشتغل بالتحية فاتته تكبيرة الإحرام أو دخل بعد فراغ الخطيب من خطبة الجمعة أو وهو في آخرها قاله الشيخ أبو محمد

وربما يدعى دخول هاتين الصورتين في قولهم أو قرب إقامتها إلخ

أو دخل الخطيب المسجد وقد حانت الخطبة على الأصح من زوائد الروضة في باب الجمعة وإن اعترضه في المهمات

أو دخل والإمام في مكتوبة أو خاف فوت سنة راتبة كما في الرونق

ويكره أن يدخل المسجد بغير وضوء فإن دخل فليقل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنها تعدل ركعتين في الفضل

وفي أذكار المصنف قال بعض أصحابنا من دخل المسجد فلم يتمكن من صلاة التحية لحدث أو شغل أو نحوه فيستحب له أن يقول أربع مرات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال ولا بأس به زاد ابن الرفعة ولا حول ولا قوة إلا بالله

فائدة إنما استحب الإتيان بهذه الكلمات الأربع لأنها صلاة سائر الخليقة من غير الآدمي من الحيوانات والجمادات في قوله تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده أي بهذه الأربع وهي الكلمات الطيبات والباقيات الصالحات والقرض الحسن والذكر الكثير في قوله تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا وفي قوله تعالى واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون

فرع قال الإسنوي التحيات أربع

تحية المسجد بالصلاة والبيت بالطواف والحرم بالإحرام ومنى بالرمي

وزيد عليه تحية عرفة بالوقوف وتحية لقاء المسلم بالسلام

والخطبة بالنسبة إلى الخطيب يوم الجمعة كما مر فتكون التحية هنا بالخطبة كما في المسجد الحرام بالطواف

( ويدخل وقت الرواتب ) التي ( قبل الفرض بدخول وقت الفرض و ) وقت التي ( بعده ) ولو وترا ( بفعله ويخرج النوعان ) أي وقت الذي قبله والذي بعده ( بخروج وقت الفرض ) لأنهما تابعان له ففعل القبلية بعده أداء لكن الاختيار أن لا تؤخر عنه إلا لمن حضر والصلاة تقام أو نحوه مما سيأتي وفعل البعدية قبله لا تنعقد وإن كانت الصلاة مقضية في أحد وجهين وهو المعتمد لأن القضاء يحكي الأداء

وقضية كلام المصنف أنه لا يشترط وقوع الراتبة قريبا من فعل الفريضة وهو كذلك وإن حكي عن الشامل خلافه

ويسن فعل السنن الراتبة في السفر سواء أقصر أم أتم لكنها في الحضر آكد وسيأتي في الشهادات أن من واظب على ترك الراتبة ردت شهادته

( ولو فات النفل المؤقت ) سنت الجماعة فيه كصلاة العيد أو لا كصلاة الضحى ( ندب قضاؤه في الأظهر ) لحديث الصحيحين من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لأنه صلى الله عليه وسلم قضى ركعتي الفجر لما نام في الوادي عن صلاة الصبح إلى أن طلعت الشمس رواه أبو داود بإسناد صحيح وفي مسلم نحوه وقضى ركعتي سنة الظهر المتأخرة بعد العصر رواه الشيخان ولأنها صلاة مؤقتة فقضيت كالفرائض وسواء السفر والحضر كما صرح به ابن المقري والثاني لا يقضي لغير المؤقت

والثالث إن لم يتبع غيره كالضحى قضى لشبهه بالفرض في الاستقلال وإن تبع غيره كالرواتب فلا


225

تنبيه قضية كلامه أن المؤقت يقضى أبدا وهو الأظهر والثاني يقضي فائتة النهار ما لم تغرب شمسه وفائتة ما لم يطلع فجره والثالث يقضي ما لم يصل الفرض الذي بعده وخرج بالمؤقت ما له سبب كالتحية والكسوف فإنه لا مدخل للقضاء فيه

نعم لو ابتدأ نفلا مطلقا ثم قطعه ندب له قضاؤه كما ذكره في صوم التطوع وكذا لو فاته ورد فإنه يندب له قضاؤه كما قاله الأذرعي

تتمة بقي من هذا القسم صلوات لم يذكرها منها صلاة التسبيح وهي أربع ركعات يقول فيها ثلثمائة مرة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر بعد التحرم وقبل القراءة خمسة عشر وبعد القراءة وقبل الركوع عشرا وفي الركوع عشرا وكذلك في الرفع منه وفي السجود والرفع منه والسجود الثاني فهذه خمس وسبعون في أربع بثلثمائة وهي سنة حسنة وحديثها في أبي داود والمستدرك وصحيح ابن حبان وله طريق يعضد بعضه بعضا فيعمل به لا سيما في العبادات ووهم ابن الجوزي فعده في الموضوعات فقد علمها النبي صلى الله عليه وسلم للعباس كما رواه ابنه عبدالله رضي الله عنهما وفي صحيح ابن خزيمة أنه صلى الله عليه وسلم قال للعباس إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة فإن لم تفعل ففي عمرك مرة وفي معجم الطبراني فلو كانت ذنوبك مثل زبد البحر أو رمل عالج غفر الله لك

قال المصنف في أذكاره عن ابن المبارك فإن صلاها ليلا فالأحب إلي أن يسلم من كل ركعتين وإن صلاها نهارا فإن شاء سلم وإن شاء لم يسلم

وما تقرر من أنها سنة هو المعتمد كما صرح به ابن الصلاح وغيره وإن قال في المجموع بعد نقل استحبابها عن جمع وفي هذا الاستحباب نظر لأن حديثها ضعيف وفيها تغيير لنظم صلاتها المعروف فينبغي أن لا تفعل

ومنها صلاة الأوابين وتسمى صلاة الغفلة لغفلة الناس عنها بسبب عشاء أو نوم أو نحو ذلك وهي عشرون ركعة بين المغرب والعشاء لحديث الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال من صلى ست ركعات بين المغرب والعشاء كتب له عبادة اثنتي عشرة سنة وقال الماوردي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها ويقول هذه صلاة الأوابين

ويؤخذ منه ومن خبر الحاكم السابق أن صلاة الأوابين مشتركة بين هذه وصلاة الضحى

ومنها ركعتا الإحرام وركعتا الطواف وركعتا الوضوء وركعتا الاستخارة روى الترمذي من سعادة ابن آدم استخارة الله تعالى في كل أموره ومن شقاوته ترك استخارة الله في كل أموره وروى ابن السني عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا هممت بأمر فاستخر الله فيه سبع مرات ثم انظر إلى الذي سبق في قلبك فإن الخير فيه

وركعتا الحاجة وركعتا التوبة وركعتان عند الخروج من المنزل وعند دخوله وعند الخروج من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند دخول أرض لم يعبد الله فيها كدار الشرك وعند مروره بأرض لم يمر بها قط

ومنها ركعتان عقب الخروج من الحمام

ومنها ركعتان في المسجد إذا قدم من سفره

ومنها ركعتان عند القتل إن أمكنه

ومنها ركعتان إذا عقد على امرأة وزفت إليه إذ يسن لكل منهما قبل الوقاع أن يصلي ركعته

وأدلة هذه السنن مشهورة فلا نطيل بذكرها

قال في المجموع ومن البدع المذمومة صلاة الرغائب اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة رجب وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة ولا يغتر بمن ذكرهما وأفضل هذا القسم الوتر ثم ركعتا الفجر وهما أفضل من ركعتين في جوف الليل

وأما قوله صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل فمحمول على النفل المطلق ثم باقي رواتب الفرائض ثم الضحى ثم ما يتعلق بفعل غير سنة الوضوء كركعتي الطواف والإحرام والتحية وهذه الثلاث في الأفضلية سواء كما صرح به في المجموع ثم سنة الوضوء ثم النفل المطلق

والمراد من التفضيل مقابلة الجنس بالجنس ولا بعد أن يجعل الشرع العدد القليل أفضل من العدد الكثير مع اتحاد النوع دليله القصر في السفر فمع اختلافه أولى ذكره ابن الرفعة

( وقسم ) من النفل ( يسن جماعة ) أي تسن الجماعة فيه إذ فعله مستحب مطلقا صلى جماعة أو لا

( كالعيد والكسوف والاستسقاء ) لما سيأتي في أبوابها

( وهو ) أي هذا القسم ( أفضل مما لا يسن جماعة ) لأن مشروعية الجماعة فيه تدل على تأكد أمره والمراد


226

جنس هذه الصلاة مع جنس الأخرى من غير نظر إلى عدد مخصوص كما يؤخذ مما مر

( لكن الأصح تفضيل الراتبة ) للفرائض ( على التراويح ) لمواظبته صلى الله عليه وسلم على الراتبة لا التراويح كما قاله الرافعي والثاني تفضيل التراويح على الراتبة لسن الجماعة فيها

ومحل الخلاف إذا قلنا تسن الجماعة في التراويح وإلا فالراتبة أفضل منها قطعا وأفضل هذا القسم العيدان وقضية كلامهم تساوي العيدين في الفضيلة وبه صرح ابن المقري في شرح إرشاده وعن ابن عبد السلام أن عيد الفطر أفضل وكأنه أخذه من تفضيلهم تكبيره على تكبير الأضحى

وعن بعض السلف أن من صلى عيد الفطر فكأنما حج ومن صلى عيد الأضحى فكأنما اعتمر

قال في الخادم لكن الأرجح في النظر ترجيح عيد الأضحى لأنه في شهر حرام وفيه نسكان الحج والأضحية وقيل إن عشره أفضل من العشر الأخير من رمضان اه

وروي إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر رواه أبو داود فصلاته أفضل من صلاة الفطر وتكبير الفطر أفضل من تكبيره

ثم بعد العيدين في الفضيلة كسوف الشمس ثم خسوف القمر ثم الاستسقاء ثم التراويح

وقد اتفقوا على سنيتها وعلى أنها المراد من قوله صلى الله عليه وسلم من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر رواه البخاري

وقوله إيمانا أي تصديقا بأنه حق معتقدا فضيلته واحتسابا أي إخلاصا

والمعروف أن الغفران مختص بالصغائر

واختلفوا في أن الأفضل صلاتها منفردا أو في جماعة ولذلك قال المصنف ( و ) الأصح ( أن الجماعة تسن في التراويح ) لخبر الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله عليه وسلم صلاها ليالي فصلوها معه ثم تأخر وصلاها في بيته باقي الشهر وقال خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها

وروى ابنا خزيمة وحبان عن جابر قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ثمان ركعات ثم أوتر فلما كانت الليلة القابلة اجتمعنا في المسجد ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا الحديث

وكان جابر إنما حضر في الليلة الثالثة والرابعة

ولأن عمر جمع الناس على قيام شهر رمضان الرجال على أبي بن كعب والنساء على سليمان بن أبي حثمة رواه البيهقي

وكان وقد انقطع الناس عن فعلها جماعة في المسجد إلى زمن عمر رضي الله تعالى عنه

وإنما صلاها صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فرادى خشية الافتراض كما مر وقد زال ذلك المعنى

فإن قيل كيف يقول صلى الله عليه وسلم خشيت أن تفرض عليكم مع قوله في حديث الإسراء هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي فكيف يقع الخوف من الزيادة أجيب باحتمال أن يكون المخوف افتراض قيام الليل بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطا في صحة التنفل بالليل ويوميء إليه قوله في حديث زيد بن ثابت خشيت أن تكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به فصلوا أيها الناس في بيوتكم فمنعهم من التجميع في المسجد إشفاقا عليهم من اشتراطه وأمن مع أذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم

أو يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان فلا يكون ذلك زائدا على الخمس

أو يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة لأن ذلك كان في رمضان وعلى هذا يرتفع الإشكال لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة فلا يكون ذلك قدرا زائدا على الخمس وهي عشرون ركعة بعشر تسليمات في كل ليلة من رمضان لما روى البيهقي بإسناد صحيح أنهم كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة وروى مالك في الموطأ بثلاث وعشرين وجمع البيهقي بينهما بأنهم كانوا يوترون بثلاث وما روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم عشرين ركعة كما قاله الرافعي ضعفه البيهقي

وسميت كل أربع منها ترويحة لأنهم كانوا يتروحون عقبها أي يستريحون

قال الحليمي والسر في كونها عشرين لأن الرواتب أي المؤكدة في غير رمضان عشر ركعات فضوعفت لأنه وقت جد وتشمير اه

ولأهل المدينة الشريفة فعلها ستا وثلاثين لأن العشرين خمس ترويحات فكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين سبعة أشواط فجعل أهل المدينة بدل كل أسبوع ترويحة ليساووهم

قال الشيخان ولا يجوز ذلك لغيرهم لأن لأهلها شرفا بهجرته وبدفنه صلى الله عليه وسلم وهذا هو المعتمد خلافا للحليمي ومن تبعه

وفعلها بالقرآن في جميع الشهر أفضل من تكرير سورة الإخلاص

ووقتها ما بين صلاة العشاء ولو تقديما وطلوع الفجر الثاني

قال في الروضة ولا تصح بنية


227

مطلقة بل ينوي ركعتين من التراويح أو من قيام رمضان

ولو صلى أربعا بتسليمة لم تصح لأنه خلاف المشروع بخلاف سنة الظهر والعصر كما أفتى به المصنف والفرق بينهما أن التراويح لمشروعية الجماعة فيها أشبهت الفرائض فلا تغير عما وردت وأخذ شيخي من هذا أنه لو أخر سنة الظهر التي قبلها وصلاها بعدها كان له أن يجمعها مع سنته التي بعدها بنية واحدة

( ولا حصر للنفل المطلق ) وهو ما لا يتقيد بوقت ولا سبب أي لا حصر لعدده ولا لعدد ركعاته

قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الصلاة خير موضوع استكثر أو أقل رواه ابن ماجة

وروى أن ربيعة بن كعب قال كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع فإذا صلى عشاء الآخرة أجلس ببابه إذا دخل بيته لعله يحدث له صلى الله عليه وسلم حاجة حتى تغلبني عيني فأرقد فقال لي يوما ياربيعة سلني فقلت أنظر في أمري ثم أعلمك قال ففكرت في نفسي وعلمت أن الدنيا زائلة ومنقطعة وأن لي فيها رزقا يأتيني فقلت يا رسول الله أسألك أن تشفع لي أن يعتقني الله من النار وأن أكون رفيقك في الجنة فقال من أمرك بهذا يا ربيعة قلت ما أمرني به أحد فصمت النبي صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال إني فاعل ذلك فأعني على نفسك بكثرة السجود

فله أن يحرم بركعة وبمائة ركعة

( فإن أحرم بأكثر من ركعة فله التشهد في ) آخر صلاته لأنه لو اقتصر عليه في الفريضة جاز

وفي ( كل ركعتين ) وفي كل ثلاث وفي كل أربع أو أكثر كما في التحقيق والمجموع لأن ذلك معهود في الفرائض في الجملة ( وفي كل ركعة ) لأن له أن يصلي ركعة فردة ويتحلل عنها كما مر وإذا جاز له ذلك جاز القيام إلى الأخرى

( قلت الصحيح منعه في كل ركعة والله أعلم ) لأنه اختراع صورة في الصلاة لم تعهد وإذا صلى بتشهد واحد قرأ السورة في الركعات كلها وإن صلى بتشهدين فأكثر قرأ في الركعات التي قبل التشهد الأول والتشهد آخر الصلاة ركن كسائر التشهدات الأخيرة

ولو أحرم مطلقا لم يكره له الاقتصار على ركعة في أحد وجهين يظهر ترجيحه بل قال في المطلب الذي يظهر استحبابه خروجا من خلاف بعض أصحابنا وإن لم يخرج من خلاف أبي حنيفة من أنه يلزمه بالشروع ركعتان

( وإذا نوى ) قدرا في النفل المطلق ( عددا ) أو ركعة ( فله أن يزيد ) على ما نواه ( و ) أن ( ينقص ) عنه في غير الركعة كما هو معلوم ولعل هذا هو الحامل للمصنف على التعبير بالعدد إذ الركعة لا تدخل في كلامه لأن الواحدة لا تسمى عددا إذ العدد عند جمهور الحساب ما ساوى نصف مجموع حاشيتيه القريبتين أو البعيدتين على السواء نعم العدد عند النحاة ما وضع لكمية الشيء فالواحد عندهم عدد فيدخل فيه الركعة

وإنما يجوز له ذلك ( بشرط تغيير النية قبلهما ) أي الزيادة والنقصان إذ لا حصر للنفل المطلق كما مر

نعم المتيمم إذ رأى الماء في أثناء عدد نواه ليس له زيادة كما علم في باب التيمم

( وإلا ) أي وإن لم يغير النية قبلهما ( فتبطل ) الصلاة بذلك لأن الزيادة التي أتى بها لم تشملها نيته

( فلو نوى ركعتين ) مثلا ( ثم قام إلى ) ركعة ( ثالثة سهوا ) ثم تذكر ( فالأصح أنه يقعد ثم يقوم للزيادة إن شاء ) الزيادة ثم يسجد للسهو في آخر صلاته الزيادة القيام والثاني لا يحتاج إلى القعود في إرادة الزيادة بل يمضي فيها كما لو نواها قبل القيام وإن لم يشأ الزيادة قعد وتشهد وسجد للسهو وسلم

أما النفل غير المطلق كالوتر فليس له أن يزيد أو ينقص عما نواه

( قلت نفل الليل ) أي صلاة النفل المطلق فيه ( أفضل ) من صلاة النفل المطلق في النهار لخبر مسلم أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل وفي رواية له إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة

ولأن الليل محل الغفلة

وإنما قيدت النفل بالمطلق تبعا للشارح مع أن مقتضى الحديث والمعنى تفضيل رواتب الليل على رواتب النهار لتفضيلهم ركعتي الفجر على ما عدا الوتر

( وأوسطه أفضل ) من طرفيه إذا


228

قسمهأ ثلاثا لأن الغفلة فيه أكثر العبادة فيه أثقل فإن أراد القيام في ثلث ما فالأفضل السدس الرابع والخامس لحديث الصحيحين أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه

( ثم آخره ) أفضل من أوله إن قسمه نصفين لقوله تعالى وبالأسحار هم يستغفرون ولخبر الشيخين ينزل ربنا تبارك وتعالى أي ينزل أمره إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له

( و ) يستحب في النفل المطلق ( أن يسلم من ركعتين ) ليلا كان أو نهارا نواهما أو أطلق لحديث الصحيحين صلاة الليل مثنى مثنى وفي السنن الأربعة صلاة الليل والنهار مثنى مثنى وصححه ابن حبان وغيره

والمراد بمثنى مثنى أن يسلم من كل ركعتين لأنه لا يقال في الظهر مثلا مثنى مثنى أما التنفل بالأوتار فلا يستحب

( ويسن التهجد ) لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليه ولقوله تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك وقوله تعالى كانوا قليلا من الليل ما يهجعون

وهو لغة دفع النوم بالتكلف والهجود النوم يقال هجد إذا نام وتهجد إذا أزال النوم بالتكلف واصطلاحا صلاة التطوع في الليل بعد النوم كما قاله القاضي حسين سمي بذلك لما فيه من ترك النوم فهو من باب قصر العام على بعض أفراده

ويسن للمتهجد القيلولة وهو النوم قبل الزوال وهو بمنزلة السحور للصائم لقوله صلى الله عليه وسلم استعينوا بالقيلولة على قيام الليل رواه أبو داود وابن ماجة

فائدة ذكر أبو الوليد النيسابوري أن المتهجد يشفع في أهل بيته وروي أن الجنيد رؤي في النوم فقيل له ما فعل الله بك فقال طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات وفنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها عند السحر

( ويكره ) قيام بليل يضر ومن ذلك ( قيام كل الليل دائما ) لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل فقال بلى يا رسول الله فقال لا تفعل صم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقا إلى آخر الحديث رواه الشيخان ولأنه يضر البدن إذ لا يمكنه نوم النهار لما فيه من تفويت مصالحه الدينية والدنيوية وبذلك فارق عدم كراهة صوم الدهر غير أيام النهي إذ يمكنه أن يستوفي بالليل ما فاته من أكل النهار

وبما قررته سقط ما قيل إن التقييد بكل الليل ظاهره انتفاء الكراهة بترك ما بين المغرب والعشاء وفيه نظر والمتجه تعلقها بالقدر المضر ولو بعض الليل وكلام المجموع يقتضيه اه

أما من لا يضره ذلك فلا يكره في حقه

وقال المحب الطبري إن لم يجد بذلك مشقة استحب له لا سيما المتلذذ بمناجاة الله تعالى وإن وجد نظر إن خشي منها محذورا كره وإلا فلا ورفقه بنفسه أولى

واحترز بقوله دائما عن إحياء بعض الليالي كالعشر الأخير من رمضان وليلتي العيد فيندب إحياؤهما كما سيأتي للاتباع

( و ) يكره ( تخصيص ليلة الجمعة بقيام ) بصلاة لخبر مسلم لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي أما إحياؤها بغير صلاة فلا يكره كما قاله شيخي خصوصا بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك مطلوب فيها

وظاهر الحديث وكلام المصنف يفهم أنه لا يكره إحياؤها مضمومة إلى ما قبلها أو بعدها وهو نظير ما ذكروه في صوم يومها وهو كذلك

وحمل على ذلك قول الإحياء يستحب إحياؤها

وظاهر تخصيصهم ليلة الجمعة أنه لا يكره تخصيص غيرها وهو كذلك وإن قال الأذرعي فيه وقفة

( و ) يكره ( ترك تهجد اعتاده ) بلا عذر ( والله أعلم ) لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص يا عبدالله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم تركه رواه الشيخان

قال في المجموع وينبغي أن لا يخل بصلاة الليل وإن قلت

خاتمة يسن أن يفصل بين سنة الفجر والفريضة باضطجاع على يمينه للاتباع فإن لم يفصل باضطجاع فبحديث أو تحول من مكان أو نحو ذلك

وظاهر كلامهم أنه مخير في ذلك وإن كان الاضطجاع أفضل وإن اختار في المجموع إنه لا يكفي غير الاضطجاع إلا عند العذر وأن يقرأ في أولى ركعتين الفجر والمغرب والاستخارة وتحية المسجد قل يا أيها الكافرون وفي الثانية الإخلاص أو يقرأ في سنة الصبح في الأولى قولوا آمنا بالله الآية وفي الثانية


229

9 قل يا أهل الكتاب تعالوا الآية

وأن يوقظ من يطمع في تهجده ليتهجد فاستحباب إيقاظ النائم للراتبة أولى قال تعالى وتعاونوا على البر والتقوى وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاته من الليل وأنا معترضة بين يديه فإذا بقي الوتر أيقظني فأوتر

هذا إن لم يخف ضررا وإلا فلا يستحب ذلك بل يحرم

قال في المجموع ويستحب أن ينوي الشخص القيام عند النوم وأن يمسح المستيقظ النوم عن وجهه وأن ينظر إلى السماء وأن يقرأ إن في خلق السماوات والأرض إلى آخرها وأن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين

والسنة أن يتوسط في نوافل الليل المطلقة بين الجهر والإسرار وإطالة القيام فيها أفضل من تكثير عدد الركعات وأن ينام من نعس في صلاته حتى يذهب نومه ولا يعتاد منه غير ما يظن إدامته عليه

ويتأكد إكثار الدعاء والاستغفار في جميع ساعات الليل وفي النصف الأخير آكد وعند السحر أفضل

كتاب صلاة الجماعة

الأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة الآية

أمر بها في الخوف ففي الأمن أولى والأخبار كخبر الصحيحين صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة وفي رواية بخمس وعشرين درجة قال في المجموع ولا منافاة لأن القليل لا ينفي الكثير أو أنه أخبر أولا بالقليل ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها أو أن ذلك يختلف باختلاف أحوال المصلين

ومكث صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بمكة ثلاث عشرة سنة يصلي بغير جماعة لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا مقهورين يصلون في بيوتهم فلما هاجر إلى المدينة أقام الجماعة وواظب عليها وانعقد الإجماع عليها

وفي الإحياء عن أبي سليمان الداراني أنه قال لا يفوت أحد صلاة الجماعة إلا بذنب أذنبه قال وكان السلف يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى وسبعة أيام إذا فاتتهم الجماعة

وأقلها إمام ومأموم وسيأتي ما يدل على ذلك في مسألة الإعادة وذكر في المجموع في باب هيئة الجمعة أن من صلى في عشرة آلاف له سبع وعشرون درجة ومن صلى مع اثنين له ذلك لكن درجات الاول أكمل

( هي ) أي الجماعة ( في الفرائض ) أي المكتوبات ( غير الجمعة سنة مؤكدة ) ولو للنساء للأحاديث السالفة

وأما الجمعة فالجماعة فيها فرض عين كما سيأتي في بابها إن شاء الله تعالى وقوله غير بالنصب بمعنى إلا أعربت إعراب المستثنى وأضيفت إليه كما هو مذكور في علم النحو

( وقيل ) هي ( فرض كفاية للرجال ) لقوله صلى الله عليه وسلم ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان أي غلب فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم

( فتجب بحيث يظهر الشعار ) أي شعار الجماعة بإقامتها بمحل ( في القرية ) الصغيرة وفي الكبيرة والبلد بمحال يظهر بها الشعار ويسقط الطلب بطائفة وإن قلت فلو أطبقوا على إقامتها في البيوت ولم يظهر بها شعار لم يسقط الفرض

( فإن امتنعوا كلهم ) من إقامتها على ما ذكر ( قوتلوا ) أي قاتلهم الإمام أو نائبه دون آحاد الناس وهكذا لو تركها أهل محلة في القرية الكبيرة أو البلد وعلى السنة لا يقاتلون على الأصح

( ولا يتأكد الندب للنساء تأكده للرجال في الأصح ) لمزيتهم عليهن قال تعالى وللرجال عليهن درجة والثاني نعم لعموم الأدلة فيكره تركها للرجال دون النساء على الأول وليست في حقهن فرضا جزما

( قلت الأصح المنصوص أنها فرض كفاية ) لرجال أحرار مقيمين لا عراة في أداء مكتوبة


230

لخبر أبي داود والنسائي السابق فلا تجب على النساء كما مر ومثلهن الخناثى ولا على من فيه رق لاشتغالهم بخدمة السادة ولا على المسافرين كما جزم به في التحقيق وإن نقل السبكي وغيره عن نص الأم أنها تجب عليهم أيضا ولا على العراة بل هي والانفراد في حقهم سواء إلا أن يكونوا عميا أو في ظلمة فتستحب لهم ولا في مقضية خلف مقضية من نوعها بل تسن أما مقضية خلف مؤداة أو بالعكس أو خلف مقضية ليست من نوعها فلا تسن ولا في منذورة بل ولا تسن

وليست الجماعة فرض عين لخبر الصحيحين السابق أول الباب فإن المفاضلة تقتضي جواز الانفراد وأهل البوادي الساكنين بها كغيرهم بخلاف الناجعين لرعي ونحوه

( وقيل ) هي ( فرض عين ) عند اجتماع هذه الشروط وليست بشرط في صحة الصلاة كما في المجموع ( والله أعلم ) لحديث ( إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا و ) لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار رواه الشيخان

وأجيب بأنه بدليل السياق ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة ولا يصلون وبأنه صلى الله عليه وسلم لم يحرقهم وإنما هم بتحريقهم

فإن قلت لو لم يجز تحريقهم لما هم به

أجيب بلعله هم بالاجتهاد ثم نزل وحي بالمنع أو تغير الاجتهاد ذكره في المجموع

وبما تقرر علم ما في كلام المصنف من الإجحاف

( و ) الجماعة ( في المسجد لغير المرأة ) ومثلها الخنثى ( أفضل ) منها في غير المسجد كالبيت وجماعة المرأة والخنثى في البيت أفضل منها في المسجد لخبر الصحيحين صلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة أي فهي في المسجد أفضل لأن المسجد مشتمل على الشرف والطهارة وإظهار الشعائر وكثرة الجماعة وقال صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن رواه أبو داود وصححه الحاكم على شرط الشيخين

ومثل النساء الخناثى

ويكره لذوات الهيئات حضور المسجد مع الرجال ويكره للزوج والسيد والولي تمكينهن منه لما في الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل ولخوف الفتنة أما غيرهن فلا يكره لهن ذلك

ويندب لمن ذكر إذا استأذنه أن يأذن لهن إذا أمن المفسدة لخبر مسلم إذا استأذنتكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن

فإن لم يكن لهن زوج أو سيد أو ولي ووجدت شروط الحضور حرم المنع

قال في المجموع قال الشافعي والأصحاب ويؤمر الصبي بحضور المساجد وجماعات الصلاة ليعتادها وتحصل فضيلة الجماعة للشخص بصلاته في بيته أو نحوه بزوجة أو ولد أو رقيق أو غير ذلك وأقلها اثنان كما مر

( وما كثر جمعه ) من المساجد كما قاله الماوردي ( أفضل ) مما قل جمعه منها وكذا ما كثر جمعه من البيوت أفضل مما قل جمعه منها أي فالصلاة في الجماعة الكثيرة أفضل من الصلاة في الجماعة القليلة فيما ذكر

قال صلى الله عليه وسلم صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى رواه أبو داود وغيره وصححه ابن حبان وغيره

وقضية كلام الماوردي أن قليل الجمع في المسجد أفضل من كثيره في البيت وهو كذلك وإن نازع في ذلك الأذرعي بالقاعدة المشهورة وهي أن المحافظة على الفضيلة المتعلقة بالعبادة أولى من المحافظة على الفضيلة المتعلقة بمكانها لأن أصل الجماعة وجد في المسجد منفردا

نعم لو كان إذا ذهب إلى المسجد وترك أهل بيته لصلوا فرادى أو لتهاونوا أو بعضهم في الصلاة أو لو صلى في بيته لصلى جماعة وإذا صلى في المسجد صلى وحده فصلاته في بيته أفضل

والصلاة في المساجد الثلاثة وإن قلت الجماعة فيها أفضل منها في غيرها وإن كثرت بل قال المتولي الانفراد فيها أفضل من الجماعة في غيرها

قال الأذرعي وتنازع فيه القاعدة السابقة وربما يقال القاعدة المذكورة أغلبية

وأفتى الغزالي أنه لو كان إذا صلى منفردا خشع ولو صلى في جماعة لم يخشع فالانفراد أفضل وتبعه ابن عبد السلام قال الزركشي


231

والصواب بل المختار خلاف ما قالاه وهو كما قال

( إلا لبدعة إمام ) كمعتزلي وقدري ورافضي أو كان فاسقا غير مبتدع أو كان لا يعتقد وجوب بعض الأركان أو الشروط من حنفي أو غيره ( أو تعطل مسجد قريب ) أو بعيد ( لغيبته ) عنه لكونه إمامه أو يحضر الناس بحضوره فقليل الجمع أفضل من كثيره في ذلك بل الانفراد كذلك في الأولى كما قاله الروياني ونقله في أصل الروضة عن أبي إسحاق المروزي لكن في مسألة الحنفي فقط ومثلها البقية بل أولى لكن قال السبكي كلامهم يشعر بأن الصلاة مع هؤلاء أفضل من الانفراد

وبه جزم الدميري واعتمده شيخي ولتكثير الجماعات في المساجد في الثانية في المتن

ويؤخذ من هذا التعليل أنه لا فرق في المسجد بين القريب والبعيد كما زدته ونبه عليه شيخنا

ويستثنى أيضا صور قليل الجمع فيها أولى منها ما لو كان قليل الجمع يبادر إمامه بالصلاة في أول الوقت المحبوب فإن الصلاة معه أول الوقت أولى كما قاله في المجموع

ومنها ما لو كان الإمام سريع القراءة والمأموم بطيئها لا يدرك معه الفاتحة قال الغزالي فالأولى أن يصلي خلف إمام بطيء القراءة

ومنها ما لو كان قليل الجمع ليس في أرضه شبهة وكثير الجمع بخلافه لاستيلاء ظالم عليه فالسالم من ذلك أولى فإن استوى المسجدان في الجماعة فالأقرب مسافة لحرمة الجوار ثم انتفت فيه الشبهة من مال بانيه وواقفه ثم يتخير

نعم إن سمع النداء مترتبا فينبغي كما قال الأذرعي أن يكون ذهابه إلى الأول أفضل لأن مؤذنه دعاه أولا

( وإدراك تكبيرة الإحرام ) مع الإمام ( فضيلة ) لحديث رواه الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق وهذا الحديث منقطع لكنه من الفضائل فيتسامح فيه وروي لكل شيء صفوة وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى فحافظوا عليها رواه البزار من حديث أبي هريرة وأبي الدرداء مرفوعا

( وإنما تحصل بالاشتغال بالتحرم عقب تحرم إمامه ) مع حضوره تكبيرة إحرامه لحديث الشيخين إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا والفاء للتعقيب فإبطاؤه بالمتابعة لوسوسة غير ظاهرة كما في المجموع عذر بلا خلاف ما لو أبطأ لغير وسوسة ولو لمصلحة الصلاة كالطهارة أو لم يحضر تكبيرة إحرام امامه أو لوسوسة ظاهرة وهذا موافق لقولهم إن الوسوسة في القراءة غير عذر في التخلف بتمام ركنين فعليين لطول زمنها

( وقيل ) تحصل ( بإدراك بعض القيام ) لأنه محل التكبيرة الأولى

( وقيل بأول ركوع ) لأن حكمه حكم قيامهما بدليل إدراك الركعة بإدراكه مع الإمام وهذان الوجهان فيمن لم يحضر إحرام الإمام فأما من حضره وأخر فقد فاتته فضيلة التكبيرة وإن أدرك الركعة حكاه في زيادة الروضة عن البسيط وأقره

ولو خاف فوت التكبيرة لو لم يسرع لم يندب له الإسراع بل يمشي بسكينة كما لو لم يخف فوتها لخبر الصحيحين إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا نعم لو ضاق الوقت وخشي فواته فليسرع كما لو خشي فوت الجمعة وكذا لو امتد الوقت وكانت لا تقوم إلا به ولو لم يسرع لتعطلت

قاله الأذرعي أما لو خاف فوات الجماعة فالمنقول كما في المجموع وغيره أنه لا يسرع وإن كانت قضية كلام الرافعي وغيره أنه يسرع

( والأصح إدراك ) فضيلة ( الجماعة ما لم يسلم ) الإمام وإن لم يقعد معه بأن انتهى سلامه عقب تحرمه وإن بدأ بالسلام قبله كما صرح به بعض المتأخرين لإدراكه ركنا معه لكنه دون فضل من يدركها من أولها ولأنه لم يدرك فضلها بذلك لمنع من الاقتداء لأنه يكون حينئذ زيادة بلا فائدة ولا يخفى أن محل ذلك كما قال الزركشي في غير الجمعة فإنها لا تدرك إلا بركعة كما سيأتي

أما إذا سلم مع تحرمه بأن انتهى تحرم المأموم مع انتهاء سلام الإمام فلا تحصل له الجماعة بل تنعقد صلاته فرادى كما يؤخذ من كلام الإسنوي

فرع دخل جماعة المسجد والإمام في التشهد

الأخير فعند القاضي حسين يستحب لهم الاقتداء به ولا يؤخرون الصلاة جماعة ثانية وجزم المتولي بخلافه وكلام القاضي في موضع آخر يوافقه هو المعتمد بل الأفضل للشخص إذا سبق ببعض الصلاة في الجماعة ورجا


232

جماعة أخرى يدرك معها الصلاة جميعها في الوقت التأخير ليدركها بتمامها معها وهذا إذا اقتصر على صلاة واحدة وإلا فالأفضل له أن يصليها مع هؤلاء ثم يعيدها مع الآخرين

( وليخفف الإمام ) ندبا بالصلاة ( مع فعل الأبعاض والهيئات ) أي السنن غير الأبعاض لقوله صلى الله عليه وسلم إذا أم أحدكم الناس فليخفف فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطل ما شاء رواه الشيخان

قال في المجموع نقلا عن الشافعي والأصحاب بأن يخفف القراءة والأذكار بحيث لا يقتصر على الأقل ولا يستوفي الأكمل المستحب للمنفرد من طوال المفصل وأوساطه وأذكار الركوع والسجود

ويكره التطويل كما نص عليه في الأم ( إلا أن يرضى بتطويله محصورون ) أي لا يصلي وراءه غيرهم وهم أحرار غير أجراء إجارة عين فيسن له التطويل كما في المجموع عن جماعة وعليه يحمل ما وقع من فعله صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات

واستحباب التطويل في هذه الحالة لا يفهم من عبارة المصنف لأنها تصدق باستواء الطرفين فإن جهل حالهم أو اختلفوا لم يطول قال ابن الصلاح إلا إن قل من لم يرض كواحد أو اثنين ونحوهما لمرض ونحوه فإن كان ذلك مرة أو نحوها خفف وإن كثر حضوره طول مراعاة لحق الراضين ولا يفوت حقهم لهذا الفرد الملازم قال في المجموع وهو حسن متعين

قال الأذرعي تبعا للسبكي وفيه نظر لتخفيفه صلى الله عليه وسلم لبكاء الصبي ولإنكاره على معاذ التطويل لما شكاه الرجل الواحد

ورد النظر بأن قضية بكاء الصبي وقضية معاذ لم يكثرا فلا ينافي ذلك كلام ابن الصلاح نبه على ذلك الغزي

أما الأرقاء والأجراء إجارة عين فلا عبرة برضاهم بالتطويل إذ ليس لهم التطويل على قدر صلاتهم منفردين بغير إذن فيه من أرباب الحقوق نبه على ذلك الأذرعي

تنبيه قوله إلا أن يرضى بتطويله محصورون يفهم أنه متى رضي محصورون وإن كانوا بعض القوم أنه يندب التطويل وليس مرادا ولذا قلت لا يصلي وراءه غيرهم

( ويكره التطويل ليلحق آخرون ) سواء أكان عادتهم الحضور أم لا أو رجل شريف كما في المحرر وغيره للإضرار بالحاضرين ولتقصير المتأخرين

ولأن في عدم انتظارهم حثا لهم على المبادرة إلى فضيلة تكبيرة الإحرام

ولا يشكل ذلك بتصريحهم باستحباب تطويل الركعة الأولى على الثانية لأن ذلك إنما هو في تطويل زائد على هيئات الصلاة ومعلوم أن تطويل الأولى على الثانية من هيئاتها فلو لم يدخل الإمام في الصلاة وقد جاء وقت الدخول وحضر بعض القوم ورجوا زيادة ندب له أن يعجل ولا ينتظرهم لأن الصلاة أول الوقت بجماعة قليلة أفضل منها آخره بجماعة كثيرة قاله في المجموع

والمراد بآخره بعد الأول لأنه يحصل فضيلة أول الوقت وقد مرت الإشارة إلى ذلك عند قول المصنف وما كثر جمعه أفضل قال فلو أقيمت الصلاة قال الماوردي نبه على ذلك شيخي

( ولو أحس في الركوع ) غير الثاني من صلاة الخسوف ( أو التشهد الأخير بداخل ) محل الصلاة يأتم به ( لم يكره ) له ( انتظاره ) بل يباح ( في الأظهر ) من أقوال أربعة ملفقة من طرق ثمانية ( إن لم يبالغ فيه ) أي في الانتظار بأن يطوله تطويلا لو وزع على جميع الصلاة لظهر أثره نقله الرافعي عن الإمام وأقره

( ولم يفرق ) بضم الراء ( بين الداخلين ) بانتظار بعضهم لصداقة أو شرف أو سيادة أو نحو ذلك دون بعض بل يسوى بينهم في الانتظار لله تعالى لا للتودد إليهم واستمالة قلوبهم

( قلت المذهب استحباب انتظاره ) بالشروط المذكورة وهو القول الثاني ( والله أعلم ) إعانة لهم على إدراك الركعة في المسألة الأولى وفضل الجماعة في الثانية

والقول الثالث أنه مكروه كما لو طول أو فرق والقول

الرابع أنه مبطل للصلاة مطلقا

( ولا ينتظر في غيرهما ) أي الركوع والتشهد الأخير من قيام وغيره

أما إذا أحس بخارج عن محل الصلاة أو لم يكن انتظاره لله تعالى أو بالغ في الانتظار أو فرق بين الداخلين أو انتظره في غير


233

الركوع والتشهد الأخير كأن انتظره في الركوع الثاني من صلاة الخوف فلا يستحب قطعا بل يكره الانتظار في غير الركوع والتشهد الأخير

وأما إذا خالف في غير ذلك فهو خلاف الأولى لا مكروه نبه على ذلك شيخي ونقل في الكفاية الاتفاق على بطلانها إذا قصد غير وجه الله تعالى وعلله بالتشريك مردود بأنه سبق قلم

ويستثنى من استحباب الانتظار صور منها ما إذا خشي خروج الوقت بالانتظار ومنها ما إذا كان الداخل لا يعتقد إدراك الركعة أو فضيلة الجماعة بإدراك ما ذكر إذ لا فائدة في الانتظار ومنها ما إذا كان الداخل يعتاد البطء وتأخير التحرم إلى الركوع ومنها ما إذا كانت صلاة المأموم يجب عليه إعادتها كفاقد الطهورين بناء على أن صلاة المحدث في جماعة كلا جماعة والمتجه في هذه استحباب انتظاره لأن الركعة تحسب عن المأموم في إسقاط حرمة الوقت

فرع وجد مصليا جالسا

وشك هل هو في التشهد أو القيام لعجزه فهل له أن يقتدي به أو لا وكذا لو رآه في وقت الكسوف وشك في أنه كسوف أو غيره قال الزركشي المتجه عدم الصحة

تنبيه الضمير في قول المصنف ولو أحس يعود على الإمام لتقدم ذكره ويحتمل عوده على المصلي للعلم به ليشمل المنفرد بل هو أولى بالانتظار من الإمام لاحتياجه إلى تحصيل الجماعة ولم ينصوا على حكمه وينبغي أن لا يشترط فيه عدم التطويل إذ ليس وراءه من يتضرر بتطويله

وقوله أحس هي اللغة المشهورة قال الله تعالى هل تحس منهم من أحد وفي لغة غريبة بلا همز

( ويسن للمصلي ) صلاة مكتوبة مؤداة ( وحده وكذا جماعة في الأصح إعادتها ) مرة فقط ( مع جماعة يدركها ) في الوقت ولو كان الوقت وقت كراهة أو كان إمام الثانية مفضولا لأنه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح فرأى رجلين لم يصليا معه فقال ما منعكما أن تصليا معنا قالا صلينا في رحالنا فقال إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصلياها معهم فإنها لكما نافلة وقال وقد جاء بعد صلاته العصر رجل إلى المسجد فقال من يتصدق على هذا فيصلي معه فصلى معه رجل رواهما الترمذي وحسنهما

وقوله صليتما يصدق بالانفراد والجماعة ومقابل الأصح يقصره على الانفراد نظرا إلى أن المصلي في جماعة حصل فضيلة الجماعة فلا معنى للإعادة بخلاف المنفرد وجوابه منع ذلك

تنبيه قول المصنف مع جماعة يفهم أنه لا يستحب أن يعيدها مع منفرد وليس مرادا بل يستحب إعادتها معه جزما ولو كان صلى أولا في جماعة وقد يستحب إعادتها منفردا فيما لو تلبس بفرض الوقت ثم تذكر أن عليه فائتة فإنه يتم صلاته ثم يصلي الفائتة ويستحب أن يعيد الحاضرة كما قاله القاضي حسين

وخرج بالمكتوبة المنذورة إذ لا تسن فيها الجماعة كما مر

وصلاة الجنازة إذ لا يتنفل بها كما سيأتي والنافلة التي لا تسن الجماعة فيها

أما ما تسن فيها فالقياس كما في المهمات أنها كالفرض في سن الإعادة

وأما صلاة الجمعة فلا تعاد لأنها لا تقام مرة بعد أخرى فإن فرض الجواز لعسر الاجتماع فالقياس كما في المهمات أنها كغيرها

وكذا لو صلى بمكان ثم سافر إلى مكان آخر فوجدهم يصلونها كان الحكم كذلك ومحل سن الإعادة لمن لو اقتصر عليها لأجزأته بخلاف المتيمم لبرد أو لفقد ماء بمحل يغلب فيه وجود الماء

واستثنى الأذرعي مسألتين أيضا إحداهما ما إذا كان الانفراد له أفضل كالعاري الثانية ما لو صلى معذور الظهر يوم الجمعة ثم أدرك معذورين يصلون الظهر قال فيحتمل أن لا يعيد اه

والأولى في هذه الإعادة وإنما تستحب إذا كان الإمام ممن لا يكره الاقتداء به

وما تقرر من أن الإعادة لا تستحب إلا مرة واحدة هو ما أشار إليه الإمام وقوة كلام غيره ترشد إليه ونص عليه الشافعي في مختصر المزني وهو المعتمد خلافا لبعض المتأخرين

قال في المهمات وتصويرهم بأن الإعادة إنما تسن إذا حضر في الثانية من لم يحضر في الأولى وهو ظاهر وإلا لزم استغراق ذلك الوقت اه

وقضية كلام المجموع وغيره عدم اعتبار ما ذكر وينتفي اللازم بما مر عن الإمام

تنبيه مراد المصنف بالإعادة الإعادة اللغوية لا الاصطلاحية وهي التي سبقت بأداء مختل

ومحل استحباب الإعادة إذا كان الوقت باقيا فأما بعد فواته فلا تسن قطعا قاله صاحب المعين تبعا لصاحب المذاكرة

( وفرضه ) في الصورتين ( الأولى في الجديد ) للحديث السابق ولسقوط الخطاب بها والقديم ونص عليه في الإملاء أيضا أن الفرض إحداهما ويحتسب الله تعالى ما شاء منهما وقيل الفرض كلاهما والأولى مسقطة للحرج لا مانعة من


234

وقوع الثانية فرضا كصلاة الجنازة إذا صلت طائفة سقط الحرج عن الباقين فإذا صلت طائفة أخرى وقعت فرضا أيضا وهكذا فروض الكفاية كلها

وقيل الفرض أكملها وإنما يكون فرضه الأولى إذا أغنت عن القضاء وإلا ففرضه الثانية المغنية عنه على المذهب

( والأصح ) على الجديد ( أنه ينوي بالثانية الفرض ) ليحصل له ثواب الجماعة في فرض وقته حتى يكون كمن صلاها أولا في جماعة واستشكله الإمام بأنه كيف ينوي الفرضية مع القطع بأن الثانية ليست فرضا

قال بل الوجه أنه ينوي الظهر أو العصر ولا يتعرض للفرضية ويكون ظهره نفلا كظهر الصبي

وأجاب عنه السبكي بأن المراد أنه ينوي إعادة الصلاة المفروضة حتى لا تكون نفلا مبتدأ لإعادتها فرضا

وقال الرازي ينوي ما هو فرض على المكلف لا الفرض عليه كما في صلاة الصبي

ورجح في الروضة ما اختاره الإمام

وجمع شيخي بين ما في الكتاب وما في الروضة بأن ما في الكتاب إنما هو لأجل محل الخلاف وهو هل فرضه الأولى أو الثانية أو يحتسب الله ما شاء منهما وما في الروضة على القول الصحيح وهو أن فرضه الأولى والثانية نفل فلا يشترط فيها نية الفرضية وهذا جمع حسن

قال في الروضة ويستحب لمن صلى إذا رأى من يصلي تلك الفريضة وحده أن يصليها معه ليحصل له فضيلة الجماعة وهذا استدل عليه في المجموع بحديث الترمذي السابق

قال المصنف في شرح الحديث المذكور فيه استحباب إعادة الصلاة في جماعة لمن صلاها في جماعة وإن كانت الثانية أقل من الأولى وأنه يستحب الشفاعة إلى من يصلي مع الحاضر ممن له عذر في عدم الصلاة معه وأن الجماعة تحصل بإمام ومأموم وأن المسجد المطروق لا يكره فيه جماعة بعد جماعة

ولو تذكر على الجديد خللا في الأولى وجبت الإعادة كما نقله المصنف في رؤوس المسائل عن القاضي أبي الطيب وأقره معللا بأن الثانية تطوع محض

وما أفتى به الغزالي وترجاه السبكي من عدم وجوب الإعادة يحمل على أن الفرض إحداهما لا بعينها

( ولا رخصة في تركها ) أي الجماعة ( وإن قلنا ) هي ( سنة ) لتأكدها ( إلا بعذر ) لخبر من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له أي كاملة إلا من عذر رواه ابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم على شرط الشيخين

فإن قيل السنة يجوز تركها من غير عذر فكيف يقال لا رخصة في تركها وإن قلنا سنة إلا بعذر أجيب القصد تهوين أمر الجماعة مع العذر ولذلك فوائد منها أنا إذا قلنا سنة قوتل تاركها على وجه لا يأتي مع العذر بل لا يقاتل قطعا

ومنها أنه لا ترد شهادة المداوم على تركها لعذر بخلاف المداوم على تركها بغير عذر

ومنها أن الإمام إذا أمر الناس بالجماعة وجبت إلا عند قيام الرخصة فلا يجب عليهم طاعته لقيام العذر

والرخصة بسكون الخاء ويجوز ضمها لغة التيسير والتسهيل واصطلاحا الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر

( عام كمطر ) أو ثلج يبل الثوب ليلا كان أو نهارا لما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن أبي المليح عن أبيه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية فأصابنا مطر لم يبل أسفل نعالنا فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا في رحالكم

ويشترط حصول مشقة بالخروج مع المطر كما صرح به الرافعي في الكلام على المرض فلا يعذر بالخفيف ولا بالشديد إذا كان يمشي في كن

ولو تقطر المطر من سقوف الأسواق كان عذرا في الجمعة والجماعات لأن الغالب فيه النجاسة كما في الكفاية عن القاضي حسين

( أو ريح عاصف ) أي شديدة ( بالليل ) لما روي أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح فقال ألا صلوا في الرحال ثم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر ألا صلوا في رحالكم متفق عليه وفي رواية كان يأمر مناديه في الليلة الممطرة والليلة الباردة ذات الريح أن يقول ألا صلوا في رحالكم رواه الشافعي ولعظم المشقة فيه

وقضية هذا أنه لا فرق بين أن تكون باردة أم لا وعبر في المهذب بالباردة وجمع الماوردي بينهما

قال في المهمات والظاهر أن الريح الشديدة وحدها عذر بالليل

وإنما عبر من عبر بالباردة لكونه الغالب وقد صرح باختياره الطبري في شرح التنبيه فقال المختار أن كلا من الظلمة والبرد والريح الشديدة عذر بالليل اه وهذا هو الظاهر وخرج بذلك الريح


235

الخفيفة ليلا والشديدة نهارا

نعم المتجه كما قال الإسنوي أن وقت الصبح كالليل لأن المشقة فيه أشد منها في المغرب

والريح مؤنثة

( وكذا وحل ) بفتح الحاء ( شديد على الصحيح ) ليلا كان أو نهارا لأنه أشق من المطر بخلاف الخفيف منه

والشديد هو الذي لا يؤمن معه التلويث كما جزم به في الكفاية لكن ترك في المجموع والتحقيق التقييد بالشديد ومقتضاه أنه لا فرق بينه وبين الخفيف قال الأذرعي وهو الصحيح والأحاديث دالة عليه

وجرى على التقييد ابن المقري في روضه تبعا لأصله وينبغي اعتماده

فإن قيل حديث ابن حبان المتقدم أصابهم مطر لم يبل أسفل نعالهم ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا في رحالكم أجيب بأن النداء في الحديث كان للمطر كما مر والكلام في الوحل بلا مطر

( أو خاص كمرض ) يشق المشي معه كمشقة المشي في المطر وإن لم يبلغ حدا يسقط القيام في الفريضة كما نقله الرافعي عن الإمام وأقره وجزم به في الروضة لأنه صلى الله عليه وسلم لما مرض ترك الصلاة بالناس أياما كثيرة

أما الخفيف كوجع ضرس وصداع يسير وحمى خفيفة فليس بعذر

( وحر وبرد شديدين ) لأن المشقة فيهما كالمشقة في المطر

وإطلاقه كأصله يقتضي أنه لا فرق بين الليل والنهار لكن اقتصر في الروضة في شدة الحر على الظهر وكذا أصلها في أول كلامه لكن كلامه بعد يقتضي عدم التقييد به وهذا هو الظاهر

قال الأذرعي وصرح به بعضهم فقال ليلا أو نهارا اه

وذكره هنا كالمحرر من الخاص وفي الروضة كالشرح من العام وجمع بين الكلامين بأنهما إن أحس بهما ضعيف الخلقة دون قويها فهما من الخاص وإن أحس بهما قويها فهما من العام إذ يحس بهما ضعيفها من باب أولى

ومن الخاص شدة النعاس ولو في انتظار الجماعة ومن العام السموم وهو بفتح السين الريح الحارة والزلزلة وهي بفتح الزاي تحريك الأرض لمشقة الحركة فيهما ليلا كان أو نهارا

( وجوع وعطش ظاهرين ) قال في الروضة والمطعوم حاضر

قال ابن الرفعة تبعا لابن يونس أو ليس بحاضر أي وقرب حضوره ونفسه تتوق بالمثناة أي تشتاق إليه لخبر الصحيحين إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء ولا يعجلن حتى يفرغ منه وقول المهمات الظاهر الاكتفاء بالتوقان وإن لم يكن به جوع ولا عطش فإن كثيرا من الفواكه والمشارب اللذيذة تتوق النفس إليها عند حضورها بلا جوع وعطش قال شيخنا مردود بأنه يبعد مفارقتهما للتوقان إذ التوقان إلى الشيء الاشتياق إليه لا الشوق فشهوة النفس لهذه المذكورات بدونهما لا تسمى توقانا وإنما تسماه إذا كانت بهما بل بشدتهما

( ومدافعة حدث ) من بول أو غائط أو ريح لخبر مسلم لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان فيتخلف عن الجماعة ندبا ليتفرغ عن الحدث ويكسر شهوته في الجوع بأن يأكل لقيمات يكسر بها سورته

لكن في شرح مسلم وغيره تصويب إكمال حاجته من الأكل قال وما تأوله بعض أصحابنا من أنه يأكل لقما تكسر سورة الجوع فليس بصحيح فلو خشي بتخلفه فوات الوقت صلى وجوبا مدافعا وجائعا وعطشانا ولا كراهة لحرمة الوقت

( وخوف ظالم على ) معصوم من ( نفس ) أو عضو أو منفعة ( أو مال ) أو عرض أو حق له أو لمن يلزمه الذب عنه حتى على خبزه في التنور وطبيخه في القدر على النار ولا متعهد يخلفه

قال الزركشي وهذا إذا لم يقصد بذلك إسقاط الجماعة وإلا فليس بعذر ولو وقع ذلك يوم الجمعة حرم عليه كالسفر يومها إذا قصد إسقاطها ولم يمكنه في طريقه وكذا التحية إذا دخل المسجد بقصدها في وقت الكراهة

أما خوفه ممن يطالبه بحق هو ظالم في منعه فليس بعذر بل عليه الحضور وتوفية الحق

( و ) خوف ( ملازمة ) أو حبس ( غريم معسر ) بإضافة غريم إلى معسر والمراد ملازمة غريمه وهو معسر

وفهم هذا من عبارته كما قال الولي العراقي قلق ومحل هذا إذا عسر عليه إثبات إعساره وإلا لم يعذر كما قاله في البسيط

ولو كان الحاكم لا يسمع البينة إلا بعد الحبس فوجودها كالعدم هذا إذا لم يقبل قوله في الإعسار أما إذا قبل كأن لزمه الدين لا في مقابلة مال كصداق الزوجة فإنه لا يعذر وكذا إذا ادعى الإعسار وعلم المدعي بإعساره وطلب يمينه على عدم علمه فرد عليه اليمين فالمتجه أنه يكون عذرا

والغريم مأخوذ من الغرام وهو الدوام قال تعالى إن عذابها كان غراما فأطلقوه هنا لدوام الطلب ويطلق لغة على المدين والدائن وهو المراد هنا

( و ) خوف ( عقوبة ) كتعزير لله تعالى أو لآدمي وقود وحد قذف مما يقبل العفو ( يرجى تركها


236

إن تغيب أياما ) يسكن فيها غيظ المستحق بخلاف ما لا يقبله كحد الزنا وكذا ما يقبل إذا لم يرج الترك لو تغيب وقد خرج ذلك بقوله يرجى تركها

واستشكل الإمام جواز التغيب لمن عليه قصاص فإن موجبه كبيرة والتخفيف ينافيه

وأجاب بأن العفو مندوب إليه والتغيب طريقه قال الأذرعي والإشكال أقوى

تنبيه قال بعضهم يستفاد من تقييد الشيخين رجاء العفو بتغيبه أياما أن القصاص لو كان لصبي لم يجز التغيب لأن العفو إنما يكون بعد البلوغ فيؤدي إلى أن يترك الجمعة سنين

وقال الأذرعي قولهما أيام لم أره إلا في كلامهما و الشافعي والأصحاب أطلقوا ويظهر الضبط بأنه ما دام يرجو العفو يجوز له التغيب فإن يئس أو غلب على ظنه عدم العفو حرم التغيب اه

وهذا هو الظاهر ولذلك ترك ابن المقري هذا التقييد

( وعري ) وإن وجد ما يستر عورته لأن عليه مشقة في خروجه بغير لباس يليق به كذا علله في المجموع

ويؤخذ منه أن من اعتاد الخروج مع ستر العورة فقط أنه لا يكون معذورا عند فقد الزائد عليه وهو كذلك وأن من وجد ما لا يليق به كالقباء للفقيه كالمعدوم قال في المهمات وبه صرح بعضهم

( وتأهب لسفر ) مباح يريده ( مع رفقة ترحل ) ويخاف من التخلف للجماعة على نفسه أو ماله أو يستوحش فقط للمشقة في التخلف عنهم ( وأكل ذي ريح كريه ) كبصل أو فجل أو ثوم أو كراث نيء لخبر الصحيحين من أكل بصلا أو ثوما أو كراثا فلا يقربن مسجدنا وفي رواية المساجد فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم زاد البخاري

قال جابر ما أراه إلا نيئة وزاد الطبراني أو فجلا

هذا إن تعسر زوال ريحه بغسل ومعالجة بخلاف ما إذا لم يتعسر أما المطبوخ فلا يعذر به كما صرح به في المحرر لزوال ريحه

وكأن المصنف استغنى عن التصريح به بقوله كريه ولو ذكره لكان أوضح وأحسن إذ لا بد فيه من رائحة كريهة لكنها اغتفرت لقلتها

ويؤخذ مما ذكر أنه يعذر بالبخر والصنان المستحكم بطريق الأولى قاله في المهمات

وتوقف في الجذام والبرص والمتجه كما قال الزركشي أنه يعذر بهما لأن التأذي بهما أشد منه بأكل الثوم ونحوه قال وقد نقل القاضي عياض عن العلماء أن المجذوم والأبرص يمنعان من المسجد ومن صلاة الجمعة ومن اختلاطهما بالناس ودخول المسجد للذي أكل ما سبق مكروه كما في آخر شروط الصلاة من الروضة خلافا لما صرح به ابن المنذر وأشار إليه غيره من التحريم

وصرح ابن حبان في صحيحه بأن المعذور بأكل هذه الأشياء للتداوي يعذر في الحضور وإطلاق الحديث وكلام الأصحاب يقتضي أنه لا فرق بين المعذور وغيره والمعنى وهو التأذي يدل عليه وهذا هو الظاهر

( وحضور ) نحو ( قريب ) كزوجة ورقيق وصديق وصهر ( محتضر ) أي حضره الموت وإن كان له متعهد لما روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه ترك الجمعة وحضر عند قريبه سعيد بن زيد أحد العشرة لما أخبر أن الموت قد نزل به ولأنه يتألم بغيبته عنه أكثر مما يتألم بذهاب المال

وألحق المحب الطبري بمن ذكر الأستاذ وقال الإسنوي ويتجه إلى إلحاق العتيق والمعتق بهم أيضا

( أو ) حضور ( مريض بلا متعهد ) له لئلا يضيع سواء أكان قريبا أم أجنبيا إذا خاف هلاكه إن غاب عنه وكذا لو خاف عليه ضررا ظاهرا على الأصح

( أو يأنس ) القريب أو نحوه كما في المحرر ( به ) وإن اقتضت عبارته أن الأنس عذر في القريب والأجنبي ولو قال وحضور قريب محتضر أو كان يأنس به أو مريض بلا متعهد لكان أولى

وقال الشارح إن قوله أو مريض عطف على محتضر فيفوت الأجنبي الذي لا متعهد له مع أنه يعذر لأجله ولو كان المتعهد مشتغلا بشراء الأدوية مثلا عن الخدمة فكما لو لم يكن متعهد

تتمة بقي من الأعذار السمن المفرط كما ذكره ابن حبان في صحيحه وروى فيه خبرا وكونه منها كما نقل عن الذخائر وزفاف زوجة في الصلوات الليلية كما سيأتي إن شاء الله تعالى في القسم وغلبة النعاس والنوم إن انتظر الجماعة والبحث عن ضالة يرجوها والسعي في استرداد مغصوب له أو لغيره

قال الإسنوي وإنما يتجه جعل هذه الأمور أعذارا لمن لا يتأتى له إقامة الجماعة في بيته وإلا لم يسقط عنه طلبها لكراهة الانفراد للرجل وإن قلنا إنها سنة

قال في المجموع ومعنى كونها أعذارا سقوط الإثم على قول الفرض والكراهة على قول السنة لا حصول فضلها

ويوافقه جواب الجمهور


237

عن خبر مسلم سأل أعمى النبي صلى الله عليه وسلم أن يرخص له في الصلاة في بيته لكونه لا قائد له فرخص له فلما ولى دعاه فقال هل تسمع النداء فقال نعم قال فأجب بأنه سأل هل له رخصة في الصلاة ببيته منفردا تلحقه بفضيلة من صلى جماعة فقيل لا وجزم الروياني بأنه يكون محصلا للجماعة إذا صلى منفردا وكان قصده الجماعة لولا العذر ونقله في الكفاية وأقره في البحر عن القفال وارتضاه وجزم به الماوردي و الغزالي

ويدل له خبر أبي موسى

إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله صحيحا مقيما رواه البخاري

وقال الإسنوي وما في المجموع من عدم حصول فضلها مردود سببه الذهول عما سبق نقلا واستدلالا

وحمل بعضهم كلام المجموع على متعاطي السبب كأكل بصل وثوم وكلام هؤلاء على غيره كمطر ومرض وجعل حصولها كحصولها لمن حضرها لا من كل وجه لا بل في أصلها لئلا ينافيه خبر الأعمى وهو جمع حسن

فصل في صفات الأئمة

( لا يصح اقتداؤه بمن يعلم بطلان صلاته ) كمن علم بكفره أو حدثه أو نجاسة ثوبه لأنه ليس في صلاة فكيف يقتدي به ( أو يعتقده ) أي بطلانها من حيث الاجتهاد في غير اختلاف المذاهب في الفروع أما الاجتهاد في الفروع فسيأتي

والمراد بالاعتقاد هنا أن يظنه ظنا غالبا كما يفهم من المثال لا المصطلح عليه عند الأصوليين وهو الجزم المطابق لدليل

( كمجتهدين اختلفا في القبلة أو ) في ( إناءين ) من الماء طاهر ونجس بأن أدى اجتهاد أحدهما إلى غير ما أدى إليه اجتهاد الآخر في المسألتين وتوضأ كل من إنائه في الثانية فليس لواحد منهما أن يقتدي بالآخر في كل من المسألتين لاعتقاده بطلان صلاته

( فإن تعدد الطاهر ) من الآتية كأن كانت الأواني ثلاثة والطاهر منها اثنان والمجتهدون ثلاثة وظن كل منهم طهارة إنائه فقط ( فالأصح الصحة ) أي صحة اقتداء بعضهم ببعض ( ما لم يتعين إناء الإمام للنجاسة ) فيصح الاقتداء في مثالنا لكل منهم بواحد فقط لتعين الإناء الثالث للنجاسة في حقه

( فإن ظن ) واحد باجتهاده ( طهارة إناء غيره اقتدى به ) جوازا ( قطعا ) أو نجاسة لم يقتد به قطعا كما في حق نفسه

( فلو اشتبه خمسة ) من الآنية ( فيها نجس على خمسة ) من أناس ( فظن كل ) منهم ( طهارة إناء ) منها ( فتوضأ به ) ولم يظن شيئا في الأواني الأربعة ( وأم كل ) منهم ( في صلاة ) من الخمس الباقين مبتدئين بالصبح ( ففي ) الوجه ( الأصح ) السابق في المسألة قبلها ( يعيدون العشاء ) لتعين النجاسة في إناء أمامها بزعمهم ( إلا إمامها فيعيد المغرب ) لتعين إمامها للنجاسة في حقه

وضابط ذلك أن كل واحد يعيد ما كان مأموما فيه آخرا

والوجه الثاني يعيد كل منهم ما صلاه مأموما وهو أربع صلوات لعدم صحة الاقتداء لما تقدم

ولو كان في الخمسة إناءان نجسان صح اقتداء كل منهم باثنين فقط أو النجس منها ثلاثة فبواحد فقط

وبذلك علم أن من كان تأخر منهم تعين الاقتداء به للبطلان كما علم من الضابط المتقدم ولو كان النجس أربعة امتنع الاقتداء بينهم ولو سمع صوت حدث بين جماعة وأنكر كل منهم وقوعه منه فعلى ما ذكر في الأواني

ثم شرع في اختلاف المذاهب في الفروع فقال ( ولو اقتدى شافعي بحنفي ) فعل مبطلا عندنا دونه كأن ( مس فرجه ) أو ترك الطمأنينة أو البسملة أو الفاتحة أو بعضها ( أو ) عنده دوننا كأن ( افتصد فالأصح الصحة ) أي صحة الاقتداء ( في الفصد دون المس ) ونحوه مما تقدم ( اعتبار بنية ) أي اعتقاد ( المقتدي ) لأنه محدث عنده بالمس دون الفصد والثاني عكس ذلك اعتبارا باعتقاد المقتدى به لأنه يرى أنه متلاعب في الفصد ونحوه فلا يقع منه نية صحيحة وحينئذ فلا يتصور جزم المأموم بالنية

ولو حافظ المخالف


238

في الفروع كحنفي على واجبات الطهارة والصلاة عند الشافعي صح اقتداؤه به وكذا لو شك في إتيانه بها تحسينا للظن به في أنه يراعى الخلاف

ولا يضر عدم اعتقاده الوجوب وإنما ضر في الإمام الموافق لعلم المأموم ببطلانها عندهما

وقال الحليمي إن اقتدى بولي الأمر أو نائبه صح مع تركه الواجبات عندنا لما في المفارقة من الفتنة واستحسناه بعد نقلهما عن تصحيح الأكثرين وقطع جماعة بعدم الصحة وهو المعتمد

وما استحسناه مخالف لنظائره كصحة الجمعة السابقة وإن كان السلطان مع الأخرى

ولو ترك إمامه الحنفي القنوت في صلاة الصبح لاعتقاده عدم سنيته وأمكنه هو أن يقنت ويدركه في السجدة الأولى ندب له أن يقنت وإلا تابعه وسجد للسهو اعتبارا باعتقاده وله فراقه ليقنت

وقضية كلام ابن المقري كأصله أنه إذا قنت لا يسجد وهو مبني على أن العبرة باعتقاد الإمام والأصح أن العبرة باعتقاد المأموم فيسجد كما لو كان إمامه شافعيا فتركه

ولو ترك شافعي القنوت وخلفه حنفي فسجد الشافعي للسهو تابعه الحنفي ولو ترك السجود لم يسجد اعتبارا باعتقاده

ولو اقتدى شافعي بمن يرى تطويل الاعتدال فطوله لم يوافقه بل يسجد وينتظره ساجدا كما ينتظره قائما إذا سجد في سجدة ص وإن اقتضى كلام القفال أنه ينتظره في الاعتدال وكلام شيخنا جواز كل من الأمرين

وتقدم الفرق هناك بين مثل ذلك وبين المس وهو أن ما يبطل عمده وسهوه لا ينتظره فيه وما أبطل عمده دون سهوه جاز انتظاره ويأتي مثل هذا في نظيره من الجلوس بين السجدتين

فإن قيل قصد صرحوا في صلاة باب الجمع بين الصلاتين بأنه لو نوى مسافران شافعي وحنفي إقامة أربعة أيام بموضع انقطع بوصولهما سفر الشافعي دون الحنفي وجاز له يكره أن يقتدي به مع اعتقاده بطلان صلاة القاصر في الإقامة أجيب بأن كلامهم هنا في ترك واجب لا يجوزه الشافعي مطلقا بخلافه ثم فإنه يجوز القصر في الجملة والمعتمد ما قاله الشيخ أبو حامد وغيره أن صورة ذلك إذا لم يعلم أنه نوى القصر فإن علم أنه نواه فمقتضى المذهب أنه لا تصح صلاته خلفه كمجتهدين اختلفا في القبلة فصلى أحدهما خلف الآخر

تنبيه اعتبار نية المقتدي من زيادة المصنف على المحرر ولو قال اعتبارا باعتقاد المقتدي كما قدرته لكان أولى إذ لا معنى للنية هنا قال ابن النقيب إلا أن يراد جزمها وعدمه

( ولا تصح قدوة بمقتد ) في حال قدوته لأنه تابع لغيره يلحقه سهوه ومن شأن الإمام الاستقلال وأن يتحمل هو سهو غيره فلا يجتمعان وهذا إجماع وما في الصحيحين من أن الناس اقتدوا ب أبي بكر خلف النبي صلى الله عليه وسلم محمول على أنهم كانوا مقتدين به صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يسمعهم التكبير كما في الصحيحين أيضا

وقد روى البيهقي وغيره أنه صلى الله عليه وسلم صلى في مرض وفاته خلف أبي بكر قال في المجموع إن صح هذا كان ذلك مرتين كما أجاب به الشافعي والأصحاب

أما الاقتداء به بعد انقضاء القدوة فسيأتي حكمه في آخر الباب

ولا يمكن توهمه أو ظنه مأموما كأن وجد رجلين يصليان جماعة وتردد في أيهما الإمام ومحله كما قال الزركشي ما إذا هجم فإن اجتهد في أيهما الإمام واقتدى بمن غلب على ظنه أنه الإمام فينبغي أن يصح كما يصلي بالاجتهاد في القبلة والثوب والأواني

وإن اعتقد كل من المصليين أنه إمام صحت صلاتهما إذ لا مقتضى للبطلان أو أنه مأموم بطلت صلاتهما لأن كلا مقتد بمن يقصد الاقتداء به وكذا لو شك فمن شك ولو بعد السلام كما في المجموع أنه إمام أو مأموم بطلت صلاته لشكه في أنه تابع أو متبوع

فلو شك أحدهما وظن الآخر صحت للظان أنه إمام دون الآخر وهذا من المواضع التي فرقوا فيها بين الظن والشك

والبطلان بمجرد الشك إنما يأتي كما قال ابن الرفعة على طريق العراقيين أما على طريق المراوزة ففيه التفصيل في الشك في النية وقد مر بيانه في باب صفة الصلاة

( ولا ) قدوة ( بمن تلزمه إعادة كمقيم تيمم ) لفقد الماء ولا من على بدنه نجاسة يخاف من غسلها ومحدث صلى على حسب حاله لإكراه أو لفقد الطهورين ولو كان المقتدي مثله لعدم الاعتداد بصلاته كالفاسدة

فإن قيل لم يأمر صلى الله عليه وسلم من صلى خلف عمرو بن العاص بالإعادة حيث صلى بالتيمم للبرد

أجيب بأن عدم الأمر لا يقتضي عدم وجوب القضاء لأنه على التراخي وتأخير البيان لوقت الحاجة جائز ولجواز أنهم كانوا عالمين أو أنهم كانوا قد قضوا

( ولا ) قدوة ( قارىء


239

يأتي في الجديد ) وإن لم يعلم حاله لأنه بصدد أن يتحمل القراءة عن المأموم المسبوق فإذا لم يحسنها لم يصلح للتحمل والقديم يصح اقتداؤه به في السرية دون الجهرية بناء على أن المأموم لا يقرأ في الجهرية بل يتحمل الإمام عنه فيها وهو القديم

وذهب المزني إلى صحة الاقتداء به سرية كانت أو جهرية ومحل الخلاف فيمن لو يطاوعه لسانه أو طاوعه ولم يمض زمن يمكن فيه التعلم وإلا فلا يصح الاقتداء به قطعا

تنبيه قوله في الجديد يعود إلى اقتداء القارىء بالأمي لا إلى ما قبله والأمي نسبة إلى الأم كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها

وأصله لغة لمن لا يكتب استعمله الفقهاء مجازا في قولهم ( وهو من يخل بحرف ) ظاهر بأن عجز عن إخراجه من مخرجه ( أو تشديدة من الفاتحة ) لرخاوة لسانه وهذا تفسير الأمي

ونبه بذلك على أن من لم يحسنها بطريق الأولى

ولو أحسن أصل التشديد وتعذرت عليه المبالغة صح الاقتداء به مع الكراهة كما في الكفاية عن القاضي ومن يحسن سبع آيات من غير الفاتحة مع من لم يحسن إلا الذكر كالقارىء مع الأمي قاله في المجموع

وكذا اقتداء حافظ النصف الأول بحافظ النصف الثاني وعكسه لأن كلا منهما يحسن شيئا لا يحسنه الآخر

( ومنه ) أي الأمي ( أرت ) وهو بمثناة مشددة من ( يدغم ) بإبدال كما قاله الإسنوي ( في غير موضعه ) أي الإدغام كقارىء المستقيم بتاء أو سين مشددة

أما الإدغام بلا إبدال كتشديد اللام أو الكاف من مالك فإنه لا يضر

( و ) منه ( ألثغ ) وهو بمثلثة من ( يبدل حرفا بحرف ) كأن يأتي بالمثلثة موضع السين أو بالغين موضع الراء فيقول المثتقيم وغيغ المغضوب

والإدغام في غير موضعه المبطل يستلزم الإبدال كما سبق إلا أنه إبدال خاص فكل أرت ألثغ ولا عكس

فلو كانت لثغته يسيرة بأن يأتي بالحرف غير صاف لم يؤثر

( وتصح ) قدوة أمي ( بمثله ) إن اتفقا عجزا كحافظ النصف الأول من الفاتحة بحافظه وكأرت بأرت وألثغ بألثغ في كلمة لاستوائهما نقصانا كالمرأتين

ولا يشكل بمنع فاقد الطهورين ونحوه بمثله لوجوب القضاء ثم بخلاف هنا

والعبرة بالاتفاق والاختلاف بالحرف المعجوز عنه فلو أبدل أحدهما بالسين ثاء والآخر زايا كانا متفقين

بخلاف ما إذا اختلفا في كلمتين فلا تصح قدوة أحدهما بالآخر ولا أرت بألثغ وعكسه لأن كلا منهما في ذلك يحسن ما لا يحسنه الآخر ولو عجز إمامه في أثناء الصلاة عن القراءة لخرس فارقه بخلاف عجزه عن القيام لصحة اقتداء القائم بالقاعد بخلاف اقتداء القارىء بالأخرس قاله البغوي في فتاويه ولو لم يعلم بحدوث الخرس حتى فرغ من الصلاة أعاد لأن حدوث الخرس نادر بخلاف حدوث الحدث

وتصح الصلاة خلف المجهول قراءته أو إسلامه لأن الأصل الإسلام والظاهر من حال المسلم المصلي أنه يحسن القراءة فإن أسر هذا في جهرية أعادها المأموم لأن الظاهر أنه لو كان قارئا لجهر ويلزمه البحث عن حاله كما نقله الإمام عن أئمتنا لأن إسرار القراءة في الجهرية يخيل أنه لو كان يحسنها لجهر بها فإن قال بعد سلامه من الجهرية نسيت الجهر أو تعمدت لجوازه أي وجهل المأموم وجوب الإعادة كما قاله السبكي لم تلزمه الإعادة بل تستحب كمن جهل من إمامه الذي له حالتا جنون وإفاقة وإسلام وردة وقت جنونه أوردته فإنه لا تلزمه الإعادة بل تستحب

أما في السرية فلا إعادة عليه عملا بالظاهر ولا يلزمه البحث عن حاله كما لا يلزمه البحث عن طهارة الإمام نقله ابن الرفعة عن الأصحاب

( وتكره ) القدوة ( بالتمتام ) وهو من يكرر التاء وفي الصحاح وغيره أنه الثاثاء وهو القياس

( والفأفاء ) وهو بهمزتين ومد في آخره من يكرر الفاء قال في البيان وكذا من يكرر الواو قال في المهمات وكذا في تكرير سائر الحروف للتطويل ونفرة الطبع عند سماع ذلك ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه الاختيار في الإمام أن يكون فصيح اللسان حسن البيان مرتلا للقرآن ولا فرق بين أن يكون ذلك في الفاتحة أو غيرها إذ لا فاء فيها وجاز الاقتداء بهم مع زيادتهم لعذرهم فيها

( و ) كذا ( اللاحن ) بما لا يغير المعنى كضم هاء لله تكره القدوة به لأن مدلول اللفظ باق وإن كان تعاطيه مع التعمد حراما وضم صاد الصراط وهمزة اهدنا ونحوه كاللحن الذي لا يغير المعنى وإن لم تسمه النحاة لحنا

( فإن ) لحن لحنا ( غير معنى كأنعمت بضم أو كسر ) أو


240

أبطل المعنى كالمستق كما في المحرر وحذفه المصنف لأنه يؤخذ من التغيير بطريق الأولى ولأنه يدخل في الألثغ ( أبطل صلاة من أمكنه التعلم ) ولم يتعلم وبقي من الوقت ما يسع التعليم ولأنه ليس بقرآن

أما إذا ضاق الوقت عنه فإنه يصلي ويقضي ولا يجوز الاقتداء به قاله في المحرر وأهمله المصنف

وظاهر كلام الشيخين يقتضي أنه لا فرق في البطلان بين أن يكون ذلك في الفاتحة أو في غيرها وهو كذلك في القادر العامد العالم بالتحريم أما مع النسيان أو الجهل فإن كان في الفاتحة لا يضر لأنها ركن نعم أن تفطن للصواب قبل السلام فإنه يعيد ولا تبطل صلاته

وأما مع العجز فهو ما ذكره بقوله ( فإن عجز لسانه أو لم يمض زمن إمكان تعلمه ) من إسلام الكافر كما قاله البغوي وغيره وكذا من تمييز المسلم كما بحثه الإسنوي لكون الأركان والشروط لا فرق فيها بين البالغ والصبي المميز ( فإن كان في الفاتحة فكأمي ) وقد مر حكمه وإن كان في غير الفاتحة فهو ما ذكره بقوله ( وإلا ) بأن كان في غير الفاتحة كما إذا قرأ بجر اللام في قوله أن الله بريء من المشركين ورسوله فتصح صلاته والقدوة به إذا كان عاجزا أو جاهلا لم يمض زمن إمكان تعلمه أو ناسيا لأن الكلام اليسير بهذه الشروط لا يقدح في الصلاة

قال الإمام ولو قيل ليس لهذا اللاحن قراءة غير الفاتحة مما يلحن فيه لم يكن بعيدا لأنه يتكلم بما ليس بقرآن بلا ضرورة واختاره السبكي وقال إن مقتضاه البطلان في القادر والعاجز

( ولا تصح قدوة ) ذكر ( رجل ) أو صبي مميز ( ولا خنثى بأ ) نثى ا ( مرأة ) أو صبية مميزة ( ولا خنثى ) مشكل لأن الأنثى ناقصة عن الرجل والخنثى المأموم يجوز أن يكون رجلا ذكرا والإمام أنثى وقد قال صلى الله عليه وسلم لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة رواه البخاري وروى ابن ماجة لا تؤمن امرأة رجلا

ويصح اقتداء خنثى بانت أنوثته امرأة ورجل ورجل بخنثى بانت ذكورته مع الكراهة قاله الماوردي قال الأذرعي ومحلها إذا كان الظهور بأمارة غير قطعية

وتصح قدوة المرأة بالمرأة وبالخنثى كما تصح قدوة الرجل وغيره بالرجل

فيتخلص من ذلك تسع صور خمسة صحيحة وهي قدوة رجل برجل خنثى برجل امرأة برجل امرأة بخنثى امرأة بامرأة وأربع باطلة وهي قدوة رجل بخنثى رجل بامرأة خنثى بخنثى خنثى بامرأة

( وتصح ) القدوة ( للمتوضىء بالمتيمم ) الذي لا إعادة عليه لأنه قد أتى عن طهارته ببدل مغن عن الإعادة

( وبماسح الخف ) لأن صلاته مغنية عن الإعادة

( وللقائم بالقاعد والمضطجع ) لما روى البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله عليه وسلم صلى في مرض موته قاعدا وأبو بكر والناس قياما قال البيهقي وكان ذلك يوم السبت أو الأحد وتوفي صلى الله عليه وسلم ضحى يوم الاثنين فكان ناسخا لما رواه الشيخان عن أبي هريرة و عائشة إنما جعل الإمام ليؤتم به إلى أن قال وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين

ويقاس المضطجع ولو كان موميا كما صرح به المتولي على القاعد فقدوة القاعد والمضطجع به أولى والمستلقي كالمضطجع فيما ذكر

( و ) تصح القدوة ( للكامل ) وهو البالغ الحر ( للصبي ) المميز للاعتداد بصلاته ولأن عمرو بن سلمة بكسر اللام كان يؤم قومه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ست أو سبع رواه البخاري ولكن البالغ أولى من الصبي وإن كان الصبي أقرأ أو أفقه للإجماع على صحة الاقتداء به بخلاف الصبي

وقد نص في البويطي على كراهة الاقتداء بالصبي

( والعبد ) أي يصح اقتداء الكامل به لأنه من أهل الفرض ولأن ذكوان مولى عائشة كان يؤمها رواه البخاري

لكن الحر وإن كان أعمى كما قاله الماوردي أولى منه لأن ابن خيران قال بكراهة الاقتداء به

والعبد البالغ أولى من الحر الصبي وفي العبد الفقيه والحر غير الفقيه ثلاثة أوجه أصحها أنهما سواء وإن كانوا صححوا في الصلاة على الجنازة تقديم الحر لأن القصد منها الشفاعة والدعاء والحر بهما أليق والظاهر أن المبعض أولى من كامل الرق وأن من زادت حريته من المبعضين أولى ممن نقصت منه

تنبيه لو حذف المصنف الواو من قوله والعبد لكان أولى ليستفاد منه صحة قدوة الكامل بالصبي العبد بالمنطوق


241

وبالصبي الحر وبالعبد الكامل بطريق الأولى

( والأعمى والبصير ) في الإمامة ( سواء على النص ) في الأم لتعارض فضيلتيهما لأن الأعمى لا ينظر ما يشغله فهو أخشع والبصير ينظر الخبث فهو أحفظ لتجنبه

قال الأذرعي هذا إذا كان الأعمى لا يبتذل أما إذا ابتذل أي ترك الصيانة عن المستقذرات كأن لبس ثياب البذلة كان البصير أولى منه وتبعه ابن المقري على ذلك

قال شيخنا وهذا لا حاجة إليه بل ذكره يوهم خلاف المراد لأنه معلوم مما يأتي في نظافة الثوب والبدن

ولا يختص ذلك بالأعمى بل لو ابتذل البصير كان الأعمى أولى منه وقيل الأعمى أولى مراعاة للمعنى الأول وقيل البصير أولى للمعنى الثاني

قال الماوردي وإمامة الحر الأعمى أفضل من إمامة العبد البصير والأصم كالأعمى فيما ذكر كما قاله ابن يونس

وتكره إمامة الأقلف بعد بلوغه لا قبله كما قاله ابن الصباغ

( والأصح صحة قدوة السليم بالسلس ) بكسر اللام أي سلس البول ( والطاهر بالمستحاضة غير المتحيرة ) والمستنجي بالمستجمر والمستور بالعاري ونحو ذلك كمن به جرح سائل أو على ثوبه نجاسة معفو عنها لصحة صلاتهم من غير إعادة والثاني لا تصح لوجود النجاسة

وإنما صححنا صلاتهم للضرورة ولا ضرورة للاقتداء بهم

أما المتحيرة فلا تصح قدوة غيرها بها ولو متحيرة لوجوب الإعادة عليها على ما مر في الحيض من الخلاف في وجوب القضاء عليها

( ولو بان ) للمأموم ( إمامه ) على خلاف ما ظنه كأن علمه بعد فراغ القدوة ( امرأة ) أو خنثى أو مجنونا ( أو كافرا معلنا ) بكفره كذمي ( قيل أو مخفيا ) كفره كزنديق ( وجبت الإعادة ) لأن على الأنوثة والكافر المعلن وما ذكر معهما أمارة ظاهرة إذ تمتاز المرأة بالصوت والهيئة وغيرهما ومثلها الخنثى لأن أمره منتشر وكذا المجنون

ويعرف معلن الكفر بالغيار وغيره فالمقتدي بهم مقصر بترك البحث عنهم بخلاف مخفي الكفر فإنه لا اطلاع عليه فلا تجب الإعادة فيه في الأصح وسيأتي تصحيح مقابله

ولو بان إمامه قادرا على القيام فالمنقول عن الصيمري وغيره الصحة وهو قضية قول الروض كأصله في خطبة الجمعة لو خطب جالسا وبان قادرا فكمن بان جنبا لكنه صرح هنا بأنه كالأمي فيتبين عدم الصحة وهذا هو المعتمد كما قاله شيخي وفرق بين الخطبة وبين ما هنا بأنه يغتفر في الشرط ما لا يغتفر في المشروط

( لا ) إن بان إمامه ( جنبا ) أو محدثا كما فهم بالأولى وذكره في المحرر

( وذا نجاسة خفية ) في ثوبه أو بدنه فلا تجب إعادة المؤتم به لانتفاء التقصير اللهم إلا أن يكون ذلك في الجمعة ففيه تفصيل يأتي في موضعه بخلاف الظاهرة فتجب فيها الإعادة لتقصير المقتدي في هذه الحالة وهذا ما جرى عليه الروياني وغيره وحمل في المجموع وفي تصحيحه كلام التنبيه عليه وهو المعتمد وإن صحح في التحقيق التسوية بين الخفية والظاهرة في عدم وجوب الإعادة وقال الإسنوي إنه الصحيح المشهور

والأحسن في ضبط الخفية والظاهرة ما ذكره صاحب الأنوار وهو أن الظاهرة ما تكون بحيث لو تأملها المأموم لرآها والخفية بخلافها وقضية ذلك كما قال الأذرعي الفرق بين المقتدي الأعمى والبصير حتى لا يجب القضاء على الأعمى مطلقا وهو كذلك

ولو علم أن إمامه محدث أو ذو نجاسة خفية ثم اقتدى به ناسيا ولم يحتمل أنه تطهر وجبت الإعادة

( قلت الأصح المنصوص هو قول الجمهور إن مخفي الكفر هنا كمعلنه ) وإن قال في الروضة إن الأقوى دليلا أن القضاء لا يجب ( والله أعلم ) بناء على أن العلة الصحيحة هي عدم أهليته للإمامة فتجب إعادة المؤتم به لنقصه بالكفر بخلاف المحدث ونحوه لا نقص فيه بالحدث

ولو اقتدى بشخص فبان مرتدا أو أنه ترك تكبيرة الإحرام لا النية وإن سها بترك تكبيرة الإحرام وجبت عليه الإعادة لأن ذلك لا يخفى فينسب إلى تقصير بخلاف النية لخفائها

ولو اقتدى بمن أسلم ثم قال بعد فراغه لم أكن أسلمت حقيقة أو أسلمت ثم ارتددت فلا يلزمه القضاء لأن إمامه كافر بذلك فلا يقبل خبره بخلاف ما لو اقتدى بمن جهل إسلامه أو شك فيه ثم أخبر


242

بكفره

( والأمي كالمرأة في الأصح ) فيعيد القارىء المؤتم به بناء على الجديد مع منع قدوة القارىء به والجامع بينهما النقص والثاني أنه كالجنب بجامع الخفاء فلا يعيد المؤتم به

وفرق الرافعي بأن فقدان القراءة نقص بخلاف الجنابة وبأن الوقوف على كونه قارئا أسهل من الوقوف على كونه متطهرا لأنه وإن شاهد طهارته فعروض الحدث بعدها قريب بخلاف صيرورته أميا بعدما سمع قراءته

ثم لا فرق في تبين ما سبق مما يوجب القضاء ومما لا يوجبه بين أن يتبين في أثناء الصلاة أو بعدها إلا أنه إذا تبين الحدث أو نحوه في الأثناء وجبت المفارقة حال علمه بذلك قال في المجموع ولا يغني عنها ترك المتابعة قطعا

( ولو اقتدى ) رجل أو خنثى ( بخنثى ) في ظنه أو خنثى بامرأة ( فبان ) الإمام ( رجلا ) في الأولى والمأموم في الثانية والثالثة امرأة أو بانا في الثانية رجلين أو امرأتين ( لم يسقط القضاء في الأظهر ) لعدم صحة القدوة في الظاهر لتردد المأموم في صحة صلاته عندها فلا تكون النية جازمة والثاني يسقط اعتبارا بما في نفس الأمر

وصور الماوردي وغيره مسألة الكتاب فيمن لم يعلم بحاله ثم علم بعد الصلاة خنوثته ثم بان رجلا

قال الأذرعي وهذا الطريق أصح والوجه الجزم بالقضاء على العالم بخنوثته إذ صلاة الرجل لا تنعقد خلفه ولا يتصور جزم النية اه

وفيه نظر بل الوجه الجزم بعدم القضاء إذا بان رجلا في تصوير الماوردي لا سيما إذا لم يمض قبل تبين الرجولية زمن طويل

ومقتضى التعليل بالتردد أن القضاء لا يجب عند فقده بأن ظن في ابتداء صلاته أن إمامه رجل ثم ظهر أنه كان خنثى ثم اتضح بعد ذلك كونه رجلا

قال الإسنوي وهو ظاهر لا سيما إذا لم يمض قبل تبين الرجولية ركن اه

وفيه نظر لأن التردد في النية لا فرق فيه بين أن يكون في الابتداء أو الدوام لكن في الابتداء يضر مطلقا وفي الأثناء إن طال الزمان أو مضى ركن على ذلك ضر وإلا فلا

ونقل الروياني عن والده وجهين في نظير المسألة وهو ما إذا اقتدى خنثى بامرأة معتقدا أنها رجل ثم بان أن الخنثى أنثى

ورجح في البحر وجوب الإعادة والذي يظهر فيها عدمها إذ لا تردد حينئذ

( والعدل أولى ) بالإمامة ( من الفاسق ) وإن اختص الفاسق بصفات مرجحة ككونه أفقه أو أقرأ لأنه لا يوثق به بل تكره الصلاة خلفه وإنما صحت لما رواه الشيخان أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج قال الإمام الشافعي وكفى به فاسقا

والمبتدع الذي لا يكفر ببدعته كالفاسق بل أولى لأن اعتقاد المبتدع لا يفارقه بخلاف الفاسق

والأفقه في باب الصلاة الأقرأ أي الأكثر قرآنا أولى من غيره بزيادة الفقه والقراءة

( والأصح أن الأفقه ) في باب الصلاة وإن لم يحفظ قرآنا غير الفاتحة ( أولى من الأقرأ ) وإن حفظ جميع القرآن لأن الحاجة إلى الفقه أهم لكون الواجب من القرآن في الصلاة محصورا والحوادث فيها لا تنحصر ولتقديمه صلى الله عليه وسلم أبا بكر في الصلاة على غيره مع وجود من هو أحفظ منه للقرآن لأنه لم يجمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم غير أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد كما رواه البخاري

والثاني هما سواء لتقابل الفضيلتين

والثالث أن الأقرأ أولى ونقله في المجموع عن ابن المنذر لخبر مسلم إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم

وأجاب عنه الشافعي بأن الصدر الأول كانوا يتفقهون مع القراءة فلا يوجد قارىء إلا وهو فقيه

قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ما كنا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها

فإن قيل في الحديث فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ففيه دليل كما قال المصنف على تقديم الأقرأ مطلقا

أجيب بأنه قد علم أن المراد بالأقرأ في الخبر الأفقه في القرآن فإذا استووا في القرآن فقد استووا في فقهه فإذا زاد أحدهم بفقه السنة فهو أحق فلا دلالة في الخبر على تقديم الأقرأ مطلقا بل على تقديم الأقرأ الأفقه في القرآن على دونه

ولا نزاع فيه كما مر

( و ) الأصح أن الأفقه أولى من ( الأورع ) أي الأكثر ورعا للتعليل السابق

والورع فسره في التحقيق والمجموع بأنه اجتناب الشبهات خوفا من الله تعالى وفي أصل الروضة بأنه زيادة على العدالة من حسن السيرة والعفة

ويدل للأول ما رواه الطبراني في معجمه الكبير


243

عن واثلة بن الأسقع أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الورع قال الذي يقف عند الشبهات

والثاني يقدم الأورع على الأفقه إذ مقصود الصلاة الخشوع ورجاء إجابة الدعاء والأورع أقرب قال تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم وفي الحديث ملاك الدين الورع

وأما ما يخاف من حدوثه في الصلاة فأمر نادر فلا يفوت المحقق للمتوهم

وأما الزهد فهو ترك ما زاد على الحاجة وهو أعلى من الورع إذ هو في الحلال والورع في الشبهة

قال في المهمات ولم يذكروه في المرجحات واعتباره ظاهر حتى إذا اشتركا في الورع وامتاز أحدهما بالزهد قدمناه اه

تنبيه لا يؤخذ من كلام المصنف معرفة المقدم من الأقرأ والأورع وحكمه تقديم الأقرأ كما قاله في الروضة عن الجمهور

( ويقدم الأفقه والأقرأ على الأسن النسيب ) فعلى أحدهما من باب أولى لأن الفقه والقراءة مختصان بالصلاة لأن القراءة من شروطها والفقه لمعرفة أحكامها وباقي الصفات لا يختص بالصلاة ويقدم الأورع أيضا عليهما لأنه أكرم عند الله

فرع لو كان الأفقه أو الأقرأ

أو الأورع صبيا أو مسافرا قاصرا أو فاسقا أو ولد زنا أو مجهول الأب فضده أولى وقد مرت الإشارة إلى بعض ذلك نعم إن كان المسافر السلطان أو نائبه فهو أحق

وأطلق جماعة أن إمامة ولد الزنا ومن لا يعرف أبوه مكروهة وصورته أن يكون ذلك في ابتداء الصلاة ولم يساوه المأموم فإن ساواه أو وجده قد أحرم واقتدى به فلا بأس

( والجديد تقديم الأسن على النسيب ) لخبر الصحيحين عن مالك بن الحويرث ليؤمكم أكبركم ولأن فضيلة الأسن في ذاته والنسيب في آبائه وفضيلة الذات أولى

والعبرة بالأسن في الإسلام لا للأكبر بالسن فيقدم شاب أسلم أمس على شيخ أسلم اليوم فإن أسلما معا فالشيخ مقدم لعموم خبر مالك

قال البغوي ويقدم من أسلم بنفسه على من أسلم تبعا لأحد أبويه وإن تأخر إسلامه لأنه اكتسب الفضل بنفسه

قال ابن الرفعة وهو ظاهر إذا كان إسلامه قبل بلوغ من أسلم تبعا أما بعده فيظهر تقديم التابع ولو قيل بتساويهما حينئذ لم يبعد

والمراد بالنسيب من ينتسب إلى قريش أو غيرهم ممن يعتبر في الكفاءة كالعلماء والصلحاء فيقدم الهاشمي والمطلبي ثم سائر قريش ثم العربي ثم العجمي ويقدم ابن العالم والصالح على ابن غيره

تنبيه لم يتعرض المصنف للهجرة وهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى دار الإسلام بعده من دار الحرب والذي في التحقيق واختاره في المجموع أي وهو المعتمد تقديمها على الأسن والنسيب لخبر مسلم عن أبي مسعود البدري يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا

وفي رواية سلمان ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه

وتأخيرها عن الأورع كما جرى عليه شيخنا في منهجه

وفي الروضة وأصلها عن الشيخ أبي حامد وجماعة تأخيرها عن السن والنسب

وقياس ما مر من تقديم من أسلم بنفسه على من أسلم تبعا تقديم من هاجر بنفسه على من هاجر أحد آبائه وإن تأخرت هجرته

ويعلم من ذلك أن المنتسب إلى من هاجر مقدم على من انتسب لقريش مثلا

( فإن استويا ) أي الشخصان في الصفات المعتبرة ( فبنظافة الثوب والبدن ) من الأوساخ ( وحسن الصوت وطيب الصنعة ونحوها ) من الفضائل كحسن وجه وسمت وذكر بين الناس لأنها تفضي إلى استمالة القلوب وكثرة الجمع

تنبيه لا يعلم من كلام المصنف ترتيب في ذلك والذي في الروضة كأصلها عن المتولي وجزم به الرافعي في الشرح الصغير أي وهو المعتمد أنه يقدم بالنظافة ثم بحسن الصوت ثم بحسن الصورة وفي التحقيق فإن استويا قدم بحسن الذكر ثم بنظافة الثوب والبدن وطيب الصنعة وحسن الصوت ثم الوجه وفي المجموع تقديم أحسنهم ذكرا ثم صوتا ثم هيئة فإن استويا وتشاحا أقرع بينهما

والمراد بطيب الصنعة الكسب الفاضل

ولا يحمل قول


244

المصنف فإن استويا على استوائهما فيما ذكره وإن كان ذلك ظاهر لفظ المحرر لئلا يلزم منه التقديم بنظافة الثوب على المهاجر وغيره مما لم يذكره بل يحمل على ما قررته

قال المصنف في نكته هذا كله إذا كانوا في موات أو مسجد ليس له إمام راتب أو له وأسقط حقه وجعله لأولى الحاضرين أي وإلا فهو المقدم

( ومستحق المنفعة بملك ) للعين ( ونحوه ) أي الملك كإجارة ووقف ووصية وإعارة وإذن من سيد العبد ( أولى ) بالإمامة من الأفقه وغيره من جميع الصفات إذا كان أهلا للإمامة ورضي بإقامة الصلاة في ملكه لخبر أبي مسعود السابق

( فإن لم يكن أهلا ) لإمامة الحاضرين كامرأة أو خنثى لرجال أو لم يكن أهلا للصلاة ككافر ( فله التقديم ) استحبابا كما في شرح مسلم لمن يكون أهلا لأنه محل سلطانه

هذا إن كان صحيح العبارة وإلا بأن كان صبيا أو مجنونا أو نحو ذلك استؤذن وليه فإن أذن لهم جمعوا وإلا صلوا فرادى

تنبيه في عبارة المصنف قصور فإنها لا تشمل المستعير والعبد الذي أسكنه سيده في ملكه فإنهما لا يستحقان المنفعة مع كونهما أولى فلو عبر كالمحرر بساكن الموضع بحق لشملهما

( ويقدم ) السيد لا غيره ( على عبده الساكن ) في ملكه بإذنه أو في غير ملكه كما قال الإسنوي إنه المتجه وإن أذن له في التجارة أو ملكه المساكن لرجوع فائدة سكنى العبد إليه

وقد يفهم من كلام المصنف أن المبعض يقدم على سيده فيما ملكه ببعضه الحر وهو كذلك كما قال الأذرعي إنه الظاهر

( لا ) على ( مكاتبه ) كتابة صحيحة ( في ملكه ) أي المكاتب لأن سيده أجتبى منه

ويؤخذ من هذا التعليل أن المكاتب لو كان ساكنا بحق في غير ملكه كمستأجر ومستعير كان الحكم كذلك فلو عبر بدل ملكه بمستحق المنفعة كان أولى

( والأصح تقديم المكتري على المكري ) المالك لأنه مالك للمنفعة

وفي الثاني يقدم المكري لأنه مالك للرقبة وملك الرقبة أقوى من ملك المنفعة

ومقتضى التعليل كما قال الإسنوي جريان الخلاف في الموصى له بالمنفعة مع مالك الرقبة وأن المستأجر إذا أجر لغيره لا يقدم بلا خلاف

( و ) يقدم ( المعير ) المالك للمنفعة ولو بدون الرقبة ( على المستعير ) لملكه المنفعة والرجوع فيها في كل وقت والثاني يقدم المستعير للسكن له في الحال واختاره السبكي لحديث أبي داود ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته والمراد بيته مسكنه إذ لو حمل على الملك لزم تقديم المؤجر على المستأجر والأصح خلافه

ولو حضر الشريكان أو أحدهما والمستعير من الآخر فلا يتقدم غيرهما إلا بإذنهما ولا أحدهما إلا بإذن الآخر والحاضر منهما أحق من غيره حيث يجوز انتفاعه بالجميع والمستعيران من الشريكين كالشريكين فإن حضر الأربعة كفى إذن الشريكين

( والوالي في محل ولايته أولى ) تقديما وتقدما ( من الأفقه والمالك ) وغيرهما ممن تقدم وإن اختص بفضيلة إذا رضي المالك بإقامة الصلاة في ملكه كما عبر به الإمام وغيره ونقله في المجموع عن الأصحاب وهو أولى ممن عبر بإقامة الجماعة وذلك لخبر لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولعموم سلطنته مع أن تقدم غيره بحضرته بغير إذنه لا يليق ببذل الطاعة وتقدم أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج

ويراعى في الولاة تفاوت الدرجة فالإمام الأعظم أولى ثم الأعلى فالأعلى من الولاة والحكام

قال الشيخان ويقدم الوالي على إمام المسجد وهو أحق من غيره وإن اختص غيره بفضيلة لخبر لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه وإذا تبطأ استحب أن يبعث له ليحضر أو يأذن في الإمامة فإن خيف فوات أول الوقت وأمنت الفتنة بتقديم غيره ندب لغيره أن يؤم بالقوم ليحوز فضيلة أول الوقت فإن خيف الفتنة صلوا فرادى وندب لهم إعادتها معه تحصيلا لفضيلة الجماعة ومحل ذلك في مسجد غير مطروق وإلا فلا بأس أن يصلوا أول الوقت جماعة

ومحل تقديم الوالي على الإمام الراتب في غيره من مولاه السلطان أو نوابه وإلا فهو أولى من والي البلد وقاضيه

ويكره أن تقام جماعة في مسجد


245

بغير إذن إمامه الراتب قبله أو بعده أو معه خوف الفتنة إلا إن كان المسجد مطروقا فلا يكره إقامتها فيه وكذا لو لم يكن مطروقا وليس له إمام راتب أو له راتب وأذن في إقامتها أو لم يأذن وضاق المسجد عن الجميع ومحل الكراهة إذا لم يخف فوات الوقت كما مر

تتمة يكره تنزيها أن يؤم الرجل قوما أكثرهم له كارهون لأمر مذموم شرعا كوال ظالم أو متغلب على إمامة الصلاة ولا يستحقها أو لا يحترز من النجاسة أو يمحو هيئات الصلاة أو يتعاطى معيشة مذمومة أو يعاشر الفسقة أو نحوهم وإن نصبه لها الإمام الأعظم لخبر ابن ماجة بإسناد حسن ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا رجل أم قوما وهم له كارهون وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وأخوان متصارمان

والأكثر في حكم الكل

ولا يكره اقتداؤهم به كما ذكره في المجموع أما إذا كرهه دون الأكثر أو الأكثر لا لأمر مذموم فلا يكره له الإمامة

فإن قيل إذا كانت الكراهة لأمر مذموم شرعا فلا فرق بين كراهة الأكثر وغيرهم

أجيب بأن صورة المسألة أن يختلفوا في أنه بصفة الكراهة أم لا فيعتبر قول الأكثر لأنه من باب الرواية

قال في المجموع ويكره أن يولي الإمام الأعظم على قوم رجلا يكرهه أكثرهم نص عليه الشافعي وصرح به صاحب الشامل والتتمة

ولا يكره إن كرهه دون الأكثر بخلاف الإمامة العظمى فإنها تكره إذا كرهها البعض

ولا يكره أن يؤم من فيهم أبوه أو أخوه الأكبر لأن الزبير كان يصلي خلف ابنه عبدالله و أنس كان يصلي خلف ابنه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن سلمة أن يصلي بقومه وفيهم أبوه

فصل يذكر فيه بعض شروط الاقتداء وآدابه

وشروطه سبعة أحدها ( لا يتقدم ) المأموم ( على إمامه في الموقف ) ولا في مكان القعود أو الاضطجاع لأن المقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالخلفاء الراشدين لم ينقل عن أحد منهم ذلك ولقوله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به والائتمام الاتباع والمتقدم غير تابع

( فإن تقدم ) عليه في أثناء صلاته ( بطلت في الجديد ) الأظهر أو عند التحرم لم تنعقد كالتقدم بتكبيرة الإحرام قياسا للمكان على الزمان ولأن المخالفة في الأفعال مبطلة كما سيأتي وهذه المخالفة أفحش

والقديم لا تبطل مع الكراهة كما لو وقف خلف الصف وحده نعم يستثنى من ذلك صلاة شدة الخوف كما سيأتي فإن الجماعة فيها أفضل وإن تقدم بعضهم على بعض وعلى الجديد لو شك هل هو متقدم أو متأخر كأن كان في ظلمة صحت صلاته مطلقا لأن الأصل عدم المفسد كما نقله المصنف في فتاويه عن النص وصححه في التحقيق

وقال القاضي حسين إن جاء من خلفه صحت صلاته وإن جاء من أمامه لم تصح عملا بالأصل فيهما والأول هو المعتمد الذي قطع به المحققون وإن قال ابن الرفعة أن الثاني أوجه

( ولا تضر مساواته ) لإمامه لعدم المخالفة لكن مع الكراهة كما في المجموع والتحقيق وإن استبعده السبكي

( ويندب تخلفه ) أي المأموم عن الإمام ( قليلا ) إذا كانا ذكرين غير عاريين بصيرين أو كان الإمام عاريا والمأموم بصيرا أو لا ظلمة تمنع النظر استعمالا للأدب ولتظهر رتبة الإمام على المأموم

وأما إمامة النسوة وإمام العراة فسيأتي

( والاعتبار ) في التقدم وغيره للقائم ( بالعقب ) وهو مؤخر القدم لا الكعب فلو تساويا في العقب وتقدمت أصابع المأموم لم يضر

نعم إن كان اعتماده على رؤوس الأصابع ضر كما بحثه الإسنوي ولو تقدمت عقبه وتأخرت أصابعه ضر لأن تقدم العقب يستلزم تقدم المنكب

والمراد ما يعتمد عليها فلو اعتمد على إحدى رجليه وقدم الأخرى على رجل الإمام لم يضر ولو قدم إحدى رجليه واعتمد عليها لم يضر كما في فتاوى البغوي

والاعتبار للقاعد بالألية كما أفتى به البغوي أي ولو في التشهد

أما في حال السجود فيظهر أن يكون المعتبر رؤوس الأصابع ويشمل ذلك الراكب وهو الظاهر

وما قيل من أن الأقرب فيه الاعتبار بما اعتبروا به في المسابقة بعيد إذ لا يلزم من تقدم إحدى الدابتين على الأخرى تقدم راكبها على راكب الأخرى

وفي المضطجع بالجنب وفي المستلقي


246

بالرأس وهو أحد وجهين يظهر اعتماده وفي المصلوب بالكتف وفي المقطوعة رجله ما اعتمد عليه

وقال بعض المتأخرين الاعتبار بالكتف

( و ) الجماعة ( يستديرون في المسجد الحرام حول الكعبة ) ندبا لاستقبال الجميع ضاق المسجد أم لا خلافا للزركشي لكن الصفوف أفضل من الاستدارة

ويندب أن يقف الإمام خلف المقام ولو وقف صف طويل في آخر المسجد بلا استدارة حول الكعبة جاز على ما جزم به الشيخان وإن كانوا بحيث يخرج بعضهم عن سمتها لو قربوا خلافا للزركشي

( ولا يضر كونه ) أي المأموم ( أقرب إلى الكعبة في غير جهة الإمام ) منه إليها في جهته ( في الأصح ) لأن رعاية القرب والبعد في غير جهة الإمام مما يشق بخلاف جهته ولا يظهر به مخالفة منكرة فلو توجه الإمام إلى الركن الذي فيه الحجر مثلا فجهته مجموع جهتي جانبيه فلا يتقدم عليه المأموم المتوجه له ولا لإحدى جهتيه

( وكذا ) لا يضر ( لو وقفا ) أي الإمام أو المأموم ( في الكعبة ) أي داخلها ( واختلفت جهتاهما ) بأن كان وجهه إلى وجهه أو ظهره إلى ظهره أو ظهره إلى جنبه أو وجهه إلى جنبه قياسا لداخل الكعبة على خارجها

ولا يضر كون المأموم أقرب إلى الجدار الذي توجه إليه من الإمام إلى ما توجه إليه أما إذا اتحدت الجهة بأن يكون ظهر المأموم إلى وجه الإمام فلا تصح في الأصح ولو وقف الإمام فيها والمأموم خارجها لم يضر أيضا وله التوجه إلى أي جهة شاء ولو وقف المأموم فيها والإمام خارجها لم يضر أيضا لكن لا يتوجه المأموم إلى الجهة التي توجه إليها الإمام لتقدمه حينئذ عليه

( ويقف ) المأموم ( الذكر ) ندبا ولو صبيا إذا لم يحضر غيره ( عن يمينه ) أي الإمام لما في الصحيحين أن ابن عباس قال بت عند خالتي ميمونة فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل فقمت عن يساره فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه

فإن وقف عن يساره أو خلفه سن له أن يندار مع اجتناب الأفعال الكثيرة فإن لم يفعل قال في المجموع سن للإمام تحويله

( فإن حضر ) ذكر ( آخر أحرم ) ندبا ( عن يساره ثم ) بعد إحرامه وأمكن كل من التقدم والتأخر ( يتقدم الإمام أو يتأخران ) حالة القيام أو الركوع فقمت عن يمينه ثم جاء جابر بن صخر فقام عن يساره فأخذ بأيدينا جميعا حتى أقامنا خلفه ولأن الإمام متبوع فلا ينتقل من مكانه فإن لم يمكن إلا التقدم أو التأخر لضيق مكان مثلا من أحد الجانبين فعل الممكن منهما

وخرج بحالة القيام أو الركوع غيرهما فلا يتأتى التقدم أو التأخر فيه إلا بأفعال كثيرة غالبا فعلم أنه لا يندب للعاجزين عن القيام وأنه لا يندب إلا بعد إحرام الثاني وبه صرح في المجموع لئلا يصير منفردا ولو لم يسع الجائي الثاني الموقف الذي عن يساره أحرم خلفه ثم يتأخر إليه الأول

( ولو حضر ) مع الإمام ابتداء ( رجلان ) أو صبيان ( أو رجل وصبي صفا ) أي قاما صفا ( خلفه ) بحيث لا يزيد ما بينه وبينهما على ثلاثة أذرع وكذا ما بين كل صفين

أما الرجلان فلحديث جابر السابق وأما الرجل والصبي فلما في الصحيحين عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام صلى في بيت أم سليم فقمت أنا ويتيم خلفه وأم سليم خلفنا فلو وقفا عن يمينه أو يساره أو أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره أو أحدهما خلفه والآخر بجنبه أو خلف الأول كره كما في المجموع عن الشافعي

( وكذا امرأة ) ولو محرما أو زوجة ( أو نسوة ) تقوم أو يقمن خلفه لحديث أنس السابق

فإن حضر معه ذكر وامرأة وقف الذكر عن يمينه والمرأة خلف الذكر أو امرأة وذكران وقفا خلفه وهي خلفهما أو ذكر وامرأة وخنثى وقف الذكر عن يمينه والخنثى خلفهما لاحتمال أنوثته والمرأة خلفه لاحتمال ذكورته

( ويقف ) إذا اجتمع الرجال وغيرهم ( خلفه الرجال ) أي خلف الإمام لفضلهم ( ثم الصبيان ) لأنهم من جنس الرجال ثم الخناثى كما في التنبيه لاحتمال ذكورتهم ( ثم النساء ) لتحقق أنوثتهم

والأصل


247

في ذلك خبر ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثلاثا رواه مسلم

قوله ليليني بياء مفتوحة بعد اللام وتشديد النون وبحذف الياء وتخفيف النون روايتان

و أولو أي أصحاب

و الأحلام جمع حلم بالكسر وهو التأني في الأمر

و النهى جمع نهية بالضم وهي العقل قاله في المجموع وغيره

وفي شرح مسلم النهى العقول وأولو الأحلام العقلاء وقيل البالغون فعلى القول الأول يكون اللفظان بمعنى ولاختلاف اللفظ عطف أحدهما على الآخر تأكيدا وعلى الثاني معناه البالغون العقلاء

ومحل ما ذكر ما إذا حضر الجميع دفعة واحدة فلو سبق الصبيان بالحضور لم يؤخروا للرجال اللاحقين كما لو سبقوا إلى الصف الأول فإنهم أحق به على الصحيح نقله في الكفاية عن القاضي حسين وغيره وأقره لأنهم من جنسهم بخلاف الخناثى والنساء وإنما تؤخر الصبيان على الرجال كما قال الأذرعي إذا لم يسعهم صف الرجال وإلا كمل بهم

وقيل إن كان الصبيان أفضل من الرجال كأن كانوا فسقة والصبيان صلحاء قدموا عليهم قاله الدارمي

( وتقف إمامتهن ) ندبا ( وسطهن ) بسكون السين لثبوت ذلك عن فعل عائشة و أم سلمة رضي الله تعالى عنهما رواه البيهقي بإسناد صحيح

أما إذا أمهن غير المرأة من رجل أو خنثى فإنه يتقدم عليهن

فائدة كل موضع ذكر فيه وسط إن صلح فيه بين فهو بالتسكين كما هنا وإن لم يصلح فيه ذلك كجلست وسط الدار فهو بالفتح

قال الأزهري وقد أجازوا في المفتوح الإسكان ولم يجيزوا في الساكن الفتح

ومثل المرأة في ذلك عار أم بصراء في ضوء فلو كانوا عراة فإن كانوا عميا أو في ظلمة أو في ضوء لكن إمامهم مكتس استحب أن يتقدم إمامهم كغيرهم بناء على استحباب الجماعة لهم وإن كانوا بصراء بحيث يتأتى نظر بعضهم بعضا فالجماعة في حقهم وانفرادهم سواء كما مر فإن صلوا جماعة في هذه الحالة وقف الإمام وسطهم كما مر

قال ابن الرفعة عن الإمام و المتولي هذا إذا أمكن وقوفهم صفا وإلا وقفوا صفوفا مع غض البصر وبهذا جزم المصنف في مجموعه في باب ستر العورة

وإذا اجتمع الرجال مع النساء والجميع عراة لا يصلين معهم لا في صف ولا في صفين بل يتنحين ويجلسن خلفهم ويستدبرن القبلة حتى تصلي الرجال وكذا عكسه

فإن أمكن أن يتوارى كل طائفة بمكان آخر حتى تصلي الطائفة الأخرى فهو أفضل ذكره في المجموع

وأفضل صفوف الرجال ولو مع غيرهم والخناثى الخلص كذلك أولها وهو الذي يلي الإمام وإن تخلله منبر أو نحوه ثم الأقرب فالأقرب إليه وأفضلها للنساء مع الرجال أو الخناثى وللخناثى مع الرجال آخرها لأن ذلك أليق وأستر

نعم الصلاة على الجنازة صفوفها كلها في الفضيلة سواء إذا اتحد الجنس لأن تعدد الصفوف فيها مطلوب والسنة أن يوسطوا الإمام ويكتنفوه من جانبيه وجهة يمينه أفضل

ويسن سد فرج الصفوف وأن لا يشرع في صف حتى يتم الأول وأن يفسح لمن يريده وهذا كله مستحب لا شرط فلو خالفوا صحت صلاتهم مع الكراهة وقد تقدم بعض ذلك

( ويكره وقوف المأموم فردا ) عند اتحاد الجنس أما إذا اختلف كامرأة ولا نساء أو خنثى ولا خناثى فلا كراهة بل يندب كما علم مما مر

والأصل في ذلك ما رواه البخاري عن أبي بكرة أنه دخل والنبي صلى الله عليه وسلم راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك له صلى الله عليه وسلم فقال زادك الله حرصا ولا تعد ويؤخذ من ذلك عدم لزوم الإعادة وما رواه الترمذي وحسنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة حملوه على الندب جمعا بين الدليلين على أن الشافعي ضعفه وكان يقول في القديم لو ثبت قلت به

وفي رواية لأبي داود بسند البخاري فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف ولم يأمره بالإعادة مع أنه أتى ببعض الصلاة منفردا خلف الصف

قال الشارح ويؤخذ من الكراهة فوات فضيلة الجماعة على قياس ما سيأتي في المقارنة

( بل يدخل الصف إن وجد سعة ) قال في الروضة كأصلها أو فرجة وكتب بخطه على الحاشية الفرجة خلاء ظاهر

والسعة أن لا يكون خلاء ويكون بحيث لو دخل بينهما لوسعه اه

فتعبير المصنف بالسعة أولى من اقتصار غيره على الفرجة إذ يفهم من السعة الفرجة ولا عكس

وفي الروضة كأصلها له أن يخرق الصف إذا لم يجد فيه فرجة وكانت في صف قدامه لتقصيرهم بتركها اه

والسعة كالفرجة في ذلك

وقضية إطلاق المصنف أنه يدخل لما ذكر في أي صف كان وبه صرح ابن دقيق العيد ولا يتقيد بصف أو صفين كما


248

زعمه الإسنوي ونقله في المهمات عن جمع كثير وعن نصه في الأم فإنه التبس عليه مسألة بمسألة فإن من نقل عنهم إنما فرضوا المسألة في التخطي يوم الجمعة والتخطي هو المشي بين القاعدين والكلام هنا في شق الصفوف وهم قيام وقد صرح المتولي في التتمة بكونهما مسألتين والفرق بينهما أن سد الفرجة التي في الصفوف مصلحة عامة له وللقوم بإتمام صلاته وصلاتهم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة كما ورد في الحديث وأمر صلى الله عليه وسلم بسد الفرج وقال إني رأيت الشيطان يدخل بينهما بخلاف ترك التخطي فإن الإمام يستحب له أن لا يحرم حتى يسوي بين الصفوف

( وإلا ) أي وإن لم يجد سعة ( فليجر ) ندبا في القيام ( شخصا ) واحدا من الصف إليه ( بعد الإحرام ) خروجا من خلاف من قال من العلماء لا تصح صلاته منفردا خلف الصف

قال الزركشي وغيره وينبغي أن يكون محله إذا جوز أن يوافقه وإلا فلا جر بل يمتنع لخوف الفتنة

( وليساعده المجرور ) ندبا بموافقته لينال فضل المعاونة على البر والتقوى

ولا يجر أحدا من الصف إذا كان اثنين لأنه يصير أحدهما منفردا ولهذا كان الجر فيما ذكر بعد الإحرام فإن أمكنه الخرق ليصطف مع الإمام أو كان مكانه يسع أكثر من اثنين فينبغي كما قال شيخنا أن يخرق في الأولى ويجرهما معا في الثانية

تنبيه قد يفهم من قول المصنف بعد الإحرام أنه لا يجوز قبله وبه صرح ابن الرفعة لئلا يخرجه عن الصف لا إلى صف

ونص في البويطي على أنه يقف منفردا ولا يجذب أحدا قال الأذرعي وهو المختار مذهبا ودليلا وبسط ذلك

( و ) الثاني من شروط الاقتداء أنه ( يشترط علمه ) أي المأموم ( بانتقالات الإمام ) ليتمكن من متابعته ( بأن يراه ) المأموم ( أو ) يرى ( بعض صف أو يسمعه أو مبلغا ) وإن لم يكن مصليا وإن كان كلام الشيخ أبي محمد في الفروق يقتضي اشتراط كونه مصليا

ويشترط أن يكون ثقة كما صرح به ابن الأستاذ في شرح الوسيط والشيخ أبو محمد في الفروق وإن ذكر في المجموع في باب الأذان أن الجمهور قالوا يقبل خبر الصبي فيما طريقه المشاهدة أو بأن يهديه ثقة إذا كان أعمى أو أصم أو بصيرا في ظلمة أو نحوها

والشرط الثالث من شروط الاقتداء أن يعدا مجتمعين ليظهر الشعار والتوادد والتعاضد إذ لو اكتفي بالعلم بالانتقالات فقط كما قاله عطاء لبطل السعي المأمور به والدعاء إلى الجماعة وكان كل أحد يصلي في سوقه أو بيته بصلاة الإمام في المسجد إذا علم بانتقالاته

ولاجتماعهما أربعة أحوال لأنهما إما أن يكونا بمسجد أو بغيره في قضاء أو بناء أو يكون أحدهما بمسجد والآخر بغيره وقد أخذ في بيانها فقال ( وإذا جمعهما مسجد صح الاقتداء وإن بعدت المسافة ) بينهما فيه ( وحالت أبنية ) كبئر وسطح ومنارة تنفذ أبوابها وإن أغلقت فلا بد أن يكون لسطح المسجد باب من المسجد لأنه كله مبني للصلاة فالمجتمعون فيه مجتمعون لإقامة الجماعة مؤدون لشعارها ولا بد أن يكون التنافذ على العادة كما قاله بعض المتأخرين

واعلم أن التسمير للأبواب يخرجها عن الاجتماع فإن لم تتنافذ أبوابها إليه أو لم يكن التنافذ على العادة فلا يعد الجامع بها مسجدا واحدا وإن خالف في ذلك البلقيني فيضر الشباك

فلو وقف من ورائه بجدار المسجد ضر ووقع للإسنوي أنه لا يضر قال الحصني وهو سهو والمنقول في الرافعي أنه يضر أي أخذا من شرطه تنافذ أبنية المسجد وعلو المسجد كسفله فهما مسجد واحد كما يؤخذ مما مر وكذا رحبته معه وهي ما كان خارجه محجرا عليه لأجله قال في أصل الروضة ولم يفرقوا بين أن يكون بينهما طريق أم لا

وقال ابن كج إن انفصلت فكمسجد آخر واستحسنه في الشرح الصغير

قال الزركشي وقول المجموع والمذهب الأول فقد نص الشافعي والأصحاب على صحة الاعتكاف فيها لا حجة فيه إذ لا نزاع في صحة الاعتكاف فيها وإنما النزاع في أنه إذا كان بينها وبين المسجد طريق يكونان كمسجد واحد أم لا والأشبه ما قاله ابن كج وعليه يحمل إطلاق غيره اه

ومع هذا فالأوجه أنه يأتي في ذلك التفصيل الآتي بين أن يكون قديما فيضر أو حادثا فلا وسيبين عن قريب

وتوقف الإسنوي فيما إذا لم يدر أوقفت مسجدا أم لا هل تكون مسجدا لأن الظاهر أن لها حكم متبوعها أم لا لأن


249

الأصل عدم الوقف

والمتجه الأول كما قاله بعض المتأخرين وهو مقتضى كلام الشيخين

وخرج بالرحبة الحريم وهو الموضع المتصل به المهيأ لمصلحته كانصباب الماء وطرح القمامات فيه فليس له حكمه

قال الزركشي ويلزم الواقف تمييز الرحبة من الحريم لتعطي حكم المسجد والمساجد المتلاصقة التي ينفذ أبواب بعضها إلى بعض كالمسجد الواحد في صحة الاقتداء وإن بعدت المسافة واختلفت الأبنية وانفرد كل مسجد بإمام ومؤذن وجماعة نعم إن حال بينهما نهر قديم بأن حفر قبل حدوثها فلا تكون كمسجد واحد بل تكون كمسجد وغيره وسيأتي حكمه

أما النهر الطارىء الذي حفر بعد حدوثها فلا يخرجها عن كونها كمسجد واحد وكالنهر في ذلك الطريق ويأتي هذا التفصيل في المسجد الواحد إذا كان فيه نهر أو طريق

( ولو كانا ) أي الإمام والمأموم ( بفضاء ) أي مكان واسع كصحراء ( شرط أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع ) بذراع الآدمي وهو شبران لقرب ذلك وبعدما وراءه في العادة ( تقريبا ) لعدم ورود ضابط من الشارع ( وقيل تحديدا ) ونسب إلى أبي إسحاق المروزي وقال الماوردي إنه غلط

فعلى الأول لا تضر زيادة ثلاثة أذرع كما في التهذيب وغيره لأن هذا التقدير مأخوذ من عرف الناس وهم يعدونهما في ذلك مجتمعين وقيل ما بين الصفين في صلاة الخوف إذ سهام العرب لا تجاوز ذلك غالبا

وعلى الثاني يضر أي زيادة كانت

( فإن تلاحق ) أي وقف ( شخصان أو صفان ) خلف الإمام أو عن يمينه أو يساره أو أحدهما وراء الآخر أو عن يمينه أو يساره ( اعتبرت المسافة ) المذكورة ( بين الأخير والأول ) من الشخصين أو الصفين لأن الأول في هذه الحالة كإمام الأخير حتى لو كثرت الأشخاص أو الصفوف وبلغ ما بين الإمام والأخير فراسخ لم يضر

( وسواء ) فيما ذكر ( الفضاء المملوك والوقف والمبعض ) أي الذي بعضه ملك وبعضه وقف والموات الخالص والمبعض أي الذي بعضه موات وبعضه ملك وقد ذكره في المحرر قال الإسنوي ولكن نسيه المصنف

وينتظم من ذلك ست مسائل ثلاثة في الخالص وثلاثة في المبعض بأن يأخذ كل واحد مشتركا مع ما بعده ولا فرق في ذلك بين المحوط والمسقف وغيره

( ولا يضر ) بين الشخصين أو الصفين ( الشارع المطروق والنهر المحوج إلى سباحة ) وهي بكسر السين العوم ( على الصحيح ) فيهما لأن ذلك لا يعد حائلا في العرف كما لو كانا في سفينتين مكشوفتين في البحر والثاني يضر ذلك أما الشارع فقد تكثر فيه الزحمة فيعسر الاطلاع على أحوال الإمام وأما النهر فقياسا على حيلولة الجدار

وأجاب الأول بمنع العسر والحيلولة المذكورين

ولا يضر جزما الشارع غير المطروق والنهر الذي يمكن العبور من أحد طرفيه إلى الآخر من غير سباحة بالوثوب فوقه أو المشي فيه أو على جسر ممدود على حافتيه

( فإن كان ) أي الإمام والمأموم ( في بناءين كصحن وصفة أو بيت ) من مكان واحد كالمدرسة المشتملة على هذه الأمور أو مكانين كما دل عليه كلام الرافعي لكن مع مراعاة بقية الشروط من محاذاة الأسفل للأعلى بجزء منهما

( فطريقان أصحهما إن كان بناء المأموم يمينا أو شمالا ) لبناء الإمام ( وجب اتصال صف من أحد البناءين بالآخر ) كأن يقف واحد بطرف الصفة وآخر بالصحن متصلا به لأن اختلاف الأبنية يوجب الافتراق فاشترط الاتصال ليحصل الربط بالاجتماع

( تنبيه ) المراد ببناء المأموم موقفه أي موقف المأموم عن يمين الإمام أو يساره

وفهم من قول المصنف اتصال صف أنه لو وقف شخص واحد في البناءين وكان أحد شقيه في بناء الإمام والشق الآخر في بناء المأموم أنه لا يكفي في حصول الاتصال وهو كذلك كما صرح به صاحب الكافي لأن الواحد ليس بصف وإن كان الشرط اتصال المناكب بين بناء المأموم وبناء الإمام فقط فأما من على يمين هذا في بنائه وعلى يسار الآخر في بنائه فكالفضاء حتى لا يشترط اتصال


250

الواقفين بمن حصل به اتصال الصف في البناء

( ولا تضر ) في الاتصال المذكور ( فرجة ) بفتح الفاء وضمها كغرفة ( لا تسع واقفا ) أو تسع واقفا لكن تعذر الوقوف عليها كعتبة ( في الأصح ) نظرا للعرف في ذلك لأن أهل العرف يعدونه صفا واحدا

والثاني يضر نظرا إلى الحقيقة

فإن وسعت واقفا فأكثر ولم يتعذر الوقوف عليها ضر

( وإن كان ) بناء المأموم ( خلف بناء الإمام فالصحيح ) من وجهين أحدهما منع القدوة لانتفاء الربط بما تقدم ( صحة القدوة ) للحاجة ( بشرط ) الاتصال الممكن بين أهل الصفوف وهو ( أن لا يكون بين الصفين ) أو الشخصين الواقفين بطرف البناءين ( أكثر من ثلاثة أذرع ) تقريبا لأن بهذا المقدار يحصل الاتصال العرفي بين الصفين أو الشخصين لإمكان السجود

( والطريق الثاني لا يشترط إلا القرب ) بأن لا يزيد ما بين الإمام والمأموم على ثلاثمائة ذراع تقريبا سواء أكان بناء المأموم يمينا أم شمالا أم خلف بناء الإمام للقياس الذي ذكره بقوله ( كالفضاء ) هذا ( إن لم يكن حائل ) يمنع الاستطراق ( أو حال ) ما فيه ( باب نافذ ) ولا بد أن يقف بحذائه صف أو رجل كما في الروضة وأصلها

فإن قيل قوله حال باب نافذ معترض فإن النافذ ليس بحائل وصوابه كما في المحرر فإن لم يكن بين البناءين حائل أو كان بينهما باب نافذ

أجيب بأن مراده ما قدرته تبعا للشارح ولكن لو عبر بما عبر به المحرر كان أولى

( فإن حال ما يمنع المرور لا الرؤية ) كالشباك أو يمنع الرؤية لا المرور كالباب المردود ( فوجهان ) أصحهما في أصل الروضة عدم صحة القدوة أخذا من تصحيحه الآتي في المسجد مع الموات

فائدة لم يقع في المتن ذكر خلاف بلا ترجيح سوى هذا وقوله في النفقات والوارثان يستويان أم يوزع بحسبه وجهان ولا ثالث لهما فيه إلا ما كان مفرعا على ضعيف كالأقوال المفرعة على البينتين المتعارضتين هل يفرع أم يوقف أم يقسم أقوال بلا ترجيح فيها

( أو ) حال ( جدار ) أو باب مغلق ( بطلت ) أي لم تصح القدوة ( باتفاق الطريقين لأن الجدار معد للفصل بين الأماكن

( قلت الطريق الثاني أصح والله أعلم ) للقياس المتقدم وهذا ما عليه معظم العراقيين والأولى طريقة المراوزة

( وإذا صح اقتداؤه في بناء آخر ) أي غير بناء الإمام على الطريق الأول بشرط الاتصال أو الثاني بلا شرط ( صح اقتداء من خلفه ) أو بجنبه ( وإن حال جدار بينه ) أي من خلفه أو بجنبه ( وبين الإمام ) ويصير من صح اقتداؤه لمن خلفه أو بجنبه كالإمام له فلا يحرم قبل إحرامه ولا يركع قبل ركوعه ولا يتقدم عليه وإن كان متأخرا عن الإمام وقضية هذا أنه لو فسدت صلاة من حصل به الاتصال بحدث أو غيره لم يكن له متابعة الإمام لانقطاع الرابطة بينهما لكن في فتاوى البغوي أنه لو أحدث من حصل به الاتصال في خلال الصلاة أو تركها عمدا جاز للغير متابعة الإمام لأن الاتصال شرط لابتداء الانعقاد لا للدوام إذ يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء لأن حكم الدوام أقوى

وفيها ولو رد الريح الباب في أثناء الصلاة فإن أمكنه فتحه حالا فتحه ودام على المتابعة وإلا فارقه

ويجوز أن يقال انقطعت القدوة كما لو أحدث إمامه فلو تابعه بطلت صلاته كذا نقله الأذرعي

ونقل الإسنوي في شرحه أن البغوي قال في فتاويه ولو كان الباب مفتوحا وقت الإحرام فانغلق في أثناء الصلاة لم يضر اه

فلعل الإفتاء تعدد

وهذا الثاني هو الظاهر كنظائر المسألة وأما الأول فهو مشكل فلذلك قال بعض المتأخرين بأن صورته فيما إذا لم يعلم هو وحده انتقالات الإمام بعد رد الباب وبأنه مقصر لعدم إحكامه فتحه بخلاف البقية وبعضهم الحائل أشد من البعد بدليل أن الحائل في المسجد يضر بخلاف البعد

( و ) على الطريقة الأولى ( لو وقف في علو )


251

في غير مسجد كصفة مرتفعة وسط دار مثلا ( وإمامه في سفل ) كصحن تلك الدار ( أو عكسه ) أي الوقوف أي وقوفا عكس الوقوف المذكور

ولو عبر بقوله أو بالعكس كما عبر به في المحرر لكان أوضح

( شرط ) مع ما مر من وجوب اتصال صف من أحدهما بالآخر ( محاذاة بعض بدنه ) أي المأموم ( بعض بدنه ) أي الإمام بأن يحاذي رأس الأسفل قدم الأعلى مع اعتدال قامة الأسفل حتى لو كان قصيرا لكنه لو كان معتدلا لحصلت المحاذاة صح الاقتداء وكذا لو كان قاعدا ولو قام لحاذى كفى

تنبيه المراد بالعلو البناء ونحوه

أما الجبل الذي يمكن صعوده فداخل في الفضاء لأن الأرض فيها عال ومستو فالمعتبر فيه القرب على الطريقين فالصلاة على الصفا أو المروة أو جبل أبي قبيس بصلاة الإمام في المسجد صحيحة وإن كانت أعلى منه كما نص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه وله نص آخر فيه بالمنع حمل على ما إذا بعدت المسافة أو حالت أبنية هناك

وكلام المصنف يوهم أن اشتراط المحاذاة يأتي على الطريقين معا فإنه ذكره مجزوما به بعد استيفاء ذكر الطريقين وليس مرادا بل إنما هو يأتي على طريقة اشتراط الاتصال في البناء كما قدرته أما من لا يشترط فإنه لا يعتبر ذلك بل يشترط أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع تقريبا

وينبغي أن تعتبر المسافة من رأس السافل إلى قدم العالي فلو ذكر ذلك في أثناء الطريقة الأولى لاستراح من هذا الإبهام

ثم هذا الشرط المذكور المبني على الطريقة الأولى ليس كافيا وحده بل يضم إلى ما تقدم كما قدرته أيضا حتى لو وقف الإمام على صفة مرتفعة والمأموم في الصحن فلا بد على الطريقة المذكورة من وقوف رجل على طرف الصفة ووقوف آخر في الصحن متصلا به كما قاله الرافعي وأسقطه من الروضة

وخرج بقولنا في غير مسجد ما إذا كانا فيه فإنه يصح مطلقا كما سبق ولو كانا في سفينتين مكشوفتين في البحر فكاقتداء أحدهما بالآخر في الفضاء فيصح بشرط أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع تقريبا وإن لم تشد إحداهما بالأخرى فإن كانتا مسقفتين أو إحداهما فقط فكاقتداء أحدهما بالآخر في بيتين فيشترط مع قدر المسافة وعدم الحائل وجود الواقف بالمنفذ إن كان بينهما منفذ والسفينة التي فيها بيوت كالدار التي فيها بيوت والسرادقات بالصحراء قال في المهمات والمراد بها هنا ما يدار حول الخيام كسفينة مكشوفة والخيام كالبيوت

( ولو وقف ) المأموم ( في ) نحو ( موات ) كشارع ( وإمامه في مسجد ) متصل بنحو الموات ( فإن لم يحل شيء ) بين الإمام والمأموم ( فالشرط التقارب ) وهو ثلثمائة ذراع على ما مر ( معتبرا من آخر المسجد ) لأن المسجد كله شيء واحد لأنه محل للصلاة فلا يدخل في الحد الفاصل

( وقيل من آخر صف ) فيه لأنه المتبوع إن لم يكن فيه إلا الإمام فمن موقفه

قال الدارمي ومحل الخلاف إذا لم تخرج الصفوف عن المسجد فإن خرجت عنه فالمعتبر من آخر صف خارج المسجد قطعا فلو كان المأموم في المسجد والإمام خارجه اعتبرت المسافة من طرفه الذي يلي الإمام

فإن قيل قوله فإن لم يحل شيء متعقب فإنه لو كان في جدار المسجد باب ولم يقف بحذائه أحد لم تصح القدوة

أجيب بأن هذا علم من قوله فيما مر وإذا صح اقتداؤه في بناء صح اقتداء من خلفه

( وإن حال جدار ) لا باب فيه ( أو ) فيه ( باب مغلق منع ) الاقتداء لعدم الاتصال ( وكذا الباب المردود والشباك ) يمنع ( في الأصح ) لحصول الحائل من وجه إذ الباب المردود مانع من المشاهدة والشباك مانع من الاستطراق

والثاني لا يمنع لحصول الاتصال من وجه وهو الاستطراق في الصورة الأولى والمشاهدة في الثانية

قال الإسنوي نعم قال البغوي في فتاويه لو كان الباب مفتوحا وقت الإحرام فانغلق في أثناء الصلاة لم يضر اه

وقد قدمنا الكلام عليه

أما الباب المفتوح فيجوز اقتداء الواقف بحذائه والصف المتصل به وإن خرجوا عن المحاذاة بخلاف العادة عن محاذاته فلا يصح اقتداؤه للحائل كما سبق

( قلت يكره


252

ارتفاع المأموم على إمامه وعكسه ) أما الثاني فللنهي عنه كما أخرجه أبو داود والحاكم وأما الأول فقياسا على الثاني هذا إن أمكن وقوفهما على مستو وإلا فلا كراهة ولا فرق في ذلك بين أن يكونا في مسجد أو لا

( إلا لحاجة ) تتعلق بالصلاة كتعليم الإمام المأمومين صفة الصلاة كما ثبت في الصحيحين وكتبليغ المأموم تكبير الإمام

( فيستحب ) ارتفاعهما لذلك

( ولا يقوم ) ندبا غير المقيم من مريدي الصلاة قائما ( حتى يفرغ المؤذن ) أو غيره ( من الإقامة ) ولو كان شيخا لأنه ما لم يفرغ منهما لم يحضر وقت الدخول وهو قبل التمام مشغول بالإجابة

أما العاجز عن القيام فيقعد أو يضطجع أو نحو ذلك حينئذ ولذلك قال في الكفاية ولعل المراد بالقيام التوجه ليشمل المصلي قاعدا أو مضطجعا ومنه قوله تعالى وقوموا لله قانتين

تنبيه قد يفهم كلامه أن الداخل والمؤذن في الإقامة يجلس ليقوم إليها وبه قال الشيخ أبو حامد لكن الأصح في المجموع خلافه

ولو حذف لفظ المؤذن وقال بعد الفراغ من الإقامة لكان أخصر وليشمل ما قدرته إذ قد يقيم غير المؤذن لكنه جرى على الغالب فلا مفهوم له

أما المقيم فيقيم قائما إذا كان قادرا فإن القيام من سننها نبه على ذلك المحب الطبري وهو ظاهر

( ولا يبتديء ) مريد فعل الفريضة المقام لها مع الجماعة الحاضرة ندبا ( نفلا بعد شروعه ) أي المقيم ( فيها ) أي الإقامة بل يكره له ذلك لخبر مسلم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة وفي معنى الشروع قرب إقامتها

( فإن كان فيه ) أي النفل ( أتمه ) ندبا ( إن لم يخش ) أي يخفف بإتمامه ( فوت الجماعة ) بسلام الإمام ( والله أعلم ) لقوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم فإن خاف فوتها فإن كانت الجماعة في غير الجمعة قطع النافلة لها ندبا وإلا فوجوبا

نعم إن علم إدراك جماعة أخرى لتلاحق الناس فالمتجه إتمامه وحينئذ فيحمل لفظ الجماعة على الجنس لا المعهودة وهي التي أقيمت نبه على ذلك الإسنوي

تتمة لو أقيمت الجماعة والمنفرد يصلي حاضرة صبحا أو ثلاثية أو رباعية وقد قام في الأخيرتين إلى ثالثة أتم صلاته ودخل في الجماعة وإن لم يقم فيها إلى ثالثة استحب له قلبها نفلا ويقتصر على ركعتين ثم يدخل في الجماعة

نعم إن خشي فوت الجماعة لو أتم الركعتين استحب له قطع صلاته واستئنافها جماعة ذكره في المجموع وجزم في التحقيق بأن محل ذلك أيضا إذا تحقق إتمامها في الوقت

لو سلم من ركعتين وإلا حرم السلام منهما

أما إذا كان يصلي في فائتة فلا يقلبها نفلا ليصليها جماعة في حاضرة أو فائتة أخرى فإن كانت الجماعة في تلك الفائتة بعينها ولم يكن القضاء فوريا جاز له قطعها من غير ندب وإلا فلا يجوز كما قاله الزركشي ويجب قلب الفائتة نفلا إن خشي فوت الحاضرة

والشرط الرابع من شروط الاقتداء ما ذكره بقوله فصل شرط القدوة أي شرط صحتها في الابتداء ( أن ينوي المأموم مع التكبير ) للإحرام ( الاقتداء ) أو الائتمام ( أو الجماعة ) بالإمام الحاضر إما مأموما أو مؤتما به لأن التبعية عمل فافتقرت إلى نية إذ ليس للمرء إلا ما نوى ولا يكفي كما قال الأذرعي إطلاق نية الاقتداء من غير إضافة إلى الإمام

واعتبر اقترانها بالتكبير كسائر ما يجب التعرض له من صفات صلاته وهذا في غير من أحرم منفردا ثم نوى متابعة الإمام فإنه جائز كما سيأتي

فإن قيل الاكتفاء بنية الجماعة مشكل إذ ليس فيها ربط فعله بفعل غيره لأنها مشتركة بين الإمام والمأموم

أجيب بأنها تتعين بالقرينة الحالية للاقتداء وللإمامة فإن أضاف الجماعة إلى ما قدرته في كلام المصنف زال الإشكال بالكلية

( والجمعة كغيرها ) في اشتراط النية المذكورة ( على الصحيح ) فيشترط مقارنتها للتكبير لتعلق صلاته بصلاة الإمام فإن لم ينو ذلك انعقدت صلاته منفردا إلا في الجمعة


253

فلا تنعقد أصلا لاشتراط الجماعة فيها

والثاني لا يشترط فيها ما ذكر لأنها لا تصح إلا جماعة فكان التصريح بنية الجمعة مغنيا عن التصريح بنية الجماعة

( فلو ترك هذه النية وتابعه في ) جنس ( الأفعال ) أو تابعه وهو شاك في النية المذكورة نظرت فإن ركع معه أو سجد مثلا بعد انتظار كثير عرفا ( بطلت صلاته على الصحيح ) حتى لو عرض له الشك في التشهد الأخير لم يجز أن يوقف سلامه لأنه على سلامه وقف صلاته على صلاة غيره من غير رابط بينهما والثاني يقول المراد بالمتابعة هنا أن يأتي بالفعل بعد الفعل لا لأجله وإن تقدمه انتظار كثير له

قال الشارح فلا نزاع في المعنى أي لأن القولين لم يتواردا على محل واحد

وخرج بقوله تابعه ما لو وقعت المتابعة اتفاقا وبقولنا بعد انتظار كثير عرفا ما لو كان الانتظار يسيرا عرفا فإن ذلك لا يضر لأنه في الأول لا يسمى متابعة وفي الثانية مغتفر لقلته

ولا يؤثر شكه فيما ذكر بعد السلام كما في التحقيق وغيره بخلاف الشك في أصل النية كما مر لأنه شك في الانعقاد بخلافه هنا

ويستثنى مما علم من أن الشك لا يبطل الصلاة بغير متابعة ما لو عرض في الجمعة فيبطلها إذا طال زمنه لأن نية الجماعة فيها شرط

تنبيه لو عبر المصنف بفعل بدل الأفعال لاستغنى عن التقدير المذكور

وما ذكرته في مسألة الشك تبعا لشيخنا هو المعتمد وإن اقتضى قول العزيز وغيره أن الشك فيها كالشك في أصل النية أنها تبطل بالانتظار الطويل وإن لم يتابع وباليسير مع المتابعة

( ولا يجب ) على المأموم ( تعيين الإمام ) في النية باسمه كزيد أو عمرو بل تكفي نية الاقتداء بالإمام أو الحاضر أو نحو ذلك لأن مقصود الجماعة لا يختلف بالتعيين وعدمه بل قال الإمام وغيره الأولى أن لا يعينه في نيته لأنه ربما عينه فبان خلافه فتبطل صلاته كما قال

( فإن عينه ) ولم يشر إليه ( وأخطأ ) كأن نوى الاقتداء بزيد فبان عمرا أو اعتقد أنه الإمام فبان مأموما أو غير مصل ( بطلت صلاته ) أي لم تنعقد لربطه صلاته بمن لم ينو الاقتداء به كمن عين الميت في صلاته أو نوى العتق في كفارة ظهار وأخطأ فيهما

وقول الإسنوي بطلانها بمجرد الاقتداء غير مستقيم بل تصح صلاته منفردا لأنه لا إمام له ثم إن تابعه المتابعة المبطلة بطلت مردود بأن فساد النية مفسد للصلاة كما لو اقتدى بمن شك في أنه مأموم وبأن ما يجب التعرض له فيها إذا عينه وأخطأ بطلت كما مر فإن علق القدوة بشخصه سواء أعبر عنه بمن في المحراب أم بزيد هذا أم بهذا الحاضر أم بهذا أم بالحاضر وظنه زيدا فبان عمرا لم يضر لأن الخطأ لم يقع في الشخص لعدم تأتيه فيه بل في الظن ولا عبرة بالظن البين خطؤه بخلاف ما لو نوى القدوة بالحاضر مثلا ولم يعلقها بشخصه لأن الحاضر صفة لزيد الذي ظنه وأخطأ فيه والخطأ في الموصوف يستلزم الخطأ في الصفة فبان أنه اقتدى بغير الحاضر

( ولا يشترط للإمام ) في صحة الاقتداء في غير الجمعة ( نية الإمامة ) لاستقلاله ( بل تستحب ) ليحوز فضيلة الجماعة فإن لم ينو لم تحصل له إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى وتصح نيته لها مع تحرمه وإن لم يكن إماما في الحال لأنه سيصير إماما وفاقا للجويني وخلافا للعمراني في عدم الصحة حينئذ

وإذا نوى في أثناء الصلاة حاز الفضيلة من حين النية ولا تنعطف نيته على ما قبلها بخلاف ما لو نوى الصوم في النفل قبل الزوال فإنها تنعطف على ما قبلها لأن النهار لا ينبعض صوما وغيره بخلاف الصلاة فإنها تنبعض جماعة وغيرها

أما في الجمعة فيشترط أن يأتي بها فيها فلو تركها لم تصح جمعته لعدم استقلاله فيها سواء أكان من الأربعين أم زائدا عليهم

نعم إن لم يكن من أهل الوجوب ونوى غير الجمعة لم يشترط ما ذكر وظاهر أن الصلاة المعادة كالجمعة إذ لا تصح فرادى فلا بد من نية الإمام فيها

( فإن أخطأ ) الإمام في غير الجمعة وما ألحق بها ( في تعيين تابعه ) الذي نوى الإمامة به ( لم يضر ) لأن غلطه في النية لا يزيد على تركها

أما إذا نوى ذلك في الجمعة أو ما ألحق بها فيضر لأن ما يجب التعرض له يضر الخطأ فيه كما مر

( وتصح قدوة المؤدي بالقاضي والمفترض بالمتنفل وفي الظهر بالعصر وبالعكوس ) أي القاضي بالمؤدي والمتنفل بالمفترض وفي العصر بالظهر إذ لا يتغير نظم الصلاة باختلاف النية

واحتج الشافعي رضي الله تعالى عنه على اقتداء المفترض بالمتنفل بخبر الصحيحين أن معاذا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة وفي رواية للشافعي هي له تطوع ولهم مكتوبة ومع صحة ذلك


254

يسن تركه خروجا من الخلاف لكن محله في غير الصلاة المعادة أما فيها فيسن كفعل معاذ نبه على ذلك شيخي

تنبيه تعبير المحرر بالجواز أولى من تعبير المصنف بالصحة لاستلزامه لها بخلاف العكس

( وكذا الظهر ) ونحوه كالعصر ( بالصبح والمغرب وهو ) أي المقتدي حينئذ ( كالمسبوق ) يتم صلاته بعد سلام إمامه

( ولا تضر متابعة الإمام في القنوت ) في الصبح ( والجلوس الأخير في المغرب ) كالمسبوق ( وله فراقه ) أي بالنية ( إذا اشتغل بهما ) بالقنوت والجلوس مراعاة لنظم صلاته والمتابعة أفضل من مفارقته كما في المجموع

فإن قيل كيف يجوز للمأموم متابعة الإمام في القنوت مع أنه ليس مشروعا للمأموم فكيف يجوز له تطويل الركن القصير به أجيب بأن ذلك اغتفر له لأجل المتابعة

فإن قيل قد مر أنه إذا اقتدى بمن يرى تطويل الاعتدال ليس له متابعته بل يسجد وينتظره أو يفارقه فهلا كان هنا كذلك أجيب بأن تطويل الاعتدال هنا يراه المأموم في الجملة وهناك لا يراه المأموم أصلا

( ويجوز الصبح خلف الظهر ) وكذا كل صلاة هي أقصر من صلاة الإمام ( في الأظهر ) وقطع به كعكسه بجامع الاتفاق في النظم والثاني لا يجوز لأنه يحتاج إلى الخروج عن صلاة الإمام قبل فراغه

ومحل الخلاف إذا لم يسبقه الإمام بقدر الزيادة فإن سبقه بها انتفى كما يؤخذ من التعليل

( فإذا قام ) الإمام ( للثالثة فإن شاء ) المأموم ( فارقه ) بالنية ( وسلم ) لانقضاء صلاته ( وإن شاء انتظره ليسلم معه ) لغرض أداء السلام مع الجماعة

( قلت انتظاره أفضل والله أعلم ) لما ذكر هذا إذا لم يخش خروج الوقت قبل تخلل إمامه وإلا فلا ينتظره ومحل الانتظار في الصبح كما صوره في الكتاب

أما لو صلى المغرب خلف رباعية فقام إمامه إلى الرابعة فلا ينتظره على الأصح في التحقيق وغيره لأنه يحدث جلوس تشهد لم يفعله الإمام بخلافه في تلك فإنه وافقه فيه ثم استدام

وعبارة الشيخين لأنه أحدث تشهدا وعبارة ابن المقري أحدث جلوسا والمراد من العبارتين ما قلناه بأن يقال مراد الشيخين أحدث تشهدا مع جلوسه ومراد ابن المقري أحدث جلوس تشهد ويؤخذ من ذلك أنه لو ترك إمامه الجلوس والتشهد في تلك أنه يلزمه مفارقته وهو كذلك كما قال شيخي

وتصح صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح كما لو اقتدى في الظهر بالصبح فإذا سلم الإمام قام إلى باقي صلاته والأولى أن يتمها منفردا فإن اقتدى به ثانيا في ركعتين أخريين من التراويح جاز كمنفرد اقتدى في أثناء صلاته بغيره

وتصح الصبح خلف من يصلي العيد والاستسقاء وعكسه لتوافقهما في نظم أفعالهما والأولى أن لا يوافقه في التكبير الزائد إن صلى الصبح خلف العيد أو الاستسقاء وفي تركه إن عكس اعتبارا بصلاته لا تضر موافقته في ذلك لأن الأذكار لا يضر فعلها وإن لم تندب ولا تركها وإن ندبت

( وإن ) صلى الصبح خلف من يصلي غيرها ( وأمكنه القنوت في الثانية ) بأن وقف الإمام يسيرا ( قنت ) ندبا تحصيلا لسنة ليس فيها مخالفة الإمام

( وإلا ) أي وإن لم يمكنه ( تركه ) خوفا من التخلف ولا يسجد للسهو لأن الإمام يحمله عنه

( وله فراقه ) بالنية ( ليقنت ) تحصيلا للسنة وتكون مفارقته بعذر فتركه أفضل

فإن لم ينو المفارقة وتخلف للقنوت وأدركه في السجدة الأولى لم يضر وقيل هو كما لو ترك الإمام التشهد الأول فقعد هو لأجله

وفرق بأنهما هنا اشتركا في الرفع من الركوع فلم ينفرد المأموم به بخلاف الجلوس للتشهد ولا يشكل على الفرق ما لو جلس الإمام للاستراحة في ظنه لأن جلسة الاستراحة هنا غير مطلوبة فلا عبرة بوجودها

والشرط الخامس من شروط الاقتداء توافق نظم الصلاتين في الأفعال الظاهرة كالركوع والسجود وإن اختلفا في عدد الركعات

( فإن اختلفا فعلهما ) أي الصلاتين ( كمكتوبة وكسوف أو ) مكتوبة و ( جنازة لم تصح ) القدوة فيهما ( على الصحيح ) لتعذر المتابعة باختلاف فعلهما والثاني تصح لإمكانها في البعض

ويراعى


255

ترتيب نفسه ولا يتابعه ففي الجنازة إذا كبر الإمام الثانية يخير بين أن يفارقه أو ينتظر سلامه ولا يتابعه في التكبير وفي الكسوف يتابعه في الركوع الأول ثم يرفع ويفارقه أو ينتظره راكعا إلى أن يركع ثانيا فيعتدل ويسجد معه ولا ينتظره بعد الرفع لما فيه من تطويل الركن القصير

ومحل الأول إذا صلى الكسوف على الوجه الأكمل

أما إذا فعلت ركعتين فقط كصلاة الصبح فتصح القدوة به ومحله أيضا في غير ثاني قيام ثانية الكسوف أما فيه فتصح لعدم المخالفة بعدها

قال الإسنوي ولا إشكال إذا اقتدى به في التشهد قال ومنع الاقتداء بمن يصلي جنازة أو كسوفا مشكل بل ينبغي أن يصح لأن الاقتداء به في القيام لا مخالفة فيه ثم إذا انتهى إلى الأفعال المخالفة فإن فارقه استمرت الصحة وإلا بطلت كمن صلى في ثوب ترى عورته منه إذا ركع بل أولى فينبغي حمل كلامهم على ما ذكرناه

وأجيب بأن المبطل لم يعرض بعد الانعقاد وهذا موجود عنده وهو اختلاف فعل الصلاتين الذي تتعذر معه المتابعة بعد الاقتداء

قال البلقيني وسجود التلاوة والشكر كصلاة الجنازة والكسوف

والشرط السادس من شروط الاقتداء موافقة الإمام في أفعال الصلاة فإن ترك الإمام فرضا لم يتابعه في تركه لأنه إن تعمده فصلاته باطلة وإلا ففعله غير معتد به أو ترك سنة أتى هو بها إن لم يفحش تخلفه لها كجلسة الاستراحة وقنوت يدرك معه السجدة الأولى كما مر لأن ذلك تخلف يسير

أما إذا فحش التخلف لها كسجود التلاوة والتشهد الأول فلا يأتي بها لخبر إنما جعل الإمام ليؤتم به فلو اشتغل به بطلت صلاته لعدوله عن فرض المتابعة إلى سنة ويخالف سجود السهو والتسليمة الثانية لأنه يفعله بعد فراغ الإمام

والشرط السابع من شروط الاقتداء المتابعة في أفعال الصلاة كما قال

فصل ( تجب متابعة الإمام في أفعال الصلاة )

لا في أقوالها على ما سيأتي

وكمال المتابعة يحصل ( بأن يتأخر ابتداء فعله ) أي المأموم ( عن ابتدائه ) أي الإمام أي ابتداء فعل الإمام ( ويتقدم ) ابتداء فعل المأموم ( على فراغه ) أي الإمام ( منه ) أي من الفعل ففي الصحيحين إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وأفهم تحريم التقدم في الأفعال وإن لم تبطل كأن سبقه بركن

واحترز بالأفعال عن الأقوال كالتشهد والقراءة فإنه يجوز فيها التقدم والتأخر إلا في تكبيرة الإحرام كما يعلم مما سيأتي وإلا في السلام فيبطل تقدمه إلا أن ينوي المفارقة ففيه الخلاف فيمن نواها وما وقع لابن الرفعة ومتابعيه من أنه لا يبطل خلاف المنقول

فإن قيل تفسيره المتابعة بما ذكر يناقضه قوله بعد فإن قارنه لم يضر

أجيب بأن مراده بيان المتابعة الكاملة كما قدرته في كلامه أو بأن قوله أولا تجب المتابعة أي في الجملة وهو الحكم على المجموع من أحوال المتابعة لا حكم كل فرد فرد

ولا شك أن المتابعة في كلها واجبة والتقدم بجميعها مبطل بلا خلاف

والحكم ثانيا بأنه لا يضر إنما ذكره للحكم من حيث الأفراد والحكم على الكل غير الحكم على الأفراد وهذا كقول الشيخ في التنبيه من السنن الطهارة ثلاثا ثلاثا مع أن الأولى واجبة وإنما أراد الحكم على الجملة من حيث هي وحيث أمكن الجمع ولو بوجه بعيد فهو أولى من التناقض

فإن قيل يرد الجواب الأول ذكر ما ذكر عقب قوله تجب متابعة الإمام وذلك يقتضي أنه أراد تفسير المتابعة الواجبة

أجيب بأن هذا كقولنا تجب الصلاة بفعل كذا وكذا فيذكر أولا وجوبها ثم يفسر كمالها

ولو عبر المصنف بالتبعية بدل المتابعة لكان أولى لأن المتابعة تقتضي المفاعلة غالبا

( فإن قارنه ) في فعل أو قول ( لم يضر ) أي لم يأثم لأن القدوة منتظمة لا مخالفة فيها نعم هي مكروهة ومفوتة لفضيلة الجماعة لارتكابه المكروه

قال الزركشي ويجري ذلك في سائر المكروهات أي المتعلقة بالجماعة وضابطه أنه حيث فعل مكروها مع الجماعة من مخالفة مأمور به في الموافقة والمتابعة كالانفراد عنهم فإن فضلها إذ المكروه لا ثواب فيه مع أن صلاته جماعة إذ لا يلزم من انتفاء فضلها انتفاؤها

فإن قيل فما فائدة حصول الجماعة مع انتفاء الثواب فيها أجيب بأن فائدته سقوط الإثم على القول بوجوبها إما على العين أو على الكفاية والكراهة على القول بأنها سنة مؤكدة لقيام الشعار ظاهرا

وهل المراد بالمقارنة المفوتة لذلك المقارنة في جميع الأفعال أو يكتفي


256

بمقارنة البعض قال الزركشي لم يتعرضوا له ويشبه أن المقارنة في ركن واحد لا تفوت ذلك أي فضيلة كل الصلاة بل ما قارن فيه سواء أكان ركنا أو أكثر وهذا ظاهر

وأما ثواب الصلاة فلا يفوت بارتكاب مكروه فقد صرحوا بأنه إذا صلى بأرض مغصوبة أن المحققين على حصول الثواب فالمكروه أولى

ولا يقال هذا الأمر خارجي لأنا نقول وهذا المكروه كذلك إذ لو كان لذات الصلاة لمنع انعقادها كالصلاة في الأوقات المكروهة على القول بأنها كراهة تنزيه

( إلا ) في ( تكبيرة إحرام ) فإنه إن قارنه فيها أو في بعضها أو شك في أثنائها أو بعدها ولم يتذكر عن قرب هل قارنه فيها أم لا كما صرح به في أصل الروضة أو ظن التأخر فبان خلافه لم تنعقد صلاته هذا إذا نوى الإتمام مع التكبير لظاهر الأخبار ولأنه نوى الاقتداء بغير مصل فيشترط تأخر جميع تكبيرته عن جميع تكبيرة الإمام

وفارق ذلك المقارنة في بقية الأركان بانتظام القدوة فيها لكون الإمام في الصلاة

وإنما قيد البطلان بما إذا نوى الائتمام مع التكبير للاحتراز عمن أحرم منفردا ثم اقتدى فإنه تصح قدوته وإن تقدم تكبيره على تكبير الإمام

تنبيه استثناء تكبيرة الإحرام من الأفعال استثناء منقطع فإنه ركن قولي نعم يصير استثناء متصلا بما قدرته في كلامه

وقضية الاستثناء جواز شروع المأموم في التكبير قبل فراغ الإمام منه وليس مرادا بل يجب تأخير جميعها عن جميع تكبير الإمام كما مر

وتعبير المصنف بالمقارنة أولى من تعبير المحرر بالمساوقة لأن المساوقة في اللغة مجيء واحد بعد واحد لا معا

( وإن تخلف ) المأموم ( بركن ) فعلي عامدا بلا عذر ( بأن فرغ الإمام منه وهو ) أي المأموم ( فيما قبله ) كأن ابتدأ الإمام رفع الاعتدال والمأموم في قيام القراءة ( لم تبطل ) صلاته ( في الأصح ) لأنه تخلف يسير سواء أكان طويلا كالمثال المتقدم أو قصيرا كأن رفع الإمام رأسه من السجدة الأولى وهوى من الجلسة بعدها للسجود والمأموم في السجدة الأولى

والثاني تبطل لما فيه من المخالفة من غير عذر

أما إذا تخلف بدون ركن كأن ركع الإمام دون المأموم ثم لحقه قبل أن يرفع رأسه من الركوع أو تخلف بركن بعذر لم تبطل صلاته قطعا

( أو ) تخلف ( بركنين ) فعليين ( بأن فرغ ) الإمام ( منهما وهو فيما قبلهما ) كأن ابتدأ الإمام هوي السجود والمأموم في قيام القراءة ( فإن لم يكن عذر ) كأن تخلف لقراءة السورة أو لتسبيحات الركوع والسجود ( بطلت ) صلاته لكثرة المخالفة سواء أكانا طويلين كأن تخلف المأموم في السجدة الثانية حتى قام الإمام وقرأ وركع ثم شرع في الاعتدال أو طويلا وقصيرا كالمثال المتقدم وأما كونهما قصيرين فلا يتصور

( وإن كان ) عذر ( بأن أسرع ) الإمام ( قراءته ) مثلا أو كان المأموم بطيء القراءة لعجز لا لوسوسة ( وركع قبل إتمام المأموم الفاتحة ) ولو اشتغل بإتمامها لاعتدال الإمام وسجد قبله ( فقيل يتبعه ) لتعذر الموافقة ( وتسقط البقية ) للعذر فأشبه المسبوق وعلى هذا لو تخلف كان متخلفا بغير عذر

( والصحيح ) لا يتبعه بل ( يتمها ) وجوبا ( ويسعى خلفه ) أي الإمام على نظم صلاة نفسه ( ما لم يسبق بأكثر من ثلاثة أركان ) بل بثلاثة فما دونها ( مقصودة ) في نفسها ( وهي الطويلة ) أخذا من صلاته صلى الله عليه وسلم بعسفان فلا يعد منها القصير وهو الاعتدال والجلوس بين السجدتين كما مر في سجود السهو أنهما قصيران وإن قال الرافعي في الشرح الصغير والمصنف في التحقيق إن الركن القصير مقصود فيسعى خلفه إذا فرغ من قراءة ما لزمه قراءته قبل فراغ الإمام من السجدة الثانية أو مع فراغه منها بأن ابتدأ الرفع اعتبارا ببقية الركعة

( فإن سبق بأكثر ) من الثلاثة بأن لم يفرغ من الفاتحة إلا والإمام قائم عن السجود أو جالس للتشهد ( فقيل يفارقه ) بالنية لتعذر الموافقة ( والأصح ) لا تلزمه المفارقة بل ( يتبعه فيما هو فيه ثم يتدارك


257

بعد سلام الإمام ) ما فاته كالمسبوق لما في مراعاة نظم صلاته في هذه الحالة من المخالفة الفاحشة

( ولو لم يتم ) المأموم ( الفاتحة لشغله بدعاء الافتتاح ) أو التعوذ وقد ركع الإمام ( فمعذور ) في التخلف لإتمامها كبطيء القراءة فيأتي فيه ما مر

تنبيه قد علم مما مر أن المراد بالفراغ من الركن الانتقال عنه لا الإتيان الواجب منه وأنه لا فرق بين أن يتلبس بغيره أم لا وهو الأصح كما في التحقيق وقيل يعتبر ملابسة الإمام ركنا آخر

( هذا كله في ) المأموم ( الموافق ) وهو من أدرك مع الإمام محل قراءة الفاتحة المعتدلة

أما المسبوق وهو بخلافه فهو ما بينه بقوله ( فأما مسبوق ركع الإمام في ) أثناء قراءته ( فاتحته فالأصح أنه إن لم يشتغل بالافتتاح والتعوذ ) أو بأحدهما ( ترك قراءته ) لبقية فاتحته ( وركع ) معه لأنه لم تدرك غير ما قرأه ( وهو ) بالركوع مع الإمام ( مدرك للركعة ) كما لو أدركه في الركوع فإن الفاتحة تسقط عنه ويركع معه ويجزئه فإن تخلف بعد قراءة ما أدركه من الفاتحة لإتمامها وفاته الركوع معه وأدركه في الاعتدال بطلت ركعته لأنه لم يتابعه في معظمها وكان تخلفه بلا عذر فيكون مكروها ولو ركع الإمام قبل فاتحة المسبوق فحكمه كما لو ركع فيها ولو شك هل أدرك زمنا يسع الفاتحة أو لا لزمه قراءتها لأن إسقاطها رخصة ولا يصار إليه إلا بيقين كما أفتى به شيخي

( وإلا ) بأن اشتغل بالافتتاح أو التعوذ ( لزمه قراءة بقدره ) أي بقدر حروفه من الفاتحة لتقصيره بعدوله عن فرض إلى نفل

والثاني يوافقه مطلقا ويسقط باقيها لحديث وإذا ركع فاركعوا واختاره الأذرعي تبعا لترجيح جماعة

والثالث يتم الفاتحة مطلقا لأنه أدرك القيام الذي هو محلها فلزمته فإن ركع مع الإمام على هذا

والشق الثاني من التفصيل وهو ما إذا اشتغل بالافتتاح أو التعوذ بطلت صلاته وإن تخلف عن الإمام على الوجه الثاني وهو القائل بأنه يترك القراءة ويركع مع الإمام مطلقا

والشق الأول من التفصيل وهو قوله ما إذا لم يشتغل بالافتتاح والتعوذ لإتمام الفاتحة حتى رفع الإمام من الركوع فاتته الركعة كما مرت الإشارة إليه لأنه غير معذور ولا تبطل صلاته إذا قلنا التخلف بركن لا يبطل وقيل تبطل لأنه ترك متابعة الإمام فيما فاتت به ركعة فهو كالتخلف بها

أما المتخلف على الشق الثاني من التفصيل وهو ما إذا اشتغل بالافتتاح أو التعوذ ليقرأ قدر ما فاته فقال الشيخان ك البغوي هو معذور لإلزامه بالقراءة و المتولي ك القاضي حسين غير معذور لاشتغاله بالسنة عن الفرض أي فإن لم يدرك الإمام في الركوع فاتته الركعة كما قاله الغزالي كإمامه ولا يركع لأنه لا يحسب له بل يتابعه في هويه للسجود كما جزم به في التحقيق

ولا ينافيه قول البغوي بعذره في التخلف لأن معناه أنه يعذر بمعنى أنه لا كراهة ولا بطلان لتخلفه قطعا لا بمعنى أنه إن لم يدرك الإمام في الركوع لم تفته الركعة اللهم إلا أن يريد أنه كبطيء القراءة فإنه لا تفوته الركعة إذا لم يدرك الإمام في الركوع

قال الفارقي وصورة التخلف للقراءة أن يظن أنه يدرك الإمام قبل سجوده وإلا فليتابعه قطعا ولا يقرأ وذكر مثله الروياني في حليته و الغزالي في إحيائه

ولكنه مخالف لنص الأم على أن صورتها أن يظن أنه يدركه في ركوعه وإلا فليفارقه ويتم صلاته نبه على ذلك الأذرعي وهذا كما قال شيخي هو المعتمد لكن لا تلزمه المفارقة إلا عند هويه للسجود لأنه يصير متخلفا بركنين قال الأذرعي وقضية التعليل بتقصيره بما ذكر أنه إذا ظن إدراكه في الركوع فأتى بالافتتاح والتعوذ فركع الإمام على خلاف العادة بأن اقتصر على الفاتحة وأعرض عن السنة التي قبلها والتي بعدها يركع معه وإن لم يكن قرأ من الفاتحة شيئا ومقتضى إطلاق الشيخين وغيرهما أنه لا فراق اه

وهذا المقتضى كما قال شيخنا هو المعتمد لبقاء محل القراءة

ولا نسلم أن تقصيره بما ذكر منتف في ذلك إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه

( ولا يشتغل المسبوق ) ندبا ( بسنة بعد التحرم ) كدعاء افتتاح أو تعوذ ( بل ) يشتغل ( بالفاتحة ) فقط لأن الاهتمام بشأن الفرض أولى ويخفها حذرا من فواتها ( إلا أن يعلم ) أي يظن ( إدراكها ) مع اشتغاله بالسنة كعادة الإمام فيأتي بها ثم يأتي بالفاتحة حيازة لفضيلتهما فإن


258

علم أن الإمام لا يقرأ السورة أو يقرأ سورة قصيرة لا يتمكن بعد قراءته من إتمام الفاتحة فعليه أن يقرأ الفاتحة معه كما قاله في الأنوار في باب صفة الصلاة

ومعنى عليه أي يسن له

( ولو علم المأموم في ركوعه ) مع الإمام كما قاله الشيخان ( أنه ترك الفاتحة ) بنسيان ( أو شك ) في فعلها هل قرأها أم لا ( لم يعد إليها ) أي إلى محل قرأتها ليأتي بها أي يحرم عليه ذلك لفوات محل القراءة

( بل يصلي ركعة بعد سلام الإمام ) تداركا كالمسبوق

أما إذا علم ذلك في ركوعه ولم يركع الإمام بأن ركع قبله فيجب عليه العود ليقرأها إذ لا متابعة حينئذ فهو كالمنفرد

ولو شك بعد قيام إمامه في أنه سجد معه أم لا يسجد ثم تابعه فلو قام معه ثم شك في ذلك لم يعد للسجود كما أفتى بهما القاضي ولو سجد معه ثم شك في أنه ركع معه أم لا لم يعد للركوع قاله البلقيني تخريجا على الثانية ولو شك بعد رفع إمامه من الركوع في أنه ركع معه أم لا عاد للركوع تخريجا على الأول

وضابط ذلك أنه إن تيقن فوت محل المتروك لتلبسه مع الإمام بركن لم يعد له وإلا عاد

قال الزركشي ولو تذكر في قيام الثانية بعد أن ركع مع الإمام في الأولى وشك هل قرأ الفاتحة أم لا ثم تذكر أنه كان قرأها حسبت له تلك الركعة بخلاف ما لو كان منفردا أو إماما فشك في ركوعه في القراءة فمضى ثم تذكر في قيام الثانية أي مثلا أنه كان قد قرأها في الأولى فإن صلاته تبطل إذ لا اعتداد بفعله مع الشك اه

ولو تعمد ترك الفاتحة حتى ركع الإمام قال ابن الرفعة قال القاضي فالمذهب أنه يخرج نفسه من متابعته اه

والأوجه كما قال شيخنا أنه يشتغل بقراءتها إلا أن يخاف أن يتخلف عنه بركنين فعليين فيخرج نفسه

( فلو علم ) المأموم تركها ( أو شك ) فيه ( وقد ركع الإمام ولم يركع هو قرأها ) وجوبا لبقاء محلها ( وهو متخلف بعذر ) فيأتي فيه ما مر في بطيء القراءة وقيل بغير عذر لتقصيره بالنسيان ( وقيل ) لا يقرأ بل ( يركع ويتدارك ) ركعة ( بعد سلام الإمام ) لأجل المتابعة

ولو انتظر سكتة إمامه ليقرأ فيها الفاتحة فركع إمامه عقبها فكالناسي خلافا للزركشي في قوله بسقوط الفاتحة عنه

( ولو سبق إمامه بالتحرم لم تنعقد ) صلاته لأنه ربط صلاته بمن ليس في صلاة وهذه فهمت من منع المقارنة بطريق الأولى فهي في الحقيقة مكررة

وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق بين أن يكون متعمدا أو ظانا أن إمامه أحرم فأحرم ثم بان خلافه وهو كذلك كما هو ظاهر نص البويطي وصرحا به فقالا ولو ظن أنه متأخر فبان خلافه فلا صلاة له وهذا هو المعتمد وإن نقل عن فتاوى البغوي أن صلاته انعقدت منفردا

قال الزركشي وعلم منه أنه لو لم يبين خلافه صحت صلاته وهو كذلك وهذه مما يفرق فيه بين الظن والشك

( أو ) سبقه ( بالفاتحة أو التشهد ) بأن فرغ من ذلك قبل شروع الإمام فيه ( لم يضره ) ذلك في صحة الاقتداء لأنه لا يظهر به مخالفة فاحشة ( ويجزئه ) ذلك أي يحسب له ما أتى به لما ذكر

( وقيل ) لا يجزئه و ( تجب إعادته ) إما مع قراءة الإمام أو بعدها وهو أولى إن تمكن لأنه أتى به أولا في غير محله لأن فعله مرتب على فعل الإمام فإن لم يعد بطلت صلاته

( ولو تقدم ) المأموم على إمامه ( بفعل كركوع وسجود إن كان ) ذلك ( بركنين بطلت ) صلاته إذا كان عامدا عالما بالتحريم لفحش المخالفة وسواء أكانا طويلين أم طويلا وقصيرا كما مر في التخلف

فإن كان ناسيا أو جاهلا لم تبطل لكن لا يعتد بتلك الركعة بل يتداركها بعد سلام الإمام

قال في أصل الروضة ولا يخفى بيان السبق بركنين من قياس ما ذكرناه في التخلف ولكن مثله العراقيون بأن ركع قبله فلما أراد أن يركع رفع فلما أراد أن يرفع سجد فلم يجتمعا في الرجوع ولا في الاعتدال وهو مخالف لما سبق في التخلف فيجوز أن يستويا بأن يقدر مثل ذلك هنا أو بالعكس وأن يختص هذا بالتقدم لفحشه اه

والصحيح كما قال شيخي أن التقدم كالتأخر


259

وقال النسائي ظاهر كلام الشيخين التسوية

وأفهم كلام المصنف أنه لو تقدم أو تأخر بركنين أحدهما قولي والآخر فعلي لا يضر وهو كذلك ومثله في الأنوار بالفاتحة والركوع

( وإلا ) بأن كان التقدم بأقل من ركنين سواء أكان بركن أم بأقل أم بأكثر ( فلا ) تبطل صلاته لقلة المخالفة ولو تعمد السبق به لأنه يسير كعكسه وله انتظاره فيما سبقه به كأن ركع قبله فالرجوع إليه مستحب ليركع معه إن تعمد السبق جبرا لما فاته فإن سها به تخير بين الانتظار والعودة والسبق بركن عمدا كأن ركع ورفع والإمام قائم حرام لخبر مسلم لا تبادروا الإمام إذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وفي رواية صحيحة رواها الشيخان أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل رأس الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار

ويؤخذ من ذلك أن السبق ببعض الركن كأن ركع قبل الإمام ولحقه الإمام في الركوع أنه كالسبق بركن وهو كذلك كما جرى عليه شيخنا

( وقيل تبطل بركن ) تام في العمد لمناقضته الاقتداء بخلاف التخلف إذ لا يظهر فيه فحش مخالفة

فصل في قطع القدوة

وما تنقطع به وما يتبعهما

( إذا خرج الإمام من صلاته ) بحدث أو غيره ( انقطعت القدوة ) به لزوال الرابطة وحينئذ فيسجد لسهو نفسه ويقتدي بغيره وغيره به

( فإن لم يخرج ) أي الإمام ( وقطعها المأموم ) بنية المفارقة بغير عذر ( جاز ) مع الكراهة لمفارقته للجماعة المطلوبة وجوبا أو ندبا مؤكدا بخلاف ما إذا فارقه لعذر فلا كراهة لعذره وصحت صلاته في الحالين لأنها إما سنة على قول فالسنن لا تلزم بالشروع إلا في الحج والعمرة أو فرض كفاية على الصحيح فكذلك إلا في الجهاد وصلاة الجنازة والحج والعمرة ولأن الفرقة الأولى فارقت النبي صلى الله عليه وسلم في ذات الرقاع كما سيأتي وفي الصحيحين أن معاذا صلى بأصحابه العشاء فطول عليهم فانصرف رجل فصلى ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بالقصة فغضب وأنكر على معاذ ولم ينكر على الرجل ولم يأمره بالإعادة

قال المصنف كذا استدلوا به وهو استدلال ضعيف إذ ليس في الخبر أنه فارقه وبنى بل في رواية أنه سلم ثم استأنفها فهو إنما يدل على جواز الإبطال لعذر

وأجيب بأن البيهقي قال إن هذه الرواية شاذة انفرد بها محمد بن عبادة عن سفيان ولم يذكرها أكثر أصحاب سفيان ثم بتقدير عدم الشذوذ أجيب بأن الخبر يدل على المدعى أيضا لأنه إذا دل على جواز إبطال أصل العبادة فعلى إبطال صفتها أولى

واختلف في أي الصلاة كانت هذه القصة ففي رواية لأبي داود والنسائي أنها كانت في المغرب وفي رواية الصحيحين وغيرهما أن معاذا افتتح سورة البقرة وفي رواية للإمام أحمد أنها كانت في العشاء فقرأ اقتربت الساعة

قال في المجموع فيجمع بين الروايات بأن تحمل على أنهما قضيتان لشخصين ولعل ذلك كان في ليلة واحدة فإن معاذا لا يفعله بعد النهي ويبعد أنه نسيه

وجمع بعضهم بين روايتي القراءة بأنه قرأ بهذه في ركعة وبهذه في أخرى

( وفي قول ) قديم ( لا يجوز ) أن يخرج من الجماعة لأنه التزم القدوة في كل صلاته وفيه إبطال للعمل وقد قال تعالى ولا تبطلوا أعمالكم

( إلا بعذر ) فتبطل الصلاة بدونه

وضبط الإمام العذر بما ( يرخص في ترك الجماعة ) أي ابتداء وقال إنه أقرب معتبر وألحقوا به ما ذكره المصنف بقوله ( ومن العذر تطويل الإمام ) والمأموم لا يصبر على التطويل لضعف أو شغل لرواية الصحيحين في قصة معاذ أن الرجل قال يا رسول الله إن معاذا افتتح سورة البقرة ونحن أصحاب نواضح نعمل بأيدينا فتأخرت وصليت

( أو تركه سنة مقصودة كتشهد ) أول وقنوت فله فراقه ليأتي بتلك السنة

تنبيه لا يجوز قطع الجماعة في الركعة الأولى من الجمعة لما سيأتي بأن الجماعة في الركعة الأولى فيها شرط وأما في الثانية فليست بشرط فيها فيجوز الخروج فيها خلافا لما في الكفاية من عدم الجواز ولو تعطلت الجماعة بخروجه وقلنا بأنها فرض كفاية فينبغي كما قاله بعض المتأخرين عدم الخروج منها لأن فرض الكفاية إذا انحصر في شخص تعين


260

عليه

ولو رأى المأموم الإمام متلبسا بما يبطل الصلاة ولو لم يعلم الإمام به كان رأى على ثوبه نجاسة غير معفو عنها أو رأى خفه تخرق وجب عليه مفارقته

( ولو أحرم منفردا ثم نوى القدوة في خلال ) أي أثناء ( صلاته ) قبل الركوع أو بعده ( جاز في الأظهر ) لقصة أبي بكر المشهورة لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أخرجوا أنفسهم عن الاقتداء به واقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولأنه يجوز أن يصلي بعض الصلاة منفردا ثم يقتدي به جماعة فيصير إماما فكذا يجوز أن يكون مأموما بعد أن كان منفردا

( وإن كان في ركعة أخرى ) أي غير ركعة الإمام ولو متقدما عليه لكنه مكروه كما في المجموع عن النص واتفاق الأصحاب والسنة أن يقلب الفريضة نفلا ويسلم من ركعتين إذا وسع الوقت كما مر والثاني لا يجوز وتبطل به الصلاة وما ذكره من جريان القولين مطلقا وهو الراجح

وقيل محلهما إذا اتفقا في الركعة الأولى أو ثانية وإن كان في كل ركعة بطلت قطعا

وقيل إن دخل قبل ركوعه صحت قطعا والقولان فيمن دخل بعده

وقيل إن دخل بعد ركوعه بطلت قطعا والقولان فيما قبله

تنبيه إنما قيد المصنف المسألة بما إذا أحرم منفردا لأنه إذا افتتحها في جماعة فيجوز بلا خلاف كما قاله في المجموع ومثله بما إذا أحرم خلف جنب جاهلا ثم نقلها عند التبين إليه بطهره أو إلى غيره أو أحدث إمامه وجوزنا الاستخلاف فاستخلف

ولو قام المسبوقون أو المقيمون خلف مسافر لم يجز أن يقتدي بعضهم ببعض على ما في الروضة في باب الجمعة من عدم جواز استخلاف المأمومين في الجمعة إذا تمت صلاة الإمام دونهم وكذا في غيرها في الأصح لأن الجماعة حصلت فإذا أتموها فرادى نالوا فضلها لكن مقتضى كلام أصلها هنا الجواز في غير الجمعة وهو المعتمد كما صححه في التحقيق وكذا في المجموع وقال اعتمده ولا تغتر بتصحيح الانتصار المنع

وعده في المهمات تناقضا وجمع غيره بينهما بأن الأول من حيث الفضيلة والثاني من حيث جواز اقتداء المنفرد بدليل أنه في التحقيق بعد ذكره جواز اقتداء المنفرد قال واقتداء المسبوق بعد سلام إمامه كغيره اه

وهو جمع متعين

( ثم ) بعد اقتدائه به ( يتبعه ) وجوبا فيما هو فيه ( قائما كان أو قاعدا ) أو راكعا أو ساجدا وإن كان على غير نظم صلاته ولو لم يقتد به رعاية للمتابعة

( فإن فرغ الإمام أولا فهو كمسبوق ) فيتم صلاته ( أو ) فرغ ( هو ) أولا ( فإن شاء فارقه ) بالنية ( وإن شاء انتظره ) في التشهد إن كان محل تشهد الإمام ( ليسلم معه ) وانتظاره أفضل على قياس ما مر في اقتداء الصبح بالظهر

( وما أدركه المسبوق ) مع الإمام ( فأول صلاته ) وما يفعله بعد سلام إمامه آخرها لقوله صلى الله عليه وسلم فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا متفق عليه وإتمام الشيء لا يكون إلا بعد أوله

فإن قيل في رواية مسلم صل ما أدركت واقض ما سبقك

أجيب بأن ذلك محمول على أصل الفعل كما في قوله تعالى فإذا قضيتم مناسككم وقوله تعالى فإذا قضيت الصلاة إذ الجمعة لا تقضى فلا يمكن حمل القضاء على الحقيقة الشرعية لأنه عبارة عن فعل الصلاة خارج وقتها

( فيعيد في الباقي القنوت ) في محله إذا صلى مع الإمام الركعة الثانية من الصبح وقنت الإمام فيها وفعله مع الإمام مستحب للمتابعة

( ولو أدرك ركعة من المغرب ) مع الإمام وأراد أن يتم صلاته ( تشهد في ثانيته ) ندبا لأنها محل تشهده الأول وتشهده مع الإمام للمتابعة وهذا إجماع منا ومن المخالف وهو حجة لنا على أن ما يدركه هو أول صلاته

فإن قيل لو أدرك ركعتين مع الإمام من الرباعية وفاتته قراءة السورة فيهما فإنه يقرؤها في الأخيرتين

أجيب بأنه إنما سن له ذلك لئلا تخلو صلاته منها كما سبق في صفة الصلاة

( وإن أدركه ) أي المأموم الإمام ( راكعا أدرك الركعة ) لخبر من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد


261

أدركها رواه الدارقطني وصححه ابن حبان في كتابه المسمى وصف الصلاة بالسنة

وظاهر كلام المصنف أنه يدرك الركعة سواء أتم الإمام الركعة فأتمها معه أم لا كأن أحدث في اعتداله وسواء أقصر المأموم في تحرمه حتى ركع الإمام ثم أحرم أم لا كما صرح به الإمام وغيره وهو كذلك

وحكى ابن الرفعة عن بعض شروح المهذب أنه إذا قصر في التكبير حتى ركع الإمام لا يكون مدركا للركعة

( قلت بشرط أن يطمئن ) يقينا ( قبل ارتفاع الإمام عن أقل الركوع والله أعلم ) كما ذكر الرافعي أن صاحب البيان صرح به وأن كلام كثير من النقلة أشعر به وهو الوجه ولم يتعرض له الأكثرون اه

وفي الكفاية ظاهر كلام الأئمة أنه لا يشترط اه

والوجه هو الأول لأن الركوع بدون الطمأنينة لا يعتد به فانتفاؤها كانتفائه وسيأتي في الجمعة أن من لحق الإمام المحدث راكعا لم تحسب ركعته على الصحيح ومثله من لحق الإمام في ركوع ركعة زائدة سهوا

والمعتبر في صلاة الكسوف إدراك الركوع الأول دون الثاني فلو أدركه فيما بعد الركوع كاعتدال أو فيه ولم يطمئن قبل ارتفاع الإمام عن أقل الركوع أو اطمأن والإمام محدث أو في ركعة قام إليها سهوا أو في ركوع زائد كأن نسي تسبيح الركوع واعتدل ثم عاد إليه ظانا جوازه أو أدركه في الركوع الثاني من الكسوف لم تحسب له تلك الركعة

ولو أتى المأموم مع الإمام الذي لم يحسب ركوعه بالركعة كاملة بأن أدرك معه قراءة الفاتحة حسبت له الركعة لأن الإمام لم يتحمل عنه شيئا

نعم إن علم حدثه أو سهوه ونسي لزمه الإعادة لتقصيره كما علم مما مر

( ولو شك في إدراك حد الإجزاء ) المعتبر قبل ارتفاع الإمام ( لم تحسب ركعته في الأظهر ) لأن الأصل عدم إدراكه والثاني تحسب لأن الأصل بقاء الإمام فيه

ورجح الأول بأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع به رخصة فلا يصار إليه إلا بيقين قاله الرافعي وغيره ويؤخذ منه أنه لا يكتفي بغلبة الظن وهو كذلك وإن نظر فيه الزركشي وما جزم به من كون الخلاف قولين خالفه في الروضة وصحح أنه وجهان وصوبه في المجموع مع تصحيحه طريقة القطع بالأول

( ويكبر ) المسبوق الذي أدرك إمامه في الركوع ( للإحرام ) وجوبا كغيره قائما فإن وقع بعضه في غير القيام لم تنعقد صلاته فرضا قطعا ولا نفلا على الأصح

( ثم للركوع ) ندبا لأنه محسوب له فندب له التكبير

( فإن نواهما ) أي الإحرام والركوع ( بتكبيرة لم تنعقد ) صلاته للتشريك بين فرض وسنة مقصودة

وادعى الإمام الإجماع عليه

( وقيل تنعقد نفلا ) قال في المهذب كما لو أخرج خمسة دراهم ونوى بها الزكاة وصدقة التطوع أي فتقع صدقة التطوع بلا خلاف كما قال المصنف في شرحه ودفع القياس بأنه ليس فيه جامع معتبر بيانه كما قال شيخي بأن صدقة الفرض ليست شرطا في صحة صدقة النفل فإذا بطل الفرض صح النفل بخلاف تكبيرة الإحرام فإنها شرط في صحة تكبيرة الانتقال فلا جامع بينهما حينئذ

( فإن لم ينو بها شيئا لم تنعقد ) صلاته ( على الصحيح ) المنصوص وقول الجمهور والثاني تنعقد فرضا كما صرح به في المجموع لأن قرينة الافتتاح تصرفها إليه و الأول يقول وقرينة الهوى تصرفها إليه فإذا تعارضت القرينتان فلا بد من قصد صارف

فإن قيل تصحيح الأول مشكل كما قاله في المهمات لأنه إذا أتى بالنية المعتبرة مقارنة للتكبير لم يفته إلا كون التكبير للتحرم وقصد الأركان لا يشترط اتفاقا

أجيب بأن محله إذا لم يوجد صارف ولو نوى أحدهما منهما لم تنعقد أيضا

فإن نوى التحرم فقط أو الركوع فقط لم يخف الحكم قال في المحرر من الانعقاد في الأولى وعدمه في الثانية

( ولو أدركه ) أي الإمام ( في اعتداله فما بعده انتقل معه مكبرا ) وإن لم يكن محسوبا له متابعة للإمام ( والأصح أنه يوافقه ) ندبا ( في التشهد ) والتحميد ( والتسبيحات ) أيضا والظاهر أنه يوافقه في إكمال التشهد والثاني لا يستحب ذلك لأنه غير محسوب له وقيل تجب موافقته في التشهد الأخير كما جزم به الماوردي في صفة الصلاة لأنه بالإحرام لزمه اتباعه

( و ) الأصح ( أن من أدركه ) أي الإمام ( في سجدة )


262

من سجدتي الصلاة أو جلوس بينهما أو تشهد أول أو ثان ( لم يكبر للانتقال إليها ) أي السجدة ولا إلى ما ذكر معها لأن ذلك غير محسوب له ولا موافقة للإمام في الانتقال إليه بخلاف الركوع فإنه محسوب له وبخلاف ما إذا انتقل بعد ذلك مع الإمام من السجود أو غيره فإنه يكبر موافقة للإمام في الانتقال إليه والثاني يكبر كالركوع وقد تقدم الفرق

تنبيه عبارة المصنف تشمل سجود التلاوة والسهو وخرج ذلك بتقييدي لعبارته تبعا للمحرر

والأولى كما قال الأذرعي أنه يقال إنه يكبر في سجدة التلاوة لأنها محسوبة له أي إذا كان سمع قراءة آية السجدة

وأما سجود السهو فينبني على الخلاف في أنه أيعيده في آخر صلاته أم لا إن قلنا بالأول وهو الصحيح لم يكبر وإلا كبر

( وإذا سلم الإمام قام المسبوق مكبرا ) ندبا ( إن كان ) جلوسه مع الإمام ( موضع جلوسه ) لو كان منفردا بأن أدركه في ثانية المغرب أو ثالثة الرباعية لأنه يكبر له المنفرد وغيره بلا خلاف

( وإلا ) أي وإن لم يكن موضع جلوسه بأن أدركه في الركعة الأخيرة من صبح أو غيره أو ثانية الرباعية ( فلا ) يكبر عند قيامه ( في الأصح ) لأنه ليس موضع تكبيره وليس فيه موافقة للإمام والثاني يكبر لئلا يخلو الانتقال عن ذكر

والسنة للمسبوق أن يقوم عقب تسليمتي الإمام ويجوز أن يقوم عقب الأولى ولو مكث بعدهما في موضع جلوسه لم يضر أو في غيره بطلت صلاته إن كان متعمدا عالما كما قاله في المجموع نعم يغتفر قدر جلسة الاستراحة كما أشار إليه الأذرعي فإن كان ناسيا أو جاهلا لا تبطل صلاته ويسجد للسهو

خاتمة الجماعة في صبح الجمعة ثم صبح غيرها ثم العشاء ثم العصر أفضل

روى البيهقي في فضائل الأعمال إن أفضل الصلاة عند الله صلاة الصبح يوم الجمعة في جماعة وروى الترمذي من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان ( له ) كقيام ليلة وهو مبين لخبر مسلم من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله قال الأذرعي وما ذكر ظاهر على المنصوص المشهور من أن الصلاة الوسطى هي الصبح أما إذا قلنا إنها العصر وهو الحق فيشبه أن تكون الجماعة فيها أفضل من غيرها لتأكدها وعظم خطرها والأوجه ما قالوه وإن قلنا إن الوسطى هي العصر لما في القيام للصبح من المشقة ويليها فيها العشاء بخلاف العصر

قال الزركشي وسكتوا عن الجماعة في الظهر والمغرب فيحتمل التسوية بينهما ويحتمل تفضيل الظهر لأنها اختصت من بين سائر الصلوات ببدل وهو الجمعة ويحتمل تفضيل المغرب لأن الشرع لم يخفف فيها بالقصر اه

والأوجه التسوية لتقابل فضيلتهما

باب كيفية ( صلاة المسافر )

حيث القصر والجمع المختص المسافر بجوازهما تخفيفا عليه لما يلحقه من مشقة السفر غالبا وذكر في هذا الباب الجمع بالمطر للمقيم

والأصل في القصر قبل الإجماع قوله تعالى وإذا ضربتم في الأرض الآية قال يعلى بن أمية قلت لعمر إنما قال الله تعالى إن خفتم وقد أمن الناس فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته رواه مسلم

والأصل في الجمع أخبار تأتي

ولما كان القصر أهم هذه الأمور بدأ المصنف به كغيره فقال ( إنما تقصر رباعية ) فلا تقصر الصبح ولا المغرب بالإجماع لأن الصبح لو قصرت لم تكن شفعا فتخرج عن موضوعها والمغرب لا يمكن قصرها إلى ركعتين لأنها لا تكون إلا وترا ولا إلى ركعة لخروجها بذلك عن باقي الصلوات ولا بد أن تكون الرباعية مكتوبة فلا تقصر المنذورة كأن نذر أن يصلي أربع ركعات ولا النافلة كأن نوى أربع ركعات سنة الظهر القبلية مثلا لعدم وروده

( مؤداة في السفر ) فلا تقصر الحضر في السفر كما سيأتي في كلامه

وأما فائتة السفر في السفر فسيأتي في كلامه أيضا

( الطويل ) فلا تقصر في


263

القصير أو المشكوك في طوله في الأمن بلا خلاف ولا في الخوف على الأصح ولا فرق في ذلك بين الصبح وغيرها

وأما خبر مسلم فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة فأجيب عنه بأنه يصلي في الخوف ركعة مع الإمام وينفرد بأخرى

( المباح ) أي الجائز لا مستوي الطرفين سواء أكان واجبا كسفر حج أو مندوبا كزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو مباحا كسفر تجارة أو مكروها كسفر منفرد فلا قصر في سفر المعصية كما سيأتي

ولو خرج لجهة معينة تبعا لشخص لا يعلم سبب سفره أو لتنفيذ كتاب لا يعلم ما فيه فالمتجه كما قال الإسنوي إلحاقه بالمباح والإتمام جائز كما يعلم مما سيأتي فقد روى البيهقي بإسناد صحيح عن عائشة قالت يا رسول الله قصرت بفتح التاء وأتممت بضمها وأفطرت بفتحها وصمت بضمها قال أحسنت يا عائشة وأما خبر فرضت الصلاة ركعتين أي في السفر كما مر فمعناه لمن المراد الاقتصار عليهما جمعا بين الأدلة

وما ضبطت به الحديث قاله بعض مشايخنا وقال بعضهم يجوز عكس الضبط المذكور إذ ليس في الحديث ما يدل على الأول

ثم بين محترز قوله مؤداة فقال ( لا فائتة الحضر ) أي لا تقصر إذا قضيت في السفر لأنها ثبتت في ذمته تامة وكذا لا تقصر في السفر فائتة مشكوك في أنها فائتة سفر أو حضر احتياطا ولأن الأصل الإتمام

( ولو قضى فائتة السفر ) الطويل المباح ( فالأظهر قصره في السفر ) الذي كذلك وإن كان غير سفر الفائتة ( دون الحضر ) نظرا إلى وجود السبب

والثاني يقصر فيهما لأنه إنما يلزمه في القضاء ما كان يلزمه في الأداء

والثالث يتم فيهما لأنها صلاة ردت إلى ركعتين فإذا فاتت أتى بالأربع كالجمعة

والرابع إن قضاها في ذلك السفر قصر وإلا فلا

وقد علم مما تقرر أن المراد من نفي الحصر للقصر في المقضية ما ذكر فيها من التفصيل على الراجح فيضم منه إلى المؤداة مقضية فائتة السفر فيه ولو سافر في أثناء الوقت ولو بعد مضي ما يسع تلك الصلاة قصر على النص فإن بقي ما يسع ركعة إلى أقل من أربع ركعات قصر أيضا إن قلنا إنها أداء وهو الأصح وإلا فلا

تنبيه سيأتي في الجمع أنه لو نوى التأخير وبقي من الوقت ما لا يسع الصلاة بكمالها كما يؤخذ من كلام المجموع وحمل الشارح عبارة الروضة عليه أن الصلاة تصير قضاء ولا جمع وفرق بأن النية ضعيفة بخلاف ما لو أوقع ركعة في الوقت فإنها تكون أداء فيؤخذ من ذلك أن صورة هذه المسألة أنه أوقع ركعة في السفر وإلا فتكون مقضية حضر فلا تقصر

وهذا ظاهر لمن تأمله وإن لم يذكره أحد فيما علمت وقد عرضت ذلك على شيخنا الشيخ ناصر الدين الطبلاوي فقبله واستحسنه

( ومن سافر من بلدة ) لها سور ( فأول سفره مجاوزة سورها ) المختص بها وإن تعدد كما قاله الإمام وغيره أو كان داخله مزارع وخراب لأن ما في داخل السور معدود من نفس البلد محسوب من موضع الإقامة وإن كان لها بعض سور وهو صوب سفره اشترط مجاوزته

( فإن كان وراءه عمارة ) كدور ملاصقة له عرفا ( اشترط مجاوزتها ) أيضا ( في الأصح ) لأنها من مواضع الإقامة المعدودة من توابع البلد فيثبت لها حكمه

( قلت الأصح لا يشترط ) مجاوزتها ( والله أعلم ) لأن ذلك لا يعد من البلد ألا ترى أنه يقال سكن فلان خارج البلد ويؤيده قول الشيخ أبي حامد لا يجوز لمن في البلد أن يدفع زكاته لمن هو خارج السور لأنه نقل للزكاة

وإطلاق الشيخين في الصوم اشتراط مفارقة العمران حيث قالا وإذا نوى ليلا ثم سافر فله الفطر إن فارق العمران قبل الفجر وإلا فلا يحمل على ما إذا سافر من بلد لا سور لها ليوافق ما هنا وهذا هو المعتمد وقيل يبقى على إطلاقه

ويفرق بأنه ثم لم يأت للعبادة ببدل بخلافه هنا

والسور وهو بالواو لا بالهمزة الخندق كما قاله الجيلي

قال الأذرعي وهل للسور المنهدم حكم العامر فيه نظر اه

والأقرب كما قال شيخنا أن له حكمه خلافا للدميري في قوله إنه كالعدم

( فإن لم يكن ) لها ( سور ) مطلقا أو في صوب سفره أو لها سور غير مختص بها كأن جمع معها قرية أو أكثر ولو مع التقارب ( فأوله ) أي سفره ( مجاوزة العمران ) وإن تخلله نهر أو بستان أو خراب حتى لا يبقى بيت متصل ولا منفصل ليفارق محل الإقامة ( لا ) مجاوزة ( الخراب ) الذي هجر بالتحويط على العامر


264

أو زرع أو اندرس بأن ذهبت أصول حيطانه لأنه ليس محل إقامة بخلاف ما ليس كذلك فإنه يشترط مجاوزته كما صححه في المجموع وإن كان ظاهر عبارة المصنف خلافه تبعا للغزالي و البغوي

( و ) لا مجاوزة ( البساتين ) والمزارع به وإن اتصلتا بما سافر منه أو كانتا محوطتين لأنهما لا يتخذان للإقامة

وظاهر عبارة المصنف أنه لا فرق في البساتين بين أن يكون فيها قصور أو دور تسكن في بعض فصول السنة أو لا وهو كذلك كما قال في المجموع إنه الظاهر لأنها ليست من البلد وقال في المهمات إن الفتوى عليه أي وإن اشترط في الروضة مجاوزتها

وأسقط المصنف في المحرر المزارع التي زدتها لأنها لا تفهم من البساتين بطريق الأولى

( والقرية ) فيما ذكر ( كبلدة ) والقريتان المتصلتان يشترط مجاوزتهما والمنفصلتان ولو يسيرا يكفي مجاوزة إحداهما

( وأول سفر ساكن الخيام ) كالأعراب ( مجاوزة الحلة ) فقط وهي بكسر الحاء بيوت مجتمعة أو متفرقة بحيث يجتمع أهلها للسمر في ناد واحد ويستعير بعضهم من بعض ويدخل في مجاوزتها عرفا مرافقها كمطرح الرماد وملعب الصبيان والنادي ومعاطن الإبل لأنها معدودة من مواضع إقامتهم

ويعتبر مع مجاوزة المرافق مجاوزة عرض الوادي إن سافر عرضه والهبوط إن كان في ربوة والصعود إن كان في وهدة هذا إن اعتدلت الثلاثة فإن أفرطت سعتها اكتفى بمجاوزة الحلة عرفا والحلتان كالقريتين

وإن نزلوا على محتطب أو ماء فلا بد من مجاوزته إلا أن يتسع بحيث لا يختص بالنازلين وظاهر أن ساكن غير الأبنية والخيام كنازل بطريق خال عنهما رحله كالحلة فيما تقرر

فائدة الخيمة أربعة أعواد تنصب وتسقف بشيء من نبات الأرض وجمعها خيم كتمرة وتمر وتجمع الخيم على خيام فهو جمع الجمع

وأما ما يتخذ من شعر أو وبر أو نحوه فيقال له خباء وقد يطلق عليه خيمة تجوزا

ويعتبر في سير البحر المتصل ساحله بالبلد جري السفينة أو الزورق إليها قاله البغوي وأقره عليه ابن الرفعة وغيره لكن في المجموع إذا صار خارج البلد ترخص وإن كان ظهره ملصقا بالسور وظاهر أن آخر عمران ما لا سور له كالسور فيحتمل أن يقال سير البحر يخالف سير البر أو يمنع أن آخر العمران كالسور

ويحمل كلام البغوي على ما لا سور له وهذا هو الظاهر ويؤيد هذا أنه لو اتصلت قرية لا سور لها بأخرى كذلك كانتا كقرية بخلاف اتصال قرية لها سور بأخرى

وبما تقرر علم أنه لا أثر لمجرد نية السفر لتعلق القصر في الآية بالضرب في الأرض ويخالف نية الإقامة كما سيأتي لأن الإقامة كالقنية في مال التجارة كذا فرق الرافعي تبعا لبعض المراوزة وقضيته كما قال الزركشي وغيره أنه لا يعتبر في نية الإقامة المكث وليس مرادا كما سيأتي فالمسألتان كما قال الجمهور مستويتان في أن مجرد النية لا يكفي فلا حاجة لفارق

( وإذا ) فارق ما شرط مجاوزته ثم ( رجع ) إليه من دون مسافة القصر لحاجته كتطهر أو نوى الرجوع له وهو مستقل ماكث ولو بمكان لا يصلح للإقامة فإن كان وطنه صار مقيما بابتداء رجوعه أو نيته فلا يترخص في إقامته ولا رجوعه إلى أن يفارق وطنه تغليبا للوطن

وحكى فيه في أصل الروضة وجها شاذا أنه يترخص إلى أن يصله اه

والأول هو المعتمد وإن نازع فيه البلقيني و الأذرعي وغيرهما

وإن لم يكن وطنه يترخص وإن دخله ولو كان دار إقامته لانتفاء الوطن فكانت كسائر المنازل فإن رجع من السفر الطويل ( انتهى سفره ببلوغه ما شرط مجاوزته ابتداء ) من سور أو غيره فيترخص إلى أن يصل إلى ذلك

فإن قيل ينبغي أن لا ينتهي سفره إلا بدخوله العمران أو السور كما لا يصير مسافرا إلا بخروجه منه وفي نسخة من الروض ما يدل لذلك

أجيب بأن ما في المتن هو المنقول والفرق أن الأصل الإقامة فلا تنقطع إلا بتحقق السفر وتحققه بخروجه من ذلك والسفر على خلاف الأصل فانقطع بمجرد الوصول وإن لم يدخل فعلم أنه ينتهي بمجرد بلوغه مبتدأ سفره من وطنه وإن كان مارا به سفره كأن خرج منه ثم رجع من بعيد قاصدا المرور به من غير إقامة لا من بلد يقصده ولا بلد له فيها أهل وعشيرة لم ينو الإقامة بكل منهما فلا ينتهي سفره بوصوله إليهما بخلاف ما إذا نوى الإقامة بهما ينتهي سفره بذلك

وينتهي أيضا بما ذكره بقوله ( ولو نوى ) المسافر المستقبل ولو محاربا ( إقامة أربعة أيام ) تامة بلياليها أو نوى الإقامة وأطلق ( بموضع ) عينه صالح للإقامة وكذا غير صالح كمفازة على الأصح ( انقطع سفره بوصوله ) أي بوصول


265

ذلك الموضع سواء أكان مقصده أم في طريقه أو نوى بموضع وصل إليه إقامة أربعة أيام انقطع سفره بالنية مع مكثه إن كان مستقلا

ولو أقام أربعة أيام بلا نية انقطع سفره بتمامها لأن الله تعالى أباح القصر بشرط الضرب في الأرض والمقيم والعازم على الإقامة غير ضارب في الأرض والسنة بينت أن ما دون الأربع لا يقطع السفر ففي الصحيحين يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكة ومساكنة الكفار فالترخص في الثلاث يدل على بقاء حكم السفر بخلاف الأربعة

ومنع عمر أهل الذمة الإقامة في الحجاز ثم أذن للتاجر منهم أن يقيم ثلاثة أيام رواه مالك بإسناد صحيح

وفي معنى الثلاث ما فوقها ودون الأربعة وألحق بإقامة الأربعة نية إقامتها

أما لو نوى الإقامة وهو سائر فلا يؤثر لأن سبب القصر السفر وهو موجود حقيقة وكذا لو نواها غير المستقل كالعبد ولو مكثا

( ولا يحسب منها ) أي الأربعة ( يوما دخوله وخروجه ) إذا دخل نهارا ( على الصحيح ) لأن في الأول الحط وفي الثاني الرحيل وهما من أشغال السفر والثاني يحسبان كما يحسب في مدة مسح الخف يوم الحدث ويوم النزع

وفرق الأول بأن المسافر لا يستوعب النهار بالسير وإنما يسير في بعضه وهو في يومي الدخول والخروج سائر في بعض النهار بخلاف اللبث فإنه مستوعب للمدة

وعلى القول بأنهما يحسبان إنما يحسبان بالتلفيق لا يومان كاملان فلو دخل زوال السبت ليخرج زوال الأربعاء أتم أو قبله قصر فإن دخل ليلا لم تحسب بقية الليلة ويحسب الغد ومقامه في هذه الحالة دون ما يقيمه لو دخل نهارا

واختار السبكي مذهب الإمام أحمد أن الرخصة لا تتعلق بعدد الأيام بل بعدد الصلوات فيترخص بإحدى وعشرين صلاة مكتوبة لأنه المحقق من فعله صلى الله عليه وسلم حين نزل بالأبطح وعلى الصحيح يمكنه أن يصلي ثلاثا وعشرين صلاة

تنبيه عبر في الروضة بالأصح فاقتضى قوة الخلاف خلافا لتعبيره هنا بالصحيح لكنه قال في المجموع عن الأول وبهذا قطع الجمهور

( ولو أقام ببلده ) مثلا ( بنية أن يرحل إذا حصلت حاجة يتوقعها كل وقت ) أو حبسه الريح بموضع في البحر ( قصر ثمانية عشر يوما ) غير يومي الدخول والخروج لأنه صلى الله عليه وسلم أقامها بمكة عام الفتح لحرب هوازن يقصر الصلاة رواه أبو داود عن عمران بن حصين والترمذي وحسنه وإن كان في سنده ضعف لأن له شواهد تجبره كما قال الشهاب شيخ الإسلام ابن حجر

وروي خمسة عشر و سبعة عشر و تسعة عشر و عشرين رواها أبو داود وغيره إلا تسعة عشر فالبخاري عن ابن عباس قال البيهقي وهي أصح الروايات

وقد جمع الإمام وغيره بين الروايات ما عدا روايتي خمسة عشر وعشرين بأن راوي تسعة عشر عد يومي الدخول والخروج وراوي سبعة عشر لم يعدهما وراوي ثمانية عشر عد أحدهما فقط

وأما رواية خمسة عشر فضعيفة ورواية عشرين وإن كانت صحيحة فشاذة كما قاله شيخ الإسلام المذكور آنفا

قال شيخنا وهذا الجمع يشكل على قولهم يقصر ثمانية عشر غير يومي الدخول والخروج

وقد يجمع بينهما ما عدا راويتي خمسة عشر وسبعة عشر بأن راوي العشرين عد اليومين وراوي ثمانية عشر لم يعدهما وراوي تسعة عشر عد أحدهما وبه يزول الإشكال اه

وهذا جمع حسن

فإن قيل لم قدم الشافعي رواية ثمانية عشر على تسعة عشر مع أنها أصح أجيب بأن خبر عمران لم يضطرب عليه وأما ابن عباس ففيه تسعة عشر وسبعة عشر

( وقيل ) يقصر ( أربعة ) غير يومي الدخول والخروج لأن الترخص إذا امتنع بنية إقامتها فبإقامتها أولى لأن الفعل أبلغ من النية

( وفي قول ) يقصر ( أبدا ) أي بحسب الحاجة لأن الظاهر أنه لو زادت حاجته صلى الله عليه وسلم على الثمانية عشر لقصر في الزائد أيضا ( وقيل الخلاف ) المذكور وهو في الزائد على الأربعة المذكورة ( في خائف القتال ) والمقاتل ( لا التاجر ونحوه ) كالمتفقه فلا يقصران في الزائد عليها قطعا والفرق أن للحرب أثرا في تغيير صفة الصلاة

وأجاب الأول بأن القتال ليس هو المرخص وإنما المرخص السفر والمقاتل وغيره فيه سواء


266

وعلى الأول لو فارق مكانه ثم ردته الريح إليه فأقام فيه استأنف المدة لأن إقامته فيه إقامة جديدة فلا تضم إلى الأولى بل تعتبر مدتها وحدها ذكره في المجموع وقال فيه لو خرجوا وأقاموا بمكان ينتظرون رفقتهم فإن نووا أنهم إن أتوا سافروا أجمعين وإلا رجعوا ولم يقصروا لعدم جزمهم بالسفر وإن نووا أنهم إن لم يأتوا سافروا وقصروا لجزمهم بالسفر

وما رجحه من أن القصر إلى ثمانية عشر يوما يطرد في باقي الرخص كالجمع والفطر ويدل له تعبير الوجيز بالترخص وقال الزركشي الصواب أنه يباح له سائر الرخص لأن السفر منسحب عليه

نعم يستثنى من ذلك توجه القبلة في النافلة لما عرف في بابها واستثنى بعضهم أيضا سقوط الفرض بالتيمم ولا حاجة إليه لأن العبرة أن يكون بموضع يغلب فيه فقد الماء إذ لا فرق بين أن يكون مسافرا أو مقيما كما علم من باب التيمم

( ولو علم ) المسافر ( بقاءها ) أي حاجته ( مدة طويلة ) وهي الأربعة المذكورة وما زاد عليها كأن كان يعلم أنه لا يتنجز شغله إلا في خمسة أيام ( فلا قصر ) له ( على المذهب ) لأنه ساكن مطمئن بعيد عن هيئة المسافرين بخلاف المتوقع للحاجة في كل وقت ليرحل ووجه القصر القياس على عدم انعقاد الجمعة به

تنبيه ظاهر كلامه أنه لا فرق في جريان الخلاف بين المحارب وغيره والمعروف في غير المحارب الجزم بالمنع وحكاية الخلاف فيه غلط كما قاله في الروضة

فصل في شروط القصر

وما يذكر معه

أما شروطه فثمانية أحدها أن يكون السفر طويلا

( وطويل السفر ) بالأميال ( ثمانية وأربعون ميلا هاشمية ) لأن ابن عمر و ابن عباس كانا يقصران ويفطران في أربعة برد فما فوقها ولا يعرف لهما مخالف وأسنده البيهقي بسند صحيح

قال الخطابي ومثل هذا لا يكون إلا عن توقيف وعلقه البخاري بصيغة الجزم

ويشترط أن تكون هذه المسافة غير الإياب فلو قصد مكانا على مرحلة بنية أن لا يقيم فيه فلا قصر له ذهابا ولا إيابا وإن نالته مشقة مرحلتين وهي تحديد لا تقريب لثبوت التقدير بالأميال عن الصحابة ولأن القصر على خلاف الأصل فيحتاط فيه بتحقق تقدير المسافة ولو ظنا بخلاف تقديري القلتين ومسافة الإمام والمأموم كما مرت الإشارة إليه في كتاب الطهارة لأن تقدير الأميال ثابت عن الصحابة بخلاف تقدير القلتين فإنه لا توقيف في تقديرهما بالأرطال وكذا مسافة الإمام والمأموم لا تقدير فيها بالأذرع فلذا كان الأصح فيهما التقريب

والأربعة برد ستة عشر فرسخا والفرسخ ثلاثة أميال والميل أربعة آلاف خطوة والخطوة ثلاثة أقدام والقدمان ذراع والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضات والأصبع ست شعيرات معتدلات والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون

وهاشمية نسبة إلى بني هاشم لتقديرهم لها وقت خلافتهم بعد تقدير بني أمية لها لا إلى هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم كما وقع للرافعي

تنبيه ما ذكره المصنف من أن الأميال ثمانية وأربعون ميلا هو الشائع ونص عليه الشافعي ونص أيضا على أنها ستة وأربعون وعلى أنها أربعون ولا منافاة فإنه أراد بالأول الجميع وبالثاني غير الأول والأخير وبالثالث الأميال الأموية الخارجة بقوله هاشمية وهي المنسوبة لبني أمية فالمسافة عندهم أربعون ميلا إذ كل خمسة منها قدر ستة هاشمية قلت كما قال الرافعي في الشرح

( وهو ) أي السفر الطويل ( مرحلتان ) وهما سير يومين بلا ليلة معتدلين أو ليلتين بلا يوم معتدلتين أو يوم وليلة كذلك ( بسير الأثقال ) أي الحيوانات المثقلة بالأحمال ودبيب الأقدام على العادة المعتادة من النزول والاستراحة والأكل والصلاة ونحوها لأن ذلك مقدار أربعة برد

( والبحر ) في اعتبار المسافة المذكورة ( كالبر ) فيقصر فيه ( فلو قطع الأميال فيه في ساعة ) مثلا لشدة جري السفينة بالهواء أو نحوه ( قصر ) فيها لأنها مسافة صالحة للقصر فلا يؤثر قطعها في زمن يسير ( والله أعلم ) كما يقصر لو قطع المسافة في البر


267

كما لو قطعها على فرس جواد في بعض يوم

ولو شك في طول سفره اجتهد فإن ظهر له أن القدر المعتبر قصر وإلا فلا وعليه حمل إطلاق الشافعي عدم القصر

وثاني الشروط قصد محل معلوم كما قال ( ويشترط قصد موضع ) معلوم ( معين ) أو غير معين ( أولا ) أي أول سفره ليعلم أنه طويل فيقصر أولا ( فلا قصر للهائم ) وهو من لا يدري أين يتوجه ( وإن طال سفره ) إذ شرط القصر أن يعزم على قطع مسافة القصر ويسمى أيضا راكب التعاسيف فقد قال أبو الفتوح العجلي هما عبارة عن شيء واحد

قال الدميري وليس كذلك بل الهائم الخارج على وجهه لا يدري أين يتوجه وإن سلك طريقا مسلوكا وراكب التعاسيف لا يسلك طريقا فهما مشتركان في أنهما لا يقصدان موضعا معلوما وإن اختلفا فيما ذكرناه اه

ويدل له جمع الغزالي بينهما

( ولا طالب غريم وآبق يرجع متى وجده ) أي مطلوبه منهما ( ولا يعلم موضعه ) وإن طال سفره لانتفاء علمه بطوله أوله نعم إن قصد سفر مرحلتين أولا كأن علم أنه لا يجد مطلوبه قبلهما قصر كما في الروضة وأصلها وكذا قصد الهائم سفر مرحلتين كما شملته عبارة المحرر

وظاهر إطلاق الروضة أنه يترخص في هذه الحالة مطلقا وهو كذلك كما اعتمده شيخي وإن قال الزركشي إنما يترخص في مرحلتين لا فيما زاد عليهما لأنه ليس له مقصد معلوم

ولو علم الأسير أن سفره طويل ونوى الهرب إن تمكن منه لم يقصر قبل مرحلتين ويقصر بعدهما ولا أثر للنية بقطعه مسافة القصر وإن خالف في ذلك الأذرعي ومثل ذلك يأتي في الزوجة والعبد إذا نوت الزوجة أنها متى تخلصت من زوجها رجعت والعبد أنه متى أبق رجع فلا يترخصان قبل مرحلتين

وألحق بالزوجة والعبد الجندي وبالفراق النشوز وبالعتق الإباق

فائدة متى فات من له القصر بعد المرحلتين صلاة فيهما قصر في السفر لأنهما فائتة سفر طويل كما شمل ذلك قولهم تقصر فائتة في السفر نبه على ذلك شيخي

واحترز بقوله أولا عما إذا نوى مسافة القصر ثم نوى بعد مفارقة العمران الذي لا يقصر قبل مفارقته أو السور أنه إن وجد غرضه رجع أو أن يقيم في طريقه ولو بمكان قريب أربعة أيام ترخص إلى أن يجد غرضه أو يدخل المكان لأن سبب الرخصة قد انعقد فيستمر حكمه إلى أن يوجد ما غير النية إليه بخلاف ما إذا عرض له ذلك قبل مفارقة ما ذكر

فإن قيل قياس ما قالوه من منع الترخص فيما لو نقل سفره المباح إلى معصية منعه فيما لو نوى أن يقيم ببلد قريب

أجيب بأن نقله إلى معصية مناف للرخص بالكلية بخلاف ما نحن فيه

ودخل فيما قررت به كلام المصنف ما لو كان معلوما غير معين بأن قصد قطع المسافة الطويلة مع عدم تعيين المقصد كأن خرج من مكة بنية أن يصل إلى بطن مرو ثم يشرق إلى المدينة الشريفة أو يغرب إلى ينبع وكذا لو أخبر الزوج زوجته أو السيد عبده بأن سفره طويل ولم يعين موضعا

ولو نوى في سفره ذو السفر القصير الزيادة في المسافة بحيث يحصل بها مسافة القصر فليس له الترخص حتى يكون من مكان نيته إلى مقصده مسافة القصر ويفارق مكانه لانقطاع سفره بالنية ويصير بالمفارقة مسافرا جديدا ولو نوى قبل خروجه إلى سفر طويل إقامة أربعة أيام في كل مرحلة لم يقصر لانقطاع كل سفرة عن الأخرى

( ولو كان لمقصده ) بكسر الصاد كما ضبطه المصنف بخطه ( طريقان طويل ) يبلغ مسافة القصر ( وقصير ) لا يبلغها ( فسلك الطويل لغرض ) ديني أو دنيوي ولو مع قصد إباحة القصر ( كسهولة ) الطريق ( أو أمن ) أو زيارة أو عيادة أو للسلامة من المكاسين أو لرخص سفر ولو كان الغرض تنزها ( قصر ) لوجود الشرط وهو السفر الطويل المباح

( وإلا ) بأن سلكه لمجرد القصر أو لم يقصد شيئا كما في المجموع ( فلا ) يقصر ( في الأظهر ) المقطوع به لأنه طول الطريق على نفسه من غير غرض فهو كما لو سلك الطريق القصير وطوله بالذهاب يمينا ويسارا حتى قطعها في مرحلتين

والثاني يقصر لأنه طويل مباح

فإن قيل


268

كيف يقصر إذا كان الغرض النزهة مع قولهم إنه إذا سافر لمجرد رؤية البلاد أنه لا يقصر أجيب بأن التنزه هنا ليس هو الحامل على السفر بل الحامل عليه غرض صحيح كسفر التجارة لكنه سلك أبعد الطريقين للتنزه فيه بخلاف مجرد رؤية البلاد فإنه الحامل على السفر حتى لو لم يكن هو الحامل عليه كان كالتنزه هنا أو كان التنزه هو الحامل عليه كان كمجرد رؤية البلاد في تلك

وخرج بقوله طويل وقصير ما لو كانا طويلين فسلك الأطول ولو لغرض القصر فقط قصر فيه جزما

( ولو تبع العبد أو الزوجة أو الجندي مالك أمره ) أي السيد أو الزوج أو الأمير ( في السفر ولا يعرف ) كل واحد منهم ( مقصده فلا قصر ) لهم لأن الشرط لم يتحقق وهذا قبل بلوغهم مسافة القصر فإن قطعوها قصروا كما مر في الأسير وإن لم يقصر المتبوعون لتيقن طول سفرهم ولا ينافي ذلك ما مر من أن طالب الغريم ونحوه إذا لم يعرف مكانه لا يقصر وإن طال سفره لأن المسافة هنا معلومة في الجملة إذ المتبوع يعلمها بخلافها ثم

وإن عرفوا أن مقصده مرحلتان وقصدوه قصروا

( فلو نووا مسافة القصر ) وحدهم دون متبوعهم أو جهلوا حاله ( قصر الجندي ) أي غير المثبت في الديوان ( دونهما ) لأنه حينئذ ليس تحت يد الأمير وقهره بخلافهما فنيتهما كالعدم

أما المثبت في الديوان فهو مثلهما لأنه مقهور وتحت يد الأمير ومثله الجيش إذ لو قيل بأنه ليس تحت قهر الأمير كالآحاد لعظم الفساد

تنبيه قول المصنف مالك أمره لا ينافيه التعليل المذكور في الجندي غير المثبت لأن الأمير المالك لا يبالي بانفراده عنه ومخالفته له بخلاف مخالفة الجيش أي المثبت في الديوان إذ يختل بها نظامه

( ومن قصد سفرا طويلا فسار ثم نوى ) وهو مستقل ماكث ( رجوعا ) عن مقصده إلى وطنه أو غيره للإقامة ( انقطع ) سفره سواء أرجع أم لا لأن النية التي استفاد بها الترخص قد انقطعت وانتهى سفره فلا يقصر ما دام في ذلك المنزل كما جزموا به لكن مفهوم كلام الحاوي الصغير ومن تبعه أنه يقصر وهو خلاف المنقول ولا يقضي ما قصره أو جمعه قبل هذه النية وإن قصرت المسافة قبلها

( فإن سار ) إلى مقصده الأول أو غيره ( فسفر جديد ) فإن كان طويلا قصر بعد مفارقة ما تشترط مفارقته وإلا فلا وكنية الرجوع في ذلك التردد فيه نقله في المجموع عن البغوي وأقره

أما لو رجع لحاجة ففيه تفصيل تقدم أو وهو سائر فلا أثر لنيته كما مر

وثالث الشروط أن يكون السفر جائزا فلا قصر وغيره كما قال ( ولا يترخص العاصي بسفر كآبق ) من سيده ( وناشزة ) من زوجها وقاطع الطريق لأن مشروعية الترخص للإعانة والعاصي لا يعان

وألحق بذلك من يتعب نفسه أو يعذب دابته بالركض بلا غرض فإن ذلك لا يحل كما حكياه عن الصيدلاني وأقراه وإن قال في الذخائر إن ظاهر كلام الأصحاب يدل على إباحته

قال في المجموع والعاصي بسفره يلزمه التيمم عند فقد الماء لحرمة الوقت والإعادة لتقصيره بترك التوبة

واحترز بقوله بسفره عن العاصي في سفره بأن يكون السفر مباحا ويعصي في سفره فيترخص لأن السفر مباح

( فلو أنشأ ) سفرا طويلا ( مباحا ثم جعله معصية ) كالسفر لأخذ مكس أو للزنا بامرأة ( فلا ترخص ) له ( في الأصح ) من حين الجعل كما لو أنشأ السفر بهذه النية

والثاني يترخص اكتفاء بكون السفر مباحا في ابتدائه ولو تاب ترخص جزما كما قاله الرافعي في باب اللقطة أي بشرط أن يكون سفره من حين التوبة مسافة القصر كما يؤخذ من كلام شيخنا في شرح منهجه وإن خالفه في ذلك بعض المتأخرين معللا بأن أوله وآخره مباحان

( ولو أنشأه عاصيا ) به ( ثم تاب فمنشىء ) بضم الميم وكسر الشين ( للسفر من حين التوبة ) فإن كان بينه وبين مقصده مسافة القصر قصر وإلا فلا

نعم العاصي بسفره يوم الجمعة بترك الجمعة لا يجوز له الترخص ما لم تفت الجمعة ومن وقت فواتها يكون ابتداء


269

سفره كما في المجموع لا من التوبة

ولو نوى الكافر والصبي سفر قصر ثم أسلم أو بلغ في الطريق قصر في بقيته كما في زوائد الروضة وإن كان في فتاوى البغوي أن الصبي يقصر دون من أسلم

ورابع الشروط عدم اقتدائه بمن جهل سفره أو بمتم كما قال ( ولو اقتدى بمتم ) مسافر أو مقيم أو بمصل صلاة جمعة أو صبح أو نافلة ولو ( لحظة ) أي في جزء من صلاته كأن أدركه في آخر صلاته أو أحدث هو عقب اقتدائه به ( لزمه الإتمام ) لخبر الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعا إذا ائتم بمقيم فقال تلك السنة

فإن قيل تعبيره بمتم يخرج الظهر خلف مقيم يصلي الجمعة أو خلف من يصلي الصبح مع أنه يلزمه الإتمام كما مر ولا يقال له متم

أجيب بأنه لا مانع من أن يقال له متم فإنه قد أتى بصلاة تامة ويؤيد ذلك تعبير الحاوي الصغير بقوله ولو اقتدى بمتم ولو في صبح وجمعة فذكر مع لفظ الإتمام الصبح والجمعة اللتين لا قصر فيهما وبهذا يندفع ما أورده الإسنوي وغيره من أنه إذا اقتدى بالمقيم في نافلة كمصلي عيد وراتبة فإنه يتم كما اقتضاه كلامهم

وتعبير الإسنوي بالمقيم في نافلة مثال إذ المقتدي بمسافر في نافلة كذلك وله قصر المعادة إن صلاها أولا مقصورة وصلاها ثانيا خلف من يصلي مقصورة أو صلاها إماما قلت ذلك تفقها ولم أر من تعرض له وهو ظاهر

تنبيه قضية كلام المصنف أن الإمام لو لزمه الإتمام بعد إخراج المأموم نفسه أنه يجب على المأموم الإتمام وليس مرادا قال الإسنوي فلو قدم لحظة على متم لكان أولى وتنعقد صلاة القاصر خلف المتم وتلغو نية القصر بخلاف المقيم إذا نوى القصر فإن صلاته لا تنعقد لأنه ليس من أهل القصر والمسافر من أهله فأشبه ما لو شرع في الصلاة بنية القصر ثم نوى الإتمام أو صار مقيما

( ولو رعف الإمام المسافر ) أي سال من أنفه دم أو أحدث ( واستخلف متما ) من المقتدين أو غيرهم ( أتم المقتدون ) به إن نووا الاقتداء به وكذا إن لم ينووا وقلنا بالراجح أن نية الاقتداء بالخليفة لا تجب الاستخلاف صاروا مقتدين به حكما بدليل لحوقهم سهوه نعم لو نووا فراقه حين أحسوا برعافه أو حدثه قبل تمام الاستخلاف قصر

فائدة رعف مثلث العين كما قاله ابن مالك والأفصح فتح عينه والضم ضعيف والكسر أضعف منه

حكى في مشكل الوسيط أن هذه الكلمة كانت سبب لزوم سيبويه الخليل في الطلب للعربية وذلك أنه سأل يوما حماد بن سلمة فقال له أحدثك هشام بن عروة عن أبيه عن رجل رعف في الصلاة وضم العين فقال له أخطأت إنما هو رعف بفتحها

فانصرف إلى الخليل ولزمه

وسيبويه لقب فارسي معناه بالعربية رائحة التفاح وذكرت في شرحي على القطر سبب لقبه بذلك

( وكذا لو أعاد الإمام واقتدى به ) يلزمه الإتمام لاقتدائه بمتم في جزء من صلاته

وقيل يلزمه الإتمام وإن لم يقتد به لأن الخليفة فرع له ولايجوز أن تكون صلاة الأصل أنقص من صلاة الفرع

واحترز بقوله واستخلف متما عما لو استخلف قاصرا أو استخلفوه أو لم يستخلفوا أحدا فإنهم يقصرون

ولو استخلف المتمون متما والقاصرون قاصرا فلكل حكمه

( ولو لزم الإتمام مقتديا ففسدت صلاته أو صلاة إمامه أو بأن إمامه محدثا ) أو ما في حكمه ( أتم ) لأنها صلاة وجب عليه إتمامها وما ذكر لا يدفعه ولو بان للإمام حدث نفسه لم يلزمه الإتمام

قال الأذرعي والضابط أي في ذلك أن كل موضع يصح شروعه فيه ثم يعرض الفساد يلزمه الإتمام وحيث لا يصح الشروع لا يكون ملتزما للإتمام بذلك اه

ولو أحرم منفردا ولم ينو القصر ثم فسدت صلاته لزمه الإتمام كما في المجموع

ولو فقد الطهورين فشرع فيها بنية الإتمام ثم قدر على الطهارة قال المتولي وغيره قصر لأن ما فعله ليس بحقيقة صلاة

قال الأذرعي ولعل ما قالوه بناء على أنها ليست بصلاة شرعية بل تشبهها والمذهب خلافه اه

وهذا هو الظاهر وكذا يقال فيمن صلى بتيمم ممن تلزمه الإعادة بنية الإتمام ثم أعادها

( ولو اقتدى بمن ظنه مسافرا ) فنوى القصر الذي هو الظاهر من حال المسافر بأن ينويه


270

( فبان مقيما ) فقط أو مقيما ثم محدثا أتم لزوما أما لو بان محدثا ثم مقيما أو بانا معا فلا يلزمه الإتمام إذ لا قدوة في الحقيقة وفي الظاهر ظنه مسافرا

( أو ) اقتدى ناويا القصر ( بمن جهل سفره ) أي شك في أنه مسافر أو مقيم ( أتم ) لزوما وإن بان مسافرا قاصرا لظهور شعار المسافر والمقيم والأصل الإتمام

وقيل يجوز له القصر فيما إذا بان كما ذكر

( ولو علمه ) أو ظنه ( مسافرا وشك في نيته ) القصر فجزم هو بالنية ( قصر ) جوازا إن بان الإمام قاصرا لأن الظاهر من حال المسافر القصر لأنه أقل عملا وأكثر أجرا إذا كان سفره ثلاث مراحل وليس للنية شعار تعرف به فهو غير مقصر في الاقتداء على التردد فإن بان أنه متم لزمه الإتمام

واحترز بقوله وشك في نيته عما إذا علمه مسافرا ولم يشك كالإمام الحنفي فيما دون ثلاث مراحل فإنه يتم لامتناع القصر عنده في هذه المسافة

قال الإسنوي ويتجه أن يلحق به ما إذا أخبر الإمام قبل إحرامه بأن عزمه الإتمام

( ولو شك فيها ) أي في نية إمامه القصر ( فقال ) معلقا عليها في ظنه ( إن قصر قصرت وإلا ) بأن أتم ( أتممت قصر في الأصح ) إن قصر إمامه لأنه نوى ما هو في نفس الأمر فهو تصريح بالمقتضى

والثاني لا يقصر للتردد في النية

أما لو بان إمامه متما فإنه يلزمه الإتمام وعلى الأصح لو خرج من الصلاة وقال كنت نويت الإتمام لزم المأموم الإتمام أو نويت القصر جاز للمأموم القصر وإن لم يظهر للمأموم ما نواه الإمام لزمه الإتمام احتياطا

وقيل له القصر لأنه الظاهر من حال الإمام

وخامس الشروط نية القصر كما ذكره بقوله ( ويشترط للقصر نيته ) بخلاف الإتمام لأنه الأصل فيلزمه الإتمام وإن لم ينوه ( في الإحرام ) كأصل النية

ومثل نية القصر ما لو نوى الظهر مثلا ركعتين ولم ينو ترخيصا كما قاله الإمام وما لو قال أؤدي صلاة السفر كما قاله المتولي

فلو لم ينو ما ذكر فيه بأن نوى الإتمام أو أطلق أتم لأنه المنوي في الأولى والأصل في الثانية

وسادس الشروط التحرز عما ينافيها كما قال ( والتحرز عن منافيها ) أي نية القصر ( دواما ) أي في دوام الصلاة كنية الإتمام فلو نواه بعد نية القصر أتم

وعلم من أن الشرط التحرز عن منافيها أنه لا يشترط استدامة نية القصر وهو كذلك

( ولو أحرم قاصرا ثم تردد في أنه يقصر أم يتم ) أتم ( أو ) تردد أي شك ( في أنه نوى القصر ) أم لا أتم وإن تذكر في الحال أنه نواه لأنه أدى جزءا من صلاته حال التردد على التمام

وهاتان المسألتان من المحترز عنه ولم يصدرهما بالفاء قال الشارح لضمه إليهما في الجواب ما ليس من المحترز عنه اختصارا فقال ( أو قام ) وهو عطف على إحرام ( إمامه لثالثة فشك هل هو متم أم ساه أتم ) وإن بان أنه ساه كما لو شك في نية نفسه

فإن قيل قد مر أنه لو شك في أصل النية وتذكر عن قرب لم يضر فهلا كان هنا كذلك أجيب بأن الشك في أصل النية كعدمها فزمانه غير محسوب من الصلاة لكنه عفي عن القليل لمشقة الاحتراز عنه وهنا الموجود حال الشك محسوب من الصلاة على كل حال سواء أكان قد نوى القصر أم الإتمام لوجود أصل النية فصار مؤديا لجزء من الصلاة على التمام لعدم النية فلزمه الإتمام

تنبيه قول المصنف أو في أنه نوى القصر تركيب غير مستقيم لأنه جعله قسما مما لو أحرم قاصرا وهو لا يصح لتدافعه فلو قال أو شك كما قدرته في أنه نوى القصر لاستقام لأنه يصير حينئذ عطفا على أحرم

( ولو قام القاصر لثالثة عمدا بلا موجب للإتمام ) كنيته أو نية إقامة ( بطلت صلاته ) كما لو قام المتم إلى ركعة زائدة

( وإن كان ) قيامه ( سهوا ) ثم تذكر ( عاد ) وجوبا ( وسجد له ) ندبا كغيره مما يبطل عمده ( وسلم ) وقول الغزي هذا إذا بلغ حد الركوع قياسا


271

على ما تقدم في سجود السهو ولم يذكروه هنا وهو واضح غير محتاج إليه في كلام المصنف لأنه فرض الكلام فيمن قام

( فإن أراد ) عند تذكره وهو قائم ( أن يتم عاد ) للقعود وجوبا ( ثم نهض متما ) أي ناويا الإتمام

وقيل له أن يمضي في قيامه فإن لم ينو الإتمام سجد للسهو وهو قاصر والجهل كالسهو فيما ذكره

ولو لم يتذكر حتى أتى بركعتين ثم نوى الإتمام لزمه ركعتان وسجد للسهو ندبا

وسابع الشروط دوام سفره في جميع صلاته كما قال ( ويشترط كونه ) أي الشخص الناوي للقصر ( مسافرا في جميع صلاته فلو نوى الإقامة ) القاطعة للترخص ( فيها ) أو شك هل نواها أو لا ( أو بلغت سفينته ) فيها ( دار إقامته ) أو شك هل بلغها أو لا ( أتم ) لزوال سبب الرخصة في الأولى

والثالثة كما لو كان يصلي لمرض فزال المرض يجب عليه أن يقوم وللشك في الثانية والرابعة

وثامن الشروط العلم بجواز القصر فلو قصر جاهلا به لم تصح صلاته لتلاعبه ذكره في الروضة كأصلها

قال الشارح وكأن تركه لبعد أن يقصر من لم يعلم جوازه

( والقصر أفضل من الإتمام على المشهور إذا بلغ ) سفره ( ثلاث مراحل ) للاتباع رواه الشيخان خروجا من خلاف من أوجبه ك أبي حنيفة إلا الملاح الذي يسافر في البحر بأهله ومن لا يزال مسافرا بلا وطن فالإتمام لهما أفضل خروجا من خلاف من أوجبه عليهما كالإمام أحمد وروي فيهما خلافه دون خلاف أبي حنيفة لاعتضاده بالأصل

ومقابل المشهور أن الإتمام أفضل مطلقا لأنه الأصل والأكثر عملا أما إذا لم يبلغها فالإتمام أفضل لأنه الأصل وخروجا من خلاف من أوجبه كأبي حنيفة بل قال الماوردي في الرضاع يكره القصر ونقله في المجموع عن الشافعي لكن قال الأذرعي إنه غريب ضعيف اه

فالمعتمد أنه خلاف الأولى

نعم يستثنى من ذلك كما قال الأذرعي دائم الحدث إذا كان لو قصر لخلا زمن صلاته عن جريان حدثه ولو أتم لجرى حدثه فيها فيكون القصر أفضل مطلقا وهذا نظير ما قالوه في صلاة الجماعة أنه لو صلى منفردا خلا عن الحدث ولو صلى في جماعة لم يخل عنه

وكلا المسألتين يشكل ما قالوه أنه لو صلى من قيام لم يخل عن الحدث ولو صلى من قعود خلا عنه أنه يجب عليه أن يصلي من قعود وقد يفرق بأن صلاته من قعود فيها بدل عن القيام ولا كذلك ما ذكر وكذا لو أقام زيادة على أربعة أيام لحاجة يتوقعها كل وقت

وتقدم في باب مسح الخف أن من ترك رخصة رغبة عن السنة أو شكا في جوازها أي لم تطمئن نفسه إليها كره له تركها

( والصوم ) أي صوم رمضان لمسافر سفرا طويلا ( أفضل من الفطر ) لما فيه من تبرئة الذمة وعدم إخلاء الوقت عن العبادة ولأنه الأكثر من فعله صلى الله عليه وسلم وقال تعالى وأن تصوموا خير لكم

ولم يراع منع أهل الظاهر الصوم لأن محققي العلماء لا يقيمون لمذهبهم وزنا قاله الإمام

هذا ( إن لم يتضرر به ) أما إذا تضرر به لنحو مرض أو لم يشق معه احتماله فالفطر أفضل لما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا صائما في السفر قد ظلل عليه فقال ليس من البر أن تصوموا في السفر

نعم إن خاف من الصوم تلف نفس أو عضو أو منفعة حرم عليه الصوم كما قاله الغزالي في المستصفي

ولو لم يتضرر بالصوم في الحال ولكن يخاف الضعف لو صام وكان سفر حج أو غزو فالفطر أفضل كما نقله الرافعي في كتاب الصوم عن التتمة وأقره

ولو كان ممن يقتدى به ولا يضره الصوم فالفطر له أفضل كما قاله الأذرعي

قال ابن شهبة وكأنه في ذي الرفقة لا المنفرد اه

وهذا مراد الأذرعي بلا شك

ويأتي أيضا هنا ما تقدم من أنه إذا شك في جواز الرخصة أو تركها رغبة عن السنة أنه يكره له تركها

فصل في الجمع بين الصلاتين

( يجوز الجمع بين الظهر والعصر تقديما ) في وقت الأولى ( وتأخيرا ) في وقت الثانية

والجمعة كالظهر في جمع التقديم كما نقله الزركشي واعتمده كجمعهما بالمطر بل أولى ويمتنع تأخيرا لأن الجمعة


272

لا يتأتى تأخيرها عن وقتها

( و ) بين ( المغرب والعشاء كذلك ) أي تقديما في وقت الأولى وتأخيرا في وقت الثانية

( في السفر الطويل ) المباح للاتباع

أما جمع التأخير فثابت في الصحيحين من حديث أنس و ابن عمر رضي الله تعالى عنهم وأما جمع التقديم فصححه ابن حبان و البيهقي من حديث معاذ وحسنه الترمذي

نعم المتحيرة لا تجمع تقديما كما قاله في زيادة الروضة والمجموع

قال في المهمات ووجه امتناعه أن الجمع في وقت الأولى شرطه تقدم الأولى صحيحة يقينا أو ظنا وهو منتف ههنا بخلاف الجمع في وقت الثانية

قال الزركشي ومثلها في جمع التقديم فاقد الطهورين وكل من لم تسقط صلاته بالتيمم قال شيخنا ولو حذف بالتيمم كان أولى أي ليشمل غير المتيمم

( وكذا ) يجوز له الجمع في السفر ( القصير في قول ) قديم كالتنفل على الراحلة ووجه مقابلة القياس على القصر والمجموعة في وقت الأخرى أداء كالأخرى لأن وقتيهما صارا واحدا

وخرج بما ذكر الصبح من غيرها والعصر مع المغرب فلا جمع فيهما لأنه لم يرد

ولا في الحضر ولا في سفر قصر ولو لمكي ولا في سفر معصية

وأشار بقوله يجوز إلى أن الأفضل ترك الجمع خروجا من خلاف أبي حنيفة وصرح بذلك في الروضة من غير استثناء لكن يستثنى في الحج الجمع بعرفة كما قاله الإمام وبمزدلفة كما بحثه الإسنوي فإن الجمع فيهما أفضل قطعا فإنه مستحب للاتباع وسببه السفر في الأظهر لا النسك كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الحج وإن صحح المصنف في منسكه الكبير أن سببه النسك لأنه خلاف ما صححه في سائر كتبه

ويستثنى أيضا الشاك والراغب عن الرخصة كما اقتضاه كلام البغوي في التعليق وغيره ومن إذا جمع صلى جماعة أو خلا عن حدثه الدائم أو كشف عورته فالجمع أفضل كما قاله الأذرعي وكذا من خاف فوت عرفة أو عدم إدراك العدو لاستنقاذ أسير ونحو ذلك

( فإن كان سائرا وقت الأولى ) نازلا في وقت الثانية كسائر يبيت بمزدلفة ( فتأخيرها أفضل وإلا ) بأن لم يكن سائرا وقت الأولى بأن كان نازلا فيه سائرا في وقت الثانية ( فعكسه ) للاتباع رواه الشيخان في الظهر والعصر وأبو داود وغيره في المغرب والعشاء ولأنه أوفق للمسافر

وما قررت به كلام المتن هو ظاهر كلامهم وبقي ما لو كان سائرا في وقتيهما أو نازلا فيه فالذي يظهر أن التأخير أفضل لأن وقت الثانية وقت للأولى حقيقة بخلاف العكس

( وشروط التقديم ثلاثة ) بل أربعة أحدها ( البداءة بالأولى ) لأن الوقت لها والثانية تبع لها فلو صلى العصر قبل الظهر لم تصح ويعيدها بعد الظهر إن أراد الجمع وكذا لو صلى العشاء قبل المغرب لأن التابع لا يتقدم على متبوعه

( فلو صلاهما ) مبتدئا بالأولى ( فبان فسادها ) بفوات شرط أو ركن ( فسدت الثانية ) أيضا لانتفاء شرطها من البداءة بالأولى والمراد بفسادها بطلان كونها عصرا أو عشاء لا أصل الصلاة بل تنعقد نافلة على الصحيح كما نقله في الكفاية عن البحر وأقره كما لو أحرم بالفرض قبل وقته جاهلا بالحال

( و ) ثانيها ( نية الجمع ) ليتميز التقديم المشروع عن التقديم سهوا

( ومحلها ) الفاضل ( أول الأولى ) كسائر المنويات فلا يكفي تقديمها بالاتفاق ( وتجوز في أثنائها في الأظهر ) لحصول الغرض بذلك والثاني لا يجوز قياسا على نية القصر بجامع أنهما رخصتا سفر

وأجاب الأول بأن الجمع هو ضم الثانية إلى الأولى فحيث وجدت نيته وجد بخلاف نية القصر فإنها لو تأخرت لتأدي بعض الصلاة على التمام وحينئذ يمتنع القصر كما مر

وعلى الأول تجوز مع التحلل منها أيضا في الأصح وإن أوهم تعبيره بالأثناء عدم الصحة وقدرت الفاضل تبعا للشارح لأجل الخلاف بعدم الصحة فيما إذا نوى في أثنائها فإنه لا فضل فيه

ولو نوى الجمع أول الأولى ثم نوى تركه ثم قصد فعله ففيه القولان في نية الجمع في أثنائها كما نقله في الروضة عن الدارمي

ولو شرع في الظهر أو المغرب بالبلد في سفينة فسارت فنوى الجمع فإن لم تشترط النية مع التحرم صح لوجود السفر وقتها وإلا فلا

قال بعض المتأخرين ويفرق بينها وبين حدوث المطر في أثناء الأولى حيث لا يجمع به كما سيأتي بأن السفر باختياره فنزل اختياره له في ذلك منزلته بخلاف المطر حتى لو لم يكن


273

باختياره فالوجه امتناع الجمع هنا

والمعتمد الفرق بين المسألتين وهو أنه لا يشترط نية الجمع في أول الأولى بخلاف عذر المطر فإذن لا فرق في المسافر بين أن يكون السفر باختياره أو لا كما قاله شيخي

( و ) ثالثها ( الموالاة بأن لا يطول بينهما فصل ) لأن الجمع يجعلهما كصلاة فوجب الولاء كركعات الصلاة ولأنها تابعة والتابع لا يفصل عن متبوعه ولهذا تركت الرواتب بينهما ولأنه المأثور

( فإن طال ولو بعذر ) كسهو وإغماء ( وجب تأخير الثانية إلى وقتها ) لفوات شرط الجمع ( ولا يضر فصل يسير ) لما في الصحيحين عن أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جمع بنمرة أقام الصلاة بينهما

( ويعرف طوله ) وقصره ( بالعرف ) لأنه لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة وما كان كذلك يرجع فيه إلى العرف كالحرز والقبض

وقيل إن اليسير يقدر بالإقامة كما في الحديث

( وللمتيمم الجمع على الصحيح ) كالمتوضىء وقال أبو إسحاق لا يجوز لأنه يحتاج إلى الطلب

وأشار المصنف إلى رد ذلك بقوله ( ولا يضر تخلل طلب خفيف ) لأن ذلك من مصلحة الصلاة فأشبه الإقامة بل أولى لأنه شرط دونها بل ولو لم يكن الفصل اليسير لمصلحة الصلاة لم يضر والثاني يضر لطول الفصل به بينهما ولا يضر الفصل بالوضوء قطعا

ولو صلى بينهما ركعتين بنية راتبة بطل الجمع قاله في المجموع وغير الراتبة كالراتبة ( ولو جمع ) بين صلاتين ( ثم علم ) بعد الفراغ منهما أو في أثناء الثانية وطال الفصل بين سلام الأولى وعلمه ( ترك ركن من الأولى بطلتا ) الأولى لترك الركن وتعذر التدارك بطول الفصل والثانية لفقد الترتيب

وأعيدت هذه المسألة توطئة لما بعدها

( ويعيدهما جامعا ) إن شاء عند اتساع الوقت لأنه لم يصل

أما إذا علم ذلك في أثناء الثانية ولم يطل الفصل فإن إحرامه بالثانية لم يصح ويبني على الأولى

وقوله ثم علم يفهم أن الشك لا يؤثر وهو كذلك إذ لا أثر له بعد الفراغ من الصلاة

( أو ) علم تركه ( من الثانية فإن لم يطل ) أي الفصل ( تدارك ) ومضت الصلاتان على الصحة ( وإلا ) أي وإن طال ( فباطلة ) أي الثانية لتركه الموالاة بتخلل الباطلة فيلزمه إعادتها في وقتها

( ولو جهل ) بأن لم يدر كون المتروك من الأولى أو من الثانية ( أعادهما لوقتيهما ) لاحتمال أنه من الأولى وامتنع الجمع تقديما لاحتمال أنه من الثانية فيطول الفصل بها وبالأولى المعادة بعدها أما جمعهما تأخيرا فجائز إذ لا مانع منه

ولو شك بين الصلاتين في نية الجمع ثم تذكر أنه نواه فإن كان عن قرب جاز له الجمع وإلا امتنع كما قاله الزركشي

( وإذا أخر ) الصلاة ( الأولى ) إلى وقت الثانية ( لم يجب الترتيب ) بينهما ( و ) لا ( الموالاة و ) لا ( نية الجمع ) في الأولى ( على الصحيح ) في المسائل الثلاث

أما عدم الترتيب فلأن الوقت للثانية فلا تجعل تابعة

وأما عدم الموالاة فلأن الأولى بخروج وقتها الأصلي قد أشبهت الفائتة بدليل عدم الأذان لها وإن لم تكن فائتة وينبني على عدم وجوب الموالاة عدم وجوب نية الجمع والثاني يجب ذلك كما في جمع التقديم

وفرق الأول بما تقدم من التعليل وعلى الأول يستحب ذلك كما صرح به في المجموع

ووقع في المحرر الجزم بوجوب نية الجمع وتبعه في الحاوي الصغير قال في الدقائق ولم يقل به أحد بل قال في المسألة وجهان الصحيح أن الثلاث سنة والثاني أنها كلها واجبة

( و ) إنما ( يجب ) للتأخير أمران فقط أحدهما ( كون التأخير ) إلى وقت الثانية ( بنية الجمع ) قبل خروج وقت الأولى بزمن لو ابتدئت فيه كانت أداء نقله في الروضة كأصلها عن الأصحاب

وفي المجموع وغيره عنهم وتشترط هذه النية في وقت الأولى بحيث يبقى من وقتها ما يسعها أو أكثر فإن ضاق وقتها بحيث لا يسعها عصى وصارت قضاء وهو مبين كما قال الشارح


274

إن المراد بالأداء في الروضة الأداء الحقيقي بأن يؤتى بجميع الصلاة قبل خروج وقتها بخلاف الإتيان بركعة منها في الوقت والباقي بعده

فتسميته أداء بتبعية ما بعد الوقت لما فيه كما تقدم في كتاب الصلاة ولا ينافي ذلك قول المجموع صارت قضاء خلافا لبعض المتأخرين كما قاله شيخي لأنه لم يوقع ركعة في الوقت لأن هذا مجرد نية فلا يؤثر

( وإلا ) أي وإن أخر من غير نية الجمع أو بنيته في زمن لا يسعها ( فيعصي وتكون قضاء ) لخلو الوقت عن الفعل أو العزم

وقول الغزالي لو نسي النية حتى خرج الوقت لم يعص

وكان جامعا لأنه معذور ظاهر في قوله لم يعص وليس بظاهر في قوله وكان جامعا لفقد النية

الشرط الرابع من شروط التقديم دوام سفره إلى عقد الثانية كما يؤخذ من قوله ( ولو جمع تقديما ) بأن صلى الأولى في وقتها ناويا الجمع ( فصار بين الصلاتين ) أو في الأولى كما فهم بالأولى وصرح به في المحرر ( مقيما ) بنية الإقامة أو بانتهاء السفينة إلى المقصد ( بطل الجمع ) لزوال سببه فيتعين تأخير الثانية إلى وقتها أما الأولى فلا تتأثر بذلك

تنبيه تعبيره بقوله جمع فيه تساهل وعبر في المحرر بقوله ولو كان يجمع ولو شك في صيرورته مقيما فحكمه حكم تيقن الإقامة فلو عبر بقوله فزال السبب لدخلت هذه الصورة

( وفي الثانية وبعدها ) لو صار مقيما ( لا يبطل في الأصح ) لانعقادها أو تمامها قبل زوال العذر والثاني يبطل قياسا في الأولى على القصر

وفرق الأول بأن القصر ينافي الإقامة بخلاف الجمع وفي الثانية على تعجيل الزكاة إذا خرج الآخذ قبل الحول عن الشرط المعتبر وفرق الأول بأن الرخصة هنا قد تمت فأشبه ما لو قصر ثم طرأت الإقامة لا يلزمه الإتمام بخلاف الزكاة فإن آخذها قد تبين أنه غير مستحق لها

الأمر الثاني من أمري التأخير دوام سفره إلى تمامهما كما يؤخذ من قوله ( أو ) جمع ( تأخيرا فأقام بعد فراغهما لم يؤثر ) ذلك بالاتفاق لتمام الرخصة في وقت الثانية ( وقبله ) أي فراغهما ( يجعل الأولى قضاء ) لأنها تابعة للثانية في الأداء للعذر وقد زال قبل تمامها

وفي المجموع إذا أقام في أثناء الثانية فينبغي أن تكون الأولى أداء بلا خلاف

قال شيخنا وما بحثه مخالف لإطلاقهم قال السبكي وتبعه الإسنوي وتعليلهم منطبق على تقديم الأولى فلو عكس وأقام في أثناء الظهر فقد وجد العذر في جميع المتبوعة وأول التابعة وقياس ما مر في جمع التقديم أنها أداء على الأصح أي كما أفهمه تعليلهم

وأجرى الطاوسي الكلام على إطلاقه فقال وإنما اكتفى في جمع التقديم بدوام السفر إلى عقد الثانية ولم يكتف به في جمع التأخير بل شرط دوامه إلى تمامهما لأن وقت الظهر ليس وقت العصر إلا في السفر وقد وجد عند عقد الثانية فيحصل الجمع

وأما وقت العصر فيجوز فيه الظهر بعذر السفر وغيره فلا ينصرف فيه الظهر إلى السفر إلا إذا وجد السفر فيهما وإلا جاز أن ينصرف إليه لوقوع بعضها فيه وأن ينصرف إلى غيره لوقوع بعضها في غيره الذي هو الأصل اه

وكلام الطاووسي هو المعتمد

ثم شرع في الجمع بالمطر فقال ( ويجوز الجمع ) ولو لمقيم كما يجمع بالسفر ولو جمعة مع العصر خلافا للروياني في منعه ذلك ( بالمطر ) ولو كان ضعيفا بحيث يبل الثوب ونحوه كثلج وبرد ذائبين وشفان كما سيأتي

( تقديما ) لما في الصحيحين عن ابن عباس صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا زاد مسلم من غير خوف ولا سفر قال الشافعي كمالك أرى ذلك بعذر المطر

قال في المجموع وهذا التأويل مردود برواية مسلم من غير خوف ولا مطر قال وأجاب البيهقي بأن الأولى رواية الجمهور فهي أولى

قال يعني البيهقي وقد روينا عن ابن عباس و ابن عمر الجمع بالمطر وهو يؤيد التأويل

وأجاب غيره بأن المراد ولا مطر كثير أو لا مطر مستدام فلعله انقطع في أثناء الثانية

( والجديد منعه تأخيرا ) لأن استدامة المطر ليست إلى الجامع فقد ينقطع فيؤدي إلى إخراجها عن وقتها من غير عذر


275

بخلاف السفر والقديم جوازه ونص عليه في الإملاء أيضا قياسا على السفر

( وشرط التقديم ) بعد شروطه السابقة في جمعه بالسفر ( وجوده ) أي المطر ( أولهما ) أي الصلاتين لتحقق الجمع مع العذر ( والأصح اشتراطه عند سلام الأولى ) ليتصل بأول الثانية ويؤخذ منه اعتبار امتداده بينهما وهو ظاهر ولا يضر انقطاعه فيما عدا ذلك

والثاني لا يشترط وجوده عند سلام الأولى كما في الركوع والسجود

( والثلج والبرد كمطر إن ذابا ) لبلهما الثوب والشفان وهو بفتح الشين المعجمة لا بضمها كما وقع في بعض نسخ الروضة ولا بكسرها كما وقع للقمولي وبتشديد الفاء برد ريح فيه بلل كالمطر

( والأظهر ) وفي الروضة الأصح ( تخصيص الرخصة بالمصلي جماعة ) بمصلى ( بمسجد ) أو غيره ( بعيد ) عن باب داره عرفا بحيث ( يتأذى بالمطر في طريقه ) إليه نظرا إلى المشقة وعدمها بخلاف من يصلي ببيته منفردا أو جماعة أو يمشي إلى المصلى في كن أو كان المصلى قريبا فلا يجمع لانتفاء التأذي

وأما جمعه صلى الله عليه وسلم بالمطر مع أن بيوت أزواجه كانت بجنب المسجد فأجابوا عنه بأن بيوتهن كانت مختلفة وأكثرها كان بعيدا فلعله حين جمع لم يكن بالقريب وبان للإمام أن يجمع بالمأمومين وإن لم يتأذ بالمطر كما صرح به ابن أبي هريرة وغيره وبخلاف من يصلي منفردا بمصلى لانتفاء الجماعة فيه

قال المحب الطبري ولمن اتفق له وجود المطر وهو بالمسجد أي أو نحوه أن يجمع وإلا لاحتاج إلى صلاة العصر أي أو العشاء في جماعة وفيه مشقة في رجوعه إلى بيته ثم عوده أو في إقامته

وكلام غيره يقتضيه والثاني يترخص مطلقا

تنبيه يجمع العصر مع الجمعة في المطر كما مر وإن لم يكن موجودا حال الخطبة لأنها ليست من الصلاة وقد علم مما مر أنه لا جمع بغير السفر والمطر كمرض وريح وظلمة وخوف ووحل وهو المشهور لأنه لم ينقل ولخبر المواقيت فلا يخالف إلا بصريح

وحكى في المجموع عن جماعة من أصحابنا جوازه بالمذكورات وقال وهو قوي جدا في المرض والوحل

واختاره في الروضة لكن فرضه في المرض وجرى عليه ابن المقري

قال في المهمات وقد ظفرت بنقله عن الشافعي اه

وهذا هو اللائق بمحاسن الشريعة وقد قال تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج وعلى ذلك يستحب أن يراعي الأرفق بنفسه فمن يحم في وقت الثانية يقدمها بشرائط جمع التقديم أو في وقت الأولى يؤخرها بالأمرين المتقدمين وعلى المشهور قال في المجموع وإنما لم يلحقوا الوحل بالمطر كما في عذر الجمعة والجماعة لأن تاركهما يأتي ببدلهما والجامع يترك الوقت بلا بدل ولأن العذر فيهما ليس مخصوصا بل كل ما يلحق به مشقة شديدة والوحل منه وعذر الجمع مضبوط بما جاءت به السنة ولم تجيء بالوحل

تتمة إذا جمع الظهر والعصر قدم سنة الظهر التي قبلها وله تأخيرها سواء أجمع تقديما أم تأخيرا وتوسيطها إن جمع تأخيرا سواء أقدم الظهر أم العصر وإذا جمع المغرب والعشاء أخر سنتهما وله توسيط سنة المغرب إن جمع تأخيرا وقدم المغرب وتوسيط سنة العشاء إن جمع تأخيرا وقدم العشاء وما سوى ذلك ممنوع وعلى ما مر من أن للمغرب والعشاء سنة مقدمة فلا يخفى الحكم مما تقرر في جمعي الظهر والعصر

خاتمة قد جمع في الروضة ما يختص بالسفر الطويل وما لا يختص فقال الرخص المتعلقة بالسفر الطويل أربع القصر والفطر والمسح على الخف ثلاثة أيام والجمع على الأظهر

والذي يجوز في القصير أيضا أربع ترك الجمعة وأكل الميتة وليس مختصا بالسفر والتنفل على الراحلة على المشهور والتيمم وإسقاط الفرض به على الصحيح فيهما ولا يختص هذا بالسفر أيضا كما مر في باب التيمم نبه عليه الرافعي

وزيد على ذلك صور منها ما لو سافر المودع ولم يجد المالك ولا وكيله ولا الحاكم ولا الأمين فله أخذها معه على الصحيح

ومنها ما لو استصحب معه ضرة زوجته بقرعة فلا قضاء عليه ولا يختص بالطويل على الصحيح ووقع في المهمات تصحيح عكسه

قال الزركشي وهو سهو


276

باب صلاة الجمعة

بضم الميم وإسكانها وفتحها وحكى كسرها وجمعها جمعات وجمع سميت بذلك لاجتماع الناس لها وقيل لما جمع في يومها من الخير وقيل لأنه جمع فيه خلق آدم وقيل لاجتماعه فيه مع حواء في الأرض

وكان يسمى في الجاهلية يوم العروبة أي البين المعظم وقيل يوم الرحمة قال الشاعر نفسي الفداء لأقوام هم خلطوا يوم العروبة أورادا بأوراد وهي أفضل الصلوات ويومها أفضل الأيام وخير يوم طلعت فيه الشمس يعتق الله فيه ستمائة ألف عتيق من النار من مات فيه كتب الله له أجر شهيد ووقي فتنة القبر

وفي فضائل الأوقات للبيهقي من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر مرفوعا يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى

وهي بشروطها فرض عين لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا أي امضوا إلى ذكر الله وقوله صلى الله عليه وسلم رواح الجمعة واجب على كل محتلم

وقوله صلى الله عليه وسلم من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه رواه أبو داود وغيره

وقوله صلى الله عليه وسلم من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر فقد نبذ الإسلام وراء ظهره رواه البيهقي في الشعب عن ابن عباس مرفوعا

وفرضت الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يصلها حينئذ إما لأنه لم يكمل عددها عنده أو لأن من شعارها الإظهار وكان صلى الله عليه وسلم بها مستخفيا

والجديد أن الجمعة ليست ظهرا مقصورا وإن كان وقتها وقته وتتدارك صلاتها به بل صلاة مستقلة لأنه لا يغني عنها ولقول عمر رضي الله تعالى عنه الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى رواه الإمام أحمد وغيره وقال في المجموع إنه حسن

والقديم أنها ظهر مقصورة ومعلوم أنها ركعتان وهي كغيرها من الخمس في الأركان والشروط والآداب وتختص بشروط لصحتها وشروط للزومها وبآداب وستأتي كلها

و ( إنما تتعين ) أي تجب وجوب عين لصحتها ( على كل ) مسلم ( مكلف ) أي بالغ عاقل ( حر ذكر مقيم بلا مرض ونحوه ) كخوف وعري وجوع وعطش فلا جمعة على صبي ولا على مجنون كغيرها من الصلوات

وهذا علم من قوله إنما تجب الصلاة على كل مكلف إلخ ولهذا أسقط قيد الإسلام قال في الروضة والمغمى عليه كالمجنون بخلاف السكران فإنه يلزمه قضاؤه ظهرا كغيرها ولا على عبد وامرأة ومسافر سفرا مباحا ولو قصيرا لاشتغاله وقد روي مرفوعا لا جمعة على مسافر لكن قال البيهقي والصحيح وقفه على ابن عمر ولا على مريض لحديث الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض رواه أبو داود وغيره

وألحق بالمرأة الخنثى لاحتمال أنه أنثى فلا تلزمه وبالمريض نحوه كما شملهما قوله ( ولا جمعة على معذور بمرخص في ترك الجماعة ) مما يمكن مجيئه في الجمعة فإن الريح بالليل لا يمكن عذرها

وتوقف السبكي في قياس الجمعة على غيرها وقال كيف يلحق فرض العين بما هو سنة أو فرض كفاية بل ينبغي أن كل ما ساوت مشقته مشقة المرض يكون عذرا قياسا على المرض المنصوص وما لا فلا إلا بدليل لكن قال ابن عباس الجمعة كالجماعة وهو مستند الأصحاب

ومن الأعذار الاشتغال بتجهيز الميت كما اقتضاه كلامهم وإسهال لا يضبط الشخص نفسه معه ويخشى منه تلويث المسجد كما في التتمة

وذكر الرافعي في الجماعة أن الحبس عذر إذا لم يكن مقصرا فيه فيكون هنا كذلك وأفتى البغوي بأنه يجب إطلاقه لفعلها و الغزالي بأن القاضي إن رأى المصلحة في منعه منع وإلا فلا وهذا أولى

ولو اجتمع في الحبس أربعون فصاعدا قال الإسنوي فالقياس أن الجمعة تلزمهم وإذا لم يكن فيهم من يصلح لإقامتها


277

فهل لواحد من البلد التي لا يعسر فيها الاجتماع إقامة الجمعة لهم أم لا اه

والظاهر كما قاله بعض المتأخرين أن له ذلك

( والمكاتب ) لا جمعة عليه لأنه عبد ما بقي عليه درهم فهو معذور وإن أشعر عطفه على من يعذر في ترك الجماعة أنه لا يعذر في تركها فإنه رقيق كما مر

قال الأذرعي وإنما خصه بالذكر ليشير إلى خلاف من أوجبها عليه دون القن

( وكذا من بعضه رقيق ) لا جمعة عليه ( على الصحيح ) لعدم كماله واستقلاله والثاني إن كان بينه وبين سيده مهايأة ووقعت الجمعة في نوبته فعليه الجمعة وإلا فلا

وقد يفهم من المتن أن مقابل الصحيح اللزوم مطلقا وليس مرادا

( ومن صحت ظهره ) ممن لا تلزمه الجمعة كما قال في المحرر وذلك كالصبي والعبد والمرأة والمسافر بخلاف المجنون ونحوه ( صحت جمعته ) بالإجماع لأنها إذا أجزأت عن الكاملين الذين لا عذر لهم فأصحاب العذر بطريق الأولى وإنما سقطت عنهم رفقا بهم فأشبه ما لو تكلف المريض القيام

تنبيه تعبير المحرر بقوله تجزئة الجمعة أولى من تعبير المصنف بقوله صحت جمعته لأن الإجزاء يشعر بعدم وجوب القضاء بخلاف الصحة بدليل صحة جمعة المتيمم بموضع يغلب فيه وجود الماء ولا تجزئه

ويستحب حضورها للمسافر والعبد بإذن سيده والصبي المميز ليتعود إقامتها ويتمرن عليها كما يؤمر بباقي الصلوات نص عليه في الأم والعجوز إن أذن لها زوجها أو سيدها

( وله ) أي لمن صحت جمعته ممن لا تلزمه ( أن ينصرف من الجامع ) ونحوه قبل إحرامه بها لأن المانع من الوجوب عليهم وهو النقصان لا يرتفع بحضورهم

( إلا المريض ونحوه ) ممن ألحق به كأعمى لا يجد قائدا ( فيحرم انصرافه ) قبل إحرامه بها ( إن دخل الوقت ) قبل انصرافه لزوال المشقة بالحضور ( إلا أن يزيد ضرره بانتظاره ) فعلها ولم تقم الصلاة فيجوز انصرافه

أما إذا أقيمت فإنه لا يجوز له الانصراف كما قاله الإمام إلا إذا كان ثم مشقة لا تحتمل كمن به إسهال ظن انقطاعه فأحس به بل إن علم من نفسه أنه إن مكث سبقه وهو محرم في الصلاة كان له الانصراف كما قاله الأذرعي ولو زاد ضرر المعذور بتطويل الإمام كأن قرأ بالجمعة والمنافقين كان له الانصراف كما قاله الإسنوي

واحترز بقوله من الجامع عن الانصراف من الصلاة فإنه يحرم سواء في ذلك العبد والمرأة والخنثى والمسافر والمريض ولو بقلبها ظهرا لتلبسهم بالفرض

( وتلزم الشيخ الهرم والزمن إن وجدا مركبا ) ملكا أو إجارة أو إعارة ولو آدميا كما قاله في المجموع

( ولم يشق الركوب ) عليهما كمشقة المشي في الوحل كما مر في صلاة الجماعة لانتفاء الضرر

وقياس ما مر في ستر العورة أن الموهوب لا يجب قبوله لما فيه من المنة

والشيخ من جاوز الأربعين والمرأة شيخة وتصغيره شييخ ولا يقال شويخ وأجازه الكوفيون

والهرم أقصى الكبر والزمانة الابتلاء والعاهة

( والأعمى يجد قائدا ) ولو بأجرة مثل يجدها أو متبرعا أو ملكا فإن لم يجده لم يلزمه الحضور وإن كان يحسن المشي بالعصا خلافا للقاضي حسين لما فيه من التعرض للضرر

نعم إن كان قريبا من الجامع بحيث لا يتضرر بذلك ينبغي وجوب الحضور عليه لأن المعتبر عدم الضرر وهذا لا يتضرر

( وأهل القرية إن كان فيهم جمع تصح به الجمعة ) وهو أربعون من أهل الكمال المستوطنين كما سيأتي ( أو بلغهم صوت ) من مؤذن ( عال ) يؤذن كعادته في علو الصوت ( في هدو ) أي والأصوات هادئة والرياح راكدة ( من طرف يليهم لبلد الجمعة ) مع استواء الأرض ( لزمتهم ) والمعتبر سماع من أصغى إليه ولم يكن أصم ولا جاوز سمعه حد العادة ولو لم يسمع منهم غير واحد أما المسألة الأولى فلأن القرية كالمدينة خلافا لأبي حنيفة لعموم الأدلة

وأما الثانية فلحديث أبي داود الجمعة على من سمع النداء ويعتبر كون المؤذن على الأرض لا على عال لأنه لا ضبط لحده قال القاضي أبو الطيب قال أصحابنا إلا أن تكون البلد في أرض بين أشجار كطبرستان وتابعه في المجموع فإنها بين أشجار تمنع بلوغ


278

الصوت فيعتبر فيها العلو على ما يساوي الأشجار

قال شيخنا وقد يقال المعتبر السماع لو لم يكن مانع وفي ذلك مانع فلا حاجة لاستثنائه اه

وهو حسن

ولو سمعوا النداء من بلدين فحضور الأكثر جماعة أولى فإن استويا فمراعاة الأقرب أولى كنظيره في الجماعة وقيل مراعاة الأبعد لكثرة الأجر

( وإلا ) أي وإن لم يكن فيها الجمع المذكور ولا بلغهم الصوت المذكور ( فلا ) تلزمهم الجمعة ولو ارتفعت قرية فسمعت ولو ساوت لم تسمع أو انخفضت فلم تسمع ولو ساوت لسمعت لزمت الثانية دون الأولى اعتبارا بتقدير الاستواء والخبر السابق محمول على الغالب ولو أخذ بظاهره للزمت البعيد المرتفع دون القريب المنخفض وهو بعيد وإن صححه في الشرح الصغير

ولو وجدت قرية فيها أربعون كاملون فدخلوا بلدا وصلوها فيها سقطت عنهم سواء سمعوا النداء أم لا وحرم عليهم ذلك لتعطيلهم الجمعة في قريتهم وقيل لا يحرم لأن فيه خروجا من خلاف أبي حنيفة

ولو وافق العيد يوم جمعة فحضر أهل القرية الذين يبلغهم النداء لصلاة العيد ولو رجعوا إلى أهلهم فاتتهم الجمعة فلهم الرجوع وترك الجمعة يومئذ على الأصح فتستثنى هذه من إطلاق المصنف

نعم لو دخل وقتها قبل انصرافهم كأن دخل عقب سلامهم من العيد فالظاهر كما قال شيخنا أنه ليس لهم تركها

( ويحرم على من لزمته ) الجمعة بأن كان من أهلها ( السفر بعد الزوال ) لأن وجوبها تعلق به بمجرد دخول الوقت فلا يجوز له تفويته فإن خالف وسافر لم يترخص إلا إذا فاتت الجمعة ويحسب ابتداء سفره من فواتها لانتهاء سبب المعصية ( إلا أن تمكنه الجمعة في ) مقصده أو ( طريقه ) لحصول المقصود

قال صاحب التعجيز في شرحه هذا إذا لم تتعطل جمعة بلده بسببه بأن ينقص به عدده وإلا لم يجز لأنه يفوت الجمعة على غيره

قال الأذرعي ولم أره لغيره أي فهو بحث له غير معتمد لأنهم بسفره يصيرون لا جمعة عليهم كما لو جن أو مات واحد منهم ولخبر الحاكم وصححه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام وإلا إذا وجب عليه السفر فورا كما قاله الأذرعي كإنقاذ ناحية وطئها الكفار أو أسرى اختطفوهم وجوز إدراكهم بل الوجه وجوب ترك الجمعة فضلا عن جوازه

فإن قيل التعبير بالإمكان غير مستقيم لصدقه مع غلبة الظن بعدم الإدراك ولا شك في التحريم ومع التردد على السواء والمتجه التحريم أيضا كما قاله الإسنوي

أجيب بأن المراد به غلبة ظن الإدراك وهو المراد بعبارة شرح المهذب بقوله يشترط العلم بالإدراك فإن الأصحاب كثيرا ما يطلقون العلم ويريدون به غلبة الظن

( أو يتضرر بتخلفه ) لها ( عن الرفقة ) فلا يحرم دفعا للضرر عنه

تنبيه مقتضى كلامه كغيره أن مجرد انقطاعه عن الرفقة بلا ضرر ليس عذرا

قال في المهمات والصواب خلافه لما فيه من الوحشة وكما في نظيره من التيمم وبه جزم في الكفاية وفرق غيره بينه وبين نظيره في التيمم بأن الطهر يتكرر في كل يوم بخلاف الجمعة وبأنه يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد والفرق أظهر

( وقبل الزوال ) وأوله الفجر ( كبعده في ) الحرمة في ( الجديد ) فإن أمكنه الجمعة في مقصده أو طريقه أو تضرر بتخلفه عن الرفقة جاز وإلا فلا والقديم ونص عليه في رواية حرملة من الجديد أنه يجوز لأنه لم يدخل وقت الوجوب وهو الزوال وكبيع النصاب قبل تمام الحول

وأجاب الأول بأنها مضافة إلى اليوم ولذلك يجب السعي لها قبل الزوال على بعيد الدار ويعتد بغسلها وفي الحديث من سافر يوم الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره رواه الدارقطني في الأفراد وقطع بعضهم بالأول وبعضهم بالثاني

هذا ( إن كان السفر مباحا ) كسفر تجارة

ويشمل المكروه كما قاله الإسنوي كسفر منفرد ( وإن كان طاعة ) واجبا كان كسفر حج أو مندوبا كزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ( جاز ) قطعا

( قلت الأصح ) وفي الروضة الأظهر ( أن الطاعة كالمباح ) فيجري فيه القولان ( والله أعلم ) لعدم صحة نص في التفرقة

ويكره السفر ليلة الجمعة كما نقله المحب الطبري في شرحه عن ابن أبي الصيف وارتضاه

وفي الإحياء من سافر ليلة الجمعة دعا عليه


279

ملكاه

( ومن لا جمعة عليهم ) وهم ببلد الجمعة ( تسن الجماعة في ظهرهم ) في وقتها ( في الأصح ) لعموم الأدلة الطالبة للجماعة

والثاني لا لأن الجماعة في هذا اليوم شعار الجمعة

أما إذا كانوا في غير بلد الجمعة فإنها تستحب لهم إجماعا كما في المجموع

( ويخفونها ) ندبا ( إن خفي عذرهم ) لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام أو ترك الجمعة تساهلا بل قال المتولي وغيره يكره لهم إظهارها وهو كما قال الأذرعي ظاهر إذا أقاموها بالمساجد فإن ظهر فلا تهمة فلا يندب الإخفاء

وقيل يندب مطلقا

( ويندب لمن أمكن زوال عذره ) قبل فوات الجمعة كالمريض يتوقع الخفة والرقيق يرجو العتق ( تأخير ظهره إلى اليأس من ) إدراك ( الجمعة ) لأنه قد يزول عذره ويتمكن من فرض أهل الكمال ويحصل اليأس بأن يرفع الإمام ظهره من ركوع الركعة الثانية على الأصح وقيل بأن يسلم الإمام وعليه جماعة وأيد بما سيأتي في غير المعذور من أنه لو أحرم بالظهر قبل السلام لم يصح

وأجيب بأن الجمعة ثم لازمة فلا ترفع إلا بيقين بخلافها هنا ثم محل الصبر إلى فوات الجمعة إذا لم يؤخرها الإمام إلى أن يبقى من وقتها ما يسع أربع ركعات وإلا فلا يؤخر الظهر ذكره المصنف في نكت التنبيه

ولو صلى المعذور قبل فواتها الظهر ثم زال عذره وتمكن منها لم تلزمه لأنه أدى فرض وقته إلا إن كان خنثى فبان رجلا فإنها تلزمه لتبين أنه من أهل الكمال فإن لم يتمكن من فعلها فلا شيء عليه لأنه أدى وظيفة الوقت

( و ) يندب ( لغيره ) أي لمن لا يمكن زوال عذره ( كالمرأة والزمن ) الذي لا يجد مركبا ( تعجيلها ) أي الظهر محافظة على فضيلة أول الوقت

قال في الروضة والمجموع هذا اختيار الخراسانيين وهو الأصح

وقال العراقيون هذا كالأول فيستحب له تأخير الظهر حتى تفوت الجمعة لأنه قد ينشط لها ولأنها صلاة الكاملين فاستحب تقديمها قال والاختيار التوسط فيقال إن كان جازما بأنه لا يحضرها وإن تمكن منها استحب له تقديم الظهر وإن كان لو تمكن أو نشط حضرها استحب له التأخير

قال الأذرعي وما ذكره المصنف من التوسط شيء أبداه لنفسه

وقوله إن كان جازما جوابه أنه قد يعن له بعد الجزم أنه يحضر وكم من جازم بشيء ثم أعرض عنه اه

والمعتمد ما في المتن وإن قال ابن الرفعة ما قاله العراقيون هو ظاهر النص ونسبه القاضي للأصحاب وقال الأذرعي إنه المذهب

وقد مر أنها تختص بشروط زائدة على غيرها

وقد شرع في ذلك فقال ( ولصحتها ) أي الجمعة ( مع شرط غيرها ) من سائر الصلوات ( شروط ) خمسة ( أحدها وقت الظهر ) بأن تقع كلها فيه للإتباع رواه الشيخان

وقال الإمام أحمد بجوازها قبل الزوال

لنا أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تزول الشمس رواه البخاري وعلى ذلك جرى الخلفاء الراشدون فمن بعدهم ولأنهما فرضا وقت واحد فلم يختلف وقتهما كصلاة الحضر وصلاة السفر

( فلا تقضي ) إذا فاتت ( جمعة ) لأنه لم ينقل بل تقضى ظهرا بالإجماع

تنبيه في بعض النسخ فلا تقضى بالفاء وفي بعضها بالواو وهي أولى لأن عدم القضاء لا يؤخذ من اشتراط وقت الظهر لأن بينهما واسطة وهو القضاء في وقت الظهر من يوم آخر كما في رمي أيام التشريق

( فلو ضاق ) الوقت ( عنها ) بأن لم يبق منه ما يسع خطبتين وركعتين يقتصر فيهما على ما لا بد منه ( صلوا ظهرا ) كما لو فات شرط القصر لزم الإتمام ولا يجوز الشروع في الجمعة حينئذ كما نص عليه في الأم ولو شكوا في خروج الوقت قبل الإحرام بها لم يجز الشروع فيها بالاتفاق

وحكى الروياني وجهين فيما لو مد الركعة الأولى حتى تحقق أنه لم يبق ما يسع الثانية هل تنعقد ظهرا الآن أو عند خروج الوقت ورجح منهما الأول والأوجه الثاني كما لو حلف ليأكلن هذا الرغيف غدا فأكله في اليوم هل يحنث اليوم أو غدا والراجح غدا

( ولو خرج ) الوقت ( وهم فيها ) فاتت سواء أصلى في الوقت ركعة أم لا لأنها عبادة لا يجوز


280

الإتيان بها بعد خروج وقتها ففاتت بفواته كالحج

( وجب الظهر بناء ) على ما فعل منها فيسر بالقراءة من حينئذ لأنهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء أطولهما على أقصرهما كصلاة الحضر مع السفر ولا يحتاج إلى نية الظهر

( وفي قول ) مخرج ( استئنافا ) فينوون الظهر حينئذ

وهل ينقلب ما فعل من الجمعة ظهر أو يبطل قولان أصحهما في المجموع الأول

قال الرافعي والقولان مبنيان على أن الجمع ظهر مقصورة أو لا فعلى الأول يبني وعلى الثاني يستأنف

وقضية هذا البناء ترجيح الثاني لأن الأصح أنها صلاة على حيالها كما مر ولهذا قال الأذرعي الأشبه أنهم إن شاءوا أتموها ظهرا وإن شاءوا قلبوها نفلا واستأنفوا الظهر والمعتمد وجوب البناء ولا يلزم من البناء اتحاد الترجيح

وقد يؤخذ من قوله ولو خرج الوقت أن الشك في الوقت وهم فيها لا يؤثر وهو كذلك على الأصح لأن الأصل بقاء الوقت وقيل يؤثر كالشك قبل الإحرام بها

ولو أخبرهم عدل بخروج الوقت فالأوجه إتمامها ظهرا كما قال ابن المرزبان خلافا للدارمي في إتمامها جمعة عملا بخبر العدل كما في غالب أبواب الفقه

هذا كله في حق الإمام والمأموم الموافق ( و ) أما ( المسبوق ) المدرك مع الإمام ركعة فهو ( كغيره ) فيما تقدم فإذا خرج الوقت قبل قيامه إلى الثانية أتمها ظهرا على الأصح والقياس كما قال الإسنوي أنه يجب عليه أن يفارق الإمام في التشهد ويقتصر على الفرائض إذا لم يمكنه إدراك الجمعة إلا بذلك

( وقيل يتمها جمعة ) لأنه تابع لجمعة صحيحة وهي جمعة الإمام والناس بخلاف ما إذا خرج الوقت قبل سلام الإمام ولو سلموا منها هم أو المسبوق التسليمة الأولى خارج الوقت عالمين بخروجه بطلت صلاتهم وتعذر بناء الظهر عليها لأنهم بخروجه لزمهم الإتمام فسلامهم كالسلام في أثناء الظهر عمدا

ولو قلبوها نفلا قبل السلام بطلت أيضا كما لو قلبوا الظهر نفلا وإن سلموا جاهلين بخروجه أتموها ظهرا لعذرهم

فإن قيل لم لم ينحط عن المسبوق الوقت فيما يتداركه لكونه تابعا للقوم كما حط عنه القدوة والعدد لذلك كما سيأتي أجيب بأن اعتناء الشارع برعايته أكثر بدليل اختلاف قول الشافعي رضي الله تعالى عنه في الانفضاض المخل بالجماعة وعدم اختلافه في فوات الجمعة بوقوع شيء من صلاة الإمام خارج الوقت ولو سلم الأولى الإمام وتسعة وثلاثون في الوقت وسلمها الباقون خارجه صحت جمعة الإمام ومن معه فقط دون المسلمين خارجه فلا تصح جمعتهم وكذا جمعة المسلمين فيه لو نقصوا عن أربعين كأن سلم الإمام فيه وسلم من معه أو بعضهم خارجه فلا تصح جمعتهم

فإن قيل لو تبين حدث المأمومين دون الإمام صحت جمعته كما نقلاه عن البيان مع عدم انعقاد صلاتهم فهلا كان هنا كذلك أجيب بأجوبة أحسنها أن المحدث تصح جمعته في الجملة بأن لم يجد ماء ولا ترابا بخلافها خارج الوقت

( الثاني ) من الشروط ( أن تقام في خطة أبنية أوطان المجمعين ) بتشديد الميم أي المصلين الجمعة وإن لم تكن في مسجد لأنها لم تقم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين إلا في مواضع الإقامة كما هو معلوم

والخطة بكسر الخاء المعجمة الأرض التي خط عليها أعلاما بأنه اختارها للبناء

وأراد بها المصنف الأمكنة المعدودة من البلد

ولا بد أن تكون الأبنية مجتمعة والمرجع فيه إلى العرف

ولو انهدمت الأبنية وأقاموا لعمارتها لم يضر انهدامها في صحة الجمعة وإن لم يكونوا في مظال لأنها وطنهم

ولا تنعقد في غير بناء إلا في هذه وهذا بخلاف ما لو نزلوا مكانا وأقاموا فيه ليعمروه قرية لا تصح جمعتهم فيه قبل البناء استصحابا للأصل في الحالين

وكذا لو صلت طائفة خارج الأبنية خلف جمعة منعقدة لا تصح جمعتهم كما أفتى به شيخي لعدم وقوعها في الأبنية المجتمعة وإن خالف في ذلك بعض المتأخرين

وسواء في الأبنية البلاد والقرى والأسراب التي توطن جمع سرب وهو بفتح السين والراء بيت في الأرض والبناء بالخشب وغيره كطين وقصب وسعف

ويجوز إقامتها في فضاء معدود من الأبنية المجتمعة بحيث لا تقصر فيه الصلاة كما في الكن الخارج عنها المعدود منها بخلاف غير المعدود منها

فمن أطلق المنع في الكن الخارج عنها أراد هذا

قال الأذرعي وأكثر أهل القرى يؤخرون المسجد عن جدار القرية قليلا صيانة له عن نجاسة البهائم وعدم انعقاد الجمعة فيه بعيد

وقول القاضي أبي الطيب قال أصحابنا لو بنى أهل البلد مسجدهم خارجها


281

لم يجز لهم إقامة الجمعة فيه لانفصاله عن البناء محمول على انفصال لا يعد به من القرية اه

والضابط فيه أن لا يكون بحيث تقصر الصلاة قبل مجاوزته أخذا مما مر

( ولو لازم أهل الخيام الصحراء ) أي موضعا منها ( أبدا ) ولم يبلغهم النداء من محل الجمعة ( فلا جمعة ) عليهم ولا تصح منهم ( في الأظهر ) لأنهم على هيئة المستوفزين وليس لهم أبنية المستوطنين ولأن قبائل العرب كانوا مقيمين حول المدينة وما كانوا يصلونها وما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها

والثاني تجب ويقيمونها في موضعهم لأن الصحراء وطنهم

أما إذا بلغهم النداء فإنها تجب عليهم كما علم مما مر ولو لم يلازموه أبدا بأن انتقلوا عنه في الشتاء أو غيره فلا جمعة عليهم ولا تصح منهم في موضعهم جزما

( الثالث ) من الشروط ( أن لا يسبقها ولا يقارنها جمعة في بلدتها ) ولو عظمت كما قاله الشافعي لأنه صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين لم يقيموا سوى جمعة واحدة ولأن الاقتصار على واحدة أفضى إلى المقصود من إظهار شعار الاجتماع واتفاق الكلمة

قال الشافعي ولأنه لو جاز فعلها في مسجدين لجاز في مساجد العشائر ولا يجوز إجماعا

( إلا إذا كبرت ) أي البلدة ( وعسر اجتماعهم في مكان ) بأن لم يكن في محل الجمعة موضع يسعهم بلا مشقة ولو غير مسجد فيجوز التعدد للحاجة بحسبها لأن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه دخل بغداد وأهلها يقيمون بها جمعتين وقيل ثلاثا فلم ينكر عليهم فحمله الأكثرون على عسر الاجتماع

قال الروياني ولا يحتمل مذهب الشافعي غيره

وقال الصيمري بفتح الميم وبه أفتى المزني بمصر

والعبرة في العسر بمن يصلي كما قاله شيخي لا بمن تلزمه ولو لم يحضر ولا بجميع أهل البلد كما قيل بذلك

( وقيل لا تستثنى هذه الصورة ) وتحتمل فيها المشقة في الاجتماع وهذا ما اقتصر عليه صاحب التنبيه كالشيخ أبي حامد ومتابعيه وهو ظاهر النص

وإنما سكت الشافعي على ذلك لأن المجتهد لا ينكر على مجتهد وقد قال أبو حنيفة بالتعدد وقال السبكي هذا بعيد ثم انتصر له وصنف فيه وقال إنه الصحيح مذهبا ودليلا ونقله عن أكثر العلماء وأنكر نسبة الأول للأكثر وأطنب في ذلك

فالاحتياط لمن صلى جمعة ببلد تعددت فيه الجمعة بحسب الحاجة ولم يعلم سبق جمعته أن يعيدها ظهرا

( وقيل إن حال نهر عظيم بين شقيها ) كبغداد ( كانا ) أي الشقان ( كبلدين ) فتقام في كل شق جمعة

( وقيل إن كانت ) أي البلدة ( قرى فاتصلت ) أبنيتها ( تعددت الجمعة بعددها ) فتقام في كل قرية جمعة كما كان

( فلو سبقها جمعة ) في محل لا يجوز التعدد فيه ( فالصحيحة السابقة ) لاجتماع الشرائط فيها واللاحقة باطلة لما مر أنه لا يزاد على واحدة

( وفي قول إن كان السلطان مع الثانية ) إماما كان أو مأموما ( فهي الصحيحة ) حذرا من التقدم على الإمام ومن تفويت الجمعة على أكثر أهل البلد المصلين معه بإقامة الأقل

قال السبكي ويظهر أن كل خطيب ولاه السلطان هو كالسلطان في ذلك وأنه مراد الأصحاب اه

وقال الجيلي المراد به الإمام الأعظم أو خليفته في الإمامة أو الراتب من جهته وقال البلقيني هذا القول مقيد في الأم بأن يكون وكيل الإمام مع السابقة فإن كان معها فالجمعة هي السابقة

( والمعتبر سبق التحرم ) بتمام التكبير وهو الراء وإن سبقه الآخر بالهمزة لأن به الانعقاد من الإمام كما صرح به في المجموع

وقيل العبرة بأول التكبير وهو الهمزة من الله

وشمل كلامه ما إذا أحرم إمام جمعة ثم إمام أخرى بها ثم اقتدى به تسعة وثلاثون ثم بالأول مثلهم وهو كما في المجموع ظاهر كلام الأصحاب إذ بإحرامه تعينت جمعته للسبق وامتنع على غيره افتتاح جمعة أخرى

وقيل الثانية هي الصحيحة لأن الإمام لا عبرة به مع وجود أربعين كاملين بدليل أنه لو سلم الإمام في الوقت وسلم القوم خارجه أنه لا جمعة للجميع فدل على أن العبرة بالعدد لا بالإمام وحده

( وقيل ) المعتبر سبق ( التحلل ) وهو تمام السلام للأمن معه من عروض فساد الصلاة


282

فكان اعتباره أولى من اعتبار ما قبله

( وقيل ) السبق ( بأول الخطبة ) بناء على أن الخطبتين بدل عن ركعتين ولو دخلت طائفة في الجمعة فأخبروهم بأن طائفة سبقتهم أتموها ظهرا كما لو خرج الوقت وهم فيها واستأنفوا الظهر وهو أفضل ليصح ظهرهم بالاتفاق

( فلو وقعتا معا أو شك ) في المعية فلم يدر أوقعتا معا أو مرتبا ( استؤنفت الجمعة ) إن اتسع الوقت لتدافعهما في المعية فليست إحداهما أولى من الأخرى ولأن الأصل في صورة الشك عدم جمعة مجزئة لاحتمال المعية

قال الإمام وحكم الأئمة بأنهم إذا أعادوا الجمعة برئت ذمتهم مشكل لاحتمال تقدم إحداهما فلا تصح أخرى فاليقين أن يقيموا جمعة ثم ظهرا

قال في المجموع وما قاله مستحب وإلا فالجمعة كافية في البراءة كما قالوه لأن الأصل عدم وقوع جمعة مجزئة في حق كل طائفة

قال غيره ولأن السبق إذا لم يعلم أو يظن لم يؤثر احتماله لأن النظر إلى علم المكلف أو ظنه لا إلى نفس الأمر

( وإن سبقت إحداهما ولم تتعين ) كأن سمع مريضان أو مسافران خارج المسجد تكبيرتين متلاحقتين وجهلا المتقدم فأخبراهم بالحال والعدل الواحد كاف في ذلك ما استظهره شيخنا

( أو تعينت ونسيت ) بعده ( صلوا ظهرا ) لأنا تيقنا وقوع جمعة صحيحة في نفس الأمر ولا يمكن إقامة جمعة بعدها والطائفة التي صحت لها الجمعة غير معلومة والأصل بقاء الفرض في حق كل طائفة فوجب عليهما الظهر

( وفي قول جمعة ) لأن المفعولتين غير مجزئتين لأن الالتباس يجعل الصحيحة كالعدم فصار وجودهما كعدمهما

وفي الروضة وأصلها ترجيح طريقة قاطعة في الثانية بالأول

وقال المزني لا يجب عليهما شيء بالكلية كما لو سمع من أحد الشخصين حدث ولم يتعين

فائدة الجمع المحتاج إليها مع الزائد عليها كالجمعتين المحتاج إلى إحداهما ففي ذلك التفصيل المذكور فيهما كما أفتى به البرهان ابن أبي شريف

( الرابع ) من الشروط ( الجماعة ) بإجماع من يعتد به في الإجماع فلا تصح بالعدد فرادى إذ لم ينقل فعلها كذلك والجماعة شرط في الركعة الأولى فقط بخلاف العدد فإنه شرط في جميعها كما سيأتي فلو صلى الإمام ركعة بأربعين ثم أحدث فأتم كل منهم لنفسه أجزأتهم الجمعة

( وشرطها كغيرها ) من نية الاقتداء والعلم بانتقالات الإمام وغير ذلك مما مر في باب الجماعة إلا في نية الإمامة فتجب هنا على الأصح لتحصل له الجماعة

( وأن تقام بأربعين ) منهم الإمام لما روى البيهقي عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلا

قال في المجموع قال أصحابنا وجه الدلالة أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد والأصل الظهر فلا تجب الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف وقد ثبت جوازها بأربعين وثبت صلوا كما رأيتموني أصلي ولم تثبت صلاته لها بأقل من ذلك فلا تجوز بأقل منه ولا بأربعين وفيهم أمي قصر في التعلم لارتباط صحة صلاة بعضهم ببعض فصار كاقتداء القارىء بالأمي كما نقله الأذرعي عن فتاوى البغوي

وشرط كل واحد منهم أن يكون مسلما ( مكلفا ) أي بالغا عاقلا ( حرا ) كلا ( ذكرا ) لأن أضدادهم لا تجب عليهم لنقصهم بخلاف المريض فإنها إنما لم تجب عليه رفقا به لا لنقصه

( مستوطنا ) بمحلها ( لا يظعن ) منه ( شتاء ولا صيفا إلا لحاجة ) كتجارة وزيارة فلا تنعقد بالكفار ولا بالنساء والخناثى وغير المكلفين ومن فيهم رق لنقصهم ولا بغير المستوطنين كمن أقام على عزم عوده إلى وطنه بعد مدة ولو طويلة كالمتفقه والتجار لعدم التوطن ولا بالمتوطنين خارج محل الجمعة وإن سمعوا النداء لعدم الإقامة بمحلها

وهل يشترط تقدم إحرام من تنعقد بهم الجمعة لتصح لغيرهم لأنه تبع أو لا اشترط البغوي ذلك ونقله في الكفاية عن القاضي والراجح صحة تقدم إحرامهم كما اقتضاه إطلاق كلام الأصحاب ورجحه جماعة من المتأخرين ك البلقيني و الزركشي بل صوبه وأفتى به شيخي

قال البلقيني ولعل ما قاله القاضي أي ومن تبعه من عدم الصحة مبني على الوجه الذي قال إنه القياس


283

وهو أنه لا تصح الجمعة خلف الصبي أو العبد أو المسافر إذا تم العدد بغيره والأصح الصحة

فإن قيل تقدم إحرام الإمام ضروري فاغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره

أجيب بأنه لا ضرورة إلى إمامته فيها وللمشقة على من لا تنعقد به في تكليفه معرفة تقدم إحرام أربعين من أهل الكمال على إحرامه

( والصحيح ) من قولين ( انعقادها بالمرضى ) لأنهم كاملون وعدم الوجوب عليهم تخفيف

والثاني لا كالمسافرين

والخلاف قولان لا وجهان فكان الأولى أن يعبر بالأظهر

( و ) الصحيح من قولين أيضا ( أن الإمام لا يشترط كونه فوق أربعين ) إذا كان بصفة الكمال لإطلاق الحديث المتقدم

والثاني ونقل عن القديم يشترط لأن الغالب على الجمعة التعبد فلا ينتقل من الظهر إليها إلا بيقين

وتنعقد بأربعين من الجن كما قاله القمولي لكن عن النص من ادعى أنه يرى الجن يكفر لمخالفته لقوله تعالى إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم

وقال بعضهم يمكن حمله على من ادعى رؤيتهم على ما خلقوا عليه ويحمل كلام غيره على ما إذا تصوروا في صورة بني آدم ونحوهم اه

وهذا حسن

ولو كان في قرية أربعون أخرس فهل تنعقد جمعتهم قال ابن القطان يحتمل وجهين اه

والأوجه الجزم بعدم الانقعاد لأنه لا بد من الخطبة

ويشترط العدد المذكور من أول أركان الخطبة إلى الفراغ من الصلاة لأنه شرط في الابتداء فكان شرطا في جميع الأجزاء كالوقت ويشترط أن يسمعوا أركان الخطبتين كما سيأتي

( و ) على هذا ( لو انفض الأربعون ) الحاضرون ( أو بعضهم في الخطبة لم يحسب المفعول ) من أركانها ( في غيبتهم ) لعدم سماعهم له وقد قال تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا قال أكثر المفسرين المراد به الخطبة فلا بد أن يسمع أربعون جميع أركان الخطبتين

ولا يأتي هنا الخلاف الآتي في الانفضاض من الصلاة لأن كل واحد مصل بنفسه فجاز أن يتسامح في نقصان العدد في الصلاة

والمقصود من الخطبة إسماع الناس فإذا انفض الأربعون بطل حكم الخطبة وإذا انفض بعضهم بطل حكم العدد

والمراد بالأربعين العدد المعتبر وهو تسعة وثلاثون على الأصح فلو كان مع الإمام الكامل أربعون فانفض واحد منهم لم يضر وأورد بعضهم هذه على المتن

( ويجوز البناء على ما مضى ) منها ( إن عاد وأقبل طول الفصل ) عرفا كما في المجموع كما يجوز البناء لو سلم ناسيا ثم تذكر قبل طول الفصل ولأن ذلك لا يمنع الجمع بين الصلاتين في جميع التقديم

( وكذا بناء الصلاة على الخطبة إن انفضوا بينهما ) وعادوا قبل طول الفصل لما مر ( فإن عادوا بعد طوله ) في المسألتين ( وجب الاستئناف ) فيهما للخطبة ( في الأظهر ) سواء كان بعذر أم لا لأنه عليه الصلاة والسلام لم ينقل عنه ذلك لا متواليا وكذا الأئمة من بعده ولأن الموالاة لها موقع في استمالة النفس

والثاني لا يجب الاستئناف لأن الغرض أن ألفاظ الخطبة هو الوعظ والتذكير

ومن الصلاة إيقاع الفرض في جماعة وهو حاصل مع التفريق

وخرج ب عادوا ما لو عاد بدلهم فلا بد من الاستئناف وإن قصر الفصل

( وإن انفضوا ) أي الأربعون أو بعضهم ( في الصلاة ) بأن أخرجوا أنفسهم من الجماعة في الركعة الأولى أو أبطلوها ( بطلت ) أي الجمعة لفوات العدد المشروط في دوامها فيتمها من بقي ظهرا

وعلى هذا لو أحرم الإمام وتباطأ المأمومون أو بعضهم بالإحرام عقب إحرام الإمام ثم أحرموا فإن تأخر تحرمهم عن ركوعه فلا جمعة لهم وإن لم يتأخر عن ركوعه فإن أدركوا الركوع مع الفاتحة صحت جمعتهم وإلا فلا لإدراكهم الركوع والفاتحة معه في الأولى دون الثاني وسبقه في الأول بالتكبير والقيام كما لم يمنع إدراكهم الركعة لا يمنع انعقاد الجمعة وهذا ما جرى عليه الإمام و الغزالي وقال البغوي إنه المذهب وجزم به صاحب الأنوار و ابن المقري وهو المعتمد

وقال الشيخ أبو محمد الجويني يشترط أن لا يطول الفصل بين إحرامه وإحرامهم

انفضوا عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا فأنزل الله تعالى وإذا رأوا تجارة الآية فدل على أن الأربعين ( وفي قول لا ) تبطل ( إن بقي )


284

اثنا عشر مع الإمام لحديث جابر أنهم لا تشترط في دوام الصلاة

وأجاب الأول بأن هذا كان في الخطبة كما ورد في مسلم

ورجح هذه الرواية البيهقي على ما ورد في رواية أخرى في البخاري في الصلاة وحملها بعضهم على الخطبة جمعا بين الروايتين

وإذا كان في الخطبة فلعلهم عادوا قبل طول الفصل

وفي قول لا تبطل إن بقي ( اثنان ) مع الإمام اكتفاء بدوام مسمى الجمع وفي قول قديم أنه يكفي بقاء واحد معه لوجود اسم الجماعة وفي رابع أنه يتمها جمعة وإن بقي وحده وفي خامس إن حصل الانفضاض في الركعة الأولى بطلت أو في الثانية فلا ويتمها جمعة وإن بقي وحده

والمراد على الأول انفضاض مسمى العدد لا الذين حضروا الخطبة فلو أحرم بتسعة وثلاثين سمعوا الخطبة ثم انفضوا بعد إحرام تسعة وثلاثين لم يسمعوها أتم بهم الجمعة لأنهم إذا لحقوا والعدد تام صار حكمهم واحدا فسقط عنهم سماع الخطبة وإن انفضوا قبل إحرامهم به استأنف الخطبة بهم فلا تصح الجمعة بدونها وإن قصر الفصل لانتفاء سماعهم ولحوقهم وإن أحرم بها فانفضوا إلا ثمانية وثلاثين فكملوا أربعين بخنثى فإن أحرم به بعد انفضاضهم لم تصح جمعتهم للشك في تمام العدد المعتبر وإلا صحت لأنا حكمنا بانعقادها وصحتها وشككنا في نقص العدد بتقدير أنوثته والأصل صحة الصلاة فلا نبطلها بالشك كما لو شك في الصلاة هل كان مسح رأسه أم لا فإنه يمضي في صلاته

( وتصح ) الجمعة ( خلف العبد والصبي والمسافر في الأظهر ) أي خلف كل منهم ( إذا تم العدد بغيره ) لصحتها منهم كما في سائر الصلوات وإن لم تلزمهم والعدد قد وجد بصفة الكمال وجمعة الإمام صحيحة والاقتداء بمن لا تجب عليه تلك الصلاة فيها جائز

والثاني لا تصح لأن الإمام ركن في صحة هذه الصلاة فاشترط فيه الكمال كالأربعين بل أولى

ولو كان الإمام متنفلا ففيه قولان وأولى بالجواز لأنه من أهل الفرض ولا نقص فيه

تنبيه تعبيره بالأظهر في الثلاثة مخالف لما في الشرح والروضة من وجهين أحدهما أن الأصح في العبد والمسافر طريقة القطع بالصحة لا طريقة الخلاف والثاني أن الخلاف على تقدير إثباته فيهما وجهان لا قولان

وكان الأولى أن يقول إذا تم العدد بغيرهم لأن العطف إذا كان بالواو لا يفرد الضمير أما إذا تم العدد بواحد ممن ذكر فلا تصح جزما

( ولو بان الإمام جنبا أو محدثا صحت جمعتهم في الأظهر إن تم العدد بغيره ) كما في سائر الصلوات والثاني لا تصح لأن الجماعة شرط في الجمعة والجماعة تقوم بالإمام والمأموم فإذا بان الإمام محدثا بان أن لا جمعة له ولا جماعة بخلاف غيرها

وحكى في المجموع طريقة قاطعة بالأول وصححها

( وإلا ) بأن تم العدد به ( فلا ) تصح جمعتهم جزما لأن الكمال شرط في الأربعين كما مر ولو بان حدث الأربعين المقتدين به أو بعضهم لم تصح جمعة من كان محدثا وتصح جمعة الإمام فيهما كما صرح به الصيمري و المتولي وغيرهما ونقلاه عن صاحب البيان وأقراه لأنه لا يكلف العلم بطهارتهم بخلاف ما لو بانوا عبيدا أو نساء لسهولة الاطلاع على حالهم

أما المتطهر منهم في الثانية فتصح جمعته تبعا للإمام كما صرح به المتولي و القمولي

فإن قيل كيف صحت صلاة الإمام مع فوات الشرط وهو العدد فيها ولهذا شرطناه في عكسه أجيب بأنه لم يفت بل وجد في حقه واحتمل في حدثهم لأنه متبوع ويصح إحرامه منفردا فاغتفر له مع عذره ما لا يغتفر في غيره وإنما صحت للمتطهر المؤتم به في الثانية تبعا له

( ومن لحق الإمام المحدث ) أي الذي بان حدثه ( راكعا لم تحسب ركعته على الصحيح ) لأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع بإدراك الركوع خلاف الحقيقة وإنما يصار إليه إذا كان الركوع محسوبا من صلاة الإمام ليتحمل به عن الغير والمحدث ليس أهلا للتحمل وإن صحت الصلاة خلفه

والثاني يحسب كما لو أدرك معه كل الركعة وصححه الرافعي في باب صلاة المسافر

وأجاب الأول بأنه إذا أدركه راكعا لم يأت بالقراءة والإمام لا يتحمل


285

عن المأموم إذا كان محدثا بخلاف ما إذا قرأ بنفسه وإن أدرك الركعة كاملة مع الإمام في ركعة زائدة سهوا صحت إن لم يكن عالما بزيادتها كمصل صلاة كاملة خلف محدث بخلاف ما لو بان إمامه كافرا أو امرأة لأنهما ليسا أهلا لإمامة الجمعة بحال

( الخامس ) من الشروط ( خطبتان ) لخبر الصحيحين عن ابن عمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة خطبتين يجلس بينهما

وكونهما ( قبل الصلاة ) بالإجماع إلا من شذ مع خبر صلوا كما رأيتموني أصلي ولم يصل صلى الله عليه وسلم إلا بعدهما

قال في المجموع ثبت صلاته صلى الله عليه وسلم بعد خطبتين بخلاف العيد فإن خطبتيه مؤخرتان للإتباع ولأن الجمعة إنما تؤدى جماعة فأخرت ليدركها المتأخرون ولأن خطبة الجمعة شرط والشرط مقدم على مشروطه

( وأركانهما خمسة ) الأول ( حمد الله تعالى ) للإتباع رواه مسلم

( و ) الثاني ( الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) لأنها عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى فافتقرت إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم كالأذان والصلاة قال القمولي وفي وجوب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إشكال فإن الخطبة المروية عنه صلى الله عليه وسلم ليس فيها ذكر الصلاة عليه لكنه فعل السلف والخلف ويبعد الاتفاق على فعل سنة دائما وقال إن الشافعي تفرد بوجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة اه

ويدل له رضي الله عنه القياس المتقدم وما في دلائل النبوة للبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله تعالى وجعلت أمتك لا تجوز عليهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي

( ولفظهما ) أي الحمد والصلاة ( متعين ) للاتباع ولأنه الذي مضى عليه الناس في عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا فلا يجزىء الشكر والثناء ولا إله إلا الله ولا العظمة والجلال والمدح ونحو ذلك ولا يتعين لفظ الحمد بل يجزىء بحمد الله أو أحمد الله أو لله الحمد أو الله أحمد كما يؤخذ من التعليقة تبعا لصاحب الحاوي في شرح اللباب وصرح الجيلي بإجزاء أنا حامد لله وهذا هو المعتمد وإن توقف في ذلك الأذرعي وقال قضية كلام الشرحين تعين لفظ الحمد لله باللام اه

ويتعين لفظ الله فلا يجزىء الحمد للرحمن أو الرحيم كما نقله الرافعي عن مقتضى كلام الغزالي قال ولم أره مسطورا وليس ببعيد كما في التكبير وجزم بذلك في المجموع

ولا يتعين لفظ اللهم صل على محمد بل يجزيء أصلي أو نصلي على محمد أو أحمد أو الرسول أو النبي أو الماحي أو العاقب أو الحاشر أو الناشر أو النذير

ولا يكفي رحم الله محمدا أو صلى الله عليه وصلى الله على جبريل ونحو ذلك

تنبيه قوله ولفظهما متعين إن أراد تعيين الحمد والصلاة كما قررت به كلامه تبعا للشارح دون لفظ الله ورسول الله

ورد عليه أن لفظ الجلالة يتعين كما مر وإن أراد تعيين المذكور بجملته ورد عليه أنه لا يتعين لفظ رسول الله كما مر أيضا

وما ذكرته من أن لفظ الضمير لا يكفي هو ما أفتى به بعض المتأخرين وهو المعتمد قياسا على التشهد وجزم به شيخنا في شرح الروض

( و ) الثالث ( الوصية بالتقوى ) للاتباع رواه مسلم ولأن المقصود من الخطبة الوعظ والتحذير

( ولا يتعين لفظها ) أي الوصية بالتقوى ( على الصحيح ) لأن الغرض الوعظ والحمل على طاعة الله تعالى فيكفي ما دل على الموعظة طويلا كان أو قصيرا كأطيعوا الله وراقبوه ولا يكفي الاقتصار على التحذير من غرور الدنيا وزخرفها فقد يتواصى به منكر البعث بل لا بد من الحمل على الطاعة والمنع من المعصية والحمل على الطاعة مستلزم للحمل على المنع من المعصية

والثاني يتعين لفظ الوصية قياسا على الحمد والصلاة

تنبيه قوله ولا يتعين لفظها يحتمل أن مراده لا يتعين لفظ الوصية وهو عبارة الروضة فيكون لفظ التقوى لا بد منه

وهذا أقرب إلى لفظه

ويحتمل أن مراده لا يتعين واحد من اللفظين لا الوصية ولا التقوى وهو ما قررت به كلامه تبعا للشارح وجزم الإسنوي بالاحتمال الأول ففسر به لفظ المصنف

قال بعض المتأخرين ويمكن أن يكون مراده في الروضة أن الخلاف في لفظ الوصية ولا يجب لفظ التقوى قطعا ويؤيده ما نقلاه عن الإمام وأقراه أنه يكفي أن يقول


286

أطيعوا الله

( وهذه الثلاثة ) الأركان المذكورة ( أركان في ) كل من ( الخطبتين ) لاتباع السلف والخلف ولأن كل خطبة منفصلة عن الأخرى

( والرابع قراءة آية ) للاتباع رواه الشيخان سواء أكانت وعدا لهم أو وعيدا أم حكما أم قصة

قال الإمام ولا يبعد الاكتفاء بشطر آية طويلة وينبغي كما قال شيخي اعتماده وإن قال في المجموع المشهور الجزم باشتراط آية

ويعضد الأول قول البويطي ويقرأ شيئا من القرآن ولا شك أنه لا يكفي ثم نظر أو ثم عبس أو نحو ذلك وإن كانت آية لأنها غير مفهمة

وقال في المجموع إنه لا خلاف فيه

ويكفي كونها ( في إحداهما ) لأن الغالب القراءة في الخطبة دون تعيين ونقل الماوردي عن نصه في المبسوط أنه يجزيء أن يقرأ بين قراءتهما قال وكذلك قبل الخطبة أو بعد فراغه منهما ونقل ابن كج ذلك عن النص صريحا وذكر الدارمي نحو ذلك قال الأذرعي وهو المذهب قال في المجموع ويسن جعلها في الأولى

( وقيل ) تتعين ( في الأولى ) فلا تجزيء في الثانية وهو المنصوص في البويطي والمختصر لتكون في مقابلة الدعاء المختص بالثانية ولأن الأولى أحق بالتطويل

( وقيل ) تتعين ( فيهما ) أي في كل منهما

( وقيل لا تجب ) في واحدة منهما بل تستحب وسكتوا عن محله ويقاس بمحل الوجوب

وعلى الأول يستحب قراءة ق في الأولى للإتباع رواه مسلم ولاشتمالها على أنواع المواعظ

ولا يشترط رضا الحاضرين وإن توقف في ذلك الأذرعي كما لا يشترط في قراءة الجمعة والمنافقين في الصلاة وإن كانت السنة التخفيف قال البندنيجي فإن أبى قرأ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا الآية

ولو قرأ آية سجدة نزل وسجد إن لم يكن فيه كلفة فإن خشي من ذلك طول فصل سجد مكانه إن أمكن وإلا تركه

ولا تجزىء آية تشتمل على الأركان كلها لأن ذلك لا يسمى خطبة واستشكل هذا بأنه ليس لنا آية تشتمل على الصلاة منا على النبي صلى الله عليه وسلم وإن أتى ببعضها ضمن آية كقوله الحمد لله فاطر السماوات والأرض لم يمتنع وأجزأه ذلك عن البعض دون القراءة لئلا يتداخلا وإن قصدهما بآية لم يجزه ذلك عنهما بل عن القراءة فقط كما صرح به في المجموع

وكره جماعة تضمين شيء من آي القرآن بغيره من الخطب والرسائل وغيرهما وخصه جماعة في الخطب والرسائل وهذا هو الظاهر وقد أكثر من ذلك ابن الجوزي و ابن نباتة وغيرهما

( والخامس ما يقع عليه اسم دعاء للمؤمنين ) بأخروي لنقل الخلف له عن السلف ويكون ( في ) الخطبة ( الثانية ) لأن الدعاء يليق بالخواتم

فإن قيل تعبيره بالمؤمنين لا يشمل المؤمنات

أجيب بأن المراد بهم الجنس الشامل لهن وبهما عبر في الوسيط وفي التنزيل وكانت من القانتين ولو خص به الحاضرين كقوله رحمكم الله كفى بخلاف ما لو خص به الغائبين كما يؤخذ من كلامهم ولم أره مسطورا

( وقيل لا يجب ) لأنه لا يجب في غير الخطبة فكذا فيها كالتسبيح بل يستحب ونص على هذا في الإملاء وجزم به ابن حامد

وقطع بعضهم بالأولى وبعضهم بالثاني فكان ينبغي التعبير بالمذهب والمختار في المجموع وزيادة الروضة أنه لا بأس بالدعاء للسلطان بعينه إن لم يكن في وصفه مجازفة قال ابن عبد السلام لا يجوز وصفه بالصفات الكاذبة إلا لضرورة

ويستحب الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل ونحو ذلك

ثم لما فرغ من ذكر أركان الخطبتين شرع في ذكر شروطهما وهي تسعة مبتدئا بواحد منها فقال ( ويشترط كونها ) أي الخطبة أي أركانها والمراد بها الجنس الشامل للخطبتين ( عربية ) لاتباع السلف والخلف ولأنها ذكر مفروض فيشترط فيه ذلك كتكبيرة الإحرام فإن أمكن تعلمها وجب على الجميع على سبيل فرض الكفاية فيكفي في تعلمها واحد منهم كما هو شأن فروض الكفاية فإن لم يفعل واحد منهم عصوا ولا جمعة لهم بل يصلون الظهر

فإن قيل ما فائدة الخطبة بالعربية إذا لم يعرفها القوم أجيب بأن فائدتها العلم بالوعظ من حيث الجملة فقد صرحوا فيما إذا سمعوا الخطبة ولم يفهموا معناها أنها تصح فإن لم يمكن تعلمها خطب بلغته وإن لم يفهمها القوم فإن لم يحسن لغة فلا جمعة لهم لانتفاء شرطها

( مرتبة الأركان الثلاثة الأولى )


287

على الترتيب السابق فيبدأ بالحمد ثم بالصلاة ثم بالوصية كما جرى عليه الناس

وكذا أيضا صححه في الشرح الصغير ولم يصحح في الكبير شيئا وسيأتي تصحيح المصنف عدم اشتراط ذلك

ولا ترتيب بين القراءة والدعاء ولا بينهما وبين غيرهما وقيل يشترط ذلك فيأتي بعد الوصية بالقرءاة ثم الدعاء حكاه في المجموع

( و ) الشرط الثاني كونها ( بعد الزوال ) للاتباع رواه البخاري عن السائب بن يزيد قال كان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وفي البخاري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة بعد الزوال وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب بعد الزوال

قال في المجموع في باب هيئة الجمعة ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى الجمعة متصلا بالزوال وكذا جميع الأئمة في جميع الأمصار ولو جاز تقديمها لقدمها النبي صلى الله عليه وسلم تخفيفا على المبكرين وإيقاعا لها في أول الوقت

( و ) الشرط الثالث ( القيام فيهما إن قدر ) للاتباع رواه مسلم فإن عجز عنه خطب قاعدا ثم مضطجعا كالصلاة ويصح الاقتداء به وإن لم يقل لا أستطيع لأن الظاهر أنه إنما فعل ذلك لعجزه والأولى له أن يستنيب فإن بان أنه كان قادرا فكإمام بان محدثا وتقدم حكمه

( و ) الشرط الرابع ( الجلوس بينهما ) للاتباع رواه مسلم ولا بد من الطمأنينة فيه كما في الجلوس بين السجدتين فلو خطب جالسا لعجزه وجب الفصل بينهما بسكتة ولا يكفي الاضطجاع

فإن قيل ما الحكمة في جعل القيام والجلوس هنا شرطين وفي الصلاة ركنين أجيب بأن الخطبة ليست إلا الذكر والوعظ ولا ريب أن القيام والجلوس ليسا بجزئين منهما بخلاف الصلاة فإنها جملة أعمال وهي كما تكون أذكارا تكون غير أذكار

( و ) الخامس ( إسماع أربعين كاملين ) أي أن يرفع صوته بأركانها بحيث يسمعها عدد من تنعقد بهم الجمعة لأن مقصودها وعظهم وهو لا يحصل إلا بذلك فعلم أنه يشترط الإسماع والسماع وإن لم يفهموا معناها كما مر كالعامي يقرأ الفاتحة في الصلاة ولا يفهم معناها فلا يكفي الإسرار كالأذان

ولا إسماع دون من تنعقد بهم الجمعة فقوله كغيره أربعين أي بالإمام فلو كانوا صما أو بعضهم لم تصح كبعدهم

وقضية كلامهم أنه يشترط في الخطيب إذا كان من الأربعين أن يسمع نفسه حتى لو كان أصم لم يكف وهو كما قال الإسنوي بعيد بل لا معنى له لأن الشخص يعرف ما يقول وإن لم يسمعه ولا معنى لأمره بالإنصات لنفسه

ولا يشترط أن يعرف الخطيب معنى أركان الخطبة خلافا للزركشي كمن يؤم القوم ولا يعرف معنى الفاتحة

( والجديد أنه لا يحرم عليهم الكلام ) فيها للأخبار الدالة على جوازه كخبر الصحيحين عن أنس بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقام أعرابي فقال يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا فرفع يديه ودعا

وجه الدلالة أنه لم ينكر عليه الكلام ولم يبين له وجوب السكوت ولا يختص بالأربعين بل الحاضرون كلهم فيهم سواء

( ويسن ) للقوم السامعين وغيرهم أن يقبلوا عليه بوجوههم لأنه الأدب ولما فيه من توجيههم القبلة و ( الأنصات ) له قال تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ذكر كثير من المفسرين أنه ورد في الخطبة وسميت قرآنا لاشتمالها عليه

ويكره للحاضرين الكلام فيها لظاهر هذه الآية وخبر مسلم إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت والقديم يحرم الكلام فيها ويجب الإنصات واستدل لذلك بالآية المتقدمة

وأجاب الأول بأن الأمر في الآية للندب جمعا بين الدليلين ولا يحرم الكلام على الخطيب قطعا والخلاف في كلام لا يتعلق به غرض مهم ناجز فأما إذا رأى أعمى يقع في بئر أو عقربا تدب على إنسان فأنذره أو علم إنسانا شيئا من الخير أو نهاه عن منكر فهذا ليس بحرام قطعا بل قد يجب عليه لكن يستحب أن يقتصر على الإشارة إن أغنت

ولا يكره الكلام قبل الخطبة ولا بعدها ولا بين الخطبتين ولا للداخل ما لم يأخذ له مكانا ويستقر فيه ولو سلم داخل على مستمع للخطبة والخطيب يخطب وجب عليه الرد بناء على أن الإنصات سنة كما مر مع أن السلام في هذه الحالة مكروه كما صرح به في المجموع وغيره فكيف يجب الرد والسلام غير مشروع وقد صحح الرافعي في الشرح الصغير عدم الوجوب وقال الجرجاني إن قلنا يكره


288

الكلام كره الرد اه

ولكن الإشكال لا يدفع المنقول

ويسن تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى وإنما لم يكره كسائر الكلام لأن سببه قهري

ويجب تخفيف الصلاة على من كان فيها عند صعود الخطيب المنبر وجلوسه ولا يباح لغير الخطيب من الحاضرين نافلة بعد صعوده المنبر وجلوسه وإن لم يسمع الخطبة لإعراضه عنه بالكلية ونقل فيه الماوردي الإجماع

والفرق بين الكلام حيث لا بأس به وإن صعد الخطيب المنبر ما لم يبتدىء الخطبة وبين الصلاة حيث تحرم حينئذ أن قطع الكلام هين متى ابتدأ الخطيب الخطبة بخلاف الصلاة فإنه قد يفوته بها سماع أول الخطبة وإذا حرمت لم تنعقد كما قاله البلقيني لأن الوقت ليس لها وكالصلاة في الأوقات الخمسة المكروهة بل أولى للإجماع على تحريمها هنا كما مر بخلافها ثم

وتستثنى التحية لداخل المسجد والخطيب على المنبر فيصليها ندبا مخففة وجوبا لخبر مسلم جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس فقال له يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما

ثم قال إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما هذا إن صلى سنة الجمعة وإلا صلاها مخففة وحصلت التحية ولا يزيد على ركعتين بكل حال فإن لم تحصل تحية كأن كان في غير مسجد لم يصل شيئا

فإطلاقهم ومنعهم من الراتبة مع قيام سببها يقتضي أنه لو تذكر في هذا الوقت فرضا لا يأتي به وأنه لو أتى به لم ينعقد وهو الظاهر كما قاله بعض المتأخرين

أما الداخل في آخر الخطبة فإن غلب على ظنه أنه إن صلاها فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام لم يصل التحية بل يقف حتى تقام الصلاة ولا يقعد لئلا يكون جالسا في المسجد قبل التحية قال ابن الرفعة ولو صلاها في هذه الحالة استحب للإمام أن يزيد في كلام الخطبة بقدر ما يكملها قال شيخنا وما قاله نص عليه في الأم

والمراد بالتخفيف فيما ذكر الاقتصار على الواجبات كما قاله الزركشي لا الإسراع قال ويدل له ما ذكروه من أنه إذا ضاق الوقت وأراد الوضوء اقتصر على الواجبات

( قلت الأصح أن ترتيب الأركان ليس بشرط والله أعلم ) لحصول المقصود بدونه لأن المقصود الوعظ وهو حاصل ولم يرد نص في اشتراط الترتيب وهذا هو المنصوص عليه في الأم والمبسوط وجزم به أكثر العراقيين بل هو سنة

والشرط السادس ما ذكره بقوله ( والأظهر اشتراط الموالاة ) بين أركانها وبين الخطبتين وبينهما وبين الصلاة للاتباع ولأن لها أثرا ظاهرا في استمالة القلوب والخطبة والصلاة شبيهتان بصلاة الجمع

والثاني لا تشترط لأن الغرض الوعظ والتذكير يحصل مع تفريق الكلمات

تنبيه هذه المسألة قد سبقت في الكلام على الانفضاض فهي مكررة

( و ) الشرط السابع ( طهارة الحدث ) الأكبر والأصغر ( والخبث ) غير المعفو عنه في البدن والثوب والمكان

( و ) الشرط الثامن ( الستر ) للعورة للاتباع وكما في الصلاة فلو أغمي عليه أو أحدث في أثناء الخطبة استأنفها ولو سبقه الحدث وقصر الفصل لأنها عبادة واجبة فلا تؤدى بطهارتين كالصلاة

ولو أحدث بين الخطبة والصلاة وتطهر عن قرب لم يضر كما اقتضاه كلامهم كما في الجمع بين الصلاتين وأما سامعوا الخطبة فلا يشترط طهارتهم ولا سترهم كما نقله الأذرعي عن بعضهم قال وأغرب من شرط ذلك

الشرط التاسع تقديمها على الصلاة كما علم مما مر ولا تجب نية الخطبة كما جزم به في المجموع في باب الوضوء وجرى عليه ابن عبد السلام في فتاويه قال لأنها أذكار وأمر بمعروف ونهي عن منكر ودعاء وقراءة

ولا تشترط النية في شيء من ذلك لأنه ممتاز بصورته منصرف إلى الله تعالى بحقيقته فلا يفتقر إلى نية تصرفه إليه

وقيل تجب النية وفرضيتها كما في الصلاة بجامع أن كلا منهما فرض يشترط فيه الطهارة والستر والموالاة

وجرى على هذا القاضي وتبعه ابن المقري في روضه وصاحب الأنوار والمعتمد الأول وما جرى عليه القاضي مبني كما قال في المهمات على أنها بدل عن ركعتين

ثم شرع في ذكر مستحبات الخطبة فقال ( وتسن على منبر ) للاتباع رواه الشيخان وهو بكسر الميم مأخوذ من النبر وهو الارتفاع

ويسن أن يكون المنبر على يمين المحراب والمراد يمين مصلى الإمام قال الرافعي هكذا وضع منبره صلى الله عليه وسلم

قال الصيمري وينبغي أن يكون بين المنبر والقبلة قدر ذراع أو ذراعين


289

فائدة كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فالتزمه وفي رواية فمسحه وفي أخرى فسمعنا له مثل أصوات العشار

وكان منبره صلى الله عليه وسلم ثلاث درج غير الدرجة التي تسمى المستراح ويستحب أن يقف على الدرجة التي تليها كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم

فإن قيل إن أبا بكر نزل عن موقف النبي صلى الله عليه وسلم درجة وعمر درجة أخرى وعثمان درجة أخرى ثم وقف على موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم

أجيب بأن فعل بعضهم ليس حجة على بعض ولكل منهم قصد صحيح والمختار موافقته صلى الله عليه وسلم لعموم الأمر بالاقتداء به

نعم إن طال المنبر قال الماوردي فعلى السابعة أي لأن مروان بن الحكم زاد في زمن معاوية على المنبر الأول ست درج فصار عدد درجه تسعة وكان الخلفاء يقفون على الدرجة السابعة وهي الأولى من الأول أي لأن الزيادة كانت من أسفله

وظاهر كلامهم أن فعل الخطبة على المنبر مستحب وإن كان بمكة وهو للظاهر وإن قال السبكي الخطابة بمكة على منبر بدعة وإنما السنة أن يخطب على الباب كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وإنما أحدث المنبر بمكة معاوية بن أبي سفيان

ويكره منبر كبير يضيق على المصلين

ويسن التيامن في المنبر الواسع ( أو ) على موضع ( مرتفع ) لأنه أبلغ في الإعلام هذا إن لم يكن منبر كما في الشرحين والروضة وإن كان مقتضى عبارة المصنف التسوية فإن تعذر استند إلى نحو خشبة كما كان صلى الله عليه وسلم يفعله قبل فعل المنبر

( ويسلم ) عند دخول المسجد على الحاضرين لإقباله عليهم و ( على من عند المنبر ) ندبا إذا انتهى إليه كما في المحرر للاتباع رواه البيهقي ولمفارقته إياهم

ولا يسن له تحية المسجد كما في زوائد الروضة وإن خالفه غيره

( و ) يسن ( أن يقبل عليهم إذا صعد ) المنبر أو نحو أو استند إلى ما مر وانتهى إلى ما يجلس عليه أو استند إلى ما يستند إليه ( ويسلم عليهم ) للاتباع ولإقباله عليهم

قال في المجموع ويجب رد السلام عليه في الحالين وهو فرض كفاية كالسلام في باقي المواضع وإنما يسن إقباله عليهم وإن كان فيه استدبار القبلة لأنه لو استقبلها فإن كان في صدر المجلس كما هو العادة كان خارجا عن مقاصد الخطاب وإن كان في آخره ثم استدبروه لزم ما ذكرناه وإن استقبلوه لزم ترك الاستقبال لخلق كثير وتركه لواحد أسهل

( ويجلس ) بعد السلام على المستراح ليستريح من تعب الصعود ( ثم يؤذن ) بفتح الذال في حال جلوسه كما قاله الشارح

وقال الدميري ينبغي أن يكون بكسرها ليوافق ما في المحرر من كون الأذان المذكور يستحب أن يكون من واحد لا من جماعة كما استحبه أبو علي الطبري وغيره

ولفظ الشافعي في ذلك وأحب أن يؤذن مؤذن واحد إذا كان على المنبر لا جماعة المؤذنين لأنه لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد فإن أذنوا جماعة كرهت ذلك ولا يفسد شيء منه الصلاة لأن الأذان ليس من الصلاة وإنما هو دعاء إليها

وفي البخاري كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر حين يجلس الإمام على المنبر فلما كثر الناس في عهد عثمان أمرهم بأذان آخر على الزوراء واستقر الأمر على هذا

( و ) يسن ( أن تكون ) الخطبة ( بليغة ) أي فصيحة جزلة لأن ذلك أوقع في القلوب من الكلام المبتذل الركيك ( مفهومة ) لا غريبة وحشية إذ لا ينتفع بها أكثر الناس

وقال علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله

وقال الشافعي رضي الله عنه يكون كلامه مسترسلا مبينا معربا من غير نعي ولا تمطيط

وقال المتولي وتكره الكلمات المشتركة والبعيدة عن الأفهام وما تنكره عقول الحاضرين

( قصيرة ) أي بالنسبة إلى الصلاة لحديث مسلم أطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة بضم الخاء فتكون متوسطة كما عبر به في الروضة وأصلها بين الطويلة والقصيرة لخبر مسلم كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قصدا وخطبته قصدا ولا ينافي هذا ما مر لأن القصر والطول من الأمور النسبية فالمراد بإقصار الخطبة إقصارها عن الصلاة كما مر وبإطالة الصلاة إطالتها على الخطبة قال شيخنا وبهذا يندفع ما قيل إن اقتصار الخطبة يشكل بقولهم يسن أن يقرأ في الأولى ق

( ولا يلتفت يمينا و ) لا ( شمالا في شيء منها ) لأنه بدعة بل يستمر على ما مر من الإقبال عليهم إلى فراغها ولا


290

يعبث بل يخشع كما في الصلاة فلو استقبل القبلة أو استدبرها الحاضرون أجزأ ذلك وكره

تنبيه كان ينبغي أن يقول ولا شمالا بزيادة لا كما في الشرح والروضة لأنه إذا التفت يمينا فقط أو شمالا فقط صدق عليه أن يقال لم يلتفت يمينا ولا شمالا ولو حذفهما لكان أعم وأحضر

( ويعتمد ) ندبا ( على سيف أو عصا ونحوه ) كقوس لخبر أبي داود بإسناد حسن أنه صلى الله عليه وسلم قام في خطبة الجمعة متوكئا على قوس أو عصا وحكمته الإشارة إلى أن هذا الدين قام بالسلاح ولهذا يسن أن يكون ذلك في يده اليسرى كعادة من يريد الجهاد به ويشغل يده اليمنى بحرف المنبر فإن لم يجد شيئا من ذلك سكن يديه خاشعا بأن يجعل اليمنى على اليسرى أو يرسلهما

ويكره في الخطبة ما ابتدعه الخطباء الجهلة من الإشارة باليد أو غيرها ومن الالتفات في الخطبة الثانية وفي دق الدرج في صعوده المنبر بسيف أو برجله أو نحوها وإن أفتى ابن عبد السلام باستحبابه والشيخ عماد الدين بن يونس بأنه لا بأس به وقال فيه تفخيم للخطبة وتحريك لهمم السامعين وإن كان بدعة والدعاء إذا انتهى صعوده قبل الجلوس للأذان وربما توهموا أنها ساعة الإجابة وهو جهل لأنها بعد جلوسه

وأغرب البيضاوي فقال يقف في كل مرقاة وقفة خفيفة يسأل الله فيها