غايه المرام في تتمه لسان الحکام


217

فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله العادل في حكمه القاضي بين عباده بعمله أحمده على ما حكم وقضى واشكره على ما أبرم وأمضى وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له الذي من توكل عليه كفاه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي اختاره على جميع خلقه واصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الثقات النقاه صلاة ينال بها قائلها في الدنيا والآخرة جميع ما يتمناه

وبعد فلما ابتليت بالقضا وجرى الحكم ومضى أحببت أن أجمع مختصرا في الأحكام منتخبا من كتب ساداتنا العلماء الأعلام ذاكرا فيه ما يكثر وقوعه بين الأنام على وجه الإتقان والإحكام ليكون عونا للحكام على فصل القضايا والأحكام

ورتبته على ثلاثين فصلا الفصل الأول في آداب القضاء وما يتعلق به الفصل الثاني في أنواع الدعاوى والبينات الفصل الثالث في الشهادات الفصل الرابع في الوكالة والكفالة والحوالة الفصل الخامس في الصلح الفصل السادس في الإقرار الفصل السابع في الوديعة الفصل الثامن في العارية الفصل التاسع في أنواع الضمانات الفصل العاشر في الوقف الفصل الحادي عشر في الغصب والشفعة والقسمة الفصل الثاني عشر في الإكراء والحجر الفصل الثالث عشر في النكاح الفصل الرابع عشر في الطلاق الفصل الخامس عشر في العتاق الفصل السادس عشر في الأيمان الفصل السابع عشر في البيوع الفصل الثامن عشر في الإجارات الفصل التاسع عشر في الهبة الفصل العشرون في الرهن الفصل الحادي والعشرون في الكراهية الفصل الثاني والعشرون في الصيد والذبائح والأضحية الفصل الثالث والعشرون في الجنايات والديات والحدود الفصل الرابع والعشرون في الشرب والمزارعة والمساقاة الفصل الخامس والعشرون في الحيطان وما يتعلق بها الفصل السادس والعشرون في السير


218

الفصل السابع والعشرون فيما يكون إسلاما من الكافر ومالا يكون وما يكون كفرا من المسلم ومالا يكون الفصل الثامن والعشرون في الوصايا الفصل التاسع والعشرون في الفرائض الفصل الثلاثون في مسائل شتى وهو الختام

وقد شرعت فيه مستعينا بالحي الذي لا ينام وهو الموفق بمنه وكرمه للإتمام

الفصل الأول في آداب القضاء وما يتعلق به

أقول وبالله التوفيق القضاء في اللغة عبارة عن اللزوم ولهذا سمي القاضي لأنه يلزم الناس وفي الشرع يراد بالقضاء فصل الخصومات وقطع المنازعات ويجوز تقليد القضاء من السلطان العادل والجائر أما العادل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن قاضيا وولى عثمان بن اسيد على مكة أميرا وأما الجائر فلأن الصحابة رضي الله عنهم تقلدوا الأعمال من معاوية بعد أن أظهر الخلاف مع علي رضي الله عنه وكان الحق مع علي وإنما يجوز التقليد من السلطان الجائر إذا كان يمكنه من القضاء بحق وأما إذا كان لا يمكنه فلا وإنما يتقلد القضاء من يكون عدلا في نفسه عالما بالكتاب والسنة والاجتهاد وشرطه أن يكون عالما من الكتاب والسنة ما يتعلق به الأحكام لا المواعظ وقيل إنه إذا كان صوابه أكثر من خطئه حل له الاجتهاد وكون القاضي مجتهدا ليس بشرط ويقضي بما سمعه أو بفتوى غيره وأجمع الفقهاء أن المفتي يجب أن يكون من أهل الاجتهاد وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا حتى يعلم من أين قلنا وفي الملتقط إذا كان صوابه أكثر من خطئه حل له الإفتاء وإن لم يكن مجتهدا لا يحل له الفتوى إلا بطريق الحكاية فيحكي ما يحفظه من أقوال الفقهاء والمفتي بالخيار إن شاء أفتى بقول الإمام رحمه الله أو بقول صاحبيه رحمهما الله تعالى وعن ابن المبارك رحمه الله تعالى يأخذ بقول الإمام لا غير وإن كان معه أحد صاحبيه أخذ بقولهما لا محالة كذا ذكره البزاز في جامعه

ثم اختلفوا في الدخول في القضاء منهم من قال يجوز الدخول فيه مختارا ومنهم من قال لا يجوز الدخول فيه إلا مكرها ألا ترى أن الإمام الأعظم رحمه الله تعالى دعى إلى القضاء ثلاث مرات فأبى حتى أنه ضرب في كل مرة ثلاثين سوطا ومحمد رحمه الله تعالى امتنع فقيد وحبس فاضطر فتقلد

وقال صلى الله عليه وسلم من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين إنما شبه بهذا لأن السكين تعمل في الظاهر والباطن أما القتل بغير سكين فهو القتل بطريق الخنق والغم وأنه يؤثر في الباطن دون الظاهر والقضاء كذلك لا يؤثر في الظاهر لأن ظاهره جاه وحشمة لكن يؤثر في الباطن فإنه سبب الهلاك فشبه به لهذا كذا في الملحقات

وقال عليه الصلاة والسلام من طلب الولاية وكل إليها ومن لم يطلبها فإن الله تعالى يرسل إليه ملكين فيسد دانه وقال عليه السلام القضاء ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة الحديث ومعنى ذلك كله التحذير عن طلب القضاء والدخول فيه إلا أنه قد دخل في القضاء قوم صالحون واجتنبه قوم صالحون هذا كله إذا كان في البلدة قوم يصلحون للقضاء أما إذا لم يكن من يصلح للقضاء فإنه يدخل وإذا كان في البلدة قوم يصلحون فإذا امتنع واحد منهم لا يأثم وإذا لم يكن وامتنع يأثم ولو كان في البلدة


219

قوم يصلحون فامتنعوا جميعا وكان السلطان لا يسمع الخصومات بنفسه يأثمون لأنه تضييع لأحكام الله تعالى

وفي التنبيه وعند الشافعي رحمه الله إذا كان القاضي فقيرا أو قصده استعمال الأحكام لحركة يجوز له أن يطلب القضاء

قال أبو حنيفة رحمه الله لا يترك القاضي على القضاء الا سنة واحدة لأنه متى اشتغل بذلك نسي العلم فيقع الخلل في الحكم فيجوز للسلطان أن يعزل القاضي بريبة وبغير ريبة ويقول السلطان للقاضي ما عزلتك للفساد فيك ولكن أخشى عليك أن تنسى العلم فادرس العلم ثم عد الينا حتى نقدلك ثانيا

ولا يسلم على القاضي في مجلس قضائه لأنه إنما جلس لفصل الخصومات لا لرد السلام وأما الأمناء الذين هم في مجلسه هل يسلم عليهم الصحيح أنه إن سلموا على الناس يسلم عليهم

ويكره للقاضي أن يفتي فيه في مجلس للقضاء وفي غيره اختلف المشايخ قيل يكره لأن الخصوم يدخلون عليه بالحيل الباطلة وهذا يشمل المجلس وغيره وقيل يفتي في العبادات ولا يفتي في المعاملات كذا في المحيط

وفي المحلقات وإذا اختصم إلى القاضي اخوة أو بنو أعمام ينبغي له أن يدافعهم قليلا ولا يعجل بالقضاء بينهم لعلهم يصطلحون لأن القضاء إن وقع بحق فربما يقع سببا للعداوة بينهم كذا ذكر هنا وهذا لا يختص بالأقارب بل ينبغي أن يفعل ذلك أيضا إذا وقعت الخصومة بين الأجانب لأن مر القضاء يورث الضغينة فيحترز عنه ما أمكن انتهى

قال جلال الدين أبو المحامد حامد بن محمد رحمه الله تعالى في كتاب السجلات يجوز للقاضي أخذ الأجرة على كتبه السجلات والمحاضر وغيرها من الوثائق بمقدار أجرة المثل وذلك لأن القاضي إنما يجب عليه القضاء وإيصال الحق إلى مستحقه فحسب أما الكتابة فزيادة عمل يعمله للمقضى له وعلى هذا قالوا لا بأس للمفتي أن يأخذ شيئا على كتابة جواب الفتوى وذلك لأن الواجب على المفتى الجواب باللسان دون الكتابة بالبنان ومع هذا الكف عن ذلك أولى احترازا من القيل والقال وصيانة لماء الوجه عن الابتذال

مسألة لا يصير الرجل أهلا للفتوى ما لم يكن صوابه أكثر من خطئه وذلك لأن صوابه متى كثر غلب والمغلوب في مقابلة الغالب ساقط كذا في الملتقطات

وذكر في البستان قال الفقيه كان بعضهم يكره الفتوى لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أجرأكم على النار أجرؤكم على الفتوى ولا ينبغي أن يكون المفتي جبارا فظا غليظا بل يكون متواضعا

مسألة أجر المثل في أخذ الأجرة على كتابة المحاضر والسجلات والوثائق في كل ألف درهم خمسة دراهم إلى العشرة والصحيح أنه يرجع في الأجرة إلى مقدار طول الكتابة وقصرها وصعوبتها وسهولتها وأما أخذ القاضي الأجرة على الأنكحة التي يباشرها مثل نكاح الصغار والأرامل اللاتي لا ولي لهن لا يحل له أخذ شيء على ذلك كذا في كتاب السجلات

وفي الغنية وينبغي أن ينصب انسانا حتى يقعد الناس بين يدي القاضي ويقيمهم ويقعد الشهود ويقيمهم ويزجر من أساء الأدب ويسمى صاحب المجلس والجلواز أيضا وأنه يأخذ من المدعي شيئا لأنه يعمل له بإقعاد الشهود على الترتيب وغيره لكن لا يأخذ أكثر من درهمين وللوكلاء أن يأخذوا ممن يعملون له من المدعين والمدعى عليهم ولكن لا يأخذوا لكل مجلس أكثر من درهمين والرجالة يأخذون أجورهم ممن يعملون له وهم المدعون لكنهم يأخذون في المصر نصف درهم إلى درهم وإذا خرجوا إلى الرساتيق


220

لا يأخذون لكل فرسخ أكثر من ثلاثة دراهم أو أربعة هكذا وضعه العلماء الأتقياء الكبار وهي أجور أمثالهم وأجرة الكاتب على من يكتب له الكاتب وأجرة البواب على القاضي وإذا بعث أمينا للتعجيل فالجعل على المدعي كالصحيفة قال مت مؤنة الرجالة على المدعي في الابتداء فإذا امتنع فعل المدعي عليه وكأن هذا استحسان مال إليه للزجر فإن القياس أن يكون على المدعي في الحالين المزكى يأخذ الأجرة من المدعي وكذا المبعوث للتعديل قضى في ولايته ثم اشهد على قضائه في غير ولايته لا يصح الإشهاد انتهى كلام الغنية

روى أن داود عليه السلام لما أمر بفصل القضاء نزلت السلسلة من السماء فإذا تقدم إليه الخصمان فالمحق منهما تنزل السلسلة له والمبطل منهما تتقلص عنه السلسلة فرفعت وكان سبب ذلك أنه احتال بعض الناس وذلك أن رجلا أودع عند رجل دنانير ثم جحد المودع الدنانير وكان شيخنا معه العصا فاختصما إلى داود عليه السلام فاحتال المودع وفقر العصا وجعل الدنانير فيها فلما اختصما قام المدعي فقال المدعي عليه للمدعي خذ عصاي حتى أنال السلسلة فأخذها فكان محقا في الإنكار فتحير داود عليه السلام فأخبره جبريل عليه السلام بذلك فقطع داود العصا فأمر الله سبحانه وتعالى أن يقضي ببينة المدعي ويمين المدعي عليه

وذكر في الواقعات أن القاضي إذا ارتد والعياذ بالله أو فسق ثم صلح فهو على حاله إلا أن ما قضى به في حال الارتداد والفسق باطل وبنفس الفسق لا ينعزل ولو حكم بالرشوة كان قضاؤه باطلا

وفي فصول العماد القاضي إذا أخذ الرشوة ثم بعث إلى شافعي المذهب أو إلى رجل آخر ليسمع الخصومة بين اثنين ويحكم بينهما لا ينفذ قضاء الثاني ولا حكمه لأن القاضي الأول عمل في هذا لنفسه حين أخذ الرشوة والفاسق إذا قلد القضاء يصير قاضيا وما قضى به نفذ قضاؤه إلا أن لقاض آخر أن يبطله إذا كان من رأيه خلاف ذلك ومتى أبطله ليس لقاض آخر أن ينفذه وهذا قول علمائنا

قاضي كرخ وقاضي سرخس التقيا فقال أحدهما للآخر إن فلانا أقر لفلان بكذا لا يجوز للآخر أن يقضي ما لم يبعث إليه الرقعة يريد به كتاب القاضي وإذا علم بحق الإنسان قبل تقليده القضاء فإنه لا يقضي به عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا لهما وأما إذا علم بعد تقليده القضاء في المصر الذي هو قاض فيه أو في مجلس القضاء فإنه يقضي في حقوق العباد ولا يقضي فيما هو خالص حق الله تعالى إلا في السكران إذا وجد به أمارات السكر فإنه يعزره لأن ذلك تعزير ليس بحد وأما إذا علم في غير مجلس القضاء فهو على الخلاف الذي ذكرته في الوجه الأول

وحكى عن أبي بكر الأعمش أن القاضي ينعزل بالفسق الأمير لا ينعزل لأن مبنى القضاء على العدل والإمارة على القهر والغلبة انتهى

رجل جاء إلى القاضي وقال إن لي على فلان حقا فإذا كان المطلوب خارج المصر وكان بحيث لو ابتكر من أهله أمكنه أن يحضر مجلس الحاكم ويبيت في منزله فإنه يعديه استحسانا فإنه كما عليه الصلاة السلام أعدى ذلك الأعرابي في قضية أبي جهل وقام عليه الصلاة والسلام بنفسه وفي القياس لا يعديه حتى يقيم بينة بالحق في جهته وهذه البينة ليست للحكم بل لكشف الحال فإذا حضر أعاد البينة وقيل يحلف أنه محق في الدعوى كذا في المحيط

وفي الروضة يجوز للقاضي قبول صلة وإلى بلده وإخوانه إذا لم يكن ذلك لأجل القضاء


221

رجل جاء بخصمه إلى القاضي فقال أحضر غدا شهودي بذلك فخذ كفيلا منه فإنه لا يفعل ذلك في قول أبي حنيفة وزفر رحمهما الله

وفي أدب القاضي للخصاف لا يمشي القاضي في السوق وحده ويتخذ أعوانا بين يديه ولا ينبغي للقاضي أن يبيع ويشتري في غير مجلس القضاء ما دام قاضيا بل يولي غيره ممن يثق به ويروى عن محمد رحمه الله أنه يبيع ويشتري في غير مجلس القضاء ولو كانت على الخصم بينة واختفى فإنه لا يقضى عليه كذا في واقعات عمر وفي البزازي ولم يجوزوا الهجوم على بيته ووسع في ذلك بعض أصحابنا وفعل ذلك وقت قضائه وصورته قال الخصم إنه توارى وطلب الهجوم بعث أمينين معهما أعوانه ونساء فيقوم الأعوان من جانب السكة والسطح وتدخل النساء حرمه ثم أعوان القاضي فيفتشون الغرف وتحت السرير وعامة أصحابنا لم يجوزوا الهجوم اه

ولو قضى القاضي بقول مرجوع عنه جاز قضاؤه وكذا لو قضى بقول يخالف قول علمائنا وهو من أهل الرأي والاجتهاد ولو قضى بشاهد ويمين ثم رفع إلى حاكم لا يراه جاز له إبطاله فإن رفع قبل إبطاله إلى حاكم يرى جوازه فنفذه ليس لحاكم آخر لا يراه جائزا إبطاله وعلى هذا الاعتبار جميع الأحكام المختلفة وإن حكم بخلاف مذهبه ولم يعلم به جاز في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد لا يجوز وإن كان هذا غلطا منه

وفي شرح أدب القاضي للخصاف قاض قضى بإبطال حق رجل في دار وذلك أنه أقام سنين لا يبطل حقه فأبطل القاضي حقه من أجل ذلك ثم رفع إلى قاض آخر فإنه يبطل قضاء القاضي بذلك ويجعل الرجل على حقه في الدار لأن بعض العلماء وإن قال من له دعوى في دار في يد رجل فلم يطالب ثلاث سنين وهو في المصر فقد بطل حقه لكن هذا القول قول مجهول مهجور مخالف لقول جمهور من العلماء والفقهاء فكان خلافا لا اختلافا والقضاء في موضع الخلاف لا ينفذ فإذا رفع إلى قاض آخر كان له أن يبطله والفرق بين الخلاف والاختلاف أن الاختلاف ما كان طريقهم واحدا والمقصود مختلف والخلاف ما كان طريقهم مختلفا

وقعت لرجل مسألة ثم حكم الحاكم بغير ما أفتوا به فإنه يترك فتوى الفقهاء إلى ما يراه الحاكم إذا كانت المسألة خلافية لأن الفتوى لا تنفذ والحكم ينفذ كذا في تكملة التكملة

وذكر في المحيط إذا زنى رجل بأم امرأته ولم يدخل بها فرأى القاضي أن لا يحرمها عليه فأقرها معه وقضى بذلك نفذ قضاؤه لأنه قضاء في محل مجتهد فيه ثم نفاذ هذا القضاء في حق المحكوم عليه متفق عليه وفي حق المقضى له إن كان عالما فكذلك عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وعند أبي يوسف رحمه الله إن كان المحكوم له يعتقد الحرمة وقضى القاضي بالحل لا يترك رأي نفسه بإباحة القاضي كذا في العمادي

نوع فيما يكون حكما من القاضي وما لا يكون إذا قال القاضي ثبت عندي أن لهذا على هذا كذا هل يكون ذلك حكما منه قال بعضهم يكون حكما وكان شمس الأئمة محمود الأوزجندي يقول لا بد أن يقول حكمت أو قضيت أو أنفذت عليك القضاء وهكذا ذكر الناطفي رحمه الله تعالى في واقعاته والصحيح أن قوله حكمت أو قضيت ليس بشرط وأن قوله ثبت عندي كذا يكفي وكذا إذا قال ظهر عندي أو صح عندي أو علمت فهذا كله حكم وكذا قوله أشهد عليه يكون حكما منه

قال شمس الأئمة الحلواني قول القاضي ثبت عندي يكون حكما وبه نأخذ لكن الأولى أن يبين أن


222

الثبوت بالبينة أو بالإقرار لأن حكم القاضي بالبينة يخالف الحكم بالإقرار وفي العدة إذا قال القاضي للمدعي عليه لا أرى لك حقا في هذا المدعي لا يكون هذا حكما منه وكذا لو قال بعد الشهادة وطلب الحكم سلم المحدود إلى المدعي لا يكون هذا حكما منه وقيل انه يكون حكما منه لأن أمره إلزام وحكم

إذا كان في المصر قاضيان كل واحد منهما في محلة على حدة فوقعت خصومة بين رجلين أحدهما في محلة والآخر في محلة أخرى والمدعي يريد أن يخاصمه إلى قاضي محلته والآخر يأباه قال أبو يوسف رحمه الله العبرة للمدعي وقال محمد لا بل العبرة للمدعي عليه وعليه الفتوى وكذا لو كان أحدهما من أهل العسكر والآخر من أهل البلد فإن أراد العسكري أن يخاصمه إلى قاضي العسكر فهو على هذا ولا ولاية لقاضي العسكر على غير الجندي ومن كان محترفا في سوق العسكر فهو جندي أيضا

وفي جامع الفتاوى عن أبي يوسف رحمه الله تعالى قضاة أمير المؤمنين إذا خرجوا مع أمير المؤمنين لهم أن يحكموا في أي بلدة نزل فيها الخليفة لأنهم ليسوا قضاة أرض إنما هم قضاة الخليفة وإن خرجوا بدون الخليفة ليس لهم القضاء

وذكر العلامة الشيخ قاسم بن قطلوا بغى الجمالي في مؤلفه ما نصه اعلم أنه قد اختلف العمل في التنفيذ فتنفيذهم الآن هو أن يشهد شهود الحاكم عند قاض آخر بما نسب إلى الحاكم في أسجاله وهذا يسمى في الحقيقة إثباتا وليس فيه حكم ولا ما يساعد على الحكم فلا اثر له في القضاء المختلف فيه كالقضاء على الغائب ونحوه لخلوه عن الدعوى من الخصم على الخصم والحكم ولهذا قال في كتاب الأحكام تنفيذات الأحكام الصادرة عن الحكام فيما تقدم الحكم فيه من غير المنفذ بأن يقول ثبت عندي أنه ثبت عند فلان لحاكم من الحكام كذا وكذا وهذا ليس حكما من المنفذ البتة وكذلك فيجب إذا قال ثبت عندي أن فلانا حكم بكذا وهذا ليس حكما من هذا المثبت بل لو اعتقد أن ذلك الحكم على خلاف الإجماع صح أم يقول ثبت عندي أنه ثبت عند فلان كذا وكذا لأن التصرف الفاسد والحرام قد يثبت عند الحاكم ليرتب عليه تأديب ذلك الحاكم أو نحوه

وبالجملة ليس في التنفيذ حكم البتة ولا يعتبر بكثرة الإثبات عند الحكام فهو حكم واحد وهو الأول إلا أن يقول الثاني حكمت بما حكم به الأول اه

قلت ولا يتأتى له أن يقول حكمت بما حكم به الأول إلا بعد أن يجري بين يديه خصومة صحيحة من خصم على خصم

القاضي إذا نصب وصيا في تركة أيتام وهم في ولايته والتركة ليست في ولايته أو كانت التركة في ولايته والأيتام لم يكونوا في ولايته أو كان بعض التركة في ولايته والبعض الآخر لم يكن في ولايته قال شمس الأئمة الحلواني يصح النصب على كل حال ويعتبر التظالم والاستعداء ويصير الوصي وصيا في جميع التركة أينما كانت التركة وكان ركن الإسلام على السغدي يقول ما كان من التركة في ولايته يصير وصيا فيه ومالا يكون فلا وقيل يشترط لصحة النصب كون اليتيم في ولايته ولا يشترط كون التركة في ولايته

ولو نصب القاضي متوليا في وقف ولم يكن الوقف والموقوف عليه في ولايته قال شمس الأئمة إذا وقعت المطالبة في مجلس صح النصب وقال ركن الإسلام لا يصح وإن كان الموقوف عليه في ولايته ولم تكن ضيعة الوقف في ولايته فإن كانت لطلبة العلم أو رباطا أو مسجدا في مصره ولم تكن ضيعة الوقف


223

في ولايته قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى يعتبر التظالم والاستعداء وقال ركن الإسلام إذا كان الموقوف عليه حاضرا يجوز

وذكر في مجموع النوازل قاضي سمرقند نصب قيما في محدود وقف ببخارى والمدعي عليه بسمرقند صحت الدعوى والسجل

وروى عن بعض المشايخ القاضي إذا نصب وصيا في تركة ليست في ولايته لا يجوز وهو فتوى صاحب الفصول وفتوى مشايخ مرو وقال الإمام شمس الأئمة الحلواني يجوز والعبرة للخصومة وذكر رشيد الدين في فتاواه اليتيم إذا كان من بخارى لا يجوز نصب الوصي من قاضي سمرقند ولو كان الموقوف عليه بسمرقند والمتولي والمدعي عليه ببخارى صح حكم قاضي بخارى بأنه وقف على فلان ويكون المتولي قائما مقام الموقوف عليه ويكتب إلى قاضي سمرقند ليسلم إلى المتولي اه

وفي الولوالجي ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق يسقط بشبهة لأن كتابه كالخطاب في مجلس قضائه بخلاف رسالة القاضي إلى القاضي في الحقوق فإنها لا تقبل لأن الرسول ينقل خطاب المرسل والنقل اقتصر على هذا الموضع والمرسل في هذا الموضع ليس بقاض وقول القاضي في غير موضع قضائه كقول واحد من الرعية

وفي المنبع وإذا مات الكاتب أو عزل أو خرج عن أهلية القضاء بأن ارتد أو عمى أو جن أو فسق هل يعمل القاضي المكتوب إليه بكتابه ينظر إن كان ذلك عرض للكاتب قبل الوصول إلى المكتوب إليه أو بعد الوصول وقبل القراءة لم يقض به الثاني عندهما وقال أبو يوسف في الأمالي يقضي به ولو وصل إليه ثم عرضت له هذه الأشياء يقضي به بالإجماع وكذا لو مات المكتوب إليه أو عزل قبل وصول الكتاب إليه ثم وصل إلى القاضي الذي ولى مكانه لم يعمل به لأنه لم يكتب إليه الا إذا كتب إلى فلان قاضي بلد كذا أو إلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين فإنه يجوز أن يقضي به من قام مقام المكتوب إليه لأن الكاتب إذا عرف الأول صحت كتابة القاضي إليه ولو كتب ابتداء من فلان قاضي بلد كذا إلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يجوز تسهيلا للأمر على الناس

نوع في العزل تعليق عزل القاضي بالشرط جائز وقال ظهير الدين المرغيناني ونحن لا نفتي بصحة تعليق العزل بالشرط

أربعة خصال إذا حلت بالقاضي صار معزولا ذهاب البصر وذهاب السمع وذهاب العقل والردة وإذا عزل السلطان القاضي لا ينعزل ما لم يصر الخبر إليه كالوكيل حتى لو قضى بقضايا قبل وصول الخبر إليه تنفذ وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى إنه لا ينعزل وإن علم بعزله ما لم يقلد غيره مكانه ويقدم صيانة لحقوق الناس ونعتبره بإمام الجمعة إذا عزل وهذا إذا حصل العزل مطلقا أما إذا حصل معلقا بشرط وصول الكتاب إليه لا ينعزل ما لم يصل إليه الكتاب علم بالعزل قبل وصول الكتاب إليه أو لم يعلم ورواية أبي يوسف تتأتى هنا أيضا

موت السلطان لا يوجب عزل القاضي حتى لو مات الخليفة وله أمراء وقضاة فهم على حالهم وليس هذا كالوكالة وكذا موت القاضي لا يوجب عزل النائب ولو عزل السلطان القاضي ينعزل نائبه بخلاف


224

ما إذا مات القاضي حيث لا ينعزل نائبه هكذا قيل وينبغي أن لا ينعزل النائب بعزله القاضي لأنه نائب السلطان أو نائب العامة ألا ترى أنه لا ينعزل بموت القاضي وعليه كثير من مشايخنا وإذا عزل السلطان نائب القاضي لا ينعزل القاضي

القاضي إذا قال عزلت نفسي أو أخرجت نفسي عن القضاء وسمع السلطان ينعزل كما في الوكيل أما بدون سماع السلطان فلا وقيل لا ينعزل القاضي بعزله نفسه أصلا لأنه نائب عن العامة وحق العامة متعلق بقضائه فلا يملك عزل نفسه كذا في الفصول

وفي جامع الفتاوي كان الفقيه أبو جعفر يقول كان الفقيه أبو بكر الاسكاف يقول تولية الحكام القضاة في ديارنا غير صحيح لأن المولى لا يواجههم بالتقليد

وفي شرح الوقاية وصح قضاء المرأة في غير حد وقود اعتبارا بشهادتها قلت الجهة الجامعة بينهما كون كل واحد منهما تنفيذ القول على الغير

السلطان إذا حكم بين اثنين لا ينفذ وقيل ينفذ وعليه الفتوى

باع المدبر وأم الولد ثم ارتفعا إلى القاضي فأجاز بيعهما ثم ارتفعا إلى قاض آخر يمضي القضاء إلا في أم الولد لأنه روى أن عليا رضي الله عنه رجع عنه

نوع في الحبس يحبس بدانق وفي كل دين ما خلا دين الوالدين أو الأجداد أو الجدات لولده ويحبس المسلم بدين الذمي والمستأمن وعكسه وإذا حبس الكفيل يحبس المكفول عنه معه وإذا لوزم يلازمه لو كانت الكفالة بأمره وإلا لا ولا يأخذ المال قبل الأداء

دلت المسألة على جواب الوقعة وهو أن المكفول له يتمكن من حبس الأصيل والكفيل وكفيل الكفيل وإن كثروا وإذا خاف فراره قيده ولا يخرج لجمعة ولا عيد ولا جنازة ولا عيادة مريض ويحبس في موضع وحش ولا يفرش له فراش ولا وطاء ولا يدخل عليه من يستأنس به وفي الأقضية ولا يمنع من دخول الجيران عليه وأهله لاحتياجه إلى الشورى في القضاء ولا يمكنون من المكث عنده طويلا وعن محمد أنه يخرج في موت والده وولده لا في غيرهما إذا لم يكن من يقوم عليهما وإلا لا

وذكر القاضي أن الكفيل يخرج لجنازة الوالدين والأجداد والجدات والأولاد وفي غيرهم لا وعليه الفتوى وقال أبو بكر الاسكاف إذا جن لا يخرج ولو مرض في الحبس واضناه ولم يجد من يقوم عليه أخرجه كذا عن محمد رحمه الله تعالى وهذا إذا غلب عليه الهلاك وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا يخرجه والهلاك في الحبس وغيره سواء والفتوى على رواية محمد وإنما يطلقه إذا أطلقه بكفيل وإن لم يجد كفيلا لا يطلقه وحضرة الخصم بعد التكفيل للإطلاق ليس بشرط ولا يخرج إلى الحمام

وعن الإمام رحمه الله تعالى أنه يمنع عن الوطء بخلاف الأكل لأنه ضروري والظاهر عدم المنع لكن تدخل عليه زوجته أو أمته حتى يطأها في موضع خال قال ويمنع من الكسب في الأصح وإن خاف أن يفر من الحبس حول إلى سجن اللصوص وإذا حبس المحبوس في السجن متعنتا لا يوفى المال قال الإمام الأرسابيدي يطين عليه الباب ويترك له ثقبة يلقى له منها الماء والخبز وقال القاضي الرأي فيه إلى القاضي ويترك له دست من الثياب ويباع الباقي وإن كانت له ثياب حسنة باعها القاضي واشترى له الكفاية وصرف


225

الفضل إلى الدين ويباع مالا يحتاج إليه في الحال حتى اللبد في الصيف والنطع في الشتاء ولو كان له كانون من حديد يباع ويشترى له من الطين وعن شريح رحمه الله تعالى أنه باع العمامة

ولو أفلس المشتري إن كان قبل القبض يبيع القاضي المبيع للثمن وعند الامام رحمه الله تعالى لا يبيع العقار ولا العروض وقال عصام لا يبيع العقار إجماعا والخلاف في المنقول وقيل يبيع العقار عندهما وهو الأصح

وفي شرح القدوري في المال الحاضر وفي الغائب لا يبيع العقار ولا العروض وإن ظفر بالدنانير وله عليه دراهم ففيه روايتان وفي شرح الطحاوي أنه لا يأخذ وفي الصغرى أنه يأخذ قال المديون أبيع عرضي وأوفي ديني أجله القاضي ثلاثة أيام ولا يحبسه ولو كان له عقار يحبسه ليبيعه ويقضي الدين ولو كان بثمن قليل وإذا وجد المديون من يقرضه ليقضي به دينه فلم يفعل فهو ظالم وإن أراد الدائن إطلاقه بلا حضور القاضي له ذلك فإن كان أمر المديون ظاهرا عند الناس فالقاضي يقبل بينة الإعسار ويخليه قبل المدة التي نذكرها وإن كان أمره مشكلا هل تقبل البينة قبل الحبس فيه روايتان اختار الإمام الفضلى القبول وعامة المشايخ عدم القبول

واختلفت الروايات في تلك المدة التي يسأل القاضي عنها بعد الحبس فقدردها الفضلى في كتاب الكفالة بشهرين أو ثلاثة وفي رواية الحسن بأربعة وفي رواية الطحاوي بنصف الحول والصحيح تفويضه إلى رأي القاضي لأنه للضجر والتسارع إلى قضاء الدين وأحوال الناس في ذلك متفاوتة ولا يشترك في بينة الإعسار حضرة المدعي فإن برهن المطلوب على الإعسار والطالب على اليسار فبينة الطالب أولى كبينة الإبراء مع بينة الإقرار انتهى ولا يشترط بيان ما به يثبت اليسار

وذكر القاضي يسأل القاضي عن المحبوس بعد مدة فإن أخبر بالإعسار أخذ منه كفيلا وخلاه إن كان صاحب الدين غائبا ولو كان لميت على رجل دين وله ورثة صغار وكبار لا يطلقه من الحبس قبل الاستيثاق بكفيل الصغار وقال الخصاف رحمه الله تعالى يثبت الإفلاس بقول الشهود هو فقر لا نعلم له مالا ولا عرضا ولا ما يخرج به عن الفقر وعن الصفار يشهدون أنه مفلس معدم لا نعلم له مالا سوى كسوته واختبرناه سرا وعلنا فإن لم يخبر أحد عن حاله لكن ادعى المديون الإعسار والدائن اليسار قال في التجريد لا يصدق في كل دين له بدل كثمن أو قرض أو حصل بعقد أو التزام كصداق أو كفالة وفي جامع الصدر رحمه الله لا يصدق في المهر المعجل ويصدق في المؤجل وعليه الفتوى وفي الأصل لا يصدق في الصداق بلا فصل بين مؤجله ومعجله وفي الأقضية وكذا لا يصدق في نفقات الأقارب والزوجات وارش الجنايات

رب الدين إذا ادعى أن له مالا بعد ما برهن على الافلاس يحلف عند الامام رحمه الله قال الامام الحلواني لو طلب المحبوس يمين الطالب أنه لا يعرف أنه معدم يحلفه فإن نكل أطلقه وإن حلف أبد حبسه

ويجوز الجلوس في المسجد لغير الصلاة لملازمة الغريم وقال القاضي المذهب عندنا أنه لا يلازمه في المسجد لأنه بني لذكر الله تعالى وبه يفتى

قال هشام سألت محمدا رحمه الله عمن أخرج من السجن عن تفليس قال يلازمه لأنه لا علم لنا بحاله لعله أخفى ماله فتخرجه الملازمة ذكر الملازمة واراد به الحبس بدليل التفاريع قال قلت له فإن كانت


226

الملازمة أضر بالعيال لكونه ممن يتكسب بالسعي في الطرقات قال آمر رب الدين أن يوكل غلاما له يكون معه ولا أمنعه عن طلب ما يقوته وعياله يومه وإن شاء تركه أياما ثم لازمه على قدر ذلك قال قلت له إن كان عاملا يعمل بيده قال إن كان عملا يقدر أن يعمله حيث يلازمه لازمه وإن كان عملا لا يقدر معه على الطلب خرج وطلب وإن كان في ملازمته ذهاب قوته وعياله أكلفه أن يقيم كفيلا بنفسه ثم نخلي سبيله

إذا قال المدعي لي بينة وطلب يمين خصمه لا يستحلفه القاضي لأنه يريد أن يقيم عليه البينة بعد الحلف ويفضحه بذلك وقد أمرنا بالستر وقالا له أن يحلفه قال الامام الحلواني رحمه الله تعالى إن شاء القاضي مال إلى قوله وإن شاء مال إلى قولهما كما قالوا في التوكيل بلا رضا الخصم يأخذ بأي القولين شاء

نقد المحبوس الدين والدائن غائب إن شاء القاضي أخذ الدين ووضعه عند عدل وأطلقه وإن شاء أطلقه بكفيل ثقة بنفسه وبالمال وفي النوازل وكذا لو برهن المحبوس على الإفلاس ورب الدين غائب

واستحسن بعض المتأخرين أن تحبس المرأة إذا حبس الزوج وكان قاضي عنبسة يحبسها معه صيانة لها عن الفجور

قال المقضي عليه للقاضي أخذت الرشوة من غريمي وقضيت علي عزره

ومن أخذ من السلطان مالا حراما فحق الخصومة في الآخرة لصاحب الحق مع السلطان ومع القابض إن لم يخلطه السلطان وبعد الخلط عند الامام رحمه الله تعالى يكون مع السلطان لا غيره

إذا أراد أن يذهب مع خصمه إلى السلطان لا إلى القاضي يجوز له ذلك شرعا ولا يفتى به لكنه إن عجز عن الإستيفاء عند القاضي ذهب إلى السلطان

القاضي إذا قاس مسألة على مسألة وحكم ثم ظهرت رواية بخلافه فالخصومة للمدعي عليه يوم القيامة مع القاضي والمدعي أما مع المدعي فلأنه آثم بأخذ المال وأما مع القاضي فلأنه آثم بالاجتهاد لأن أحدا ليس من أهل الاجتهاد في زماننا وبعض أذكياء خوارزم قاس المفتي على القاضي فأوردت عليه أن القاضي صاحب مباشرة الحكم والمفتي سبب للحكم فكيف يؤاخذ السبب مع المباشر فانقطع وكان له أن يقول القاضي في زماننا ملجأ إلى الحكم بعد الفتوى لأنه لو ترك يلام لأنه غير عالم حتى يقضى بعلمه كذا في البزازي

الفصل الثاني في أنواع الدعاوى والبينات

المدعي من لا يجبر على الخصومة إذا تركها والمدعي عليه من يجبر على الخصومة أي على الجواب وقال محمد رحمه الله في الأصل المدعي عليه هو المنكر وإنما اقتصر عليه لأنه إذا عرف المدعي عليه عرف المدعي

ولو كانت الدعوى غير صحيحة فادعى المدعي عليه الدفع هل يسمع وهل يمكن إثبات دفعه من غير تصحيح الدعوى اختلف المشايخ فيه وفي كتاب الرجوع عن الشهادات ما يدل على أن المدعي للدفع يطالب بتصحيح الدعوى كذا في المنبع

وفي المحيط القاضي مخير إن شاء سأل المدعي عليه جوابه وإن شاء نظر إليه وإذا سأله وجب عليه الجواب وإذا وجب عليه الجواب فلا يخلو إما أن يقرأ وينكر أو يسكت فإن أقر قضى القاضي على المدعي


227

عليه بموجب إقراره لظهور صدق دعواه بالإقرار وإن أنكر سأل القاضي من المدعي البينة المظهرة لصدق دعواه فقال ألك بينة لقوله عليه الصلاة والسلام حين اختصم الحضرمي والكندي بين يديه للمدعي ألك بينة فقال لا فقال لك يمينه فإن أحضرها قضى عليه بالبينة فإذا آتي المدعي بشاهد فقد ترجح جانب جهة الصدق به لكن عارضه شهادة الأصل فإن الذمم خلقت في الأصل برية وعن الحقوق عرية فلا بد من شاهد آخر ليكون شغلها بحجة قوية اه

وفي المنبع قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى إذا قال المدعي ليس لي بينة على هذا الحق ثم أقام البينة على ذلك لم تقبل لأنه أكذب بينته

وفي البدائع وإن قال المدعي لا بينة لي ثم جاء بالبينة هل تقبل روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنها تقبل وروى عن محمد رحمه الله تعالى أنها لا تقبل

وفي الفتاوى الظهيرية وإذا قال المدعي عليه عند سؤال القاضي إياه عن الدفع لا دفع لي ثم جاء بالدفع فقد قيل يجب أن تكون المسألة على الخلاف بين أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى بناء على هذه المسألة ولا يحفظ عن أبي يوسف رواية في هاتين المسألتين وكذلك لو قال المدعي كل بينة آتى بها فهم شهود زور وكذلك لو قال كل شهادة يشهد لي بها فلا وفلان على فلان بهذا الحق فلا حق لي فيها ثم ادعى بعد ذلك شهادتهما عليه وجاء بهما يشهدان عليه فهو على هذا الخلاف ودفع الدعوى كما هو الصحيح فكذلك دفع الدفع وكذلك دفع دفع الدفع فصاعدا هو المختار

وفي الولوالجي رجل ادعى على رجل شيئا من الدنانير والدراهم والعروض والضياع وأنكر المدعي عليه كله وأراد تحليفه فالقاضي يجمع الكل ويحلفه يمينا واحدا وفي المنبع هذا إذا حلف فإن نكل عن اليمين ولم يحلف يقضي القاضي بالنكول في أول مرة وهو المذهب حتى لو قضى بالنكول مرة نفذ قضاؤه في الصحيح إلا أن الخصاف قال ينبغي للقاضي أن يقول له إني أعرض عليك اليمين ثلاث مرات فإن حلفت وإلا قضيت عليك وفي الكافي وفي التقدير بالثلاث في عرض اليمين لازم في المروي عن أبي يوسف ومحمد وبه قال احمد ولكن الجمهور على أن العرض ثلاثا بطريق الاحتياط وبه قال مالك والشافعي

وذكر في المحيط ولو قال المدعي عليه بعد ما نكل عن اليمين ثلاث مرات أنا أحلف يحلفه قبل القضاء بالنكول وبعد القضاء لا يحلفه وعند الشافعي رحمه الله تعالى فعل لا يقضي بالنكول ولكن ترد اليمين على المدعي وهو مذهب مالك وأحمد رحمهما الله تعالى وفي المحيط ويجوز رد اليمين على المدعي على وجه الصلح وذكر في الجامع الصغير أن الصلح عن اليمين جائز حتى لا يكون له أن يستحلفه على ذلك أبدا فلما جاز الصلح جاز أيضا رد اليمين إلى المدعي على وجه الصلح

وفي الذخيرة رجل له على آخر ألف درهم مؤجلة فطلب رب الدين من المديون كفيلا فالقاضي لا يجبره على إعطاء الكفيل وفي ظاهر الرواية عن أصحابنا رحمهم الله إن له أن يطالبه بإعطاء الكفيل وإن كان الدين مؤجلا ولو طلب المشتري من البائع كفيلا بالدرك لو ظهر له ذلك في الدين المؤجل أولى

وفي المنتقى قال رب الدين مديوني يريد السفر له التكفيل وإن كان الدين مؤجلا

وفي البزازي قالت زوجي يريد أن يغيب فخذ بالنفقة كفيلا لا يجبيها الحاكم إلى ذلك لأنها لم تجب


228

بعد عليه واستحسن الامام الثاني رحمه الله تعالى أخذ الكفيل رفقا بها وعليه الفتوى ويجعل كأنه كفل بما ذاب لها عليه

وفي المحيط لو أفتى بقول الإمام الثاني رحمه الله تعالى في سائر الديون بأخذ الكفيل كان حسنا رفقا بالناس

عين في يد رجل ادعى آخر أنها ملكه اشتراها من فلان الغائب وصدقه ذو اليد على ذلك فالقاضي لا يأمر ذا اليد بالتسليم إلى المدعي حتى لا يكون قضاء على الغائب بالشراء بإقراره كذا في العمادي وفيه ايضا إذا ادعى على رجل أنه كفل عن فلان بما يذوب له عليه فأقر المدعي عليه بالكفالة وأنكر الحق فأقام المدعي البينة أنه ذاب له على فلان كذا فإنه يقضي له بها في حق الكفيل الحاضر وفي حق الغائب جميعا حتى لو حضر الغائب وأنكر لا يلتفت إلى إنكاره

قال رجل لامرأة رجل غائب إن زوجك وكلني أن أحملك إليه فقالت إنه قد طلقني ثلاثا وأقامت البينة على ذلك يقضي بقصر يد الوكيل عنها ولا يقضي بالطلاق على الغائب حتى لو حضر الغائب وأنكر الطلاق تحتاج المرأة إلى إقامة البينة

قال لامرأته إن طلق فلان امرأته فأنت طالق ثم ان امرأة الحالف ادعت أن فلانا طلق امرأته وفلان غائب وزوج المدعية حاضر وأقامت البينة لا تقبل ولا يحكم بوقوع الطلاق عليها لأن بينتها على طلاق فلان الغائب لا تصح لأن في ذلك ابتداء القضاء على الغائب وقد أفتى بعض المتأخرين بقبول هذه البينة وبوقوع الطلاق إلا أن الأول اصح

الانسان إذا أقام بينة على شرط حقه بإثبات فعل على الغائب فإن لم يكن فيه إبطال حق الغائب تقبل هذه البينة وينتصب الحاضر خصما عن الغائب وإن كان فيه إبطال حق الغائب من طلاق أو عتاق أو بيع أو ما أشبه ذلك أفتى بعض المتأخرين أنه يقبل ويقضي على الحاضر والغائب جميعا وبه أخذ شمس الأئمة الأوزجندي

لو طلب رب الدين الكفيل بالدين فقال الكفيل المديون أداه والمديون غائب فأقام الكفيل بينة على أداء الدين تقبل وينتصب الكفيل خصما عن المديون لأنه لا يمكنه دفع رب المال إلا بهذا فينتصب خصما عنه

وفي المحيط وسائر الفتاوى إذا ادعى انسان على آخر والقاضي يعلم أنه مسخر لا شيء عليه لا يجوز ولو حكم عليه لا يجوز أيضا وتفسير المسخر أن ينصب القاضي وكيلا عن الغائب ليسمع الخصومة عليه وكذلك لو أحضر رجل غيره عند القاضي ليسمع الخصومة عليه والقاضي يعلم أن المحضر ليس بخصم فإنه لا يسمع الخصومة عليه وإنما يجوز نصب الوكيل عن خصم اختفى في بيته ولم يحضر مجلس الحكم بعد ما بعث القاضي أمناءه إلى داره ونودي على باب داره

وذكر في شهادات الجامع رجل غاب فجاء رجل فادعى على رجل ذكر أنه غريم الغائب وأن الغائب وكله بطلب كل حق له على غرمائه بالكوفة وبالخصومة فيه والمدعي عليه ينكر وكالته فأقام المدعي بينة على وكالته وقضى القاضي عليه بالوكالة قال صاحب الفصول هذه المسألة دليل على جواز الحكم على المسخر وفي أدب القاضي أن الحكم على المسخر يجوز وقيل ينبغي أن تكون هذه المسألة على روايتين

وإذا قضى على وكيل الغائب أو على وصي الميت يقضي على الغائب وعلى الميت ولا يقضي على الوكيل


229

والوصي ويكتب في السجل أنه قضى على الغائب وعلى الميت بحضرة وكيله وبحضرة وصيه لأن هذا في الأصل قضاء على الغائب وفي القضاء على الغائب روايتان عن اصحابنا وكان ظهير الدين المرغيناني يفتي في القضاء على الغائب بعدم النفاذ

وفي الواقعات إذا قضى بالبينة وغاب المقضي عليه وله مال عند الناس لا يدفع إلى المقضي له حتى يحضر الغائب وكذا ذكر في أجناس الناطفي وزاد إلا في نفقة المرأة والأولاد الصغار والوالدين

ولو أن رجلا جاء إلى القاضي وقال إن هذه الدابة وديعة عندي وقد غاب المالك ولم يترك النفقة فمرني بالإنفاق عليها لأرجع بالنفقة عليه أو قال التقطت هذه الدابة أو رددت هذا الآبق من مسيرة سفر والمالك غائب فطلب منه أن يقضي بالنفقة حتى يرجع على المالك فإن القاضي يسأل منه البينة فإن أقامها قضى بالبينة على الغائب فإذا حضر يرجع عليه

وفي العمادى وإذ قال الغريم للطالب إن لم أقضك مالك اليوم فامرأته كذا فتوارى الطالب وخشي المطلوب أن لا يظهر اليوم فيحنث هو في يمينه فأخبر القاضي القصة فنصب عن الغائب وكيلا وأمر الوكيل بقبض المال من المطلوب حتى يبر فقبض المال وحكم به حاكم آخر فإن أبا يوسف قال لا يجوز كذا ذكره في آخر الأقضية وهذا قولهم وإن خص قول أبي يوسف بالذكر

وذكر الناطفي أن القاضي ينصب وكيلا عن الغائب ويقبض ماله ولا يحنث المطلوب قال الناطفي وعليه الفتوى

وذكر رشيد الدين في فتاويه ادعى عينا في يد رجل واراد إحضاره لمجلس القاضي فأنكر المدعي عليه أن يكون في يده فجاء المدعي بشاهدين شهدا أن هذا العين كان في يد المدعي عليه قبل هذا التاريخ بسنة هل تسمع وهل يجبر المدعي عليه على إحضاره بهذه البينة أم لا كانت واقعة الفتوى ينبغي أن تقبل لأنه أثبت يده في الزمان الماضي ولم يثبت خروجه من يده وقد وقع الشك في زوال تلك اليد فتثبت اليد مالم يوجد المزيل

قال شمس الأئمة الحلواني ومن المنقولات مالا يمكن إحضاره عند القاضي كالصبرة من الطعام والقطيع من الغنم والقاضي فيه بالخيار إن شاء حضر ذلك الموضع لو تيسر له ذلك وإن كان لا يتهيأ له الحضور وكان مأذونا بالاستخلاف يبعث خليفته إلى ذلك الموضع وهو نظير ما إذا كان القاضي يجلس في داره ووقعت الدعوى في جمل لا يسعه باب داره فإنه يخرج إلى باب داره أو يأمر نائبه حتى يخرج ليشير إليه الشهود بحضرته

وفي القدوري إذا كان المدعي به شيئا يتعذر نقله كالرحى فالحاكم فيه بالخيار إن شاء حضر وإن شاء بعث أمينا

قال فخر الاسلام على البزدوي وإذا كانت القيمة مختلفة فينبغي للقاضي أن يكلف المدعي ببيان القيمة فإن كلفه ولم يبين تسمع دعواه

وفي المبسوط رجل ترك الدعوى ثلاثا وثلاثين سنة ولم يكن له مانع من دعوى شرعية ثم ادعى بعد ذلك لا تسمع دعواه لأن تركه مع التمكن دليل على عدم الحق ظاهرا

وذكر في المحيط رجل له على آخر فلوس أو طعام فاشترى ما عليه بدراهم أو دنانير وتفرقا قبل نقد الثمن كان العقد باطلا


230

قال العمادي وهذا فصل يجب حفظه والناس عنه غافلون فإن العادة فيما بين الناس أن من كان له على آخر حنطة أو شعير أو ما أشبه ذلك فصاحبها يأخذ ممن هي عليه عند غلاء السعر خطا بالذهب أو الفضة بثمن ذلك ويسمونه فيها بينهم تقويم الحنطة فإنه فاسد لكونهما افترقا عن دين بدين

وفي الذخيرة رجل ادعى دارا أو عقارا آخر أو منقولا في يد رجل ملكا مطلقا واقام البينة على الملك المطلق يقضي ببينة الخارج عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله تعالى وهذا إذا لم يذكرا تاريخا وأما إذا ذكراه إن كان سواء فكذلك يقضي للخارج وإن كان تاريخ أحدهما أسبق يقضي لأسبقهما تاريخا

ولو ادعى حمارا وقال في دعواه هذا الحمار غاب عني منذ شهر فقال المدعي عليه إني أقيم البينة أن هذا الحمار ملكي وفي يدي منذ سنة أو ما أشبه ذلك يقضي للمدعي ولا يلتفت إلى بينة المدعي عليه لأن ما ذكره المدعي من التاريخ تاريخ غيبة الحمار عن يده لا تاريخ ملكه فكان دعواه في الملك مطلقا خاليا عن التاريخ وصاحب اليد ذكر التاريخ إلا أن التاريخ حالة الانفراد لا يعتبر عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وكان دعوى صاحب اليد دعوى مطلق الملك كدعوى الخارج فيقضي ببينة الخارج اه

وفي العمادي الخارج وذو اليد إذا ادعيا الشراء من واحد وأقاما بينة ولم يؤرخا يقضى لذي اليد فإن أرخ الخارج لا يعمل به لأن التاريخ في حقه خبر والقبض في حق ذي اليد معاين وأنه دليل على سبق عقده والمعاينة أقوى من الخبر إلا إذا أرخا وتاريخ الخارج أسبق فحينئذ يقضى للخارج

وفي شرح أدب القاضي للحسام الشهيد وإن ادعى أن اباه مات وهو وارثه ولا وارث له غيره وادعى دارا في يد رجل أنها كانت لأبيه مات وتركها ميراثا له والذي في يده الدار ينكر ذلك فأقام المدعي بينة أن الدار كانت لأبيه مات وتركها ميراثا له وأنهم لا يعلمون لأبيه وارثا غيره فإن الحاكم يحكم له بالدار لأنه أثبت سبب الملك لنفسه بالحجة فيقضي له به

قال ولو أن رجلا مات وله ورثة فحضر واحد منهم وادعى وفاة أبيه وادعى دارا في يد رجل أنها كانت لأبيه مات وتركها ميراث له ولسائر ورثة أبيه وهم فلان وفلان والذي في يده الدار يجحد هذا كله فأقام الابن شاهدين على وفاة أبيه وعدة ورثته وأن هذه الدار لأبيه مات وتركها ميراثا لهم ولم يحضر منهم وارث غيره فإن القاضي يقبل ذلك ويحكم بالدار لأبيه ويدفع إلى هذا الذي أقام البينة حصته منها لأن الواحد من الورثة ينتصب خصما فيما يثبت للميت وعلى الميت وأما حصص الباقين فإنها تترك في يده فكلما حضر واحد منهم أخذ حصته منها ولا يكلف إعادة البينة على أنها كانت لأبيه وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقال أبو ويوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يدفع إلى المدعي حصته منها وينتزع الباقي من يد المدعي عليه ويجعل على يد رجل عدل حتى يحضر من بقي من الورثة وأجمعوا على أن المدعي عليه لو كان مقرا دفع إلى الوارث الحاضر نصيبه والباقي يترك في يد ذي اليد

إذا حضر رجل وادعى دارا في يد رجل أنها لأبيه مات وتركها ميراثا له وأقام على ذلك بينة ولم يشهدوا على عدد الورثة ولم يعرفوهم ولكن قالوا تركها ميراثا لورثته فإنه لا تقبل هذه الشهادة ولا يدفع إليه شيء حتى يقيم بينة على عدد الورثة لأنهم لما لم يشهدوا على عدد الورثة لا يصير نصيب هذا الواحد معلوما والقضاء بغير المعلوم متعذر

وها هنا ثلاث فصول الأول هذا والثاني لو شهد الشهود أنه ابنه ووارثه ولا نعلم له وارثا غيره


231

فإن القاضي يقضي بجميع التركة له من غير تلوم الثالث إذا شهدوا أنه ابن فلان مالك هذه الدار ولم يشهدوا على عدد الورثة ولم يقولوا في شهادتهم لا نعرف له وارثا غيره فان القاضي يتلوم في ذلك زمانا على قدر ما يرى فإن حضر وارث غيره قسم الدار بينهم وإن لم يحضر دفع الدار إليه وهل يأخذ منه كفيلا بما دفع إليه قال أبو حنيفة لا يأخذ منه كفيلا وقال أبو يوسف ومحمد يأخذ منه كفيلا به ثم قال إنما يدفع إلى الوارث الذي حضر جميع المال بعد التلوم إذا كان هذا الوارث ممن لا يحجب بغيره كالأب والابن أما إذا كان ممن يحجب بغيره كالجد والأخ والعم فإنه لا يدفع إليه المال وأما إذا كان ممن لا يحجب بغيره ولكن يختلف نصيبه كالزوج والزوجة فإنه يدفع إليه أقل النصيبين

وقال محمد أوفر النصيبين النصف للزوج والربع للمرأة وقال أبو يوسف أقل النصيبين وقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى مصطرب في بعضها مثل قول محمد فيما إذا كان الميت امرأة والمدعي زوجا وفي بعضها مثل قول أبي يوسف ثم إذا ثبت عند أبي يوسف أنه يدفع له اقل النصيبين فقد اختلفت الروايات عنه في ذلك أما إذا كان الميت زوجا والمدعي امرأة ففيه روايتان في ظاهر الرواية عنه يدفع إليها ربع الثمن لأنه قد يكون للزوج أربع نسوة فيكون نصيبها ربع الثمن وفي رواية أخرى عن أبي يوسف أنه يعطي لها ربع الميراث كما ذكر عن محمد وأما إذا كان الميت امرأة والمدعي زوجا ففيه روايتان أيضا في ظاهر الرواية عنه يدفع إليه الربع انتهى

المساومة وما يشبهها كالإيداع والاستعارة والاستئجار والاستيهاد إقرار بأنه لذي اليد ومانع من الدعوى لنفس المساوي ولغيره

طلب نكاح الأمة مانع من دعوى تملكها وطلب نكاح الحرة مانع من دعوى نكاحها

وفي القنية بخ أحضر ابن الميت فادعى أن اباك أخذ مني كذا دينارا واشار إلى الابن ولم يذكر اسم الأب ونسبه أو شهد الشهود بنحو ما ذكر لا يصح ويشترط ذكر اسمه ونسبه وفيه أيضا قع قال المدعي عليه للمدعي لا أعرفك فلما ثبت الحق بالبينة ادعى الايصال لا يسمع ولو ادعى إقرار المدعي الوصول أو الايصال يسمع

نوع في كيفية اليمين والاستحلاف ويحلف المدعي عليه بالله تعالى لقوله عليه الصلاة والسلام لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت فمن كان منكم حالفا فليحلف بالله أو ليذر

وفي المبسوط الحر والمملوك والرجل والمرأة والفاسق والصالح والكافر والمسلم في اليمين سواء وتغلظ اليمين بذكر أوصاف الله تعالى بأن يقول له القاضي قل والله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم الطالب الغالب المدرك المهلك الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية ما لفلان هذا عليك ولا قبلك هذا المال الذي ادعاه وهو كذا وكذا ولا شيء منه والاختيار في صفة التغليظ إلى القاضي يزيد ما شاء من أسماء الله تعالى وصفاته وينقص ما شاء ولكن يحتاط فيها عن الواو العاطفة لئلا يتكرر عليه اليمين إذ المستحق يمين واحدة حتى لو قال والله والرحمن الرحيم تصير أيمانا

ثم اختلف المشايخ فيه منهم من يقول القاضي بالخيار إن شاء غلظ وإن شاء لم يغلظ في كل مدعي به


232

وعلى كل مدعي عليه ومنهم من يقول يعتبر حال المدعي عليه إن عرف بالصلاح اكتفى بذكر اسم الله تعالى وإن عرف بغير ذلك الوصف غلط في اليمين ومنهم من يقول يعتبر حال المدعي به إن كان مالا عظيما يغلظ في اليمين وإن كان حقيرا اكتفى بذكر اسم الله تعالى ولا يحلف بالطلاق ولا بالعتاق لأن اليمين بهما يمين بغير الله تعالى واليمين بغير الله تعالى لا يجوز وقيل في زماننا إذا ألح الخصم ساغ للقاضي أن يحلف بالطلاق والعتاق لقلة مبالاة الناس باليمين بالله تعالى وكثر الامتناع عن الحلف بالطلاق والعتاق كذا في الهداية وغيرها

وفي الخلاصة ولو حلفه القاضي بالطلاق فنكل وقضى بالمال لا ينفذ قضاؤه ولا تغلظ اليمين بزمان ولا مكان عندنا ويحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى والمجوسي بالله الذي خلق النار وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يحلف أحد إلا بالله خالصا ولا يحلف الوثني الا بالله

فإن قيل ما الفرق بين يمين المجوسي والوثني حيث يجوز تغليظ اليمين في حق المجوسي بذكر النار ولم يجز في حق الوثني بذكر الصنم فقول بالله العظيم الذي خلق الصنم قلت إنا أمرنا بإهانة الصنم والوثن لأنهم اتخذوها إلها فأمرنا بإهانتهما بخلاف النار لأنهم لم يتخذوها الها فما أمرنا باهانتها فتأمل كذا في المنبع

وسئل الشيخ عبد الواحد الشيباني رحمه الله تعالى عن المرأة إذا كانت تعلم بالنكاح ولا تجد بينة تقيمها لإثبات النكاح والزوج ينكر ماذا يصنع القاضي حتى لا تبقي هذه المرأة معلقة أبد الدهر قال يستحلفه القاضي ويقول إن كانت هذه المرأة لك فهي طالق حتى يقع الطلاق باليمين إن كانت امرأته لتخلص منه وتحل للأزواج

وفي المنبع هل يحلف على الحاصل أو على السبب فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يحلف على الحاصل وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى يحلف على السبب وقال فخر الإسلام يفوض إلى رأي القاضي

وذكر في النوازل أنه يحلف الصبي المأذون ويقضي بنكوله وعن محمد رحمه الله تعالى أنه لو حلف وهو صبي ثم أدرك لا يمين عليه وأنه دليل على أن يمينه معتبرة وذكر في إقرار الدعاوى والبينات أن الصبي التاجر والعبد التاجر يستحلف ويقضي عليه بالنكول

ويجوز الافتداء عن اليمين بالدراهم وكذا يجوز الصلح عن اليمين على الدراهم حتى لا يكون للمدعي أن يحلف المدعي عليه بعد ذلك لأن الافتداء عن اليمين صلح على الإنكار وبعد الصلح على الإنكار لا تسمع دعوى المدعي فيما وقع الصلح عنه

ادعى على آخر مالا فأنكر وأراد المدعي استحلافه فقال المدعي عليه إن المدعي قد حلفني على هذه الدعوى عند قاضي بلد كذا وأنكر المدعي ذلك فاقام المدعي عليه بينة على ذلك تقبل وإن لم يكن له بينة وأراد تحليف المدعي له ذلك لأنه يدعي إيفاء حقه في اليمين ولو ادعى المدعي عليه أنه أبرأني عن هذه الدعوى وقال القاضي حلفه إنه لم يكن أبرأني عن هذا لا يحلفه القاضي لأن المدعي بالدعوى استحق الجواب على المدعي عليه والجواب إما بالإقرار أو بالإنكار وقوله أبرأني عن هذه الدعوى ليس بإقرار ولا إنكار فلا يكون مسموعا من المدعي عليه ويقال له أجب خصمك ثم ادع عليه ما شئت وهذا بخلاف ما لو قال أبرأني عن هذه الألف فإنه يحلف لأن دعوى البراءة عن المال إقرار بوجوب المال والإقرار جواب ودعوى الإبراء مسقط فيترتب عليه الاستحلاف


233

ومن المشايخ من قال الصحيح أنه يحلف المدعي على هذه الدعوى وهي دعوى البراءة عن الدعوى كما يحلف المدعي على دعوى التحليف وإليه مال شمس الأئمة الحلواني وعليه أكثر قضاة زماننا

وفي الغنية ادعى المديون الايصال فأنكر المدعي ولا بينة له فطلب يمينه فقال المدعي اجعل حقي في الختم ثم استحلفني فله ذلك في زماننا اه

إذا أقر الواهب أن الموهوب له قبض الموهوب في المجلس أو بعده بأمره ثم قال بعد ذلك إنه لم يقبض وكنت أقررت به كاذبا وسأل القاضي أن يحلف الموهوب له بالله لقد قبضه عن هذه الهبة التي يدعي بها فعندهما لا يحلفه لأن التحليف إنما يترتب على دعوى صحيحة والدعوى لم تصح ها هنا لمكان التناقض وعلى قول أبي يوسف يحلفه بالله لقد قبضته بحكم الهبة التي تدعيها وعلى هذا الخلاف إذا اشترى شيئا وأقر المشتري بقبض المشتري ثم ادعى أنه لم يقبضه وطلب من القاضي أن يحلف البائع بالله لقد سلمته إلى المشتري بحكم هذا الشراء الذي يدعيه وعلى هذا الخلاف إذا اشترى شيئا واقر البائع يقبض الثمن ثم ادعى أنه لم يقبضه وأراد تحليف المشتري ورب الدين إذا أقر بقبض الدين وأشهد عليه ثم أنكر القبض يحلف المديون والمقر على نفسه بدين لرجل ثم أنكر الدين وقال لا شيء له علي وإنما أقررت له بذلك كاذبا وطلب يمين المقر له الكل على هذا الخلاف أبو يوسف رحمه الله تعالى يقول المعتاد فيما بين الناس أن البائع يقر بقبض الثمن والمشترى يقبض المشترى للإشهاد وإن لم يكن قبض ثمنه حقيقة وكذلك المعتاد فيما بين الناس أن المستقرض يكتب أولا خط الإقرار ويشهد عليه قبل قبض المال فلو كان التناقض مانعا من صحة الدعوى والاستحلاف لبطلت حقوق الناس

قال أبو يوسف رحمه الله تعالى أربعة أشياء يستحلف القاضي الخصم فيها قبل أن يطلب المدعي ذلك

أحدها الشفيع إذا طلب من القاضي أن يقضي له بالشفعة يحلفه بالله لقد طلبت الشفعة حين علمت بالشراء وإن لم يطلب المشتري ذلك وهو قول ابن أبي ليلى وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لا يستحلفه القاضي الثاني البكر إذا بلغت واختارت الفرقة وطلبت التفريق من القاضي يستحلفها بالله لقد اخترت الفرقة حين بلغت وإن لم يدعه الزوج والثالث المشتري إذا أراد الرد بالعيب يحلفه القاضي إنه لم يرض بالعيب ولا عرضته على البيع منذ رايته والرابع المرأة إذا سألت من القاضي أن يفرض لها النفقة في مال الزوج الغائب يحلفها بالله ما أعطاك نفقتك حين خرج ويجب أن تكون مسألة النفقة في قولهم جميعا

ادعى الشفعة بالجوار فقال القاضي للمدعي عليه ماذا تقول فيما ادعى فقال هذه الدار لا بنى هذا الطفل صح إقراره لابنه لأن الدار في يده واليد دليل الملك فكان إقرار على نفسه فيصح فإن قال الشفيع للقاضي حلفه بالله ما أنا شفيعها فإنه لا يحلفه لأن إقرار الأب بالشفعة على ابنه لا يصح فلا يفيد الاستحلاف وهذا من جملة الحيل والمخارج في الخصومات وإن أراد الشفيع أن يقيم البينة على الشراء كان الأب خصما وتسمع البينة عليه لأن الأب قائم مقام الابن ولو كان الابن كبيرا لكان خصما فكذا هذا

وفي المحيط الشهادة القائمة على عتق العبد لا تقبل بدون الدعوى عند أبي حنيفة خلافا لهما وتقبل البينة على عتق الأمة وطلاق المرأة حسبة من غير الدعوى ولا يحلف على عتق العبد حسبة بدون الدعوى بالاتفاق وهل يحلف على عتق الأمة وطلاق المرأة بدون الدعوى أشار محمد في آخر كتاب التحري أنه يحلف وهكذا ذكر في شرح القدوري وذكر شمس الأئمة السرخسي أنه لا يحلف فتأمل عند الفتوى


234

وذكر في الخلاصة عبد في يد رجل أقام البينة أنه حر وقال ذو اليد إنه عبد فلان أودعنيه أو آجرنيه فبينة ذي اليد أولى بخلاف ما إذا أقام العبد البينة على مولاه أنه حر الأصل واقام مولاه البينة أنه عبده فبينة العبد أولى لأن المولى يصلح خصما لإثبات بينة العبد بالحرية أما هاهنا فالمودع ليس بخصم لكن يحال بين العبد وبين ذي اليد ولو قال العبد أعتقني فلان وذو اليد لم يقم البينة على الإيداع والإجارة لا يحال بينه وبين العبد لأنه أقر بالرق ثم ادعى العتق ولو أن رجلا قدم بلدة ومعه رجال ونساء وصبيان يخدمونه وهم في يده وادعى أنهم أرقاؤه وادعوا أنهم أحرار كانوا أحرارا مالم يقروا له بالملك بكلام أو ببيع أو تقوم له بينة وإن كانوا من أهل الهند أو السند أو الترك أو الروم

وفي الجامع الصغير غلام هو في يد رجل قال أنا حر وقال الذي في يده هو عبد إن كان لا يعبر عن نفسه فالقول قول ذي اليد وهو كالمتاع وإن كان بالغا أو صغيرا يعبر عن نفسه فالقول قول الغلام ولو أقاما البينة هذا على الرق وهذا على الحرية فبينة الغلام أولى ويجوز أن يكون القول قوله والبينة بينته كالمودع إذا قال رددت الوديعة كان القول قوله ولو أقاما البينة فالبينة بينته

وفي الولوالجي ولو باع رجل رجلا وقبضه المشتري وهو ساكت فهو إقرار بأنه عبده لأنه إنفاذ لتصرف يختص به المماليك تصرفا يوجب حقا في المحل وهو ملك الرقبة واليد والانقياد لمثل هذا التصرف يكون إقرارا بالرق والملك ولو عرض عبد أو أمة على رجل وهو ساكت أو هي ساكتة ولم يبع ثم قالا نحن حران صدقا عليه اه

وفي أدب القاضي رجل قال لآخر إن فلانا الميت أوصى اليك وجعلك قيما في ماله وأنكر الوصي فلا يمين عليه وكذا لو قال إن فلانا وكلك بطلب حقوقه ولي على موكلك مال وأنكر الوكيل الوكالة لا يمين عليه وإذا ادعى المشتري إيفاء الثمن والبائع ينكر يحلف البائع وكذا المستقرض إذا ادعى إيفاء القرض وأنكر المقرض يحلف المقرض ولو ادعى المضارب أو الشريك دفع المال وأنكر رب المال أو الشريك القبض يحلف المضارب أو الشريك الذي كان المال في يده لأن المال في أيديهما أمانة والقول قول الأمين مع اليمين وإذا ادعى المشتري إيفاء الثمن وأنكر البائع فالقاضي إنما يحلفه إذا طلب المشتري يمينه ولو حلفه القاضي من غير طلبه ثم أراد المشتري تحليفه ثانيا له ذلك ثم إذا حلف البائع أنه لم يستوف الثمن وقال المشتري أنا أجيء بالبينة على الإيفاء فالقاضي لا يجبر المشتري على أداء المال بل يمهله ثلاثة أيام بشرط أن يدعي حضور الشهود وأما إذا قال شهودي غيب يقضي عليه بالمال ولا يمهله كذا في العمادي

وفي الغنية أقام المدعي البينة فقال المدعي عليه إن لي دفعا شرعيا للقاضي أن يقضي عليه إذا قامت البينة العادلة ولا يلتفت إلى مثل هذه المقالة وقال أبو حامد رحمه الله تعالى يكلفه أن يأتي بالدفع فإن أبطأ كان له أن يقضي ويبقي له حق الدفع

أقام المدعي البينة وطلب القاضي من المدعي عليه دفعا فعجز عنه يقضي القاضي يعني لا يؤخر قال أبو حامد رحمه الله تعالى يقضي والقاضي ظالم في تأخيره للحكم وقال الكرابيسي تأخير القضاء بعد ثبوت الحق ظلم

أتى بدفع صحيح وقضى القاضي ببطلان دعوى المدعي ثم أعاد الدعوى عند قاض آخر لا يحتاج المدعي عليه إلى إعادة الدفع عنده ولا ينقض الحكم به إذا ثبت ذلك بالبينة اه كلام الغنية


235

المديون إذا حلف أن لا دين عليه ثم أقام المدعي بينة على الدين فعند محمد لا يظهر كذبه في الحلف لأن البينة حجة من حيث الظاهر فلا يظهر كذبه في يمينه وعند أبى يوسف يظهر كذبه في يمينه

ولا يمين في الحدود سواء كان حدا هو خالص حق الله تعالى نحو حد الزنى وشرب الخمر وحد السرقة أو كان دائرا بين حق الله تعالى وحق العبد نحو حد القذف حتى إن من ادعى على آخر أنه قذفه وأنكر القاذف لا يمين عليه فيه وأما في السرقة فإن السارق يستحلف لأجل المال إذا أراد المالك أخذ المال دون القطع ويقال له حينئذ دع ذكر السرقة إذا وادع تناول مالك فيكون لك عليه اليمين وفي القصاص في النفس والأطراف يستحلف إلا أن في الطرف يقضي بالقطع عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما يقضي بالمال وفي النفس لا يقضي بالنكول عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولكن يحبس حتى يقر أو يحلف وعندهما يقضي بالدية

ادعى على آخر أنه قال له يا منافق أو يا كافر أو يا زنديق أو ادعى أنه ضربه أو لطمه أو ما أشبه ذلك من الأمور التي توجب التعزير واراد تحليفه فالقاضي يحلفه لأن التعزير محض حق العبد ولهذا ملك العبد إسقاطه بالعفو والصغر لا يمنع وجوبه كذا في العمادي

وفي فتاوى قاضيخان لو وجب يمين على الأخرس فإنه يحلف وصورة تحليفه أن يقول له القاضي عليك عهد الله وميثاقه إن كان كذا وكذا فأومأ برأسه بنعم يصير حالفا ولا يقول له بالله إن كان كذا وكذا لأنه لو أشار برأسه بنعم في هذا الوجه يصير مقرا بالله ولا يكون حالفا

رجل ادعى أنه وكيل الغائب بقبض الدين أو العين إن برهن على الوكالة والمال قبلت وإن أقر بالوكالة وأنكر المال لا يصير خصما ولا تقبل البينة على المال لأنه لم يثبت كونه خصما بإقرار المطلوب لأنه ليس بحجة في حق الطالب وإن أقر بالمال وأنكر الوكالة لا يستحلف على الوكالة لأن التحليف يترتب على دعوى صحيحة ولم توجد لعدم ثبوت الوكالة

وذكر الخصاف أنه يحلف على الوكالة والأول أصح وفي المنتقى المطلوب إذا كان مريضا أو امرأة يبعث من يستحلفهما وقال الإمام رحمه الله تعالى لا يبعث

من عليه الدين المؤجل قدمه الدائن إلى القاضي قبل الحل وحلفه ماله قبلك اليوم شيء وجهله القاضي إن كان الحالف لا ينوي إتلاف حقه لا بأس به ولكن ليس للقاضي أن يقبله منه بل يحلفه بالله ماله قبلك شيء قال الفقيه فيه دليل على أن قوله ليس قبله اليوم شيء إقرار ولا يلتفت إلى قول بعض الحكام إنه إقرار بالدين المؤجل فيجب عليه المال

وذكر الناطفي أن من عليه دين مؤجل لو أقر به وادعى الأجل لا يصدقه القاضي فحيلته أن يقول القاضي سلة إحالة أم مؤجلة إن ادعى الحالة يحلف بالله ما عليه هذه الألف التي يدعيها وإن حلف بغير هذا الطريق حنث

وفي المحيط للمرأة إثبات المهر المؤجل وإن لم يكن لها ولاية المطالبة وكذا الدين المؤجل

رجل أخذ دراهمه ممن هي عليه ونقدها الناقد ثم وجد بعضها زيوفا لا ضمان على الناقد وترد إلى الدافع ويسترد غيرها وإن أنكر الدافع أن يكون ذا مدفوعه فالقول قول القابض لأنه ينكر أخذ غيرها وهذا إذا لم يقر باستيفاء حقه أو الجياد فإن كان أقر لا يرجع إن أنكر الدافع أن يكون ذا هو


236

في القنية رجل طلب دينه من المديون فأعطاه ألف من الحنطة ولم يبعها منه ولم يقل إنها من جهة الدين فهو بيع بالدين وإن كانت قيمتها أقل من الدين فإن كان السعر بينهما معلوما يكون بيعا بقدر قيمته من الدين وإلا فلا بيع بينهما

وفي العمادي ولو كان لرجل على آخر دنانير فقال أنا أعطيك بها دراهم فساوم بالدراهم ولم يقع بيع ثم فارقه عن قبض ولم يستأنف بيعا فهذا جائز البياعة وبنحوه عن محمد رحمه الله قال وقد وقعت واقعة الفتوى في زماننا قلت وصورتها بالفارسية لكن عربها بعض الفضلاء المجمع على خيره ودينه وهو رب الدين إذا توافق مع المديون على أن يعطيه من الذرة بمقدار ماله عنده من الدراهم وقد كان ذلك القدر في ملكه والذرة في ذلك الوقت كل مائة من بدينار إلا أن رب الدين لم يقبض الذرة في ذلك المجلس ثم بعد ايام جاء وقبض ذلك القدر من الغلة وقد تغير السعر أينعقد البيع بينهما فعلى قياس ما ذكر في مداينات الذخيرة ينبغي أن ينعقد البيع بينهما بالإقرار السابق والله سبحانه وتعالى أعلم

وفي فتاوى الديناري رجل له عند رجل حنطة دينا فجاء رب الدين وأخذ منه قماشا من الخام بحساب الحنطة وذلك اليوم سعر الحنطة كل مائة من بدينار ثم لما حاسبه كان السعر يوم الحساب كل خمسين منها بدينار فإن حصل بينهما مواضعة بأن عين القماش الخام بمقدار من الحنطة يعتبر ذلك التعيين وإن لم يحصل بينهما مواضعة يعتبر وقت الحساب لا وقت الخرج واعتبر بعض المشايخ وقت الخرج مستدلا بأنه لو استخرج رجل من سمان حبوبا وأعطاه أغلب ثمنها يعتبر وقت الخرج قال الديناري والمعتبر عندنا وقت الحساب

ادعى المديون أن الدائن كتب على قرطاس بخطه إن الدين الذي لي على فلان بن فلان أبرأته عنه صح وسقط الدين لأن الكتابة المرسومة المعنونة كالمنطوق به وإن لم يكن كذلك لا يصح الإبراء ولا دعوى الإبراء ولا فرق بين أن تكون الكتابة بطلب الدائن وبغير طلبه ولو قال تركت الدين الذي لي عليك لا يكون إبراء ويحمل على ترك الطلب في الحال

وذكر في الخزانة الأكمل محالا على فتاوى صاعد رجل كتب على نفسه بمال معلوم وخطه معلوم بين التجار وأهل البلد ثم مات فجاء غريمه يطلب المال من الورثة وعرض خط الميت بحيث عرف الناس خطه حكم بذلك في تركته وقد جرت العادة بين الناس بمثله حجة

وفي جامع الفتاوى ولو قال تركت حقي من الميراث أو برئت منه أو من حصتي لا يصح وهو على حقه لأن الإرث جبري لا يصح تركه

قال المدعي للمدعي عليه بعد الخصومة وهبت وتركت لا يكون إبراء ما لم يقل منك بخلاف ما إذا قال المدعي عليه أبرئني مما لك علي أو هب لي فقال وهبت أو تركت أو أبرأت لخروجه مخرج الجواب قال من كان لي عليه شيء فهو في حل قال محمد رحمه الله تعالى هو على دعواه وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى هو على دعواه في العين القائمة لا في الدين

أبرأه عن الدعاوى ثم ادعى عليه بالوكالة أو الوصاية عن غيره صح وفي العمادي رجل ادعى على آخر مالا فأنكر فقال المدعي إنه كتب لي بذلك خطأ فأنكر المدعي عليه أن يكون خطه فأمره القاضي أن يكتب على بياض فكتب وكان بين الخطين مشابهة ظاهرة دالة على أنهما بخط كاتب واحد لا يقضي عليه بالمال المدعي به لأن هذا لا يكون أعلى حالا مما لو كان هذا خطي وأنا كتبته


237

ولكن ليس على هذا المال فهنالك القول قوله ولا شيء عليه ثم قال السيد الامام ناصر الدين وذكر محمد رحمه الله تعالى في كتاب الطلاق ولو كتب الطلاق على الرسم في مثله ثم قال لم أنو به الطلاق لا يصدق فكذا الاقرار

وفي فتاوى الولوالجي رجل ادعى على رجل دارا أو عبدا ثم قال المدعي للمدعي عليه أبرأتك عن هذه الدار وعن خصومتي في هذه الدار أو في دعواي في هذه الدار فهذا كله باطل حتى لو ادعى بعد ذلك تسمع ولو أقام البينة تقبل بخلاف ما إذا قال برئت لا تقبل بينته بعد ذلك وكذلك إذا قال أنا بريء من هذا العبد أو خرجت عنه فليس له أن يدعي بعد ذلك لأن قوله أبرأتك عن خصومتي في هذه الدار خطاب للواحد فله أن يخاصم غيره في ذلك بخلاف قوله برئت لأنه أضاف البراءة إلى نفسه مطلقا فيكون هو بريئا

نوع في الاختلاف إذا اختلف المتبايعان في قدر الثمن أو المبيع بأن ادعى المشتري ثمنا وادعى البائع أكثر منه أو اعترف البائع بقدر من المبيع وادعى المشتري وأكثر منه فلا يخلو إما أن يكون لأحدهما بينة أو لهما بينة أولا بينة لهما ولا لأحدهما فإن كان لأحدهما بينة قضى لمن قامت ببينته لأنه نور دعواه بالحجة وإن أقاما البينة فالبينة المثبتة للزيادة أولى لأن البينات شرعت للإثبات وإن لم يكن لهما ولا لأحدهما بينة قيل للمشتري إما أن ترضى بالثمن الذي ادعاه البائع وإلا فسخنا البيع وقيل للبائع إما أن تسلم مال ادعاه المشتري من المبيع وإلا فسخنا البيع لأن الغرض قطع الخصومة وقد أمكن ذلك برضا أحدهما بما يدعيه الآخر فإن لم يرضيا استحلف القاضي كل واحد منهما على دعوى الآخر ويبدأ بيمين المشتري في الصحيح ثم إذا حلف أحدهما يستحلف الآخر فإن نكل أحدهما ثبتت الدعوى الآخر لأن النكول بذل أو إقرار ثم إذا تحالفا هل ينفسخ البيع بنفس التحالف أو بفسخ القاضي فقد اختلفوا فيه قال بعضهم ينفسخ البيع بنفس التحالف وقال بعضهم لا ينفسخ إلا بفسخ القاضي عند طلبهما أو طلب أحدهما وهو الصحيح هذا الكلام فيما إذا اختلفا في المبيع وحده أوفى الثمن وحده وأما إذا اختلفا في المبيع والثمن جميعا بأن قال البائع بعت هذا العبد بألفي درهم وقال المشتري بل اشتريت هذا العبد بألف درهم فإن لم يكن لهما ولا لأحدهما بينة تحالفا وتفاسخا البيع على ما بيناه وإن كان لأحدهما بينة فمن قامت بينته أولى لما بيناه وإن أقام كل واحد منهما بينة على ما يدعيه فبينة البائع أولى في الثمن لأنها أكثر اثباتا وبينة المشتري أولى في المبيع لأنها أكثر إثباتا وإن اختلفا في الأجل أو في شرط الخيار أو استيفاء بعض الثمن كان القول للمنكر مع يمينه

وفي المبسوط فرق بين هذا وبين الأجل في السلم فإن هناك القول من يدعي الأجل من قبل أن هناك الأجل من شرط صحة العقد على ما يجيء في بابه اه كذا ذكر في المنبع

إذا اختلف المتبايعان في قدر الثمن بعد قبض المبيع وهلاكه لا تحالف فيه عند أبي حنيفة وابي يوسف رحمهما الله تعالى بل القول فيه للمشتري مع يمينه وقال محمد والشافعي رحمهما الله يتحالفان ويفسخ البيع على قيمة الهالك وعلى هذا الخلاف إذا خرج المبيع عن ملكه أو تغير وصار بحال لا يقدر على رده بالعيب

إذا اشترى عبدين صفقة واحدة وقبضهما ثم مات أحدهما واختلفا في مقدار الثمن فقال المشتري اشتريتهما بألف دلاهم وقال البائع اشتريتهما بألفي درهم قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يتحالفان إلا أن يرضى البائع أن يترك حصة الهالك فحينئذ يتحالفان وإذا لم يرض البائع بترك حصة الهالك لا يتحالفان ويكون القول قول


238

المشتري مع يمينه وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يتحالفان في الحي ويفسخ العقد في الحي والقول للمشتري في حصة الهالك من الثمن مع يمنيه وقال محمد رحمه الله تعالى يتحالفان عليهما ويرد الحي وقيمة الهالك

وفي المنبع إذا وقع الاختلاف في متاع لبيت فلا يخلو إما أن يكون الاختلاف بين الزوجين في حال حياتهما وإما أن يكون بين ورثتهما بعد وفاتهما وإما أن يكون في حال حياة أحدهما وموت الآخر فإن كان الاختلاف في حال حياتهما فإما أن يكون في حال قيام النكاح وإما أن يكون بعد زواله بالطلاق فإن كان في حال قيام النكاح فما يصلح للرجل كالعمامة والقلنسوة والسلاح وغير ذلك فالقول فيه قول الزوج مع يمينه لأن الظاهر شاهد له وما يصلح للنساء كالخمار والملحفة والمغزل ونحوها فالقول فيه للمرأة مع اليمين لأن الظاهر شاهد لها

قال الامام التمرتاشي رحمه الله تعالى وما يصلح للنساء فالقول فيه وللمرأة مع اليمين إلا إذا كان الرجل صائغا وله أساور وخواتيم النساء وحلى وخلخال وأمثال ذلك فحينئذ لا يكون مثل هذه الأشياء للمرأة وكذلك إذا كانت المرأة تبيع ثياب الرجال كالعمامة والقوس والدرع والمنطقة انتهى وما يصلح لهما كالآنية والذهب والفضة والمنزل والعقار والمواشي وغيرها فالقول فيه قول الزوج وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى القول قول الزوج في غير المشكل كما قالا وأما في المشكل فالقول قول المرأة إلى قدر جهاز مثلها وفي الباقي القول قول الزوج وقال زفر رحمه الله تعالى المشكل بينهما نصفان وفي قول آخر وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله تعالى المتاع كله بينهما نصفان وقال ابن أبي ليلة القول قول الزوج في الكل ولها ثياب بدنها وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى إن كان البيت بيت المرأة فالمتاع كله لها إلا ما على الزوج من ثياب بدنه وإن كان البيت بيت الزوج فالمتاع له لأن يد صاحب البيت على ما في البيت أقوى وأظهر من يد غيره وهذا كله إذا اختلفا في حال قيام النكاح وأما إذا اختلفا بعد طلاقها ثلاثا أو بائنا فالقول قول الزوج لأنها صارت أجنبية بالطلاق فزالت يدها هذا إذا اختلف الزوجان قبل الطلاق أو بعده أما إذا ماتا فاختلف ورثتهما فالقول قول ورثة الزوج في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى القول قول ورثة المرأة إلى قدر جهاز مثلها وفي الباقي القول قول ورثة الزوج لأن الوارث يقوم مقام المورث فصارا كالمورثين اختلفا بأنفسهما وهما حيان في حال قيام النكاح ولو كان كذلك كان على هذا الخلاف فكذلك بعد موتهما وإن مات أحدهما فاختلف الحي منهما وورثة الميت فإن كان الميت هو المرأة فالقول قول الزوج عند ابي حنيفة ومحمد لأنها لو كانت حية لكان القول قول الزوج فبعد موتها أولى وعند ابي يوسف القول قول ورثة المرأة إلى قدر جهاز مثلها كما هو أصله وإن كان الميت هو الزوج فالقول قولها عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى في المشكل وعند أبي يوسف في قدر جهاز مثلها وعند محمد رحمه الله تعالى القول قول ورثة الزوج وهذا كله إذا كان الزوجان حرين أو مملوكين أو مكاتبين أما إذا كان أحدهما حرا والآخر مملوكا أو مكاتبا فاختلفا في حياتهما فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى القول قول الحر وعندهما إن كان المملوك محجورا فكذلك وإن كان المملوك مأذونا أو مكاتبا فالجواب فيه وفيما إذا كانا حرين سواء وقد تقدم جواب الحرين بتفاصيلهما

وفي المحيط رجل زوج ابنته فجهزها بجهاز فماتت البنت وزعم أبوها أن الجهاز المدفوع إليها كان ماله وأنه لم يملكه منها وانما أعاره لها ولم يهبه لها فالقول قول الزوج وعلى الأب البينة لأن الظاهر شاهد للزوج


239

ولأن الانسان إذا جهز بنته يدفع إليها بطريق التمليك ظاهرا وصار كمن دفع ثوبا إلى قصار ليقصره ولم يذكر أجرا حمل على الاجارة بشهادة الظاهر فكذا هذا

والبينة الصحيحة أن تشهد عند التسليم إلى المرأة أنه إنما سلم إليها هذه الأعيان بطريق العارية أو يكتب نسخة ويشهد الأب على إقرارها أن جميع ما في هذه النسخة منك عارية بيدي لكن هذا للقضاء لا للاحتياط لجواز أنه اشترى لها بعض هذه الأشياء في حالة الصغر فبهذا الإقرار لا يصير للأب فيما بينه وبين الله تعالى فالاحتياط أن يشتري منها ما في هذه النسخة بثمن معلوم ثم البنت تبرئه عن الثمن انتهى

وفي العمادي إن كان لرجل على انسان دينان من جنس واحد فأدى المديون شيئا من المال فالقول قول الدافع أنه دفع بأي جهة فيسقط ذلك الدين عن ذمته ولو كانا من جنسين بأن كان أحدهما من الذهب والآخر من الفضة أو أحدهما من الحنطة والآخر من الشعير فأدى الفضة وقال أديت عوضا عن الذهب لا يكون عوضا عن الذهب لأن المعاوضة لا تتم الا بالطرفين

دلال باع شيئا ثم ان المشتري دفع عشرة دراهم إلى الدلال وقال دفعت من الثمن وقال الدلال دفعت دلالتي فالقول قول الدافع مع يمينه لأنه المملك

رجل عليه ألف درهم من كفالة وألف درهم من ثمن مبيع فجاء بألف وقال أؤدي هذه من الكفالة وقال الطالب لا آخذها إلا من جميع مالي عليك له ذلك وحصل القبض عن المالين ويرجع بما بقي على المكفول عنه وإن قبض ولم يقل شيئا فللمطلوب أن يجعله من أي المالين شاء

خياط يخيط ثوبا في دار انسان اختلفا في الثوب فالقول قول صاحب الدار ولأن الثوب وإن كان في يد الخياط صورة فهو في يد صاحب الدار معنى

حمال خرج من دار رجل وعلى عاتقه متاع فإن كان الحمال يعرف ببيع ذلك وحمله فهو له وكان الظاهر شاهدا له وإن كان لا يعرف فهو لصاحب الدار لأن الظاهر شاهد له وكذلك حمال عليه كارة وهو في دار بزاز واختلفا في تلك الكارة فإن كانت الدار مما يحمل فيها فالقول قول الحمال وإن كانت مما لا يحمل فيها فالقول قول صاحب الدار

رجلان اصطادا طائرا في دار رجل واختلفا فيه فإن اتفقا على اصل الإباحة ولم يستول عليه قط فهو للصائد سواء اصطاده من الهواء أو من الشجر أو من الحائط لأنه الآخذ دون صاحب الدار إذ الصيد لا يعتبر بكونه مأخوذا على حائطه أو شجره وقد قال عليه الصلاة والسلام الصيد لمن أخذه وإن اختلفا فقال صاحب الدار اصطدته قبلك أو ورثته وأنكر الصائد فإنه ينظر إن أخذه من الهواء فهو له لأنه الآخذ إذ لا يدخله على الهواء وإن أخذ من جداره أو من شجره فهو لصاحب الدار لأن الجدار والشجر في يده وكذلك إذا اختلفا في أخذه من الهواء أو من الجدار فالقول قول صاحب الدار لأن الأصل أن ما في دار الانسان يكون في يده هكذا روى عن أبي يوسف مسألة الصيد على هذه التفاصيل والله أعلم


240

الفصل الثالث في الشهادات

يفترض على الشاهد أداء الشهادة عند الحاكم إذا طلب منه المدعي الأداء ولا يسعه كتمانها لقوله تعالى ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه وهو صريح في ذلك

وفي المحيط رجل طلب منه أن يكتب شهادته أو يشهد على عقد هل له أن يمتنع ينظر إن كان الطالب يجد غيره فللشاهد هذا أن يمتنع وإلا فلا يسعه ذلك

وفي نوادر هشام عن محمد رجل له شهود كثيرة فدعا بعضهم ليقيم الشهادة وهو يجد غيره ممن تقبل شهادته ولكن هذا الشاهد ممن تقبل شهادته أسرع لا يسعه الامتناع عن الأداء لما قلنا

وفي المجتبى في تفسير الفضلى وتحمل الشهادة فرض على الكفاية وإلا لضاعت الحقوق وبطلت المواثيق وعلى هذا الكاتب إذا ندب لذلك إلا أنه يجوز للكاتب أخذ الأجرة دون الشاهد

وفي النصاب الإشهاد في المبايعة والمداينة فرض على العباد لأنه يتلف المال لولاه إلا إذا كان قليلا أو تلفها لا يخاف عليه نحو درهم لحقارته

وذكر في الذخيرة سئل نصر عن الشاهد إذا دعي إلى أداء الشهادة وهو في الرستاق إن كان بحال لو حضر إلى مجلس الحكم وشهد يمكنه الرجوع إلى أهله في يومه يجب عليه الحضور لأنه لا ضرر عليه في الحضور وإن كان لا يمكنه الرجوع إلى أهله في يومه لا يجب عليه الحضور وإن كان الشاهد شيخا كبيرا لا يقدر على المشي بالأقدام وليس عنده ما يركبه يكلف المشهود له بدابة يركبها ويحضر معه مجلس الحكم فلا بأس به قال وهذا من إكرام الشهود

وعن أبي سليمان الجرجاني رحمه الله تعالى رجل أخرج شهودا إلى ضيعة قد اشتراها واستأجر دواب لهم فركبوا وذهبوا لم تقبل شهادتهم وفيه نظر لأن العادة جرت أن من أخرج شاهدا إلى الرستاق يعطيه دابة خصوصا إذا لم يكن للشاهد دابة

وفي شرح شيخ الاسلام رحمه الله تعالى إن في حقوق العباد إذا طلب المدعي الشاهد ليشهد له فتأخر من غير عذر ظاهر ثم ادى لا تقبل شهادته وكذلك إذا طلب أجرا على الأداء لا تقبل كذا في المنبع

وفي البزازي شهدا على امرأة لا يعرفانها فإنها لا تجوز حتى تشهد جماعة أنها فلانة وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى يجوز إذا شهد عدلان أنها فلانة ولا يشترط رؤية وجهها وشرطها في الجامع الصغير حتى تشهد على معلوم لأن الشهادة على المجهول باطلة وقال الإمام خواهر زاده رحمه الله على أنه لا يشترط رؤية شخصها أيضا وغيره على أنه يشترط رؤية شخصها وفي المنتقى تحمل الشهادة على امرأة ثم ماتت فشهد عنده عدلان على أنها فلانة له أن يشهد عليها

وذكر الخصاف رحمه الله تعالى رجل في بيت وحده دخل عليه رجل ورآه ثم خرج وجلس على الباب وليس للبيت مسلك غيره فسمع إقراره من الباب بلا رؤية وجهه حل له أن يشهد بما أقر


241

وفي العيون رجل أخفى قوما لرجل ثم سأله عن شيء فأقر وهم يسمعون كلامه ويرونه وهو لا يراهم جازت شهادتهم وإن لم يروه وسمعوا كلامه لا يحل لهم الشهادة

ولا تجوز الشهادة بالسماع إلا في أربع مواطن النسب والنكاح والقضاء والموت وفي الوقف الصحيح أنها تقبل بالتسامع على أصله لا على شرائطه ولو شهد الشهود على الوقف من غير دعوى تقبل لأن الوقف حكمة التصدق بالغلة وهو حق الله تعالى وفي حقوق الله تعالى لا تشترط الدعوى كذا في المنبع

وفي الصغرى الشهادة فيما يقبل بالتسامع على طريقين بالشهرة الحقيقية وهو أن يسمع من قوم لا يتوهم اتفاقهم على الكذب ولا يشترط فيه العدالة ولفظ الشهادة الحكمية وهو أن يشهد عنده رجلان أو رجل وامرأتان عدلان بلفظ الشهادة

ولا تجوز الشهادة بالشهرة في الولاء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وعند أبي يوسف رحمه الله تجوز ولا تجوز في العتق والطلاق إجماعا قال الحلواني رحمه الله تعالى هذا قولهما وعند أبي يوسف رحمه الله أنه يجوز كما في الولاء

وفي المنتقى الأصح أنه يشهد في المهر بالتسامع

رأى خطه ولم يتذكر الواقعة أو رأى كتابة الشهادة ولم يتذكر المال لا يسعه أن يشهد وعند محمد رحمه الله تعالى يسعه أن يشهد وذكر الخصاف رحمه الله تعالى أن الشرط عند الإمام رحمه الله تعالى أن يتذكر الحادثة والتاريخ ومبلغ المال وصفته حتى لو لم يتذكر شيئا منها وتيقن أنه خطه وخاتمه لا يشهد وإن شهد فهو شاهد زور وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه إن قطع أنه خطه يشهد بشرط أن يكون مستودعا لم يتناوله الأيدي ولم يكن في يد صاحب الصك من الوقت الذي كتب فيه اسمه وإلا لا يشهد وإذا شهد عند القاضي يقبله لكن يسأله عنه أنه يشهد عن علم أو عن الخط فإن شهد عن علم قبله وإن شهد عن الخط لا قال الحلواني رحمه الله تعالى يفتى بقول محمد رحمه الله تعالى

إذا عرف خطه والخط في حرز ونسي الشهادة عندها له أن يشهد قال الفقيه وبه نأخذ وينبغي للشاهد إذا شهد وكتب أن يعلمه حتى يكون بحالة يعرفه بعده ولا يمكن تغييره

رجل كتب كتاب وصيته وقال للقوم اشهدوا علي بما في الكتاب لا يجوز لهم أن يشهدوا حتى يقرأه عليهم أو يرونه يكتب وهم يقرءون ما فيه وكذا الوصية المختومة وهي أن المريض إذا كتب كتاب وصيته وختمه وقال للشهود هذه وصيتي وختمي فاشهدوا علي بما في هذا الكتاب لا يجوز لهم أن يشهدوا بما فيه حتى يعلموا ما في الكتاب بأن قرءوها أو قرئت عليهم وكذا لو شهدوا على صك ولم يقرءوه ولم يعلموا ما فيه

وفي فتاوى قاضي خان ولو كتب رسالة عند أميين لا يقرآن ولا يكتبان وأمسكا الكاتب عندهما أو شهدا بما لا يجوز عندهما وعند ابي يوسف رحمه الله تعالى يجوز كذا في الخلاصة

رجل كتب صك وصيته وقال لقوم اشهدوا علي بما فيه ولم يقرأه عليهم قال علماؤنا رحمهم الله تعالى لا تجوز الشهادة عليه وقيل تجوز والأول أصح


242

وفي المنبع وأجمعوا في الصك أن الإشهاد لا يصح إلا بإعلام الكاتب ما في الكتاب فاحفظ هذه المسألة فإن الناس اعتادوا خلاف ذلك فإنه يشهدون بما في الصك من غير قراءة الحروف وغير ذلك

القاضي إذا أشهد جماعة على السجل ولم يعلموا ما فيه ولم يخبرهم القاضي بذلك لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وهو أحد الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله تعالى

سمع اقرار رجل بحق وسعه أن يشهد عليه وإن لم يعاين السبب وإن لم يقل له اشهد علي بما أقررت

توسط بين رجلين فقالا له لا تشهد علينا بما تسمع منا فسمع إقرارهما أو إقرار أحدهما لرجل بشيء أو قال أحدهما للآخر بقي لك علي كذا له أن يشهد كما سمع

وفي المحيط شهدا على امرأة سمياها ونسباها وكانت حاضرة فقال القاضي أتعرفانها فقالا لا لا تقبل شهادتهما ولو قالا تحملنا هذا على المسماة بفلانة بنت فلان الفلانية ولكن لا ندري أنها هي أم لا صحت الشهادة وكلف المدعي أن يأتي بآخرين يشهدان أنها فلانة بنت فلان اه

وفي العمادي ولو جاء المدعي بشاهدين فشهد أحدهما وفسر الشهادة على وجهها ثم قال الآخر أشهد بمثل شهادة صاحبي تقبل قلت وفيه تفصيل وهو إن كان الشاهد فصيحا يمكنه بيان الشهادة على وجهها لا يقبل منه الإجمال وإن كان أعجميا غير فصيح يقبل منه الإجمال إذا كان بحال لولا حشمة مجلس القضاء يمكنه أن يعبر الشهادة بلسانه أما إذا كان بحال لا يمكنه أن يعبر بلسانه أصلا فإنه لا يقبل أيضا

وقال الشيخ الامام شمس الأئمة ابو بكر محمد بن أبي سهل رحمه الله المختار أن يجعل الجواب على التفصيل إن أحس القاضي بخيانة من الشهود بشهادة الزور يكلف كل شاهد أن يفسر شهادته وإن لم يحس بشيء من الخيانة لا يكلف ويحكم في ذلك برأيه

وذكر الشيخ ظهير الدين المرغيناني في شروطه أنه إذا جرى بين اثنين بيع أو إجارة أو عقد آخر وأشهدا على ذلك جماعة هل يشترط كتابة معرفة الشهود المتبايعين بوجههما وأسمائهما وأنسابهما كان هلال وأبو زيد لا يكتبان ذلك وغيرهما من أصحابنا يكتبون أخذا بالاحتياط

وقال ظهير الدين رحمه الله تعالى وعندي أن المتبايعين إذا كانا معروفين عند الناس مشهورين لا حاجة إلى كتابة معرفة الشهود للمتبايعين وإن كانا غير مشهورين فلا بد منه لأنه يحتاج إلى أداء الشهادة عليه بمحضر منه فلا بد من معرفته بوجهه ليمكنهم أداء الشهادة عليه وعند غيبته أو موته يحتاج إلى الشهادة باسمه ونسبه فلا بد من معرفتهم اسمه ونسبه ولا يجوز الاعتماد على إخبار المتبايعين باسمهما ونسبهما فعسى أن يسميا وينتسب العاقدان باسم غيرهما ونسبه يريد أن يزورا على الشهود حتى يخرجا المبيع من يد مالكه فلو اعتمدوا على قولهما نفذ تزويرهما وبطل أملاك الناس وهذا فصل كثير من الناس عنه غافلون فإنهم يسمعون لفظ الشراء والبيع والإقرار والتقابض من رجلين لا يعرفونهما ثم إذا استشهدوا من بعد موت صاحب المبيع يشهدون على ذلك الاسم والنسب ولم يكن لهم علم بذلك فيجب أن يحترز على مثل ذلك غاية الاحتراز صيانة لنفسه عن المجازفة ولأموال الناس عن الضياع

قال وطريق علم الشهود بالنسب أن يشهد عندهم جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما شهادة رجلين كاف كما في سائر الحقوق قال وإذا لحقه الحرج في إحضار الجماعة


243

التي شرط أبو حنيفة رحمه الله تعالى فينبغي أن يشهد عدلان على شهادتهما عدولا آخرين على النسب حتى إذا احتاجوا إلى أداء الشهادة شهدوا على شهادتهما على النسب وعلى ما في الكتاب بما شهدوا عليه

نوع فيمن تقبل شهادته ومن لا تقبل لا تقبل شهادة ستة عشر العبد المدبر المكاتب أم الولد المجلود في القذف الشريك في شركته المفاوض الذي يجر لنفسه نفعا بشهادته التي تقوم على النفي شهادة التهاتر شهادة أهل الكفر على المسلمين شهادة المولى مأذونه ومكاتبه شهادة الأعمى والخنثى المشكل لا تقبل شهادته مع رجل أو امرأة ولو كان مع رجل وامرأة تقبل ومتى ردت العلة ثم زالت لا تقبل إلا في أربعة مواضع عبد ردت شهادته ثم عتق وكافر أسلم وأعمى أبصر وصبي ردت شهادته ثم بلغ فأعادوا الأداء تقبل

وفي خلاصة النوازل لأبي الليث لا تقبل شهادة معلم الصبيان لأن عقله ناقص لكونه بالنهار مع الغلمان وبالليل مع النسوان ويوم الجمعة في الطاحون

وعن علقمة أنه قال عقل ثمانين معلما كعقل امرأة واحدة والصحيح أنه إن كان عدلا تقبل شهادته وحديث علقمة وابي الليث في معلم بعينه

وفي المنع لا تقبل شهادة الآباء والأمهات والأجداد والجدات للولد وولد الولد وإن سفل ولا شهادة الأولاد وأولاد الأولاد للآباء والأمهات والأجداد والجدات

شهادة الرجل لولد الابنة لا تقبل لأنه لو قضى له لا يجوز وكذلك لا تقبل شهادة الرجل على قضاء أبيه بأن يشهد أن أباه قضى لفلان على فلان بكذا وتجوز شهادته على شهادة أبيه رواه الحسن عن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى

وروى أيضا عن أبي حنيفة أنه لا تجوز شهادة الابن على قضاء أبيه وإن كان الأب قاضيا يوم الشهادة وعن محمد أنه تجوز شهادة الابن على قضاء أبيه مطلقا اه

ولا تجوز شهادة أحد الزوجين للآخر ولا شهادة الأجير لمن استأجره والمراد به الأجير الخاص الذي يعد ضرر أستاذه ضررا لنفسه ونفعه نفعا لنفسه وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام لا شهادة للقانع بأهل البيت وفي المغرب قيل أراد به من يكون مع القوم كالخادم والتابع والأجير ونحوه ولأنه بمنزلة السائل يطلب معاشه انتهى

وفي شرح منظومة ابن وهبان شهادة العدو على عدوه هل تقبل أو لا تقبل والصحيح أنها تقبل سواء كانت العداوة دينية أو دنيوية فإنها لا تقدح في العدالة وقيل العداوة الدنيوية تؤثر في العدالة وتقدح فيها فلا تقبل شهادة العدو على عدوه إذا كانت العداوة دنيوية

ومثال العداوة الدنيوية أن يشهد المقذوف على القاذف والمقطوع عليه الطريق على القاطع والمقتول وليه على القاتل والمجروح على الجارح والزوج يشهد على امرأته بالزنى فإن هؤلاء تقبل شهادتهم في قول أكثر أهل العلم كربيعة والثوري وإسحاق ومالك والشافعي وأحمد وهو المصرح به في غالب كتب أصحابنا والمشهور على ألسنة فقهائنا

ومثال العداوة الدينية المسلم يشهد على الكافر والمحق من أهل السنة يشهد على المبتدع فإن شهادة هؤلاء غير مردودة ولا قادحة في العدالة


244

وذكر صاحب المغنى من الحنابلة عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى إن العداوة لا تمنع الشهادة مطلقا وذكر صاحب القنية من أصحابنا في باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل ما يؤيد ذلك

تنبيه قد يتوهم بعض المتفقهة والشهود أن كل من خاصم شخصا في حق أو ادعى عليه حقا أنه يصير عدوه فيشهد بينهما بالعداوة وليس كذلك بل العداوة تثبت بنحو ما ذكرت نعم لو خاصم الشخص آخر في حق لا تقبل شهادته عليه في ذلك الحق كالوكيل لا تقبل شهادته فيما هو وكيل فيه والوصي لا تقبل شهادته فيما هو وصي فيه والشريك لا تقبل شهادته فيما هو شريك فيه ونحو ذلك لا أنه إذا تخاصم اثنان في حق لا تقبل شهادة أحدهما على الآخر لما بينهما من المخاصمة

فرع إذا قلنا إنه لا تجوز شهادة العدو على عدوه إذا كانت العداوة دنيوية هل الحكم في القاضي كذلك حتى لا يجوز قضاء القاضي على من بينه وبينه عداوة دنيوية لم اقف على هذا الفرع في كتب أصحابنا وينبغي أن يكون الجواب فيه على التفصيل إن كان قضاؤه عليه بعلمه فينبغي أن لا ينفذ وإن كان بشهادة العدول وبمحضر من الناس في مجلس الحكم بطلب خصم شرعي ودعواه فينبغي أن يجوز ورأيت في الرافعي من كتب الشافعية عن القاضي الماوردي أنه يجوز قضاء العدو على عدوه بخلاف شهادة العدو على عدوه وفرق بينهما بأن قال لأن أسباب الحكم ظاهرة واسباب الشهادة خافية اه ما نقلته من شرح المنظومة

وفي الوقاية ولا تقبل شهادة مخنث يفعل الرديء ونائحة ومغنية ومدمن الشرب على اللهو ومن يلعب بالطيور أو الطنبور أو يغني للناس أو يرتكب ما يحد به أو يدخل الحمام بلا إزار أو يأكل الربا أو يقامر بالنرد أو الشطرنج أو تفوته الصلاة بهما أو يبول على الطريق أو يأكل فيه أو يظهر سب السلف

وفي الذخيرة ولم يرد بالنائحة التي تنوح في مصيبتها وإنما اراد التي تنوح في مصيبة غيرها اتخذت ذلك مكسبة

وفي البدائع وأما من يضرب شيئا من الملاهي فإنه ينظر إن لم يكن مستبشعا كالقصب والدف ونحوهما لا بأس به ولا تسقط عدالته وإن كان مستبشعا كالعود ونحوه سقطت عدالته لأنه لا يحل بوجه من الوجوه قوله ومد من الشرب المراد به الادمان في النية يعني يشرب ومن نيته أن يشرب بعد ذلك إذا وجده

وأما اللاعب بالطيور فإنه ينظر إلى العورات في السطح وغيره وذا فسق هذا إذا كان يطيرها أما إذا كان يمسك الحمام في بيته ويستأنس بها ولا يطيرها فهو عدل لأن اقتناء الحمام في البيوت مباح ألا ترى أن الناس يتخذون بروج الحمام ولم يمنع من ذلك أحد وبهذا تبين أنه إذا اتخذ الحمام لحمل الكتب كما في الديار المصرية والشامية لا يكون حراما لوقوع الحاجة إليها وأما من ارتكب كبيرة فإنه ترد شهادته

وقد اختلف العلماء في ماهية الكبيرة والصغيرة قال بعضهم ما فيه حد في كتاب الله تعالى فهو كبيرة وما لا حد فيه فهو صغيرة قيل وهذا ليس بسديد فإن شرب الخمر وأكل الربا من الكبائر ولا حد فيهما في كتاب الله تعالى وقال بعضهم ما أوجب الحد فهو كبيرة وما لا حد فهو صغيرة وهذا أيضا يبطل بأكل الربا وغيره لأنه لا حد فيه مع أنها كبيرة وقال بعضهم ما كان حراما لعينه فهو كبيرة وقيل هي السبع التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المعروف سبع من الكبائر لا كفارة فيهن الاشراك بالله والفرار من الزحف وعقوق الوالدين وقتل النفس بغير حق وبهت المؤمن والزنى وشرب


245

الخمر وهذا قول أهل الحجاز واهل الحديث وزاد بعضهم على هذه السبع أكل الربا وأكل مال اليتيم بغير حق وأصح ما يقال فيه ما هو المنقول عن شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى أنه قال ما كان شنيعا بين المسلمين وفيه هتك حرمة اسم الله تعالى والدين فهو حرام من جملة الكبائر يوجب سقوط العدالة

وفي المحيط وحكى أبو بكر الرازي عن أبي حسن الكرخي رحمهما الله تعالى أن من مشى في السوق بسراويل وليس عليه غيره لا تقبل شهادته لأنه تارك للمروءة وكذلك لا تقبل شهادة من يأكل في السوق بين يدي الناس وكذا من يمد رجليه عند الناس أو يكشف رأسه في موضع لاعادة فيه ومن يجن ساعة ويفيق ساعة فشهد في حالة الصحو تقبل شهادته لأن ذلك بمنزلة الإغماء والإغماء لا يمنع قبول الشهادة وقدره بعض مشايخنا بيوم أو يومين حتى لو جن يوما أو يومين ثم أفاق فشهادته جائزة في حال الصحو اه

وفي القنية لا تقبل شهادة رب الدين لمديونه إذا كان مفلسا وقال شمس الأئمة الحلواني ووالد صاحب المحيط تقبل شهادة رب الدين لمديونه وإن كان مفلسا

وفي شرح الجامع للعتابي رب الدين إذا شهد لمديونه بعد موته بمال لا تقبل شهادته لتعلق حقه بالتركة وكذا الوصي له بألف مرسلة أو بشيء بعينه لا تقبل لأنه يزداد به محل وصيته أو سلامة عينه

وقال شمس الأئمة الأوزجندي رحمه الله تعالى رجل شهد قبل أن يستشهد تسمع شهادته بعد ذلك

ولا تقبل شهادة العواني الذي يأخذ بغير حق لأنه يكون ظلما فيكون فسقا

ولو شهد الساكنان بأجر أو بغير أجر لرب الدار جاز عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا لا تجوز فإن شهد المرتهنان للمدعي على الراهن تقبل ولو شهد الراهنان لا تقبل حتى يفتك الرهن

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لا تقبل شهادة الأقلف ولا تقبل صلاته ولا تؤكل ذبيحته وتقبل شهادة الزوج لصهره وشهادة الصديق لصديقه ولا تقبل شهادة من يبيع الأكفان إذا ترصد لذلك لأنه حينئذ يتمنى الموت والطاعون وكذلك لا تقبل شهادة النخاس والدلال لأنهما يكذبان ولا يباليان

شهد أحدهما أنه طلقها بالعربية والآخر بالفارسية لا تقبل بخلاف الإقرار

وفي الخلاصة ولا تقبل شهادة الخطابية لأنهم يشهدون لبعضهم بعضا بالزور ويقولون إن عليا هو الاله الأكبر وجعفر الصادق هو الاله الأصغر تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا لا اله الا الله وحده لا شريك له

وفي المحيط شهد الشهود بحق لرجل ثم حلفوا لا تقبل شهادتهم للتهمة ولو باع عينا ثم شهد بها للمدعي لا تقبل وتقبل شهادة الأخ لأخيه وعمه لأن الأملاك والمنافع بينهما متباينة كذا في الهداية ولا تقبل شهادة الأشراف بالعراق لتعصبهم وقال بعض العلماء لا تجوز شهادة القروي وتجوز شهادة أهل الأمصار

وفي العمادي ولو شهد أنه وقف على فقراء جيرانه وهما من جيرانه الفقراء جازت شهادتهما لأن الجوار ليس بأمر لازم وكذا لو شهدا أنه وقفه على فقراء مسجده وهما من فقراء مسجده جازت شهادتهما وكذا لو شهد أهل المدرسة بوقف المدرسة تقبل شهادتهم لكن المشايخ رحمهم الله تعالى فصلوا الجواب فيهما فقالوا في شهادة أهل المدرسة إن كانوا يأخذون الوظائف من ذلك الوقف لا تقبل شهادتهم وإن كانوا لا يأخذون تقبل وقيل في هذه المسائل كلها تقبل وهو الصحيح لأن كون الفقيه في المدرسة ليس بلازم بل ينتقل

رجل قال لآخر اكتب شهادتي في هذا الصك فكتب المأمور شهد بذلك لا يكون إقرارا من الآمر بأن هذا ملك البائع


246

وذكر في أدب القاضي الخصاف أسباب الجرح كثيرة منها ركوب بحر الهند لانه مخاطر بنفسه ودينه وماله ومنها التجارة في قرى فارس فإنهم يطعمونهم الربا وهم يعلمون

قال محمد رحمه الله تعالى القاضي يقبل شهادته ابنيه ولو شهدا أن أباهما قضى للمدعي على المدعي عليه لا تقبل ولا تقبل شهادة الأخرس لعجزه عن الأداء وتقبل شهادة الخصي إذا كان عدلا

وأما ولد الزنى فاختلف العلماء في قبول شهادته قال بعضهم لا تقبل مطلقا وقال بعضهم تقبل في كل شيء إلا في الزنى وهو قول مالك وقال بعضهم تقبل مطلقا إذا كان عدلا وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله تعالى

شهادة الرئيس والجابي في السكة الذي يأخذ الدراهم والصراف الذي يجمع عنده الدراهم ويأخذها طوعا لا تقبل

شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة سواء اتفقت مللهم كاليهودي مع اليهودي والنصراني مع النصراني والمجوسي مع المجوسي أو اختلف إلا أن يكونا من أهل دارين مختلفين بأن يشهد رومي على هندي أو هندي على رومي وتقبل شهادة الذمي على المستأمن ولا تقبل شهادة المستأمن على الذمي لأن الذمي أعلى حالا منه لكونه من أهل دارنا حتى لا يمكن من الرجوع إلى دار الحرب بخلاف المستأمن وتقبل شهادة المستأمنين بعضهم على بعض إذا كانوا من أهل دار واحدة فإن كانوا من أهل دارين كالرومي والتركي لا تقبل لأن الولاية فيما بينهم تختلف باختلاف المنعتين ولهذا لا يجري بينهما التوارث بخلاف دار الاسلام فإنها دار أحكام فباختلاف المنعة لا تختلف الدار وهذا بخلاف أهل الذمة فإنهم صاروا من أهل دارنا فتقبل شهادة بعضهم على بعض وإن كانوا من منعات مختلفة كذا في المنبع

وفي البزازي ويكتفى بشهادة امرأة واحدة حرة مسلمة عاقلة بالغة فيما لا يطلع عليه الرجال كالولادة والعيب الذي لا ينظر إليه الرجال ولا يشترط لفظ الشهادة عند مشايخ العراق وعند مشايخنا يشترط وعليه اعتمد القدوري وعليه الفتوى والمثبت أحفظ والأصح أنه تقبل شهادة رجل واحد فيه أيضا ويحمل على وقوع النظر لا عن قصد أو عن قصد لتحمل الشهادة كما في الزنى وعلى استهلال الصبي في حق الإرث لا تقبل الا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين وعندهما تقبل شهادة حرة مسلمة وعلى حركة الولد بعد الولادة على هذا الخلاف والشهادة على العذراء أو الرتقاء على هذا الخلاف أيضا

جاءت المنكوحة بولد وقالت لبعلها الولد منك فأنكر ولادتها لا يقبل قولها بلا شهادة القابلة وبشهادتها يثبت النسب والثنتان أحوط وإن كان يصدقها فبمجرد قولها يثبت النسب

شهد الابنان على أبيهما بطلاق أمهما إن جحدت الطلاق تقبل شهادتهما وإن ادعت الطلاق لا تقبل وفيه إشكال فإن الطلاق حق الله تعالى ويستوي فيه وجود الدعوى وعدمها فلو انعدمت الدعوى تقبل فكذا إذا وجدت قلنا نعم هو حقه تعالى كما ذكرت لكن يسلم لها بضعها حتى تملك الاعتياض فتعتبر الدعوى إذا وجدت ولا تعتبر الفائدة إذا عدمت الدعوى اه

وفي العتابي الوكيل بقبض الدين تجوز شهادته بالدين

نوع في الاختلاف في الشهادة الشهادة إذا وافقت الدعوى كانت مقبولة وإن خالفتها لم تقبل


247

وفي البدائع الشرائط التي ترجع إلى نفس الشهادة أنواع منها لفظ الشهادة فلا تقبل بغيرها من الألفاظ كلفظة الإخبار والإعلام وغيرهما ومنها موافقتها للدعوى فالشهادة المنفردة عن الدعوى فيما يشترط فيه الدعوى غير مقبولة وبيان ذلك في مسائل إذا ادعى ملكا بسبب ثم أقام البينة على ملك مطلق لا تقبل وبمثله لو ادعى ملكا مطلقا ثم أقام البينة على الملك بسبب تقبل ووجه الفرق بينهما ظاهر فتأمل

وفي المنبع الموافقة كما تشترط بين الشهادة والدعوى فكذلك تشترط بين شهادة الشاهدين فيما يشترط فيه العدد حتى لو وقع الاختلاف بين شهادتهما لم تقبل شهادتهما وهذا لأن اختلافهما اختلاف بين الدعوى والشهادة

وفي الكافي ولو ادعى الغريم الإيفاء فشهد أحد الشاهدين على إقرار الطالب بالاستيفاء والآخر انه أبرأه أو حلله أو وهبه أو تصدق عليه به لم تقبل لاختلافهما لفظا ومعنى إلا إذا قال شاهد البراءة إنه أقر أنه بريء إليه بالإيفاء ولو ادعى الإبراء فشهد أحدهما أنه أبرأه والآخر أنه وهبه أو تصدق به عليه تقبل لأنهما يستعملان في البراءة ولو ادعى الهبة فشهد أحدهما بالهبة والآخر بالإبراء تقبل ولو شهد الآخر بالصدقة لا تقبل لأن الصدقة إخراج المال إلى الله سبحانه وتعالى والهبة إلى العبد

وإذا اختلف الشاهدان في الزمان أو المكان في البيع والشراء والطلاق والعتاق والوكالة والوصية والرهن والدين والقرض والبراءة والكفالة والحوالة والقذف تقبل وإذا اختلفا في الجناية والغضب والقتل والنكاح لا تقبل

وفي الذخيرة لو شهد أحدهما بالقتل والآخر بالإقرار بالقتل لا تقبل لأن القتل فعل والإقرار قول والفعل غير القول فاختلف المشهود به وكذا لو شهدا بالقتل واختلفا في الزمان أو في المكان لأن الفعل الثاني غير الفعل الأول وكذا إذا اختلفا في الآلة التي كان بها القتل لا تقبل ولو شهدا بالقول واختلفا في الزمان أو في المكان لا يقدح في الشهادة ولو شهدا بالفعل واختلفا في الزمان أو في المكان لا تقبل ولو شهدا بالفعل والقول واختلفا في الزمان أو في المكان بأن شهدا بالرهن والقبض واختلفا في الزمان أو في المكان جازت الشهادة

وفي القنية أمة اقامت بينة أن مولاها دبرها في مرض موته وهو عاقل وأقامت الورثة بينة أنه كان مخلوط العقل فبينة الأمة أولى وكذا إذا خالع امرأته ثم أقام الزوج بينة أنه كان مجنونا وقت الخلع وأقامت بينة أنه كان عاقلا حينئذ أو كان مجنونا وقت الخصومة فاقام وليه بينة أنه كان مجنونا والمرأة على أنه كان عاقلا فبينة المرأة أولى في الفصلين

باع ضيعة ولده فأقام المشتري بينة أنه باعها في صغره بثمن المثل والابن اقام بينة أنه باعها في حال بلوغه فبينة المشتري أولى وقال برهان الدين صاحب المحيط بينة الابن أولى ولو اقام البائع بينة أني بعتها في حال صغرى وأقام المشتري بينة أنك بعتها بعد البلوغ فبينة المشتري أولى لأنه يثبت العارض

ادعى الزوج بعد وفاتها أنها كانت أبرأته من الصداق حال صحتها واقام بينة واقامت الورثة بينة أنها أبرأته في مرض موتها فبينة الصحة أولى وقيل بينة الورثة أولى

وفي تتمة الصغرى والمحيط لو أقر لوارث ثم مات فقال المقر له أقر في الصحة وقال الورثة في مرضه فالقول قول الورثة والبينة بينة المقر له وإن لم يقم بينة وأراد استحلافهم له ذلك

ادعى على رجل أنه أكرهني بالتخويف بحبس الوالي والضرب على أن يستأجر منه حانوتا واقام بينة


248

وأقام المدعي عليه بينة بأنه كان طائعا فبينة الطواعية أولى ولو قضى القاضي ببينة الإكراه ينفذ قضاؤه إن عرف الخلاف وقضى بناء على الفتوى

أقام المشتري بينة أنه باعها منه هذا الشيء بيعا صحيحا واقام البائع بينة أنه باعه مكرها فبينة الصحة أولى وقال أبو حامد رحمه الله تعالى بينة الإكراه أولى

وفي المحيط ادعى أحدهما البيع أو الصلح عن طوع وادعى الآخر عن كره فبينة مدعي الكره أولى وكذا لو ادعى الإقرار عن طوع والآخر عن كره فبينة مدعي الكره أولى اه

الشهادة على الشهادة جائزة في الأقارير والحقوق وأقضية القضاة وكتبهم وكل شيء إلا في الحدود والقصاص

وذكر الناطفي في واقعاته أن الشهادة على الشهادة في الوقف لا تجوز والصحيح أنها تجوز لما فيه من إحياء الحقوق ولا تجوز على شهادة رجل أقال من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين وأما كيفية الإشهاد من الأصل أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع أشهد أن لزيد على عمرو كذا فاشهد أنت على شهادتي بذلك أو يقول أشهد أنى أشهد أن فلان بن فلان أقر عندى بكذا أو يقول أشهد أنى سمعت فلانا يقر لفلان بكذا فاشهد أنت على شهادتي وإنما شرط الإشهاد حتى لا يصح تحمل الفرع بنفس السماع بدون الاشهاد

وفي المحيط والتحمل لا يصح الا بالأمر ولهذا لو نهى الأصول والفروع عن الشهادة وبعد الأمر عمل بالنهي

وفي التتمة إذا حكى الرجل شهادة نفسه عند غيره في حادثة لرجل على رجل وقال لذلك الغير اشهد أو قال فاشهد ولم يقل على شهادتي لم تجز وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى تجوز لأن معناه فاشهد على شهادتي

ولا تقبل شهادة شهود الفرع إلا أن يموت شهود الأصل أو يمرضوا مرضا لا يستطيعون حضور مجلس القاضي أو يغيبوا مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فصاعدا

وعن أبي يوسف أنه لم يجعل السفر شرطا ولكنه قال إن كان غائبا عن المصر في مسافة لو غدا إلى القاضي لأداء الشهادة لم يستطع أن يبيت بأهله صح الاشهاد لأن إحياء الحقوق واجب ما أمكن

وذكر القاضي إمام الدين على السغدي وشمس الأئمة السرخسي أن عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ينبغي أن يجوز الاشهاد من غير عذر وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يجوز بناء على أن التوكيل من غير رضا الخصم لا يجوز عنده إلا بعذر السفر أو المرض وعندهما يجوز إلا أن هذا غير ظاهر فلا يفتى به

وفي آخر شهادات المنتقى قال محمد رحمه الله تعالى أقبل الشهادة على الشهادة والمشهود على شهادته في المصر من غير مرض به ولا علة

إذا شهد الرجلان عند القاضي على شهادة رجل وصححا الشهادة فإن كان القاضي يعرف الأصول والفروع بالعدالة قضى بشهادتهم وإن عرف الأصول بالعدالة ولم يعرف الفروع يسأل عن الفروع وإن عرف الفروع بالعدالة ولم يعرف الأصول بالعدالة ذكر الخصاف رحمه الله تعالى أن القاضي يسأل الفروع عن الأصول ولا يقضي قبل السؤال فإن عدلوا أصولهم تثبت عدالة الأصول بشهادتهم في ظاهر الرواية


249

وهو الصحيح وعند محمد رحمه الله تعالى لا تثبت عدالة الأصول بتعديل الفروع للتهمة لأن في تعديلهم منفعة لهم حيث ينفذ قولهم بعدالة الأصول

إذا أنكر الأصول شهادتهم لم تقبل شهادة الفروع لأن التحميل شرط صحة شهادة الفروع وقد فات هذا الشرط للتعارض بين الخبرين فيفوت المشروط وهو صحة الشهادة اه

نوع في الرجوع عن الشهادة لا يصح الرجوع إلا في مجلس القضاء حتى لو رجع عند غير القاضي لا يصح ولو ادعى المشهود عليه رجوعهما وأراد يمينهما لا يحلفان وكذا لا تقبل بينته على الرجوع لأنه ادعى رجوعا باطلا

وفي التتمة ولو ادعى الرجوع عند القاضي ولم يدع القضاء بالرجوع وبالضمان لا يصح لأن الرجوع عند القاضي إنما يصح إذا اتصل به القضاء أما إذا ادعى الرجوع عند القاضي والقضاء بذلك صح وتقبل البينة على ذلك ولو شهد عند قاض ورجع عند قاض آخر يصح ويجب الضمان عليه لكن إذا قضى القاضي عليه ومن المشايخ من استبعد توقف صحة الرجوع على القضاء بالرجوع أو بالضمان وإذا أقر الشاهدان عند القاضي أنهما رجعا في غير مجلس القاضي يصح ويجعل الإقرار بمنزلة الإنشاء وإذا رجع الشاهدان عن شهادتهما قبل الحكم بها سقطت شهادتهما عن الإلزام على القاضي بالحكم لظهور التناقض بين كلامهما فإن رجعا بعد الحكم لم يفسخ وضمنا ما اتلفاه بشهادتهما وإن رجع أحدهما ضمن نصفا والعبرة للباقي لا للراجع

دقيقة في ايجاب الضمان على الشاهدين الشاهدان متى ما ذكرا شيئا هو لازم للقضاء ثم ظهر بخلافه ضمنا ومتى ما ذكرا شيئا لا يحتاج إليه القضاء ثم تبين بخلاف ما قالا لا يضمنان شيئا حتى أن مولى الموالاة إذا مات فادعى رجل ميراثه بسبب الولاء فشهد شاهدان أن هذا الرجل مولى هذا الذي أسلم والاه وعاقده وأنه وارثه ولا نعلم له وارثا غيره فقضى له القاضي بميراثه فاستهلكه وهو معسر ثم إن رجلا آخر أقام البينة أنه كان نقض ولاء الأول ووالى هذا الثاني وأنه توفى وهذا الثاني مولاه ووارثه لا وارث له غيره فالقاضي يقضي بالميراث للثاني ويكون الثاني بالخيار إن شاء ضمن الشاهدين الأولين وإن شاء ضمن المشهود له الأول لأنه ظهر كذب الشاهدين الأولين فيما للحكم به تعلق

وبيان ذلك في مسألة الولاء أن قولهما هو وارثه لا وارث له غيره أمر لا بد منه للقضاء له بالميراث فإنهم إذا شهدوا بأصل الولاء ولم يقولوا إنه وارثه فالقاضي لا يقضي له بالميراث وإنما أخذ الأول الميراث بقول الشاهدين الأولين إنه مولاه ووارثه اليوم وقد ظهر كذبهما فضمنا بخلاف مسألة الشهادة في النكاح فإنهما إذا شهدا أنه مات وهي امرأته لا يضمنان لأن قولهما مات وهي امرأته زيادة غير محتاج إليها فإنهما لو قالا كانت امرأته فإن القاضي يقضي لها بالميراث فصار وجود هذه الزيادة والعدم بمنزلة واحدة فلو انعدمت هذه الزيادة لكان لا يجب عليهما شيء لأنهما شهدا بنكاح كان ولم يظهر كذبهما في ذلك

ولو شهد أن لفلان على هذا الرجل ألف درهم فقضى القاضي بشهادتهما وأمر المدعي عليه بدفع المال وهو الألف إلى المدعي ثم اقام المدعي عليه البينة على البراءة فإن الشاهدين يضمنان والمدعي عليه بالخيار في تضمين المدعي أو الشاهدين لأنهما حققا عليه ايجاب المال في الحال فإذا أقام البينة على البراءة فقد ظهر كذبهما فصارا خائنين فغرما بخلاف الفصل الأول لأنه ثمة لم يحققا المال في الحال وإنما أخبر عن شيء ماض فلم يظهر كذبهما وأوضح محمد رحمه الله تعالى هذه المسألة بمسألة الطلاق فإن المدعي عليه إذا أنكر


250

المال وحلف ثم شهدا على إقراره بذلك لم يحنث لما أنه لم يحققا عليه الايجاب ولو حققا في الحال حنث فاتضح الفرق كذا في العمادي

الفصل الرابع في الوكالة والكفالة والحوالة

شرط صحة الوكالة أن يكون الموكل ممن يملك التصرف لأن الوكيل يستفيد ولاية التصرف من الموكل ويقدر عليه من قبله ومن لا يقدر على شيء كيف يقدر غيره عليه

وفي الذخيرة هذا شرط على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وأما على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى فلا يشترط أن يكون الموكل قادرا على التصرف بل الوكيل يتصرف بأهلية نفسه ولهذا جاز عنده توكيل المسلم الذمي بشراء الخمر والخنزير وتوكيل المحرم الحلال بيبع الصيد وقيل المراد بمالكية الموكل للتصرف وقدرته عليه بالنظر إلى اصل التصرف وإن امتنع بعارض وبيع الخمر يجوز للمسلم في الأصل وإنما امتنع لعارض النهي

وفي النتف الوكالة على أربعة أوجه أحدها وكالة رجل لرجل آخر والثاني وكالة رجلين لرجل واحد والثالث وكالة رجل لرجلين والرابع وكالة رجلين لرجلين أو أكثر وكلها جائزة ويجوز أن يوكل كل أحد إلا ثلاثة أصناف العبد المحجور والصبي المحجور والمعتوه الذي لا يعقل

رجل قال لآخر أنت وكيلي في كل شيء يصير وكيلا في البياعات والمواضعات والهبات والعتاق لأن اللفظ عام وروى عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يكون وكيلا في المواضعات دون الهبات والعتاق كذا ذكره في واقعات الناطفي

وفي ادب القاضي للخصاف ولو قال فلان وكيلي في كل شيء فهذا توكيل في الحفظ لا غير استحسانا والقياس أن لا يصير وكيلا ولو قال فلان وكيلي في كل شيء جائز أمره فهذا وكيل في الحفظ والبيع والشراء والهبة والصدقة والتقاضي لديونه وحقوقه وغير ذلك لأنه فوض التصرف إليه عاما فصار بمنزلة ما لو قال ما صنعت من شيء فهو جائز فيملك جميع أنواع التصرفات ولو طلق امرأته يجوز قال الصدر الشهيد رحمه الله تعالى به يفتى حتى يتبين خلافه

وذكر الفقيه أبو الليث في النوازل أن من قال لآخر وكلتك في جميع أموري فقال الوكيل طلقت امرأتك أو وقفت أرضك لا يجوز لأنه يراد بهذه اللفظة التصرف على سبيل المبادلة وهو اختيار الفقيه أبي الليث وما ذكرناه قبل هو اختيار الصدر الشهيد انتهى

وفي المنبع لا خلاف أن التوكيل بالخصومة في إثبات الدين والعين جائز وإنما الخلاف في أنه هل يشترط لصحته رضا الخصم قال ابو حنيفة رحمه الله تعالى لا يصح التوكيل الا برضا الخصم إلا أن يكون الموكل مريضا أو غائبا مسيرة ثلاثة أيام أو تكون المرأة الموكلة مخدرة لم تخالط الرجال بكرا كانت أو ثيبا قال فخر الاسلام البزودي المخدرة هي التي لا يراها أحد غير المحرم من الرجال أما التي جليت على المنصة فيراها الأجانب لا تكون مخدرة وقال أبو بكر الرازي يلزم التوكيل بغير رضا الخصم لأنها لو حضرت


251

لا تنطق بحقها لغلبة الحياء عليها فيلزم توكيلها وعليه الفتوى وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يصح التوكيل بغير رضا الخصم وبه قال الشافعي رحمه الله تعالى والصحيح أن الخلاف في اللزوم لا في الصحة فعنده الوكالة من غير رضا الخصم صحيحة غير لازمة حتى ترد الوكالة برد الخصم ولا يلزمه الحضور ولا الجواب بخصومة التوكيل وعندهما صحيحة لازمة ولا ترد برده ويلزمه الحضور والجواب بخصومة الوكيل وبقولهما أخذ أبو الليث وأبو القاسم الصفار وبعض المتأخرين اختار أن القاضي إذا علم من خصمه التعنت من إباء التوكيل يقبل التوكيل وإن علم من الموكل القصد إلى إضرار صاحبه بالحيل من الوكيل لا يقبل التوكيل إلا برضا صاحبه وإليه مال الامام السرخسي والأوزجندي رحمهما الله

وفي البزازي وكل أحد الخصمين من وكلاء المحكمة وكيلا فقال الآخر ليس لي مال استأجر به من وكلاء المحكمة من يقاومه وأنا عاجز عن فلا أرضى بالوكيل بل يتكلم بنفسه معي فالراي فيه إلى الحاكم وأصله أن التوكيل بلا رضا خصمه من الصحيح المقيم طالبا كان أو مطلوبا وضيعا أو شريفا إذا لم يكن الموكل حاضرا في مجلس الحكم لا يصح عند الامام رحمه الله تعالى أي لا يجبر خصمه على قبول الوكالة وعندهما والشافعي رحمهم الله تعالى يصح أن يجير على قبوله لما مر

وفي أدب القاضي لا خلاف في صحته بلا رضا خصمه لكن لا يسقط حق الخصم في مطالبته بالحضور مجلس الحكم والجواب لنفسه الا برضا الخصم أو مرض الموكل أو مخدرة وكونه محبوسا من الأعذار ويلزمه توكيله فعلى هذا لو كان الشاهد محبوسا له أن يشهد على شهادته

وقال البزازي إن كان في سجن القاضي لا يكون عذرا لأنه يخرجه حتى يشهد ثم يعيده وعلى هذا يمكن أن يقال في الدعوى أيضا كذلك بأن يجيب عن الدعوى ثم يعاد اه وفي الولوالجي رجل من الأشراف وقعت له خصومة مع رجل هو دونه فأراد أن يوكل وكيلا ولا يحضر بنفسه هذه المسألة اختلف العلماء فيها قال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى نحن نرى أن تقبل الوكالة والشريف وغير الشريف فيه سواء

وفي المنبع قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى التوكيل بالخصومة توكيل بالإقرار في مجلس الحكم حتى لو أقر على موكله في غير مجلس الحكم لا يصح إقراره وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى آخر التوكيل بالخصومة توكيل بالإقرار في مجلس الحكم وفي غير مجلس الحكم فإن الموكل أقام الوكيل مقام نفسه مطلقا فيقضي أن يملك ما كان الموكل مالكا والموكل مالك الإقرار بنفسه في مجلس القاضي وفي غير مجلس القاضي فكذا الوكيل

ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أن جواب الخصومة مختص بمجلس الحكم حتى لا يستحق على المطلوب الجواب إلا في مجلس الحكم والتوكيل بجواب الخصم يتقيد في مجلس الحكم ضرورة فصار تقدير المسألة وكلتك لتجيب خصمي في مجلس الحكم ولو قال هكذا لا يصح إقرار الوكيل عليه في غير مجلس الحكم

أقر بالدين وأنكر الوكالة فطلب زاعم الوكالة تحليفه على عدم علمه بكونه وكيلا فالإمام رحمه الله قال لا يحلفه وقال صاحباه يحلفه

وذكر في العمادي محالا على الذخيرة في فصل إثبات الوكالة أن في تحليف الوكيل للمدعي عليه اختلاف المشايخ رحمهم الله تعالى قال بعضهم هذا جواب الكل إلا أن الخصاف خص قول أبي يوسف ومحمد


252

بالذكر لأنه لم يحفظ قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا لأن قوله بخلاف قولهما وإلى هذا مال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى

ومن ادعى أنه وكيل الغائب في قبض دينه فصدقه الغريم أمر بالتسليم إليه لأنه أقر على نفسه فإن حضر الغائب وصدقه فذاك وإلا دفع الغريم الدين إليه ثانيا ورجع به على الوكيل إن كان باقيا في يده لأن غرضه من الدفع براءة ذمته منه ولم يحصل وإن ضاع من يده لم يرجع عليه لأن بتصديقه اعترف أنه محق بالقبض إلا أن يكون ضمنه عند الدفع لأن المأخوذ ثانيا مضمون عليه في زعمهما وهذه كفالة أضيفت إلى حالة القبض فتصح بمنزلة الكفالة بما ذاب لك على فلان ولو كان الغريم لم يصدقه على الوكالة ودفعه إليه على ادعائه فإن رجع صاحب المال على الغريم رجع الغريم على الوكيل وإن ضاع من يده لأنه لم يصدقه في الوكالة وإنما دفع إليه على رجاء الإجازة فإذا انقطع رجاؤه رجع عليه وكذا لو دفع إليه على تكذيبه إياه في الوكالة وهذا ظاهر في الوجوه كلها وليس له أن يسترد المدفوع حتى يحضر الغائب لأن المؤدي صار حقا للغائب

وفي فتاوى رشيد الدين رجل قال لمديونه ادفع ما لفلان عليك إلي لأقبض لعله يجيز فدفع ذكر في الزيادات ليس له أن يسترده منه لأنه تعلق به حق رب الدين لأن القابض قبض لأجله لعله يجيز وذكر في المنتقى أن له أن يسترد منه وكذلك المديون إذا دفع قدر الدين إلى رجل ليدفع إلى رب دينه ثم أراد أن يسترده سنه له ذلك

وروى ابن سماعة عن محمد أن الوكيل يقبض العين إذا صدقه صاحب اليد يجبر بالتسليم إليه كالدين

وذكر في وكالة غريب الرواية رجل في يده متاع فقال هذا لفلان وهذا وكيل بالقبض يجبر على الدفع في العين والدين عند أبي يوسف رحمه الله تعالى

وفي شرح الطحاوي ولو ادعى الوكالة بقبض الوديعة وصدقه لا يجبر على التسليم ولو كذبه أو سكت لا يجبر أيضا ولو سلم لا يتمكن من استرداده فإن حضر المالك وكذبه في الوكالة ففي وجه واحد لا يرجع المودع على الوكيل وهو ما إذا صدقه ولم يشترط عليه الضمان وفي سائر الوجوه يرجع عليه بعينه إن كان قائما وبقيمته إن كان هالكا

ومن ادعى أنه وصى فلان الميت وطلب الدين وصدقه الغريم فإنه لا يؤمر بالتسليم إليه بخلاف الوكيل فإن للقاضي ولاية نصب الوصي ولا يملك نصب الوكيل

ولو وكلت رجلا يزوجها من فلان يوم الجمعة فزوجها منه يوم الخميس لا يجوز لان التفويض تناول زمانا مخصوصا

وفي الصغرى لو قال بع عبدي اليوم أو طلق امرأتي اليوم ففعل ذلك في غد جاز ويكون وكيلا في اليوم وما بعده ولا يكون وكيلا فيما قبل ذلك

رجل وكل رجلا بقبض دين على رجل فقبضه فهو وديعة عند الوكيل إن سافر به لم يضمن وإن استودعه غيره ضمن وإن خلفه في أهله لم يضمن فإن وضعه عند امرأته أو خادمه أو بعض عياله لم يضمن والوكيل بالبيع إذا سافر بما أمر ببيعه يضمن

وفي مختلفات القاضي أبي عاصم العامري ولو وكله بقبض وديعته فقال الذي كانت في يده قد دفعتها


253

إلى الموكل أو إلى وكيله فالقول قوله وهو مصدق في براءة نفسه ولو وكله بقبض وديعة أو عارية فمات الموكل فقد خرج الوكيل من الوكالة فإن قال الوكيل قد كنت قبضتها في حياته ودفعتها إلى الموكل لم يصدق على ذلك الا ببينة

رجل وكل رجلا بقبض كل حق له على الناس وعندهم ومعهم وتحت أيديهم وبقبض ما يحدث له من المقاسمة بين شركائه وبحبس من يرى حبسه وبالتخلية عنه إذا رأى ذلك وكتب له بذلك كتابا وكتب له في آخره أنه يخاصم ويخاصم ثم إن قوما يدعون قبل الموكل مالا والموكل غائب فأقر الوكيل عنه عند القاضي أنه وكيله وأنكر المال فأحضر الخصوم شهودهم على الموكل لا يكون لهم أن يحبسوا الوكيل لأن الحبس جزاء الظلم ولم يظهر إذ ليس في هذه الشهادة أمر بأداء المال ولا ضمان الوكيل عن موكله فإذا لم يجب على الوكيل أداء المال من مال الموكل بأمر الموكل ولا بالضمان عن موكله لا يكون الوكيل ظالما بامتناعه عن أداء المال فلا يحبس فهذه المسألة تدل على أن المأمور بقضاء الدين من مال الآمر يجبر على قضاء الدين

إذا شهدوا على وكالة رجل في شيء والوكيل يجحد الوكالة فإن كان الوكيل الطالب والمطلوب يدعي الوكالة والوكيل يجحد تقبل هذه الشهادة وهل يجبر على الخصومة مع الطالب إن شهد الشهود أن المطلوب وكله بالخصومة مع الطالب وقبل الوكالة وإن لم يشهدوا على القبول لا يجبر

وكله بطلب كل حق له وبالخصومة والقبض ليس له أن يطلب شفعة لأن الشفعة شراء والوكيل بالخصومة لا يملك الشراء وله أن يقبض شفعة قضى لموكله بها

وفي البزازي رجل قال لآخر وكلتك بطلب كل حق لي قبل فلان يقيد بما عليه يوم التوكيل ولا يدخل الحادث بعد التوكيل وفي التوكيل بطلب كل حق له على الناس أو بكل حق له بخوارزم يدخل القائم لا الحادث وذكر شيخ الإسلام أنه إذا وكله بقبض كل حق له على فلان يدخل القائم والحادث فيتأمل عند الفتوى

وفي المنتقى وكله بقبض كل دين له يدخل الحادث أيضا

وعن محمد رحمه الله تعالى وكله بطلب كل عقار له بخوارزم فقدم الذي في يده العقار بخوارزم إلى بخارى له ذلك

وفي الدين إذا وكله بطلب كل دين له على من بخوارزم فقدم خوارزمي إلى بخارى وادعاه لا يصح ولو قال في كل دين لي في بخارى فقدم المستقرض منه في خوارزم إلى بخارى تصح دعواه

وكله بطلب كل حق له وبالخصومة والقبض فغصب منه انسان شيئا بعد الوكالة له طلبه

وعن الامام رحمه الله تعالى لو قال لآخر أنت وكيلي في قبض مالي على الناس لا يقع على الحادث ولو وكله بكل حق له وبالخصومة في كل حق له ولم يعين المخاصم به والمخاصم فيه جاز اه

إذا وقعت المنازعة بين الوكيل بالاستقراض وبين موكله فالقول قول الموكل لأن الوكيل يريد أن يغرمه ما قبضه من القرض وليس للوكيل بالخصومة أن يهب ولا يصالح لأنهما ليسا من الخصومة في شيء فلم يدخلا تحت التوكيل

وفي الولوالجي ولو أن رجلا قال لرجل أقرضت فلانا ألف درهم وقد وكلتك بقبضها منه وقبضت وقال المستقرض قد دفعتها إلى الوكيل وأنكر الوكيل فالقول قول الموكل وعن أبي يوسف القول قول


254

الوكيل لأنه أقر أنه أمين والقول قول الأمين ولا يستحلف الوكيل نائبه بالله ما يعلم أن رب الدين قد استوفى الدين لأن النيابة لا تجري في الأيمان بخلاف الوارث حيث يحلف على العلم لأن الحق يثبت للوارث فكان الحلف بطريق الاصالة دون النيابة

وفي المنبع الوكيل بالبيع مطلقا يملك البيع بما قل من الأثمان أو كثر عند ابي حنيفة رحمه الله تعالى وهذا إذا لم يكن الثمن مسمى أما إذا كان الثمن مسمى بأن قال بع هذا العبد بألف فباعه بألف إلا درهما لا يجوز وقالا لا يجوز أن يبيعه إلا بنقصان يتغابن الناس في مثله وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ويملك البيع بالعروض أيضا كما يملك البيع بالأثمان كالدراهم والدنانير وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا لا يملك إلا البيع بالأثمان

الوكيل بإيجار الأرض وكيل بإيجارها بأي عرض كان سواء آجرها بكيلي أو وزني بعينه أو بغير عينه أو بالعرض قليلا كان أو كثيرا عملا بإطلاق الوكالة عنده كالوكيل بالبيع وعندهما لا يجوز إلا بالدراهم أو بالدنانير أو ببعض ما يخرج من الأرض يعني به المزارعة حملا للإطلاق على المتعارف وعندهما تجوز المزارعة وعنده لا تجوز لأنها فاسدة

الوكيل بالبيع المطلق يملك البيع بالنسيئة عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى

وفي البزازي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أن الوكيل إنما يملك البيع بالنسيئة إذا كانت الوكالة للتجارة أما إذا كانت للحاجة كالمرأة تعطي غزلها للبيع لم يملك نسيئة وبه يفتى وللوكيل بالبيع أن يبيع بالنسيئة ويأخذ رهنا وكفيلا أما الإقالة والحط والإبراء والتجوز بدون حقه يجوز عندهما ويضمن خلافا لأبي يوسف رحمه الله تعالى والوكيل بالشراء لا يملك الإقالة بخلاف الوكيل بالبيع والسلم فإذا باع ثم أقال لزم الثمن وكذا الأخ والوصي والمتولي كالأب

وفي التتمة والحقائق ثم على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى يجوز البيع بالنسيئة طالت المدة أو قصرت وعند صاحبيه لا يجوز إلا بأجل متعارف في تلك السلعة ولو وكله بالبيع نسيئة فباعه بالنقد جاز

إذا قال الموكل بع هذا العبد في السوق فباعه في داره لم ينفذ البيع عند زفر لأنه مخالف وعند الأئمة الثلاثة ينفذ لأن هذا التقييد غير مقيد فيلغو فبقي الأمر بمطلق البيع وقد وجد فينفذ

نوع في العزل الموكل إذا عزل وكيله وهو حاضر انعزل وكذا لو كان غائبا فكتب إليه كتاب العزل فبلغه الكتاب وعلم ما فيه انعزل حتى لو عزله الموكل ولم يعلم الوكيل بعزله فهو على وكالته وتصرفه جائز في جميع الأحكام حتى يبلغه العزل

الوكيل لو عزل نفيه بدون علم الموكل لا يصح خلافا للشافعي رحمه الله تعالى وفي الذخيرة وتبطل الوكالة بموت الموكل وجنونه مطبقا وارتداده ولحاقه بدار الحرب

وقد اختلف أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى في حد الجنون المطبق فقال أبو يوسف حده شهر لأنه يسقط به الصوم وعنه أكثر من يوم وليلة لأنه يسقط به الصلوات الخمس وعند محمد حده حول كامل وهو الصحيح لأن استمراره حولا مع اختلاف فصوله آية استحكامه لأنه يسقط به جميع العبادات كالصلاة والصوم والزكاة أما ما دون الحول فلا يمنع وجوب الزكاة فلا يكون في معنى الموت


255

ولو وكله بقبض الدين ثم إن رب الدين وهبه من الغريم والوكيل لم يعلم بذلك فقبضه منه وهلك في يده فلا ضمان عليه وللدافع أن يأخذ به الموكل

ولو مات العبد المأمور ببيعه أو الموكل ولم يعلم به الوكيل فباع وقبض الثمن وهلك في يده ضمن ولم يرجع به على الآمر ولا في تركته إن كان هو الميت قال صاحب الفصول والفرق في الايضاح فلينظر ثمة

وفي الولوالجي تعليق الوكالة بالشرط يجوز فإنه نص في الزيادات في باب الخلع امرأة قالت لزوجها إذا جاء غد فطلقني بألف درهم جاز ولو نهت الزوج عن ذلك قبل مجيء الغد جاز نهيها حتى لو طلق الزوج بعد ذلك وقع بغير جعل لأنه عمل بنهيها في إبطاله ولاية إلزام المال عليها لا في الحجر عن الطلاق فدل أنه صح تعليق التوكيل بالشرط انتهى

نوع في الكفالة الكفالة في الشريعة ضم الذمة في المطالبة دون اليدين وقيل ضم الذمة إلى الذمة في الدين فيصير الدين الواحد في حكم دينين أو تصير الذمتان في حكم ذمة واحدة لأن الكفيل مطالب كالأصيل والمطالبة بإيفاء الدين بلا دين محال لأن المطالبة فرع الدين فلا يتصور الفرع بدون الاصل فلزم من توجه المطالبة إلى الكفيل ثبوت الدين في ذمته فلزم تعدد الدين ضرورة ولهذا لو وهب الدين من الكفيل صح ولهذا يرجع الكفيل على الأصيل فلو لم يكن الدين ثابتا على ذمة الكفيل لما صح هبته لأن هبة الدين من غير من عليه الدين لا تصح ولا تصح الكفالة إلا ممن يملك التبرع لأن الكفالة عقد تبرع فتصح ممن يملك التبرع ولا تصح ممن لا يملكه فلا تنعقد كفالة المجنون والصبي ولا تجوز كفالة المكاتب عن الأجنبي لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم على لسان صاحب الشرع الشريف صلوات الله تعالى وسلامه عليه وسواء أذن له المولى أو لم يأذن لأن إذن المولى لم يصح في حقه وصح في حق القن حتى يطالب به بعد العتق ولو كفل المكاتب أو المأذون عن المولى جاز لأنهما يملكان التبرع عليه كذا في المنبع

وفي الولوالجي رجل قال لآخر أنا ضامن بمعرفة فلان فليس هذا بكفالة وروى عن أبي يوسف رحمه الله تعالى في غير رواية الأصل أنه قال هذا على معاملة الناس ولو قال الكفيل قد ضمنت به أو قال هو علي أو الي فقد لزمته الكفالة لأن هذه الألفاظ عبارة عن الكفالة ولو قال كتبتها لك عندي أو قال أثبتها لك عندى فهذا ليس بضمان بخلاف ما إذا قال كتبها لك على أو أثبتها لك على لأن كلمة عندى لاتنبىء عن الالتزام بخلاف كلمة علي تذكر للالتزام

وفي المنهاج للعقيلي وتجوز الكفالة بأن يقول أنا كفيل بما لك عليه أو ضامن أو زعيم أو قبيل أو مالك عليه فهو علي أو عندي أو قبلي فهذا كله ضمان صحيح

ويجوز تعليق الكفالة بشرط بأن يقول ما بايعت فلانا فعلي أو ما يذوب لك على فلان فهو علي انتهى ولو قال أنا به زعيم أو قبيل أو ضمين لزمته الكفالة لما قلنا لأن الزعيم والكفيل سواء قال عليه الصلاة والسلام الزعيم غارم وكذا القبيل والضمين ولو قال أنا ضامن لك حتى أدلك لا يكون كفيلا كما لو قال أنا ضامن بمعرفته

قيل مكتوب على باب بلد الروم الكفالة أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها غرامة ومن لم يصدق فليجرب ليعرف البلاء من السلامة


256

ثم هي تصح في الأعيان المضمونة وبالنفس عندنا فإن كفل بنفسه إلى شهر ثم دفع إليه قبل شهر برىء وفي شرح الشافي يجب تسليمه بعد الشهر كما لو باع بثمن مؤجل

كفل ثلاثة أيام لا يبرأ بمضيها والثلاثة لتأخير المطالبة قال أبو جعفر وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى كفل إلى عشرة أيام فهو عليه أبدا حتى يبرأ وقال محمد رحمه الله تعالى كفل بنفسه إلى شهر على أنه بريء إذا مضى الشهر فهو لا يضمن شيئا قال الفقيه أبو الليث الفتوى على أنه لا يصير كفيلا وفي الواقعات الفتوى على أنه يصير كفيلا

وإذا مات الكفيل بالدين المؤجل حل الدين في ماله ثم لوارثه الرجوع على الأصيل إلى أجله وكذلك لو مات الأصيل إلى أجله وكذلك لو مات الأصيل والكفيل حتى يحل الدين في تركة الأصيل ويكون على الكفيل إلى أجله وإن مات رب الدين بقي الدين عليهما إلى أجله

رجل كفل بنفس رجل وهو محبوس فلم يقدر أن يأتى به الكفيل لا يطالب الكفيل به لأنه كفل مالا يقدر على تسليمه فلا يصح ولو كفله وهو مطلق ثم حبس الكفيل يطالب الكفيل به حتى يأتي به لأنه حال ما كفل به كان قادرا على إتيانه ولو كفل بنفس أو مال والطالب غائب لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى إلا أن المريض إذا قال لوارثه اضمن عني دين فلان وهو غائب فإنه يجوز وقال أبو يوسف رحمه الله يجوز ذلك كله لأن الكفالة تصرف على نفسه خاصة فيتم به كالإبراء

رجل كفل عن رجل على أنه إن لم يسلمه إليه يوم كذا فالمال عليه صح هذا الشرط فإن توارى المكفول له يرفع الكفيل الأمر إلى القاضي لينصب وكيلا عن الطالب ويسلمه إليه فيبرأ وكذلك فيمن باع شيئا على أن المشتري بالخيار فتوارى البائع فإن المشتري يرفع الأمر إلى الحاكم فينصب عنه وكيلا فيسلمه إليه قال الفقيه أبو الليث هذا القول بخلاف قول اصحابنا في الروايات الظاهرة إنما هو في بعض الروايات عن أبي يوسف رحمه الله ولو فعل القاضي هكذا إذا علم أن الخصم متعنت بذلك فهو حسن

ولو كفل رجل بنفس رجل لرجل على أنه إن لم يواف به إلى كذا ولم يواف به فعليه المال الذي له عليه جاز ولو قال إن لم أوفك به غدا فعلى ألف درهم ولم يقل التي لك عليه والطالب يدعي ألف درهم وقال الكفيل ليس للطالب عليه الف درهم ولهم كان إقرار مني بألف درهم معلقا بالشرط ولم يكن كفالة بالمال وقال الطالب لي عليه ألف درهم وهو الآن علق الكفالة بذلك المال لعدم الموافاة لزمه المال في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى لا يلزمه شيء

وإن ادعى رجل على رجل مالا فقال له المطلوب إن لم آتك غدا فهو علي لم يلزمه ذلك وإن لم يأته لأن تعليق الإقرار بالشرط باطل ولو قال ذلك كفيله لزم الكفيل ما ثبت عليه ببينة أو إقرار منه لأن هذا تعليق الكفالة بالشرط وتعليق الكفالة بشرط عدم الموافاة إذا اتحد الطالب والمطلوب جائز ولو قال إن لم أوافك غدا فما تدعي به عليه فهو علي لم يلزم المطلوب إلا ببينة أو إقرار المطلوب لأن إقرار الكفيل في حق المطلوب ليس بحجة ويلزم الكفيل ما ادعى عليه إن لم يأت به لأن الكفيل لما علق الكفالة الثابتة بعدم الموافاة كان هذا إقرارا منه وليس للكفيل أن يطالب المديون قبل الأداء وإن كانت الكفالة بالأمر ومع ذلك لو أداه الكفيل له أن يسترد ما لم يؤده المكفول عنه إلى الدائن ولو وهب رب الدين لأحدهما فهذا وأداء المال سواء وكذا لو مات الطالب فورثه أحدهما


257

إبراء الاصيل يبرئ الكفيل لا عكسه لو أخر عن الأصيل فهو تأخير عن الكفيل لا عكسه وإن أبرأ الأصيل ورد الإبراء صح رده في حق نفسه ويطالب به وهل يصح في حق الكفيل اختلفوا فيه كذا في البزازي

وفي الولوالجي صح الرد من الأصيل في حق نفسه وفي حق الكفيل جميعا حتى تعود الكفالة انتهى

والكفالة إلى الحصاد جائزة ويتناول أول الحصاد ولو قال إلى أن تمطر السماء أو تهب الريح لا يجوز

كفل عن انسان بمال عليه إلى سنة يجب على الكفيل مؤجلا وإن كان على الأصيل حالا وإن مات الكفيل يؤخذ من تركته حالا ولا يرجع ورثة الكفيل على المكفول عنه قبل الوقت الذي وقته

وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى فيمن قال أنا كفلت به على أني متى طولبت به أو كلما طولبت به فلي أجل شهر صحت الكفالة وله أجل شهر من وقت المطالبة الأولى فإذا تم الشهر من المطالبة لزم التسليم ولا يكون للمطالبة الثانية تأجيل

رجل قال لغريمه إذا جاء غد فأنت بريء من هذا المال لا يبرأ وإن كان أصل المال عليه من كفالة يبرأ وكذا إذا قال إن قدم فلان فأنت بريء منها وكذا لو شرط الكفالة على هذا فهو جائز

رجل له على آخر ألف درهم بها كفيل عنه فصالح الكفيل الطالب على مائة على أنه يبرا الأصيل من الألف والكفالة بأمره رجع الكفيل على الأصيل بالمائة لا بالألف ولو صالح على مائة على أن يهب الكفيل الباقي رجع بالألف

الطالب إذا أبرا الكفيل فالكفيل لا يرجع على الأصيل

وذكر في العمادي من له دين على آخر وبه كفيل فاشترى الطالب من الغريم عقارا بيعا جائزا وتقاصا الثمن أو وقعت المقاصة باعتبار المجانسة هل يبرأ الكفيل أجاب صاحب الهداية أنه يبرأ قيل له ولو تفاسخا قال لا تعود الكفالة

وفي الولوالجي رجل كفل بنفس رجل ولم يقدر على تسليمه فقال له الطالب ادفع الي مالي المكفول عنه حتى تبرأ من الكفالة فإن أراد أن يؤديه على وجه يكون له حق الرجوع على المطلوب فالحيلة في ذلك أن يدفع الدين إلى الطالب ويهب الطالب ماله على المطلوب إليه ويوكله بقبضه فيكون له حق المطالبة فإذا قبضه يكون له حق الرجوع لأنه لو دفع المال إليه بغير هذه الحيلة يكون متطوعا ولو أدى بشرط أن لا يرجع عليه لا يجوز

وفي البزازي رجلان في سفينة معهما متاع وثقلت السفينة فقال أحدهما لصاحبه ألق متاعك على أن يكون متاعي بيني وبينك أنصافا قال محمد رحمه الله تعالى هذا فاسد وضمن لمالك المتاع نصف قيمة متاعه

رجل قضى دين غيره بغير أمره جاز فلو انتقض بوجه من الوجوه يعود إلى ملك قاضي الدين لأنه متطوع ولو قضى بأمره يعود إلى ملك من عليه الدين وعليه للقاضي مثلها

وفي القنية رجل طلب دينه من المديون فأعطاه مقدارا معينا من الحنطة ولم يبعها منه ولم يقل إنها من جهة الدين فهو بيع بالذي يراه إن كانت قيمتها أقل من الدين فإن كان السعر بينهما معلوما يكون بيعا بقدر قيمته من الدين وإلا فلا بيع بينهما اه


258

كفالة المريض تصح من الثلث ولا تجوز بما لا يمكن استيفاؤه نحو الحدود والقصاص إذا كفل عن المشتري بالثمن جاز وإن كفل بالمبيع عن البائع لا يصح

وذكر في شرح أدب القضاء للحسام الشهيدي وإن ادعى الطالب على المطلوب حدا في قذف أو دما فيه قصاص أو جراحة فيها قصاص فقال لي بينة حاضرة وطلب كفيلا من المطلوب فإنه يجبر المطلوب على إعطاء الكفيل ثلاثة أيام حتى يحضر شهودهة عند أبي يوسف وهو قول محمد وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يجبر لكن إن أعطى كفيلا جاز وأجمعوا أن في الحدود الخالصة لله تعالى كحد الزنا وشرب الخمر والسكر من النبيذ إذا قدمه إلى القاضي فقال الذي قدمه لي بينة حاضرة وطلب منه كفيلا لا يجبر على إعطاء الكفيل وإن ادعى سرقة لا يجبر على إعطاء الكفيل في حق القطع لأنه خالص حق الله تعالى لكن يجبر على إعطاء الكفيل ثلاثة أيام بالمال المسروق إذا ادعى المسروق منه قبله المال الذي سرقه

وكل شيء يجب فيه التعزير الحر يقذف العبد أو مثل الحر يشتم الحر شتيمة يجب فيها التعزير فيقول الطالب لي بينة حاضرة فخذ لي منه كفيلا فإنه يجبر على إعطاء الكفيل ثلاثة ايام لأن التعزير حق العبد يسقط بعفوه ويستحلف فيه أنه يثبت بشهادة النساء مع الرجال فيجبر المطلوب على إعطاء الكفيل فيه كالاموال

الكفالة بالعهدة باطلة وبالخلاص أيضا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا تصح بالخلاص وبالدرك تجوز بالاتفاق

رجل قال لمن يلازم غريمه خله فأنا أوافيك إذا بدا لك لم يكن كفيلا بالنفس ولو قال خله على أن أوافيك ففي القياس كذلك وفي الاستحسان يكون كفيلا بالنفس

وعن محمد رحمه الله تعالى قال للطالب ضمنت لك ما على فلان إنما أقبضه منه وأدفعه اليك ليس هذا بكفالة ومعناه أن يتقاضاه له ويدفعه إليه إذا قبضه منه على هذا معاني كلام الناس

إن لم يواف به غدا فعليه ما عليه فمات المكفول عنه لزمه المال لمضي الغد وإن مات الكفيل قبل الأجل إن سلمه ورثته قبل الأجل أو المكفول سلم نفسه عن جهة الكفيل قبل مضي الأجل بريء وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى إنما يصح تسليمه عن الكفيل إذا كانت الكفالة بأمر المكفول له وإلا فلا

كفل بنفسه على أنه متى طالبه سلمه إليه فإن لم يسلمه فعليه ما عليه ومات المطلوب وطالبه بالتسليم وعجز لا يلزمه المال لأن المطالبة بالتسليم بعد الموت لا تصح فإذا لم تصح المطالبة لم يتحقق العجز الموجب للزوم المال فلا يجب إليه أشير في البزازي

كفل بنفسه على أن المكفول عنه إذا غاب فالمال عليه فغاب المكفول عنه ثم رجع وسلمه إلى الدائن لا يبرأ لأن المال بحلول المشروط لزم فلا يبرأ إلا بالأداء أو الإبراء وكذا إذا قال الكفيل إذا غاب عنك ولم أوافك به فأنا ضامن المال الذي عليه أما إذا قال إن غاب فلم أوافك به فأنا ضامن بما عليه فإن هذا على أن يوافي به بعد الغيبة

وعن محمد رحمه الله تعالى قال إن لم يدفع لك مديونك مالك أو لم تقبضه فهو علي ثم إن الطالب تقاضى المطلوب فقال المديون لا أدفعه أولا أقضيه وجب على الكفيل الساعة


259

وعنه أيضا إن لم يعطك المديون دينك فأنا ضامن إنما يتحقق الشرط إذا تقاضاه ولم يعطه وكذا إذا مات المطلوب بلا أداء

وفي الفتاوي إن تقاضيت ولم يعطك فأنا ضامن ومات قبل أن يتقاضاه ويعطيه بطل الضمان ولو قال بعد التقاضي أنا أعطيك فإن أعطاه مكانه أو ذهب به إلى السوق أو منزله وأعطاه جاز فإن طال ذلك ولم يعطه من يومه لزم الكفيل

أقر بموجب بالكفالة بالنفس أو ثبت بالبينة عند الحاكم قال الخصاف لا يحبسه فيهما أول مرة وفي ظاهر الرواية كذلك في الإقرار أما في البينة يحبسه ولو كان أول مرة

غاب المكفول إن علم مكانه أو له خرجة مفهومة في كل حين إلى مكان أمهل الحاكم الكفيل إلى أن يذهب إليه ويأتي به إذا أراد الكفيل الذهاب وإن أبى حبسه حتى يجيء به وإن لم يعلم مكانه واتفقا عليه لا يحبسه ويجعل ذلك كموته

وفي الخزانة يجبره الحاكم على تسليم المكفول به إلى الطالب ويعطى الكفيل ولا يجبره على عطاء الكفيل فإن قال لا علم لي بمكان المكفول به إن صدقه المكفول له سقطت المطالبة ولا يحبس حتى يظهر عجزه ولا يحلفه

كفل على أنه بالخيار إلى عشرة ايام أو أكثر صح ذكره البزازي

وفي القنية الكفيل بأمر الأصيل أدى المال إلى الدائن بعد ما أدى الأصيل ولم يعلم به لا يرجع على الأصيل

إذا غاب المكفول عنه فللدائن أن يلازم الكفيل حتى يحضره والحيلة في في دفعه أن يدعي الكفيل عليه ان خصمك غاب غيبة لا يدري مكانه فبين لي موضعه فإن اقام بينة على ذلك تندفع عنه الخصومة

وفي المنبع لو قال أنا ضامن لك على أن أدلك عليه أو أوقفك عليه لا يكون ذلك كفالة وفي المنتفى يكون كفيلا وعلى هذا معاملة الناس

وفيه أيضا إذا مات الرجل وعليه ديون ولم يترك شيئا فتكفل عنه رجل للغرماء لم تصح الكفالة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وسواء كان ذلك الرجل الذي تكفل للغرماء ابنه أو أجنبيا لم تصح عنده وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تصح ويلزمه جميع ما تكفل به وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى ولو تبرع به إنسان يصح بالإجماع وكذلك لو كان به كفيل يبقى كذلك بالإجماع اه

نوع في التسليم سلمه إلى الطالب بريء قبل الطالب أولا كمن وضع الدين بين يديه يبرأ قبل أولا

شرط الموافاة في المسجد فوفاه في السوق أو في مجلس الحكم فدفعه في السوق يبرأ عند الأئمة الثلاثة أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله أجمعين

قال السرخسي كان هذا في ذلك الزمان أما في زماننا لو شرط المجلس وسلم في السوق لا يبرأ لغلبة الفساد إذ لا يعان على الإحضار إلى باب الحاكم وإليه ذهب الامام زفر رحمه الله وعليه الفتوى

وفي التجريد شرط تسليمه في مجلس الحكم إن سلمه في المصر في مكان يقدر على المحاكمة به بريء


260

وإن كان في برية لا يبرأ وإن شرط أن يسلمه في مصر كذا فسلمه في مصر آخر بريء عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعند محمد رحمه الله تعالى لا يبرأ ولو سلمه في السواد أو في موضع لا قاضي فيه ثمة لا يبرأ في قولهم

شرط تسليمه عند الأمير مسلمه عند القاضي أو عزل ذلك الأمير فسلمه عند أمير قام مكانه جاز ولو سلمه إليه رسول الكفيل أو وكيله أو الكفيل نفسه عن كفالة المطلوب جاز

ضمن نفس رجل وحبس في السجن فسلم لا يبرا ولو ضمن وهو محبوس فسلمه فيه يبرأ ولو أطلق ثم حبس ثانيا فدفعه إليه فيه إن كان الحبس الثاني من أمور التجارة ونحوها صح الدفع وإن كان من أمور السلطان ونحوها لا

حبس الطالب المطلوب ثم طالب الكفيل به فدفعه وهو في حبسه قال محمد رحمه الله تعالى يبرأ ولو قال المطلوب دفعت اليك نفسي عن كفالة فلان وهو في حبسه جاز وبرىء

الكفالة بالنفس تورث بأن مات المكفول عنه نفسه ولم يقل عن كفالة فلان لا يبرأة الكفيل

وعن محمد رحمه الله تعالى حبس المكفول بالنفس بدين عليه ثم إن الطالب خاصم الكفيل في طلبه فأخرجه القاضي لأجله من الحبس فقال الكفيل دفعته إليه لكفالتي ورسول القاضي معه وهو ممتنع عنه برسول القاضي لا يبرأ ولو قال قدام القاضي وهو يخاصم دفعته اليك يبرأ ولو كان المطلوب محبوسا عند غير القاضي الذي تخاصما عنده يجبر الكفيل على تخليصه وإحضاره الجملة من البزازي

نوع في بيان أحكام الحوالة صحة الحوالة تعتمد على قبول المحتال له والمحتال عليه ولا تصح الحوالة في غيبة المحتال له في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى كما في الكفالة إلا أن يقبل رجل الحوالة عن الغائب ولا يشترط حضرة المحتال عليه لصحة الحوالة حتى لو أحاله على رجل غائب ثم علم الغائب بها فقبل صحت الحوالة وكذا لا يشترط حضرة المحيل حتى لو قال رجل لصاحب الدين لك على فلان ألف درهم فاحتل بها على فرضى الطالب بذلك وأجاز صحت الحوالة وليس له الرجوع بعد ذلك ولو قال رجل للمديون إن لفلان ابن فلان عليك ألف درهم فأحل بها علي فقال المديون أحلت ثم بلغ الطالب فأجاز لا يجوز في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى

واختلف المشايخ في أن الحوالة نقل الدين من ذمة إلى ذمة أو نقل المطالبة فعند البعض نقل الدين وعند البعض نقل المطالبة والاختلاف بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى فعند أبي يوسف رحمه الله تعالى نقل الدين وعند محمد رحمه الله تعالى نقل المطالبة وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا أبرأ المحتال له المحيل عن دين الحوالة فعند أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يصح لأنه انتقل الدين عنه إلى المحتال عليه وعند محمد رحمه الله تعالى يصح

وفي التجريد إذا أحاله وقبل الحوالة برىء المحيل عند الأئمة الثلاثة وكل دين جازت الكفالة به فالحوالة به جائزة كذا في الخلاصة

قال الطالب مات المحتال عليه بلا تركة وقال المحيل مات عن تركة فالقول للطالب مع حلفه

المحيل والمحتال يملكان النقض وبالنقض يبرأ المحتال عليه

قال المحيل مات المحتال عليه بعد أداء الدين اليك فقال المحتال لا بل قيله وتوى حقي فلي الرجوع به عليك فالقول للمحتال لتمسكه بالأصل ولو قضى المحتال عليه المحال له المال بأمر المحيل رجع على المحيل فإن قال


261

المحيل كان لي عليك لم يصدق ولم يكن قبول الحوالة إقرارا منه بشيء لأن الأداء حصل بأمره وذا مثبت حق الرجوع فلو بطل إنما يبطل بكون الدين عليه و والحوالة قد تكون على غير المديون كما تكون على المديون فلا يبطل حق الرجوع بالشك فلو قال المحيل للمحتال كنت وكيلي في قبض الدين من المحتال عليه وقال المحتال أحلتني عليه بدين لي عليك فالقول قول المحيل مع يمينه إلا أن يقول المحيل اضمن هذا المال عني انتهى كذا في الولوالجي

وفي شرح الوقاية وتكره السفتجة وهي أن يدفع إلى تاجر مالا بطريق الإقراض ليدفعه إلى صديق له في بلد آخر لسقوط خطر الطريق

وإنما سمي الإقراض المذكور بهذا الاسم تشبيها له بوضع الدراهم في السفاتج في الأشياء المجوفة كما تجعل العصا مجوفة ويخبأ فيها المال وإنما شبه به لأن كلا منهما احتال لسقوط خطر الطريق أو لأن أصلها أن الانسان إذا أراد السفر وله نقد واراد إرساله إلى صديقه فوضعه في سفتجة ثم مع ذلك خاف خطر الطريق فأقرض ما في السفتجة إنسانا آخر فأطلق السفتجة على إقراض ما في السفتجة ثم شاع في الإقراض لسقوط خطر الطريق انتهى كلام صدر الشريعة

وفي المنبع ويكره قرض يستفاد به من أمن الطريق صورته رجل دفع إلى تاجر عشرة دراهم قرضا ليدفعه إلى صديقه ليستفيد به سقوط خطر الطريق وهو معنى قوله وتكره السفاتج وهي جمع سفتجة بضم السين وفتح التاء وإنما يكره ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم كل قرض جر نفعا فهو ربا وإنما قال ويكره قرض الخ لأنه إنما دفعه على سبيل القرض إليه فجر نفعا وهو أمن الطريق فإنه حرام والله أعلم

الفصل الخامس في الصلح

الصلح على ثلاثة أضرب صلح مع إقرار وصلح مع إنكار وصلح مع سكوت وهو أن يقر المدعي عليه ولا ينكر بل يسكت

ووجه الانحصار أن المدعي عليه عند دعوى إما المدعي أن يجيب لدعواه أو لا يجيب فإن أجاب فلا يخلو إما أن يكون الجواب بالإقرار أو بالإنكار فهو الضرب الأول والثاني فإن لم يجب أصلا فهو السكوت وكل ذلك جائز عندنا

وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز الصلح مع الإنكار والسكوت

وصلح الفضولي جائز بأن يقول الفضولي أقر المدعي عليه سرا عندي بأنك على حق في دعواك فصالحني على كذا وضمنه صح

وطريق الضمان أن يقول الفضولي صالح من دعواك على كذا على أني ضامن أو على مالي أو صالحني من دعواك على فلان على كذا وأضاف العقد إلى نفسه أو ماله صح وطولب الفضولي بالبدل ثم يرجع على المصالح عليه إن كان الصلح بأمره كذا ذكره في البزازي

وفي الولوالجي ولا يجوز صلح الدين بالدين إلا أن يكون من جنسه وهو أن يكون عليه عشرة دراهم


262

إلى شهر فصالحه على خمسة إلى شهرين فيجوز أما الأول فلأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الكالئ بالكاليء وأما الثاني فلأن ذلك ليس بصلح لأن المصالح عليه عين حقه الذي كان قبل الصلح لكنه تبرع بشيئين بحط البعض وبالزيادة في الأجل ولو صالح من دينه على عبد يجوز ولم يبعه مرابحة لأن مبنى الصلح على التجوز بدون الحق فصار بالصلح كأنه أبرأه عن بعض الدين واشترى العبد بالباقي

ولو كان له على رجل ألف درهم فصالحه منها على خمسمائة درهم جاز وإن فارقه قبل أن يعطيه إياه لأن هذا الصلح إبراء عن النصف لأن الصلح إبراء وطلب لإيفاء النصف لأن الصلح يجوز بدون الحق والتجوز بدون الحق إبراء للبعض واستيفاء للبعض وذلك جائز ولو صالحه من دينه على بعضه عاجلا أو آجلا كان جائزا لأنه تبرع باسقاط البعض واسقاط المطالبة عما بقى في يده ولو صالحه بجنس آخر لا يجوز لأنه مصارفة الدراهم بالدنانير آجلا فلا يجوز

رجل له على رجل ألف درهم دينا فأنكر المطلوب ذلك فصالحه الطالب على مائة درهم فقال له صالحتك على مائة درهم من الألف التي عليك وابرأتك عن البقية أو لم يقل فذلك جائز ويبرأ المطلوب في الظاهر ولا يبرأ فيما بينه وبين الله تعالى لأنه مضطر في هذا الصلح معنى والرضا شرط جواز الصلح

وفي القنية ادعى عليه مالا فأنكره وحلف ثم ادعاه المدعى عند قاض آخر فأنكره فصولح يصح وفي الأسرار أنه لا يصح وكذا في نكت الشيرازي وقيل يصح وروى محمد رحمه الله تعالى عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يصح

قال ورأيت بخط علاء الأئمة الحمامي ادعى على آخر حق التعزير أو حد القذف وأنكر الآخر وتوجهت عليه اليمين فافتدى يمينه بمال قال الحلواني فيه اختلاف المشايخ قيل يحل أخذ ذلك وقيل لا يحل ولو ادعى حق الشرب والمسألة بحالها فالأصح أنه يجوز أخذ المال ويجوز الافتداء

رجل له على آخر ألف درهم إلى سنة فصالحه على أن يعطي بها كفيلا ويؤرخها إلى سنة أخرى يجوز وكذا لو كان بها كفيل فأعطاه كفيلا آخر وابرأ الكفيل الأول واخرها سنة يجوز ولو صالحه على أن يعجل له نصف المال على أن يؤخر عنه ما بقى إلى سنة أخرى مثل حلوله ثم استحق لم يرجع عليه حتى يحل الأجل وكذا لو وجدها زيوفا أو ستوقة وإن صالحه على عبد فوجد فيه عيبا فرده إن عاد إليه بالفسخ يعود الأجل وإن عاد بالإقالة فالمال حال وكذا لو كان بالمال كفيل أو رهن في يد المرتهن فالرهن والكفيل على حاله ولو جعل دينه حالا فهو حال وليس بصلح لأن الأجل حق المطلوب وقد ابطله وكذا لو قال أبطلت الأجل أو تركته أو جعلته حالا أما لو قال برأت من الأجل بالضم لم يبطل أما إذا قال أبرأتك أو برأت بالفتح بطل الأجل ولو قال لا حاجة لي في الأجل لا يبطل الأجل

وفي الخلاصة رجل ادعى على آخر ألف درهم فأنكر ثم صالحه على أن يبيعه بها عبدا جاز وهذا إقرار منه بالدين بخلاف قوله صالحتك على هذا العبد فإنه لا يكون إقرارا منه بالدين

وفي الأصل إذا كان لرجل على آخر ألف درهم فقال له أبراتك عن خمسمائة أو حططت عنك خمسمائة على أن تعطيني الباقي ولم يوقت وقتا فأعطاه الباقي في هذا اليوم أو لم يعطه بريء منه عن خمسمائة

وفي الجامع الصغير جعل المسألة على ثلاثة أوجه إن قال أد الي غدا خمسمائة على أنك بريء من الباقي أو على أنك إن لم تعطني خمسمائة فالألف عليك على حالها فالأمر كما قال ولو قال أد الي خمسمائة غدا على


263

أنك بريء من الفضل فإن أعطاه بريء مطلقا وإن لم يعطه فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لا يبرأ وعند ابي يوسف رحمه الله تعالى يبرأ ولو قال أبرأتك عن خمسمائة على أن تعطيني غدا خمسمائة حصل الابراء مطلقا أداه الخمسمائة غدا أو لم يؤد ولو قال إن أديت الي خمسمائة فأنت بريء أو متى أديت الي أو إن أديت أو إذا أديت لا يبرأ لأن تعليق البراءة بالشرط باطل

صولح من دعوى الدين على دراهم وافتراقا قبل قبض بدل الصلح يجوز لأنه إن كان عن إقرار فافترقا عن يمين بدين بزعمهما وإن كان عن إنكار ففي زعم المدعي كذلك وفي زعم المدعي عليه بذل المال لإسقاط اليمين وقبض البدل ينعقد الإسقاط لا يشترط كما في الخلع والعتق على مال وإن وقع عن دراهم في الذمة على دنانير أو عكسه فيشترط قبض البدل في المجلس لأنه صرف وإن وقع عن دنانير في الذمة على دنانير أقل لا يشترط قبضه فيه لأنه إسقاط بعض الحق وأخذ الباقي ويجوز الاعتياض عن الأجل بين المكاتب والمولى حتى لو قال لمولاه زدني في الأجل حتى أزيدك في البدل أو قال احطط عني من بدل الكتابة كذا حتى أترك حقي في الأجل وأعجل لك البدل صح ولا يجوز الاعتياض عن الأجل بين الحرين ولا يجوز بيع الدرهم بالدرهمين بين المولى والمكاتب

الصلح عن الشفعة باطل وتبطل الشفعة به ولقيم الوقف أن يصالح سارق القطن من أرض الوقف إن كان مقرا وإن كان إنما يعطيه لأجل مخافة هتك الستر ونحو ذلك لم يجز

وفي العمادي ادعى على رجل محدود أنه وقف على كذا فأنكر فصالحه المدعي عليه على مال لا يصح الصلح لأن الصلح بمنزلة البيع وليس للمتولى ولاية البيع والاستبدال ولو دفع المتولي شيئا إلى المدعي عليه وأخذ الدار لأجل الوقف يجوز إن لم يكن له بينة على إثبات الوقف والموقوف عليه لو فعل ذلك لا يجوز لأنه ليس بخصم والفضولي لو فعل ذلك يجوز لأن الموقوف عليه فعل ذلك ليأخذ الدار أما الفضولي لو فعل ذلك من مال نفسه لاستخلاص الوقف يدفع المال ولا يأخذ الدار ولو اشترى دارا فاتخذها مسجدا ثم ادعى رجل فيها دعوى فصالحه الذي بنى المسجد أو رجل من بين أظهرهم للمسجد فهو جائز

الكفيل بالنفس إذا صالح على مال لاسقاط الكفالة لا يصح أخذ المال وهل تسقط الكفالة فيه روايتان ولو كان كفيلا بالنفس والمال فصالح بشرط البراءة من الكفالة بالنفس بريء

رجل ادعى دارا فصالحه على بيت منها أو على قطعة منها لم يجز لا عند الإنكار ولا عند الإقرار لأن ما قبض عين حقه وهو على دعواه في الباقي والوجه فيه أحد أمرين إما أن يزيد درهما في بدل الصلح فيصير ذلك عوضا عن حقه فيما بقي أو يلحق به ذكر البراءة عن دعوى الباقي وإن صالحه على دار أخرى أو على شيء آخر لا تقبل دعواه بعد ذلك ولو كانت دعواه في الدين فصالحه على بعض الدين أو على غيره بطلت دعواه بخلاف العين

صالح عن دين على عين ثم هلكت قبل التسليم فإنه يعود الدين ولو صالحه من الدين على شيء ثم أقام البينة بالدين لم يكن له فسخ الصلح

وصي ادعى على رجل ألفا لليتيم ولا بينة له فصالح بخمسمائة عن الألف عن الإنكار ثم وجد بينة عادلة فله أن يقيمها على الالف وكذا إذا وجد الصبي بينة بعد البلوغ كذا في القنية

وفي البزازي رجل ادعى دينا أو عينا على آخر وتصالحا على بدل وكتبا وثيقة الصلح وذكرا فيها تصالحا عن هذه الدعوى على كذا ولم يبق لهذا المدعي على هذا المدعي عليه دعوى ولا خصومة بوجه من الوجوه


264

ثم جاء المدعي يدعي عليه بعد الصلح دعوى أخرى بأن كان المدعي مثلا امرأة ادعت دارا وجرى الحال كما ذكرنا ثم جاءت تطلب من المدعي عليه دين المهر لا تسمع لأن البراءة عن الدعوى ذكرت مطلقا ولا مانع من أن يدعي واحدا ويصالح عنه وعن جميع الدعاوى

واختار شيخ الاسلام رحمه الله تعالى أن الصلح بعد الانكار عن دعوى فاسدة لا يصح لأن المدعي زعمه يأخذه بدلا عما ادعاه فلا بد من صحة الدعوى

وفي نظم الفقه أخذ سارقا في دار غيره فأراد دفعه إلى صاحب المال فدفع له السارق مالا على أن يكف عنه يبطل ويرد المبذول إلى السارق لأن الحق ليس له ولو كان الصلح مع صاحب السرقة بريء من الخصومة بأخذ المال

رجل اتهم بسرقة وحبس فصالح ثم زعم أن الصلح كان خوفا على نفسه إن كان في حبس الوالي تصح الدعوى لأن الغالب على أنه حبس ظلما وإن كان في حبس القاضي لا تصح لأن الغالب على أنه حبس بحق

الصلح الفاسد كالبيع الفاسد يتمكن كل منهما من الفسخ

ادعى عليه ألفا فأنكر وأعطاه نصفها ولم يقل شيئا ثم أراد المدعي يعني الدافع استرداده له ذلك وإن كان مكان النقد عرض لا يملك الاسترداد

فالحاصل أن كل ما كان للمدعي فيه حق الأخذ لا يتمكن من استرداد المدعي مالم يذكر لفظ الصلح أو تدل عليه القرينة لأن في زعم المدعي أنه أخذ حقه فكيف يكون صلحا ومالا يتمكن المدعي من أخذه كالعرض يكون صلحا بالتعاطي

رجل ادعى على آخر ألفا فأنكر فصولح على شيء ثم برهن المدعي عليه على الإيفاء أو الإبراء لا يقبل وإن ادعى عليه ألفا فادعى القضاء أو الإبراء وصولح ثم برهن على أحدهما تقبل ويرد بدل الصلح لأن الصلح فداء اليمين واليمين في الأولى كانت على المدعي عليه ففداه بالمال وفي الثانية على المدعي فلا يتصور أن يكون الفداء عنها فإذا برهن على القضاء أو الإبراء يرد بدله

رجلان بينهما أخذ وعطاء وتبرع وقرض وشركة تصادقا على ذلك ولم يعرفا المقدار فتصالحا على مائة إلى أجل جاز لأن لفظ الصلح دليل على أن الحق أكثر وقد تبرع بالتأجيل فيما بقى كمن له على آخر دراهم لا يعرفان مقدارها صالح على مائة

رجلان لهما على رجل دين فأراد أحدهما أن يأخذ نصيبه على وجه لا يكون للشريك فيها نصيب فالحيلة في ذلك أن يبيع من المطلوب كفا من زبيب بمائة درهم ويسلمه إليه ثم يبرئه عن نصيبه من الدين ويطالبه بثمن الزبيب فحينئذ لا يكون لشريكه فيه نصيب لأنه لا شركة في هذا الدين وإن مبنى الصلح على التجوز بدون الحق فصار كأن المصالح أبرأه عن بعض نصيبه واستوفى البعض ولا يجوز تعليق الصلح بالشرط ولا اضافته إلى وقت بأن قال إذا جاء غد فقد صالحتك على كذا أو صالحتك غدا على كذا لأن تعليق التمليكات بالشرط وإضافتها إلى الوقت باطل ولأن الصلح في الأعيان ملحق بالبيع فكما لا يجوز تعليق البيع بالشرط ولا اضافته إلى الوقت فكذلك الصلح

ويجوز الصلح عن دعوى نكاح وهو على وجهين أحدهما أن يدعي رجل على امرأة نكاحا وهي تجحد فصالحته على مال حتى يترك الدعوى جاز وكان في معنى الخلع لأن الصلح يجب اعتباره بأقرب العقود


265

إليه احتيالا لصحته وأخذ المال على ترك البضع خلع فصار بدل المال منها في حق المدعي في معنى الخلع بناء على زعمه والخلع بلفظ البراءة صحيح وفي حقها لدفع الشغب والخصومة وتخليص النفس عن الوطء الحرام وفي الهداية قالوا لا يحل له أخذ المال فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان مبطلا في دعواه وقال صاحب المنبع هذا ليس بمختص بهذا المقام بل هو عام في جميع أنواع الصلح بدليل ما ذكر في كتاب الإقرار أن من أقر لغيره بمال والمقر له يعلم أنه كاذب في إقراره فإنه لا يحل له ذلك فيما بينه وبين الله تعالى إلا أن يسلمه بطيب نفسه فيكون تمليكا على طريق الهبة والثاني أن تدعي امرأة نكاحا على رجل فصالحها على مال لا يجوز لأنه رشوة محضة من غير خصومة ويلزمها ردها كذا في المنبع

وفي الولوالجي الخليفة إذا جعل غيره ولي عهده بعد موته ثم مات يجب على الناس أن يعلموا به ويصير الثاني خليفة كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فإنه فوض الأمر في حياته إلى عمر رضي الله تعالى عنه وكذا للموصي أن يوصي إلى غيره بعد موته اه

الفصل السادس في الإقرار

الإقرار هو إخبار بحق لآخر عليه وحكمه ظهور المقر به لا إثباته ابتداء فيصح الإقرار بالخمر للمسلم حتى يؤمر بالتسليم إليه ولا يصح الإقرار بالطلاق والعتاق مكرها ولو كان انشاء يصح مع الاكراه لأن طلاق المكره وإعتاقه واقعان عندنا واستدل بعض على كونه اخبارا بمسائل منها إذا أقر بنصف داره مشاعا صح ولو كان تمليكا لم يصح ومنها إذا أقرت بالزوجية صح ولو كان تمليكا لم يصح الا بمحضر من الشهود ومنها إذا أقر المريض بدين مستغرق جميع ماله صح ولو كان تمليكا لم يصح ومنها إذا أقر العبد المأذون لرجل بعين في يده صح ولو كان تمليكا لم يصح واستدل بعض على كونه تمليكا بمسائل منها إذا أقر لرجل فرد إقراره ثم قبل لا يصح ولو كان إخبارا لصح ومنها إذا أقر المريض لوارثه بدين لم يصح ولو كان إخبارا لصح ومنها أن الملك الثابت بسبب الإقرار لا يظهر في حق الزوائد المستهلكة حتى لا يملك المقر له مطالبتها ولو كان إخبارا لكانت مضمونة عليه

وفي الذخيرة والمحيط ادعى عينا في يد انسان أنها له ثم إن صاحب اليد أقر له به تصح هذه الدعوى عند البعض وعند عامة المشايخ لا يصح لأن نفس الإقرار لا يصلح سببا للاستحقاق فإن الاقرار كاذبا لا يثبت الاستحقاق للمقر له وعند من يقول يصح لو نكل فالفتوى على أنه لا يحلف على الإقرار وإنما يحلف على المال

قال صاحب الفصول قامت على قول من يقول من المشايخ إنه تمليك في الحال ينبغي أن تصح دعوى المال بسبب الإقرار وعلى قول من يقول إنه إخبار لا تصح وأجمعوا على أنه لو قال هذا العين ملكي وهكذا أقر به صاحب اليد تصح هذه الدعوى لأنه لم يجعل الإقرار سبب الوجوب الجملة من شرح الوقاية لابن فرشته

وفي المنبع ولا يصح إقرار الصبي إلا إذا كان مأذونا بالتجارة فإن إقراره جائز بدين لرجل أو وديعة أو عارية أو مضاربة أو غصب لأنه التحق بسبب الاذن بالبالغ لدلالة الاذن على عقله ولا يصح إقراره بالمهر والجناية والكفالة لأنها غير داخلة تحت الاذن إذ التجارة مبادلة المال بالمال والنكاح مبادلة ما ليس بمال والكفالة تبرع من وجه فلم تكن تجارة مطلقة وكذلك المجنون لا يصح إقراره وكذلك العبد المحجور


266

لا يصح إقراره بالمال وإن كان يصح بالحدود والقصاص لأن ذمته ضعفت برقه فانضمت إليها مالية الرقبة والكسب وهي ملك المولى فلا يصح إقراره عليه بخلاف العبد المأذون فإن إقراره بالديون وبما في يده صحيح لأن المولى رضى بإسقاط حقه بالتسليط عليه والنائم والمغمى عليه كالمجنون وإقرار السكران جائز بالحقوق كلها الا بالحدود الخالصة والردة وتنفذ سائر التصرفات من السكران كما تنفذ من الصاحي وسيجيء تمامه في فصل الطلاق إن شاء الله تعالى

وكما يصح الإقرار بالمعلوم يصح بالمجهول بخلاف الجهالة في المقر له فإنه يمنع صحة الاقرار بلا خلاف

وفي الذخيرة جهالة المقر له إنما تمنع صحة الإقرار إذا كانت متفاحشة بأن قال هذا العبد لواحد من الناس أما إذا لم تكن متفاحشة لا تمنع بأن قال هذا العبد لأحد هذين الرجلين

وقال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى الجهالة تمنع أيضا في هذه الصورة لأنه أقر للمجهول وأنه لا يفيد لأن فائدته الجبر على البيان وها هنا لا يجبر على البيان والأصح أنه يصح لأنه يفيد وفائدته وصول الحق إلى المستحق وطريق الوصول ثابت لأنهما لو اتفقا على أخذه فلهما حق الأخذ فالحاصل أن الإقرار للمجهول لا يصح إذا كانت الجهالة متفاحشة وإذا لم تكن متفاحشة يجوز والإقرار بمجهول يصح مطلقا معلوما كان أو مجهولا وأما الإبراء عن الحقوق المجهولة يصح بعوض وبدونه

وفي المنبع الإبراء عن الأعيان لا يصح ثم قال وفي البدائع لو ابرأه عن ضمان العين وهي قائمة في يده صح الابراء وسقط عنه الضمان عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر لا يصح لأن الإبراء إسقاط وإسقاط الأعيان لا يعقل فالتحق بالعدم وبقيت العين مضمونة كما كانت وإذا هلكت ضمن

رجل في يده دار ادعاها آخر فقال اشتريتها منك القياس أن يؤمر بالدفع إلى المدعي إلى أن يبرهن على الشراء منه وفي الاستحسان يمهل ثلاثة ايام بعد التكفيل عليه فإن برهن وإلا سلم إلى المدعي وعلى القياس والاستحسان إذا ادعى المديون الإيفاء وجحده المدعي فلا بد من برهان المدعي عليه

وكان الامام ظهير الدين يفتي فيها بالقياس

أقر أنه اقتضى من فلان ألفا كانت له عليه فقال فلان لم يكن لك علي شيء يضمن المقر بعد ما يحلف المقر له على أنه لم يكن له عليه شيء

قوله عند دعوى المال عليه ما قبضت منك بغير حق لا يكون إقرارا ولو قال دفعته إلى أخيك بأمرك إقرار بالقبض فلا يبرأ بلا إثبات الأمر بالإيصال والاتصال ولو قال بأي سبب دفعته الي قالوا يكون إقرارا وفيه نظر

قدمه قبل حلول الأجل إلى الحاكم وطلبه به فله أن يحلف ما علي اليوم شيء وهذا الحلف لا يكون إقرارا بالمال المدعي به ويسعه أن يحلف بهذا الوجه إن لم يقصد به ذهاب حقه

قال الفقيه لا يلتفت إلى قول من جعله إقرارا بوجوب المال المؤجل وكذلك الكلام إذا حلف الزوج عند إنكاره دعوى زوجته الصداق فإن المهور في زماننا مؤجلة بالعادة قلت وهذا دليل على أن الزوجة ليس لها مطالبة زوجها بالمهر المؤخر بعد قبضها المعجل ودخوله بها الا بعد الفراق بموت أو طلاق لأن


267

المؤخر مؤجل عرفا لما مر والله سبحانه وتعالى أعلم ولا بد من نقل صريح يعتمد عليه في ذلك فيا أيها الطالب لا تجزم بشيء في هذه المسألة الا بعد النقل الصريح والتأمل الصحيح

ادعى عليه مالا فقال قبضته لكنه ملكي يؤمر بالرد عليه وينبغي أن يكون على القياس والاستحسان الذي ذكرناه

رجل قال لآخر اقض الألف التي لي عليك أو غلة عبدي فقال نعم أو قال غدا أعطيكها أو اقعد فاقبضها أو وزنها لا على وجه السخرية أو قال خذها أو أرسل غدا من يقبضها أو يتزنها أو لا أزنها لك اليوم أو لا تأخذها مني اليوم أو حتى يدخل علي مالي أو يقدم على غلامي أو قال لم تحل أو قال صالحني عنها أو قال لا أقضيكها أو لا أعطيكها أو قال أحل غرماءك علي أو بعضهم أو من شئت منهم أو يحتال بها علي أو قضاها فلان عني أو أبرأتينها أو أحللتنيها أو وهبتنيها أو تصدقت بها علي أو قال مالك علي الا مائة أو سوى مائة أو غير مائة أو قال اشهدوا أن له علي ألف درهم فإنه إقرار في ذلك كله ولو ادعى عليه ألفا فقال لا أعطكيها أو قال ما لفلان علي شيء فلا تخبره أن له علي ألفا لا يكون اقرارا ولو لم يبدأ بالنفي لكن قال لا تخبر فلانا أن له علي ألف درهم أو لا تعلمه يكون اقرارا ومن اصحابنا من قال الصحيح أنه في الاخبار لا يكون اقرارا ولو قال لا تشهدوا أن لفلان علي ألفا لا يكون اقرارا وذكر محمد رحمه الله تعالى أن قوله لا تخبره إقرار ولا تشهد لا يكون اقرارا

وفي البزازي أشار إلى أن قوله لا تخبره لا يكون اقرارا وقوله أخبره يكون إقرارا قال الكرخي الصحيح هذا والله أعلم وما ذكر أن قوله لا تخبره إقرار خطأ قال مشايخ بخارى هو الصواب وقال في القنية وهو الصحيح

رجل قال وجدت في كتابي أن لفلان علي ألف درهم أو بخطي أو كتبت بيدي أن له علي ألفا فهذا كله باطل وإذا قال البائع وجدت بخطي أن لفلان علي كذا لزمه ذلك

قال السرخسي رحمه الله تعالى وكذا خط الصراف والسمسار فعلى هذا لو قال للصكاك اكتب خطا علي لفلان بألف درهم أو اكتب خطا ببيع هذه الدار بألف درهم من فلان أو اكتب لامرأتي صك الطلاق كان إقرارا بالمال والبيع والطلاق وحل للكاتب أن يشهد بما سمع سواء كتب أو لا

قال لآخر لي عليك ألف فقال الآخر ولي عليك مثلها أو قال طلقت امرأتك فقال وأنت طلقت امرأتك أوقال أعتقت عبدك فقال وأنت أعتقت عبدك لا يكون إقرارا في ظاهر الرواية وروى ابن سماعة عن محمد رحمه الله تعالى إنه إقرار وبه يفتى ولو جعلت زوجها في حل يبرأ عن المهر كما لو أبرأ غريمه من الدين الا إذا كان هناك ما يخصه

رجل قال أبرأت جميع غرمائي لا يصح إلا إذا نص على قوم مخصوصين قال الفقيه وعندي أنه يصح

الإقرار والإبراء لا يحتاجان إلى القبول ويرتدان بالرد لو قال لفلان علي ألف قرض أو عندي ألف وديعة الا أني لم أقبض لم يصدق ولو قال أقرضتني أو أودعتني أو أعطيتني لكني لم أقبضه إن وصل صدق استحسانا وإلا لا

غصبت منه هذا العبد أمس إن شاء الله تعالى لا يلزم

علي ألف إن شاء فلان فشاء فلان لا يلزم


268

جميع ما في يدي أو يعرف بي أو ينسب الي لفلان يكون إقرارا

ولو قال جميع مالي أو ما أملكه لفلان فهو هبة لا يملك بلا تسليم وقبول انتهى كلام البزازي

وفي القنية استأجر منه دارا فهو إقرار له بالملك ولو أقر أنه كان يدفع غلة هذه الدار إلى فلان لم يكن إقرارا بالدار له ولو قال المدعي عليه لا أقر ولا أنكر فهو على صورة الإنكار وقيل إقرار لقوله لا أنكر وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يحبس ولا يحلف لأنه لم يظهر منه الإنكار وعندهما هو منكر حيث قال لا أقر

قال الآخر لي عليك كذا فادفعه الي فقال استهزاء نعم أحسنت فهو إقرار ويؤاخذ به

ادعى عليه مالا معلوما فقال مستهزئا به الأمر أمرك أتفكر اليوم فهو إقرار بالمدعي

إذا مات المديون قبل تمام الأجل فطالب الدائن ابنه فقال اصبر حتى يحل الاجل فهو إقرار

قول الناس في العادة جميع ما في يدي حق وملك لفلان فهو في عرفنا محمول على وجه الكرامة وانه حسن

ادعى على امرأة نكاحا فأنكرت التزويج ثم طالبته بالمهر فهو إقرار به وقال مجد الأئمة التركماني الإقرار بالمهر لا يكون إقرارا بالنكاح والإقرار بالولد من الحرة إقرار بالنكاح

طلب رب الدين الكفيل بالمال فقال له لم لا تطالب الأصيل فقال لا شغل لي معه لا يكون إقرارا بالإبراء لأنه محتمل

وذكر في الولوالجي رجل أقر لامرأته في مرضه بمهر ألف درهم وقد تزوجها على ذلك ثم اقامت الورثة البينة بعد الموت على أن المرأة وهبت مهرها لزوجها في حياة الزوج هبة صحيحة لا تقبل هذه الشهادة والمهر لازم بإقراره لأنه لما أقر في مرضه وتلك الحالة حالة تدارك ما سبق فهذا دليل على أن الإقرار لازم فيؤاخذ بذلك

رجل يمرض يوما ويصح يوما ويمرض يومين ويصح يوما أقر لابنه بدين في ذلك المرض فإن صح بعد ذلك جاز ما صنع لأن ذلك ليس بمرض الموت فإن فعل ذلك في مرض ثم لم يصح بعد ذلك وصار صاحب فراش حتى اتصل بالموت فإقراره غير جائز لأن هذا إقرار المريض في مرض موته لبعض ورثته فيكون باطلا لمكان التهمة ولقوله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث اه

رجل قال لفلان علي ألف درهم في علمي لم يلزمه شيء في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وكذلك فيما علمت لم يلزمه شيء عندهما وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يلزمه ذلك

وفي البزازي قال له علي دراهم أو دريهمات فثلاثة لو قال دراهم كثيرة فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى عشرة وعلى قولهما مائتا درهم ودنانير كثيرة عنده عشرة وعندهما عشرون

قال مال عظيم عندهما نصاب الزكاة مائتان ولم يذكر ما عنده قيل ينظر إلى حال المقر فرب رجل يستعظم المائتين ورب آخر لا يستعظم العشرة آلاف

قال كذا دينارا يقال إن كذا تستعمل في العدد وأقل العدد اثنان علي مال فدرهم علي مال لا قليل ولا كثير مائتان علي دراهم أضعافا مضاعفة أو مضاعفة أضعافا ثمانية عشر عندهما علي دراهم مضاعفة ستة أكثر الدراهم عشرة عنده مائتان عندهما شيء من الدراهم أو من الدنانير ثلاثة أموال عظام ستمائة ما بين عشرة إلى درهم أو ما بين درهم إلى عشرة تسعة عنده وما بين عشرة إلى عشرين تسعة عشر عنده


269

وعندهما عشرة في الأولى وعشرون في الثاني ما بين درهم إلى درهم درهم عند ابي حنيفة وابي يوسف رحمهما الله تعالى

رجل قال ما في يدي من قليل وكثير من عبيد وغيره أو ما في حانوتي لفلان صح لأنه عام لا مجهول

وإن تنازعا في شيء أنه كان وقت الإقرار في يده أو حانوته فقال المقر لا بل حدث بعده القول للمقر

رجل قال هذا البيت وما أغلق عليه بابه لامرأتي وفيه متاع فلها البيت والمتاع بخلاف ما لو كان مكان الإقرار بيع فإن المتاع لا يدخل فيه لأنه يصير كأنه باع البيت بحقوقه

وفي المنتقى لي عليك ألف فقال أخر عني دعواك شهرا أو أخر الذي ادعيت به لا يكون إقرارا وكذا لو قال أخر دعواك حتى يقدم مالي فأعطيكها ولو قال بلى فأعطيكها يكون إقرارا عند محمد رحمه الله تعالى

لي عليك مائتان فقال قضيت مائة بعد مائة فلا حق لك على لا يكون إقرارا وكذا لو قال قضيت خمسين لا يكون إقرارا لي عليك ألف فقال حسبتها لك أو قضيتك أو أحلتك بها أو هبتها أو أبرأتنى أو أحللتنى قال الناطفى كله إقرار

رجل قال لآخر أقرضتك الفا فقال ما استقرضت من أحد سواك لا يكون إقرارا ولو قال استقرضت منك يكون إقرارا

وذكر السرخسي أن قوله ما استقرضت من أحد سواك إذا كان مجيبا له لأن معناه استقرضت منك لا من غيرك ولو صرح بقوله استقرضت منك لا يكون إقرارا ثم قال هذا من أعجب المسائل فإن إقراره بفعل الغير أعني قوله أقرضتني إقرار وبفعل نفسه أعني قوله استقرضت منك ابتداء لا يكون إقرارا

وفي بعض الفتاوى استقرضت منك فلم تقرضني صح إذا وصل وإلا لا

وذكر شيخ الاسلام أن تعليق الإقرار بالشرط باطل

وقوله إذا جاء رأس الشهر أو إذا جاء الأضحى أو إذا أفطر الناس أو إذا مت ليس بتعليق بل تأجيل إلى هذه الأوقات لصلوحه للتأجيل فإن الدين بالموت يحل ولا يصدق في دعوى التأجيل بخلاف قوله إذا قدم فلان إلا إذا ادعى كفالة معلقة بقدوم فلان

الإشارة تقوم مقام العبارة وإن قدر على الكتابة

كتب كتابا فيه إقرار بين يدي الشهود فهذا على اقسام الأول أن يكتب ولا يقول شيئا فإنه لا يكون إقرارا فلا تحل الشهادة بأنه إقرار قال القاضي النسفي رحمه الله تعالى إن كتب مصدرا مرسوما وعلم الشاهد حل له الشهادة على إقراره كما لو أقر كذلك وإن لم يقل اشهد علي به فعلى هذا إذا كتب للغائب على وجه الرسالة أما بعد فعلي لك كذا يكون إقرارا لأن الكتابة من الغائب كالخطاب من الحاضر فيكون متكلما وعامة المشايخ على خلافه لأن الكتابة قد تكون للتجربة وفي حق الأخرس يشترط أن يكون معنونا مصدرا وإن لم يكن إلى الغائب الثاني كتب وقرأ عند الشهود لهم أن يشهدوا وإن لم يقل اشهدوا علي الثالث أن يقرأه عليه عندهم غيره فيقول الكاتب هذا اشهدوا علي به الرابع أن يكتب عندهم ويقول اشهدوا علي بما فيه إن عملوا بما فيه كان إقرار وإلا فلا


270

قال أعطني الألف التي لي عليك فقال اصبر أو سوف تأخذها لا يكون إقرارا

قال مال نفيس أو كريم أو حظير لا رواية فيه وكان الجرجاني رحمه الله تعالى يقول مائتان ألوف دراهم ثلاثة آلاف ألوف كثيرة عشرة آلاف أشياء كثيرة أربعون إبل كثيرة خمسة وعشرون

قال له أعطيتك مقدار كذا فقال بأي سبب أعطيتني يكون إقرارا بالدفع إليه لأنه صرح بالدفع إليه وسأله عن السبب

قال لي عليك كذا فقال صدقت يلزمه إذا لم يقله على وجه الاستهزاء ويعرف ذلك بالنغمة

إذا أقر أنه قبض منه كذا قال شيخ الاسلام لا يلزمه مالم يقل قبضته بغير حق قبضا يوجب الرد والأشبه أنه يلزم الرد لأن القبض المطلق سبب يوجب الرد والضمان كالأخذ فإنه نص في الأصل أنه إذا قال أخذت منك ألفا وديعة وقال المقر له والمقر ضامن مع أن المقر نص على الأخذ وديعة فهذا أولى

طلب الصلح والإبراء عن الدعوى لا يكون إقرارا وطلب الصلح والإبراء عن المال يكون إقرارا

ادعى الإقرار في الصغر وأنكره المقر له فالقول للمقر لاستناده إلى حالة معهودة منافية للضمان

أخذته منك عارية وقال لا بل بيعا فالقول للآخذ لإنكاره البيع وكذا لو قال أخذت الدراهم منك وديعة وقال لا بل قرضا وكذا الثوب لو قال أخذته منك عارية وقال بل أخذته بيعا فلا يكون إقرارا وهذا إذا لم يلبسه فإن كان لبسه وهلك ضمن

صب دهنا لإنسان عند الشهود فادعى مالكه ضمانه فقال كان نجسا لوقوع فأرة فيه فالقول للصاب لإنكاره الضمان والشهود يشهدون على الصب لا على عدم النجاسة

وفي المنبع إذا قال المقر في إقراره له علي أو قبلي ألف درهم فقد أقر بالدين ولو قال عندي أو معي أو في بيتي أو في صندوقي أو في كيسي فهو إقرار بالأمانة في يده لأن هذه المواضع إنما تكون محلا للعين لا للدين إذ محله الذمة

رجل أقر لآخر بألف درهم مؤجلة إلى شهر وقال المقر له بل هي حالة فالقول قول المقر له عندنا وقال الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى لزمه مؤجلا

إذا أقر بمائة على نفسه لرجل واشهد شاهدين ثم أقر في موضع آخر لذلك الرجل بمائة أو أقل أو أكثر أو اشهد شاهدين فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى هما مالان إذا ادعى الطالب المالين وعندهما مال واحد إلا إذا تفاوتا فيلزمه الأكثر

ومحل الخلاف في الإقرار المجرد عن السبب وعن الصك إذ في المقيد بالسبب المتحد بأن قال في الكرتين ثمن هذه الجارية المال واحد متحد على كال حال وفي المقيد بالسبب المختلف بأن قال ثمن هذه الجارية في الكرة الأولى وثمن هذا العبد في الكرة الأخرى المال مختلف على كل حال

وكذا إذا كان الإقرار مطلقا عن السبب لكن مع الصك فإن كان به صك واحد فالمال واحد سواء كان الإقرار والإشهاد في موطن واحد أو موطنين وإن كان صكان فمالان في الوجهين وكذا إذا أقر بمائة مطلقا وكتب في صك ثم أقر وكتب في صك فهما مالان

إذا قال لفلان علي ألف درهم بل الفا درهم يلزمه ألفا درهم عند علمائنا الثلاثة وقال زفر يلزمه


271

ثلاثة آلاف لأنه أقر بألف ثم رجع وأقر بألفين فصح الإقرار ولم يصح الرجوع كما في قوله أنت طالق واحدة لا بل ثنتين

رجل قال غصبنا من فلان ألف درهم ثم قال وكنا عشرة أنفس والمقر له يعدعي أنه هو الغاصب منه الألف وحده لزمه الألف كاملا وقال زفر لا يلزمه إلا عشر الألف وعلى هذا الخلاف ما لو قال أقرضنا أو أودعنا أو أعارنا

رجل ادعى على الميت دينا لا يزيد على تركته وله ابنان فصدقه أحدهما وكذبه الآخر فعندنا يؤخذ جميع الدين مما في يد المصدق إن كان وافيا بالدين وقال الشافعي رحمه الله تعالى على المصدق نصف الدين لأنه أبعد عن الضرر ولنا أنه أقر بالدين وهو مقدم على الميراث فما لم يقض جميع الدين لا تصير التركة فارغة عن الدين فلا يكون له منها شيء بالإرث

وفي الحقائق قال الحلواني قال مشايخنا رحمهم الله تعالى فيما روينا في ظاهر رواية أصحابنا يحتاج إلى زيادة شيء لم يشترط في الكتب وهو أن يقضي عليه القاضي بإقراره وبمجرد الإقرار لا يحل الدين في نصيبه ثم قال صاحب الحقائق تحفظ هذه الزيادة انتهى

نوع في الاستثناء وما في معناه الاستثناء في الأصل نوعان أحدهما أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه والثاني أن يكون من خلاف جنسه فالأول على ثلاثة أوجه استثناء القليل من الكثير واستثناء الكثير من القليل واستثناء الكل من الكل أما استثناء القليل من الكثير فإنه جائز بلا خلاف لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا فإذا قال لفلان علي عشرة إلا ثلاثة يلزمه سبعة كأنه قال لفلان علي سبعة لأن للسبعة اسمين أحدهما سبعة والآخر عشرة إلا ثلاثة

وفي الذخيرة محالا على المنتقى قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لو قال لفلان علي مائة درهم الا قليلا فعليه أحد وخمسون درهما وكذا في نظائره نحو قوله إلا شيئا لأن استثناء الشيء استثناء الأقل عرفا فأوجبنا النصف وزيادة درهم فقد استثنى الأقل

وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى لو قال علي عشرة إلا بعضها فعليه أكثر من النصف ولو قال لفلان علي ألف درهم إلا مائة أو خمسين قال أبو سليمان عليه تسعمائة وخمسون لأنه ذكر كلمة الشك في الاستثناء فيثبت أقلهما فكذا في هذا وفي رواية أبي حفص يلزمه تسعمائة لأن الشك في الاستثناء يوجب الشك في الإقرار فكأنه قال علي تسعمائة أو تسعمائة وخمسون فيثبت الأقل قالوا والأول أصح لأن الشك حصل في الاستثناء ظاهرا

وأما استثناء الكثير من القليل بأن قال لفلان علي تسعة إلا عشرة فجائز في ظاهر الرواية ويلزمه درهم إلا ما روى عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا يصح وعليه العشرة الحد وهو مذهب الفراء لأن العرب لم تتكلم به والصحيح ظاهر الرواية

وأما استثناء الكل من الكل فباطل بأن يقول لفلان علي عشرة إلا عشرة أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا فيلزم عشرة ويقع ثلاث لأنه لا يمكن فيه معنى الاستثناء لأنه تكلم بالباقي بعد الثنيا فما لم يبق شيء بعد الاستثناء لم يمكن جعله متكلما بما بقى فلم يصح فبقي كلامه الأول باقيا على حاله كما كان


272

وفي الفتاوى الظهيرية لو قال لفلان علي ألف درهم استغفر الله الا مائة درهم كان الاستثناء باطلا ولو قال لفلان علي مائة درهم يا فلان الا عشرة كان الاستثناء جائزا

إذا قال لزيد علي عشرة الا تسعة الا ثمانية الا سبعة الا ستة الا خمسة الا أربعة الا ثلاثة الا اثنين إلا واحدة يلزمه خمسة فالأفضل فيه أن يصرف كل استثناء إلى ما يليه لكونه أقرب المذكور إليه فيبدأ من الاستثناء الأخير فيستثنى الباقي مما يليه ثم ينظر إلى الثاني هكذا إلى الاستثناء الأول ثم ينظر الباقي من الاستثناء الأول فيستثني ذلك من الجملة الملفوظة فما بقى منها فهو القدر المقر به

فالحاصل أن الاستثناءات إذا تعددت لا تخلو من أن تكون متعاطفة أو لا تكون متعاطفة فإن كانت متعاطفة يعود الكل إلى الجملة المذكورة في صدر الكلام وإن لم تكن متعاطفة فإن استغرق الاستثناء الثاني الأول فيعود الكل إلى الجملة المذكورة في صدر الكلام ايضا وإن لم يستغرق فيعود الآخر إلى ما يليه وهلم جرا

وفيه طريق آخر وهو أن يؤخذ المثبت في اليمين والمنفي في اليسار ثم بعد الجمع وفراغ الإقرار يسقط المنفيات من المثبتات فما بقي يكون مقرا به كما في مثالك لفلان علي عشرة الا تسعة الا ثمانية إلى آخره فالمثبتات عشرة وثمانية وستة وأربعة واثنان فالمجموع ثلاثون والمنفيات تسعة وسبعة وخمسة وثلاثة وواحد فالمجموع خمسة وعشرون فإذا أسقطت المنفيات من المثبتات يبقى خمسة وهو الجواب

قال صاحب المنبع ثم إني تحيرت في ضبط إعراب هذه المستثنيات هل تكون كلها واجبة النصب أو ما وجب نصبه هو المنفيات لا المثبتات فعرضت ذلك على فحول النحاة فتحيروا وما جسر أحدهم منهم على الرواية غير أن شيخنا قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي رحمه الله قد روى أن والده رحمه الله تعالى كان يلقنه هذه المسألة بعضها منصوبا وبعضها غير منصوب اه

رجل قال لفلان علي ألف درهم إن شاء الله تعالى بطل إقراره لأنه علقه بشرط وإنما يصح التعليق في الإنشاءات لا الإخبارات والإقرار إخبار فلا يحتمل التعليق بالشرط

ولو قال اشهدوا علي أن لفلان علي ألف درهم إن مت فهي عليه عاش أو مات لأن هذا ليس باستثناء ولا مخاطرة فإن موته كائن لا محالة ثم اختلف أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى في أن التعليق بمشيئة الله تعالى إبطال أو تعليق فقال أبو يوسف رحمه الله تعليق وقال محمد رحمه الله تعالى إبطال فعلى هذا قوله إن شاء الله تعالى إن كان إبطالا لإقراره فقد بطل ولا يجب شيء وإن كان تعليقا فالإقرار لا يحتمل التعليق لما بينا ولأنه شرط لا يوقف عليه واثر الشرط في إعدام الحكم قبل وجوده وهذا لا يعلم وجوده فيكون إعداما له من الأصل بخلاف قوله لفلان علي مائة درهم إذا مت أو إذا جاء راس الشهر أو الفطر لأنه أجل بيان المدة فيكون تأجيلا لا تعليقا ألا ترى أنه لو كذبه في التأجيل يصير المال حالا

نوع في الإقرار في المرض صحيح أقر بدين ثم مرض فأقر بدين يقدم دين الصحة على دين المرض عندنا حتى لو مات من ذلك المرض يقضي دين غريم الصحة أولا فإن فضل شيء يقضي به دين غريم المرض وعند الشافعي رحمه الله تعالى تقسم تركته على دين الصحة والمرض بالنسبة

وفي البدائع إقرار المريض في الأصل نوعان إقراره بالدين لغيره وإقراره باستيفاء الدين من غيره

أما إقراره بالدين فعلى وجهين لأجنبي وقد بيناه أو لوارث بالعين أو بالدين فلا يصح إلا بتصديق الباقين


273

عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى يصح في أحد قوليه وأما إقراره باستيفاء دين الصحة أو دين المرض فإن أقر باستيفاء دين وجب له في حال الصحة يصح ويصدق في إقراره حتى يبرأ الغريم عن الدين أي دين كان وإن أقر المريض باستيفاء دين وجب له في حال المرض فإن وجب له بدلا عما هو مال لم يصح إقراره ولا يصدق في حق غرماء الصحة ويجعل ذلك تبرعا منه بالدين لأنه لما مرض فقد تعلق حق الغرماء بالبدل وكذا لو أتلف رجل على المريض شيئا في مرضه فأقر المريض بقبض القيمة منه لم يصدق على ذلك إذا كان عليه دين الصحة لما ذكرنا وإن وجب له بدلا عما ليس بمال يصح إقراره لأن بالمرض لا يتعلق حق غرماء الصحة بالبدل لأنه لا يحتمل التعليق لأنه ليس بمال فلا يتعلق بالمبدل وأما إقرار المريض بالإبراء بأن أقر أنه كان أبرأ فلانا من الدين الذي كان عليه في صحته لا يجوز لأنه أقر بقبض الدين وأنه لا يملك إنشاء الإبراء للحال فلا يملك الإقرار به بخلاف الإقرار باستيفاء الدين لأنه أقر بقبض الدين وأنه يملك إنشاء القبض فيملك الإخبار عنه بالقبض انتهى كلام البدائع

مريض أقر بمال لأجنبية ثم تزوجها بعد الإقرار لم يبطل الإقرار عندنا وقال زفر رحمه الله تعالى يبطل لأنه طرأ على الإقرار ما ابطله

مريض مرض مرض الموت أقر بألف درهم بعينها أنها لقطة عنده ولا مال له غيرها فلا يخلو إما أن تصدقه الورثة أو تكذبه فإن صدقته الورثة تصدقوا بها اتفاقا وإن كذبوه فهو محل الخلاف فعند أبي يوسف رحمه الله تعالى يتصدقون بثلثها بعد موته والباقي ميراث لهم وقال محمد رحمه الله تعالى إذا كذبوه في ذلك كانت كلها ميراثا لهم

وفي حيل الخصاف امرأة قالت في المرض لم يكن لي على زوجي مهر أو قال في المرض لم يكن لي على فلان شيء يبرأ عندنا خلافا للشافعي وفي الذخيرة قولها في المرض لا مهر لي عليه أو لا شيء لي عليه أو لم يكن لي عليه مهر قيل لا يصح وقيل يصح والصحيح أنه لا يصح

وفي القنية لو قال المجروح لم يجرحني فلان ثم مات ليس لورثة المجروح أن يدعوا على الجارح بهذا السبب قال برهان الدين صاحب المحيط وهذه المسألة على التفصيل إن كان الجرح معروفا عند القاضي أو الناس لم يقبل إقرار المريض

مريض قال في حال مرضه ليس لي في الدنيا شيء ثم مات فلبعض الورثة أن يحلفوا زوجة المتوفى وابنته على أنهما لا يعلمان شيئا من تركة المتوفى انتهى

الفصل السابع في الوديعة

الوديعة أمانة تركت للحفظ فلا يضمنها المودع إن هلكت بلا تعد منه فيحفظها بنفسه وبمن في عياله كزوجته ووالده ووالدته وعبده وأمته وأجيره الخاص الذي استأجره مشاهرة أو مسانهة وكسوته وطعامه على المستأجر ويجوز للمودع أن يسافر بالوديعة قربت المسافة أو بعدت وإن كانت الوديعة مما له حمل ومؤنة وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى حتى لو هلكت لم تضمن عنده

وفي الجلالية يجوز له السفر وإن كان لها حمل ومؤنة عنده إلا في موضع واحد وهو أن تكون


274

الوديعة طعاما كثيرا فإنه يضمن إذا سافر به لجواز أن تستغرقه المؤنة فيكون في معنى الإتلاف وقالا ليس له ذلك إذا كان له حمل ومؤنة غير أن عند محمد رحمه الله تعالى هذا إذا بعدت المسافة أما إذا قربت فله ذلك وقال الشافعي رحمه الله تعالى ليس له أن يسافر بها مطلقا والخلاف فيما إذا كان الطريق آمنا بأن لا يقصده أحد غالبا ولو قصده يمكنه دفعه بنفسه وبرفقة السفر ولم ينهه المودع عن المسافرة بها وأما إذا لم يكن الطريق آمنا أو كان الطريق آمنا لكن نهاه عن السفر بها فبالسفر يضمن بلا خلاف

وفي البزازي وله أن يحفظها كما يحفظ مال نفسه في داره وحانوته وفي النوازل قال لا تضعها في حانوتك فوضعها فضاعت إن كان الحانوت أحرز من الدار أو لم يجد مكانا آخر لا يضمن وإلا ضمن ولو كانت مما يمسك في البيوت فقال لا تدفعها إلى زوجتك فدفع لا يضمن وقيل لو نهاه عن الدفع لبعض عياله فدفع إن لم يجد بدا منه لا يضمن وإلا ضمن

وضع كيس الوديعة في صندوقه وله فيه كيس فانشق واختلطا لا يضمن واشتركا والهلاك والبقاء على قدر ماليهما ولو خلطهما أجنبي أو بعض من في عياله لا يضمن المودع ويضمن الخالط صغيرا كان أو كبيرا ولا يضمن أبوه لأجله

دفن مال الوديعة في أرض إن علمه بعلامة لا يضمن وإلا ضمن وفي المفازة يضمن بكل حال وفي الكرم لو كان حصينا له باب مغلق لا يضمن وإن وضعه بلا دفن في موضع لا يدخل أحد فيه بلا استئذان لا يضمن

توجه السراق فدفنها في الجبانة خوفا وفر ثم جاء ولم يجدها إن أمكنه أن يجعل علامة ولم يجعل ضمن وإلا فإن جاء على فور الإمكان لا يضمن وإلا ضمن

جعل دراهم الوديعة في الخف الأيمن فضاعت يضمن وإن كانت في الأيسر فضاعت لا يضمن لأنها إن كانت في اليمنى كانت على شرف السقوط عند الركوب وقيل يضمن فيهما

ربط دراهم الوديعة بطرف الكم أو العمامة وضاعت لا يضمن وإن وضعها في داخل الكم يتأمل عند الفتوى

وفي العمادى لو شد دراهم الوديعة في منديل ثم وضعها في كمه فسقطت لا ضمان عليه وكذا إذا جعلها في جيبه وحضر في مجلس الفسق فسرقت منه لا يضمن وعن بعض الأئمة لو وضع دراهم الوديعة في كمه وهلكت يضمن ولو وضعها في كيسه أو شدها على التكة فضاعت ينبغي أن لا يضمن

المودع إذا مات فقال ورثته قد رد الوديعة مورثنا في حياته لم يقبل قولهم والضمان واجب في مال الميت لأنه مات مجهلا فإن أقام الورثة البينة على إقرار الميت أنه قال في حياته رددت الوديعة تقبل لأن الثابت بالبينة كالثابت معاينة

الدابة الوديعة إذا أصابها شيء فأمر المودع انسانا أن يعالجها فعطبت من ذلك فصاحب الدابة بالخيار يضمن أيهما شاء فإن ضمن المستودع لم يرجع هو على الذي عالجها لأنه تبين أنه عالج دابته بأمره وإن ضمن الذي عالجها هل يرجع على المستودع إن علم أنها دابة المستودع منه أو لم يعلم لكن لم يعلم أنها لغيره يرجع لأن الأمر قد صح في الوجه الأول فانتقل الفعل إليه وفي الوجه الثاني كذلك لأن اليد دليل الملك على المنقول فصح الأمر أيضا


275

القاضي إذا قبض أموال اليتامى ومات ولم يبين أن وضعها في بيته ولا يدري لمن المال ضمن لأنه هو المودع وقد مات مجهلا وإن دفع إلى قوم ولا يدري لمن دفع له لا يضمن لأن المودع غيره وهو لم يمت مجهلا

المودع إذا قال لرب الوديعة قد رددت بعض الوديعة ومات فالقول قول رب الوديعة فيما أخذ مع يمينه إلى الوديعة صارت دينا ظاهرا إلا بقدر ما رد إلى رب الوديعة وإن كان الآخذ رب الوديعة فيكون القول قوله في مقدار المأخوذ ولو أن قاضيا أودع مالا ليتيم أو تاجر فجحد ذلك المودع أو مات وتوى ذلك المال لم يكن على القاضي في ذلك شيء لأن القاضي أمين فيما صنع والأمين لا ضمان عليه كذا في الولوالجي

رجل له على آخر دين فأرسل الدائن إلى مدينه رجلا ليقبضه فقال المدين دفعت الدين إلى الرسول وصدقه الرسول وقال دفعته إلى الدائن وأنكره الدائن فالقول قول الرسول مع يمينه

دفع إلى دلال ثوبا للبيع فقال ضاع الثوب مني ولا أدري كيف ضاع لا يضمن ولو قال لا أدري في أي حانوت وضعته يضمن انتهى وسيجيء تمام مسائل هذا الفصل في فصل أنواع الضمانات ان شاء الله تعالى

الفصل الثامن في العارية

العارية بالتشديد كأنها منسوبة إلى العار لأن طلبها عار وعيب وهي أمانة كالوديعة إلا أن العارية امانة فيها تمليك المنفعة ولهذا تنعقد بلفظ التمليك بأن يقول ملكت منفعة داري هذه شهرا أو جعلت لك سكنى داري هذه شهرا وللمعير أن يفسخ العقد في كل ساعة لكونها عقدا جائزا غير لازم

وفي البدائع للعارية شرائط منها القبض من المستعير مما يمكن الانتفاع به بدون استهلاكه ومنها العقل فلا تصح الاعارة من المجنون والصبي الذي لا يعقل وأما البلوغ فليس بشرط عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى حتى تصح عندنا إعارة الصبي المأذون وكذا الحرية فليست بشرط فيملكها العبد المأذون لأنها من توابع التجارة فيملك تملك التجارة ولا تضمن بلا تعد إن هلكت سواء هلكت باستعماله أولا وبه قال مالك رحمه الله تعالى وعند الشافعي رحمه الله تعالى إن هلكت من الاستعمال المعتاد لم يضمن وإن هلكت لا في حال الاستعمال يضمن

وفي المحيط ولو شرط الضمان في العارية قيل لا تصح العارية

وذكر ابن رستم في نوادره رجل قال لآخر أعرني ثوبك فإن ضاع فأنا ضامن لا يضمن والشرط لغو وكذا لو رهن فقال المرتهن آخذه رهنا على أنه إن ضاع ضاع بغير شيء جاز الرهن والشرط باطل وإن ضاع ضاع بالمال ويجوز للمستعير أن يعير ما استعاره عندنا إذا كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل وقال الشافعي رحمه الله تعالى ليس له أن يعير وفي البزازي العارية لا تؤاجر ولا ترهن وهل تودع قال مشايخ العراق نعم لأنها دون الإعارة وبه أخذ الفقيه واختاره الصدر وقيل لا لأنه لو أرسلها على يد أجنبي ضمن والوديعة لا تودع ولا تعار ولا تؤاجر ولا ترهن فإن فعل شيئا منها ضمن والمستأجر يعار ويودع ويؤاخر ويرهن وليس للمرتهن أن يتصرف بشيء يبطل الرهن

برهن المستعير على ردها والمعير على هلاكها عنده بالتعدي فبينة المعير أولى


276

استعار دابة من انسان فأعارها فنام المستعير في المفازة ومقودها في يده فقطع السارق المقود وذهب بها لا يضمن وإن جلب المقود من يده ولم يشعر به وذهب بها يضمن قال الصدر هذا إذا نام مضطجعا وإن نام جالسا لا يضمن في الوجهين

ربط الحمار المستعار إلى شجرة فوقع الحبل في عنقه وانخنق لا يضمن لأن الربط معتاد لا التخلية بالحبل ولو استعار دابة وسلك بها في غير طريق الجادة وهلكت يضمن اه كلام البزازي وسنذكر تمامه عقيب الفصل الذي يليه إن شاء الله تعالى

الفصل التاسع في أنواع الضمانات الواجبة وكيفيتها وفي تضمين الأمين

ذكر في الصغرى إذا أمر إنسانا يأخذ مال الغير فالضمان على الآخذ لأن الآمر لم يصح أمره وفي كل موضع لا يصح الأمر لا يجب الضمان على الآمر

والسلطان لو أمر رجلا بأخذ مال الغير هل يجب الضمان على المأمور ذكر في أول دعوى الوجيز رجل ادعى على رجل أنه أمر فلانا فأخذ منه كذا من المال فإن كان المدعي عليه الأمر سلطانا فالدعوى عليه مسموعة وإن كان غير سلطان فلا لأن أمر السلطان إكراه على ما يجيء في فصل الإكراه إن شاء الله تعالى

رجل أمر عبد غيره بالإباق أو قال له اقتل نفسك ففعل تجب قيمة العبد ولو قال اتلف مال مولاك فأتلف لا يضمن الآمر

من استعمل عبد الغير كان بمنزلة قبضه حتى لو هلك من ذلك العمل يضمن وكذا لو أودع رجلا عبدا فبعثه المودع في حاجته صار غاصبا

عبد بين اثنين استخدمه أحدهما في غيبة صاحبه فمات في خدمته لا يضمن وفي الدابة يضمن وفي نوادر هشام أنه يضمن في العبد أيضا

وذكر في بعض أصول الفقه أن الترصف في الجارية المشتركة لا يوجب الضمان كالاستخدام وإن كان لا يحل له وطؤها

إذا قال لعبد الغير ارتق الشجرة وانثر ثمرة المشمش لتأكله أنت فسقط لا ضمان على الآمر ولو قال لتأكله أنت وأنا أفتى القاضي الامام فخر الدين رحمه الله تعالى أنه ينبغي أن يضمن قيمته كله لأنه استعمل كله في منفعته

غلام حمل كوز ماء لينقل إلى بيت مولاه باذنه فدفع إليه رجل آخر كوزه ليحمل له ماء من الحوض بغير اذن مولاه فهلك العبد في الطريق قال صاحب المحيط مرة يضمن نصف قيمته ثم قال في المرة الآخرى يضمن كل قيمة العبد لأن فعله صار ناسخا لفعل المولى

غلام جاء إلى فصاد وقال افصدني ففصده فصدا معتادا فمات من ذلك السبب قال يضمن قيمة العبد عاقلة الفصاد وكذلك الصبي تجب ديته على عاقلة الفصاد

رجل كان يكسر حطبا فجاء غلام انسان وقال أعطني القدوم حتى أكسر أنا فأبى أن يعطيه فألح عليه


277

في ذلك وأخذ منه القدوم وكسر بعض الحطب ثم قال ائت بآخر حتى أكسره فأبى فأتى الغلام بحطب وكسره فضرب بعض المكسور من الحطب على عينه وذهبت عينه لا يكون على صاحب الحطب شيء لأنه لم يأمر الغلام بكسر الحطب ولم يستعمله في شيء وإنما فعله العبد باختيار نفيه فلا يكون الرجل ضامنا لشيء

وفي التجريد إذا استخدم عبد رجل بغير اذنه أو دابة ساقها أو حمل عليها شيئا أو ركبها بغير اذنه فهو ضامن إن عطبت في تلك الخدمة أو في غيرها

وفي الذخيرة ركب دابة غيره فتلفت ضمن ساقها أو لم يسقها في ظاهر الرواية وفي رواية الحسن يضمن إذا ساقها

وفي النوازل غصب عبدا ثم رده وقد عورت عينه عنده يضمن الأرش ثم باعه مولاه فانجلى البياض في يد المشتري رجع الغاصب بما دفع من أرش العين على البائع

وفي فتاوى الفضلى لو غصب من صبي شيئا ثم رده عليه إن كان الصبي من أهل الحفظ صح وإلا فلا ولو غصب من عبد محجور شيئا ثم رده عليه بريء من ضمانه

وفي فوائد الفقيه أبي جعفر من وضع سكينا في يد صبي فقتل بها نفسه لا يضمن ولو عثر بها حتى مات يضمن

صبي قائم على سطح أو حائط صاح فيه رجل ففزع الصبي فوقع ومات يغرم الصائح ديته وتلك على عاقلته وكذلك لو كان على الطريق فمرت به دابة فصاح فيها رجل فوطئته الدابة فمات يضمن الصائح ديته وهى على عاقلته

ولو بعث غلاما صغيرا بغير اذن أهله إلى حاجة فارتقى فوق بيت مع الصبيان فوقع ومات يضمن

وفي النوازل قال أبو بكر رحمه الله تعالى لو رمى صبي سهما فأصاب امرأة لا ضمان على والده وإنما يجب في ماله وإن لم يكن له مال فنظرة إلى ميسرة قال وإنما وجب في ماله لأنه لا يرى للعجم عاقلة وهو يقول العاقلة للعرب لأنهم يتناصرون

وفي العيون ولو أدخل صبيا أو مغمى عليه أو نائما في داره فسقط البيت قال محمد رحمه الله تعالى يضمن في الصبي والمغمى عليه ولا يضمن في النائم

سكران ذاهب العقل وقع ثوبه في الطريق فأخذ الثوب رجل ليحفظه فهلك في يده لم يضمن ولو كان الثوب تحت رأسه والمسألة بحالها يضمن ولو كانت الدراهم في كمه فرفعها والمسألة بحالها يضمن أيضا

وذكر في العدة لو أخرج خاتم رجل من إصبعه وهو نائم ثم أعاده في أصبعه في ذلك لنوم برىء وفي نوم آخر لا يبرأ وإن استيقظ ثم نام فأعاده لا يبرأ

غصب شيئا من الصاحي ثم رده عليه وهو سكران يبرأ وهو كالصاحي بخلاف مالو آخذ منه وهو يقظان ثم رده عليه وهو نائم فإنه لا يبرأ

إذا تعلق برجل وخاصمه فسقط من المتعلق به شيء يضمن المتعلق


278

ومن هدم بيت نفسه فانهدم من ذلك منزل جاره لا يضمن لأنه غير متعد فيه

وفي العيون لو ضرب رجلا فسقط المضروب مغشيا عليه وسقط منه شيء وتوى قال محمد رحمه الله تعالى يضمن الضارب المال الذي مع المضروب لأنه هو المستهلك وكذا يضمن ثيابه التي عليه لو تلفت ويأتي في فصل الغصب ما يخالف هذا فلينظر ثمة

وفي فتاوى رشيد الدين رجل فر من الظالم فأخذه إنسان حتى أدركه الظالم فأخذه وخسره أو طلب ظالم رجلا ليقبض منه جباية فدله رجل عليه فأخذ منه مالا ففي قياس قول محمد رحمه الله تعالى يضمن الآخذ له والدال عليه لأنه تسبب لأخذ ماله والفتوى على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يضمن وكذا لو تخاصم رجلان فضرب أحدهما الآخر فذهب المظلوم إلى الوالي فخسره لا يضمن المظلوم لأنه طلب الغوث

وفي فوائد ظهير الدين المرغيناني ولو قال لغيره اسلك هذا الطريق فإنه آمن فسلكه وأخذه اللصوص لا يضمن ولو قال إن كان مخوفا وأخذ مالك فأنا ضامن وباقي المسألة بحالها ضمن وصار الأصل أن المغرور إنما يرجع على الغار إذا حصل الغرور في ضمن عقد المعارضة أو ضمن الغار صفة السلامة للمغرور نصا

ولو قال الطحان لصاحب الحنطة اجعل الحنطة في الدلو فجعلها في الدلو فذهبت من ثقب كان به إلى الماء والطحان كان عالما به يضمن لأنه صار غارا في ضمن العقد بخلاف المسألة الأولى لأن ثمة ما ضمن السلامة بحكم العقد وها هنا العقد يقتضي السلامة فيصير مغرورا فيضمن

وفي فتاوى ظهير الدين سأل هشام محمد رحمه الله تعالى فيمن فتح باب قفص حتى خرج منه الطائر أو فتح الزق والسمن جامد فذاب وخرج منه السمن قال يضمن ولو حل قيد عبد فأبق العبد لا يضمن لأن العبد له عزيمة فإن كان العبد ذاهب العقل يضمن وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يضمن في هذا كله ولو شق زق دهن سائل حتى سال يضمن وكذا لو قطع حبل القنديل يضمن

وفي مختلفات المشايخ قال أبو حنيفة وابو يوسف رحمهما الله تعالى إذا فتح باب قفص أو اصطبل حتى طار الطائر أو خرج الحمار أو حل قيد عبد فهرب فإنه لا يضمن وقفوا أو لم يقفوا وقال محمد رحمه الله تعالى يضمن وقال الشافعي رحمه الله تعالى إن وقف ساعة ثم ذهب لا يضمن وإن ذهب من ساعته يضمن

ولو فتح باب دار فسرق آخر منها متاعا لا يضمن الفاتح سواء سرق عقيب الفتح أو بعده وكذا إذا حل رباط دابة فسرقها إنسان أو فتح باب قفص فأخذ الطائر انسان آخر لا ضمان على الذي حل وفتح

والمودع إذا فتح باب القفص أو حل قيد العبد أو فتح باب الاصطبل حتى ذهب يضمن بالاتفاق لأنه التزم الحفظ ألا ترى أنه إذا دل الغاصب أو السارق على الوديعة ضمن وغيره لا يضمن ولو نفر رجل طير انسان لا يضمن ولو قصد تنفيره يضمن ولو دنا منه وقصد تنفيره يضمن ولو دنا منه ولم يقصد تنفيره لا يضمن

وفي فتاوى السمرقندي ولو نقب حائط انسان بغير اذنه ثم غاب الناقب فدخل انسان من ذلك النقب وسرق شيئا لا ضمان على الناقب لأنه متسبب والسارق مباشر وكان أبو نصر الدبوسي رحمه الله تعالى يقول يضمن الناقب لكن الفتوى بعدم الضمان

إذا قمط الرجل رجلا وألقاه في البحر وتركه حتى مات فإن غرق من ساعته يضمن ديته وإن سبح ساعة ثم غرق لم يكن عليه شيء


279

وفي شرح الطحاوى ولو القى حية أو عقربا على قارعة الطريق فلدغ رجلا فالضمان على الذي ألقى إلا إذا تحول من ذلك الموضع إلى موضع آخر فحينئذ ترتفع جنايته ولو دخل رجل دار قوم فعقره كلبهم فلا ضمان عليهم لأنه لم يوجد الإغراء والإشلاء منهم

وفي التجنيس رجل له كلب عقور كلما مر عليه مار يعضه فعض انسانا هل يجب عليه الضمان إن تقدموا إلى صاحب الكلب وعرفوه بذلك قبل العض يضمن وإن لم يتقدموا إليه قبل العض لا يضمن بمنزلة الحائط المائل قال قاضي خان رحمه الله تعالى وينبغي أن لا يضمن إذا لم يكن من صاحبه أشلاء ولو أغرى كلبا حتى عقر رجلا لا ضمان على المغرى عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى كما إذا أرسل طائرا فأصاب في فوره ذلك لا يضمن بالإجماع

رجل أخذ هرة وألقاها إلى حمامة انسان أو دجاجة فأكلت الهرة الحمامة قال إن أخذتها الهرة برميه وإلقائه إليها يضمن وإن أخذتها بعد الرمي والإلقاء لا يضمن قيل له ولو أشلى كلبه على انسان وأغراه عليه فعقره ايضمن المشلى قال نعم لأنه بالإغراء لكلبه صار آلة لعقره كأنه ضربه بحد سيفه

وفي شرح الطحاوي من أرسل بهيمة فاصابت في فورها شيئا ضمن وكذلك إذا أرسلها ولم يكن لها قائد ولا سائق ولا زاجر فاصابت شيئا في ذلك الطريق فإنه يضمن ولو عطفت عن ذلك الطريق وكان لها طريق آخر فأصابت شيئا فإنه لا يضمن ولو عطفت ولم يكن لها طريق غيره فذلك مضمون على المرسل

وفي الملتقط ولا يجب الضمان على صاحب الماشية إذا أتلفت شيئا ليلا أو نهارا إذا لم يكن لها سائق أو قائد

وفي العدة ولو أوقف الدابة في سوق الدواب لا ضمان على صاحبها إن أتلفت شيئا وإن أوقفها على باب السلطان يضمن ما أصابت وكذا لو أوقفها على باب المسجد الأعظم أو مسجد آخر إلا إذا جعل الامام للمسلمين موضعا يوقفون دوابهم فيه فلا يضمن

وفي العيون غنم دخلت بستانا فأفسدته وصاحبها معها يسوقها ضمن ما أفسدته وإذا لم يسقها لا ضمان عليه وكذا الثور والحمار ومن وجد في زرعه أو كرمه دابة وقد افسدت الزرع فحبسها فهلكت يضمن وإن أخرجها المختار أنه إن أخرجها وساقها فهلكت يضمن وإن أخرجها ولم يسقها لا يضمن وكذا لو أخرج دابة الغير من زرع الغير

وفي التجنيس ولو ساقها إلى مكان يأمن منها على زرعه لا يضمن كأنه أخرجها عن زرعه قال أبو نصر وقال أكثر مشايخنا إنه يضمن وعليه الفتوى

رجل بعث بقرته إلى بقار على يد رجل فجاء الرجل إلى البقار بها وقال إن فلانا بعث بقرته هذه اليك فقال البقار اذهب ها إلى مالكها فإني لا أقبلها فذهب بها فهلكت فالبقار ضامن لأنه إذا جاء بها إلى البقار فقد انتهى الأمر فيصير البقار أمينا وليس للمودع أن يودع ولو نخس دابة انسان فألقت الراكب فمات ان كان باذن الراكب لا يضمن الناخس وإن كان بغير اذنه يضمن كمال الدية وإن ضربت الناخس فمات فدمه هدر وإن أصابت رجلا آخر بالذنب أو بالرجل أو كيفما أصابته إن نخسها بإذن الراكب فالضمان عليهما وإلا فعليه

وفي خلاصة المفتي ومما يجرب به الفقيه إذا سئل عن أخذ حمار غيره بغير اذنه واستعمله ورده إلى الموضع


280

الذي أخذ منه وكان معه جحش فأكله الذئب هل يضمن وإنما استعمل الأتان خاصة جوابه إن لم يتعرض للجحش بشيء إلا أنه ساق الأم فانساق الجحش معها ذاهبا وجائيا لم يضمن وإن كان حين ساق الأتان ساق الجحش معها أيضا ضمن

وفي فتاوى ظهير الدين رحمه الله تعالى لو وضع ثوبا في دار رجل فرماه صاحب الدار فأفسده ضمن ولو أدخل دابته في دار غيره فأخرجها صاحب الدار إن تلفت لا يضمن لأن الدابة في الدار تضرها فله أن يدفع الضرر بالإخراج وأما الثوب في الدار فلا يضرها فكان إخراجه إتلافا ولو وجد دابة في مربط فأخرجها فهلكت يضمن وفي الجامع الصغير غصب مربطا وشد فيه دابته فأخرجها مالك المربط وهلكت صار ضامنا

وفي فوائد ابي الحسن الرستغني غصب عجلا فاستهلكه ويبس لبن أمه يضمن الغاصب قيمة العجل ونقصان الأم وإن لم يفعل الغاصب في الأم فعلا لمكان التسبب

وفي فتاوى ظهير الدين ولو أرسل دابته في مرتع مباح فجاء آخر فأرسل إليه دابته فعضت الثانية الأولى إن عضتها على الفور ضمن وإلا فلا وإن كان ذلك في مربط لأحدهما لا ضمان على صاحب المربط

وذكر في العيون قال ابو حنيفة رحمه الله تعالى إذا استهلك رجل حمار غيره أو بغله بقطع يده أو بذبحه إن شاء صاحبه ضمنه وسلمه إليه وإن شاء حبسه ولا يضمن شيئا وعليه الفتوى ولو ضرب رجل الدابة حتى صارت عرجاء فهو كالقطع ومن ذبح شاة غيره فمالكها بالخيار إن شاء ضمنه قيمتها وسلمها إليه وإن شاء أخذها وضمنه النقصان وكذا الجزور وكذا إذا قطع يدها

وفي الهداية ولو كانت الدابة غير مأكولة اللحم فقطع الغاصب طرفها فللمالك أن يضمنه جميع قيمتها لوجود الاستهلاك من كل وجه بخلاف قطع طرف العبد المملوك حيث يأخذه مع أرش المقطوع لأن الآدمي يبقي منتفعا بعد قطع الطرف ولو ذبح حمار غيره فليس له أن يضمنه النقصان ولكنه يضمنه جميع القيمة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعلى قول محمد رحمه الله له أن يمسكه ويضمن النقصان وإن شاء ضمنه كل القيمة ولا يمسك المذبوح

ذبح شاة انسان بحيث لا يرجي حياتها لا يضمن استحسانا الأجنبي والراعي في ذلك سواء وفي الفرس والبغل يفتى بالضمان في الأجنبي والراعي والبقار لو ذبح البقرة أو الحمار وكان لا يرجى حياتهما لا يضمن وإذا ذبح شاة لا يرجى حياتها يضمن قيمتها يوم الذبح

رجل مر بشاة الغير وقد أشرفت على الهلاك فذبحها يكون ضامنا وذكر في النوازل أنه لا يضمن استحسانا لأنه مأذون فيه دلالة

وفي المحيط ولو ذبح شاة وعلقها لأجل السلخ فسلخها انسان ضمن لأن الناس يتفاوتون في السلخ دون الذبح ولو ألقى قشور الرمان أو البطيخ على قارعة الطريق فزلقت بها دابة انسان فتلفت يضمن لأنه غير مأذون في هذا الفعل ومن فعل فعلا هو غير مأذون فيه فما تولد منه يكون مضمونا عليه

مر رجل في طريق المسلمين فتعلق ثوبه بقفل حانوت رجل فتخرق قال ابو القاسم الصفار رحمه الله تعالى إن كان القفل في ملكه لا يضمن وإن كان في غير ملكه يضمن


281

وهاهنا زيادة لا بد منها وهي أنه إذا تعلق ثوبه بذلك فجر ثوبه فتخرق بجره لا يضمن صاحب القفل لأنه إذا جر الثوب فهو الذي خرقه

رجل جلس على ثوب انسان وهو لا يعلم حتى قام صاحبه فانشق ثوبه من جلوسه ضمن النقصان

ولو عض رجل يد آخر فأخرج يده من فم العاض فكسر اسنان العاض وسقط من لحم يد المعضوض شيء وجرح يده لا يجب موجب السن لأنه مضطر في نزع اليد ويجب على العاض أرش اليد لأنه جان

وفي فوائد صدر الاسلام طاهر بن محمود رحمه الله تعالى الحائك إذا عمل لانسان ثوبا فأراد مالكه أخذه منه فأبي الحائك أن يدفعه حتى يأخذ الأجرة فمد صاحب الثوب الثوب فتخرق من مد صاحبه لا يضمن الحائك شيئا وإن تخرق من مدهما ضمن الحائك نصف قيمة النقصان ولو أخذ يد رجل فمد ذلك الرجل يده فشلت إن أخذ يده لأجل التحية لا يجب الضمان وإن أخذها لأجل العض تجب دية اليد على الآخذ لأنه مضطر في مد يده

رجل تشبث بثوب آخر فجذبه المتشبث من يد صاحبه حتى تخرق يضمن جميع القيمة فإن جذبه صاحبه من يد المتشبث ضمن المتشبث نصف القيمة

وفي المبسوط غصب ثوب إنسان ولبسه ثم جاء صاحب الثوب فمد ثوبه والغاصب لا يعلم أنه صاحب الثوب فتخرق الثوب لا ضمان على الغاصب لأنه تخرق من مده ولو قال صاحب الثوب رد علي ثوبي فمنعه فمد مدا لا يمد مثله من شدته فتخرق الثوب لا ضمان على الغاصب أيضا ولو مده كما يمد الناس عادة فتخرق منه ضمن الغاصب نصف القيمة لأنه من جنايتهما لأن إمساكه ومنعه ثوب غيره جناية

وفي فتاوى النسفي رحمه الله تعالى سئل عمن أوقد نارا في ملك غيره فتعدت إلى كدس حنطة أو شيء آخر من الأموال فأحرقته هل يضمن قال لا ولو أحرقت شيئا في المكان الذي أوقد فيه ضمن قلت وفرق أصحابنا رحمهم الله تعالى بين الماء والنار قالوا لو أوقد النار في أرض نفسه فتعدت إلى أرض غيره فأحرقت شيئا لا يضمن ولو سال الماء إلى أرض نفسه فسال إلى أرض غيره وأتلف شيئا ضمن لأن من طبع النار الخمود والتعدي إنما يكون بفعل الريح ونحوه فلم يضف إلى فعل الموقد فلم يضمن ومن طبع الماء السيلان فالائتلاف يضاف إلى فعله

وسئل صاحب المحيط عن مزارع أوقد نارا في الأرض المملكة في يوم ريح فاحترق الحشيش وسرت النار إلى الأكداس فاحترقت هل يضمن الموقد أجاب رحمه الله تعالى إن كانت الريح وقت الإيقاد ريحا يذهب مثلها بمثل تلك النار إلى تلك الأكداس يضمن والله تعالى أعلم

وفي فتاوى ظهير الدين رجل أوقد في تنوره نارا وألقى فيه من الحطب مالا يحتمله التنور فاحترق بيته وتعدت إلى دار جاره فأحرقتها يضمن صاحب التنور ولو مر بنار في ملكه أو في ملك غيره فوقعت شرارة منها على ثوب انسان فاحترق قال محمد بن الفضل رحمه الله تعالى يضمن وهكذا ذكر في النوادر عن أبي يوسف رحمه الله تعالى

وقال بعض العلماء إن من مر بالنار في موضع له حق المرور فيه فوقعت منه شرارة في ملك انسان


282

أو ألقتها الريح لا يضمن فإن لم يكن له حق المرور في ذلك الموضع فالجواب على التفصيل إن وقعت منه شرارة يضمن وإن هب به الريح لا يضمن وهذا أظهر وعليه الفتوى

حداد ضرب حديدة على حديدة أخرى محماة فطارت شرارة من ضربه فوقعت على ثوب انسان فاحترق ثوبه ضمن الحداد وذكر الناطفي رحمه الله تعالى إذا جلس الحداد في دكانه واتخذ في حانوته كورا يعمل به والحانوت إلى جانب طريق العامة فأخرج حديدة من كوره وضربها بمطرقة فتطاير شرارها فقتلت رجلا أو فقأت عين انسان أو أحرقت شيئا أو قتلت دابة كان ضمان ما تلف بذلك من المال على الحداد ودية القتل والعين تكون على عاقلته ولو لم يدق الحداد ولكن احتملت الريح بعض النار من كوره أو الحديد المحماة فأخرجتها إلى طريق العامة فقتلت انسانا أو أحرقت ثوب انسان أو قتلت دابة كان هدرا

وفي فتاوى رشيد الدين رحمه الله تعالى ولو رش الماء في الطريق فسقطت به دابة أو انسان ذكر في الكتاب أنه يضمن مطلقا قلت وهذا الجواب في الدابة يجري على إطلاقه أما في الآدمي فإنه إذا رش كل الطريق بحيث لا يجد طريقا يمر فيه فإنه يضمن الراش وإلا فلا ومما يؤيد ما قلناه ما ذكره أبو الحسن الرستغنى في فوائده أنه لو لم يتعد في الرش ورش كما يرش الناس عادة لدفع الغبار لا ضمان عليه لأن ذلك ليس بجناية وإن تعدى بالرش ضمن

وفي المحيط من حفر بئرا وسد رأسها ففتح آخر رأسها فإنه ينظر إن كان الأول كبسها بالتراب أو الطين بما يكبس به مثله من أجزاء الأرض ثم حفرها الثاني فالضمان على الثاني وإن كان الأول كبسها بما لا يكبس به البئر عادة كالدقيق والحنطة ونحوهما فالضمان على الأول

وفي فتاوى ظهير الدين من حفر بئرا فغطى رأسها فرفع آخر الغطاء فتلف بها شيء ضمن الأول ومن حفر في أرض غيره بئرا ضمن النقصان وقال بعض العلماء يؤمر بالكبس ولا يضمن النقصان ولو هدم جدار غيره لا يجبر على بنائه والمالك بالخيار إن شاء ضمنه قيمة الحائط والنقص للضامن وإن شاء أخذ النقص وقيمة النقصان

وفي فتاوى قاضيخان من حفر بئرا في فناء مسجد أو هدم حائط المسجد فإنه يؤمر بالتسوية ولا يقضى بالنقصان وكذا من حفر بئرا في فناء قوم يؤمر بالتسوية

الغاصب إذا حفر بئرا في الدار المغصوبة ورضى به المالك فأراد الغاصب طمها ليس له ذلك عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى له ذلك سواء ينتفع بها أو لم ينتفع

وفي بعض الفتاوى رجل نزح ماء بئر انسان حتى صارت يابسة لا شيء عليه لأن صاحب البئر غير مالك للماء ولو صب ماء انسان من الجب يقال له املأه لأنه ملكه والماء من ذوات الأمثال

وفي فتاوي ظهير الدين قطع أشجار كرم انسان يضمن القيمة لأنه أتلف غير المثلى وطريق معرفة ذلك أن يقوم الكرم مع الأشجار النابتة ويقوم مقطوع الأشجار ففضل ما بينهما قيمة الأشجار وبعد ذلك صاحب الكرم بالخيار إن شاء دفع الأشجار المقطوعة إلى القاطع وضمنه تلك القيمة وإن شاء أمسك الأشجار ودفع من تلك القيمة قيمة الأشجار المقطوعة ويضمنه الباقي


283

وذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى مسألة قطع الأشجار هكذا ثم قال وإن كانت قيمة الأشجار مقطوعة وغير مقطوعة سواء فلا شيء عليه

وفي فتاوى قاضيخان رجل أتلف على رجل أحد مصراعي باب أو أحد زوجي خف أو مكعب كان للمالك أن يسلم إليه المصراع الآخر أو الزوج الآخر ويضمنه قيمتهما

وفي الايضاح المغصوب إذا كان قائما في يد الغاصب فالمغصوب منه يأخذه مثليا كان المغصوب أو غير مثلى في الوجوه كلها إلا إذا كانت قيمته في بلدة الخصومة أقل من قيمته في بلدة الغصب فحينئذ يثبت للمغصوب منه خيارات ثلاثة إن شاء انتظر وإن شاء رضي به وإن شاء أخذ قيمة المغصوب في بلد الغصب يوم الخصومة وفي المثلى الجواب على التفصيل إن تساوت القيمة في البلدتين يطالبه برد المثل وإن كانت القيمة في بلدة الخصومة أكثر فللمالك خيارات ثلاثة رضى بالمثل وإن شاء طالبه بقيمته في بلدة الغصب يوم الخصومة وإن شاء انتظر وإن كان قيمته في بلدة الغصب أقل فالغاصب بالخيار إن شاء أعطاه المثل وإن شاء أعطاه القيمة في بلدة الغصب أو في مكان الغصب يوم الخصومة إلا إذا رضي المالك بالتأخير فيكون له ذلك فعلى هذا ينبغي أن يذكر في دعوى غصب المكيل والموزون سوى الدراهم والدنانير مكان الغصب حتى يعلم أنه هل له ولاية المطالبة أولا وهكذا ذكر في الذخيرة

لو ادعى أنه غصب منه كذا قفيز حنطة وبين الشرائط لا بد وأن يذكر مكان الغصب وذكر في عمدة المفتين إذا ادعى الوديعة لا بد من ذكر موضع الإيداع أنه في أي مصر سواء كان له حمل ومؤنة أو لم يكن وذكر في موضع آخر أنه إذا لم يكن له حمل ومؤنة لا يشترط بيان موضع الغصب وذكر في العدة من غصب منقولا فعليه مثله وإن كان مثليا وإن كان من ذوات القيم فعليه قيمته يوم الغصب

وفي فتاوى ظهير الدين غصب شاة فسمنت في يده ثم ذبحها ضمن قيمتها يوم الغصب لا يوم الذبح

غاصب الغاصب إذا رد على الغاصب الأول يبرأ عن الضمان ولو هلك المغصوب في يد غاصب الغاصب فأدى القيمة إلى الغاصب الأول يبرأ أيضا حتى لا يكون للمالك بعده أن يضمن الثاني لقيام القيمة مقام العين وهذا إذا كان قبض الأول معروفا بقضاء القاضي أو بغير قضائه وإنما يصير معروفا بإقامة البينة أو بتصديق المالك فأما إذا أقر الغاصب بذلك فإنه لا يصدق في حق المالك ويصدق في حق نفسه والمالك بالخيار في تضمين أيهما شاء

وذكر رشيد الدين رحمه الله تعالى في فتاويه لو باع غاصب الغاصب وأخذ الثمن لا يكون للغاصب الأول أن يأخذ الثمن منه لأنه ليس بمالك وليس بنائب عنه ولا يكون له إجازة البيع وللمغصوب منه الخيار في تضمين الغاصب أو غاصب الغاصب

رجل غصب عبدا فغصبه منه آخر فمات عنده فالمولى بالخيار إن شاء ضمن الأول ويتبع الأول الآخر وإن شاء أبرأ الأول واتبع الثاني بالقيمة ولا شيء له على الأول

وفي النوازل رجل هشم إبريق فضة لإنسان ثم جاء آخر وهشمه هشما زاد في نقصانه بريء الأول من الضمان وضمن الثاني مثله


284

وفي المحيط المالك إذا أجر المغصوب من الغاصب يبرأ من الضمان بنفس العقد كما لو باعه منه ولو أعاره منه لا يبرأ حتى لو هلك قبل الاستعمال يكون مضمونا على الغاصب

إذا قال المالك للغاصب أودعتك المغصوب ثم هلك في يده يضمنه لأنه لم يوجد الإبراء عن الضمان نصا والأمر بالحفظ وعقد الوديعة لا ينافيان ضمان الغصب كما إذا خالف المودع يضمن وإن كان العقد قائما وتوكيل المالك الغاصب ببيع المغصوب لا يبرئه من ضمانه وإن باعه مالم يسلمه وكذلك لو باع المالك المغصوب لا يخرج عن ضمان الغاصب مالم يسلمه إلى المشتري

وفي التجنيس إذا وضع المغصوب بين يدي المالك يبرأ وإن لم يوجد منه حقيقة القبض وكذا المودع بخلاف ما إذا استهلك المغصوب أو الوديعة ثم جاء بالقيمة ووضعها بين يدي المالك فإنه لا يبرأ ما لم يوجد حقيقة القبض

وفي النوازل جارية جاءت إلى نخاس بغير اذن مولاها طالبة للبيع ثم ذهبت ولا يدري أين ذهبت وقال النخاس رددتها عليك فالقول قوله ولا ضمان عليه لأن الجارية هي التي أتت إليه فكانت أمانة عنده وتفسير ذلك أن النخاس لم يأخذ الجارية حتى يصير غاصبا ومعنى الرد أن يأمرها بالذهاب إلى المنزل

نوع في ضمان أحد الشريكين بسبب العين المشتركة ذكر القاضي ظهير الدين رحمه الله تعالى في فتاواه ولو استعمل عبدا مشتركا بينه وبين غيره بغير اذن شريكه يصير غاصبا نصيبه

وفي أجناس الناطفي رحمه الله تعالى في استعمال العبد المشترك بغير اذن شريكه روايتان في رواية هشام عن محمد يصير غاصبا وفي رواية ابن رستم عنه لا يصير غاصبا وفي الدابة المشتركة يصير غاصبا على الروايتين

وفي العمادي قال سئل جدي رحمه الله تعالى عن المواشي المشتركة بين اثنين وغاب أحد الشريكين فدفع الشريك الحاضر نصيبه ونصيب الآخر إلى الراعي فهلكت هل يضمن نصيب صاحبه أجاب بأنه يضمن لأنه مودع يمكنه أن يحفظها بيد أجيره فلا يصير مودعا غيره

رجلان بينهما دار غاب أحدهما فللحاضر أن يسكن الدار كلها وكذا الخادم بخلاف الدابة

وفي الذخيرة بيت أو حانوت بين شريكين سكنه أحدهما لا تجب عليه الأجرة وإن كان معدا للاستغلال لأنه سكن بتأويل الملك

وفي القنية رجل له سفينة فاشترك مع أربعة على أن يعملوا في سفينته وآلاتها والخمس لصاحب السفينة والباقي بينهم بالسوية فهي فاسدة والحاصل لصاحب السفينة وعليه أجر مثلهم لهم

وعن عين الأئمة الكرابيسي رجل أقرض لصاحبه مائة درهم ودفعها إليه ثم أخرج مائة أخرى وخلط المائتين وقال للمستقرض خذهما واتجر بهما على الشركة فهذا مختل لأنهما لم يبينا الربح فليس بشركة

وفي أجناس الناطفي والروضة قال محمد بن الحسن رحمه الله تعالى إذا كان دود القز من واحد وورق التوت منه أيضا والعمل من آخر على أن القز بينهما نصفين أو اقل أو أكثر لم يجز وكذا لو كان العمل منهما وإنما يجوز أن لو كان البيض منهما والعمل عليهما وإن لم يعمل صاحب الأوراق لا يضره


285

زرع أرضا مشتركة بينه وبين غيره هل للشريك أن يطالبه بالربع أو بالثلث بحصة نفسه من الأرض كما هو عرف ذلك الموضع أجيب بأنه لا يملك ذلك ولكن يغرمه نقصان نصيبه من الأرض إن دخل فيها النقصان

المكيل أو الموزون إذا كان بين حاضر وغائب أو بين صبي وبالغ فأخذ الحاضر أو البالغ نصيبه فإنما تنفذ قسمته من غير خصم إذا سلم نصيب الغائب والصبي حتى لو هلك ما بقي قبل أن يصل إلى الغائب أو إلى الصبي كان الهلاك عليهما

ضمان المأمور والدلال وما يتصل بذلك رجل دفع إلى آخر غلاما مقيدا بالسلسلة وقال اذهب به إلى بيتك مع هذه السلسلة فهذب به بدون السلسلة فأبق العبد لا يضمن لأنه أمره بشيئين وقد أتى بأحدهما ولو بعث انسانا إلى ماشية غيره فأخذ المبعوث دابة الباعث وركبها فهلكت إن كان بين الآمر والمبعوث انبساط في مثل ذلك فلا ضمان وإلا فهو ضامن

رجل أعطى رجلا قوسا فمده فانكسر إن أمره بالمد لا يضمن لأنه فعله بأمره وإن لم يأمره بذلك ضمن لأنه فعله بغير أمره

وفي واقعات الناطفي رجل قال لآخر بعت منك دمي بفلس أو بألف فقبله الآخر وقتله فإنه يجب عليه القصاص ولو قال اقتلني فقتله لا قصاص عليه وتجب الدية في ماله لأنه إطلاق فأفاد شبهة

وروى عن الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا شيء عليه

وقال ركن الاسلام أبو الفضل الكرماني رحمه الله تعالى لا تجب الدية في اصح الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى بخلاف ما لو قال اقطع يدي أو رجلي أو اقتل عبدي ففعل لا شيء عليه بالإجماع لأن الأطراف لا يسلك بها مسلك الأموال فصح الأمر

قال العمادي وقد وقعت ببخارى واقعة وهي رجل قال لآخر إرم السهم الي حتى آخذه فرمى إليه بأمره فأصاب عينه فذهبت قال الامام فخر الدين قاضيخان رحمه الله تعالى لا يضمن وهكذا أفتى بعض المشايخ وقاسوا ذلك على مسألة القطع بأن قال اقطع يدي أو رجلي وقد مرت

وفي التجريد رجل دفع إلى دلال ثوبا ليبيعه فدفعه الدلال إلى رجل على سوم الشراء بإذن الدافع ثم نسيه لا يضمن لأنه إذا أذن صاحب الثوب بالدفع للسوم لم يكن الدفع تعديا

وفي فتاوى النسفي رجل دفع ثوبا إلى دلال ليبيعه فعرضه الدلال على صاحب دكان وتركه عنده فهرب صاحب الدكان وذهب به لا ضمان على الدلال وهو الصحيح لأن هذا أمر لا بد منه في البيع

وفي فتاوى قاضيخان الدلال إذا دفع الثوب إلى من استلمه لينظر فيه ثم يشتريه فأخذه الرجل وذهب ولم يظفر به الدلال قالوا لا يضمن الدلال لأنه مأذون في هذا الدفع ثم قال رحمه الله تعالى وعندي أنه إنما لم يضمن إذا دفع الثوب إليه ولم يفارقه أما إذا فارقه ضمن كما لو أودعه الدلال عند صاحب الدكان فهرب بالمتاع يضمن الدلال وليس للمودع أن يودع

وفي فتاوى ظهير الدين الوكيل بالبيع إذا دفع المبيع إلى رجل ليعرضه على من أحب فهرب ذلك


286

الرجل بالمبيع أو هلك في يده أجاب نجم الدين رحمه الله تعالى أنه لا يضمن الوكيل والصحيح أنه يضمن وقال بعض المشايخ إن كان الذي دفع إليه ثقة أمينا لا يضمن

الوكيل بالبيع إذا قال بعته من رجل لا أعرفه وسلمته ولم أقدر عليه أفتى ظهير الدين رحمه الله تعالى أنه يضمن الوكيل

قال ومسألة القمقمة بخلاف هذا الجواب وهي إذا دفع قمقمة إلى آخر وقال له ادفعها إلى من يصلحها ولا يعلم إلى من دفع إليه لا ضمان عليه كما لو وضع الوديعة في داره ونسيها وقد هلكت لا ضمان عليه

وفي العدة رجل غاب وأمره تلميذه أن يبيع السلعة ويسلم ثمنها إلى فلان فباع التلميذ السلعة وأمسك الثمن حتى هلك لا يضمن لأن الوكيل لا يلزمه إتمام ما تبرع به

نوع في بيان ما يصدق فيه المودع وما لا يصدق إذا ادعى المودع أنه دفع الوديعة إلى أجنبي للضرورة كوقوع الحريق ونحوه لا يصدق الا ببينة عند ابي حنيفة وابي يوسف رحمهما الله تعالى وذكر في العدة إن علم أنه وقع الحريق في بيته قبل وإلا فلا

وذكر القاضي ابو اليسر رحمه الله تعالى إذا قال المودع أودعتها عند أجنبي ثم ردها علي فهلكت عندي والمودع يكذبه في ذلك فالقول قول المودع ويضمن المودع لأنه أقر بوجوب الضمان عليه ثم ادعى الإبراء فلا يصدق الا ببينة يقيمها على ما ادعى وحينئذ لا يضمن لأنه اثبت بالبينة ارتفاع سبب وجوب الضمان وكذلك لو قال بعثتها اليك على يد أجنبي والمودع ينكر ذلك فالقول قول المودع وكذلك إذا دفعها إلى رسول المودع فأنكر المودع الرسالة ضمن المودع والقول قول المودع ولم يرجع المودع على الرسول إن صدقه أنه رسول المودع ولم يضمن له ضمان الدرك إلا أن يكون المدفوع قائما فيرجع ولو قال رددتها اليك على يدي أو على يد من في عيالي وكذبه المودع فالقول قول المودع مع يمينه لأن حاصله الاختلاف في وجوب الضمان وهو ينكر فيكون القول قوله ولو أقر المودع أنه استعملها ثم ردها إلى مكانها فهلكت لا يصدق في الرد الا ببينة لأنه أقر بوجوب الضمان ثم ادعى البراءة فلا يصدق الا ببينة فالحاصل أن المودع إذا خالف في الوديعة ثم عاد إلى الوفاق إنما يبرأ عن الضمان إذا صدقه المالك في العود وإن كذبه لا يبرأ إلا أن يقيم البينة على العود إلى الوفاق

وفي المنتقى إذا قال المودع ضاعت الوديعة منذ عشرة أيام واقام المودع بينة أنها كانت عنده منذ يومين فقال المودع وجدتها فضاعت يقبل هذا منه ولا يضمن ولو قال أولا ليست عندي ثم قال وجدتها فضاعت يضمن

العقار هل يضمن بالجحود أو لا وذكر شمس الأئمة السرخسي إذا جحد الوديعة في العقار لا يضمن عند ابي حنيفة وابي يوسف رحمهما الله تعالى ومن المشايخ من قال العقار يضمن بالجحود بلا خلاف وقال شمس الأئمة الحلواني في ضمان العقار بالجحود عند ابي حنيفة رحمه الله روايتان

نوع في ضمان المستعير ذكر في الذخيرة رجل استعار دابة أو استأجرها ليشيع جنازة فركبها


287

ثم نزل ودفعها إلى إنسان ليصلي صلاة الجنازة فسرقت لا ضمان على المستعير ولا على المستأجر فصار الحفظ في هذا الوقت مستثنى

وفي فتاوى ظهير الدين لو كان يصلي في الصحراء ونزل عن الدابة وأمسكها فانفلتت منه لا ضمان عليه قلت وهذه المسألة دليل على أن المعتبر أن لا يغيبها عن بصره

وذكر في فتاوى الفضلى عن محمد رحمه الله تعالى فيما استعار دابة فحضرت الصلاة فدفعها إلى غيره ليمسكها فضاعت قال إن كان شرط في العارية ركوب نفسه فهو ضامن وإلا فلا ضمان عليه ولو سلم الدابة إلى رجل ليسلمها إلى مالكها فضاعت ضمن وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى هذا إذا كان شرط أن يحمل أو يركب بنفسه أما إذا أطلق ولم يبين فلا ضمان عليه لأن العارية تودع

وفي العدة لو استعار فرسا حاملا ليركبها إلى موضع كذا فركبها وأردف معه آخر فأسقطت جنينا فلا ضمان عليه في الجنين ولكن إذا نقصت الأم بسبب ذلك فعليه نصف النقصان لأن النقصان حصل بركوبه وركوب غيره وركوبه مأذون فيه فلم يصح سببا للضمان وركوب غيره ليس بمأذون فيه فأوجبنا عليه نصف الضمان لهذا وهذا إذا كان الفرس بحال يمكن أن يركبه اثنان فأما إذا كان لا يمكن فهو اتلاف فيضمن المستعير جميع النقصان ولو استعار دابة وفي بطنها ولد فزلقت من غير صنعه وأسقطت الولد لا يضمن المستعير ولو نخعها باللجام أو فقأ عينها يضمن

وفي خلاصة المفتي رجل استعار دابة فقال مالكها أعطكيها غدا ثم جاء المستعير في الغد وأخذها بغير اذن مالكها واستعملها وردها فماتت لا يضمن

وفي الذخيرة المستعير إذا قضى حاجته من الدابة ثم ردها على يد بعض من في عياله فلا ضمان عليه إن عطبت هذا هو العرف فيما بين الناس بخلاف الوديعة ولو ردها على يد بعض عبد صاحب الدابة وهو عبد يقوم عليها لا يضمن وكذلك إذا ردها على يد عبد لا تقوم عليها يبرأ أيضا في الصحيح وكذلك لو لم يجد صاحب الدابة ولا خادمه فربطها على معلفها في دار صاحبها لا يضمن

وفي الوديعة إذا ردها على يد عبد صاحب الوديعة وضاعت من يده يضمن المودع سواء كان العبد ممن يقوم عليها أو لا يقوم وهو الصحيح

وفي العدة إذا كانت العارية عقد جوهر أو شيئا نفيسا فدفع ذلك إلى عبد المعير أو إلى أجيره يضمن والمستأجر في رد المستأجر كالمستعير والمرتهن بمنزلة المودع

وفي فتاوى ظهير الدين امرأة استعارت ملاءة ووضعتها داخل البيت والباب مفتوح فصعدت السطح فهلكت الملاءة قيل تضمن وقيل لا تضمن ولو استعارت سراويل لتلبسه فلبسته وهي تمشي فزلقت رجلها فتخرق السراويل لا ضمان عليها لأنه لا صنع لها فيه

وفي فتاوى الديناري إذا نقصت العين المستعارة في حالة الاستعمال لا يجب الضمان بسبب النقصان إذا استعملها استعمالا معهودا

رجل دخل منزل انسان باذنه وأخذ إناء لينظر إليه فوقع وانكسر لا يضمن وإن أخذه بغير اذنه بخلاف ما إذا دخل في السوق الذي يباع فيه الإناء فأخذ إناء بغير اذن مالكه فسقط وانكسر يضمن


288

رجل ساوم قدحا ليشتريه من صاحبه فقال أرني قدحك هذا فدفعه إليه لينظر فيه فوقع منه على الأقداح فانكسر القدح وأقداح أخر لا ضمان عليه في القدح الذي ساومه ويضمن الأقداح

وفي النوازل لو استعمل قصاع الحمام فسقطت قصعة من يده وانكسرت أو أخذ كوز فقاع ليشرب فسقط أو أخذ قدحا فوقع من يده لا يضمن لأنه عارية

وفي تجريد أبي الفضل رحمه الله تعالى إذا اختلف المعير والمستعير في الأيام أو في المكان أو فيما يحمل على الدابة العارية فالقول قول رب الدابة مع يمينه

ضمان المرتهن المرتهن إذا ركب الدابة المرهونة ليردها على المالك فهلكت في الطريق لا يضمن إن سلمت من ركوبه ولكن لا يصدق الا ببينة على سلامتها ولو رهن عبدا فأبق سقط الرهن فإن وجده صار رهنا ويسقط من الدين بحساب ذلك إن كان أول إباق وإن كان أبق قبل ذلك فلا ينقص من الدين شيء وسيأتي تمامه في فصل الرهن إن شاء الله تعالى

ضمان المستأجر ذكر في شرح الطحاوي أن في كل موضع في الإعارة يضمن في الاجارة ولا يجب الأجر وفي كل موضع لا يضمن في الاعارة لا يضمن في الاجارة ويجب الأجر انتهى

وفي العدة الحمار المستأجر إذا عمي أو عجز عن المشي فباعه المستأجر وأخذ ثمنه وهلك في الطريق إن كان في موضع لا يصل إلى الحاكم حتى يأمره ببيعه لا ضمان عليه في الحمار ولا في ثمنه وإن كان في موضع يقدر على ذلك أو يستطيع إمساكه أو رده أعمى فهو ضامن لقيمته

رجل استأجر حمارا فحمل عليه وله حمار آخر حمل عليه أيضا فلما سارا بعض الطريق سقط حماره واشتغل به فذهب الحمار المستأجر وهلك هل يضمن قيل إن كان بحالة لو اتبع الحمار المستأجر يهلك حماره أو متاعه لا يضمن وإلا فيضمن

وفي الذخيرة إذا كان المستأجر استأجر حمارين فاشتغل بحمل أحدهما فضاع الآخر إن غاب عن بصره فهو ضامن قلت فعلى هذا ينبغي أن يضمن في المسألة التي مرت إن غاب الحمار عن بصره ثم هلك

رجل استأجر حمارا ليذهب به إلى موضع معلوم فأخبر أن في الطريق لصوصا فلم يلتفت إلى ذلك فأخذه اللصوص وذهبوا بالحمار إن كان الناس يسلكون ذلك الطريق مع هذا الخبر بدوابهم وأموالهم فلا ضمان وإلا فهو ضامن

وفي فتاوى قاضيخان استأجر دابة أو عبدا فإن مؤنة الرد بعد الفراغ على صاحب العبد والدابة وكذا مؤنة رد المرهون تكون على الراهن ومؤنة رد الوديعة تكون على صاحبها ومؤنة رد المستعار تكون على المستعير ومؤنة رد المغصوب تكون على الغاصب وكذا مؤنة رد المبيع بيعا فاسدا بعد الفسخ على القابض

استأجر مكاريا أو حمالا يحمل له طعاما في طريق كذا فأخذ طريقا آخر يسلكه الناس فهلك المتاع لا يضمن قالوا هذا إذا كان الطريقان متقاربين أما إذا كان بينهما تفاوت فاحش في الطول والقصر والسهولة والصعوبة فيضمن

وذكر في العدة بقار لأهل قرية ولهم مرعى ملتف بالاشجار لا يمكنه النظر إلى كل بقرة فضاعت بقرة


289

لا يضمن ولو مرت بقرة على قنطرة فدخلت رجلها في ثقب القنطرة فانكسرت أو دخلت في ماء عميق والبقار لا يعلم فلم يسقها ضمن إذا أمكنه سوقها

وفي الذخيرة أهل موضع جرت العادة بينهم أن البقار إذا دخل السرح في السكك أرسل كل بقرة في سكة صاحبها ففعل الراعي كذلك فضاعت بقرة أو شاة قبل أن تصل إلى صاحبها لا ضمان عليه لأن المعروف كالمشروط

ضمان الحارس رجل استؤجر لحفظ خان فسرق من الخان شيء لا ضمان عليه لأنه يحفظ الأبواب فقط أما الأموال فهي في يد أربابها في البيوت

وروى عن أحمد بن محمد القاضي في حارس يحرس الحوانيت في السوق فنقب حانوت وسرق منه أنه ضامن لأنه في معنى الأجير المشترك لأن لكل واحد حانوتا على حدة فصار بمنزلة من يرعى غنما لكل انسان شاة ونحو ذلك وقال الفقيه أبو جعفر والفقيه أبو بكر رحمهما الله تعالى الحارس أجير خاص فلا يضمن إذا نقب الحانوت لأن الأموال محفوظة في البيوت وفي يد ملاكها وهو الصحيح وعليه الفتوى واختار الفقيه أبو جعفر أنه يضمن ما كان خارج السوق ولا يضمن ما كان داخل السوق

وذكر في التجريد الدلال والنخاس أجير مشترك حتى لو ضاع شيء من يدهما من غير صنعهما فلا ضمان عليهما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى

ضمان الحمال ولو استأجر حمالا يحمل له دن خل فعثر وانكسر يضمن لأنه تولد من عمله وهذا إذا انكسر في وسط الطريق أما إذا سقط من رأسه أو زلقت رجله بعد ما انتهى إلى المكان المشروط ثم انكسر الدن فله الأجر ولا ضمان عليه لأنه حين انتهى إلى المكان المشروط لم يبق الحمل مضمونا عليه

وفي المنتقى ولو استأجر حمالا ليحمل له زقا من سمن فحمله صاحبه والحمال ليضعاه على رأس الحمال فوقع وتخرق الزق لا يضمن الحمال لأنه لم يسلم إليه السمن فإن السمن في يد صاحبه بعد ولا ضمان على الحمال بدون التسليم

وذكر في النوازل ابن سماعة رحمه الله تعالى ولو حمله ثم وضعه في بعض الطريق ثم أراد رفعه فاستعان برب الزق فرفعاه ليضعاه على رأس الحمال فوقع وتخرق فالحمال ضامن لأنه صار في ضمانه حين حمله ولم يبرأ منه بعد لأنه لم يسلمه إلى صاحبه

وفي الذخيرة إذا سرق المتاع من رأس الحمال ورب المتاع معه لا يضمن وإن لم يكن صاحبه معه لا يضمن أيضا عند ابي حنيفة رحمه الله تعالى خلافا لهما وإذا انقطع حبل الحمال وسقط الحمل ضمن الحمال بالاتفاق

ضمان المكاري ذكر في الذخيرة لو عثرت الدابة المستأجرة من سوق المكاري فسقط الحمل وفسد المتاع وصاحب المتاع راكب على الدابة لا يضمن الأجير بخلاف ما إذا عثرت الدابة المستأجرة وسقط المتاع وهلك وصاحب المتاع يسير معه خلف الدابة فإن الأجير يضمن لأن الهلاك حصل من جناية يده ومحل العمل مسلم إليه

وفي فتاوى أبي الليث رحمه الله تعالى مكار حمل كرابيس إنسان فاستقبله اللصوص فطرح الكرابيس


290

وذهب بالحمار قال إن كان يعلم أنه لو لم يطرح الكرابيس اخذوا الكرابيس والحمار جميعا فلا ضمان عليه لأنه لم يترك الحفظ مع القدرة عليه

ضمان النساج وفي فتاوى الفضلى رحمه الله تعالى إذا دفع إلى نساج غزلا لينسجه كرباسا فدفعه النساج إلى آخر لينسجه كرباسا فدفعه النساج إلى آخر لينسجه فسرق من بيت الآخر إن كان أجير الأول فلا ضمان على واحد منهما وإن لم يكن أجير الأول وكان أجنبيا ضمن بلا خلاف ولا يضمن الآخر عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما رحمهما الله تعالى يضمن وهو نظير المودع إذا دفع الوديعة إلى أجنبي بغير اذن مالكها فعندهما صاحب الوديعة يضمن أيهما شاء وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يضمن الأول وليس له أن يضمن الثاني

قال صاحب الذخيرة وعلى قياس ما ذكره القدوري أن كل صانع اشترط عليه العمل بنفسه ليس له أن يستعمل غيره وإنما لا يضمن إذا كان الآخر أجير الأول فيما إذا كان أطلق له العمل أما إذا شرط عليه النسج بنفسه يضمن بالدفع إلى الآخر وإن كان أجيره

إذا قال صاحب الثوب للنساج اذهب بالثوب إلى منزلك حتى إذا رجعنا من الجمعة سرت إلى منزلي فأوفى لك أجرك فاختلس الثوب من يد الحائك في التوجه قال الفقيه أبو بكر البلخي رحمه الله تعالى إن كان الحائك دفع الثوب إلى صاحبه أو مكنه من الأخذ ثم دفعه صاحبه إلى الحائك ليوفي له الأجر يكون الثوب رهنا فإذا هلك هلك بالأجر وإن كان صاحب الثوب دفع الثوب إليه على وجه الوديعة لا يضمن الحائك وتكون أجرته على صاحب الثوب ولو صنعه الحائك بالأجر قبل الدفع اختلف العلماء فيه فإن اصطلحا على شيء كان حسنا كذا في فتاوى قاضيخان رحمه الله تعالى

وفي العمادي للحائك والقصار والصباغ ولكل صانع لعمله أثر في العين احتباس ما استؤجروا على العمل فيه حتى يأخذوا الأجرة ولو هلك في يده بعد الحبس لا يضمن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولا أجر له بهلاك المعقود عليه قبل التسليم

حائك عمل بالأجر فتعلق الآجر به ليأخذه وابى الحائك أن يدفع حتى يأخذ الأجرة فتخرق من مد صاحبه لا ضمان على الحائك وإن تخرق من مدهما فعلى الحائك نصف الضمان

إذا خالف الحائك في النسج بأن أمره أن ينسج له ثوبا سبعا في أربع أو ستا في أربع أو أمره أن ينسجه رقيقا فنسجه ثخينا أو على العكس ففي الفصول كلها صاحب الغزل بالخيار إن شاء ترك الثوب على النساج وضمنه غزلا مثل غزله وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه الاجر المسمى لا يزاد في الزيادة ولا ينقص في النقصان لأنه متبرع في الزيادة وفي النقصان نقصان العمل

وذكر صاحب الذخيرة هذه المسألة هكذا ثم قال اختلف المشايخ هل يعطيه المسمى أو أجر المثل قال بعضهم يعطيه أجر المثل على كل حال لا يجاوز به ما سمى وقال بعضهم يعطيه ما سمى إذا أخذ الثوب ورضى بالعيب وإن أخذ الثوب ولم يرض بالعيب يعطيه أجر المثل على كل حال لا يجاوز به المسمى

ضمان الخياط رجل قال للخياط انظر إلى هذا الثوب فإن كفاني قميصا فاقطعه بدرهم وخطه فقال الخياط نعم وقطعه ثم قال بعد ما قطعه إنه لا يكفيك ضمن الخياط قيمة الثوب لأنه إنما أذن له بالقطع بشرط الكفاية ولو قال للخياط انظر أيكفيني قميصا فقال الخياط نعم يكفيك فقال صاحب


291

الثوب اقطعه فقطعه فإذا هو لا يكفيه لا يضمن الخياط شيئا لأنه أذن بالقطع مطلقا وإن قال الخياط نعم فقال صاحب الثوب فاقطعه وقال اقطعه إذن فقطعه كان ضامنا إذا كان لا يكفيه لأنه علق ذلك الاذن بالشرط

وفي الذخيرة رجل دفع إلى خياط كرباسا ليخيط له قميصا فخاطه له قميصا فاسدا وعلم صاحب الثوب بالفساد ولبسه ليس له أن يضمنه لأن اللبس يكون رضا بالإفساد قال ويعلم من هذه المسألة كثير من المسائل

وفي المنتقى إذا دفع إلى خياط ثوبا وقال اقطعه حتى يصيب القدم أو اجعل كمه خمسة أشبار وعرضه كذا فجاء به ناقصا قال إذا كان قدر أصبع ونحوه فليس بشيء وإن كان أكثر منه فله أن يضمنه

ضمان القصار القصار إذا لبس ثوب القصارة ثم نزعه فضاع بعده لا يضمن وفي العيون ولو دفع إلى قصار ثوبا ليقصره له بدانق فجعل القصار بدقه فاستعان برب الثوب على دقه فدقه فتخرق الثوب قال محمد رحمه الله تعالى إذا لم يعلم من أيهما تخرق فالضمان على القصار لأنه قي يده وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يضمن القصار نصف القيمة وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى أنه يجب كل الضمان على القصار حتى يعلم أنه تخرق من دق صاحبه وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ينبغي أن لا يضمن القصار أصلا مالم يعلم أنه تخرق من دقه بناء على أن يد الأجير المشترك يد أمانة عنده يد ضمان عندهما وإذا لم يتخرق الثوب هل يسقط من الأجر مقدار ما يخصه من عمل المالك ذكر في المحيط عن شمس الأئمة أن الأجير إن استعان بالمستأجر لم ينقل فعل المستأجر إلى الأجير حتى يستوجب الأجر وكذلك لو جاء صاحب الثوب وخاط بعض الثوب في يد الخياط أو نسج بعض ثوبه في يد النساج فإنه يسقط من الأحر بحصته لأن الإعانة لا تجري في الاجارة بخلاف المضاربة فإن الإعانة تجري فيها

وفي الذخيرة لو جفف القصار الثوب فمرت به حمولة فتخرق لا ضمان عليه عند أبي يوسف رحمه الله تعالى لأن الهلاك لم يكن من فعله وعمله وعندهما يضمن لأن هذا مما يمكن الاحتراز عنه

تلميذ القصار أو أجيره الخاص إذا أوقد نارا بأمر الأستاذ أو السراج فوقعت شرارة على ثوب القصارة فلا ضمان على الأجير وإنما الضمان على أستاذه وإن لم يكن من ثياب القصارة ضمن الأجير

وعن محمد رحمه الله تعالى إذا أدخل القصار سراجا في حانوته فاحترق به ثوب غيره بغير فعله ضمن لأن هذا مما يمكن الاحتراز عنه في الجملة وإنما لا يضمن في الحريق الغالب الذي لا يمكن إطفاؤه وهذا قولهما فأما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فلا يضمن ما هلك بغير صنعه

استفتيت أئمة بخارى عن القصار إذا شرط عليه أن يفرغ اليوم من العمل فلم يفرغ وهلك في الغد هل يضمن أم لا أجابوا نعم يضمن ولو اختلفا في الشرط وعدمه فينبغي أن يكون القول للقصار لأنه منكر للشرط ثم إذا شرط عليه أن يفرغ اليوم أو نحوه من العمل ولم يفرغ فيه وقصره بعد ايام هل تجب الأجرة قال صاحب الفصول كانت واقعة الفتوى وينبغي أن لا تجب الأجرة لأنه لم يبق عقد الاجارة بدليل وجوب الضمان على تقدير الهلاك اه

ضمان الصباغ رجل دفع إلى صباغ إبريسما ليصبغه بكذا ثم قال للصباغ لا تصبغ إبريسمي ورده


292

علي كذلك فلم يدفعه ثم هلك لم يضمن الصباغ لأن الإجارة صحت المستأجر لا يتمكن من فسخ الاجارة بغير رضا صاحبه إلا بعذر فيبقى حكم العقد بعد نهي المستأجر ومن حكم هذا العقد أن تكون العين أمانة في يد الأجير فلا يضمنه بالهلاك في يده إلا بالتقصير ولم يوجد

وفي فتاوى قاضيخان أمر رجلا ليصبغ ثوبه بالزعفران أو بالبقم فصبغه بصبغ من جنس آخر كان لرب الثوب أن يضمنه قيمة ثوبه أبيض ويترك الثوب عليه وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه مثل أجر عمله لا يجاوز به ما سمى وإذا اختلف الصباغ ورب الثوب فقال رب الثوب أمرتك أن تصبغه بعصفر وقال الصباغ أمرتني أن أصبغه بزعفران فالقول لرب الثوب مع يمينه اه

ضمان الغلاف والوراق في الذخيرة رجل دفع إلى رجل مصحفا ليعمل فيه ودفع الغلاف معه أو دفع سيفا إلى صيقلي ليصقله ودفع الغمد إليه أيضا فسرق لا يضمن الغلاف لأنه في الغلاف مودع لا أجير والمودع لا يضمن إلا ما جنت يده وفي شرح القدوري عن محمد رحمه الله تعالى أنه قال يضمن المصحف والغلاف والسيف والغمد لأن السيف لا يستغني عن الغمد والمصحف عن الغلاف فصارا كشيء واحد وإن أعطاه المصحف ليعمل له غلافا أو سكينا ليعمل لها نصابا فضاع المصحف أو السكين لم يضمن لأنه استأجره على ايقاع العمل في غيرهما لا فيهما وهما ليسا يتبع في ذلك العين قال العمادي صاحب الفصول وفي فوائد جدي رحمه الله تعالى دفع مصحفا إلى وراق ليجلده فسافر به وأخذه اللصوص هل يضمن أجاب نعم

قال عمي نظام الدين رحمه الله تعالى وقد أجبت أنه لا يضمن معتمدا على ظاهر الفقه أن المودع إذا سافر بالوديعة لا يضمن ولا يقال إنه مودع بأجر فيضمن لأنه ليس ثمة عقد حتى يتعين عليه مكان العقد للحفظ وفي الوديعة بأجر إنما يضمن لأنه تعين مكان العقد بالحفظ وهاهنا ما أمره بالحفظ مقصودا وإنما أمره بالحفظ ضمنا في الاستئجار وفي الاجارة يعتبر مكان العقد فكذا ما في ضمنها

ضمان الفصاد في فتاوى ظهير الدين رحمه الله تعالى ليس على الفصاد والبزاغ والحجام ضمان السراية إذا لم يقطعوا زيادة على القدر المعهود المأذون فيه فإن شرط على هؤلاء العمل السليم دون الساري لا يصح الشرط لأنه ليس في وسعهم ذلك ولو شرط على الفصاد العمل على أن لا يسرى يصح لأنه في وسعه

وسئل صاحب المحيط عن رجل فصد نائما وتركه حتى مات من سيلان الدم قال يجب عليه القصاص

ضمان الحمامي في الذخيرة رجل دخل الحمام وقال لصاحب الحمام احفظ الثياب فلما خرج لم يجد ثيابه فإن قال صاحب الحمام إن غيره رفعها وهو يراه ويظن أنه يرفع ثياب نفسه فهو ضامن لأنه ترك الحفظ حيث لم يمنع القاصد وهو يراه وإن قال إني رايت شخصا قد رفع ثيابك إلا أني ظننت أن الرافع أنت فلا ضمان عليه لأنه لم يصر تاركا للحفظ لما ظن أن الرافع هو وإن سرق وهو لا يعلم به فلا ضمان عليه إن لم يذهب عن ذلك الموضع ولم يضيع

رجل دخل حماما وقال للحمامي أين أضع ثيابي فأشار الحمامي إلى موضع فوضع ثمة ودخل الحمام ثم خرج رجل ورفع الثياب ولم يمنعه الحمامي لما أنه ظنه صاحب الثياب ضمن الحمامي لأنه استحفظ وقد قصر في الحفظ وهذا قول أبي سلمة وأبي نصر الدبوسي رحمهما الله تعالى وكان أبو القاسم رحمه الله تعالى يقول لا ضمان على الحمامي والأول أصح


293

رجل دخل بدابته خانا وقال للخاني أين أربطها فقال هناك فربطها وذهب فلما رجع لم يجد دابته فقال له صاحب الخان إن صاحبك قد أخرج الدابة ليسقيها ولم يكن له صاحب ضمن الخاني لأن قوله أين أربطها استحفاظ منه له فإذا أشار له إلى موضع الربط فقد أجابه إلى الحفظ فصار مودعا وقد قصر في الحفظ فيضمن الجملة منتخبة من العمادي

الفصل العاشر في الوقف

قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يزول ملك الواقف عن الوقف إلا أن يحكم به الحاكم أو يعلقه بموته فيقول إذا مت فقد وقفت داري على كذا وقال أبو يوسف رحمه الله يزول الملك بمجرد القول وقال محمد رحمه الله تعالى لا يزول حتى يجعل للوقف وليا ويسلمه إليه كذا في الهداية

وفي جامع الفتاوى الوقف عند الامام رحمه الله تعالى على ثلاثة أوجه في وجه لا يلزم وهو ما إذا وقف في صحته وذكر شرائط الصحة وفي وجه لا يلزم في ظاهر الرواية وهو ما إذا وقف في مرض موته فهو كالوقف حال الصحة وروى الطحاوي رحمه الله تعالى أنه كالمضاف إلى ما بعد موته والثالث أن يذكر شرائط صحة الوقف في حياته ويجعله وصية بعد مماته بأن يقول أوصيت بغلة داري هذه أو أرضي هذه أو يقول جعلت ملكي هذا وقفا فتصدقوا به بعد وفاتي على كذا أو يقول يوقف ملكي هذا إلى كذا فيجوز من الثلث ويلزم وعندهما الوقف جائز لازم في صحته ومرضه بدون هذه التكليفات

قال صاحب المنبع وفي التتمة والعيون والحقائق الفتوى على قولهما والناس لم يأخذوا بقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى في هذا للآثار المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وتعامل الناس وكان أبو يوسف رحمه الله تعالى يقول أولا بقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى لكنه لما حج مع هارون الرشيد ورأى أوقاف الصحابة بالمدينة ونواحيها رجع وافتى بلزوم الوقف وقال بلغني حديث عمر وهو ما روى ابن عمر أن عمر رضي الله تعالى عنه كانت له أرض تدعى ثمغ فقال عمر يا رسول الله إني استفدت مالا وهو عندي نفيس أفأتصدق به فقال عليه الصلاة والسلام تصدق بأصلها لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولكن توقف ثمرته على المساكين قال أبو يوسف رحمه الله تعالى فلهذا رجعت فلو بلغ هذا أبا حنيفة رحمه الله تعالى لرجع قلت ذكر البزازي في جامعه أنه لا حجة لهم في ذلك على الامام رحمه الله تعالى فإنه نفى اللزوم لا الصحة في المذهب الصحيح والوجود لا يدل على اللزوم ولئن سلم أنه لا يصح عنده فعدم الصحة غير مستغرق لأفراده بل يصح المضاف والمحكوم بجوازه فلم لا يجوز أن يكون الوقف الموجود من تلك الأفراد صحيحا فكيف يصح الطعن على سيد التابعين بأنه لم يشاهد الأوقاف في الحرمين مع أنه حج خمسا وخمسين حجة ولقي فيها الصحابة وبذلك حكمنا بأنه من التابعين الذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه فأنى ساغ الطعن بعدم الوقوف مع ذلك العكوف انتهى

ولو وقف في مرض موته قال الطحاوي رحمه الله تعالى هو بمنزلة الوصية بعد الموت والصحيح أنه لا يلزم عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لأنه في المرض كالوصية وهي لا تجوز لوارث دون وارث


294

وعندهما يلزم إلا أنه يعتبر من الثلث والوقف في الصحة ينفذ من جميع المال ووقف المتاع جائز عند أبي يوسف رحمه الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى لا يجوز ولا يجوز وقف ما ينقل ويجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وعن محمد رحمه الله تعالى أنه يجوز وقف ما فيه تعامل الناس من المنقولات كالفأس والمر والقدوم والمنشار والجنازة وثيابها والقدور والمراجل والمصاحف ونحو ذلك وعن نصير بن يحيى رحمه الله تعالى أنه يجوز وقف الكتب إلحاقا لها بالمصحف وهذا صحيح لأن كل واحد يمسك للدين تعليما وتعلما وقراءة وأكثر فقهاء الأمصار على قول محمد رحمه الله تعالى

وفي البزازي وقف البناء بدون الأرض لم يجوزه هلال رحمه الله تعالى وهو الصحيح قال وعمل أئمة خوارزم على خلافه وقف الكردار بدون الأرض لا يجوز كوقف البناء بلا أرض والكردار فارسي معرب وهو كالبناء والأشجار

وإذا كان اصل القرية وقفا على جهة قرية فبنى عليها رجل بناء ووقف بناءها على جهة قرية أخرى اختلفوا فيه فأما إذا وقف البناء على جهة القرية التي كانت البقعة وقفا عليها فيجوز بالإجماع ويصير وقفا تبعا للقرية هذا هو الذي استقر عليه فتاوى أئمة خوارزم

غرس شجرة ووقفها إن غرسها في أرض مملوكة له يجوز وقفها تبعا للأرض وإن وقفها بدون أصلها لا يجوز وإن كانت في أرض موقوفة إن وقفها على تلك الجهة جاز كما في البناء وإن وقفها على جهة أخرى فعلى الخلاف المذكور في وقف البناء ولا يجوز وقف البناء في أرض عارية أو إجارة اه

وفي البدائع ولو وقف أشجارا قائمة فالقياس أن لا يجوز لأنه وقف المنقول وفي الاستحسان يجوز لتعامل الناس به في ذلك وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن

وقال العلامة الشيخ شرف الدين قاسم رحمه الله تعالى فعلى هذا إذا جرى التعامل بوقف البناء ينبغي أن يجوز ولكن في أرض نفسه كما تقدم أما على الأرض المستأجرة فلا يصح لأنه لا يملك استتباع ما تحت الجدر فيبقى العقد للأبد واردا على التناهي فلا يصح

وفي قنية المنية استأجر أرضا وقفا وغرس فيها وبنى ثم مضت مدة الاجارة فللمستأجر أن يبقيها بأجر المثل إذا لم يكن في ذلك ضرر قيل لهما فلو أبى الموقوف عليهم الا القطع فهل لهم ذلك فقالا لا انتهى

وفي الذخيرة ذكر الصدر الشهيد في واقعاته رجل مات وترك ابنين في يد أحدهما ضيعة يدعى أنها وقف عليه من أبيه والابن الآخر يقول هي وقف علينا كان القول قوله وهي وقف عليهما هو المختار لأنهما تصادقا على أنها كانت في يد أبيهما فلا ينفرد أحدهما باستحقاقهما إلا بحجة اه

وإذا صح الوقف لم يجز بيعه ولا تمليكه وهل تجوز قسمته فعند أبي يوسف رحمه الله تعالى يجوز بناء على أن الشيوع في الوقف غير مانع من صحة الوقف عنده فتجوز القسمة لأنها تمييز وإفراز ثم إن وقف نصيبه من عقار مشترك بينه وبين غيره الواقف هو الذي يقاسم شريكه لا القاضي عند من يقول بجواز القسمة لأن الولاية في الوقف إلى الواقف فإن مات الواقف فلوصيه أن يقاسم شريكه ويفرز حصة الوقف لأنه قائم مقامه وإن كانت الأرض كلها له فوقف بعضها ثم اراد القسمة فوجهه أن يبيع ما بقي من رجل ثم يقتسمان ثم يشتري منه ذلك إن شاء لأن القسمة إنما تجزئ بين اثنين فلا يصلح الواحد مقاسما ومقاسما وإن لم يبع رفع الأمر إلى القاضي ليأمر إنسانا بالقسمة معه لتجري القسمة بين اثنين


295

وفي المحيط والكافي إذا قضى القاضي بجواز وقف المشاع ونفذ قضاؤه صار متفقا عليه كسائر المختلفات إذا اتصل به قضاء القاضي ولا تجوز قسمته فلو طلب بعضهم القسمة قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يقسم ويتهايئون وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يفرز وأجمعوا على أن الكل لو كان وقفا على الأرباب فأرادوا القسمة لا يقسم لهما إن القسمة تمييز وإفراز لا بيع وتمليك فيجوز ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أن القسمة بيع معنى لاشتمالها على الإفراز والمبادلة وجهة المبادلة راجحة في غير المثليات والوجب على من يتولى أمر الوقف أن يبدأ من غلة الوقف بعمارته شرط ذلك الواقف أو لم يشرط لأن المقصود من الوقف التصدق بالغلة على وجه التأبيد ولا يتأبد إلا بالعمارة

ومما توسع فيه أبو يوسف رحمه الله تعالى أنه لا يشترط التأبيد حتى لو وقف على جهة يتوهم انقطاعها بأن وقف على أولاده وأولاد أولاده ولم يجعل آخره للفقراء لا يصح الوقف عند محمد رحمه الله تعالى وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يشترط ذلك وإذا انفرضوا يعود إلى ملكه أو ملك ورثته والصحيح أن التأبيد شرط على قول الكل ولكن ذكر التأبيد ليس بشرط عند أبي يوسف حتى إذا مات أولاده وانقرضوا تصرف الغلة حينئذ إلى الفقراء وإن لم يسمهم

وإذا بنى مسجدا لم يزل ملكه عنه حتى يفرز عن ملكه بطريقه الشرعي ويأذن للناس بالصلاة فيه فإذا صلى فيه واحد زال عن ملكه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعن محمد رحمه الله تعالى أنه يشترط الصلاة فيه بالجماعة وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يزول ملكه بقوله جعلته مسجدا لأن التسليم عنده ليس بشرط وإذا جعل الواقف غلة الوقف لنفسه أو جعل الولاية إليه جاز عند أبي يوسف ولا يجوز على قياس قول محمد وهو قول هلال الرازى

وفي البزازي وقف على أمهات أولاده فلا شيء لمن يتزوج منهن فإن طلقها زوجها فلا يعود حقها الساقط إلا إذا كان الواقف استثنى وقال من طلقت فلها أيضا قسط من الوقف ولو وقف وجعل البعض أو الكل لأمهات أولاده ومدبريه ما داموا أحياء فإذا ماتوا فهو للفقراء والمساكين فقد قيل يجوز بالاتفاق وقد قيل هو على الخلاف أيضا وهو الصحيح كذا في الهداية قلت وقد وقعت بالقاهرة مسألة سئل عنها جدي شيخ الاسلام محب الدين بن الشحنة متع الله تعالى بحياته الكريمة صورتها ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين في رجل وقف وقفا وشرط فيه شروطا من جملتها أن يصرف لأم ولده شكر باي من ريع الوقف المذكور في سنة تمضي مبلغ عشرة آلاف درهم ما دمت عزبة فهل إذا تزوجت تستحق المبلغ المذكور أم لا وإذا قلتم أيدكم الله تعالى لا تستحق فهل إذا مات عنها زوجها أو طلقها واستمرت عزبة يعود الدوام وتستحق المبلغ المذكور أم لا ما الحكم في ذلك أجاب جدي شيخ مشايخ الاسلام المومي إليه بدون كتابة بل بالكلام لا تستحق شكر باي المبلغ المذكور لأن الدوام قد انقطع بالتزويج فلا يعود وأجاب الشيخ محي الدين الكافيجي بأنها تستحق المبلغ المذكور ويعود الدوام كما كان بالفراق بموت أو طلاق ووقع الكلام في ذلك بين يدي السلطان الملك الظاهر خشقدم بحضرة قاضي القضاة والعلماء والأمراء وأركان الدولة الشريفة وأظهر سيدي الجد عدة نقول من كتب جمة ناطقة بما أفتى به فرجع الحاضرون إلى فتوى سيدي الجد بعضهم بالكتابة والباقون بالإذعان فلله الحمد وبه المستعان


296

ومنها واقعة الفتوى عن وقف بكتمر الحاجب وشرط فيه على أن من مات منهم ولم يترك ولدا ولا ولد ولدا انتقل نصيبه إلى اخوته وأخواته فمات عبد الرحيم عن ولده عبد الرحمن فأجاب بعض المفتين باستحقاق عبد الرحمن نصيب أبيه عملا بمفهوم المخالفة وأجاب العلامة الشيخ قاسم بأن هذا باطل نقلا وعقلا أما نقلا فقد قال الامام أبو بكر الخصاف لو قال جعلت أرضي هذه صدقة موقوفة لله تعالى أبدا على فلان بن فلان وفلان بن فلان ومن بعدهما على المساكين فمن مات منهما ولم يترك ولدا كان نصيبه من ذلك للباقي منهما فمات أحدهما وترك ولدا قال يرجع نصيبه إلى المساكين ولا يكون ذلك للباقي منهما من قبل أن الواقف إنما اشترط أن يرجع نصيب الذي يموت منهما إلى الباقي إذا لم يترك الميت وارثا وهذا قد ترك وارثا وهو ولده قلت فلم لا تجعل نصيب الميت منهما لولده قال من قبل أن الواقف لم يجعل ذلك لولد الميت إنما قال من مات منهما ولم يترك وارثا كان ذلك للباقي فلهذه العلة لم يكن للباقي ولا لولد الميت من ذلك شيء وأما عقلا فلأن المفهوم ليس من المدلول اللغوي وإنما يكون باعتبار التفاوت النفسي إليه وهذا لا يعلم من الواقف فلا يصح العمل به

ومنها واقعة الفتوى في وظيفة ابن العطار تقرر فيها بعض القضاة بمرسوم من السلطان وبعض الطلبة بتقرير الناظر بشرط الواقف فأجاب في ذلك بعض المفتين بأن للإمام النظر العام وأجاب العلامة الشيخ قاسم فيها بأنه فيما لا ناظر له يخصه فقد قال في فتاوى الثوري لا تدخل ولاية السلطان على ولاية المتولي في الوقف اه

وفي الملحقات رجل له ضيعة تساوي عشرين ألف درهم وعليه ديون ووقف الضيعة وشرط صرف غلاتها إلى نفسه قصدا منه إلى المماطلة وشهدت الشهود على إفلاسه جاز الوقف والشهادة أما جواز الوقف فلمصادفته ملكه وأما جواز الشهادة فلأنها صدق لأن بالوقف خرجت الضيعة عن ملكه فإن فضل من قوته شيء من هذه الغلات فللغرماء أن يأخذوا ذلك منه لأن الغلات ملكه ولو وقف أرضا وفيها زرع لا يدخل الزرع في الوقف سواء كان له قيمة أو لم يكن لأن الزرع لا يدخل تحت البيع إلا بالشرط فكذا لا يدخل تحت الوقف إلا بالشرط على ما يجيء في فصل البيوع إن شاء الله تعالى

وفي المنبع إذا خرب ما حول المسجد واستغنى أهل المحلة عن الصلاة فيه يبقي مسجدا عند أبي يوسف وهو قول أبي حنيفة وبه قال الشافعي ومالك ولا يعود إلى ملك بانيه إن كان حيا ولا إلى ملك ورثته إن كان ميتا وعند محمد يعود إلى ملك الباني لو كان حيا وإلى ملك ورثته لو كان ميتا وقال احمد جاز نقضه وصرف آلته إلى مسجد آخر وعند أبي يوسف يتحول إلى أقرب المساجد من ذلك المسجد ولا يعود إلى ملك الباني

وفي الفتاوى الظهيرية سئل الحلواني عن أوقاف المسجد إذا تعطلت وتعذر استغلالها هل للمتولي أن يبيعها ويشتري مكانها أخرى قال نعم قيل إن لم تتعطل ولكن يوجد بثمنها ما هو خير منها هل له أن يبيعها قال لا ومن المشايخ من لم يجوز بيع الوقف تعطل أو لم يتعطل وبه قال الشافعي ومالك رحمهما الله تعالى وكذا لم يجوزوا الاستبدال بما هو خير منها وفي السير الكبير قال أبو يوسف يجوز الاستبدال بالأوقاف وفي المنتقى قال هشام سمعت محمدا يقول الوقف إذا صار بحيث لا ينتفع به المساكين فللقاضي أن يبيعه ويشتري بثمنه غيره وليس ذلك الا للقاضي وذكر في المنبع عن أبي يوسف أنه يجوز استبدال الأرض الموقوفة إذا تعطلت لأن الأرض قد تخرب فلا تغل إلا بمؤنة تربو على قيمتها


297

وغلتها وفي البزازي ما هو أعلى من هذا وهو ما روى عن محمد أن أرض الوقف لو قل ريعها فللقيم أن يبيعها ويشتري بثمنها أرضا أخرى ريعها أكثر نفعا للفقراء فجوز استبدال الأرض بالأرض اه وإذا شرط أن يستبدل بالوقف متى شاء الواقف مثل ذلك ويكون وقفا مكانها له ذلك والوقف والشرط جائزان عند أبي يوسف رحمه الله تعالى وكذا إذا شرط أن يبيعه ويشتري بثمنه ما يكون وقفا وعند محمد وهلال رحمهما الله تعالى جاز الوقف لا الشرط

وفي وقف الخصاف قلت أرأيت الرجل يقف الأرض على قوم ثم من بعدهم على المساكين ويشترط في الوقف أن له أن يزيد من رأى زيادته من أهل هذا الوقف وله أن ينقص من رأى نقصانه منهم وأن يدخل فيهم من رأى ادخاله وأن يخرج منهم من رأى اخراجه قال الوقف جائز على ما اشترطه قلت فإن زاد واحدا منهم شيئا عما سمى له أو نقص واحدا منهم مما سمى له أو أخرج منهم أحدا أو أدخل فيهم أحدا هل له بعد ذلك أن ينقص من كان زاده أو يزيد من كان نقصه أو يخرج من كان أدخله في الوقف أو يدخل من كان أخرجه منهم قال إذا فعل ذلك مرة فليس له أن يغير ذلك لأن الرأي إنما هو على فعل يراه فإذا رآه وأمضاه فليس له بعد ذلك أن يغيره قلت فإذا أراد أن يكون له ذلك أبدا ما كان حيا يزيد وينقص ويدخل ويخرج مرة بعد مرة قال يشترط فيقول على أن لفلان بن فلان أن يزيد من رأى زيادته من أهل هذا الوقف وينقص منهم من رأى نقصانه مما جعل إليه ويدخل فيهم من رأى ادخاله ويسمى له من الأجر ما يرى ويخرج منهم من يرى اخراجه ويحرمه مما كان جعل له من غلة هذه الصدقة ومن زاده فلان شيئا من غلة هذه الصدقة على ما جعل له فله أن ينقصه بعد ذلك ومن نقصه فلان شيئا مما كان جعل له فله بعد ذلك زيادته متى رأى ومن أخرجه فلان من هذه الصدقة فله بعد ذلك إعادته فيها ومن أدخله فلان في هذه الصدقة فله بعد ذلك إخراجه منها متى رأى فلان أن يفعل ذلك فعل في جميع ذلك كله برأي يمضيه على مشيئته أبدا ما كان حيا رأيا بعد رأي ومشيئة بعد مشيئة مطلق له ذلك غير محظور عليه فيه فيكون له تغيير ذلك أبدا كلما رأى فإذا فعل هذا كان ذلك مطلقا له ويكون الوقف جائزا قلت فما تقول إذا اشترط الواقف هذا ثم مات وقد أحدث فيه شيئا مما كان اشترطه قال يكون جاريا على الحالة التي يكون عليها يوم يحدث عليه حدث الموت وكذلك إن لم يحدث فيه شيئا مما كان اشترطه حتى مات قال هو جار على ما سبله عليه قلت فهل لوصيه أو لوليه في هذه الصدقة شيء من ذلك قال لا يكون لولي هذه الصدقة شيء مما كان اشترطه الواقف قلت فما تقول إن كان الواقف اشترط هذه الأشياء لإنسان ما كان حيا قال اشتراطه ذلك جائز والشروط نافذة لمن اشترط له ذلك قلت أرأيت الواقف إذا اشترط في الوقف أن له أن يقضي من غلته دينا قال ذلك جائز وكذلك إن قال إن حدث علي حادث الموت وعلي دين بديء من غلة هذا الوقف بقضاء ما علي من الدين فإذا قضى ديني كانت غلة هذا الوقف جارية على ما سبلتها قال ذلك جائز

وفي البزازي رجل وقف محدودا ثم باعه وكتب القاضي شهادته في صك البيع وكتب في الصك باع فلان بن فلان منزل كذا أو كان كتب وأقر البائع بالبيع لا يكون حكما بصحة البيع ونقض الوقف ولو كتب باع بيعا صحيحا جائزا كان حكما بصحة البيع وبطلان الوقف وإذا أطلق الحاكم وأجاز بيع وقف غير مسجل إن أطلق ذلك للوارث كان حكما بصحة بيع الوقف وإن أطلقه لغير الوارث لا يكون ذلك


298

نقضا للوقف أما إذا بيع الوقف وحكم بصحته قاض كان حكما ببطلان الوقف وفي العمادي رجل هيأ موضعا لبناء مدرسة وقبل أن يبني وقف على هذه المدرسة قرى بشرائط وجعل آخره للفقراء وحكم قاض بصحته أفتى القاضي الإمام صدر الدين السربلي أن هذا الوقف غير صحيح معللا بأن هذا الوقف قبل وجود الموقوف عليه وأفتى غيره من أهل زمانه بصحة هذا الوقف وهو الصحيح فإنه ذكر في النوازل رجل وقف أرضا له على أولاد فلان وجعل آخره للفقراء وليس لفلان أولاد فالوقف جائز وتكون الغلة للفقراء فإن حدث لفلان أولاد يصرف ما يحدث من الغلة من المستأنف إلى أولاد فلان وإذا كان هذا في الوقف على الأولاد فهاهنا يكون كذلك بالطريق الأولى وتصرف الغلة إلى الفقراء فإذا بنيت المدرسة يصرف إليها في المستقبل وفي الملحقات عن محمد رحمه الله تعالى إذا خاف الواقف إبطاله ولم يتيسر له الحكم بأن لم يصادف حاكما يجوز أن يكتب في صك الوقف أنه قضى به قاض من قضاة المسلمين وإن لم يكن قضى بذلك قاض لأن التصرف وقع صحيحا لكن للقاضي أن يبطله والكاتب بهذه الكتابة يمنع القاضي عن الإبطال فلم يكن به بأس وفي الولوالجي رجل وقف ضيعة على أولاده وأولاد أولاده أبدا ما تناسلوا وله أولاد أولاد يقسم بينهم بالسوية لا تفضل الذكور على الإناث لأنه أوجب الحق لهم على السواء وأولاد البنات هل يدخلون في ذلك ذكر الخصاف أنهم يدخلون وذكر في ظاهر الرواية أنهم لا يدخلون وكذا لو كان مكان الوقف وصية والفتوى على ظاهر الرواية لأن أولاد البنات ليسوا بأولاد أولاده لأنهم منسوبون إلى الأب لا إلى الأم وفي القنية الأوقاف ببخارى على العلماء لا يعرف من الواقف شيء غير ذلك فللقيم أن يفضل البعض ويحرم البعض إن لم يكن الواقف على قوم يحصون وكذا الوقف على الذين يختلفون إلى هذه المدرسة أو على متعلمي هذه المدرسة أو على علمائها يجوز للقيم أن يفضل البعض ويحرم البعض إن لم يبين الواقف قدر ما يعطي كل واحد

الأوقاف المطلقة على الفقهاء الترجيح فيها بالحاجة أم بالفضل قال الوبري رحمه الله تعالى الترجيح فيها بالحاجة وقال البقالي رحمه الله تعالى بالفضل قال العلاء الترجماني وبقول البقالي نأخذ قال وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يسوي بين الناس في العطاء من بيت المال وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يعطيهم على قدر الحاجة والعفة والفضل والأخذ بما فعله عمر في زماننا أحسن فنعتبر الأمور الثلاثة وإن كان في أحدهم فضل مع أصل حاجته وعفته يرجح على من هو أقل فضلا وإن كان ذلك أحوج وأعف فهو المعلوم من غرض الواقفين في زماننا

استخلف الامام في المسجد خليفة ليؤم فيه زمان غيبته لا يستحق الخليفة من أوقاف الامامة شيئا إن كان الامام أم أكثر السنة

وفي فتاوى قاضي خان إذا عرض للإمام أو للمؤذن عذر منعه المباشرة مدة ستة أشهر فللمتولي أن يعزله ويولي غيره وإن كان للمعزول نائب

وفي القنية قال العلاء الترجماني للامام الغني أخذ غلة الامامة

وقال شرف الأئمة إمام أخذ غلة السنة ثم مات قبل تمام السنة وهي في يده لورثته

إمام أم شهرا واستوفى إلى السنة ثم نصب أهل المحلة إماما آخر ليس لهم أن يستردوا ما أخذ وكذا لو انتقل بنفسه


299

وفي المحيط أخذ الامام الغلة وقت الادراك ثم انتقل لا تسترد منه حصة ما بقي من السنة كالقاضي إذا مات وقد أخذ رزق السنة ويحل للامام أكل حصة ما بقي من السنة إن كان فقيرا وهكذا الحكم في طلبة العلم في المدارس يعني إذا كان العطاء مسانهة فأخذه المتعلم وقت القسمة ثم ترك المدرسة

رجل قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله عز وجل أبدا على وجوه سماها على أن ولايتها في حياتي وبعد وفاتي إلى أفضل ولدي قال ذلك جائز قلت فإن كان أولاده في الفضل سواء قال يكون أكبرهم سنا قلت فإن قال على أن تكون ولاية هذا الوقف إلى الأفضل فالأفضل من ولدي فأبى أفضلهم أن يقبل ذلك قال تكون الولاية إلى الذي يليه قلت وكذلك إن تولى ذلك أفضلهم ثم مات قال تكون الولاية إلى الذي يليه قلت فإن كان أفضلهم غير موضع لولاية هذه الصدقة قال يجعل القاضي رجلا يقوم به قلت فإن صار بعدذلك فيهم من يصلح للقيام به قال ترد ولاية هذا الوقف إليه قلت فإن قال على أن ولاية هذه الصدقة إلى الأفضل فالأفضل من ولدي وتولاها أفضلهم ثم صار في ولده من هو أفضل من الذي تولاها قال تكون ولايتها إلى الذي صار أفضل من الذي تولاها الأول اه كذا في وقف الخصاف

وفي البزازي إذا مات المتولي والواقف حي فالرأي في النصب إلى الواقف لا إلى الحاكم وبعد موت الواقف إلى وصيه لا إلى الحاكم وإن لم يكن له وصي فالرأي إلى لحاكم لأن العين وإن زالت بالوقف عن ملكه حقيقة فهي باقية على ملكه حكما لقوله عليه الصلاة والسلام وصدقة جارية إلى يوم القيامة

وفي الأصل الحاكم لا يجعل القيم من الاجانب ما دام في أهل بيت الواقف من يصلح لذلك فإذا لم يجد فيهم من يصلح ونصب من غيرهم ثم وجد فيهم من يصلح صرفه عنه إلى من يصلح من أهل بيت الواقف

وقف ولم يشترط الولاية لنفسه ولا لغيره قال هلال رحمه الله تعالى الولاية إليه وقال قوم لا تثبت الولاية بلا شرط لنفسه قال مشايخنا الأشبه أن يكون هذا قول محمد رحمه الله تعالى لأن التسليم لما كان شرطا عنده وبه تنقطع ولايته قال أبو الليث بالتسليم إلى المتولي تنقطع ولايته عند محمد فلا يملك عزل المتولي إذا لم يشترط حال الوقف ولاية العزل لنفسيه وقال أبو يوسف يملكه شرط أو لم يشرط

وإذا كان الواقف غير مأمون وقد شرط الولاية لنفسه يخرجه الحاكم عن الولاية وينزعه منها وكذا لو اجتمع عنده من غلة الوقف ما يكفي للعمارة والوقف محتاج إليها وامتنع الواقف عنها يأمره الحاكم بالعمارة فإن فعل وإلا ينزعه منه وإن كان شرط أن لا ينزعه منه أحد فالشرط باطل لمخالفة الشرع إذ الحاكم ناظر لمصلحة الوقف فإن كان في نزعه مصلحة يجب عليه اخراجه دفعا للضر عن الوقف

وقف وأشهد وكتب الصك وقرىء عليه وقفه وقفا صحيحا ثم قال وقفت بشرط أن لي ولاية بيعه متى شئت لكن الكاتب لم يكتبه ولم أعلم به إن كان فصيحا يعرف اللغة التي كتب بها الصك وقرىء عليه لا يقبل قوله وإن كان أعجميا لا يعرف اللغة التي كتب بها الصك يقبل قوله وإن شهدوا أنه قرىء عليه بلغته وفهم كل ما فيه لا يقبل قوله أيضا وكذا في البيع والاجارة إذا قال البائع والآجر لم أعلم المكتوب في صك البيع والاجارة


300

شرط أن لا يؤاجره وإليه فإن آجره فهو خارج عن الولاية أو لا يدفعها مساقاة فإن فعل فهو خارج عن الولاية وفلان يكون واليها أو شرط وقال من نازع في هذه الصدقة متوليها أو قال من نازع متوليها في إبطال هذه الصدقة فهو خارج عن هذه الصدقة يجوز شرطه ويعمل على حسب ما شرطه الواقف

قيم الوقف أنفق من ماله في الوقف ليرجع في غلته له الرجوع إن شرطه وإلا فلا وكذا الوصي في مال الميت لكن لو ادعى ذلك لا يكون القول قوله

اشترى بمال الوقف دارا ثم باعها يجوز

إن وجدت ضالتي فلله علي أن أتصدق بأرضي هذه على ابن السبيل فوجدها يجوز أن يقف أرضه على من يجوز له وضع الزكاة فيه ولا يجوز على من لا يجوز له دفع زكاة ماله لأن هذا نذر فيعتبر بإيجاب الله تعالى وإن وقف على ولده جاز ونذره باق

إن مت من مرضي هذا فأرضي وقف فبرأ من مرضه وباع أرضه جاز وإن مات من مرضه هذا لا تكون وقفا وتعليق الوقف بالشرط لا يصح ولو قال إذا مت فاجعلوا أرضي هذه وقفا يجوز كما لو قال إن دخلت الدار فأرضي وقف لا يجوز ولو قال إن دخلت فاجعلوا أرضي وقفا يجوز وقال السرخسي والقدوري تعليق الوقف بالشرط جائز

وذكر في وقف الخصاف قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله تعالى على الناس أو على بني آدم أو على أهل بغداد ابدا فإذا انقرضوا فعلى المساكين أو العميان أو الزمني فالوقف باطل وذكر في موضع آخر قال الغلة للمساكين لا لهما ولو وقف على قراءة القرآن والفقراء فالوقف باطل وذكر هلال الوقف على الزمنى والمنقطعين صحيح وقال المشايخ الوقف على معلم المسجد الذي يعلم الصبيان غير صحيح وقيل يصح لأن الفقر غالب فيهم قال شمس الأئمة فعلى هذا إذا وقف على طلبة علم بلده يجوز لأن الفقر غالب فيهم فكان الاسم مبنيا على الحاجة

فالحاصل أنه متى ذكر مصرفا فيه نص على الفقر والحاجة فالوقف صحيح يحصون أم لا وقوله يحصون إشارة إلى أن التأبيد ليس بشرط ومتى ذكر مصرفا يستوي فيه الغني والفقير إن كانوا يحصون صح بطريق التمليك وإن كانوا لا يحصون فهو باطل إلا أن يكون في لفظه ما يدل على الحاجة كاليتامى فحينئذ إن كانوا يحصون فالأغنياء والفقراء سواء وإن كانوا لا يحصون فالوقف صحيح ويصرف إلى فقرائهم لا إلى أغنيائهم وكذا لو وقف على الزمنى فهو على فقرائهم ولو وقف على أصحاب الحديث لا يدخل فيهم شافعي المذهب إذ لم يكن في طلب الحديث ويدخل الحنفي كان في طلبه أو لا

وذكر بكر أن الوقف على أقرباء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أهل بيته يجوز وإن كان لا تجوز الصدقة عليهم وفي الفتاوى إنه لا يجوز ولا يصير وقفا لعدم جواز صرف الصدقة لبني هاشم لكن في جواز الوقف وصدقة النقل عليهم روايتان

الوقف على الصوفية لا يجوز وقال شمس الأئمة يجوز

وأخرج الامام على السغدي رواية من وقف الخصاف أنه لا يجوز على الصوفية والعميان فرجع الكل إلى جوابه اه كلام البزازي


301

وفي وقف الخصاف ينعزل الناظر بالجنون المطبق إذا دام سنة لا إن دام أقل ولو عاد إليه عقله وبرأ من علته عاد إليه النظر

نوع في اجارة الوقف والدعوى فيه والشهادة عليه وفي المنبع المتولي إذا آجر الوقف سنين معلومة بأجرة مثله ينظر إن كان الواقف اشترط أن لا يؤاجر أكثر من سنة لا يجوز لأن شرط الواقف يجب مراعاته ولا يتجاوز عما شرطه وإن لم يشترط ذلك قال المتقدمون من مشايخنا إنه يجوز ذلك لأن الواقف فوض الأمر إلى المتولي فنزل المتولي منزلة الواقف وللواقف أن يؤجر سنين كثيرة فكذا من يقوم مقامه وقال المتأخرون من مشايخنا لا يجوز أكثر من سنة واحدة لأنه لو جاز ذلك يخاف على الوقف أن يتخذ ملكا لأنه بمضي مدة مديدة تندرس سمة الوقف ويتسم بسمة الملكية خصوصا في زماننا لأن الظلمة المتغلبة مستحلة متأكلة

وكان الشيخ الامام أبو حفص الكبير رحمه الله تعالى يجيز الاجارة في الضياع ثلاث سنين لأنه لا يرغب في أقل من ذلك ولا يجيز في غير الضياع أكثر من سنة واحدة إلا إذا كانت المصلحة في الضياع في عدم جواز اجارتها ثلاث سنين أو في غير الضياع جواز اجارتها أكثر من سنة واحدة فهو أمر يختف باختلاف الموضع والزمان وهو المختار للفتوى وكذلك المزارعة والمعاملة والوجه في تصحيح الاجارة الطويلة في الوقف أن يعقد عقودا مترادفة كل عقد على سنة بأن استأجر ثلاثين سنة بثلاثين عقدا كل عقد على سنة من غير أن يكون بعضها شرطا في العقد فيكون العقد الأول لازما لأنه ناجز والثاني غير لازم لأنه مضاف إلى المستقبل

وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى أن الإجارة المضافة لازمة في إحدى الروايتين وهو الصحيح وذكر هذه الحيلة في الذخيرة ثم قال ولكن هذه الحيلة عندي ضعيفة لأن من لم يجوز الاجارة الطويلة في الوقف إنما لم يجوز صيانة للوقف عن البطلان فإن الوقف إذا بقي في يد المستأجر مدة طويلة والناس يرونه يتصرف فيه تصرف الملاك يقع في قلوبهم أنه ملكه فيشهدون له بالملك لو ادعاه يوما من الدهر فيبطل الوقف وفي حق هذا المعنى لا فرق بين أن تكون الاجارة معقودة بعقد واحد وبين أن تكون معقودة بعقود متفرقة هذا هو الحكم في الاجارة الطويلة في الأوقاف فأما الاجارة الطويلة في الأقطاع والأملاك فستأتي في فصل الاجارات ان شاء الله تعالى ولا يجوز إجارة الوقف الا بأجر المثل ولا تنقض إن زادت الأجرة لكثرة الرغبات لأن المعتبر في أجر المثل وقت العقد ووقت العقد كان المسمى أجر المثل ولا معتبر لما بعده لأن تلك حالات لا تضبط

وفي العمادي استأجر عرصة موقوفة من المتولي مدة بأجر المثل وبنى عليها باذن المولى فلما مضت المدة زاد آخر على أجر تلك المدة للمدة المستقبلة فرضي صاحب السكنى بتلك الزيادة هل هو أولى قال كانت واقعة الفتوى أجيب نعم إنه أولى والله أعلم

وفي شرح الطحاوي إذا كانت الأرض وقفا استأجرها من المتولي مدة طويلة فإنه ينظر إن كان السعر بحاله لم يزدد ولم ينقص عما كان وقت العقد فإنه يجوز وإن غلا أجر مثلها فإنه يفسخ ذلك العقد ويحتاج إلى عقد جديد ويجددان العقد على ما ازداد ثانيا وكذلك لو استأجرها بأجرة معلومة إلى سنة فلما مضى من المدة نصف السنة غلا سعرها وازداد أجر مثلها فإنه يفسخ ذلك العقد فيما بقى من المدة


302

وفيما مضى من المدة يجب المسمى بقدره وبعد ذلك يجدد العقد ثانيا على أجرة معلومة وليس للموقوف عليه إذا لم يكن متوليا على الوقف ولا نائبا من جهة القاضي أن يؤاجره لأنه لا يملك ذلك وإنما يملك الغلة دون العين والتصرف بالاجارة إلى من له الولاية في ذلك

إذا آجر المتولي أو نائبه ثم مات لم تنفسخ الاجارة بموته لأنه كالوكيل عن الموقوف عليه وموت الوكيل لا يوجب فسخ عقوده

وفي وقف الخصاف إذا آجر الواقف الأرض سنة ولم يحط من الأجر شيئا قال فالإجارة جائزة قلت فله أن يقبض الاجر ويفرقه في الوجوه التي سبل فيها قال نعم قلت فإن قال قد قبضت الأجر من المستأجر ودفعته إلى هؤلاء القوم الذين وقفت ذلك عليهم وجحد القوم قبض ذلك قال فالقول قوله ولا شيء عليه قلت وكذلك إن قال قبضته وضاع مني أو سرق قال فالقول قوله في ذلك

وفي القنية محالا على وقف الناصحي إذا آجر الواقف أو قيمه أو وصى الواقف أو القاضي أو أمينه ثم قال قد قبضت الغلة فضاعت أو فرقتها على الموقوف عليهم وأنكروا فالقول قوله مع يمينه

الواقف إذا آجر الأرض الموقوفة من أبيه أو من ابنه أو عبده أو من مكاتبه قال أبو بكر الخصاف أما في مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإن الاجارة لا تجوز من أحد هؤلاء وأما مذهب أبي يوسف رحمه الله تعالى فإن الاجارة من أبيه وابنه جائزة وأما من عبده ومكاتبه فإن الاجارة لا تجوز

وفي العمادى الدعوى في دار الوقف على متولي الوقف تجوز أما القاضي لو أمر انسانا بأن يؤاجر دار الوقف مشاهرة فهو ليس بخصم لأنه وكيل من القاضي بالاستغلال وليس بمأذون في الخصومة فلا تصح خصومته الا إذا كان مأذونا فيها من جهة القاضي والمأذون في الاستغلال ليس بمتول والمتولي من يلي التصرف في الوقف وكذا لا تصح الدعوى على أكار الوقف وغير الوقف وكذا على غلة دار الوقف وغير الوقف إذا ثبت أنه أكار أو غلة دار

ادعى المحدود لنفسه ثم ادعى أنه وقف الصحيح من الجواب إن كانت دعوى الوقفية بسبب التولية يحتمل التوفيق لأنه في العادة يضاف إليه باعتبار ولاية التصرف والخصومة كما في الوكيل إذا ادعى لنفسه ثم ادعى أنه لفلان وكله في الخصومة فيه تقبل ولا يكون متناقضا ولو ادعى الدار ملكا لنفسه ثم ادعى أنها وقف وقفها فلان على مسجد كذا لا تسمع دعوى الوقف للتناقض

رجل باع دارا ثم ادعى أنه كان وقفها أو قال وقف علي لا تصح هذه الدعوى وليس له أن يحلف المشتري أما لو قامت به البينة قبلت كما لو شهدوا على عتق الأمة تقبل من غير الدعوى وذكر في النوازل إذا أقام بينة على أنه وقفها قبل البيع تقبل ويبطل القاضي البيع وليس للمشتري أن يحبس الأرض بالثمن وإن لم تكن بينة فالقول قول المشتري ولو اقام المشتري البينة أن هذه الدار كانت وقفا على أولاد فلان أو على مسجد كذا أو على الفقراء وأن فلانا وقفها وسلمها إلى المتولى فدعوى الوقف لا تصح من المشتري لأنع ساع في نقض ما تم ولأنه ليس بخصم في دعوى الوقفية عن الموقوف عليه

ادعى المتولي على المشتري أن هذه الدار وقف على أولاد فلان وأثبت الاستحقاق على المشتري


303

فأراد المشتري أن يرجع بالثمن على بائعه فقال البائع بلى كانت وقف فلان على أولاد فلان لكن لما مات الواقف رفع ورثته الأمر إلى القاضي حتى قضى ببطلان الوقف وكنت وارثا للواقف فقسمنا التركة ووقعت الدار في نصيبي وبيعي وقع صحيحا قال صاحب الفصول يندفع بهذا دعوى الوقفية ويبقى في يد المشتري

ادعى المتولي أن هذه الدار وقف على مسجد كذا ولم يذكر الواقف قال مشايخ بلخ كأبي جعفر وغيره رحمهم الله تسمع وقال غيرهم لا تسمع مالم يذكر الواقف عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى

وفي فتاوى ظهير الدين ادعى وقفا وشهدوا على وقفه ولم يذكروا الواقف ذكر الخصاف رحمه الله تعالى أن دعوى الوقف والشهادة على الوقف يصحان من غير بيان الواقف وذكر رشيد الدين أن الشهادة على الوقف لا تقبل مالم يبينوا الواقف وذكر في العدة ولو شهدوا أن هذا وقف على كذا ولم يبينوا الواقف ينبغي أن تقبل إذا كان قديما

وتقبل الشهادة على الشهادة في الوقف وكذا شهادة الرجال مع النساء وكذا الشهادة بالتسامع وإن صرحا به ولو شهد أحدهما أنه وقف نصفها مشاعا وشهد الآخر أنه وقف نصفها مفروزا مميزا فالشهادة باطلة ولو شهد أحدهما أنه وقفها يوم الخميس وشهد الآخر أنه وقفها يوم الجمعة قبلت الشهادة قيل هذا على قول أبي يوسف أما على قول محمد فلا تقبل هذه الشهادة ولو شهد أحدهما أنه وقفها وقفا صحيحا في صحته وشهد الآخر أنه وقفها وقفا مضافا إلى ما بعد الموت فلا تقبل هذه الشهادة ولو شهد أحدهما أنه وقفها وقفا صحيحا في صحته وشهد الآخر أنه وقفها في المرض قبلت الشهادة فتكون جميع الأرض وقفا إن كانت تخرج من الثلث وإن كانت لا تخرج من الثلث يصير ثلثها وقفا ولو شهد أحدهما أنه جعلها صدقة موقوفة على الفقراء وشهد الآخر أنه جعلها صدقة موقوفة على المساكين قبلت لأنهما اتفقا على الفقراء فإن من قال أرضي هذه صدقة موقوفة كانت موقوفة على الفقراء فهذا معنى قولنا لأنهما اتفقا على الفقراء اه

وإن جحد الواقف الوقف فجاءت بينة يشهدون عليه بالوقف وبمقدار حصته من الأرض أو من الدار وسموا ذلك قبل القاضي ذلك وحكم بالوقف وإن شهدوا على الواقف بإقراره ولم يعرفوا ماله من الأرض أو من الدار يأمره القاضي بأن يسمى ماله من ذلك فما سمي من شيء فالقول قوله فيه ويحكم بوقفية ذلك وإن كان الواقف قد مات فوارثه يقوم مقامه في ذلك وإن شهدوا على إقرار الواقف أنه وقف جميع حصته من هذه الأرض وذلك الثلث منها فكانت حصته النصف أو أكثر من الثلث قال تكون حصته كلها نصفا كانت أو أكثر وقفا

نوع في غصب الوقف وحكمه وفي أجره وفي بيان حكم وقف المرهون والمؤاجر متولي الوقف إذا أسكن رجلا دارا الوقف بغير أجر ذكر هلال رحمه الله تعالى أنه لا شيء على الساكن وعامة المتأخرين على أن عليه أجر المثل سواء كانت الدار معدة للاستغلال أو لم تكن صيانة للوقف عن أيدي الظلمة وقطعا للأطماع الفاسدة وعليه الفتوى وكذا الرجل إذا أسكن دار الوقف بغير أمر الواقف وبغير أجر القيم كان عليه أجر المثل بالغا ما بلغ


304

وفي فتاوى قاضي خان رجل غصب أرض الوقف أو أرضا لصغير قال بعضهم يضمن الغاصب أجر المثل للوقف وللصغير وفي ظاهر الرواية لا يضمن فلو أن هذا الغاصب أجر الأرض المغصوبة من غيره يجب على المستأجر الأجر المسمى وذكر في التجنيس أن الفتوى في غصب العقارات والدور الموقوفة بالضمان كما أن الفتوى في غصب منافع الوقف بالضمان

رجل رهن ضيعة من رجل على مال أخذه منه ثم إنه وقف هذه الضيعة وقفا صحيحا هل يجوز هذا الوقف قال الخصاف رحمه الله تعالى إن افتكها من الرهن فالوقف جائز وإن لم يفتكها فالرهن صحيح لا يبطل ولا تخرج هذه الضيعة من الرهن بايقاف مالكها ألا ترى أن رجلا لو رهن ضيعة له ثم باعها أن من قول أصحابنا إن افتكها فالبيع صحيح نافذ وإن أجاز أيضا المرتهن البيع فالبيع جائز وكذلك الحكم أيضا في الرهن

رجل آجر ضيعة له سنين ثم إنه جعلها بعد ذلك صدقة موقوفة لله تعالى أبدا على سبيل سماها ثم بعد ذلك تكون غلتها للمساكين أبدا حتى يرث الله الأرض ومن عليها قال الإمام أبو بكر الخصاف رحمه الله تعالى ليس لصاحب الأرض أن يبطل ما عقد من الإجارة فإذا انقضت مدة الاجارة كانت الضيعة وقفا قلت ولم أجزت هذه الصدقة وهي الساعة لا تكون وقفا قال هي الساعة وقف وإن كانت مشغولة بالاجارة ألا ترى أنه لو قال كنت وقفت هذه الضيعة على كذا وكذا قبل أن أؤاجرها وإنما آجرتها للوقف وأجرها مصروف في سبيل الوقف إنا نلزمه إقراره بالوقف ويكون الأجر الذي آجرها به مصروفا في السبيل الذي وقفها فيها وإنما قلنا إنها تكون وقفا بعد انقضاء الاجارة لأنها هي وقف إلا أن في هذا الوقت ليس له أن يبطل اجارة المستأجر ألا ترى أنه لو آجرها ثم باعها من رجل فإنه يقال للمشتري إن شئت فاصبر حتى تنقضي الاجارة فتأخذها بالشراء وإن شئت فأبطل شراءك فإن اختار الشراء صبر قال وليس له أن يبطل الشراء إلا عند القاضي أو عند السلطان وهذا قول الحسن بن زياد رحمه الله تعالى

الفصل الحادي عشر في الغصب والشفعة والقسمة

حكم الغصب نوعان أحدهما ما يرجع إلى الآخرة وهو الاثم واستحقاق المؤاخذة والثاني ما يرجع إلى الدنيا وهو أنواع بعضها يرجع إلى حال قيام العين وبعضها يرجع إلى حال هلاكها وبعضها يرجع إلى حال نقصانها وبعضها يرجع إلى حال زيادتها أما الذي يرجع إلى حال قيام العين فهو وجوب رد العين إلى مالكها في مكان غصبه لقوله عليه الصلاة والسلام على اليد ما أخذت حتى ترد ثم الرد هو الموجب الأصلي على ما قالوا ورد القيمة مخلص خلفا عنده لأنها قاصرة والكمال في رد الصورة والمعنى

وقيل الموجب الأصلي القيمة ورد العين بدل عنها ولهذا يعتبر في غير ذوات الأمثال قيمة المغصوب يوم غصبه ويظهر ذلك في بعض الأحكام منها إذا غصب جارية قيمتها ألف وله ألف درهم وقد حال عليه الحول فإنه لا تجب عليه الزكاة عن الألف لأنه مديون والزكاة غير واجبة عليه منها إذا أبرأ


305

الغاصب عن الضمان مع قيام العين يصح حتى لو هلكت بعد ذلك لا يجب الضمان فلولا أن الموجب الأصلي هو القيمة وإلا لما صح الإبراء لأن الإبراء عن الأعيان لا يصح ومنها صحة الرهن والكفالة بالمغصوب حال قيام العين إذ لو كان رد العين أصلا لما صح الرهن والكفالة لأن الرهن والكفالة بالأعيان لا يصح

وفي الجلالية وعلى قول من يقول الموجب الأصلي رد العين لا يصح الإبراء والرهن والكفالة حال قيام العين

وفي المحيط ولو غصب دراهم أو دنانير فالمالك يأخذها منه حيث وجده وليس له أن يطالبه بالقيمة وإن اختلف السعر لأنها أثمان ومعنى الثمنية لا يختلف باختلاف المكان وإذا هلك المغصوب يجب ضمان مثله إن كان مثليا كالمكيلات والموزنات والمعدودات المتقاربة وإن لم يكن مثليا كالمزروعات والمعدودات الغير المتقاربة والحيوانات يجب ضمان قيمته يوم الغصب لأن ضمان الغصب ضمان اعتداء وضمان الاعتداء لم يشرع الا بالمثل قال الله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم والمثل المطلق هو المثل صورة ومعنى

ولو كانت القيمة في مكان الخصومة أكثر فالغاصب بالخيار إن شاء أعطى مثله حيث خاصم وإن شاء أعطى قيمته حيث غصب منه إلا أن يرضى المغصوب منه بالتأخير فإن الغاصب لا يلزمه دفع الضمان في مكان الغصب بل اينما لقيه أخذه وإن كانت القيمة في المكانين سواء فللمالك أن يطالبه بالمثل لأنه لا يتضرر به واحد منهما اه

وإذا نقص المغصوب في يد الغاصب ضمن النقصان لأن الواجب عليه أن يرده على الوصف الذي غصبه به بخلاف المبيع فإنه إذا نقص في يد البائع لا يجب في مقابلته شيء ولكن يخير المشتري بين أن يأخذه بكل الثمن أو يتركه لأنه ضمان عقد والعقد يرد على الأعيان لا على الأوصاف أما ضمان الغصب فمتعلق بالفعل على ما بينا

إذا غصب رجل ثوب انسان فصبغه الغاصب بصبغ نفسه أحمر أو أصفر فصاحب الثوب بالخيار إن شاء أخذ الثوب من الغاصب وأعطاه ما زاد الصبغ فيه وإن شاء ضمنه قيمة ثوب أبيض يوم الغصب وقيل له خيار ثالث وهو قول أبي عصمة إن شاء رب الثوب باع الثوب على حاله ويقسم الثمن على قدر حصتهما كما إذا انصبغ لا بفعل أحد لأن الثوب ملك المغصوب منه والصبغ ملك الغاصب والتمييز متعذر فصارا شريكين في الثوب فيباع الثوب ويقسم الثمن بينهما على قدر حصتهما وهذا حسن لأنه طريق لايصال حق كل واحد منهما إلى صاحبه معنى وإنما خيرنا صاحب الثوب دون الغاصب مع أن كل واحد منهما صاحب حق لأن صاحب الثوب صاحب أصل والغاصب صاحب وصف فكان إثبات الخيار لصاحب الأصل أولى

وفي البزازي رجل غصب حانوتا واتجر فيه وربح يطيب له الربح لأنه حصل بالتجارة

ولو مر في أرض الغير إذا وجد طريقا ثمة لا يحل وإن لم يجد طريقا له ذلك مالم يمنعه صاحب الأرض فإذا منعه حرم عليه المرور لأن الصريح يبطل الدلالة وهذا إذا كان المار واحدا فإن كانوا جماعة فلا يباح

والمرور في الطريق الحادث إن كان مالكه جعله طريقا يجوز وإن لم يعلم أو علم أنه غصب فهذا بناء


306

على أن المرور في أرض الغير بغير اذنه هل يباح اختلفوا فيه قال الفقيه إن علم أن المالك أحدثه حل وإن علم أنه غصب حرم وعن الامام الأعظم رحمه الله تعالى أنه إذا كان له حائط أو حائل لا يحل المرور ولا النزول فيه وإن لم يكن فلا بأس به وعن أبي القاسم رحمه الله تعالى إذا خفي عليه الطريق يمشي في الأرض المزروعة ولا يطأ الزرع وفي المنبع رجل غصب جارية فحبلت في يده إن كان الحبل من المولى أو الزوج فلا شيء على الغاصب وإن كان الحبل من زنى أخذها المولى وضمنه النقصان

والكلام في قدر الضمان قال أبو يوسف رحمه الله ينظر إلى ما نقصها الحبل وإلى أرش عيب الزنى فيضمن الأكثر ويدخل الأقل فيه وهذا استحسان وفي القياس أن يضمن الأمرين جميعا وروى عن محمد أنه أخذ به لأن الحبل والزنى كل واحد منهما عيب على حدة فكان النقصان الحاصل بكل واحد منهما نقصانا على حدة فيفرز بضمان على حدة

ومن غصب أمة فزنى بها هو أو غيره فحبلت عنده فردها إلى المالك فهلكت بالولادة أو في النفاس ضمن الغاصب قيمتها يوم علقت ولا ضمان عليه في الحرة اتفاقا وهذا عند أبي حنيفة وقالا لا يضمن في الأمة شيئا أيضا والصحيح أن عليه ضمان نقصان الحبل عندهما وهل يجب على الغاصب حد الزنى أم لا لم يتعرض لهذا الحكم في الهداية ولا في شرح الجامع الصغير لكن ذكر الشيخ حسام الدين السغناقي رحمه الله تعالى في نهايته أنه يجب الحد لأن ضمان الغصب يوجب الملك دون ضمان الجناية ولهذا لو زنى بجارية ثم قتلها يحد عندهم لأنه لا يملكها بالضمان حتى يصير شبهة بخلاف مالو غصب جارية فزنى بها فقتلها ثم ضمن قيمتها لم يحد لأن ضمان الغصب يوجب الملك ولو غصب أمة فزنى بها فماتت قال محمد رحمه الله تعالى الأصح أنه تجب القيمة ولا يجب الحد فعلى هذا إن وجوب ضمان الجناية مع وجوب الحد يجتمعان وأما وجوب ضمان الغصب مع وجوب الحد فلا يجتمعان وفي العمادى إذا حبس رجلا حتى ضاع ماله لا يضمن ولو حبس المال من المالك وضاع يضمن

إذا حال بين رجل وأملاكه حتى تلفت لا ضمان عليه ولو فعل ذلك في المنقول ضمن

رجل وقف بجنب دابة انسان ومنع صاحبها عنها حتى هلكت لا يضمن وأوضح من هذا إذا قاتل صاحب المال وقتله ولم يأخذه حتى تلف المال لا يضمن وقد مر في فصل أنواع الضمانات ما يخالف هذه المسألة

وسئل مولانا الشيخ علاء الدين والشيخ نظام الدين عن صاحب العمادى تغمدهم الله برحمته عن رجل ختم ماء أرز آخر حتى هلك الأرز هل يضمن أجاب مولانا الشيخ علاء الدين أنه يضمن

وفي التجنيس رجل أراد أن يسقي زرعه فمنعه إنسان حتى فسد زرعه لا يضمن قلت وهذه المسألة تخالف ما قبلها والله أعلم

وفي القنية إذا منع الآجر أو صاحب الأرض المستأجر من نقل متاعه إلى أن يعطي ما عليه من الخراج فهلك من مطر أو غيره لا يضمن إذا اختلف الغاصب والمغصوب منه في القيمة فالقول في قيمة المغصوب قول الغاصب مع اليمين إلا أن يقيم المالك البينة بأن القيمة أكثر مما قاله الغاصب فحينئذ يعمل ببينته لأنه نور دعواه بالحجة الملزمة

وفي الذخيرة وإن لم يكن لرب الثوب بينة وجاء الغاصب ببينة أن قيمة ثوبه كذا وكذبه رب الثوب


307

وسأل يمين الغاصب فإنه يحلف على دعواه ولا تقبل بينته لأن بينته لنفي الزيادة والبينة على النفي لا تقبل قال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى ينبغي أن تقبل بينة الغاصب لاسقاط اليمين عن نفسه وقد تقبل البينة لاسقاط اليمين ألا ترى أن المودع إذا ادعى رد الوديعة يقبل قوله ولو اقام البينة على ذلك قبلت بينته وطريقه ما قلناه وبعض مشايخنا قالوا ينبغي أن يكون في كل فصل روايتان وكان القاضي أبو علي النسفي رحمه الله تعالى يقول هذه المسألة مشكلة ومن المشايخ من فرق بين مسألة الوديعة وبين هذه المسألة

واعلم أن ذكر الجنس والصفة والقيمة ليس بشرط في دعوى الغصب بخلاف سائر الدعوى لأن محمدا ذكر في الأصل إذا ادعى على رجل أنه غصب منه جارية وأقام على ذلك بينة يحبس المدعي عليه حتى يجيء بها ويردها على مالكها قال شمس الأئمة ينبغي أن تحفظ هذه المسألة لأنه قال أقام بينة أنه غصب جارية ولم يبين جنسها وصفتها وقيمتها ومن المشايخ من شرط بيان الجنس والصفة والقيمة وأول كلام محمد على هذا وقال ابو بكر الأعمش رحمه الله تعالى تأويلها أن الشهود شهدوا على إقرار الغاصب أنه غصب منه جارية فثبت غصب الجارية بإقراره في حق الجنس والقيمة فأما الشهادة على فعل الغصب فلا تقبل مع جهالة المغصوب لأن القضاء بالمجهول غير ممكن والصحيح أن هذه الدعوى والشهادة مقبولة بدون ذكر الجنس والصفة والقيمة للضرورة فإن الغاصب يكون ممتنعا من إحضار المغصوب عادة وحين غصب انما يتأتى من الشهود معاينة فعل الغاصب دون العلم بأوصاف المغصوب وسقط اعتبار علمهم بالأوصاف لأجل التعذر وثبت بشهادتهم فعل الغاصب فيما هو مال متقوم فصار ثبوت ذلك بالبينة كثبوته بالإقرار فيحبس كذا في المنبع

رجل اشترى بالنقد المغصوب جارية أو ثوبا أو تزوج به امرأة حل له وطء المرأة ولبس الثوب ولو اشترى بالثوب المغصوب لا يحل له ولو تزوج على الثوب المغصوب يحل

غصب ألفا واشترى بها جارية فباعها بألفين تصدق بالربح وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى لا يتصدق به أصله المودع إذا ربح في الوديعة بالتصرف يطيب له الربح وعند الامام الأعظم ومحمد رحمهما الله تعالى لا يطيب له ذلك ولو غصب ألفا واشترى بها طعاما يساوي ألفين فأكله أو وهبه لا يتصدق بالربح اجماعا

رجل وجه جارية إلى نخاس للبيع فبعثت امرأة النخاس الجارية إلى حاجتها فهربت فالضمان على امرأة النخاس لا غير لأن النخاس أجير مشترك ومن مذهب الامام رحمه الله تعالى أن الأجير المشترك لا يضمن ما تلف في يده بغير فعله وقالا يخير صاحب الجارية بين تضمين النخاس وزوجته

جاء الغاصب بثوب وقال المغصوب هذا وقال المالك لا بل غيره فالقول للغاصب وتمام هذا الفصل تقدم شرحه في فصل أنواع الضمانات فينظر ثمة

نوع في الشفعة دار بيعت بجنب دار الوقف لا شفعة للوقف حتى لا يأخذها القيم لأن الشفعة تجب بحق الملك والموقوفة ليست بمملوكة لأحد في الحقيقة قلت وفي البزازي ما يخالف هذه المسألة فإنه قال تثبت الشفعة بجوار دار الوقف اه


308

رجل اشترى دارا لابنه الصغير والأب شفيعها فأراد أن يأخذها بالشفعة كان له ذلك لأن الأب لو اشترى دار ابنه يجوز فكذا هذا وإذا أخذ كيف يأخذ يقول اشتريت فأخذت بالشفعة ولو كان مكان الأب وصي يجب أن يكون الجواب فيه كالجواب في شراء الوصي مال اليتيم على قول من يملك الشراء فهو كالأب وعلى قول من لا يملك له الشفعة أيضا لكن يقول اشتريت وطلبت الشفعة ثم يرفع الأمر الى القاذي حتى ينصب قيما عن الصبي فيأخذ الوصي منه بالشفعة ويسلم الثمن إليه ثم هو يسلم الثمن إلى الوصي كذا في الولوالجي

وفي البزازي المسلم والذمي والمكاتب والمأذون ومعتق البعض سواء فيها ولا شفعة في المنقولات وإذا ملك العقار بلا عوض كالهبة والصدقة والوصية والميراث أو بعوض ليس بمال كالمهر وبدل الخلع والصلح عن دم عمدا وجعله أجرة فلا شفعة فيها

ولا شفعة في البناء والأشجار إذا بيعت بدون العرصة لأنه نقلي ولو كان البناء بمكة جاز أن يؤخذ بالشفعة وتؤخذ الشفعة به كذا روى عن أبي يوسف وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة كذا ذكره ابن وهبان في شرحه وهي لثلاثة الشريك في المبيع وهو الذي لم يقاسم والخليط وهو المقاسم الذي بقي له خلطة في الطريق أو الشرب والجار الملاصق

ولا شفعة للجار المقابل إذا كانت المحلة نافذة وتجب الشفعة إذا كانت غير نافذة

والشفيع في الطريق أحق من الجار قال مشايخنا لأنه لم يرد به طريقا عاما لأنه غير مملوك لأحد وإنما أراد به ما يكون في سكة غير نافذة وإن لم تكن نافذة حتى كان الطريق مشتركا بين أهلها فإن كان في أسفل السكة ما يتعلق به حق العامة كالمسجد ونحوه فليس لأحد من أهل السكة شفعة بالشركة في الطريق وإن كان المسجد وسط السكة فمن بيته في وسطها أو مدخلها فليس له شفعة وإن بيعت دار في الأسفل فلشركاء الأسفل في الطريق حق الشفعة

والجار مع الشريك شفيع حتى إن سلم الشريك يأخذها الجار في ظاهر الرواية وعن أبي يوسف أنه لا يأخذ والجار إذا سلم مع الشريط صح حتى إذا سلمها الشريك لا يأخذها الجار وبعد تسليم الشريك إنما يأخذها الجار إذا كان بأحد الطلبين بأن يقول اني قد طلبتها إن لم يأخذها الشريك أخذها ولم يذكر في الكتاب أن من لا يرى الشفعة بالجوار إذا جاء إلى حاكم يرى الشفعة بالجوار وطلبها قيل لا يقضي له بها لأنه يزعم بطلان دعواه وقيل يقضي بها لأن الحاكم يرى وجوبها وقيل يقال له هل تعتقد وجوبها إن قال نعم حكم له بها وإن قال لا لا يصغي إلى كلامه

قال الحلواني رحمه الله تعالى وهذا احسن الأقاويل

ويحلف في دعوى الشفعة على من يراها بالله ما لهذا قبلك شفعة في هذه الدار وعلى قول من يراها بالجوار لا يحلف بالله ما لهذا قبلك شفعة في هذه الدار لأنه لو حلف على هذا الوجه يحلف بماء على مذهبه فيتوى حقه

ولو قضى حنفي لشافعي بالجوار هل يحل باطنا فيه وجهان ذكرهما في الوسيط

وفي أدب القضاء لقاضي القضاة شمس الدين السرخسي إذا بلغ الشفيع الخبر وليس بحضرته


309

من يشهده فإنه يقول أنا مطالب بالشفعة حتى لا يسقط طلبه فيما بينه وبين الله تعالى والغائب إذا علم بالشفعة هو بمنزلة الحاضر في الطلب وبعد ما يشهد له من الأجل مقدار المسافة فإن لم يقدم ولم يوكل من يأخذ له بالشفعة بطلت شفعته

قال طلبت الشفعة لا تبطل ولو قال أطلبها أو أنا طالب لها تبطل والصحيح لا تبطل وفي المحيط إذا طلب بأي لفظ كان ماضيا أو مستقبلا جاز

سمع اليهودي بالبيع يوم السبت فلم يشهد بطلت

الشفيع بالجوار إذا خاف أنه لو طلب الشفعة عند قاض لا يرى الشفعة بالجوار فلم يطلب فهو على شفعته لأنه ترك العذر

وإذا لم يكن للصبي من يأخذ شفعته وقف على بلوغه لقوله صلى الله عليه وسلم ينتظر الشفيع إذا كان غائبا وتسليم الأب والوصي على الصبي جائز خلافا لمحمد وزفر رحمهما الله تعالى

أكره على إسقاط الشفعة أو الإبراء عن دين لم يجز ولم تبطل شفعته ولا يصح تسليم الشفعة مع الهزل ولو سد فمه مكرها ولم يتركه ينطق لم تبطل شفعته

وفي البزازي الحيلة بعد ثبوتها تكره بالاتفاق نحو أن يقول المشتري للشفيع اشتره مني وإن كان قبل الثبوت لا بأس به عدلا كان أو فاسقا في المختار لأنه ليس بإبطال وعلى هذا حيلة الزكاة ودفع الربا

والحيلة على وجوه إما أن يهب بيتا من دار من رجل ثم يبيع بقيتها منه أو يكون داران متلاصقتان تصدق صاحب احدى الدارين بالحائط الذي يلي جاره على رجل وقبضه ثم باع منه ما بقي من الدار أو يشتري عشرة بثمن كثير أو سهما من مائة سهم والباقي بثمن قليل فللشفيع الشفعة في الأول لا في الباقي

ولو خاف البائع أن يفسخ المشتري البيع يبيع الباقي على خيار ثلاثة ايام ولو خاف المشتري أنه إذا اشترى القليل بالثمن الكثير لا يبيع منه الباقي بالثمن يشتري السهم الواحد على خيار ثلاثة أيام فلو أراد الشفيع أن يحلفه بالله ما أردت إبطال الشفعة لم يكن له ذلك لأنه لو أقر به لا يلزمه شيء ولو حلفه أن البيع الأول لم يكن تلجئة له ذلك لأنه ادعى معنى لو أقر به للزمه فيكون خصما

وفي الكروم والأشجار إن أراد الحيلة باع الأشجار أو وهبها بأصلها ثم يشتري الأرض لأنه صار شريكا قبل الشراء فيقدم على الجار أو يقول المشتري له أنا أبيعها منك بالمأخوذ ولا فائدة لك في طلبها فإذا قال الشفيع نعم أو اشتريت بطلت وإنه مكروه اجماعا قاله بكر وقال شمس الأئمة رحمه الله تعالى إنه لا يكره لأنه لم يقصد به الاضرار بالشفيع وقيل إن كان الجار فاسقا يتأذى به فلا يكره وإلا يكره في الأحوال كلها أو يبيع البناء بثمن قليل ولا شفعة فيه ثم يبيع الساحة بثمن كثير فلا يرغب في الساحة لكثرة ثمنها الجملة منتخبة من البزازي والله موفق لطريق الرشاد

نوع في القسمة لا يقسم حمام وحائط وبيت ودكان صغير لأنه لو قسم لا يبقى لكل فائدة وانتفاع فيما يخصه وإن بقي فائدة يقسم بينهما والحوض لا يقسم عشرا في عشر أو أقل وكذا الخشبة الواحدة لو كان في قطعها ضرر ولا يقسم بئر ونهر وقناة الا إذا كانت مع أرض فتقسم وتترك البئر والقناة على الشركة الثوب الواحد لا يقسم الا بالتراضي


310

وفي الولوالجي دار بين اثنين انهدمت فقال أحدهما أبني وأبى الآخر قسمت بينهما

وفي الملتقطات دار بين اثنين لأحدهما القليل وللآخر الكثير وصاحب القليل لا ينتفع بنصيبه بعد القسمة فطلب صاحب الكثير القسمة وابى صاحب القليل قسمت بالاتفاق وإذا كان على العكس قال أبو الحسن الكرخي في مختصره لا تقسم وإليه ذهب الاسبيجابي والفقيه أبو الليث وأبو بكر ومحمد بن أبي سهل السرخسي وجعلوا هذا قول أصحابنا وذكر الحاكم الشهيد أنها تقسم وإليه ذهب خواهر زاده وعليه الفتوى لأن الطالب رضي بالقسمة وهذه القسمة لا تتضمن الضرر على الآبي

صبرة مشتركة بين الدهقان والمزارع قال الدهقان أقسمها وأفرز حصتي فقسمها المزارع في غيبة الدهقان وحمل حصته إليه فلما رجع وجد حصة المزارع قد تلفت فالهلاك عليهما وإن ترك حصة الدهقان مفرزة وحمل حصته إلى منزله فلما رجع وجد حصة الدهقان قد تلفت فالهلاك على الدهقان وفي واقعات السمرقندي إذا تلفت حصة الدهقان قبل قبضه ينقضها ويرجع على الأكار بنصف المقبوض وإن تلفت حصة الأكار لا تنقض لأن تلفها بعد قبضه والغلة كلها في يده والاصل أن هلاك حصة من المكيل في يده قبل قبض الآخر نصيبه لا يوجب انتقاض القسمة وهلاك حصة من لم يكن المكيل في يده قبل قبض حصته يوجب انتقاضها

وذكر شيخ الاسلام رحمه الله تعالى أن المكيل والموزون لو كان بين اثنين فاقتسماه وقبض أحدهما حصته للآخر حتى تلف نصيب الآخر تنقض القسمة ويكون التالف والباقي على الشركة وتأويله إذا لم يكن المقسوم في يد أحدهما والمقبوض بالقسمة الفاسدة تثبت يد المالك فيه

وفي المنبع إذا طلب أحد الشريكين القسمة وأبى الآخر فأمر القاضي قاسما ليقسمه بينهما فالأجرة على الطالب كذا روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقال أبو يوسف ومحمد الأجرة عليهما

وفي الذخيرة سئل ابو جعفر عن سلطان غرم أهل قرية فأرادوا قسمة الغرامة واختلفوا فيما بينهم فقال قال بعضهم يقسم على قدر الأملاك وقال بعضهم يقسم ذلك على عدد الرؤوس وقال بعضهم إن كانت الغرامة لتحصين أملاكهم تقسم على قدر الأملاك وإن كانت الغرامة لتحصين الأبدان يقسم ذلك على عدد الرؤوس ولا شيء على النسوان والصبيان في ذلك لأنه لا يتعرض لهم

وارثان في يدهما عقار ومعهما غائب أو صبي وبرهنا على الوفاة وعدد الورثة قسم العقار بطلبهما ونصب القاضي عن الغائب وكيلا وعن الصبي وصيا يقبض نصيبهما ولا بد من اقامة البينة في هذه الصورة

ثم اعلم أن هاهنا مسألة لا بد من معرفتها وهي أن القاضي إنما ينصب وصيا عن الصغير إذا كان الصغير حاضرا أما إذا كان غائبا فلا ينصب عنه وصيا والفرق أن الصغير إذا كان حاضرا تتوجه الدعوى عليه فلصحة الدعوى ينصب عنه من يجيب عنه وأما إذا كان الصغير غائبا لم تصح الدعوى عليه فلا يحتاج إلى نصب من يجيب عنه فلم تقع الضرورة على نصب الوصي فافترقا كذا في المنبع

وفي البزازي أنه لا يشترط حضرة الصغير بل يشترط أن يكون في ولايته وأن يكون الحاكم الناصب عالما بوجوده وحاله اه


311

الفصل الثاني عشر في الإكراه

وهو عبارة عن تهديد القادر غيره على ما هدده بمكروه على أمر بحيث ينتفي به الرضا

وفي المنبع الإكراه نوعان نوع يرجع إلى المكره ونوع يرجع إلى المكره أما الذي يرجع إلى المكره فهو أن يكون المكره قادرا على تحقيق ما هدد به لأن الضرورة لا تتحقق إلا عند القدرة على الايقاع فإنه إذا لم يكن قادرا على الإكراه يكون هذيانا وفي هذا المعنى لا فرق بين السلطان وغيره هذا على مذهبهما ظاهر لتحقق الإكراه من السلطان وغيره وأما على مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى فقد قيل إنه لا يتحقق الإكراه الا من السلطان أي من السلطان الأعظم لأن القدرة لا تتحقق الا من السلطان وقيل انه يتحقق ممن يملك الحدود والصحيح أن الاختلاف في ذلك اختلاف عصر وزمان لا حجة وبرهان لأن زمان أبي حنيفة رحمه الله تعالى لم يكن لغير السلطان من القوة ما يتحقق به الإكراه فأفتى على حسب ما عاين وفي زمانهما ظهر الفساد وصار الأمر إلى كل متغلب فتحقق الإكراه من الكل

وفي البزازي نفس الأمر من السلطان بلا تهديد إكراه لأنه لو لم يمتثل يعاقبه وقالا إن كان المأمور يعلم أنه لو لم يفعل ما قاله السلطان يعاقبه كان أمره له بالفعل إكراها

وفي البدائع البلوغ والعقل والتمييز المطلق ليس بشرط لتحقق الاكراه حتى يتحقق من الصبي العاقل إذا كان مطاعا مسلطا ومن البالغ المختلط العقل إذا كان مطاعا مسلطا للقدرة على الايقاع وأما النوع الذي يرجع إلى المكره فهو أن يكون في غالب رأيه أنه لو لم يجب إلى ما دعي إليه تحقق ما أوعد به لأن غالب الرأي حجة يعمل به خصوصا عنه تعذر الوصول إلى اليقين حتى لو كان في أكبر رأيه أن المكره لا يحقق ما أوعده به لا يثبت حكم الاكراه شرعا وإن وجدت صورة الإيعاد لأن الضرورة لم تتحقق ومثله لو أمره بفعل ولم يوعده عليه ولكن في أكبر رأي المكره أنه لو لم يفعل يتحقق ما أوعد به فثبت حكم الاكراه لتحقق الضرورة ولهذا لو كان في أكبر رأيه أنه لو امتنع عن تناول الميتة وصبر إلى أن يلحقه الجوع المهلك لأزيل عنه الاكراه لا يباح له التناول في الحال وإن كان في أكبر رأيه أنه لو صبر إلى تلك الحالة لا يزول عنه الاكراه يباح له التناول في الحال فدل أن العبرة لغالب الرأي وأكبر الظن دون صورة الإيعاد

وفي الهداية وإذا أكره على بيع ماله أو شراء سلعة أو على أن يقر لرجل بألف أو يؤجر داره فأكره على ذلك بالقتل أو بالضرب الشديد أو بالحبس فباع أو اشترى فهو بالخيار إن شاء أمضى البيع وإن شاء فسخه ورجع بالمبيع لأن من شرط صحة هذه العقود التراضي قال الله تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم والإكراه بهذه الأشياء بعدم الرضا فتفسد بخلاف من إذا أكره بضرب سوط أو حبس يوم أو قيد يوم لأنه لا يبالي بها بالنظر إلى العادة فلا يتحقق به الاكراه الا إذا كان رجلا صاحب منصب يعلم أنه يتضرر به فإنه يفوت الرضا

وفي الولوالجي إذا كان الرجل من الأشراف أو من الأجلاء أو من كبراء العلماء أو الرؤساء بحيث يستنكف عن ضرب سوط أو حبس ساعة لم يجز إقراره لأن مثل هذا الرجل يؤثر ألف درهم


312

على ما يلحقه من الهوان بهذا القدر من الحبس والقيد فكان مكرها وكذا الإقرار حجة لترجح جانب الصدق فيه على جانب الكذب وعند الإكراه يحتمل أنه يكذب لدفع المضرة

وفي الذخيرة ولو هدد بضرب سوط أو سوطين فهو لا يعتبر إلا أن يقول لأضربنك على عينيك أو على المذاكير

وفي البدائع الإكراه يمنع صحة الإقرار سواء كان المقر به مما يحتمل الفسخ أو لا يحتمل وسواء كان مما يسقط بالشبهات كالحدود والقصاص أو لا ولو أكره على الإقرار بذلك ثم خلى سبيله فهذا على وجهين إما أن يتوارى عن بصر المكره حينما خلى سبيله وإما أن لا يتوارى عن بصره حتى بعث من أخذه ورده إليه فإن كان قد توارى عن بصره ثم أخذه فأقر إقرارا مستأنفا جاز إقراره لأنه لما خلى سبيله حتى توارى عن بصره فقد زال الإكراه عنه فإذا أقر به من غير إكراه جديد فقد أقر طائعا فصح وإن كان لم يتوار عن بصره بعد حتى رده إليه فأقر به من غير تجديد الإكراه لم يصح لأنه لما لم يتوار عن بصره فهو على الإكراه الأول

ولو أكرهه على الإقرار بالقصاص فأقر به فقتله حيثما أقر به من غير بينة فإن كان المقر معروفا بالدعارة يدرأ عنه القصاص استحسانا وإن لم يكن معروفا بها يجب القصاص والقياس أن يجب القصاص على المكره كيفما كان لأن الإقرار بالإكراه لما لم يصح شرعا كان وجوده وعدمه بمنزلة واحدةح فصار كما لو قتله ابتداء

ونظيره ما إذا دخل رجل على آخر في منزله فخاف صاحب المنزل أنه داعر دخل عليه ليقتله ويأخذ ماله فبادر وقتله فإن كان الداخل معروفا بالدعارة لا يجب القصاص على صاحب المنزل وإن لم يكن معروفا بالدعارة يجب القصاص على صاحب المنزل كذا هذا وإذا لم يجب القصاص يجب الأرش لأن سقوط القصاص للشبهة وإنها لا تمنع وجوب المال وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يجب الأرش أيضا إذا كان معروفا بالدعارة انتهى كلام البدائع

وفي البزازي ولو أكره على شرب الخمر بإكراه يخاف منه التلف أو تلف عضو أو قال لأحبسنك أو لأضربنك بالسياط يحل له شربه ولو امتنع يأثم

أكره على الهبة فوهب وسلم طائعا لا يكون ملكا للموهوب له والإكراه على الهبة إكراه على التسليم بخلاف البيع فإن الإكراه على البيع لا يكون إكراها على التسليم

أكره على البيع بألف فباعه بأقل لا يجوز في الاستحسان

أكره على البيع فوهب جاز

أكره على البيع ولم يسم المشتري فباعه من إنسان لا يجوز

طالبوه بمال باطل وأكره على أدائه فباع جاريته بلا إكراه على البيع جاز البيع لأنه غير متعين لأدائه وهذا عادة الظلمة إذا صادروا رجلا أن يتحكموا بالمال ولا يذكروا بيع شيء من ماله والحيلة له فيه أن يقول من أين أعطي ولا مال لي فإذا قال الظالم له بع جاريتك فقد صار مكرها على بيع الجارية فلا ينعقد بيعها

أكره على الإبراء عن الحقوق أو الكفالة بالنفس أو تسليم الشفعة أو ترك طلبها كان باطلا


313

رجل ضرب زوجته حتى أقرت باستيفاء مهرها جاز عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لأن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان قال أي البزازي والزوج سلطان زوجته فيتحقق منه الاكراه ولم يذكر الخلاف قلت وسياق اللفظ يدل على الوفاق والله سبحانه وتعالى أعلم

وفي المنبع إذا أكره انسان رجلا بالإكراه التام على أن يطلق امرأته أو يعتق عبده ففعل وقع الطلاق والعتق عندنا خلافا للشافعي وإذا أكره على التوكيل بالطلاق والعتاق ففعل الوكيل فالتوكيل جائز استحسانا وقد تصرف الوكيل والقياس أن لا تصح الوكالة مع الإكراه لأن كل عقد يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الإكراه ومالا يؤثر فيه الهزل لا يؤثر فيه الإكراه لأنهما ينفيان الرضا والوكالة تبطل بالهزل فكذا بالإكراه

وفي جامع الفتاوي أكره على أن يكتب على قرطاس امرأته أو أمرها بيدها لم يصح إلا إذا نوى ولو أكره على أن يقر بالطلاق فأقر لا يقع كذا ذكره السرخسي رحمه الله تعالى في أدب القضاء

أكره على نذر أو حد أو قطع أو نسب فأقر لا يلزمه شيء وفي المحيط من المشايخ من قال بصحة الإقرار بالسرقة مكرها

وعن الحسن بن زياد رحمه الله تعالى أنه يحل ضرب السارق حتى يقر وقال مالم يقطع اللحم أو يظهر العظم

أمره بقتل رجل ولم يقل إن لم تقتله لأقتلنك لكن يعلم أنه إن لم يقتله يقع ما يهدد به كان مكرها

الكافر إذا أكره مسلما على الكفر وله امرأة مسلمة فارتكب وقلبه مطمئن بالإيمان لم تبن امرأته لأنه لا يحكم بكفره بإجراء الكلمة على لسانه فإن قالت المرأة قد كفرت وقد بنت منك وقال الزوج أظهرت ذلك بعذر الإكراه وقلبي مطمئن بالإيمان فالقول قوله استحسانا والقياس أن يكون القول قولها ويحكم بالفرقة

أكره على الاسلام فأسلم صح ولو ارتد يحبس ولا يقتل استحسانا

وفي العمادي رجل سعى إلى سلطان ظالم حتى غرم رجلا جملة من المال إن كانت السعاية بحق بأن كان يؤذيه ولا يمكنه دفع الأذى عن نفسه إلا بالدفع إليه أو كان فاسقا لا يمتنع بالأمر بالمعروف ففي مثل هذا الموضع لا يضمن الساعي ولو قال إن فلانا وجد كنزا أو لقطة وقد ظهر أنه كاذب ضمن إلا إذا كان السلطان عادلا لا يغرم بمثل هذه السعاية أو قد يغرم وقد لا يغرم فلا يضمن الساعي

وفي القنية سعى برجل إلى السلطان فأخذ منه مالا ظلما يضمن الساعي روى هذا عن زفر وبه قال كثير من مشايخنا لمصلحة العامة

وفي شرح الصباغي إن كانت السعاية بحق كما لو أذاه أو دام على الفسق ولا يتعظ بالعظة فأخبر السلطان فغرمه مالا لا يضمن

وفي فتاوي قاضيخان رجل ادعى على آخر سرقة وقدمه إلى السلطان وطلب منه أن يضربه حتى يقر فضربه مرة أو مرتين أو حبسه فخاف المحبوس من التعذيب والضرب فصعد السطح لينفلت فسقط عن السطح فمات وقد كانت لحقته غرامة في هذه الحادثة فظهرت السرقة على يد غيره كان للورثة أن يأخذوا صاحب السرقة بدية أبيهم وبالغرامة التي أداها إلى السلطان


314

وفي الذخيرة المضروب إذا شكا إلى السلطان وأخذ مالا من الضارب لا ضمان على المضروب

وفي القنية رجل أخبر الظلمة أن لفلان حنطة في مطمورة فأخذوها منه فله أن يرجع بها على المخبر وكذا إذا علمها الظالم لكن أمره الساعي بالأخذ يضمن ولو قال النمام للظالم لفلان فرس جيد فأخذه الظالم منه فالنمام هنا ضامن اه

نوع في الحجر وسببه الصغر والجنون والرق فلم يصح طلاق صبي ومجنون غلب على عقله وعتقهما وإقرارهما وصح طلاق العبد وإقراره في حق نفسه لا في حق سيده فلو أقر بمال آخر إلى عتقه وبحد وقود عجل ومن عقد منهم وهو يعقله أجاز وليه أو رد وإن أتلفوا شيئا ضمنوا كذا في الوقاية

وفي الهداية قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا أحجر على الحر العاقل البالغ السفيه وتصرفه في ماله جائز وإن كان مبذرا مفسدا يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة

وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى يحجر عليه ويمنع من التصرف في ماله

وإذا حجر القاضي عليه ثم رفع إلى قاض آخر فأبطل حجره وأطلق عنه جاز لأن الحجر منه فتوى وليس بقضاء ألا ترى أنه لم يوجد المقضي له والمقضي عليه ولو كان قضاء فنفس القضاء مختلف فيه فلا بد من الإمضاء حتى لو رفع تصرفه بعد الحجر إلى القاضي الحاجر أو إلى غيره فقضى ببطلان تصرفه ثم رفع إلى قاض آخر نفذ إبطاله لاتصال الإمضاء به فلا يقبل النقض بعد ذلك ثم عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى إذا بلغ الغلام غير رشيد لم يسلم إليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة فإن تصرف فيه قبل ذلك نفذ تصرفه فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة سلم إليه ماله وإن لم يؤنس منه الرشد وقالا لا يدفع إليه ماله أبدا حتى يؤنس منه الرشد ولا يجوز تصرفه فيه لأن علة المنع السفه فيبقي ما بقيت العلة وصار كالصبي

ولا يحجر على الفاسق المصلح لماله خلافا للشافعي لأن الحجر عليه زجر وعقوبة كما في السفيه ولهذا لم يجعل أهلا للشهادة والولاية عنده ولنا أنه مصلح لماله فيكون الرشد مأنوسا منه فيدفع ماله إليه لقوله تعالى فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم وقد علق الرشد بإيناس رشد واحد لأنه نكرة في الاثبات والرشد في المال مراد بقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فلا يكون الرشد في الدين مرادا لأنه حينئذ يكون معلقا برشدين

وتخرج الزكاة من مال السفيه لأنه واجب عليه وينفق على أولاده وزوجته ومن يجب عليه نفقته من ذوي أرحامه لأن إحياء ولده وزوجته من حوائجه والإنفاق على ذوي الرحم واجب عليه حقا لقريبه والسفه لا يبطل حق الناس إلا أن القاضي يدفع قدر الزكاة إليه ليصرفها إلى مصرفها لأنه لا بد من نيته لكونها عبادة لكن يبعث أمينا معه كي لا يصرفها في غير وجهها وفي النفقة تدفع إلى أمينه ليصرفها لأنه ليس بعبادة فلا يحتاج إلى نيته وإن أراد حجة الاسلام لم يمنع منها لأنه واجب عليه بإيجاب الله تعالى من غير صنعه ولا يسلم القاضي النفقة إليه ويسلمها إلى ثقة من الحاج ينفقها عليه في طريق الحج كي لا يتلفها في غير هذا الوجه اه كلام الهداية


315

وفي نصاب الذرائع ولا يحجر على المديون عنده ولكن يحبس بالدين إن كان له مال حتى يقضي دينه والقاضي يقضي دينه بدراهمه ودنانيره بغير أمره لأنها معدة لقضاء الدين وقالا يحجر عليه بطلب الغرماء الحجر ويبيع ماله لقضاء دينه بدراهم ويقسم ثمن ما باع من ماله بين غرمائه بالحصص وينفق عليه من ماله كما ينفق من مال السفيه لأن الإنفاق لا بد منه دفعا للهلاك

نوع في معرفة حد البلوغ وفي العمادى البلوغ يكون تارة بالسن وتارة يكون بالعلامة والعلامة في الجارية الحيض والاحتلام والحبل وأدنى المدة تسع سنين هو المختار والعلامة في الغلام الاحتلام والإحبال وأدنى المدة اثنتا عشرة سنة وأما السن في الغلام فهو إذا دخل في التاسعة عشر وفي الجارية إذا دخلت في السابعة عشر وفي بعض الروايات عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه اعتبر نبات الشعر وهو قول مالك رحمه الله تعالى

وفي الهداية وإذا راهق الغلام أو الجارية وأشكل أمرهما في البلوغ فقالا قد بلغنا فالقول قولهما وأحكامهما أحكام البالغين لأنه معنى لا يعرف الا من جهتهما ظاهرا فإذا أخبرا به ولم يكذبهما الظاهر قبل قولهما كما يقبل قول المرأة في الحيض

وفي فتاوي قاضيخان امرأة وهبت مهرها من زوجها وقالت أنا مدركة ثم قالت لم أكن مدركة وكذبت فيما قالت قالوا إن كانت تشبه المدركات في ذلك الوقت أو كانت بها علامة المدركات لا تصدق لأنها لم تكن مدركة وإن لم تكن كذلك فإن القول قولها

وفي فتاوي النسفي سئل عن قوم اصطلحوا على شيء وفيهم مراهق وأقر المراهق عند الصلح أنه بالغ ثم قال بعض الورثة بعد ذلك إنه لم يكن بالغا ولم يصح هذا الصلح قال القول قول الصبي بالبلوغ بشرط أن يكون ابن ثلاث عشرة سنة لأن الأقل من ذلك نادرا

الفصل الثالث عشر في النكاح

اختلف أصحابنا رحمه الله تعالى فيه قال بعضهم إنه مندوب ومستحب وإليه ذهب الكرخي وقال بعضهم فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين كالجهاد وصلاة الجنازة وقال بعضهم إنه واجب على سبيل الكفاية كرد السلام وقال بعضهم إنه واجب عينا لكن عملا لا اعتقادا على طريق التعيين كصدقة الفطر والوتر والأضحية وفي المجمع قال يسن حالة الاعتدال ويجب في التوقان ويكره لخوف الجور

وفي الهداية وينعقد بالايجاب والقبول بلفظين يعبر بهما عن الماضي لأن الصيغة وإن كانت للإخبار وضعا فقد جعلت للإنشاء شرعا دفعا للحاجة وينعقد بلفظين يعبر بأحدهما عن الماضي وبالآخر عن المستقبل مثل أن يقول زوجني فيقول زوجتك لأن هذا توكيل بالنكاح والواحد يتولى طرفي النكاح وينعقد بلفظ النكاح والتزويج والهبة والتمليك والصدقة والبيع ولا ينعقد بلفظ الاجارة في الصحيح ولا بلفظ الإحلال والإباحة والإجارة والوصية ولا ينعقد نكاح المسلمين إلا بحضور شاهدين حرين عاقلين بالغين مسلمين أو رجل وامرأتين عدولا كانوا أو غير عدول أو محدودين في قذف


316

وينعقد النكاح بشهادة الأعميين عندنا خلافا للشافعي لأن البصر شرط لإظهار النكاح عنده وعندنا بصر الشاهد ليس بشرط وفي الذخيرة ولا ينعقد النكاح بشهادة النائمين اللذين لا يسمعان كلام المتعاقدين والأصمين وذكر القاضيان الإسبيجاني والسغدي أن النكاح ينعقد بشهادة الأصمين ونص القدوري على أن سماع الشهود كلام المتعاقدين هل هو شرط لانعقاد النكاح فقد اختلف فيه فقال بعضهم ليس بشرط وإنما الشرط حضرتهما فينعقد النكاح بشهادة الأصمين وقال بعضهم لا بد من السماع فلا ينعقد بشهادة الأصمين

وفي المحيط رجل تزوج امرأة بحضرة السكارى وهم يعرفون أمر النكاح غير أنهم لا يذكرونه بعد ما صحوا انعقد النكاح لأن هذا نكاح بحضرة الشهود

وفي البزازي لقنت امرأة بالعربية زوجت نفسي من فلان ولا تعرف ذلك وقال فلان قبلت والشهود يعلمون أو لا يعلمون صح النكاح قال في النصاب وعليه الفتوى

وفي النوادر رجل وامرأة أقرا بالنكاح بين يدي شاهدين عدلين فقال الرجل هذه امرأتي وقالت المرأة هذا زوجي فإنه يصح النكاح وعليه الفتوى

وفي فتاوي قاضيخان رجل له بنت واحدة اسمها عائشة فقال الأب وقت العقد زوجت منك بنتي فاطمة لا ينعقد النكاح بينهما ولو كانت المرأة حاضرة فقال الأب زوجتك بنتي فاطمة هذه واشار إلى عائشة وغلط في اسمها فقال الزوج قبلت جاز

وفي الخلاصة أبو الصغيرة إذا قال زوجت بنتي فلانة من ابن فلان بكذا وقال فلان قبلت لابني ولم يسم الأب الابن إن كان له ابنان أو أكثر لا يجوز وإن كان له ابن واحد صح ولو ذكر أبو البنت اسم الابن وقال زوجت بنتي من ابنك فلان فقال أبو الابن قبلت صح وإن لم يقل قبلت للابن ولو قال قبلت لأجل ابني إن سماه جاز ايضا وإن لم يسمه إن كان له ابن واحد جاز وإن كان أكثر لا يجوز وفي المحيط لو قال زوجت بنتي منك ولم يزد على هذا وله بنت واحدة جاز ولو كان له بنتان اسم الكبرى عائشة واسم الصغرى فاطمة فقال زوجت بنتي فاطمة منك ينعقد النكاح على الصغرى وإن كان يريد تزويج الكبرى ولو قال زوجت بنتي الكبرى فاطمة يجب أن لا ينعقد النكاح على إحداهما

امرأة لها اسمان اسم سميت به في الصغر واسم سميت به في الكبر وصارت معروفة بهذا الاسم تزوج بالاسم الذي سميت به في الكبر وقال الامام ظهير الدين الأصح الجمع بين الاسميين وبه يفتى

وفي البزازي رجل له بنتان متزوجة وغير متزوجة وقال عند الشهود زوجت بنتي منك ولم يسم اسم البنت وقال الخاطب قبلت صح وانصرف إلى الفارغة

أجاب صاحب الهداية في امرأة زوجت نفسها بألف من رجل عند الشهود فلم يقل الزوج شيئا لكن أعطاها المهر في المجلس أنه يكون قبولا قال البزازي وأنكره صاحب المحيط وقال لا مالم يقل بلسانه قبلت بخلاف البيع فإنه ينعقد بالتعاطي والنكاح لخطره لا ينعقد حتى يتوقف على الشهود وبخلاف إجازة نكاح الفضولي بالفعل لوجود القول ثمة


317

وإذا تزوج مسلم ذمية بشهادة ذميين جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وعند محمد رحمه الله تعالى لا يجوز

ويحرم على الرجل نكاح أصوله أي الأم والأب والأجداد والجدات وإن علوا وفروعه أي الولد وولد الولد وولد ولد الولد وإن سفلوا وفروع أصوله أي الاخوة والأخوات وأولادهم وأولاد أولادهم وإن نزلوا والأعمام والعمات والأخوال والخالات ونكاح أم امرأته دخل بها أم لا وزوجة أبيه وأجداده وكذا يحرم عليه نكاح امرأة ابنه وبني أولاده ويحرم عليه نكاح أمه من الرضاع وأخته من الرضاعة ولا يحل له أن يجمع بين أختين بنكاح ولا بملك يمين استمتاعا ولا بأس بأن يجمع بين امرأة وابنة زوج كان لها من قبل لأنه لا قرابة بينهما ولا رضاع وقال زفر رحمه الله تعالى لا يجوز لأن ابنة الزوج لو قدرتها ذكرا لا يجوز له التزوج بامرأة أبيه قلنا امرأة الأب لو صورتها ذكرا جاز له التزوج بهذه الشروط أن يصور ذلك من كل جانب

ومن زنى بامرأة حرمت عليه أمها و ابنتها وقال الشافعي رحمه الله تعالى الزنى لا يوجب حرمة المصاهرة وأجمعوا على أنه لا يجوز للأم أن تتزوج ابنها من الزنى

ومن مسته امرأة بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها وقال الشافعي لا تحرم ثم المس بشهوة أن تنتشر الآلة أو تزداد انتشارا هو الصحيح والمعتبر النظر إلى الفرج الداخل ولا يتحقق ذلك إلا عند اتكائها ولو مس فأنزل فقد قيل يوجب الحرمة والصحيح أنه لا يوجبها لأنه بالإنزال تبين أنه غير مفض إلى الوطء وعلى هذا إتيان المرأة في دبرها لا يوجبها وإذا طلق الرجل امرأته طلاقا بائنا أو رجعيا لم يجز له أن يتزوج بأختها حتى تنقضي عدتها ولا يتزوج المولى أمته ولا المرأة عبدها ويجوز تزوج الكتابيات لا المجوسيات ويجوز تزوج الصابئات إن كانوا يؤمنون بنبي ويقرون بكتاب

ويجوز للمحرم والمحرمة أن يتزوجا في حالة الاحرام وقال الشافعي لا يجوز لقوله عليه الصلاة والسلام لا ينكح المحرم ولا ينكح ولنا ما روى أنه صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة رضي الله عنها وهو محرم وما رواه محمول على الوطء

ولا يتزوج أمة على حرة ويجوز تزوج الحرة عليها فإن تزوج أمة على حرة في عدة من طلاق بائن لم يجز عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ويجوز عندهما وللحر أن يتزوج أربعا من الحرائر والإماء وليس له أن يتزوج أكثر من ذلك لقوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع والتنصيص على العدد يمنع الزيادة عليه وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يتزوج إلا أمة واحدة لأنه ضروري عنده والحجة عليه ما تلونا إذ الأمة المنكوحة يتضمنها اسم النساء كما في الظهار

ولا يجوز للعبد أن يتزوج أكثر من اثنين وقال مالك رحمه الله تعالى يجوز لأنه في حق النكاح بمنزلة الحر عنده حتى ملكه بغير اذن المولى ولنا أن الرق منصف فيتزوج العبد اثنتين والحر أربعا إظهارا لشرف الحرية فإن طلق الحر احدى الأربع طلاقا بائنا لم يجز له أن يتزوج رابعة حتى تنقضي عدتها خلافا للشافعي وهو نظير نكاح الأخت في عدة الأخت فإن تزوج حبلى من زنى جاز النكاح ولا يطؤها حتى تضع حملها وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله النكاح فاسد وإن كان الحمل ثابت النسب فالنكاح باطل بالإجماع


318

ونكاح المتعة باطل وهو أن يقول لامرأة أتمتع بك كذا مدة بكذا من المال وقال مالك هو جائز والنكاح المؤقت باطل مثل أن يتزوج امرأة بشهادة شاهدين عشرة ايام وقال زفر هو صحيح لازم ويبطل التوقيت

نوع في الأولياء والأكفاء وينعقد نكاح الحرة العاقلة البالغة برضاها وإن لم يعقد عليها بولي بكرا كانت أو ثيبا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى في ظاهر الرواية وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا ينعقد إلا بولي وعن محمد رحمه الله تعالى ينعقد موقوفا وقال مالك والشافعي رحمهما الله تعالى لا ينعقد النكاح بعبارة النساء أصلا ثم في ظاهر الرواية لا فرق بين الكفء وغير الكفء إلا أن للولي حق الاعتراض في غير الكفء وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى أنه لا يجوز في غير الكفء لأنه كم من واقع لا يرفع وفي الحقائق المطلقة ثلاثا إذا زوجت نفسها من غير كفؤ ودخل بها الزوج ثم طلقها لا تحل للزوج الأول على ما هو المختار قلت وهذا مما يجب حفظه

ولا يجوز للولي إجبار البكر البالغ على النكاح خلافا للشافعي وإذا استأذنها فسكتت أو ضحكت فهو اذن وقيل إذا ضحكت كالمستهزئة بما سمعت لا يكون رضا وإذا بكت بلاصوت لم يكن ردا وقيل هذا إذا خرج الدمع بلا صوت كالعويل لأنها تحزن على مفارقة بيت أبويها فأما إذا كان لبكائها صوت كالعويل فإنه يكون ردا

وفي فتاوي قاضيخان أنه يمتحن الدمع فإن كان باردا فهو رضا وإن كان حارا فليس برضا

ويجوز نكاح الصغير والصغيرة إذا زوجهما الولي بكرا كانت الصغيرة أو ثيبا والولي هو العصبة فإن زوجهما الأب والجد فلا خيار لهما بعد بلوغهما لأنهما كاملا الرأي وافرا الشفقة فيلزم العقد بمباشرتهما وإن زوجهما غير الأب والجد فلكل واحد منهما الخيار إذا بلغ إن شاء أقام على النكاح وإن شاء فسخ وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى لا خيار لهما اعتبارا بالاب والجد

وذكر الناطفي في روضته إذا عضل الأب بنته الصغيرة عن التزويج فزوجها القاضي قال أبو يوسف رحمه الله تعالى يجوز ولا يلتفت إلى الأب

القاضي إذا زوج الصغيرة من نفسه فهو نكاح بلا ولي لأن القاضي رعية في حق نفسه وكذا إذا زوج من ابنه لا يجوز لأنه بمنزلة الحكم وحكم القاضي لابنه باطل بخلاف غيره من الأولياء حيث يجوز لابن العم أن يزوج بنت عمه من نفسه أو ابنه

وإذا غاب الولي الأقرب غيبة منقطعة جاز لمن هو أبعد منه في الولاية أن يزوج ويلزم تزويجه حتى لو جاء الأقرب لا يبطل ما عقده الأبعد والغيبة المنقطعة أن يكون في بلد لا تصل القوافل إليه في السنة الا مرة واحدة وهو اختيار القدوري وقيل أدنى مدة السفر وهو اختيار بعض المتأخرين وقيل إذا كان بحال يفوت الكفؤ الخاطب استطلاع رأيه وهذا أقرب إلى الفقه لأنه لا نظر في إبقاء ولايته حينئذ

نوع في الكفاءة وفي الهداية الكفاءة تعتبر في النسب لأنه يقع به التفاخر فقريش بعضهم أكفاء لبعض والعرب بعضهم أكفاء لبعض وأما الموالي فمن كان له أبوان في الاسلام فصاعدا فهو من الأكفاء


319

يعني لمن كان له آباء فيه ومن أسلم بنفسه أو له أب واحد في الاسلام لا يكون كفؤا لمن له أبوان في الاسلام لأن تمام النسب بالاب والجد ومن أسلم بنفسه لا يكون كفؤا لمن له أب واحد في الاسلام وتعتبر أيضا في الدين أي الديانة وتعتبر في المال وهو أن يكون مالكا للمهر والنفقة وهذا هو المعتبر في ظاهر الرواية حتى أن من لا يملكهما أو لا يملك أحدهما لا يكون كفؤا

وفي البزازي العجمي العالم كفؤ للعربي الجاهل لأن شرف العلم اقوى وارفع وكذا العالم الفقير كفؤا للغني الجاهل وكذا العالم الذي ليس بقرشي كفؤ للجاهل القرشي والعلوي المجهول النسب لا يكون كفؤا لمعروف النسب

امرأة زوجت نفسها من رجل ولم تعرف أنه حر أو عبد فإذا هو عبد مأذون بالنكاح ليس لها الفسخ ولا لأوليائها طلبه ولا ينفسخ بلا فسخ القاضي ويكون فرقة من غير طلاق حتى أنه لو لم يدخل بها لا يلزمه شيء

تزويج الفضولي موقوف ينفذ بالإجازة ويبطل بالرد لصدور الركن من الأهل مضافا إلى المحل ولم ينعقد قبل الاجازة لعدم الولاية وكذا نكاح العبد والأمة بغير اذن المولى وإن تزوج العبد باذن مولاه فالمهر دين في رقبته يباع فيه لأنه دين وجب عليه لوجود سببه من أهله فقد ظهر في حق مولاه لاذنه به فيتعلق برقبته كديون التجارة

وأنكحة الكفار بعضهم من بعض جائزة وقال مالك فاسدة لنا قوله عليه الصلاة والسلام ولدت من نكاح لا من سفاح ويجوز للنصراني أن يتزوج بالمجوسية لأن الكفر كله ملة واحدة

ذمي تزوج مسلمة يفرق بينهما ويعزران لأنها معصية ويعزر المزوج أيضا وإذا اسلم الذمي لم يترك على النكاح لأنه وقع فاسدا كذا ذكره السروجي في آداب القضاء

نوع في المهر يصح عقد النكاح بغير تسمية المهر لأن النكاح عقد انضمام وازدواج لغة فيتم بالزوجين ثم المهر واجب شرعا ابانة لشرف المحل فلا يحتاج إلى ذكره لصحة النكاح واقل المهر عشرة دراهم ولو سمى أقل من عشرة فلها العشرة وقال زفر رحمه الله لها مهر المثل لأن تسمية مالا يصلح مهرا كانعدامه ولو طلقها قبل الدخول بها يجب خمسة عند علمائنا الثلاثة وعنده تجب المتعة كما إذا لم يسم شيئا

ومن سمى مهرا عشرة فما زاد فعليه المسمى إن دخل بها أو مات عنها وإن طلقها قبل الدخول بها والخلوة فلها نصف المسمى لقوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن الآية وشرطه أن يكون قبل الخلوة لأنها كالدخول بها عند نا وإن تزوجها ولم يسم لها مهرا أو تزوجها على أن لا مهر لها فلها مهر مثلها إن دخل بها أو مات عنها وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجب شيء في الموت وأكثرهم على أنه يجب في الدخول ولو طلقها قبل الدخول بها فلها المتعة لقوله تعالى ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره الآية ثم هذه المتعة واجبة رجوعا إلى الأمر وفيه خلاف مالك رحمه الله تعالى والمتعة لا تزيد على نصف مهر مثلها ولا تنقص عن خمسة دراهم وتعتبر بحاله في الصحيح وهي درع وخمار وملحفة


320

وإذا زوج الرجل بنته على أن يزوجه الآخر بنته أو أخته ليكون أحد العقدين عوضا عن الآخر فالعقدان جائزان ولكل واحد منهما مهر مثلها وقال الشافعي رحمه الله تعالى يبطل العقدان

وإن تزوج حر امرأة على خدمته سنة أو على تعليم القرآن فلها مهر مثلها وقال محمد لها قيمة خدمته ومهر مثلها يعتبر بأخواتها وعماتها وبنات أعمامها فإن لم يوجد منهم أحد فمن الأجانب أي يعتبر مهر مثلها من قبيلة مثل قبيلة أبيها ولا يعتبر بأمها وخالتها إذا لم يكونا من قبيلتها فإن كانت الأم من قوم أبيها بأن كانت بنت عمه فحينئذ يعتبر بمهرها ويعتبر في مهر المثل أن تتساوى المرأتان في السن والجمال والمال والعقل والدين والبلد والعصر والعفة قالوا ويعتبر التساوي أيضا في البكارة والثيوبة وللمرأة أن تمنع نفسها حتى تأخذ المهر المعجل وتمنعه أن يخرجها أي يسافر بها وليس للزوج أن يمنعها من السفر والخروج من منزله وزيارة أهلها حتى يوفيها المهر كله أي المعجل ولو كان المهر كله مؤجلا فليس لها أن تمنع نفسها لإسقاط حقها بالتأجيل كما في المنبع ولو كان المهر حالا فأخرته شهرا فليس لها أن تمنع نفسها عندهما وعند أبي يوسف لها ذلك لأن هذا تأجيل طاريء فكان حكمه حكم التأجيل المقارن

ولو قال نصفه معجل ونصفه مؤجل ولم يذكر الوقت للمؤجل اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى فيه قال بعضهم لا يجوز الأجل ويجب حالا كما إذا قال تزوجتك على ألف مؤجلة وقال بعضهم يجوز ويقع ذلك على وقت وقوع الفرقة بالموت أو بالطلاق وروى عن أبي يوسف ما يؤيد هذا القول وهو أن رجلا كفل لامرأة عن زوجها نفقة كل شهر يلزمه نفقة شهر واحد في الاستحسان وذكر عن أبي يوسف أنه يلزمه نفقة أكل شهر ما دام النكاح بينهما قائما فكذلك هاهنا

ومن تزوج امرأة ثم اختلفا في المهر فالقول قول المرأة في مهر مثلها والقول قول الزوج فيما زاد على مهر المثل وإن طلقها قبل الدخول بها فالقول قوله في نصف المهر وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله القول قوله قبل الطلاق وبعده إلا أن يأتي بشيء قليل ومعناه مالا يتعارف مهرا لها وهو الصحيح ولو كان الاختلاف في أصل المسمى فيجب مهر المثل بالاجماع

ومن بعث إلى امرأته شيئا فقالت هو هدية وقال الزوج هو مهر فالقول قوله لأنه هو المملك فكان أعرف بجهة التمليك كيف وأن الظاهر أنه يسعى في إسقاط الواجب قال إلا فيما هيء للأكل كالحلوى والخبز والفاكهة مما لا يعطى في المهر عادة فإن القول فيه قولها ولا يكون مهرا بحال لأن الظاهر يكذبه وأما سائر الأموال فقد يكون مهرا وقد يكون هدية فإليه البيان ولو لم يكن مهيأ للأكل نحو شاة أو حنطة أو لوز مما يبقي مثلها شهرا فالقول قوله مع يمينه

وفي الذخيرة رجل زوج ابنته وجهزها بجهاز فماتت ثم زعم أن الذي دفعه إليها أمانة وأنه لم يهبه لها وإنما هو عارية فالقول قول الزوج إنه ملك الزوجة وعلى الأب البينة أنه عارية لأن العارية لا تثبت بمجرد دعواه لها من لم يبرهن هو لأن الظاهر شاهد للزوج وحكى عن القاضي الامام على السغدي رحمه الله تعالى أن القول قول الأب لأن اليد استفيدت من جهته فيكون القول قوله بأي جهة أثبتها وبه أخذ بعض مشايخنا وذكر شمس الأئمة السرخسي في السير الكبير هكذا إن القول قول الأب وقال لأن العارية تبرع والهبة تبرع والعارية أدناها فتحمل على الأدنى قال الصدر الشهيد والمختار


321

للفتوى أنه إن كان العرف مستمرا أن الأب يدفع إليها جهازا لا عارية كما في ديارنا فالقول قول الزوج وإن كان العرف مشتركا فالقول للأب قال قاضيخان رحمه الله إن كان الجواب فيه دل على التفصيل إن كان الأب من الأشراف والكرام لا يقبل قوله إن الجهاز عارية وإن كان ممن لا يجهز البنات بمثل ذلك قبل قوله

وفي العمادي رجل غر رجلا وقال أزوج بنتي منك وأجهزها جهازا عظيما وما تدفع الي من المعجل أرده اليك مع ثلاثة أمثاله فتزوج الرجل ودفع النقد إلى أبي المرأة بقدر وسعه ثم إن أبا البنت لم يجهزها ولم يدفع إلى الزوج شيئا هل للزوج أن يرجع عليه بما زاد على نقد مثلها لا رواية فيه إلا أن صدر الاسلام البزدوي وعماد الدين النسفي وجمال الاسلام الشريف والصدر الكبير برهان الدين ومشايخ بخارى رحمهم الله تعالى أفتوا أن الزوج يطالب أبا المرأة بالتجهيز فإن جهزوا لا يسترد ما زاد على نقد مثلها وقد قدروا الجهاز بالنقد فالقاضي الامام صدر الاسلام البزدوي وعماد الدين النسفي رحمهما الله تعالى قدرا لكل دينار من النقد ثلاثة دنانير من الجهاز أو أربعة دنانير فالزوج يطالبه بهذا القدر ولا يسترد ما زاد على نقد مثلها قال رحمه الله وقد استفتيت من بعض مشايخ بخارى كالقاضي جلال الدين والشيخ الأجل برهان الدين فأجابوا كما كتبنا وقالوا إن اختيار مشايخ بخارى هكذا وفي فتاوي ظهير الدين المرغيناني الصحيح أنه لا يرجع على أبي المرأة بشيء لأن المالية في باب النكاح ليست بمقصود أصلي

وفي فوائد صدر الاسلام طاهر بن محمود تزوج امرأة ودفع إليها النقد ولم تأت بالجهاز إلى بيت زوجها هل تجبر على ذلك قال القاضي الامام جلال الدين رحمه الله تعالى للزوج أن يطالبها بالجهاز بمقدار ما أعطاها من النقد على عرف الناس وعاداتهم

تزوج امرأة على أنها بكر فإذا هي غير بكر وقد أعطاها المعجل هل له أن يرجع عليها بما زاد على نقد مثلها فعلى قياس ما اختاره صدر الاسلام البزدوي ومن وافقه من مشايخ بخارى في مسألة الجهاز ينبغي أن يكون له ذلك وفي فتاوي ظهير الدين المرغيناني أنه لا رجوع له بشيء لأن ما دفعه إليها ليس هو في مقابلة البضع وإنما هو للاستمتاع بها

وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى إذا نعى إلى امرأة بموت زوجها فاعتدت وتزوجت بآخر وولدت ثم جاء الأول حيا فعند أبي حنيفة رحمه الله الولد للزوج الأول سواء جاءت به لأقل من ستة أشهر أو لأقل من سنتين أو أكثر لأنه صاحب الفراش الصحيح والثاني صاحب الفراش الفاسد فصار كمن زوج أمته فجاءت بولد فإنه يثبت النسب من الزوج دون المولى ولو ادعياه ذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى في حجة أبي حنيفة رحمه الله تعالى إن اتفقا أن الأول لو كان حاضرا أو كان متغيبا مختفيا فالولد للأول هكذا ذكر أبو يوسف رحمه الله تعالى في الأمالي في هذا الفصل اتفاقا وإن نفى الأول والآخر الولد أو نفاه أحدهما فهو للأول على كل حال ولا حد عليه ولا لعان وروى عبد الكريم والجرجاني عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه رجع عن هذا القول وقال يثبت النسب من زوج الثاني وقال أبو يوسف إن جاءت به لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني فهو للأول وإن جاءت به لستة شهر فصاعدا منذ تزوجها فهو للثاني سواء ادعياه أو نفياه وقال محمد رحمه الله تعالى إن جاءت به لأقل من


322

سنتين منذ دخل بها الثاني فهو للأول وإن جاءت به لأكثر من سنتين منذ دخل بها الثاني فهو للثاني قال الفقيه أبو الليث وقول محمد أصح وبه نأخذ

ولو سبيت المرأة وتزوجها رجل من أهل الحرب وولدت فعلى هذا الخلاف

وفي مجموع النوازل سئل نجم الدين النسفي عمن تزوج امرأة صغيرة بتزويج أبيها ثم مات الأب والزوج غائب فكبرت البنت وتزوجت رجلا فحضر الغائب وادعاها فأنكرت ولم يكن له بينة فلم يقض له بها وقضى بها للثاني فولدت منه بنتا وللزوج الأول ابن من امرأة له أخرى هل يجوز النكاح من هذا الابن بهذه البنت قال رحمه الله إن كان في حال صغر الابن لا يجوز لأن في زعم أبيه أن أم البنت زوجته والبنت ولدت على فراشه فهي بنته فأما إذا كبر الابن وأراد أن يتزوج البنت بنفسه فينبغي أن يجوز لأن إقرار الأب لم ينفذ على غيره

قال صاحب العمادي وسئل جدي شيخ الاسلام عن صغيرة زوجها أبوها من صغير قبل عنه أبوه فمات الأبوان ثم بلغا ولم يعلما به يعني النكاح وتزوجت المرأة بآخر وولدت منه أولادا ثم إن الرجل علم بذلك وادعى النكاح ولم يمكنه إثباته ثم أراد أن يزوج ولدها من ولده هل يحل ذلك فأجاب رحمه الله تعالى لا يحل والله أعلم

وفي فتاوي قاضيخان ولو تزوج امرأة لها زوج ووطئها لا يجب الحد عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وإن لم يدع الحل

نوع في القسم والرضاع وفي الهداية إذا كان للرجل امرأتان حرتان فعليه أن يعدل بينهما في القسم بكرين كانتا أو ثيبين أو كانت إحداهما بكرا والأخرى ثيبا لقوله صلى الله عليه وسلم من كان له امرأتان ومال إلى أحدهما في القسم جاء يوم القيامة وشقه مائل أي مفلوج وعن عائشة رضي الله عنها قالت إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعدل بين نسائه في القسم وكان يقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك يعني زيادة المحبة ولا فصل فيما رويناه والقديمة والحديثة والمسلمة والكتابية سواء لإطلاق ما روينا ولأن القسم من حقوق النكاح ولا تفاوت بينهن في ذلك

والاختيار في مقدار الدور إلى الزوج لأن المستحق هو التسوية دون طريقه والتسوية المستحقة في البيتوتة لا في المجامعة لأنها تنبني على النشاط وقال الشافعي رحمه الله يقيم الزوج عند البكر الجديدة سبعا والثيب ثلاثا ثم يستأنف لقوله صلى الله عليه وسلم من تزوج بكرا علىامرأة عنده يقيم معها سبعة ايام وإن تزوج ثيبا يقيم عندها ثلاثة أيام ومعنى ما رواه الدور على السبع والثلاث في القسم بالتسوية بينهن جميعا بين الحديثين وإن كانت إحداهما حرة والأخرى أمة فللحرة الثلثان من القسمة وللأمة الثلث فأما في المأكول والمشروب والملبوس فإنه يستوي بينهما لأن ذلك من الحاجات اللازمة فتستوي فيه الحرة والأمة والمكاتبة والمدبرة وأم الولد كالأمة لقيام الرق فيهن ولا قسم للملوكة بملك اليمين أي لا ليلة لها وإن كثرن

وفي القنية رجل له زوجة وجارية يبيت عند الزوجة خمس ليال من الأسبوع وليلتين عند الجارية أو في المطالعة فله ذلك إذا لم يقصد الإقرار بها ولا قسم في السفر فيسافر بمن شاء منهن والقرعة


323

أولى يعني يستحب أن يقرع بينهن ليسافر بمن خرجت قرعتها تطييبا لقلوبهن وإن تركت قسمها لضرتها صح وإن رجعت جاز اه

وفي المنبع الرضاع قليله وكثيره سواء في اثبات الحرمة عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا تثبت الحرمة بمطلق الرضاع بل بخمس رضعات قيل في تفسير الخمس أن يكتفي الصبي بكل واحدة منها

ثم مدة الرضاع عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ثلاثون شهرا وعندهما رحمهما الله تعالى سنتان وبه قال الشافعي واحمد رحمهما الله تعالى وعند زفر رحمه الله تعالى ثلاث سنين وقال بعضهم أربع سنين وقال بعضهم عشر سنين وقال بعضهم خمسة عشر سنة وقال بعضهم عشرون سنة وقال بعضهم أربعون سنة وقال بعضهم مدة الرضاع جميع العمر

وفي الذخيرة مدة الرضاع ثلاث أوقات أدنى وأوسط وأقصى فالأدنى حول ونصف حول والأوسط حولان والأقصى حولان ونصف حول فلو كان الولد يستغني دون الحولين ففطمته أمه في حول ونصف يحل بالاجماع ولا إثم ولو لم يستغن عنها بحولين يحل لها أن ترضعه بعد ذلك عند عامة العلماء إلا عند خلف بن أيوب

فالحاصل أن مدة الرضاع إذا مضت لا يتعلق بها التحريم ولكن ذلك على حسب اختلافهم في مدة الرضاع كما مر فلا نعيده ثانيا وقال بعض الناس تثبت الحرمة بارتضاع الكبير ولا يعتبر الفطام قبل المدة حتى لو فطم الصغير قبل الحولين ثم ارضع في مدة ثلاثين شهرا عنده وحولين عندهما فهو رضاع يوجب الحرمة لوجود الارضاع في المدة

وذكر الخصاف رحمه الله أنه ينظر إن كان الصبي يستغني بالطعام عن اللبن لا تثبت الحرمة وإن كان لا يستغني تثبت الحرمة وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله قلت وهذه الرواية لا تخالف الرواية الأولى من حيث المعنى لأنه إذا لم يوجد الاستغناء لم يكن الفطام معتبرا وفي الغاية وعليه الفتوى

وروى الحسن عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أنه إذا فطم الصغير وكان يكتفي بالطعام فأرضعته امرأة لم يكن رضاعا وإن كان لا يكتفي بالطعام عن اللبن فإن كان أكثر الذي يتناوله هو اللبن دون الطعام يكون رضاعا وإن كان الأكثر هو الطعام لا يكون رضاعا وفي الهداية قيل لا يباح الارضاع بعد مدة الرضاع لأن إباحته ضرورية لكونه جزء الآدمي

ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب للحديث المشهور إلا أم أخته من الرضاع فإنه يجوز أن يتزوجها ولا يجوز أن يتزوج أم أخته من النسب لأنها تكون أمه أو موطوأة أبيه بخلاف الرضاع ويجوز أن يتزوج أخت ابنه من الرضاع ولا يجوز ذلك من النسب لأنه لما وطيء أمها حرمت عليه ولم يوجد هذا المعنى في الرضاع

ولبن الفحل يتعلق به التحريم وهو أن ترضع المرأة صبية فتحرم هذه الصبية على زوجها وعلى آبائه وأبنائه ويصير الزوج الذي نزل لها منه اللبن أبا للمرضعة وفي أحد قولي الشافعي لبن الفحل لا يحرم

وفي المحيط ولو زنى بامرأة فولدت منه فأرضعت بهذا اللبن صبية تحرم على الزاني وفروعه وأصوله


324

لأنها بنت الزاني رضاعا وكما لا يجوز للزاني أن يتزوجها فكذا لهؤلاء ولعم الزاني وخاله أن يتزوج بهذه الصبية كما يجوز له أن يتزوج بالمولودة من الزنى لأنه لم يثبت نسب ولد الزنى من الزاني فلن تثبت بينهما القرابة المحرمة للزوجية

فروع ذكرت في الغاية ولو أن امرأة لها بنون وأخرى لها بنات فأرضعت التي لها بنات ابنا من بني الأخرى فإن بناتها تحرم على ذلك الابن بعينه ولا تحرم واحدة من بناتها على سائر بني المرأة لعدم اجتماعهم على ثدي امرأة واحدة فلو كانت أرضعت بنتا حرمت على جميع بنيها وغيرها من بناتها يحل لابن المرضعة فلو كانت أم البنات أرضعت أحد البنين وأم البنين أرضعت إحدى البنات لم يكن للابن المرتضع من أم البنات أخ يتزوج واحدة منهن ولاخوته أن يتزوجوا بنات الأخرى إلا البنت التي رضعت من أمهم وحدها لأنها أختهم من الرضاع

وفي المبسوط إذا أرضعت بنتا لم يكن لأحد من أولاد المرضعة ممن كان قبل الرضاع وبعده أن يتزوج تلك المرضعة وعند بعض العلماء لا تثبت الحرمة فيمن انفطموا قبل الرضاع وإنما تثبت فيمن حدث بعده انتهى ولا يثبت الرضاع الا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين وهل يثبت الرضاع بشهادة النساء منفردات فعندنا لا يثبت خلافا لمالك والشافعي وأحمد رحمهم الله وفي الرافعي يثبت الرضاع بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين وكذا بشهادة أربع نسوة وقبل احمد شهادة المرضعة وحدها كذا في المنبع

الفصل الرابع عشر في الطلاق

اعلم أن الطلاق ينقسم إلى أحسن الطلاق وإلى طلاق السنة وإلى طلاق البدعة فأحسنه أن يطلق الرجل امرأته طلقة واحدة في طهر لم يجامعها ويتركها حتى تنقضي عدتها وأما طلاق البدعة فهو أن يوقع ثنتين أو ثلاثا دفعة واحدة في طهر واحد فإذا فعل ذلك وقع الطلاق وكان عاصيا عندنا خلافا للشافعي وأما طلاق السنة فهو أن يطلق المدخول بها ثلاثا في ثلاثة أطهار وقال مالك هذا بدعي وليس طلاق السنة إلا أن يطلقها واحدة ويصبر حتى تنقضي عدتها

ثم طلاق السنة على نوعين سنة من حيث العدد وسنة من حيث الوقت فالأول يستوي فيه المدخول بها وغير المدخول بها والثاني يختص بالمدخول بها وهو أن يطلقها واحدة في طهر لم يجامعها فيه وهذا لا يتصور إلا في المدخول بها خاصة كذا ذكره قاضي القضاة بدر الدين العيني رحمه الله تعالى في شرحه على المجمع

وفي الهداية ويقع طلاق كل زوج إذا كان بالغا عاقلا فلا يقع طلاق الصبي والمجنون والنائم وفي العمادي طلاق المعتوه غير واقع كطلاق المجنون

وتكلموا في الفاصل بين المجنون والمعتوه قالوا المجنون من لا يستقيم كلامه وأفعاله إلا نادرا والعاقل ضده والمعتوه من يختلط كلامه وأفعاله فيكون ذلك غالبا أو هذا غالبا أو كانا سواء وقال بعضهم المجنون من يفعل الأفعال القبيحة لا عن قصد والعاقل من يفعل ما يفعله المجانين في الأحايين لكن


325

يفعل ذلك عن قصد وإنما يفعل ما يفعله المجانين في الأحايين على ظن الصلاح والمعتوه من يفعل ما يفعله المجانين في الأحايين لكن يفعل ذلك عن قصد مع ظهور الفساد

المصروع إذا طلق امرأته في حالة الصرع لا يقع طلاقه كذا أجاب صاحب المحيط رحمه الله

طلق امرأته وهو صاحب برسام فلما صح قال طلقت امرأتي ثم قال إني لست أظن أن الطلاق في تلك الحالة كان واقعا قال مشايخنا رحمهم الله حينما أقر بالطلاق إن رده إلى حالة البرسام وقال قد طلقت امرأتي في حالة البرسام فالطلاق غير واقع وإن لم يرده إلى حالة البرسام فهو مؤاخذ بذلك في القضاء

وطلاق المكره واقع خلافا للشافعي رحمه الله وطلاق السكران واقع واختار الكرخي والطحاوي أنه لا يقع وهو أحد قولي الشافعي وطلاق الأخرس واقع بالاشارة لأنها صارت معهودة فأقيمت مقام العبارة دفعا للحاجة وطلاق الأمة ثنتان حرا كان زوجها أو عبدا وطلاق الحرة ثلاث حرا كان زوجها أو عبدا وقال الشافعي عدد الطلاق يعتبر بحال الرجال دون النساء وكذلك عند الامام مالك رحمه الله تعالى وإذا تزوج العبد امرأة وطلق وقع طلاقه ولا يقع طلاق مولاه على امرأته لأن ملك النكاح حق العبد فيكون الاسقاط إليه دون المولى

نوع في الصريح والكناية الطلاق على ضربين صريح وكناية فالصريح قوله أنت طالق ومطلقة وطلقتك فهذا يقع به الطلاق الرجعي لأن هذه الألفاظ مستعملة في الطلاق ولا تستعمل في غيره فكان صريحا وأنه تعقبه الرجعة بالنص ولا يفتقر إلى النية لأنه صريح فيه لغلبة الاستعمال وكذا إذا نوى الابانة لأنه قصد تنجيز ما علقه الشرع بانقضاء العدة فيرد عليه

ولو نوى الطلاق عن وثاق لا يدين في القضاء لأنه خلاف الظاهر ويدين فيما بينه وبين الله تعالى لأنه يحتمله ولو نوى به الطلاق عن العمل لم يدين في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى ولو قال أنت مطلقة بتسكين الطاء لا يكون طلاقا الا بالنية وإذا قال أنت الطلاق أو أنت طالق الطلاق أو أنت طالق طلاقا فإن لم يكن له نية أو نوى واحدة أو اثنتين فهي واحدة رجعية وإن نوى ثلاثا فثلاث ولو قال يدك طالق أو رجلك طالق لم يقع الطلاق وقال زفر والشافعي رحمهما الله تعالى يقع وكذا الخلاف في كل جزء معين لا يعبر به عن جميع البدن وإن طلقها نصف تطليقة أو ثلثها كانت تطليقة واحدة لأن الطلاق لا يتجزأ ولو قال أنت طالق ثلاث أنصاف تطليقتين فهي طالق ثلاثا لأن نصف التطليقتين تطليقة فإذا جمع بين ثلاث أنصاف تطليقة يكون ثلاث تطليقات ضرورة ولو قال أنت طالق ثلاث أنصاف تطليقة قيل يقع تطليقتان لأنها طلقة ونصف فتتكامل وقيل يقع ثلاث تطليقات لأن كل نصف يتكامل في نفسه فيصير ثلاثا ولو قال أنت طالق من واحدة إلى ثنتين أو ما بين واحدة إلى ثنتين فهي واحدة ولو قال من واحدة إلى ثلاث أو ما بين واحدة إلى ثلاث فهي ثنتان وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا يقع في الأول ثنتان وفي الثاني ثلاث وقال زفر رحمه الله في الأولى لا يقع شيء وفي الثانية يقع واحدة وهو القياس ولو قال أنت طالق واحدة في ثنتين ونوى الضرب والحساب أو لم يكن له نية فهي واحدة وقال زفر رحمه الله تعالى يقع ثنتان لعرف الحساب وهو قول الحسن بن زياد رحمه الله تعالى وإن نوى واحدة وثنتين فهي ثلاث وعلى هذا الخلاف إذا قال لفلان علي عشرة دراهم في عشرة دراهم يلزمه عشرة عند علمائنا


326

الثلاثة رحمهم الله تعالى وعند زفر يلزمه مائة درهم وبه قال مالك والشافعي رحمهما الله ولو قال أنت طالق من هاهنا إلى الشام فهي واحدة يملك الرجعة وقال زفر هي بائنة ولو قال أنت طالق بمكة أو في مكة فهي طالق في الحال في كل البلاد وكذا قوله أنت طالق في الدار لأن الطلاق لا يتخصص بمكان دون مكان وإن عني به إذا دخلت مكة يصدق ديانة ولو قال أنت طالق إذا دخلت مكة ولم تطلق حتى تدخل مكة لأنه علقه بالدخول

وفي المنبع ولو قال أنت طالق غدا وقع الطلاق عليها بطلوع الفجر ولا يقع في الحال الا أن يكون القول قبل طلوع الفجر انتهى

رجل قال علي طلاق امرأتي لا يقع وفي أدب القضاء للسروجي رجل قال لامرأته طلاقك علي فرض لازم أو قال طلاقك علي حتم لازم الصحيح أنه يقع الطلاق في الكل بخلاف العتق لأنه مما يجب فجعل إخبارا

وفي الولوالجي رجل قال لامرأته الطلاق عليك لا يقع الطلاق إلا أن يريد الإيقاع لأن هذا اللفظ يستعمله الناس للإيقاع

رجل قال لامرأته ثلاث تطليقات عليك تطلق ثلاثا لأنه أوقع الثلاث عليها ولو قال لا نكاح بيننا فإنه يقع اجماعا وقال في المنبع جحود النكاح لا يكون طلاقا والله أعلم قال جميع نساء أهل الدنيا طوالق تطلق امرأته لأنها من حساب العالم قال لامرأته إن لم أشبعك من الجماع فأنت طالق قال بعضهم لا يعرف شبعها حتى تقول بلسانها وقيل إن جامعها ولم يفارقها حتى أنزلت فقد أشبعها ولم يقع الطلاق

وفي الولوالجي رجل له أربع نسوة فقال أنت ثم أنت ثم أنت ثم أنت طالق طلقت الرابعة لا غير لأنه لم يذكر الجزاء إلا للرابعة ولو قال لأربع نسوة له بينكن تطليقة طلقت كل واحدة منهن تطليقة لأنها تنقسم عليهن فيصيب كل واحدة منهن ربعها وأنه لا يتجزأ فيكمل ولو قال لامرأته كوني طالقا عن محمد رحمه الله تعالى أنه قال أراه واقعا وكذا لو قال لأمته كوني حرة لأنه صريح في الطلاق والعتاق

رجل قال لامرأته أنت طالق عدد ما في الحوض من السمك وليس في الحوض سمك يقع واحدة وكذلك لو قال أنت طالق بعدد كل شعرة على جسد ابليس لعنه الله تعالى يقع واحدة لا غير رجل قالت له امرأته لست لي بزوج فقال الزوج صدقت وهو ينوي بذلك طلاقا فهذا وما لو قال الرجل لامرأته لست لي بامرأة ونوى الطلاق سواء وثمة يقع الطلاق عند أبي حنيفة رحمه الله كذا هنا

رجل قال لامرأته لا حاجة لي فيك أو قال ما أريدك وهو ينوي الطلاق لم يكن طلاقا لأن اللفظ لا يحتمله

وفي المنبع رجل قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم طلقها ثلاثا منجزا ثم عادت إليه بعد زوج آخر فدخلت الدار لم يقع شيء عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله تعالى وهو قول مالك ذكره في المدونة والشافعي في الجديد وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى وقال زفر يقع الطلاق الثلاث


327

رجل قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثم ارتد والعياذ بالله تعالى ولحق بدار الحرب ثم عاد مسلما وتزوجها فدخلت الدار لم تطلق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما تطلق

البائن لا يلحق البائن إلا إذا تقدم سببه بأن قال لها إن دخلت الدار فأنت بائن ونوى به الطلاق ثم أبانها ثم دخلت الدار وهي في العدة فحينئذ يلحقه وقال زفر رحمه الله البائن لا يلحق البائن مطلقا

والصريح يلحقه الصريح والبائن حتى إن المطلقة الرجعية لو طلقها زوجها أو أبانها يقع بالاجماع لقيام الزوجية والوصلة والبائن يلحقه الصريح ولا يلحقه البائن حتى إن المبتوتة المختلعة لو أبانها لا يقع لأن محلها الوصلة والوصلة قد انقطعت بالخلع والابانة ولو طلقها في العدة يقع عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى قلت وقد نظم بيتا في هذا المعنى شيخنا العلامة قاضي القضاة سعد الدين للديري الحنفي تغمده الله تعالى برحمته وهو

وكل طلاق بعد آخر واقع
سوى بائن مع مثله لم يعلق

وفي الذخيرة لو قال لمختلعة اعتدي ينوي به الطلاق أو قال استبرئي رحمك أو قال لها أنت واحدة يقع عليها تطليقة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى لا يقع بها شيء لأنها من جملة الكنايات ولهذا يحتاج فيها إلى النية كسائر الكنايات ولهما أن هذه الألفاظ في حكم الصريح على معنى أن الواقع بها رجعي

ولو قال كلما تزوجتك فأنت طالق فتزوجها في يوم واحد ثلاث مرات ودخل بها في كل مرة فعند محمد رحمه الله تطلق ثلاثا وعليه أربعة مهور ونصف مهر وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى وهو قياس قول أبي حنيفة تطلق ثنتين وعليه مهر ونصف مهر

وإذا اختلف الزوجان في وجود الشرط فقال الزوج علقت طلاقك بدخول الدار فلم يوجد الدخول وقالت المرأة بل دخلت ووقع الطلاق فالقول قول الزوج لأنه متمسك بالأصل إذا الأصل عدم الشرط والقول لمن يتمسك بالاصل لأن الظاهر شاهد له ولأنه ينكر وقوع الطلاق والمرأة تدعيه والقول للمنكر إلا أن تقيم المرأة بينة لأنها نورت دعواها بالحجة

وفي البزازي قال لغيره طلقها إن شاءت لا يكون توكيلا مالم تشأ ولها المشيئة في مجلس علمها وبعد المشيئة يصير وكيلا فلو طلقها الآن يقع ولو قام الوكيل عن مجلسه بطلت الوكالة فلا يقع الطلاق بعده قال الامام الحلواني رحمه الله تعالى وهذا يحفظ فإن الزوج يكتب إلى من يثق به أنها إذا شاءت الطلاق فطلقها والوكلاء يؤخرون الايقاع عن مجلس المشيئة ولا يدرون أنه لا يقع

نوع في الاستثناء والشرط إنما يصح لو اتصل ولو تنفس بين التصرف والاستثناء ووجد من التنفس بدا أولا ولكنه وصله يصح الاستثناء كذا عن أبي يوسف رحمه الله

وفي الأجناس سكت سكة قبل التنفس ثم استثنى لا يصح الاستثناء إلا أن تكون سكتة التنفس ويبطل الاستثناء بأربعة بالسكتة وبالزيادة على المستثنى منه مثل أنت طالق ثلاثا إلا أربعا وبالمساواة وباستثناء بعض الطلاق مثل أنت طالق طلقة الا نصفها

ولو قال كل امرأة لي طالق الا هذه وليس له سواها لا تطلق لأن المساواة في الوجود لا تمنع صحته إن عم وضعا لأنه تصرف صيغي


328

قال لها أنت طالق واحدة وثنتين وثلاثا وأربعا إن كلمت فلانا تعلق الكل بتكليم فلان حتى لا يقع في الحال شيء ولو قال لها أنت طالق فجرى على لسانه الاستئناء بلا قصد الاستثناء لا تقع ولو قال أنت طالق فجرى على لسانه أو غير طالق لا يقع قال إن شاء الله تعالى فأنت طالق لا يقع قال والله لا أكلم فلانا استغفر الله إن شاء الله تعالى كان استثناء ديانة لا قضاء أراد أن يحلف رجلا ويخاف أن يستثني عقبه سرا يأمره بأن يقول عقب حلفه متصلا سبحان الله أو كلاما آخر لأن اليمين حقه فله المنع عن إبطاله قال أنت طالق إن شاء الله أنت طالق فالاستثناء ينصرف إلى الأول ويقع الثاني عندنا خلافا لزفر رحمه الله تعالى فإنه ينصرف إليهما عنده ولا يقع شيء كتب الطلاق واستثنى بلسانه أو طلق بلسانه واستثنى بالكتابة يصح ادعى الاستثناء أو الشرط فالقول قوله

ولو شهدوا أنه طلق أو خالع بلا استثناء أو شهدوا بأنه لم يستثن تقبل وهذه المسألة مما تقبل فيها البينة على النفي لأنه في المعنى أمر وجودي ولأنه عبارة عن ضم الشفتين عقيب التكلم بالموجب ولو قالوا طلق ولم تسمع منه غير كلمة الخلع والزوج يدعي الاستثناء فالقول قوله لجواز أنه قاله ولم يسمعوه والشرط سماعه لا سماعهم

وفي الصغرى إذا ذكر البدل في الخلع لا تسمع دعوى الاستثناء وذكر الأوزجندي رحمه الله تعالى إنما تصح دعوى الاستثناء إن ثبت الطلاق بإقراره ولو ثبت بالبينة لا تقبل وإن ظهر منه ما يدل على صحة الخلع كقبض البدل ونحوه لا تصح دعوى الاستثناء

ولو قال لعبده أعتقتك أمس وقلت إن شاء الله أو لامرأته طلقتك أمس وقلت إن شاء الله وأنكرت فالقول قوله

وذكر النسفي رحمه الله تعالى ادعى الزوج الاستثناء وأنكرت فالقول قولها ولا يصدق الزوج الا ببينة وإن ادعى تعليق الطلاق بالشرط وادعت الإرسال فالقول قوله

وفي الهداية وإذا طلق الرجل امرأته في مرض موته طلاقا بائنا فمات وهي في العدة ورثته وإن مات بعد انقضاء عدتها فلا ميراث لها وقال الشافعي لا ترث في الوجهين

نوع في الرجعة إذا طلق الرجل امرأته تطليقة رجعية أو تطليقتين فله أن يراجعها في عدتها رضيت بذلك أو لم ترض لقوه تعالى فأمسكوهن بمعروف الآية من غير فصل ولا بد من قيام العدة لأن الرجعة استدامة الملك

والرجعة أن يقول راجعتك أو راجعت امرأتي وهو صريح في الرجعة ولا خلاف فيه بين الأمة أو يطأها أو يقبلها أو يمسها بشهوة أو ينظر إلى فرجها بشهوة وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا تصح الرجعة إلا بالقول مع القدرة عليه ويستحب أن يشهد على الرجعة شاهدين وإن لم يشهد صحت الرجعة وإذا انقضت العدة فقال قد كنت راجعتك في العدة فصدقته فهي رجعة وإن كذبته فالقول قولها وإذا قال الزوج راجعتك فقالت مجيبة له قد انقضت عدتي لم تصح الرجعة عند أبي حنيفة وقالا تصح الرجعة

والمطلقة الرجعية تتشوف أي تتزين بأن تجلو وجهها وتصقل خديها لأنها حلال للزوج إ ذالنكاح


329

قائم بينهما ويستحب للزوج أن لا يدخل عليها حتى يؤذنها أو يسمعها خفق نعليه وليس له أن يسافر بها حتى يشهد على رجعتها

والطلاق الرجعي لا يحرم الوطء وقال الشافعي رحمه الله يحرمه اه

وإذا كان الطلاق بائنا دون الثلاث فله أن يتزوجها في العدة وبعد انقضائها لأن حل المحلية باق وإن كان الطلاق ثلاثا في الحرة أو ثنتين في الأمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا ويدخل بها ثم يطلقها أو يموت عنها والشرط الايلاج دون الإنزال

وفي المشكلات من طلق امرأته الغير المدخول بها ثلاثا فله أن يتزوج بها بلا تحليل وأما قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ففي حق المدخول بها والصبي المراهق في التحليل كالبالغ لوجود الدخول في نكاح صحيح وهو الشرط بالنص ومالك يخالفنا والحجة فيه عليه

وإذا تزوجها بشرط التحليل فالنكاح مكروه لقوله صلى الله عليه وسلم لعن الله المحلل والمحلل له وهذا هو محمله

المرأة إذا أرادت أن تتزوج بزوج لتحل للأول وخافت أن لا يطلقها ينبغي أن تبتديء بالايجاب فتقول تزوجتك على أن يكون أمري بيدي بعد يوم أو شهر فإذا قبل الزوج على ذلك كانت متمكنة من تطليق نفسها في ذلك الوقت وفي الفتاوي الظهيرية المطلقة ثلاثا إذا زوجت نفسها من غير كفؤ ودخل بها حلت للزوج الأول عند أبي حنيفة وزفر رحمهما الله تعالى

وذكر ابن فرشتة في شرحه على الوقاية لو ادعت دخول المحلل صدقت وإن أنكر هو وكذا على العكس وإن تزوجت بمجبوب ينزل فحبلت منه تحل للأول وإن لم ينزل لا تحل ولو كانت المرأة مفضاة لا تحل للأول إلا إذا حبلت من الثاني لوجود الوقاع من قبلها ولو وطئها في الحيض حلت للأول ولو لف قضيبه بخرقة فجامعها وهي لا تمنع من وصول حرارة فرجها إلى ذكره تحل للأول

وفي فتاوي الوبري الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الجماع لو أولج ذكره بمساعدة يده لا تحل للأول انتهى

نوع في الخلع ذكر في المنبع إذا تشاق الزوجان وتخالفا وخافا أن لا يقيما حدود الله تعالى فلا بأس أن تفتدي نفسها منه بمال يخلعها به فإذا فعل ذلك وقع تطليقة بائنة ولزمها المال لقوله تعالى فإن خفتم ألا يقيما حدود الله الآية أي إن خفتم أن لا يقيما ما يلزمهما من موجب الزوجية بالنشوز فلا جناح على الزوج فيما أخذ ولا على المرأة فيما أعطت والخلع معاوضة في حقها لأن الخلع من جانبها تمليك مال بعوض فيصح رجوعها قبل قبول الزوج ولو شرط الخيار لها بأن قال خالعتك بألف على أنك بالخيار ثلاثة أيام فقبلت صح فإن ردت الطلاق بطل وإن اختارته وقع ووجب الألف للزوج عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما الطلاق واقع والمال لازم والخيار باطل لأن الخلع من جانبه في معنى تعليق الطلاق بقبول المال وهو يمين واليمين لا يقبل الفسخ فكذا شرطها وهو القبول من زوجها ويقتصر على المجلس إذ


330

كان الايجاب من قبلها فلا بد من قبول الزوج في المجلس فإذا كان الايجاب من جهته لا يصح رجوعه قبل قبول المرأة فيصح قبولها بعده وشرط الخيار أيضا ولا يقتصر على المجلس

ويسقط الخلع والمبارأة كل حق لكل منهما على الآخر بأن يقول هو لامرأته برأت من نكاحك بكذا وتقبل هي ولا يبقى لأحدهما دعوى في المهر مقبوضا كان أو غير مقبوض قبل الدخول أو بعده ولا في النفقة الماضية أما نفقة العدة فلا تسقط الا بالذكر وهذا كله عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعند محمد رحمه الله تعالى لا يسقط بهما شيء الا ما سمياه وأبو يوسف رحمه الله تعالى وافق أبا حنيفة بالمبارأة ومحمدا في الخلع

ولو خالعها على نفقة العدة صح ولا تجب النفقة ولو أبرأت الزوج عن النفقة حال قيام النكاح لا يصح الابراء وتجب النفقة لأن النفقة في النكاح تجب شيئا فشيئا على حسب حدوث الزمان يوما فيوما فكان الابراء عنها ابراء قبل الوجوب فلم يصح وأما نفقة العدة فإنها تجب عند الخلع واسقاط النفقة مانع من وجوبها ويصح الخلع على مؤنة السكنى بلا خلاف ولا يصح الخلع على السكنى والابراء عنه لأن السكنى في البيت حال العدة حق الله تعالى قال الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الآية فلا يملك العبد اسقاطه

ولا يصح الابراء عن نفقة الولد والرضاع بالشرط لأنها لم تجب لها فإن شرط البراءة منها في الخلع ووقت وقتا بأن قال إلى سنة أو سنيتن سقطت فإن مات الولد قيل تمام الوقف يرجع الأب عليها بما بقي من أجر مثل الرضاع إلى تمام المدة والحيلة في أن لا يرجع عليها أن يقول الزوج خالعتك على أني بريء من نفقة ولدك إلى سنتين فإن مات في بعض المدة فلا رجوع لي عليك

وإن خلع صغيرته بمالها لم يجب عليها شيء وبقي مهرها وتطلق في الأصح لأنه علق الطلاق بقبول الأب ووجد الشرط فيقع الطلاق ولكن لا يجب البدل لأن بدل الخلع تبرع ومال الصبي لا يقبل التبرع وفي رواية لا يقع الطلاق والأول أصح فإن خلعها أي أب الصغيرة على ألف على أنه ضامن له الألف صح وعليه المال لأن الأب لا يكون أدنى حالا من الأجنبي واشتراط بدل الخلع على الأجنبي صحيح فعلى الأب أولى وإن شرط المال عليها تطلق بلا شيء إن قبلت أي إن كانت من أهل القبول بأن كانت تعقل العقد ولا يجب عليها المال لأنها ليست من أهل الغرامة والله أعلم

نوع في العنين وهو من لا يقدر على الجماع لمرض أو لكبر سن أو لسحر أو يصل إلى الثيب دون البكر أو لا يصل إلى امرأة بعينها ثم إن أقر أنه لم يصل إلى زوجته أجله الحاكم سنة قمرية في الصحيح وهو ظاهر المذهب وهي ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وفي الذخيرة يؤجل سنة شمسية وهي زائدة على القمرية بأحد عشر يوما وجزء من مائة وعشرين جزءا من اليوم فيجوز أن يوافق طبعه في هذه الزيادة وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ومختار بعض المتأخرين ورمضان وايام حيضها منها أي معدودة من السنة لأن السنة لا تخلوا عنها لا مدة مرضه ومرضها فإن لم يصل إليها أي في السنة فرق القاضي بينهما إن طلبت أي المرأة التفريق لأنه حقها ولو وطئها مرة ثم عجز لا خيار لها ولو سأل الزوج القاضي أن يؤجل سنة أخرى أو شهرا أو أكثر لا يفعله إلا برضاها فإن رضيت ثم رجعت فلها ذلك

وإن كان الزوج عنينا والمرأة رتقاء لم يكن لها حق الفرقة لوجود المانع من قبلها وتبين بطلقة يعني


331

تكون الفرقة طلقة بائنة لأن فعل القاضي أضيف إلى الزوج فكأنه طلقها بنفسه ولها كل المهر إن خلا بها لأن خلوة العنين صحيحة وتجب العدة

وإن اختلفا أي الزوج والمرأة في الوصول إليها وكانت ثيبا أو بكرا فنظر النساء فقلن ثيب حلف الزوج لأنه ينكر حق الفرقة فإن حلف بطل حقها وإن نكل أو قلن بكر أجل سنة أخرى لظهور كذبه

ولو أجل العنين سنة ثم اختلفا أي قال الزوج جامعتها في السنة وأنكرت فالتقسيم هنا كما مر والخصي كالعنين فيه أي في التأجيل في السنة وفي المجبوب يفرق بينهما في الحال لأنه لافائدة في الانتظار بطلبها أي بطلب زوجته

وفي القنية رجل له آلة قصيرة لا يمكنه ادخالها داخل الفرج ليس لزوجته حق المطالبة بالتفريق ولا يتخير أحدهما بعيب الآخر يعني إذا كان بالزوجة عيب لا خيار للزوج لأن المستحق بالعقد الوطء والعيوب كالجذام وغيره لا يفوت المستحق بالعقد غير أنها توجب نفرة الطبع وذا لا يوجب الرد كالقروح الفاحشة

وإذا كان بالزوج جنون أو جذام أو برص فلا خيار لها لأن عدم الرضا إنما يوجب الرد في عقد شرط فيه الرضا ولزوم النكاح لا يعتمد تمام الرضا انتهى الجملة من شرح الوقاية

نوع في العدة وإذا طلق الرجل امرأته طلاقا بائنا أو رجعيا أو وقعت الفرقة بينهما بغير طلاق وهي حرة ممن تحيض فعدتها ثلاثة أقراء لقوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء والفرقة إذا كانت بغير طلاق فهي في حكم الطلاق لأن العدة وجبت للتعريف عن براءة الرحم في الفرقة الطارئة على النكاح وهذا يتحقق فيها والاقراء الحيض عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى الاطهار

وإن كانت لا تحيض من صغر أو كبر فعدتها ثلاثة أشهر لقوله تعالى واللائي يئسن من المحيض الآية وفي المنبع الاياس فيه روايتان في رواية أنه غير مقدر بمدة وهو ظاهر الرواية وفي رواية مقدر بمدة قال محمد رحمه الله في الروميات خمس وخمسون سنة وفي المولدات ستون سنة لأن الروميات أسرع تكسرا وعنه سبعون سنة وعن أبي حنيفة من خمس وخمسين سنة إلى ستين سنة وقال ابن المبارك وسفيان الثوري وابن مقاتل والزعفراني حد الاياس خمسون سنة لما روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت إذا بلغت المرأة خمسين سنة لا ترى قرة عين أي لا تلد وهو رواية الحسن وبه أخذ النصر بن يحيى وابو الليث وعليه الفتوى وفي الفتاوي الظهرية المختار في مدة الاياس خمس وخمسون سنة رومية كانت أو تركية

وإن كانت حاملا فعدتها أن تضع حملها وإن كانت أمة فعدتها حيضتان وإن كانت لا تحيض فعدتها شهر ونصف وعدة الحرة في الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام وعدة الأمة شهران وخمسة أيام لأن الرق منصف

وفي البزازي طلقها ثلاثا ووطئها في العدة مع العلم بالحرمة لا تستأنف العدة وتنقضي العدة بثلاث حيض ويرجمان إذا علما بالحرمة ووجدت شرائط الاحصان ولو كان غائبا فطلق أو مات فمن وقت الطلاق أو الموت وإن لم تعلم وللمعتدة أن تمتشط بالأسنان المفلوجة لا بالطرف الآخر


332

نوع في ثبوت النسب والحضانة وفي المنبع أقل مدة الحمل ستة أشهر بإجماع العلماء سلفا وخلفا لقوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا جعل الله تعالى ثلاثين شهرا مدة الحمل والفصال جميعا ثم جعل الفصال وهو الفطام عامين بقوله وفصاله في عامين فيبقي الحمل ستة أشهر وهذا الاستدلال منقول عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وقيل إن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر

وأما أكثر مدة الحمل فقد اختلفوا فيه فقال علمائنا رضي الله عنهما سنتان وقال الشافعي أربع سنين وهو المشهور من مذهب مالك وأحمد وقال عبادة بن العواد خمس سنين وقال الزهري ست سنين وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن سبع سنين وقال أبو عبيدة لا حد لأقصاه

ومن قال إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها فولدت ولدا لستة أشهر من يوم تزوجها فهو ابنه وعليه المهر ويثبت نسبه

ولد المطلقة الرجعية إذا جاءت به لسنتين أو أكثر يثبت نسبه مالم يقر بانقضاء عدتها فإن جاءت به لأقل من سنتين بانت من زوجها لانقضاء العدة ويثبت نسبه لوجود العلوق به في النكاح أو في العدة ولا يصير مراجعا لأنه يحتمل العلوق قبل الطلاق ويحتمل بعده فلا يصير مراجعا بالشك وإن جاءت به لأكثر من سنتين كانت رجعية

والمبتوتة يثبت نسب ولدها إذا جاءت به لأقل من سنتين وإن جاءت به لتمام سنتين من وقت الفرقة لم يثبت لأن الحمل حادث بعد الطلاق

وإذا تزوج الرجل امرأة فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم تزوجها لم يثبت نسبه لأن العلوق سابق على النكاح فلا يكون منه فإن جحد الولادة يثبت بشهادة امرأة أخرى وقيل يثبت بشهادة امرأة واحدة تشهد بالولادة حتى لو نفاه الزوج يلاعن لأن النسب يثبت بالفراش القائم واللعان إنما يجب بالقذف وليس من ضرورته وجود الولد فإنه يصح بدونه

فإن ولدت ثم اختلفا فقال الزوج تزوجتك منذ أربعة أشهر وقالت من منذ ستة أشهر فالقول قولها لأن الظاهر شاهد لها لأنها تلد ظاهرا من نكاح لا من سفاح ولم يذكر الاستحلاف وهو على الخلاف المذكور في الأشياء الستة المفصلة في المنبع فلتنظر ثمة

وفي المنبع وإن تصادقا على أنه تزوجها من منذ أربعة أشهر لم يثبت النسب منه وإن قامت البينة بعد التصادق على تزوجه اياها منذ ستة أشهر قبلت قلت وهذا الجواب صحيح مستقيم فيما إذا أقام الولد البينة بعد ما كبر أما إذا كان قيام البينة حال صغر الولد فاختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا تقبل البينة ما لم ينصب القاضي خصما عن الصغير لأن النسب حق الصغير فينصب عنه خصما لتكون البينة قائمة ممن هو خصم وقال بعضهم لا حاجة إلى هذا التكلف فالقاضي يسمع البينة من غير أن ينصب عنه خصما بناء على أن الشهادة على النسب تقبل حسبة بدون الدعوى اه

ومن قال لامرأته إذا ولدت فأنت طالق فشهدت امرأة على الولادة لم تطلق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا تطلق لأن شهادتها حجة في ذلك وإن كان الزوج قد أقر بالحبل طلقت من غير شهادة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما يشترط شهادة القابلة لأنه لا بد من حجة لدعواها الحنث وشهادتها حجة فيه على ما بيناه


333

ومن قال لأمته إن كان في بطنك ولد فهو مني فشهدت على الولادة امرأة فهي أم ولده ومن قال لغلام هو ابني ثم مات وجاءت أم الغلام وقالت أنا امرأته فهي امرأته وهو ابنه ويرثانه

وفي الفتاوي الظهيرية رجل زنى بامرأة فعلقت منه فلما تبين حملها تزوجها الذي زنى بها فالنكاح جائز فإن جاءت بولد بعد النكاح لستة أشهر فصاعدا ثبت النسب منه وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر لا يثبت النسب منه إلا أن يقول هذا الولد مني ولم يقل من الزنى انتهى

الحضانة وفي المنبع أحق النساء بحضانة الولد الصغير حال قيام النكاح أو بعد الفرقة الأم إلا أن تكون مرتدة أو فاجرة غير مأمونة لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء وزعم أبوه أنه ينزعه مني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت أحق به مالم تنكحي رواه ابو داود

وروى أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه طلق جملة بنت عاصم ابن ثابت بن أبي الأقلح فتزوجت فأخذ عمر ابنه عاصما فأدركته الشموس ابنة أبي عامر الأنصارية وهي أم جميلة فأخذته فترافعا إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى وأنه حكم على عمر بن الخطاب وقضى بعاصم لأمه وقال هي أعطف وألطف وأرق وأحب وأرحم وفي المبسوط قال له أبو بكر ريحها خير له من سمن وعسل عندك يا عمر فدعه عندها حتى يثبت

ولأن الأطفال لما عجزوا عن النظر لأنفسهم والقيام بحوائجهم جعل الشرع الولاية إلى من هو مشفق عليهم فجعل حق التصرف في الأموال ثم في العقود إلى الآباء لقوة رأيهم مع الشفقة والتصرف يستدعي قوة الرأي وجعل حق الحضانة إلى الأمهات لرفقهن في ذلك مع الشفقة وقدرتهن على ذلك بلزوم البيوت والظاهر أن الأم أرفق وأشفق على الولد من الأب فتتحمل من المشاق مالا يتحمله الأب انتهى وفي الهداية ولا تجبر الأم عليها لأنها عسى أن تعجز عن الحضانة فإن لم تكن أم فأم الأم أولى وإن بعدت لأن هذه الولاية تستفاد من قبل الأمهات فإن لم تكن فأم الأب أولى من الأخوات لأنها من الأمهات فإن لم تكن جدة فالأخوات أولى من العمات والخالات لأنهن بنات الأبوين وفي رواية الخالة أولى من الأخت لأب وتقدم الأخت لأب وأم على الأخت لأب لأنها أشفق ثم الأخت من الأم ثم الأخت من الأب ثم قرابة الأم ثم العمات وكل من تزوجت من هؤلاء سقط حقها الا الجدة إذا كان زوجها الجد لأنه قام مقام أبيه وكذا كل زوج هو ذو رحم محرم منه لقيام الشفقة نظرا إلى القرابة القريبة ومن سقط حقها بالتزويج يعود إذا ارتفعت الزوجية لأن المانع قد زال

وإن لم يكن للصبي امرأة من أهله واختصم فيه الرجال فأولاهم به أقربهم تعصيبا لأن الولاية للأقرب وقد عرف الترتيب في موضعه غير أن الصغيرة لا تدفع إلى عصبة غير محرم كمولى العتاقة وابن العم تحرزا عن الفتنة والأم والجدة أحق بالغلام حتى يأكل وحده ويشرب وحده ويلبس وحده ويستنجي وحده وفي الجامع الصغير حتى يستغني وإذا استغنى يحتاج إلى التأديب والتخلق بآداب الرجال وأخلاقهم والأب أقدر على التأديب والتثقيف والخصاف قدر الاستغناء بسبع سنين اعتبارا بالغالب


334

والأم والجدة أحق بالجارية حتى تحيض لأن بعد الاستغناء تحتاج إلى معرفة آداب النساء والمرأة على ذلك أقدر وبعد البلوغ تحتاج إلى التحصين والحفظ والأب فيه أقوى وأهدى وعن محمد رحمه الله تعالى أنها تدفع إلى الأب إذا بلغت حد الشهوة لأنه تحققت الحاجة إلى الصيانة ومن سوى الأم والجدة أحق بالجارية حتى تبلغ حدا تشتهي فيه وفي الجامع الصغير حتى تستغني

والأمة إذا أعتقها مولاها وأم الولد إذا عتقت كالحرة في حق الولد وليس لهما قبل العتق حق في الولد والذمية أحق بولدها المسلم مالم يعقل الأديان ويخاف عليه أن يألف الكفر للنظر قبل ذلك واحتمال الضرر بعده ولا خيار للغلام والجارية عندنا وقال الشافعي لهما الخيار لأن النبي صلى الله عليه وسلم خيره ولنا أنه لقصور عقله يختار من عنده الدعة لتخليته بينه وبين اللعب فلا يتحقق النظر وقد صح أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما خيروا

وإذا أرادت المطلقة أن تخرج بولدها من المصر فليس لها ذلك لما فيه من الإضرار بالأب إلا أن تخرج به إلى وطنها وقد كان الأب تزوجها فيه لأنه التزم المقام فيه عرفا وشرعا قال صلى الله عليه وسلم من تأهل ببلدة فهو منهم ولهذا يصير الحربي به ذميا وإذا أرادت الخروج به إلى مصر غير وطنها وقد كان التزوج فيه أشار صاحب الهداية إلى أنه ليس لها ذلك وذكر في الجامع الصغير أن لها ذلك والأول أصح هذا إذا كانت المسافة بين البلدين بعيدة وأما إذا كانت قريبة بحيث يقدر الأب أن يزور الولد ويعود إلى منزله قبل الليل فلها ذلك لأنه لا يلحق الأب ضرر كثير بالنقل كالنقل إلى أطراف البلد

وأما أهل السواد فالحكم في السواد كالحكم في المصر في جميع الفصول الا في فصل واحد وبيانه أن النكاح إذا وقع في الرستاق فأرادت المرأة أن تنقل ولدها إلى قريتها فإن كان النكاح وقع فيها فلها ذلك كما في المصر وإن وقع في غيرها فليس لها أن تنقل ولدها إلى قريتها ولا إلى القرية التي وقع النكاح فيها إذا كانت بعيدة كما في المصر وإذا كانت على التفسير الذي ذكرناه فلها ذلك كما في المصر

وإن كان الأب مستوطنا في المصر وأرادت نقل الولد إلى القرية فإن كان تزوجها فيها وهي قريتها فلها ذلك وإن كانت بعيدة عن المصر لما ذكرناه في المصر وإن لم تكن قريتها فإن كانت قريبة ووقع أصل النكاح فيها فلها ذلك كما في المصر وإن لم يقع النكاح فيها فليس لها ذلك وإن كانت قريبة من المصر بخلاف المصريين لأن أخلاق أهل السواد لا تكون مثل أخلاق أهل المصر بل تكون أجفى فيتخلق الصبي بأخلاقهم فيتضرر به لوم يوجد من الأب دليل الرضا بهذا الضرر إذا لم يقع أصل النكاح في القرية

وليس للمرأة أيضا أن تنتقل بولدها إلى دار الحرب وإن كان قد تزوجها هناك وكانت حربية بعد أن يكون زوجها مسلما أو ذميا وإن كان كلاهما حربيين فلها ذلك بأن كانا مستأمنين لأن الصبي تبع لهما وهما من أهل دار الحرب كذا في المنبع

وفيه أيضا إذا أراد أحد الأبوين السفر غير سفر وإقامة فالولد يكون عند المقيم منهما حتى يعود من سفره وإذا مرض أحد الأبوين لا يمنع الصغير من عيادته وحضوره عند موته والذكر والأنثى في ذلك سواء وإن مرض الصغير عند الأب فالأم أحق بتمريضه في بيتها انتهى

نوع في النفقة النفقة واجبة للزوجة على زوجها مسلمة كانت أو كافرة إذا سلمت نفسها


335

في منزله فعليه نفقتها وكسوتها وسكناها ويعتبر في ذلك حالهما جميعا قال صاحب الهداية وهذا اختيار الخصاف وعليه الفتوى

وتفسيره أنهما إن كانا موسرين تجب نفقة اليسار وإن كانا معسرين تجب نفقة الإعسار وإن كان معسرا وهي موسرة فنفقة الاعسار وإن كانت معسرة والزوج موسر فنفقتها دون نفقة الموسرات وفوق نفقة المعسرات وقال الكرخي يعتبر حال الزوج وهو قول الشافعي رحمه الله

وإن امتنعت من تسليم نفسها حتى يعطيها مهرها فلها النفقة وإن نشزت فلا نفقة لها حتى تعود إلى منزله وإن كانت صغيرة لا يستمتع بها فلا نفقة لها وإن سلمت إليه نفسها وإن كان الزوج صغيرا لا يقدر على الجماع وهي كبيرة فلها النفقة في ماله

وفي المنبع ولو كانا صغيرين لا يطيقان الجماع أو كان مجبوب تزوج صغيرة لا تجامع لا نفقة لها لأن المنع لمعنى من جهتها وإذا حبست المرأة في دين فلا نفقة لها قال الحسام الشهيد رحمه الله تعالى هذا إذا كان الحبس من قبل المرأة وإن كان الحبس من قبله فعليه النفقة وكذا إذا غصبها رجل كرها فذهب بها وعن أبي يوسف أن لها النفقة والفتوى على الأول وكذا إذا حجت مع محرم لأن فوت الاحتباس منها وعن أبي يوسف أيضا أن لها النفقة ولكن يجب عليه نفقة الحضر دون السفر ولو سافر معها الزوج تجب النفقة بالاجماع لأن الاحتباس قائم لقيامه عليها وتجب نفقة الحضر دون السفر ولا يجب الكراء وإن مرضا في منزل الزوج فلها النفقة والقياس أن لا نفقة لها إذا كان مرضا يمنع من الجماع وعن أبي يوسف رحمه الله أنها إذا سلمت نفسها ثم مرضت تجب النفقة لتحقق التسليم كذا في الهداية

وفي البزازي إذا كان الزوج ذا طعام ومائدة تتمكن من الأكل كفايتها ليس لها المطالبة بفرض النفقة وإن لم يكن فيفرض لها إذا طلبت النفقة

والكسوة ما يصلح للنساء في الشتاء والصيف فبقاء النفس بالمأكول والملبوس وذا يختلف باختلاف الأوقات والأمكنة والزوج هو الذي يلي الانفاق الا إذا ظهر مطله فحينئذ يفرض القاصي النفقة ويأمره أن يعطيها ما تنفقه على نفسها نظرا إليها فإن أبى حبسه

وذكر الحسام الشهيد في شرحه على أدب القضاء وإذا فرض لها نفقة يعطيها في كل شهر بقدر ما تحتاج إليه على قدر طاقة الرجل على قدر يسره وعسره فينظر إلى قدر ما يكفيها من الدقيق والأدم والدهن وحوائج المرأة التي تكون لمثلها فيقوم ذلك بدراهم ويفرض عليه ذلك في كل شهر ويأمره القاضي بدفع ذلك إليها

وذكر عن شريك رحمه الله تعالى قال شاهدت ابن أبي ليلى حين فرض على ليث بن أبي سليم لامرأته ستة دراهم ولخادمها ثلاثة دراهم في الشهر قلت وهذا يدل على أن نفقة الخادم دون نفقة المرأة والله أعلم ولا تسقط وتؤمر بالاستدانة حتى ترجع عليه بالثمن وتحيل البائع على الزوج بلا رضاه وإن طلبت نفقة كل يوم كان لها ذلك عند المساء وفي المجمع ويقبل قوله في اعساره عنها أي عن النفقة وهكذا ذكر الخصاف لأن العسر أصل واليسار طارئ والقول قول من يتمسك بالاصل وذكر محمد رحمه الله تعالى في الزيادات أن القول قول المرأة مع يمينها لأن الإقدام على الدخول بها


336

والعقد عليها دليل على اليسار ومنهم من ينظر إلى زي المطلوب وإن قامت البينة فلا يخلو فإن قامت من جهتها على اليسار قبلت بينتها وإن قامت البينة من جهته على الإعسار فيه روايتان

وفي المحيط وهل تسمع البينة على الإعسار قبل الحبس فيه روايتان على ما مر في فصل القضاء وإن أقاما جميعا البينة فالبينة بينتها مثبتة وبينة الزوج لا تثبت شيئا فالحاصل أن القول قوله والبينة بينتها

ولو أخبر القاضي عدلان أنه موسر يقبل ولو لم يتلفظا بالشهادة لأنها شبيهة بالصلة فكانت حسبة من وجه وليست من حقوق العباد المحضة فشرطنا فيها العدد دون لفظ الشهادة كما في أمور الدين المترددة بين حق الله تعالى وحق العباد وإن قالا سمعنا أنه موسر لا تقبل لأنهما قد يسمعان الكذب كما يسمعان الصدق فلا يحصل لهما العلم بالمشهود به هذا مما يطلع عليه الشهود فلا يؤخذ فيه بالاستفاضة والشهرة

وتفرض نفقة الخادم لكن لا تبلغ نفقة المخدومة بل بقدر الكفاية كما يفرض على الزوج المعسر بقدر الكفاية وفي المنبع المرأة إذا كانت من بنات الأشراف ولها خدم يجبر الزوج على نفقة خادمين وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنها إذا كانت فائقة بنت فائق زفت إلى زوجها مع جوار كثيرة استحقت نفقة الخدم كلهم وبه أخذ الطحاوي رحمه الله تعالى وإن قال لامرأته لا أنفق على أحد من خدمك ولكن أعطي خادما من خدمي ليخدمك فأبت يجبر على نفقة خادم من خدامها فربما لا يتهيأ لها استخدام خدمه وإن لم يكن لها خادم لا يفرض لها نفقة الخادم في ظاهر الرواية وهذا كله إذا كان الزوج موسرا فإن كان الزوج معسرا لا يفرض عليه نفقة الخادم في رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وإن كان لها خادم خلافا لمحمد رحمه الله تعالى

وفي الفتاوي الظهيرية النفقة الواجبة المأكول والملبوس والمسكن أما المأكول فالدقيق والماء والملح والحطب والدهن فإن قالت لا أطبخ ولا أخبز يفتي بأن تطبخ وتخبز ولكنها لا تجبر على ذلك إن أبت ويجب على الزوج أن يأتيها بطعام مهيأ ولو استأجرها للطبخ والخبز لم يجز ولا يجوز لها أخذ الاجرة على ذلك لأنها لو أخذت الاجرة على ذلك لأخذتها على عمل واجب عليها في الفتوى فكان في معنى الرشوة والرشوة حرام وذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى إنما يجب على الزوج أن يأتيها بطعام مهيأ إذا كانت من بنات الأشراف ولا تخدم نفسها في أهلها أو لم تكن من بنات الأشراف لكن بها علة تمنعها عن الطبخ والخبز أما إذا لم تكن كذلك فلا يجب على الزوج أن يأتيها بطعام مهيأ

وفي البزازي الزوج إذا كان من المحترفة يفرض عليه نفقة كل يوم لأنه لا يقدر على الزيادة وإن كان من التجار فشهر وإن كان من المزارعين فسنة فينظر إلى ما هو أيسر عليه

ويفرض الإدام وأعلاه اللحم وأوسطه الزيت وأدناه اللبن وقيل الادام يفرض بخبز الشعير ولا تفرض الفاكهة ولم يذكر الخف والإزار في كسوة المرأة وذكرهما في كسوة الخادم وذلك في ديارهم بحكم العرف وفي ديارنا يفرض الإزار والمكعب وما تنام عليه ولا يجب عليه الملاءة والخف وفي الشروح لا يجب عليه خفها لأنها منهية عن الخروج بخلاف خف أمتها

الحطب والصابون والأشنان عليه وماء الوضوء عليها إن كانت غنية وإن كانت فقيرة لا إما أن ينقل الزوج إليها أو يدعها تنقل بنفسها وإن كانت غنية تستأجر من ينقل ولا تنقل بنفسها وثمن ماء الاغتسال عليه غنية كانت أو فقيرة وفي الخلاصة جعله عليها إن طهرت من حيضها وأيامها عشرة فإن كانت أقل من عشرة فحينئذ تكون على الزوج وكذا لو كان الغسل عن الجنابة وأجرة القابلة عليها


337

إن استأجرتها ولو استأجرها الزوج فعليه وإن حضرت بلا اجارة فلقائل أن يقول على الزوج لأنه من مؤنة الوطء ولقائل أن يقول على المرأة لأنه بمنزلة أجرة الطبيب

للزوجة طلب النفقة من الزوج قبل الزفاف إذا لم يطالب الزوج بالزفاف وعليه الفتوى وكذا لو منعت نفسها بحق وفي شرح آداب القضاء للحسام الشهيد ويفرض القاضي الكسوة على الزوج للمرأة إن كان فقيرا قميصا ومقنعة وملحفة على قدر ما يحتمله مثله وإن كان موسرا فرض لها أجود من ذلك مما يحتمله مثله أيضا لأن الكسوة مثل النفقة ثم في النفقة يعتبر حالهما وقيل حال الزوج وهو اختيار الكرخي وقد مر ذلك قريبا قلت وهذه المسألة إنما تأتي على قول الكرخي والله أعلم قال وهذا لها في الصيف وأما في الشتاء فإنه يفرض لها مع ذلك جبة وسراويل ولم يذكر الخصاف في جملة كسوة الصيف السراويل وذكره في جملة كسوة الشتاء وهذا في عرف ديارهم بالعراق فإنهم لا يتمكنون من لبس السراويل لشدة الحر في زمان الصيف ويتمكنون منه في زمان الشتاء وأما في عرف ديارنا فإن القاضي يقضي لها بالسراويل وبثياب الحر وبما تحتاج إليه في الشتاء قال وإن طلبت لحافا في الشتاء أو قطيفة إن لم يحتمل لحافا وطلبت فراشا تنام عليه ألزمه القاضي من ذلك ما يلزم مثله لأن النوم على الأرض ربما يؤذيها ويمرضها وهو منهي عن الحاق الضرر والأذى بها

وفي المنبع ويفرض لها الكسوة كل ستة أشهر مرة لتجدد الحاجة إليها في كل حر وبرد وفي الذخيرة ولو وفرت كسوتها وكانت تلبسها يوما دون يوم يفرض لها كسوة أخرى وكذا النفقة ولو ضاعت الكسوة والنفقة أو سرقت لم يجدد غيرهما حتى يمضي الفصل بخلاف المحرم إذا فرض لها النفقة ثم سرقت فلها نفقة أخرى والفرق أن نفقة المحارم مقدرة بالحاجة والحاجة بعد ضياع النفقة قائمة باقية بخلاف الزوجة ولهذا لا يفرض للمحارم مع غناهم بخلاف الزوجة فإنها لا تجب بسبب الحاجة بل لاحتباسها بالزوج فتكون كالأجرة ولهذا تجب وإن كانت موسرة فجاز أن لا تفرض وإن بقيت الحاجة

وفي البزازي فرض لها الكسوة فتخرقت قبل نصف العام إن لبست لبسا معتادا أو علم أن ذا لم يكفها فيجدد لها الكسوة لأنه تبين خطؤه في التقدير وإن تخرقت بخرق استعمالها لا يفرض أخرى ومدة كسوة الصبيان أربعة اشهر

رجل دفع إلى زوجته دراهم الكسوة له أن يجبرها على شراء الكسوة لأن الزينة حقه وأفتى بعضهم بأنه ليس له ذلك لأن الدراهم صارت حقا لها فتعمل بها ما شاءت

وفي الهداية ومن أعسر بنفقة امرأته لم يفرق بينهما ويقال لها استديني عليه وقال الشافعي رحمه الله تعالى يفرق بينهما وإذا قضى لها بنفقة الاعسار ثم أيسر فخاصمته تمم لها نفقة الموسر وإذا مضت مدة لم ينفق الزوج عليها وطالبته بذلك فلا شيء لها إلا أن يكون القاضي فرض لها النفقة أو صالحت الزوج على مقدارها فيقضي لها بنفقة ما مضى

وإذا مات الزوج بعد ما قضى عليه بالنفقة ومضت شهور سقطت النفقة وكذا إذا ماتت الزوجة لأن النفقة صلة والصلة تسقط بالموت كالهبة تبطل بالموت قبل القبض وفي الولوالجي قال أبو يوسف يجبر الزوج على كفن زوجته والأصل فيه أن من يجبر على نفقته في حال حياته يجبر على كفنه بعد موته


338

كذوي الأرحام والعبد مع المولى والزوج مع الزوجة وقال محمد لا يجبر الزوج على كفنها والصحيح قول أبي يوسف وأجمعوا على أن من لا يجبر على نفقته في حال حياته لا يجبر على تكفينه بعد موته كأولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات

وإن أسلفها نفقة السنة أي عجلها ثم مات قبل تمام السنة لم يسترجع منها شيء وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد رحمه الله يحتسب لها بنفقة ما مضى وما بقي للزوج وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى وعلى هذا الخلاف الكسوة

وعن محمد رحمه الله تعالى أنها إذا قبضت نفقة الشهر أو مادونه لا يسترجع منها شيء لأنها يسير فصار في حكم الحال

وإذا تزوج العبد حرة فنفقتها دين عليه يباع فيها ومعناه إذا تزوج باذن المولى لانه دين وجب في ذمته لوجود سببه وقد ظهر وجوبه في حق المولى فيتعلق برقبته كدين التجارة في حق العبد التاجر وله أن يفديه لأن حقها في النفقة لا في عين الرقبة فلو مات العبد سقطت وكذا إذا قتل في الصحيح لأنه صلة

وإذا تزوج الحر أمة فبوأها مولاها معه منزلا فعليه النفقة لأنه تحقق الاحتباس وإن لم يبوئها فلا نفقة لها لعدم الاحتباس والتبوئة أن يخلي بينها وبينه في منزله ولا يستخدمها ولو استخدمها بعد التبوئة سقطت النفقة لأنه فات الاحتباس وعلى الزوج أن يسكنها في دار مفردة ليس فيها أحد من أهله إلا أن تختار ذلك لأن السكنى من كفايتها فتجب لها كالنفقة وإذا وجبت حقا لها فليس له أن يشرك غيرها فيه لأنها تتضرر به فإنها لا تأمن على متاعها ويمنعها ذلك من المعاشرة مع زوجها ومن الاستمتاع إلا أن تختار ذلك لأنها رضيت بإسقاط حقها وإن كان له ولد من غيرها فليس له أن يسكنه معها ولو أسكنها في بيت مفرد من دار لها غلق كفاها لأن المقصود قد حصل وله أن يمنع والديها وولدها من غيره وأهلها من الدخول عليها ولا يمنعهم من النظر إليها وكلامها في أي وقت اختاروا لما فيه من قطيعة الرحم وليس عليه في ذلك ضرر وقيل لا يمنعهم من الدخول والكلام ويمنعهم من القرار لأن الفتنة في اللبث وتطويل الكلام وقيل لا يمنعها من الخروج إلى الوالدين ولا يمنعهما من الدخول عليها في كل جمعة وفي غيرهما من المحارم التقدير بسنة وهو الصحيح

وفي المحيط امرأة لها أب زمن وليس له من يقوم عليه غير البنت ومنعها الزوج من تعهده جاز أن تعصي زوجها وتطيع اباها مؤمنا كان الأب أو كافرا لأن القيام عليه فرض عليها في هذه الحالة

وفي الولوالجي امرأت أبت أن تسكن مع ضرتها أو مع أقراب زوجها من أمه أو غيرها فإن كان في الدار بيوت وفرغ لها بيتا منها وجعل لبيتها غلقا على حدة لم يكن لها أن تطلب من الزوج بيتا على حدة وإن لم يكن فيها الا بيت واحد كان لها المطالبة ببيت آخر لأنه يكره أن يجامعها ومعه أحد في البيت ولهذا قالوا لو جامعها وهناك نائم أو صبي أو مجنون أو مغمى عليه يكره ولهذا لو أخذ بيد جاريته وأدخلها في بيت وأغلق الباب والناس يعلمون أنه يريد جماعها يكره ولهذا كره أهل بخارى النوم على السطوح من غير حصن


339

امرأة قالت لزوجها لا أسكن مع أمتك وأرادت بيتا آخر ليس لها ذلك لأن الأمة بمنزلة متاع البيت ودوابه وكذا لو قالت لا أسكن مع أم ولدك اه

وإذا غاب الرجل وله مال في يد رجل معترف به وبالزوجية فرض القاضي في ذلك المال نفقة لزوجته أي زوجة الغائب وحشمه وأولاده الصغار ووالديه وكذا إذا علم القاضي ذلك ولم يعترف به لأنه لما أقر بالزوجية والوديعة فقد أقر أن حق الأخذ لها لأن لها أن تأخذ من مال الزوج حقها من غير رضاه وإقرار صاحب المال مقبول في حق نفسه لا سيما هاهنا فإنه لو أنكر أحد الأمرين لا تقبل بينة المرأة فيه لأن المودع ليس بخصم في حق إثبات الزوجية عليه ولا المرأة خصم في إثبات حقوق الغائب وإذا ثبت في حقه تعدي إلى الغائب وكذا إذا كان كان المال في يد مضاربه وكذا الجواب في الدين وهذا كله إذا كان المال من جنس حقها دراهم أو دنانير أو طعاما أو كسوة من جنس حقها أما إذا كان من خلاف جنسه فلا تفرض النفقة فيه لأنه يحتاج إلى البيع

ولا يباع مال الغائب بالاتفاق ويأخذ منها كفيلا به نظرا للغائب لأنها ربما استوفت النفقة أو طلقها الزوج وانقضت عدتها

فرق بين هذا وبين الميراث إذا قسم بين ورثة حضور بالبينة ولم يقولوا لا نعلم له وارثا آخر حيث لا يؤخذ منهم الكفيل عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لأن هناك المكفول له مجهول وهاهنا معلوم وهو الزوج ويحلفها بالله ما أعطاها النفقة نظرا إلى الغائب ولا يقضي بنفقة في مال الغائب إلا لهؤلاء ولو لم يعلم القاضي بذلك ولم يكن مقرا به فأقامت البينة على الزوجية أو أنه لم يخلف مالا فأقامت البينة ليفرض القاضي نفقتها على الغائب ويأمرها بالاستدانة لا يقضي القاضي بذلك لأن في ذلك قضاء على الغائب وقال زفر رحمه الله تعالى يقضي لها لأن فيه نظرا لها ولا ضرر فيه على الغائب لأنه لو حضر وصدقها فقد أخذت حقها وإن جحد يحلف فإن نكل فقد صدق وإن اقامت بينة فقد ثبت حقها وإن عجزت يضمن الكفيل أو المرأة وعمل القضاة اليوم على هذا أنه يقضي بالنفقة على الغائب لحاجة الناس وهو مجتهد فيه

وفي الوقاية لمطلقة الرجعي والبائن والفرقة بلا معصية كخيار العتق والبلوغ والتفريق لعدم الكفاءة النفقة والكسوة والسكنى لا لمعتدة الموت والسكنى فقط لمعتدة الفرقة بمعصية كالردة وتقبيل ابن الزوج قال ابن فرشتة ولو خلعها على أن لا سكنى لها ولا نفقة تسقط النفقة دون السكنى ولو كانت الفرقة بمعصية من قبل الزوج فلها النفقة إن كانت مدخولا بها

ونفقة الابن الصغير فقيرا على أبيه لا يشركه أحد كنفقة أبويه وعرسه وليس على أمه إرضاعه إلا إذا تعينت ويستأجر الأب من ترضعه عندها ولو استأجرها منكوحة أو معتدة من رجعي لترضعه لم يجز وفي المبتوتة روايتان وهي أحق من الأجنبية إلا إذا طلبت زيادة أجرة

وفي المنبع إذا استأجر امرأته أو معتدته لترضع ولده منها لم يجز وقال الشافعي رحمه الله تعالى يجوز اه

وعلى الرجل أن ينفق على أبويه واجداده وجداته إذا كانوا فقراء وإن خالفوه في دينه


340

وفي الذخيرة ولا فرق بين أن يكون الأب قادرا على الكسب أو لم يكن فإنه تجب نفقته على الولد بعد أن يكون محتاجا

وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه اله تعالى أن الأب إذا كان كسوبا والابن أيضا كسوبا يجبر الابن على الكسب والنفقة على الأب وذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله أنه لا يجبر الابن على نفقة الأب إذا كان الأب كسوبا قادرا بكسبه واعتبره بذي الرحم المحرم فإنه لا يستحق النفقة في كسب قريبه ولا على قريبه الموسر إذا كان كسوبا

ونفقة كل ذي رحم محرم سوى الوالدين والولد واجبة على قدر الميراث كالاخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات إذا كان صغيرا فقيرا أو كانت امرأة بالغة فقيرة أو كان ذكرا فقيرا زمنا أو أعمى وهذا عندنا وقال مالك والشافعي رحمهما الله تعالى لا تجب نفقة هؤلاء غير أن مالكا قال لا تجب الا نفقة الأب الأدنى والأم الدانية والولد الصلبي فلا تجب نفقة ولد الولد ولا نفقة الجد ولا نفقة الجد عنده

وفي المنبع وتجب نفقة البنت البالغة والابن الزمن على الأبوين أثلاثا على الأب الثلثان وعلى الأم الثلث لأن ميراثهما على هذا القدر

قال صاحب الهداية رحمه الله تعالى هذا الذي ذكره رواية الخصاف والحسن وفي ظاهر الرواية كل النفقة على اأب لقوله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف فصارا كالولد الصغير اه هذا إذا كان الأب موسرا فإن كان معسرا والأم موسرة أمرت بأن تنفق من مالها على الولد ويكون ذلك دينا على الأب إذا أيسر

ويجب على الأب نفقة زوجة ابنه إذا كان صغيرا فقيرا أو كبيرا زمنا لأن ذلك من كفايته وفي المحيط ويجبر الابن على نفقة زوجة أبيه ذكره هشام عن أبي يوسف

وفي البزاز قال الحلواني وإذا كان الابن من أبناء الكرام ولا يستأجره الناس فهو عاجز وكذا طلبة العلم إذا كانوا عاجزين عن الكسب لا يهتدون إليه لا تسقط نفقاتهم عن آبائهم إذا كانوا مشتغلين بالعلوم الشرعية لا بالخلافيات الركيكة وهذيانات الفلاسفة وبهم رشد وإلا لا تجب ولا تجب نفقة مع اختلاف الدين لبطلان أهلية الإرث فلا بد من اعتباره ولا تجب على الفقير لأنها صلة وهو يستحقها على غيره فكيف تستحق عليه بخلاف نفقة الزوجة وولده الصغير لأنه التزمها بالإقدام على العقد إذ المصالح لا تنتظم دونها ولا يعمل في مثلها الإعسار ثم اليسار مقدر بالنصاب فيما روى عن أبي يوسف رحمه الله وعن محمد رحمه الله أنه مقدر بما يفضل عن نفقة نفسه وعياله شهرا أو بما يفضل عن ذلك من كسبه الدائم كل يوم لأن المعتبر في حقوق العباد إنما هو القدرة دون النصاب فإنه للتيسير والفتوى على الأول لكن النصاب نصاب حرمان الصدقة

وإذا كان للابن الغائب مال قضى فيه بنفقة أبويه وإذا باع أبوه متاعه في نفقته جاز عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وهذا استحسان وإن باع العقار لم يجز وفي قولهما لا يجوز ذلك كله وإذا قضى القاضي للولد والوالدين وذوي الأرحام بالنفقة فمضت مدة سقطت لأن نفقة هؤلاء تجب كفاية للحاجة ولا تجب


341

مع اليسار وقد سقطت بمضي المدة بخلاف نفقة الزوجة إذا قضى بها القاضي فإنها تجب مع يسارها كما مر فلا تسقط بحصول الاستغناء عنها فيما مضى إلا أن يأذن القاضي في الاستدانة عليه لأن للقاضي ولاية عامة فصار اذنه كأمر الغائب فيصير دينا في ذمته فلا يسقط بمضي المدة

وعلى المولى أن ينفق على عبده وأمته لقوله صلى الله عليه وسلم في المماليك إنهم إخوانكم جعلهم الله تعالى تحت أيديكم أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تعذبوا عباد الله فإن امتنع وكان لهما كسب اكتسبا وأنفقا لأن فيه نظرا للجانبين وإن لم يكن لهما كسب بأن كان عبدا زمنا أو جارية لا يؤاجر مثلها أجبر المولى على بيعهما لأنهما من أهل الاستحقاق وفي البيع إبقاء حقهما وإبقاء حق المولى بالخلف بخلاف نفقة الزوجة لأنها تصير دينا فكان تأخيرا على ما ذكرناه ونفقة المملوك لا تصير دينا فكان ابطالا وبخلاف سائر الحيوانات لأنها ليست من أهل الاستحقاق فلا يجبر على نفقتها إلا أنه يؤمر بها فيما بينه وبين الله تعالى لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن تعذيب الحيوان وفيه ذلك ونهى عن اضاعة المال وفيه اضاعة

وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه يجبر على الانفاق في البهائم وهو قول الأئمة الثلاثة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين والأصح ما قلناه أولا لأن إجبار القاضي على الإنفاق يكون عند الطلب والخصومة من صاحب الحق ولا خصم فلا جبر لفوات شرط القضاء ولكن تجب فيما بينه وبين الله تعالى كما قاله أبو يوسف رحمه الله تعالى

وفي المنبع ولو كانت دابة بين رجلين فطلب أحدهما من القاضي أن يأمره بالنفقة حتى لا يكون متطوعا فالقاضي يقول للآبي إما أن تبيع نصيبك منها أو تنفق عليها هكذا ذكر الخصاف وذكر شمس الأئمة السرخسي أنه لا يجبر والله سبحانه وتعالى أعلم

الفصل الخامس عشر في الإعتاق

الإعتاق تصرف مندوب إليه قال صلى الله عليه وسلم أيما مسلم أعتق مؤمنا أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار ولهذا استحسنوا أن يعتق الرجل العبد والمرأة الأمة لتحقق مقابلة الأعضاء بالأعضاء

العتق يصح من الحر العاقل البالغ في ملكه شرطه الحرية لأن العتق لا يصح الا في الملك ولا ملك للمملوك والبلوغ لأن الصبي ليس من أهله لكونه ضررا ظاهرا ولهذا لا يملكه المولى عليه والعقل لأن المجنون ليس بأهل للتصرف ولهذا لو قال البالغ أعتقت وأنا صبي فالقول قوله وكذا لو قال المعتق أعتقت وأنا مجنون وجنونه كان ظاهرا لوجود الاسناد إلى حالة منافية وكذا إذا قال الصبي كل مملوك أملكه حر إذا احتلمت لا يصح لأنه ليس بأهل لقول ملزم

ولا بد أن يكون العبد في ملكه حتى لو أعتق عبد غيره لا ينفذ لقوله صلى الله عليه وسلم لا عتق فيما لا يملك ابن آدم وإذا قال لعبده أو أمته أنت حر أو معتق أو عتيق أو محرر أو حررتك أو أعتقتك فقد عتق نوى به العتق أو لم ينو لأن هذه الألفاظ صريح فيه ولو قال عنيت به الاخبار الباطل أو أنه حر من العمل صدق ديانة لأنه يحتمله ولا يدين قضاء لأنه نوى خلاف الظاهر ولو قال لا ملك لي عليك


342

ونوى به الحرية عتق وإن لم ينو لم يعتق كذا في الهداية وفي المنبع إذا قال لعبده أنت لله أو أنك لله أو أنت خالص لله لم يعتق عند أبي حنيفة مطلقا في رواية وفي رواية أخرى إن نوى به العتق عتق وقال أبو يوسف ومحمد إنه يعتق مطلقا وفي رواية عنهما يتوقف العتق على النية ولو قال أنت عبد الله لا يعتق

إذا قال لعبده هذا مولاي أو يا مولاي أو قال لأمته هذه مولاتي أو يا مولاتي عتق وإن لم يكن له فيه وقالت الأئمة الثلاثة إنها كناية فلا بد من النية

وفي الواقعات رجل قال لعبده يا سيدي أو يا سيد إن نوى به العتق عتق وإن لم ينو قيل يعتق وقيل لا يعتق وقيل يعتق في يا سيدي ولا يعتق في يا سيد وقال نصير الدين رحمه الله تعالى لا يعتق فيهما إلا بالنية ولو قال لعبده يا أبي أو يا ابني أو يا أخي أو يا عمي أو يا خالي أو لأمته يا أمي أو يا بنتي أو يا أختي أو يا عمتي أو يا خالتي لا يعتق في هذه الفصول كلها من غير نية وفي الهداية ويروي عن أبي حنيفة شاذا أنه نية يعتق فيهما أي في يا ابني أو يا أخي وهو رواية الحسن عنه

وفي الولوالجي رجل قال عبيد أهل بلخ أحرار ولم ينو عبده أو قال كل عبد ببلخ حر أو قال كل عبد ببغداد حر أو قال كل عبيد أهل بغداد أحرار ولم ينو عبده أو قال كل عبد في الأرض أو قال كل عبيد أهل الدنيا أو كان مكان الإعتاق طلاق اختلف فيه المتقدمون والمتأخرون أما المتقدمون فقال ابو يوسف في نوادره لا يعتق وقال محمد يعتق وأما المتأخرون فقال عصام ابن يوسف لا يعتق

ولو قال ولد آدم كلهم أحرار لا يعتق عبده بالاتفاق ولو قال كل عبد في هذا الدار حر عتق عبده والفتوى على قول أبي يوسف وعصام الدين

رجل قال لعبده إن شتمتك فأنت حر ثم قال له لا بارك الله فيك لا يعتق لأنه ليس بشتم بل دعاء عليه

وفي القنية قرعت الباب فقالت أمتها من أنت فقالت أمك الفاعلة عتقت

أعتق المحجور عليه عبدا لا يعتق عليه وسعى العبد عند أبي يوسف آخرا لأنه لو سعى إنما يسعى لمعتقه ولو قال إن مت من مرضي هذا فغلامي حر فقتل لا يعتق لأنه ما مات بل قتل ولو قال إن مت في مرضي هذا فغلامي حر فقتل يعتق لأنه مات في مرضه

قال لعبده وعبد غيره أحدكما حر يعتق عبده ولو قال لعبد وحر أحدكما حر عتق العبد عند أبي حنيفة خلافا لهما

وروى عن أبي يوسف أن الأب إذا وطيء جارية ولده فجاءت بولد فادعاه لا يثبت نسبه كجارية مكاتبه

قال لمولاه بعني نفسي فباعه عتق ولزمه الثمن والولاء لمولاه

قال لعبده إذا سقيت الحمار فأنت حر فأسقاه ولم يشرب فالعبد حر وكذا إذا قال إن شربت الماء كله من الكوز فأنت حر فشربه فالعبد حر

وفي الهداية ومن ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه ولا فرق بين ما إذا كان المالك مسلما أو كافرا في دار الاسلام


343

وعتق المكره والسكران واقع لصدور الركن من الأهل في المحل كما في الطلاق وقد بيناه من قبل في فصل الطلاق

وإن أعتق حاملا عتقت وعتق حملها تبعا لها إذ هو متصل بها وإن أعتق الحمل خاصة عتق دونها وولد الأمة من مولاها حر لأنه مخلوق من مائة فيعتق عليه

وإذا أعتق المولى بعض عبده عتق ذلك القدر ويسعى في بقية قيمته لمولاه عند أبي حنيفة وقالا يعتق كله واصله أن الإعتاق يتجزأ عنده فيقتصر على ما أعتق وعندهما لا يتجزأ وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى

وإذا كان العبد بين شريكين فأعتق أحدهما نصيبه عتق فإن كان موسرا فشريكه بالخيار إن شاء أعتق وإن شاء ضمن شريكه قيمة نصيبه وإن شاء استسعى العبد فإن ضمنه رجع المعتق على العبد والولاء للمعتق وإن أعتق أو استسعى فالولاء بينهما في الوجهين جميعا

وإن كان المعتق معسرا فالشريك بالخيار إن شاء أعتق وإن شاء استسعى والولاء بينهما في الوجهين وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا ليس له إلا الضمان مع اليسار أو السعاية مع الإعسار ولا يرجع المعتق على العبد والولاء للمعتق

ومن أعتق عبده على مال فقبل العبد عتق وذلك مثل أن يقول أنت حر على ألف درهم أو بألف درهم وإنما يعتق بقبوله لأنه معاوضة المال بغير المال إذ العبد لا يملك نفسه ومن قضية المعاوضة ثبوت الحكم وثبوت الحكم بقبول العوض في الحال كما في البيع فإذا قبل صار حرا وما شرط دين عليه حتى تصح الكفالة به

ومن قال لعبده أنت حر بعد موتي على ألف درهم فالقبول بعد الموت لإضافة الايجاب إلى ما بعد الموت فصار كما لو قال أنت حر غدا على ألف درهم بخلاف ما إذا قال أنت مدبر على ألف درهم حيث يكون القبول إليه في الحال لأن ايجاب التدبير في الحال إلا أنه لا يجب المال لقيام الرق قالوا لا يعتق في مسألة الكتاب وإن قبل بعد الموت مالم يعتقه الوارث لأن الميت ليس بأهل للعتق وهذا هو الصحيح

إذا قال المولى لمملوكه إذا مت فأنت حر أو أنت حر عن دبر مني أو أنت مدبر وقد دبرتك فقد صار مدبرا لا يباع ولا يوهب ويستخدم ويستؤجر والأمة توطأ وتنكح

وإذا مات المولى عتق المدبر من ثلث ماله لأن التدبير وصية فتنفذ من الثلث حتى لو لم يكن له مال غيره سعى في ثلثيه وإن كان على المولى دين سعى في كل قيمته لتقدم الدين على الوصية ولا يمكن نقض العتق فيجب رد قيمته وولد المدبرة مدبر

وإن علق التدبير بموته على صفة مثل أن يقول إن مت من مرضي أو سفري أو من مرض كذا فليس بمدبر ويجوز بيعه لأن السبب لم ينعقد في الحال لتردده في تلك الصفة بخلاف المدبر المطلق لأنه تعلق عتقه بمطلق الموت وهو كائن لا محالة وإن مات المولى على الصفة التي ذكرها عتق كما يعتق المدبر ومعناه من الثلث لأنه يثبت حكم التدبير في آخر جزء من أجزاء حياته لتحقق تلك الصفة فلهذا يعتبر من الثلث


344

ومن المقيد أن يقول إن مت إلى سنة أو إلى عشر سنين لما ذكرنا بخلاف ما إذا قال إلى مائة سنة ومثله لا يعيش إليها في الغالب لأنه كالكائن لا محالة

وغذا ولدت الأمة من مولاها فقد صارت أم ولد له لا يجوز بيعها ولا تمليكها لقوله صلى الله عليه وسلم أعتقها ولدها وله وطؤها واستخدامها وإجارتها وتزويجها لأن الملك قائم فيها فأشبهت المدبرة ولا يثبت نسب ولدها إلا أن يعترف به وقال الشافعي رحمه الله يثبت نسبه منه وإن لم يدعه لأنه لما ثبت النسب بالعقد فلأن يثبت بالوطء أولى ولنا أن وطء الأمة يقصد به قضاء الشهوة دون الولد لوجود المانع منه فلا بد من الدعوى بمنزلة ملك اليمين من غير وطء بخلاف العقد لأن الولد يتعين مقصودا منه فلا حاجة إلى الدعوى فإن جاءت بعد ذلك بولد ثبت نسبه بغير اقرار ومعناه بعد اعتراف منه بالولد الأول لأنه بدعوى الأول تعين الولد مقصودا منها فصارت فراشا كالمعقود عليها إلا أنه إذا نفاه ينتفي بقوله لأن فراشها ضعيف حتى يملك نقله بالتزويج بخلاف المنكوحة حيث لا ينتفي الولد بنفيه إلا باللعان لتأكد الفراش حتى لا يملك إبطاله بالتزويج وهذا الذي ذكرناه حكم القضاء

فأما الديانة فإن كان وطئها وحصنها ولم يعزل عنها يلزمه أن يعترف به ويدعيه لأن الظاهر أن الولد منه وإن عزل عنها ولم يحصنها جاز له أن ينفيه لأن هذا الظاهر يقابله ظاهر آخر هكذا روى عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وفيه روايتان أخريان عن ابي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ذكرهما صاحب الهداية في كفاية المنتهى فلينظر ثمة

وإذا وطء جارية ابنه فجاءت بولد فادعاه ثبت منه وصارت أم ولده وعليه قيمتها وليس عليه عقرها ولا قيمة ولدها وإن وطئها أبو الاب مع بقاء الأب لا يثبت النسب منه لأنه لا ولاية للجد حال قيام الأب ولو كان الأب ميتا ثبت النسب من الجد كما يثبت من الأب لظهور ولايته عند فقد الأب وكفر الأب ورقه بمنزلة موته لأنه قاطع للولاية

وفي العمادي وقد يكون الولد حرا من زوجين رقيقين فيعتق من غير إعتاق ولا وصية وصورته إذا كان للحر ولد وهو عبد لأجنبي يتزوج الأب جارية من ولده برضا مولاه فولدت الجارية ولدا فهو حر لأنه ولد ولد المولى

وفي المحيط لا تقبل البينة على عتق العبد بدون الدعوى عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا لهما وتقبل البينة على عتق الأمة وطلاق المرأة حسبة بدون الدعوى ولا يحلف على عتق العبد حسبة بدون الدعوى بالاتفاق وهل يحلف على عتق الأمة وطلاق المرأة حسبة بدون الدعوى أشار محمد رحمه الله تعالى في آخر كتاب التحري إلى أنه يحلف وقال شمس الائمة لا يحلف فيتأمل عد الفتوى

وذكر رشيد الدين في فتاواه أن الشهادة على حرية الأصل في العبد تقبل بدون دعوى العبد إذا كانت أم العبد حية لأنها شهادة على تحريم الفرج وتحريم الفرج حق الله تعالى فقبل الشهادة فيه حسبة بدون الدعوى وإن كانت الأم ميتة لا تقبل لأن في الميتة لا يتصور تحريم الفرج وقيل تقبل الشهادة على حرية الأصل من غير الدعوى من غير هذا التفصيل اه وقد كتبنا جنسا من هذا الفصل في فصل أنواع الدعاوي والبينات فلينظر ثمة


345

وإذا كانت الجارية بين شريكين فجاءت بولد فادعاه أحدهما ثبت نسبه منه وصارت أم ولد له وإن ادعياه معا ثبت نسبه منهما وصارت أم ولد لهما معناه إذا حملت على ملكهما وقال الشافعي رحمه الله تعالى يرجع إلى قول القافة لأن إثبات النسب من شخصين مع علمنا أن الولد لا يتخلق من ماءين متعذر فعملنا بالشبه قلت ويجوز أن يتخلق الولد من ماء ذكر وأنثى ألا ترى أن الكلبة تعلق من كلاب جمة لأن الرحم لا يجوز أن يستد بوصول ماء أحدهما إلا بعد مدة ثم يصل ماء الآخر إليه أشير إليه في أدب القضاء للسروجي

الفصل السادس عشر في الأيمان

اليمين بالله تعالى تنقسم على ثلاثة أضرب غموس ولغو ومنعقدة فالغموس هو الحلف على اثبات شيء أو نفيه في الماضي أو في الحال بتعمد الكذب فيه وإنما سمي غموسا لانغماس صاحبها في الاثم ثم في النار وليس عليه الا التوبة والاستغفار ولم تجب فيه الكفارة عندنا وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله وقال الشافعي رحمه الله فيه الكفارة

وأما يمين اللغو فهو الحلف على أمر في الماضي أو في الحال وهو يظن أنه كما قال والأمر بخلافه فاللغو في الماضي أن يقول والله ما دخلت الدار أو والله لقد دخلت الدار وهو يظن أنه لم يدخلها أو دخلها والأمر بخلاف ذلك وفي الحال كمن رأى شخصا من بعيد فقال والله إنه لزيد يظنه زيدا وهو عمرو أو رأى طائرا فقال والله إنه لغراب فظنه غرابا وهو حدأة فهذا تفسير اللغو عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى هو ما يجري بين الناس من قوله لا والله وبلى والله لا على قصد اليمين سواء كان في الماضي أو في الحال أو في المستقبل أما عندنا فلا لغو في المستقبل بل اليمين على أمر في المستقبل يمين منعقدة وفيها الكفارة إذا حنث قصد اليمين أولا وإنما اللغو في الماضي والحال فقط

وأما اليمين المنعقدة فهو أن يحلف الانسان على أمر في المستقبل نفيا أو اثباتا وذلك إما أن يكون على فعل واجب وإما أن يكون على ترك فعل واجب وإما أن يكون على ترك مندوب وإما أن يكون على فعل مباح أو تركه فإن كانت اليمين على فعل واجب بأن قال والله لأصلين الظهر اليوم أو لأصومن رمضان فإنه يحب عليه الوفاء به ولا يجوز له الامتناع ولو امتنع يأثم ويحنث وتلزمه الكفارة وإن كان على ترك واجب بأن قال والله لا أصلي صلاة الظهر أولا أصوم رمضان أو والله لأشربن الخمر أو لأزنين أو لأقتلن فلانا أو لا أكلم والذي أو نحو ذلك فإنه يجب عليه في الحال الكفارة بالتوبة والاستغفار كسائر الجنايات ثم يجب عليه أن يحنث نفسه بذلك ويكفر بالمال لأن عقد هذه اليمين معصية فيجب تكفيرها بالتوبة والاستغفار كسائر الجنايات التي ليس لها كفارة معهودة وإن كان اليمين على ترك مندوب بأن قال والله لا أصلي نافلة أو لا أصوم تطوعا أو لا أعود مريضا أو لا أشيع جنازة أو نحو ذلك فالافضل له أن يفعل ويكفر عن يمينه والقسم الرابع أن يكون على مباح فعلا أو تركا كدخول الدار ونحوه فالأفضل له البر قال الله تعالى واحفظوا أيمانكم أي عن الحنث وله أن يحنث ويكفر ويجب بالحنث الكفارة إن شاء أعتق رقبة أو كسا عشرة مساكين كلا منهم ثوبا شاملا


346

لبدنه فما زاد وهو ما تجوز فيه الصلاة أو أطعمهم كالفطرة ولو أطعم مسكينا واحدا عشرة أيام جاز عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز إلا عن يوم واحد اعتبارا لصورة العدد ونحن اعتبرنا المعنى لأنه صار في كل يوم مصرفا فصح ما صرف إليه عن كفارته كما لو صرف إلى شخص آخر عن الكفارة لأن صيرورته مصرفا باعتبار حاجته والحوائج تتعد بتعدد الايام والمقصود بالايجاب دفع عشر حاجات لا دفع عشرة أشخاص وإن عجز عن أداء الكفارة بإحدى الخصال الثلاث الإطعام والكسوة والتحرير صام ثلاثة أيام متتابعات عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى هو مخير ان شاء تابع وإن شاء فرق

وقد أجمع العلماء على أن البلوغ والعقل وفهم الخطاب في الحالف شرط لصحة كونه حالفا فلا يصح اليمين من الصبي والمجنون والنائم

وهل يشترط اسلام الحالف فهو محل خلاف فعندنا يشترط فلا يصح يمين الكافر حتى لو حلف كافر بالله تعالى ثم حنث في حال كفره أو بعد اسلامه لم يكن عليه كفارة عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى الاسلام ليس بشرط حتى تجب الكفارة عليه إذا حنث في حال الكفر لكنه بالمال لا بالصوم

ويستوي العامد والناسي والمكره في اليمين وفي فعل المحلوف عليه لقوله صلى الله عليه وسلم ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق واليمين فعلم أن الرضا والقصد ليس بشرط والامام الشافعي رحمه الله تعالى يخالفنا في ذلك في أحد قوليه ويقول لا تنعقد يمين المكره والناسي والخاطئ ولا يحنث بفعل المحلوف عليه ناسيا أو مكرها كذا في المنبع

وفي الهداية واليمين بالله تعالى أو باسم من اسمائه تعالى كالرحمن والرحيم أو بصفة من صفاته التي يحلف بها عرفا كعزة الله وجلاله وكبريائه لأن الحلف بها متعارف إلا قوله وعلم الله فإنه لا يكون يمينا لأنه غير متعارف ولو قال وغضب الله وسخطه لم يكن حالفا وكذا رحمة الله لأن الحلف بها غير متعارف

ومن حلف بغير الله تعالى لم يكن حالفا كالنبي والكعبة لقوله صلى الله عليه وسلم من كان منكم حالفا فليحلف بالله أو ليذر وكذا لو حلف بالقرآن لأنه غير متعارف قال رحمه الله تعالى معناه أن يقول والنبي والكعبة والقرآن وأما قوله أنا بريء منه يكون يمينا على ما سيجيء عقبها ان شاء الله تعالى

وذكر البزازي في جامعه لو قال ووجه الله يكون يمينا إلا إذا قصد به الجارحة فلا يكون يمينا إلا إذا نوى لأنه لم يذكر اسم الله تعالى إلا إذا أعربها بالكسر وقصد اليمين بالله بالنصب والرفع والتسكين سواء وكذا بدون حرف القسم ولله إن عنى به يمينا فيمين ومن المشايخ من قال هذا إذا جر أما إذا سكن أو رفع أو نصب لا يكون يمينا لأنه لم يأت بحرف اليمين ولا إعرابه ومنهم من أجراه على الاطلاق وحق الله لا يكون يمينا في الصحيح لا اله الا الله لا أفعل كذا أو سبحان الله لا يكون يمينا إلا أن ينويه وكذا ببسم الله لا يكون يمينا إلا إذا نوى به وعن محمد رحمه الله تعالى أنه يمين فليتأمل عند الفتوى

وفي الولوالجي إذا استحلف الرجل وهو مظلوم فاليمين على ما نوى وإن كان ظالما فاليمين على نية من استحلفه وبه أخذ أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وهذا إذا كان اليمين بالله تعالى أما إذا كان بالطلاق أو بالعتاق فاليمين على نية الحالف سواء كان الحالف ظالما أو مظلوما لأن الحالف هو


347

رجل قال إن فعلت كذا فأنا بريء من الله تعالى أو من هذه القبلة أو من صوم رمضان أو من الصلاة فهذا كله يمين لأن البراءة من هذه الأشياء كفر هكذا ذكره أبو الليث في نوازله ولو قال إن فعلت كذا فأنا بريء من الكتب الأربعة ففعل فعليه كفارة واحدة لأنها يمين واحدة ولو قال أنا بريء من التوراة وبريء من الانجيل وبريء من الزبور وبريء من القرآن فعليه أربع كفارات لأنها أربعة ايمان ولو قال أنا بريء من الله ورسوله فعليه كفارة واحدة إن حنث لأنها يمين واحدة ولو قال أنا بريء من الله وبريء من رسوله فعليه كفارتان إن حنث لأنهما يمينان ولو قال أنا بريء مما في المصحف فحنث فعليه كفارة واحدة لأنها يمين واحدة لأن ما في المصحف قرآن ولو قال أنا بريء من كلامه في المصحف فحنث فعليه كفارة واحدة لأنها يمين واحدة ولو قال أنا بريء من كل آية في المصحف فحنث فعليه كفارة واحدة لأنها يمين واحدة

رجل قال الطالب الغالب إن فعلت كذا ففعل كفارة واحدة لأن هذا يمين وقد تعارف أهل بغداد الحلف بهذا

رجل قال إن فعلت كذا فأنا بريء من الله وبريء من رسوله والله ورسوله بريئان منه ففعل فعليه أربع كفارات لأنها أربعة أيمان

رجل رفع كتابا من كتب الفقه أو دفتر حساب مكتوبا فيه بسم الله الرحمن الرحيم فقال أنا بريء مما فيه إن دخلت الدار فدخل تلزمه الكفارة لأنه يمين بالله تعالى

رجل قال إن فعلت كذا فأنا بريء من الحجة التي حججت أو من الصلاة التي صليت ثم فعل لا يلزمه شيء بخلاف البراءة من القرآن لأنه كفر ولو قال أنا بريء من شهر رمضان إن أراد به البراءة من فرضه يكون كالبراءة من الايمان وإن أراد به البراءة من أجره لا يكون يمينا وإن لم يكن له نية فلا يكون يمينا في الحكم وفي الاحتياط يكون يمينا وفي البزازي لو قال بحقه عليه الصلاة والسلام لا يكون يمينا لكن حقه عظيم

بحرمة شهد الله وآمن الرسول ولا اله الا الله لا يكون يمينا

وفي النهاية لو قال برشتوا يعني بحق رأسك إن اعتقد أنه حلف وأن البر به واجب يكفر انتهى والله يعلم أني ما فعلت كذا وقد فعل فالعامة على أنه يكفر هو يهودي إن فعل كذا فإن اعتقد أنه يمين فيمين لا غير وإن اعتقد أنه كفر يكون كفرا وكذا هو بريء من الله تعالى

مر على رجل فأراد أن يقوم فقال والله لا تقم فقام لا يلزم المار شيء لكن عليه تعظيم اسم الله تعالى

رجل قال هذا الثوب علي حرام يحنث بلبسه ولو قال إن أكلت الطعام فهو علي حرام لا يحنث بأكله وكذا لو قال لقوم إن أكلت عندكم طعاما فهو علي حرام لا يحنث بالأكل

وفي المنتقى قال كل طعام آكله في منزلك فهو علي حرام فالقياس لا يحنث وفي الاستحسان يحنث امرأة قالت لزوجها أنا عليك حرام أو حرمتك صار يمينا حتى لو جامعها طائعة أو مكرهة تحنث بخلاف ما لو حلف لا يدخل هذه الدار فأدخل فيها مكرها لا يحنث ومعناه أدخل محمولا ولو أكره على الدخول فدخل مكرها حنث


348

قال لها لا تخرجي من الدار إلا باذني فإني حلفت بالطلاق فخرجت لا يقع لعدم ذكره حلفه بطلاقها فيحتمل الحلف بطلاقها ويحتمل الحلف بطلاق غيرها فالقول له

وفي القنية قال صاحب المحيط رجل دعته جماعة لشرب الخمر فقال إني حلفت بالطلاق أني لا أشرب الخمر وكان كاذبا ثم شرب طلقت وقال يعني صاحب التحفة لا تطلق ديانة

وفي الولواجي إذا قال إن فعلت كذا فألف درهم من مالي صدقة ففعل والرجل لا يملك الا مقدار مائة درهم لم تلزمه الصدقة إلا بما يملك وهو المائة

رجل قال إن فعلت كذا فألف درهم من مالي صدقة لكل مسكين درهم فحنث وتصدق بذلك كله على مسكين واحدا جاز لأنه ايجاب العبد يعتبر بايجاب الله تعالى وثم يجوز الصرف إلى صنف واحد من ذلك الصنف فكذا هنا

رجل قال إن فعلت هذا ونجوت من هذا الغم فلله علي أن أتصدق بهذه الدراهم خبزا ثم أراد أن يتصدق بثمنه ولا يتصدق بالخبز جاز لأن دفع القيمة في حقوق الله تعالى جائز

رجل قال لله علي ثلاثون حجة كان عليه بقدر عمره لأنه يصير بمنزلة من قال لله علي أن أحج ستا وعشرين فمات قبل ذلك لا يلزمه شيء لأن ايجاب الفعل بعد الموت لا يتصور

إن جعل لله تعالى على نفسه أو يقول أشهد على شهادتي أني أشهد أن فلان أقر عندي بكذا أو يقول أشهد أني سمعت فلان ولم تجزه كفارة اليمين هذا جواب ظاهر الرواية لقوله عليه الصلاة والسلام من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى وروى عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه رجع عن هذا وقال هو بالخيار إن شاء أخرج عنه بعين ما سمى وإن شاء أخرج عنه بكفارة ومشايخ بلخ رحمهم الله تعالى يفتون بهذا وكذا بعض مشايخ بخارى وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي واختيار الإمام الأجل برهان الدين

وهذا إذا كان النذر معلقا بشرط لا يريد كونه أما إذا كان معلقا بشرط يريد كونه إما لجلب منفعة أو لدفع مضرة بأن قال إن شفي الله تعالى مريضي أو رد الله تعالى غائبي أو مات عدوي فعلي صوم سنة فإذا وجد لزمه الوفاء بما قال ولا يخرج عنه بالكفارة وجه هذه الرواية قوله عليه السلام النذر يمين وكفارته كفارة يمين فيحمل هذا الحديث على التعليق بشرط لا يريد كونه والحديث الأول على التعليق بشرط يريد كونه ليكون جمعا بين الحديثين هكذا أورده الصدر الشهيد في أيمان الكافي وكذا لو قال علي المشي إلى بيت الله تعالى وإلى الكعبة أو إلى مكة فيلزمه احرام وهو بالخيار إن شاء أحرم بالحج وإن شاء أحرم بالعمرة لأن هذه اللفظة سارت كنابة عن ايجاب الاحرام عرفا كما لو قال لله علي أن أضرب بثوبي حطيم الكعبة فإنه يكون نذرا بالصدقة مجازا من حيث العرف فكذا هذا ولو قال علي المشي إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم أو إلى المسجد الأقصى لا يلزمه شيء لأن العرف المنعقد في المشي إلى بيت الله سبحانه وتعالى لا يدل على الانعقاد في المشي إلى مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام وإلى المسجد الأقصى لأن حرمتهما دون حرمة بيت الله تعالى حتى حل دخولهما من غير احرام ثم إذا لزمه حجة أو عمرة فإن شاء اعتمر أو حج ماشيا وإن شاء ركب وذبح لركوبه شاه


349

ولو قال علي المشي إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يلزمه شيء قط وقالا يلزمه

رجل حلف أن لا يتزوج امرأة فزوجه أبوه امرأة لا يحنث

رجل حلف أن لا يتزوج امرأة فزوجه رجل امرأة بغير اذنه فبلغه فأجاز بالقول أو بالفعل كسوق الهدى وغيره اختلف المشايخ فيه فمنهم من قال يحنث في الوجهين ومنهم من قال يحنث في الوجه الأول ولا يحنث في الوجه الثاني

رجل حلف أن لايتزوج امرأة كان لها زوج ثم طلق امرأته ثم تزوجها لا يحنث لأن اليمين على غيرها ألا ترى أنه لو حلف أن لا يطأ امرأة وطأها رجل كان له أن يطأ نساءه وجواريه

حلف ليتزوجن سرا فأشهد شاهدين سرا يحنث لأنه لا يتصور بدون الشاهدين فإن أشهد ثلاثة فهو علانية

رجل وكل رجلا أن يزوجه امرأة أو يعتق عبده أو يطلق امرأته ثم حلف الموكل أن لا يتزوج ولا يعتق ولا يطلق ثم فعل الوكيل ما وكله به حنث الموكل في يمينه لأن الوكيل في هذه العقود نائب من كل وجه فجعل عبارته كعبارة الموكل بنفسه بخلاف البيع والشراء لأن حقوق العبد تتعلق به دون الموكل فلا يصير الحالف بفعل وكيله بائعا ولا مشتريا هذا إذا كان الحالف ممن يلي البيع والشراء بنفسه ولو كان ممن يفوض أمره إلى غيره كالسلطان ونحوه يحنث في يمينه وإن كان ممن يفوض مرة ويباشر أخرى فالحكم للغالب

وفي الخلاصة رجل أراد أن يتزوج امرأة وله امرأة أخرى فأبى أهل المرأة أن يتزوجها لمكان تلك المرأة فاحتبسها في المقبرة ثم قال كل امرأة لي سوى المرأة التي في هذه المقبرة فهي طالق فحسبوا أن ليس له امرأة في الأحياء لا يحنث وهي الحيلة في العتاق أيضا

وفي البزاز رجل قال لأجنبية ما دمت في نكاحي فكل امرأة أتزوجها فهي طالق ثم تزوجها وتزوج عليها امرأة لا يقع ولو قال إن تزوجتك ما دمت في نكاحي فكل امرأة اتزوجها فهي طالق فتزوجها ثم تزوج غيرها تتطلق لصحة التعليق هنا في الأول ففرض المسألة في الأجنبية وكلمة ما دام وما زال وما كان غاية تنتهي اليمين بها فإذا حلف لا يفعل كذا ما دام ببخارى انتهى اليمين بالخروج فلو فعل بعد العود لا يحنث وكذا إذا حلف لا يشرب النبيذ ما دام ببخارى فخرج وعاد وشرب لا يحنث

والفقيه أبو الليث شرط الخروج بأهله ومتاعه كما في قوله والله لا أكلمك ما دمت في هذه الدار ولم يشرطه الإمام الفضلى رحمه الله تعالى قلت وهذا يؤيد ما أفتى به جدي شيخ الإسلام في المسألة التي مرت في فصل الوقوف فانظر رحمك الله تعالى في ذلك وعليك بالتأمل الصحيح

وفي الولوالجي رجلان حلف كل واحد منهما أن لا يدخل على صاحبه فدخلا في المنزل معا لا يحنثان ولو حلف لا يدخل من باب هذه الدار فدخل من غير الباب لا يحنث وإن نقب بابا آخر فدخل حنث لأنه دخل من بابه وإن نوى ذلك الباب بعينه لم يدين في القضاء


350

رجل حلف بطلاق امرأته أن لا تخرج امرأته بغير علمه فخرجت وهو يراها فمنعها أو لم يمنعها لا يحنث لأنها خرجت بعلمه

رجل قال لامرأته إن خرجت من باب هذه الدار فأنت طالق فصعدت السطح ونزلت في دار الجار قيل ذلك من الحيل وأنه لا يحنث والصحيح أنه يحنث

رجل أخذ لقمة فوضعها في فمه فقال له رجل امرأته طالق إن أكلتها وقال آخر امرأته طالق إن أخرجتها من فيك فأكل البعض وأخرج البعض لم يحنث لأن شرط الحنث أكل الكل

رجل قال لامرأته إن لم تتعشي الليلة فعبدي حر فأكلت لقمة واحدة يحنث لأن اللقمة الواحدة لا تكون عشاء ولو قال لامرأته إن لم تطبخي في قدر فيه منوان من الملح ولا ملوحة في المطبوخ فأنت طالق تطبخ بيضة في منوين من الملح

رجل حلف لا يسكن هذه الدار وهو ساكن فشق عليه التحويل من الأمتعة فإنه يبيع المتاع من غيره ويخرج بنفسه فلا يحنث ولو حلف بطلاق امرأته أنه لا يصوم شهر رمضان فالحيلة فيه أن يسافر ولا يصوم حلف ليغدينه اليوم بألف درهم فاشترى له رغيفا بألف درهم فغداه لا يحنث لأنه تحقق شرط البر وكذا لو قال إن لم أعتق مملوكا بألف درهم فعلي كذا فاشترى مملوكا بألف درهم يساوي شيئا قليلا فأعتقه بر لأنه تحقق شرط البر

حلف لا يقرب امرأته فاستلقى على قفاه فجاءت المرأة فقضت حاجتها لا يحنث لأن شرط الحنث الوطء وهو في هذه الحالة لا يسمى واطئا هكذا قال بعض المشايخ وذكر بعضهم أنه يحنث وعليه الفتوى

ولو حلف لا يكلم فلانا فكتب إليه أو أرسل لم يحنث لأن الكلام على المشافهة

رجل هرب ودخل في دار رجل فحلف صاحب الدار أنه لا يدري أين هو إن اراد به أنه لا يدري في أي مكان هو من الدار لا يحنث لأنه بار انتهى كلام الولوالجي

الفصل السابع عشر في البيوع

البيع ينعقد بالايجاب والقبول إذا كانا بلفظ الماضي مثل أن يقول أحدهما بعت ويقول الآخر اشتريت لأن البيع انشاء تصرف والإنشاء يعرف بالشرع والموضع للإخبار قد استعمل فيه فينعقد به ولا ينعقد بلفظين أحدهما لفظ المستقبل بخلاف النكاح وقوله رضيت أو أعطيتك بكذا أو خذه بكذا في معنى قوله بعت واشتريت لأنه يؤدي معناه والمعنى هو المعتبر في هذه العقود

وفي القنية رجل دفع إلى بائع الحنطة خمسة دنانير ليأخذ بها منه حنطة وقال له بكم تبيعها فقال كل مائة من بدينار فسكت المشتري ثم طلب منه الحنطة ليأخذها فقال البائع غدا أدفعها اليك ولم يجر بينهما بيع وذهب المشتري وجاء في غد ليأخذ الحنطة وقد تغير السعر فليس للبائع أن يمنعها منه بل عليه أن يدفعها بالسعر الأول قال رحمه الله تعالى ولهذا ينعقد بالتعاطي في النفيس والخسيس وهو الصحيح

وفي المنبع انعقاد البيع تارة يكون بالقول وتارة يكون بالفعل من غير قول بأن يكون بالإعطاء


351

والأخذ وهذا يسمى بيع التعاطي وفي الذخيرة اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى أن الإعطاء من الجانبين شرط في بيع التعاطي أو من أحدهما يكفي فاشار محمد رحمه الله تعالى في الجامع الصغير أن تسليم المبيع يكفي

وفي المجتبى قال بكم تبيع قفيز حنطة قال بدرهم فقال اعزله فعزله فبيع وكذا لو قال مثله للقصاب فوزنه وهو ساكت ثم امتنع من دفع الثمن وأخذ اللحم أو دفع الدراهم وامتنع القصاب من وزن اللحم أجبرهما القاضي عليه فثبت بهذا ان بيع التعاطي كما يثبت بتقابض البدلين يثبت بقبض أحدهما أيهما كان على وجه الشراء واتفق صدر القضاة وغيره على أن بيع التعاطي بيع وإن لم يوجد تسليم الثمن اه

وإذا أوجب أحد المتعاقدين البيع فالآخر بالخيار إن شاء قبل في المجلس وإن شاء رد وليس له أن يقبل في بعض المبيع ولا أن يقبل المشتري ببعض الثمن لعدم رضا الآخر بتفريق الصفقة إلا إذا بين ثمن كل واحد لأنه صفقتان معنى وأيهما قام عن المجلس قبل القول بطل الايجاب لأن القيام دليل الاعراض والرجوع فله ذلك على ما ذكرناه

وإذا حصل الايجاب والقبول لزم البيع ولا خيار لأحدهما إلا من عيب أو من عدم رؤية وقال الشافعي رحمه الله تعالى يثبت لكل واحد منهما خيار المجلس ويجوز البيع بثمن حال ومؤجل إذا كان الأجل معلوما

رجل باع شيئا معينا لآخر بثمن مؤجل إلى سنة ولم يسلم المبيع حتى انقضت السنة ثم سلم المبيع فللمشتري سنة أخرى بعد تسليم المبيع وقالا ليس له الا السنة الماضية

ومن أطلق الثمن في البيع كان على غالب نقد البلد لأنه المتعارف فإن كانت النقود مختلفة فالبيع فاسد إلا أن يبين أحدهما وهذا إذا كان الكل في الزواج سواء لأن الجهالة مفضية إلى المنازعة إلا أن نرفع الجهالة بالبيان أو يكون أحدهما أغلب وأروج فحينئذ يصرف إليه تحريا للجواز وهذا إذا كانت مختلفة في المالية فإن كانت سواء فيها كالثنائي والثلاثي جاز البيع إذا أطلق اسم الدراهم وينصرف إلى ما قدر به من أي نوع كان لأنه لا منازعة ولا اختلاف في المالية كذا في الهداية

وفي البزازي ساومه ثوبا بعشرة فقال البائع بعشرين فذهب به المشتري ولم يقل شيئا فإن كان الثوب في يد المشتري فالبيع بعشرين وإن كان في يد البائع ودفعه إليه فبعشرة وقيل بآخرهما كلاما إذا مضيا على العقد بعد اختلاف كلمتهما ينظر إلى آخرهما كلاما فيحكم بذلك

ويجوز بيع الحبوب المتنوعة جزافا وكيلا وبإناء وحجر مجهولي المقدار وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن البيع يفسد فيهما قال صاحب الهداية والأول أصح وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه فرق بين الإناء القابل للزيادة وغير القابل فأجاز البيع فيما لا يقبلها كالطشت مثلا وافسده فيما يقبلها كالزنبيل وأجاز بوزن هذا الحجر لا بوزن هذه البطيخة

اشترى أرضا وذكر حدودها لا ذرعها طولا وعرضا جاز وإذا عرف المشتري الحدود لا الجيران يصح وإن لم يذكر الحدود ولم يعرفها المشتري جاز البيع إذا لم يقع بينهما تجاحد وجهل البائع بالمبيع لا يمنع وجهل المشتري يمنع


352

بعتك نصيبي من هذه الدار ولم يعلمه به البائع وعلم به المشتري جاز إذا أقر البائع أنه كما يقول المشتري وإن لم يعلم المشتري لا يجوز عند الامام ومحمد رحمهما الله تعالى علم البائع أم لا ومع ذلك لو قبض وباع صح كالبيع الفاسد قلت وصاحب المنبع أوضح المسألة وفصل الخلاف فيها حيث قال رجل باع نصيبه من هذه الدار وهو لا يعلم مقدار نصيبه والمشتري أيضا لا يعلم ذلك فالبيع فاسد في رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وروى عنه أيضا أنه يجوز مطلقا سواء علم المتبايعان ذلك أو لم يعلما وهو قول أبي يوسف رحمه الله تعالى وروى عنه أيضا أنه يشترط علم المشتري لا غير وهو قول محمد رحمه الله تعالى وهو ظاهر الرواية

فإن قلت ما فائدة وضع المسألة في الدار هل يكون لمجرد بيان التصوير أو للاحتراز عن المنقول ليكون الحكم فيه خلاف الحكم في الدار قلت ما رأيت فيه نقلا صريحا ولكن الظاهر أنه لا فرق بين الدار والمنقول وذكر في الفتاوى أنه إذا باع نصيبا له من أشجار بغير اذن الشريك بغير أرض فإن كانت الأشجار قد بلغت أو ان قطعها فالبيع جائز وإن لم تبلغ لم يجز اه

قال المشتري في يدي لك أرض خراب لا تساواي عشرة فبعها مني بستة فقال بعتها ولم يعرفها البائع وهي تساوي أكثر من ذلك جاز رجل اشترى ثيابا في جراب أو زيتا في زق أو حنطة في جوالق فلم يره يجوز وله الخيار إذا رآه

وفي الذخيرة صورة المسألة أن يقول بعت منك الثوب الذي في كمي هذا وصفته كذا أو لم يذكر الصفة أو يقول بعت منك هذه الجارية المنتقبة وأما إذا قال بعت منك ما في كمي هذا هل يجوز هذا البيع أم لا لم يذكره في المبسوط قال عامة مشايخنا رحمهم الله إطلاق الجواب يدل على جوازه عندنا بعضهم قال لا يجوز لجهالة المبيع وفي المبسوط الاشارة إليه أو إلى مكانه شرط الجواز حتى إذا لم يشر إليه أو إلى مكانه لا يجوز بالاجماع

إذا باع شيئا لم يره بأن ورث شيئا فباعه قبل الرؤية لزم البيع ولم يتخير وكان أبو حنيفة أولا يقول له الخيار اعتبارا بخيار العيب والشرط ثم رجع وقال لا خيار له

وفي المنبع وإذا اشترى شيئا لم يره ثم قال لغيره إني اشتريت سلعة فاذهب فانظر إليها فإن كانت تصلح فارض بها وخذها فذهب ورضي بها ذكر شيخ الاسلام في باب الخيار بغير شرط أن هذا لا يجوز ورأيت في موضع آخر أن هذا لا يجوز عند أبي يوسف ومحمد وأما عند أبي حنيفة فإن قيل يجوز فله وجه وإن قيل لا يجوز فله وجه

دار بين اثنين باع أحدهما نصفها ينصرف إلى نفسه أما لو عين نصفا وقال بعت منك هذا النصف فلا يجوز

رجل مات وترك بنتين فباعت احدى البنتين نصيبها من البنت الأخرى إن كان نصيبها معلوما لها لا يجوز وفي شرح الطحاوي إن باعت نصيبها من كل شيء يجوز أما إذا عينت عينا وباعته لا يجوز

وفي المحيط رجلان بينهما دار فباع أحدهما نصف بيت شائعا والبيت معلوما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يجوز لأن شريكه يتضرر بذلك عند القسمة


353

ولو كان بين رجلين عشرة من الغنم أو عشرة أثواب هروية مما تقسم باع أحدهما نصف ثوب بعينه قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى هذا جائز

سكة غير نافذة اجتمع أهلها فباعوا السكة لا يجوز وكذا لو اقتسموها رجل اشترى قرية ولم يستثن منها المسجد والمقبرة فسد البيع هذا إذا كان المسجد معمورا فإن خرب ما حوله واستغنى الناس عنه لا يفسد العقد

وفي الخلاصة ولو ضم الوقف مع الملك وباعهما أجاب شمس الأئمة الحلواني أنه لا يجوز كالمسجد وقال ركن الاسلام على السغدي يجوز في الملك ثم رجع شمس الأئمة إلى قول ركن الاسلام

وفي القنية رجل باع أرضا فيها مقابر صح البيع فيما رواء المقابر وفي أدب القضاء لقاضي القضاة شمس الدين السروجي باع قرية بغير استثناء المقبرة والمسجد جاز في الملك في الأصح لأن الوقف مصون قلت ولأنه مستثنى شرعا والله سبحانه وتعالى أعلم

رجل اشترى عبدين صفقة واحدة فإذا أحدهما حر فالبيع في العبد فاسد سمى ثمن كل واحد منهما أولا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما إن لم يسم فسد وإن سمي جاز في القن

وكذا إذا باع دنين من الخل فإذا أحدهما خمرا أو جمع بين ذبيحتين فإذا احدهما ميتة أو متروكة التسمية عمدا وهذا إذا قال بعتهما وإن جمع بين عبد وحر وقال بعت أحدهما فقبل الآخر صح في القن تصحيحا لتصرفه بخلاف المسألة الأولى لأنه جعل قبول العقد في الحر شرطا للعقد في العبد وهذا شرط فاسد فيفسد وكذا في قوله أعتقت أحدهما أو طلقت بخلاف قوله أحدهما حر لأنه إخبار وهذا إنشاء

وإذا باع عبده وعبد غيره بألف كل واحد منهما بخمسمائة ولم يجز ذلك الغير جاز في عبده والله سبحانه وتعالى أعلم

نوع في الأوراق والأشجار والزروع والثمار رجل اشترى أوراق التوت إن اشترى على أنه ياخذها من ساعته يجوز ولو اشتراها مطلقا فأخذها اليوم جاز وإن مضى اليوم فسد البيع لأن ما يحدث بعد البيع بمضي الساعات لا يمكن الاحتراز عنه فجعل عفوا وإن اشتراها على أن يأخذها شيئا فشيئا لا يجوز لأنه يزداد فيختلط المبيع بغير المبيع وكذا لو اشتراها على أن يتركها على الشجر والحيلة أن يشتري الشجرة بأصلها فيأخذ الأوراق ثم يبيع الشجر من البائع ولو ذهب وقت الأوراق فأراد الرجوع بالثمن إن اشتراها مع الأغصان وبين موضع القطع لا يرجع وهل للعامل من الأغصان وأوراق الشجر حصة يأتي في فصل المزارعة إن شاء الله تعالى

وفي فتاوي قاضي خان رجل اشترى رطبة من البقول أو قثاء أو شيئا ينمو ساعة فساعة لا يجوز كما لا يجوز بيع الصوف والوبر على ظهور الغنم إلا أن يجزها من ساعته والقياس في بيع قوائم الخلاف كذلك وإنما جاز لمكان التعامل فيه

وفي البزازي قال الامام الفضلي رحمه الله تعالى لا يجوز بيع القوائم أيضا بلا بيان موضع القطع

رجل باع الحشيش الذي أنبته بسقيه بأن سقى الأرض لينبت فيها الحشيش يجوز ولو باع الزرع قبل أن يصير بقلا لا يجوز وبعد ما صار بقلا بشرط القطع أو على أن يرسل فيه دابته يجوز لا بشرط الترك للإدراك وكذا الرطبة والبقول


354

ولو كان الزرع مشتركا بين اثنين فباع أحدهما نصيبه من غير شريكه بلا اذن الآخر قبل أن يدرك الحصاد لا يجوز وبعد الادراك يصح ولو باع من شريكه يصح مطلقا وكذا الشجر ولو باع من غير شريكه ولم يفسخ البيع حتى أدرك صح لزوال المانع كما إذا باع جذعا من سقف ونزع وسلم ولو كان الزرع والأرض مشتركا فباع نصفها مع نصفه من الشريك أو أجنبي جاز وإن لم يرض به الآخر وناب المشتري عن البائع وعن محمد أنه لا يجوز وعنه أيضا باع قصيلا أو ثمرا في أول ما يطلع إن جزه المشتري في الحال فالعشر على البائع وإن تركه باذن البائع وجزه بعد الادراك فعلى المشتري وعند ابي يوسف عشرها بقدر الطلع والبقل على البائع والزائد على المشتري

وفي التجريد بيع الثمرة والزرع الموجود قبل كونه زرعا منتفعا به جائز بلا شرط الترك وبه يفسد وإن تناهى العظم فبشرط الترك لا يفسد عند محمد وهو الاستحسان خلافا لهما وإن اشترى مطلقا وترك إن تناهى عظمهما أو لم يتناه لكنه باذن البائع طاب له وإن لم يتناه والترك بلا اذن تصدق بما زاد ولو أخرجت الثمرة ثمرة أخرى قبل جذاذ الأولى فهي للبائع وإن جزها البائع طاب له وإن اختلط بالموجود حتى لم يعرف إن كان قبل التخلية فسد وإن كان بعدها اشتركا والقول في المقدار قول المشتري وإن اشترى ثمرة بدا صلاح بعضها وصلاح الباقي متقارب وشرط الترك جاز عند محمد رحمه الله تعالى وإن كان يتأخر إدراك الباقي كثيرا لا يجوز فيما لم يدرك وجاز في المدرك والبطيخ والباذنجان يجوز بيع ما ظهر لا مالم يظهر ولو باع الأصول بما فيها من الثمار جاز في الكل

وذكر شمس الأئمة رجل اشترى ثمار الكرم وقد خرج بعضها قال الكرخي رحمه الله لا يجوز وهو ظاهر المذهب

وقال ابن الفضلى وجدت عن محمد أن بيع الورد جملة يجوز ومعلوم أن الورد يتلاحق وأفتى الحلواني في الباذنجان والبطيخ والثمار وغيرها بالجواز وجعل الموجود أصلا ومال السرخسي إلى قول الكرخي وإن استأجر الأشجار ليترك عليها الثمار لا يجوز لكنه لو ترك بناء على الاجارة تطيب له الزيادة ولا يجب له الأجر

ولو اشترى قصيلا واستأجر الأرض وترك القصيل لا تطيب له الزيادة لأن إجارة الأرض متعارف وإن بين المدة تصح واستئجار الأشجار لم يتعارف فلا يصح وإن بين المدة فاعتبر مجرد الاذن فطاب له ولم يجب أجر المثل لعدم الاجارة رأسا والحيلة أن يقول المشتري للبائع جعلت لك جزءا من ألف جزء من هذه الثمرة على أن تعمل فيها بالمساقاة وإنما يحتاج إلى الايفاء قبل التناهي وحينئذ تجوز المساقاة

وبيع نصف الثمار مشاعا قبل بدو الصلاح من شريكه جائز لا من غيره كبيع نصف الزرع من شريكه وافتى السغدي بأنه لا يجوز من شريكه ولا غيره أيضا وبيع التبن قبل الكدس لا يجوز لأنه معدوم وبيع الكدس قبل التذرية يجوز ولو باع رجل عنب كرمه وهو حصرم جاز لأنه مال مقدور التسليم

اشترى قصيلا ولم يقبضه حتى صار حبا بطل البيع عند الامام وقال لا لا يبطل وشراء قصيل الحنطة بالحنطة كيلا وجزافا يجوز لأن هذا بيع الحشيش بالحنطة فيصح كيفما كان

باع أرضا فيها زرع لا يدخل الزرع نبت أم لا وفي التجنيس الزرع إذا لم يكن له قيمة يدخل


355

في بيع الأرض نبت أم لم ينبت وهو الصواب وكذا لو باع شجرا عليه ثمر لا قيمة له يدخل في بيع الشجر لإن بيعه منفردا لا يجوز

وأفتى أبو بكر الاسكاف وأبو نصر الفقيه بأن البذر إن كان قد فسد في الأرض أو نبت لكنه بحال لا قيمة له يكون للمشتري لأنه لا يجوز بيعه بانفراده فصار جزءا من الأرض وإن لم يفسد في الأرض أو نبت وصار بحال له قيمة يكون للبائع وأفتى أبو القاسم بأنه للبائع في الأحوال كلها وبه نأخذ

واختار في الصغرى دخول الثمر والزرع إذا لم يكن لها قيمة في بيع الأرض بلا ذكر وكذا الشجر مثمرا كان أو غير مثمر ولا يدخل الثمر في بيع الشجر بلا ذكر وإن كان موجودا وقت البيع وكذا قوائم الخلاف على ما عليه الفتوى

وفي المنتقى أذن له في زراعة ارضه فاراد أن يخرجها بعد الزراعة ليس له ذلك ولو كان له فيها زرع فباع الزرع لا الأرض ترك الزرع على البائع بأجر المثل إلى الحصاد ولو كان في الزرع مالا ينتفع به كمالتبن الذي ينبغي أن يستثنى فيجوز البيع

وقال السيد الامام أبو القاسم ينبغي أن يجوز البيع بشرط الترك إلى الادراك لأنه ينتفع به في المآل كالمهر والجحش وإن كان لا على تقدير الترك ينبغي أن لا يجوز

وقال شمس الأئمة في شراء ثمرة بستان ظهر بعضها الأصح عندي عدم جواز البيع لأنه لا ضرورة إليه لإمكان شراء الأصول فيكون المتولد على ملكه وإن كان لا يستحق به نفس المبيع فإن المشترى يشتري الموجود ببعض الثمن ويؤخر العقد في الباقي أو يشتري الموجود بكل الثمن ويحصل المقصود بهذا فلا حاجة إلى بيع المعدوم

وعن عبد الكريم بن محمد رجل اشترى أنواع الثمار في بستان أدرك البعض ولم يدرك البعض وليس لها قيمة إذا كان الأكثر له قيمة يجوز لأن الأقل يتبع الأكثر وما ليس له قيمة كالخوخ والرمان والتين فيشتري المتقوم بكل الثمن ويبيح له البائع الباقي فيتناوله بالإباحة اه

وفي الملتقط بيع الثمار كالحصرم والتفاح ونحوه قبل الادراك يجوز ونحو الخوخ والكمثري لا يجوز قبل الادراك الا إذا أدرك بعضها فيجوز فيما أدرك وما لم يدرك على ذلك الشجر فلا وبيع ورق التوت قبل أن يخرج لا يجوز ولكن إن باع الأغصان ليقطعها ثم أذن له في الترك حتى خرج الورق جاز وكان الورق تبعا وقد مر جنسه

باع دارا بعيدة وقال سلمتها اليك وقال المشتري قبضتها لا يكون قبضا وإن كانت قريبة فقبض لأن التخلية أقيمت مقام القبض عند التمكن وبه قال الحلواني قلت والناس عن هذا غافلون فإنهم يشترون الضيعة في السواد ويقرون بالقبض وذلك مما لا يصح به القبض وإن كان يقر به يصير قابضا

وفي المحيط يصير قابضا بالتخلية والاذن وإن بعد المعقود عليها

وفي النوادر اشترى عقارا فقال البائع سلمته اليك وقال المشتري قبلت والعقار غائب عن حضرتهما كان قبضا في قول الامام وقالا إن كان يقدر على إعلامه ودخوله فقبض وإلا لا


356

ولو اشترى بقرة في السرح فقال له البائع اذهب فاقبضها فإن كان بحيث يمكنه الاشارة يكون قبضا وكذا إذا باع خلا في دن في منزل البائع وخلى بينه وبين مشتريه فختم عليه المشتري فهو قبض على ما عليه الفتوى كمن اشترى طعاما وقال للبائع كله في غرارتك فكال فيها صار قابضا خلافا لمحمد

تسلم مفتاح الدار ولم يذهب إلى الدار فإن كان يتيسر له الفتح بلا كلفة فقبض وإن كان لا يتيسر له الفتح بلا اعانة لا يكون قبضا

اشترى بقرة مريضة وخلاها في منزل البائع قائلا إن هلكت فمني وماتت فمن البائع لعدم القبض وكذا لو قال للبائع سقها إلى منزلك فاذهب فتسلمها فهلكت حال سوق البائع فإن ادعى البائع التسليم فالقول قول المشتري

ولو كان المشتري اشترى عبدا أو أمة وقال امش معي فتخطى معه فهو قبض وقول البائع له خذه تخلية إذا كان يصل إلى أخذه فهو قبض وإن كان لا يصل إلى أخذه فلا قبض

نقض المشتري بعض الثمن ثم قال للبائع تركته عندك رهنا لباقي الثمن أو وديعة لا يكون قبضا

قال المشتري للعبد اعمل كذا أو قال للبائع مره أن يعمل كذا فعمل فعطب العبد هلك على المشتري لأنه قبض ولو قال المشتري للبائع لا أعتمدك على المبيع فسلمه إلى فلان يمسكه حتى أدفع لك الثمن ففعل البائع وهلك عند فلان يهلك على البائع لأن الإمساك كان لأجله وهلاك المبيع قبل قبضه عند البائع على البائع ويلزمه رد عين الثمن المقبوض وبعد الاقالة يلزمه رد مثل الثمن المقبوض

وفي فتاوي سمرقند عند بعض المشايخ أن ما يهلك من العقار قبل قبضه محسوب على المشتري وعامة المشايخ على أنه على البائع

إذا اشترى دارا لا يجبر البائع على إعطاء الصك ولا على الخروج إلى الشهود فإن كتب المشتري الصك وأتى بالشهود يجبر على الاشهاد وإن أبى يرفع إلى القاضي وكذا لا يجبر الزوج على صك المهر وكذا لا يجبر على دفع الصك القديم ولكن يؤمر البائع بإحضار الصك القديم حتى ينسخ منه المشتري نسخة وتكون في يده للاحتياج

وأجرة ناقد الثمن على البائع إن زعم المشتري جودة الثمن والصحيح أنه على المشتري مطلقا وعليه الفتوى

وفي الفتاوي قال المشتري الثمن جيد فالقول له وإن زعم البائع خلافه فالانتقاد عليه والوزن على المشتري

اشترى حنطة مكايلة فالكيل والصب في وعاء المشتري على البائع في المختار وجعل في المنتقى إخراج الطعام من السفن على المشتري

نوع في العيب والرد به وما يتصل بذلك الزوج والزوجة عيب للعبد والأمة وجده سارقا أو كافرا أو مخنثا في الرديء من الأفعال رده أما الذي له رعونة وليس في صوته لين وتكسر في مشيه إن قل لا وإن كثر رد


357

والزنى عيب فيها وفيه إن كان مرة أو مرتين لا وإن تكرر رد ويشترط المعاودة عند المشتري في كل العيوب إلا في الزنى وفي الجنون أيضا عند أبي يوسف

والدين في الجارية والعبد عيب إلا أن يقضى البائع أو يبريء الغريم

والإباق مما دون مدة السفر والسرقة مما دون النصاب عيب وهل يشترط في الإباق الخروج من البلدة قيل يشترط وقيل لا

وسرقة النقد مطلقا عيب وسرقة المأكول للأكل من المولى لا ومن غيره لا للأكل بل للبيع عيب سواء كان من المولى أو من غيره

باع بالبراءة من كل عيب أو حق صح عندنا ودخل فيه الحادث بعد البيع قبل القبض عند أبي يوسف خلافا لمحمد رحمهما الله تعالى وبالبراءة من كل عيب به لا يدخل الحادث اجماعا

وظهور العيب شرط الخصومة ولظهوره طرق إما بالمشهادة كالأصبع الزائدة أو قول الأطباء الحذاق كداء في الباطن أو بقول النساء أو بالخبر فإن كان بالمشهادة صحت خصومة المشتري في العيب فإن كان قبل القبض له الرد وفسخ العقد بمجرد قوله رددت بلا رضاء وقضاء

وفي أدب القاضي الذي يرجع فيه إلى الأطباء لا يثبت في حق توجه الخصومة مالم يتفق عدلان بخلاف مالا يطلع عليه الرجال حيث يثبت بقول المرأة الواحدة في حق الخصومة لا في حق الرد

وفي الزيادات عدم البكارة لا يثبت الا بقول البائع لأنه إما أن يقر بالوطء وأنه يمنع الرد أو بقول النساء وأنه لا يكون حجة في حق الرد وإن كان يعلم بقول النساء فالواحدة تكفي والثنتان أحوط فإن أخبرت بعدم العيب فلا خصومة لأن وجوده شرط توجه الخصومة

ويرجع في الداء إلى الأطباء وفي الحبل إلى النساء وفي دعوى الحبل إنما يصدق في رواية إذا كان من حين شرائها أربعة أشهر وعشر فإن كان أقل لا وفي رواية تسمع دعوى الحبل بعد شهرين وخمسة أيام وعليه عمل الناس

وسيلان الدمع من عين العبد والجارية عيب والخال على شفة الجارية عيب

اشتراها على أنها بكر فعلم بالوطء عدم البكارة فلما علم نزع من ساعته من غير لبث رد وإن لبث بعد العلم لا

وفي المنبع كثرة الأكل في الجواري عيب خلافا للشافعي رحمه الله تعالى

رجل اشترى طعاما فأكل بعضه ثم وجد به عيبا قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يرد ما بقي منه ولا يرجع بالنقصان فيما أكل وابو يوسف ومحمد اتفقا على انتفاء رجوع المشتري بالنقصان في قدر ما أكله وإنما اختلفا فيما بينهما في الباقي فقال أبو يوسف يرد الباقي إن رضي البائع به وإلا رجع عليه بنقصانه أيضا وقال محمد للمشتري أن يرد الباقي على البائع رضي بذلك أو لم يرض وقال بعض العلماء يرد الباقي وإن لم يرض البائع في الكل دون البعض فيتوقف على رضاه هذا في أكل البعض أما لو باع البعض ففيه روايتان عنهما في رواية لا يرجع بشيء ولا يرد كما هو قول أبي حنيفة وفي رواية يرد ما بقي وفي فتاوي البخارى لو أكل بعضه يرجع بنقصان عيبه ويرد ما بقي عليه وبه يفتى


358

ولو أطعم ابنه الصغير أو الكبير أو امرأته أو مكاتبه أو ضيفه لا يرجع بشيء ولو أطعم عبده أو مدبره أو أم ولده يرجع لأن ملكه باق

رجل اشترى دقيقا فخبز بعضه وظهر أنه مر رد ما بقي ورجع بنقصان ما خبز وهو المختار ولو كان سمنا ذائبا فأكله ثم أقر البائع أنه كان وقعت فيه فأرة رجع بالنقصان عندهما وبه يفتى

وفي الكفاية كل تصرف يسقط خياره يسقط خيار العيب إذا وجد في ملكه بعد العلم بالعيب ولا رد ولا أرش لأنه كالرضا به

اشترى عبدين في صفقة واحدة فوجد بأحدهما عيبا قبل القبض لا يرده وحده عند علمائنا الثلاثة بل يردهما معا أو يقبضهما معا وقال زفر له أن يرد المعيب خاصة لقيام العيب به خاصة وصار كما إذا وجد العيب بأحدهما بعد القبض

اشترى مكيلا أو موزونا فوجد بعد القبض عيبا ببعضه رده كله أو أخذه كله لأن المكيل إذا كان من جنس واحد فهو كشيء واحد لاتحاد اسمه كالبر ونحوه وقيل هذا إذا كان في وعاء واحد فإن كان في وعاءين فهو بمنزلة عبدين يرد الوعاء الذي وجد فيه العيب دون الآخر

وفي المنبع رجل اشترى جارية ثيبا فوطئها ثم وجد بها عيبا قديما لا يردها بالعيب لكن له الرجوع على البائع بالنقصان وقال الشافعي رحمه الله تعالى وطء الثيب لا يمنع الرد بالعيب

وفي البزازي لو خاصم البائع في العيب ثم ترك الخصومة زمانا وزعم أن الترك كان لينظر هل هو عيب أم لا له الرد

وطء الثيب يمنع الرد بالعيب والرجوع بالنقص وكذا التقبيل والمس بشهوة لأنه دليل الرضا به سواء كان قبل العلم بالعيب أو بعده والاستخدام مرة لا يكون رضا إلا إذا أكره على الخدمة لأنه مختص بالملاك ولم يجعله السرخسي دليل الرضا مطلقا والزيادة المتصلة لا تمنع الرد مطلقا اجماعا وهل تمنع الاسترداد على قول محمد لا وعلى قولهما نعم وفي فتاوى الولوالجي رجل اشترى غلاما فوجده غير مختون فإن كان صغيرا ليس له أن يرد لأنه ليس بعيب وإن كان بالغا فالمسألة على وجهين إن كان مولدا له أن يرده بالعيب لأنه عيب وإن كان جلبا لا يرده لأنه ليس بعيب

اشترى عبدا على أنه فحل فإذا هو خصي كان له أن يرده لأنه وجده معيبا ولو كان على العكس لا يرد لأنه شرط العيب فوجده سليما

رجل اشترى برذونا وخصاه بعض القبض وذلك لا ينقصه ثم وجد به عيبا فله أن يرده لأن ذلك ليس بعيب

رجل اشترى دهنا في إناء مسدود الرأس ففتحه بعد ايام فوجد فيه فأرة ميتة فزعم المشتري كونها فيه وقت البيع والبائع يدعي حدوث الوقوع فالقول للبائع لأنه ينكر وجود العيب

اختلفا في الطوع والإكراه فالقول لمن يدعي الجواز ولو أقاما بينة فلمن يدعي الكره وعليه الفتوى

ولو ادعى أحدهما صحة العقد والآخر بطلانه بأن ادعى البيع بالميتة فالقول لمدعي البطلان لأنه ينكر


359

العقد لأن البيع بالميتة باطل كذا ذكره البزازي في كتاب البيع قلت وذكر بعد ذلك في أواخر كتاب الاجارة ما يخالف ذلك فإنه قال إذا اختلفا في مقدار الأجر فالقول للدافع

ادعى المستأجر أنه استأجر الأرض فارغة وادعى الآخر أنه آجرها وهي مشغولة بزرعه يحكم على ذلك بحكم الحال وقال الفضلى القول قول المؤاجر مطلقا بخلاف المتبايعين وإذا ادعى أحدهما فساد العقد والآخر جوازه فالقول لمدعي الصحة وهنا القول للمؤاجر لأنه ينكر العقد اه

رجل اشترى دهنا في قارورة فنظر في القارورة ولم يصب على راحته يعني على كفه أو اصبعه منه شيئا فهذا ليس برؤية عند ابي حنيفة وعند محمد فيه روايتان

ولو اشترى نافجة مسك فأخرج المسك منها ليس له أن يرده بخيار الرؤية ولا بخيار العيب لأن الاخراج يدخل عليه عيبا ظاهرا حتى لو لم يدخلها كان له أن يرده بخيار العيب والرؤية جميعا

وعن الامام أبي الليث لا يحل للرجل أن يشتغل بالبيع والشراء مالم يحفظ كتاب البيوع وقيل لمحمد ألا تصنف كتابا في الزهد قال حسبكم كتاب البيوع وعلى كل تاجر يحتاط لدينه أن يستصحب فقيها دينا يشاوره في معاملاته فإن ملاك الأمر والدين المأكل والملبس قال الله تعالى في كتابه العزيز كلوا من الطيبات واعملوا صالحا والله سبحانه وتعالى أعلم

نوع في الاستبراء قال صاحب المنبع اعلم أن الاستبراء نوعان نوع هو مندوب إليه ونوع هو واجب أما المندوب إليه فهو استبراء البائع إذا وطئ جاريته وأراد بيعها أو يخرجها عن ملكه بوجه من الوجوه عند عامة العلماء رحمهم الله تعالى وقال مالك استبراء البائع جاريته واجب

رجل رأى امرأة تزني ثم تزوجها له أن يطأها من غير استبراء وقال محمد أحب الي أن لا يطأها حتى يستبرئها ويعلم فراغ رحمها وأما الاستبراء الواجب فكل من ملك جارية ببيع أو هبة أو صدقة أو قسمة أو صلح عن دم عمد أو خلع أو كتابة على جارية أو أعتق عبده على جارية فإنه يجب الاستبراء في هذه المواضع بحيضة بكرا كانت الجارية أو ثيبا ملكها من صغير أو كبير أو عنين

وفي البزازي أنها لو كانت بكرا أو أحاط علم المشتري بأنها لم توطأ لا يلزمه الاستبراء عند ابي يوسف وكذا لو وهب لابنه الصغير جارية ومكثت في ملكه مدة ثم استبرأها الأب لنفسه بالقيمة لا يلزم عند أبي يوسف وعند أبي حنيفة يلزم ولو حاضت قبل القبض عند البائع ثم قبضها المشتري يلزم خلافا لأبي يوسف وقدر بحيضة في ذوات الأقراء وبشهر في حق الآيسة والصغيرة وبوضع الحمل في حق الحامل وقدر الثاني يعني أبا يوسف في ممتدة الطهر بثلاثة أشهر وهو رواية عن الامام رحمه الله تعالى وعن الامام في أخرى بأكثر مدة الحمل وفي رواية عن محمد قدر عدة الوفاة في حق الحرة وفي أخرى قدرها في حق الأمة والعمل اليوم على الأخرى أو على الأخير

ويحرم الوطء والدواعي وعن محمد أنه لا يحرم الدواعي في المسبية كذا في القنية

وفي فتاوي قاضيخان اختلف فيمن أنكر وجوب الاستبراء هل يكفر وقيل يكفر لأنه أنكر اجماع المسلمين وقال عامة المشايخ لا يكفر لأن ظاهر قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم يقتضي إباحة الوطء مطلقا وعرف وجوب الاستبراء بالخبر فلا يكفر جاحده


360

وفي الظهيرية في كتاب الحيل إذا زوجها المشتري عبدا له قبل أن يقبضها ثم قبضها ثم طلقها العبد قبل أن يدخل بها وقبل أن تحيض فللمشتري أن يطأها من غير استبراء قال شمس الأئمة وهذا صحيح وتزويجه إياها قبل القبض صحيح كالإعتاق اه

وفي الولوالجي رجل اشترى جارية واحتال في إسقاط الاستبراء إن كان البائع وطئها ثم باعها قبل أن تحيض لا يحل للمشتري أن يحتال للإسقاط لقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل لرجلين يؤمنان بالله واليوم الآخر أن يجتمعا على امرأة واحدة في طهر واحد وإن باعها البائع بعد أن حاضت عنده وطهرت ولم يقربها في ذلك الطهر يحل له أن يحتال للإسقاط لانعدام هذا النهي ثم الحيلة أن يتزوجها المشتري قبل الشراء إن لم يكن عنده امرأة حرة أو يزوجها البائع غيره ثم يشتريها بعد ذلك وإن كان عنده امرأة أخرى حرة زوجها البائع غيره ثم يشتريها هو بعد ذلك ويقبضها ثم يطلقها الزوج أو يشتريها أولا ثم يزوجها من رجل قبل أن يقبضها ثم يقبضها ثم يطلقها الزوج

وإن خاف البائع أن يتزوجها المشتري ولا يشتريها ولا يطلقها فالحيلة أن يقول البائع زوجتها منك على أن أمرها بيدي في التطليقتين أطلقها متى شئت أو يقول زوجتها منك على أنك إن لم تشترها مني اليوم بكذا فهي طالق ثنتين فقبل المشتري النكاح على ذلك

وكذلك الحيلة إذا خيف على المحلل وقد مر في فصل الطلاق فانظره ثمة

رجل باع أقواما ثم مات وله عليهم ديون ولا وارث له معروف فأخذ السلطان ديونه ثم ظهر وارثه لا يبرأ الغرماء وعليهم أن يؤدوا إليه ثانيا لأنه تبين أنه ليس للسلطان ولاية الأخذ

صاحب الدين إذا ظفر بالدنانير وحقه في الدراهم كان له أن يمد يده ويأخذ الدنانير لأن الدراهم والدنانير جعلا كشيء واحد في حق البياعات ولهذا لو استبدل الذهب بالفضة في خلال الحول لا ينقطع حكم الحول كما لو استبدل الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة اه والله أعلم

الفصل الثامن عشر في الاجارة

اعلم أن الاجارة قد شهد لجوازها الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقوله تعالى فآتوهن أجورهن وقوله تعالى لو شئت لاتخذت عليه أجرا وقوله تعالى في قصة موسى عليه الصلاة السلام على أن تأجرني ثماني حجج وشريعة من قبلنا لازمة علينا إذا قص الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من غير إنكار مالم يقم دليل على انتساخه وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام أعطوا الاجير أجرته قبل أن يجف عرقه ومن استأجر أجيرا فليعلمه أجره وأما الاجماع فقد انعقد كل عصر وكل مصر على صحتها إلا ما حكى عن عبد الرحمن الأصم أنه قال لا يجوز ذلك لأنه غرر يعني يعقد على منافع لم تخلق وهذا لأن القياس يأبى جوازها لأن العقد يرد على المعدوم وهي المنفعة التي توجد في مدة الاجارة والمعدوم ليس بمحل للعقد لأنه ليس بشيء وهذا كله وجه القياس والقياس وإن كان يأبى جوازها لكن القياس في مقابلة النص والاجماع لا يعتبر فجوزناها عملا بالكتاب والسنة والاجماع لحاجة الناس إليها


361

فالفقير محتاج إلى مال الغني والغني محتاج إلى عمل الفقير وحاجة الناس أصل في شرع العقود فشرعت لترتفع الحاجة

ثم الاجارة لها أركان وشرائط أما أركانها فالإيجاب والقبول وذلك بألفاظ دالة عليهما وهو لفظ الاجارة والاستئجار والإكراء والاكتراء وتنعقد بلفظ الماضي ولا تنعقد بلفظين يعبر بأحدهما عن المستقبل نحو أن يقول آجرني فيقول الآخر آجرتك ولو قال أعرتك هذه الدار شهرا بكذا أو قال كل شهر بكذا أو هذا الشهر بكذا تنعقد وفي التتمة تنعقد الاجارة بلفظ الاعارة ولا تنعقد الاعارة بلفظ الاجارة حتى لو قال آجرتك هذه الدار بغير عوض لا تكون اعارة

وفي القنية قال لآخر هذه الدار بدينار في كل سنة هل رضيته فقال نعم ودفع إليه المفتاح فهو اجارة

وفي البزازي الاجارة الطويلة لا تنعقد بالتعاطي لأن الأجرة فيها غير معلومة لأنها تكون في كل سنة دانقا أو أقل أو أكثر واستخرج الاجارة الطويلة الامام محمد بن الفضلى البخاري فقبلها البعض لا البعض وهي على وجهين الأول أن يؤاجر الأرض أو الكرم وفيها زرع فيبيع الأشجار أو الزرع بأصولها ممن أراد الاجارة بثمن معلوم ويسلم ثم يؤاجر الأرض منه مدة معلومة ثلاث سنين أو أكثر غير ثلاثة ايام من كل سنة أو نصفها بمال معلوم على أن يكون أجرة كل سنة من السنين سوى الايام المستثناة كذا وبقية مال الاجارة يجعل بمقابلة السنة الأخيرة ولكل منهما ولاية الفسخ في مدة الخيار والثاني أن يدفع الأشجار والزروع القائمة على الأرض معاملة إلى الذي يريد الاجارة على أن يكون الخارج على مائة سهم للدافع والباقي للعامل ثم يوكل العامل في صرف قسطه إلى ما يريده ثم يؤاجر منه الأرض مدة معلومة على الوجه الذي ذكرناه من غير أن يكون أحد العقدين شرطا في الآخر

وبعض أئمة بخارا أنكروا الأول وقالوا بيع الأشجار والزروع بيع تلجئة لا بيع رغبة حتى لا يملك المستأجر قطع الأشجار وعند فسخ الاجارة ينفسخ البيع بلا فسخ والتلجئة لا تزيل ملك البائع وإن قبض المبيع ولما بقيا على ملكه لم تصح اجارة الأرض وبعض جوزه وقال إنه بيع رغبة لأنهما قصدا به صحة الاجارة ولا طريق إليه الا به ولا ينافي عدم جواز القطع مع كونها ملكا كالمرهون لا يملك الراهن قطع الأشجار وقيل إن باع الزرع والشجر بثمن المثل فبيع رغبة وإلا لا وهذا لا يصح فإن الإنسان قد يبيع ماله عند الحاجة بثمن قليل

رجل قال لآخر بعت منك عبدي بمنافع دارك هذه سنة وقبل فهو اجارة والأجرة تجب بالتمكن من استيفاء المنفعة حتى أن من استأجر دارا مدة معلومة وعطلها مع التمكن من الانتفاع يجب الأجر وإن لم يتمكن بأن منعه المالك أو الأجنبي لا يجب

وفي المنبع إذا غصب الدار غاصب من يد المستأجر سقط الأجر لفوات التمكن إذ هو الفعل المستلزم للمكنة ولا مكنة مع الغصب

قال صاحب الكافي وهل ينفسخ العقد ذكر الفضلى والقاضي فخر الدين في الفتاوى أنه لا تنتقض الاجارة ولكن يسقط الأجر ما دامت في يد الغاصب وفي الهداية إن العقد ينفسخ وإن وجد الغصب في بعض المدة سقط من الأجر بقدره لأن السقوط بقدر المسقط انتهى


362

ثم إعلام المنفعة بطرق ثلاثة إما بيان المدة كاستئجار الدار للسكنى والأرض للزراعة فيصح العقد على مدة معلومة أي مدة كانت طويلة أو قصيرة لأن المنافع تحدث شيئا فشيئا فبمقدارها يصير معلوما ببيان المدة إذا كانت المنفعة لا تتفاوت إلا في الأوقات فإن المدة لا تزيد على ثلاث سنين في الصحيح كما تقدم في فصل الوقف

وأما الإقطاع فهل قال أحد من العلماء بجواز إجارته أم لا قلت وقد وقفت على عدة مصنفات في ذلك لبعض علمائنا المتأخرين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين منهم شيخ الاسلام برهان الدين ابراهيم بن عبد الحق وسيدنا الشيخ الامام العلامة شمس الدين القونوي وشيخنا شيخ الاسلام والمسلمين سعد الدين الديري والشيخ العلامة الحافظ زين الدين قاسم بن قطلو بغا الجمالي متع الله بحياته فاستفدنا منها فوائد جمة منها القول بجواز إجارة الاقطاع وقد أطنبوا الكلام في ذلك وسلكوا فيه أحسن المسالك وقد سئل شيخنا شيخ الاسلام سعد الدين الديري المشار إليه فيمن آجر إقطاعه سنين ثم أخرج الامام الأعظم الإقطاع عنه لغيره قبل مضي المدة فقال نعم يجوز للجندي أن يؤجر إقطاعه حيث كان يتضمن إقطاعه له ملك المنفعة والتصرف فيه في العرف العام بما يراه وليس هذا نظير المستعير وتكون الاجارة من المقطع صحيحة لازمة حيث كانت مشتملة على شروطها شرعا ولا تنفسخ بالموت ولا بإقطاعه غيره فإن الامام جعله كالوكيل عنه في ذلك وتبقى بالمسمى الذي وجد فيه شرط اللزوم ويشهد لذلك قواعد علمائنا رضي الله تعالى عنهم والحالة هذه والله أعلم

وصورة السؤال الذي سئل عنه شيخ الاسلام برهان الدين بن عبد الحق سأله قوم عن إجارة الجندي ما أقطعه الامام له من المزارع والقرى والعقارات هل يصح إيجاره ذلك ويكون عقد الاجارة فيه صحيحا لازما إذا سمى فيه ما يتوقف فيه صحة الاجارة على التسمية أو غير صحيح ولا لازم وكذلك عقد المساقاة الصادر فيه وطلبوا بيان الحكم في ذلك على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وهل الحكم في هذه المسألة منصوص عليه عندهم أو لا وذكروا أن الضرورة داعية إلى معرفة الجواب في ذلك تنصيصا أو قياسا على نظيرها من أصول المسائل فقال أما تنصيص الاصحاب على الحكم في ذلك فلم أقف عليه بعد ما تطلبته مدة ولم أعلم له في عينها نصابا بالجواز ولا بضده ولكن قياس قولهم في نظيرها يقتضي القول بجوازها ولزومها

أما النظير الأول فقد نص أصحابنا على أن من صولح على خدمة عبد سنة كان للمصالح أن يؤاجره ومعلوم أن المصالحة إنما ملك المنفعة دون الرقبة في مقابلة ما صولح عليه من حقه الذي يدعيه وإن كان المصالح ينكر ذلك ويزعم أنه لاحق له فالمنفعة المملوكة بالصلح ملكت بمقابلة عوض في زعم المدعي وبغير مقابلة عوض في زعم المدعي عليه فكان فيه شائبة العوضية فصارت المنفعة المصالح عليها مالا نظرا إلى زعم أحدهما وهو المدعي وغير مال نظرا إلى زعم المدعي عليه بعقد الاجارة فوجب جواز مثله في الاقطاع وذلك لأن منافع الاقطاع ملكها الجند لاحتباسهم أنفسهم واستعدادهم لما يعرض للمسلمين من المصالح يندبهم الامام للقيام بها من قتال أعداء الاسلام وردع المفسدين وقمع الخارجين وصون الأموال والأنفس عن التعرض إليها بغير حق فرقبة الاقطاع باقية على ملك بيت المال ومنافعه مملوكه لهم عوضا عما حبسوا أنفسهم له فملكوا تمليكها بعقد الاجارة بل أولى فإن المجوز لتمليك المنافع المملوكة بعقد الاجارة من حيث هي كونها ملكت بعوض وملك المنفعة في مسألة الصلح بعوض إنما هو في زعم المتملك لا في زعم


363

المملك أما في مسألة الاقطاع فالمنافع ملكت بعوض في زعم المملك وهو الامام وفي زعم المتملك وهم الأجناد فيكون معنى العوض في تمليكها آكد فكان تمليكها بعقد الاجارة أقوى في الجواز

وأما النظير الثاني وهو أن المستأجر يملك إجارة ما استأجره وإن كان لا يملك منه الا المنفعة فقط دون الرقبة لكن لما ملكها بعوض ملك أن يملكها بعوض أيضا وهو الأجرة فكذلك ما أقطعه الجندي لما ملك منفعة الاقطاع بمقابلة استعداده لما أعد له كان مالكا للمنفعة بعوض فملك تمليكها بعوض وهو عقد الاجارة أيضا

وأما النظير الثالث فهو ما ذكره صاحب المحيط فيما إذا وقف وقفا على أن غلته لفلان كان على الصحيح لفلان أو يؤاجره وذلك لأن المستحق له غلة الوقف والغلة مال فيصح اجارة الاقطاع قياسا عليه

وأما النظير الرابع فالعبد الماذون له في التجارة يملك أن يؤاجر من مال التجارة ما يجوز له فيه عقد الاجارة فوجب أن يجوز مثل ذلك في الاقطاع من الجندي

وأما النظير الخامس فأم الولد يجوز للسيد أن يؤاجرها مع أنه لا يملك منها سوى منفعتها عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى قال القدوري رحمه الله تعالى في باب ما يحرم بيعه في غصب أم الولد وأما أم الولد فلا تضمن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى بالغصب لأن المولى لا يملك منها الا المنفعة ألا ترى أنها لا تسعى بعد الموت للورثة ولا للغرماء وغصب المنفعة لا يتعلق به ضمان فإذا كان المولى يملك إيجارها وهو لا يملك رقبتها وإنما ملك منفعتها وجب أن يكون كذلك المقطع لأنه لا يملك الرقبة وإنما يملك المنفعة فقط

وأما النظير السادس فهو إنما أقطع الجندي من القرى والمزارع في الممالك الاسلامية لينتفع بها ولا يمكن ذلك إلا بالكراب والزراعة وغير ذلك من الكلف ومباشرة أعمال الفلاحة من سقي ما يسقي وحصاده ودياسه وما أشبه ذلك من الأمور التي يتوقف استغلال تلك الأراضي عليها وذلك لا يحصل إلا بالمزارعة أو بالاجارة لمن يقوم بهذه الأعمال فإن جند لو أمروا بذلك لصاروا فلاحين وتعطل المعنى المطلوب منهم من الاستعداد والقيام بما أعدوا له من مصالح المسلمين ومنعهم من الاستعداد للقيام لردع الأعداء عنهم

والأصل في الاقطاع من الامام أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقطع وعن الصحابة رضي الله عنهم أنهم أقطعوا قال أنس ابن مالك رضي الله عنه دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ليقطع لهم بالبحرين الحديث وعن علقمة بن وائل الحضرمي يحدث عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا لا أعلم أنه قال إلا بحضرموت وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير فأجرى فرسه حتى قام ثم رمى سوطه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطوه حيث بلغ السوط وغير ذلك من الأحاديث والآثار التي يطول ذكرها هذا ما دلت عليه مسائل أصحابنا

وأما غير علمائنا فذكر ابن أبي موسى الهاشمي في رؤوس المسائل ما يدل على أن قول الحنابلة كقولنا فقال يجوز اجارة المنافع المستحقة بالوصية فنقول متى جاز ذلك جاز اجارة الاقطاع قياسا عليه اه وأما التصريح عن الشافعية ففي فتاوي الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى قال مسألة إذا أقطع السلطان جنديا أرضا فهل يجوز له اجارتها الجواب نعم يجوز له لأنه مستحق لمنفعتها ولا يمنع من ذلك كونها معرضة لأن يستردها منه بموته أو غيره كما يجوز للزوجة أن تؤاجر الأرض التي في صداقها قبل


364

الدخول وإن كانت معرضة لأن تسترد منها بانفساخ النكاح وقد اقتصرت على هذا القدر في هذا الباب إذ لو كتبت جميع ما في مصنفات المشار إليهم لضاق عنه الكتاب

ثم جئنا إلى ما كنا فيه من إعلام المنفعة بطرق ثلاثة وقد ذكرنا الطريق الأول وهو بيان المدة على ما فصلناه قبيله فلا فائدة في تكراره وأما بيان العمل بأن يبين محل العمل كمن استأجر رجلا على صبغ ثوبه أو خياطته أو استأجر دابة ليحمل عليها مقدارا معلوما أو يركبها مسافة سماها لأنه إذا بين الثوب ولون الصبغ وقدر ما يصبغ به إذا كان ممن يختلف وجنس الخياطة وقدر المحمول وجنسه والمسافة صارت المنفعة معلومة بتسمية ذلك فيصح العقد وأما بالاشادة كمن استأجر رجلا لينقل له هذا الطعام إلى موضع معلوم لأنه إذا أراه ما ينقله والموضع الذي يحمل إليه تصير المنفعة معلومة فتصح ثم ما صلح أن يكون ثمنا في البيع كالنقود والمكيل والموزون صلح أن يكون أجرة في الاجارة لأن الاجارة بيع المنفعة والأجر ثمن المنفعة بثمن المبيع ومالا يصلح ثمنا لا يصلح أجرة أيضا كالأعيان مثل العبيد والثياب لأن الأجرة عوض مالي فكل ما صلح عوضا صلح أجرة كذا في المنع

وفيه أيضا إذا استأجر ارضا للزراعة يشترط أحد شيئين إما تعيين المزروع أو تعميم المزروع بأن يقول يزرع ما شاء لأن الأرض تارة تستأجر للزراعة وتارة للبناء والغرس وغيرهما وما يزرع فيها متفاوت فقد تستأجر لزراعة البر أو الشعير أو الذرة أو الأرز وغيرها وبعضها يضر بالأرض فما لم يبين شيئا من ذلك لا يصير المعقود عليه معلوما وإعلام المعقود عليه شرط جواز العقد إلا أن يقول على أن يزرع فيها ما شاء لأن الجهالة ارتفعت بتفويض الخيرة إليه ويدخل الشرب والطريق في الاجارة تبعا للأرض وإن لم يشترطهما بخلاف ما إذا اشترى الأرض فإن الشرب والطريق لم يدخلا بلا ذكر لأن المقصود من الاجارة الانتفاع حتى لا يصح اجارة مالا يمكن الانتفاع به في الحال كاجارة المهر للركوب وغير ذلك

وفي الذخيرة استأجر أرضا ولم يذكر أنه يزرعها فالإجارة فاسدة لجهالة المعقود عليه لأن الأرض تصلح للزراعة والغرس والبناء ولا رجحان للبعض على البعض فما لم يبين لا يصير المعقود عليه معلوما وكذلك إذا ذكر أنه يزرعها إلا أنه لم يذكر أي شيء يزرعها فالاجارة فاسدة لجهالة المعقود عليه

وفي البزازي رجل استأجر دواب إلى سمرقند من خوارزم يكفي لوجوب الأجرة تسليم الدواب ولا يؤمر رب الدواب بإرسال الغلام معها وذكر محمد أنه يؤمر بإرسال الغلام معها وذكر مولانا شيخ الاسلام أنه يخير ولا يجبر

استأجر رجلا ليحمل له غلة من مطمورة عينها فذهب فلم يجده ورجع قسم الأجر المسمى على ذهابه وحمله ورجوعه ولزمه أجر الذهاب لأن الذهاب كان له وإن كان لم يسم المطمورة لا يتجاوز عن قسط المسمى للذهاب وله أجر المثل قال للخياط استأجرتك لتخيط هذا الثوب فخاطه غلامه استحق الأجر وإن قال بيد نفسك لا يستحق

استأجر رجلا ليحفر عشرة في عشرة فحفر خمسا في خمس له ربع الأجر لأن الأولى مائة ذراع والمحظور خمس وعشرون ذراعا رب الدار امتنع عن تفريغ بيت الخلاء لا يجبر لكن للساكن أن يفسخ للخلل في الانتفاع وكذا لا يجبر على إصلاح الميزاب وتطيين السطح


365

استأجر دارا فيها بئر ماء أن يسقي منها لأن له الاستقاء قبلها فكذا بعدها وإن اختل ماء البئر ليس على احدهما إصلاحها

وعن محمد رحمه الله تعالى أنه لو استأجر دابة ليركبها مدة وانقضت المدة وأمسكها في منزله ولم يجيء مالكها ليأخذها حتى تلفت الدابة عنده لا ضمان على المستأجر لأنه لا يجب على المستأجر الرد ومع ذلك لو ساقها للرد الى مالكها فضاعت لا يضمن وإن استأجرها ليركبها في المصر فذهب المالك الى مصر آخر فأخرجها المستأجر اليه وهلكت في الطريق ضمن لصيرورته غاصبا بالإخراج

وفي المنتقى رجل اكترى دارا سنة بألف فلما مضت قال ربها إن فرغتها اليوم وإلا عليك ألف كل يوم والمستأجر مقر أن الدار له ولم يفرغ لزمه قال هشام قلت لمحمد هلا يجعل له أجر مثلها الى أن يتمكن من التفريغ وبعد التمكين عليه ما قاله المؤجر قال هذا حسن

وفي الولولجي ولو آجر داره إجارة مضافة بأن يقول آجرتك داري هذه شهر شوال وهما في رمضان ثم باعه من آخر فالبيع موقوف على إجازة المستأجر ولو دخل شوال فله أن يسكن الدار لأن العقد منعقد وإن كان لا يجب عليه تسليم الدار مالم يجيء ذلك الوقت

وذكر في بعض المواضع أنه إذا آجر داره إجارة مضافة مثلا في صفر وهو بعد محرم فباع قبل مجيء ذلك الوقت فعن محمد رحمه الله تعالى روايتان والفتوى على أنه ينعقد وتبطل الإجارة المضافة هذا هو الظاهر لأن له ولاية الفسخ والبيع دلالة الفسخ

وفي البزاري آجره داره إجارة مضافة بأن قال في شهر ربيع الأول آجرتكها رجب فباعها في جمادى الأولى ذكر شمس الأئمة الحلواني أن البيع لا ينفذ في رواية عن محمد لأن حق المستأجر إن لم يثبت فحق أن يثبت وبه يلوح كلام السرخسي حيث قال الأصح أن الإجارة المضافة لازمة وفي رواية ينفذ لأنه لاحق للمستأجر حالا وتبطل الإجارة قلت وبه يفتى والله أعلم

فائدة اعلم أن جملة ما يصح مضافا أربعة عشر الإجارة وفسخها والمزارعة والمعاملة والمضاربة والوكالة والكفالة والإيصاء والوصية والقضاء والإمارة والطلاق والعتاق والوقف ومالا يصح مضافا عشرة البيع وإجارة المبيع وفسخه والقسمة والشركة والهبة والنكاح والرجعة والصلح عن مال والإبراء عن الدين

وفي العمادى ولو أقر بالدار المستأجرة لغيره فإن إقراره يصح في حق نفسه ولا يصح في حق المستأجر فإذا مضت المدة يقضي بها للمقر له

وفي القنية أجرة المؤدب والختان في مال الصبي إذا كان له مال وإلا فعلى أبيه وأجرة القابلة على من دعاها من أحد الزوجين ولا يجبر الزوج على استئجار القابلة لأنها كالطبيب ولا يجب أجر الطبيب عليه

وأجرة سجان سجن القاضي لا يجب على المحبوس وقيل في زماننا أجرة السجان تجب على رب الدين لأنه يعمل له وقال برهان الدين صاحب المحيط رحمه الله تعالى على المدعي عليه لأن الحبس عقوبة استحقها لمنعه حق غيره من دفعه والعقوبة لا يستحقها الا الجاني المتمرد

وذكر القاضي بديع الدين أن أجرة المسجل على المدعي وقال برهان الدين صاحب المحيط على


366

المدعي عليه وقال قاضيخان على من استأجره وإلا فعلى من أخذ السجل ويجوز للمفتي أخذ الأجرة على كتابة الجواب بقدره وقد تقدم الكلام على ذلك في الفصل الأول من هذا الكتاب فانظره ثمة

وفي الوقاية ولا تصح الإجارة على الأذان والإمامة والحج وتعليم القرآن والفقه والغناء والنوح والملاهي وعسب التيس ويفتي اليوم بصحتها لتعليم القرآن والفقه ويجبر المستأجر على دفع ما قيل له ويحبس به وعلى الحلوة المرسومة قلت وهي بفتح الحاء غير المعجمة هدية تهدي الى المعلمين على رؤوس بعض سور القرآن سميت بها لأن العادة إهداء الحلوى وهي لغة يستعملها أهل ما وراء النهر

وفي البزازي رجل آجر نصف داره والدار تحتمل القسمة أولا أو قال آجرتك نصيبي منها ولم يعلم نصيبه لا يصح ولو سكن يجب أجر المثل وقالا لا يجوز ولو كان من شريكه جازت إجماعا

وإجارة البناء بدون الأرض لا تجوز لأنه في معنى إجارة المشاع وبه قال أبو نصر رحمه الله فأورد عليه جواز إجارة الفسطاط فلم يكن له الفرق

واختار الامام البخاري الخوارزمي رحمه الله أنه إذا كان البناء مرتفعا كالجدران مع السقف يفتي بجواز إجارة البناء وإلا لا وعن محمد رحمه الله تعالى جوازه فإنه قال من استأجر أرضا فبنى فيها بناء ثم آجرها منه صاحبها استوجب من الأجر حصة البناء فلولا جواز إجارة البناء لما استحق الأجر وقاسه على الفسطاط قال الامام أبو علي رحمه الله وبه كان يفتي مشايخنا

ولو كان البناء ملكا والعرصة وقف وآجر المتولي باذن مالك البناء فالأجر ينقسم على البناء والعرصة

له بناء في أرض الغير فآجر البناء لا من صاحب الأرض الفتوى على أنه لا يجوز ذكره الحلواني ولو آجر البناء من مالك الأرض جاز وقوفا ولو آجر العرصة لا البناء جازت

وذكر ابن وهبان في شرح المنظومة لو آجر بناء مكة زادها الله تعالى شرفا ينبغي أن يجوز ويدل على ذلك ما ذكره صاحب الذخيرة عن المبسوط قال روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال أكره إجارة البيوت مكة في أيام الموسم قال وهكذا روى هشام عن محمد عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى وكان يقول ينزل عليهم في دورهم لقوله تعالى سواء العاكف فيه والباد

قال في الذخيرة ثم هذه المسألة دليل على جواز إجارة البناء دون الأرض لأن الإجارة هنا لا ترد على الأرض عند أبي حنيفة كالبيع وإنما ترد على البناء وإنما رخص فيها في أيام الموسم ومما يدل على ذلك أيضا قول صاحب الهداية في الاستدلال على مذهب الامام في عدم جواز بيع ارض مكة قال ما نصه استدل أبو حنيفة رحمه الله تعالى بقوله صلى الله عليه السلام مكة حرام لا يباع رباعها ولا يورث ولأنها حرة محترمة لأنها فناء الكعبة وقد ظهر التعظيم فيها حتى لا ينفر صيدها ولا يختلي خلاها ولا يعضد شوكها فكذلك في حق البيع بخلاف البناء لأنه خالص ملك الباني واستدل لهما بأنها مملوكة لهم لظهور الاختصاص الشرعي بها فصار كالبناء وفي خزانة الأكمل لو آجر أرض مكة لا يجوز لأن رقبة الأرض غير مملوكة اه ومفهومه ما يدل على جواز إجارة البناء والله سبحانه أعلم وطريق جواز إجارة المشاع أن يلحق القضاء أو يؤاجر الكل ثم يفسخ في البعض

ومسائل الشيوع سبع البيع والإجارة والإعارة وأنها جائزة والوقف وهبته فيما لا يحتمل القسمة جائزة وفيما يحتمل لا يجوز ولو كان من شريكه أو من أجنبي والصدقة كالهبة في رواية الأصل


367

وفي الجامع الصغير جواز الصدقة وفي الشائع لا يجوز عند محمد ورهن المشاع لا يجوز مطلقا وفي الطارئ روايتان

وفي الولوالجي رجل استأجر ليزرعها فزرعها فأصاب الزرع آفة فهلك أو غرق فلم ينبت فعليه الاجر تاما لانه قد زرع ولو غرقت قبل أن يزرع فلا اجر عليه لانه لم يتمكن من الانتفاع بها قال صاحب المحيط والفتوى على أنه إذا بقي بعد هلاك الزرع مدة لا يتمكن من إعادة الزراعة لا يجب الأجر على المستأجر وإلا يجب إذا تمكن من زراعته مثل الأول أو دونه في الضرر وكذا لو منعه غاصب كما مر

استأجر أرضا للزراعة فزرعها وكانت تسقى بالمطر فلم تمطر إن لم يجد الماء للسقي فيبس الزرع سقط الأجر استأجرها بشربها أو لا كما لو استأجر الرحى فانقطع الماء وكذا لو خرب النهر الأعظم ولم يقدر على سقيها كذا اختاره الفقيه أبو الليث

وفي المنبع ولو انقطع ماء الرحى والبيت مما ينتفع به لغير الطحن فعليه من الأجر بحصته ولو نقص الماء عن الرحى فإن كان النقصان فاحشا فللمستأجر حق الفسخ وإن كان غير فاحش فليس له الفسخ

قال القدوري في شرحه إذا صار يطحن أقل من نصف ما طحنه فهو فاحش

استأجرها للزراعة فقل ماؤها أو انقطع له أن يخاصم حتى يفسخ القاضي العقد وبعد ما يفسخ يترك القاضي الأرض في يده بأجر المثل الى أن يدرك الزرع فإن سقي زرعه كان ذلك رضاء ولم تنتقض الإجارة قلت وكانت واقعة الفتوى بالقاهرة وصورتها رجل استأجر حماما يجري اليها الماء من عين فانقطع الماء عن الحمام لتعطيل العين فهل يستحق المستأجر أجرة مدة انقطاع الماء وتعطيل العين أم لا فأجاب جدي شيخ مشايخ الإسلام محب الدين متع الله تعالى بحياته الكريمة انقطاع ماء الحمام عيب تنفسخ به الإجارة وقيل لا تنفسخ فإن أزالة المؤاجر سقط خيار المستأجر وإلا فلا ولا تلزمه الأجرة في مدته إلا أن يستوفي المنفعة مع العين والله سبحانه وتعالى أعلم

منها واقعة الفتوى أيضا رجل استأجر جهات وقف من ناظر شرعي وعمر فيها ولم يكن الناظر أذن له في شيء من ذلك فهل تلزم العمارة جهة الوقف حيث لم يأذن الناظر له في ذلك أم لا وهل للناظر الرجوع بذلك على المستأجر المذكور وما الحكم في ذلك فأفتى سيدي الجد شيخ مشايخ الإسلام المشار اليه بأن العمارة المذكورة لا تلزم جهة الوقف والناظر مخير بين أن يتملكها لجهة الوقف بقيمتها مقلوعة أو يكلف المستأجر قلعها وتسوية الوقف فيفعل الأنفع للوقف والله أعلم

استأجر حماما في قرية فوقع الجلاء ونفر الناس سقط الأجر وإن نفر بعض الناس لا يسقط

آجر داره إجارة طويلة وهو مديون وطلب الدائن من القاضي أن يجبره على بيع الدار وقيمة الدار مستغرقة لمال الإجارة ليس للقاضي أن يجبره على ذلك وبه أفتى القاضي بديع الدين وصاحب المحيط والدرهم دين فادح يفسخ له الإجارة وقيل منه لا

وفي الولوالجي آجره داره من رجل ثم أراد أن ينقض الإجارة ويبيع الدار لنفقته ونفقة أهله وعياله لكونه معسرا له ذلك كما إذا كان عليه دين فادح له أن ينقض الإجارة قال البزازي وإن كذبه المستأجر في إقراره بالدين يجوز إقراره عند الامام خلافا لهما


368

وعن صاحب المحيط الطريق في فسخ الإجارة لأجل الدين أن يبيع الدار المستأجرة أولا لرب الدين ثم المشتري يطلب تسليم الدار فيقول المؤاجر التسليم غير واجب علي لأنها في إجارة فلان بن فلان فيحكم القاضي بصحة البيع وتنفسخ الإجارة ضمنا

وفي القنية ماطل المستأجر في أداء الغلة فأخذ المؤاجر منه المفتاح فبقيت الدار مغلقة شهرا لا يسقط الأجر لأنه كان متمكنا من الانتفاع بواسطة أداء الغلة

استأجر حانوتا ليتجر فيه في السوق ثم كسد السوق حتى لا يمكنه التجارة فله فسخ الإجارة لأنه عذر وقيل لا

وفي المنبع رجل استأجر حانوتا ليتجر فيه فافتقر فهذا عذر وله أن ينقض به الإجارة وكذا لو استأجر دابة ليسافر عليها ثم بدا للمستأجر أن لا يسافر فإنه عذر وأما إذا بدا للمكاري فليس بعذر لأنه يمكنه أن يبعث دوابه على يد غيره أو أجيره

وإن مرض المؤاجر فقعد فليس بعذر أيضا على رواية الأصل لأنه يمكنه أن يبعث رسولا يتبع الدابة وروى الكرخي أنه عذر

وفي البزازي قال المستأجر أريد السفر وكذبه المؤاجر حلف المستأجر على أنه عزم على السفر ذكره الكرخي والقدوري

والانتقال من البلدة عذر إلا أن الخروج يحتمل أن يكون حيلة للتوصل الى الفسخ فيحلف

وإن وجد منزلا أرخص منه أجرا أو اشترى منزلا فأراد التحول اليه لا يكون عذرا بخلاف ما إذا تكارى إبلا الى مكة ثم اشترى إبلا له الفسخ والفرق أن إكراء الدار يمكن لا إكراء الدابة لأنها تختلف باختلاف الساكن والركوب يختلف باختلاف الراكب بخلاف ما إذا تكارى إبلا إلى مكة ثم بدا له أن يسافر على البغل لا يكون عذرا

وفي الذخيرة لو أظهر المستأجر في الدار الشر والفتنة كشرب الخمر وأكل الربا والزنى واللواطة وإيذاء الجيران يؤمر بالمعروف وليس للمؤاجر ولا لجيرانه أن يخرجوه من الدار بذلك ولا يصير عذرا في فسخ الإجارة ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة وفي الجواهر إن رأى السلطان بأن يخرجه فعل وقال ابن حبيب المالكي لو أظهر الفسق في دار نفسه ولم يمتنع بالأمر بالمعروف ويقول داري أنا آتي فيها ما شئت تباع عليه داره

وفي الولوالجي رجل استأجر حانوت وقف من المتولي بأجرة معلومة ثم مات المتولي قبل انقضاء المدة لا تنفسخ الإجارة لأن المتولي نائب عن المستحقين وبموت المتولي لا يفسد العقد كالقاضي لا ينعزل بموت السلطان لأنه نائب عن العامة وقد مر في فصل القضاء وبموت الموكل تنفسخ الإجارة لأن الإجارة تنعقد ساعة فساعة قال البزازي وبموت الوكيل لا تنفسخ الإجارة وقال العمادي ينبغي أن تنفسخ لأن من عقد له الإجارة باق وهو الموكل

متولي الأوقاف إذا آجر الوقف بدون أجر المثل يلزمه تمام ذلك عند بعض علمائنا وكذا الأب ذا آجر منزل ابنه الصغير لدون أجر المثل يلزم المستأجر تمام أجر المثل


369

وفي شرح منظومة ابن وهبان لو آجر دار لطفل أو أرضه أو حانوته أبوه أو وصيه أو جده ثم بلغ الطفل فإنه لا يملك فسخ الإجارة ولو كان أبو الطفل أو وصيه أو جده آجر الطفل نفسه لرجل فبلغ الطفل فإنه يتخير إن شاء فسخ الإجارة وإن شاء استمر بها

متولي الوقف إذا آجر أرض الوقف بأجرة مثله يجوز فإن زاد أجر مثلها بتغير سعرها فإنه يفسخ ذلك العقد ويحتاج الى تجديد العقد ثانيا وفيما مضى من المدة يجب المسمى بقدره وبعد ذلك يجدد العقد على أجرة معلومة كما زادت كذا في الولوالجي قلت وفي أدب القاضي للسروجي ما يخالف ذلك فإنه قال ليس له فسخ الإجارة لأن أجرة المثل إنما تعتبر حالة العقد وفي النوادر ليس له فسخ الإجارة إذا كانت الأجرة أجرة المثل حال العقد وإن ازدادت بذرة اه

وفي الولوالجي رجل استأجر بعيرا الى مكة فهذا على الذهاب دون المجيء ولو استعار بعيرا فهو على الذهاب والمجيء جميعا لأن في الإجارة مؤنة الرد على الأجير دون المستأجر وفي العارية على المستعير

قال وحمل البعير مائتان وأربعون منا لأن العلماء تكلموا في معرفة الصاع قالوا ثمانية أرطال والدليل عليه أن الوسق حمل بعيرة في كلام العرب وحمل البعير مائتان وأربعون منا والوسق ستون صاعا قلت والصاع ثمانية أرطال برطل العراق وهو بالحلبي نحو رطل وأربع أواق فحينئذ يكون حمل البعير تقريبا ثلاثمائة وستين رطلا بالحلبي والله أعلم

الفصل التاسع عشر في الهبة

وتنعقد الهبة بالايجاب والقبول لأنها عقد فتفتقر الى الايجاب والقبول كسائر العقود وفي البدائع ركن الهبة الايجاب من الواهب فأما القبول من الموهوب له فليس بركن استحسانا والقياس أن يكون ركنا وبه قال زفر رحمه الله تعالى وتتم بالقبض الكامل فالقبض الكامل في المنقول ما يناسبه وفي العقار ما يناسبه فقبض مفتاح الدار قبض لها والقبض الكامل فيا يحتمل القسمة يكون بالقسمة حتى يقع القبض على الموهوب بطريق الأصالة من غير أن يكون القبض بتبعية قبض الكل وفيما لا يحتمل القسمة بتبعية الكل

وفي المنبع إذا قبض الموهوب له في مجلس عقد الهبة بغير اذن الواهب جاز استحسانا وإن قبض بعد الافتراق لم يجز إلا أن يأذن له الواهب في القبض وهو القياس في الأول لأن القبض تصرف في ملك الواهب والتصرف في ملك الغير لا يجوز الا باذنه

ومن شرائط الهبة الافراز فلم تصح في مشاع يحتمل القسمة وصحت فيما لا يحتملها

وهب دارا من رجلين لم يجز عندهما خلافا لمحمد ولو قال وهبت الدار ثلثيها لهذا وثلثها لهذا لا يجوز عند أبى حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وعند محمد رحمه الله تعالى يجوز والصدقة على فقيرين على هذا القياس

رجل قال لآخر وهبت حصتي من هذا العبد لك والموهوب له لا يعلم حكم حصته تصح الهبة

وهب البناء لا الأرض يجوز والشيوع الطارئ فيها لا يبطلها بخلاف الرهن إلا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله تعالى


370

وهب نصيبه مما يقسم كالدار والأرض والمكيل والموزون من غير شريكه لا يجوز عند الكل وإن كان من شريكه لا يجوز عندنا خلافا لابن أبي ليلى

وهب نصف عبده من رجل أو ثلثه وسلمه اليه يجوز لأنه يجوز فيما لا يحتمل القسمة وكذا لو هب عبده من رجلين أو رجلان عبدا لهما

ومن أراد أن يهب نصف داره مشاعا يبيع منه نصف الدار بثمن معلوم ثم يبرئه عن الثمن

وهب أرضا فيها زرع أو نخيل أو نخلا عليه ثمر أو وهب الزرع بدون الأرض أو النخل بلا أرض أو نخلا بدون الثمر لا يجوز لأن الموهوب متصل بغيره اتصال خلقة مع إمكان القلع فقبض أحدهما غير ممكن فيما له الاتصال فيكون بمنزلة المشاع الذي يحتمل القسمة

والهبة الفاسدة مضمونة بالقبض كذا في البزازي اه

ثم اعلم أن جميع مسائل الشيوع سبعة أقسام بيع الشائع وإجارة الشائع وإعارة الشائع ورهن الشائع وهبة الشائع وصدقة الشائع ووقف الشائع فقد جمعت لك أيها الطالب هذه الأقسام هنا إعانة لك على الاستحضار لتعرف أحكامها في أبوابها بالتأمل إن شاء الله تعالى وقد تقدم الكلام على غالب هذه الأقسام في فصل الإجارات من مجموعنا هذا فانظره ثمة

وفي الملتقطات رجل له دار فيها أمتعة فوهب الدار لرجل لا يجوز لأن الموهوب مشغول بما ليس بموهوب فلا يصح التسليم ولو وهبت المرأة دارها من زوجها وهي ساكنة فيها بأمتعتها صح لأن المرأة وما في يدها في الدار في يد زوجها فكانت الدار مشغولة بالزوج وعياله فلا يمنع من صحة قبضه

رجل قال لامرأته قولي وهبت المهر منك فقالت وهبت وهي لا تعلم العربية لا يصح بخلاف الطلاق والعتاق لأن الرضا شرط جواز الهبة لا شرط وقوع الطلاق والعتاق ولهذا لو أكره على الهبة فوهب لا تصح وقال الفقيه أبو الليث لا يقعان أيضا إذا عرف بالجهل

رجل قال لآخر هب لي هذا الشيء على وجه المزاح فقال وهبت فقبله وسلمه جاز

وفي الولوالجي رجل قال جميع ما أملكه لفلان فهذا هبة حتى لا يجوز بدون القبض فرق بين هذا وبين ما إذا قال جميع ما يعرف بي أو ينسب إلي لفلان حيث يكون إقرارا والفرق أن في المسألة الأولى لما قال جميع ما أملكه فهذا للملك القائم حقيقة والملك القائم له لا يصير لغيره الا بالتمليك فيكون هبة وفي المسألة الثانية قال جميع ما يعرف بي أو ينسب إلي وما يعرف به أو بنسب اليه يجوز أن يكون ملك غيره فيكون إقرارا

وفي البزازي رجل قال لآخر وهبت منك هذا العين فقبضه الموهوب له بحضرة الواهب ولم يقل قبلت صح ولو لم يقبض ذلك لكنه قال قبضت فإن الموهوب له يصير قابضا عند محمد رحمه الله تعالى خلافا لأبي يوسف رحمه الله تعالى

وفي العمادي هبة الدين من غير من عليه الدين لا تصح الا إذا وهبه وإذن له في القبض فقبضه جاز وذكر في العدة وإن لم يأمره بالقبض لا يجوز والبنت لو وهبت مهرها من أبيها أو المرأة وهبت مهرها


371

الذي على زوجها لابنها الصغير من هذا الزوج إن أمرته بالقبض صحت وإلا لا لأنه هبة الدين من غير من عليه الدين وبيع الدين من غير من عليه لا يجوز ولو باعه من المديون أو وهبه جاز اه

وهب دارا فيها متاع الواهب ثم وهب المتاع بعد ذلك إن وهب الدار ولم يسلمها حتى وهب المتاع وسلمها اليه جملة جاز وإن وهبها وسلمها ثم وهب المتاع لم يجز

وهب الرجل ثيابا في صندوق وسلمها مع الصندوق فليس بقبض تصدق على ابن صغير له بدار وله فيها متاع وهو ساكنها بعياله أو فيها ساكن بلا أجر ولم يفرغها جازت الصدقة وإن كان فيها ساكن بأجر لم تجز الصدقة

وهب لابنه الصغير دارا وفيها متاع الواهب أو تصدف لابنه الصغير بدار وفيها متاع الأب أو الأب ساكنها يجوز وعليه الفتوى

غرس لابنه الصغير كرما إن قال جعلته له يكون هبة وإن قال جعلته باسمه لا ولو قال اغرس باسم ابني أمره متردد والى الصحة أقرب وهبته من ابنه الصغير تتم بلفظ واحد ويكون الابن قابضا بكونه في يده أو في يد مودعه أو مستعيره لا بكونه في يد غاصبه أو مرتهنه أو المشتري منه شراء فاسدا وهذا إذا أعلمه واشهد عليه الإشهاد للتحرز عن الجحود بعد موته والإعلام لازم لأنه بمنزلة القبض وإن كان بالغا يشترط قبضه ولو كان في عياله

والوصي كالأب والأم كذلك لو كان صغيرا في عيالهما إن وهب له تملك الأم بالقبض وهذا إذا لم يكن للصبي أب ولا جد ولا وصيهما ولا وصي من قبل القاضي وذكر الصدر إن عدم الأب فقبض الأم ليس بشرط

وذكر في الأصل الرجل إذا زوج ابنته الصغيرة من رجل فزوجها بملك قبض الهبة لها ولا يجوز قبض الزوج قبل الزفاف وبعد البلوغ وفي التجريد قبض الزوج يجوز إذا لم يكن الأب حيا فلو أن الأب أو وصيه والجد أو وصيه غاب غيبة منقطعة جاز قبض الذي يتولاه ولا يجوز قبض غير هؤلاء الأربعة مع وجود واحد منهم سواء كان الصغير في عياله أو لا وسواء كان ذا رحم محرم أو أجنبيا وإن لم يكن واحد من هؤلاء الأربعة جاز قبض من كان الصبي في حجره ولم يجز قبض من لم يكن في عياله فإنه ذكر في الأصل من عال يتيما وهو ليس بوصي ولا بينهما قرابة وليس لهذا الصبي أحد سواه جاز قبض ما وهب له استحسانا

ولو أراد أجنبي النزع منه فليس له ذلك ويسلمه في تعليم الأعمال ولا فرق بين أن يعقل الصبي أولا وكذا لو كان في عيال الأخ والعم وإن قبضه الصبي وهو يعقل جاز وإن كان أبوه حيا

نوع الأفضل في هبة الابن والبنت التثليث كالميراث وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى التنصيف وهو المختار ولو وهب جميع ماله من ابنه جاز وهو آثم نص عليه محمد رحمه الله تعالى ولو خص بعض أولاده لزيادة رشده فلا بأس به وإن كانوا سواء في الرشد لا يفعله وإن أراد أن يصرف ماله إلى الخير وابنه فاسق فالصرف إلى الخير أفضل من تركه له لأنه إعانة على المعصية وكذا لو كان ابنه فاسقا لا يعطيه أكثر من قوته


372

وفي الولوالجي رجل اتخذ وليمة للختان فأهدى الناس هدايا ووضعوها بين يدي الولد فهذا على وجهين إن قال هذا الولد ولم يقل للأب وإن كانت الهدية تصلح للصبي مثل ثياب الصبيان أو شيء يستعمله الصبيان فهو هدية للصبي لأن هذا تمليك من الصبي وإن كان شيئا لا يصلح للصبي كالدراهم والدنانير ومتاع البيت والحيوان ينظر الى المهدي إن كان من أقرباء الأب أو معارفه فهو للأب لأن التمليك منه عرفا وإن كان من أقرباء الأم أو معارفها فهو للأم لأن التمليك منها عرفا فكان التعويل على العرف حتى لو وجد سبب أو جهة يستدل به على غير ما قلنا يعتمد على ذلك وكذا لو اتخذ الوليمة لزفاف ابنته الى بيت زوجها فأهدى أقرباء الزوج أو أقرباء المرأة هذا كله إذا لم يقل المهدي أهديت للأب أو للأم في المسألة الأولى وللزوج أو المرأة في المسألة الثانية بأن تعذر الرجوع الى قول المهدي أما إذا عينه المهدي فالقول قوله لأنه هو المملك

قدم من السفر وجاء بالتحف الى من نزل عنده وقال اقسم هذا بين أولادك وامرأتك ونفسك إن أمكن الرجوع الى بيان المهدي فالقول قوله وإن تعذر فما يصلح للرجال فله وما لهن فلها وما لكليهما ينظر الى معارف الأب والأم

وفي الملتقطات إذا وهب للصغير شيء من المأكولات هل يباح لوالديه أن يأكلا منه روى عن محمد رحمه الله تعالى أنه يباح وشبهه بدعوة العبد المأذون له وأكثر مشايخ بخارى على أنه لا يباح وفي البزازي إذا عمل الصبي حسنات قبل البلوغ فثوابه له لا لأبويه ولهما ثواب التعليم إن علماه وقيل ثواب الطاعة له مع أبويه

رجل تصدق عن ميت ودعا له يصل الثواب الى الميت لأنه روى في بعض الأخبار أن الحي إذا تصدق على الميت ودعا له بعث ذلك الى الميت على طبق من نور والله سبحانه وتعلى أعلم

نوع في هبة المريض وغيره وهب في مرضه ولم يسلمه حتى مات بطلت الهبة لأنه وإن كان وصيه حتى اعتبر فيه الثلث فهو هبة حقيقة فيحتاج الى القبض

وهب المريض عبدا لا مال له غيره ثم مات وقد باعه الموهوب له لا ينتقض البيع ويضمن ثلثيه وإن أعتقه الموهوب له والواهب مديون ولا مال له غيره جاز قبل موته وبعد موت الواهب لا يجوز لأن الإعتاق في المرض وصية وهي لا تعمل حال قيام الدين وإن أعتقه الواهب قبل موته ومات لا سعاية على العبد لجواز الاعتاق ولعدم الملك يوم الموت

وهب المريض شيئا لا يخرج من الثلث يرد الموهوب له ما زاد على الثلث بلا خيار وفي البيع يخير المشتري

امرأة قالت لزوجها المريض إن مت من مرضك هذا فأنت في حل من مهري أو قالت فمهري عليك صدقة بطل لأنه مخاطرة وتعليق

وفي الولوالجي امرأة حبلى أرادت أن تهب مهرها من زوجها على وجه إن ماتت يبرأ الزوج وإن لم تمت يكن المهر لها باقيا فالحيلة أن تشتري بمهرها من الزوج ثوبا في منديل وتقبضه فإن ماتت لم يبق لها عليه شيء وإن سلمت ترد عليه بخيار الرؤية فيبقى المهر كما كان


373

وفي خزانة الأكمل قال أبو العباس الناطفي رأيت بخط بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى رجل جعل لأحد بنيه دارا بنصيبه على أن لا يكون له بعد موت الأب ميراث جاز وأفتى به الفقيه أبو جعفر محمد ابن اليماني أحد أصحاب محمد بن شجاع البلخي وحكى ذلك عن أصحاب احمد بن أبي الحارث وأبي عمر والطبري انتهى

إذا قال الطالب لمديونه إذا مت فأنت بريء من الدين الذي عليك جاز ويكون وصية من الطالب للمطلوب ولو قال إن مت فأنا بريء من ذلك الدين لا يبرأ وهو مخاطرة كقوله إذا دخلت الدار فأنا بريء مما لي عليك لا يبرأ

قال لحنته هذه الأرض لك فاذهب وازرعها فقبل الختن وزرع فالأرض للختن وإن لم يقل قبلت لا يكون له

قال لآخر وهبت عبدي منك وهو حاضر بحيث لو مد يده لناله فقال قبضته جازت من غير قوله قوله قلت ويصير قابضا عند محمد رحمه الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى لا يصير قابضا ما لم يقبض

وإن كان العبد غائبا فقال وهبت منك عبدي فلانا فاذهب واقبضه فذهب وقبضه جاز وإن لم يقل قبلت وبه نأخذ ولو قال هو لك إن شئت ودفعه اليه فقال شئت عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه يجوز

دفع اليه دراهم فقال أنفقها ففعل فهو قرض كما لو قال اصرفها الى حوائجك ولو دفع اليه ثوبا وقال البسه ففعل يكون هبة لا قرضا لأن قرض الثوب باطل

وفي الملتقطات رجل قال لآخر حللني من كل حق لك علي ففعل إن كان صاحب الحق عالما بما عليه بريء حكما وديانة وإن لم يكن عالما بريء حكما وهل يبرا ديانة عند محمد لا يبرأ وعند أبي يوسف يبرأ وعليه الفتوى

وفي القنية غصب عينا فحلله مالكه من كل حق هو له قبله قال أئمة بلخ التحليل يقع على ما هو واجب في الذمة لا على عين قائم والله أعلم

نوع في الرجوع عن الهبة ويكره الرجوع في الهبة وإن كان جائزا في الحكم إذا لم يكن عليه حق واجب لقوله صلى الله عليه السلام العائد في هبته كالعائد في قيئه ولأنه من باب الخساسة والدناءة وسوء الخلق ولهذا شبهه بأقبح أحوال الكلب وهذا لأن التشبيه في معنى الاستقباح والاستقذار لا في حرمة الرجوع كما قال الشافعي رحمه الله تعالى ألا ترى أنه صلى الله عليه السلام قال في رواية أخرى كالكلب يقي ثم يعود في قيئه وفعل الكلب يوصف بالقبح لا بالحرمة وبه نقول إنه يستقبح

ويجوز الرجوع فيها عندنا وإن كان مكروها إذا كان ذلك بتراضيهما أو بحكم الحاكم لقوله صلى الله عليه السلام الواهب أحق بهبته مالم يثب عنها أي مالم يعوض وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز الرجوع إلا في الأب يهب لولده ثم يرجع فيه قال صدر الشريعة ونحن نقول به أي لا ينبغي أن يرجع بها إلا الوالد فإنه يتملكه للحاجة ومنعه أي الرجوع الزيادة المتصلة كبناء وغرس وسمن لا المنفصلة


374

وهي مثل الولد وموت أحد المتعاقدين وعوض أضيف اليها ولو من أجنبي بنحو خذه عوض هبتك فقبض فلو وهب ولم يضف رجع كل بهبته وخروجها عن ملك الموهوب له والزوجية وقت الهبة فلو وهب لها فنكحها رجع ولو وهب فأبان لا وقرابة المحرمية وهلاك الموهوب وضابطها حروف دمع خرقه فالدال الزيادة والميم الموت والعين العوض والخاء الخروج والزاي الزوجية والقاف القرابة والهاء الهلاك كذا في الوقاية وشرحها

وفي البزازي ولو زعم الموهوب له هلاكها صدق بلا يمين ولو قال الواهب العين هذه وأنكر الموهوب له حلف المنكر الموهوب له

وهب الموهوب لآخر ثم رجع الواهب الأول له أن يرجع أيضا داوي المريض حتى برأ أو كان أعمى فأبصر بطل الرجوع

وفي الولوالجي رجل وهب من رجل تمرا ببغداد فحمله الموهوب له الى بلخ ليس للواهب أن يرجع فيه

رجل وهب لرجل جارية فعلمها القرآن أو الكتابة أو المشط ليس له أن يرجع فيها هو المختار لأن هذه زيادة متصلة

رجل وهب لرجل سويقا فلته بالماء يرجع الواهب لأنه بقي الاسم وهذا نقصان كمن وهب لرجل حنطة فلتها بالماء بخلاف ما إذا وهب لرجل ترابا فلته بالماء حيث لا يرجع والفرق أن هاهنا اسم يبل التراب لم يبق فلم يبق الموهوب

ولو وهب دارا أو أرضا فبنى في طائفة منها بناء أو غرس شجرة أو كانت جارية صغيرة فكبرت وازدادت خيرا أو كان غلاما فصار رجلا فلا رجوع له في شيء من ذلك انتهى

الفصل العشرون في الرهن

وينعقد بالايجاب والقبول ويتم بالقبض ويكتفي فيه بالتخلية في الأصح فإذا قبضه المرتهن محوزا مفرغا عن الشواغل مميزا تم العقد فيه وما لم يقبضه يتخير الراهن فيه بين التسليم والرجوع ولا يصح الرهن إلا بأحد أمرين إما بالديون أو بالأعيان المضمونة بأنفسها

أما الدين فلأن حكم الرهن ثبوت يد الاستيفاء والاستيفاء يتلو الوجوب في الذمة وفي البدائع يجوز الرهن بالديون بأي سبب وجبت من الإتلاف والغصب والبيع ونحوها لأن الديون كلها واجبة على اختلاف أسباب وجوبها فكان الرهن بها رهنا بمضمون فيصح وهل يجوز الرهن ببدل الكتابة والدية فعلى إطلاق هذا الكلام يجوز وسواء كان مما يحتمل الاستبدال قبل القبض أو لا يحتمله كرأس مال السلم وبدل الصرف والمسلم فيه وفيه خلاف زفر

وأما الأعيان فعلى أنواع منها ما لم يكن مضمونا كالوديعة والعارية ومال المضاربة والبضاعة والشركة والمستأجر ونحوها فلا يجوز الرهن بها لأنها ليست بمضمونة أصلا ومنها ما هو مضمون وهو على نوعين مضمونة بغيرها كالبيع فإنه لا يصح الرهن به ومضمونة بنفسها وهو ما يوجب المثل أو القيمة بهلاكها


375

كالمغضوب في يد الغاصب والمهر في يد الزوج وبدل الخلع في يد المرأة وبدل الصلح عن دم العمد في يد العاقلة فإن الرهن بها جائز بالإجماع

وللمرتهن أن يحبس الرهن حتى يسترد العين وإن هلك الرهن في يده قبل استرداد العين والعين قائمة يقال حينئذ للراهن سلم العين الى المرتهن وخذ منه الأقل من قيمة الرهن ومن العين لأن المرهون عندنا مضمون بذلك وإذا وصل اليه العين يجب عليه رد قدر المضمون الى الراهن وإن هلكت العين والرهن قائم صار الرهن بها رهنا بقيمتها حتى لو هلك الرهن بعد ذلك يهلك مضمونا بالأقل من قيمته ومن قيمة العين لأن قيمة العين بدلها وبدل الشيء قائم مقامه كأنه هو

ويجوز الرهن بالمقبوض على سوم الشراء والمقبوض في البيع الفاسد لأنهما من الأعيان المضمونة بأنفسها كما في المنبع

وفي البزازي القبض شرط جوازه وقال بكير لزومه والأول أصح وشرطه أن يكون مقسوما فلم يصح رهن المشاع فيما يحتمل القسمة لا من شريكه ولا من أجنبي طارئا أو مقارنا في الصحيح وذكر الصدر أن فيه روايتين بخلاف ما إذا رهن اثنان من واحد أو بعكسه حيث يجوز ما لم ينص على الإبعاض بأن يقول رهنت من هذا النصف ومن هذا النصف لنصه على الإبعاض

وفي المنبع لا يجوز رهن ثمرة بدون نخلها وبالعكس ولا نخل بدون الأرض وبالعكس لأن المرهون إذا كان متصلا بما ليس بمرهون لم يجز الرهن كرهن المشاع إذ لا يمكن قبض المرهون وحده

وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أن رهن الأرض بدون الأشجار يصح لأن اسم الشجر يقع على النابت على الأرض ولهذا يسمى بعد القطع جذعا لا شجرا وكأنه استثنى الأشجار بمواضعها من الأرض فكان عقد الرهن مثنا ولا ما سوى ذلك الموضع من الأرض وهو معين معلوم غير مشاع بخلاف ما لو رهن الدار دون البناء حيث لا يصح لأن البناء اسم للمبنى دون مكانه من الأرض فصار راهنا جميع الأرض وهي مشغولة بملك الراهن

العدل إذا سلط على بيع الرهن كيف شاء فباع نصفه يبطل الرهن في النصف الباقي للشيوع وذكر القاضي إن استحق بعض الرهن شائعا يبطل وإن كان مفروزا يبقى الرهن الباقي للشيوع وقرض المشاع جائر بأن أعطاه ألفا وقال نصفها عندك مضاربة بالنصف ونصفها قرض والمضاربة مع الشيوع جائزة

واختلفوا في أن رهن المشاع هل يوجب سقوط الدين عند هلاكه أم لا قال الكرخي رحمه الله تعالى لا يسقط

وفي الجامع رهن أم الولد أو مالا يجوز بيعه له أن يسترده قبل قضاء الدين لبطلان الرهن لأنه عقد ايفاء وفيه معنى البيع فكان محله ما يقبل البيع بخلاف رهن المشاع لأنه محل الرهن لكونه محل البيع فكان الرهن منعقدا بصفة الفساد فيلحق بالجائز وهذا على خلاف ما قاله الكرخي رحمه الله تعالى

زوائد الرهن عندنا كالولد والثمر إذا بقيت الى وقت الفكاك وهلاك الزوائد قبل الفكاك لا يسقط شيئا وغلة الأرض والدار والعبد لا يصير رهنا ولا يبطل الرهن بموت الراهن أو المرتهن أو بموتهما ويبقى رهنا عند الورثة

وفي الولوالجي الرهن إذا كان حيوانا فنفقته على الراهن وكذلك كسوته لأن معظم النفقة في إمساك


376

الرهن للراهن فكانت المنفعة عليه وكذلك شربه وكذلك كسوة الرقيق وأجرة ظئر ولد الرهن وسقي البستان وتلقيح نخيله جذاده والقيام بمصالحه وأجرة الراعي وسواء كان بالرهن فضل أو لم يكن لأن يده على الصورة أمانة فيكون بمنزلة المودع وجعل الآبق على المرتهن إذا كانت قيمة الرهن والدين سواء لأن المحل مضمون فيحتاج الى الإعانة ليرده على المالك وإن كانت قيمة الرهن أكثر من الدين كان على الراهن مقدار الزيادة لأن يده على الزيادة كيد المودع فلا يلحقه الضمان لخلاف أجرة المسكن لأن حق الحبس في الكل ثابت حقا للمرتهن

وكذلك مداواة الجراحات والقروح والأمراض فتنقسم على قدر الأمانة والضمان كجعل الآبق وفي البزازي ثمن الدواء وأجرة الطبيب على المرتهن وذكر القدوري أن كل ما كان من حصة الأمانة فعلى الراهن ومن المشايخ من قال ثمن الدواء على المرتهن لا يلزم أن لو حدثت الجراحة في يده فلو عند الراهن فعليه وقال بعضهم على المرتهن بكل حال وقال الفقيه الحارث ما كان عند المرتهن يجب عليه ثمن دوائه وأجرة طبيبه وما كان عند الراهن إن لم يزد عند المرتهن حتى احتاج الى زيادة المداواة فالمداواة على المرتهن ولكن لا يجبر عليه لأن الراهن لا يجبر على المداواة وإن أجبر على النفقة فالمرتهن أولى ولكن يقال له هذا قد حدث عندك فإن كنت تريد إصلاح مالك فدواه

وما أنفق المرتهن على الراهن حال غيبة الراهن فمتطوع فيه وإن كان بأمر الحاكم وجعله دينا على الراهن فهو دين عليه كذا قال محمد رحمه الله تعالى وهذا الكلام إشارة الى أنه بمجرد أمر الحاكم لا يصير دينا عليه ما لم يجعله دينا عليه كما صرح به وأكثر المشايخ على هذا لأن هذا الأمر ليس للإلزام حتما بل للنظر وهو متردد بين الأمرين بين الأمر حسبة وبين الأمر ليكون دينا والأدنى أولى ما لم ينص على الأعلى

وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه إذا أنفق عليه حال غيبة الراهن بأمر الحاكم يرجع وإن كان بحضرته بالأمر لا يرجع وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه يرجع فيهما وذكر الناطفي وما يجب على الراهن إذا فعله المرتهن أو ما على المرتهن إذا فعله الراهن فهو متطوع

إذا أخذ السلطان الخراج والعشر من المرتهن لا يرجع على الراهن لأنه إن تطوع فهو متبرع وإن كان مكرها فقد ظلمه السلطان والمظلوم لا يرجع الا على الظالم انتهى

ويبيع ما يخاف الفساد عليه باذن الحاكم ويكون رهنا في يده والخراج على الراهن خاصة لأنه مؤنة الملك فيكون على المالك

وفي الملتقطات الأب إذا رهن من مال الصغير شيئا بدين على نفسه ذكر أنه يجوز وإن كان الراهن أكثر قيمة من الدين فهلك الرهن ضمن الأب قدر الدين دون الزيادة بخلاف الوصي فإنه يضمن قيمته والفرق أن للأب أن ينتفع بمال الصغير عند الحاجة ولا كذلك الوصي

وفي البزازي رهن الأب متاع الصغير وأدرك الابن ومات الأب ليس للابن أخذه قبل قضاء الدين لأن تصرف الأب لازم كتصرف الابن نفسه ويرجع الابن في مال الأب إن كان رهنه لنفسه لأنه مضطر فيه كمعير الرهن


377

رهن الوصي مال اليتيم والورثة كبار لا يجوز إذا كان الدين على الورثة الكبار لتصرفه فيما هو ممنوع من التصرف فيه ولو كان الدين على الميت جاز وقيل لا يجوز ولو كان على الميت أيضا لأن فيه إتلاف مال التركة وأنه غير جائز وإذا هلك الرهن سقط الدين إذا كانت قيمة الرهن والدين سواء وإن كانت قيمة الرهن أكثر فالزيادة تملك أمانة وإن كانت قيمته أقل من الدين فهلك سقط من الدين بقدره ويرجع على المرتهن بالفاضل من الدين وعند الشافعي رحمه الله تعالى الرهن أمانة فإذا هلك لا يسقط من الدين شيء

وفي القنية رجل آجر داره وسلمها الى المستأجر ثم رهنها منه انفسخت الإجارة وصارت رهنا

ويجوز أن يسافر بالرهن وإن كان له حمل ومؤنة إذا كان الطريق أمنا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى كالوديعة وعند محمد رحمه الله تعالى ليس له أن يسافر بالرهن وبالوديعة أيضا إذا كان له حمل ومؤنة قال محمد رحمه الله تعالى ولو أراد ذلك يرفعه الى القاضي حتى يكون هو الذي يأمره بذلك

استعار شيئا ليرهنه فرهن جاز وله أن يأمره بقضاء الدين واسترداده وكذا إذا رهن شيئا ثم أقر بالرهن لغيره لا يصدق في حق المرتهن ويؤمر بقضاء الدين ورده الى المقر له ولو رهن دار غيره فأجاز صاحبها جاز كما لو أعارها ابتداء

رده معيبا قيمته خمسة وقال كذلك قبضته وقال الراهن بل قبضته سليما قيمته عشرة وأقاما البينة فبينة الراهن أولى وقال برهان الدين صاحب الدين أولى ولو قال شاهد الرهن لا أدري بكم رهنه لا تقبل شهادته وقال ظهير الدين المرغيناني تقبل

اختلفا في الرهن فقال الراهن الرهن غير هذا وقال المرتهن بل هذا هو الذي رهنته عندي فالقول للمرتهن انتهى كلام القنية

وفي البزازي ألقى المرتهن الخاتم المرهون في كيسه المنخرق وضاع بالسقوط يضمن كل الفاضل من الدين أيضا

قال للمرتهن أعطه للدلال ليبيع وخذ حقك فدفعه الى الدلال وهلك في يده لا يضمن المرتهن

ولو باع المرتهن ما يخاف عليه الفساد من المتولد من الرهن كاللبن والثمرة وكذا نفس الرهن إذا كان مما يخاف عليه الفساد بإذن القاضي ويكون ثمنه رهنا وإن باعه بلا إذن القاضي ضمن وليس للحاكم بيع الرهن إذا كان الراهن مفلسا عند الامام رحمه الله تعالى لأنه لا يرى الحجر على الحر المديون

وفي القنية للمرتهن بيع الرهن بإجازة الحاكم وأخذ دينه إذا كان الراهن غائبا لا يعرف موته ولا حياته انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم

الفصل الحادي والعشرون في الكراهية

المكروه عند محمد رحمه الله تعالى حرام ولم يتلفظ به لعدم القاطع فنسبه المكروه الى الحرام كنسبة الواجب الى الفرض وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى ليس بحرام لكنه الى الحرام أقرب لأنه إذا تعارض دليل الحل بدليل الحرمة يغلب جانب الحرمة على جانب الحل لقوله صلى الله عليه السلام


378

إذا اجتمع الحلال والحرام يغلب الحرام على الحلال وهذا هو المكروه كراهة تحريم وأما المكروه كراهة تنزيه فإلى الحلال أقرب كذا في الوقاية وشرحها

وفي الجامع الصغير قال ويكره أكل لحوم الأتن وألبانها لما روى عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه السلام حرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر وإذا ثبت حكم اللحم ثبت حكم اللبن لأنه متولد منه والمراد بالكراهة هنا التحريم وكذلك أبوال الإبل ولحم الفرس وقالا لا بأس بأبوال الإبل ولحم الفرس

وتأويل قول أبي يوسف رحمه الله تعالى في أبوال الإبل أنه لا بأس بها للتداوي لما في حديث جابر أنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه السلام عن لحوم الحمر الأهلية واذن في لحوم الخيل ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى قوله تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها ولأنه آلة لإرهاب العدو فيكره أكله للاحترام

وفي الوقاية الأكل فرض إن دفع به هلاكه ومأجور عليه إذا تمكن من صلاته قائما ومن صومه ومباح الى الشبع لتزيد قوته وحرام فوقه الا لقصده صوم الغد أو لئلا يستحي ضيفه والأكل والشرب والأدهان والتطيب من إناء ذهب وفضة حرام للرجال والنساء وحل من إناء رصاص وبلور وزجاج وعقيق ومن إناء مفضض وجلوسه على مفضض متقيا موضع الفضة

ولا يلبس رجل حريرا الا بقدر أربعة أصابع ويتوسده ويفترشه قال صدر الشريعة هذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لما روى أن النبي صلى الله عليه السلام جلس على مرفقة حرير وقالا يكره قلت المرفقة بكسر الميم وسادة الاتكاء والله تعالى أعلم

ويلبس ما سداه ابريسم ولحمته غيره وعكسه في حرب فقط وفي القنية عن برهان الدين صاحب المحيط قال لبس الحرير فوق الدثار إنما لا يكره عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لأنه اعتبر حرمة استعمال الحرير إذا كان يتصل ببدنه صورة وأبو يوسف رحمه الله تعالى اعتبر المعنى يعني اللبس قال رحمه الله تعالى فهذا تنصيص وبه قلت يعني به الشيخ برهان الدين صاحب المحيط على أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يكره لبس الحرير إذا لم يتصل بجلده حتى لو لبسه فوق قميص من غزل أو نحوه لا يكره عندنا فكيف إذا لبسه فوق قباء أو شيء آخر محشو أو كانت جبة من حرير بطانتها ليست بحرير وقد لبسها فوق قميص غزل وفي هذا رخصة عظيمة في موضع عمت فيه البلوى ولكن تطلبت هذا القول عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى في كثير من الكتب فلم أجد سوى هذا

وقال شمس الأئمة الحلواني ومن الناس من يقول إنما يكره إذا كان الحرير يمس الجلد وما لا فلا وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان عليه جبة من حرير فقيل له في ذلك فقال أما ترى الى ما يلي الجسد وكان تحته ثوب من قطن ثم قال بديع الدين إلا أن الصحيح ما ذكرنا أن الكل حرام

وفي شرح الجامع الصغير للبزدوي رحمه الله تعالى ومن الناس من أباح لبس الحرير والديباج للرجال ومنهم من قال هو حرام على النساء أيضا وعامة الفقهاء على أنه يحل للنساء دون الرجال اه والله سبحانه وتعالى أعلم

وهذا آخر ما انتهى اليه تأليف مصنفه رحمه الله تعالى ويليه تكملته إن شاء الله تعالى


379

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله المتصف بالكمال المنزه عن النقص في صفات الجلال وأفضل الصلاة وأتم السلام على نبيه النبيه البدر التمام وعلى آله وصحبه الأئمة الأعلام صلاة وسلاما أرجو بفضلهما حسن الختام

أما بعد فيقول العبد العاجز الفقير الى مولاه الغني القدير برهان الدين ابراهيم الخالفي الحلبي العدوي الحنفي عامله الله بلطفه الخفي لما رأيت الكتاب المحكم الأحكام المسمى بلسان الحكام مشهورا في بلاد الإسلام ومقبولا عند العلماء الأعلام وقد توفي مؤلفه قبل الإتمام عليه رحمة الملك العلام وكان الناقص من فصوله الثلاثين تسعة فصول فأحببت أن أجمعها من كتب الأئمة الفحول من غير أن أتصرف بنقض حرف ولا زيادة عما هو المكتوب في كتب السادة وصرخت في كل فصل من الفصول بالأصل الذي هو عنه منقول طالبا من الله تعالى الغفران وسائلا الدعاء بخير من الإخوان وستر ما يعثرون عليه من الزلل وإصلاح ما يجدون في الخط من الخلل

الفصل الثاني والعشرون من الفصول الثلاثين في الصيد والذبائح والأضحية كتاب الصيد

رمى مسلم سهما فأصاب سهمه وسهم رماه مسلم آخر فأصاب الصيد فقتله إن كان يعلم أن سهم الرامي الأول لا يبلغ الصيد لولا إصابة السهم الثاني فالصيد للثاني وهو حلال وإن كان يعلم أنه يصيبه كان للأول

وكذا إذا رمى المجوسي بعد رمي المسلم فإن زاد قوة ولم يقطع عن سننه فالصيد للمسلم وهو مكروه وما لا يحل صيد البندقة والمعراض والحجر والعصا في الأصل

نوع آخر رجل رمى صيدا فوقع عند مجوسي فأخذ صاحبه ولم يكن من الوقت ما يقدر على ذبحه يؤكل هو المختار وفي الأصل هذا رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وأما في ظاهر الرواية فلا يحل لأنه بمنزلة وقوعه عندنا

نوع آخر رمى صيدا فغشى عليه ساعة من غير جراحة ثم ذهبت عنه تلك الآفة فأخذه آخر فهو للآخذ بخلاف ما اذا جرحه جراحة لا يستطيع معها النهوض فلبث كذلك ما شاء الله ثم بريء ورمى آخر حيث كان الصيد للأول والفرق أن في المسألة الأولى لم يأخذه الأول فصار بمنزلة من نصب شبكة فوقع فيها الصيد والمالك غائب ثم تخلص من الشبكة فرماه رجل فأخذه فهو له وفي المسألة الثانية أخذه الأول ببقاء أثر فعله فملكه

رجل رمى أسدا أو ذئبا أو خنزيرا أو ما أشبه ذلك مما لا يقصد به الاصطياد وسمى فأصاب صيدا مأكول اللحم وقتله أكله وقال زفر لا يحل

وإن رمى جرادا أو سمكا وترك التسمية فأصاب صيدا عن أبي يوسف رحمه الله تعالى روايتان روى ابن رستم عنه أنه لا يحل ما أصابه بدون التسمية والمختار أنه يؤكل


380

ولو رمى الى آدمي أو بقر أو ابل أو شاة أو معز أهل سمى فأصاب صيدا مأكول اللحم لا رواية لهذا في الأصل ولأبي يوسف رحمه الله قولان في قول يحل وفي قول لا يحل واليه أشار في الأصل ولو أرسله الى صيد وهو يظن أنه شجر أو انسان فإذا هو صيد يؤكل وفي الأصل سمع حسا فظن أنه حس صيد فرماه أو أرسل كلبه فأصاب صيدا إن كان ذلك الحس حس صيد لا بأس به وإن كان حس إنسان أو غيره من الأطيار لا يحل

وفي الفتاوي دجاجة لرجل انفلتت وتعلقت بشجرة لا يصل اليها صاحبها فرماها إن خاف عليها الموت تؤكل وإن لم تكن بهذه المثابة لا تؤكل وأصل هذا في صيد الأصل

ما توحش من الأهليات يحل بما يحل به الصيد حتى لو ند البعير أو البقرة فرماه بآلة جارحة وأصابت الجارحة ثنياتها فمات منها حل وفي الشاة خارج المصر تحل وفي المصر لا تحل

وفي الفتاوي في باب النون رجل له حمامة فرماها غيره أو رماها فهذا على وجهين إن كانت لا تهتدي الى منزله أو كانت تهتدي ففي الوجه الأول يحل أكلها أصاب المذبح أو أصاب موضعا آخر لأنه عجز عن الذكاة الاختيارية وفي الوجه الثاني إن أصاب المذبح حل وفي موضع آخر قيل يحل مطلقا

والشاة لو سقطت في بئر فطعنت تحل وقال الحسن بن زياد لا تحل وذكره في فتاوي القاضي الإمام مطلقا من غير ذكر الخلاف وقال المتردي في البئر إذا رماه فأدماه حل أكله وإن أصاب السهم ظلفها أو قرنها فأدمى حلت ولو أصاب موضع اللحم ولم يخرج الدم إن كانت الجراحة كبيرة حلت وإن كانت صغيرة قيل تحل وقيل لا تحل

نوع في السمك وفي الأصل السمك الذي مات في الماء بغير آفة وهو الطافي لا يؤكل وإن مات بآفة وهو أن ينحسر عنه الماء أو طفا على وجه الأرض أو وجد في بطن طير أو سمك أو ربطه آخر في الماء واضطر الصيادون جماعة منها الى مضيق فتراكم فهلك أو لدغته حية أو أصابته حديدة أو ألقى في الماء شيء فأكله ومات يؤكل ولا يحل أكل ما في الماء الا السمك

وفي الفتاوي إذا قتله حر الماء أو برده لا يؤكل عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى كالطافي وعند محمد يؤكل وهذا أرفق بالناس وفي التجريد لم يذكر الخلاف ولكنه قال فيه روايتان

سمكة بعضها في الماء وبعضها في الأرض ميتة فإن كان الرأس خارج الماء أكلت وإن كان في الماء إن كان ما على الأرض قدر النصف أو أقل لم تؤكل وإن كان ما على الأرض أكثر من النصف أكلت السبب إذا رمى به الرجل في الماء فتعلقت به سمكة إن رمى به خارج الماء في موضع يقدر على أخذه فاضطربت فوقع في الماء ملكه وإن انقطع الحبل قبل أن يخرجه من الماء لا يملكه وعلى هذا إذا أرسل الكلب أو رمى يعرف من هذا الفصل

نوع فيما يؤكل وفيما لا يؤكل وفي شرح الطحاوي لا يؤكل ذو ناب من السباع بيانه الأسد والذئب والنمر والفهد والثعلب والضبع والكلب والسنور الأهلي والبري والفيل وسباع الهوام أيضا بيانه الضب واليربوع وابن عرس والسنجاب والفنك والسمور والدلق والهوام التي سكناها في الأرض بيانه الفأرة والوزغة والقنفذ والحيات وجميع هوام الأرض الا الأرنب فإنه يحل أكله وذو المخلب من الطيور بيانه الصقر والعقاب والبازي والشاهين وما أشبه ذلك


381

وفي الفتاوي الصغرى ما لا دم له كالزنبور ونحوه لا يؤكل الا السمك والجراد والعقعق ونحوه يؤكل ويكره الغراب وهو الذي يؤكل الجيف والنجاسات

وفي فتاوي الولوالجي أكل الهدهد لا بأس به لأنه ليس بذي مخلب من الطيور وفي فتاوي القاضي الامام ولا يؤكل الخفاش لأنه ذو ناب ولا بأس بالخطاف والقمري والسودانية والزرزور والعصافير والفاختة والجراد وكل ما ليس له يخطف مخلب

وحمار الوحش يؤكل بخلاف الأهلي والبغل لا يركل ويكره لحم الخيل عند أبي حنيفة رحمه الله وفي الكراهة روايتان والأصح كراهة التحريم ولبنه كلحمه وما يتصل بهذا كالجلالة ويكره أكل لحوم الإبل الجلالة

وفي النوازل لو أن جديا غذي بلبن الخنزير فلا بأس بأكله فعلى هذا قالوا لا بأس بأكل الدجاج الذي يخلط ولا يتغير لحمه والذي روى عن رسول الله صلى الله عليه السلام أنه قال تحبس الدجاجة ثلاثة أيام كان للتنزيه وإنما يشترط ذلك في الجلالة التي لا تأكل الا الجيف وأما ما يخلط كما اذا تناول النجاسة والجيف ويتناول غيرها على وجه لا يظهر أثر ذلك في لحمها فلا بأس بأكله

وفي شرح الشافي في الإبل تحبس شهرا وفي البقر عشرين يوما وفي الشاة عشرة أيام وفي الدجاجة ثلاثة أيام وقال الامام السرخسي الأصح أنها تحبس الى أن تزول الرائحة المنتنة

وفي المنتقى المكروه الجلالة التي تقرب ويوجد منها ريح منتنة فلا يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها والعمل عليها وتلك حالتها ويكره بيعها وهبتها وفي فتاوي البقالي عرقها نجس والله أعلم ‌ كتاب الذبائح

وهو مشتمل على فصلين الأول في مسائل الذبح والثاني في مسائل التسمية

الفصل الأول

وفي مختصر القدوري ذبيحة المسلم والكتابي حلال ولا تؤكل ذبيحة المجوسي والمرتد والمرتدة والوثني والمحرم من الصيد

وفي الأصل تهود المجوسي أو تنصر حلت ذبيحته المولود بين الكتابي والمجوسي ذبيحته حلال ولو كان حربيا

وفي فتاوي القاضي الامام ذبيحة اليهودي والنصراني حلال وإن كان حربيا إلا أن يسمع منه أنه يسمى عليه المسيح فإذا سمع منه ذلك لا تحل لأنه أهل به لغير الله وقال بعض أصحاب الشافعي رحمه الله إنها تحل

ولا تحل ذبيحة المرتد وإن ارتد الى دين أهل الكتاب والمرأة كالرجل في الذبح والصبي الذي يعقل ويضبط كالبالغ

ويستحب توجيهها في الذبح الى القبلة ويكره أن تنخع الشاة إذا ذبحت ولا بأس بأكل الذبيحة منها


382

لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن تنخع الشاة إذا ذبحت قبل أن تسكن وقبل أن تبرد وقيل هو أن يبالغ في الذبح حتى يبلغ النخاع وهو عرق في العنق فيكره لأنه فيه زيادة مشقة من غير حاجة ويكره أن يجرها الى مذبحها وأن يحدد الشفرة بعد ما أضجعها

جنس آخر وفي الجامع الصغير لا بأس بالذبح في الحلق كله أعلاه وأوسطه وأسفله ولا بأس بأكل الجزور إذا ذبح ذبحا ولم ينحر والشاة والبقرة إذا نحرتا ولم يذبحا يكره ذلك وفي بعض النسخ لا يستحب

وفي فتاوي القاضي الامام السنة في الإبل النحر وهو قطع العروق من أسفل العنق عند الصدر والسنة في الشاة والبقر الذبح فإن ذبح الإبل ونحر الشاة والبقرة جاز أيضا لقوله صلى الله عليه وسلم ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فكل ذبحت من قفاها إن قطع الحلقوم والاوداج والمريء قبل أن تموت الشاة لابأس بأكلها وإن ذبح

شاة ذبح الشاة بسن أو ظفر غير منزوع لا يحل أكلها وإذا ذبحت بظفر منزوع أو سن منزوعة أو قرن أو عظم فأنهر الدم وأفرى الأوداج يحل عندنا

شاة ذبحت فقطع منها نصف الحلقوم ونصف المريء لا تؤكل وإن قطع الأكثر من الحلقوم والأوداج والمريء تؤكل

واختلفوا في تفسير الأكثر فعن أبي حنيفة رحمه الله إذا قطع الثلاثة من العروق الأربعة أي ثلاثة كانت تحل وإن ترك قطع واحد منها لا تحل وقال أبو يوسف رحمه الله إن قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين تحل والله تعالى أعلم

جنس آخر قال الامام السرخسي لو ذبح الشاة من المذبح فلم يسل منها الدم اختلف المتأخرون قال أبو القاسم الصفار لا تحل وقال أبو بكر الاسكاف لا بأس به

وفي النوازل رجل ذبح شاة أو بقرة إن تحركت بعد الذبح وخرج منها دم مسفوح تحل وكذا إن تحركت ولم يخرج الدم أو خرج الدم ولم تتحرك فإن لم تتحرك ولم يخرج الدم لا تحل هذا اذا لم يعلم حياتها وقت الذبح فإن علمت حلت وإن لم تتحرك

وفي شرح الطحاوي خروج الدم لا يدل على الحياة الا اذا كان يخرج كما يخرج من الحي وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وهو ظاهر الرواية

رجل ذبح شاة مريضة ولم يتحرك منها شيء إلا فمها قال محمد بن سلمة إن فتحت فاها لا تؤكل وإن ضمته تؤكل وكذا في العين إن فتحتها لا تؤكل وإن ضمتها تؤكل

وفي الرجل إن قبضت رجلها تؤكل وإن مدتها لا تؤكل وإن نام شعرها تؤكل وإن قام لا تؤكل هذا اذا لم يعلم حياتها وقت الذبح ولم يخرج الدم ولم تتحرك أما اذا وجد خروج الدم والحركة فقد ذكرناه

الصيد اذا بقي فيه من الحياة قدر ما يبقى في المذبوح بعد الذبح فهاهنا أربع مسائل إحداها ما ذكرناه والثانية الذئب إذا قطع بطن شاة وبقي فيها من الحياة ما يبقى في المذبوحة والثالثة الكلب المعلم اذا اخذ الصيد وجرحه وبقي فيه ما يبقى في المذبوح بعد الذبح والرابعة إذا رمى صيدا فأصابه وبقي فيه من الحياة قدر ما يبقى في المذبوح بعد الذبح الأولى والثانية عندهما لا يقبلان الذكاة حتى لو ذكاهما لا يحل


383

واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة والأصح أنهما يقبلان الذكاة حتى لو ذكاها يحل ذكره الفقيه أبو الليث في مختلفاته والثالثة والرابعة لا يقبلان الذكاة يعني يحل حتى لو وجده المالك فلم يذكه لا يحرم وأبو حنيفة رحمه الله فرق بين الثالثة والرابعة وبين الأولى والثانية

وذكر الامام السرخسي اذا علم أنها كانت حية حين ذبحت حل أكلها سواء كانت الحياة فيها يتوهم بقاؤها أو لا يتوهم بقاؤها

وقال أبو يوسف رحمه الله إن كان يتوهم أنها تعيش يوما أو أكثر تحل

رجل شق بطن شاة فأخرج ولدها وذبح ثم ذبح الشاة إن كانت الشاة لا تعيش من الشق لا تحل وإن كانت تعيش تحل

بقرة عسر عليها الولادة فأدخل رجل يده في موضع الولادة فذبح الولد أو جرح في غير موضع الذبح إن ذبح يحل ولا يشكل وإن جرحه إن كان لا يقدر على ذبحه يحل

رجل له شاة حامل أراد ذبحها إن تقاربت الولادة يكره ذبحها وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله بناء على أن الجنين لا يذكي بذكاة الأم عنده

قصاب ذبح شاة في ليلة مظلمة فقطع الأعلى من الحلقوم أو أسفل منه يحرم وفي محل الذكاة قد ذكرناه

الفصل الثاني في التسمية

وفي الجامع الصغير يكره أن يذكر اسم الله تعالى مع اسم غيره عند الذبح وهي على ثلاثة أوجه منها ما يحرم ومنها لا يحرم ويكره ومنها مالا يحرم ولا يكره أما الأول فهو أن يذكر اسم الله تعالى واسم غيره على وجه العطف والشركة نحو أن يقول بسم الله واسم فلان أو بسم الله ومحمد رسول الله والمكروه أن يذكر اسم الله وغير الله مقرونا في الظاهر من غير حرف عطف ولا شركة نحو أن يقول بسم الله محمد رسول الله وأما الذي لا يكره ولا يحرم فنحو أن يكون منفصلا عنه صورة أو معنى قبله أو بعده بأن يقول اللهم تقبل عن فلان

وفي الفتاوي لو قال بسم الله ومحمد رسول الله بالخفض لا تحل وبالرفع يحل ولم يذكر النصب وفي روضة الزندوستن النصب كالخفض لا تحل ولو قال بسم الله صلى الله على محمد يحل والأولى أن لا يفعل ولو قال بسم الله وصلى الله على محمد مع الواو يحل ولو قال بسم الله واسم فلان أو باسم فلان لا يحل هو المختار وفي الروضة لو قال بسم الله ينام فلان قال أبو بكر يجوز مطلقا

ذبح ولم يظهر الهاء في بسم الله إن قصد ذكر اسم الله يحل وإن لم يقصد وقصد ترك الهاء لا يحل

نوع آخر رجل سمى عند الذبح إن أراد به التسمية على الذبح يحل وإن أراد به التسمية على غير الذبح لا يحل كالرجل اذا سمع الأذان فلما قال المؤذن الله أكبر قال هو الله أكبر وشرع في الصلاة لا يصير شارعا في الصلاة وإن لم يكن له نية في التسمية تحل وكذا اذا ترك التسمية ناسيا


384

وتشترط التسمية في ذبح الحمار للطهارة وفي الأصل التسمية عند الذبح شرط وفي الاصطياد عند الإرسال والرمي وإذا نصب الحديدة لأخذ الظبي تشترط التسمية عند الوضع

وقد ذكر صاحب المحيط نصب منجلا لصيد حمار الوحش ثم وجده مجروحا به ميتا لا يحل قال الشيخ رحمه الله وهذا الجواب إنما يحمل على ما اذا قعد عن الطلب لما أنه في الرواية الأخرى اعتبر التسمية عند النصب

ولو أضجع شاة وأخذ السكين وسمى ثم تركها وذبح شاة أخرى وترك التسمية عامدا لا يحل ولو رمي سهما الى صيد وسمى فأصاب آخر أو أرسل كلبه الى صيد وسمى وترك الكلب ذلك الصيد وأخذ غيره يحل ولو ذبح تلك الشاة ثم ذبح بعدها أخرى فظن أن تلك التسمية تكفي لا تحل

والسهم إذا أصاب الصيد وغيره أو أخذ الكلب ذلك الصيد وغيره حل الكل ولو نظر الى قطيع من الغنم فأخذ السكين وسمى ثم أخذ منها شاة وذبحها بتلك التسمية لا تحل ولو أرسل كلبه الى جماعة من الصيود وسمى فأخذ أحدها تحل ولو قال مكان التسمية الحمد لله أو سبحان الله يريد التسمية أجزأه ولو قال الشكر لله لا يجوز كما في مسألة الأذان وقد ذكرناه ولو اضجع شاة ليذبحها ثم أكل وشرب أو تكلم ثم ذبح إن طال فقطع الغور حرم وإلا فلا كذا في الأصل

وذكر في الأصل أنه إن طال الفصل ولم يذكر جدد ورأيت في موضع ثقة أن التطويل ما يستكثره الناظر

وفي أضاحي الزعفراني إذا حدد الشفرة تنقطع التسمية من غير فصل وهذا لو تقلبت الشاة وقامت من مضجعها ثم أعادها الى مضجعها انقطعت التسمية ‌ كتاب الأضحية

وفي نسخة الامام السرخسي الأضحية واجبة وذكر الطحاوي أن هذا قول أبي حنيفة رحمه الله أما عندهما فهي سنة وفي نظم الزندوستي الأضحية أحب الي من التصدق بمثل قيمتها وفي الموسر واجبة عليه في ظاهر الرواية

وشرائط وجوبها الغنى وأن يكون مقيما في مصر أو قرية وأن لا يكون مسافرا وأن يكون في الوقت وفي أجناس الناطفي قال أبو حنيفة رحمه الله الموسر الذي له مائتا درهم أو عرض يساوي مائتي درهم سوى المسكن والخادم والثياب التي تلبس ومتاع البيت الذي يحتاج اليه وهذا اذا بقي له الى أن يذبح الأضحية

وفي الهارونيات إن جاء يوم الأضحى وله مائتا درهم ولا مال له غيره فهلك لم تجب الأضحية عليه وكذا لو نقص عن المائتين ولو جاء يوم الأضحى ولا مال له ثم استفاد مائتي درهم ولا دين عليه وجبت عليه الأضحية الفقر والغنى والموت إنما يعتبر في حق الأضحية آخر أيام التشريق وأيام النحر ولو كان له عقار مستغل اختلف المتأخرون ففي أضاحي الزعفراني يعتبر قيمته لا دخله حتى لو كانت قيمته مائتي درهم فعليه الأضحية وقال أبو علي الدقاق يعتبر دخله لا قيمته تفسيره إن كان يدخل من ذلك قوت سنة فعليه الأضحية وصدقة الفطر وقال غيره قوت شهر فإن فضل عن ذلك مائتا درهم فعليه الأضحية وصدقة الفطر


385

وفي أول أضاحي الزعفراني إن كانت غلة المستغل تكفيه وعياله فهو موسر وإلا فهو معسر عند محمد وعند أبي يوسف هو موسر ولو كانت الضياع وقفا ولها غلة إن وجب له في أيام النحر قدر مائتي درهم فعليه الأضحية وإلا فلا وإن كان خبازا وعنده حنطة قيمتها قدر مائتي درهم أو ملح قيمته مائتا درهم أو قصارا عنده أشنان أو صابون قيمته مائتا درهم فعليه الأضحية ولو كان له مصحف أو كتب الفقه أو الحديث إن كان يحسن أن يقرأ منها وقيمتها مائتا درهم فلا أضحية عليه وإن كان لا يحسن فعليه الأضحية الكل من الأجناس

وفي الفتاوي الصغرى الفقيه بالكتب لا يصير غنيا إلا أن يكون له من كل كتاب اثنان وهما برواية واحدة عن محمد وإن كان أحدهما برواية الامام أبي حفص والآخر برواية أبي سليمان لا يصير به غنيا ولا يصير الانسان غنيا بكتب الأحاديث والتفاسير وإن كان له من كل اثنان وصاحب كتب الطب والنجوم والأدب غني بها إذا صارت قيمتها مائتي درهم

وفي الأجناس رجل به زمانة اشترى حمارا يركبه ويسعى في حوائجه وقيمته مائتا درهم فلا أضحية عليه ولو كان في دار بكراء فاشترى قطعة أرض بمائتي درهم فبنى فيها دارا ليسكنها فعليه الأضحية ولو كان له دار فيها بيتان شتوي وصيفي وفرش صيفي وشتوي لم يكن بهما غنيا وإن كان له فيها ثلاثة أبيات وقيمة الثالث مائتا درهم فعليه الأضحية وكذا الأفراس يعتبر الفرس الثالث

والغازي لا يكون بفرسين غنيا وبالثالث يكون غنيا ولا يكون الغازي بالأسلحة غنيا إلا أن يكون له من كل سلاح اثنان وأحدهما يساوي مائتي درهم

وفي الفتاوي الدهقان ليس بغني بفرس واحد وبحمار واحد فإن كان له فرسان أو حماران وأحدهما يساوي مائتي درهم فهو نصاب الأضحية والزراع بثورين وآلة الفدان ليس بغني وببقرة واحدة غني وبثلاثة ثيران إذا ساوى أحدهما مائتي درهم صاحب نصاب وصاحب الثياب ليس بغني بثلاثة أثواب أحدها للبدلة والآخر للمهنة والثالث للأعياد وهو غني بالرابع وصاحب الكرم غني إذا ساوى مائتي درهم والمرأة تعتبر موسرة بالمهر المعجل الذي لها على الزوج إن كان مليا عندهما وعند أبي حنيفة لا يعتبر قال رحمه الله ورأيت في موضع ثقة رواية ابن سماعة عن محمد عن أبي حنيفة أنه لا تجب الأضحية إلا على من له مائتا درهم فصاعدا فعلى هذه الرواية سوى بين غني الأضحية وغني الزكاة

بيان وقت الأضحية وفي الأصل أيام النحر أولها أفضلها ويجوز التضحية في الليلتين المتخللتين ويكره إذا طلع الفجر الثاني من يوم النحر فلأهل السواد أن يضحوا وأهل المصر لا يضحون إلا بعد صلاة العيد

وفي الأجناس لو ذبح أضحيته بعد صلاة الإمام قبل الخطبة جاز في إملاء محمد رحمه الله ولو لم يشتر أضحيته حتى مضت أيام النحر تصدق بقيمة ما يصلح للأضحية

وفي أضاحي الزعفراني إذا صلى الإمام يوم العيد ثم تذكر أنه صلى على غير وضوء أو كان جنبا وقد ذبح الرجل أضحيته بعد صلاة الامام وقد تفرق الناس لا تعاد الصلاة وتجوز الأضحية وإن لم يتفرق الناس حتى علم يعيد الصلاة وأجزأت الأضحية لأن من العلماء من قال لا يعيد الناس الصلاة ويعيد الامام


386

وحده ولو علم الامام بذلك نادى بالصلاة ليعيدها فمن ذبح قبل أن يعلم بذلك أجزأه ومن علم بذلك لم يجزه الذبح إذا ذبحه قبل زوال الشمس وبعد الزوال يجزئه وفي الأجناس لو تبين أن هذا اليوم التاسع من ذي الحجة يؤمر بإعادة الصلاة والأضاحي كذا ذكره في أضاحي الزعفراني

وقال في الفتاوي إن شهد عنده شهود على هلال ذي الحجة جازت الصلاة والأضحية وإن لم يشهد عنده الشهود لا تجوز اه

نوع فيما يجوز من الأضحية ومالا يجوز وفي الأصل الأضحية من أربعة أصناف من الحيوان الأول الإبل والأنثى منها أفضل ولا يجوز منها الا الثنى وهي التي أتى عليها خمسة أحوال وطعنت في السادسة وفي الطلبة ما تم لها أربعة أحوال والثاني البقر والأنثى منها أفضل ولا يجوز منها الا الثني وهي التي عليها سنتان وطعنت في الثالثة والثالث الغنم والذكر منها أفضل إذا كان خصيا والثني منها فصاعدا جائز ولا يجوز ما دون ذلك من كل شيء الا الجذع العظيم من الضأن والثني من الغنم التي أتى عليها سنة وطعنت في الثانية والجذع الثني أتى عليه ستة أشهر وطعن في الشهر السابع وفي الأجناس الجذع من الضأن ما تم له ثمانية أشهر وطعن في التاسع وفي أضاحي الزعفراني ما تمت له سبعة أشهر وطعن في الثامن

ثم قال في الأجناس إنما يجوز الجذع إذا كان عظيم الجسم أما إذا كان صغيرا فلا يجوز الا إذا تم له سنة وطعن في الثانية والرابع المعز والذكر منه أفضل ولا يجوز منه الا الثني وهو الذي أتى عليه سنة وطعن في الثانية كالغنم والعناق من المعز كالجذع من الضأن وهو الذي أتى عليه أكثر الحول الكل في الأصل

وفي نظم الزندوستي المولود بين الوحشي والأهلي إذا كانت أمه وحشية لا يجوز

ولو نزا كلب على شاة فولدت قال عامة العلماء لا يجوز وقال الامام الخيزخرني إن كان يشبه الأم يجوز ولو نزا ظبي على شاة قال عامة العلماء يجوز وقال الامام الخيزاخزي العبرة للمشابهة

الجاموس يجوز في الضحايا والهدايا استحسانا ثم الإبل أفضل من البقر ثم الغنم أفضل من المعز

وفي أضاحي الزعفراني قال الامام الحومني والبقرة أفضل من الشاة إذا استويا في القيمة واللحم والأصل فيه أنهما إذا استويا في القيمة واللحم فأطيبهما لحما أفضل وان اختلفا في القيمة فالفاضل أولى حتى أن الفحل بعشرين أفضل من الخصي بخمسة عشر والبقرة أفضل من ست شياه إذا استويا في القيمة وسبع شياه أفضل من البقرة

وفي الفتاوي شراء شاة واحدة للأضحية بثلاثين درهما أفضل من شراء شاتين بعشرين

وفي أصول التوحيد للإمام الصفار التضحية بالديك والدجاجة في أيام الأضحية ممن لا أضحية عليه لإعساره تشبيها بالمضحين مكروه لأنه من شيم المجوس

وفي الفتاوي لو ضحى بشاة واحدة يكفيه ولو ضحى بأكثر من واحدة تقع الواحدة فريضة والزيادة تطوع عند عامة العلماء

والجزور والبقر يجزئ عن سبعة إذا أراد الكل القربة اختلفت جهة القربة أو اتحدت ولو نوى أحدهم اللحم بطل الكل


387

والبعير والبقر يجزئ عن سبعة إذا كانوا يريدون به وجه الله تعالى اتفقت جهة القربة أو اختلفت كالأضحية والقران والتمتع والتقدير بالسبع لمنع الزيادة لا لمنع النقصان حتى لو كان الشراء في البدنة أو البقرة ثمانية لم يجزهم ولو كانوا أقل من ثمانية إلا أن نصيب واحد منهم أقل من السبع لا يجوز أيضا بيانه مات الرجل وترك امرأة وابنا وبقرة فضحيا بها لا يجوز عنهما أي في حقهما وفي أضاحي الزعفراني اشترك ثلاثة نفر في بقرة على أن يدفع أحدهم أربعة دنانير والآخر ثلاثة دنانير والآخر دينارا واشتروا بها بقرة على أن تكون البقرة بينهم على قدر رؤوس أموالهم فضحوا بها لا يجوز

ولو كانت البدنة أو البقرة بين اثنين فضحيا بها اختلف المشايخ فيه والمختار أنه يجوز ونصف السبع تبع فلا يصير لحما قال الصدر الشهيد وهذا اختيار الامام الوالد وهو اختيار الفقيه أبي الليث وفي الأصل سبعة اشتركوا في بدنة أو بقرة ثم مات بعضهم قبل أن ينحروا فقال ورثته انحروها عنكم وعن فلان الميت يجزئهم استحسانا وكذا لو كان أحد الشركاء ضحى عن ولده الصغير أو عن أم ولده

سبعة ضحوا ببقرة وأرادوا أن يقتسموا اللحم بينهم إن اقتسموها وزنا جاز وإن اقتسموها جزافا إن جعلوا مع اللحم شيئا من السقط كالرأس والأكارع يجوز وإن لم يجعلوا لا يجوز وإن فعلوا مع هذا وحللوا الفضل بينهم بعضهم لبعض لم يجز

ولو باع درهما بدرهم وأحدهما أكثر وزنا فحلل صاحبه الآخر يجوز لأن هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة يجوز وفي الأولى يحتمل القسمة والفرق أن تحليل الفضل هبة وفي مسألة اللحم وهب المشاع فيما يحتمل القسمة وهو اللحم فلم يجز وفي مسألة الدرهم الواحد لا يحتمل القسمة جاز ولو جعلوا اللحم والشحم سبعة أسهم وقسموها بينهم جزافا جازت القسمة هكذا في الفتاوي

وفي المنتقى لو غصب أضحية غيره وذبحها عن نفسه وضمن القيمة لصاحبها أجزأه ما صنع لأنه ملكها بسابق الغصب

وفي نظم الزندوستي خمسة أشياء إذا أخذها من ملك الغير تجوز بها الأضحية وضمن قيمتها أولها غصب شاة وضحى بها والثاني لو سرق شاة وضحى بها والثالث لو غصب من ولده الصغير أو الكبير والرابع لو غصب من عبده المأذون المديون دينا مستغرقا والخامس الشراء الفاسد قال وستة لا تجوز أولها المودع إذا ضحى بشاة الوديعة والمستعير والمستبضع والمرتهن والوكيل بشراء الشاة والوكيل بحفظ ماله إذا ضحى بشاة موكله والسادسة الزوج والزوجة إذا ضحى كل بشاة صاحبه بغير إذنه والأضحية تدخل في ضمانه بالذبح ولو لم يتقدم ملكه على وقت المباشرة

نوع في العيوب وفي نظم الزندوستي خمسة عشر من الآفات لا تمنع جواز الأضحية منها أن التي لا أسنان لها إن كانت تعلف لا تجوز في ظاهر الأصول وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى إن بقي من الاسنان ما تعتلف به يجوز وفي الأجناس لا يجوز مطلقا والتي لا لسان لها في الغنم يجوز وفي البقر لا والجرباء إن كانت سمينة تجوز والتي لا قرن لها من الأصل تجوز فإن انقطع أو انكسر بعض قرنها تجوز إلا إذا بلغ المخ وصغيرة الأذن والتي بأذنها ثقب أو شق من الأعلى الى الأسفل فإن لم يكن لها أذن خلقة لا تجوز وكذا إذا لم يكن لها إحدى الأذنين


388

وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله إن لم يخلق لها أذن تجوز وهكذا روى عن محمد رحمه الله والتولاء وهي المجنونة إن كانت سمينة والعرجاء إن كانت تمشي بثلاث قوائم وتجافي الرابعة عن الأرض لا تجوز وإن كانت تضع الرابعة على الأرض وتستعين بها الا أنها تتمايل مع ذلك وتضعها وضعا خفيفا تجوز والمجبوب العاجز عن الجماع والتي فيها سعال والعاجزة عن الولادة لكبر سنها والتي بها كي والتي لا ينزل لها لبن من غير علة والتي لها ولد تجوز

وفي الأجناس إن كان للشاة ألية صغيرة خلقت شبه الذنب تجوز وإن لم يكن لها ألية خلقت كذلك قال محمد لا تجوز

وفي المنبع من العيوب ما لا يجوز منها العمياء والعوراء فإن كان الذاهب بعض عينها الواحدة أو بعض أذنها أو بعض أسنانها ففي رواية الأجناس إن كان أكثر من النصف لا تجوز بالإجماع وإن كان أقل من الثلثين تجوز بقدر الثلث وما كان دون النصف فهو قليل عندهما وبقدر النصف ظاهر مذهبهما أنه كثير وفي شرح الجامع للصدر الشهيد في النصف عنهما روايتان والظاهر عنهما أن النصف كثير وفي مختلف الروايات إن كان أكثر من الثلث لا يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله وبقدر الثلث يجوز وعليه اعتمد في الجامع الصغير وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يجوز وهل تجمع الخروق في الأذن من الأضحية اختلف المشايخ فيه في كتاب الصلاة من الأجناس ولو كانت صحيحة العينين فعورت عنده بعد إيجابه إياها على نفسه أو كانت سمينة فصارت عنده عجفاء أو عرجاء وإن كان موسرا لا يجوز له أن يضحي بها وإن كان فقيرا جاز له ذلك وهذا في رواية أبي سليمان وفي رواية أبي حفص يجوز معسرا كان أو موسرا ولو أصابتها آفة فكسرت رجلها أو ذهبت عينها في معالجة الذبح إن لم يرسلها جاز وإن أرسلها بعد إصابة الآفة ثم ضحى بها في وقت آخر في يومه أو في يوم آخر لا رواية لها في الأصول وفي العيون والمنتقى وأضاحي الزعفراني عن أبي يوسف رحمه الله أنه يجوز وقال الزعفراني في كتابه إنه لا يجوز وبه قال بعض العلماء ولا نأخذ به

والعجفاء التي لا شحم لها لا تجوز ومقطوعة رؤوس ضروعها وإن ذهب من واحد أقل من النصف فعلى ما ذكرنا من الخلاف في العين والأذن وفي الشاة والمعز إذا لم يكن لها إحدى حلمتيها خلقة أو ذهبت بآفة وبقيت أخرى لم تجز وفي الإبل والبقر إن ذهبت واحدة يجوز وإن ذهب اثنتان لا يجوز والله أعلم

نوع في الانتفاع بالأضحية وفي الأصل يكره أن تحلب الأضحية ويجز صوفها قبل الذبح وينتفع به فإن فعل ذلك تصدق به ومن أصحابنا من قال هذا في الشاة التي أوجبها على نفسه ويجوز الانتفاع بجلد الأضحية وهدي المتعة والتطوع بأن يتخذه فروا أو بساطا أو جرابا أو غربالا وله أن يشتري به متاع البيت كالجراب والغربال والخف ولا يشتري به الخل والزيت واللحم ولا بأس ببيعه بالدراهم ليتصدق بها وليس له أن يبيعها بالدراهم لينفقها على نفسه ولو فعل ذلك يتصدق بثمنه

وإذا اشترى بقرة أو بعيرا وأوجبه أضحية يكره له ركوبه واستعماله فإن فعل ذلك أو بعضه تصدق بما نقصه وإن آجره تصدق بأجره وفي أضاحي الزعفراني فإن ولدت ولدا ذبحها وولدها معها

نوع في التضحية عن الغير وفي التجريد يضحي الغني عن نفسه وأما عن ولده الصغير ففيه


389

روايتان وأما عن أولاده الكبار فلا يضحي عنهم وأما ابن الابن ففيه روايتان فإن كان للصغير مال يضحي عنه أبوه أو وصيه عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد وزفر يضحي من مال نفسه وفي الأصل قال الامام السرخسي زعم بعض مشايخنا أن على الأب أن يضحي من مال الصغير وكذلك الوصي على قياس صدقة الفطر عند أبي حنيفة والأصح أنه ليس له ذلك ولهذا لا يملك عتق عبده وهبة ماله والقاضي في مال الصغير على هذا والمجنون كالصبي وعلى الأب أن يؤدي خراج الأرض التي للصبي وعشرة ويؤدي دينه

وفي الفتاوي الوصي إذا ضحى عن الصغير بماله يعني بمال الصغير ولم يتصدق جاز فإن تصدق ضمن

وفي النوازل لو ضحى بشاة نفسه على غيره بأمره أو بغير أمره لا يجوز بخلاف العتق عن غيره فإنه لو أعتق عبده عن كفارة رجل بأمره يجوز

وذكر بعد هذا في النوازل سئل نصير عن رجل ضحى عن الميت ماذا يصنع به قال يأكل منه ويصنع به ما يصنع بأضحيته فقيل له أيصير عن الميت فقال الأجر له والملك لهذا فقيل له فإن ضحى عن الصبي فقال الأجر له والملك لهذا الرجل وقال محمد بن سلمة مثل هذا وقال محمد بن مقاتل مثل ذلك وأبو مطيع مثله وقال عصام بن يوسف يتصدق بالكل وفي الروضة إن أوصى أن يضحي عنه من ثلث ماله كل عام جاز

وفي أضاحي الزعفراني لو ضحى ببقرة عن نفسه وعن ستة من أولاده إن كانوا صغارا جاز وأجزأهم وفي الكبار بأمرهم جاز وبغير أمرهم لا يجوز هذا ما يسر الله نقله من الخلاصة والله الموفق

الفصل الثالث والعشرون في الجنايات والديات والحدود

تعمد القتل على خمسة أوجه عمد وشبه عمد وخطأ وما جرى مجرى الخطأ والقتل بسبب فالعمد ما تعمد ضربه بسلاح أو ما جرى مجرى السلاح في تفريق الأجزاء كالمحدد من الخشب والحجر والنار وبموجب ذلك الإثم والقود الا أن يعفو الأولياء ولا كفارة فيه وشبه العمد عند أبي حنيفة رحمه الله أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا ما جرى السلاح وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا ضرب بحجر عظيم أو بخشبة عظيمة فهو عمد لأنه لا يقصد به الا القتل وموجب ذلك على القولين الإثم والكفارة ولا قود فيه وفيه دية مغلظة على العاقلة والخطأ على وجهين خطأ في القصد وهو أن يرمي شخصا يظنه صيدا فإذا هو آدمي وخطأ في الفعل وهو أن يرمي غرضا فيصيب آدميا وموجب ذلك الكفارة والدية على العاقلة ولا إثم فيه وأما ما جرى مجرى الخطأ فمثل النائم ينقلب على رجل فيقتله فحكمه حكم الخطأ وأما القتل بسبب فكحافر البئر وواضع الحجر في غير ملكه وموجبه إذا تلف فيه آدمي الدية على العاقلة ولا كفارة فيه والكفارة في شبه الخطأ عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ولا يجزئ فيهما الإطعام لقوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة

ويقتل الذمي بالذمي ويقتل الواحد بالجماعة وتقتل الجماعة بالواحد فإذا قتل جماعة واحدا عمدا تقتل الجماعة بالواحد لإجماع الصحابة رضي الله عنهم


390

وروى أن سبعة قتلوا واحدا بصنعاء فقتلهم عمر رضي الله عنه جميعا وقال لو تمالأ أي لو اجتمع عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا ولأن القتل بطريق التعاقب غالب والقصاص شرع لحكمة الزجر فيجعل كل واحد منهم كالمنفرد بهذا الفعل فيجب القصاص تحقيقا لمعنى الإحياء من الكل

وذكر بعض شراح القدروي إنما يقتص من جميعهم إذا وجد من كل واحد منهم جرح لإزهاق الروح فأما إذا كانوا معينين بالأخذ والإمساك فلا قصاص عليهم الكل من شرح الكنز ولا يجوز استيفاء القصاص إلا بالسيف أو السكين حتى إن من أحرق رجلا بالنار أو قطع طرف لسانه فمات أو شجه وكان يضرب علاوته فمات يقتل بالسيف لا غير

ولا يقتل الوالد بولده ولا الجد من قبل الرجال والنساء وإن علا ولا بولد الولد وإن سفل ولا والدة بولدها ولا جدة من قبل الأب والأم وإن علت أو سفلت ويقتل الولد بالوالد ولا يقتل المولى بعبده ملك كله أو بعضه ويقتل العبد بمولاه ولو جن القاتل بعد القتل لا يقتل وينقلب مالا ويقتل سليم الجوارح بناقص الأطراف والبالغ والعاقل بالصبي والمجنون ولا قصاص بين الأحرار والعبيد ولا بين الذكور والإناث فيما دون النفس الكل من خزانة الفتاوي

ولو غرق صبيا أو بالغا في البحر لا قصاص عليه عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يجب والحجر العظيم على هذا

رجل قمط صبيا وطرحه فقتله سبع لم يكن عليه قود ولا دية ولكن يعزر ويحبس حتى يموت وعلى عاقلته الدية ولو قمط رجلا فألقاه في البحر حتى رسب فغرق تجب الدية ولو سبح ثم غرق لا دية عليه

رجل قتل آخر وهو في النزع قتل وإن كان يعلم أنه يعيش ولو قتل رجلا بالإبرة فلا قود عليه إلا إذا غرزها في المقتل ولو قال اقتلني فقتله لا يجب القصاص وتجب الدية وفي التجريد لا تجب الدية في أصح الروايتين عند أبي حنيفة رحمه الله وفي رواية تجب ولو قال له اقطع يدي فقطع لا شيء عليه خزانة الفتاوي

ولو أن رجلا أخذ رجلا فقيده وحبسه في بيت حتى مات جوعا قال محمد أوجعه عقوبة والدية على عاقلته والفتوى على قول أبي حنيفة في أنه لا شيء عليه

وإن دفنه في قبر حيا فمات يقتل به لأنه قتله عمدا وهذا قول محمد والفتوى على أن على عاقلته الدية وإذ طين رجل على رجل بيتا حتى مات جوعا أو عطشا لم يضمن في قول أبي حنيفة وقالا عليه الدية غنية الفتاوي

رجل نائم رآه قوم صحيح البدن فذبحه إنسان وقال ذبحته وهو ميت فإنه يقتل قياسا وفي الاستحسان تجب الدية

أخذ بيد رجل فجذب الرجل يده فانقلبت يده إن كان أخذ يده للمصافحة لا شيء عليه من أرش اليد وإن كان غمزها فتأذى فجذبها فأصابه ذلك ضمن أرش اليد ولو أن صبيا في يد أبيه جذبه انسان والأب ممسكه حتى مات فدية الصبي على من جذبه ويرثه أبوه وإن جذبه الأب وجذبه الرجل حتى مات فعليهما الدية ولا يرثه أبوه غنية الفتاوي

رجل ضرب رجلا بالسيف في غمده فخرق السيف الغمد وقتله فلا قصاص عند أبي حنيفة رحمه الله


391

وقال محمد إن كان بالغمد وضربه به وحده قتل بها وهو بناء على القتل بالمثقل ولو غزه رجل بإبرة أو بما يشبهها متعمدا فقتله لا قود فيه ولو كان بمسلة ففيه القود بجنسها

رجل ضرب رجلا بصخرة فمات لا يجب القصاص عليه قيل لأبي حنيفة رحمه الله أرأيت لو كانت الصخرة عظيمة قال وإن ضربه بجبل أبا قبيس لا يجب عليه القصاص فهي مسألة القتل بالمثقل وهذا اللفظ مما أخذه بعض الجدال على أبي حنيفة في علم الإعراب فقال الصواب بجبل أبي قبيس قال القدوري لم يثبت هذا عنأبي حنيفة ولم يوجد في كتابه وإن ثبت ذلك عنه فهو لغة بعض العرب قال القائل

إن أباها وأبا أباها
قد بلغا في المجد غايتاها

من الغنية

ولو ألقى رجلا في ماء بارد في يوم الشتاء فسكن ساعة ثم ألقاه فمات فعليه الدية وكذا لو جرده من ثيابه فجعله في سطح في يوم شديد البرد فلم يزل كذلك حتى مات من البرد وكذلك لو قمطه فجعله في الثلج من الغنية

ولو أن رجلا طرح رجلا من سفينة في البحر أو في دجلة وهو لا يحسن السباحة فرسب لا يقتل به عند أبي حنيفة وعليه الدية وإن ارتفع ساعة وسبح ثم غرق ومات فإن أبا حنيفة قال ليس فيه قصاص ولا دية من الغنية

ولو أن رجلا أدخل رجلا في بيت وأدخل معه سبعا وأغلق عليهما الباب فأخذ السبع الرجل فقتله لم يقتل به ولا شيء عليه وكذا لو نهشته حية أو لدغته عقرب لم يكن فيه شيء سواء أدخل الحية والعقرب معه أو كانا في البيت وإن فعل ذلك بصبي فعليه الدية قال في الهارونيات وفيها قول آخر أن فيها الدية من الغنية

رجل أقر أنه قتل فلانا بحديدة أو قال بسيف ثم قال إنما أردت غيره فأصبته درئ عنه القتل ولو قال ضربت فلانا بحديدة فقتلته ثم قال أردت غيره فأصابته لم يقبل ذلك منه ويقتل

وفي المنتقى إذا قطع عنق رجل وبقي شيء من الحلقوم وفيه الروح فقتله رجل لا قود عليه لأنه ميت ولو مات ابنه بعد ذلك وهو على تلك الحالة ورثه ابنه ولم يرث هو ابنه من الغنية

صفان التقيا صف المسلمين وصف من المشركين فاقتتلوا فقتل رجل من المسلمين رجلا من أصحابه ظنه مشركا فعليه الكفارة والدية ولا قود عليه قيل هذا إذا كان المقتول في صف المسلمين وأما إذا كان المقتول في صف المشركين فلا يجب عليه شيء غنية

وعمد الصبي وخطؤه سواء عندنا حتى تجب الدية في الحالين ويكون ذلك في حالة فعل العمد

وفي الزيادات الدية في فعل العمد على العاقلة أيضا ولا كفارة عليه في الخطأ ولا يحرم الميراث والمعتوه كالصبي ولو أمر غيره أن يقطع يده أو يفقأ عينه ففعل لا ضمان عليه في الوجهين من الغنية

ولو قال اقتل أخي فقتله والآمر وارثه قال أبو حنيفة رحمه الله أستحسن أن آخذ الدية من القاتل ولو قتل العبد المرهون في يد المرتهن لم يكن لواحد منهما أن ينفرد بالقصاص فإذا اجتمعا كان للراهن أن يستوفي القصاص قال الشيخ الامام أبو الفضل الكرماني وجدت رواية أنه لا يثبت لهما حق القصاص وإن اجتمعا وهو أقرب الى الفقه من الغنية


392

ويستوفي الكبير حق القصاص قبل كبر الصغير قودا هذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا ليس للكبير ولاية القصاص حتى يدرك الصغير لأنه حق مشترك كما إذا كان بين الكبيرين وأحدهما غائب صدر الشريعة

رجلان مدا شجرة فوقعت عليهما فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر ولو مات أحدهما كان على عاقلة الآخر نصف الدية رجل دفع الى صبي سكينا فضرب الصبي نفسه أو غيره بغير إذن الدافع لا يضمن الدافع شيئا من الغنية

حر بالغ أمر صبيا بقتل رجل فقتله كان على عاقلة الصبي الدية ثم ترجع عاقلة الصبي على عاقلة الآمر ولو أن بالغا أمر صبيا بحرق مال إنسان أو بقتل دابته فضمان ذلك على الصبي ثم يرجع بذلك على الآمر غنية

ولو وطيء جارية إنسان بشبهة وأزال بكارتها على قول أبي يوسف ومحمد ينظر الى مهر مثلها غير بكر والى نقصان البكارة فأيهما كان أكثر يجب ذلك ويدخل الأقل في الأكثر ولو كان صبيا زنى بصبية فأذهب عذرتها كان عليه المهر بإزالة البكارة من الغنية

ولو قتل الرجل عمدا وله ولي واحد له أن يقتل القاتل قصاصا سواء قضى القاضي أو لم يقض ويقتله بالسيف ولو أراد أن يقتل بغير السيف يمنع عن ذلك ولو فعل يعزر خزانة الفتاوي

نوع في الجنين الغرة خمسمائة درهم وهي نصف عشر الدية أو عبد أو فرس قيمته خمسمائة درهم ذكرا كان الجنين أو أنثى وفي جنين المملوك نصف عشر قيمته إن كان ذكرا أو عشر قيمته إن كان أنثى وهما في المقدار سواء من حيث الشرع لقيام قيمة كل واحد منهما مقام الدية وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يعتبر بالتفاوت وإنما سمي غرة لأن غرة الشيء أوله ومنه غرة الشهر أي أوله وأول مقادير الديات خمسمائة درهم فلذلك سمى غرة وهي تجب في سنة واحدة منية

الجنين إذا وجد قتيلا في محلة فلا قسامة ولا دية رجل ضرب بطن امرأة فألقت جنينين أحدهما ميت والآخر حي فمات الحي بعد الانفصال من ذلك الضرب كان على الضارب في الميت منهما غرة وفي الحي دية كاملة من الغنية

وإن انفصل الجنين ميتا لم يرث لأنا شككنا في حياته وقت موت الأب لجواز أنه كان ميتا لم ينفخ فيه الروح ولجواز أنه كان حيا فلا يرث بالشك

وفي الذخيرة ثم الجنين إذا خرج ميتا لا يرث إذا خرج بنفسه وأما إذا أخرج حيا فهو من جملة الورثة بيانه إذا ضرب إنسان بطن امرأة فألقت جنينا إن انفصل ميتا فإنه لا يرث ولا يورث وإن انفصل حيا فهو من جملة الورثة تتارخانية

نوع في الصبي والمجنون صبيان اجتمعوا في موضع يلعبون ويرمون فأصاب سهم أحدهم عين امرأة وذهبت وظهر الصبي ابن تسع سنين أو نحوه قال الفقيه أبو بكر أرش عين المرأة يكون في مال الصبي ولا شيء على الأب وإن لم يكن له مال فنظرة الى ميسرة قال الفقيه أبو الليث إنما وجبت الدية في مال الصبي لأنه لا يرى للعجم عاقلة ثم إنما تجب الدية إذا ثبت رميه بشهادة الشهود لا بإقرار الصبي ولا بوجود سهمه فيها لأن إقراره على نفسه باطل غنية


393

رجل حمل صبيا على دابة فقال له أمسكها لي ولم يكن يسير معه فسقط عن الدابة ومات كان على عاقلة الذي حمله الدية سواء كان الصبي ممن يركب مثله أو لا يركب فإن سير الصبي الدابة فوطئت إنسانا فقتلته والصبي مستمسك عليها فدية القتيل تكون على عاقلة الصبي ولا شيء على عاقلة الذي حمله عليها لأن الصبي أخذ في السير بغير إذن الرجل له وإن كان الصبي ممن لا يسير لصغره ولا يستمسك عليها فدم القتيل هدر لأن الصبي إذا كان لا يستمسك عليها كانت الدية بمنزلة المتغلبة وإن سقط الصبي عن الدابة والدابة تسير فمات الصبي كانت دية الصبي على عاقلة الذي حمله على كل حال سواء سقط الصبي بعد ما سارت الدابة أو قبل ذلك وسواء كان الصبي يستمسك على الدابة أو لا يستمسك

ولو كان الرجل راكبا فحمل صبيا معه على الدابة ومثل هذا الصبي لا يصرف الدابة ولا يستمسك عليها فوطئت الدابة انسانا قتله كانت الدية على عاقلة الرجل لأن الصبي إذا كان لا يستمسك يكون بمنزلة المتاع فيكون سير الدابة مضافا الى الرجل فتجب الدية على عاقلة الرجل وعليه كفارة بمنزلة المباشرة وإن كان هذا الصبي يصرف الدابة ويستمسك عليها فدية القتيل على عاقلتهما جميعا لأن سير الدابة يضاف اليهما ولا يرجع عاقلة الصبي على عاقلة الرجل لأن هذا بمنزلة جناية الصبي بيده غنية

وإذا كان الرجل يجن ويفيق فقتل رجلا في حال إفاقته ذكر في الأصل أنه والصحيح سواء فإن جن بعد ذلك هل يسقط القصاص لم يذكر محمد هذا في الأصل قال شيخ الإسلام خواهر زاده إن بعض مشايخنا فصلوا فيه تفصيلا فقالوا إن كان الجنون مطبقا يسقط القصاص وإن كان غير مطبق لا يسقط غنية

ولو أن عبدا حمل صبيا حرا على دابة فوقع الصبي عنها ومات فدية الصبي تكون في عنق العبد يدفعه المولى بها أو يفدى وإن كان العبد مع الصبي على الدابة فساقها فوطئت الدابة انسانا ومات فعلى عاقلة الصبي نصف الدية وفي عنق العبد نصفها غنية

رجل قتل رجلا عمدا ثم صار معتوها وشهد عليه الشهود بالقتل وهو معتوه فإني أستحسن أن لا أقتله وأجعل الدية في ماله والمسألة في المنتقى وذكر في موضع آخر في المنتقى روى ابراهيم عن محمد في رجل قتل رجلا ثم جن القاتل لا يقتل ولو قضى عليه بالقود ثم جن فالقياس أن لا يقتل وقال أبو يوسف يقتل إذا كان قد قضى عليه وفي موضع آخر إذا قضى القاضي بالقصاص على القاتل أفقبل أن يدفع الى ولي القتيل جن القاتل لا قصاص استحسانا وتجب الدية وإن جن بعد الدفع اليه له أن يقتله غنية

مجنون شهر على رجل سلاحا فقتله المشهور عليه لزمته الدية والكفارة

أراد أن يكره غلاما أو امرأة على الفاحشة فلم يستطيعا د فعه الا بالقتل فدمه هدر

نوع في القتل تسببا ولو عثر رجل بحجر فوقع في بئر حفرها فإن كان الحجر وضعه انسان على الطريق فالضمان على واضع الحجر لأن التردي بأثر فعله وإن كان الحجر لم يضعه أحد لكنه حميل السيل فالضمان على الحافر ولو حفر بئرا في فلاة من الأرض فلا ضمان على الحافر لأن الفلاة موضع مباح فلا يكون الحفر عدوانا


394

رجل حفر بئرا في ملك غيره فوقع فيها انسان فقال صاحب الأرض أنا أمرته بذلك وأنكر أولياء الواقع فالقياس أن لا يصدق صاحب الأرض وفي الاستحسان يصدق لأنه أخبر عما يملك إنشاءه غنية

رجل استأجر رجلا ليحفر له بئرا في الطريق فتردى فيها انسان فإن كانت في فناء دراه فالضمان على المستأجر دون الأجير وإن لم يكن في فنائه فإن علم الأجير بذلك فالضمان على الأجير دون المستأجر وإن لم يعلم فالضمان على المستأجر لأنه غره غنية

سقاه سما حتى مات فهو على وجهين إن دفع اليه السم حتى أكل ولم يعلم به فمات لا يجب القصاص ولا الدية ويحبس ويعزر ولو أخبره إخبارا تجب الدية على عاقلته وإن دفع اليه شربة فشرب ومات لا تجب الدية لأنه شرب باختياره إلا أن في الدفع خدعة فلا يجب التعزير والاستغفار غنية

رجل قال أنا ضربت فلانا بالسيف فقتلته قال أبو يوسف هو خطأ حتى يقول عمدا رجل قتل رجلا في النزع فإنه يقتل به وإذا شهد الشهود على رجل بالزنى والإحصان فزكيت فحبسه القاضي ليرجمه غدا أو بعد أيام فقتله رجل عمدا لا قصاص عليه غنية الفتاوي

رجل قتل رجلا فعفا بعض ورثته عن القاتل ثم قتله باقي الورثة إن علموا أن عفو البعض يسقط القصاص لزمهم القود وإن لم يعلموا بهذا الحكم فلا قود عليهم وإن علموا بالعفو غنية

المعلم إذا ضرب الصبي أو المحترف التلميذ فمات إن كان ضربه بأمر أبيه أو وصيه لا يضمن إن كان في الموضع المعتاد غنية

صبي على حائط صاح به رجل فوقع فمات قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر لا شيء عليه أطلق الجواب هنا وفصله في نوادر رستم فقال إذا صاح به فقال لا تقع فوقع لا يضمن ولو قال وقع فوقع يضمن والفتوى على هذا من الغنية

صبية بنت ست سنين جنت وكانت جالسة جنب النار فخرجت الأم الى بعض الجيران فاحتقرت الصبية فماتت لا قود على الأم لكن إذا كانت ملية يعجبني أن تعتق رقبة مؤمنة وإلا صامت شهرين متتابعين وتكون على ندامة واستغفار لعل الله أن يعفو عنها وهذا استحسان غنية

صبي مات في الماء أو وقع من سطح فمات إن كان ممن يحفظ نفسه كان هذا بمنزلة البالغ وإن كان ممن لا يحفظ نفسه فعلى أبويه الدية والكفارة لأن حفظه عليهما فوجبت الكفارة عليهما إن كان في حجرهما وإن كان في حجر أحدهما فالكفارة عليه واختار الفقيه أبو الليث أنه لا كفارة على أحدهما إلا أن يقسط من يده والفتوى على ما اختاره أبو الليث من الغنية

نوع في العفو والصلح الوارث إذا عفا عن القاتل هل يبرأ فيما بينه وبين الله تعالى قال هو بمنزلة الدين على رجل لرجل فمات الطالب وأبرأته الورثة فإنه يبرأ فيما بقي أما عن ظلمه المتقدم فلا يبرأ وكذا القاتل عن ظلمه وعدوانه ويبرأ عن القصاص وذكر الكرخي في مختصره أن العفو عن القاتل أفضل لقوله تعالى فمن تصدق به فهو كفارة له

واختلف أهل العلم في تأويله قال قوم هو كفارة للقاتل وقال آخرون هو كفارة للعافي وهو أولى التأويلين عندي من الغنية


395

رجل قتل عمدا وله وليان فصالح أحدهما القاتل عن جميع الدم على خمسين ألفا جاز الصلح في نصيبه بخمسة وعشرين ألفا وللآخر نصف الدية خمسة آلاف وروى عن أبي حنيفة رحمه الله أن الصلح على أكثر من الدية باطل ووجب لكل واحد منهما نصف الدية وهو خمسة آلاف والرواية المشهورة هي الأولى

ولو كان القصاص بين أخوين أحدهما غائب فادعى القاتل أن الغائب قد عفا عنه وأقام البينة على ذلك فإنه تقبل بينته ويثبت العفو عن الغائب فلو جاء الغائب لا يكلف القاتل بإعادة البينة هذا إذا أقام القاتل البينة على ما ادعى من عفو الغائب وإن لم يكن له بينة على ما ادعى وأراد أن يستخلف الحاضر يؤخر حتى يقدم الغائب هكذا ذكر محمد وأطلق الجواب إطلاقا

قال بعض مشايخنا يريد محمد بقوله يؤخر حتى يقدم الغائب تأخير استحلاف البتات لأن الحاضر لا يستحلف على البتات أما إذا أراد استحلاف الحاضر على العلم بالله ما يعلم أن الغائب قد عفا عنه فإنه يستحلف على ذلك غنية

وفي الذخيرة رجل قتل عمدا وعلى المقتول ديون ثم إن ولي القتيل صالح القاتل على مال يقضي من ذلك ديون المقتول وكذلك لو كان المقتول أوصى بوصايا تنفذ من ذلك وصاياه وكذلك لو كان للمقتول أولياء عفا بعض الأولياء عن القاتل حتى انقلب نصيب الباقين مالا يقضي من ذلك المال ديون المقتول وتنفذ وصاياه وزعم بعض مشايخنا أن العمد إذا انقلب مالا في الابتداء فهو بمنزلة القتل الخطأ من الابتداء ألا ترى أنه يقضي من ذلك ديون الميت وتنفذ وصاياه وليس الأمر كما زعموا ألا ترى أن الحر إذا قتل رجلا عمدا وللمقتول أولياء عفا عنه بعض الأولياء حتى انقلب نصيب الباقين مالا يجب ذلك في مال القاتل ولو كان خطأ في الابتداء يجب على عاقلة القاتل من التتار خانية

ولو عفا عن الجناية أو عن القطع وما يحدث منه فهو عفو عن النفس والخطأ من ثلث ماله والعمد من كله أي إذا كانت الجناية خطأ وقد عفا عنها فهو عفو عن الدية فيعتبر من الثلث لأن الدية مال في حق الورثة فحق الورثة يتعلق بها فالعفو وصية فتصح من الثلث وأما العمد فموجبه القود وهو ليس بمال فلم يتعلق به حق الورثة فيصح العفو عنه على الكمال صدر الشريعة وتقضي ديون الميت من الدة وبدل الصلح كذا في البزازية

نوع في المتفرقات ولو أن رجلين كانا في بيت ليس معهما ثالث وجد أحدهما مذبوحا قال أبو يوسف رحمه الله يضمن الآخر الدية وقال محمد لا أضمنه والعبد المرهون إذا وجد قتيلا في دار المرتهن أو الراهن فالقيمة على رب الدار دون العاقلة هكذا روى عن أبي يوسف ولو وجد الرجل قتيلا في دار بين رجلين لأحدهما ثلثها وللآخر ثلثاها فالدية على عاقلتهما نصفان من الغنية

رجل فقأ عين عبد أو بعير أو شاة أو دجاجة ففي الشاة والدجاجة ونحوهما يجب ما نقص من القيمة وأما في العبد فعليه نصف القيمة رجل جرح فقال قتلني فلان ثم مات فأقام وارثه البينة على رجل آخر أنه قتله لم تقبل بينته لأن هذا حق الورثة وقد كذب البينة بقوله قتلني فلان من الغنية

رجل أمر رجلا أن يضع حجرا في الطريق فوضعه فعطب به الآمر فضمانه على الواضع وكذا إذا قال اشرع جناحا من دارك أو ابن دكانا على بابك تنتفع به ففعل فعطب به الآمر أو عبده أو دابته وكذا الآمر إذا بنى ذلك للمأمور بأمره ثم عطب به الآمر وكان المأمور هو الذي بنى ذلك من الغنية


396

ولو ازدحم الناس يوم الجمعة فقتلوا رجلا ولا يدري من قتله فديته على بيت المال من الغنية

ولو أن رجلا أراد أن يضرب انسانا بالسيف فأخذ سيفه ذلك الانسان بيده فجذب صاحب السيف سيفه من يده فقطع بعض أصابعه فإن كان القطع من المفاصل فعليه القود لأنه عمد وإن لم يكن القطع من المفاصل فعليه الدية من الغنية هذا ما يسر الله لنا نقله من مجموع المرحوم مؤيد زادة والله تعالى أعلم

نوع فيما يتعلق بالديات وفي التجريد حكم الخطأ الدية والكفارة وحرمان الميراث ولا خلاف في أن تقدير الدية من الابل مائة ومن الدنانير ألف ومن الدراهم عشرة آلاف وعندهما من البقر مائة بقرة ومن الشياه ألف شاة ومن الحلل مائة حلة ودية المرأة نصف ذلك ودية الذمي والمستأمن كدية المسلم عندنا ودية الخطأ أخماس عشرون بنت مخاض وعشرون ابن مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة ودية شبه العمد أرباع خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى

وفي فتاوي القاضي الامام واختلفوا في تفسير حكومة العدل قال بعضهم ينظر الى المجني عليه أنه لو كان مملوكا كم ينتقص من قيمته بهذه الجناية إن كانت تنقص عشر قيمته ففي الحر تجب عشر الدية قال والفتوى على هذا وهذا ما يسر الله نقله من الخلاصة

وفي النفس الدية وكذا الأنف والذكر والحشفة والعقل والشم والذوق والسمع والبصر واللسان وبعضه إذا منع الكلام والصلب إذا منع الجماع وكذا إذا أفضاها فلم تستمسك البول ومن قطع يد رجل خطأ ثم قتله قبل البرء خطأ ففيه دية واحدة وما في البدن اثنان ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية وما فيه أربعة ففي أحدهما ربع الدية وفي كل أصبع عشر الدية وتقسم على مفاصلها والكف تبع المفاصل وفي كل سن نصف عشر الدية فإن قلعها فنبتت أخرى مكانها سقط أرشها

وفي شعر الرأس إذا حلق فلم ينبت الدية وكذا اللحية والحاجبان والأهداب واليد إذا شلت والعين إذا ذهب ضوءها وفي الشارب ولحية الكوسج وثدي الرجل وذكر الخصي والعنين ولسان الأخرس واليد الشلاء والعين العوراء والرجل العرجاء والسن السوداء والاصبع الزائدة وعين الصبي ولسانه وذكره إذا لم تعلم صحته حكومة وإذا قطع أصبعا فشلت أخرى ففيها الأرش وعمد الصبي والمجنون خطأ وقد تقدم

والشجاج عشرة الجارحة وهي التي تشق الجلد ثم الدامعة وهي التي تخرج ما يشبه الدمع ثم الدامية وهي التي تخرج الدم ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم ثم المتلاحمة وهي التي تأخذ في اللحم أكثر ثم السمحاق وهي جلدة فوق العظم اتصلت اليها الشجة ثم الموضحة وهي التي توضح العظم ثم الهاشمة وهي التي تهشم العظم ثم المنقلة وهي التي تنقله ثم الآمة وهي التي تصل الى أم الدماغ ففي الموضحة القصاص إن كان عمدا وفي الباقي حكومة عدل ولا قصاص في شيء منها وإن كانت عمدا وروى في الموضحة وفيما قبلها القصاص دون بعدها وفي الموضحة الخطأ نصف عشر الدية وفي الهاشمة العشر وفي المنقلة عشر ونصف وفي الآمة الثلث وكذا الجائفة فإذا نفذت فثلثان والشجاج تختص بالوجه والرأس والجائفة بالجوف والجنب والظهر وما سوى ذلك جراحات فيها حكومة عدل وقد تقدم بيان حكومة العدل


397

ومن شج رجلا فذهب عقله أو شعر رأسه دخل فيه أرش الموضحة وإن ذهب سمعه أو بصره أو كلامه لم يدخل ولم يقتص من الموضحة والطرف حتى يبرأ ولو شجه فالتحمت ونبت الشعر سقط الأرش والله تعالى أعلم وهذا ما يسر الله تعالى نقله من المختار على وجه الاختصار

باب القسامة

القتيل كل ميت به أثر إذا وجد في محلة لا يعلم قاتله وادعى وليه القتل على أهلها أو على بعضهم عمدا أو خطأ ولا بينة له يختار بينهم خمسين رجلا يحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا ثم يقضي بالدية على أهل المحلة وكذلك إذا وجد بدنه أو أكثره أو بعضه مع الرأس فإن لم يكن فيهم خمسون رجلا كررت الأيمان عليهم لتتم خمسين ومن أبى منهم يحبس حتى يحلف ويقضي بالدية للولي ولا يدخل في القسامة صبي ولا مجنون ولا عبد ولا امرأة وإن ادعى الولي القتل على غيرهم سقطت عنهم القسامة ولا تقبل شهادتهم على ذلك وإن وجد على دابة يسوقها إنسان فالقسامة عليه وعلى عاقلة السائق وكذا القائد والراكب وإن وجد في دار انسان فالقسامة عليه وعلى عاقلته إن كانوا حضورا وإلا كررت الأيمان عليه والدية على عاقلته وإن وجد بين قريتين فعلى أقربهما إذا كانوا يسمعون الصوت ولو وجد في السفينة فالقسامة على الملاحين والركاب وفي مسجد محلة فعلى أهلها وفي الجامع والشارع الأعظم الدية في بيت المال ولا قسامة وإن وجد في برية أو في وسط الفرات فهدر وإن كان محتبسا بالشاطئ فعلى أقرب القرى منه إن كانوا يسمعون الصوت والله تعالى أعلم هذا ما يسر الله نقله من المختار

ولو وجد في دار نفسه تدي عاقلة ورثته عند أبي حنيفة رحمه الله وعند زفر لا شيء فيه وبه يفتى

القسامة على أهل الخطة لا على السكان ولا على المشترين فلو باع كلهم فعلى المشترين

وجد قتيل في دار بين قوم لبعضهم أكثر فهي على الرؤوس وفي سوق مملوك فعلى المالك وفي غير المملوك والسجن لا قسامة والدية على بيت المال ولو وجد في معسكر في فلاة غير مملوكة ففي الخيمة والفسطاط على ساكنيهما هذا ما يسر الله تعالى نقله من الدرر والغرر والله الموفق لسبيل الرشاد

باب المعاقل

وهي جمع معقلة وهي الدية والعاقلة الذين يؤدونها وتجب عليهم كل دية وجبت بنفس القتل فإن كان القاتل من أهل الديوان فهم عاقلته تؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين سواء خرجت في أقل أو أكثر وإن لم يكن من أهل الديوان فقبيلته يسقط عليهم في ثلاث سنين لا يزاد الواحد على أربعة دراهم وينقص منها فإن لم تسع القبيلة ذلك ضم اليها أقرب القبائل نسبا وإن كان ممن يتناصرون بالحرف فأهل حرفته وإن تناصروا بالحلف فأهله ويؤدي القاتل كأحدهم ولا عقل على الصبيان والنساء ولا بعقل الكافر عن المسلم ولا بالعكس وإن كان للذمي عاقلة فالدية عليهم وإلا ففي ماله في ثلاث سنين وعاقلة المعتق قبيلة مولاه وعاقلة مولى الموالاة مولاه وقبيلته وولد الملاعنة تعقل عنه عاقلة أمه فإن ادعاه الأب بعد ذلك رجعت عاقلة الأم على عاقلة الأب وتحمل العاقلة خمسين دينارا فصاعدا وما دونها في مال الجاني ولا تعقل العاقلة ما اعترف به الجاني إلا أن يصدقوه وإذا جنى الحر على العبد خطأ فعلى عاقلته وهذا ما يسر الله تعالى نقله من المختار والله الموفق لسبيل الرشاد


398

فصل في المسألة المتعلقة بالحدود

رجل زنى بامرأة ميتة لا حد عليه وعليه التعزير لما روى أن بهلول النباش فعل ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه السلام فلم يقم عليه الحد ونزل فيه قوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة الآية وقبلت توبته من غير حد

ولو أتى امرأة أو غلاما في الموضع المكروه والعياذ بالله تعالى فليس عليه حد الزنا ولكنه يستتاب بالتعزير والحبس وعندهما عليه الحد وفي روضة الزندوستي إن الخلاف في الغلام أما لو أتى في الموضع المكروه منها يحد بلا خلاف ولو فعل هذا بعبده أو أمته أو منكوحته لا يحد بلا خلاف قال محمد رحمه الله في الأصل إذا زنى بامرأة خرساء لا حد على واحد منهما وجعل الجواب في الخرساء كالجواب فيما إذا كانت المرأة ناطقة وادعت المرأة النكاح بخلاف ما إذا كانت مجنونة أو صبية يجامع مثلها كان على الرجل الحد وبخلاف ما إذا كانت المرأة غائبة وأقر الرجل أنه زنى بها أو شهد عليه الشهود فإنه يقام عليه الحد من الغنية

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه السلام من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به وقال من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه السلام إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط مصابيح

ولو لاط بامرأته أو عبده لا يجب الحد وفي جامع ظهير الدين اللواطة في عبده وفي الأجنبي والأجنبية فيهما أشد التعزير والرأي فيهما الى الإمام إن شاء قتله إن اعتاد ذلك وإن شاء ضربه وحبسه

وقالا فيهما الحد وقال أبو بكر يحرق بالنار وعن الشعبي يرجم في الأحوال كلها وعن البعض يهدم عليه جدار

ولو جرد امرأة وعانقها أو قبلها أو جامعها فيما دون الفرج حتى أنزل فعليه التعزير

رجل وجب عليه الحد وهو ضعيف الخلقة يخاف عليه التلف إذا ضرب يجلد قدر ما يحتمل خزانة الفتاوي

رجل زنى بصغيرة لا تتحمل الجماع فأفضاها لا حد عليه في قولهم جميعا ثم ينظر في اللإفضاء إن كانت تستمسك البول كان عليه بالوطء وثلث الدية بالإفضاء وإن كانت لا تستمسك البول كان عليه جميع الدية ولا مهر عليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد عليه الدية والمهر أيضا ولا يحرم عليه أمها ولا بنتها بهذا الوطء في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف تحرم من الغنية

رجل زنى بجارية مملوكة وقتلها بفعل الجماع ذكر في الأصل أن عليه قيمتها ولم يذكر فيها خلافا وذكر أبو يوسف في الأمالي عن أبي حنيفة أن عليه الحد والقيمة وقال أبو يوسف عليه القيمة ولا حد عليه وهو الصحيح ولو زنى بامرأة فقتلها بفعل الجماع كان عليه الحد والدية ولو أقرت المرأة فقالت زنيت بهذا الرجل وأنكر الرجل لا حد على واحد منهما في قول أبي حنيفة رحمه الله وقالا تحد المرأة وكذا لو قال الرجل زنيت بهذه المرأة وأنكرت المرأة الزنا لا حد عليه في قول أبي حنيفة رحمه الله وقال صاحباه يحد ولو قال الرجل زنيت بهذه المرأة وقالت لا بل تزوجني فإنه يحد وعليه المهر


399

لها وكذا لو أقرت هي بالزنا أربع مرات في مجالس مختلفة وقال الرجل لا بل تزوجتها لا حد عليه وعليه المهر لها من الغنية

أربعة شهدوا على رجل بالزنا بامرأة فنظروا اليها فإذا هي بكر فإنه لا حد عليه ولا على الشهود حد القذف ولو أقر الرجل أربع مرات في مجالس مختلفة أنه زنى بامرأة ولم يعين المرأة حد الرجل من الغنية

إذا أقر المجبوب بالزنا أو شهد عليه الشهود لا يحد ولو أقر الخصي بالزنا أو شهد عليه الشهود حد وكذلك العنين

ولو أقر الأخرس بالزنا أربع مرات في كتاب كتبه أو إشارة لا يحد ولو شهد عليه الشهود بالزنا لا تقبل غنية

زنى بجارية الغير ثم اشتراها أو بحرة ثم تزوجها فإنهما يحدان في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وعن أبي يوسف رحمه الله في رواية لا حدان والحرة إذا زنت بعبد ثم اشترته فإنهما جميعا غنية

ولو وطئ جارية ابنه أو جارية امرأته وادعى الشبهة يجب لكل وطء مهر

العاقلة البالغة طاوعت من صبي أو مجنون لا حد عليهما وزاد في النظم وعليها العدة ولا مهر لها

المرأة إذا أكرهت على الزنا فمكنت لم تحد بالإجماع ولا تأثم بالتمكين إن شاء الله تعالى ومعنى الكره على الوطء أن تكون مكرهة الى وقت الايلاج أما لو أكرهت حتى اضجعت ثم مكثت قبل الايلاج كانت مطاوعة فيجب عليها الكفارة في رمضان خزانة

ولو قال لآخر يا زاني فقال لا بل أنت يحدان الصبي إذا زنى بصبية لا حد عليه وعليه المهر في ماله لأنه مؤاخذ بأفعاله وإذنها له لم يصح رجل أقر بالزنا أربع مرات ثم قال والله ما أقررت درئ عنه الحد خزانة

ولا يجب الحد على واطئ جارية ولده وإن سفل مع العلم بحرمته لشبهة وجدت في المحل والشبهة إذا ثبتت في الموطوءة يثبت فيها الملك من وجه ولم يبق معه اسم الزنا فلم يجب مع علمه بحرمة الوطء لقيام دليل يدل على حله وإن تخلف هنا لمانع فأورث بذلك شبهة ويسمى هذا النوع شبهة المحل ويثبت النسب مع هذه الشبهة عند الدعوى لعدم كونه زنا خالصا وهي تثبت في مواضع منها وطء الرجل جارية ابنه ودليل حله قوله عليه الصلاة والسلام أنت ومالك لأبيك ثم إن حبلت وولدت يثبت النسب من الأب ولا يجب المهر لتملكه اياها بالقيمة سابقا على الوطء وإن لم تحبل فعليه المهر لأن التمليك ثمة لصيانة مائة من الضياع ولا حاجة هنا فلا يثبت الملك ومنها وطء مطلقته البائن والدليل فيه أن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم جعل الكناية رجعية ومنهم عمر رضي الله عنه ومنها وطء المولى للجارية المبيعة أو الممهورة قبل التسليم والدليل فيها أنها في يده فضمانه يعود الى ملكه بالهلاك وكذا وطء المبيعة بالبيع الفاسد قبل التسليم أو بعده أو بشرط الخيار لأن له فيها حق الملك ومنها وطء جارية مكاتبه وعبده المأذون المستغرق بالدين لأن له حقا في كسبه ومنها وطء الجارية المشتركة لأن ملكه في البعض ثابت حقيقة ومنها وطء الجارية المرهونة في رواية لأن سبب الملك العقد له ولهذا عند هلاكها يكون استوفيا لدينه فصارت كالمشتراة بشرط الخيار للبائع شرح المجمع


400

فصل فيما يظهر في الزنى

أربعة شهدوا على امرأة بالزنا وأحدهم زوجها فإن لم يكن الزوج قذفها قبلت شهادتهم وحدت المرأة وإن كان الزوج قذفها أولا والمسألة بحالها فهم قذفة يحدون وعلى الزوج اللعان لأن شهادته لم تقبل لمكان التهمة لأنه بشهادته سعي في دفع اللعان عن نفسه من الغنية

والزاني إذا ضرب الحد لا يحبس والسارق إذا قطع يحبس الى أن يتوب لأن الزنا جناية على نفسه فلو حبس حبس لأجل نفسه وأما السقرقة فهي جناية على غيره من وجه فلو حبس حبس لغيره وهو جائز

رجل أتى بفاحشة ثم تاب وأناب الى الله تعالى فإن القاضي لا يعلم الناس بالفاحشة لإقامة الحد عليه لأن الستر مندوب اليه غنية الفتاوي

التقادم يمنع الشهادة على الزنا والسرقة وحد التقادم بعضهم قدره بشهر وهو قولهما وبعضهم قدره بستة أشهرا وبعضهم فوضه الى رأي القاضي وفي الأصل لم يوقت أبو حنيفة وعنه ثلاثة أيام وعنه لا يقبل بعد ستة أشهر وقيل لا يقبل بعد ثلاثة أيام اليه أشار محمد خزانة

فصل فيما يصير شبهة بالإحصان

رجل زنى بامرأة ثم تزوجها أو بأمة ثم اشتراها ذكر في ظاهر الرواية يحد وروى عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يسقط الحد وذكر أصحاب الإملاء عن أبي يوسف رحمه الله أن من زنى بامرأة ثم تزوجها أو بجارية ثم اشتراها لا حد عليه عند أبي حنيفة رحمه الله وعليه الحد في قول أبي يوسف وذكر ابن سماعة في نوادره على عكس هذا وقال على قول أبي حنيفة عليه الحد في الوجهين وفي قول أبي يوسف لا حد عليه في الوجهين وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله إذا زنى بأمة ثم اشتراها فلا حد عليه وإن زنى بحرة ثم تزوجها فعليه الحد والفرق بين النكاح والشراء أنه يملك عينها وملك العين في محل الحل بسبب الملك للحل فيجعل الطارئ قبل الاستيفاء كالمقدر بالسبب كما في باب السرقة فإن السارق إذا ملك المسروق يمتنع القطع فأما في النكاح فلا يملك عين المرأة وإنما يثبت له ملك الاستيفاء ولهذا لو وطئت المنكوحة بالشبهة كان العقر لها فلا يورث ذلك شبهة فيما تقدم استيفاء منها فلا يسقط الحد عنه من الغنية

وينبغي للقاضي أن يسأل شهود الإحصان عن الإحصان ما هو فإن قالوا فيما وصفوا تزوج امرأة ودخل بها فعلى قول أبي يوسف رحمه الله يكتفي بقولهم ودخل بها وعند محمد لا يكتفي به مالم يقولوا جامعها وأجمعوا على أنه لا يكتفي بقولهم مسها أو لمسها وأجمعوا على أنه يكتفي بقولهم جامعها باضعها وفي البقالي أنه يكتفي بقولهم اغتسل منها غنية

ولو خلا بامرأة ثم طلقها فقال الزوج وطئتها وقالت المرأة لم يطأني فإن الزوج يكون محصنا بإقراره والمرأة لا تكون محصنة لإنكارها

رجل أقر عند القاضي بالزنا أربع مرات فأمر القاضي برجمه ثم قال والله ما أقررت بشيء يدرأ عنه الحد هذا ما يسر الله تعالى نقله من مجموع مؤيد زاده شارح الطحاوي

لا يحل شرب الخمر إلا عند الضرورة للعطش يشرب قدر ما يدفع العطش فلو أنه شرب الخمر مقدار ما يرويه فسكر لا حد عليه لأنه ضرورة فيباح هذا المقدار لدفع العطش فقط ومن شرب منها


401

قدر ما يصل الى جوفه يحد ثمانين جلدة إن كان حرا أو أربعين إن كان عبدا ومن وجد في فيه رائحة الخمر أو قاء حمرا لا يحد شرب البنج للتداوي لا بأس به فإن ذهب به عقله لم يحد فإن سكر منه لا يحد عندهما خلافا لمحمد رحمه الله تعالى ومن زنى في رمضان فادعى شبهة تسقط الحد عزر وحبس هذا ما يسر الله تعالى نقله من الخلاصة والله تعالى الموفق لسبيل الرشاد

نوع في حد القذف وفي جنايات النوازل رجل قال لآخر يا خبيث لا يقول له بل أنت والأحسن أن يكف عنه ولا يجيب ولو رفع الأمر إلى القاضي ليؤدبه يجوز ولو أجاب مع هذا لا بأس به ولو قال لآخر يا ديوث أو يا فاجر أو يا فاسق أو يا يهودي أو يا مخنث لا يجب الحد ولكن يعذر يعني اذا قال لصالح أما اذا قال للفاسق يا فاسق أو قال للص يا لص لا يجب شيء واختيار التعزير الى القاضي من واحد الى تسع وثلاثين وهذا عندهما وهذا في الفتاوي

وفي شرح الطحاوي في كتاب الحدود التعزير على أربع مرات تعزير أشراف الأشراف كالعلماء والعلوية وتعزير الأشراف كالدهاقنة وتعزير أوساط الناس وتعزير الخسائس فتعزير الأشراف الإعلام لا غير وهو أن يقول القاضي بلغني أنك تقول كذا أو تفعل كذا وتعزير غير الأشراف الإعلام والجر إلى باب القاضي وتعزير الأوساط وهم السوقة الإعلام والجر الى باب القاضي والحبس وتعزير الخسائس الإعلام والجر الى باب القاضي والضرب والحبس بعد ذلك قال المصنف رحمه الله سمعت من ثقة أن التعزير بأخذ المال إن رأى القاضي أو الولي جاز ومن جملة ذلك رجل لا يحضر الجماعة يجوز تعزيره بأخذ المال ومما يتصل بهذا العبد إذا أساء الأدب فللمولى أن يعزره ويؤدبه ولا يجاوز الحد به وكذا امرأته قال الله تعالى واضربوهن أباح تعزير النساء عند الحاجة اليه

الساحر إذا ادعى أنه خالق ما يفعل إن لم يتب يقتل والساحرة تقتل بردتها إن كانت تعتقد ذلك وإن كانت المرتدة لا تقتل ولكن الساحرة تقتل بالأثر وهو ما يروي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب عماله أن اقتلوا الساحر والساحرة

رجل يتخذ لعبة للناس ويفرق بين المرء وزوجه بتلك اللعبة فهذا ساحر ويحكم بارتداده ويقتل هكذا ذكر مطلقا وهو محمول على ما اذا كان يعتقد أن له أثرا

رجل علم أن فلانا يتعاطى المناكر هل له أن يكتب الى أبيه ذلك إن وقع في قلبه أن أباه يقدر على أن يغير على ابنه يحل له أن يكتب به الى أبيه وإن لم يقع في قلبه أنه لا يقدر لا يكتب وكذا بين المرء وزوجه وكذا بين السلطان والرعية اه هذا ما يسر الله نقله من الخلاصة والله الموفق لسبيل الرشاد

باب السرقة

ركنها أخذ الشيء خفية ومحلها مال محرز ومملوك وهو شرط ونصابها قدر عشرة دراهم مضروبة وحكمها القطع

فإن سرق مكلف حر أو عبد قدر النصاب محرزا بلا شبهة بمكان كبيت أو صندوق أو بحافظ كجالس في الطريق أو مسجد عنده مال وأقر بها مرة أو شهد رجلان بأن سألهما الامام كيف هي أو ما هي ومتى هي وأين هي وكم هي وممن سرق وبيناها قطع وإن تشارك جمع فيها فأصاب قدر نصاب قطعوا وإن أخذه بعضهم


402

وقطع بالساج وبالأبنوس والصندل والفصوص الخضر والياقوت والنبرجد والإناء والباب ولا يقطع فيما وجد مباحا في دارنا كخشب وحشيش وقصب وسمك وطير وزرنيخ ومغرة ونورة ولا بما يفسد سريعا كلبن ولحم وفاكهة رطبة وثمر على شجر وبطيخ وزرع لم يحصد لعدم الحرز ولا في أشربة مطربة وآلات لهو وصليب ذهب أو فضة وشطرنج ونرد ومصحف وصبي حر ولو محليين وعبد ودفتر الحساب ولا في كلب وفهد وزيت وتبن ومال عامة في بيت المال ومال له فيه شركة ومثل حقه حالا أو مؤجلا ولو يزيد وما قطع فيه وهو بحاله لا إن تغير وسرق ثانيا قطع كغزل قطع فيه ثم نسج فسرق ولا من سرق من ذي محرم منه بخلاف مال في بيت غيره ومال مرضعته ولا من الزوج وعرس ولا من مال خاص له من سيده وعرسه وزوج سيدته ولا من مكاتبه ومبعضه ومغنم وحمام وبيت أذن في دخوله أو سرق شيئا ولم يخرجه من الدار أو دخل بيتا وناول من هو خارج أو ثقب بيتا وأدخل يده فيه وأخذ شيئا أو طر صرة خارجة من كم غيره

أما الإطرار وحل الرباط فإن طر الرباط من خارج فلا قطع وإن حل الرباط أو سرق أو حل جملا من قطار أو حملا قطع إن حفظه ربه أو أنام عليه أو شق الحمل فأخذ منه شيئا أو أدخل يده في صندوق غيره أو كمه أو جيبه أو أخرج من مقصورة دار فيها مقاصير الى خارج أو سرق رب مقصورة من مقصورة أخرى فيها أو ألقى شيئا من حرز الطريق ثم أخذه وحمله على حمار فساقه وأخرجه من الحرز هذا ما يسر الله تعالى نقله من صدر الشريعة

فصل في جناية البهيمة والجناية عليها

ضمن الراكب في طريق العامة ما وطئت دابته وما أصابت بيدها أو رجلها أو رأسها أو كدمت أي عضت بمقدم أسنانها أو خبطت أي ضربت بيدها أو صدمت أي ضربت بنفسها شيئا فلو حدثت هذه الأشياء وهي تسير في ملكه لم يحرم الميراث ويلزمه الكفارة ولو حدثت في ملك غيره فلو كان سيرها بإذنه كان كملكه وإلا ضمن ما تلف مطلقا إلا ما نفحت برجلها أو ذنبها سائرة إذ لا يمكنه الاحتراز عنها مع سيرها أو عطب بما راثت أو بالت في الطريق سائرة فلو أوقفها لغيره ضمن إلا في موضع أذن الامام بإيقافها فيه وإن أصابت بيدها أو رجلها حصاة أو نواة أو أثارت غبارا أو حجرا صغيرا ففقأ عينا أو أفسد ثوبا لا يضمن السائق للدابة والقائد كالراكب في الضمان وعليه أي الراكب الكفارة لأنه مباشر وحكم المباشر أن لا يرث إن كان المقتول مورثه بخلافهما أي السائق والقائد حيث لا كفارة عليهما ويرثان لأنهما متسببان والكفارة وحرمان الإرث ليس من أحكام التسبب

ضمن عاقلة كل حر فارس أو راجل دية الآخر إن اصطدما وماتا ولم يكونا من العجم وكان الاصطدام خطأ ولو عمدا فنصفها أي الدية ولو عبدين فيهدر دمهما ولو كان أحدهما حرا والآخر عبدا فعلى عاقلة الحر المقتول قيمة العبد في الخطأ ونصفها في العمد ويضمنها عاقلته

سائق دابة سقط بعض أداتها على رجل فمات وقائد قطار وطيء بعير منه رجلا فمات لو معه سائق في جانب الابل ضمنا وأما إذا لم يكن في جانب الابل بل بوسطها وأخذ زمام واحد منها ضمن وحده

قتل بعير ربطه على قطار يسير بلا علم قائده رجلا ضمن على عاقلة القائد الدية ورجعوا بها على عاقلة الرابط فلو ربطها والقطار واقف ضمنها أي الدية عاقلة القائد بلا رجوع كذا إذا علم القائد انتهى


403

هذا ما يسر الله تعالى نقله من الدرر والغرر وقد تقدم في فصل الضمانات ما يتعلق بالجنايات فليراجع والله الموفق لسبيل الرشاد

الفصل الرابع والعشرون في الشرب والمزارعة والمساقة كتاب الشرب

وفي فتاوي القاضي الامام الأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار ولم يرد به شركة الملك وإنما أراد به الاباحة في الماء الذي لم يحرز في الحياض والعيون والآبار والأنهار فلكل أحد أن يشرب منها ويسقي دوابه وإن فيه انقطاع ذلك الماء ولا يسقي بها أرضه ولا زرعه

وفي الأصل المياه ثلاثة الأول في نهاية العموم كالأنهار العظام كدجلة والفرات وجيحون وسيحون وهي ليست بمملوكة لأحد ولكل أحد أن يستسقي منها ويسقي دابته وأرضه ويشربه ويتوضأ به ولكل أحد نصب الطاحون والساقية والدالية واتخاذ المشرعة واتخاذ النهر الى أرضه بشرط أن لا يضر بالعامة فإن أضر يمنع من ذلك فإن لم يضر فعل ذلك ولم يمنع وإن أضر وفعل فلكل واحد من أهل الدار مسلم أو ذمي أو امرأة أو مكاتب منعه

الثاني في نهاية الخصوص كماء الحب والكوز وليس لأحد أن ينتفع به الا باذن صاحبه وفي الفتاوي في كتاب الصلاة لو صب ماء حب إنسان يقال له املأه فإن اضطر اليه فحينئذ ينتفع بغير اذن صاحبه

الثالث المتوسط وهو ماء الأنهار والآبار المملوكة والحياض ولكل واحد أن يسقي دابته إلا إذا كان له جمال وأبقر كثيرة يخاف صاحب النهر فساد المسناة وتخريب النهر فحينئذ له منعه هكذا في الفتاوي

وإن كان الحوض في دار رجل أو في بستانه فاستقى آخر منه ليس لصاحب الدار أو البستان أن يأخذ ذلك منه إلا أن لصاحب الملك أن يمنعه من الدخول في ملكه ولكل واحد أن يقول لي حق في دارك فإما أن توصلني اليه أو تمكنني من الدخول وهذا اذا كان له مستقي غير ذلك فإن لم يكن فله أن يدخل داره بغير اذنه الكل في نسخة الامام السرخسي

وفي فتاوي القاضي نهر لقوم ولرجل أرض بجنبه ليس له شرب منه من هذا النهر كان لصاحب الأرض الذي ليس له شرب منه أن يشرب ويتوضأ ويسقي دوابه من هذا النهر وليس له أن يسقي أرضا منه أو شجرا أو زرعا ولا أن ينصب دولابا على هذا النهر لأرضه وإن أراد أن يرفع الماء منه بالقرب والأواني ويسقي زرعه أو شجره اختلف المشايخ فيه والأصح أنه ليس له ذلك ولأهل النهر أن يمنعوه

وفي شرح الشافي لا يجوز بيعه وليس لأحد نصب الطاحونة ولا غيرها على الأنهار المشتركة لأقوام مخصوصين وليس للسلطان أن يأذن لهم بذلك وإن أذن لم يعتبر إذنه

نهر بين قوم عليه أرضون لم يعرف كيف كان أصله اختلفوا فيه يقسم بينهم على قدر أراضيهم فإن كان الأعلى لا يشرب حتى يسكر النهر لم يكن له ذلك إلا برضا الآخرين والمختار أنه اذا لم يمكنه سقي


404

أرضه من غير سكر رفع الأمر الى القاضي حتى يأمرهم بالمهايأة فإن اصطلحوا على أن يسكر كل شارب يوما جاز وليس لأحد أن يكري منه نهرا إلا برضا الآخرين وكذا نصب الرحى إلا أن يكون موضع الرحى في أرضه ولا يضر بالنهر ولا بالماء ومن كان له شرب في أرضه في أسفل النهر ففتح ذلك في أعلاه فليس له ذلك ومن جعل باب داره في أعلى حائطه له ذلك كذا في مختصر عصام وقسمة شرح الطحاوي

وفي كتاب الشرب للإمام خواهر زاده فلو أراد أن يجعل شربه أسفل أو أعلى له ذلك وهكذا في نسخة الامام السرخسي وذكر الصدر الشهيد في كتاب الحيطان ولو أراد أن يسوق شربه الى أرض أخرى لم يكن لها شرب فيما مضى لم يجز وهذا كطريق بين قوم أراد أحدهم أن يفتح فيه طريقا لممر دار أخرى لم يجزه الكل في الأصل

وفي العيون نهر مشترك بين قوم أذنوا لرجل في السقي منه الا رجلا فإنه لم يأذن له ليس له أن يسقي حتى يأذنوا كلهم كذا روى هشام عن أبي يوسف رحمه الله

وفي مزارعة النوازل عن محمد بن مقاتل في رجل سرق ماء فساقه الى أرضه أو كرمه فإنه يطيب له ما خرج وهو بمنزلة رجل غصب شعيرا أو تبنا وسمن دابته فعليه قيمة العلف وما زاد في الدابة فهو طيب له قال رحمه الله فعلى قياس هذا لو سرق أوراق التوت وأعطى دود الصلق فالإبريسم يطيب له وعليه قيمة الأوراق

فصل في مسائل الماء

في فتاوي القاضي الامام رجل أراد سقي أرضه أو زرعه من مجرى له فجاء رجل ومنعه الماء ففسد زرعته قالوا لا شيء عليه كما لو منع الراعي حتى ضاعت المواشي

رجل له نوبة ماء في يوم معين من الأسبوع فجاء رجل وسقي أرضه في نوبته ذكر الشيخ الامام علي البزدوي أن غاصب الماء يكون ضامنا وفي متفرقات الفقيه أبي جعفر رجل سقي أرضه فتعدى الماء الى أرض جاره إن أجرى الماء إجراء لا يستقر في أرضه بل يستقر في أرض جاره يضمن وقد تقدم مثل هذا في الضمانات والله أعلم

نوع في الأرض الموات وفي الأصل من أحيا أرضا ميتة باذن السلطان ملكها وبدون الاذن لا وعندهما يملكها بدون اذن السلطان والأرض الميتة كل أرض من أراضي السواد والجبال لا يبلغها ماء الأنهار وليس لأحد فيها ملك وأراضي بخارا ليست بموات لأنها دخلت في القسمة وتصرف الى أقصى مالك أو بائع في الاسلام أو الى ورثته وإن لم يعلم ورثته فحينئذ التصرف للقاضي وقال رحمه الله هكذا قال الامام ظهير الدين المرغيناني وتفسير الإحياء أن يبني عليها أو يغرس أو يكريها أو يسقيها وهكذا في مزارعة النوازل هذا ما يسر الله نقله من الخلاصة

فصل في المزارعة

قال في الأصل إذا دفع المزارع الأرض الى آخر مزارعة فالمزارعة فاسدة عند أبي حنيفة رحمه الله وكذا المعاملة والخارج لصاحب الأرض إن كان البذر منه وللعامل إن كان البذر منه وإن كان من رب الأرض فعليه أجر مثل عمل العامل وكما يجب أجر المثل في عمل العامل يجب أجر مثل الأرض في المزارعة الفاسدة ويجب أجر مثل البقر


405

والمراد من قوله يجب أجر مثل الأرض والبقر يعني يجب أجر مثل الأرض مكروبة أما البقر فلا يجوز أن يستحق بعقد المزارعة وأجر المثل يجب بالغا ما بلغ عند محمد وعند أبي يوسف لا يزاد على المشروط والمزارعة جائزة على قولهما والفتوى على قولهما ثم إن أبا حنيفة إنما فرع المسائل على قول من جوز المزارعة لعلمه أن الناس لا يأخذون بقوله

ثم للزراعة شرائط وركن وحكم وصفة أما ركنها فالإيجاب والقبول وأما شرائطها فمن جملة ذلك كون الأرض صالحة للزراعة وكون رب الأرض والعامل من أهل العقد وبيان المدة سنة أو سنتين شرط في الزراعة وفي المعاملة تجوز من غير بيان المدة استحسانا وتقع على أول ثمرة تخرج في تلك السنة

وفي النوازل عن محمد بن سلمة المزارعة من غير بيان المدة جائزة أيضا وتقع على سنة واحدة يعني على زرع واحد وبه أخذ الفقيه أبو الليث وقال إنما شرط أهل الكوفة بيان الوقت لأن وقت المزارعة عندهم متفاوت وابتداؤها وانتهاؤها مجهول ووقت المعاملة معلوم فأجازوا المعاملة وتقع على أول سنة ولم يجيزوا المزارعة أما في بلادنا فوقت المزارعة معلوم فيجوز وإن لم يوقت كالمعاملة ولو دفع أرضه مزارعة خمسمائة سنة فهي فاسدة

ومن شرائطها التخلية حتى لو شرط في العقد ما يتعذر به التخلية مثل عمل رب الأرض تفسد المزارعة ومن شرائطها بيان ما يزرع في الأرض قياسا وفي الاستحسان ليس بشرط ومن شرائطها بيان من عليه البذر وعن بعض أئمة بلخ إن كان بينهم عرف ظاهر أن البذر يكون على أحدهما بعينه لا يشترط بيان من عليه البذر ومن شرائطها بيان النصيب على وجه لا يقطع الشركة بينهما في الخارج بأن يقول بالنصف أو الثلث أو الربع أو ما أشبه ذلك فإن بينا نصيب أحدهما ينظر فإن بينا نصيب من لا بذر من جهته جازت المزارعة قياسا و استحسانا وإن بينا نصيب من كان البذر من جهته جازت المزارعة استحسانا ومن الشرائط في المعاملة أن يكون العقد واقعا على ما هو في حد النمو بحيث يزيد في نفسه بسبب عمل العامل حتى لو عقدا عقد المعاملة على ما يتناهى عظمه وصار بحال لا يزيد في نفسه بسبب عمل العامل لا تصح المعاملة وأما بيان حكمها فنقول حكمها ثبوت الملك في منفعة الأرض إذا كان البذر من جهة المزارع والشركة في الخارج

وأما بيان صفة المعاملة والمزارعة فنقول المعاملة لازمة من الجانبين ولو أراد أحدهما السفر ليس له الفسخ إلا بعذر والمزارعة لازمة من قبل من لا بذر منه حتى لا يملك الفسخ إلا بعذر لكن غير لازمة من قبل من له البذر قبل إلقاء البذر في الأرض حتى يملك الفسخ من غير عذر لأن فيه إتلاف ماله وهو البذر والانسان لا يجبر على إتلاف ماله بخلاف المعاملة فإنه ليس له الوفاء بما يؤدي الى تلف المال على أحدهما فيلزمه المضي فيها الا بعذر والعذر أن يمرض العامل أو يلحق صاحب النخل دين فيضطر الى بيعه لأن فيه ضررا ظاهرا أما ترك السفر فليس فيه ضرر ظاهر فافترقا وبعد ما يلقى البذر في الأرض تصير لازمة من الجانبين

قال في شرح الشافي بعد هذا المزارعة على سبعة أوجه أحدها أن تكون الأرض من أحدهما والبقر والعمل والبذر من الآخر وهذا العمل جائز وصاحب البذر مستأجر للأرض الثاني أن يكون


406

العمل من أحدهما والباقي من الآخر وهذا جائز أيضا وصاحب البذر مستأجر للعامل ليعمل به الثالث أن تكون الأرض والبذر من أحدهما والبقر وآلات العمل والعمل من الآخر وهذا جائز أيضا الرابع أن يكون البذر من العامل والبقر من قبل رب الأرض وهذا فاسد في ظاهر الرواية وعن أبي يوسف أنه يجوز الخامس أن يكون البقر من أحدهما والباقي من الآخر السادس أن يكون البذر والبقر من واحد والباقي من الآخر السابع أن يكون البذر من واحد والباقي من الآخر فالمزارعة فاسدة في هذه الوجوه الثلاثة

رجل دفع أرضا أو نخلا يزرعها المزارع على أن يقوم على النخل بالنصف فهذه مزارعة شرطت فيها المعاملة فينظر إن كان البذر من المزارع فسدت المزارعة والمعاملة لأنه صفقة في صفقتين فإن كان من رب الأرض جاز كلاهما لأنه أجرة وإن كانت المعاملة معطوفة على المزارعة بأن يقول أدفع اليك هذه الأرض فتزرعها ببذرك وأدفع اليك ما فيها من النخل معالمة جاز مطلقا

وفي النوازل رجل له أرض أراد أن يأخذ بذرا من رجل حتى يزرعها ويكون ذلك بينهما فالحيلة أن يشتري نصف البذر ويقبضه ويبرئه البائع من الثمن ثم يقول له ازرعها على أن الخارج بيننا نصفان فما خرج فهو بينهما لأن البذر منهما

وفي النوازل أيضا رجل دفع الى رجل أرضا مزارعة سنة فزرعها فرفع ثمرتها ثم زرع السنة الثانية بغير اذن رب الأرض فنبت الزرع أو لم ينبت فبلغ ذلك رب الأرض فلم يجز إن كانت العادة بين أهل تلك القرية أنهم يزرعون المرة بعد الأخرى بغير مزارعة جديدة فذلك جائز

وفي فتاوي النسفي رجل زرع أرض الغير بغير أمره ينظر الى العرف إن كانت مناصفة يكون بينهما نصفين قال رحمه الله وهذا اذا كانت معدة لذلك بأن كان صاحب الأرض ممن لا يزرع بنفسه ويدفع مزارعة

وفي أول مزارعة النوازل رجل زرع أرض غيره بغير أمره فعليه نقصان الأرض هذا قول نصير وقال محمد بن سلمة ينظر بكم تستؤجر قبل استعمالها وبكم تستؤجر بعد استعمالها فيجب عليه نقصان ذلك

رجل زرع أرض غيره بغير اذنه ثم قال لرب الأرض ادفع الي بذري فأكون أكارا لك إن كان البذر مستهلكا لا يجوز وإن كان قائما يجوز والله أعلم

فصل في أعمال المزارعة ما يكون على المزارع ومالا يكون

الأصل إن كان عمل لا بد للمزارعة منه لتحصيل الزرع المرغوب فيه من الأرض المدفوعة اليه فإن المزارع يجبر عليه سواء كان ذلك مشروطا في العقد أو لم يكن كالسقي والتبذير وكل عمل ليس للمزارع منه بد في تحصيل الزرع إلا أنه عمل يزيد في جودة الخارج إن كان مشروطا في عقد المزارعة يجبر عليه

وحفر البئر وإصلاح المسناة على صاحب الأرض أيضا وفتح فوجه النهر الصغير من النهر الكبير على العامل إلا أن يبعد أو يكون في موضع وثم ظلمة يمنعون الماء فحينئذ يكون على رب الأرض قال هكذا أفتى الشيخ الامام ظهير الدين وحفظ الزرع على المزارع الى وقت الإدراك وبعد ذلك عليهما وإن شرط الحفظ على المزارع بعد الادراك أو شرط مؤنة الماء على المزارع ينبغي أن لا تفسد المزارعة


407

وإذا أدرك الباذنجان والبطيخ فالحمل والالتقاط عليهما وإذا صار الزرع قصيلا فأرادا أن يفصلاه ويبيعاه كذلك فالفصل عليهما والله سبحانه وتعالى أعلم

فصل فيما يكون عذرا في فسخ المزارعة

وفي الأصل السفر والمرض عذر من قبل المزارع ولو كان المزارع سارقا يخاف على الزرع والثمر منه فهذا عذر ولو أراد صاحب الأرض البيع بعذر الدين والبذر من المزارع إن عمل المزارع في الأرض من الكراب وتسوية المسناة وأشباه ذلك إلا أنه لم يزرعها فلصاحب الأرض أن يبيعها ولا شيء للعامل على رب الأرض وإن كان المزارع قد زرع الأرض ونبت الزرع فليس لرب الأرض أن يبيعها حتى يستحصد الزرع فلو حبسه القاضي بالدين خلى سبيله ولو زرع المزارع ولم ينبت الزرع حتى لحق رب الأرض دين فادح اختلف المشايخ في جواز البيع

وفي مزارعة النوازل رجل دفع لرجل أرضه مزارعة فزرع الأرض ثم إن رب الأرض باع الأرض مزروعة فلا يخلو إما أن يكون باعها برضا المزارع أو بغير رضاه وإما أن يكون البذر من جهة رب الأرض أو من جهة العامل فإن باعها برضاه ولم يكن نبت الزرع والبذر من قبل رب الأرض فلا شيء للمزارع من الثمر لأنه إنما يثبت له الحق بعد النبات أما قبله فلا حق له فيه وإن كان البذر من قبل المزارع نابتا فإن أجاز المزارع جاز ونصيب المزارع فيه قائم وإن كان ذلك بغير رضاه فللمزارع أن يبطل البيع وكذلك لو دفع الكرم معاملة ثم باعه إن لم يكن خرج منه شيء فلا شيء للعامل لأنه ليس له فيه حق فإن خرج وأجازه جاز ونصيبه فيه قائم وإن كان بغير رضاه فله أن يبطل البيع

وإذا مات رب الأرض بعد ما نبت الزرع قبل أن يستحصد والبذر من المزارع يبقي العقد الى أن يستحصد الزرع استحسانا ولا يجب شيء من الأجر على المزارع هذا إذا قال المزارع أنا لا أقلع الزرع فإن قال أنا أقلع الزرع فإنه لا يبقى عقد المزارعة وإن اختار المزارع القلع فلورثة رب الأرض خيارات ثلاث إن شاءوا قلعوا الزرع والمقلوع بينهم وإن شاءوا أنفقوا على الزرع بأمر القاضي حتى يرجعوا على المزارع بجميع النفقة وإن شاءوا غرموا حصة المزارع من الزرع والمزروع لهم وإن مات قبل الزراعة بعد ما عمل في الأرض بأن كرب الأرض وحفر الأنهار انتقضت المزارعة ولا يغرم ورثة رب الأرض للمزارع شيئا ولو مات بعد الزراعة قبل النبات اختلف المشايخ فيه ولو لم يمت لكن المزارع آخر الزراعة حتى انقضت السنة والزرع بقل فأراد رب الأرض أن يقلع الزرع وأبى المزارع فليس لرب الأرض أن يقلع الزرع وتثبت بينهما إجارة في نصف السنة حكما حتى يستحصد والعمل عليهما نصفان حتى يستحصد وهذا اذا لم يرد المزارع القلع فإن أراد القلع فلرب الأرض خيارات ثلاث على ما ذكرنا وإذا أنفق بعد انتهاء الزرع بأمر القاضي رجع على المزارع بنصف النفقة ولو انقضت مدة المعاملة والثمر لم يدرك وأبى العامل الغرم يترك بغير اجارة في يده

وإذا هرب المزارع في وسط السنة والزرع بقل فأنفق عليه رب الأرض حتى استحصد رجع على العامل بما أنفق بالغا ما بلغ والقول قول المزارع في قدر النفقة مع يمينه على عمله وإن مات المزارع والزرع بقل فقالت ورثة المزارع نحن نعملها على حالها حتى نستحصدها فذلك لهم ولو قالوا نقلع الزرع ولا نعمل لا يجبرون على العمل


408

فصل في المزارع يدفع الى آخر مزارعة

وفي الأصل إذا كان البذر من المزارع له أن يدفع الى آخر مزارعة وإن لم يأذن له رب الأرض أصلا فلو دفع المزارع مزارعة بالنصف الى آخر على أن يعمل ببذره والشرط في المزارعة الأولى أيضا النصف فالخارج بين رب الأرض والمزارع الثاني نصفان ولا شيء للمزارع الأول الكل في الأصل هذا ما يسر الله نقله من الخلاصة والله الموفق ‌ كتاب المساقاة

المساقاة هي في الأصل دفع الشجر الى من يصلحه بجزء من ثمره وهي كالمزارعة حكما وخلافا وشروطا فإن حكم المساقاة حكم المزارعة وإن الفتوى على صحتها وفي أنها باطلة عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا لهما وفي أن شروطها كشروطها وفي كل شرط يمكن وجوده في المساقاة كأهلية العاقدين وبيان نصيب العامل والتخلية بين الأشجار والعامل والشركة في الخارج فأما بيان البذور ونحوه فلا يمكن في المساقاة وعند الشافعي المساقاة جائزة والمزارعة إنما تجوز في ضمن المساقاة لأن الأصل هو المضاربة والمساقاة أشبه بها لأن الشركة في الربح فقط وفي المزارعة لا تجوز الشركة في مجرد الربح وهو ما زاد على البذر إلا المدة فإنها تصح بلا ذكرها استحسانا فإن لإدراك الثمر وقتا معلوما ويقع على أول ثمرة تخرج وإدراك بذر الرطبة كإدراك الثمر الرطبة بالفارسية سبست فإنه اذن دفع الرطبة مساقاة ولا يشترط بيان المدة فتمتد الى إدراك بذر الرطبة فإنه كإدراك الثمر في الشجر أقول الغالب أن البذر فيها غير مقصود بل تحصد في كل سنة ست مرات أو أكثر و إن أريد البذر تحصد مرة وتترك مرة ثانية الى أن يدرك البذر ففيما لا يوجد البذر ينبغي أن تقع على السنة الأولى وذكر مدة لا يخرج الثمر فيها يفسدها وذكر مدة قد تبلغ فيها وقد لا تبلغ تصح فلو خرج في وقت مسمى فعلى الشرط وإلا فللعامل أجر المثل أي يعمل الى إدراك الثمرة ويصح في الكرم والشجر والرطاب وأصول الباذنجان والنخل إن كان فيه ثمر إلا مدركا كالمزارعة هذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا تصح إلا في الكرم والنخل وإنما تصح فيهما بحديث خيبر وفي غيرهما بقي على القياس وعندنا تصح في جميع ما ذكر لحاجة الناس ثم إذا صحت تصح إذا استحصد لكن إجارة الأرض لا تصح إلا أن تكون خالية عن زرع المالك فإن مات أحدهما أو مضت مدتها والثمرنيء يقوم العامل عليه أو وارثه وإن كره الدافع أو ورثته أي إن مات العامل والثمر نيء يقوم ورثة العامل عليه وإن كره الدافع وإن مات الدافع يقوم العامل كما كان وإن كره ورثة الدافع استحسانا دفعا للضرر ولا تفسخ إلا بعذر وكون العامل مريضا لا يقدر على العمل أو سارقا يخاف على سعفه أو ثمره منه عذر ولو دفع فضاء مدة معلومة ليغرس ويكون الشجر والأرض بينهما لا يصح لاشتراط الشركة فيما هو حاصل قبل الشركة والثمر والغرس لرب الأرض وللآخر قيمة غرسه وأجر عمله لأنه في معنى قفيز الطحان لأنه استئجار ببعض ما يخرج من عمله وهو نصف البستان وإنما لا يكون الغراس لصاحبه لأنه غرس برضاه ورضى صاحب الأرض فصار تبعا للأرض وحيلة الجواز أن يبيع نصف الغراس بنصف الأرض ويستأجر صاحب الأرض العامل ثلاث سنين مثلا بشيء قليل ليعمل في نصيبه هذا ما يسر الله نقله من صدر الشريعة والله سبحانه وتعالى أعلم


409

الفصل الخامس والعشرون في الحيطانوما يتعلق

جدار بين شريكين أراد أحدهما أن يزيد في البناء عليه لا يكون له ذلك إلا بإذن الشريك أضر بالشريك ذلك أو لم يضر

جدار بين دارين انهدم ولأحدهما بنات ونسوة فأراد صاحب العيال أن يبنيه وأبى الآخر قال بعضهم لا يجبر الآبي وقال الفقيه أبو الليث في زماننا يجبر لأنه لا بد أن يكون بينهما سترة قال الامام فخر الدين قاضيخان ينبغي أن يكون الجواب على التفصيل إن كان أصل الجدار يحتمل القسمة ويمكن لكل واحد منهما أن يبني في نصيبه سترة لا يجبر الآبى على البناء وإن كان أصل الحائط لا يحتمل القسمة على هذا الوجه يجبر الآبي على البناء غنية الفتاوي

جدار بين رجلين لكل واحد منهما عليه حمولات فوهي الجدار فرفعه أحدهما وبناه بمال نفسه ومنع الآخر عن وضع الحمولات على ما كان عليه في الزمن القديم قال الفقيه أبو بكر الإسكاف ينظر إن كان عرض الجدار بحال لو قسم بينهما أصاب كل واحد منهما موضع فيمكنه أن يبني عليه حائطا يحتمل حمولاته على ما كان في الأصل كان الباني متبرعا بالبناء وليس له أن يمنع صاحبه عن وضع الحمولات عليه وإن كان بحال لو قسم لا يصيبه ذلك لا يكون متبرعا وله أن يمنع شريكه عن وضع الحمولات على هذا الوجه حتى يضمن له نصف ما أنفق في البناء غنية

جدار بين رجلين لأحدهما حمولة وليس للآخر حمولة فأراد الذي لا حمولة له أن يضع عليه حمولة مثل حمولة شريكه اختلفوا فيه قال الفقيه أبو بكر البلخي إن كانت الحمولة الشريك محدثة فلآخر أن يضع وقال الفقيه أبو الليث للآخر أن يضع عليه مثل حمولته إن كان الحائط يحتمل ذلك وشريكه مقر بأن الحائط بينهما غنية

وذكر في كتاب الصلح إذا كان لكل واحد منهما عليه جذوع أو جذوع أحدهما أكثر فللآخر أن يزيد في جذوعه إن كان الحائط يحتمله

وعن الفقيه أبي بكر البلخي جدار بين رجلين لأحدهما عليه بناء فأراد أن يحول جذوعه الى موضع آخر قال إن كان يحول من الأيمن الى الأيسر أو من الأيسر الى الأيمن ليس له ذلك وإن أراد أن يسفل الجذوع فلا بأس لأن هذا يكون أقل ضررا بالحائط وإن أراد أن يجعله أرفع عما كان لا يكون له ذلك لأن هذا يكون أكثر عما كان فإن رأس الحائط لا يحتمل ما يحتمله أساس الحائط فإنه يمنع وعن محمد رحمه الله إن كان الحائط المشترك قدر قامة الرجل فأراد أحد الشريكين أن يزيد في طوله ليس له ذلك إلا بإذن شريكه غنية

وفي فتاوي أبي الليث رجل أذن له جاره في وضع الجذوع على حائطه أو حفر سرداب تحت داره ثم باع داره فللمشتري رفع الجذوع والسرداب إلا إذا اشترط في البيع ترك ذلك فحينئذ لا يكون له ذلك

وذكر قاضيخان مسائل من جنس ذلك الى أن قال إن كان أحدث بناء أو غرفة في سكة غير نافذة برضى أهلها فاشترى رجل من غير أهل تلك السكة دارا منها فله أن يأمره برفع الغرفة حاوي


410

جدار بينهما أراد أحدهما أن يبني عليه سقفا آخر أو غرفة يمنع وكذا إذا أراد أحدهما وضع السلم يمنع إلا إذا كان في القديم كذلك بزازية

جدار مشترك بين اثنين انهدم فظهر أنه ذو طاقين متلاصقين فأراد أحدهما أن يرفع الحائط الذي هو في جانبه ويكتفي بالطاق الذي هو من جانب شريكه سترة وأبى الشريك ذلك قال الفقيه أبو بكر البلخي إذا كانا أقرا قبل ظهور ما ظهر أن هذا الحائط بينهما فليس لأحدهما أن يحدث فيه شيئا بغير أمر الشريك وإن كانا أقرا أن كل حائط لمن يليه فلكل واحد منهما أن يحدث فيه ما أحب غنية

حائط بين رجلين لأحدهما عليه جذوع فأراد الآخر أن يضع عليه جذوعا مثل جذوع صاحبه فمنعه الآخر لأن الجدار لا يحتمل ذلك قال الشيخ الامام أبو القاسم يقال لصاحب الجذوع إن شئت فحط عنه ما يمكن لشريكك من الحمل وإن شئت فارفع حملك حتى تستويا لأن صاحب الحمل إن كان وضع بغير إذن الشريك فهو ظالم وإن وضع بإذنه فهو عارية والعارية غير لازمة قال الفقيه أبو الليث وعن أبي بكر خلاف هذا وبقول أبي القاسم نأخذ غنية

جدار بين رجلين لأحدهما عليه حمولة وليس للآخر عليه شيء فمال الجدار الى الذي لا حمولة له فاشهد على صاحب الحمولة فلم يرفعه حتى سقط فأضر بالشريك قال أبو القاسم إذا ثبت الاشهاد وكان محفوفا وتمكن من رفعه بعد الاشهاد يضمن المشهود عليه نصف قيمة ما فسد من سقوطه غنية

حائط بين رجلين انهدم فبناه أحدهما في غيبة الشريك قال أبو القاسم إن بناه بنقض الحائط الأول يكون متبرعا ولا يكون له أن يمنع شريكه من الحمل عليه وإن بناه بلبن أو خشب من قبل نفسه لم يكن للشريك أن يحمل على الحائط حتى يؤدي نصف قيمة الحائط غنية

حائط بين رجلين لأحدهما عليه جذع واحد وللآخر عليه عشرة قال في الكتاب لصاحب الجذع موضع جذعه وكل الحائط للآخر استحسانا وفي القياس يكون جميع الحائط بينهما وبه كان أبو يوسف رحمه الله يقول أولا ثم رجع الى الاستحسان وهو قول أبي حنيفة رحمه الله غنية الفتاوي

حائط مشترك بين رجلين وهي ويخاف ضرر بسقوطه فأراد أحدهما النقض وامتنع الآخر قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل يجبر على ما نقضه وعنه إذا أراد أحدهما نقض جدار مشترك وأبى الآخر فقال له صاحبه أنا أضمن لك كل ما ينهدم من بيتك وضمن ثم نقض الجدار بإذن الشريك فانهدم من منزل المضمون له شيء لا يلزمه ضمان ذلك غنية

هدم بيته ولم يبن والجيران يتضررون بذلك كان لهم جبره على البناء إذا كان قادرا والمختار ليس لهم ذلك

طاحونة أو حمام مشترك انهدم بعضه وأبى الشريك عن العمارة يجبر أما إذا انهدم الكل وصار صحراء لا يجبر وإن كان الشريك معسرا يقال له أنفق حتى يكون دينا على الشريك ولو أنفق أحدهما في مرمتها بغير إذن الشريك لا يكون متبرعا خزانة الفتاوي هذا ما يسر الله نقله من مجموع مؤيد زاده والله أعلم

وفي صلح النوازل رجل أراد أن يتخذ داره بستانا ليس لجاره أن يمنعه من ذلك إذا كانت الأرض صلبة لا يتعدى ضرر الماء الى جداره وإن كانت رخوة يتعدى الى جداره له أن يمنعه وعلى هذا إذا جعل دكانه طاحونة أو جعله للقصارة وعلى هذا لو أراد أن يبني حماما أو اصطبلا


411

وفي صلح الفتاوي إذا كان لرجل نخلة في ملكه فخرج سعفها الى ملك غيره فأراد الآخر قطعها له ذلك وفي بيوع النوازل رجل له دار قد تدلت أغصان شجرة لرجل وأخذت هواء داره فقطع صاحب الدار الأغصان إن أمكن صاحب الشجرة أن يفرغ هواء داره من غير أن يقطع بأن يجمع الأغصان ويشدها بحبل ضمن وإن كانت غلاظا لا يمكن وقطعها من الموضع الذي يقطعها الحاكم منه لو رفع اليه لا يضمن وإن قطع أكثر مما يقطعه الحاكم يضمن كذا في غصب الفتاوي

وفي فتاوي الفضلى في كتاب الدعوى رجل بني السقف الأعلى في منزل امرأته ثم أراد رفعه إن بناه بأمرها ليس له الرفع والبناء لها وكذا كل من بنى دار غيره بغير أمره يكون له وإن بنى بغير أمرها له أن يرفع إلا أن يضر فحينئذ يمنع وفي الوصايا إن بنى لها يكون لها

وفي فوائد الفضلى رجل هدم منزل امرأته برضاها ثم بناه بنقضه ونفقته وبخشب آخر اشتراه بماله إن بنى لامرأته لم يكن له في البناء حق

وذكر فقيهنا أبو اسحاق أنه إن أشهد وقت البناء أنه يبني ليرجع عليها كان البناء لها وإن لم يشهد كان البناء لها ولا يرجع عليها بشيء وعلى هذا العمارة في كرمها انتهى هذا ما يسر الله نقله من الخلاصة والله الموفق

الفصل السادس والعشرون في السير

أمان الذمي والمرأة لا يصح إلا إذا حكم بأن لهم ذمة فحينئذ يجوز وكذا حكم العبد والمحدود والأعمى لا يجوز ولو سألوا أن ينزلوا على حكم أسير في أيديهم فللإمام أن يجيبهم

الامام إذا أمنه على قرابته يدخل الوالدان في حق الأمان استحسانا بخلاف الوصية لقرابته السلطان إذا أمن الكفار بشرط عدم النهب لا يصح أمانه حتى لو ظهر عليهم فهم في عوان أمنهم مطلق فاشتغلوا في النهب انتقض أمانهم وهذا إذا كانوا كثيرين بحيث يكون لهم قوة وشوكة أما الواحد من المستأمنين إذا قطع الطريق لا ينقض أمانه وكذا الاثنان والثلاثة

الكافر إذا أسلم قبل الأسر بعد ما وقعت الدائرة على الكفار لا يكون فيئا وهو حر وماله له

فصل في مسائل البيع والملك

وفي الفتاوي طائفتان من الكفار بينهما موادعة دخلوا دار الإسلام وبينهم وبين المسلمين موادعة أيضا ثم تنازعوا فيما بينهم واقتتلوا ووقعت الدائرة على احدى الطائفتين واستولوا على المقهورين وباعوهم من المسلمين قبل الاحراز بدار الحرب لا يجوز الشراء منهم ولو أن أهل الهند وأهل الترك استولوا على طرق من الروم وأحرزوها بدار الهند ثبت الملك لأهل الهند وكذا يثبت الملك لأهل الترك والإحراز بدار الحرب شرط أما بدارهم فلا ولو باع واحد منهم شيئا من هذه الجملة يجوز

أهل بلدة يدعون الإسلام فيصلون ويصومون ويقرؤون ومع ذلك يعبدون الأوثان فأغار عليهم


412

المسلمون وسبوهم فأراد انسان أن يشتري من تلك السبايا إن كانوا يقرون بالعبودية لملكهم لم يجز الشراء وإن لم يكونوا مقرين بالعبودية لملكهم جاز شراء الصبيان والنساء دون الكبار

مسلم دخل دار الحرب بأمان فجاء انسان من أهل الحرب بأمه أو بأم ولده أو بعمته أو بخالته قد قهرها وأراد بيعها من المسلم المستأمن فإنه لا يشتريها منه هذا قول أكثر المشايخ وقال الكرخي إن كانوا لا يرون جواز البيع لا يجوز وإن كانوا يرون جواز البيع يجوز وإذا بطل البيع على القول الأول أو على القول الثاني إن كانوا يرون البيع فإذا خرجوا إلى دار الإسلام تكلموا فيه قال بعضهم يملكه بالقهر وإن كان البيع باطلا والصحيح أن البائع إن رأى جواز البيع ملكه مطلقا وإن كان لا يرى جواز البيع إن اشتراه وذهب به كرها ملكه

قال المصنف وفي سير الأصل في باب صلح الملوك والموادعة مسألة تدل على أنه يجوز البيع إذا رأى البائع جوازه وإن قهر حربي بعض أحرارهم ثم باعه من المسلم المستأمن إذا كان الحكم عندهم أن من قهر منهم صاحبه ملكه جاز الشراء وإن كان الحكم عندهم على خلاف هذا لا يجوز

مسلم تزوج امرأة في دار الحرب وكانت كافرة تركية وأعطى الأب صداقها وأضمر في قلبه أنه يبيعها فخرج بها الى دار الإسلام وأراد بيعها فالبيع باطل وهي حرة يريد به إذا خرجت معه طوعا لعدم القهر

الحربي إذا دخل دارنا بأمان مع الولد فباع الولد لا يجوز بيعه لأن الولد داخل تحت الأمان وفي إجازة البيع نقض الأمان

ملك من الملوك الذين في دار الحرب أهدى الى رجل من المسلمين هدية من أحرارهم أو من بعض أهله فإن كان الذي أهدى اليه ليس بينهم وبينة قرابة كان مملوكا لمن أهداه اليهم وإن كان ذا رحم محرم أو امرأة قد ولدت منه لم يكن مملوكا للذي أهدى اليه هذا ما يسر الله نقله من الخلاصة والله سبحانه هو الموفق

فصل في الحظر والاباحة

رجل سيب دابة ضعيفة فأصلحها انسان ثم جاء صاحبها وأراد أخذها فأقر وقال قلت حين خليت سبيلها من أخذها فهي له وأنكر فأقيمت عليه البينة أو استحلف فنكل فهي للواجد منهما وإن كان حاضرا يسمع هذه المقالة أو غائبا فبلغه الخبر قال الصدر الشهيد وهو اختيارنا فيمن أرسل صيده وإن لم يكن من هذا الكتاب وإن اختلفا فالقول قول صاحبها مع يمينه أنه لم يقل هي لمن أخذها

رجل قال لآخر ادخل كرمي وخذ من العنب فله أن يأخذ قدر ما يشبع به انسان واحد

رجل قال أذنت للناس في ثمر نخلي ومن أخذ شيئا فهو له فبلغ الناس وأخذوا من ذلك شيئا كان لهم ذلك

وفي الأجناس رجل قال لآخر أنت في حل من مالي فهذا على الدراهم والدنانير ولو أخذ فاكهة أو إبلا أو غنما منه لا يحل

وفي الفتاوي لو قال لآخر أنت في حل مما أكلته من مالي أو أخذت أو أعطيت حل له الأكل ولا يحل له الأخذ والإعطاء

رجل قال لآخر من كل حق هو لك علي ففعل وأبرأه إن كان صاحب الحق عالما به بريء


413

حكما وديانة وإن لم يكن عالما به بريء حكما بالإجماع وأما ديانة فعند محمد لا يبرأ ديانة وعند أبي يوسف يبرأ وعليه الفتوى

وفي صلح الأصل في باب الصلح في العقار للإمام السرخسي أن الابراء عن الحقوق المجهولة جائز مطلقا سواء كان الابراء بعوض أو بغير عوض

رجل قال لآخر جعلتك في حل للساعة وفي الدارين صح ذلك الإحلال

رجل قال لمديونه إن لم تقض مالي عليك حتى تموت فأنت في حل فهو باطل لأنه تعليق والبراءة لا تحتمل التعليق وكذا لو قال رب الدين إذا مت فأنت في حل لأن هذه وصية وكذا لو قالت لزوجها المريض إذا مت في مرضك هذا فأنت في حل من مهري أو قالت فمهري عليك صدقة فهو باطل لأن هذه مخاطرة وتعليق ولو قال لمديونه إن مت فأنت بريء من الدين الذي عليك جاز ويكون وصية من الطالب والمطلوب

وفي واقعة الفتاوي ولو قال لآخر لا أخاصمك ولا أطلب منك شيئا مما لي قبلك فهذا ليس بشيء هذا ما يسر الله تعالى نقله من فصول العمادي والله الموفق

الفصل السابع والعشرون

فيما يكون إسلاما من الكافر وما لا يكون وما يكون كفرا من المسلم ومالا يكون

وفي شرح القدوري إذا قال الكافر الذي يجحد الباري سبحانه وتعالى كعبدة الأوثان أو يقر بالباري ويشرك به غيره كالثنوية فإنهم إذا قالوا لا اله الا الله كان منهم إسلاما وكذا إذا قالوا أشهد أن محمدا رسول الله لأنهم يمتنعون عن كل واحدة من الكلمتين فإذا شهدوا بها فقد انتقلوا عما كانوا عليه فيحكم بإسلامهم

وفي السير إذا حمل على مشرك ليقتله فقال لا اله الا الله وهو ممن لا يقول ذلك فهو مسلم ينبغي أن يكف عنه وكذا إذا شهدوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو قالوا إنا على دين الإسلام أو قالوا على الحنيفية ولو رجع يقتل

وفي التجريد منهم من يقر بالتوحيد ويجحد الرسالة فإذا قال لا اله الا الله لا يصير مسلما وإذا قال محمد رسول الله يصير مسلما والمجوسي إذا قال خداي يك است وهمة بيغمبر ان حق يحكم بإسلامه

وفي مجموع النوازل مجوسي قال صل على محمد لا يكون إسلاما وقال محمد بن مقاتل سمعت محمد بن الحسن يقول الذمي إذا قال أسلمت فهو إسلام وهكذا قال غيره من العلماء لأن المشرك إذا قال أنا مسلم وهو ممن لا يقول ذلك كعبدة الأوثان فهو عندنا مسلم ولو قال أردت منه التعوذ حتى لا يقتلني لا يقبل منه هكذا في الأجناس

وفي الروضة لو قال الكافر آمنت بالله أو بما آمن به الرسل صار مسلما وفي مجموع النوازل إذا قال الكافر الله واحد يصير به مسلما


414

ولو قال للمسلم دينك حق لا يصير مسلما وقيل يصير مسلما إلا إذا قال حق لكن لا أومن به

وفي نوادر ابن رستم قال محمد في يهودي مريض قال أسلمت وقطع هميانه لا يصلي عليه إن مات ولو قال برئت من ديني ودخلت في دين الإسلام يكون مسلما

وفي التجريد لو قال اليهودي أو النصراني لا اله الا الله وتبرأ عن اليهودية أو عن النصرانية أو كل واحد منهما فإن ذلك ليس بإسلام ولو قال مع ذلك وأدخل في دين الإسلام أو دين محمد علي الصلاة والسلام كان مسلما

وفي الأجناس كافر أذن قال يكون مسلما وفي مجموع النوازل لو أذن في وقت الصلاة يجبر على الإسلام أما لو قرأ القرآن وتعلمه لا يكون إسلاما وفي الأجناس لو شهدوا أنهم رأوه يصلي الصلوات الخمس مع المسلمين في الجماعة كان ذلك إسلاما 2

وفي الروضة الكافر إذا صلى وحده فهو منه إسلام أيضا وهكذا في الأجناس ومما يتصل بهذا ايمان اليائس غير مقبول وتوبة اليائس المختار أنها مقبولة

إذا أكره على الإسلام فأجرى كلمة الإسلام على لسانه يكون مسلما فإن عاد إلى الكفر لا يقتل ويجبر على الإسلام

وفي نوادر ابن رستم السكران إذا أسلم يكون إسلاما فإن رجع عن الإسلام يجبر على العود ولا يقتل وقال محمد لا يجبر على الإسلام

وفي السير الكبيرة يصلي المسلمون على الميت بقول واحد بعد أن يكون عدلا

وفي مجموع النوازل ذمي دخل دار الحرب وسرق صبيا وأدخله دار الإسلام يحكم بإسلامه ولو اشترى الصبي لا يحكم بإسلامه لأنه ملكه بالشراء

الرافضي إذا كان يسب الشيخين رضي الله تعالى عنهما ويلعنهما يكون كافرا وإن كان يفضل عليا على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أجمعين لا يكون كافرا لكنه يكون مبتدعا والمعتزلي مبتدع إلا إذا قال باستحالة الرؤية فحينئذ هو كافر

وفي المنتقى سئل أبو حنيفة عن مذهب أهل السنة والجماعة فقال أن تفضل الشيخين وتحب الختنين وترى المسح على الخفين وتصلي خلف كل بر وفاجر والله أعلم

فصل فيما يكون كفرا من المسلم ومالا يكون

وينبغي للمسلم أن يتعوذ من ذلك ويذكر هذا الدعاء صباحا ومساء فإنه سبب للعصمة من هذه الورطة بوعد النبي صلى الله عليه وسلم وهو هذا اللهم اني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم وأستغفرك مما لا أعلم ومنها اذا كان في المسألة وجوه توجب التكفير ووجه واحد يمنع فعلى المفتي أن يميل الى ذلك الوجه

الجاهل اذا تكلم بكلمة الكفر ولم يدر أنها كفر قال بعضهم لا يكون كافرا ويعذر بالجهل وقال بعضهم يصير كافرا ومنها من أتى بلفظة الكفر ولم يعلم أنها كفر الا أنه أتى بها عن اختيار يكفر عند عامة العلماء خلافا للبعض ولا يعذر بالجهل أما إذا أراد أن يتكلم فجرى على لسانه كلمة الكفر


415

والعياذ بالله من غير قصد لا يكفر ومنها أن من خطر بباله ما يوجب الكفر لو تكلم به وهو كاره لذلك فذلك محض الايمان ومنها اذا عزم على الكفر ولو بعد سنة يكفر في الحال بخلاف الاسلام حيث لا يصير الكافر مسلما بالعزم على الاسلام ومنها أن من اعتقد الحرام حلالا أو على القلب يكفر أما لو قال لحرام هذا حلال لتزويج السلعة أو بحكم الجهل لا يكون كفرا

رجل قال هذا بتقدير الله فقال ظالم أنا أفعل بغير تقدير الله يكفر

وفي فتاوي القاضي الامام رجل حلف وقال الله يعلم أني ما فعلت هذا وهو يعلم أنه قد فعل اختلف المشايخ فيه حكى عن الشيخ الامام اسماعيل الزاهد أنه قال وجدت رواية في هذا أنه يكفر كذا لو صلى مع الامام الى غير القبلة عمدا وقال بعضهم إذا قال يعلم أني لم أفعل كذا وهو يعلم أنه قد فعل لا يكون كفرا والأول أصح

وفي الفتاوي رجل قال إن قلت كذا فأنا كافر أو يهودي أو نصراني على الاستقبال يكفر وليس هذا بيمين وذهب بعض علمائنا الى أنه يمين عندنا وقد تقدم ذلك في الايمان

رجل كفر باللسان طائعا وقبله مطمئن بالايمان يكون كافرا عندنا ويكون عند الله مؤمنا

رجل قال أثقله أمر أردت أن أكفر يصير كافرا ولو ادعى رجل النبوة فطلب رجل منه المعجزة قال بعضهم يكفر وقال بعضهم إن كان غرضه إظهار عجزه وافتضاحه لا يكفر

وفي الفتاوي رجل قال أنا مؤمن إن شاء الله تعالى يكفر إن قال ذلك من غير تأويل ولو قال لا أدري أخرج من الدنيا مؤمنا أولا لا يكفر كافر جاء إلى رجل وقال اعرض على الإسلام وقال الرجل اذهب إلى فلان العالم يكفر وقال الفقيه أبو الليث لا يكفر رجل قال لآخر يا يهودي فقال لبيك أو قال جهود كبير يكفر ولو قال لآخر قبض الله روحك على الكفر عن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يكفر واليه مال الصدر القاضي برهان الدين

رجل علم امرأة الردة لتبين من زوجها تكفر ويكفر المعلم يعني من علمها أو أمرها بذل

وفي النوازل رجل قال أنا ملحد يكفر ولو قال النصرانية خير من اليهودية يكفر وينبغي أن يقول اليهودية شر من النصرانية

رجل وضع قلنسوة المجوس على راسه قال بعضهم يكفر وقال بعضهم لا يكفر وقال بعض المتأخرين إنه إن كان لضرورة البرد أو لأن البقرة لا تعطيه اللبن لا يكفر

رجل تصدق بالحرام ويرجو الثواب يكفر ولو علم الفقير ودعا له وأمن المعطي كفراه ولو قال لآخر كل من الحلال فقال الحرام أحب الي كفر وكذا فاسق يشرب الخمر فجاء أقرباؤه ونئروا الدراهم عليه كفروا ولو قال حرمة الخمر لم تثبت بالقرآن يكفر

وفي النصاب من ابغض عالما بغير سبب ظاهر خيف عليه الكفر وفي نسخة الخسرواني رجل يجلس على مكان مرتفع ويسألون منه مسائل بطريق الاستهزاء وهم يضربونه بالوسائد ويضحكون يكفرون جميعا


416

وفي النصاب رجل قرأ على ضرب الدف أو القصب يكفر لاستخفافه بالقرآن

رجب يدخل آية القرآن في الوعاء أو يملأ قدحا ويقول وكاسا دهاقا أو قال خانه بالكردة أست جون والسماء والطارق قال الامام أبو بكر محمد بن الفضل اسحاق يكفر العالم دون الجاهل ولو قال لما في القدر والباقيات الصالحات يكفر

وفي نسخة الخسرواني رجل شرب الخمر وقال بسم الله أو قالها عند الزنا يكفر وكذا لو أكل الحرام وقال بعد أكل الحرام الحمد لله اختلفوا فيه

وفي نسخة الخسرواني قيل لآخر صل وهو في وقت الصلاة فقال لا اصلي يكفر ولو قال لا اصلي بأمرك لا يكفر

وفي مجموع النوازل ولو قال لآخر دع الدنيا لتنال الآخرة فقال أترك النقد بالنسيئة يكفر

وفي الفتاوي سلطان عطس فقال له رجل يرحمك ربك الله فقال له رجل لا يقال للسلطان هكذا يكفر

ومن قال إن السلطان في زماننا عادل يكفر لأنه جائز ومن سمى الجور عدلا يكفر كذا قال الامام علم الهدى أبو المنصور الماتريدي وقال بعضهم لا يكفر

إذا قيل للمسلم اسجد للملك وإلا قتلناك فالأفضل أن لا يسجد لأنه كفر والأفضل أن لا يأتي بما هو كفر صورة

وفي الأجناس قال أبو حنيفة رحمه الله لا يصلي على غير الأنبياء والملائكة

اللعن على يزيد بن معاوية لا ينبغي أن يفعل وكذا على الحجاج قال رحمه الله تعالى سمعت عن الشيخ الامام الزاهد قوام الدين الصفار أنه كان يحكي عن أبيه أنه يجوز ذلك ويقول لا تلعنوا معاوية وأما اللعن على يزيد فلا بأس هذا ما يسر الله نقله من الخلاصة والله الموفق للصواب

الفصل الثامن والعشرون في الوصايا

وفي شرح الطحاوي الأفضل لمن كان له مال قليل أن لا يوصي بشيء اذا كان له ورثة والأفضل لمن كان له مال كثير أن لا يتجاوز عن الثلث فيما لا معصية فيه ويوصي فيما لا معصية فيه

وعن الامام الفضلى إذا كانت الورثة صغارا فترك الوصية أفضل قال هكذا روى عن أبي يوسف رحمه الله وإن كانوا بالغين إن كانوا فقراء ولا يستغنون بثلثي التركة فترك الوصية أفضل وإن كانوا أغنياء ويستغنون بالثلثين فالوصية أفضل وقدر الاستغناء عن أبي حنيفة إذا ترك لكل واحد من الورثة أربعة آلاف دون الوصية وعن الفضلى عشرة آلاف وفي الموضع الذي اراد أن يوصي اليه ينبغي أن يبدأ بالواجبات فإن لم يكن عليه شيء من الواجبات يبدأ بالقرابة وإن كانوا أغنياء فالجيران

نوع منه وفي شرح الطحاوي ثم الوصية يشترط فيها القبول وذلك بالصريح أو بالدلالة وذلك بأن يموت الموصي له بعد موت الموصي وفي التجريد والدلالة أن يموت الموصي له قبل القبول والرد


417

بعد موت الموصي فيكون موته قبولا للوصية ويكون ذلك ميراثا لورثته وقبول الموصي له ورده قبل موت الموصي لا يعتبر

ثم الوصايا على أربعة أوجه منها ما يجوز أجازت الورثة او لم يجيزوا بأن أوصى لأجنبي بثلث ماله أو بكل ماله ولا وارث له ومنها ما لا يجوز وإن أجازت الورثة وهي الوصية للحربي بخلاف المستأمن والذمي فإنه يجوز لهما الوصية استحسانا ومنها ما يجوز إن أجازت الورثة بأن أوصى باكثر من ثلث ماله لأجنبي أو أوصى لواحد من الورثة لا يجوز إلا بالإجازة من الورثة لا يجوز إلا بالإجازة من الورثة إذا كانوا بالغين ومنها ما يكون مختلفا فيه وهي الوصية للقاتل وإجازه الورثة عندهما تجوز وعند أبي يوسف لا تجوز ثم في كل موضع تشترط الإجازة فيه إنما يجوز إذا كان المجيز من أهل الإجازة بأن كان عاقلا بالغا صحيحا فإذا أجاز فالموصي له يملكه من الموصي لا من المجيز هكذا في التجريد

وفي فتاوي القاضي الامام رجل أوصى بجميع ماله للفقراء أو لرجل بعينه لا يجوز ذلك إلا من الثلث فإن أجازت الورثة في حياة الموصي لا تعتبر إجازتهم وكان لهم الرجوع فإن أجازوا بعد موته صحت الاجازة

ثم الوصية على ثلاثة أنواع في وجه يكون الموصي له كالمودع والوصية في يد الموصي أو في يد الورثة كالوديعة نحو لو هلك من غير تعد يضمن وفي وجه إن أوصى بعين مال قائم وذلك يخرج من الثلث حتى لو هلك من غير تعد لا يضمن وفي وجه يكون الموصي له كالشريك مع الورثة نحو إن أوصى بثلث ماله أو بربع ماله يكون مال الميت مشتركا حتى إن ما هلك يهلك بالحساب وما بقي يبقى بالحساب

جنس آخر وفي فتاوي الفضلى مريض لا يقدر على الكلام لضعفه فأوصى واشار براسه ويعلم أنه يعقل إن مات قبل أن يقدر على النطق جازت وصيته وقال في النوازل هذا قول محمد بن مقاتل وأنه لا يجوز عند اصحابنا

وفي واقعات الناطفي إذا اصابه فالج فذهب لسانه فلم يقدر على الكلام فاشار بشيء أو كتب وقد تقادم وطال وازداد به مدة سنة فهو بمنزلة الأخرس

وفي النوازل قيل للمريض أوصى بشيء فقال ثلث مالي ولم يزد على ذلك إن قال على أثر سؤالهم ثلث ماله للفقراء وقال محمد بن سلمة ثلث ماله للفقراء ولم يذكر هذا التفصيل قال وهذا موافق لما يأتي بعد هذا فإنه قال لو قال ثلثي لفلان أو سدسي أو ربعي لفلان في الاستحسان هذه وصية جائزة وكذا لو قال بعد موتي بخلاف ما لو قال في صحته ثلث مالي ولو ذكره في خلال الوصايا أو اضافه الى ما بعد الموت وكان ذلك في الصحة يكون وصية وفي المرض على هذا وكذا لو قال في مرضه أخرجوا ألف درهم من مالي أو لم يقل من مالي ولم يزد على هذا إن كان في ذكر الوصية جاز ويصرف الى الفقراء ولو قال ثلث مالي وقف ولم يزد على هذا إن كان ماله دراهم أو دنانير فهذا القول باطل وإن كان ضياعا صار وقفا على الفقراء الكل من النوازل

وفي نوادر هشام لو قال ثلث مالي لله تعالى فالوصية باطلة عند أبي حنيفة رحمه الله وعند محمد تصرف الى وجوه البر ولو قال انظروا الى ما يجوز إعطاؤه فأعطوه فهذا على الثلث

رجل أوصى بأن يتخذ الطعام بعد موته ليطعم الناس ثلاثة ايام فالوصية باطلة هو الأصح أوصى


418

بالثلث في وجوه الخير يصرف الى القنطرة أو بناء المساجد أو طلبة العلم رجل أوصى لوارثه وللأجنبي فللأجنبي نصف الوصية وبطلت الوصية للوارث ولو أوصى لحي وميت فجميع الوصية للحي والمريض إذا أقر لوارثه وللأجنبي بدين بطل ذلك كله

جنس منه وفي مجموع النوازل الوصية للعبد بعين من أعيان ماله لا تصح أما لو أوصى بثلث ماله مطلقا يصح ويكون وصية بالعتق إن خرج من الثلث قيمة العبد عتق كله بغير سعاية وإن خرج بعضه عتق وسعى في بقية قيمته

وفي الجامع الصغير رجل أوصى بثلث ماله لأمهات أولاده وهن ثلاث وللفقراء والمساكين يقسم الثلث بينهم على خمسة أسهم سهم للفقراء وسهم للمساكين وثلاثة لأمهات أولاده وعند محمد يقسم الثلث بينهم على سبعة أسهم لأمهات الأولاد ثلاثة واثنان للفقراء واثنان للمساكين

وتجوز الوصية لما في البطن وبما في بطن الجارية ولا تجوز الهبة للجنين والوصية لأهل الحرب باطلة

حربي دخل دار الاسلام بأمان فأوصى بماله كله لمسلم أو ذمي صح

وصية الذمي فيما زاد على الثلث لا تجوز وصايا الذمي على وجوه أربعة أحدها لو أوصى بما هو قربة عندنا وعندهم كالصدقات وعتق الرقاب والإسراج في بيت المقدس وأن يغزى به الترك والديلم صحت سواء أوصى لقوم بأعيانهم أو لم يسموا كمل لو فعل في صحته والثاني لو أوصى بما هو معصية عندنا وعندهم كالصدقة للمغنية والنائحة إن أوصى لقوم بأعيانهم صحت الوصية ويكون تمليكا وإن أوصى لقوم لا يحصون لا تصح والثالث إذا أوصى بما هو طاعة عندنا ومعصية عندهم كالوصية ببناء المسجد أو بإسراجه أو بالحج فإن سمي لقوم بأعيانهم صحت فيكون تمليكا منهم وتبطل الجهة التي عينها إن شاؤوا فعلوا ذلك وإن شاءوا تركوا وإن كانوا لا يحصون لا تصح الرابع إذا أوصى بما هو معصية عندنا طاعة عندهم كالوصية ببناء البيعة والكنيسة إن كانت لقوم بأعيانهم صحت بالاجماع وإن كانت لقوم لا يحصون تصح عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما لا تصح

والذمي لو جعل داره بيعة أو كنيسة في حياته فهي ميراث عندهما عنه أما عند أبي حنيفة فإنه كالوقف عنده في حق المسلم وأما عندهما فلأن وصية الذمي بما لا يكون قربة عندنا لا يجوز والله أعلم بالصواب

جنس آخر في الرجوع عن الوصية وفي شرح الطحاوي إذا أوصى بالأمة لرجل ثم باعها الموصي أو أعتقها أو دبرها أو كاتبها أو باعها من نفسها فهذا كله يكون إبطالا للوصية بخلاف ما اذا أوصى ببيعها من فلان فإنه لا يكون رجوعا وفي مجموع النوازل كذا لو أخرجها عن ملكه باي طريق كان بطلت الوصية ولو عادت الى ملكه لا تصح الوصية

ثم الوصية على أربعة أوجه في وجه يحتمل الفسخ بالقول والفعل وفي وجه يحتمل الفسخ بالقول وفي وجه لا يحتمل بهما وفي وجه يحتمل بأحدهما دون الآخر أما الوجه الذي يحتمل الفسخ بالقول والفعل فهو الوصية بالعين لرجل والفسخ بالقول بأن يقول رجعت عن تلك الوصية وبالفعل بأن يخرجه عن ملكه وأما الوجه الذي لا يحتمل الفسخ بالقول والفعل فهو التدبير وأما الوجه الذي يجوز الرجوع فيه بالقول دون الفعل فهو الوصية بثلث ماله أو ربع ماله إن رجع عنها بالقول صح وإن أخرجه عن ملكه


419

بالبيع لا تبطل الوصية وتنفذ من الثلث الباقي وأما الوجه الذي يجوز الرجوع عنه بالفعل دون القول فهو التدبير المقيد إن رجع بالقول لا يصح ولو باع المدبر المقيد صح الكل من شرح الطحاوي

وفي التجريد لو اوصى بثوب ثم قطعه وخاطه أو بقطن فغزله أو بغزل فنسجه أو بحديد فصنعه إناء أو بقطن ثم حشي به أو ببطانة فبطن بها أو بشاة فذبحها أو بقميص فقصه وجعله قباء بطلت الوصية في جميع ذلك ولو أوصى بدار فهدمها فهذا ليس برجوع ولو أوصى بعبده وهو يخرج من ثلثه ثم أوصى به لآخر فهو بينهما نصفان ولو قال العبد الذي أوصيت به لفلان فهو لفلان يكون رجوعا

قال أبو يوسف إذا اوصى بوصية ثم قال لا أعرف هذه الوصية أو قال لم أرض بها فهو رجوع وقال محمد لا يكون رجوعا وفي الجامع الكبير لو قال اشهدوا أني لم أوص بشيء لم يكن رجوعا ولو قال كل وصية أوصيت بها لفلان فهي باطلة فهو رجوع ولو قال حرام أو ربا ليس برجوع اه والله أعلم

نوع في الوصية بالكفارة وفي التجريد إذا اجتمعت الوصايا والثلث يضيق عن الجميع إن كانت متساوية يبدأ بما يبدأ به الميت

واختلفت الروايات عن أبي يوسف رحمه الله في الحج والزكاة وفي رواية يبدأ بالحج وفي رواية يبدأ بالزكاة والحج والزكاة يقدمان على الكفارات والكفارات مقدمة على صدقة الفطر وصدقة الفطر مقدمة على النذور والنذور والكفارات مقدمة على الاضحية والواجب يقدم على النافلة وفي النوازل يقدم فيها ما بدأ به الميت

وأما الوصايا بالعتق فإن كانت في كفارة فحكمها حكم الكفارات وإن كانت في غير واجب فحكمها حكم النفل فإن كان مع شيء من هذه الوصايا الثانية حق لله تعالى ووصية لآدمي صرف ما أوصى به وجعلت كل جهة من جهات القربة منفردة بالصرف نحو أن يقول ثلث مالي في الحج والزكاة والكفارات ولزيد سهم من أربعة اسهم

وفي النوازل ولو أوصى بالاطعام عن فوائت صلاته يطعم لكل صلاة نصف صاع من الحنطة وهو الأصح

جنس آخر وفي العيون رجل أوصى بثلث ماله للمساكين وهو في بلد ووطنه في بلد آخر إن كان معه مال يصرف ذلك الى فقراء هذا البلد وما كان في وطنه يصرف الى فقراء وطنه كما في الزكاة ولو أوصى أن يتصدق بثلث ماله على فقراء بلخ فالأفضل أن يصرف اليهم وإن أعطى غيرهم جاز وهذا قول أبي يوسف وعليه الفتوى وقال محمد لا يجوز وكذا لو اوصى بأن يتصدق على فقراء الحاج فيتصدق على غيرهم

وفي النوازل لو أوصى بأن يتصدق في عشرة أيام فتصدق في يوم جاز

رجل أوصى لأهل السجون أو الزمني أو اليتامى أو الأرامل أو الغارمين أو ابناء السبيل فإنه يعطي فقراؤهم دون أغنياءهم ولو أوصى بثلث ماله للرباط قال الفقيه أبو الليث إن كان هناك دلالة يعرف أنه أراد به المقيمين في الرباط صرف اليهم وإن لم يكن هناك دلالة صرف الى العمارة

وأما الوصية لمسجد كذا أو لقنطرة كذا فجائزة وهو لمرمتها وإصلاحها كذا روى عن محمد وعن أبي يوسف أنها باطلة إلا أن يقول ينفق على المسجد ولو قال لبيت المقدس ينفق على المسجد في إسراجه


420

ونحو ذلك ولو قال لبيت المقدس بثلث مالي أو الى الكعبة فهو جائز ويعطي لمساكين مكة هكذا في العيون

ولو اوصى بأن يخرج ثلث ماله لمجاوري مكة وهم لا يحصون فالوصية جائزة ويصرف الى أهل الحاجة منهم وإن كانوا يحصون قسم على رؤوسهم ولو قال أوصيت لفلان بثلث مالي وهو ألف درهم والثلث أكثر فله الثلث بالغا ما بلغ وفي الفتاوي الصغرى في تنفيذ الوصية في الثلث القيمة وقت القسمة

نوع في الوصية للاقارب والجيران وفي الزيادات لو أوصى بثلث ماله لأقربائه فعند أبي حنيفة رحمه الله يعتبر لاستحقاق هذه الوصية شرائط ثلاث إحداها لا يعطي كل الوصية لواحد الثانية المحرمية كما في نفقة الأقارب الثالثة الأقرب فالأقرب ولا شيء للابعد مع الأقرب كالميراث ولا يدخل في هذه الوصية من كان وارثا ولا يدخل والده ولد الصلب ويدخل فيه الجد والجدة وولد الولد وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يدخل

وفي التجريد لو أوصى لذوي قرابته وله عمان وخالان فعند أبي حنيفة الثلث للعمين وعندهما يقسم أرباعا ولو كان له عم وخالان فللعم نصف الثلث والنصف للخالين عند أبي حنيفة ولو كان له عم واحد كان له نصف الثلث ولو أوصى لذي قرابته فجميع الثلث كله للعم

وفي الزيادات المرأة إذا أوصت بنصف مالها أو كل مالها للزوج المال كله له النصف بحكم الإرث والنصف بحكم الوصية

نوع في الوصية بالدفن والكفن وما يتصل بهما وفي النوازل رجل أوصى لقارئ القرأن يقرأ عند قبره بشيء فالوصية باطلة

سئل أبو بكر عن رجل أمر بأن يحمل بعد موته الى موضع كمذا ويدفن هناك ويبني هناك رباط من ثلث ماله فمات ولم يحمل الى هناك قال الوصية بالرباط جائزة وبحمله الى هناك بعد موته باطلة

وسئل أبو القاسم عن رجل دفع الى ابنته خمسين درهما وقال إن مت فعمري قبري وخمسة دراهم لك واشترى بالباقي حنطة وتصدق بها قال أما الخمسة لها فلا تجوز وينظر الى القبر الذي أمرت بعمارته إن كان يحتاج في عمارته للتجصيص عمرت بقدر ذلك أما الزيادة على ذلك يعني للتزيين فالوصية باطلة وتتصدق بالباقي على الفقراء والمساكين

وفي النوازل الوصية بتطيين القبر وأن يضرب على قبره قبة باطلة ولو أوصى بأن يدفن في مقبرة كذا بقرب فلان الزاهد تراعى شرائط الوصية ولو أوصى بأن يقبر مع فلان في قبر واحد لا تراعي شروطها

وفي النوازل لو أوصى بأن يدفن في بيته لا يصح ويدفن في مقابر المسلمين ولو أوصى بأن تدفن كتبه لا يجوز إلا أن يكون فيها شيء لا يفهمه أحد وفيها فساد فينبغي أن تدفن ولو أوصى بأن يصلي عليه فلان صلاة الجنازة فالوصية باطلة هو الأصح

نوع في الايصاء والعزل عن أبي مطيع البلخي أنه قال أفتى منذ نيف وعشرين سنة فما رأيت عما عدل في مال ابن أخيه وهذا يدل على أنه إذا لم يقبل الوصية فهو اسلم


421

إذا عرفنا هذا جئنا الى المسائل فنقول في فتاوى النسفي رجل قال لآخر تيمار داري فرر يدان بمردماريش برش أو قال بالعربية تعهدهم أو قم بأمرهم أو ما يجري مجراه يصير وصيا

وفي النوازل لو قال المريض لرجل اقض ديوني يصير وصيا عند أبي حنيفة وعند محمد إذا قال الرجل لغيره إئت وصيي فهذه وصية بعد الموت

رجل قال لآخر استأجرتك بمائة درهم لتنفذ وصاياي فالمائة صلة لأن هذه اجارة بعد الموت والاجارة بعد الموت باطلة وهي من الثلث وهو وصي

رجل قال لآخر لك أجر مائة درهم على أن تكون وصيا فالشرط باطل والمائة وصية له وهو وصي

ولو خاطب المريض قوما اجتمعوا عنده وقال لهم افعلوا كذا بعد موتي من الأعمال التي يصير الرجل بها وصيا فالكل أوصياء ولو سكتوا حتى مات المريض ثم قبل بعضهم دون بعض إن كان القابل اثنين صار وصيين وإن كان واحدا يرفع الأمر الى القاضي حتى يضم اليه آخر كأنه أوصى الى رجلين لا ينفرد أحدهما إلا في أشياء متعددة المسائل في النوازل

جنس آخر في العزل وفي شرح الطحاوي الأوصياء البالغون الأحرار على ثلاث مراتب أما الأول أن يكون الوصي قويا أمينا يمكنه القيام على مال الميت فليس للحاكم عزله الثاني إن كان أمينا لكن لا يمكنه القيام على ماله من التصرف وغيره فللقاضي أن يضم اليه ثقة آخر ولا يعزله الثالث أن يكون خائنا وتظهر خيانته فللقاضي أن يعزله

وفي التجريد لو لم يعلم القاضي أن له وصيا فنصب له وصيا فليس هذا الفعل إخراجا له من الوصية وللوصي أن يوصي الى آخر عند الموت وفي نسخة الامام خواهر زاده الوصي إذا كان عدلا كافيا لا ينبغي للقاضي أن يعزله لكن مع هذا لو عزله ينعزل وهكذا في الفتاوي الصغرى أنه ينعزل

وفي الأقضية ذكر فيه اختلاف المشايخ وفي قسمة الفتاوي الوصي إذا عجز عن القيام بأمر الميت فأقام الحاكم قيما آخر لا ينعزل الأول

الوصي إذا ادعى دينا على الميت لا يخرجه القاضي من الوصية ولو ادعى شيئا من الأعيان يخرجه

قال الفقيه أبو الليث المختار في الدين أيضا أن يقول له القاضي إما أن تقيم البينة على الدين أو تبرئه من الدين أو يخرجك عن الوصية فإن أبرأه وإلا أخرجه عن الوصاية وجعل مكانه آخر

الوصي لا يقرض مال اليتيم على ما يذكر ولو أقرض مع هذا لا يكون هذا خيانة حتى لا يستحق العزل

نوع في تصرفات الوصي وفي وكالة الأصل للوصي أن يوكل بالخصومة أما الوكيل هل يوكل أم لا قد ذكرنا في كتاب الوكالة الوكالة يبيع الوصي مال الصبي وقد ذكرنا في كتاب البيوع الوصي لا يقرض مال اليتيم والقاضي يقرض مال اليتيم وتكلموا في الأب والأصح أنه كالوصي هكذا في الجامع الصغير من كتاب القضاء

وفي أدب القاضي للخصاف القاضي إنما يملك الإقراض إذا لم يجد من يدفع اليه مضاربة أو يشتري شيئا والوصي يملك بيع مال اليتيم نسيئة إذا كان لا يخاف الجحود والوصي لو استقرض لنفسه يضمن وعن محمد رحمه الله أنه لا يضمن وفي رهن الأصل يضمن


422

والمتولي إذا أقرض ما فضل من الوقف صح اذا كان أحرز من الامساك وإن استقرض إن شرط الواقف فله ذلك وإلا يرفع الأمر الى القاضي ان احتاج

والعبد المأذون والمكاتب لا يقرضان وإذا آجر الوصي الصبي أو عبده أو ماله جاز وإذا بلغ الصغير له أن يفسخ الاجارة التي عقدها له وليس له أن يفسخ الاجارة التي عقدها على ماله والوصي اذا آجر نفسه للصبي لم يجز له

وفي النصاب الوصي إذا اراد أن يستأجر دار الصبي ولا يكون غاصبا يؤاجر الدار من امرأته ثم يسكنها فيها ويهب من ماله مقدار الأجرة فتؤدي المرأة الأجرة

الوصي إذا رهن مال اليتيم بدين نفسه جاز استحسانا وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز قياسا واستحسانا وأجمعوا على أنه لو اراد أن يوفي دينه من مال الصغير ليس له ذلك وفي أدب القاضي الوصي يودع مال اليتيم ويعير ويبضع

الوصي إذا أخذ أرض اليتيم مزارعة قال الفضلي إن كان البذر على اليتيم لا يجوز ولو جعله الوصي على نفسه فعلى قياس ما قال أبو حنيفة في جواز بيع الوصي مال اليتيم من نفسه ينبغي أن يجوز

وفي الجامع الصغير مقاسمة الوصي الموصي له على الورثة جائزة ومقاسمة الوصي الورثة على الموصي له باطلة وتفسير المسألة إذا كان الوارث غائبا فقاسم الوصي الموصي له بالثلث فصرف الثلث الى الموصي له وأمسك الثلثين للوارث فهلك شيء من الثلثين هلك من مال الوارث ولو كان الموصي له غائبا فقاسم الوصي الوارث وصرف الثلثين للوارث وأمسك الثلث للموصي له فضاع الثلث في يده لا يهلك من مال الموصي له وله أن يشارك للوارث فيأخذ ثلث ما بقي في يده

رجل وقف وقفا ولم يجعل له قيما فوصيه وصى قائما على أوقافه

الوصي متى يدفع المال الى اليتيم قال اذا بلغ وظهر منه الرشد

جنس آخر أحد الوصيين لا ينفرد بالتصرف إلا في ثمانية مواضع تجهيز الميت وشراء ما لا بد منه للصغير كالطعام والكسوة وبيع ما يخشى عليه التلف وتنفيذ الوصية المعينة وقضاء دين الميت من جنسه والخصومة ورد المغصوب والودائع وقبول الهبة وجمع الأموال الضائعة وفيما عدا هذه المواضع على الخلاف فعند أبي يوسف ينفرد وعندهما لا ينفرد وسواء أوصى اليهما أو على التعاقب هو الأصح هكذا في الجامع الصغير

وفي الايضاح إذا مات الرجل وفي يده ودائع لقوم شتى وعليه دين وأوصى الى رجلين فقبض أحدهما المال والودائع من منزل الميت بغير أمر صاحبه أو قبض ذلك بعض الورثة بغير أمر الوصيين أو بغير امر سائر الورثة وهلك في يده فلا ضمان عليه قال لأن أحد الوصيين ينفرد بقضاء الدين ورد الودائع وكذا أحد الورثة ولو لم يكن على الميت دين فقبض أحد الوصيين التركة فضاعت في يده لا يضمن ولو أخذها أحد الورثة ضمن حصة اصحابه من الميراث ولو كان المال في موضع يخاف عليه الضيعة استحسن أن لا يضمن واحد من الورثة

لو قبض دينا للميت على رجل أو وديعة عند رجل فضاع عنده يضمن والله تعالى أعلم


423

فصل في الضمان

وفي أدب القاضي للخصاف السلطان إذا طمع في مال اليتيم فصالح الوصي ببعض مال اليتيم لدفع ظلمه إن أمكنه دفع ظلمه من غير أن يعطي شيئا فأعطي لا يضمن

وفي النوازل وإن خاف الوصي على نفسه القتل أو اتلاف عضو فدفع لا يضمن وإن خاف على نفسه الحبس أو القيد فأعطى ضمن وإن خاف أن يأخذ من ماله لو لم يدفع اليه مال اليتيم إن علم الوصي أنه يأخذ بعض ماله ويبقى من ماله كفاية لا يسعه أن يدفع مال اليتيم فإن دفع ضمن وإن خشي أخذ ماله كله فأعطى لا يضمن وهذا اذا كان الوصي هو الذي دفع اليه فإن كان السلطان هو الذي بسط يده وأخذ لا ضمان على الوصي

رجل مات وخلف بنتين وعصبة فطلب السلطان التركة ولم يقر بالعصبة فغرم الوصي للسلطان دراهم من التركة بأمر البنتين حتى ترك السلطان التعرض قال إذا لم يقدر على تحصين التركة إلا بمال غرم للسلطان فذلك محسوب من جميع الميراث وليس لهما أن يجعلا ذلك من نصيب العصبة خاصة هذا في قول أبي جعفر

وفي إجارات فتاوي الفضلى الوصي إذا أنفق على باب القاصي فما أعطي على وجه الاجارة لا يضمن قدر أجر المثل وما أعطي على وجه الرشوة ضمن ومما يتصل بهذا مسألة المصادرة سئل الامام النسفي عمن صودر فقال لرجل ادفع إليه والى أعوانه شيئا عني فدفع اليه هل يرجع عليه قال لا قال رحمه الله وعامة المشايخ إنه لا يرجع بدون شرط الرجوع

وفي النوازل قوم وقعت المصادرة بينهم فأمروا رجلا بأن يستقرض لهم مالا وينفق في هذه المؤنات ففعل فالمقرض يرجع على المقترض والمستقرض هل يرجع على الآمر إن شرط الرجوع يرجع وبدونه هل يرجع اختلف المشايخ فيه والله الموفق لسبيل الرشاد هذا ما يسر الله تعالى نقله من كتاب الخلاصة والله تعالى أعلم الفصل التاسع والعشرون

في الفرائض

الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على محمد رسوله وعبده قال الشيخ الامام الأجل الكبير الزاهد الأستاذ برهان الملة والدين شيخ مشايخ الاسلام والمسلمين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني المرغيناني غفر الله له ولوالديه وأحسن اليهما واليه هذا مجموع يلقب بالعثماني قد رغب فيه القاصي والداني وإني قرأته على المشايخ مرارا وحاورت فيه أولى هذه الصنعة صغارا وكبارا ووقفت عليه صريحا وإضمارا ولما أعرض المصنف عن ذكر الرد وذوي الأرحام وما عداهما من تفريعات الأحكام ذكرت بعد انتهائه زوائد وأدرجت في أثنائه فوائد من عدة كتب وجدتها للمتقدمين وعدة نكت استفدتها من المتأخرين على وجه يليق بهذا الكتاب وإن لم يكن محيطا بأقصى الباب راجيا الجزاء من الملك القادر والدعاء من كل ناظر عاذل أو عاذر


424

أول ما يبدأ به من تركة الميت تجهيزه ودفنه ثم قضاء ديونه ثم تنفيذ وصاياه ثم قسمة الباقي بين ورثته وكتابنا هذا لبيان المواريث فنقول وبالله التوفيق

يحرم الارث بقتل ورق واختلاف دين ويستحق برحم ونكاح وولاء والولاء على ضربين ولاء عتاقة وولاء موالاة

ثم السهام في الفرائض ستة نصف وربع وثمن على التضعيف والتنصيف ثلثان وثلث وسدس كذلك واصحاب هذه السهام الستة اثنا عشر نفرا ستة لهم حال واحدة سهم لا غير زوج وزوجة وأم وجدة وأخ وأخت لأم وستة لهم حالان سهم وتعصيب أب وجد بنت وبنت ابن أخت لأب وأم وأخت لأب فتصيب الزوج النصف مع كل الورثة إلا مع الولد أو ولد الابن فله معهم الربع بكل حال ونصيب الزوجة الربع مع كل الورثة إلا مع الولد أو ولد الابن فلها معهم الثمن بكل حال واحدة أو أكثر يشتركن في ذلك ونصيب الأم الثلث مع كل الورثة إلا مع الولد أو ولد الابن أو الاثنين من الاخوة والأخوات فصاعدا فلها معهم السدس بكل حال إلا في فريضتين زوج وابوان أو زوجة وابوان فللأم في هاتين الفريضتين ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج أو الزوجة وذلك في الثلثيات لا في السدسيات ونصيب الجدة السدس لأم كانت أو لأب واحدة كانت أو أكثر يشتركن في ذلك بعد أن كن مستويات في الدرجة غير فاسدات والفاسدة هي التي في نسبتها ذكر بين انثيين كأم أب الأم كلهن يسقطن بالأم وبالأب الأبويات خاصة وتصوير أربع جدات مستويات من الصنفين أو تبنى القاعدة الأولى أمية على عدد المسائل ثم ترتب الأبويات عليها مثاله أم أم أم الأم وأم أم أم الأب وأم أم أب الأب وأم أب أب الأب وتصوير أربع جدات أبويات لا غير أن تزيد على عدد المسائل أبا ثم ترتب الأبويات عليها مثاله أم أم أم أم الأب وأم أم أم أب الأب وأم أم أب أب الأب وأم أب أب أب الأب ثم الامية وإن بعدت تشارك الأبوية وإن قربت عند الشافعي وعندنا الأبوية القربى تحجب الأمية البعدي ولو كانت القربى من جانبه محجوبة به فذكلك عند الاكثرين وعند أبي حنيفة رحمه الله بخلافه ثم التي من جدات الأب لا ترث مع الأب قط ومع الجد ترث واحدة منهن وهي الاولى في تصويرنا ومع أب الجد ترث ثنتان وهما الأولى في تصويرنا والتي تليها ومع جد الجد ترث ثلاث وهن الأولى في تصويرنا والتي تليها والتي تلي من يليها فقس على هذا وكلما زدت بعدا في درجة الأجداد زدت توريثا في عدد الجدات

ثم الجدة إن كانت ذات جهتين والأخرى ذات جهة واحدة قال ابو يوسف رحمه الله السدس بينهما نصفان وقال محمد رحمه الله أثلاثا وصورته امرأة زوجت بنت بنتها من ابن ابنها فولد لهما ولد فهذه المزوجة أم أم الولد وأم أب أبيه فهي ذات جهتين وأم أم أبيه ذات جهة واحدة ونصيب ولد الأم السدس إن كان واحدا وللاثنين فصادعا الثلث والذكر والانثى فيه سواء ويسقطون بأربعة بالولد وولد الابن وإن سفل وبالأب والجد وإن علا وأما الأب فهو عصبة إلا مع الولد أو ولد الابن فيصير ذا سهم وسهمه السدس بكل حال وقد يجتمع الحالان فيه مثل أب وبنت فالنصف لها والباقي له فرضا وعصوبة وأما الجد فهو كالأب إذا لم يكن الأب إلا في ثلاث مسائل وفي الرابعة اختلاف

زوج وأبوان أو زوجة وأبوان فللأم في هاتين الفريضتين ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج أو الزوجة ومع الجد لها الثلث كاملا إلا في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله فإن لها ثلث ما يبقى مع الجد


425

أيضا والثالثة وهي أن الجدة أم الأب لا ترث مع الأب ومع الجد ترث والرابعة الخلافية وهي أن الاخوة والاخوات لأب وأم أو لأب لا يرثون مع الأب ومع الجد كذلك في قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبه أخذ أبو حنيفة وقال زيد بن ثابت رضي الله عنه يقاسمون الجد وبه أخذ أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي

وكيفية المقاسمة على مذهب زيد رضي الله عنه هي أن الجد مع الاخوة والأخوات لأب وأم أو لأب إذا انفردوا عن ذوي السهام فله خير الحالين من المقاسمة ومن ثلث جميع المال ولا ينقص حقه من الثلث واذا اختلطوا بذوي السهام فله خير أحوال ثلاث من المقاسمة ومن ثلث ما يبقى ومن سدس جميع المال و لا ينقص حقه من السدس إلا في المسألة الأكدرية وهي زوج وأم وجد وأخت لأب وأم أو أخت لأب سميت أكدرية لأنها تكدرت على اصحاب الفرائض وقيل بل كدرت على زيد مذهبه قال فيها زيد رضي الله عنه فيما رواه عنه ابنه خارجة للزوج النصف وللأم الثلث وللجد السدس وللأخت النصف ثم يضم الجد نصيبه الى نصيب الأخت فيقسمانه أثلاثا ثلثاه للجد وثلثه للأخت أصلها من ستة وتعول الى تسعة وتصح من سبعة وعشرين وقال قبيصة بن ذؤيب والله ما قال زيد في الأكدرية شيئا ولو كان مكان الأخت أخ فلا عول ولا أكدرية ولا ميراث للأخ لأن الأخ عصبة والأخت صاحبة سهم ولو كان أخ وأخت فلا أكدرية أيضا وكذلك إذا كانتا أختين لأن حق الأم يرد من الثلث الى السدس فلا ضرورة الى اعتبارهما صاحبتي سهم فيكون للزوج النصف وللأم السدس وللجد سهم من ستة والباقي بين الأختين نصفين أو بين الأخ والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين

ثم ولد الأب يعاد ولد الأب والأم في مقاسمة الجد ومزاحمته حتى اذا خرج الجد من الوسط عاد كل الى أصله كأن لم يكن الجد صورته جد وأخ لاب وأم وأخ لأب فالمال بينهم أثلاثا للجد سهم ولكل أخ سهم ثم يسترد الأخ لاب وأم ما في يد الأخ لأب ويخرج بغير شيء

جد وأخ لأب وأم وأخوان لأب فللجد ها هنا الثلث خير والباقي للأخ لأب وأم فقد اتفق الجواب في المسألتين مع اختلاف التخريج

جد وأخت لأب وأم وأخت لأب فالمال بينهم أرباعا للجد سهمان ولكل أخت سهم ثم تسترد الأخت لأب وأم ما في يد الأخت لاب فتخرج من غير شيء

جد وأخت لأب وأم وأختان لأب فالمال بينهم أخماسا للجد سهمان ولكل أخت سهم ثم تسترد الأخت لأب وأم ما في يد الأختين لأب الى تمام النصف والباقي لهما نصف سهم أصلها من خمسة وتصح من عشرين

جد وأخت لأب وأم وأخ لأب فهذه والرابعة سواء إلا أنها تصح من عشرة ولهذا سميت عشرية زيد إذ للأخ عنده عشر المال

جد وجدتان أم الأم وأم الأب وأخت لأب وأم وتسع أخوات لأب فللجدتين السدس وللجد ثلث ما يبقى لأنه خير أحواله الثلاث ثم للأخت لأب وأم نصف جميع المال يبقى للأخوات ثلث السدس أصلها من ستة وتنتقل الى ثمانية عشر وتصح من ثلاثمائة وأربعة وعشرين


426

وأما البنات فذوات السهام إلا أن يقع في درجتهن ذكر فيصرن عصبة به فإذا كن ذوات السهام فللواحدة من الصلب النصف وللاثنتين فصاعدا الثلثان ولا يزدن على الثلثين وإن كثرن وإن كانت واحدة من الصلب ومعها واحدة من الابن أو أكثر فللتي من الصلب النصف وللتي من الابن السدس تكملة الثلثين وإن كانتا اثنتين من الصلب فلا سهم للتي من الابن وإن كان واحد من الصلب فلا شيء للتي من الابن وإن لم يكن واحد ولا واحدة من الصلب فالتي من الابن كالتي من الصلب

ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض صورته بنت ابن وبنت ابن ابن وبنت ابن ابن ابن جملتهن العليا وتفصيلها عليا العليا ووسطى العليا وسفلى العليا وثلاث بنات ابن ابن أخر بعضهن أسفل من بعض صورته بنت ابن ابن وبنت ابن ابن ابن وبنت ابن ابن ابن ابن جملتهن الوسطى وتفصيلها عليا الوسطى ووسطى الوسطى وسفلى الوسطى وثلاث بنات ابن ابن ابن أخر بعضهن أسفل من بعض صورته بنت ابن ابن ابن وبنت ابن ابن ابن ابن وبنت ابن ابن ابن ابن ابن جملتهن السفلى وتفصيلها عليا السفلى ووسطى السفلى وسفلى السفلى فللعليا من الفريق الأول النصف وللتي تليها من العليا من الفريق الثاني السدس تكملة الثلثين ولا شيء للباقيات

وإن كان مع إحدى الباقيات غلام يورث من بحذائه ومن فوقه ممن لم يستوف فرضه من الثلثين ولا يورث من دونه وأما الأخوات فذوات السهام إلا أن يقع في درجتهن ذكر فيصرن عصبة به وإذا كن ذوات السهام فللواحدة من الأب والأم النصف وللبنتين فصاعدا الثلثان ولا يزدن على الثلثين وإن كثرن ولو كانت واحدة من الأب والأم ومعها واحدة من الأب فللتي من الأب والأم النصف وللتي من الأب السدس تكملة الثلثين وإن كانتا اثنتين من الأب والأم فلا سهم للتي من الأب وإن كان واحد من الأب والأم فلا شيء للتي من الأب وإن لم يكن واحد ولا واحدة من الأب والأم فالتي من الأب كالتي من الأب والأم وهن يسقطن بأربعة بالابن وابن الابن وإن سفل وبالأب والجد وإن علا على اختلاف قد مضى وهن مع البنات عصبة لقوله عليه الصلاة والسلام واجعلوا الأخوات مع البنات عصبة

ثم المشتركة وتسمى الحمارية وهي زوج وأم وأخ وأخت لأم وأخ وأخت لأب وأم وجوابها عندنا وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعن سائر الصحابة أجمعين إن للزوج النصف وللأم السدس وللأخ والأخت لأم الثلث ثم المال ولا شيء للأخ والأخت لأب وأم لأنهما عصبة ولا باقي وبه كان يقول عمر رضي الله عنه حتى قال له أولاد الأب والأم هب أن أبانا كان حمارا أما كانت أمنا واحدة فتوقف عمر رضي الله عنه وشركهم في الثلث بينهم بالسوية لا فضل للذكر على الأنثى وهو قول عثمان رضي الله عنه وبه أخذ مالك والشافعي والاوزاعي رحمهم الله

وأما العصبات فأقربهم الابن ثم ابن الابن وإن سفل ثم الاب ثم الجد وإن علا على اختلاف قد مضى ثم الأخ لأب وأم ثم الاخ لأب ثم ابن الاخ الأب كذا بنوهما وإن سفلوا ثم العم لأب وأم ثم العم لأب ثم ابن العم لأب وأم ثم ابن العم لأب وكذا بنوهما وإن سفلوا ثم عم الأب لأب وأم ثم عم الأب لأب ثم ابن عم الأب لأب وأم ثم ابن عم الأب لأب هكذا عمومة الاجداد وإن علوا وأولادهم الذكران وإن سفلوا ثم المعتق ومعتق المعتق ذكرا كان أو أنثى ثم عصبتهما وفيه اختلاف

تمت الفرائض بعون الله وحسن توفيقه على محض ذوي السهام وهم الستة الأول وعلى محض ذوي الحالين وهم الستة الأخر وعلى محض العصبات وهم هؤلاء


427

ثم الأصول التي منها يصح خروج هذه السهام الستة المتفرقة سبعة وثامنها التصحيح من اثنين من ثلاثة من أربعة من ستة من ثمانية من اثني عشر من أربعة وعشرين ثلاثة منها تعول من ستة الى عشرة وترا وشفعا ومن اثني عشر تعول الى سبعة عشر وترا لا شفعا ومن أربعة وعشرين تعول الى سبعة وعشرين دفعة واحدة وطريقة تخريجها أنه متى جاءك من هذه السهام الستة المتفرقة أحاد آحاد فمخرج كل جزء سميه الا النصف فهو من اثنين ومتى جاءك مثنى وثلاث نظر إن كانا من جنس واحد فالاكثر يغنيك ويجزئك وإن كانا من جنسين مختلفين نظر إن اختلط النصف من هذا بكل الآخر أو ببعضه فهو من ستة وإن اختلط الربع من هذا بكل الآخر أو ببعضه فهو من اثني عشر وإن اختلط الثمن من هذا بكل الآخر أو ببعضه فهو من أربعة وعشرين يبقي الأصل الثامن وهو التصحيح فلا بد له من تقدمة وهي معرفة الوفق بين الجانبين المختلفين وهو أن تقسم الأكثر على الأقل أي تطرح من الأكثر بمقدار الأقل من الجانبين حتى يتفقا في درجة واحدة فإن اتفقا في واحد فلا وفق وإن اتفقا في أكثر فموافقة ففي الاثنين بالنصف وفي الثلاثة بالثلث وهكذا الى العشرة وفي العشرة بالعشر وفي أحد عشر بجزء من أحد عشر وفي اثني عشر بجزء من اثني عشر وهكذا الى حيث ينتهي الحساب فنسبتها الى آخر أجزاء ما اتفقا فيه

ثم التصحيح إذا انكسرت السهام والرؤوس طلبنا الوفق بين السهام والرؤوس فإن لم نجد أخذنا كل الرؤوس وإن وجدنا أخذنا وفق الرؤوس وهكذا يفعل بالثاني والثالث أخذا بلا ضرب

ثم عمل آخر بين رؤوس ورؤوس طلبنا الوفق بين رؤوس ورؤوس إن لم نجد ضربنا كل أحدهما في كل الآخر وإن وجدنا ضربنا وفق أحدهما في كل الآخر وهكذا يفعل بالثالث والرابع

وإن تماثلت الأعداد اكتفينا بأحدهما وإن تداخلت الأعداد اكتفينا بأكثرها ثم ما اجتمع فيه فهو مبلغ الرؤوس ومجموعها حفظناها لإفراز الأنصباء وضربناها في أصل الفريضة مع عولها إن كانت عائلة فما بلغ فمنها تصح المسألة نصيب كل فريق ما هو نصيبهم في الابتداء مضروبا فيما ضربنا في أصل الفريضة ونصيب كل واحد ممن لم ينكسر عليهم ما هو نصيبه في الابتداء مضروبا فيما ضربنا في أصل المسألة

وأما من انكسر عليهم فإذا أردنا إفراز نصيب كل واحد منهم نحتاج فيه الى أربع مقدمات الأولى أن نوفق رؤوس طائفته أو وفقها وناخذ سهامهم أو وفقها والثانية أن نطلب الوفق بين حاصل رؤوس طائفته وبين حاصل رؤوس كل طائفة وراءها ممن انكسر عليهم فنأخذ الوفق من كل موافق والكل من كل مباين والثالثة أن نطلب الوفق بين ما أخذنا من حاصل رؤوس الطوائف سوى الطائفة الموقوفة فنضرب بعضها في بعض بعد طلب الموافقة والرابعة أن ننظر الى ما اجتمع من حاصل رؤوس الطوائف بعد ضرب بعضها في بعض فنضربه فيما أخذنا من سهام الطائفة الموقوفة فما بلغ فهو نصيب كل واحد من الفريق الموقوف هذا اذا كان الكسر من جوانب فإن كان من جانبين لا نحتاج الى المقدمة الثالثة وإن كان من جانب واحد نحتاج الى المقدمة الأولى فحسب وإن شئت أخرجت الانصباء بطريق النسبة وهو أن تنسب سهام كل طائفة الى رؤوسها وتأخذ بتلك النسبة من مبلغ الرؤوس فما بلغ فهو نصيب كل واحد من تلك الطائفة وإن شئت نسبت الى رؤوس كل طائفة واحدا منها وأخذت مبلغ الرؤوس بتلك النسبة وضربته في سهامهم فما خرج فهو نصيب كل واحد منهم ثم اذا أردت قسمة التركة فاضرب سهام كل وارث في التركة ثم اقسم ما اجتمع على ما صحت منه الفريضة فما يخرج بسهم فهو نصيبه هذا اذا كان


428

بين التصحيح والتركة مباينة فإن كان بينهما موافقة فاضرب سهام كل وارث في وفق التركة ثم اقسم ما اجتمع على وفق التصحيح ومن صولح على شيء يأخذه بميراثه فأسقط سهامه من الفريضة ثم اقسم باقي التركة على سهام الباقين ثم الرد وهو أنا إذا أعطينا ذوي السهام سهامهم وبقي سهم لا مستحق له يرد عليهم بقدر سهامهم إلا الزوج والزوجة وهذا قول عمر وعلي رضي الله عنهما وبه أخذ علماؤنا

وقال زيد رضي الله عنه يوضع الفاضل في بيت المال وبه أخذ مالك والشافعي

والأصل في تصحيح مسائله أنه اذا لم يكن في المسألة من لا يرد عليه فالقسمة على سهام من يرد عليهم فإن كان فيهم من لا يرد عليه أعطينا نصيبه من أقل مخارجه ثم نظرنا الى الباقي إن استقام على سهام من يرد عليهم فيها وإلا ضربنا من يرد عليهم في مخرج نصيب من لا يرد عليه فما بلغ فمنها تصح السهام فإن وقع الكسر بعد ذلك فالسبيل ما قدمناه وإن كان من يرد عليهم صنفا واحدا فهم بمنزلة العصبات يعطى كل من لا يرد عليه فرضه من أقل مخارجه والباقي لهم فرضا وردا فإن وقع الكسر صححنا المسألة كما نصححها إذا كان فيها ذو سهم وعصبات

طريق آخر في تصحيح المسائل الردية وهو أن تصحح فريضة من يرد عليهم كما لو انفردوا وتعطى من لا يرد عليه نصيبه من أقل مخارجه وتصحيحه عليه ثم تنظر الى الباقي بعد نصيب من لا يرد عليه من تصحيحه فإن استقام على سهام من يرد عليهم فيها وإلا طلبنا الوفق بين تصحيح من يرد عليهم وبين الباقي بعد نصيب من لا يرد عليه من تصحيحه لا إن لم نجد ضربنا كل تصحيح من يرد عليهم في مبلغ تصحيح من لا يرد عليه فما بلغ فمنها تصح المسألة فنصيب من لا يرد عليه مضروب في تصحيح من يرد عليهم أو في وفقه ونصيب كل واحد ممن يرد عليهم مضروب في الباقي بعد نصيب من لا يرد عليه من تصحيحه أو في وفق ذلك

ثم المناسخة ومبناها على التصحيح وهو أن تصحح فريضة الميت الأول على ورثته وتحفظ من ذلك ما أصاب الميت الثاني لطلب الوفق ثم تصحح فريضة الميت الثاني على ورثته ثم تطلب الوفق بين ما في يده وتصحيحه إن لم نجد ضربنا كل هذا التصحيح في كل التصحيح الأول وإن وجدنا ضربنا وفق هذا التصحيح في كل التصحيح الأول ثم نبتدئ بالقسمة فمن كان له نصيب من الفريضة الأولى فمضروب في الفريضة الثانية ومن كان له نصيب من الفريضة الثانية فمضروب في نصيب الميت الثاني ومن كان له نصيب من الفريضتين فما له من الفريضة الأولى فمضروب في الفريضة الثانية وماله من الفريضة الثانية فمضروب في نصيب الميت الثاني هذا اذا عدم الوفق أما إذا وجد الوفق فيضرب في مواضع الضرب في وفقها ويحفظ من ذلك ما أصاب الميت الثالث لطلب الوفق ثم تصحح فريضة الميت الثالث على ورثته ثم تطلب الوفق بين ما في يده وتصحيحه إن لم نجد ضربنا كل هذا التصحيح في كل التصحيحين الأولين وإن وجدنا ضربنا وفقه ثم نبتدئ بالقسمة ونثني ونثلث ونربع ونخمس وعلى هذا جميع هذا الوجه وقياسه وبالله التوفيق

ثم يجب أن تعلم أن الموافقة أينما اتفقت فلها نتائج وثمرات وإذا خرجنا مسألة من المناسخة أو غيرها وأعطينا كل ذي حق حقه وأوفيناه حظه ثم ألغينا الأنصباء كلها توافق بعضها بعضا في جزء من الاجزاء


429

الصحيحة فمن ثمرة هذه الموافقة أن نقتصر من كل نصيب على جزء الوفاق وتخرج المسألة من وفقها وعلى هذا يدور كثير من المسائل فاحفظه

فصل في ذوي الأرحام

وهم خمسة أصناف أولهم أولاد البنات وأولاد بنات الابن والثاني الجدود الفاسدة والجدات الفاسدات والثالث أولاد الأخوات لأب وأم أو لأب وأولاد الاخوة والأخوات لأم وبنات الاخوة والرابع الأخوال والخالات والعمات كلهن والأعمام لأم وبنات الأعمام وأولاد هؤلاء والخامس عمات الآباء والأمهات وأخوالهم وخالاتهم وأعمام الآباء لأم وأعمام الأمهات كلهم وأولاد هؤلاء وأولادهم بالميراث أولهم ثم ثانيهم ثم ثالثهم ثم رابعهم ثم خامسهم في رواية عن أبي حنيفة وعليه الفتوى

وروى عن أبي حنيفة أن الجد الفاسد أولى بالمال من أولاد البنات وقال أبو يوسف ومحمد أولاد الاخوات وبنات الاخوة أولى من الجد الفاسد أب الأم وكل واحد أولى من ولده وولده أولى من أبويه عندهما وهم لا يرثون مع ذي سهم ولا عصبة سوى أحد الزوجين

فصل في الصنف الأول

فأولاهم بالميراث أقربهم فإن استووا في القرب فولد الوارث أولى

واختلفوا في ولد ولد الوارث والصحيح أنه ليس بأولى مثاله بنت البنت أولى من بنت بنت البنت لأنها أقرب وبنت بنت الابن أولى من بنت بنت البنت لأنها ولد الوارث

بنت بنت بنت البنت وبنت بنت بنت الابن فالمال بينهما في الصحيح والقسمة على أبدانهم إن اتفقت أصولهم وإن اختلفت فكذلك عند أبي يوسف رحمه الله وهو رواية عن أبي حنيفة وعند محمد وهو أشهر الروايتين عن أبي حنيفة القسمة على أول خلاف مع اعتبار صفة الأصول في الفروع واعتبار عدد الفروع في الأصول

ثم كل شيء جعلته لأصل ينقل ذلك الى فرعه مثاله بنت ابن بنت وبنت بنت بنت فعند أبي يوسف المال بينهما نصفان باعتبار الأبدان وعند محمد أثلاثا سهمان لبنت ابن البنت وسهم لبنت بنت البنت كأنه مات عن ابن وبنت فينقسم المال بينهما أثلاثا ثم ما اصاب ابن البنت فلولده وما اصاب بنت البنت فلولدها

بنتا ابن بنت وبنت بنت بنت فعند أبي يوسف المال بينهن اثلاثا باعتبار الأبدان وعند محمد خمس المال لبنت بنت البنت وأربعة أخماسه لبنتي ابن البنت كأنه مات عن ابني بنت وبنت بنت فيقسم المال بينهم أخماسا فما أصاب بنت البنت فلولدها وما أصاب بنتي البنت فلولديهما هذا هو اعتبار عدد الفروع في الأصول والأول اعتبار صفة الأصول في الفروع

بنت ابن بنت وابن بنت بنت فعند أبي يوسف ثلث المال لبنت ابن البنت وثلثاه لابن بنت البنت اعتبارا للأبدان دون الأصول وعند محمد ينعكس الجواب فابن بنت البنت له ثلث المال وبنت ابن البنت لها الثلثان إذ هو يعتبر الاصول دون الأبدان

وإن اختلف بطن ثم اختلف بطن فعلى قول أبي يوسف يعتبر الأبدان وعند محمد يقسم على أول بطن اختلف ويجعل من يدلي بالذكر فريقا على حدة ومن يدلي بالانثى فريقا على حدة ثم يقسم على


430

الثاني ثم على الثالث الى أن ينتهي مثاله بنت بنت بنت وبنت ابن بنت وابن ابن بنت فعند أبي يوسف يعتبر الأبدان وعند محمد خمس المال لبنت بنت البنت وثلثا أربعة الأخماس لابن ابن البنت وثلث اربعة الأخماس لبنت ابن البنت ولو كان معهم ابن بنت بنت أيضا فعند محمد ثلث الثلثين لبنت ابن البنت وثلثا الثلثين لابن ابن البنت وثلث الثلث لبنت بنت البنت وثلثا الثلث لابن بنت البنت وكذا البنات فاذا كانت قرابته من جهتين قال أبو حنيفة ومحمد من كان له قرابتان من ذوي الارحام يرث من القرابتين جميعا وهي رواية عن أبي يوسف رحمه الله وعنه أنه لا يرث الا من جهة واحدة كما في الجدة ذات الجهتين عنده مثاله ابن ابن بنت هو ابن بنت بنت وبنت بنت بنت صورته رجل له بنتان ماتتا وخلفت إحداها ابنا والأخرى بنتا فتزوج الابن البنت فولدت له ابنا ثم تزوجها رجل آخر فولدت له بنتا فالمولود أولا ابن ابن بنت وهو ابن بنت بنت والمولودة ثانيا بنت بنت بنت فلو مات الزوجان ثم مات الجد فعند أبي يوسف رحمه الله في رواية المال بينهما أخماسا خمس المال لبنت بنت البنت وأربعة أخماسه لذي القرابتين وعنه في رواية يقسم المال بينهما أثلاثا سهمان لذي القرابتين لمكان الذكورة وسهم لبنت بنت البنت وعند محمد سدس المال لبنت بنت البنت وخمسة أسداسه لذي القرابتين

فصل في الصنف الثاني

وهم الجدود الفاسدة والجدات الفاسدات أولاهم بالميراث أقربهم الى الميت فإن استووا في القرب فمن يدلي بوارث فهو أولى عند البعض ولا تفضيل له عند الآخرين فإن استووا في القرب وليس فيهم من يدلي بوارث نظر فإن كانوا من جانب واحد من جانب الأب أو من جانب الأم واتفقت صفة من يدلون بهم فالقسمة على أبدانهم إن كانوا ذكورا أو إناثا فبالسوية وإن كانوا مختلطين فالذكر مثل حظ الأنثيين وإن اختلفت صفة من يدلون بهم يقسم على أدنى بطن الى الميت اختلف كما في الصنف الأول

وإن كانوا من جانبين يجعل الثلثان لقرابة الاب والثلث لقرابة الأم ثم ما اصاب كل فريق يقسم فيما بينهم كما لو انفردوا ومثاله أب أم أب الأب وأب أب أم الأب فهما جدان من قبل الأب وأب أم أب الأم وأب أب أم الأم فهما جدان من قبل الأم فيقسم المال أولا أثلاثا ثلثاه لقرابة الأب والثلث لقرابة الأم ثم ما اصاب قرابة الأب يقسم أثلاثا ثلثاه لجده من قبل أبيه وهو أب أم الأب وثلثه لجده من قبل أمه وهو أب أب أم الأب وما أصاب قرابة الأم فكذلك ثلثاه لجدها من قبل ابيها وهو أب أم أب الأم وثلثه لجدها من قبل أمها وهو أب أب أم الأم وهذا الجواب على قول من لا يعتبر المدلي بالوارث وأما من يعتبر الإدلاء بالوارث فعنده المال كله للجد المذكور أولا وهو أب أم اب الأب

فصل في الصنف الثالث

فالكلام في أولاد الأخوات وبنات الاخوة لأب وأم أن أولاهم اقربهم وعند الاستواء في القرب من كان ولد الوارث أولى فالقسمة على أبدانهم إذا اتفقت أصولهم وإن اختلفت فهو على اختلاف قد مر في الصنف الأول مثاله بنت الأخت أولى من بنت بنت الأخت لأنها أقرب وبنت ابن الأخ أولى من بنت بنت الأخ لأنها ولد الوارث

بنت أخت وابن أخت فالمال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين


431

بنت ابن أخت وابن بنت اخ وبنت بنت أخ فعند ابي يوسف يعتبر الأبدان وعند محمد خمس المال لبنت ابن الأخت وثلثا أربعة الأخماس لابن بنت الأخ وثلث أربعة الأخماس لبنت بنت الأخ

ابن أخت لأب وأم وبنت أخ لأب وأم فأبو يوسف رحمه الله يعتبر الأبدان دون الأصول فعنده ثلث المال لبنت الأخ لأب وأم وثلثاه لابن الأخت لأب وأم ومحمد رحمه الله يعتبر الأصول دون الأبدان فعنده ثلث المال لابن الأخت لأب وأم وثلثاه لبنت الأخ لأب وأم

والكلام في أولاد الأخوات وبنات الاخوة لأب كالكلام في الفريق الأول عند عدمهم وأما الكلام في أولاد الاخوة والاخوات لأم فهو أن أولاهم أقربهم ولا يفضل الذكر على الأنثى إلا في رواية شاذة عن أبي يوسف رحمه الله مثاله بنت أخ لأم وابن أخت لأم فعندهما المال بينهما كالأصول نصفان وعند أبي يوسف على تلك الرواية أثلاثا بخلاف الأصول

وإذا اجتمع ثلاثة أولاد أخوات متفرقات أو ثلاث بنات اخوة متفرقين واستووا في القرب والدرجة فعند أبي يوسف رحمه الله وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله يعتبر الأصول مثاله بنت أخت لأب وأم وبنت أخت لأب وبنت أخت لأم فعند أبي يوسف رحمه الله المال كله لبنت الأخت لأب وأم وعند محمد خمس المال لبنت الأخت لأم وخمسه لبنت الأخت لأب وثلاثة أخماسه لبنت الأخت لأب وأم

بنت أخ لأب وأم وبنت أخ لأم فعند ابي يوسف رحمه الله المال كله لنت الأخ لأب وأم وعند محمد سدس المال لبنت الأخ لأم والباقي لبنت الأخ لأب وأم

وإذا اجتمعت ثلاث بنات أخوات متفرقات وثلاث بنات اخوة متفرقين فعند أبي يوسف رحمه الله المال كله بين بنت الأخ لأب وأم وبين بنت الأخت لأب وأم نصفان وعند محمد ثلث المال بين بنت الأخ لأم وبين بنت الأخت لأم نصفان وثلثا المال بين بنت الأخ لأب وأم وبين بنت الأخت لأب وأم أثلاثا كما في الأصول وكذا ولد الاخوة والأخوات إذا كانت قرابته ذات جهتين فهو على اختلاف قد مر في الصنف الأول مثاله ابن أخ لأم هو ابن أخت لأب وبنت أخت لأب وأم فعند أبي يوسف رحمه الله المال كله لبنت الأخت لأب وأم وعند محمد المال كله على خمسة ثلاثة أخماسه لبنت الأخت لأب وأم وخمساه لابن الأخ لأم الذي هو ابن الأخت لأب

فصل في الصنف الرابع

وهم الأعمام لأم ومن في معناهم من كان لأب وأم أولى ممن كان لأب ومن كان لأب كان أولى ممن كان لأم مثاله عمة لأب وام فهي أولى من العمة لأب والتي من الأب أولى من التي لأم

خالة لأب وأم وخالة لأب فالأولى أولى خال لأب وخال لأم فالخال للاب أولى

وإنما يعتبر هذا الترجيح في جنس واحد ولا يعتبر في جنسين إلا في رواية شاذة عن أبي يوسف رحمه الله مثاله عمة لأب وأم وخالة لأب فالمال بينهما أثلاثا ثلثاه للعمة وثلثه للخالة وعند أبي يوسف على تلك الرواية المال كله للعمة وإذا اجتمع العمات والأخوال والخالات فالثلثان للعمات بينهن بالسوية والثلث للأخوال والخالات بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين

والكلام في أولاد هؤلاء وبنات الأعمام أن أولاهم أقربهم فإن استووا في القرب فمن كان لأب وأم


432

أولى ممن كان لأب ومن كان لأب أولى ممن كان لأم ثم ولد الوارث أولى فإن كان أحدهما ولد الوارث غير أنه ذو قرابة واحدة والآخر ولد ذي الرحم لكن ذو قرابتين اختلفوا فيه والصحيح أن ذا القرابتين أولى مثاله بنت ابن عم لأب وابن ابن عمة لأب وأم فالثاني أولى

فصل في الصنف الخامس

وهم أقرباء الأبوين أولاهم أقربهم مثاله عمة الأب أولى من عمة الجد لأنها أقرب وإذا اجتمعت قرابتا الأب وقرابتا الأم فالثلثان لقرابتي الأب والثلث لقرابتي الأم ثم ما أصاب قرابتي الأب يقسم بينهم أثلاثا ثلثاه لقرابته من قبل أبيه والثلث لقرابته من قبل أمه

وما اصاب قرابتي الأم فكذلك ثلثاه لقرابتها من قبل أبيها والثلث لقرابتها من قبل أمها مثاله عمة الأب وخالته وعمة الأم وخالتها والكلام في أولاد هؤلاء كالكلام في أولاد البنات وأولاد الأخوات فيما يتفقون ويختلفون

فصل في لواحق الكتاب

قد ذكرنا أن الولاء على ضربين ولاء عتاقة وولاء موالاة فمولى العتاقة كل من أعتق عبدا أو مات عن مدبر وخرج من الثلث أو مات عن أم ولد أو استوفى كتابة عبد أو ملك ذا رحم محرم منه فعتق عليه فإنه يكون مولى له يرثه إذا مات ولا يرث المعتق منه وإن أعتقها على أن لا ولاء له فالشرط باطل والولاء ثابت

والولاء لا يورث ويكون لأقرب عصبة المعتق مثاله مات المعتق عن ابن وبنت فالولاء كله للابن وإن مات عن ابن وأب فالولاء كله للابن عند ابي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف سدس الولاء للأب والباقي للابن فإن مات عن جد وأخ فالولاء كله للجد عند ابي حنيفة وعندهما الولاء بينهما نصفان وعند الشافعي الولاء كله للأخ في أصح قوليه

كل مملوك عتق على ملك مالكه لا يتحول ولاؤه عنه أبدا مثال رجل زوج أمته من عبد غيره ثم أعتق أمته فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر ثم أعتق العبد لا يجر ولاء الولد الى نفسه لأنه عتق على ملك معتق الأم ولو جاءت بولد لتمام ستة أشهر فصاعدا ثم أعتق العبد جر ولاء الولد الى نفسه

وليس للنساء من الولاء إلا ما اعتقن أو أعتق من أعتقن أو كاتبن أو كاتب من كاتبن أو دبرن أو دبر من دبرن أو جر ولاء معتقهن

وأما مولى الموالاة فمجهول النسب إذا قال لآخر أنت مولاي ترثني إذا مت وتعقل عني اذا جنيت وقال الآخر قبلت صح عندنا ويكون القابل مولى له يرثه إذا مات ويعقل عنه اذا جنى وإن شرط من من الجانبين فعلى ما شرطا ويدخل في هذا العقد أولاده الصغار ومن يولد له بعد ذلك

وكذلك المرأة إذا عقدت عقد الموالاة صح عند أبي حنيفة رحمه الله وللعاقد فسخه مالم يعقل عنه هذا القابل وللقابل فسخه إلا أن يرث بولائه ومولى الموالاة مؤخر عن ذوي الأرحام مقدم على بيت المال ويرث مع أحد الزوجين

وللرق من أسباب الحرمان وافرا كما في القن وناقصا كما في المدبر وأم الولد والمكاتب إذا مات


433

عاجزا فهو عبد وإن مات عن وفاء أو عن مولود في الكتابة يؤدي كتابته ويحكم بحريته في آخر جزء من أجزاء حياته فيتبين أنه مات حرا والمستسعي بمنزلة حر مديون عندهما وعند أبي حنيفة رحمه الله هو عبد ما بقي عليه درهم هذا اذا كان يسعى لفكاك رقبته كمعتق البعض أما اذا كان يسعى بحق في رقبته كالعبد المرهون إذا أعتقه الراهن فهو بمنزلة الأحرار يرث ويورث عنه

والقتل من أسباب الحرمان وكل قتل يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة فإنه يمنع الميراث وكل قتل لا يتعلق به وجوب القصاص ولا الكفارة فإنه لا يمنع الإرث أما القتل الذي يتعلق به وجوب القصاص فهو أن يقتل مورثه عمدا بالحديد أو بما يعمل عمل الحديد وأما الذي يوجب الكفارة فهو أن يقتله بالمباشرة خطأ أو أوطأ دابته مورثه وهو راكبها أو انقلب في النوم على مورثه فقتله أو سقط عليه من السطح فقتله أو سقط حجر من يده عليه فقتله فهذا كله قتل بطريق المباشرة فتجب فيه الكفارة ويوجب حرمان الميراث إن كان مورثا والوصية إن كان أجنبيا

وأما القتل الذي لا يتعلق به وجوب القصاص ولا الكفارة فهو أن الصبي أو المجنون إذا قتل مورثه أو غير الصبي والمجنون إذا قتل مورثه بالتسبب كما اذا أشرع جناحا على قارعة الطريق فسقط على مورثه فمات أو حفر بئرا على قارعة الطريق فوقع مورثه فيها فمات أو ألقى حجرا على قارعة الطريق فتعلق به مورثه فمات أو صب ماء أو بال أو توضأ فزلق به المورث فمات او ساق دابة أو قادها فأوطأت مورثه فمات أو قتله قصاصا أو رجما أو دفعا لقتاله أو كان مكرها على قتله أو سقط حائطه المائل على مورثه بعد ما اشهد عليه فمات أو وجد مورثه قتيلا في داره فإنه يجب القسامة والدية على العاقلة ولا يمنع الإرث

وكذا العادل إذا قتل الباغي وهو مورثه لم يمنع الإرث في هذه المواضع كلها وإن باشر لأنه لا يوجب القصاص ولا الكفارة وأما اذا قتل الباغي العادل وهو مورثه فهذا على وجهين إن قال قتلته وأنا على الباطل والآن أيضا على الباطل فإنه لا يرثه بالإجماع وإن قال قتلته وأنا على الحق والآن على الحق أيضا يرثه في قول أبي حنيفة ومحمد لأنه قتل لا يوجب القصاص ولا الكفارة وعند أبي يوسف لا يرثه لأنه قتل بغير حق

الابن إذا قتل أباه عمدا أو خطأ لا يرثه يجب القصاص في العمد والكفارة في الخطأ وكذا الأب إذا قتل ابنه خطأ يمنع الارث وهذا لا يشكل لأن الكفارة تجب بقتله أباه خطأ أما اذا قتله عمدا فإنه يوجب حرمان الميراث أيضا وإن كان لا يجب القصاص ولا الكفارة وهذا يشكل على الأصل الذي ذكرناه إلا أنا نقول وجب القصاص هاهنا لكنه سقط بحرمة الأبوة

الأب إذا أدب ابنه اجترم جريمة سرقة أو غيرها وعنف في الضرب فمات يوجب حرمان الميراث وعند ابي يوسف لا يوجبه

المعلم إذا أدب ولد انسان وهو وارثه فمات لا يوجب حرمان الميراث وكذلك الأب إذا بط قرح ابنه أو ختنه أو حجمه من غير أن يعنف في ذلك فمات والزوج إذا عزر زوجته بأن لم تطعه في الفراش فماتت فإنه يوجب حرمان الميراث

الكفر كله ملة واحدة عندنا يرث بعضهم بعضا فالنصراني يرث اليهودي واليهودي يرث المجوسي


434

إلا إذا كانت دورهم مختلفة متباينة مثل نصراني مات وله ابن في الروم وابن في الهند لا يرث واحد منهما ولو مات مسلم وله ابن مسلم في الهند فإنه يرثه لأنه لم تتباين الدار حكما

والمرتد لا يرث من واحد وكذا المرتدة وهل يرث المسلم منه قال أبو حنيفة إن كان كسبا اكتسبه في حال الردة يكون فيئا وإن كان كسبا اكتسبه في حال الاسلام يكون لورثته المسلمين وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله الكسبان لورثته المسلمين وقال الشافعي الكسبان جميعا فيء فإن لحق بدار الحرب مرتدا يقسم القاضي ماله بين ورثته كأنه ميت

المجوسي يرث بالنسب والولاء وبنكاح يقر عليه بعد الاسلام والنسب فيما بينهم يثبت بالأنكحة الفاسدة

ومن يدلي الى الميت بنسبين إن كان أحدهما لا يحجب الآخر ورث بهما جميعا وإن كان يحجب ورث بالحاجب مثاله إذا ترك ابني عمه أحدهما أخوه لأمه فله السدس بالفرض والباقي بينهما بالعصوبة لأن إحدى جهتي قرابته لا تحجب الجهة الأخرى فورث بهما فإن ترك بنتي خالته وإحداهما أخته لأبيه فلها المال كله فرضا وردا لأن إحدى جهتي قرابتها تحجب الأخرى فورثت بالحاجبة

ثم المحجوب عن الميراث يحجب غيره كمن مات وله أبوان وأخوان فالأخوان يردان الأم من الثلث الى السدس وإن كانا لا يرثان إذ هما بالاب محجوبان

والمحروم من الميراث لا يحجب كالمحروم بالقتل أو الرق أو اختلاف الدين لا حجب الحرمان ولا حجب النقصان إلا في قول عبد الله بن مسعود فإنه أفتى فيما زعم النخعي أن المحروم لا يحجب حجب الحرمان ولكنه يحجب حجب النقصان وعنده تعول المسألة الى احدى وثلاثين بناء على هذا الأصل صورتها زوجة وأم وأخوان لأم وأختان لاب وأم وابن هو محروم بأحد أسباب الحرمان فعند عامة الصحابة تعول هذه المسألة إلى سبعة عشر وأصلها من اثنى عشر لأن الزوجة فرضها الربع عندهم إذ الابن المحروم لا ينقصها حقها وعند ابن مسعود أصلها من أربعة وعشرين لأن الزوجة فرضها الثمن عنده إذ الابن المحروم ينقصها حقها فعالت الى احدى وثلاثين

المفقود لا يرث ولا يورث عنه مالم يثبت موته ببينة أو بمضي مدة يعلم يقينا أنه لا يعيش أكثر من ذلك ووقت في ذلك أبو حنيفة رواية الحسن عنه بمائة وعشرين سنة من وقت ولادته وعن أبي يوسف بمائة سنة وقدره بعضهم بتسعين وبعضهم بسبعين وقال بعضهم إنه موكول الى رأي القاضي فإذا انقضت تلك المدة ورثه من كان حيا من ورثته ولا يرثه من مات قبل مضي المدة ولو مات مورثه في خلال فقده وله وارث سواء إن كان لا يحجب به لكنه ينتقص حقه يعطي أقل النصيبين ويوقف الباقي وإن كان يحجب به لا يعطى أصلا

ويوقف للحمل نصيب اربعة بنين عند أبي حنيفة رحمه الله وعند محمد ميراث ابنين وهو رواية عن أبي يوسف وعنه أنه يوقف ميراث ابن واحد وعليه الفتوى ولو كان معه وارث آخر لا يسقط بحال ولا يتغير به يعطى كل نصيبه وإن كان ممن يسقط به لا يعطى أصلا وإن كان ممن يتغير به يعطى الأقل

ميراث ولد اللعان من جهة الأم لا غير وأنها كسائر الأمهات ولا يكون عصبة

لا توارث بين الغرقى والحرقي والهدمى ويجعل كأنهم ماتوا معا


435

الخنثى يرث من حيث يبول فإن بال منهما فالحكم للأسبق وإن كانا معا فهو مشكل عند أبي حنيفة وعندهما يعتبر الأكثر وإن استويا فهو مشكل أيضا عندهما ثم الخنثى المشكل يرث أقل النصيبين وهو نصيب البنت عند عامة الصحابة إلا أن يكون أسوأ حاله أن يكون ذكرا وبه قال أبو حنيفة رحمه الله وقال الشعبي يعتبر فيه الحالان حالة الذكورة وحالة الأنوثة بيانه إذا مات الرجل عن ابن وولد خنثى قال أبو حنيفة رحمه الله ثلثا المال للابن والثلث للخنثى واختلف أبو يوسف ومحمد على قول الشعبي قال محمد للخنثى خمسة من اثني عشر وللابن المتيقن سبعة وقال أبو يوسف للخنثى ثلاثة من سبعة وللابن المتيقن أربعة والله أعلم بالصواب ويجزي كلا منهم ويثاب

طريق معرفة ما هو الأقل مما أعطاه أبو يوسف ومحمد أن يضرب الثلاثة التي يعطيه أبو يوسف في الاثنى عشر مخرج ما يعطيه منه محمد والخمسة التي يعطيه منها محمد في سبعة مخرج ما يعطيه منه أبو يوسف فيكون الأول ستة وثلاثين والثاني خمسة وثلاثين وستة وثلاثون ثلاث مرات اثنا عشر يعطيه محمد من كل اثنى عشر خمسة فصارت جملة ما يعطيه محمد خمسة عشر من ستة وثلاثين وخمسة وثلاثون خمس مرات سبعة يعطيه أبو يوسف من كل سبعة ثلاثة وخمس مرات ثلاثة خمسة عشر فيعطيه أبو يوسف خمسة عشر من خمسة وثلاثين ومحمد من ستة وثلاثين وخمسة عشر من خمسة وثلاثين أكثر منها من ستة وثلاثين هكذا برهنوا لذلك في كتبهم وفي هذا نوع تعسير وتكسير والأوضح الأسلم أن تقول فاضرب مخرج ما يعطيه منه أبو يوسف وذلك سبعة في مخرج ما يعطيه منه محمد وذلك اثنا عشر تصير الجملة بعد الضرب أربعة وثمانين فأعطه من هذا المبلغ بعد الضرب بالطريق الذي ذكرنا في المناسخات لإفراز الأنصباء أعني خذ ثلاثة واضربها فيما ضربت السبعة فيه وذلك اثنا عشر وثلاثة في اثني عشر ستة وثلاثون هذا هو الذي يعطيه أبو يوسف من أربعة وثمانين ثم اضرب خمسة في السبعة التي ضربت الاثني عشر فيها يصير خمسة وثلاثين هذا هو الذي يعطيه محمد من أربعة وثمانين فازداد ما يعطيه أبو يوسف على ما يعطيه محمد هكذا اتضح في بعض فكري بتسهيل الله تعالى وبتيسيره وهو الميسر لكل عسير نعم المولى ونعم النصير هذا ما يسر الله تعالى نقله من فصول العمادى والله الهادي الى طريق الرشاد

الفصل الثلاثون وهو تمام الفصول في مسائل شتى

وفي النوازل لأبي الليث السمرقندي في باب مسائل شتى متفرقة قال محمد بن الحسن أخبرني رجل من أصحابنا عن الحسن البصري أنه سئل عن رجل أتى رجلا ايحل له أن يتزوج ابنته فقال سبحان الله أو يكون هذا قال نعم فوصفوا له رجلا مخنثا كان فعل ذلك به فقال لا يحرم ذلك شيئا قال محمد وبه نأخذ

وسئل أبو القاسم عن دارين متلاصقتين فجعل صاحب احدى الدارين في داره إصطبلا وكان في القديم مسكنا وفي ذلك ضرر على صاحب الدار الأخرى هل له أن يمنعه عن ذلك أم لا قال ان كانت وجوه الدواب الى جدار داره فليس له أن يمنعه وإن كانت حوافرها الى الجدار فله منعه

وسئل الفقيه أبو جعفر عن نواويس بجنب أرض رجل فاراد أن يجرها الى أرضه قال إن لم يكن


436

لها قيمة فلا بأس وإن كان لها قيمة فإن كانت من نواويس الجاهلية فهو بمنزلة أرض الموات وإن كانت من نواويس كانت بعد الإسلام فهو بمنزلة اللقطة يباع ويصرف ثمنه الى بعض مصالح المسلمين وكذلك كل لقطة يعلم أنها كانت كذا ينبغي أن لا يتصدق به ولكن سبيلها أن تصرف الى بيت المال لنوائب المسلمين

وسئل عن رجل قال لامرأته وفي يدها قدح من ماء إن شربت الماء فأنت طالق وإن حسبتيه فأنت طالق وإن دفعتيه الى انسان أو وضعتيه فأنت طالق قال ترسل فيه ثوبا حتى ينشف الماء

وسئل عن رجل قال لامرأته إن لم أجامعك على هذا الرمح فأنت طالق قال ينقب السقف ويخرج رأس الرمح من السطح قليلا ثم يجامعها عليه وسئل عن رجل قال لامرأته إن كلمتك أولا فأنت طالق ثم قالت له امرأته إن كلمتك أولا فعبدي حر قال يتكلم الرجل ولا يحنث لأنه قد خرج عن يمينه بكلام المرأة

وسئل عن رجل قال والله لا أشرب الخمر إلا لأجد خيرا من ذلك ثم انه شرب الخمر من غير اضطرار قال يحنث في يمينه وأخاف عليه الكفر بهذه الكلمة وسئل أبو بكر عن رجل حلف أن لا يأكل هذا اللحم فأكله غير مطبوخ قال لا يحنث كرجل حلف لا يأكل هذا الدقيق فأكله على حاله لم يحنث كذلك وهذا ما قال الفقيه وعندي أنه يحنث

وسئل عن سكران قال لامرأته إن لم تكن فلانة أوسع دبرا منك فأنت طالق قال هذا شيء غير مفهوم ولا مقدور على معرفته فلا يقع فيه الحنث

وسئل عن رجل حلف أن لا ينام على الفراش ما دام في الغربة فتزوج امرأة في بلدة هل يجوز له أن ينام على الفراش قال إذا تزوج امرأة لا على نية أن يطلقها أو على نية أن يطلقها أو لا نية أن يذهب بها فقد خرج عن أن يكون غريبا وإذا تزوجها على أن يطلقها أو على نية النقلة بها فهو يعد غريبا

وسئل سفيان الثوري عن رجل وهب لرجل ثوبا ثم اختلسه منه فاستهلكه قال على الواهب قيمته وليس الارتجاع الا عند القاضي قال الفقيه وهذا قول أصحابنا وبه نأخذ ولو وهب لرجل دراهم ثم استقرضها منه فأقرضها جاز وليس للواهب أن يرجع أبدا لأن الهبة صارت مستهلكة وصارت دينا على الواهب وسئل نصير بن يحيى عن الكسب فريضة هو أم لا قال الكسب والعمل فريضة بمقدار ما لا بد منه لأن من الفرائض مالا يستطاع إلا بأدائه كالصلاة لا تجوز إلا بالوضوء فعليه تكلف الماء وطلبه ليقيم به الفريضة وعليه أن لا يلبس الثياب لإقامة الصلاة ولا يرتفع ذلك الا بالعمل لأنه لم ينسج النساج ويخيط الخياط ولا يحتاج أن يزرع قبل ذلك لستة أشهر إلا لأجل ذلك وقد جعل الله تعالى أهل الجنة بلا مؤنة وتكلف وأما في الدنيا فإنه بالتكلف قال الله تعالى لآدم فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى يعني بالكد في المعيشة لا تأكل الا بعرق جبينك وقال عز وجل لمريم وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا وقال تعالى أنفقوا من طيبات ما كسبتم وقال تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله يعني الكسب وقال تعالى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله


437

قال وبلغنا عن بعض العلماء أنه قال لا يقوم الدين والدنيا إلا بأربع بالعلماء والأمراء والجهاد والكسب

وقال نصير حدثنا صالح بن محمد عن المعلى عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه السلام طلب الحلال جهاد

وقال نصير حدثنا بعض أصحابنا عن علي بن يحيى عن الشبلي عن عبادة بن كثير عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب الحلال فريضة بعد أداء الفرائض

قال وحدثنا احمد بن يونس الربعي عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن زكريا عليه السلام كان نجارا وقال النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بالبز فإن أباكم كان بزازا يعني ابراهيم الخليل عليه السلام

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول يا معشر العراة ارفعوا رؤوسكم واتجروا فقد وضح الطريق ولا تكونوا عيالا على الناس

وقال نصير حدثنا يحيى بن المبارك عن معمر عن الزهري عن مالك بن أنس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ادخر قوت سنة

وقال نصير سمعت شقيق بن ابراهيم يقول في قوله تعالى ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض لو أن الله تعالى رزق من غير كسب لبغوا في الأرض وقال لو أن الله تعالى رزق عباده من غير كسب لبغوا في الأرض وتفاسدوا ولكن شغلهم بالكسب حتى لا يتفرغوا للفساد

وقال نصير حدثنا أبو أمامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان سليمان بن داود صلوات الله عليهما وسلامه يخطب الناس على المنبر وفي يده الخوص يعمل به فإذا فرغ ناوله إنسانا وقال له اذهب به فبعه

وقال نصير حدثني بعض أصحابنا أن داود النبي عليه السلام كان يخرج متنكرا ليسأل عن سيرته في مملكته فعرض له جبريل عليه السلام في صورة آدمي فقال له داود يا فتى ما تقول في داود قال نعم العبد هو غير أن فيه خصلة قال وما هي قال يأكل من بيت مال المسلمين وما في العباد أحب الى الله تعالى من عبد يأكل من كد يده فعاد الى محرابه متضرعا الى الله تعالى يقول يا رب علمني صنعة بيدي تغنيني بها عن مال المسلمين فعلمه تعالى صنعة الدروع وألان له الحديد حتى كان في يده بمنزلة العجين وكان إذا فرغ من عمل واحدة باعها وعاش هو وعياله من ثمنها

وقال نصير حدثني مكي بن ابراهيم عن فتح عن ثابت البناني قال بلغني أن العبادة عشرة تسعة في طلب المعيشة وواحدة في العبادة

قال وحدثنا شداد بن حكيم عن أبي معاوية عن الأعمش عن ابراهيم قال كانوا يقولون الذي يعمل بيده أفضل من التاجر والتاجر أفضل من الجالس قال الفقيه وحدثنا الثقة عن أبي القاسم عن نصير ابن يحيى بهذه الأحاديث التي ذكرناها

قال الفقيه وسمعت أبي بكر بإسناده عن معاوية بن قرة قال رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه


438

كرم الله وجهه الله جل ذكره تعالى عنه ناسا من أهل اليمن فقال ما أنتم يا أهل اليمن قالوا نحن متوكلون على الله تعالى فقال كذبتم بل أنتم متأكلون ألا أخبركم بالمتوكل رجل ألقى حبة في الأرض وتوكل على الله تعالى انتهى

هذا ما يسر الله تعالى نقله من كتاب النوازل للسمرقندي والله الموفق الى سبيل الرشاد وعليه التوكل والاعتماد

وكان الفراغ من جمعها ثالث عشرى صفر الخير سنة 1015 فلما يسر الله تعالى بالتمام وسألته بمنه حسن الختام سميتها غاية المرام في تتمة لسان الحكام والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم