كتاب الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل ج 2


3

كتاب البيع

البيع حلال لقول الله تعالى ( وأحل الله البيع ) البقرة 285 وهو نوعان أحدهما الإيجاب والقبول فيقول البائع بعتك أو ملكتك أو لفظا بمعناهما ثم يقول المشتري ابتعت أو قبلت أو نحوهما فإن تقدم القبول الإيجاب بلفظ الماضي فقال ابتعت هذا منك بكذا فقال بعتك صح لأن المعنى حاصل فأشبه التعبير بلفظ آخر وإن تقدم بلفظ الطلب فقال بعني فقال بعتك صح لأنه تقدم القبول أشبه لفظ الماضي وعنه لا يصح لأنه لو تأخر عن الايجاب لم يصح فلم يصح متقدما كلفظ الاستفهام وإن أتى بلفظ الاستفهام فقال أبعتني ثوبك فقال بعتك لم يصح متقدما ولا متأخرا لانه ليس بقبول ولا استدعاء

الثاني المعاطاة مثل أن يقول أعطني بهذا خبزا فيعطيه ما يرضيه أو يقول خذ هذا الثوب بدينار فيأخذه فيصح لأن الشرع ورد بالبيع وعلق عليه احكاما ولم يعين له لفظا فعلم أنه ردهم إلى ما تعارفوه بينهم بيعا


4

والناس في اسواقهم وبياعاتهم على ذلك وحكي عن القاضي أنه يصح في الأشياء اليسيرة دون الكثيرة لأن العرف إنما جرى في اليسير والحكم في الهبة والهدية والصدقة كالحكم في البيع وذلك لاستواء الجميع في المعنى

فصل

ويشترط له الرضى لقول الله تعالى ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) النساء 29 إلا فيما يجب فإن أكره على بيع غير واجب لم يصح لعدم الرضى المشترط وإن أكره على بيع واجب صح لأنه قول حمل عليه بحق فصح كإسلام المرتد ولا يصح من غير عاقل كالطفل والمجنون والسكران والنائم والمبرسم لأنه قول يعتبر له الرضى فلم يصح من غير عاقل كالاكراه

باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز

كل عين مملوكه يباح نفعها واقتناؤها من غير ضروره يجوز بيعها كالمأكول والمشروب والملبوس والمركوب والعقار والعبيد والإماء لقوله تعالى ( وأحل الله البيع ) البقرة 375 وقد اشترى النبي صلى الله عليه وسلم من جابر بعيرا


5

ومن اعرابي فرسا ووكل عروة بن الجعد في شراء شاه وباع مدبرا وحلسا وقدحا وأقر أصحابه على بيع هذه الأعيان وشراءها ويجوز بيع دود القز وبزره لأنه منتفع به وبيع النحل في كوارته ومنفردا عنها إذا رؤي وعلم قدره وبيع الطير الذي يقصد صوته كالهزار والبلبل والببغة لأنه يشتمل على منفعة مباحة أشبه الأنعام ويجوز بيع الهر وسباع البهائم والطير التي تصلح للصيد كالفهد والبازي ونحوهما غير الكلب في احدى الروايتين وهي اختيار الخرقي والأخرى لا يجوز واختارها أبو بكر وابن أبي موسى فقالا لا يجوز بيعها لنجاستها فأشبهت الكلب والأول أصح لأنه حيوان أبيح نفعه واقتناؤه من غير وعيد في جنسه فجاز بيعه كالحمار وبهذا يبطل ما ذكرناه ويجوز بيع الجحش الصغير والفهد الصغير وفرخ البازي لأنه يصير الى حال ينفع فأشبه طفل العبيد وما ينفع من بيض الطير لمصيره فرخا فهو كفرخه لأن مآله إلى النفع وقال القاضي لا يجوز بيعه لعدم نفعه في الحال قال أحمد أكره بيع القرد قال ابن عقيل هذا محمول على بيعه للإطافة به واللعب فأما بيعه لحفظ المتاع فيجوز لأنه منتفع به وقال أحمد أكره بيع لبن الآدميات فيحتمل التحريم لأنه مائع خارج من آدميه أشبه العرق ويحتمل كراهية التنزيه لأنه طاهر منتفع به أشبه لن الشاه


6

ويجوز بيع العبد المرتد لأنه مملوك منتفع به وخشية هلاكه لا يمنع بيعه كالمريض فإن علم المشتري حاله فلا شيء له لأنه رضي بعيبه وإن لم يعلم فله الرد أو الأرش قتل أو أسلم كالمعيب ويصح بيع العبد الجاني عمدا وخطأ على النفس أو ما دونها لأنه حق تعلق برقبته غير متحتم فأشبه القتل بالردة فإن كانت الجناية موجبة للقصاص فهي كالردة وإن كانت موجبة للمال فهو على السيد لأنه رضي بالتزام ما عليه فإن كان معسرا فللمجني عليه رقبة العبد إن شاء فسخ العقد ورجع به وإن شاء 2 رجع على البائع بالأرش وإن كان قاتلا في المحاربة فكذلك في قول بعض أصحابنا لأنه ينتفع به إلى قتله ويعتقه فيجر ولاء ولده فصح بيعه كالزمن وحكمه حكم المرتد وقال القاضي لا يصح بيعه لأنه متحتم القتل فلا منفعة فيه فأشبه الميت

فصل

وفي بيع رباع مكة وإجارتها روايتان احداهما يجوز لأن عمر رضي الله عنه اشترى من صفوان بن أمية دارا بأربعة آلاف واشترى معاوية من حكيم بن حزام دارين بمكة ولأنها أرض حية لم ترد عليها صدقة محرمة فجاز بيعها كغيرها


7

والثانية لا يجوز لأنها فتحت عنوة ولم تقسم بين الغانمين فصارت وقفا على المسلمين فحرم بيعها كسواد العراق والدليل على فتحها عنوة قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنما أحلت لي ساعة من نهار متفق عليه وقالت أم هانئ يا رسول الله إني أجرت حموين لي فزعم ابن أمي علي أنه قاتلهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد أجرنا من أجرت وقتل ابن خطل ومقيس ابن حبابة ولو فتحت صلحا لم يجز قتل أهلها

فصل

ولا يجوز بيع أرض الشام وسواد العراق ونحوهما مما فتح عنوة لأن عمر رضي الله عنه وقفه على المسلمين وأقره في يد أربابه بالخراج الذي ضربه يكون أجرة له في كل عام ولم يقدر مدتها لعموم المصلحة فيها وقد اشتهر ذلك في قصص نقلت عنه وعن أحمد أنه كره بيعها لأنه يأخذ ثمن الوقف وأجاز شراءها لأنه كالاستنقاذ لها فجاز كشراء الاسير وتجوز اجارتها لأنها مستأجرة في يد أربابها وإجارة المستأجر جائزة فأما المساكن في المدائن فيجوز بيعها لأن الصحابة رضي الله عنهم اقتطعوا الخطط في الكوفة والبصرة في زمن عمر رضي الله عنه وبنوها مساكن وتبايعوها من غير نكير فكان اجماعا


8

قال أحمد : لا أعلم في بيع المصحف رخصة ورخص في شرائه وقال هو أهون وذلك لأن ابن عمر وابن عباس وأبا موسى كرهوا بيعه ولأنه يشتمل على كلام الله فيجب صونة عن الابتذال والشراء أسهل لأنه استنقاذ له فلم يكره كشراء الأسير وقال ابو الخطاب يجوز بيعها مع الكراهة وفي شرائها وابدالها روايتان فإن بيعت لكافر لم يصح رواية واحدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديها فلم يجز تمليكهم إياه وتمكينهم منه ولانه يمنع من استدامة ملكه فمنع ابتداء كنكاح المسلمة

فصل

ولا يجوز بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام متفق عليه لما روى جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام متفق عليه ولا يجوز بيع ما لا نفع فيه كالحشرات وسباع البهائم والطير التي لا يصاد بها وما لا يؤكل من الطير ولا بيضه لأنه لا نفع فيها فأشبهت الخنزير ولا يجوز بيع الحر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ذكر منهم رجلا باع حرا فأكل ثمنه متفق عليه ولا يجوز بيع ما ليس بمملوك كالمباحات قبل حيازتها لأنها غير مملوكة


9

أشبهت الحر ولا يجوز بيع الدم ولا السرجين النجس لأنه مجمع على تحريمه ونجاسته اشبه الميته ولا يجوز بيع شحم الميتة لأنه منها وفي حديث جابر قيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه تدهن بها الجلود وتطلى بها السفن ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام متفق عليه وما نحبس من الادهان كالزيت فظاهر المذهب تحريم بيعها قياسا على شحم الميتة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وعنه يباع لكافر ويعلم بحاله لانه يعتقد حله وفي جواز الاستصباح بها روايتان إحداهما لا يجوز لأنه دهن نجس فأشبه شحم الميته والثانية يجوز لأنه أمكن الانتفاع بها من غير ضرر أشبه الانتفاع بالجلد اليابس قال أبو الخطاب ويتخرج على جواز الاستصباح بها جواز بيعها قال القاضي ولا تطهر بالغسل لأنه لا يتأتى فيها العصر ويتخرج أنها تطهر بصبها في ماء كثير ثم تترك حتى تطفو فتؤخذ والعصر إنما يعتبر فيما يتأتى العصر فيه بدليل الحجر والأخشاب اختاره أبو الخطاب فأما غير الأدهان كالخل واللبن فلا تطهر وجها واحدا

فصل

ولا يجوز بيع الكلب وإن كان معلما لما روى أبو مسعود الانصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب وقال ثمن الكلب خبيث متفق عليه ولا


10

غرم على قاتله لأنه لا قيمة له وقد اساء من قتل كلبا يباح اقتناؤه ولا يباح اقتناء كلب إلا لصيد أو حفظ ماشية أو حرث لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع نقص من أجره كل يوم قيراط متفق عليه ويجوز تربية الجرو الصغير لذلك لأنه قصد به ما يباح فيأخذ حكمه كالجحش الصغير ولأنه لو لم يقتن غير المعلم لم يمكن تعليمه وتعذر اقتناء المعلم وفيه وجه آخر أنه لا يجوز اقتناؤه لأنه ليس من الثلاثة فإن اقتنى كلب الصيد من لا يصيد به جاز للحديث وفيه وجه آخر أنه لا يجوز لأن اقتناءه لغير حاجة اشبه من اقتناه للماشية ولا ماشية له

فصل

ولا يجوز بيع المعدوم لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر رواه مسلم وبيع المعدوم بيع غرر ولأن تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها تنبيه على تحريم بيعها قبل وجودها فلا يجوز بيع الثمرة قبل خلقها ولا بيع الماء العد الذي له مادة كماء العيون والآبار لأنه بيع لم يتجدد وهو في الحال معدوم


11

فصل

ولا يجوز بيع ما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء والعبد الآبق والجمل الشارد والفرس العائر والمغصوب في يد الغاصب لحديث أبي هريرة وقال ابن مسعود لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر ولأن القصد بالبيع تمليك التصرف ولا يمكن ذلك فيما لا يقدر على تسليمه فإن باع طيرا له في برج مغلق الباب أو سمكا في بركة معدة للصيد وكان معروفا بالرؤية مقدروا على تناوله بلا تعب جاز بيعه لعدم الغرر فيه فإن اختل بعض ذلك لم يجز وإن باع الآبق لقادر عليه أو المغصوب لغاصبه أو لقادر على أخذه منه جاز لذلك وإلا فلا

فصل

ولا يجوز بيع ما تجهل صفته كالحمل في البطن واللبن في الضرع والبيض في الدجاج والنوى في التمر لحديث أبي هريرة وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المجر والمجر شراء ما في الأرحام وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضامين والملاقيح قال ابو عبيد الملاقيح ما في البطون وهي الأجنة والمضامين ما في أصلاب الفحول وما سواه يقاس عليه وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن


12

يباع صوف على ظهر أو لبن في ضرع رواه ابن ماجه وعنه في بيع الصوف على الظهر روايتان إحداهما لا يجوز للخبر ولأنه متصل بالحيوان فلم يجز إفراده بالبيع كأعضائه والثانية يجوز بشرط جزه في الحال لأنه معلوم ممكن تسليمه فجاز بيعه كالزرع في الأرض

فصل

ولا يجوز بيع الأعيان من غير رؤية أو صفة يحصل بها معرفة المبيع في ظاهر المذهب لحديث أبي هريرة ولأنه مجهول عند العاقد فلم يصح بيعه كالنوى في التمر فعلى هذا يشترط رؤية ما هو مقصود بالبيع كداخل الثوب وشعر الجارية وعنه يجوز لأنه عقد معاوضة فأشبه النكاح فعلى هذا هل يثبت له خيار الرؤية على روايتين إحداهما لا خيار له لأنه عقد معاوضة صح مع الغيبة فأشبه النكاح والثانية يثبت له الخيار عند الرؤية في الفسخ والإمضاء لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه ويكون خياره على الفور للحديث وقيل يتقيد بالمجلس لأنه خيار ثابت بمقتضى العقد فتقيد بالمجلس كخيار المجلس فإن اختار إمضاء العقد قبل الرؤية لم يلزم لأنه تعلق بالرؤية ولأنه يؤدي إلى التزام العقد في مجهول الصفة وإن اختار الفسخ انفسخ لأن الفسخ يصح في مجهول الصفة


13

ويعتبر لصحة العقد الرؤية من المتعاقدين جميعا لأن الرضا معتبر منهما فتعتبر الرؤية التي هي مظنة له منهما جميعا

فصل

فإن رأيا المبيع ثم عقدا بعد ذلك بزمن لا تتغير العين فيه صح في صحيح المذهب وعنه لا يصح لأن ما كان شرطا يعتبر وجوده حال العقد كالشهادة في النكاح ولنا أنه معلوم عندهما أشبه ما لو شاهداه حال العقد أو اشترى منه دارا كبيرة وهو في طرفها والشرط العلم وهو مقارن للعقد ثم إن وجد المبيع لم يتغير لزم وإن وجده ناقصا فله الخيار ولأن ذلك كالعيب وان اختلفا في التغيير فالقول قول المشتري لأن الثمن يلزمه فلا يلزمه الا ما اعترف به وإن عقدا بعد الرؤية بزمن يفسد فيه ظاهرا لم يصح لأنه غير معلوم وإن احتمل الأمرين ولم يظهر التغير فالعقد صحيح لأن الأصل سلامته

فصل

ويصح البيع بالصفة في صحيح المذهب إذا ذكر أو صاف المسلم لأنه لما عدمت المشاهدة للمبيع وجب استقصاء صفاته كالسلم وإذا وجده على الصفة لزم العقد وإن وجده على خلافها فله الفسخ فإن اختلفا في التغير


14

فالقول قول المشتري لما ذكرناه وعنه لا يصح البيع بالصفة لأنه لا يمكن استقصاؤها فالمذهب الأول لأنه مبيع معلوم بالصفة فصح بيعه كالمسلم فيه وبيع الأعمى وشراؤه بالصفة كبيع البصير بها فإن عدمت الصفة وأمكنه معرفه المبيع بذوق أو شم صح بيعه وإلا لم يصح لأنه مجهول في حقه

فصل

ولا يجوز بيع عبد من عبيد ولا شاة من قطيع ولا ثوب من أثواب ولا أحد هذين العبدين لأنه غرر فيدخل في الخبر ولأنه يختلف فيفضي إلى التنازع ويجوز بيع قفيز من صبرة ورطل زيت من دون أو ركوة لأن أجزاءه لا تختلف فلا يفضي إلى التنازع فإن باع جريبا من ضيعة يعلمان جربانها صح وكان المبيع مشاعا منها فإن كانت عشرة أجربه فالمبيع عشرها وإن لم يعلما جربانها لم يصح لأنه لا يعلم قدره منها فيكون مجهولا فصل وما لا تختلف أجزاؤه كصبر الطعام وزق الزيت يكتفي برؤية بعضه لأنها تزيل الجهالة لتساوي أجزائه ولأنه تتعذر رؤية جميعه فاكتفي ببعضه كأساسات الحيطان وما تشق برؤيته كالذي مأكوله في جوفه يكتفي برؤية ظاهره لذلك والحب


15

في سنبله لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحب حتى يشتد فمفهومه جواز بيع الباقلاء والجوز واللوز في قشره والحب في سنبله لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحب حتى يشتد فمفهومه جواز بيع المشتد ولأنه مستور بما خلق فيه فجاز بيعه كالذي مأكوله في جوفه ولأن قشره الأعلى من مصلحته لأنه يحفظ رطوبته وادخار الحب في سنبله أبقى له فجاز بيعه فيه كسلت وأرز وما لاتشق رؤية جميعه على ما أسلفناه

فصل

إذا قال بعتك هذه الصبرة صح وإن لم يعلم قدرها لأن ابن عمر قال كنا نبتاع الطعام من الركبان جزافا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه ولأن غرر ذلك منتفي بالمشاهدة فاكتفي بها وإن باعه نصفها أو ثلثها أو جزءا منها مشاعا صح لأن من عرف شيئا عرف جزءه وإن قال بعتكها كل قفيز بدرهم صح لأن المبيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم لإشارته الى ما يعلم مبلغه بجهة لا تتعلق بالمتعاقدين وهو كيل الصبرة فجاز كما لو باعه مرابحة لكل عشرة درهم ولو قال بعتك بعض هذه الصبرة لم يصح لأن البعض مجهول ولو قال بعتك منها كل قفيز بدرهم لم يصح لأنه باعه بعضها ولو قال بعتكها على أن أزيد قفيزا لم يصح لأن الزائد مجهول فإن قال على أن أزيدك قفيزا من هذه أو انقصك قفيزا لم يصح لأنه لا يدري أيزيده


16

أم ينقصه وإن قال بعتكها كل قفيز بدرهم على أزيدك قفيزا من هذه الأخرى وهما يعلمان قدر قفزانها صح لأنهما اذا علماها عشرة فمعناه بعتك كل قفيز وعشر بدرهم وإن لم يعلما قدرها لم يصح لجهالة الثمن لأنه يصير قفيزا وشيئا لا يعلمان قدره بدرهم لجهلهما بكمية قفزانها وكذلك إن قال على أن أنقصك قفيزا وإن جعلا للقفيز الزائد ثمنا مفردا صح في الحالين

فصل

ويكتفي بالرؤية فيما لا تتساوى أجزاؤه كالأرض والثوب والقطيع من الغنم لما ذكرناه في الصبرة وفيه نحو من مسائلها ولو قال بعتك من الدار من ها هنا إلى ها هنا جاز لأنه معلوم وإن قال عشرة أذرع ابتداؤها من ها هنا لم يصح لأنه لا يدري إلى أين ينتهي ولو قال بعتك نصف داري مما يلي دارك لم تصح نص عليه لذلك وإن قال بعتك من هذا الثوب من أوله إلى ها هنا صح لأنه معلوم وقال القاضي إن كان ينقصه القطع لم يصح لعجزه عن التسليم إلا بضرر والأول أصح لأن التسليم ممكن والضرر لا يمنع الصحة اذا التزمه كما لو باعه نصفا مشاعا أو نصف حيوان


17

فصل

ويشترط لصحة المبيع معرفة الثمن لأنه أحد العوضين فيشترط العلم به كالمبيع ورأس مال السلم وإن باعه بثمن مطلق في موضع فيه نقد معين انصرف اليه وإن لم يكن فيه نقد معين لم يصح لجهالته وإن باعه سلعة برقمها او بما باع به فلان وهما لا يعلمان ذلك أو أحدهما أو بما ينقطع به السعر لم يصح لأنه مجهول وإن قال بعتك بألف درهم ذهبا وفضة لم يصح لأنه لم يبين القدر من كل واحد منهما وإن باعه بعشرة نقدا أو بخمس عشرة نسيئة أو بعشرة صحاحا أو بعشرين مكسرة لم يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة وهو هذا ولأنه لم يعقد على ثمن بعينه أشبه إذا قال بعتك أحد هذين العبدين ويتخرج أنه يصح بناء على قوله في الإجارة وقيل معنى بيعتين في بيعة أن يقول بعتك هذا بمائة على أن تبيعني دارك بألف أو على أن تصرفها لي بذهب واياما كان فهو غير صحيح وإن باع بثمن معين تعين لأنه عوض فتعين بالتعيين كالمبيع فعلى هذا إن وجده مغصوبا بطل العقد وإن وجده معيبا فرده انفسخ العقد لرد المعقود عليه فأشبه رد المبيع وعن أحمد أن الثمن لا يتعين الا بالقبض فتنعكس هذه الأحكام وإن باعه بثمن في الذمة لم يتعين فإذا قبضه فوجده مغصوبا لم يبطل العقد وإن رده لم ينفسخ لأن الثمن في الذمة


18

فصل

ولا يجوز بيع الملامسة والمنابذة لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين الملامسة والمنابذة والمنابذة أن يقول إذا نبذت إلي هذا الثوب فقد وجب البيع والملامسة أن يمسه بيده ولا ينشره متفق عليه ولأنه إذا علق البيع على نبذ الثوب ولمسه فقد علقه على شرط وهو غير جائز وإذا باعه قبل نشره فقد باعه مجهولا فيكون غررا ولا يجوز بيع الحصاة لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة رواه مسلم وهو أن يقول ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا وقيل هو أن يقول بعتك من هذه الضيعة بقدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا وكذا وكلاهما غير صحيح لأنه غرر ولا يجوز بيع حبل الحبلة لما روى ابن عمر قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع حبل الحبلة متفق عليه قال أبو عبيد هو بيع ما يلد حمل الناقة وقيل هو بيع السلعة بثمن إلى أن يلد حمل الناقة وكلاهما لا يجوز لأنه على التفسير الأول بيع معدوم مجهول وعلى الثاني بيع بثمن إلى أجل مجهول ولا يجوز تعليق البيع على شرط مستقبل كمجيء المطر وقدوم زيد وطلوع الشمس لأنه غرر ولأنه عقد معاوضة فلم يجز تعليقه على شرط مستقبل كالنكاح


19

فصل

ولا يجوز بيع العنب والعصير لمن يتخذه خمرا ولا السلاح لأهل الحرب أو لمن يقاتل به في الفتنة ولا الأقداح لمن يشرب فيها الخمر لأنه معونة على المعصية فلم يجز كايجاره داره لبيع الخمر ولا يجوز بيع العبد المسلم لكافر لأنه يمنع من استدامة ملكه عليه فلم يصح عقده عليه كالنكاح فإن أسلم في يده أو في يد موروثه ثم انتقل إليه بالإرث أجبر على ازالة ملكه عنه لأن في تركه في ملكه صغارا فإن باعه أو وهبه لمسلم أو أعتقه جاز وإن كاتبه ففيه وجهان أحدهما يجوز لأنه يصير كالخارج عن ملكه في التصرفات والثاني لا يجوز لأنه لا يزيل الملك فلم يقبل كالتزويج وإن ابتاع الكافر المسلم يعتق عليه بالشراء ففيه روايتان إحداهما لا يصح لأنه عقد يملك به المسلم والثانية يجوز لأن ملكه يزول حال ثبوته فلا يحصل به صغار وإن حصل فقد حصل له من الكمال بالحرية فوق ما لحقه برق لحظة وإن قال الكافر لمسلم اعتق عبدك عني وعلي ثمنه ففيه وجهان بناء على ما ذكرناه لأنه بقدر بيعه للكافر وتوكيل البائع في عتقه


20

فصل

ولا يجوز أن يفرق في البيع بين ذي رحم محرم قبل البلوغ لما روى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة حديث حسن وعن علي رضي الله عنه قال وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين أخوين فبعت أحدهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل غلامك فأخبرته فقال رده رده رواه الترمذي وقال حديث حسن فإن فرق بينهما فالبيع باطل رضيت الأم ذلك أم كرهته نص عليه لأنه فيه اسقاطا لحق الولد وهل يجوز التفريق بينهما بعد البلوغ فيه روايتان أحداهما لا يجوز لعموم الخبر والثانية يجوز لأن سلمة بن الأكوع أتى أبا بكر الصديق رضي الله عنه بامراة وابنتها في غزوة فنفله أبو بكر ابنتها ثم استوهبها النبي صلى الله عليه وسلم من سلمة فوهبها له رواه مسلم وهذا تفريق ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أهديت له أختان مارية وسيرين فأمسك مارية ووهب اختها لحسان بن ثابت

فصل

ولا يجوز أن يبيع عينا لا يملكها ليمضي ويشتريها ويسلمها لما روى حكيم بن حزام أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن الرجل يأتيني يلتمس من البيع ما ليس


21

عندي فأمضي الى السوق ثم أشتريه فأبيعه منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تبع ما ليس عندك حديث صحيح ولأنه بيع ما لا يقدر على تسليمه أشبه بيع الطير في الهواء فإن باع مال غيره بغير إذنه ففيه روايتان إحداهما لا يصح لذلك والثانية يصح ويقف على إجازة المالك فإن إجازه جاز وإن أبطله بطل لما روى عروة بن الجعد البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري به شاة فاشترى به شاتين ثم باع إحداهما بدينار في الطريق قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار وبالشاة فأخبرته فقال بارك الله لك في صفقة يمينك رواه الإمام أحمد والأثرم ولأنه عقد له مجيز حال وقوعه فوقف على إجازته كالوصية وإن اشترى بعين مال غيره شيئا بغير إذنه فهو كبيعه فإن اشترى له شيئا بغير إذنه بثمن في ذمته ثم نقد ثمنه من مال الغير صح الشراء لأنه تصرف في ذمته لا في مال غيره يقف على إجازة المشتري له لأنه قصد الشراء له فإن أجازه لزمه وإن لم يجزه لزم من اشتراه لأنه لا يلزمه ما لم يأذن فيه والبيع صحيح ويلزم المشتري فإن باع مال غيره وهو حاضر فلم ينكر ذلك فهو كبيعه في غيبته فإن السكوت ليس بإذن فانه محتمل كغير الإذن فلا يتعين كونه إذنا والله أعلم


22

باب بيع النجش والتلقي وبيع الحاضر لباد وبيعه على بيع غيره وهي بيوع محرمة لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تلقوا الركبان ولا يبع بعضكم على بيع بعض ولا تناجشوا ولا يبع حاضر لباد متفق عليه ومعنى النجش أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليغتر به المشتري ويقتدي به فهو حرام لأنه خداع والشراء صحيح وعنه أنه باطل لأن النهي يقتضي الفساد والأولى أصح لأن النهي عاد إلى غير العاقد فلم يؤثر فيه وللمشتري الخيار إن غبن غبنا يخرج عن العادة سواء كان بمواطأة البائع أو لم يكن لأنه غبن للتغرير بالعاقد فأثبت الخيار كتلقي الركبان ولو قال البائع اعطيت بهذه السلعة كذا كاذبا فاشتراها المشتري لذلك فالبيع صحيح وله الخيار لما ذكرناه

فصل

وتلقي الركبان أن يخرج الرجل من المصر يتلقى الجلب قبل دخوله فيشتريه فيحرم للخبر ولأنه يخدعهم ويغبنهم فأشبه النجش والشراء صحيح وعنه أنه باطل للنهي والمذهب الأول لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى


23

السوق فهو بالخيار رواه مسلم والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح ولأن النهي لضرب من الخديعة أمكن استدراكها بالخيار فأشبه بيع المصراة وللبائع الخيار إن غبن غبنا يخرج عن العادة فإن لم يغبن فلا خيار له ويحتمل أن له الخيار للخبر والأول المذهب لأنه إنما يثبت لدفع الضرر عن البائع ولا ضرر مع عدم الغبن والحديث يحمل على هذا وجعل النبي صلى الله عليه وسلم له الخيار إذا هبط السوق يفهم منه الإشارة إلى معرفته بالغبن فإن خرج لحاجة غير قصد التلقي فقال القاضي لا يجوز له الشراء لوجود معنى النهي ويحتمل الجواز لعدم دخوله في الخبر والبيع للركبان كالشراء منهم لأن النهي عن تلقيهم لدفع الغبن والشراء والبيع فيه واحد

فصل

وبيع الحاضر للبادي هو أن يخرج الحاضر إلى جلاب السلع فيقول أنا أبيع لك فهو حرام للخبر ولأنه فيه تضييق على المسلمين إذ لو ترك الجالب يبيع متاعه باعه برخص فإذا تولاه الحاضر لم يبعه برخص وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله لا يبع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض وعنه لا بأس به وحمل الخبر على أنه اختص بأول الإسلام لما كان عليهم من الضيق والمذهب الأول للخبر والمعنى قال أصحابنا إنما يحرم بشروط خمسة أحدها أن يكون الحاضر قد قصد البادي


24

ليتولى ذلك الثاني أن يكون البادي جاهلا بالسعر لأنه إذا كان عالما به فهو كالحاضر والثالث أن يكون جلب السلعة ليبيعها فإن جلبها ليدخرها فلا ضرر على الناس في بيع الحاضر له ذكر الخرقي هذه الثلاثة وذكر القاضي شرطين آخرين أن يقصد بيعها بسعر يومها ويتضرر الناس بتأخير بيعه فإذا اجتمعت هذه الشروط فالبيع باطل للنهي عنه وعنه أن صحيح لأن النهي عنه لمعنى في غيره فأما شراء الحاضر للبادي فصحيح لأنه لا يضيق على الناس فيه فإذا شرع ما يدفع به الضر عن أهل مصر لا يلزم شرع ما يتضرر به أهل البدو فإن الخلق في نظر الشارع على السواء

فصل

وأما البيع على بيع أخيه فهو أن يقول لمن اشترى شيئا في مدة الخيار أنا أبيعك مثله بدون هذا الثمن أو أجود منه بهذا الثمن فيفسخ العقد ويشتري سلعته فيحرم للخبر ولأن فيه إفسادا وشبها بالنجش وإن فسخ البيع فاشترى سلعته فالشراء باطل للنهي عنه وشراؤه على شراء أخيه كبيعه على بيعه ويحتمل أن البيع صحيح لأن النهي لمعنى في غير العقد


25

فصل

فأما سومه على سوم أخيه فننظر فيه فإن كان البائع أنعم للمشتري بثمن معلوم حرم على غيره سومه لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يسوم الرجل على سوم أخيه رواه مسلم وإن لم ينعم له جاز سومها لما روى أنس أن رجلا شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم الشدة والجهد فقال له ما بقي لك شيء قال بلى قدح وجلس فأتاه بهما فقال من يبتاعهما فقال رجل أنا أبتاعهما بدرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم من يزيد على درهم فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه قال الترمذي هذا حديث حسن ولأن فاطمة بنت قيس ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أن معاوية وأبا جهم خطباها فأمرها أن تنكح أسامة متفق عليه فإن ظهرت منه أمارات الرضى من غير تصريح به فقال القاضي لا تحرم المساومة لخبر فاطمة ويحتمل أن تحرم لعموم النهي وليس في خبر فاطمة أمارة على الرضى

فصل

فأما بيع العينة فهو أن يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها منه بأقل من الثمن حالا فلا يجوز لما روى سعيد عن غندر عن شعبة عن أبي اسحق عن امرأته العالية بنت أنفع بن شرحبيل قالت دخلت على عائشة انا وأم ولد زيد بن أرقم فقالت أم ولد زيد إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمئة


26

درهم إلى العطاء ثم اشتريته منه بستمئة درهم فقالت لها بئس ما شريت وبئسما اشتريت أبلغي زيد بن ارقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب ولا تقول مثل هذا إلا توقيفا سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم ولأن ذلك ذريعة إلى الربا لأنه أدخل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة والذرائع معتبرة فإن اشتراها بسلعة جاز لأنه لا ربا بين الأثمان والعروض إن اشتراها بنقد غير الذي باعها به فقال أصحابنا يجوز لأن التفاضل بينهما جائز ويحتمل التحريم لأن النساء بينهما محرم وإن اشتراها من غير المشتري أو اشتراها أبو البائع أو ابنه جاز وإن نقصت السلعة صفتها جاز لبائعها شراؤها بأقل من الثمن لأن نقص الثمن لنقصان السلعة وإن نقصت لتغير السوق أو زادت لم يجز شراؤها بأقل لما ذكرناه

فصل

فإن باعها بثمن حال نقده ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة لم يجز نص عليه لأنها في معنى التي قبلها سواء

فصل

وإن باع طعاما إلى أجل بثمن فلما حل الأجل أخذ منه بالثمن طعاما لم يجز لأنه ذريعة إلى بيع طعاما بطعام نسيئة فهو في معنى ما تقدم وكل شيئين


27

حرم النساء فيهما لم يجز أخذه أحدهما عن الآخر قبل قبض ثمنه وقياس قول أصحابنا في مسألة العينة أنه يجوز ها هنا أخذ ما يجوز للتفاضل بينه وبين الطعام المبيع

فصل

ومن اشترى مكيلا أو موزونا لم يجز له بيعه حتى يقبضه في ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه والخرقي وما عداهما يجوز بيعه قبل قبضه لقول النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه وقال ابن عمر رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى يؤوه إلى رحالهم متفق عليهما وهذا لا يخلو من كونه مكيلا أو موزونا والحديث يدل بصريحه على منع بيعه قبل قبضه وبمفهومه على حل بيع ما عداه وعن أحمد أن المنع من البيع قبل القبض يخص المطعوم لاختصاص الحديث به وما ليس بمطعوم من المكيلات والموزونات يجوز بيعه قبل القبض وعنه أن المنع يختص ما ليس بمتعين كقفيز من صبرة ورطل زيت من دن وما يبع صبره أو جزافا جاز بيعه قبل قبضه وهو قول القاضي وأصحابه لأنه يتعلق به حق توفيته بخلاف غيره وعنه أن كل مبيع لا يجوز بيعه قبل قبضه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار رواه أبو داود وقال ابن عباس أحسب كل شيء بمنزلة الطعام ولأنه لم يتم ملكه عليه أشبه المكيل


28

والمذهب الأول وما بيع بصفة أو برؤية متقدمة فهو كالمكيل لأنه لا يتعلق به حق توفية فأشبه المكيل والموزون وما حرم بيعه قبل قبضه لم يجز بيعه لبائعه لعموم النهي ولا الشركة فيه لأنه بيع لبعضه ولا التولية لأنه بيع بمثل الثمن الأول فأما الثمن في الذمة فيجوز بيعه لمن هو في ذمته لما روى ابن عمر قال كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فنأخذ بدل الدراهم الدنانير ونبيع بالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لا بأس إذا افترقتما وليس بينكما شيء رواه أبو داود ولا يجوز بيعه لغير من هو في ذمته لأنه معجوز عن تسليمه فأشبه بيع المغصوب لغير غاصبه وما كان من الدين مستقر كالقرض فهو كالثمن وما كان غير مستقر كالمسلم فيه لم يجز بيعه بحال لا لصاحبه ولا لغيره لقوله عليه السلام من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره رواه أبو داود

فصل

وكل عقد ينفسخ بتلف عوضه قبل قبضه كالإجارة والصلح حكمه حكم البيع فيما ذكرناه وما لا ينفسخ كالخلع والعتق على مال والصلح عن دم العمد جاز التصرف في عوضه قبل قبضه طعاما كان أو غيره وكذلك أرش الجناية وقيمة المتلف والمملوك بإرث أو وصية أو غنيمة إذا تعين ملكه فيه لأنه


29

لا يتوهم غرر الفسخ بهلاك المعقود عليه جاز بيعه كالوديعه والصداق كذلك قال القاضي لأنه لا ينفسخ العقد بتلفه فهو كعوض الخلع وقال الشريف وأبو الخطاب هو كالمبيع لأنه يخشى رجوعه بانفساخ النكاح بالردة فأشبه المبيع

فصل

وقبض كل شيء بحسبه المكيل المبيع مكايلة قبضه كيله لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله رواه مسلم وإن بيع جزافا فقبضه نقله لما روى ابن عمر قال كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه رواه مسلم وقبض الذهب والفضة والجوهر باليد وسائر ما ينقل قبضه نقله وقبض الحيوان أخذه بزمامه أو تمشيته من مكانه وما لا ينقل قبضه التخلية بين مشتريه وبينه لا حائل دونه لأن القبض مطلق في الشرع فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإحياء والإحراز والعادة ما ذكرناه وعنه أن القبض في جميع الأشياء بالتخلية مع التميز لأنه قبض فيما لا ينقل فكان قبضا في غيره


30

فصل

وما يعتبر له القبض إذا تلف قبل قبضه انفسخ العقد وهو من مال البائع لأنه تلف قبل تمام ملك المشتري عليه فأشبه ما تلف قبل تمام البيع فإن أتلفه المشتري استقر عليه الثمن لأنه تلف بتصرفه فاستقر الثمن عليه كما لو قبضه وإن أتلفه أجنبي لم ينفسخ العقد لأن له بدلا يرجع إليه فلم ينفسخ العقد كما لو تعيب ويخير المشتري بين الفسخ والرجوع على البائع بالثمن لأنه تلف بغير فعل المشتري أشبه ما لو تلف بفعل الله وبين إتمام العقد والرجوع ببدله لأن الملك له فإن أتلفه البائع احتمل أن يبطل العقد لأنه يضمنه إذا تلف في يده بالثمن فكذلك إذا أتلفه وقال أصحابنا الحكم فيه حكم ما لو أتلفه أجنبي وإن تعيب قبل قبضه فهو كما لو تعيب قبل بيعه لأنه من ضمان البائع

فصل

وإذا باع شاة بشعير فأكلته قبل قبضه ولم يكن في يد بائعها انفسخ البيع لأن الثمن هلك قبل القبض بغير فعل آدمي فإن كانت يده عليها فهو كإتلافه له وإن باعها مشتريها ثم هلك الشعير قبل قبضه انفسخ العقد الأول ولم يبطل الثاني لأن ذلك كان قبل فسخ العقد وعلى بائعها الثاني قيمتها لأنه


31

تعذر عليه ردها وهكذا إن كان بدله شقصا فأخذه الشفيع انفسخ البيع الأول وعلى المشتري قيمة الشقص ويأخذ من الشفيع قيمة الطعام لأنه الذي اشترى به الشقص

فصل

وما لا يحتاج إلى قبض إذا تلف فهو من مال المشتري لما روى حمزة ابن عبد الله عن ابن عمر عن أبيه قال مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من مال المشتري ذكره البخاري وهذا ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يمنعه البائع قبضه لأنه تلف تحت يد عادية أشبه ما لو تلف تحت يد الغاصب وسواء حبسه على قبض الثمن أو غيره إلا أن يكون قد اشترط عليه الرهن في البيع باب تفريق الصفقة إذا باع ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه صفقة واحدة كعبد وحر وخل وخمر وعبده وعبد غيره أو دارا له ولغيره ففيه روايتان إحداهما تفرق الصفقة فتجوز فيما يجوز بيعه بقسطه من الثمن ويبطل فيما لا يجوز لأن كل واحد منهما له حكم منفرد فإذا اجتمعا بقيا في حكمهما كما لو باع


32

شقصا وسيفا والثانية يبطل فيهما لأنه عقد واحد جمع حلالا وحراما فبطل كالجمع بين الأختين ويحتمل أن يصح فيما يجوز فيما ينقسم الثمن فيه على الأجزاء كدار له ولغيره ونحوها والقفيزين المتساويين لأن الثمن فيما يجوز بيعه معلوم ويبطل العقد فيما عدا هذا كالعبدين لأن ثمن ما يجوز بيعه مجهول ككون الثمن ينقسم عليهما بالقيمة وقسط الحلال فيهما مجهول لو صرح به فقال بعتك هذا العبد بقسطه من الثمن لم يصح فكذا ها هنا فإن قلنا يصح وعلم المشتري الحال فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة ولا خيار للبائع بحال وإن لم يعلم المشتري الحال فله الخيار لأن عليه ضررا في تفريق الصفقة وإن اشترى معلوما ومجهولا بطل العقد فيهما لأن ما يخص المعلوم من الثمن مجهول ولو باع قفيزين من الحلال بثمن واحد فتلف أحدهما قبل قبضه لم ينفسخ العقد في الباقي منهما سواء كانا من جنس واحد أو جنسين لأن حدوث الجهل بثمن الباقي منهما لا يوجب جهالة المبيع حال العقد قال القاضي ويثبت للمشتري خيار الفسخ لتفريق الصفقة عليه فأشبه ما قبلها


33

فصل

فإن جمع بين عقدين مختلفي الحكم كبيع وإجارة أو صرف بعوض واحد صح فيهما لأن اختلاف حكم العقدين لا يمنع الصحة كما لو جمع بين ما فيه شفعة وما لا شفعة فيه وفيه وجه آخر لا يصح لأن حكمهما مختلف وليس أحدهما أولى من الآخر فبطل فيهما فإن البيع فيه خيار ولا يشترط التقابض فيه في المجلس ولا ينفسخ العقد بتلف المبيع والصرف ويشترط له التقابض وينفسخ العقد بتلف العين في الاجارة وإن جمع بين نكاح وبيع بعوض واحد فقال زوجتك ابنتي وبعتك داري بألف صح في النكاح لأنه لا يفسد بفساد العوض وفي البيع وجهان وإن جمع بين بيع وكتابة فقال لعبده بعتك عبدي هذا وكاتبك بمائة بطل البيع وجها واحدا لأنه باع عبده لعبده فلم يصح كبيعه إياه من غير كتابة وهل تبطل الكتابة يخرج على الروايتين في تفريق الصفقة


34

فصل

ولو باع رجلان عبدا لهما بثمن واحد صح لأن حصة كل واحد منهما من الثمن معلومة ولو كان لكل واحد منهما قفيز أو كانا من جنس واحد فباعهما صفقة واحدة صح لذلك وإن كان المبيع مما لا ينقسم عليه الثمن مثل أن كان لكل واحد منهما عبدا فباعهما صفقة واحدة أو وكل رجلا فباعهما أو وكل أحدهما الآخر فباعهما بثمن واحد لم يصح لأن كل واحد منهما مبيع بحصته من الثمن فلم يصح كما لو ضربه ويحتمل أن يصح بناء على تفريق الصفقة او كما لو كاتب عبدين كتابة واحدة بعوض واحد باب الثنيا إذا باع حائطا واستثنى شجرة بعينها أو قطيعا واستثنى شاة بعينها صح لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم قال الترمذي هذا حديث صحيح وهذه معلومة وإن استثنى شجرة أو شاة يختارها لم يصح للخبر وإن استثنى آصعا معلومة أو باع نخلة واستثنى أرطالا معلومة فعنه أنه يصح للخبر والمذهب أنه لا يصح لأن المبيع إنما علم بالمشاهدة والاستثناء يغير حكم المشاهدة فإنه لا يدري كم يبقى في حكم المشاهدة ولو باعه


35

الصبرة إلا قفيزا لم يصح لذلك فإن باعه فقيزا من هذه الصبرة إلا مكوكا صح لأن القفيز معلوم والمكوك منه معلوم وإن باعه دارا إلا ذراعا وهما يعلمان ذرعهما لها جاز وكان مشاعا منها وإلا لم يجز كما لو باعه ذراعا منها وإن باعه سمسما إلا كسبته أو قطنا إلا حبه أو شاة أو شحمها أو فخذها لم يصح لأنه مجهول فيدخل في الخبر وإن استثنى حملها فعنه يصح لأن ابن عمر أعتق جارية واستثنى ما في بطنها وعنه لا يصح وهو أصح للخبر فإن باع جارية حاملا بحر وقلنا يصح استثناء الحمل صح ها هنا وإن قلنا لا يصح ثم ففيه وجهان أحدهما لا يصح لأنه استثناؤه في الحقيقة والثاني يصح لأنه قد يقع مستثنى بالشرع ما لا يصح استثناؤه بالشرط بدليل بيع الأمة المزوجة وإن باع حيوانا مأكولا واستثنى رأسه وجلده وسواقطه صح نص عليه لأنها أشياء معلومة وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة مر براع فذهب أبو بكر وعامر بن فهيرة فاشتريا شاة وشرطا له سلبها فإن امتنع المشتري من ذبحها لم يجبر وعليه قيمة ذلك لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قضى في رجل اشترى ناقة وشرط ثنياها فقال اذهبوا معه الى السوق فإن بلغت أقصى ثمنها فأعطوه حساب ثنياها من ثمنها وعن الشعبي قال قضى زيد بن ثابت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقرة باعها رجل واشترط رأسها بالشروى يعني أن يعطيه رأسا مثل رأس


36

فصل

ومن باع شيئا واستثنى منفعته مدة معلومة كجمل اشترط ركوبه إلى موضع معين ودارا استثنى سكناها شهرا وعبدا استثنى خدمته سنة صح لما روى جابر أنه باع النبي صلى الله عليه وسلم جملا واشترط ظهره إلى المدينة متفق عليه ولأنها ثنيا معلومة فتدخل في خبر أبي هريرة فإن عرض المشتري على البائع عرضها لم يلزمه قبوله لأن حقه تعلق بعينها فأشبه ما لو استأجرها وإن أراد البائع إجارتها تلك المدة فقال ابن عقيل يصح في قياس المذهب لأنه استحق نفعها فملك اجارتها كالمستأجر وإن أتلف المشتري العين فعليه قيمة المنفعة لتفويته حق غيره وإن تلف بغير تفريط فكلام احمد رضي الله عنه يقتضي ذلك بعمومه ويحتمل أن لا يضمن لأن البائع لم يملك المنفعة من جهة المشتري فلم يلزمه عوضها له كما لو تلفت النخلة المبيعة مؤبرة بثمرتها والحائط الذي استثنى منه شجرة ويحمل كلام أحمد على من فرط وإن باع المشتري العين صح وتكون المنفعة مستثناه في يد المشتري فإن لم يعلم به فله الخيار لأنه عيب فهو كالتزويج في الأمة ومن باع أمة واستثنى وطأها لم يصح لأنه لا يحل إلا في تزويج أو في ملك يمين ومن استثنى مدة غير معلومة لم يصح للخبر


37

باب الشروط في البيع وهي على أربعة أضرب أحدها ما هو من مقتضى البيع كالتسليم والرد بالعيب فهذا لا أثر له لأنه بيان وتأكيد لمتقضى العقد الثاني ما هو من مصلحته كالخيار والأجل والرهن والضمين فهذا شرط صحيح لازم ورد الشرع به نذكره في مواضعه الثالث شرط ينافي مقتضى العقد وهو نوعان أحدهما ما لم يبن على التغليب والسراية كشرط أن لا يملك ولا يتصرف ولا يسلم ولا يعتق وإن أعتق فالولاء له ومتى نفق المبيع وإلا رده أو إن خسر فيه فعلى البائع فهذا شرط باطل لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة لما أرادت شراء بريرة فاشترط أهلها ولاؤها اشتريها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق ثم قال من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط متفق عليه وهل يفسد البيع فيه روايتان احداهما لا يفسد لحديث بريرة والثانية يفسد لأنه إذا فسد الشرط وجب رد ما في مقابلته من الثمن وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولا النوع الثاني أن يشتريه بشرط أن يعتقه ففيه روايتان إحداهما


38

الشرط فاسد فائد لأنه ينافي مقتضى البيع فأشبه ما قبله والثانية يصح لأن عائشة اشترت بريرة لتعتقها فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم فعلى هذا إن امتنع المشتري من العتق أجبر عليه في أحد الوجهين لأنه عتق مستحق عليه فاجبر عليه كما لو نذر عتقه والثاني لا يجبر لأن الشرط لا يوجب فعل المشروط كما لو شرط رهنا أو ضمينا لم يجبر ولكن يثبت للبائع خيار الفسخ كمشترط الرهن فإن مات العبد رجع البائع على المشتري بما نقصه شرط العتق وإن كان المبيع أمة فأحبلها أعتقها وأجزأه لأن الرق باق فيها الرابع مالا ينافي مقتضى العقد ولا هو من مصلحته وهو نوعان أحدهما أن يشترط عقدا آخر مثل أن يبيعه بشرط أن يبيعه عينا أخرى أو يؤجره أو يسلفه أو يشتري منه أو يستسلف فهذا شرط فاسد يفسد العقد به لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل بيع وسلف ولا شرطان في بيع قال الترمذي هذا حديث صحيح ونهى عن بيعتين في بيعة وهذا منه الثاني أن يشترط المشتري منفعة البائع في المبيع فيصح إذا كانت معلومة مثل أن يشتري ثوبا ويشترط على بائعه خياطته قميصا او فلعة ويشترط حذوها نعلا أو حطبا ويشترط حمله لأن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي جرزة حطب واشترط عليه حملها واشتهر ذلك ولم ينكر ولأنه بيع وإجارة فصح كما لو باعه عبده وأجره داره في عقد واحد وقال الخرقي إن شرط مشتري


39

الرطبة جزها علىبائعها بطل العقد فيحتمل أن يخص قوله بهذه الصورة وشبهها لإفضائه إلى التنازع فإن البائع يريد قطعها من أعلاها لتبقى منها بقية والمشتري يريد الاستقصاء عليها ويحتمل أن يعدى حكمها إلى كل عقد شرط فيه لأنه شرط عقدا في عقد فأشبه ما قبله وقال القاضي لم أجد بما قال الخرقي رواية في المذهب والمذهب جوازه فإن شرط شرطين مثل أن شرط خياطة الثوب وقصارته وفي الحطب حمله وتكسيره أو اشترط منفعة البائع واشترط البائع منفعة المبيع مدة معلومة فسد العقد لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا شرطان في بيع وإن شرط منفعة معلومة لم يصح لإفضائه إلى التنازع

فصل

فإن شرط في البيع إن باعه فهو أحق به بالثمن ففيه روايتان إحداهما لا يصح لأنه شرطان في بيع لأنه شرط أن يبيعه وأن يعطيه إياه بالثمن لأنه شرط ينافي مقتضى العقد لأنه شرط أن لا يبيعه لغيره والثانية يصح لأنه يروي عن ابن مسعود أنه اشترى أمة بهذا الشرط وإن قلنا بفساده فهل يفسد البيع فيه وجهان


40

فصل

وكل موضع فسد العقد لم يحصل به ملك وإن قبض لأنه مقبوض بعقد فاسد فأشبه ما لو كان الثمن ميتة ولا ينفذ تصرف المشتري فيه وعليه رده بنمائه المنفصل والمتصل وأجرة مثله مدة مقامة في يده ويضمنه إن تلف أو نقص بما يضمن به المغصوب لأنه ملك غيره حصل في يده بغيرإذن الشرع أشبه المغصوب ولا حد عليه إن وطيء للشبهة وعليه مهرمثلها وأرش بكارتها إن كانت بكرا والولد حر لأنه من وطيء شبهة ويلحق نسبه به لذلك ولا تصير الجارية أم ولد لأنها ولدت في غير ملك وإن حكمنا بفساد الشرط وحده فقال القاضي يرجع المشتري بما نقص لأنه إنما سمح به لأجل الشرط فإذا لم يحصل رجع بما سمح به

فصل

ولا يجوز البيع بعد النداء للجمعة قبل الصلاة لمن تجب عليه الجمعة لقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع الجمعة 9 فإن باع لم يصح للنهي ويجوز ذلك لمن لا تجب عليه الجمعة لأن الخطاب بالسعي لم يتناوله فكذلك النهي والنداء للذي تعلق به السعي والنهي هو الثاني الذي يكون عند صعود الامام


41

المنبر لأنه الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعلق الحكم به وإنما زاد الأول عثمان رضي الله عنه وفي النكاح والإجارة وجهان أحدهما حكمهما حكم البيع لأنهما عقدا معاوضة والثاني يصحان لأنهما غير منصوص عليهما ولأنهما في معنى المنصوص عليه لأنهما لا يكثران ولا تؤدي إباحتهما الى ترك الجمعة بخلاف البيع

فصل

ولا يحل التسعير لما روى أنس قال غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله قد غلا السعر فسعر لنا فقال إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطلبني بمظلمة قال الترمذي هذا حديث صحيح ولأنه ظلم للبائع بإجباره على البيع سلعته بغير حق أو منعه من بيعها بما يتفق عليه المتعاقدان وهو من أسباب الغلاء لأنه يقطع الجلب ويمنع الناس من البيع فيرتفع السعر

فصل

والاحتكار محرم لما روى سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من احتكر فهو خاطئ رواه مسلم وأبو داود


42

والاحتكار المحرم ما جمع أربعة أصناف أن يشتري قوتا يضيق به على الناس في بلد فيه ضيق فأما الجالب فليس بمحتكر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الجالب مرزوق والمحتكر ملعون ولأنه لا ضرر على الناس في جلبه ومن استغل من أرضه شيئا فهو كالجالب ولا يمنع من احتكار الزيت وما ليس بقوت لأن سعيد بن المسيب راوي الحديث كان يحتكر الزيت ومن اشترى في حال الرخص على وجه لا يضيق على أحد فليس بمحتكر لأنه لا ضرر فيه بل ربما كان نفعا

فصل

وبيع التلجئة وهو أن يخاف الرجل ظالما يأخذ ماله فيواطئ رجلا يظهر بيعه إياه ليحتمي بذلك ولا يريدان بيعا حقيقيا لأنهما ما قصداه فهو كبيع المكره


43

باب الخيار في البيع وهو على ضربين أحدهما خيار المجلس فلكل واحد من المتبايعين الخيار في فسخ البيع ما لم يتفرقا بأبدانهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا متفق عليه والتفرق أن يمشي أحدهما عن صاحبه بحيث إذا كلمه الكلام المعتاد في المجلس لا يسمعه لأن ابن عمر كان إذا باع رجلا فأراد أن لا يقيله مشى هنيئة ثم رجع وهو راوي الحديث واعلم بمعناه ولأن الشرع ورد بالتفرق مطلقا فوجب أن يحمل على التفرق المعهود وهو يحصل بما ذكرناه فإن لم يتفرقا بل بني بينهما حاجز أو أرخي بينهما سترة أو نحوه أو ناما أو قاما عن مجلسهما فمشيا معا فهما على خيارهما لأنهما لم يتفرقا وإن فر أحدهما من صاحبه بطل خيارهما لأن ابن عمر كان يفارق صاحبه بغير أمره ولأن الرضى في الفرقة غير معتبر كما لا يعتبر الرضى في الفسخ وإن أكرها على التفرق ففيه وجهان أحدهما يبطل الخيار لأنه لا يعتبر الرضى من أحد الجانبين فكذلك منهما والثاني لا يبطل لأنه معنى يلزم به البيع فلا يلزم به مع الاكراه كالتخاير فعلى هذا يكون الخيار لهما في المجلس الذي زال عنهما الإكراه فيه حتى يتفارقا فإن أكره أحدهما بطل خيار الآخر كما لو هرب منه وللمكره الخيار في أحد الوجهين


44

فصل

فإن تبايعا على أن لا خيار بينهما أو قالا اخترنا إمضاء العقد أو أجزنا العقد ففيه روايتان إحداهما هما على خيارهما لعموم الخبر والثانية لا خيار لهما لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يخير أحدهما صاحبه فإن خير أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع وفي لفظ المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يكون البيع كان على خيار فإن كان البيع على خيار وجب البيع متفق عليه وفي لفظ أو يقول أحدهما لصاحبه اختر رواه البخاري وهذه زيادة يجب قبولها فإن قال أحدهما لصاحبه أختر فسكت فخيار الساكت بحاله لأنه لم يوجد منه ما يبطله وفي خيار القائل وجهان أحدهما يبطل للخبر ولأنه جعل الخيار لغيره فلم يبق له شيء والثاني لا يبطل كما لو قال لزوجته اختاري فسكتت لم يبطل خياره في الطلاق

فصل

ويثبت خيار المجلس في كل بيع للخبر ولأنه شرع للنظر في الحظ وهذا يوجد في كل بيع وعنه لا يثبت في الصرف والسلم وما يشترط فيه القبض في المجلس لأنه لا يثبت فيه خيار الشرط


45

فصل

الضرب الثاني خيار الشرط نحو أن يشترط الخيار في البيع مدة معلومة فيجوز بالاجماع ويثبت ما يتفقان عليه من المدة المعلومة وإن زادت على ثلاث لأنه حق يعتمد الشرط فجاز ذلك فيه كالأجل ويجوز شرطه لأحدهما دون صاحبه ولأحدهما أكثر من صاحبه لأنه ثبت بشرطهما فكان على حسبه ولو اشترى شيئين صفقة واحدة وشرط الخيار في أحدهما صح بعينه وإن شرطه في غير معين منهما أو لأحد المتبايعين غير معين لم يصح لأنه مجهول فأشبه بيع أحد العبدين وإن شرط الخيار لأجنبي صح وكان مشترطا لنفسه موكلا لغيره لأنه أمكن تصحيحه على هذا الوجه فتعين ولمشترط الخيار الفسخ بغير رضى الأجنبي وللأجنبي الفسخ إلا أن يعزله المشترط ولو شرط الخيار للعبد المبيع صح لأنه كالأجنبي وقال القاضي إن جعل الأجنبي وكيلا فيه صح وإن أطلق الخيار لفلان أو قال هو لفلان دوني لم يصح لأن الخيار جعل لتحصيل الحظ للمتعاقدين بنظرهما فلا يكون لمن لاحظ له وإن كان المعاقد وكيلا فشرط الخيار للمالك صح لأن الحظ له وإن جعله للأجنبي لم يصح لأنه ليس له توكيل غيره وإن شرطه لنفسه صح لأن له النظر في تحصيل الحظ وإن قال بعتك على أن أستأمر فلانا في مدة معلومة صح وله الفسخ قبل استئماره


46

لأن ذلك كناية عن الخيار وإن لم يجعل له مدة معلومة فهو كالخيار المجهول

فصل

وإذا شرط الخيار إلى طلوع الشمس أو غروبها أو إلى الغد أو الى الليل صح لأنه وقت معلوم ولا يدخل الغد ولا الليل في مدة الخيار لأن إلى للغاية وموضوعها لفراغ الشيء وانتهائه وإن شرطاه ثلاثا أو ساعات معلومة فابتدأ مدته من حين العقد لأنها مدة ملحقة بالعقد فكان بدؤها منه ولأن جعله من حين التفرق يفضي إلى جهالته لأنه لا يدري متى يفترقان ويحتمل أن يكون بدء مدته من حين التفرق لأن الخيار ثابت في المجلس حكما فلا حاجة إلى إثباته بالشرط فعلى هذا إن جعلا بدأه من العقد صح لأن بدايته ونهايته معلومان ويحتمل أن لا يصح لأن ثبوت الخيار بالمجلس يمنع ثبوته بغيره وعلى الوجه الأول لو جعلا بدأه من التفرق لم يصح لجهالته

فصل

فإن شرطا خيارا مجهولا لم يصح لأنها مدة ملحقة بالعقد فلم يصح مجهوله كالتأجيل وهل يفسد العقد به على روايتين وعنه أنه يصح مجهولا


47

لقوله عليه السلام المؤمنون عند شروطهم رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح فعلى هذا إن كان الخيار مطلقا مثل أن يقول لك الخيار متى شئت أو إلى الأبد فهما على خيارهما أبدا أو يقطعاه وإن قال إلى أن يقدم زيد أو ينزل المطر ثبت الخيار إلى زمن اشتراطه أو يقطعاه قبله وإن شرطاه إلى الحصاد أو الجذاذ ففيه روايتان إحداهما هو مجهول لأن زمن ذلك يختلف فيكون كقدوم زيد والثانية يصح لأن مدة الحصاد تتقارب في العادة في البلد الواحد فعفي عن الإختلاف فيه وإن شرطه إلى العطاء يريد وقت العطاء صح لأنه معلوم وإن أراد نفس العطاء فهو مجهول لأنه يتقدم ويتأخر وإن شرط الخيار شهرا يوما يثبت ويوما لا ففيه وجهان أحدهما يثبت في اليوم الأول لأنه معلوم يلي العقد ويبطل فيما بعده لأنه إذا لزم لم يعد إلى الجواز ويحتمل أن يبطل الشرط كله لأنه شرط واحد فإذا فسد في البعض فسد في الكل

فصل

ولمن له الخيار الفسخ من غير حضور صاحبه ولا رضاه لأنه عقد جعل إلى اختياره فجاز مع غيبة صاحبه وسخطه كالطلاق ومتى انقضت مدته قبل الفسخ لزم العقد على كل حال لأنها مدة ملحقة بالعقد فبطلت


48

بانتهائها كالأجل ويبطل الخيار بالتخاير كما يبطل خيار المجلس به ولو ألحقا بالعقد خيارا بعد لزومه لم يلحقه لأنه عقد لازم فلم يصر جائزا بقولهما كالنكاح وإن فعلا ذلك في مدة الخيار جاز لأنه جائز فجاز ابقاؤه على جوازه

فصل

وينتقل الملك إلى المشتري في بيع الخيار بنفس العقد وعنه لا ينتقل الا بعد انقضائه لأنه عقد قاصر لا يفيد التصرف فلم ينقل الملك كالهبة قبل القبض والأول ظاهر المذهب لان البيع سبب لنقل الملك فنقل عقيبه كالمطلق ولأنه تمليك فأشبه المطلق وليس منع التصرف لقصور السبب بل لتعلق حق البائع بالمبيع وما يحصل من غلة المبيع في مدة الخيار أو نمائه المنفصل فهو للمشتري سواء فسخا العقد أو أمضياه لأنه نماء ملكه الداخل في ضمانه فيدخل في قوله عليه السلام الخراج بالضمان وعلى الرواية الأخرى هو للبائع والحكم في ضمانه كالحكم في ضمان المبيع المطلق

فصل

وليس لواحد من المتابعين التصرف في المبيع في مدة الخيار لأنه ليس بملك للبائع فيتصرف فيه ولا انقطعت عنه علاقته فيتصرف فيه المشتري


49

فإن تصرفا بغير العتق لم ينفذ تصرفهما لذلك وعنه في تصرف المشتري أنه موقوف إن فسخ البائع بطل وإن لم يفسخ صح لعدم المبطل له ذكرها ابن أبي موسى وإن كان الخيار للمشتري وحده صح لذلك وإن اعتق المشتري العبد عتق لأنه عتق من مالك تام الملك جائز التصرف فنفذ كما بعد المدة فإن قلنا الملك للبائع نفذ عتقه ولا ينفذ عتق من لا ملك له لأنه عتق من غير مالك فأشبه الأجنبي وفي الوقف وجهان أحدهما هو كالعتق لأنه تصرف يبطل الشفعة والصحيح أن لا ينفذ لأنه لا يبنى على التغليب ولا يسري إلى ملك الغير أشبه البيع

فصل

فإن وطئ المشتري الجارية فلا حد عليه ولا مهر فإن ولدت منه فالولد حر ولا تلزمه قيمته وتصير أم ولد لأنه وطئ مملوكته وإن وطئ البائع فعليه المهر لأنه ووطئ في غير ملك وإن علم التحريم فولده رقيق لأنه لا يلحقه نسبه كما بعد المدة وإن جهل التحريم فلا حد عليه وولده أحرار وعليه قيمتهم يوم الولادة لأنه يعتقد أنه يحبلها في ملكه فأشبه المغرور من أمه ولا تصير أم ولد بحال قال بعض أصحابنا وعليه الحد إن علم التحريم وأن البيع لا ينفسخ به وذكر أن أحمد نص عليه لأن وطأه لم يصادف ملكا ولا شبة ملك


50

والصحيح أنه لا حد عليه لأن أهل العلم اختلفوا في ملكه لها وحل وطئها وهذه شبهة يدرأ الحد بها ولأن ملكه يحصل بوطئه فيحصل تمام ملكه في وطئه فلا يجب الحد به وإن قلنا بالرواية الأخرى انعكست هذه الأحكام

فصل

وطء البائع فسخ للبيع لأنه دليل على الاسترجاع فأشبه من أسلم على أكثر من أربع فوطئ إحداهن كان اختيارا لها ووطء المشتري رضى بالمبيع وإبطال لخياره لذلك وسائر التصرفات المختصه بالملك كالعتق والكتابة والبيع والوقف والهبة والمباشرة واللمس لشهوة وركوب الدابة لسفر أو حاجة والحمل عليها وشرب لبنها وسكنى الدار وحصاد الزرع ونحوه إن وجد من المشتري بطل خياره لأنه يبطل بالتصريح بالرضى فبطل بدلالته كخيار المعتقة يبطل بتمكينها زوجها من وطئها وإن تصرف البائع بذلك ففيه وجهان أحدهما هو فسخ لليع لذلك والآخر لا يكون فسخا لأن الملك انتقل عنه فلم يكن تصرفه استرجاعا كمن وجد ماله عند مفلس فتصرف فيه وقال أبو الخطاب هل يكون تصرف البائع فسخا للبيع وتصرف المشتري رضي بالبيع وفسخا لخياره على وجهين وأما


51

ركوب المشتري الدابة لينظر سيرها وطحنه على الرحى ليختبرها فلا يبطل الخيار لأن الاختيار هو المقصود بالخيار وإن استخدم العبد ليختبره لم يبطل خياره لذلك وإن استخدمه لغير ذلك ففيه روايتان إحداهما يبطل خياره لأنه تصرف منه أشبه الركوب والثانية لا يبطل لأنه لا يختص الملك أشبه النظر وإن قبلت الجارية المشتري لشهوة لم يبطل خياره لأنها قبلة لأحد المتبايعين فلم يبطل خياره كقبلتها للبائع ولأنا لو أبطلنا خياره بهذا أبطلناه من غير رضاه بالمبيع ولا دلالة عليه ويحتمل أن يبطل خياره إذا لم يمنعها لأن اقراره عليه رضى به

فصل

وإن أعتق المشتري الجارية أو استولدها أو أتلفت المبيع أو تلف في يده لم يبطل خيار البائع لأنه لم يوجد منه رضى بإبطاله وله أن يفسخ ويرجع ببدل المبيع وهو مثله إن كان مثليا وإلا قيمته يوم أتلفه وعنه أن خياره يبطل بذلك اختارها الخرقي لأنه خيار فسخ فبطل بتلف المبيع كخيار الرد بالعيب


52

فصل

وإن مات أحد المتبايعين بطل خياره ولم يثبت لورثته لأنه حق فسخ لا يجوز الاعتياض عنه فلم يورث كخيار الرجوع في الهبة ويتخرج أن يورث قياسا على الأجل في الثمن وإن جن أو أغمي عليه قام وليه مقامه لأنه قد تعذر منه الاختيار مع بقاء ملكه وإن خرص ولم تفهم إشارته فهو كالمجنون وإن فهمت إشارته قام مقام لفظه وإن مات في خيار المجلس بطل خياره وفي خيار صاحبه وجهان أحدهما يبطل لأن الموت أعظم التفرق والثاني لا يبطل لأن الفرقة بالأبدان لم تحصل باب الربا الربا محرم لقول الله تعالى وحرم الربا البقرة 275 وما بعدها من الآيات وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه متفق عليه وهو على ضربين ربا الفضل وربا النسيئة والأعيان على الربا فيهما ستة مذكورة في حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة


53

مثلا بمثل والتمر بالتمر مثلا بمثل والبر بالبر مثلا بمثل والشعير بالشعير مثلا بمثل والملح بالملح مثلا بمثل من زاد أو ازداد فقد أربى بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدا بيد رواه مسلم واختلفت الرواية في علة الربا ثلاث روايات فأشهرهن أن علته في الذهب والفضة الوزن والجنس وفي غيرهما الكيل والجنس لما روي عن عمار أنه قال العبد خير من العبدين والثوب خير من الثوبين فما كان يدا بيد فلا بأس به إنما الربا في النساء إلا ما كيل أو وزن ولأنه لو كانت العلة الطعم لجرى الربا في الماء لأنه مطعوم قال الله تعالى ومن لم يطعمه فإنه مني البقرة 249 فعلى هذا يحرم التفاضل في كل مكيل أو موزون من جنس سواء كان مطعوما كالقطفيات أو غير مطعوم كالأشنان والحديد ويجري الربا فيما كان جنسه مكيلا أو موزونا وإن تعذر الكيل فيه أو الوزن إما لقلته كالتمرة والقبضة وإما دون الأرزه من الذهب والفضة وإما لعظمه كالزبرة العظيمة وأما للعادة كلحم الطير لأنه من جنس فيه الربا فجرى فيه الربا كالزبرة العظيمة وما نسج من القطن والكتان لا ربا فيه نص عليه لحديث عمار وما عمل من الحديد ونحوه إن كان يقصد وزنه جرى فيه الربا لأنه تقصد زنته فجرى فيه الربا كلحم الطير وما لا تقصد زنته لا يجري فيه الربا كالثياب والرواية الثانية العلة في الذهب


54

والفضة الثمينة غالبا وفيما عداهما كونه مطعوم جنس لما روى معمر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام الا مثلا بمثل رواه مسلم ولأنه لو كان الوزن علة لم يجز إسلام النقد في الموزونات لان اجتماع المالين في احد وصفي علة ربا الفضل يمنع النساء بدليل إسلام المكيل في المكيل فعلى هذه الرواية يحرم التفاضل في كل مطعوم بيع بجنسه من الأقوات والادام والفواكه والأدوية والأدهان المطيبة وغيرها وإن لم يكن مكيلا ولا موزونا كالبطيخ والرمان والبيض ونحوها والرواية الثالثة العلة كونه مطعوم جنس مكيلا أو موزونا لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل والمماثلة المعتبرة هي المماثلة في الكيل والوزن فدل على أنه لا يحرم إلا في مطعوم يكال أو يوزن ولا يحرم فيما لا يطعم كالأشنان والحديد ولا فيمالا يكال كالبطيخ والرمان

فصل

وما يجري فيه الربا اعتبرت المماثلة فيه في المكيل كيلا وفي الموزون وزنا لقول النبي صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب وزنا بوزن والفضة بالفضة وزنا بوزن والبر بالبر كيلا بكيل والشعير بالشعير كيلا بكيل رواه الأثرم ولا يجوز بيع مكيل بجنسه وزنا ولا موزونا كيلا للخبر ولأنه لا يلزم


55

من تساويهما في أحد المعيارين التساوي في الآخر لتفاوتهما في الثقل والخفة ولا يجوز بيع بعضه ببعض جزافا من الطرفين ولا من أحدهما لما روى جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر رواه مسلم ولأن المماثلة لا تعلم بدون الكيل من الطرفين فوجب ذلك وما لا يكال ولا يوزن يعتبر التماثل فيه بالوزن لأنه أحصر ومنه ما لا يتأتى كيله

فصل

والمرجع في الكيل والوزن إلى عادة أهل الحجاز لقول النبي صلى الله عليه وسلم المكيال مكيال أهل المدينة والميزان ميزان أهل مكة وما لا عرف له بالحجاز يعتبر بأشبه الأشياء به بالحجاز في أحد الوجهين لأن الحوادث ترد إلى أقرب الأشياء شبها بها وهو القياس والثاني ترد إلى عرفه في موضعه لأن ما لا حد له في الشرع يرد إلى العرف كالقبض والحرز

فصل

والجيد والردئ والتبر والمضروب والصحيح والمكسر سواء في جواز البيع متماثلا وتحريمه متفاضلا للخبر وفي بعض ألفاظه الذهب بالذهب تبرها وعينها والفضة بالفضة تبرها وعينها رواه أبو داود وفي لفظ جيدها ورديئها سواء


56

فصل

ولا يحرم التفاضل إلا في الجنس الواحد للخبر والاجماع وكل شيئين اتفقا في الاسم الخاص من أصل الخلقة فهما جنس كأنواع التمر وأنواع البر وإن اختلفا في الاسم من أصل الخلقة فهما جنسان كالستة المذكورة في الخبر لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الزيادة فيها إذا بيع منها شيء بما يوافقه في الاسم وأباحها إذا بيع بما يخالفه في الاسم فدل على أن ما اتفقا في الاسم جنس وما اختلفا فيه جنسان وعنه أن البر والشعير جنس لأن معمر ابن عبد الله قال لغلامه فيهما لا تأخذن إلا مثلا بمثل فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل رواه مسلم والمذهب الأول لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأعيان الستة إذا اختلفت هذه الأوصاف الستة فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد رواه مسلم وقال لا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما رواه أبو داود وحديث معمر لا بد فيه من إضمار الجنس الواحد

فصل

والمتخذ من أموال الربا معتبر بأصله فما أصله جنس واحد فهو جنس واحد وإن اختلفت أسماؤه وما أصله أجناس فهو أجناس وإن اتفقت أسماؤه فدقيق الحنطة والشعير جنسان ودهن اللوز والجوز جنسان


57

وزيت الزيتون والبطم جنسان وكذلك خل العنب وخل التمر وعنه أنهما جنس والأول أصح لأنهما فرعا أصلين مختلفين فكانا جنسين كالأدقة وفي اللحم ثلاث روايات إحداهن أنه كله جنس واحد لأنه اشترك في الاسم الواحد حال حدوث الربا فيه فكان جنسا واحدا كالتمر والثانية أنه أربعة أجناس لحم الأنعام ولحم الوحش ولحم الطير ولحم دواب الماء لأنها تختلف منفعتها والقصد إلى أكلها فكانت أجناسا والثالثة أنها أجناس لأنها فروع أجناس فكانت أجناسا كالتمر الهندي والبرني وبهذا ينتقض دليل الرواية الأولى والثانية لا أصل لها فعلى هذه الرواية لحم بهيمة الأنعام كلها ثلاثة أجناس ولحم بقر الوحش والأهلية جنسان وكل ما انفرد باسم وصفة فهو جنس وقال ابن أبي موسى لا خلاف عن أحمد ان لحم الطير والسمك جنسان وفي الألبان من القول نحو مما في اللحم لأنها من الحيوانات يتفق اسمها فأشبهت

فصل

واللحم والشحم والكبد والطحال والرئة والكلية والقلب والكرش أجناس لأنها مختلفة في الاسم والخلقة قال بعض أصحابنا الشحم والآليه جنسان لذلك وقالوا اللحم الأبيض والأحمر الذي على الظهر والجنبين جنس لاتفاقهما في الدسم والقصد ويحتمل أن يكون الشحم الذي يذوب


58

بالنار كله جنسا واحدا لاتفاقهما في اللون والصفة والذوب بالنار وقد قال الله تعالى ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما الأنعام 146 فاستثناه من الشحم

فصل

ولا يجوز بيع ما فيه ربا بعضه ببعض ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسه كمد ودرهم بمد ودرهم أو بمدين أو درهمين وعنه ما يدل على الجواز إذا كان مع كل واحد منهما من غير جنسه أو كان المفرد أكثر ليكون الزائد في مقابلة غير الجنس والأول المذهب لما روى فضالة بن عبيد قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعهما بتسعه دنانير فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا حتى تميز بينهما رواه أبو داود ولأن الصفقة إذا جمعت شيئين مختلفي القيمة انقسم الثمن عليهما بقدر قيمتهما بدليل ما لو اشترى شقصا وسيفا فإن الشفيع يأخذ الشقص بقسطه من الثمن وإذا قسم الثمن على القيمة أدى إلى الربا لأنه إذا باع مدا قيمته درهمان ودرهما بمدين قيمتهما ثلاثة حصل في مقابلة الجيد مد وثلث فأما إذا باع نوعين مختلفي القيمة من جنس بنوع واحد من ذلك الجنس كدرهم صحيح ودرهم قراضة بصحيحين فقال القاضي الحكم فيها كالتي قبلها لذلك وقال أبو بكر يجوز لقول


59

النبي صلى الله عليه وسلم الفضة بالفضة مثلا بمثل ولأن الجودة ساقطة فيما قوبل بجنسه لما تقدم وعن أحمد منع ذلك في النقد وتجويزه في غيره لأنه لا يمكن التحرز من اختلاط النوعين

فصل

ولا يجوز بيع خالصه بمشوبه كحنطة فيها شعير أو زوان بخالصة أو غير خالصة أو لبن مشوب بخالص أو مشوب أو عسل في شمعه بمثله إلا أن يكون الخلط يسيرا لا وقع له كيسير التراب والزوان ودقيق التراب الذي لا يظهر في الكيل فإنه لا يخل بالتماثل ولا يمكن التحرز منه

فصل

وما اشتمل على جنسين بأصل الخلقة كالتمر فيه النوى فلا بأس ببيع بعضه ببعض لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح بيع التمر بالتمر وقد علم أن في كل واحد نوى ولو نزع النوى ثم ترك مع التمر صار كمسألة مد عجوة لزوال التبعية ولو نزع من أحدهما نواة ثم باعه بتمر فيه نواة فكذلك وإن باع النوى بمثله والمنزوع بمثله جاز لأنه جنس متماثل وإن باع المنزوع وحده بالنوى جاز فيه التفاضل لأنهما جنسان وإن باع النوى بتمر فيه


60

نواه ففيه روايتان إحداهما لا يجوز لأنه في مسألة مد عجوة والثانية يجوز لأن ما فيه الربا غير مقصود في أحد الجانبين فلم يمنع كبيع دار مموه سقفها بذهب وكذلك يخرج في بيع شاة لبون بلبن أو ذات صوف بصوف أو لبون بمثلها فإن كانت محلوبة اللبن جاز وجها واحدا لأن الباقي لا أثر له فهو كالتمويه في السقف ويجوز بيع شاة ذات صوف بمثلها وجها واحدا لأن ذلك لو حرم لحرم بيع الغنم بالغنم قال أبو بكر يجوز بيع نخلة مثمرة بمثلها وبتمر لأن التمر عليها غير مقصود ومنعه القاضي لكون الثمرة معلومة يجوز إفرادها بالبيع بخلاف اللبن ومنع القاضي بيع اللحم بجنسه إلا منزوع العظام لأن العظم من غير جنس اللحم فأشبه الشمع في العسل ويحتمل الجواز لأن العظم من أصل الخلقة فأشبه النوى في التمر بخلاف الشمع

فصل

وما فيه خلط غير مقصود لمصلحته كالماء في خل التمر والزبيب ودبس التمر والملح في الخبز والشيرج في الخبيص ونحوه لا يمنع بيعه بمثله لأنه لمصلحته فأشبه رطوبة الرطب ولا يجوز بيعه بخالص كخل الزبيب بخل العنب والخبز الرطب باليابس كما لا يجوز بيع الرطب بالتمر


61

ولا يجوز بيع نيئة بمطبوخه لأن النار تذهب برطوبته وتعقد أجزاءه فتمنع تساويهما ويجوز بيع مطبوخه بمثله إذا لم يظهر عمل النار في أحدهما أكثر من الآخر لتساويهما في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان في ثاني الحال كالخبز بالخبز والشواء والسكر والعسل المصفى بالنار بمثله

فصل

ولا يجوز بيع حبه بدقيقه وعنه الجواز إذا تساويا وزنا لأن الدقيق أجزاء الحب فجاز بيعه به كما قبل الطحن والمذهب الأول لأن البر ودقيقه مكيلان ولا بيع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزنا ولا يمكن التساوي في الكيل لأن الطحن فرق أجزاء الدقيق ونشرها ويجوز بيع كل واحد من الدقيق والسويق بمثله إذا تساويا في الكيل والنعومة لما ذكرنا في المطبوخ بمثله ولا يجوز إذا تفاوتا في النعومة لأنه يمنع تساويهما في الكيل إلا على قولنا يجوز بيع الحب بدقيقه وزنا


62

ولا يجوز بيع أصله بغيره كالزيتون بزيته والسمسم بالشيرج والعنب بعصيره لأنه لا يتحقق التماثل بين العصير وما في أصله منه ويجوز بيع العصير بالعصير لما ذكرنا في المطبوخ ولا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه لما روى سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان رواه مالك في الموطأ ولأنه جنس فيه الربا بيع بأصله الذي فيه منه فلم يجز كالزيتون بالزيت وإن باع اللحم بحيوان لا يؤكل جاز لعدم ما ذكرنا وإن باعه بحيوان مأكول غير أصله وقلنا هما جنس واحد لم يجز وإلا جاز

فصل

ويجوز بيع اللبن باللبن حليبين كانا أو رائبا وحليبا لأن الرائب لبن خالص إنما فيه حموضة ولا يجوز بيع لبن بما استخرج منه من زبد وسمن ومخيض ولا زبد بسمن لأنه مستخرج منه أشبه الزيتون بالزيت وعنه يجوز بيع الزبد باللبن إذا كان أكثر من الزبد الذي في اللبن والسمن مثله وهكذا مسألة مد عجوة والظاهر تحريمه ولا يجوز بيع لبن مانع بجامد لأنهما يتفاضلان


63

ويجوز بيع السمن والزبد والمخيض واللباء والجبن والمصل بمثله إذا تساويا في الرطوبة والنشافة ولم ينفرد أحدهما بمس النار له ويجوز بيع السمن بالمخيض متفاضلا لأنه ليس في احدهما شيء من الآخر وبيع الزبد بالمخيض نص عليه لأن اللبن في الزبد يسير غير مقصود أشبه الملح في الشيرج ولا يجوز بيع شيء من هذه الأنواع بنوع لم ينزع زبده كالجبن والمصل لما ذكرنا في بيعه باللبن

فصل

ولا يجوز بيع رطبه بيابسه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الرطب بالتمر متفق عليه وعن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص الرطب إذا يبس قالوا نعم فنهاه عن ذلك رواه أبو داود فنهى وعلل بأنه ينقص عن يابسه فدل على أن كل رطب يحرم بيعه بيابسه ويجوز بيع رطبه برطبه لأن مفهوم نهيه عن بيع الرطب بالتمر إباحة بيعه بمثله ولأنهما تساويا في الحال على وجه لا يتفرد أحدهما بالنقصان فجاز بيعه به كاللبن باللبن وذكر الخرقي أن اللحم لا يباع باللحم إلا إذا تناهى جفافه فدل على أن كل رطب لا يجوز بيعه بمثله اختارها أبو حفص لأنهما لم يتساويا حال الكمال والمذهب الجواز وقال القاضي لم أجد بما قال الخرقي رواية عن أحمد


64

فصل

ويجوز بيع العرايا وهو بيع الرطب على رؤوس النخل خرصا بالتمر على وجه الأرض لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في العربة خسمة أوسق فما دون خسمة أوسق متفق عليه وإنما يجوز بشروط خمسة أحدها أن يكون دون خمسة أوسق وعنه يجوز في الخمسة لأن الرخصة ثبتت في العرية ثم نهى عما زاد على الخمسة وشك الراوي في الخمسة فردت إلى أصل الرخصة والمذهب الأول لأن الأصل تحريم بيع الرطب بالتمر فيما دون الخمسة بالخبر والخمسة مشكوك فيها فترد إلى الأصل الثاني أن يكون مشتريها محتاجا إلى أكلها رطبا لما روى محمود بن لبيد قال قلت لزيد بن ثابت ما عراياكم هذه فسمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه وعندهم فضول من التمر فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر يأكلونها رطبا متفق عليه والرخصة الثانية لحاجة لا تثبت مع عدمها فإن تركها حتى تتمر بطل البيع لعدم الحاجة الثالث أن لا يكون له نقد يشتري به للخبر الرابع أن يشتريها بخرصها للخبر ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا متفق عليه ولا بد أن يكون التمر معلوما


65

بالكيل للخبر وفي معنى الخرص روايتان إحداهما أن ينظر كم يجيء منها تمرا فيبيعها بمثله لأنه يخرص في الزكاة كذلك والثانية يبيعها بمثل ما فيها من الرطب لأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال بالكيل فإذا خولف الدليل في أحدهما وأمكن أن لا يخالف في الآخر وجب ولا يجوز بيعها برطب ولا تمر على نخل خرصا الخامس أن يتقابضا قبل تفرقهما لأنه بيع تمر بتمر فاعتبرت فيه أحكامه إلا ما استثناه الشرع والقبض فيما على النخل بالتخلية وفي التمر باكتياله فإن كان حاضرا في مجلس البيع اكتاله وإن كان غائبا مشيا إلى التمر فتسلم وإن قبضه أولا ثم مشيا إلى النخلة فتسلمها جاز واشترط الخرقي كون النخلة موهوبة لبائعها لأن العرية اسم لذلك واشترط ابو بكر والقاضي حاجة البائع إلى بيعها وحديث زيد بن ثابت يرد ذلك مع أن اشتراطه يبطل الرخصة إذ لا تتفق الحاجتان مع سائر الشروط فتذهب الرخصة فعلى قولنا يجوز لرجلين شراء عريتين من واحد وعلى قولهما لا يجوز إلا أن ينقصا لمجموعهما عن خمسة أوسق ولا يجوز لواحد شراء عريتين فيهما جميعا خمسة أوسق لأنه في معنى شرائهما في عقد واحد


66

فصل

قال ابن حامد لا يجوز بيع العرايا في غير ثمرة النخل لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة بيع الثمر بالتمر إلا أصحاب العرايا فإنه قد أذن لهم وعن بيع العنب بالزبيب وعن كل ثمر بخرصه وهذا حديث حسن ولأن غير التمر لا يساويه في كثرة اقتياته وسهولة خرصه فلا يقاس عليه غيره وقال القاضي يجوز في جميع الثمار لأن حاجة الناس إلى رطبها كحاجتهم إلى الرطب ويحتمل الجواز في التمر والعنب خاصة لتساويهما في وجوب الزكاة فيهما وورود الشرع بخرصهما وكونهما مقتاتين دون غيرهما

فصل

فل في ربا النسيئة كل ما لين اتفقا في علة ربا الفضل كالمكيلين والموزونين أو المطعومين على الرواية الأخرى لا يجوز بيع احدهما بالآخر نساء ولا التفرق قبل القبض لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد وعن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء متفق عليه وما اختلفت علتهما كالمكيل والموزون إذا لم يتفقا في الطعم جاز


67

التفرق فيهما قبل القبض رواية واحدة وفي النساء فيهما روايتان وما لم يوجد فيه علة ربا الفضل كالثياب والحيوان ففيه روايات أربع إحداهن تجوز النساء فيهما لما روي عن عبد الله بن عمرو قال أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أستسلف إبلا فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى مجئ إبل الصدقة من المسند والثانية لا يجوز لما روى سمرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة قال الترمذي هذا حديث صحيح والثالثة يحرم النساء في الجنس الواحد لهذا الخبر ويباح في الجنسين عملا بمفهومه والرابعة يباح مع التساوي ويحرم مع التفاضل في الجنس الواحد لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحيوان بواحد لا يصلح نساء ولا بأس به يدا بيد قال الترمذي هذا حديث حسن وعن عمر أن رجلا قال يا رسول الله أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل فقال لا بأس به إذا كان يدا بيد رواه أحمد في السمند ولا خلاف في جواز الشراء بالأثمان نساء من سائر الأموال موزونا كان أو غيره لأنها رؤوس الأموال فالحاجة داعية إلى الشراء بها نساء وناجزا


68

فصل

فإن تفرقا قبل القبض فيه بطل العقد وإن تفرقا قبل قبض بعضه بطل في غير المقبوض وفي المقبوض وجهان بناء على تفريق الصفقة وما وجب التماثل فيه إذا بيع عينا بيعن فوجد في أحدهما عيبا من غير جنسه بطل المبيع لأنه يفوت التماثل المشترط وإن كان البيع في الذمة جاز إبداله قبل التفرق وهل يجوز بعد التفرق فيه روايتان إحداهما يجوز إذا أخذ البدل في مجلس الرد لأن قبض بدله يقوم مقامه والثانية يبطل العقد برده لأنهما تفرقا قبل قبض العوض وإن كان عيبه لمعنى لا ينقص ذاته كالسواد في الفضة والخشونة فيها فالعقد صحيح وليس له أخذ الأرش لأنه يخل بالتماثل وله الخيار بين فسخ العقد أو الإمساك وليس له البدل إن كان البيع عينا بعين وإن كان البيع في الذمة فحكمه حكم القسم الذي قبله فأما ما لا يجب التماثل فيه فله أخذ أرشه لأن التفاضل فيه جائز وحكمه فيما سوى ذلك حكم ما قبله


69

باب بيع الأصول من باع نخلا مؤبرا فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع فتكون له وإن لم تؤبر فهي للمشتري إلا أن يشترطها البائع فتكون له لما روى ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال من باع نخلا بعد أن يؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع متفق عليه فجعل المؤبرة للبائع فدل على أن غير المؤبرة للمبتاع ولأنها قبل التأبير نماء كامن لظهوره غاية فتبع الأصل قبل ظهوره ولم يتبعه بعده كالحمل وطلع الفحال كغيره ويحتمل أنه للبائع قبل تشققه لأنه يوجد كذلك والطلع ظاهر فهو كالتين والصحيح الأول للخبر لأن المقصود فيما داخل الطلع للتلقيح ولم يظهر فيتبع الأصل كطلع الإناث فإن أبر بعض الحائط دون بعض فما أبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري في ظاهر كلام أحمد وقول أبي بكر للخبر وقال ابن حامد الكل للبائع لأن اشتراكهما في الثمرة يؤدي إلى الضرر واختلاف الأيدي فجعلنا ما لم يظهر تبعا للظاهر كأساسات الحيطان تتبع الظاهر منها ولم يجعل الظاهر تبعا للباطن كما لا تتبع الحيطان الأساس في منع البيع للجهالة وإن كان المبيع حائطين لم يتبع أحدهما صاحبه لأنه يفضي إلى سوء المشاركة لانفراد أحدهما عن


70

الآخر وإن أبر نوع من الحائظ لم يتبع النوع الآخر في قول القاضي لأن النوعين يختلفان في التأبير وقال أبو الخطاب يتبعه لئلا يفضي إلى سوء المشاركة في الجنس الواحد وإن أبر بعض ما في الحائط فأفرد بالبيع ما لم يؤبر فهو للمشتري لأنه لم يؤبر منه شيء وإن أبر بعض الحائط فباعه ثم أطلع الباقي في يد المشتري فالطلع له لأنه حادث في ملكه فكان له كما لو لم يؤبر منه شيء

فصل

وكل عقد ناقل للأصل كجعله صداقا وعوض خلع أو أجرة أو هبة كالبيع فيما ذكرنا لأنه عقد يزيل الملك عن الأصل فأزاله عن الثمرة قبل الظهور كالبيع

فصل

وسائر الشجر على ستة أضرب أحدها ما يقصد زهره كالورد والقطن الذي يبقى أعواما فهو كالنخل إن تفتحت أكمامه وتشقق جوزه فهو للبائع والا فهو للمشتري كالطلع سواء الضرب الثاني ما له ثمرة بارزة كالعنب والتين فما كان منه ظاهرا فهو للبائع لأنها ثمرة ظاهرة فهي كالطلع المؤبر وما ظهر بعد العقد فهو للمشتري لأنه حدث في ملكه


71

الثالث ما له قشر لا يزال إلا عند الأكل كالرمان والموز فهو للبائع ان كان ظهر لان قشره من مصلحته فهو كأجزاء الثمرة الرابع ما له قشران كالجوز واللوز فهو للبائع بنفس الظهور لأن قشره لا يزايله في الغالب الا بعد الجذاذ فهو كالرمان وقال بعض اصحابنا أن تشقق قشره الأعلى فهو للبائع والا فهو للمشتري لأنه لا يدخر في قشره الاعلى بخلاف الرمان الخامس ما يظهر ثمره في نوره ثم يتناثر نوره فيظهر كالتفاح والمشمش فما تناثر نوره فهو للبائع وما لم يتناثر فهو للمشتري لأنه لا يظهر الا بعد تناثر نوره فكان كتأبير النخل ويحتمل أنه للبائع بظهور نوره لأن استتار الثمرة بالنور كاستتار ثمرة النخل بعد التأبير بالقشر الأبيض السادس ما يقصد ورقه كالتوت فيحتمل أنه للمشتري بكل حال قياسا على سائر الورق ويحتمل أنه إن تفتح فهو للبائع والا فهو للمشتري لأنه ها هنا كالثمر

فصل

وإذا اشترى شجرا عليه ثمرة للبائع لم يكلف نقلها إلى أوان الجذاذ لأن نقل المبيع على حسب العادة ولهذا لو اشترى متاعا ليلا لم يكلف نقله


72

حتى يصبح ولو باع متاعا كثيرا في دار لم يكلف تفريغها إلا على العادة ولم يلزمه جمع دواب البلد لنقله دفعة واحدة فإذا بلغ الجذاذ كلف نقله وإن كان بقاؤه أنفع له لأنه أمكن نقله عادة وان اصاب الشجر عطش خيف هلاكه ببقائه عليه ففيه وجهان أحدهما لا يلزم قطعه لأنهما دخلا في العقد على ترك الثمرة إلى أوان الجذاذ والثاني يلزم قطعه لأن المشتري رضي بذلك إذا لم يضربه وهذا فيه ضرر كثير وإن أراد أحدهما سقي ما له لمصلحته فله ذلك وإن أضر بصاحبه لأنه رضي بالضرر لعلمه أنه لا بد من السقي وإن سقي لغير مصلحته لم يمكن منه لأنه سفه

فصل

وإن باع أرضا بحقوقها دخل ما فيها من غراس وبناء في البيع وإن لم يقل بحقوقها ففيه وجهان أحدهما يدخل أيضا لأنه متصل بها للبقاء فهو كأجزائها والثاني لا يدخل لأن الأرض اسم للعرصة دون ما فيها وإن قال بعتك هذا البستان دخل الجميع في البيع لأن البستان اسم للأرض ذات الشجر وإن باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة كالحنطة والشعير والجزر والفجل لم يدخل في البيع لأنه مودع في الأرض فلم يدخل في بيعها كالركاز ويكون الزرع مبقى إلى حين الحصاد كما أن الثمرة تبقى إلى حين الجذاذ فإن أراد البائع قطعة قبل وقته لينتفع بالأرض لم يكن له


73

ذلك لأن منفعة الأرض إنما حصلت مستثناة عن مقتضى العقد ضرورة ابقاء الزرع فتقدرت ببقائه كما لو باع دارا فيها متاع لا ينقل في العادة إلا في شهر فيكلف نقله في يوم لينتفع بها في بقيته والحصاد على البائع وعليه إزالة ما يبقى من عروقه المضرة بالأرض وتسوية حفره لأنه حصل بفعله لاستصلاح نفسه فأشبه من باع دارا فيها حجر للبائع فقلعه فتحفرت الأرض وان اشترطها المشتري في البيع كانت له كالثمرة المؤبرة ولا تضر جهالته لأنه دخل في البيع تبعا للأرض فأشبه الثمرة بعد تأبيرها وإن لم يعلم المشتري بالبذر فله الخيار لأنه عيب في حقه لما يفوت عليه من نفع الأرض فإن قال البائع أنا أحوله على وجه لا يضر وفعل سقط الخيار لزوال العيب وإن اشترى نخلا ذات طلع مؤبر لم يعلم تأبيره فله الخيار أيضا وإن بذل البائع قطعه لم يسقط الخيار لأن الضرر لا يزول بقطعة لأنه يفوت عليها ثمرته عاما

فصل

وإن كان في الأرض ماله أصل يجز مرة بعد أخرى فالجزة الظاهرة عند البيع للبائع والأصول للمشتري سواء كان مما يبقى عاما كالهندبا أو أكثر كالرطبة لأن أصوله تركت للبقاء فهي كالشجرة وما ظهر منه وجرت العادة بأخذه فهو كالثمرة المؤبرة وعلى البائع قطعه في الحال لأنه


74

لا حد له ينتهي إليه ولانه يطول والزيادة للمشتري وما تتكرر ثمرته مع بقاء أصله كالقثاء والباذنجان والبطيخ أو يقصد زهره كالبنفسج ونحوه فكذلك الأصول للمشتري وثمرته الظاهرة وزهره للبائع لأنه تؤخذ ثمرته مع بقاء أصله فهو كالبقول

فصل

وإن كان في الأرض حجارة مدفونه أو ركاز لم يدخل في البيع لأنه ليس من اجزائها إنما هو مودع فيها للنقل عنها فهو كالقماش فإن كانت الأحجار من نفس الأرض أو أساسات الحيطان أو كان فيها معدن باطن كمعدن الذهب والفضة دخل في البيع لأنه من أجزائها أو متروك للبقاء فيها فهو كالبناء

فصل

وإن باعه دارا دخل فيها ما اتصل بها كالرفوف المسمرة والخوابي المدفونة فيها للانتفاع بها والحجر السفلاني من الرحا المنصوب والأبواب المنصوبة وفي الحجر الفوقاني والمفتاح وجهان أحدهما يدخل لأنه من مصلحتها فأشبه المنصوب فيها فهو كالباب والثاني لا يدخل لأنه ينفرد عنه فهو كالدلو وما هو منفصل عنها مما ليس لمصلحتها كالدلو


75

والحبل والبكرة والقفل لم يدخل في البيع لأنه منفصل عنها غير مختص بمصلحتها وأشبه الفرش التي فيها وان باعه قرية لم تدخل مزارعها في البيع الا بذكرها لأن القرية اسم للأبنية دون المزارع باب بيع الثمار لا يجوز بيع الثمر والزرع قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها متفق عليه وفي لفظ نهى عن بيع الثمار حتى تزهو وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن من العاهة رواه مسلم ولأن في بيعه ضررا من غير حاجة فلم يجز كما لو شرط التبقية فإن باعها بشرط القطع جاز لأنه يأخذها قبل تلفها فيأمن الغرر وإن باعها لمالك الأصل ففيه وجهان أحدهما يصح لأنها تحصل لمالك الأصل فجاز كما لو باعهما معا والثاني لا يصح لأنه أفردها بالعقد أشبه ما لو باعها لغيره وإنما يصح إذا باعهما لأنها تدخل تبعا كالحمل مع أمه وإذا بدا الصلاح جاز بيعها بشرط القطع ومطلقا وبشرط التبقية للخبر ولأنه أمن العاهة فجاز بيعه كسائر الأموال


76

فصل

وبدو الصلاح في ثمرة النخل أن يحمر أو يصفر وفي العنب أن يسود أو يتموه وفي الحب أن يشتد أو يبيض وفي سائر الثمار أن يبدو فيه النضج أو يطيب أكله لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب متفق عليه ونهى عن بيع الثمرة حتى تزهو قيل وما تزهو قال تحمار أو تصفار ونهى عن بيع الحب حتى يشتد وعن بيع العنب حتى يسود رواه الترمذي وإذا بدا الصلاح في نوع جاز بيع ما في البستان وعنه لا يباع إلا ما بدا صلاحه للخبر والأول أظهر لأن ذلك يؤدي إلى الضرر والمشقة وسوء المشاركة وفي سائر الجنس وجهان توجيههما في التأبير ولا يختلف المذهب أن بدو الصلاح في بعض الشجرة صلاح لجميعها وأن بدو صلاح جنس ليس بصلاح لجنس آخر لأنه لا يفضي إلى سوء المشاركة فإن بدا صلاح ثمرة بستان لم يكن صلاحا لثمرة غيره وعنه يكون صلاحا فيما قاربه لأنهما يتقاربان في الإدراك والمذهب الأول لأنه يفضي إلى سوء المشاركة وإن بدا الصلاح في ثمرة بستان فأفرد بالبيع ما لم يبد صلاحه لم يجز لأنه لم يبد صلاح شيء من المبيع أشبه البستان الآخر وفيه وجه آخر أنه يجوز لأنه يجوز بيعه مع غيره فجاز منفردا كالذي بدا صلاحه


77

وإذا ابتاع ثمرا أو زرعا بعد صلاحه لم يكلف قطعه قبل أوان الحصاد والجذاذ لأن ذلك العادةفي نقله فحمل البيع عليه لما ذكرنا في الثمر المؤبر وإن احتاجت الى سقي لزم البائع سقيها لأن عليه تسليمها في أوان حصادها ولا يحصل إلا بالسقي فلزمه بخلاف ثمرة البائع وإن تلفت بجائحة من السماء رجع على البائع لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح وفي لفظ قال إن بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك بغير حق رواهما مسلم ولأنها تؤخذ حالا فحالا فكانت من ضمان البائع كالمنافع في الاجارة والجائحة مالا صنع لآدمي فيها فإن أتلفها آدمي فللمشتري الخياربين الفسخ والرجوع بالثمن وبين الإمساك ومطالبة المتلف بالقيمة وظاهر المذهب أنه لا فرق بين القليل والكثير إلا أن يكون التالف يسيرا جرت العادة بتلف مثله قال أحمد لا أقول في عشر تمرات ولا عشرين تمرة ولا أدري ما الثلث وذلك لأن الشرع أمر بوضع الجوائح ولم يجعل حدا فوجب رده إلى ما يتعارفه الناس وعنه أن ما دون الثلث من ضمان المشتري لأن الثمرة لا بد من تلف شيء منها فلا بد من حد فاصل والثلث يصلح ضابطا لقول النبي صلى الله عليه وسلم والثلث كثير وإن بلغت الثمرة أو الزرع أو أن الحصاد فلم ينقل حتى هلك فهو من ضمان المشتري لأنه لا يلزمه النقل أي لا يلزم البائع نقله


78

فكان التفريط منه أي المشتري فاختص الضمان به وإن اختلفا في التلف أو في قدره فالقول قول البائع لأنه غارم ولأن الأصل السلامة ولو اشترى الثمرة مع الشجرة أو الزرع مع الأرض زال الضمان عن البائع بمجرد العقد لأنه حصل التسليم الكامل لتسليم الأصل فأشبه بيع الدار

فصل

وإذا اشترى ثمرة شجرة فحدثت ثمرة أخرى فاختلطا ولم يتميز أو حنطة فانثالت عليها أخرى لم يبطل البيع لأن المبيع باق انضاف إليه غيره فأشبه ما لو اشتبه العبد المبيع بغيره ويشتركان كل واحد بقدر ماله إن علم قدره وإلا وقف حتى يصطلحا ويحتمل أن يبطل العقد لتعذر تسليم المستحق فأشبه تلف المبيع ولو باع الأصل وعليه ثمرة له فحدثت للمشتري ثمرة اختلطت بها لم يبطل العقد لأن المبيع هو الشجر ولم يختلط بغيره ويشتركان في الثمرة كما بينا ولو باع ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع فتركها حتى بدا صلاحها أو جزة من الرطبة فطالت حيلة فالعقد باطل من أصله نص عليه لأن الحيل لا تجوز في الدين وإن لم تكن حيلة ففيه روايتان إحداهما يبطل العقد لأن البقية معنى حرم اشتراطه لحق الله تعالى فأبطل العقد حقيقه كالنسيئة في الربويات والثانية لا يبطل لأنها زيادة في عين المبيع فلم يبطل بها البيع كسمن العبد قال القاضي والزيادة


79

للمشتري لذلك وعن أحمد أنهما يشتركان في الزيادة على كلتا الروايتين لحصولها في ملك المشتري بسبب الأصل الذي للبائع وعنه يتصدقان بها قال القاضي هذا على سبيل الاستحباب لاشتباه الأمر فيها فينظر كم قيمتها قبل بدو الصلاح وبعده فيشتركان فيها أو يتصدقان بها وإن جهلت القيمة وقف الأمر حتى يصطلحا

فصل

وإذا كانت شجرة تحمل حملين فباع أحدهما عالما أنه يحدث الآخر فيختلط بالأول فالبيع باطل لأنه باع ما لا يقدر على تسليمه لأن العادة فيه الترك فيختلط بالآخر ويتعذر التسليم

فصل

ولا يجوز بيع الرطبة ونحوها مما يثبت أصله في الأرض ويؤخذ ما يظهر منه بالقطع دفعة بعد أخرى إلا أن يبيع الظاهر بشرط القطع في الحال لأن ما في الأرض مغيب وما يحدث منه معدوم فلم يجز بيعه كالذي يحدث من الثمرة وإذا باع القثاء والباذنجان ونحوها لقطة جاز ويكون للمشتري جميع اللقطة وما حدث للبائع قال القاضي ويجوز بيع أصولها صغارا كانت أو كبارا مثمرة أو غير مثمرة لأنه أصل تكرر منه الثمرة فأشبه


80

الشجر يكون حكمه حكم الشجر في أن ما كان من ثمر ظاهر عند البيع فهو للبائع وما لم يظهر فهو للمشتري ولا يجوز بيع الفجل والجزر ونحوهما في الأرض لأن المقصود منها مغيب فأشبه بيع النوى في التمر باب بيع المصراة لا يجوز بيع المصراة فإن باعها فالبيع صحيح فإن كانت من بهيمة الأنعام ولم يعلم المشتري ثم علم فهو مخير بين ردها وإمساكها لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعهما فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعا من تمر متفق عليه ولأن هذا تدليس بما يختلف الثمن به فأثبت الخيار كتسويد شعر الجارية قال أبو الخطاب متى علم التصرية فله الخيار لأنه علم سبب الرد فملكه كما لو علم العيب وقال القاضي لا يثبت له الخيار الا عند انقضاء ثلاثة أيام لأن اللبن قد يختلف لاختلاف المكان وتغير العلف فإذا مضت الثلاثة بانت التصرية ويثبت الخيار على الفور وقال ابن أبي موسى إذا علم التصرية فله الخيار إلى تمام ثلاثة ايام من حين البيع لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اشترى مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة


81

أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر رواه مسلم

فصل

ويلزم مع ردها صاعا من تمر بدلا عن اللبن الموجود حال العقد للخبر ويكون جيدا غير معيب لأنه واجب بإطلاق الشرع فأشبه الواجب في الفطرة وإن ردها قبل حلبها لم يزمه شيء لأنه بدل اللبن ولم يأخذه وإن ردها بعد حلبها ولبنها موجود غير متغير ففيه وجهان أحدهما يرد ولا شيء عليه لأنه بحالة لا عيب فيه والثاني عليه صاع تمر ولا يلزم البائع قبول اللبن لأنه يسرع إليه التغير وكونه في الضرع أحفظ له فإن تغير اللبن فعليه الثمن ولا يلزم البائع قبول اللبن لتغيره وقال القاضي يلزمه قبوله لأن القبض حصل فيه باستعلام المبيع فإن لم يقدر الثمن فقيمته في الموضع الذي وقع عليه العقد لأنه بمنزلة عين اتلفها ولو رضي بالتصرية وأصاب عينا سواها فله ردها لأن رضاه بعيب لا يمنع الرد بما سواه وعليه مع الرد صاع تمر لأنه عوض للبن التصرية فيكون عوضا له مطلقا وإن اشترى شاة غير مصراة فحدث لها لبن فاحتلبه ثم ردها بعيب فلا شيء عليه لأن اللبن حدث في ملكه وإن كان فيها لبن يسير لا يخلو الضرع


82

من مثله فلا شيء فيه لأن مثل هذا لا عبرة به وإن كان كثيرا فعليه مثله لأن الأصل ضمان اللبن بمثله فلا يبطل بمخالفته في لبن التصرية وإن كان باقيا انبنى على رد لبن التصرية لما ذكرنا فإن قلنا لا يرده فبقاؤه كتلفه وهل له رد المبيع ثم يخرج على الروايتين فيمن اشترى ثوبا فقطعه ثم علم عيبه

فصل

فإن كانت المصراة أمة أو أتانا ففيه وجهان أحدهما لا رد لأن لبنهما لا عوض له ولا يقصد قصد لبن الأنعام والثاني له الرد لأن الثمن يختلف بذلك لأن لبن الأمة يحسن ثديها ويرغب فيها ظئرا ولبن الأتان يراد لولدها فإن ردها فلا شيء عليه للبنها لانه لا قيمة له

فصل

وكل تدليس بما يختلف به الثمن يثبت خيار الرد قياسا على التصرية كتجعيد شعر الجارية وتسويده وتحمير وجهها وجمع الماء على الرحى وقت عرضها على المشتري فإن حصل ذلك بغير قصد كاجتماع اللبن في الضرع بغير تصرية واحمرار وجه الجارية لخجل أو تعب فهو كالتدليس


83

لأن الخيار ثبت لدفع الضرر عن المشتري فلم يختلف بالقصد وعدمه كالعيب وإن رضي المشتري بالمدلس فلا أرش له لأن النبي صلى الله عليه وسلم خير بين إمساك المصراة بغير شيء وردها مع التمر

فصل

وإن دلس بما يختلف به الثمن كتبييض الشعر وتسبيطه فلا خيار للمشتري لأنه لا ضرر في ذلك وإن علف شاة فظنها المشتري حاملا أو سود أنامل العبد ليظنه كاتبا أو حدادا أو كانت الشاة عظيمة الضرع خلقة فظنها كثيرة اللبن فلا خيار له لأن ذلك لا يختلف فيما ظنه المشتري فإن سواد الأنامل قد يكون لولع أو خدمة كاتب أو حداد أو شروعه في ذلك وانتفاخ البطن قد يكون للأكل فظن المشتري غير ذلك طمع لا يثبت له خيار باب الرد بالعيب من علم بسلعته عيبا لم يحل له بيعها حتى يبينه لقول النبي صلى الله عليه وسلم المسلم أخو المسلم لا يحل المسلم باع من أخيه بيعا [ فيه عيب ] إلا بينه له رواه ابن ماجه فإن باع ولم يبين فالبيع صحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم صحح بيع المصراة مع نهيه عنه وحكي عن أبي بكر أن البيع باطل لظاهر النهي ومن


84

اشترى معيبا أو مصراة أو مدلسا يعلم حاله فلا خيار له لأنه بذل الثمن فيه راضيا به عوضا فأشبه ما لا عيب فيه وإن لم يعلم فله الخيار بين رده وأخذ الثمن لأنه بذل الثمن ليسلم له مبيع سليم ولا يسلم له فثبت له الرجوع بالثمن كما في المصراة وبين إمساكه وأخذ أرشه لأن الجزء للفائت بالعيب يقابله جزء من الثمن فإذا لم يسلم له كان له ما يقابله كما لو تلف في يده ومعنى الأرش أن ينظر بين قيمته سليما ومعيبا فيؤخذ قدره من الثمن فإذا نقصه العيب عشر قيمته فأرشه عشر ثمنه لأن ذلك هو المقابل للجزء الفائت

فصل

فإن نما المبيع نماء متصلا كالسمن والكبر والتعلم والحمل والثمرة قبل الظهور وأراد الرد رده بزيادة لأنها لا تنفرد عن الأصل في الملك فلم يجزئه رده دونها وإن كانت منفصلة كالكسب واللبن وما يوهب له والولد المنفصل والثمرة الظاهرة رد الأصل وأمسك النماء وعنه ليس له رده دون نمائه والأول المذهب لما روت عائشة أن رجلا ابتاع غلاما فاستغله ما شاء الله ثم وجد به عيبا فرده فقال يا رسول الله إنه استغل غلامي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخراج بالضمان رواه أبو داود إلا أن الولد إن كان


85

لآدمية لم يملك ردها دونه لأن فيه تفريقا بينهما وذكر الشريف أن له ردها لأنه موضع حاجة أشبه من ولدت حرا فباعها دونه والأول أولى لأن الجمع ممكن بأخذ الأرش أو ردهما معا فإن كان المبيع حاملا فولدت عند المشتري ثم ردها رد الولد معها لأنه من جملة المبيع والولادة نماء متصل

فصل

وإن تعيب المبيع عند المشتري ففيه روايتان إحداهما له أرش العيب وليس له رده لأن في رده ضررا فلا يزال الضرر بالضرر والثانية يرده وأرش العيب الحادث عنده ويأخذ الثمن لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برد المصراة بعد أخذ لبنها ورد عوضه ولأن جواز الرد كان ثابتا فلا يزول الا بدليل ولا نص في منع الرد ولا قياس فيبقى بحاله فإن دلس البائع العيب فتعيب عند المشتري أو تلف بفعله أو غيره فالمنصوص أنه يرجع بالثمن ولا شيء عليه لأنه مغرور والقياس يقتضي التسوية بين المدلس وغيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب على مشتري المصراة عوض لبنها مع التدليس وجعل الخراج بالضمان ولم يفرق بين مدلس وغيره وعن أحمد أن المبيع إذا كان صانعا أو كاتبا فنسي عند المشتري يرده بالعيب ولا شيء معه وهذا يحتمل أن يكون فيمن دلس العيب دون غيره لأن الصناعة والكتابة


86

متقومة تضمن في الغصب وعلله القاضي أنه ليس بنقص في العين ويمكن تذكره فيعود

فصل

وما تعيب قبل قبضه وهو مما يدخل في ضمان المشتري فهو كالعيب الحادث في يده وإن كان مما ضمانه على البائع فهو كالعيب القديم لأن من ضمن جملة المبيع ضمن أجزاءه

فصل

وإن وطئ المشتري الأمة ففيه روايتان إحداهما ليس له ردها وله الأرش لأن الوطء يجري مجرى الجناية لا يخلو من عقر أو عقوبة والثانية له ردها إن كانت ثيبا ولا شيء معها لأنه معنى لا ينقص عينها ولا قيمتها ولا يتضمن الرضاء بالعيب فأشبه الاستخدام وإن كانت بكرا فهو كعيبها عنده فإن ردها رد أرش نقصها كما لو عابت عنده

فصل

فإن لم يعلم بالعيب حتى هلك المبيع بقتل أو غيره أو أعتقه أو وقفه أو أبق أو باعه أو وهبه فله الأرش لأنه تعذر عليه الرد وإن فعل ذلك مع علمه بالعيب فلا أرش له لرضاه به معيبا ذكره القاضي وقال


87

أبو الخطاب في المبيع والهبة رواية أخرى له الأرش ولم يعتبر علمه وهو قياس المذهب لأننا جوزنا له إمساكه بالأرش وتصرفه فيه كإمساكه وإن باعه قبل العلم ثم رجع إليه ببيع أو غيره فله رده أو أرشه لأن ذلك امتنع عليه لخروجه من ملكه وبرجوعه إليه عاد الإمكان

فصل

وإن باع بعضه أو وهبه فله أرش الباقي فأما أرش ما باع فينبني على ما قلنا في بيع الجميع وفي جواز رد الباقي بحصته من الثمن روايتان إحداهما يجوز ذكره الخرقي لأن رده ممكن والأخرى لا يجوز لأن فيه تبعيض الصفقة على البائع فلم يجز كما لو كان المبيع عينين ينقصهما التفريق ولو اشترى شيئين فوجد بأحدهما عيبا فله ردهما معا أو إمساكهما وأخذ الأرش فإن اراد رد المعيب وحده ففيه الروايتان إلا أن يكونا مما ينقصهما التفريق كمصراعي باب وزوجي خف أو ممن لا يحل التفريق بينهما كالأخوين فليس له إلا ردهما أو إمساكهما مع الأرش لأن في رد أحدهما تفريقا محرما أو ضررا بالبائع لنقصان قيمة المردود بالتفريق وإن تلف أحد المبيعين ووجد بالآخر عيبا فعلى الروايتين وإن اختلفا في قيمة التالف فالقول قول المشتري لأنه كالغارم فهو كالمستعير والغاصب وإن كانا معيبين باقيين


88

فأراد رد أحدهما وحده فهي كالتي قبلها وقال القاضي ليس له رد أحدهما لأنه أمكنه ردهما معا ولو كان المبيع عينا واحدة فأراد رد بعضها لم يملك ذلك وجها واحدا لأنه فيه تشقيص المبيع على البائع وإلحاقا لضرر الشركة به

فصل

وإن اشترى اثنان شيئا فوجداه معيبا فرضيه أحدهما ففيها روايتان إحداهما للآخر رده نصيبه لأنه جميع ما ملكه بالعقد فملك رده بذلك كما لو انفرد والأخرى ليس له رده لأن المبيع خرج عن ملك البائع كاملا فلم يملك المشري رده مشقصا كما لو اشترى العين كلها ثم رد بعضها ولو ورث اثنان خيار عيب في سلعة فرضي أحدهما سقط رد الآخر لأن العقد عليها واحد بخلاف شراء الأثنين فإنه عقدان وإن اشترى واحد من اثنين شيئا فوجده معيبا فله رد نصيب أحدهما عليه منفردا لأنه يرد عليه جميع ما باعه

فصل

ومن اشترى معيبا فزال عيبه قبل رده مثل ان يشتري أمة مزوجة فطلقها الزوج فلا خيار له نص عليه أحمد لأن الضرر زال ولو اشترى مصراة فصار لبنها عادة فلا خيار له وإن قال البائع أنا أزيل


89

العيب مثل أن يشتري أرضا فيها حجارة تضرها فقال البائع أنا أقلعها في مدة لا أجر لها أو اشترى أرضا فيها بذر للبائع فقال أنا أحوله سقط الرد لأن الضرر يزول من غير ضرر

فصل

ذكر القاضي ما يدل على أن في خيار العيب روايتين إحداهما هو على التراخي لأنه عيب خيار لدفع الضرر المتحقق فكان على التراخي كخيار القصاص فعلى هذا هو على خياره ما لم يوجد منه ما يدل على الرضى من التصرف على ما ذكرنا في باب الخيار والثانية هو على الفور لأنه خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال فأشبه خيار الشفعة ولو حلب لبنها الحادث أو ركبها ليردها أو ليختبرها لم يكن رضى لأنه حق له إلى أن يرد فلم يمنع منه

فصل

وله الرد من غير رضى صاحبه ولا حضوره لأنه رفع عقد جعل إليه فلم يعتبر ذلك فيه كالطلاق ويجوز من غير حكم حاكم لأنه مجمع عليه فلم يحتج إلى حاكم كفسخ المعتقة للنكاح


90

فصل

والعيوب هي النقائص المعدودة عيبا فما خفي منها رجع إلى أهل الخبرة به فمن العيوب في الخلقة المرض والجنون والجذام والبرص والعمى والعور والعرج والعفل والقرع والصمم والخرس والأصبع الزائدة والناقصة والحول والخوص والسبل وهو زيادة في الأجفان والبخر والخصا والتخنيف وكونه خنثى والحمق البات والتزوج في الرقيق فأما عدم الختان فليس بعيب في الصغير لأنه لم يفت وقته ولا في الكبير المجلوب لأن ذلك عادتهم وهو عيب في الكبير المولود في الاسلام لأن عادتهم الختان والكبير يخاف عليه فأما العيوب المنسوبة إلى فعله كالسرقة والإباق والبول في الفراش فإن كانت من مميز جاوز العشر فهي عيب لأنه يذهب بمال سيده أو يفسد فراشه وليس عيبا في الصغير لأنه لا يكون يضعف بنيته والزنا عيب لأنه يوجب الحدود وكذلك شرب المسكر والحمل عيب في الأمة لأنه يخاف منه عليها وليس بعيب في غيرها لعدم ذلك والثيوبة وكون الأمة لا تحيض ليس بعيب لأن الإطلاق لا يتقضي وجود ذلك ولا عدمه وكذلك كونها محرمة على المشتري بنسب أو رضاع أو احرام أو عدة لأن ما يختص بالمشتري لا ينقص ثمنها وسائر ذلك يزول عن قرب ومعرفة الغناء والحجامة ليس بعيب لأن النقص فعل ذلك لا العلم به والكفر وكونه ولد زنا ليس بعيب لأن


91

الأصل في الرقيق الكفر ولا يقصد فيهم النسب وكون الجارية لا تحسن الطبخ والخبز ليس بعيب لأن هذه صناعة فالجهل به كالجهل بسائر الصنائع

فصل

وإن شرط في المبيع صفة مقصودة مثل أن شرط الأمة بكرا أو جعدة أو العبد كاتبا أو ذا صناعة أو فحلا أو خصيا أو مسلما والدابة هملاجه أو الفهد صيودا أو الشاة لبونا فبان خلاف ذلك فله الرد لأنه لم يسلم له ما بذل من الثمن فيه فملك الرد كما لو وجده معيبا وإن شرط الأمة سبطة أو جاهلة فبانت جعدة أو عالمة فلا خيار له لأنها زيادة وإن شرطها ثيبا فبانت بكرا فكذلك ويحتمل له الخيار لأنه قد يشترط الثيوبة لعجزه عن البكر وإن شرطها كافرة فبانت مسلمة ففيه وجهان أحدهما لا خيار له لأنها زيادة والثاني له الخيار لأنه يتعلق به غرض صحيح وهو صلاحها للمسلم والكافر وإن شرطها حاملا صح وقال القاضي قياس المذهب أنه لا يصح لأن الحمل لا حكم له والصحيح الأول لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم في الدية بأربعين خلفة في بطونها أولادها ولأن الحمل يثبت الرد في المعيبة ويوجب النفقة للمبتوتة ويمنع كون الدم فيه حيضا والطلاق فيه بدعة ويجوز الفطر في رمضان للخوف عليه ويمنع إقامة الحد والقصاص وإن شرط في الطير أنه


92

مصوت أو في الديك أنه يصيح في وقت من الليل صح لأن ذلك عادة له فجرى مجرى الصيد في الفهد وقال بعض أصحابنا لا يصح لأنه يجوز ان يوجد وأن لا يوجد وإن شرط أن يجيء من مسافة ذكرها صح لأن ذلك عادة وفيه قصد صحيح ليبلغ الأخبار فهو كالصيد في الفهد وقال القاضي لا يصح لأنه تعذيب للحيوان وإن شرط الغناء في الأمة وفي الكبش أنه مناطح وفي الديك أنه مقاتل لم يصح لأنه منهي عنه فهو كالزنا في الأمة

فصل

وإذا اشترى ما مأكوله في جوفه فله الرد وعنه لا شيء له لأنه لا تدليس من البائع ولا يمكنه معرفة باطنه والأول أصح لأن عقد البيع اقتضى السلامة فإذا بان معيبا ملك رده كالعبد وإن كان مما لا قيمة له كبيض الدجاج والجوز الخرب والرمان الفاسد رجع بالثمن كله لأن هذا ليس بمال فبيعه فاسد كالحشرات وإن كان الفاسد في بعضه رجع بقسطه وإن كان مما لمكسوره قيمة كجوز الهند وبيض النعام فقال الخرقي يرجع بالثمن وعليه أرش الكسر كما لو كان المبيع ثوبا فقطعه واختار القاضي أنه إن كان الكسر لا يزيد على ما يحصل به استعلام المبيع رده ولا شيء عليه لأن ذلك حصل ضرورة استعلام المبيع والبائع سلطه عليه فلم يمنع


93

الرد كحلب لبن المصراة وإن زاد على ذلك خرج فيه روايتان كسائر المعيب الذي يعيب عنده

فصل

وإن اشترى ثوبا لا ينقصه نشره فنشره فله رده بالعيب وإن كان ذلك ينقصه فهو كجوز الهند وإن صبغ الثوب ثم وجده معيبا فله الأرش لا غير وعنه يرده ويكون شريكا للبائع بقيمة الصبغ وعنه يرده ويأخذ زيادته بالصبغ والأول المذهب لأن إجبار البائع على بذل ثمن الصبغ إجبار على المعاوضة فلم يجز لقول الله تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء 29

فصل

وإذا اشترط البائع البراءة من كل عيب لم يبرأ لأن البراءة مرفق في البيع لا يثبت الا بالشرط فلم يثبت مع الجهالة كالأجل وعنه يبرأ إلا أن يكون البائع علم بالعيب فكتمه لما روي أن ابن عمر باع عبدا من زيد بن ثابت بشرط البراءة بثمانمئة درهم فأصاب به عيبا فأراد رده على ابن عمر فلم يقبله فترافعا إلى عثمان فقال عثمان لابن عمر أتحلف أنك لم تعلم بهذا العيب فقال لا فرده عليه وهذه القصة اشتهرت فلم تنكر


94

فكانت إجماعا ويتخرج أن يبرأ مطلقا بناء على قوله في صحة البراءة من المجهول ولأنه إسقاط حق من مجهول لا تسليم فيه فصح كالعتاق وإن قلنا بفساد الشرط فالبيع صحيح لأن ابن عمر باع بشرط البراءة فأجمعوا على صحته ويتخرج فساده بناء على الشروط الفاسدة باب بيع المرابحة والمواضعة والتولية والإقالة بيع المرابحة أن يخبر برأس ماله ثم يبيع به وبربح فيقول رأس مالي فيه مائة بعتكه بها وربح عشرة فهذا جائز غير مكروه لأن الثمن معلوم وإن قال بعتك بها وربح درهم في كل عشرة أو قال ده يازده أو ده دوارده فهو صحيح أيضا جائز غير مكروه لأن الثمن معلوم فهي كالتي قبلها لكن كرهه أحمد لأن ابن عمر وابن عباس كرهاه لأنه بيع الاعاجم ولأن الثمن قد لا يعلم في الحال

فصل

ولا يخبر إلا بما يلزم من الثمن وما يزاد فيه في مدة الخيار يخبر به لأنه من الثمن وما حط عنه في الخيار نقصه لذلك وما كان بعد لزوم العقد لا يخبر به لأنه تبرع من أحد المتعاقدين لا يلزمه فلم يخبر كما لو وهبه شيئا


95

وإن تمت العين ولم يزد على رأس المال فإن كان النماء منفصلا لم تنقص به العين فله أخذه ويخبر برأس المال لأنه في مقابلة العين دون نمائها وعنه أنه يبين ذلك لأنه أبعد من اللبس وإن عمل في العين عملا من قصارة أو خياطة أو حمل أخبر بالحال على وجهه سواء عمله بنفسه أو بأجرة قال أحمد يبين ما اشتراه به وما لزمه فإن ضم ذلك إلى رأس المال وأخبر أنه اشترى به لم يجز لأنه كذب وإن قال تحصل علي بكذا لم يجز فيما عمله بنفسه لأنه كذب وجاز فيما استأجر عليه في أحد الوجهين لأنه صادق والآخر لا يجوز وهو ظاهر كلام أحمد لأن فيه تلبيسا فلعل المشتري لو علم الحال لم يرغب فيه لكون ذلك العمل مما لا حاجة به إليه فأشبه ما أنفق عليه في مؤنته وكسوته فإنه لا يجوز الإخبار به وجها واحدا وكذلك كري مخزنه وحافظه إلا أن يخبر بالحال على وجهه فإن ذلك لا يزيد في ثمنه

فصل

فإن نقص المبيع لمرض أو تلف جزء أو تعيب أو وجد به عيبا أو جني عليه فأخذ أرشه أخبر بالحال على وجهه وقال أبو الخطاب يحط الأرش من الثمن ويخبر بما بقي فيقول تقوم علي بكذا والأول أولى لأنه أبعد من اللبس والفرق بين الأرش والكسب أن الأرش عوض ثمن فهو كثمن جزء بيع منه والكسب لم ينقص به المبيع ولو جنى


96

العبد ففداه المشتري لم يرد ذلك من رأس المال لأنه ليس من الثمن ولا زاد به المبيع وإن نقص المبيع لتغير الأسعار فقال أصحابنا لا يلزمه الخبر به لأنه صادق بدونه والأولى أنه يلزمه لأن المشتري لو علم ذلك لم يرض به فجرى مجرى نقصه بعيب وإن حط بعض رأس المال وأخبر بالباقي لم يجز لأنه كذب وتغرير بالمشتري

فصل

فإن اشترى اثنان شيئا وتقاسماه فقال أحمد لا يبيع أحدهما مرابحة إلا أن يقول اشتريناه جماعة ثم تقاسمناه وإن اشترى شيئين بثمن واحد ثم أراد بيع أحدهما او اشترى شجرة مثمرة فأخذ شجرتها أو شاة فأخذ صوفها أو لبنها الذي كان فيها ثم أراد بيع الأصل مرابحة أخبر بالحال على وجهه ولا يجوز بيعه بحصته من الثمن لأن قسمة الثمن طريقة الظن واحتمال الخطأ فيه كثير ومبنى المرابحة على الأمانة فلم يجز هذا فيه فإن كان المبيع مما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء كالمكيل والموزون من جنس جاز بيعه بحصته من الثمن لأنه ينقسم على أجزائه وجزؤه معلوم يقينا وإن أسلم في ثوبين صفقة واحدة بثمن واحد فأخذهما على الصفة فالقياس جواز بيع أحدهما بحصته من الثمن لأن الثمن منقسم عليهما نصفين وما زاد على الصفة في أحدهما لم يقابله شيء من الثمن فجرى مجرى النماء الحادث بعد الشراء


97

فصل

فإن اشتراه من أبيه أو ممن لا تقبل شهادته له لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره لأنه متهم في حقهم أنه يجابيهم وإن اشتراه من غلام دكانه أو غيره حيلة لم يجز بيعه مرابحة وإن لم يكن حيلة جاز لأنه لاتهمة في حقه

فصل

وإن اشترى شيئا ثم باعه بربح ثم اشتراه فأعجب أحمد رضي الله عنه أن يخبر بالحال على وجهه أو يطرح الربح من الثمن الثاني ويخبر بما بقي لأن هذا مذهب ابن سيرين ولأن الربح أحد نوعي النماء فيخبر به في المرابحة كالولد والثمرة ولعل هذا من أحمد على سبيل الاستحباب لأنه أبلغ في البيان ويجوز الإخبار بالثمن الثاني وحده لأنه الثمن الذي حصل به هذا الملك فجاز الخبر به وحده كما لو خسر فيها

فصل

فإن بان للمشتري أن البائع أخبر بأكثر من رأس المال فالبيع صحيح لأنه زاد في الثمن فلم يمنع صحته كالتصرية ويرجع عليه بالزيادة وحظها من


98

الربح لأنه باع برأس ماله وما قدره من الربح فإذا بان رأس المال كان مبيعا به وبقدره من الربح وإن اختار المشتري رد المبيع فله ذلك نص عليه لأنه ربما كان غرضه الشراء بسلعة واحدة بجميع الثمن وظاهر كلام الخرقي أنه لا خيار له لأنه رضي المبيع بثمن حصل له بدونه فلم يكن له خيار كما لو اشترى معيبا فبان صحيحا فأما البائع فلا خيار له لأنه باع برأس ماله وقدره من الربح وحصل له ما عقد به وفي سائر ما يلزمه الإخبار بالحال على وجهه فلم يفعل يخير المشتري بين اخذه بما اشترى به وبين الفسخ لأنه ليس للمبيع ثمن غير ما عقد به وإن اشتراه بثمن مؤجل فلم يتبين فعنه أنه مخير بين الفسخ وأخذه بالثمن حالا لأن البائع لم يرض بذمة المشتري فلا يلزمه الرضى بها وعنه يخير بين الفسخ وأخذه بالثمن مؤجلا لأنه الثمن الذي اشترى به البائع والتأجيل صفة فأشبه المخبر بزيادة في القدر وإن علم ذلك بعد تلف المبيع حبس المال بقدر الأجل

فصل

وإن أخبر بثمن ثم قال غلطت والثمن أكثر ففيه ثلاث روايات إحداهن لا يقبل قوله إلا ببينة لأنه مقر على نفسه فلم يقبل قوله في الغلط الا ببينة كالمضارب يقر بربح والثانية إن كان معروفا بالصدق قبل قوله


99

وإلا فلا لأنه لما دخل معه في المرابحة فقد ائتمنه والقول قول الأمين مع يمينه والثالثة لا يقبل قوله وإن أقام بينة ما لم يصدقه المشتري لإقراره أو تبدأ بكذب بينته فأشبه ما لو أقر بدين فإن قلنا بقبول بينته فقال المشتري أحلفوه أنه وقت البيع لم يعلم أن ثمنها أكثر فعلى البائع اليمين فإن نكل أو أقر لم يكن له غير ما وقع عليه العقد لأنه عقد بهذا الثمن عالما فلم يكن له غيره كالمشتري إذا علم العيب حال الشراء وإن حلف خير المشتري بين فسخ العقد لأنه لم يرضه بأكثر مما بذله وبين قبوله مع إعطائه ما غلط به وحطه من الربح لأن البائع إنما باعها بهذا الثمن ظنا أنه رأس المال فعليه ضرر بالنقصان منه فإذا أخذها المشتري بذلك فلا خيار للبائع لأنه قد زال عنه الضرر بالتزام المشتري ما غلط به وإن اختار الفسخ فقال البائع أنا أسقط الزيادة عنك سقط الفسخ لأنه قد بذلها له بالثمن الذي وقع عليه العقد وتراضيا به

فصل

وبيع التولية هو البيع بمثل الثمن الذي اشترى به وحكمه حكم المرابحة فيما ذكرنا ويصح بلفظ البيع ولفظ التولية لأنه منفرد بمعناه قال أحمد ولا بأس ببيع الرقم وهو الثمن الذي يكتب على الثوب ولا بد من علمه حال العقد ليكون معلوما فإن لم يعلم فالبيع باطل لأن الثمن مجهول


100

وقال المساومة عندي أسهل من المرابحة لأن بيع المرابحة يعتبر به امانة واسترسال من المشتري ويحتاج إلى تحري الصدق واجتناب الريبة وقال في رجلين اشتريا ثوبا بعشرين ثم اشترى احدهما من صاحبه باثنين وعشرين فإنه يخبر في المرابحة بأحدى وعشرين لأنه اشترى نصفه بعشرة ونصفه بأحد عشر

فصل

وبيع المواضعة أن يخبر برأس المال ثم يبيع به ووضيعه كذا أو يقول ووضيعة درهم من كل عشرة وحكمه حكم المرابحة في تفصيله فإذا قال رأس مالي فيه مائة بعتك بها ووضيعة درهم من كل عشرة فالثمن تسعون لأن المحطوط العشر وعشر المائة عشرة وإن قال بوضيعة درهم لكل عشرة كان الحط من كل أحد عشر درهما درهما والباقي تسعون وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءا من درهم لأنه اذا قال لكل عشرة درهم كان الدرهم من غيرها فيكون من كل أحد عشر درهما درهم وإذا قال من كل عشرة كان الحط منها فيكون عشرها

فصل

وإذا اشترى نصف عبد بعشرة واشترى آخر نصفه بعشرين ثم باعاه بثمن واحد مساومة فالثمن بينهما نصفان لأنه عوض عنه فيكون


101

بينهما على حسب ملكيهما فيه وإن باعاه مرابحة فكذلك في إحدى الروايتين والثانية هو بينهما على قدر رؤوس أموالهما لأن بيع المرابحة يقتضي كون الثمن في مقابلة كل واحد منهما وقيل المذهب رواية واحدة أنه بينهما نصفان والقول الأخر وجه أخرجه أبو بكر

فصل

وإقالة النادم في البيع مستحبة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أقال نادما بيعته أقاله الله عثرته يوم القيامة أخرجه أبو داود وهي فسخ في أصح الروايتين وعنه أنها بيع لأنها نقل الملك بعوض على وجه التراضي فكانت بيعا كالأول والأول أولى لأن الإقالة في السلم تجوز إجماعا وبيع السلم لا يجوز قبل قبضه ولأن الإقالة الرفع والإزالة ومنه أقال الله عثرته وذلك هو الفسخ ولأنها تتقدر بالثمن الأول وتحصل بلفظ لا ينعقد به البيع فكانت فسخا كالرد بالعيب فعلى هذا تجوز في المبيع قبل قبضه ولا تجب بها شفعة وتتقدر بالثمن الأول ومن حلف لا يبيع فأقال لا يحنث وعلى الأخرى تنعكس هذه الأحكام إلا بمثل الثمن فإنه على وجهين أصحهما أنها تتقدر به لأنها خصت بمثل الثمن كالتولية فإن قال بأكثر منه لم يصح وكان الملك باقيا للمشتري لأنهما تفاضلا فيما يعتبر فيه التماثل فلم يصح كبيع درهم بدرهمين


102

باب اختلاف المتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن والسلعة قائمة تحالفا لما روى ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة والبيع قائم بعينه فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع رواه ابن ماجه وفي لفظ تحالفا وكان البائع يدعي عقدا بثمن كثير ينكره المشتري والمشتري يدعي عقدا ينكره البائع والقول قول المنكر مع يمينه وببدأ بيمين البائع لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل القول ما قال البائع وكان جنبته أقوى لأنهما إذا تحالفا رجع المبيع إليه فكانت البداية به أولى كصاحب اليد ويجب الجمع في اليمين بين النفي والاثبات لأنه يدعي عقدا وينكر آخر فيحلف عليهما فيقدم النفي فيقول والله ما بعته بكذا ولقد بعتك بكذا لأن الأصل في اليمين أنها للنفي ويكفيه يمين واحدة لأنه أقرب لفصل القضاء فإن نكل أحدهما لزمه ما قال صاحبه وإن رضي أحدهما بما قال الآخر فلا يمين وإن حلفا ثم رضي أحدهما بما قال الآخر أجبر على القبول لأنه قد وصل إليه ما ادعاه وإن لم يرضيا فلكل واحد منهما الفسخ ويحتمل أن الفسخ للحاكم لأن العقد صحيح وإنما يفسخ لتعذر إمضائه في الحكم فأشبه


103

نكاح المرأة إذا زوجها الوليان والأول المذهب لقول النبي صلى الله عليه وسلم أو يترادان البيع فجعله إليهما وفي سياقه إلى ابن مسعود رواه الأشعث بن قيس وقد اختلف في ثمن مبيع فقال الأشعث فإني أرى أن أرد البيع ولأنه فسخ لاستدراك الظلامة أشبه رد المعيب

فصل

وقال القاضي ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه أن الفسخ ينفذ ظاهرا وباطنا لأنه فسخ لاستدراك الظلامة فأشبه رد المعيب واختار أبو الخطاب أن المشتري إن كان ظالما ففسخ البائع ينفذ ظاهرا وباطنا لعجزه عن استيفاء حقه فملك الفسخ كما لو أفلس المشتري وإن كان البائع ظالما لم ينفذ فسخه باطنا لأنه يمكنه إمضاء العقد فلم ينفذ فسخه ولم يملك التصرف في المبيع لأنه غاصب

فصل

وإن اختلفا بعد تلف المبيع ففيه روايتان إحداهما يتحالفان ويفسخان البيع لأن المعنى الذي شرع له التحالف حال قيام السلعة موجود حال تلفها فيشرع ويجب رد قيمة السلعة فإن اختلفا في قيمتها وجب قيمة مثلها موصوفا بصفاتها وإن زادت على ما ادعاه البائع لأن الثمن سقط


104

ووجبت القيمة فإن اختلفا في الصفة فالقول قول المشتري مع يمينه لأنه غارم والثانية القول قول المشتري مع يمينه أختارها أبو بكر لقوله في الحديث فالبيع قائم بعينه فمفهومه أن لا يشرع التحالف مع تلفها ولأنهما اتفقا على انتقال المبيع إلى المشتري بثمن واختلفا في الزائد الذي يدعيه البائع وينكره المشتري والقول قول المنكر وإنما ترك هذا مع قيام السلعة لإمكان التراد ولا يمكن رد السلعة بعد تلفها وإن تقايلا المبيع أو رد بعيب ثم اختلفا في الثمن فقال البائع هو قليل وقال المشتري هو كثير فالقول قول البائع لأن البيع قد انفسخ والبائع منكر لما يدعيه المشتري لاغير وإن مات المتبايعان فورثتهما بمنزلتهما لأنها يمين في المال فقام الوارث فيها مقام الموروث كاليمين في الدعوى وإن كان المبيع بين وكيلين تحالفا لأنهما عاقدان فتحالفا كالمالكين

فصل

وإن اختلفا في قدر المبيع فقال بعتك هذا العبد بألف فقال بل هو والجارية فالقول قول البائع نص عليه لأنه ينكر بيع الجارية فاختصت اليمين به كما لو اختلفا في أصل العقد وإن قال بعتك هذا العبد فقال بل بعتني هذا الثوب حلف كل واحد منهما على ما أنكره خاصة ثم إن كان العبد في يد البائع فليس للمشتري أخذه لأنه لا يدعيه وإن كان في يد


105

المشتري فليس للبائع أخذه لذلك إلا أن يتعذر عليه ثمنه فيفسخ المبيع ويأخذه والثوب يقر في يد البائع ويرد إليه إن كان عند المشتري وإن قامت بينة بالعقدين ثبتا وإن قامت بينة أحدهما ثبت ويحلف المنكر للآخر

فصل

وإن اختلفا في صفة الثمن رجع إلى نقد البلد نص عليه فإن كان فيه نقود رجع إلى أوسطها وعلى من القول قوله اليمين لأن الظاهر صدقه فكان القول قوله كالمنكر وقال القاضي يتحالفان

فصل

وإن اختلفا في أجل أو شرط أو رهن أو ضمين ونحوه ففيه روايتان إحداهما القول قول من ينكره مع يمينه لأنه منكر فأشبه منكر العقد من اصله والثانية يتحالفان لأنهما اختلفا في صفة العقد فأشبه ما لو اختلفا في قدر الثمن وإن اختلفا فيما يفسد العقد فالقول قول من ينفيه لأن الظاهر من حال المسلم تعاطي الصحيح وإن قال أحدهما كنت مكرها أو مجنونا فالقول قول الآخر لأن الأصل معه وإن قال كنت صغيرا فكذلك نص عليه لأنهما اختلفا فيما يفسد العقد فقدم قول


106

من يدعي صحته ويحتمل أن القول قول مدعي الصغر لأن الأصل معه وإن قال عبد بعتك بغير إذن سيدي فأنكره المشتري فالقول قول المشتري لأن الأصل الصحة إن أنكره السيد فالقول قوله لأن الأصل معه ولا دليل على خلافه وإن قال احد المتصارفين تفرقنا قبل القبض فادعى فسخ العقد وأنكره الآخر فالقول قول مدعي الصحة لأن الأصل معه وإن اختلفا في عيب يحدث مثله فادعى كل واحد منهما أنه حدث عند صاحبه ففيه روايتان إحداهما القول قول البائع لأن الأصل عدم العيب والثانية القول قول المشتري لأن الأصل عدم القبض للجزء الفائت وعدم استحقاق ما يقابله من الثمن وإن رد بعيب فقال البائع ليس هذ 1 المبيع فالقول قوله لأن الأصل سلامة المبيع وبقاء العقد وان قبض المسلم فيه أو المبيع بالكيل ثم قال غلطت علي في الكيل ففيه وجهان أحدهما القول قول البائع لأن الأصل السلامة من الغلط والثاني قول المشتري لأن الاصل عدم القبض لما أنكر قبضه وإن كان قبضه جزافا فالقول قوله في قدره وجها واحدا


107

فصل

وإن باعه بثمن معين وقال كل واحد منهما لا أسلم ما بعته حتى أقبض عوضه جعل بينهما عدل يقبض منهما ويسلم اليهما معا لأنهما سواء في تعلق حقوقهما بالعين وإن كان البيع بثمن في الذمة أجبر البائع على تسليم المبيع اولا لتعلق حق المشتري بعينه فقدم على ما تعلق بالذمة كأرش الجناية مع الدين ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن فإن كان معسرا وماله غائبا في مسافة القصر فللبائع فسخ البيع لأن عليه ضررا في تأخير الثمن فجاز له الرجوع إلى عين ماله كما لو افلس المشتري وإن كان الثمن حاضرا اجبر على دفعه في الحال وإن كان في داره أو دكانه حجر عليه في المبيع وفي سائر ماله حتى يسلمه لئلا يتصرف في المبيع فيضر بالبائع وإن كان غائبا دون مسافة القصر ففيه وجهان أحدهما جاز له الفسخ لأنه تعذر الثمن للإعسار أشبه الافلاس والثاني لا يفسخ ولكن يحجر على المشتري لأنه في حكم الحاضر أشبه الذي في البلد


108

كتاب السلم

السلم أن يسلم عينا حاضرة في عوض موصوف في الذمة إلى أجل وهو نوع من البيع ينعقد بلفظ البيع والسلم والسلف وتعتبر فيه شروط البيع ويزيد بشروط ستة أحدها أن يكون مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرا لأنه بيع بالصفة فيشترط إمكان ضبطها فيصح السلم في المكيل والموزون والمذروع لما روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قدم المدينة وهم يسلفون الثمار السنتين والثلاث فقال من اسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم متفق عليه وقال عبد الله بن أبي أوفى وعبد الرحمن بن أبزى كنا نصيب المغانم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب فقيل أكان لهم زرع أم لم يكن قال ما كنا نسألهم عن ذلك رواه البخاري فثبت جواز السلم في ذلك بالخبر وقسنا عليه ما يضبط في الصفة لأنه في معناه ويصح في الخبز واللبأ والشواء لأن عمل النار فيه معتاد ممكن ضبطه بالنشافة والرطوبة فصح السلف فيه كالمجفف في الشمس وقال


109

القاضي لا يصح في الشواء واللحم المطبوخ لأن عمل النار فيه يختلف فلا ينضبط

فصل

ولا يصح فيما لا ينضبط كالجوهر واللؤلؤ والزبرجد والياقوت والعقيق ونحوها لأنها تختلف اختلافا متباينا بالكبر والصغر وحسن التدوير وزيادة ضوئها ولا يمكن تقديرها ببيض العصفور ونحوه لأنها تختلف وفي الحوامل من الحيوان والشاة اللبون والأواني المختلفة الرؤوس والأوساط وجهان أحدهما لا يصح أن يسلم فيه لأن الصفة لا تأتي عليه والولد واللبن مجهول والثاني يصح لأن الحمل واللبن لا حكم لهما مع الأم بدليل البيع والأواني يمكن ضبطها بسعة رأسها وأسفلها وعلق حائطها فهي كالأواني المربعة وما فيه خلط من غيره ينقسم أربعة أقسام أحدها ما خلطته لمصلحته وهو غير مقصود في نفسه كالإنفحة في الجبن والملح في الخبز والشيرج والماء في خل التمر فيصح السلم فيه لأن ضبطه ممكن وفي معناه النبل والنشاب وقال القاضي لا يصح السلم فيهما لأن فيه أخلاطا ويختلف طرفاه ووسطه فأشبه القسي والأول أصح لأن أخلاطه متميزة ممكن ضبطها والاختلاف فيه يسير معلوم بالعادة فهو كالثياب من جنسين بخلاف القسي


110

الثالث المغشوش كاللبن المغشوش والحنطة فيها الزوان فلا يصح السلم فيه لأن غشه يمنع العلم بقدر المقصود فيه فيكون فيه غرر الرابع أخلاط مقصودة غير متميزة كالغالية والند والمعاجين فلا يصح السلم فيه لأن الصفة لا تأتي عليه وفي معناه القسي المشتملة على الخشب والقرن والقصب والتوز فلا يصح السلم فيها للعجز عن مقادير ذلك وتميز ما فيه منها وفيه وجه آخر أنه يصح السلم فيها كالثياب

فصل

وفي الحيوان روايتان أظهرهما صحة السلم فيه لأن أبا رافع قال استسلف النبي صلى الله عليه وسلم من رجل بكرا رواه مسلم ولأنه يثبت في الذمة صداقا فصح السلم فيه كالثياب والثانية لا يصح لأنه يختلف اختلافا متباينا مع ذكر أوصافه الظاهرة فربما تساوى العبدان في الصفات المعتبرة وأحدهما يساوي أمثال صاحبه وإن استقصى صفاته كلها تعذر تسليمه وفي المعدود من الجوز والبيض والبطيخ والرمان والبقل ونحوه روايتان إحداهما لا يصح لذلك والثانية يصح لأن التفاوت يسير ويمكن ضبطه بعضه بالصغر والكبر وبعضه بالوزن وفي الرؤوس والأطراف والجلود من الخلاف مثل ما ذكرنا فيما قبله


111

فصل

الشرط الثاني معرفة قدره بالكيل إن كان مكيلا وبالوزن إن كان موزونا وبالذرع إن كان مذروعا لحديث ابن عباس ولأنه عوض غير مشاهد يثبت في الذمة فاشترط معرفة قدره كالثمن ويجب أن يكون ما يقدر به معلوما عند العامة فإن قدره بإناء أو صنجة بعينها غيرمعلومة لم يصح لأنه قد يهلك فيجهل قدره وهذا غرر لا يحتاج العقد إليه وإن اسلم في المكيل وزنا وفي الموزون كيلا فعنه لا يصح لأنه مبيع اشترط معرفة قدره فلم يجز بغير ما هو مقدر به كالربويات وعنه ما يدل على الجواز لأنه يخرجه عن الجهالة وهو الغرض ولا بد من تقدير المذروع بالذرع فأما المعدود فيقدر بالعدد وقيل بالوزن لأنه يتباين والأول أولى لأنه يقدر به عند العامة والتفاوت يسير ويضبط بالصغر والكبر ولهذا لا تقع القيمة بين الجوزتين والبيضتين فإن كان يتفاوت كثيرا كالرمان والبطيخ والسفرجل والبقول قدره بالوزن لأنه أضبط لكثرة تفاوته وتباينه ولا يمكن ضبطه بالكيل لتجافيه في المكيال ولا بالحزم لأنه يختلف ويمكن [ حزم ] الكبيرة والصغيرة فتعين بالوزن لتقديره


112

الشرط الثالث أن يجعلا له أجلا معلوما فإن اسلم حالا لم يصح لحديث ابن عباس ولأن السلم إنما جاز رخصة للمرفق ولا يحصل المرفق إلا بالأجل فلا يصح بدونه كالكتابة فإن كان بلفظ البيع صح حالا قال القاضي ويجوز التفرق قبل قبض رأس المال لأنه بيع ويحتمل أن لا يجوز لأنه بيع دين بدين ويشترط في الأجل ثلاثة أمور أحدها كونه معلوما لقول الله تعالى إلى أجل مسمى وللخبر فإن جعله إلى المحرم أو يوم منه أو عيد الفطر ونحوها جاز لقول الله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس البقرة 189 وإن قدره بغير ذلك مما يعرفه الناس ككانون وعيد للكفار يعرفه المسلمون جاز لأنه معلوم لا يختلف وقال ابن أبي موسى لا يصح لأنه لا يعرفه كثير من الناس وإن كان مما لا يعرفه المسلمون كالشعانين وعيد الفطير لم يصح وجها واحدا لأن المسلمين لا يعرفونه ولا يجوز تقليد أهل الذمة فبقي مجهولا وإن جعلا الأجل إلى مدة معلومة كشهر معين تعلق بأولها ولو قال محله في رمضان فكذلك لأنه لو قال لزوجته أنت طالق في رمضان طلقت في أوله ولو احتمل غير الأول الطلاق لم يقع وإن جعله اسما يتناول شيئين كربيع تعلق بأولها وإن قال


113

ثلاثة أشهر انصرف إلى الهلالية لأنها الشهور في لسان الشرع فإن كان أثناء شهر كمل بالعدد ثلاثين والباقي بالأهلة الأمر الثاني أن يكون مما لا يختلف فإن جعله إلى الحصاد والجذاذ والموسم لم يصح لأن ابن عباس قال لا تتبايعوا إلى الحصاد والدياس ولا تتبايعوا إلا الى شهر معلوم ولأن ذلك يختلف ويبعد ويقرب فلم يجز جعله أجلا كقدوم زيد وعنه أنه قال أرجو أن لا يكون به بأس لأن ابن عمر كان يبتاع إلى العطاء ولأنه لا يتفاوت تفاوتا كثيرا فإن أسلم إلى العطاء يريد به وقته وكان معلوما جاز وإن أراد نفس العطاء لم يصح لأنه يختلف الأمر الثالث أن تكون مدة لها وقع في الثمن كالشهر ونصفه ونحوه فأما اليوم ونحوه فلا يصح التأجيل به لأن الأجل إنما اعتبر ليتحقق المرفق ولا يتحقق إلا بمدة طويلة فإن أسلم في جنس إلى أجلين أو آجال مثل أن يسلم في خبز ولحم يأخذ كل يوم أرطالا معلومة جاز لأن كل بيع جاز إلى أجل جاز إلى آجال كبيوع الأعيان ويجوز أن يسلم في جنسين إلى أجل واحد لما ذكرنا


114

فصل

الشرط الرابع أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله مأمون الانقطاع فيه لأن القدرة على التسليم شرط ولا تتحقق إلا بذلك فلو أسلم في العنب إلى شباط لم يصح لأنه لا يوجد فيه إلا نادرا ولا يصح السلم في ثمرة بستان بعينه ولا قرية صغيرة لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمى فقال اليهودي من تمر حائظ بني فلان فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما من حائط بني فلان فلا ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى رواه ابن ماجه ولأنه لا يؤمن تلفه فلم يصح كما لو قدره بمكيال معين ولا يصح السلم في عين لذلك ولأن الأعيان لا تثبت في الذمة

فصل

الشرط الخامس أن يضبط بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهرا فيذكر الجنس والنوع والجودة والرداءة والكبر والصغر والطول والقصر والعرض والسمك والنعومة والخشونة واللين والصلابة والرقة والصفاقة والذكورية والأنوثية والسن والبكارة والثيوبة واللون والبلد والرطوبة واليبوسة ونحو ذلك مما يقبل هذه الصفات ويختلف بها ويرجع فيما لا يعلم منها إلى تفسير أهل الخبرة فإن شرط الأجود منها لم يصح لأنه يتعذر عليه


115

الوصول إليه فإن وصل إليه كان نادرا وإن شرط الأردأ ففيه وجهان أحدهما لا يصح لذلك والثاني يصح لأنه يمكنه تسليم المسلم أو خير منه من جنسه فيلزم المسلم قبوله وإن أسلم في جارية وابنتها لم يصح لأنه يتعذر وجودهما على ما وصف وإن استقصى صفات السلم بحيث يتعذر وجوده لم يصح لأنه عز تسليمه

فصل

الشرط السادس أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد قبل تفرقهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أسلف فليسلف في كيل معلوم والإسلاف التقديم ولأنه إنما سمي سلما وسلفا لما فيه من تقديم رأس المال فإذا تأخر لم يكن سلما فلم يصح ولأنه يصير بيع دين بدين فإن تفرقا قبل قبضه بطل وإن تفرقا قبل قبض بعضه بطل فيما لم يقبض وفي المقبوض وجهان بناء على تفريق الصفقة ويجوز أن يكون في الذمة ثم يقيله في المجلس ويسلمه ويجب أن يكون معلوما كالثمن في البيع فإن كان معينا فظاهر كلام الخرقي أنه يكتفي برؤيته لأنه ثمن عرض معين أشبه ثمن المبيع وقال القاضي لا بد من وصفه لقول أحمد ويصف الثمن ولأنه عقد لا يمكن اتمامه وتسليم المعقود عليه في الحال ولا يؤمن انفساخه فوجب معرفة رأس المال بالصفات ليرد بدله كالقرض في الشركة فعلى هذا لا يجوز أن يكون رأس المال الا ما يجوز أن يسلم فيه لأنه يعتبر ضبط صفاته فأشبه المسلم فيه


116

فصل

وكل ما لين جاز النساء بينهما جاز إسلام احدهما في الآخر وما لا فلا فعلى قولنا يجوز النساء في العروض لأنه يصح إسلام عرض في عرض وفي ثمن فإن أسلم عرضا في آخر بصفة فجاءه به عند المحل ففيه وجهان أحدهما يلزمه قبوله لأنه أتاه بالمسلم فيه فلزم قبوله كغيره والثاني لا يلزم قبوله لأنه يفضي إلى كون الثمن هو المثمن وإن أسلم صغيرا في كبير فحل السلم وقد صار الصغير على صفة الكبير فعلى الوجهين

فصل

ولا يشترط وجود المسلم فيه قبل المحل لا حين العقد ولا بعده لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فلم ينههم عنه وفي الثمار ما ينقطع في أثناء السنة فلو حرم لبينه ولأنه يثبت في الذمة ويوجد عند المحل فصح السلم فيه كالموجود في جميع المدة

فصل

ولا يشترط ذكر مكان الايفاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكره في حديث ابن عباس ولا في حديث زيد بن سعنة ولأنه عقد معاوضة أشبه البيع


117

ويكون الإيفاء في مكان العقد كالبيع فان كان السلم في موضع لايمكن الوفاء فيه كالبرية تعين ذكر مكان الإيفاء ولأنه لابد من مكان ولاقرينة تعين فوجب تعيينه بالقول وان كان في موضع يمكن الوفاء فيه فشرطه كان تأكيدا وان شرطا مكانا سواه ففيه روايتان احداهما لايصح لأنه ينافي مقتضى العقد والثانية يصح لأنه عقد بيع فصح شرط مكان الايفاء فيه كالبيع وبهذا ينتقض دليل الاولى

فصل

يجب تسليم السلم عند المحل على اقل ماوصف به سليما من العيوب والغش فإن كان في البر قليل تراب او دقيق تبن لا ياخذ حظا من الكيل وجب قبوله لانه لاينقصه وان نقص الكيل لم يلزم قبوله لانه دون حقه وان أحضره بصفته وجب قبوله وان تضمن ضررا لأنه حقه فوجب قبوله كالوديعة فإن امتنع دفعه الى الحاكم وبرىء لذلك فان كان أجود من حقه في الصفه لزم قبوله لأنه زاده خيرا وان طلب عن الزياده عوضا لم يجز لأنها صفة ولايجوز افراد الصفات بالبيع وان جاءه بأردأ من حقه لم يجب قبوله وجاز أخذه وان أعطاه عوضا عن الجودة الفائتة لم يجز لذلك ولأنه بيع جزء من السلم قبل قبضه وان أعطاه غير المسلم فيه لم يجز أخذه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أسلم في شيء فلا يصرفه الى غيره


118

رواه أبو داود ولأنه بيع السلم قبل قبضه فلم يجز كما لو أخذ عنه وقال ابن أبي موسى روايه أخرى فيمن اسلم في بر فرضي مكانه شعيرا مثل كيله جاز ولعل هذا على رواية كون البر والشعير جنسا والصحيح غيرها وان أعطاه غير نوع السلم جاز قبوله ولا يلزم وقال القاضي يلزم قبوله اذا لم يكن أدنى من النوع الذي شرطه لأنه من جنسه فأشبه الزائد في الصفة من نوع واحد والأول أصح لأنه لم يأت بالشروط فلم يلزم قبوله كالأدنى بخلاف الزائد في الصفة فإنه أحضر المشروط مع زيادة ولأن أحد النوعين يصلح لما لايصلح له الآخر بخلاف الصفة

فصل

فإن أحضره قبل محله أو في غير مكان الوفاء فاتفقا على أخذه جاز وإن أعطاه عوضا عن ذلك أو نقصه من السلم لم يجز لأنه بيع الأجل والحمل وإن عرضه عليه فأبى أخذه لغرض صحيح مثل أن تلزمه مؤنة لحفظه أو حمله أو عليه مشقة أو يخاف تلفه أو أخذه منه لم يلزمه أخذه وإن أباه لغير غرض صحيح لزمه لأنه زاده خيرا فإن امتنع رفع الأمر إلى الحاكم ليأخذه لما روي أن أنسا كاتب عبدا له على مال فجاءه به قبل الأجل فأبى أن يأخذه فأتى عمر رضي الله عنه فأخذه منه وقال اذهب فقد عتقت ولأنه زاده خيرا


119

فصل

وإذا قبضه بما قدره به من كيل أو غيره برئ صاحبه وإن قبضه جزافا قدره فأخذ حقه ورد الفضل أو طالب بتمام حقه إن كان ناقصا وهل له التصرف في قدر حقه قبل تقديره على وجهين أحدهما له ذلك لأنه قدر حقه وقد أخذه ودخل في ضمانه والثاني ليس له ذلك لأنه لم يقبضه القبض المعتبر وإن اختلفا في القبض فالقول قول المسلم لأنه منكر وإن اختلفا في حلول الأجل فالقول قول المسلم إليه لأنه منكر

فصل

وإن تعذر تسليم الثمن عند المحل فللمسلم الخيار بين ان يصبر إلى أن يوجد وبين فسخ العقد والرجوع برأس ماله إن كان موجودا او مثله إن كان مثليا أو قيمته إن لم يكن مثليا وقيل ينفسخ العقد بالتعذر لأن المسلم في ثمرة هذه العام وقد هلكت فانفسخ العقد كما لو اشترى قفيزا من صبرة فهلكت والأول أصح لأن السلم في الذمة لا في عين وإنما لزمه الدفع من ثمرة هذا العام لتمكنه من دفع الواجب منها فإن تعذر البعض فله الخيرة بين الصبر بالباقي وبين الفسخ في الجميع وله أخذ


120

الموجود والفسخ في الباقي في أصح الوجهين لأنه فسخ في بعض المعقود عليه اشبه البيع وفي الآخر لا يجوز لأن السلم يقل فيه الثمن لأجل التأجيل فإذا فسخ في البعض بقي البعض بالباقي من الثمن وبمنفعة الجزء الذي فسخ فيه فلم يجز كما لو شرطه في ابتداء العقد وتجوز الإقالة في السلم كله إجماعا وتجوز في بعضه لأن الإقالة معروف جاز في الكل فجاز في البعض كالإبراء وعنه لا يجوز لما ذكرنا في الفسخ والأول أصح لأن باقي الثمن يستحق باقي العوض فإذا فسخ العقد رجع بالثمن أو ببدله إن كان معدوما وليس له صرفه في عقد آخر قبل قبضه لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره وقال القاضي يجوز أخذ العوض عنه لأنه عوض مستقر في الذمة فأشبه القرض فعلى هذا يكون حكمه حكم القرض على ما سيأتي

فصل

ولا يجوز بيع السلم قبل قبضه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه وعن بيع ما لم يضمن رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه فلم يجز بيعه كالطعام قبل قبضه ولا تجوز التولية فيه ولا الشركة لما ذكرنا في الطعام ولا الحوالة به لأنها إنما تجوز بدين مستقر والسلم بعوض الفسخ ولا تجوز الحوالة على من عليه سلم لأنها


121

معاوضة بالسلم قبل قبضه ولا يجوز بيع السلم من بائعه قبل قبضه لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره ولأنه بيع للمسلم فيه فلم يجز كبيعه من غيره

فصل

وإذا قبضه فوجده معيبا فله رده وطلب حقه لأن العقد يقتضي السلامة وقد أخذ المعيب عما في الذمة فإذا رده رجع إلى ما في الذمة وإن حدث به عيب عنده فهو كما لو حدث العيب في المبيع بعد قبضه على ما مضى باب القرض ويسمى سلفا وأجمع المسلمون على جوازه واستحبابه للمقرض وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقة مرة رواه ابن ماجة ويصح بلفظ القرض وبكل لفظ يؤدي معناه نحو أن يقول ملكتك هذا على أن ترد بدله فإن لم يذكر البدل فهو هبة وإذا اختلفا فالقول قول المملك لأن التمليك بغير عوض هبة ويثبت الملك في القرض بالقبض لأنه عقد يقف التصرف فيه على القبض فوقف الملك عليه كالهبة ولا خيار فيه لأن المقرض دخل على بصيرة أن


122

الحظ لغيره فهو كالواهب ويصح شرط الرهن فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه على شعير أخذه لأهله متفق عليه وإن شرط في الأجل لم يتأخر ووقع حالا لأن التأجيل في الحال عدة وتبرع فلا يلزم كتأجيل العارية وإن اقرضه تفاريق ثم طالبه به جملة لزم المقترض ذلك لما قلناه فإن أراد المقرض الرجوع في عين ماله وبذل المقترض مثله فالقول قول المقترض لأن الملك زال عن العين بعوض فأشبه البيع اللازم وإن أراد المقترض رد عين المال لزم المقرض قبوله لأنه بصفة حقه فلزمه قبوله كما لو دفع إليه المثل

فصل

ويصح قرض كل ما يصح السلم فيه لأنه يملك بالبيع ويضبط بالصفة فصح قرضه كالمكيل إلا بني آدم فإن أحمد رضي الله عنه كره قرضهم فيحتمل التحريم اختاره القاضي لأنه لم ينقل ولا هو من المرافق ولأنه يفضي إلى أن يقترض جارية يطؤها ثم يردها ويحتمل الجواز لأن السلم فيهم صحيح فصح قرضهم كالبهائم فأما ما لا يصح السلم فيه كالجواهر ففيه وجهان أحدهما لا يجوز ذكره أبو الخطاب لأن القرض يقتضي رد المثل وهذا لا مثل له والثاني يجوز قاله القاضي لأن مالا مثل له تجب قيمته والجواهر كغيرها في القيمة و لا يجوز القرض إلا في معلوم القدر فإن


123

اقرضه فضة لا يعلم وزنها أو مكيلا لا يعلم كيله لم يجز لأن القرض يقتضي رد المثل وإذا لم يعلم لم يتمكن من القضاء

فصل

ويجب رد المثل في المثليات لأنه يجب مثله في الإتلاف ففي القرض أولى فإن أعوز المثل فعليه قيمته لأنها حينئذ ثبتت في الذمة وفي غير المثلى وجهان أحدهما يرد القيمة لأن ما أوجب المثل في المثلي أوجب القيمة في غيره كالإتلاف والثاني يرد المثل لما روى أبو رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل للصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره فرجع إليه أبو رافع فقال يا رسول الله لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا فقال أعطه أياه فان من خير الناس أحسنهم قضاء رواه مسلم ولأن ما يثبت في الذمة في السلم يثبت في القرض بخلاف الإتلاف فإنه عدول فأوجب القيمة لأنه أحصر والقرض ثبت للمرفق فهو أسهل فعلى هذا يعتبر مثله في الصفات تقريبا فإن قلنا يرد القيمة اعتبرت حين القرض لأنها حينئذ تجب

فصل

ويجوز قرض الخبز ورد مثله عددا بغير وزن في الشيء اليسير وعنه لا يجوز إلا بالوزن قياسا على الموزونات ووجه الأول ما روت عائشة


124

قالت قلت يا رسول الله إن الجيران يقترضون الخبز والخمير فيردون بزيادة ونقصان فقال لا بأس إنما ذلك من مرافق الناس وعن معاذ أنه سئل عن اقتراض الخبز والخمير فقال سبحان الله إنما هذا من مكارم الأخلاق فخذ الكبير وأعط الصغير وخذ الصغير وأعط الكبير خيركم أحسنكم قضاء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك رواهما أبو بكر في الشافي

فصل

فلو أقرضه فلوسا أو مكسرة فحرمها السلطان وتركت المعاملة بها فعليه قيمتها يوم أخذها نص عليه لأنه منع انفاقها فأشبه تلف أجزائها فإن لم تترك المعاملة بها لكن رخصت فليس له إلا مثلها لأنها لم تتلف إنما تغير سعرها فأشبهت الحنطة إذا رخصت

فصل

ولا يجوز أن يشترط في القرض شرطا يجربه نفعا مثل أن يشترط رد أجود منه أو أكثر وأن يبيعه وأن يشتري منه أو يؤجره أو يستأجر منه أو يهدي له أو يعمل له عملا ونحوه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وسلف رواه أبو داود وعن أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم أنهم نهوا عن قرض جر منفعة ولأنه عقد إرفاق وشرط ذلك يخرجه عن


125

موضوعه وإن شرط أن يوفيه في بلد آخر ويكتب فيه سفتجة إلى بلد في حمله إليه نفع لم يجز لذلك فإن لم يكن لحمله مؤنة فعنه الجواز لأن هذا ليس بزيادة قدر و لا صفة فلم يفسد به القرض كشرط الأجل وعنه في السفتجة مطلقا روايتان لأنها مصلحة لهما جميعا وإن شرط رد دون ما أخذ لم يجز لأنه ينافي مقتضاه وهو رد المثل فأشبه شرط الزيادة ويحتمل أن لا يبطل لأن نفع المقترض لا يمنع منه لأن القرض إنما شرع رفقا به فأشبه شرط الأجل بخلاف الزيادة وكل موضع بطل الشرط فيه ففي القرض وجهان احدهما يبطل لأنه قد روي كل قرض جر منفعة فهو ربا والثاني لا يبطل لأن القصد إرفاق المقترض فإذا بطل الشرط بقي الإرفاق بحاله

فصل

وإن وفى خيرا منه في القدر أو الصفة من غير شرط ولا مواطأة جاز لحديث ابي رافع وإن كتب له به سفتجة أو قضاه في بلد آخر أو أهدى إليه هدية بعد الوفاء فلا بأس لذلك وقال ابن أبي موسى إن زاده مرة لم يجز أن يأخذ في المرة الثانية وجها واحدا ولا يكره قرض المعروف لحسن القضاء وذكر القاضي وجها في كراهته لأنه يطمع في حسن عادته والأول أصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معروفا بحسن القضاء فلم يكن قرضه


126

مكروها ولأن خير الناس أحسنهم قضاء ففي كراهة قرضه تضييق على خير الناس وذوي المروآت

فصل

وإن أهدى له قبل الوفاء من غير عادة أو استأجر منه بأكثر من الأجرة أو أجره شيئا بأقل أو استعمله عملا فهو خبيث إلا أن يحسبه من دينه لما روى الأثرم أن رجلا كان له على سماك عشرون درهما فجعل يهدي إليه السمك ويقومه حتى بلغ ثلاثة عشر درهما فسأل ابن عباس فقال أعطه سبعة دراهم وروى ابن ماجه عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدي إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك فإن كان بينهما عادة بذلك قبل القرض أو كافأه فلا بأس لهذا الحديث

فصل

فإن أفلس غريمه فأقرضه ليوفيه كل شهر شيئا منه جاز لأنه إنما انتفع باستيفاء ما يستحق استيفاؤه ولو كان له طعام عليه فأقرضه ما يشتريه به ويوفيه جاز لذلك ولو اراد تنفيذ نفقة إلي عياله فأقرضها رجلا ليوفيها لهم فلا بأس لأنه مصلحة لهما لا ضرر فيه ولا يرد الشرع بتحريم ذلك


127

قال القاضي ويجوز قرض مال اليتيم للمصلحة مثل أن يقرضه في بلد ليوفيه في بلد آخر ليربح خطر الطريق وفي معنى هذا قرض الرجل فلاحه حبا يزرعه في أرضه أو ثمنا يشتري به بقرا وغيرها لأنه مصلحة لهما وقال ابن أبي موسى هذا خبيث

فصل

وإذا قال المقرض إذا مت فأنت في حل فهي وصية صحيحة وإن قال إن مت فأنت في حل لم يصح لأنه إبراء علق على شرط وإن قال اقترض لي مائة ولك عشرة صح لأنها جعالة على ما بذله من جاهه وإن قال تكفل عني بمائة ولك عشرة لم يجز لأنه يلزمه أداء ما كفل به فيصير له على المكفول فيصير بمنزلة من أقرضه مائة فيصير قرضا جر نفعا ولو أقرضه تسعين عددا بمائة عددا وزنهما واحد وكانت لا تتفق رؤوسهما فلا بأس به لأنه لا تفاوت بينهما في قيمة ولا وزن وإن كانت تتفق في موضع برؤوسهما لم يجز لأنها زيادة

فصل

فإن أقرضه نصف دينار فأتاه بدينار صحيح وقال خذ نصفه وفاء ونصفه وديعة أو سلما جاز وان امتنع من أخذه لم يلزمه لأنه عليه ضرر


128

في الشركة والسلم عقد يعتبر فيه الرضى ولو أقرضه نصفا قراضة على أن يوفيه نصفا صحيحا لم يجز لأنه شرط زيادة والله أعلم باب الرهن وهو المال يجعل وثيقة بالدين المستوفى منه إن تعذر وفاؤه من المدين ويجوز في السفر لقول الله تعالى وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة البقرة 283 وفي الحضر لما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما ورهنه درعه ولأنه وثيقة جازت في السفر فتجوز في الحضر كالضمان والشهادة

فصل

ويجوز الرهن بعوض القرض للآية وبثمن المبيع للخبر وكل دين يمكن استيفاؤه منه كالأجرة والمهر وعوض الخلع ومال الصلح وأرش الجناية والعيب وبدل المتلف قياسا على الثمن وعوض القرض وفي دين المسلم روايتان إحداهما يصح الرهن به للآية والمعنى والأخرى لا يجوز لأنه لا يأمن هلاك الرهن بعدوان فيصير مستوفيا حقه من غير المسلم فيه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره


129

فصل

ولا يجوز الرهن بمال الكتابة لأنه غريم لازم فإن للعبد تعجيز نفسه ولا يمكن استيفاؤه من الرهن لأنه لو عجز صار هو والرهن لسيده ولا يجوز بما يحمل العاقلة من الدية قبل الحول لأنه لم يجب ولا يعلم أن مآله إلى الوجوب فإنه يحتمل حدوث ما يمنع وجوبه ويجوز الرهن به بعد الحول لأنه دين مستقر ولا يجوز بالجعل في الجعالة قبل العمل لعدم الوجوب ويجوز بعده وقال القاضي يحتمل جواز الرهن به قبل العمل لأن مآله إلى الوجوب ولا يصح الرهن بما ليس بثابت في الذمة كالثمن المتعين والأجرة المتعينة والمنافع المعينة نحو أن يقول أجرتك داري هذه شهرا لأن العين لا يمكن استيفاؤها من الرهن ويبطل العقد بتلفها وقياس هذا أنه لا يصح الرهن بالأعيان المضمونة كالمغصوب والعارية والمقبوض على وجه السوم لتعذر استيفاء العين من الرهن وإن جعله بقيمتها كان رهنا بما لم يجب ولا يعلم أن مآله إلى الوجوب وقال القاضي قياس المذهب صحة الرهن بها لصحة الكفالة بها


130

فصل

ويصح الرهن بالحق بعد ثبوته لقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين البقرة 282 إلى قوله فرهان مقبوضة ومع ثبوته وهو أن يشترط الرهن في عقد البيع والقرض لأن الحاجة داعية اليه فإنه لو لم يشترطه لم يلزم الغريم الرهن وإن رهن قبل الحق لم يصح في ظاهر المذهب أختاره أبو بكر والقاضي لأنه تابع للدين فلا يجوز قبله كالشهادة واختار أبو الخطاب صحته فإذا دفع إليه رهنا على عشرة دراهم يقرضها إياه ثم أقرضه لزم الرهن لأنه وثيقة بحق فجاز عقدها قبله كالضمان

فصل

ولا يلزم الرهن من جهة المرتهن لأن العقد لحظه وحده فكان له فسخه كالمضمون له ويلزم من جهة الراهن لأن الحظ لغيره فلزم من جهته كالضمان في حق الضامن ولأنه وثيقة فأشبه الضمان ولا يلزم إلا بالقبض لقول الله تعالى فرهان مقبوضة البقرة 283 ولأنه عقد إرفاق فافتقر إلى القبض كالقرض وعنه في غير المكيل والموزون أنه يلزم بمجرد العقد قياسا على البيع والأول المذهب لأن البيع معاوضة وهذا إرفاق فهو


131

أشبه بالقرض وإذا كان الرهن في يد الراهن لم يجز قبضه إلا بإذنه لأنه له قبل القبض فلا يملك المرتهن اسقاط حقه بغير إذنه كالموهوب وإن كان في يد المرتهن فظاهر كلامه لزومه بمجرد العقد لأن يده ثابتة وإنما يعتبر الحكم فقط فلم يحتج إلى قبض كما لو منع الوديعة صارت مضمونة وقال القاضي وأصحابه لا يلزم حتى تمضي مدة يتأتى قبضه فيها ولو كان غائبا لا يصير مقبوضا حتى يوافيه هو أو وكيله ثم تمضي مدة يمكن قبضه فيها لأن العقد يفتقر إلى القبض ولا يلزم القبض إلا بفعله أو إمكانه ثم هل يتفقر إلى إذن الراهن في القبض على وجهين أحدهما لا يفتقر إليه لأن إقراره عليه كإذنه فيه والثاني يفتقر لأنه قبض يلزم به عقد غير لازم فافتقر إلى الإذن كما لو لم يكن في يده

فصل

وإذا أذن في القبض ثم رجع عنه قبل القبض أو قبل مضي مدة يتأتى القبض فيها لما في يده فهو كمن لم يأذن لأن الإذن قد زال وإن أذن فيه ثم جن أو أغمي عليه زال الإذن لخروجه عن كونه من أهله ويقوم ولي المجنون مقامه إن رأى الحظ في القبض أذن فيه وإلا فلا وإن تصرف الراهن في الرهن قبل قبضه بعتق أو هبة أو بيع أو جعله مهرا بطل الرهن


132

لأن هذه التصرفات تمنع الرهن فانفسخ بها وإن رهنه بطل الأول لأن المقصود منه ينافي الأول وإن دبره أو أجره أو زوج الأمة لم يبطل الرهن لأن هذه التصرفات لا تمنع البيع فلا تمنع صحة الرهن وإن كاتب العبد وقلنا يصح رهن المكاتب لم يبطل بكتابته لأنه لا ينافيها وإن قلنا لا يصح رهنه بطل بها لتنافيها

فصل

وإن مات أحد المتراهنين لم يبطل الرهن لأنه عقد لا يبطله الجنون أو مآله إلى اللزوم فلم يبطله الموت كبيع الخيار ويقوم وارث الميت مقامه في الإقباض والقبض فإن لم يكن على الراهن دين سوى دين الرهن فلوارثه اقباضه وإن كان عليه دين سواه فليس له اقباضه لأنه لا يملك تخصيص بعض الغرماء برهن وعنه له إقباضه لأن المرتهن لم يرض بمجرد الذمة بخلاف غيره والأول أولى لأن حقوق الغرماء تعلقت بالتركة قبل لزوم حقه فلم يجز تخصيصه بغير رضاهم كما لو أفلس الراهن فإن اذن الغرماء في إقباضه جاز لأن الحق لهم فإذا قبضه لزم سواء مات قبل الإذن في القبض أو بعده 133


133

فصل

وإن حجر على الراهن قبل القبض لم يملك إقباضه فإن كان الحجر لسفه قام وليه مقامه كما لو جن وإن كان لفلس لم يجز لأحد إقباضه إلا بإذن الغرماء لأن فيه تخصيص المرتهن بثمنه دونهم

فصل

ومتى امتنع الراهن من اقباضه وقلنا إن القبض ليس بشرط في لزومه أجبره الحاكم وإن قلنا هو شرط لم يجبره وبقي الدين بغير رهن وهكذا إن انفسخ الرهن قبل القبض إلا أن يكون مشروطا في بيع فيكون للبائع الخيار بين فسخ البيع وإمضائه لأنه لم يسلم له ما شرط فأشبه ما لو شرط صفة في المبيع فبان بخلافها وإن قبض الرهن فوجده معيبا فله الخيار لأنه لم يسلم له ما شرط فإن رضيه معيبا فلا أرش له لأن الرهن إنما لزم فيما قبض دون الجزء الفائت وإن حدث العيب أو تلف الرهن في يد المرتهن فلا خيار له لأن الراهن قد وفى له بما شرطه فإن تعيب عنده ثم أصاب به عيبا قديما فله رده وفسخ البيع لأن العيب الحادث عنده لا يجب ضمانه على المرتهن وخرجه القاضي على الروايتين في البيع وإن علم بالعيب بعد تلفه لم يملك فسخ البيع لأنه قد تعذر عليه رد الرهن لهلاكه


134

فصل

ولا ينفك شيء من الرهن حتى يقضي جميع ديونه لأنه وثيقة به فكان وثيقة بكل جزء منه كالضمان فإن رهن شيئا من رجلين أو رهن رجلان رجلا شيئا فبرئ أحدهما أو برئ الراهن من دين أحدهما انفك نصف الرهن لأن الصفة التي في أحد طرفيها عاقدان فلا يقف انفكاك أحدهما على انفكاك الآخر كما لو فرق بين العقدين وإن اراد الراهن مقاسمة المرتهن في الأولى أو اراد الراهنان القسمة في الثانية ولا ضرر فيها كالحبوب والأدهان أجبر الممتنع عليها وإن كان فيها ضرر لم يجبر عليها كغير الرهن ويبقى الرهن مشاعا

فصل

واستدامة القبض كابتدائه في الخلاف في اشتراطه للاية ولأنها احدى حالتي الرهن فأشبهت الابتداء فإن قلنا باشتراطه فأخرجه المرتهن عن يده باختياره إلى الراهن زال لزومه وبقي كالذي لم يقبض مثل أن أجره إياه أو أودعه أو أعاره أو غير ذلك فإن رده الراهن إليه عاد اللزوم بحكم العقد السابق لأنه أقبضه باختياره فلزم كالأول وإن أزيلت يد المرتهن بعدوان كغضب ونحوه فالرهن بحاله لأن يده ثابتة حكما فكأنها لم تزل


135

فصل

والرهن أمانة في يد المرتهن إن تلف بغير تعد منه لم يضمنه ولم يسقط شيء من دينه لما روى الأثرم عن سعيد بن المسيب قال قضى أن الرهن لا يغلق والرهن ممن رهنه ولأنه وثيقة بدين ليس بعوض عنه فلم يسقط بهلاكه كالضامن وإن كان الرهن فاسدا لم يضمنه لأن ما لا يضمن بالعقد الصحيح لا يضمن بالعقد الفاسد وإن وقت الرهن فتلف بعد الوقت ضمنه لأنه مقبوض بغير عقد وإن رهنه مغصوبا لم يعلم به المرتهن فهل للمالك تضمين المرتهن فيه وجهان أحدهما لا يضمنه لأنه دخل على أنه أمين والثاني يضمنه لأنه قبضه من يد ضامنه فإذا ضمنه رجع على الراهن في أحد الوجهين لأنه غره والثاني لا يرجع لأن التلف حصل في يده فاستقر الضمان عليه وإن ضمن الراهن فهل يرجع على المرتهن على وجهين إن قلنا يرجع المرتهن لم يرجع الراهن وإن قلنا لا يرجع ثم رجع ها هنا وإن انفك الرهن بقضاء أو ابراء بقي الرهن أمانة لأن قبضه حصل بإذن مالكه لا لتخصيص القابض بنفعه

فصل

إذا حل الدين فوفاه الراهن انفك الرهن وإن لم يوفه وكان قد أذن في بيع الرهن بيع واستوفي الدين من ثمنه وما بقي فله وإن لم يأذن


136

طولب بالإيفاء أو بيعه فإن ابى أو كان غائبا فعل الحاكم ما يراه من اجباره على البيع أو القضاء أو بيع الرهن بنفسه أو بأمينه والله أعلم باب ما يصح رهنه وما لا يصح يصح رهن كل عين يصح بيعها لأن مقصود الرهن الاستيثاق بالدين باستيفائه من ثمنه عند تعذر استيفائه من الراهن وهذا يحصل مما يجوز بيعه ويصح رهن المتاع لأنه يجوز بيعه فجاز رهنه كالمفرز ثم إن اتفقا على جعله في يد المرتهن أو يد عدل وديعة للمالك أو بأجرة جاز وإن اختلفا جعله الحاكم في يد عدل وديعة لهما أو يؤجره لهما محبوسا قدر الرهن للمرتهن وإن رهن نصيبه من جزء من المشاع مما لا ينقسم جاز وإن جازت قسمته احتمل جواز رهنه لأنه يصح بيعه واحتمل أن لا يصح لاحتمال أن يقتسماه فيحصل المرهون في حصة الشريك ويصح رهن العبد المرتد والجاني لأنه يجوز بيعهما وفي رهن القاتل في المحاربة وجهان بناء على بيعه ويصح رهن المدبر في ظاهر المذهب لظهوره في بيعه ويصح رهن من علق عتقه بصفة توجد بعد حلول الدين لإمكان استيفائه من ثمنه وإن كانت الصفة توجد قبل حلول الدين لم يجز رهنه لأنه لا يمكن استيفاؤه من ثمنه وإن كانت تحتمل الأمرين احتمل أن


137

يصح رهنه لأن الأصل بقاء العقد والعتق قبله مشكوك فيه فهو كالمدبر واحتمل أن لايصح لأنه يحتمل العتق قبل حلول الأجل وهذا غرر لا حاجة إليه فإن مات سيد المدبر وهو يخرج من الثلث أو وجدت الصفة عتق وبطل الرهن ولا يصح رهن المكاتب لتعذر استدامة قبضه ويتخرج أن يصح إن قلنا استدامة الملك غير مشترطة وإنه يصح بيعه ويكون ما يؤديه من نجوم كتابته رهنا معه وإن عتق بقي ما أداه رهنا كالقن اذا مات بعد الكست وجميع هذه المعاني عيوب لها حكم غيرها من العيوب

فصل

ويصح رهن ما يسرع إليه الفساد لأنه مما يجوز بيعه وإيفاء دينه من ثمنه فأشبه الثياب فإن كان الدين يحل قبل فساده بيع وقضي من ثمنه وإن كان يفسد قبل الحلول وكان مما يمكن إصلاحه بالتجفيف كالعنب جفف ومؤنة تجفيفه على الراهن لأن من مؤنة حفظه فأشبه نفقة الحيوان وإن كان مما لا يجفف فشرطا بيعه وجعل ثمنه رهنا فعلا ذلك وإن لم يشرطا ذلك ففيه وجهان أحدهما يصح الرهن ويباع كما لو شرطاه لأن الحال تقتضي ذلك لكون المالك لا يعرض ملكه للتلف فحمل مطلق العقد عليه كما يحمل على تجفيف العنب والثاني لا يصح لأن البيع إزالة ملكه قبل


138

حلول الحق فلم يجبر عليه كغيره وإن شرط أن لا يباع فسد وجها واحدا لأنه إن وفى بشرطه لم يمكن إيفاء الدين من ثمنه وإن رهنه عصيرا صح لذلك فإن تخمر خرج من الرهن لأنه لا قيمة له فإن عاد خلا عاد رهنا لأن العقد كان صحيحا فلما طرأ عليه معنى أخرجه عن حكمه ثم زال المعنى عاد الحكم كما لو ارتد أحد الزوجين ثم عاد في العدة عادت الزوجية وإن كان استحالته قبل القبض لم يعد رهنا لأنه ضعيف فأشبه الردة قبل الدخول

فصل

ويصح رهن الثمرة قبل بدو صلاحها والزرع الأخضر مطلقا وبشرط التبقية لأن الغرر يقل فيه لاختصاصه بالوثيقة مع بقاء الدين بحاله بخلاف البيع قال القاضي ويصح رهن المبيع المكيل والموزون قبل قبضه لأن قبضه مستحق للمشتري فيمكنه قبضه ثم يقبضه وإنما منع من بيعه لئلا يربح فيما لم يضمنه وهو منهي عنه وإن رهن ثمرة إلى محل تحدث فيه أخرى لا تتميز فالرهن باطل لأنه مجهول حين حلول الحق فلا يمكن إمضاء العقد على مقتضاه وإن رهنها بدين حال أو شرط قطعها عند خوف اختلاطها جاز لأنه لا غرر فيه فإن لم يقطعها حتى اختلطت لم يبطل لأنه وقع صحيحا


139

لكن إن سمح الراهن ببيع الجميع أو اتفقا على قدر منه جاز وإن اختلفا وتشاحا فالقول قول الراهن مع يمينه لأنه منكر

فصل

ويصح رهن الجارية دون ولدها لأن الرهن لا يزيل الملك فلا يحصل التفريق فيه فإن احتيج إلى بيعها بيع ولدها معها لأن التفريق بينهما محرم والجمع بينهما جائز فتعين وللمرتهن من الثمن بقدر قيمة الجارية منه وكونها ذات ولد عيب لأنه ينقص من ثمنها

فصل

ولا يصح رهن ما لا يجوز بيعه لما ذكرنا كالوقف وأم الولد والكلب ونحوها لأنه لا يمكن ايفاء الدين منه وهو المقصود ولا يصح رهن ما لا يقدر على تسليمه ولا المجهول الذي لا يجوز بيعه لأن الصفات مقصودة في الرهن لإيفاء الدين كما تقصد في البيع للوفاء بالثمن ولا رهن مال غيره بغير إذنه ويتخرج جوازه ويقف على إجازة مالكه كبيعه فإن رهن عينا يظنها لغيره وكانت ملكه ففي وجهان أحدهما يصح لأنه صادف ملكه والثاني لا يصح لأنه عقده معتقدا فساده ولا يصح رهن الرهون من غير إذن المرتهن لأنه لا يملك بيعه في الدين الثاني فإن رهنه


140

عند المرتهن بدين آخر مثل أن رهنه عبدا على ألف ثم استدان منه دينا آخر وجعل العبد رهنا بهما لم يصح لأنه رهن مستحق بدين فلم يجز رهنه بغيره كما لو رهنه عند غير المرتهن

فصل

ولا يصح رهن ما لايجوز بيعه من أرض الشام والعراق ونحوهما مما فتح عنوة في ظاهر المذهب لأنها وقف وما فيها من بناء من ترابها فحكمه حكمها وما جدد فيها من غراس وبناء من غير ترابها إن أفرده بالرهن ففيه روايتان إحداهما لا يصح لأنه تابع لما لا يجوز رهنه فهو كأساسات الحيطان والثانية يجوز لأنه مملوك غير موقوف وإن رهنه مع الأرض بطل في الأرض والغراس والبناء وجهان بناء على تفريق الصفقة

فصل

وفي رهن المصحف روايتان كبيعه وإن رهنه أو رهن كتب الحديث أو عبدا مسلما لكافر لم يصح لأنه لا يصح بيعه له ويحتمل أن يصح إذا شرطا كونه في يد مسلم ويبيعه الحاكم إذا امتنع مالكه لأن الرهن لا ينقل الملك إلى الكافر بخلاف البيع ولا يجوز رهن المنافع لأنها تهلك إلى حلول الحق ولو رهنه أجرة داره شهرا لم يصح لأنه مجهول ولو رهن المكاتب من يعتق عليه لم يصح لأنه لا يملك بيعه


141

باب ما يدخل في الرهن وما لا يدخل وما يملكه الراهن وما لا يملكه وما يلزمه وما لا يلزمه جميع نماء الرهن المنفصل والمتصل يدخل في الرهن ويباع معه لأنه عقد وارد على الأصل فثبت حكمه في نمائه كالبيع أو نماء حادث من غير الرهن أشبه المتصل ولو ارتهن أرضا فنبت فيها شجر دخل في الرهن لأنه من نمائها سواء نبت بنفسه أو بفعل الراهن ويدخل فيه الصوف واللبن الموجودان والحادثان لدخولهما في البيع وإن رهنه أرضا ذات شجرة أو شجرا مثمرا فحكمه في ذلك حكم البيع وإن رهنه دارا فخربت فأنقاضها رهن لأنها من أجزائها وإن رهنه شجرا لم تدخل أرضه في الرهن لأنها أصل فلا تدخل تبعا

فصل

ولا يملك الراهن التصرف في الرهن باستخدام ولا سكنى ولا إجارة ولا إعارة ولا غيرها بغير رضى المرتهن ولا يملك المرتهن ذلك بغير رضى الراهن فإن لم يتفقا على التصرف كانت منافعة معطلة تهلك تحت يد المرتهن حتى يفك لأن الرهن عين محبوسة على استيفاء حق فأشبهت المبيع


142

المحبوس على ثمنه وإن اتفقا على إجارته إو إعارته جاز في قول الخرقي وأبي الخطاب لأن يد المستأجر والمستعير نائبة عن يد المرتهن في الحفظ فجاز كما لو جعلاه في يد عدل ولا فائدة في تعطيل المنافع لأنه تضييع مال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وقال أبو بكر لا يجوز اجارته فإن فعلا بطل الرهن لأن الرهن يقتضي الحبس عند المرتهن أو نائبه فمتى وجد عقد يقتضي زوال الحبس بطل الرهن وقال ابن أبي موسى إن اجره المرتهن أو أعاره بإذن الراهن جاز وإن فعل ذلك الراهن بإذن المرتهن فكذلك في أحد الوجهين وفي الآخر يخرج من الرهن لأن المستأجر قائم مقام الراهن فصار كما لو سكنه الراهن

فصل

ولا يمنع الراهن من إصلاح الرهن كمداواته بما لا يضر وفصده وحجمه عند حاجته إليه وودج الدابة وتبزيغها وإطراق الإناث عند حاجتها لأنه إصلاح لماله من غير ضرر فلم يمنع منه كالعلفة وإن أراد قطع شيء من بدنه لخبيثة فيه وقال أهل الخبرة الأحوط قطعها فله فعله وإن ساووا الخوف في قطعها وتركها فامتنع أحدهما من قطعها فله ذلك لأن فيه خطرا بحقه وللراهن مداواة الماشية من الجرب بما لا ضرر فيه كالقطران بالزيت اليسير وإن خيف ضرره كالكثير لم يملكه وليس له قطع الاصبع


143

الزائدة والسلعه لأنه يخاف من الضرر وتركها لا يضر وليس له الختان إن كان لا يبرأ منه قبل محل الحق لأنه ينقص ثمنه وإن كان يبرأ قبله والزمان معتدل لم يمنع منه لأنه يزيد به الثمن ولا يضر المرتهن وليس للمرتهن فعل شيء من ذلك بغير رضى الراهن

فصل

و لا يملك الراهن بيع الرهن ولا هبته ولا جعله مهرا ولا أجرة ولا كتابة العبد ولا وقفه لأنه تصرف يبطل به حق المرتهن من الوثيقة فلم يصح من الراهن بنفسه كالفسخ وفي الوقف وجه آخر أنه يصح لأنه يلزم لحق الله تعالى أشبه العتق والأول الصحيح لأنه تصرف لا يسري إلى ملك الغير فلم يصح كالهبة ولا يصح تزويج الرقيق وقال القاضي له تزويج الأمة ويمنع الزوج وطأها والأول أصح لأنه ينقص ثمنها فلم يصح كتزويج العبد

فصل

ولا يجوز له عتق الرهن لأن فيه إضرارا بالمرتهن وإسقاط حقه اللازم فإن فعل نفذ عتقه نص عليه لأنه محبوس لاستيفاء حق فنفذ فيه عتق المالك كالمحبوس على ثمنه وعنه لا ينفذ عتق المعسر لأنه عتق في


144

ملكه يبطل به حق غيره فاختلف فيه الموسر والمعسر كالعتق في العبد المشترك فإن أعتق الموسر فعليه قيمته تجعل مكانه رهنا لأنه أبطل حق الوثيقة بغير إذن المرتهن فلزمته قيمته كما لو قتله وإن أعتق المعسر فالقيمة في ذمته إن أيسر قبل حلول الحق أخذت منه رهنا وإن أيسر بعد حلول الحق طولب به خاصة لأن ذمته تبرأ به من الحقين معا وتعتبر القيمة حين الإعتاق لأنه حال الاتلاف

فصل

وليس للراهن وطء الجارية وإن كانت لا تحبل لأن من حرم وطؤها يستوي فيه من تحبل ومن لا تحبل كالمستبرأة فإن وطئ فلا حد عليه لأنها ملكه فإن نقصها لكونها بكرا أو أفضاها فعليه ما نقصها إن شاء جعله رهنا وإن شاء جعله قضاء من الحق وإذا لم تحمل منه فهي رهن بحالها كما لو استخدمها فإن ولدت منه فولده حر وصارت أم ولد له لأنه أحبلها بحر في ملكه وتخرج من الرهن موسرا كان أو معسرا رواية واحدة لأن الإحبال أقوى من العتق ولذلك ينفذ إحبال المجنون دون عتقه وعليه قيمتها يوم إحبالها لأنه وقت إتلافها وإن تلفت بسبب الحمل فعليه قيمتها لأنها تلفت بسبب كان منه


145

فصل

وكل ما منع الراهن منه لحق المرتهن إذا أذن فيه جاز له فعله لأن المنع منه لحقه فجاز بإذنه فإن رجع عن الإذن قبل الفعل سقط حكم الإذن فإن لم يعلم بالرجوع حتى فعل فهل يسقط الإذن فيه وجهان بناء على عزل الوكيل بغير علمه فإن تصرف بإذنه فيما ينافي الرهن من البيع والعتق ونحوهما صح تصرفه وبطل الرهن لأنه لا يجتمع مع ما ينافيه إلا البيع فله ثلاثة أحوال أحدها أن يبيعه بعد حلول الحق فيتعلق حق المرتهن بالثمن ويجب قضاء الدين منه لأن مقتضى الرهن بيعه واستيفاء الحق من ثمنه الثاني أن يبيعه قبل حلول الحق بإذن مطلق فيبطل الرهن ويسقط حق المرتهن من الوثيقة لأنه تصرف في عين الرهن تصرفا لا يستحقه المرتهن فأبطله كالعتق الثالث أن يشترط جعل الثمن رهنا ويجعل دينه من ثمنه فيصح البيع والشرط لأنه لو شرط ذلك بعد حلول الحق جاز فكذلك قبله وإن أذن له في الوطء والتزويج جاز لأنه منع منه لحقه فجاز بإذنه فإن فعل لم يبطل الرهن لأنه لا ينافيه فإن أفضى إلى الحمل أو التلف فلا شيء


146

على الراهن لأنه مأذون في سببه وإن أذن له في ضربها فتلفت به فلا ضمان عليه لأنه تولد من المأذون كمتولد الحمل من الوطء

فصل

ويلزم الراهن مؤنة الرهن كلها من نفقة وكسوة وعلف وحرز وحافظ وسقي وتسوية وجذاذ وتجفيف لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه

وهذا من غرمه ولأنه ملكه فكانت نفقته عليه كالذي في يده فإن احتاج إلى دواء أو فتح عرق لم يلزمه لأن الشفاء بيد الله تعالى وقد يحيا بدونه بخلاف النفقة ولا يجبر على إطراق الماشية لأنه ليس مما يحتاج إليه لبقائها وليس عليه ما يتضمن زيادة الرهن فإن احتاجت إلى راع لزمه لأنه لا قوام لها بدونه فإن أراد السفر بها ليرعاها ولها في مكانها مرعى تتماسك به فللمرتهن منعه لأن فيه إخراجها عن يده ونظره فإن أجدب مكانها فللراهن السفر لأنه موضع حاجة فإن اتفقا على السفر واختلفا في مكانها قدمنا قول من يطلب الأصلح فإن استويا قدم قوم المرتهن لأنه أحق باليد


147

فصل

وليس للمرتهن أن ينتفع من الرهن بشيء بغير إذن الراهن لقول النبي صلى الله عليه وسلم

الرهن من الراهن له غنمه وعيه غرمه

ومنافعه من غنمه ولأن المنافع ملك للراهن فلم يجز أخذها بغير إذنه كغير الرهن إلا ما كان مركوبا أو محلوبا ففيه روايتان إحداهما هو كغيره لما ذكرنا والثانية للمرتهن الإنفاق عليه ويركب ويحلب بقدر نفقته متحريا للعدل في ذلك سواء تعذر الإنفاق من المالك أو لم يتعذر لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرهن يركب بنفقته ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة

رواه البخاري وفي لفظ فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقته ويركب

فإن أنفق متبرعا فلا شيء له روايه واحدة وليس له استخدام العبد بقدر نفقته وعنه له ذلك إذا امتنع مالكه من الإنفاق عليه كالمركوب والمحلوب قال أبو بكر خالف حنبل الجماعة والعمل على أنه لا ينتفع من الرهن بشيء لأن القياس يقتضي ذلك خولف في المركوب والمحلوب للأثر ففي غيره يبقى على القياس


148

فصل

وإن أنفق المرتهن على الرهن متبرعا لم يرجع وإن أنفق بإذن الراهن بنية الرجوع رجع بما أنفق لأنه نائب عنه فأشبه الوكيل وإن أنفق بغير إذنه معتقدا للرجوع نظرنا فإن كان مما لا يلزم الراهن كعمارة الدار لم يرجع بشيء لأنه تبرع بما لا يلزمه فلم يرجع به كغير المرتهن وإن كان مما يلزمه كنفقة الحيوان وكفن العبد فهل يلزمه على روايتين بناء على ما قضى دينه بغيره إذنه

فصل

فإذا أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع به بغير عوض والرهن في قرض لم يجز لأنه يصير قرضا جر منفعة وإن كان في غير قرض جاز لعدم ذلك وإن أذن له في الانتفاع بغير عوض مثل أن أجره إياه فإن حاباه في الأجرة فهو كالإنتفاع بغير عوض وإن لم يحابه فيها جاز في القرض وغيره لأنه ما انتفع بالقرض إنما انتفع بالإجارة وقال القاضي ومتى استأجره المرتهن أو استعاره خرج من الرهن في مدتهما لأنه طرأ عليه عقد أوجب استحقاقه في الإجارة برضاهما فإذا انقضى العقد عاد الرهن بحكم العقد السابق والصحيح أنه لا يخرج بذلك عن الرهن لأن القبض


149

مستدام فلا تنافي بين العقدين لكنه في العارية يصير مضمونا لأن العارية مضمونة

فصل

وإن انتفع به بغير اذن الراهن فعليه أجرة ذلك في ذمته فإن كان الدين من جنسها تقاصت هي وقدرها من الدين وتساقطا وإن تلف الرهن ضمنه لأنه تعدى فيه فضمنه كالوديعة باب جناية الرهن والجناية عليه إذا جنى الرهن على أجنبي تعلق حق المجني عليه برقبته وقدم على المرتهن لأنه يقدم على المالك فأولى أن يقدم على المرتهن فإن سقط حق المجني عليه بعفو أو فداء بقي حق المرتهن لأنه لم يبطل دائما وإنما قدم حق المجني عليه لقوته فإذا زال ظهر حق المرتهن وإن كان الحق قصاصا في النفس اقتص منه وبطل الرهن وإن كان في الطرف اقتص له وبقي الرهن في باقيه وإن كان مالا أو قصاصا فعفي عنه إلى مال فأمكن إيفاء حقه ببيع بعضه بيع منه بقدر ما يقضي به حقه وباقيه رهن وإن لم يمكن إلا ببيع جميعه بيع فإن استغرق ثمنه بطل الرهن وإن فضل منه شيء تعلق به حق المرتهن


150

وإن كان أرش الجناية عليه أكثر من ثمنه فطلب المجني عليه تسليمه للبيع وأراد الرهن فداءه فله ذلك لأن حق المجني عليه في قيمته لا في عينه ويفديه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جناية في أحد الوجهين لأن ما يدفعه عوض عنه فلم يلزمه أكثر من قيمته وفي الآخر يلزمه أرش الجناية كلها وتسليمه لأنه ربما رغب فيه راغب فاشتراه بأكثر من قيمته فينتفع به المجني عليه وإن أبى الراهن فداءه فللمرتهن فداؤه بمثل ما يفديه به الراهن وحكمه في الرجوع بذلك حكم ما يقضي به دينه فإن شرط جعله رهنا بالفداء مع الدين الأول لم يصح لأنه رهن فلم يجز رهنه بدين سواه وأجازه القاضي لأن المجني عليه يملك ابطال الرهن بالبيع فصار كجائز قبل القبض والزيادة في دين الرهن قبل لزومه جائزة ولأن الحق يتعلق به وإنما ينتقل من الجناية إلى الرهن بخلاف غيره

فصل

فإن جنى على سيده جناية لا توجب قصاصا فهي هدر لأنه مال لسيده فلا يثبت له مال في ماله كما لو لم يكن رهنا وإن كانت موجبة للقود فيما دون النفس فعفي على مال سقطت مطلقا لذلك وإن أحب القصاص فله ذلك لأن القصاص يجب للزجر والحاجة تدعو إلى زجره عن سيده وإن كانت على النفس فللورثة القصاص وليس لهم العفو على مال في أحد الوجهين


151

لما ذكرنا في السيد ولأنهم يقومون مقام المورث ولم يكن له العفو على مال فكذلك وارثه والثاني لهم ذلك لأن الجناية حصلت في ملك غيرهم فأشبه الجناية على أجنبي

فصل

فإن جنى على موروث سيده ولم ينقل الحق الى سيده فهي جناية على أجنبي وإن انتقل إليه وكانت الجناية موجبة للقصاص في طرف فمات المجني عليه فللسيد القصاص والعفو على مال لأن المجني عليه ملك ذلك فملكه وارثه وإن كانت على النفس فكذلك في أحد الوجهين والثاني ليس له العفو على مال كما لو كانت على نفسه وأصلهما هل يثبت للمورث ثم ينتقل إلى الوارث أو للوارث ابتداء فيه روايتان فإن قلنا يثبت للوارث ابتداء فليس له العفو على مال لأن الحق ينتقل اليه على الصفة التي كان لمورثه لكون الاستدامة أقوى من الابتداء وإن كانت الجناية موجبة للمال أو كان الموروث قد عفي على مال ثبت ذلك للسيد لذلك فيقدم على المرتهن

فصل

وإن جني على عبد لسيده غير مرهون فحكمه حكم الجناية على طرف سيده وإن كان مرهونا عند مرتهن القاتل بحق واحد والجناية موجبة للمال


152

أو عفا السيد على مال ذهبت هدرا كما لو مات حتف أنفه وإن كان رهنا بحق آخر تعلق دين المقتول برقبة القاتل إن كانت قيمة المقتول أكثر من قيمة القاتل أو مساوية لها وإن كانت أقل تعلقت برقبة القاتل بقدر قيمة المقتول فأي الدينين حل أولا بيع فيه فيستوفي من ثمنه وباقيه رهن بالآخر وإن كان المقتول رهنا عند غير مرتهن القاتل وكانت الجناية موجبة للقصاص فللسيد الخيرة بين القصاص والعفو على مال لأنه يتعلق به حق غيره ويثبت المال في رقبة العبد فإن كان لا يستغرق قيمته بيع منه بقدر أرش الجناية ويكون رهنا عند مرتهن المجني عليه وباقيه رهن بدينه وإن لم يمكن بيع بعضه بيع كله وقسم ثمنه بينهما على حسب ذلك وإن كانت الجناية تستغرق قيمته فالثاني أحق به وهل يباع أو ينقل فيجعل رهنا عنده فيه وجهان أحدهما لا يباع لعدم الفائدة في بيعه والثاني يباع لأنه ربما زاد فيه مزايد فاشتراه بأكثر من قيمته فكل موضع قلنا للسيد القصاص أو لوارثه فاقتص فقال بعض أصحابنا عليه قيمته تجعل مكانه لأنه أتلف الرهن باختياره ويحتمل أن لا يجب عليه شيء لأنه اقتص بإذن الشارع فلم يلزمه شيء كالأجنبي

فصل

وجنايته بإذن سيده كجنايته بغير إذنه إلا أن يكون صبيا أو أعجميا لا يعلم تحريم الجناية فيكون السيد هو الجاني يتعلق به القصاص والدية


153

كالمباشر لها ولا يباع العبد فيها وقيل يباع إذا كان معسرا لأنه باشر الجناية والأول أصح لأن العبد آلة ولو تعلقت به الجناية بيع فيها وإن كان سيده موسرا

فصل

وإن جنى الراهن فالخصم الراهن لأنه مالكه ومالك بدله فإن كانت الجناية موجبة للقصاص فله أن يقتص أو يعفو فان اقتص ففيه وجهان أحدهما عليه قيمته تجعل مكانه لأنه أتلف مالا استحق بسبب إتلاف فغرم قيمته كما لو كانت الجناية موجبة للمال والثاني لا شيء عليه لأنه لم يجب بالجناية مال ولا استحق بحال وليس على الراهن السعي للمرتهن في اكتساب مال وإن عفا على مال أو كانت الجناية موجبة للمال كان رهنا مكانه فان عفا الراهن عن المال لم يصح عفوه لأنه محل تعلق به حق المرتهن فلم يصح عفو الراهن عنه كما لو قبضه المرتهن وقال أبو الخطاب يصح وتؤخذ منه قيمته وتكون رهنا لأنه أتلفه بعفوه وقال القاضي تؤخذ قيمته من الجاني فتجعل مكانه فإذا زال الرهن ردت إلى الجاني كما لو أقر على عبده المرهون بالجناية وإن عفا الراهن عن الجناية الموجبة للقصاص إلى غير مال انبنى على موجب العمد فإن قلنا أحد شيئين فهو كالعفو عن المال وإن قلنا القصاص فهو كالإقتصاص فيه وجهان


154

فصل

إذا أقر الراهن أن العبد كان جنى قبل رهنه فكذبه المرتهن وولي الجنابة لم يسمع قوله وإن صدقه ولي الجناية وحده قبل إقراره على نفسه دون المرتهن فيلزمه أرش الجناية لأنه حال بين المجني عليه وبين رقبة الجاني بفعله فأشبه ما لو قتله فإن كان معسرا فمتى انفك الرهن كان المجني عليه أحق برقبته وعلى المرتهن اليمين أنه لا يعلم ذلك فإن نكل قضي عليه وفيه وجه آخر أنه يقبل إقرار الراهن لأنه غير متهم لأنه يقر بما يخرج الرهن من ملكه وعليه اليمين لأنه يبطل بإقراره حق المرتهن فيه وإن أقر أنه كان أعتقه عتق لأنه يملك عتقه فملك الإقرار به فيخرج العبد من الرهن ويؤخذ من الراهن قيمته تجعل مكانه ولا يقبل قوله في تقديم عتقه لأنه يسقط به حق المرتهن من عوضه

فصل

وإن أقر رجل بالجناية على الراهن فكذبه الراهن والمرتهن فلا شيء لهما وإن صدقه الراهن وحده فله الأرش ولا حق للمرتهن فيه لإقراره بذلك وإن صدقه المرتهن وحده أخذ الأرش فجعل رهنا عنده فإذا خرج من الرهن رجع إلى الجاني ولا حق للمرتهن فيه والله سبحانه وتعالى أعلم


155

باب الشروط في الرهن

يصح شرط جعل الرهن في يد عدل فيقوم قبضه مقام قبض المرتهن لأنه قبض في عقد فجاز التوكيل فيه كقبض الموهوب وما دام العدل حاله فليس لأحدهما ولا للحاكم نقله عن يده لأنهما رضياه ابتداء وإن اتفقا على نقله جاز لأن الحق لهما لا يعدوهما وإن تغيرت حاله بفسق أو ضعف عن الحفظ أو عداوة لهما أو لإحدهما فمن طلب نقله منهما فله ذلك لأنه متهم في حقه ففي بقائه في يده ضرر ثم إن اتفقا على من يضعانه عنده جاز وإن اختلفا وضعه الحاكم في يد عدل وإن اختلفا في تغير حاله بعث الحاكم وعمل بما يظهر له وإن مات العدل لم يكن لوارثه إمساكه الا برضاهما لأنهما ما ائتمناه وإن رده العدل عليهما لزمهما قبوله لأنه متطوع بحفظه فلم يلزمه المقام عليه فإن امتنعا أجبرهما الحاكم فإن تغيبا أو كانا غائبين نصب الحاكم أمينا يقبضه لهما لأن للحاكم ولاية على الغائب الممتنع من الحق وإن دفعه الحاكم إلى أمين من غير امتناعهما ولا غيبتهما ضمن الحاكم والأمين معا لأنه لا ولاية له على غير الممتنع والغائب فان امتنعا أو غابا فلم يجد حاكما تركه عند عدل آخر لأنه حال حاجة وإن أودعه مع


156

قدرته على الحاكم ضمن لأنه يقوم مقامهما وكذلك لو أودعه من غير امتناعهما ولا غيبتهما ضمن هو والقابض معا وإن امتنع أحدهما ولم يجد حاكما لم يكن له دفعه إلى أحدهما فإن فعل ضمن لأنه يمسكه لنفسه والعدل يمسكه لهما فإن رده إلى يده زال الضمان

فصل

وإن شرطا جعله في يد اثنين صح الشرط ولم يكن لأحدهما الانفراد بحفظه لأن المتراهنين لم يرضيا إلا بحفظهما معا فلم يجز لأحدهما الإنفراد به كالوصيين فإن سلمه أحدهما إلى صاحبه ضمن نصفه لأنه القدر الذي تعدى فيه فإن مات أحدهما أو تغير حاله أقيم مقامه عدل

فصل

وكل ما جاز توكيله جاز جعل الرهن على يديه مسلما كان او كافرا عدلا أو فاسقا ذكرا أو أنثى لأنه جاز توكيله في غير الرهن فجاز فيه كالعدل ولا يجوز أن يكون صبيا أو مجنونا لأنه غير جائز التصرف فإن فعلا كان قبضه له وعدمه واحدا وإن كان عبدا فله حفظه بإذن سيده ولا يجوز بغير إذنه لأن منافعه لسيده فلا يجوز تضييعها في الحفظ من غيرإذنه وإن كان مكاتبا وكان بغير جعل لم يجز


157

لأنه ليس له التبرع وإن كان بجعل جاز لأن له الكسب بغير إذن سيده فإن لم يشرط جعله في يد أحد فهو في يد المرتهن لأنه المستوجب للعقد فكان القبض له كالمتهب فان قبضه ثم تغيرت حاله في الثقة أو الحفظ أو حدث بينهما عداوة فللراهن دفعه إلى الحاكم ليزيل يده ويجعل في يد عدل لأنه لم يرض بحفظه في هذه الحال وإن اختلفا في تغير حاله بحث الحاكم وعمل بما بان له وإن مات المرتهن نقل عن الوارث إلى عدل لأن الراهن لم يرض بحفظه

فصل

إذا شرط أن يبيعه المرتهن أو العدل عند حلول الحق صح شرطه لأن ما صح توكيل غيرهما فيه صح توكيلهما فيه كبيع عين أخرى فإن عزلهما الراهن صح عزله لأن الوكالة عقد جائز فلم يلزم المقام عليهما كما لو وكل غيرهما أو وكلهما ف بيع غيره ولو مات المرتهن لم يكن لوراثه البيع لأنه لم يؤذن له ويتخرج أنه لا يملك عزلهما لأنه يفتح باب الحيلة فإن عزل المرتهن العدل عن البيع لم يملكه في الحال الذي يملكه الراهن لأنه وكيله خاصة وإن أذن له في بيع الرهن فتلف بجناية وجعلت قيمته مكانه فقال القاضي قياس المذهب أن له بيعها لأنه يجوز له بيع نمائه فبيع قيمته


158

أولى والصحيح أنه لا يملك بيعها لأنه لم يؤذن له فيه ولا هي تبع لما أذن فيه بخلاف النماء

فصل

وإن أذنا له في البيع بنقد لم يكن له خلافهما لأنه وكيلهما وإن أطلقا أو اختلفا باع بنقد البلد لأن الحظ فيه فإن كان فيه نقود باع بأغلبها فان تساوت باع بما يرى الحظ فيه لأن الغرض تحصيل الحظ فإن تساوت باع بجنس الدين لأنه يمكن القضاء منه فإن لم يكن فيها جنس الدين عين له الحاكم ما يبيع به وحكمه حكم الوكيل في وجوب الاحتياط في الثمن على ما سنذكره فإذا باع وقبض الثمن فتلف في يده من غير تعد فلا ضمان عليه لأنه أمين وهو من ضمان الراهن لأنه ملكه فإن أنكر الراهن تلفه فالقول قول الأمين مع يمينه لأنه أمين فهو كالمودع وإن قال ما قبضته من المشتري فالقول قول العدل لذلك ويحتمل أن لا يقبل قوله لأن هذا ابراء للمشتري وإن خرج الرهن مستحقا فالعهدة على الراهن دون العدل لأنه وكيل وإن استحق بعد تلف الثمن في يد العدل رجع المشتري على الراهن دون العدل لأنه قبض منه على أنه أمين في قبضه وتسليمه إلى المرتهن وإن كان الثمن باقيا في يد العدل أو المرتهن رجع المشتري فيه لأنه عين ماله قبض بغير حق وإن وجد المشتري بالمبيع عيبا


159

فرده بعد قبض المرتهن ثمنه لم يرجع عليه لأنه قبضه بحق ولا على العدل لأنه أمين ويرجع على الراهن إلا أن يكون العدل لم يعلم المشتري أنه وكيل فيكون رجوعه عليه ثم يرجع هو على الراهن فإن تلف المبيع في يد المشتري ثم بان مستحقا فلمالكه تضمين من شاء من الراهن والعدل والمرتهن لأن كل واحد منهم قبض ماله بغير حق ويستقر الضمان على المشتري لأن التلف حصل في يده ويرجع على الراهن بالثمن الذي أخذ منه وإذا باع العدل الرهن بيعا فاسدا وجب رده فإن تعذر رده فللمرتهن تضمين من شاء من العدل والمشتري أقل الأمرين من قيمة الرهن أو قدر الدين لأنه يقبض ذلك مستوفيا لحقه لا رهنا فلم يكن له أكثر من دينه وما بقي للراهن يرجع به على من شاء منهما وإن وفى الراهن المرتهن رجع بقيمته على من شاء منهما ويستقر الضمان على المشتري لحصول التلف في يده

فصل

وإذا ادعى العدل دفع الثمن إلى المرتهن فأنكره ففيه وجهان أحدهما القول قول العدل لأنه أمين فإذا حلف برئ ويرجع المرتهن على الراهن والثاني القول قول المرتهن لأنه منكر والعدل إنما هو أمينه في الحفظ لا في دفع الثمن اليه فإذا حلف رجع على من شاء منهما فإذا رجع على العدل لم يرجع العدل على الراهن لأنه يقر ببراءة ذمته منه


160

ويدعي أن المرتهن ظلمه وغصبه وإن رجع على الراهن رجع الراهن على العدل لتفريطه في القضاء بغير بينة إلا أن يكون قضاؤه بحضرة الراهن أو ببينة فماتت أو غابت فلا يرجع عليه لعدم تفريطه وعنه لا يرجع على العدل بحال لأنه أمين ولو غصب المرتهن الرهن من العدل ثم رده إليه زال الضمان لأنه رده إلى وكيل الراهن في امساكه فأشبه ما لو أذن له في دفعه إليه ولو كان الرهن في يده فتعدى فيه ثم زال التعدي لم يزل الضمان لأن استئمانه زال بذلك فلم يعد بفعله

فصل

وإذا رهن أمة رجل وشرط جعلها في يد امرأة أو ذي رحم لها أو ذي زوجة أو أمة جاز لأنه لا يفضي إلى الخلوة بها فإن لم يكن كذلك فسد الرهن لإفضائه إلى خلوة الأجنبي بها ولو اقترض ذمي من مسلم مالا ثم رهنه خمرا لم يصح لأنها ليست مالا وإن باعها الذمي أو وكيله أو أتاه بثمنها فله أخذه فإن امتنع لزمه وقيل له إما أن تقبض وإما أن تبرئ لأن أهل الذمة إذا تقابضوا في العقود الفاسدة جرى مجرى الصحيح


161

فصل

فإن شرط ما ينافي مقتضى الرهن نحو أن يشترط أن لا يسلمه أو لا يباع عند الحلول أو لا يستوفى الدين من ثمنه أو شرط أن يبيعه بما شاء أو لا يبيعه الا بما يرضيه فسد الشرط لأن المقصود مع الوفاء به مفقود وإن شرط أنه متى حل الحق ولم توفني فالرهن لي بالدين أو بثمن سماه فسد لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

لا يغلق الرهن

رواه الأثرم ومعناه استحقاق المرتهن لعجز الراهن عن فكاكه ولأنه علق البيع على شرط مستقبل فلم يصح كما لو علقه على قدوم زيد وإن قال أرهنك على أن تزيدني في الأجل لم يصح لأن الدين الحال لا يتأجل وإذا لم يثبت الأجل فسد الرهن لأنه في مقابلته وإن شرط أن ينتفع المرتهن بالرهن المقرض لم يجز وإن كان بدين مستقر في مقابلة تأخيره عن أجله لم يجز لأنه بيع للأجل وإن كان في بيع فعن أحمد جوازه إذا جعل المنفعة معلومة كخدمة شهر ونحوه فيكون بيعا وإجارة وإن لم تكن معلومة بطل الشرط للجهالة وبطل البيع لجهالة ثمنه وما عدا هذا فهو إباحة لا يلزم الوفاء به وإن قال رهنتك ثوبي هذا يوما ويوما لا أوقته فالرهن فاسد لأنه ينافي مقتضاه وكل شرط يسقط به دين الرهن يفسده وما لا يؤثر في ضرر أحدهما


162

كاشتراط جعل الأمة في يد أجنبي عزب لا يفسده وفي سائر الشروط الفاسدة وجهان أحدهما يفسد بها الرهن والآخر لا يفسد بناء على الشروط الفاسدة في البيع ويحتمل أن ما ينقص المرتهن يبطله وجها واحدا وفي سائرها وجهان أحدهما يبطل الرهن لأنه شرط فاسد فأبطله كالأول والثاني لا يبطله لأنه زائد فإذا بطل بقي العقد بأحكامه

باب اختلاف المتراهنين

إذا قال رهنتني كذا فأنكر أو اختلفا في قدر الدين أو قدر الرهن فقال رهنتني هذين قال بل هذا وحده أو قال رهنتني هذا بجميع الدين قال بل بنصفه أو قال رهنتنيه بالحال قال بل بالمؤجل فالقول قول الراهن لأنه منكر والأصل عدم ما أنكره ولأن القول قوله في أصل العقد فكذلك في صفته فإن قال رهنتني عبدك هذا قال بل ثوبي هذا لم يثبت الرهن في الثوب لرد المرتهن له وحلف الراهن على العبد وخرج بيمينه وإن قال أرسلت وكيلك فرهن عبدك على ألفين قبضها مني فقال ما أذنت له في رهنه إلا بألف سئل الرسول فإن صدق الراهن حلف على أنه ما رهنه إلا بألف ولا قبض غيرها ولا يمين على الراهن لأن الدعوى على غيره


163

وإن صدق المرتهن حلف الراهن وعلى الرسول ألف لأنه أقر بقبضها ويبقى العبد رهنا على ألف واحدة ومن توجهت عليه اليمين فنكل فهو كالمقر سواء

فصل

فإن قال رهنتني عبدك هذا بألف فقال بل بعتكه بها أو قال بعتنيه بألف فقال بل رهنتكه بها حلف كل واحد منهما على نفي ما ادعى عليه فسقط ويأخذ السيد عبده وتبقى الألف رهنا

فصل

وإن قال الراهن قبضت الرهن بغير إذني فقال بل بإذنك فالقول قول الراهن لأنه منكر وإن قال أذنت لك ثم رجعت قبل القبض فأنكر المرتهن فالقول قوله لأن الأصل عدم الرجوع وإن كان الرهن في يد الراهن فقال المرتهن قبضته ثم غصبتنيه فأنكر الراهن فالقول قوله لأن الأصل معه وإن أقر بتقبيضه ثم قال احلفوه لي أنه قبض بحق ففيه وجهان أحدهما يحلف لأن ما ادعاه محتمل والثاني لا يحلف لأنه مكذب لنفسه وإن رهنه عصيرا ثم وجد خمرا فقال المرتهن إنما أقبضني خمرا فلي فسخ البيع وقال الراهن بل كان عصيرا قال أحمد


164

رضي الله عنه فالقول قول الراهن لأنه يدعي سلامة العقد وصحة القبض فظاهر حال المسلم استعمال الصحيح فكان القول قول من يدعيه كما لو اختلفا في شرط يفسد المبيع ويحتمل أن القول قول المرتهن بناء على اختلاف المتبايعين في حدوث العيب ولو كان الرهن حيوانا فمات واختلفا في حياته وقت الرهن أو القبض فحكمه حكم العصير وإن أنكر المرتهن قبضه فالقول قوله لأن الأصل معه وإن وجده معيبا واختلفا في حدوثه ففيه وجهان مبنيان على الروايتين في البيع

فصل

إذا كان لرجل على آخر ألف برهن وألف بغير رهن فقضاه ألفا وقال قضيت دين الرهن فقال هي عن الألف الآخر فالقول قول الراهن سواء اختلفا في لفظه أو نيته لأنها تنتقل منه فكان القول قوله في صفة النقل وهو أعلم بنيته ولو دفعها من غير لفظ ولا نية فله صرفها إلى أيهما شاء كما لو دفع زكاة أحد الألفين فإن أبرأه المرتهن فالقول قول المرتهن لذلك وإن أطلق فله صرفها إلى أيهما شاء ذكره أبو بكر


165

فصل

وإن كان عليه ألفان لرجلين فادعى كل واحد منهما أنه رهنه عبده بدينه فأنكرهما حلف لهما وإن صدق أحدهما أو قال هو السابق سلمه إليه وحلف للآخر وإن نكل والعبد في يد أحدهما فعليه للاخر قيمته تجعل رهنا لأنه فوته على الثاني بإقراره للأول أو بتسليمه اليه وقال القاضي هل رجح صاحب اليد أو المقر له يحتمل وجهين وإن قال لا أعلم المرتهن منهما أو السابق حلف على ذلك والقول قول من هو في يده منهما مع يمينه وإن كان في أيديهما أو يد غيرهما فالحكم في ذلك كالحكم فيما إذا ادعيا ملكه

فصل

فإن ادعى على رجلين أنهما رهناه عبدهما بدينه فأنكراه فالقول قولهما وإن شهد كل واحد منهما على الآخر قبلت شهادته لأنه لا يجلب بهذه الشهادة نفعا ولا يدفع بها ضررا وإن أقر أحدهما وحده لزم في نصيبه وتسمع شهادته على صاحبه لما ذكرناه

فصل

وان ادعى المرتهن هلاك الرهن بغير تفريط فالقول قوله لأنه أمين فأشبه المودع وإن ادعى الرد ففيه وجهان أحدهما يقبل قوله لذلك


166

والثاني لا يقبل لأنه قبضه لنفسه فلم يقبل قوله في الرد كالمستأجر وإن أعتق الراهن الجارية أو وطئها فادعى أنه بإذن المرتهن فأنكره فالقول قول المرتهن لأن الأصل معه فإن نكل قضى عليه فإن صدقه فأتت بولد فأنكر المرتهن مدة الحمل فالقول قوله لأن الأصل عدمها وادعى المرتهن بإذن الراهن وادعى الجهالة وكان مثله يجهل ذلك فلا حد عليه لأن الحد يدرأ بالشبهات ولا مهر لأنه حق للسيد فسقط بإذنه والولد حر يلحق بنسبه لأنه من وطء شبهة ولا تصير أم ولد لأنه لا ملك له فيها وإن لم تكن له شبهة فعليه الحد والمهر وولده رقيق


167

كتاب التفليس

ومن لزمه دين مؤجل لم يجز مطالبته به لأنه لا يلزمه أداؤه قبل أجله ولا يجوز الحجر عليه به لأنه لا يستحق المطالبة به فلم يجز منعه من التصرف في ماله بسببه فإن أراد سفرا يحل دينه قبل قدومه منه فلغريمه منعه إلا برهن أو ضمين مليء لأنه ليس له تأخير الحق عن محله وفي السفر تأخيره وإن لم يكن كذلك ففيه روايتان إحداهما له منعه لأن قدومه عند المحل غير متيقن ولا ظاهر فملك منعه منه والثانية ليس له منعه لأنه لا يملك المطالبة به في الحال ولا يعلم أن السفر مانع منها عند الحلول فأشبه السفر القصير وإن كان الدين حالا والغريم معسرا لم تجز مطالبته لقول الله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة البقرة 280 ولا يملك حبسه ولا ملازمته لأنه دين لا يملك المطالبة به فلم يملك به ذلك كالمؤجل فإن كان ذا صنعة ففيه روايتان إحداهما يجبر على إجارة نفسه لما روي أن رجلا دخل المدينة وذكر أن وراءه مالا فداينه الناس ولم يكن وراءه مال فسماه النبي صلى الله عليه وسلم سرقا وباعه بخسمة أبعرة والحر لا يباع فعلم أنه باع منافعه ولأن


168

الإجارة عقد معاوضة فجاز أن يجبر عليه كبيع ماله وإجارة أم ولده والثانية لا يجبر لما روى أبو سعيد أن رجلا أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم

تصدقوا عليه عليه

فتصدقوا عليه فلم يبلغ وفاء دينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم

خذو ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك رواه مسلم ولأنه نوع تكسب فلم يجبر عليه كالتجارة

فصل

وإن كان موسرا فلغريمه مطالبته وعليه قضاؤه لقول النبي صلى الله عليه وسلم مطل الغني ظلم متفق عليه فإن أبى فله حبسه لقول النبي صلى الله عليه وسلم

لي الواجد يحل عقوبته وعرضه من المسند فإن لم يقضه باع الحاكم ماله وقضى دينه لما روي أن عمر رضي الله عنه قال إن أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج فادان معرضا فمن كان له عليه مال فليحضر فإنا بائعو ماله وقاسموه بين غرمائه فإن غيب ماله حبسه وعزره حتى يظهره ولا يجوز الحجر عليه مع إمكان الوفاء لعدم الحاجة اليه وإن تعذر الوفاء وخيف من تصرفه في ماله حجر عليه إذا طلبه الغرماء لئلا يدخل الضرر عليهم


169

فصل

فإن ادعى الإعسار من لم يعرف له مال فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدمه فإن عرف له مال أو كال الحق لزمه في مقابلة مال كثمن مبيع أو قرض لم يقبل قوله إلا ببينة لأن الاصل بقاء المال ويحبس حتى يقيم البينة فإن قال غريمي يعلم إعساري فعلى غريمه اليمين لأنه لا يعلم ذلك وإن أقام البينة على تلف المال فعليه اليمين معها أنه معسر لأنه صار بهذه البينة كمن لم يعرف له مال وإن شهدت بإعساره فادعى غريمه أن له مالا باطنا لم تلزمه يمين لأنه أقام البينة على ما ادعى وتسمع البينة على التلف وإن لم يكن ذا خبرة باطنة لأنه أمر يعرف بالمشاهدة ولا تسمع على الإعسار إلا من أهل الخبرة بحاله لأنه من الأمور الباطنة فإن كان في يده مال فأقر به لغيره سئل المقر له فإن كذبه بيع في الدين وإن صدقه سلم إليه فإن قال الغريم احلفوه أنه صادق لم يستحلف لأنه لو رجع عن الإقرار لم يقبل منه وإن طلق يمين المقر لأنه لو رجع قبل رجوعه

فصل

فان كان ماله لايفي بدينه فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمته اجابتهم لما روى كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ


170

وباع ماله ولأن فيه دفعا للضرر عن الغرماء فلزم ذلك كقضائهم ويستحب الإشهاد على الحجر ليعلم الناس حاله فلا يعاملوه إلا على بصيرة ويتعلق بالحجر عليه أربعة أحكام أحدها منع تصرفه في ماله فلا يصح بيعه ولا هبته ولا وقفة ولا غير ذلك لأنه حجر ثبت بالحاكم فمنع تصرفه كالحجر للسفه وفي العتق روايتان إحداهما لا يصح لذلك ولأن حق الغرماء تعلق بماله فمنع صحة عتقه كما لو كان مريضا والثانية يصح لأنه عتق من مالك رشيد صحيح اشبه عتق الراهن وإن أقر بدين أو عين في يده كالقصار والحائك يقر بثوب لم يقبل إقراره لذلك ويلزم في حقه يتبع به بعد فك الحجر عنه وإن توجهت عليه يمين فنكل عنها فهو كإقراره وإن تصرف في ذمته بشراء أو اقتراض أو ضمان أو كفالة صح لأنه أهل للتصرف والحجر إنما تعلق بماله دون ذمته ولا يشارك أصحاب هذه الديون الغرماء لأن من علم منهم بفلسه فقد رضي بذلك ومن لم يعلم فهو مفرط ويتبعوه بعد فك الحجر عنه وهل للبائع والمقرض الرجوع في أعيان أموالهما إن وجداها على وجهين أحدهما لهما ذلك للخبر ولأنه باعه في وقت الفسخ فلم يسقط حقه منه كما لو تزوجت المرأة معسرا بنفقتها والثاني لا فسخ لهما لأنهما دخلا على


171

بصيرة بخراب الذمة فأشبها من اشترى معيبا لم يعلم عيبه وإن جنى المفلس جناية توجب مالا لزمه وشارك صاحبه الغرماء لأنه حق ثبت بغير رضى مستحقه فوجب قضاؤه من المال وإن ثبت عليه حق بسبب قبل الفلس ببينة شارك صاحبه الغرماء لأنه غريم قديم فهو كغيره

فصل

الحكم الثاني أنه يتعلق حقوق الغرماء بعين ماله فليس لبعضهم الاختصاص بشيء منه سوى ما سنذكره ولو قضى المفلس أو الحاكم بعضهم وحده لم يصح لأنه شركاؤه فلم يجز اختصاصه دونهم ولو جنى عليه جناية أوجبت مالا أو ورث مالا تعلقت حقوقهم به وإن أوجبت قصاصا لم يملكوا إجباره على العفو إلى مال لأن فيه ضررا بتفويت القصاص الواجب لحكمة الإحياء ولا يجبر على قبول هبة ولا صدقة ولا قرض عرض عليه ولا المرأة على التزوج لأن فيه ضررا بلحوق المنة والتزوج من غير رغبة ولو باع بشرط الخيار لم يجبر على ما فيه الحظ من رد أو إمضاء لأن المفلس يمنعه إحداث العقود لا إمضاؤها وليس للغرماء الخيار لأن الخيار لم يشرط لهم وإن وهب هبة بشرط الثواب لزم قبوله لأنه عوض عن مال فلزم قبوله كثمن المبيع ولا يملك إسقاط ثمن مبيع ولا أجرة ولا أخذه رديئا ولا قبض المسلم فيه دون صفته الا بإذن الغرماء لما ذكرناه


172

وان ادعى مالا له به شاهد حلف وثبت المال وتعلقت حقوقهم به وإن نكل لم يكن للغرماء أن يحلفوا لأن دعواهم لهذا المال غير مسموعة فلا يثبت بأيمانهم كالأجانب ولأنهم لو حلفوا لحلفوا على إثبات مال لغيرهم وكذلك الحكم في غرماء الميت إذا لم يحلف الوارث لم يحلفوا لما ذكرنا

فصل

والحكم الثالث أن للحاكم بيع ماله وقضاء دينه ويستحب أن يحضره عند البيع لأنه أعرف بثمن ماله وجيده ورديئه فيتكلم عليه وهو أطيب لقلبه ويحضر الغرماء لأنه أبعد من التهمة وربما رغب بعضهم في شراء شيء فزاد في ثمنه أو وجد عين ماله فأخذها فان لم يفعل جاز لأن ذلك موكول إليه ويقيم مناديا ينادي على المتاع فإن عين الغرماء أو المفلس مناديا ثقة أمضاه الحاكم وإن لم يكن ثقة رده لأن للحاكم نظرا فإنه ربما ظهر غريم آخر وإن اختلفوا في المنادي قدم الحاكم أو ثقهما وأعرفهما فإن تطوع بالنداء ثقة لم يستأجر لأن فيه بذل الأجرة من غير حاجة وإن عدم بذلت الأجرة من مال المفلس لأن البيع حق عليه ويقدم على الغرماء بها لأنه لو لم يعط لم يناد وكذلك أجرة من يحفظ المتاع والثمن ويحمله ويباع كل شيء في سوقه لأن أهل السوق أعرف بقيمة المتاع وأرغب


173

وطلابه فيه أكثر فإن باعه في غيره بثمن مثله جاز لأنه ربما أداه اجتهاده إلى ذلك لمصلحة فيه ويبدأ ببيع ما يسرع إليه الفساد لأن في تأخيره هلاكه ثم بالحيوان لأنه يحتاج إلى العلف ويخشى عليه التلف ثم بالأثاث لأنه يخشى تلفه وتناله اليد ثم بالعقار لأنه أبعد تلفا وتأخيره أكثر لمطالبته فيزداد ثمنه ومن وجد من الغرماء عين ماله فهو أحق بها ومن اكترى من المفلس دارا أو ظهر بعينه قبل الحجر عليه فهو أحق به لأنه استحق بعينه قبل افلاسه فأشبه ما لو اشترى منه عبدا وإن اكترى منه ظهرا في الذمة فهو أسوة الغرماء لأن دينه في الذمة أشبه سائر الغرماء وإن كان في المتاع رهن أو جان قدم الراهن والمجني عليه بثمنه لأن المرتهن لم يرض بمجرد الذمة بخلاف سائر الغرماء وحق المجني عليه يقدم على حق المرتهن فعلى غيره أولى وإن فضل منه فضل رده على التركة وإن لم يف بحقهما فلا شيء للمجني عليه لأنه لا حق له في غير الجاني ويضرب المرتهن مع الغرماء بباقي دينه لأن حقه متعلق بالذمة مع تعلقه بالعين وإن بيع له متاع فهلك ثمنه أو استحق المبيع رجع المشتري بثمنه وهل يقدم على الغرماء فيه وجهان أحدهما يقدم لأن في تقديمه مصلحة فإنه لو لم يقدم تجنب الناس شراء ماله خوفا من الاستحقاق فيقل ثمنه فقدم به كأجرة المنادي والثاني لا يقدم لأنه حق لزمه بغير رضى صاحبه أشبه أرش جنايته ثم يقسم


174

ما اجتمع من ماله بين الغرماء على قدر ديونهم فإن ظهر غريم بعد القسمة نقضت وشاركهم لأنه غريم لو كان حاضرا لشاركهم فإذا ظهر بعد ذلك قاسمهم كما لو ظهر للميت غريم بعد قسم ماله وإن كرى داره عاما وقبض أجرتها فقسمت ثم انهدمت الدار رجع المكتري على المفلس بأجرة ما بقي وشاركهم فيما اقتسموه لأنه دين وجب بسبب قبل الحجر فشارك به الغرماء كما لو انهدمت قبل القسمة

فصل

الحكم الرابع أن من وجد عين ماله عنده فهو أحق بها لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من وجد متاعه بعينه عند انسان قد افلس فهو احق به متفق عليه وله الخيار بين أخذه أو تركه وله أسوة الغرماء سواء كانت السلعة مساوية لثمنها أو أقل أو أكثر لأن الإعسار ثبت للفسخ فلا يوجبه كالعيب ولا يفتقر إلى حاكم للخبر ولأنه فسخ ثبت بنص السنة فلم يفتقر إلى حاكم كفسخ النكاح بالعتق تحت العبد وفيه وجهان أحدهما أن الخيار على التراخي لأنه رجوع لا يسقط الى عوض فكان على المتراخي كالرجوع في الهبة والثاني هو على الفور اختاره القاضي لأن في تأخيره اضرارا بالغرماء لتأخير حقوقهم ولأنه خيار يثبت في البيع لنقص في العوض أشبه الرد بالعيب فإن حكم حاكم بسقوط الخيار فقال أحمد رضى


175

الله عنه ينقض حكمه لأنه يخالف صريح السنة ويحتمل أن لا ينقض لأنه مختلف فيه ولو بذل الغرماء لصاحب السلعة ثمنها ليتركها لم يلزمه قبوله للخبر ولأنه تبرع بدفع الحق من غير من هو عليه فلم يجبر المستحق على قبوله كما لو أعسر بنفقة زوجته فبذلها غيره وسواء ملكها المفلس ببيع أو قرض لعموم الخبر ولو أصدق امرأة مالا وأفلست قبل دخوله بها ثم ارتدت أو طلقها ووجد عين ماله فهو أحق بها ولو استأجر شيئا فأفلس قبل مضي شيء من المدة فللمؤجر الرجوع فيه لأنه وجد عين ماله وإن كان بعد مضي المدة فهو غريم بالأجرة وإن كان بعد مضي شيء منها فهو غريم لأن المدة كالمبيع ومضي بعضها كتلف بعضه وقال القاضي له الفسخ فإن كان للمفلس زرع فعليه تبقيته بأجرة مثله

فصل

ولا يملك الرجوع إلا بشروط خسمة أحدها أن يجدها سالمة فإن تلف بعضها أو باعه المفلس أو وهبه أو وقفه فله أسوة الغرماء لقوله عليه السلام

من أدرك متاعه بعينه فهو أحق به والذي تلف بعضه لم توجد عينه فإن كان المبيع عبدين أو ثوبين فتلف أحدهما أو بعضه ففي السالم منهما روايتان إحداهما له الرجوع فيه بقسطه لأنه وجده بعينه والثاني لا يرجع لأنه لم يجد المبيع بعينه أشبه العين الواحدة وإن كان المبيع شجرة


176

مثمرة فتلفت ثمرتها فله أسوة الغرماء لأنهما كالعين الواحدة إلا أن تكون الثمرة مؤبرة حين البيع فاشترطها المبتاع فهما كالعينين لأن الثمرة لا تتبع الأصل فهي كالولد المنفصل وإن نقص المبيع صفة مثل أن هزل أو نسي صناعة أو كبر أو كان ثوبا فخلق لم يمنع الرجوع لأن فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين المال فيتخير بين أخذه ناقصا أو يكون أسوة الغرماء بكل الثمن وإن فقئت عينه فهو كتلف بعضه وإن شج أو جرح أو افتضت البكر فكذلك في قول أبي بكر لأنه نقص جزء ينقص قيمته فأشبه ما لو فقئت عينه وقال القاضي قياس المذهب أن له الرجوع لأنه فقد صفة فهو كالهزال ثم إن كان لا أرش له لكونه حصل بفعل الله تعالى أو فعل المفلس فلا شيء للبائع مع الرجوع وإن كان له أرش فللبائع إذا رجع أن يضرب مع الغرماء بحصة ما نقص من ثمنه فينظر ما نقص من قيمته فيرجع بقسطه من الثمن لأنه مضمون على المشتري للبائع بالثمن والأرش للمفلس على الجاني

فصل

فإن كان المبيع زيتا فخلطه بزيت آخر أولت به سويقا أو صبغا فصبغ به ثوبا أو مسامير فسمر بها بابا أو حجر فبنى به أو لوحا فجعله في سفينة أو سقف أو نحو ذلك لم يكن له الرجوع لأنه لا يقدر على أخذ


177

عين ماله في بعض الصور ولا يقدر في بعضها إلا بإتلاف مال المفلس فلا يزال الضرر بالضرر وإن كانت حنطة فطحنها أو زرعها أو دقيقا فخبزه أو زيتا فعمله صابونا أو غزلا فنسجه أو ثوبا فجعله قميصا أو حبا فصار زرعا أو بيضا فصار فرخا أو نوى فنبت شجرا أو نحوه مما يزيل اسمه فلا رجوع له لأنه لم يجد متاعه بعينه لتعذر اسمه وصفته

فصل

وإن اشترى ثوبا فصبغه أو قصره أو سويقا فلته بزيت فلصاحبهما الرجوع فيهما لأن عين مالهما قائمة مشاهدة لم يتغير اسمها ولا صفتها ويصير المفلس شريكهما بما زاد عن قيمتهما لأن ما حصل من زيادة القيمة بالصبغ وغيره فهي للمفلس لأنها حصلت بفعله في ملكه وإن نقص الثوب لم يمنع الرجوع لأنه نقص صفة فهو كالهزال وإن لم يزد بالقصارة سقط حكمها لعدم أثرها في الزيادة وإن اشترى أرضا فزرعها ثم أفلس فللبائع الرجوع فيها لما ذكرنا ويكون مبقى إلى الحصاد بغير أجرة لأن العوض في مقابلة الأرض لا في مقابلة المنفعة فإذا فسخ عادت اليه الرقبة دون المنفعة المستثناة شرعا كما لو باعه أمة فزوجها ثم رجع فيها دون منفعة بضعها


178

فصل

الشرط الثاني أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئا فإن قبض بعضه فلا رجوع له لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس ولم يكن قبض من ثمنها شيئا فهي له وإن كان قد قبض من ثمنها شيئا فهو أسوة الغرماء

رواه أبو داود ولأن في الرجوع بالباقي تبعيض الصفقة على المفلس فلم يجز كما لو لم يقبض

فصل

الشرط الثالث أن لا يتعلق بها حق غير المفلس فإن خرجت عن ملكه ببيع أو غيره لم يرجع لأنه تعلق بها حق غيره أشبه ما لو أعتقها وإن رهنها سقط الرجوع لذلك وإن تعلق بها أرش جناية سقط الرجوع لأنه يقدم على حق المرتهن فهو أولى بالمنع ويتوجه أن لا يمنع لأنه لا يمنع تصرف المشتري بخلاف الرهن فعلى هذا إن شاء رجع فيه ناقصه بمعيب الجناية وإن شاء فله أسوة الغرماء فإن كان دين الغرماء أو أرش الجناية بقدر بعضه منع الرجوع في الجميع لأنه معنى منع الرجوع في بعضها فمنعه في جميعها كبيع بعضها وقال القاضي يرجع في باقيها بقسطه لأنه لا مانع فيه وإن كان المبيع شقصا مشفوعا ففيه وجهان


179

أحدهما للبائع الرجوع اختاره ابن حامد للخبر ولأنه اذا رجع فيه عاد الشقص اليه فزال الضرر عن المبيع لعدم شركه غير البائع والثاني الشفيع أحق لأنه حقه آكد بدليل أنه ينزع الشقص من المشتري وممن نقله إليه المشتري بخلاف البائع وإن باعه المفلس أو وهبه ثم عاد اليه ففيه وجهان أحدهما له الرجوع للخبر ولأنه وجد عين ماله خاليا عن حق غيره أشبه إذا لم يبعه والثاني لا يرجع لأن هذا الملك لم ينتقل إليه منه فلم يمللك فسخه وإن كان المبيع صيدا فوجده البائع بعد أن أحرم سقط الرجوع لأنه تملك للصيد فلم يجز مع الاحرام كشرائه

فصل

الشرط الرابع كون المفلس حيا فإن مات فالبائع أسوة الغرماء لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

فإن مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء رواه أبو داود وفي لفظ

أيما امرئ مات وعنده مال امرئ بعينه اقتضى من ثمنه شيئا أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء رواه ابن ماجه ولأن الملك انتقل عن المفلس فسقط الرجوع فيه كما لو باعه


180

فصل

الشرط الخامس أن لا يزيد زيادة متصلة كالسمن والكبر وتعلم صنعة فإن وجد ذلك منع الرجوع ذكره الخرقي لأنه فسخ بسبب حادث فمنعته الزيادة المتصلة كالرجوع في الصداق للطلاق قبل الدخول وعن أحمد رضي الله عنه له الرجوع للخبر ولأنه فسخ فلم تمنعه الزيادة كالرد بالعيب فأما الزيادة المنفصلة كالولد والثمرة الظاهرة والكسب فلا يمنع الرجوع لأنه يمكن الرجوع في العين دونها والزيادة للمفلس في ظاهر المذهب لأنه نما ملكه المنفصل فكانت له كما لو ردها بعيب ورجعت إلى الزوج بالطلاق ولأن قول النبي صلى الله عليه وسلم

الخراج بالضمان يدل على أن النماء للمشتري لكون الضمان عليه وقال أبو بكر هي للبائع قياسا على المتصلة والفرق ظاهر لأن المتصلة تتبع في الفسوخ دون المنفصلة

فصل

فإن باعها حائلا فحملت فالحمل زيادة متصلة لأنه يتبع أمه في العقود والفسوخ ولا يمكن الرجوع فيها دونه فهو كالمسن ويحتمل أن يرجع فيها دون ولدها يتربص به حتى تضع لأنه جزء لانفصاله غاية فأشبه الثمرة وإن أفلس بعد وضعها فهوة زيادة منفصلة له الرجوع في الأم دون الولد


181

إلا أن تكون أمة فلا يجوز التفريق بينهما ويخير بين دفع قيمة الولد ليملكهما وبين بيعهما معاص فيكون له من الثمن ما يخص الأم وإن باعها حاملا فلم تزد قيمتها فله الرجوع وإن زادت القيمة لكبر الحمل أو وضعه فهي زيادة متصلة وإن زاد أحدهما خرج على الروايتين فيما إذا كان المبيع عينين فتلف أحدهما وقال القاضي له الرجوع فيهما على كل حال ومن جعل الحمل لا حكم له جعل حكمها حكم المبيعة حائلا سواء

فصل

فإن باع نخلا حائلا فأطلعت ثم أفلس المشتري قبل تأبيرها فالطلع زيادة متصلة لأنها اتتبع في البيع وقال ابن حامد حكمها حكم المنفصل لأنه يمكن فصله وافراده بالبيع بخلاف السمن وإن أفلس بعد تأبيرها فهي زيادة منفصلة تكون للمفلس متروكة إلى الجذاذ كما لو اشترى النخل وكذلك الحكم في سائر الشجر وفي الأرض ينبت فيها الزرع فان اتفق المفلس والغرماء على تبقيته أو قطعه فلهم ذلك وإن اختلفوا وله قيمته مقطوعا قدم قول من طلب القطع لأنه أقل عذرا ولأن الطالب للقطع إما غريم يطلب حقه أو مفلس يطلب تبرئة ذمته فإن أقر المفلس للبائع بالطلع لم يقبل إقراره لأنه يسقط حق الغرماء فلم يقبل كإقراره بغريم آخر وعلى الغرماء اليمين لأنهم لا يعلمون برجوع البائع قبل التأبير لأن


182

اليمين تثبت في جنبهم ابتداء وإن أقر الغرماء لم يقبل لأن الملك للمفلس ويحلف المفلس ويثبت الطلع له ينفرد به دونهم لإقرارهم أنه لاحق لهم فيه وله تخصيص بعضهم فيه وقسمته بينهم فمن أباه قيل له إما أن تأخذه أو تبرئه لأنه للمفلس حكما فقد قضاهم ما ثبت له فلزمهم قبوله كما لو أدى المكاتب نجومه فادعى سيده تحريمه فان قبضوا الثمرة بعينها لزمهم ردها الى البائع لإقرارهم له بها وإن قبضوا ثمنها لم يلزمهم رده لأنهم انما اعترفوا له بالعين لا بالثمن وإن شهد للبائع بالطلع وهم عدول قبلت شهادتهم لأنهم غير متهمين

فصل

وإن اشترى أرضا فغرسها أو بنى فيها ثم افلس فللبائع الرجوع في الأرض ثم إن طلب المفلس والغرماء قلع الغراس والبناء فلهم ذلك وعليهم ضمان ما نقصها القلع وتسوية الحفر لأنه نقص حصل بفعلهم لتخليص حقهم ملكهم فأشبه المشتري مع الشفيع وإن أبوا القلع فللبائع دفع قيمته ويملكه لأنه حصل لغيره في ملكه بحق فملك ذلك كالشفيع وإن أبى ذلك سقط الرجوع لأن فيه ضررا على المشتري ولأن عين ماله مشغولة بملك غيره أشبه الحجز المبني عليه هذا قول ابن حامد وقال القاضي يحتمل أن له الرجوع لأن شغل ملكه بملك غيره لا يمنع الرجوع إذا كان


183

أصلا كالثوب إذا صبغ فإذا رجع فاتفق الجميع على البيع بيع وأعطي كل واحد حقه وإن ابى بعضهم أحتمل ان يجبر عليه لأنه معنى ينفصل به أحدهما عن صاحبه أشبه ببيع الثوب المصبوغ واحتمل أن لا يجبر صاحب الأرض ويباع الشجر وحده لأنه ممكن بخلاف الصبغ

فصل

وإن اشترى غراسا فغرسه ثم أفلس فلم يزد فللبائع الرجوع فيه ويقلعه ويضمن النقص وإن أبى فبذل المفلس للغرماء قيمته ليملكوه فلهم ذلك كالتي قبلها وإن أرادوا قلعه فله ذلك ولا ضمان عليهم لأن المفلس اشتراه مقلوعا فلم يلزمهم مع رده كذلك شيء آخر ولا إبقاءه في أرضهم يغير استحقاق وإن زاد سقط الرجوع في قول الخرقي وعلى رواية الميموني يحتمل ذلك أيضا لأن النماء فيه قد حصل من أرض المفلس فلم يملك البائع أخذه ويحتمل أن له الرجوع كما لو سمن العبد من طعامه وإن اشترى من رجل أرضا ومن آخر غرسا فغرسه فيها فلصاحب الأرض الرجوع وفي صاحب الغرس التفصيل الذي ذكرناه فإن رجعا معا فالحكم فيهما كما لو كان الغرس في أرض المفلس


184

فصل

وإن أفلس وعليه دين مؤجل لم يحل لأن التأجيل حق له فلم يبطل بفلسه كسائر حقوقه قال القاضي لا يحل رواية واحدة وقال أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه يحل لأن الفلس معنى يوجب تعلق الدين بماله فأسقط الأجل كالموت فإن قلنا لا يحل اختص أصحاب الديون الحالة بماله دونه لأنه لا يستحق استيفاء حقه قبل أجله وإن حل دينه قبل القسمة شاركهم لمساواته إياهم باستيفائه فأشبه من تجدد له دين بجناية المفلس عليه وإن أدرك بعض المال شاركهم فيه لذلك فإن كان المؤجل برهن خص به لأن حقه تعلق بعينه فإن وجد عين ماله فقال أحمد يكون موقوفا إلى أن يحل فيختار الفسخ أو الترك لأن حقه تعلق بالعين فقدم على غيره كالمرتهن فإن كان ماله سلما فأدرك عين ماله رجع فيها وإن لم يدركها وحل دينه قبل القسمة ضرب بالمسلم فيه وأخذ بقسطه من جنس حقه ودفع اليه ولا يجوز أن يأخذ غير ما أسلم فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم

من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره

فصل

فإن مات إنسان وعليه دين مؤجل ففيه روايتان إحداهما لا يحل اختارها الخرقي لقول النبي صلى الله عليه وسلم

من ترك حقا فلورثته

والتأجيل حق له فينتقل إلى ورثته لأنه لا يحل به ماله فلم يحل ما عليه


185

والثانية يحل لأن بقاءه ضرر على الميت لبقاء ذمته مرتهنة به وعلى الوارث لمنعه التصرف في التركة وعلى الغريم تأخير حقه وربما تلفت التركة وعلى كلتا الروايتين يتعلق الحق بالتركة كتعلق الأرش بالجاني ويمنع الوارث التصرف فيها الا برضى الغريم أو توثيق الحق بضمين مليء أو رهن يفيء بالحق إن كان مؤجلا فإنهم قد يكونون أملياء فيؤدي تصرفهم إلى فوات الحق فإن تصرفوا قبل ذلك صح تصرفهم كتصرف السيد في الجاني ويلزمهم أقل الأمرين من قضاء الدين أو قيمة التركة لأنه لا يلزمهم أكثر من وفاء الدين ولا أكثر من التركة ولهذا لو كانت باقية لم يلزمهم أكثر من تسليمها وإن تلفت التركة قبل التصرف فيها والتوثيق منها سقط الحق كما لو تلف الجاني وإن قضى الورثة الدين من غير التركة أو منها جاز وإن أبى الجميع باع الحاكم من التركة ما يقضي به الدين وإن مات المفلس وعليه دين مؤجل فوثق الورثة للمؤجل اختص أصحاب الحالة بالتركة فإن أبوا ذلك حل دينه فشاركهم لئلا يفضي إلى اسقاط دينه بالكلية

فصل

وإذا حجر على المفلس وهو ذو كسب يفيء بمؤنته ومؤنة من تلزمه مؤنته فذلك في كسبه لأن ماله لا يخرج فيما لا حاجة إلى اخراجه فيه وإن لم يف كسبه بمؤنته كملناها من ماله وإن لم يكن ذا كسب أنفق عليه وعلى


186

من تلزمه مؤنته من ماله بالمعروف في مدة الحجر لقول النبي صلى الله عليه وسلم

أبدأ بنفسك ثم بمن تعول

وفيمن يعوله من تكون نفقته ديناص كالزوجة فاذا قدم نفقة نفسه على نفقة الزوجة وجب تقديمها على سائر الديون ولأن تجهيز الميت يقدم على دينه اتفاقا فنفقة الحي أولى لأن حرمته آكد من حرمة الميت ويقدم نفقة من تلزمه مؤنته من أقاربه لأنهم جروا مجراه وكذلك عتقوا عليه إذا ملكهم وكذلك نفقة زوجته لأنها آكد من نفقة اقاربهم وتجب كسوتهم أيضا لأن ذلك مما لا بد منه ويكون ذلك من أدنى ما ينفق على مثلهم أو يكتسى مثلهم فإن كانت لهم ثياب هي أرفع من كسوة مثلهم بيعت واشترى لهم كسوة مثلهم ورد الفضل على الغرماء وإن مات منهم ميت كفن من ماله لأنه يجري مجرى كسوة الحي ويكفن في ثلاثة أثواب كغيره ويحتمل أن يكفن في ثوب واحد لأن الزائد فضل يستغنى عنه ولا تباع داره التي لا غناء له عن سكناها لأنه لا بد منه أشبه الكسوة فإن كانت واسعة يكفيه بعضها بيع الفاضل منها إن أمكن وإلا بيعت كلها واشتري له مسكن مثله وإن لم يكن له مسكن استؤجر له مسكن لأن ذلك مما لا بد منه ورد الفضل على الغرماء ولا يباع خادمه الذي لا يستغنى عن خدمته وإن كان مسكنه وخادمه وثيابه أعيان أموال الناس أفلس بها ووجدوها فلهم أخذها للخبر ولأن حقوقهم تعلقت


187

بالعين فكانت أقوى من غيرها ويحتمل أن لم يكن له مسكن ولا خادم فاستدان ما اشتراهما به وأفلس بذلك الدين أن يباع مسكنه وخادمه لأنهما بأموال الغرماء فتبقيتهما له إضرار بهم وفتح باب الحيلة للمفاليس في استدانة ما يشترون به ذلك فيبقى لهم

فصل

وإذا قسم ماله ين غرمائه ففيه وجهان أحدهما يزول الحجر عنه لأن المعنى الذي حجر عليه من أجله حفظ المال وقد زال ذلك فيزول الحجر لزوال سببه والثاني لا يزول إلا بفك الحاكم له لأنه حجر ثبت بالحاكم فلا يزول إلا به كالحجر على السفيه وإذا فك الحجر عنه فلزمته ديون ثم حجر عليه ثانيا شارك غرماء الحجر الأول غرماء الحجر الثاني إلا أن والأولين يضربون ببقية ديونهم والآخرين يضربون بجميع ديونهم


188

باب الحجر يحجر على الانسان لحق نفسه لثلاثة أمور صغر وجنون وسفه لقول الله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم النساء 6 فدل على أنه لا تسلم إليهم قبل الرشد وقوله ولا تؤتوا السفهاء أموالكم النساء 5 ولأن إطلاقهم في التصرف يفضي إلى ضياع أموالهم وفيه ضرر عليهم ويتولى الأب مال الصبي والمجنون لأنها ولاية على الصغير فقدم فيها الأب كولاية النكاح ثم وصية بعده لأنه نائبه فأشبه وكيله في الحياة ثم الحاكم لأن الولاية من جهة القرابة قد سقطت فثبت للسلطان كولاية النكاح ولا تثبت لغيرهم لأن المال محل الخيانة ومن سواهم قاصر الشفقة غير مأمون على المال فلم يله كالأجنبي ومن شرط ثبوت الولاية العدالة بلا خلاف لأن في تفويضها إلى الفاسق تضييعا لماله فلم يجز كتفويضها إلى السفيه

فصل

وليس لوليه التصرف في ماله بما لاحظ له فيه كالعتق والهبة والتبرعات والمحاباة لقول الله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن الأنعام 152 وقوله عليه السلام


189

لا ضرر ولا ضرار

من المسند وفي هذه اضرار فلا يملكه ولا يأكل من ماله إن كان غنيا لقوله سبحانه ومن كان غنيا فليستعفف السناء 6 ومن كان فقيرا جاز لقول الله تعالى ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف وليس له إلا أقل الأمرين من اجرته أو قدر كفايته لأنه لا يستحقه بالعمل والحاجة معا فلم يملك إلا ما وجدا فيه ثم إن كان أباص فلا شيء عليه لأن له أن يأخذ من مال ولده وإن كان غيره ففيه روايتان إحداهما يضمن عوض ما أكله إذا أيسر لأنه استباحة للحاجة فلزمه عوضه كالمضطر والثانية لا شيء عليه لأن الله تعالى أمر بالأكل ولم يذكر عوضا ولأنه أجيز له الأكل بحق الولاية فلم يضمنه كرزق الإمام من بيت المال وإذا كان خلط مال اليتيم بماله أرفق له مثل أن يكون ألين في الخبز وأمكن من الأدم خلطه وإن كان إفراده خيرا له أفراده لقول الله تعالى ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم البقرة 220

فصل

وله أن يتجر بماله لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

من ولي يتيما فليتجر بماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة

رواه الترمذي ولأنه أحظ لليتيم لتكون نفقته من ربحه كما يفعل البالغ في ماله ولا يتجر إلا في المواضع


190

الآمنة لئلا يغرر بماله والربح كله لليتيم لأن المضارب إنما يستحق بعقد وليس له أن يعقد مع نفسه لنفسه فإن أعطاه لمن يضارب له به جاز لأن العلاء بن عبد الرحمن روى عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب أعطاه مال يتيم مضاربة ولأن ذلك يفعله الإنسان في مال نفسه طلبا للحظ وللمضارب من الربح ما وافقه الولي عليه لأن الولي نائبه فيما فيه مصلحته وهذا من مصلحته فجاز كفعله له في ماله

فصل

ويجوز أن يشتري له العقار لأن الحظ فيه يحصل منه الفضل ويبقى الأصل فهو أحظ من التجارة وأقل غررا وله أن يبنيه لأنه في معنى الشراء قال أصحابنا ويبنيه بالآجر والطين ليسلم الآجر عند انهدامه والصحيح أنه يبنيه بما جرت عادة أهل بلده لأنه احظ وأقل ضررا ولا يجوز تحمل ضرر عاجل لتوهم نفع عند الهدم فالظاهر أنه لا ينهدم إلا بعد زوال ملكه عنه ولا يجوز بيع عقاره من غير حاجة لما فيه من تفويت الحظ الحاصل به ويجوز للحاجة قال أصحابنا لا يجوز إلا لحاجة إلى نفقة أو قضاء دين أو غبطة لزيادة كثيرة في ثمنه كالثلث فما فوقه والمنصوص أن للوصي بيعه إذا كان نظرا لهم من غير تقييد بهذين وقد يكون الحظ بيعه لغير هذا لكونه في مكان لا غلة له أو له غلة يسيرة فيبيعه ويشتري


191

بثمنه ما يكثر عليه أو يكون له عقاران يعمر أحدهما بثمن الآخر فلا وجه لتقييده بهذين

فصل

ولا يجوز أن يودع ماله إلا لحاجة ولا يقرضه إلا لحظه مثل أن يخاف هلاكه او نقصانه ببقائه فيقرضه ليستوفيه كاملا ولا يقرضه إلا لمليء يأمن جحده أو مطله ويأخذ بالعوض رهنا استيثاقا له وإن لم يأخذ جاز في ظاهر كلامه وإن أراد الولي السفر لم يكن له المسافرة بماله لأنه يخاطر به لكنه يقرضه أو يودعه أمينا والقرض أولى لأنه مضمون بخلاف الوديعة

فصل

وله كتابه رقيقه وعتقه على مال للحظ فيه مثل ان يكاتبه أو يعتقه بمثلي قيمته لأنها معاوضة فتجوز للحظ فيها كالبيع ولا يجوز ذلك بمثل قيمته لأنه لاحظ فيه قال أبو بكر يتوجه جواز العتق بغير عوض للحظ مثل أن يكون له جارية وابنتها يساويان مائة لأجل اجتماعهما وتساوي إحداهما مفردة مائتين فتساوي قيمة الباقية مثلي قيمتها مجتمعتين


192

فصل

وينفق عليه نفقة مثله بالمعروف من غير إسراف ولا إقتار لقول الله تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا الفرقان 67 ويقعده في المكتب بغير إذن الحاكم ويؤدي أجرته لأن من مصالحه العامة فجرى مجرى نفقته ويشتري له الأضحية إن كان موسرا لأن فيه توسعة للنفقة عليه في يوم جرت العادة بها وتطييبا لقلبه فجرى مجرى رفيع الثياب لمن عادته ذلك

فصل

وللأب بيع ماله بماله لأنه غير متهم عليه لكمال شفقته وليس ذلك للوصي ولا لحاكم لأنهما متهمان في طلب الحظ لأنفسهما فلم يجز ذلك لهما

فصل

وإذا زال الحجر عنه فادعى وليه الانفاق عليه أو تلف ماله فالقول قوله لأنه أمين عليه فقبل قوله كالمودع وإن ادعى أنه لاحظ في بيع عقار لم يقبل إلا ببينة وإن قال الولي أنفقت عليك عامين فقال ما مات أبي إلا منذ عام فالقول قول الغلام لأن الأصل حياة أبيه وقد اختلفا فيما ليس الوصي أمينا فيه فكان القول قول مدعي الأصل


193

فصل

وإذا بلغ الصبي وعقل المجنون ورشد انفك الحجر عنهما ولا ينفك قبل ذلك لقول الله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم سورة النساء 6 وقسنا عليهم المجنون لأنه في معناهم والبلوغ للغلام بأحد ثلاثة أشياء أحدها إنزال المني لقول الله تعالى وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا النور 24 وقول النبي صلى الله عليه وسلم

رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم رواه أبو داود والثاني كمال خمسة عشر سنة لما روي ابن عمر قال عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني في القتال وعرضت عليه وأنا ابن خمسة عشر فأجازني متفق عليه والثالث إنبات الشعر الخشن حول القبل لما روى عطية القرظي قال عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فشكو في فأمر رسول الله أن ينظر إلي هل أنبت فنظروا فلم يجدوني أنبت فخلوا عني وألحقوني بالذرية متفق عليه ولأنه خارج يلازمه البلوغ غالبا يستوي فيه الذكر والأنثى فكان بلوغا كالاحتلام وبلوغ المرأة بهذه الثلاثة وتزيد بشيئين الحيض لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم

لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار

رواه الترمذي


194

وقال حديث حسن ولأنه خارج يلازم البلوغ غالبا أشبه المني والثاني الحمل لأنه لا يكون إلا من المني فإذا ولدت المرأة حكمنا ببلوغها حين حكمنا بحملها فإن كان خنثى مشكل فحيضه علم على بلوغه وكونه امرأة وخروج المني من ذكره علم على بلوغه وكونه رجلا لأن الحيض من الرجل ومني الرجل من المرأة مستحيل او نادر وقال القاضي ليس ذلك بدليل لجواز أن يكون من خلقة زائدة لكن إن اجتمعا فقد بلغ لأنه إن كان رجلا فقد أمنى وإن كانت امرأة فقد حاضت

فصل

ويستوي الذكر والأنثى في أنه ينفك عنه الحجر برشده وبلوغه للآية ولأن المرأة أحد نوعي الآدميين فأشبهت الرجل وعنه لا يدفع إليها مالها حتى تلد أو تتزوج ويمضي عليها حول في بيت الزوج لأن ذلك يروى عن عمر رضي الله عنه فإن لم تتزوج فقال القاضي عندي أنه يدفع إليها مالها إذا عنست وبرزت للرجال

فصل

والرشد الصلاح في المال لأن ابن عباس قال في قوله تعالى

فإن آنستم منهم رشدا النساء 6 قال إصلاحا في أموالهم ولأن الحجر عليه


195

لحفظ ماله فيزول بصلاحه كالعدل ولأن الفسق معنى لو طرأ بعد الرشد لم يوجب الحجر فلم يمنع من الرشد كالمرض فإن كان فسقه يؤثر في تلف ماله كشراء الخمر ودفعها في الغناء والقمار فليس برشيد لأنه مفسد لماله

فصل

وإنما يعرف رشده باختياره لقول الله تعالى وابتلوا اليتامى النساء 6 يعني اختبروهم واختبارهم تفويض التصرفات التي يتصرف فيها أمثالهم إليهم من تجارة أو نيابة ويفوض إلى المرأة ما يفوض إلى ربة البيت من استئجار الغزالات وتوكيلها في شراء الكتان والاستيفاء عليهن ووقت الاختبار قبل البلوغ في ظاهر المذهب لقوله سبحانه وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح النساء 6 ولأن تأخيره يؤدي إلى الحجر على البالغ الرشيد حتى يختبره ولا يختبر إلا المراهق المميز الذي يعرف البيع والشراء فإذا تصرف بإذن وليه صح تصرفه لأنه متصرف بأمر الله فصح تصرفه كالرشيد وفيه وجه آخر لا يختبر إلا بعد البلوغ لأنه قبله ليس بأهل مبيع للتصرف لأنه لم يوجد البلوغ الذي هو مظنة العقل فكان عقله بمنزلة المعدوم وفي تصرف الصبي المميز بإذن وليه روايتان بناء على هذا وأما غير المأذون فلا يصح تصرفه إلا في الشيء اليسير لأن أبا الدرداء اشترى من صبي عصفورا فأرسله


196

فصل

ومن لم يؤنس منه رشد لم يدفع إليه ماله ولم ينفك الحجر عنه وإن صار شيخا للآية ولأنه غير مصلح لماله فلم يدفع إليه كالمجنون وإن فك الحجر عنه فعاود السفه أعيد عليه الحجر لما روى عروة بن الزبير أن عبد الله بن جعفر ابتاع بيعا فأتى الزبير فقال إني قد ابتعت بيعاص وإن عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين عثمان فيسأله الحجر علي فقال الزبير أنا شريكك في البيع فأتى علي عثمان فقال إن ابن جعفر قد ابتاع بيع كذا فحجر عليه فقال الزبير أنا شريكه فقال عمثان كيف احجر على رجل شريكه الزبير وهذه قصة يشتهر مثلها فلم تنكر فتكون إجماعا ولأن السفه يقتضي الحجر لو قارن فيقتضيه إذا طرأ كالجنون ولا يحجر عليه إلا الإمام أو نائبه لأن عليا سأل عثمان الحجر على ابن جعفر ولم يفعله بنفسه ولأن معرفة التبذير تحتاج إلى نظر لأن الغبن قد يكون تبذيرا وقد يكون غير تبذير فيحتاج إلى نائب الإمام كالحجر للفلس ولأنه يختلف فيه أشبه الحجر للفلس ولا يلي عليه الا الإمام أو نائبه لأنه حجر ثبت به فكان هو الولي كحجر المفلس


197

فصل

ويستحب الإشهاد عليه وإظهار الحجر لتجتنب معاملته فمن عامله ببيع أو قرض لم يصح ول يثبت به الملك فإن وجد المعامل له مالا اخذه وإن أتلفه السفيه فهو من ضمان مالكه علم أو لم يعلم لأنه سلطه عليه برضاه وإن غصب مالا أو أتلفه ضمنه لأن صاحبه لم يرض ذلك ولأن الحجر على الصبي والمجنون لا يسقط عنهما ضمان المتلف فهذا أولى فإن أودع مالا فتلف لم يضمنه سواء فرط في الحفظ أو لم يفرط لأنه تلف بتفريط صاحبه بتسليمه إليه وإن أتلفه ففيه وجهان أحدهما يضمنه لأن صاحبه لم يرض إتلافه أشبه المغصوب والثاني لا يضمنه لأن صاحبه فرط في التسليم إليه وإن أقر بمال لم يلزمه حال حجره لأنه حجر عليه لحظه فلم يقبل إقراره بالمال كالصبي والمجنون ولأن قبول إقراره يبطل معنى الحجر لأنه يداين الناس ويقر لهم قال أصحابنا ويلزمه ما أقر به بعد فك الحجر عنه كالمفلس وفيه نظر لأن الحجر عليه لعدم رشده فهو كالصبي ولأن ثبوت اقراره في ذمته لا يفيد الحجر معه إلا تأخير الضرر إلى أكمل حالتيه إلا أن يريدوا أنه يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى فأما إن كان ثابتا في ذمته فلا يسقط بالحجر عليه وإن أقر بحد أو قصاص لزمه لأنه محجور عليه في ماله لا في نفسه فإن عفا ولي القصاص إلى مال ففيه وجهان أحدهما له ذلك لأن من ثبت


198

له القصاص ثبتت له الخبرة كما لو ثبت ببينة والثاني لا يصح لئلا يواطئ من يقر له بالقصاص ليعفو على مال يأخذه وإن أقر بنسب قبل لأنه ليس بمال وينفق على الغلام من بيت المال لأن إقراره السفيه بما يوجب المال غير مقبول وإن طلق امرأته صح لأن الحجر يحفظ المال والطلاق يوفره ولا يضيعه فإن خالع جاز لأنه إذا جاز الطلاق بغير مال فبالمال أولى ولا تدفع المرأه إليه المال فإن فعلت لم يصح القبض ولم تبرأ منه إلا بالدفع إلى وليه وإن تلف كان من ضمانها

فصل

وإن أذن له الولي في النكاح صح منه لأن حاجته تدعوه إلى ذلك وليس بآلة للتبذير وقال القاضي يصح من غير إذن الولي لما ذكرنا وإن أذن له في البيع ففيه وجهان أحدهما يصح منه لأنه عقد معاوضة فصح منه بالإذن كالنكاح والثاني لا يصح لأن المقصود منه المال وهو محجور عليه فيه ولأن الحجر عليه لتبذيره فالإذن له إذن فيما لا مصلحة فيه وإن حلف انعقدت يمينه لانه مكلف ويكفر بالصوم لأنه ممنوع من التصرف في المال فأشبه العبد وإن أحرم بالحج صح لأنه من أهل العبادات فإن كان فرضا لزمه إتمامه ويجب الإنفاق عليه إلى أن يفرغ منه لأنه مال يحتاج إليه لأداء الفرض فوجب وإن كان تطوعا لا تزيد نفقته على نفقة الإقامة


199

أو تزيد وله كسب إذا اضافه إليها أمكنه الحج لزمه اتمامه وإن لم يكن كذلك ففيه وجهان أحدهما على الولي تحليله لأن في اتمامه تضييعا للمال فيما لا يلزمه الثاني ليس له تحليله بناء على إحرام العبد بغير إذن سيده ويتحلل بالصوم كالعيد

فصل

وإن وجب له القصاص فله استيفاؤه لأن القصد التشفي ودرك الثأر وله العفو على مال لانه تحصيل فإن عفا إلى غير مال وقلنا الواجب القصاص عينا سقط إلى غير شيء وإن قلنا الواجب أحد شيئين وجبت الدية لأنه ليس له إسقاط المال

فصل

ولا ينفذ عتقه لأنه إتلاف لماله وحكي عنه أنه يصح لأنه مكلف مالك أشبه الراهن ويصح تدبيره ووصيته لأنه محض مصلحة لتقربه به إلى الله تعالى عند غنائه عن المال وإن نذر عبادة بدنية انعقد نذره لأنه لا حجر عليه في بدنه وإن نذر صدقة مال لم يصح ويكفر عن نذره بالصيام وقياس قول أصحابنا أنه يلزمه الوفاء به عند فك حجره كالإقرار


200

فصل

وهل للمرأة الرشيدة التبرع من مالها بغير أذن زوجها فيه روايتان إحداهما لها ذلك لقوله تعالى فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم النساء 6 وقول النبي صلى الله عليه وسلم

يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن

وقبوله لصدقتهن حين تصدقن ولأن من وجب دفع ماله إليه لرشده نفذ تصرفه فيه بغير إذن غيره كالرجل وعنه لا تهب شيئا إلا بإذن زوجها ولا ينفذ عتقها لما روى عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لايجوز لأمرأة عطية إلا بإذن زوجها

رواه أبو داود وكلام أحمد عام في القليل والكثير وقال أصحابنا لها التبرع بالثلث فما دون وما زاد فعلى روايتين

فصل

وهل لها الصدقة من ماله بالشيء اليسير بغير إذنه فيه روايتان إحداهما لها ذلك لأن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

ما أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها وله مثله بما كسب ولها بما أنفقت وللخازن مثل ذلك من غير أن ينقص من أجورهم شي

وعن أسماء أنها قالت يا رسول الله ليس لي شيء إلا ما أدخل على الزبير فهل علي جناح أن أرضخ مما أدخل علي قال ارضخي ما استطعت ولا توعي فيوعي الله عليك


201

ولأن العادة السماح بذلك فجرى مجرى صريح الإذن والثانية لا يجوز لما روى أبو أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

لا تنفقن المرأة شيئا من بيتها إلا بإذن زوجها قيل يا رسول الله ولا الطعام قال ذلك أفضل أموالنا رواه سعيد والترمذي ولأنه تبرع بمال غيرها فلم يجز كالصدقة بثيابه والله تعالى أعلم


202

كتاب الصلح

وهو ضربان أحدهما الصلح في الأموال وذلك نوعان أحدهما الصلح على الإنكار مثل أن يدعي على انسان عينا في يده أو دينا في ذمته لمعاملة أو جناية أو اتلاف أو غصب أو تفريطا في وديعة أو مضاربة أو نحو ذلك فينكره ثم يصالحه بمال فإنه يصح اذا كان المنكر معتقدا بطلان الدعوى فيدفع المال افتداء ليمينه ودفعا للخصومة عن نفسه والمدعي يعتقد صحتها فيأخذه عوضا عن حقه الثابت له لأنه يصح مع الأجنبي فيصح من الخصمين كالصلح في الإقرار ويكون بيعا في حق المدعي لأنه يأخذ المال عوضا عن حقه فيلزمه حكم اقراره حتى لو كان العوض شقصا وجب الشفعه وان وجد به عيب فله رده ويكون ابراء في حق المنكر لاعتقاده أن ملكه للمدعي لم يتجدد بالصلح ولأنه انما دفع المال افتداء لنفسه لا عوضا فلو كان المدعي شقصا لم تجب فيه شفعة ولو وجد به عيبا لم يملك رده كمن اشترى عبدا قد أقر بحريته فإن كان أحدهما يعلم كذب نفسه فالصلح باطل في الباطن وما يأخذه بالصلح حرام لأنه يأكل مال


203

أخيه بباطله ويستخرجه منه بشره وهو في الضاهر صحيح لأن ضاهر حال المسلمين الصحة والحق فإن صالح عن المنكر أجنبي صح فان كان باذنه فهو وكيله وقائم مقامه وان كان بغير اذنه فهو افتداء له وابراء لذمته من الدين أو الدعوى وذلك جائز بغير اذنه بدليل أن أبا قتادة قضى دين الميت ولا اذن له لكن ان كان بغير اذنه لم يرجع عليه لأن الدين لم يثبت عليه ولأنه أدى عنه ما يلزمه أداؤه فكان متبرعا وان كان باذنه رجع عليه لأنه وكيله وان صالح الأجنبي عن نفسه ليصير الحق له من غير اعتراف للمدعي بصحة الدعوى لم يصح لأنه يشتري ملك غيره وان اعترف بصحة دعواه والمدعى دين لم يصح لأن بيع الدين لايصح مع الإقرار فمع الانكار أولى وان كان عينا لايقدر المصالح على تحصيلها لم يصح لأن بيعها لايصح مع الاقرار فمع الإنكار أولى وان كان يقدر على استنقاذها صح لأنه اشترى منه ماله الممكن تسلمه فصح كما قلنا في بيع المغصوب ثم ان قدر على انتزاعها استقر الصلح وان عجز فله الفسخ لأنه لم يسلم له المعقود عليه فرجع في بدله فان قال الأجنبي للمدعي أنا وكيل المنكر في صلحك وهو معترف لك في الباطن جاحد في الظاهر فصالحه لم يصح لأن الصلح في هذه الحال لايصح من المنكر فكذلك من وكيله وقال القاضي يصح ومتى صدقه المنكر ملك العين ولزمه ما أدى عنه وان أنكر حلف


204

وبرىء وان دفع المدعي الى المنكر مالا ليقر له ففعل ثبت الحق وبطل الصلح لأنه يجب عليه الاقرار بالحق فلم يحل له أخذ العوض عما وجب عليه ولو صالح امرأة لتقر له بالزوجية أو بالرق لم يصح لذلك ولأنه يحرم عليها بذل نفسها لمن يطأها بعوض وان بذلت عوضا للمدعي عن دعواه صح لأنها تدفع شره عن نفسها ويأخذ العوض عن حقه فيها كعوض الخلع وقيل لايصح في الزوجية لأن الزوج لايأخذ عوضا عن الزوجة في غير الخلع ولو صالح شاهدا ليترك الشهادة عليه أو سارقا لئلا يرفعه الى السلطان فالصلح باطل لأنه لايحل أخذ العوض عن ترك الشهادة الواجبة وليس رفعه الى السلطان حقا يجوز الاعتياض عنه

فصل

النوع الثاني الصلح مع الاعتراف وهو ثلاثة أقسام أحدها أن يعترف له بدين فيبرئه من بعضه ويستوفي باقيه فلا بأس بذلك لأن الانسان لايمنع من اسقاط حقه ولا من استيفائه قال أحمد رضي الله عنه ولو شفع فيه شافع لم يأثم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كلم غرماء جابر فوضعوا عنه الشطر وكلم كعب بن مالك فوضع عن غريمه الشطر ويجوز للقاضي فعل ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وان أمكن الغريم الوفاء فامتنع حتى أبرىء


205

من بعضه لم يجز لأنه هضم للحق وأكل مال بالباطل وإن قال الغريم أبرأتك من بعضه بشرط أن توفيني بقيته أو على أن توفيني أو لتوفيني باقيه صح لم يصح لأنه جعل ابراءه عوضا عما أعطاه فيكون معاوضا لبعض حقه ببعض ولا يصح بلفظ الصلح لأن معنى صالحني عن المائة بخمسين أي بعني وذلك غير جائز لما ذكرنا ولأنه ربا ولو صالحه عن مائة مؤجلة بخمسين حالة لم يجز لذلك لأن بيع الحلول غير جائز وان صالحه عن الحالة بأقل منها مؤجلة لم يصح لأن الحال لايتأجل بالتأجيل ولا يسقطه الا مقابل له الا أن يسقطه اختيارا منه بغير عوض ولو اعترف له بداره فصالحه على أن يسكنه فيها مدة أو يبني عليها غرفة ونحو ذلك لم يصح لأنه لاعوض له

فصل

القسم الثاني أن يعترف له بعين في يده فيهب له بعضها ويستوفي باقيها فيصح لما ذكرنا في الابراء اذا فعل هذا اختيارا من غير منع الغريم ووهب له بغير شرط كما ذكرنا في الإبراء


206

فصل

القسم الثالث أن يعترف له بعين أو دين فيصالحه على غيره وذلك ثلاثة أضرب أحدها أن يعترف له بنقد فيصالحه على نقد فهذا صرف يعتبر له شروطه الثاني أن يعترف له بنقد فيصالحه علىعرض أو بعرض فيصالحه على نقد أو عرض فهذا بيع تثبت فيه أحكامه كلها الثالث أن يعترف له بعرض أو نقد فيصالحه على منفعة كسكنى دار أو خدمة فهذا اجارة تثبت فيه أحكامها ولو تلفت العين التي صالح عليها بطل الصلح فان كان قد مضى بعض المدة بطل فيها بقي بقسطه ولو اعترفت المرأة بدين فصالحته على أن تزوجه نفسها صح وكان صداقا لها ولو اعترفت له بعيب في مبيع فصالحته على نكاحها صح فان زال العيب رجع بأرشه لأنه الصداق ولم يسم الخرقي الصلح في الإنكار صلحا

فصل

واذا اعترف له بشيء لم يجز أن يصالح بأكثر منه من جنسه لأن الزائد لا مقابل له ولو اعترف بقتل خطأ فصالحه بأكثر من الدية من جنسها لم يجز وان كان من غير جنسها جاز لأنه معاوضة ولو أتلف شيئا قيمته مائه فصالحه على مائه وعشرة لم يجز لذلك وان صالحه على عرض


207

جاز وان كثر لأنه بيع ولو أجل العوض الواجب بالإتلاف لم يصر مؤجلا بتأجيله

فصل

وصلح المكاتب والمأذون له من العبيد والصبيان من دين له ببعضه لا يصح الا اذا كان لهم به بينة وأقر لهم به لأنه تبرع وليس لهم التبرع فان كان على الانكار صح لأن استيفاءهم للبعض عند العجز عن استيفاء الكل أولى من تركه

فصل

ويصح الصلح عن المجهول الذي لا سبيل الى معرفته عينا كان أو دينا لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في رجلين اختصما اليه في مواريث درست ( استهما وتوخيا الحق وليحلل أحدكما صاحبه ( وسواء كان الجهل من الجانبين كالحقوق الدارسة أو ممن عليه الحق لأن الحاجة تدعوا اليه فأما ما يمكن معرفته فلا يجوز قال أحمد ان صالحوا امرأة من ثمنها لم يصح ولو قال الوراث لبعضهم نخرجك عن الميراث بألف أكره ذلك حتى يعرفه ويعلم ما هو انما يصالح الرجل عن الشيء لا يعرفه ولا يدري ما هو أو يكون رجلا يعلم ما له على الآخر والآخر لايعرفه فيصالحه


208

فأما اذا علم فلم يصالحه انما يريد أن يهضم حقه ولأن هذا لا حاجة اليه فلم يجز كبيع المجهول

باب
الصلح فيما ليس بمال يصح الصلح عن دم العمد بما يزيد على الدية وينقص عنها لأن المال لم يتبين فإن خرج العوض حرا أو مستحقا رجع بقيمته ولو صالح عن دار فخرج العوض مستحقا رجع في الدار لأنه بيع فإذا فسد عوضه تبينا فساده والصلح في الدم اسقاط فلم يعد بعد سقوطه ورجع ببدل العوض وهو القيمة

فصل

وإذا أراد أن يجري في أرض غيره ماء له غناء عن إجرائه فيها لم يجز الا برضاه لأن فيه تصرفا في أرض غيره بغير إذنه فلم يجز كالزرع فيها فإن صالحه على موضع القناة جاز إذا بينا موضعها وطولها وعرضها لأنه بيع لموضع من أرضه ولا حاجة إلى بيان عمقها لأن قرارها لمشتريها يعمق ما شاء وإن شرط أن أرضهما لرب الأرض كان أجاره يفتقر إلى معرفة عمقها ومدتها كإجارتها للزرع وإن كان رب الأرض مستأجرا


209

لها جاز أن يصالح على إجراء ماء فيها في ساقية محفورة مدة لا تتجاوز مدة إجارته وليس له حفر ساقية لأنه إحداث شيء لم تتناوله الإجارة وكذلك إن كانت الأرض وقفا عليه وإن صالح رجلا على أن يجري على سطحه أو أرضه ماء المطر جاز إذا كان السطح الذي يجري ماؤه معلوما لأن الماء يختلف بصغره وكبره ومعرفة موضع الميزاب الذي يجري الماء إليه لأن ضرره يختلف ولا يفتقر إلى ذكر المدة لأن الحاجة تدعوة إلى هذا ولأن هذا لا يستوفي به منافع السطح بخلاف الساقية ومن كانت له أرض لها ماء لا طريق له إلا في أرض جاره وفي إجرائه ضرر بجاره لم يجز الا بإذنه لأنه لا يملك الإضرار به بالتصرف في ملكه بغير إذنه وإن لم يكن فيه ضرر ففيه روايتان إحداهما لا يجوز لما تقدم والثانية يجوز لما روي أن الضحاك بن خليفة ساق خليجا من العريض فأراد أن يمر به على محمد بن مسلمة فمنعه فقال له عمر لم تمنع جارك ما ينفعه ولا يضرك تشربه أولا وآخرا فقال له محمد لا والله فقال عمر والله ليمرن به ولو على بطنك فأمره عمر رضي الله عنه أن يمر به ففعل رواه سعيد ولأنه نفع لا ضرر فيه فأشبه الاستظلال بحائطه


210

فصل

ولا يجوز أن يشرع إلى الطريق النافذ جناحا وهو الروشن على أطراف خشب مدفونة في الحائط ولا ساباطا وهو المستولي على هواء الطريق على حائطين لأنه بناء في ملك غيره بغير إذنه فلم يجز كالبناء في أرض الطريق ولا ميزابا ولا يبني فيها دكة لذلك لأنه يضر بالمارة أشبه بناء بيت ولا يباح ذلك بإذن الإمام لأنه ليس له الإذن فيما يضر بالمسلمين وسواء أضر في الحال أو لم يضر لأن هذا يراد للدوام وقد يحدث الضرر فيه وقال ابن عقيل يجوز أن يأذن الأمام فيما لا ضرر فيه لأنه نائب عن المسلمين فجرى مجرى إذنه في الجلوس

فصل

ولا يجوز أن يفعل هذا في ملك إنسان ولا درب غير نافذ إلا بإذن أهله لأنه حقهم فلم يجز التصرف فيه بذلك بغير إذنهم فإن صالحه المالك أو أهل الدرب بشيء معلوم جاز لأنه يجوز بإذنهم بغير عوض فجاز بعوض كما في القرار وقال القاضي لا يصح الصلح عن الجناح والساباط لأنه تبع للهواء دون القرار


211

فصل

وإذا حصلت أغصان شجرته في هواء ملك غيره فطالبه بإزالتها لزمه ذلك لأن هواء ملكه ملكه فإن لم يزله فلمالك الأرض إزالتها بالقطع وغيره كما لو دخلت بهيمة جاره داره ملك إخراجها فإن صالحه على تركها بعوض جاز عند ابن حامد وابن عقيل لأن الجهالة هاهنا لا تمنع التسليم فلم تمنع الصحة كالصلح عن المواريث الدارسة ولأن هذا مما يحتاج إليه ويسامح فيه فجرى مجرى سمن المستأجر للركوب وهزاله وقال القاضي يصح في اليابس المعتمد على حائط ولا يصح في الرطب لأنه يزيد ويتغير ولا في غير المعتمد لأنه لا قرار له وقال أبو الخطاب لا يصح في الجميع لأن الرطب يزيد ويتغير واليابس ينقص ويذهب وإن صالحه بجزه من ثمرتها معلوم ففيه وجهان أحدهما المنع للجهالة فيه وفي عوضه والثاني يجوز لان هذا يكثر في الأملاك المتجاورة وفي القطع إتلاف وإضرار فدعت الحاجة إلى الصلح بجزء من الثمرة لأنه أسهل ولو امتدت عروق شجرة حتى أثرت في بناء غيره أو بئره فعليه إزالته لأن قرار ملك الإنسان ملكه فهو كهوائه ولو مال حائطه إلى ملك جاره أو طريق لزمه إزالته


212

فصل

ليس للانسان أن يفتح في حائط جاره طاقا ولا يغرز فيه وتدا ولا مسمارا ولا يحدث عليه حائطا ولا سترة بغير إذنه لأنه تصرف في ملك غيره بما يضر به فلم يجز كهدمه وليس له وضع خشبة عليه إن كان يضر بالحائط أو يضعف عن حمله لقول النبي صلى الله عليه وسلم

لاضرر ولا ضرار

وإن كان لا يضر وبه غنى عنه لم يجز عند أكثر أصحابنا لأنه تصرف في ملك غيره بما يستغني عنه فلم يجز كفتح الطاقة وغرز المسمار وأجازه ابن عقيل لخبر أبي هريرة ولأن ما أبيح لا تعتبر له حقيقة الحاجة كانتزاع الشقص المشفوع والفسخ بالعيب وإن احتاج إليه بحيث لايمكنه التسقيف إلا به جاز لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة على جداره

متفق عليه ولأنه انتفاع لا ضرر فيه دعت الحاجة إليه فوجب بذله كفضل الماء لبهائم غيره وذكر القاضي وأبو الخطاب أنه لا يجوز إلا لمن ليس له إلا حائط واحد ولجاره ثلاثة وقد يتعذر التسقيف على الحائطين غير المتقابلين فالتفريق تحكم فأما وضع الخشب في حائط المسجد مع الشرطين ففيه روايتان إحداهما يجوز لأن تجويزه في ملك الآدمي المبني حقه على الضيق تنبيه على جوازه في حق الله المبني على المسامحة والسهولة والثانية المنع اختارها أبو بكر لأن


213

الأصل المنع خولف في الآدمي المعين فيبقى فيما عداه على متقضى الأصل ويتخرج على هذه الرواية أن يمنع من وضعه في ملك الجار إلا بإذنه لما ذكرنا للرواية الأولى فإن صالحه المالك على وضع خشبة بعوض في الموضع الذي يجوز له وضعه لم يجز لأنه يأخذ عوض ما يجب عليه بذله وإن كان في غيره جاز سواء كانت إجارة في مدة معلومة أو على التأبيد بشرط كون الخشب معلوما برؤية أو صفة والبناء معلوم والآلة معلومة ومتى زال الخشب لسقوط الحائط أو غيره فله اعادته لأنه استحق بقاءه بعوض ولو كان له رسم طرح خشب فصالحه المالك بعوض على أن لا يعيده عليه أو ليزيله عنه جاز لأنه لما جاز أن يصالح على وضعه جاز على نزعه

فصل

فإن كان له دار بابها في زقاق غير نافذ وظهرها إلى الشارع فله فتح باب إلى الشارع لأن له حقا في الاستطراق فيه وإن كان بابها إلى الشارع لم يكن له فتح باب إلى الزقاق للاستطراق لأنه لا يجوز له أن يجعل لنفسه حق الاستطراق في مكان مملوك لأهله لا حق له فيه ويحتمل الجواز لما نذكره في الفصل الذي يليه وله أن يفتح مكانا للضوء والنظر لا يصلح للاستطراق لأن له رفع جميع حائطه فرفع بعضه أولى وإن فتح بابا


214

يصلح للاستطراق وقال لا أجعله طريقا بل أغلقه وأسمره ففيه وجهان أحدهما له ذلك لما ذكرنا والثاني لا يجوز لأن الباب دليل على الاستطراق فيجعل لنفسه حقا وإن كان له داران باب إحداهما أو بابهما في زقاقين غير نافذين بينهما حائط فأنفذ إحداهما إلى الآخر جاز في أحد الوجهين لأن له رفع الحائط من بينهما وجعلهما دارا واحدة فرفع بعضه أولى والثاني لا يجوز لأنه يجعل الزقاقين نافذين ويجعل الاستطراق في كل واحد منهما من دار لا حق لها فيه وكل موضع لا يجوز إذا صالح أهل الدرب بعوض أو أذنوا له بغير عوض جاز لأن المنع لحقهم فجاز لهم أخذ العوض عنه كسائر حقوقهم

فصل

فإن كان بابه في زقاق غير نافذ فأراد تقديمه نحو أوله جاز لأنه يترك بعض حقه وإن قدمه نحو آخره لم يجز لأنه يجعل الاستطراق في موضع لم يكن له ويحتمل الجواز لأن له رفع حائطه كله فيملك رفع بعضه ولأن ما يلي حائطه فيئا له فملك فتح الباب فيه كحالة ابتداء البناء فإن له في ابتداء البناء جعل بابه حيث شاء فتركه له لا يسقط حقه منه ولو تنازع صاحبا البابين في الدرب ففيه وجهان أحدهما يحكم بالدرب من أوله إلى الباب الأول لهما لأن يدهما عليه واستطراقهما فيه وسائر


215

الدرب للآخر لأن اليد له لاستطراقه وحده والثاني هو بينهما لأن لهما جميعا يدا وتصرفا فعلى الوجه الأول لصاحب الباب الصدراني جعل آخر الدرب دهليزا يختص به عن سائر أهل الدرب لأنه ملكه خاصة وعلى الثاني لا يجوز لأنه مشترك بين الجميع

فصل

إذا كان بينهما حائط مشترك فانهدم فدعا أحدهما صاحبه إلى عمارته فأبى أجبر لأنه إنفاق على ملك مشترك يزيل الضرر عنهما فأجبر عليه كالقسمة فإن لم يفعل باع الحاكم ماله وأنفق عليه فإن لم يكن له مال أقترض عليه وأنفق وإن أنفق الشريك بإذنه أو إذن الحاكم رجع عليه بالنفقة والحائط بينهما كما كان قبل انهدامه وعنه لا يجبر لأنه إنفاق على ملك لا يجب لو انفرد به فلم يجب مع الاشتراك كزرع الأرض وإن أراد شريكه بناءه لم يمنع لأنه يعيد رسما في مشترك فلم يمنع كوضع الخشب الذي له رسم فإن بناه بآلته عاد بينهما كما كان برسومه وحقوقه لأنه عاد بعينه وليس للباني فيه إلا أثر تأليفه وإن بناه بآلة من عنده فهو للباني ليس لشريكه الانتفاع به وللباني نقضه إن شاء لأنه ملك خاصة ولو بذل له شريكه نصف قيمته لئلا ينقضه لم يجبر على قبولها لأنه لما لم يجبر على إنشائه لم يجبر على إبقائه وعلى الرواية الأولى يجبر على تركه لأنه


216

يجبر على إنشائه فيجبر على إبقائه فإن كان للشريك على الحائط رسم انتفاع قلنا للباني إما أن تأخذ منه نصف القيمة وتمكنه من إعادة رسمه وإما أن تأخذ بناءك ليبني معك لأن القرار مشترك بينهما فلم يجز أن يسقط حق شريكه

فصل

وإن كان السفل لأحدهما والعلو للآخر فانهدم السقف الذي بينهما فالحكم فيه كالحائط المشترك سواء لأنه ينفعهما فهو كالحائط بينهما وأيهما هدم الحائط أو السقف فعليه إعادته إلا أن يخاف سقوطه ويجب هدمه فيصير كالمنهدم بنفسه وإن انهدمت حيطان صاحب السفل لم يملك صاحبه إجبار صاحب العلو على مباناته لأنه ملكه خاصة وعنه يجبر لأنهما ينتفعان به فأشبه الحائط المشترك وهل لصاحب العلو إجبار صاحبه على بنائه على روايتين وليس لصاحب السفل منع صاحب العلو من بنائه إن أراده فإن بناه بآلته فهو على ما كان لا يملك أحدهما نقضه وإن بناه بغير آلته فقال أحمد رضي الله عنه لا ينتفع به صاحب السفل حتى يؤدي القيمة فيحتمل أن ليس له السكنى لأن فائدة الحيطان أكثرها للسكنى ويحتمل أنه ليس له طرح الخشب ونصب الوتد ونحوه دون السكنى لأن ذلك هو الانتفاع


217

بالحائط مباشرة ولبانيه نقضه لأنه ملكه ولا يجبر على إبقائه بالقيمة لأنه لا يجبر على ابتدائه

فصل

فإن كان بينهما دولاب أو ناعورة يحتاج إلى عمارة فذلك كالحائط المنهدم سواء وإن كان بينهما قناة أو عين ففي إجبار الممتنع من عمارتها روايتان فإن نفاها أحدهما لم يملك منع صاحبه من نصيبه لأنه ليس له فيها إلا أثر الفعل

فصل

ليس للمالك التصرف في ملكه بما يضر جاره نحو أن يبنيه حماما بين الدور أو مخبزا بين العطارين أو يجعله دار قصارة تهز الحيطان أو يحفر بئرا تجتذب ماء بئر جاره لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار

ولأنه تصرف يضر بجيرانه فمنع منه كالدق الذي يهز الحيطان وليس له سقي أرضه بما يهدم حيطانهم وإن كان له سطح أعلى من سطح جاره فعلى الأعلى بناء سترة بين ملكيهما ليدفع عنه ضرر نظره إذا صعد سطحه


218

باب الحوالة

وهو نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه وهي عقد إرفاق منفرد بنفسه ليست بيعا بدليل جوازها في الدين بالدين وجواز التفرق قبل القبض واختصاصها بالجنس الواحد واسم خاص ولا يدخلها خيار لأنها ليست بيعا ولا في معناه لكونها لم تبن على المغابنة والأصل فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم

مطل الغني ظلم وإذا اتبع أحدكم على مليء فليتبع

رواه الجماعة متفق عليه ولا تصح الا بشروط خمسة

أحدها أن يحيل على دين مستقر لأن مقتضاها إلزام المحال عليه الدين مطلقا ولا يثبت ذلك فيما هو بعرض السقوط ولا يعتبر استقرار المحال به لجواز أداء غير المستقر فلا تجوز الحوالة بدين السلم ولا عليه لأنه لا تجوز المعاوضة عنه به ولا عنه ولو أحال الزوج زوجته قبل الدخول بصداقها صح وإن أحالت المراة به عليه لم يصح لأنه غير مستقر وإن أحال المشتري البائع بثمن المبيع في مدة الخيار صح وإن احال البائع به عليه لم يصح لذلك وإن أحال المكاتب سيده بنجم فدخل عليه صح وإن أحال سيده عليه لم يصح لذلك وإن احيل على المكاتب بدين غير مال الكتابة صح لأن حكمه حكم الأحرار في المداينات وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه


219

فهو توكيل في الاقتراض وإن أحال على من له عليه دين فهو كتوكيل في الاستيفاء وإن أحال من عليه دين على من لا عليه دين فهو ملتمس إيفاء دينه وليس شيء من ذلك حوالة إذ الحوالة تحول الحق وانتقاله ولا حق هاهنا يتحول وإنما جاز التوكيل بلفظ الحوالة لاشتراكها في معنى وهو تحول المطالبة من الموكل إلى الوكيل كتحولها من المحيل إلى المحتال

فصل

الشرط الثاني تماثل الحقين لأنها تحويل الحق فيعتبر تحوله على صفته ويعتبر التماثل في ثلاثة أشياء الجنس فلو أحال من عليه أحد النقدين بالآخر لم يصح والصفة فلو أحال عن المصرية بأميريه أو عن المكسرة بصحاح لم يصح والحلول والتأجيل فإن كان أحدهما حالا والآخر مؤجلا أو أجل أحدهما مخالفا لأجل الآخر لم يصح وإن صحت الحوالة فتراضيا على خير مما أحيل به أو دونه أو تعجيله أو تأخيره أو الاعتياض عنه جاز لأنه دين ثابت فجاز فيه ذلك كغير المحال

فصل

الشرط الثالث أن يكون بمال معلوم على مال معلوم لأنه يعتبر فيهما التسليم والتماثل والجهالة تمنعها ولا يصح فيما لا يصح السلم فيه لأنه لا يثبت في الذمة وإنما تجب قيمته بالإتلاف ويصح في كل ما يثبت مثله في الذمة


220

بالإتلاف من الأثمان والحبوب والأدهان وفيما يصح السلم فيه غير ذلك كالمذروع والمعدود وجهان أحدهما لا تصح الحوالة به لأن المثل لا يتحرر فيه ولهذا لا يضمن بمثله والثاني يصح لأنه يثبت في الذمة ويحتمل أن يبني الحكم فيه على القرض إن قلنا يقضي في هذا بمثله صحت الحوالة به لأنه يثبت في الذمة بغير السلم وإلا فلا لأنه لا يثبت في الذمة إلا بالسلم ولا تصح الحوالة في السلم وإن كان عليه إبل من قرض وله مثل ذلك على آخر صحت الحوالة بها لأنه إن ثبت في الذمة مثلها صحت الحوالة وإن ثبت قيمتها فالحوالة بها صحيحة وإن كان له إبل من دية فأحال بها على من له عليه مثلها من دية أخرى صح ويلزمه إعطاؤه أدنى ما يتناوله الاسم وقال أبو الخطاب فيه وجه آخر أنه لا يصح وإن كان عليه إبل من الدية وله مثلها قرضا فأحال بها ففيه وجهان أحدهما يصح لأن الخيرة في التسليم إلى المحيل قد رضي بتسليم ماله في ذمة المقترض والثاني لا يصح لأن الواجب في المقرض في احدى الروايتين القيمة فقد اختلف الجنس وإن أحال المقترض من له الدية بها لم يصح وجها واحدا لأننا قلنا الواجب القيمة فالجنس مختلف وإن قلنا يجب المثل فللمقترض مثل ما أقرض في صفاته وقيمته والذي عليه الدية لا يلزمه ذلك


221

فصل

الشرط الرابع أن يحيل برضاه لأن الحق عليه فلا يلزمه أداؤه من جهة بعينها ولا يعتبر رضى المحال عليه لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله وقد أقام المحتال مقام نفسه في القبض فلزم المحال عليه الدفع إليه كما لو وكله في الاستيفاء منه وأما المحتال فإن كان المحال عليه مليئا وهو الموسر غير المماطل لم يعتبر رضاه لقول النبي صلى الله عليه وسلم

إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع

ولأن للمحيل ايفاء الحق بنفسه وبوكيله وقد أقام المحال عليه مقامه في الإيفاء فلم يكن للمحتال الامتناع وإن لم يكن مليئا لم يلزمه أن يحتال للحديث ولأن عليه ضررا في قبولها فلم يلزمه كما لو بدل له دون حقه في الصفة فإن رضي بها مع ذلك صحت كما لو رضي بدون حقه

فصل

إذا صحت الحوالة برئ المحيل من الدين لأنه قد تحول من ذمته فإن تعذر الإيفاء من المحال عليه لموت أو فلس حادث أو مطل لم يرجع على المحيل كما لو أبرأه وإن كان مفلسا حين الحوالة ولم يرض المحتال بالحوالة فحقه باق على المحيل لأنه لا يلزمه الاحتيال على مفلس وإن رضي مع العلم بحاله لم يرجع لأن الذمة برئت من الحق فلم يعد إلى الشغل كما لو كان مليئا وإن رضي مع الجهل بحاله ففيه روايتان إحداهما لا يرجع


222

لذلك والثانية يرجع لأن الفلس عيب في المحال عليه فكان له الرجوع كما لو اشترى معيبا ثم علم عيبه وإن شرط ملاءة المحال عليه فله شرطه لقول النبي صلى الله عليه وسلم

المؤمنون على شروطهم

رواه أبو داود ولأنه شرط شرطا مقصودا فإذا بان خلافه ملك الرد كما لو شرطه في المبيع

فصل

إذا اشترى عبدا فأحال البائع بثمنه أو أحال البائع عليه بثمنه فبان حرا أو مستحقا فالحوالة باطلة لأن البيع باطل ولا دين على المشتري يحيل به او يحال عليه فإن اتفق المحيل والمحال عليه على ذلك وكذبهما المحتال لم يسمع قولهما كما لو باعا عبدا ثم اقرا بحريته ولا تسمع لهما بينة لأنهما أكذباها لدخولهما في البيع وإن أقامها العبد سمعت وبطلت الحوالة وإن صدقهما المحتال في حرية العبد وادعى أن الحوالة بدين آخر فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل صحة الحوالة فكان صدقه أظهر فإن أقاما بينة بذلك سمعت لأنهما لم يكذباها

فصل

وإن اشترى عبدا وأحال البائع بثمنه ثم وجده ثم رده قبل القبض المحتال من المحال عليه بطلت الحوالة لأنها بالثمن وقد سقط بالفسخ ذكره القاضي ويحتمل أن لا يبطل لأن المشتري نقل حقه إلى ما في ذمة المحال


223

عليه فلم يبطل بالفسخ كما لو أعطاه عن الثمن ثوبا ثم فسخ العقد لم يرجع في الثوب وإن كان الرد بعد قبض المحتال لم تبطل لأن ذمة المحال عليه برئت بالقبض منه ويرجع البائع على المشتري وإن إشترى عبدا فأحال البائع عليه أجنبيا بالثمن فرده المشتري بعيب لم تبطل الحوالة لأن ذمة المشتري برئت بالحوالة من البائع فصار كأنه قبض منه وتعلق به ها هنا حق غير المتعاقدين وهو المحتال بخلاف التي قبلها ويرجع المشتري على البائع بالثمن

فصل

وإذا أمر رجلا بقبض دين له من غريمه ثم اختلفا فقال احدهما كانت وكالة بلفظها وقال الآخر كانت حوالة بلفظها فالقول قول مدعي الوكالة لأنه يدعي بقاء الحق على ما كان وينكر انتقاله وإن اتفقا على أنه قال أحلتك بالألف وقال أحدهما كانت حوالة حقيقية وقال الآخر كانت وكالة بلفظ الحوالة ففيه وجهان أحدهما القول قول مدعي الوكالة لذلك والثاني القول قول مدعي الحوالة لأن الظاهر معه لموافقته الحقيقة ودعوى الآخر المجاز وإن قال أحلتك بدينك فهي حوالة بكل حال

فصل

وإذا قال المدين لغريمه قد أحلت بدينك فلانا فأنكر فالقول قوله مع يمينه فإن أقام المدين بينة بذلك سمعت ليسقط عنه حق المحيل


224

فإن كانت بحالها فادعى أجنبي على المدين أن رب الدين أحاله به فأنكره فأقام الأجنبي بينة ثبت في حقه وحق الغائب لأن البينة يقضي بها على الغائب ولزم دفع الدين إليه فإن لم تكن له بينة فاعترف المدين له بصحة دعواه ففيه وجهان

أحدهما يلزمه الدفع اليه لاعترافه له بوجوب حقه عليه وانتقال دينه إليه فأشبه ما لو قامت به بينة

والثاني لا يلزمه الدفع إليه لأنه لا يأمن انكار المحيل ورجوعه عليه فكان له الاحتياط في تخليص نفسه كما لو ادعى الوكالة فإن دفعه اليه ثم أنكر المحيل الحوالة وحلف ورجع على المحال عليه فأخذ منه لم يرجع المحال عليه على المحتال لأنه معترف له أنه استوفى حقه وإنما المحيل ظلمه وإن أنكر المدين الحوالة انبنى على الوجهين إن قلنا يلزمه الدفع مع الإقرار لزمته اليمين على الانكار وتكون على العلم لأنها على نفي فعل الغير وإن قلنا لا يلزمه الدفع مع الإقرار لم تلزمه اليمين مع الإنكار لعدم فائدتها وليس للمحتال الرجوع على المحيل لاعترافه ببراءة ذمته ويسأل المحيل فإن صدق المحتال ثبتت الحوالة لأن رضى المحال عليه غير معتبر وإن كذبه حلف له وسقطت الحوالة وإن نكل المحال عليه عن اليمين فقضى عليه فاستوفى منه ثم أنكر المحيل الحوالة فله ان يستوفي من المحال عليه لأنه معترف له بالألف مدع أن المحتال ظلمه


225

فصل

فإن كان عليه دين فادعى رجل أنه وكيل ربه في قبضه فصدقه لم يلزمه دفعه إليه لما ذكرنا في الحوالة وإن انكر لم تلزمه اليمين لأنه لا يلزمه الدفع مع الإقرار فلم تلزمه اليمين مع الانكار فإن دفعه اليه فأنكر رب الدين الوكالة حلف ورجع على الدافع ثم رجع الدافع على الوكيل إن لم يكن اعترف بصدقه لأنه لم يثبت أنه وكيل وإن كان اعترف له لم يرجع عليه لأنه اعترف بصحة دعواه وأن الموكل ظلمه فلم يرجع على غير ظالمه وإن كان المدفوع وديعة فوجدها ربها أخذها وإن تلفت في يد الوكيل تلزمه مطالبة من شاء منهما فإن طالب الوكيل لم يرجع على أحد لأن التلف حصل في يده فاستقر الضمان عليه وإن طالب المودع وكان قد اعترف بالوكالة لم يرجع على أحد مما ذكرناه في الدين وإن لم يكن اعترف للوكيل رجع عليه

فصل

فإن كان عند رجل دين أو وديعة فجاء رجل فادعى أنه وارث صاحبهما وقد مات ولا وارث له سواه فصدقه لزمه الدفع اليه لأنه لا يخشى تبعة وإن كذبه فعليه اليمين أنه لا يعلم ذلك لأنه لزمه الدفع مع الاقرار فلزمته اليمين مع الانكار


226

فصل

فإن كان لرجل ألف على اثنين كل واحد منهما ضامن لصاحبه فأحاله أحدهما بها برئا منها لأن الحوالة كالتقبيض وإن أحال صاحب الألف به على أحدهما صحت الحوالة لأنها مستقرة في ذمة كل واحد منهما وإن أحال عليهما جميعا ليستوفي من كل واحد منهما نصفها صحت لأن ذلك للمحيل فملك الحوالة به وإن أحال عليهما ليستوفي من أيهما شاء صحت أيضا لأنه لا فضل في نوع ولا عدد ولا أجل وإنما هو زيادة استيثاق فأشبه حوالة المعسر على المليء ولهذا لو أحالاه على واحد صح


227

كتاب الضمان

وهو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام دينه فإذا قال لرجل أنا ضامن مالك على فلان أو أنا به زعيم أو كفيل أو قبيل أو حميل أو هو علي صار ضامنا له وثبت في ذمته مع بقائه في ذمة المدين ولصاحب الدين مطالبة من شاء منهما لقول الله تعالى وأنا به زعيم يوسف 72 وقول النبي صلى الله عليه وسلم الزعيم غارم حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وروى سلمة بن الاكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل ليصلي عليه فقال هل عليه دين قالوا نعم ديناران قال هل ترك لهما وفاء فقالوا لا فتأخر فقيل لم لا تصل عليه فقال ما تنفعه صلاتي وذمته مرهونة إلا إن قام أحدكم فضمنه فقام أبو قتادة فقال هما علي يا رسول الله فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ولا يبرأ المضمون عنه بمجرد الضمان في الحياة رواية واحدة وفي الميت روايتان إحداهما يبرأ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على الميت حين ضمنه أبو قتادة والثانية لا يبرأ لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أبا قتادة عن الدينارين اللذين ضمنهما فقال قد قضيتهما فقال الآن بردت جلدته


228

رواه أحمد ولأنه وثيقة بدين فلم يسقطه كالرهن وكحال الحياة ومتى برئ الغريم بأداء أو ابراء برئ الضامن لأنه تبع فزال بزوال أصله كالرهن وإن أبرأ الضامن لم يبرأ المضمون عنه لأن الوثيقة انحلت من غير استيفاء فلم يسقط الدين كالرهن

فصل

ولا يجوز الا من جائز التصرف فأما المحجور عليه لصغر أو جنون أو سفه فلا يصح ضمانه لأنه تبرع بالتزام مال فلم يصح منهم كالنذر والصدقة وخرج بعض أصحابنا ضمان الصبي بإذن وليه على الروايتين في صحة بيعه وقال القاضي يصح ضمان السفيه ويتبع به بعد فك حجره وهذا بعيد لأن الضمان مجرد ضرر وتضييع مال فلم يصح منهما كالعتق ولا يصح ضمان العبد والمكاتب بغير إذن سيدهما لأنه التزام مال فلم يصح منهما بغير إذن كالنكاح ويصح بإذنه لأن المنع لحقه فزال بإذنه ويؤديه المكاتب مما في يده وهل يتعلق برقبة العبد أو بذمة سيده على وجهين

فصل

ويصح ضمان دين الميت المفلس وغيره لحديث أبي قتادة ولا يعتبر رضى المضمون له ولا المضمون عنه للخبر ولا معرفة الضامن لهما لأنه لا يعتبر رضاهما فأشبها الأجانب ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل أبا قتادة عن معرفتهما ويحتمل


229

أن تعتبر معرفتهما ليؤدي إلى أحدهما ويرجع على الآخر بما غرم عنه ويحتمل أن تعتبر معرفة المضمون له ليؤدي اليه ولا تعتبر معرفة المضمون عنه لعدم المعاملة بينه وبينه ولا يصح إلا برضى الضامن لأنه التزام مال فلم يصح من غير رضى الملتزم كالنذر

فصل

ويصح ضمان الدين اللازم لخبر أبي قتادة وضمان الجعل في الجعالة لقول الله تعالى ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم يوسف 72 وضمان كل حق مالي لازم أو مآله إلى اللزوم كالثمن في مدة الخيار وبعدها والأجرة والصداق قبل الدخول وبعده وأرش الجناية نقدا أو حيوانا لأنها حقوق مالية لازمة أو مآلها إلى اللزوم فصح ضمانها كالدين والجعل ويصح ضمان الأعيان المضمونة كالغصوب والعواري لأنها مضمونة على من هي في يده فأشبهت الدين ويصح ضمان عهدة المبيع عن كل واحد منهما لصاحبه وهو أن يضمن الثمن الواجب بالبيع قبل تسليمه وإن ظهر فيه عيب أولا استحق أو وجد ذلك في البيع غرمه الضامن لأن ذلك لازم فإنه إنما يتعلق بالضامن حكم لعيب أو غصب ونحوهما وهذا كان موجودا حال الضمان فصح ضمانه كالدين وإن استحق الرجوع لأمر حادث كتلف المبيع قبل قبضه أو أخذه بشفعة فلا شيء على الضامن وإن ضمن البائع أو غيره للمشتري قيمة


230

ما يحدثه من غراس أو بناء أو يلزمه من أجرة إن خرج المبيع مستحقا صح ويرجع على الضامن بما لزمه من ذلك لأنه يستند إلى أمر وجودي ويصح أن يضمن الضامن ضامن ثان لأن دينه ثابت فصح كالأول ويصير الثاني فرعا للضامن حكمه معه حكم الضامن مع الأصيل

فصل

ولا يصح ضمان الأمانات كالوديعة ونحوها لأنها غير مضمونة على من هي في يده فكذلك على ضامنه وإن ضمن لصاحبها ما يلزم بالتعدي صح نص عليه أحمد رضي الله عنه ولأنها تصير مضمونة على المضمون عنه ولا يصح ضمان مال الكتابة وعنه يصح لأنه يجوز ان يضمن عنه دين آخر والمذهب الأول لأن مال الكتابة غير لازم ولا يفضي إلى اللزوم ولأنه يملك تعجيز نفسه ولأن الضمان لتوثيق الحق وما لا يلزم لا يمكن توثيقه وفي ضمان مال السلم روايتان إحداهما يصح لأنه دين لازم فأشبه القرض والثانية لا يصح لأنه يفضي إلى استيفائه من غير المسلم إليه فأشبه الحوالة به

فصل

ويصح ضمان المعلوم والمجهول قبل وجوبه وبعده لقوله تعالى ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم يوسف 72 وحمل البعير يختلف وهو


231

غير معلوم وقد ضمنه قبل وجوبه ولأنه التزام حق من غير معاوضة فأشبه النذر وإن قال ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه صح لأنه استدعاء إتلاف بعوض لغرض صحيح فصح كقوله اعتق عبدك عني وعلي ثمنة

فصل

ويصح ضمان الحال مؤجلا لأن الغريم يلزمه أداؤه في جميع الأزمنة فجاز للضامن التزام ذلك في بعضه كبعض الدين وإن ضمن المؤجل حالا لم يلزمه لأنه لا يلزم الأصيل فلا يلزم الضامن ويقع الضمان مؤجلا على صفته في ذمة الضامن وإن ضمن الدين المؤجل وقلنا إن الدين يحل بالموت فمات أحدهما حل الدين وبقي في ذمة الآخر إلى أجله ولا يملك ورثة الضامن الرجوع على المضمون عنه قبل الأجل لأنه لم يحل

فصل

وإذا قضى الضامن الدين بإذن المضمون عنه رجع عليه لأنه قضى دينه بإذنه فهو كوكيله وإن ضمن بإذنه رجع عليه لأنه تضمن الإذن في الأداء فأشبه ما لو أذن فيه صريحا وإن ضمن بغير إذنه وقضى بغير إذنه معتقدا للرجوع ففيه روايتان إحداهما يرجع أيضا لأنه قضاء مبرئ من


232

دين واجب لم يتبرع به فكان على من هو عليه كما لو قضاه الحاكم عند امتناعه والثانية لا يرجع لأنه تبرع فلم يرجع به كما لو بنى داره أو أعلف دابته بغير إذنه فإن اختلفا في الإذن فالقول قول من ينكره لأن الأصل عدمه

فصل

ويرجع الضامن بأقل الأمرين مما قضى أو قدر الدين لأنه إن قضاه أقل منه فإنما يرجع بما غرم وإن أدى أكثر منه فالزائد لا يجب أداؤه فقد تبرع به وإن دفع عن الدين عرضا رجع بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الدين وإن قضى المؤجل قبل اجله لم يرجع قبل الأجل لأنه تبرع بالتعجيل وإن أحاله به الغريم رجع بأقل الأمرين مما احال به أو دينه سواء قبض الغريم من المحال عليه أو لم يقبض لأن الحوالة كالتقبيض وإن ضمن الضامن ضامن آخر فقضى الدين رجع على الضامن ثم رجع الضامن على المضمون عنه وإن قضاه الضامن رجع على الأصيل وحده فإن كان الأول ضمن بلا إذن والثاني ضمن بإذن رجع الثاني على الأول ولم يرجع الأول على أحد في إحدى الروايتين


233

فصل

وإن ضمن بإذنه فطولب بالدين فله مطالبة المضمون عنه بتخليصه لأنه لزمه الأداء بأمره ولا يملك المطالبة قبل ذلك لأنه لا يملك الرجوع قبل الغرامة فلا يملك المطالبة قبل أن يطالب وإن ضمن بغير إذنه لم يملك المطالبة به لأنه لا دين له ولا هو وكيل صاحب الدين ولا لزمه الأداء بإذن الغريم فأشبه الأجانب

فصل

وإذا دفع المضمون عنه قدر الدين إلى الضامن عوضا عما يقضيه في الثاني لم يصح لأنه جعله عوضا عما يجب عليه في الثاني فلم يصح كما لو دفع إليه شيئا عن بيع لم يعقده ويكون ما قبضه مضمونا عليه لأنه قبضه على وجه البدل فأشبه المقبوض ببيع فاسد وفيه وجه انه يصح لأن الرجوع بسببين ضمان وغرم فإذا وجد أحدهما جاز تعجيل المال كتعجيل الزكاة فإن قضى الدين استقر ملكه على ما قبض وإن برئ قبل القضاء وجب رد ما أخذ كما يجب رد الثمن إذا لم يتم البيع

فصل

إذا ادعى الضامن القضاء فأنكره المضمون له فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل معه وله مطالبة من شاء منهما فإن استوفى من الضامن لم يرجع


234

على المضمون عنه إلا بأحد القضائين لأنه يدعى أن المضمون عنه ظلمه بالأخذ الثاني فلا يرجع به على غيره وفيما يرجع به وجهان أحدهما بالقضاء الأول لأنه قضاء صحيح والثاني ظلم والوجه الثاني يرجع بالقضاء الثاني لأنه الذي أبرأ الذمة ظاهرا فأما إن استوفى من المضمون عنه فهل للضامن الرجوع عليه ينظر فإن كذبه المضمون عنه في الأداء لم يرجع لأنه لم يثبت صدقه وإن صدقه وكان قد فرط في القضاء لم يرجع بشيء لأنه أذن له في قضاء مبرئ لم يوجد وإن لم يفرط رجع وسنذكر التفريط في الوكالة إن شاء الله فإن اعترف المضمون له بالقضاء وأنكر المضمون عنه لم يلتفت إلى إنكاره لأن الدين حق للمضمون له فإذا أقر بقبضه فقد أقر بأنه صار للضامن ولأنه يثبت القضاء بالإقرار فملك الرجوع به كما لو ثبت ببينة وفيه وجه آخر أن القول قول المضمون عنه لأنه منكر

باب الكفالة

تصح الكفالة ببدن كل من يلزمه الحضور في مجلس الحاكم بحق يصح ضمانه لأنه حق لازم فصحت الكفالة به كالدين ولا تصح بمن عليه حد أو قصاص لأنها تراد للاستيثاق بالحق وهذا مما يدرأ بالشبهات ولا تصح بالمكاتب لأنه لا يلزمه الحضور فلا يلزم غيره إحضاره


235

كالأجانب وتصح الكفالة بالأعيان المضمونة كالغصوب والعواري لأنه يصح ضمانها ولا تصح في الأمانات إلا بشرط التعدي فيها كضمانها سواء

فصل

وإذا صحت الكفالة فتعذر إحضار المكفول به لزمه ما عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم الزعيم غارم ولأنها أحد نوعي الكفالة فوجب الغرم بها كالضمان فإن غاب المكفول به أمهل كفيله قدر ما يمضي إليه فيعيده لأن ما لزم تسليمه لم يلزم إلا بمكان التسليم فإن مضى زمن الإمكان ولم يفعل لزمه ما عليه أو بذل العين التي تكفل بها فإن مات أو تلفت العين بفعل الله تعالى سقطت الكفالة لأن الحضور سقط من المكفول به فبرئ كفيله كما يبرأ الضامن ببراءة المضمون عنه ويحتمل أن لا يسقط ويطالب بما عليه وإن سلم المكفول نفسه أو برئ من الحق بأداء أو إبراء برئ كفيله لأن الحق سقط عن الأصيل فبرئ الكفيل كالضمان وإن أبرأ الكفيل صح كما يصح إبراء الضامن ولا يبرأ المكفول به كالضمان وإن قال رجل أبرئ الكفيل وأنا كفيل بمن تكفل به ففيه وجهان أحدهما يصح لأنه نقل الضمان إلى نفسه فصح كما لو أحال الضامن المضمون له على آخر والثاني لا يصح لأنه شرط في الكفالة أن يبرئ الكفيل وهو شرط فاسد فمنع صحة العقد


236

فصل

وإذا قال أنا كفيل بفلان أو بنفسه أو بدنه أو وجهه صحت الكفالة وإن كفل ببعض بدنه فقال القاضي لا يصح لأن ما لا يسري إذا خص به بعض الجسد لا يصح كالبيع وقال غيره إن كفل بعضو لا تبقى الحياة بدونه كالرأس والقلب والظهر صحت لأنه لا يمكن تسليمه بدون تسليم البدن فأشبه الوجه وإن كفل بغيرها كاليد والرجل ففيه وجهان أحدهما لا يصح لأن تسليمه بدون البدن ممكن والثاني يصح لأنه لا يمكن تسليمه على صفته دون البدن فأشبه الوجه

فصل

إذا علق الكفالة والضمان على شرط أو وقتهما فقال أنا كفيل بفلان شهرا وإن قدم الحاج أو زيد فأنا كفيل بفلان أو ضامن ما عليه فقال القاضي لا يصح لأنه إثبات حق لآدمي فلم يجز ذلك فيه كالبيع وقال أبو الخطاب والشريف أبو جعفر يصح لأنه ضمان أو كفالة فصح تعليقه على شرط كضمان العهدة فعلى هذا لو قال كفلت بفلان على أني إن جئت به وإلا فأنا كفيل بفلان أو ضامن ما عليه صح فيهما عندهما ولم يصح عند القاضي لأن الأول مؤقت والثاني معلق على شرط


237

فصل

وتصح الكفالة ببدن الكفيل كما يصح ضمان دين الضامن وتجوز حالة ومؤجلة كالضمان ولا تجوز إلى أجل مجهول لأنه حق لآدمي فلم يجز إلى أجل مجهول كالبيع وتجوز الكفالة مطلقة ومقيدة بالتسليم في مكان بعينه فإن أطلق ففي أي موضع أحضره وأسلمه إليه على وجه لا ضرر عليه برئ وإن كان عليه ضرر لم يبرأ بتسليمه وكذلك إذا سلمه قبل المحل قياسا على من سلم المسلم فيه قبل محله أو غير مكانه وإن كفل واحد لاثنين فسلمه إلى أحدهما أو أبرأه أحدهما لم يبرأ من الآخر لأنه حق لاثنين فلم يبرأ بأداء حق أحدهما كالضمان وإن كفل اثنان لرجل فأبرأ أحدهما لم يبرأ الآخر كما في الضمان وإن سلمه أحدهما لم يبرأ الآخر لأنه برئ من غير استيفاء الحق فلم يبرأ صاحبه كما لو برئ بالإبراء ويحتمل أن يبرأ كما لو أدى أحد الضامنين الدين وإن قال الكفيل أو الضامن برئت مما كفلت به لم يكن إقرارا بقبض الحق لأنه قد يبرأ بغير ذلك

فصل

إذا طولب الكفيل بإحضار المكفول به لزمه أن يحضر معه لأنه وكيل في إحضاره فإن أراد إحضاره من غير طلب والكفالة بإذنه لزمه الحضور معه لأنه شغل ذمته من أجله بإذنه فكان عليه تخليصه كما لو استعار


238

عبده فرهنه وإن كفل بغير إذنه لم يلزم الحضور معه لأنه لم يشغل ذمته ولا له قبله حق

فصل

إذا كفل إنسانا أو ضمنه ثم قال لم يكن عليه حق فالقول قول خصمه لأن ذلك لا يكون الا بمن عليه حق فإقراره به إقرار بالحق وهل يلزم الخصم اليمين فيه وجهان مضى توجيههما فيمن أقر بتقبيض الرهن ثم أنكره وطلب يمين المرتهن والله أعلم


239

كتاب الوكالة

يصح التوكيل في الشراء لقول الله تعالى فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه الكهف 20 ولما روى عروة بن أبي الجعد قال أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا اشترى له به شاة أو أضحية ولأن الحاجة داعية إليها فإنه لا يمكن كل أحد شراء ما يحتاج إليه فدعت الضرورة إليها وتجوز في سائر عقود المعاملات قياسا على الشراء وفي تملك المباحات كإحياء الموات والاصطياد لأنه تملك مال بسبب لا يتعين عليه فجاز التوكيل فيه كالشراء وتجوز في عقد النكاح لأن النبي صلى الله عليه وسلم وكل عمرو بن أمية الضمري فتزوج له أم حبيبة ويجوز في الطلاق والعتاق والخلع والرجعة لأنها في النكاح ويجوز في إثبات الأموال والحكومة فيها حاضرا كان الموكل أو غائبا لما روي أن عليا وكل عقيلا عند أبي بكر رضي الله عنهما وقال ما قضي عليه فعلي وما قضي له فلي ووكل عبد الله بن جعفر عند عثمان وقال إن للخصومة قحما يعني مهالك وهذه قضايا في مظنة الشهرة ولم تنكر فكانت إجماعا ولأن


240

الحاجة تدعو إلى ذلك بأن يكون له حق أو يدعيه ولا يحسن الخصومة أو لا يحب حضورها ويجوز التوكيل في الإقرار لأنه إثبات حق فأشبه البيع ويجوز في إثبات القصاص وحد القذف واستيفائهما في حضرة الموكل وغيبته لأنه حق آدمي أشبه المال وقال بعض أصحابنا لا يجوز استيفاؤهما في غيبته وقد أومأ إليه أحمد رضي الله عنه بأنه يجوز أن يعفو الموكل فيكون ذلك شبهة ويجوز التوكيل في حقوق الله تعالى المالية لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها وفي إثبات الحدود واستيفائها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال واغديا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ولا تجوز في العبادات البدنية لأن المقصود فعلها ببدنه فلا تحصل من فعل غيره إلا في الحج لما سبق في بابه

فصل

ولا تجوز في الايمان والنذور ولأنها تتعلق بعين الحالف فلا تدخلها النيابة ولا في الإيلاء واللعان والقسامة لأنها أيمان ولا في الشهادة لأن غيره لا يقوم مقامه في المشاهدة ولا في الاغتنام لأنه يتعلق بالحضور فإذا حضر النائب كان السهم له ولا في الالتقاط لأنه بأخذه يصير لملتقطه


241

فصل

ولا يصح التوكيل في شيء مما لا يصح تصرفه لأن من لا يملك التصرف بنفسه فبنائبه أولى فلا يصح توكيل طفل ولا مجنون ولا سفيه لذلك ولا توكيل المرأة في النكاح ولا الفاسق في تزويج ابنته ولا المسلم لذمي في شراء خمر لذلك فأما من يتصرف بالإذن كالعبد والصبي والوكيل فإن أذن لهم في التوكيل جاز وإن نهوا عنه لم يجز وإن أطلق لهم الإذن فلهم التوكيل فيما لا يتولون مثله بأنفسهم أو يعجزون عنه لكثرته لأن تفويضه إليهم مع العلم بهذا إذن في التوكيل وفيما سوى ذلك روايتان إحداهما لا يجوز لهم التوكيل لأنهم يتصرفون بالإذن فاختص بما أذن فيه ولم يؤذن في التوكيل والثانية يجوز لأنهم يملكون التصرف بأنفسهم فملكوه بنائبهم كالمالك الرشيد فإن قال لوكيله اصنع ما شئت ملك التوكيل لأنه مما يشاء وولي اليتيم كالوكيل فيما ذكرناه ويملك الولي في النكاح التوكيل فيه من غير إذن المرأة لأن ولايته من غير جهتها فلم يعتبر إذنها في توكيله كالأب وخرج القاضي ولاية الإجبار على الروايتين في الوكيل والفرق بينهما ظاهر


242

فصل

ومن ملك التصرف لنفسه جاز له أن يتوكل فيه ومن لا فلا فيجوز توكيل الفاسق في قبول النكاح ولا يجوز في الإيجاب لأنه يجوز أن يقبل النكاح لنفسه وقال القاضي لا يجوز فيهما لأن من لا يجوز أن يكون وكيلا في إيجابه لا يكون وكيلا في قبوله كالمرأة ويجوز توكيل المرأة في الطلاق لأنه يجوز توكيلها في طلاق نفسها فجاز في غيرها ولا يجوز للعبد والمكاتب التوكيل إلا بإذن سيدهما ولا الصبي إلا بإذن وليه وإن كان مأذونا له في التجارة لأن التوكل ليس من التجارة فلا يحصل الإذن فيه إلا بالإذن فيها

فصل

وتصح الوكالة بكل لفظ دل على الإذن وبكل قول أو فعل دل على القبول مثل أن يأذن له في بيع شيء فيبيعه ويجوز القبول على الفور والتراخي نحو أن يبلغه أن فلانا وكله منذ عام فيقول قبلت لأنه إذن في التصرف فجاز ذلك منه كالإذن في الطعام ويجوز تعليقها على شرط نحو أن يقول إذا قدم الحاج فأنت وكيلي في كذا أو بيع ثوبي

فصل

ولا تصح إلا في تصرف معلوم فإن وكله في كل قليل وكثير لم يصح لأنه يدخل فيه كل شيء فيعظم الغرر وإن كان وكله في بيع ماله كله أو


243

ما شاء منه أو قبض ديونه كلها أو ما شاء منها أو الإبراء منها صح لأنه يعرف ما له ودينه فيعرف أقصى ما يبيع ويقبض فيقل الغرر وإن قال اشتر لي ما شئت أو عبدا بما شئت فقال أبو الخطاب لا يصح حتى يعرف البيع وقدر الثمن لأن ما يمكن شراؤه يكثر فيكثر الغرر وإن قدر له أكثر الثمن وأقله صح لأنه يقل الغرر وقال القاضي إذا ذكر النوع لم يحتج إلى تقدير الثمن لأنه إذن في أعلاه وقد روي عن أحمد فيمن قال ما اشتريت من شيء فهو بيننا أن هذا جائز وأعجبه وهذا توكيل في شراء كل شيء ولأنه إذن في التصرف فجاز من غير تعيين كالإذن في التجارة

فصل

ولا يملك من التصرف إلا ما يقتضيه إذن الموكل نطقا أو عرفا لأن تصرفه بالإذن فاختص ما تناوله الإذن فإذا وكله في الخصومة لم يملك الإقرار ولا الإبراء ولا الصلح لأن إذنه لا يقتضي شيئا من ذلك فإن وكله في تثبيت حق لم يملك قبضه لأنه لم يتناوله النطق ولا العرف فإنه قد يرضى للتثبت من لا يأمنه في القبض وإن وكله في القبض فهل يملك تثبيته فيه وجهان أحدهما يملكه لأنه طريق القبض فكان التوكيل في القبض توكيلا فيه والثاني لا يملك لما ذكرنا في التي قبلها وإن وكله في البيع لم يملك الإبراء من ثمنه ويملك تسليم المبيع لأن العرف يتناوله ولأنه من


244

تمام العقد وحقوقه ولا يتهم فيه ولا يملك قبض الثمن لأن اللفظ لا يتناوله وقد يرضى للبيع من لا يرضاه للقبض إلا أن تقتضيه الحال بان يكون بحيث لو تركه ضاع

فصل

فإن وكله في البيع في وقت لم يملكه قبله ولا بعده لأنه قد يختص غرضه به في زمن لحاجته فيه وإن وكله في بيعه لرجل لم يملك بيعه لغيره لأنه قد يقصد نفعه أو نفع المبيع بإيصاله إليه وإن وكله في بيعه في مكان الثمن فيه أكثر أو أجود لم يملكه في غيره لأنه قد يفوت غرضه وإن تساوت الأمكنة أو قدر له الثمن ملك ذلك لأن الغرض فيهما واحد فالإذن في أحدهما إذن في الآخر وإن وكله في بيع فاسد لم يملكه لأنه منهي عنه ولا يملك الصحيح لأنه لم يأذن له فيه وإن قدر له الثمن في البيع لم يملك البيع بأقل منه لأنه لم يأذن له فيه نطقا ولا عرفا ويملك البيع بأكثر منه سواء كانت الزيادة من جنس الثمن أو غيره لأنه مأذون فيه عرفا لأنها منفعة ولا تضره وإن باع بعضه بدون ثمن جميعه لم يجز وإن باعه بجميعه صح لما ذكرناه وله بيع باقيه لأنه إذن فيه ويحتمل أن لا يملكه لأنه حصل غرضه ببيع بعضه فلا يبقى الإذن في باقيه وإن وكله في شراء شيء لم يملك شراء بعضه لأن اللفظ لا يقتضيه وإن قال له بعه بمائة درهم فباعه بعرض يساوي أكثر منها لم يجز


245

لأنه لم يأذن فيه نطقا ولا عرفا وإن باعه بمائة دينار أو بتسعين درهما وعشرة دنانير ففيه وجهان أحدهما لا ينفذ لأنه خالفه في الجنس كالتي قبلها والثاني ينفذ لأنه مأذون فيه عرفا لأنه يرضى الدينار مكان الدرهم عرفا وإن وكله في بيع عبيد أو شرائهم ملك ذلك صفقة واحدة وصفقات لأن العرف جار بكلا الأمرين وإن أمره بصفقة واحدة لم يملك التفريق وإن اشتراهم صفقة واحدة من رجلين جاز لأن الصفقة من جهة واحدة

فصل

وإن وكله في البيع وأطلق لم يملك البيع بأقل من ثمن المثل لأن إذنه تقيد بذلك عرفا لكون غير ذلك تضييعا لماله وهو لا يرضاه ولو حضر من يطلبه بأكثر من ثمن المثل لم يجز بيعه بثمن المثل لأنه تضييع لمال أمكن تحصيله وإن باع بثمن المثل فحضر من يزيد في مدة الخيار لم يلزمه الفسخ لأنها زيادة منهي عنها ولا يأمن رجوع صاحبها عنها فإن باع بأقل من ثمن المثل أو بأقل مما قدر له فعنه البيع باطل لأنه غير مأذون فيه وعنه يصح ويضمن الوكيل النقص لأنه فوته ويصح البيع لأن الضرر يزول بالتضمين ولا عبرة بما يتغابن الناس به كدرهم في عشرة لأنه لا يمكن التحرز منه وهل يلزم الوكيل جميع النقص أم ما بين ما يتغابن الناس به وما لا يتغابنون به


246

على وجهين وكل موضع قلنا لا يملك البيع والشراء فحكمه فيه حكم الأجنبي وقد ذكرناه لان هذا غير مأذون فيه

فصل

وإن وكله في الشراء فأطلق لم يجز ان يشتري بأكثر من ثمن المثل لما ذكرنا وإن اشترى بأقل من ثمن المثل أو أقل من ما قدر له صح لأنه مأذون فيه عرفا فإن قال لا تشتره بأقل من مائة لم يملك مخالفته لأن نصه مقدم على دلالة العرف وإن قال اشتره بمائة ولا تشتره بخمسين فله شراؤه بما فوق الخمسين لأنه باق على دلالة العرف وإن قال اشتر لي عبدا وصفه بمائة فاشتراه بدونها جاز وإن خالف الصفة لم يلزم الموكل وإن لم يصفه فاشترى عبدا يساوي مائة بأقل منها جاز وإن لم يساو المائة لم يلزم الموكل وإن ساوى ما اشتراه به لأنه خالف غرضه وإن قال اشتر لي شاة بدينار فاشترى شاتين تساوي إحداهما دينارا صح لحديث عروة ولأنه ممتثل للأمر بإحداهما والثانية زيادة نفع وإن لم تساو دينارا لم يصح فإن باع الوكيل شاة وبقيت التي تساوي دينارا فظاهر كلام أحمد صحته لحديث عروة ولأنه وفى بغرضه فأشبه إذا زاد على ثمن المثل


247

فصل

وإن وكله في الشراء نسيئة فاشترى نقدا لم يلزم الموكل لأنه لم يؤذن له فيه وإن وكله في الشراء ينقد فاشترى بنسيئة أكثر من ثمن النقد لم يجز لذلك وإن كان بمثل ثمن النقد وكان فيه ضرر مثل أن يستضر بحفظ ثمنه فكذلك وإذ لم يستضر به لزمه لأنه زاده خيرا وإن أذن له في المبيع بنقد لم يملك بيعه نسيئة وإن أذن له في البيع نسيئه فباع بنقد فهي كمسألة الشراء سواء وإن عين له نقدا لم يبع إلا به وإن أطلق لم يبع إلا بنقد البلد لأن الإطلاق ينصرف إليه فإن كان فيه نقدان باع بأغلبهما وإن قدر له أجلا لم تجز الزيادة عليه لأنه لم يرض بها وإن أطلق الأجل جاز وحمل على العرف في مثله لأن مطلق الوكالة يحمل على المتعارف ولا يملك الوكيل في البيع والشراء شرط الخيار للعاقد معه لأنه لاحظ للموكل فيه وله شرط الخيار لنفسه ولموكله لأنه احتياط له

فصل

إذا قال اشتر لي بعين هذا الثمن فاشترى له في ذمته لم يقع للموكل لأنه لم يرض بالتزام شيء في ذمته فلم يجز التزامه وإن قال اشتر لي في ذمتك ثم انقد هذا فيه فاشتراه بعينه صح للموكل لأنه أمره بعقد يلزمه به الثمن مع بقاء الدينار وتلفه فعقد له عقدا لا يلزمه فزاده خيرا ويحتمل


248

أن لا يصح لأنه أراد عقدا لا يبطل باستحقاقه ولا تلفه ففوت ذلك وإن أطلق فله الأمران لأن العرف جار بهما

فصل

وإن وكله في شراء موصوف لم يجز أن يشتري معيبا لأن إطلاق البيع يقتضي السلامة ولذلك يرد بالعيب فإن اشترى معيبا يعلم عيبه لم يقع للموكل لأنه مخالف له وإن لم يعلم بالعيب فالبيع صحيح كما لو اشترى لنفسه فإن علم الموكل فرضي به فليس للوكيل رده لان الرد لحقه فسقط برضاه وللوكيل الرد قبل علمه لأنها ظلامة حصلت بعقده فملك دفعها كالمشتري لنفسه ولا يلزمه التأخير لأنه حق تعجل له وله أن يرضى به ويسقط خياره فإذا حضر الموكل فرضي به استقر العقد وإن اختار الرد فله ذلك لأن الشراء له ولم يرض بالعيب فإن أنكر البائع كون الشراء للموكل فالقول قوله ويرد المبيع على الوكيل في أحد الوجهين لأنه ابتاع المعيب ومنعه الرد لرضاه بعيبه والثاني ليس له الرد عليه لأنه غير البائع وللمشتري أرش العيب لأنه فات الرد به من غير رضاه فإن تعذر ذلك من البائع لزم الوكيل لأنه ألزمه المبيع وإن قال البائع موكلك قد علم بالعيب فرضي به فالقول قول الوكيل مع يمينه أنه لا يعلم ذلك لأن الأصل عدمه فإن قال آخر الرد حتى يعلم موكلك لم يلزمه التأخير فإن أخر وقلنا الرد على الفور


249

لم يسقط خياره ذكره القاضي لأنه لم يرض به ويحتمل أن يسقط لتركه الرد مع إمكانه فإن رده فقال الموكل قد كنت رضيته معيبا فصدقه البائع انبنى على عزل الوكيل قبل علمه لأن هذا كذلك وإن أنكره البائع فالقول قوله إنه لا يعلم ذلك وإن وكله في شراء شيء عينه فاشتراه فوجده معيبا ففيه وجهان أحدهما يملك الرد لأنه معيب لم يرض به العاقد والثاني لا يملكه بغير رضى الموكل لأنه قطع نظره واجتهاده بالتعيين فإن قلنا يملكه فحكمه حكم غير المعين

فصل

إذا وكله في قبض حقه من زيد فمات زيد لم يملك القبض من وارثه لأنه لم يتناوله إذنه نطقا لأنه غيره ولا عرفا لأنه قد يرضى بقاء حقه عندهم دونه وإن قال اقبض حقي الذي قبل زيد فله القبض من وارثه لأن لفظه يتناول قبض الحق من غير تعرض للمقبوض منه وإن وكل وكيلين في تصرف لم يكن لأحدهما الانفراد به لأنه لم يرض بأحدهما وإن وكله في قضاء دين تقيد بالإشهاد لأنه لا يحصل الاحتياط إلا به فإن قضاه بغير بينة فأنكر الغريم ضمن لتفريطه وإن شهد ببينة عادلة فماتت أو غابت لم يضمن لأنه لا تفريط منه وإن قضاه بحضرة الموكل من غير إشهاد ففيه وجهان أحدهما يضمن لأنه ترك التحفظ والثاني لا يضمن لأنه إذا كان المؤدي


250

عنه حاضرا فهو التارك للتحفظ وإن قضاه ببينة مختلف فيها ففيه وجهان أحدهما يضمن لأنه ترك التحفظ والثاني لا يضمن لأنها بينة شرعية أشبه المجمع عليها

فصل

إذا اشترى لموكله ثبت الملك للموكل لأنه قبل العقد لغيره فوجب أن ينقل الملك إلى ذلك الغير كما لو تزوج لغيره ويثبت الثمن في ذمته أصلا وفي ذمة الوكيل تبعا وللبائع مطالبة من شاء منهما كالضمان في أحد الوجهين وفي الآخر لا يثبت إلا في ذمة الموكل وليس له مطالبة غيره فإن دفع الثمن فوجد به البائع عيبا فرده على الوكيل فتلف في يده فلا شيء عليه لأنه أمين وللبائع المطالبة بالثمن لأنه دين له فأشبه سائر ديونه وللوكيل المطالبة به لأنه نائب للمالك فيه

فصل

والوكالة عقد جائز من الطرفين لكل واحد منهما فسخه لأنه إذن في التصرف فملك كل واحد منهما إبطاله كالإذن في أكل طعامه وإن أذن لوكيله في توكيل آخر فهما وكيلان للموكل لا ينعزل أحدهما بعزل الآخر ولا يملك الأول عزل الثاني لأنه ليس بوكيله وإن أذن له في توكيله عن نفسه فالثاني وكيل الوكيل ينعزل به لأن وكالة الأول وعزله له لأنه فرعه


251

فثبت فيه ذلك كالوكيل مع موكله وللموكل عزله وحده لأنه متصرف له فملك عزله كالأول

فصل

وإذا خرج الموكل عن أهلية التصرف لموت أو جنون أو حجر أو فسق في ولاية النكاح بطلت الوكالة لأنه فرعه فيزول بزوال أصله فإن وجد ذلك أو عزل الوكيل فهل ينعزل قبل علمه فيه روايتان إحداهما ينعزل لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضاه فلم يفتقر إلى علمه كالطلاق والثانية لا ينعزل لأنه أمر فلا يسقط قبل علمه بالنهي كأمر الشارع وإن أزال الموكل ملكه عن ما وكله فيه بإعتاق أو بيع أو طلاق التي وكله في طلاقها بطلت الوكالة لأنه أبطل محليته وإن وطئ الزوجة أو دبر العبد أو كاتبه بطلت الوكالة لأن ذلك يدل على رجوعه إذ لا يجتمع مقصود هذه التصرفات مع البيع والوطء يدل على رغبته في زوجته وإن وكله في الشراء بدينار فتلف بطلت الوكالة فإن تلف بتفريطه فغرمه هو أو غيره لم يملك الشراء ببدله لأن الوكالة بطلت بتلفه

فصل

ولا تبطل بالنوم والسكر والإغماء لأنه تثبت الولاية عليه ولا بالردة لأنها لا تمنع ابتداء وكالته فلا تمنع استدامتها ولا بالتعدي فيما وكل فيه


252

كلبس الثوب وركوب الدابة لأن العقد يتضمن أمانة وتصرفا فإذا بطلت الأمانة بقي التصرف كالرهن المتضمن وثيقة وأمانة وإن وكله في بيع عبد ثم باعه المالك بيعا فاسدا لم تبطل الوكالة لأن ملكه فيه لم يزل ولا يؤول إلى الزوال وإن وكل زوجته ثم طلقها لم تنعزل لأن الطلاق لا ينافي الوكالة ولا يمنع ابتداءها وإن وكل عبده ثم أعتقه أو باعه فكذلك ويحتمل أن ينعزل لأن أمره لعبده استخدام وليس بتوكيل في الحقيقة

فصل

ويجوز التوكيل بجعل لأنه تصرف لغيره لا يلزمه فجاز أخذ العوض عنه كرد الآبق وإذا وكله في البيع بجعل فباع استحق الجعل قبل قبض الثمن لأن البيع يتحقق قبل قبضه فإن قال في التوكيل فإذا سلمت إلي الثمن فلك كذا وقف استحقاقه على التسليم إليه لاشتراطه إياه وإن قال بع هذا بعشرة فما زاد فلك صح وله الزيادة لأن ابن عباس كان لا يرى بذلك بأسا

فصل

وليس للوكيل في بيع شيء بيعه لنفسه ولا للوكيل في الشراء أن يشتري من نفسه لأن العرف في العقد أن يعقد مع غيره فحمل التوكيل عليه


253

ولأنه تلحقه تهمة ويتنافى الغرضان فلم يجز كما لو نهاه وعنه يجوز لأنه امتثل أمره وحصل غرضه فصح كما لو باع أجنبيا وإنما يصح بشرط أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء ويتولى النداء غيره لتنتفي التهمة قال القاضي ويحتمل أن لا يشترط ذلك وكذلك الحكم في بيعه لوكيله أو طفل يلي عليه أو ولده أو والده أو مكاتبه أو تزويجه لابنته إذا وكله أن يتزوج له لأنه يتهم في حقه ويترك الاستقصاء عليهم وإن أذن له الموكل في هذا جاز لانتفاء التهمة مع صريح الإذن وإن وكله رجل في بيع عبده ووكله آخر في شرائه فله أن يتولى طرفي العقد كما يجوز للأب ذلك في حق ولده الصغير

فصل

فإذا وكل عبدا في شراء عبد من سيده جاز لأنه يجوز أن يشتري من غير سيده فجاز منه كالأجنبي وإن وكله في شراء نفسه جاز لأنه يجوز أن يشتري غيره فجاز أن يشتري نفسه كالأجنبي فإن قال السيد ما اشتريت نفسك إلا لنفسك عتق لإقرار سيده بحريته والقول قول السيد في الثمن لأن الظاهر ممن باشر العقد أنه له ولو وكله سيده في إعتاق نفسه أو وكل غريمه في إبراء نفسه صح لأنه وكيله في إسقاط حق نفسه فجاز كتوكيل الزوجة في طلاقها وإن وكل غريمه في إبراء غرمائه لم يملك إبراء نفسه كما لو وكله في حبسهم لم يملك حبس نفسه وإن وكله في تفرقة صدقة لم يملك


254

صرفها إلى نفسه لأنه مأمور بإعطاء غيره قال أصحابنا ولا يملك إعطاء ولده ووالده لأنهم كنفسه ويحتمل جواز ذلك لأن لفظه يعمهم ولا قرينة تخرجهم

فصل

والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما تلف تحت يده بغير تفريط بجعل وبغير جعل لأنه نائب المالك أشبه المودع والقول قوله فيما يدعيه من تلف وعدم تفريط وخيانة لذلك والقول قوله في الرد إن كان متطوعا لأنه قبض المال لنفع مالكه فهو كالمودع وإن كان بجعل ففيه وجهان أحدهما يقبل قوله لأنه أمين أشبه المودع والثاني لا يقبل لأنه قبضه لنفع نفسه أشبه المستعير وإن قال بعت وقبضت الثمن فتلف في يدي ففيه وجهان ذكرناهما في الرهن وإن اختلفا في أصل الوكالة فالقول قول من ينكرها لان الأصل عدمها وإن اختلفا في دفع المال إلى الوكيل فالقول قوله لذلك فإن أنكره ثم اعترف به ثم ادعى تلفه أو رده لم يقبل لأن خيانته ثبتت بجحده وكذلك الحكم في المودع وإن أقام بدعواه بينة ففيه وجهان أحدهما تقبل أنها شهدت بما لو أقربه لثبت فقبلت كما لو لم ينكر والثاني لا تقبل لأنه مكذب بها بجحده فإن كان جحوده أنك لا تستحق علي شيئا سمع قوله في الرد والتلف لأنه لم ينكر القبض فيجوز


255

أن يريد لا تستحق علي شيئا لتلفه أو رده وإن اختلفا في صفة الوكالة فقال وكلتني في بيع هذا فقال بل في بيع هذا أو قال وكلتني في بيعه بعشرين قال بل بثلاثين أو قال وكلتني في بيعه نسيئة قال بل نقدا فالقول قول الموكل لأنه منكر للعقد الذي يدعيه الوكيل فأشبه ما لو أنكر أصل الوكالة ولأنهما اختلفا في صفة قول الموكل فكان القول قوله كما لو اختلف الزوجان في صفة أصل الطلاق ونص أحمد رضي الله عنه في المضارب على أن القول قوله والوكيل في معناه لأنه أمين في التصرف فكان القول قوله في صفته كما لو اختلفا في بيع الثوب المأذون في بيعه وإن قال اشتريت هذا لك بعشرة قال بل بخمسة فالحكم فيه كذلك وإن قال اشتريت هذه الجارية لك بإذنك بعشرة فأنكر الإذن في شرائها فالقول قول الموكل فيحلف ويبطل البيع إن كان بعين المال ويرد الجارية على البائع إن صدق الوكيل في أنه وكيل وإن أنكر الشراء لغيره فالقول قوله وعلى الوكيل غرامة الثمن لموكله وتبقى الجارية في يده ولا تحل له لأنها ليست ملكا له فإن أراد استحلالها اشتراها ممن هي له في الباطن فإن أبى بيعها استحب للحاكم أن يرفق به ليبيعه إياها ولا يجبر لأنه عقد مراضاة فإن أبى فقد حصلت في يده لغيره وله في ذمة صاحبها ثمنها فأقرب الوجوه فيها أن يأذن الحاكم له في بيعها ويوفيه حقه من ثمنها لأن الحاكم باعها في وفاء دينه فإن قال صاحبها إن كانت لي فقد بعتكها بعشرين فقال القاضي لا يصح لأنه بيع معلق على شرط ويحتمل


256

أن يصح لأن هذا شرط واقع يعلمانه فلا يضر جعله شرطا كما لو قال إن كانت جارية فقد بعتكها

فصل

فإن قال تزوجت لك فلانة بإذنك فصدقته المرأة وأنكره فالقول قول المنكر لان الأصل معه ولا يستحلف لأن الوكيل يدعي حقا لغيره وإن ادعته المرأة استحلف لأنها تدعي صداقها عليه فإن حلف برئ من الصداق ولم يلزم الوكيل لأن حقوق العقد تتعلق بالموكل فإن كان الوكيل ضمنه لها فلها مطالبته به وليس لها نكاح غيره لاعترافها أنها زوجته فتؤخذ بإقرارها ولا يكلف الطلاق لأنه لم يثبت في حقه نكاح ويحتمل أن يكلفه لإزالة احتمال لأنه يحتمل صحة دعواها فينزل منزلة النكاح الفاسد ولو مات أحدهما لم يرثه الآخر لأنه لم يثبت صداقها فترث وهو ينكر أنها زوجته فلا يرثها


257

باب الشركة

يجوز عقد الشركة في الجملة لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما رواه أبو داود وتكره شركة الذمي إلا أن يكون المسلم يتولى البيع والشراء لما روى الخلال بإسناده عن عطاء قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مشاركة اليهودي والنصراني إلا أن يكون البيع والشراء بيد المسلم ولأنه لا يأمن معاملتهم بالربا والعقود الفاسدة

فصل

والشركة على أربعة اضرب أحدها شركة العنان وهو أن يشترك اثنان بماليهما على أن يعملا فيه ببدنيهما والربح بينهما فإذا صحت فما تلف من المالين فهو من ضمانهما وإن خسرا كانت الخسارة بينهما على قدر المالين لأنهما صارا كمال واحد في ربحه فكذلك في خسارته والربح بينهما على ما شرطاه لأن العمل يستحق به الربح وقد يتفاضلان فيه لقوة أحدهما وحذقه فجاز أن يجعل له حظ من الربح كالمضارب


258

فصل

وتصح الشركة في الدراهم والدنانير لأنهما أثمان البياعات وقيم الأموال ولا تصح بالعروض في إحدى الروايتين لأن قيمة أحدهما ربما تزيد قبل بيعه فيشاركه الآخر في نماء العين التي هي ملكه والثانية تصح الشركة بها ويجعل رأس المال قيمتها وقت العقد لأن مقصودها نفوذ تصرفهما في المال المشترك وكون ربحه بينهما وهذا ممكن في العروض والحكم في النقرة والمغشوش والفلوس كالحكم في العروض لأن قيمتها تزيد وتنقص فأشبهت العروض ولا تجوز الشركة بمجهول ولا جزاف لأنه لا يمكن الرجوع به عند المفاضلة ولا بدين ولا غائب لأنه مما لا يجوز بيعه والتصرف فيه وهو مقصود الشركة

فصل

ويجوز في المختلفين فيكون لأحدهما دنانير والآخر دراهم ولأحدهما صحاح وللآخر مكسرة أو لأحدهما مائة والآخر مائتان لأنهما أثمان فصحت الشركة بهما كالمتفقين ويرجع كل واحد منهما عند المفاضلة بمثل ما له نص عليه لأنها أثمان فيجب الرجوع في مثلها كالمتفقين وتجوز الشركة وإن لم يخلطا المالين لأنه يقصد بها كون الربح بينهما فلم يشترط خلط المال كالمضاربة


259

فصل

ومبناها على الوكالة والأمانة لأن كل واحد منهما بتفويض المال إلى صاحبه أمنه وبإذنه له في التصرف وكله ولكل واحد منهما العمل في المالين بحكم الملك في حصته والوكالة في حصة شريكه وحكمها في جوازها وانفساخها حكم الوكالة لتضمنها للوكالة فإن عزل أحدهما صاحبه قبل أن ينض المال فذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه أنه لا ينعزل حتى ينض كالمضارب إذا عزله رب المال وقال أبو الخطاب ينعزل لأنها وكالة فإذا عزله فطلب أحدهما البيع والآخر القسمة أجيب طالب القسمة لأنه يستدرك ما يحصل من الربح بالقسمة فلم يجبر على البيع بخلاف المضارب وهذا إنما يصح إذا كان الربح على قدر المالين فإن زاد ربح أحدهما عن ماله لم يستدرك ربحه بالقسمة فيتعين البيع كالمضاربة

فصل

فإن مات أحدهما فلوارثه إتمام الشركة فيأذن للشريك ويأذن له الشريك في التصرف لان هذا إتمام للشركة وليس بابتداء لها فلا تعتبر شروطها وكذلك إن مات رب المال في المضاربة فلوارثه إتمامها في ظاهر كلامه ويحتمل أن لا يجوز إتمامها إلا أن يكون المال ناضا لأن العقد قد بطل بالموت وهذا ابتداء عقد فلا يجوز بالعروض وإن مات عامل المضاربة


260

لم يجز إتمامها إلا على الوجه الذي يجوز ابتداءها لأنه لم يخلف أصلا يبنى عليه ولو كان مال الشركة والمضاربة موصى به والموصى له كالوارث في هذا فإن كانت الوصية لغير معين كالفقراء فليس للموصي الإذن في التصرف لأنه قد وجب دفعها إليهم

فصل

ولكل واحد من الشركينين أن يبيع ويشتري مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة ويقبض المبيع والثمن ويقبضهما ويطالب بالدين ويخاصم فيه ويرد بالعيب في العقد الذي وليه هو أو صاحبه ويحيل ويحتال ويستأجر ويفعل كل ما هو من مصلحة التجارة بمطلق الشركة لأن هذا عادة التجار وقد أذن له في التجارة وهل لأحدهما أن يبيع نساء أو يبضع أو يودع أو يسافر بالمال يخرج على روايتين إحداهما له ذلك لأنه عادة التجار ولأن المقصود الربح وهو في هذه أكثر والأخرى لا يجوز لأن فيه تغريرا بالمال وهل له التوكيل يخرج على الروايتين في الوكيل لأنه وكيل وإذا وكل أحدهما فللآخر عزله لأنه وكيله وهل له أن يرهن ويرتهن فيه وجهان أحدهما له ذلك لأن الرهن يراد للإيفاء والارتهان يراد للاستيفاء وهو يملكهما فيملك ما يراد لهما والثاني لا يجوز لأن فيه خطرا وفي الإقالة وجهان أصحهما أنه يملكها لأنه إن كانت


261

بيعا فقد أذن فيه وإن كانت فسخا ففسخ البيع المضر من مصلحة التجاره فملكه كالرد بالعيب والآخر لا يملكها لأنها فسخ فلا تدخل في الإذن في التجارة

فصل

وليس له أن يكاتب رقيقه ولا يزوجه ولا يعتقه بمال ولا يقرض ولا يحابي لأن ذلك ليس بتجارة وليس له المشاركة بمال الشركة ولا المضاربة به ولا خلطه بماله ولا مال غيره لأنه يثبت في المال حقوقا وليس هو من التجارة المأذون فيها ولا يأخذ به سفتجة ولا يعطيها لأن فيه خطرا ولا يستدين على مال الشركة ولا يشتري ما ليس عنده ثمنه لأنه يؤدي إلى الزيادة في مال الشركة ولم يؤذن فيه فإن فعل فعليه ثمن ما اشتراه ويختص بملكه وربحه وضمانه وكذلك ما استدانه أو اقترضه ويجوز أن يشتري نساء ما عنده ثمنه لأنه لا يفضي إلى الزيادة فيها وإن أقر على مال الشركة قبل في حقه دون صاحبه سواء أقر بعين أو دين لأن الإقرار ليس من التجارة وقال القاضي يقبل إقراره على مال الشركة ويقبل إقراره بعيب في عين باعها كما يقبل إقرار الوكيل على موكله به نص عليه لأنه يتولى بيعها فقبل إقراره بالعيب كمالكها فإن رد عليه المعيب فقبله أو دفع أرشه أو أخر ثمنه أو حط بعضه لأجل العيب جاز لأن العيب


262

يجوز الرد وقد يكون ما يفعله من هذا أحظ من الرد فأما إن حط بعض الثمن ابتداء أو أسقط دينا عن غريمهما أو أخره عليه لزم في حقه دون صاحبه لأنه تبرع فجاز في حقه دون شريكه كالصدقة فإن قال له اعمل برأيك فله عمل ما يقع في التجارة من الرهن والارتهان والبيع نساء والإبضاع بالمال والمضاربة به والشركة وخلطه بماله والسفر به وإيداعه وأخذ السفتجة ودفعها ونحوه لأنه فوض إليه الرأي في التصرف في التجارة وقد يرى المصلحة في هذا وليس له التبرع والحطيطة والقرض وكتابة الرقيق وعتقه وتزويجه لأنه ليس بتجارة وإنما فوض إليه العمل برأيه في التجارة

فصل

الضرب الثاني شركة الأبدان وهو أن يشترك اثنان فيما يكتسبانه بأبدانهما كالصانعين يشتركان على أن يعملا في صناعتهما أو فيما يكتسبانه من مباح كالحشيش والحطب والمعادن والتلصص على دار الحرب فما رزق الله فهو بينهما فهو جائز لما روى عبد الله بن مسعود قال اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر قال فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه واحتج به أحمد ومبناها على الوكالة لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه وما يتقبله كل واحد من الأعمال فهو من ضمانهما يطالب به كل واحد منهما ويلزمه عمله قال القاضي ويحتمل أن لا يلزم كل واحد منهما


263

ما لزم صاحبه كالوكيلين ويصح مع اتفاق الصنائع واختلافها لأنهما اتفقا في مكسب واحد كما لو اتفقت الصنائع وقال أبو الخطاب لا تصح مع اختلافها لأن الشركة تقتضي أن ما يتقبله أحدهما يلزم صاحبه ولا يمكن أن يلزمه عمل صناعة لا يحسنها

فصل

والربح بينهما على ما شرطاه من مساواة أو تفاضل لأنهما يستحقان بالعمل والعمل يتفاضل فجاز أن يكون الربح متفاضلا وما لزم أحدهما من ضمان لتعديه وتفريطه فهو عليه خاصة لأن ذلك لا يدخل في الشركة ولكل واحد منهما طلب الأجرة وللمستأجر دفعها إلى أيهما شاء وإن تلفت في يد أحدهما بغير تفريط فلا ضمان عليه لأنه وكيل

فصل

وإن عمل أحدهما دون صاحبه فالكسب بينهما لحديث ابن مسعود حين جاء سعد بأسيرين وأخفق الآخران وإن ترك أحدهما العمل لعجز أو غيره فللآخر مطالبته بالعمل أو بإقامة من يعمل عنه أو يفسخ


264

فصل

إذا كان لرجلين دابتان فاشتركا على أن يحملا عليهما فما زرق الله تعالى من الأجرة فهو بينهما صح ثم إن تقبلا حمل شيء في ذمتهما فحملاه عليهما صح والأجرة على ما شرطاه لأن تقبلهما الحمل أثبته ف ذمتهما وضمانهما والشركة تنعقد على الضمان كشركة الوجوه وإن أجراهما على حمل شيء اختص كل واحد منهما بأجرة دابته ولا شركة لأنه لم يجب الحمل في ذمته وإنما استحق المكتري منفعة هذه البهيمة التي استأجرها ولهذا تنفسخ الإجارة بموتها ولا يصح أن يكون كل واحد منهما وكيل صاحبه في إجارة دابة نفسه ولهذا لو قال أجر دابتك وأجرها بيني وبينك لم يصح فإن أعان أحدهما صاحبه في التحميل فله أجرة مثله لأنها منافع وفاها بشبهة عقد

فصل

فإن دفع دابته إلى رجل يعمل عليها أو عبده ليكتسب ويكون ما يحصل بينهما نصفين أو أثلاثا صح نص عليه لأنها عين تنمي بالعمل عليها فجاز العقد عليها ببعض نمائها كالشجر في المساقاة ونقل عنه أبو داود فيمن يعطي الفرس على نصف الغنيمة أرجو أن لا يكون به بأس ووجهه ما ذكرناه وإن دفع ثيابا إلى خياط ليخيطها ويبيعها وله جزء


265

من ربحها أو غزلا لينسجه ثوبا بثلث ثمنه أو ربعه جاز وإن جعل معه دراهم لم يجز وعنه الجواز والأول المذهب لأنه لا يجوز أن يشترط في المساقاة دراهم معلومة وإنما أجاز أحمد ذلك تشبيها بالمساقاة قال نراه جائزا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر على الشطر

فصل

وإن دفع رجل بغلة وآخر راوية إلى رجل ليستقي وما رزقهم الله بينهم فقياس المذهب صحته لأن كل واحد منهما عين تنمي بالعمل عليها فصح دفعها بجزء من النماء كالتي قبلها وقال القاضي لا يصح لأن المشاركة بالعروض لا تصح والأجرة للعامل لأنه ملك الماء باغترافه في الإناء فلصاحبيه أجرة المثل لأنه استوفى منافع ملكهما بشبهة عقد ولو اشترك صانعان على أن يعملا بأداة أحدهما في بيت الآخر والكسب بينهما صح لأن الأجرة على عملهما وبه يستحق الربح ولا يستحق بالآلة والبيت شيء إنما يستعملانها في العمل فصارا كالدابتين في الشركة ولو اشترك صاحب بغل وراوية على أن يؤجراهما والأجرة بينهما لم يصح لا حاصله أن كل واحد منهما يؤجر ملكه ويعطي الآخر من أجرته وليس بصحيح والأجرة كلها لمالك البهيمة لأنه صاحب الأصل وللآخر أجرة مثله


266

فصل

الضرب الثالث شركة الوجوه وهو أن يشترك رجلان فيما يشتريان بجاههما وثقة التجار بهما من غير أن يكون لهما رأس مال على أن ما اشترياه فهو بينهما على ما اتفقا عليه من مساواة أوتفاضل ويبيعان فما رزق الله تعالى من الربح فهو بينهما على ما اتفقا عليه فهو جائز سواء عين أحدهما لصاحبه ما يشتريه أو قال ما اشتريت من شيء فهو بيننا نص عليه والربح بينهما على ما اشترطاه وقال القاضي الربح بينهما على قدر ملكيهما في المشتري ولنا أنهما شريكان في المال فجاز تفاضلهما في الربح مع تساويهما في الملك كشريكي العنان والوضيعه على قدر ملكيهما في المشتري لأنه رأس المال ومبناها على الوكالة لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه فيما يشتريه ويبيعه وحكمها في جواز ما يجوز لكل واحد منهما أو يمنع منه حكم شركة العنان

فصل

الضرب الرابع شركة المفاوضة وهو أن يشتركا في كل شيء يملكانه وما يلزم كل واحد منهما من ضمان غصب أو جناية أو تفريط وفي ما يجدان من ركاز أو لقطة فلا يصح لأنه يكثر فيها الغرر ولأنها لا تصح بين المسلم والكافر فلا تصح بين المسلمين كسائر العقود للنهي عنها ولأنه يدخل فيها أكساب غير معتادة وحصول ذلك وهو لا يتعلق به حكم


267

باب المضاربة

وهو أن يدفع إنسان ماله إلى آخر يتجر فيه والربح بينهما وهي جائزة بالإجماع يروى إباحتها عن عمر وعلي وابن مسعود وحكيم بن حزام رضي الله عنهم في قصص مشتهرة ولا مخالف لهم فيكون إجماعا وتسمى مضاربة وقراضا وتنعقد بلفظهما وبكل ما يؤدي معناهما لأن القصد المعنى فجاز بما دل عليه كالوكالة وحكمها حكم شركة العنان في جوازها وانفساخها وفي ما يكون رأس المال فيها وما لا يكون وما يملكه العامل وما يمنع منه وكون الربح بينهما على ما شرطاه لأنها شركة فيثبت فيها ذلك كشركة العنان

فصل

ويشترط تقدير نصيب العامل ونصيب كل واحد من الشريكين في الشركة بجزء مشاع لأن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها والمضاربة في معناها فإن قال خذه مضاربة والربح بيننا صح وهو بينهما نصفين لأنه أضافه إليهما إضافة واحدة من غير ترجيح لأحدهما فاقتضى التسوية كقوله هذه الدار بيني وبينك وإن قال على أن لك ثلث الربح صح والباقي لرب المال لأنه يستحقه لكونه نماء له فلم يحتج إلى شرطه


268

وإن قال على أن لي ثلث الربح ولم يذكر نصيب العامل ففيه وجهان أحدهما لا يصح لأن العامل إنما يستحق بالشرط ولا شرط له والثاني يصح والباقي للعامل لأنه يدل بخطابه على ذلك كقوله تعالى وورثه أبواه فلأمه الثلث النساء 11 دل على أن باقيه للأب وإن قال لي النصف ولك الثلث وترك السدس فهو لرب المال لأنه يستحقه بماله وإن قال خذه مضاربة بالثلث صح وهو للعامل لأن الشرط يراد من أجله ورب المال يأخذه بماله لا بالشرط ومتى اختلفا لمن الجزء المشروط فهو للعامل لذلك واليمين على مدعيه

فصل

وإن لم يذكر الربح أو قال لك جزء من الربح أو شركة لم تصح المضاربة لأن الجهالة تمنع تسليم الواجب وإن قال لك مثل ما شرط لفلان وهما يعلمانه صح وإن جهلاه أو أحدهما لم يصح ولا يجوز أن يشرط لأحدهما دراهم معلومة لأنه يحتمل أن لا يربحها أو لا يربح غيرها فيختص أحدهما بجميع الربح ولو شرط لأحدهما ربح أحد الألفين أو أحد الكيسين أو أحد العبدين وللآخر ربح الآخر أو جعل حقه في عبد يشتريه أو أنه إذا اشترى عبدا أخذه برأس المال لم يصح لإفضائه إلى اختصاص أحدهما بالربح


269

فصل

وإن قال خذه مضاربة والربح كله لك أو قال لي لم يصح لأن موضوعها على الاشتراك في الربح فشرطه كله له ينافي مقتضى العقد فبطل وإن قال خذه فاتجر به والربح كله لك فهو قرض لأن اللفظ يصلح للقرض وقد قرن به حكمه فتعين له وإن قال والربح كله لي فهو إبضاع لأنه قرن به حكمه

فصل

فإن قال لغريمه ضارب بالدين الذي عليك لم يصح لأن ما في يد الغريم لنفسه لا يصير لغريمه إلا بقبضه فإن عزل شيئا واشترى به فالشراء له لأنه اشترى بماله ويحتمل أن تصح المضاربة لأنه اشترى له بإذنه ودفع المال إلى من أذن له في دفعه إليه فبرئت به ذمته وإن كانت له وديعة فقال للمودع ضارب بها صح لأنه عين ماله وإن كان عرضا فقال بعه وضارب بثمنه صح لأن الثمن عين مال رب المال وإن قال اقبض مالي على فلان فضارب به ففعل صح لأنه وكيل في قضه فيصير كالوديعة


270

فصل

ويصح أن يشرط على العامل أن لا يسافر بالمال ولا يتجر به إلا في بلد بعينه أو نوع بعينه أو لا يعامل إلا رجلا بعينه لأنه أذن في التصرف فجاز ذلك فيه كالوكالة ويصح توقيتها فيقول ضاربتك بهذه الدراهم سنة لذلك نص عليه وعنه لا يصح اختارها أبو حفص لأنه عقد يجوز مطلقا فلم يجز توقيته كالنكاح ويصح أن يشرط نفقة نفسه حضرا وسفرا قياسا على الوكيل

فصل

ولا يصح أن يشترط ما ينافي مقتضى العقد نحو أن يشرط لزوم المضاربة أو لا يعزله مدة بعينها أو لا يبيع إلا برأس المال أو أقل أو يوليه ما يختار من السلع لأنه يفوت المقصود من العقد وإن شرط أن يتجر له في مال آخر مضاربة أو بضاعة أو خدمة في شيء أو يرفق بالسلع أو شرط على العامل الضمان أو الوضيعة أو سهما منها أو متى باع سلعة فهو أحق بها بالثمن فالشرط فاسد لأنه ليس في مصلحة العقد ولا مقتضاه


271

فصل

وكل شرط يؤثر في جهالة الربح يبطل المضاربة لأنه يمنع التسليم الواجب وما لا يؤثر فيها لا يبطلها في قياس قوله لنصه فيما إذا شرط سهما من الوضيعة أن المضاربة صحيحة لأنه إذا حذف الشرط بقي الإذن بحاله ويحتمل البطلان لأنه إنما رضي بالعقد بهذا الشرط فإذا فسد فسد فات الرضى به ففسد كالمزارعة إذا شرط البذر من العامل وكالشروط الفاسدة في البيع ومتى فسدت فالتصرف صحيح لأنه بإذن رب المال والوضيعة عليه لان كل عقد لا ضمان في صحيحه لا ضمان في فاسده والربح لرب المال لأنه نماء ماله وإنما يستحق بالشرط وهو فاسد هاهنا لا يستحق به شيء وللعامل أجر مثله لأنه بذل منافعه بعوض لم يسلم له وإن فسدت الشركة قسم الربح على رؤوس أموالهما ورجع كل واحد منهما على الآخر بأجر عمله لما ذكرنا وقال الشريف أبو جعفر الربح بينهما على ما شرطاه لأنه عقد يجوز أن يكون عوضه مجهولا فوجب المسمى في فاسده كالنكاح

فصل

وعلى العامل عمل ما جرت العادة بعمله له من نشر وطي وإيجاب وقبول وقبض ثمن ووزن ما خف كالنقود والمسك والعود لأن إطلاق الإذن يحمل على العرف والعرف أن هذه الأمور يتولاها بنفسه وإن


272

استأجر من يفعلها فعليه الأجرة في ماله لأنه بذلها عوضا عما يلزمه وما جرت العادة أن يستنيب فيه كحمل المتاع ووزن ما يثقل والنداء فله أن يستأجر من مال القراض من يفعله لأنه العرف إن فعله بنفسه ليأخذ أجره لم يستحقها نص عليه لأنه تبرع بفعل ما لم يلزمه فلم يكن له أجر كالمرأة التي تستحق على زوجها خادما إذا خدمت نفسها ويتخرج أن له الأجر لأنه فعل ما يستحق الأجر فيه فاستحقه كالأجنبي

فصل

وليس له أن يشتري بأكثر من رأس المال لأن الإذن لم يتناول غيره فإن كان ألفا فاشترى عبدا بألف فهو للمضاربة لأنه مأذون فيه وإن اشترى آخر لم يدخل في المضاربة لأنه غير مأذون فيه وحكمه حكم ما لو اشترى لغيره شيئا بغير إذنه فإن تلف الألف قبل نقده في الأول فعلى رب المال الثمن لأن الشراء بإذنه ويصير راس المال الثمن الثاني لأن الأول تلف قبل تصرفه فيه وإن تلف قبل الشراء لم يدخل المشتري في المضاربة لأنها انفسخت قبل الشراء لتلف رأس المال وزوال الإذن


273

فصل

وليس له التصرف إلا على الاحتياط كالوكيل لأنه وكيل رب المال إلا أن له شراء المعيب لأن مقصودها الربح وقد يربح في المعيب بخلاف الوكالة فإن الشراء فيها يراد للقنية فإن اشترى شيئا فبان معيبا فله رده فإن اختلف هو ورب المال في رده فعل ما فيه النظر لأن المقصود الحظ لهما فإذا اختلفا قدم الأحظ

فصل

فإن اشترى من يعتق على رب المال صح لأنه مال متقوم قابل للعقود فصح شراؤه كالذي نذر رب المال عتقه ويعتق وعلى العامل الضمان علم أو لم يعلم لأن مال المضاربة تلف بتفريطه وفي قدر ما يضمن وجهان أحدهما ثمنه لأنه فات فيه والثاني قيمته لأنها التالفة وقال أبو بكر إن لم يعلم لم يضمن لأنه معذور فلم يضمن كما لو اشترى معيبا لم يعلم عيبه ويتخرج أن لا يصح شراؤه لأن الإذن تقيد بالعرف لما يمكن بيعه والربح فيه فلا يتناول غيره ولأنه تقيد بما يظن الحظ فيه وهذا لاحظ للتجارة فيه ولهذا جعلناه مفرطا وألزمناه الضمان وإن اشترى زوجة رب المال أو زوج ربة المال صح وانفسخ النكاح لملكه إياه فإن كان قبل


274

الدخول فعلى العامل نصف الصداق لأنه أفسد نكاحه فأشبه من أفسده بالرضاع

فصل

فإن اشترى من يعتق على نفسه ولا ربح في المال لم يعتق وإن ظهر فيه ربح وقلنا لا يملك العامل إلا بالقسمة لم يعتق أيضا وإن قلنا يملكه بالظهور عتق عليه قدر حصته منه وسرى إلى باقيه إن كان موسرا وغرم قيمته وإن كان معسرا لم يعتق عليه إلا ما ملك وقال أبو بكر لا يعتق بحال لأنه لم يتم ملكه في الربح لكونه وقاية لرأس المال

فصل

وليس له وطء جارية من المال فإن فعل فعليه المهر لأنها مملوكة غيره ويعزر نص عليه ولا حد عليه لشبهة حقه فيها وقال القاضي عليه الحد إن لم يظهر ربح لأنه لا ملك له فيها والأول أولى لأن ظهور الربح ينبني على التقويم وهو غير متحقق فيكون شبهة فإن ولدت منه ولم يظهر ربح فالولد مملوك ولا تصير به الجارية أم ولد لأنها علقت به في غير ملك وإن ظهر ربح فالولد حر وأمه أم ولد وعليه قيمتها ويسقط من القيمة والمهر قدر حصة العامل منها وإن أذن له رب المال في التسري فاشترى جارية خرجت من المضاربة وصار ثمنها قرضا لأن استباحة البضع


275

لا تكون إلا بملك أو نكاح لقول الله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم المؤمنون 6

فصل

وليس لرب المال وطء جارية من المضاربة لأن لغيره فيها حقا فإن فعل فلا حد عليه لأنها ملكه وإن لم تعلق منه فالمضاربة بحالها وإن علقت منه فالولد حر وتصير أم ولد له وتخرج من المضاربة وتحسب عليه قيمتها ويأخذ المضارب حصته من الربح مما بقي

فصل

وليس له دفع المال مضاربة لأنه إنما دفع إليه المال ليضارب به وبهذا يخرج عن كونه مضاربة فإن فعل فهو مضمون على كل واحد منهما على الأول لتعديه وعلى الثاني لأخذه مال غيره بغير إذنه فإن غرم الأول ولم يعلم الثاني بالحال لم يرجع عليه لأنه دفعه إليه أمانة وإن علم رجع عليه وإن غرم الثاني مع علمه لم يرجع على أحد وإن لم يعلم فهل يرجع على الأول على وجهين بناء على المشتري من الغاصب وإن ربح فالربح لرب المال لأنه نماء ماله ولا أجرة لواحد منهما لأن الأول لم يعمل والثاني عمل في مال غيره بغير إذنه فأشبه الغاصب وعنه له أجرة مثله لأنه عمل في المال بشبهة


276

المضاربة فأشبه المضاربة الفاسدة ويحتمل أنه إن اشترى في الذمة كان الربح له فأما إن دفعه إلى غيره بإذن رب المال صح ويصير الثاني هو المضارب فإن شرط الدافع لنفسه شيئا من الربح لم يستحق شيئا لأن الربح يستحق بمال أو عمل وليس له واحد منهما فإن قال له رب المال اعمل برأيك فعن أحمد رضي الله عنه جواز دفعه مضاربة كما ذكرنا في الشركة

فصل

إذا تعدى المضارب بفعل ما ليس له فهو ضامن لأنه تصرف بغير إذن المالك فيصير كالغاصب والربح لرب المال ولا أجرة له لأنه عمل بغير إذن أشبه الغاصب وعنه له أجرة مثله ما لم تحط بالربح كالإجارة الفاسدة وعنه له أقل الأمرين من أجرته أو ما شرط له لأنه رضي بما جعل له فلا يستحق أكثر منه ولا يستحق أكثر من أجرة المثل لأنه لم يفعل ما جعل له الربح فيه وقال القاضي إن اشترى في الذمة ثم نقد المال فكذلك وإن اشترى بعين المال فالشراء باطل في رواية والنماء للبائع وفي رواية يقف على إجازة المالك فإن لم يجزه فالبيع باطل أيضا وإن أجازه صح والنماء له وإن أخذ الربح كان إجازة منه للعقد لأنه دل على رضاه وفي أجرة المضارب ما ذكرناه


277

فصل

ونفقة العامل على نفسه حضرا وسفرا لأنها تختص به فكانت عليه كنفقة زوجته ولأنه دخل على أن له جزءا مسمى فلم يستحق غيره كالمساقي وإن شرط نفقته فله ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنون على شروطهم ويستحق تقديرها لأنه أبعد من الغرر فإن أطلق جاز لأن لها عرفا تنصرف إليه فأشبه إطلاق الدينار في بلد له فيه عرف قال أحمد ينفق على ما كان ينفق غير متعد بالنفقة ولا مضر بالمال وله نفقته من المأكول خاصة إلا أن يكون سفرا طويلا يحتاج إلى تجديد كسوة فله أن يكتسي فإن كان معه مال آخر فالنفقة على المالين بالحصص لأن النفقة للسفر والسفر لهما وإن مات لم يجب تكفينه لأنه لم يبق عاملا وإن لقيه رب المال في السفر ففسخ المضاربة فلا نفقة له لرجوعه لذلك

فصل

وللمضارب أن يأخذ مضاربة أخرى إذا لم يكن فيه ضرر على الأولى لأنه عقد لا يملك به منافعه كلها فلم يملك عقدا آخر كالوكالة فإن كانت الثانية تشغله عن الأولى لم يجز لأنه تصرف يضربه فلم يجز كالبيع بغبن فإن فعل نصيبه من الربح في الثاني إلى ربح الأول فاقتسماه لأن ربحه الثاني حصل بالمنفعة التي اقتضاها العقد الأول وإن فعل ذلك بإذن الأول جاز


278

لأن الحق له فجاز بإذنه فإن أخذ مالين من رجلين واشترى بكل مال عبدا فاشتبها عليه ففيه وجهان أحدهما يكونان شريكين فيهما كما لو اشتركا في عقد البيع والثاني يأخذهما العامل وعليه رأس المال لأنه تعذر ردهما بتفريطه فلزمه ضمانهما كما لو أتلفهما

فصل

وإذا دفع إليه ألفا ثم دفع إليه ألفا آخر لم يجز له ضم أحدهما إلى الآخر لأنه أفرد كل واحد بعقد له حكم فلم يملك تغييره فإن أمره بضمهما قبل التصرف فيهما أو بعد أن نضا جاز وصارا مضاربة واحدة وإن كان بعد التصرف قبل أن ينضا لم يجز لأن حكم ما يتصرف فيه قد استقر فصار ربحه وخسرانه مختصا به فضم الآخر إليه يوجب جبر وضيعة أحدهما بربح الآخر فلم يجز

فصل

وليس للمضارب ربح حتى يستوفي رأس المال لأن الربح هو الفضل عن رأس المال فلو ربح في سلعة وخسر في أخرى أو في سفرة وخسر في أخرى جبرت الوضيعة من الربح وإن تلف بعض المال قبل التصرف فتلفه من رأس المال لأنه تلف قبل التصرف أشبه التالف قبل القبض وإن تلف بعد التصرف حسب من الربح لأنه دار في التجارة فإن اشترى عبدين بمائة فتلف أحدهما وباع الآخر بخمسين فأخذ منها رب المال خمسة وعشرين


279

بقي رأس المال خمسين لأن رب المال أخذ نصف المال الموجود فسقط نصف الخسران ولو لم يتلف العبد وباعهما بمائة وعشرين فأخذ رب المال ستين ثم خسر العامل فيما معه عشرين فله من الربح خمسة لأن سدس ما أخذه رب المال ربح للعامل نصفه وقد انفسخت المضاربة فيه فلا يجبر به خسران الباقي وإن اقتسما العشرين الربح خاصة ثم خسر عشرين فعلى العامل رد ما أخذه وبقي رأس المال تسعين لأن العشرة الباقية مع رب المال تحسب من رأس المال ومهما بقي العقد على رأس المال وجب جبر خسرانه من ربحه وإن اقتسما الربح قال أحمد إلا أن يقبص رأس المال صاحبه ثم يرده إليه أو يحتسبا حسابا كالقبض وهو أن يظهر المال ويجيء به فيحتسبان عليه فإن شاء صاحبه قبضه ولا يكون ذلك إلا في الناض دون المتاح لأن المتاع قد يتغير سعره وأما قبل ذلك فالوضيعة تجبر من الربح ولذلك لو طلب أحدهما قسمة الربح دون رأس المال لم يلزم الآخر إجابته لأنه لا يأمن الخسران في الثاني وإن اتفقا على قسمه أو قسم بعضه أو على أن يأخذ كل واحد منهما كل يوم قدرا معلوما جاز لأن الحق لهما ولو تبين للمضارب ربح لم يجز له أخذ شيء منه إلا بإذن رب المال


280

فصل

ويملك العامل الربح بالظهور وعنه لا يملكه لأنه لو ملكه اختص بما ربحه والأول المذهب لأنه يملك المطالبة بقسمه فملك كالمشترك وإنما لم يختص بربحه لأنه وقاية لرأس المال

فصل

ولكل واحد منهما فسخ المضاربة لأنها عقد جائز فإذا فسخ والمال عرض فاتفق على قسمه أو بيعه جاز وإن طلب العامل البيع وأبى رب المال وفيه ربح أجبر عليه لأن حقه في الربح لا يظهر إلا بالبيع وإن لم يكن يكن فيه ربح لم يجبر لأنه لا حق له فيه وإن طلب رب المال البيع وأبي العامل أجبر في أحد الوجهين لأنه يستحق عليه رد المال كما أخذه والآخر لا يجبر لأنه متصرف لغيره بحكم عقد جائز فلم يلزمه التصرف كالوكيل وإن كان دينا لزم العامل تقاضيه لأن المضاربة تقتضي رد المال على صفته

فصل

ويجوز أن يدفع المال إلى اثنين مضاربة فإن شرط لهما جزءا من الربح ولم يبين كيف هو بينهم فهو بينهم نصفين لأن إطلاق لفظهما يقتضي التسوية وإن شرط لأحدهما ثلث الربح وللآخر سدسه صح لأن عقد الواحد مع


281

الاثنين عقدان وإن قارض اثنان واحدا بألف لهما جاز وكان بمنزلة عقدين فإذا شرطا له جزءا من الربح والباقي لهما على قدر ملكيتهما فإن كان بينهما نصفين فشرط أحدهما للمضارب نصف ربح نصيبه وشرط له الآخر الثلث والباقي بينهما نصفين لم يجز لأن كل واحد منهما يستحق ما بقي من الربح بعد شرطه فإذا شرط التسوية فقد شرط أحدهما جزءا من ربح مال صاحبه بغير عمل وإن دفع إليه ألفا وقال أضف إليها من مالك ألفا والربح بيننا لك ثلثاه ولي ثلثه جاز وكان شركة وقراضا وللعامل النصف بماله والسدس بعمله وإن قال الربح بيننا نصفين نظرنا في لفظه فإن قال خذه مضاربة فسد لأنه جعل ربح ماله كله له وذلك ينافي مقتضى المضاربة وإن لم يقل مضاربة صح وكان إبضاعا وإن قال ولي الثلثان فسد لأنه يشرط لنفسه جزءا من ربح مال صاحبه بغير عمل

فصل

وإن أخرج ألفا وقال أتجر أنا وأنت فيها والربح بيننا صح نص عليه وذكره الخرقي بقوله أو بدلان بمال أحدهما وقال ابن حامد والقاضي لا يصح لأن المضاربة تقتضي تسليم المال إلى العامل وهذا الشرط ينفي ذلك والأول أظهر لأن العمل أحد ما تتم به المضاربة فجاز انفراد أحدهما به


282

كالمال ومقتضى المضاربة إطلاق التصرف في المال والمشاركة في الربح وهذا لا ينفيه فإن شرط المضارب أن يعمل معه غلام رب المال فهو أولى بالجواز لأن عمل الغلام يصح أن يكون تابعا لعمل العامل كالحمل على بهيمته وقال القاضي لا يجوز لأن يد العبد كيد سيده

فصل

والعامل أمين لا ضمان عليه فيما تلف بغير تعد لأنه متصرف في المال بإذن المالك لا يختص بنفعه فأشبه الوكيل والقول قوله فيما يدعيه من تلف أو يدعي عليه من جناية لذلك وإن قال هذا اشتريته لنفسي أو للمضاربة أو اختلفا في نهي رب المال له عن شرائه فالقول قوله لأن الأصل عدم النهي وهو أعلم بنيته في الشراء وإن اختلفا في رد المال فالقول قول المالك لأنه قبض المال لنفع نفسه فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير وإن اختلفا فيما شرط له من الربح ففيه روايتان إحداهما القول قول المالك لأن الأصل عدم ما اختلفا فيه والثانية إن ادعى العامل أجرة المثل أو قدرا يتغابن الناس به فالقول قوله لأن الظاهر صدقه وإن ادعى أكثر فالقول قول المالك لأن الظاهر صدقه فأشبها الزوجين إذا اختلفا في المهر


283

فصل

وإن أقر بربح ثم قال خسرته أو تلف قبل قوله وإن قال غلطت أو نسيت لم يقبل لأنه مقر بحق لآدمي فلم يقبل رجوعه كالمقر بدين ولو اقترض العامل شيئا تمم به رأس المال ثم عرضه على رب المال فأخذه لم يقبل رجوع العامل ولم يملك المقرض مطالبة رب المال لأن العامل ملكه بالقرض أقر به لرب المال ويرجع المقرض على العامل

فصل

فإن قال المالك دفعت إليك المال قرضا قال بل قراضا أو بالعكس أو قال غصبتنيه قال بل أودعتنيه أو بالعكس أو قال أعرتكه قال بل أجرتنيه أو بالعكس فالقول قول المالك لأنه ملكه فالقول قوله في صفة خروجه عن يده وإن قال المضارب شرطت لي النفقة فأنكره فالقول قول رب المال لأن الأصل عدمه وإن اتفقا على الشرط فقال المضارب إنما أنفقت من مالي فالقول قوله لأنه أمين فقبل قوله في الإنفاق كالوصي وله الرجوع سواء كان المال في يده أو لم يكن


284

فصل

وإن اشترى رب المال شيئا من مال المضاربة لم يصح في إحدى الروايتين لأنه ملكه فلم يجز له شراؤه كماله الذي مع وكيله والثانية يصح لأنه قد تعلق به حق غيره فأشبه مال مكاتبه ويصح أن يشتري المضارب من مال المضاربة لنفسه لأنه ملك غيره فصح شراؤه له كشراء الوكيل من موكله ولا يصح شراء السيد من عبده المأذون لأنه ماله ويحتمل أن يصح إذا ركبته الديون وإن اشترى أحد الشريكين من مال الشركة بطل في نصيبه وفي الباقي وجهان بناء على تفريق الصفقة ويحتمل أن يصح في الجميع بناء على شراء رب المال من مال المضاربة وإن استأجر أحد الشريكين من شريكه دارا ليحرز فيها مال الشركة أو غرائر صح نص عليه وإن استأجره أو غلامه أو دابته لنقل المتاع ففيه روايتان إحداهما يجوز قياسا على الدار والثانية لا يجوز لأن الحيوان لا تجب له الأجرة إلا بالعمل ولا يمكن إبقاؤه في المشترك لعدم تميز نصيب أحدهما من الآخر بخلاف الدار فإن الواجب موضع العين من الدار فيمكن تسليم المعقود عليه

فصل

ولا يجوز قسمة الدين في الذمم لأنها لا تتكافأ والقسمة بغير تعديل بيع ولا يجوز بيع دين بدين وعنه يجوز لأن الاختلاف لا يمنع القسمة


285

قياسا على اختلاف الأعيان ولا يمكن قسمة الدين في ذمة واحدة لأن معناها إفراز الحق ولا يتصور في ذمة واحدة

فصل

إذا كان لاثنين دين في ذمة رجل بسبب واحد فقبض أحدهما منه شيئا فهو بينهما إذ لا يجوز أن يكون المقبوض نصيب من قبضه لما فيه من قسمة الدين في ذمة واحدة وللشريك القابض مطالبته بنصيبه منه لذلك وله مطالبة الغريم لأنه لم يبرأ من حقه بتسليمه إلى غيره بغير إذنه ومن أيهما أخذ لم يرجع على الآخر لأن حقه ثبت في أحد المحلين فإذا اختار أحدهما سقط حقه من الآخر وإن هلك المقبوض في يد القابض تعين حقه فيه ولم يضمنه للغريم لأنه قدر حقه فما تعدى بالقبض وإنما كان لشريكه مشاركته لثبوته مشتركا وإن أبرأ أحدهما الغريم برئ من نصيبه ولم يرجع عليه الآخر بشيء لأنه كتلفه وإن أبرأه من نصف حقه ثم قبضا شيئا اقتسماه أثلاثا وإن أخر أحدهما حقه جاز لأنه يملك إسقاطه فتأخيره أولى وإن اشترى بنصيبه شيئا فهو كما لو اشترى بعين مال مشترك بينهما وإن كان الحق ثابتا بسببين كعقدين أو إتلافين فلا شركة بينهما ولكل واحد استيفاء حقه مفردا فلا يشاركه الآخر فيه


286

فصل

إذا ملكا عبدا فباعه أحدهما بأمر الآخر فادعى المشتري أنه قبض ثمنه فأنكر البائع وصدقه الآخر برئ من نصف ثمنه لاعتراف صاحبه بقبض وكيله له والقول قول البائع مع يمينه في أنه لم يقبض لأن الأصل عدمه ولا تقبل شهادة شريكه عليه لأن له فيها نفعا فإذا حلف قبض نصيبه من المشتري ولم يشاركه شريكه فيه لأنه يدعي أنه يأخذه ظلما وإن كان البائع ادعى أن شريكه قبض الثمن كله فأنكره لم تبرأ ذمة المشتري لأنه لم يوكله في القبض وليس للبائع مطالبة المشتري بأكثر من نصيبه لاعترافه بأن ذمته برئت من نصيب صاحبه فإذا قبض نصيبه فلصاحبه مشاركته فيه لأن دينهما واحد فإذا رجع عليه لم يكن للمقبوض منه مطالبة المشتري بشيء آخر لاعترافه بقبضه لجميع حقه وإن ما يأخذه صاحبه منه ظلم ويحتمل أنه ليس لصاحبه مشاركته لأنه ملك لاثنين وعقد الواحد مع الاثنين كعقدين


287

باب العبد المأذون

لا يجوز للعبد التجارة بغير إذن مولاه لأن منافعه مملوكة له فلا يملك التصرف فيها بغير إذنه فإن رأه يتجر فسكت لم يصر مأذونا له لأنه بيع يفتقر إلى الإذن فلم يكن السكوت إذنا فيه كبيع مال الأجنبي وإن اشترى في ذمته لم يصح لأنه عقد معاوضة فأشبه النكاح فإن قبض المبيع فتلف في يده تعلقت برقبته كجنايته لأنه تلف في يده على وجه يلزمه ضمانه فأشبه ما لو أتلفه

فصل

وإذا أذن له المولى جاز لأن الحجر لحقه فملك إزالته ولا يملك التجارة إلا فيما أذن فيه لأن تصرفه بالإذن فلم يملك إلا ما دخل فيه كالوكيل فإن عين له نوعا أو قدرا لم يملك التجارة في غيره وإن أذن له في التجارة مطلقا جاز ولم يكن له أن يؤجر نفسه ولا يتوكل لأنه عقد على نفسه فلم يملكه كبيع نفسه وتزوجه ولا ينصرف إلا على النظر والاحتياط كالمضارب لأن إطلاق الإذن يحمل على العرف وهو ما قلناه ولا يبطل الإذن فلا يقطع استدامته كما لو غصبه غاصب


288

فصل

ولا يجوز تبرع المأذون له بالدراهم والكسوة لأنه ليس بتجارة ولا من توابعها فلم يدخل في الإذن فيها وتجوز هديته المأكول واتخاذ الدعوة وإعارة دابته ما لم يسرف لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجيب دعوة المملوك ولأن العادة جارية به بين التجار فجاز كصدقة المرأة بالكسرة من بيت زوجها

فصل

وما كسب العبد من المباح أو وهب له فقبله ملكه مولاه لأنه كسب ما له فملكه كصيد فهده وإن ملكه سيده مالا ملكه لقول النبي صلى الله عليه وسلم من باع عبدا وله مال فماله للبائع ولأنه يملك البضع فملك المال كالحر وعنه لا يملك لأنه مال فلم يملك المال كالبهيمة فإن ملكه سيده جارية لم يملك وطأها قبل الإذن فيه لأن ملكه غير تام فإن أذن له فيه ملكه قال أبو بكر على كلتا الروايتين لأنه يملك الاستمتاع بالنكاح فملكه بالشراء كالحر وقال القاضي بل هذا بناء على الرواية التي يملك المال ولا يملك ذلك على الأخرى لقول الله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم المؤمنون 6 وإن لزمته كفارة فكفارته الصيام لا غير إن لم يأذن له سيده في التكفير بالمال وإن أذن له فيه انبنى على الروايتين في ملكه فإن قلنا لا يملك لم يكفر بغير الصيام وإن قلنا يملك فله التكفير بالإطعام


289

والكسوة وفي العتق وجهان أحدهما يملكه قياسا على الإطعام والكسوة والثاني لا يملكه لأنه يتضمن الولاء والعبد ليس من أهله فعلى الأول إن أذن له في التكفير بإعتاق نفسه فهل يجزئه على وجهين والله تعالى أعلم

باب المساقاة

تجوز المساقاة على النخل وسائر الشجر بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمر لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع متفق عليه ولأنه مال ينمي بالعمل عليه فجازت المعاملة عليه ببعض نمائه كالأثمان ولا تجوز على ما لا يثمر كالصفصاف لأن موضوعها على أن للعامل جزءا من الثمرة وفي المساقاة بعد ظهور الثمرة روايتان حكاهما أبو الخطاب إحداهما الجواز إذا بقي من العمل ما تزيد به الثمرة لأنها جازت في المعدومة مع كثرة الغرر فمع قلته أولى والثانية المنع لإفضائها إلى أن يستحق جزءا من النماء الموجود قبل العمل فلم يصح كالمضاربة بعد الربح وإن ساقاه على شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يحمل


290

فيكون له جزء من الثمرة جاز نص عليه لان الثمرة تحصل بالعمل عليها كما تحصل على النخل المغروس ولا تصح إلا على شجر معين معلوم برؤية أو صفة لأنها معاوضة يختلف الغرض فيها باختلاف الأعيان فأشبهت المضاربة ولو قال ساقيتك على أحد هذين الحائطين لم يصح

فصل

وظاهر كلام أحمد رضي الله عنه أنها عقد جائز لما روي عن ابن عمر أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم بخيبر على أن يعملوها ويكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نقركم على ذلك ما شئنا رواه مسلم فلو كانت لازمة لقدر مدتها ولم يجعل إخراجهم إليه إذا شاء ولأنه عقد على مال يجزء من نمائه فكان جائزا كالمضاربة فلذلك لا يفتقر إلى ضرب مدة وإن وقتاها جاز كالمضاربة وتنفسخ بموت كل واحد منهما وجنونه وفسخه لها فإن انفسخت بعد ظهور الثمرة فهي بينهما لأنها حدثت على ملكهما وعلى العامل تمام العمل كعامل المضاربة إذا انفسخت قبل أن ينض المال وإن انفسخت قبل ظهورها نفسخ العامل قبل ظهور الثمرة فلا شيء له لأنه رضي بإسقاط حقه وإن انفسخت بغير ذلك فللعامل أجرة مثله لأنه منع إتمام عمله الذي يستحق به العوض فصار كعامل الجعالة


291

وقال بعض أصحابنا هو لازم لأنه عقد معاوضة فكان لازما كالإجارة فعلى هذا يفتقر إلى تقدير مدتها كالإجارة ويجب أن تكون المدة تكمل الثمرة في مثلها لأن المقصود اشتراكهما في الثمرة فلا يحصل بدون ذلك فإن شرطا مدة لا تكمل الثمرة فيها فعمل العامل ففيه وجهان أحدهما لا شيء له لأنه رضي بالعمل بغير عوض فأشبه المتطوع والثاني له أجرة مثله لأنه يقتضي العوض فلم يسقط بالرضى بتركه كالوطء في النكاح وإن جعلا مدة تحمل في مثلها فلم تحمل فلا شيء له لأنه عقد صحيح فيه مسمى صحيح فلم يستحق غيره كعامل المضاربة إذا لم يربح وإن جعلا مدة قد تكمل فيها وقد لا تكمل ففيه وجهان أحدهما يصح لأنها مدة يرجى وجود الثمرة فيها فصح العقد عليها كالتي قبلها والثاني لا يصح لأنه عقد على معدوم وليس الغالب وجوده فلم يصح كالسلم في مثله فعلى هذا إن عمل استحق الأجرة لأنه لم يرض بالعمل بغير عوض ولم يسلم له فرجع إلى بدله كالإجارة الفاسدة

فصل

ويصح عقد المساقاة والإجارة على مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها وإن طالت لأنه عقد يجوز عاما فجاز أكثر منه كالكتابة فإذا عقدها على أكثر من عام لم يجب ذكر قسط كل سنة كما لو اشترى أعيانا بثمن واحد


292

وإن قدر قسط كل سنة جاز وإن اختلفت نحو أن يقول ساقيتك ثلاثة أعوام على أن لك نصف ثمرة العام الأول وثلث الثانية وربع الثالثة فإن انقضت المدة قبل طلوع ثمرة العام الآخر فلا شيء للعامل منها لأنها حدثت بعد موته وإن ظهرت في مدة تعلق حقه بها لحدوثها في مدته

فصل

وحكم المساقاة والمزارعة حكم المضاربة في الجزء المشروط للعامل في كونه معلوما مشاعا من جميع الثمرة وفي الاختلاف في قدره وفساد العقد بجهله وشرط دراهم لأحدهما أو ثمر شجر معين أو عمل رب المال أو غلمانه وفي ملكه للنماء بالظهور لأنه عقد على العمل في مال ببعض نمائه فأشبه المضاربة ولو شرط له ثمرة عام غير الذي عامله فيه لم يصح كما لو شرط للمضارب ربح غير مال المضاربة وإن قال إن سقيته سيحا فلك الثلث وإن سقيته بنضح فلك النصف وإن زرعت في الأرض حنطة فلك النصف وإن زرعت شعيرا فلك الثلث لم يصح لانه عقد على مجهول فلم يصح كبيعتين في بيعة ويتخرج أن يصح بناء على قوله في الإجارة إن خطته روميا فلك درهم وإن خطته فارسيا فلك نصف درهم


293

فصل

وإن ساقاه على بستانين بالنصف من هذا والثلث من الآخر صح وعلى أنواع جعل له من كل نوع قدرا أو جعل له في المزارعة نصف الحنطة وثلث الشعير وهما يعلمان قدر كل نوع أو كان البستان لاثنين فساقياه على نصف ثمرة نصيب أحدهما وثلث ثمرة الآخر وهم يعلمونه صح لأنه معلوم فصح كما لو كانا في عقدين وإن لم يعلموا لم يصح لأنه مجهول ولو قال ما زرعت فيها من حنطة فلك نصفه وما زرعت من شعير فلك ثلثه لم يصح لأنه مجهول

فصل

وينعقد بلفظ المساقاة لأنه موضوعها وبما يؤدي معناه لأن المقصود المعنى ولا يثبت فيها خيار الشرط وإن قلنا بلزومها لأنه لا يمكن رد المعقود عليه إذا فسخ وفي خيار المجلس وجهان أحدهما لا يثبت لأنه لا يثبت فيها خيار الشرط فأشبه النكاح والثاني يثبت لأنه عقد لازم يقصد به المال فأشبه البيع


294

فصل

ويلزم العامل ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها كالحرث وآلته وبقره واستقاء الماء وإصلاح طرقه وقطع الشوك والحشيش المضر واليابس من الشجرة وزبارة الكرم وتسوية الثمرة والحفظ والتشميس وإصلاح موضعه ونحو ذلك وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل كسد الحيطان وإنشاء الأنهار وحفر بئر الماء وعمل الدولاب ونصبه قال أصحابنا والثور الذي يديره لان هذا يراد لحفظ الأصل ولهذا من أراد إنشاء بستان عمل هذا كله وقيل وقيل ما يتكرر في كل عام فعلى العامل وما لا يتكرر فعلى رب المال والجذاذ والحصاد واللقاط على العامل نص عليه لان النبي صلى الله عليه وسلم دفع خيبر إلى يهود على أن يعملوها من أموالهم وهذا من العمل مما لا تستغني عنه الثمرة أشبه التشميس وعنه أن الجذاذ عليهما لأنه يوجد بعد تكامل النماء وهذا ينتقض بالتشميس فإن شرط على أحدهما ما يلزم الآخر فقد نص أحمد رضي الله عنه على أن الجذاذ عليهما ويصح شرطه على العامل فيخرج في سائر العمل مثل ذلك قياسا عليه وقال القاضي تفسد المساقاة لأنه ينافي مقتضاها أشبه ما لو شرط عمل المضاربة على رب المال


295

فصل

والعامل أمين والقول قوله فيما يدعيه من تلف أو يدعى عليه من خيانة أو تفريط وإن ثبتت خيانته ضم إليه من يشرف عليه ولا تزال يده عن العمل لأنه يمكن استيفاؤه منه فإن لم ينحفظ استؤجر من ماله من يعمل عنه لأنه تعذر استيفاؤه منه فاستوفي بغيره وإن هرب فهو كفسخه إن قلنا بجواز العقد وإن قلنا بلزومه دفع الأمر إلى الحاكم ليستأجر من ماله من يعمل عنه فإن لم يكن له مال اقترض عليه فإن لم يجد فللمالك الفسخ لأنه تعذر استيفاء المعقود عليه فأشبه ما لو استأجر دارا فتعذر تسليمها ثم إن فسخ قبل ظهور الثمرة فلا شيء للعامل لأن الفسخ لأمر من جهته وإن كانت ظاهرة فهي بينهما وإن لم يفسخ رب المال استأذن الحاكم في الإنفاق ثم رجع بما أنفق فإن لم يجد حاكما أشهد على الإنفاق بشرط الرجوع ورجع به لأنه حال ضرورة وإن أنفق من غير استئذان الحاكم مع إمكانه ففي الرجوع وجهان بناء على قضاء دينه بغير إذنه وإن عجز العامل عن العمل لضعفه أو عن بعضه أقام مقامه من يعمله فإن لم يفعل فهو كهربه وإن استأذن رب المال فأنفق بإذنه رجع


296

فصل

فإن مات العامل أو رب المال وقلنا يلزم العقد قام الوارث مقامه لأنه عقد لازم أشبه الإجارة فإن كان الميت العامل فأبى الوارث الإتمام أو لم يكن وارث استؤجر من التركة من يعمل فإن لم يجد تركة فلرب المال الفسخ ولا يقترض عليه لأنه لا ذمة له وإن فسخ فالحكم على ما ذكرنا

فصل

فإن بان الشجر مستحقا رجع العامل على من ساقاه بالأجرة لأنه لم يسلم له العوض فرجع على من استأجره فإن كانت الثمرة باقية أخذها بها وإن كانت تالفة ضمنها لمن شاء منهما فإن ضمنها للغاصب ضمنه جميعها لأنه حال بينه وبينه وإن ضمنها العامل ضمنه النصف لأنه لم يحصل في يده غيره ويحتمل أن يضمنه الجميع لأن يده ثبتت عليه وعمل فيه فضمنه كالعامل في القراض


297

باب المزارعة

وهي دفع الأرض إلى من يزرعها بجزء من الزرع وتجوز في الأرض البيضاء والتي بين الشجر لخبر ابن عمر رضي الله عنه وما ذكرنا في المساقاة وأيهما أخرج البذر جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفع خيبر معاملة ولم يذكر البذر وفي ترك ذكره دليل على جوازه من أيهما كان وفي بعض لفظ الحديث ما يدل على أنه جعل البذر عليهم لقول ابن عمر دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل خيبر وأرضها إليهم على أن يعملوها من أموالهم رواه مسلم وفي لفظ على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يدفع الأرض على أن من أخرج البذر فله كذا ومن لم يخرجه فله كذا وظاهر كلام أحمد رضي الله عنه أنه يشترط كون البذر من رب الأرض لأنه عقد يشترك رب المال والعامل في نمائه فوجب أن يكون رأس المال من رب المال كالمساقاة والمضاربة فإن شرطه على العامل أو شرط أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسما ما بقي فسدت المزارعة ومتى فسدت فالزرع لصاحب البذر لأنه من عين ماله ولصاحبه عليه أجرة مثله


298

فصل

فإن دفع بذرا إلى ذي أرض ليزرعه فيها بجزء لم يصح لان البذر لا من العامل ولا من رب الأرض فإن قال أنا أزرع أرضي ببذري وعواملي على أن تسقيها أنت من مائك بجزء لم يصح لأن المزارعة معاملة على الأرض فيجب أن يكون العمل فيها من غير صاحبها وعنه أنه يصح اختاره أبو بكر لأنه لما جاز أن يكون عوض العمل جزءا مشاعا جاز أن يكون عوض الماء كذلك وإن كانوا ثلاثة من أحدهم الأرض ومن آخر العمل ومن آخر البذر والزرع بينهم فهي فاسدة لما ذكرنا في أول الفصل

فصل

فإن قال أجرتك هذه الأرض بثلث الخارج منها فقال أحمد رضي الله عنه يصح واختلف أصحابه فقال أكثرهم هي إجارة صحيحة يشترط فيها شروط الإجارة وقال أبو الخطاب هذه مزارعة بلفظ الإجارة فيشترط فيها شروط المزارعة وحكمها حكمها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كانت له أرض فليزرعها أو فليزرعها أخاه ولا يكاريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى رواه أبو داود ولأن هذا مجهول فلم يجز أن يكون عوضا في الإجارة كثلث نماء أرض أخرى


299

فصل

وحكم المزارعة حكم المساقاة فيما ذكرنا من الجواز واللزوم وما يلزم العامل ورب الأرض وغير ذلك من أحكامها لأنها معاملة على الأرض ببعض نمائها فإن كانت الأرض ذات شجر فقال ساقيتك على الأرض والشجر بالنصف أو قال ساقيتك على الشجر بالنصف وزارعتك الأرض بالثلث جاز لأنهما عقدان يجوز إفرادهما فجاز جمعهما كبيعتين

فصل

ومتى سقط من الحب شيء ثم نبت في عام آخر أو سقط من حب المستأجر ثم نبت في عام آخر فهو لصاحب الأرض لأن صاحب الحب أسقط حقه منه بحكم العرف بدليل أن لكل أحد التقاطه فسقط كما لو سقط النوى فنبت شجرا


300

كتاب الإجارة

وهي بيع المنافع وهي جائزة في الجملة لقول الله تعالى قالت إحداهما يا أبت استأجره القصص 26 الآيتين وقول الله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن الطلاق 6 ولأن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان فلما جاز عقد البيع على الأعيان وجب أن يجوز عقد الإجارة على المنافع فتنعقد بلفظ الإجارة والكري لأنه لفظ موضوع لها وفي لفظ البيع وجهان أحدهما ينعقد به لأنها صنف منه والثاني لا تنعقد به لأنها تخالفه في الاسم والحكم فلم تنعقد بلفظه كالنكاح

فصل

وتجوز إجارة الظئر للرضاع والراعي لرعاية الغنم للآيتين واستئجار الدليل ليدل على الطريق لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر استأجرا رجلا من بني الديل هاديا خريتا والخريت الماهر بالهداية وهو على دين كفار قريش وأمناه فدفعا إليه راحليتهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا رواه أحمد والبخاري


301

وإجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقاء عينها دائما قياسا على المنصوص عليه وتجوز إجارة النقود للتحلي والوزن واستئجار شجر ليجفف عليها الثياب والغنم لتدوس الزرع والطين لأنها منفعة مباحة يجوز أخذ العوض عنها في غير هذه الأعيان فجاز فيها كالبيع ولا يجوز عقدها على ما لا نفع فيه مثل أن يستأجر للزرع سبخة لا تنبت أو لا ماء لها يكفي فإن كان لها ماء معتاد كماء العيون والأنهار والمد بالبصرة والمطر في موضع يكفي به جاز وإن كانت الأرض على نهر يستقى بزيادته كالنيل والفرات وتسقيها الزيادة المعتادة جازت إجارتها لأن الغالب وجودها فهي كالمطر لغيرها وإن كانت لا يسقيها إلا زيادة نادرة فاستأجرها بعد الزيادة صح لأنها معلومة وإن ستأجرها قبلها لم يصح لأنه لا يعلم وجودها فهي كبيع الطير في الهواء وإن استأجرها ولم يذكرها للزرعة وكانت تصلح لغيرها صح وإن لم تصلح لغيرها لم يصح لأن نفعها معدوم وإن غرقت الأرض فاكتراها لزرع ما لا ينبت في الماء كالحنطة والماء مغيض يمكن فتحه فيخسر الماء ويمكن زرعها صح لأنه يمكن زرعها بفتحه كما يمكن سكنى الدار بفتحها وإن علم أنه ينحسر عادة صح لأنه يعلم بالعادة إمكان الانتفاع فإن لم يعلم هل ينحسر أو لا لم يصح لما ذكرنا وإن اكترى أرضا على نهر تغرق بزيادته المعتادة لم يصح لأنه غير منتفع بها عادة فإن كانت بخلاف ذلك صح


302

فصل

ولا يجوز عقد الإجارة على المنافع المحرمة كالغناء والنياحة والزمر ولا إجارة داره لمن يتخذها كنيسة أو بيت نار أو يبيع فيها الخمر ونحوه لأنه محرم فلم تجز الإجارة لفعله كإجارة الأمة للزنى ولا يجوز استئجار رجل ليكتب له غناء ا نوحا أو شيئا محرما لذلك ولا يجوز استئجاره ليحمل خمرا ليشربها لذلك وعنه فيمن حمل خنزيرا أو ميتة لنصراني أكره أكل كرائه ولكن يقضى له بالكراء وإذا كان لمسلم فهو أشد قال القاضي هذا محمول على أنه استأجره ليريقها أما للشرب فمحظور لا يحل أخذ الأجرة عليه وإن استأجر حجاما ليحجمه جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة فأعطاه أجره صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه متفق عليه قال ابن عباس ولو كان حراما ما أعطاه أجره ويكره لحر أكل أجره لقول النبي صلى الله عليه وسلم كسب الحجام خبيث وقال أطعمه عبدك أو خادمك وقال القاضي لا تصح إجارته لهذا الحديث

فصل

ولا تجوز إجارة الفحل للضراب لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل أخرجه البخاري ولأن المقصود منه الماء الذي يخلق منه الولد وهو محرم لا قيمة له فلم يجز أخذ عوضه كالدم ولا يجوز إجارة


303

النقود ليجمل بها الدكان لأنهما لم تخلق لذلك ولا تراد له فبذل العوض فيه من السفه وأخذه من أكل المال بالباطل وكذلك استئجار الشمع للتجمل به أو ثوب ليوضع على سرير الميت لا يجوز ذلك

فصل

ولا تجوز عقد الإجارة على ما تذهب أجزاءه بالانتفاع به كالمطعوم والمشروب والشمع ليسرجه والشجر يأخذ ثمرته والبهيمة يحلبها لأن الإجارة عقد على المنافع فلا تجوز لاستيفاء عين كما لو استأجر دينارا لينفقه إلا في الظئر تجوز للرضاع لأن الضرورة تدعو إليه لبقاء الآدمي ولا يقوم غيرها مقامها

فصل

ولا تجوز إجارة ما يسرع فساده كالرياحين لأنه لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها دائما فجرت مجرى المطعوم فإن كانت مما تبقى عينه دائما كالعنبر جازت إجارته للشم لما تقدم

فصل

وما يخص فاعله أن يكون من أهل القربة وهم المسلمون كالحج وتعليم القرآن ففيه روايتان إحداهما يجوز الاستئجار عليه لقول النبي


304

صلى الله عليه وسلم إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله رواه البخاري وأباح أخذ الجعل عليه ولأنه فعل مباح فجاز أخذ الأجرة عليه كتعليم الفقه والثانية لا يجوز لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا رواه أبو داود ولانه لا يقع إلى قربة لفاعله فلم يجز أخذ العوض عليه كالصلاة فأما الاستئجار لتعليم الفقه والشعر المباح فيجوز لأن فاعله لا يختص أن يكون من أهل القربة فجاز كبناء المساجد وفي إجارة المصحف وجهان بناء على بيعه

فصل

قال بعض أصحابنا لا يجوز إجارة المشاع لغير الشريك إلا أن يؤجره معا لأنه لا يمكنه تسليم حصته إلى المستأجر إلا بموافقة الشريك وقال أبو حفص يجوز لأنه يصح بيعه ورهنه فصحت إجارته كالمفرز

فصل

ولا بأس أن يؤجر نفسه من الذمي نص عليه لأن عليا رضي الله عنه أجر نفسه يهوديا يسقي له كل دلو بتمرة وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره وأكل من أجره ولا يؤدر نفسه لخدمته لأنه يتضمن إذلال المسلم للكافر فلم يجز كبيعه إياه ويتخرج الجواز لأنه عاوضه عن منفعة فجاز كإجارته لعمل شيء


305

فصل

والإجارة على ثلاثة أضرب إجارة عين معينة كالدور وموصوفة في الذمة كبعير للركوب وعقد على عمل في الذمة كخياطة ثوب وحمل متاع لأن البيع يقع في عين حاضرة وموصوفة ومقدر معلوم كقفيز من صبرة فكذلك الإجارة فإن كانت الإجارة لعين معينة اشترط معرفتها برؤية أو صفة إن كانت تنضبط بالصفات كالحيوان فإن لم تنضبط كالدور والأرض فلا بد من رؤيتها كما يشترط ذلك في البيع وفي استئجار عين لم يرها ولم توصف له وجهان بناء على بيعها ويشترط معرفة المنفعة فإن كان لها عرف كسكنى الدار لم يحتج إلى ذكرها لأنها لا تكترى إلا لذلك فاستغني عن ذكرها كالبيع بثمن مطلق في موضع فيه نقد معروف وإن اكترى أرضا احتاج إلى ذكر ما يكتري له من غراس أو بناء أو زرع لأنها تكترى لذلك كله وضرره يختلف فوجب بيانه فإن أجرها للزرع مطلقا صح وله زرع ما شاء لأنه يجوز أن يستأجرها لأعظم الزرع ضررا فإذا أطلق العقد تناوله بإطلاقه ودخل فيه ما دونه وإن قال لتزرعنها ما شئت فهو أولى بالصحة لتصريحه لذلك وإن اكتراها لزرع معين فله زرعه ومثله في الضرر ودونه لأن الزرع إنما ذكر لتقدير منفعة الأرض فلم يتعين كما لو اكترى للسكنى كان له أن يسكن غيره


306

وإن قال لتزرعها أو لتغرسها لم يصح لأنه لم يعين أشبه ما لو باعه أحد هذين العبدين وإن قال لتزرعها وتغرسها ما شئت صح وله ما شاء منهما لأنه جعلهما له فملكهما كالنوع الواحد

فصل

وإن اكترى ظهرا للركوب اشترط معرفته برؤية أو صفة لأنه يصح بيعه بهما وذكر المهملج والقطوف من الخيل لأن سيرهما يختلف ومعرفة ما يركب به من سرج أو غيره لأنه يختلف بالمركوب والراكب ولا يحتاج إلى ذكر الذكورية والأنوثية لأن التفاوت بينهما يسير وقال القاضي يفتقر إلى معرفته لتفاوتهما ولابد من معرفة الراكب برؤية أو صفة ذكره الخرقي لأن الصفة تكفي في مثله وقال الشريف لا يجزئ فيه إلا الرؤية لأن الصفة لا تأتي عليه ولابد من معرفة المحامل والأغطية والأوطئة والمعاليق كالقدر والسطيحة ونحوهما إما برؤية أو صفة أو وزن وإن اكترى ظهرا لعمل في مدة كالحراثة والدياس والسقي والطحن اشترط معرفة الظهر بالتعيين أو الصفة لأن العمل يختلف باختلافه وإن استأجره على عمل معين كحراثة قدر من الأرض ودياس زرع معين وطحن قفزان معلومة لم يحتج إلى معرفة الظهر لأنه لا يختلف ويحتاج في الطحن إلى معرفة الحجر وفي السقي إلى معرفة البئر والدولاب لأنه يختلف


307

وإن اكترى لحمل متاع لم يحتج إلى ذكر جنس الظهر لعدم الغرض في معرفته ويشترط معرفة المتاع برؤية أو صفة فيذكر جنسه من حديد أو قطن أو نحوه لأن ضرره يختلف وقدره بالوزن إن كان موزونا أو بالكيل إن كان مكيلا لأن البيع يصح بكلا الطرفين وإن ذكر وزن المكيل فهو أحصر وإن دخلت الظروف في وزن المتاع استغني عن ذكرها وإن لم تدخل وكانت معروفة لا تختلف كثيرا صح من غير تعيينها لأن تفاوتها يسير وإن اختلفت كثيرا اشترط معرفتها بالرؤية أو الصفة لذلك ولو اكترى ظهرا ليحمل عليه ما شاء لم يصح لأنه يدخل في ذلك ما يقتل البهيمة وإن شرط أن يحمل عليها طاقتها لم يصح لأنه لا ضابط له

فصل

وإن استأجر راعيا مدة صح لأن موسى عليه السلام أجر نفسه لرعاية الغنم ثماني سنين ويشترط معرفة الحيوان لأن لكل جنس تأثيرا في إتعاب الراعي ويجوز أن يكون على معين وعلى موصوف في الذمة فإن كان على موصوف في الذمة اشترط ذكر العدد لأن العمل يختلف به وإن استأجر ظئرا اشترط معرفة الصبي بالتعيين لأن الرضاع يختلف به ولا تأتي عليه الصفة وإن استأجر رجلا ليحفر له بئرا أو نهرا اشترط


308

معرفة الأرض لأن الغرض يختلف باختلافها ومعرفة الطول والعرض والعمق لأن الغرض يختلف بذلك كله وإن استأجره لبناء حائط اشترط ذكر طوله وعرضه وعلوه وآلته من لبن أو طين أو غيره لأن الغرض يختلف بذلك كله وإن استأجره لضرب لبن اشترط معرفته الماء والتراب والطول والسمك والعرض والعدد وعلى هذا جميع الأعمال التي يستأجر عليها فإن كان في ما يختلف فيه الغرض لا يعرفه رجع فيه إلى أهل الخبرة به ليعقد على شرطه كما لو أراد النكاح من لا يعرف شروطه رجع إلى من يعرفه ليعرفه شروطه وإن عجز عن معرفته وكل فيه من يعرفه ليعقده

فصل

ويشترط معرفة قدر المنفعة لأن الإجارة بيع والبيع لا يصح إلا في معلوم القدر ولمعرفتها طريقان أحدهما تقدير العمل كخياطة ثوب معين والركوب أو حمل شيء معلوم إلى مكان معين والثاني تقدير المدة كسكنى شهر فإن كانت المنفعة لا تتقدر بالعمل كالتطيين والتجصيص فإن مقداره يختلف في الغلظ والرقة وما يروي الأرض من الماء يختلف باختلاف الأرض واحتياجها إلى الماء وما يشبع الصبي في الرضاع يختلف باختلاف الصبيان والأحوال والسكنى ونحوها فلا يجوز تقديره إلا


309

بالمدة لتعذر تقديره بالعمل وما يتقدر بالعمل كاستئجار الظهر للحرث والحمل والطحن والدياس والعبد للخدمة جاز تقديره بالعمل فإن شرط تقديره بالعمل والمدة فقال استأجرتك لتحرث لي هذه الأرض في شهر لم يصح لأنه إن حرثها في أقل من شهر أو فرغ الشهر قبل حرثها فطولب بتمام ما بقي كان زيادة على المشروط وإن لم يتم كان نقصا وعن أحمد ما يدل على الصحة لأن الإجارة معقودة على العمل والمدة مذكورة للتعجيل فجاز كالجعالة ويشترط فيما قدر بمدة معرفة المدة لأنها الضابطة للمعقود عليه فإن قدرها بسنة أو شهر كان ذلك بالأهلة لأنها المعهودة في الشرع فوجب حمل المطلق عليها فإن كان ذلك في أثناء شهر عد باقيه ثم عد أحد عشر شهرا بالهلال ثم كمل الأول بالعدد ثلاثين يوما لأنه تعذر إتمامه بالهلال فكمل بالعدد وحكي فيه رواية أخرى أنه يستوفي الجميع بالعدد لأنه يجب إتمام الشهر مما يليه فيصير ابتداء الثاني في أثنائه وكذلك ما بعده وإن عقد على سنة رومية وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوما وربع وهما يعلمان ذلك جاز وإن جهلاها أو أحدهما لم يصح لأن المدة مجهولة عنده والحكم في مدة الإجارة كالحكم في مدة السلم على ما مضى فيه


310

فصل

وتجوز الإجارة مدة لا تلي العقد مثل أن يؤجره شهر رجب وهو في صفر سواء كانت فارغة أو مستأجرة مع المستأجر أو غيره للأنها مدة يجوز العقد عليها مع غيرها فجاز عليها مفردة كالتي تلي العقد ويحتاج إلى ذكر ابتدائها لأنها أحد طرفي المدة فاحتيج إلى معرفتها كالانتهاء فإن كانت تلي العقد فابتداؤها منه ولا يحتاج إلى ذكرها لأنها معلومة

فصل

فإن قال أجرتكها كل شهر بدرهم فالمنصوص أنه صحيح وذهب إليه الخرقي والقاضي لكن تصح في الشهر الأول بإطلاق العقد لأنه معلوم يلي العقد وأجرته معلومة وما بعده يصح العقد فيه بالتلبس به ولكل واحد منهما الفسخ عند تقضي كل شهر لأن عليا أجر نفسه من يهودي يستقي له كل دلو بتمرة وجاء به إلى النبي عليه السلام فأكل منه وذهب أبو بكر وجماعة من أصحابنا إلى بطلانه لأن العقد على كل الشهور وهي مبهمة مجهولة فلم يصح كما لو جعل أجرتها في الجميع شيئا واحدا


311

فصل

ويشترط في صحة الإجارة ذكر الأجرة لأنه عقد يقصد فيه العوض فلم يصح من غير ذكره كالبيع ويشترط أن تكون معلومة لذلك ويحصل العلم بالمشاهدة أو بالصفة كالبيع وفيه وجه آخر لابد من ذكر قدره وصفته لأنه ربما انفسخ العقد ووجب رد عوضه بعد تلفه فاشترط معرفة قدره ليعلم بكم يرجع كرأس مال السلم وقد ذكرنا وجه الوجهين في السلم وتجوز بأجرة حالة ومؤجلة لأن الإجارة كالبيع وذلك جائز فيه فإن أطلق العقد وجبت به حالة ويجب تسليمها بتسليم العين لأنها عوض في معاوضة فتستحق بمطلق العقد كالثمن وإن كانت الإجارة على عمل في الذمة استحق استيفاء الأجرة عند انقضاء العمل لقول النبي صلى الله عليه وسلم أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ولأنه أحد العوضين فلزم تسليمه عند تسليم الأجر كالبيع وإن شرطا تأجيلها جاز إلا أن يكون العقد على منفعة في الذمة ففيه وجهان أحدهما يجوز لأنه عوض في الإجارة فجاز تأجيله كما لو كان على عين والثاني لا يجوز لأنه عقد على ما في الذمة فلم يجز تأجيل عوضه كالسلم


312

فصل

ويجوز أن يستأجر الأجير بطعامه وكسوته سواء جعل ذلك جميع الأجرة أو بعضها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال رحم الله أخي موسى أجر نفسه ثماني سنين على طعام بطنه وعفة فرجه رواه ابن ماجه ولأن العادة جارية به من غير نكير فأشبه الإجماع فإن قدر الطعام والكسوة فحسن وإن أطلق جاز ويرجع في القوت إلى الإطعام في الكفارة وفي الملبوس إلى أقل ملبوس مثله ولأن لذلك عرفا في الشرع فحمل الإطلاق عليه

فصل

وإذا استوفى المنفعة استقرت الأجرة لأنه قبض المعقود عليه فاستقر بدله كما لو قبض المبيع وإن سلم إليه العين مدة يمكن الاستيفاء فيها استقرت الأجرة عليه لأن المعقود عليه تلف تحت يده فأشبه تلف المبيع تحت يده وإن عرض عليه العين ومضت مدة يمكن الاستيفاء فيها استقرت الأجرة لأن المنافع تلفت باختياره فأشبه تلف المبيع بعد عرضه على المشتري وإن كان العقد على عمل في الذمة لم تستقر الأجرة إلا باستيفاء العمل لأنه عقد على ما في الذمة فلم يستقر عوضه ببذل التسليم كالسلم وإن كان العقد فاسدا لم يستقر ببذل التسليم كما لا يستقر ببذل المبيع ويجب باستيفائها لأنه استوفاها بشبهة عقد وإن قبض العين ومضت مدة يمكن


313

استيفاء المنفعة فيها ففيه روايتان إحداهما لا يجب شيء لأنه عقد فاسد على منفعة لم يستوفها فلم يجب العوض كالنكاح والثانية يجب أجر المثل لأن البيع الفاسد كالصحيح في استقرار البدل فكذلك الإجارة

فصل

ويجوز أن يكتري الرجلان ظهرا يتعاقبان عليه وأن يكتري الرجل عقبة يركب في بعض الطريق إذا كان ذلك معلوما لأنه يجوز العقد على جميعه فجاز على بعضه كالزمان فإن كان في طريق فيه عادة في الركوب والنزول جاز العقد مطلقا وحمل على العادة كالنقد في البيع وإن لم يكن فيه عادة اشترط بيان ما يركب لأنه غير معلوم فوجب بيانه كالثمن وإن اختلفا في البادئ منهما أقرع بينهما لأنهما تساويا في الملك فقدم أحدهما بالقرعة كما في القسمة

فصل

إذا دخل حماما أو قعد مع ملاح في سفينة فعليه أجرهما وإن لم يعقد معه إجارة لأن العرف جار بذلك فجرى مجرى الشرط كنقد البلد وكذلك إن دفع ثوبه إلى خياط أو قصار منتصبين لذلك أو مناد أو رجل معروف بالبيع بالأجرة ليبيعه فلهم أجر أمثالهم لذلك وإن


314

دفع كتابا إلى رجل ليحمله إلى صاحب له بأجر فحمله فوجد صاحبه غائبا فله الأجر للذهاب لأنه فعل ما استأجره عليه وللرد لأنه بإذنه تقديرا إذ ليس سوى رده إلا تضييعه وقد علم أنه لا يرضى تضييعه فتعين رده

فصل

إذا آجره مدة تلي العقد لم يجز شرط الخيار لأنه يمنع التصرف فيها أو في بعضها فينقص عما شرطاه وفي خيار المجلس وجهان أحدهما لا يثبت لذلك والثاني يثبت لأنه يسير وإن كانت لا تلي العقد يثبت فيها الخياران لأنها بيع ولا مانع من ثبوته فيها وكذلك إن كانت على عمل في الذمة أو على منفعة عين في الذمة ثبتا فيها لذلك والله سبحانه وتعالى أعلم


315

باب ما يجوز فسخ الإجارة وما يوجبه

وهي عقد لازم ليس لواحد منهما فسخها لأنها بيع فأشبهت بيوع الأعيان إلا أن يجد العين معيبة فيملك الفسخ بما يحدث من العيب لأن المنافع لا يحصل قبضها إلا بالاستيفاء فهي كالمكيل يتعيب قبل قبضه فإن بادر المكتري إلى إزالة العيب من غير ضرر يلحق المستأجر كدار تشعثت فأصلحها فلا خيار للمستأجر لعدم الضرر وإلا فله الفسخ فإن سكنها مع عيبها فعليه الأجرة علم أو لم يعلم لأنه استوفى جميع المعقود عليه معيبا مع علمه به فلزمه البدل كالمبيع المعيب إذا رضيه وإن كان العقد على الموصوف في الذمة فرد بعيب لم ينفسخ العقد ويطالب ببدله فإن تعذر بدله فله الفسخ لتعذر المعقود عليه كما لو وجد بالسلم عيبا فرده والعيب ما تنقص به المنفعة كانهدام حائط الدار وتعيبه وانقطاع ماء بئرها أو تغيره وانقطاع ماء الأرض أو نقصه وتغير الظهر في المشي وعرجه الفاحش وربضه وكونه عضوضا أو جموحا وضعف بصر الأجير في الخدمة ومرضه وأما كون الظهر خشن المشي فليس بعيب لأن المنفعة فيه كاملة وإن اختلفا في العيب رجع فيه إلى أهل الخبرة


316

فصل

وإن تلفت العين في يده انفسخت الإجارة كما لو تلف المكيل قبل قبضه وإن تلفت قبل مضي شيء من المدة فلا أجرة عليه لأنه لم يقبض شيئا من المعقود عليه وإن تلفت بعد مضي شيء منها فعليه الأجر بقدر ما استوفى ويسقط بقدر ما بقي فإن كان أجرها في بعض المدة أكثر قسمت على القيمة وإن كانت الإجارة على موصوف في الذمة لم تنفسخ بالتلف وله البدل كما لو تعيب

فصل

إذا اكترى أرضا للزرع فانقطع ماؤها أو دارا فانهدمت انفسخ العقد في أحد الوجهين لأن المنفعة المقصودة منها تعذرت فأشبه تلف العبد والآخر لا ينفسخ لأنه يمكن الانتفاع بها كالسكنى في خيمة أو يجمع فيها حطبا أو متاعا لكن له الفسخ لأنها تعيبت وإن ماتت المرضعة انفسخت الإجارة وعن أبي بكر لا تنفسخ وتجب في مالها أجرة رضاعة والمذهب الأول لأن المعقود عليه تلف فأشبه تلف عبد الخدمة وإن مات المرتضع انفسخ العقد لأنه تعذر استيفاء المعقود عليه لأن غيره لا يقوم مقامه لاختلافهم في الرضاع ولذلك وجب تعيينه ولو استأجر رجلا ليقلع ضرسه فبرئ أو ليكحل عينه فبرأت أو ليقتص له فمات


317

المقتص منه أو عفي عنه انفسخ العقد لأنه تعذر استيفاء المعقود عليه فانفسخ كما لو تعذر بالموت وإن استأجر للحج فمات ففيه وجهان أحدهما تنفسخ الإجارة لأنه تعذر الاستيفاء بموته أشبه موت المرتضع والثاني لا تنفسخ ويقوم وارثه مقامه كما لو كان المستأجر دارا وإن لم يمت لكن تلف ماله لم تنفسخ الإجارة لأن المعقود عليه سليم

فصل

فإن غصبت العين المستأجرة فللمستأجر الفسخ لأن فيه تأخير حقه فإن فسخ فالحكم فيه كالفسخ بتلف العين وإن لم ينفسخ حتى انقضت المدة خير بين الفسخ والرجوع على المؤجر بالمسمى ويرجع المؤجر على الغاصب بأجر المثل وبين إمضاء العقد ومطالبة الغاصب بأجرة المثل لأن المنافع تلفت في يد الغاصب فأشبه ما لو أتلف المبيع أجنبي وإن كان العقد على موصوف في الذمة طولب المؤجر بإقامة عين مقامها فإن تعذر فله الفسخ لأن فيه تأخير حقه

فصل

فإن أجر نفسه ثم هرب أو اكترى عينا ثم هرب بها فللمستأجر الخيار بين الصبر والفسخ لأن فيه تأخير حقه فأشبه ما لو اشترى مكيلا


318

فمنعه قبضه وإن كانت الإجارة على موصوف في الذمة استؤجر من ماله من يعمله كما لو هرب قبل تسليم المسلم فيه فإن لم يكن فللمستأجر الخيار بين الصبر والفسخ والصبر إلى أن يقدر عليه فيطالبه بالعمل كما لو تعذر تسليم المسلم فيه وإن كانت الإجارة على مدة انقضت في هربه بطلت الإجارة لأنه أتلف المعقود عليه فأشبه ما لو باعه مكيلا فأتلفه قبل تسليمه

فصل

وإن أجر عبده ثم أعتقه لم تنفسخ الإجارة لأنه عقد على المنفعة فلم تنفسخ بالعتق كالنكاح ولا يرجع العبد بشيء لأن منفعته استحقت بالعقد قبل العتق فلم يرجع ببدله كما لو زوج أمته ثم أعتقها ونفقته من سيده لأنه يملك بدل منفعته فهو كالباقي على ملكه

فصل

وإن أجر عينا ثم باعها صح البيع لأنه عقد على المنفعة فلم يمنع البيع كالنكاح ولا تبطل الإجارة قياسا على النكاح وإن باعها من المستأجر صح لذلك وفي الإجارة وجهان أحدهما تبطل لأنها عقد على المنفعة فأبطلها ملك الرقبة كالنكاح فعلى هذا يسقط من الأجرة بقدر ما بقي من المدة والثاني لا تبطل لأنه عقد على الثمرة فلم تبطل بملك الأصل كما لو اشترى


319

ثمرة شجرة ثم ملك أصلها ومتى وجد المستأجر عيبا ففسخ به رجع على المؤجر لأن عوض الإجارة له فالرجوع عليه وإن كان المستأجر هو المشتري فكذلك إن قلنا لا تنفسخ الإجارة وإن قلنا تنفسخ لم يرجع على أحد

فصل

ولا تنفسخ الإجارة بموت المتكاريين ولا موت أحدهما لأنه عقد لازم فلا يبطل بموت المتعاقدين مع سلامة المعقود عليه كالبيع وإن أجر عينا موقوفة عليه ثم مات ففيه وجهان أحدهما لا تبطل لأنه أجر ما له إجارته شرعا فلم تبطل بموته كما لو أجر ملكه ولكن يرجع البطن الثاني في تركة المؤجر بأجرة المدة الباقية إن كان قبضها لأن المنافع لهم فاستحقوا أجرها والثاني تبطل فيما بقي من المدة لأننا تبينا أنه أجر ملكه وملك غيره فإن المنافع بعد موته لغيره بخلاف المالك فإن ورثته إنما يملكون ما خلفه وما خرج عن ملكه بالإجارة في حياته غير مخلف فلم يملكوه والأمر إلى من انتقل إليه الوقف في إجارته أو تركه فعلى هذا يرجع المستأجر على المؤجر بأجرة بقية المدة وإن أجر الولي الصبي وماله مدة فبلغ في أثنائها ففيه وجهان أيضا كهذين


320

باب ما يلزم المتكاريين وما لهما فعله

يجب على المكري ما يحتاج إليه من التمكين من الانتفاع كمفتاح الدار وزمام الجمل والقتب والحزام ولجام الفرس وسرجه لأن عليه التمكين من الانتفاع ولا يحصل إلا بذلك وما تلف من ذلك في يد المكتري لم يضمنه كما لا يضمن العين وعلى المكري بدله لأن التمكين مستحق عليه إلى أن يستوفي المكتري المنفعة فأما ما يحتاج إليه لكمال الانتفاع كالحبل والدلو والمحمل والغطاء والحبل الذي يقرن به بين المحملين فهو على المكتري لأن ذلك يراد لكمال الانتفاع فأشبه بسط الدار

فصل

وعلى المكري رفع المحمل وحطه ورفع الأحمال وسوق الظهر وقوده لأن ذلك العادة فحمل العقد عليه وعليه أن ينزل الراكب للطهارة وصلاة الفرض لأنه لا يمكن فعله راكبا وليس ذلك عليه للأكل والنفل لأنه ممكن على الظهر وعليه أن يبرك الجمل للمرأة والمريض والضعيف وإن كانت الإجارة على تسليم الظهر لم يكن عليه شيء من ذلك فأما أجرة الدليل فإن كانت الإجارة على تحصيل الراكب في البلد فعلى المكري لأنه من مؤنة التحصيل وإن كانت على تسليم الظهر أو على مدة فهو على المكتري لأن


321

الذي على المكري تسليم الظهر وقد فعل وعلى المكري تسليم الدار فارغة الحش والبالوعة لأنه من التمكن فإن امتلأ في يد المكتري فعليه كسحه لأنه ملأه فكان عليه إزالته كتنظيف الدار وعلى المكري إصلاح ما انهدم من الدار وتكسر من الخشب لأنه من التمكين وإذا استأجر ظئرا للرضاع وشرط الحضانة وهي خدمة الصبي وغسل خرقه لزمها وإن لم يشترطه عليها لم يلزمها إلا الرضاع لأنهما منفعتان مقصودتان تنفرد إحداهما عن الأخرى فلم تلزم إحداهما بالعقد على الأخرى وعليها أن تأكل وتشرب ما يدر به اللبن ويصلح به وللمكتري مطالبتها به لأنه من التمكين ويضر الصبي تركه

فصل

وعلى المكري علف الظهر وسقيه لأنه من التمكين فإن هرب وترك جماله رفع الأمر إلى الحاكم ليحكم في مال الجمال بالعلف فإن لم يجد له مالا اقترض عليه فإن اقترض من المكتري أو أذن له في الإنفاق عليها قرضا جاز لأنه موضع حاجة وإن كان في الجمال فضل عن المكتري باعه وأنفق منه فإذا رجع الجمال أو اختلفا في النفقة فالقول قول المنفق لأنه أمين إذا كانت دعواه لقدر النفقة بالمعروف وما زاد لا يرجع به لأنه متطوع فإن أنفق من غير إذن الحاكم مع إمكانه وأشهد على ذلك فهل يرجع به على وجهين بناء على من ضمن دينه بغير إذنه وإن لم يجد من يشهده


322

فأنفق ففي الرجوع وجهان أصحهما يرجع به لأنه موضع ضرورة فأشبه ما لو أنفق على الآبق في رده فإذا وصل دفع الجمال إلى الحاكم ليوفي المنفق نفقته منها ويفعل في سائرها ما يرى الحظ فيه لصاحبها من بيعها وحفظ ثمنها أو بيع بعضها وإنفاقه على باقيها

فصل

وليس على المكتري مؤنة رد العين لأنها أمانة فلم يلزمه مؤنة ردها كالوديعة ويحتمل أن يلزمه لأنه غير مأذون له في إمساكها بعد انقضاء مدتها فلزمه مؤنة ردها كالعارية

فصل

وللمكتري استيفاء المنفعة بالمعروف لأن إطلاق العقد يقتضي المتعارف فصار كالمشروط فإذا استأجر دارا للسكنى فله وضع متاعه فيها لأنه متعارف في السكنى ويترك فيها من الطعام ما جرت عادة الساكن به لذلك وليس له جعلها مخزنا للطعام لأنه غير متعارف وفيه ضرر لأن الفأر تنقب الحيطان للوصول إليه ولا يجوز أن يربط فيها الدواب ولا يطرح فيها الرماد والتراب لأنه غير متعارف به وإن اكترى قميصا ليلبسه لم يكن له أن ينام فيه ليلا وله ذلك نهارا لأن العادة الخلع لنوم الليل دون النهار وليس له أن يتزر به لأنه يعتمد عليه أكثر من اللبس وله أن


323

يرتدي به في أحد الوجهين لأنه أخف والآخر ليس له ذلك لأنه غير المتعارف في لبس القميص وإن اكترى ظهرا في طريق العادة السير فيه زمنا دون زمن لم يسر إلا فيه لأنه المتعارف وإن كانت العادة النزول للرواح وكان رجلا قويا ففيه وجهان أحدهما يلزمه ذلك لأنه المتعارف والثاني لا يلزمه لأنه اكترى للركوب في جميع الطريق فلم يلزمه تركه في بعضه وإن اكتراه إلى مكة لم يجز أن يحج عليه لأنه زيادة وإن اكتراه ليحج عليه فله الركوب إلى منى ثم إلى عرفة ثم إلى مكة وهل له أن يركبه عائدا إلى منى فيه وجهان أحدهما لا يجوز لأنه قد حل من الحج والثاني له ذلك لأنه من تمام الحج

فصل

وله ضرب الظهر وكبحه باللجام وركضه برجله لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب جمل جابر حين ساقه ولأنه لا يتوصل إلى استيفاء المنفعة إلا به فملكه كركوبه وإن شرط حمل أرطال من الزاد فله إبدال ما يأكل لأن له غرضا في أن يشتري الزاد من الطريق ليخفف عليه حمله فملك بدله كالذي يشرب من الماء

فصل

وله أن يستوفي النفع المعقود ومثله ودونه في الضرر ولا يملك فوقه


324

ولا ما يخالف ضرره لأنه يأخذ فوق حقه أو غير حقه فإن اكترى ظهرا في طريق فله ركوبه إلى ذلك البلد في مثله ودونه في الخشونة والمسافة والمخافة ولا يركبه في أخشن منه ولا أبعد ولا أخوف وإن اكترى أرضا للغراس والبناء فله زرعها لأنه أقل ضررا وإن استأجرها لأحدهما لم يملك الآخر لأن ضرر كل واحد منهما يخالف ضرر الآخر وإن استأجرها للزرع لم يغرس ولم يبن لأنهما أضر منه وإن استأجرها لزرع الحنطة فله زرعها وزرع ما ضرره كضررها أو أدنى كالشعير والباقلاء ولا يملك زرع الدخن والذرة والقطن لأن ضررها أكثر وإن اكترى ظهرا ليحمل عليه قطنا لم يجز أن يحمل عليه حديدا لأنه أضر على الظهر لاجتماعه وثقله وإن اكتراه للحديد لم يحمل عليه قطنا لأنه أضر لتجافيه وهبوب الريح فيه وإن اكتراه ليركبه لم يحمل عليه لأن الراكب يعين الظهر بحركته وإن اكتراه للحمل لم يملك ركوبه لأن الراكب يقعد في موضع واحد والحمل يتفرق على جنبيه وإن شرط ركوبه عريانا لم يركب بسرج لأنه زيادة وإن شرط ركوبه بسرج لم يركبه عريانا لأنه يضر بظهر الحيوان والعارية كالإجارة في هذا لأنها تمليك للمنفعة فأشبهت الإجارة

فصل

وله أن يستوفي في المنفعة بنفسه وبمثله فإن اكترى دارا فله أن يسكنها


325

مثله ومن هو دونه في الضرر ولا يسكنها من هو أضر منه وإن اكترى ظهرا يركبه فله أن يركبه مثله ومن هو أخف منه لما ذكرنا في الفصل قبله فإن شرط أن لا يستوفي غير المنفعة بنفسها ولا يستوفي مثلها ولا دونها ولا يستوفيها بمثله ولا بدونه صح الشرط لأنه يملك المنافع فلا يملك إلا ما ملكه ويحتمل أن لا يصح لأنه ينافي مقتضى الإجارة ولا يبطل العقد لأن الشرط لا يؤثر في حق المؤجر فلغا وبقي العقد على مقتضاه

فصل

وله أن يؤجر العين لأن الإجارة كالبيع وبيع المبيع جائز وكذلك إجارة المستأجر ويجوز أن يؤجرها للمؤجر وغيره كما يجوز بيع المبيع للبائع وغيره فإن أجرها قبل قبضها لم يجز ذكره القاضي لأنها لم تدخل في ضمانه فلم تجز إجارتها كبيع الطعام قبل قبضه ويحتمل الجواز لأن المنافع لا تصير مقبوضة بقبض العين فلم يؤثر قبض العين فيها ويحتمل أن تجوز إجارتها للمؤجر لأنها في قبضه ولا تجوز من غيره لعدم ذلك وتجوز إجارتها بمثل الأجرة وزيادة كالبيع برأس المال وزيادة وعنه إن أحدث في العين زيادة جازت إجارتها بزيادة وإن لم يفعل لم يؤجرها بزيادة لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن فإن فعل تصدق بالزيادة وعنه يجوز بإذن المالك ولا يجوز بغير إذنه والمذهب الأول


326

فصل

وإن استوفى أكثر من المنفعة بزيادة متميزة مثل أن اكترى إلى مكان فجاوزه أو ليحمل قفيزا فحمل اثنين لزمه المسمى لما عقد عليه وأجرة المثل للزيادة لأنه استوفى المعقود عليه فاستقر المسمى ولزمته أجرة الزيادة كما لو اشترى قفيزا فقبض اثنين وإن كانت الزيادة لا تتميز كرجل اكترى أرضا ليزرع حنطة فزرع دخنا فكذلك قال أحمد رضي الله عنه ينظر ما يدخل على الأرض من النقصان ما بين الحنطة والشعير فيعطى رب الأرض فأوجب المسمى وزيادة لأنه لما عين الحنطة تعلق العقد بما يماثله في الضرر فصار مستوفيا للمعقود عليه وزيادة كالتي قبلها وقال أبو بكر عليه أجرة المثل للجميع لأنه عدل عن المعقود عليه إلى غيره فلزمته أجرة المثل كما لو زرع غير الأرض ولرب الأرض منع المستأجر من زرع الأرض فإن زرع فحكمه في ذلك حكم الغاصب على ما سيأتي

فصل

فإن اكترى أرضا للزرع مدة فليس له زرع ما لا يستحصد فيها لأن عليه تسليمها فارغة عند انتهائها وهذا يمنع ذلك وللمالك منعه من زرعه لذلك فإن فعل لم يجبر على قلعه في المدة لأنه مالك لمنفعة الأرض فإذا انقضت ولم يحصد خير المالك بين أخذه ودفع نفقته وبين تركه بالأجرة


327

لأنه تعدى بزرعه فأشبه الغاصب وإن كان بقاؤه بغير تفريط إما لشدة برد أو قلة مطر ونحوه فعلى المؤجر تركه بالأجرة لأنه زرعه بحق فكان عليه المسمى للمدة وأجرة المثل للزائد لا غير

فصل

فإن اكتراها مدة ليزرع فيها زرعا لا يكمل فيها وشرط قلعه في آخرها صح العقد والشرط لأنه قد يكون له غرض صحيح فيه وإن شرط تبقيته حتى يكمل فسد العقد لجهل المدة ولأن شرط تبقيته تنافي تقدير مدته وللمؤجر منعه من الزرع لأن العقد فاسد فإن زرعه لزم إبقاؤه بشرطه لأنه زرعه بإذن المالك وإن أطلق العقد صح لأن الانتفاع بالأرض في هذه المدة ممكن فإذا انقضت والزرع باق احتمل أن يكون حكمه حكم المفرط لزرعه في مدة الإجارة ما لا يكمل فيها واحتمل أن يكون حكمه حكم غير المفرط لتفريط المؤجر بإجارة مدة لا يكمل فيها

فصل

وإن استأجرها للغراس مدة جاز وله الغرس فيها ولا يغرس بعدها لأن العقد يقتضي التصرف في المدة دون ما بعدها فإن غرس فانقضت المدة وكان مشروطا عليه القلع عند انقضائها أخذ بما شرطه ولم يلزمه تسوية الحفر لأنه لما شرط القلع مع علمه بأنه يحفر الأرض كان راضيا


328

وإن لم يكن شرط القلع لم يجب لأن تفريغ المستأجر على حسب العادة والعادة ترك الغراس حتى ييبس وللمستأجر قلع غرسه لأنه ملكه فإن قلعه لزمه تسوية الحفر لأنه حفرها لتخليص ملكه من ملك غيره بغير إذنه وإن لم يقلعه فللمؤجر دفع قيمته ليملكه لأن الضرر يزول عنهما به أشبه الشفيع في غراس المشتري وإن أراد قلعه وكان لا ينقص بالقلع أو ينقص لكنه يضمن أرش النقص فله ذلك لأن الضرر يزول عنهما به وإن اختار إقراره بأجرة مثله فله ذلك لأن الضرر يزول عنهما به ولصاحب الشجر بيعه للمالك ولغيره فيكون بمنزلته لان ملكه ثابت عليه فأشبه الشقص المشفوع والبناء كالغراس في جميع ما ذكرنا

باب تضمين الأجير واختلاف المتكاريين

الأجير على ضربين خاص ومشترك فالخاص هو الذي يؤجر نفسه مدة فلا ضمان عليه فيما يتلف في يده بغير تفريط مثل أن يأمره بالسقي فيكسر الجرة أو يكيل شيء فيكسر الكيل أو بالحرث فيكسر آلته نص عليه أو بالرعي فتهلك الماشية بغير تفريطه والمشترك الذي يؤجر نفسه على عمل فظاهر كلام الخرقي انه يضمن ما تلف بعمله ونص عليه أحمد رضي الله عنه في حائك دفع إليه غزل فأفسد حياكته يضمن والقصار


329

ضامن لما يتخرق من مده ودقه وعصره وبسطه والطباخ ضامن لما أفسد من طبخه لما روى جلاس بن عمرو أن عليا كرم الله وجهه كان يضمن الأجير ولأنه قبض العين لمنفعة من غير استحقاق فكان ضامنا لها كالمستعير وقال القاضي وأصحابه إن كان يعمل في ملك المستأجر كخياط أو خباز أخذه إلى داره ليستعمله فيها فلا ضمان عليه ما لم يتعد فيه مثل أن يسرف في الوقود أو يلزقه قبل وقته أو يتركه بعد وقته فيضمن لأنه أتلفه بعدوانه وما لا فلا ضمان عليه لأنه سلم نفسه إلى صاحب العمل فأشبه الخاص وإن كان العمل في غير ملك المستأجر ضمن ما جنت يده لما ذكرناه ولا ضمان عليه فيما تلف من حرزه لأنها أمانة في يده فأشبه المودع وإن حبسها على أجرتها فتلفت ضمنها لأنه متعد بإمساكها إذ ليست رهنا ولا عوضا عن الأجرة

فصل

ولا ضمان على المستأجر في العين المستأجرة إن تلفت بغير تفريط لأنه قبضها ليستوفي ما ملكه منها فلم يضمنها كالزوجة والنخلة التي اشتراها ليستوفي ثمرتها وإن تلفت بفعله بغير عدوان كضرب الدابة وكبحها لم يضمن لأنها تلفت من فعل مستحق فلم يضمنها كما لو تلفت تحت الحمل وإن تلفت بعدوان كضربها من غير حاجة أو لإسرافه فيه ضمن لأنه جناية على مال الغير وإن اكترى إلى مكان فتجاوزه فهلك الظهر ضمنه لأنه متعد


330

أشبه الغاصب وإن هلك بعد نزوله عنه وتسليمه إلى صاحبه لم يضمنه لأنه برئ بتسليمه إليه إلا أن يكون هلاكه لتعب الحمل فيضمنه لأنه هلك بعدوانه وإن حمل عليه أكثر مما استأجره فتلف ضمنه لذلك وإن اكترى دابة ليركبها فركب معه آخر بغير إذن فتلفت ضمنها الآخر كلها لأن عدوانه سبب تلفها فضمنها كمن ألقى حجرا في سفينه موقرة فغرقها فإن تلفت الدابة بعد عودها إلى المسافة ضمنها لأن يده صارت ضامنة فلم يسقط عنه ذلك إلا بإذن جديد ولم يوجد

فصل

ولو قال لخياط إن كان هذا يكفيني قميصا فاقطعه فقطعه فلم يكفه ضمنه لأنه إنما أذن له في قطعه بشرط الكفاية ولم يوجد ون قال هو يكفيك قميصا فقال اقطعه فقطعه فلم يكفه لم يضمنه لأنه قطعه بإذن مطلق

فصل

ومن أجر عينا فامتنع من تسليمها فلا أجرة له لأنه لم يسلم المعقود عليه فلم يستحق عوضه كالمبيع إذا لم يسلمه وإن سلمه بعض المدة ومنعه بعضا فقال أصحابنا لا أجرة له لأنه لم يسلم ما تناوله العقد فأشبه الممتنع من تسليم الجميع ويحتمل أن يلزمه عوض ما استوفاه كما لو باعه مكيلا


331

فسلم إليه بعضه ومنعه من باقيه وإن أجر نفسه على عمل فامتنع من إتمامه فكذلك وإن أجره عبده فهرب أو دابته فشردت في بعض المدة فله من الأجرة بقدر ما استوفي من المدة لأن الامتناع بغير فعله فأشبه ما لو مات وإن تلف الثوب في يد الصانع بغير تفريطه فلا أجرة له فيما عمل لأنه لم يسلمه إلى المستأجر فلم يستحق عوضه وإن تلف بتفريطه خير المالك بين تضمينه إياه معمولا ويدفع إليه أجرته وبين تضمينه إياه غير معمول ولا أجرة له وإن استأجر الأجير المشترك أجيرا خاصا فأتلف الثوب فلا ضمان على الخاص ويضمنه المشترك

فصل

وإذا اختلف المتكاريان في قدر الأجرة أو المنفعة تحالفا لأنه عقد معاوضة أشبه البيع ثم الحكم في فسخ الإجارة كالحكم في فسخ البيع لأنها بيع وإن اختلفا في العدوان فالقول قول المستأجر لأن الأصل عدم العدوان والبراءة من الضمان وإن اختلفا في رد العين ففيه وجهان أحدهما القول قول المؤجر لأن الأصل عدم الرد ولأن المستأجر قبض العين لنفسه أشبه المستعير والثاني القول قول الأجير لأنه أمين فأشبه المودع وإن هلكت العين فقال الأجير هلكت بعد العمل فلي الأجرة فأنكره المستأجر فالقول قوله لأن الأصل عدم العمل وإن دفع ثوبا إلى


332

خياط فقطعه قباء وقال لهذا أمرتني فلي الأجرة ولا ضمان علي وقال صاحبه إنما أمرتك بقطعه قميصا فالقول قول الأجير نص عليه لأنه مأذون له في قطعه والخلاف في صفته فكان القول قول المأذون له كالمضارب ولأن الأصل عدم وجوب الغرم فكان القول قول من ينفيه ويتخرج أن يقبل قول المالك لأن القول قوله في أصل الإذن فكذلك في صفته ولأن الأصل عدم ما ينفيه فكان القول قوله فيه

باب الجعالة

وهي أن يجعل جعلا لمن يعمل له عملا من رد آبق أو ضالة أو بناء أو خياطة وسائر ما يستأجر عليه من الأعمال فيجوز ذلك لقول الله تعالى ولمن جاء به حمل بعير يوسف 72 ولما روى أبو سعيد أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا حيا من أحياء العرب فلم يقروهم فبيناهم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا هل فيكم من راق فقالوا لم تقرونا فلا نفعل أو تجعلوا لنا جعلا فجعلوا لهم قطيع شياه فجعل رجل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل فبرئ الرجل فأتوهم بالشياه فقالوا لا نأخذها حتى نسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقال وما أدراك أنها رقية خذوها واضربولي منها بسهم متفق عليه ولا الحاجة تدعو إلى ذلك في رد الضالة ونحوها


333

فجاز كالإجارة ويجوز عقد الجعالة لعامل غير معين وعمل مجهول فيقول من رد ضالتي فله كذا للآية ولأن الحاجة داعية إليه مع الجهل فجاز كالمضاربة ولا يجوز إلا بعوض معلوم لأنه عقد معاوضة فاشترط العلم بعوضه كالإجارة فإن شرط مجهولا فسد وله أجرة المثل لأنه عقد يجب المسمى في صحيحه فوجبت أجرة المثل في فاسده كالإجارة

فصل

وهي عقد جائز لأنها تنعقد على مجهول فكانت جائزة كالمضاربة وأيهما فسخ قبل الشروع في العمل فلا شيء للعامل وإن فسخه العامل قبل تمام العمل فلا شيء له لأنه إنما يستحق بعد الفراغ من عمله وقد تركه وإن فسخه الجاعل بعد التلبس به فعليه أجرة ما عمل العامل لأنه إنما عمل بعوض لم يسلم له وإن تم العمل لزم العقد ووجب الجعل لأنه استقر بتمام العمل فأشبه الربح في المضاربة وإن زاد في الجعل أو نقص منه قبل الشروع في العمل جاز لأنه عقد جائز فجازت الزيادة فيه والنقصان قبل العمل كالمضاربة

فصل

ولا يستحق الجعل إلا بعد فراغه من العمل لأنه كذا شرط وإن جعل له جعلا على رد آبق فرده إلى باب الدار فهرب أو مات قبل تسليمه


334

لم يستحق شيئا لأنه لم يأت بما جعل الجعل فيه وإن قال من رده من مصر فله دينار فرده من نصف طريقها أو قال من رد عبدي فله دينار فرد أحدهما فله نصف الدينار لأنه عمل نصف العمل وإن رده من أبعد من مصر لم يستحق إلا الدينار لأنه لم يضمن لمن زاد شيئا وإن رده جماعة اشتركوا في الدينار لأنهم اشتركوا في العمل فإن جعلوا لواحد في رده دينارا ولآخر اثنين ولآخر ثلاثة فلكل واحد منهم ثلث جعله وإن جعل لواحد منهم ثوبا فله ثلث أجرة المثل لأنه عوض مجهول فاستحق ثلث أجرة المثل وإن جعل لواحد جعلا فأعانه آخر فالجعل كله للمجعول له لأن العمل كله له فإن قال الآخر شاركته لأشاركه في الجعل فللعامل نصف الجعل لأنه عمل نصف العمل ولا شيء للآخر لأنه لم يشرط له شيء

فصل

ومن عمل لغيره عملا بغير جعل فلا شيء له لأنه بذل منفعته بغير عوض فلم يستحقه وإن التقط قبل الجعل ثم بلغه الجعل لم يستحقه لأنه وجب عليه ردها بالتقاطها فلم يجز له أخذ العوض عن الواجب وإن التقطها بعد الجعل ولم يعلم بذلك لم يستحقه لأنه تطوع بالالتقاط وإن نادى غير صاحب الضالة من ردها فله دينار فردها رجل فالدينار على المنادي


335

لأنه ضمن العوض وإن قال في النداء قال فلان من رد ضالتي فله دينار فردها رجل لم يضمن المنادي لأنه لم يضمن إنما حكى قول غيره

فصل

وإن اختلفا في الجعل وفي قدره أو في المجعول فيه الجعل فالقول قول المالك لأنه منكر ما يدعى عليه والأصل عدمه

فصل

وإن رد آبقا من غير شرط ففيه روايتان إحداهما لا جعل له فيما ذكرنا والثانية له جعل لأن ذلك يروى عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل في الآبق إذا جاء به خارجا من الحرم دينارا ولان في ذلك حثا على رد الآبق وصيانة عن الرجوع إلى دار الحرب وردتهم عن دينهم فينبغي أن يكون مشروعا وقدر الجعل دينارا أو اثنا عشر درهما لما روينا ولأن ذلك يروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما وعن أحمد رضي الله عنه أنه إن رده من خارج المصر فله أربعون درهما وإن رده من المصر فله دينار لأنه يروى عن ابن مسعود وسواء كان ذلك كقيمة العبد أو أقل أو أكثر فإن مات السيد استحق الجعل في تركته وما أنفق على الآبق في قوته رجع به على سيده سواء رده أو هرب منه في بعض الطريق


336

باب المسابقة

تجوز المسابقة على الدواب والأقدام وبالسهام والحرب والسفن وغيرها لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق متفق عليه وسابق النبي صلى الله عليه وسلم عائشة على قدميه وسابق سلمة بن الأكوع رجلا من الأنصار بين يديه ومر النبي صلى الله عليه وسلم بقوم يربعون حجرا أي يرفعونه بأيديهم ليعلم الشديد منهم فلم ينكر عليهم ولا يجوز بعوض إلا في الخيل والإبل والسهام لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر رواه أبو داود فتعين حمله على المسابقة بعوض جمعا بينه وبين ما روينا والمراد بالحافر الخيل خاصة وبالخف الإبل وبالنصل السهام لقول النبي صلى الله عليه وسلم ليس من اللهو إلا ثلاث تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله ولأن غير الخيل والإبل لا تصلح للكر والفر والقتال وغير السهام لا يعتاد الرمي بها فلم تجز المسابقة عليها كالبقر والتراس


337

فصل

والمسابقة بعوض جعالة فيه لأنه عقد على ما لم يعلم القدرة على تسليمه فأشبه رد الآبق ولكل واحد منهما فسخها قبل الشروع في المسابقة وما لم يظهر فضل أحدهما فإن ظهر فللفاضل الفسخ والنقصان والزيادة ولا يجوز للمفضول لئلا يفوت غرض المسابقة فإنه متى بان له أنه مسبوق فسخ وذكر القاضي وجها آخر أنها عقد لازم لأن من شرطها العلم بالعوضين فكانت لازمة كالإجارة ويجوز بذلك العوض من بيت المال ومن السلطان ومن المتسابقين ومن آحاد الرعية لأنه إخراج مال لمصلحة فجاز من الجميع كارتباط الخيل في سبيل الله فإن بذل العوض فيها تحريض على التعلم والاستعداد للجهاد ومن شرط العوض كونه معلوما لما ذكرنا في الجعالة له

فصل

ولا تجوز المسابقة بين جنسين كالخيل والإبل لأن تفاضل الجنسين معلوم فأما النوعان كالعربي والهجين والبختي والعرابي فقال القاضي تجوز المسابقة بينهما لأن الجنس يشملهما فأشبه النوع الواحد وقال أبو الخطاب لا تصح لأنهما يختلفان في الجري عادة فأشبها الجنسين وكذا الخلاف في المناضلة بنوعين من القسي كالعربي والفارسي


338

فصل

ويشترط تعيين المركوبين لأن القصد جوهر هما وتعيين الراميين لأن القصد معرفة حذقهما ولا يعتبر تعيين الراكبين ولا القوسين لأنهما آلة للمقصود فلم يعتبر تعيينهما كسرج الدابة ويعتبر تحديد المسافة لحديث ابن عمر ولأنهما إذا أجريا إلى غير غاية لم يؤمن ألا يسبق أحدهما حتى يعطبا أو أحدهما ولا يجوز إجراؤهما إلا بتدبير الراكبين لأنهما إذا جريا لأنفسهما تنافرا ولم يمضيا إلى الغاية ولا يجوز أن يستبقا على أن من سبق صاحبه بخمسة أقدام فهو السابق لأن هذا لا ينضبط فإن الفرسين لا يقفان عند الغاية ليقدر ما بينهما

فصل

وإذا كان الجعل من غيرهم فقال من سبق منكم فله عشرة صح فإن سبق واحد فهي له لأنه سبق وإن سبق اثنان أو أكثر اشتركوا في السبق وإن جاء الكل معا فلا شيء لهم لأنهم لا سابق فيهم وإن جعل السبق للمصلي وحده أو فضله عن السابق لم يصح لأن كل واحد منهم يجتهد أن لا يسبق فيفوت الغرض وكذلك إن جعل للسابق عشرة والثالث أربعة ولم يجعل للمصلي شيئا لم يصح لأن من عدا السابق يجتهد أن لا يسبق صاحبه وإن سوى بين السابق والمصلي ولا ثالث معهما لم يصح لفوات


339

الغرض به وإن كان معهما ثالث نقص عنهما صح لأن كل واحد منهم يجتهد في أن لا يكون الثالث وإن جعل للمجلي وهو الأول مائة وللمصلي وهو الثاني تسعين وللمسلي وهو الثالث ثمانين وللتالي وهو الرابع سبعين وللمرتاح وهو الخامس ستين وللمطي وهو السادس خمسين وللعاطف وهو السابع أربعين ولمؤمل وهو الثامن ثلثين وللطيم وهو التاسع عشرين وللسكيت وهو العاشر عشرة وللفشكل وهو الأخير خمسة صح لأن الغرض حاصل وكل واحد يجتهد في سبق الآخر لينال أعلى من رتبته وإن جعل جعل كل رتبة يشترك فيه جميع من بلغها احتمل أن يصح لذلك واحتمل أن لا يصح لأنه قد يشترك في السبق جماعة وينفرد المصلي فيفضلهم بكثرة ما جعل له فيفوت الغرض وإن قال من بلغ الغاية فله عشرة لم يكن ذلك مسابقة لأن مقصود المسابقة التحريض على السبق وتعلم الفروسية وهذا يفوت بالتسوية ولكنه جعالة محضة لأنه بذل العوض في أمر فيه غرض صحيح وكذلك إن قال إرم عشرة أسهم فإن كانت إصابتك أكثر من خطئك فلك كذا أو قال إن أصبت بهذا السهم فلك كذا صح ولم يكن مناضلة لذلك

فصل

وإن أخرج الجعل أحد المتسابقين جاز لأن فيهما من يأخذ ولا


340

يعطي فلا يكون قمارا فإن سبق من أخرج أحرز سبقه ولم يأخذ من صاحبه شيئا وإن سبق الآخر أحرز الجعل لأنه سابق وإن جاءا معا فالجعل لصاحبه لأنه لا سبق فيها وإن أخرجا معا لم يجز لأنه يكون قمارا لأنه ليس فيهما إلا من يأخذ إذا سبق ويعطي إذا سبق إلا أن يدخلا معهما ثالثا يساوي فرسه فرسيهما لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فليس بقمار ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار رواه أبو داود ولأنه مع وجود المحلل المكافئ فيهم من يأخذ ولا يعطي فيخالف القمار فإن كان لا يكافئهما فوجوده كعدمه لأنه معلوم أنه لا يأخذ شيئا وسواء كان المحلل واحدا أو أكثر والمسابقة بين اثنين أو حزبين لأن الغرض الخروج من القمار وقد حصل على أي صفة كان فإذا تسابقوا فجاؤا معا أو جاء المستبقان معا قبل المحلل أحرز كل واحد منهما سبقه ولا شيء للمحل لأنه لم يسبق ولم يسبق أحدهما صاحبه وإن سبقهما المحلل أخذ سبقيهما لأنه سبقهما وإن سبق أحد المستبقين وحده أحرز السبقين لسبقه ولم يأخذ من المحلل شيئا وإن سبق أحدهما مع المحلل أحرز المستبق سبق نفسه لأنه غير مسبوق وكان سبق الآخر بينه وبين المحلل نصفين لاشتراكهما في سبقه


341

فصل

وترسل الفرسان معا من أول المسافة في حال واحدة ولا يجوز لأحدهما أن يجنب مع فرسه فرسا يحرضه على العدو ولا يصيح به ولا يجلب عليه لما روى عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا جلب ولا جنب في الرهان رواه أبو داود وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أجلب على الخيل يوم الرهان فليس منا فإن استوى الفرسان بطول العنق فسبق أحدهما برأسه فهو سابق وإن اختلفا في طول العنق أو كان بعيرين اعتبر السبق بالكتف فمن سبق به أو ببعضه فهو سابق ولا عبرة بالعنق وإن عثر أحدهما أو ساخت قوائمه في الأرض أو وقف لعلة فسبقه الآخر لم يحكم له بالسبق لأن سبقه إياه للعارض لا لفضل جريه

فصل

وإن مات أحد المركوبين بطلت المسابقة لأن العقد تعلق بعينه فأشبه تلف المعقود عليه في الإجارة وإن مات الراكب لم تبطل لأنه غير المعقود عليه وللوارث أن يقوم مقامه وله أن يفعل لأن العقد جائز ومن جعله لازما لزمه أن يقوم مقامه كالإجارة


342

باب المناضلة

وهي المسابقة بالرمي وتجوز بين اثنين وحزبين لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج على أصحاب له يتناضلون فقال ارموا وأنا مع بني فلان فأمسك الآخرون فقالوا يا رسول الله كيف نرمي وأنت معهم فقال ارموا وأنا معكم كلكم رواه البخاري ولأنه إذا جاز على اثنين جاز على ثلاثة كسباق الخيل

فصل

ويشترط لصحتها شروط ثمانية أحدها تعيين الرماة لأن الغرض معرفة الحذق في الرمي فلا يتحقق مع عدم التعيين كسباق الخيل فإن عقد اثنان نضالا على أن يكون مع كل واحد منهما ثلاثة لم يصح لذلك وإن عقد جماعة نضالا ليتناضلوا حزبين احتمل أن لا يصح لأن التعيين لا يتحقق قبل التفاضل وقال القاضي ويجعل لكل حزب رئيس فتختار أحدهما واحدا ويختار الآخر آخر كذلك حتى يتناضلوا فإن اختلفا في المبتدئ منهما بالخيار أقرع بينهما ولا يجوز أن يقتسموا بالقرعة لأنها ربما وقعت على الحذاق في أحد الحزبين ولا يجوز أن يجعل زعيم الحزبين واحدا لأنه قد يميل إلى أحدهما فتلحقه التهمة ولا يجوز أن يجعل الخيرة في تمييز الحزبين إلى


343

واحد ولا يجوز أن يجعل إلى واحد والسبق عليه لأنه يختار الحذاق فيبطل معنى النضال

فصل

الشرط الثاني تعيين نوع القسي لأن الأغراض تختلف باختلافها فقد يكون الرامي أحذق بنوع منه بالنوع الآخر وإن لم يكن في البلد إلا نوع واحد لم يحتج إلى التعيين لأن الإطلاق ينصرف إليه كالنقد فإن عقدا على نوع فأراد أحدهما أن ينتقلا إلى غيره أو أن ينتقل أحدهما لم يجز لما ذكرنا وإن عقدا على قوس بعينه فانتقل أحدهما إلى غيره من نوعه جاز لأن الأغراض لا تختلف باختلاف الأعيان وإن شرط عليه أن لا ينتقل خرج على الوجهين فيما إذا شرط في الإجارة أن لا يستوفي المنفعة بمثله

فصل

الشرط الثالث أن يرميا غرضا وهو ما يقع فيه السهم المصيب من جلد أو ورق أو نحوه وإن قالا السبق لأبعدنا رميا لم يصح لأن القصد بالرمي الإصابة لا الإبعاد فلم يجز أخذ العوض عن غير المقصود والسنة أن يكون لهما غرضان في هدفين متقابلين يرميان من أحدهما الآخر ثم يرميان من الآخر الأول فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كذلك كانوا يرمون فروي عن حذيفة وابن عمر أنهما كانا يشتدان بين الغرضين إذا أصاب أحدهما خصمه


344

قال أنالها في قميص رواه سعيد ويروي أن ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة والهدف اسم لما ينصب الغرض فيه

فصل

الشرط الرابع أن يكون قدر الغرض معلوما طوله وعرضه وانخفاضه وارتفاعه لأن الإصابة تختلف باختلافه فوجب علمه كتعيين النوع

فصل

فإن أطلقا العقد حمل على إصابته أي موضع كان من الغرض من أطرافه وعراه وغيرها وإن أصاب علاقته لم يسحب له لأن العلاقة ما يعلق به والغرض هو المعلق وإن شرطا إصابة موضع من الغرض كالدارة التي في وسطه أو الخاتم الذي في الدارة لم يحتسب بإصابة غيره ويستحب أن يصفا الإصابة فيقولا خواصل وهو اسم للإصابة كيفما كانت أو خوارق وهو ما ثقب الغرض أو خواسق وهو ما ثقبه وثبت فيه أو موارق وهو ما ثقبه ونفذ منه أو خوارم وهو ما قطع طرفه فإن أطلقا الإصابة حمل على الخواصل والقرع كالخصل فإن أصاب سهما في الغرض قد عرق إلى فوقه حسب له لأنه لولاه لوقع السهم في الغرض وإن كان السهم معلقا بنصله وباقيه خارج من الغرض لم يحسب له ولا عليه لأن بينه وبين الغرض


345

طول السهم فلا يدري أكان يصيب أم لا فإن أطارت الريح الغرض فأصاب السهم موضعه حسب له وإن وقع في الغرض في الموضع الذي انتقل إليه حسب عليه في الخطاء لأنه أخطأ في الرمي وإنما أصاب بفعل الريح وإن عرضت ريح شديدة لم يحسب له السهم في إصابة ولا خطأ لأن ذلك من أجل الريح فإن كانت لينة حسب في الإصابة والخطأ لأنها لا تمنع وإن وقع السهم دون الغرض ثم ازدلف فأصابه حسب خاطئا لأن هذا لسوء رميه وإن عرض عارض من كسر قوس أو انقطاع وتر أو ريح في يده فأصاب حسب له لأن إصابته مع اختلال الآلة أدل على حذقه وإن أخطأ لم يحسب عليه لأنه للعارض وقال القاضي لا يحسب له لأنه لا يحسب عليه في خطأ فلا يحسب له في الإصابة كما في الريح الشديدة وإن انكسر السهم فوقع دون الغرض لم يحسب عليه لأنه لعارض وإن أصاب بنصله حسب له لما ذكرنا وإن أصاب بغيره لم يحسب له وإن أعرق الرامي في النزع حتى أخرج السهم من الجانب الآخر احتسب له وعليه لأنه لسوء رميه أخطأ ولحذقه أصاب ولأن ما حسب عليه في الخطأ حسب له في الإصابة كغيره وإن مرت بهيمة بين يديه وتشوش رميه لم يحسب عليه في الخطأ لأنه لذلك العارض إن خرقه وأصاب حسب له لأن هذا لقوة نزعه وسداد رميه وإن شرطا الخسق فأصاب الغرض وثبت فيه


346

حسب له فإن سقط بعد لم يؤثر كما لو نزعه إنسان وإن ثقب ولم يثبت ففيه وجهان أحدهما لا يحتسب له لأن الخاسق ما ثبت ولم يوجد والثاني يحسب له لأنه ثقب ما يصلح له فالظاهر أنه لم يثبت لعارض من سعة الثقب أو غلظ لقيه وإن مرق منه حسب له لأنه لقوة رميه وإن خدشه ولم يثبت فيه لمانع من حجر أو غلظ الأرض فعلى الوجهين لكن إن لم يحسب له لم يحسب عليه لأن العارض منعه وإن لم يكن مانع حسب عليه فإن اختلفا في العارض وعلم موضع السهم وفيه مانع فالقول قول صاحب السهم وإلا فالقول قول رسيله ولا يمين لأن الحال تشهد بصدق المدعي وإن لم يعلم موضع السهم ولم يوجد وراء الغرض مانع فالقول قول رسيله لذلك وإن كان وراءه مانع فقال الرسيل لم يثقب موضع المانع فأنكر الثقب فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم ما يدعيه صاحبه لكنه محتمل فأحلفناه لذلك وإن كان في الغرض خرق أو موضع بال فوقع السهم فيه وثبت في الهدف وكان صلابته كصلابة الغرض حسب له لأنه لولا الخرق لثبت في الغرض وإن لم يكن كذلك لم يحسب له ولا عليه لأننا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض أم لا وإن ثبت في الهدف فوجد في نصله قطعة من الغرض فقال الرامي هذا الجلد قطعه سهمي لقوته وقال رسيله بل هذه جلدة كانت منقطعة من قبل فالقول قول الرسيل لأن الأصل عدم الخسق والله أعلم


347

فصل

الشرط الخامس أن يكون مد الغرض معلوما مقدرا بما يصيب مثلهما ومثله عادة لأن الإصابة تختلف بالقرب والبعد فاشترط العلم به كالنوع وإن جعلاه قدرا لا يصيبان في مثله أو لا يصيبان إلا نادرا كالزائد على ثلاثمائة ذراع لم يجز لأن الإصابة تندر في مثل هذا فيفوت الغرض

فصل

الشرط السادس أن يكون الرشق معلوما والرشق بكسر الراء عدد الرمي لأن الحذق في الرمي لا يعلم إلا بذلك

فصل

الشرط السابع أن يكون عدد الإصابة معلوما كخمسة من عشرين ونحوها ويعتبر أن يكون إصابة لا يندر مثلها فإن شرطا إصابة الجميع أو تسعة من عشرة لم يصح لأن هذا يندر فيفوت الغرض ويستحب أن يبينا حكم الإصابة هل هي مبادرة أو محاطة والمبادرة أن يقولا من سبق إلى إصابتين أو نحوهما فهو السابق فأيهما سبق إليهما مع تساويهما في الرمي فهو السابق فإذا رمي كل واحد عشرة فأصاب أحدهما إصابتين دون الآخر فهو السابق ولا يلزم إتمام الرمي لأن المقصود قد حصل وإن أصاب كل واحد منهما من العشرة إصابتين فلا سابق منهما وبطل النضال لأن الزيادة


348

على عدد الإصابة غير معتد بها فإن رميا العشرين فلم يصب واحد منهما إصابتين أو أصاباها معا فلا سابق فيهما وأما المحاطة فهي أن يشترطا حط ما تساويا فيه من الإصابة ثم من فضل صاحبه بإصابة معلومة فقد سبق فإن شرطا فضل ثلاث إصابات فرميا خمسة عشر أصابها أحدهما كلها وأخطأها الآخر فالمصيب سابق ولا يجب إتمام الرمي لعدم الفائدة فيه لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب المخطئ الخمسة الباقية ويخطئها الأول ولا يخرج الثاني بذلك عن كونه مسبوقا وإن كان في إتمامه فائدة مثل أن يكون الثاني أصاب من الخمسة عشر تسعة فإذا أصاب الخمسة الباقية وأخطأها الأول لم يكن مسبوقا وجب إتمام الرمي فإن أطلقا العقد أنصرف إلى المبادرة لأن العقد على المسابقة والبادر سابق ذكر هذا القاضي وقال أبو الخطاب يشترط بيان ذلك في المسابقة لأن الغرض يختلف به فمن الناس من تكثر إصابته في الأول دون الثاني فوجب اشتراطه كقدر مدى الغرض

فصل

الشرط الثامن التسوية بين المتناضلين في عدد الرشق والإصابة وصفتها وسائر أحوال الرمي فإن تفاضلا في شيء منه أو شرطا أن يكون في يد أحدهما من السهام أكثر أو أن يرمي أحدهما والشمس في وجهه أو يحسب له خاصلا بخاسق أو لا يحسب عليه سهم خاطئ لم يصح لأن القصد


349

معرفة حذقهما ولا يعرف مع الاختلاف لأنه ربما فضله بشرطه لا بحذقه وإن شرطا أن يحسب خاسق كل واحد منهما بخاصلين أو يسقط القريب من إصابة أحدهما ما هو أبعد منها من رمي الآخر فمن فضل بعد بثلاث إصابات فهو السابق لأنه لا فضل لأحدهما في عدد ولا صفة وهذه نوع محاطة فصحت كاشتراط حط ما تساويا فيه

فصل

وإن كان الرماة حزبين اشترط كون الرشق يمكن قسمته عليهم إن كان كل حزب ثلاثة وجب أن يكون له ثلث صحيح لأنه يجب التسوية بينهما في عدد الرمي ولا يمكن إلا بذلك فوجب وإذا نضل أحد الحزبين صاحبه فالجعل بين الناضلين سواء من أصاب ومن لم يصب ويحتمل أن يكون بينهما على قدر إصاباتهم لأنهم بها يستحقون والجعل على المنضولين بالسوية وجها واحدا لأنه لزمهم بالتزامهم لإصاباتهم بخلاف الناضلين

فصل

فإن كان في أحد الحزبين من لا يحسن الرمي بطل العقد فيه لأنها لا تنعقد على من لا يحسن الرمي ويخرج من الحزب الآخر بإزائه كما إذا بطل البيع في بعض المبيع بطل في ثمنه وهل يبطل العقد في الباقين على وجهين بناء على تفريق الصفقة فإن قلنا لا يبطل فلهم الخيار في الفسخ والإمضاء


350

لأن الصفقة تفرقت عليهم فإن اختاروا إمضاءه ورضوا بمن يخرج بإزائه وإلا انفسخ العقد

فصل

ويرمي واحدا بعد الآخر لأن رميهما يفضي إلى التنازع والجهل بالمصيب فإن اتفقا على المبتدئ منهما جاز وإن كان بينهما شرط عمل به وإن اختلفا ولا شرط بينهما قدم المخرج فإن كان المخرج غيرهما اختار منهما فإن لم يختر أقرع بينهما وإذا بدأ أحدهما في وجه بدأ الآخر في الثاني تعديلا بينهما فإن شرطا البداية لأحدهما في كل الوجوه لم يصح لأنه تفضيل وإن فعلاه بغير شرط جاز لأنه لا أثر له في إصابة ولا تجويد رمي ويرميان مراسلة سهما وسهما أو سهمين وسهمين وإن اتفقا على غير هذا جاز لعدم تأثيره في مقصود المناضلة

فصل

وإن مات أحد الرامين أو ذهبت يده بطل العقد لأن المعقود عليه تلف فأشبه موت الفرس في السباق وإن مرض أو رمد لم تبطل لأنه يمكن الاستيفاء بعد زوال العذر وله الفسخ لأن فيه تأخير المعقود عليه فملك الفسخ كالإجارة وإن عرض مطر أو ريح أو ظلمة أخر إلى زوال العارض وإن أراد أحدهما التأخير لغير عذر فله ذلك إن قلنا هي


351

جعالة لأنها جائزة وليس له ذلك إن قلنا هي إجارة ويكره للأمين مدح أحدهما أو زجره لأن فيه كسر قلبه أو قلب صاحبه

باب اللقطة

وهي المال الضائع عن ربه وهي ضربان ضال وغيره فأما غير الضال فيجوز التقاطه بالإجماع وهو نوعان يسير يباح التصرف فيه بغير تعريف لما روى جابر قال رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به رواه أبو داود ولا تحديد في اليسير إلا أنه ينبغي أن يعفى عما رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث وشبهه وقال أحمد رضي الله عنه ما كان مثل التمرة والكسرة والخرقة وما لا خطر له فلا بأس ويحتمل أن لا يجب تعريف ما لا يقطع فيه السارق لأنه تافه قالت عائشة رضي الله عنها كانوا لا يقطعون في الشيء التافه

النوع الثاني الكثير فظاهر كلام أحمد أن ترك التقاطه أفضل لأنه أسلم من خطر التفريط وتضييع الواجب من التعريف فأشبه ولاية اليتيم واختار أبو الخطاب أن أخذه أفضل إذا وجده بمضيعة وأمن نفسه عليه لما فيه من حفظ مال المسلم فكان أولى كتخليصه من الغرق ولا يجب أخذه


352

لأنه أمانة فلم يجب كالوديعة ومن لم يأمن نفسه عليه ويقوى على أداء الواجب لم يجز له أخذه لأنه تضييع لمال غيره فحرم كإتلافه

فصل

إذا أخذها عرف عفاصها وهو وعاؤها ووكاءها وهو الذي تشد به وجنسها وقدرها لما روى زيد بن خالد الجهني قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق فقال اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فادفعها إليه متفق عليه نص على الوكاء والعفاص وقسنا عليهما القدر والجنس ولأنه إذا عرف هذه الأشياء لم تختلط بغيرها وعرف بذلك صدق مدعيها أو كذبه وإن أخر معرفة صفتها إلى مجيء مدعيها أو تصرفه فيها جاز لأن المقصود يحصل وقد جاء ذلك في حديث أبي ولا يحل له التصرف فيها إلا بعد معرفة صفتها لأن عينها تذهب فلا يعلم صدق مدعيها إلا من حفظ صفتها ويستحب أن يشهد عليه نص عليه لما روى عياض ابن حمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب رواه أبو داود ولأن فيه حفظها من ورثته إن مات وغرمائه إن أفلس وصيانته من الطمع فيها ولا يجب ذلك لتركه في حديث


353

زيد ولأنها أمانة فلا يجب الإشهاد عليها كالوديعة قال أحمد رضي الله عنه ولا يبين في الإشهاد كم هي لكن يقول أصبت لقطة

فصل

ويجب تعريفها لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به ولأنه طريق وصولها إلى صاحبها فوجب كحفظها ويجب التعريف حولا من حين التقاطها متواليا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به عند وجدانها والأمر يقتضي الفور ولأن الغرض وصول الخبر وظهور أمرها وإنما يحصل بذلك لأن صاحبها إنما يطلبها عقيب ضياعها ويكون التعريف في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد وأوقات الصلوات لأن المقصود إشاعة أمرها وهذا طريقه ويكثر منه في موضع وجدانها وفي الوقت الذي يلي التقاطها ولا يعرفها في المسجد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله تعالى عليك فإن المساجد لم تبن لهذا ويقول من ضاع منه كذا يذكر جنسها أو يقول شيء ولا يزيد في صفتها لئلا يفوت طريق معرفة صاحبها وأجرة المعرف على الملتقط لأن التعريف عليه ولأنه سبب تملكها فكان على متملكها قال أبو الخطاب إن التقطها للحفظ لصاحبها لا غير فالأجرة على مالكها يرجع بها عليه وقاله ابن عقيل فيما لا يملك بالتعريف


354

فصل

فإذا جاء مدعيها فوصفها بصفاتها المذكورة لزم دفعها إليه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به ولأنها لو لم تدفع بالصفة لتعذر وصول صاحبها إليها لتعذر إقامة البينة فإن وصفها اثنان أقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وسلمت إليه كما لو ادعى الوديعة اثنان وقال أبو الخطاب تقسم بينهما وإن وصفها أحدهما وللآخر بينة قدم ذو البينة لأنها أقوى من الوصف فإن كان الواصف سبق فأخذها نزعت منه وإن تلفت في يده فلصاحبها تضمين من شاء منهما لأن الواصف أخذ مال غيره بغير إذنه والملتقط دفعه إليه بغير إذن مالكه ويستقر الضمان على الواصف لأن التلف في يده فإن ضمن لم يرجع على أحد وإن ضمن الملتقط رجع عليه إلا أن كون الملتقط دفعها بحكم حاكم فلا يضمن لأنها تؤخذ منه قهرا وإن أتلفها الملتقط فغرمه الواصف عوضها ثم جاء صاحب البينة لم يرجع إلا على الملتقط لأن الواصف إنما أخذ مال الملتقط ولم يأخذ اللقطة ثم يرجع الملتقط على الواصف

فصل

فإن لم تعرف دخلت في ملك الملتقط عند الحول حكما كالميراث لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زيد وإن لم تعرف فاستنفقها وفي لفظ وإلا فهي كسبيل مالك ولأنه كسب مال بفعل فلم يعتبر فيه اختيار التمليك كالصيد واختار أبو


355

الخطاب أنه لا يملكها إلا باختياره لأنه تملك مال ببدل فاعتبر فيه اختيار التملك كالبيع والغني والفقير سواء في هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق ولأنه تملك مال بعوض أشبه البيع

فصل

وما جاز التقاطه ووجب تعريفه ملك به نص عليه أحمد رضي الله عنه في الصياد يقع في شبكته الكيس والنحاس يعرفه سنة فإن جاء صاحبه وإلا فهو كسائر ماله وهذا ظاهر كلام الخرقي وقال أكثر أصحابنا لا يملك غير الأثمان لأن الخبر ورد فيها ومثلها لا يقوم مقامها من كل وجه لعدم تعلق الغرض بعينها فلا يقاس عليها غيرها وقال أبو بكر ويعرفها أبدا وقال القاضي هو مخير بين ذلك وبين دفعها إلى الحاكم وقال الخلال كل من روى عن أبي عبد الله أنه يعرفها سنة ثم يتصدق بها والذي نقل عنه أنه يعرفها أبدا قول قديم رجع عنه والأول أولى لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف ترى في متاع يوجد في الطريق الميتاء أو في قرية مسكونة قال عرفه سنة فإن جاء صاحبه وإلا فشأنك به رواه الأثرم وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عيبة والعيبة هي وعاء من أدم توضع فيه الثبات عرفها سنة فإن عرفت وإلا فهي لك أمرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه مال يجوز التقاطه ويجب تعريفه فملك به كالأثمان وقد دل الخبر على جواز أخذ الغنم مع تعلق الغرض بعينها فيقاس عليها غيرها


356

فصل

ولقطة الحرم تملك بالتعريف في ظاهر كلامه لظاهر الخبر ولأنه أحد الحرمين أشبه المدينة وعنه لا تملك بحال ويجب تعريفها أبدا أو يدفعها إلى الحاكم لقول النبي صلى الله عليه وسلم في مكة لا تحل ساقطتها إلا لمنشد متفق عليه

فصل

واللقطة مع الملتقط قبل تملكها أمانة عليه حفظها بما يحفظ به الوديعة وإن ردها إلى موضعها ضمنها لأنه ضيعها وإن تلفت بغير تفريط لم يضمنها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولتكن وديعة عندك ولأنه يحفظها لصاحبها بإذن الشرع أشبه الوديعة وإن جاء صاحبها أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة لأنها ملكه وإن جاء بعد تملكها أخذها لقول النبي صلى الله عليه وسلم فإن جاء طالبها يوما من الدهر فادفعها إليه ويأخذها بزيادتها المتصلة لأنها تتبع في الفسوخ وزيادتها المنفصلة بعد تملكها لملتقطها لأنها حدثت على ملكه فأشبه نماء المبيع في يد المشتري فإن تلفت بعد تملكها ضمنها لأنها تلفت من ماله وإن نقصت بعد التملك فعليه أرش نقصها وإن باعها أو وهبها بعد تملكها صح لأنه تصرف صادف ملكه فإن جاء صاحبها في مدة الخيار وجب فسح البيع وردها إليه لأنه يستحق العين وقد أمكن ردها إليه وإن جاء بعد لزوم البيع فهو كتلفها لأنه تعذر ردها


357

فصل

الضرب الثاني الضوال وهي الحيوانات الضائعة وهي نوعان أحدهما ما يمتنع من صغار السباع إما بقوته كالإبل والخيل أو بجناحه كالطير أو بسرعته كالظباء أو بنابه كالفهد فلا يجوز التقاطه لما روى زيد بن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالة الإبل فقال مالك ولها دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها متفق عليه وللإمام أخذها ليحفظها لأربابها لأن للإمام ولاية في حفظ أموال المسلمين ولهذا كان لعمر حظيرة يحفظ فيها الضوال فإذا أخذها وكان له حمى ترعى فيه تركها وأشهد عليها ووسمها بسمة الضوال وإن لم يكن له حمى خلاها وحفظ صفاتها ثم باعها وحفظ ثمنها لصاحبها لأنها تحتاج إلى علف فربما استغرق ثمنها وإن أخذها غير الإمام أو نائبه ضمنها ولم يملكها وإن عرفها فإن دفعها إلى الأمام زال عنه الضمان لأنه دفعها إلى من له الولاية عليها أشبه دفعها إلى صاحبها وإن ردها إلى موضعها لم يبرأ لأن ما لزمه ضمانه لا يبرأ منه إلا برده إلى صاحبه أو نائبه كالمسروق

فصل

النوع الثاني ما لا ينحفظ عن صغار السباع كالشاة وصغار الإبل والبقر ونحوها فعن أحمد رضي الله عنه لا يجوز التقاطها لأنه روي عن


358

النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤوي الضالة إلا ضال رواه أبو داود ولأنه حيوان أشبه الإبل والمذهب جواز التقاطها لما روى زيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الشاة فقال خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب متفق عليه وهذا يخص عموم الحديث الآخر ولانه يخشى عليها التلف أشبه غير الضالة وسواء وجدها في المصر أو في مهلكة لأن الحديث عام فيهما ولأنه مال يجوز التقاطه فاستويا فيه كالأثمان والعبد الصغير كالشاة في جواز التقاطه لأنه لا ينحفظ بنفسه فأما الحمر فألحقها أصحابنا بالنوع الأول لأن لها قوة فأشبهت البقر وظاهر حديث زيد إلحاقها بالغنم لانه علل أخذ الشاة بخشية الذئب عليها والحمر مثلها في ذلك وعلل المنع من الإبل بقوتها على ورود الماء وصبرها بقوله معها سقاءها والحمر بخلافها ومتى التقط هذا النوع خير بين أكله في الحال وحفظه لصاحبه وبيعه وحفظ ثمنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم هي لك ولم يأمره بحفظها ولأن إبقاءها يحتاج إلى غرامة ونفقة دائمة فيستغرق قيمتها فإن اختار إبقاءها وحفظها لصاحبها فهو الأولى وينفق عليها لأن به بقاءها فإن لم يفعل ضمنها لأنه فرط فيها وإن أنفق عليها متبرعا لم يرجع على صاحبها وإن نوى الرجوع على صاحبها وأشهد على ذلك ففي الرجوع به روايتان بناء على الوديعة وإن اختار أكلها أو بيعها لزمه حفظ صفتها ثم يعرفها عاما فإذا جاء صاحبها دفع إليه ثمنها أو غرمه له إن


359

أكلها ولا يلزمه عزل ثمنها إذا أكلها لأنه لا يخرج من ذمته بعزله فلم يلزمه كسائر ما يلزمه ضمانه وإن أراد بيعها فله أن يتولى ذلك بنفسه لأن ما ملك أكله فبيعه أولى فإذا عرفها حولا ولم تعرف ملكها إن كانت باقية أو ثمنها إن باعها لأن حديث زيد يدل على ملكه لها لأنه أضافها إليه بلام التمليك ولأنه مال يجوز التقاطه فيملك بالتعريف كالأثمان وعنه لا يملكها والمذهب الأول

فصل

فإن التقط ما لا يبقى عاما كالبطيخ والطبيخ لم يجز تركه ليتلف فإن فعل ضمنه لأنه فرط في حفظه فإن كان مما لا يبقى بالتجفيف كالبطيخ خير بين بيعه وأكله وإن كان يبقى بالتجفيف كالعنب والرطب فعل ما فيه الحظ لصاحبه من بيعه وأكله وتجفيفه فإن احتاج في التجفيف إلى غرامة باع بعضه فيها وإن أنفقها من عنده رجع بها لأن النفقة هاهنا لا تتكرر بخلاف نفقة الحيوان فإنها تتكرر فربما استغرقت قيمته فلا يكون لصاحبها حظا في إمساكها إلا بإسقاط النفقة عنه وإن أراد بيعها فله البيع بنفسه لما ذكرنا في الضوال وعنه له بيع اليسير وأما الكثير فإنه يرفعه إلى السلطان والقول في تعريفه وسائر أحكامه كالقول في الشاة


360

فصل

قال أحمد رضي الله عنه من اشترى سمكة فوجد في بطنها درة فهي للصياد وإن وجد دراهم فهي لقطة لأنها لا تبتلع الدراهم إلا بعد ثبوت اليد عليها وقد تبتلع درة من البحر مباحة فيملكها الصياد بما فيها فإن باعها ولم يعلم بالدرة لم يزل ملكه عن الدرة كما لو باع دارا له فيها مال لم يعلم به

فصل

فإن وجد اللقطة اثنان فهي بينهما لأنهما اشتركا في السب فاشتركا في الحكم وإن ضاعت من واجدها فوجدها آخر ردها على الأول لأنه قد ثبت له الحق فيها فوجب ردها إليه كالملك وإن رآها اثنان فرفعها أحدهما فهي له لقول النبي صلى الله عليه وسلم من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له وإن رآها أحدهما فقال للآخر ارفعها ففعل فهي لرافعها لأنه مما لا يصح التوكيل فيه

فصل

فإن التقطها صبي أو مجنون أو سفيه صح التقاطه لأنه كسب بفعل فصح منه كالصيد فإن تلفت في يده بغير تفريط لم يضمنها لأنه أخذ ماله أخذه وإن تلفت بتفريط ضمنها ومتى علم وليه بها لزمه نزعها منه


361

وتعريفها لأنها أمانة والمحجور عليه ليس من أهلها فإذا تم تعريفها دخلت في ملك واجدها حكما كالميراث

فصل

ويصح التقاط العبد بغير إذن سيده لعموم الخبر ولما ذكرنا في الصبي ويصح تعريفه لها لأن له قولا صحيحا فصح تعريفه كالحر فإذا تم تعريفها ملكها سيده لأنها كسب عبده ولسيده انتزاعها منه قبل تعريفها لأن كسب عبده له ويتولى تعريفها أو اتمامه وله إقرارها في يد عبده الأمين ويكون مستعينا به في حفظها وتعريفها ولا يجوز إقرارها في يد من ليس بأمين لأنها أمانة وإن فعل فعليه الضمان وإن علم العبد أن سيده غير مأمون عليها لزمه سترها عنه وتسليمها إلى الحاكم ليعرفها ثم يدفعها إلى سيده بشرط الضمان وإن أتلفها العبد فحكم ذلك حكم جنايته وإن أعتق العبد بعد الالتقاط فلسيده أخذها لأنها كسبه

فصل

والمكاتب كالحر لأن كسبه لنفسه والمدبر وأم الولد كالقن ومن نصفه حر فلقطته بينه وبين سديه ككسبه فإن كانت بينهما مهيأة لم تدخل في المهايأة في أحد الوجهين لأنها من الأكساب النادرة فأشبهت الميراث والآخر تدخل لأنها من كسبه فهي كصيد وفي الهدية والوصية وسائر الأكساب النادرة وجهان كاللقطة


362

فصل

والذمي كالمسلم للخبر ولأنه كسب يصح من الصبي فصح من الذمي كالصيد والفاسق كالعدل لذلك لكن إن أعلم الحاكم بهما ضم إليه أمينا يحفظها ويتولى تعريفها لأنها أمانة فلا يؤمن خيانته فيها فإذا عرفها ملكها ملتقطها

فصل

ومن التقط لقطة لغير التعريف ضمنها ولم يملكها وإن عرفها لأنه أخذها على وجه يحرم عليه فلم يملكها كالغاصب ومن ترك التعريف في الحول الأول لم يملكها وإن عرفها بعد لأن السبب الذي يملكها به قد فات ولم يبرأ منها إلا بتسليمها إلى الحاكم

فصل

ومن ترك دابة بمهلكة فأخذها إنسان فخلصها ملكها لما روى الشعبي قال حدثني غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ومن وجد دابة عجز عنها أهله فسيبوها فأخذها فأحياها فهي له ولان فيه إنقاذا للحيوان من الهلاك مع نبذ صاحبه له فأشبه السنبل الساقط فإن كان مكانها عبدا لم يملكه لأنه في العادة يمكنه التخلص وإن كان متاعا لم يملكه لأنه لا حرمة له في نفسه


363

باب اللقيط

وهو الطفل المنبوذ والتقاطه فرض على الكفاية لأنه إنجاء آدمي من الهلاك فوجب كتخليص الغريق وهو محكوم بحريته لما روى سنين أبو جميله قال وجدت ملقوطا فأتيت به عمر رضي الله عنه فقال اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته رواه سعيد في سننه ولأن الأصل في الآدميين الحرية ويحكم بإسلامه في دار الإسلام إذا كان فيها مسلم لأنه اجتمع الدار واسلام من فيها وإن وجد في بلد فيه كفار ولا مسلم فيه فهو كافر لأن الظاهر أنه ولد كافرين وإن وجد في بلد الكفار وفيه مسلمون ففيه وجهان أحدهما هو كافر لأنه في دارهم والثاني هو مسلم تغليبا لإسلام المسلم الذي فيه

فصل

وما يوجد عليه من ثياب أو حلي أو تحته من فراش أو سرير أو غيره أو في يده من نفقة أو عنان دابة أو مشدودا في ثيابه أو ببعض بدنه أو مجعولا فيه كدار وخيمة فهو له لأنه آدمي حر فما في يده له كالبالغ وإن كان مطروحا بعيدا منه أو قريبا مربوطا بغيره لم يكن له لأنه لا يد له عليه وكذلك المدفون تحته لأن البالغ لو جلس على دفين لم يكن له وقال ابن


364

عقيل وإن كان الحفر طريا فهو له لأن الظاهر أنه حفر النابذ له وإن وجد بقربه مال موضوع ففيه وجهان أحدهما هو له إن لم يكن هناك غيره ولان الإنسان يترك ما له بقربه والثاني ليس هو له لأنه لا يد له عليه

فصل

وينفق عليه من ماله لأنه حر فينفق عليه من ماله كالبالغ ويجوز للولي الإنفاق عليه من غير إذن الحاكم لأنه ولي فملك ذلك كولي اليتيم ويستحب استئذانه لأنه أنفى للتهمة وإن بلغ واختلفا في النفقة فالقول قول المنفق وإن لم يكن له مال فنفقته في بيت المال لقول عمر رضي الله عنه وعليها نفقته ولأنه آدمي حر له حرمة فوجب على السلطان القيام به عند حاجته كالفقير وليس على الملتقط نفقته لحديث عمر ولأنه لا نسب بينهما ولا ملك فأشبه الأجنبي وإن تعذر الإنفاق عليه من بيت المال فعلى من علم حاله الإنفاق عليه فرض كفاية لأن به بقاءه فوجب كإنقاذ الغريق فإن اقترض الحاكم ما أنفق عليه ثم بإن رقيقا أو له أب موسر رجع عليه لأنه أدى الواجب عنه فإن لم يظهر له أحد وفي من بيت المال

فصل

فإن كان الملتقط أمينا حرا مسلما أقر في يده كحديث عمر رضي الله


365

عنه ولأنه لابد له من كافل والملتقط أحق للسبق وفي الإشهاد عليه وجهان أحدهما لا يجب كما لا يجب في اللقطة والثاني يجب لأن القصد به حفظ النسب والحرية فوجب كالإشهاد في النكاح وإن التقطه فاسق نزع منه لأنه ليس في حفظه إلا الولاية ولا ولاية لفاسق قال القاضي هذا المذهب وظاهر قول الخرقي أنه يقر في يده لقوله إن لم يكن من وجد اللقيط أمينا منع من السفر به فعلى هذا يضم إليه أمين يشارفه ويشهد عليه ويشيع أمره لينحفظ بذلك وليس لكافر التقاط محكوم بإسلامه لأنه لا ولاية لكافر على مسلم فإن التقطه نزع منه وله التقاط المحكوم بكفره ويقر في يده لثبوت ولايته عليه وليس للعبد الالتقاط إلا بإذن سيده فتكون الولاية للسيد والعبد نائب عنه

فصل

فإن أراد الملتقط السفر به وهو ممن لم تختبر أمانته في الباطن نزع منه لأنه لا يؤمن أن يدعي رقه وإن علمت أمانته باطنا فأراد نقله من الحضر إلى البدو منع منه لأنه ينقله إلى العيش في الشقاء ومواضع الجفاء وإن أراد النقلة إلى بلد آخر يقيم فيه ففيه وجهان أحدهما يقر في يده لأنهما سواء فيما ذكرنا والثاني يمنع لأن بقاءه في بلده أرجى لظهور نسبه وإن كان اللقيط في بدو فله نقله إلى الحضر لأنه أرفق به وله


366

الإقامة به في البدو وفي حلة لا تنتقل عن مكانها لأن الحلة كالقرية وإن كان منتقلا ففيه وجهان أحدهما يقر في يده لأنه أرجى لكشف نسبه والثاني ينزع منه لأنه يشقى بالتنقل

فصل

فإن التقطه موسر ومعسر قدم الموسر لأنه أحظ للطفل فإن تساويا وتشاحا أقرع بينهما لقول الله تعالى وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم آل عمران 44 ولأنهما تساويا في الحق فأقرع بينهما كالعبدين في العتق وإن ترك أحدهما نصيبه كفله الآخر والرجل والمرأة في هذا سواء لأن المرأة أجنبية والرجل يحضنه بأجنبية فهما سواء

فصل

فإن اختلفا في الملتقط وهو في يد أحدهما فالقول قوله وهل يستحلف فيه وجهان وإن كان في يديهما قدم أحدهما بالقرعة وهل يستحلف على وجهين وإن لم يكن في يد واحد منهما سلمة السلطان إلى من يرى منهما أو من غيرهما لأنه لا يد لأحدهما وإن كان لأحدهما بينة قضى بها لأنها أقوى فإن كانت لكل واحد منهما بينة قدم أسبقهما تاريخا لأنه يثبت بها السبق إلى الالتقاط وإن تساويا وهو في يد أحدهما انبنى على بينة الداخل والخارج وإن تساويا في اليد أو عدمها سقطتا وأقرع بينهما فقدم بها أحدهما


367

فصل

وإن ادعى نسبه رجل لحق به لأنه أقر له بحق لا ضرر فيه على أحد فقبل كما لو أقر له بمال ويأخذه من الملتقط إن كان من أهل الكفالة لأن الوالد أحق بكفالة ولده وإن كان كافرا لم يتبعه في الدين لأنه محكوم بإسلامه بالدار فلا يزول ذلك بدعوى كافر ولا يدفع إليه لأنه لا ولاية لكافر علىمسلم ويثبت نسبه منه لأن الكافر كالمسلم في ثبوت النسب منه ولا ضرر على أحد في انتسابه إليه وإن كانت له بينة بولادته على فراشه ألحق به نسبا ودينا لأنه ثبت أنه ابنه ببينة ذكره بعض أصحابنا وقياس المذهب أنه لا يلحقه في الدين إلا أن تقوم البينة أنه ولد كافرين حيين لأن الطفل يحكم بإسلامه بإسلام أحد أبويه أو موته وإن ادعت امرأة نسبه ففيها ثلاث روايات إحداهن يقبل قولها لأنها أحد الأبوين فثبت النسب بدعواها كالأب ويلحق بها دون زوجها الثانية إن كان لها زوج لم تقبل دعواها لأنه يؤدي إلى أن تلحق زوجها نسب من لم يقر به وإن لم يكن قبل لعدم ذلك الثالثة إن كان لها إخوة ونسب معروف لم تقبل دعواها لأن ولادتها لا تخفى عليهم وإن لم يكن قبلت والأمة كالحرة إلا أننا إذا ألحقنا النسب به لم يثبت رق ولدها لأنه محكوم بحريته فلا يثبت رقه بمجرد الدعوى كما لم يثبت كفره


368

فصل

فإن ادعى نسبه رجلان ولأحدهما بينة فهو ولده لأن له حجة فإن كان لهما بينتان أولا بينة لهما عرض على القافه معهما أو مع عصبتهما عند فقدهما فإن الحقته بأحدهما الحق به لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال ألم ترى أن مجززا المدلجي نظر أنفا إلى زيد وأسامة وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض متفق عليه فلولا أن ذلك حق لما سر به النبي عليه السلام وإن ألحقته بهما لحقهما لما روى سليمان بن يسار عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر فقال القائف قد اشتركا فيه فجعله عمر بينهما رواه سعيد وعن علي مثله قال أحمد ويرثهما ويرثانه ونسبه من الأول قائم لا يزيله شيء قال ويلحق بثلاثة وينبغي أن يلحق بمن ألحقته منهم وإن كثروا لأن المعنى في الاثنين موجود فيما زاد فيقاس عليه وقال القاضي لا يلحق بأكثر من ثلاثة وقال ابن حامد لا يلحق بأكثر من انثين لأننا صرنا إلى ذلك للأثر فيجب أن تقتصر عليه فإن لم توجد قافة أو أشكل عليهم أو نفته عنهما أو تعارضت أقوالهم فقال أبو بكر يضيع نسبه لأنه لا دليل لأحدهما فأشبه من لم يدع نسبه أحد وقال ابن حامد يترك حتى يبلغ ويؤاخذان بنفقته لان كل واحد منهما مقربه فإذا بلغ أمرناه أن


369

ينتسب إلى من يميل طبعه إليه لأن ذلك يروى عن عمر رضي الله عنه ولأن الطبع يميل إلى الوالد ما لا يميل إلى غيره فإذا تعذرت القافة رجعنا إلى اختياره ولا يصح انتسابه قبل بلوغه لأنه قول يتعين به النسب وتلزم به الأحكام فلا يقبل من الصبي كقول القائف وسواء كان المدعيان مسلمين حرين أو كافرين رقيقين او مسلما وكافرا وحرا وعبدا لأن كل واحد منهم لو انفرد صحت دعواه فإن ادعاه امرأتان وقلنا بصحة دعواهما فهما كالرجلين إلا أنه لا يلحق بأكثر من واحدة لأنه يستحيل ولد من امرأتين وإن كانت إحداهما تسمع دعواها دون الأخرى فهي كالمنفردة به وإن ألحقته القافة بكافر أو أمة لم يحكم برقه ولا كفره لأنه ثبت إسلامه وحريته بظاهر الدار فلا يزول ذلك بظن ولا شبهة كما لم تزل بمجرد الدعوى

فصل

فإن كان لامرأتين ابن وبنت فادعت كل واحدة أنها أم الابن احتمل أن يعرض معهما على القافة واحتمل أن يعرض لبنهما على أهل الخبرة فمن كان لبنها لبن ابن فهو ابنها وقد قيل إن لبن الأبن ثقيل ولبن البنت خفيف فيعتبر ذلك


370

فصل

والقافة قوم من العرب عرفت منهم الإصابة في معرفة الأنساب واشتهره ذلك في بني مدلج رهط مجزز وسراقة بن مالك بن جعشم ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون ذكرا عدلا مجربا في الإصابة لأن ذلك يجري مجرى الحكم فاعتبر ذلك فيه قال القاضي يترك الغلام مع عشرة غير مدعيه ويرى القائف فإن ألحقه بأحدهم سقط قوله وإن نفاه عنهم جعلناه مع عشرين فيهم مدعيه فإن أحلقه بمدعيه علمت إصابته وهل يكتفي بواحد فيه وجهان أحدهما يكتفي به لان النبي صلى الله عليه وسلم سر بقول مجزز وحده لأنه بمنزلة الحاكم يجتهد ويحكم كما يجتهد الحاكم ويحكم والثاني لا يقبل إلا اثنان لأنه حكم بالشبه والخلقة فلا يقبل من واحد كالحكم بالمثل في جزاء الصيد

فصل

فإن ادعى رجل رقه لم يقبل لأن الأصل الحرية فإن شهدت له بينة بالملك قبلت وإن لم يذكر السبب كما لو شهدت له بملك مال وإن شهدت باليد للملتقط لم يحكم له بالملك لان سبب يده قد علم وإن شهدت بها لغيره ثبتت والقول قوله في الملك مع يمينه كما لو كان في يده مال فحلف عليه


371

فصل

ومن حكمنا بإسلامه لإسلام أحد أبويه أو موته أو إسلام سابيه فحكمه حكم سائر المسلمين في حياته وموته ووجوب القود على قاتله قبل البلوغ أو بعده فإن كفر بعد بلوغه فهو مرتد يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل لأنه محكوم بإسلامه يقينا فأشبه غيره من المسلمين ومن حكمنا بإسلامه للدار وهو اللقيط فكذلك لأنه محكوم بإسلامه ظاهرا فهو كالثابت يقينا وذكر القاضي وجها آخر أنه يقر على كفره لأنه لم يثبت إسلامه يقينا

فصل

فإن بلغ اللقيط فقذفه إنسان أو جنى عليه أو ادعى رقه فكذبه اللقيط فالقول قول اللقيط لأنه حر في الحكم ويحتمل أن يقبل قول المدعي في درء حد القذف خاصة لأنه مما يدرأ بالشبهات بخلاف القصاص

فصل

وإن بلغ فتصرف ثم ثبت رقه فحكم تصرفه حكم تصرف العبيد لأنه ثبت أنه مملوك وإن أقر بالرق على نفسه بعد أن كان أقر بالحرية لم يقبل إقراره بالرق لأنه قد لزمه بالحرية أحكام من العبادات والمعاملات فلم


372

يملك إسقاطها وإن لم يتقدم منه إقرار بالحرية وكذبه المقر له بطل إقراره لأنه لا يثبت رقه لمن لا يدعيه فإن أقر بعده لغيره قبل كما لو أقر له بمال ويحتمل أن لا يقبل لأن في إقراره الأول اعترافا بأنه ليس لغيره فلم يقبل رجوعه عنه كما لا يقبل رجوعه عن الحرية وإن صدقه الأول ففيه وجهان أحدهما لا يقبل لأنه محكوم بحريته فلا يقبل إقراراه بما يبطلها كما لو أقر بها والثاني يقبل لأنه مجهول الحال أقر بالرق فقبل كما لو قدم رجلان من دار الحرب فأقر أحدهما لصاحبه بالرق فعلى هذا يحتمل أن يقبل إقراره في جميع أحكامه لأنه معنى يثبت بالرق فأثبته في جميع أحكامه كالبينة ويحتمل أن يقبل فيما عليه دون ماله لأنه أقر بما يوجب حقا له وعليه فيثبت ما عليه دون ماله كما لو قال لفلان علي ألف على رهن لي عنده فإن قلنا بالأول وكان قد نكح فهو فاسد حكمه حكم ما لو تزوج العبد أو الأمة بغير إذن سيده وإن تصرف بغير النكاح فسدت عقوده كلها فترد الأعيان إلى أربابها إن كانت باقية وإن كانت تالفة ثبتت قيمتها في ذمته لأنها تلفت برضى أصحابها وإن قلنا لا يقبل فيما له وهي أمة فنكاحها صحيح ولا مهر لها إن كان قبل الدخول وإن كان بعده فلها الأقل من المسمى أو مهر المثل ولزوجها الخيار بين المقام معها على أنها أمة أو فراقها لأنه قد ثبت كونها أمة في المستقبل وإن كان المقر ذكرا فسد نكاحه لقراره أنه عبد


373

نكح بغير إذن سيده وحكمه حكم الحر في وجوب المسمى أو نصفه إن كان قبل الدخول ولا تبطل عقوده وما عليه من الحقوق والأثمان يؤدي مما في يده وما فضل ففي ذمته وما فضل معه فلسيده وإن جنى جناية توجب القصاص اقتص منه حرا كان المجني عليه أو عبدا وإن كانت خطأ تعلق أرشها برقبته لأنه عبد وإن جنى عليه حر فلا قود لأنه عبد

باب الوديعة

قبول الوديعة مستحب لمن علم من نفسه الأمانة لما فيه من قضاء حاجة أخيه ومعونته وقد أمر الله تعالى ورسوله بهما وإن كان عاجزا عن حفظهما أو خائفا من نفسه عليها لم يجز له قبولها لأنه يغرر بها إلا أن يخبر ربها بذلك فيرضاه فإن الحق له فيجوز بذله ولا يجوز قبولها إلا من جائز التصرف في المال فإن استوعب من صبي غير مأذون له أو سفيه أو مجنون ضمن لأنه أخذ ماله من غير إذن شرعي فضمنه كما لو غصبه ولا يبرأ إلا بتسليمه إلى وليه كما لو غصبه إياه فإن خاف أنه إن لم يأخذه منهما أتلفاه لم يضمنه إن أخذه لأنه قصد تخليصه من الهلاك فلم يضمنه كما لو وجده في سيل فأخرجه منه


374

فصل

والوديعة أمانة إذا تلفت من غير تفريط لم يضمن المودع بالإجماع لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس على المستودع ضمان فإن تلفت من بين ماله ففيها روايتان أظهرهما لا يضمن للخبر ولأنه أمين لم تظهر منه خيانة فلم يضمن كما لو ذهب معها شيء من ماله والأخرى يضمن لأنه روى عن عمر رضي الله عنه أنه ضمن أنسا وديعة ذهبت من بين ماله

فصل

فإن لم يعين له صاحبها الحرز لزمه حفظها في حرز مثلها فإن أخر إحرازها فتلفت ضمنها لتركه الحفظ من غر عذر وإن تركها في دون من حرز مثلها ضمن لأن الإيداع يقتضي الحفظ فإذا أطلق حمل على المتعارف وهو حرز المثل وإن أحرزها في حرز مثلها أو فوقه لم يضمن لأن من رضي بحرز مثلها رضي بما فوقه

فصل

فإن عين له الحرز فقال أحرزها في هذا البيت فتركها فيما دونه ضمن لأنه لم يرضه وإن تركها في مثله أو أحرز منه فقال القاضي لا يضمن لأن من رضي شيئا رضي مثله وفوقه وظاهر كلام الخرقي أنه


375

يضمن لأنه خالف أمره لغير حاجة فأشبه ما لو نهاه فإن قال احفظها في هذا البيت ولا تنقلها عنه فنقلها لغير حاجة ضمنها سواء نقلها إلى مثله أو أحرز منه لانه خالف نص صاحبها وإن خاف عليها نهبا أو هلاكا فأخرجها لم يضمنها لأن النهي للاحتياط عليها والاحتياط في هذه الحال نقلها فإن تركها فتلفت ضمنها لأنه فرط في تركها ويحتمل أن لا يضمن لأنه امتثل أمر صاحبها فإن قال لا تخرجها وإن خفت عليها فأخرجها لخوفه عليها لم يضمن لأنه زاده خيرا وإن تركها فتلفت لم يضمن لأن نهيه مع خوف الهلاك إبراءه من الضمان فأشبه ما لو أمره بإتلافها فأتلفها فإن أخرجها فتلفت فأدعى أنني أخرجتها خوفا عليها فعليه البينة على ما ادعى وجوده في تلك الناحية لأنه مما لا يتعذر إقامة البينة عليه ثم القول قوله في خوفه عليها وفي التلف مع يمينه لتعذر إقامة البينة عليها فإن قال لا تقفلن عليها قفلين ولا تنم فوقها فخالفه فالمذهب أنه لا يضمن لأنه زاد في الحرز فأشبه ما لو قال له اتركها في صحن الدار فتركها في البيت ويحتمل أن يضمن لأنه نبه اللص عليها وأغراه بها

فصل

فإن أودع نفقة فربطها في كمه لم يضمن وإن تركها فيها بغير ربط وكانت خفيفة لا يشعر بسقوطها ضمن لتفريطه وإن كانت ثقيلة يشعر بها


376

لم يضمن وإن تركها في جيبه أو شدها على عضده لم يضمنها لأن العادة جارية بالإحراز بهما وإن قال اربطها في كمك فأمسكها في يده ضمن لان اليد يسقط منها الشيء بالنسيان ويحتمل أن لا يضمن لأن اليد لا يتسلط عليها الطرار بالبط وقال القاضي اليد أحرز عند المغالبة والكم أحرز عند غيرها فإن تركها في يده عند المغالبة فلا ضمان عليه لأنه زادها احتياطا وإلا ضمنها لنقلها إلى أدنى مما أمره به وهذا صحيح وإن قال اجعلها في كمك فتركها في جيبه لم يضمن لأنه أحرز لأنه ربما نسي فسقطت من الكم وإن قال اجعلها في جيبك فتركها في كمه ضمن وإن قال اتركها في بيتك فشدها في ثيابه وأخرجها معه ضمن لأن البيت أحرز وإن شدها على عضده مما يلي جنبه لم يضمن لأنه أحرز من البيت فإن شدها مما يلي الجانب الآخر ضمن لأن البيت أحرز منه ولأنه ربما يبطلها الطرار وإن قال احفظها في البيت ودفعها إليه في غيره فمضى بها إليه في الحال لم يضمن وإن قعد وتوانى ضمنها لأنه توانى عن حفظها فيما أمر به مع الإمكان فإن قال احفظ هذا الخاتم في البنصر فجعله في الخنصر ضمن لأنها دون البنصر فالخاتم فيها أسرع إلى الوقوع وإن جعله في الوسطى وأمكن إدخاله في جميعها لم يضمن لأنها أغلظ فهي أحفظ وإن انكسر أو بقي في رأسها ضمن لتعديه فيه وإن قال لا تدخل أحدا


377

البيت الذي فيه الوديعة فخالفه فسرقت ضمن لأن الداخل ربما دل السارق عليها

فصل

وإذا أراد المودع السفر أو عجز عن حفظها ردها إلى صاحبها أو وكيله ولم يجز دفعها إلى الحاكم لأنه لا ولاية للحاكم على حاضر فإن سافر بها في طريق مخوف أو إلى بلد مخوف أو نهاه المالك عن السفر بها ضمن لأنه مفرط أو مخالف وإن لم يكن كذلك لم يضمن لأنه نقلها إلى مأمون أشبه ما لو نقلها في البلد وإن لم يرد السفر بها ولم يوجد مالكها دفعها إلى الحاكم لأنه متبرع بالحفظ فلا يلزمه ذلك مع الدوام والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته فإن دفعها إلى غيره مع قدرته عليه ضمنها لأنه كصاحبها عند غيبته وإن لم يجد حاكما أو دعها ثقة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يهاجر أودع الودائع التي كانت عنده لأم أيمن ولأنه موضع حاجة وعنه يضمن قال القاضي يعني إذا أودعها من غير حاجة فإن دفنها في الدار وأعلم بها ثقة يده على المكان فهو كإداعها إياه وإن لم يعلم بها أحد فقد فرط لأنه لا يأمن الموت في سفره وإن أعلم بها من لا يد له على المكان فكذلك لأنه ما أودعها وإن أعلم بها غير ثقة ضمنها لأنه عرضها للذهاب وإن حضره الموت فهو كسفره لأنه يعجز عن حفظها


378

فصل

ولا يجوز أن يودع الوديعة عند غيره لغير حاجة لان صاحبها لم يرض أمانة غيره فإن فعل فتلفت عند الثاني مع علمه بالحال فله تضمين أيهما شاء لأنهما متعديان ويستقر ضمانها على الثاني لأن التلف حصل عنده وقد دخل على أنه يضمن وإن لم يعلم بالحال فقال القاضي يضمن أيهما شاء ويستقر ضمانها على الأول لأن الثاني دخل على أنه أمين وظاهر كلام أحمد أنه لا يملك تضمين الثاني لذلك وإن دفعها إلى من جرت عادته بحفظ ماله كزوجته وأمته وخازنه لم يضمن لأنه حفظها بما يحفظ به ماله فأشبه حفظها بنفسه وإن استعان بغيره في حملها ووضعها في الحرز وسقي الدابة وعلفها لم يضمن لأن العادة جارية بذلك أشبه فعله بنفسه

فصل

وإن خلطها بما لا تتميز منه ضمنها لأنه لا يمكنه رد أعيانها وإنخلطها بما تتميز منه كصحاح بمكسرة وسود ببيض لم يضمن لانها تتميز من ماله أشبه ما لو تركها مع أكياس له في صندوقه وعنه فيمن خلط بيضا بسود يضمن وهذا محمول على أن السود تؤثر في البيض فيضمنها لذلك وخرج أبو الخطاب من هذه الرواية أنه يضمنها إذا خلطها مع التمييز وإن أودعه دارهم في كيس مشدود فحله أو خرق ما تحت الشد أو كسر الختم


379

ضمن ما فيه لأنه هتك الحرز لغير عذر فإن كانت في غير وعاء فأخذ منها درهما ضمنه وحده لأنه تعدى فيه وحده فإن رده إليها لم يزل ضمانه لأنه ثبت بتعديه فيه فلم يزل إلا برده إلى مالكه وإن رد بدله وكان متميزا لم يضمن غيره لذلك وإن لم يتميز ضمن الكل لخلطه الوديعة بما لا يتميز وظاهر كلام الخرقي أنه لا يضمن غيره لأنه لا يعجز عن ردها ورد ما يلزمه رده معها ومن لزمه الضمان بتعديه فترك التعدي لم يبرأ من ضمانها لأن الضمان تعلق بذمته فلم يبرأ بترك التعدي كما لو غصب شيئا من دار ثم رده إليها وإن ردها إلى صاحبها ثم ردها صاحبها إليه برئ لأن هذا وديعة ثانية وإن أبرأه من الضمان برئ لأن الضمان حقه فبرئ منه بإبرائه كدينه

فصل

فإن أودع بهيمة فلم يعلفها ولم يسقها حتى ماتت ضمنها لأن في ذلك هلاكها فأشبه ما لو لم يحرزها وإن نهاه المالك عنه فتركه ثم لحرمة الحيوان ولم يضمن لأن مالكها أذن في إتلافها فأشبه ما لو أمره بقتلها والحكم في النفقة والرجوع كالحكم في نفقة البهائم المرهونة لأنها أمانة مثلها


380

فصل

وإذا أخرج الوديعة من حرزها لمصلحتها كإخراج الثياب للنشر والدابة للسقي والعلف على ما جرت به العادة لم يضمن لأن الإذن المطلق يحمل على الحفظ المعتاد وإن نوى جحد الوديعة أو إمساكها لنفسه أو التعدي فيها ولم يفعل لم يضمن لأن النية المجردة معفو عنها لقول النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به وإن أخرجها لنيتفع بها ضمنها لأنه تصرف فيها بما ينافي مقتضاها فضمنها كما لو أحرزها في غير حرزها وإن أخذت منه قهرا لم يضمن لأنه غير مفرط أشبه ما لو تلفت بفعل الله تعالى وإن أكره حتى سلمها لم يضمن لأنه مكره أشبه الأول

فصل

فإن طولب بالوديعة فأنكرها فالقول قوله لأن الأصل عدمها وإن أقر بها وادعى ردها أو تلفها بأمر خفي قبل قوله مع يمينه لأنه قبضها لنفع مالكها وإن كان بأمر ظاهر فعليه إقامة البينة بوجوده في تلك الناحية ثم القول قوله مع يمينه

فصل

وإن طالبه برد الوديعة فأخره لعذر لم يضمن لأنه لا تفريط من


381

جهته وإن أخره من غير عذر ضمنها لتفريطه ومؤنة ردها على مالكها لأن الإيداع لحظه

باب العارية

وهي هبة المنافع وهي مندوب إليها لقول الله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى المائدة 2 ولأن فيها عونا لأخيه المسلم وقضاء حاجته والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وتصح في كل عين ينتفع بها مع بقاء عينها لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعار من أبي طلحة فرسا فركبها واستعار من صفوان بن أمية أدراعا رواه أبو داود وسئل عن حق الإبل فقال إعارة دلوها وإطراق فحلها فثبتت إعارة ذلك بالخبر وقسنا عليه سائر ما ينتفع به مع بقاء عينه ويجوز إعارة الفحل للضراب للخبر والكلب للصيد قياسا عليه

فصل

ولا تجوز إعارة العبد المسلم لكافر لأنه لا يجوز أن يستخدمه ولا الصيد لمحرم لأنه لا يجوز له امساكه ولا الجارية الجميلة لغير ذي محرم منها لأنه لا يؤمن عليها فإن كانت شوهاء أو كبيرة لا يشتهى مثلها فلا بأس


382

لأنه يؤمن عليها ويكره استعارة والديه للخدمة لأنه يكره له استخدامهما فكره استعارتهما لذلك

فصل

فإن قبض العين ضمنها لما روى صفوان بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه أدراعا يوم حنين فقال أغصبا يا محمد قال بل عارية مضمونة وروي مؤادة رواه أبو داود ولأنه قبض مال غيره لنفع نفسه لا للوثيقة فضمنه كالمغصوب وعليه مؤنة ردها لذلك فإن شرط نفي الضمان لم ينتف لأن ما يضمن لا ينتفي بالشرط وقال أبو حفص العكبري يبرأ لأن الضمان حقه فسقط بإسقاطه كالوديعة التي تعدى فيها فإن استخلق الثوب أو نقصت قيمتها لم يضمن لأنه مأذون فيه لدخوله فيما هو من ضرورته ولو تلفت ضمنها بقيمتها يوم تلفها لأن نقصها قبل ذلك غير مضمون بدليل أنه لو ردها لم يضمنه فإن تلفت أجزاؤها بالاستعمال كخمل المنشفة ففيه وجهان أحدهما لا يضمنه لما ذكرنا والثاني يضمنه لأنه من أجزائها فيضمنه كسائر أجزائها وإن تلف ولد العارية ففيه وجهان أحدهما يضمنه لأنه تابع لما يجب ضمانه فيجب ضمانه كولد المغصوب والثاني لا يضمن لأنه لم يدخل في العارية فلم يدخل في الضمان بخلاف المغصوب فإن ولدها داخل في الغصب


383

فصل

والعارية عقد جائز لكل واحد منهما فسخها لأنها إباحة فأشبهت إباحة الطعام وعليه ردها إلى المعير أو من جرت عادته أن يجري ذلك على يده كرد الدابة إلى سائسها فإن ردها إلى غيرهما أو دار المالك أو اسطبله لم يبرأ من الضمان لأن ما وجب رده لم يبرأ برده إلى ذلك كالمغصوب

فصل

ومن استعار شيئا فله استيفاء نفعه بنفسه ووكيله لأنه نائب عنه وليس له أن يعيره لأنها إباحة فلا يملك بها إباحة غيره كإباحة الطعام فإن أعاره فتلفت عند الثاني فللمالك تضمين أيهما شاء ويستقر الضمان على الثاني لأنه قبضه على أنه ضامن له وتلف في يده فاستقر الضمان عليه كالغاصب من الغاصب

فصل

وتجوز العارية مطلقة ومعينة لأنها إباحة الطعام فإن أطلقها فله أن ينتفع بها في كل ما يصلح له فإن كانت أرضا فله أن يبني ويغرس ويزرع لأنها تصلح لذلك كله وإن عين نفعا فله أن يستوفيه ومثله ودونه وليس له استيفاء أكثر منه على ما ذكرنا في الإجارة


384

فصل

وتجوز مطلقة ومؤقتة فإن أعارها للغراس سنة لم يملك الغرس بعدها فإن غرس بعدها فحكمه حكم غرس الغاصب لأنه بغير إذن وإن رجع قبل السنة لم يملك الغرس بعد الرجوع لأن الإذن قد زال فأما غرسه بالإذن فإن كان قد شرط عليه قلعه لزمه لقول النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون على شروطهم حديث حسن صحيح وإن شرط عليه تسوية الحفر لزمه للخبر وإلا لم يلزمه لأنه أذن في حفرها باشتراطه القلع وإن لم يشترط تسويتها وإن لم يشترط عليه قلعه لكن لا تنقص قيمته بقلعه لزم قلعه لأنه أمكن رد العارية فراغة من غير ضرر فوجب وإن نقصت قيمته بالقلع فاختراه المستعير فله ذلك لأنه ملكه فملك نقله وعليه تسوية الأرض لأن القلع باختياره لو امتنع منه لم يجبر عليه لأنه فعله لاستخلاص ملكه من ملك غيره فلزمته التسوية كالشفيع إذا أخذ غرسه وقال القاضي لا تلزمه التسوية لأن المعير دخل على هذا بإذنه في الغراس الذي لا يزول إلا بالحفر عليه وإن أبى قلعه فبذل المعير قيمته ليملكه أجبر على قبولها لأن غرسه حصل في ملك غيره بحق فأشبه الشفيع مع المشتري ولو بذل المستعير قيمة الأرض ليملكها مع غرسه لم يجبر المعير عليه لأن الغرس يتبع الأرض في الملك بخلاف الأرض فإنها لا تتبع للغرس فإن بذل المعير


385

أرش النقص الحاصل بالقلع أجبر المستعير على قبوله لأنه رجوع في العارية من غير إضرار وإن لم يبذل القيمة ولا أرش النقص وامتنع المستعير من القلع لم يقلع لأنه إذن له فيما يتأبد فلم يملك الرجوع على وجه يضر به كما لو أذن له في وضع خشبة على حائطه ولم يذكر أصحابنا عليه أجرة لأن بقاء غرسه بحكم العارية وهي انتفاع بغير أجرة كالخشب على الحائط وذكروا في الزرع أن عليه الأجرة لمدة بقاء الزرع من حين الرجوع لأنه لا يملك الانتفاع بأرض غيره بعد الرجوع بغير أجرة وهذا يقتضي وجوب الأجرة على صاحب الغراس بعد الرجوع وللمعير دخول أرضه كيف شاء لأن بياضها له لا حق للمستعير فيها وللمستعير دخولها للسقي والإصلاح وأخذ الثمرة لأن الإذن في الغراس إذن بما يعود في صلاحه وأخذ الثمرة وليس له دخولها للتفرج ونحوه ولا يمنع واحد منهما من بيع ملكه لمن شاء يكون بمنزلته لأنه ملكه على الخصوص فملك بيعه كالشقص المشفوع

فصل

وإن رجع في العارية وفي الأرض زرع مما يحصد قصيلا حصده لأنه أمكن الرجوع من غير إضرار وإن لم يمكن لزم المعير تركه بالأجرة إلى وقت حصاده لأنه لا يملك الرجوع على وجه يضر بالمستعير وإن حمل


386

السيل بذر رجل إلى أرض آخر فنبت فيها ففيه وجهان أحدهما حكمه حكم العارية لأنه بغير تفريط من ربه إلا أن عليه أجرة الأرض لأنه لا يجوز استيفاء نفع أرض إنسان بغير إذنه من غير أجرة فصار كزرع المستعير بعد رجوع المعير وقال القاضي ليس عليه أجرة لأنه حصل بغير تفريط أشبه مبيت بهيمته في دار غيره والثاني حكمه حكم الغصب لأنه حصل في ملكه بغير إذنه

فصل

وإن أعاره حائطا ليضع عليه أطراف خشبه لم يكن له الرجوع مادام الخشب على الحائط لأن هذا يراد للبقاء وليس له الإضرار بالمستعير فإن بذل المالك قيمة الخشب ليملكه لم يكن له لأن معظمه في ملك صاحبه فإن أزيل الخشب لتلفه أو سقوطه أو هدم الحائط لم يجز رده إلى بإذن مستأنف لأن الإذن تناول الحائط الأول فلا يتعدى إلى غيره وإن وجدت أخشاب على حائط لا يعلم سببها ثم نقلت جاز إعادتها لأن الظاهر أنها بحق ثابت وإن استعار سفينة فحمل متاعه فيها لم يملك صاحبها الرجوع فيها حتى ترسي وإن أعاره أرضا للدفن لم يملك الرجوع فيها ما لم يبل الميت لما ذكرنا


387

فصل

وإن استعار شيئا يرهنه مدة معلومة على دين معلوم صح لأنه نوع انتفاع فإن أطلق الإذن من غير تعيين صح لأن العارية لا يشترط في صحتها تعيين النفع فإن عين فخالفه فالرهن باطل لأنه رهنه بغير إذن مالكه وإن أذن له في رهنه بمائة فرهنه بأقل منها صح لأن من أذن في شيء فقد أذن في بعضه وإن رهنه بأكثر منها بطل في الكل في أحد الوجهين لأنه مخالف أشبه ما لو خالف في الجنس وفي الآخر يصح في المأذون ويبطل في الزائد كتفريق الصفقة وللمعير مطالبة الراهن بفكاكه في الحال سواء أجله أو أطلق لأن العارية لا تلزم وإن حل الدين قبل فكاكه بيع واستوفي الدين من ثمنه لأن هذا مقتضى الرهن ويرجع المعير على المستعير بقيمته أو مثله إن كان مثليا لأن العراية مضمونة بذلك ولا يرجع بما بيع به إن كان أقل من القيمة لأن العارية مضمونة فيضمن نقص ثمنها وإن بيع بأكثر من قيمته رجع به لأن ثمن العين ملك لصاحبها وقيل لا يرجع بالزيادة وإن تلف في يد المرتهن رجع المعير على المستعير ويرجع المستعير على المرتهن إن كان تعدى وإلا فلا فإن قضى المعير الدين وفك الرهن بإذن الراهن رجع عليه وإن كان بغير إذنه متبرعا لم يرجع وإن قضاه محتسبا بالرجوع ففيه روايتان بناء على قضاء دينه بغير إذنه


388

فصل

إذا ركب دابة غيره ثم اختلفا فقال اعرتنيها قال بل أجرتكها عقيب العقد والدابة قائمة فالقول قول الراكب لأن الأصل عدم الإجارة وبراءة ذمته من الأجرة وإن كان بعد مضي مدة لمثلها أجرة فالقول قول المالك لأنهما اختلفا في صفة نقل ملكه إلى غيره فأشبه ما لو اختلفا في العين فقال وهبتنيها وقال بل بعتكها فيحلف المالك ويجب له المسمى في أحد الوجهين لأنه ادعاه وحلف عليه والآخر تجب أجرة المثل لأنهما لو اتفقا على الإجارة واختلفا في قدر الأجرة لم يجب أكثر من أجرة المثل فمع الاختلاف أولى وإن قال أكريتنيها قال بل أعرتكها بعد تلفها أو قبله فالقول قول المالك مع يمينه لأنهما اختلفا في صفة القبض والأصل فيما يقبضه الإنسان من مال غيره الضمان لقوله عليه السلام على اليد ما أخذت حتى ترده حديث حسن والقول قول الراكب في قدر القيمة مع يمينه وإن قال غصبتنيها قال بل أعرتنيها أو أكريتنيها فالقول قول المالك لذلك ولأن الراكب يدعي انتقال المنافع إلى ملكه بالعارية أو الكراء والمالك ينكر ذلك والأصل معه


389

باب الغصب

وهو استيلاء الإنسان على مال غيره بغير حق وهو محرم بالإجماع وقد روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا رواه مسلم ومن غصب شيئا لزمه رده لما روى سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال على اليد ما أخذت حتى ترده وإن نقصت لتغير الأسعار لم يضمنها لان حق المالك في العين وهي باقية لم تتغير صفتها ولا حق له في القيمة مع بقاء العين وإن نقصت القيمة لنقص المغصوب نقصا مستقرا كثوب استخلق أو تخرق وإناء تكسر أو تشقق وشاة ذبحت وحنطة طبخت فعليه رده وأرش نقصه لأنه نقص عين نقصت به القيمة فوجب ضمانه كذراع من الثوب وإن طالب المالك ببدله لم يملك ذلك لأن عين ماله باق فلم يملك المطالبة ببدله كما لو قطع من الثوب جزءا وإن كان النقص غير مستقر كطعام ابتل أو عفن فله بدله في قول القاضي لأنه يتزايد فساده إلى أن يتلف وقال أبو الخطاب يخير بين ذلك وبين تركه حتى يستقر فيه الفساد ويأخذه مع أرشه لأن عين ماله باقية فلا يمنع من أخذها مع أرشها كالثوب الذي تخرق


390

فصل

فإن كان النقص في الرقيق مما لا مقدر فيه كنقصه لكبر أو مرض أو شجة دون الموضحة ففيه ما نقص مع الرد لذلك وإن كان أرشه مقدرا كذهاب يده فكذلك في إحدى الروايتين لأنه ضمان مال أشبه ضمان البهيمة والأخرى يرده وما يجب بالجناية لأنه ضمان للرقيق فوجب فيه المقدر كضمان الجناية فإن قطع الغاصب يده فعلى هذه الرواية الواجب نصف قيمته كغير المغصوب وعلى الأولى عليه أكثر الأمرين من نصف قيمته أو قدر نقصه لأنه قد وجدت اليد والجناية فوجب أكثرهما ضمانا وإن غصب عبدا فقطع أجنبي يده فللمالك تضمين أيهما شاء فعلى الأولى إن ضمن الغاصب ضمنه أكثر الأمرين ويرجع الغاصب على القاطع بنصف قيمته لا غير لأن ضمانه ضمان الجناية وإن ضمن الجاني ضمنه نصف القيمة وطالب الغاصب بتمام النقص وعلى الثانية يطالب أيهما شاء ويستقر الضمان على القاطع لأنه المتلف فيكون الرجوع عليه

فصل

وروي عن أحمد فيمن قلع عين فرس أنه يضمنها بربع قيمتها لأنه يروى عن عمر رضي الله عنه والصحيح أنه يضمنها بنقصها لأنها بهيمة فلم يكن فيها مقدر كسائر البهائم أو كسائر أعضائها ويحمل ما روي عن عمر


391

على أن عين الدابة التي قضى فيها نقصها ربع القيمة ولو غصب دابة قيمتها مائة فزادت فصارت قيمتها ألفا ثم جنى عليها جناية نقصت نصف قيمتها لزمه خمسمائة لأن الواجب قيمة ما أتلف يوم التلف وقد فوت نصفها فضمن خمسمائة

فصل

فإن نقصت العين دون القيمة وكان الذاهب يضمن بمقدر كعبد خصاه وزيت أغلاه فذهب نصفه ولم تنقص قيمته فعليه قيمة العبد ومثل ما نقص من الزيت مع ردهما لأن الواجب فيهما مقدر بذلك فإن لم يكن مقدر كعبد سمين هزل فلم تنقص قيمته لم يلزمه أرش هزله لأن الواجب فيه ما نقص من القيمة ولم تنقص فإن أغلا عصيرا فنقص فهو كالزيت لأنه في معناه ويحتمل أن لا يضمن لان الغليان عقد أجزاءه وجمعها وأذهب مائيته فقط بخلاف الزيت فإن نقصت عينه وقيمته فعليه مثل ما نقص من العين وأرش نقص الباقي في العصير والزيت لأن كل واحد من النقصين مضمون منفردا فكذلك إذا اجتمعا ولو شق ثوبا ينقصه الشق نصفين ثم تلف أحدهما رد الباقي وتمام قيمة الثوب قبل قطعه وإن غصب خفين فتلف أحدهما فكذلك في أحد الوجهين لأن نقص الباقي يسبب تعديه والآخر لا يلزمه إلا رد الباقي وقيمة التالف لأنه لم يتلف إلا أحدهما


392

فصل

وإن غصب عبدا فمرض أو ابيضت عينه ثم برئ لم يلزمه إلا رده لأن نقصه زال فأشبه ما لو انقلعت سنه ثم عادت وإن هزل ثم سمن أو نسي صناعته ثم علمها فكذلك في أحد الوجهين لأن نقصه زال فأشبهت التي قبلها والآخر يضمن النقص لأن السمن الثاني غير الاول فلا يسقط به ما وجب بزوال الأول فعلى هذا الوجه لو سمن ثم هزل ضمنهما معا لأن الثاني غير الأول وعلى الوجه الأول يضمن أكثر السمنين قيمة لأن عود السمن أسقط ما قابله من الأرش فإن كانت الزيادة الثانية من غير جنس الأول كعبد هزل فنقصت قيمته ثم تعلم فعادت قيمته ضمن الأولى لأن الثانية من غير جنس الأولى فلا تنجبر بها وإن نسي الصناعة أيضا ضمن النقصين جميعا لما ذكرنا

فصل

فإن جنى العبد المغصوب لزم الغاصب ما يستوفى من جنايته لأنه بسبب كان في يده وإن أقيد منه في الطرف فحكمه حكم ذهابه بفعل الله تعالى لكونه ضمانا وجب باليد لا بالجناية فإن القطع قصاصا ليس بجناية وإن تعلق الأرش برقبته فعليه فداؤه لأنه حق تعلق برقبته في يده فلزمه تخليصه


393

منه وإن جنى على سيده ضمن الغاصب جنايته لأنها من جملة جناياته فأشبه الجناية على أجنبي

فصل

وإن زاد المغصوب في يده كجارية سمنت أو ولدت أو كسبت أو شجرة أثمرت أو طالت فالزيادة للمالك مضمونة على الغاصب لأنها حصلت في يده بالغصب فأشبهت الأصل وإن ألقت الولد ميتا ضمنه بقيمته يوم الوضع لو كان حيا لأنه غصب بغصب الأم وإن صاد العبد والجارية صيدا فهو لمالكهما لأنه من كسبهما وهل تجب أجرة العبد الكاسب أو الصائد في مدة كسبه وصيده فيه وجهان أحدهما لا تجب لأن منافعه صارت إلى سيده فأشبه ما لو كان في يده والثاني تجب لأن الغاصب أتلف منافعه وإن غصب فرسا أو قوسا أو شركا فصاد به ففيه وجهان أحدهما هو لصاحبه لأن صيده حصل به أشبه صيد الجارية والثاني للغاصب لأنه الصائد وهذه آلة وإن غصب منجلا فقطع به حطبا أو خشبا فهو للغاصب لأن هذا آلة فهو كالحبل يربطه به

فصل

وإن غصب أثمانا فاتجر بها فالربح لصاحبها لأنه نماء ماله وإن اشترى في ذمته ثم نقدها فيه فكذلك في إحدى الروايتين والأخرى


394

هو للغاصب لأن الثمن ثبت في ذمته فكان الشراء له والمبيع ربحه له لأنه بذل ما وجب عليه وقياس المذهب أنه إذا اشترى بعينه كان الشراء باطلا والسلعة للبائع

فصل

وإن غصب عينا فاستحالت كبيض صار فرخا وحب صار زرعا وزرع صار حبا ونوى صار شجرا وجب رده لأنه عين ماله فإن نقصت قيمته ضمن أرش نقصه لحدوثه في يده وإن زاد فالزائد لمالكه ولا شيء للغاصب بعمله فيه لأنه غير مأذون فيه وإن غصب عصيرا فتخمر ضمن العصير بمثله لأنه تلف في يده فإن عاد خلا رده وما نقص من قيمة العصير لأنه عين العصير أشبه النوى يصير شجرا

فصل

فإن عمل فيه عملا كثوب قصره أو فصله وخاطه أو قطن غزله أو غزل نسجه أو خشب نجره أو ذهب صاغه أو ضربه أو حديد جعله إبرا فعليه رده لأنه عين ماله ولا شيء للغاصب لأنه عمل في ملك غيره بغير إذنه فلم يستحق شيئا كما لو أغلا الزيت وإن نقص بذلك فعليه ضمان نقصه لأنه حدث بفعله وعنه أنه إن زاد يكون شريكا للمالك بالزيادة لأن منافعه أجريت مجرى الأعيان أشبه ما لو صبغ الثوب والأول أصح


395

فصل

فإن غصب شيئا فخلطه بما يتميز منه كحنطة بشعير أو زبيب أحمر بأسود فعليه تمييزه ورده لأنه أمكن رده فوجب كما لو غصب عينا فبعدها وإن خلطه بمثله مما لا يتميز كزيت بزيت لزمه مثل كيله منه لأنه قدر على دفع بعض ماله إليه فلم ينتقل إلى البدل في الجميع كما لو غصب شيئا فتلف بعضه وهذا ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه لأنه نص على أنه شريك إذا خلطه بغير جنسه فنبه على الشركة إذا كان مثله وقال القاضي قياس المذهب أنه يلزمه مثله إن شاء الغاصب منه أو من غيره لأنه تعذر رد عينه أشبه ما لو أتلفه وإن خلطه بأجود منه لزمه مثله من حيث شاء الغاصب فغن دفعه غليه منه لزمه أخذه لأنه أوصل إليه خيرا من حقه من جنسه وإن خلطه بدونه لزمه مثله فإن اتفقا على أخذ المثل منه جاز وإن أباه المالك لم يجبر لأنه دون حقه وإن طلب ذلك فأباه الغاصب ففيه وجهان أحدهما لا يجبر لأن الحق انتقل إلى ذمته فكانت الخيرة إليه في التعيين والثاني يلزمه لأنه قدر على دفع بعض ماله إليه من غير ضرر فلزمه كما لو كان مثله وإن خلطه بغير جنسه كزيت بشيرج لزمه مثله من غيره وأيهما طلب الدفع منه فأبى الآخر لم يجبر وقد قال أحمد في رجل له رطل زيت اختلط برطل شيرج لآخر يباع الدهن كله ويعطى كل واحد


396

منهما قدر حصته فيحتمل أن يختص هذا بما لم يخلطه أحدهما ويحتمل أن يعم سائر الصور لأنه أمكن أن يصل إلى كل واحد بدل عين ماله فأشبه ما لو غصب ثوبا فصبغه فإن نقص ما يخصه من الثمن عن قيمته مفردا ضمن الغاصب نقصه لأنه بفعله وإن خلطه بما لا قيمة له كزيت بماء وأمكن تخليصه وجب تخليصه ورده مع أرش نقصه فإن لم يمكن تخليصه أو كان ذلك يفسده وجب مثله لأنه أتلفه ولو أعطاه بدل الجيد أكثر منه رديئا أو أقل منه وأجود صفة لم يجز لأنه ربا إلا أن يكون اختلاطه بغير بغير جنسه فيجوز لأن الربا لا يجري في جنسين

فصل

فإن غصب ثوبا فصبغه فلم تزد قيمة الثوب والصبغ ولم تنقص فهما شريكان يباع الثوب ويقسم بثمنه بينهما لأن الصبغ عين مال له قيمته فلم يسقط حقه فيها باتصالها بمال غيره وإن زادت قيمتها فالزيادة بينهما لأنها نماء مالها وإن نقصت القيمة ضمنها الغاصب لأن النقص حصل بسببه وإن زادت قيمة أحدهما الزيادة قيمته في السوق فالزيادة لمالك ذلك لأنها نماء ماله وإن بقيت بقيت للصبغ قيمته فأراد الغاصب إخراجه وضمان النقص فله ذلك لأنه عين ماله أشبه ما لو غرس في غيره ويحتمل أن لا يملك ذلك لأنه يضر بملك المغصوب منه لنفع نفسه فمنع منه بخلاف الأرض فإنه يمكن إزالة الضرر بتسوية الحفر


397

ولأن قلع الغرس معتاد بخلاف قلع الصبغ وإن أراد المالك قلعه ففيه وجهان أحدهما يملكه ولا شيء عليه كما يملك قلع الشجر من أرضه والآخر لا يملكه لأن الصبغ يهلك به أشبه قلع الزرع وإن بذل المالك قيمة الصبغ ليملكه لم يجبر الغاصب عليه لأنه بيع ما له ويحتمل أن يجبر كما يملك أخذ زرع الغاصب بقيمته وكالشفيع يأخذ غرس المشتري وإن وهبه الغاصب لمالكه ففيه وجهان أحدهما يلزمه قبوله لأنه صار صفة للعين فأشبه قصارة الثوب والآخر لا يلزمه لأن الصبغ عين يمكن إفرادها أشبه الغراس فإن أراد المالك بيع الثوب فله ذلك لأنه ملكه فلم يمنع بيعه وإن طلب الغاصب بيعه فأباه المالك لم يجبر لأن الغاصب متعد فلم يملك بتعديه إزالة ملك صاحب الثوب عنه كما لو طلب الغارس في أرض غيره بيعها ويحتمل أن يجبر ليصل الغاصب إلى ثمن صبغه فإن غصب ثوبا وصبغا من رجل فصبغه فعليه رده وأرش نقصه إن نقص لأنه بفعله والزيادة للمالك لأنه عين ما له ليس للغاصب فيه إلا أثر الفعل وإن صبغه بصبغ غصبه من غيره فهما شريكان في الأصل والزيادة وإن نقص فالنقص من الصبغ لأنه تبدد ويرجع صاحبه على الغاصب لأنه بدده وإن غصب عسلا ونشاء فعمله حلواء حكمه كحكم غصب الثوب وصبغه سواء


398

فصل

وإن غصب أرضا فغرسها أو بنى فيها لزمه قلعه لما روى سعيد ابن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس لعرق ظالم حق قال الترمذي هذا حديث حسن ولأنه شغل ملك غيره بملك لا حرمة له في نفسه فلزمه تفريغه كما لو ترك فيها قماشا وعليه تسوية الحفر ورد الأرض إلى ما كانت عليه وضمان نقصها إن نقصت لأنه حصل بفعله وإن بذل له المالك قيمة غرسه وبنائه ليملكه فأبى إلا القلع فله ذلك لأنها معاوضة فلم يجبر عليها وإن وهبه الغاصب الغراس أو البناء لم يجبر على قبوله إن كان له غرض في القلع لأنه يفوت غرضه وإن لم يكن له فيه غرض احتمل أن يجبر لأنه يتخلص كل واحد منهما من صاحبه بغير ضرر واحتمل أن لا يجبر لأن ذلك عين يمكن إفرادها فلم يجبر على قبولها كما لو لم يكن في أرضه وإن غرسها من ملك صاحب الأرض فطالبه بالقلع وله فيه غرض لزمه لأنه فوت عليه غرضا بالغراس فلزمه رده كما لو ترك فيها حجرا وإن لم يكن فيه غرض لم يجبر عليه لأنه سفه ويحتمل أن يجبر لأن المالك محكم في ملكه وإن أراد الغاصب قلعه فللمالك منعه لأنه ملكه وليس للغاصب فيه إلا أثر العمل


399

فصل

فإن حفر فيها بئرا فطالبه المالك بطمها لزمه لأنه نقل ملكه وهو التراب من موضعه فلزمه رده وإن طلب الغاصب طمها لدفع ضرر مثل أن جعل ترابها في غير أرض المالك فله طمها لأنه لا يجبر على إبقاء ما يتضرر به كإبقاء غرسه وإن جعل التراب في أرض المالك لم يبرئه من ضمان ما يتلف بها فله طمها لأنه يدفع ضرر الضمان عنه وإن أبرأه من ضمان ما يتلف بها ففيه وجهان أحدهما يبرأ لأنه لما سقط الضمان بالإذن في حفرها سقط بالإبراء منها فعلى هذا لا يملك طمها لأنه لا غرض فيه والثاني لا يبرأ بالإبراء لأنه إنما يكون من واجب ولم يجب بعد شيء فعلى هذا يملك طمها لغرضه فيه

فصل

وإن زرعها وأخذ زرعه فعليه أجرة الأرض وما نقصها والزرع له لأنه عين بذره نما وإن أدركها ربها والزرع قائم فليس له إجبار الغاصب على القلع ويخير بين تركه إلى الحصاد بالأجرة وبين أخذه ويدفع إلى الغاصب نفقته لما روى رافع بن خديج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وعليه نفقته قال الترمذي هذا حديث حسن ولأنه أمكن الجمع بين الحقين بغير


400

اتلاف فلم يجز الإتلاف كما لو غصب لوحا فرقع به سفينة ملججة في البحر وفارق الغراس لأنه لا غاية له ينتظر إليها وفيما يرده من النفقة روايتان أحدهما القيمة لأنها بدل عنه فتقدرت به كقيم المتلفات والثانية ما أنفق من البذر ومؤنة الزرع في الحرث وغيره لظاهر الحديث ولأن قيمة الزرع زادت من أرض المالك فلم يكن عليه عوضها وإن أدرك رب الأرض شجر الغاصب مثمرا فقال القاضي للمالك أخذه وعليه ما أنفقه الغاصب من مؤنة الثمرة كالزرع لأنه في معناه وظاهر كلام الخرقي أنه للغاصب لأنه ثمر شجره فكان له كولد أمته

فصل

وإن جصص الدار وزوقها فالحكم فيه كالحكم في البناء سواء وإن وهب ذلك لمالكها ففي إجباره على قبول الهبة وجهان كالصبغ في الثوب

فصل

وإن غصب عينا فبعدت بفعله أو بغيره فعليه ردها وإن غرم أضعاف قيمتها لأنه بتعديه وإن غصب خشبة فبنى عليها فبليت لم يجب ردها ووجبت قيمتها لأنها هلكت فسقط ردها وإن بقيت على جهتها لزم ردها وإن انتقض البناء لأنه مغصوب يمكن رده فوجب كما لو بعدها


401

وإن غصب خيطا فخاط به ثوبا فهو كالخشبة في البناء وإن خاط به جرحه أو جرح حيوان يخاف التلف بقلعه أو ضررا كثيرا لم يقلع لأن حرمة الحيوان آكد من حرمة مال الغير ولهذا جاز أخذ مال الغير بغير إذنه لحفظ الحيوان دون غيره إلا أن يكون الحيوان مباح القتل كالمرتد والخنزير فيجب رده لأنه لا حرمة للحيوان وإن كان الحيوان مأكولا للغاصب فيجب رده لأنه يمكن ذبح الحيوان والانتقاع بلحمه ويحتمل أن لا يقلع لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان لغير مأكله وإن كان الحيوان لغير الغاصب لم يقلع بحال لأن فيه ضررا بالحيوان وبصاحبه وإن مات الحيوان وجب رد الخيط إلا أن يكون آدميا لأن حرمته باقية بعد موته والحكم فيما إذا بلع الحيوان جوهرة كالحكم في الخيط سواء

فصل

وإن غصب لوحا فرقع به سفينة وخاف الغرق بنزعه لم ينزع لأنه يمكنه رده بغير إتلاف مال بأن تخرج إلى الشط فلم يجز إتلافه سواء كان فيها ماله أو مال غيره

فصل

وإن أدخل فصيلا أو غيره إلى داره فلم يمكن إخراجه إلا بنقض الباب


402

نقض كما ينقض البناء لرد الخشبة وإن دخل الفصيل من غير تفريطه فعلى صاحب الفصيل ما يصلح به الباب لأن نقضه لتخليص ماله من غير تفريط من صاحب الباب وهكذا الحكم إن وقع الدينار في محبرة إنسان بتفريط أو غيره

فصل

وإن غصب عبدا فأبق أو دابة فشردت فللمغصوب منه المطالبة بقيمته لأنه تعذر رده فوجب بدله كما لو تلف فإذا أخذ البدل ملكه لأنه بدل ماله كما يملك بدل التالف ولا يملك الغاصب المغصوب لأنه لا يصح تمليكه بالبيع فلا يملكه بالتضمين كالتالف فإذا قدر عليه رده وأخذ القيمة لأنها استحقت بالحيلولة وقد زالت فوجب ردها وزيادة القيمة المتصلة للغاصب لأنها تتبع الأصل والمنفصلة للمغصوب منه لأنها لا تتبع الأصل في الفسخ بالعيب وهذا فسخ فأما المغصوب فيرد بزيادته المتصلة والمنفصلة لأن ملك صاحبه لم يزل عنه

فصل

وإن غصب أثمانا فطالبه مالكها بها في بلد آخر لزم ردها إليه لأن الأثمان قيم الأموال فلا يضر اختلاف قيمتها وإن كان المغصوب من المقومات لزم دفع قيمتها في بلد الغصب وإن كان من المثليات وقيمته في


403

البلدين واحدة أو هي أقل في البلد الذي لقيه فيه فله مطالبته بمثله لأنه لا ضرر على الغاصب فيه وإن كانت أكثر فليس له المثل لأننا لا نكلفه النقل إلى غير البلد الذي غصبه فيه وله المطالبة بقيمته في بلد الغصب وفي جميع ذلك متى قدر على المغصوب أو المثل في بلد الغصب رده وأخذ القيمة كما لو غصب عبدا فأبق

فصل

إذا تلف المغصوب وهو مما له مثل كالأثمان والحبوب والأدهان فإنه يضمن بمثله لأنه يماثله من حيث الصورة والمشاهدة والمعنى والقيمة وتماثله من طريق الظن والاجتهاد فكان المثل أولى كالنص مع القياس فإن تغيرت صفته كرطب صار تمرا أو سمسم صار شيرجا ضمنه المالك بمثل أيهما أحب لأنه قد ثبت ملكه على واحد من المثلين فرجع بما شاء منهما وإن وجب المثل أو أعوز وجبت قيمته يوم عوزه لأنه يسقط بذلك المثل وتجب القيمة فأشبه تلف المتقومات وقال القاضي تجب قيمته يوم قبض البدل لأن التلف لم ينقل الوجوب إلى القيمة بدليل ما لو وجد المثل بعد ذلك وجب رده وإن قدر على المثل بأكثر من قيمته لزمه شراؤه لأنه قدر على أداء الوجوب فلزمه كما لو قدر على رد المغصوب بغرامة


404

فصل

فإن كان مما لا مثل له وجبت قيمته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعتق شركا له في عبد فكان له ما يبلغ ثمن العبد قوم وأعطي شركاؤه حصصهم متفق عليه فأوجب القيمة لأن إيجاب مثله من جهة الخلقة لا يمكن لاختلاف الجنس الواحد فكانت القيمة أقرب إلى إبقاء حقه فإن اختلفت قيمته من حين الغصب إلى حين التلف نظرت فإن كان ذلك لمعنى فيه وجبت قيمته أكثر ما كانت لأن معانيه مضمونة مع رد العين فكذا مع تلفها وإن كان لاختلاف الأسعار فالواجب قيمته يوم تلف لأنها حينئذ ثبتت في ذمته وما زاد على ذلك لا يضمن مع الرد فكذلك مع التلف كالزيادة على القيمة وتجب القيمة من نقد البلد الذي تلف فيه لأنه موضع الضمان وإن كان المضمون سبيكة أو نقرة أو مصوغا ونقد البلد من غير جنسه أو قيمته كوزنه وجبت لأن تضمينه بها لا يؤدي إلى الربا فأشبه غير الأثمان وإن كان نقد البلد من جنسه وقيمته مخالفة لوزنه قوم بغير جنسه كيلا يؤدي إلى الربا وإن كانت الصناعة محرمة فلا عبرة بها لأنها لا قيمة لها شرعا وذكر القاضي أن ما زادت قيمته لصناعة مباحة جاز أن يضمن بأكثر من وزنه لأن الزيادة في مقابلة الصنعة فلا يؤدي إلى الربا


405

فصل

وإذا كانت للمغصوب منفعة مباحة تستباح بالإجارة فأقام في يده مدة لمثلها أجرة فعليه الأجرة وعنه إن منافع الغصب لا تضمن والمذهب الأول لأنه يطلب بدلها بعقد المعاينة فتضمن بالغصب كالعين وسواء رد العين أو بدلها لأن ما وجب مع ردها وجب مع بدلها كأرش النقص فإن تلفت العين لم تلزمه أجرتها بعد التلف لأنه لم يبق لها أجرة ولو غصب دارا فهدمها أو عرصة فبناها أو دارا فهدمها ثم بناها وسكنها فعليه أجرة عوضه لأنه لما هدم البناء لم يبق لها أجرة لتلفها ولما بنى العرصة كان البناء له فلم يضمن أجرة ملكه إلا أن يبنيها بترابها أو آلة للمغصوب منه فيكون ملكه لأنها عيان ماله وليس للغاصب فيه إلا أثر الفعل فتكون أجرتها عليه وكل ما لا تستباح منافعه كالإجارة أو تندر إجارته كالغنم والشجر والطير فلا أجرة له ولو أطرق فحلا أو غصب كلبا لم تلزمه أجرة لذلك لأنه لا يجوز أخذ العوض عن منافعه بالعقد فلا يجوز بغيره

فصل

وإن غصب ثوبا فلبسه وأبلاه فعليه أجرته وأرش نقصه لأن كل واحد منهما يضمن منفردا فيضمن مع غيره ويحتمل أن يضمن أكثر الأمرين من الأجرة فأرش النقص لأن ما نقص حصل بالانتفاع الذي أخذ المالك أجرته


406

ولذلك لا يضمن المستأجر أرش هذا النقص وإن كان الثوب مما لا أجرة له كغير المخيط فعليه أرش نقصه حسب وإن كان المغصوب عبدا فكسب ففي أجرة مدة كسبه وجهان كذلك وإن أبق العبد فغرم قيمته ثم وجده فرده ففي أجرته من حين دفع قيمته إلى رده وجهان أحدهما لا يلزمه لأن المغصوب منه ملك بدل العين فلا يستحق أجرتها والثاني يلزمه لأن منافع ماله تلفت بسبب كان في يد الغاصب فلزمه ضمانها كما لو لم يدفع القيمة وإن غصب أرضا فزرعها فأخذ المالك زرعها لم تكن على الغاصب أجرة لأن منافع ملكه عادت إليه إلا أن يأخذه بقيمته فتكون له الأجرة إلى وقت أخذه لأن القيمة زادت بذلك للغاصب فكان نفعها عائدا إليه

فصل

وإذا غصب عينا فباعها لعالم بالغصب فتلفت عند المشتري فللمالك تضمين أيهما شاء قيمتها وأجرتها مدة مقامها في يد المشتري فيضمن الغاصب لغصبه والمشتري لقبضه ملك غيره بغير إذنه فإن ضمن الغاصب رجع على المشتري وإن ضمن المشتري لم يرجع على أحد لأنه غاصب تلف المغصوب في يده فاستقر الضمان عليه كالغاصب إذا تلف تحت يده فأما أجرتها أو نقصها قبل بيعها فعلى الغاصب وحده ولا شيء على المشتري منه


407

وإن كان جارية فوطئها لزمه الحد والمهر وردها مع ولدها وأجرتها وأرش نقصها وولده رقيق لأن وطأه زنى فأشبه الغاصب وإن لم يعلم المشتري بالغصب فلا حد عليه وولده حر وعليه فداؤه بمثله يوم وضعه لأنه مغرور فأشبه ما لو تزوجها على أنها حرة وللمالك تضمين أيهما شاء لما ذكرنا فإن ضمن الغاصب رجع على المشتري بقيمة العين ونقصها وأرش بكارتها لأنه دخل مع البائع على أن يكون ضامنا لذلك بالثمن فلم يغره فيه ولا يرجع عليه ببدل الولد إذا ولدت منه ونقص الولادة لأنه دخل معه على أن لا يضمنه فغره بذلك فأما ما حصلت له به منفعة ولم يلتزم ضمانه كالأجرة والمهر ففيه روايتان إحداهما لا يرجع به لأن المشتري دخل معه في العقد على أن يتلفه بغير عوض فقد غره فاستقر الضمان على الغاصب كعوض الولد والثانية يرجع به لأن المشتري استوفى بدل ذلك فتقرر ضمانه عليه وإن ضمن المشتري رجع على الغاصب بما لا يرجع به الغاصب عليه لأنه استقر ضمانه على الغاصب ولم يرجع بما يرجع به الغاصب عليه لأنه لا فائدة في رجوعه عليه بما يرجع به الغاصب عليه

فصل

وإن وهب المغصوب لعالم بالغصب أو أطعمه إياه استقر الضمان على المتهب ولم يرجع على أحد لما ذكرنا في المشتري وإن لم يعلم رجع بما غرم


408

على الغاصب لأنه غره بدخوله معه على أنه لا يضمن وعنه فيما إذا أكله أو أتلفه أنه لا يرجع به لأنه غرم ما أتلف فعلى هذا إن غرم الغاصب رجع على الأكل لأنه أتلف فاستقر الضمان عليه وإن أجر الغاصب العين ثم استردها المالك رجع على من شاء منهما بأجرتها ويستقر الضمان على المستأجر علم أو جهل لأنه دخل في العقد على أن يضمن المنفعة ويسقط عنه المسمى في الإجارة وإن تلفت العين فغرمها رجع به على الغاصب إذا لم يعلم لأنه دخل معه على أنه لا يضمن وإن وكل رجلا في بيعها أو أودعها فللمالك تضمين ما شاء لما ذكرنا وإن ضمنها رجعا بما غرما على الغاصب إلا أن يعلما بالغصب فيستقر الضمان عليهما وإن أعارها استقر الضمان على المستعير علم أو جهل لأنه دخل معه على أنها مضمونة عليه وإن غرمه الأجرة ففيه وجهان مضى توجيههما في المشتري

فصل

وإن أطعم المغصوب لمالكه فأكله عالما به برئ الغاصب لأنه أتلف ما له برضاه عالما به وإن لم يعلم فالمنصوص أنه يرجع قيل لأحمد رضي الله عنه في رجل له قبل رجل تبعة فأوصلها إليه على سبيل صدقة أو هدية ولم يعلم فقال كيف هذا هذا يرى أنه هدية يقولون هذا لك عندي لأنه بالغصب أزال سلطانه وبالتقديم إليه لم يعد ذلك السلطان فإنه إباحة


409

لا يملك بها التصرف في غير ما أذن له فيه ويتخرج أن يبرأ لأنه رد إليه ماله فبرئ كما لو وهبه إياه ويحمل كلام أحمد رضي الله عنه على أنه أوصل إليه بدله فأما إن وهبه إياه فالصحيح أنه يبرأ لأنه قد سلمه تسليما صحيحا ورجع إليه سلطانه به وزالت يد الغاصب بالكلية وكذلك إن باعه إياه وسلمه إليه فأما إن أودعه إياه أو أعاره أو أجره إياه فإن علم أنه ماله برئ الغاصب لأنه عاد إلى يده وسلطانه وإن لم يعلم لم يبرأ لأنه لم يعد إليه سلطانه وإنما قبضه على الأمانة فقال بعض أصحابنا يبرأ لأنه عاد إلى يده

فصل

وأم الولد تضمن بالغضب لأنها تضمن في الإتلاف بالقيمة فتضمن في الغصب كالقن ولا يضمن الحر بالغصب لأنه ليس بمال فلم يضمن باليد وإن حبس حرا فمات لم يضمنه لذلك إلا أن يكون صغيرا ففيه وجهان أحدهما لا يضمن لأنه حر أشبه الكبير والثاني يضمنه لأنه تصرف له في نفسه أشبه المال فإن قلنا لا يضمنه فكان عليه حلي فهل يضمن الحلي فيه وجهان أحدهما لا يضمنه لأنه تحت يده أشبه ثياب الكبير والثاني يضمنه لأنه استولى عليه فأشبه ما لو كان منفردا وإن استعمل الكبير مدة كرها فعليه أجرته لأنه أتلف عليه ما يتقوم فلزمه ضمانه كإتلاف ماله


410

وإن حبسه مدة لمثلها أجرة ففيه وجهان أحدهما تلزمه الأجرة لأنها منفعة تضمن بالإجارة فضمنت بالغصب كنفع المال والثاني لا يلزمه لأنها تلفت تحت يده فلم تضمن كأطرافه

فصل

وإن غصب كلبا يجوز اقتناؤه لزمه رده لأن فيه نفعا مباحا وإن غصب خمر ذمي لزم ردها إليه لأنه يقر على اقتنائها وشربها وإن غصبها من مسلم وجبت إراقتها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإراقة خمر الأيتام وإن أتلفها المسلم أو ذمي لم يضمنها لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه ولأنها يحرم الانتفاع بها فلم تضمن كالميتة وإن غصبه منهما فتخلل في يده لزمه رده إلى صاحبه لأنها صارت خلا على حكم ملكه فإن تلف ضمنه لأنه مال تلف في يد الغاصب فإن أراقه صاحبه فجمعه إنسان فتخلل لم يلزمه رده لأن صاحبه أزال ملكه عنه بتبديده

فصل

وإن غصب جلد ميتة ففي وجوب رده وجهان مبنيان على طهارته بالدباغ إن قلنا يطهر وجب رده لأنه يمكن التوصل إلى تطهيره أشبه الثوب النجس وإن قلنا لا يطهر لم يجب رده ويحتمل أن يجب إذا


411

قلنا يجوز الانتفاع به في اليابسات ككلب الصيد وإن أتلفه لم يضمنه لأنه لا قيمة له

فصل

وإن كسر صليبا أو مزمارا لم يضمنه لأنه لا يحل بيعه فأشبه الميتة وإن كسر أواني الذهب والفضة لم يضمنها لان اتخاذها محرم وإن كسر آنية الخمر ففيه روايتان إحداهما يضمنها لأنه مال غير محرم ولأنها تضمن إذا كان فيها خل فتضمن إذا كان فيها خمر كالدار والثانية لا تضمن لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بتشقيق زقاق الخمر رواه أحمد في المسند

فصل

ومن أتلف مالا محترما لغيره ضمنه لأنه فوته عليه فضمنه كما لو غصبه فتلف عنده وإن فتح قفص طائر فطار أو حل دابة فشردت أو قيد عبد فذهب أو رباط سفينة فغرقت ضمن ذلك لأنه تلف بسبب فعله فضمنه كما لو نفر الطائر أو الدابة وإن فعل ذلك فلم يذهب حتى جاء آخر فنفرهما فالضمان على المنفر لأن فعله أخص فاختص الضمان به كالدافع مع الحافر وإن وقف طائر على جدار فنفره إنسان فطار لم يضمنه لأن تنفيره لم يكن سبب فواته لأنه كان فائتا قبله وإن طار في هواء داره


412

فرماه فقتله ضمنه لأنه لا يملك منع الطائر الهوى فأشبه ما لو قتله في غير داره

فصل

وإن حل زقا فاندفق أو خرج منه شيء بل أسفله فسقط أو سقط بريح أو زلزلة أو كان جامدا فذاب بالشمس فاندفق ضمنه لأنه تلف بسببه فضمنه كما لو دفعه وقال القاضي لا يضمنه إذا سقط بريح أو زلزلة لأن فعله غير ملجئ فلا يضمنه كما لو دفعه إنسان آخر ولنا أنه لم يتخلل بين فعله وتلفه مباشرة يمكن إحالة الضمان عليها فيجب أن يضمنه كما لو جرح إنسانا فأصابه الحر فمات به فأما إن بقي واقفا فجاء إنسان فدفعه ضمنه الثاني لأنه مباشر وإن كان يخرج قليلا قليلا فجاء إنسان فنكسه فاندفق ضمن الثاني ما خرج بعد التنكيس لأنه مباشر له فهو كالذابح بعد الجارح ويحتمل أن يشتركا فيما بعد التنكيس وإن فتح زقا فيه جامد فجاء آخر فقرب إليه نارا فأذابه فاندفق ضمنه الثاني لأنه باشر الإتلاف وإن أذابه الأول ثم فتحه الثاني فالضمان على الثاني لأن التلف حصل بفعله

فصل

وإن أجج في سطحه نارا فتعدت فأحرقت شيئا لجاره وكان ما فعله يسيرا جرت العادة به لم يضمن لأنه غير متعد وإن أسرف فيه لكثرته


413

أو كونه في ريح عاصف ضمن وكذلك إن سقى أرضه فتعدى إلى حائط آخر

فصل

وإن أطارت الريح إلى داره ثوبا لزمه حفظه لأنه أمانة حصلت في يده فلزمه حفظها كاللقطة فإن عرف صاحبها لزمه إعلامه فإن لم يفعل ضمنه كاللقطة إذا ترك تعريفها وإن دخل طائر داره لم يلزمه حفظه ولا إعلام صاحبه لأنه محفوظ بنفسه فإن أغلق عليه بابا ليمسكه ضمنه لأنه أمسكه لنفسه فضمنه كالغاصب فإن لم ينو ذلك لم يضمنه لأنه يملك التصرف في داره فلم يضمن ما فيها

فصل

إذا اختلف المالك والغاصب في تلف المغصوب فالقول قول الغاصب مع يمينه لأنه يتعذر إقامة البينة على التلف ويلزمه البدل لأنه بيمينه تعذر الرجوع إلى العين فوجب بدلها كما لو أبق العبد المغصوب وإن اختلفا في قيمة المغصوب فالقول قول الغاصب لأن الأصل براءة ذمته من الزيادة المختلف فيها فأشبه من ادعى عليه بدين فأقر ببعضه وجحد باقيه وإن قال المالك كان كاتبا قيمته ألف وقال الغاصب كان أميا قيمته مائة فالقول قول الغاصب لما ذكرناه وإن قال الغاصب كان سارقا فقيمنه مائة


414

وقال المالك لم يكن سارقا فقيمته ألف فالقول قول المالك لأن الأصل عدم السرقة وإن غصبه طعاما فقال كان عتيقا وأنكره المالك فالقول قول الغاصب لان الأصل براءة ذمته من الحديث ويأخذ المغصوب منه العتيق لأنه دون حقه وإن اختلفا في الثياب التي على العبد المغصوب هل هي للغاصب أو للمالك فهي للغاصب لأنها والعبد في يده فكان القول قوله فيها وإن غصبه خمرا فقال المالك استحالت خلا فأنكره الغاصب فالقول قول الغاصب لأن الأصل عدم الاستحالة

فصل

إذا اشترى رجل عبدا فادعى رجل أن البائع غصبه إياه فأنكره المشتري وصدقه البائع حلف المشتري والعبد له وعلى البائع قيمته ولا يملك مطالبة المشتري بالثمن لأنه لا يدعيه ويحتمل أن يملك مطالبته بأقل الأمرين من قيمته أو ثمنه لأنه يدعي القيمة والمشتري يقر بالثمن فيكون له أقلهما وللمالك مطالبة المشتري لأنه مقر بالثمن للبائع والبائع يقر به لمالكه فإن قلنا بصحة تصرف الغاصب فله مطالبته بجميع الثمن وإن قلنا لا يصح فله أقل الأمرين لما تقدم وإن صدقه المشتري فأنكره البائع حلف البائع وبرئ ويأخذ المدعي عبده لما روى سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من وجد متاعه عند رجل فهو أحق به وإن كان المشتري أعتق العبد فصدق البائع والمشتري الغاصب غرم أيهما شاء قيمته ويستقر الضمان


415

على المشتري لأنه أتلف العبد بعتقه وإن وافقهما العبد على التصديق فكذلك ولم يبطل العتق لأنه حق الله تعالى فلا يقبل قولهم في إبطاله وفيه وجه آخر أنه يبطل العتق إذا صدقوه كلهم ويعود العبد رقيقا للمدعي لأنه إقرار بالرق على وجه لا يبطل به حق أحد فقبل كإقرار مجهول الحال


416

كتاب الشفعة

وهي استحقاق انتزاع الإنسان حصة شريكه من مشتريها بمثل ثمنها وهي ثابتة بالسنة والإجماع أما السنة فما روى جابر قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعه أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باع ولم يستأذنه فهو أحق به رواه مسلم وأجمع المسلمون على ثبوت الشفعة في الجملة ولا تثبت إلا بشروط سبعة

أحدها أن يكون المبيع أرضا للخبر ولأن الضرر في العقار يتأبد من جهة الشريك بخلاف غيره فأما غير الأرض فنوعان أحدهما البناء والغراس فإذا بيعا مع الأرض ثبتت الشفعة فيه لأنه يدخل في قوله حائط وهو البستان المحوط ولأنه يراد للتأبيد فهو كالأرض وإن بيع منفردا فلا شفعة فيه لأنه ينقل ويحول وعن أحمد رضي الله عنه أن فيه شفعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم يقسم ولأن في الأخذ بها رفع ضرر الشركة فأشبه الأرض والمذهب الأول لأن هذا مما لا يتباقى ضرره


417

فأشبه المكيل وفي سياق الخبر ما يدل على أنه أراد الأرض بقوله فإذا طرقت الطرق فلا شفعة النوع الثاني الزرع والثمرة الظاهرة والحيوان وسائر المبيعات فلا شفعة فيه تبعا ولا أصلا لأنها لا تدخل في البيع تبعا فلا تدخل في الشفعة تبعا وعن أحمد رضي الله عنه ن الشفعة في كل ما لا ينقسم كالحجر والسيف والحيوان وما في معناه ووجه الروايتين ما ذكرناه

فصل

الشرط الثاني أن يكون المبيع مشاعا لما روى جابر قال قضى النبي صلى الله عليه وسلم في الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة متفق عليه ولأن الشفعة ثبتت لدفع الضرر الداخل عليه بالقسمة من نقص قيمة الملك وما يحتاج إلى إحداثه من المرافق ولا يوجد هذا في المقسوم

فصل

الشرط الثالث أن يكون مما تجب قسمته عند الطلب فأما ما لا تجب قسمته كالرحا والبئر الصغيرة والدار الصغيرة فلا شفعة فيه لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال لا شفعة في بئر ولا نخل ولأن إثبات الشفعة إنما كان لدفع الضرر الذي يلحق بالمقاسمة وهذا لا يوجد فيما لا يقسم وعن أحمد


418

رضي الله عنه أن الشفعة تثبت فيه لعموم الخبر ولأنه عقار مشترك فثبتت فيه الشفعة كالذي يمكن قسمته والمذهب الأول فأما الطريق في درب مملوك فإن لم يكن للدار طريق سواها فلا شفعة فيها لأنه يضر بالمشتري لكون داره تبقى بلا طريق وإن كان لها غيرها ويمكن قسمتها بحيث يحصل لكل واحد منهم طريق ففيها الشفعة لوجود المقتضي لها وعدم الضرر في الأخذ بها وإن لم يمكن قسمتها خرج فيها روايتان كغيرها

فصل

الشرط الرابع أن يكون الشقص منتقلا بعوض فأما الموهوب والموصى به فلا شفعة فيه لأنه انتقل بغير بدل أشبه الموروث والمنتقل بعوض نوعان أحدهما ما عوضه المال كالمبيع ففيه الشفعة بالإجماع والخبر ورد فيه الثاني ما عوضه غير المال كالصداق وعوض الخلع والصلح عن دم العمد لا ما اشتراه الذمي بخمر أو خنزير فلا شفعة فيه في ظاهر المذهب لأنه انتقل بغير مال أشبه الموهوب ولأنه لا يمكن الأخذ بمثل العوض أشبه الموروث وقال ابن حامد فيه الشفعة لأنه عقد معاوضة أشبه البيع فعلى قوله يأخذ الشقص بقيمته لأن أخذه بمهر المثل يفضي إلى تقويم البضع في حق الأجانب ذكره القاضي وقال الشريف يأخذه بمهر المثل لأنه ملكه ببدل لا مثل له فيجب الرجوع إلى قيمته كما لو اشتراه


419

بعرض ولا تجب الشفعة بالرد بالعيب ولا الفسخ بالخيار أو الاختلاف لأنه فسخ للعقد وليس بعقد ولا برجوع الزوج في الصداق أو نصفه قبل الدخول لذلك ولا بالإقالة إذا قلنا هي فسخ لذلك

فصل

الشرط الخامس الطلب بها على الفور ساعة العلم فإن أخرها مع إمكانها سقطت الشفعة قال أحمد الشفعة بالمواثبة ساعة يعلم لما روي عن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة كحل العقال رواه ابن ماجه ولأن إثباتها على التراخي يضر بالمشتري لكونه لا يستقر ملكه على المبيع ولا يتصرف فيه بعمارة خوفا من أخذ المبيع وضياع عمله وقال ابن حامد تتقدر بالمجلس وإن طال لأنه كله في حكم حالة العقد بدليل صحة العقد بوجود القبض لما يشترط قبض فيه وعن أحمد أنه على التراخي ما لم توجد منه دلالة على الرضى كقوله بعني أو صالحني على مال أو قاسمني لأنه حق لا ضرر في تأخيره أشبه القصاص والمذهب الأول لكن إن أخره لعذر مثل أن يعلم ليلا فيؤخره إلى الصباح أو لحاجة إلى أكل أو شرب أو طهارة أو إغلاق باب أو خروج من الحمام أو خروج لصلاة أو نحو هذا لم تبطل شفعته لأن العادة البداءة بهذه الأشياء إلا أن يكون حاضرا عنده فيترك المطالبة فتبطل شفعته لأنه لا ضرر عليه في


420

الطلب بها وإن لقيه الشفيع فبدأه بالسلام لم تبطل شفعته لأن البداءة بالسلام سنة وكذلك إن دعا له فقال بارك الله لك في صفقة يمينك لاحتمال أن يكون دعا له في صفقته لأنها أوصلته إلى شفعته وإن أخر الطلب لمرض أو حبس أو غيبة لم يمكنه فيه التوكيل ولا الإشهاد فهو على شفعته لأنه تركه لعذر وإن قدر على إشهاد من تقبل شهادته فلم يفعل ولم يسر في طلبها بغير عذر بطلت شفعته لأنه قد يترك الطلب زهدا أو لعذر فإذا أمكنه تبيين ذلك بالإشهاد فلم يفعل بطلت شفعته كتركه الطلب في حضوره وإن لم يشهد وسار عقيب علمه ففيه وجهان أحدهما تبطل لأن السير قد يكون لطلبها أو لغيره فوجب بيان ذلك بالإشهاد كما لو لم يسر والثاني لا تبطل لأن سيره عقيب علمه ظاهر في طابها فاكتفى به كالذي في البلد وإن أشهد ثم أخر القدوم لم تبطل شفعته لأن عليه في العجلة ضررا لانقطاع حوائجه وقال القاضي تبطل إن تركه مع الإمكان وإن كان له عذر فقدر على التوكيل فلم يفعل ففيه وجهان أحدهما تبطل شفعته لأنه تارك للطلب مع إمكانه فأشبه الحاضر والثاني لا تبطل لأنه إن كان بجعل ففيه غرم وإن كان بغيره ففيه منة وقد لا يثق به وإن أخر المطالبة بعد قدومه وإشهاده ففيه وجهان بناء على تأخير السير لطلبها


421

فصل

فإن ترك الطلب لعدم علمه بالبيع أو لكون المخبر لا يقبل خبره أو لإظهار المشتري أن الثمن أكثر مما هو أو أنه اشترى البعض أو اشترى بغير النقد الذي اشترى به أو أنه اشتراه لغيره أو أنه اشتراه لنفسه وكان كاذبا فهو على شفعته ولو عفا عن الشفعة لذلك لم تسقط لأنه قد لا يرضاه بالثمن الذي أظهره ولأنه لا يقدر على النقد وقد يرضى مشاركة من نسب إليه البيع دون من هو له في الحقيقة فلم يكن ذلك رضى منه بالبيع الواقع وإن ظهر الثمن قليلا فترك الشفعة وكان كثيرا سقطت لأن من لا يرضى بالقليل لا يرضى بأكثر منه فإن ادعى أنه لم يصدق المخبر وهو ممن يقبل خبره الديني سقطت شفعته رجلا كان أو امرأة إذا كان يعرف حاله لأن هذا من باب الإخبار وقد أخبره من يجب تصديقه وإن لم يكن المخبر كذلك فالقول قوله

فصل

فإن باع الشفيع حصته عالما بالبيع بطلت شفعته لأنها ثبتت لإزالة ضرر الشركة وقد زال ببيعه وإن باع قبل العلم فكذلك عند القاضي لذلك ولأنه لم يبق له ملك يستحق به وقال أبو الخطاب لا تسقط لأنها ثبتت بوجود ملكه حين البيع وبيعه قبل العلم لا يدل على الرضى فلا تسقط


422

وله أن يأخذ الشقص الذي باعه الشفيع من مشتريه ولمشتريه أن يأخذ الشقص الذي باعه الشفيع من مشتريه لأنه كان مالكا حين البيع الثاني ملكا صحيحا فثبتت له الشفعة وعلى قول القاضي للمشتري الأول أخذ الشقص من المشتري الثاني وإن باع الشفيع البعض احتمل سقوط الشفعة لأنها استحقت بجميعه وقد ذهب بعضه فسقط الكل ويحتمل أن لا تسقط لأنه قد بقي من نصيبه ما يستحق به الشفعة في جميع المبيع

فصل

الشرط السادس أن يأخذ جميع المبيع فإن عفى عن البعض أو لم يطلبه سقطت شفعته لأن في أخذ البعض تفريقا لصفقة المشتري وفيه إضرار به وإنما ثبتت الشفعة على وجه يرجع المشتري بماله من غير ضرر به فمتى سقط بعضها سقطت كلها كالقصاص فإن كان المبيع شقصين من أرضين فله أخذ أحدهما لأنه يستحق كل واحد منهما بسبب غير الآخر فجرى مجرى الشريكين ويحتمل أن لا يملك ذلك لأن فيه تفريق صفقة المشتري أشبه الأرض الواحدة وإن كان البائع أو المشتري اثنين من أرض أو أرضين فله أخذ نصيب أحدهما لأنه متى كان في أحد طرفي الصفقة اثنان فهما عقدان فكان له الأخذ بأحدهما كما لو كانا متفرقين


423

فصل

فإن كان للشقص شفعاء فالشفعة بينهم على قدر حصصهم في الملك في ظاهر المذهب لأنه حق يستحق بسبب الملك فيسقط على قدره كالأجرة والثمرة وعنه أنها بينهم بالسوية اختارها ابن عقيل لأن كل واحد منهم يأخذ الكل لو انفرد فإذا اجتمعوا تساووا كسراية العتق فإن عفى بعضهم توفر نصيبه على شركائه وليس لهم أخذ البعض لأن فيه تفريق صفقة المشتري وإن جعل بعضهم حصته لبعض شركائه أو لأجنبي لم يصح وكانت لجميعهم لأنه عفو وليس بهبة وإن حضر بعض الشركاء وحده فليس له الأخذ للجميع لئلا تتبعص صفقة المشتري فإن ترك الطلب انتظارا لشركائه ففيه وجهان أحدهما تسقط شفعته لتركه طلبها مع إمكانه والثاني لا تسقط لأن له عذرا وهو الضرر الذي يلزمه بأخذ صاحبيه منه فإن أخذ الجميع ثم حضر الثاني قاسمه فإذا حضر الثالث قاسمهما وما حدث من النماء المنفصل في يد الأول فهو له لأنه حدث في ملكه وإن أراد الثاني الاقتصار على قدر حقه فله ذلك لأنه لا تتبعض الصفقة على المشتري إنما هو تارك بعض حقه لشريكه فإذا قدم الثالث فله أن يأخذ ثلث ما في يد الثاني وهو التسع فيضمه إلى ما في يد الأول وهو الثلثان تصير سبعة أتساع يقتسمانها نصفين لكل واحد منهما ثلاث أتساع ونصف


424

تسع وللثاني تسعان ولو ورث اثنان دارا فمات أحدهما عن ابنين فباع أحدهما نصيبه فالشفعة بين أخيه وعمه لأنهما شريكان للبائع فاشتركا في شفعته كما لو ملكا بسبب واحد

فصل

وإن كان المشتري شريكا فالشفعة بينه وبين الشريك الآخر لأنهما تساويا في الشركة فتساويا في الشفعة كما لو كان الشريك أجنبيا فإن أسقط المشتري شفعته ليلزم شريكه أخذ الكل لم يملك ذلك لأن ملكه استقر على قدر حقه فلم يسقط بإسقاطه وإن كان المبيع شقصا وسيفا صفقه واحدة فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن نص عليه ويحتمل أن لا يجوز لئلا تتشقص صفقة المشتري والصحيح الأول لأن المشتري أضر بنفسه حيث جمع في العقدين فيما فيه شفعة وما لا شفعة فيه

فصل

الشرط السابع أن يكون الشفيع قادرا على الثمن لأن أخذ المبيع من غير دفع الثمن إضرار بالمشتري وإن عرض رهنا أو ضمينا أو عوضا عن الثمن لم يلزمه قبوله لأن في تأخير الحق ضررا وإن أخذ بالشفعة لم يلزم تسليم الشقص حتى يتسلم الثمن فإن تعذر تسليمه قال أحمد يصبر يوما أو يومين أو بقدر ما يرى الحاكم فأما أكثر فلا فعلى هذا إن أحضر


425

الثمن وإلا فسخ الحاكم الأخذ ورده إلى المشتري فإن أفلس بعد الأخذ خير المشتري بين الشقص وبين أن يضرب مع الغرماء كالبائع المختار

فصل

ويأخذ بالثمن الذي استقر العقد عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر فهو أحق به بالتمن

رواه أبو اسحاق الجوزجاني ولأنه استحقه بالبيع فكان عليه الثمن كالمشتري فإن كان الثمن مثليا كالأثمان والحبوب والأدهان وجب مثله وإن كان غير ذلك وجب قيمته لما ذكرنا في الغصب وتعتبر قيمته حين وجوب الشفعة كما يأخذ الثمن الذي وجب بالشفعة فإن حط بعض الثمن عن المشتري أو زيد عليه في مدة الخيار لحق العقد ويأخذه الشفيع بما استقر عليه العقد لأن زمن الخيار كحالة العقد وما وجد بعد ذلك من حط أو زيادة لم تلزم في حق الشفيع لأنه ابتداء هبة فأشبه غيره من الهبات وإن كان الثمن مؤجلا أخذ به الشفيع إن كان مليا وإلا أقام ضمينا مليا وأخذ به لأنه تابع للمشتري في قدر الثمن وصفته والتأجيل من صفته فإن كان الثمن عبدا فأخذ الشفيع بقيمته ثم وجد به البائع عيبا فأخذ أرشه وكان الشفيع أخذ بقيمته سليما لم يرجع عليه بشيء لأن الأرش دخل في القيمة وإن أخذ بقيمته معيبا رجع عليه بالأرش الذي أخذه البائع من المشتري لأن البيع استقر بعد تسليمه وإن رد البائع العبد قبل أخذ الشفيع


426

انفسخ العقد ولا شفعة لزوال السبب قبل الأخذ ولأن في الأخذ بالشفعة إسقاط حق البائع من استرجاع المبيع وفيه ضرر ولا يزال الضرر بالضرر وإن رده بعد أخذ الشفيع رجع بقيمة الشقص وإن أخذه الشفيع بقيمة العبد فإن كانتا مختلفتين رجع صاحب الأكثر على الآخر بتمام القيمة لأن الشفيع يأخذ بما استقر عليه العقد والذي استقر عليه العقد قيمة الشقص وإن أصدق امرأة شقصا وقلنا تجب الشفعة فيه فطلق الزوج قبل الدخول والأخذ بالشفعة ففيه وجهان أحدهما لا شفعة لما ذكرنا والثاني يقدم حق الشفيع لأن حقه أسبق لأنه ثبت بالعقد وحق الزوج بالطلاق بخلاف البائع فإن حقه ثبت بالعيب القديم

فصل

فإن اختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن فالقول قول المشتري مع يمينه لأنه العاقد فهو أعلم بالثمن ولأن المبيع ملكه فلا ينزع منه بدعوى مختلف فيها إلا ببينة وإن قال المشتري لا أعلم قدر الثمن فالقول قوله لأنه أعلم بنفسه فإن حلف سقطت الشفعة لأنه لا يمكن الأخذ بغير ثمن ولا يمكن أن يدفع إليه مالا يدعيه إلا أن يفعل ذلك تحيلا على إسقاطها فلا تسقط ويؤخذ الشقص بقيمته لأن الغالب بيعه بقيمته وإن ادعى عليه أنك فعلته تحيلا فأنكر فالقول قوله مع يمينه لأنه منكر وإن كان الثمن


427

عرضا فاختلفا في قيمته رجع إلى أهل الخبرة إن كان موجودا وإن كان معدوما فالقول قول المشتري في قيمته وإن اختلفا في الغراس والبناء في الشقص فقال المشتري أنا أحدثته وقال الشفيع كان قديما فالقول قول المشتري مع يمينه ولو قال اشتريت نصيبك فلي فيه الشفعة وأنكر ذلك فقال بل اتهبته أو ورثته فالقول قوله مع يمينه

فصل

فإن ادعى عليه الشراء فقال اشتريته لفلان سئل المقر له فإن صدقه فهو له وإن كذبه فهو للمشتري ويؤخذ بالشفعة في الحالين وإن كان المقر له غائبا أخذه الشفيع بإذن الحاكم والغائب على حجته إذا قدم لأننا لو وقفنا الأمر إلى حضور المقر له كان ذلك إسقاطا للشفعة لأن كل مشتر يدعي أنه لغائب وإن قال اشتريته لابني الطفل فهو كالغائب في أحد الوجهين وفي الآخر لا تجب الشفعة لأن الملك ثبت للطفل ولا يثبت في ماله حق بإقرار وليه عليه فأما إن ادعى عليه الشفعة في شقص فقال هذا لفلان الغائب أو الطفل فلا شفعة فيه لأنه قد ثبت لهما فإقراره بذلك إقرار على غيره فلا يقبل

فصل

إذا اختلف البائع والمشتري فقال البائع الثمن ألفان وقال المشتري


428

هو ألف فأقام البائع بينة بدعواه ثبتت وللشفيع أخذه بألف لأن المشتري يقر أنه لا يستحق أكثر منها وأن البائع ظلمه فلا يرجع بما ظلمه على غيره فإن قال المشتري غلطت والثمن ألفان لم يقبل لأنه رجوع عن إقراره فلم يقبل كما لو أقر لأجنبي وإن لم يكن بينة تحالفا وليس للشفيع أخذه بما حلف عليه المشتري لأن فيه إلزاما للعقد في حق البائع بخلاف ما حلف عليه فإن بذل ما حلف عليه البائع فله الأخذ لأن البائع مقر له بما يستحق الشفعة به ولا ضرر على المشتري فيه

فصل

وإن أقر البائع بالبيع وأنكره المشتري ففيه وجهان أحدهما لا تثبت الشفعة لأن الشراء لم يثبت فلا تثبت الشفعة التابعة له ولأن البائع إن أقر بقبض الثمن لم يمكن الشفيع دفعه إلى أحد لأنه لا مدعي له ولا يمكن الأخذ بغير ثمن وإن لم يقر البائع بقبضه فعلى من يرجع الشفيع بالعهدة والثاني تثبت الشفعة لأن البائع مقر بحق للمشتري والشفيع فإذا لم يقبل المشتري قبل الشفيع وثبت حقه ويأخذ الشقص من البائع ويدفع إليه الثمن وإن لم يكن أقر بقبضه فالعهدة عليه لأن الأخذ منه وإن أقر بقبض الثمن عرضناه على المشتري فإن قبله دفع إليه وإلا أقر في يد الشفيع في أحد الوجوه وفي الآخر يؤخذ إلى بيت المال والثالث


429

يقال له إما أن تقبض وإما أن تبرئ وأصل هذا إذا أقر بمال في يده لرجل فلم يعترف به

فصل

وإذا تصرف المشتري في الشقص قبل أخذ الشفيع لم يخل من خمسة أضرب أحدها تصرف بالبيع وما تستحق به الشفعة فللشفيع الخيار بين أن يأخذ بالعقد الثاني وبين فسخه ويأخذ بالعقد الأول لأنه شفيع في العقدين فملك الأخذ بما شاء منهما فإن أخذه بالثاني دفع إلى المشتري الثاني مثل ثمنه وإن أخذه بالأول دفع إلى المشتري الأول مثل الذي اشتري به وأخذ الشقص ويرجع الثاني على الأول بما أعطاه ثمنا وإن كان ثم ثالث رجع الثالث على الثاني

الثاني تصرف برد أو إقالة فللشفيع فسخ الإقالة والرد ويأخذ الشقص لأن حقه أسبق منهما ولا يمكنه الأخذ معهما

الثالث وهبه أو وقفه أو رهنه أو أجره ونحوه فعن أحمد رضي الله عنه تسقط الشفعة لأن في الأخذ بها إسقاط حق الموهوب له أو الموقوف عليه بالكلية وفيه ضرر بخلاف البيع لأنه يوجب رد العوض إلى غير المالك وحرمان المالك وقال أبو بكر تجب الشفعة لأن حق الشفيع أسبق فلا يملك المشتري التصرف بما يسقط حقه ولأنه ملك فسخ البيع مع


430

إمكان الأخذ به فلأن يملك فسخ عقد لا يمكنه الأخذ به أولى فعلى هذا تفسخ هذه العقود ويأخذ الشقص ويدفع الثمن إلى المشتري

الرابع بنى أو غرس ويتصور ذلك بأن يكون الشفيع غائبا فقاسم المشتري وكيله في القسمة أو رفع الأمر إلى الحاكم فقاسمه أو أظهر ثمنا كثيرا أو نحوه فترك الشفيع الشفعة وقاسمه فبنى وغرس ثم أخذ الشفيع بالشفة فإن اختار المشتري أخذ بنائه وغراسه لم يمنع منه لأنه ملكه فملك نقله ولا يلزمه تسوية الحفر ولا ضمان النقص لأنه غير متعد ويحتمل كلام الخرقي أن يلزمه تسوية الحفر لأنه فعله في ملك غيره لتخليص ملكه فأشبه ما لو كسر محبرة إنسان لتخليص ديناره منها وإن لم يقلعه فللشفيع الخيار بين أن يدفع إليه قيمة الغراس والبناء فيملكه وبين أن يقلعه ويضمن نقصه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ضرر ولا ضرار رواه أحمد وابن ماجه ولا يزول الضرر عنهما إلا بذلك

الخامس زرع الأرض فالزرع يبقى لصاحبه حتى يستحصد لأنه زرعه بحق فوجب إبقاؤه له كما لو باع الأرض المزروعة

فصل

وإن نما المبيع نماء متصلا كغراس كبر وطلع زاد قبل التأبير أخذه الشفيع بزيادته لأنها تتبع الملك في الأصل كما تتبعه في الرد وإن كان نماء


431

منفصلا كالغلة والطلع المؤبر والثمرة الظاهرة فهي للمشتري لأنها حدثت في ملكه وليست تابعة للأصل وتكون مبقاة إلى أوان الجذاذ لأن أخذ الشفيع شراء ثان فإن كان المشتري اشترى الأصل والثمرة معا أخذ الشفيع الأصل بحصته من الثمن كالشقص والسيف

فصل

وإن تلف بعض المبيع فهو من ضمان المشتري لأنه ملكه تلف في يده وللشفيع أن يأخذ الباقي بحصته من الثمن ويأخذ أنقاضه لأنه تعذر أخذ البعض فجاز أخذ الباقي كما لو أتلفه آدمي وقال ابن حامد إن تلف بفعل الله تعالى لم يملك الشفيع أخذ الباقي إلا بكل الثمن أو يترك لأن في أخذه بالبعض إضرارا بالمشتري فلم يملكه كما لو أخذ البعض مع بقاء الجميع

فصل

ويملك الشفيع الأخذ بغير حاكم لأنه حق ثبت بالإجماع فلم يفتقر إلى الحاكم كالرد بالعيب ويأخذه من المشتري فإن كان في يد البائع فامتنع المشتري من قبضه أخذه من البائع لأنه يملك أخذه فملكه كما لو كان في يد المشتري وقال القاضي يجبر المشتري على القبض ثم يأخذه الشفيع لأن أخذه من البائع يفوت به التسليم المستحق ولا يثبت للمشتري خيار لأنه يؤخذ منه قهرا ولا للشفيع بعد التملك لأنه يأخذه قهرا وذلك ينافي


432

الاختيار ويملك الرد بالعيب لأنه مشتر ثان فملك ذلك كالأول وإن خرج مستحقا رجع بالعهدة على المشتري لأنه أخذه منه على أنه ملكه فرجع عليه كما لو اشتراه منه ويرجع المشتري على البائع

فصل

وإذا أذن الشريك في البيع لم تسقط شفعته لأنه إسقاط حق قبل وجوبه فلم يصح كما لو أبرأه مما يجب له وعن أحمد رضي الله عنه أنه قال ما هو ببعيد أن لا تكون له شفعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به رواه مسلم يفهم منه أنه إذا باعه بإذنه لا حق له وإن دل في البيع أو توكل أو ضمن العهدة أو جعل له الخيار فاختار إمضاء البيع فهو على شفعته

فصل

وإذا كان في البيع محاباة أخذ الشفيع بها لأنه بيع صحيح فلا يمنع الشفعة فيه كونه مسترخصا وإن كان البائع مريضا والمحاباة لأجنبي فيما دون الثلث أخذ الشفيع بها لأنها صحيحة نافذة وسواء كان الشفيع وارثا أو لم يكن لأن المحاباة إنما وقعت لأجنبي فأشبه ما لو وصى لغريم وارثه ويحتمل أن لا يملك الوارث الشفعة ها هنا إفضائه إلى جعل سبيل للإنسان إلى إثبات حق لوارثه في المحاباة وإن كانت محاباة المريض لوارثه


433

أو لأجنبي بزيادة على الثلث بطلت كلها في حق الوارث والزيادة على الثلث في حق الأجنبي وصح البيع في الباقي وثبت للمشتري الخيار لتفريق صفته وللشفيع الأخذ على ذلك الوجه

فصل

إذا مات الشفيع قبل الطلب بطلت شفعته نص عليه لأنه حق فسخ لا لفوات جزء فلم يورث كرجوع الأب في هبته ويتخرج أن يورث لأنه خيار ثبت لدفع الضرر عن المال فيورث كالرد بالعيب فإن مات بعد الطلب لم يسقط لأنها تقررت بالطلب بحيث لم يسقط بتأخيره بخلاف ما قبله فإن ترك بعض الورثة حقه توفر على شركائه في الميراث كالشفعاء في الأصل

فصل

وإن كان بعض العقار وقفا وبعضه طلقا فبيع الطلق فذكر القاضي أنه لا شفعة لصاحب الوقف لأنه ملك غير تام فلا يستفيد به ملكا تاما وقال أبو الخطاب هذا ينبني على الروايتين في ملك الوقف إن قلنا هو مملوك فلصاحبه الشفعة لأنه يلحقه الضرر من جهة الشريك فأشبه الطلق فإن قلنا ليس بمملوك فلا شفعة له لعدم ملكه


434

فصل

ولا شفعة في بيع الخيار قبل انقضائه لأن فيه إلزام البيع بغير رضى المتبايعين وإسقاط حقهما من الخيار وقيل يؤخذ بالشفعة لأن الملك انتقل فإن كان الخيار للمشتري وحده فللشفيع الأخذ لأنه يملك الأخذ من المشتري قهرا ويحتمل أن لا يملكه لأن فيه إلزام البيع في حق المشتري بغير رضاه

فصل

وللصغير الشفعة ولوليه الأخذ بها إن رأى الحظ فيها فإذا أخذ بها لم يملك الصغير إبطالها بعد بلوغه كما لو اشترى له دارا وإن تركها مع الحظ فيها لم تسقط وملك الصغير الأخذ بها إذا بلغ وإن تركها الولي للحظ في تركها أو لإعسار الصبي سقطت في قول ابن حامد لأنه فعل ما تعين عليه فعله فلم يجز نقضه كالرد بالعيب وظاهر كلام الخرقي أنها لا تسقط لأن للشفيع الأخذ مع الحظ وعدمه فملك طلبها عند إمكانه كالغائب إذا قدم والمجنون كالصبي لأنه محجور عليه وإن باع الولي لأحد الأيتام نصيبا فله الأخذ بها للآخر وإن كان الولي شريكا لم يملك الأخذ بها إن كان وصيا لأنه متهم وإن كان أبا فله الأخذ لأن له أن يشتري لنفسه من مال ولده


435

وهل لرب المال الشفعة على المضارب فيما يشتريه على وجهين بناء على شرائه منه لنفسه

فصل

ولا شفعة لكافر على مسلم لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا شفعة لنصراني رواه الطبراني في الصغير ولأنه معنى يختص العقار فلم يثبت للكافر على المسلم كالاستعلاء وتثبت الشفعة للمسلم على الذمي وللذمي على الذمي للخبر والمعنى

باب إحياء الموات

وهي الأرض الداثرة التي لا يعرف لها مالك وهي نوعان أحدهما ما لم يجر عليه ملك فهذا يملك بالإحياء لما روى جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحيا أرضا ميتة فهي له رواه أحمد والترمذي وصححه ولا يفتقر إلى إذن الإمام للخبر ولأنه تملك مباح فلم يفتقر إلى إذن كالصيد الثاني ما جرى عليه ملك وباد أهله ولم يعرف له مالك ففيه روايتان إحداهما يملك بالإحياء للخبر ولما روى طاووس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عادي الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم بعد رواه أبو عبيد في الأموال ولأنه في دار الإسلام فيملك كاللقطة والثانية لا يملك لأنه إما لمسلم أو لذمي أو بيت


436

المال فلم يجز إحياؤه كما لو تعين مالكه ويجوز إحياء ما قرب من العامر إذا لم يتعلق بمصالحه للخبر والمعنى وعنه لا يملك لأنه لا يخلو من مصلحة فأشبه ما تعلق بمصالحه للخبر والمذهب الأول

فصل

وما تعلقت به مصلحة العامر كحريم البئر وفناء الطريق ومسيل الماء يملك بالإحياء ولا يجوز لغير مالك العامر إحياؤه لأنه تابع للعامر مملوك لصاحبه ولأن تجويز إحيائه إبطال للملك في العامر على أهله وكذلك ما بين العامر من الرحاب والشوارع ومقاعد الأسواق لا يجوز تملكه بالإحياء لأنه ليس بموات وتجويز إحيائه تضييق على الناس في أملاكهم وطرقهم وهذا لا يجوز

فصل

ويجوز الإحياء من كل من يملك المال للخبر ولأنه فعل يملك به فجاز ممن يملك المال كالصيد ويملك الذمي بالإحياء في دار الإسلام لذلك وقال ابن حامد لا يملك فيها بالإحياء لخبر طاووس وليس لمسلم إحياء أرض في بلد صولح الكفار على المقام فيه لأن الموات تابع للبلد فلم يجز تملكه عليهم كالعامر


437

فصل

وفي صفة الإحياء روايتان إحداهما أن يعمر الأرض لما يريدها له ويرجع في ذلك إلى العرف لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الإحياء ولم يبين فحمل على المتعارف فإن كان يريدها للسكني فإحياؤها بحائط جرت عادتهم بالبناء به وتسقف فإنها لا تصلح للسكنى إلا بذلك وإن أرادها حظيرة لغنم أو حطب فبحائط جرت العادة بمثله وإن أرادها للزرع فبسوق الماء إليها من نهر أو بئر ولا يعتبر حرثها لأنه يتكرر كل عام فأشبه السكنى ولا يحصل الإحياء به لذلك وإن كانت أرضا يكفيها المطر فإحياؤها بتهيئتها للغرس والزرع إما بقلع أشجارها او أحجارها أو تنقيتها ونحو ذلك مما يعد إحياء وإن كانت من أرض البطائح فإحياؤها بحبس الماء عنها لأن إحياءها بذلك ولا يعتبر في الإحياء للسكنى نصب الأبواب لأن السكنى ممكنة بدونه والرواية الثانية التحويط إحياء لكل أرض لما روى سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أحاط حائطا على أرض فهي له رواه أبو داود ولأن الحائط حاجز منيع فكان إحياء كما لو أرادها حظيرة

فصل

وإذا أحياها ملكها بما فيها من المعادن والأحجار لأنه تملك الأرض بجميع أجزائها وطبقاتها وهذا منها وإن ظهر فيها معدن جاز


438

كالقير والنفط والماء ففيه روايتان إحداهما لا يملكه لقول النبي صلى الله عليه وسلم الناس شركاء في ثلاث في الماء والكلأ والنار رواه الخلال وكذلك الحكم في الكلأ والشجر لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا حمى في الأراك والثانية يملك ذلك كله لأنه نماء ملكه فملكه كشعر غنمه

فصل

ومن حفر بئرا في موات ملك حريمها والمنصوص عن أحمد رضي الله عنه أن حريم البئر البدي خمسة وعشرون ذراعا من كل جانب ومن سبق إلى بئر عادية فاحتفرها فحريمها خمسون ذراعا من كل جانب لما روي عن سعيد بن المسيب أنه قال السنة في حريم البئر العادي خمسون ذراعا والبدي خمسة وعشرون ذراعا رواه أبو عبيد في الأموال وروى الخلال والدار قطني عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وقال القاضي حريمها ما تحتاج إليه في ترقية الماء منها كقدر مدار الثور إن كان بدولاب وقدر طول البئر إن كان بالسواني وحمل التحديد في الحديث وكلام أحمد رضي الله عنه على المجاز والظاهر خلافه فإنه قد يحتاج إلى حريمها لغير ترقية الماء لموقف الماشية وعطن الإبل ونحوه وأما العين المستخرجة فحريمها ما يحتاج إليه صاحبها ويستضر بتملكه عليه وإن كثر وحريم النهر ما يحتاج إليه لطرح كرايته وطريق شاويه وما يستضر صاحبه بتملكه عليه وإن كثر


439

فصل

ومن تحجر مواتا وشرع في إحيائه ولم يتم فهو أحق به لقول النبي صلى الله عليه وسلم من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به رواه أبو داود فإن نقله إلى غيره صار الثاني أحق به لأن صاحب الحق آثره به فإن مات انتقل إلى وارثه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من ترك حقا أو مالا فهو لورثته وإن باعه لم يصح لأنه لم يملكه فلم يصح بيعه كحق الشفعة ويحتمل جواز بيعه لأنه صار أحق به فإن بادر إليه غيره فأحياه لم يملكه في أحد الوجهين لمفهوم قوله عليه السلام من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به ولأن حق المتحجر أسبق فكان أولى كحق الشفيع مع المشتري والثاني يملكه لأنه أحيا أرضا ميتة فيدخل في عموم الحديث ولان الإحياء يملك به فقدم على التحجر الذي لا يملك به وإن شرع في الإحياء وترك قال له السلطان إما أن تعمر وإما أن ترفع يدك لأنه ضيق على الناس في حق مشترك فلم يمكن منه كالوقوف في طريق ضيق فإن سأل الإمهال أمهل مدة قريبة كالشهرين ونحوهما فإن انقضت ولم يعمر فلغيره إحياؤها وتملكها كسائر الموات

فصل

وإذا كان في الموات معدن ظاهر ينتفع به المسلمون كالملح وعيون


440

الماء والكبريت والكحل والقار ومعادن الذهب والفضة والحديد ومقالع الطين ونحوها لم يجز لأحد إحياؤها ولا تملك بالإحياء فعن أبيض بن حمال أنه وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستقطعه الملح فقطعه له فلما أن ولى قال رجل من المجلس أتدري ما أقطعت له إنما أقطعته الماء العد قال فانتزعه منه قال وسأله عما يحمى من الأراك فقال ما لم تنله أخفاف الإبل رواه أبو داود والترمذي ولأن هذا مما يحتاج إليه فلو ملك بالاحتجار ضاق على الناس وغلت أسعاره وكذلك ما نضب عنه الماء من الجزائر عند الأنهار الكبار وقال أحمد رضي الله عنه يروى عن عمر رضي الله عنه أنه أباح الجزائر وأنا آخذ به يعني ما ينبت فيها ولأن البناء فيها يرد الماء إلى الجانب الآخر فيضر بأهله ولأنها منبت الكلاء والحطب فأشبهت المعادن

فصل

وكل بئر ينتفع بها المسلمون أو عين نابعة فليس لأحد احتجارها لأنها بمنزلة المعادن الظاهرة ومن حفر بئرا لغير قصد التملك إما لينتفع بها المسلمون أو ينتفع بها مدة ثم يتركها لم يملكها وكان أحق بها حتى يرحل عنها ويتركها للمسلمين ومن حفر بئرا للتملك فلم يظهر ماؤها لم تملك به لأنه ما تم إحياؤها وكان كالمتحجر الشارع في الإحياء


441

فصل

وإن أحيا أرضا فظهر فيها معدن ملكه لأنه لم يضيق على الناس به ولأنه للذي أخرجه وإن كان الموات أرضا يمكن فيها إحداث معدن ظاهر كشط البحر إذا حصل فيه ماؤه صار ملحا ملكه بالأحياء لأنه توسيع على المسلمين لا تضييق

فصل

ومن سبق إلى معدن ظاهر وهو الذي يوصل إلى ما فيه من غير مؤنة كالماء والملح والنفط أو باطن لا يوصل إلى ما فيه إلا بالعمل كمعادن الذهب والحديد كان أحق به للخبر فإن أقام بعد قضاء حاجته منع منه لأنه يضيق على الناس بغير نفع فأشبه الوقوف في مشرعة ماء لا يستقى منها وإن طال مقامه للأخذ ففيه وجهان أحدهما لا يمنع لأنه سبق فكان أحق كحالة الابتداء والثاني يمنع لأنه يضر كالمتحجر فإن سبق إليه اثنان يضيق المكان عنهما أقرع بينهما لأنه لا مزية لأحدهما على صاحبه وقال بعض أصحابنا إن كانا يأخذان للتجارة هايأه الإمام بينهما وإن كانا يأخذان للحاجة ففيه أربعة أوجه أحدها يهايئاه بينهما والثاني يقرع بينهما والثالث يقدم الإمام من يرى منهما والرابع ينصب الإمام من يأخذ لهما ويقسم بينهما


442

فصل

ومن شرع في حفر معدن ولم يبلغ النيل به فهو أحق به كالشارع في الإحياء ولا يملكه وإن بلغ النيل لأن الإحياء العمارة وهذا تخريب فلا يملك به ولأنه يحتاج في كل جزء إلى عمل فلا يملك منه إلا ما أخذ لكن يكون أحق به مادام يأخذ وإن حفر إنسان من جانب آخر فوصل إلى النيل لم يكن له منعه لأنه لم يملكه

فصل

ويجوز الارتفاق بالقعود في الرحاب والشوارع والطرق الواسعة للبيع والشراء لاتفاق أهل الأمصار عليه ومن غير إنكار ولأنه إرفاق بمباح من غير إضرار فلا يمنع منه كالاجتياز ومن سبق إليه كان أحق به لقول النبي صلى الله عليه وسلم منى مناخ من سبق وله أن يظلل عليه بما لا يضر بالمارة لأن الحاجة تدعو إليه من غير ضرر بغيره وليس له أن يبني دكة ولا غيرها لأنها تضيق ويعثر بها العابر فإن قام وترك متاعه لم يجز لغيره أن يقعد لأن يده لم تزل وإن أطال القعود ففيه وجهان سبق توجيههما وإن سبق إليه اثنان ففيه وجهان أحدهما يقرع بينهما لتساويهما والثاني يقدم الإمام أحدهما لأن له نظرا واجتهادا


443

فصل

في القطائع وهي ضربان إقطاع إرفاق وهي مقاعد الأسواق والرحاب فللإمام إقطاعها لمن يجلس فيها فيصير كالسابق إليها إلا أنه أحق بها وإن نقل متاعه لأن للإمام النظر والاجتهاد فإن أقطعه ثبتت يده عليه بالإقطاع فلم يكن لغيره أن يقعد فيه

الضرب الثاني موات الأرض فللأمام إقطاعها لمن يحييها لما روى وائل بن حجر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا فأرسل معاوية أن أعطه إياها أو أعلمها إياه رواه الترمذي وصححه وأقطع بلال بن الحارث المزني وأبيض بن حمال المازني وأقطع الزبير حضر فرسه رواه أبو داود وأقطع أبو بكر وعمر وعثمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أقطعه الإمام شيئا لم يملكه لكن يصير كالمتحجر في جميع ما ذكرنا ولا يقطع من ذلك إلا ما قدر على إحيائه لأن إقطاعه أكثر منه إدخال ضرر على المسلمين بلا فائدة وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث العقيق فلما كان زمن عمر قال له إن رسول الله صلى اله عليه وسلم لم يقطعك لتحتجره على الناس فخذ ما قدرت على عمارته ودع باقيه رواه أبو عبيد في الأموال

فصل

وليس للإمام إقطاع المعادن الظاهرة لما ذكرنا في إحيائها قال أصحابنا


444

وكذلك المعادن الباطنة لانها في معناها ويحتمل جواز إقطاعها لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث معادن القبلية جلسيها وغوريها رواه أبو داود ولأنه يفتقر في الانتفاع بها إلى المؤن فجاز إقطاعه كالموات

فصل

في الحمى

لا يجوز لأحد أن يحمي لنفسه مواتا يمنع الناس الرعي فيه لما روى الصعب بن جثامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا حمى إلا لله ولرسوله رواه أبو داود وقال الناس شركاء في ثلاث الماء والكلاء والنار وللإمام أن يحمي مكانا لترعى فيه خيل المجاهدين ونعم الجزية وإبل الصدقة وضوال الناس التي يقوم بحفظها لأن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع لخيل المسلمين ولأن عمر وعثمان رضي الله عنهما حميا واشتهر في الصحابة فلم ينكر فكان إجماعا وقال عمر والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبرا في شبر رواه أبو عبيد وليس له أن يحمي قدرا يضيق به على الناس لأنه إنما جاز للمصلحة فلا يجوز ذلك بضرر أكثر منها وما حماه النبي صلى الله عليه وسلم فليس لأحد نقضه ولا يملك بالإحياء لأن ما حماه النبي صلى الله عليه وسلم نص فلا ينقض بالاجتهاد وما حماه غيره من الأئمة جاز لغيره من الأئمة تغييره في أحد الوجهين وفي الآخر ليس له ذلك لئلا ينقض الاجتهاد


445

بالاجتهاد والأول أولى لأن الإجتهاد في حماها في تلك المدة دون غيرها ولهذا ملك الحامي لها تغييرها وإن أحياه إنسان ملكه لأن حمى الأئمة اجتهاد وملك الأرض بإحيائها نص فيقدم على الاجتهاد

باب إحكام المياه

وهي ضربان مباح وغيره فغير المباح ما ينبع في أرض مملوكة فصاحبه أحق به لأنه يملكه في رواية وفي الأخرى لا يملكه إلا أنه ليس لغيره دخول أرضه بغير إذنه وما فضل عن حاجته لزمه بذله لسقي ماشية غيره لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ منعه الله فضل رحمته ولا يلزمه الحبل والدلو لأنه يتلف بالاستعمال فيتضرر به فأشبه بقية ماله وهل يلزمه بذل فضل مائه لزرع غيره فيه روايتان إحدهما لا يلزمه لأن الزرع لا حرمة له في نفسه والثانية يلزمه لما روى إياس بن عبد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع فضل الماء رواه أبو داود وإن لم يفضل عنه شيء لم يلزمه بذله لأن الوعيد على منع الفضل يدل على جواز منع غيره ولأن ما يحتاج إليه يستضر ببذله فلم يجب بذله كحبله ودلوه

الضرب الثاني الماء النابع في الموات فمن سبق إلى شيء منه فهو


446

أحق به لقول النبي صلى الله عليه وسلم من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به وإن أراد أن يسقي أرضا وكان الماء في نهر عظيم لا يستضر أحد بسقيه جاز أن يسقي كيف شاء لأنه لا ضرر فيه على أحد وإن كان نهرا صغيرا أو من مياه الأمطار بدئ بمن في أول النهر فيسقي ويحبس الماء حتى يبلغ الكعب ثم يرسل إلى الذي يليه كذلك إلى الآخر لما روى عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سيل مهزور ومذينيب

يمسك حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الأعلى إلى الأسفل أخرجه مالك في الموطأ وعن عبد الله بن الزبير أن رجلا خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك فغضب الأنصاري فقال إن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ إلى الجدر متفق عليه وشراج الحرة مسايل الماء جمع شرج وهو النهر الصغير ولأن السابق إلى أول النهر كالسابق إلى أول المشرعة وإن كانت أرض الأول بعضها أنزل من بعض سقى كل واحدة على حدتها فإن أراد إنسان إحياء أرض على النهر بحيث إذا سقاها يستضر أهل الأرض الشاربة منه منع منه لأن من ملك أرضا كانت له حقوقها ومرافقها واستحقاق السقي من هذا النهر من حقوقها فلا يملك غيره إبطاله


447

فصل

فإن اشترك جماعة في استنباط عين اشتركوا في مائها وكان بينهم على ما اتفقوا عليه عند استخراجها فإن اتفقوا على سقي أرضهم منها بالمهايأة جاز وإن أرادوا قسمته بنصب حجر أو خشبة مستوية في مصدم الماء فيها نقبان على قدر حق كل واحد منهما جاز وتخرج حصة كل واحد منهما في ساقيته منفردة وإن أراد أحدهما أن يسقي بنصيبه أرضا لا حق لها في الشرب منه فله ذلك لأن الماء لا حق لغيره فيه فكان له التصرف فيه كيف شاء كما لو انفرد بالعين وفيه وجه آخر أنه لا يجوز لانه يجعل لهذه الأرض رسما في الشرب منه فمنع منه كما لو كان له داران متلاصقتان في دربين أراد فتح أحدهما إلى الأخرى وليس لأحدهما فتح ساقية في جانب النهر قبل المقسم يأخذ حقه فيها ولا أن ينصب على حافتي النهر رحى تدور بالماء ولا غير ذلك لأن حريم النهر مشترك فلم يملك التصرف فيه بغير إذن شريكه

فصل

ومن سبق إلى مباح كالسنبل الذي ينتثر من الحصادين وثمر الشجر المباح والبلح وما ينبذه الناس رغبة عنه فهو أحق به للخبر فإن استبق إليه اثنان قسم بينهما لأنهما اشتركا في السبب فاشتركا في المملوك به كما لو ابتاعاه


448

كتاب الوقف

ومعناه تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة وهو مستحب لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به من بعده وولد صالح يدعو له أو صدقة جارية رواه مسلم ويجوز وقف الأرض لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمرني فيها فقال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أن لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث قال فتصدق بها عمر على أن لا يباع ولا يوهب ولا يورث في الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقا بالمعروف غير متأثل منه أو غير متمول فيه متفق عليه ووقف السلاح والحيوان جائز لقول النبي صلى الله عليه وسلم أما خالد فإنه قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله متفق عليه وفي رواية واعتده ويصح وقف كل عين ينتفع بها مع بقاء عينها دائما قياسا على المنصوص عليه ويصح وقف المشاع لأن في حديث عمر أنه أصاب مائة سهم من خيبر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بوقفها وهذا صفة المشاع ولأن


449

القصد تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة وهذا يحصل في المشاع كحصوله من المفرز ويصح وقف علو الدار دون سفلها وسفلها دون علوها لأنهما عينان يجوز وقفهما فجاز وقف أحدهما كالدارين

فصل

ولا يصح وقف مالا ينتفع به مع بقاء عينه كالأثمان والمأكول والمشروب والشمع لأنه لا يحصل تسبيل ثمرته مع بقائه ولا ما يسرع إليه الفساد كالرياحين لأنها لا تتباقى ولا مالا يجوز بيعه كالكلب والخنزير ولا المرهون والحمل المنفرد ولا أم الولد لأن الوقف تمليك فلا يجوز في هذه كالبيع ولا يجوز في غير معين كأحد هذين العبدين وفرس وعبد لأنه نقل ملك على وجه القربة فلم يصح في غير معين كالهبة

فصل

ولا يصح الوقف إلا على بر كالمساجد والقناطر والفقراء والأقارب أو آدمي معين مسلما كان أو ذميا لأنه في موضع القربة ولهذا جازت الصدقة عليه ولا يصح على غير ذلك كالبيع وكتب التوراة والإنجيل لأن هذا إعانة على المعصية ولأن هذه الكتب منسوخة قد بدل بعضها وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى مع عمر شيئا استكتبه منها ولا على


450

قطاع الطريق لأنه إعانة على المعصية والقصد بالوقف القربة ولا على من لا يملك كالميت والملك والجني لأن الوقف تمليك في الحياة ولا على عبد أو أم ولد لأنه لا يملك في رواية وفي أخرى ملكه غير لازم والوقف لا يجوز أن يكون متزلزلا ولا على حربي أو مرتد لأن ملكهما تجوز إزالته والوقف يجب أن يكون لازما ولا على غير معين كرجل أو امرأة لأن تمليك غير المعين لا يصح فإن قيل فكيف جاز الوقف على المساجد وهي لا تملك قلنا الوقف إنما هو على المسلمين لكن عين نفعا خاصا لهم

فصل

ولا يصح تعليقه على شرط مستقبل لأنه عقد يبطل بالجهالة فلم يجز تعليقه على شرط مستقبل كالبيع إلا أن يقول هو وقف بعد موتي فيصح ويكون وصية يعتبر خروجه من الثلث لأنه تبرع مشروط بالموت فكان وصية كما لو قال إذا مت فهذا صدقة للمساكين وجعل القاضي وأبو الخطاب تعليق الوقف على الموت كتعليقه على شرط في الحياة فلا يصح في الموضعين إلا على قول الخرقي والأولى التفريق بينهما لأن تعليقه بالموت وصية فجاز كما لو قال إذا مت فداري لفلان أو أبرأته من ديني عليه ولا يلزم من جواز ذلك صحة تعليق الهبة والإبراء على شرط في الحياة كذا هاهنا ولا يجوز الوقف إلى مدة لأنه إخراج مال على سبيل القربة فلم يجز


451

إلى مدة كالعتق فإن شرط فيه الخيار أو شرط فيه الرجوع إذا شاء أو يبيعه إذا احتاج أو لم يدخل فيه من شاء لم يصح لأنه إخراج مال على سبيل القربة فلم يصح مع هذه الشروط كالعتق

فصل

وإن شرط أن يأكل منه أيام حياته أو مدة يعينها فله شرطه نص عليه أحمد رضي الله عنه واحتج بما روى حجر المدري أن في صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل أهله بالمعروف غير المنكر ولأن عمر رضي الله عنه قال في وقفه لا جناح على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقا وكان الوقف في يده إلى أن مات ولأنه لو وقف وقفا عاما كالسقاية والمسجد لكان له أن ينتفع منه كذلك إذا خصه بانتفاعه

فصل

وإن وقف على نفسه ثم على أولاده ففيه روايتان إحداهما لا يصح لأن الوقف تمليك فلم يصح أن يملك نفسه به كالبيع والثانية يصح لأنه لما جاز أن يشترط لنفسه منه شيئا جاز أن يختص به أيام حياته كالوصية

فصل

ولا يكون الوقف إلا على سبيل غير منقطع كالفقراء والمساكين


452

وطلبة العلم والمساجد أو على رجل بعينه ثم على مالا ينقطع فإن وقفه على رجل بعينه وسكت صح وكان مؤبدا لأن مقتضاه التأبيد فحمل فيما سماه على ما شرطه وفيما سكت عنه على مقتضاه ويصير كأنه وقف مؤبد أو قدم المسمى على غيره فإذا انقرض المسمى صرف إلى أقارب الواقف لأنهم أحق الناس بصدقته بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم صدقتك على غير رحمك صدقة وصدقتك على رحمك صدقة وصلة وعنه أنه يرجع إلى المساكين لأنهم مصارف الصدقات المفروضات كالزكوات والكفارات والأول ظاهر المذهب وظاهر كلام أحمد والخرقي أنه يرجع إلى الأغنياء والفقراء من أقاربه لأن الوقف يستوي فيه الغني والفقير ويحتمل أن يختص الفقراء لأنهم مصرف الصدقات ويرجع إلى جميع الورثة في إحدى الروايتين لأنه يصرف إليهم ماله عند موته والثانية يرجع إلى اقرب عصبة الواقف لأنه مصرف ولاء معتقه وعليهم عقله فخصوا بهذا ويكون وقفا على من رجع إليه لأنه إنما صرف إليه بوقف ملكه له والوقف يقتضي التأبيد فإذا انقرضوا رجع إلى المساكين وإن لم يكن له أقارب رجع إلى المساكين ليعيلهم ولو جعل الانتهاء مما لا يجوز الوقف عليه فقال وقفت على أولادي ثم على البيع فحكمه حكم ما لم يسم له انتهاء لأن ذكر ما لا يجوز كعدمه وإن قال وقفت داري لوم يذكر سبلها صح في قياس


453

المذهب لأنه إزالة ملك على سبيل القربة فصح مطلقا كالعتق وحكمه حكم منقطع الانتهاء

فصل

فإن قال وقفت على هذا العبد ولم يذكر له مالا فهو باطل لأنه منقطع الابتداء والانتهاء وإن جعل له ما لا يجوز الوقف عليه فقال ثم على المساكين صح لانه جمع فيه بين مايجوز وما لا يجوز فصح كما لو وقفه على أولاده ثم على البيع ويحتمل أن يخرج صحته على الروايتين في تفريق الصفقة فإن قلنا بصحته وكان من لا يصح الوقف عليه لا يمكن اعتبار انقراضه كالميت والمجهول صرف في الحال إلى من يجوز لأن ذكر من لا يجوز كعدمه وإن أمكن اعتبار انقراضه كعبد معين احتمل ذلك أيضا لذلك واحتمل أن يصرف إلى أقارب الواقف إلى أن ينقرض من لا يجوز الوقف عليه ثم يصرف إلى من يجوز لأن وقفه على من يجوز مشروط بانقراض من لا يجوز فكان الوقف قبل ذلك لا مصرف له فصرف إلى الأقارب كمنقطع الانتهاء

فصل

ويصح الوقف بالقول والفعل الدال عليه مثل أن يبني مسجدا ويأذن للناس في الصلاة فيه أو مقبرة ويأذن لهم في الدفن فيها أو سقاية أو يشرع


454

بابها ويأذن في دخولها لأن العرف جار به وفيه دلالة على الوقف فجاز أن يثبت به كالقول وجرى مجرى من قدم طعاما لضيفانه أو نثر نثارا أو صب في خوابي السبيل ماء فأما القول فألفاظه ستة ثلاثة صريحة وهي وقفت وحبست وسبلت متى أتى بواحدة منها صار وقفا لأنه ثبت لها عرف الاستعمال وعرف الشرع بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه إن شئت حبست أصلها وسبلت ثمرتها فصارت كلفظ الطلاق فيه وثلاثة كناية وهي تصدقت وحرمت وأبدت فليست صريحة لأنها مشتركة بين الوقف وغيره من الصدقات والتحريمات فإن قرن بها الوقف أو نوى بها لفظا من الألفاظ الخمسة أو حكم الوقف بأن يقول صدقة محبسة أو محرمة أو مؤبدة أو صدقة لاتباع ولا توهب ولا تورث صار وقفا لأنه لا يحتمل مع هذه القرائن إلا الوقف

فصل

ولا يجوز التصرف في الوقف بما ينقل الملك في الرقبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث ولأن مقتضى الوقف التأبيد وتحبيس الأصل بدليل أن ذلك من بعض ألفاظه والتصرف في رقبته ينافي ذلك


455

فصل

والوقف يزيل ملك الواقف لأنه يزيل ملكه عن التصرف في العين والمنفعة فأزال ملكه عن الرقبة كالعتق ويزيل الملك بمجرد لفظه لأن الوقف يحصل به وعنه لا يحصل إلا بإخراجه عن يده قال أحمد الوقف المعروف أن يخرجه من يده ويوكل من يقوم به لأنه تبرع فلم يلزم بمجرده كالهبة والوصية والأول المشهور لحديث عمر رضي الله عنه ولأنه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث فلزم بمجرده كالعتق ولا يفتقر إلى قبول ويحتمل أنه متى كان على آدمي معين افتقر إلى القبول لأنه تبرع لآدمي معين أشبه الهبة فإن لم يقبل أو رده بطل في حقه ولم يبطل في حق من بعده وصار كالوقف على من لا يصح ثم على من يصح وعلى الظاهر من المذهب أنه لا يفتقر إلى القبول ولا يبطل برده لأنه إزالة ملك على وجه القربة أشبه العتق والوقف على غير معين

فصل

وينتقل الملك في الوقف إلى الموقوف عليه في ظاهر المذهب لأنه سبب نقل الملك ولم يخرجه عن المالية وجد إلى من يصح تمليكه أشبه البيع والهبة وعنه لا يملكه ويكون الملك لله تعالى لأنه حبس للعين وتسبيل للمنفعة على وجه القربة فأزال الملك إلى الله سبحانه كالعتق


456

فصل

ويملك الموقوف عليه غلته وثمرته وصوفه ولينه لأنه من غلته فهو كالثمرة ويملك تزويج الأمة لأنه عقد على نفعها فأشبه إجارتها ويملك مهرها لأنه بدل نفعها أشبه أجرتها وإن ولدت فولدها وقف معها لأن الوقف حكم ثبت في الأم فسرى إلى الولد كالاستيلاد والكتابة ولا يملك الموقوف عليه وطأها لا ملكه فيها ضعيف ولا يؤمن إفضاؤه إلى إخراجها من الوقف فإن وطئها فلا حد عليه لأنها ملكه ولا مهر عليه لذلك وإن لم تلد منه فهي وقف بحالها وإن ولدت منه فالولد حر لأنه من مالكها وعليه قيمته يوم وضعه لأنه فوت رقه ويشتري بها عبدا يكون وقفا مكانه وتصير أم ولد له لأنه أحبلها بحر في ملكه فإذا مات عتقت ووجبت قيمتها في تركته حينئذ لأنه أتلفها على من بعده ويشتري بالقيمة جارية تكون وقفا مكانها وإن قلنا ليست ملكا له لم تصر أم ولد بوطئه

فصل

وإن أتلف الوقف أجنبي أو الواقف أو الموقوف عليه فعليه قيمته يشتري بها مثله يقوم مقامه لأن الموقوف عليه لا يملك التصرف في رقبته إنما له نفعه وإن وطئت الجارية بشبهة فولدها حر وعلى الواطئ قيمته يوم


457

وضعه يشتري بها ما يقوم مقامه وإن جنى الموقف تعلقت جنايته بالموقوف عليه لأنه يملكه ولم تتعلق بالوقف لأن رقبته ليست محلا للبيع فتعلقت بمالكه كأم الولد

فصل

وتصرف الغلة على ما شرط الواقف من التسوية والتفضيل والتقديم والتأخير والجمع والترتيب وإدخال من أدخله بصفة وإخراج من أخرجه بصفة لأنه ثبت بوقفه فوجب أن يتبع فيه شرطه ولان عمر رضي الله عنه وقف أرضه على الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل والضيف وجعل لمن وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقا ووقف الزبير على ولده وجعل للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضرا بها وإذا استغنت بزوج فلا حق لها فيه

فصل

فإذا قال وقفت على أولادي دخل فيه الذكر منهم والأنثى والخنثى لأن الجميع أولاد وهل يدخل فيه ولد الولد فيه روايتان إحداهما يدخلون لأنهم دخلوا في قول الله تعالى يوصيكم الله في أولادكم النساء 11 وفي قوله وهو يرثها إن لم يكن لها ولد النساء 176 فعلى هذه الرواية يدخل ولد البنين دون ولد البنات لأن ولد البنين هم الذين دخلوا في النص دون ولد البنات


458

قال الشاعر

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا
بنوهن أبناء الرجال الأجانب

والثانية لا يدخل ول الولد لأن ولده حقيقة ولد صلبه والكلام على حقيقته إلا أن يقرن به ما يدل على إدخالهم كقوله وقفت على أولادي لولد الذكور الثلثان وولد الإناث الثلث ونحوه فإن قال وقفت على اولادي فإذا انقرض أولاد أولادي فهو على المساكين دخل أولاد الأولاد في الوقف لأن قرينة اشتراط انقراضهم دليل على أنهم أريدوا به وقيل لا يدخلون أيضا لأن اللفظ لا يتناولهم بل يكون وقفا منقطع الوسط يصرف بعد أولاده إلى مصرف الوقف المنقطع فإذا انقرض أولاد أولاده صرف إلى المساكين وإن وصل لفظه بما يقتضي تخصيص أولاده فقال وقفت على ولدي لصلبي أو قال على أولادي ثم على أولادهم اختص بالولد وجها واحدا ومتى كان الوقف على الأولاد مطلقا سوي فيه بين الذكر والأنثى والخنثى لاقتضاء لفظه التسوية كقوله تعالى في ولد الأم فهم شركاء في الثلث النساء 12 وإن كان في لفظه تفضيل بعضهم فهو كذلك وإن كان له حمل لم يدخل في الوقف حتى ينفصل ثم يستحق ما يحدث من الغلة بعد انفصاله دون ما كان موجودا قبله كالثمرة المؤبرة والزرع المدرك لأنه لا يسمى ولدا قبل الانفصال وإن نفى ولده بلعان خرج من الوقف لخروجه عن كونه ولدا له


459

فصل

وإن وقف على بنيه لم يدخل فيه بنت ولا خنثى لأنه لم يعلم كونه ابنا وإن وقف على بناته لم يدخل فيه ذكر ولا خنثى وإن وقف على ولد فلان أو بنيه أو بناته فهو كوقفه على ولد نفسه وبنيه وبناته إلا أن يقف على بني فلان وهم قبيلة كبني هاشم فيدخل فيه الذكر والأنثى والخنثى من ولد البنين دون البنات لأن هذا الاسم يقع على القبيلة ذكرهم وأنثاهم وولد البنات لا يعدون منها

فصل

وإن وقف على أولاده وأولاد أولاده دخل في الوقف أولاده الذكور والإناث والخناثى وأولادهم الذكور والإناث والخناثى من ولد البنين فأما ولد البنات فقال الخرقي لا يدخلون لأنهم لم يدخلوا في قوله سبحانه يوصيكم الله في أولادكم النساء 11 ولا يدخلون في الوقف على ولد فلان وهم قبيلة فلا يدخلون ها هنا ولأنهم إنما ينسبون إلى قبيلة آبائهم دون قبيلة أمهاتهم وقال أبو بكر ابن حامد يدخلون في الوقف لأنهم أولاد أولاده فإن قال وأولاد أولادي المنتسبين إلي لم يدخلوا وجها واحدا وإن قال لولد الذكر سهمان ولولد الأنثى سهم دخلوا فيه لأنه صرح بدخولهم ولو وقف على قوم بأعيانهم ثم على أولادهم وكانوا ذكورا وإناثا دخل


460

أولاد الإناث في الصحيح لأن اللفظ تناولهم كتناوله ولد البنين وإن كان جميعهم إناثا دخل فيه أولادهن لأن لفظه نص فيهم

فصل

إذا شرك بين الولد وولد الولد بالواو اشترك الجميع فيه وإن رتب فقال على أولادي ثم على أولادهم أو قال الأعلى فالأعلى أو الأقرب فالأقرب وجب ترتيبه وإن رتب بطنين ثم شرك بين الباقين أو شرك بين بطنين ثم رتب الباقين فهو على ما شرطه وكيفما شرط فالأمر عليه لأن الوقف ثبت بلفظه فوجب أن يتبع مقتضاه

فصل

وإن وقف على قرابته أو قرابة فلان فهو لولده وولد أبيه وجده وجد أبيه الذكر والأنثى ولا يعطى من بعد ذلك ولا قرابته من جهة أمه شيئا لأن الله تعالى جعل خمس الخمس لذوي قربى النبي صلى الله عليه وسلم فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم قرابته إلى بني هاشم ولم يتجاوزهم ولم يعط بني زهرة شيئا ويحتمل أن يعطي كل من عرف قرابته من الجهتين لأن الاسم واقع عليهم لغة وعرفا وعنه إن كان يصل قرابته من جهة أمه في حياته دخلوا فيه وإلا فلا لأن صلته لهم في حياته تدل على إرادتهم بصلته هذه وإن وجدت قرينة لفظية أو حالية تدل على إرادتهم أو حرماتهم عمل عليه وأهل بيته بمثابة


461

قرابته وقال الخرقي إذا أوصى لأهل بيته أعطي من قبل أبيه وأمه

فصل

وإن وقف على أقرب الناس إليه وله أبوان وولد فهم سواء فيه لأن كل واحد منهم يليه في القرب من غير حاجز ولأنه جزء والده وولده جزؤه ويحتمل تقديم الابن لتقديمه في التعصيب وإن عدم بعضهم فهو للباقين ويقدم كل واحد من هؤلاء على من سواهم لا سواهم يدلي بواسطة وإن عدموا فهو لولد الابن أو الجد أبي الأب الأقرب منهم فالأقرب فإن عدموا فهو للأخوة لأنهم ولد الأب ويقدم الأخ من الأبوين ويسوى بين الأخ من الأب والأخ من الأم وكذلك الأخوات فإن عدموا صرف إلى بنيهم على ترتيب آبائهم ويسوى بين الأخ والجد لاستوائهما في الميراث ولأن الجد أبو الأب والأخ ولد الأب ويحتمل تقديم الجد لأن له ولاية وهو أقوى في الميراث وقيل يقدم الأخ لأنه ابن الأب فيكون أقوى من أبيه لقوة تعصيبه فإن لم يكن له إخوة فهو للأعمام ثم بنيهم على ترتيب الميراث وإن وقف على جماعة من أقرب الناس إليه صرف إلى ثلاثة منهم فإن كان بعضهم أقرب من بعض استوفي ما أمكن من الأقرب وتمم الباقي من الأبعد لأنه شرط العدد والأقرب فوجب اعتبارهما وأن استوى جماعة في القرب أعطي الجميع لتساويهم


462

فصل

وإن وقف على عترته فهم عشيرته وولده قاله ابن قتيبة وقال ابن الأعرابي وثعلب هم ذريته والأول أولى لأنه يروى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال نحن عترة النبي صلى الله عليه وسلم وإن وقف على مواليه وله موال من فوق وموال من أسفل فهو لجميعهم لأن الاسم يشملهم حقيقة وإن وقف على زيد وعمرو والفقراء فهو لجميعهم لأنه جعله لثلاث جهات فوجب قسمته أثلاثا وإن وقف عليهما ثم على الفقراء فلها الثلثان وللفقراء الثلث فمن مات منهما رجع نصيبه إلى صاحبه فإذا ماتا رجع إلى الفقراء لأنه جعله لهم مشروطا بانقراضهما

فصل

وإن وقف نخلة فيبست أو جذوعا فتكسرت جاز بيعها لأنه لا نفع في بقائهما وفيه ذهاب ماليتهما فكانت المحافظة على ماليتهما ببيعهما أولى لأنه لا يجوز وقف ما لا نفع فيه ابتداء فلا يجوز استدامة وقفه لأن ما كان شرطا لابتداء الوقف كان شرطا لاستدامته كالمالية وإذا بيعت صرف ثمنها في مثلها وإن حبس فرسا في سبيل الله فصارت بحيث لا ينتفع بها فيه بيعت لما ذكرنا وصرف ثمنها في حبيس آخر وإن وقف مسجدا فخرب وكان في مكان لا ينتفع به بيع وجعل في مكان ينتفع به لما ذكرنا وكل


463

وقف خرب بيع واشتري بثمنه ما يرد على أهل الوقف وإن وقف على ثغر فاختل صرف إلى ثغر مثله لأنه في معناه

فصل

وينفق على الوقف من حيث شرط الواقف لأنه لما اتبع شرط الواقف في سبيله كذلك في النفقة عليه فإن لم يشرط النفقة عليه أنفق عليه من غلته لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا بالنفقة عليه فإن لم يكن له غلة أنفق عليه الموقوف عليه لأنه ملكه

فصل

وينظر في الوقف من حيث شرط الواقف لأن عمر رضي الله عنه جعل النظر في وقفه إلى حفصة ابنته ثم إلى ذوي الرأي من أهلها ولأن سبله إلى شرطه فكذلك النظر فيه وإن لم يشرط الناظر ففيه وجهان أحدهما ينظر فيه الموقوف عليه لأنه ملكه وغلته له فكان نظره إليه كالمطلق والثاني إلى حاكم البلد لأنه يتعلق به حق الموقوف عليه وحق من ينتقل إليه ففوض الأمر فيه إلى الحاكم فإن جعله إلى اثنين من أفاضل ولده جعل إليهما فإن لم يوجد فيهما إلا فاضل واحد ضم الحاكم إليه آخر لأن الواقف لم يرض بنظر واحد


464

فصل

وإن اختلف أرباب الوقف فيه رجع إلى الواقف لأن الوقف ثبت بقوله فإن لم يكن تساووا فيه لأن الشركة ثبتت ولم يثبت التفضيل فوجبت التسوية كما لو شرك بينهم بلفظه

باب الهبة

وهي التبرع بتمليك مال في حياته وهي مستحبة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تهادوا تحابوا وهي أفضل من الوصية لما روى أبو هريرة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل قال أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا رواه مسلم وهبة القريب أفضل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله وفي هبة القريب صلتها ولا يجوز تفضيل بعض ولده على بعض في العطية لما روى النعمان بن بشير قال تصدق علي أبي ببعض ماله فقالت أمي عمرة بنت رواحة لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله فجاء أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقتي فقال أكل ولدك أعطيت مثله قال لا قال فاتقوا لله واعدلوا بين أولادكم قال فرجع أبي فرد تلك الصدقة رواه مسلم وفي


465

لفظ لا تشهدني على جور رواه أحمد فسماه جورا والجور حرام ولأن ذلك يوقع العداوة وقطيعة الرحم فمنع منه كنكاح المرأة على عمتها فإن فعل فعليه الستوية بأحد أمرين إما رد عطية الأول أو إعطاء الآخر مثله لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره برده وأمره يقتضي الوجوب فإن مات ولم يسو بينهم ففيه روايتان إحداهما يثبت ذلك لمن وهب له ويسقط حق الرجوع اختاره الخرقي لأنه حق للأب يتعلق بمال الولد فسقط بموته كالأخذ من ماله والثانية يجب رده وهذا اختيار ابن بطة وصاحبه أبي حفص لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه جورا والجور يجب رده بكل حال والتسوية المأمور بها القسمة بينهم على قدر مواريثهم لأنه تعجيل لما يصل إليهم بعد الموت فأشبه الميراث

فصل

فإن خص بعض ولده لغرض صحيح من زيادة حاجة أو عائلة أو اشتغاله بعلم أو لفسق الآخر وبدعته فقد روي عن أحمد رضي الله عنه ما يدل على جوازه لقوله في تخصيص بعضهم بالوقف لا بأس به إذا كان على سبيل الحاجة وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة ووجه ذلك ما روي أن أبا بكر رضي الله عنه قال لعائشة كنت قد نحلتك جذاذ عشرين وسقا ووددت


466

أنك حزتيه وإنما هو اليوم إلى الوارث وإنما هما أخواك وأختاك ويحتمل المنع لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل بشيرا

فصل

والأم كالأب في التسوية بين الأولاد لأنها أحد الأبوين فأشبهت الأب ولا تجب التسوية بين سائر الوراث لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن لبشير زوجة فلم يأمره بإعطائها حين أمره بالتسوية بين الأولاد

فصل

وما جاز بيعه من مقسوم أو مشاع أو غيره جازت هبته لأنه عقد يقصد به تمليك العين فأشبه البيع وتجوز هبة الكلب وما يباح الانتفاع به من النجاسات لأنه تبرع فجاز في ذلك كالوصية ولا يجوز في مجهول ولا معجوز عن تسليمه ولا في المبيع قبل قبضه لأنه عقد يقصد به التمليك في الحياة أشبه البيع ولا يجوز تعليقها على شرط مستقبل لذلك والحكم في الإيجاب ولا القبول فيها كالحكم في البيع على ما ذكر في بابه

فصل

ولا يثبت الملك للموهوب له في المكيل إلا بقبضه لحديث أبي بكر رضي الله عنه وروي عن عمر رضي الله عنه نحوه فإن مات الموهوب له قبل القبض بطلت لأنه غير لازم فيبطل بالموت كالشركة وإن مات الواهب


467

فعنه ما يدل على أن الهبة تبطل لذلك وهو قول القاضي وقال أبو الخطاب لا تبطل لأنه عقد مآله إلى اللزوم فلا يبطل بالموت كبيع الخيار ويقوم الوارث في التقبيض والفسخ فإذا قبض ثبت الملك حينئذ والخيرة في التقبيض إلى الواهب لأنه بعض ما يثبت به الملك فكانت الخيرة فيه إليه كالإيجاب ولا يجوز القبض إلا بإذنه لأنه غير مستحق عليه فإن قبض بغير إذنه لم تتم الهبة وإن أذن ثم رجع قبل القبض أو مات بطل الإذن

فصل

وأما غير المكيل والموزون ففيه روايتان إحداهما لا تتم هبته إلا بالقبض لانها نوع هبة فلم تتم قبل القبض كالمكيل والموزون والثانية تتم قبل القبض لما روي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا الهبة إذا كانت معلومة فهي جائزة قبضت أو لم تقبض ولأن الهبة أحد نوعي التمليك فكان منها ما يلزم قبل القبض كالبيع وقد ذكرنا اختلاف تفسير أصحابنا للمكيل والموزون في البيع وإن كان الموهوب في يد المتهب لم يحتج إلى قبض لأن قبضه مستدام وهل يفتقر إلى إذن في القبض فيه روايتان وذكر القاضي أنه لابد من مضي مدة يتأتى قبضه فيها كما ذكرنا في الرهن


468

فصل

فإن وهب لابنه الصغير شيئا وقبضه له صح ولزم ولانه فكان له القبض كما لو كان الواهب أجنبيا ويكون حكم القبض حكمه فيما إذا وهب له رجل شيئا في يده لأنه في يد الأب

فصل

والهبة المطلقة لا تقتضي ثوابا سواء كانت من مماثل أو أعلى أو أدنى لأنها عطية على وجه التبرع فلم تقتض ذلك كالصدقة وإن شرط ثوابا معلوما صح وكانت بيعا يثبت فيها الخيار والشفعة وضمان العهدة وحكي عن أحمد رواية ثانية أنه يغلب فيها حكم الهبة فلا تثبت فيها أحكام البيع المختصة به وإن شرط ثوابا مجهولا احتمل أن لا يصح لأنه عوض مجهول في معاوضة فلم يصح كالبيع وعنه أنه يصح ويعطيه ما يرضيه أو يردها ويحتمل أن يعطيه قيمتها فإن لم يفعل فللواهب الرجوع لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال من وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها ذا لم يرض منها قال أحمد إذا تغيرت العين الموهوبة بزيادة أو نقصان ولم يثبه منها فلا أرى عليه نقصان ما نقص إلا أن يكون ثوبا لبسه أو جارية استخدامها أو استعملها فإن اختلفا فقال وهبتك ببدل فأنكر الآخر فالقول قول المنكر لأنه ادعى عليه بدلا الأصل عدمه


469

فصل

وإن وهب لغير ولده شيئا وتمت الهبة لم يملك الرجوع فيه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال العائد في هبته كالعائد في قيئه متفق عليه وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لرجل أن يعطي عطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده رواه الترمذي وقال حديث حسن وإن وهب الرجل لولده فله الرجوع للخبر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بشيرا برد ما وهب لولده النعمان ولان الأب لا يتهم في رجوعه لأنه لا يرجع إلا لضرورة أو إصلاح الولد وليس للجد الرجوع لأن الخبر يتناول الوالد حقيقة وليس الجد في معناه لأنه يدلي بواسطة ويسقط بالأب ولا تسقط الأخوة فأما الأم فيحتمل أن لا رجوع لها لأنه لا ولاية لها على ولدها بخلاف الأب ويحتمل أن لها الرجوع لأنها أحد الأبوين فأشبهت الأب ولأنه يجب عليها التسوية بين ولدها في العطية فأشبهت الأب والهبة والصدقة سواء في ذلك بدليل أن في حديث النعمان بن بشير فرجع أبي فرد تلك الصدقة وعن أحمد رضي الله عنه ليس للأب الرجوع في هبته أيضا لعموم قوله صلى الله عليه وسلم العائد في هبته كالعائد في قيئه

فصل

وللرجوع في الهبة شروط أربعة أحدها أن تكون باقية في ملكه


470

لأن الرجوع فيها بعد خروجها عن ملكه إبطال لملك غيره فإن عادت إلى الابن بفسخ العقد فله الرجوع فيها لأنه عاد حكم العقد الأول وإن عادت بسبب آخر فلا رجوع له لأنه ما استفاد هذا الملك بسبب أبيه

الثاني أن يكون تصرف الابن فيها باقيا فإن استولد الأمة أو رهنها أو حجر عليه لفلس سقط الرجوع لما فيه من إسقاط حق الغرماء والمرتهن ونقل الملك فيما لا يقبل النقل فإن زال الحجر والرهن فله الرجوع لزوال المانع

الثالث أن لا يزيد زيادة متصلة كالسمن والتعلم فإن زادت ففي الرجوع روايتان كالروايتين في الرجوع على المفلس وإن كانت منفصلة لم يمنع الرجوع والزيادة للابن لأنها نماء منفصل في ملكه فكانت له كنماء المبيع المعيب

الرابع أن لا يتعلق بها رغبة لغير الولد نحو أن يرغب الناس في تزويجه فيزوجوه من اجلها أو يداينوه فإن تعلقت بها رغبة ففيه روايتان إحداهما لا رجوع فيها لأنه إضرار بالغير فلم يجز كالرجوع فيها بعد فلس الابن والثانية له ذلك لعموم الحديث ولان حق الغير لم يتعلق بهذا المال أشبه ما لو لم يتزوج


471

فصل

وللأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء معه غناه وحاجته بشرطين أحدهما أن لا يجحف بالابن ولا يأخذ ما تعلقت به حاجته الثاني أن لا يأخذ من مال أحد ولديه فيعطيه الآخر لأن تفضيل أحد الولدين غير جائز فمع تخصيص الآخر بالأخذ منه أولى فإذا وجد الشرطان جاز الأخذ لقول النبي صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك رواه سعيد وابن ماجه وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم رواه سعيد والترمذي وقال حديث حسن ولأنه يتصرف في مال ولده الصغير بغير تولية أشبه مال نفسه وليس للابن مطالبة أبيه بدين له عليه لما ذكرنا قال أحمد رضي الله عنه وإذا مات بطل دين الابن قال بعض أصحابنا يعني ما أخذه على سبيل التملك فأما إن أخذه على غير ذلك رجع الابن في تركته وليس للام الأخذ من مال ولدها بغير إذنه ولا للجد ولا سائر الأقارب لعدم الخبر فيهم وامتناع قياسهم على الأب لما بينهما من الفرق ويحتمل أن يجوز للأم لدخول ولدها في عموم قوله أولادكم

فصل

وإن تصرف الأب في مال ابنه قبل تملكه لم يصح تصرفه نص عليه


472

أحمد فقال لا يجوز عتقه لعبد ابنه ما لم يقبضه وكذلك إبراؤه من دينه وهبته لماله لأن ملك الابن باق عليه بدليل صحة تصرفه فيه ووطئه لجواريه وجريان الربا بينه وبين أبيه فأشبه مال الأجنبي وإن وطئ الأب جارية ابنه قبل تملكه فلا حد عليه للشبهة وإن لم تلد فهي على ملك الابن وإن ولدت فولده حر وتصير أم ولد له

فصل

في العمري

وهي أن يقول أعمرتك هذه الدار حياتك أو جعلتها لك عمرك أو عمري ولها ثلاث صور أحدها أن يقول أعمرتك هذه الدار حياتك ولعقبك من بعدك فهذه هبة صحيحة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيا وميتا رواه أحمد ومسلم الثانية أن يقول أعمرتكها حياتك ولم يزد ففيها روايتان إحداهما هي كالأولى للخبر وجاء في لفظ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرى لمن وهبت له متفق عليه ولان الأملاك المستقرة كلها مقدرة بحياة المالك وتنتقل إلى الورثة فلم يكن تقديره بحياته منافيا لحكم الإملاك والثانية يرجع بعد موته إلى المعمر لما روى جابر قال إنما العمرى التي أجازها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول هي لك ولعقبك فأما إذا قال هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها متفق عليه الثالثة أن يقول مع ذلك فإذا مت عادت إلي إن كنت حيا أو


473

إلى ورثتي والرقبى مثل ذلك إلا أنه يقول إن مت قبلي عادت إلي وإن مت قبلك فهي لك أو يقول أرقبتك داري هذه وقال مجاهد هي أن يقول للآخر مني ومنك موتا ففيها روايتان إحداهما هي لازمة لا تعود إلى الأول لعموم الخبر الأول ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ترقبوا فمن أرقب شيئا فهو له حياته وموته ولأنه شرط أن يعود إليه بعدما زال ملكه فلم يؤثر كما لو شرطه بعد لزوم العقد والثانية ترجع إلى المعمر والمرقب لحديث جابر ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنون عند شروطهم وتصح العمرى والرقبى في العقار والثياب والحيوان لأنها نوع هبة فجازت في ذلك كله كسائر الهبات ولو شرط في الهبة شرطا منافيا لمقتضاه نحو أن يقول وهبتك هذا بشرط أن لا تبيعه أو بشرط أن تبيعه أو تهبه فسد الشرط وفي صحة العقد وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع وإن قيدها فقال وهبتكها سنة لم يصح لأنه عقد ناقل للملك في الحياة أشبه البيع والله أعلم


474

كتاب الوصايا

الوصية هي التبرع بعد الموت وهي مستحبة لمن ترك خيرا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم رواه ابن ماجة وليست واجبه لأنها عطية لا تجب في الحياة فلا تجب بعد الموت كالزائد على الثلث وحكي عن أبي بكر أنها واجبة للأقارب غير الوارثين لظاهر قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين البقرة 180 والمستحب فيها الإيصاء بالخمس وقال القاضي وأبو الخطاب يستحب لمن كثر ماله الوصية بالثلث لما ذكرنا في الحديث ووجه ما ذكرنا ما روى عامر بن سعد عن أبيه قال مرضت مرضا أشفيت منه على الموت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني فقلت يا رسول الله لي مال كثير وليس يرثني إلا ابنتي أفأوصي بمالي كله قال لا قلت فبالثلثين قال لا قلت فبالشطر قال لا قلت فبالثلث قال الثلث والثلث كثير إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس متفق عليه يعني يطلبون الناس بأكفهم فاستكثر الثلث مع إخباره إياه بكثرة ماله وقلة عياله قال ابن عباس وددت لو أن


475

الناس غضوا من الثلث لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم والثلث كثير متفق عليه وأوصى أبو بكر بالخمس وقال رضيت لنفسي بما رضي الله به لنفسه وقال علي لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالثلث أما قليل المال ذو العيال فلا تستحب له الوصية لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس

فصل

ويستحب لمن رأي موصيا يحيف في وصيته أن ينهاه لنهي النبي صلى الله عليه وسلم سعدا عن الزيادة على الثلث وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا النساء 9 هو أن يرى المريض يحيف على ولده فيقول له اتق الله ولا توص بمالك كله

فصل

ولا يجوز لمن له وارث الوصية بزيادة على الثلث لنهي النبي صلى الله عليه وسلم سعدا عن ذلك فإن فعل وقف الزائد على الثلث على إجازة الورثة فإن أجازوه جاز وإن ردوه بطل بغير خلاف ولأن الحق لهم فجاز بإجازتهم وبطل بردهم وظاهر المذهب أن الإجازة صحيحة وإجازة الورثة تنفيذ لأن الإجازة تنفيذ في الحقيقة ولا خلاف في تسميتها إجازة فعلى هذا يكتفي فيها بقوله أجزت وما يؤدي معناه وأن كانت عتقا فالولاء


476

للموصي يختص به عصباته وقال بعض أصحابنا الوصية باطلة والإجازة هبة يفتقر إلى لفظها وولاء المعتقين لجميع الورثة وللمجيز إذا كان أبا للموصى له الرجوع فيها لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها والنهي يقتضي الفساد ولأنه أوصى بمال غيره فلم يصح كالوصية بما استقر ملك وارثه عليه ولا يعتبر الرد والإجازة إلا بعد الموت لأنه لا حق لوارث قبل الموت فلم يصح إسقاطه كإسقاط الشفعة قبل البيع فأما من لا وارث له ففيه روايتان إحداهما تجوز وصيته بماله كله لأن النهي معلل بالإضرار بالورثة لقوله صلى الله عليه وسلم إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس والثانية الوصية باطلة لأن ماله يصير للمسلمين ولا مجيز منهم

فصل

وإن أوصى بجزء من المال فأجازها الوارث ثم قال إنما أجزتها ظنا مني أن المال قليل قبل قوله مع يمينه لأنه مجهول في حقه فلم تصح الإجازة فيه ويحتمل أن لا يقبل لأنه رجوع عن قول يلزمه به حق فلم يقبل كالرجوع عن الإقرار وإن وصى بعبد فأجازه ثم قال ظننت المال كثيرا فأجزته لذلك ففيه أيضا وجهان وقيل يصح هنا وجها واحدا لأن العبد معلوم


477

فصل

ويعتبر خروجه من الثلث بعد الموت لأنه وقت لزوم الوصية واستحقاقها فلو وصى بثلث ماله وله ألفان فصار عند الموت ثلاثة آلاف لزمت الوصية في الألف وإن نقصت فصارت ألفا لزمت الوصية في ثلث الألف وإن وصى ولا مال له ثم استفاد مالا تعلقت الوصية به وإن كان له مال ثم تلف بعضه بعد الموت لم تبطل الوصية

باب من تصح وصيته والوصية له ومن لا تصح

من ثبتت له الخلافة صحت وصيته بها لأن أبا بكر أوصى بها لعمر رضي الله عنهما ووصى عمر إلى أهل الشورى ولم ينكره من الصحابة منكر ومن ثبتت له الولاية على مال ولده فله أن يوصي إلى من ينظر فيه لما روى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة قال أوصى إلى الزبير تسعة من أصحاب رسول الله منهم عثمان والمقداد وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود فكان يحفظ عليهم أموالهم وينفق على أبنائهم من ماله وللولي في النكاح الوصية بتزويج موليته فتقوم وصيته مقامه لأنها ولاية شرعية فملك الوصية بها كولاية المال وعنه ليس له الوصية بذلك لأنها ولاية لها من يستحقها


478

بالشرع فلم يملك نقلها بالوصية كالحضانة وقال ابن حامد إن كان لها عصبة لم تصح الوصية بها لذلك وإن لم تكن صحت لعدمه

فصل

ومن عليه حق تدخله النيابة كالدين والحج والزكاة ورد الوديعة صحت الوصية به لأنه إذا جاز أن يوصي في حق غيره ففي حق نفسه أولى ويجوز أن يوصي إلى من يفرق ثلثه في المساكين وأبواب البر لذلك

فصل

ومن صح تصرفه في المال صحت وصيته لأنها نوع تصرف ومن لا تمييز له كالطفل والمجنون والمبرسم ومن عاين الموت لا تصح وصيته لأنه لا قول له والوصية قول وتصح وصية البالغ المبذر لأنه إنما حجر عليه لحفظ ماله له وليس في وصيته إضاعة له لأنه إن عاش فهو له وإن مات لم يحتج إلى غير الثواب وقد حصله وتصح وصية الصبي المميز لذلك ولأن عمر أجاز وصية غلام من غسان وقال أبو بكر إذا جاوز العشر صحت وصيته رواية واحدة ومن دون السبع لا تصح وصيته ومن بينهما ففيه روايتان ويحتمل أن لا تصح وصية الصبي بحال لأنه لا يصح تصرفه أشبه الطفل فأما السكران فلا تصح وصيته لأنه لا تمييز له ويحتمل أن تصح بناء على طلاقه


479

فصل

ولا تصح الوصية بمعصية كالوصية للكنيسة وبالسلاح لأهل الحرب لأن ذلك لا يجوز في الحياة فلا يجوز في الممات وتصح الوصية للذمي لما روي أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أوصت لأخيها بثلاثمائة ألف وكان يهوديا ولأنه يجوز التصدق عليه في الحياة فجاز بعد الممات وتصح الوصية للحربى لذلك ويحتمل أن لا تصح لأنه لا يصح الوقف عليه

فصل

ولا تجوز الوصية لوارث لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا وصية لوارث وهذا حديث صحيح فإن فعل صحت في ظاهر المذهب ووقفت على إجازة الورثة لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يجوز لوارث وصية إلا أن يشاء الورثة فيدل على أنهم إذا شاؤوا كانت وصية جائزة وقال بعض أضحابنا الوصية باطلة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوراث فإن وصى لغير وارث فصار عند الموت وارثا لم تلزم الوصية وإن وصى لوارث فصار غير وارث لزمت الوصية لأن اعتبار الوصية بالموت

فصل

ولا تصح الوصية لمن لا يملك كالميت والملك والجني لأنه تمليك فلم يصح لهم كالهبة وإن وصى لحمل امرأة ثم تيقنا وجوده حال الوصية بأن


480

تضعه لأقل من ستة أشهر منذ أوصى أو لدون أربع سنين وليست بفراش صحت الوصية لأنه ملك بالإرث فملك بالوصية كالمولود وإن وضعته لستة أشهر فصاعدا وهي فراش لم تصح الوصية لأنه لا يتيقن وجوده حال الوصية وإن ألقته ميتا لم تصح الوصية له لأنه لا يرث وإن وصى لما تحمل هذه المرأة لم يصح لأنه تمليك لمن لا يملك وإن قال وصيت لأحد هذين الرجلين لم يصح لأنه تمليك لغير معين وإن قال أعطوا هذا العبد لأحد هذين صح لأنه ليس بتمليك إنما هو وصية بالتمليك فجاز كما لو قال لوكيله بع هذا العبد من أحد هذين

فصل

وإن وصى لعبده بمعين من ماله أو بمائه لم يصح لأنه يصير ملكا للورثة فيملكون وصيته وحكي عنه أن الوصية صحيحة وإن وصى له بنفسه صح وعتق وإن وصى له بمشاع كثلث ماله صح وتعينت الوصية فيه لأنه ثلث المال أو من ثلثه وما فضل من الثلث بعد عتقه فهو له وإن وصى لمكاتبه صح لأنه يملك المال بالعقود فصحت الوصية له كالحر وإن وصى لأم ولده صح لأنها حرة عند الاستحقاق وإن وصى لمدبره صح لأنه إما أن يعتق كله أو بعضه فيملك بجزئه الحر وإن وصى لعبد غيره كانت الوصية لمولاه لأنه اكتساب من العبد فأشبه الصيد ويعتبر القبول من


481

العبد فإن قبل السيد لم يصح لأن الإيجاب لغيره فلم يصح قبوله كالإيجاب في البيع

باب ما تجوز الوصية به

تصح الوصية بكل ما يمكن نقل الملك فيه من مقسوم ومشاع ومعلوم ومجهول لأنه تمليك جزء من ماله فجاز في ذلك كالبيع وتجوز بالحمل في البطن واللبن في الضرع وبعبد من عبيده وبما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء والآبق لأن الموصى له يخلف الموصي في الموصى به كخلافة الورثة في باقي المال والوارث يخلفه في هذه الأشياء كلها كذلك الموصى له وإن وصى بمال الكتابة صح لذلك وإن وصى برقبة المكاتب انبنى على جواز بيعه فإن جاز جازت الوصية به وإلا فلا وإن وصى له بما تحمل جاريته أو شاته أو شجرته صح لأن المعدوم يجوز أن يملك بالسلم والمساقاة فجاز أن يملك بالوصية

فصل

وتجوز الوصية بالمنافع لأنها كالأعيان في الملك بالعقد والإرث فكذلك في الوصية وتجوز الوصية بالعين دون المنفعة وبالعين لرجل


482

والمنفعة لآخر لانهما كالعينين فجاز فيهما ما جاز في العينين وتجوز بمنفعة مقدرة المدة ومؤبدة لأن المقدرة كالعين المعلومة والمؤبدة كالمجهولة فصحت الوصية بالجميع

فصل

وتجوز الوصية بما يجوز الانتفاع به من النجاسات كالكلب والزيت النجس لأنه يجوز اقتناؤه للانتفاع فجاز نقل اليد فيه بالوصية ولا تجوز بما لا يحل الانتفاع به كالخمر والخنزير والكلب الذي يحرم اقتناؤه لأنه لا يحل الانتفاع به فلا تقر اليد عليه

فصل

ويجوز تعليقها على شرط في الحياة لأنها تجوز في المجهول فجاز تعليقها على شرط كالطلاق ويجوز تعليقها على شرط بعد الموت لأن ما بعد الموت في الوصية كحال الحياة وإن قال وصيت لك بثلثي وإن قدم زيد فهو له فقدم زيد في حياة الموصي فهو له وإن قدم بعد موته فقال القاضي الوصية للأول لأنه استحقها بموت الموصي فلم ينتقل عنه ويحتمل أنها للثاني لأنه جعلها له بقدومه وقد وجد

فصل

وإذا كانت الوصية لغير معين كالفقراء أو لمن لا يعتبر قبوله كسبيل


483

الله لزمت بالموت لأنه لا يمكن اعتبار القبول فسقط اعتباره وإن كانت لآدمي معين لم تلزم إلا بالقبول لأنها تمليك فأشبهت الصدقة ولا يصح القبول إلا بعد الموت لأن الإيجاب لما بعده فكان القبول بعده فإذا قبل ثبت له الملك حينئذ لأن القبول يتم به السبب فلم يثبت الملك قبله كالهبة ويحتمل أنه موقوف ان قبل بنينا أنه ملكه من حين الموت لأن ما وجب انتقاله بالقبول وجب انتقاله من جهة الموجب بالإيجاب كالبيع والهبة والمذهب الأول فما حدث من ماء منفصل قبل القبول فهو للوارث وإن وصى لرجل بزوجته فأولدها قبل القبول فولده رقيق للوارث وعلى الاحتمال الثاني يكون النماء للموصى له وولده حر

فصل

وإن رد الوصية في حياة الموصي لم يصح الرد لأنه لا حق له في الحياة فلم يملك إسقاطه كالشفيع قبل البيع وإن ردها بعد الموت قبل القبول صح لأن الحق ثبت له فملك إسقاطه كالشفيع بعد البيع وإن رد بعد القبول لم يصح الرد لأنه ملك ملكا تاما فلم يصح رده كالعفو عن الشفعة بعد الأخذ بها فإن لم يقبل ولم يرد فللورثة مطالبته بأحدهما فإن امتنع حكمنا عليه بالرد لأن الملك متردد بينه وبين الورثة فأشبه من تحجر مواتا وامتنع من إحيائه أو وقف في مشرعة ماء يمنع غيره ولا يأخذ


484

فصل

فإن مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية لأنه مات قبل استحقاقها فإن مات بعده قبل القبول فكذلك في قياس المذهب واختيار ابن حامد لأنه عقد يفتقر إلى القبول فبطل بالموت قبل القبول كالهبة والبيع وقال الخرقي يقوم الوارث مقام الموصى له في القبول والرد لأنه عقد لازم من احد طرفيه فلم يبطل بموت من له الخيار كعقد الرهن فإذا قبل الوارث ثبت الملك له فلو وصى لر جل بأبيه فمات الموصى له قبل القبول فقبل ابنه وقلنا بصحة ذلك فإن الملك ينتقل إلى الموصى له بموت الموصي ورث الموصى به من أبيه السدس لأنا تبينا أنه كان حرا وإن قلنا لا ينتقل إلا بالقبول لم يرث شيئا لأنه كان رقيقا

باب ما يعتبر من الثلاث

ما وصي به من التبرعات كالهبة والوقف والعتق والمحاباة اعتبر من الثلث سواء كانت الوصية في الصحة أو المرض لأن لزوم الجميع بعد الموت وعنه أن الوصية في الصحة من رأس المال والأول أصح فأما الواجبات كقضاء الدين والحج والزكاة فمن رأس المال لأن حق الورثة بعد أداء الدين لقوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين النساء 11 وقال علي رضي


485

الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الدين قبل الوصية رواه الترمذي والواجب لحق الله بمنزلة الدين لقول النبي صلى الله عليه وسلم دين الله أحق أن يقضى فإن وصى بها مطلقا أو من رأس ماله فهي من رأس ماله فإن قال أخرجوها من ثلثي أخرجت من الثلث وتممت من رأس المال فإن كان معها وصية بتبرع فقال القاضي يبدأ بالواجب فإن فضل عنه من الثلث شيء فهو للموصى له بالتبرع فإن لم يفضل شيء سقط إلا أن يجيز الورثة ويحتمل أن يقسم الثلث بين الوصيين بالحصة فما بقي من الواجب تمم من الثلثين فيدخله الدور ويحتاج إلى العمل بطريق الجبر فتفرض المسألة فيمن وصى بقضاء دينه وهو عشرة ووصى لآخر بعشرة وتركته ثلاثون فأجعل تتمة الواجب شيئا ثم خذ ثلث الباقي وهو عشرة إلا ثلث شيء قسمها بين الوصيين فحصل لقضاء الدين خمسة إلا سدس شيء إذا أضفت إليها الشيء المأخوذ كان عشرة فأجبر الخمسة من الشيء بسدسه يبقى خمسة دنانير وخمسة أسداس شيء تعدل عشرة فالشيء ستة وحصل لصاحب الوصية الأخرى أربعة

فصل

فأما عطيته في صحته فمن رأس ماله لأنه مطلق في التصرف في ماله لا حق لأحد فيه وإن كان في مرض غير مخوف فكذلك لأنه في حكم الصحيح وإن كان مخوفا اتصل به الموت فعطيته من الثلث لما روى عمران


486

ابن حصين أن رجلا أعتق ستة أعبد له عند موته لم يكن له مال غيرهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة وقال له قولا شديدا رواه مسلم ولأنه في هذه الحالة لا يأمن الموت فجعل كحال الموت فإن برئ ثم مرض ومات فهو من رأس المال لأنه ليس بمرض الموت وإن وهب ما يعتبر قبضه وهو صحيح وأقبضه وهو مريض اعتبر من الثلث لأنه لم يلزم إلا بالقبض الذي وجد في المرض

فصل

والمرض المخوف كالطاعون والقولنج والرعاف الدائم والإسهال المتواتر والحمى المطبقة وقيام الدم والسل في انتهائه والفالج في ابتدائه ونحوها وغير المخوف كالجرب ووجع الضرس والصداع اليسير والحمى اليسيرة والإسهال اليسير من غير دم والسل قبل تناهيه والفالج إذا طال فأما الأمراض الممتدة فإن اضني صاحبها على فراشه فهي مخوفة وإلا فلا وقال أبو بكر فيها وجه آخر أنها مخوفة على كل حال فإن أشكل شيء من هذه الأمراض رجع إلى قول عدلين من أهل الطب لأنهم أهل الخبرة به


487

فصل

وإذا ضرب الحامل الطلق فهو مخوف لأنه من أسباب التلف وما قبل ستة أشهر فهي في حكم الصحيح فإذا صار لها ستة أشهر فقال الخرقي عطيتها من الثلث لأنه وقت لخروج الولد وهو من أسباب التلف وقال غيره هي كالصحيح لأنه لا مرض بها وإن وضعت الولد وبقيت معها المشيمة أو حصل مرض أو ضربان فهو مخوف وإلا فلا ومن كان بين الصفين حال التحام الحرب أو في البحر في هيجانه أو أسير قوم عادتهم قتل الأسرى أو قدم للقتل أو حبس له أو وقع الطاعون ببلده فعطيته من الثلث لأنه يخاف الموت خوف المريض وأكثر فكان مثله في عطيته قال أبو بكر وفيه رواية أخرى أن عطاياهم من جميع المال لأنه لا مرض بهم

فصل

فأما بيع المرض بثمن المثل وتزويجه بمهر المثل فلازم من جميع المال لأنه ليس بوصية إنما الوصية التبرع وليس هذا تبرعا وإن حابى في ذلك اعتبرت المحاباة من الثلث لأنها تبرع وإن كاتب عبده اعتبرت من الثلث لأن ما يأخذه عوضا من كسب عبده وهو مال له فصار كالعتق بغير عوض وإن وهب له من يعتق عليه فقبله عتق من المال كله لأنه لم يخرج من ماله شيئا بغير عوض وإن مات ورثه لأنه ليس بوصية


488

فصل

وإن عجز الثلث عن التبرعات قدمت العطايا على الوصايا لأنها أسبق فإن عجز الثلث عن العطايا بدئ بالأول فالأول عتقا كان أو غيره لأن السابق استحق الثلث فلم يسقط بما بعده وإن وقعت دفعة واحدة تحاصوا في الثلث وأدخل النقص على كل واحد بقدر عطيته لأنهم تساووا في الحق فقسم بينهم كالميراث وعنه أن العتق يقدم لأنه آكد لكونه مبنيا على التغليب والسراية فإن كان العتق لأكثر من واحد أقرع بينهم فكمل العتق في بعضهم لحديث عمران ولا القصد تكميل الأحكام في العبد ولا يحصل إلا بذلك وإن قال إن أعتقت سالما فغانم حر ثم أعتق سالما قدم على غانم لأن عتقه أسبق وإن قال إن أعتقت سالما فغانم حر مع حريته فكذلك لأننا لو أعتقنا غانما بالقرعة لرق سالم ثم بطل عتق غانم لأنه مشروط بعتق سالم فيفضي عتقه إلى بطلان عتقه وإن كانت التبرعات وصايا سوي بين المتقدم والمتأخر لأنها توجد عقيب موته دفعة واحدة فتساوت كلها

فصل

وإذا عتق بعض العبد بالقرعة تبينا أنه كان حرا من حين الإعتاق فيكون كسبه له وإن عتق بعضه ملك من كسبه بقدره فلو أعتق عبدا


489

لا يملك غيره قيمته مائة فكسب في حياة سيده مائة عتق نصفه وله نصف كسبه ويحصل للورثة نصفه ونصف كسبه وذلك مثلا ما عتق منه فطريق عملها أن يقول عتق منه شيء وله من كسبه شيء وللورثة شيئان فيقسم العبد وكسبه على أربعة أشياء فيخرج للشيء خمسون وهو نصف العبد ولو كسب مثلي قيمته لقلت عتق منه شيء وله من كسبه شيئان وللورثة شيئان فيعتق منه ثلاثة أخماسه وله ثلاثة أخماس كسبه وللورثة الخمسان

فصل

وإن وهب المريض مريضا عبدا قيمته عشرة لا يملك غيره ثم وهبه الثاني للاول ولا يملك غيره فقد صحت هبة الأول في شيء وصحت هبة الثاني في ثلث ذلك الشيء بقي له ثلثا شيء ولورثة الأول شيئان أبسط الجميع أثلاثا تكن ثمانية والشيء ثلاثة فلورثة الأول ستة هي ثلاثة أرباع العبد ولورثة الثاني ربعه

فصل

ولو تزوج المريض امرأة صداق مثلها خمسة فأصدقها عشرة لا يملك غيرها فماتت قبله ثم مات فقد صح لها بالصداق خمسة وشيء وعاد إلى الزوج نصف ذلك ديناران ونصف ونصف شيء فصار لورثته سبعة ونصف إلا نصف شيء تعدل شيئين أجبرها بنصف شيء تصر شيئان ونصف


490

تعدل سبعة ونصفان أبسطها تصر خمسة تعدل خمسة عشر فالشيء إذا ثلاثة فلورثة الزوج ستة ولورثتها أربعة

فصل

وإن باع المريض عبدا لا يملك غيره قيمته ثلاثون بعشرة فأسقط الثمن من قيمته ثم انسب ثلث العبد كله إلى الباقي من ثمنه يكن نصفه فيصح البيع في نصفه بنصف ثمنه ولو اشتراه بخمسة عشر كانت نسبة الثلث إلى باقيه بثلثين فيصح البيع في ثلثه بثلثي ثمنه

فصل

ومن وصى لرجل بثلث ماله ومنه حاضر وغائب وعين ودين فللموصى له ثلث العين الحاضرة وللورثة ثلثاها وكلما اقتضى من الدين شيء أو حضر من الغائب شيء اقتسموه أثلاثا لأنهم شركاء فيه وإن وصى بمائة حاضرة وله مائتان غائبة أو دين ملك الموصى له ثلث الحاضرة وله التصرف فيه في الحال لأن الوصية فيه نافذة فلا فائدة في وقفه ووقف ثلثاها فكلما حضر من الغائب شيء أخذه الوارث واستحق الموصى له من الحاضرة قدر ثلثه وإن تلفت الغائبة فالثلثان للورثة وكذلك لو دبر عبده ومات وله دين مثلاه عتق ثلثه ووقف ثلثاه لما ذكرناه


491

فصل

وإن وصى له بمنفعة عبد سنة ففي اعتبارها من الثلث وجهان أحدهما تقوم المنفعة سنة ويقوم العبد مسلوب المنفعة سنة على الوارث والثاني يقوم العبد كامل المنفعة ويقوم مسلوب المنفعة سنة فيعتبر ما بينهما وإن وصى بنفعه حياته ففيه وجهان أحدهما يقوم العبد بمنفعته ثم يقوم مسلوب المنفعة فما زاد على قيمة الرقبة المنفردة فهو قيمة المنفعة والثاني يقوم العبد بمنفعته على الموصى له لأن عبدا لا نفع فيه لا قيمة له وإن وصى لرجل بنفعه ولآخر برقبته اعتبر خروج العبد بمنفعته من الثلث وجها واحدا وإن وصى له بثمرة شجرة أبدا ففي التقويم الوجهان لما ذكرناه

باب الموصى له

إذا أوصى لجيرانه صرف إلى أربعين دارا من كل جانب لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الجار أربعون دارا هكذا وهكذا وهكذا وهكذا وإن أوصى للعلماء فهو للعلماء بالشرع دون غيرهم لأنه لا يطلق هذا الاسم على غيرهم ولا يستحق من يسمع الحديث ولا معرفة له به لان مجرد سماعه ليس بعلم


492

فصل

وإن أوصى للأيتام فهو لمن لا أب له غير بالغ لأن اليتم فقد الأب مع الصغر ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يتم بعد احتلام رواه أبو داود ويدخل فيه الغني والفقير لشمول الاسم لهم والأرامل النساء غير ذوات الأزواج لأن الاسم لا يطلق في العرف على غيرهن وتستحق منه الغنية والفقيرة لذلك فإن قيل فقد قال الشاعر

هذي الأرامل قد قضيت حاجتها
فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر

فسمى الذكر أرملا قلنا هذا البيت حجة لنا فإنه لم يدخل الذكور في لفظ الأرامل إذ لو دخلوا لكان الضمير ضمير الذكور فإنه متى اجتمع ضمير المذكر والمؤنث غلب ضمير التذكير وإنما سمى نفسه أرملا تجوزا وكذلك وصفه بكونه ذكرا والعزاب من لا أزواج لهم من الرجال والنساء يقال رجل عزب وامرأة عزبة والأيامى مثل العزاب سواء قال الشاعر

فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي
وإن كنت أفتى منكم أتأيم

ويحتمل أن يختص العزاب بالرجال والأيامى بالنساء لأن الاسم في العرف لهم دون غيرهم ولأنه لو كان الأيم مشتركا بينهما لاحتيج إلى الفرق بهاء التأثين كقائم وقائمة فلما أطلق على المؤنث بغيرها دل على اختصاصها به كطالب وحائض وشبههما


493

فصل

والغلمان والصبيان الذكور ممن يبلغ لأن الاسم في العرف لهم دون غيرهم والفتيان والشبان اسم للبالغين إلى الثلاثين والكهول من جاوز ذلك إلى الخمسين وقيل في قوله تعالى ويكلم الناس في المهد وكهلا آل عمران 46 هو ابن ثلاثين والشيوخ من جاوز الخمسين إلى آخر العمر والعانس من الرجال والنساء من كبر ولم يتزوج قال قيس بن رفاعة الواقفي

فينا الذي ما عدا أن طر شاربه
والعانسون وفينا المرد والشيب

فصل

ومن وصى لصنف من أصناف الزكاة صرف إلى من يستحق الزكاة من ذلك الصنف ويعطى من الوصية والوقف حسب ما يعطى من الزكاة إلا الفقراء والمساكين فإنه إذا وصى لأحد الصنفين دخل الآخر في الوصية لأنهما صنفان في الزكاة وصنف في سائر الأحكام لشمول الاسم للقسمين وإن وصى لأقاربه أو أهل قريته لم يدخل الكافر في الوصية إذا كان الموصي مسلما لأنهم لم يدخلوا في وصية الله تعالى للأولاد بالميراث وإن كان الموصي كافرا لم يدخل المسلم في وصيته في أحد الوجهين لذلك ويدخل في الآخر لعموم اللفظ فيه وكونه أحق بالوصية له من الكافر


494

فصل

فإن وصى لحمل امرأة فولدت ذكرا أو أنثى فهما سواء لأنه عطية فاستوى فيها الذكر والأنثى كلاهبة وإن قال إن ولدت ذكرا فله ألف وإن ولدت أنثى فلها مائة فولدت ذكرا وأنثى فلكل واحد منهما ما عين له وإن ولدت خنثى فله مائة لأنه اليقين ويوقف الباقي حتى يتبين وإن ولدت ذكرين وأنثيين شرك بين الذكرين في الألف وبين الأنثيين في المائة لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر ولو قال إن كان ما في بطنك ذكر فله ألف وإن كان أنثى فله مائة فولدت ذكرا وأنثى فلا شيء لواحد منهما لأنه شرط أن يكون جميع ما في البطن على هذه الصفة ولم توجد

فصل

ومتى كانت الوصية لجمع يمكن استيعابهم لزم استيعابهم والتسوية بينهم لأن اللفظ يقتضي التسوية فأشبه ما لو أقر لهم وأن لم يمكن استيعابهم صحت الوصية لهم وجاز الاقتصار على واحد لأنه لما أوصى لهم عالما بتعذر استيعابهم علم أنه لم يرد ذلك إنما أراد أن لا يتجاوزهم بالوصية ويحصل ذلك بالدفع إلى واحد منهم ويحتمل أن لا يجزئ الدفع إلى أقل من ثلاثة بناء على قولنا في الزكاة ويجوز تفضيل بعضهم على بعض لأن من جاز


495

حرمانه جاز تفضيل غيره عليه سواء كانت الوصية لقبيلة أو أهل بلدة أو الموصوفين بصفة كالمساكين

فصل

وإن وصى لزيد والمساكين فلزيد النصف وللمساكين النصف لأنه جعلها لجهتين فوجب قسمها نصفين كما لو وصى لزيد وعمرو وإن وصى لزيد والفقراء والمساكين فلزيد الثلث لذلك وإن وصى لزيد بدينار وللفقراء بثلاثة وزيد فقير لم يعط غير الدينار لانه قطع الاجتهاد في الدفع إليه بتقدير حقه بدينار

فصل

وإن قال ضع له ثلثي حيث يريك الله لم يملك أخذه لنفسه لأنه تمليك ملكه بالإذن فلم يملك صرفه إلى نفسه كالبيع ولا إلى ولده ولا إلى والده لأنه بمنزلته ولهذا منع من قبول شهادته له ويحتمل جواز ذلك لعموم لفظ الموصي فيهم وله وضعها حيث أراه الله والمستحب صرفها إلى فقراء أقارب الميت ممن لا يرثه لأنهم أولى الناس بوصية الميت وصدقه ونقل المروذي عن أحمد رضي الله عنه فيمن وصى بثلثه في أبواب البر يجزئ ثلاثة أجزاء في الجهاد وجزء يتصدق به في قرابته وجزء في الحج ويحتمل أن يصرف في أبواب البر كلها وهي كل ما فيه قربة لان لفظه عام ولا نعلم قرينة مخصصة فوجب إبقاؤه على العموم


496

فصل

إذا وصى بشيء لله ولزيد فجميعه لزيد لأن ذكر الله تعالى للتبرك باسمه كقوله سبحانه واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الأنفال 41 وإن وصى بشيء لزيد ولمن لا يملك كجبريل والرياح والميت فالموصى به كله لزيد ويحتمل أن له نصف الموصى به لأنه شريك بينه وبين غيره فلم يكن له أكثر من النصف كما لو كان شريكه ممن يملك وإن وصى لزيد وعمرو فبان أحدهما ميتا فليس لأحدهما إلا نصف الوصية لأنه قاصد للتشريك بينهما لاعتقاده حياتهما

باب الوصية بالأنصباء

إذا وصى لرجل بسهم من ماله فحكى فيها الخرقي فيها روايتين إحداهما للموصى له السدس لأنه يروى عن ابن مسعود أن رجلا وصى لرجل بسهم من ماله فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم سدس المال وقال إياس بن معاوية السهم في كلام العرب السدس فإن كان الورثة عصبة أعطي سدس جميع المال والباقي للعصبة وإن كانوا ذوي فرض أعيلت المسألة بالسدس فيصير له السبع وإن أعيلت الفريضة أعيل سهمه أيضا لأنه ليس بأحسن حالا من الوارث والثانية يعطى سهما مما تصح منه الفريضة مزادا عليها لأن وصيته من


497

الفريضة فيكون سهما على سهمانها قال القاضي ويشترط أن لا يزيد على الثلث فإن زاد عليه رد إلى السدس واختار الخلال وصاحبه أن يعطى أقل سهم من سهام الورثة فيكون ذلك بمنزلة الوصية بنصيب وارث

فصل

وإن وصى له بنصيب أو حظ أو جزء من ماله أعطاه الورثة ما شاؤوا لن كل شيء يقع عليه اسم ذلك

فصل

وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته عطي مثل ما لأقلهم نصيبا لأنه اليقين يزاد ذلك على مسلة الورثة فإن كان له ابن فله النصف لأنه سوى بينهما ولا تحصل التسوية إلا بذلك وإن كان له ابنان فللموصى له الثلث وإن وصى بنصيب أحدهما ففيه وجهان أحدهما يصح ويكون ذلك ككناية عن مثل نصيبه بتقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه والثاني لا يصح لان نصيب الابن له فلا تصح الوصية به كما لو وصى بماله من غير الميراث وإن وصى بمثل نصيب ابنه الكافر أو الرقيق فالوصية باطلة لأنه وصى بمثل نصيب من لا نصيب له


498

فصل

وأن وصى له بضعف نصيب ابنه فله مثل نصيبه مرتين لأن ضعف الشيء مثلاه وإن وصى له بضعفي نصيب ابنه فقال أصحابنا له ثلاثة أمثاله وثلاثة أضعافه وأربعة أمثاله لأن ضعف الشيء هو ومثله وضعفاه هو ومثلاه وقال ذلك أبو عبيدة

واختياري أن ضعفي الشيء مثلاه بمنزلة ضعفه لقوله تعالى فآتت أكلها ضعفين البقرة 165 أي مثلين قاله أهل التفسير وكذلك يضاعف لها العذاب ضعفين الأحزاب 10 وقال هشام بن معاوية النحوي العربي يتكلم بالضعف مثنى فيقول إن أعطيتن درهما فلك ضعفاه أي مثلاه قال وإفراده لا بأس به والتثنية أحسن فعلى هذا ثلاثة أضعافه ثلاثة أمثاله

فصل

وإن وصى لرجل بجزء مقدر من ماله كثلث أو ربع أخذته من مخرجه فدفعته إليه وقسمت الباقي على مسألة الورثة إن انقسم وإلا ضربت مسألة الورثة أو وفقها في مخرج الوصية فما بلغ فمنه تصح فإن كان أكثر من الثلث فأجاز الورثة فكذلك وإن ردوا أعطيت الموصى له الثلث وجعلت للورثة الثلثين وإن وصى بجزئين مثل أن يوصي لرجل بثلث ماله ولآخر بنصفه أخذت مخرج الوصيتين وضربت إحداهما في


499

الأخرى تصير ستة فأعطيت صاحب النصف ثلاثة وصاحب الثلث سهمين إن أجاز الورثة وإن ردوا قسمت الثلث بينهما على خمسة وضبت ذلك في ثلاثة تكن خمسة عشر للوصيين خمسة ولروثة عشرة لأن ما قسم متفاضلا عند اتساع المال قسم متفاضلا عند ضيقه كالمواريث وإن أجازوا لأحدهما دون الآخر ضربت مسألة الإجازة في مسألة الرد أو وفقها إن وافقت وأعطيت المجاز له سهامه من مسألة الإجازة مضروبة في مسألة الرد أو وفقها وأعطيت الآخر سهامه من مسألة الرد مضروبة في مسألة الإجازة او وفقها ولو وصى لرجل بجميع ماله ولآخر بثلثه قسمت المال على أربعة لصاحب المال ثلاثة ولصاحب الثلث سهم لأن السهام في الوصايا كالسهام في الميراث تعال بالزائد وإن لم يجيزوا قسم الثلث على أربعة فإن اجازوا لصاحب الكل وحده فلصاحب الثلث ربع الثلث لأن ذلك كان له في حال الأرد عليهما وفي صاحب المال وجهان أحدهما له الباقي كله لأنه موصى له به وإنما امتنع منه في حال الإجازة لهما لمزاحمة صاحبه له فإذا زالت المزاحمة في الباقي كان له والثاني ليس له إلا ثلاثة أرباع المال التي كانت له في حال الإجازة لهما والباقي للورثة لأنه من نصيب صاحب الثلث وإن أجازوا لصاحب الثلث وحده ففيه وجهان أحدهما له الثلث كاملا والثاني له الربع ولصاحب المال الربع والباقي للورثة وإن كثرت السهام كرجل أوصى لرجل بالمال


500

ولآخر بنصفه ولآخر بثلثه ولآخر بربعه ولآخر بسدسه أخذت مخرجا يجمع الكسور فجعلته المال وهو هنا اثنا عشر ثم زدت عليه نصفه وثلثه وربعه وسدسه فبلغ الجميع سبعة وعشرين فيقسم المال بينهم إن أجيز لهم أو الثلث إن رد عليهم

فصل

فإن وصى لرجل بثلث ماله ولآخر بمثل نصيب أحد ورثته وهما اثنان ففيها وجهان أحدهما أن يعطي الثلث لصاحبه ويقسم الباقي بين الأثنين والوصي الآخر على ثلاثة فتصح المسألة من تسعة للموصى له بالثلث ثلثه وللآخر سهمان ولكل ابن سهمان وإن رادا قسمت الثلث بين الوصيين على خمسة والوجه الآخر أن صاحب النصيب موصى له بثلث المال لأننا لا نرتب الوصايا بعضها على بعض فعلى هذا إن أجيز لهما فللوصيين الثلثان وللابنين الثلث فإن ردا فالثلث بينهما على اثنين والثلثان للابنين وتصح من ستة فإن كانت الوصية الأولى بالنصف ففيه وجه ثالث وهو أن تجعل لصاحب النصيب نصيبه من الثلثين وهو ثلثهما ولصاحب النصف النصف إن أجاز الورثة وإن ردوا قسمت الثلث بين الوصيين على ثلاثة عشر سهما والثلثان للابنين


501

فصل

وإن وصى لرجل بمثل نصيب أحد ورثته ولآخر بجزء مما يبقى من المال كرجل له ثلاثة بنين أوصى بمثل نصيب أحدهم ولآخر بثلث ما بقي فعلى الوجه الذي نقول لصاحب النصيب في المسألة التي قبلها ثلث المال له ها هنا ربع المال ويكون للآخر ربع أيضا يبقي سهمان من أربعة لثلاثة بنين وتصح من اثني عشر سهما لكل واحد من الوصيين ثلاثة ولكل ابن سهمان وإن ردوا عليهما قسمت الثلث بين الوصيين نصفين والباقي للبنين وعلى الوجه الآخر لا يزاد صاحب النصيب على ميراث ابن لأنه قصد التسوية بينه وبينهم ولك في عملها طرق أحدها أن تضرب مخرج إحدى الوصيتين في الأخرى وهو هنا ثلاثة في أربعة تكن اثني عشر ثم تنقصه سهما يبقى أحد عشر فمنه تصح ثم تأخذ مخرج الجزء وهو ثلاثة تنقصها سهما يبقى سهمان وهو النصيب الطريق الثاني أن تجعل المال ثلاثة أسهم ونصيبا تدفع النصيب إلى صاحبه وإلى الوصي الآخر ثلث الباقي سهما يبقى سهمان بين البنين لكل واحد ثلثا سهم فتعلم أن النصيب ثلثا سهم فإذا بسطتها أثلاثا كانت أحد عشر الطريق الثالث أن تقول ثلاثة أسهم بقية مال ذهب ثلثه فرد عليه نصفه وسهما صارت خمسة ونصفا إذا بسطتها كانت أحد عشر


502

فصل

وإن وصى لرجل بمثل نصيب أحد ورثته ولآخر بثلث ما بقي من الثلث فاجعل المال تسعة أسهم وثلاثة أنصباء ادفع نصيبا إلى صاحبه وإلى الآخر سهمان وادفع نصيبين إلى ابنين يبقى ثمانية أسهم للابن الثالث فتبين أن النصيب ثمانية أسهم والمال ثلاثة وثلاثون

فصل

وإذا كان له مائتا درهم وعبد قيمته مائة فأوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بالعبد فقد أوصى بثلثي ماله فإن لم يجز الورثة رددت وصية كل واحد منهما إلى نصفها فلصاحب العبد نصفه وللآخر سدس المائتين وسدس العبد ويحتمل أن يقتسما الثلث على حسب ما يحصل لهما في الإجازة فيكون بينهما على عشرين لصاحب العبد تسعة وهي ربع العبد وخمسة ولصاحب الثلث أحد عشر وهي سدس المال وسدس عشره وإن أجازوا لهما فللموصى له بالثلث ثلث المائتين لأنه لا مزاحم له فيهما أو يزدحم هو وصاحب العبد فيه لأنه قد أوصى لأحدهما بجميعه وللآخر بثلثه فيقسم بينهما على أربعة لصاحبه ثلاثة أرباعه ولصاحب الثلث ربعه فإن أجازوا لصاحب الثلث وحده فله ثلث المائتين وهل يستحق ثلث العبد أو ربعه على وجهين ولصاحب العبد نصفه وإن أجازوا لصاحب العبد وحده فلصاحب الثلث


503

سدس المائتين وسدس العبد ولصاحب العبد خمسة أسداسه في أحد الوجهين وفي الآخر ثلاثة أرباعه التي كانت له في حال الإجازة لهما وباقيه للورثة

فصل

وإن أوصى بثلث ماله لوارثه وأجنبي فأجيز لهما فهو بينهما وإن رد عليهما أو على الوارث وحده فللأجنبي السدس والباقي للورثة وإن وصى لكل واحد بثلث ماله فأجيز لهما جاز لهما وإن رد عليهما فقال القاضي إن عينوا وصية الوارث بالإبطال فالثلث كله للأجنبي وإن أبطلوا الزائد على الثلث من غير تعيين فالثلث الباقي بين الوصيين وقال أبو الخطاب فيها وجهان أحدهما أن الثلث كله للأجنبي والثاني للأجنبي السدس ويبطل الباقي

فصل

وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته إلا جزءا من المال مثل أن يوصي لرجل بمثل نصيب أحد بنيه وهم ثلاثة إلا ربع المال فاجعل لكل ابن ربع المال واقسم الباقي بينهم وبين الموصى له على أربعة لا تنقسم واضرب عددهم في مخرج الربع تكن ستة عشر له سهم ولكل ابن خمسة وإن قال إلا سدسا فضلت كل ابن بسدس وقسمت الباقي بينهم وبين الوصي على ما ذكرناه


504

فصل

وإن وصى له بمثل نصيب أحدهم إلا ربع ما يبقى بعد النصيب فرضت المال بقدر مخرج الجزء المستثنى وهو أربعة وزدت عليه نصيبا واستثنيت من النصيب سهما رددته على السهام صارت خمسة بين البنين لكل ابن سهم وثلثان فهو النصيب فتبين أن المال خمسة وثلثان إذا بسطتها تكن سبعة عشر للموصى له سهمان ولكل ابن خمسة فإن كان أوصى بمثل نصيب أحدهم إلا ربع الباقي بعد الوصية فرضت أقل من مخرج الجزء الموصى به وذلك ثلاثة وزدت نصيبا ثم استثنيت من النصيب سهما وزدته على الثلاثة صارت أربعة بين البنين لكل ابن سهم وثلث فتبين أن النصيب سهم وثلث إذا بسطتها صارت ثلاثة عشر سهما ومنهما تصح

باب جامع الوصايا

إذا أوصى بعبد من عبيده ولا عبيد له أو بعبده الحبشي ولا حبشي له أو بعبده سالم وليس ذلك له فالوصية باطلة لأنه وصى له بما لا يملك أشبه إذا وصى له بداره ولا دار له وعن أحمد في رجل قال أعطوا فلانا من كيسي مائة ولم يكن في الكيس مائة يعطى مائة درهم فلم تبطل الوصية


505

فيخرج هاهنا مثله لأنه لما تعذرت الصفة بقي أصل الوصية فيشتري له عبد فإن كان له عبيد أعطي واحدا بالقرعة في إحدى الروايتين لأنهم تساووا بالنسبة إلى استحقاقه فيصار إلى القرعة كما لو أعتق واحدا منهم والثانية يعطيها الورثة ما شاؤوا من سليم ومعيب وصغير وكبير لأنه يتناوله الاسم فيرجع إلى رأي الورثة كما لو وصى له بحظ أو نصيب ولا عرف في هبة الرقيق فرجع إلى ما يتناوله الاسم فإن مات رقيقه قبل موته أو بعده بطلت الوصية لفوات ما تعلقت الوصية به من غير تفريط وإن بقي منهم واحد تعينت الوصية فيه لوجوده منفردا وإن قتلوا قبل موت الموصي بطلت الوصية لأنه جاء وقت الوجوب ولا رقيق له وإن قتلوا بعد موته وجبت له قيمة أحدهم لأنه بدل ما وجب له وإن لم يكن له عبيد حين الوصية فاستحدث عبيدا احتمل صحة الوصية اعتبارا بحالة الموت واحتمل أن لا تصح لأن ذلك يقتضي من عبيده الموجودين حال الوصية

فصل

وإن وصى بعتق عبد وله عبيد احتمل أن يجزئ عق ما وقع عليه الاسم لعموم اللفظ واحتمل أن لا يجزئ إلا عتق رقبة تجزئ في الكفارة لأن للعتق عرفا شرعيا فحملت الوصية عليه وهل يعتق أحدهم بالقرعة


506

أو يرجع إلى اختيار الورثة على وجهين وإن عجز الثلث عن عتق رقبة كاملة عتق منها قدر الثلث إلا أن يجيز الورثة عتق جميعه وإن وصى بعتق عبيد فلم يخرج من الثلث إلا واحد عتق واحد منهم بالقرعة وإن وصى أن يشتري بثلثه رقاب يعتقون فأمكن شراء ثلاث رقاب بثمن رقتبين غاليتين فعتق الثلاثة أولى لأنه تخليص لثلاثة وإن اتسع لرقبتين وبعض أخرى زيد في ثمن الرقبتين لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الرقاب قال أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها وإن قال أعتقوا أحد رقيقي جاز إعتاق الذكر والأنثى والخنثى لأنه أحد رقيقه وإن قال أعتقوا عبدا من عبدي لم يجزئهم عتق الأنثى ولا الخنثى المشكل لأنه لا يعلم كونه ذكرا ويجزئ عتق الخنثى المحكوم بذكوريته لأنه عبد وإن قال أعتقوا أمة لم يجزئهم إلا أنثى

فصل

وإن قال أعطوه شاة من غنمي فهو كالوصية بعبد من عبيده ويتناول الضأن والمعز وهل يتناول الذكر فيه وجهان أحدهما يتناوله لأن الاسم يقع عليه لغة والثاني لا يتناوله لأنه لا يتناوله الاسم عرفا قال أصحابنا ويتناول الصغيرة ويحتمل أن لا يتناولها لأنها لا تسمى شاة عرفا فإن لم يكن له إلا ذكران أو صغار لم يعط إلا من جنس ماله لأنه أضافه إليه فاختص به وإن قال أعطوه جملا لم يعط إلا ذكرا والبعير كالجمل


507

لأنه في العرف مختص به وقال أصحابنا البعير كالإنسان يتناول الذكر والأنثى وإن قال أعطوه ناقة لم يعط إلا أنثى وإن قال أعطوه ثورا فهو الذكر والبقرة هي الأنثى وإن وصى له برأس من الإبل أو البقر أو الغنم جاز فيه الذكر والأنثى لأن ذلك اسم للجنس

فصل

وإن وصى له بدابة أعطي من الخيل أو البغال أو الحمير لأن اسم الدابة يطلق على الجميع ويتناول الذكر والأنثى وإن قال من دوابي تعينت الوصية فيما عنده وإن قرن بها ما يصرفه إلى أحدها تعينت الوصية فيه فإذا قال أعطوه دابة يقاتل عليها فهي فرس وإن قال ينتفع بنسلها خرج منها البغال وإن قال أعطوه فرسا تناول الذكر والأنثى وإن قال حصانا فهو الذكر وإن قال حجرة فهي الأنثى وإن قال حمارا فهو ذكر وإن قال أتانا فهي أنثى

فصل

وإن وصى بكلب يباح اقتناؤه صحت الوصية لأنه فيه نفعا مباحا وتقر اليد عليه والوصية تبرع فجازت فيه وإن لم يكن له كلب أو لم يكن إلا كلب هراش لم تصح الوصية لأنه لا يمكن شراؤه وكلب الهراش لا يباح اقتناؤه وإن كان له كلاب ينتفع بها فللموصى له واحد منها


508

إلا أن تذكر القرينة على واحد منها بعينه من صيد أو حفظ غنم فيدفع إليه ما دلت القرينة عليه وإن وصى له بثلاثة أكلب لا مال له سواها ردت الوصية إلى ثلثها ويعطى واحدا منها بالقرعة في أحد الوجهين وفي الآخر يعطيه الورثة أيها شاؤوا وإن لم يكن له إلا كلب واحد أعطي ثلثه وإن كان لموصي مال ففيه وجهان أحدهما يدفع جميع الكلاب إلى الموصى له وإن قل المال لأن أقل المال خير من الكلاب الكثيرة فأمضيت الوصية كما لو وصى له بشاة تخرج من ثلثه والثاني يدفع إليه ثلث الكلاب لأنه لا يجوز أن يكون للوصي شيء إلا وللورثة مثلاه ولا يمكن اعتبار الكلب من ثلث المال لأنه لا قيمة له فاعتبر بنفسه

فصل

وإن وصى له بطبل من طبوله وله طبول حرب أعطي واحدا منها فإن لم يكن له إلا طبول لهو فالوصية باطلة لأنها وصية بمحرم وإن كان له طبل لهو وطبل حرب أعطي طبل الحرب لأن طبل اللهو لا تصح الوصية به فهو كالمعدوم وإن وصى له بعود من عيدانه وله عيدان للقسي والبناء أعطي واحدا منها وإن لم يكن له إلا عيدان لهو فالوصية باطلة لأنها وصية بمحرم وإن كان له عيدان للهو ولغيره ففيه وجهان أحدهما الوصية باطلة لأن العود بإطلاقه ينصرف إلى عود اللهو ولا تصح الوصية به


509

والآخر تصح الوصية ويعطى عودا مباحا لأن الوصية تعينت فيه لتحريم ما سواه فأشبه ما لو وصى له بطبل وله طبل لهو وطبل حرب

فصل

وإن وصى له بقوس وأطلق انصرف إلى قوس الرمي بالسهام لأنه الذي يفهم من إطلاق القوس فإن قال قوس يرمي عليه أو يغزوبه كان تأكيدا لذلك وإن قال يندف به أو يتعيش به انصرف إلى قوس الندف وإن قال قوسا من قسيي وليس له إلا قسي ندف أو بندق أعطي واحدا منها لأن الوصية تعينت فيه بإضافتها إلى قسيه واختصاص قسيه بها قال القاضي ويعطى القوس بوتره لأنه لا ينتفع به إلا به فجرى مجرى جزئه ويحتمل أن يعطاه بدون الوتر لأن الاسم يقع عليه بدونه

فصل

وإذا أوصى له بعبد ولآخر بباقي الثلث دفع العبد إلى صاحبه وتمام الثلث للآخر فإن لم يبق من الثلث شيء بطلت الوصية بالباقي لأنه لا باقي هاهنا فإن رد صاحب العبد وصيته فوصية الآخر بحالها فإن مات العبد بعد موت الموصي فكذلك ويقوم العبد حال الموت وإن مات قبل موت الموصي قومت التركة بدون العبد لأنه معدوم


510

فصل

فإن وصى لرجل بمائة ولآخر بتمام الثلث ولثالث بالثلث فأجيز لهم قسم الثلثان بين الأوصياء على ما ذكر الموصي فإن كان الثلث مائة سقطت وصية صاحب الباقي وقسم الثلثان بين الآخرين نصفين وإن كان الثلث دون المائة فرد الورثة قسم الثلث بينهما بالحصة فإذا كان الثلث خمسين قسم أثلاثا لصاحب المائة ثلثاها وللآخر ثلثها وإن كان الثلث أكثر من المائة فلم يجز الورثة دفع إلى صاحب الثلث نصفه وفي باقيه وجهان أحدهما يقدم صاحب المائة بها فإن فضل عنها شيء دفع إلى صاحب الباقي وإلا فلا شيء له لأن حقه في الباقي بعد المائة فلا يأخذ شيئا قبل استيفائها كالعصبة لا تأخذ شيئا قبل تمام الفرض ويزاحم صاحب المائة لصاحب الباقي وإن لم يعطه شيئا كما يعاد ولد الأبوين الجد بولد الأب ولا يعطيه شيئا والثاني أن السدس يقسم بين صاحب المائة وصاحب الباقي على قدر وصيتهما فإذا كان الثلث مائتين أخذا مائة فاقتسماها نصفين لأنه إنما أوصى له بالمائة من كل الثلث لا من بعضه فلم يجز أن يأخذ من نصف الثلث ما يأخذه من جميعه كالوراث إذا زاحمهم أصحاب الوصايا وإن بدأ فوصى لرجل بثلث ماله ثم وصى لآخر بمائة ولآخر بتمام الثلث ففيه وجهان أحدهما هي كالتي قبلها سواء لأنه إذا وصى بتمام الثلث بعد وصيته بالثلث


511

علم أنه لم يرد ذلك الثلث الموصى به وإنما أراد ثلثا ثانيا فصارت كالتي قبله والثاني أن الوصية بتمام الثلث باطلة لأن الثلث قد استوعبته الوصية الأولى ولا باقي له فيكون وجود هذه الوصية كعدمها

فصل

إذا وصى لرجل بمنفعة جارية ولآخر برقبتها صح ولصاحب المنفعة منافعها وأكسابها وله إجارتها لأنه عقد على منفعتها ولا يملك واحد منهما وطأها لأن الوطء إنما يكون في ملك تام وليس لواحد منهما ملك تام ولا يملك أحدهما تزوجيها لذلك فإن اتفقا عليه جاز لأن الحق لا يخرج عنهما والولي مالك الرقبة لأنه مالكها والمهر له لأنه بدل منفعة البضع التي لا يصح بذلها ولا الوصية بها وإنما هي تابعة للرقبة فتكون لصاحبها وقال أصحابنا هو لمالك منفعتها لأنه بدل منفعة من منافعها فإن أتت بولد فحكمه حكمها لأنه جزء من أجزائها فيثبت فيه حكمها كولد المكاتبة وأم الولد وإن زنت فالحكم في الولد والمهر على ما ذكرنا وإن وطئت بشبهة فالمهر على ما ذكرنا والولد حر تجب قيمته يوم وضعه لمالك الرقبة في أحد الوجهين وفي الآخر يشتري بها عبد يقوم مقامه وإن قتلت وجبت قيمتها يشترى بها ما يقوم مقامها وإن قتل ولدها الرقيق فكذلك لأن الواجب قائم مقام الأصل فكان حكمه حكم الأصل وإن احتاجت إلى نفقة


512

احتمل أن تجب على مالك المنفعة لأنه يملك نفعها على التأبيد فكانت النفقة عليه كالزوج واحتمل أن تجب على صاحب الرقبة لأنه مالك رقبتها فوجب عليه نفقتها كما لو كانت زمنة واحتمل أن تجب في كسبها لأنه تعذر إيجابها على كل واحد منهما فلم يبق إلا إيجابها في كسبها فإن لم يف كسبها ففي بيت المال فإن أعتقها صاحب الرقبة عتقت لأنه مالك لرقبتها وتبقى منافعها مستحقة لصاحب المنفعة يستوفيها في حال حريتها وإن باعها احتمل أن يصح لأن البيع يقع على رقبتها وهو مالك لها واحتمل أن لا يصح لأن ما لا نفع له لا يصح بيعه كالحشرات واحتمل أن يصح بيعها لمالك منفعتها دون غيره لأنه يجتمع له رقبتها ونفعها بخلاف غيره فإن وطئها أحد الوصيين فمن حكمنا له بالمهر لا مهر عليه ومن لم نحكم له بالمهر فهو عليه لصاحبه ولا حد عليه لأن له شبهة الملك فيها

فصل

ومن أوصي له بشيء فتلف بعضه أو هلك فله ما بقي إن حمله الثلث وإن وصى له بثلث ثلاثة دور فهلك اثنتان فليس له إلا ثلث الباقية لأنه لم يوص له منها إلا بثلثها وإن أوصى له بثلث عبد فاستحق ثلثاه فجميع الثلث الباقي للموصى له إذا حمله ثلث المال لأنه قد أوصى له بجميعه


513

فصل

إذا أوصى بعتق مكاتبه أو الإبراء مما عليه اعتبر من الثلث أقل الأمرين من قيمته مكاتبا أو مال كتابته لأن العتق إبراء والإبراء عتق فاعتبر أقلهما وألغي الآخر فإن احتمله الثلث عتق وبرئ وإن احتمل الثلث بعضه كنصفه عتق نصفه وبقي نصفه على الكتابة وإن لم يكن للموصي سوى المكاتب عتق ثلثه في الحال وبقي ثلثاه على الكتابة إن عجز رق وإن أدى عتق وإن قال ضعوا عن مكاتبي أكثر ما عليه وضع عنه النصف وأدنى زيادة لأنه الأكثر وإن قال ضعوا عنه أكثر نجومه وضع عنه أكثر من نصفها لذلك وإن قال ضعوا عنه أكبر نجومه وضع عنه أكثرها مالا وإن قال ضعوا عنه أوسط نجومه وهي ثلاثة وضع الثاني وإن كانت خمسة وضع الثالث وإن كانت أربعة وضع الثاني والثالث وعلى هذا القياس فإن كانت أوسط في القدر وأوسط في المدة وأوسط في العدد فللوارث وضع أي الثلاثة شاء لأن الأوسط يقع على الثلاثة وإن قال ضعوا عنه ما قل أو كثر فللوارث وضع ما شاء لأن الاسم يتناوله

فصل

وإن وصى لرجل بمال الكتابة ولآخر برقبته صح فإن أدى عتق وبطلت الوصية بالرقبة وإن عجز رق وكان لمالك الرقبة وإن كانت الكتابة


514

فاسدة فأوصى بما في ذمة المكاتب لم يصح لأنه لا شيء في ذمته وإن وصى بما يقتضي منه صحت الوصية لأنه أضافه إلى حال يملكه فصح كما لو وصى برقبة المكاتب إذا عجز وإن وصى له برقبته صحت الوصية لأنه وصى بمملوكه

فصل

وإذا قال حجوا عني بخمسمائة وهي تخرج من الثلث وجب صرفها كلها في الحج وليس للولي أن يصرف إلى من يحج أكثر من نفقة المثل لأنه أطلق له التصرف في المعاوضة فاقتضى عوض المثل كالوكيل في البيع ويحج عنه من بلده لأن حج المستنيب من بلده فكذلك النائب فإن فضل ما لا يكفي للحج من بلده أو كان الموصى به لا يكفي للحج من بلده فقال أحمد يحج عنه من حيث تبلغ النفقة للراكب من غير مدينته وعنه أنه يعان به في الحج فإن لم يمكن ذلك سقطت الوصية لتعذرها فإن قال الموصي أحجوا عني حجة بخمسمائة صرف جميع ذلك إلى من يحج حجة واحدة لأن الموصي قصد إرفاق الحاج بذلك فإن عين الحاج تعين فإن أبي المعين الحج صرف إلى من يحج عنه نفقة المثل والباقي للورثة فإن قال المعين أعطوني الزائد لم يقبل منه لأنه إنما أوصي له بالزيادة بشرط أن يحج فإذا لم يحج لم يستحق شيئا وإن لم يعين أحدا فللوصي صرفها


515

إلى من شاء لأنه فوض إليه الاجتهاد فيه وإن قال الموصي أحجوا عني حجة ولم يذكر المقدار لم يدفع إلى من يحج عنه إلا قدر نفقة المثل إلا أن لا يوجد من يحج بذلك فيعطي أقل ما يوجد من يحج به وكذلك إن قال أحجوا عني ولم يذكر قدر ما يحج به ولا قدر الحج لم يحج أكثر من حجة واحدة بقدر نفقة المثل لأنه اليقين

فصل

وإذا أوصي ببيع عبده فالوصية باطلة لأنه لا نفع فيها وإن قال بيعوه لفلان صحت الوصية لأنه قد يقصد نفع العبد باتصاله إلى فلان أو نفع فلان باتصال العبد إليه فإن أبي الآخر شراءه بطلت الوصية وإن قال اشتروا عبد زيد بخمسمائة فأعتقوه فأبى زيد بيعه بخمسمائة أو بيعه بالكلية بطلت الوصية وأن اشتروه بأقل فالباقي للورثة لأن المقصود قد حصل ويحتمل أن تكون الخمسمائة لزيد لأنه يحتمل أنه قصد محاباته بذلك فأشبه ما لو قال يحج عني فلان بخمسمائة وإذا أوصى بفرسه في سبيل الله وألف درهم ينفق عليه فمات الفرس فالألف للورثة لأن الوصية بطلت فيها لعدم مصرفها وإن أنفق بعضها رد الباقي إلى الورثة


516

باب الرجوع في الوصية

يجوز الرجوع في الوصية لأنها عطية لم تزل الملك فجاز الرجوع فيها كهبة ما يعتبر قبضه قبل قبضه ويجوز الرجوع فيها بالقول والتصرف لأنه فسخ عقد قبل تمامه فجاز بالقول والتصرف كفسخ البيع في الخيار فإن قال رجعت فيها أو فسختها فهو رجوع لأنه صريح فيه وإن قال هو حرام عليه كان رجوعا لأنه لا يكون حراما وهو وصية وإن قال لوراثي فهو رجوع لأن ذلك ينافي كونه وصية

فصل

وإن قال هو تركتي لم يكن رجوعا لأن الموصى به من تركته وإن أوصى به لآخر لم يكن رجوعا لاحتمال أن يكون ناسيا أو قاصدا للتشريك بينهما وإن قال ما وصيت به لفلان فهو لفلان كان رجوعا لأنه صرح برده إلى الآخر

فصل

وإن باعه أو وهبه أو وصى ببيعه أو هبته أو عتقه أو كاتبه صار رجوعا لأنه صرفه عن الموصى له وإن دبره كان رجوعا لأنه أقوى من الوصية لكون عتقه ينجز بالموت وإن عرضه للبيع أو رهنه كان رجوعا لأنه عرضه لزوال


517

ملكه وفي الكتابة والتدبير والرهن وجه آخر أنه ليس برجوع لأنه لم يخرجه عن ملكه

فصل

وإن وصى بثلث ماله ثم باع ماله لم يكن رجوعا لأن الوصية بثلث ماله عند الموت لا بثلث الموجود وإن زوجه أو أجره أو علمه صناعة لم يكن رجوعا لأنه لا ينافي الوصية به وإن وطئ الجارية لم يكن رجوعا لأنه استيفاء منفعة أشبه الاستخدام وإن غسل الثوب أو لبسه أو جصص الدار أو سكنها لم يكن رجوعا لأنه لا يزيل الاسم ولا يدل على الرجوع وإن جحد الوصية لم يكن رجوعا لأنه عقد فلم يبطل بالجحود كسائر العقود ويحتمل أن يكون رجوعا لأنه يدل على إرادة الرجوع

فصل

وإن وصى بطعام معين فخلطه بغيره كان رجوعا لأنه جعله على صفة لا يمكن تسليمه وقال أبو الخطاب ليس برجوع وإن وصى بقفيز من صبرة ثم خلط الصبرة بأخرى لم يكن رجوعا لأنه كان مشاعا ولم يزل فهو باق على صفته


518

فصل

وإن وصى بحنطة فزرعها أو طحنها أو بدقيق فخبزه أو بخبز فثرده أو جعله فتيتا أو بشاة فذبحها أو بثوب فقطعه قميصا أو بخشب ثم نجره بابا أو بقطن فغزله أو بغزل فنسجه كان رجوعا لأنه أزال اسمه وهيأه للانتفاع به وقال أبو الخطاب ليس برجوع لأنه لا يمنع التسليم أشبه غسل الثوب وإن أوصى له بقطن ثم حشى به فراشا أو مسامير ثم سمر بها بابا أو بحجر وبناه في حائط كان رجوعا لأنه شغله بملكه على وجه الاستدامة وإن وصى له بعنب فجعله زبيبا ففيه وجهان أحدهما يكون رجوعا لأنه أزال اسمه والثاني ليس برجوع لأنه أبقى له وأحفظ على الموصى له وإن وصى بدار ثم هدمها كان رجوعا في أحد الوجهين وفي الآخر لا يكون رجوعا بناء على ما إذا طحن الحنطة وإن انهدمت بنفسها فكذلك إذا زال اسمها وإن لم يزل اسمها فالوصية ثابتة فيما بقي وفيما انفضل وجهان

فصل

وإن وصى بأرض ثم زرعها لم يكن رجوعا لأنه لا يراد للبقاء وقد يحصد قبل الموت فإن غرسها أو بناها ففيه وجهان أحدهما يكون رجوعا لأنه جعلها لمنفعة مؤبدة والثاني لا يكون رجوعا لأنه استيفاء منفعة أشبه الزراعة وإن أوصى له بسكنى داره سنة ثم أجرها


519

فمات قبل انقضاء الإجارة ففيه وجهان أحدهما يسكن سنة بعد انقضاء مدة الإجارة لأنه موصى له بسنة والثاني تبطل الوصية بقدر ما بقي من مدة الإجارة وتبقى في الباقي

باب الأوصياء

لا تصح الوصية إلا إلى عاقل فأما المجنون والطفل فلا تصح الوصية إليهما لأنهما ليسا من أهل التصرف في مالهما فلا يجوز توليتهما على غيرهما ولا تصح الوصية إلى فاسق لأنه غير مأمون وعنه تصح ويضم إليه أمين ينحفظ به المال قال القاضي هذه الرواية محمولة على من طرأ فسقه بعد الوصية لأنه يثبت في الاستدامة ما لا يثبت في الابتداء واختار القاضي أنه إذا طرأ الفسق أزال الولاية لأن هذه أمانة والفاسق ليس من أهلها وقال الخرقي إذا كان خائنا ضم إليه أمين لأنه أمكن الجمع بين حفظ المال بالأمين وتحصيل نظر الوصي بإبقائه في الوصية ولا تصح وصية مسلم إلى كافر لأنه ليس من أهل الولاية على مسلم وفي وصية الكافر إلى الكافر وجهان أحدهما يجوز لأنه يجوز أن يكون وليا له فجاز أن يكون وصيا له كالمسلم والثاني لا يجوز لأنه أسوأ حالا من الفاسق وتصح وصيته إلى مسلم لأن المسلم مقبول الشهادة عليه وعلى غيره


520

فصل

وتصح وصية الرجل إلى المرأة لأن عمر أوصى إلى حفصة ولأنها من أهل الشهادة فأشبهت الرجل وإلى الأعمى لأنه من أهل الشهادة والتصرفات فأشبه البصير وإلى الضعيف لذلك إلا أنه يضم إليه أمين يعينه وتصح وصية الرجل إلى أم ولده نص عليه لأنها حرة عند نفوذ الوصية وقال ابن حامد تصح الوصية إلى العبد سواء كان له أو لغيره لأنه يصح توكيله فأشبه الحر والمكاتب والمدبر والمعلق عتقه بصفة كالقن لأنهم عبيد وفي الوصية إلى الصبي العاقل وجهان أحدهما تصح لأنه يصح توكيله فأشبه الرجل والثاني لا يصح لأنه ليس من أهل الشهادة فلا يكون وليا كالفاسق

فصل

وتعتبر هذه الشروط حال العقد في أحد الوجهين لأنها شروط لعقد فاعتبرت حال وجوده كسائر العقود والثاني تعتبر حال الموت لأنه حال ثبوت الوصية ولزومها فاعتبرت الشروط فيها كالوصية له ولأن شروط الشهادة تعتبر عند أدائها لا عند تحملها فكذلك ها هنا ولو كانت الشروط موجودة عند الوصية ثم عدمت عند الموت بطلت الوصية إليه لأنه يخرج بذلك عن كونه من أهل الولاية


521

فصل

ويجوز أن يوصي إلى نفسين لما روي أن ابن مسعود كتب في وصيته إن مرجع وصيتي إلى الله ثم إلى الزبير وابنه عبد الله ولأنها استنابة في التصرف فجازت إلى اثنين كالوكالة ويجوز أن يجعل التصرف إليهما جميعا وإلى كل واحد منهما منفردا لأنه تصرف مستفاد بالإذن فجاز ذلك فيه كالتوكيل فإن جعله إلى كل واحد مهما فلكل واحد أن ينفرد بالتصرف والحفظ فإن ضعف أو فسق أو مات فالآخر على تصرفه ولا يقام غير الميت مقامه لأن الموصي رضي بنظر هذا الباقي وإن جعل التصرف إليهما جميعا أو أطلق الوصية إليهما لم يجز لأحدهما الانفراد بالتصرف لأنه لم يرض بنظره وحده وإن فسق أحدهما أو جن أو مات أقام الحاكم مقامه أمينا لأن الموصي لم يرض بنظر أحدهما وحده وليس للحاكم أن يفوض الجميع إلى الباقي لذلك وإن ماتا معا فهل للحاكم تفويض ذلك إلى واحد فيها وجهان أحدهما يجوز لأن حكم وصيتهما سقط بموتهما فكان الأمر إلى الحاكم كمن لم يكن له وصي والثاني لا يجوز لأن الموصي لم يرض بنظر واحد وإن اختلف الوصيان في حفظ المال جعل في مكان واحد تحت نظريهما لأن الموصي لم يرض بأحدهما فلم يجز له الانفراد به كالتصرف وإن أوصى إلى رجل وبعده إلى آخر فهما وصيان إلا أن يقول قد خرجت الأول أو ما يدل على ذلك لما ذكرنا في الوصية له


522

فصل

ويجوز أن يوصي إلى رجل فإن مات فإلى آخر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جيش مؤتة أميركم زيد فإن قتل فأميركم جعفر فإن قتل فأميركم عبد الله بن رواحة رواه أحمد والنسائي والوصية في معنى التأمير ولو قال أنت وصيي فإذا كبر ابني فهو وصيي صح لأنه إذن في التصرف فجاز موقتا كالتوكيل ومن أوصي إليه في مدة لم يكن وصيا في غيرها لذلك فإذا أوصى إلى رجل وجعل له أن يوصي إلى من شاء جاز وله أن يوصي إلى من شاء من أهل الوصية لأنه رضي باجتهاده وولاية من ولاه وإن نهاه عن الإيصاء لم يكن له أن يوصي كما لو نهى الوكيل عن التوكيل وإن أطلق ففيه روايتان إحداهما له أن يوصي لأنه قائم مقام الأب فملك ذلك كالأب والثانية ليس له ذلك اختاره أبو بكر وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه يتصرف بالتولية فلم يكن له التفويض من غير إذن فيه كالتوكيل

فصل

وللوصي التوكيل فيما لم تجر العادة أن يتولاه بنفسه وهل له التوكيل فيما يتولاه بنفسه على روايتين

فصل

ولا يتم إلا بالقبول لأنه وصية فلا يتم إلا بالقبول كالوصية له


523

ويجوز قبولها وردها في حياة الموصي لأنه إذن في التصرف فجاز قبوله عقيب الإذن كالوكالة ويجوز تأخير قبولها إلى ما بعد الموت لأنه نوع وصية فصح قبولها بعد الموت كالوصية له

فصل

وللموصي عزل الوصي متى شاء وللوصي عزل نفسه متى شاء في حياة الموصي وبعد موته لأنه إذن في التصرف فملك كل واحد منهما فسخه كالوكالة وذكر ابن أبي موسى رواية أخرى ليس للوصي عزل نفسه بعد موت الموصي لأنه غره بقبول وصيته فعزل نفسه إضرار به والضرر مدفوع شرعا

فصل

وإذا بلغ الصبي فاختلف هو والوصي في النفقة فالقول قول الوصي لأنه أمين ويتعذر عليه إقامة البينة عليها فإذا قال أنفقت عليك كل سنة مائة فقال الصبي بل خمسين فالقول قول المنفق إذا كان ما ادعاه قدر النفقة بالمعروف وإن كان أكثر ضمن الزيادة لتفريطه بها وإن قال أنفقت عليك منذ سنتين فقال الصبي ما مات أبي إلا من سنة فالقول قول الصبي لأنه لم يثبت كون الوصي أمينا في السنة المختلف فيها والأصل عدم ذلك وإن اختلفا في دفع المال إليه بعد بلوغه فالقول قول الوصي لأنه أمين في ذلك فقبل قوله فيه كالنفقة وكالمودع


524

فصل

إذا ملك المريض من يعتق عليه فحكى الحبرمي عن أحمد أنه يعتق ويرث لأنه إن ملكهم بغير عوض فلم يضع في عتقهم شيء من ماله فلم يحتسب وصية لهم كما لو ورثهم وإن ملكهم بعوض فلم يصل إليهم وإنما أتلفه المريض على ورثته فهو كما لو بنى به مسجدا وقال القاضي فيما ملكه بعوض إن خرج من الثلث عتق وورث وإلا عتق منه بقدر الثلث وما ملكه بغير عوض عتق بكل حال


525

كتاب الفرائض

وهو علم المواريث وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعلمها وحث عليها على الخصوص فروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم وهو ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي رواه ابن ماجه فإذا مات المرء بدئ بكفنه وتجهيزه مقدم على ما سواه كما يقدم المفلس بنفقته على غرمائه ثم يقضى دينه لقول الله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين النساء 11 قال علي إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن الدين قبل الوصية رواه الترمذي وابن ماجه ولأن الدين تستغرقه حاجته فقدم كمؤنة تجهيزه ثم تنفذ وصيته للآية ولأن الثلث بقي على حكم ملكه ليصرف في حاجته فقدم على الميراث كالدين ثم ما بقي قسم على الورثة للآيات الثلاث في سورة ( النساء )

فصل

وأسباب التوارث ثلاثة رحم ونكاح وولاء لأن الشرع ورد بالتوارث بها فأما المؤاخاة في الدين والموالاة في النصرة وإسلام الرجل على يد الآخر فلا يورث بها لأن هذا كان في بدء الإسلام ثم نسخ


526

لقوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله الأحزاب 6

فصل

والمجمع على توريثهم من الذكور عشرة الابن وابنه وإن نزل والأب وأبوه وإن علا والأخ من كل جهة وابن الأخ إلا من الأم والعم وابنه كذلك والزوج ومولى النعمة ومن النساء سبع الأم والجدة والبنت وبنت الابن والأخت والزوجة ومولاة النعمة والمختلف في توريثهم أحد عشر صنفا ولد البنات وولد الأخوات وبنات الاخوة وبنو الاخوة من الأم والعمات والعم من الأم والأخوال والخالات وأبو الأم وكل جدة أدلت بأب بين أمين أو بأب أعلى من الجد فهؤلاء ومن أدلى بهم يسمون ذوي الأرحام ويرثون عند عدم المجمع على توريثهم على ما سنذكره إن شاء الله في بابه

فصل

وينقسم الوراث إلى ذوي فرض وعصبة وذوي رحم فالرجال من المجمع عليهم كلهم عصبة إلا الزوج والأخ من الأم والأب والجد مع الابن والنساء المنفردات عن اخوتهن ذوات فرض إلا مولاة النعمة والأخوات مع البنات والفرض جزء مقدر والعصبة يرث المال كله إذا


527

انفرد فإن كان معه ذو فرض بدئ به والباقي للعصبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر متفق عليه وإن استغرقت الفروض المال سقط فلو خلفت المرأة زوجا وأما وإخوة لأم وإخوة لأبوين أو لأب كان للزوج النصف وللأم السدس وللاخوة للأم الثلث وسقط الباقون لأن الله فرض هذه الفروض لأهلها فوجب دفعها إليهم وجعل للعصبة الباقي ولم يبق شيء وهذه المسألة تسمى المشركة إذا كان الاخوة لأبوين لأن عمر شرك بين ولد الأم وولد الأبوين في الثلث وتسمى الحمارية لأن بعض الصحابة قال هب أباهم كان حمارا فما زادهم ذلك إلا قربا ويقال إن بعض ولد الأبوين قال ذلك لعمر وقد أسقطهم فشرك بينهم ومذهب علي رضي الله عنه على ما قلناه

باب ذوي الفروض

وهم عشرة الزوجان والأبوان والجد والجدة والبنت وبنت الابن والأخت من كل جهة والأخ من الأم فأما الزوج فله النصف إذا لم يكن للميتة ولد ولا ولد ابن والربع إذا كان معه أحدهما وللزوجة والزوجات الربع مع عدم الولد وولد الابن والثمن مع أحدهما لقوله تعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم


528

النساء 12 وولد الابن ولد بدليل قوله تعالى يا بني آدم و يا بني إسرائيل والأربع من النساء كالواحدة لعموم اللفظ فيهن

فصل

فأما الأم فلها ثلاثة فروض الثلث إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن أو اثنان من الأخوة والأخوات لقوله تعالى ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس النساء 11 وقسنا الأخوين على الإخوة لأن كل فرض تعين بعدد كان الاثنان فيه بمنزلة الجماعة كفرض البنات والأخوات الفرض الثالث لها ثلث الباقي بعد فرض الزوجين في زوج وأبوين وامرأة وأبوين لأن عمر قضى بهذه القضية فاتبعه عثمان وابن مسعود وزيد وتسمى هاتان المسألتان العمريتين لقضاء عمر فيهما ولأن الفريضة جمعت الأبوين مع ذي فرض واحد فكان للأم ثلث الباقي كما لو كان معها بنت

فصل

وللأم حال رابع وهو إذا لا عنها زوجها ونفى ولدها وتم اللعان


529

بينهما انتفى عنه وانقطع تعصيبه منه ولم يرثه هو ولا أحد من عصباته وترث أمه وذوو الفروض منه فروضهم والباقي لعصبته وفيه روايتان إحداهما أن عصبته عصبة أمه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر وأولى الرجال به أقارب أمه وعن علي أنه لما رجم المرأة دعا أولياءها فقال هذا ابنكم ترثونه ولا يرثكم حكاه أحمد والرواية الثانية أن أمه عصبته وإن لم تكن فعصبتها عصبته لما روى واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تحوز المرأة ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه قال الترمذي هذا حديث حسن ولأنها قامت مقام أبيه في انتسابه إليها فقامت مقامه في حيازة ميراثه فعلى هذه الرواية لو مات ابن ابن الملاعنة وخلف أمه وجدته الملاعنة لكان لأمه الثلث والباقي لجدته ويعايا بها فيقال جدة ورثت مع أم أكثر منها وإن خلف ابن الملاعنة أمه وأخاه وخاله فلأمه الثلث ولأخيه السدس وباقيه له لأنه عصبة أمه في إحدى الروايتين والأخرى الباقي للأم وإن لم يكن أخ فالباقي للخال على إحدى الروايتين

فصل

وللأب ثلاثة أحوال حال يرث فيها بالفرض المجرد وهي مع الابن أو ابنه يرث السدس لقوله تعالى ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد


530

النساء 11 وحال يرث فيها بالتعصيب المجرد وهي مع عدم الولد لقوله تعالى فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث النساء 11 أضاف الميراث إليهما ثم خص الأم منه بالثلث دل على أن باقيه للأب والحال الثالث يجتمع له الأمران السدس بالفرض للآية والباقي بالتعصيب لقول النبي صلى الله عليه وسلم ما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر وهي مع إناث الولد

فصل

وللجد أحوال الأب الثلاثة وإذا اجتمع مع الأم أحد الزوجين فللأم الثلث كاملا وله حال رابع وهي مع الإخوة من الأبوين أو من الأب فإنه لا يسقطهم لأنهم يدلون بالأب فلم يسقطهم كأم الأب ولكنه يقاسمهم كأخ ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث فإن نقصته منه بأن زاد الأخوة على اثنين أو الأخوات على أربعة فله الثلث والباقي لهم فإن كان معهم ذو فرض أخذ فرضه وجعل للجد الأحظ من ثلاثة أشياء المقاسمة كأخ أو ثلث الباقي لأن الفرض كالمستحق فصار الباقي كجميع المال أوسدس جميع المال لأن ولد الصلب لا يمنعونه السدس فولد الأب أولى ولا يفرض للأخوات مع الجد لأننا جعلناه كالأخ فيعصب الأخت كالأخ ولا تعول مسائلة إلا في مسألة واحدة تسمى الأكدرية لتكديرها أصول زيد


531

حيث أعال مسائل الجد وفرض للأخت معه وهي زوج وأم وأخت وجد فللزوج النصف وللأم الثلث وللجد السدس ثم يفرض للأخت النصف لأنه لم يبق لها شيء ولا مسقط لها ها هنا ثم يجمع سدس الجد ونصف الأخت فيقسم بينهما على ثلاثة لئلا تفضل الأخت الجد فتضرب الثلاثة في المسألة وعولها وهي تسعة صارت من سبعة وعشرين للأم ستة وللزوج تسعة وللجد ثمانية وللأخت أربعة ولو كانت أم وأخت وجد فللأم الثلث والباقي بين الجد والأخت على ثلاثة أسهم وتسمى الخرقاء لكثرة اختلاف الصحابة فيها ولو كان مكان الأخت أخ كان المال بينهم أثلاثا

فصل

في المعادة

ولد الأب إذا انفردوا يقومون مقام ولد الأبوين في مقاسمة الجد فإن اجتمعوا فإن ولد الأبوين يعادون الجد بولد الأب لأن من حجب بولد الأبوين وولد الأب إذا انفردوا حجب بهما إذا اجتمعا كالأم وما حصل لولد الأب أخذه منهم ولد الأبوين لأنهم أولى بالإرث منهم ولا شيء لولد الأب إلا أن يكون ولد الأبوين أختا واحدة فيردون عليها قدر فرضها والباقي لهم ولا يتفق هذا في مسألة فيها فرض إلا أن يكون الفرض السدس فإذا اجتمع أخوان من الجهتين وجد اقتسموا أثلاثا ثم أخذ الأخ للأبوين ما حصل لأخيه فإن كان مكان الأخوين أختان اقتسموا أرباعا


532

ثم أخذت الأخت للأبوين ما حصل لأختها لتستكمل النصف فإن كان مع التي من قبل الأب أخوها اقتسموا أسداسا ثم أخذت منهما تمام فرضها يبقى لهما السدس على ثلاثة وتصح من ثمانية عشر فإن كان معهم أم فلها السدس وتفعل فيما بقي كما فعلت في أصل المال فتصح من مائة وثمانية وإن شئت فرضت للجد ثلث الباقي بعد السدس ولا ثلث له فتضرب ثلاثة في ستة تكن ثمانية عشر للأم ثلاثة وللجد خمسة وللأخت النصف تسعة يبقى سهم بين الأخ وأخته على ثلاثة تضربها في ثمانية عشر تكن أربعة وخمسين وتسمى مختصرة زيد لاختصارها من مائة وثمانية إلى أربعة وخمسين ولو كانت أم وجد وأخت لأبوين وأخوان وأخت لأب لصحت من تسعين وتسمى تسعينية زيد لصحتها من تسعين على مذهبه

فصل

وللجدة السدس وإن كثرن لم يزدن على السدس شيئا فرضا لما روى قبيصة بن ذؤيب قال جاءت الجدة إلى ابي بكر تطلب ميراثها فقال مالك في كتاب الله شيء وما أعلم لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ولكن ارجعي حتى أسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله صلى اله عليه وسلم أعطاها السدس فقال هل معك غيرك فشهد له محمد بن مسلمة فأمضاه


533

لها أبو بكر فلما كان عمر جاءت الجدة الأخرى فقال عمر مالك في كتاب الله شيء وما كان القضاء الذي قضى به إلا في غيرك وما أنا بزائد في الفرائض شيئا ولكن هو ذاك السدس فإن اجتمعتما فهو لكما وأيكما خلت به فهو لها قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ولا يرث من الجدات أكثر من ثلاث أم الأم وأم الأب وأم الجد ومن كان من أمهاتهن وإن علت درجتهن فلهن السدس إذا تحاذين في الدرجة لما روى سعيد بإسناده عن إبراهيم أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث ثلاث جدات ثنتين من قبل الأب وواحدة من قبل الأم قال إبراهيم كانوا يورثون من الجدات ثلاثا وهذا يدل على أنه لا يرث أكثر من ثلاث وأجمع أهل العلم على أن أم أبي الأم لا ترث وكذلك كل جدة أدلت بأب بين أمين لأنها تدلي بغير وارث قال الشعبي إنما طرحت أم أبي الأم لأن أبا الأم لا يرث ولا ترث جدة تدلي بأب أعلى من الجد لأنها خارجة عن الثلاث اللاتي ورثهن النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل كلام الخرقي توريثها لأنها تدلي بوارث وإن كان بعض الجدات أقرب من بعض فالميراث لأقربهن لأن الجدات أمهات يرثن ميراث الأم وكذلك سقطن بها فإذا اقترب بعضهن أسقطت البعدى كما لو كانت القربى من جهة الأم وعنه أن القربى من جهة الأم تسقط البعدى من جهة الأب والقربى من جهة الأب لا تسقط البعدى من جهةالأم لأنها تدلي بمن


534

لا يسقطها وهو الأب فأولى أن لا تكون هي مسقطة لها وترث الجدة وابنها حي سواء كان أبا أو جدا لما روى سعيد بن منصور بإسناده عن ابن مسعود أن أول جدة أطعمت السدس أم أب مع ابنها ورواه الترمذي ولفظه قال أول جدة أطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم السدس الجدة مع ابنها وابنها حي وعنه لا ترث لأنها تدلي به فلا ترث معه كالجد والجدات المتحاذيات أم أم أم وأم أم أب وأم أبي أب السدس بينهن أثلاثا فإن أدلت جدة بقرابتين وأخرى بقرابة واحدة فلذات القرابتين ثلثا السدس في قياس قول أحمد وللأخرى ثلثه لأنها شخص ذو قرابتين تورث كل واحدة منهما منفردة فإذا اجتمعا ولم يرجح بهما ورث بهما كابن العم إذا كان أخا لأم أو زوجا

فصل

فأما البنات فلهن الثلثان وإن كثرن وللواحدة إذا انفردت النصف لقوله تعالى فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف النساء 11 وحكم البنتين حكم ما زاد عليهما لما روى جابر بن عبد الله قال جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا ينكحان إلا ولهما مال قال

يقضي


535

الله في ذلك فنزلت آية الميراث فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أمهما الثمن فما بقي فهو لك رواه أبو داود

فصل

وبنات الابن كبنات الصلب سواء إن لم يكن للميت ولد من صلبه للواحدة النصف وللثنتين فصاعدا الثلثان لأنهن بنات لأن كل موضع سمى الله فيه الولد دخل فيه ولد الابن وإن كان من ولد الصلب بنت واحدة فلها النصف ولبنات الابن واحدة كانت أو أكثر السدس تكملة الثلثين لأن الله تعالى لم يفرض للبنات إلا الثلثين وهؤلاء بنات وقد سبقت بنت الصلب فأخذت النصف لأنها أعلى درجة منهن فكان الباقي لهن السدس ولهذا يسميه الفقهاء تكملة الثلثين وقد روى الهزيل قال سئل أبو موسى عن بنت وبنت ابن وأخت فقال للبنت النصف وللأخت النصف وائت ابن مسعود فسئل ابن مسعود وأخير بقول أبي موسى فقال لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين أقضي فيها بما قضى رسول الله للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال لا تسألوني مادام هذا الحبر فيكم رواه أحمد والبخاري


536

فصل

وللأخت للأبوين النصف وللبنتين فصاعدا الثلثان لقوله تعالى إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك النساء 176 وحكم الأخوات من الأب إذا انفردن حكم الأخوات من الأبوين سواء لدخولهن في لفظ الآية وإن اجتمع الأخوات من الجهتين فحكم ولد الأب مع ولد الأبوين حكم بنات الابن مع بنات الصلب سواء لأنهن في معناهن وإن اجتمع الأخوات مع البنات صار الأخوات عصبة لهن ما فضل وليس لهن معهن فريضة مسماة لقوله تعالى إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك النساء 176 فشرط في فرضها عدم الولد فاقتضى ألا يفرض لها مع وجوده ولما ذكرنا من حديث الهزيل

فصل

فأما ولد الأم فلو أحدهم السدس ذكرا كان أو أنثى وللاثنين السدسان فإن كثروا فهم شركاء في الثلث لقوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث النساء 12 يعني ولد الأم بإجماع أهل العلم وفي قراءة عبد الله وسعد وله أخ أو أخت من أم


537

باب من يسقط من ذوي الفروض

تسقط بنات الابن بالابن ويسقطن باستكمال البنات الثلثين إلا أن يكون معهن أو أنزل منهن ذكر فيعصبهن فيما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين وابن ابن الابن يعصب من في درجته ومن أعلى منه من عماته وبنات عم أبيه إذا لم يكن لهن فرض ولا يعصب من أنزل منه وإذا كان أربع بنات ابن بعضهن أنزل من بعض سقطت الثالثة والرابعة لاستكمال من فوقهما الثلثين فإن كان مع الرابعة أخوها أو ابن عمها فللأولى النصف وللثانية السدس والباقي للثالثة والرابعة وأختها وأخيها بينهم على أربعة وتصح من اثني عشر وتسقط الجدات من كل جهة بالأم لأنهن يرثن من جهتها لكونهن أمهات فيسقطن بها كما يسقط الجد بالأب

فصل

ويسقط ولد الأبوين بثلاثة بالابن وابن الابن والأب لأن الله تعالى شرط في توريثهم عدم الولد بقوله سبحانه إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك النساء 176 فلم يجعل لها مسمى مع الولد وإنما أخذت الفاضل عن البنات والابن لا يفضل عنه شيء فسقطن به وكذلك ابنه


538

لأنه ابن ويسقطون بالأب لأنهم يدلون به وكل من أدلى بشخص سقط به إلا ولد الأم والجدة من جهة الأب ويسقط ولد الأب بهؤلاء الثلاثة لذلك وبالأخ من الأبوين لما روي عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية وأن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه أخرجه الترمذي وتسقط الأخوات من الأب باستكمال الأخوات للأبوين الثلثين إلا أن يكون معهن أخ لهن فيعصبهن في الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين كبنات الابن مع البنات

فصل

ويسقط ولذ الأم بأربعة بالولد ذكرا كان أو أنثى وولد الابن والأب والجد لأن الله تعالى شرط في توريثهم كون الموروث كلالة بقوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس النساء 11 والكلالة من لا ولد له ولا والد في قول بعض أهل العلم وفي قول بعضهم هو اسم لمن عدا الولد والوالد من الوراث فيدل على أنهم لا يرثون مع ولد ولا والد


539

فصل

ومن لم يرث لمعنى فيه وهو الرقيق والقاتل والمخالف في الدين لم يحجب غيره لأنه ليس بوارث فلم يحجب كالأجنبي

باب أصول سهام الفرائض

الفروض المذكورة في كتاب الله تعالى النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس وهي تخرج من سبعة أصول أربعة لا تعول وثلاثة تعول لأن كل فرض انفرد فأصله من مخرجه وإن اجتمع معه فرض من جنسه فأصلهما من مخرج أقلهما لأن مخرج الكبير داخل في مخرج الصغير وإن اجتمع معه فرض من غير جنسه ضربت مخرج أحدهما في مخرج الآخر إن لم يتوافقا فما ارتفع فهو أصل لهما أو وفق أحدهما في جميع الآخر إن توافقا فلذلك صارت الأصول سبعة النصف وحده من اثنين والثلث أو الثلثان من ثلاثة والربع وحده أو مع النصف من أربعة والثمن وحده أو مع النصف من ثمانية وهذه الأربعة التي لا تعول لأن العول فرع ازدحام الفروض ولا يوجد ذلك هنا وإن اجتمع مع الفرض من غير جنسه كالنصف يجتمع مع أحد الثلاثة السدس أو الثلث والثلثان فأصلهما من ستة لأنك إذا ضربت مخرج النصف في مخرج الثلث صار ستة


540

ويدخل العول هذا الأصل لازدحام الفروض فيه وإن اجتمع مع الربع أحد الثلاثة فأصلها من اثني عشر لأنك إذا ضربت مخرج الربع في مخرج الثلث أو وفق مخرج السدس كانت اثنتي عشرة وإن اجتمع مع الثمن سدس أو ثلثان فأصلها من أربعة وعشرين لما ذكرنا وتعول هذه الأصول الثلاثة ومعنى العول نقص الفروض لازدحامها وضيق المال عنها وقسمته بينهم على قدر فروضهم وطريق العمل فيها أن تأخذ لكل ذي فرض فرضه من أصل مسألته ثم تجمع السهام كلها فتقسم المال عليها فيدخل النقص على كل ذي فرض بقدر فرضه كما تصنع في الوصايا الزائدة على الثلث وفي قسمة مال المفلس على ديونه وهذا قول عامة الصحابة إلا ابن عباس رضي الله عنهما

فصل

وأصل الستة يتصور عوله إلى عشرة ولا تعول إلى أكثر منها ومثال العول زوج وأخت لأبوين وأخت لأب أصلها ستة للزوج النصف ثلاثة وللأخت للأبوين ثلاثة وللأخت للأب السدس سهم عالت إلىسبعة فإن كان مكان الأخت للأب أم فلها الثلث وعالت إلى ثمانية وتسمى مسألة المهالة لأنها أول مسألة عائلة حدثت في زمن عمر فجمع الصحابة للمشورة فيها فقال العباس أرى أن يقسم المال بينهم على قدر سهامهم فأخذ به عمر واتبعه


541

الناس على ذلك حتى خالفهم ابن عباس فقال من شاء باهلته إن المسائل لا تعول إن الذي أحصى رمل عالج عددا أعدل من أن يجعل في مال نصفا ونصفا وثلثا هذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث زوج وأم وثلاث أخوات متفرقات عالت إلى تسعة وتسمى مسألة الغراء فإن كانت الأخوات ستا عالت إلى عشرة وسميت أم الفروخ لكثرة عولها لأنها عالت بثلثيها فشبهوا أصلها بالأم والعول بالفروخ

فصل

وأصل اثني عشر تعول على الأفراد إلى ثلاثة عشر وخمسة عشر وسبعة عشر ولا تعول إلى أكثر من ذلك فتقول في زوج وأم وابنتين أصلها اثنا عشر وتعول إلى ثلاثة عشر فإن كان معهم أب عالت إلى خمسة عشر ثلاث زوجات وجدتان وأربع أخوات لأم وثمان لأب عالت إلى سبعة عشر ولكل واحدة سهم وتسمى أم الأرامل وأصل أربعة وعشرين تعول إلى سبعة وعشرين ولا تعول إلى أكثر منها وتسمى النحيلة لقلة عولها وسميت المنبرية لأن عليا سئل عنها على المنبر فقال صار ثمنها تسعا ومضى في خطبته يعني أنه كان للزوجة الثمن ثلاثة من أربعة وعشرين فصار لها ثلاثة من سبعة وعشرين وهي تسع


542

باب تصحيح المسائل

إذا لم تنقسم سهام فريق من الورثة عليهم قسمة صحيحة ضربت عددهم في أصل المسألة وعولها إن عالت فما بلغ فمنه تصح إلا أن يوافق عددهم سهامهم بجزء من الأجزاء فيجزئك ضرب وفق عددهم في أصل المسألة وعولها فإذا أردت القسمة فكل من له شيء من أصل المسألة مضروب في العدد الذي ضربته في المسألة وهو جزء السهم فما بلغ فهو له إن كان واحدا وإن كانوا جماعة قسمته عليهم وإن كان الكسر على فريقين أو أكثر متماثلة كثلاثة وثلاثة أجزأك ضرب أحدهما في المسألة وإن كانت متناسبة وهو أن ينتسب القليل إلى الكثير بجزء من أجزائه كثلاثة أو أربعة مثل ثلاثة وتسعة أجزأك ضرب أكثرها في المسألة وإن كانت متباينة كثلاثة وأربعة وخمسة ضربت بعضها في بعض فما بلغ ضربته في المسألة وإن كانت متوافقة بجزء من الأجزاء كنصف وثلث وافقت بين عددين منها وضربت وفق أحدهما في الآخر فما بلغ فهو جزء السهم يضرب في المسألة وطريق القسمة على ما ذكرنا متقدما


543

باب الرد

وإذا لم يتسغرق الفروض المال وفضلت منه فضلة ولم يكن عصبة فالفاضل عن ذوي الفروض مردود عليهم على قدر سهامهم لقوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض الأنفال 157 ولقول النبي صلى الله عليه وسلم من ترك مالا فلورثته رواه أحمد وابو داود إلا على الزوج والزوجة لأنهما ليسا من أولي الأرحام فلم يدخلوا في قوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض وهذا يروى عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم وعن أحمد أنه لا يرد على ولد الأم مع الام ولا على الجدة مع ذي سهم لأنه قول ابن مسعود والأول المذهب لعموم الأدلة ولأنه قول عمر وعلي وابن عباس وطريق العمل في الرد أن تأخذ سهام أهل الرد من أصل مسألتهم وكلها تخرج من ستة إذ ليس في الفروض ما يخرج عن الستة إلا الربع والثمن وليسا لغير الزوجين وليسا من أهل الرد فيجعل عدد سهامهم أصل مسألتهم فيقسم المال عليها وينحصر ذلك في أربعة أصول فإذا كان معك سدسان كجدة وأخ لأم فأصلها من اثنين وإن كان ثلث وسدس كأم وأخ من أم فأصلها من ثلاثة وإن كان نصف وسدس كابنة وابنة ابن فأصلها من أربعة وإن كان نصف وثلث كأم وأخت أو ثلثان وسدس كأختين


544

وأم أو نصف وسدسان كثلاث أخوات متفرقات فهي من خمسة ولا تزيد أبدا على هذا لأنها لو زادت سهما لكمل المال فإن انكسر سهم فريق عليهم ضربت عددهم في عدد سهامهم لأنه أصل مسألتهم فتقول في ثلاث جدات وأخت هي من أربعة للجدات سهم على ثلاثة تضربها في أربعة تكن اثني عشر ومنها تصح

فصل

فإن اجتمع مع أهل الرد أحد الزوجين أعطيته فرضه من أصل مسألته ثم ضربت مسألته في مسألة أهل الرد فما بلغ انتقلت إليه المسألة ثم تصحح بعد ذلك فتقول في زوجة وبنت وبنت ابن وجدة للزوجة الثمن من ثمانية ومسألة أهل الرد من خمسة تضربها في ثمانية تكن أربعين للزوجة الثمن خمسة يبقى خمسة وثلاثين بين أهل الرد على خمسة فإن انكسر على بعضهم ضربته في أربعين فما بلغ فمنه تصح

باب ميراث العصبة من القرابة

وهم كل ذكر ليس بينه وبين الميت أنثى وهم الأب والابن ومن أدلى بهما من الذكور فأحقهم بالميراث أقربهم ويسقط به من بعد لقول النبي صلى الله عليه وسلم ما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر وأحقهم الابن وابنه وإن نزل


545

لأن الله تعالى بدأ بهم بقوله يوصيكم الله في أولادكم النساء 11 والعرب تبدأ بالأهم فالأهم ثم الأب لأن سائر العصبات يدلون به ثم الجد أبو الأب وإن علا لأنه أب ثم بنو الأب وهم الأخوة ثم بنوهم وإن نزلوا ثم بنو الجد وهم الأعمام ثم بنوهم وإن نزولا ثم بنو جد الأب وهم أعمام الأب ثم بنوهم وإن نزلوا وعلى هذا لا يرث بنو أب أعلى مع بني أب أقرب منه وإن نزلت درجتهم وأولى ولد كل أب أقربهم إليه فإن استوت درجتهم فأولاهم من كان لأب وأم لحديث علي ولس في فريضة يرث فيها العصبة عول ولا رد لأن العصبة يأخذ المال كله إذا انفرد ولقوله تعالى في الأخ وهو يرثها إن لم يكن لها ولد النساء 176 أضاف الميراث جميعه إليه وإن كان معه ذو فرض أخذ الباقي لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأخي سعد بن الربيع أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فهو لك وقوله عليه السلام فما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر وإن استغرقت الفروض المال سقط لأن حقه في الباقي ولا باقي هنا

فصل

وأربعة من الذكور يعصبون أخواتهم فيمنعونهن الفرض ويقتسمون ما ورثوا للذكر مثل حظ الأنثيين وهم الابن وابنه والأخ من الأبوين


546

أو من الأب لقوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين النساء 11 وقوله وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين النساء 176 ومن عدا هؤلاء من العصبات ينفرد الذكور بالميراث دون الإناث كبني الإخوة والأعمام وبنيهم لأن أخواتهم من أولي الأرحام

فصل

وإن اجتمع في شخص واحد سببان يقتضيان الإرث كزوج هو ابن عم أو ابن عم هو أخ من أم ورث بهما جميعا فإن كان ابنا عم أحدهما أخ لأم فللأخ للأم السدس والباقي بينهما نصفان وإن كانوا ثلاثة كبني عم أحدهم زوج والآخر أخ لأم فللزوج النصف وللأخ السدس والباقي بينهم أثلاثا لأن قرابة الأم يرث بها منفردة فلم يرجع بها كالزوجية

باب المناسخات

إذا لم تنقسم تركة الميت الأول حتى مات بعض وراثه فصحح مسألة الأول ثم صحح مسألة الثاني واقسم سهام الثاني من المسألة الأولى على مسألته فإن انقسمت صحت المسألتان مما صحت منه الأولى وإن لم تنقسم وافقت


547

بين مسألتها وبين مسألته وأخذت وفق مسألته فضربته في المسألة الأولى فإن لم يتوافقا ضربت مسألته كلها في المسألة الأولى فما بلغ فمنه تصح المسألتان فإذا أردت القسمة فكل من له شيء من المسألة الأولى مضروب في الثانية أو في وفقها وكل من له شيء من الثانية مضروب في السهام التي مات عنها الثاني أو في وفقها فإن مات ثالث صححت مسألته وقسمت عليها سهامه من المسألتين فإن انقسم صحت وإلا ضربت مسألته أو وفقها فيما صحت منه الأوليان وتعمل على ما ذكرنا

فصل

فإن خلف الميت تركة معلومة فانسب سهام كل وارث من المسألة وأعطه مثل تلك النسبة من التركة فإن عز عليك ذلك فاقسم التركة على المسألة فما خرج بالقسم فاضربه في سهام كل وارث فما كان فهو نصيبه فإذا خلفت المرأة زوجا وأما وأختا وأربعين دينارا فللأم ربع المسألة فلها ربع التركة عشرة ولزوج ربع وثمن فله خمسة عشرة وللأخت مثل ذلك وإن قسمت الأربعين على المسألة فلكل سهم خمسة فإذا ضربت سهام كل وارث في خمسة خرج مثل ما ذكرنا


548

باب ميراث الغرقى ومن عمي موتهم

إذا مات متوارثان فلم يعلم أيهما مات قبل صاحبه ورث كل واحد منهما من صاحبه من تلاد ماله دون ما ورثه من الميت معه لأن ذلك يرى عن عمر وعلي وإياس بن عبد المزني فتقول في أخوين غرقا وخلف كل واحد منهما زوجته ومولاه يقدر أن الأكبر مات أولا فلزوجته الربع والباقي لأخيه الأصغر ثم مات الأصغر عن ثلاثة أسهم فلزوجته الربع وباقيه لمولاه فتضرب أربعة في أربعة تكن ستة عشر لزوجة الأكبر أربعة ولزوجة الأصغر ثلاثة يبقى تسعة لمولى الأصغر ثم قدر أن الأصغر مات أولا فلزوجته الربع وباقيه لأخيه الأكبر ثم تعمل فيها عملك في الأولى فترث زوجة كل واحد منهما ربع مال زوجها وثمنا ونصف ثمن من مال أخيه ويرث مولى كل واحد منهما نصف مال أخي عتيقه ونصف ثمنه ولا يرث من مال عتيقة شيئا وقد روي عن أحمد في ما إذا ماتت امرأة وابنها وخلفت زوجا وأخا فقال زوجها ماتت فور ثناها ثم مات ابني فورثته وقال أخوها مات ابنها فورثته ثم ماتت فورثناها أنه يحلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه ويكون ميراث الابن لأبيه وميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين


549

وذكرها الخرقي في مختصره وهذا يدل على أنه لا يرث أحدهما صاحبه بل يقسم ميراث كل واحد منهما على الأحياء من ورثته دون من مات معه لأن ذلك يروى عن أبي بكر الصديق وزيد ومعاذ وابن عباس والحسن بن علي رضوان الله عليهم ولأنه لا يعلم أن أحدهما حي حين مات صاحبه فلم يرثه كالحمل إذا سقط ميتا ولو علم خروج روحيهما معا لم يرث أحدهما صاحبه لأن من شرط توريثه كونه حيا حين موت الآخر

باب ميراث ذوي الأرحام

وقد ذكرناهم ويرثون إذا لم يكن عصبة ولا ذو فرض من أهل الرد لقوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله الأنفال 75 وقد روي عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الخال وارث من لا وارث له قال الترمذي هذا حديث حسن وروى أبو عبيد بإسناده أن ثابت بن الدحداح مات ولم يخلف إلا ابنة أخ له فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بميراثه لابنة أخيه وقسنا سائرهم على هذين

فصل

وطريق توريثهم بالتنزيل أن تنزل كل واحد منهم منزلة من يدلي به من الوراث فتجعل بنت البنت بمنزلة البنت وبنت بنت الابن بمنزلتها وبنات


550

الإخوة بمنزلة آبائهن وبنو الأخوات وبناتهن بمنزلة أمهاتهن والخال والخالة وأبو الأم بمنزلة الأم والعمات والعم من الأم بمنزلة الأب وعن أحمد رواية أخرى أنه تنزل العمة منزلة العم لأنه روي عن علي رضي الله عنه والأول أولى لما روى الإمام أحمد بإسناده عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العمة بمنزلة الأب إذا لم يكن بينهما أب والخالة بمنزلة الأم إذا لم يكن بينهما أم ولأن الأب أقوى جهاتها فنزلت منزلته كما أن بنت الأخ تدلي بأبيها لا بأخيها وبنت العم تدلي بأبيها لا بأخيها وإذا انفرد ذو رحم ورث المال كله وإن اجتمع منهم جماعة فأدلوا بشخص واحد وكانوا في درجة واحدة فالمال بينهم على حسب مواريثهم منه فإن أسقط بعضهم بعضا كأبي الأم والأخوال أسقطت الأخوال بأبي الأم لأن الأب يسقط الإخوة وإن كان بعضهم أقرب من بعض سقط البعيد منهم كما يسقط بعيد العصبات بقريبهم وإن لم يسقط بعضهم بعضا قسمت المال بينهم على حسب مواريثهم منه فتقول في ثلاث عمات متفرقات المال بينهن على خمسة لأنهن أخوات لأب فكان ميراثهن كميراث ثلاث أخوات للميت متفرقات وإن كان ثلاث خالات متفرقات فكذلك لأنهن أخوات لأم فإن اجتمع ثلاث خالات متفرقات وثلاث عمات متفرقات نزلت العمات أبا والخالات أما فجعلت الثلث للخالات على خمسة والباقي للعمات على خمسة فتجتزئ بإحدا


551

الخمسين وتضربها في ثلاثة تمكن خمسة عشر للخالة التي من قبل الأبوين ثلاثة أسهم وللخالة من الأب سهم وللخالة من الأم سهم وللعمة من الأبوين ستة وللعمة من الأب سهمان وللعمة من الأم سهمان وإن كان ثلاثة أخوال متفرقين فللخال من الأم السدس والباقي للخال من الأبوين كثلاثة إخوة متفرقين وإن كان أبوهم واحدا وأمهم واحدة فالذكر والأنثى سواء لأنهم يرثون بالرحم المحدر فاستوى ذكرهم وأنثاهم كولد الأم وعنه أنهم يقتسمون للذكر مثل حظ الأنثيين لأنهم فرع على ذوي الفروض والعصبات فثبت فيهم حكمهم وقال الخرقي يفضل الخال على الخالة دون سائر ذوي الأرحام وإن أدلى جماعة بجماعة فأقسم المال بين المدلى بهم على ما توجبه الفريضة فما صار لكل وارث فهو لمن أدلى به فإن سبق بعضهم إلى الوارث فهو أحق بالمال ويسقط به البعيد إن كانا من جهة واحدة وإن كانا من جهتين نزلت البعيد حتى يلحق بوارثه سواء سقط به القريب أو لم يسقط فتقول في بنت بنت بنت وبنت أخ لأم المال لبنت بنت البنت والجهات أربع الأبوة والبنوة والأخوة والأمومة وإن اجتمعت بنت أخ وعمة فالمال للعمة لأنها بمنزلة أب وهو يسقط الأخ ومن نزلها عما أسقطها ببنت الأخ لأن الأخ يسقط العم وإن اجتمع بنت أخت وابن وبنت أخت أخرى فللواحدة حق أمها النصف وللأخرى وأخيها حق أمهما


552

النصف وإن أدلى ذو رحم بقرابتين ورث بهما فتقول في بنت ابن أخ لأم هي بنت بنت أخت لأب وبنت بنت أخت لأبوين للأولى الخمسان بقرابتيها وللثانية ثلاثة أخماس لأنهما بمنزلة ثلاث أخوات متفرقات ولا يعول في مسائل الأرحام إلا واحدة وشبهها وهي خال وبنات ست أخوات متفرقات

فصل

ولا يرث ذو رحم مع ذي فرض ولا عصبة إلا مع الزوج لأن الرد أولى والزوج لا يرد عليه فإن اجتمع معهم زوج أعطيته فرضه غير محجوب ولا معاول وقسمت الباقي بينهم كما لو انفردوا فتقول في زوج وبنت بنت وبنت أخت للزوج النصف والباقي بينهما نصفان امرأة وابنتا بنتين وابنتا أختين للزوجة الربع ولبنتي البنتين ثلثا الباقي والباقي لبنتي الأختين

باب ميراث الخنثى

وهو الذي له ذكر وفرج امرأة فيعتبر بمباله لأنه قد جاء في الأثر يورث الخنثى من حيث يبول ولأنها أعم علاماته لأنها توجد في الصغير والكبير وقد أجرى الله العادة أن الذكر يبول من ذكره والأنثى من


553

فرجها فاعتبر ذلك فإن بال من حيث يبول الرجل فهو ذكر وإن بال من حيث تبول المرأة فله حكم المرأة فإن بال منهما اعتبر بأسبقهما فإن خرجا في حال واحدة اعتبر أكثرهما لأن الأكثر أقوى في الدلالة فإن استويا فهو مشكل فإن مات له من يرثه أعطي هو ومن معه اليقين ووقف الباقي حتى يبلغ فينكشف الأمر بأن يظهر فيه علامات الرجال من خروج المني من ذكره ونباته اللحية أو علامات النساء من تفاك التثدي والحيص والحمل فإن يئس من ذلك فله نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى فإذا اجتمع ابن وبنت وولد خنثى فللذكر أربعة أسهم وللخنثى ثلاثة وللبنت سهمان لأنه يحصل بهذا العمل له نصف ميراث الذكر ونصف ميراث الأنثى فإن كان مكان الابن أخ أو غيره من العصبا فله السدس والباقي بين الخنثى والبنت على خمسة وقال أصحابنا يعمل المسألة على أنه ذكر ثم على أنه أنثى ثم يضرب إحداهما في الأخرى إن تباينتا أو وفق إحداهما في الأخرى إن اتفقتا أو يجتزئ بإحداهما إن تماثلتا أو بأكبرهما إن تناسبتا وتضرب ذلك في اثنين فما بلغ فمنه تصح ثم كل من له شيء من إحداهما مضروب في الأخرى أو في وفقها أو تجمع ماله منهما إن تماثلتا فتعطيه إياه ففي هذه المسألة إن قدرناه ذكرا فهي من خمسة وإن قدرناه أنثى فهي من أربعة تضرب أربعة في خمسة تكن عشرين ثم في الحالين تكن أربعين فللابن


554

اثنان في خمسة واثنان في أربعة ثمانية عشر وللبنت تسعة وللخنثى سهم في خمسة وسهمان في أربعة ثلاثة عشر لأن للابن الخمسين بيقين وذلك ستة عشر وللبنت الخمس بيقين ثمانية وللخنثى الربع بيقين عشرة فذلك أربعة وثلاثون يبقى ستة أسهم يدعيها الخنثى كلها ليتم له سهم ذكر ويدعي الابن ثلثيها ليتم له النصف والبنت تدعي ثلثها ليتم لها الربع فقسمناها بينهم على حسب دعاويهم للخنثى نصفها ثلاثة وللابن سهمان وللبنت سهم فإن كانا خنثيين نزلتهم على عدد أحوالهم فتجعل لهما أربعة أحوال في أحد الوجهين وفي الآخرين تنزلهم حالين مرة ذكورا ومرة إناثا والأول أصح لأنه يعطي كلا بحسب ما فيه من الاحتمال وعلى الطريق الثاني يفضي إلى حرمان من يحتمل الاستحقاق ألا ترى أنه لو اجتمع بنت وولد خنثى وولد ابن خنثى وأخ فنزلتهم حالين لم تعط ولد الابن شيئا ومن المحتمل أن يكون ذكرا وحده فيكون له الباقي بعد البنتين فعلى هذا تنزل الثلاثة ثمانية أحوال وللأربعة ستة عشر وللخمسة اثنان وثلاثون حالا


555

باب ميراث الحمل

إذا مات عن حمل يرثه فطالب بقية الورثة بالقسمة وقف نصيب ابنين ذكرين إن كان ميارث الذكور أكثر وابنتين إن كان أكثر لأن ما زاد على اثنين نادر جدا فلم يلتفت إليه كاحتمال الحمل في الآيسة ويدفع إلى كل وارث اليقين فإذا وضعت الحمل دفع إليه نصيبه ورد الفضل على من يستحقه وإن وضعته ميتا لم يرث لأننا لا نعلم أنه كان حيا حين موت موروثه وإن وضعته واستهل ورث وورث لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا استهل المولود ورث

رواه أبو داود وظاهر كلام أحمد أنه لا يرث حتى يستهل وهو الصوت ببكاء أو عطاس أو نحوه لتقييده في الحديث بالمستهل ويحتمل أن يلحق بذلك كل من علمت حياته بارتضاع أو نحوه لأنه ولد حيا فأشبه المستهل فأما الحركة والاختلاج فلا تدل على الحياة فإن اللحم يختلج سيما إذا خرج من ضيق إلى سعة وإن خرج بعضه فاستهل ثم انفصل باقيه ميتا لم يرث لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا وهو حي وإن ولدت توأمين فاستهل أحدهما أقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حكم بأنه المستهل ولا يرث حمل إلا أن يعلم بأنه كان موجودا حال الموت بأن تلده لأقل من ستة أشهر إن كانت ذات زوج أو لأقل من أربع سنين إن كانت بائنا


556

باب ما يمنع الميراث

ويمنع الميراث ثلاثة أشياء اختلاف الدين فلا يرث مسلم كافرا ولا كافر مسلما بحال لما روى أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر متفق عليه والمرتد لا يرث أحدا لأنه ليس بمسلم فيرث المسلمين ولا يثبت له حكم الدين الذي انتقل إليه فيرث أهله ولا يرثه أحد لذلك وماله فيء وعنه يرثه ورثته من المسلمين وعنه يرثه أقاربه من أهل دينه الذي اختاره وعنه في الميراث بالولاء روايتان إحداهما يرث الرجل عتيقه وإن اختلف ديناهما لأن الولاء شعبة من الرق واختلاف الدين لا يمنع الرجل أخذ مال رقيقه إذا مات والثانية لا يرثه مع اختلاف الدين لعموم الخبر ولأنه نوع توارث فمنعه اختلاف الدين كغيره ولأنه مانع من الإرث فمنع الإرث بالولاء كالقتل

فصل

ومن أسلم على ميراث قبل أن يقسم قسم له لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أسلم على شيء فهو أخرجه سعيد وعنه لا يقسم له لأن المانع مع الإرث وجد حين وجد السبب وهو الموت فمنع من الإرث كالرق


557

ومن كان رقيقا حين موت موروثه فعتق بعده لم يرث لأن العتق ليس من فعله ولا هو قربة للمعتق بخلاف إسلامه ولو ملك ابن عمه فدبره فعتق بموته لم يرثه لأنه رقيق حين الموت وإن قال أنت حر في آخر حياتي عتق وورث لأنه حر حين الموت ويحتمل أن لا يرث لأن عتقه وصية له فيفضي إلى الوصية للوارث

فصل

ويرث الكفار بعضهم بعضا وإن اختلفت أديانهم في إحدى الروايتين لأن مفهوم قوله عليه السلام لا يرث مسلم كافرا ولا كافر مسلما أن الكفار يتوارثون والثانية لا يرث أهل ملة أهل ملة أخرى لما روى عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوارث أهل ملتين شتى رواه أبو داود ولأن الموالاة منقطعة بينهم فأشبه اختلافهم بالكفر والإسلام قال القاضي والكفر ثلاث ملل اليهودية ملة والنصرانية ملة ودين من عداهم ملة لاجتماعهم في عدم الكتاب قال وقياس المذهب عندي أنه لا يرث حربي ذميا ولا ذمي حربيا لأنه لا موالاة بينهما واحتمل أن يتوارثا لأنهما من أهل ملة واحدة

فصل

وإذا أسلم المجوس أو تحاكموا إلينا ورثوا للجميع قراباتهم إذا أمكن


558

ذلك لأنها قرابات ترث بكل واحدة منفردة ولم ترجح بها فورث بهما إذا اجتمعا كابن عم هو زوج أو أخ لأم فلو تزوج مجوسي بنته فأولدها بنتا ثم مات وخلف أخا فلا بنتيه الثلثان والباقي لأخيه فإن ماتت بعده الكبرى فمالها لابنتها نصفه بكونه بنتا وباقيه بكونها أختا من أب وإن ماتت الصغرى قبل الكبرى فللكبرى الثلث بكونها أما والنصف بكونها أختا وباقيه لعمها فإن كان أولدها بنتين ثم مات ثم ماتت إحدى الصغيرتين فلأختها لأبويها النصف ولأمها السدس بكونها أما والسدس بكونها أختا لأب وحجبت نفسها بنفسها والباقي لعمها ولا يرثون بنكاح ذوات المحارم ولا مالا يقرون عليه إذا أسلموا ولذلك لم يورث بنت المجوسي الذي تزوجها منه شيئا

فصل

والثاني من الموانع الرق فلا يرث العبد قريبه ولا يورث لأنه لا ملك له فيورث وإن ملك فملكه ضعيف يرجع إلى سيده ببيعه لقوله عليه السلام من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع فكذلك بموته ولا يرث لأنه لو ورث شيئا لكان لسيده فيكون التوريث لسيده دونه


559

فصل

ومن بعضه حر يرث ويورث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية لما روى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العبد يعتق بعضه يرث ويورث على قدر ما عتق منه ولأن هذا قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما فينظر ماله مع الحرية الكاملة فيعطيه منه بقدر ما فيه من الحرية الكاملة ويحجب به بقدر ذلك فتقول في بنت نصفها حر وأم حرة وعم للبنت الربع لأنه نصف ما تستحقه بالحرية الكاملة وللأم الربع لأن حرية البنت تحجبها عن السدس فنصف حريتها يحجبها عن نصفه والباقي للعم فإن كان نصف الأم حرا فلها الثمن لأنه نصف ما تستحقه بالحرية الكاملة والباقي للعم وإن شئت عملتها بالأحوال كمسائل الخناثى فتقول لو كانتا حرتين فالمسألة من ستة ولو كانت الأم وحدها حرة كانت من ثلاثة وإن كانت البنت وحدها حرة كانت من اثنين وإن كانتا رقيقتين فهي من سهم فتجزئ بالستة لأن سائر المسائل داخلة فيها وتضربها في أربعة تكن أربعة وعشرين للبنت النصف في حالين وذلك ستة وهو الربع وللأم الثلث في حال والسدس في حال وذلك ثلاثة وهو الثمن والباقي للعم


560

فصل

الثالث من الموانع قتل الموروث بغير حق يمنع القاتل ميراثه عمدا كان القتل أو خطأ لما روي عن عمر أنه أعطى دية ابن قتادة المذحجي لأخيه دون أبيه وكان حذفه بسيف فقتله وقال عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليس لقاتل ميراث رواه مالك في الموطأ ولأن توريث القاتل ربما أفضى إلى قتل الموروث استعجالا لميراثه وكل قتل يضمن بقتل أو دية أو كافرة يمنع الميارث لذلك وما لا يضمن كالقصاص والقتل في الحد لا يمنع لأنه فعل مباح فلم يمنع الميراث كغير القتل ولأن المنع في العدوان كان حسما لمادة العدوان ونفيا للقتل المحرم فلو منع هنا لكان مانعا من استيفاء الواجب أو الحق المباح استيفاؤه وعنه لا يرث العادل الباغي إذا قتله وهذا يدل على أن كل قتل يمنع الميراث لعموم الخبر والأول أظهر في المذهب

باب ذكر الطلاق الذي لا يمنع الميراث

إذا طلق الرجل زوجته طلاقا رجعيا لم ينقطع الميراث بينهما مادامت في العدة سواء كان صحيحا أو مريضا لأن الرجعية زوجة وإن أبانها في صحته انقطع التوارث بينهما لزوال الزوجية التي هي سبب التوارث


561

وكذلك إن كان في مرض غير مرض الموت لأن حكمه حكم الصحة وإن أبانها في مرض موته باختيارها بأن سألته الطلاق أو علق طلاقها على فعل لها منه بد ففعلته انقطع التوارث لزوال الزوجية بأمر لا يتهم فيه وكذلك إن علق طلاقها في صحته على شرط وجد في مرضه لم ترثه كذلك وعن أحمد أنها ترثه في هذه المسائل الثلاث لأنه طلاق في مرض موته ولو طلقها في مرضه وهي أمة أو كافرة فأسلمت أو عتقت لم ترث لأنه لا يتهم في طلاقها وإن أبانها في مرض موته على غير ذلك لم يرثها وورثته مادامت في العدة لما روي أن عثمان ورث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف وكان طلقها في مرض موته فبتها واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر فكان إجماعا ولأنه قصد قصدا فاسدا في الميراث فعورض بنقيض قصده كالقاتل وهل ترثه بعد انقضاء العدة فيه روايتان إحداهما ترثه لأن عثمان ورث امرأة من عبد الرحمن بعد انقضاء العدة ولأنه فار من ميراثها فورثته كالمعتدة والثانية لا ترثه لأن آثار النكاح زالت بالكلية فلم ترثه كما لو تزوجت ولأن ذلك يفضي إلى توريث أكثر من أربع نسوة بأن يتزوج أربعا بعد انقضاء عدة المطلقة وذلك غير جائز وإن تزوجت لم ترثه لأنها فعلت باختيارها فعلا ينافي زوجية الأول فلم ترثه كما لو تسببت في فسخ النكاح


562

وهكذا لو ارتدت في عدتها أو فعلت ما ينافي نكاح الأول لم ترثه وإن ارتدت ثم أسلمت في عدتها ففيه وجهان أحدهما ترثه لأنها مطلقة في المرض أشبه ما لو لم ترتد والثاني لا ترثه لأنها فعلت ما ينافي النكاح أشبه ما لو تزوجت

فصل

وإن طلق امرأة قبل الدخول فهل ترثه فيه روايتان كالتي انقضت عدتها ولو قال لزوجته في صحته إذا مرضت فأنت طالق فحكم طلاقه حكم طلاق المريض وإن أقر في مرضه بطلاقها في صحته فحكمه حكم طلاقها في مرضه وإن علق طلاقها على فعل لابد لها منه كالصلاة ففعلته فهو كطلاقه ابتداء وإن قال لزوجته الذمية أو الأمة وهو مريض إذا عتقت أو أسلمت فأنت طالق فعتقت الأمة وأسلمت الذمية فهو كطلاقه لحرة مسلمة وإن قال السيد لأمته أنت حرة غدا فطلق الزوج اليوم أو غدا عالما بعتق السيد ورثته لأنه متهم وإن لم يعلم لم ترثه لعدم التهمة

فصل

ولو تسببت الزوجة في فسخ نكاحها في مرضها برضاع أو غيره بانت وورثها زوجها ولم ترثه لما ذكرنا في طلاق المرض ولو استكره رجل امرأة أبيه في مرض أبيه على فعل ينفسخ نكاحها به بانت ولم يسقط ميراثها


563

لذلك وإن كان للمريض زوجة أخرى سقط ميراثها لأنه غير متهم في قصد توفير نصيبها عليه لرجوعه إلى الزوجة الأخرى دونه

فصل

وإن تزوج نساء بعضهن عقدها فاسد ولم تعلم بعينها أو طلق بعض نسائه لا بعينها أو علمها وأنسيها أقرع بينهن فمن خرجت قرعتها بفساد العقد أو الطلاق فلا ميراث لها لأنه اشتبه المستحق بغيره فوجب المصير إلى القرعة كما لو أعتق في مرضه عبيدا لم يخرج من ثلثه إلا أحدهم

باب الإقرار بمشارك في الميراث

إذا أقر جميع الورثة بمشارك لهم في الميراث ثبت نسبه وورث لأن الورثة يقومون مقام الميت في ماله وحقوقه وهذا من حقوقه وإن أقروا لمن يسقطهم كإخوة أقروا بابن ثبت نسبه وأسقطهم لأن الجميع ورثة لولا الإقرار فأشبه ما لو أقروا بمشاركهم وإن أقر بعضهم لم يثبت النسب ودفع المقر إلى المقر له فضل ما في يده عن ميراثه فإذا خلف ابنين فأقر أحدهما بأخ فله ثلث ما في يده وإن أقر بأخت فلها الخمس وإن شئت ضربت مسألة الإقرار أو وفقها في مسألة الإنكار ودفعت إلى المنكر سهمه من مسألة الإنكار مضروبا في مسألة الإقرار أو وفقها وإلى المقر سهمه من مسألة الإقرار مضروبا في مسألة الإنكار أو وفقها فما فضل فهو للمقر بة


564

وإن لم يكن في يد المقر فضل فلا شيء للمقر بة لأنه يقر على غيره فإن خلف ابنين فأقر أحدهما بأخوين فصدقه أخوة في أحدهما ثبت نسب من اتفقا عليه فصاروا كثلاثة أقر أحدهم بأخ رابع فاضرب مسألة الإقرار في مسألة الإنكار تكن اثني عشر للمقر سهم من مسألة الإقرار في مسألة الإنكار ثلاثة وللمنكر سهم في مسألة الإقرار أربعة ثم إن أقر المتفق عليه بالمختلف فيه فله مثل سهم المقر وإن أنكر فله مثل سهم المنكر والفضل المختلف فيه وقال أبو الخطاب إن أقر المتفق عليه بالمختلف فيه وأنكر المختلف فيه المتفق عليه فإن المتفق عليه يأخذ من المقرين ربع ما في أيديهما ويأخذ المختلف فيه من المقر بة ثلث ما في يده وتصح من ثمانية للمقر بهما سهمان وللمتفق عليه سهمان وللمقر بأحدهما ثلاثة وللمختلف فيه سهم وإن كان الوارث ابنا فأقر بأخوين بكلام متصل ثبت نسبهما سواء تصادقا أو تجاحدا لأن نسبهم ثبت في حال واحدة بقول الوارث الثابت النسب قبلهم ويحتمل أن لا يثبت نسبهما إذا تجاحدا لأنه لم يحصل الإقرار من جميع الورثة وإن أقر بواحد بعد آخر ثبت نسب الأول وأعطاه نصف ما في يده ثم إن صدق الثاني بالثالث ثبت نسبه ودفعا إليه ثلث ما في أيديهما وإن أنكره الثاني لم يثبت نسبه ودفع إليه المقر ثلث ما في يده


565

فصل

وإن أقر من أعيلت له المسألة بمن يسقط العول كزوج وأم وأخت فأقرت الأخت بأخ لها فاضرب وفق مسألة الإقرار في مسألة الإنكار تكن اثنين وسبعين للأم ربعها ثمانية عشر وللزوج ربعها وثمنها سبعة وعشرون وللأخت سهمان في مسألة الإقرار في نصف مسألة الإنكار وهي ثمانية يبقى تسعة عشر يدعي المقر منهما ستة عشر فإن مضى الزوج على الإنكار أخذ الأخ ستة عشر وبقيت ثلاثة يقران بها للزوج وهو ينكرها ففيها ثلاثة أوجه أحدها يدفع إلى بيت المال لأنه مال لا يدعيه أحد فهو كالمال الضائع والثاني يقر في يد الأخت والثالث يترك حتى يصطلحا عليها لأنها لا تعدوهما وقد جهلنا مستحقها منهما وإن أقر الزوج بالأخ فهو يدعي تمام النصف تسعة والأخ يدعي ستة عشر فالجميع خمسة وعشرون والمقربة من السهام تسعة عشر لا تنقسم على خمسة وعشرين فاضرب خمسة وعشرين في أصل المسألة ثم كل من له شيء من أصل المسألة مضروب في خمسة وعشرين ومن له شيء من خمسة وعشرين مضروب في تسعة عشر وعلى هذا تعمل ما ورد عليك من هذا


566

باب ميراث المفقود

إذا غاب الإنسان وخفي خبره وغالب سفره السلامة كالتاجر والسائح انتظر به تمام تسعين سنة من يوم ولد في أشهر الروايتين وفي الأخرى ينتظر به أبدا أو يرجع إلى اجتهاد الحاكم في تقدير المدة وإن كان غالب سفره الهلاك كالذي يفقد من بين أهله أو يفقد في طريق الحج فإنه ينتظر به تمام أربع سنين لأنها أكثر مدة الحمل وتعتد زوجته عدة الوفاة وتحل للأزواج قال أحمد إذا أمرت زوجته أن تتزوج قسمت ميراثه وقد روي عنه التوقف وقال قد هبت الجواب فيها وكأني أحب السلامة والأول المذهب فإن مات للمفقود من يرثه في مدة غيبته دفع إلى كل وارث اليقين ووقف نصيب المفقود فإن بان حيا دفع إليه وإن بان ميتا حين موت مورثه رد على من يستحقه وكذلك إن كانت المدة قد مضت وإن لم تكن مضت ولم يتبين أمره فحكم نصيبه من الميراث حكم سائر ماله يقسم على ورثته إذا مضت المدة لأنه محكوم بحياته ويجوز أن يصطلحوا على الفاضل عن نصيب المفقود من الموقوف لأنه حقهم ولا يجوز أن يصطلحوا على نصيب المفقود والله تعالى أعلم


567

باب الولاء

ومن أعتق مملوكا ثبت عليه الولاء لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الولاء لمن أعتق متفق عليه فإن عتق عليه بتدبير أو كتابة أو استيلاد أو قرابة أو بيعه عبده نفسه أو أعتقه عنه غيره بإذنه فله عليه الولاء لأنه عتق عليه فأشبه ما لو باشر عتقه وسواء أدى المكاتب إلى السيد أو إلى ورثته لأن عتقه بكتابته وهي من سيده فأما إن أعتق عبده عن ميت أو حي بغير أمره فالولاء للمعتق للخبر ولأنه أعتقه بغير إذن الآخر فكان ولاؤه للمعتق كما لو لم ينو ولو قال اعتق عبدك عين وعلي ثمنه ففعل فالولاء للمعتق عنه لأنه نائب عنه في العتق فهو كالوكيل ولو قال اعتقه والثمن علي ففعل فالولاء للمعتق لأنه لم يعتقه عن غيره فأشبه ما لو لم يجعل له جعلا وإن قال اعتقه عني ولم يذكر عوضا ففيه روايتان إحداهما ولاؤه للمعتق للخبر والثانية للمعتق عليه لأنه أعتقه عنه بأمره فأشبه ما لو كان بعوض

فصل

ومن أعتق عبده سائبة أو قال أعتقتك ولا ولاء لي عليك أو أعتقه من زكاته أو كفارته أو نذره ففيه روايتان إحداهما له عليه الولاء


568

لعموم الخبر والثانية لا ولاء عليه لأنه جعل ولاءه في السائبة فصح كرقه وفي سائر الصور العتق بمال لا يستحقه فلم يكن له ولاء كالوكيل فعلى هذه الرواية ما رجع من ولائهم يرد في مثلهم ويكون حكم ولائهم كحكم ولاء الأولين

فصل

وإن أعتق مسلم كافرا أو كافر مسلما ثبت له الولاء للخبر وهل يرث به فيه روايتان ذكرناهما فإن قلنا لا يرث وكان للمعتق عصبة على دين المعتق ورثه لأنه يرثه لو كان المعتق ميتا وكذلك إذا كان ممنوعا من ميراثه وإن أسلم الكافر منهما ورث المولى كما لو أسلم القريب الكافر ورثه قريبه المسلم

فصل

ولا يجوز بيع الولاء ولا هبته لما روى ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته متفق عليه ولأن الولاء كالنسب بدليل قوله النبي صلى الله عليه وسلم الولاء لحمة كلحمة النسب

باب الميراث بالولاء

إذا مات المعتق ولم يخلف وارثا من نسبه ورثه مولاه وإن خلف ذا فرض فللمولى ما فضل عنه لما روى عبد اله بن شداد قال أعتقت ابنة حمزة مولى لها فمات وترك ابنته وابنة حمزة فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم ابنته النصف


569

وابنة حمزة النصف رواه النسائي وابن ماجه ولا يرث المولى مع عصبة من النسب لأنه فرع على النسب فلا يرث مع وجوده وإن مات العبد بعد موت مولاه ورثه أقرب عصبة مولاه دون ذوي الفروض لأن الولاء كالنسب والنسب إلى العصبات ولأنه كنسب المولى من أخ أو عم فيرثه ابن المولى دون ابنته كما يرث عمه ويقدم الأقرب فالأقرب من العصبات لما روى سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المولى أخ في الدين وولي نعمة يرثه أولى الناس بالمعتق ولأن عصبات الميت يرث منهم الأقرب فالأقرب فكذلك عصبات المولى ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتق أو أعتق من عتقن وعن أبي عبد الله رواية أخرى في بنت المعتق خاصة أنها ترث لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ورث بنت حمزة من الذي أعتقه حمزة والصحيح أنها لا ترث وأنها هي المعتقة للمولى كما روى عبد الله بن شداد فيما تقدم ولا يرث منه ذو فرض إلا الأب والجد يرثان السدس مع الابن وابنه لأنهما عصبة فيقسم بينهما كما يقسم مال المعتق بينهما فإن اجتمع الجد والأخ أو الإخوة قسم بينهما كما يقسم ميراث المعتق ولا يعتد بالأخوات لأنهن لا يرثن منفردات ويقدم الأخ للأبوين على الأخ للأب ويعاد الأخ للأبوين الجد بالأخ للأب لأنه يرث منفردا ثم الأقرب فالأقرب فإذا انقرض عصبات المولى من النسب فلمولاه إن كان ذا مولى ثم لأقرب عصباته ولو اشترى رجل وأخته أباهما أو أخاهما


570

فعتق عليهما ثم اشترى عبدا فأعتقه ثم مات أبوهما أو أخوهما ثم مات عتيقه فميراثه للرجل دون أخته لأنه يرثه بنسبه من معتقه ولا ترث النساء من الولاء بالنسبة شيئا

فصل

وإذا مات رجل عن ابنين ومولى فمات أحد الابنين بعده عن ابن ثم مات المولى فالميراث لابن المولى لأن الولاء للكبر ومعناه أنه يرث به أقرب الناس إلى سيده يوم موت العبد وذلك لأن الولاء لحمة كلحمة النسب لا يورث وإنما يورث به مع بقائه للمولى فوجب أن يكون للكبر لأنه أقرب ولو مات المعتق وخلف ابنين ومولى فمات أحدهما وخلف ابنا ومات الآخر وخلف تسعة ثم مات المولى كان الولاء بينهم على عددهم لكل واحد منهم عشرة لما ذكرنا

فصل

في جر الولاء

إذا تزوج عبد معتقة قوم فأولدها فولاء الولد لمولى أمه لأن الحرية حصلت له بإعتاق الأم والإنعام عليها فإن أعتق سيد العبد عبده أنجز ولاء الولد عن مولى الأم إلى مولى العبد لما روي عن الزبير أنه رأى بخيبر فتية لعسا فأعجبه ظرفهم وجمالهم فسأل عنهم فقيل له موالي لرافع بن خديج وأبوهم مملوك لآل الحرقة فاشترى الزبير أباهم فأعتقه وقال


571

لأولاده انتسبوا لي فإن ولاءكم لي فقال رافع بن خديج الولاء لي لأنهم عتقوا بعتقي أمهم فاحتكما إلى عثمان فقضى بالولاء للزبير لأجمعت الصحابة عليه ولأن الولاء فرع النسب والنسب معتبر بالأب وإنما ثبت لمولى الأم لعدم الولاء من جهة الأب فإذا ثبت الولاء على الأب عاد الولاء إلى موضعه كولد الملاعنة إذا اعترف به الزوج وإن أعتق الجد لم ينجز الولاء وعنه ينجز والأول المذهب لأن الأصل بقاء الولاء لمن ثبت له وإنما خولف هذا الأصل في الأب لإجماع الصحابة عليه فيبقى فيمن عداه على الأصل

فصل

وإن تزوج عبد أمة فأولدها فأعتقها سيدها وولدها ثبت له الولاء عليهم فإن عتق الأب بعد ذلك لم ينجز الولاء لأن الولاء ثبت على الولد بالمباشرة فكان المنعم عليه بالمباشرة أولى من المنعم على أبيه وإذا تزوج حر الأصل بمولاة أو تزوج عبد أو مولى بحرة الأصل فلا ولاء على ولدهم بحال وإن تزوج مولى بمولاة فولاء ولدهما لسيد الأب لأن الاستدامة أقوى من الابتداء ثم ابتداء الحرية في الأب يسقط استدامة الولاء لمولى الأم فلأن يمنع ابتداء الولاء له أولى


572

فصل

إذا تزوج عبد معتقة قوم فأولدها ولدا فاشترى الولد أباه ثبت له ولاؤه وولاء أولاده ويبقى ولاء المعتق لمولىأمه لأنه لا يمكن أن يجر ولاء نفسه لاستحالة ثبوت ولاء الانسان على نفسه كما يستحيل أن يكون أبا نفسه وإن لم يشتر أباه لكن اشترى عبدا فأعتقه ثم اشترى هذا العبد أبا سيده فأعتقه فأنه ينجر اليه ولاء سيده ويصير كل واحد منهما مولى صاحبه من فوق ومن أسفل ويصير هذا كحربي أعتق عبدا فأسلم وأسر سيده ثم أعتقه

فصل

ولو تزوج عبد معتقة فأولدها بنتين فاشتريا أباهما عتق عليهما ولهما عليه الولاء وتجر كل واحدة منهما إلى نفسها نصف ولاء أختها لإعتاقها نصف الأب ويبقى نصف ولاء كل واحدة منهما لمولى أمها فإن مات الأب فماله لهما ثلثاه بالنبوة وباقيه بالولاء فإن ماتت إحداهما بعده فلأختها نصف مالها بالنسب ونصف الباقي بكونها مولاة نصفها ويبقى الربع لمولى أمها وإن ماتت إحداهما قبل الأب فمالها لأبيها بالنسب فإذا مات الأب بعدها فللباقية نصف ميراث أبيها بالنسب ونصف الباقي بالولاء يبقى الربع لموالي الميتة وهم أختها وموالي أمها لأخيها نصفه وهو الثمن صار


573

لها سبعة أثمان المال ولموالي أم الميتة الثمن فإذا ماتت هذه بعدهما فنصف مالها لموالي أمها بالولاء ونصفه لموالي أختها الميتة وهم أختها وموالي أمها فيكون الربع لموالي أمها والربع الباقي يرجع إلى هذه الميتة فهذا الجزء دائر لأنه خرج من هذه وعاد إليها فقال القاضي القاضي يجعل في بيت المال لأنه لا مستحق له وإن مات الأب بعد موتهما فلموالي أمهما ثلاثة أرباع ماله وربع دائر يرجع إلى بيت المال وذكر أبو عبد الله الرقي أن قياس قول أحمد أن هذا السهم يرد إلى موالي الأم فعلى هذا يكون جميع الميراث لموالي الأم


574

كتاب العتق

وهو قربة مندوب إليها بدليل ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها إربا من النار رواه مسلم حتى إنه ليعتق اليد باليد والرجل بالرجل والفرج بالفرج والأفضل عتق من له قوة وكسب يستغني به فأما من لا كسب له فحكي عن أحمد أنه لا يستحب عتقه لأنه يتضرر بفوات نفقته الواجبة له وربما صار كلا على الناس

فصل

ويحصل العتق بثلاثة القول والملك والاستيلاد ولا يحصل بالنية المجردة لأنه إزالة ملك فلم يحصل بمجرد النية كالطلاق وألفاظه تنقسم إلى صريح وكناية فالصريح لفظ العتق والحرية وما تصرف منهما لأنه يثبت لهما عرف الشرع والاستعمال فكانا صريحين كلفظ الطلاق في الطلاق فإن أراد بهما غير العتق كرجل يقول لغلامه هو حر يريد أنه عفيف كريم الأخلاق أو يغالبه فيقول ما أنت إلا حر يريد أنك تمتنع من طاعتي


575

امتناع الحر فقد قال أحمد في رواية حنبل أرجو أن لا يعق وأنا أهاب المسألة فظاهر هذا أنه لا يعتق لأنه نوى بلفظه ما يحتمله فانصرف إليه كما لو نوى العتق بكنياته

والكناية نحو قوله قد خليتك واذهب حيث شئت والحق بأهلك وحبلك على غاربك ونحوه فلا يعتق بذلك حتى ينويه لأنه يحتمل غير العتق فأشبه كناية الطلاق فيه وفي قوله لا سبيل لي عليك ولا سلطان لي عليك وأنت سائبة وفككت رقبتك ولا رق لي عليك ولا ملك لي عليك وأنت لله وأنت مولاي وملكتك نفسك فيه روايتان إحداهما هو صريح في العتق لأنها تتضمن العتق وقد جاء في كتاب الله تعالى فك رقبة البلد 13 يعني العتق فكانت صريحة كقوله أعتقتك والثانية هو كناية لأنها تحتمل غير العتق وقال القاضي قوله لا رق لي عليك ولا ملك لي عليك وأنت لله صريح نص عليه أحمد في أنت لله لأن معناه أنت حر لله والفظان الأولان صريحان في نفي الملك والعتق من ضرورته وفي قوله لأمته أنت طالق أو أنت حرام علي روايتان إحداهما هو كناية تعتق به إذا نوى به العتق لأن الرق أحد الملكين في الآدمي فيزول بلفظ الطلاق كملك النكاح والحرية يحصل بها تحريمها عليه فجاز أن يكون كناية فيه والثانية ليس بكناية لأنه ملك لا يستدرك


576

بالرجعة فلم يزل بالطلاق كملك المال والتحريم صريح في الظهار فلم يكن كناية في العتق كقوله أنت علي كظهر أمي

فصل

ولا يصح العتق إلا من جائز التصرف ولا يصح من صبي ولا مجنون ولا سفيه لأنه تبرع في الحياة فأشبه الهبة ولا يصح عتق الموقوف لأن فيه إبطالا لحق البطن الثاني منه وليس له ذلك

فصل

فإن كان العبد بين شريكين فأعتق أحدهما نصيبه وهو موسر عتق كله ووجب عليه قيمة نصيب شريكه لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعتق شركا له في عبد فإن كان له ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق متفق عليه وفي لفظ وكان له ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل فهو عتيق وفي لفظ فقد عتق كله ويعتق كله حال إعتاق الشريك للخبر ولأنه سراية قول فنفذ في الحال كطلاق بعض الزوجة فإن أعتقه الشريك عقيب عتق الأول وقبل أخذ القيمة لم يثبت له فيه عتق لأنه صار حرا بعتق الأول ولو لم يؤد القيمة حتى أفلس كانت دينا في ذمته وعتقه ماض ووقت التقويم وقت العتق لأنه وقت الإتلاف فأشبه الجناية فإن


577

اختلفا في القيمة فالقول قول المعتق لأنه غارم وإن اختلفا في صناعة تزيد بها قيمته أو عيب تنقص به قيمته فالقول قول من ينفيه لأن الأصل عدمه وسواء كان المعتق مسلما أو كافر لأنه تقويم متلف فاستوى فيه المسلم والكافر كتقويم المتلفات ويحتمل أن لا يسري عتق الكافر في المسلم لأنه لا يجوز أن يتملكه وإن كان نصيب الشريك وقفا لم يعتق لأن الوقف لا يعتق بالمباشرة فبالسراية أولى وإن كان المعتق معسرا عتق نصيبه منه خاصة وباقيه على الرق للخبر ولأن سراية العتق ضرر بالشريك لتلف ماله بغير رضاه من غير عوض يجبره وعنه يستسعي العبد في قيمة باقيه ويعتق كله لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعتق شقصا له في مملوكه فعليه ان يعتقه كله إن كان له مال وإلا استسعى العبد غير مشقوق عليه رواه أبو داود والأول أصح لأن خبر ابن عمر أصح ولأن الإحالة على السعاية إحالة على وهم وفيه ضرر بالعبد بإجباره على الكسب من غير اختياره فإن كان معه قيمة البعض عتق منه بقدره لأن ما وجب بالاستهلاك إذا عجز عن البعض وجب بقدر ما قدر عليه كقيمة المتلف

فصل

فإن أعتق المعسر بعض عبده عتق كله لأنه موسر بما يسري إليه


578

فأشبه ما لو أعتق بعض عبد وهو موسر بقيمة باقيه فإن أعتق بعضه في مرض موته عتق منه ما يحتمله الثلث وإن زاد على قدر ما أعتق لأن عتق بعضه كعتق جميعه وإن احتمل الثلث جميعه عتق كله

فصل

إذا ملك بعض عبد فأعتقه في مرض موته أو دبره فعتق بموته وكان ثلث ماله يفي بقيمة حصة شريكه أعطي وكان كله حرا في إحدى الروايتين لأن ثلثه له فكان موسرا به والأخرى لا يعتق منه إلا ما ملك لأن حق الورثة تعلق بماله إلا ما استثناه من الثلث بتصرفه فيه ذكرهما الخرقي وأبو الخطاب قال الخرقي وكذلك الحكم إذا دبر بعضه وهو مالك لكله لأن ملكه يزول عما سوى المعتق وقال القاضي إن أعتقه في مرض موته وهو موسر عتق جميعه لأنه أعتقه وهو موسر بثمن جميعه فدخل في الخبر وإن دبره لم يعتق إلا ما ملك لأن ملكه زال بالموت إلا ما استثناه بوصيته وصحح الرواية الأولى في العتق في المرض والثانية في التدبير

فصل

وإذا كان العبد لثلاثة لأحدهم نصفه وللآخر ثلثه وللثالث سدسه فأعتق صاحب النصف وصاحب السدس معا وهما موسران عتق عليهما وضمنا حق شريكهما فيه بالسوية لأن التقويم المستحق بالسراية


579

يسقط على عدد الرؤوس كما لو اشترك اثنان في جراحة رجل جرحه أحدهما جرحا والآخر عشرة ويكون ولاؤه بينهما أثلاثا لصاحب النصف ثلثاه ولصاحب السدس ثلثه ويحتمل أن يقوم عليهما على قدر ملكيهما لأنه يستحق بالملك فكان على قدره كالشفعة فيكون ولاؤه بينهما أرباعا

فصل

وإذا كان العبد لثلاثة فأعتقوه معا أو وكل نفسان الثالث فأعتق حقهما مع حقه أوأعتقه كل واحد منهم وهو معسر عتق على كل واحد حقه منهم وولاؤه بينهم أثلاثا وإن أعتقه الأول وهو معسر وأعتقه الثاني وهو موسر عتق عليه نصيبه ونصيب شريكه وكان ثلث ولائه للمعتق الأول وثلثاه للمعتق الثاني وإن قال اثنان منهم للثالث إذا أعتقت نصيبك فنصيبنا حر فأعتق نصيبه وهو موسر عتق كله عليه وقوم عليه نصيب شريكيه وولاؤه له دونهما ويحتمل أن يعتق نصيبهما عليهما لأن إعتاق نصيبهما يتعقب إعتاق نصيبه ولا تسبقه السراية وإن كان معسرا عتق عليه نصيبه خاصة وعتق نصيب صاحبيه بالشرط وولاؤه بينهم أثلاثا سواء اتفقا في القول أو سبق به أحدهما لأن الوقوع بوجود الشرط وقد استويا فيه وإن قالا له إذا أعتقت نصيبك فنصيبنا حر مع نصيبك فأعتق نصيبه عتق نصيب كل واحد على مالكه لأن عتقه وقع في حالة واحدة


580

فصل

فأما العتق بالملك فإن من ملك ذا رحم محرم عتق عليه بمجرد ملكه لما روى سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

من ملك ذا رحم محرم فهو حر

رواه أبو داود ولأنه ذو رحم محرم فعتق عليه إذا ملكه كالولد وعنه لا يعتق عليه إلا عمودا النسب بناء على أن نفقة غيرهم لا تجب وإن ملك بعض من يعتق عليه بسبب غير الميراث فهو كإعتاقه له في تقويم باقيه عليه مع اليسار وبقائه على الرق مع الإعسار لأنه عتق بسبب من جهته فأشبه إعتاقه بالقول وإن ملكه بالإرث لم يعتق منه إلا ما ملك موسرا كان أو معسرا لأنه لا اختيار له في إعتاقه ولا سبب من جهته ونقل عنه المروذي ما يدل على أنه يعتق عليه نصيب الشريك إذا كان موسرا لأنه ملك بعضه أشبه البيع وإذا ملك ولده من الزنا لم يعتق عليه على ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه لأنه لا تجب عليه نفقته ويحتمل أن يعتق عليه لأنه ولد يحرم نكاحه فعتق كولد الرشيدة

فصل

وإن وهب لصبي من يعتق عليه أو وصى له به وكان بحيث لا يجب على الصبي نفقته لكون الصبي معسرا أو الموهوب صحيحا كبيرا إذا كسب وجب على الولي قبول الهبة والوصية لأن فيه نفعا للصبي وجمالا بحرية قريبه من


581

غير ضرر وإن كان بحيث تلزمه نفقته لم يكن له قبوله لأن فيه ضررا بإلزامه نفقته وإن وهب له جزء ممن يعتق عليه وكان ممن لا تجب نفقته ففيه وجهان مبنيان على أنه هل يقوم على الصبي باقيه فيه وجهان أحدهما لا يقوم عليه باقيه لأنه يدخل في ملكه بغير سبب من جهته أشبه الإرث فعلى هذا يلزم وليه قبوله لما فيه من النفع الخالي عن الضرر والثاني يقوم عليه لأن قبول وليه يقوم مقام قبوله كما لو قبل وكيل البالغ فعلى هذا لا يملك قبوله فإن قبل في موضع لا يملك القبول لم يصح ولا يملك الولي شراء من يعتق على الصبي لأنه إذا لم يملك قبول الهبة التي لا عوض فيها فالبيع أولى

فصل

وإذا أعتق في مرضه عبيدا لا مال له غيرهم أو دربهم أو أوصى بعتقهم أو دبر أحدهم وأوصى بعتق الباقين لم يعتق منهم إلا الثلث إلا أن يجيز الورثة فيقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رق فمن خرج له سهم حرية عتق ورق الباقون لما روى عمران بن حصين أن رجلا من الأنصار أعتق ستة مملوكين في مرضه لا مال له غيرهم فجزأهم رسول الله ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة أخرجه مسلم وإن كان عليه دين يستغرقهم لم يتق منهم شيء لأن عتقهم وصية وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدين قبل


582

الوصية وإن كان يستغرق بعضهم عتق من باقيهم ثلثه فيقرع بينهم لإخراج الدين ثم يقرع بينهم لإخراج الحرية فإن كان الدين يستغرق نصفهم جزأناهم جزئين وأقر عنا بينهم بسهم دين وسهم تركة فمن خرج له سهم الدين بيع فيه ثم يقرع بين الباقين بسهم حرية وسهمي رق كما ذكرنا

فصل

ولو أعتقهم وثلثه يحتملهم فأعتقناهم ثم ظهر عليه دين يستغرقهم بعناهم فيه لما ذكرنا فإن قال الورثة نحن نقضي الدين ونجيز العتق احتمل أن لهم ذلك لأن المانع إنما هو الدين فإذا قضي زال المانع فثبت العتق واحتمل أنه ليس لهم ذلك لأن الغرماء تتعلق حقوقهم بالتركة فلم يملك الورثة إبطالها بالقول لكن إذا قضوا الدين فلهم استئناف العتق وإن أعتقنا بعضهم بالقرعة ثم ظهر عليه دين يستغرق بعضهم احتمل أن يبطل العتق في الجميع كما لو اقتسم الشركاء ثم ظهرلهم شريك ثالث واحتمل أن يبطل بقدر الدين لأن بطلانه لأجل الدين فيقدر بقدره ولو أعتقهم فأعتقنا منهم واحدا يعجز ثلثه عن أكثر منه ثم ظهر له مال يخرجون من ثلثه تبينا أن الباقين كانوا أحرارا من حين أعتقهم فيكون كسبهم لهم لأنهم يخرجون من الثلث


583

فصل

فإن مات بعضهم أقرعنا بينهم فإن خرجت لميت حسبناه من التركة وقومناه حين العتق لأنه خرج بذلك من التركة وإن خرجت لحي نظرنا في الميت فإن مات في حياة المعتق أو بعدها قبل قبض الوارث لم يحسب من التركة لأنه لم يصل إلى الوارث فيكون لتركة الحيين فيكمل ثلثهما ممن وقعت عليه القرعة وتعتبر قيمته حين إعتاقه لا حين إتلافه وحكى أبو الخطاب عن أبي بكر أن الميت يحسب من التركة ويعتق من تقع عليه القرعة إن خرج من الثلث لأننا حسبناه من التركة إذا وقعت القرعة له فكذلك إذا وقعت لغيره فإن مات بعد قبض الوارث حسب من التركة لأنه وصل إليه

فصل

في كيفية القرعة

قال أحمد بأي شيء خرجت القرعة وقع الحكم به سواء كانت رقاعا أو خواتيم وذلك لأن الشرع ورد بالقرعة ولم يرد بكيفيتها فوجب ردها إلى ما يقع عليه الاسم مما تعارفه الناس والأحوط أن تقطع رقاع متساوية يكتب في كل رقعة اسم ذي السهم ثم يجعل في بنادق طين أو شمع متساوية ثم يغطى بثوب ويقال لرجل أدخل يدك فأخرج بندقة فيفضاها ويعلم ما فيها فإن كان القصد عتق الثلث جزأ


584

العبيد ثلاثة أجزاء فإن أمكن تجزئتهم بالعدد والقيمة كستة أعبد قيمتهم متساوية جعلنا كل اثنين جزءا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيهم وإن كانت قيمتهم مختلفة إلا أننا إذا ضممنا قليل القيمة إلى كثيرها صار أثلاثا فعلنا ذلك وإن أمكن تعديلهم بالقيمة دون العدد كستة قيمة أحدهم الثلث وقيمة اثنين الثلث وقيمة ثلاثة الثلث جزأناهم بالقيمة وإن لم يمكن تعديلهم بقيمة ولا عدد كثمانية أعبد قيمتهم مختلفة أو متساوية احتمل أن لا نجزئهم بل نخرج قرة الحرية الواحد واحد حتى يستوفى الثلث واحتمل أن نقارب بينهم ونجزئهم ثلاثة أجزاء فنجعل ثلاثة جزءا وثلاثة جزءا واثنين جزءا فإن خرجت القرعة على زائد على الثلث أقرعنا بين من وقعت لهم القرعة فكملنا الحرية في بعضهم وتممنا الثلث من الباقين وإن وقعت على ما دون الثلث عتقوا وأعدنا القرعة لتكميل الثلث من الباقين وإن أعتق عبدين قيمة أحدهما مثلا قيمة الآخر أقرعنا بينهما بسهم حرية وسهم رق فإن وقع سهم الحرية للأدنىعتق وإن وقع للأكثر عتق نصفه فإن كانت قيمة أحدهما مائتين والآخر ثلاثمائة جمعنا قيمتهما ثم أقرعنا بينهما فمن خرج له سهم الحرية ضربنا قيمته في ثلاثة ونسبنا قيمتها إلى المرتفع بالضرب فما خرج من النسبة عتق من العبد قدره فإذا وقعت على الذي قيمته مائتان ضربناه في ثلاثة صار ستمائة ونسبنا قيمتهما إلى ذلك نجدها خمسة أسداسه


585

فيعتق منه خمسة أسداسه وإن وقعت على الآخر عتق منه خمسة أتساعه لذلك وهكذا نصنع في أمثال ذلك

فصل

إذا أعتق الأمة وهي حامل عتق جنينها لأنه يتبعها في البيع والهبة ففي العتق ولى فإن استثنى جنينها لم يعتق لما روي عن ابن عمر أنه أعتق أمة واستثنى ما في بطنها ولأنها ذات حمل فصح استثناء حملها كما لو باع نخلة لم تؤبر واشترط ثمرتها وقال القاضي يخرج على الروايتن فيما إذا استثنى ذلك في البيع والمنصوص عن أحمد ما ذكرناه وإن أعتق جنينها وحده لم تعتق هي لأنها ليست تابعة له فلا تعتق بعتقه كما لو أعتقه بعد الولادة

فصل

إذا كان العبد بين شريكين فادعى كل واحد منهما أن شريكه أتعق نصيبه لم يخل من أحوال ثلاثة

أحدها أن يكونا موسرين فيصير العبد حرا لعتراف كل واحد منهما بحريته بإعتاق شريكه ويبقى كل واحد منهما يدعي على شريكه قيمة حقه منه فإن لم يكن بينة حلف كل واحد منهما لصاحبه وبرئ وإن نكل أحدهما قضي عليه وإن نكلا جميعا تساقطا حقاهما ولا ولاء على العبد لانه لا يدعيه أحد فإن اعترف به أحدهما بعد ذلك ثبت له سواء كانا عدلين أو فاسقين


586

الحال الثاني أن يكونا معسرين فلا يقبل قول كل واحد منهما على صاحبه لأنه لا اعتراف فيه بالحرية لعدم السراية في إعتاق المعسر فإن كانا فاسقين فلا عبرة بقولهما وإن كانا عدلين فللعبد أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير حرا أو يحلف مع أحدهما ويصير نصفه حرا وإن كان أحدهما عدلا والآخر فاسقا فله أن يحلف مع العدل هذا إذا قلنا إن الحرية ثبتت بشاهد ويمين ولا ولاء لواحد منهما أيضا لأنه لا يدعيه

الحال الثالث أن يكون أحدهما موسرا والآخر معسرا فيعتق نصيب المعسر وحده لاعترافه بحريته لأنه يعترف بعتق الموسر الذي يسري إلى نصيبه ويبقى نصيبه الموسر رقيقا لأنه إنما اعترف بإعتاق شريكه الذي لا يسري فلا يؤثر فإن كان المعسر عدلا فللعبد أن يحلف مع شهادته ويصير حرا إذا قلنا إن الحرية ثبتت بشهادة ويمين

فصل

وإن ادعى أحد الشريكين أن شريكه أعتق نصيبه وهما موسران أو المدعى عليه موسر وحده عتق نصيب المدعي وحده لعترافه بحريته وبقي نصيب المدعى عليه رقيقا وإن كانا معسرين أو المدعى عليه معسرا لم يعتق منه شيء فإن اشترى المدعي نصيب صاحبه عتق ولم يسر إلى نصيبه لأن عتقه باعترافه بحريته لا بإعتاقه


587

فصل

إذا ادعى العبد أن سيده أعتقه وأقام شاهدا حلف مع شاهده وصار حرا في إحدى الروايتين والأخرى لا يثبت ذلك بشاهد ويمين لأنه ليس بمال ولا المقصود منه المال فأشبه الطلاق

فصل

إذا مات رجل وخلف ابنين وعبدين متساويي القيمة فاعترف كل واحد منهما بعتق أحد العبدين عتق من كل واحد ثلثه ولكل واحد من الابنين سدس العبد الذي اعترف بعتقه ونصف الآخر لأنه يزعم أن ثلثي العبد الذي اعترف بعتقه حر ويبقى ثلثه لكل واحد منهما سدسه وإن قال أحدهما أبي أعتق هذا وقال الآخر أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما أقرعنا بينهما فإن وقعت القرعة على الآخر عتق من كل واحد ثلثه كالتي قبلها لأن القرعة قائمة مقام تعيينه وإن وقعت على الذي اعترف أخوه بعتقه عتق ثلثاه إلا أن يجيزا عتقه كاملا وصار كالمتفق على عتقه

باب تعليق العتق بالصفة

ويجوز تعليق العتق بصفة نحو قوله إن دخلت الدار فأنت حر و إن أعطيتني ألفا فأنت حر لأنه عتق بصفة فجاز كالتدبير ولا يعتق


588

قبل وجود الصفة بكمالها لأنه حق علق على شرط فلا يثبت قبله كالجعل في الجعالة وإن قال ذلك في مرض موته اعتبر من الثلث لأنه لو أعتقه اعتبر من الثلث فإذا عقده كان أولى فإن قال في الصحة فهو من رأس المال سواء وجدت الصفة في الصحة أو المرض لأنه غير متهم بالإضرار بالورثة في تلك الحال وقال أبو بكر إن وجدت الصفة في المرض فهو من الثلث لأن حق الورثة قد تعلق بالثلثين فلم ينفذ إعتاقه فيهما كما لو نجز العتق وإن مات السيد قبل وجود الصفة بطلت لأن ملكه يزول بموته فيبطل تصرفه بزواله وإن قال إن دخلت الدار بعد موتي فأنت حر ففيه روايتان إحداهما لا تنعقد هذه الصفة لأنه علق عتقه على صفة توجد بعد زوال ملكه فلم تصح كما لو قال إن دخلت الدار بعد بيعي إياك فأنت حر والثانية تنعقد لأنه إعتاق بعد الموت فصح كما لو قال أنت حر بعد موتي

فصل

وإن علق عتق أمته على صفة وهي حامل تبعها ولدها في ذلك لأنه كعضو من أعضائها فإن وضعته قبل وجود الصفة ثم وجدت عتق الولد لأنه تابع في الصفة فأشبه ما لو كان في البطن وإن علق عتقها وهي حائل ثم وجدت الصفة وهي حامل عتقت هي وحملها لأن العتق وجد فيها وهي


589

حامل فتبعها ولدها كالعتق المطلق وإن حملت ثم ولدت ووجدت الصفة لم يعتق الولد لأن الصفة لم تتعلق به وفيه وجه آخر يتبعها قياسا على ولد المدبرة وإن بطلت الصفة ببيع أو موت لم يعتق الولد لأنه إنما يتبعها في العتق لا في الصفة فإذا لم توجد فيها لم توجد فيه بخلاف ولد المدبرة فإنه يتبعها في التدبير فإذا بطل فيها بقي فيه

فصل

وإذا علق العتق بصفة لم يملك إبطالها بالقول لأنه كالنذر ويملك ما يزيل الملك فيه من البيع وغيره فإن باعه ثم اشتراه فالصفة بحالها لأن التعليق والصفة وجدا في ملكه فعتق كما لو لم يزل الملك فإن وجدت الصفة بعد زوال الملك ثم اشتراه فهل تعود الصفة فيه روايتان إحداهما لا تعود لأنها انحلت بوجودها في ملك المشتري فلم تعد كما لو انحلت بوجودها في ملكه والثانية تعود لأنه لم توجد الصفة التي يعتق بها فأشبه ما لو عاد إلى ملكه قبل وجود الصفة ولأن الملك مقدر في الصفة فكأنه قال إذا دخلت الدار وأنت في ملكي فأنت حر ولم يوجد ذلك

فصل

وإن علق العتق على صفة قبل الملك فقال لعبد أجنبي إذا دخلت الدار فأنت حر ثم ملكه ودخل الدار لم يعتق لأنه لا يملك تنجيز العتق فلا


590

يملك تعليقه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا عتق قبل ملك رواه أبو داود الطيالسي وإن قال إن ملكتك فأنت حر أو إن ملكت فلانا فهو حر ففيه روايتان إحداهما لا يعتق لذلك والثانية يعتق إذا ملكه لأنه أضاف العتق إلى حال يملك عتقه فيه فأشبه ما لو كان التعليق في ملكه وإن قال الحر كل مملوك أملكه فهو حر ففيه روايتان لما ذكرنا وإن قال ذلك العبد ثم عتق وملك فهل يعتق عليه على وجهين أحدهما يعتق عليه كالحر والثاني لا يعتق عليه لان العبد لا يملك فلا يصح منه التعليق ولو قال الحر آخر مملوك أشتريه فهو حر وقلنا بصحة التعليق فمتى مات تبينا حصول الحرية لآخر مملوك اشتراه من حين الشراء فيكون اكتسابه له فإن أشكل الآخر منهم أقرع بينهم لإخراج الحر وكذلك لو قال لأمته أول ولد تلدينه فهو حر فولدت ابنين أقرع بينهما إذا أشكل أولهما خروجا

باب التدبير

ومعناه تعليق الحرية بالموت وصريحه أنت حر أو عتيق بعد موتي أو أنت مدبر أو قد دبرتك لأن هذا اللفظ موضوع له فكان صريحا فيه كلفظ العتق في الإعتاق وهو مستحب لأنه يقصد به العتق ويعتبر من


591

الثلث لأنه تبرع بالمال بعد الموت فهو كالوصية ونقل عنه حنبل أنه من رأس المال وليس عليه عمل وذكر أبو بكر أنه كان قولا قديما وربما رجع عنه

فصل

ويجوز مطلقا ومقيدا فالمطلق كما ذكرنا والمقيد نحو أن يقول إن مت من مرضي هذا أوفي هذا البلد فأنت حر لأنه تعليق على صفة فجاز مطلقا ومقيدا والمقيد كتعليقه على دخول الدار وإن قال إن دخلت الدار فأنت حر بعد موتي جاز لأنه تعليق على صفة فجاز تعليقه على صفة أخرى كما ذكرنا فإن دخل الدار في حياة السيد فهو مدبر وإن لم يدخل حتى مات بطلت الصفة بالموت لأنه يزول به الملك ولم يوجد التدبير لعدم شرطه

فصل

ويجوز تدبير المعلق عتقه على صفة وتعليق عتق المدبر على صفة لأن التدبير تعليق على صفة فلا يمنع التعليق على صفة أخرى كغيره من الصفات فإن وجدت إحداهما عتق وبطلت الأخرى لزوال الرق قبل وجودها ويجوز تدبي المكاتب كما يجوز تعليق عتقه على صفة وتجوز كتابة المدبر كما يجوز أن يبيعه نفسه فإذا كاتبه ودبره فأدى كتابته قبل موت سيده عتق


592

وبطل التدبير فإن مات السيد قبل الأداء عتق بالتدبير إن حمل الثلث ما بقي من كتابته وبطلت الكتابة وإن لم يحمله الثلث عتق منه قدر الثلث وسقط من مال الكتابة بقدر ما عتق وهو على الكتابة فيما بقي وما في يده من الكسب له في الحالين لأنه كان مملوكا له ولم يوجد ما يخرجه عن يده فبقي له كما لو أبرأه من مال الكتابة ويحتمل أن تكون كتابة المدبر رجوعا في تدبيره إن قلنا إنه يملك بطاله بالرجوع فيه ولا يصح تدبير أم الولد لأنها تستحق العتق بموت سيدها بسبب مؤكد فلا يفيد التدبير ولو استولد المدبرة بطل تدبيرها لذلك

فصل

ويجوز بيع المدبر لما روى جابر بن عبد الله أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر منه ولم يكن له مال غيره فاحتاج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يشتريه مني فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه وقال أنت أحوج منه رواه البخاري ومسلم والنسائي ولأنه إما وصية وإما تعليق على صفة وأيهما كان لم يمنع البيع وعن أحمد أنه لا يباع إلا في الدين أو حاجة صاحبه لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما باعه لحاجة صاحبه وعنه لا يجوز بيع المدبرة خاصة لأن بيعها إباحة فرجها والحكم في هبته ووقفه كالحكم في بيعه واكتسابه ومنافعه وأرش الجناية عليه لسيده لأنه كالقن وإن جنى فسيده بالخيار


593

بين فدائه أو تسليمه للبيع كالقن فإن مات السيد قبل ذلك عتق وأرش جنايته في تركته لأنه عتق من جهته فتعلق الأرش بماله كالمنجز وإن كانت الجناية لا تستغرق قيمته فبيع بعضه فيها فباقيه باق على التدبير لأن المانع اختص ببعضه فوجب أن يختص المنع به

فصل

وإذا زال ملكه عن المدبر ببيع أو غيره ثم عاد إليه رجع التدبير بحاله لأنه علق العتق بصفة فلم تبطل بالبيع كالتعليق بدخول الدار وفيه وجه آخر أنه يبطل بالبيع لأنه وصية فبطل بالبيع كالوصية له بمال

فصل

ولو دبره ثم قال قد رجعت في تدبيري أو أبطلته لم يبطل لأنه تعليق بصفة فأشبه تعليقه بدخول الدار وعنه يبطل لأنه تصرف معلق بالموت يعتبر من الثلث فأشبه الوصية وإن قال للمدبر إن أديت إلى ورثتي ألفا فأنت حر فهو رجوع لأنه وقفه على أداء ألف وذلك مناف للتدبير فأشبه قوله رجعت في تدبيري والصبي كالبالغ في هذا لأنه مثله في التدبير فكان مثله في الرجوع في


594

فصل

وإذا دبر أحد الشريكين نصيبه لم يسر إلى نصيب شريكه لأنه تعليق للعتق بصفة أو وصية وكلاهما لا يسري ويحتمل أن يضمن ويصير كله مدبرا له لأنه سبب يوجب العتق بالموت فسرى كالاستيلاد فإن أعتق الآخر نصيبه سرى العتق إلى جميعه وقوم عليه نصيب شريكه لحديث ابن عمر ويحتمل أن لا يسري العتق فيه إذا قلنا إنه يجوز بيعه

فصل

وما ولدت المدبرة بعد تدبيرها فولدها بمنزلتها لأنها تستحق الحرية بالموت فيتبعها ولدها كأم الولد ولا يتبعها ولدها لاموجود قبل التدبير لأنه لا يتبع في حقيقة العتق ففي تعليقه أولى وذكر أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه يتبعها في التدبير وإن دبر عبده ثم أذن له في التسري فولد له ولد لم يكن مدبرا لأن أمه غير مدبرة وعنه أنه يصير مدبرا لأنه ولده من أمته فيتبعه كولد الحر وإذا صار الولد مدبرا لتدبير أمه فبطل تدبيرها لبيعها والرجوع في تدبيرها لم يبطل في ولدها لأنه استحق الحرية فلم يبطل حقه لمعنى وجد في غيره كما لو باشره بالتدبير

فصل

ويصح تدبير الصبي المميز والسفيه لما ذكرنا في صحة صيتهما ويصحح


595

تدبير الكافر لانه يصح إعتاقه فإن أسلم مدبره أمر بإزالة ملكه عنه لأن الكافر لا يمكن من استدامة الملك على مسلم مع إمكان بيعه وفيه وجه آخر أنه لا يباع لأنه استحق الحرية بالموت فأشبه أم الولد إذا أسلمت ولكن تزال يده عنه وينفق عليه من كسبه فإن لم يكن ذا كسب فنفقته على سيده كأم الولد إذا أسلمت وإن دبر المرتد عبده كان تدبيره موقوفا كسائر تصرفاته فإن اسلم تبينا صحة تدبيره وإن مات على الردة تبينا بطلانه وعنه أن ملكه يزول بنفس الردة فيكون تدبيره باطلا وهذا قول أبي بكر وإن ارتد بعد التدبير وقتل بردته أو مات بطل التدبير لأن ملكه زال في حياته وإن رجع صح تدبيره لأنا تبينا بقاء ملكه أو رجوعه إليه بإسلامه بعد زواله

فصل

فإذا ادعى العبد أن سيده دبره فأنكر فالقول قول السيد مع يمينه لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمني على المدعى عليه رواه مسلم والبخاري بمعناه فإن أقام العبد بينة ثبت تدبيره وهل يكفي شاهدو يمين أو رجل وامرأتان أم لا يكفي إلا رجلان على روايتين كما ذكرنا في العتق ويتخرج أن لا تسمع دعوى العبد بناء على أن السيد له الرجوع في التدبير وهل يكون إنكار التدبير رجوعا عنه على وجهين بناء على الوصية


596

فصل

وإن قتل المدبر سيده بطل تدبيره لأنه استحقاق علق بالموت من غير فعل فأبطله القتل كالإرث والوصية

باب الكتابة

وهو مندوب إليها في حق من يعلم فيه خيرا لقول الله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا النور 33 يعني كسبا وأمانة في قول أهل التفسير وعنه رواية أخرى أنها واجبة إذا دعى العبد الذي فيه خير سيده إليها لظاهر الآية ولأن عمر أجبر أنسا على كتابة سيرين والأول ظاهر المذهب لأنه إعتاق بعوض فلم يجب كالاستسعاء والآية محمولة على الندب وقول عمر يخالفه فعل أنس فأما من لا كسب له ففيه روايتان إحداهما تكره كتابته لأنه يصير كلا على الناس والثانية لا تكره لعموم الأخبار في فضل الإعتاق وإذا دعا هذا سيده إلى الكتابة لم يجبر رواية واحدة وإن دعى السيد عبده إلى الكتابة لم يجبر رواية واحدة وإن دعى السيد عبده إلى الكتابة لم يجبر عليها لأنه إعتاق على مال فلم يجبر عليه كغير الكتابة

فصل

ولا تنعقد إلا بالقول وتعقد بقوله كاتبتك على كذا لأنه لفظها


597

الموضوع لها فانعقدت به كلفظ النكاح فيه ويحتمل أن يشترط أن يقول إذا أديت إلي فأنت حر لأنه إعتاق معلق على شرط فاعتبر ذكره والأول أولى

فصل

ولا تصح إلا من جائز التصرف مسلما كان أو كافرا لأنها تصرف في المال فأشبهت البيع فأما المميز من الصبيان فيصح أن يكاتب عبده بإذن وليه ولا يصح بغير إذنه كما في بيعه ويحتمل أن لا تصح بحال لأنه إعتاق وإن كاتب السيد عبده المميز صح لأن إيجاب سيده له للكتابة إذن منه في قبولها وإن كاتب عبده المجنون أو الطفل فهو عقد باطل وجوده كعدمه إلا أن القاضي قال يعتق بأداء لأن الكتابة تعليق الحرية بالأداء فإذا بطلت الكتابة كان عتقهما بحكم الصفة المحضة وقال أبو بكر لا يعتق لأن الكتابة ليست بصفة ولا يعتبر ذلك الصفة فيها بحال

فصل

ولا تصح إلا على عوض لأنها عقد معاوضة فأشبه البيع ومن شرطه أن يكون مؤجلا لأن جعله حالا يفضي إلى العجز عن أدائه وفسخ العقد بذلك فيفوت المقصود وأن يكون منجما نجمين فصاعدا في قول أبي بكر وظاهر كلام الخرقي لأن عليا قال الكتابة على نجمين والايتاء من الثاني


598

وقال ابن أبي موسى يجوز جعل المال كله في نجم واحد لأنه عقد شرط فيه التأجيل فجاز على نجم واحد كالسلم ولأن القصد بالتأجيل إمكان التسليم عنده ويحصل ذلك في النجم الواحد والأحوط نجمان فصاعدا ويجب أن تكون النجوم معلومة ويعلم في كل نجم قدر المؤدى وأن يكون العوض معلوما بالصفة لأنه عوض في الذمة فوجب فيه العلم بذلك كالسلم ولا تصح إلا على عوض يصح السلم فيه لما ذكرناه وذكر القاضي أنه يحتمل أن يصح على عبد مطلق بناء على قوله في النكاح والخلع والصحيح ما قدمنا

فصل

وتجوز الكتابة على المنافع لأنها تثبت في الذمة بالعقد فجازت الكتابة عليها كالمال وتجوز على مال أو خدمة لأن كل واحد منهما يصح أن يكون عوضا منفردا فصح مع الآخر كالمالين فإن كاتبه على خدمة شهر أو شهرين متواليين فهو كالنجم الواحد لأنها مدة واحدة فإن قال على أن تخدمين شهرا ثم تخدمني عقيبه شهرا آخر صح لأنهما نجمان وإن قال على خدمة شهر ودينار بعده بيوم صح لأنهما نجمان فإن جعل الدينار مع انقضاء الشهر أو في أثنائه صح لأن الخدمة بمنزلة العوض الحال فصار كالأجلين ويحتمل أن لا يصح لأنهما في مدة واحدة فكانا نجما واحدا وإن جعل الدينار


599

حالا عقيب العقد لم يصح لأنه عوض حال معجوز عنه بخلاف الخدمة فإنها وإن كانت بمنزلة الحال فهو قادر عليها

فصل

والكتابة عقد لازم لا يملك العبد فسخها بحال وعنه أنه يملكه ولا يملك السيد فسخها قبل عجز المكاتب لأنه أسقط حقه منه بالعوض فلم يملك ذلك قبل العجز عنه كالبيع وللعبد الامتناع من الأداء لأنه جعل شرطا في عتقه فلم يلزمه كدخول الدار ولا تبطل بموت السيد ولا جنونه ولا الحجر عليه ولا جنون العبد لأنه عقد لازم فأشبه البيع وينتقل بموت السيد إلى ورثته لأنه مملوك لموروثهم فانتقل إليهم كالقن فإذا أدى إليهم عتق وولاؤه لمكاتبه لأن السبب وجد منه ولا يجوز شر الخيار في الكتابة لأن الخيار شرع لدفع الغبن عن المال والسيد دخل على بصيرة أن الحظ لعبده فلا معنى للخيار وإن اتفقا على الفسخ جاز لأنه عقد يلحقه الفسخ بالعجز عن المال فجاز فسخه بالتراضي كالبيع

فصل

ويجوز بيع المكاتب لأن بريرة قالت لعائشة يا أم المؤمنين إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني على كتابتي فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة اشتريها متفق عليه ولأنه سبب يجوز فسخه فلم يمنع البيع كالتدبير


600

وعنه لا يجوز بيعه لأن سبب العتق ثبت له على وجه لا يستقل السيد برفعه فمنع البيع كالاستيلاد والأول أظهر فإن باعه لم تبطل الكتابة لأنها عقد لازم فلم تبطل ببيعه كالنكاح ويكون في يد مشتريه مبقى على ما بقي من كتابته فإذا أدى عتق وولاؤه له وإن عجز فله الفسخ ويعود رقيقا له لأن البائع نقل ماله من الحق فيه إلى المشتري فصار بمنزلته وإن لم يعلم المشتري أنه مكاتب فله الخيار بين فسخ البيع وأخذ ما بينه سليما ومكاتبا لأنه عيب فأشبه سائر العيوب والحكم في هبته والوصية به كالحكم في بعيه لأنه نقل للملك فيه ولا يجوز وقفه لأنه معرض لزوال الرق فيه والوقف يجب أن يكون مستقرا

فصل

وإن اشترى المكاتب مكاتبا آخر صح سواء اشتراه من سيده أو من أجنبي لأن المشتري أهل للشراء والمبيع محل له فصح كما لو اشترى عبدا فإن عاد المبيع فاشترى سيده لم يصح لأنه لا يصح أن يملك مالكه والله أعلم


601

باب ما يملكه المكاتب وما لا يملكه

يملك المكاتب اكتساب المال بالبيع والإجارة والأخذ بالشفعة واخذ الصدقة والهبة وكسب المباحات والسفر لأنه من أسباب الكسب وهو مع المولى كالأجنبي في ضمان المال وبذل المنافع وأرش الجنايات وجريان الربا بينهما لأنه صار بما بذله من العوض كالحر وقال ابن أبي موسى لا ربا بينهما لأنه ملك لسيده قال أصحابنا ولا بأس أن يعجل المكاتب لسيده ويضع عنه بعض كتابته لأن مال الكتابة ليس بمستقر ولذلك لا يصح ضمانه فليس بدين صحيح فكأن السيد أخذ بعضا وأسقط بعضا

فصل

ويملك التصرف في المال بما يعود لمصلحته ومصلحة ماله فيجوز أن ينفق على نفسه لأن هذا من أهم مصالحه وعلى رقيقه وحيواناته وله أن يفدي نفسه ورقيقه في الجناية لأن فيه مصلحته وله أن يختن غلامه ويؤدبه لأنه صلاح للمال وله أن يقتص من الجناية عليه وعلى رقيقه ويأخذ الأرش لأن فيه مصلحته ذكره القاضي وقال أبو بكر وأبو الخطاب لا قصاص له في جناية بعض رقيقه على بعض لأن فيه إتلاف المال على سيده


602

فصل

وليس له إقامة الحد على رقيقه لأن طريقه الولاية والمكاتب ليس من أهل الولاية وليس له أن يتصدق ولا يتبرع ولا يعتق الرقيق ولا يحج بماله ولا يهب ولا يحابي ولا يبرئ من الدين ولا يكفر بالمال ولا ينفق على أقاربه ولا يقرض ولا يسرف في النفقة على نفسه لأن حق السيد متعلق بإكسابه فإنه ربما عجز فصار إلى سيده وإن كانت أمة مزوجة لم يملك بذل العوض في خلعها ولا تعجيل قضاء دين مؤجل لانه تبرع يمنع التصرف في المال من غير حاجة إليه وإن كان مكاتبا بين نفسين لم يكن له تقديم حق أحدهما لأن ما يقدمه يتعلق به حق الآخر ولا يملك فداء جنايته أو جناية رقيقه بأكثر من قيمته لان الفداء كالابتياع ولا يملك التزوج لا التسري لأنه تلزمه النفقة والمهر في التزويج ولا يأمن حبل الأمة فتتلف بالولادة وما فعل من هذا كله بإذن سيده جاز لأن المنع لأجله فجاز بإذنه كتصرف الراهن بإذن المرتهن وإن وهب المولى أو أقرضه أو حاباه أو فدى جنايته عليه بأكثر من أرشها جاز لاتفاقهما عليه

فصل

وليس له التصرف إلا على وجه الحظ والاحتياط لأن حق المولى متعلق باكتسابه فلا يبيع نسأ وإن أخذ به رهنا أو ضمينا ويحتمل الجواز


603

لما ذكرنا في المضارب وإن باع ما يساوي مائة بمائة نقدا وعشرين نسيئة جاز لانه لا ضرر فيه وليس له أن يضارب بماله لأنه يخاطر به ولا يرهنه لأنه يخرج ماله بغير عوض وفيه وجه آخر أنه يجوز له رهنه والمضاربة به لأنه قديرى الحظ فيه بدليل أن لولي اليتيم فعله في مال اليتيم فجاز كإجارته

فصل

وإذا استولد أمته صارت أم ولد له لأنها علقت منه في ملكه وليس له بيعها نص عليه وتكون هي وولدها منه موقوفين إن عتق بالكتابة عتق الولد وأمه أم ولد وإن رق رقا وذكر القاضي في موضع آخر أن الأمة لا تصير أم ولد لأنها علقت بمملوك وله بيعها وليس له مكاتبة رقيقه لأنه إعتاق واختار القاضي أن له ذلك لأنه معاوضة فملكه كالبيع وقال أبو بكر إعتاقه وكتابته موقوفان إن أدى وهما في ملكه نفذا وإلا بطلا كالقول في ذوي أرحامه والأول أصح لأن العتق تبرع فلم يصح كالهبة ومن لا يصح إعتاقه لا تصح كتابته كالمأذون وليس له تزويج الرقيق وحكي عن القاضي أن له تزويج الأمة دون العبد لأنه معاوضة وقال أبو الخطاب له تزويجهما إذا رأى المصلحة فيه لأنه تصرف في الرقيق بما فيه المصلحة فجاز كختان العبد والأول أصح لأن في التزويج ضررا


604

بالمال ونقصا في القيمة وليس هو من جهات المكاسب قال القاضي وله أن يشتري ذوي رحمه لأنه لا ضرر على السيد فيهم فإنه إن عجز فهم عبيد وإن عتق لم يضر السيد عتقهم وقال أبو الخطاب ليس له شراؤهم لأنه يبذل ماله فيما لا يجوز له التصرف فيه ويلزمه نفقته لكن يصح أن يملكهم بالهبة والوصية أو بالشراء بإذن السيد وعلى كلا القولين إذا ملكهم لم يعتقوا بمجرد ملكه لهم لأنه لا يملك إعتاقهم بالقول فلا يحصل العتق بالملك القائم مقامه ولا يملك بيعهم ولا إخراجهم عن ملك لأن من يعتق عليه ينزل منزلة جزئه فلم يجز بيعه كبعضه فإن أدى عتق وكمل ملكه فيهم فعتقوا حينئذ وولاؤهم له دون سيده وإن رق رقوا ونفقتهم على المكاتب لأنهم عبيده وإن أعتقهم السيد لم يصح لأنهم ليسوا عبيدا له وإن اشترى المكاتب زوجته أو المكاتبة زوجها صح لأنه يملك التصرف فيه وإذا ملك أحدهما صاحبه انفسخ النكاح لأنه لا يجتمع ملك اليمين وملك النكاح ولو زوج ابنته من مكاتبه فمات السيد قبل عتقه انفسخ النكاح لأنها لما ملكته أو جزءا من أجزائه انفسخ النكاح كما لو اشترته

فصل

وإن حبس المكاتب أجنبي عن التصرف فعليه أجرة مثله لأنه فوت منافعه فلزمه عوضها كالعبد وإن حبسه سيده ففيه ثلاثة أوجه


605

أحدها تلزمه أجرة مثله لما ذكرنا والثاني لا يحتسب عليه بمدة الحبس لأنه يلزمه تمكينه من التصرف مدة الكتابة فإذا منعه لم يحتسب بها عليه والثالث يلزمه أرفق الأمرين به لأنه وجد سببهما فكان للمكاتب أنفعهما وإن قهره أهل الحرب فحبسوه لم يلزم السيد إنظاره لأن الحبس من غير جهته

فصل

وليس للسيد وطء مكاتبته من غير شرط لأنه زال ملكه عن استخدامها وأرش الجناية عليها فلا يحل وطؤها كالمعتقة وإن شرطه في عقد الكتابة صح الشرط لأنه شرط منفعتها مع بقاء ملكه عليها فصح كما لو شرط خدمتها مدة فإن وطئها مع الشرط فلا مهر عليه لأنه يملكه فأشبه وطء أم ولده وإن وطئها من غير شرط أدب لأنه وطئ وطأ محرما ولا حد عليه لأنها مملوكته ولها عليه مهر مثلها سواء أكرهها أو طاوعته لأنه عوض منفعتها فوجب لها كما لو استخدمها وإن علقت منه فالولد حر لأنه ولده من أمته ولا يلزمه قيمته لذلك وتصير أم ولد له لأنه أحبلها بجزء في ملكه والكتابة بحالها فإن أدت عتقت وإن عجزت عتقت بموته لأنها من أمهات الأولاد وما في يدها لورثة سيدها وإن مات السيد قبل عجزها عتقت لأنه اجتمع بها سببان يقتضيان العتق فأيهما سبق عتقت به


606

وما في يدها لها ذكره القاضي لأن العتق إذا وقع في الكتابة لا يبطل حكمها ولأن الملك كان ثابتا لها والعتق لا يقتضي زواله عنها فأشبه ما لو عتقت بالإبراء من مال الكتابة وقال الخرقي وأبو الخطاب ما في يدها لورثة سيدها لأنها عتقت بحكم الاستيلاد فأشبه غير المكاتبة ولو أعتقها سيدها أو عتقت بالتدبير احتمل أن يكون كذلك واحتمل أن يكون ما في يدها لها بكل حال لأن إعتاقها برضى من المعتق رضى منه بإعطائها مالها بخلاف العتق بالاستيلاد

فصل

وولد المكاتبة من غير سيدها بعد كتابتها بمنزلتها لأنها استحقت الحرية بسبب قوي فتبعها ولدها كأم الولد وسواء حملت به بعد الكتابة أو كانت حاملا به عند كتابتها ونفقته عليها لأنه تبعها في حكمها وكسبه لها لذلك وإن قتل فقيمته لها لأنه بمنزلة جزئها وبذل جزئها لها فإن أعتقه السيد نفذ عتقه نص عليه لأنه عبد له فصح عتقه كأمه فإن كان ولدها جارية لم يملك السيد وطأها لأنه لا يملك وطء أمها وحكمها حكم أمها وإن وطئها فلا حد عليه للشبهة وعليه مهرها حكمه حكم كسبها وإن علقت منه صارت أم ولد له بشبهة الملك ولا يلزمه قيمتها لأن القيمة تجب لمن يملكها والأم لا تملك رقبتها إنما هي موقوفة عليها ويحتمل أن تلزمه قيمتها لأمها كما لو قتلها والحكم في وطء جارية المكاتبة كالحكم في وطء


607

بنتها إلا أنه يلزمه قيمتها إذا أحبلها لمولاتها لأنها مملوكتها ووطء جارية المكاتب كوطء جارية المكاتبة سواء

فصل

وإذا كانت الأمة بين شريكين فكاتباها ثم وطئها أحدهما أدب ولا حد عليه لشبه الملك وعليه المهر لها لما قدمناه فإن أولدها فولده حر وتصير أم ولد له وعليه نصف قيمتها لشريكه لأنه فوت رقها عليه فإن كان موسرا أداه وإن كان معسرا ففي ذمته هذا ظاهر كلام الخرقي لأن الإحبال أقوى من الإعتاق بدليل نفوذه من المجنون وتصير أم ولد للواطئ ومكاتبة له كما لو اشترى نصفها من شريكه وقال القاضي إن كان الواطئ معسرا لم يسر إحباله إلى نصيب الشريك لأنه إعتاق فلم يسر مع الإعسار كالقول ويصير نصفها أم ولد فإن عجزت استقر الرق في نصفها وثبت حكم الاستيلاد لنصفها وإن كان الواطئ موسرا فنصفها أم ولد ونصفها موقوف إن أدت عتقت وإن عجزت فسخت الكتابة وقومت حينئذ على الواطئ وصار جميعها أم ولد له وأما الولد فهو حر ونسبه لا حق بالواطئ وهل تجب نصف قيمته فيه روايتان إحداهما تجب لأنه كان من سبيله أن يكون عبدا فقد أتلف رقه بفعله فكان عليه نصف قيمته والثانية لا تجب قيمته لأنه انتقل نصيب شريكه إليه حين


608

علقت به ولا قيمة له في تلك الحال فلم يضمنه وقال القاضي والرواية الأولى أصح على المذهب ويكون الواجب لأمه إن كانت في الكتابة لأنه بدل ولدها وقال أبو بكر إن وضعته بعد التقويم فلا شيء على الواطئ لأنها وضعته في ملكه وإن كان قبله غرم نصف قيمته

فصل

فإن وطئها الثاني بعد وطء الأول وكانت باقية على الكتابة فعليه المهر لها وإن كانت قد عجزت وقومت على الأول فالمهر له وإن لم تقوم على الأول فمهرها بينهما فإن أولدها الثاني بعد الحكم بأنها أم ولد الأول لم تصر أم ولد للثاني وحكم ولدها حكمها كما لو ولدت من أجنبي وإن كان قبل الحكم بأنها أم ولد للأول صار نصفها أم ولد للثاني ونصفها أم ولد للأول

فصل

ويجب على السيد إيتاء المكاتب من المال قدر ربع الكتابة لقول الله تعالى وآتوهم من مال الله الذي آتاكم النور 33 وروى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية يحط عنه الربع أخرجه أبو بكر وهذا نص وروي موقوفا على علي ويخير السيد بين وضعه عنه وبين دفعه إليه لأن الله تعالى نص على الدفع إليه فنبه به على الوضع لكونه أنفع من الدفع لتحقق


609

النفع به في الكتابة فإن اختار الدفع جاز بعد العقد للآية ووقت الوجوب بعد العتق لقوله تعالى وآتوهم من مال الله الذي آتاكم النور 33 فإذا آتي ما عليه عتق وقال علي الكتابة على نجمين والإيتاء من الثاني ويجب الإيتاء من جنس مال الكتابة للآية فإن اتفقا على غير ذلك جاز لأن الحق لهما فجاز باتفاقهما وإن مات السيد بعد العتق وقبل الإيتاء فذلك دين في تركته يحاص به غرماؤه لأنه حق لآدمي فلم يسقط بالموت كسائر حقوقه

باب الأداء والعجز

لا يعتق المكاتب حتى يبرأ من مال الكتابة بالأداء أو الإبراء لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم رواه أبو داود وقال أصحابنا إذا أدى ثلاثة أرباع كتابته وعجز عن الربع عتق لأنه حق له فلا تتوقف حريته على أدائه كأرش جناية سيده عليه وإن أبرأه سيده عتق لأنه لم يبق عليه شيء

فصل

وإن عجلت الكتابة قبل محلها وفي قبضها ضرر لم يلزمه قبضه قبل محله كالسلم وإن لم يكن في قبضه ضرر لزمه قبضه وعتق العبد لأن الأجل


610

حق لمن عليه الدين فإذا رضي بإسقاط حقه يجب أن يسقط كسائر الحقوق وعنه لا يلزمه قبضه لأن بقاء المكاتب في هذه المدة في ملكه حق له ولم يرض بزواله فلم يزل كما لو علق عتقه بمضي تلك المدة وعنه أنه يعتق إذا ملك ما يؤدي لما روت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح فعلى هذا إن امتنع من الأداء أجبره الحاكم عليه

فصل

وإذا حل نجم فعجز عن أدائه فللسيد الفسخ لأنه تعذر العوض في عقد معاوضة ووجد عين ماله فكان له الرجوع كما لو باع سلعة فأفلس المشتري قبل تقديمها وعنه لا يعجز حتى يحل نجمان لأن ما بينهما محل الأداء الأول فلا يتحقق عجزه حتى يحل الثاني وعنه لا يعجز حتى يقول قد عجزت وللسيد الفسخ بغير حاكم لأنه مجمع عليه أشبه الرد بالعيب وإن امتنع العبد من الأداء مع إمكانه فظاهر كلام الخرقي أن للسيد الفسخ وهو قول جماعة من أصحابنا لأن التعذر حاصل بالامتناع كحصوله بالعجز وقال أبو بكر ليس له الفسخ لأنه أمكن الاستيفاء بإجباره على ذلك وتعذر البعض كتعذر الجميع


611

فصل

وإن كان معه متاع يريد بيعه فاستنظره ليبعه لزمه إنظاره لأنه أمكن الاستيفاء من غير ضرر ولا يلزمه إنظاره أكثر من ثلاث لأنها قريبة وإن كان له مال غائب يرجو قدومه فيما دون مسافة القصر فكذلك وإن كان أبعد لم يلزمه إنظاره لأن فيه ضررا وإن كان له دين حال على مليء أو في يد مودع فهو كالغائب القريب وإن كان على معسر أو مؤجلا فهو كالبعيد وإن حل النجم والمكاتب غائب بغير إذن سيده فله الفسخ وإن كان بإذنه لم يفسخ ويرفع الأمر إلى الحاكم ليكتب كتابا إلى حاكم ذلك البلد ليأمره بالأداء أوي ثبت عجزه عنده فيفسخ حينئذ وإن حل والمكاتب مجنون معه مال فسلمه إلى المولى عتق لأنه قبض ما يستحقه فبرئت به ذمة الغريب وإن لم يكن معه شيء فلسيده الفسخ فإن فسخ ثم ظهر له مال نقض الحكم بالفسخ لأننا حكمنا بالعجز في الظاهر وقد بان خلافه فنقض كما لو حكم الحاكم ثم وجد النص بخلافه وإن كان قد أنفق عليه بعد الفسخ رجع بما أنفق لأنه لم يتبرع به بل أنفق على أنه عبده وإن أفاق بعد الفسخ فأقام بينة أنه كان قد أدى نقض الحكم بالفسخ ولم يرجع السيد بالنفقة لأنه تبرع بإنفاقه عليه مع علمه بحريته


612

فصل

وإن أحضر المكاتب المال فقال السيد هذا حرام وأنكر المكاتب ولا بينة فالقول قول المكاتب مع يمينه لأنه في يده فالظاهر أنه له فإذا حلف خير المولى بين أخذه أو إبرائه من مال الكتابة فإن لم يفعل قبضه الحاكم لأنه حق تدخله النيابة فإذا امتنع منه قام الحاكم مقامه وكذلك إن عجلت الكتابة قبل محلها وقلنا يلزمه أخذه فامتنع قام الحاكم مقامه وروي أن رجلا أتى عمر فقال يا أمير المؤمنين إني كاتبت على كذا وكذا وإني أيسرت بالمال فأتيته بالمال فزعم أنه لا يأخذه إلا نجوما فقال عمر يا برقي خذ هذا المال فاجعله في بيت المال وأد إليه نجوما في كل عام وقد عتق هذا رواه الأثرم

فصل

فإن أدى المكاتب ظاهرا فبان مستحقا تبينا أنه لم يعتق لأن العتق بالأداء وما أدى وإن علم بعد الموت فتركته لمولاه أو ورثته لأنه مات على الرق وإن ظهر به عيب فللسيد الرد والمطالبة بالأرش فإن رضي به معيبا استقر العتق وإن طلب الأرش فأدى إليه استقر العتق وإن لم يؤد إليه بطل العتق لأن ذمته لم تتم براءتها من المال وإن رد المعيب بطل العتق إلا أن يعطيه بدله وقال أبو الخطاب لا يرتفع العتق وله قيمة


613

المعيب أو أرشه إن أمسكه وإن كاتبه على خدمة شهر فمرض فيه لم يقع العتق لعدم العوض

فصل

وإن باع ما في ذمة المكاتب لم يصح لأنه بيع دين لا سيما وهو غير مستقر فإن قبضه المشتري لم يتق المكاتب لأنه لم يقبضه السيد ولا وكيله وإنما قبضه المشتري لنفسه وهو لا يستحقه وفيه وجه آخر أنه يعتق لأن السيد أذن للمشتري في قبضه فكان قبضه كقبض وكيله

فصل

إذا جنى المكاتب بدئ بجنايته قبل كتابته لأن جنايته تقدم على حق المالك إذا كان قنا فعلى حقه إذا كان مكاتبا ألوى فإن أداهما عتق وإن عجز عن أدائهما فلكل واحد منهما تعجيزه فإن عجزه ولي الجناية بيع فيها أن استغرقته وإلا بيع منه بقدر جنايته وباقيه على الكتابة متى أدى كتابة باقيه عتق وهل يسري عتقه ويقوم على سيده إن كان موسرا على وجهين وإن عجزه السيد عاد قنا وخير بين فدائه أو تسليمه كعبده القن فإن أعتقه السيد فعليه فداؤه أيضا لأنه أتلف محل الحق وإن كان عليه دين من معاملة بدئ بقضائه مما في يده لأنه يتعلق بما في يده ويختص به والسيد والمجني عليه يرجعان إلى رقبته فإن فضل شيء قدم ولي الجناية وإن لم


614

يكن له مال لم يملك الغريم تعجيزه لان حقه في الذمة فلا فائدة في تعجيزه بل تركه على الكتابة أنفع له لأنه ربما اكتسب بما يعطيه فكان أولى

باب الكتابة الفاسدة

إذا كاتبه على عوض محرم أو مجهول فالعقد فاسد وإن شرطا شرطا فاسدا مثل أن يشرط أن يوالي من شاء من ميراثه فالعقد صحيح لأن عائشة رضي الله عنها قالت كان في بريرة ثلاث قضيات أراد أهلها أن يبيعوها ويشترطوا الولاء فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق متفق عليه فحكم بفساد الشرط مع أمره بالشراء ويتخرج فساد العقد بناء على فساد البيع به وإن شرط عليه أن لا يسافر ولا يطلب الصدقة فالعقد صحيح وفي الشرط روايتان إحداهما هو صحيح لأن فيه غرضا صحيحا للسيد وهو صيانته عن أكل الصدقة وصيانة عبده من التغرير بالسفر والثانية هو باطل لأنه ينافي نقتضى العقد وهو تمكينه من الكسب وأخذ ما فرض الله له من الصدقات


615

فصل

ومتى فسد العقد فللسيد الفسخ لأنه عقد فاسد لا حرمة له وسواء كانفيه صفة كقوله إن أديت إلي فأنت حر أو لم تكن لأن المقصود المعاوضة فصارت الصفة مثبتة عليها بخلاف الصفة المجردة وله فسخ العقد بنفسه لأنه مجمع عليه وتنفسخ بموت السيد وجنونه والحجر عليه لسفه لأنه عقد غير لازم فأشبه الوكالة وقال أبو بكر لا تنفسخ بذلك ولا تبطل بجنون العبد لأنه لازم من جهته فأشبه العتق المعلق بصفة وإن أدى ما كوتب عليه عتق لأن الكتابة جمعت معاوضة وصفة فإذا بطلت المعاوضة بقيت الصفة فعتق بها وإن أدى إلى غير من كاتبه أو أبرأه السيد مما عليه لم يعتق لأن الصفة لم توجد وقال أبو بكر يعتق بالأداء إلى الوارث لأنه قام مقام الموروث وإذا عتق فله ما فضل في يده من الكسب ويتبع الجارية ولدها لأنها أجريت مجرى الصحيحة في العتق فتجري مجراها فيما ذكرنا وفيه وجه آخر لا يتبعها ولدها ولا فضلة كسبها لأن عتقها بالصفة دون الكتابة ولا يرجع السيد على العبد بشيء لأنها إما عتق بصفة وإما مجراه مجرى الكتابة الصحيحة وكلاهما لا يثبت فيه التراجع


616

باب جامع الكتابة

تصح كتابة بعض العبد لأنه عقد معاوضة على نصيب المكاتب فصح كبيعه وإذا كاتبه وكان باقيه حرا فأدى كملت له الحرية وإن كان باقية قنا لم تسر الكتابة إليه لأنه عقد معاوضة فأشبه البيع ويصير شريكا لمالك باقيه في نفسه فإذا أدى ما كوتب عليه ومثله لمالك باقيه عتق وسرى العتق إلى سائره إن كان جميعه للمكاتب وإن كان لغيره والمكاتب موسر عتق جميعه وإن كان معسرا لم يعتق إلا ما كاتبه كالإعتاق المنجز وإذا أذن له شريك المكاتب في الأداء من جميع كسبه عتق بأدائه كما لو أدى إليهما وإن كان باقيه مكاتبا أو كاتبه السيدان معا جاز سواء اتفق العوضان أو اختلفا لأنه عقد معاوضة فأشبه البيع ولا يملك أن يؤدي إلى أحدهما أكثر مما يؤدي إلى صاحبه لأنهما سواء في كسبه إلا أن يأذن أحدهما في تعجيل حق الآخر فيجوز وذكر أبو بكر وجها أخر أنه لا يجوز تخصيص أحدهما بالأداء وإن أذن الآخر فيه لأن حقه في ذمته لا فيما في يده فلم ينفع إذنه فيه والأول أصح لأن المنع لحقه فجاز بإذنه فإن أدى إليهما في حال واحدة عتق عليهما وولاؤه لهما وإن أدى إلى أحدهما قبل الآخر بإذنه أو لكون نصيب المؤدي إليه من العوض أقل عتق نصيبه وسرى إلى نصيب الآخر إن


617

كان موسرا في قول الخرقي لأنه أعتق شركا له في عبد وهو موسر فعتق عليه كله لحديث ابن عمر وقال أبو بكر لا يسري في الحال لأن في سرايته إبطال نصيب صاحبه من الولاء الذي انعقد سببه وهكذا الخلاف فيما إذا عتق أحدهما نصيبه بالمباشرة وفيما إذا كان نصفه قنا فأعتقه صاحب القن

فصل

ويجوز أن يكاتب جماعة من عبيدة صفقة واحدة بعوض واحد لأن العوض بجملته معلوم فصح كما لو باع عبدين بثمن واحد ويصير كل واحد منهم مكاتبا بحصته من العوض يقسم بينهم على قدر قيمتهم حين العقد لأنه عوض فيسقط على المعوض بالقيمة كما لو اشترى شقصا وسيفا قال أبوبكر ويتوجه لأبي عبد الله قول آخر أن العوض بينهم على عددهم لأنه أضيف إليهم إضافة واحدة فكان بينهم على السواء كما لو أقر لهم بشيء والأول أصح وتعتبر قيمتهم حال العقد لأنه حال زوال سلطانه عنهم وأيهم أدى عتق لأنه أدى ما عليه فعتق كما لو انفرد وقال ابن أبي موسى لا يعتق حتى يؤدي جميع الكتابة وإن مات بعضهم سقط من مال الكتابة بقدر حصته والأول أصح


618

فصل

وإذا كاتب السيد عبده فماله لسيده لقول النبي صلى الله عليه وسلم من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ولأنه عقد يزيل ملك السيد عن إكسابه فأشبه البيع

باب إختلاف السيد ومكاتبه

إذا اختلفا في أصل العقد فالقول قول السيد مع يمينه لأن الأصل عدمه وإن اختلفا في قدر مال الكتابة أو أجل ففيه ثلاث روايات إحداهن القول قول السيد لأنهما اختلفا في الكتابة فأشبه ما لو اختلفا في عقدها والثانية القول قول المكاتب لأن الأصل عدم الزيادة المختلف فيها والثالث يتحالفان لأنهما اخلفا في قدر العوض فيتحالفان كما لو اختلفا في ثمن المبيع فإذا تحالفا قبل العتق فسخنا العقد إلا أن يرضى أحدهما بما قال صاحبه وإن كان التخالف بعد العتق رجع السيد على العبد بقيمته ورجع العبد بما أداه على سيده

فصل

وإن وضع السيد عن العبد بعض نجومه أو أبرأه منه واختلفا في أي النجوم هو فالقول قول السيد لأنهما اختلفا في فعله وإن وضع عنه دراهم


619

والكتابة على دنانير لم يصح لأنه وضع عنه غير ما عليه فإن قال العبد إنما أردت دنانير بقيمة الدراهم فأنكره السيد فالقول قول السيد لأن الظاهر معه وهو أعلم بما عنى وإن أدى كتابته فقال السيد أنت حر ثم بان مستحقا لم يعتق لأن الظاهر أنه قصد الخبر بناء على ظنه وقد بان خلافه فإن قال العبد أردت عتقي فأنكره السيد فالقول قوله لأنه أعلم بقصده وإن ادعى العبد وفاء الكتابة فأنكره السيد فالقول قول السيد لأن الأصل عدم الوفاء وإن قال السيد استوفيت فادعى المكاتب أنه وفاه الجميع وقال السيد إنما وفيتني البعض فالقول قول السيد لأن الاستيفاء لا يقتضي الجميع

فصل

فإن كان للمكاتبة ولد فقالت ولدته في الكتابة فقال السيد بل قبلها فالقول قول السيد لأنه اختلاف في وقت الكتابة والأصل عدمها قبل الولادة وإن زوج السيد مكاتبه أمته فولدت منه واشترى زوجته فقال السيد ولدته قبل الشراء وقال المكاتب بل بعده احتمل أن تكون كالتي قبلها واحتمل أن يكون القول قول العبد لان هذا اختلاف في الملك والظاهر مع العبد لأنه في يده بخلاف التي قبلها لأنهما لم يختلفا في الملك إنما اختلفا في وقت العقد


620

فصل

فإذا أدى أحد المكاتبين إلى السيد أو أبرأه فادعى كل واحد من المكاتبين أنه المؤدي أو المبرئ فالقول قول السيد في التعين لأنه لو أنكرهما كان القول قوله فإذا أنكر أحدهما قبل قوله وعليه اليمين له فإن نكل قضى عليه وعتقا جميعا فإن قال لا علم أيكما المؤدي فعليه اليمين أنه لا يعلم فيقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وعتق وبقي الآخر على الكتابة وكذلك إن مات السيد قبل التعيين قرع بينهما لأنهما تساويا في احتمال الحرية فأشبه ما لو أعتق أحدهما وأنسيه

فصل

إذا كاتب عبيدا كتابة واحدة فأدوا عتقوا فقال من كثرت قيمته أدينا على قدر قيمنا وقال الآخر بل أدينا على السواء فبقيت لنا على الأكثر بقية فمن جعل العوض بينهم على عدد رؤوسهم قال القول قول من ادعى التسوية ومن جعل على كل واحد قدر حصته فعنده فيه وجهان أحدهما القول قول من يدعي التسوية لأن أيديهم على المال فيتساوون فيه والثاني القول قول الآخر لأن الظاهر أن الإنسان لا يؤدي إلا ما عليه


621

فصل

وإذا كاتب رجلان عبدا بينهما فادعى أنه أدى إليهما فصدقه أحدهما وأنكر الآخر عتق نصيب المقر وحلف الآخر وبقيت حصته على الكتابة وله مطالبة المقر بنصف ما قبض لحصول حقه في يده ومطالبة المكاتب بالباقي وله مطالبة المكاتب بالجميع لأنه لم يدفع إليه حقه ولا إلى وكيله فإذا قبض عتق المكاتب ومن أيهمها أخذ لم يرجع به المقبوض منه على الآخر لأنه يقر ببراءة صاحبه ويدعي أن المنكر ظلمه فلا يرجع بما ظلمه به على غيره فإن عجز المكاتب عجزه ورق نصفه ولم يسر عتق الآخر لأنه لا يعترف بعتقه ولا العبد أيضا ولا يعترف المنكر بعتق شيء منه وإن شهد المصدق له فقال الخرقي تقبل شهادته له في العتق لأنه لا نفع له فيه ولا تقبل شهادته فيما يرجع إلى براءته من مشاركة صاحبه وقياس المذهب أنه لا تقبل شهادته في العتق أيضا لأن من شهد بشهادة يجر إلى نفسه نفعا بطلت شهادته في الكل وإن ادعى المكاتب دفع جميع المال إلى أحدهما ليأخذ نصيبه منه ويدفع باقية إلى شريكه وقال المدعى عليه بل دفعت إلى كل واحد منا حقه فهي كالتي قبلها إلا أن المنكر يأخذ حصته بلا يمين لأنه لا يدعي واحد منهما دفع المال إليه وإن قال المدعى عليه قبضت المال ودفعت إلى شريكي حصته فأنكر شريكه فعليه اليمين ها هنا لأنه يدعي التسليم إليه فإذا حلف فله مطالبة من شاء منهما بجميع حقه فإن


622

أخذ من المكاتب ورجع على المقر لأنه قبض منه سواء صدقه المكاتب في الدفع إلى شريكه أو كذبه لتفريطه في ترك الإشهاد فإن حصل للمنكر ماله من أحدهما عتق وإن عجز المكاتب فللمنكر استرقاق نصفه والرجوع على المقر بنصف ما قبض لأنه استحق نصف كسبه ويقوم على المقر لأن رقه كان بسبب منه وهو التفريط

فصل

وإذا خلف رجل ابنين وعبدا فادعى العبد أن سيده كاتبه فأنكراه فالقول قولهما مع أيمانهما لأن الأصل عدم الكتابة ويحلفان على نفي العلم لأنها يمين على فعل الغير وإن صدقه أحدهما أو نكل عن اليمين وحلف الآخر ثبتت الكتابة لنصفه ومتى أدى إلى المقر عتق نصيبه ولم يسر إلى نصيب شريكه لأنه لم يباشر العتق ولم يتسبب إليه إنما هو مقر بما فعل أبوه وولاء نصفه الذي عتق للمقر لأنه لا يدعيه غيره وإن شهد المقر على المنكر فشهادته مقبولة إن كان عدلا لأنه لا يجر إلى نفسه نفعا ولا يدفع ضررا والله أعلم


623

باب حكم أمهات الأولاد

إذا أصاب الرجل أمته فولدت منه ما يتبين فيه بعض خلق الإنسان صارت له أم ولد تعتق بموته من رأس المال لما روى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة عن دبر منه رواه أحمد وابن ماجة ولأنه إتلاف حصل بالاستمتاع فحسب من رأس المال كإتلاف ما يأكله فأما إن علقت منه في غير ملكه لم تعتق عليه سواء ملكها حاملا أو بعد الوضع لأنها علقت بمملوك فإذا كان الولد مملوكا فأمه أولى وعنه إن ملكها حاملا فولدت عنده صارت له أم ولد لعموم الخبر وقال القاضي إن لم يطأها بعد ملكه لها لم تصر أم ولد وكذلك إن وطئها بعد أن كمل للولد خمسة أشهر لأن الوطء لا يؤثر في الولد وإن وطئها في ابتداء حملها أو توسطه بعد ملكه لها صارت أم ولد لأن الماء يزيد في سمعه وبصره وقد قال عمر أبعدما اختلطت دماؤكم ودماؤهن ولحومكم ولحومهن بعتموهن فعلل بالاختلاط وقد وجد وإن ولدت منه في غير ملكه بنكاح أو زنا ثم ملكها لم تصر أم ولد لأن ولدها مملوك لسيد الأمة ونقل ابن أبي موسى أنها تصير أم ولد لما ذكرناه والأول المذهب


624

فصل

فإن أسقطت ولدا ميتا فهو كالحي في ذلك لأنه ولد وإن أسقطت جزءا منه كيد ورجل فهي أم ولد لأنه من ولد وإن ألقت نطفة أو علقة لم تصر أم ولد لأنه ليس بولد وإن وضعت ما يتحقق فيه تخطيط من رأس أو يد أو رجل أو عين فهو ولد وإن ألقت مضغة فشهدت ثقة من القوابل أنه تخطط أو تصور ثبت أنه ولد وإن لم يتخطط ويتصور فشهدت أنه بدو خلق آدمي ففيه روايتان إحداهما لا تصير أم ولد لأنه ليس بولد أشبه النطفة والأخرى هي أم ولد لأنه بدو خلق بشر أشبه المتخطط

فصل

ويملك الرجل استخدام أم ولده وإجارتها ووطأها وتزويجها وحكمها حكم الإماء في صلاتها وغيرها لأنها باقية على ملكه إنما تعتق بعد الموت بدليل حديث ابن عباس

فصل

ولا يملك بيعها ولا هبتها ولا التصرف في رقبتها لما روى سعيد بن منصور بإسناده عن عبيدة قال خطب علي الناس فقال شاورني عمر في أمهات الأولاد فرأيت أنا وعمر أن أعتقهن فقضى به عمر حياته وعثمان


625

حياته فلما وليت رأيت أن أرقهن قال عبيدة فرأي عمر وعلي في الجماعة أحب إلينا من رأي علي وحده وروي عنه أنه قال بعث إلى علي وإلى شريح أن اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الاختلاف وروى صالح عن أحمد أنه قال أكره بيعهن وقد باع علي ابن أبي طالب قال أبو الخطاب فظاهر هذا أنه يصح البيع مع الكراهة والمذهب الأول

فصل

وإن ولدت من غير سيدها فله حكمها يعتق بموت سيدها سواء عتقت أو ماتت قبله لأن الاستيلاد كالعتق المنجز ولا يبطل الحكم فيه بموتها لأنه استقر في حياتها فلم يسقط بموتها كولد المدبرة

فصل

وإن أسلمت أم ولد الذمي لم تعتق ونقل عنه مهنا أنها تعتق لأنه لا يجوز إقرار ملك كافر على مسلمة ولا سبيل إلى إزالته بغير العتق وعنه أنها تستسعي في قيمتها ثم تعتق والمذهب الأول قال أبو بكر الذي تقتضيه أصول أبي عبد الله أنها لا تعتق لأنه سبب يقتضي العتق بعد الموت فلم يتجزء بالإسلام كالتدبير ولكن تزال يده عنها ويحال بينه وبينها لأن المسلمة لا تحل لكافر وتسلم إلى امرأة ثقة ونفقتها في كسبها وما فضل منه فهو لسيدها وإن لم يف بنفقتها فعلى سيدها تمامها في إحدى الروايتين وهو


626

قول الخرقي لأنها مملوكته والثانية لا يلزمه ذلك لأنه منع الانتفاع بها فإن أسلم حلت له وإن مات عتقت

فصل

وإن جنت لزم سيدها فداؤها لأنه منع من بيعها بالإحبال ولم تبلغ حالا تتعلق بذمتها فأشبه ما لو امتنع من تسليم عبده القن ويفديها بأقل الأمرين من قيمتها أو أرش جنايتها لأنه لا يمكن بيعها وعنه يفديها بأرش جنايتها بالغة ما بلغت حكاها أبو بكر لأنه ممنوع من تسليمها فإن عادت فجنت فداها كما وصفت لأن الموجب لفدائها وجد في الثانية كوجوده في الأولى فوجب استواؤهما في الفداء لاستوائهما في مقتضيه

فصل

وإن جنت أم ولد على سيدها فيما دون النفس فهو كجناية القن سواء وإن قتلته عتقت لأنه زال ملكه بموته ولا يمكن نقل الملك فإن كانت جنايتها عمدا فللأولياء القصاص منها وإن كانت غير موجبة له فسقط بالعفو فعليها قيمة نفسها لأنها جناية أم ولد فلم يجب أكثر من قيمتها كالجناية على الأجنبي وإن ورث ولدها شيئا من القصاص الواجب عليها سقط كله لأنه لا يتبعض وصار الأمر إلى القيمة