كتاب المغني ج8


3

الظهار مشتق من الظهر وإنما خصوا الظهر بذلك من بين سائر الأعضاء لأن كل مركوب يسمى ظهرا لحصول الركوب على ظهره في الأغلب فشبهوا الزوجة بذلك وهو محرم لقول الله تعالى وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا المجادلة 2 ومعناه أن الزوجة ليست كالأم في التحريم وقال الله تعالى ما هن أمهاتهم المجادلة 2 وقال تعالى وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم الأحزاب 4 والأصل في الظهار الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم المجادلة 2 والآية التي بعدها

وأما السنة فروى أبو داود بإسناده عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت تظاهر مني أوس بن الصامت فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم اشكو ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول اتقي الله فإنه ابن عمك

فما برحت حتى نزل القرآن قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها المجادلة 1 فقال يعتق رقبة

فقالت لا يجد قال فيصوم شهرين متتابعين

قلت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام قال فليطعم ستين مسكينا

قلت ما عنده من شيء يتصدق به قال فإني سأعينه بعرق من تمر فقلت يا رسول الله فإني أعينه بعرق آخر قال قد أحسنت اذهبي فأطعمني عنه ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك قال الأصمعي العرق بفتح العين والراء هو ما سف من خوص كالزنبيل الكبير وروي أيضا بإسناده عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياضي قال كنت أصيب من النساء ما لا يصيب غيري فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا يتتابع حتى أصبح فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فلم ألبث أن نزوت عليها فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر وقلت امشوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لا والله فانطلقت إلى النبي فأخبرته الخبر فقال أنت بذاك يا سلمة فقلت أنا بذاك يا رسول الله وأنا صابر لحكم الله فاحكم في ما أراك الله قال حرر رقبة

قلت والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها وضربت صفحة رقبتي قال صم شهرين متتابعين

قلت وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام قال فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا

قلت والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين ما لنا طعام

قال فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك قال فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها

فرجعت إلى قومي فقلت وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة وحسن الرأي وقد أمر لي بصدقتكم

فصل وكل زوج صح طلاقه صح ظهاره وهو البالغ العاقل سواء كان مسلما أو كافرا


4

حرا أو عبدا

قال أبو بكر وظاهر السكران مبني على طلاقه

قال القاضي وكذلك ظهار الصبي مبني على طلاقه والصحيح أن ظهار الصبي غير صحيح لأنها يمين موجبة للكفارة فلم تنعقد منه كاليمين بالله تعالى ولأن الكفارة وجبت لما فيه من قول المنكر والزور وذلك مرفوع عن الصبي لكون القلم مرفوعا عنه

وقد قيل لا يصح ظهار العبد لأن الله تعالى قال فتحرير رقبة والعبد لا يملك الرقاب

ولنا عموم الآية ولأنه يصح طلاقه فصح ظهاره كالحر

فأما إيجاب الرقبة فإنما هو على من يجدها ولا يبقى الظهار في حق من لا يجدها كالمعسر فرضه الصيام ويصح ظهار الذمي

وبه قال الشافعي ومالك وأبو حينفة لا يصح منه لأن الكفارة لا تصح منه وهي الرافعة للتحريم فلا يصح منه التحريم

ودليل أن الكفارة لا تصح منه أنها عبادة تفتقر إلى النية فلا تصح منه كسائر العبادات

ولنا إن من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم

فأما ما ذكروه فيبطل بكفارة الصيد إذا قتله في الحرم وكذلك الحد يقام عليه

ولا نسلم أن التكفير لا يصح منه فإنه يصح منه العتق والإطعام وإنما لا يصح منه الصوم فلا تمتنع صحة الظهار بامتناع بعض أنواع الكفارة كما في حق العبد والنية إنما تعتبر لتعيين الفعل للكفارة فلا يمتنع ذلك في حق الكافر كالنية في كنايات الطلاق

ومن يخنق في الأحيان يصح ظهاره في إفاقته كما يصح طلاقه فيه

فصل ومن لا يصح طلاقه لا يصح ظهاره كالطفل والزائل العقل بجنون أو إغماء أو نوم أو غيره لا نعلم في هذا خلافا وقد قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا يصح ظهار المكره وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو يوسف يصح طهاره

والخلاف في ذلك مبني على الخلاف في صحة طلاقه وقد مضى ذلك

فصل ويصح الظهار من كل زوجة كبيرة كانت أو صغيرة مسلمة كانت أو ذمية ممكنا وطؤها أو غير ممكن وبه قال مالك والشافعي وقال أبو ثور لا يصح الظهار من التي لا يمكن وطئها لأنه لا يمكن وطؤها والظهار لتحريم وطئها

ولنا عموم الآية ولأنها زوجة يصح طلاقها فصح الظهار منها كغيرها

مسألة

قال ( وإذا قال لزوجته أنت علي كظهر أمي أو كظهر امرأة أجنبية أو أنت علي حرام أو حرم عضوا من أعطائها فلا يطؤها حتى يأتي بالكفارة ) في هذه المسألة فصول خمسة

أحدها أنه متى شبه امرأته بمن تحرم عليه على التأبيد فقال أنت علي كظهر أمي أو أختي أو غيرهما فهو مظاهر وهذا على ثلاثة أضرب

أحدها أن يقول أنت علي كظهر أمي فهذا ظاهر إجماعا قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن


5

تصريح الظهار أن يقول أنت علي كظهر أمي وفي حديث خويلة امرأة أوس بن الصامت أنه قال لها أنت علي كظهر أمي فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالكفارة

الضرب الثاني أن يشبهها بظهر من تحرم عليه من ذوي رحمه كجدته وعمته وخالته وأخته

فهذا ظهار في قول أكثر أهل العلم منهن الحسن وعطاء وجابر بن زيد والشعبي والنخعي والزهري والثوري والأوزاعي ومالك وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي وهو جديد قولي الشافعي

وقال في القديم لا يكون الظهار إلا بأم أو جدة لأنها أم أيضا لأن اللفظ الذي ورد به القرآن مختص بالأم فإذا عدل عنه لم يتعلق به ما أوجبه الله تعالى فيه

ولنا إنهن محرمات بالقرابة فأشبهن الأم

فأما الآية فقد قال فيها وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا المجادلة 2 وهذا موجود في مسألتنا فجرى مجراه وتعليق الحكم بالأم لا يمنع ثبوت الحكم في غيرها إذا كانت مثلها

الضرب الثالث أن يشبهها بظهر من تحرم عليه على التأبيد سوى الأقارب كالأمهات المرضعات والأخوال من الرضاعة وحلائل الآباء والأبناء وأمهات النساء والربائب اللائي دخل بأمهن فهو ظاهر أيضا والخلاف فيها كالتي قبلها

ووجه المذهبين ما تقدم ويزيد في الأمهات المرضعات دخولها في عموم الأمهات فتكون داخلة في النص وسائرهن في معناها ثبت فيهن حكمها الفصل الثاني إذا شبهها بظهر من تحرم عليه تحريما مؤقتا كأخت امرأته وعمتها أو الأجنبية فعن أحمد فيه روايتان

إحداهما أنه ظاهر وهو اختيار الخرقي وقول أصحاب مالك

والثانية ليس بظاهر وهو مذهب الشافعي لأنها غير محرمة على التأبيد فلا يكون التشبيه بها ظهارا كالحائض والمحرمة من نسائه ووجه الأول أنه شبهها بمحرمة فأشبه ما لو شبهها بالأم ولأن مجرد قوله أنت علي حرام ظهار إذا نوى به الظهار والتشبيه بالمحرمة تحريم فكان ظهارا فأما الحائض فيباح الاستمتاع بها في غير الفرج والمحرمة يحل له النظر إليها ولمسها من غير شهوة وليس في وطء واحدة منها حد بخلاف مسألتنا واختار أبو بكر أن الظهار لا يكون إلا من ذوات المحارم من النساء قال فبهذا أقول

فصل وإن شبهها بظهر أبيه أو بظهره من الرجال أو قال أنت علي كظهر البهيمة أو أنت علي كالميتة والدم ففي ذلك كله روايتان إحداهما أنه ظهار قال الميموني قلت لأحمد إن ظاهر من ظهر الرجل قال فظهر الرجل حرام يكون ظاهرا وبهذا قال ابن القاسم صاحب مالك فيما إذا قال أنت علي كظهر أبي وروي ذلك عن جابر بن زيد

والرواية الثانية ليس بظهار وهو قول أكثر العلماء لأنه تشبيه بما ليس بمحل للاستمتاع

أشبه ما لو قال


6

أنت علي كمال زيد وهل فيه كفارة على روايتين

إحداهما فيه كفارة لأنه نوع تحريم

فأشبه ما لو حرم ماله

والثانية ليس فيه شيء نقل ابن القاسم عن أحمد فيمن شبه امرأته بظهر الرجل لا يكون ظهارا ولم أره يلزمه فيه شيء وذلك لأنه تشبيه لامرأته بما ليس بمحل للاستمتاع أشبه التشبيه بمال غيره وقالأبو الخطاب في قوله أنت علي كالميتة والدم إن نوى به الطلاق كان طلاقا وإن نوى الظهار كان ظاهرا وإن نوى اليمين كان يمينا وإن لم ينو شيئا ففيه روايتان

إحداهما هو ظهار

الأخرى هو يمين ولم يتحقق عندي معنى إرادته الظهار واليمين والله أعلم

فصل فإن قال أنت عندي أو مني أو معي كظهر أمي كان ظهارا بمنزلة علي لأن هذه الألفاظ في معناه وإن قال جملتك أو بدنك أو جسمك أو ذاتك أو كلك علي كظهر أمي كان ظهارا لأنه أشار إليها فهو كقوله أنت وإن قال أنت كظهر أمي كان ظهارا لأنه أتى بما يقتضي تحريمها عليه فانصرف الحكم إليه كما لو قال أنت طالق

وقال بعض الشافعية ليس بظهار لأنه فيه ما يدل على أن ذلك في حقه وليس بصحيح فإنها إذا كانت كظهر أمه محرم عليه

فصل وإن قال أنت علي كأمي أو مثل أمي ونوى به الظهار فهو ظهار في قول عامة العلماء منهم أبو حينفة وصاحباه والشافعي وإسحاق وإن نوى به الكرامة والتوقير أو أنها مثلها في الكبر أو الصفة فليس بظهار والقول قوله في نيته وإن أطلق فقال أبو بكر هو صريح في الظهار وهو قول مالك ومحمد بن الحسن وقال ابن أبي موسى فيه روايتان أظهرهما أنه ليس بظهار حتى ينويه وهذا قول أبي حنيفة والشافعي لأن هذا اللفظ يستعمل في الكرامة أكثر مما يستعمل في التحريم فلم ينصرف إليه بغير نية ككنايات الطلاق

ووجه الأول أنه شبه امرأته بجملة أمه فكان مشبها لها بظهرها فيثبت الظهار كما لوا شبهها به منفردا والذي يصح عندي في قياس المذهب أنه إن وجدت قرينة تدل على الظهار مثل أن يخرجه مخرج الحلف فيقول إن فعلت كذا فأنت علي مثل أمي أو قال ذلك حال الخصومة والغضب فهو ظهار لأنه إذا خرج مخرج الحلف فالحلف يراد للامتناع من شيء أو الحث عليه وإنما يحصل ذلك بتحريمها عليه ولأن كونها مثل أمه في صفتها أو كرامتها لا يتعلق على شرط فيدل على أنه إنما أراد الظهار ووقوع ذلك في حال الخصومة والغضب دليل على أنه أراد به ما يتعلق بأذاها ويوجب اجتنابها وهو الظهار وإن عدم هذا فليس بظهار لأنه محتمل لغير الظهار احتمالا كثيرا فلا يتعين الظهار فيه بغير دليل

ونحو هذا قول أبي ثور وهكذا لو قال أنت علي كأمي أو مثل أمي أو قال أنت أمي أو امرأتي أمي مع الدليل الصارف له إلى الظهار كان ظهارا إما بنية أو ما يقوم مقامها وإن قال أمي امرأتي وأو مثل امرأتي لم يكن ظهارا لأنه تشبيه لأمه ووصف لها وليس بوصف لامرأته


7

الفصل الثالث أنه إذا قال أنت علي حرام فإن نوى به الظهار فهو ظهار في قول عامتهم

وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وإن نوى به الطلاق فقد ذكرناه في باب الطلاق ففيه روايتان إحداهما هو ظهار ذكرهالخرقي في موضع آخر ونص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه وذكره إبراهيم الحربي عن عثمان وابن عباس وأبي قلابة وسعيد بن جبير وميمون بن مهران والبتي أنهم قالوا الحرام ظهار وروي عن أحمد ما يدل على أن التحريم يمين وروي عن ابن عباس أنه قال آن التحريم يمين في كتاب الله عز وجل قال الله عز وجل يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك التحريم 1 ثم قال قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم التحريم 2 وأكثر الفقهاء على أن التحريم إذا لم ينو به الظهار ليس بظهار

وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي ووجه ذلك الآية المذكورة وأن التحريم يتنوع منه ما هو بظهار وبحيض وإحرام وصيام فلا يكون التحريم صريحا في واحد منهما ولا ينصرف إليه بغير النية كما لا ينصرف إلى تحريم الطلاق ووجه الأول أنه تحريم أوقعه في امرأته فكان بإطلاقه ظهارا كتشبهها بظهر أمه وقولهم إن التحريم يتنوع قلنا إلا أن تلك الأنواع منتفية ولا يحصل بقوله منها إلا الطلاق وهذا أولى منه لأن الطلاق تبين به المرأة وهذا يحرمها مع بقاء الزوجية فكان أدنى الظهار فهو ظهار وإن قصد أنها محرمة عليه بذلك السبب فلا شيء فيه

فإن أطلق فليس بظهار لأنه يحتمل الخبر عن حالها ويحتمل إنشاء التحريم فيها بالظهار فلا يتعين بغير تعيين

فصل فإن قال الحل علي حرام أو ما أحل الله علي حرام أو ما أنقلب إليه حرام وله امرأة فهو مظاهر نص عليه أحمد في الصور الثلاث

وذلك لأن لفظه يقتضي العموم فيتناول المرأة بعمومه وإن صرح بتحريم المرأة أو نواها فهو آكد قال أحمد فيمن قال ما أحل الله علي حرام من أهل ومال عليه كفارة الظهار هو يمين

وتجزئه كفارة واحدة في ظاهر كلام أحمد هذا واختار ابن عقيل أنه يلزمه كفارتان للظهار ولتحريم المال لأن التحريم تناولهما وكل واحد منهما لو انفرد أوجب كفارة فكذلك إذا اجتمعا

ولنا إنها يمين واحدة فلا توجب كفارتين كما لو تظاهر من امرأتين أو حرك من ماله شيئين وما ذكره ينتقض بهذا وفي قول أحمد هو يمين إشارة إلى التعليل بما ذكرناه لأن اليمين الواحدة لا توجب أكثر من كفارة وإن نوى بقوله ما أحل الله علي حرام وغيره من لفظات العموم المال لم يلزمه إلا كفارة يمين لأن اللفظ العام يجوز استعماله في الخاص وعلى الرواية الأخرى التي تقول إن الحرام بإطلاقه ليس بظهار لا يكون هاهنا مظاهرا إلا أن ينوي الظهار

فصل وإن قال أنت علي كظهر أمي حرام فهو صريح في الظهار لا ينصرف إلى غيره سواء نوى الطلاق أو لم ينوه وليس فيه اختلاف بحمد الله لأنه صرح بالظهار وبينه بقوله حرام وإن قال أنت


8

علي حرام كظهر أمي أو كأمي فكذلك وبه قال أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي

والقول الثاني إذا نوى الطلاق فهو طلاق وهو قول أبي يوسف ومحمد إلا أن أبا يوسف قال لا أقبل قوله في نفي الظهار ووجه قولهم أن قوله أنت علي حرام إذا نوى به الطلاق فهو طلاق وزيادة قوله كظهر أمي بعد ذلك لا ينفي الطلاق كما لو قال أنت طالق كظهر أمي

ولنا إنه أتى بصريح الظهار فلم يكن طلاقا كالتي قبلها وقولهم إن التحريم مع نية الطلاق طلاق لا نسلمه وإن سلمناه لكنه فسر لفظه هاهنا بصريح الظهار بقوله فكان العمل بصريح القول أولى من العمل بالنية

فصل وإن قال أنت طالق كظهر أمي طلقت وسقط كظهر أمي لأنه أتى بصريح الطلاق أولا وجعل قوله كظهر أمي صفة له فإن نوى بقوله كظهر أمي تأكيد الطلاق لم يكن ظهارا كما لو أطلق وإن نوى به الظهار وكان الطلاق بائنا فهو كالظهار من الأجنبية لأنه أتى به بعد بينونتها بالطلاق وإن كان رجعيا كان ظهارا صحيحا ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأنه أبى بلفظ الظهار فيمن هي زوجة

وإن نوى بقوله أنت طالق الظهار لم يكن ظهارا لأنه نوى الظهار بصريح الطلاق وإن قال أنت علي كظهر أمي طالق وقع الظهار والطلاق معا سواء كان الطلاق بائنا أو رجعيا لأن الظهار سبق الطلاق

فصل فإن قال أنت علي حرام ونوى الطلاق والظهار معا كان ظهارا ولم يكن طلاقا لأن اللفظ الواحد لا يكون ظهارا وطلاقا والظهار أولى بهذا اللفظ فينصرف إليه

وقال بعض أصحاب الشافعي يقال له اختر أيهما شئت وقال بعضهم إن قال أردت الطلاق والظهار كان طلاقا لأنه بدأ به وإن قال أردت الظهار والطلاق كان ظهارا لأنه بدأ به فيكون ذلك اختيارا له ويلزمه ما بدأ به

ولنا إنه أتى بلفظة الحرام ينوي بها الظهار فكانت ظهارا كما لو انفرد الظهار بنيته ولا يكون طلاقا لأنه زاحمت نيته الظهار وتعذر الجميع والظهار أولى بهذه اللفظة لأن معناهما واحد وهو التحريم فيجب أن يغلب ما هو الأولى أما الطلاق فإن معناه الإطلاق وهو حل قيد النكاح وإنما التحريم حكم له في بعض أحواله وقد ينفك عنه

فإن الرجعية مطلقة مباحة وأما التخيير فلا يصح لأن هذه اللفظة قد ثبت حكمها حين لفظ بها لكونه أهلا والمحل قابلا ولهذا لو حكمنا بأنه طلاق لكانت عدتها من حين أوقع الطلاق وليس إليه رفع حكم ثبت في المحل واختياره وإبداله بإرادته والقول الآخر مبني على أن له الاختيار وهو فاسد على ما ذكرنا ثم إن الاعتبار بجميع لفظه لا بما بدأ به ولذلك لو قال طلقت هذه أو هذه لم يلزم طلاق الأولى

الفصل الرابع أنه شبه عضوا من امرأته بظهر أمه أو عضوا من أعضائها فهو مظاهر فلو قال فرجك أو ظهرك أو رأسك أو جلدك علي كظهر أمي أو بدنها أو رأسها أو يدها فهو مظاهر وبهذا قالمالك وهو نص الشافعي وعن أحمد رواية أخرى أنه ليس بمظاهر حتى يشبه جملة امرأته لأنه لو حلف بالله لا يمس عضوا منها لم يسر إلى غيره فكذلك المظاهرة ولأن هذا ليس بمنصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص


9

لأنه تشبيه جملتها تشبيه لمحل الاستمتاع بما يتأكد تحريمه لجملتها فيكون آكد وقالأبو حنيفة إن شبهها بما يحرم النظر إليه من الأم كالفرج والفخذ ونحوهما فهو مظاهر وإن لم يحرم النظر إليه كالرأس والوجه لم يكن مظاهرا لأنه شبهها بعضو لا يحرم النظر إليه فلم يكن مظاهرا كما لو شبهها بعضو زوجة له أخرى

ولنا إنه شبهها بعضو من أمه فكان مظاهرا كما لو شبهها بظهرها وفارق الزوجة فإنه لو شبهها بظهرها لم يكن مظاهرا والنظر إن لم يحرم فإن التلذذ يحرم وهو المستفاد بعقد النكاح

فصل وإن قال كشعر أمي أو سنها أو ظفرها أو شبه شيئا من ذلك من امرأته بأمه أو بعضو من أعضائها الثلاثة لم يكن مظاهرا لأنها ليست من أعضاء الأم الثابتة ولا يقع الطلاق بإضافته إليها فكذلك الظهار وكذلك لو قال كزوج أمي فإن الزوج لا يوصف بالتحريم ولا هو محل للاستمتاع وكذلك الريق والعرق والدمع وإن قال وجهي من وجهك حرام فليس بظهار نص عليه أحمد وقال هذا شيء يقوله الناس ليس بشيء وذلك لأن هذا يستعمل كثيرا في غير الظهار ولا يؤدي معنى الظهار فلم يكن ظهارا كما لو قال لا أكلمك

فصل فإن قال أنا مظاهر أو علي الظهار أو علي الحرام أو الحرام لي لازم ولا نية له لم يلزمه شيء لأنه ليس بصريح في الظهار ولا نوى به الظهار وإن نوى به الظهار أو اقترنت به قرينة تدل على إرادته الظهار مثل أن يعلقه على شرط فيقول علي الحرام إن كلمتك احتمل أن يكون ظهارا لأنه أحد نوعي تحريم الزوجة فصح بالكناية مع النية كالطلاق ويحتمل أن لا يثبت به الظهار لأن الشرع إنما ورد به بصريح لفظه وهذا ليس بصريح فيه ولأنه يمين موجبة للكفارة فلم يثبت حكمه بغير الصريح كاليمين بالله تعالى

فصل يكره أن يسمي الرجل امرأته بمن تحرم عليه كأمه أو أخته أو بنته لما روى أبو داود بإسناده عن أبي تميمة الهجيمي أن رجلا قال لامرأته يا أخية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أختك هي فكره ذلك ونهى عنه ولأنه لفظ يشبه لفظ الظهار ولا تحرم بهذا ولا يثبت حكم الظهار فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل له حرمت عليك ولأن هذا اللفظ ليس بصريح في الظهار ولا نواه به فلا يثبت التحريم وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم عليه السلام أرسل إليه جبار فسأله عنها يعني عن سارة فقال إنها أختي ولم يعد ذلك ظهارا

الفصل الخامس أن المظاهر يحرم عليه وطء امرأته قبل أن يكفر

وليس في ذلك اختلاف إذا كانت الكفارة عتقا أو صوما لقول الله تعالى فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا المجادلة 3 وقوله سبحانه فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا المجادلة 4 وأكثر أهل العلم على أن التكفير بالإطعام


10

مثل ذلك وأنه يحرم وطؤها قبل التكفير منهم عطاء والزهري والشافعي وأصحاب الرأي

وذهب أبو ثور إلى إباحة الجماع قبل التكفير بالإطعام وعن أحمد ما يقتضي ذلك لأن الله تعالى لم يمنع المسيس قبله كما في العتق والصيام

ولنا ما روى عكرمة عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني تظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر فقال ما حملك على ذلك يرحمك الله قال رأيت خلخالها في ضوء القمر

قال فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ولأنه مظاهر لم يكفر فحرم عليه جماعها كما لو كانت كفارته العتق أو الصيام وترك النص عليها لا يمنع قياسها على المنصوص الذي في معناها

فصل فأما التلذذ بما دون الجماع من القبلة واللمس والمباشرة فيما دون الفرج ففيه روايتان إحداهما يحرم

وهو اختيار أبي بكر

وهو قول الزهري ومالك والأوزاعي وأبي عبيد وأصحاب الرأي وروي ذلك عن النخعي وهو أحد قولي الشافعي لأن ما حرم الوطء من القول حرم دواعيه كالطلاق والإحرام

والثانية لا تحرم

قال أحمد أرجو أن لا يكون به بأس وهو قول الثوري وإسحاق وأبي حنيفة

وحكي عن مالك وهو القول الثاني للشافعي لأنه وطء يتعلق بتحريمه مال فلم يتجاوزه التحريم كوطء الحائض

فصل ولا يصح الظهار من أمته ولا أم ولده

روي ذلك عن ابن عمر وعبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي وربيعة والأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وروي عن الحسن وعكرمة والنخعي وعمرو بن دينار وسليمان بن يسار والزهري وقتادة والحكم والثوري ومالك في الظهار من الأمة كفارة تامة لأنها مباحة له فصح الظهار منها كالزوجة وعن الحسن والأوزاعي إن كان يطؤها فهو ظهار وإلا فلا لأنه إذا لم يطأها فهو كتحريم ماله

وقال عطاء عليه نصف كفارة حرة لأن الأمة على النصف من الحرة في كثير من أحكامها وهذا من أحكامها فتكون على النصف

ولنا قول الله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم المجادلة 3 فخصهن به لأنه لفظ يتعلق به تحريم الزوجة فلا تحرم به الأمة كالطلاق لأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فنقل حكمه وبقي محله قال أحمد قال أبو قلابة وقتادة إن الظهار كان طلاقا في الجاهلية وروي عن أحمد أن على المظاهر من أمته كفارة ظهار وقال أبو بكر لا يتوجه هذا على مذهبه لأنه لو كانت عليه كفارة ظهار كان ظهارا ولكن عليه كفارة يمين لأنه تحريم لمباح من ماله فكانت فيه كفارة يمين كتحريك سائر ماله

قال نافع حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريته فأمره الله أن يكفر يمينه ويحتمل أن يلزمه شيء بناء على قوله في المرأة إذا قالت لزوجها أنت علي كظهر أبي لا يلزمها شيء وإن


11

قال لأمته أنت علي حرام فعليه كفارة يمين لقول الله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك التحريم 1 إلى قوله تعالى قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم التحريم 2 نزلت في تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لجاريته في قول بعضهم

ويخرج على الرواية الأخرى أن تلزمه كفارة ظهار لأن التحريم ظهار والأول هو الصحيح إن شاء الله تعالى

فصل ويصح الظهار مؤقتا مثل أن يقول أنت علي كظهر أمي شهرا أو حتى ينسلخ شهر رمضان

فإذا مضى الوقت زال الظهار وحلت المرأة بلا كفارة ولا يكون عائدا بالوطء في المدة وهذا قول ابن عباس وعطاء وقتادة والثوري وإسحاق وأبي ثور وأحد قولي الشافعي

وقوله الآخر لا يكون ظهارا وبه قال ابن أبي ليلى والليث لأن الشرع ورد بلفظ الظهار مطلقا وهذا لم يطلق

فأشبه ما لو شبهها بمن تحرم عليه في وقت دون وقت وقال طاوس إذا ظاهر في وقت فعليه الكفارة وإن بر وقال مالك يسقط التأقيت ويكون ظهارا مطلقا لأن هذا لفظ يوجب تحريم الزوجة فإذا وقته لم يتوقت كالطلاق

ولنا حديث سلمة بن صخر وقوله تظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أصابها في الشهر فأمره بالكفارة ولم يعتبر عليه تقييده ولأنه منع نفسه منها بيمين لها كفارة فصح مؤقتا كالإيلاء وفارق الطلاق فإنه يزيل الملك وهو يوقع تحريما يرفعه التكفير فجاز تأقيته ولا ينصح قول من أوجب الكفارة وإن بر لأن الله تعالى إنما أوجب الكفارة على الذين يعودون لما قالوا ومن بر وترك العود في الوقت الذي ظاهر فلم يعد لما قال فلا تجب عليه الكفارة وفارق التشبيه بمن لا تحرم عليه على التأبيد لأن تحريمها غير كامل وهذه حرمها في هذه المدة تحريما مشبها بتحريم ظهر أمه على أننا نمنع الحكم فيها

إذا ثبت هذا فإنه لا يكون عائدا إلا بالوطء في المدة وهذا هو المنصوص عن الشافعي وقال بعض أصحابه إن لم يطلقها عقيب الظهار فهو عائد عليه بالكفارة وقال أبو عبيد إذا أجمع على غشيانها في الوقت لزمته الكفارة وإلا فلا لأن العود العزم على الوطء

ولنا حديث سلمة بن صخر وأنه لم يوجب عليه الكفارة إلا بالوطء ولأنها يمين لم يحنث فيها فلا يلزمه كفارتها كاليمين بالله تعالى ولأن المظاهر في وقت عازم على إمساك زوجته في ذلك الوقت فمن أوجب عليه الكفارة بذلك كان قوله كقول طاوس فلا معنى لقوله يصح الظهار مؤقتا لعدم تأثير الوقت

فصل ويصح تعليق الظهار بالشروط نحو أن يقول إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي وإن شاء زيد فأنت علي كظهر أمي فمتى شاء زيد أو دخلت الدار صار مظاهرا وإلا فلا وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي لأنه يمين فجاز تعليقه على شرط الإيلاء

ولأن أصل الظهار أنه كان طلاقا والطلاق يصح تعليقه بالشرط فكذلك الظهار ولأنه قول تحرم به الزوجة فصح تعليقه على شرط كالطلاق ولو قال لامرأته إن تظاهرت من امرأتي الأخرى فأنت علي كظهر أمي ثم تظاهر من الأخرى صار مظاهرا منهما جميعا

وإن قال إن تظاهرت من فلانة الأجنبية فأنت علي كظهر أمي ثم قال للأجنبية أنت علي كظهر أمي صار مظاهرا


12

من امرأته عند من يرى الظهار من الأجنبية ومن لا فلا وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى

فصل فإن قال أنت علي كظهر أمي إن شاء الله لم ينعقد ظهاره

نص عليه أحمد فقال إذا قال لامرأته عليه كظهر أمه إن شاء الله تعالى فليس عليه شيء هي يمين

وإذا قال ما أحل الله علي حرام إن شاء الله وله أهل هي يمين ليس عليه شيء

وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم وذلك لأنها يمين مكفرة فصح الاستثناء فيها كاليمين بالله تعالى أو كتحريم ماله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وفي لفظ من حلف فاستثنى فإن شاء فعل وإن شاء رجع غير حنث رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وإن قال أنت علي حرام ووالله لا أكلمك إن شاء الله عاد الاستثناء إليهما في أحد الوجهين لأن الاستثناء إذا تعقب جملا عاد إلى جميعها إلا أن ينوي الاستثناء في بعضها فيعود إليه وحده وإن قال أنت علي حرام إذا شاء الله أو إلا ما شاء الله أو إلى أن يشاء أو ما شاء الله

فكله استثناء يرفع حكم الظهار

وإن قال إن شاء الله فأنت حرام فهو استثناء برفع حكم الظهار

لأن الشرط إذا تقدم يجاب بالفاء وإن قال إن شاء الله أنت حرام فهو استثناء لأن الفاء مقدرة وإن قال إن شاء الله فأنت حرام صح أيضا والفاء زائدة وإن قال أنت حرام إن شاء الله وشاء زيد فشاء زيد لم يصر مظاهرا لأنه علقه على مشيئتين فلا يحصل بإحداهما

مسألة

قال ( فإن مات أو ماتت أو طلقها لم تلزمه الكفارة

فإن عاد فتزوجها لم يطأها حتى يكفر لأن الحنث بالعود وهو الوطء لأن الله عز وجل أوجب الكفارة على المظاهر قبل الحنث ) الكلام في هذه المسألة في ثلاثة فصول أحدها أن الكفارة لا تجب بمجرد الظهار فلو مات أحدهما أو فارقها قبل العود فلا كفارة عليه

وهذا قول عطاء والنخعي والأوزاعي والحسن والثوري ومالك وأبو عبيد وأصحاب الرأي وقال طاوس ومجاهد والشعبي والزهري وقتادة عليه الكفارة بمجرد الظهار لأنه سبب للكفارة وقد وجد ولأن الكفارة وجبت لقول المنكر والزور وهذا يحصل بمجرد الظهار وقال الشافعي متى أمسكها بعد ظهاره زمنا يمكنه طلاقها فيه فلم يطلقها فعليه الكفارة لأن ذلك هو العود عنده

ولنا قول الله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة المجادلة 3 فأوجب الكفارة بأمرين ظهار وعود فلا تثبت بأحدهما ولأن الكفارة في الظهار كفارة يمين فلا يحنث بغير الحنث كسائر الأيمان والحنث فيها هو العود وذلك فعل ما حلف على تركه وهو الجماع وترك طلاقها ليس بحنث فيها ولا فعل لما حلف على تركه فلا تجب به الكفارة ولأنه لو كان الإمساك عودا لوجبت الكفارة على المظاهر الموقف وإن


13

بر وقد نص الشافعي على أنها لا تجب عليه

إذا ثبت هذا فإنه لا كفارة عليه إذا مات أحدهما قبل وطئها وكذلك إن فارقها سواء كان ذلك متراخيا عن يمينه أو عقيبه وأيهما مات ورثه صاحبه في قول الجمهور وقال قتادة إن ماتت لم يرثها حتى يكفر

ولنا إن من ورثها إذا كفر ورثها وإن كالمولي لم يكفر منها

الفصل الثاني أنه إذا طلق من ظاهر منها ثم تزوجها لم يحل له وطؤها حتى يكفر سواء كان الطلاق ثلاثا أو أقل منه وسواء رجعت إليه بعد زوج آخر أو قبله نص عليه أحمد وهو قول عطاء والحسن والزهري والنخعي ومالك وأبي عبيد وقال قتادة إذا بانت سقط الظهار فإذا عاد فنكحها فلا كفارة عليه وللشافعي قولان كالمذهبين

وقول ثالث إن كانت البينونة بالثلاث لم يعد الظهار إلا عاد وبناه على الأقاويل في عود صفة الطلاق في النكاح الثاني

ولنا عموم قول الله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا المجادلة 3 وهذا قد ظاهر من امرأته فلا يحل أن يتماسا حتى يكفر ولأنه ظاهر من امرأته فلا يحل له مسها قبل التكفير كالتي لم يطلقها ولأن الظهار يمين مكفرة فلم يبطل حكمها بالطلاق كالإيلاء

الفصل الثالث أن العود هو الوطء فمتى وطىء فلزمته الكفارة ولا تجب قبل ذلك إلا أنها شرط لحل الوطء فيؤمر بها من أراده ليستحله بها كما يؤمر بعقد النكاح من أراد حل المرأة

وحكي نحو ذلك عن الحسن والزهري وهو قولأبي حنيفة إلا أنه لا يوجب الكفارة على من وطىء وهي عنده في حق من وطىء كمن لا يطأ

وقال القاضي وأصحابه العود العزم على الوطء إلا أنهم لم يوجبوا الكفارة على العازم على الوطء إذا مات أحدهما أو طلق قبل الوطء إلا أبا الخطاب فإنه قال إذا مات بعد العزم أو طلق فعليه الكفارة وهذا قول مالك وأبي عبيد وقد أنكر أحمد هذا فقال مالك يقول إذا أجمع لزمته الكفارة فكيف يكون هذا لو طلقها بعد ما يجمع كان عليه كفارة إلا أن يكون يذهب إلى قول طاوس إذا تكلم بالظهار لزمه مثل الطلاق ولم يعجب أحمد قول طاوس

وقال أحمد في قوله تعالى ثم يعودون لما قالوا المجادلة 3 قال العود الغشيان إذا أراد أن يغشى كفر واحتج من ذهب إلى هذا بقوله تعالى ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا المجادلة 3 فأوجب الكفارة بعد العود قبل التماس وما حرم قبل الكفارة لا يجوز كونه متقدما عليها ولأنه قصد بالظهار تحريمها فالعزم على


14

وطئها عود فيما قصد ولأن الظهار تحريم فإذا أراد استباحتها فقد رجع في ذلك التحريم فكان عائدا

وقال الشافعي العود إمساكها بعد ظهاره زمنا يمكنه طلاقها فيه لأن ظهاره منها يقتضي إبانتها فإمساكها عود فيما قال وقال داود العود تكرار الظهار مرة ثانية لأن العود في الشيء إعادته

ولنا إن العود فعل ضد قوله ومنه العائد في هبته هو الراجع في الموهوب والعائد في عدته التارك للوفاء بما وعد والعائد فيما نهي عنه فاعل المنهي عنه قال الله تعالى ثم يعودون لما نهوا عنه فالمظاهر محرم للوطء على نفسه ومانع لها منه

فالعود فعله وقولهم إن العود يتقدم التكفير والوطء يتأخر عنه

قلنا المراد بقوله ثم يعودون المجادلة 8 أي يريدون العود كقول الله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة المائدة 6 أي أردتم ذلك وقوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله النحل 98 فإن قيل فهذا تأويل ثم هو رجوع إلى إيجاب الكفارة بالعزم المجرد قلنا دليل التأويل ما ذكرنا

وأما الآمر بالكفارة عند العزم فإنما أمر بها شرطا للحل كالأمر بالطهارة لمن أراد صلاة النافلة والأمر بالنية لمن أراد الصيام فأما الإمساك فليس بعود لأنه ليس بعود في الظهار المؤقت فكذلك في المطلق ولأن العود فعل ضد ما قاله والإمساك ليس بضد له وقولهم إن الظهار يقتضي إبانتها لا يصح وإنما يقتضي تحريمها واجتنابها ولذلك صح توقيته ولأنه قال ثم يعودون لما قالوا وثم للتراخي والإمساك غير متراخ

وأما قول داود فلا يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أوسا وسلمة بن صخر بالكفارة من غير إعادة اللفظ ولأن العود إنما هو في مقوله دون قوله كالعود في الهبة والعدة والعود لما نهي عنه ويدل على إبطال هذه الأقوال كلها أن الظهار يمين مكفرة فلا تجب الكفارة إلا بالحنث فيها وهو فعل ما حلف على تركه كسائر الأيمان وتجب الكفارة بذلك كسائر الأيمان ولأنه يمين تقتضي ترك الوطء فلا تجب كفارتها إلا به كالإيلاء

مسألة

قال ( وإذا قال لامرأة أجنبية أنت علي كظهر أمي لم يطأها إن تزوجها حتى يأتي بالكفارة ) وجملته أن الظهار من الأجنبية يصح سواء قال ذلك لامرأة بعينها أو قال كل النساء علي كظهر أمي وسواء أوقعه مطلقا أو علقه على التزويج فقال كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي ومتى تزوج التي ظاهر منها لم يطأها حتى يكفر

يروى نحو هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه

وبه قال سعيد بن المسيب وعروة وعطاء والحسن ومالك وإسحاق ويحتمل أن لا يثبت حكم الظهار قبل التزويج وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي ويروى ذلك عن ابن عباس لقول الله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم المجادلة 3 والأجنبية ليست من نسائه ولأن الظهار يمين ورد الشرع بحكمها مقيدا بنسائه فلم يثبت حكمها في الأجنبية كالإيلاء فإن الله تعالى قال والذين يظاهرون من نسائهم المجادلة 3 كما قال للذين يؤلون من نسائهم البقرة 226


15

ولأنها ليست بزوجة فلم يصح الظهار منها كأمته ولأنه حرم محرمة فلم يلزمه شيء كما لو قال أنت حرام ولأنه نوع تحريم فلم يتقدم النكاح كالطلاق

ولنا ما روى الإمام أحمد بإسناده عن عمر بن الخطاب أنه قال في رجل قال إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي فتزوجها قال عليه كفارة الظهار ولأنها يمين مكفرة فصح انعقادها قبل النكاح كاليمين بالله تعالى

أما الآية فإن التخصيص خرج مخرج الغالب فإن الغالب أن الإنسان إنما يظاهر من نسائه فلا يوجب تخصيص الحكم بهن كما أن تخصيص الربيبة التي في حجره بالذكر لم يوجب اختصاصها بالتحريم وأما الإيلاء فإنما اختص حكمه بنسائه لكونه يقصد الإضرار بهن دون غيرهن والكفارة وجبت هاهنا لقول المنكر والزور ولا يختص ذلك بنسائه ويفارق الظهار الطلاق من وجهين

أحدهما أن الطلاق حل قيد النكاح ولا يمكن حله قبل عقده والظهار تحريم للوطء فيجوز تقديمه على العقد كالحيض

الثاني أن الطلاق يرفع العقد فلم يجز أن يسبقه وهذا لا يرفعه وإنما تتعلق الإباحة على شرط فجاز تقدمه

وأما الظهار من الأمة فقد انعقد يمينا وجبت به الكفارة ولم تجب كفارة الظهار لأنها ليست امرأة له حال التكفير بخلاف مسألتنا

فصل وإذا قال كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي ثم تزوج نساء وأراد العود فعليه كفارة واحدة سواء تزوجهن في عقد أو في عقود متفرقة نص عليه أحمد وهو وقول عروة وإسحاق لأنها يمين واحد فكفارتها واحدة كما لو ظاهر من أربع نساء بكلمة واحدة وعنه أن لكل عقد كفارة فلو تزوج اثنتين في عقد وأراد العود فعليه كفارة واحدة ثم إذا تزوج أخرى وأراد العود فعليه كفارة أخرى وروي ذلك عن إسحاق لأن المرأة الثالثة وجد العقد عليها الذي يثبت به الظهار وأراد العود إليها بعد التكفير عن الأولتين فكانت عليه لها كفارة كما لو ظاهر منها ابتداء ولو قال قال لأجنبية أنت علي كظهر أمي وقال أردت أنها مثلها في التحريم في الحال دين في ذلك وهل يقبل في الحكم يحتمل وجهين

أحدهما لا يقبل لأنه صريح للظهار فلا يقبل صرفه إلى غيره والثاني يقبل لأنها حرام عليه كما أن أمه حرام عليه

مسألة

قال ( ولو قال أنت علي حرام وأراد في تلك الحال لم يكن عليه شيء وإن تزوجها لأنه صادق وإن أراد في كل حال لم يطأها إن تزوجها حتى يأتي بكفارة الظهار ) أما إذا أراد بقوله لها أنت علي حرام الإخبار عن حرمتها في الحال فلا شيء عليه لأنه صادق لكونه وصفها بصفتها ولم يقل منكرا ولا زورا وكذلك لو أطلق هذا القول ولم يكن له نية فلا شيء عليه لذلك وإن أراد تحريمها في كل حال فهو ظهار لأن لفظة الحرام إذا أريد بها بالظهار ظهار في الزوجة فكذلك في الأجنبية فصار كقوله أنت علي كظهر أمي


16

مسألة

قال ( ولو ظاهر من زوجته وهي أمة فلم يكفر حتى ملكها انفسخ النكاح ولم يطأها حتى يكفر ) وجملته أن الظهار يصح من كل زوجة كانت أمة أو حرة فإذا ظاهر من زوجته الأمة ثم ملكها انفسخ النكاح واختلف أصحابنا في بقاء حكم الظهار فذكر الخرقي هاهنا أنه باق ولا يحل له الوطء حتى يكفر وبه يقول مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي ونص عليه الشافعي وقال القاضي المذهب ما ذكر الخرقي وهو قول أبي عبد الله بن حامد لقول الله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا المجادلة 3 وهذا قد ظاهر من امرأته فلم يحل له مسها حتى يكفر ولأن الظهار قد صح فيها وحكمه لا يسقط بالطلاق المزيل للملك والحل فبملك اليمين أولى ولأنها يمين انعقدت موجبة لكفارة فوجبت دون غيرها كسائر الأيمان وقال أبو بكر عبد بن العزيز يسقط الظهار بملكه لها وإن وطئها حنث وعليه كفارة يمين كما لو تظاهر منها وهي أمته لأنها خرجت عن الزوجات وصار وطؤه لها بملك اليمين فلم يكن موجبا لكفارة الظهار كما لو تظاهر منها وهي أمته ويقتضي قول أبي بكر هذا أن تباح قبل التكفير لأنه أسقط الظهار وجعله يمينا كتحريم أمته فإن أعتقها من كفارته صح على القولين فإن تزوجها بعد ذلك حلت له بغير كفارة لأنه كفر عن ظهاره بإعتاقها ولا يمتنع إجزاؤها عن الكفارة التي وجبت بسببها كما لو قال إن ملكت أمة فلله علي عتق رقبة فملك أمة فأعتقها وإن أعتقها عن غير الكفارة ثم تزوجها عاد حكم الظهار ولم تحل له حتى يكفر

مسألة

قال ( ولو تظاهر من أربع نسائه بكلمة واحدة لم يكن عليه أكثر من كفارة ) وجملته أنه إذا ظاهر من نسائه الأربع بلفظ واحد فقال أنتن علي كظهر أمي فليس عليه أكثر من كفارة بغير خلاف في المذهب وهو قول علي وعمر وعروة وطاوس وعطاء وربيعة ومالك والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور والشافعي في القديم وقال الحسن والنخعي والزهري ويحيى الأنصاري والحكم والثوري وأصحاب الرأي والشافعي في الجديد عليه لكل امرأة كفارة لأنه وجب الظهار والعود في حق كل امرأة منهن فوجب عليه عن كل واحدة كفارة كما لو أفردها به

ولنا عموم قول عمر وعلي رضي الله عنهما رواه عنهما الأثرم ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفا فكان إجماعا ولأن الظهار كلمة تجب بمخالفتها الكفارة فإذا وجدت في جماعة أوجبت كفارة واحدة كاليمين بالله تعالى وفارق إذا ما ظاهر منها بكلمات فإن كل كلمة تقتضي كفارة ترفعها وتكفر إثمها وهاهنا الكلمة واحدة فالكفارة الواحدة ترفع حكمها وتمحو إثمها فلا يبقى لها حكم

فصل ومفهوم كلام الخرقي أنه إذا ظاهر منهن بكلمات فقال لكل واحدة أنت علي كظهر أمي فإن لكل يمين كفارة وهذا قول عروة وعطاء قال أبو عبد الله بن حامد المذهب رواية واحدة في هذا قال القاضي المذهب عندي ما ذكر الشيخ أبو عبد الله قال أبو بكر فيه رواية أخرى أنه يجزئه كفارة


17

واحدة واختار ذلك وقال هذا الذي قلناه اتباعا لعمر بن الخطاب والحسن وعطاء وإبراهيم وربيعة وقبيصة وإسحاق لأن كفارة الظهار حق لله تعالى فلم تتكرر بتكرر سببها كالحد وعليه يخرج الطلاق

ولنا إنها أيمان متكررة على أعيان متفرقة فكان لكل واحدة كفارة كما لو كفر ثم ظاهر ولأنها أيمان لا يحنث في إحداها بالحنث في الأخرى فلا تكفرها كفارة واحدة كالأصل ولأن الظهار معنى يوجب الكفارة فتتعدد الكفارة بتعدده في المحال المختلفة كالقتل ويفارق الحد فإن عقوبة تدرأ بالشبهات فأما إن ظاهر من زوجته مرارا ولم يكفر فكفارة واحدة لأن الحنث واحدة فوجبت كفارة واحدة كما لو كانت اليمين واحدة

فصل إذا ظاهر من امرأة ثم قال لأخرى أشركتك معها أو أنت شريكتها أو كهي ونوى المظاهرة من الثانية صار مظاهرا منها بغير خلاف علمناه وبه يقول مالك والشافعي وإن أطلق صار مظاهرا أيضا إذا كان عقيب مظاهرته من الأولى ذكره أبو بكر وبه قال مالك قال أبو الخطاب ويحتمل أن لا يكون مظاهرا وبه قال الشافعي لأنه ليس بصريح في الظهار ولا نوى به الظهار فلم يكن ظهارا كما لو قال ذلك قبل أن يظاهر من الأولى لأنه يحتمل أنها شريكتها في دينها أو في الخصومة أو في النكاح أو سوء الخلق فلم تخصص بالظهار إلا بالنية كسائر الكنايات

ولنا إن الشركة والتشبيه لا بد أن يكون في شيء فوجب تعليقه بالمذكور معه كجواب السؤال فيما إذا قيل له ألك امرأة فقال قد طلقتها كالعطف مع المعطوف عليه والصفة مع الموصوف وقولهم إنه كناية لم ينو بها الظهار قلنا قد وجد دليل النية فيكتفي بها وقولهم إنه يحتمل قلنا ما ذكرنا من القرينة يزيل الاحتمال وإن بقي احتمال ما كان مرجوحا فلا يلتفت إليه كالاحتمال في اللفظ الصريح

مسألة

قال ( والكفارة عتق رقبة مؤمنة سالمة من العيوب المضرة بالعمل ) في هذه المسألة ثلاث مسائل

الأولى أن كفارة المظاهر القادر على الإعتاق عتق رقبة لا يجزئه غير ذلك بغير خلاف علمناه بين أهل العلم والأصل في ذلك قول الله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا المجادلة 3 إلى قوله فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا المجادلة 3 إلى قوله فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا المجادلة 4 وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأوس بن الصامت حين ظاهر من امرأته يعتق رقبة

قلت لا يجد قال فيصوم وقوله لسلمة بن صخر مثل ذلك فمن وجد رقبة يستغني عنها أو وجد ثمنها فاضلا عن حاجته ووجدها به لم يجزئه إلا الإعتاق لأن وجود المبدل إذا منع الانتقال إلى البدل كانت القدرة على ثمنه تمنع الانتقال كالماء وثمنه يمنع الانتقال إلى التيمم

المسألة الثانية أنه لا يجزئه إلا عتق رقبة مؤمنة في كفارة الظهار وسائر الكفارات

هذا


18

ظاهر المذهب

وهو قول الحسن ومالك والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وعن أحمد رواية ثانية أنه يجزىء فيما عدا كفارة القتل من الظهار وغيره عتق رقبة ذمية

وهو قول عطاء والنخعي والثوري وأبي ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر لأن الله تعالى أطلق الرقبة في هذه الكفارة فوجب أن يجزىء ما تناوله الإطلاق

ولنا ما روى معاوية بن الحكم قال كانت لي جارية فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت علي رقبة أفأعتقها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله فقالت في السماء فقال من أنا فقالت أنت رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم أعتقها فإنها مؤمنة أخرجه مسلم والنسائي فعلل جواز إعتاقها عن الرقبة التي عليه بأنها مؤمنة فدل على أنه لا يجزىء عن الرقبة التي عليه إلا مؤمنة ولأنه تكفير بعتق فلم يجز إلا مؤمنة ككفارة القتل والمطلق يحمل على المقيد من جهة القياس إذا وجد المعنى فيه ولا بد من تقييده فإنا أجمعنا على أنه لا يجزىء إلا رقبة سليمة من العيوب المضرة بالعمل ضررا بينا فالتقيد بالسلامة من الكفر أولى

المسألة الثالثة أنه لا يجزئه إلا رقبة سالمة من العيوب المضرة بالعمل ضررا بينا لأن المقصود تمليك منافعه ويمكنه من التصرف لنفسه ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضررا بينا فلا يجزىء الأعمى لأنه لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع ولا المقعد ولا المقطوع اليدين أو الرجلين لأن اليدين آلة البطش فلا يمكنه العمل مع فقدهما والرجلان آلة المشي فلا يتهيأ له كثير من العمل مع تلفهما والشلل كالقطع في هذا ولا يجزىء المجنون جنونا مطبقا لأنه وجد فيه المعنيان ذهاب منفعة الجنس وحصول الضرر بالعمل

وبهذا كله قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وحكي عن داود أنه جوز كل رقبة يقع عليها الاسم أخذا بإطلاق اللفظ

ولنا إن هذا نوع كفارة فلم يجزىء ما يقع عليه الاسم كالإطعام فإنه لا يجزىء أن يطعم مسوسا ولا عفنا وإن كان يسمى طعاما والآية مقيدة بما ذكرناه

فصل ولا يجزىء مقطوع اليد أو الرجل ولا أشلها ولا مقطوع إبهام اليد أو سبابتها أو الوسطى لأن نفع اليد يذهب بذهاب هؤلاء ولا يجزىء مقطوع الخنصر والبنصر من يد واحدة لأن نفع اليدين يزول أكثره بذلك وإن قطعت كل واحدة من يد جاز لأن نفع الكفين باق وقطع أنملة الإبهام كقطع جميعها فإن نفعها يذهب بذلك لكونها أنملتين

وإن كان من غير الإبهام لم يمنع لأن منفعتها لا تذهب فإنها تصير كالأصابع القصار حتى لو كانت أصابعه كلها غير الإبهام قد قطعت من كل واحدة منها أنملة لم يمنع وإن قطع من الأصبع أنملتان فهو كقطعها لأنه يذهب بمنفعتها وهذا جميعه مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة يجزىء مقطوع إحدى اليدين أو إحدى الرجلين ولو قطعت يده ورجله جميعا من خلاف أجزأت لأن منفعة الجنس باقية فأجزأت في الكفارة كالأعور

فأما إن قطعتا من وفاق أي من جانب واحد لم يجزىء لأن منفعة الشيء تذهب


19

ولنا إن هذا يؤثر في العمل ويضر ضررا بينا فوجب أن يمنع إجزاؤها كما لو قطعتا من وفاق ويخالف العور فإنه لا يضر ضررا بينا والاعتبار بالضرر أولى من الاعتبار بمنفعة الجنس فإنه لو ذهب شمه أو قطعت أذناه معا أجزأ مع ذهاب منفعة الجنس

ولا يجزىء الأعرج إذا كان عرجا كثيرا لا يمنع الأخرى لأنه قليل الضرر

فصل ويجزىء الأعور في قولهم جميعا وقال أبو بكر فيه قول آخر لا يجزىء لأنه نقص يمنع التضحية والإجزاء في الهدي فأشبه العمى والصحيح ما ذكرناه

فإن المقصود تكميل الأحكام وتمليك العبد المنافع والعور لا يمنع ذلك ولأنه لا يضر بالعمل فأشبه قطع إحدى الأذنين

ويفارق العمى فإنه يضر بالعمل ضررا بينا ويمنع كثيرا من الصنائع ويذهب بمنفعة الجنس ويفارق قطع إحدى اليدين والرجلين فإنه لا يعمل بإحداهما ما يعمل بهما والأعور يدرك بإحدى العينين ما يدرك بهما وأما الأضحية والهدي فإنه لا يمنع منهما مجرد العور وإنما يمنع انخساف العين وذهاب العضو المستطاب ولأن الأضحية يمنع فيها قطع الأذن والقرن والعتق لا يمنع فيه إلا ما يضر بالعمل ويجزىء المقطوع الأذنين وبذلك قال أبو حنيفة والشافعي

وقال مالك وزفر لا يجزىء لأنهما عضوان فيهما الدية أشبها اليدين

ولنا إن قطعهما لا يضر بالعمل الضر البين فلم يمنع كنقص السمع بخلاف قطع اليدين

ويجزىء مقطوع الأنف لذلك ويجزىء الأصم إذا فهم بالإشارة ويجزىء الأخرس إذا فهمت إشارته وفهم بالإشارة

وهذا مذهبالشافعي وأبي ثور وقال أصحاب الرأي لا يجزىء لأن منفعة الجنس ذاهبة

فأشبه زائل العقل وهذا المنصوص عليه عن أحمد لأن الخرس نقص كثير يمنع كثيرا من الأحكام مثل القضاء والشهادة وأكثر الناس لا يفهم إشارته فيتضرر في ترك استعماله وإن اجتمع الخرس والصمم فقال القاضي لا يجزىء وهو قول بعض الشافعية لاجتماع النقيضين فيه وذهاب منفعتي الجنس ووجه الأجزاء أن الإشارة تقوم مقام الكلام في الأفهام ويثبت في حقه أكثر الأحكام فيجزىء في العتق كالذي ذهب شمه فأما الذي ذهب شمه فيجزىء لأنه لا يضر بالعمل ولا بغيره

فأما المريض فإن كان مرجو البر كالحمى وما أشبهها أجزأ في الكفارة وإن كان غير مرجو الزوال كالسل ونحوه لم يجزىء لأن زواله يندر ولا يتمكن من العمل مع بقائه وأما نضو الخلق فإن كان يتمكن معه من العمل أجزأ وإلا فلا ويجزىء الأحمق وهو الذي يخطىء على بصير ويصنع الأشياء لغير فائدة ويرى الخطأ صوابا ومن يخنق في الأحيان

والخصي والمجبوب والرتقاء والكبير الذي يقدر على العمل لأن ما لا يضر بالعمل لا يمنع تمليك العبد منافعه وتكميل أحكامه فيحصل الإجزاء به كالسالم من العيوب

فصل ويجزىء عتق الجاني والمرهون وعتق المفلس عبده إذا قلنا بصحة عتقهم وعتق المدبر وولد الزنا لكمال العتق فيهم

فصل لا يجزىء عتق المغصوب لأنه لا يقدر على تمكينه من منافعه ولا غائب غيبة


20

منقطعة لا يعلم خبره أجزأ لأنه يعلم حياته فلا يعلم صحة عتقه وإن لم ينقطع خبره أجزأ عتقه لأنه عتق صحيح ولا يجزىء عتق الحمل لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا ولذلك لم تجب فطرته ولا يتيقن أيضا وجوده وحياته ولا عتق أم الولد لأن عتقها مستحق بسبب غير الكفارة والملك فيها غير كامل ولذا لا يجوز بيعها وقال طاوس والبتي يجزىء عتقها لأنه عتق صحيح ولا يجزىء عتق مكاتب أدى من كتابته شيئا وسنذكر هذا في الكفارات إن شاء الله تعالى

مسألة

قال ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) أجمع أهل العلم على أن الظاهر إذا لم يجد رقبة أن فرضه صيام شهرين متتابعين وذلك لقول الله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا المجادلة 4 وحديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر وأجمعوا على أن من وجد رقبة فاضلة عن حاجته فليس له الانتقال إلى الصيام وإن كانت له رقبة يحتاج إلى خدمتها لزمن أو كبر أو مرض أو عظم خلق ونحوه مما يعجزه عن خدمة نفسه أو يكون ممن لا يخدم نفسه في العادة ولا يجد رقبة فاضلة عن خدمته فليس عليه الإعتاق وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي متى وجد رقبة لزمه إعتاقها ولم يجز له الانتقال إلى الصيام سواء كان محتاجا إليها أو لم يكن لأن الله تعالى شرط في الانتقال إلى الصيام أن لا يجد رقبة بقوله فمن لم يجد المجادلة 4 وهذا واجد وإن وجد ثمنها وهو محتاج إليه لم يلزمه شراؤها وبه قال أبو حنيفة وقال مالك يلزمه لأن وجدان ثمنها كوجدانها

ولنا إن ما استغرقت حاجة الإنسان فهو كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل كمن وجد ماء يحتاج إليه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمم

وإن كان له خدم وهو ممن يخدم نفسه عادة لزمه إعتاقها لأنه فاضل عن حاجته بخلاف من لم تجر عادته بخدمة نفسه فإن عليه مشقة في إعتاق خادمه وتضييعا لكثير من حوائجه وإن كان له خادم يخدم امرأته وهي ممن عليه إخدامها أو كان له رقيق يتقوت بخراجهم أو دار يسكنها أو عقار يحتاج إلى غلته لمؤنته أوعرض للتجارة لا يستغني عن ربحه في مؤنته لم يلزمه العتق وإن استغنى عن شيء من ذلك مما يمكنه أن يشتري به رقبة لزمه لأنه واجد للرقبة وإن كانت له رقبة تخدمه يمكنه بيعه وشراء رقبتين بثمنها يستغني بخدمة إحداهما ويعتق الأخرى لزمه لأنه لا ضرر في ذلك

وهكذا لو كانت له ثياب فاخرة تزيد على ملابس مثله يمكنه بيعها وشراء ما يكفيه في لباسه ورقبة لزمه ذلك وإن كانت له دار يمكنه بيعها وشراء ما يكفيه لسكنى مثله ورقبة أو ضيعة يفضل منها عن كفايته ما يمكنه شراء رقبة لزمه ويراعى في ذلك الكفاية التي يحرم معها أخذ الزكاة فإذا فضل عن ذلك شيء وجبت فيه الكفارة

ومذهب الشافعي في هذا الفصل جميعه على نحو ما قلنا وإن كانت له سرية لم يلزمها إعتاقها لأنه يحتاج إليها وإن أمكنه بيعها وشراء سرية أخرى ورقبة يعتقها لم يلزمه ذلك لأن الفرض قد يتعلق بعينها فلا يقوم غيرها مقامها سيما إذا كان بدون ثمنها


21

فصل فإن كان موسرا حين وجوب الكفارة إلا أن ماله غائب فإن كان مرجو الحضور قريبا لم يجز الانتقال إلى الصيام لأن ذلك بمنزلة الانتظار لشراء الرقبة وإن كان بعيدا لم يجز الانتقال إلى الصيام في غير كفارة الظهار لأنه لا ضرر في الانتظار وهل يجوز ذلك في كفارة الظهار فيه وجهان أحدهما لا يجوز لوجود الأصل في ماله فأشبه سائر الكفارات

والثاني يجوز لأنه يحرم عليه المسيس فجاز له الانتقال لموضع الحاجة فإن قيل فلو عدم الماء وثمنه جاز له الانتقال إلى التيمم وإن كان قادرا عليهما في بلده

قلنا ة تجب لأجل الصلاة وليس له تأخيرها عن وقتها فدعت الحاجة إلى الانتقال بخلاف مسألتنا

ولأننا لو منعناه من التيمم لوجود القدرة في بلده بطلت رخصة التيمم فإن كل أحد يقدر على ذلك

فصل وإن وجد ثمن الرقبة ولم يجد رقبة يشتريها فله الانتقال إلى الصيام كما لو وجد ثمن الماء ولم يجد ما يشتريه وإن وجد رقبة تباع بزيادة على ثمن المثل تجحف بماله لم يلزم شراؤها

لأن فيه ضررا وإن كانت لا تجحف بماله احتمل وجهين أحدهما يلزمه لأنه قادر على الرقبة بثمن يقدر عليه لا يجحف به فأشبه ما لو بيعت بثمن مثلها

الثاني لا يلزمه لأنه لم يجد رقبة بثمن مثلها أشبه العادم وأصل الوجهين العادم للماء إذا وجده بزيادة على ثمن مثله فإن وجد رقبته بثمن مثلها إلا رقبة رفيعة يمكن أن يشتري بثمنها رقابا من غير جنسها لزمه شراؤها لأنها بثمن مثلها ولايعد شراؤها بذلك الثمن ضررا وإنما الضرر في إعتاقها وذلك لا يمنع الوجوب كما لو كان مالكا لها

مسألة

قال ( فإن أفطر فيها من عذر بنى وإن أفطر من غير عذر ابتدأ ) أجمع أهل العلم على وجوب التتابع في الصيام في كفارة الظهار وأجمعوا على أن من صام بعض الشهر ثم قطعه لغير عذر وأفطر أن عليه استئناف الشهرين وإنما كان كذلك لورود لفظ الكتاب والسنة به

ومعنى التتابع الموالاة بين صيام أيامهما فلا يفطر فيها ولا يصوم غير الكفارة ولا يفتقر التتابع إلى نية ويكفي فعله لأنه شرط وشرائط العبادات لا تحتاج إلى نية وإنما تجب النية لأفعالها وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعي والوجه الآخر أنها واجبة لكل ليلة لأن ضم العبادة إلى العبادة إذا كان شرطا وجبت النية فيه كالجمع بين الصلاتين والثالث وتكفي نية التتابع في الليلة الأولى

ولنا إنه تتابع واجب في العبادة فلم يفتقر إلى نية كالمتابعة بين الركعات ويفارق الجمع بين الصلاتين فإن ذلك رخصة فافتقر إلى نية الترخص وما ذكروه ينتقض بالمتابعة بين الركعات وأجمع أهل العلم على أن الصائمة متتابعا إذا حاضت قبل إتمامه تقضي إذا طهرت وتبني وذلك لأن الحيض لا يمكن التحرز منه في الشهرين إلا بتأخيره إلى الإياس وفيه تغرير بالصوم لأنها ربما ماتت قبله والنفاس كالحيض في أنه لا يقطع


22

التتابع في أحد الوجهين لأنه بمنزلته في أحكامه ولأن الفطر لا يحصل فيهما بفعلهما وإنما ذلك الزمان كزمان الليل في حقهما

والوجه الثاني أن النفاس يقطع التتابع لأنه فطر أمكن التحرز منه لا يتكرر كل عام فقطع التتابع كالفطر لغير عذر ولا يصح قياسه على الحيض لأنه أندر منه ويمكن التحرز عنه وإن أفطر لمرض مخوف لم ينقطع التتابع أيضا روي ذلك عن ابن عباس وبه قال ابن المسيب والحسن وعطاء والشعبي وطاوس ومجاهد ومالك وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر والشافعي في القديم وقال في الجديد ينقطع التتابع وهذا قول سعيد بن جبير والنخعي والحكم والثوري وأصحاب الرأي لأنه أفطر بفعله فلزمه الاستئناف كما لو أفطر لسفر

ولنا إنه أفطر لسبب لا صنع له فيه فلم يقطع التتابع كإفطار المرأة للحيض وما ذكروه من الأصل ممنوع

وإن كان المرض غير مخوف لكنه يبيح الفطر فقال أبو الخطاب فيه وجهان

أحدهما لا يقطع التتابع لأنه مرض أباح الفطر أشبه المخوف

والثاني يقطع التتابع لأنه أفطر اختيارا فانقطع التتابع كما لو أفطر لغير عذر فأما الحامل والمرضع فإن أفطرتا خوفا على أنفسهما فهما كالمريض وإن أفطرتا خوفا على ولديهما

ففيهما وجهان

أحدهما لا ينقطع التتابع اختاره أبو الخطاب لأنه فطر أبيح لهما بسبب لا يتعلق باختيارهما فلم ينقطع التتابع كما لو أفطرتا خوفا على أنفسهما

والثاني ينقطع لأن الخوف على غيرهما ولذلك يلزمهم الفدية مع القضاء وإن أفطر لجنون أو إغماء لم ينقطع التتابع لأنه عذر لا صنع له فيه كالحيض

فصل وإن أفطر لسفر مبيح للفطر فكلام أحمد يحتمل الأمرين

وأظهرهما أنه لا يقطع التتابع فإنه قال في رواية الأثرم كان السفر غير المرض

وما ينبغي أن يكون أوكد من رمضان وظاهر هذا أنه لا يقطع التتابع وهذا قول الحسن ويحتمل أن ينقطع به التتابع وهو قول مالك وأصحاب الرأي واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال فيه قولان كالمرض ومنهم من يقول ينقطع التتابع وجها واحدا لأن السفر يحصل باختياره فقطع التتابع كما لو أفطر لغير عذر

ووجه الأول أنه فطر لعذر مبيح فقط فلم ينقطع به التتابع كإفطار المرأة بالحيض وفارق الفطر لغير عذر فإنه لا يباح وإن أكل يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع أو أفطر يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب أفطر ويتخرج في انقطاع التتابع وجهان

أحدهما لا ينقطع لأنه فطر لعذر

والثاني يقطع التتابع لأنه بفعل أخطأ فيه فأشبه ما لو ظن أنه قد أتم الشهرين فبان خلافه وإن أفطر ناسيا لوجوب التتابع أو جاهلا به ظنا منه أنه قد أتم الشهرين انقطع التتابع لأنه أفطر لجهله فقطع التتابع


23

كما لو ظن أن الواجب شهر واحد وإن أكره على الأكل أو الشرب بأن أوجر الطعام أو الشراب لم يفطر وإن أكل خوفا فقال القاضي لا يفطر ولم يذكر غير ذلك وفيه وجه آخر أنه يفطر فعلى ذلك هل يقطع التتابع فيه وجهان

أحدهما لا يقطعه لأنه عذر مبيح للفطر فأشبه المرض

والثاني ينقطع التتابع وهو مذهب الشافعي لأنه أفطر بفعله لعذر نادر

فصل وإن أفطر في أثناء الشهرين لغير عذر أو قطع التتابع بصوم نذر أو قضاء أو تطوع أو كفارة أخرى لزمه استئناف الشهرين لأنه أخل بالتتابع المشروط ويقع صومه عما نواه لأن هذا الزمان ليس بمستحق متعين للكفارة ولهذا يجوز صومها في غيره بخلاف شهر رمضان فإنه متعين لا يصلح لغيره وإذا كان عليه صوم نذر غير معين أخره إلى فراغه من الكفارة وإن كان متعينا في وقت بعينه أخر الكفارة عنه أو قدمها عليه إن أمكن وإن كان أياما من كل شهر كيوم الخميس أو أيام البيض قدم الكفارة عليه وقضاه بعدها لأنه لو وفى بنذره لانقطع التتابع ولزمه الاستئناف فيفضي إلى أن لا يتمكن من التكفير والنذر يمكن قضاؤه فيكون هذا عذرا في تأخيره كالمريض

مسألة

قال ( وإن أصابها في ليالي الصوم أفسد ما مضى من صيامه وابتدأ الشهرين ) وبهذا قال مالك والثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي لأن الله تعالى قال فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا المجادلة 4 فأمر بهما خاليين عن وطء ولم يأت بهما على ما أمر فلم يجزئه كما لو وطىء نهارا ولأنه تحريم للوطء ولا يختص النهار فاستوى فيه الليل والنهار كالاعتكاف وروى الأثرم عن أحمد أن التتابع لا ينقطع بهذا ويبني

وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وابن المنذر لأنه وطء لا يبطل الصوم فلا يوجب الاستئناف كوطىء غيرها ولأن التتابع في الصيام عبارة عن اتباع صوم يوم للذي قبله من غير فارق وهذا متحقق وإن وطىء ليلا وارتكاب النهي في الوطء قبل إتمامه إذا لم يخل بالتتابع المشترط لا يمنع صحته وإجزاءه كما لو وطىء قبل الشهرين أو وطىء ليلة أول الشهرين وأصبح صائما والإتيان بالصيام قبل التماس في حق هذا لا سبيل إليه سواء بنى أو استأنف

وإن وطئها أو وطىء غيرها في نهار الشهرين عامدا أفطر وانقطع التتابع إجماعا إذا كان غير معذور وإن وطئها أو وطىء غيرها نهارا ناسيا أفطر وانقطع التتابع في إحدى الروايتين لأن الوطء لا يعذر فيه بالنسيان وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يفطر ولا ينقطع التتابع

وهو قولالشافعي وأبي ثور وابن المنذر لأنه فعل المفطر ناسيا

أشبه ما لو أكل ناسيا وإن أبيح له الفطر لعذر فوطىء غيرها نهارا لم ينقطع التتابع لأن الوطء لا أثر له في قطع التتابع

وإن وطئها كان كوطئها ليلا هل ينقطع التتابع على وجهين وإن وطىء غيرها ليلا لم ينقطع التتابع لأن ذلك ليس بمحرم عليه ولا هو مخل باتباع الصوم فلم ينقطع التتابع كالأكل ليلا وليس


24

في هذا اختلاف نعلمه وإن لمس المظاهر منها أو باشرها دون الفرج على وجه يفطر به قطع التتابع لإخلاله بموالاة الصيام وإلا فلا ينقطع والله أعلم

مسألة

قال ( فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ) أجمع أهل العلم على أن المظاهر إذا لم يجد الرقبة ولم يستطع الصيام أن فرضه إطعام ستين مسكينا على ما أمر الله تعالى في كتابه وجاء في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم سواء عجز عن الصيام لكبر أو مرض يخاف بالصوم تباطؤه أو الزيادة فيه أو الشبق فلا يصبر فيه عن الجماع فإن أوس بن الصامت لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصيام قالت امرأته يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام قال فليطعم ستين مسكينا ولما أمر سلمة بن صخر بالصيام قال وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام قال فأطعم فنقله إلى الإطعام لما أخبر أنه به من الشبق والشهوة ما يمنعه من الصيام وقسنا على هذين ما يشبههما في معناهما ويجوز أن ينتقل إلى الإطعام إذا عجز عن الصيام للمرض وإن كان مرجو الزوال لدخوله في قوله سبحانه وتعالى فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا المجادلة 4 ولأنه لا يعلم إن له نهاية فأشبه الشبق

ولا يجوز أن ينتقل لأجل السفر لأن السفر لا يعجزه عن الصيام وله نهاية ينتهي إليها وهو من أفعاله الاختيارية والواجب في الإطعام إطعام ستين مسكينا لا يجزئه أقل من ذلك وبهذا قال الشافعي

وقال أبو حنيفة لو أطعم مسكينا واحدا في ستين يوما أجزأه وحكاه القاضي أبو الحسين رواية عن أحمد لأن هذا المسكين لم يستوف قوت يومه من هذه الكفارة فجاز أن يعطى منها كاليوم الأول

ولنا قول الله تعالى فإطعام ستين مسكينا وهذا لم يطعم إلا واحدا فلم يمتثل الأمر ولأنه لم يطعم ستين مسكينا فلم يجزئه كما لو دفعها إليه في يوم واحد ولأنه لو جاز الدفع إليه في أيام لجاز في يوم واحد كالزكاة وصدقة الفطر يحقق هذا أن الله أمر بعدد المساكين لا بعدد الأيام وقائل هذا يعتبر عدد الأيام دون عدد المساكين

والمعنى في اليوم الأول أنه لم يستوف حقه من هذه الكفارة وفي اليوم الثاني قد استوفى حقه منها وأخذ منها قوت يوم فلم يجز أن يدفع إليه في اليوم الثاني كما لو أوصى إنسان بشيء لستين مسكينا

مسألة

قال ( لكل مسكين مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير ) وجملة الأمر أن قدر الطعام في الكفارات كلها مد من بر لكل مسكين أو نصف صاع من تمر أو شعير وممن قال مد بر زيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر حكاه عنهم الإمام أحمد ورواه عنهم الأثرم وعن عطاء وسليمان بن موسى وقال سليمان بن يسار أدركت الناس إذا أعطوا في كفارة اليمين مدا من حنطة بالمد الأصغر مد النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو هريرة يطعم مدا من أي الأنواع كان وبهذا قال عطاء والأوزاعي والشافعي لما روى أبو داود بإسناده عن عطاء عن أوس ابن أخي عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه


25

يعني المظاهر خمسة عشر صاعا من شعير إطعام ستين مسكينا

وروى الأثرم بإسناده عن أبي هريرة في حديث المجامع في رمضان أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعرق فيه خمسة عشر صاعا فقال خذه وتصدق به وإذا ثبت في المجامع بالخبر ثبت في المظاهر بالقياس عليه ولأنه إطعام واجب فلم يختلف باختلاف أنواع المخرج كالفطرة وفدية الأذى وقال مالك لكل مسكين مدان من جميع الأنواع وممن قال مدان من قمح مجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي لأنها كفارة تشتمل على صيام وإطعام فكان لكل مسكين نصف صاع كفدية الأذى وقال الثوري وأصحاب الرأي من القمح مدان ومن التمر والشعير صاع لكل مسكين لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سلمة بن صخر فأطعم وسقا من تمر رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في غيرهما وروى الخلال بإسناده عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن خويلة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر وفي رواية أبي داود والعرق ستون صاعا وروى ابن ماجة بإسناده عن ابن عباس قال كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس فمن لم يجد فنصف صاع من بر وروى الأثرم بإسناده عن عمر رضي الله عنه قال أطعم عني صاعا من تمر أو شعير أو نصف صاع من بر ولأنه إطعام للمساكين فكان صاعا من التمر والشعير أو نصف صاع من بر كصدقة الفطر

ولنا ما روى الإمامأحمد ثنا إسماعيل ثنا أيوب عن أبي يزيد المدني قال جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمظاهر أطعم هذا فإن مدي شعير كان مد بر وهذا نص ويدل على أنه مد بر أنه قول زيد وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة ولم نعرف لهم في الصحابة مخالفا فكان إجماعا وعلى أنه نصف صاع من التمر والشعير ما روى عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخولة امرأة أوس بن الصامت اذهبي إلى فلان الأنصاري فإن عنده شطر وسق من تمر أخبرني أنه يريد أن يتصدق به فلتأخديه فليتصدق به على ستين مسكنيا وفي حديث أوس بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني سأعينه بعرق من تمر

قلت يا رسول الله فإني سأعينه بعرق آخر

قال قد أحسنت اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك وروى أبو داود بإسناده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال العرق زنبيل يأخذ خمس عشر صاعا فعرقان يكونان ثلاثين صاعا لكل مسكين نصف صاع ولأنها كفارة تشتمل على صيام وإطعام فكان لكل مسكين نصف صاع من التمر والشعير كفدية الأذى

فأما رواية أبي داود أن العرق ستون صاعا فقد ضعفها وقال غيرها أصح منها وفي الحديث ما يدل على الضعف لأن ذلك في سياق قوله إني سأعينه بعرق فقالت امرأته إني سأعينه بعرق آخر قال فأطعمي بها عنه ستين مسكينا فلو كان العرق ستين صاعا لكانت الكفارة مائة وعشرين صاعا ولا قائل به

وأما الحديث المجامع الذي أعطاه خمسة عشر صاعا فقال تصدق به فيحتمل أنه اقتصر عليه إذا لم يجد سواه ولذلك لما أخبره بحاجته إليه أمره بأكله

وفي الحديث المتفق عليه قريب من عشرين صاعا وليس ذلك مذهبا لأحمد فيدل على أنه اقتصر على البعض الذي لم يجد سواه

وحديث أوس ابن أخي عبادة مرسل يرويه


26

عنه عطاء ولم يدركه على أنه حجة لنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه عرقا وأعانته امرأته بآخر فصارا جميعا ثلاثين صاعا

وسائر الأخبار نجمع بينها وبين أخبارنا بحملها على الجواز وأخبارنا على الإجزاء وقد عضد هذا أن ابن عباس راوي بعضها ومذهبه أن المد من البر يجزىء وكذلك أبو هريرة وسائر ما ذكرنا من الأخبار مع الإجماع الذي نقله سليمان بن يسار والله أعلم

فصل وبقي الكلام في الإطعام في أمور ثلاثة كيفيته وجنس الطعام ومستحقه

فأما كيفيته فظاهر المذهب أن الواجب تمليك كل إنسان من المساكين القدر الواجب له من الكفارة ولو غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه سواء فعل ذلك بالقدر الواجب أو أقل أو أكثر ولو غدى كل واحد بمد لم يجزئه إلا أن يملكه إياه

وهذا مذهب الشافعي

وعن أحمد رواية أخرى أنه يجزئه إذا أطعمهم القدر الواجب لهم وهو قول النخعي وأبي حنيفة وأطعم أنس في فدية الصيام قال أحمد أطعم شيئا كثيرا وصنع الجفان وذكر حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وذلك لقول الله تعالى فإطعام ستين مسكينا وهذا قد أطعمهم فينبغي أن يجزئه ولأنه أطعم المساكين فأجزأه كما لو ملكهم

ولنا إن المنقول عن الصحابة إعطاؤهم ففي قول زيد وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة مد لكل فقير

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في فدية الأذى أطعم ثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين ولأنه مال وجب للفقراء شرعا فوجب تمليكهم إياه كالزكاة

فإن قلنا يجزىء اشترط أن يغديهم بستين مدا فصاعدا ليكون قد أطعمهم قدر الواجب وإن قلنا لا يجزئه أن يغديهم فقدم إليهم ستين مدا وقال هذا بينكم بالسوية فقبلوه أجزأ لأنه ملكهم التصرف فيه والانتفاع قبل القسمة

وهذا ظاهر مذهب الشافعي

وقال أبو عبد الله بن حامد يجزئه وإن لم يقل بالسوية لأن قوله خدوها عن كفارتي يقتضي التسوية لأن ذلك حكمها وقال القاضي إن علم أنه وصل إلى كل واحد قدر حقه أجزأ إن لم يعلم لم يجزئه لأن الأصل شغل ذمته ما لم يعلم وصول الحق إلى مستحقه

ووجه الأول أنه دفع الحق إلى مستحقه مشاعا فقبلوه فبرىء منه كديون غرمائه

فصل ولا يجب التتابع في الإطعام نص عليه أحمد في رواية الأثرم وقيل له تكون عليه كفارة يمين فيطعم اليوم واحدا وآخر بعد أيام وآخر بعد حتى يستكمل عشرة فلم ير بذلك بأسا وذلك لأن الله تعالى لم يشترط التتابع فيه ولو وطىء في أثناء الإطعام لم تلزمه إعادة ما مضى منه

وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك يستأنف لأنه وطىء في أثناء كفارة الظهار فوجب الاستئناف كالصيام

ولنا إنه وطىء في أثناء ما لا يشترط التتابع فيه فلم يوجب الاستئناف كوطء غير المظاهر منها أو كالوطء في كفارة اليمين وبهذا فارق الصيام


27

مسألة

قال ( ولو أعطى مسكينا مدين من كفارتين في يوم واحد أجزأ في إحدى الروايتين ) وهذا مذهب الشافعي لأنه دفع القدر الواجب إلى العدد الواجب فأجزأ كما لو دفع إليه المدين في يومين

والأخرى لا يجزئه وهو قول أبي حنيفة لأنه استوفى قوت يوم من كفارة فلم يجزئه الدفع إليه ثانيا في يومه كما لو دفعهما إليه من كفارة واحدة

فعلى هذه الرواية يجزئه عن إحدى الكفارتين وهل له الرجوع في الأخرى ينظر فإذا كان أعلمه أنها عن كفارة فله الرجوع وإلا فلا ويتخرج أن لا يرجع بشيء على ما ذكرناه في الزكاة

والرواية الأولى أقيس وأصح فإن اعتبار عدد المساكين أولى من اعتبار عدد الأيام ولو دفع إليه ذلك في يومين أجزأ ولأنه لو كان الدافع اثنين أجزأ عنهما فكذلك إذا كان الدافع واحدا ولو دفع ستين مدا إلى ثلاثين فقيرا من كفارة واحدة أجزأه من ذلك ثلاثون ويطعم ثلاثين آخرين وإن دفع الستين من كفارتين أجزأه ذلك على إحدى الروايتين ولا يجزىء في الأخرى عن إلا ثلاثين

والأمر الثاني أن المجزىء في الإطعام ما يجزىء في الفطرة وهو البر والشعير والتمر والزبيب سواء كانت قوية أو لم تكن وما عداها فقال القاضي لا يجزىء إخراجه سواء كان قوت بلده أو لم يكن لأن الخبر ورد بإخراج هذه الأصناف على ماجاء في الأحدايث التي رويناها ولأنه الجنس المخرج في الفطرة فلم يجزىء غيره كما لو لم يكن قوت بلده وقال أبو الخطاب عندي أنه يجزئه الإخراج من جميع الحبوب التي هي قوت بلده كالذرة والدخن والأرز لأن الله تعالى قال من أوسط ما تطعمون أهليكم المائدة 89 وهذا مما يطعمه أهله فوجب أن يجزئه بظاهر النص وهذا مذهب الشافعي فإن أخرج غير قوت بلده أجود منه فقد زاد خيرا وإن كان أنقص لم يجزئه وهذا أجود فصل والأفضل عند أبي عبد الله إخراج الحب لأنه يخرج به من الخلاف وهي حالة كماله يدخر فيها ويتهيأ لمنافعه كلها بخلاف غيره فإن أخرج دقيقا جاز لكن يزيد على قدر المد قدرا يبلغ المد حبا أو يخرجه بالوزن لأن للحب ريعا فيكون في مكيال الحب أكثر مما في مكيال الدقيق

قال الأثرم قيل لأبي عبد الله فيعطي البر والدقيق فقال أما الذي جاء فالبر ولكن إن أعطاهم الدقيق بالوزن جاز وقال الشافعي لا يجزىء لأنه ليس بحال الكمال لأجل ما يفوت به من وجوه الانتفاع فلم يجز كالهريسة

ولنا قول الله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم المائدة 89 والدقيق من أوسط ما يطعمه أهله ولأن الدقيق أجزأ الحنطة وقد كفاهم مؤنته وطحنه وهيأه وقربه من الأكل وفارق


28

الهريسة فإنها تتلف على قرب ولا يمكن الانتفاع بها في غير الأكل في تلك الحال بخلاف مسألتنا وعن أحمد في إخراج الخبز روايتان

إحداهما يجزىء اختارها الخرقي ونص عليه أحمد في رواية الأثرم فإنه قال قلت لأبي عبد الله رجل أخذ ثلاثة عشر رطلا وثلثا دقيقا وهو كفارة اليمين فخبزه للمساكين وقسم الخبز على عشرة مساكين أيجزئه ذلك قال ذلك أعجب إلي وهو الذي جاء فيه الحديث أن يطعمهم مد بر وهذا إن فعل فأرجو أن يجزئه قلت إنما قال الله فإطعام عشرة مساكين فهذا قد أطعم عشرة مساكين وأوفاهم المد قال أرجو أن يجزئه وهذا قول بعض أصحاب الشافعي ونقل الأثرم في موضع آخر أن أحمد سأله رجل عن الكفارة قال أطعمهم خبزا وتمرا قال ليس فيه تمر قال فخبز قال لا ولكن برا أو دقيقا بالوزن رطل وثلث لكل مسكين فظاهر هذا أنه لا يجزئه وهو مذهب الشافعي لأنه خرج عن حالة الكمال والإدخار فأشبه الهريسة والأول أحسن لأن الله تعالى قال إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم المائدة 89 وهذا من أوسط ما يطعم أهله وليس الإدخار مقصودا في الكفارة فإنها مقدرة بما يقوت المسكين في يومه فيدل ذلك على أن المقصود كفايته في يومه وهذا قد هيأه للأكل المعتاد للاقتيات وكفاهم مؤنته فأشبه ما لو نقى الحنطة وغسلها

وأما الهريسة والكبولا ونحوهما فلا يجزىء لأنهما خرجا عن الاقتيات المعتاد إلى حيز الإدام

وأما السويق فالصحيح أنه لا يجزىء لذلك ويحتمل أن يجزىء لأنه يقتات في بعض البلدان ولا يجزئه من الخبز والسويق أقل من شيء يعمل من مد فإن أخذ مد حنطة أو رطلا وثلثا من الدقيق وصنعه خبزا أجزأه وقال الخرقي يجزئه رطلان

قال القاضي المد يجيء منه رطلان وذلك لأن الغالب أن رطلين من الخبز لا تكون إلا من مد وذلك بالرطل الدمشقي خمس أواق وأقل من خمس أوقية وهذا في البر فأما إن كان المخرج من الشعير فلا يجزئه إلا ضعف ذلك على ما قررناه

فصل ولا تجزىء القيمة في الكفارة نقلها الميموني والأثرم وهو مذهب الشافعي وخرج بعض أصحابنا من كلام أحمد رواية أخرى أنه يجزئه وهو ما روى الأثرم أن رجلا سأل أحمد قال أعطيت في كارة خمسة دوانيق فقال لو استشرتني قبل أن تعطي لم أشر عليك ولكن أعط ما بقي من الأثمان على ما قلت لك وسكت عن الذي أعطي وهذا ليس برواية وإنما سكت عن الذي أعطي مختلف فيه فلم ير التضييق عليه فيه

الأمر الثالث إن مستحق الكفارة هم المساكين الذين يعطون من الزكاة لقول الله تعالى فإطعام ستين مسكينا المجادلة 4 والفقراء يدخلون فيهم لأن فيهم المسكنة وزيادة ولا خلاف في هذا فأما الأغنياء فلا


29

حق لهم في الكفارة سواء كانوا من أصناف الزكاة كالغزاة والمؤلفة أو لم يكونوا لأن الله تعالى خص بها المساكين واختلف أصحابنا في المكاتب فقال القاضي في المجرد وأبو الخطاب في الهداية لا يجوز دفعها إليها وهو مذهب الشافعي

وقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب في مسائلهما يجوز الدفع إليه وهو مذهب أبي حنيفة وأبي ثور لأنه يأخذ من الزكاة لحاجته فأشبه المسكين

ووجه الأولى أن الله تعالى خص بها المساكين والمكاتبون صنف آخر فلم يجز الدفع إليهم كالغزاة والمؤلفة ولأن الكفارة قدرت بقوت يوم لكل مسكين وصرفت إلى من يحتاج إليها للاقتيات والمكاتب لا يأخذ لذلك فلا يكون في معنى المسكين ويفارق الزكاة فإن الأغنياء يأخذون منها وهم الغزاة والعاملون عليها والمؤلفة والغارمون ولأنه غني بكسبه أو بسيده فأشبه العامل ولا خلاف بينهم في أنه لا يجوز دفعها إلى عبد لأن نفقته واجبة على سيده وليس هو من أصناف الزكاة ولا إلى أم ولد لأنها أمة نفقتها على سيدها وكسبها له ولا إلى من تلزمه نفقته قد ذكرنا ذلك في الزكاة وفي دفعها إلى الزوج وجهان بناء على دفع الزكاة إليه

ولا يجوز دفعها إلى كافر وبهذا قال الشافعي وخرج أبو الخطاب وجها في إعطائهم بناء على الرواية في إعتاقهم وهو قول أبي ثور وأصحاب الرأي لأن الله تعالى قال إطعام عشرة مساكين المائدة 89 وأطلق فيدخلون في الإطلاق

ولنا إنه كافر فلم يجز الدفع إليه كمساكين أهل الحرب وقد سلمه أصحاب الرأي والآية مخصوصة بأهل الحرب فنقيس عليهم سائر الكفار ويجوز صرفها إلى الصغير والكبير إن كان ممن يأكل الطعام وإذا صرفه إلى الصغير فإنه يدفعه إلى وليه يقبض له فإن الصغير لا يصح منه القبض فأما من يأكل الطعام فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز الدفع إليه لأنه لا يأكله فيكون بمنزلة دفع القيمة

وقال أبو الخطاب يجزىء لأنه مسكين يدفع إليه من الزكاة فأشبه الكبير وإذا قلنا يجوز الدفع إلى المكاتب جاز للسيد الدفع من كفارته إلى مكاتبه لأنه يجوز أن يدفع إليه من زكاته

فصل ويجوز دفع الكفارة إلى من ظاهره الفقر فإن بان غنيا فهل تجزئه فيه وجهان بناء على الروايتين في الزكاة وإن بان كافرا أو عبدا لم يجزئه وجها واحدا

مسألة

قال ( ومن ابتدأ صوم الظهار من أول شعبان أفطر يوم الفطر وبنى وكذلك إن ابتدأ من أول ذي الحجة أفطر يوم النحر وأيام التشريق وبنى على ما مضى من صيامه ) وجملة ذلك أنه إذا تخلل صوم الظهار زمان لا يصح صومه عن الكفارة مثل أن يبتدىء الصوم من أول شعبان فيتخلله رمضان ويوم الفطر أو يبتدىء من ذي الحجة فيتخلله يوم النحر وأيام التشريق فإن التتابع لا


30

ينقطع بهذا ويبني على ما مضى من صيامه وقال الشافعي ينقطع التتابع ويلزمه الاستئناف لأنه أفطر في أثناء الشهرين بما كان يمكنه التحرز منه فأشبه إذا أفطر بغير ذلك أو صام عن نذر أو كفارة أخرى

ولنا إنه زمن منعه الشرع عن صومه في الكفارة فلم يقطع التتابع كالحيض والنفاس فإن قال والحيض والنفاس غير ممكن التحرز منه

قلنا قد يمكن التحرز من النفاس بأن لا تبتدىء الصوم في حال الحمل ومن الحيض إذا كان طهرها يزيد على الشهرين بأن تبتدىء الصوم عقيب طهرها من الحيضة ومع هذا فإنه لا ينقطع التتابع به ولا يجوز للمأموم مفارقة إمامه لغير عذر ويجوز أن يدخل معه المسبوق في أثناء الصلاة مع علمه بلزوم مفارقته قبل إتمامها ويتخرج في أيام التشريق رواية أخرى أنه يصومها عن الكفارة ولا يفطر إلا يوم النحر وحده فعلى هذا إن أفطرها استأنف لأنها أيام أمكنه صيامها في الكفارة ففطرها يقطع التتابع كغيرها إذا ثبت هذا فإنه إن ابتدأ الصوم من أول شعبان أجزأه صوم شعبان عن شهر ناقصا كان أو تاما وأما شوال فلا يجوز أن يبدأ به من أوله لأن أوله يوم الفطر وصومه حرام فيشرع في صومه من اليوم الثاني ويتمم شهرا بالعدد ثلاثين يوما وإن بدأ من أول ذي الحجة إلى آخر المحرم قضى أربعة أيام وأجزأه لأنه بدأ بالشهرين من أولهما ولو ابتدأ صوم الشهرين من يوم الفطر لم يصح صوم يوم الفطر وصح صوم بقية الشهر وصوم ذي القعدة ويحتسب له بذي القعدة ناقصا كان أو تاما لأنه بدأه من أوله وأما شوال فإن كان تاما صام يوما من ذي الحجة مكان يوم الفطر وأجزأه وإن كان ناقصا صام من ذي الحجة يومين لأنه لم يبدأه من أوله وإن بدأ بالصيام من أول أيام التشريق وقلنا يصح صومها عن الفرض فإنه يحتسب له بالمحرم ويكمل صوم ذي الحجة بتمام ثلاثين يوما من صفر وإن قلنا لا يصح صومها عن الفرض صام مكانها من صفر

فصل ويجوز أن يبتدىء صوم الشهرين من أول شهر ومن أثنائه لا نعلم في هذا خلافا لأن الشهر اسم لما بين الهلالين ولثلاثين يوما فأيهما صام فقد أدى الواجب فإن بدأ من أول شهر فصام شهرين بالأهلة أجزأه ذلك تامين كانا أو ناقصين إجماعا وبهذا قال الثوري وأهل العراق ومالك في أهل الحجاز والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد وغيرهم لأن الله تعالى قال فصيام شهرين متتابعين النساء 92 وهذان شهران متتابعان وإن بدأ من أثناء شهر فصام ستين يوما أجزأه بغير خلاف أيضا

قالابن المنذر أجمع على هذا من نحفظ عنه من أهل العلم فأما إن صام شهرا بالهلال وشهرا بالعدد فصام خمسة عشر يوما من المحرم وصفر جميعه وخمسة عشر يوما من ربيع فإنه يجزئه سواء كان صفر تاما أو ناقصا لأن الأصل اعتبار الشهور بالأهلة لكن تركناه في الشهر الذي بدأ من وسطه لتعذره ففي الشهر الذي أمكن اعتباره يجب أن يعتبر وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي ويتوجه أن يقال لا يجزئه إلا شهران بالعدد لأننا لما ضممنا إلى خمسة عشر من المحرم خمسة عشر من صفر فصار ذلك شهرا صام ابتداء صوم الشهر الثاني من أثناء شهر أيضا وهذا قول الزهري


31

فصل فإن نوى صوم شهر رمضان عن الكفارة لم يجزئه عن رمضان ولا عن الكفارة وانقطع التتابع حاضرا كان أو مسافرا لأنه تخلل صوم الكفارة فطر غير المشروع وقال مجاهد وطاوس يجزئه عنهما

وقال أبو حنيفة إن كان حاضرا أجزأه عن رمضان دون الكفارة لأن تعيين النية غير مشترط لرمضان وإن كان في سفر أجزأه عن الكفارة دون رمضان وقال صاحباه يجزىء عن رمضان دون الكفارة سفرا وحضرا

ولنا إن رمضان متعين لصومه محرم صومه عن غيره فلم يجزئه عن غيره كيومي العيدين ولا يجزىء عن رمضان لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرىء ما نوى وهذا ما نوى رمضان فلا يجزئه ولا فرق بين الحضر والسفر لأن الزمان متعين وإنما جاز فطره في السفر رخصة فإذا تكلف وصام رجع إلى الأصل فإن سافر في رمضان المتخلل لصوم الكفارة وأفطر لم ينقطع التتابع لأنه زمن لا يستحق صومه عن الكفارة فلم ينقطع التتابع بفطره كالليل

مسألة

قال ( وإذا كان المظاهر عبدا لم يكفر إلا بالصيام وإذا صام فلا تجزئه إلا شهران متتابعان ) قد ذكرنا أن ظهار العبد صحيح وكفارته بالصيام لأن الله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين النساء 92 والعبد لا يستطيع الإعتاق فهو كالحر المعسر وأسوأ منه حالا وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجزئه غير الصيام سواء أذن له سيده في التكفير بالعتق أو لم يأذن وحكي هذا عن الحسن وأبي حنيفة والشافعي وعن أحمد رواية أخرى إن أذن له سيده في التكفير بالمال جاز وهو مذهب الأوزاعي وأبي ثور لأنه بإذن سيده يصير قادرا على التكفير بالمال فجاز له ذلك كالحر وعلى هذه الرواية يجوز له التكفير بالإطعام عند العجز عن الصيام وهل له العتق على روايتين

إحداهما وحكي هذا عن مالك وقال أرجو أن يجزئه الإطعام وأنكر ذلك ابن القاسم صاحبه وقال لا يجزئه إلا الصيام وذلك لأن العتق يقتضي الولاء والولاية والإرث وليس ذلك للعبد

والرواية الثانية له العتق وهو قول الأوزاعي واختارها أبو بكر لأن من صح تكفيره بالإطعام صح بالعتق ولا يمتنع صحة العتق مع انتفاء الإرث كما لو أعتق من يخالفه في دينه ولأن المقصود بالعتق إسقاط الملكية عن العبد وتمليكه نفع نفسه وخلوصه من ضرر الرق وما يحصل من توابع ذلك ليس هو المقصود فلا يمنع من صحته ما يحصل منه المقصود لامتناع بعض توابعه

ووجه الأولى أن العبد مال لا يملك المال فيقع تكفيره بالمال بمال غيره

فلم يجزئه كما لو أعتق عبد غيره من كفارته وعلى كلتا الروايتين لا يلزمه التكفير بالمال وإن أذن له سيده فيه لأن فرضه الصيام فلم يلزمه غيره كما لو أذن موسى لحر معسر في التكفير من ماله وإن كان عاجزا عن الصيام فأذن له سيده في التكفير بما شاء من


32

العتق والإطعام فإن له التكفير بالإطعام لأن لا يلزمه الإعتاق مع قدرته على الصيام لا يلزمه مع عجزه عنه كالحر المعسر ولأن عليه ضررا في التزام المنة الكبيرة في قبول الرقبة ولا يلزم مثل ذلك في الطعام لقلة المنة فيه وهذا فيما إذا أذن له سيده في التكفير قبل العود فإن عاد وجبت الكفارة في ذمته ثم أذن له سيده في التكفير إنني مع ذلك على أصل آخر وهو أن التكفير هل هو معتبر بحالة الوجوب أو بأغلط الأحوال وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى وعلى كل حال فإذا صام لا يجزئه إلا شهران متتابعان لدخوله في عموم قوله تعالى فصيام شهرين متتابعين النساء 92 ولأنه صوم في كفارة فاستوى فيه الحر والعبد ككفارة اليمين وبهذا قال الحسن والشعبي والنخعي والزهري والشافعي وإسحاق ولا نعلم لهم مخالفا إلا ما روي عن عطاء أنه لو صام شهرا أجزأه وقاله النخعي ثم رجع عنه إلى قول الجماعة

فصل والاعتبار في الكفارة بحالة الوجوب في أظهر الروايتين وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه قال إذا حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق فعليه الصوم لا يجزئه غيره وكذلك قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن عبد حلف على يمين فحنث فيها وهو عبد فلم يكفر حتى عتق أيكفر كفارة حر أو كفارة عبد قال يكفر كفارة عبد لأنه إنما يكفر ما وجب عليه يوم حنث لا يوم حلف قلت له حلف وهو عبد وحنث وهو حر قال يوم حنث واحتج فقال افترى وهو عبد أي أعتق فإنما يجلد جلد العبد هو أحد أقوال الشافعي فعلى هذه الرواية يعتبر يساره وإعساره حال وجوبها عليه فإن كان موسرا حال الوجوب استقر وجوب الرقبة عليه فلم يسقط بإعساره بعد ذلك وإن كان معسرا ففرضه الصوم فإذا أيسر بعد ذلك لم يلزمه الانتقال إلى الرقبة

والرواية الثانية الاعتبار بأغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى حين التكفير فمتى وجد رقبة فيما بين الوجوب إلى حين التكفير لم يجزئه إلا الإعتاق وهذا قول ثاني للشافعي لأنه حق يجب في الذمة بوجود مال فاعتبر فيه أغلظ الحالين كالحج وله قول ثالث أن الاعتبار بحالة الأداء

وهو قول أبي حنيفة ومالك لأنه حق له بدل من غير جنسه فكان الاعتبار فيه بحالة الأداء كالوضوء

ولنا إن الكفارة تجب على وجه الطهرة فكان الاعتبار فيها بحالة الوجوب كالحد أو نقول من وجب عليه الصيام في الكفارة لم يلزمه غيره كالعبد إذا أعتق ويفارق الوضوء فإنه لو تيمم ثم وجد الماء بطل تيممه وهاهنا لو صام ثم قدر على الرقبة لم يبطل صومه وليس الاعتبار في الوضوء بحالة الأداء فإن أداءه فعله وليس الاعتبار به وإنما الاعتبار بأداء الصلاة وهي غير الوضوء وأما الحج فهو عبادة العمر وجميعه وقت لها فمتى قدر عليه في جزء من وقته وجب بخلاف مسألتنا ثم يبطل ما ذكروه بالعبد إذا أعتق فإنه لا يلزمه الانتقال إلى العتق مع ما ذكروه فإن قيل العبد لم يكن ممن تجب عليه الرقبة ولا تجزئه فلما لم يجزئه الزيادة لم تلزمه بتغير الحال بخلاف مسألتنا

قلنا هذا لا أثر له

إذا ثبت هذا فإنه إذا أيسر فأحب أن ينتقل إلى الإعتاق جاز له في ظاهر كلام الخرقي فإنه قال ومن


33

دخل في الصوم ثم قدر على الهدي لم يكن عليه الخروج إلا أن يشاء وهذا يدل على أنه إذا شاء فله الانتقال إليه ويجزئه إلا أن يكون الحانث عبدا فليس له إلا الصوم وإن عتق وهو قول الشافعي على القول الذي توافقنا فيه وذلك لأن العتق هو الأصل فوجب أن يجزئه كسائر الأصول فأما إن استمر به العجز حتى شرع في الصيام لم يلزمه الانتقال إلى العتق بغير خلاف في المذهب وهو مذهب الشعبي وقتادة ومالك والأوزاعي والليث والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وهو أحد قولي الحسن وذهب ابن سيرين وعطاء والنخعي والحكم وحماد والثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي إلى أنه يلزمه العتق لأنه قدر على الأصل قبل أداء فرضه بالبدل فلزمه العود إليه كالمتيمم يجد الماء قبل الصلاة أو في أثنائها

ولنا إنه لم يقدر على العتق قبل تلبسه بالصيام فلم يسقط عنه كما لو استمر العجز إلى بعد الفراغ ولا يشبه الوضوء فإنه لو وجد الماء بعد التيمم بطل وهاهنا بخلافه ولأنه وجد المبدل بعد الشروع في صوم البدل فلم يلزمه الانتقال إليه كالمتمتع يجد الهدي بعد الشروع في صيام السبعة

فصل إذا قلنا الاعتبار بحالة الوجوب فوقته في الظهار زمن العود لا وقت المظاهرة لأن الكفارة لا تجب حتى يعود وقته في اليمين زمن الحنث لا وقت اليمين وفي القتل زمن الزهوق لا زمن الحرج وتقديم الكفارة قبل الوجوب تعجيل لها قبل وجوبها لوجود سببها كتعجيل الزكاة قبل الحول وبعد وجود النصاب

فصل فإذا كان المظاهر ذميا فتكفيره بالعتق أو الإطعام لأنه يصح منه في غير الكفارة فصح منه فيها ولا يجوز بالصيام لأنه عبادة محضة والكافر ليس من أهلها ولأنه لا يصح منه في غير الكفارة فلا يصح منه فيها ولا يجزئه في العتق إلا عتق رقبة مؤمنة فإن كانت في ملكه أو ورثها أجزأت عنه وإن لم يكن كذلك فلا سبيل له إلى شراء رقبة مؤمنة لأن الكافر لا يصح منه شراء المسلم

ويتعين تكفيره بالإطعام إلا أن يقول لمسلم أعتق عبدك عن كفارتي وعلي ثمنه فيصح في إحدى الروايتين وإن أسلم الذمي قبل التكفير بالإطعام فحكمه حكم العبد يعتق قبل التكفير بالصيام على ما مضى لأنه في معناه وإن ظاهر وهو مسلم ثم ارتد فصام في ردته عن كفارته لم يصح وإن كفر بعتق أو إطعام فقد أطلق أحمد القول أنه لا يجزئه

وقال القاضي المذهب أن ذلك موقف فإن أسلم تبينا أنه أجزأه وإن مات أو قتل تبينا أنه لم يصح منه كسائر تصرفاته

مسألة

قال ( ومن وطىء قبل أن يأتي بالكفارة كان عاصيا وعليه الكفارة المذكورة ) قد ذكرنا أن المظاهر يحرم عليه وطء زوجته قبل التكفير لقول الله تعالى في العتق والصيام من قبل أن يتماسا المجادلة 3 فإن وطىء عصى ربه لمخالفته أمره وتستقر الكفارة في ذمته فلا تسقط بعد ذلك بموت ولا طلاق ولا غيره وتحريم زوجته عليه باق بحاله حتى يكفر هذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس وجابر بن زيد ومورق العجلي وأبي مجلز والنخعي وعبد الله بن أذينة ومالك والثوري


34

والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي ثور وروى الخلال عن الصلت بن دينار قال سألت عشرة من الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل أن يكفر قالوا ليس عليه إلا كفارة واحدة الحسن وابن سيرين وبكر المزني ومورق العجلي وعطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وقتادة وقال وكيع وأظن العاشر نافعا وحكي عن عمرو بن العاص أن عليه كفارتين وروي ذلك عن قبيصة وسعيد بن جبير والزهري وقتادة لأن الوطء يوجب كفارة والظهار موجب للأخرى وقال أبو حنيفة لا تثبت الكفارة في ذمته وإنما هي شرط للإباحة بعد الوطء كما كانت قبله وحكي عن بعض الناس أن الكفارة تسقط لأنه فات وقتها لكونها وجبت قبل المسيس

ولنا حديث سلمة بن صخر حين ظاهر ثم وطىء قبل التكفير فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة واحدة ولأنه وجد الظهار والعود فيدخل في عموم قوله ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة المجادلة 3 فأما قولهم فات وقتها

فيبطل بما ذكرناه بالصلاة وسائر العبادات يجب قضاؤها بعد فوات وقتها

مسألة

قال ( وإذا قالت المرأة لزوجها أنت علي كظهر أبي لم تكن مظاهرة ولزمتها كفارة الظهار لأنها قد أتت بالمنكر من القول والزور ) وجملة ذلك أن المرأة إذا قالت لزوجها أنت علي كظهر أبي أو قالت إن تزوجت فلانا فهو علي كظهر أبي فليس ذلك بظهار قال القاضي لا تكون مظاهرة رواية واحدة وهذا قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال الزهري والأوزاعي هو ظهار وروي ذلك عن الحسن والنخعي إلا أن النخعي قال إذا قالت ذلك بعدما تزوج فليس بشيء ولعلهم يحتجون بأنها أحد الزوجين ظاهر من الآخر فكان ظاهرا كالرجل

ولنا قول الله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم المجادلة 3 فخصهم بذلك ولأنه قول يوجب تحريما في الزوجة يملك الزوج رفعه فاختص به الرجل كالطلاق ولأن الحل في المرأة حق للرجل فلم تملك المرأة إزالته كسائر حقوقه

إذا ثبت هذا فاختلف عن أحمد في الكفارة فنقل عنه جماعة عليها كفارة الظهار لما روى الأثرم بإسناده عن إبراهيم أن عائشة بنت طلحة قالت إن تزوجت مصعب بن الزبير فهو علي كظهر أبي فسألت أهل المدينة فرأوا أن عليها الكفارة

وروى علي بن مسهر عن الشيباني قال كنت جالسا في المسجد أنا وعبد الله بن المغفل المزني فجاء رجل حتى جلس إلينا فسألته من أنت فقال أنا مولى لعائشة بنت طلحة التي أعتقني عن ظهارها خطبها مصعب بن الزبير فقالت هو علي كظهر أبي إن تزوجته ثم رغبت فيه فاستفتت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يومئذ كثير فأمروها أن تعتق رقبة وتتزوجه فأعتقتني وتزوجته وروى سعيد هذين الخبرين مختصرين ولأنها زوج أتى بالمنكر من القول والزور فلزمه كفارة الظهار كالأخر ولأن الواجب كفارة يمين فاستوى فيها الزوجان كاليمين بالله تعالى


35

والرواية الثانية ليس عليها كفارة

وهو قول مالكوالشافعيوأسحاقوأ ثور لأنه قول منكر وزور وليس بظهار فلم يوجب كفارة كالسب والقذف ولأنه قول ليس بظهار فلم يوجب كفارة الظهار كسائر الأقوال أو تحريم مما لا يصح منه الظهار فأشبه الظهار من أمته

والرواية الثالثة عليها كفارة اليمين قال أحمد قد ذهب عطاء مذهبا حسنا جعله بمنزله من حرم على نفسه شيئا مثل الطعام وما أشبه وهذا أقيس على مذهب أحمد وأشبه بأصوله لأنه ليس بظهار ومجرد القول من المنكر والزور لا يوجب كفارة الظهار بدليل سائر الكذب والظهار قبل العود والظهار من أمته وأم ولده ولأنه تحريم لا يثبت التحريم في المحل فلم يوجب كفارة الظهار كتحريم سائر الحلال ولأنه ظهار من غير امرأته فأشبه الظهار من أمته وما روي عن عائشة بنت طلحة في عتق الرقبة فيجوز أن يكون إعتاقها تكفيرا ليمينها فإن عتق الرقبة أحد خصال كفارة اليمين ويتعين حمله على هذا لكون الموجود منها ليس بظهار وكلام أحمد في رواية الأثرم لا يقتضي وجوب كفارة الظهار إنما قال الأحوط أن تكفر وكذا حكاه ابن المنذر ولا شك في أن الأحوط التكفير بأغلظ الكفارات ليخرج من الخلاف ولكن ليس ذلك بواجب عليه لأنه ليس بمنصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص وإنما هو تحريم للحلال من غير ظهار

فأشبه ما لو حرم أمته أو طعامه وهذا قول عطاء والله أعلم

فصل وإذا قلنا بوجوب الكفارة عليها فلا تجب عليها حتى يطأها وهي مطاوعة فإن طلقها أو مات أحدهما قبل وطئها أو إكراهها على الوطء فلا كفارة عليها لأنها يمين فلا تجب كفارتها قبل الحنث فيها كسائر الأيمان ولا يجب تقديمها قبل المسيس ككفارات سائر الأيمان ويجوز تقديمها لذلك وعليها تمكين زوجها من وطئها قبل التكفير لأنه حق له عليها فلا يسقط بيمينها ولأنه ليس بظهار وإنما هو تحريم لحلال فلا يثبت تحريما كما لو حرم طعامه وحكي أن ظاهر كلام أبي بكر أنها لا تمكنه قبل التكفير إلحاقا بالرجل

وليس ذلك بجيد لأن الرجل الظهار منه صحيح ولا يصح ظهار المرأة ولأن الحل حق الرجل فملك رفعه والحل حق عليها فلا تملك إزالته والله أعلم

مسألة

قال ( وإذا ظاهر من زوجته مرارا فلم يكفر فكفارة واحدة ) هذا ظاهر المذهب سواء كان في المجلس أو مجالس ينوي بذلك التأكيد أو الاستئناف أو أطلق نقله عن أحمد جماعة واختارهأبو بكر وابن حامد والقاضي وروي ذلك عنعلي رضي الله عنه وبه قال عطاء وجابر بن زيد وطاوس والشعبي والزهري ومالك وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وهو قول الشافعي القديم ونقل عن أحمد فيمن حلف أيمانا كثيرة فإن أراد تأكيد اليمين فكفارة واحدة فمفهومه أنه إن نوى الاستئناف فكفارتان وبه قال الثوري والشافعي في الجديد وقال أصحاب الرأي إن كان في مجلس واحد فكفارة واحدة وإن كان في مجالس فكفارات وروي ذلك عن علي وعمرو بن دينار وقتادة لأنه قول يوجب تحريم الزوجة فإذا نوى الاستئناف تعلق بكل مرة حكم حالها كالطلاق


36

ولنا إنه قول لم يؤثر تحريما في الزوجة فلم تجب به كفارة الظهار كاليمين بالله تعالى ولا يخفى أنه لم يؤثر تحريما فإنها قد حرمت بالقول الأول ولم يزد تحريمها ولأنه لفظ يتعلق به كفارة فإذا كرره كفاه واحدة كاليمين بالله تعالى وأما الطلاق فما زاد عن ثلاث لا يثبت له حكم بالإجماع وبهذا ينتقض ما ذكروه وأما الثالثة فإنها تثبت تحريما زائدا وهو التحريم قبل زوج وإصابة بخلاف الظهار الثاني فإنه لا يثبت به تحريم فنظيره ما زاد على الطلقة الثالثة لا يثبت له حكم فكذلك الظهار الثاني فأما إن كفر عن الأول ثم ظاهر لزمته للثاني كفارة بلا خلاف لأن الظهار الثاني مثل الأول فإنه حرم الزوجة المحلة فأوجب الكفارة كالأول بخلاف ما قبل التكفير

فصل والنية شرط في صحة الكفارة لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ولأن العتق يقع متبرعا به وعن كفارة أخرى أو نذر فلم ينصرف إلى هذه الكفارة إلا بنية وصفتها أن ينوي العتق أو الصيام أو الإطعام عن الكفارة فإن زاد الواجبة كان تأكيدا وإلا أجزأت نيته الكفارة وإن نوى وجوبها ولم ينو الكفارة لم يجزئه لأن الوجوب يتنوع عن كفارة ونذر فوجب تمييزه وموضع النية مع التكفير أو قبله بيسير وهذا الذي نص عليه الشافعي وقال بعض أصحابه وقال بعضهم لا يجزىء حتى يستصحب النية وإن كانت الكفارة صياما اشترط نية الصيام عن الكفارة في كل ليلة لقوله عليه السلام لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل وإن اجتمعت عليه كفارات من جنس واحد لم يجب تعيين سببها وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا فعلى هذا لو كان مظاهرا من أربع نساء فأعتق عبدا عن ظهاره أجزأه عن إحداهن وحلت له واحدة غير معينة لأنه واجب من جنس واحد فأجزأته نية مطلقة كما لو كان عليه صوم يومين من رمضان وقياس المذهب أن يقرع بينهن فتخرج بالقرعة المحللة منهن وهذا قول أبي ثور وقال الشافعي له أن يصرفها إلى أيتهن شاء فتحل وهذا يفضي إلى أنه يتخير بين كون هذه المرأة محللة له أو محرمة عليه وإن كان الظهار من ثلاث نسوة فأعتق عبدا عن إحداهن ثم صام شهرين متتابعين عن أخرى ثم مرض فأطعم ستين مسكينا عن أخرى أجزأه وحل له الجميع من غير قرعة ولا تعيين وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور يقرع بينهن فمن تقع لها القرعة فالعتق لها ثم يقرع بين الباقيتين فمن تقع لها القرعة فالصيام لها والإطعام عن الثالثة لأن كل واحدة من هذه الخصال لو انفردت احتاجت إلى قرعة فكذلك إذا اجتمعت

ولنا إن التكفير قد حصل عن الثلاث وزالت حرمة الظهار فلم يحتج إلى قرعة كما لو أعتق ثلاثة أعبد عن ظهارهن دفعة واحدة فأما إن كانت الكفارة من أجناس كظهار وقتل وجماع في رمضان ويمين فقال أبو الخطاب لا يفتقر إلى تعيين السبب وهذا مذهب الشافعي لأنها عبادة واجبة فلم تفتقر صحة أدائها إلى تعيين سببها كما لو كانت من جنس واحد وقال القاضي يحتمل أن يشترط تعيين سببها ولا تجزىء نية مطلقة وحكاه أصحاب الشافعي عن أحمد وهو مذهب أبي حنيفة لأنهما عبادتان من جنسين فوجب تعيين النية لهما كما لو وجب عليه صوم من قضاء ونذر


37

فعلى هذا لو كانت عليه كفارة واحدة لا يعلم سببها فكفر كفارة واحدة أجزأه على الوجه الأول قاله أبو بكر وعلى الوجه الثاني ينبغي أن يلزمه التكفير بعدد أسباب الكفارات كل واحدة عن سبب كمن نسي صلاة يوم لا يعلم أمن قضاء هو أو نذر لزمه صوم يومين فإن كان عليه صوم ثلاثة أيام لا يدري أهي من كفارة يمين أو قضاء نذر لزمه صوم تسعة أيام كل ثلاثة عن واحدة من الجهات الثلاث

فصل وإذا كانت على رجل كفارتان فأعتق عنهما عبدين لم يخل من أربعة أحوال

أحدهما أن يقول أعتقت هذا عن هذه الكفارة وهذا عن هذه فيجزئه إجماعا

والثاني أن يقول أعتقت هذا عن إحدى الكفارتين وهذا عن الأخرى من غير تعيين فينظر فإن كانا من جنس واحد ككفارتي ظهار أو كفارتي قتل أجزأه وإن كانت من جنسين ككفارة ظهار وكفارة قتل خرج على الوجهين في اشتراط تعيين السبب إذا قلنا يشترط لم يجزئه واحد منهما وإن قلنا لا يشترط أجزأه عنهما

والثالث أن يقول أعتقهما عن الكفارتين فإن كانتا من جنس واحد أجزأ عنهما ويقع كل واحد عن كفارة ولأنه عرف الشرع والاستعمال إعتاق الرقبة عن الكفارة

فإذا أطلق ذلك وجب حمله عليه وإن كانتا من جنسين خرج على الوجهين

الرابع أن يعتق كل واحد عنهما جميعا فيكون معتقا عن كل واحدة من الكفارتين نصف العبدين فينبني ذلك على أصل آخر وهو إذا أعتق نصف رقبتين عن كفارة هل يجزئه أو لا فعلى قول الخرقي يجزئه لأن الأشقاص بمنزلة الأشخاص فيما لا يمنع منه العيب اليسير بدليل الزكاة فإن من ملك نصف ثمانين شاة كان بمنزلة من ملك أربعين ولا تلزم الأضحية فإنه يمنع منه العيب اليسير

وقال أبو بكر وابن حامد لا يجزئه وهو قول مالك وأبي حنيفة لأن ما أمر بصرفه إلى شخص في الكفارة لم يجز تفريقه على اثنين كالمد في الإطعام ولأصحاب الشافعي كهذين الوجهين ولهم وجه ثالث وهو أنه إن كان باقيهما حرا أجزأ وإلا فلا لأنه متى كان باقيهما حرا حصل تكميل الأحكام والتصرف وخرجه القاضي وجها لنا أيضا إلا أن للمعترض عليه أن يقول إن تكميل الأحكام ما حصل بعتق هذا وإنما حصل بانضمامه إلى عتق النصف الآخر فلم يجزئه فإذا قلنا لا يجزىء عتق النصفين لم يجزىء في هذه المسألة عن شيء من الكفارتين وإن قلنا يجزىء وكانت الكفارتان من جنس أجزأ العتق عنهما وإن كانتا من جنسين فقد قيل يخرج على الوجهين والصحيح أنه يجزىء وجها واحدا لأن عتق النصفين عنهما كعتق عبدين عنهما

فصل ولا يجوز تقديم كفارة الظهار قبله لأن الحكم لا يجوز تقديمه على سببه فلو قال لعبده أنت حر الساعة عن ظهاري إن ظاهرت عتق ولم يجزئه عن ظهاره إن ظاهر لأنه قدم الكفارة على سببها المختص فلم يجز كما لو قدم كفارة اليمين عليها أو كفارة القتل على الجرح ولو قال لامرأته إن دخلت الدار


38

فأنت علي كظهر أمي لم يجز التكفير قبل دخول الدار لأنه تقديم للكفارة قبل الظهار فإن أعتق عبدا عن ظهاره ثم دخلت الدار عتق العبد وصار مظاهرا ولم يجزئه لأن الظهار معلق على شرط فلا يوجد قبل وجود شرطه وإن قال لعبده إن ظاهرت فأنت حر عن ظهاري ثم قال لامرأته أنت علي كظهر أمي عتق العبد لوجود الشرط وهل يجزئه عن الظهار فيه وجهان أحدهما يجزئه لأنه عتق بعد الظهار وقد نوى إعتاقه عن الكفارة

والثاني لا يجزئه لأن عتقه مستحق بسبب آخر وهو الشرط ولأن النية لم توجد عند العتق والنية عند التعليق لا تجزىء لأنه تقديم لها على سببها وإن قال لعبده إن ظاهرت فأنت حر عن ظهاري فالحكم فيه كذلك لأنه تعليق لعتقه على المظاهرة


39

كتاب اللعان

قال رحمه الله تعالى وهو مشتق من اللعن لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة إن كان كاذبا وقال القاضي سمي بذلك لأن الزوجين لا ينفكان من أن يكون أحدهما كاذبا فتحصل اللعنة عليه وهي الطرد والإبعاد

والأصل فيه قوله الله تعالى والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم النور 6 الآيات وروى سهل بن سعد الساعدي أن عويمرا العجلاني أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فاذهب فائت بها قال سهل

فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها

فطلقها ثلاثا بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهجه حتى أصبح ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني جئت أهلي فوجدت عندهم رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه فنزلت والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم النور 6 الآيتين كلتيهما فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا

قال هلال قد كنت أرجو ذلك من ربي تبارك وتعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلوا إليها

فأرسلوا إليها

فتلاها عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا

فقال هلال والله لقد صدقت عليها فقالت كذب

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعنوا بينهما فقيل لهلال أشهد فشهد أربع


40

شهادات بالله إنه لمن الصادقين فلما كانت الخامسة قيل يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب

فقال والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم قيل لها اشهدي فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فلما كانت الخامسة قيل لها اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فتلكأت ساعة ثم قال والله لا أفضح قومي فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى أن لا يثبت لها عليه ولا قوت من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها وقال إن جاءت به أصيهب أريضخ أثيبج أحمش الساقين فهو لهلال وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو للذي رميت به

فجاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا الأيمان لكان لي ولها شأن قال عكرمة فكان بعد ذلك أميرا على مصر وما يدعى الأب ولأن الزوج يبتلى بقذف امرأته لينفي العار والنسب الفاسد وتتعذر عليه البينة فجعل اللعان بينة له ولهذا لما نزلت آية اللعان قال النبي صلى الله عليه وسلم أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا

مسألة

قال أبو القاسم رحمه الله ( وإذا قذف الرجل زوجته البالغة الحرة المسلمة فقال لها زنيت أو يا زانية أو رأيتك تزنين ولم يأت بالبينة لزمه الحد إن لم يلتعن مسلما كان أو كافرا حرا كان أو عبدا ) الكلام في هذه المسألة في فصول أحدها في صفة الزوجين اللذين يصح اللعان بينهما

وقد اختلفت الرواية فيهما فروي أنه يصح من كل زوجين مكلفين سواء كانا مسلمين أو كافرين أو عدلين أو فاسقين أو محدودين في قذف أو كان أحدهما كذلك وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن وربيعة ومالك وإسحاق

قال أحمد في رواية ابن منصور جميع الأزواج يلتعنون الحر من الحرة والأمة إذا كانت زوجة وكذلك العبد من الحرة والإمة إذا كانت زوجة وكذلك المسلم من اليهودية والنصرانية وعن أحمد رواية أخرى لا يصح اللعان إلا من زوجين مسلمين عدلين حرين غير محدودين في قذف

وروي هذا عن الزهري والثوري والأوزاعي وحماد وأصحاب الرأي وعن مكحول ليس بين المسلم والذمية لعان وعن عطاء والنخعي في المحدود في القذف يضرب الحد ولا يلاعن وروي فيه حديث لا يثبت

وكذلك قال الشافعي والساجي

لأن اللعان شهادة بدليل قوله سبحانه ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم النور 6 فاستثنى أنفسهم من الشهداء وقال تعالى فشهادة أحدهم أربع شهادات النور 6 فلا يقبل ممن ليس من أهل الشهادة وإن كانت المرأة ممن لا يحد بقذفها لم يجب اللعان لأنه يراد لإسقاط الحد بدليل قوله تعالى ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله النور 8 ولا حد هاهنا فينتفي اللعان لانتفائه

وذكر القاضي في المجرد أن من لا يجب الحد بقذفها وهي الأمة والذمية والمحدودة في الزنا لزوجها لعانها لنفي


41

الولد خاصة وليس له لعانها لإسقاط القذف والتعزير لأن الحد لا يجب واللعان إنما يشرع لإسقاط حد أو نفي ولد فإذا لم يكن واحد منهما لم يشرع اللعان

ولنا عموم قوله تعالى والذين يرمون أزواجهم النور 6 الآية ولأن اللعان يمين فلا يفتقر إلى ما شرطوه كسائر الأيمان

ودليل أنه يمين قول النبي صلى الله عليه وسلم لولا الأيمان لكان لي ولها شأن وأنه يفتقر إلى اسم الله تعالى ويستوي فيه الذكر والأنثى

وأما تسميته شهادة فلقوله في يمينه أشهد بالله فسمي ذلك شهادة وإن كان يمينا كما قال الله تعالى إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله المنافقون 1 ولأن الزوج يحتاج إلى نفي الولد فيشرع به طريقا إلى نفيه كما لو كانت امرأته ممن يحد بقذفها وهذه الرواية هي المنصوصة عن أحمد في رواية الجماعة وما يخالفها شاذ في النقل

وأما قول الخرقي وإذا قذف زوجته البالغة الحرة المسلمة

فيحتمل أنه شرط هذا لوجوب الحد عليه لا لنفي اللعان ويحتمل أن يكون هذا شرطا عنده في المرأة لتكون ممن يجب عليه الحد بقذفها فينفيه باللعان ولا يشترط في الزوج شيء من ذلك لأن الحد يجب عليه بقذف المحصنة وإن كان ذميا أو فاسقا

فأما قوله مسلما كان أو كافرا

ففيه نظر لأنه أوجب عليه يقذف زوجته المسلمة والكافر لا يكون زوجا لمسلمة فيحتاج إلى تأويل لفظه بحمله على أحد شيئين

أحدهما أنه أراد أن الزوج يلاعن زوجته وإن كان كافرا فرد ذلك إلى اللعان لا إلى الحد

الثاني أنه أراد ما إذا أسلمت زوجته فقذفها في عدتها ثم أسلم الزوج فإنه يلاعن

فصل ولا فرق بين كون الزوجة مدخولا بها أو غير مدخول بها في أنه يلاعنها

قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار منهم عطاء والحسن والشعبي والنخعي وعمرو بن دينار وقتادة ومالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق الشافعي بظاهر قول الله تعالى والذين يرمون أزواجهم النور 6 فإن كانت غير مدخول بها فلها نصف الصداق لأنها فرقة من

كذلك قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة ومالك

وفيه رواية أخرى لا صداق لها لأن الفرقة حصلت بلعانهما جميعا

فأشبه الفرقة لعيب في أحدهما

فصل فإن كان أحد الزوجين غير مكلف فلا لعان بينهما لأنه قول تحصل به الفرقة ولا يصح من غير مكلف كالطلاق أو يمين فلا تصح من غير المكلف كسائر الأيمان

ولا يخلو غير المكلف من أن يكون الزوج أو الزوجة أو هما

فإن كان الزوج فله حالان أحدهما أن يكون طفلا

والثاني أن يكون بالغا زائل العقل

فإن كان طفلا لم يصح منه القذف ولا يلزمه به حد لأن القلم مرفوع عنه وقوله غير معتبر

وإن أتت امرأته بولد نظرنا


42

فإن كان لدون عشر سنين لم يلحقه الولد ويكون منفيا عنه لأن العلم يحيط به بأنه ليس منه فإن الله عز وجل لم يجر العادة بأن يولد له لدون ذلك فينتفي عنه كما لو أتت به المرأة لدون ستة أشهر منذ تزوجها

وإن كان ابن عشر فصاعدا فقال أبو بكر لا يلحق به إلا بعد البلوغ أيضا لأن الولد لا يخلق إلا من ماء الرجل والمرأة ولو أنزل لبلغ

وقال ابن حامد يلحق به

قال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد

وهذا مذهب الشافعي لأن الولد يلحق بالإمكان وإن خالف الظاهر ولهذا لو أتت بولد لستة أشهر من حين العقد لحق بالزوج وإن كان خلاف الظاهر

وكذلك يلحق به إذا أتت به لأربع سنين مع ندرته

وليس له نفيه في الحال حتى يتحقق بلوغه بأحد أسباب البلوغ فله نفي الولد واستلحاقه

فإن قيل فإذا ألحقتم به الولد فقد حكمتم ببلوغه فهلا سمعتم نفيه ولعانه قلنا إلحاق الولد يكفي فيه الإمكان والبلوغ لا يثبت إلا بسبب ظاهر ولأن إلحاق الولد به حق عليه واللعان حق له فلم يثبت مع الشك فإن قيل لم يكن بالغا انتفى عنه الولد وإن كان بالغا انتفى عنه اللعان

قلنا إلا أنه لا يجوز أن يبتدىء اليمين مع الشك في صحتها فسقطت للشك فيها

الثاني إن كان زائل العقل لجنون فلا حكم لقذفه لأن القلم عنه مرفوع أيضا وإن أتت امرأته بولد فنسبه لاحق به لإمكانه ولا سبيل إلى نفيه مع زوال عقله فإذا عقل فله نفي الولد حينئذ واستلحاقه وإن ادعى أنه كان ذاهب العقل حين قذفه وأنكرت ذلك ولأحدهما بينة بما قال ثبت قوله وإن لم يكن لواحد منهما بينة ولم يكن له حالة علم فيها زوال عقله فالقول قولها مع يمينها لأن الأصل والظاهر الصحة والسلامة وإن عرفت له حالة جنون ولم تعرف له حالة إفاقة فالقول قوله مع يمينه وإن عرفت له حالة جنون وحالة إفاقة ففيه وجهان أحدهما القول قولها قال القاضي هذا قياس قول أصحابنا في الملفوف إذا ضربه فقده ثم ادعى أنه كان ميتا وقال الولي كان حيا

والوجه الثاني أن القول قوله لأن الأصل براءة ذمته من الحد فلا يجب بالشك ولأن الحد يسقط بالشبهة

ولا يشبه هذا الملفوف لأن الملفوف قد علم أنه كان حيا ولم يعلم منه ضد ذلك فنظيره في مسألتنا أنه يعرف له حالة إفاقة ولا يعلم منه ضدها وفي مسألتنا قد تقدم له حالة جنون فيجوز أن تكون قد استمرت إلى حين قذفه وأما إن كانت الزوجة غير مكلفة فقذفها الزوج نظرنا فإن كانت طفلة لا يجامع مثلها فلا حد على قاذفها لأنه قول يتيقن كذبة فيه وبراءة عرضها منه فلم يجب به حد كما لو قال أهل الدنيا زاناة ولكنه يعزر للسبب لا للقذف فلا يحتاج في التعزير إلى مطالبة لأنه مشروع لتأديبه وللإمام فعله إذا رأى ذلك فإن كانت يجامع مثلها كابنة تسع سنين فعليه الحد وليس لوليها ولا لها المطالبة به حتى تبلغ فإذا بلغت فطالبت فلها الحد وله إسقاطه باللعان وليس له لعانها قبل البلوغ لأن اللعان يراد لإسقاط الحد أو نفي الولد ولا حد عليه قبل بلوغها ولا ولد فينفيه فإن أتت بولد حكم ببلوغها لأن الحمل أحد أسباب البلوغ ولأنه لا يكون إلا من نطفتها فمن ضرورته إنزالها وهو من أسباب بلوغها وإن قذف امرأته المجنونة بزنا أضافه إلى حال إفاقتها أو قذفها وهي عاقلة ثم حنث لم يكن لها المطالبة ولا لوليها قبل إفاقتها لأن هذا طريقه التشفي فلا ينوب عنه الولي فيه كالقصاص فإذا أفاقت فلها المطالبة بالحد


43

وللزوج إسقاطه باللعان فإن أراد لعانها في حال جنونها ولا ولد ينفيه لم يكن له ذلك لعدم الحاجة إليه لأنه لم يتوجه عليه حد فيسقطه ولا نسب فينفيه وإن كان هناك ولد يريد نفيه فالذي يقتضيه المذهب أنه لا يلاعن ويلحقه الولد لأن الولد إنما ينتفي باللعان من الزوجين وهذه لا يصح منها لعان وقد نص أحمد في الخرساء أن زوجها لا يلاعن فهذه أولى وقال الخرقي في العاقلة لا يعرض له حتى تطالبه زوجته وهذا قول أصحاب الرأي لأنها أحد الزوجين فلم يشرع اللعان مع جنونه كالزوج ولأن لعان الزوج وحده لا ينتفي به الولد فلا فائدة في مشروعيته وقال القاضي له أن يلاعن لنفي الولد لأنه محتاج إلى نفيه فشرع له طريق إلى نفيه وقال الشافعي له أن يلاعن وظاهر مذهبه أن له لعانها مع عدم الولد لدخوله في عموم قوله تعالى والذين يرمون أزواجهم النور 6 ولأنه زوج مكلف قاذف لامرأته التي يولد لمثلها فكان له أن يلاعنها كما لو كانت عاقلة

فصل فأما الأخرس والخرساء فإن كانا غير معلومي الإشارة والكتابة فهما كالمجنونين فيما ذكرناه لأنه لا يتصور منهما لعان ولا يعلم من الزوج قذف ولا من المرأة مطالبة وإن كانا معلومي الإشارة والكتابة فقد قال أحمد إذا كانت المرأة خرساء لم تلاعن لأنه لا تعلم مطالبتها وحكاه ابن المنذر عن أحمد وأبي عبيد وأصحاب الرأي وكذلك ينبغي أن يكون في الأخرى وذلك لأن اللعان لفظ يفتقر إلى الشهادة فلم يصح من الأخرس كالشهادة الحقيقة ولأن الحد يدرأ بالشبهات والشهادة لنسبه صريحة كالنطق فلا يخلو من احتمال وتردد فلا يجب الحد بها كما لا يجب على أجنبي بشهادته وقال القاضي وأبو الخطاب هو كالناطق في قذفه ولعانه وهن مذهب الشافعي لأنه يصح طلاقه فصح قذفه ولعانه كالناطق ويفارق الشهادة لأنه يمكن حصولها من غيره فلم تدع الحاجة إلى الأخرس وفي اللعان لا يحصل إلا منه فدعت الحاجة إلى قبوله منه كالطلاق والأول أحسن لأن موجب القذف وجوب الحد وهو يدرأ بالشهادة ومقصود اللعان الأصلي نفي النسب وهو يثبت بالإمكان مع ظهور انتفائه فلا ينبغي أن يشرع ما ينفيه ولا ما يوجب الحد مع الشبهة العظيمة ولذلك لم تقبل شهادته وقولهم إن الشهادة تحصل من غيره

قلنا قد لا تحصل إلا منه لاختصاصه برؤية المشهود له أو إسماعه إياه

فصل فإن قذف الأخرس أو لاعن ثم تكلم فأنكر القذف واللعان لم يقبل إنكاره للقذف

لأنه قد تعلق به حق لغيره بحكم الظاهر فلا يقبل إنكاره له ويقبل إنكار اللعان فيما عليه فيطالب بالحد ويلحقه النسب ولا تعود الزوجية فإن قال أنا ألاعن للحد ونفي النسب كان له ذلك لأنه إنما لزمه بإقراره أنه لم يلاعن فإذا أراد أن يلاعن كان له ذلك

فصل فإن قذفها وهو ناطق ثم خرس وأيس من نطقه فحكمه حكم الأصلي وإن رجي عود نطقه وزوال خرسه انتظر به ذلك ويرجع في معرفة ذلك إلى قول عدلين من أطباء المسلمين وهذا قول أصحاب الشافعي وذكر بعضهم أنه يلاعن في الحالين بالإشارة لأن أمامة بنت أبي العاص أصمتت فقيل لها لفلان


44

كذا ولفلان كذا فأشارت أن نعم فرأوا أنها وصية وهذا لا حجة فيه لأنه لم يذكر من الراوي لذلك ولم يعلم أنه قول من قوله حجة ولا علم هل كان ذلك لخرس يرجى زواله أو لا وقال أبو الخطاب فيمن اعتقل لسانه وأيس من نطقه هل يصح لعانه بالإشارة على وجهين

فصل وكل موضع لا لعان فيه فالنسب لاحق فيه ويجب بالقذف موجبه من الحد والتعزير إلا أن يكون القاذف صبيا أو مجنونا فلا ضرب فيه ولا لعان كذلك قال الثوري ومالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم

الفصل الثاني أنه لا لعان بين غير الزوجين فإذا قذف أجنبية محصنة حد ولم يلاعن وإن لم تكن محصنة عزر ولا لعان أيضا ولا خلاف في هذا وذلك لأن الله تعالى قال والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة النور 4 ثم خص الزوجات من عموم هذه الآية بقوله والذين يرمون أزواجهم النور 6 ففيما عداهن يبقى على قضية العموم وإن ملك أمة ثم قذفها فلا لعان سواء كانت فراشا له أو لم تكن ولا حد عليه بقذفها ويعزز فإن أتت بولد نظرنا فإن لم يعترف بوطئها لم يلحقه نسبه ولم يحتج إلى نفيه وإن اعترف بوطئها صارت فراشا له وإذا أتت بولد لمدة الحمل من يوم الوطء لحقه

وبهذا قال مالك والشافعي وقال الثوري وأبو حينفة لا تصير فراشا له حتى يقر بولدها فإذا أقر به صارت فراشا له ولحقه أولادها بعد ذلك لأنها لو صارت فراشا بالوطء لصارت فراشا بإباحته كالزوجة

ولنا إن سعدا نازع عبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة فقال هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر متفق عليه وروى ابن عمر عن عمر رضي الله عنه قال ما بال رجال يطؤون ولائدهم ثم يعزلونهن لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أنه ألم بها إلا ألحقت به ولدها فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا ولأن الوطء يتعلق به تحريم المصاهرة فإذا كان مشروعا صارت به المرأة فراشا كالنكاح ولأن المرأة إنما سميت فراشا تجوزا إما لمضاجعته لها على الفراش وإما لكونها تحته في حال المجامعة وكلا الأمرين يحصل في الجماع وقياسهم الوطء على الملك لا يصح

لأن الملك لا يتعلق به تحريم المصاهرة ولا يحصل منه الولد بدون الوطء ويقارق النكاح فإنه لا يراد للوطء ويتعلق به تحريم المصاهرة ولا ينعقد في محل يحرم الوطء فيه كالمجوسية والوثنية وذواتي محارمه

إذا ثبت هذا فإن أراد نفي ولد أمته التي يلحقه ولدها فطريقه أن يدعي أنه استبرأها بعد وطئه لها بحيضة فينتفي بذلك وإن ادعى أنه كان يعزل عنها لم ينتف عنه بذلك لما روى جابر قال جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن لي جارية وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل فقال اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها قال فلبث الرجل ثم أتاه فقال إن الجارية قد حملت قال قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها رواه أبو داود وروي عن أبي سعيد أنه قال كنت أعزل عن جاريتي فولدت


45

أحب الخلق إلي يعني ابنه ولحديث عمر الذي ذكرناه ولأنه حكم تعلق بالوطء فلم يعتبر معه الإنزال كسائر الأحكام

وقد قيل إنه ينزل من الماء ما لا يحس به وإن أقر بالوطء دون الفرج أو في الدبر لم تصر بذلك فراشا لأنه ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص ولأنه ينتفي عنه الولد بدعوى الاستبراء إذا أتت به بعد الاستبراء بمدة الحمل فهاهنا أولى وروي عن أحمد أنها تصير فراشا لأنه قد يجامع فيسبق الماء إلى الفرج

ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين وإذا ادعى الاستبراء قبل قوله بغير يمين في أحد الوجهين لأن من قبل قوله في الاستبراء قبل بغير يمين كالمرأة تدعي انقضاء عدتها وفي الآخر يستحلف وهو مذهب الشافعي لعموم قوله عليه السلام لكن اليمين على المدعى عليه ولأن الاستبراء غير مختص به فلم يقبل قوله بغير يمين كسائر الحقوق بخلاف العدة ومتى لم يدع الاستبراء لحقه ولدها ولم ينتف عنه وقالالشافعي في أحد قوليه له نفيه باللعان لأنه لم يرض به فأشبه ولد المرأة

ولنا قوله تعالى والذين يرمون أزواجهم النور 6 فخص بذلك الأزواج ولأنه ولد يلحقه نسبه من غير الزوجة فلم يملك نفيه باللعان كما لو وطىء أجنبية بشبهة فألحقت القافة ولدها به ولأن له طريقا إلى نفي الولد بغير اللعان فلم يحتج إلى نفيه باللعان فلا يشرع ولأنه إذا وطىء أمته ولم يستبرئها فأتت بولد احتمل أن يكون منه فلم يجز له نفيه لكون النسب يلحق بالإمكان فكيف مع ظهور وجود سببه ولو ادعى الاستبراء فأتت بولدين فأقر بأحدهما ونفي الآخر لحقاه معا لأنه لا يمكن جعل أحدهما منه والآخر من غيره وهما حمل واحد ولا يجوز نفي الولد المقر به عنه مع إقراره به فوجب إلحاقهما به معا وكذلك إن أتت أمته التي لم يعترف بوطئها بتوأمين فاعترف بأحدهما ونفى الآخر

فصل وإذا نكح امرأة نكاحا فاسدا ثم قذفها وبينهما ولد يريد نفيه فله أن يلاعن لنفيه ولا حد عليه وإن لم يكن بينهما ولد حد ولا لعان بينهما وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يلحقه الولد وليس له نفيه ولا اللعان لأنها أجنبية فأشبهت سائر الأجنبيات أو إذا لم يكن بينهما ولد

ولنا إن هذا ولد يلحقه بحكم عقد النكاح فكان له نفيه كما لو كان النكاح صحيحا ويفارق إذا لم يكن ولد فإنه لا حاجة إلى القذف لكونها أجنبية ويفارق سائر الأجنبيات لأنه لا يلحقه ولدهن فلا حاجة به إلى قذفهن ويفارق الزوجة فإنه يحتاج إلى قذفها مع عدم الولد لكونها خانته وغاظته وأفسدت فراشه فإذا كان له منها ولد فالحاجة موجودة فيهما وإذا لاعن سقط الحد لأنه لعان مشروع لنفي الحد فأسقط الحد كاللعان في النكاح الصحيح وهل يثبت التحريم المؤبد فيه وجهان أحدهما يثبته لأنه لعان صحيح أشبه لعان الزوجة

والثاني لا يثبته لأن الفرقة لم تحصل به فإنه لا نكاح بينهما يحصل قطعه به بخلاف لعان الزوجة فإن الفرقة


46

حصلت به ولو لاعنها من غير ولد لم يسقط الحد ولم يثبت التحريم المؤبد لأنه لعان فاسد فلم تثبت أحكامه وسواء اعتقد أن النكاح صحيح أو لم يعتقد ذلك لأن النكاح في نفسه ليس بنكاح صحيح فأشبه ما لو لاعن أجنبية يظنها زوجته

فصل فلو أبان زوجته ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال الزوجية فهي كالمسألة التي قبلها إن كان بينهما ولد يريد نفيه فله أن ينفيه باللعان وإلا حد ولم يلاعن وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يحد ويلحقه الولد ولا يلاعن وهو قول عطاء ووجه المذهبين ما تقدم في التي قبلها وقال عثمان البتي له أن يلاعن وإن لم يكن بينهما ولد وروي عن ابن عباس والحسن أنه يلاعنها لأنه قذف مضاف إلى حال الزوجية أشبه ما لو كانت زوجته

ولنا إنه إذا كان بينهما ولد فيه حاجة إلى القذف فشرع كما لو قذفها وهي زوجته وإذا لم يكن له ولد فلا حاجة به إليه وقد قذفها وهي أجنبية فأشبه ما لو لم يضفه إلى حال الزوجية ومتى لاعنها لنفي ولدها انتفى وسقط عنه الحد وفي ثبوت التحريم المؤبد وجهان وهل له أن يلاعنها قبل وضع الولد فيه وجهان أحدهما له ذلك لأن من كان له لعانها بعد الوضع كان له لعانها قبله كالزوجة

والثاني ليس له ذلك وهو ظاهر قول الخرقي

لأن الولد عنده لا ينتفي في حال الحمل ولأن اللعان إنما يثبت هاهنا لأجل الولد فلم يجز أن يلاعن إلا بعد تحققه بوضعه بخلاف الزوجة فإنه يجوز لعانها مع عدم الولد وهكذا الحكم في نفي الحمل في النكاح الفاسد

فصل إذا اشترى زوجته الأمة ثم أقر بوطئها ثم أتت بولد لستة أشهر كان لاحقا به ولم ينتف عنه إلا بدعوى الاستبراء لأنه ملحق به بالوطء في الملك دون النكاح لكون الملك حاضرا فصار كالزوج الثاني يلحق به الولد وإن أمكن أن يكون من الأول وإن لم يكن أقر بوطئها أو أقر به فأتت بولد لدون ستة أشهر منذ وطىء كان ملحقا بالنكاح إن أمكن ذلك وله نفيه باللعان وهل يثبت هذا اللعان التحريم المؤبد على وجهين

فصل إذا قذف مطلقته الرجعية فله لعانها سواء كان بينهما ولد أو لم يكن قال أبو طالب سألت أبا عبد الله عن الجرل يطلق تطليقة أو تطليقتين ثم يقذفها قال قال ابن عباس لا يلاعن ويجلد وقال ابن عمر يلاعن ما دامت في العدة قال وقول ابن عمر أجود لأنها زوجته وهو يرثها وترثه فهو يلاعن وبهذا قال جابر بن زيد والنخعي والزهري وقتادة والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي وروي ذلك عن ابن عمر لأن الرجعية زوجة فكان له لعانها كما لو لم يطلقها

فصل وإن قذف زوجته ثم أبانها فله لعانها

نص عليه أحمد سواء كان له ولد أو لم يكن روي


47

ذلك عن ابن عباس وبه قال الحسن والقاسم بن محمد ومكحول ومالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر

وقال الحارث العكلي وجابر بن زيد وقتادة والحكم يجلد

وقال حماد بن أبي سليمان وأصحاب الرأي لا حد ولا لعان لأن اللعان إنما يكون بين الزوجين وليس هذان بزوجين ولا يحد لأنه لم يقذف أجنبية

ولنا قول الله تعالى والذين يرمون أزواجهم النور 6 وهذا قد رمى زوجته فيدخل في عموم الآية وإذا لم يلاعن وجب الحد بعموم قوله والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة النور 4 ولأنه قاذف لزوجته فوجب أن يكون له أن يلاعن كما لو كانا على النكاح إلى حالة اللعان

فصل وإن قالت قذفني قبل أن يتزوجني وقال بل بعده أو قالت قذفني بعدما بنت منه وقال بل قبله فالقول قوله لأن القول قوله في أصل القذف فكذلك في وقته

وإن قالت أجنبية قذفني فقال كنت زوجتي حينئذ فأنكرت الزوجية فالقول قولها لأن الأصل عدمها

فصل ولو قذف أجنبية ثم تزوجها فعليه الحد ولا يلاعن لأنه وجب في حال كونها أجنبية فلم يملك اللعان من أجله كما لو لم يتزوجها

وإن قذفها بعد تزوجها بزنا أضافه إلى ما قبل النكاح حد ولم يلاعن سواء كان ثم ولد أو لم يكن وهو قول مالك وأبي ثور

وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والشعبي

وقال الحسن وزارة بن أبي أوفى وأصحاب الرأي له أن يلاعن لأنه قذف امرأته فيدخل في عموم قوله تعالى والذين يرمون أزواجهم النور 6 ولأنه قذف امرأته فأشبه ما لو قذفها ولم يضفه إلى ما قبل النكاح

وحكى الشريف أبو جعفر عن أحمد رواية أخرى كذلك وقالالشافعي إن لم يكن ثم ولد لم يلاعن وإن كان بينهما ولد ففيه وجهان

ولنا إنه قذفها قذفا مضافا إلى حال البينونة أشبه ما لو قذفها وهي بائن وفارق قذف الزوجة لأنه محتاج إليه لأنها غاظته وخانته وإن كان بينهما ولد فهو محتاج إلى نفيه وهاهنا إذا تزوجها وهو يعلم زناها فهو المفرط في نكاح حامل من الزنا فلا يشرع له طريق إلى نفيه

فصل ولو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا يا زاينة فنقل مهنا قال سألت أحمد عن رجل قال لامرأته أنت طالق يا زانية ثلاثا فقال يلاعن

قلت إنهم يقولون يحد ولا يلزمها إلا واحدة

قال بئس ما يقولون فهذا يلاعن لأنه قذفها قبل الحكم ببينونتها فأشبه قذف الرجعية

وأما في المسألة الأولى فإن كان بينهما ولد فإنه يلاعن لنفيه وإلا حد ولم يلاعن لأنه يتعين إضافة القذف إلى حال الزوجية لاستحالة الزنا منها بعد طلاقه لها فصار كأنه قال لها بعد إبانتها زنيت إذ كنت زوجتي على ما قررناه

الفصل الثالث إن كل قذف للزوجة يجب به اللعان لسواء قال لها زنيت أو رأيتك تزنين


48

سواء كان القاذف أعمى أو بصيرا

نص عليه أحمد وبهذا قال الثوري والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وهو قول عطاء وقال يحيى الأنصاري وأبو الزناد ومالك لا يكون اللعان إلا بأحد أمرين إما رؤية وإما إنكار للحمل لأن آية اللعان نزلت في هلال بن أمية وكان قال رأيت بعيني وسمعت بأذني فلا يثبت اللعان إلا في مثله

ولنا قول الله تعالى والذين يرمون أزواجهم النور 6 الآية

وهذا رام لزوجته فيدخل في عموم الآية

ولأن اللعان معنى يتخلص به من موجب القذف فيشرع في حق كل رام لزوجته كالبينة والأخذ بعموم اللفظ أولى من خصوص السبب ثم لم يعملوا به في قوله وسمعت بأذني وسواء قذفها بزنا في القبل أو في الدبر وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يثبت اللعان بالقذف بالوطء في الدبر وبناه على أصله في أن ذلك لا يجب به الحد

ولنا إنه رام لزوجته بوطء في فرجها فأشبه ما لو قذفها بالوطء في قبلها وأما إن قذفها بالوطء دون الفرج أو بشيء من الفواحش غير الزنا فلا حد عليه ولا لعان لأنه قذفها بما لا يجب به الحد فلم يثبت به الحد واللعان كما لو قذفها بضرب الناس وأذاهم

الفصل الرابع أنه إذا قذف زوجته المحصنة وجب عليه الحد وحكم بفسقه ورد شهادته إلا أن يأتي ببينة أو يلاعن فإن لم يأت بأربعة شهداء أو امتنع من اللعان لزمه ذلك كله وبهذا قال مالك والشافعي وقالأبو حنيفة يجب اللعان دون الحد فإن أبي حبس حتى يلاعن لأن الله تعالى قال والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات النور 6 الآيات فلم يوجب بقذف الأزواج إلا اللعان

ولنا قول الله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون النور 4 وهذا عام في الزوج وغيره وإنما خص الزوج بأن أقام لعانه مقام الشهادة في نفي الحد والفسق ورد الشهادة عنه وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم البينة ولا حد في ظهرك وقوله لما لاعن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ولأنه قاذف يلزمه الحد لو أكذب نفسه فلزمه إذا لم يأت بالبينة المشروعة كالأجنبي فأما إن قذف غيرها كالكتابية والأمة والمجنونة والطفلة فإنه يجب عليه التعزير بذلك لأنه أدخل عليهن المعرة بالقذف ولا يحد لهن حدا كاملا لنقصانهن بذلك

ولا يتعلق به فسق ولا رد شهادة لأنه لا يوجب الحد قال القاضي وليس له إسقاط هذا التعزير باللعان لأن اللعان إما لنفي النسب أو لدرء الحد وليس هاهنا واحد منهما وقال الشافعي له إسقاطه باللعان لأنه إذا ملك إسقاط الحد الكامل باللعان فإسقاط ما دونه أولى

وللقاضي أن يقول لا يلزم من مشروعيته لدفع الحد الذي يعظم ضرره مشروعيته لدفع ما يقل ضرره كما لو قذف طفلة لا يتصور وطؤها فإنه يعزر تعزير السب والأذى وليس له إسقاطه باللعان كذا هاهنا

وأما إن كان


49

لأحد هؤلاء ولد يريد نفيه فقال القاضي له أن يلاعن لنفيه وهذا قول الشافعي وهو ظاهر كلام أحمد في الأمة والكتابية سواء كان لهما ولد أو لم يكن

وقد ذكرنا ذلك فيما مضى

مسألة

قال ( ولا يعرض له حتى تطلبه زوجته ) يعني لا يتعرض له بإقامة الحد عليه ولا طلب اللعان منه حتى تطالب زوجته بذلك فإن ذلك حق لها فلا يقام من غير طلبها كسائر حقوقها

وليس لوليها المطالبة عنها إن كانت مجنونة أو محجورا عليها ولا لولي الصغيرة وسيد الأمة المطالبة بالتعزير من أجلهما

لأن هذا حق ثبت للتشفي فلا يقوم الغير فيه مقام المستحق كالقصاص فإن أراد الزوج اللعان من غير مطالبة نظرنا فإن لم يكن هناك نسب يريد نفيه لم يكن له أن لا يلاعن وكذلك كل موضع سقط فيه الحد مثل أن أقام البينة بزناها أو أبرأته من قذفها أو حد لها ثم أراد لعانها ولا نسب هناك ينفي فإنه لا يشرع اللعان وهذا قول أكثر أهل العلم ولا نعلم فيه مخالفا إلا بعض أصحاب الشافعي قالوا له الملاعنة لإزالة الفراش والصحيح عندهم مثل قول الجماعة لأن إزالة الفراش تمكنه بالطلاق والتحريم المؤبد ليس بمقصود يشرع اللعان من أجله وإنما حصل ذلك ضمنا

فأما إن كان هناك ولد يريد نفيه فقال القاضي له أن يلاعن لنفيه وهذا مذهب الشافعي لأن هلال بن أمية لما قذف امرأته وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أرسل إليها فلاعن بينهما ولم تكن طالبته ولأنه محتاج إلى نفيه فشرع له طريق إليه كما لو طالبته ولأن نفي النسب الباطل حق له فلا يسقط برضاها به كما لو طالبت باللعان ورضيت بالولد

ويحتمل أن لا يشرع اللعان هاهنا كما لو قذفها فصدقته وهو قول أصحاب الرأي لأنه أحد موجبي القذف فلا يشرع مع عدم المطالبة كالحد

فصل وإذا قذفها ثم مات قبل لعانهما أو قبل إتمام لعانه سقط اللعان ولحقه الولد وورثته في قول الجميع

لأن اللعان لم يوجد فلم يثبت حكمه

وإن مات بعد أن أكمل لعانه وقبل لعانها فكذلك وقال الشافعي تبين بلعانه ويسقط التوارث وينتفي الولد ويلزمها الحد إلا أن تلتعن

ولنا إنه مات قبل إكمال اللعان أشبه ما لو مات قبل إكمال التعانه وذلك لأن الشرع إنما رتب هذه الأحكام على اللعان التام والحكم لا يثبت قبل كمال سببه

وإن ماتت المرأة قبل اللعان فقد ماتت على الزوجية ويرثها في قول عامة أهل العلم

وروي عن ابن عباس إن التعن لم يرث ونحو ذلك عن الشعبي وعكرمة لأن اللعان يوجب فرقة تبين بها فيمنع التوارث كما لو التعن في حياتها

ولنا إنها ماتت على الزوجية فورثها كما لو لم يلتعن ولأن اللعان سبب الفرقة فلم يثبت حكم بعد موتها كالطلاق وفارق اللعان في الحياة فإنه يقطع الزوجية على أننا قد ذكرنا أنه لو لاعنها ولم تلتعن هي لم تنقطع الزوجية


50

أيضا فهاهنا أولى

فإن قيل أليس قد قلتم لو التعن من الولد الميت ونفاه لم يرثه فكذلك الزوجة قلنا لو التعن الزوج وحده دونها لم ينتف الولد ولم يثبت حكم اللعان على ما ذكرنا ثم الفرق بينهما أنه إذا نفى الولد تبينا أنه لم يكن منه أصلا في حال من الأحوال والزوجة قد كانت امرأته فيما قبل اللعان وإنما يزيل نكاحها اللعان كما يزيله الطلاق

وإذا ماتت قبله فقد ماتت قبل وجود ما يزيله فيكون موجودا حال الموت فيوجب التوارث وينقطع بالموت فلا يمكن انقطاعه مرة أخرى وإن أراد الزوج اللعان ولم تكن طالبت بالحد في حياتها لم يكن له أن يلتعن سواء كان ثم ولد يريد نفيه أو لم يكن وقال الشافعي إن كان ثم ولد يريد نفيه فله أن يلتعن وهذا ينبني على أصل وهو أن اللعان إنما يكون بين الزوجين فإن لعان الرجل وحده لا يثبت به حكم وعندهم بخلاف ذلك فأما إن كانت طالبت بالحد في حياتها فإن أولياءها يقومون في الطلب به مقامها فإن طولب به فله إسقاطه باللعان

ذكره القاضي وإلا فلا لأنه لا حاجة إليه مع عدم الطلب فإنه لا حد عليه

وقال أصحاب الشافعي إن كان للمرأة وارث غير الزوج فله اللعان ليسقط الحد عن نفسه وإلا فلا لعدم الحاجة إليه

فصل وإذا مات المقذوف قبل المطالبة بالحد سقط ولم يكن لورثته الطلب به وقال أصحاب الشافعي يورث وإن لم يكن طالب به لقول النبي صلى الله عليه وسلم من ترك حقا فلورثته ولأنه حق ثبت له في الحياة يورث إذا طالب به فيورث وإن لم يطالب به كحق القصاص

ولنا إنه حد تعتبر فيه المطالبة فإذا لم يوجد الطلب من المالك لم يجب كحد القطع في السرقة

والحديث يدل على أن الحق المتروك يورث وهذا ليس بمتروك وأما حق القصاص فإنه حق يجوز الاعتياض عنه وينتقل إلى المال بخلاف ما نحن فيه فأما إن طالب به ثم مات فإنه ترثه العصبات من النسب دون غيرهم لأنه حق يثبت لدفع العار فاختص به العصبات كولاية النكاح

وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعي

ومتى ثبت للعصبات فلهم استيفاؤه وإن طلب أحدهم وحده فله استيفاؤه وإن عفا بعضهم لم يسقط وكان للباقين استيفاؤه ولو بقي واحد كان له استيفاء جميعه لأنه حق يراد للردع والزجر فلم يتبعض كسائر الحدود ولا يسقط بإسقاط البعض لأنه يراد لدفع العار عن المقذوف وكل واحد من العصبات يقوم مقامه في استيفائه فيثبت له جميعه كولاية النكاح ويفارق حق القصاص لأن ذلك يفوت إلى بدل ولو أسقطناه هاهنا لسقط حق غير العافي إلى غير بدل فعلى هذا لو قذف امرأته فماتت بعد المطالبة ولها أحد من عصباتها غيره فله استيفاؤه وإن كان زوجها عصبتها وليس لها أحد سواه سقط وإن كان لها من عصبتها غيره فله الطلب به ولا يسقط بما ذكرنا من أنه يكمل لكل واحد بخلاف القصاص

فصل وإذا قذف امرأته وله بينة تشهد بزناها فهو مخير لعانها وبين إقامة البينة لأنهما بينتان فكانت له الخيرة في إقامة أيتهما شاء كمن له بدين شاهدان وشاهد وامرأتان ولأن كل واحدة منهما يحصل بها ما


51

لا يحصل بالأخرى فإنه يحصل باللعان نفي النسب الباطل ولا يحصل ذلك بالبينة ويحصل بالبينة ثبوت زناها وإقامة الحد عليها ولا يحصل باللعان فإنه لاعنها ونفى ولدها ثم أراد إقامة البينة فله ذلك فإذا أقامها ثبت موجب اللعان وموجب البينة وإن أقام البينة أولا ثبت الزنا وموجبه ولم ينتف عنه الولد فإنه لا يلزم من الزنا كون الولد منه وإن أراد لعانها بعد ذلك وليس بينهما ولد يريد نفيه لم يكن له ذلك لأن الحد قد انتفى عنه بإقامة البينة فلا حاجة إليه وإن كان بينهما ولد يريد نفيه فعلى قول القاضي له أن يلاعن وقد ذكرنا ذلك فيما مضى

فصل وإن قذفها فطالبته بالحد فأقام شاهدين على إقرارها بالزنا سقط عنه الحد لأنه ثبت تصديقها إياه ولم يجب عليها الحد لأن الحد لا يجب بالإقرار أربع مرات ويسقط بالرجوع عن الإقرار وهل يثبت الإقرار بالزنا بشاهدين قال أبو بكر فيه قولان أحدهما يثبت بشاهدين كسائر الأقارير واختاره

والثاني لا يثبت لأنه لا يثبت به المقر به فلا يثبت به الإقرار به كرجل وامرأتين وإن لم تكن له بينة حاضرة فقال لي بينة غائبة أقيمها على الزنا أمهل اليومين والثلاثة لأن ذلك قريب فإن أتى بالبينة وإلا حد إلا أن يلاعن إذا كان زوجا فإن قال قذفتها وهي صغيرة فقالت قذفني وأنا كبيرة وأقام كل واحد منهما بينة بما قال فهما قذفان وكذلك إن اختلفا في الكفر والرق أو الوقت لأنه لا تنافي بينهما إلا أن يكونا مؤرخين تاريخا واحدا فيسقطان في أحد الوجهين وفي الآخر يقرع بينهما فمن خرجت قرعته قدمت بينته

فصل فإن شهد شاهدان أنه قذف فلانة وقذفنا لم تقبل شهادتهما لاعترافهما بعداوته لهما وشهادة العدو لا تقبل على عدوه فإن أبرآه وزالت العداوة ثم شهدا عليه بذلك القذف لم تقبل لأنها ردت للتهمة فلم تقبل بعد كالفاسق إذا شهد فردت شهادته لفسقه ثم تاب وأعادها ولو أنهما ادعيا عليه أنه قذفهما ثم أبرآه وزالت العداوة ثم شهدا عليه بقذف زوجته قبلت شهادتهما لأنهما لم يردا في هذه الشهادة ولو شهدا أنه قذف امرأته ثم ادعيا بعد ذلك أنه قذفهما فإن أضافا دعواهما إلى ما قبل شهادتهما بطلت شهادتهما لاعترافهما أنه كان عدوا لهما حين شهدا عليه وإن لم يضيفاها إلى ذلك الوقت وكان ذلك قبل الحكم بشهادتهما لم يحكم بها لأنه لا يحكم عليه بشهادة عدوين وإن كانا بعد الحكم لم يبطل لأن الحكم تم قبل وجود المانع كظهور الفسق وإن شهدا أنه قذف امرأته وأمنا لم تقبل شهادتهما لأنها ردت في البعض للتهمة فوجب أن ترد للكل وإن شهدا على أبيهما أنه قذف ضرة أمهما قبلت شهادتهما

وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في الجديد وقال في القديم لا تقبل لأنهما يجران إلى أمهما نفعا وهو أنه يلاعنها فتبين ويتوفر على أمهما وليس بشيء لأن لعانه لها ينبني على معرفته بزناها لا على الشهادة عليه بما لا يعترف به وإن شهدا بطلاق الضرة ففيه وجهان أحدهما لا تقبل وهما يجران إلى أمهما نفعا وهو توفيره على أمهما

والثاني تقبل لأنهما لا يجران إلى أنفسهما نفعا

فصل ولو شهد شاهد أنه أقر بالعربية أنه قذفها وشهد آخر أنه أقر بذلك بالعجمية تمت الشهادة لأن الاختلاف في العربية والعجمية عائد إلى الإقرار دون القذف ويجوز أن يكون القذف واحدا والإقرار


52

به في مرتين وكذلك لو شهد أحدهما أنه أقر يوم الخميس بقذفها وشهد آخر أنه أقر بذلك يوم الجمعة تمت الشهادة لما ذكرناه وإن شهد أحدهما أنه قذفها بالعربية وشهد الآخر أنه قذفها بالعجمية أو شهد أحدهما أنه قذفها يوم الخميس وشهد الآخر أنه قذفها يوم الجمعة أو شهد أحدهما أنه أقر أنه قذفها بالعربية أو بالعجمية أو شهد أحدهما أنه أقر أنه قذفها بالعربية أو يوم الخميس وشهد وشهد الآخر أنه أقر أنه قذفها بالعجمية أو يوم الجمعة أو يوم الخميس وشهد الآخر أنه قذفها يوم الجمعة ففيه وجهان أحدهما تكمل الشهادة وهو قول أبي بكر ومذهب أبي حنيفة لأن الوقت ليس ذكره شرطا في الشهادة بالقذف وكذلك اللسان فلم يؤثر الاختلاف كما لو شهد أحدهما أنه أقر بقذفها يوم الخميس بالعربية وشهد الآخر أنه أقر بقذفها يوم الجمعة بالعجمية

والآخر لا تكمل الشهادة وهو مذهب الشافعي لأنهما قذفان لم تتم الشهادة على واحد منهما فلم تثبت كما لو شهد أحدهما أنه تزوجها يوم الخميس وشهد الآخر أنه تزوجها يوم الجمعة وفارق الإقرار بالقذف فإنه يجوز أن يكون المقر به واحدا أقر به في وقتين بلسانين

مسألة

قال ( فمتى تلاعنا وفرق الحاكم بينهما لم يجتمعا أبدا ) في هذه المسألة مسألتان إحداهما أن الفرقة بين المتلاعنين لا تحصل إلا بلعانها جميعا وهل يعتبر تفريق الحاكم بينهما فيه روايتان إحداهما أنه معتبر فلا تحصل الفرقة حتى يفرق الحاكم بينهما وهو ظاهر كلام الخرقي وقول أصحاب الرأي لقول ابن عباس في حديث ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وهذا يقتضي أن الفرقة لم تحصل قبله وفي حديث عويمر قال كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يقتضي إمكان إمساكها وأنه وقع طلاقه

ولو كانت الفرقة وقعت قبل ذلك لما وقع طلاقه ولا أمكنه إمساكها ولأن سبب هذه الفرقة يقف على الحاكم فالفرقة المتعلقة به لم تقع إلا بحكم الحاكم كفرقة العنة

والرواية الثانية تحصل الفرقة بمجرد لعانهما وهي اختيار أبي بكر وقول مالك وأبي عبيد عنه وأبي ثور وداود وزفر وابن المنذر وروي ذلك عن ابن عباس لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال المتلاعنان يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا رواه سعيد ولأنه معنى يقتضي التحريم المؤبد فلم يقف على حكم الحاكم كالرضاع ولأن الفرقة لو لم تحصل إلا بتفريق الحاكم لساغ ترك التفريق إذا كرهاه كالتفريق للعيب والإعسار ولوجب أن الحاكم إذا لم يفرق بينهما أن يبقى النكاح مستمرا وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا سبيل لك عليها يدل على هذا وتفريقه بينهما بمعنى إعلامه لهما بحصول الفرقة وعلى كلتا الروايتين لا تحصل الفرقة قبل تمام اللعان منهما

وقال الشافعي رحمه الله تعالى تحصل الفرقة بلعان الزوج وحده وإن لم تلتعن المرأة لأنها فرقة حاصلة بالقول فتحصل بقول الزوج وحده كالطلاق ولا نعلم أحدا وافق الشافعي على هذا القول وحكي عن البتي أنه لا


53

يتعلق باللعان فرقة لما روي أن العجلاني لما لاعن امرأته طلقها ثلاثا فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو وقعت الفرقة لما نفذ طلاقه وكلا القولين لا يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين رواه عبد الله بن عمر وسهل بن سعد وأخرجهما مسلم وقال سهل فكانت سنة لمن كان بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين وقال عمر المتلاعنان يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا

وأما القول الآخر فلا يصح لأن الشرع إنما ورد بالتفريق بين المتلاعنين ولا يكونان متلاعنين بلعان أحدهما وإنما فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما بعد تمام اللعان منهما فالقول بوقوع الفرقة قبله تحكم يخالف مدلول السنة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم ولأن لفظ اللعان لا يقتضي فرقة فإنه إما أيمان على زناها أو شهادة بذلك ولولا ورود الشرع بالتفريق بينهما لم يحصل التفريق وإنما ورد الشرع به بعد لعانهما فلا يجوز تعليقه على بعضه كما لم يجز تعليقه على بعض لعان الزوج ولأنه فسخ ثبت بأيمان مختلفين فلم يثبت بيمين أحدهما كالفسخ لتحالف المتبايعين عند الاختلاف ويبطل ما ذكروه بالفسخ بالعيب أو العتق وقول الزوج اختاري وأمرك بيدك أو وهبتك لأهلك أو لنفسك وأشباه ذلك كثير إذا ثبت هذا فإن قلنا إن الفرقة تحصل بلعانهما فلا تحصل إلا بعد إكمال اللعان منهما وإن قلنا لا تحصل إلا بتفريق الحاكم لم يجز له أن يفرق بينهما إلا بعد كمال لعانهما فإن فرق قبل ذلك كان تفريقه باطلا وجوده كعدمه وبهذا قال مالك وقال الشافعي لا تقع الفرقة حتى يكمل الزوج لعانه وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن إذا فرق بينهما بعد أن لاعن كل واحد منهما ثلاث مرات أخطأ السنة والفرقة جائزة وإن فرق بينهما بأقل من ثلاث فالفرقة باطلة لأن من أتى بالثلاث فقد أتى بالأكثر فيتعلق الحكم به

ولنا إنه تفريق قبل تمام اللعان فلم يصح كما لو فرق بينهما لأقل من ثلاث أو قبل لعان المرأة ولأنها أيمان مشروعة لا يجوز للحاكم الحكم قبلها بالإجماع فإذا حكم لم يصح حكمه كأيمان المختلفين في البيع وكما قبل الثلاث ولأن الشرع إنما ورد بالتفرق بعد كمال السبب فلم يجز قبله كسائر الأسباب وما ذكروه تحكم لا دليل عليه ولا أصل له ثم يبطل بما إذا شهد بالدين رجل وامرأة واحدة أو بمن توجهت عليه اليمين إذا أتى بأكثر حروفها وبالمسابقة إذا قال من سبق إلى خمس إصابات فسبق إلى ثلاثة وبسائر الأسباب فأما إذا تم اللعان فللحاكم أن يفرق بينهما من غير استئذانهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين ولم يستأذنهما وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلا لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فألحق الولد بالمرأة وروى سفيان عن الزهري عن سهل بن سعد قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين أخرجهما سعيد ومتى قلنا إن الفرقة لا تحصل إلا بتفريق الحاكم فلم يفرق بينهما فالنكاح باق بحاله لأن ما يبطل النكاح لم يوجد فأشبه ما لو لم يلاعن

فصل وفرقة اللعان فسخ وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة هي طلاق لأنها فرقة من


54

جهة الزوج تختص النكاح فكانت طلاقا كالفرقة بقوله أنت طالق

ولنا إنها فرقة توجب تحريما مؤبدا فكانت فسخا كفرقة الرضاع ولأن اللعان ليس بصريح في الطلاق ولا نوى به الطلاق لم يكن طلاقا كسائر ما ينفسخ به النكاح ولأنه لو كان طلاقا لوقع بلعان الزوج دون لعان المرأة

فصل وذكر بعض أهل العلم أن الفرقة إنما حصلت باللعان لأن لعنة الله وغضبه قد وقع بأحدهما لتلاعنهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند الخامسة إنها الموجبة أي إنها توجب لعنة الله وغضبه ولا نعلم من هو منهما يقينا ففرقنا بينهما خشية أن يكون هو الملعون فيعلو امرأة غير ملعونة وهذا لا يجوز كما لا يجوز أن يعلو المسلمة كافر ويمكن أن يقال على هذا لو كان هذا الاحتمال مانعا من دوام نكاحهما لمنعه من نكاح غيرها فإن هذا الاحتمال متحقق فيه ويحتمل أن يكون الموجب للفرقة وقوع اللعنة والغضب بأحدهما غير معين فيفضي إلى علو ملعون لغير ملعونة أو إلى إمساكه لملعونة مغضوب عليها ويحتمل أن سبب الفرقة النفرة الحاصلة من إساءة كل واحد منهما إلى صاحبه فإن الرجل إن كان صادقا فقد أشاع فاحشتها وفضحها على رؤوس الأشهاد وأقامها مقام خزي وحقق عليها اللعنة والغضب وقطع نسب ولدها

وإن كان كاذبا فقد أضاف إلى ذلك بهتها وقذفها بهذه الفرية العظيمة والمرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رؤوس الأشهاد وأوجبت عليه لعنة الله تعالى وإن كانت كاذبة فقد أفسدت فراشه وخانته في نفسها وألزمته العار والفضيحة وأحوجته إلى هذا المقام المخزي فحصل لكل واحد منهما نفرة من صاحبه لما حصل إليه من إساءته لا يكاد يلتئم لهما معها حال فاقتضت حكمة الشارع انحتام الفرقة بينهما وإزالة الصحبة المتمحضة مفسدة ولأنه إن كان كاذبا عليها فلا ينبغي أن يسلط على إمساكها مع ما صنع من القبيح إليها وإن كان صادقا فلا ينبغي أن يمسكها مع علمه بحالها ولهذا قال العجلاني كذبت عليها إن أمسكتها

المسألة الثانية أنها تحرم عليه باللعان تحريما مؤبدا فلا تحل له وإن أكذب نفسه في ظاهرالمذهب ولا خلاف بين أهل العلم في أنه إذا لم يكذب نفسه لا تحل له إلا أن يكون قولا شاذا وأما إذا أكذب نفسه فالذي رواه الجماعة عن أحمد أنها لا تحل له أيضا وجاءت الأخبار عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود رضي الله عنهم أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدا وبه قال الحسن وعطاء وجابر بن زيد والنخعي والزهري والحكم ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأبو يوسف وعن أحمد رواية أخرى إن أكذب نفسه حلت له وعاد فراشه بحاله وهي رواية شاذة شذ بها حنبل عن أصحابه قال أبو بكر لا نعلم أحدا رواها غيره وينبغي أن تحمل هذه الرواية على ما إذا لم يفرق بينهما الحاكم فأما مع تفريق الحاكم بينهما فلا وجه لبقاء النكاح بحاله وقد ذكرنا أن مذهب البتي أن اللعان لا يتعلق به فرقة وعنسعيد بن المسيب إن أكذب نفسه فهو خاطب من الخطاب وبه قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن لأن فرقة اللعان عندهما طلاق وقال سعيد بن جبير إن أكذب نفسه ردت إليه ما دامت في العدة


55

ولنا ما روى سهل بن سعد قال مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا رواه الجوزجاني في كتابه بإسناده وروي مثل هذا عن الزهري ومالك ولأنه تحريم لا يرتفع قبل الحد والتكذيب فلم يرتفع بهما كتحريم الرضاع

فصل فإن كانت أمة فاشتراها ملاعنها لم تحل له لأن تحريمها تحريم مؤبد فحرمت به على مشتريها كالرضاع ولأن المطلق ثلاثا إذا اشترى مطلقته لا تحل له قبل زوج وإصابة فهاهنا أولى لأن هذا التحريم مؤبد وتحريم الطلاق ليس بمؤبد ولأن تحريم الطلاق يختص النكاح وهذا لا يختص به وهذا مذهب الشافعي

مسألة

قال ( فإن أكذب نفسه فلها عليه الحد ) وجملة ذلك أن الرجل إذا قذف امرأته ثم أكذب نفسه فلها عليه الحد سواء أكذبها قبل لعانها أو بعده وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم لهم مخالفا وذلك لأن اللعان أقيم مقام البينة في حق الزوج فإذا أكذب نفسه بان أن لعانها كذب وزيادة في هتكها وتكرار لقذفها فلا أقل من أن يجب الحد الذي كان واجبا بالقذف المجرد فإن عاد عن إكذاب نفسه وقال لي بينة أقيمها بزناها أو أراد إسقاط الحد عنه باللعان لم يسمع منه لأن البينة واللعان لتحقيق ما قاله وقد أقر بكذب نفسه فلا يسمع منه خلافه وهذا فيما إذا كانت المقذوفة محصنة فإن كانت غير محصنة فعليه التعزير

فصل ويلحقه نسب الولد سواء كان الولد حيا أو ميتا غنيا كان أو فقيرا وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وقال الثوري إذا استلحق الولد الميت نظرنا فإن كان ذا مال لم يلحقه لأنه إنما يدعي مالا وإن لم يكن ذا مال لحقه وقال أصحاب الرأي إن كان الولد الميت ترك ولدا ثبت نسبه من المستلحق وتبعه نسب ابنه وإن لم يكن ترك ولدا لم يصح استلحاقه ولم يثبت نسبه ولا يرثه منه المدعي شيئا لأن نسبه منقطع بالموت فلم يصح استلحاقه فإذا كان له ولد كان مستلحقا لولده وتبعه نسب الميت

ولنا إن هذا ولد نفاه باللعان فكان له استلحاقه كما لو كان حيا أو كان له ولد ولأن ولد الولد يتبع نسب الولد وقد جعل أبو حنيفة نسب الولد تابعا لنسب ابنه فجعل الأصل تابعا للفرع وذلك باطل فأما قول الثوري إنه إنما يدعي مالا قلنا إنما يدعي النسب والميراث والمال تبع له فإن قيل فهو متهم في أن غرضه حصول الميراث قلنا إن النسب لا تمنع التهمة لحوقه بدليل أنه لو كان له أخ يعاديه فأقر بابن لزمه وسقط ميراث أخيه ولو كان الابن حيا وهو غني والأب فقير فاستلحقه فهو متهم في إيجاب نفقته على ابنه ويقبل قوله فكذلك هاهنا ثم كان ينبغي أن يثبت النسب هاهنا لأنه حق للولد ولا تهمة فيه ولا يثبت الميراث المختص بالتهمة ولا يلزم من انقطاع الأصل قال القاضي ويتعلق باللعان أربعة أحكام حقان عليه وجوب الحد ولحوق


56

النسب وحقان له الفرقة والتحريم المؤبد فإذا أكذب نفسه قبل قوله فيما عليه فلزمه الحد والنسب فلم يقبل فيما له فلم تزل الفرقة ولا التحريم المؤبد

فصل فإن لم يكذب نفسه ولكن لم يكن له بينة ولا لاعن أقيم عليه الحد فإن أقيم عليه بعضه فبذل اللعان وقال أنا ألاعن قبل منه لأن اللعان يسقط جميع الحد فيسقط بعضه كالبينة فإن ادعت زوجته أنه قذفها بالزنا فأنكر فأقامت عليه بينة أن قذفها بالزنا فقال صدقت البينة وليس ذلك قذفا لأن القذف الرمي بالزنا كذبا وأنا صادق فيما رميتها به لم يكن ذلك إكذابا لنفسه لأنه مصر على رميها بالزنا وله إسقاط الحد باللعان ومذهب الشافعي في هذا الفصل كمذهبنا فإن قال ما زنت ولا رميتها بالزنا فقامت البينة عليه بقذفها لزمه الحد ولم تسمع بينته ولا لعانه نص عليه أحمد لأن قوله ما زنت تكذيب للبينة واللعان فلا تثبت له حجة قد أكذبها وجرى هذا مجرى قوله في الوديعة إذا ادعيت عليه فقال ما أودعتني فقامت عليه البينة بالوديعة فادعى الرد أو التلف لم يقبل ولو أجاب بأنه ما له عندي شيء ولا يستحق علي شيئا فقامت عليه البينة فادعى الرد أو التلف قبل منه

مسألة

قال ( وإن قذفها وانتفى من ولدها وتم اللعان بينهما بتفريق الحاكم نفي عنه إذا ذكره في اللعان ) وجملة ذلك أن الزوج إذا ولدت امرأته ولدا يمكن كونه منه فهو ولده في الحكم لقول النبي صلى الله عليه وسلم الولد للفراش ولا ينتفي عنه إلا أن ينفيه باللعان التام الذي اجتمعت شروطه وهي أربعة أحدها أن يوجد باللعان منهما جميعا وهذا قول عامة أهل العلم وقال الشافعي ينتفي بلعان الزوج وحده لأن نفي الولد إنما كان بيمينه والتعانه لا بيمين المرأة على تكذيبه ولا معنى ليمين المرأة في نفي النسب وهي تثبته وتكذب قول من ينفيه وإنما لعانها لدرء الحد منها كما قال الله تعالى ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين النور 8

ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نفى الولد عنه بعد تلاعنهما فلا يجوز النفي ببعضه كبعض لعان الزوج

والثاني أن تكمل ألفاظ اللعان منهما جميعا

الشرط الثالث أن يبدأ بلعان الزوج قبل المرأة فإن بدأ بلعان المرأة لم يعتد به وبه قال أبو ثور وابن المنذر وقال مالك وأصحاب الرأي إن فعل أخطأ السنة والفرقة جائزة وينتفي الولد عنه لأن الله تعالى عطف لعانها على لعانه بالواو

وهي لا تقتضي ترتيبها ولأن اللعان قد وجد منهما جميعا فأشبه ما لو رتبت وعند الشافعي لا يتم اللعان إلا بالترتيب إلا أنه يكفي عنده لعان الرجل لنفي الولد وذلك حاصل مع إخلاله بالترتيب وعدم كمال ألفاظ اللعان من المرأة


57

ولنا إنه أتي باللعان على غير ما ورد به القرآن والسنة فلم يصح كما لو اقتصر على لفظة واحدة ولأن لعان الرجل بينته لإثبات زناها ونفي ولدها ولعان المرأة للإنكار فقدمت بينة الإثبات كتقديم الشهود على الأيمان ولأن لعان المرأة لدرء العذاب عنها ولا يتوجه عليها ذلك إلا بلعان الرجل فإذا قدمت لعانها على لعانه فقد قدمته على وقته فلم يصح كما لو قدمته على القذف

الشرط الرابع أن يذكر نفي الولد في اللعان فإذا لم يذكر لم ينتف إلا أن يعيد اللعان ويذكر نفيه وهذا ظاهر كلام الخرقي واختيار القاضي ومذهب الشافعي وقال أبو بكر ولا يحتاج إلى ذكر الولد ونفيه وينتفي بزوال الفراش

ولأن حديث سهل بن سعد الذي وصف فيه اللعان لم يذكر فيه الولد وقال فيه ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى أن لا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها

رواه أبو داود

وفي حديث رواه مسلم عن عبد الله أن رجلا لاعن امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بأمه

ولنا إن من سقط حقه باللعان كان ذكره شرطا كالمرأة ولأن غاية ما في اللعان أن يثبت زناها وذلك لا يوجب نفي الولد كما لو أقرت به أو قامت به بينة فأما حديث سهل بن سعد فقد روي فيه وكانت حاملا فأنكر حملها من رواية البخاري وروى ابن عمر أن رجلا لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالمرأة

والزيادة من الثقة مقبولة

فعلى هذا لا بد من ذكر الولد في كل لفظة ومع اللعن في الخامسة لأنها من لفظات اللعان

وذكر الخرقي شرطا خامسا وهو تفريق الحاكم بينهما وهذا على رواية التي تشترط تفريق الحاكم لوقوع الفرقة فأما على الرواية الأخرى فلا يشترط تفريق الحاكم لنفي الولد كما لا يشترط لدرء الحد عنه ولا لفسخ النكاح

وشرط أيضا شرطا سادسا وهو أن يكون قد قذفها وهذا شرط اللعان فإنه لا يكون إلا بعد القذف وسنذكره إن شاء الله تعالى

فصل وإن ولدت امرأته توأمين وهو أن يكون بينهما دون ستة أشهر فاستلحق أحدهما ونفى الآخر لحقا به لأن الحمل الواحد لا يجوز أن يكون بعضه منه وبعضه من غيره فإذا ثبت نسب أحدهما منه ثبت نسب الآخر ضرورة فجعلنا ما نفاه تابعا لما استحلقه ولم نجعل ما أقر به تابعا لما نفاه لأن النسب يحتاط لإثباته لا لنفيه ولهذا لو أتت امرأته بولد يمكن كونه منه ويمكن أن يكون من غيره ألحقناه به احتياطا ولم نقطعه عنه احتياطا لنفيه فإن كان قد قذف أمها فطالبته بالحد فله إسقاطه باللعان وحكي عن القاضي أنه يحد ولا يملك إسقاطه باللعان وهو مذهب الشافعي لأنه باستلحاقه اعترف بكذبه في قذفه فلم يسمع إنكاره بعد ذلك

ووجه الأول أنه لا يلزم من كون الولد منه انتفاء الزنا عنها كما لا يلزم من وجود الزنا منها كون الولد منه ولذلك لو أقرت بالزنا أو قامت به بينة لم ينتف الولد عنه فلا تنافي بين لعانه وبين استلحاقه للولد وإن استلحق


58

أحد التوأمين وسكت عن الآخر لحقه لأنه لو نفاه للحقه فإذا سكت عنه كان أولى ولأن امرأته متى أتت بولد لحقه ما لم ينفه عنه باللعان

وإن نفى أحدهما وسكت عن الآخر لحقاه جميعا

فإن قيل ألا نفيتم المسكوت عنه لأنه قد نفى أخاه وهما حمل واحد قلنا لحوق النسب مبني على التغليب وهو يثبت بمجرد الإمكان وإن كان لم يثبت الوطء ولا ينتفي الإمكان للنفي فافترقا فإن أتت بولد فنفاه ولاعن لنفيه ثم ولدت آخر لأقل من ستة أشهر لم ينتف الثاني باللعان الأول لأن اللعان تناول الأول وحده ويحتاج في نفي الثاني إلى لعان ثان

ويحتمل أنه ينتفي بنفيه من غير حاجة إلى لعان ثان لأنهما حمل واحد وقد لاعن لنفيه مرة فلا يحتاج إلى لعان ثان ذكره القاضي فإن أقر بالثاني لحقه هو والأول لما ذكرناه

وإن سكت عن نفيه لحقاه أيضا فأما إن نفى الولد باللعان ثم أتت بولد آخر بعد ستة أشهر فهذا من حمل آخر فإنه لا يجوز أن يكون بين ولدين من حمل واحد مدة الحمل ولو أمكن لم تكن هذه مدة حمل كامل فإن نفى هذا الولد باللعان انتفى ولا ينتفي بغير اللعان لأنه حمل منفرد

وإن استلحقه أو ترك نفيه لحقه وإن كانت قد بانت باللعان لأنه يمكن أن يكون قد وطئها بعد وضع الأول وإن لاعنها قبل وضع الأول فأتت بولد ثم ولدت آخر بعد ستة أشهر لم يلحقه الثاني لأنها بانت باللعان وانقضت عدتها بوضع الأول وكان حملها الثاني بعد انقضاء عدتها في غير نكاح فلم يحتج إلى نفيه

فصل وإن مات أحد التوأمين أو ماتا معا فله أن يلاعن لنفي نسبهما وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يلزمه نسب الحي ولا يلاعن إلا لنفي الحد لأن الميت لا يصح نفيه باللعان فإن نسبه قد انقطع بموته فلا حاجة إلى نفيه باللعان كما لو ماتت امرأته فإنه لا يلاعنها بعد موتها لقطع النكاح لكونه قد انقطع وإذا لم ينتف الميت لم ينتف الحي لأنهما حمل واحد

ولنا إن الميت ينسب إليه فيقال ابن فلان ويلزمه تجهيزه وتكفينه فكان له نفي نسبه وإسقاط مؤونته كالحي وكما لو كان للميت ولد

مسألة

قال ( وإن أكذب نفسه بعد ذلك لحقه الولد ) وجملة ذلك أن الرجل إذا لاعن امرأته ونفى ولدها ثم أكذب نفسه لحقه الولد إذا كان حيا بغير خلاف بين أهل العلم وإن كان ميتا لحقه نسبه أيضا في قول أكثر أهل العلم سواء كان له ولد أو لم يكن وسواء خلف مالا أو لم يخلف وذلك لأن النسب حق للولد فإذا أقر به لزمه وسواء تقدم إنكاره له أو لم يكن ولأن سبب نفيه عنه نفيه له فإذا أكذب نفسه فقد زال سبب النفي وبطل فوجب أن يلحقه نسبه بحكم النكاح الموجب للحوق نسبه به

فصل والقذف على ثلاثة أضرب واجب وهو أن يرى امرأته تزني في طهر لم يطأها فيه فإنه يلزمه اعتزالها حتى تنقضي عدتها فإذا أتت بولد لستة أشهر من حين الزنا وأمكنه نفيه عنه لزمه قذفها ونفي


59

ولدها ولأن ذلك يجري مجرى اليقين في أن الولد من الزاني فإذا لم ينفه لحقه الولد وورثه وورث أقاربه وورثوا منه ونظر إلى بناته وأخواته وليس ذلك بجائز فيجب نفيه لإزالة ذلك ولو أقرت بالزنا ووقع في قلبه صدقها فهو كما لو رآها

الثاني أن يراها تزني أو يثبت عنده زناها وليس ثم ولد يلحقه نسبه أو ثم ولد لكن لا يعلم أنه من الزنا أو يخبره بزناها ثقة يصدقه أو يشيع في الناس أن فلانا يفجر بفلانة ويشاهده عندها أو داخلا إليها أو خارجا من عندها أو يغلب على ظنه فجورها فهذا له قذفها لأنه روي عن عبد الله أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه أو قتل قتلتموه أو سكت سكت على غيظ فذكر أنه يتكلم أو يسكت ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على هلال والعجلاني قذفهما حين رأيا وإن سكت جاز وهو أحسن لأنه يمكنه فراقها بطلاقها ويكون فيه سترها وستر نفسه وليس ثم ولد يحتاج إلى نفيه

الحال الثالث محرم وهو ما عدا ذلك من قذف أزواجه والأجانب فإنه من الكبائر قال الله تعالى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم النور 23 وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين رواه أبو داود

قوله وهو ينظر إليه يعني يراه منه فكما حرم الله على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم حرم على الرجل جحد ولده ولا يجوز قذفها بخبر من لا يوثق بخبره لأنه غير مأمون على الكذب عليها ولا برؤيته رجلا خارجا من عندها من غير أن يستفيض زناها لأنه يجوز أن يكون دخل سارقا أو هاربا أو لحاجة أو لغرض فاسد فلم يمكنه ولا لاستفاضة ذلك في الناس من غير قرينة تدل على صدقهم لاحتمال أن يكون أعداؤها أشاعوا ذلك عنها وفيه وجه آخر أنه يجوز لأن الاستفاضة أقوى من خبر الثقة ولا بمخالفة الولد لون والديه أو شبههما ولا لشبهه بغير والديه لما روى أبو هريرة قال جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن امرأتي جاءت بولد أسود يعرض بنفيه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هل لك من إبل قال نعم قال فما ألوانها قال حمر

قال هل فيها من أورق قال إن فيها أورقا قال فأنى أتاها ذلك قال عسى أن يكون نزعه عرق قال فهذا عسى أن يكون نزعه عرق قال ولم يرخص له في الانتفاء منه

متفق عليه

ولأن الناس كلهم من آدم وحواء وألوانهم وخلقهم مختلفة فلولا مخالفتهم شبه والديهم لكانوا على خلقة واحدة ولأن دلالة الشبه ضعيفة ودلالة ولادته على الفراش قوية فلا يجوز ترك القوي لمعارضة الضعيف ولذلك لما تنازع سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة ورأى النبي صلى الله عليه وسلم فيه شبها بينا بعتبة ألحق الولد بالفراش وترك الشبه وهذا اختيار أبي عبد الله بن حامد وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي

وذكر القاضي وأبو الخطاب أن ظاهر كلام أحمد جواز نفيه وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي لقول النبي


60

صلى الله عليه وسلم في حديث اللعان إن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الإليتين فهو للذي رميت به فأتت به على النعت المكروه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لولا الأيمان لكان لي ولها شأن فجعل الشبه دليلا على نفيه عنه والصحيح الأول وهذا الحديث إنما يدل على نفيه عنه مع إياه تقدم من لعانه ونفيه إياه عن نفسه

فجعل الشبه مرجحا لقوله ودليلا على تصديقه وما تقدم من الأحاديث يدل على عدم استقلال الشبه بالنفي ولأن هذا كان في موضع زال الفراش وانقطع نسب الولد عن صاحبه فلا يثبت مع بقاء الفراش المقتضي لحوق نسب الولد بصاحبه وإن كان يعزل عن امرأته فأتت بولد لم يبح له نفيه لما ذكرنا من حديث جابر وأبي سعيد

وعن أبي سعيد أنه قال يا رسول الله إنا نصيب من النساء ونحب الأثمان أفنعزل عنهن قال إن الله إذا قضى خلق نسمة خلقها ولأنه قد يسبق من الماء ما لا يحس به فتعلق

وأما إن كان لا يطؤها إلا دون الفرج أو في الدبر فأتت بولد فذكر أصحابنا أنه ليس له نفيه لأنه لا يأمن أن يسبق الماء إلى الفرج فيعلق به وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وهو بعيد لأنه من أحكام الوطء في الفرج فلا يتعلق بما دونه كسائر الأحكام ودلالة عدم الوطء في الفرج على انتفاء الولد أشد من دلالة مخالفة الولد لون والديه فأما إن وجد أحد هذه الوجوه التي ذكرنا مع الزنا ويحتمل كونه منه أو من الزاني مثل إن زنت في طهر أصابها فيه أو زنت فلم يعتزلها ولكنه كان يعزل عنها أو كان لا يطؤها إلا دون الفرج أو كان الولد شبيها بالزاني دونه لزمه نفيه لأن هذا مع الزنا يوجب نسبته إلى الزاني بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بولد امرأة هلال لشريك بن سحماء بشبهه له مع لعان هلال لها وقذفه إياها

وأما إذا أتت زوجته بولد فشك فيه من غير معرفته لزناها فلا يحل له قذفها ولا لعانها لما تقدم من حديث الفزاري وكذلك إن عرف زناها ولم يعلم أن الولد من الزاني ولا وجد دليل عليه فليس له نفيه لأن الولد للفراش وللعاهر الحجر

فصل فإن أكرهت زوجته على الزنا في طهر لم يصبها فيه فأتت بولد يمكن أن يكون من الواطىء فهو منه وليس للزوج قذفها بالزنا لأن هذا ليس بزنا منها

وقياس المذهب أنه ليس له نفيه ويلحقه النسب لأن نفي الولد لا يكون إلا باللعان ومن شرط اللعان القذف ولأن اللعان لا يتم إلا بلعان المرأة ولا يصح اللعان من المرأة هاهنا لأنها لا تكذب الزوج في إكراهها على ذلك وهذا قول أصحاب الرأي

وذكر بعض أصحابنا في ذلك روايتين إحداهما له نفيه باللعان لأنه محتاج إلى نفيه فكان له نفيه كما لو زنت مطاوعة وهذا مذهب الشافعي وهذا إنما يصح عند الشافعي لأنه يرى نفي الولد بلعان الزوج وحده

وأما من لا يرى ذلك فلا يصح عنده النفي باللعان هاهنا والله تعالى أعلم

مسألة

قال ( وإن نفى الحمل في التعانه لم ينتف عنه حتى ينفيه عند وضعها له ويلاعن ) اختلاف أصحابنا فيما إذا لاعن امرأته وهي حامل ونفى حملها في لعانه فقال الخرقي وجماعة لا ينتفي


61

الحمل بنفيه قبل الوضع ولا ينتفي حتى يلاعنها بعد الوضع وينتفي الولد فيه وهذا قول أبي حنيفة وجماعة من أهل الكوفة لأن الحمل غير مستيقن يجوز أن يكون ريحا أو غيرها فيصير نفيه مشروطا بوجوده ولا يجوز تعليق اللعان بشرط وقال مالك والشافعي وجماعة من أهل الحجاز يصح نفي الحمل وينتفي عنه محتجين بحديث هلال وأنه نفى حملها فنفاه عنه النبي صلى الله عليه وسلم وألحقه بالأول ولا خفاء بأنه كان حملا ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم انظروها فإن جاءت به كذا وكذا قال ابن عبد البر الآثار الدالة على صحة هذا القول كثيرة وأوردها ولأن الحمل مظنون بأمارات تدل عليه ولهذا ثبتت للحامل أحكام تخالف بها الحائل من النفقة والفطر في الصيام وترك إقامة الحد عليها وتأخير القصاص عنها وغير ذلك مما يطول ذكره ويصح استلحاق الحمل فكان كالولد بعد وضعه وهذا القول هو الصحيح لموافقته ظواهر الأحاديث وما خالف الحديث لا يعبأ به كائنا ما كان

وقال أبو بكر ينتفي الولد بزوال الفراش ولا يحتاج إلى ذكره في اللعان احتجاجا بظاهر الأحاديث حيث لم ينقل فيها نفي الحمل ولا التعرض لنفيه وقد ذكرنا ذلك فأما من قال إن الولد لا ينتفي إلا بنفيه بعد الوضع فإنه يحتاج في نفيه إلى إعادة اللعان بعد الوضع وقال أبو حنيفة ومن وافقه إن لاعنها حاملا ثم أتت بالولد لزمه ولم يتمكن من نفيه لأن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين وهذه قد بانت بلعانها في حال حملها وهذا فيه إلزامه ولدا ليس منه وسد باب الانتفاء من أولاد الزنا والله تعالى قد جعل له إلى ذلك طريقا فلا يجوز سده وإنما تعتبر الزوجية في الحال التي أضاف الزنا إليها فيه لأن الولد الذي تأتي به يلحقه إذا لم ينفه فيحتاج إلى نفيه وهذه كانت زوجة في تلك الحال فملك نفي ولدها والله أعلم

فصل وإن استلحق الحمل فمن قال لا يصح نفيه قال لا يصح استلحاقه وهو المنصوص عن أحمد ومن أجاز نفيه قال لا يصح استلحاقه وهو مذهب الشافعي لأنه محكوم بوجوده بدليل وجوب النفقة ووقف الميراث فصح الإقرار به كالمولود وإذا استلحقه لم يملك نفيه بعد ذلك كما لو استلحقه بعد الوضع ومن قال لا يصح استلحاقه قال لو صح استلحاقه لزمه بترك نفيه كالمولود ولا يلزمه ذلك بالإجماع ولأن للشبه أثرا في الإلحاق بدليل حديث الملاعنة وذلك مختص بما بعد الوضع فاختص صحة الاستلحاق به فعلى هذا لو استلحقه ثم نفاه بعد وضعه كان له ذلك فأما إن سكت عنه فلم ينفه ولم يستلحقه لم يلزمه عند أحد علمنا قوله لأن تركه يحتمل أن يكون لأنه لا يتحقق وجوده إلا أن يلاعنها فإن أبا حنيفة ألزمه الولد على ما أسلفناه

فصل وإذا ولدت امرأته ولدا فسكت عن نفيه مع إمكانه لزمه نسبه ولم يكن له نفيه بعد ذلك وبهذا قال الشافعي قالأبو بكر لا يتقدر ذلك بثلاث بل هو على ما جرت به العادة إن كان ليلا فحتى يصبح وينتشر الناس وإن كان جائعا أو طمآن فحتى يأكل أو يشرب أو ينام إن كان ناعسا أو يلبس ثيابه ويسرج دابته ويركب ويصلي إن حضرته الصلاة ويحرز ماله إن كان غير محرز وأشباه ذلك من أشغاله فإن أخره بعد هذا كله لم يكن له نفيه وقال أبو حينفة له تأخير نفيه يوما ويومين استحسانا لأن النفي عقيب الولادة يشق فقدر


62

باليومين لقتله وقال أبو يوسف ومحمد يتقدر بمدة النفاس لأنها جارية مجرى الولادة في الحكم وحكي عن عطاء ومجاهد أن له نفيه ما لا لم يعترف به فكان له نفيه كحالة الولادة

ولنا إنه خيار لدفع ضرر متحقق فكان على الفور كخيار الشفعة وقول النبي صلى الله عليه وسلم الولد للفراش عام خرج منه ما اتفقنا عليه مع السنة الثابتة فما عداه يبقى على عموم الحديث وما ذكره أبو حنيفة يبطل بخيار الرد بالعيب والأخذ بالشفعة وتقديره بمدة النفاس تحكم لا دليل عليه وما قاله عطاء يبطل أيضا بما ذكرناه ولا يلزم القصاص لأنه لاستيفاء حق لا لدفع ضرر ولا الحمل لأنه لم يتحقق ضرره

إذا ثبت هذا فهل يتقدر الخيار في النفي بمجلس العلم أو بإمكان النفي على وجهين بناء على المطالبة بالشفعة فإن أخر نفيه عن ذلك ثم ادعى أنه لا يعلم بالولادة وأمكن صدقه بأن يكون في موضع يخفى عليه ذلك مثل أن يكون في محلة أخرى فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم العلم وإن لم يمكن مثل أن يكون معها في الدار لم يقبل لأن ذلك لا يكاد يخفى عليه وإن قال علمت ولادته ولم أعلم أن لي نفيه أو علمت ذلك ولم أعلم أنه على الفور كان ممن يخفى عليه ذلك كعامة الناس قبل منه لأن هذا مما يخفى عليهم فأشبه ما لو كان حديث عهد بالإسلام وإن كان فقيها لم يقبل ذلك منه لأنه مما لا يخفى عليه ذلك ويحتمل أن يقبل منه لأن الفقيه يخفى عليه كثير من الأحكام وقال أصحابنا لا يقبل ذلك من الفقيه ويقبل من الناشىء ببادية وحديث العهد بالإسلام وهل يقبل من سائر العامة على وجهين وإن كان له عذر يمنعه من الحضور لنفيه كالمرض والحبس أو الاشتغال بحفظ مال يخاف ضيعته أو بملازمة غريم يخاف قوته أو غيبته نظرت فإن كانت مدة ذلك قصيرة فأخره إلى الحضور ليزول عذره لم يبطل نفيه لأنه بمنزلة من علم ذلك ليلا فأخره إلى الصبح وإن كانت تتطاول فأمكنه التنفيذ إلى الحاكم ليبعث إليه من يستوفي عليه اللعان والنفي فلم يفعل سقط نفيه فإن لم يمكنه أشهد على نفسه أنه ناف لولد امرأته فإن لم يفعل بطل خياره لأنه لم يقدر على نفيه كان الإشهاد قائما مقامه كما يقيم المريض الفيئة بقوله بدلا عن الفيئة بالجماع فإن قال لم أصدق المخبر عنه نظرت فإن كان مستفيضا منتشرا لم يقبل قوله

وإن لم يكن مستفيضا وكان المخبر مشهور العدالة لم يقبل وإلا قبل

وإن قال لم أعلم أن علي ذلك قبل قوله لأنه مما يخفى وإن علم وهو غائب فأمكنه السير فاشتغل به لم يبطل خياره

وإن أقام من غير حاجة بطل لأنه أخره لغير عذر وإن كانت له حاجة تمنعه من السير فهو على ما ذكرنا من قبل

وإن أخر نفيه لغير عذر وقال أخرت نفيه رجاء أن يموت فأستر عليه وعلي بطل خياره لأنه أخر نفيه مع الإمكان لغير عذر

فصل فإن هنىء به فأمن على الدعاء لزمه في قولهم جميعا وإن قال أحسن الله جزاءك أو بارك الله عليك أو رزقك الله مثله لزمه الولد وبهذا قال أبو حنيفة وقالالشافعي لا يلزمه لأنه جازاه على قصده وإذا قال رزقك الله مثله فليس ذلك إقرارا ولا متضمنا له

ولنا إن ذلك جواب الراضي في العادة فكان إقرارا كالتأمين على الدعاء وإن سكت كان إقرارا ذكره أبو بكر


63

لأن السكوت صلح دال على الرضى في حق البكر

وفي مواضع أخر فهاهنا أولى وفي كل موضع لزمه الولد لم يكن له نفيه بعد ذلك في قول جماعة أهل العلم منهم الشعبي والنخعي وعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي

وقال الحسن له أن يلاعن لنفيه ما دامت أمه عنده يصير لها الولد ولو أقر به والذي عليه الجمهور أولى فإنه أقر به فلم يملك جحده كما لو بانت منه أمه ولأنه أقر بحق عليه لم يقبل منه جحده كسائر الحقوق

مسألة

قال ( ولو جاءت امرأته بولد فقال لم تزن ولكن ليس هذا الولد مني فهو ولده في الحكم ولا حد عليه لها ) وجملة ذلك أن المرأة إذا ولدت فقال زوجها ليس هذا الولد مني أو قال ليس هذا ولدي فلا حد عليه لأن هذا ليس بقذف بظاهره لاحتمال أنه يريد أنه من زوج آخر أو من وطء بشبهة أو غير ذلك ولكنه يسأل فإن قال زنت فولدت هذا من الزنا فهذا قذف يثبت به اللعان وإن قال أردت أن لا يشبهني خلقا ولا خلقا فقالت بل أردت قذفي

فالقول قوله لأنه أعلم بمراده لا سيما إذا صرح بقوله لم تزن وإن قال وطئت بشبهة والولد من الواطىء فلا حد عليه أيضا لأنه لم يقذفها ولا قذف واطئها وإن قال أكرهت على الزنا فلا حد أيضا لأنه لم يقذفها ولا لعان في هذه المواضع لأنه لم يقذفها ومن شرط اللعان القذف ويلحقه نسب الولد

وبهذا قال أبو حنيفة

وذكر القاضي أن في هذه الصورة الآخرة رواية أخرى أن له اللعان لأنه محتاج إلى نفي الولد بخلاف ما إذا قال وطئت بشبهة فإنه يمكن نفي النسب بعرض الولد على القافة فيستغني بذلك عن اللعان فلا يشرع كما لا يشرع لعان أمته لما أمكن نفي نسب ولدها بدعوى الاستبراء وهذا مذهب الشافعي

ولنا إن اللعان إنما ورد به الشرع بعد القذف في قوله تعالى والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم النور 6 الآية ولما لاعن النبي صلى الله عليه وسلم بين هلال وامرأته كان بعد قذفه إياها وكذلك لما لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته كان بعد قذفه إياها ولا يثبت الحكم إلا في مثله ولأن نفي اللعان إنما ينتفي به الولد بتمامه منهما ولا يتحقق اللعان من المرأة هاهنا فأما إن قال وطئك فلان بشبهة وأنت تعلمين الحال فقد قذفها وله لعانها ونفي نسب ولدها وقالالقاضي ليس له نفيه باللعان وكذلك قال أصحاب الشافعي لأنه يمكنه نفي نسبه بعرضه على القافة فأشبه ما لو قال واشتبه عليك أيضا

ولنا إنه رام لزوجته فيدخل في عموم قوله تعالى والذين يرمون أزواجهم النور 6 ولأنه رام لزوجته بالزنا فملك لعانها ونفى ولدها كما لو قال زنى بك فلان

وما ذكروه لا يصح فإنه قد لا يوجد قافة وقد لا يعترف الرجل بما نسب إليه أو يغيب أو يموت فلا ينتفي الولد وإن قال ما ولدته وإنما التقطته أو استعارته فقالت بل


64

هو ولدي منك لم يقبل قول المرأة إلا ببينة وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي لأن الولادة يمكن إقامة البينة عليها والأصل عدمها فلم تقبل دعواها من غير بينة كالدين قال القاضي وكذلك لا تقبل دعواها للولادة فيما إذا علق طلاقها بها ولا دعوى الأمة لها لتصير بها أم ولد ويقبل قولها فيها لتقضي عدتها بها فعلى هذا لا يلحقه الولد إلا أن تقيم بينة وهي امرأة مرضية تشهد بولادتها له فإذا ثبتت ولادتها له لحقه نسبه لأنه ولد على فراشه والولد للفراش

وذكر القاضي في موضع آخر أن القول قول المرأة لقول الله تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن البقرة 228 وتحريم كتمانه دليل على قبول قولها فيه ولأنه خارج من المرأة تنقضي به عدتها فقبل قولها فيه كالحيض ولأنه حكم يتعلق بالولادة فقبل قولها فيه كالحيض

فعلى هذا النسب لاحق به وهل له نفيه باللعان فيه وجهان أحدهما ليس له نفيه لأن إنكاره لولادتها إياه إقرار بأنها لم تلده من زنا فلا يقبل إنكاره لذلك لأنه تكذيب لنفسه

والثاني له نفيه لأنه رام لزوجته وناف لولدها فكان له نفيه باللعان كغيره

فصل ومن ولدت امرأته ولدا لا يمكن كونه منه في النكاح لم يلحقه نسبه ولم يحتج إلى نفيه لأنه يعلم أنه ليس منه فلم يلحقه كما لو أتت به عقيب نكاحه لها وذلك مثل أن تأتي به لدون ستة أشهر من حين تزوجها فلا يلحق به في قول كل من علمنا قوله من أهل العلم لأننا نعلم أنها علقت به قبل أن يتزوجها وإن كان الزوج طفلا له أقل من عشر سنين فأتت امرأته بولد لم يلحقه لأنه لم يوجد ولد لمثله ولا يمكنه الوطء وإن كان له عشر فحملت امرأته لحقه ولدها لقول النبي صلى الله عليه وسلم واضربوهم على الصلاة لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع وقال القاضي يلحق به إذا أتت به لتسعة أعوام ونصف عام مدة الحمل لأن الجارية يولد لها لتسع فكذلك الغلام وقال أبو بكر لا يلحقه حتى يبلغ لأن الولد إنما يكون من الماء ولا ينزل حتى يبلغ

ولنا إنه زمن يمكن البلوغ فيه فيلحقه الولد كالبالغ وقد روي أن عمرو بن العاص وابنه عبد الله لم يكن بينهما إلا اثنا عشر عاما

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتفريق بينهم دليل على إمكان الوطء الذي هو سبب الولادة وأما قياس الغلام على الجارية فغير صحيح فإن الجارية يمكن الاستمتاع بها لتسع عادة والغلام لا يمكنه الاستمتاع لتسع وقد تحيض لتسع وما عهد بلوغ غلام لتسع ولو تزوج رجل امرأة في مجلس ثم طلقها فيه قبل غيبته عنهم ثم أتت امرأته بولد لستة أشهر من حين العقد أو تزوج مشرقي بمغربية ثم مضت ستة أشهر وأتت بولد لم يلحقه وبذلك قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يلحقه نسبه لأن الولد إنما يلحقه بالعقد ومدة الحمل ألا ترى أنكم قلتم إذا مضى زمان الإمكان لحق الولد وإن علم أنه لم يحصل منه الوطء

ولنا إنه لم يحصل إمكان الوطء بهذا العقد فلم يلحق به الولد كزوجة ابن سنة أو كما لو ولدته لدون ستة


65

أشهر وفارق ما قاسوا عليه لأن الإمكان إذا وجد لم يعلم أنه ليس منه قطعا لجواز أن يكون وطئها من حيث لا يعلم ولا سبيل لنا إلى معرفة حقيقة الوطء فعلقنا الحكم على إمكانه في النكاح ولم يجز حذف الإمكان عن الاعتبار لأنه إذا انتفى حصل اليقين بانتفائه فلم يجز إلحاقه به مع يقين كونه ليس منه وإن ولدت امرأة مقطوع الذكر والأنثيين لم يلحق نسبه به في قول عامة أهل العلم لأنه يستحيل منه الإنزال والإيلاج وإن قطعت أنثياه دون ذكره فكذلك

لأنه لا ينزل ما يخلق منه الولد وقال أصحابنا يلحقه النسب لأنه يتصور منه الإيلاج وينزل ماء رقيقا

ولنا إن هذا لا يخلق منه ولد عادة ولا وجد ذلك فأشبه ما لو قطع ذكره معهما ولا اعتبار بإيلاج لا يخلق منه الولد كما لو أولج أصبعه

وأما قطع ذكره وحده فإنه يلحقه الولد لأنه يمكن أن يساحق فينزل ماء يخلق منه الولد

ولأصحاب الشافعي اختلاف في ذلك على نحو ما ذكرنا من الخلاف عندنا

قال ابن اللبان لا يلحقه الولد في هاتين الصورتين في قول الجمهور

وقال بعضهم يلحقه بالفراش وهو غلط لأن الولد إنما يلحق بالفراش إذا أمكن ألا ترى أنها إذا ولدت بعد شهر منذ تزوجها لم يلحقه وهاهنا لا يمكن لفقد المني من المسلول وتعذر إيصال المني إلى قعر الرحم من المجبوب

ولا معنى لقول من قال يجوز أن تستدخل المرأة مني الرجل فتحمل لأن الولد مخلوق من مني الرجل والمرأة جميعا ولذلك يأخذ الشبه منهما وإذا استدخلت المني بغير جماع لم تحدث لها لذة تمني بها فلا يختلط منهما ولو صح ذلك لكان الأجنبيان الرجل والمرأة إذا تصادقا أنها استدخلت منيه وأن الولد من ذلك المني يلحقه نسبه وما قال ذلك أحد

فصل وإن طلق امرأته وهي حامل فوضعت ولدا ثم ولدت آخر قبل مضي ستة أشهر فهو من الزوج لأننا نعلم أنهما حمل واحد فإذا كان أحدهما منه فالآخر منه

وإن كان بينهما أكثر من ستة أشهر لم يلحق الزوج وانتفى عنه من غير لعان لأنه لا يمكن أن يكون الولدان حملا واحدا وبينهما مدة الحمل فعلم أنها علقت به بعد زوال الزوجية وانقضاء العدة وكونها أجنبية فهي كسائر الأجنبيات وإن طلقها فاعتدت بالأقراء ثم ولدت ولدا قبل مضي ستة أشهر من آخر إقرائها لحقه لأننا تيقنا أنها لم تحمله بعد انقضاء عدتها ونعلم أنها كانت حاملا به في زمن رؤية الدم فيلزم أن لا يكون الدم حيضا فلم تنقض عدتها به

وإن أتت به لأكثر من ذلك لم يلحق بالزوج وهذا قول أبي العباس بن سريج

وقال غيره من أصحاب الشافعي يلحق به لأنه يمكن أن يكون منه والولد يلحق بالإمكان

ولنا إنها أتت به بعد الحكم بانقضاء عدتها في وقت يمكن أن لا يكون منه فلم يلحقه كما لو انقضت عدتها بوضع الحمل وإنما يعتبر الإمكان مع بقاء الزوجة أو العدة وأما بعدهما فلا يكتفي بالإمكان للحاقه وإنما يكتفي بالإمكان لنفيه وذلك لأن الفراش سبب ومع وجود السبب يكتفي بإمكان الحكمة واحتمالها فإذا انتفى


66

السبب وآثاره فينتفي الحكم لانتفائه ولا يلتفت إلى مجرد الإمكان والله أعلم

فأما إن وضعته قبل انقضاء العدة لأقل من أربع سنين لحق بالزوج ولم ينتف عنه إلا باللعان وإن وضعته لأكثر من أربع سنين

من حين الطلاق وكان بائنا انتفى عنه بغير لعان لأننا علمنا أنها علقت به بعد زوال الفراش

وإن كان رجعيا فوضعته لأكثر من أربع سنين منذ انقضت العدة فكذلك لأنها علقت به بعد البينونة وإن وضعته لأكثر من أربع سنين منذ الطلاق ولأقل منها منذ انقضت العدة ففيه روايتان إحداهما لا يلحقه لأنها لم تعلق به قبل طلاقها فأشبهت البائن والثانية يلحقه لأنها في حكم الزوجات في السكنى والنفقة والطلاق والظهار والإيلاء والحل في رواية فأشبه ما قبل الطلاق

فصل فإن غاب عن زوجته سنين فبلغتها وفاته فاعتدت ونكحت نكاحا صحيحا في الظاهر ودخل بها الثاني وأولدها أولادا ثم قدم الأول فسخ نكاح الثاني وردت إلى الأول وتعتد من الثاني ولها عليه صداق مثلها والأولاد له لأنهم ولدوا على فراشه

روي ذلك عن علي رضي الله عنه وهو قول الثوري وأهل العراق وابن أبي ليلى ومالك وأهل الحجاز والشافعي وإسحاق وأبي يوسف وغيرهم من أهل العلم إلا أبا حنيفة قال الولد للأول لأنه صاحب الفراش لأن نكاحه صحيح ثابت ونكاح الثاني غير ثابت فأشبه الأجنبي

ولنا إن الثاني انفرد بوطئها في نكاح يلحق النسب في مثله فكان الولد له دون غيره كولد الأمة من زوجها يلحقه دون سيدها وفارق الأجنبي فإنه ليس له نكاح

فصل وإن وطىء رجل امرأة لا زوج لها بشبهة فأتت بولد لحقه نسبه وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة

وقال القاضي وجدت بخط أبي بكر أنه لا يلحق به لأن النسب لا يلحق إلا في نكاح صحيح أو فاسد أو ملك أو شبهة ملك ولم يوجد شيء من ذلك ولأنه وطء لا يستند إلى عقد فلم يلحق الولد فيه بالوطء كالزنا والصحيح في المذهب الأول

قال أحمد كل من درأت عنه الحد ألحقت به الولد ولأنه وطء اعتقد الواطىء حله فلحق به النسب كالوطء في النكاح الفاسد

وفارق وطء الزنا فإنه لا يعتقد الحل فيه

ولو تزوج رجلان أختين فغلط بهما عند الدخول فزفت كل واحدة منهما إلى زوج الأخرى فوطئها وحملت منه لحق الولد بالواطىء لأنه وطء يعتقد حله فلحق به النسب كالوطء في نكاح فاسد

وقال أبو بكر لا يكون الولد للواطىء وإنما يكون للزوج

وهذا الذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة لأن الولد للفراش ولنا إن الواطىء انفرد بوطئها فيما يلحق به النسب فلحق به كما لو لم تكن ذات زوج وكما لو تزوجت امرأة المفقود عند الحكم بوفاته ثم بان حيا

والخبر مخصوص بهذا فنقيس عليه ما كان في معناه

وإن وطئت امرأته أو أمته بشبهة في طهر لم يصبها فيه فاعتزلها حتى أتت بولد لستة أشهر من حين الوطء لحق الواطىء وانتفى عن


67

الزوج من غير لعان وعلى قول أبي بكر وأبي حنيفة يلحق الزوج لأن الولد للفراش وإن أنكر الواطىء الوطء فالقول قوله بغير يمين ويلحق نسب الولد بالزوج لأنه لا يمكن إلحاقه بالمنكر ولا تقبل دعوى الزوج في قطع نسب الولد

وإن أتت بالولد لدون ستة أشهر من حين الوطء لحق الزوج بكل حال لأننا نعلم أنه ليس من الواطىء

وإن اشتركا في وطئها في طهر فأتت بولد يمكن أن يكون منهما لحق الزوج لأن الولد للفراش وقد أمكن كونه منه

وإن ادعى الزوج أنه من الواطىء فقال بعض أصحابنا يعرض على القافة معهما فليحق بمن ألحقته به منهما فإن ألحقته بالواطىء لحقه ولم يملك نفيه عن نفسه وانتفى عن الزوج بغير لعان وإن ألحقته بالزوج لحق ولم يملك نفيه باللعان في أصح الروايتين

والأخرى له ذلك وإن ألحقته بهما لحق بهما ولم يملك الواطىء نفيه عن نفسه وهل يملك الزوج نفيه باللعان على روايتين وإن لم توجد قافة أو أنكر الواطىء الوطء أو اشتبه على القافة لحق الزوج لأن المقتضي للحاق النسب به متحقق ولم يوجد ما يعارضه فوجب إثبات حكمه

ويحتمل أن يلحق الزوج بكل حال لأن دلالة قول القافة ضعيفة ودلالة الفراش قوية فلا يجوز ترك دلالته لمعارضة دلالة ضعيفة

فصل وإن أتت بولد فادعى أنه من زوج قبله نظرنا فإن كانت تزوجت بعد انقضاء العدة لم يلحق بالأول بحال وإن كان بعد أربع سنين منذ بانت من الأول لم يلحق به أيضا

وإن وضعته لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني لم يلحق به وينتفي عنهما وإن كان لأكثر من ستة أشهر فهو ولده

وإن كان لأكثر من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني ولأقل من أربع سنين من طلاق الأول ولم يعلم انقضاء العدة عرض على القافة وألحق بمن ألحقته به منهما فإن ألحقته بالأول انتفى عن الزوج بغير لعان وإن ألحقته بالزوج انتفى عن الأول ولحق الزوج وهل له نفيه باللعان على روايتين

مسألة

قال ( واللعان الذي يبرأ به من الحد أن يقول الزوج بمحضر من الحاكم أشهد بالله لقد زنت ويشير إليها وإن لم تكن حاضرة سماها ونسبها حتى يكمل ذلك أربع مرات ثم يوقف عند الخامسة ويقال له اتق الله فإنها الموجبة وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة

فإن أبى إلا أن يتم فليقل ولعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا وتقول هي أشهد بالله لقد كذب أربع مرات ثم توقف عند الخامسة تخوف كما خوف الرجل فإن أبت إلا أن تتم فلتقل وغضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا ) في هذه المسألة مسألتان

إحداهما أن اللعان لا يصح إلا بمحضر من الحاكم أو من يقوم مقامه وهذا مذهب الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر هلال بن أمية أن يستدعي زوجته إليه ولاعن بينهما ولأنه إما يمين وإما شهادة فأيهما كان فمن شرطه الحاكم

وإن تراضى الزوجان بغير الحاكم يلاعن بينهما لم يصح ذلك لأن اللعان مبني على التغليظ والتأكيد فلم يجز بغير الحاكم كالحد

وسواء كان الزوجان حرين أو مملوكين في ظاهر


68

كلام الخرقي

وقال أصحاب الشافعي للسيد أن يلاعن بين عبده وأمته لأن له ءقامة الحد عليهما

ولنا إنه لعان بين زوجين فلم يجز لغير الحاكم أو نائبه كاللعان بين الحرين

ولا نسلم أن السيد يملك إقامة الحد على أمته المزوجة

ثم لا يشبه اللعان الحد لأن الحد زجر وتأديب واللعان إما شهادة وإما يمين فافترقا

ولأن اللعان دارىء للحد وموجب له فجرى مجرى إقامة البينة على الزنا والحكم به أو بنفيه

وإن كانت المرأة خفرة لا تبرز لحوائجها بعث الحاكم نائبه وبعث معه عدولا ليلاعنوا بينهما وإن بعث نائبه وحده جاز لأن الجمع غير واجب

فصل ويستحب أن يكون اللعان بمحضر جماعة من المسلمين لأن ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد حضروه مع حداثة أسنانهم

فدل ذلك على أنه حضره جمع كثير لأن الصبيان إنما يحضرون المجالس تبعا للرجال

ولأن اللعان بني على التغليظ مبالغة في الردع به والرجز وفعله في الجماعة أبلغ في ذلك

ويستحب أن لا ينقصوا عن أربعة لأن بينة الزنا الذي شرع اللعان من أجل الرمي به أربعة وليس شيء من هذا واجبا

ويستحب أن يتلاعنا قياما فيبدأ الزوج فيلتعن وهو قائم

فإذا فرغ قامت المرأة فالتعنت وهي قائمة

لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهلال بن أمية قم فاشهد أربع شهادات ولأنه إذا قام شاهده الناس فكان أبلغ في شهرته فاستحب كثرة الجمع وليس ذلك واجبا وبهذا كله قال أبو حنيفة والشافعي ولا أعلم فيه مخالفا

فصل قال القاضي ولا يستحب التغليظ في اللعان بمكان ولا زمان وبهذا قالأبو حنيفة لأن الله تعالى أطلق الأمر بذلك ولم يقيده بزمن ولا مكان فلا يجوز تقييده إلا بدليل ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرجل بإحضار امرأته ولم يخصه بزمن ولو خصه بذلك لنقل ولم يهمل وقال أبو الخطاب يستحب أن يتلاعنا في الأزمان والأماكن التي تعظم

وهذا مذهب الشافعي إلا أن عنده في التغليظ بالمكان قولين أحدهما أن التغليظ به مستحب كالزمان والثاني أنه واجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن عند المنبر فكان فعله بيانا للعان ومعنى التغليظ بالمكان أنهما إذا كانا بمكة لاعن بينهما بين الركن والمقام فإنه أشرف البقاع وإن كانا في المدينة فعند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بيت المقدس عند الصخرة وفي سائر البلدان في جوامعها وأما الزمان فبعد العصر لقول الله تعالى تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله المائدة 106 وأجمع المفسرون على أن المراد بالصلاة صلاة العصر

قالأبو الخطاب في موضع أو بين الأذانين لأن الدعاء بينهما لا يرد والصحيح الأول ولو استحب ذلك لفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولو فعله لنقل ولم يسغ له وإهماله وأما قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بينهما عند المنبر فليس هذا في شيء من الأحاديث المشهورة

وإن ثبت هذا فيحتمل أنه كان بحكم الاتفاق لأن مجلسه كان عنده فلاعن بينهما في مجلسه

فإن كان اللعان بين كافرين فالحكم فيه كالحكم في اللعان بين المسلمين

ويحتمل أن يغلظ في المكان لقوله في الأيمان وإن كان لهم مواضع يعظمونها ويتوقون أن يحلفوا فيها كاذبين حلفوا فيها فعلى هذا يلاعن بينهما في مواضعهم اللاتي يعظمونها


69

النصراني في البيعة واليهودي في الكنيسة والمجوسي في بيت النار وإن لم يكن لهم مواضع يعظمونها حلفهم الحاكم في مجلسه لتعذر التغليظ بالمكان وإن كانت المسلمة حائضا وقلنا إن اللعان بينهما يكون في المسجد وقفت على بابه ولم تدخله لأن ذلك أقرب المواضع إليه

المسألة الثانية في ألفاظ اللعان وصفته أما ألفاظه فهي خمسة في حق كل واحد منهما وصفته أن الإمام يبدأ بالزوج فيقيمه ويقول له قل أربع مرات أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا ويشير إليها إن كانت حاضرة ولا يحتاج مع الحضور والإشارة إلى نسبها وتسميتها كما لا يحتاج إلى ذلك في سائر العقود وإن كانت غائبة أسماها ونسبها فقال امرأتي فلانة بنت فلان ويرفع في نسبها حتى ينفي المشاركة بينهما وبين غيرها

فإذا شهد أربع مرات وقفه الحاكم وقال له اتق الله فإنها الموجبة وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وكل شيء أهون من لعنة الله ويأمر رجلا فيضع يده على فيه حتى لا يبادر بالخامسة قبل الموعظة ثم يأمر الرجل فيرسل يده عن فيه فإن رآه يمضي في ذلك قال له قل وإن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا

ثم يأمر المرأة بالقيام ويقول لها قولي أشهد بالله إن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا وتشير إليه وإن كان غائبا أسمته ونسبته فإذا كررت ذلك أربع مرات وقفها ووعظها كما ذكرنا في حق الزوج ويأمر امرأة فتضع يدها على فيها فإن رآها تمضي على ذلك قال لها قولي وإن غضب الله علي إن كان زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من الزنا

قال إسحاق بن منصور قلت لأحمد كيف يلاعن قال على ما في كتاب الله يقول أربع مرات أشهد بالله إني فيما رميتها به لمن الصادقين ثم يوقف عند الخامسة فيقول لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين

والمرأة مثل ذلك توقف عند الخامسة فيقال لها اتق الله فإنها الموجبة التي توجب عليك العذاب فإن حلفت قالت غضب الله عليها إن كان من الصادقين

وعدد هذه الألفاظ الخمسة شرط في اللعان

فإن أخل بواحدة منها لم يصح على ما ذكرناه فيما مضى وإن أبدل لفظا منها فظاهر كلام الخرقي أنه يجوز أن يبدل قوله إني لمن الصادقين بقوله لقد زنت لأن معناهما واحد ويجوز لها إبدال إنه لمن الكاذبين بقولها لقد كذب لأنه ذكر صفة اللعان كذلك واتباع لفظ النص أولى وأحسن

وإن أبدل لفظة أشهد بلفظ من ألفاظ اليمين فقال أحلف أو أقسم أو أولي لم يعتد به

وقالأبو الخطاب فيه وجه آخر أنه يعتد به لأنه أتى بالمعنى فأشبه ما لو أبدل إني لمن الصادقين بقوله لقد زنت وللشافعي وجهان في هذا والصحيح أنه لا يصح لأن ما اعتبر فيه لفظ الشهادة لم يقم غيره مقامه كالشهادات في الحقوق ولأن اللعان يقصد فيه التغليظ واعتبار لفظ الشهادات أبلغ في التغليظ فلم يجز تركه ولهذا لم يجز أن يقسم بالله من غير كلمة تقوم مقام أشهد

والثاني يعتد به لأنه أتى بالمعنى أشبه ما قبله وللشافعي وجهان كهذين وإن أبدل لفظة اللعنة بالإبعاد لم


70

يجز لأن لفظ اللعنة أبلغ في الزجر وأشد في أنفس الناس ولأنه عدل عن المنصوص

وقيل يجوز لأن معناهما واحد وإن أبدلت المرأة لفظة الغضب باللعنة لم يجز لأن الغضب أغلظ ولهذا خصت المرأة به لأن المرأة بزناها أقبح وإثمها بفعل الزنا أعظم من إثمه بالقذف

وإن أبدلتها بالسخط خرج على وجهين فيما إذا أبدل الرجل لفظة اللعنة بالإبعاد

وإن أبدل الرجل لفظة اللعنة بالغضب احتمل أن يجوز لأنه أبلغ واحتمل أن لا يجوز لمخالفته المنصوص

قالالوزير يحيى بن محمد بن هبيرة رحمه الله تعالى من الفقهاء من اشترط أن يزاد بعد قوله من الصادقين

فيما رميتها به من الزنا واشترط في نفيها عن نفسها فيما رماني به من الزنا ولا أراه يحتاج إليه لأن الله سبحانه أنزل ذلك وبينه ولم يذكر هذا الاشتراط

وأما موعظة الإمام لهما بعد الرابعة وقبل الخامسة فهي مستحبة في قول أكثر أهل العلم لما روى ابن عباس قال لما كانت الخامسة قيل يا هلال اتق الله فإنها الموجبة التي توجب عليك العذاب

فقال والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها فشهد الخامسة

فلما كانت الخامسة قيل لها اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فتلكأت ساعة ثم قالت والله لا أفضح قومي فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين وروى أبو إسحاق الجوزجاني بإسناده حديث المتلاعنين قال فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه وقال ويحك كل شيء أهون عليك من لعنة الله ثم أرسل فقال لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم دعاها فقرأ عليها فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ثم أمر بها فأمسك على فيها وقال ويحك كل شيء أهون عليك من عذاب الله وذكر الحديث

فصل ويشترط في صحة اللعان شروط ستة أحدها أن يكون بمحضر الإمام أو نائبه

الثاني أن يأتي كل واحد منهما باللعان بعد إلقائه عليه فإن بادر به قبل أن يلقيه الإمام عليه لم يصح كما لو حلف قبل أن يحلفه الحاكم

الثالث استكمال لفظات اللعان الخمسة فإن نقص منها لفظة لم يصح

الرابع أن يأتي بصورته إلا ما ذكرنا من الاختلاف في إبدال لفظة بمثلها في المعنى

الخامس الترتيب فإن قدم لفظة اللعنة على شيء من الألفاظ الأربعة أو قدمت المرأة لعانها على لعان الرجل لم يعتد به السادس الإشارة من كل واحد منهما إلى صاحبه إن كان حاضرا وتسميته ونسبته إن كان غائبا ولا يشترط حضورهما معا بل لو كان أحدهما غائبا عن صاحبه مثل إن لاعن الرجل في المسجد والمرأة على بابه لعدم إمكان دخولها جاز

فصل وإذا كان الزوجان يعرفان العربية لم يجز أن يلتعنا بغيرها لأن اللعان ورد في القرآن بلفظ العربية

وإن كانا لا يحسنان ذلك جاز لهما الالتعان بلسانهما لموضع الحاجة فإن كان الحاكم يحسن لسانهما أجزأ ذلك ويستحب أن يحضر معه أربعة يحسنون لسانهما

وإن كان الحاكم لا يحسن لسانهما فلا بد من ترجمان قال


71

القاضي ولا يجزىء في الترجمة أقل من اثنين عدلين وهو قول الشافعي وظاهر قول الخرقي لأنه قال ولا يقبل في الترجمة عن أعجمي حاكم إليه إذا لم يعرف لسانه أقل من عدلين يعرفان لسانه وذكر أبو الخطاب رواية أخرى أنه يجزىء قول عدل واحد

وهو قولأبي حنيفة وسنذكر ذلك في موضع آخر إن شاء الله تعالى

مسألة

قال ( وإن كان بينهما في اللعان ولد ذكر الولد

فإذا قال أشهد بالله لقد زنت يقول وما هذا الولد ولدي

وتقول هي أشهد بالله لقد كذب وهذا الولد ولده ) وجملة ذلك أنه متى كان اللعان لنفي ولد فلا بد من ذكره في لعانهما

وقالالشافعي لا تحتاج المرأة إلى ذكره لأنها لا تنفيه وإنما احتاج الزوج إلى ذكره لنفيه وقال أبو بكر لا يحتاج واحد منهما إلى ذكره وينتفي بزوال الفراش

ولنا إن من سقط حقه باللعان اشترط ذكره فيه كالمرأة

والمرأة أحد الزوجين فكان ذكر الولد شرطا في لعانها كالزوج ولأنهما متحالفان على شيء فاشترط ذكره في تحالفهما كالمختلفين في اليمين وظاهر كلام الخرقي أنه يكتفي بقول الزوج وما هذا الولد ولدي ومن المرأة بقولها وهذا الولد ولده

وقال القاضي يشترط أن يقول هذا الولد من زنا وليس هو مني وهو مذهب الشافعي لأنه قد يريد بقوله ليس هو مني يعني خلقا وخلقا ولم نقتصر على قوله من زنا لأنه قد يعتقد أن الوطء في نكاح فاسد زنا فأكدنا بذكرهما جميعا

ولنا إنه نفى الولد في اللعان فاكتفى به كما لو ذكر اللفظين وما ذكروه من التأكيد تحكم بغير دليل ولا ينتفي الاحتمال بضم إحدى اللفظتين إلى الأخرى فإنه إذا اعتقد أنه من وطء فاسد واعتقد أن ذلك زنا صح منه أن يقول اللفظين جميعا وقد يريد أنه لا يشبهني خلقا وخلقا أو أنه من وطء فاسد فإن لم يذكر الولد في اللعان لم ينتف عنه وإن أراد نفيه أعاد اللعان ويذكر نفي الولد فيه

فصل وإذا قذف امرأته بالزنا برجل بعينه فقد قذفهما وإذا لاعنها سقط الحد عنه لهما سواء ذكر الرجل في لعانه أو لم يذكره وإن لم يلاعن فلكل واحد منهما المطالبة وأيهما طالب حد له ومن لم يطالب فلا يحد له كما لو قذف رجلا بالزنا بامرأة معينة وبهذا قال أبو حنيفة ومالك إلا في أنه لا يسقط حده بلعانها وقال بعض أصحابنا القذف للزوجة وحدها ولا يتعلق بغيرها حق في المطالبة ولا الحد لأن هلال بن أمية قذف زوجته بشريك بن سحماء فلم يحده النبي صلى الله عليه وسلم ولا عزره له

وقال بعض أصحاب الشافعي يجب الحد وهل يجب حد واحد أو حدان على وجهين

وقال بعضهم لا يجب إلا حد واحد قولا واحدا ولا خلاف بينهم أنه إذا لاعن وذكر الأجنبي في لعانه أنه يسقط عنه حكمه وإن لم يذكره فعلى وجهين

ولنا إن اللعان بينة في أحد الطرفين فكان بينة في الطرف الآخر كالشهادة ولأن به حاجة إلى قذف الزاني لما


72

أفسد عليه من فراشه وربما يحتاج إلى ذكره ليستدل بشبه الولد للمقذوف على صدق قاذفه كما استدل النبي صلى الله عليه وسلم على صدق هلال بشبه الولد لشريك بن سحماء فوجب أن يسقط حكم قذفه ما أسقط حكم قذفها قياسا له عليها

فصل ولو قذف امرأته وأجنبية أو أجنبيا بكلمتين فعليه حدان لهما فيخرج من حد الأجنبية بالبينة خاصة ومن حد الزوجة بالبينة أو اللعان

وإن قذفهما بكلمة فكذلك إلا أنه إذا لم يلاعن ولم تقم بينة فهل يحد لهما حدا واحدا أو حدين على روايتين

إحداهما يحد حدا واحدا وبه قال أبو حنيفة والشافعي في القديم وزاد أبو حنيفة سواء كان بكلمة أو بكلمات لأنهما حدود من جنس فوجب أن تتداخل كحدود الزنا والثانية إن طالبوا مجتمعين فحد واحد وإن طالبوا متفرقين لكل واحد حد لأنهم إذا اجتمعوا في الطلب أمكن إيفاؤهم بالحد الواحد وإذا تفرقوا لم يمكن جعل الحد الواحد إيفاء لمن لم يطالب لأنه لا يجوز إقامة الحد له قبل المطالبة منه

وقال الشافعي في الحد يقام لكل واحد حد بكل حال لأنها حقوق الآدميين فلم تتداخل كالديون

ولنا إنه إذا قذفهما بكلمة واحد يجزىء حد واحد لأنه يظهر كذبه في قذفه وبراءة عرضهما من رميه بحد واحد فأجزأ كما لو كان القذف لواحد

وإذا قذفهما بكلمتين وجب حدان لأنهما قذفان لشخصين فوجب لكل واحد حد كما لو قذف الثاني بعد حد الأول وهكذا الحكم فيما إذا قذف أجنبيتين أو أجنبيات فالتفصيل فيه على ما ذكرناه وإن قذف أربع نسائه فالحكم في الحد كذلك وإن أراد اللعان فعليه أن يلاعن لكل واحدة لعانا مفردا ويبدأ بلعان التي تبدأ بالمطالبة فإن طالبن جميعا وتشاححن بدأ بإحداهن بالقرعة وإن لم يتشاححن بدأ باللعان من شاء منهن ولو بدأ بواحدة منهن من غير قرعة مع المشاحة صح ويحتمل أن يجزئه لعان واحد فيقول أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به كل واحدة من زوجاتي هؤلاء الأربع من الزنا وتقول كل واحدة أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا لأنه يحصل المقصود بذلك والأول أصح لأن اللعان أيمان فلا تتداخل لجماعة كالأيمان في الديون

فصل ولو قال لزوجته يا زانية بنت الزانية فقذ قذفها وقذف أمها بكلمتين والحكم في الحد لهما على ما مضى من التفصيل فيه فإن اجتمعا في المطالبة ففي أيتهما يقدم فيها وجهان أحدهما الأم

لأن حقها آكد لكونه لا يسقط إلا بالبينة ولأن لها فضيلة الأمومة

والثاني تقديم البنت لأنه بدأ بقذفها ومتى حد لإحداهما ثم وجب عليه الحد للأخرى لم يحد حتى يبرأ جلده من حد الأولى

فإن قيل إن الحد هاهنا حق لآدمي فلم لا يتولى بينهما كالقصاص فإنه لو قطع يدي رجلين قطعنا يديه لهما ولم نؤخره قلنا لأن حد القذف لا يتكرر بتكرر سببه قبل إقامة حده فالموالاة بين حدين فيه تخريجه عن موضوعه

والقصاص يجوز أن تقطع الأطراف كلها في قصاص واحد فإذا جاز لواحد فلاثنين أولى

فصل وإن قذف محصنا مرات فحد واحد رواية واحدة سواء قذفه بزنا آخر أو كرر القذف بالأول


73

لأنهما حدان ترادف سببهما فتداخلا كالزنا مرارا وإن قذفه فحد له ثم قذفه مرة أخرى بذلك الزنا فلا حد عليه لأنه قد تحقق كذبه فيه بالحد فلا حاجة إلى إظهار كذبه فيه ثانيا ولما جلد عمر أبا بكرة حين شهد على المغيرة بن شعبة أعاد قذفه فهم عمر بإعادة الحد عليه فقال له علي إن جلدته فارجم صاحبه فتركه ولكنه يعزر تعزير السب والشتم

وذكر القاضي أن فيه رواية أخرى أن عليه الحد ثانيا لأنه قذف ثان بعد إقامة الحد عليه فأشبه ما لو قذفه بزنا ثان

وأما إن قذفه بزنا آخر فعليه حد لآخر لأنه قذف لمحصن لم يحد فيه فوجب أن يتعقبه الحد كالأول ولأن سبب الحد وجد بعد إقامته فأعيد عليه كالزنا والسرقة وعن أحمد رواية أخرى لا حد عليه في الثاني لأنه حد لصاحبه مرة فلا يعاد عليه كما لو قذفه بالزنا الأول

وعلى هذه الرواية يعزر تعزير السب والشتم

وهذه الرواية الثانية فيما إذا تقارب القذف الثاني من الحد فأما إذا تباعد زمانهما وجب الحد بكل حال لأنه لا يجوز أن يكون حده مرة من أجله فوجب إطلاق عرضه له ومذهب الشافعي في هذا كمذهبنا إلا أنهم حكوا عن الشافعي فيما إذا أعاد القذف بزنا ثان قبل إقامة الحد قولين

أحدهما يجب حد واحد

والثاني يجب حدان فأما إن قذف أجنبية ثم تزوجها ثم قذفها فعليه الحد للقذف الأول ولا شيء عليه للثاني في وقول أبي بكر وحكي نحو ذلك عن الزهري والثوري وأصحاب الرأي لأنه لو قذف أجنبية قذفين لم يجب عليه أكثر من حد واحد واختار القاضي أنه إن قذفها بالزنا الأول لم يكن عليه أكثر من حد واحد وليس له إسقاطه إلا بالبينة وإن قذفها بزنا آخر فهو على الروايتين فيما إذا قذف الأجنبية ثم حد لها ثم قذفها بزنا آخر فإن قلنا يجب حدان فطالبت المرأة بموجب القذف الأول فأقام به بينة سقط عنه حده ولم يجب في الثاني حد لأنها غير محصنة وإن لم يقم بينة حد لها ومتى طالبته بموجب الثاني فأقام به بينة أو لاعنها سقط وإلا وجب عليه الحد أيضا لأن هذا القذف موجبه غير موجب الأول

فإن الأول موجبه الحد على الخصوص والثاني موجبه اللعان والحد وإن بدأت بالمطالبة بموجب الثاني فأقام بينة به أو لاعن سقط حده ولها المطالبة بموجب الأول فإن أقام به بينة وإلا حد

قال القاضي إن أقام بالثاني بينة سقط موجب الأول وهو مذهب الشافعي لأنها صارت غير محصنة ولا يثبت لها حد المحصنات

ولنا إن سقوط إحصانها في الثاني لا يوجب سقوطه فيما قبل ذلك كما لو استوفى حده قبل إقامة البينة

ولعل هذا ينبني على ما إذا قذف رجلا فلم يقم الحد على القاذف حتى زنى المقذوف وإن لم يقم بينة عليهما ولم يلتعن للثاني لم يجب إلا حد واحد نص عليه أحمد

ولأنهما حدان من جنسين ترادفا فلم يقم أحدهما فتداخلا كما لو قذفها وهي أجنبية قذفين ولو قذف زوجته فحد لها ثم أعاد قذفها بذلك الزنا لم يحد لها لما ذكرنا في إعادة قذف الأجنبي لكن يعزر للأذى والسب وليس له إسقاط التعزير باللعان لأنه تعزير سب لا تعزير قذف إلا على الرواية التي تلزم الأجنبي حدان بإعادة القذف فإنه يلزمه هاهنا حد وله إسقاطه باللعان وإن ولد له ولد بعد حده فذكر أنه


74

من ذلك الزنا فله اللعان لإسقاطه على كلتا الروايتين لأنه محتاج إلى نفيه

وإن قذفها في الزوجية قذفين بزناءين فليس عليه إلا حد واحد ويكفيه لعان واحد لأنه يمين فإذا كان الحقان لواحد كفته يمين واحدة لكنه يحتاج أن يقول أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزناءين وفارق ما إذا قذف زوجتين حيث لا يكفيه لعان واحد لأن اليمين وجبت لكل واحد منهما فلا تتداخل كسائر الأيمان

وإن أقام البينة بالأول سقط عنه موجب الثاني لأنه زال إحصانها ولا لعان إلا أن يكون فيه نسب يريد نفيه وإن أقامها بالثاني لم يسقط الحد الأول وله إسقاطه باللعان إلا على قول القاضي فإنه يسقط بإقامة البينة على الثاني وإن قذفها في الزوجية ولاعنها ثم قذفها بالزنا الأول فلا حد عليه لأنه قد حققه بلعانه ويحتمل أن يحد كما لو قذفها به أجنبي وهو قول القاضي ولو قذفها به أجنبي أو بزنا غيره فعليه الحد في قول عامة أهل العلم منهم ابن عباس والزهري والشعبي والنخعي وقتادة ومالك والشافعي وأبو عبيد وذكر أبو عبيد عن أصحاب الرأي أنهم قالوا إن لم ينف بلعانها ولدا حد قاذفها وإن نفاه فلا حد على قاذفها لأنه منتف عن زوجها بالشرع

ولنا ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من رماها أو ولدها فعليه الحد رواه أبو داود وهذا نص فإنه نص على من رماها مع أن ولدها منفي عن الملاعن شرعا ولأنه لم يثبت زناها ولا زال إحصانها فيلزم قاذفها الحد بقوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة النور 4 وكما لو لم ينف ولدها

فأما إن أقام بينة فقذفها قاذف بذلك الزنا أو بغيره فلا حد عليه لأنه قد زال إحصانها ولأن هذا القذف لم يدخل المعرة عليها وإنما دخلت المعرة بقيام البينة ولكنه يعزر تعزير السب والأذى وهكذا كل من قامت البينة بزناه لا حد على قاذفه وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي ولكنه يعزر تعزير السب والأذى ولا يملك الزوج إسقاطه عن نفسه باللعان لما قدمناه

وإن قذف زوجته ولاعنها ثم قذفها بزنا آخر فعليه الحد لأنها بانت منه باللعان وصارت أجنبية إلا أن يضيف الزنا إلى حال الزوجية فعند ذلك إن كان ثم نسب يريد نفيه فله الملاعنة لنفيه وإلا لزمه الحد ولا لعان بينهما

مسألة

قال ( فإن التعن هو ولم تلتعن هي فلا حد عليها والزوجية بحالها ) وجملة ذلك أنه إذا لاعنها وامتنعت من الملاعنة فلا حد عليها

وبه قال الحسن والأوزاعي وأصحاب الرأي وروي ذلك عن الحارث العكلي وعطاء الخراساني وذهب مكحول والشعبي ومالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأبو إسحاق الجوزجاني وابن المنذر إلى أن عليها الحد لقول الله تعالى ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات النور 8 والعذاب الذي يدرؤه لعانها هو الحد المذكور في قوله سبحانه وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين


75

النور 2 ولأنه بلعانه حقق زناها فوجب عليها الحد كما لو شهد عليها أربعة

ولنا إنه لم يتحقق زناها فلا يجب عليها الحد كما لو لم يلاعن

ودليل ذلك أن تحقيق زناها لا يخلو إما أن يكون لعان الزوج أو بنكولها أو بهما معا لا يجوز أن يكون بلعان الزوج وحده لأنه لو ثبت زناها به لما سمع لعانها ولا وجب الحد على قاذفها ولأنه إما يمين وإما شهادة وكلاهما لا يثبت له الحق على غيره ولا يجوز أن يثبت بنكولها لأن الحد لا يثبت بالنكول فإنه يدرأ بالشبهات فلا يثبت بها

وذلك لأن النكول يحتمل أن يكون لشدة خفرها أو لعقلة على لسانها أو غير ذلك فلا يجوز إثبات الحد الذي اعتبر في بينته من العدد ضعف ما اعتبر في سائر الحدود واعتبر في حقهم أن يصفوا صورة الفعل وأن يصرحوا بلفظه وغير ذلك مبالغة في نفي الشبهات عنه وتوسلا إلى إسقاطه ولا يجوز أن يقضى فيه بالنكول الذي هو في نفسه شبهة لا يقضى به في شيء من الحدود ولا العقوبات ولا ما عدا الأموال مع أن الشافعي لا يرى القضاء بالنكول في شيء فكيف يقضى به في أعظم الأمور وأبعدها ثبوتا وأسرعها سقوطا ولأنها لو أقرت بلسانها ثم رجعت لم يجب عليها الحد فلأن لا يجب بمجرد امتناعها من اليمين على براءتها أولى

ولا يجوز أن يقضى فيه بهما لأن ما لا يقضى فيه باليمين المفردة لا يقضى فيه باليمين مع النكول كسائر الحقوق

ولأن ما في كل واحد منهما من الشبهة لا ينتفي بضم أحدهما إلى الآخر فإن احتمال نكولها لفرط حيائها وعجزها عن النطق باللعان في مجمع الناس لا يزول بلعان الزوج والعذاب يجوز أن يكون الحبس أو غيره فلا يتعين في الحد وإن احتمل أن يكون هو المراد فلا يثبت الحد بالاحتمال وقد يرجح ما ذكرناه بقول عمر رضي الله عنه إن الحد على من زنا وقد أحصن إذا كانت بينة أو كان الحمل أو الاعتراف فذكر موجبات الحد ولم يذكر اللعان

واختلفت الرواية فيما يصنع بها فروي أنها تحبس حتى تلتعن أو تقر أربعا

قال أحمد فإن أبت المرأة أن تلتعن بعد التعان الرجل أجبرتها عليه وهبت أن أحكم عليها بالرجم لأنها لو أقرت بلسانها لم أرجمها إذا رجعت فكيف إذا أبت اللعان ولا يسقط النسب إلا بالتعانهما جميعا لأن الفراش قائم حتى تلتعن والولد للفراش

قال القاضي هذه الرواية أصح وهذا قول من وافقنا في أنه لا حد عليها وذلك لقول الله تعالى ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله النور 8 فيدل على أنها إذا لم تشهد لا يندرىء عنها العذاب

والرواية الثانية يخلى سبيلها وهو قولأبي بكر لأنه لم يجب عليها الحد فيجب تخلية سبيلها كما لو لم تكمل البينة

فإما الزوجية فلا تزول والولد لا ينتفي ما لم يتم اللعان بينهما في قول عامة أهل العلم إلا الشافعي فإنه قضى بالفرقة ونفي الولد بمجرد لعان الرجل وقد ذكرنا ذلك


76

مسألة

قال ( وكذلك إن أقرت دون الأربع مرات ) وجملته أن الرجل إذا قذف امرأته فصدقته وأقرت بالزنا مرة أو مرتين أو ثلاثا لم يجب عليها الحد لأنه لا يثبت إلا بإقرار أربع مرات على ما يذكر في الحدود ثم إن كان تصديقها أنه قبل لعانه فلا لعان بينهما لأن اللعان كالبينة إنما يقام مع الإنكار وإن كان بعد لعانه لم تلاعن هي لأنها لا تحلف مع الإقرار وحكمها حكم ما لو امتنعت من غير إقرار وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي إن صدقته قبل لعانه فعليها الحد وليس له أن يلاعن إلا أن يكون ثم نسب ينفيه فيلاعن وحده وينتفي النسب بمجرد لعانه فإن كان بعد لعانه فقد انتفى النسب ولزمها الحد بناء على أن النسب ينتفي بمجرد لعانه وتقع الفرقة ويجب الحد فإن الحد بإقرار مرة وهذه الأصول قد مضى أكثرها ولو أقرت أربعا وجب الحد ولا لعان بينهما إذا لم يكن ثم نسب ينفي وإن رجعت سقط الحد عنها بغير خلاف علمناه وبه يقول الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي فإن الرجوع عن الإقرار بالحد مقبول وليس له أن يلاعن للحد فإنه لم يجب عليه لتصديقها إياه وإن أراد لعانها لنفي نسب فظاهر قول الخرقي أنه ليس له ذلك في جميع هذه الصور وهو قول أصحاب الرأي

وقال الشافعي له لعانها لنفي النسب فيها كلها لأنها لو كانت عفيفة صالحة فكذبته ملك نفي ولدها فإذا كانت فاجرة فصدقته فلأن يملك نفي ولدها أولى ووجه الأول أن نفي الولد إنما يكون بلعانهما معا وقد تعذر اللعان منهما ولأنها لا تستحلف على نفي ما تقر به فتعذر نفي الولد لتعذر سببه كما لو مات بعد القذف وقبل اللعان

فصل ولو قال لامرأته يا زانية فقالت بك زنيت فلا حد عليها ولا عليه وقال أصحاب الشافعي عليه حد القذف لأنه يحتمل أنها أرادت بذلك نفي الزنا عن نفسها كما يستعمل أهل العرف فيما إذا قال قائل سرقت قال معك سرقت أي أنا لم أسرق لكونك أنت لم تسرق

ولنا إنها صدقته في قذفه إياها فأشبه ما لو قال صدقت ولا حد عليها لأن حد الزنا لا يثبت إلا بالإقرار أربع مرات وليس عليها حد القذف لأنها لم تقذفه وإنما أقرت على نفسه بزناها به ويمكن ذلك من غير كونه زانيا بأن يظنها زوجته وهي عالمة أنه أجنبي ولأنه يحتمل أن تريد نفي ذلك عنهما كما ذكروه أو أنه لم يطأني سواك فإن لم يكن زنا فأنت شريكي فيه ولا يجب الحد مع الاحتمال ولا يلزم من سقوطه عن الرجل بظاهر تصديقها وجوبه عليها مع الاحتمال فإن الحد يدرأ بالشبهات ولا يجب بها ولو قال يا زانية فقالت أنت أزنى مني فقال أبو بكر فيها كالتي قبلها لا حد على الزوج بتصديقها له ولا على المرأة لما ذكرنا في التي قبلها


77

وقال ا لشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ليس قولها قذفا قال الشافعي إلا أن تريد القذف لأنه يحتمل أن تريد أنه أصابني وهو زوجي فإن كان ذلك فهو أبلغ مني فيه

وقال القاضي عليها حد لقذفها ولا حد عليه لتصديقها إياه وقد أتت بصريح قذفه بالزنا فوجب عليها الحد كما لو قالت أنت زان والاحتمال مع التصريح بالقذف لا يمنع الحد كما لو قالت أنت زان

فأما إن قال يا زانية فقالت بل أنت زان فكل واحد منهما قاذف لصاحبه عليه حد القذف إلا أن المرأة لا تملك إسقاط حدها إلا بالبينة والزوج يملك إسقاطه ببينة أو لعان


78

كتاب العدد

الأصل في وجوب العدة الكتاب والسنة والإجماع

أما الكتاب فقول الله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة 228 وقوله سبحانه واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق 4 وقوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا البقرة 234 وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا وقال لفاظمة بنت قيس اعتدي في بيت ابن أم مكتوم في آي وأحاديث كثيرة وأجمعت الأمة على وجوب العدة في الجملة وإنما اختلفوا في أنواع منها وأجمعوا على أن المطلقة قبل المسيس لا عدة عليها لقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا الأحزاب 49

ولأن العدة تجب لبراءة الرحم وقد تيقناها هاهنا وهكذا كل فرقة في الحياة كالفسخ لرضاع أو عيب أو عتق أو لعان أو اختلاف الدين

فصل وتجب العدة على الذمية من الذمي والمسلم وقال أبو حنيفة إن لم تكن من دينهم لم تلزمها لأنهم لا يخاطبون بفروع الدين

ولنا عموم الآيات ولأنها بائن بعد الدخول أشبه المسلمة وعدتها كعدة المسلمة في قول علماء الأمصار منهم مالك والثوري والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي ومن تبعهم إلا ما روي عن مالك أنه قال تعتد من الوفاة بحيضة

ولنا عموم قول الله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا البقرة 234 ولأنها معتدة من الوفاة أشبهت المسلمة

فصل والمعتدات ثلاثة أقسام الأول معتدة بالحمل وهي كل امرأة حامل من زوج إذا فارقت زوجها بطلاق أو فسخ أو موته عنها حرة كانت أو أمة مسلمة أو كافرة فعدتها بوضع الحمل ولو بعد ساعة لقول الله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق 4

والثاني معتدة بالقروء وهي كل معتدة من فرقة في الحياة أو وطء في غير نكاح إذا كانت ذات قرء فعدتها


79

البقرة 228 ) القرء الله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء

والثالث معتدة بالشهور وهي كل من تعتد بالقرء إذا لم تكن ذات قرء لصغر أو يأس لقول الله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن الطلاق 4 وذات القرء إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه اعتدت بتسعة أشهر للحمل وعدة الآيسة وكل من توفي عنها زوجها ولا حمل بها قبل الدخول أو بعده حرة أو أمة فعدتها بالشهور لقول الله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا البقرة 234

فصل وكل فرقة بين زوجين فعدتها عدة الطلاق سواء كانت بخلع أو لعان أو رضاع أو فسخ بعيب أو إعسار أو إعتاق أو اختلاف دين أو غيره في قول أكثر أهل العلم وروي عن ابن عباس أن عدة الملاعنة تسعة أشهر وأبى ذلك سائر أهل العلم وقالوا عدتها عدة الطلاق لأنها مفارقة في الحياة فأشبهت المطلقة وأكثر أهل العلم يقولون عدة المختلعة عدة المطلقة منهم سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله وعروة وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز والحسن والشعبي والنخعي والزهري وقتادة وخلاس بن عمرو وأبو عياض ومالك والليث والأوزاعي والشافعي وروي عن عثمان بن عفان وابن عمر وابن عباس وأبان بن عثمان وإسحاق وابن المنذر أن عدة المختلعة حيضة ورواه ابن القاسم عن أحمد لما روى ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة رواه النسائي وعن ربيع بنت معوذ مثل ذلك وأن عثمان قضى به رواه النسائي وابن ماجة

ولنا قول الله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة 228 ولأنها فرقة بعد الدخول في الحياة فكانت ثلاثة قروء كغير الخلع وقول النبي صلى الله عليه وسلم قرء الأمة حيضتان عام وحديثهم يرويه عكرمة مرسلا قال أبو بكر هو ضعيف مرسل وقول عثمان وابن عباس قد خالفه قول عمر وعلي فإنهما قالا عدتها ثلاث حيض وقولهما أولى وأما ابن عمر فقد روى مالك عن نافع عنه أنه قال عدة المختلعة عدة مطلقة وهو أصح عنه

فصل والموطوءة بشبهة تعتد عدة المطلقة وكذلك الموطوءة في نكاح فاسد وبهذا قال الشافعي لأن وطء الشبهة وفي النكاح الفاسد في شغل الرحم ولحقوق النسب كالوطء في النكاح الصحيح فكان مثله فيما تحصل به البراءة وإن وطئت المزوجة بشبهة لم يحل لزوجها وطؤها قبل انقضاء عدتها كيلا يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب وله الاستمتاع منها بما دون الفرج في أحد الوجهين لأنها زوجة حرم وطؤها لعارض مختص بالفرج فأبيح الاستمتاع منها بما دونه كالحائض

فصل والمزني بها كالموطوءة بشبهة في العدة وبهذا قال الحسن والنخعي وعن أحمد رواية


80

أخرى أنها تستبرأ بحيضة ذكرها ابن أبي موسى وهذا قول مالك وروي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لا عدة عليها وهو قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي لأن العدة لحفظ النسب ولا يلحقه نسب وقد روي عن علي رضي الله عنه ما يدل على ذلك

ولنا إنه وطء يقتضي شغل الرحم فوجبت العدة منه كوطء الشبهة وأما وجوبها كعدة المطلقة فلأنها حرة فوجب استبراؤها بعدة كاملة كالموطوءة بشبهة وقولهم إنما تجب لحفظ النسب لا يصح فإنها لو اختصت بذلك لما وجبت على الملاعنة المنفي ولدها والآيسة والصغيرة ولما وجب استبراء الأمة التي لا يلحق ولدها بالبائع ولو وجبت لذلك لكان استبراء الأمة على البائع ثم لو ثبت أنها وجبت لذلك فالحاجة إليها داعية فإن المزني بها إذا تزوجت قبل الاعتداد اشتبه ولد الزوج بالولد من الزنا فلا يحصل حفظ النسب

مسألة

قال رحمه الله تعالى ( وإذا طلق الرجل زوجته وقد خلا بها فعدتها ثلاث حيض غير الحيضة التي طلقها فيها ) في هذه المسألة ثلاث فصول

أحدها أن العدة تجب على كل من خلا بها زوجها وإن لم يمسها ولا خلاف بين أهل العلم في وجوبها على المطلقة بعد المسيس فأما إن خلا بها ولم يصبها ثم طلقها فإن مذهب أحمد وجوب العدة عليها وروي ذلك عن الخلفاء الراشدين وزيد وابن عمر وبه قال عروة وعلي بن الحسين وعطاء والزهري والثوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في قديم قوليه وقال الشافعي في الجديد لا عدة عليها لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها الأحزاب 49 وهذا نص ولأنها مطلقة لم تمس

فأشبهت من لم يخل بها

ولنا إجماع الصحابة روى الإمام أحمد والأثرم بإسنادهما عن زرارة بن أوفى قال قضى الخلفاء الراشدون أن من أرخى سترا أو أغلق بابا فقد وجب المهر ووجبت العدة ورواه الأثرم أيضا عن الأحنف عن عمر وعلي وعن سعيد بن المسيب عن عمر وزيد بن ثابت وهذه قضايا اشتهرت فلم تنكر فصارت إجماعا وضعف أحمد ما روي في خلاف ذلك وقد ذكرناه في كتاب الصداق ولأنه عقد على المنافع فالتمكين فيه يجري مجرى الاستيفاء في الأحكام المتعلقة كعقد الإجارة والآية مخصوصة بما ذكرناه ولا يصح القياس على من لم يخل بها لأنه لم يوجد منها التمكين

فصل وظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين أن يخلو بها مع المانع من الوطء أو مع عدمه سواء كان المانع حقيقيا كالجب والعنة والفتق والرتق أو شرعيا كالصوم والإحرام أو الحيض والنفاس والظهار لأن الحكم علق هاهنا على الخلوة التي هي مظنة الإصابة دون حقيقتها ولهذا لو خلا بها فأتت بولد لمدة الحمل لحقه نسبه وإن لم يطأ


81

وقد روي عن أحمد أن الصداق لا يكمل مع وجود المانع فكذلك يخرج في العدة وروي عنه أن صوم شهر رمضان يمنع كمال الصداق مع الخلوة وهذا يدل على أنه متى كان المانع متأكدا كالإحرام وشبهه منع كمال الصداق ولم تجب العدة لأن الخلوة إنما أقيمت مقام المسيس لأنها مظنة له ومع المانع لا تتحقق المظنة وأما إن خلا بها وهي صغيرة لا يمكن وطؤها أو كان أعمى فلم يعلم بها فلا عدة عليها ولا يكمل صداقها لأن المظنة لا تتحقق مع ظهور استحالة المسيس

فصل الفصل الثاني أن عدة المطلقة إذا كانت حرة وهي من ذوات القروء ثلاثة قروء بلا خلاف بين أهل العلم وذلك لقول الله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة 228 والقرء في كلام العرب يقع على الحيض والطهر جميعا فهو من الأسماء المشتركة

قال أحمد بن يحيى ثعلب القروء الأوقات الواحد قرء وقد يكون حيضا وقد يكون طهرا لأن كل واحد منهما يأتي لوقت

قال الشاعر كرهت العقر عقر بني تميم إذا هبت لقارئها الرياح يعني لوقتها وقال الخليل بن أحمد يقال أقرأت المرأة إذا دنا حيضها وأقرأت إذا دنا طهرها وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم دعي الصلاة أيام إقرائك فهذا الحيض وقال الشاعر مورثة عزا وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا فهذا الطهر واختلف أهل العلم في المراد بقوله سبحانه يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة 228 واختلفت الرواية في ذلك عن أحمد فروي أنها الحيض روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وسعيد بن المسيب والثوري والأوزاعي والعنبري وإسحاق وأبي عبيد وأصحاب الرأي وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان رضي الله عنهما وأبي موسى وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء قال القاضي الصحيح عن أحمد أن الإقراء الحيض وإليه ذهب أصحابنا ورجع عن قوله بالأطهار فقال في رواية النيسابوري كنت أقول إنه الأطهار وأنا أذهب اليوم إلى أن الإقراء الحيض وقال في رواية الأثرم كنت أقول الأطهار

ثم وقفت لقول الأكابر والرواية الثانية عن أحمد أن القروء الاطهار وهو قول زيد وابن عمر وعائشة وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وأبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والشافعي وأبي ثور وقال أبو بكر بن عبد الرحمن ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك قال ابن عبد البر رجع أحمد إلى أن القروء الاطهار قال في رواية الأثرم رأيت الأحاديث عمن قال القروء الحيض تختلف والأحاديث عمن قال إنه أحق بها حتى تدخل الحيضة الثالثة أحاديثها صحاح وقوية واحتج من قال ذلك بقول الله تعالى فطلقوهن لعدتهن الطلاق 1 أي في عدتهن كقوله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة الأنبياء 47 أي في يوم القيامة وإنما أمر بالطلاق في الطهر لا في الحيض ويدل عليه


82

قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء طلق وإن شاء أمسك فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء متفق عليه وفي رواية ابن عمر فطلقوهن في قبل عدتهن ولأنها عدة عن طلاق مجرد مباح فوجب أن يعتبر عقيب الطلاق وكعدة الآيسة والصغيرة

ولنا قول الله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن الطلاق 4 فنقلهن عند عدم الحيض إلى الاعتداد بالأشهر فدل ذلك على أن الأصل الحيض كما قال تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا النساء 43 الآية

ولأن المعهود في لسان الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض قال النبي تدع الصلاة أيام أقرائها رواه أبو داود وقال لفاطمة بنت أبي حبيش انظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي وإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء رواه النسائي ولم يعهد في لسانه استعماله بمعنى الطهر في موضع فوجب أن يحمل كلامه على المعهود في لسانه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال طلاق الأمة طلقتان وقرؤها حيضتان رواه أبو داود وغيره فإن قالوا هذا يرويه مظاهر بن مسلم وهو منكر الحديث قلنا قد رواه عبد الله بن عيسى عن عطية العوفي عن ابن عمر كذلك أخرجه ابن ماجه في سننه وأبو بكر الخلال في جامعه وهو نص في عدة الأمة فكذلك عدة الحرة ولأن ظاهر قوله تعالى يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة 228 وجوب التربص ثلاثة كاملة ومن جعل القروء الأطهار لم يوجب ثلاثة لأنه يكتفي بطهرين وبعض الثالث فيخالف ظاهر النص ومن جعله الحيض أوجب ثلاثة كاملة فيوافق ظاهر النص فيكون أولى من مخالفته ولأن العدة استبراء فكانت بالحيض كاستبراء الأمة وذلك لأن الاستبراء لمعرفة براءة الرحم من الحمل والذي يدل عليه الحيض فوجب أن يكون الاستبراء به فإن قيل لا نسلم أن استبراء الأمة بالحيضة وإنما هو بالطهر الذي قبل الحيضة كذلك قال ابن عبد البر وقال قولهم إن استبراء الأمة حيضة بإجماع ليس كما ظنوا بل جائز لها عندنا أن تنكح إذا دخلت في الحيضة واستيقنت أن دمها دم حيض كذلك قال إسماعيل بن إسحاق ليحيى بن أكثم حين دخل عليه في مناظرته إياه قلنا هذا يرده قول النبي صلى الله عليه وسلم لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة ولأن الاستبراء تعرف براءة الرحم وإنما يحصل بالحيضة لا بالطهر الذي قبلها ولأن العدة تتعلق بخروج خارج من الرحم فوجب أن تتعلق بالطهر كوضع الحمل يحققه أن العدة مقصودها معرفة براءة المرأة من الحمل فتارة تحصل بوضعه وتارة تحصل بما ينافيه وهو الحيض الذي لا يتصور وجوده معه فأما قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن الطلاق 1 فيحتمل أنه أراد قبل عدتهن إذ لا يمكن حمله على الطلاق في العدة ضرورة أن الطلاق سبق العدة لكونه سببها والسبب يتقدم على الحكم فلا يوجد قبله والطلاق في الطهر تطليق قبل العدة إذا كانت الإقراء الحيض


83

الفصل الثالث

أن الحيضة التي طلق فيها لا تحسب من عدتها بغير خلاف بين أهل العلم لأن الله تعالى أمر بثلاثة قروء فتناول ثلاثة كاملة والتي طلق فيها لم يبق منها ما تتم به مع اثنتين ثلاثة كاملة فلا يعتد بها ولأن الطلاق إنما حرم في الحيض لما فيه من تطويل العدة عليها فلو احتسبت بتلك الحيضة قرءا كان أقصر لعدتها وأنفع لها فلم يكن محروما ومن قال القروء الأطهار احتسب لها بالطهر الذي طلقها فيه قرءا فلو طلقها وقد بقي من قرئها لحظة حسبها قرءا وهذا قول كل من قال القروء الأطهار إلا الزهري وحده قال تعتد بثلاثة قروء سوى الطهر الذي طلقها فيه وحكي عن أبي عبيد أنه إن كان جامعها في الطهر لم يحتسب ببقيته لأنه زمن حرم فيه الطلاق فلم يحتسب به من العدة كزمن الحيض

ولنا إن الطلاق حرم في زمن الحيض دفعا لضرر تطويل العدة عليها فلو لم يحتسب ببقية الطهر قرءا كان الطلاق في الطهر أضر بها وأطول عليها وما ذكر عن أبي عبيد لا يصح لأن تحريم الطلاق في الحيض لكونها لا تحتسب ببقيته فلا يجوز أن تجعل العلة في عدم الاحتساب تحريم الطلاق فتصير العلة معلولا وإنما تحريم الطلاق في الطهر الذي أصابها فيه لكونها مرتابة ولكونه لا يأمن الندم بظهور حملها فأما إن انقضت حروف الطلاق مع انقضاء الطهر فإن الطلاق يقع في أول الحيضة ويكون محرما ولا تحتسب بتلك الحيضة من عدتها وتحتاج أن تعتد بثلاث حيض بعدها أو ثلاثة أطهار على الرواية الأخرى ولو قال لها أنت طالق في آخر طهرك أو في آخر جزء من طهرك أو انقضت حروف الإيقاع ولم يبق من الطهر إلا زمن الوقوع فإنها لا تحتسب بالطهر الذي وقع فيه الطلاق لأن العدة لا تكون إلا بعد وقوع الطلاق وليس بعده طهر تعتد به ولا يجوز الاعتداد بما قبله ولا بما قاربه ومن جعل القرء الحيض اعتد لها بالحيضة التي تلي الطلاق لأنها حيضة كاملة لم يقع فيها طلاق فوجب أن تعتد بها قرءا

وإن اختلفا فقال الزوج وقع الطلاق في أول الحيض وقالت بل في آخر الطهر أو قال انقضت حروف الطلاق مع انقضاء الطهر وقالت بل وقد بقي منه بقية فالقول قولها لأن قولها مقبول في الحيض وفي انقضاء العدة

مسألة

قال ( فإذا اغتسلت من الحيضة الثالثة أبيحت للأزواج ) حكى أبو عبد الله بن حامد في هذه المسألة روايتين إحداهما أنها في العدة ما لم تغتسل فيباح لزوجها ارتجاعها ولا يحل لغيره نكاحها قال أحمد عمر وعلي وابن مسعود يقولون قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والثوري وإسحاق وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وأبي موسى وعبادة وأبي الدرداء رضي الله عنهم قال شريك له الرجعة وإن فرطت في الغسل عشرين سنة قال أبو بكر وروي عن أبي عبد الله أنها في عدتها ولزوجها رجعتها حتى يمضي وقت الصلاة التي طهرت في وقتها وهذا قول الثوري وبه قال أبو حنيفة إذا انقطع الدم لدون أكثر الحيض فإن انقطع لأكثره انقضت العدة بانقطاعه


84

ووجه اعتبار الغسل قول الأكثرين من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم فيكون إجماعا ولأنها ممنوعة من الصلاة بحكم حدث الحيض فأشبهت الحائض

والرواية الثانية أن العدة تنقضي بطهرها من الحيضة الثالثة وانقطاع دمها اختاره أبو الخطاب وهو قول سعيد بن جبير والأوزاعي والشافعي في القديم لأن الله تعالى قال يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة 228 وقد كملت القروء بدليل وجوب الغسل عليها ووجوب الصلاة وفعل الصيام وصحته منها ولأنه لم يبق حكم العدة في الميراث ووقع الطلاق بها واللعان والنفقة فكذلك فيما نحن فيه قال القاضي إذا شرطنا الغسل أفاد عدمه إباحة الرجعة وتحريمها على الأزواج فأما سائر الأحكام فإنها تنقطع بانقطاع دمها

فصل وإن قلنا القروء الأطهار فطلقها وهي طاهر انقضت عدتها برؤية الدم من الحيضة الثالثة وإن طلقها حائضا انقضت عدتها برؤية الدم من الحيضة الرابعة وهذا قول زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وأبان بن عثمان ومالك وأبي ثور وهو ظاهر مذهب الشافعي وحكي عنه قول آخر لا تنقضي العدة حتى يمضي زمن الدم يوم وليلة لجواز أن يكون الدم دم فساد فلا نحكم بانقضاء العدة حتى يزول الاحتمال وحكىالقاضي هذا احتمالا في مذهبنا أيضا

ولنا إن الله تعالى جعل العدة ثلاثة قروء فالزيادة عليها مخالفة للنص فلا يعول عليه ولأنه قول من سمينا من الصحابة رواه الأثرم عنهم بإسناده ولفظ حديثزيد بن ثابت إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرىء منها ولا ترثه ولا يرثها وقولهم إن الدم يكون دم فساد قلنا قد حكم بكونه حيضا في ترك الصلاة وتحريمها على الزوج وسائر أحكام الحيض فكذلك في انقضاء العدة ثم إن كان التوقف عن الحكم بانقضاء العدة للاحتمال فإذا تبين أنه حيض علمنا أن العدة قد انقضت حين رأت الدم كما لو قال لها إن حضت فأنت طالق اختلف القائلون بهذا القول فمنهم من قال اليوم والليلة من العدة لأنه دم تكمل به العدة فكان منها كالذي في أثناء الأطهار ومنهم من قال ليس منها إنما يتبين به انقضاؤها ولأننا لو جعلناه منها أوجبنا الزيادة على ثلاثة قروء ولكننا نمنعها من النكاح حتى يمضي يوم وليلة ولو راجعها زوجها فيها لم تصح الرجعة وهذا أصح الوجهين

مسألة

قال ( وإن كانت أمة فإذا اغتسلت من الحيضة الثانية ) أكثر أهل العلم يقولون عدة الأمة بالقرء قرءان منهم عمر وعلي وابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء وعبد الله بن عتبة والقاسم وسالم وزيد بن أسلم والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وعن ابن سيرين عدتها عدة الحرة

إلا أن تكون قد مضت بذلك سنة وهو قول داود لقول الله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة 228


85

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم قرء الأمة حيضتان وقد ذكرناه وقول عمر وعلي وابن عمر ولم نعرف لهم مخالفا في الصحابة فكان إجماعا وهذا يخص عموم الآية ولأنه معنى ذو عدد بني على التفاضل فلا تساوي فيه الأمة الحرة كالحد وكان القياس يقتضي أن تكون حيضة ونصفا كما كان حدها على النصف من حد الحرة إلا أن الحيض لا يتبعض فكمل حيضتين ولهذا قال عمر رضي الله عنه لو أستطيع أن أجعل العدة حيضة ونصفا لفعلت فإذا تقرر هذا فانقضاء عدتها بالغسل من الحيضة الثانية في إحدى الروايتين وفي الأخرى بانقطاع الدم من الحيضة الثانية وعلى الرواية التي تقول إن القروء الأطهار فانقضاء عدتها برؤية الدم من الحيضة الثانية

مسألة

قال ( وإن كانت من الآيسات أو ممن لم يحضن فعدتها ثلاثة أشهر ) أجمع أهل العلم على هذا لأن الله تعالى ذكره في كتابه بقوله سبحانه واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن الطلاق 4 فإن كان الطلاق في أول الهلال اعتبر ثلاثة أشهر بالأهلة لقول الله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج البقرة 189 وقال سبحانه إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم التوبة 36 ولم يختلف الناس في أن الأشهر الحرم معتبرة بالأهلة وإن وقع الطلاق في أثناء الشهر اعتدت بقيته ثم اعتدت شهرين بالأهلة ثم اعتدت من الشهر الثالث تمام ثلاثين يوما وهذا مذهب مالك والشافعي وقال أبو حنيفة تحتسب بقية الأول وتعتد من الرابع بقدر ما فاتها من الأول تاما كان أو ناقصا لأنه لو كان من أول الهلال كانت العدة بالأهلة فإذا كان من بعض الشهر وجب قضاء ما فات منه وخرج أصحابنا وجها ثانيا أن جميع الشهور محسوبة بالعدد وهو قول ابن بنت الشافعي لأنه إذا حسب الأول بالعدد كان ابتداء الثاني من بعض الشهر فيجب أن يحسب بالعدد وكذلك الثالث

ولنا إن الشهر يقع على ما بين الهلالين وعلى الثلاثين ولذلك إذا غم الشهر كمل ثلاثين والأصل الهلال فإذا أمكن اعتبار الهلال اعتبروا وإذا تعذر رجعوا إلى العدد وفي هذا انقصال عما ذكر لأبي حنيفة وأما التخريج الذي ذكرناه فإنه لا يلزم إتمام الشهر الأول من الثاني ويجوز أن يكون تمامه من الرابع

فصل وتجب العدة من الساعة التي فارقها زوجها فيها فلو فارقها نصف الليل أو نصف النهار اعتدت من ذلك الوقت إلى مثله في قول أكثر أهل العلم وقال أبو عبد الله بن حامد لا تحتسب بالساعات وإنما تحتسب بأول الليل والنهار فإذا طلقها نهارا احتسبت من أول الليل الذي يليه وإن طلقها ليلا احتسبت بأول النهار الذي يليه وهذا قول مالك لأن حساب الساعات يشق فسقط اعتباره


86

ولنا قول الله تعالى فعدتهن ثلاثة أشهر الطلاق 4 ولا تجوز الزيادة عليها بغير دليل وحساب الساعات ممكن إما يقينا وإما استظهارا فلا وجه للزيادة على ما أوجبه الله تعالى

مسألة

قال ( والأمة شهران ) اختلفت الروايات عن أبي عبد الله في عدة الأمة فأكثر الروايات عنه أنها شهران رواه عنه جماعة من أصحابه واحتج فيه بقول عمر رضي الله عنه عدة أم الولد حيضتان ولو لم تحض كان عدتها شهرين رواه الأثرم عنه بإسناده وهذا قول عطاء والزهري وإسحاق وأحد قوليالشافعي لأن الأشهر بدل من القروء وعدة ذات القروء قرءان فبدلهما شهران ولأنها معتدة بالشهور من غير الوفاة فكان عددها كعدد القروء ولو كانت ذات قرء كالحرة

والرواية الثانية أن عدتها شهر ونصف نقلها الميموني والأثرم واختارها أبو بكر وهذا قول علي رضي الله عنه وروي ذلك عن ابن عمر وابن المسيب وسالم والشعبي والثوري وأصحاب الرأي وهو قول ثاني للشافعي لأن عدة الأمة نصف عدة الحرة وعدة الحرة ثلاثة أشهر فنصفها شهر ونصف وإنما كملنا لذات الحيض حيضتين لتعذر تبعيض الحيضة فإذا صرنا إلى الشهور أمكن التنصيف فوجب المصير إليه كما في عدة الوفاة ويصير هذا كالمحرم إذا وجب عليه في جزاء الصيد نصف مد أجزأه إخراجه فإن أراد الصيام مكانه صام يوما كاملا

ولأنها عدة أمكن تنصيفها فكانت على النصف من عدة الحرة كعدة الوفاة ولأنها معتدة بالشهور فكانت على النصف من عدة الحرة كالمتوفى عنها زوجها

والرواية الثالثة أن عدتها ثلاثة أشهر وروي ذلك عن الحسن ومجاهد وعمر بن عبد العزيز والنخعي ويحيى الأنصاري وربيعة ومالك وهو القول الثالث للشافعي لعموم قوله تعالى فعدتهن ثلاثة أشهر الطلاق 4 ولأنه استبراء للأمة الآيسة بالشهور فكان ثلاثة أشهر كاستبراء الأمة إذا ملكها أو مات سيدها ولأن اعتبار الشهور هاهنا للعلم ببراءة الرحم ولا يحصل هذا بدون ثلاثة أشهر في الحرة والأمة جميعا لأن الحمل يكون نطفة أربعين يوما وعلقة أربعين يوما ثم يصير مضغة ثم يتحرك ويعلو بطن المرأة فيظهر الحمل وهذا معنى لا يختلف بالرق والحرية ولذلك كان استبراء الأمة في حق سيدها ثلاثة أشهر ومن رد هذه الرواية قال هي مخالفة لإجماع الصحابة لأنهم اختلفوا على القولين الأولين ومتى اختلف الصحابة على قولين لم يجز إحداث قول ثالث لأنه يفضي إلى تخطئتهم وخروج الحق عن قول جميعهم ولا يجوز ذلك ولأنها معتدة لغير الحمل فكانت دون عدة الحرة كذات القرء المتوفى عنها وزوجها

فصل واختلف عن أحمد في السن الذي تصير به المرأة من الآيسات فعنه أوله خمسون سنة لأن عائشة قالت لن ترى المرأة في بطنها ولدا بعد خمسين سنة وعنه إن كانت من نساء العجم فخمسون


87

وإن كانت من نساء العرب فستون لأنهن أقوى طبيعة وقد ذكر الزبير بن بكار في كتاب النسب أن هندا بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة ولدت موسى بن عبد الله بن حسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ولها ستون سنة

وقال يقال إنه لم تلد بعد خمسين سنة إلا عربية ولا تلد لستين إلا قرشية وللشافعي قولان أحدهما يعتبر السن الذي يتيقن أنه إذا بلغته لم تحض قال بعضهم هو اثنان وستون سنة

والثاني يعتبر السن الذي ييأس فيه نساء عشيرتها لأن الظاهر أن نشأها كنشئهن وطبعها كطبعهن والصحيح إن شاء الله أنه متى بلغت المرأة خمسين سنة فانقطع حيضها عن عادتها مرات لغير سبب فقد صارت آيسة لأن وجود الحيض في حق هذه نادر بدليل قول عائشة وقلة وجوده فإذا انضم إلى هذا انقطاعه عن العادات مرات حصل اليأس من وجوده فلها حينئذ أن تعتد بالأشهر وإن انقطع قبل ذلك حكمها حكم من ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه على ما سنذكره إن شاء الله وإن رأت الدم بعد الخمسين على العادة التي كانت تراه فيها فهو حيض في الصحيح لأن دليل الحيض الوجود في زمن الإمكان وهذا يمكن وجود الحيض فيه وإن كان نادرا وإن رأته بعد الستين فقد تيقن أنه ليس بحيض لأنه لم يوجد ذلك

قال الخرقي فإذا رأته بعد الستين فقد تيقن أنه ليس بحيض فعند ذلك لا تعتد به وتعتد بالأشهر كالتي لا ترى دما

فصل وأقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين لأن المرجع فيه إلى الوجود وقد وجد من تحيض لتسع وقد روي عن الشافعي أنه قال رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة فهذه إذا أسقطت من عمرها مدة الحملين في الغالب عاما ونصفا وقسمت الباقي بينها وبين ابنتها كانت كل واحدة منهما قد حملت لدون عشر سنين فإن رأت دما قبل ذلك فليس بحيض لأنه لم يوجد مثلها متكررا والمعتبر من ذلك ما تكرر ثلاث مرات في حال الصحة ولم يوجد ذلك فلا يعتد به

فصل فإن بلغت سنا تحيض فيه النساء في الغالب فلم تحض كخمس عشرة سنة فعدتها ثلاثة أشهر في ظاهر قول الخرقي وهو قول أبي بكر وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وضعف أبو بكر الرواية المخالفة لهذا وقال رواها أبو طالب فخالف فيها أصحابه وذلك ما روى أبو طالب عن أحمد أنها تعتد سنة قال القاضي هذه الرواية أصح لأنه متى أتى عليها زمان الحيض فلم تحض صارت مرتابة يجوز أن يكون بها حمل منع حيضها فيجب أن تعتد بسنة كالتي ارتفع حيضها بعد وجوده

ولنا قول الله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن الطلاق 4 وهذه من اللائي لم يحضن ولأن الاعتبار بحال المعتدة لا بحال غيرها ولهذا لو حاضت قبل بلوغ سن يحيض لمثله النساء في الغالب مثل أن تحيض ولها عشر سنين اعتدت بالحيض وفارق من ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعه فإنها من ذوات القروء وهذه لم تكن منهن


88

مسألة

قال ( وإذا طلقها طلاقا يملك فيه الرجعة وهي أمة فلم تنقض عدتها حتى أعتقت بنت على عدة حرة وإن طلقها طلاقا لا يملك فيه الرجعة فأعتقت اعتدت عدة أمة ) هذا قول الحسن والشعبي والضحاك وإسحاق وأصحاب الرأي وهذا أحد أقوال الشافعي والقول الثاني تكمل عدة أمة سواء كانت بائنا أو رجعية وهو قول مالك وأبي ثور لأن الحرية طرأت بعد وجوب العدة عليها فلا يعتبر حكمها كما لو كانت بائنا أو كما لو طرأت بعد وجوب الاستبراء ولأنه معنى يختلف بالرق والحرية فكان الاعتبار بحالة الوجود كالحد

وقال عطاء والزهري وقتادة تبني على عدة حرة بكل حال وهو القول الثالث للشافعي لأن سبب العدة الكاملة إذا وجد في أثناء العدة انتقلت إليها وإن كانت بائنا كما لو اعتدت بالشهور ثم رأت الدم

ولنا إنها إذا عتقت وهي رجعية فقد وجدت الحرية وهي زوجة تعتد عدة الوفاة لو مات فوجب أن تعتد عدة الحرائر كما لو أعتقت قبل الطلاق وإن أعتقت وهي بائن فلم توجد الحرية في الزوجية فلم تجب عليها عدة الحرائر كما لو أعتقت بعد مضي القرأين

ولأن عدة الرجعية تنتقل إلى عدة الوفاة لو مات فتنتقل إلى عدة الحرائر والبائن لا تنتقل إلى عدة الوفاة فلا تنتقل إلى عدة الحرائر كما لو انقضت عدتها وما ذكرناه لمالك يبطل بما إذا مات زوج الرجعية فإنها تنتقل إلى عدة الوفاة والفرق بين ما نحن فيه وبين ما إذا حاضت الصغيرة أن الشهور بدل عن الحيض فإذا وجد المبدل زال حكم البدل كالمتيمم يجد الماء وليس كذلك هاهنا فإن عدة الأمة ليست ببدل ولذلك تبني الأمة على ما مضى من عدتها اتفاقا وإذا حاضت الصغيرة استأنفت العدة فافترق وتخالف الاستبراء فإن الحرية لو قارنت سبب وجوبه لم تكمل

ألا ترى أن أم الولد إذا مات سيدها عتقت لموته ووجب الاستبراء كما يجب على التي لم تعتق ولأن الاستبراء لا يختلف بالرق والحرية بخلاف مسألتنا

فصل إذا عتقت الأمة تحت العبد فاختارت نفسها اعتدت عدة الحرة لأنها بانت من زوجها وهي حرة

وقد روى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بريرة أن تعتد عدة الحرة وإن طلقها العبد طلاقا رجعيا فأعتقها سيدها بنت على عدة الحرة سواء فسخت أو أقامت على النكاح لأنها عتقت في عدة رجعية وإن لم تفسخ فراجعها في عدتها لها الخيار بعد رجعتها فإن اختارت الفسخ قبل المسيس فهل تستأنف العدة أم تبني على ما مضى من عدتها على وجهين فإن قلنا تستأنف

فإنها تستأنف عدة حرة

وإن قلنا تبني بنت على عدة حرة

مسألة

قال ( وإذا طلقها وهي ممن قد حاضت فارتفع حيضها لا تدري ما رفعه اعتدت سنة ) وجملة ذلك أن الرجل إذا طلق امرأته وهي من ذوات الأقراء فلم تر الحيض في عادتها ولم تدر ما رفعه فإن تعتد سنة تسعة أشهر منها تتربص فيها لتعلم براءة رحمها لأن هذه المدة هي غالب مدة الحمل فإذا لم يبن الحمل


89

فيها علم براءة الرحم ظاهرا فتعتد بعد ذلك عدة الآيسات ثلاثة أشهر

هذا قول عمر رضي الله عنه

قال الشافعي هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار لا ينكره منهم منكر علمناه

وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه وروي ذلك عن الحسن وقال الشافعي في قول آخر تتربص أربع سنين أكثر مدة الحمل ثم تعتد بثلاثة أشهر لأن هذه المدة هي التي يتيقن بها براءة رحمها فوجب اعتبارها احتياطا

وقال في الجديد تكون في عدة أبدا حتى تحيض أو تبلغ سن الإياس تعتد حينئذ بثلاثة أشهر وهذا قول جابر بن زيد وعطاء وطاوس والشعبي والنخعي والزهري وأبي الزناد والثوري وأبي عبيد وأهل العراق لأن الاعتداد بالأشهر جعل بعد الإياس فلم يجز قبله وهذه ليست آيسة ولأنها ترجو عود الدم فلم تعتد بالشهور كما لو تباعد حيضها لعارض

ولنا الإجماع الذي حكاه الشافعي ولأن الغرض بالاعتداد معرفة براءة رحمها وهذا تحصل به براءة رحمها فاكتفي به ولهذا اكتفي في حق ذات القرء بثلاثة قروء وفي حق الآيسة بثلاثة أشهر

ولو روعي اليقين لاعتبر أقصى مدة الحمل ولأن عليها في تطويل العدة ضررا فإنها تمنع من الأزواج وتحبس دائما ويتضرر الزوج بإيجاب السكنى والنفقة عليه

وقد قال ابن عباس لا تطولوا عليها الشقة كفاها تسعة أشهر فإن قيل فإذا مضت تسعة أشهر فقد علم براءة رحمها ظاهرا فلم اعتبرتم ثلاثة أشهر بعدها

قلنا الاعتداد بالقروء والأشهر إنما يكون عند عدم الحمل وقد تجب العدة مع العلم ببراءة الرحم بدليل ما لو علق طلاقها بوضع الحمل فوضعته وقع الطلاق ولزمتها العدة

فصل فإن عاد الحيض إليها في السنة ولو في آخرها لزمها الانتقال إلى القروء لأنها الأصل فبطل بها حكم البدل وإن عاد بعد مضيها ونكاحها لم تعد إلى القروء لأن عدتها انقضت وحكمنا بصحة نكاحها فلم تبطل كما لو اعتدت الصغيرة بثلاثة أشهر وتزوجت ثم حاضت وإن حاضت بعد السنة وقبل نكاحها

ففيه وجهان أحدهما لا تعود لأن العدة انقضت بالشهور فلم تعد كالصغيرة

والثاني تعود لأنها من ذوات القروء وقد قدرت على المبدل قبل تعلق حق زوج بها فلزمها العود كما لو حاضت في السنة

مسألة

قال ( وإن كانت أمة اعتدت بأحد عشر شهرا تسعة أشهر للحمل وشهران للعدة ) هذه المسألة مبنية على أصلين أحدهما أن الحرة تعتد بسنة إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه الثاني أن عدة الأمة الآيسة شهران فتتربص تسعة أشهر لأن مدة الحمل تتساوى فيها الحرة والأمة لكونه أمرا حقيقيا فإذا يئست من الحمل اعتدت عدة الآيسة شهرين وعلى الرواية التي جعل عدتها شهرا ونصفا تكون عدتها عشرة أشهر ونصفا ومن جعلها ثلاثة أشهر فعدتها سنة كالحرة

مسألة

قال ( وإن عرفت ما رفع الحيض كانت في عدة حتى يعود الحيض فتعتد به إلا أن


90

تصير من الآيسات فتعتد بثلاثة أشهر من وقت تصير في عداد الآيسات ) أما إذا عرفت أن ارتفاع الحيض بعارض من مرض أو نفاس أو رضاع فإنها تنتظر زوال العارض وعود الدم وإن طال إلا أن تصير في سن اليأس وقد ذكرناه فعند ذلك تعتد عدة الآيسات

وقد روى الشافعي في مسنده بإسناده عن حبان بن منقذ أنه طلق امرأته طلقة واحدة وكانت لها منه بنية ترضعها

فتباعد حيضها ومرض حبان فقيل له إنك إن مت ورثتك فمضى إلى عثمان وعنده علي وزيد بن ثابت فسأله عن ذلك فقال عثمان لعلي وزيد ما تريان فقالا نرى أنها إن ماتت ورثها وإن مات ورثته لأنه ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض ولا من الأبكار اللائي لم يبلغن المحيض

فرجع حبان إلى أهله فانتزع البنت منها فعاد إليها الحيض فحاضت حيضتين ومات حبان قبل انقضاء الثالثة فورثها عثمان رضي الله عنه وروى الأثرم بإسناده عن محمد بن يحيى بن حبان أنه كانت عند جده امرأتان هاشمية وأنصارية فطلق الأنصارية وهي مرضع فمرت بها سنة ثم هلك ولم تحض فقالت الأنصارية لم أحض فاختصموا إلى عثمان رضي الله عنه فقضى لها بالميراث فلامت الهاشمية عثمان فقال هذا عمل ابن عمك هو أشار علينا بهذا يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه

مسألة

قال ( وإن حاضت حيضة أو حيضتين

ثم ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه لم تنقض عدتها إلا بعد سنة بعد انقطاع الحيض ) وذلك لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في رجل طلق امرأته فحاضت حيضة أو حيضتين فارتفع حيضها لا تدري ما رفعه تجلس تسعة أشهر فإذا لم يستبن بها حمل تعتد بثلاثة أشهر فذلك سنة ولا نعرف له مخالفا قال ابن المنذر قضى به عمر بين المهاجرين والأنصار ولم ينكره منكر

وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل يطلق امرأته فتحيض حيضة ثم يرتفع حيضها

قال اذهب إلى حديث عمر إذا رفعت حيضتها فلم تدر مما ارتفعت فإنها تنتظر سنة قيل له فحاضت دون السنة فقال ترجعه إلى الحيضة قيل له فإن ارتفعت حيضتها أيضا لا تدري مما ارتفعت قال تقعد سنة أخرى وهذا قول كل من وافقنا في المسألة الأولى وذلك لأنها لما ارتفعت حيضتها حصلت مرتابة فوجب أن تنتقل إلى الاعتداد بسنة كما لو ارتفع حيضها حين طلقها ووجب عليها سنة كاملة لأن العدة لا تنبني على عدة أخرى ولذلك لو حاضت حيضة أو حيضتين ثم يئست انتقلت إلى ثلاثة أشهر

ولو اعتدت الصغيرة شهرا أو شهرين ثم حاضت انتقلت إلى ثلاثة قروء

فصل فإن كانت عادة المرأة أن يتباعد ما بين حيضتيها لم تنقص عدتها حتى تحيض ثلاث حيض وإن طالت لأن هذه لم يرتفع حيضها ولم تتأخر عن عادتها فهي من ذوات القروء باقية على عادتها


91

فأشبهت من لم يتباعد حيضها

ولا نعلم في هذا مخالفا

فصل في عدة المستحاضة لا تخلو إما أن يكون لها حيض محكوم به بعادة أو تمييز أو لا تكون كذلك فإن كان لها حيض محكوم به بذلك فحكمها فيه حكم غير المستحاضة إذا مرت لها ثلاثة قروء فقد انقضت عدتها قال أحمد المستحاضة تعتد أيام إقرائها التي كانت تعرف وإن علمت أن لها في كل شهر حيضة ولم تعلم موضعها فعدتها ثلاثة أشهر وإن شكت في شيء تربصت حتى تستيقن أن القروء الثلاث قد انقضت وإن كانت مبتدأة لا تمييز لها أو ناسية لا تعرف لها وقتا ولا تمييزا فعن أحمد روايتان إحداهما أن عدتها ثلاثة أشهر وهو قول عكرمة وقتادة وأبي عبيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر حمنة بنت جحش أن تجلس في كل شهر ستة أيام أو سبعة فجعل لها حيضة في كل شهر تترك فيها الصلاة والصيام ويثبت فيها سائر أحكام الحيض فيجب أن تنقضي به العدة لأن ذلك من أحكام الحيض

والرواية الثانية تعتد سنة بمنزلة من رفعت حيضتها لا تدري ما رفعها قال أحمد إذا كانت قد اختلطت ولم تعلم إقبال الدم وإدباره اعتدت سنة لحديث مر لأن به يتبين الحمل وهو قول مالك وإسحاق لأنها لم تتيقن لها حيضا مع أنها من ذوات القروء فكانت عدتها سنة كالتي ارتفع حيضها

وعلى الرواية الأولى ينبغي أن يقال إننا متى حكمنا بأن حيضها سبعة أيام من كل شهر فمضى لها شهران بالهلال وسبعة أيام من أول الثالث فقد انقضت عدتها وإن قلنا القروء الأطهار فطلقها في أخر شهر ثم مر لها شهران وهل الثالث انقضت عدتها

وهذا مذهب الشافعي

مسألة

قال ( ولو طلقها وهي من اللائي لم يحضن فلم تنقض عدها بالشهور حتى حاضت استقبلت العدة بثلاث حيض إن كانت حرة وبحيضتين إن كانت أمة ) وجملته أن الصغيرة التي لم تحض أو البالغ التي لم تحض إذا اعتدت بالشهور فحاضت قبل انقضاء عدتها ولو بساعة لزمها استئناف العدة في قول عامة علماء الأمصار منهم سعيد بن المسيب والحسن ومجاهد وقتادة والشعبي والنخعي والزهري والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي وأهل المدينة وأهل البصرة وذلك لأن الشهور بدل الحيض فإذا وجد المبدل بطل حكم البدل كالتيمم مع الماء ويلزمها أن تعتد بثلاث حيض إن قلنا القروء الحيض وإن قلنا القروء الأطهار فهل تعتد بما مضى من الطهر قبل الحيض قرءا فيه وجهان أحدهما تعتد به لأنه طهر انتقلت منه إلى حيض فأشبه الطهر بين الحيضتين

والثاني لا تعتد به وهو ظاهر كلام الشافعي لأن القرء هو الطهر بين الحيضتين وهذا لم يتقدمه حيض فلم يكن قرءا فأما إن انقضت عدتها بالشهور ثم حاضت بعدها ولو بلحظة لم يلزمها استئناف العدة لأنه معنى حدث بعد انقضاء العدة كالتي حاضت


92

بعد انقضاء العدة بزمن طويل ولا يمكن منع هذا الأصل لأنه لو صح منعه لم يحصل لمن لم تحض الاعتداد بالشهور بحال

فصل ولو حاضت حيضة أو حيضتين ثم صارت من الآيسات استأنفت العدة بثلاثة أشهر لأن العدة لا تلفق من جنسين وقد تعذر إتمامها بالحيض فوجب تكميلها بالأشهر وإن ظهر بها حمل من الزوج سقط حكم ما مضى وتبين أن ما رأته من الدم لم يكن حيضا لأن الحامل لا تحيض ولو حاضت ثلاث حيض ثم ظهر بها حمل لأقل من ستة أشهر منذ انقضت الحيضة الثالثة تبينا أن الدم ليس بحيض لأنها كانت حاملا مع رؤية الدم والحامل لا تحيض ولو حاضت ثلاث حيض ثم ظهر بها حمل يمكن أن يكون حادثا بعد انقضاء العدة بأن تأتي به لستة أشهر منذ فرغت من عدتها لم تلحق بالزوج وحكمنا بصحة الاعتداد وكان هذا الولد حادثا وإن أتت به لدون ذلك تبينا أن الدم ليس بحيض لأنه لا يجوز وجوده في مدة الحمل

فصل وإذا ارتابت به المعتدة ومعناه أن ترى أمارات الحم من حركة أو نفخة ونحوهما وشكت هل هو حمل أم لا فلا يخلو من ثلاثة أحوال أحدها أن تحدث به الريبة قبل انقضاء عدتها فإنما تبقى في حكم الاعتداد حتى تزول الريبة فإن بان حملا انقضت عدتها بوضعه فإن زالت وبان أنه ليس بحمل تبينا أن عدتها انقضت بالقروء أو الشهور فإن زوجت قبل زوال الريبة فالنكاح باطل لأنها تزوجت وهي في حكم المعتدات في الظاهر ويحتمل أنه إذا تبين عدم الحمل أنه يصح النكاح لأنا تبينا أنها تزوجت بعد انقضاء عدتها

الثاني أن تظهر الريبة بعد انقضاء عدتها والتزويج فالنكاح صحيح لأنه وجد بعد قضاء العدة ظاهرا والحمل مع الريبة مشكوك فيه ولا يزول به ما حكم بصحته لكن لا يحل لزوجها وطؤها لأننا شككنا في صحة النكاح ولأنه لا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره ثم ننظر فإن وضعت الولد لأقل من ستة أشهر منذ تزويجها الثاني ووطئها فنكاحه باطل لأنه نكحها وهي حامل وإن أتت به لأكثر من ذلك فالولد لاحق به ونكاحه صحيح

الحال الثالث ظهرت الريبة بعد قضاء العدة وقبل النكاح ففيه وجهان أحدهما لا يحل لها أن تتزوج وإن تزوجت فالنكاح باطل لأنها تتزوج مع الشك في انقضاء العدة فلم يصح كما لو وجدت الريبة في العدة ولأننا لو صححنا النكاح لوقع موقوفا ولا يجوز كون النكاح موقوفا ولهذا لو أسلم وتخلفت امرأته في الشرك لم يجز أن يتزوج أختها لأن نكاحها يكون موقوفا على إسلام الأولى

والثاني يحل لها النكاح ويصح لأننا حكمنا بانقضاء العدة وحل النكاح وسقوط النفقة والسكنى فلا يجوز زوال ما حكم به بالشك الطارىء ولهذا لا ينقض الحاكم ما حكم به بتغير اجتهاده ورجوع الشهود


93

فصل

وإذا طلق واحدة من نسائه لا بعينها خرجت بالقرعة وعليها العدة دون غيرها وتحسب عدتها من حين طلق لا من حين القرعة وإن طلق واحدة بعينها وأنسبها

ففي أصحابنا الحكم فيها كذلك والصحيح أنه يحرم عليه الجميع فإن مات فعلى الجميع الاعتداد بأقصى الأجلين من عدة الطلاق والوفاة لأن النكاح كان ثابتا بيقين وكل واحدة منهن يجوز أن تكون هي المطلقة وأن تكون زوجة فوجب أقصى الأجلين وإن كان الطلاق بائنا ليسقط الفرض بيقين كمن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها لزمه أن يصلي خمس صلوات لكن ابتداء القرء من حين طلق وابتداء عدة الوفاة من حين الموت وهذا مذهب الشافعي وإن طلق الجميع ثلاثا بعد ذلك فعليهن كلهن تكميل عدة الطلاق من حين طلقهن ثلاثا وإن طلق ثلاثا وأنسبهن فهو كما لو طلق واحدة

مسألة

قال ( ولو مات عنها وهو حر أو عبد قبل الدخول أو بعده انقضت عدتها لتمام أربعة أشهر وعشر إن كانت حرة ولتمام شهرين وخمسة أيام إن كانت أمة ) أجمع أهل العلم على أن عدة الحرة المسلمة غير ذات الحمل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر مدخولا بها أو غير مدخول بها سواء كانت كبيرة بالغة أو صغيرة لم تبلغ وذلك لقوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا البقرة 234 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلى على زوج أربعة أشهر وعشرا متفق عليه

فإن قيل ألا حملتم الآية على المدخول بها كما قلتم في قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة 228 قلنا إنما خصصنا هذه بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها الأحزاب 49 ولم يرد تخصيص عدة الوفاة ولا أمكن قياسها على المطلقة في التخصيص لوجهين

أحدهما أن النكاح عقد عمر فإذا مات انتهى والشيء إذا انتهى تقررت أحكامه كتقرر أحكام الصيام بدخول الليل وأحكام الإجارة بانقضائها والعدة من أحكامه

والثاني أن المطلقة إذا أتت بولد يمكن الزوج تكذيبها ونفيه باللعان وهذا ممتنع في حق الميت فلا يؤمن أن تأتي بولد فيلحق الميت نسبه وما له من ينفيه فاحتطنا بإيجاب العدة عليها لحفظها عن التصرف والمبيت في غير منزلها حفظا لها

إذا ثبت هذا فإنه لا يعتبر وجود الحيض في عدة الوفاة في قول عامة أهل العلم وحكي عن مالك أنها إذا كانت مدخولا بها وجب أربعة أشهر وعشر فيها حيضة

واتباع الكتاب والسنة أولى ولأنه لو اعتبر الحيض في حقها لاعتبر ثلاثة قروء كالمطلقة وهذا الخلاف يختص بذات القرء فأما الآيسة والصغيرة فلا خلاف فيها وأما


94

الأمة المتوفى عنهار زوجها فعدتها شهران وخمسة أيام فيقول عامة أهل العلم منهم سعيد بن المسيب وعطاء وسليمان بن يسار والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وغيرهم إلا ابن سيرين فإنه قال ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة إلا أن تكون قد مضت في ذلك سنة فإن السنة أحق أن تتبع وأخذ بظاهر النص وعمومه ولنا اتفاق الصحابة رضي الله عنهم على أن عدة الأمة المطلقة على النصف من عدة الحرة فكذلك عدة الوفاة

فصل والعشر المعتبرة في العدة هي عشر ليال بأيامها فتجب عشرة أيام مع الليالي وبهذا قال مالك والشافعي وأبو عبيد وابن المنذر وأصحاب الرأي وقال الأوزاعي يجب عشر ليالي وتسعة أيام لأن العشر تستعمل في الليالي دون الأيام وإنما دخلت الأيام اللاتي في أثناء الليالي تبعا قلنا العرب تغلب اسم التأنيث في العدد خاصة على المذكر فتطلق لفظ الليالي وتريد الليالي بأيامها كما قال الله تعالى آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا مريم 10 يريد أيامها بدليل أنه قال في موضع آخر آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا آل عمران 41 يريد بلياليها ولو نذر اعتكاف العشر الأخير من رمضان لزمه الليالي والأيام ويقول القائل سرنا عشرا يريد الليالي بأيامها فلم يجز نقلها عن العدة إلى الإباحة بالشك

فصل وإذا مات زوج الرجعية استأنفت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا بلا خلاف وقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك وذلك لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وينالها ميراثه فاعتدت للوفاة كغير المطلقة وإن مات مطلق البائن في عدتها بنت على عدة الطلاق إلا أن يطلقها في مرض موته فإنها تعتد أطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء نص على هذا أحمد وبه قال الثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وقال مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر تبني على عدة الطلاق لأنه مات وليست زوجة له لأنها بائن من النكاح فلا تكون منكوحة

ولنا إنها وارثة له فيجب عليها عدة الوفاة الرجعية وتلزمها عدة الطلاق لما ذكروا في دليلهم وإن مات المريض المطلق بعد انقضاء عدتها بالحيض أو بالشهور أو بوضع الحمل أو كان طلاقه قبل الدخول فليس عليها عدة لموته وقال القاضي عليهن عدة الوفاة إذا قلنا يرثنه لأنهن يرثنه بالزوجية فتجب عليهن عدة الوفاة كما لو مات بعد الدخول وقبل قضاء العدة ورواه أبو طالب عن أحمد في التي انقضت عدتها وذكر ابن أبي موسى فيها روايتين والصحيح أنها لا عدة عليها لأن الله تعالى قال إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها الأحزاب 49 وقال والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة 228 وقال واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن الطلاق 4 فلا يجوز تخصيص هذه النصوص


95

بالتحكم ولأنها أجنبية تحل للأزواج ويحل للمطلق نكاح أختها وأربع سواها فلم تجب عليها عدة لموته كما لو تزوجت وتخالف التي مات في عدتها فإنها لا تحل لغيره في هذه الحال ولم تنقض عدتها ولا نسلم أنها ترثه فإنها لو ورثته لأفضى إلى أن يرث الرجل ثماني زوجات فأما إن تزوجت إحدى هؤلاء فلا عدة عليها بغير خلاف نعلمه ولا ترثه أيضا وإن كانت المطلقة البائن لا ترث كالأمة أو الحرة يطلقها العبد أو الذمية يطلقها المسلم والمختلعة أو فاعلة ما يفسخ نكاحها لم تلزمها عدة سواء مات زوجها في عدتها أو بعدها على قياس قول أصحابنا فهم عللوا نقلها إلى عدة الوفاة بإرثها وهذه ليست وارثة فأشبهت المطلقة في الصحة وأما المطلقة في الصحة إذا كانت بائنا فمات زوجها فإنها تبني على عدة الطلاق ولا تعتد للوفاة وهذا قول مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وقال الثوري وأبو حنيفة عليها أطول الأجلين كما لو طلقها في مرض موته

ولنا قوله سبحانه والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة 228 ولأنها أجنبية منه في نكاحه وميراثه والحل له ووقوع طلاقه وظهاره وتحل له أختها وأربع سواها فلم تعتد لوفاته كما له انقضت عدتها وذكر القاضي في المطلقة في المرض أنها إذا كانت حاملا تعتد أطول الأجلين وليس هذا بشيء لأن وضع الحمل تنقضي به كل عدة ولا يجوز أن يجب عليها الاعتداد بغير الحلم على ما نذكره في المسألة التي تلي هذا إن شاء الله تعالى

مسألة

قال ( ولو طلقها أو مات عنها وهي حامل منه لم تنقض عدتها إلا بوضع الحمل أمة كانت أو حرة ) أجمع أهل العلم في جميع الأعصار على أن المطلقة الحامل تنقضي عدتها بوضع حملها وكذلك كل مفارقة في الحياة وأجمعوا أيضا على أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا أجلها وضع حملها إلا ابن عباس وروي عن علي من وجه منقطع أنها تعتد بأقصى الأجلين وقاله أبو السنابل بن بعكك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قوله

وقد روي عن ابن عباس أنه رجع إلى قول الجامعة لما بلغه حديث سبيعة وكره الحسن والشعبي أن تنكح في دمها ويحكى عن حماد وإسحاق أن عدتها لا تنقضي حتى تطهر وأبى سائر أهل العلم هذا القول وقالوا لو وضعت بعد ساعة من فواة زوجها جل لها أن تتزوج ولكن لا يطؤها زوجها حتى تطهر من نفاسها وتغتسل وذلك لقول الله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق 4

وروي عن أبي بن كعب قال قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق 4

للمطلقة ثلاثا أو للمتوفى عنها قال هي للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها وقال ابن مسعود من شاء باهلته أو لاعنته أن الآية التي في سورة النساء القصرى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق 4

نزلت بعد التي في سورة البقرة والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا البقرة 234

يعني أن هذه الآية هي الأخيرة فتقدم على ما خالفها من عموم الآيات المتقدمة ويخص بها عمومها


96

وروى عبد الله بن الأرقم أن سبيعة الأسلمية اخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة وتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال ما لي أراك متجملة لعلك ترجين النكاح إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر

قالت سبيعة فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي فأمرني بالتزويج أن بدا لي متفق عليه

وقال ابن عبد البر هذا حديث صحيح قد جاء من وجوه شتى كلها ثابتة إلا ما روي عن ابن عباس وروي عن علي من وجه منقطع ولأنها معتدة حامل فتنقضي عدتها بوضعه كالمطلقة يحققه أن العدة إنما شرعت لمعرفة براءتها من الحمل ووضعه أدل الأشياء على البراءة منه فوجب أن تنقضي العدة ولأنه لا خلاف في بقاء العدة ببقاء الحمل فوجب أن تنقضي به كما في حق المطلقة

فصل وإذا كان الحمل واحدا انقضت العدة بوضعه وانفصال جميعه وإن ظهر بعضه فهي في عدتها حتى ينفصل باقيه لأنها لا تكون واضعة لحملها ما لم يخرج كله وإن كان الحمل اثنين أو أكثر لم تنقض عدتها إلا بوضع الآخر لأن الحمل هو الجميع هذا قول جماعة أهل العلم إلا أبا قلابة وعكرمة فإنهما قالا تنقضي عدتها بوضع الأول ولا تتزوج حتى تضع الآخر

وذكر ابن أبي شيبة عن قتادة عن عكرمة أنه قال إذا وضعت أحدهما فقد انقضت عدتها قيل له فتتزوج قال لا قال قتادة خصم العبد وهذا قول شاذ يخالف ظاهر الكتاب وقول أهل العلم والمعنى فإن العدة شرعت لمعرفة البراءة من الحمل فإذا علم وجود الحمل فقد تيقن وجود الموجب للعدة وانتفت البراءة الموجبة لانقضائها ولأنها لو انقضت عدتها بوضع الأول لأبيح لها النكاح كما لو وضعت الآخر فإن وضعت ولدا وشكت في وجود ثان لم تنقض عدتها حتى تزول الريبة وتتيقن أنها لم يبق معها حمل لأن الأصل بقاؤها فلا يزول بالشك

مسألة

قال ( والحمل الذي تنقضي به العدة ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان حرة كانت أو أمة ) وجملة ذلك أن المرأة إذا ألقت بعد فرقة زوجها شيئا لم يحل من خمسة أحوال

أحدها أن تضح ما بان فيه خلق الآدمي من الرأس واليد والرجل فهذا تنقضي به العدة بلا خلاف بينهم

قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن عدة المرأة تنقضي بالسقط إذا علم أنه ولد

ومن نحفظ عنه ذلك الحسن وابن سيرين وشريح والشعبي والنخعي والزهري والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق

قال الأثرم قلت لأبي عبد الله إذا نكس في الخلق الرابع يعني تنقضي به العدة فقال إذا نكس في الخلق الرابع فليس فيه اختلاف ولكن إذا تبين خلقه هذا أدل وذلك لأنه إذا بان فيه شيء من خلق الآدمي علم


97

أنه حمل فيدخل في عموم قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق 4

الحال الثاني ألقت نطفة أو دما لا تدري هل هو ما يخلق منه الآدمي أولا فهذا لا يتعلق به شيء من الأحكام لأنه لم يثبت أنه ولد لا بالمشاهدة ولا بالبينة

الحال الثالث ألقت مضغة لم تبن فيها الخلقة فشهد ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية بان بها أنها خلقة آدمي فهذا في حكم الحال الأول لأنه قد تبين بشهادة أهل المعرفة أنه ولد

الحال الرابع إذا ألقت مضغة لا صورة فيها فشهد ثقات من القوابل أنه مبتدأ خلق آدمي فاختلف عن أحمد فنقل أبو طالب أن عدتها لا تنقضي به ولا تصير به أم ولد لأنه لم يبن فيه خلق آدمي فأشبه الدم وقد ذكر هذا قولا للشافعي وهو اختيار أبي بكر

ونقل الأثرم عن أحمد أن عدتها لا تنقضي به ولكن تصير أم ولد لأنه مشكوك في كونه ولدا فلم يحكم بانقضاء العدة المتيقنة بأمر مشكوك فيه ولم يجز بيع الأمة الوالدة له مع الشك في رقها فيثبت كونها أم ولد احتياطا ولا تنقضي العدة احتياطا ونقل حنبل أنها تصير أم ولد ولم يذكر العدة فقال بعض أصحابنا على هذا تنقضي به العدة وهو قول الحسن وظاهر مذهب الشافعي لأنهم شهدوا بأنه خلقة آدمي أشبه ما لو تصور والصحيح أن هذا ليس برواية في العدة لأنه لم يذكرها ولم يتعرض لها

الحال الخامس أن تضع مضغة لا صورة فيها ولم تشهد القوابل بأنها مبتدأ خلق آدمي فهذا لا تنقضي به عدة ولا تصير به أم ولد لأنه لم يثبت كونه ولدا ببينة ولا مشاهدة فأشبه العلقة فلا تنقضي العدة بوضع ما قبل المضغة بحال سواء كان نطفة أو علقة وسواء قيل إنه مبتدأ خلق آدمي أو لم يقل نص عليه أحمد فقال أما إذا كان علقة فليس بشيء إنما هي دم لا تنقضي به عدة ولا تعتق به أمة ولا نعلم مخالفا في هذا إلا الحسن فإنه قال إذا علم أنها حمل انقضت به العدة وفيه الغرة والأول أصح وعليه الجمهور وأقل ما تنقضي به العدة من الحمل أن تضعه بعد ثمانين يوما منذ أمكنه وطؤها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن خلق أحدكم ليجمع في بطن أمة فيكون نطفة أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ولا تنقضي العدة بما دون المضغة فوجب أن تكون بعد الثمانين فأما بعد الأربعة أشهر فليس فيه إشكال لأنه منكس في الخلق الرابع

فصل وأقل مدة الحمل ستة أشهر لما روى الأثرم بإسناده عن أبي الأسود أنه رفع إلى عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فهم عمر برجمها فقال له علي ليس لك ذلك قال الله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين البقرة 233 وقال تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا الأحقاف 15 فحولان وستة أشهر ثلاثون شهرا


98

لا رجم عليها فخلى عمر سبيلها وولدت مرة أخرى لذلك الحد ورواه الأثرم أيضا عن عكرمة أنابن عباس قال ذلك قال عاصم الأحول فقلت لعكرمة إنا بلغنا أن عليا قال هذا فقال عكرمة لا ما قال هذا إلا ابن عباس وذكر ابن قتيبة في المعارف أن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم

مسألة

قال ( ولو طلقها أو مات عنها فلم تنكح حتى أتت بولد بعد طلاقه أو موته بأربع سنين لحقه الولد وانقضت عدتها به ) ظاهر المذهب أن أقصى مدة الحمل أربع سنين وبه قال الشافعي وهو المشهور عن مالك وروي عن أحمد أن أقصى مدته سنتان وروي ذلك عن عائشة وهو ومذهب الثوري وأبي حنيفة لما روت جميلة بنت سعد عن عائشة لا تزيد المرأة على السنتين في الحمل ولأن التقدير إنما يعلم بتوقيف أو اتفاق ولا توقيف هاهنا ولا اتفاق إنما هو على ما ذكرنا وقد وجد ذلك فإن الضحاك بن مزاحم وهرم بن حيان حملت أم كل واحد منهما به سنتين وقال الليث أقصاه ثلاث سنين حملت مولاة لعمر بن عبد الله ثلاث سنين وقال عباد بن العوام خمس سنين وعن الزهري قال قد تحمل المرأة ست سنين وسبع سنين وقال أبو عبيد ليس لأقصاه وقت يوقف عليه

ولنا إن ما لا نص فيه يرجع فيه إلى الوجود وقد وجد الحمل لأربع سنين فروى الوليد بن مسلم قال قلت لمالك بن أنس حديث جميلة بنت سعد عن عائشة لا تزيد المرأة على السنتين في الحمل قال مالك سبحان الله من يقول هذا هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان تحمل أربع سنين قبل أن تلد وقال الشافعي بقي محمد بن عجلان في بطن أمه أربع سنين وقال أحمد نساء بني عجلان يحملن أربع سنين وامرأة عجلان حملت ثلاث بطون كل دفعة أربع سنين وبقي محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي في بطن أمه أربع سنين وهكذا إبراهيم بن نجيح العقيلي حكى ذلكأبو الخطاب وإذا تقرر وجوده وجب أن يحكم به ولا يزاد عليه لأنه ما وجد ولأن عمر ضرب لامرأة المفقود أربع سنين ولم يكن ذلك إلا لأنه غاية الحمل وروي ذلك عن عثمان وعلي وغيرهما

إذا ثبت هذا فإن المرأة إذا ولدت لأربع سنين فما دون من يوم موت الزوج أو طلاقه ولم تكن تزوجت ولا وطئت ولا انقضت عدتها بالقروء ولا بوضع الحمل فإن الولد لاحق بالزوج وعدتها منقضية به

فصل وإن أتت بالولد لأربع سنين منذ مات أو بانت منه بطلاق أو فسخ أو انقضاء عدتها إن كانت رجعية لم يلحقه ولدها لأننا نعلم أنها علقت به بعد زوال النكاح والبينونة منه وكونها قد صارت منه أجنبية فأشبهت سائر الأجنبيات ومفهوم كلام الخلاقي أن عدتها لا تنقضي به لأنه لا ينتفي عنه بغير لعان فلم تنقض عدتها منه بوضعه كما لو أتت له لأقل من ستة أشهر منذ نكحها قال أبو الخطاب هل تنقضي به العدة على وجهين

وذكر القاضي أن عدتها تنقضي به وهو مذهب الشافعي لأنه ولد يمكن أن يكون منه بعد نكاحه بأن يكون قد


99

وطئها بشبهة أو جدد نكاحها فوجب أن تنقضي به العدة وإن لم يلحق به كالولد المنفي باللعان وبهذا فارق الذي أتت به لأقل من ستة أشهر فإنه ينتفي عنه يقينا ثم ناقضوا قولهم فقالوا لو تزوجت في عدتها وأتت بولد لأقل من ستة أشهر من حين دخل بها الثاني ولأكثر من أربع سنين من حين بانت من الأول فالولد منتف عنهما ولا تنقضي عدتها بوضعه عن واحد منهما وهذا أصح فإن احتمال كونه منه لم يكف في إثبات نسب الولد منه مع أنه يثبت بمجرد الإمكان فلأن لا يكفي في انقضاء العدة أولى وأحرى وما ذكروه منتقض بما سلموه وما ذكروه من الفرق بين هذا وبين الذي أتت به لأقل من ستة أشهر غير صحيح فإنه يحتمل أن يكون أصابها قبل نكاحها بشبهة أو بنكاح غير هذا النكاح الذي أتت بالولد فيه فاستويا

وأما المنفي باللعان فإنا نفينا الولد عن الزوج بالنسبة إليه ونفينا حكمه في كونه منه بالنسبة إليها حتى أوجبنا الحد على قاذفها وقاذف ولدها وانقضاء عدتها من الأحكام المتعلقة بها دونه فثبتت

فصل وإن أقرت المرأة بانقضاء عدتها بالقروء ثم أتت بولد لسنة أشهر فصاعدا من بعد انقضائها لم يلحق نسبه بالزوج وبه قالأبو حنيفة وابن سريج وقال مالك والشافعي يلحق به ما لم تتزوج أو يبلغ أربع سنين وكلام الخرقي يحتمل ذلك فإنه أطلق قوله إذا أتت بولد بعد طلاقه أو موته بأربع سنين لحقه الولد وذلك لأنه ولد يمكن كونه منه وليس معه من هو أولى منه ولا من يساويه فوجب أن يلحق به كما لو أتت به بعد عقد النكاح

ولنا إنها أتت به بعد الحكم بقضاء عدها وحل النكاح لها بمدة الحلم فلم يلحق به كما لو أتت به بعد انقضاء عتدها بوضع حملها لمدة الحمل وإنما يعتبر الإمكان مع بقاء النكاح أو آثاره وقد زال ذلك وإن انقضت بالشهور ثم أتت بولد لدون أربع سنين لحقه نسبه لأنها إن كانت تدعي الإياس تبينا كذبها فإن من تحمل ليست بآيسة وإن كانت من اللائي لم يحضن أو متوفى عنها لحقه ولدها لأنه لم يوجد في حقها ما ينافي كونها حاملا

فصل وإذا مات الصغير الذي لا يولد لمثله عن زوجته فأتت بولد لم يلحقه نسبه ولم تنقض العدة بوضعه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن مات وبها حمل ظاهر اعتدت عنه بالوضع فإن ظهر الحمل بها بعد موته لم تعتد به

وقد روي عن أحمد في الصبي مثل قول أبي حنيفة وذكره ابن أبي موسى قال أبو الخطاب وفيه بعد وهكذا الخلاف فيما إذا تزوج بامرأة ودخل بها وأتت بولد لدون ستة أشهر من حين عقد النكاح فإنها لا تعتد بوضعه عندنا وعنده تعتد به واحتج بقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق 4

ولنا إن هذا حمل منفي عنه يقينا فلم تعتد بوضعه كما لو ظهر بعد موته والآية واردة في المطلقات ثم هي مخصوصة بالقياس الذي ذكرناه

إذا ثبت هذا فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل من الوطء الذي علقت به منه سواء


100

كان هذا الولد ملحقا بغير الصغير مثل أن يكون من عقد فاسد أو وطء شبهة أو كان من زنا لا يلحق بأحد لأن العدة تجب من كل وطء فإذا وضعته اعتدت من الصبي بأربعة أشهر وعشر لأن العدتين من رجلين لا يتداخلان وإن كانت الفرقة في الحياة بعد الدخول كزوجة كبير دخل بها ثم طلقها وأتت بولد لدون ستة أشهر منذ تزوجها فإنها تعتد بعد وضعه بثلاث قروء وكذلك إذا طلق الخصي المجبوب امرأته أو مات عنها فأتت بولد لم يلحقه نسبه ولم تنقض عدتها بوضعه وتنقضي به عدة الوطء ثم تستأنف عدة الطلاق أو عدة الوفاة على ما بيناه وذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد أن الولد يلحق به لأنه قد يتصور منه الإنزال بأن يحك موضع ذكره بفرجها فينزل فعلى هذا القول يلحق به الولد وتنقضي به العدة والصحيح أن هذا لا يلحق به ولد لأنه لم تجر به عادة فلا يلحق به ولدها كالصبي الذي لم يبلغ عشر سنين ولو تزوج امرأة في مجلس الحاكم ثم طلقها في المجلس أو تزوج المشرقي بالمغربية ثم أتت بولد لا يمكن أن يكون منه بعد اجتماعهما بمدة الحمل فإنه لا يلحقه نسبه ولا تنقضي العدة بوضعه

مسألة

قال ( ولو طلقها أو مات عنها فلم تنقض عدتها حتى تزوجت من أصابها فرق بينهما وبنت على ما مضى من عدة الأول ثم استقبلت العدة من الثاني ) وجملة الأمر أن المعتدة لا يجوز لها أن تنكح في عدتها إجماعا أي عدة كانت لقول الله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله البقرة 235 ولأن العدة إنما اعتبرت لمعرفة براءة الرحم لئلا يفضي إلى اختلاط المياه وامتزاج الأنساب وإن تزوجت فالنكاح باطل لأنها ممنوعة من النكاح لحق الزوج الأول فكان نكاحا باطلا كما لو تزوجت وهي في نكاحه ويجب أن يفرق بينه وبينها فإن لم يدخل بها فالعدة بحالها ولا تنقطع بالعقد الثاني لأنه باطل لا تصير به المرأة فراشا ولا يستحق عليه بالعقد شيء وتسقط سكناها ونفقتها عن الزوج الأول لأنها ناشز وإن وطئها انقطعت العدة سواء علم التحريم أو جهله وقال أبو حنيفة لا تنقطع لأن كونها فراشا لغير من له العدة لا يمنعها كما لو وطئت بشبهة وهي زوجة فإنها تعتد وإن كانت فراشا للزوج وقال القاضي إن وطئها عالما بأنها معتدة وأنها تحرم فهو زان فلا تنقطع العدة بوطئه لأنها لا تصير به فراشا ولا يلحق به نسب وإن كان جاهلا أنها معتدة أو بالتحريم انقطعت العدة بالوطء لأنها تصير به فراشا والعدة تراد للاستبراء وكونها فراشا ينافي ذلك فوجب أن يقطعها فأما طريانه عليها فلا يجوز

ولنا إن هذا وطء بشبهة نكاح فتنقطع به العدة كما لو جهل وقولهم إنها تصير به فراشا قلنا لكنه لا يلحق نسب الولد الحادث من وطئه بالزوج الأول فهما شيئان إذا ثبت هذا فعليه فراقها فإن لم يفعل وجب التفريق بينهما فإن فارقها أو فرق بينهما وجب عليها أن تكمل عدة الأول لأنه حقه أسبق وعدته وجبت عن وطء في


101

نكاح صحيح فإذا أكملت عدة الأول وجب عليها أن تعتد من الثاني ولا تتداخل العدتان لأنهما من رجلين وهذا مذهب الشافعي

وقال أبو حنيفة يتداخلان فتأتي بثلاثة قروء بعد مفارقة الثاني تكون عن بقية عدة الأول وعدة الثاني لأن القصد معرفة براءة الرحم وهذا تحصل به براءة الرحم منهما جميعا

ولنا ما روى مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن طليحة كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها ونكحها غيره في عدتها فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها ضربات بمخفقة وفرق بينهما ثم قال أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول وكان خاطبا من الخطاب وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر ولا ينكحها أبدا وروى بإسناده عن علي أنه قضى في التي تزوج في عدتها أنه يفرق بينهما ولها الصداق بما استحل من فرجها وتكمل ما أفسدت من عدة الأول وتعتد من الآخر وهذان قولا سيدين من الخلفاء لم يعرف لهما في الصحابة مخالف لأنهما حقان مقصودان لآدميين فلم يتداخلا كالدينين واليمينين ولأنه حبس يستحق الرجال على النساء فلم يجز أن تكون المرأة في حبس رجلين كحبس الزوجة

مسألة

قال ( وله أن ينكحها بعد انقضاء العدتين ) يعني للزوج الثاني أن يتزوجها بعد انقضاء العدتين فأما الزوج الأول فإن كان طلاقه ثلاثا لم تحل له بهذا النكاح وإن وطىء فيه لأنه نكاح باطل وإن كان طلاقه دون الثلاث فله نكاحها أيضا بعد العدتين وإن كانت رجعية فله رجعتها في عدتها منه وعن أحمد رواية أخرى أنها تحرم على الزوج الثاني على التأبيد وهو قول مالك وقديم قولي الشافعي لقول عمر لا ينكحها أبدا ولأنه استعجل الحق قبل وقته فحرمه في وقته كالوارث إذا قتل موروثة ولأنه يفسد النسب فيوقع التحريم المؤبد كاللعان

وقال الشافعي في الجديد له نكاحها بعد انقضاء عدة الأول ولا يمنع من نكاحها في عدتها منه ولأنه وطء يلحق به النسب فلا يمنع من نكاحها في عدتها منه كالوطء في النكاح ولأن العدة إنما شرعت حفظا للنسب وصيانة للماء والنسب لاحق به هاهنا

فأشبه ما لو خالعها ثم نكحها في عدتها وهذا حسن موافق للنظر

ولنا على إباحتها بعد العدتين أنه لا يخلو إما أن يكون تحريمها بالعقد أو بالوطء في النكاح الفاسد أو بهما وجميع ذلك لا يقتضي التحريم بدليل ما لو نكحها بلا ولي ووطئها ولأنه لو زنى بها لم تحرم عليه على التأبيد فهذا


102

أولى ولأن آيات الإباحة عامة لقول الله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم النساء 24

وقوله المحصنات المؤمنات النساء 25

فلا يجوز تخصيصها بغير دليل

وما روي عن عمر في تحريمها فقد خالفه علي فيه

وروي عن عمر أنه رجع عن قوله في التحريم إلى قول علي

فإن عليا قال إذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب فقال عمر ردوا الجهالات إلى السنة ورجع إلى قول علي وقياسهم يبطل بما إذا زنى بها فإنه قد استعجل وطأها ولا تحرم عليه على التأبيد ووجه تحريمها عليه قبل انقضاء عدة الثاني عليه قول الله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله البقرة 235 ولأنه وطء يفسد به النسب فلم يجز النكاح في العدة منه كوطء الأجنبي

فصل وكل معتدة من غير النكاح الصحيح كالزانية والموطوءة بشبهة أو في نكاح فاسد فقياس المذهب تحريم نكاحها على الواطىء وغيره والأولى حل نكاحها لمن هي معتدة منه إن كان يلحقه نسب ولدها لأن العدة لحفظ مائة وصيانة نسبه ولا يصان ماؤه المحترم عن مائه المحترم ولا يحفظ نسبه عنه ولذلك أبيح للمختلعة نكاح من خالعها ومن لا يلحقه نسب ولدها كالزانية لا يحل له نكاحها لأن نكاحها يفضي إلى اشتباه النسب فالواطىء كغيره في أن الولد لا يلحق نسبه بواحد منهما

مسألة

قال ( وإن أتت بولد يمكن أن يكون منهما أري القافة وألحق بمن ألحقوه منهما وانقضت عدتها منه واعتدت للآخر ) وجملته أنها إذا كانت حاملا انقضت عدتها منه بوضع حملها لقوله سبحانه وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق 4 ثم ننظر فإن كان يمكن أن يكون من الأول دون الثاني وهو أن تأتي به لدون ستة أشهر من وطء الثاني وأربع سنين فما دونها من فراق الأول فإنه يلحق بالأول وتنقضي عدتها به منه بوضعه ثم تعتد بثلاثة قروء عن الثاني

وإن أمكن كونه من الثاني دون الأول وهو أن تأتي به لستة أشهر فما زاد إلى أربع سنين من وطء الثاني ولأكثر من أربع سنين منذ بانت من الأول فهو ملصق بالثاني دون الأول فتنقضي به عدتها من الثاني ثم تتم عدة الأول وتقدم عدة الثاني هاهنا على عدة الأول لأنه لا يجوز أن يكون الحمل من إنسان والعدة من غيره

وإن أمكن أن يكون منهما وهو أن تأتي به لستة أشهر فصاعدا من وطء الثاني ولأربع سنين فما دونها من بينونتها من الأول أري القافة فإن ألحقته بالأول لحق به كما لو أمكن أن يكون منه دون الثاني وإن ألحقته بالثاني لحق به وكان الحكم كما لو أمكن كونه من الثاني دون الأول

فإن أشكل أمره على القافة أو لم تكن قافة لزمها أن تعتد بعد وضعه بثلاثة قروء لأنه إن كان من الأول فقد أتت بما عليها من عدة الثاني وإن كان من الثاني فعليها أن تكمل عدة الأول


103

ليسقط الفرض بيقين فأما الولد فقال أبو بكر يضيع نسبه لأنه لا دليل على نسبته إلى واحد منهما فأشبه ما لو كان مجنونا لم ينتسب إلى واحد منهما وقال أبو عبد الله بن حامدسش يترك حتى يبلغ فينتسب إلى أحدهما وإن ألحقته القافة بهما لحق بهما ومقتضى المذهب أن تنقضي عدتها به منهما جميعا لأن نسبه ثبت منهما كما تنقضي عدتها به من الواحد الذي يثبت نسبه منهما وإن نفته القافة عنهما فحكمه حكم ما لو أشكل أمره وتعتد بعد وضعه بثلاث قروء ولا ينتفي عنهما بقول القافة لأن عمل القافة في ترجيح أحد صاحبي الفراش لا في النفي عن الفراش كله ولهذا لو كان صاحب الفراش واحدا فنفته القافة عنه لم ينتف عنه بقولها

فأما إن ولدت لدون ستة أشهر من وطء الثاني ولأكثر من أربع سنين من فراق الأول لم يلحق بواحد منهما ولا تنقضي به عدتها منه لأننا نعلم أنه وطء آخر فتنقضي به عدتها من ذلك الوطء ثم تتم عدة الأول وتستأنف عدة الثاني لأنه قد وجد ما يقتضي عدة ثالثة وهو الوطء الذي حملت منه فتجب عليها عدتان وإتمام العدة الأولى

فصل وإذا تزوج معتدة وهما عالمان بالعدة وتحريم النكاح فيها ووطئها فهما زانيان عليهما حد الزنا ولا مهر لها ولا يلحقه النسب

وإن كانا جاهلين بالعدة أو بالتحريم ثبت النسب وانتفى الحد ووجب المهر وإن علم هو دونها فعليه الحد والمهر ولا نسب له وإن علمت هي دونه فعليها الحد ولا مهر لها والنسب لاحق به وإنما كان كذلك لأن هذا نكاح متفق على بطلانه فأشبه نكاح ذوات محارمه

فصل وإذا خالع الرجل زوجته أو فسخ نكاحه فله أن يتزوجها في عدتها في قول جمهور الفقهاء وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والزهري والحسن وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وشذ بعض المتأخرين فقال لا يحل له نكاحها ولا خطبتها لأنها معتدة

ولنا إن العدة لحفظ نسبه وصيانة مائه ولا يصان ماؤه عن مائه إذا كانا من نكاح صحيح فإذا تزوجها انقطعت العدة لأن المرأة تصير فراشا له بعقده ولا يجوز أن تكون زوجة معتدة فإن وطئها ثم طلقها لزمتها عدة مستأنفة ولا شيء عليها من الأولى لأنها قد انقطعت وارتفعت وإن طلقها قبل أن يمسها فهل تستأنف العدة أو تبني على ما مضى قال القاضي فيه روايتان إحداهما تستأنف وهو قول أبي حنيفة لأنه طلاق لا يخلو من عدة فأوجب عدة مستأنفة كالأول

والثانية لا يلزمها استئناف عدة وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن لأنه طلاق في نكاح قبل المسيس فلم يوجب عدة لعموم قوله سبحانه ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها الأحزاب 49


104

وذكر القاضي في كتاب الروايتين أنه لا يلزمها استئناف العدة رواية واحدة لكن يلزمها إتمام بقية العدة الأولى لأن إسقاطها يفضي إلى اختلاط المياه لأنه يتزوج امرأة ويطؤها ويخلعها ثم يتزوجها ويطلقها في الحال ويتزوجها الثاني في يوم واحد

فإن خلعها حاملا ثم تزوجها حاملا ثم طلقها وهي حامل انقضت عدتها بوضع الحمل على كلتا الروايتين ولا نعلم فيه مخالفا ولا تنقضي عدتها قبل وضعها بغير خلاف نعلمه وإن وضعت حملها قبل النكاح الثاني فلا عدة عليها للطلاق من النكاح الثاني بغير خلاف أيضا لأنه نكحها بعد انقضاء عدة الأول وإن وضعته بعد النكاح الثاني وقبل طلاقه فمن قال يلزمها استئناف عدة أوجب عليها الاعتداد بعد طلاق الثاني بثلاثة قروء ومن لا يلزمها استئناف عدة لم يوجب عليها هاهنا عدة لأن العدة الأولى انقضت بوضع الحمل إذ لا يجوز أن تعتد الحامل بغير وضعه وإن كانت من ذوات القروء أو الشهور فنكحها الثاني بعد مضي قرء أو شهر ثم مضى قرءان أو شهران قبل طلاقه من النكاح الثاني فقد انقطعت العدة بالنكاح الثاني فإن قلنا تستأنف العدة فعليها عدة تامة بثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر وإن قلنا تبني أتمت العدة الأولى بقرأين أو شهرين

فصل وإن طلقها طلاقا رجعيا ثم ارتجعها في عدتها ووطئها ثم طلقها انقطعت العدة الأولى برجعته لأنه زال حكم الطلاق وتستأنف عدة من الطلاق الثاني لأنه طلاق من نكاح اتصل به المسيس وإن طلقها قبل أن يمسها فهل تستأنف عدة أو تبني على العدة الأولى فيه روايتان أولاهما أنها تستأنف لأن الرجعة أزالت شعت الطلاق الأول وردتها إلى النكاح الأول فصار الثاني طلاقا من نكاح اتصل به المسيس

والثانية تبني لأن الرجعة لا تزيد على النكاح الجديد ولو نكحها ثم طلقها قبل المسيس لم يلزمها لذلك الطلاق عدة فكذلك الرجعة فإن فسخ نكاحها قبل الرجعة بخلع أو غيره احتمل أن يكون حكمه حكم الطلاق لأن موجبه في العدة موجب الطلاق ولا فرق بينهما واحتمل أن تستأنف العدة لأنهما جنسان بخلاف الطلاق وإن لم يرتجعها بلفظه لكن وطئها في عدتها فهل تحصل بذلك رجعة أو لا فيه روايتان إحداهما تحصل به الرجعة فيكون حكمها حكم من ارتجعها بلفظه ثم وطئها سواء

والثانية لا تحصل الرجعة به ويلزمها استئناف عدة لأنه وطء في نكاح تشعث فهو كوطء الشبهة وتدخل بقية عدة الطلاق فيها لأنهما من رجل واحد وإن حملت من هذا الوطء فهل تدخل فيها بقية الأولى على وجهين أحدهما تدخل لأنهما من رجل واحد

والثاني لا تدخل لأنهما من جنسين فعلى هذا إذا وضعت حملها أتمت عدة الطلاق وإن وطئها وهي حامل ففي تداخل العدتين وجهان

فإن قلنا يتداخلان فانقضاؤهما معا بوضع الحمل

وإن قلنا لا يتداخلان فانقضاء عدة الطلاق بوضع الحمل وتستأنف عدة الوطء بالقروء

فصل فإن طلقها طلاقا رجعيا فنكحت في عدتها من وطئها فقد ذكرنا أنها تبني على عدة الأول ثم تستأنف عدة الثاني ولزوجها الأول رجعتها في بقية عدتها منه لأن الرجعة إمساك للزوجة وطريان


105

الوطء من أجنبي على النكاح لا يمنع إمساك زوجته كما لو كانت في صلب النكاح وقيل ليس له رجعتها لأنها محرمة عليه فلم يصح له ارتجاعها كالمرتدة والصحيح الأول فإن التحريم لا يمنع الرجعة كالإحرام

ويفارق الردة لأنها جارية إلى بينونة بعد الرجعة بخلاف العدة وإذا انقضت عدتها منه فليس له رجعتها في عدة الثاني لأنها ليست منه وإذا ارتجعها في عدتها من نفسه وكانت بالقروء أو بالأشهر انقطعت عدته بالرجعة وابتدأت عدة من الثاني ولا يحل له وطؤها حتى تنقضي عدة الثاني كما لو وطئت بشبهة في صلب نكاحه وإن كانت معتدة بالحمل لم يكن شروعها في عدة الثاني قبل وضع الحمل لأنها بالقروء فإذا وضعت حملها شرعت في عدة الثاني وإن كان الحمل ملحقا بالثاني فإنها تعتد به عن الثاني وتقدم عدة الثاني على الأول فإذا أكملتها شرعت في إتمام عدة الأول وله حينئذ أن يرتجعها لأنها في عدته وإن أحب أن يرتجعها في حال حملها ففيه وجهان أحدهما ليس له ذلك لأنها ليست في عدته وهي محرمة عليه

فأشبهت الأجنبية أو المرتدة والثاني له رجعتها لأن عدتها منه لم تنقض وتحريمها لا يمنع رجعتها كالمحرمة

فصل إذا تزوج رجل امرأة لها ولد من غيره فمات ولدها فإن أحمد قال يعتزل امرأته حتى تحيض حيضة وهذا يروى عن علي بن أبي طالب والحسن ابنه ونحوه عن عمر بن الخطاب وعن الحسن بن علي والصعب بن جثامة وبه قال عطاء وعمر بن عبد العزيز والنخعي ومالك وإسحاق وأبو عبيد

قال عمر بن عبد العزيز لا يقربها حتى ينظر بها حمل أم لا وإنما قالوا ذلك لأنها إن كانت حاملا حين موته ورثه حملها وإن حدث الحمل بعد الموت لم يرثه فإن كان للميت ولد أو أب أو جد لم يحتج إلى استبرائها لأن الحمل لا ميراث له وإن كانت حاملا قد تبين حملها لم يحتج إلى استبرائها لأن الحمل معلوم وإن كانت آيسة لم يحتج إلى استبرائها لليأس من حملها وإن كانت ممن يمكن حملها ولم يبين بها حمل ولم يعتزلها زوجها فأتت بولد قبل ستة أشهر ورث وإن أتت به بعد ستة أشهر من حيث وطئها بعد موت ولدها لم يرث لأنا لا نتيقن وجوده حال موته هذا يروى عن سفيان وهو قياس قول الشافعي فصل في أحكام المفقود إذا غاب الرجل عن امرأته لم يخل من حالين أحدهما أن تكون غيبة غير منقطعة يعرف خبره ويأتي كتابه فهذا ليس لامرأته أن تتزوج في قول أهل العلم أجمعين إلا أن يتعذر الإنفاق عليها من ماله فلها أن تطلب فسخ النكاح فيفسخ نكاحه وأجمعوا على أن زوجة الأسير لا تنكح حتى تعلم يقين وفاته وهذا قول النخعي والزهري ويحيى الأنصاري ومكحول والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وإسحاق وأصحاب الرأي وإن أبق العبد فزوجته على الزوجية حتى تعلم موته أو ردته وبه قال الأوزاعي والثوري والشافعي وإسحاق وقال الحسن إباقه طلاقه

ولنا إنه ليس بمفقود فلم ينفسخ نكاحه كالحر ومن تعذر الإنفاق من ماله على زوجته فحكمها في الفسخ حكم ما ذكرنا إلا أن العبد نفقة زوجته على سيده أو في كيسه فيعتبر تعذر الإنفاق من محل الوجوب


106

الحال الثاني أن يفقد وينقطع خبره ولا يعلم له موضع فهذا ينقسم قسمين أحدهما أن يكون ظاهر غيبته السلامة كسفر التجارة في غير مهلكة وإباق العبد وطلب العلم والسياحة فلا تزول الزوجية أيضا ما لم يثبت موته

وروي ذلك عن علي وإليه ذهب ابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري وأبو حنيفة والشافعي في الجديد وروي ذلك عن أبي قلابة والنخعي وأبي عبيد

وقال مالك والشافعي في القديم تتربص أربع سنين وتعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرا وتحل للأزواج لأنه إذا جاز الفسخ لتعذر الوطء بالعنة وتعذر النفقة بالإعسار فلأن يجوز هاهنا لتعذر الجميع أولى واحتجوا بحديث عمر في المفقود مع موافقة الصحابة له وتركهم إنكاره

ونقل أحمد بن أصرم عن أحمد إذا مضى عليه تسعون سنة قسم ماله وهذا يقتضي أن زوجته تعتد عدة الوفاة ثم تتزوج قال أصحابنا إنما اعتبر تسعين سنة من يوم ولادته لأن الظاهر أنه لا يعيش أكثر من هذا العمر فإذا اقترن به انقطاع خبره وجب الحكم بموته كما لو كان فقده بغيبة ظاهرها الهلاك والمذهب الأول لأن هذه غيبة ظاهرها السلامة فلم يحكم بموته كما قبل الأربع سنين أو كما قبل التسعين ولأن هذا التقدير بغير توقيف والتقدير لا ينبغي أن يصار إليه إلا بالتوقيف لأن تقديرها بتسعين سنة من يوم ولادته يفضي إلى اختلاف العدة في حق المرأة باختلاف عمر الزوج ولا نظير لهذا وخبر عمر ورد فيمن ظاهر غيبته الهلاك فلا يقاس عليه غيره

القسم الثاني أن تكون غيبته ظاهرها الهلاك كالذي يفقد من بين أهله ليلا أو نهارا أو يخرج إلى الصلاة فلا يرجع أو يمضي إلى مكان قريب ليقضي حاجته ويرجع فلا يظهر له خبر أو يفقد بين الصفين أو ينكسر بهم مركب فيغرق بعض رفقته أو يفقد في مهلكة كبرية الحجاز ونحوها فمذهب أحمد الظاهر عنه أن زوجته تتربص أربع سنين أكثر مدة الحمل ثم تعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرا وتحل للأزواج

قال الأثرم قيل لأبي عبد الله تذهب إلى حديث عمر قال هو أحسنها يروى عن عمر من ثمانية وجوه ثم قال زعموا أن عمر رجع عن هذا هؤلاء الكذابين قلت فروي من وجه ضعيف أن عمر قال بخلاف هذا قال لا إلا أن يكون إنسان يكذب وقلت له مرة إن إنسانا قال لي إن أبا عبد الله قد ترك قوله في المفقود بعدك فضحك ثم قال من ترك هذا القول أي شيء يقول وهذا قول عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن الزبير

قال أحمد خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال عطاء وعمر بن عبد العزيز والحسن والزهري وقتادة والليث وعلي بن المديني وعبد العزيز بن أبي سلمة وبه يقول مالك والشافعي في القديم إلا أن مالكا قال ليس في انتظار من يفقد في القتال وقت وقال سعيد بن المسيب في امرأة المفقود بين الصفين تتربص سنة لأن غلبة هلاكه هاهنا أكثر من غلبة غيره لوجود سببه

وقد نقل عن أحمد أنه قال كنت أقول إذا تربصت أربع سنين ثم اعتدت أربعة أشهر وعشرا تزوجت وقد


107

ارتبت فيها وهبت الجواب فيها لما اختلف الناس فيها فكأني أحب السلامة وهذا توقف يحتمل الرجوع عما قاله وتتربص أبدا ويحتمل التورع ويكون المذهب ما قاله أولا

قال القاضي أكثر أصحابنا على أن المذهب رواية واحدة وعندي أن المسألة على روايتين وقالأبو بكر الذي أقول به إن صح الاختلاف في المسألة أن لا يحكم بحكم ثان إلا بدليل على الانتقال وإن ثبت الإجماع فالحكم فيه على ما نص عليه وظاهر المذهب على ما حكيناه من رواية أولا نقله عن أحمد الجماعة وقد أنكر أحمد رواية من روى عنه الرجوع على ما حكيناه من رواية الأثرم

وقال أبو قلابة والنخعي والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأصحاب الرأي والشافعي في الجديد لا تتزوج امرأة المفقود حتى يتبين موته أو فراقه لما روى المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال امرأة المفقود امرأته حتى يأتي زوجها وروى الحكم وحماد عن علي لا تتزوج امرأة المفقود حتى يأتي موته أو طلاقه لأنه شك في زوال الزوجية فلم تثبت به الفرقة كما لو كان ظاهر غيبته السلامة

ولنا ما روى الأثرم والجوزجاني بإسنادهما عن عبيد بن عمير قال فقد رجل في عهد عمر فجاءت امرأته إلى عمر فذكرت ذلك له فقال انطلقي فتربصي أربع سنين ففعلت ثم أتته فقال انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرا ففعلت ثم أتته فقال أين ولي هذا الرجل فقال طلقها ففعل فقال له عمر انطلقي فتزوجي من شئت فتزوجت ثم جاء زوجها الأول فقال عمر أين كنت فقال يا أمير المؤمنين استهوتني الشياطين فوالله ما أدري في أي أرض الله كنت كنت عند قوم يستعبدونني حتى اغتزاهم منهم قوم مسلمون فكنت فيما غنموه فقالوا لي أنت رجل من الإنس وهؤلاء من الجن فمالك ومالهم فأخبرتهم خبري فقالوا بأي أرض الله تحب أن تصبح قلت المدينة هي أرضي فأصبحت وأنا أنظر إلى الحرة فخيره عمر إن شاء امرأته وإن شاء الصداق فاختار الصداق وقال قد حبلت لا حاجة لي فيها قال أحمد يروى عن عمر من ثلاثة وجوه ولم يعرف في الصحابة له مخالف

وروى الجوزجاني وغيره بإسنادهم عن علي في امرأة المفقود تعتد أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها وتعتد بعد ذلك أربعة أشهر وعشرا فإن جاء زوجها المفقود بعد ذلك خير بين الصداق وبين امرأته وقضى به عثمان أيضا وقضى به ابن الزبير في مولاة لهم

وهذه قضايا انتشرت في الصحابة فلم تنكر فكانت إجماعا

فأما الحديث الذي رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يثبت ولم يذكره أصحاب السنن

وما رووه عن علي فيرويه الحكم وحماد مرسلا والمسند عنه مثل قولنا ثم يحمل ما رووه على المفقود الذي ظاهر غيبته السلامة جمعا بينه وبين ما رويناه وقولهم إنه شك في زوال الزوجية ممنوع فإن الشك ما تساوى فيه الأمران والظاهر في مسألتنا هلاكه

فصل وهل يعتبر أن يطلقها ولي زوجها ثم تعتد بعد ذلك بثلاثة قروء فيه روايتان


108

إحداهما يعتبر ذلك لأنه في حديث عمر الذي رويناه وقد قال أحمد هو أحسنها وذكر في حديث علي أنه يطلقها ولي زوجها

والثانية لا يعتبر ذلك كذلك قال ابن عمر وابن عباس وهو القياس فإن ولي الرجل لا ولاية له في طلاق امرأته

ولأننا حكمنا عليها بعدة الوفاة فلا يجب عليها مع ذلك عدة الطلاق كما لو تيقنت وفاته ولأنه وجد دليل هلاكه على وجه أباح لها التزويج وأوجب عليها عدة الوفاة فأشبه ما لو شهد به شاهدان

فصل وهل يعتبر ابتداء المدة من حين الغيبة أو من حين ضرب الحاكم المدة على روايتين

إحداهما يعتبر ابتداؤها من حين ضربها الحاكم لأنها مدة مختلف فيها فافتقرت إلى ضرب الحاكم كمدة العنة والثاني من حين انقطع خبره وبعد أثره لأن هذا ظاهر في موته فكان ابتداء المدة منه كما لو شهد به شاهدان وللشافعي وجهان كالروايتين

فصل فإن قدم زوجها الأول قبل أن تتزوج فهي امرأته وقال بعض أصحاب الشافعي إذا ضربت لها المدة فانقضت بطل نكاح الأول والذي ذكرنا أولى لأننا إنما أبحنا لها التزويج لأن الظاهر موته فإذا بان حيا انخرم ذلك الظاهر وكان النكاح بحاله كما لو شهدت البينة بموته ثم بان حيا ولأنه أحد الملكين فأشبه ملك المال فأما إن قدم بعد أن تزوجت نظرنا فإن كان قبل دخول الثاني بها فهي زوجة الأول ترد إليه ولا شيء قال أحمد أما قبل الدخول فهي امرأته وإنما التخيير بعد الدخول

وهذا قول الحسن وعطاء وخلاس بن عمرو والنخعي وقتادة ومالك وإسحاق وقال القاضي فيه رواية أخرى أنه يخير وأخذه من عموم قول أحمد إذا تزوجت امرأته فجاء خير بين الصداق وبين امرأته والصحيح أن عموم كلام أحمد يحمل على خاصه في رواية الأثرم وأنه لا تخيير إلا بعد الدخول فتكون زوجة الأول رواية واحدة لأن النكاح إنما صح في الظاهر دون الباطن فإذا قدم تبينا أن النكاح كان باطلا لأنه صادف امرأة ذات زوج فكان باطلا كما لو شهدت بينة بموته وليس عليه صداق لأنه نكاح فاسد لم يتصل به دخول ويعود الزوج بالعقد الأول كما لو لم تتزوج وإن قدم بعد دخول الثاني بها خير الأول بين أخذها فتكون زوجته بالعقد الأول وبين أخذ صداقها وتكون زوجة للثاني وهذا قول مالك لإجماع الصحابة عليه فروى معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمرو وعثمان قالا إن جاء زوجها الأول خير بين المرأة وبين الصداق الذي ساق هو رواه الجوزجاني والأثرم وقضى به الزبير في مولاة لهم وقال علي ذلك في الحديث الذي رويناه ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعا

فعلى هذا إن أمسكها الأول فهي زوجته بالعقد الأول والمنصوص عن أحمد أنه لا يحتاج الثاني إلى طلاق لأن نكاحه كان باطلا في الباطن وقال القاضي قياس قوله أنه يحتاج إلى طلاق لأن هذا نكاح مختلف في صحته فكان مأمورا بالطلاق ليقطع حكم العقد الثاني كسائر الأنكحة الفاسدة ويجب على الأول اعتزالها حتى تقضي عدتها من الثاني وإن لم يخترها الأول فإنها تكون مع الثاني ولم يذكروا لها عقدا جديدا والصحيح أنه يجب أن يستأنف لها عقدا لأننا تبينا بطلان عقده بمجيء الأول ويحمل قول الصحابة على هذا لقيام الدليل عليه فإن زوجة الإنسان لا تصير زوجة


109

لغيره بمجرد تركه لها وقال أبو الخطاب القياس أننا إن حكمنا بالفرقة ظاهرا وباطنا فهي امرأة الثاني ولا خيار للأول لأنها بانت منه بفرقة الحاكم فأشبه ما لو فسخ نكاحها لعسرته وإن لم تحكم بفرقته باطنا فهي امرأة الأول ولا خيار له

فصل ومتى اختار الأول تركها فإنه يرجع على الثاني بصداقها لقضاء الصحابة بذلك ولأنه حال بينه وبينها بعقده عليها ودخوله بها واختلف عن أحمد فيما يرجع به فروي عنه أنه يرجع بالصداق الذي أصدقها هو وهو اختيار أبي بكر وقول الحسن والزهري وقتادة وعن ابن المديني لقضاء علي وعثمان أنه يخير بينها وبين الصداق الذي ساق هو ولأنه أتلف عليه المعوض فرجع عليه بالعوض كشهود الطلاق إذا رجعوا عن الشهادة

فعلى هذا إن كان لم يدفع إليها الصداق لم يرجع بشيء وإن كان قد دفع بعضه رجع بما دفع ويحتمل أن يرجع عليه بالصداق وترجع المرأة بما بقي عليه من صداقها وعن أحمد أنه يرجع عليه بالمهر الذي أصدقها الثاني لأن إتلاف البضع من جهته والرجوع عليه بقيمته والبضع لا يتقوم إلا على زوج أو من جرى مجراه فيجب الرجوع عليه بالمسمى الثاني دون الأول وهل يرجع الزوج الثاني على الزوجة بما أخذ منه فيه روايتان ذكر ذلك أبو عبد الله بن حامد إحداهما يرجع به لأنها غرامة لزمت الزوج بسبب وطئه لها فرجع بها كالمغرور

والثانية لا يرجع بها وهو أظهر لأن الصحابة لم يقضوا بالرجوع فإن سعيد بن المسيب روى أن عمر وعثمان قضيا في المرأة التي لا تدري ما مهلك زوجها أن تتربص أربع سنين ثم تعتد عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا ثم تزوج إن بدا لها فإن جاء زوجها خير إما امرأته وإما الصداق فإن اختار الصداق فالصداق على زوجها الآخر وتثبت عنده وإن اختار امرأته عزلت عن زوجها الآخر حتى تنقضي عدتها وإن قدم زوجها وقد توفي زوجها الآخر ورثت واعتدت عدة المتوفى عنها وترجع إلى الأول رواه الجوزجاني

ولأن المرأة لا تغرير منها فلم يرجع عليها بشيء كغيرها فإن قلنا يرجع عليها فإن كان قد دفع إليها الصداق رجع به وإن كان لم يدفعه إليها دفعه إلى الأول ولم يرجع عليها بشيء وإن كان قد دفع بعضه رجع بما دفع وإن قلنا لا يرجع عليها وكان قد دفع إليها الصداق لم يرجع به وإن لم يكن دفعه إليها لزمه دفعه ويدفع إلى الأول صداقا آخر

فصل وإن اختارت امرأة المفقود المقام والصبر حتى يتبين أمره فلها النفقة ما دام حيا وينفق عليها من ماله حتى يتبين أمره لأنها محكوم لها بالزوجية فتجب لها النفقة كما لو علمت حياته فإذا تبين أنه مات أو فارقها فلها النفقة إلى يوم موته أو بينونتها منه ويرجع عليها بالباقي لأنا تبينا أنها أنفقت مال غيره أو أنفقت من ماله وهي غير زوجة له وإن رفعت أمرها إلى الحاكم فضرب لها مدة فلها النفقة في مدة التربص ومدة العدة لأن مدة التربص لم يحكم فيها ببينونتها من زوجها فهي محبوسة عليه بحكم الزوجية فأشبه ما قبل المدة وأما مدة العدة فلأنها غير متيقنة بخلاف عدة الوفاة فإن موته متيقن وما بعد العدة إن تزوجت أو فرق الحاكم بينها سقطت نفقتها لأنها أسقطتها بخروجها عن حكم نكاحه وإن لم تتزوج ولا فرق الحاكم بينهما فنفقتها باقية لأنها لم


110

تخرج بعد من نكاحه وإن قدم الزوج بعد ذلك وردت إليه عادت نفقتها من حين الرد وقد روى الأثرم والجوزجاني عن ابن عمر وابن عباس قالا تنتظر امرأة المفقود أربع سنين قال ابن عمر ينفق عليها من مال زوجها وقال ابن عباس إذا يجحف ذلك بالورثة ولكنها تستدين فإن جاء زوجها أخذت من ماله وإن مات أخذت من نصيبها من الميراث وقالا ينفق عليها بعد في العدة بعد الأربع سنين من مال زوجها جميعه أربعة أشهر وعشرا وإن قلنا ليس لها أن تتزوج لم تسقط نفقتها ما لم تتزوج فإن تزوجت سقطت نفقتها لأنها بالتزويج تخرج عن يديه وتصير ناشزا وإن فرق بينهما فلا نفقة لها ما دامت في العدة فإذا انقضت فلم تعد إلى مسكن زوجها فلا نفقة لها أيضا لأنها باقية على النشوز وإن عادت إلى مسكنه احتمل أن تعود النفقة لأن النشوز المسقط لنفقتها قد زال ويحتمل ألا تعود لأنها ما سلمت نفسها إليه وإن عاد فتسلمها عادت نفقتها ومتى أنفق عليها ثم بان أن الزوج كان قد مات قبل ذلك حسب عليها ما أنفق عليها من حين موته من ميراثها فإن لم ترث شيئا فهو عليها لأنها أنفقت من مال الوارث ما لا تستحقه فأما نفقتها على الزوج الثاني فإن قلنا لها أن تتزوج فنكاحها صحيح حكمه في النفقة حكم غيره من الأنكحة الصحيحة وإن قلنا ليس لها أن تتزوج فلا نفقة لها فإن أنفق عليها لم يرجع بشيء لأنه تطوع به إلا أن يجبره على ذلك حاكم فيحتمل أن يرجع بها لأنه ألزمه أداء ما لم يكن واجبا عليه

ويحتمل ألا يرجع به لأن ما حكم به الحاكم لا يجوز نقضه ما لم يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا فإن فارقها بتفريق الحاكم أو غيره فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملا فينبغي وجوب النفقة على الروايتين في النفقة هل هي للحمل أو لها من أجله فإن قلنا هي للحمل فلها النفقة لأن نسب الحمل لاحق به فيجب عليه الإنفاق على ولده وإن قلنا لها من أجله فلا نفقة لها لأنه في غير نكاح صحيح فأشبه حمل الموطوءة بشبهة وإذا أتت بولد يمكن كونه من الثاني لحقه نسبه لأنها صارت فراشا له وقد علمنا أن الولد ليس من الأول لأنها تربصت بعد فقده أكثر من مدة الحمل وتنقضي عدتها من الثاني بوضعه لأن الولد منه وعليها أن ترضعه اللبأ لأن الولد لا يقوم بدنه إلا به فإن ردت إلى الأول فله منعها من إرضاعه كما له أن يمنعها من رضاع أجنبي لأن ذلك يشغلها عن حقوقه إلا أن يضطر إليها ويخشى عليه التلف فليس له منعها من إرضاعه لأن هذا حال ضرورة فإن أرضعته في بيت الزوج الأول لم تسقط نفقتها لأنها في قبضته ويده وإن أرضعته في غير بيته بغير إذنه فلا نفقة لها لأنها ناشز وإن كان بإذنه خرج على الروايتين فيما إذا سافرت لحاجتها بإذنه

فصل في ميراثها من الزوجين وتوريثهما منها حتى مات زوجها الأول أو ماتت قبل تزوجها بالثاني ورثته وورثها وكذلك إن تزوجت الثاني فلم يدخل بها لأننا قد تبينا أنه متى قدم قبل الدخول بها ردت إليه بغير تخيير

وقد ذكرنا أن القاضي ذكر أن فيها رواية أخرى أنه يخير فيها فعلى هذه الرواية حكمه حكم ما لو دخل بها الثاني فأما إن دخل الثاني بها نظرنا فإن قدم الأول فاختارها وردت إليه ورثها وورثته ولم ترث الثاني ولم يرثها


111

لأنه لا زوجية بينهما وإن مات أحدهما قبل اختيارها إما في الغيبة أو بعد قدومه فإن قلنا لها أن تتزوج ورثت الزوج الثاني وورثها ولم ترث الأول ولم يرثها لأن من بين خير شيئين فتعذر أحدهما تعين الآخر وإن ماتت قبل اختيار الأول خير فإن اختارها ورثها وإن لم يخترها ورثها الثاني هذا ظاهر قول أصحابنا وأما على ما اختاره فإنها لا ترث الثاني ولا يرثها بحال إلا أن يجدد لها عقدا أو لا يعلم أن الأول كان حيا ومتى علم أن الأول كان حيا ورثها وورثته إلا أن يختار تركها فتبين منه بذلك فلا ترثه ولا يرثها

وعلى قول أبي الخطاب إن حكمنا بوقوع الفرقة بتفريق الحاكم ظاهرا وباطنا ورثت الثاني وورثها ولم ترث الأول ولم يرثها فأما عدتها منهما فمن ورثته اعتدت لوفاته عدة الوفاة وإن مات الثاني في موضع لا ترثه فالمنصوص عن أحمد أنها تعتد عدة الوفاة في النكاح الفاسد فعلى هذا عليها عدة الوفاة لوفاته وهو اختيار أبي بكر

وقال ابن حامد لا عدة عليها لوفاته لكن تعتد من وطئه بثلاثة قروء فإن ماتا معا اعتدت لكل واحد منهما وبدأت بعدة الأول فإذا أكملتها اعتدت للآخر وإن مات الأول أولا فكذلك وإن مات الثاني أولا بدأت بعدته فإذا مات الأول انقطعت عدة الثاني ثم ابتدأت عدة الأول فإذا أكملتها أتمت عدة الثاني وإن علم موت أحدهما وجهل وقت موت الآخر أو جهل موتهما فعليها أن تعتد عدتين من حين تيقنت الموت وتبدأ بعدة الأول لأنه أسبق وأولى وإن كانت حاملا فبوضع الحمل تنقضي عدة الثاني لأن الولد منه ثم تبتدىء بعده بعدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا

فصل وإذا تزوجت امرأة المفقود في وقت ليس لها أن تتزوج فيه مثل أن تتزوج قبل مضي المدة التي يباح لها التزويج بعدها أو كانت غيبة زوجها ظاهرها السلامة أو ما أشبه هذا فنكاحها باطل

وقال القاضي إن تبين أن زوجها قد مات وانقضت عدتها منه أو فارقها وانقضت عدتها ففي صحة نكاحها وجهان أحدهما هو صحيح لأنها ليست في نكاح ولا عدة فصح تزويجها كما لو علمت ذلك

والثاني لا يصح لأنها معتقدة تحريم نكاحها وبطلانه

وأصل هذا من باع عينا في يده يعتقدها لموروثه فبان موروثه ميتا والعين مملوكة له بالإرث هل يصح البيع فيه وجهان كذا هاهنا ومذهب الشافعي مثل هذا

ولنا إنها تزوجت في مدة منعها الشرع من النكاح فيها فلم يصح كما لو تزوجت المعتدة في عدتها أو المرتابة قبل زوال ريبتها

فصل ويقسم مال المفقود في الوقت الذي تؤمر زوجته بعدة الوفاة فيه وبهذا قال قتادة مالك وأصحاب الرأي وابن المنذر لا يقسم ماله حتى تعلم وفاته لأن الأصل البقاء فلا يزول منه بالشك وإنما صرنا إلى إباحة التزويج لامرأته لإجماع الصحابة ولأن بالمرأة حاجة إلى النكاح وضررا في الانتظار فاختص ذلك بها


112

ولنا إن من اعتدت زوجته للوفاة قسم ماله كمن قامت البينة بموته وما أجمع عليه الصحابة يقاس عليه ما كان في معناه وتأخير القسمة ضرر بالورثة وتعطيل لمنافع المال وربما تلف أو قلت قيمته فهو في معنى الضرر بتأخير التزويج

فصل وإن تصرف الزوج المفقود في زوجته بطلاق أو ظهار أو إيلاء أو قذف صح تصرفه لأن نكاحه باق ولهذا خير في أخذها وإنما حكمنا بإباحة تزويجها لأن الظاهر موته فلا يبطل في الباطن كما لو شهدت بموته بينة كاذبة

فصل وإذا فقدت الأمة زوجها تربصت أربع سنين ثم اعتدت للوفاة شهرين وخمسة أيام وهذا اختيار أبي بكر

وقال القاضي تتربص نصف تربص الحرة ورواه أبو طالب عن أحمد وهو قول الأوزاعي والليث لأنها مدة مضروبة للمرأة لعدم زوجها فكانت الأمة فيه على النصف من الحرة كالعدة

ولنا إن الأربع سنين مضروبة لكونها أكثر مدة الحمل ومدة الحمل في الحرة والأمة سواء فاستويا في التربص لها كالتسعة الأشهر في حق من ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه وكالحمل نفسه وبهذا ينتقض قياسهم

فأما العبد فإن كانت زوجته حرة فتربصها تربص الحرة تحت الحر وإن كانت أمة فهي كالأمة تحت الحر لأن العدة معتبرة بالنساء دون الرجال وكذلك مدة التربص وحكي عن الزهري ومالك أنه يضرب له نصف أجل الحر والأولى ما قلناه لأنه تربص مشروع في حق المرأة لفرقة زوجها فأشبه العدة

فصل فإن غاب رجل عن زوجته فشهد ثقات بوفاته فاعتدت زوجته للوفاة أبيح لها أن تتزوج فإن عاد الزوج بعد ذلك فحكمه حكم المفقود يخير زوجها بين أخذها وتركها وله الصداق وكذلك إن تظاهرت الأخبار بموته وقد روى الأثرم بإسناده عن أبي المليح عن شهية أن زوجها صيفي بن فشيل نعى لها من قيذائيل فتزوجت بعده ثم إن زوجها الأول قدم فأتينا عثمان وهو محصور فأشرف علينا فقال كيف أقضي بينكم وأنا على هذا الحال فقلنا قد رضينا بقولك فقضى أن يخير الزوج الأول بين الصداق وبين المرأة فرجعنا

فلما قتل عثمان أتينا عليا فخير الزوج الأول بين الصداق وبين المرأة فاختار الصداق فأخذ مني ألفين ومن زوجي الآخر ألفين فإن حصلت الفرقة بشهادة محصورة فما حصل من غرامة فعليهما لأنهما سبب في إيجابها وإن شهدوا بموت رجل فقسم ماله ثم قدم فما وجد من ماله أخذه وما تلف منه أو تعذر رجوعه فيه فله تضمين الشاهدين لأنهما سبب الاستيلاء عليه وللمالك تضمين المتلف لأنه أتلف ماله بغير إذنه

فصل وإذا نكح رجل امرأة نكاحا متفقا على بطلانه مثل أن ينكح ذات محرمة أو معتدة يعلم حالها وتحريمها فلا حكم لعقده والخلوة بها كالخلوة بالأجنبية لا توجب عدة وكذلك الموت عنها لا يوجب عدة الوفاة وإن وطئها اعتدت لوطئه بثلاثة قروء منذ وطئها سواء فارقها أو مات عنها كما لو زنى بها من غير عقد وإن نكحها نكاحا مختلفا فيه فهو فاسد فإن مات عنها فنقل جعفر بن محمد أن عليها عدة الوفاة وهذا اختيار أبي بكر


113

وقال أبو عبد الله بن حامد ليس عليها عدة الوفاة وهو مذهب الشافعي لأنه نكاح لا يثبت الحل فأشبه الباطل فعلى هذا إن كان قبل الدخول فلا عدة عليها وإن كان بعده اعتدت بثلاثة قروء ووجه الأول أنه نكاح يلحق به النسب فوجبت به عدة الوفاة كالنكاح الصحيح وفارق الباطل فإنه لا يلحق به النسب وإن فارقها في الحياة بعد الإصابة اعتدت بعد فرقته بثلاثة قروء ولا اختلاف فيه وإن كان قبل الخلوة فلا عدة عليها بلا خلاف لأن المفارقة في الحياة في النكاح الصحيح لا عدة عليها بلا خلاف ففي الفاسد أولى وإن كان بعد الخلوة قبل الإصابة فالمنصوص عن أحمد أن عليها العدة لأنه جرى مجرى النكاح الصحيح في لحوق النسب فكذلك في العدة وقال الشافعي لا عدة عليها لوجهين أحدهما أنها خلوة في غير نكاح صحيح أشبهت التي نكاحها باطل

والثاني أن الخلوة عنده في النكاح الصحيح لا توجب العدة ففي الفاسد أولى

وهذا مقتضى قول ابن حامد

فصل في عدة المعتق بعضها ومتى كانت معتدة بالحمل أو بالقروء فعدتها كعدة الحرة لأن عدة الحامل لا تختلف بالرق والحرية وعدة الأمة بالقروء قرءان فأدنى ما يكون فيها من الحرية يوجب قرءا ثالثا لأنه لا يتبعض وإن كانت معتدة بالشهور إما للوفاة وإما للإياس أو الصغر فعدتها بالحساب من عدة حرة وأمة فإذا كان نصفها حرا فاعتدت للوفاة فعليها ثلاثة أشهر وثمان ليال لأن الليل يحسب مع النهار فيكون عليها ثلاثة أرباع ذلك وإن كانت معتدة بالشهور عن الطلاق وقلنا إن عدة الأمة شهر ونصف كان عدة المعتق نصفه شهرين وربعا وإن قلنا عدة الأمة شهران أو ثلاثة أشهر فعدة المعتق بعضها كعدة الحرة سواء وأم الولد والمدبرة والمكاتبة عدتهن كعدة الأمة سواء لأنهن إماء

مسألة

قال ( وأم الولد إذا مات سيدها فلا تنكح حتى تحيض حيضة كاملة ) هذا المشهور عن أحمد وهو قول ابن عمر وروي ذلك عن عثمان وعائشة والحسن والشعبي والقاسم بن محمد وأبي قلابة ومكحول ومالك والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وروي عن أحمد أنها تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا وهو قول سعيد بن المسيب وأبي عياض وابن سيرين وسعيد بن جبير ومجاهد وخلاس بن عمرو وعمر بن عبد العزيز والزهري ويزيد بن عبد الملك والأوزاعي وإسحاق لما روي عن عمرو بن العاص أنه قال لا تفسدوا علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر رواه أبو داود ولأنها حرة تعتد للوفاة فكانت عدتها أربعة أشهر وعشرا كالزوجة الحرة وحكى أبو الخطاب رواية ثالثة تعتد شهرين وخمسة أيام ولم أجد هذه الرواية عن أحمد في الجامع ولا أظنها صحيحة عن أحمد

وروي ذلك عن عطاء وطاوس وقتادة ولأنها حين الموت أمة فكانت عدتها عدة الأمة كما لو مات رجل عن زوجته الأمة فعتقت بعد موته ويروى عن علي وابن مسعود وعطاء والنخعي والثوري وأصحاب الرأي أن عدتها ثلاث حيض لأنها حرة تستبرأ فكان استبراؤها بثلاث حيض كالحرة المطلقة

ولنا إنه استبراء لزوال الملك عن الرقبة فكان حيضة في حق من تحيض كسائر استبراء المعتقات


114

والمملوكات ولأنه استبراء لغير الزوجات والموطوءات بشبهة فأشبه ما ذكرنا قال القاسم بن محمد سبحان الله يقول الله تعالى في كتابه والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا البقرة 234 ما هن بأزواج فأما حديث عمرو بن العاص فضعيف قال ابن المنذر ضعف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص

وقال محمد بن موسى سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص فقال لا يصح وقال الميموني رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا ثم قال أين سنة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا وقال أربعة أشهر وعشر إنما هي عدة الحرة من النكاح وإنما هذه أمة خرجت من الرق إلى الحرية

ويلزم من قال بهذا أن يورثها

وليس لقول من قال تعتد بثلاث حيض وجه وإنما تعتد بذلك المطلقة وليست هذه مطلقة ولا في معنى المطلقة

وأما قياسهم إياها على الزوجات فلا يصح فإن هذه ليست زوجة ولا في حكم الزوجة ولا مطلقة ولا في حكم المطلقة

فصل ولا يكفي في الاستبراء طهر واحد ولا بعض حيضة وهذا قول أكثر أهل العلم وقال بعض أصحاب مالك متى طعنت في الحيضة فقد تم استبراؤها وزعم أنه مذهب مالك وقال الشافعي في أحد قوليه يكفي طهر واحد إذا كان كاملا وهو أن يموت في حيضها فإذا رأت الدم من الحيضة الثانية حلت وتم استبراؤها وهكذا الخلاف في الاستبراء كله وبنوا هذا على أن القروء الأطهار وهذا يرده قول النبي صلى الله عليه وسلم لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة

وقال رويفع بن ثابت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم خيبر من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يطأ جارية من السبي حتى يستبرئها بحيضة رواه الأثرم

وهذا صريح فلا يعول على ما خالفه ولأن الواجب استبراء والذي يدل على البراءة هو الحيض فإن الحامل لا تحيض

فأما الطهر فلا دلالة عليه على البراءة فلا يجوز أن يعول في الاستبراء على ما لا دلالة عليه دون ما يدل عليه

وبناؤهم قولهم هذا على قولهم إن القروء الأطهار بناء للخلاف على الخلاف وليس ذلك بحجة

ثم لم يمكنهم بناء هذا على ذلك حتى خالفوه فجعلوا الطهر الذي طلقها فيه قرءا ولم يجعلوا الطهر الذي مات فيه سيد أم الولد قرءا وخالفوا الحديث والمعنى فإن قالوا إن بعض الحيضة المقترن بالطهر يدل على البراءة قلنا فيكون الاعتماد حينئذ على بعض الحيضة وليس ذلك قرءا عند أحد فإذا تقرر هذا فإن مات عنها وهي طاهر فإذا طهرت من الحيضة المستقبلة حلت وإن كانت حائضا لم تعتد ببقية تلك الحيضة ولكن متى طهرت من الحيضة الثانية حلت لأن استبراء هذه بحيضة فلا بد من حيضة كاملة

مسألة

قال ( وإن كانت آيسا فبثلاثة أشهر ) وهذا المشهور عن أحمد أيضا

وهو قول الحسن وابن سيرين والنخعي وأبي قلابة وأحد قولي الشافعي وسأل عمر بن عبد العزيز أهل المدينة والقوابل فقالوا لا تستبرأ الحبلى في أقل من ثلاثة أشهر فأعجبه قولهم وعن أحمد


115

رواية أخرى أنها تستبرأ بشهر وهو قول ثان للشافعي لأن الشهر قائم مقام القرء في حق الحرة والأمة المطلقة فكذلك في الاستبراء

وذكر القاضي رواية ثالثة أنها تستبرأ بشهرين كعدة الأمة المطلقة ولم أر بذلك وجها ولو كان استبراؤها بشهرين لكان استبراء ذات القرء بقرأين ولم نعلم به قائلا وقال سعيد بن المسيب وعطاء والضحاك والحكم في الأمة التي لا تحيض يستبرأ بشهر ونصف

ورواه حنبل عن أحمد فإنه قال قال عطاء إن كانت لا تحيض فخمس وأربعون ليلة قال عمي كذلك أذهب لأن عدة المطلقة الآيسة كذلك والمشهور عن أحمد الأول

قال أحمد بن القاسم قلت لأبي عبد الله كيف جعلت ثلاثة أشهر مكان حيضة وإنما جعل الله في القرآن مكان كل حيضة شهرا فقال إنما قلنا بثلاثة أشهر من أجل الحمل فإنه لا يتبين في أقل من ذلك فإن عمر بن عبد العزيز سأل عن ذلك وجمع أهل العلم والقوابل فأخبروه أن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر فأعجبه ذلك ثم قال ألا تسمع قول ابن مسعود إن النطفة أربعين يوما ثم علقة أربعين يوما ثم مضغة بعد ذلك

قال أبو عبد الله فإذا خرجت الثمانون صار بعدها مضغة وهي لحم فتبين حينئذ

وقال لي هذا معروف عند النساء

فأما شهر فلا معنى فيه ولا نعلم به قائلا ووجه استبرائه بشهر أن الله تعالى جعل الشهر مكان الحيضة ولذلك اختلفت الشهور باختلاف الحيضات فكانت عدة الحرة الآيسة ثلاثة أشهر مكان ثلاثة قروء وعدة الأمة شهرين مكان قرأين وللأمة المستبرأة التي ارتفع حيضها عشرة أشهر تسعة للحمل وشهر مكان الحيضة فيجب أن يكون مكان الحيضة هاهنا شهر كما في حق من ارتفع حيضها فإن قيل فقد وجد ثم ما دل على البراءة وهو تربص تسعة أشهر

قلنا وهاهنا ما يدل على البراءة وهو الإياس فاستويا

مسألة

قال ( وإن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه اعتدت بتسعة للحمل وشهر مكان الحيضة ) وفي هذه المسألة أيضا روايتان إحداهما أنها تستبرأ بعشرة أشهر

والثانية بسنة تسعة أشهر للحمل لأنها غالب مدته وثلاثة أشهر مكان الثلاثة التي تستبرأ بها الآيسات وقد ذكرنا الروايتين في الآيسة وذكرنا أن المختار عن أحمد استبراؤها بثلاثة أشهر وهاهنا جعل مكان الحيضة شهرا لأن اعتبار تكرارها في الآيسة لتعلم براءتها من الحمل وقد علم براءتها منه هاهنا بمضي غالب مدته فجعل الشهر مكان الحيضة على وفق القياس

فصل وإن علمت ما رفع الحيض لم تزل في الاستبراء حتى يعود الحيض فتستبرىء بنفسها بحيضة إلا أن تصير آيسة فتستبرىء نفسها استبراء الآيسات وإن ارتابت نفسها فهي كالحرة المستريبة


116

وقد ذكرنا حكمها فيما مضى من هذا الباب والله تعالى أعلم

مسألة

قال ( وإن كانت حاملا فحتى تضع ) وهذه بحمد الله لا خلاف فيها فإن الله تعالى قال وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق 4 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا توطأ حامل حتى تضع ولأن عدة الحرة والأمة والمتوفى عنها والمطلقة واستبراء كل أمة إذا كانت حاملا بوضع حملها وذلك لأن المقصود من العدة والاستبراء معرفة براءة الرحم من الحمل وهذا يحصل بوضعه ومتى كانت حاملا باثنين أو أكثر فلا ينقضي استبراؤها حتى تضع آخر حملها على ما ذكرنا في المعتدة

فصل وإذا زوج أم ولده ثم مات عتقت ولم يلزمها استبراء لأنها محرمة على المولى وليست له فراشا وإنما هي فراش للزوج فلم يلزمها الاستبراء ممن ليست له فراشا ولأنه لم يزوجها حتى استبرأها فإنه لا يحل له تزويجها قبل استبرائها فإن طلقها الزوج قبل دخوله بها فلا عدة عليها أيضا وإن طلقها بعد المسيس أو مات عنها قبل ذلك أو بعده فعليها عدة حرة كاملة لأنها قد صارت حرة في حال وجوب العدة عليها وإن مات سيدها وهي في عدة الزوج عتقت ولم يلزمها استبراء لما ذكرناه ولأنه زال فراشه عنها قبل موته فلم يلزمها استبراء من أجله كغير أم الولد إذا باعها ثم مات وتبني على عدة أمة إن كان طلاقها بائنا أو كانت متوفى عنها وإن كانت رجعية بنت على عدة حرة على ما مضى وإن بانت من الزوج قبل الدخول بطلاق أو بانت بموت زوجها أو طلاقه بعد الدخول فقضت عدته ثم مات سيدها فعليها الاستبراء لأنها عادت إلى فراشه وقال أبو بكر لا يلزمها استبراء إلا أن يردها السيد إلى نفسه لأن فراشه قد زال بتزويجها ولم يتجدد لها ما يردها إليه فأشبهت الأمة غير الموطوءة

فصل فإن مات زوجها وسيدها ولم تعلم أيهما مات أولا فعلى قول أبي بكر ليس عليها استبراء لأن فراش سيدها قد زال عنها ولم تعد إليه وعليها أن تعتد لوفاة زوجها عدة الحرائر ولأنه يحتمل أن سيدها مات أولا ثم مات زوجها وهي حرة فلزمها عدة الحرة لتخرج من العدة بيقين وعلى القول الآخر إن كان بين موتهما شهران وخمسة أيام فما دون فليس عليها استبراء لأن السيد إن كان مات أولا فقد مات وهي زوجته وإن كان مات آخرا فقد مات وهي معتدة وليس عليها استبراء في هاتين الحالتين وعليها أن تعتد بعد موت الآخر منهما عدة الحرة لما ذكرناه وإن كان بين موتهما أكثر من ذلك فعليها بعد موت الآخر منهما أطول الأجلين من أربعة أشهر وعشر واستبراء بحيضة لأنه يحتمل أن يكون السيد مات أولا فيكون عليها عدة الحرة من الوفاة ويحتمل أنه مات آخرا بعد انقضاء عدتها من الزوج وعودها إلى فراشه فلزمها الاستبراء بحيضة فوجب الجمع بينهما ليسقط الفرض بيقين قال ابن عبد البر وعلى هذا جميع القائلين من العلماء بأن عدة الأمة من سيدها بحيضة ومن زوجها شهران وخمس ليال فإن جهل ما بين موتهما فالحكم فيه كما لو علمنا أن بينهما شهرين وخمس ليال احتياطا لإسقاط الفرض بيقين كما


117

أخذنا بالاحتياط في الإيجاب بين عدة حرة وحيضة فيما إذا علمنا أن بينهما شهرين وخمس ليال وقول أصحاب الشافعي في هذا القول مثل قولنا

وكذلك قول أبي حنيفة وأصحابه إلا أنهم جعلوا مكان الحيضة ثلاث حيضات بناء على أصلهم في الاستبراء أم الولد

وقال ابن المنذر حكمها حكم الإماء وعليها شهران وخمسة أيام ولا أنقلها إلى حكم الحرائر إلا بإحاطة أن الزوج مات بعد المولى وقيل إن هذا قول أبي بكر عبد العزيز أيضا والذي ذكرناه أحوط فأما الميراث فإنها لا ترث من زوجها شيئا لأن الأصل الرق والحرية مشكوك فيها فلم ترث مع الشك

والفرق بين الإرث والعدة أن إيجاب العدة عليها استظهار لا ضرر فيه على غيرها وإيجاب الإرث إسقاط لحق غيرها ولأن الأصل تحريم النكاح عليها فلا يزول إلا بيقين والأصل عدم الميراث لها فلا ترث إلا بيقين

فإن قيل أفليس المفقود إذا ماتت زوجته وقف ميراثه منها مع الشك في إرثه قلنا الفرق بينهما أن الأصل هاهنا الرق والشك في زواله وحدوث الحال التي يرث فيها والمفقود الأصل حياته والشك في موته وخروجه عن كونه وارثا فافترقا

مسألة

قال ( وإن أعتق أم ولده أو أمة كان يصيبها لم تنكح حتى تحيض حيضة كاملة وكذلك إن أراد أن يزوجها وهي في ملكه استبرأها بحيضة ثم زوجها ) لا يختلف المذهب في أن الاستبراء هاهنا بحيضة في ذات القروء وهو قول الشافعي وهو قول الزهري والثوري فيمن أراد تزويج أمة كان يصيبها وقال أصحاب الرأي ليس عليها استبراء لأن له بيعها فكان له تزويجها كالتي لا يصيبها وقال عطاء وقتادة عدتها حيضتان كعدة الأمة المطلقة

ولنا إنها فراش لسيدها فلم يجز أن تنتقل إلى فراش غيره بغير استبراء كما لو مات عنها ولأن هذه موطوءة وطأ له حرمة فلم يجز أن تتزوج قبل الاستبراء كالموطوءة بشبهة

وهذا لأنه إذا وطئها سيدها اليوم ثم زوجها فوطئها الزوج في آخر اليوم أفضى إلى اختلاط المياه وامتزاج الأنساب وهذا لا يحل ويخالف البيع فإنها لا تصير به فراشا ولا يحل لمشتريها وطؤها حتى يستبرئها فلا يفضي إلى اختلاط المياه

ولهذا يصح في المعتدة والمزوجة بخلاف التزويج

فصل فإن لم تكن من ذوات القروء فاستبراؤها بما ذكرنا في أم الولد على ما شرحنا

ومفهوم كلام الخرقي أنها إذا كانت أمة لا يطؤها سيدها لم يلزمها استبراء لأنها ليست فراشا لسيدها فلم يلزمها الاستبراء كالمزوجة والمعتدة ولأن تركها بالاستبراء لا يفضي إلى اختلاط المياه وامتزاج الأنساب بخلاف الموطوءة

فصل وإن مات عن أمة كان يصيبها فاستبراؤها بما ذكرنا في أم الولد لأنها فراش لسيدها فأشبهت أم الولد إلا أنها إذا كانت من ذوات القروء فاستبراؤها بحيضة واحدة رواية واحدة لأنها لا تصير حرة


118

فصل وإن أعتق أم ولده أو أمته التي كان يصيبها أو غيرها ممن تحل له إصابتها فله أن يتزوجها في الحال من غير استبراء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وتزوجها وجعل عتقها صداقها

وقال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة يوفون أجرهم مرتين رجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها ولم يذكر الاستبراء ولأن الاستبراء لصيانة مائه وحفظه عن الاختلاط بماء غيره ولا يصان ماؤه عن مائه ولهذا كان له أن يتزوج مختلعته في عدتها

وقد روي عن أحمد في الأمة التي لا يطؤها إذا أعتقها لا يتزوجها بغير استبراء لأنه لو باعها لم تحل للمشتري بغير استبراء

والصحيح أنه يحل له ذلك لأنه يحل له وطؤها بملك اليمين فكذلك بالنكاح كالتي كان يصيبها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وتزوجها ولم ينقل أنه كان أصابها

والحديث الآخر يدل على حلها له بظاهره لدخولها في العموم

ولأنها تحل لمن تزوجها سواه فله أولى ولأنه لو استبرأها ثم أعتقها وتزوجها في الحال كان جائزا حسنا فكذلك هذه فإنه تارك لوطئها ولأن وجوب الاستبراء في حق غيره إنما كان لصيانة مائه عن الاختلاط بغيره ولا يوجد ذلك هاهنا وكلام أحمد محمول على من اشتراها ثم تزوجها قبل أن يستبرئها

فصل وإن اشترى أمة فأعتقها قبل استبرائها لم يجز أن يتزوجها حتى يستبرئها

وبهذا قال الشافعي

وقال أصحاب الرأي له ذلك ويحكى أن الرشيد اشترى جارية فتاقت نفسه إلى جماعها قبل استبرائها فأمره أبو يوسف أن يعتقها ويتزوجها ويطأها

قال أبو عبد الله وبلغني أن المهدي اشترى جارية فأعجبته فقيل له أعتقها وتزوجها

قال أبو عبد الله سبحان الله ما أعظم هذا أبطلوا الكتاب والسنة جعل الله على الحرائر العدة من أجل الحمل فليس من امرأة تطلق أو يموت زوجها إلا تعتد من أجل الحمل وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبراء الأمة بحيضة من أجل الحمل ففرج يوطأ يشتريه ثم يعتقها على المكان فيتزوجها فيطؤها يطؤها رجل اليوم ويطؤها الآخر غدا فإن كانت حاملا كيف يصنع هذا نقض الكتاب والسنة قال النبي صلى الله عليه وسلم لا توطأ الحامل حتى تضع ولا غير الحامل حتى تحيض وهذا لا يدري أهي حامل أم لا ما أسمج هذا قيل له إن قوما يقولون هذا

فقال قبح الله هذا وقبح من يقوله

وفيما نبه عليه أبو عبد الله من الأحاديث كفاية مع ما ذكرنا فيما قبل هذا الفصل

إذا ثبت هذا فليس له تزويجها لغيره قبل استبرائها إذا لم يعتقها لأنها ممن يجب استبراؤها فلم يجز أن يتزوج كالمعتدة وسواء في ذلك المشتراة من رجل يطؤها أو من رجل قد استبرأها ولم يطأها أو ممن لا يمكنه الوطء كالصبي والمرأة والمجبوب وقال الشافعي إذا اشتراها ممن لا يطؤها فله تزويجها سواء أعتقها أو لم يعتقها وله أن يتزوجها إذا أعتقها لأنها ليست فراشا وقد كان لسيدها تزويجها قبل بيعها فجاز ذلك بعد بيعها

ولأنها لو عتقت على البائع بإعتاقه أو غيره لجاز لكل أحد نكاحه فكذلك إذا أعتقها المشتري


119

ولنا عموم قوله عليه السلام لا توطأ حائل حتى تستبرأ بحيضة ولأنها أمة يحرم عليه وطؤها قبل استبرائها فحرم عليه تزويجها والتزوج بها كما لو كان بائعها يطؤها

فأما إن أعتقها في هذه الصورة فله تزويجها لغيره لأنها حرة لم تكن فراشا فأبيح لها النكاح كما لو أعتقها البائع وفارق الموطوءة فإنها فراش يجب عليها استبراء نفسها إذا أعتقت فحرم عليها النكاح كالمعتدة وفارق ما إذا أراد سيدها نكاحها فإنه لم يكن له وطؤها بملك اليمين فلم يكن له أن يتزوجها كالمعتدة ولأن هذا يتخذ حيلة على إبطال الاستبراء فمنع منه بخلاف تزويجها لغيره

فصل وإن كانت أمة يطؤها فاستبرأها ثم أعتقها لم يلزمها لأنها خرجت عن كونها فراشا باستبرائه لها وإن باعها فأعتقها المشتري قبل وطئها لم تحتج إلى استبراء لذلك وإن باعها قبل استبرائها فأعتقها المشتري قبل وطئها واستبرائها فعليها استبراء نفسها وإن مضى بعض الاستبراء في ملك المشتري لزمها إتمامه بعد عتقها ولا ينقطع بانتقال الملك فيها لأنها لم تصر فراشا للمشتري ولم يلزمها استبراء بإعتاقه

فصل وإذا كانت الأمة بين شريكين فوطئاها لزمها استبراءان وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين يلزمها استبراء واحد لأن القصد معرفة براءة الرحم ولذلك لا يجب الاستبراء بأكثر من حيضة واحدة وبراءة الرحم تعلم باستبراء واحد

ولنا إنهما حقان مقصودان لآدميين فلم يتداخلا كالعدتين ولأنهما استبراءان من رجلين فأشبها العدتين

وما ذكروه يبطل بالعدتين من رجلين

مسألة

قال ( ومن ملك أمة لم يصبها ولم يقبلها حتى يستبرئها بعد تمام ملكه لها بحيضة إن كانت ممن تحيض أو بوضع الحمل إن كانت حاملا أو بمضي ثلاثة أشهر إن كانت من الآيسات أو من اللائي لم يحضن ) وجملته أن من ملك أمة بسبب من أسباب الملك كالبيع والهبة والإرث وغير ذلك لم يحل له وطؤها حتى يستبرئها بكرا كانت أو ثيبا صغيرة كانت أو كبيرة ممن تحمل أو ممن لا تحمل

وبهذا قال الحسن وابن سيرين وأكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي

وقال ابن عمر لا يجب استبراء البكر وهو قول داود لأن الغرض بالاستبراء معرفة براءتها من الحمل وهذا معلوم في البكر فلا حاجة إلى الاستبراء

وقال الليث إن كانت ممن لا يحمل مثلها لم يجب استبراؤها لذلك وقال عثمان البتي يجب الاستبراء على البائع دون المشتري لأنه لو زوجها لكان الاستبراء على المزوج دون الزوج كذلك هاهنا

ولنا ما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عام أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض


120

رواه أحمد وعن رويفع بن ثابت قال إنني لا أقول إلا ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها بحيضة رواه أبو داود وفي لفظ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر يقول من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يطأ جارية من السبي حتى يستبرئها بحيضة رواه الأثرم ولأنه ملك جارية محرمة عليه فلم تحل له قبل استبرائها كالثيب التي تحمل ولأنه سبب موجب للاستبراء فلم يفترق الحال فيه بين البكر والثيب والتي تحمل والتي لا تحمل كالعدة قال أبو عبد الله قد بلغني أن العذراء تحمل فقال له بعض أهل المجلس نعم قد كان في جيراننا

وذكر ذلك بعض أصحاب الشافعي وما ذكروه يبطل بما إذا اشتراها من امرأة أو صبي أو ممن تحرم عليه برضاع أو غيره وما ذكره البتي لا يصح لأن الملك قد يكون بالسبي والإرث والوصية فلو لم يستبرئها المشتري أفضى إلى اختلاط المياه واشتباه الإنسان والفرق بين البيع والتزويج أن النكاح لا يراد إلا للاستمتاع فلا يجوز إلا فيمن تحل له فوجب أن يتقدمه الاستبراء ولهذا لا يصح تزويج معتدة ولا مرتدة ولا مجوسية ولا وثنية ولا محرمة بالرضاع ولا المصاهرة والبيع براد لغير ذلك فصح قبل الاستبراء ولهذا صح في هذه المحرمات ووجب الاستبراء على المشتري لما ذكرناه فأما الصغيرة التي لا يوطأ مثلها فظاهر كلام الخرقي تحريم قبلتها ومباشرتها لشهوة قبل استبرائها وهو ظاهر كلام أحمد وفي أكثر الروايات عنه قال تستبرأ وإن كانت في المهد وروي عنه أنه قال إن كانت صغيرة بأي شيء تستبرأ إذا كانت رضيعة وقال في رواية أخرى تستبرأ بحيضة إذا كانت ممن تحيض وإلا بثلاثة أشهر إن كانت ممن توطأ وتحبل فظاهر هذا أنه لا يجب استبراؤها ولا تحرم مباشرتها

وهذا اختيار أبي موسى وقول مالك وهو الصحيح لأن سبب الإباحة متحقق وليس على تحريمها دليل فإنه لا نص فيه ولا معنى نص لأن تحريم مباشرة الكبيرة إنما كان لكونه داعيا إلى الوطء المحرم أو خشية أن تكون أم ولد لغيره ولا يتوهم هذا في هذه فوجب العمل بمقتضى الإباحة

فأما من يمكن وطؤها فلا تحل قبلتها ولا الاستمتاع منها بما دون الفرج قبل الاستبراء إلا المسبية على إحدى الروايتين

وقال الحسن لا يحرم من المشتراة إلا فرجها وله أن يستمتع منها بما شاء ما لم يمس لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن الوطء ولأنه تحريم للوطء مع ثبوت الملك فاختص بالفرج كالحيض

ولنا إنه استبراء يحرم الوطء فحرم الاستمتاع كالعدة ولأنه لا يأمن من كونها حاملا من بائعها فتكون أم ولد والبيع باطلا فيكون مستمتعا بأم ولد غيره

وبهذا فارق تحريم الوطء للحيض فأما المسبية فظاهر كلام الخرقي تحريم مباشرتها فيما دون الفرج لشهوة وهو الظاهر عن أحمد لأن كل استبراء حرم الوطء حرم دواعيه كالعدة ولأنه داعية إلى الوطء المحرم لأجل اختلاط المياه واشتباه الأنساب

فأشبهت المبيعة

وروي عن أحمد أنه لا يحرم لما روي عنابن عمر أنه قال وقع في سهمي يوم جلولاء جارية كأن عنقها إبريق فضة فما ملكت نفسي أن قمت إليها


121

فقبلتها والناس ينظرون ولأنه لا نص في المسبية ولا يصح قياسها على المبيعة لأنها تحتمل أن تكون أم ولد للبائع فيكون مستمتعا بأم ولد غيره ومباشرا لمملوكة غيره والمسبية مملوكة له على كل حال وإنما حرم وطؤها لئلا يسقي ماءه زرع غيره وقول الخرقي بعد تمام ملكه لها يعني أن الاستبراء لا يكون إلا بعد ملك المشتري لجميعها ولو ملك بعضها ثم ملك باقيها لم يحتسب الاستبراء إلا من حين ملك باقيها وإن ملكها ببيع فيه الخيار انبنى على نقل الملك في مدته فإن قلنا ينتقل فابتداء الاستبراء من حين البيع وإن قلنا لا ينتقل فابتداؤه من حين انقطع الخيار وإن كان المبيع معيبا فابتداء الخيار من حين البيع لأن العيب لا يمنع نقل الملك بغير خلاف وهل يبتدأ الاستبراء من حين البيع قبل القبض أو من حين القبض فيه وجهان أحدهما من حين البيع لأن الملك ينتقل به

والثاني من حين القبض لأن القصد معرفة براءتها من ماء البائع ولا يحصل ذلك مع كونها في يده وإن اشترى عبده التاجر أمة فاستبرأها ثم صارت إلى السيد حلت له بغير استبراء لأن ملكه ثابت على ما في يد عبده فقد حصل استبراؤها في ملكه وإن اشترى مكاتبه أمة فاستبرأها ثم صارت إلى سيده فعليه استبراؤها لأن ملكه تجدد عليها إذ ليس للسيد ملك على ما في يد مكاتبه إلا أن تكون الجارية من ذوات محارم المكاتب فقال أصحابنا تباح للسيد بغير استبراء

لأنه يصير حكمها حكم المكاتب إن رق رقت وإن عتق عتقت والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم والاستبراء الواجب هاهنا في حق الحامل بوضعه بلا خلاف وفي ذات القروء بحيضة في قول أكثر أهل العلم وقال سعيد بن المسيب وعطاء بحيضتين وهو مخالف للحديث الذي رويناه وللمعنى فإن المقصود معرفة براءتها من الحمل وهو حاصل بحيضة وفي الآيسة والتي لم تحض والتي ارتفع حيضها بما ذكرناه في أم الولد على ما مضى من الخلاف فيه

فصل ومن ملك مجوسية أو وثنية فأسلمت قبل استبرائها لم تحل له حتى يستبرئها أو تتم ما بقي من استبرائها لما مضى وإن استبرأها ثم أسلمت حلت له بغير استبرائها وقال الشافعي لا تحل له حتى تجدد استبراءها بعد إسلامها لأن ملكه تجدد على استماعها فأشبهت من تجدد ملكه على رقبتها

ولنا قوله عليه السلام لا توطأ حائل حتى تستبرأ بحيضة وهذا ورد في سبايا أو طاس وكن مشركات ولم يأمر في حقهن بأكثر من حيضة ولأنه لم يتجدد ملكه عليها ولا أصابها وطء من غيره فلم يلزمه استبراؤها كما لو حلت المحرمة ولأن الاستبراء إنما وجب كيلا يفضي إلى اختلاط المياه وامتزاج الأنساب ومظنة ذلك تجدد الملك على رقبتها ولم يوجد ولو باع أمته ثم ردت عليه بفسخ أو إقالة بعد قبضها أو افتراقها لزمه استبراؤها لأنه تجديد ملك سواء كان المشتري لها امرأة أو غيرها فإن كان ذلك قبل افتراقهما أو قبل غيبة المشتري بالجارية ففيها روايتان إحداهما عليه الاستبراء وهو مذهب الشافعي لأنه تجديد ملك

والثانية ليس عليه استبراء وهو قول أبي حنيفة إذا تقابلا قبل القبض لأنه لا فائدة في الاستبراء مع تعين البراءة

فصل وإذا زوج الرجل أمته فطلقها الزوج لم يلزم السيد استبراؤها ولكن إن طلقت بعد


122

الدخول أو مات عنها فعليها العدة ولو ارتدت أمته أو كاتبها ثم أسلمت المرتدة وعجزت المكاتبة حلت لسيدها بغير استبراء وبهذا قال أبو حنيفة

وقال الشافعي يجب عليه الاستبراء في هذا كله لأنه زال ملكه عن استمتاعها ثم عاد فأشبهت المشتراة

ولنا إنه لم يتجدد ملكه عليها فأشبهت المحرمة إذا حلت والمرهونة إذا فكت فإنه لا خلاف في حلهما بغير استبراء ولأن الاستبراء شرع لمعنى مظنته تجدد الملك فلا يشرع مع تخلف المظنة والمعنى

فصل وإن اشترى أمة مزوجة فطلقها الزوج قبل الدخول لم تبح بغير استبراء نص عليه أحمد وقال هذه حيلة وضعها أهل الرأي لا بد من استبراء

ووجه ذلك أن هذه تجدد الملك فيها ولم يحصل استبراؤها في ملكه فلم تحل بغير استبراء كما لو لم تكن مزوجة ولأن إسقاط الاستبراء هاهنا ذريعة إلى إسقاطه في حق من أراد إسقاطه بأن يزوجها عند بيعها ثم يطلقها زوجها بعد تمام البيع والحيل حرام

فأما إن كان الزوج دخل بها ثم طلقها فعليها العدة ولا يلزم المشتري استبراؤها لأن ذلك قد حصل بالعدة ولأنها لو عتقت لم يجب عليها مع العدة استبراء ولأنها قد استبرأت نفسها ممن كانت فراشا له فأجزأت ذلك كما لو كانت استبرأت نفسها من سيدها إذا كانت خالية من زوج

وإن اشتراها وهي معتدة من زوجها لم يجب عليها استبراء لأنها لم تكن فراشا لسيدها وقد حصل الاستبراء من الزوج بالعدة ولذلك لو عتقت في هذه الحال لم يجب عليها استبراء

وقال أبو الخطاب في المزوجة هل يدخل الاستبراء في العدة عن وجهين

وقال القاضي في المعتدة يلزم السيد استبراؤها بعد قضاء العدة ولا يتداخلان لأنهما من رجلين ومفهوم كلام أحمد ما ذكرناه أولا لأنه علل فيما قبل الدخول بأنها حيلة وضعها أهل الرأي ولا يوجد ذلك هاهنا

ولا يصح قولهم إن الاستبراء من رجلين فإن السيد هاهنا ليس له استبراء

فصل وإن كانت الأمة لرجلين فوطئاها ثم باعاها لرجل أجزأه استبراء واحد لأنه يحصل به معرفة البراءة

فإن قيل فلو أعتقها لألزمتموها استبراءين قلنا وجوب الاستبراء في حق المعتقة معلل بالوطء ولذلك لو أعتقها وهي ممن لا يطؤها لم يلزمها استبراء وقد وجد الوطء من اثنين فلزمها حكم وطئهما وفي مسألتنا هو معلل بتجديد الملك لا غير ولهذا يجب على المشتري الاستبراء سواء كان سيدها يطؤها أو لم يكن والملك واحد فوجب أن يتجدد الاستبراء

فصل وإذا اشترى الرجل زوجته الأمة لم يلزمه استبراؤها لأنها فراش له فلم يلزمه استبراؤها من مائه لكن يستحب ذلك ليعلم هل الولد من النكاح فيكون عليه ولاء له لأنه عتق بملكه له ولا تصير به الأمة أم ولد أو هو حادث في ملك يمينه فلا يكون عليه ولاء وتصير به الأمة أم ولد ومتى تبين حملها فله وطؤها لأنه قد علم الحمل وزال الاشتباه


123

فصل وإن وطىء الجارية التي يلزمه استبراؤها قبل استبرائها أثم والاستبراء باق بحاله لأنه حق عليه فلا يسقط بعدوانه

فإن لم تعلق منه استبرأها بما كان يستبرئها به قبل الوطء وتبني على ما مضى من الاستبراء وإن علقت منه فمتى وضعت حملها استبرأها بحيضة ولا يحل له الاستمتاع منها في حال حملها لأنه لم يستبرئها وإن وطئها وهي حامل حملا كان موجودا حين البيع من غير البائع فمتى وضعت حملها انقضى استبراؤها قال أحمد ولا يلحق بالمشتري ولا يتبعه ولكن يعتقه لأنه قد شرك فيه لأن الماء يزيد في الولد

وقد روى أبو داود بإسناده عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال لعله يريد أن يلم بها فقالوا نعم

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له أو كيف يستخدمه وهو لا يل له ومعناه أنه إن استلحقه وشركه في ميراثه لم يحل له لأنه ليس بوالده وإن اتخذه مملوكا لم يحل له لأنه قد شرك فيه لكون الوطء يزيد في الولد وعن ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وطء الحبالى حتى يضعن ما في بطونهن رواه النسائي والترمذي

فصل ومن أراد بيع أمته فإن كان لا يطؤها لم يلزمه استبراؤها لكن يستحب ذلك ليعلم خلوها من الحمل فيكون أحوط للمشتري وأقطع للنزاع

قال أحمد وإن كان لامرأة فإني أحب أن لا تبيعها حتى تستبرئها بحيضة فهو أحوط لها وإن كان يطؤها وكانت آيسة فليس عليه استبراؤها لأن انتفاء الحمل معلوم وإن كانت ممن تحمل وجب عليه استبراؤها وبه قال النخعي والثوري

وعن أحمد رواية أخرى لا يجب عليه استبراؤها وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي

لأن عبد الرحمن بن عوف باع جارية كان يطؤها قبل استبرائها ولأن الاستبراء على المشتري فلا يجب على البائع فإن الاستبراء في حق الحرة آكد ولا يجب قبل النكاح وبعده كذلك لا يجب في الأمة قبل البيع وبعده

ولنا إن عمر أنكر على عبد الرحمن بن عوف بيع جارية كان يطؤها قبل استبرائها فروى عبد الله بن عبيد بن عمير قال باع عبد الرحمن بن عوف جارية كان يقع عليها قبل أن يستبرئها فظهر بها حمل عند الذي اشتراها فخاصموه إلى عمر فقال له عمر كنت تقع عليها قال نعم قال فبعتها قبل أن يستبرئها قال نعم قال ما كنت لذلك بخليق قال فدعا القافة فنظروا إليه فألحقوه به ولأنه يجب على المشتري الاستبراء لحفظ مائه فكذلك البائع ولأنه قبل الاستبراء مشكوك في صحة البيع وجوازه لاحتمال أن تكون أم ولد فيجب الاستبراء لإزالة الاحتمال فإن خالف وباع فالبيع صحيح في الظاهر لأن الأصل عدم الحمل ولأن عمر وعبد الرحمن لم يحكما بفساد البيع في الأمة التي باعها قبل استبرائها إلا بلحاق الولد به ولو كان البيع باطلا قبل ذلك لم يحتج إلى ذلك وذكر أصحابنا الروايتين في كل أمة يطؤها من غير تفريق بين الآيسة وغيرها

والأولى أن ذلك لا يجب في


124

الآيسة لأن علة الوجوب احتمال الحمل وهو وهم بعيد والأصل عدمه فلا تثبت به حكما بمجرده

فصل وإذا اشترى جارية فظهر بها حمل لم يخل من أحوال خمسة أحدها أن يكون البائع أقر بوطئها عند البيع أو قبله وأتت بولد لدون الستة أشهر أو يكون البائع ادعى الولد فصدقه المشتري فإن الولد يكون للبائع والجارية أم ولد له وله البيع باطل

الحال الثاني أن يكون أحدهما استبرأها ثم أتت بولد لأكثر من ستة أشهر من حين وطئها المشتري فالولد للمشتري والجارية أم ولد له

الحال الثالث أن تأتي به لأكثر من ستة أشهر بعد استبراء أحدهما لها ولأقل من ستة أشهر منذ وطئها المشتري فلا يلحق نسبه بواحد منهما ويكون ملكا للمشتري ولا يملك فسخ البيع لأن الحمل تجدد في ملكه ظاهرا فإن ادعاه كل واحد منهما فهو للمشتري لأنه في ملكه مع احتمال كونه منه وإن ادعاه البائع وحده وصدقه المشتري لحقه وكان البيع باطلا وإن كذبه فالقول قول المشتري في ملك الولد وأن الملك انتقل إليه ظاهرا فلم تقبل دعوى البائع فيما يبطل حقه كما لو أقر بعد البيع أن الجارية مغصوبة أو معتقة وهل يثبت نسب الولد من البائع فيه وجهان أحدهما يثبت لأنه نفع للولد من غير ضرر على المشتري فيقبل قوله فيه كما لو أقر لولده بمال

والثاني لا يقبل لأن فيه ضررا على المشتري فإنه لو أعتقه كان أبوه أحق بميراثه منه ولذلك لو أقر عبدان كل واحد منهما أنه أخو صاحبه لم يقبل إلا ببينة

الحال الرابع أن تأتي به بعد ستة أشهر منذ وطئها المشتري قبل استبرائها فنسبه لاحق بالمشتري فإن ادعاه البائع فأقر له المشتري لحقه وبطل البيع وإن كذبه فالقول قول المشتري وإن ادعى كل واحد منهما أنه من الآخر عرض على القافة فألحق بمن ألحقته به لحديث عبد الرحمن بن عوف ولأنه يحتمل كونه من كل واحد منهما وإن ألحقته القافة بهما لحق بهما وينبغي أن يبطل البيع وتكون أم ولد للبائع لأننا نتبين أنها كانت حاملا منه قبل بيعها

الحال الخامس إذا أتت به لأقل من ستة أشهر منذ باعها ولم يكن أقر بوطئها فالبيع صحيح في الظاهر والولد مملوك للمشتري فإن ادعاه البائع فالحكم فيه كما ذكرنا في الحال الثالث سواء

مسألة

قال ( وتجتنب الزوجة المتوفى عنها زوجها الطيب والزينة والبيتوتة في غير منزلها والكحل بالإثمد والنقاب ) هذا يسمى الإحداد ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في وجوبه على المتوفى عنها زوجها إلا عن الحسن فإنه قال لا يجب الإحداد وهو قول شذ به عن أهل العلم وخالف به السنة فلا يعرج عليه ويستوي في وجوبه الحرة والأمة والمسلمة والذمية والكبيرة والصغيرة وقال أصحاب الرأي لا إحداد على ذمية ولا صغيرة لأنهما غير مكلفتين


125

ولنا عموم الأحاديث التي سنذكرها ولأن غير المكلفة تساوي الملكفة في اجتناب المحرمات كالخمر والزنا وإنما يفترقان في الإثم فكذلك الإحداد ولأن حقوق الذمية في النكاح كحقوق المسلمة فيما عليها

فصل ولا إحداد غير الزوجات كأم الولد إذا مات سيدها قال ابن المنذر لا أعلمهم يختلفون في ذلك وكذلك الأمة التي يطؤها سيدها إذا مات عنها ولا الموطوءة بشبهة والمزني بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا إحداد على الرجعية بغير خلاف نعلمه لأنها في حكم الزوجات لها أن تتزين لزوجها وتستشرف له ليرغب فيها وتنفق عنده كما تفعل في صلب النكاح ولا إحداد على المنكوحة نكاحا فاسدا لأنها ليست زوجة على الحقيقة ولا لها من كانت تحل له ويحل لها فتحزن على فقده

فصل وتجتنب الحادة ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها ويحسنها وذلك أربعة أشياء أحدها الطيب ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تمس طيبا إلا عند أدنى طهرها إذا طهرت من حيضها بنبذة من قسط أو اظفار متفق عليه وروت زينب بنت أم سلمة قالت دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضها ثم قالت والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا متفق عليه ولأن الطيب يحرك الشهوة ويدعو إلى المباشرة

ولا يجوز لها استعمال الأدهان المطيبة كدهن الورد والبنفسج والياسمين والبان وما أشبهه لأنه استعمال للطيب فأما الادهان بغير المطيب كالزيت والشيرج والسمن فلا بأس به لأنه ليس بطيب

الثاني اجتناب الزينة وذلك واجب في قول عامة أهل العلم منهم ابن عمر وابن عباس وعطاء وجماعة أهل العلم يكرهون ذلك وينهون عنه وهو ثلاثة أقسام أحدها الزينة في نفسها فيحرم عليها أن تختضب وأن تحمر وجهها بالكلكون وأن تبيضه باسفيداج العرايس وأن تجعل عليه صبرا يصفره وأن تنقش وجهها ويديها وأن تخفف وجهها وما أشبهه مما يحسنها وأن تكتحل بالإثمد من غير ضرورة وذلك لما روت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل رواه النسائي وأبو داود وروت أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تحد المرأة فوق ثلاثة أيام إلا على زوج فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا عند أدنى طهرها إذا طهرت من حيضها بنبذة من قسط أو اظفار متفق عليه

وعن أم سلمة قالت جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مرتين أو ثلاثا متفق عليه وروت أم سلمة قالت


126

دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرا فقال ماذا يا أم سلمة قلت إنما هو صبر ليس فيه طيب قال إنه يشب الوجه لا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب

قال قلت بأي شيء أمتشط

قال بالسدر تغلفين به رأسك ولأن الكحل من أبلغ الزينة والزينة تدعو إليها وتحرك الشهوة فهي كالطيب وأبلغ منه

وحكي عن بعض الشافعية أن للسوداء أن تكتحل وهو مخالف للخبر والمعنى فإنه يزينها ويحسنها وإن اضطرت الحادة إلى الكحل بالإثمد للتداوي فلها أن تكتحل ليلا وتمسحه نهارا ورخص فيه عند الضرورة عطاء والنخعي ومالك وأصحاب الرأي لما روت أم حكيم بنت أسد عن أمها أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بالجلاء فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة تسألها عن كحل الجلاء فقالت لا تكتحلي إلا لما لا بد منه يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار رواه أبو داود والنسائي

وإنما منع من الكحل بالإثمد لأنه الذي تحصل به الزينة فأما الكحل بالتوتيا والعنزروت ونحوهما فلا بأس به لأنه لا زينة فيه بل يقبح العين ويزيدها مرها ولا تمنع من جعل الصبر على غير وجهها من بدنها لأنه إنما منع منه في الوجه لأنه يصفره فيشبه الخضاب ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه يشب الوجه ولا تمنع من التنظيف بتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق الشعر المندوب إلى حلقه ولا من الاغتسال بالسدر والامتشاط به لحديث أم سلمة ولأنه يراد للتنظيف لا للتطييب

القسم الثاني زينة الثياب فتحرم عليها الثياب المصبغة للتحسين كالمعصفر والمزعفر وسائر الأحمر وسائر الملون للتحسين كالأزرق الصافي والأخضر الصافي والأصفر فلا يجوز لبسه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تلبس ثوبا مصبوغا وقوله لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق فأما ما لا يقصد بصبغه حسنة كالكحلي والأسود والأخضر المشبع فلا تمنع منه لأنه ليس بزينة وما صبغ غزله ثم نسج فيه احتمالان أحدهما يحرم لبسه لأنه أرفع وأحسن ولأنه مصبوغ للحسن فأشبه ما صبغ بعد نسجه

والثاني لا يحرم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة إلا ثوب عصب وهو ما صبغ غزله قبل نسجه ذكره القاضي ولأنه لم يصبغ وهو ثوب فأشبه ما كان حسنا من الثياب غير مصبوغ والأول أصح وأما العصب فالصحيح أنه نبت تصبغ به الثياب قال صاحب الروض الأنف الورس والعصب نبتان باليمن لا ينبتان إلا به فأرخص النبي صلى الله عليه وسلم للحادة في لبس ما صبغ بالعصب لأنه في معنى ما صبغ لغير التحسين أما ما صبغ غزله للتحسين كالأحمر والأصفر فلا معنى لتجويز لبسه مع حصول الزينة بصبغة كحصولها بما صبغ بعد نسجه ولا تمنع من حسان الثياب غير المصبوغة وإن كان رقيقا سواء كان من قطن أو كتان أو إبريسم لأن حسنه من أصل خلقته فلا يلزم تغييره كما أن المرأة إذا كانت حسنة الخلقة لا يلزمها أن تغير لونها وتشوه نفسها

القسم الثالث الحلي فيحرم عليها لبس الحلي كله حتى الخاتم في قول عامة أهل العلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولا الحلي وقال عطاء يباح حلي الفضة دون الذهب وليس بصحيح لأن النهي عام ولأن الحلي يزيد حسنها


127

ويدعو إلى مباشرتها قالت امرأة وما الحلي إلا زينة لنقيصة نتمم من حسن إذا الحسن قصرا فصل والثالث مما تجتنبه الحادة النقاب وما في معناه مثل البرقع ونحوه لأن المعتدة مشبهة بالمحرمة والمحرمة تمنع من ذلك وإذا احتاجت إلى ستر وجهها أسدلت عليه كما تفعل المحرمة

فصل والرابع المبيت في غير منزلها وممن أوجب على المتوفي عنها زوجها الاعتداد في منزلها عمر وعثمان رضي الله عنهما وروي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود وأم سلمة وبه يقول مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق وقال ابن عبد البر وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر

وقال جابر بن زيد والحسن وعطاء تعتد حيث شاءت وروي ذلك عن علي وابن عباس وجابر وعائشة رضي الله عنهم قال ابن عباس نسخت هذه الآية عدتها عند أهله وسكتت في وصيتها وإن شاءت خرجت لقول الله تعالى فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن البقرة 240 قال عطاء ثم جاء الميراث فنسخ السكنى تعتد حيث شاءت رواهما أبو داود

ولنا ما روت فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد الخدري أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أن زوجها خرج في طلب أعبد له فقتلوه بطرف القدوم فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قالت فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمرني فدعت له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قلت فرددت عليه القصة فقال امكثي في بيتك حتى يبلغ الكاتب أجله

فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به رواه مالك في موطئه والأثرم وهو حديث صحيح قضى به عثمان في جماعة الصحابة فلم ينكروه وإذا ثبت هذا فإنه يجب الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة به سواء كان مملوكا لزوجها أو بإجارة أو عارية لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفريعة امكثي في بيتك ولم تكن في بيت يملكه زوجها وفي بعض ألفاظه اعتدي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك وفي لفظ اعتدي حيث أتاك الخبر فإن أتاها الخبر في غير مسكنها رجعت إلى مسكنها فاعتدت فيه وقال سعيد بن المسيب والنخعي لا تبرح من مكانها الذي أتاها فيه نعي زوجها اتباعا للفظ الخبر الذي رويناه

ولنا قوله عليه السلام امكثي في بيتك واللفظ الآخر قضية في عين والمراد به هذا فإن قضايا الأعيان


128

لا عموم لها ثم لا يمكن حمله على العموم فإنه لا يلزمها الاعتداد في السوق والطريق والبرية إذا أتاها الخبر وهي فيها

فصل فإن خافت هدما أو غرقا أو عدوا أو نحو ذلك أو حولها صاحب المنزل لكونه عارية رجع فيها أو بإجارة انقضت مدتها أو منعها السكنى تعديا أو امتنع من إجارته أو طلب به أكثر من أجرة المثل أو لم تجد ما تكتري به أو لم تجد إلا من مالها فلها أن تنتقل لأنها حال عذر ولا يلزمها بذلك أجر المسكن وإنما الواجب عليها فعل السكنى لا تحصيل المسكن وإذا تعذرت السكنى سقطت ولها أن تسكن حيث شاءت ذكره القاضي

وذكر أبو الخطاب أنها تنتقل إلى أقرب ما يمكنها النقلة إليه وهو مذهب الشافعي لأنه أقرب إلى موضع الوجود فأشبه من وجبت عليه الزكاة في موضع لا يجد فيه أهل السهمان فإنه ينقلها إلى أقرب موضع يجدهم فيه

ولنا إن الواجب سقط لعذر ولم يرد الشرع له ببدل فلا يجب كما لو سقط الحج للعجز عنه وفوات شرط والمعتكف إذا لم يقدر على الاعتكاف في المسجد

ولأن ما ذكروه إثبات حكم بلا نص ولا معنى نص فإن معنى الاعتداد في بيتها لا يوجد في السكنى فيما قرب منه ويفارق أهل السهمان فإن القصد نفع الأقرب وفي نقلها إلى أقرب موضع يجده نفع الأقرب فوجب لذلك

فصل قال أصحابنا ولا يكنى للمتوفى عنها إذا كانت حائلا رواية واحدة وإن كانت حاملا فعلى روايتين وللشافعي في سكنى المتوفى عنها قولان وجه الوجوب قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج البقرة 240 فنسخ بعض المدة وبقي باقيها على الوجوب ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فريعة بالسكنى في بيتها من غير استئذان الورثة ولو لم تجب السكنى لم يكن لها أن تسكن إلا بإذنهم كما أنها ليس لها أن تتصرف في شيء من مال زوجها بغير إذنهم

ولنا إن الله تعالى إنما جعل للزوجة ثمن التركة أو ربعها وجعل باقيها لسائر الورثة والمسكن من التركة فوجب أن لا يستحق منه أكثر من ذلك ولأنها بائن من زوجها فأشبهت المطلقة ثلاثا وأما إذا كانت حاملا وقلنا لها السكنى فلأنها حامل من زوجها فوجب لها السكنى قياسا على المطلقة فأما الآية التي احتجوا بها فإنها منسوخة وأما أمر النبي صلى الله عليه وسلم فريعة بالسكنى فقضية في عين يحتمل أنه عليه السلام علم أن الوارث يأذن في ذلك أو يكون الأمر يدل على وجوب السكنى عليها ويتقيد ذلك بالإمكان وإذن الوارث من جملة ما يحصل الإمكان به فإذا قلنا لها السكنى فهي أحق بسكنى المسكن الذي كانت تسكنه من الورثة والغرماء من رأس مال المتوفى ولا يباع في دينه بيعا يمنعها السكنى فيه حتى تقضي العدة

وبهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء وإن


129

تعذر المسكن فعلى الوارث أن يكتري لها مسكنا من مال الميت فإن لم يفعل أخبره الحاكم وليس لها أن تنتقل من مسكنها إلا لعذر كما ذكرنا وإن اتفق الوارث والمرأة على نقلها عنه لم يجز لأن هذه السكنى يتعلق بها حق الله تعالى لأنها تجب للعدة والعدة يتعلق بها حق الله تعالى فلم يجز انفاقهما على إبطالها بخلاف سكنى النكاح فإنها حق لهما ولأن السكنى هاهنا من الإحداد فلم يجز الاتفاق على تركها كسائر خصال الأحداد وليس لهم أن يخرجوها إلا أن تأتي بفاحشة مبينة لقول الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة الطلاق 1 وهي أن تطول لسانها على أحمائها وتؤذيهم بالسب ونحوه

روي ذلك عن ابن عباس وهو قول الأكثرين وقال ابن مسعود والحسن هي الزنا لقوله الله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم النساء 15 وإخراجهن هو الإخراج لإقامة حد الزنا ثم ترد إلى مكانها

ولنا إن الآية تقتضي الإخراج عن السكنى وهذا لا يتحقق فيما قالاه وأما الفاحشة فهي اسم للزنا وغيره من الأقوال الفاحشة يقال أفحش فلان في مقاله ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت له عائشة يا رسول الله قلت لفلان بئس أخو العشيرة فلما دخل ألنت له القول فقال يا عائشة إن الله لا يحب الفحس ولا التفحش

إذا ثبت هذا فإن الورثة يخرجونها عن ذلك المسكن إلى مسكن آخر من الدار إن كانت كبيرة تجمعهم فإن كانت لا تجمعهم أو لم يمكن نقلها إلى غيره في الدار ولم يتخلصوا من أذاها بذلك فلهم نقلها

وقال بعض أصحابنا ينتقلون هم عنها لأن سكناها واجب في المكان وليس بواجب عليهم والنص يدل على أنها تخرج فلا يعرج على ما خالفه ولأن الفاحشة منها فكان الإخراج لها وإن كان أحماؤها هم الذين يؤذونها ويفحشون عليها نقلوا هم دونها فإنها لم تأت بفاحشة فلا تخرج بمقتضى النص ولأن الذنب لهم فيخصون بالإخراج

وإن كان المسكن لغير الميت فتبرع صاحبه بإسكانها فيه لزمها الاعتداد به وإن أبى أن يسكنها إلا بأجرة وجب بذلها من مال الميت إلا أن يتبرع إنسان ببذلها فيلزمها الاعتداد به فإن حولها صاحب المكان أو طلب أكثر من أجرة المثل فعل الورثة إسكانها إن كان للميت تركة يستأجر لها به مسكن لأنه حق لها يقدم على الميراث فإن اختارت النقلة عن هذا المسكن الذي ينقلونها إليه فلها ذلك لأن سكناها به حق لها وليس بواجب عليها فإن المسكن الذي كان يجب عليها السكنى به هو الذي كانت تسكنه حين موت زوجها وقد سقطت عنها السكنى به وسواء كان المسكن الذي كانت به لأبويها أو لأحدهما أو لغيرهم وإن كانت تسكن في دارها فاختارت الإقامة فيها والسكنى بها متبرعة أو بأجرة تأخذها من التركة جاز ويلزم الورثة بذل الأجرة إذا طلبتها وإن طلبت أن تسكنها غيرها وتنتقل عنها فلها ذلك لأنه ليس عليها أن تؤجر دارها ولا تعيرها وعليهم إسكانها

فصل فأما إذا قلنا ليس لها السكنى فتطوع الورثة بإسكانها في مسكن زوجها أو السلطان أو أجنبي لزمها الاعتداد به وإن منعت السكنى به أو طلبوا منها الأجرة فلها أن تنتقل عنه إلى غيره كما ذكرنا فيما إذا


130

أخرجها المؤجر عند انقضاء الإجارة وسواء وقدرت على الأجرة أو عجزت عنها لأنه إنما تلزمها السكنى لا تحصيل المسكن وإن كانت في في مسكن لزوجها فأخرجها الورثة منه وبذلوا لها مسكنا آخر لم تلزمها السكنى وكذلك إن خرجت من المسكن الذي هي به أو خرجت لأي عارض كان لم تلزمها السكنى في موضع معين سواه سواء بذله الورثة أو غيرهم لأنها إنما يلزمها الاعتداد في بيتها الذي كانت فيه لا في غيره وكذلك إذا قلنا لها السكنى فتعذر سكناها في مسكنها وبذل لها سواه وإن طلبت مسكنا سواه لزم الورثة تحصيله بأجرة أو بغيرها إن خلف الميت تركة تفي بذلك ويقدم ذلك على الميراث لأنه حق على الميت فأشبه الدين فإن كان على الميت دين يستغرق ماله ضربت بأجرة المسكن مع الغرماء لأن حقها مساو لحقوق الغرماء وتستأجر بما يصيبها موضعا تسكنه وكذلك الحكم في المطلقة إذا حجر على الزوج قبل أن يطلقها ثم طلقها فإنها تضرب بأجرة المسكن لمدة مع الغرماء إذا كانت حاملا فإن قيل فهلا قدمتم حق الغرماء لأنه أسبق قلنا لأن حقها ثبت عليه بغير اختيارها فشاركت الغرماء فيه كما لو أتلف المفلس مالا لإنسان أو جنى عليه وإن مات وهي في مسكنه لم يجز إخراجها منه لأن حقها تعلق بعين المسكن قبل تعلق حقوق الغرماء بعينه فكان حقها مقدما كحق المرتهن وإن طلب الغرماء ببيع هذا المسكن وتترك السكنى لها مدة العدة لم يجز لأنها إنما تستحق السكنى إذا كانت حاملا ومدة الحمل مجهولة فتصير كما لو باعها واستثنى نفعها مدة مجهولة وإن أراد الورثة قسمة مسكنها على وجه يضر بها في السكنى لم يكن لهم ذلك وإن أرادوا التعليم بخطوط من غير نقض ولا بناء جاز لأنه لا ضرر عليها فيه

فصل وإذا قلنا إنها تضرب مع الغرماء بقدر مدة عدتها فإنها تضرب بمدة عادتها في وضع الحمل إن كانت حاملا وإن كانت مطلقة من ذوات القروء وقلنا لها السكنى ضربت بمدة عادتها في القروء فإن لم تكن لها عادة ضربت بغالب عادات النساء وهو تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر لكل قرء شهر أو بما بقي من ذلك إن كان قد مضى من مدة حملها شيء لأنه لا يمكن تأخير القسمة لحق الغرماء فإذا ضربت بذلك فوافق الصواب فلم تزد ولم تنقص استقر الحكم وتستأجر مما يحصل لها مكانا تسكنه وإذا تعذر ذلك سكنت حيث شاءت وإن كانت المدة أقل مما ضربت به مثل أن وضعت حملها لستة أشهر أو تربصت ثلاثة قروء في شهرين فعليها رد الفضل وتضرب فيه بحصتها منه وإن طالب العدة أكثر من ذلك مثل أو وضعت حملها في عام أو رأس ثلاثة قروء في نصف عام رجعت بذلك على الغرماء كما يرجعون عليها في صورة النقض ويحتمل أن لا ترجع به ويكون في ذمة زوجها لأننا قدرنا ذلك مع تجويز الزيادة فلم تكن لها الزيادة عليه

فصل وللمعتدة الخروج في حوائجها نهارا سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها لما روى جابر قال طلقت خالتي ثلاثا فخرجت تجذ نخلها فلقيها رجل فنهاها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال اخرجي فجذي نخلك لعلك أن تتصدقي منه أو تفعلي خيرا رواه النسائي وأبو داود

وروى مجاهد قال استشهد رجال يوم أحد فجاءت نساؤهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلنا يا رسول الله نستوحش بالليل أفنبيت عند إحدانا فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا


131

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدثن عند إحداكن حتى إذا أردتن النوم فلتؤب كل واحدة إلى بيتها وليس لها المبيت في غير بيتها ولا الخروج ليلا إلا لضرورة لأن الليل مطنة الفساد بخلاف النهار فإنه مظنة قضاء الحوائج والمعاش وشراء ما يحتاج إليه وإن وجب عليها حق لا يمكن استيفاؤه إلا بها كاليمين والحد وكانت ذات خدر بعث إليها الحاكم من يستوفي الحق منها في منزلها وإن كانت برزة جاز إحضارها لاستيفائه فإذا فرغت رجعت إلى منزلها

فصل والأمة كالحرة في الإحداد والاعتداد في المنزل إلا أن سكناها في العدة كسكناها في حياة زوجها للسيد إمساكها نهارا وإرسالها ليلا فإن أرسلها ليلا ونهارا اعتدت زمانها كله في المنزل وعلى الورثة سكناها فيهما كالحرة سواء

فصل والبدوية كالحضرية في الاعتداد في منزلها الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه فإن انتقلت الحلة انتقلت معهم لأنها لا يمكنها المقام وحدها وإن انتقل غير أهلها لزمها المقام معهم وإن انتقل أهلها انتقلت معهم إلا أن يبقى من الحلة من لا تخاف على نفسها معهم فتكون مخيرة بين الإقامة والرحيل وإن هرب أهلها فخافت هربت معهم وإن أمنت أقامت لقضاء العدة في منزلها

فصل فإن مات صاحب السفينة وامرأته في السفينة ولها مسكن في البر فحكمها حكم المسافرة في البر على ما سنذكره وإن لم يكن لها مسكن سواها وكان فيها بيت يمكنها السكنى فيه بحيث لا تجتمع مع الرجال وأمكنها المقام فيه بحيث تأمن على نفسها ومعها محرمها لزمها أن تعتد به فإن كانت ضيقة وليس معها محرمها أو لا يمكنها الإقامة فيها إلا بحيث تختلط بالرجال لزمها الانتقال منها إلى موضع سواها

مسألة

قال ( والمطلقة ثلاثا تتوقى الطيب والزينة والكحل بالإثمد ) اختلفت الرواية عن أحمد في وجوب الإحداد على المطلقة البائن فعنه يجب عليها وهو قول سعيد بن المسيب وأبي عبيد وأبي ثور وأصحاب الرأي

والثانية لا يجب عليها وهو قول عطاء وربيعة ومالك وابن المنذر ونحوه قول الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا وهذه عدة الوفاة فيدل على أن الإحداد إنما يجب في عدة الوفاة ولأنها معتدة عن غير وفاة فلم يجب عليها الإحداد كالرجعية والموطوءة بشبهة ولأن الإحداد في عدة الوفاة لإظهار الأسف على فراق زوجها وموته فأما الطلاق فإنه فارقها باختيار نفسه وقطع نكاحها فلا معنى لتكليفها الحزن عليه ولأن المتوفى عنها لو أتت بولد لحق الزوج وليس له من ينفيه فاحتيط عليها بالإحداد لئلا يلحق بالميت من ليس منه بخلاف المطلقة فإن زوجها باق فهو يحتاط عليها بنفسه وينفي ولدها إذا كان من غيره

ووجه الرواية الأولى أنها معتدة بائن من نكاح فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها وذلك لأن العدة تحرم النكاح فحرمت دواعيه ويخرج على هذا الرجعية فإنها زوجة والموطوءة بشبهة ليست معتدة من نكاح فلم تكمل


132

الحرمة فأما الحديث فإنما مدلوله تحريم الإحداد على ميت غير الزوج ونحن نقول به

ولهذا جاز الإحداد هاهنا بالإجماع فإذا قلنا يلزمها الإحداد لزمها شيئان توقي الطيب والزينة في نفسها على ما قدمنا فيها ولا تمنع من النقاب ولا من الاعتداد في غير منزلها ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم على ما سنذكره إن شاء الله تعالى

فصل وإذا كانت المبتوتة حاملا وجب لها السكنى رواية واحدة

ولا نعلم بين أهل العلم خلافا فيه

وإن لم تكن حاملا ففيها روايتان إحداهما لا يجب لها ذلك وهو قول ابن عباس وجابر وبه قالعطاء وطاوس والحسن وعمرو بن ميمون وعكرمة وإسحاق وأبو ثور وداود

والثانية يجب لها ذلك وهو قول ابن مسعود وابن عمر وعائشة وسعيد بن المسيب والقاسم وسالم وأبي بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي لقول الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة الطلاق 1 وقال تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن الطلاق 6 فأوجب لهن السكنى مطلقا ثم خص الحامل بالإنفاق عليها

ولنا ما روتفاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فتسخطته فقال والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال لها ليس لك عليه نفقة ولا سكنى فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال إن تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي في بيت ابن أم مكتوم متفق عليه فإن قيل فقد أنكر عليها عمر وقال ما كنا لندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت وقال عروة لقد عابت عائشة ذلك أشد العيب وقال إنها كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها وقال سعيد بن المسيب تلك امرأة فتنت الناس إنها كانت لسنة فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى قلنا أما مخالفة الكتاب فإن فاطمة لما أنكروا عليها قالت بيني وبينكم كتاب الله قال تعالى لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا الطلاق 1 فأي أمر يحدث بعد الثلاث فكيف تقولون لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا فعلام تحبسونها فكيف تحبس امرأة بغير نفقة وأما قولهم إن عمر قال لا ندع كتاب ربنا فقد أنكر أحمد هذا القول عن عمر قال ولكنه قال لا نجيز في ديننا قول امرأة وهذا مجمل على خلافه وقد أخذنا بخبر فريعة وهي امرأة وبرواية عائشة وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحكام وصار أهل العلم إلى خبر فاطمة هذا في كثير من الأحكام مثل سقوط نفقة المبتوتة إذا لم تكن حاملا ونظر المرأة إلى الرجال وخطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن سكنت إلى الأول


133

وأما تأويل من تأول حديثها فليس بشيء فإنها تخالفهم في ذلك وهي أعلم بحالها ولم يتفق المتأولون على شيء وقد رد على من رد عليها فقال ميمون بن مهران لسعيد بن المسيب قال تلك امرأة فتنت الناس لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فتنت الناس وإن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة مع أنها أحرم الناس عليه ليس له عليها رجعة ولا بينهما ميراث وقول عائشة إنها كانت في مكان وحش لا يصح فإن النبي صلى الله عليه وسلم علل بغير ذلك فقال يا ابنة آل قيس إنما السكنى والنفقة ما كان لزوجك عليك الرجعة هكذا رواه الحميدي والأثرم

ولأنه لو صح ما قالته عائشة أو غيرها من التأويل ما احتاج عمر في رده إلا أن يعتذر بأنه قول امرأة ثم فاطمة صاحبة القصة وهي أعرف بنفسها وبحالها وقد أنكرت على من أنكر عليها وردت على من رد خبرها أو تأوله بخلاف ظاهره فيجب تقديم قولها لمعرفتها بنفسها وموافقتها ظاهر الخبر كما في سائر ما هذا سبيله

فصل قال أصحابنا ولا يتعين الموضع الذي تسكنه في الطلاق سواء قلنا لها السكنى أو لم نقل بل يتخير الزوج بين إقرارها في الموضع الذي طلقها فيه وبين نقلها إلى مسكن مثلها والمستحب إقرارها لقوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة الطلاق 1 ولأن فيه خروجا من الخلاف فإن الذين ذكرنا عنهم أن لها السكنى يرون وجوب الاعتداد عليها في منزلها

فإن كانت في بيت يملك الزوج سكناه ويصلح لمثلها اعتدت فيه فإن ضاق عنهما انتقل عنها وتركه لها لأنه يستحب سكناها في الموضع الذي طلقها فيه وإن اتسع الموضع لهما وفي الدار موضع لها منفرد كالحجرة أو علو الدار أو سفلها وبينهما باب مغلق سكنت فيه وسكن الزوج في الباقي لأنهما كالحجرتين المتجاورتين وإن لم يكن بينهما باب مغلق لكن لها موضع تتستر فيه بحيث لا يراها ومعها محرم تتحفظ به جاز لأن مع المحرم يؤمن الفساد ويكره في الجملة لأنه لا يؤمن النظر وإن لم يكن معها محرم لم يجز

لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلون رجل بامرأة ليست له بمحرم فإن ثالثهما الشيطان وإن امتنع من إسكانها وكانت ممن لها عليه السكنى أجبره الحاكم فإن كان الحاكم معدوما رجعت على الزوج وإن كان الحاكم موجودا فهل ترجع على روايتين

وإن كان الزوج حاضرا ولم يمنعها من المسكن فاكترت لنفسها موضعا أو سكنت في موضع تملكه لم ترجع بالأجرة لأنها تبرعت بذلك فلم ترجع به على أحد

وإن عجز الزوج عن إسكانها لعسرته أو غيبته أو امتنع من ذلك مع قدرته سكنت حيث شاءت وكذلك المتوفى عنها زوجها إذا لم يسكنها ورثته لأنه إنما تلزمها السكنى في منزله لتحصين مائه فإذا لم تفعل لم يلزمها ذلك

مسألة

قال ( وإذا خرجت إلى الحج فتوفي عنها زوجها وهي بالقرب رجعت لتقضي العدة فإن كانت قد تباعدت مضت في سفرها فإن رجعت وقد بقي من عدتها شيء أتت به في منزلها ) وجملته أن المعتدة من الوفاة ليس لها أن تخرج إلى الحج ولا إلى غيره روي ذلك عن عمر وعثمان رضي الله


134

عنهما وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم ومالك والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي والثوري

وإن خرجت فمات زوجها في الطريق رجعت إن كانت قريبة لأنها في حكم الإقامة

وإن تباعدت مضت في سفرها

وقال مالك ترد ما لم تحرم

والصحيح أن البعيدة لا ترد لأنه يضر بها وعليها مشقة ولا بد لها من سفر وإن رجعت قال القاضي ينبغي أن يحد القريب بما لا تقصر فيه الصلاة والبعيد ما تقصر فيه لأن ما لا تقصر الصلاة فيه أحكامه أحكام الحضر

وهذا قول أبي حنيفة إلا أنه لا يرى القصر إلا في مسيرة ثلاثة أيام فقال متى كان بينها وبين مسكنها دون ثلاثة أيام فعليها الرجوع إليه وإن كان فوق ذلك لزمها المضي إلى مقصدها والاعتداد به إذا كان بينها وبينه دون ثلاثة أيام وإن كان بينه وبينها ثلاثة أيام وفي موضعها الذي هي به موضع يمكنها الإقامة فيه لزمها الإقامة وإن لم يمكنها الإقامة مضت إلى مقصدها

وقال الشافعي إن فاقت البنيان فلها الخيار بين الرجوع والتمام لأنها صارت في موضع أذن لها زوجها فيه وهو السفر فأشبه ما لو كانت قد بعدت

ولنا على وجوب الرجوع إذا كانت قريبة ما روى سعيد ثنا جرير عن منصور عن سعيد بن المسيب قال توفي أزواج نساؤهن حاجات أو معتمرات فردهن عمر من ذي الحليفة حتى يعتددن في بيوتهن ولأنه أمكنها الاعتداد في منزلها قبل أن يبعد سفرها فلزمها كما لو لم تفارق البنيان وعلى أن البعيدة لا يلزمها الرجوع إن كان عليها مشقة وتحتاج إلى سفر في رجوعها فأشبهت من بلغت مقصدها

وإن اختارت البعيدة الرجوع فلها ذلك إذا كانت تصل إلى منزلها قبل انقضاء عدتها ومتى كان عليها في الرجوع خوف أو ضرر فلها المضي في سفرها كما لو بعدت ومتى رجعت وقد بقي عليها شيء من عدتها لزمها أن تأتي به في منزل زوجها بلا خلاف نعلمه بينهم في ذلك لأنه أمكنها الاعتداد فيه فلزمها كما لو لم تسافر منه

فصل ولو كانت عليها حجة الإسلام فمات زوجها لزمتها العدة في منزلها وإن فاتها الحج لأن العدة في المنزل تفوت ولا بدل لها والحج يمكن الإتيان به في غير هذا العام

وإن مات زوجها بعد إحرامها بحج الفرض أو بحج أذن لها زوجها فيه نظرت فإن كان وقت الحج متسعا لا تخاف فوته ولا فوت الرفقة لزمها الاعتداد في منزلها لأنه أمكن الجمع بين الحقين فلم يجز إسقاط أحدهما وإن خشيت فوات الحج لزمها المضي فيه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يلزمها المقام وإن فاتها الحج لأنها معتدة فلم يجز لها أن تنشىء سفرا كما لو حرمت بعد وجوب العدة عليها

ولنا إنهما عبادتان استويا في الوجوب وضيق الوقت فوجب تقديم الأسبق منهما كما لو كانت العدة أسبق

ولأن الحج آكد لأنه أحد أركان الإسلام والمشقة بتفويته تعظم فوجب تقديمه كما لو مات زوجها بعد أن بعد سفرها إليه وإن أحرمت بالحج بعد موت زوجها وخشيت فواته احتمل أن يجوز لها المضي إليه لما في بقائها في الإحرام من المشقة واحتمل أن يلزمها الاعتداد في منزلها لأن العدة أسبق ولأنها فرطت وغلظت على نفسها

فإذا قضت العدة


135

وأمكنها السفر إلى الحج لزمها ذلك فإن أدركته وإلا تحللت بعمل عمرة وحكمها في القضاء حكم من فاته الحج وإن لم يمكنها السفر فحكمها حكم المحسر كالتي يمنعها زوجها من السفر وحكم الإحرام بالعمرة كذلك إذا خيف فوات الرفقة أو لم يخف

فصل وإذا أذن لها زوجها للسفر لغير النقلة فخرجت ثم مات زوجها فالحكم في ذلك كالحكم في سفر الحج على ما ذكرنا من التفصيل وإذا مضت إلى مقصدها فلها الإقامة حتى تقضي ما خرجت إليه وتنقضي حاجتها من تجارة أو غيرها وإن كان خروجها لنزهة أو زيارة أو لم يكن قدر لها مدة فإنها تقيم إقامة المسافر ثلاثا وإن قدر لها مدة فلها إقامتها لأن سفرها بحكم إذنه فكان لها إقامة ما أذن لها فيه فإذا مضت مدتها أو قضت حاجتها ولم يمكنها الرجوع لخوف أو غيره أتمت العدة في مكانها وإن أمكنها الرجوع لكن لا يمكنها الوصول إلى منزلها حتى تنقضي عدتها لزمتها الإقامة في مكانها لأن الاعتداد وهي مقيمة أولى من الإتيان بها في السفر وإن كانت تصل وقد بقي من عدتها شيء لزمها العود لتأتي بالعدة في مكانها

فصل وإن أذن الزوج لها في الانتقال إلى دار أخرى أو بلد آخر فمات قبل انتقالها لزمها الاعتداد في الدار التي هي بها لأنها بيتها وسواء مات قبل نقل متاعها أو بعده لأنها مسكنها ما لم تنتقل عنه وإن مات بعد انتقالها إلى الثانية اعتدت فيها لأنها مسكنها وسواء كانت قد نقلت متاعها أو لم تنقله وإن مات وهي بينهما فهي مخيرة لأنها لا مسكن لها منهما فإن الأولى قد خرجت عنها منتقلة فخرجت عن كونها مسكنا لها

والثانية لم تسكن بها فهما سواء

وقيل يلزمها الاعتداد في الثانية لأنها المسكن الذي أذن لها زوجها في السكنى به وهذا يمكن في الدارين فأما إذا كان بلدين لم يلزمها الانتقال إلى البلد الثاني بحال لأنها إنما كانت تنتقل لغرض زوجها في صحبتها إياه وإقامتها معه فلو ألزمناها ذلك بعد موته لكلفناها السفر الشاق والتغرب عن وطنها وأهلها والمقام مع غير محرمها والمخاطرة بنفسها مع فوات الغرض وظاهر حال الزوج أنه لو علم أنه يموت لما نقلها فصارت الحياة مشروطة في النقلة فأما إن انتقلت إلى الثانية ثم عادت إلى الأولى لنقل متاعها

فمات زوجها وهي بها فعليها الرجوع إلى الثانية لأنها صارت مسكنها بانتقالها إليها وإنما عادت إلى الأولى لحاجة والاعتبار بمسكنها دون موضعها وإن مات وهي في الثانية فقالت أذن لي زوجي في السكنى بهذا المكان وأنكر ذلك الورثة أو قالت إنما أذن لي زوجي في المجيء إليه لا في الإقامة به وأنكر ذلك الورثة فالقول قولها لأنها أعرف بذلك منهم وكل موضع قلنا يلزمها السفر عن بلدها فهو مشروط بوجود محرمها مسافرا معها والأمن على نفسها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم من أهلها أو كما قال

مسألة

قال ( وإذا طلقها زوجها أو مات عنها وهو ناء عنها فعدتها من يوم مات أو طلق إذا صح ذلك عندها وإن لم تجتنب ما تجتنبه المعتدة )


136

هذا المشهور في المذهب وأنه متى مات زوجها أو طلقها فعدتها من يوم موته وطلاقه

وقال أبو بكر لا خلاف عن أبي عبد الله أعلمه أن العدة تجب من حين الموت والطلاق إلا ما رواه إسحاق بن إبراهيم

وهذا قول ابن عمر وابن عباس وابن مسعود ومسروق وعطاء وجابر بن زيد وابن سيرين ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وطاوس وسليمان بن يسار وأبي قلابة وأبي العالية والنخعي ونافع ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وأصحاب الرأي

وعن أحمد إن قامت بذلك بينة فكما ذكره وإلا فعدتها من يوم يأتيها الخبر

وروي ذلك عن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ويروى عن علي والحسن وقتادة وعطاء الخراساني وخلاس بن عمرو أن عدتها من يوم يأتيها الخبر لأن العدة اجتناب أشياء وما اجتنبتها

ولنا إنها لو كانت حاملا فوضعت حملها غير عالمة بفرقة زوجها لانقضت عدتها فكذلك سائر أنواع العدد ولأنه زمان عقيب الموت أو الطلاق فوجب أن تعتد به كما لو كان حاضرا ولأن القصد غير معتبر في العدة بدليل أن الصغيرة والمجنونة تنقضي عدتهما من غير قصد ولم يعدم هاهنا إلا القصد وسواء في هذا اجتنبت ما تجنبته المعتدات أو لم تجتنبه فإن الإحداد الواجب ليس بشرط في العدة فلو تركته قصدا أو عن غير قصد لانقضت عدتها فإن الله تعالى قال يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة 228 وقال فعدتهن ثلاثة أشهر الطلاق وقال وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق 4 وفي اشتراط الإحداد مخالفة هذه النصوص فوجب ألا يشترط


137

كتاب الرضاع

الأصل في التحريم بالرضاع الكتاب والسنة والإجماع

أما الكتاب فقول الله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة النساء 23 ذكرهما الله سبحانه في جملة المحرمات

وأما السنة فما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة متفق عليه وفي لفظ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب رواه النسائي

وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنت حمزة لا تحل لي يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وهي ابنة أخي من الرضاعة متفق عليه في أخبار كثيرة نذكر أكثرها إن شاء الله تعالى في تضاعيف الباب

وأجمع علماء الأمة على التحريم بالرضاع

إذا ثبت هذا فإن تحريم الأم والأخت ثبت بنص الكتاب وتحريم البنت ثبت بالتنبيه فإنه إذا حرمت الأخت فالبنت أولى وسائر المحرمات ثبت تحريمهن بالسنة وتثبت المحرمية لأنها فرع على التحريم إذا كان بسبب مباح

فأما بقية أحكام النسب من النفقة والعتق ورد الشهادة وغير ذلك فلا يتعلق به لأن النسب أقوى منه فلا يقاس عليه في جميع أحكامه وإنما يشبه به فيما نص عليه فيه

مسألة

قال أبو القاسم رحمه الله ( والرضاع الذي لا يشك في تحريمه أن يكون خمس رضعات فصاعدا ) في هذه المسألة مسألتان إحداهما أن الذي يتعلق به التحريم خمس رضعات فصاعدا هذا الصحيح في المذهب وروي هذا عن عائشة وابن مسعود وابن الزبير وعطاء وطاوس وهو قول الشافعي

وعن أحمد رواية ثانية أو قليل الرضاع وكثيره يحرم

روي ذلك عن علي وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب والحسن ومكحول والزهري وقتادة والحكم وحماد ومالك والأوزاعي والثوري والليث وأصحاب الرأي

وزعم الليث أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر به الصائم واحتجوا بقول الله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة النساء 23 وقوله عليه السلام يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب


138

وعن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء

فقالت قد أرضعتكما فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال كيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما متفق عليه ولأن ذلك فعل يتعلق به تحريم مؤبد فلم يعتبر فيه العدد كتحريم أمهات النساء ولا يلزم اللعان لأنه قول

والرواية الثانية لا يثبت التحريم إلا بثلاث رضعات

وبه قال أبو ثور وأبو عبيد وداود وابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تحرم المصة ولا المصتان وعن أم الفضل بنت الحارث قالت قال نبي الله صلى الله عليه وسلم لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان رواهما مسلم ولأن ما يعتبر فيه العدد والتكرار يعتبر فيه الثلاث وروي عن حفصة لا يحرم دون عشر رضعات وروي ذلك عن عائشة لأن عروة روى في حديث سهلة بنت سهيل فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا أرضعيه عشر رضعات فيحرم بلبنها وجه الأولى ما روي عن عائشة أنها قالت أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخ من ذلك خمس وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك رواه مسلم

وروى مالك والزهري عن عروة عن عائشة عن سهلة بنت سهيل أرضعي سالما خمس رضعات فيحرم بلبنها والآية فسرتها السنة وبينت الرضاعة المحرمة

وصريح ما رويناه يخص مفهوم ما رووه فنجمع بين الأخبار ونحملها على الصريح الذي رويناه

فصل وإذا وقع الشك في وجود الرضاع أو في عدد الرضاع المحرم هل كملا أو لا لم يثبت التحريم لأن الأصل عدمه فلا نزول عن اليقين بالشك كما لو شك في وجود الطلاق وعدده

المسألة الثانية أن تكون الرضعات متفرقات وبهذا قال الشافعي والمرجع في معرفة الرضعة إلى العرف لأن الشرع ورد بها مطلقا ولم يحدها بزمن ولا مقدار فدل ذلك على أنه ردهم إلى العرف فإذا ارتضع الصبي وقطع قطعا بينا باختياره كان ذلك رضعة فإذا عاد كانت رضعة أخرى فأما إن قطع لضيق نفس أو للانتقال من ثدي إلى ثدي أو لشيء يلهبه أو قطعت عليه المرضعة نظرنا فإن لم يعد قريبا فهي رضعة

وإن عاد في الحال ففيه وجهان أحدهما أن الأولى رضعة فإذا عاد فهي رضعة أخرى وهذا اختيار أبي بكر وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل فإنه قال أما ترى الصبي يرتضع من الثدي

فإذا أدركه النفس أمسك عن الثدي ليتنفس أو يستريح فإذا فعل ذلك فهي رضعة وذلك لأن الأولى رضعة لو لم يعد فكانت رضعة وإن عاد كما لو قطع باختياره

والوجه الآخر أن جميع ذلك رضعة وهو مذهب الشافعي إلا فيما إذا قطعت عليه المرضعة ففيه وجهان

لأنه لو حلف لا أكلت اليوم إلا أكلت واحدة فاستدام الأكل زمنا أو قطع لشرب الماء أو انتقال من لون إلى لون أو انتظار لما يحمل


139

إليه من الطعام لم يعد إلا أكلة واحدة فكذا هاهنا والأول أصح لأن اليسير من السعوط والوجور رضعة فكذا هذا

مسألة

قال ( والسعوط كالرضاع وكذلك الوجور ) معنى السعوط أن يصب اللبن في أنفه من إناء أو غيره والوجور أن يصب في حلقه صبا من غير الثدي واختلفت الرواية في التحريم بهما فأصح الروايتين أن التحريم يثبت بذلك كما يثبت بالرضاع وهو قول الشعبي والثوري وأصحاب الرأي وبه قال مالك في الوجور

والثانية لا يثبت بهما التحريم وهو اختيار أبي بكر ومذهب داود وقول عطاء الخراساني في السعوط لأن هذا ليس برضاع وإنما حرم الله تعالى ورسوله بالرضاع ولأنه حصل من غير ارتضاع فأشبه ما لو دخل من جرح في بدنه

ولنا ما روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم رواه أبو داود

ولأن هذا يصل به اللبن إلى حيث يصل بالارتضاع ويحصل به من إنبات اللحم وإنشاز العظم ما يحصل من الارتضاع فيجب أن يساويه في التحريم والأنف سبيل الفطر للصائم فكان سبيلا للتحريم كالرضاع بالفم

فصل وإنما يحرم من ذلك مثل الذي يحرم بالرضاع وهو خمس في الرواية المشهورة فإنه فرع على الرضاع فيأخذ حكمه فإن ارتضع وكمل الخمس بسعوط أو وجور أو استعط أو أوجر وكمل الخمس برضاع ثبت التحريم لأنا جعلناه كالرضاع في أصل التحريم فكذلك في إكمال العدد ولو حلبت في إناء دفعة واحدة ثم سقته غلاما في خمس أوقات فهو خمس رضعات فإنه لو أكل من طعام خمس أكلات متفرقات لكان قد أكل خمس أكلات وإن حلبت في إناء حلبات في خمسة أوقات ثم سقيه دفعة واحدة كان رضعه واحدة كما لو جعل الطعام في إناء واحد في خمسة أوقات ثم أكله دفعة واحدة كان أكلة واحدة وحكي عن الشافعي قول في الصورتين عكس ما قلنا اعتبارا بالرضاع والوجور فرعه

ولنا إن الاعتبار بشرب الصبي له لأنه المحرم ولهذا ثبت التحريم به من غير رضاع ولو ارتضع بحيث يصل إلى فيه ثم مجه لم يثبت التحريم فكان الاعتبار وما وجد منه إلا دفعة واحدة فكان رضعة واحدة وإن سقته في أوقات فقد وجد في خمسة أوقات فكان خمس رضعات فأما إن سقته اللبن المجموع جرعة بعد جرعة متتابعة فظاهر قول الخرقي أنه رضعة واحدة لاعتباره خمس رضعات متفرقات ولأن المرجع في الرضعة إلى العرف وهم لا يعدون هذا رضعات فأشبه ما لو أكل الآكل الطعام لقمة بعد لقمة فإنه لا يعد أكلات ويحتمل أن


140

يخرج على ما إذا قطعت عليه المرضعة الرضاع على ما قدمنا

فصل وإن عمل اللبن جبنا ثم أطعمه الصبي ثبت به التحريم

وبهذا قال الشافعي

وقال أبو حنيفة لا يحرم به لزوال الاسم وكذلك على الرواية التي تقول لا يثبت التحريم بالوجود لا يثبت هاهنا بطريق الأولى

ولنا إنه واصل من الحلق يحصل به إنبات اللحم وإنشاز العظم فحصل به التحريم كما لو شربه

فصل فأما الحقنة فقال أبو الخطاب المنصوص عن أحمد أنها لا تحرم وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وقال ابن حامد وابن أبي موسى تحرم وهذا مذهب الشافعي لأنه سبيل يحصل بالواصل منه الفطر فتعلق به التحريم كالرضاع

ولنا إن هذا ليس برضاع ولا يحصل به التغذي فلم ينشر الحرمة كما لو قطر في إحليله ولأنه ليس برضاع ولا في معناه فلم يجز إثبات حكمه فيه ويفارق فطر الصائم فإنه لا يعتبر فيه إنبات اللحم ولا إنشاز العظم وهذا لا يحرم فيه إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم ولأنه وصل اللبن إلى الباطن من غير الحلق أشبه ما لو وصل من جرح

مسألة

قال ( واللبن المشوب كالمحض ) المشوب المختلط بغيره والمحض الخالص الذي لا يخالطه سواه وسوى الخرقي بينهما سواء شيب بطعام أو شراب أو غيره وبهذا قال الشافعي وقال أبو بكر قياس قول أحمد أنه لا يحرم لأنه وجور وحكي عن ابن حامد أنه قال إن كان الغالب اللبن حرم وإلا فلا وهو قول أبي ثور والمزني لأن الحكم للأغلب ولأنه يزول بذلك الاسم والمعنى المراد به ونحو هذا قول أصحاب الرأي وزادوا فقالوا إن كانت النار قد مست اللبن حتى أنضجت الطعام أو حتى تغير فليس برضاع

ووجه الأول أن اللبن متى كان طاهرا فقد حصل شربه ويحصل منه إنبات اللحم وإنشاز العظم فحرم كما لو كان غالبا وهذا فيما إذا كانت صفات اللبن باقية فأما إن صب في ماء كثير لم يتغير به لم يثبت به التحريم لأن هذا ليس بلبن مشوب ولا يحصل به التغذي ولا إنبات اللحم ولا إنشاز العظم

وحكي عن القاضي أن التحريم يثبت به وهو قول الشافعي لأن أجزاء اللبن حصلت في بطنه فأشبه ما لو كان لونه ظاهرا

ولنا إن هذا ليس برضاع ولا في معناه فوجب أن لا يثبت حكمه فيه

فصل وإن حلب من نسوة وسقيه الصبي فهو كما لو ارتضع من كل واحدة منهن لأنه لو شيب بماء أو عسل لم يخرج عن كونه رضاعا محرما فكذلك إذا شيب بلبن آخر

مسألة

قال ( ويحرم لبن الميتة كما يحرم لبن الحية لأن اللبن لا يموت ) المنصوص عن أحمد في رواية إبراهيم الحربي أنه ينشر الحرمة وهو اختيار أبي بكر وهو قول أبي ثور والأوزاعي وابن القاسم وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال الخلال لا ينشر الحرمة وتوقف عنه أحمد في رواية مهنا


141

وهو مذهب الشافعي لأنه لبن ممن ليس بمحل للولادة فلم يتعلق به التحريم كلبن الرجل

ولنا إنه وجد الارتضاع على وجه ينبت اللحم وينشز العظم من امرأة فأثبت التحريم كما لو كانت حية ولأنه لا فارق بين شربه في حياتها وموتها إلا الحياة والموت أو النجاسة وهذا لا أثر له فإن اللبن لا يموت والنجاسة لا تمنع كما لو حلب في وعاء نجس ولأنه لو حلب منها في حياتها فشربه بعد موتها لنشر الحرمة وبقاؤه في ثديها لا يمنع ثبوت الحرمة لأن ثديها لا يزيد على الإناء في عدم الحياة وهي لا تزيد على عظم الميتة في ثبوت النجاسة

فصل ولو حلبت المرأة لبنها في إناء ثم ماتت فشربه صبي نشر الحرمة في قول كل من جعل الوجور محرما وبه قال أبو ثور والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم وذلك لأنه لبن امرأة في حياتها فأشبه ما لو شربه وهي في الحياة

مسألة

قال ( وإذا حملت ممن يلحق نسب ولدها به فثاب لها لبن فأرضعت به طفلا خمس رضعات متفرقات في حولين حرمت عليه وبناتها من أبي هذا الحمل ومن غيره وبنات أبي هذا الحمل منها ومن غيرها وإن أرضعت صبية فقد صارت ابنة لها ولزوجها لأن اللبن من الحمل الذي هو منه ) وجملة ذلك أن المرأة إذا حملت من رجل وثاب لها لبن فأرضعت به طفلا رضاعا محرما صار الطفل المرتضع ابنا للمرضعة بغير خلاف

وصار أيضا ابنا لمن ينسب الحمل إليه فصار في التحريم وإباحة الخلوة ابنا لهما وأولاده من البنين والبنات أولاد أولادهما وإن نزلت درجتهم وجميع أولاد المرضعة من زوجها ومن غيره وجميع أولاد الرجل الذي انتسب الحمل إليه من المرضعة ومن غيرها إخوة المرتضع وأخواته وأولاد أولادها أولاد إخوته وأخواته وإن نزلت درجتهم وأم المرضعة جدته وأبوها جده وإخوتها أخواله وأخواتها خالاته وأبو الرجل جده وأمه جدته وإخوته أعمامه وأخواته عماته وجميع أقاربهما ينتسبون إلى المرتضع كما ينتسبون إلى ولدهما من النسب لأن اللبن الذي ثاب للمرأة مخلوق من ماء الرجل والمرأة فنشر التحريم إليهما ونشر الحرمة إلى الرجل وإلى أقاربه وهو الذي يسمى لبن الفحل وفي التحريم به اختلاف ذكرناه في باب ما يحرم نكاحه

والجمع بينه والحجة القاطعة فيه ما روت عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن علي بعدما أنزل الحجاب فقلت والله لا آذن له حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن الرجل ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأته قال ائذني له فإنه عمك تربت يمينك قال عروة فبذلك كانت عائشة تأخذ بقول حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب متفق عليه

وسئل ابن عباس عن رجل تزوج امرأتين فأرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاما هل يتزوج الغلام


142

بالجارية فقال لا اللقاح واحد قال مالك اختلف قديما في الرضاعة لمن قبل الأب ونزل برجال من أهل المدينة في أزواجهم منهم محمد بن المنكدر وابن أبي حبيبة فاستفتوا في ذلك فاختلف عليهم ففارقوا زوجاتهم

فأما المرتضع فإن الحرمة تنتشر إليه وإلى أولاده وإن نزلوا ولا تنتشر إلى من في درجته من إخوته وأخواته ولا إلى أعلى منه كأبيه وأمه وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته وأجداده وجداته فلا يحرم على المرضعة نكاح أبي الطفل المرتضع ولا أخيه ولا عمه ولا خاله ولا يحرم على زوجها نكاح أم الطفل المرتضع ولا أخته ولا عمته ولا خالته ولا بأس أن يتزوج أولاد المرضعة وأولاد زوجها إخوة الطفل المرتضع وأخواته قال أحمد لا بأس أن يتزوج الرجل أخت أخته من الرضاع ليس بينهما رضاع ولا نسب وإنما الرضاع بين الجارية وأخته

إذا ثبت هذا فإن من شرط تحريم الرضاع أن يكون في الحولين

وهذا قول أكثر أهل العلم روي نحو ذلك عن عمر وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم سوى عائشة وإليه ذهب الشعبي وابن شبرمة والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور ورواية عن مالك وروي عنه إن زاد شهرا جاز وروي شهران

وقال أبو حنيفة يحرم الرضاع في ثلاثين شهرا لقوله سبحانه وحمله وفصاله ثلاثون شهرا الأحقاف 15 ولم يرد بالحمل حمل الأحشاء لأنه يكون سنتين فعلم أنه أراد الحمل في الفصال

وقال زفر مدة الرضاع ثلاث سنين وكانت عائشة ترى رضاعة الكبيرة تحرم

ويروى هذا عن عطاء والليث وداود لما روي أن سهلة بنت سهيل قالت يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فضلى وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه

فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها فبذلك كانت عائشة تأخذ تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيرا خمس رضعات وأبت ذلك أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس حتى يرضع في المهد وقلن لعائشة والله ما ندري لعلها رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم لسالم دون الناس رواه النسائي وأبو داود وغيرهما

ولنا قول الله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة البقرة 233 فجعل تمام الرضاعة حولين فيدل على أنه لا حكم لها بعدهما وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها رجل فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة متفق عليه وعن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق


143

الأمعاء وكان قبل الفطام أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعند هذا يتعين حمل خبر أبي حذيفة على أنه خاص له دون الناس كما قال سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم

وقول أبي حنيفة تحكم يخالف ظاهر الكتاب وقول الصحابة

فقد روينا عن علي وابن عباس

أن المراد بالحمل حمل البطن وبه استدل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وقد دل على هذا قول الله تعالى وفصاله في عامين لقمان 14 فلو حمل على ما قاله أبو حنيفة لكان مخالفا لهذه الآية إذا ثبت هذا فالاعتبار بالعامين لا بالفطام فلو فطم قبل الحولين ثم ارتضع فيهما لحصل التحريم ولو لم يفطم حتى تجاوز الحولين ثم ارتضع بعدهما قبل الفطام لم يثبت التحريم وقال ابن القاسم صاحب مالك لو ارتضع بعد الفطام في الحولين لم تحرم عليه لقوله عليه السلام وكان قبل الفطام

ولنا قول الله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين البقرة 233 وروي عنه عليه السلام لا رضاع إلا ما كان في الحولين والفطام معتبر بمدته لا بنفسه قال أبو الخطاب لو ارتضع بعد الحولين بساعة لم يحرم وقال القاضي لو شرع في الخامسة فحال الحول قبل كمالها لم يثبت التحريم

ولا يصح هذا لأن ما وجد من الرضعة في الحولين كاف في التحريم بدليل ما لو انفصل مما بعده فلا ينبغي أن يسقط حكم بإيصال ما لا أثر له به واشترط الخرقي في نشر الحرمة بين المرتضع وبين الرجل الذي ثاب اللبن بوطئه أن يكون لبن حمل ينتسب إلى الواطىء إما لكون الوطء في نكاح أو ملك يمين أو شبهة فأما لبن الزاني أو النافي للولد باللعان فلا ينشر الحرمة بينهما في مفهوم كلام الخرقي

وهو قول أبي عبد الله بن حامد ومذهب الشافعي وقال أبو بكر عبد العزير تنتشر الحرمة بينهما لأنه معني بنشر الحرمة فاستوى في ذلك مباحة ومحظورة كالوطء يحققه أن الواطىء حصل منه لبن وولد ثم إن الولد ينشر الحرمة بينه وبين الواطىء كذلك اللبن ولأنه رضاع ينشر الحرمة إلى المرضعة فنشرها إلى الواطىء كصورة الإجماع ووجه القول الأول أن التحريم بينهما فرع لحرمة الأبوة فلما تثبت حرمة الأبوة لم يثبت ما هو فرع لها ويفارق تحريم ابنته من الزنا لأنها من نطفته حقيقة بخلاف مسألتنا ويفارق تحريم المصاهرة فإن التحريم ثم لا يقف على ثبوت النسب ولهذا تحرم أم زوجته وابنتها من غير نسب وتحريم الرضاع مبني على النسب ولهذا قال عليه السلام يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب فأما المرضعة فإن الطفل المرتضع محرم عليها ومنسوب إليها عند الجميع وكذلك يحرم جميع أولادها وأقاربها الذين يحرمون على أولادها على هذا المرتضع كما في الرضاع باللبن المباح وإن كان المرتضع جارية حرمت على الملاعن بغير خلاف أيضا لأنها ربيبته فإنها بنت امرأته من الرضاع وتحرم على الزاني عند من يرى تحريم المصاهرة وكذلك يحرم بناتها وبنات المرتضع من الغلمان لذلك

فصل وإذا وطىء رجلان امرأة فأتت بولد فأرضعت بلبنه طفلا صار ابنا لمن ثبت نسب الولد


144

منه سواء ثبت نسبه منه بالقافة أو بغيرها وإن ألحقته القافة بهما صار المرتضع ابنا لهما فالمرتضع في كل موضع تبع للمناسب فمتى لحق المناسب بشحص فالمرتضع مثله وإن انتفى المناسب عن أحدهما فالمرتضع مثله لأنه بلبنه ارتضع وحرمته فرع على حرمته وإن لم يثبت نسبه منهما لتعذر القافة أو لاشتباهه عليهم ونحو ذلك حرم عليهما تغليبا للحظر لأنه يحتمل أن يكون منهما ويحتمل أن يكون أحدهما فيحرم عليه أقاربه دون أقارب الآخر وقد اختلطت أخته بغيرها فحرم الجميع كما لو علم أخته بعينها ثم اختلفت بأجنبيات وإن انتفى عنهما جميعا بأن تأتي به لدون ستة أشهر من وطئهما أو لأكثر من أربع سنين أو لدون ستة أشهر من وطء أحدهما أو لأكثر من أربع سنين من وطء الآخر انتفى المرتضع عنهما أيضا

فإن كان المرتضع جارية حرمت عليهما تحريم الصاهرة ويحرم أولادها عليهما أيضا لأنها ابنة موطوء بينها فهي ربيبة لهما

فصل ولا تنتشر الحرمة بغير لبن الآدمية بحال فلو ارتضع اثنان من لبن بهيمة لم يصيرا أخوين في قول عامة أهل العلم منهم الشافعي وابن القاسم وأبو ثور وأصحاب الرأي ولو ارتضعا من رجل لم يصيرا أخوين ولم تنتشر الحرمة بينه وبينهما في قول عامتهم وقال الكرابيسي يتعلق به التحريم لأنه لبن آدمي أشبه لبن الآدمية وحكي عن بعض السلف أنهما إذا ارتضعا من لبن بهيمة صارا أخوين وليس بصحيح لأن هذا يتعلق به تحريم الأمومة فلا يثبت به تحريم الأخوة لأن الأخوة فرع على الأمومة وكذلك لا يتعلق به تحريم الأبوة لذلك ولأن هذا اللبن لم يخلق لغذاء المولود فلم يتعلق به التحريم كسائر الطعام فإن ثاب لخنثى مشكل لبن لم يثبت به التحريم لأنه لم يثبت كونه امرأة فلا يثبت التحريم مع الشك وقال ابن حامد يقف الأمر حتى ينكشف أمر الخنثى فعلى قوله يثبت التحريم إلا أن يتبين كونه رجلا لأنه لا يأمن كونه محرما

فصل وإن ثاب لامرأة لبن من غير وطء فأرضعت به طفلا نشر الحرمة في أظهر الروايتين وهو قول ابن حامد ومذهب مالك والثوري والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وكل من يحفظ عنه ابن المنذر لقول الله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم النساء 23 ولأنه لبن امرأة فتعلق به التحريم كما لو ثاب بوطء ولأن ألبان النساء خلقت لغذاء الأطفال فإن كان هذا نادرا فجنسه معتاد

والرواية الثانية لا تنشر الحرمة لأنه نادر لم تجر العادة به لتغذية الأطفال فأشبه لبن الرجال والأول أصح

فصل إذا كان لرجل خمس أمهات أولاد له منهن لبن فارتضع طفل من كل واحدة منهن رضعة لم يصرن أمهات له وصار المولى أبا له وهذا قول ابن حامد لأنه ارتضع من لبنه خمس رضعات وفيه وجه آخر لا تثبت الأبوة لأنه رضاع لم يثبت الأمومة فلم يثبت الأبوة كالارتضاع بلبن الرجل والأول أصح فإن الأبوة إنما


145

تثبت لكونه رضع من لبنه لا لكون المرضعة أما له ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين وإذا قلنا بثبوت الأبوة حرمت عليه المرضعات لأنه ربيبهن وهن موطوءات أبيه وإن كان لرجل خمس بنات فأرضعن طفلا كل واحدة رضعة لم يصرن أمهات له وهل يصير الرجل جدا له وأولاده أخوالا له وخالات على وجهين أحدهما يصير جدا وأخوهن خالا لأنه كمل للمرتضع خمس رضعات من لبن بناته أو أخواته فأشبه ما لو كان من واحدة والآخر لا يثبت ذلك لأن كونه جدا فرع كون ابنته أما وكونه خالا فرع كون أخته أما ولم يثبت ذلك فلا يثبت الفرع وهذا الوجه يترجح في هذه المسألة لأن الفرعية متحققة بخلاف التي قبلها فإن قلنا يصير أخوهن خالا لم تثبت الخؤولة في حق واحدة منهن لأنه لم يرضع من لبن أخواتها خمس رضعات ولكن يحتمل التحريم لأنه قد اجتمع من اللبن المحرم خمس رضعات

ولو كمل للطفل خمس رضعات من أمه وأخته وابنته وزوجته وزوجة أبيه من واحدة رضعة خرج على الوجهين فصل إذا كان لامرأة لبن من زوج فأرضعت طفلا ثلاث رضعات وانقطع لبنها فتزوجت آخر فصار لها منه لبن فأرضعت منه الصبي رضعتين صارت أما له بغير خلاف علمناه عند القائلين بأن الخمس محرمات ولم يصر ولد من الزوجين أبا لأنه لم يكمل عدد الرضاع من لبنه ويحرم على الرجلين لكونه ربيبها لا لكونه ولدهما

مسألة

قال ( ولو طلق زوجته ثلاثا وهي ترضع من لبن ولده فتزوجت بصبي مرضع فأرضعته فحرمت عليه ثم تزوجت بآخر ودخل بها ووطئها ثم طلقها أو مات عنها لم يجز أن يتزوجها الأول لأنها صارت من حلائل الأبناء لما أرضعت الصبي الذي تزوجت به ) هذه المسألة من فروع المسألة التي قبلها وهو أن المرتضع يصير ابنا للرجل الذي ثاب اللبن بوطئه

فهذه المرأة لما تزوجت صبيا ثم أرضعته بلبن مطلقها صار ابنا لمطلقها فحرمت عليه لأنها أمه وبانت منه وكانت زوجة له فصارت زوجة لابن مطلقها فحرمت على الأول على التأبيد لكونها صارت من حلائل أبنائه ولو تزوجت امرأة صبيا فوجدت به عيبا ففسخت نكاحه ثم تزوجت كبيرا فصار لها منه لبن فأرضعت به الصبي خمس رضعات حرمت على زوجها لأنها صارت من حلائل أبنائه

ولو زوج الرجل أم ولده أو أمته بصبي مملوك فأرضعته بلبن سيدها خمس رضعات انفسخ نكاحه وحرمت على سيدها على التأبيد لأنها صارت من حلائل أبنائه فإن كان الصبي حرا لم يتصور هذا الفرع لم يصح نكاحه لأن من شرط جواز نكاح الحر الأمة خوف العنت ولا يوجد ذلك في الطفل فإن تزوج بها كان النكاح فاسدا وإن أرضعته لم تحرم على سيدها لأنه ليس بزوج في الحقيقة

فصل وإذا طلق الرجل زوجته ولها منه لبن فتزوجت آخر لم يخل من خمس أحوال أحدها أن يبقى لبن الأول بحاله لم يزد ولم ينقص ولم تلد من الثاني فهو للأول سواء حملت من الثاني أو لم تحمل لا نعلم فيه


146

خلافا لأن اللبن كان للأول ولم يتجدد ما يجعله من الثاني فبقي للأول

الثاني أن لا تحمل من الثاني فهو للأول سواء زاد أو لم يزد أو انقطع ثم عاد أو لم ينقطع

الثالث أن تلد من الثاني فاللبن له خاصة

قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من أحفظ عنه وهو قول أبي حنيفة والشافعي سواء زاد أو لم يزد انقطع أو اتصل لأن لبن الأول ينقطع بالولادة من الثاني فإن حاجة المولود إلى اللبن تمنع كونه لغيره

الحال الرابع أن يكون لبن الأول باقيا وزاد بالحمل من الثاني فاللبن منهما جميعا في قول أصحابنا وقال أبو حنيفة هو للأول ما لم تلد من الثاني

وقال الشافعي إن لم ينته الحمل إلى حال ينزل منه اللبن فهو للأول فإن بلغ إلى حال ينزل به اللبن فزاد به ففيه قولان أحدهما للأول والثاني هو لهما

ولنا إن زيادته عند حدوث الحمل ظاهر في أنها منه وبقاء لبن الأول يقتضي كون أصله منه فيجب أن يضاف إليهما كما لو كان الولد منهما

الحال الخامس انقطع من الأول ثم ثاب بالحمل من الثاني فقال أبو بكر هو منهما وهو أحد أقوال الشافعي إذا انتهى الحمل إلى حال ينزل به اللبن وذلك لأن اللبن كان للأول فلما عاد بحدوث الحمل فالظاهر أن لبن الأول ثاب بسبب الحمل الثاني فكان مضافا إليهما كما لو لم ينقطع

واختار أبو الخطاب أنه من الثاني وهو القول الثاني للشافعي لأن لبن الأول انقطع فزال حكمه بانقطاعه وحدث بالحمل من الثاني فكان له كما لو لم يكن لها لبن من الأول

وقال أبو حنيفة هو للأول ما لم تلد من الثاني وهو القول الثالث للشافعي لأن الحمل لا يقتضي اللبن وإنما يخلقه الله تعالى للولد عند وجوده لحاجته إليه والكلام عليه قد سبق

مسألة

قال ( ولو تزوج كبيرة وصغيرة ولم يدخل بالكبيرة حتى أرضعت الصغيرة في الحولين حرمت عليه الكبيرة وثبت نكاح الصغيرة وإن كان دخل بالكبيرة حرمتا عليه جميعا ويرجع بنصف مهر الصغيرة على الكبيرة ) نص أحمد على هذا كله في هذه المسألة فصول أربعة الأول أنه التي تزوج كبيرة وصغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة قبل دخوله بها فسد نكاح الكبيرة في الحال وحرمت على التأبيد وبهذا قال الثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال الأوزاعي نكاح الكبيرة ثابت وتنزع منه الصغيرة وليس بصحيح فإن الكبيرة صارت من أمهات النساء فتحرم أبدا لقول الله سبحانه وأمهات نسائكم النساء 23 ولم يشترط دخوله بها فأما الصغيرة ففيها روايتان إحداهما نكاحها ثابت لأنها ربيبة ولم يدخل بأمها فلا تحرم لقول الله سبحانه فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم النساء 23


147

والرواية الثانية ينفسخ نكاحها وهو قول الشافعي وأبي حنيفة لأنهما صارتا أما وبنتا واجتمعتا في نكاحه والجمع بينهما محرم فانفسخ نكاحهما كما لو صارتا أختين وكما لو عقد عليهما بعد الرضاع عقدا واحدا

ولنا إنه أمكن إزالة الجمع بانفساخ نكاح الكبيرة وهي أولى به لأن نكاحها محرم على التأبيد فلم يبطل نكاحهما به كما لو ابتدأ العقد على أخته وأجنبية ولأن الجمع طرأ على نكاح الأم والبنت فاختص الفسخ بنكاح الأم كما لو أسلم وتحته امرأة وبنتها وفارق الأختين لأنه ليست إحداهما أولى بالفسخ من الأخرى وفارق ما لو ابتدأ العقد عليهما لأن الدوام أقوى من الابتداء

الفصل الثاني أنه إن كان دخل بالكبيرة حرمتا جميعا على الأبد وانفسخ نكاحهما لأن الكبيرة صارت من أمهات النساء والصغيرة ربيبة قد دخل بأمها فتحرم تحريما مؤبدا وإن كان الرضاع بلبنه صارت الصغيرة بنتا محرمة عليه لوجهين لكونها بنته وربيبته التي دخل بأمها

الفصل الثالث أن عليه نصف مهر الصغيرة لأن نكاحها انفسخ قبل دخوله بها من غير جهتها والفسخ إذا جاء من أجنبي كان كطلاق الزوج في وجوب الصداق عليه ولا مهر للكبيرة إن لم يكن دخل بها لأن فسخ نكاحها بسبب من جهتها فسقط صداقها كما لو ارتدت

وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا وإن كان دخل بالكبيرة لم يسقط مهرها لأنه استقر بدخوله بها استقرارا لا يسقطه شيء ولذلك لا يسقط بردتها ولا بغيرها

الفصل الرابع أنه يرجع على الكبيرة بما لزمه من صداق الصغيرة وبهذا قال الشافعي وحكي عن بعض أصحابه أنه يرجع بجميع صداقها لأنها أتلفت البضع فوجب ضمانه وقال أصحاب الرأي إن كانت المرضعة أرادت الفساد رجع عليها نصف الصداق وإلا فلا يرجع بالنصف بشيء وقال مالك لا يرجع بشيء

ولنا على أنه يرجع عليها أنها قررته عليه وألزمته إياه وأتلفت عليه ما في مقابلته فوجب عليه الضمان كما لو أتلفت عليه المبيع

ولنا على أبي حنيفة أن ما ضمن في العمد ضمن في الخطأ كالمال ولأنها أفسدت نكاحه وقررت عليه نصف الصداق فلزمها ضمانه كما لو قصدت الإفساد

ولنا على أن الزوج إنما يرجع بالنصف أن الزوج لم يغرم إلا بالنصف فلم يجب له أكثر مما غرم ولأنه بالفسخ يرجع إليه بدل النصف الآخر فلم يجب له بدل ما أخذ بدله مرة أخرى ولأن خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له

وإنما ضمنت المرضعة هاهنا لما ألزمت الزوج ما كان معرضا للسقوط بسبب يوجد من الزوجة فلم يرجع هاهنا بأكثر مما ألزمته


148

فصل والواجب نصف المسمى لا نصف مهر المثل لأنه إنما يرجع بما غرم والذي غرم نصف ما فرض لها فرجع به وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي يرجع بنصف مهر المثل لأنه ضمان متلف

فكان الاعتبار بقيمته دون ما ملكه به كسائر الأعيان

ولنا إن خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له بدليل ما لو قتلت نفسها أو ارتدت أو أرضعت من ينفسخ نكاحها بإرضاعه فإنها لا تغرم له شيئا وإنما الرجوع هاهنا بما غرم فلا يرجع بغيره ولأنه لو رجع بقيمة المتلف لرجع بمهر المثل كله ولم يختص بنصفه لأن التلف لم يختص بالنصف ولأن شهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا لزمهم نصف المسمى كذا هاهنا

فصل وكل امرأة تحرم ابنتها إذا أرضعت زوجته الصغيرة أفسدت نكاحه وحرمتها عليه ولزمها نصف الصداق فإن أرضعتها أمه صارت أخته وإن أرضعتها جدته صارت عمته أو خالته وإن أرضعتها أخته صارت بنت أخته وكل امرأة تحرم بنت زوجها إذا أرضعتها بلبن زوجها حرمتها عليه وعليها نصف مهرها كامرأة ابنه وامرأة أبيه وامرأة أخيه وامرأة جده لأنها إن أرضعتها امرأة أبيه بلبنه صارت أخته وإن أرضعتها امرأة ابنه صارت بنت ابنه وإن أرضعتها امرأة أخيه صارت بنت أخيه وإن أرضعتها امرأة جده بلبنه صارت عمته أو خالته وإن أرضعتها امرأة أحد هؤلاء بلبن غيره لم تحرم عليه لأنها صارت ربيبة زوجها وإن أرضعتها من لا تحرم بنتها كعمته وخالته لم تحرمها عليه ولو تزوج ابنة عمه فأرضعت جدتهما أحدهما صغيرا انفسخ النكاح لأنها إن أرضعت الزوج صار عم زوجته وإن أرضعت الزوجة صارت عمة وإن أرضعتهما جميعا صار كل واحد منهما عم الآخر وإن تزوج بنت عمته فأرضعت جدتهما أحدهما صغيرا انفسخ النكاح

لأنها إن أرضعت الزوج صار خالا لها وإن أرضعت الزوجة صارت عمته وإن تزوج ابنة خاله فأرضعت جدتها الزوج صار عم زوجته وإن أرضعتها صارت خالته وإن تزوج ابنة خالته فأرضعت الزوج صار خال زوجته وإن أرضعتها صارت خالة زوجها

فصل وإن تزوج كبيرة ثم طلقها فأرضعت صغيرة بلبنه صارت بنتا له وإن أرضعتها بلبن غيره صارت ربيبة فإن كان قد دخل بالكبيرة حرمت الصغيرة على التأبيد وإن كان لم يدخل بها لم تحرم لأنها ربيبة لم يدخل بأمها وإن تزوج صغيرة فأرضعتها امرأة حرمت المرضعة على التأبيد لأنها من أمهات نسائه وإن تزوج كبيرة وصغيرة ثم طلق الصغيرة فأرضعتها الكبيرة حرمت الكبيرة وانفسخ نكاحها وإن كان لم يدخل بها فلا مهر لها وله نكاح الصغيرة وإن كان دخل بها فلها مهرها وتحرم هي والصغيرة على التأبيد وإن طلق الكبيرة وحدها قبل الرضاع فأرضعت الصغيرة ولم يكن دخل بالكبيرة ثبت نكاح الصغيرة وإن كان دخل بها حرمت الصغيرة وانفسخ نكاحها ويرجع على الكبيرة بنصف صداقها وإن طلقهما جميعا فالحكم في التحريم على ما مضى ولو تزوج رجل كبيرة وآخر صغيرة ثم طلقاهما ونكح كل واحد منهما زوجة الآخر ثم أرضعت الكبيرة


149

الصغيرة حرمت عليهما الكبيرة وانفسخ نكاحها وإن كان زوج الصغيرة دخل بالكبيرة حرمت عليه وانفسخ نكاحها وإلا فلا

فصل وإن أرضعت بنت الكبيرة الصغيرة فالحكم في التحريم والفسخ حكم ما لو أرضعتها الكبيرة لأنها صارت جدتها والرجوع بالصداق على المرضعة التي أفسدت النكاح وإن أرضعتها أم الكبيرة انفسخ نكاحهما معا لأنهما صارتا أختين فإن كان لم يدخل بالكبيرة فله أن ينكح من شاء منهما ويرجع على المرضعة بنصف صداقهما وإن كان قد دخل بالكبيرة فله نكاحها لأن الصغيرة لا عدة عليها وليس له نكاح الصغيرة حتى تنقضي عدة الكبيرة لأنها قد صارت أختها فلا ينكحها في عدتها وكذلك الحكم إن أرضعتها جدة الكبيرة لأنها تصير عمة الكبيرة أو خالتها والجمع بينهما محرم وكذلك الحكم إن أرضعتها أختها أو زوجة أخيها بلبنه لأنها صارت بنت أخت الكبيرة أو بنت أخيه وكذلك إن أرضعتها بنت أخيها أو بنت أختها ولا يحرم في شيء من هذا واحدة منهن على التأبيد لأنه تحريم جمع إلا إذا أرضعتها بنت الكبيرة وقد دخل بأمها

فصل ومن أفسد نكاح امرأة بالرضاع قبل الدخول غرم نصف صداقها وإن كان بعد الدخول ينص أحمد عن أنه يرجع عليه بالمهر كله وهو مذهب الشافعي لأن المرأة تستحق المهر كله على زوجها فترجع بما لزمه كنصف المهر في الدخول بها والصحيح إن شاء الله تعالى أنه لا يرجع على المرضعة بعد الدخول بشيء لأنها لم تقرر على الزوج شيئا ولم تلزمه إياه فلم يرجع عليها بشيء كما لو أفسدت نكاح نفسها ولأنه لو ملك الرجوع بالصداق بعد الدخول لسقط إذا كانت المرأة هي المفسدة للنكاح كالنصف قبل الدخول ولأن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم على ما ذكرناه فيما مضى ولذلك لا يجب مهر المثل وإنما رجع الزوج بنصف المسمى قبل الدخول لأنها قررته عليه ولذلك يسقط إذا كانت هي المفسدة نكاحها ولم يوجد ذلك هاهنا وهذا قول بعض أصحاب الشافعي ولأنه لو رجع بالمهر بعد الدخول لم يخل إما أن يكون رجوعه ببدل البضع الذي فوتته أو بالمهر الذي أداه لا يجوز أن يكون ببدل البضع لأنه لو وجب بدله لوجب له على الزوجة إذا فات بفعلها أو بقتلها ولكان الواجب لها مهر مثلها ولا يجوز أن يجب له بدل ما أداه إليها لذلك ولأنها ما أوجبته ولا لها أثر في إيجابه ولا أدائه وتقريره ولا نعلم بينهم خلافا في أنها إذا أفسدت نكاح نفسها بعد الدخول أنه لا يسقط مهرها ولا يرجع عليها بشيء إن أداه إليها ولا في أنها إذا أفسدته قبل الدخول أنه يسقط صداقها وأنه يرجع عليها بما أعطاها فلو دبت صغيرة إلى كبيرة فارتضعت منها خمس رضعات وهي نائمة وهما زوجتا رجل انفسخ نكاح الكبيرة وحرمت على التأبيد فإن كان دخل بالكبيرة حرمت الصغيرة وانفسخ نكاحها

ولا مهر للصغيرة لأنها فسخت نكاح نفسها وعليه مهر الكبيرة يرجع به على الصغيرة عند أصحابنا ولا يرجع به على ما اخترناه وإن لم يكن دخل بالكبيرة فعليه نصف صداقها يرجع به على مال الصغيرة لأنها فسخت نكاحها وإن ارتضعت الصغيرة منها رضعتين وهي نائمة ثم انتبهت الكبيرة فأتمت لها ثلاث رضعات فقد حصل الفساد


150

بفعلهما فيتقسط الواجب عليهما وعليه مهر الكبيرة وثلاثة أعشار مهر الصغيرة يرجع به على الكبيرة وإن لم يكن دخل بالكبيرة فعليه خمس مهرها يرجع به على الصغيرة وهل ينفسخ نكاح الصغيرة على روايتين

فصل وإن أفسد النكاح جماعة تسقط المهر عليهم فلو جاء خمس فسقين زوجة صغيرة من لبن أم الزوج خمس مرات انفسخ نكاحها ولزمهن نصف مهرها بينهن فإن سقتها واحدة شربتين وأخرى ثلاثا فعلى الأولى الخمس وعلى الثانية خمس وعشر وإن سقتها واحدة شربتين وسقاها ثلاث ثلاث شربات فعلى الأولى الخمس وعلى كل واحدة من الثلاث عشر وإن كان له ثلاث نسوة كبار وواحدة صغيرة فأرضعت كل واحدة من الثلاث الصغيرة أربع رضعات ثم حلبن في إناء وسقينه الصغيرة حرم الكبار وانفسخ نكاحهن فإن لم يكن دخل بهن فنكاح الصغيرة ثابت على إحدى الروايتين وعليه لكل واحدة منهن ثلث صداقها ترجع به على ضرتيها لأن فساد نكاحها حصل بفعلها وفعلهما فسقط ما قابل فعلها وهو سدس الصداق وبقي عليه الثلث فرجع به على ضرتيها فإن كان صداقهن متساويا سقط ولم يجب شيء لأنه يتقاص مالها على الزوج بما يرجع به عليها إذ لا فائدة في أن يجب لها عليه ما يرجع به عليها وإن كان مختلفا وهو من جنس واحد تقاصا منه بقدر أقلهما ووجبت الفضلة به لصاحبها وإن كان من أجناس ثبت التراجع على ما ذكرنا وإن كان قد دخل بإحدى الكبار حرمت الصغيرة أيضا وانفسخ نكاحها ووجب لها نصف صداقها ترجع به عليهن أثلاثا للتي دخل بها المهر كاملا وفي الرجوع به ما أسلفناه من الخلاف وإن حلبن في إناء فسقته إحداهن الصغيرة خمس مرات كان صداق ضراتها يرجع به عليها إن كان قبل الدخول بهن لأنها أفسدت نكاحهن ويسقط مهرها إن لم يكن دخل بها وإن كان دخل بها فلها مهرها ولا ترجع به على أحد وإن كانت كل واحدة من الكبار أرضعت الصغيرة خمس رضعات حرم الثلاث فإن كان لم يدخل بهن فلا مهر لهن عليه وإن كان دخل بهن فعليه لكل واحدة مهرها لا يرجع به على أحد وتحرم الصغيرة ويرجع بما لزمه من صداقها على المرضعة الأولى لأنها التي حرمتها عليه وفسخت نكاحها ولو أرضع الثلاث الصغيرة بلبن الزوج فأرضعتها كل واحدة رضعتين صارت بنتا لزوجها في الصحيح وينفسخ نكاحها ويرجع بنصف صداقها عليهن على المرضعتين الأوليين منه أربعة أخماسه وعلى الثالثة خمسة لأن رضعتها الأولى حصل بها التحريم لكمال الخمس بها والثانية لا أثر لها في التحريم فلم يجب عليها بها شيء ولا ينفسخ نكاح الأكابر لأنهن لم يصرن أمهات لها ولو كان لامرأته الكبيرة خمس بنات لهن لبن فأرضعن امرأته الصغيرة رضاعا تصير به إحداهن أما لها لحرمت أمها وانفسخ نكاحها وهل ينفسخ نكاح الصغيرة على روايتين وإن أرضعت كل واحدة منهن الصغيرة رضعة فالصحيح أن الكبيرة لا تحرم بهذا لأن كونها جدة يبنى على كون ابنتها أما وما صارت واحدة من بناتها أما ويحتمل أن تحرم لأنه قد كمل لها من بناتها خمس رضعات وكذلك الحكم لو أرضعتها بنتها رضعة وبنت ابنها رضعة وبنات بناتها ثلاث رضعات ولو كمل لها من زوجته بلبنه ومن أمه وأخته وابنته وابنة ابنه خمس رضعات فعلى الوجهين أصحهما لا يثبت تحريمها وفي الآخر يثبت فعلى هذا


151

الوجه ينفسخ نكاحها ويرجع عليهن بما غرم من صداقها على قدر رضاعهن فإن قيل فلم لا يرجع عليهن على عدد رؤوسهن لكون الرضاع مفسدا فيستوي قليله وكثيره كما لو طرح النجاسة جماعة في مائع في حالة واحدة قلنا لأن التحريم يتعلق بعدد الرضعات فكان الضمان متعلقا بالعدد بخلاف النجاسة فإن التنجيس لا يتعلق بقدر فيستوي قليله وكثيره ليكون القليل والكثير سواء في الإفساد فنظير ذلك أن يشرب في الرضعة من إحداهما أكثر مما يشرب من الأخرى

فصل إذا كانت له زوجة أمة فأرضعت امرأته الصغيرة فحرمتها عليه وفسخت نكاحها كان ما لزمه من صداق الصغيرة له في رقبة الأمة لأن ذلك من جنايتها وإن أرضعتها أم ولده أفسدت نكاحها وحرمتها عليه لأنها ربيبة دخل بأمها وتحرم أم الولد عليه أبدا لأنها من أمهات نسائه ولا غرامة عليها لأنه أفسدت على سيدها فإن كان قد كاتبها رجع عليها لأن المكاتبة يلزمها أرش جنايتها وإن أرضعت أم ولده امرأة ابنه بلبنه فسخت نكاحها وحرمتها عليه لأنها صارت أخته وإن أرضعت زوجة أبيه بلبنه حرمتها عليه لأنها صارت بنت ابنه ويرجع الأب على ابنه بأقل الأمرين مما غرمه لزوجته أو قيمتها لأن ذلك من جناية أم ولده وإن أرضعت واحدة منهما بغير لبن سيدها لم تحرمها لأن كل واحدة منهما صارت بنت أم ولده

مسألة

قال ( ولو تزوج بكبيرة وصغيرتين فأرضعت الكبيرة الصغيرتين حرمت عليه الكبيرة وانفسخ نكاح الصغيرتين ولا مهر عليه للكبيرة ويرجع عليها بنصف صداق الصغيرتين وله أن ينكح من شاء منهما ) أما تحريم الكبيرة فلأنها صارت من أمهات النساء وأما انفساخ نكاح الصغيرتين فلأنهما صارتا أختين واجتمعتا في الزوجية فينفسخ نكاحهما كما لو أرضعتا معا ولا مهر للكبيرة لأن الفساد جاء من قبلها ويرجع عليها بنصف صداق الصغيرتين لأنها أفسدت نكاحهما وله أن ينكح من شاء منهما لأن انفساخ نكاحهما للجمع ولا يوجب تحريما مؤبدا وهذا على الرواية التي قلنا إنها إذا أرضعت الصغيرة اختص الفسخ بالكبيرة فأما على الرواية التي تقول ينفسخ نكاحهما معا فإنه يثبت نكاح الأخيرة من الصغيرتين لأن الكبيرة لما أرضعت الأولى انفسخ نكاحهما ثم أرضعت الأخرى فلم تجتمع معهما في النكاح فلم ينفسخ نكاحها فأما إن كان دخل بالكبيرة حرمت وحرمت الصغيرتان على التأبيد لأنهما ربيبتان قد دخل بأمهما

فصل فإن أرضعت الصغيرتين أجنبية انفسخ نكاحهما أيضا وهذا قول أبي حنيفة والمزني وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر ينفسخ نكاح الآخرة وحدها لأن سبب البطلان حصل بها وهو الجمع فأشبه ما لو تزوج إحدى الأختين بعد الأخرى

ولنا إنه جامع بين الأختين في النكاح فانفسخ نكاحهما كما لو أرضعتهما معا وفارق ما لو عقد على واحدة بعد


152

الأخرى فإن عقد الثانية لم يصح فلم يصر به جامعا بينهما وهاهنا حصل الجمع برضاع الثانية ولا يمكن القول بأنه لم يصح فحصلتا معا في نكاحه وهما أختان لا محالة

فصل وإن أرضعتهما بنت الكبيرة فالحكم في الفسخ كما لو أرضعته الكبيرة نفسها لأن الكبيرة تصير جدة لهما ولكن الرجوع يكون على المرضعة المفسدة لنكاحهن

مسألة

قال ( وإن كن الأصاغر ثلاثا فأرضعتهن منفردات حرمت الكبيرة وانفسخ نكاح المرضعتين أولا وثبت نكاح آخرهن رضاعا فإن أرضعت إحداهن منفردة واثنتين بعد ذلك معا حرمت الكبيرة وانفسخ نكاح الأصاغر وتزوج من شاء من الأصاغر وإن كان دخل بالكبيرة حرم الكل عليه على الأبد ) إنما حرمت الكبيرة لأنها صارت من أمهات النساء وانفسخ نكاح المرضعتين أولا لأنهما صارتا أختين في نكاحه وثبت نكاح الأخيرة لأن رضاعها بعد انفساخ نكاح الصغيرتين اللتين قبلها فلم يصادف إخوتها جميعا في النكاح وإن أرضعت إحداهن منفردة واثنتين بعد ذلك معا بأن تلقم كل واحدة منهما ثديا فيمتصان معا أو تحلب من لبنها في إناء فتسقيهما انفسخ نكاح الجميع لأنهن صرت أخوات في نكاحه وله أن يتزوج من شاء من الأصاغر لأن تحريمهن تحريم جمع لا تحريم تأبيد فإنهن ربائب لم يدخل بأمهن وإن دخل بالكبيرة حرم الكل على الأبد لأنهن ربائب مدخول بأمهن هذا على الرواية الأولى وعلى الأخرى لما أرضعت الأولى انفسخ نكاحها ونكاح الكبيرة لأنها صارت أمها واجتمعتا في نكاحه ثم ارتضعت الثانية فلم ينفسخ نكاحها لأنها منفردة بالرضاع في النكاح فلما أرضعت الثالثة صارتا أختين فانفسخ نكاحهما

فصل فإن أرضعتهن بنت الكبيرة فهو كما لو أرضعتهن أمها ولو كان لها ثلاث بنات فأرضعت كل واحدة منهن زوجة من الأصاغر حرمت الكبيرة بإرضاع أولاهن ويرجع على مرضعتها بما لزمه من مهرها لأنها أفسدت نكاحها ولا ينفسخ نكاح الأصاغر لأنهن لم يصرن أخوات وإنما هن بنات خالات

وعلى الرواية الأخرى ينفسخ نكاح المرضعة الأولى لاجتماعها مع جدتها في النكاح ويثبت نكاح الأخيرتين ويرجع بما لزمه من مهر التي فسد نكاحها على التي أرضعتها وإن كان دخل بالكبيرة حرم الكل عليه على الأبد ورجع على كل واحدة بما لزمه من مهر التي أرضعتها وإن قلنا إنه يرجع بمهر الكبيرة رجع به على المرضعة الأولى لأنها التي أفسدت نكاحها

مسألة

قال ( وإن شهدت امرأة واحدة على الرضاع حرم النكاح إذا كانت مرضية وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى إن كانت مرضية استحلفت فإن كانت كاذبة لم يحل الحول حتى تبيض ثدياها وذهب في ذلك إلى قول ابن عباس رضي الله عنهما ) وجملة ذلك أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع إذا كانت مرضية وبهذا قال طاوس والزهري والأوزاعي


153

وابن أبي ذئب وسعيد بن عبد العزيز وعن أحمد رواية أخرى لا يقبل إلا شهادة امرأتين وهو قول الحكم لأن الرجال أولى من النساء ولا يقبل إلا شهادة رجلين فالنساء أولى وعن أحمد رواية ثالثة أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة وتستحلف مع شهادتها وهو قول ابن عباس وإسحاق لأن ابن عباس قال في امرأة زعمت أنها أرضعت رجلا وأهله فقال إن كانت مرضية استحلفت وفارق امرأته وقال إن كانت كاذبة لم يحل الحلو حتى تبيض ثدياها يعني يصيبها فيها برص عقوبة على كذبها

وهذا لا يقتضيه قياس ولا يهتدي إليه رأي فالظاهر أنه لا يقوله إلا توقيفا

وقال عطاء وقتادة والشافعي لا يقبل من النساء أقل من أربع لأن كل امرأتين كرجل

وقال أصحاب الرأي لا يقبل فيه إلا رجلان أو رجل وامرأتان وروي ذلك عن عمر لقول الله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان البقرة 282

ولنا ما روى عقبة بن الحارث قال تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال وكيف وقد زعمت ذلك متفق عليه وفي لفظ رواه النسائي قال فأتيته من قبل وجهه فقلت إنها كاذبة قال كيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما خل سبيلها وهذا يدل على الاكتفاء بالمرأة الواحدة

وقال الزهري فرق بين أهل أبيات في زمن عثمان رضي الله عنه بشهادة امرأة في الرضاع

وقال الأوزاعي فرق عثمان بين أربعة وبين نسائهم بشهادة امرأة في الرضاع

وقال الشعبي كانت القضاة تفرق بين الرجل والمرأة بشهادة امرأة واحدة في الرضاع

ولأن هذا شهادة على عورة فقبل فيها شهادة النساء المنفردات كالولادة

وعلى الشافعي بأنه معنى قبل فيه قول النساء المنفردات فقبل فيه شهادة المرأة المنفردة كالخبر

فصل ويقبل فيه شهادة المرضعة على فعل نفسها لما ذكرنا من حديث عقبة من أن الأمة السوداء قالت قد أرضعتكما فقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادتها ولأنه فعل لا يحصل لها به نفع مقصود ولا تدفع عنها به ضررا فقبلت شهادتها به كفعل غيرها

فإن قيل فإنها تستبيح الخلوة به والسفر معه وتصير محرما له قلنا ليس هذا من الأمور المقصودة التي ترد بها الشهادة ألا ترى أن رجلين لو شهدا أن فلانا طلق زوجته وأعتق أمته قبل شهادتهما وإن كان يحل لهما نكاحهما بذلك

فصل ولا تقبل الشهادة على الرضاع إلا مفسرة فلو قالت أشهد أن هذا ابن هذه من الرضاع لا تقبل لأن الرضاع المحرم يختلف الناس فيه منهم من يحرم بالقليل ومنهم من يحرم بعد الحولين فلزم الشاهد تبيين كيفيته ليحكم الحاكم فيه باجتهاده فيحتاج الشاهد أن يشهد أن هذا ارتضع من ثدي هذه خمس رضعات متفرقات خلص اللبن فيهن إلى جوفه في الحولين

فإن قيل خلوص اللبن إلى جوفه لا طريق له إلى


154

مشاهدته فكيف تجوز الشهادة قلنا إذا علم أن هذه المرأة ذات لبن ورأى الصبي قد التقم ثديها وحرك فمه في الامتصاص وحلقه في الاجتراع حصل ظن يقرب إلى اليقين أن اللبن قد وصل إلى جوفه وما يتعذر الوقوف عليه بالمشاهدة اكتفى فيه بالظاهرة كالشهادة بالملك وثبوت الدين في الذمة والشهادة على النسب بالاستفاضة

ولو قال الشاهد ادخل رأسه تحت ثيابها والتقم ثديها لا يقبل لأنه قد يدخل رأسه ولا يأخذ الثدي وقد يأخذ الثدي ولا يمص فلا بد من ذكر ما يدل عليه

وإن قال أشهد أن هذه أرضعت هذا فالظاهر أنه يكتفي في ثبوت أصل الرضاع لأن المرأة التي قالت قد أرضعتكما اكتفي بقولها

مسألة

قال ( وإذا تزوج امرأة ثم قال قبل الدخول هي أختي من الرضاعة انفسخ النكاح فإن صدقته المرأة فلا مهر لها وإن كذبته فلها نصف المهر ) وجملته أن الزوج إذا أقر أن زوجته من الرضاعة انفسخ نكاحه ويفرق بينهما وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا قال وهمت أو أخطأت قبل قوله لأن قوله ذلك يتضمن أنه لم يكن بينهما نكاح ولو جحد النكاح ثم أقر به قبل كذلك هاهنا

ولنا إنه أقر بما يتضمن تحريمها عليه فلم يقبل رجوعه عنه كما لو أقر بالطلاق ثم رجع أو أقر أن أمته أخته من النسب وما قاسوا عليه غير مسلم وهذا الكلام في الحكم فأما فيما بينه وبين ربه فينبني ذلك على علمه بصدقه فإن علم أن الآمر كما قال فهي محرمة عليه ولا نكاح بينهما وإن علم كذب نفسه فالنكاح باق بحاله وقوله كذب لا يحرمها عليه لأن المحرم حقيقة الرضاع لا القول وإن شك في ذلك لم تزل عن اليقين بالشك وقيل في حلها له إذا علم كذب نفسه روايتان والصحيح ما قلناه لأن قوله ذلك إذا كان كذبا لم يثبت التحريم كما لو قال لها وهي أكبر منه هي ابنتي من الرضاعة

إذا ثبت هذا فإنه إن كان قبل الدخول وصدقته المرأة فلا شيء لها لأنهما اتفقا على نكاح فاسد من أصله لا يستحق فيه مهر

فأشبه ما لو ثبت ذلك ببينة وإن أكذبته فالقول قولها لأن قوله غير مقبول عليها في إسقاط حقوقها فلزمه إقراره فيما هو حق له وهو تحريمها عليه وفسخ نكاحه ولم يقبل قوله فيما عليه من المهر

فصل فإن قال هي عمتي أو خالتي أو ابنة أخي أو أختي أو أمي من الرضاع وأمكن صدقه فالحكم فيه كما لو قال هي أختي وإن لم يمكن صدقه مثل أن يقول لأصغر منه أو لمثله هي أمي أو لأكبر منه أو لمثله هذه ابنتي لم تحرم عليه

وبهذا قال الشافعي وقال أبو يوسف ومحمد تحرم عليه لأنه إقرار بما يحرمها عليه فوجب أن يقبل كما لو أمكن

ولنا إنه أقر بما تحقق كذبه فيه فأشبه ما لو قال أرضعتني وإياها حواء أو كما لو قال هذه حواء

وما ذكروه منتقض بهذه الصور ويفارق ما إذا أمكن فإنه لا يتحقق كذبه والحكم في الإقرار بقرابة من النسب تحرمها عليه كالحكم في الإقرار بالرضاع لأنه في معناه


155

فصل إذا ادعى أن زوجته أخته من الرضاع فأنكرته فشهدت بذلك أمه أو ابنته لم تقبل شهادتهما لأن شهادة الوالدة لولدها والوالد لولده غير مقبولة وإن شهدت بذلك أمها أو ابنتها قبلت وعنه لا يقبل بناء على شهادة الوالد على ولده والوالد على والده وفي ذلك روايتان

وإن ادعت ذلك المرأة وأنكره الزوج فشهدت لها أمها أو ابنتها لم تقبل وإن شهدت لها أم الزوج أو ابنته فعلى روايتين

مسألة

قال ( وإن كانت المرأة هي التي قالت هو أخي من الرضاعة فأكذبها فلم تأت بالبينة على ما وصفت فهي زوجته في الحكم ) وجملته أن المرأة إذا أقرت أن زوجها أخوها من الرضاعة فأكذبها لم يقبل قولها في فسخ النكاح لأنه حق عليها فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها لأنها تقر بأنها لا تستحقه فإن كانت قد قبضته لم يكن للزوج أخذه منها لأنه يقر بأنه حق لها وإن كان بعد الدخول فأقرت أنها كانت عالمة بأنها أخته وبتحريمها عليه ومطاوعة له في الوطء فلا مهر لها أيضا لإقرارها بأنها زانية مطاوعة

وإن أنكرت شيئا من ذلك فلها المهر لأنه وطء بشبهة وهي زوجته في ظاهر الحكم لأن قولها عليها غير مقبول

فأما فيما بينها وبين الله تعالى فإن علمت صحة ما أقرت به لم يحل لها مساكنته وتمكينه من وطئها وعليها أن تفر منه وتفتدي نفسها بما أمكنها لأن وطأه لها زنا فعليها التخلص منه مهما أمكنها كما قلنا في التي علمت أن زوجها طلقها ثلاثا وجحدها ذللك وينبغي أن يكون الواجب لها من المهر بعد الدخول أقل الأمرين من المسمى أو مهر المثل لأنه إن كان المسمى أقل فلا يقبل قولها في وجوب زائد عليه وإن كان الأقل مهر المثل لم تستحق أكثر منه لاعترافها بأن استحقاقها له بوطئها لا بالعقد فلا تستحق أكثر منه وإن كان إقرارها لم يصادف زوجية عليها يبطلها فقبل إقرارها على نفسها بتحريمه عليه وكذلك لو أقر الرجل أن هذه أخته من الرضاع أو محرمة عليه برضاع أو غيره وأمكن صدقه لم يحل له تزويجها فيما بعد ذلك في ظاهر الحكم وأما فيما بينه وبين الله تعالى فينبني على علمه بحقيقة الحال على ما ذكرناه

فصل وإن ادعى أحد الزوجين على الآخر أنه أقر أخو صاحبه من الرضاع فأنكر لم يقبل في ذلك شهادة النساء المنفردات لأنها شهادة على الإقرار والإقرار مما يطلع عليه الرجال فلم يحتج فيه إلى شهادة النساء المنفردات فلم يقبل ذلك بخلاف الرضاع نفسه

فصل كره أبو عبد الله الارتضاع بلبن الفجور والمشركات وقال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما اللبن يشتبه فلا تستق من يهودية ولا نصرانية ولا زانية ولا يقبل أهل الذمة المسلمة ولا يرى شعورهن ولأن لبن الفاجرة ربما أفضى إلى شبه المرضعة في الفجور ويجعلها أما لولده فيتعير بها ويتضرر طبعا وتعيرا والارتضاع من المشركة يجعلها أما لها حرمة الأم مع شركها وربما مال إليها في محبة دينها ويكره الارتضاع بلبن الحمقاء كي لا يشبهها الولد في الحمق فإنه يقال إن الرضاع يغير الطباع

والله تعالى أعلم


156

كتاب النفقات

نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع

أما الكتاب فقول الله تعالى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها الطلاق 7 ومعنى قدر عليه أي ضيق عليه ومنه قوله سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر الرعد 26 أي يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء وقال الله تعالى قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم الأحزاب 50

وأما السنة فما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة ولهن عليكن رزقهن وكسوتهن بالمعروف رواه مسلم وأبو داود ورواه الترمذي بإسناده عن عمرو بن الأحوص قال ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون

ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن وقال هذا حديث حسن صحيح

وجاءت هند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي

فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف متفق عليه

وفيه دلالة على وجوب النفقة لها على زوجها وأن ذلك مقدر بكفايتها وأن نفقة ولده عليه دونها مقدر بكفايتهم وأن ذلك بالمعروف وأن لها أن تأخذ ذلك بنفسها من غير علمه إذا لم يعطها إياه

وأما الإجماع فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهن

ذكره ابن المنذر وغيره وفيه ضرب من العبرة وهو أن المرأة محبوسة على الزوج يمنعها من التصرف والاكتساب فلا بد من أن ينفق عليها كالعبد مع سيده

مسألة

قال أبو القاسم رحمه الله تعالى ( وعلى الزوج نفقة زوجته ما لا غناء بها عنه وكسوتها ) وجملة الأمر أن المرأة إذا اسلمت نفسها إلى الزوج على الوجه فلها عليه جميع حاجتها من مأكول ومشروب وملبوس ومسكن

قال أصحابنا ونفقتها معتبرة بحال الزوجين جميعا فإن كانا موسرين فلها عليه نفقة الموسرين وإن كانا معسرين فعليه نفقة المعسرين وإن كانا متوسطين فلها عليه نفقة المتوسطين وإن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا فعليه نفقة المتوسطين أيهما كان الموسر

وقال أبو حنيفة ومالك يعتبر حال المرأة على قدر كفايتها لقول الله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف البقرة 233 والمعروف الكفاية ولأنه سوى


157

بين النفقة والكسوة والكسوة على قدر حالها فكذلك النفقة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فاعتبر كفايتها دون حالل زوجها ولأن نفقتها واجبة لدفع حاجتها فكان الاعتبار بما تندفع به حاجتها دون حال من وجبت عليه كنفقة المماليك ولأنه واجب للمرأة على زوجها بحكم الزوجية لم يقدر فكان معتبرا بها كمهرها وكسوتها وقال الشافعي الاعتبار بحال الزوج وحده لقول الله تعالى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها الطلاق 7

ولنا إن فيما ذكرناه جمعا بين الدليلين وعملا بكلا النصين ورعاية لكلا الجانبين فيكون أولى

فصل والنفقة مقدرة بالكفاية وتختلف باختلاف من تجب له النفقة في مقدارها

وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وقال القاضي هي مقدرة بمقدار لا يختلف في القلة والكثرة والواجب رطلان من الخبز في كل يوم في حق الموسر والمعسر اعتبارا بالكفارات وإنما يختلفان في صفته وجودته لأن الموسر والمعسر سواء في قدر المأكول وفيم تقوم به البينة وإنما يختلفان في جودته فكذلك النفقة الواجبة

وقال الشافعي نفقة المقتر مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم لأن أقل ما يدفع في الكفارة إلى الواحد مد والله سبحانه اعتبر الكفارة بالنفقة على الأهل فقال سبحانه من أوسط ما تطعمون أهليكم المائدة 89 وعلى الموسر مدان لأن أكثر ما أوجب الله سبحانه للواحد مدين في كفارة الأذى

وعلى المتوسط مد ونصف ونصف نفقة الموسر ونصف نفقة الفقير

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فأمرها بأخذ ما يكفيها من غير تقدير ورد الاجتهاد في ذلك إليها

ومن المعلوم أن قدر كفايتها لا ينحصر في المدين بحيث لا يزيد عنهما ولا ينقص ولأن الله تعالى قال وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف البقرة 233 وقال النبي صلى الله عليه وسلم ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وإيجاب أقل من الكفاية من الرزق ترك للمعروف وإيجاب قدر الكفاية وإن كان أقل من مد أو من رطلي خبز اتفاق بالمعروف فيكون ذلك هو الواجب بالكتاب والسنة

واعتبار النفقة بالكفارة في القدر لا يصح لأن الكفارة لا تخلتف باليسار والإعسار ولا هي مقدرة بالكفارة وإنما اعتبرها الشرع بها في الجنس دون القدر ولهذا لا يجب فيها الأدم

فصل ولا يجب فيها الحب وقال الشافعي الواجب فيها الحب اعتبارا بالإطعام في الكفارة حتى لو دفع إليها دقيقا أو سويقا أو خبزا لم يلزمها قبوله كما لا يلزم ذلك المسكين في الكفارة

قال بعضهم يجيء على قول أصحابنا إنه لا يجوز وإن تراضيا لأنه بيع حنطة بجنسهم متفاضلا

ولنا قول ابن عباس في قوله تعالى من أوسط ما تطعمون أهليكم المائدة 89 قال الخبز والزيت وعن ابن عمر الخبز والسمن والخبز والزيت والخبز والتمر ومن أفضل ما تطعمونهن الخبز واللحم

ففسر إطعام الأهل


158

بالخبز مع غيره من الأدم ولأن الشرع ورد بالإنفاق مطلقا من غير تقييد ولا تقدير فوجب أن يرد إلى العرف كما في القبض والإحراز وأهل العرف إنما يتعارفون فيما بينهم في الإنفاق على أهليهم الخبز والأدم دون الحب والنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته إنما كانوا ينفقون ذلك دون ما ذكروه فكان ذلك هو الواجب ولأنها نفقة قدرها الشرع بالكفاية فكان الواجب الخبز كنفقة العبد ولأن الحب تحتاج فيه إلى طحنه وخبزه فمتى احتاجت إلى تكلف ذلك من مالها لم تحصل الكفاية بنفقته وفارق الإطعام هم الكفارة لأنها لا تقدر بالكفاية ولا يجب فيها الأدم

فعلى هذا لو طلبت مكان الخبز دراهم أو حبا أو دقيقا أو غير ذلك لم يلزمه بذله ولو عرض عليها بدل الواجب لها لم يلزمها قبوله لأنها معاوضة فلا يجبر واحد منهما على قبوله كالبيع

وإن تراضيا على ذلك جاز

لأنه طعام وجب في الذمة لآدمي معين فجازت المعاوضة عنه كالطعام في القرض

ويفارق الطعام في الكفارة لأنه حق الله تعالى وليس هو لآدمي معين فيرضى بالعوض عنه

وإن أعطاها مكان الخبز حبا أو دقيقا جاز إذا تراضيا عليه لأن هذا ليس بمعاوضة حقيقة فإن الشارع لم يعتبر الواجب بأكثر من الكفاية فبأي شيء حصلت الكفاية كان ذلك هو الواجب وإنما صرنا إلى إيجاب الخبز عند الاختلاف لترجحه بكونه القوت المعتاد

فصل ويرجع في تقدير الواجب إلى اجتهاد الحاكم أو نائبه إن لم يتراضيا على شيء فيفرض للمرأة قدر كفايتها من الخبز والأدم فيفرض للموسرة تحت قدر حاجتها من أرفع خبز البلد الذي يأكله أمثالهما وللمعسرة تحت المعسر قدر كفايتها من أدنى خبز البلد وللمتوسطة تحت المتوسطة من أوسطه لكل أحد على حسب حاله على ما جرت به العادة في حق أمثاله وكذلك الأدم للموسرة تحت الموسر قدر حاجتها من أرفع الأدم من اللحم والأرز واللبن وما يطبح به اللحم والدهن على اختلاف أنواعه في بلدانه السمن في موضع والزيت في آخر والشيرج في آخر وللمعسرة تحت المعسر من الأدم أدونه كالباقلا والخل والبقل والكامخ وما جرت به عادة أمثالهم وما يحتاج إليه من الدهن وللمتوسطة تحت المتوسط أوسط ذلك من الخبز والأدم كل على حسب عادته وقال الشافعي الواجب من جنس قوت البلدة لا يختلف باليسار والإعسار سوى المقدار والأدم هو الدهن خاصة لأنه أصلح للأبدان وأجود في المؤنة لأنه لا يحتاج إلى طبخ وكلفة ويعتبر الأدم بغالب عادة أهل البلد كالزيت بالشام والشيرج بالعراق والسمن بخراسان ويعتبر قدر الأدم بالقوت

فإذا قيل إن الرطل تكفيه الأوقية من الدهن فرض ذلك وفي كل يوم جمعة رطل لحم

كان في موضع يرخص اللحم زادها على الرطل شيئا وذكر القاضي في الأدم مثل هذا

وهذا مخالف لقول الله تعالى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله الطلاق 7 ولقول النبي صلى الله عليه وسلم ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ومتى أنفق الموسر نفقة المعسر فما أنفق من سعته ولا رزقها بالمعروف

وقد فرق الله عز وجل بين الموسر والمعسر في الإنفاق في هذا جمع بين ما فرق الله


159

تعالى وتقدير الأدم بما ذكروه تحكم لا دليل عليه وخلاف العادة والعرف بين الناس في إنفاقهم فلا يعرج على مثل هذا وقد قال ابن عمر من أفضل ما تطعمون أهليكم الخبز واللحم

والصحيح ما ذكرناه من رد النفقة المطلقة في الشرع إلى العرف فيما بين الناس في نفقاتهم في حق الموسر والمعسر والمتوسط كما رددناهم في الكسوة إلى ذلك

ولأن النفقة من مؤنة المرأة على الزوج

فاختلف جنسها بالإيثار والإعسار كالكسوة

فصل وحكم المكاتب والعبد حكم المعسر لأنهما ليسا بأحسن حالا منه

ومن نصفه حر إن كان موسرا فحكمه حكم المتوسط

لأنه متوسط نصفه موسر ونصفه معسر

فصل ويجب للمرأة ما تحتاج إليه من المشط والدهن لرأسها والسدر أو نحوه مما تغسل به رأسها وما يعود بنظافتها لأن ذلك يراد للتنظيف فكان عليه كما أن على المستأجر كنس الدار وتنظيفها فأما الخضاب فإنه إن لم يطلبه الزوج منها لم يلزمه لأنه يراد للزينة وإن طلبه منها فهو عليه وأما الطيب فما يراد منه لقطع السهولة كدواء العرق لزمه لأنه يراد للتطيب وما يراد منه للتلذذ والاستمتاع لم يلزمه لأن الاستمتاع حق له فلا يجب عليه ما يدعوه إليه

ولا يجب عليه شراء الأدوية ولا أجرة الطبيب لأنه يراد لإصلاح الجسم فلا يلزمه كما لا يلزم المستأجر بناء ما يقع من الدار وحفظ أصولها وكذلك أجرة الحجام والفاصد

فصل وتجب عليه كسوتها بإجماع أهل العلم لما ذكرنا من النصوص ولأنها لا بد منها على الدوام فلزمته كالنفقة وهي معتبرة بكفايتها وليست مقدرة بالشرع كما قلنا في النفقة ويوافق أصحاب الشافعي على هذا ويرجع في ذلك إلى اجتهاد الحاكم فيفرض لها على قدر كفايتها على قدر يسرهما وعسرهما

وما جرت عادة أمثالهما به من الكسوة فيجتهد الحاكم في ذلك عند نزول الأمر كنحو اجتهاده في المتعة للمطلقة وكما قلنا في النفقة

فيفرض للموسرة تحت الموسر من أرفع ثياب البلد من الكتان والخبز والأبريسم وللمعسرة تحت المعسر غليظ القطن والكتان وللمتوسطة تحت المتوسط من ذلك فأقل ما يجب من ذلك قميص وسراويل ومقنعة ومداس وجبة للشتاء ويزيد من عدد الثياب ما جرت العادة بلبسه مما لا غنى عنه دون ما للتجمل والزينة والأصل في هذا قول الله عز وجل وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف البقرة 233 وقول النبي صلى الله عليه وسلم لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف والكسوة بالمعروف هي الكسوة التي جرت عادة أمثالها بلبسه وقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف

فصل وعليه لها ما تحتاج إليه للنوم من الفراش واللحاف والوسادة كل على حسب عادته

فإن كانت ممن عادته النوم في الأكسية والبساط فعليه لها لنومها ما جرت عادتهم به ولجلوسها بالنهار البساط والزلى والحصير الرفيع أو الخشن والموسر على حسب إيساره والمعسر على قدر إعساره على حسب العوائد


160

فصل ويجب لها مسكن بدليل قوله سبحانه وتعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم الطلاق 6 فإذا وجبت السكنى للمطلقة فللتي في صلب النكاح أولى قال الله تعالى وعاشروهن بالمعروف النساء 19 ومن المعروف أن يسكنها في مسكن ولأنها لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون وفي التصرف والاستمتاع وحفظ المتاع وبكون المسكن على قدر يسارهما وإعسارهما لقول الله تعالى من وجدكم ولأنه واجب لها لمصلحتها في الدوام فجرى مجرى النفقة والكسوة

فصل فإن كانت المرأة ممن لا تخدم نفسها لكونها من ذوي الأقدار أو مريضة وجب لها خادم لقوله تعالى وعاشروهن بالمعروف النساء 19 ومن العشرة بالمعروف أن يقيم لها خادما ولأنه مما تحتاج إليه في الدوام فأشبه النفقة ولا يجب لها أكثر من خادم واحد لأن المستحق خدمتها في نفسها ويحصل ذلك بواحد وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي إلا أن مالكا قال إن كان لا يصلح للمرأة إلا أكثر من خادم فعليه أن ينفق على أكثر من واحد ونحوه قال أبو ثور إذا احتمل الزوج ذلك فرض لخادمين

ولنا إن الخادم الواحد يكفيها لنفسها والزيادة تراد لحفظ ملكها أو للتجمل وليس عليه ذلك

إذ ثبت هذا فلا يكون الخادم إلا ممن يحل له النظر إليها إما امرأة وإما ذو رحم محرم لأن الخادم يلزم المخدوم في غالب أحواله فلا يسلم من النظر وهل يجوز أن يكون من أهل الكتاب فيه وجهان

الصحيح منهما جوازه لأن استخدامهم مباح وقد ذكرنا فيما مضى أن الصحيح إباحة النظر لهم

والثاني لا يجوز لأن في إباحة نظرهم اختلافا وتعافهم النفس ولا يتنظفون من النجاسة ولا يلزم الزوج أن يملكها خادما لأن المقصود الخدمة فإذا حصلت من غير تمليك جاز كما أنه إذا أسكنها دارا بأجرة جاز ولا يلزمه تمليكها مسكنا فإن ملكها الخادم فقد زاد خيرا وإن أخدمها من يلازم خدمتها من غير تمليك جاز سواء كان له أو استأجره حرا كان أو عبدا وإن كان الخادم لها فرضيت بخدمته لها ونفقته على الزوج جاز وإن طلبت منه أجرة خادمها فوافقها جاز وإن قال لا أعطيك أجر هذا ولكن أنا آتيك بخادم سواه فله ذلك إذا أتاها بمن يصلح وإن قالت أنا أخدم نفسي وآخذ الخادم لم يلزم الزوج قبول ذلك لأن الأجر عليه فتعيين الخادم إليه ولأن في إخدامها توفيرها على حقوقه وترفيهها ورفع قدرها وذلك يفوت بخدمتها لنفسها وإن قال الزوج أنا أخدمك بنفسي لم يلزمها لأنها تحتشمه وفيه غضاضة عليها لكون زوجها خادما وفيه وجه آخر أنه يلزمها الرضى به لأن الكفاية تحصل به

فصل وعلى الزوج نفقة الخادم ومؤنته من الكسوة والنفقة مثل ما لامرأة المعسر إلا أنه لا يجب لها المشط والدهن لرأسها والسدر لأن ذلك يراد للزينة والتنظيف ولا يراد ذلك من الخادم لكن إن احتاجت إلى خف لتخرج إلى شراء الحوائج لزمه ذلك


161

مسألة

قال ( فإن منعها ما يجب لها أو بعضه وقدرت له على مال أخذت منه مقدار حاجتها بالمعروف كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند حين قالت إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) وجملته أن الزوج إذا لم يدفع إلى امرأته ما يجب لها عليه من النفقة والكسوة أو دفع إليها أقل من كفايتها فلها أن تأخذ من ماله الواجب أو تمامه بإذنه وبغير إذنه بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف وهذا إذن لها في الأخذ من ماله بغير إذنه ورد لها إلى اجتهادها في قدر كفايتها وكفاية ولدها وهو متناول لأخذ تمام الكفاية فإن ظاهر الحديث دل على أنه قد كان يعطيها بعض الكفاية ولا يتممها لها فرخص النبي صلى الله عليه وسلم لها فيه أخذ تمام الكفاية بغير علمه لأنه موضع حاجة فإن النفقة لا غنى عنها ولا قوام إلا بها فإذا لم يدفعها الزوج ولم تأخذها أفضى إلى ضياعها وهلاكها فرخص لها في أخذ قدر نفقتها دفعا لحاجتها ولأن النفقة تتجدد بتجدد الزمان شيئا فشيئا فتشق المرافعة إلى الحاكم والمطالبة بها في كل الأوقات فلذلك رخص لها في أخذها بغير إذن من هي عليه

وذكر القاضي بينها وبين الدين فرقا آخر وهو أن نفقة الزوجة تسقط بفوات وقتها عند بعض أهل العلم ما لم يكن فرضها لها فلو لم تأخذ حقها أفضى إلى سقوطها والإضرار بها بخلاف الدين فإنه لا يسقط عند أحد بترك المطالبة فلا يؤدي ترك الأخذ إلى الإسقاط

فصل ويجب عليه دفع نفقتها إليها في صدر نهار كل يوم إذا طلعت الشمس لأنه أول وقت الحاجة فإن اتفقا على تأخيرها جاز لأن الحق لها فإذا رضيت بتأخيره جاز كالدين وإن اتفقا على تعجيل نفقة عام أو شهر أو أقل من ذلك أو أكثر أو تأخيره جاز لأن الحق لهما لا يخرج عنهما فجاز من تعجيله وتأخيره ما اتفقا عليه كالدين وليس بين أهل العلم في هذا خلاف علمناه

فإن سلم إليها نفقة يوم ثم ماتت فيه لم يرجع عليها بها لأنه دفع إليها ما وجب عليه دفعه إليها وإن أبانها بعد وجوب الدفع إليها لم تسقط نفقتها فيه ولها مطالبته بها لأنها قد وجبت فلم تسقط بالطلاق كالدين وإن عجل لها نفقة شهر أو عام ثم طلقها أو ماتت قبل انقضائه أو بانت بفسخ أو إسلام أحدهما أو ردته فله أن يسترجع نفقة سائر الشهور وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يسترجعها لأنها صلة فإذا قبضتها لم يكن له الرجوع فيها كصدقة التطوع

ولنا إنه سلم إليها النفقة سلفا عما يجب في الثاني فإذا وجد ما يمنع الوجوب ثبت الرجوع كما لو أسلفها إياها فنشزت أو عجل الزكاة إلى الساعي فتلف ماله قبل الحول

وقولهم إنها صلة قلنا بل هي عوض عن التمكين وقد فات التمكين وذكر القاضي أن زوج الوثنية والمجوسية إذا دفع إليها نفقة سنتين ثم بانت بإسلامه فإن لم يكن أعلمها أنها نفقة عجلها لها لم يرجع عليها لأن الظاهر أنه تطوع بها وإن أعلمها ذلك انبنى على معجل الزكاة إذا أعلم الفقير أنها زكاة معجلة ثم تلف المال وفي الرجوع بها وجهان كذلك هاهنا

وكذلك ينبغي أن يكون في سائر الصور مثل هذا لأنه تبرع بدفع ما لا يلزمه غير إعلام الآخذ بتعجيله فلم يرجع به كمعجل الزكاة ولو سلم


162

إليها نفقة اليوم فسرقت أو تلفت لم يلزمه عوضها لأنه برىء من الواجب بدفعه فأشبه ما لو تلفت الزكاة بعد قبض الساعي لها أو الدين بعد أخذ صاحبه له

فصل وإذا دفع إليها نفقتها فلها أن تتصرف فيها بما أحبت من الصدقة والهبة والمعارضة ما لم يعد ذلك عليها بضرر في بدنها وضعف في جسمها لأنه حق لها فلها التصرف فيه بما شاءت كالمهر وليس لها التصرف فيها على وجه يضر بها لأن فيه تفويت حقه منها ونقصا في استمتاعه بها

فصل وعليه دفع الكسوة إليها في كل عام مرة لأنها العادة ويكون الدفع إليها في أوله لأنه أول وقت الوجوب فإن بليت الكسوة في الوقت الذي يبلى فيه مثلها لزمه أن يدفع إليها كسوة أخرى لأن ذلك وقت الحاجة إليها وإن بليت قبل ذلك لكثرة دخولها وخروجها أو استعمالها لم يلزمه إبدالها لأن ليس بوقت الحاجة إلى الكسوة في العرف

وإن مضى الزمان الذي تبلى في مثله بالاستعمال المعتاد ولم تبل فهل يلزمه بدلها فيه وجهان أحدهما لا يلزمه بدلها لأنها غير محتاجة إلى الكسوة

والثاني يلزمه لأن الاعتبار بمضي الزمان دون حقيقة الحاجة بدليل أنها لو بليت قبل ذلك لم يلزمه بدلها

ولو أهدى إليها كسوة لم تسقط كسوتها وإن أهدى إليها طعام فأكلته وبقي قوتها إلى الغد لم يسقط قوتها فيه وإن كساها ثم طلقها قبل أن تبلى فهل له أن يسترجعها فيه وجهان أحدهما له ذلك لأنه دفعها للزمان المستقبل فإذا طلقها قبل مضيه كان له استرجاعها كما لو دفع إليها نفقة مدة ثم طلقها قبل انقضائها

والثاني ليس له الاسترجاع لأنه دفع إليها الكسوة بعد وجوبها عليه فلم يكن له الرجوع فيها كما لو دفع إليها النفقة بعد وجوبها ثم طلقها قبل أكلها بخلاف النفقة المستقبلة

فصل وإذا دفع إليها كسوتها فأرادت بيعها أو التصدق بها وكان ذلك يضر بها أو يخل بتجملها بها أو بسترتها لم تملك ذلك كما لو أرادت الصدقة بقوتها على وجه يضر بها وإن لم يكن في ذلك ضرر احتمل الجواز لأنها تملكها فأشبهت النفقة واحتمل المنع لأن له استرجاعها لو طلقها في أحد الوجهين بخلاف النفقة

فصل والذمية كالمسلمة في النفقة والمسكن والكسوة في قول عامة أهل العلم وبه يقول مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لعموم النصوص والمعنى

مسألة

قال ( فإذا منعها ولم تجد ما تأخذه واختارت فراقه فرق الحاكم بينهما ) وجملته أن الرجل إذا منع امرأته النفقة لعسرته وعدم ما ينفقه فالمرأة مخيرة بين الصبر عليه وبين فراقه وروي نحو ذلك عن عمر وعلي وأبي هريرة وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز وربيعة وحماد ومالك ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وذهب عطاء والزهري وابن شبرمة وأبو حنيفة وصاحباه إلى أنها لا تملك فراقه بذلك ولكن يرفع يده عنها لتكتسب لأنه حق لها عليه فلا يفسخ النكاح لعجزه عنه كالدين

وقال العنبري يحبس إلى أن ينفق


163

ولنا قول الله تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان البقرة 229 وليس الإمساك مع ترك الإنفاق إمساكا بمعروف فيتعين التسريح

وروى سعيد عن سفيان عن ابن أبي الزناد قال سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته أيفرق بينهما قال نعم قال سنة قال سنة وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن المنذر ثبت أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى ولأنه إذا ثبت الفسخ بالعجز عن الوطء والضرر فيه أقل لأنه إنما هو فقد لذة وشهوة يقوم البدن بدونه فلأن يثبت بالعجز عن النفقة التي لا يقوم البدن إلا بها أولى إذا ثبت هذا فإنه متى ثبت الإعسار بالنفقة على الإطلاق فللمرأة المطالبة بالفسخ من غير إنظار وهذا أحد قولي الشافعي وقال حماد بن أبي سليمان يؤجل سنة قياسا على العنين وقال عمر بن عبد العزيز اضربوا له شهرا أو شهرين وقال مالك الشهر ونحوه وقال الشافعي في القول الآخر يؤجل ثلاثا لأنه قريب

ولنا ظاهر حديث عمر ولأنه معنى يثبت الفسخ ولم يرد الشرع بالإنظار فيه فوجب أن يثبت الفسخ في الحال كالعيب ولأن سبب الفسخ الإعسار وقد وجد فلا يلزم التأخير

فصل وإن لم يجد النفقة إلا يوما بيوم فليس ذلك إعسارا يثبت به الفسخ لأن ذلك هو الواجب عليه وقد قدر عليه وإن وجد في أول النهار ما يغديها وفي آخره ما يعشيها لم يكن لها الفسخ لأنها تصل إلى كفايتها وما يقوم به بدنها وإن كان صانعا يعمل في الأسبوع بما يبيعه في يوم بقدر كفايتها في الأسبوع كله لم يثبت الفسخ لأن هذا يحصل الكفاية في جميع زمانه وإن تعذر عليه الكسب في بعض زمانه أو تعذر البيع لم يثبت الفسخ لأنه يمكن الاقتراض إلى زوال العارض وحصول الاكتساب وإن عجز عن الاقتراض أياما يسيرة لم يثبت الفسخ لأن ذلك يزول عن قريب ولا يكاد يسلم منه كثير من الناس وإن مرض مرضا يرجى زواله في أيام يسيرة لم يفسخ لما ذكرناه وإن كان ذلك يطول فلها الفسخ لأن الضرر الغالب يلحقها ولا يمكنها الصبر وكذلك إن كان لا يجد من النفقة إلا يوما دون يوم فلها الفسخ لأنها لا يمكنها الصبر على هذا ويكون بمثابة من لا يجد إلا بعض القوت وإن أعسر ببعض نفقة المعسر ثبت لها الخيار لأن البدن لا يقوم بما دونها

وإن أعسر بما زاد على نفقة المعسر فلا خيار لها لأن تلك الزيادة تسقط بإعساره ويمكن الصبر عنها ويقوم البدن بما دونها وإن أعسر بنفقة الخادم لم يثبت لها خيار لما ذكرنا وكذلك إن أعسر بالأدم وإن أعسر بالكسوة فلها الفسخ لأن الكسوة لا بد منها ولا يمكن الصبر عنها ولا يقوم البدن بدونها وإن أعسر بأجرة مسكن ففيه وجهان أحدهما لها الخيار لأنه مما لا بد منه فهو كالنفقة والكسوة والثاني لا خيار لها لأن البنية تقوم بدونه وهذا الوجه هو الذي ذكره القاضي وإن أعسر بالنفقة الماضية لم يكن لها الفسخ لأنها دين يقوم البدن بدونها فأشبهت سائر الديون


164

الحال الثاني أن يمتنع من الإنفاق مع يساره فإن قدرت له على مال أخذت منه قدر حاجتها ولا خيار لها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر هندا بالأخذ ولم يجعل لها الفسخ وإن لم تقدر رافعته إلى الحاكم فيأمره بالإنفاق ويجبره عليه قال أبي حبسه فإن صبر على الحبس أخذ الحاكم النفقة من ماله فإن لم يجد إلا عروضا أو عقارا باعها في ذلك وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وقال أبو حنيفة النفقة في ماله من الدنانير والدراهم ولا يبيع عرضا إلا بتسليم لأن بيع مال الإنسان لا ينفذ إلا بإذنه أو إذن وليه ولا ولاية على الرشيد

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك ولم يفرق ولأن ذلك مال له فتؤخذ منه النفقة كالدراهم والدنانير وللحاكم ولاية عليه إذا امتنع بدليل ولايته على دراهمه ودنانيره

وإن تعذرت النفقة في حال غيبته وله وكيل فحكم وكيله حكمه في المطالبة والأخذ من المال عند امتناعه وإن لم يكن له وكيل ولم تقدر المرأة على الأخذ أخذ لها الحاكم من ماله ويجوز بيع عقاره وعروضه في ذلك إذا لم تجد ما تنفق سواه وينفق على المرأة يوما بيوم وبهذا قال الشافعي ويحيى بن آدم وقال أصحاب الرأي يفرض لها في كل شهر

ولنا إن هذا تعجيل للنفقة قبل وجوبها فلم يجز كما عجل لها نفقة زيادة عن شهر

فصل وإن غيب ماله وصبر على الحبس ولم يقدر الحاكم له على مال يأخذه أو لم يقدر على أخذ النفقة من مال الغائب فلها الخيار في الفسخ في ظاهر قول الخرقي واختيار أبي الخطاب واختار القاضي أنها لا تملك الفسخ وهو ظاهر مذهب الشافعي لأن الفسخ في المعسر لعيب الإعسار ولم يوجد هاهنا ولأن الموسر في مظنة إمكان الأخذ من ماله وإذا امتنع في يوم فربما لا يمتنع من الغد بخلاف المعسر

ولنا إن عمر رضي الله عنه كتب في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا وهذا إجبار على الطلاق عند الامتناع من الإنفاق

ولأن الإنفاق عليها من ماله يتعذر فكان لها الخيار كحال الإعسار بل هذا أولى بالفسخ فإنه إذا جاز الفسخ على المعذور فعلى غيره أولى ولأن في الصبر ضررا أمكن إزالته بالفسخ فوجبت إزالته ولأنه نوع تعذر يجوز الفسخ فلم يفترق الحال بين الموسر والمعسر كما إذا أدى ثمن المبيع فإنه لا فرق في جواز الفسخ بين أن يكون المشتري معسرا وبين أن يهرب قبل أداء الثمن وعيب الإعسار إنما جوز الفسخ لتعذر الإنفاق بدليل أنه لو اقترض ما ينفق عليها أو تبرع له إنسان بدفع ما ينفقه لم تملك الفسخ وقولهم إنه يحتمل أن ينفق فيما بعد هذا

قلنا وكذلك المعسر يحتمل أن يغنيه الله وأن يقترض أو يعطي ما ينفقه فاستويا

فصل ومن وجبت عليه نفقة امرأته وكان له عليها دين فأراد أن يحتسب عليها بدينه مكان نفقتها فإن كانت موسرة فله ذلك لأن من عليه حق فله أن يقضيه من أي أمواله شاء وهذا من ماله وإن كانت معسرة لم يكن له ذلك لأن قضاء الدين إنما يجب في الفاضل من قوته

وهذا لا يفضل عنها

ولأن الله تعالى أمر


165

بإنظار المعسر بقوله سبحانه وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة البقرة 280 فيجب إنظارها بما عليها

فصل وكل موضع ثبت لها الفسخ لأجل النفقة لم يجز إلا بحكم الحاكم لأنه فسخ مختلف فيه افتقر إلى الحاكم كالفسخ بالعنة ولا يجوز له التفريق إلا أن تطلب المرأة ذلك لأنه لحقها فلم يجز من غير طلبها كالفسخ للعنة

فإذا فرق الحاكم بينهما فهو فسخ لا رجعة له فيه وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقال مالك هو تطليقة وهو أحق بها إن أيسر في عدتها لأنه تفريق لامتناعه من الواجب عليه لها فأشبه تفريقه بين المولى وامرأته إذا امتنع من الفيئة والطلاق

ولنا إنها فرقة لعجزه عن الواجب لها عليه أشبهت فرقة العنة فأما إن أجبره الحاكم على الطلاق فطلق أقل من ثلاث فله الرجعة عليها ما دامت في العدة فإن راجعها وهو معسر أو امتنع من الإنفاق عليها ولم يمكن الأخذ من ماله فطلبت المرأة الفسخ

فللحاكم الفسخ لأن المقتضي له باق أشبه ما قبل الطلاق

فصل وإن رضيت بالمقام معه مع عسرته أو ترك إنفاقه ثم بدا لها الفسخ أو تزوجت معسرا عالمة بحاله راضية بعسرته وترك إنفاقه أو شرط عليها أن لا ينفق عليها ثم عن لها الفسخ فلها ذلك وبهذا قال الشافعي وقال القاضي ظاهر كلام أحمد ليس لها الفسخ ويبطل خيارها في الموضعين وهو قول مالك لأنها رضيت بعيبه ودخلت في العقد عالمة به فلم تملك الفسخ كما لو تزوجت عنينا عالمة بعنته أو قالت بعد العقد قد رضيت به عنينا

ولنا إن وجوب النفقة يتجدد في كل يوم فيتجدد لها الفسخ ولا يصح إسقاط حقها فيما لم يجب لها كإسقاط شفعتها قبل البيع ولذلك لو أسقطت النفقة المستقبلة لم تسقط ولو أسقطتها أو أسقطت المهر قبل النكاح لم يسقط وإذا لم يسقط وجوبها لم يسقط الفسخ الثابت به وإن أعسر بالمهر وقلنا لها الفسخ لإعساره به فرضيت بالمقام لم يكن لها الفسخ لأن وجوبه لم يتجدد بخلاف النفقة ولو تزوجته عالمة بإعساره بالمهر راضية بذلك فينبغي أن لا تملك الفسخ بإعساره به لأنها رضيت بذلك في وقت لو أسقطته فيه سقط

فصل إذا رضيت بالمقام مع ذلك لم يلزمها التمكين من الاستمتاع لأنه لم يسلم إليها عوضه فلم يلزمها تسليمه كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع لم يجب تسليمه إليه وعليه تخلية سبيلها لتكتسب لها وتحصل ما تنفقه على نفسها لأن في حبسها بغير نفقة إضرارا بها ولو كانت موسرة لم يكن له حبسها لأنه إنما يملك حبسها إذا كفاها المؤونة وأغناها عما لا بد لها منه ولحاجته إلى الاستمتاع الواجب عليها فإذا انتفى الأمران لم يملك حبسها

فصل ومن ترك الإنفاق الواجب لامرأته مدة لم يسقط بذلك وكان دينا في ذمته سواء تركه لعذر


166

أو غير عذر في أظهر الروايتين وهذا قول الحسن ومالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر والرواية الأخرى تسقط نفقتها ما لم يكن الحاكم قد فرضها لها وهذا مذهب أبي حنيفة لأنها نفقة تجب يوما فيوما فتسقط بتأخيرها إذا لم يفرضها الحاكم كنفقة الأقارب ولأن نفقة الماضي قد استغنى عنها بمضي وقتها فتسقط كنفقة الأقارب

ولنا إن عمر رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى

ولأنها حق يجب مع اليسار والإعسار فلم يسقط بمضي الزمان كأجرة العقار والديون

قال ابن المنذر هذه نفقة وجبت بالكتاب والسنة والإجماع ولا يزول ما وجب بهذه الحجج إلا بمثلها ولأنها عوض واجب فأشبهت الأجرة

وفارق نفقة الأقارب فإنها صلة يعتبر فيها اليسار من المنفق والإعسار ممن تجب له وجبت لتزجيه الحال فإذا مضى زمنها استغنى عنها فأشبه ما لو استغنى عنها بيساره وهذه بخلاف ذلك إذا ثبت هذا فإنه ترك الإنفاق عليها مع يساره فعليه النفقة بكمالها وإن تركها لإعساره لم يلزمه نفقة المعسر لأن الزائد سقط بإعساره

فصل ويصح ضمان النفقة ما وجب منها وما يجب في المستقبل إذا قلنا إنها تثبت في الذمة وقال الشافعي يصح ضمان ما وجب وفي ضمان المستقبل وجهان بناء على أن النفقة هل تجب بالعقد أو بالتمكين ومبنى الخلاف على ضمان ما لم يجب إذا كان مآله إلى الوجوب فعندنا يصح وعندهم لا يصح وقد ذكرنا ذلك في باب الضمان

فصل وإن أعسر بنفقة الخادم أو الأدم أو المسكن ثبت ذلك في ذمته وبهذا قال الشافعي وقال القاضي لا يثبت لأنه من الزوائد فلم يثبت في ذمته كالزائد عن الواجب عليه

ولنا إنها نفقة تجب على سبيل العوض فتثبت في الذمة كالنفقة الواجبة للمرأة قوتا

وفارق الزائد عن نفقة المعسر فإنه يسقط الإعسار

فصل وإذا أنفقت المرأة على نفسها من مال زوجها الغائب ثم بان أنه قد مات قبل إنفاقها حسب عليها ما أنفقته من ميراثها سواء أنفقته بنفسها أو بأمر الحاكم

وبهذا قال أبو العالية ومحمد بن سيرين والشافعي وابن المنذر ولا أعلم عن غيرهم خلافهم أنها أنفقت ما لا تستحق وإن فضل لها شيء فهو لها وإن فضل عليها شيء وكان لها صداق أو دين على زوجها حسب منه وإن لم يكن لها شيء من ذلك كان الفضل دينا عليها والله أعلم

فصل وإن أعسر الزوج بالصداق ففيه ثلاثة أوجه أصحها ليس لها الفسخ وهو اختيار ابن حامد

والثاني لها الفسخ وهو اختيار أبي بكر لأنه أعسر بالعوض فكان لها الرجوع في المعوض كما لو أعسر بثمن مبيعها

والثالث إن أعسر قبل الدخول فلها الفسخ كما لو أفلس المشتري والمبيع بحاله وإن كان بعد الدخول لم تملك الفسخ لأن المعقود عليه قد استوفي فأشبه ما لو أفلس المشتري بعد تلف المبيع أو بعضه


167

ولنا إنه دين فلم يفسخ النكاح للإعسار به كالنفقة الماضية ولأن تأخيره ليس فيه ضرر مجحف فأشبه نفقة الخادم والنفقة الماضية ولأنه لا نص فيه ولا يصح قياسه على الثمن المبيع لأن الثمن كل مقصود البائع والعادة تعجيله والصداق فضلة ونحلة ليس هو المقصود في النكاح ولذلك لا يفسد النكاح بفساده ولا بترك ذكره والعادة تأخيره ولأن أكثر من يشتري بثمن حال يكون موسرا به وليس الأكثر أن من تزوج بمهر يكون موسرا به ولا يصح قياسه على النفقة لأن الضرورة لا تندفع إلا بها بخلاف الصداق فأشبه شيء به النفقة الماضية وللشافعي نحو هذه الوجوه إذا قلنا لها الفسخ للإعسار به فتزوجته عالمة بعسرته فلا خيار لها وجها واحدا لأنها رضيت به كذلك وكذلك إن علمت عسرته بعد العقد فرضيت بالمقام سقط حقها من الفسخ لأنها رضيت بإسقاط حقها بعد وجوبه فسقط كما لو رضيت بعينه

فصل ونفقة الأمة المزوجة حق لها ولسيدها لأن كل واحد منهما ينتفع بها ولكل واحد منهما طلبها إن امتنع الزوج من أدائها ولا يملك واحد منهما إسقاطها لأن في سقوطها بإسقاط أحدهما ضررا بالآخر وإن أعسر الزوج بها فلها الفسخ لأنه عجز عن نفقتها فملكت الفسخ كالحرة وإن لم تفسخ فقال القاضي لسيدها الفسخ لأنه عليه ضررا في عدمها لما يتعلق بفواتها من فوات ملكه وتلفه فإن أنفق عليها سيدها محتسبا بالرجوع فله الرجوع بها على الزوج رضيت بذلك أو كرهت لأن الدين خالص حقه لا حق لها فيه وإنما تعلق حقها بالنفقة الحاضرة لوجوب صرفها إليها وقوام بدنها بها بخلاف الماضية وقال أبو الخطاب وأصحاب الشافعي ليس لسيدها الفسخ لعسرة زوجها بالنفقة لأنها حق لها فلم يملك سيدها الفسخ دونها كالفسخ للعيب فإن كانت معتوهة أنفق المولى وتكون النفقة دينا في ذمة الزوج وإن كانت عاقلة قال لها السيد إن أردت النفقة فافسخي النكاح وإلا فلا نفقة لك عندي

فصل وإن اختلف الزوجان في الإنفاق عليها أو في تقبيضها نفقتها فالقول قول المرأة لأنها منكرة والأصل معها وإن اختلفا في التمكين الموجب للنفقة أو في وقته فقالت كان ذلك من شهر فقال بل من يوم فالقول قوله لأنه منكر والأصل معه وإن اختلفا في يساره فادعته المرأة أو الزوج ليفرض لها نفقة الموسرين أو قالت كنت موسرا وأنكر ذلك فإن عرف له مال فالقول قولها وإلا فالقول قوله وبهذا كله قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وإن اختلفا في فرض الحاكم للنفقة أو في وقتها فقال فرضها منذ شهر فقالت بل منذ عام فالقول قوله وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي

قال مالك إن كان مقيما معها فالقول قوله وإن كان غائبا عنها فالقول قول المرأة من يوم رفعت أمرها إلى الحاكم

ولنا إن قوله يوافق الأصل فقدم كما لو كان مقيما معها وكل من قلنا القول قوله فلخصمه عليه اليمين لأنها دعاوى في المال فأشبهت دعوى الدين ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولكن اليمين على المدعى عليه وإن دفع الزوج إلى امرأته نفقة وكسوة أو بعث به إليها فقالت إنما فعلت ذلك تبرعا وهبة وقال بل وفاء للواجب علي فالقول


168

قوله لأنه أعلم بنيته أشبه ما لو قضى دينه واختلف هو وغريمه في نيته وإن طلق امرأته وكانت حاملا فوضعت فقال طلقتك حاملا فانقضت عدتك بوضع الحمل وانقضت نفقتك ورجعتك وقالت بل بعد الوضع فلي النفقة ولك الرجعة فالقول قولها لأن الأصل بقاء النفقة وعدم المسقط لها وعليها العدة ولا رجعة للزوج لإقراره بعدمها وإن راجع فصدقها فله الرجعة لأنها مقرة له بها وإن قال طلقتك بعد الوضع فلي الرجعة ولك النفقة وقالت بل وأنا حامل فالقول قوله لأن الأصل بقاء الرجعة ولا نفقة ولا عدة عليها لأنها حق الله تعالى فالقول قولها فيها وإن عاد فصدقها سقطت رجعته ووجب لها النفقة هذا في ظاهر الحكم فأما فيما بينه وبين الله تعالى فينبني على ما يعلمه من حقيقة الأمر دون ما قاله

فصل وإن طلق الرجل امرأته فادعت أنها حامل لتكون لها النفقة أنفق عليها ثلاثة أشهر ثم ترى القوابل بعد ذلك لأن الحمل يبين بعد ثلاثة أشهر إلا أن تظهر براءتها من الحمل بالحيض أو بغيره تنقطع نفقتها كما تنقطع إذا قالت القوابل ليست حاملا ويرجع عليها بما أنفق لأنها أخذت منه ما لا تستحقه فرجع عليها كما لو ادعت عليه دينا وأخذته منه ثم تبين كذبها

وعن أحمد رواية أخرى لا يرجع عليها لأنه أنفق عليها بحكم آثار النكاح فلم يرجع به كالنفقة في النكاح الفاسد إذا تبين فساده وإن علمت براءتها من الحمل بالحيض فكتمته فينبغي أن يرجع عليها قولا واحدا أخذت النفقة مع علمها ببراءتها كما لو أخذتها من ماله بغير علمه وإن ادعت الرجعية الحمل فأنفق عليها أكثر من مدة عدتها رجع عليها بالزيادة ويرجع في مدة العدة إليها لأنها أعلم بها فالقول قولها فيها مع يمينها فإن قالت قد ارتفع حيضي ولم أدر ما رفعه فعدتها سنة إن كانت حرة وإن قالت قد انقضت بثلاثة قروء وذكرت آخرها فلها النفقة إلى ذلك ويرجع عليها بالزائد وإن قالت لا أدري متى آخرها رجعنا إلى عادتها فحسبنا لها بها وإن قالت عادتي تختلف فتطور وتقصر انقضت العدة بالأقصر لأنه اليقين وإن قالت عادتي تختلف ولا أعلم رددناها إلى غالب عادات النساء في كل شهر قرء لأنا رددنا المتحيرة إلى ذلك في أحكامها فكذلك هذه وإن بان أنها حامل من غيره مثل أن تلده بعد أربع سنين فلا نفقة عليه لمدة حملها لأنه من غيره

وإن كانت رجعية فلها النفقة في مدة عدتها فإن كانت انقضت قبل حملها فلها النفقة إلى انقضائها وإن حملت في أثناء عدتها فلها النفقة إلى الوطء الذي حملت ثم لا نفقة لها حتى تضع حملها ثم تكون لها النفقة في تمام عدتها

وإن وطئها زوجها في العدة الرجعية حصلت الرجعة وإن قلنا لا تحصل فالنسب لا حق به وعليه النفقة لمدة حملها

وإن وطئها بعد انقضاء عدتها أو وطىء البائن عالما بذلك وبتحريمه فهو زنا لا يلحقه نسب الولد ولا نفقة عليه من أجله وإن جهل بينونتها أو انقضاء عدة الرجعية أو تحريم ذلك وهو ممن يجهله لحقه نسبه وفي وجوب النفقة عليه روايتان

مسألة

قال ( ويجبر الرجل على نفقة والديه وولده الذكور والإناث إذا كانوا فقراء وكان له ما ينفق عليهم )


169

الأصل في وجوب نفقة الوالدين والمولودين الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن الطلاق 6 أوجب أجر رضاع الولد على أبيه وقال سبحانه وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف البقرة 233 وقال سبحانه وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا الإسراء 23 ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما

ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف متفق عليه وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه ورواه أبو داود

وأما الإجماع فحكى ابن المنذر قال أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم ولأن ولد الإنسان بعضه وهو بعض والده فكما يجب عليه أن ينفق على نفسه وأهله كذلك على بعضه وأصله

إذا ثبت هذا فإن الأم تجب نفقتها ويجب عليها أن تنفق على ولدها إذا لم يكن له أب

وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك أنه لا نفقة عليها ولا لها لأنها ليست عصبة لولدها

ولنا قوله سبحانه وبالوالدين إحسانا البقرة 83 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل سأله من أبر قال أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب رواه أبو داود

ولأنها أحد الوالدين فأشبهت الأب ولأن بينهما قرابة توجب رد الشهادة ووجوب العتق فأشبهت الأب

فإن أعسر الأب وجبت النفقة على الأم ولم ترجع بها عليه إن أيسر

وقال أبو يوسف ومحمد ترجع عليه

ولنا إن من وجب عليه الإنفاق بالقرابة لم يرجع به كالأب

فصل ويجب الإنفاق على الأجداد والجدات وإن علوا وولد الولد وإن سفلوا وبذلك قال الشافعي والثوري وأصحاب الرأي

وقال مالك لا تجب النفقة عليهم ولا لهم لأن الجد ليس بأب حقيقي

ولنا قوله سبحانه وعلى الوارث مثل ذلك البقرة 233 ولأنه يدخل في مطلق الولد والوالد بدليل أن الله تعالى قال يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين النساء 11 فيدخل فيهم ولد البنين وقال ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد النساء 11 وقال ملة أبيكم إبراهيم الحج ولأن بينهما قرابة توجب العتق ورد الشهادة فأشبه الولد والوالد القريبين

فصل ويشترط لوجوب الإنفاق ثلاثة شروط أحدها أن يكونوا فقراء لا مال لهم ولا كسب يستغنون به عن إنفاق غيرهم فإن كانوا موسرين بمال أو كسب يستغنون به فلا نفقة لهم لأنها تجب على سبيل المواساة والموسر مستغن عن المواساة

الثاني أن تكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم فاضلا عن نفقة نفسه إما من ماله وإما من كسبه

فأما


170

من لا يفضل عنه شيء فليس عليه شيء لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه فإن فضل فعلى عياله فإن كان فضل فعلى قرابته وفي لفظ ابدأ بنفسك ثم بمن تعول حديث صحيح

وروى أبو هريرة أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله عندي دينار قال تصدق به على نفسك

قال عندي آخر قال تصدق به على ولدك

قال عندي آخر قال تصدق به على زوجك

قال عندي آخر قال تصدق به على خادمك

قال عندي آخر قال أنت أبصر رواه أبو داود ولأنها مواساة فلا تجب على المحتاج كالزكاة

الثالث أن يكون المنفق وارثا لقول الله تعالى وعلى الوارث مثل ذلك البقرة 233 ولأن بين المتوارثين قرابة تقتضي كون الوارث أحق بمال الموروث من سائر الناس فينبغي أن يختص بوجوب صلته بالنفقة دونهم فإن لم يكن وارثا لعدم القرابة لم تجب عليه النفقة لذلك وإن امتنع الميراث مع وجود القرابة لم يخل من ثلاثة أقسام أحدها أن يكون أحدهما رقيقا فلا نفقة لأحدهما على صاحبه بغير خلاف لأنه لا ولاية بينهما ولا إرث فأشبه الأجنبيين ولأن العبد لا مال له فتجب عليه النفقة وكسبه لسيده ونفقته على سيده فيستغني بها عن نفقة غيره

الثاني أن يكون دينهما مختلفا فلا نفقة لأحدهما على صاحبه وذكر القاضي في عمودي النسب روايتين إحداهما تجب النفقة مع اختلاف الدين وهو مذهب الشافعي لأنها نفقة تجب مع اتفاق الدين فتجب مع اختلافه كنفقة الزوجة والمملوكة ولأنه يعتق على قريبه فيجب عليه الإنفاق عليه كما لو اتفق دينهما

ولنا إنها مواساة على سبيل البر والصلة فلم تجب مع اختلاف الدين كنفقة غير عمودي النسب ولأنهما غير متوارثين فلم يجب لأحدهما على الآخر نفقته بالقرابة كما لو كان أحدهما رقيقا وتفارق نفقة الزوجات لأنها عوض يجب مع الإعسار فلم ينافيها اختلاف الدين كالصداق والأجرة وكذلك تجب مع الرق فيهما أو في أحدهما وكذلك نفقة المماليك والعتق عليه يبطل بسائر ذوي الرحم المحرم فإنهم يعتقون مع اختلاف الدين ولا نفقة لهم معه ولأن هذه صلة ومواساة فلا تجب مع اختلاف الدين كأداء زكاته إليه وعقله عنه وإرثه منه

الثالث أن يكون القريب محجوبا عن الميراث بمن هو أقرب منه فينظر فإن كان الأقرب موسرا فالنفقة عليه ولا شيء على المحجوب به لأن الأقرب أولى بالميراث منه فيكون أولى بالإنفاق وإن كان الأقرب معسرا وكان من ينفق عليه من عمودي النسب وجبت نفقته على الموسر وذكر القاضي في أب معسر وجد موسر أن النفقة على الجد وقال في أم معسرة وجدة موسرة النفقة على الجدة وقد قال أحمد لا يدفع الزكاة إلى ولد ابنته لقول النبي صلى الله عليه وسلم آن ابني هذا سيد فسماه ابنه وهو ابن ابنته وإذا منع من دفع الزكاة إليهم لقرابتهم يجب أن تلزمه نفقتهم عند حاجتهم وهذا مذهب الشافعي

وإن كان من غير عمودي النسب لم تجب النفقة عليه إذا كان محجوبا قال القاضي وأبو الخطاب في ابن فقير وأخ موسر لا نفقة عليهما لأن الابن لا نفقة عليه لعسرته والأخ


171

لا نفقة عليه لعدم إرثه ولأن قرابته صعيفة لا تمنع شهادته له فإذا لم يكن وارثا لم تجب عليه النفقة كذوي الرحم ويتخرج في كل وارث لولا الحجب إذا كان من يحجبه معسرا وجهان أحدهما لا نفقة عليه لأنه ليس بوارث أشبه الأجنبي

والثاني عليه النفقة لوجود القرابة المقتضية للإرث والإنفاق والمانع من الإرث لا يمنع من الإنفاق لأنه معسر لا يمكنه الإنفاق فوجوده بالنسبة إلى الإنفاق كعدمه

فصل فأما ذوو الأرحام الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب فإن كانوا من غير عمودي النسب فلا نفقة عليهم

نص عليه أحمد فقال الخالة والعمة لا نفقة عليهما قال القاضي لا نفقة لهم رواية واحدة وذلك لأن قرابتهم ضعيفة وإنما يأخذون ماله عند عدم الوارث فهم كسائر المسلمين فإن المال يصرف إليهم إذا لم يكن للميت وارث وذلك الذي يأخذه بيت المال ولذلك يقدم الرد عليهم وقال أبو الخطاب يخرج فيهم رواية أخرى أن النفقة تلزمهم عند عدم العصبات وذوي الفروض لأنهم وارثون في تلك الحال قال ابن أبي موسى هذا يتوجه على معنى قوله والأول هو المنصوص عنه فأما عمود النسب فذكر القاضي ما يدل على أنه يجب الإنفاق عليهم سواء كانوا من ذوي الأرحام كأب الأم وابن البنت أو من غيرهم وسواء كانوا محجوبين أو وارثين وهذا مذهب الشافعي وذلك لأن قرابتهم قرابة جزئية وبعضية وتقتضي رد الشهادة وتمنع جريان القصاص على الوالد بقتل الولد وإن سفل فأوجبت النفقة على كل حال كقرابة الأب الأدنى

فصل ولا يشترط في وجوب نفقة الوالدين والمولودين نقص الخلقة ولا نقص الأحكام في ظاهر المذهب وظاهر كلام الخرقي فإنه أوجب نفقتهم مطلقا إذا كانوا فقراء وله ما ينفق عليهم وقال القاضي لا يشترط في الوالدين وهل يشترط ذلك في الولد فكلام أحمد يقتضي روايتين إحداهما تلزمه نفقته لأنه فقير

والثانية إن كان يكتسب فينفق على نفسه لم تلزم نفقته وهذا القول يرجع إلى أن الذي لا يقدر على كسب ما يقوم به تلزم نفقته رواية واحدة سواء كان ناقص الأحكام كالصغير والمجنون أو ناقص الخلقة كالزمن وإنما الروايتان فيمن لا حرفة له ممن يقدر على الكسب ببدنه وقال الشافعي يشترط نقصانه إما من طريق الحكم أو من طريق الخلقة وقال أبو حنيفة ينفق على الغلام حتى يبلغ فإذا بلغ صحيحا انقطعت نفقته ولا تسقط نفقة الجارية حتى تزوج ونحوه قال مالك إلا أنه قال ينفق على النساء حتى يتزوجن ويدخل بهن الأزواج ثم لا نفقة لهن وإن طلقن ولو طلقن قبل البناء بهن فهن على نفقتهن

ولنا قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف لم يستثن منهم بالغا ولا صحيحا ولأنه والد أو ولد فقير فاستحق النفقة على والده أو ولده الغني كما لو كان زمنا أو مكفوفا فأما الوالد فإن أبا حنيفة وافقنا على وجوب نفقته صحيحا إذا لم يكن ذا كسب وللشافعي في ذلك قولان

ولنا إنه والد محتاج فأشبه الزمن

فصل ومن كان له أب من أهل الإنفاق لم تجب نفقته على سواه لأن الله تعالى قال فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن


172

الطلاق وقال وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن البقرة 233 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فجعل النفقة على أبيهم دونها

ولا خلاف في هذا نعلمه إلا أن لأصحاب الشافعي فيما إذا اجتمع للفقير أب وابن موسران وجهين أحدهما أن النفقة على الأب وحده

والثاني عليهما جميعا لتساويهما في القرب

ولنا إن النفقة على الأب منصوص عليها فيجب اتباع النص وترك ما عداه

فصل ويلزم الرجل إعفاف ابنه إذا احتاج إلى النكاح وهذا ظاهر مذهب الشافعي ولهم في إعفاف الأب الصحيح وجه آخر أنه لا يجب

وقال أبو حنيفة لا يلزم الرجل إعفاف أبيه سواء وجبت نفقته أو لم تجب لأن ذلك من أعظم الملاذ فلم تجب للأب فالحلواء ولأنه أحد الأبوين فلم يجب له ذلك كالأم

ولنا إن ذلك مما تدعو حاجته إليه ويستضر بفقده فلزم ابنه له كالنفقة ولا يشبه الحلواء لأنه لا يستضر بفقدها وإنما يشبه الطعام والأدم وأما الأم فإنما إعفافها بتزويجها إذا طلبت ذلك وخطبها كفؤها ونحن نقول بوجوب ذلك عليه وهم يوافقوننا في ذلك

إذا ثبت هذا فإنه يجب إعفاف من لزمت نفقته من الآباء والأجداد فإن اجتمع جدان ولم يمكن إلا إعفاف أحدهما قدم الأقرب إلا أن يكون أحدهما من جهة الأب والآخر من جهة الأم فيقدم الذي من جهة الأب وإن بعد لأنه عصبة والشرع قد اعتبر جهته في التوريث والتعصيب فكذلك في الإنفاق والاستحقاق

فصل وإذا وجب عليه إعفاف أبيه فهو مخير إن شاء زوجه حرة وإن شاء ملكه أمة أو دفع إليه ما يتزوج به حرة أو يشتري به أمة وليس للأب التخيير عليه إلا أن الأب إذا عين امرأة وعين الابن أخرى وصداقهما واحد قدم تعيين الأب لأن النكاح له والمؤونة واحدة فقدم قوله كما لو عينت البنت كفؤا وعين الأب كفؤا يقدم تعيينها وإن اختلفا في الصداق لم يلزم الابن الأكثر لأنه إنما يلزم أقل ما تحصل به الكفاية ولكن ليس له أن يزوجه أو يملكه قبيحة أو كبيرة إلا استمتاع فيها وليس له أن يزوجه أمة لأن فيه ضررا عليه وهو إرقاق ولده والنقص في استمتاعه وإن رضي الأب بذلك لم يجز لأن الضرر يلحق بغيره وهو الولد ولذلك لم يكن للموسر أن يتزوج أمة وإذا زوجه زوجة أو ملكه أمة فعليه نفقته ونفقتها ومتى أيسر الأب لم يكن للولد استرجاع ما دفعه إليه ولا عوض ما زوجه به لأنه دفعه إليه في حال وجوبه عليه فلم يملك استرجاعه كالزكاة وإن زوجه أو ملكه أمة فطلق الزوجة أو أعتق الأمة لم يكن عليه أن يزوجه أو يملكه ثانيا لأنه فوت ذلك على نفسه وإن ماتتا فعليه إعفافه ثانيا لأنه لا صنع له في ذلك


173

فصل قال أصحابنا وعلى الأب إعفاف ابنه إذا كانت عليه نفقته وكان محتاجا إلى إعفافه وهو قول بعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم لا يجب ذلك عليه

ولنا إنه من عمودي نسبه وتلزمه نفقته فيلزمه إعفافه عند حاجته إليه كأبيه

قال القاضي وكذلك يجيء في كل من لزمته نفقته من أخ وعم أو غيرهم لأن أحمد قد نص في العبد يلزمه أن يزوجه إذا طلب ذلك وإلا بيع عليه وكل من لزمه إعفافه لزمته نفقة زوجته لأنه لا يتمكن من الإعفاف إلا بذلك وقد روي عن أحمد أنه لا يلزم الأب نفقة زوجة الابن وهذا محمول على أن الابن كان يجد نفقتها

مسألة

قال ( وكذلك الصبي إذا لم يكن له أب أجبر وارثه على نفقته على قدر ميراثهم منه ) ظاهر المذهب أن النفقة تجب على كل وارث لموروثه إذا اجتمعت الشروط التي تقدم ذكرنا لها وبه قال الحسن ومجاهد والنخعي وقتادة والحسن بن صالح وابن أبي ليلى وأبو ثور وحكى ابن المنذر عن أحمد في الصبي المرضع لا أب له ولا جد نفقته وأجر رضاعه على الرجال دون النساء وكذلك روى بكر بن محمد عن أبيه عن أحمد النفقة على العصبات وبه قال الأوزاعي وإسحاق وذلك لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قضى علي بني عم منفوس بنفقته احتج به أحمد وقال ابن المنذر روي عن عمر أنه حبس عصبة ينفقون على صبي الرجال دون النساء ولأنها مواساة ومعونة تختص القرابة فاختصت بالعصبات كالعقل

وقال أصحاب الرأي تجب النفقة على كل ذي رحم محرم ولا تجب على غيرهم لقول الله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله الأنفال 75 وقال مالك والشافعي وابن المنذر لا نفقة إلا على المولودين والوالدين لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأله عندي دينار قال أنفقه على نفسك قال عندي آخر قال أنفقه على أهلك

قال عندي آخر قال أنفقه على خادمك

قال عندي آخر قال أنت أعلم به ولم يأمره بإنفاقه على غير هؤلاء ولأن الشرع إنما ورد بنفقة الوالدين والمولودين ومن سواهم لا يلحق بهم في الولادة وأحكامها فلا يصح قياسه عليهم

ولنا قول الله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ثم قال وعلى الوارث مثل ذلك البقرة 233 فأوجب على الأب نفقة الرضاع ثم عطف الوارث عليه فأوجب على الوارث مثل ما أوجب على الوالد

وروي أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم من أبر قال أمك وأباك وأختك وأخاك وفي لفظ ومولاك الذي هو أدناك حقا واجبا ورحما موصولا رواه أبو داود

وهذا نص لأن النبي صلى الله عليه وسلم ألزمه الصلة والبر والنفقة من الصلة جعلها حقا واجبا وما احتج به أبو حنيفة حجة عليه فإن اللفظ عام في كل ذي رحم فيكون حجة عليه فيمن


174

عدا ذا الرحم المحرم وقد اختصت بالوارث في الإرث فكذلك في الإنفاق

وأما خبر أصحاب الشافعي فقضية في عين يحتمل أنه لم يكن له غير من أمر بالإنفاق عليه ولهذا لم يذكر الوالد والأجداد وأولاد الأولاد وقولهم لا يصح القياس قلنا إنما أثبتناه بالنص ثم إنهم قد ألحقوا أولاد الأولاد بالأولاد مع التفاوت فبطل ما قالوه

إذا ثبت هذا فإنه يختص بالوارث بفرض أو تعصيب لعموم الآية ولا يتناول ذوي الأرحام على ما مضى بيانه فإن كان اثنان يرث أحدهما الآخر ولا يرثه الآخر كالرجل مع عمته أو ابنة عمه وابنة أخيه والمرأة مع ابنة بنتها وابن بنتها فالنفقة على الوارث دون الموروث

نص عليه أحمد في رواية ابن زياد فقال يلزم الرجل نفقة عمته ولا يلزمه نفقة بنت أخته وذكر أصحابنا رواية أخرى لا تجب النفقة على الوارث هاهنا لقول أحمد العمة والخالة لا نفقة لهما إلا أن القاضي قال هذه الرواية محمولة على العمة من الأم فإنه لا يرثها لكونه ابن أخيها من أمها وقد ذكر الخرقي أن على الرجل نفقة معتقه لأنه وارثه

ومعلوم أن المعتق لا يرث معتقه ولا تلزمه نفقته فعلى هذا يلزم الرجل نفقة عمته لأبويه أو لأبيه وابنة عمه وابن أخته كذلك ولا يلزمهن نفقته وهذا هو الصحيح إن شاء الله لقول الله تعالى وعلى الوارث مثل ذلك البقرة 233 وكل واحد من هؤلاء وارث

مسألة

قال ( فإن كان للصبي أم وجد فعلى الأم ثلث النفقة وعلى الجد ثلثا النفقة ) وجملته أنه إذا لم يكن للصبي أب فالنفقة على وارثه فإن كان له وارثان فالنفقة عليهما على قدر إرثهما منه وإن كانوا ثلاثة أو أكثر فالنفقة بينهم على قدر إرثهم منه فإذا كان له أم وجد فعلى الأم الثلث والباقي على الجد لأنهما يرثانه كذلك وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي النفقة كلها على الجد لأنه ينفرد بالتعصيب فأشبه الأب

وقد ذكرنا رواية أخرى عن أحمد أن النفقة على العصبات خاصة

ولنا قول الله تعالى وعلى الوارث مثل ذلك البقرة 223 والأم وارثة فكان عليها بالنص ولأنه معنى يستحق بالنسب فلم يختص به الجد دون الأم كالوارثة

فصل وإن اجتمع ابن وبنت فالنفقة بينهما أثلاثا كالميراث وقال أبو حنيفة النفقة عليهما سواء لأنهما سواء في القرب

وإن كان أم وابن فعلى الأم السدس والباقي على الابن وإن كانت بنت وابن ابن فالنفقة بينهما نصفين وقال أبو حنيفة النفقة على البنت لأنها أقرب وقال الشافعي في هذه المسائل الثلاث النفقة على الابن لأنه العصبة وإن كانت له أم وبنت فالنفقة بينهما أرباعا لأنهما يرثانه كذلك

وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي النفقة على البنت لأنها تكون عصبة مع أخيها وإن كانت له بنت وابن بنت فالنفقة على البنت وقال أصحاب الشافعي أحد الوجهين النفقة على ابن البنت لأنه ذكر


175

ولنا قول الله تعالى وعلى الوارث مثل ذلك البقرة 233 فرتب النفقة على الإرث فيجب أن تترتب في المقدار عليه وإيجابها على ابن البنت بخلاف النص والمعنى فإنه ليس بعصبة ولا وارث فلا معنى لإيجابها عليه دون البنت الوارثة

مسألة

قال ( فإن كانت جدة وأخا فعلى الجدة سدس النفقة والباقي على الأخ وعلى هذا المعنى حساب النفقات ) يعني أن ترتيب النفقات على ترتيب الميراث فكما أن للجدة هاهنا سدس الميراث فعليها سدس النفقة وكما أن الباقي للأخ فكذلك الباقي من النفقة عليه وعند من لا يرى النفقة على غير عمودي النسب يجعل النفقة كلها على الجدة وهذا أصل قد سبق الكلام فيه فإن اجتمع بنت وأخت أو بنت وأخ أو بنت وعصبة أو أخت وعصبة أو أخت وأم أو بنت وبنت ابن أو أخت لأبوين وأخت لأب أو ثلاث أخوات متفرقات فالنفقة بينهم على قدر الميراث في ذلك سواء كان في المسألة رد أو عول أو لم يكن وعلى هذا تحسب ما أتاك من مسائل وإن اجتمع أم أم وأم أب فهما سواء في النفقة لاستوائهما في الميراث

فصل فإن اجتمع أبو أم فالنفقة على أم الأم لأنها الوارثة وإن اجتمع أبو أب فعلى أم الأب السدس والباقي على الجد وإن اجتمع جد وأخ فهما سواء وإن اجتمعت أم وأخ وجد فالنفقة بينهم أثلاثا وقال الشافعي النفقة على الجد في هذه المسائل كلها إلا المسألة الأولى فالنفقة عليهما بالسوية وقد مضى الكلام على أصل هذا فيما تقدم

فصل فإن كان فمين عليه النفقة خنثى مشكل فالنفقة عليه بقدر ميراثه فإن انكشف بعد ذلك حاله فبان أنه أنفق أكثر من الواجب عليه رجع بالزيادة على شريكه في الإنفاق وإن بان أنه أنفق أقل رجع عليه فلو كان للرجل ابن وولد خنثى عليهما نفقته فأنفقا عليه ثم بان أن الخنثى ابن رجع عليه أخوه بالزيادة وإن بان بنتا رجعت على أخيها بفضل نفقتها لأن من له الفضل أدى ما لا يجب عليه أداؤه معتقدا وجوبه فإذا تبين خلافه رجع بذلك

كما لو أدى ما يعتقده دينا فأبان بخلافه

فصل فإن كان له قرابتان موسران وأحدهما محجوب عن ميراثه فقير فقد ذكرنا أنه إن كان المحجوب من عمودي النسب فالظاهر أن الحجب لا يسقط النفقة عنه وإن كان من غيرهما فلا نفقة عليه فعلى هذا إذا كان له أبوان وجد والأب معسر كان الأب كالمعدوم فيكون على الأم ثلث النفقة والباقي على الجد وإن كان معهم زوجة فكذلك

وإن قلنا لا نفقة على المحجوب فليس على الأم هاهنا إلا ربع النفقة ولا شيء على الجد وإن كان أبوان وأخوان وجد والأب معسر فلا شيء على الأخوين لأنهما محجوبان وليسا من عمودي النسب


176

ويكون على الأم الثلث والباقي على الجد كما لو لم يكن أحد غيرهما ويحتمل أن لا يجب على الأم إلا السدس لأنه لو كان الأب معدوما لم ترث إلا السدس وإن قلنا إن كل محجوب لا نفقة عليه فليس على الأم إلا السدس ولا شيء على غيرها وإن لم يكن في المسألة جد فالنفقة كلها على الأم على القول الأول وعلى الثاني ليس عليها إلا السدس وإن قلنا إن على المحجوب بالمعسر النفقة وإن كان من غير عمودي النسب فعلى الأم السدس والباقي على الجد والأخوين أثلاثا كما يرثون إذا كان الأب معدوما وإن كان بعض من عليه النفقة غائبا وله مال حاضر أنفق الحاكم منه حصته وإن لم يوجد له مال حاضر فأمكن الحاكم الاقتراض عليه اقترض فإذا قدم فعليه وفاؤه

فصل ومن لم يفضل عن قوته إلا نفقة شخص وله امرأة فالنفقة لها دون الأقارب لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه فإن كان له فضل فعلى عياله فإن كان له فضل فعلى قرابته ولأن نفقة القريب مواساة ونفقة المرأة تجب على سبيل المعاوضة فقدمت على مجرد المواساة ولذلك وجبت مع يسارهما وإعسارهما ونفقة القريب بخلاف ذلك ولأن نفقة الزوجة تجب لحاجته فقدمت على نفقة القرابة كنفقة نفسه ثم من بعدها نفقة الرقيق لأنها تجب مع اليسار والإعسار فقدمت على مجرد المواساة ثم من بعد ذلك الأقرب فالأقرب

فإن اجتمع أب وجد وابن وابن ابن قدم الأب على الجد والابن على ابنه وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين يستوي الأب والجد والابن وابنه لتساويهم في الولادة والتعصيب

ولنا إن الأب والابن أقرب وأحق بميراثه فكانا أحق كالأب مع الأخ

وإن اجتمع ابن وجد أو أب وابن ابن احتمل وجهين أحدهما تقديم الابن والأب لأنهما أقرب فإنهما يليانه بغير واسطة ولا يسقط إرثهما بحال والجد وابن الابن بخلافهما ويحتمل التسوية بينهما لأنهما سواء في الإرث والتعصيب والولادة وإن اجتمع جد وابن ابن فهما سواء لتساويهما في القرب والإرث والولادة والتعصيب ويحتمل فيهما ما يحتمل في الأب والابن على ما سنذكره

فصل وإن اجتمع أب وابن فقال القاضي إن كان الابن صغيرا أو مجنونا قدم لأن نفقته وجبت بالنص مع أنه عاجز عن الكسب والأب قد يقدر عليه وإن كان الابن كبيرا والأب زمن فهو أحق لأن حرمته آكد وحاجته أشد ويحتمل تقديم الابن لأن نفقته وجبت بالنص وإن كانا صحيحين فقيرين ففيهما ثلاثة أوجه أحدها التسوية بينهما لتساويهما في القرب وتقابل مرتبتهما

والثاني تقديم الابن لوجوب نفقته بالنص

والثالث تقديم الأب لتأكد حرمته وإن اجتمع أبوان

ففيهما الوجوه الثلاثة أحدها التسوية لما ذكرنا والثاني تقديم الأم لأنها أحق بالبر ولها فضيلة الحمل والرضاع والتربية وزيادة الشفقة وهي أضعف وأعجز والثالث تقديم الأب لفضيلته وانفراده بالولاية على ولده واستحقاق الأخذ من ماله وإضافة النبي صلى الله عليه وسلم الولد وماله إليه بقوله أنت ومالك لأبيك والأول أولى وإن اجتمع جد وأخ احتمل التسوية بينهما لاستوائهما في


177

استحقاق ميراثه والصحيح أن الجد أحق لأنه له مزية الولادة والأبوة ولأن ابن ابنه يرثه ميراث ابن ويرث الأخ ميراث أخ وميراث الابن آكد فالنفقة الواجبة به تكون آكد

وإن كان مكان الأخ ابن أخ أو عم فالجد أولى بكل حال

فصل والواجب في نفقة القريب قدر الكفاية من الخبز والأدم والكسوة بقدر العادة على ما ذكرناه في الزوجة لأنها وجبت للحاجة فتقدرت بما تندفع به الحاجة

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فقدر نفقتها ونفقة ولدها بالكفاية فإن احتاج إلى خادم فعليه إخدامه كما قلنا في الزوجة لأن ذلك من تمام كفايته

مسألة

قال ( وعلى المعتق نفقة معتقه إذا كان فقيرا لأنه وارثه ) هذا مبني على الأصل الذي تقدم وأن النفقة تجب على الوارث والمعتق وارث عتيقه فتجب عليه نفقته إذا كان فقيرا ولمولاه يسار ينفق عليه منه

وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي لا تجب عليه نفقته بناء على أصولهم التي ذكرناها

ولنا قول الله تعالى وعلى الوارث مثل ذلك البقرة 223 وقال النبي صلى الله عليه وسلم أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك ومولاك الذي يلي ذاك حقا واجبا ورحما موصولا ولأنه يرثه بالتعصيب فكانت عليه نفقته كالأب ويشترط في وجوب الإنفاق عليه الشروط المذكورة في غيره

فصل فإن مات مولاه فالنفقة على الوارث من عصباته على ما بين في باب الولاء

ويجب على السيد نفقة أولاد عتيقه إذا كان له عليهم ولاء لأنه عصبتهم ووارثهم وعليه نفقة أولاد معتقه إذا كان أبوهم عبدا كذلك

فإن أعتق أبوهم فانجر الولاء إلى معتقه صار ولاؤه لمعتق أبيهم ونفقتهم عليه إذا كملت الشروط وليس على المعتق نفقة معتقه إذا كان فقيرا لأنه لا يرثه فإن كان كل واحد منهما مولى صاحبه مثل أن يعتق الحربي عبدا ثم يسبي العبد سيده فيعتقه فعلى كل واحد منهما نفقة الآخر لأنه يرثه

مسألة

قال ( وإذا زوجت الأمة لزم زوجها أو سيده إن كان مملوكا نفقتها ) وجملته أن زوج الأمة لا يخلو إما أن يكون حرا أو عبدا أو بعضه حر وبعضه عبد فإن كان حرا فنفقتها عليه للنص واتفاق أهل العلم على وجوب نفقة الزوجات على أزواجهن البالغين والأمة داخلة في عمومهن ولأنها زوجة ممكنة من نفسها فوجب على زوجها نفقتها كالحرة وإن كان زوجها مملوكا فالنفقة واجبة لزوجته لذلك

قال ابن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن على العبد نفقة زوجته هذا قول الشعبي والحكم والشافعي وبه قال أصحاب الرأي إذا بوأها بيتا

وحكي عن مالك أنه قال ليس عليه نفقتها لأن النفقة مواساة وليس هو من أهلها ولذلك لا تجب عليه نفقة أقاربه ولا زكاة ماله


178

ولنا إنها عوض واجب في النكاح فوجبت على العبد كالمهر والدليل على أنها عوض أنها تجب في مقابلة التمكين ولهذا تسقط عن الحر بفوات التمكين وفارق نفقة الأقارب

إذا ثبت وجوبها على العبد فإنها تلزم سيده لأن السيد أذن له في النكاح المفضي إلى إيجابها وقال ابن أبي موسى فيه رواية أخرى أنها تجب في كسب العبد وهو قول أصحاب الشافعي لأنه لم يمكن إيجابها في ذمته ولا رقبته ولا ذمة سيده ولا إسقاطها فلم يبق إلا أن تتعلق بكسبه وقال القاضي تتعلق برقبته لأن الوطء في النكاح بمنزلة الجناية وأرش جناية العبد يتعلق برقبته يباع فيها أو يفديه سيده وهذا قول أصحاب الرأي

ولنا إنه دين أذن السيد فيه فلزم ذمته كالذي استدانه وكيله

وقولهم إنه في مقابلة الوطء غير صحيح فإنه يجب من غير وطء ويجب للرتقاء والحائض والنفساء وزوجة المجبوب والصغير وإنما يجب بالتمكين وليس ذلك بجناية ولا قائم مقامها

وقول من قال إنه تعذر إيجابه في ذمة السيد غير صحيح فإنه لا مانع من إيجابه وقد ذكرنا وجود مقتضيه فلا معنى لدعوى التعذر

مسألة

قال ( وإن كانت أمة تأوي بالليل عند الزوج وبالنهار عند المولى أنفق كل واحد منهما مدة مقامها عنده ) هذه المسألة قد تقدمت وذكرنا أن النفقة في مقابلة التمكين وقد وجد منها في الليل فتجب على الزوج النفقة فيه والباقي منها على السيد بحكم أنها مملوكته لم تجب له نفقة على غيره في هذا الزمن فيكون على هذا على كل واحد منهما نصف النفقة وهذا أحد قولي الشافعي

وقال في الآخر لا نفقة لها على الزوج لأنها لم تمكن من نفسها في جميع الزمان فلم يجب لها شيء من النفقة كالحرة إذا بذلت نفسها في أحد الزمانين دون الآخر

ولنا إنه وجد التمكين الواجب بعقد النكاح استحقت النفقة كالحرة إذا مكنت من نفسها في غير أوقات الصلوات المفروضات والصوم الواجب والحج المفروض وفارق الحرة إذا امتنعت في أحد الزمانين فإنها لم تبذل الواجب فتكون ناشزا وهذه ليست ناشزا ولا عاصية

مسألة

قال ( فإن كان لها ولد لم لتزمه نفقة ولده حرا كان أو عبدا

ونفقتهم على سيدهم ) يعني الأمة ليس على زوجها نفقة ولده منها وإن كان حرا لأن ولد الأمة عبد لسيدها فإن الولد يتبع أمه في الرق والحرية فتكون نفقتهم على سيدهم دون أبيهم فإن العبد أخص بسيده من أبيه ولذلك لا ولاية بينه وبين أبيه ولا ميراث ولا إنفاق وكل ذلك للسيد وقد رويت عن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى أن ولد العربي يكون حرا وعلى أبيه فداؤه فعلى هذا تكون نفقتهم عليه ولو أعتق الولد سيده أو علق عتقه بولادة أو تزوج الأمة على أنها حرة فولده منها أحرار وعلى أبيهم نفقتهم في هذه المواضع كلها إذا كان حرا وتحققت فيه شرائط الإنفاق


179

فصل وإذا طلق الأمة طلاقا رجعيا فلها النفقة في العدة لأنها زوجة وإن أبانها وهي حائل فلا نفقة لها لأنها لو كانت حرة لم يكن لها نفقة فالأمة أولى وإن كانت حاملا فلها النفقة لقوله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن الطلاق 6 نص على هذا أحمد وبه قال إسحاق وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله في نفقة الحامل روايتان هل هي للحمل أو للحامل بسببه إحداهما هي للحمل فعلى هذا لا تجب للمملوكة الحامل البائن نفقة لأن الحمل مملوك لسيدها فنفقته عليه وللشافعي في هذا قولان كالروايتين

فصل وإن طلق العبد زوجته الحامل طلاقا بائنا انبنى على وجوب النفقة على الروايتين في النفقة هل هي للحمل أو للحامل فإن قلنا هي للحمل فلا نفقة على العبد وبه قال مالك وروي ذلك عن الشعبي لأنه لا تجب عليه نفقة ولده وإن قلنا هي للحامل بسببه وجبت لها النفقة وهذا قول الأوزاعي لأن الله تعالى قال وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن الطلاق 6 ولأنها حامل فوجبت لها النفقة كما لو كان زوجها حرا

فصل والمعتق بعضه عليه من نفقة امرأته بقدر ما فيه من الحرية وباقيها على سيده أو ضريبته أو في رقبته على ما ذكرنا في العبد والقدر الذي يجب عليه بالحرية يعتبر فيه حاله إن كان موسرا فنفقة الموسرين وإن كان معسرا فنفقة المعسرين والباقي تجب فيه نفقة المعسرين لأن النفقة مما يتبعض وما يتبعض بعضناه في حق المعتق بعضه كالميراث والديات وما لا يتبعض فهو فيه كالعبد لأن الحرية إما شرط فيه أو سبب له فلم يكمل

وهذا اختيار المزني وقال الشافعي حكمه حكم القن في الجميع إلحاقا لأحد الحكمين بالآخر

ولنا إنه يملك بنصفه الحر ملكا تاما ولهذا يورث عنه ويكفر بالإطعام ويجب فيه نصف دية الحرب فوجب أن تتبعض نفقته لأنها من جملة الأحكام القابلة للتبعيض

فأما نفقة أقاربه فيلزمه منها بقدر ميراثه لأن النفقة تنبني على الميراث تلزمه كلها لأنها لا تتبعض وعند الشافعي لا يلزمه شيء لأن حكمه حكم العبيد وقد سبق الكلام في هذا

مسألة

قال ( وليس على العبد نفقة ولده حرة كانت الزوجة أو أمة ) أما إذا كانت زوجة العبد حرة فولدها أحرار لأن الولد يتبع الأم في الرق والحرية وليس على العبد نفقة أقاربه الأحرار لأن نفقتهم تجب على سبيل المواساة وليس هو من أهلها وأما إذا كانت زوجته مملوكة فولدها عبيد لسيدها لأنهم يتبعونها فتكون نفقتهم على سيدهم


180

فصل وحكم المكاتب في نفقة الزوجات والأولاد والأقارب حكم العبد القن لأنه عبد ما بقي عليه درهم إلا أنه إذا كانت له زوجة أنفق عليها من كسبه لأن نفقة الزوجة واجبة بحكم المعاوضة مع اليسار والإعسار ولذلك وجبت على العبد فعلى المكاتب أولى

ولأن نفقة المرأة لا تسقط على أحد من الناس إذا لم يوجد منها ما يسقط نفقتها ولا يمكن إيجابها على سيده لأن نفقة المكاتب لا تجب على سيده فنفقة امرأته أولى

فأما نفقة أولاده وأقاربه الأحرار فلا تجب عليه لأنها تجب على سبيل المواساة وليس هو من أهلها ولذلك لا تجب عليه الزكاة في ماله ولا الفطرة في بدنه فإن كانت زوجته حرة فنفقة أولادها عليها لأنهم يتبعونها في الحرية وإن كان لهم أقارب أحرار كجد حر وأخ حر مع الأم أنفق كل واحد منهم بحسب ميراثه والمكاتب كأنه معدوم بالنسبة إلى النفقة

مسألة

قال ( وعلى المكاتبة نفقة ولدها دون أبيه المكاتب ) وجملته أن المكاتب إذا كان له ولد ولم يخل إما أن يكون من زوجته أو من أمته فإن كان من زوجته وكانت مكاتبة فولدها يتبعونها في الكتابة ويكونون موقوفين على كتابتها إن رقت رقوا وإن عتقت بالأداء عتقوا فتكون نفقتهم عليها مما في يديها لأنهم في حكم نفسها ونفقتها مما في يديها فكذلك على ولدها وأما زوجها المكاتب فليس عليه نفقتهم لأنهم عبيد لسيد المكاتبة وإن كانت زوجته حرة أو أمة فقد بينا حكمهم وإن أراد المكاتب التبرع بالإنفاق على ولده وكان من أمة أو مكاتبة لغير سيده أو حرة لم يكن له ذلك لأن فيه تغريرا بمال سيده وإن كان من أمة لسيده جاز لأنه مملوك لسيده فهو ينفق عليه من المال الذي تعلق به حق سيده وإن كان من مكاتبة لسيده احتمل الجواز لأنه في الحال بمنزلة أمه وأمه مملوكة لسيدها ويحتمل أن لا يجوز لأن فيه تغريرا إذ لا يحتمل أن يعجز هو وتؤدي المكاتبة فيعتق ولدها فيحصل الإنفاق عليها من مال سيده ويصير حرا

مسألة

قال ( أوعلى المكاتب نفقة ولده من أمته ) أما ولد المكاتب من أمته فنفقتهم عليه لأن ولده من أمته تابع له يرق برقه ويعتق بعتقه فجرى مجرى نفسه في النفقة فكما أن المكاتب ينفق على نفسه فكذلك على ولده الذي هذا حاله ولأن هذا الولد ليس له من ينفق عليه سوى أبيه فإن أمه أمة للمكاتب وليس له من الأحرار أقارب فيتعين على المكاتب الإنفاق عليه كأمه ولأنه لا ضرر على السيد في إنفاق المكاتب على ولذه من أمته لأنه إن أدى وعتق فقد وفى مال الكتابة وليس للسيد أكثر منها وإن عجز ورق عاد إليه المكاتب وولده الذي أنفق عليه فكأنه إنما أنفق على عبده وتصير نفقته عليه كنفقته على سائر رقيقه

فصل وليس للمكاتب أن يتسرى بأمته إلا بإذن سيده لأن ملكه غير تام وعلى السيد ضرر في تسريه بها لما فيه من التغرير بها وإن أذن له سيده في ذلك جاز لأن المنع لحقه فجاز بإذنه كما لو أذن لعبده القن


181

وإن وطىء بغير إذنه فلا حد عليه لأنه وطىء مملوكته فإن أولدها في الموضعين صارت أم ولد له ليس له بيعها ولا بيع ولده فإن عتق عتق ولدها وصارت الأمة أم ولد تعتق بموته وإن رق رقت هي وولدها وصارت أمة لسيده والمكاتب وولده عبدان له ويلزم المكاتب الإنفاق على عبيده وإمائه وأمهات أولاده لأنهم ملك له فلزمه الإنفاق عليهم كبهائمه


182

باب الحال التي تجب فيها النفقة على الزوج

مسألة

قال رحمه الله ( وإذا تزوج بامرأة مثلها يوطأ فلم تمنعه نفسها ولا منعه أولياؤها لزمته النفقة ) وجملة ذلك أن المرأة تستحق النفقة على زوجها بشرطين أحدهما أن تكون كبيرة يمكن وطؤها فإن كانت صغيرة لا تحتمل الوطء فلا نفقة لها

وبهذا قال الحسن وبكر بن عبد الله المزني والنخعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وهو منصوص عن الشافعي

وقال في موضع لو قيل لها النفقة كان مذهبا

وهذا قول الثوري لأن تعذر الوطء لم يكن بفعلها فلم يمنع وجوب النفقة لها كالمرض

ولنا إن النفقة تجب بالتمكين من الاستمتاع ولا يتصور ذلك مع تعذر الاستمتاع فلم تجب نفقتها كما لو منعه أولياؤها من تسليم نفسها وبهذا يبطل ما ذكروه ويفارق المريضة فإن الاستمتاع بها ممكن وإنما نقص بالمرض ولأن من لا تمكن الزوج من نفسها لا يلزم الزوج نفقتها فهذه أولى لأن تلك يمكن الزوج قهرها والاستمتاع بها كرها وهذه لا يمكن ذلك فيها بحال

الشرط الثاني أن تبذل التمكين التام من نفسها لزوجها فأما إن منعت نفسها أو منعها أولياؤها أو تساكتا بعد العقد فلم تبذل ولم يطلب فلا نفقة لها وإن أقاما زمنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة ودخلت عليه بعد سنتين ولم ينفق إلا بعد دخوله ولم يلتزم نفقتها لما مضى ولأن النفقة تجب في مقابلة التمكين المستحق بعقد النكاح فإذا وجد استحقت وإذا فقد لم تستحق شيئا ولو بذلت تسليما غير تام بأن تقول أسلم إليك نفسي في منزلي دون غيره أو في الموضع الفلاني دون غيره لم تستحق شيئا إلا أن تكون قد اشترطت ذلك في العقد لأنها لم تبذل التسليم الواجب بالعقد فلم تستحق النفقة كما لو قال البائع أسلم إليك السلعة على أن تتركها في موضعها أو في مكان بعينه وإن شرطت دارها أو بلدها فسلمت نفسها في ذلك استحقت النفقة لأنها سلمت التسليم الواجب عليها ولذلك لو سلم السيد أمته المزوجة ليلا دون النهار استحقت النفقة وفارق الحرة فإنها لو بذلت تسليم نفسها في بعض الزمان لم تستحق شيئا لأنها لم تسلم التسليم الواجب بالعقد وكذلك إن أمكنته من الاستمتاع ومنعته استمتاعا لم تستحق شيئا لذلك

فصل وإن غاب الزوج بعد تمكينها ووجوب نفقتها عليه لم تسقط عنه بل تجب عليه في زمن غيبته لأنها استحقت النفقة بالتمكين ولم يوجد منها ما يسقطها وإن غاب قبل تمكينها فلا نفقة لها عليه لأنه لم يوجد الموجب لها فإن بذلت التسليم وهو غائب لم تستحق نفقته لأنها بذلته في حال لا يمكنه التسليم فيه لكن إن


183

مضت إلى الحاكم فبذلت التسليم كتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي هو فيه ليستدعيه ويعلمه ذلك فإن سار إليها أو وكل من يسلمها إليه فوصل وسلمها هو أو نائبه وجبت النفقة حينئذ وإن لم يفعل فرض الحاكم عليه نفقتها من الوقت الذي كان يمكن الوصول إليها ويسلمها فيه لأن الزوج امتنع من تسلمها مع إمكان ذلك وبذلها إياه له فلزمته نفقتها كما لو كان حاضرا وإن كانت الزوجة صغيرة يمكن وطؤها أو مجنونة فسلمت نفسها إليه فتسلمها لزمته نفقتها كالكبيرة وإن لم يتسلمها لمنعها نفسها أو منع أوليائها فلا نفقة لها عليه وإن غاب الزوج فبذل وليها تسليمها فهو كما لو بذلت المكلفة التسليم فإن وليها يقوم مقامها وإن بذلت هي دون وليها لم يفرض الحاكم النفقة لها لأنه لا حكم لكلامها

مسألة

قال ( وإذا كانت بهذه الحال التي وصفت وزوجها صبي أجبر وليه على نفقتها من مال الصغير فإن لم يكن له مال فاختارت فراقه فرق الحاكم بينهما ) يعني إذا كانت المرأة كبيرة يمكن الاستمتاع بها فمكنت من نفسها أو بذلت تسليمها ولم تمنع نفسها ولا منعها أولياؤها فعلى زوجها الصبي نفقتها وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي في أحد قوليه وقال في الآخر لا نفقة لها وهو قول مالك لأن الزوج لا يتمكن من الاستمتاع بها فلم تلزمه نفقتها كما لو كانت غائبة أو صغيرة

ولنا إنها سلمت نفسها تسليما صحيحا فوجبت لها النفقة كما لو كان الزوج كبيرا ولأن الاستمتاع بها ممكن وإنما تعذر من جهة الزوج كما لو تعذر التسليم لمرضه أو غيبته وفارق ما إذا غابت أو كانت صغيرة فإنها لم تسلم نفسها تسليما صحيحا ولم تبذل ذلك فعلى هذا يجبر الولي على نفقتها من مال الصبي لأن النفقة على الصبي وإنما الولي ينوب عنه في أداء الواجبات عليه كما يؤدي أروش جناياته وقيم متلفاته وزكواته وإن لم يكن له مال فاختارت فراقه فرق الحاكم بينهما كما ذكرنا في حق الكبير فإن كان له مال وامتنع الولي من الإنفاق أجبره الحاكم بالحبس فإن لم ينفق أخذ الحاكم من مال الصبي وأنفق عليها فإن لم يمكنه وصبر الولي على الحبس وتعذر الإنفاق فرق الحاكم بينهما إذ طلبت ذلك على ما ذكرنا في حق الكبير وذكر القاضي في الكبير أنه لا يفرق بينهما فكذلك هاهنا مثله لأنهما سواء في وجوب الإنفاق عليهما فكذلك في أحكامه

فصل وإن بذلت الرتقاء أو الحائض أو النفساء أو النضوة الخلق التي لا يمكن وطؤها أو المريضة تسليم نفسها لزمته نفقتها وإن حدث بها شيء من ذلك

لم تسقط نفقتها لأن الاستمتاع ممكن ولا تفريط من جهتها وإن منع من الوطء ويفارق الصغيرة فإن لها حالا يتمكن من الاستمتاع بها فيها استمتاعا تاما والظاهر أنه تزوجها انتظارا لتلك الحال بخلاف هؤلاء ولذلك لو طلب تسليم هؤلاء وجب تسليمهن ولو طلب تسليم الصغيرة لم يجب فإن قيل فلو بذلت الصحيحة الاستمتاع بما دون الوطء لم تجب لها النفقة فكذلك هؤلاء قلنا لأن تلك منعت مما يجب عليها وهؤلاء لا يجب عليهن التمكين مما فيه ضرر فإن ادعت أن عليها ضررا في وطئه


184

لضيق فرجها أو قروح به أو نحو ذلك وأنكره أريت امرأة ثقة وعمل بقولها وإن ادعت عبالة ذكره وعظمه جاز أن تنظر المرأة إليهما حال اجتماعهما لأنه موضع حاجة ويجوز النظر إلى العورة للحاجة والشهادة

مسألة

قال ( وإن طالب الزوج بالدخول وقالت لا أسلم نفسي حتى أقبض صداقي كان ذلك لها ولزمته النفقة إلى أن يدفع إليها صداقها ) وجملته أن للمرأة أن تمنع نفسها حتى تتسلم صداقها لأن تسليم نفسها قبل تسليم صداقها يفضي إلى أن يستوفي منفعتها المعقود عليها بالوطء ثم لا يسلم صداقها فلا يمكنها الرجوع فيما استوفي منها بخلاف المبيع إذا تسلمه المشتري ثم أعسر بالثمن فإنه يمكنه الرجوع فيه فلهذا ألزمناه تسليم صداقها أولا وجعلنا لها أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تقبض صداقها لأنه إذا سلم إليها الصداق ثم امتنعت من تسليم نفسها أمكن الرجوع فيه إذا ثبت هذا فمتى امتنعت من تسليم نفسها لتقبض صداقها فلها نفقتها لأنها امتنعت لحق فإن قيل فلو امتنعت لصغر أو مرض لم يلزمه نفقتها قلنا الفرق بينهما أن امتناعها لمرض لمعنى من جهتها وكذلك الامتناع للصغر وهاهنا الامتناع لمعنى من جهة الزوج وهو منعه لما وجب لما عليه فأشبه ما لو تعذر الاستمتاع لصغر الزوج فإنه لا تسقط نفقتها عنه ولو تعذر لصغرها لا تلزمه نفقتها

فصل إذا سافرت زوجته بغير إذنه سقطت نفقتها عنه لأنها ناشز وكذلك إن انتقلت من منزله بغير إذنه وإن سافرت بإذن في حاجته فهي على نفقتها لأنها سافرت في شغله ومراده وإن كان حاجة نفسها سقطت نفقتها لأنها فوتت التمكين لحظ نفسها وقضاء حاجتها فأشبه ما لو استنظرته قبل الدخول مدة فأنظرها إلا أن يكون مسافرا معها متمكنا من استمتاعها فلا تسقط نفقتها لأنها لم تفوت التمكين فأشبهت غير المسافرة ويحتمل أن لا تسقط نفقتها وإن لم يكن معها لأنها مسافرة بإذنه أشبه ما لو سافرت في حاجته وسواء كان سفرها لتجارة أو حج تطوع أو زيارة ولو أحرمت بحج تطوع بغير إذنه سقطت نفقتها لأنها في معنى المسافرة وإن أحرمت به بإذنه فقال القاضي لها النفقة

والصحيح أنها كالمسافرة لأنها بإحرامها مانعة له من التمكين فهي كالمسافرة لحاجة نفسها على ما ذكرناه

وإن أحرمت بالحج الواجب أو العمرة الواجبة في الوقت الواجب من الميقات فلها النفقة لأنها فعلت الواجب عليها بأصل الشرع في وقته فلم تسقط نفقتها كما لو صامت رمضان

وإن قدمت الإحرام على الميقات أو قبل الوقت خرج فيها من القول ما في المحرمة بحج التطوع لأنها فوتت عليه التمكين بشيء مستغنى عنه

فصل فإن اعتكفت فالقياس أنه كسفرها إن كان بغير إذنه فهي ناشز لخروجها من منزل زوجها بغير إذنه فيما ليس بواجب بأصل الشرع وإن كان بإذنه فلا نفقة لها على قول الخرقي وقال القاضي لها النفقة وإن صامت رمضان لم تسقط نفقتها لأنه واجب مضيق بأصل الشرع لا يملك منعها منه فلم تسقط نفقتها كالصلاة ولأنه يكون صائما معها فيمتنع الاستمتاع لمعنى وجد فيه وإن كان تطوعا لم تسقط نفقتها لأنها لم تخرج


185

عن قبضه ولم تأت بما يمنعه من الاستمتاع بها فإنه يمكنه تفطيرها ووطؤها فإن أراد ذلك منها فمنعته نفسها سقطت نفقتها بامتناعها من التمكين الواجب وإن كان صوما منذورا معلقا بوقت معين فقال القاضي لها النفقة لأن أحمد نص على أنه ليس له منعها ويحتمل أنه إن كان نذرها قبل النكاح أو كان النذر بإذنه لم تسقط نفقتها لأنه كان واجبا عليها بحق سابق على نكاحه أو واجب أذن في سببه وإن كان النذر في نكاحه بغير إذنه فلا نفقة لها لأنها فوتت عليه حقه من الاستمتاع باختيارها بالنذر الذي لم يوجبه الشرع عليها ولا ندبها إليه

وإن كان النذر مطلقا أو كان صوم كفارة فصامت بإذنه فلها النفقة لأنها أدت الواجب بإذنه فأشبه ما لو صامت المعين في وقته وإن صامت بغير إذنه فقال القاضي لا نفقة لها لأنها يمكنها تأخيره فإنه على التراخي وحق الزوج على الفور وإن كان قضاء رمضان قبل ضيق وقته فكذلك وإن كان وقته مضيقا مثل أن قرب رمضان الآخر فعليه نفقتها لأنه واجب مضيق بأصل الشرع أشبه أداء رمضان

مسألة

قال ( وإذا طلق الرجل زوجته طلاقا لا يملك فيه الرجعة فلا سكنى لها ولا نفقة إلا أن تكون حاملا ) وجملة الأمر أن الرجل إذا طلق امرأته طلاقا بائنا فإما أن يكون ثلاثا أو بخلع أو بانت بفسخ وكانت حاملا فلها النفقة والسكنى بإجماع أهل العلم لقول الله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن الطلاق 6 وفي بعض أخبار فاطمة بنت قيس لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا ولأن الحمل ولده فيلزمه الإنفاق عليه ولا يمكنه النفقة عليه إلا بالإنفاق عليها فوجب كما وجبت أجرة الرضاع وإن كانت حائلا فلا نفقة لها

وفي السكنى روايتان إحداهما لها ذلك هو قول عمر وابنه وابن مسعود وعائشة وفقهاء المدينة السبعة ومالك والشافعي للآية

والرواية الثانية لا سكنى لها ولا نفقة وهي ظاهر المذهب وقول علي وابن عباس وجابر وعطاء وطاوس والحسن وعكرمة وميمون بن مهران وإسحاق وأبي ثور وداود وقال أكثر الفقهاء العراقيين لها السكنى والنفقة وبه قال ابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأصحابه والبتي والعنبري لأن ذلك يروى عن عمر وابن مسعود

ولأنها مطلقة فوجبت لها النفقة والسكنى كالرجعية وردوا خبر فاطمة بنت قيس بما روي عن عمر أنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة وأنكرته عائشة وسعيد بن المسيب وتأولوه

ولنا ما روت فاطمة بنت قيس إن زوجها طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكره ذلك له فقال ليس لك عليه نفقة ولا سكنى فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك متفق عليه

وفي لفظ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انظري يا ابنة قيس إنما النفقة للمرأة على


186

زوجها ما كانت له عليها الرجعة فإذا لم يكن عليها الرجعة فلا نفقة ولا سكنى رواه الإمام أحمد والأثرم والحميدي وغيرهم

قال ابن عبد البر من طريق الحجة وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأحج لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نصا صريحا فأي شيء يعارض هذا إلا مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو المبين على الله مراده ولا شيء يدفع ذلك

ومعلوم أنه أعلم بتأويل قول الله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم الطلاق 6

وأما قول عمر ومن وافقه فقد خالفه علي وابن عباس ومن وافقهما والحجة معهم ولو لم يخالفه أحد منهم لما قبل قوله المخالف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة على عمر وعلى غيره ولم يصح عن عمر أنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة فإن أحمد أنكره وقال أما هذا فلا ولكن قال لا نقبل في ديننا قول امرأة وهذا أمر يرده الإجماع على قبول قول المرأة في الرواية فأي حجة في شيء يخالفه الإجماع وترده السنة ويخالفه فيه علماء الصحابة قال إسماعيل بن إسحاق نحن نعلم أن عمر لا يقول لا ندع كتاب ربنا إلا لما هو موجود في كتاب الله

والذي في الكتاب أن لها النفقة إذا كانت حاملا بقوله سبحانه وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن الطلاق 6 وأما غير ذوات الحمل فلا يدل الكتاب إلا على أنهن لا نفقة لهن لاشتراطه الحمل في الأمر بالإنفاق

وقد روى أبو داود وغيره من الأئمة بإسنادهم عن ابن عباس قال ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما يعني المتلاعنين وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت ولأن هذه محرمة عليه تحريما لا تزيله الرجعة فلم يكن لها سكنى ولا نفقة كالملاعنة أو كالأجنبية

وفارقت الرجعية في ذلك وأما الرجعية فلها السكنى والنفقة للآية والخبر والإجماع ولأنها زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه

فصل فأما الملاعنة فلا سكنى لها ولا نفقة إن كانت غير حامل للخبر وكذلك إن كانت حاملا فنفي حملها وقلنا إنه ينتفي بزوال الفراش وإن قلنا لا ينتفي بنفيه أو لم ينفه وقلنا إنه يلحقه نسبه فلها السكنى والنفقة لأن ذلك للحمل أو لها بسببه وهو موجود فأشبهت المطلقة البائن فإن نفى الحمل فأنفقت أمه وسكنت من غير الزوج وأرضعت ثم استلحقه الملاعن لحقه ولزمته النفقة وأجر المسكن والرضاع لأنها فعلت ذلك على أنه لا أب له فإذا ثبت له أب لزمه ذلك ورجع به عليه فإن قيل النفقة لأجل الحمل نفقة الأقارب وهي تسقط بمضي الزمان فكيف ترجع عليه بما يسقط عنه قلنا بل النفقة للحامل من أجل الحمل فلا تسقط كنفقتها في الحياة وإن سلمنا أنها للحمل إلا أنها مصروفة إليها ويتعلق بها حقها فلا تسقط بمضي الزمان كنفقتها


187

فصل فأما المعتدة من الوفاة فإن كانت حائلا فلا سكنى لها ولا نفقة لأن النكاح قد زال بالموت وإن كانت حاملا ففيها روايتان إحداهما لها السكنى والنفقة لأنها حامل من زوجها فكانت لها السكنى والنفقة كالمفارقة في الحياة

والثانية لا سكنى لها ولا نفقة لأن المال قد صار للورثة ونفقة الحامل وسكناها إنما هو للحمل أو من أجله ولا يلزم ذلك الورثة لأنه إن كان للميت ميراث فنفقة الحمل من نصيبه وإن لم يكن له ميراث لم يلزم وارث الميت الإنفاق على حمل امرأته كما بعد الولادة قال القاضي وهذه الرواية أصح

فصل وهل تجب نفقة الحمل للحامل من أجل الحمل أو للحمل فيه روايتان إحداهما تجب للحمل

اختارها أبو بكر لأنها تجب بوجوده وتسقط عند انفصاله فدل على أنها له

والثانية تجب لها من أجله لأنها تجب مع اليسار والإعسار فكانت له كنفقة الزوجات ولأنها لا تسقط بمضي الزمان فأشبهت نفقتها في حياته

وللشافعي قولان كالروايتين وينبني على هذا الاختلاف فروع منها أنها إذا كانت المطلقة الحامل أمة وقلنا النفقة للحمل فنفقتها على سيدها لأنه ملكه وإن قلنا لها فعلى الزوج لأن نفقتها عليه وإن كان الزوج عبدا وقلنا هي للحمل فليس عليه نفقته لأنه لا تلزمه نفقة ولده

وإن قلنا لها فالنفقة عليه لما ذكرناه وإن كانت حاملا من نكاح فاسد أو وطء شبهة

وقلنا النفقة للحمل

فعلى الزوج والواطىء لأنه ولده فلزمته نفقته كما بعد الوضع وإن قلنا للحامل فلا نفقة عليها لأنها ليست زوجة

يجب الإنفاق عليها وإن نشزت امرأة إنسان وهي حامل وقلنا النفقة للحمل لم تسقط نفقتها

لأن نفقة ولده لا تسقط بنشوز أمه وإن قلنا لها فلا نفقة لها لأنها ناشز

فصل ويلزم الزوج دفع نفقة الحامل المطلقة إليها يوما فيوما كما يلزمه دفع نفقة الرجعية وقال الشافعي في أحد قوليه لا يلزمه دفعها إليها حتى تضع لأن الحمل غير متحقق ولهذا وقفنا الميراث وهذا خلاف قول الله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن الطلاق 6 ولأنها محكوم لها بالنفقة فوجب دفعها إليها كالرجعية وما ذكروه غير صحيح

فإن الحمل يثبت بالأمارات وتثبت أحكامه في النكاح والحد والقصاص وفسخ البيع في الجارية المبيعة والمنع من الأخذ في منع الزكاة ووجوب الدفع في الدية فهو كالمتحقق ولا يشبه هذا الميراث فإن الميراث لا يثبت إلا بمجرد الحمل فإنه يشترط له الوضع والاستهلال بعد الوضع

ولا يوجد ذلك قبله ولأننا لا نعلم صفة الحمل وقدره ووجود توريثه بخلاف مسألتنا فإن النفقة تجب بمجرد الحمل ولا تختلف باختلافه فإذا ثبت هذا فمتى ادعت الحمل فصدقها دفع إليها إن كان حملا فقد استوفت حقها وإن بان أنها ليست حاملا رجع عليها سواء دفع إليها بحكم الحاكم أو بغيره وسواء شرط أنها نفقة أو لم يشترط وعنه لا


188

يرجع والصحيح أنه يرجع لأنه دفعه على أنه واجب فإذا بان أنه ليس بواجب استرجعه كما لو قضاها دينا فبان أنه لم يكن عليه دين وإن أنكر حملها نظر النساء الثقات فرجع إلى قولهن ويقبل قول المرأة الواحدة إذا كانت من أهل الخبرة والعدالة لأنها شهادة على ما لا يطلع عليه الرجال أشبه الرضاع وقد ثبت الأصل بالخبر

فصل ولا تجب النفقة على الزوج في النكاح الفاسد لأنه ليس بينهما نكاح صحيح فإن طلقها أو فرق بينهما قبل الوطء فلا عدة عليها وإن كان بعد الوطء فعليها العدة ولا نفقة لها ولا سكنى إن كانت حائلا لأنه إذا لم يجب ذلك قبل التفريق فبعده أولى وإن كانت حاملا فعلى ما ذكرنا من قبل فإن قلنا لها النفقة إذا كانت حاملا فلها ذلك قبل التفريق لأنه إذا وجب بعد التفريق فقبله أولى ومتى أنفق عليها قبل مفارقتها أو بعدها لم يرجع عليها

لأنه إن كان عالما بعدم الوجوب فهو متطوع به وإن لم يكن عالما فهو مفرط فلم يرجع به كما لو أنفق على أجنبية وكل معتدة من الوطء في غير نكاح صحيح كالموطوءة بشبهة وغيرها إن كان يلحق الواطىء نسب ولدها فهي كالموطوءة في النكاح الفاسد وإن كان لا يلحقه نسب كالزاني فليس عليه نفقتها حاملا كانت أو حائلا لأنه لا نكاح بينهما ولا بينهما ولد ينسب إليه

مسألة

قال ( وإذا خالعت المرأة زوجها وأبرأته من حملها لم يكن لها نفقة ولا للولد حتى تفطمه ) أما إذا خالعته ولم تبرئه من حملها فلها النفقة كما لو طلقها ثلاثا وهي حامل لأن الحمل ولده فعليه نفقته وإن أبرأته من الحمل عوضا في الخلع صح سواء كان العوض كله أو بعضه وقد ذكرناه في الخلع ويبرأ حين تفطمه إذا كانت قد أبرأته من نفقة الحمل وكفالة الولد إلى ذلك أو أطلقت البراءة من نفقة الحمل وكفالته لأن البراءة المطلقة تنصرف إلى المدة التي تستحق المرأة العوض عليه فيها وهي مدة الحمل والرضاع لأن المطلق إذا كان له عرف انصرف إلى العرف وإن اختلفا في مدة الرضاع انصرف إلى حولين لقول سبحانه وفصاله في عامين لقمان 14 وقال تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة البقرة 233 ثم قال فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما البقرة 233 فدل على أنه لا يجوز فصاله قبل العامين إلا بتراض منهما وتشاور وإن قدرا مدة البراءة بزمن الحمل أو بعام أو نحو ذلك فهو على ما قدراه وهو أحسن لأنه قطع للنزاع وأبعد من اللبس والاشتباه ولو أبرأته من نفقة الحمل انصرف ذلك إلى زمن الحمل قبل وضعه

قال القاضي إنما صح مخالعتها على نفقة الولد وهي للولد دونها لأنها في حكم المالكة لها لأنها هي القابضة لها المستحقة المتصرفة فيها فإنها في مدة الحمل هي الآكلة لها المنتفعة بها وبعد الولادة هي أجر رضاعها وهي الآخذة لها المتصرفة فيها أيضا فصارت


189

كملك من أملاكها فصح جعلها عوضا فأما النفقة الزائدة على هذا من كسوة الطفل ودهنه ونحو ذلك فلا يصح أن يعاوض به في الخلع لأنه ليس هو لها ولا هو في حكم ما هو لها

مسألة

قال ( والناشز لا نفقة لها فإن كان لها منه ولد أعطاها نفقة ولدها ) معنى النشوز معصيتها لزوجها فيما له عليها مما أوجبه له النكاح وأصله من الارتفاع مأخوذ من النشز وهو المكان المرتفع فكأن الناشز ارتفعت عن طاعة زوجها فسميت ناشزا فمتى امتنعت من فراشه أو خرجت من منزله بغير إذنه أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مثلها أو من السفر معه

فلا نفقة لها ولا سكنى في قول عامة أهل العلم منهم الشعبي وحماد ومالك والأوزاعي والشافعي

وأصحاب الرأي وأبو ثور

وقال الحكم لها النفقة

وقال ابن المنذر لا أعلم أحدا خالف هؤلاء إلا الحكم ولعله يحتج بأن نشوزها لا يسقط مهرها فكذلك نفقتها

ولنا إن النفقة إنما تجب في مقابلة تمكينها بدليل أنها لا تجب قبل تسليمها إليه وإذا منعها النفقة كان لها منعه التمكين فإذا منعته التمكين كان له منعها من النفقة كما قبل الدخول وتخالف المهر فإنه يجب بمجرد العقد ولذلك لو مات أحدهما قبل الدخول وجب المهر دون النفقة فأما إذا كان له منها ولد فعليه نفقة ولده لأنها واجبة له فلا يسقط حقه بمعصيتها كالكبير وعليه أن يعطيها إياها إذا كانت هي الخاضعة له أو المرضعة له وكذلك أجر رضاعها يلزمه تسليمه إليها لأنه أجر ملكته عليه بالإرضاع لا في مقابلة الاستمتاع ولا يزول بزواله

فصل وإذا سقطت نفقة المرأة بنشوزها فعادت عن الشوز والزوج حاضر عادت نفقتها لزوال المسقط لها ووجود التمكين المقتضي لها وإن كان غائبا لم تعد نفقتها حتى يعود التسليم بحضوره أو حضور وكيله أو حكم الحاكم بالوجوب إذا مضى زمن الإمكان ولو ارتدت امرأته سقطت نفقتها فإن عادت إلى الإسلام عادت نفقتها بمجرد عودها لأن المرتدة إنما سقطت نفقتها بخروجها عن الإسلام فإذا عادت إليه زال المعنى المسقط فعادت النفقة

وفي النشوز سقطت النفقة بخروجها عن يده أو منعها له من التمكين المستحق عليها ولا يزول ذلك إلا بعودها إلى يده وتمكينه منها ولا يحصل ذلك في غيبته ولذلك لو بذلت تسليم نفسها قبل دخوله بها في حال غيبته لم تستحق النفقة بمجرد البذل كذا هاهنا والله أعلم


190

باب من أحق بكفالة الطفل

كفالة الطفل وحضانته واجبة لأنه يهلك بتركه فيجب حفظه عن الهلاك كما يجب الإنفاق عليه وإنجاؤه من المهالك ويتعلق بها حق لقرابته لأن فيها ولاية على الطفل واستحقاقه له فيتعلق بها الحق ككفالة اللقيط

ولا تثبت الحضانة لطفل ولا معتوه لأنه لا يقدر عليها وهو محتاج إلى من يكفله فكيف يكفل غيره ولا الفاسق لأنه غير موثوق به في أداء الواجب من الحضانة ولا حظ للولد في حضانته لأنه ينشأ على طريقته ولا الرقيق

وبهذا قال عطاء والثوري والشافعي وأصحاب الرأي

وقال مالك في حر له ولد حر من أمة الأم أحق به إلا أن تباع فتنقل فيكون الأب أحق به لأنها أم مشفقة فأشبهت الحرة

ولنا إنها لا تملك منافعها التي تحصل الكفالة بها لكونها مملوكة لسيدها فلم يكن لها حضانة كما لو بيعت ونقلت ولا تثبت لكافر على مسلم

وبهذا قال مالك والشافعي وسوار والعنبري وقال ابن القاسم وأبو ثور وأصحاب الرأي تثبت له لما روي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ابنتي وهي فطيم أو شبهه وقال رافع ابنتي

فقال النبي صلى الله عليه وسلم اقعد ناحية

وقال لها اقعدي ناحية

وقال ادعواها

فمالت الصبية إلى أمها

فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اهدها

فمالت إلى أبيها فأخذها رواه أبو داود

ولنا إنها ولاية فلا تثبت لكافر على مسلم كولاية النكاح والمال ولأنها إذا لم تثبت للفاسق فالكافر أولى فإن ضرره أكثر فإنه يفتنه عن دينه ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر وتزيينه له وتربيته عليه وهذا أعظم الضرر

والحضانة إنما تثبت لحظ الولد فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه وهلاك دينه

فأما الحديث فقد روي على غير هذا الوجه ولا يثبته أهل النقل وفي إسناده مقال قال ابن المنذر ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنها تختار أباها بدعوته فكان ذلك خاصا في حقه فأما من بعضه حر فإن لم يكن بينه وبين سيده مهايأة فلا حضانة له لأنه لا يقدر عليها لكون منافعه مشتركة بينه وبين سيده وإن كان بينهما مهايأة فقياس قول أحمد أن له الحضانة في أيامه لأنه قال كل ما يتجزأ فعليه النصف من كل شيء

وهذا اختيار أبي بكر

وقال الشافعي لا حضانة له لأنه كالقن عنده

وهذا أصل قد تقدم

مسألة

قال ( والأم أحق بكفالة الطفل والمعتوه إذا طلقت ) وجملته أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل أو معتوه فأمه أولى الناس بكفالته إذا كملت الشرائط فيها ذكرا كان أو أنثى وهذا قول يحيى الأنصاري والزهري والثوري ومالك والشافعي وأبي ثور وإسحاق وأصحاب


191

الرأي ولا نعلم أحد خالفهم

والأصل فيه ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن امرأة قالت يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت أحق به ما لم تنكحي رواه أبو داود

ويروى أن أبا بكر الصديق حكم على عمر بن الخطاب بعاصم لأمه أم عاصم وقال ريحها وشمها ولطفها خير له منك رواه سعيد في سننه ولأنها أقرب إليه وأشفق عليه ولا يشاركها في القرب إلا أبوه وليس له مثل شفقتها ولا يتولى الحضانة بنفسه وإنما يدفعه إلى امرأته وأمه أولى به من امرأة أبيه

فصل فإن لم تكن الأم من أهل الحضانة لفقدان الشروط التي ذكرنا فيها أو بعضها فهي كالمعدومة وتنتقل إلى من يليها في الاستحقاق ولو كان الأبوان من غير أهل الحضانة انتقلت إلى من يليهما لأنهما كالمعدومين

فصل ولا تثبت الحضانة إلا على الطفل أو المعتوه فأما البالغ الرشيد فلا حضانة عليه وإليه الخيرة في الإقامة عند من شاء من أبويه فإن كان رجلا فله الانفراد بنفسه لاستغنائه عنهما ويستحب أن لا ينفرد عنهما ولا يقطع بره عنهما وإن كانت جارية لم يكن لها الانفراد ولأبيها منعها منه لأنه لا يؤمن أن يدخل عليها من يفسدها ويلحق العار بها وبأهلها وإن لم يكن لها أب فلوليها وأهلها منعها من ذلك

مسألة

قال ( وإذا بلغ الغلام سبع سنين خير بين أبويه فكان مع من اختار منهما ) وجملته أن الغلام إذا بلغ سبعا وليس بمعتوه خير بين أبويه إذا تنازعتا فيه فيمن اختاره منهما فهو أولى به

قضى بذلك عمر وعلي وشريح وهو مذهب الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة لا يخير لكن قال أبو حنيفة إذا استقل بنفسه فأكل بنفسه ولبس بنفسه واستنجى بنفسه فالأب أحق به ومالك يقول الأم أحق به حتى يعرب

وأما التخيير فلا يصح لأن الغلام لا قول له ولا يعرف حظه وربما اختار من يلعب عنده ويترك تأديبه ويمكنه من شهواته فيؤدي إلى فساده ولأنه دون البلوغ فلم يخير كمن دون السبع

ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه رواه سعيد بإسناده والشافعي وفي لفظ أبي هريرة قال جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عتبة وقد نفعني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيدا أيهما شئت

فأخذ بيد أمه فانطلقت به رواه أبو داود ولأنه إجماع الصحابة فروي عن عمر أنه خير غلاما بين أبيه وأمه

رواه سعيد وروي عن عمارة الجرمي أنه قال خيرني علي بين عمي وأمي وكنت ابن سبع أو ثمان وروي نحو ذلك عن أبي هريرة

وهذه قصص في مظنة الشهرة ولم تنكر فكانت إجماعا ولأن التقديم في الحضانة يلحق به الولد فيتقدم من هو أشفق لأن حظ الولد عنده أكثر واعتبرنا الشفقة بمظنتها إذا لم يكن اعتبارها بنفسها فإذا بلغ الغلام حدا يعرب عن نفسه


192

ويميز بين الإكرام وضده فمال إلى أحد الأبوين دل على أنه أرفق به وأشفق عليه فقدم بذلك وقيدناه بالسبع لأنها أول حال أمر الشرع فيها بمخاطبته بالأمر بالصلاة ولأن الأم قدمت في حال الصغر لحاجته إلى حمله ومباشرة خدمته لأنها أعرف بذلك وأقوم به فإذا استغنى عن ذلك تساوى والداه لقربهما منه فرجح باختياره

فصل ومتى اختار أحدهما فسلم إليه ثم اختار الآخر رد إليه فإن عاد فاختار الأول أعيد إليه هكذا أبدا كلما اختار أحدهما صار إليه لأنه اختيار شهوة لحظ نفسه فاتبع ما يشتهيه كما يتبع ما يشتهيه في المأكول والمشروب وقد يشتهي المقام عند أحدهما في وقت وعند الآخر في وقت وقد يشتهي التسوية بينهما وأن لا ينقطع عنهما وإن خيرناه فلم يختر واحدا منهما أو اختارهما معا قدم أحدهما بالقرعة لأنه لا مزية لأحدهما على صاحبه ولا يمكن اجتماعهما على حضانته فقدم أحدهما بالقرعة فإذا قدم بها ثم اختار الآخر رد إليه لأننا قدمنا اختياره الثاني على الأول فعلى القرعة التي هي بدل الأولى

فصل فإن كان الأب معدوما أو من غير أهل الحضانة وحضر غيره من العصبات كالأخ والعم وابنه قام مقام الأب فيخير الغلام بين أمه وعصبته لأن عليا رضي الله عنه خير عمارة الجرمي بين أمه وعمه ولأنه عصبة فأشبه الأب وكذلك إن كانت أمه معدومة أو من غير أهل الحضانة فسلم إلى الجدة خير الغلام بينها وبين أبيه أو من يقوم مقامه من العصبات فإن كان الأبوان معدومين أو من غير أهل الحضانة فسلم إلى امرأة كأخته وعمته أو خالته قامت مقام أمه في التخيير بينها وبين عصباته للمعنى الذي ذكرناه في الأبوين فإن كان الأبوين رقيقين وليس له أحد من أقاربه سواهما فقال القاضي لا حضانة لهما عليه ولا نفقة له عليهما ونفقته في بيت المال ويسلم إلى من يحضنه من المسلمين

فصل وإنما يخير الغلام بشرطين

أحدهما أن يكون جميعا من أهل الحضانة فإن كان أحدهما من غير أهل الحضانة كان كالمعدوم ويعين الآخر

الثاني أن لا يكون الغلام معتوها فإن كان معتوها كان عند الأم ولم يخير لأن المعتوه بمنزلة الطفل وإن كان كبيرا ولذلك كانت الأم أحق بكفالة ولدها المعتوه بعد بلوغه ولو خير الصبي فاختار أباه ثم زال عقله رد إلى الأم وبطل اختياره لأنه إنما خير حين استقل بنفسه فإذا زال استقلاله بنفسه كانت الأم أولى لأنها أشفق عليه وأقوم بمصالحه كما في حال طفوليته

مسألة

قال ( وإذا بلغت الجارية سبع سنين فالأب أحق بها ) وقال الشافعي تخير كالغلام لأن كل سن خير فيه الغلام خيرت فيه الجارية كسن البلوغ وقال أبو حنيفة الأم أحق بها حتى تزوج أو تحيض وقال مالك الأم أحق بها حتى تزوج أو يدخل بها الزوج لأنها لا حكم لاختيارها ولا يمكن انفرادها فكانت الأم أحق بها كما قبل السبع


193

ولنا إن الغرض بالحضانة الحظ والحظ للجارية بعد السبع في الكون عند أبيها لأنها تحتاج إلى حفظ والأب أولى بذلك فإن الأم تحتاج إلى من يحفظها ويصونها ولأنها إذا بلغت السبع قاربت الصلاحية للتزويج وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وهي ابنة سبع وإنما تخطب الجارية من أبيها لأنه وليها والمالك لتزويجها وهو أعلم بالكفارة وأقدر على البحث فينبغي أن يقدم على غيره ولا يصار إلى تخييرها لأن الشرع لم يرد به فيها ولا يصح قياسها على الغلام لأنه لا يحتاج إلى الحفظ والتزويج كحاجتها إليه ولا على سن البلوغ لأن قولها حينئذ معتبر في إذنها وتوكيلها وإقرارها واختيارها بخلاف مسألتنا ولا يصح قياس ما بعد السبع على ما قبلها لما ذكرنا في دليلنا

فصل إذا كانت الجارية عند الأم أو عند الأب فإنها تكون عنده ليلا ونهارا لأن تأديبها وتخريجها في جوف البيت من تعليمها الغزل والطبخ وغيرها ولا حاجة بها إلى الإخراج منه ولا يمنع أحدهما من زيارتها عند الآخر من غير أن يخلو الزوج بأمها ولا يطيل ولا يتبسط لأن الفرقة بينهما تمنع تبسط أحدهما في منزل الآخر وإن مرضت فالأم أحق بتمرضها في بيتها وإن كان الغلام عند الأم بعد السبع لاختياره لها كان عندها ليلا ويأخذه الأب نهارا ليسلمه في مكتب أو في صناعة لأن القصد حظ الغلام وحظه فيما ذكرناه وإن كان عند الأب كان عنده ليلا ونهارا ولا يمنع من زيارة أمه لأن منعه من ذلك إغراء بالعقوق وقطيعة الرحم وإن مرض كانت الأم أحق بتمريضه في بيتها لأنه صار بالمرض كالصغير في الحاجة إلى من يقوم بأمره فكانت الأم أحق به كالصغير وإن مرض أحد الأبوين والولد عند الآخر لم يمنع من عيادته وحضوره عند موته سواء كان ذكرا أو أنثى لأن المرض يمنع المريض من المشي إلى والده فمشي ولده إليه أولى فأما في حال الصحة فإن الغلام يزور أمه لأنها عورة فسترها أولى والأم تزور ابنتها لأن كل واحدة منهما عورة تحتاج إلى صيانة وستر

وستر الجارية أولى لأن الأم قد تخرجت وعقلت بخلاف الجارية

فصل وإذا أراد أحد الأبوين السفر لحاجة ثم يعود والآخر مقيم فالمقيم أولى بالحضانة لأن في المسافرة بالولد إضرارا به وإن كان منتقلا إلى بلد ليقيم به وكان الطريق مخوفا أو البلد الذي ينتقل إليه مخوفا فالمقيم أولى بالحضانة لأن في السفر به خطرا به ولو اختار الولد السفر في هذه الحال لم يجب إليه لأن فيه تغريرا به

وإن كان البلد الذي ينتقل إليه آمنا وطريقه آمن فالأب أحق به سواء كان هو المقيم أو المتنقل إلا أن يكون بين البلدين قريب بحيث يراهم الأب كل يوم ويرونه فتكون الأم على حضانتها

وقال القاضي إذا كان السفر دون مسافة القصر فهو في حكم الإقامة وهو قول أصحاب الشافعي لأن ذلك في حكم الإقامة في غير هذا الحكم فكذلك في هذا

لأن مراعاة الأب له ممكنة والمنصوص عن أحمد ما ذكرناه وهو أولى لأن البعد الذي يمنعه من رؤيته يمنعه من تأديبه وتعليمه ومراعاة حاله فأشبه مسافة القصر وبما ذكرناه من تقديم الأب عند افتراق الدار بهما قال شريح ومالكوالشافعي وقال أصحاب الرأي إن انتقل الأب فالأم أحق به وإن انتقلت الأم إلى البلد كان فيه أصل النكاح فهي أحق وإن انتقلت إلى غيره فالأب أحق


194

وحكي عن أبي حنيفة إن انتقلت من بلد إلى قرية فالأب أحق وإن انتقلت إلى بلد آخر فهي أحق لأن في البلد يمكن تعليمه وتخريجه

ولنا إنه اختلف مسكن الأبوين فكان الأب أحق كما لو انتقلت من بلد إلى قرية أو إلى بلد لم يكن فيه أصل النكاح وما ذكروه لا يصح لأن الأب في العادة هو الذي يقوم بتأديب ابنه وتخريجه وحفظ نسبه فإذا لم يكن في بلده ضاع فأشبه ما لو كان في قرية وإن انتقلا جميعا إلى بلد واحد الأم باقية على حضانتها وكذلك إن أخذه الأب لافتراق البلدين ثم اجتمعا عادت إلى الأم حضانتها وغير الأم ممن له الحضانة من النساء يقوم مقامها وغير الأب من عصبات الولد يقوم مقامه عند عدمهما أو كونهما من غير أهل الحضانة

مسألة

قال ( فإن لم تكن أم أو تزوجت الأم فأم الأب أحق من الخالة ) في هذه المسألة فصلان أحدهما أن الأم إذا تزوجت سقطت حضانتها

قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم قضى به شريح وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن الحسن أنها لا تسقط بالتزويج

ونقل مهنا عن أحمد إذا تزوجت الأم وابنها صغير أخذ منها

قيل له فالجارية مثل الصبي قال لا الجارية تكون معها إلى سبع سنين

فظاهر هذا أنه لم يزل الحضانة عن الجارية لتزويج أمها وأزالها عن الغلام

ووجه ذلك ما روي إن عليا وجعفرا وزيد بن حارثة تنازعوا في حضانة ابنة حمزة فقال علي ابنة عمي وأنا أخذتها وقال زيد بنت أخي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين زيد وحمزة وقال جعفر بنت عمي وعندي خالتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخالة أم وسلمها إلى جعفر رواه أبو داود بنحو هذا المعنى فجعل لها الحضانة وهي مزدوجة

والرواية الأولى هي الصحيحة قال ابن أبي موسى وعليها العمل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة أنت أحق به ما لم تنكحي لأنها إذا تزوجت اشتغلت بحقوق الزوج عن الحضانة فكان الأب أحظ له ولأن منافعها تكون مملوكة لغيرها فأشبهت المملوكة فأما بنت حمزة فإنما قضي بها لخالتها لأن زوجها من أهل الحضانة ولأنه لا يساويه في الاستحقاق إلا علي وقد ترجح جعفر بأن امرأته من أهل الحضانة فكان أولى

وعلى هذا متى كانت المرأة متزوجة لرجل من أهل الحضانة كالجدة تكون متزوجة للجد لم تسقط حضانتها لأنه يشاركها في الولادة والشفقة على الولد فأشبه الأم إذا كانت متزوجة للأب ولو تنازع العمان في الحضانة وأحدهما متزوج للأم أو الخالة فهو أحق لحديث بنت حمزة وكذلك كل عصبتين تساويا وأحدهما متزوج بمن هي من أهل الحضانة قدم بها لذلك وظاهر قول الخرقي أن التزويج بأجنبي يسقط الحضانة بمجرد العقد وإن عري عن الدخول وهو قول الشافعي ويحتمل أن لا تسقط إلا بالدخول وهو قول مالك لأن به تشتغل عن الحضانة

ووجه الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم أنت أحق به ما لم تنكحي وقد وجد النكاح قبل الدخول ولأن بالعقد يملك


195

منافعها ويستحق زوجها منعها من حضانته فزال حقها كما لو دخل بها

الفصل الثاني أن الأم إذا عدمت أو تزوجت أو لم تكن من أهل الحضانة واجتمعت أم أب وخالة فأم الأب أحق وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الجديد وحكي ذلك عن مالك وأبي ثور

وروي عن أحمد أن الأخت والخالة أحق من الأب

فعلى هذا يحتمل أن تكون الخالة أحق من أم الأب وهو قول الشافعي القديم لأنها تدلي بأم وأم الأب تدلي به فقدم من يدلي بالأم كتقديم أم الأم على أم الأب ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى ببنت حمزة لخالتها وقال الخالة أم

ولنا إن أم الأب جدة وارثة فقدمت على الخالة كأم الأم ولأن لها ولادة ووراثة فأشبهت أم الأم

فأما الحديث فيدل على أن للخالة حقا في الجملة وليس النزاع فيه إنما النزاع في الترجيح عند الاجتماع وقولهم تدلي بأم قلنا لكن لا ولادة لها فيقدم عليها من له ولادة كتقديم أم الأم على الخالة فعلى هذا متى وجدت جدة وارثة فهي أولى ممن هو من غير عمودي النسب بكل حال وإن علت درجتها لفضيلة الولادة والوراثة فأما أم أبي الأم فلا حضانة لها لأنها تدلي بأبي الأم ولا حضانة له ولا من أدلى به

فصل فإن اجتمعت أم أم وأم أب فأم الأم أحق وإن علت درجتها لأن لها ولادة وهي تدلي بالأم التي تقدم على الأب فوجب تقديمها عليها كتقديم الأم على الأب وعن أحمد أن أم الأب أحق وهو قياس قول الخرقي لأنه قدم خالة الأب على خالة الأم وخالة الأب أخت أمه وخالة الأم أخت أمها فإذا قدم أخت أم الأب دل على تقديمها وذلك لأنها تدلي بعصبة مع مساواتها للأخرى في الولادة فوجب تقديمها كتقديم الأخت من الأب على الأخت من الأم وإنما قدمت الأم على الأب لأنها التي تلي الحضانة بنفسها فكذلك أمه فإنها أنثى تلي بنفسها فقدمت لما ذكرناه

مسألة

قال ( والأخت من الأب أحق من الأخت من الأم وأحق من الخالة ) وجملته أنه إذا عدم من يستحق الحضانة من الآباء والأمهات وإن علوا انتقلت إلى الأخوات وقدمن على سائر القرابات كالخالات والعمات وغيرهن لأنهن شاركن في النسب وقدمن في الميراث ولأن العمات والخالات إنما يدلين بأخوة الآباء والأمهات ولا ميراث لهن مع ذي فرض ولا عصبة فالمدلي إلى نفس المكفول ويرثه أقرب وأشفق فكان أولى

وأولى الأخوات من كان لأبوين لقوة قرابتها ثم من كان لأب ثم من كان لأم نص عليه أحمد وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة الأخت من الأم أولى من الأخت من الأب وهو قول المزني وابن سريج لأنها أدلت بالأم فقدمت على المدلية بالأب كأم الأم مع أم الأب وقال ابن سريج تقدم الخالة على الأخت من الأب لذلك ولأبي حنيفة فيه روايتان


196

ولنا إن الأخت من الأب أقوى في الميراث فقدمت كالأخت من الأبوين ولا تخفى قوتها فإنها أقيمت مقام الأخت من الأبوين عند عدمها وتكون عصبة مع البنات وتقاسم الجد وما ذكروه من الإدلاء لا يلزم لأن الأخت تدلي بنفسها لكونهما خلقا من ماء واحد ولها تعصيب فكانت أولى والله أعلم

مسألة

قال ( وخالة الأب أحق من خالة الأم ) وجملته أنه إذا عدمت الأمهات والآباء والأخوات انتقلت الحضانة إلى الخالات ويقدمن على العمات

نص عليه أحمد ويحتمل كلام الخرقي تقديم العمات لأنه قدم خالة الأب وهي أخت أمه على خالة الأم وهي أخت أمها فيدل ذلك على تقديم قرابة الأب على قرابة الأم ولأنهن يدلين بعصبة فقدمن كتقديم الأخت من الأب على الأخت من الأم

وقال القاضي مراد الخرقي بقوله خالة الأب أي الخالة من الأب تقدم على الخالة من الأم كتقديم الأخت من الأب على الأخت من الأم لأن الخالات أخوات الأم فيجرين في الاستحقاق والتقديم فيما بينهن مجرى الأخوات المفترقات وكذلك الحكم في العمات المفترقات فإن قلنا بتقديم الخالات فإذا انقرضن فالعمات بعدهن وإن قلنا بتقديم العمات فالخالات بعدهن فإذا عدمن انتقلت إلى خالات الأب على قول الخرقي وعلى القول الآخر إلى خالات الأم وهل يقدم خالات الأب على عماته على وجهين بناء على ما ذكرنا في الخالات والعمات فأما عمات الأم فلا حضانة لهن لأنهن يدلين بأبي الأم وهو رجل من ذوي الأرحام لا حضانة له ولا لمن أدلى به

فصل وللرجال من العصبات مدخل في الحضانة وأولاهم الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا ثم الأخ من الأبوين ثم الأخ من الأب ثم بنوهم وإن سفلوا على ترتيب الميراث ثم العمومة ثم بنوهم كذلك ثم عمومة الأب ثم بنوهم وهذا قول الشافعي وقال بعض أصحابه لا حضانة لغير الآباء والأجداد لأنهم لا معرفة لهم بالحضانة ولا لهم ولاية بأنفسهم فلم يكن لهم حضانة كالأجانب

ولنا إن عليا وجعفرا اختصما في حضانة ابنة حمزة فلم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ادعاء الحضانة ولأن لهم ولاية وتعصيبا بالقرابة فتثبت لهم الحضانة كالأب والجد وفارق الأجانب فإنهم ليست لهم قرابة ولا شفقة ولأن الأجانب تساووا في عدم القرابة فليس واحد منهم أولى بالتقديم من الآخر والعصبات لهم قرابة يمتازون بها وأحقهم بالحضانة أحقهم بالميراث بعد الآباء والأجداد ويقومون مقام الأب في التخيير للصبي بينه وبين الأم أو غيرها ممن له الحضانة من النساء ويكونون أحق بالجارية إذا بلغت سبعا إلا ابن العم فإن الجارية لا تسلم إليه إذا بلغت سبعا لأنه ليس بمحرم لها

فصل فأما الرجال من ذوي الأرحام كالخال والأخ من الأم وأبي الأم وابن الأخت فلا حضانة لهم مع وجود أحد من أهل الحضانة سواهم لأنه ليس بامرأة يتولى الحضانة ولا له قوة قرابة كالعصبات ولا حضانة


197

إلا يدلي بهم كأم أبي الأم وابنة الخال وابنة الأخ من الأم لأنهن يدلين بمن لا حضانة له فإذا لم تثبت للمدلي فللمدلين به أولى فإن لم يكن هناك غيرهم احتمل وجهين أحدهما هم أولى لأن لهم رحما وقرابة يرثون بها عند عدم من هو أولى منهم كذلك الحضانة تكون لهم عند عدم من هو أولى بها منهم

والثاني لا حق لهم في الحضانة وينتقل الأمر إلى الحاكم والأول أولى

فصل في بيان الأولى فالأولى من أهل الحضانة عند اجتماع الرجال والنساء أولى الكل بها الأم ثم أمهاتها وإن علون يقدم منهن الأقرب فالأقرب لأنهن نساء ولادتهم متحققة فهي في معنى الأم

وعن أحمد أن أم الأب وأمهاتها مقدمات على أم الأم فعلى هذه الرواية يكون الأب أولى بالتقديم لأنهن يدلين به فيكون الأب بعد الأم ثم أمهاته والأولى هي المشهورة عند أصحابنا وأن المقدم الأم ثم أمهاتها ثم الأب ثم أمهاته ثم الجد ثم أمهاته ثم جد الأب ثم أمهاته وإن كن غير وارثات لأنهن يدلين بعصبة من أهل الحضانة بخلاف أم أبي الأم

وحكي عن أحمد رواية أخرى أن الأخت من الأم والخالة أحق من الأب فتكون الأخت من الأبوين أحق منه ومنهما ومن جميع العصبات والأولى هي المشهورة في المذهب

فإذا انقرض الآباء والأمهات انتقلت الحضانة إلى الأخوات وتقدم الأخت من الأبوين ثم الأخت من الأب ثم الأخت من الأم وتقدم الأخت على الأخ لأنها امرأة من أهل الحضانة فقدمت على من في درجتها من الرجال كالأم تقدم على الأب وأم الأب على أبي الأب وكل جدة في درجة جد تقدم عليها لأنها تلي الحضانة بنفسها والرجل لا يليها بنفسه

وفيه وجه آخر يقدم عليها لأنه عصبة بنفسه والأول أولى وفي تقديم الأخت من الأبوين أو من الأب على الجد وجهان

وإذا لم تكن أخت فالأخ للأبوين أولى ثم الأخ للأب ثم أبناؤهما ولا حضانة للأخ للأم لما ذكرنا فإذا عدموا صارت الحضانة للخالات على الصحيح وترتيبهن فيها كترتيب الأخوات ولا حضانة للأخوال فإذا عدمن صارت للعمات ويقدمن على الأعمام كتقديم الأخوات على الإخوة ثم للعم للأبوين ثم للعم للأب ولا حضانة للعم من الأم ثم أبناؤهما ثم إلى خالات الأب ثم على قول الخرقي وعلى قول الآخر إلى خالات الأم ثم إلى عمات الأب ولا حضانة لعمات الأم لأنهن يدلين بأب الأم ولا حضانة له وإن اجتمع شخصان أو أكثر من أهل الحضانة في درجة قدم المستحق منهم بالقرعة

فصل فإن تركت الأم الحضانة مع استحقاقها لها ففيه وجهان أحدهما تنتقل إلى الأب لأن أمهاتها فرع عليها في الاستحقاق فإذا أسقطت حقها سقط فروعها

والثاني تنتقل إلى أمها وهو أصح لأن الأب أبعد فلا تنتقل الحضانة إليه مع وجود أقرب منه كما لا تنتقل إلى الأخت وكونهن فروعها لها لا يوجب سقوط حقوقهن بسقوط حقها كما لو سقط حقها لكونها من غير أهل الحضانة أو لتزوجها وهكذا الحكم في الأب إذا سقط حقه هل


198

يسقط حق أمهاته على وجهين وإن كانت أخت من أبوين وأخت من أب فأسقطت الأخت من الأبوين حقها لم يسقط حق الأخت من الأب لأن استحقاقها من غير جهتها وليست فرعا عليها

مسألة

قال ( وإذا أخذ الولد من الأم إذا تزوجت ثم طلقت رجعت على حقها من كفالته ) وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي إلا أن أبا حنيفة والمزني قال إن كان الطلاق رجعيا لم يعد حقها لأن الزوجة قائمة فأشبه ما لو كانت في صلب النكاح

ولنا إنها مطلقة فعاد حقها من الحضانة كالبائن وقولهم إنها زوجة قلنا إلا أنه قد عزلها عن فراشه ولم يبق لها عليه قسم ولا لها به شغل وعقد سبب زوال نكاحها فأشبهت البائن في عدتها ويخرج عندنا مثل قولهما لكون النكاح قبل الدخول مزيلا لحق الحضانة مع عدم القسم والشغل بالزوج

فصل وكل قرابة تستحق بها الحضانة منع منها مانع كرق أو كفر أو فسوق أو جنون أو صغر إذا زال المانع مثل أن عتق الرقيق وأسلم الكافر وعدل الفاسق وعقل المجنون وبلغ الصغير عاد حقهم من الحضانة لأن سببها قائم وإنما امتنعت لمانع فإذا زال المانع عاد الحق بالسبب السابق الملازم كالزوجة إذا طلقت

مسألة

قال ( وإذا تزوجت المرأة فلزوجها أن يمنعها من رضاع ولدها إلا أن يضطر إليها ويخشى عليه التلف ) وجملة ذلك أن للزوج منع امرأته من رضاع ولدها من غيره ومن رضاع ولد غيرها إلا أن يضطر إليها لأن عقد النكاح يقتضي تمليك الزوج الاستمتاع في كل زمان من كل الجهات سوى أوقات الصلوات والرضاع يفوت عليه الاستمتاع في بعض الأوقات فكان له المنع كالخروج من منزله فإن اضطر الولد بأن لا توجد مرضعة سواها أو لا يقبل الولد الارتضاع من غيرها وجب التمكين من إرضاعه لأنها حال ضرورة وحفظ لنفس ولدها فقدم على حق الزوج كتقديم المضطر على المالك إذا لم يكن بالمالك مثل ضرورته

فصل فإن أرادت إرضاع ولدها منه فكلام الخرقي يحتمل وجهين أحدهما أن له منعها من رضاعه لعموم لفظه وهو قول الشافعي لأنه يخل باستمتاعه منها فأشبه ما لو كان الولد من غيره

والثاني ليس له منعها فإنه قال وإن أرادت رضاع ولدها بأجرة مثلها فهي أحق به من غيرها سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة وذلك لقول الله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين البقرة 233 وهذا خبر يراد به أمر وهو عام في كل والدة ولا يصح من أصحاب الشافعي حمله على المطلقات لأنه جعل لهن رزقهن وكسوتهن وهم لا يجيزون جعل


199

ذلك أجر الرضاع ولا غيره وقولنا في الوجه الأول إنه يخل باستمتاعه قلنا ولكن لإيفاء حق عليه وليس ذلك ممتنعا كما أن قضاء دينه بدفع ماله فيه واجب سيما إذا تعلق به حق الولد في كونه مع أمه وحق الأم في الجمع بينهما وبين ولدها وهذا الوجه ظاهر كلام ابن أبي موسى وهو ظاهر كلام القاضي أبي يعلى

فصل وإن آجرت المرأة نفسها للرضاع ثم تزوجت صح النكاح ولم يملك الزوج فسخ الإجارة وله منعها من الرضاع حتى تنقضي المدة لأن منافعها ملكت بعقد سابق على نكاحه فأشبه ما لو اشترى أمة مستأجرة أو دارا مشغولة فإن نام الصبي أو اشتغل بغيرها فللزوج الاستمتاع وليس لولي الصبي منعه وبهذا قال الشافعي وقال مالك ليس له وطؤها إلا برضا الولي لأن ذلك ينقص اللبن

ولنا إن وطء الزوج مستحق بالعقد فلا يسقط بأمر مشكوك فيه كما لو أذن الولي فيه ولأنه يجوز له الوطء مع إذن الولي فجاز مع عدمه لأنه ليس للولي الإذن فيما يضر الصبي ويسقط حقوقه

فصل وإن آجرت المرأة المزوجة نفسها للرضاع بإذن زوجها جاز ولزم العقد لأن الحق لهما ولا يخرج عنهما وإن آجرتها بغير إذن الزوج لم يصح لما يتضمن من تفويت حق زوجها وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي والآخر يصح لأنه تناول محلا غير محل النكاح لكن للزوج فسخه لأنه يفوت به الاستمتاع ويختل

ولنا إنه عقد يفوت به حق من ثبت له الحق بعقد سابق فلم يصح كإجارة المستأجر

مسألة

قال ( وعلى الأب أن يسترضع لولده إلا أن تشاء الأم أن ترضعه بأجرة مثلها فتكون أحق به من غيرها سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة ) الكلام في هذه المسألة في فصلين أولهما أن رضاع الولد على الأب وحده وليس له إجبار أمه على رضاعه دنيئة كانت أو شريفة سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة ولا نعلم في عدم إجبارها على ذلك إذا كانت مفارقة خلافا فأما إن كانت مع الزوج فكذلك عندنا وبه يقول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح له إجبارها على رضاعها وهو قول أبي ثور ورواية عن مالك لقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة البقرة 233 والمشهور عن مالك أنها إن كانت شريفة لم تجر عادة مثلها بالرضاع لولدها لم تجبر عليه وإن كانت ممن ترضع في العادة أجبرت عليه

ولنا قوله تعالى وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى الطلاق 6 وإذا اختلفا فقد تعاسرا ولأن الإجبار على


200

الرضاع لا يخلو إما أن يكون لحق الولد أو لحق الزوج أولهما لا يجوز أن يكون لحق الزوج فإنه لا يملك إجبارها على رضاع ولده من غيرها ولا على خدمته فيما يختص به

ولا يجوز أن يكون لحق الولد فإن ذلك لو كان له للزمها بعد الفرقة ولأنه مما يلزم الوالد لولده فلزم الأب على الخصوص كالنفقة أو كما بعد الفرقة ولا يجوز أن يكون لهما لأن ما لا مناسبة فيه لا يثبت الحكم بانضمام بعضه إلى بعض ولأنه لو كان لهما لثبت الحكم به بعد الفرقة والآية محمولة على حال الإنفاق وعدم التعاسر

الفصل الثاني أن الأم إذا طلبت إرضاعه بأجر مثلها فهي أحق به سواء كانت في حال الزوجية أو بعدها وسواء وجد الأب مرضعة متبرعة أو لم يجد وقال أصحاب الشافعي إن كانت في حبال الزوج فلزوجها منعها من إرضاعه لأنه يفوت حق الاستمتاع بها في بعض الأحيان وإن استأجرها على رضاعه لم يجز لأن المنافع حق له فلا يجوز أن يستأجر منها ما هو أو بعضه حق له وإن أرضعت الولد فهل لها أجر المثل على وجهين وإن كانت مطلقة وطلبت أجر المثل فأراد انتزاعه منها ليسلمه إلى من ترضعه بأجر المثل أو أكثر لم يكن له ذلك وإن وجد متبرعة أو من ترضعه بدون أجر المثل له انتزاعه منها في ظاهر المذهب لأنه لا يلزمه التزام المؤنة مع دفع حاجة الولد بدونها وقال أبو حنيفة إن طلبت الأجر لم يلزم الأب بذله لها ولا يسقط حقها من الحضانة وتأتي المرضعة ترضعه عندها لأنه أمكن الجمع بين الحقين فلم يجز الإخلال بأحدهما

ولنا على الأول ما تقدم وعلى جواز الاستئجار أنه عقد إجارة يجوز من غير الزوج إذا أذن فيه فجاز مع الزوج كإجارة نفسها للخياطة أو الخدمة وقولهم إن المنافع مملوكة له غير صحيح فإنه لو ملك منفعة الحضانة لملك إجبارها عليها ولم تجز إجارة نفسها لغيرها بإذنه ولكانت الأجرة له وإنما امتنعت إجارة نفسها لأجنبي بغير إذنه لما فيه من تفويت الاستمتاع في بعض الأوقات ولهذا جازت بإذنه وإذا استأجرها فقد أذن لها في إجارة نفسها فصح كما يصح من الأجنبي

وأما الدليل على وجوب تقديم الأم إذا طلبت أجر مثلها على المتبرعة فقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف البقرة 233 وقوله سبحانه فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن الطلاق 6 ولأن الأم أحنى وأشفق ولبنها أمرأ من لبن غيرها فكانت أحق به من غيرها كما لو طلبت الأجنبية رضاعه بأجر مثلها ولأن في رضاع غيرها تفويتا لحق الأم من الحضانة وإضرارا بالولد لا يجوز تفويت حق الحضانة الواجب والإضرار بالولد لغرض إسقاط حق أوجبه الله تعالى على الأب وقول أبي حنيفة يفضي إلى تفويت حق الولد من لبن أمه وتفويت الأم في إرضاعه لبنها فلم يجز ذلك كما لو تبرعت برضاعه فأما إن طلبت الأم أكثر من أجر مثلها ووجد الأب من ترضعه بأجر مثلها أو متبرعة جاز انتزاعه منها لأنها أسقطت حقها باشتطاطها وطلبها ما ليس لها فدخلت في عموم قوله


201

فسترضع له أخرى الطلاق 6 وإن لم يجد مرضعة إلا بمثل تلك الأجرة فالأم أحق لأنهما تساوتا في الأجر فكانت الأم أحق كما لو طلبت كل واحدة منهما أجر مثلها

فصل وإن طلبت ذات الزوج الأجنبي إرضاع ولدها بأجرة مثلها بإذن زوجها ثبت حقها وكانت أحق به من غيرها لأنه الأم إنما منعت من الإرضاع لحق الزوج فإذا أذنت فيه زال المانع فصارت كغير ذات الزوج وإن منعها الزوج سقط حقها لتعذر وصولها إلى ذلك

فصل وإن أرضعت المرأة ولدها وهي في حبال والده فاحتاجت إلى زيادة نفقة لزمه لقول الله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف البقرة 233 ولأنها تستحق عليه قدر كفايتها فإذا زادت حاجتها زادت كفايتها والله أعلم


202

باب نفقة المماليك

مسألة

قال رحمه الله ( وعلى ملاك المملوكين أن ينفقوا عليهم ويكسوهم بالمعروف ) وجملة ذلك أن نفقة المملوكين على ملاكهم ثابتة بالسنة والإجماع

أما السنة فما روى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم متفق عليه

وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق رواه الشافعي في مسنده وأجمع العلماء على وجوب نفقة المملوك على سيده ولأنه لا بد له من نفقة ومنافعه لسيده وهو أخص الناس به فوجبت نفقته عليه كبهيمته والواجب من ذلك قدر كفايته من غالب قوت البلد سواء كان قوت سيده أو دونه أو فوقه وأدم مثله بالمعروف لقوله عليه السلام للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف والمستحب أن يطعمه من جنس طعامه لقوله فليطعمه مما يأكل فجمعنا بين الخبرين وحملنا خبر أبي هريرة على الأجزاء وحديث خبر أبي ذر على الاستحباب والسيد مخير بين أن يجعل نفقته من كسبه إن كان له كسب وبين أن ينفق عليه من ماله ويأخذ كسبه أو يجعله برسم خدمته لأن الكل ماله فإن جعل نفقته في كسبه فكانت وفق الكسب صرفه إليها وإن فضل من الكسب شيء فهو لسيده وإن كان فيه عوز فعلى سيده تمامها

وأما الكسوة فبالمعروف من غالب الكسوة لأمثال العبد في ذلك الذي هو به والأولى أن يلبسه من لباسه لقوله عليه السلام وليلبسه مما يلبس ويستحب أن يساوي بين عبيده الذكور في الكسوة والإطعام وبين إمائه إن كن للخدمة أو الاستمتاع وإن كان فيهن من هو للخدمة وفيهن من هو للاستمتاع فلا بأس بزيادة من يزيدها للاستمتاع في الكسوة لأن ذلك حكم العرف ولأن غرضه تجميل من يريدها للاستمتاع بخلاف الخادمة

فصل إذا تولى أحدهم طعامه استحب له أن يجلسه معه فيأكل فإن لم يفعل استحب أن يطعمه منه ولو لقمة أو لقمتين لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كفى أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليدعه وليجلسه فإن أبى فليروغ له اللقمة واللقمتين رواه البخاري ومعنى ترويغ اللقمة غمسها في المرق والدسم وترويتها بذلك ويدفعها إليه ولأنه يشتهيه لحضوره فيه وتوليه إياه وقد قال الله تعالى وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه النساء 8 ولأن نفس الحاضر تتوق ما لا تتوق نفس الغائب

فصل ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق وهو ما يشق عليه ويقرب من العجز عنه لحديث أبي


203

ذر ولأن ذلك يضر به ويؤذيه وهو ممنوع من الإضرار به

فصل ولا يجبر المملوك على المخارجة ومعناه أن يضرب عليه خراجا معلوما يؤديه وما فضل للعبد

لأن ذلك عقد بينهما فلا يجبر عليه كالكتابة وإن طلب العبد ذلك وأباه لم يجبر عليه أيضا فإن اتفقا على ذلك جاز لما روي أن أبا ظبية حجم النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه أجره وأمره مواليه أن يخففوا عنه من خراجه وكان كثير من الصحابة يضربون على رقيقهم خراجا

فروي أن الزبير كان له ألف مملوك على كل واحد منهم كل يوم درهم وجاء أبو لؤلؤة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فسأله أن يسأل المغيرة بن شعبة يخفف عنه من خراجه ثم ينتظر فإن كان ذا كسب يجعل عليه بقدر ما يفضل من كسبه عن نفقته وخراجه شيء جاز فإن لهما به نفعا فإن العبد يحرص على الكسب وربما فضل معه شيء يزيده في نفقته ويتسع به وإن وضع عليه أكثر من كسبه بعد نفقته لم يجز وكذلك إن كلف من لا كسب له المخارجة لم يجز لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال لا تكلفوا الصغير الكسب فإنكم متى تكلفوه الكسب سرق ولا تكلفوا المرأة غير ذات الصنعة الكسب فإنكم متى كلفتموها الكسب كسبت بفرجها ولأنه متى كلف غير ذي الكسب خراجا كلفه ما يغلبه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تكلفوهم ما يغلبهم وربما حمله ذلك على أن يأتي به من غير وجهه فلم يكن للسيد أخذه

فصل وإذا مرض المملوك أو زمن أو عمي أو انقطع كسبه فعلى سيده القيام به والإنفاق عليه لأن نفقته تجب بالملك ولهذا تجب مع الصغر والملك باق مع العمى والزمانة فتجب نفقته مع عموم النصوص المذكورة في أول الباب

مسألة

قال ( وأن يزوج المملوك إذا احتاج إلى ذلك ) وجملة ذلك أنه يجب على السيد إعفاف مملوكه إذا طلب ذلك وهو أحد قولي الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يجبر عليه لأن فيه ضررا عليه وليس مما تقوم به البنية فلم يجبر عليه كإطعام الحلواء

ولنا قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم النور 32 الأمر يقتضي الوجوب ولا يجب إلا عند الطلب وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال من كانت له جارية فلم يزوجها ولم يصبها أو عبد فللم يزوجه فما صنعا من شيء كان على السيد ولولا وجوب إعفافهما لما لحق السيد الإثم بفعلهما ولأنه مكلف محجور عليه دعي إلى تزويجه فلزمته إجابته كالمحجور عليه للسفه ولأن النكاح مما تدعو إليه الحاجة غالبا ويتضرر بفواته فأجبر عليه كالنفقة بخلاف الحلواء

إذا ثبت هذا فالسيد مخير بين تزويجه أو تمليكه أمة يتسراها وله أن يزوجه عند طلبه لأن هذا مما يختلف الناس فيه وفي الحاجة إليه ولا تعلم حاجته إلا بطلبه ولا يجوز تزويجه إلا


204

باختياره فإن إجبار العبد الكبير على النكاح غير جائز

فأما الأمة فالسيد مخير بين تزويها إذا طلبت ذلك وبين أن يستمتع بها فيغنيها باستمتاعه عن غيره لأن المقصود قضاء الحاجة وإزالة ضرر الشهوة وذلك يحصل بأحدهما فلم يتعين أحدهما

فصل وإذا كان للعبد زوجة فعلى سيده تمكينه من الاستمتاع بها ليلا لأن إذنه في النكاح إذن في الاستمتاع المعتاد والعادة جارية بذلك ليلا وعليه نفقه زوجته على ما قدمنا

مسألة

قال ( فإن امتنع أجبر على بيعه إذا طلب المملوك ذلك )

وجملته أن السيد إذا امتنع مما يجب للعبد عليه من نفقة أو كسوة أو تزويج فطلب العبد البيع أجبر سيده عليه سواء كان امتناع السيد من ذلك لعجزه عنه أو مع قدرته عليه لأن بقاء ملكه عليه مع الإخلال بسد خلاته إضرار به وإزالة الضر واجبة فوجبت إزالته ولذلك أبحنا للمرأة فسخ النكاح عند عجز زوجها عن الإنفاق عليها

وقد روي في بعض الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عبدك يقول أطعمني وإلا فبعني وامرأتك تقول أطعمني أو طلقني وهذا يدل يمفهومه على أن السيد متى وفي بحقوق عبده فطلب العبد بيعه لم يجبر السيد عليه وقد نص عليه أحمد

قال أبو داود قيل لأبي عبد الله رحمه الله استباعت المملوكة وهو يكسوها مما يلبس ويطعمها مما يأكل قال لا تباع وإن أكثرت من ذلك إلا أن تحتاج إلى زوج فتقول زوجني وقال عطاء وإسحاق في العبد يحسن إليه سيده وهو يستبيع لا يبعه لأن الملك للسيد والحق له فلا يجبر على إزالته من غير ضر بالعبد كما لا يجبر على طلاق زوجته مع القيام بما يجب لها ولا على بيع بهيمته مع الإنفاق عليها

مسألة

قال ( وليس عليه نفقة مكاتبه إلا أن يعجز ) لا خلاف في أن المكاتب لا تلزم سيده نفقته لأن الكتابة عقد أوجب ملك المكاتب إكساب نفسه ومنافعه ومنع السيد من التصرف فيهما فلا يملك استخدامه ولا إجارته ولا إعارته ولا أخذ كسبه ولا أرش الجناية عليه ولا يلزمه أداء أرش جنايته فسقطت نفقته عنه كما لو باعه أو أعتقه فإذا عجز عاد رقيقا قنا وعاد إليه ملك نفعه وإكسابه فعادت عليه نفقته كما لو اشتراه بعد بيعه

مسألة

قال ( وليس له أن يسترضع الأمة لغير ولدها إلا أن يكون فيها فضل عن ريه ) أما إذا أراد استرضاع أمته لغير ولدها مع كونه لا يفضل عنه فليس له ذلك لأن فيه إضرارا بولدها لنقصه من كفايته وصرف اللبن المخلوق لولدها إلى غيره مع حاجته إليه فلم يجز كما لو أراد أن ينقص الكبير من كفايته


205

ومؤنته فإن كان فيها فضل عن ري ولدها جاز لأنه ملكه وقد استغنى عنه الولد فكان له استيفاؤه كالفاضل من كسبها عن مؤنتها وكما لو مات ولدها وبقي لبنها

مسألة

قال ( وإذا رهن المملوك أنفق عليه سيده ) وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه ونفقته من غرمه ولأنه ملك الراهن ونماؤه له فكانت عليه نفقته كغير الرهن وقد ذكرت هذه المسألة في باب الرهن

مسألة

قال ( وإذا أبق العبد فلمن جاء به إلى سيده ما أنفق عليه ) إنما كان كذلك لأن نفقة العبد على سيده وقد قام الذي جاء به مقام سيده في الواجب عليه فرجع به عليه كما لو أذن له وقال الشافعي لا يرجع بشيء لأنه متبرع بإنفاق لم يجب عليه

ولنا إنه أدى عنه ما وجب عليه عند تعذر أدائه منه فرجع به عليه كما لو أدى الحاكم عن الممتنع من الإنفاق على امرأته ما يجب عليه من النفقة ويتخرج أن لا يرجع بشيء بناء على الرواية الأخرى فيمن أنفق على الرهن الذي عنده أو الوديعة أو الجمال إذا هرب الجمال فتركها مع المستأجر

فصل وله تأديب عبده وأمته إذا أذنبا بالتوبيخ والضرب الخفيف كما يؤدب ولده وامرأته في النشوز وليس له ضربه على غير ذنب ولا ضربه ضربا مبرحا وإن أذنب ولا لطمه في وجهه وقد روي عن ابن مقرن المزني قال لقد رأيتني سابع سبعة ليس لنا إلا خادم واحد فلطمها أحدنا فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بإعتاقها فأعتقناها

وروي عن أبي مسعود قال كنت أضرب غلاما لي فإذا رجل من خلفي يقول اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود فالتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام

فصل ومن ملك بهيمة لزمه القيام بها والإنفاق عليها ما تحتاج إليه من علفها أو إقامة من يرعاها لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عذبت امرأة في هرة حبسها حتى ماتت جوعا فلا هي أطعمتها ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض متفق عليه

فإن امتنع من الإنفاق عليها أجبر على ذلك فإن أبى أو عجز أجبر على بيعها أو ذبحها إن كانت مما يذبح وقال أبو حنيفة لا يجبره السلطان بل يأمره به كما يأمره المعروف وينهاه عن المنكر لأن البهيمة لا يثبت لها حق من جهة الحكم ألا ترى أنه لا تصح منها الخصومة ولا ينصب عليها خصم فصارت كالزرع والشجر

ولنا إنها نفقة حيوان واجبة عليه فكان للسلطان إجباره عليها كنفقة العبيد ويفارق نفقة الشجر والزرع فإنها لا تجب فإن عجز عن الإنفاق وامتنع من البيع بيعت عليه كما يباع العبد إذا طلب البيع عند إعسار سيده بنفقته


206

وكما يفسخ نكاحه إذا أعسر بنفقة امرأته وإن عطبت البهيمة فلم ينتفع بها فإن كانت مما يؤكل خير بين ذبحها والإنفاق عليها وإن كانت مما لا يؤكل أجبر على الإنفاق عليها كالعبد الزمن على ما ذكرناه فيما مضى ولا يجوز أن يحمل البهيمة ما لا تطيق لأنها في معنى العبد وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم تكليف العبد ما لا يطيق ولأن فيه تعذيبا للحيوان الذي له حرمة في نفسه وإضرارا به وذلك غير جائز ولا يحلب من لبنها إلا ما يفضل عن كفاية ولدها لأنه كفايته واجبة على مالكه ولبن أمه مخلوق له فأشبه ولد الأمة


207

كتاب الجراح

يعني كتاب الجنايات وإنما عبر عنها بالجراح لغلبة وقوعها به والجناية كل فعل عدوان على نفس أو مال لكنها في العرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان وسمو الجنايات على الأموال غصبا ونهبا وسرقة وخيانة وإتلافا

فصل وأجمع المسملون على تحريم القتل بغير حق والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا الإسراء 33 وقال تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ النساء 92 وقال ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم النساء

وأما السنة فروى عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة متفق عليه وروى عثمان وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في آي وأخبار سوى هذه كثيرة ولا خلاف بين الأمة في تحريمه فإن فعله إنسان متعمدا فسق وأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وتوبته مقبولة في قول أكثر أهل العلم وقال ابن عباس إن توبته لا تقبل للآية التي ذكرناها وهي من آخر ما نزل

قال ابن عباس ولم ينسخها شيء ولأن لفظ الآية لفظ الخبر والأخبار ولا يدخلها نسخ ولا تغيير لأن خبر الله تعالى لا يكون إلا صدقا

ولنا قول الله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء 48 116 فجعله داخلا في المشيئة

وقال تعالى إن الله يغفر الذنوب جميعا الزمر 53 وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن رجلا قتل مائة رجل ظلما ثم سأل هل له من توبة فدل على عالم فسأله فقال ومن يحول بينك وبين التوبة ولكن اخرج من قرية السوء إلى القرية الصالحة فاعبد الله فيها فخرج تائبا فأدركه الموت في الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فبعث الله إليهم ملكا فقال قيسوا ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب فاجعلوه من أهلها فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر فجعلوه من أهلها ولأن التوبة تصح من الكفر فمن القتل أولى والآية محمولة على من لم يتب أو على أن هذا جزاؤه إن جازاه وله العفو إذا شاء وقوله لا يدخلها النسخ قلنا لكن يدخلها التخصيص والتأويل

مسألة

قال أبو القاسم رحمه الله ( والقتل على ثلاثة أوجه عمد وشبه العمد وخطأ )


208

أكثر أهل العلم يرون القتل منقسما إلى هذه الأقسام الثلاثة روي ذلك عن عمر وعلي وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة وحماد وأهل العراق والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وأنكر مالك شبه العمد وقال ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ فأما شبه العمد فلا يعمل به عندنا وجعله من قسم العمد وحكي عنه مثل قول الجماعة وهو الصواب لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها رواه أبو داود وفي لفظ قتيل خطأ العمد وهذا نص يقدم على ما ذكره وقسمه أبو الخطاب أربعة أقسام فزاد قسما رابعا وهو ما أجري مجرى الخطأ نحو أن ينقلب نائم على شخص فيقتل أو يقع عليه من علو والقتل بالسبب كحفر البئر ونصل السكين وقتل غير المكلف أجرى الخطأ وإن كان عمدا وهذه الصورة التي ذكرها عند الأكثرين من قسم الخطأ فإن صاحبها لم يعمد الفعل أو عمده وليس هو من أهل القصد الصحيح فسموه خطأ فأعطوه حكمه وقد صرح الخرقي بذلك فقال في الصبي والمجنون عمدهما خطأ

مسألة

قال ( العمد ما ضربه بحديدة أو خشبة كبيرة فوق عمود الفسطاط أو حجر كبير الغالب أن يقتل مثله أو أعاد الضرب بخشبة صغيرة أو فعل به فعلا الغالب من ذلك الفعل أنه يتلف ) وجملة ذلك أن العمد نوعان أحدهما أن يضربه بمحدد وهو ما يقطع ويدخل في البدن كالسيف والسكين والسنان وما في معناه ما يحدد فيجرح من الحديد والنحاس والرصاص والذهب والفضة والزجاج والحجر والقصب والخشب فهذا كله إذا جرح به جرحا كبيرا فمات فهو قتل عمد لا خلاف فيه بين العلماء فيما علمناه فأما إن جرحه جرحا صغيرا كشرطة الحجام أو غرزة بإبرة أو شوكة نظرت فإن كان في مقتل كالعين والفؤاد والخاصرة والصدغ وأصل الأذن فمات فهو عمد أيضا لأن الإصابة بذلك في المقتل كالجرح بالسكين في غير المقتل وإن كان في غير مقتل نظرت فإن كان قد بالغ في إدخالها في البدن فهو كالجرح الكبير لأن هذا يشتد ألمه ويفضي إلى القتل كالكبير وإن كان الغور يسيرا أو جرحه بالكبير جرحا لطيفا كشرطة الحجام فما دونها فقال أصحابنا إن بقي من ذلك ضمنا حتى مات ففيه القود لأن الظاهر أنه مات منه وإن مات في الحال ففيه وجهان أحدهما لا قصاص فيه قاله ابن حامد لأن الظاهر أنه لم يمت منه ولأنه لا يقتل غالبا فأشبه العصا والسوط والتعليل الأول أجود لأنه لما احتمل حصول الموت بغيره ظاهرا كان ذلك شبهة في درء القصاص ولو كانت العلة كونه لا يحصل به القتل غالبا لم يفترق الحال بين موته في الحال وموته متراخيا عنه كسائر ما لا يجب به القصاص

والثاني فيه القصاص لأن المحدد لا يعتبر فيه غلبة الظن في حصول القتل به بدليل ما لو قطع شحمة أذنه أو قطع أنملته ولأنه لما لم يمكن إدارة الحكم وضبطه بغلبة الظن وجب ربطه بكونه محددا ولا يعتبر ظهور الحكم في آحاد صورة المظنة بل يكفي احتمال الحكمة ولذلك ثبت الحكم


209

به فيما إذا بقي ضمنا مع أن العمد لا يختلف مع اتحاد الآلة والفعل بسرعة الإفضاء وإبطائه ولأن في البدن مقاتل خفية وهذا له سراية وموت فأشبه الجرح الكبير وهذا ظاهر كلام الخرقي فإنه لم يفرق بين الصغير والكبير وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي من التفصيل نحو مما ذكرنا

النوع الثاني القتل بغير المحدد مما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله فهذا عمد موجب للقصاص أيضا وبه قال النخعي والزهري وابن سيرين وحماد وعمرو بن دينار وابن أبي ليلى ومالك والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وقال الحسن لا قود في ذلك وروي ذلك عن الشعبي وقال ابن المسيب وعطاء وطاوس العمد ما كان بالسلاح وقال أبو حنيفة لا قود في ذلك إلا أن يكون قتله بالنار وعنه في مثقل الحديد روايتان واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل فسماه عمد الخطأ وأوجب فيه الدية دون القصاص ولأن العمد لا يمكن اعتباره بنفسه فيجب ضبطه بمظنته ولا يمكن ضبطه بما يقتل غالبا لحصول العمد بدونه في الجرح الصغير فوجب ضبطه بالجرح

ولنا قول الله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا الإسراء 33 وهذا مقتول ظلما وقال الله تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى البقرة 178

وروى أنس أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين متفق عليه وروى أبو هريرة قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما يؤدي وإما أن يقاد متفق عليه ولأنه يقتل غالبا فأشبه المحدد وأما الحديث فمحمول على المثقل الصغير لأنه ذكر العصا والسوط وقرن به الحجر فدل على أنه أراد ما يشبههما وقولهم لا يمكن ضبطه ممنوع فإننا نوجب القصاص بما نتيقن حصول الغلبة به فإذا شككنا لم نوجبه مع الشك وصغير الجرح قد سبق القول فيه ولأنه لا يصح ضبطه بالجرح بدليل ما لو قتله بالنار أو بمثل الحديد إذا ثبت هذا فإن هذا النوع يتنوع أنواعا أحدها أن يضربه بمثقل كبير يقتل مثله غالبا سواء كان من حديد كاللت والسندان والمطرقة أو حجر ثقيل أو خشبة كبيرة وحد الخرقي الخشبة الكبيرة بما فوق عمود الفسطاط يعني العمد التي يتخذها الأعراب لبيوتها وفيها دقة فأما عمد الخيام فكبيرة تقتل غالبا فلم يردها الخرقي وإنما حد الموجب للقصاص ما فوق عمود الفسطاط لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المرأة التي ضربت جاريتها بعمود فسطاط فقتلتها وجنينها قضى النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة وقضى بالدية على عاقلتها والعاقلة لا تحمل العمد فدل على أن القتل بعمود الفسطاط ليس بعمد وإن كان أعظم منه فهو عمد لأنه يقتل غالبا ومن هذا النوع أن يلقي عليه حائطا أو صخرة أو خشبة عظيمة أو ما أشبه مما


210

يهلكه غالبا فيهلكه ففيه القود لأنه يقتل غالبا

النوع الثاني أن يضر به بمثقل صغير كالعصى والسوط والحجر الصغير أو يلكزه بيديه في مقتل أو في حال ضعف من المضروب لمرض أو صغر أو في زمن مفرط الحر أو البرد بحيث تقتله تلك الضربة أو كرر الضرب حتى قتله بما يقتل غالبا ففيه القود لأنه قتله بما يقتل مثله غالبا فأشبه الضرب بمثقل كبير ومن هذا النوع لو عصر خصيته عصرا شديدا فقتله بعصر يقتل مثله غالبا فعليه القود وإن لم يكن كذلك في جميع ما ذكرناه فهو عمد الخطأ وفيه الدية إلا أن يصغر جدا كالضربة بالقلم والأصبع في غير مقتل ونحو هذا مما لا يتوهم القتل به فلا قود فيه ولا دية لأنه لم يمت به وكذلك إن مسه بالكبير ولم يضربه به لأن الدية إنما تجب بالقتل وليس هذا بقتل

النوع الثالث أن يمنع خروج نفسه وهو ضربنا أحدهما أن يجعل في عنقه خراطة ثم يعلقه في خشبة أو شيء بحيث يرتفع عن الأرض فيختنق ويموت فهذا عمد سواء مات في الحال أو بقي زمنا لأن هذا أوحى أنواع الخنق وهو الذي جرت العادة بفعله من الولاة في اللصوص وأشباههم من المفسدين

الضرب الثاني أن يخنقه وهو على الأرض بيديه أو منديل أو حبل أو يغمه بوسادة أو شيء يضعه على فيه وأنفه أو يضع يديه عليهما فيموت فهذا إن فعل به ذلك مدة يموت في مثلها غالبا فمات فهو عمد فيه القصاص وبه قال عمر بن عبد العزيز والنخعي والشافعي وإن فعله في مدة لا يموت في مثلها غالبا فمات فهو عمد الخطأ إلا أن يكون ذلك يسيرا في العادة بحيث لا يتوهم الموت منه فلا يوجب ضمانا لأنه بمنزلة لمسه وإن خنقه وتركه مثلا حتى مات ففيه القود لأنه مات من سراية جنايته فهو كالميت من سراية الجرح وإن تنفس وصح ثم مات فلا قود لأن الظاهر أنه لم يمت منه فأشبه ما لو اندمل الجرح ثم مات

النوع الرابع أن يلقيه في مهلكة وذلك على أربعة أضرب أحدها أن يلقيه من شاهق كرأس جبل أو حائط عال يهلك به غالبا فيموت فهو عمد

الثاني أن يلقيه في نار أو ماء يغرقه ولا يمكنه التخلص منه إما لكثرة الماء أو النار وإما لعجزه عن التخلص لمرض أو صغر أو كونه مربوطا أو منعه الخروج أو كونه في حفيرة لا يقدر على الصعود منها ونحو هذا أو ألقاه في بئر ذات نفس فمات به عالما بذلك فهذا كله عمد لأنه يقتل غالبا وإن ألقاه في ماء يسير يقدر على الخروج منه فلبث فيه اختيارا حتى مات فلا قود فيه ولا دية لأن هذا الفعل لم يقتله وإنما حصل موته بلبثه فيه وهو فعل نفسه فلم يضمنه غيره وإن تركه في نار يمكنه التخلص منها لقلتها أو كونه في طرف منها يمكنه الخروج بأدنى حركة فلم يخرج حتى مات فلا قود لأن هذا لا يقتل غالبا وهل يضمنه فيه وجهان أحدهما لا يضمنه لأنه مهلك لنفسه بإقامته فلم يضمنه كما لو ألقاه في ماء يسير لكن يضمن ما أصابت النار منه

والثاني يضمنه

لأنه جاء بالإلقاء المفضي إلى الهلاك وترك التخلص لا يسقط الضمان كما لو فصده فترك شد فصاده مع إمكانه أو جرحه فترك مداواة جرحه وفارق الماء لأنه لا يهلك بنفسه ولهذا يدخله الناس للغسل والسباحة والصيد وأما النار فيسيرها يهلك وإنما تعلم قدرته على التخلص بقوله أنا قادر على التخلص أو نحو


211

هذا لأن النار لها حرارة شديدة فربما أزعجته حرارتها عن معرفة ما يتخلص به أو أذهبت عقله بألمها وروعتها وإن ألقاه في لجة لا يمكنه التخلص منها فالتقمه حوت ففيه وجهان أحدهما عليه القود لأن ألقاه في مهلكة فهلك فأشبه ما لو غرق فيها

والثاني لا قود عليه لأنه لم يهلك بها أشبه ما لو قتله آدمي آخر

وإن ألقاه في ماء يسير فأكله سبع أو التقمه حوت أو تمساح فلا قود عليه لأن الذي فعله لا يقتل غالبا وعليه ضمانه لأنه هلك بفعله

الضرب الثالث أن يجمع بينه وبين أسد أو نمر في مكان ضيق كزبية ونحوها فيقتله فهذا عمد فيه القصاص إذا فعل السبع به فعلا يقتل مثله وإن فعل به فعلا لو فعله الآدمي لم يكن عمدا لم يجب القصاص به لأن السبع صار آلة للآدمي فكان فعله كفعله وإن ألقاه مكتوفا بين يدي الأسد أو النمر في فضاء فأكله فعليه القود وكذلك إن جمع بينه وبين حية في مكان ضيق فنهشته فقتلته فعليه القود وقال القاضي لا ضمان عليه في الصورتين وهو قول أصحاب الشافعي لأن الأسد والحية يهربان من الآدمي ولأن هذا سبب غير ملجىء

ولنا إن هذا يقتل غالبا فكان عمدا محضا كسائر الصور

وقولهم إنهما يهربان غير صحيح فإن الأسد يأخذ الآدمي المطلق فكيف يهرب من مكتوف ألقي إليه ليأكله والحية إنما تهرب في مكان واسع أما إذا ضاق المكان فالغالب أنها تدفع عن نفسها بالنهش على ما هو العادة

وقد ذكر القاضي فيمن ألقي مكتوفا في أرض مسبعة أو ذات حيات فقتلته أن في وجوب القصاص روايتين وهذا تناقض شديد فإنه نفى الضمان بالكلية في صورة كان القتل فيها أغلب وأوجب القصاص في صورة كان فيها أندر والصحيح أنه لا قصاص هاهنا ويجب الضمان لأنه فعل به فعلا متعمدا تلف به لا يقتل مثله غالبا وإن أنهشه حية أو سبعا فقتله فعليه القود إذا كان ذلك مما يقتل غالبا فإن كان مما لا يقتل غالبا كثعبان الحجاز أو سبع صغير ففيه وجهان أحدهما فيه القود لأن الجرح لا يعتبر فيه غلبة حصول القتل به وهذا جرح ولأن الحية من جنس ما يقتل غالبا

والثاني هو شبيه العمد لأنه لا يقتل غالبا أشبه الضرب بالعصا والحجر

وإن كتفه وألقاه في أرض غير مسبعة فأكله سبع أو نهشته حية فمات فهو شبه العمد وقال أصحاب الشافعي هو خطأ محض

ولنا إنه فعل به فعلا لا يقتل مثله غالبا عمدا فأفضى إلى هلاكه أشبه ما لو ضربه بعصا فمات وكذلك إن ألقاه مشدودا في موضع لم يعهد وصول زيادة الماء إليه فأما إن كان في موضع يعلم وصول زيادة الماء إليه في ذلك الوقت فمات بها فهو عمد محض وإن كانت غير معلومة إما لكونها تحتمل الوجوب وعدمه أو لا تعهد أصلا فهو شبه عمد

الضرب الرابع أن يحبسه في مكان ويمنعه الطعام والشراب مدة لا يبقى فيها حتى يموت فعليه القود لأن هذا يقتل غالبا وهذا يختلف باختلاف الناس والزمان والأحوال فإذا كان عطشان في شدة الحر مات في الزمن


212

القليل وإن كان عريان والزمن بارد أو معتدل لم يمت إلا في زمن طويل فتعتبر هذا فيه وإن كان في مدة يموت في مثلها غالبا ففيه القود وإكان لا يموت في مثلها غالبا فهو عمد الخطأ وإن شككنا فيها لم يجب القود لأننا شككنا في السبب ولا يثبت الحكم مع الشك في سببه سيما القصاص الذي يسقط بالشبهات

النوع الخامس أن يسقيه سما أو يطعمه شيئا قاتلا فيموت به فهو عمد موجب للقود إذا كان مثله يقتل غالبا وإن خلطه بطعام وقدمه إليه فأكله أو أهداه إليه أو خلطه بطعام رجل ولم يعلم ذلك فأكله فعليه القود لأنه يقتل غالبا

وقال الشافعي في أحد قوليه لا قود عليه لأنه أكله مختارا فأشبه ما لو قدم إليه سكينا فطعن بها نفسه

ولأن أنس بن مالك روى أن يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقتلها النبي صلى الله عليه وسلم

قال وهل يجب القود فيه قولان

ولنا خبر اليهودية فإن أبا سلمة قال فيه فمات بشر بن البراء فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقتلت أخرجه أبو داود ولأن هذا يقتل غالبا ويتخذ طريقا إلى القتل كثيرا فأوجب القصاص كما لو أكرهه على شربه فأما حديث أنس فلم يذكر فيه أن أحدا مات منه

ولا يجب القصاص إلا أن يقتل به ويجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتلها قبل أن يموت بشر بن البراء فلما مات أرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فسألها فاعترفت فقتلها فنقل أنس صدر القصة دون آخرها ويتعين حمله عليه جمعا بين الخبرين ويجوز أن يترك قتلها لكونها ما قصدت بشر بن البراء إنما قصدت قتل النبي صلى الله عليه وسلم فاختل العمد بالنسبة إلى بشر وفارق تقديم السكين لأنها لا تقدم إلى إنسان ليقتل بها نفسه إنما تقدم إليه لينتفع بها وهو عالم بمضرتها ونفعها فأشبه ما لو قدم إليه السم وهو عالم به

فأما إن خلط السم بطعام نفسه وتركه في منزله فدخل إنسان فأكله فليس عليه ضمان بقصاص ولا دية لأنه لم يقتله وإنما الداخل قتل نفسه فأشبه ما لو حفر في داره بئرا فدخل رجل فوقع فيها وسواء قصد بذلك قتل الآكل مثل أن يعلم ظالما يريد هجوم داره فترك السم في الطعام ليقتله فهو كما لو حفر بئرا في داره ليقع فيها اللص إذا دخل ليسرق منها ولو دخل رجل بإذنه فأكل الطعام المسموم بغير إذنه لم يضمنه لذلك وإن خلطه بطعام رجل أو قدم إليه طعاما مسموما وأخبره بسمه فأكله لم يضمنه لأنه أكله عالما بحاله فأشبه ما لو قدم إليه سكينا فوجأ بها نفسه وإن سقى إنسانا سما أو خلطه بطعامه فأكله ولم يعلم به كان مما لا يقتل مثله غالبا فهو شبه عمد فإن اختلف فيه هل يقتل مثله غالبا أو لا وثم بينة تشهد عمل بها وإن قالت البينة هو يقتل النضو الضعيف دون القوي أو غير هذا عملت على حسب ذلك وإن لم يكن مع أحدهما بينة فالقول قول الساقي لأن الأصل عدم وجوب القصاص فلا يثبت بالشك ولأنه أعلم بصفة ما سقى

وإن ثبت أنه قاتل

فقال لم أعلم أنه قاتل

ففيه وجهان أحدهما عليه القود لأن السم من جنس ما يقتل به غالبا فأشبه ما لو جرحه وقال لم أعلم أنه يموت منه

والثاني لا قود عليه لأنه يجوز أن يخفى عليه أنه قاتل وهذه شبهة يسقط بها القود

النوع السادس أن يقتله بسحر يقتل غالبا فيلزمه القود لأنه قتله بما يقتل غالبا فأشبه ما لو قتله بسكين


213

وإن كان مما لا يقتل غالبا أو كان مما يقتل ولا يقتل ففيه الدية دون القصاص لأنه عمد الخطأ فأشبه ضرب العصا

النوع السابع أن يتسبب إلى قتله بما يقتل غالبا وذلك أربعة أضرب أحدها أن يكره رجلا على قتل آخر فيقتله فيجب القصاص على المكره والمكره جميعا وبهذا قال مالك وقال أبو حنيفة ومحمد يجب القصاص على المكره دون المباشر لقوله عليه الصلاة والسلام عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولأن المكره آلة للمكره بدليل وجوب القصاص على المكره ونقل فعله إليه فلم يجب على المكره كما لو رمى به عليه فقتله وقال زفر يجب على المباشر دون المكره لأن المباشرة تقطع حكم السبب كالحافر مع الدافع والآخر مع القاتل وقال الشافعي يجب على المكره وفي المكره قولان وقال أبو يوسف لا يجب على واحد منهما

لأن المكره لم يباشر القتل فهو كحافر البئر والمكره ملجأ فأشبه المرمى به على إنسان

ولنا على وجوبه على المكره أنه تسبب إلى قتله بما يفضي إليه غالبا فأشبه ما لو ألسعته حية أو ألقاه على أسد في زبية

ولنا على وجوبه على المكره أنه قتله عمدا ظلما لاستبقاء نفسه

فأشبه ما لو قتله في المخمصة ليأكله

وقولهم إن المكره ملجأ غير صحيح فإنه متمكن من الامتناع ولذلك أثم بقتله وحرم عليه وإنما قتله عند الإكراه ظنا منه أن في قتله نجاة نفسه وخلاصه من شر المكره

فأشبه القاتل في المخمصة ليأكله وإن صار الأمر إلى الدية وجبت عليهما وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومحمد لا دية على المكره بناء منهما على أنه آلة وقد بينا فساده

وإنما هما شريكان يجب القصاص عليهما جميعا فوجبت الدية عليهما كالشريكين بالفعل وكما يجب الجزاء على الدال على الصيد في الإحرام والمباشر والردء كالمباشر في المحاربة فعلى هذا إن أحب الولي قتل أحدهما وأخذ نصف الدية من الآخر أو العفو عنه فله ذلك

الضرب الثاني إذا شهد رجلان على رجل بما يوجب قتله فقتل بشهادتهما ثم رجعا واعترفا بتعمد القتل ظلما وكذبهما في شهادتهما فعليهما القصاص

وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قصاص عليهما لأنه تسبب غير ملجىء فلا يوجب القصاص كحفر البئر

ولنا ما روى القاسم بن عبد الرحمن أن رجلين شهدا عند علي كرم الله وجهه على رجل أنه سرق فقطعه ثم رجعا على شهادتهما فقال علي لو أعلم أنكما تعمدتما لقطت أيديكما وغرمهما دية يده ولأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالبا فوجب عليهما القصاص كالمكره

الضرب الثالث الحاكم إذا حكم على رجل بالقتل عالما بذلك متعمدا فقتله واعترف بذلك وجب القصاص والكلام فيه كالكلام في الشاهدين ولو أن الولي الذي باشر قتله أقر بعلمه بكذب الشهود وتعمد قتله فعليه القصاص لا أعلم فيه خلافا فإن أمر الشاهدان والحاكم والولي جميعا بذلك فعلى الولي القصاص لأنه باشر القتل عمدا وعدوانا وينبغي أن لا يجب على غيره شيء لأنهم متسببون والمباشرة تبطل حكم المسبب


214

كالدافع مع الحافر ويفارق هذا ما إذا لم يقر لأنه لم يثبت حكم مباشرة القتل في حقه ظلما فكان وجوده كعدمه ويكون القصاص على الشاهدين والحاكم لأن الجميع متسببون وإن صار الأمر إلى الدية فهي عليهم أثلاثا

ويحتمل أن يتعلق الحكم بالحاكم وحده لأن تسببه أخص من تسببهم فإن حكمه واسطة بين شهادتهم وقتله فأشبه المباشر مع المتسبب ولو كان الولي المقر بالتعمد لم يباشر القتل وإنما وكل فيه نظرت في الوكيل فإن أقر بالعلم وتعمد القتل ظلما فهو القاتل وحده لأنه مباشر للقتل عمدا ظلما من غير إكراه فتعلق الحكم به كما لو أمر بالقتل في غير هذه الصورة وإن لم يعترف بذلك فالحكم متعلق بالولي كما لو باشره

والله أعلم

مسألة

قال ( ففيه القود إذا اجتمع عليه الأولياء وكان المقتول حرا مسلما ) أجمع العلماء على أن القود لا يجب إلا بالعمد ولا نعلم بينهم في وجوبه بالقتل العمد إذا اجتمعت شروطه خلافا وقد دلت عليه الآيات والأخبار بعمومها فقال الله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل الإسراء 33 وقال تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى البقرة 178 وقال تعالى ولكم في القصاص حياة البقرة 179 يريد والله أعلم أن وجوب القصاص يمنع من يريد القتل منه شفقة على نفسه من القتل فتبقى الحياة فيمن أريد قتله

وقيل إن القاتل تنعقد العداوة بينه وبين قبيلة المقتول فيريد قتلهم خوفا منهم ويريدون قتله وقتل قبيلته استيفاء ففي الاقتصاص منه بحكم الشرع قطع لسبب الهلاك بين القبيلتين وقال الله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس المائدة 45 وقال النبي صلى الله عليه وسلم من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقتل وإما أن يفدى متفق عليه

وروى أبو شريح الخزاعي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصيب بدم أو خبل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية رواه أبو داود

وفي لفظ فمن قتل له بعد مقالتي قتيل فأهله بين خيرتين أن يأخذوا الدية أو يقتلوا وقال عليه السلام العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول وفي لفظ من قتل عامدا فهو قود رواه أبو داود وفي لفظ رواه ابن ماجة من قتل عامدا فهو قود

ومن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين

لا يقبل منه صرف ولا عدل وقول الخرقي إذا اجتمع عليه الأولياء يعني إذا كان للمقتول أولياء يستحقون القصاص فمن شرط وجوبه اجتماعهم على طلبه ولو عفي واحد منهم سقط كله وإن كان بعضهم غائبا أو غير مكلف لم يكن لشركائه القصاص حتى يقدم الغائب ويختار القصاص أو يوكل ويبلغ الصبي ويفيق المجنون ويختاراه وقولهم إذا كان المقتول حرا مسلما يعني مكافئا للقاتل فإذا كان القاتل حرا مسلما

اشترط كون المقتول حرا مسلما لتحقق المكافأة بينهما فإن كان الكافر لا يكافىء المسلم والعبد لا يكافىء الحر


215

فصل وأجمع أهل العلم على أن الحر المسلم يقاد به قاتله وإن كان مجدع الأطراف معدوم الحواس والقاتل صحيح سوى الخلق أو كان بالعكس وكذلك إن تفاوتا في العلم والشرف والغنى والفقر والصحة والمرض والقوة والضعف والكبر والصغر والسلطان والسوقة ونحو هذا من الصفات لم يمنع القصاص بالاتفاق وقد دلت عليه العمومات التي تلوناها وقول النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنون تكافأ دماؤهم ولأن اعتبار التساوي في الصفات والفضائل يفضي إلى إسقاط القصاص بالكلية وفوات حكمة الردع والزجر فوجب أن يسقط اعتباره كالطول والقصر والسواد والبياض

فصل ولا يشترط في وجوب القصاص كون القتل في دار الإسلام بل متى قتل في دار الحرب مسلما عامدا عالما بإسلامه فعليه القود سواء كان قد هاجر أو لم يهاجر وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب القصاص بالقتل في غير دار الإسلام فإن لم يكن المقتول هاجر لم يضمنه بقصاص ولا دية عمدا قتله أو خطأ وإن كان قد هاجر ثم عاد إلى دار الحرب كرجلين مسلمين دخلا دار الحرب بأمان فقتل أحدهما صاحبه ضمنه بالدية ولم يجب القود وحكي عن أحمد رواية كقوله ولو قتل رجلا أسيرا مسلما في دار الحرب لم يضمنه إلا بالدية عمدا قتله أو خطأ

ولنا ما ذكرنا من الآيات والأخبار ولأنه قتل من يكافئه عمدا ظلما فوجب عليه القود كما لو قتله في دار الإسلام ولأن كل دار يجب فيها القصاص إذا كان فيها إمام يجب وإن لم يكن فيها إمام كدار الإسلام

فصل وقتل الغيلة وغيره سواء في القصاص والعفو وذلك للولي دون السلطان وبه قال أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر وقال مالك الأمر عندنا أن يقتل به وليس لولي الدم أن يعفو عنه وذلك إلى السلطان والغيلة عنده أن يخدع الإنسان فيدخل بيتا أو نحوه فيقتل أو يؤخذ ماله ولعله يحتج بقول عمر في الذي قتل غيلة لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به وبقياسه على المحارب

ولنا عموم قوله تعالى فقد جعلنا لوليه سلطانا الإسراء 33 وقول النبي صلى الله عليه وسلم فأهله بين خيرتين ولأنه قتيل في غير المحاربة فكان أمره إلى وليه كسائر القتلى وقول عمر لأقدتهم به أي أمكنت الولي من استيفاء القود منهم

فصل وإذا قتل رجلا وادعى أنه وجده مع امرأته أو أنه قتله دفعا عن نفسه أو أنه دخل منزله يكابره على ماله فلم يقدر على دفعه إلا بقتله لم يقبل قوله إلا ببينة ولزمه القصاص وروي نحو ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر ولا أعلم فيه مخالفا وسواء وجد في دار القاتل أو في غيرها أو وجد معه سلاح أو لم يوجد لما روي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عمن وجد مع امرأته رجلا فقتله فقال إن لم


216

يأت بأربعة شهداء فليعط برمته ولأن الأصل عدم ما يدعيه فلا يثبت بمجرد الدعوى وإن اعترف الولي بذلك فلا قصاص عليه ولا دية لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يوما يتغدى إذ جاءه رجل يعدو وفي يده سيف ملطخ بالدم ووراءه قوم يعدون خلفه فجاء حتى جلس مع عمر فجاء الآخرون فقالوا يا أمير المؤمنين إن هذا قتل صاحبنا فقال له عمر ما يقولون فقال يا أمير المؤمنين إني ضربت فخذي امرأتي فإن كان بينهما أحد فقد قتلته فقال عمر ما يقول قالوا يا أمير المؤمنين إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط فخذي المرأة فأخذ عمر سيفه فهزه ثم دفعه إليه وقال إن عادوا فعد رواه سعيد في سننه وروي عن الزبير أنه كان يوما قد تخلف عن الجيش ومعه جارية له فأتاه رجلان فقالا أعطنا شيئا فألقى إليهما طعاما كان معه فقالا خل عن الجارية فضربهما بسيفه فقطعهما بضربة واحدة ولأن الخصم اعترف بما يبيح قتله فسقط حقه كما لو أقر بقتله قصاصا أو في حد يوجب قتله وإن ثبت ذلك ببينة فكذلك

مسألة

قال ( وشبه العمد ما ضربه بخشبة صغيرة أو حجر صغير أو لكزه أو فعل به فعلا الأغلب من ذلك الفعل أنه لا يقتل مثله فلا قود في هذا والدية على العاقلة ) شبه العمد أحد أقسام القتل وهو أن يقصد ضربه بما لا يقتل غالبا إما لقصد العدوان عليه أو لقصد التأديب له فيسرف فيه كالضرب بالسوط والعصا والحجر الصغير والوكز واليد وسائر ما لا يقتل غالبا إذا قتل فهو شبه عمد لأنه قصد الضرب دون القتل ويسمى عمد الخطأ وخطأ العمد لاجتماع العمد والخطأ فيه فإنه عمد الفعل وأخطأ في القتل فهذا لا قود فيه والدية على العاقلة في قول أكثر أهل العلم وجعله مالك عمدا موجبا للقصاص ولأنه ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ فمن زاد قسما ثالثا زاد على النص ولأنه قتله بفعل عمده فكان عمدا كما لو غرزه بإبرة فقتله وقال أبو بكر من أصحابنا تجب الدية في مال القاتل وهو قول ابن شبرمة لأنه موجب فعل عمد فكان في مال القاتل كسائر الجنايات

ولنا ما روى أبو هريرة قال اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها عبد أو وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها متفق عليه فأوجب ديتها على العاقلة والعاقلة لا تحمل عمدا وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا إن في قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد ولا يقتل صاحبه رواه أبو داود وهذا نص وقوله هذا قسم ثالث قلنا نعم هذا ثبت بالسنة والقسمان الأولان ثبتا بالكتاب ولأنه قتل لا يوجب الود فكانت ديته على العاقلة كقتل الخطأ

مسألة

قال ( والخطأ على ضربين أحدهما أن يرمي الصيد أو يفعل ما يجوز له فعله فيؤول إلى إتلاف حر مسلما كان أو كافرا فتكون الدية على عاقلته وعليه عتق رقبة مؤمنة )


217

وجملته أن الخطأ أن يفعل فعلا لا يريد به إصابة المقتول فيصيبه ويقتله مثل أن يرمي صيدا أو هدفا فيصيب إنسانا فيقتله قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن القتل الخطأ أن يرمي الرامي شيئا فيصيب غيره لا أعلمهم يختلفون فيه هذا قول عمر بن عبد العزيز وقتادة والنخعي والزهري وابن شبرمة والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي فهذا الضرب من الخطأ تجب به الدية على العاقلة والكفارة في مال القاتل بغير خلاف نعلمه والأصل في وجوب الدية والكفارة قول الله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا النساء 92 وسواء كان المقتول مسلما أو كافرا له عهد لقول الله تعالى وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 ولا قصاص في شيء من هذا لأن الله تعالى أوجب به الدية ولم يذكر قصاصا وقال النبي صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولأنه لم يوجب القصاص في عمد الخطأ ففي الخطأ أولى

فصل وإن قصد فعلا محرما فقتل آدميا مثل أن يقصد قتل بهيمة أو آدميا معصوما فيصيب غيره فيقتله فهو خطأ أيضا لأنه لم يقصد قتله وهذا مذهب الشافعي وكذلك قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القتل الخطأ أن يرمي الرامي شيئا فيصيب غيره ويتخرج على قول أبي بكر أن هذا عمد لقوله في من رمى نصرانيا فلم يقع به السهم حتى أسلم أنه عمد يجب به القصاص لكونه قصد فعلا محرما قتل به إنسانا

مسألة

قال ( والضرب الثاني أن يقتل في بلاد الروم من عنده أنه كافر ويكون قد أسلم وكتم إسلامه إلى أن يقدر على التخلص إلى أرض الإسلام فيكون عليه في ماله عتق رقبة مؤمنة بلا دية لقول الله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) هذا الضرب الثاني من الخطأ وهو أن يقتل في أرض الحرب من يظنه كافرا ويكون مسلما ولا خلاف في أن هذا خطأ لا يوجب قصاصا لأنه لم يقصد قتل مسلم فأشبه ما لو ظنه صيدا فبان آدميا إلا أن هذا لا تجب به دية أيضا ولا يجب إلا الكفارة وروي هذا عن ابن عباس وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة وقتادة والأوزاعي والثوري وأبو ثور وأبو حنيفة وعن أحمد رواية أخرى تجب به الدية والكفارة وهو قول مالك والشافعي لقول الله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله النساء 92

وقال عليه السلام ألا إن في قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا مائة من الإبل ولأنه قتل مسلما خطأ فوجبت ديته كما لو كان في دار الإسلام

ولنا قول الله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 ولم يذكر دية وتركه


218

ذكرها في هذا القسم مع ذكرها في الذي قبله وبعده ظاهر في أنها غير واجبة وذكره لهذا قسما مفردا يدل على أنه لم يدخل في عموم الآية التي احتجوا بها ويخص بها عموم الخبر الذي رووه

مسألة

قال ( ولا يقتل مسلم بكافر ) أكثر أهل العلم لا يوجبون على مسلم قصاصا بقتل كافر أي كافر كان روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ومعاوية رضي الله عنهم وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء والحسن وعكرمة والزهري وابن شبرمة ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وقال النخعي والشعبي وأصحاب الرأي يقتل المسلم بالذمي خاصة قال أحمد الشعبي والنخعي قالا دية المجوسي واليهودي والنصراني مثل دية المسلم وإن قتله يقتل به هذا عجب يصير المجوسي مثل المسلم سبحان الله ما هذا القول واستبشعه وقال النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا يقتل مسلم بكافر وهو يقول يقتل بكافر فأي شيء أشد من هذا واحتجوا بالعمومات التي ذكرناها في أول الباب وبما روى ابن البيلماني أن النبي صلى الله عليه وسلم أقاد مسلما بذمي وقال أنا حق من وفى بذمته ولأنه معصوم عصمة مؤبدة فيقتل به قاتله كالمسلم

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ولا يقتل مؤمن بكافر رواه الإمام أحمد وأبو داود وفي لفظ لا يقتل مسلم بكافر رواه البخاري وأبو داود وعن علي رضي الله عنه قال من السنة ألا يقتل مسلم بكافر رواه الإمام أحمد ولأنه منقوص بالكفر فلا يقتل به المسلم كالمستأمن والعمومات مخصوصات بحديثنا وحديثهم ليس له إسناد قاله أحمد وقال الدارقطني يرويه ابن البيلماني وهو ضعيف إذا أسند فكيف إذا أرسل والمعنى في المسلم أنه مكافىء للمسلم بخلاف الذمي فأما المستأمن فوافق أبو حنيفة الجماعة في أن المسلم لا يقاد به وهو المشهور عن أبي يوسف وعنه يقتل به لما سبق في الذمي

ولنا إنه ليس بمحقون الدم على التأبيد فأشبه الحربي مع ما ذكرنا من الدليل في التي قبلها

فصل فإن قتل كافر كافرا ثم أسلم القاتل أو جرحه ثم أسلم الجارح ومات المجروح

فقال أصحابنا يقتص منه وهو قول الشافعي لأن القصاص عقوبة فكان الاعتبار فيها بحال وجوبها دون حال استيفائها كالحدود لأنه حق وجب عليه قبل إسلامه فلم يسقط بإسلامه كالدين ويحتمل أن لا يقتل به وهو قول الأوزاعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتل مسلم بكافر ولأنه مؤمن فلا يقتل بكافر كما لو كان مؤمنا حال قتله ولأن إسلامه لو قارن السبب منع عمله فإذا طرأ سقط حكمه

فصل وإن جرح مسلم كافر فأسلم المجروح ثم مات مسلما بسراية الجرح لم يقتل به قاتله لأن التكافؤ معدوم حال الجناية وعليه دية مسلم لأن اعتبار الأرش بحالة استقرار الجناية بدليل ما لو قطع يدي رجل ورجليه فسرى إلى نفسه دية واحدة ولو اعتبر حال الجرح وجب ديتان ولو قطع حر يد عبد ثم عتق ومات لم يجب


219

قصاص لعدم التكافؤ حال الجناية وعلى الجاني دية حر اعتبارا بحال الاستقرار وهذا قول ابن حامد وهو مذهب الشافعي

وللسيد أقل الأمرين من نصف قيمته أو نصف دية حر والباقي لورثته لأن نصف قيمته إن كانت أقل فهي التي وجدت في ملكه فلا يكون له أكثر منها لأن الزائد حصل بحريته ولا حق له فيما حصل بها وإن كان الأقل الدية لم يستحق أكثر منها لأن نقص القيمة حصل بسبب من جهة السيد وإعتاقه

وذكر القاضي أن أحمد نص في رواية حنبل فيمن فقأ عيني عبد ثم أعتق ومات

أن الجاني قيمته للسيد وهذا يدل على أن الاعتبار بحال الجناية وهذا اختيار أبي بكر والقاضي وأبي الخطاب

قال أبو الخطاب من قطع يد ذمي ثم أسلم ومات ضمنه بدية ذمي ولو قطع يد عبد فأعتقه سيده ومات فعلى الجاني قيمته للسيد لأن حكم القصاص معتبر بحال الجناية دون حال السراية فكذلك الدية والأول أصح إن شاء الله لأن سراية الجرح مضمونة فإذا أتلفت حرا مسلما وجب ضمانه بدية كاملة كما لو قتله بجرح ثان

وقول أحمد فيمن فقأ عيني عبد عليه قيمته للسيد لا خلاف فيه وإنما الخلاف في وجوب الزائد على القيمة من دية الحر للورثة ولم يذكره أحمد ولأن الواجب مقدر بما تفضي إليه السراية دون ما تتلفه الجناية بدليل أن من قطعت يداه ورجلاه فسرى القطع إلى نفسه لم يلزم الجاني أكثر من دية ولو قطع أصبعا فسرى إلى نفسه لوجبت الدية كاملة

فكذلك إذا سرت إلى نفس حر مسلم تجب ديته كاملة

فأما إن جرح مرتدا أو حربيا فسرى الجرح إلى نفسه فلا قصاص فيه ولا دية سواء أسلم قبل السراية أو لم يسلم لأن الجرح غير مضمون فلم يضمن سرايته بخلاف التي قبلها

فصل ولو قطع يد مسلم فارتد ثم مات بسراية الجرح لم يجب في النفس قصاص ولا دية ولا كفارة لأنها نفس مرتد غير معصوم ولا مضمون وكذلك لو قطع يد ذمي فصار حربيا ثم مات من جراحه

وأما اليد فالصحيح أنه لا قصاص فيها وذكر القاضي وجها في وجوب القصاص فيها

لأن القطع استقر حكمه بانقطاع حكم سرايته فأشبه ما لو قطع طرفه ثم قتله أو جاء آخر فقتله وللشافعي في وجوب القصاص قولان

ولنا إنه قطع هو قتل لم يجب به القتل فلم يجب القطع كما لو قطع من غير مفصل وفارق ما قاسوا عليه فإن القطع لم يصر قتلا

وهل تجب دية الطرف فيه وجهان أحدهما لا ضمان فيه

لأنه تبين أنه قتل لغير معصوم

والثاني تجب لأن سقوط حكم سراية الجراح لا يسقط ضمانه كما لو قطع طرف رجل ثم قتله آخر

فعلى هذا هل يجب ضمانه بدية المقطوع أو بأقل الأمرين من ديته أو دية النفس فيه وجهان أحدهما تجب دية المقطوع فلو قطع يديه ورجليه ثم ارتد ومات ففيه ديتان لأن الردة قطعت حكم السراية

فأشبه انقطاع حكمها باندمالها

أو بقتل آخر له

والثاني يجب أقل الأمرين ولأنه لو لم يرتد لم يجب أكثر من دية النفس فمع الردة أولى

ولأنه قطع صار قتلا فلم يجب أكثر من دية كما لو لم يرتد وفارق أصل الوجه الأول فإنه لم يصر قتلا ولأن الاندمال والقتل منع وجود السراية والردة منعت ضمانها ولم تمنع جعلها قتلا وللشافعي من التفصيل نحو مما قلنا


220

فصل وإن قطع مسلم يد نصراني فتمجس وقلنا لا يقر فهو كما لو جنى على مسلم فارتد وإن قلنا يقر عليه وجبت دية مجوسي وإن قطع يد مجوسي فتنصر

ثم مات وقلنا يقر وجبت دية نصراني ويجيء على قول أبي بكر والقاضي أن تجب دية نصراني في الأولى ودية مجوسي في الثانية

كقولهم فيمن جنى على عبد ذمي فأسلم وعتق ثم مات من الجناية ضمنه بقيمة عبد ذمي اعتبارا بحال الجناية

فصل وإن قطع يد مسلم فارتد ثم أسلم ومات وجب القصاص على قاتله نص عليه أحمد رحمه الله في رواية محمد بن الحكم

وقال القاضي يتوجه عندي أنه إن كان زمن الردة تسري في مثله الجناية لم يجب القصاص في النفس وهل يجب في الطرف الذي قطع في إسلامه على وجهين وهذا مذهب الشافعي لأن القصاص يجب بالجناية والسراية كلها فإذا لم يوجد جميعها في الإسلام لم يجب القصاص كما لو جرحه جرحين أحدهما في الإسلام والآخر في الردة فمات منهما

ولنا إنه مسلم حال الجناية والموت فوجب القصاص بقتله كما لو لم يرتد واحتمال السراية حال الردة لا يمنع لأنها غير معلومة فلا يجوز ترك السبب المعلوم باحتمال المانع كما لو لم يرتد فإنه يحتمل أن يموت بمرض أو بسبب آخر أو بالجرح مع شيء آخر يؤثر في الموت فأما الدية فتجب كاملة ويحتمل وجوب نصفها لأنه مات من جرح مضمون وسراية غير مضمونة فوجب نصف الدية كما لو جرحه إنسان وجرح نفسه فمات منها فأما إن كان زمن الردة لا تسري في مثله الجناية ففيه الدية أو القصاص

وقال الشافعي في أحد قوليه لا قصاص فيه لأنه انتهى إلى حال لو مات لم يجب القصاص

ولنا إنهما متكافئان حال الجناية والسراية والموت فأشبه ما لم يرتد وإن كان الجرح خطأ وجبت الكفارة بكل حال لأنه فوت نفسا معصومة

فصل وإن جرحه وهو مسلم فارتد ثم جرحه جرحا آخر ثم أسلم ومات منهما فلا قصاص فيه لأنه مات من جرحين مضمون وغير مضمون ويجب فيه نصف الدية لذلك وسواء تساوى الجرحان أو زاد أحدهما مثل أن قطع يديه وهو مسلم فارتد فقطع رجله أو كان بالعكس لأن الجرح في الحالين كجرح رجلين

وهل يجب القصاص في الطرف الذي قطعه في حال إسلامه يحتمل وجهين بناء على من قطع طرفه وهو مسلم فارتد ومات في ردته ولو قطع طرفه في ردته أولا فأسلم ثم قطع طرفه الآخر ومات منهما فالحكم فيه كالتي قبلها

فصل ويقتل الذمي بالمسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل اليهودي الذي رض رأس جارية من الأنصار على أوضاح لها ولأنه إذا قتل بمثله فبمن فوقه أولى ويقتل بالذمي سواء اتفقت أديانهم أو اختلفت فلو قتل النصراني مجوسيا أو يهوديا قتل به نص عليه أحمد في النصراني يقتل بالمجوسي إذا قتله قيل فكيف يقتل به وديتهما


221

مختلفة فقال اذهب إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجلا بامرأة يعني أنه قتله بها مع اختلاف ديتهما ولأنهما تكافآ في العصمة بالذمة ونقيصة الكفر فجرى القصاص بينهما كما لو تساوى دينهما وهذا مذهب الشافعي

فصل ولا يقتل ذمي بحربي لا نعلم فيه خلافا لأنه مباح الدم على الإطلاق أشبه الخنزير ولا دية فيه لذلك ولا كفارة ولا يجب بقتل المرتد قصاص ولا دية ولا كفارة لذلك سواء قتله مسلم أو ذمي وهو قول بعض أصحاب الشافعي

وقال بعض أصحاب الشافعي يجب القصاص على الذمي بقتله والدية إذا عفا عنه

لأنه لا ولاية في قتله وقال بعضهم يجب القصاص دون الدية لأنه لا قيمة له

ولنا إنه مباح الدم أشبه الحربي ولأن من لا يضمنه المسلم لا يضمنه الذمي كالحربي

فصل وليس على قاتل الزاني المحصن قصاص ولا دية ولا كفارة

وهذا ظاهر مذهب الشافعي وحكى بعضهم وجها أن على قاتله القود لأن قتله إلى الامام فيجب القود على من قتله سواء كمن عليه القصاص إذا قتله غير مستحقه

ولنا إنه مباح الدم وقتله متحتم فلم يضمن كالحربي ويبطل ما قاله بالمرتد وفارق القاتل فإن قتله غير متحتم وهو مستحق على طريق المعاوضة فاختص بمستحقه وهاهنا قتله لله تعالى فأشبه المرتد وكذلك الحكم في المحارب الذي تحتم قتله

فصل ويقتل المرتد بالمسلم والذمي ويقدم القصاص على القتل بالردة لأنه حق آدمي وإن عفا عنه ولي القصاص فله دية المقتول فإن أسلم المرتد فهي في ذمته وإن قتل بالردة أو مات تعلقت بماله وإن قطع طرفا من أحدهما فعليه القصاص فيه أيضا وقال بعض أصحاب الشافعي لا يقتل المرتد بالذمي ولا يقطع طرفه بطرفه لأن أحكام الإسلام في حقه باقية بدليل وجوب العبادات عليه ومطالبته بالإسلام

ولنا إنه كافر فيقتل بالذمي كالأصلي وقولهم إن أحكام الإسلام باقية غير صحيح فإنه قد زالت عصمته وحرمته وحل نكاح المسلمات وشراء العبيد المسلمين وصحة العبادات وغيرها وأما مطالبته بالإسلام فهو حجة عليهم فإنه يدل على تغليظ كفره وأنه لا يقر على ردته لسوء حاله فإذا قتل بالذمي مثله فمن هو دونه أولى

فصل وإن جرح مسلم ذميا ثم ارتد ومات المجروح لم يقتل به لأن التكافؤ مشترط حال وجود الجناية ولم يوجد وإن قتل من يعرفه ذميا أو عبدا وكان قد أسلم وعتق وجب القصاص لأنه قتل من يكافئه عمدا عدوانا فلزمه القصاص كما لو علم حاله وفارق من علمه حربيا لأنه لم يعمد إلى قتل معصوم

مسألة

قال ( ولا حر بعبد ) وروي هذا عن أبي بكر وعمر وعلي وزيد وابن الزبير رضي الله عنهم وبه قال الحسن وعطاء وعمر بن عبد العزيز وعكرمة وعمرو بن دينار ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور ويروى عن سعيد بن المسيب والنخعي وقتادة


222

والثوري وأصحاب الرأي أنه يقتل به لعموم الآيات والأخبار لقول النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنون تتكافأ دماؤهم ولأنه آدمي معصوم فأشبه الحر

ولنا ما روى الإمام أحمد بإسناده عن علي رضي الله عنه أنه قال من السنة أن لا يقتل حر بعبد وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقتل حر بعبد رواه الدارقطني ولأنه لا يقطع طرفه بطرفه مع التساوي في السلامة

فلا يقتل به كالأب مع ابنه ولأن العبد منقوص بالرق فلم يقتل به الحر كالمكاتب إذا ملك ما يؤدي والعمومات مخصوصات بهذا فنقيس عليه

فصل ولا يقتل السيد بعبده في قول أكثر أهل العلم وحكي عن النخعي وداود أنه يقتل به لما روى قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قتل عبده قتلناه ومن جدعه جدعناه رواه سعيد والإمام أحمد والترمذي وقال حديث حسن غريب مع العمومات والمعنى في التي قبلها

ولنا ما ذكرناه في التي قبلها وعن عمر رضي الله عنه أنه قال لو لم أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يقاد المملوك من مولاه والولد من والده لأقدته منك رواه النسائي وعن علي رضي الله عنه أن رجلا قتل عبده فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة ونفاه عاما ومحا اسمه من المسلمين رواه سعيد والخلال وقال أحمد ليس بشيء من قبل إسحاق بن أبي فروة ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن أبي بكر وعمر أنهما قالا من قتل عبده جلد مائة وحرم سهمه مع المسلمين فأما حديث سمرة فلم يثبت قال أحمد الحسن لم يسمع من سمرة إنما هي صحيفة وقال عنه أحمد إنما سمع الحسن من سمرة ثلاثة أحاديث ليس هذا منها ولأن الحسن أفتى بخلافه فإنه يقول لا يقتل الحر بالعبد وقال إذا قتل السيد عبده يضرب ومخالفته له تدل على ضعفه

فصل ولا يقطع طرف الحر بطرف العبد بغير خلاف علمناه بينهم ويقتل العبد بالحر ويقتل بسيده لأنه إذا قتل بمثله فبمن هو أكمل منه أولى مع عموم النصوص الواردة في ذلك ومتى وجب القصاص على العبد فعفا ولي الجناية إلى المال فله ذلك ويتعلق أرشها برقبته لأنه موجب جنايته فتعلق برقبته كالقصاص ثم إن شاء سيده أن يسلمه إلى ولي الجناية لم يلزمه أكثر من ذلك لأنه سلم إليه ما تعلق حقه به وإن قال ولي الجناية بعه وادفع إلي ثمنه لم يلزمه ذلك

لأنه لم يتعلق بذمته شيء وإنما تعلق بالرقبة التي سلمها فبرىء منها وفيه وجه آخر أنه يلزمه ذلك كما يلزمه بيع الرهن وإن امتنع من تسليمه واختار فداءه فهل تلزمه قيمته أو أرش الجناية جميعا على روايتين ذكرناهما في غير هذا الموضع وإن عفي عن القصاص ليملك رقبة العبد ففيه روايتان إحداهما يملكه بذلك لأنه يملك إتلافه فكان ملكا له كسائر أمواله

والثانية لا يملكه لأنه محل تعلق به القصاص فلا يملكه بالعفو كالحر فعلى هذه الرواية يتعلق أرش الجناية برقبته كما لو عفا على مال لأن العوض الذي عفي لأجله لم يصح له فكان له عوضه كالعقود الفاسدة


223

فصل ويجري القصاص بين العبيد في النفس في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وسالم والنخعي والشعبي والزهري وقتادة والثوري ومالك والشافعي وأبي حنيفة وروي عن أحمد رواية أخرى أن من شرط القصاص تساوي قيمتهم وإن اختلفت قيمتهم لم يجر بينهم قصاص وينبغي أن يختص هذا بما إذا كانت قيمة القاتل أكثر فإن كانت أقل فلا وهذا قول عطاء وقال ابن عباس ليس بين العبيد قصاص في نفس ولا جرح لأنهم أموال

ولنا إن الله تعالى قال يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد البقرة 178

وهذا نص من الكتاب فلا يجوز خلافه لأن تفاوت القيمة كتفاوت الدية والفضائل فلا يمنع القصاص كالعلم والشرف والذكورية والأنوثية

فصل ويجري القصاص بينهم فيما دون النفس وبه قال عمر بن عبد العزيز وسالم والزهري وقتادة ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وعن أحمد رواية أخرى لا يجري القصاص بينهم فيما دون النفس وهو قول الشعبي والنخعي والثوري وأبي حنيفة لأن الأطراف مال فلا يجري القصاص فيها كالبهائم ولأن التساوي في الأطراف معتبر في جريان القصاص بدليل أنا لا نأخذ الصحيحة بالشلاء ولا كاملة الأصابع بالناقصة وأطراف العبيد لا تتساوى

ولنا قول الله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين المائدة 45

ولأنه أحد نوعي القصاص فجرى بين العبيد كالقصاص في النفس

فصل وإذا وجب القصاص في طرف العبد وجب للعبد وله استيفاؤه والعفو عنه

فصل ولو قتل عبد عبدا ثم عتق القاتل قتل به وكذلك لو جرح عبد عبدا ثم عتق الجارح ومات المجروح قتل به لأن القصاص وجب فلم يسقط بالعتق بعده ولأن التكافؤ موجود حال وجود الجناية وهي السبب فاكتفى به ولو جرح حر ذمي عبدا ثم لحق بدار الحرب فأسر واسترق لم يقتل بالعبد لأنه حين وجوب القصاص حر

فصل وإذا قتل عبد عبدا عمدا فسيد المقتول مخير بين القصاص والعفو فإن عفا إلى مال تعلق بالمال برقبة القاتل

لأنه وجب بجنايته وسيده مخير بين فدائه وتسليمه فإن اختار فداءه فداه بأقل الأمرين من قيمته أو قيمة المقتول لأنه إن كان الأقل قيمته لم يلزمه أكثر منها لأنها بدل عنه وإن كان الأقل قيمة المقتول فليس لسيده أكثر منها لأنها بدل عنه وعنه رواية أخرى أن سيده إن اختار فداءه لزمه أرش الجناية بالغا ما بلغ لأنه إذا سلمه للبيع ربما زاد فيه مزيدا أكثر من قيمته فإن قتل عشرة أعبد عبدا لرجل عمدا فعليهم القصاص

فإن اختار السيد قتلهم فله قتلهم وإن عفا إلى مال تعلقت قيمة عبده برقابهم على كل واحد منهم عشرها يباع منه بقدرها ويفديه سيده فإن اختار قتل بعضهم والعفو عن البعض كان ذلك له لأن له قتل


224

جميعهم والعفو عن جميعهم وإن قتل عبد عبدين لرجل واحد فله قتله والعفو عنه فإن قتله سقط حقه وإن عفا إلى مال تعلقت قيمة العبدين برقبته فإن كانا لرجلين فكذلك إلا أن القاتل يقتل بالأول منهما لأن حقه أسبق فإن عفا عنه الأول قتل بالثاني وإن قتلهما دفعة واحدة أقرع بين السيدين فأيهما خرجت له القرعة اقتص وسقط عن الآخر

وإن عفا عن القصاص أو عفا سيد القتيل الأول عن القصاص إلى مال تعلق برقبة العبد وللثاني أن يقتص لأن تعلق المال بالرقبة لا يسقط حق القصاص كما لو جنى العبد المرهون وإن قتله الآخر سقط حق الأول من القيمة لأنه لم يبق محل يتعلق به وإن عفا الثاني تعلقت قيمة القتيل الثاني برقبته أيضا ويباع فيهما ويقسم ثمنه على قدر القيمتين ولم نقدم الأول بالقيمة كما قدمناه بالقصاص لأن القصاص لا يتبعض بينهما والقيمة يمكن تبعضها فإن قيل فحق الأول أسبق قلنا لا يراعى السبق كما لو أتلف أموالا لجماعة واحدا بعد واحد فأما إن قتل العبد عبدا بين شريكين كان لهما القصاص والعفو فإن عفا أحدهما سقط القصاص وينتقل حقهما إلى القيمة لأن القصاص لا يتبعض وإن قتل عبدين لرجل واحد فله أن يقتض منه لأحدهما أيهما كان ويسقط حقه من الآخر وله أن يعفو عنه إلى مال وتتعلق قيمتها جميعا برقبته

فصل ويقتل العبد القن بالمكاتب والمكاتب به ويقتل كل واحد منهما بالمدبر وأم الولد ويقتل المدبر وأم الولد بكل واحد منهما لأن الكل عبيد فيدخلون في عموم قوله تعالى والعبد بالعبد البقرة 178

فقد دل على كون المكاتب عبدا قول النبي صلى الله عليه وسلم المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وسواء كان المكاتب قد أدى من كتابته شيئا أو لم يؤد وسواء مالك ما يؤدي أو لم يملك إلا إذا قلنا إنه إذا ملك ما يؤدي فقد صار حرا فإنه لا يقتل بالعبد لأنه حر فلا يقتل بالعبد وإن أدى ثلاثة أرباع مال الكتابة لم يقتل به أيضا لأنه يصير حرا ومن لم يحكم بحريته إلا بأداء جميع الكتابة جاز قتله به وقال أبو حنيفة إذا قتل العبد مكاتبا له وفاء ووارث سوى مولاه لم يقتل به لأنه حين الجرح كان المستحق المولى وحين الموت الوارث ولا يجب القصاص إلا لمن يثبت حقه في الطرفين

ولنا قوله تعالى النفس بالنفس المائدة 45

وقوله تعالى والعبد بالعبد البقرة 178

ولأنه لو كان قنا لوجب بقتله القصاص فإذا كان مكاتبا كان أولى كما لو لم يخلف وارثا وما ذكروه شيء بنوه على أصولهم ولا نسلمه

مسألة

قال ( وإذا قتل الكافر العبد عمدا فعليه قيمته ويقتل لنقضه للعهد ) يعني الكافر الحر لا يقتل بالعبد المسلم لأن الحر لا يقتل بالعبد لفقدان التكافؤ بينهما ولأنه لا يجد بقذفه فلا يقتل بقتله كالأب مع ابنه وعليه قيمته ويقتل لنقضه العهد فإن قتل المسلم ينتقض به العهد بدليل ما روي أن ذميا كان يسوق حمارا بامرأة مسلمة فنخسه بها فرماها ثم أراد إكراهها على الزنا فرفع إلى عمر رضي الله عنه فقال


225

ما على هذا صالحناهم فقتله وصلبه وروي في شروط عمر أنه كتب إلى عبد الرحمن بن غنم أن ألحق بالشروط من ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده ولأنه فعل ينافي الأمان وفيه ضرر على المسلمين فكان نقضا للعهد كالاجتماع على قتال المسلمين والامتناع من أداء الجزية وفيه رواية أخرى أنه لا ينتقض عهده بذلك فعلى هذا عليه قيمته ويؤدب بما يراه ولي الأمر

فصل وإن قتل عبد مسلم حرا كافرا لم يقتل به لأنا لا نقتل المسلم بالكافر وإن قتل من نصفه حر عبدا لم يقتل به لأنا لا نقتل نصف الحر بعبد وإن قتله حر لم يقتل به لأن النصف الرقيق لا يقتل به الحر وإن قتل من نصفه حر من نصفه حر قتل به لأن القصاص يقع بين الجملتين من غير تفصيل وهما مستويان

فصل ويجري القصاص بين الولاة والعمال وبين رعيتهم لعموم الآيات والأخبار ولأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ولا نعلم في هذا خلافا وثبت عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لرجل شكا إليه عاملا أنه قطع يده ظلما لئن كنت صادقا لأقيد بك منه وثبت أن عمر رضي الله عنه كان يقيد من نفسه وروى أبو داود قال خطب عمر فقال إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم فمن فعل به ذلك فليرفعه إلي أقصه منه فقال عمرو بن العاص لو أن رجلا أدب بعض رعيته نقصه منه قال أي والذي نفسي بيده أقصه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أقص من نفسه ولأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم وهذان حران مسلمان ليس بينهما إيلاء فيجري القصاص بينهما كسائر الرعية

فصل وإذا قتل القاتل غير ولي الدم فعلى قاتله القصاص ولورثة الأول الدين في تركة الجاني الأول وبهذا قال الشافعي وقال الحسن ومالك يقتل قاتله ويبطل دم الأول لأنه فات محله فأشبه ما لو قتل العبد الجاني وروي عن قتادة وأبي هاشم لا قود على الثاني لأنه قتل مباح الدم فلم يجب بقتله قصاص كالزاني المحصن

ولنا على وجوب القصاص على قاتله أنه محل لم يتحتم قتله ولم يبح لغير ولي الدم قتله فوجب القصاص بقتله كما لو كان عليه دين

ولنا على وجوب الدية في تركة الجاني الأول أن القصاص إذا تعذر وجبت الدية كما لو مات أو عفا بعض الشركاء أو حدث مانع وفارق العبد الجاني فإنه ليس له مال ينتقل إليه فإن عفا أولياء الثاني على الدية أخذوها ودفعوها إلى ورثة الأول فإن كانت عليه ديون ضم ما قبضوا من الدية إلى سائر تركته ثم ضرب أولياء المقتول الأول مع سائر أهل الديون في تركته وديته وإن أحال ورثة المقتول الثاني ورثة المقتول الأول بالدية على القاتل الثاني صحت الحوالة ويتخرج أن تجب دية القتيل الأول على قاتله ابتداء لأن أتلف محل حق ورثته فكان غرامته عليه كما لو قتل العبد الجاني وإن مات القاتل عمدا وجبت الدية في تركته


226

وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يسقط حق ولي الجناية وتوجيه المذهبين على ما تقدم

مسألة

قال ( والطفل والزائل العقل لا يقتلان بأحد ) لا خلاف بين أهل العلم أنه لا قصاص على صبي ولا مجنون وكذلك كل زائل العقل بسبب يعذر فيه مثل النائم والمغمى عليه ونحوهما والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ولأن القصاص عقوبة مغلظة فلم تجب على الصبي وزائل العقل كالحدود ولأنهم ليس لهم قصد صحيح فهم كالقاتل خطأ

فصل فإن اختلف الجاني وولي الجناية فقال الجاني كنت صبيا حال الجناية وقال ولي الجناية كنت بالغا فالقول قول الجاني مع يمينه إذا احتمل الصدق لأن الأصل الصغر وبراءة ذمته من القصاص وإن قال قتلته وأنا مجنون وأنكر الولي جنونه فإن عرف له حال جنون فالقول قوله أيضا لذلك فإن لم يعرف له حال جنون فالقول قول الولي لأن الأصل السلامة وكذلك إن عرف له جنون ثم علم زواله قبل القتل وإن ثبتت لأحدهما بينة بما ادعاه حكم له وإن أقاما بينتين تعارضتا فإن شهدت البينة أنه كان زائل العقل فقال الولي كنت سكرانا وقال القاتل كنت مجنونا فالقول قول القاتل مع يمينه لأنه أعرف بنفسه ولأن الأصل براءة دمته واجتناب المسلم فعل ما يحرم عليه

فصل فإن قتله وهو عاقل ثم جن لم يسقط عنه القصاص سواء ثبت ذلك عليه ببينة أو إقرار لأن رجوعه غير مقبول ويقتص منه في حال جنونه ولو ثبت عليه الحد بإقراره ثم جن لم يقم عليه حال جنونه لأن رجوعه يقبل فيحتمل أنه لو كان صحيحا رجع

فصل ويجب القصاص على السكران إذا قتل حال سكره ذكره القاضي وذكر أبو الخطاب أن وجوب القصاص عليه مبني على وقوع طلاقه وفيه روايتان فيكون في وجوب القصاص عليه وجهان

أحدهما لا يجب عليه لأنه زائل العقل فأشبه المجنون ولأنه غير مكلف أشبه الصبي والمجنون

ولنا إن الصحابة رضي الله عنهم أقاموا سكره مقام قذفه فأوجبوا عليه حد القاذف فلولا أن قذفه موجب للحد عليه لما وجب الحد بمظنته وإذا وجب الحد فالقصاص المتمحض حق آدمي أولى ولأنه حكم لو لم يجب القصاص والحد لأفضى إلى أن من أراد أن يعصي الله تعالى شرب ما يسكره ثم يقتل ويزني ويسرق ولا يلزمه عقوبة ولا مأثم ويصير عصيانه سببا لسقوط عقوبة الدنيا والآخرة عنه ولا وجه لهذا وفارق هذا الطلاق ولأنه قول يمكن إلغاؤه بخلاف القتل

فأما إن شرب أو أكل ما يزيل عقله غير الخمر على وجه محرم فإن زال عقله بالكلية بحيث صار مجنونا فلا قصاص عليه وإن كان يزول قريبا ويعود من غير تداو فهو كالسكر على ما فصل فيه

مسألة

قال ( ولا يقتل والد بولده وإن سفل )


227

وجملته أن الأب لا يقتل بولده والجد لا يقتل بولد ولده وإن نزلت درجته وسواء في ذلك ولد البنين أو ولد البنات ومن نقل عنه أن الوالد لا يقتل بولده عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبه قال ربيعة والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي

وقال ابن نافع وابن عبد الحكم وابن المنذر يقتل به لظاهر آي الكتاب والأخبار الموجبة للقصاص ولأنهما حران مسلمان من أهل القصاص فوجب أن يقتل كل واحد منهما بصاحبه كالأجنبيين

وقال ابن المنذر قد رووا في هذا أخبارا وقال مالك إن قتله حذفا بالسيف ونحوه لم يقتل به وإن ذبحه أو قتله قتلا لا يشك في أنه عمد إلى قتله دون تأديبه أقيد به

ولنا ما روى عمر بن الخطاب وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يقتل والد بولده أخرج النسائي حديث عمر ورواهما ابن ماجة وذكرهما ابن عبد البر وقال هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق مستفيض عندهم يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه حتى يكون الإسناد في مثله مع شهرته تكلفا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنت ومالك لأبيك وقضية هذه الإضافة تمليكه إياه فإذا لم تثبت حقيقة الملكية بقيت الإضافة شبهة في درء القصاص لأنه يدرأ بالشبهات ولأنه سبب إيجاده فلا ينبغي أن يتسلط بسببه على إعدامه وما ذكرناه يخص العمومات ويفارق الأب سائر الناس فإنهم لو قتلوا بالحذف بالسيف وجب عليهم القصاص والأب بخلافه

فصل والجد وإن علا كالأب في هذا وسواء كان من قبل الأب أو من قبل الأم في قول أكثر مسقطي القصاص عن الأب وقال الحسن بن حي يقتل به

ولنا إنه والد فيدخل في عموم النص ولأن ذلك حكم يتعلق بالولادة فاستوى فيه القريب والبعيد كالمحرمية والعتق إذا ملكه والحد من قبل الأب كالجد من قبل الأم لأن ابن البنت يسمى ابنا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن إن ابني هذا سيد

مسألة

قال ( والأم في ذلك كالأب ) هذا الصحيح من المذهب وعليه العمل عند مسقطي القصاص عن الأب وروي عن أحمد رحمه الله ما يدل على أنه لا يسقط عن الأم فإن مهنا نقل عنه في أم ولد قتلت سيدها عمدا تقتل قال من يقتلها قال ولدها

وهذا يدل على إيجاب القصاص بقتل ولدها وخرجها أبو بكر على روايتين إحداهما أن الأم تقتل بولدها لأنه لا ولاية لها عليه فتقتل به كالأخ والصحيح الأول لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتل والد بولده ولأنها أحد الوالدين فأشبهت الأب ولأنها أولى بالبر فكانت أولى بنفي القصاص عنها والولاية غير معتبرة بدليل انتفاء القصاص عن الأب بقتل الكبير الذي لا ولاية عليه وعن الجد ولا ولاية له وعن الأب المخالف في الدين أو الرقيق والجدة وإن علت في ذلك كالأم وسواء في ذلك من قبل الأب أو من قبل الأم لما ذكرنا في الجد


228

فصل وسواء كان الوالد مساويا للولد في الدين والحرية أو مخالفا له في ذلك لأن انتفاء القصاص لشرف الأبوة وهو موجود في كل حال فلو قتل الكافر والده المسلم أو قتل المسلم أباه الكافر أو قتل العبد ولده الحر أو قتل الحر ولده العبد لم يجب القصاص لشرف الأبوة فيما إذا قتل ولده وانتفاء المكافأة فيما إذا قتل والده

فصل وإذا ادعى نفران نسب صغير مجهول النسب ثم قتلاه قبل إلحاقه بواحد منهما فلا قصاص عليهما لأنه يجوز أن يكون ابن كل واحد منهما أو ابنهما وإن ألحقته القافة بأحدهما ثم قتلاه لم يقتل أبوه وقتل الآخر لأنه شريك الأب في قتل ابنه وإن رجعا جميعا عن الدعوى لم يقبل رجوعهما لأن النسب حق للولد فلم يقبل رجوعهما عن إقرارهما به كما لو أقر له بحق سواه أو كما لو ادعاه واحد فألحق به ثم جحده وإن رجع أحدهما صح رجوعه وثبت نسبه من الآخر لأن رجوعه لم يبطل نسبه ويسقط القصاص عن الذي لم يرجع ويجب على الراجع لأنه شارك الأب وإن عفا عنه فعليه نصف الدية ولو اشترك رجلان في وطء امرأة في طهر واحد وأتت بولد يمكن أن يكون منهما فقتلاه قبل إلحاقه بأحدهما لم يجب القصاص وإن نفيا نسبه لم ينتف بقولهما وإن نفاه أحدهما لم ينتف بقوله لأنه لحقه بالفراش فلا ينتفي إلا باللعان وفارق التي قبلها من وجهين أحدهما إذا رجع عن دعواه لحق الآخر وهاهنا لا يلحق بذلك

والثاني أن ثبوت نسبه ثم بالاعتراف فيسقط بالجحد وهاهنا يثبت بالاشتراك في الوطء فلا ينتفي بالجحد

ومذهب الشافعي في هذا الفصل كما قلنا سواء

فصل ولو قتل أحد الأبوين صاحبه ولهما ولد لم يجب القصاص لأنه لو وجب لوجب لولده ولا يجب للولد قصاص على والده لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه فلأن لا يجب له بالجناية على غيره أولى وسواء كان الولد ذكرا أو أنثى أو كان للمقتول ولد سواه أو من يشاركه في الميراث أو لم يكن لأنه لو ثبت القصاص لوجب له جزء منه ولا يمكن وجوبه وإذا لم يثبت بعضه سقط كله لأنه لا يتبعض وصار كما لو عفا بعض مستحق القصاص عن نصيبه منه فإن لم يكن للمقتول ولد منهما وجب القصاص في قول أكثر أهل العلم

منهم عمر بن عبد العزيز والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال الزهري لا يقتل الزوج بامرأته لأنه ملكها بعقد النكاح فأشبه الأمة

ولنا عمومات النص ولأنهما شخصان متكافئان يحد كل واحد منهما بقذف صاحبه فيقتل به كالأجنبيين وقوله إنه ملكها غير صحيح فإنها حرة وإنما ملك منفعة الاستمتاع فأشبه المستأجرة ولهذا تجب ديتها عليه ويرثها ورثتها ولا يرث منها إلا قدر ميراثه ولو قتلها غيره كانت ديتها أو القصاص لورثتها بخلاف الأمة

فصل ولو قتل رجل أخاه فورثه ابنه أو أحد يرث ابنه منه شيئا من ميراثه لم يجب القصاص لما ذكرنا ولو قتل خال ابنه فورثت أم ابنه القصاص أو جزءا منه ثم ماتت بقتل الزوج أو غيره فورثها ابنه سقط القصاص لأن ما منع مقارنا أسقط طارئا وتجب الدية ولو قتلت المرأة أخا زوجها فصار القصاص أو جزء


229

منه لابنها سقط القصاص سواء صار إليه ابتداء أو انتقل إليه من أبيه أو من غيره لما ذكرنا

فصل وإذا قتل أحد أبوي المكاتب أو عبدا له لم يجب القصاص لأن الوالد لا يقتل بولده ولا يثبت للولد على والده قصاص وإن اشترى المكاتب أحد أبويه ثم قتله لم يجب عليه قصاص لأن السيد لا يقتل بعبده

فصل ابنان قتل أحدهما أباه والآخر أمه فإن كانت الزوجية بينهما موجودة حال قتل الأول فالقصاص على قاتل الثاني دون الأول لأن القتيل الثاني ورث جزءا من دم الأول فلما قتل ورثه قاتل الأول فصار له جزء من دم نفسه فسقط القصاص عنه ووجب له القصاص على أخيه فإن قتله ورثه إن لم يكن له وارث سواء لأنه قتله بحق وإن عفا عنه إلى الدية وجبت وتقاضا بما بينهما وما فضل لأحدهما فهو له على أخيه وإن لم تكن الزوجية بين الأبوين قائمة فعلى كل واحد منهما القصاص لأخيه لأنه ورث الذي قتله أخوه وحده دون قاتله فإن بادر أحدهما فقتل صاحبه فقد استوفى حقه وسقط القصاص عنه لأنه يرث أخاه لكونه قتلا بحق فلا يمنع الميراث إلا أن يكون للمقتول ابن أو ابن ابن يحجب القاتل فيكون له قتل عمه ويرثه إن لم يكن له وارث سواه وإن تشاحا في المبتدىء منهما بالقتل احتمل أن يبدأ بقتل القاتل الأول لأنه أسبق واحتمل أن يقرع بينهما وهذا قول القاضي ومذهب الشافعي لأنهما تساويا في الاستحقاق فيصيرا إلى القرعة وأيهما قتل صاحبه أولا إما بمبادرة أو قرعة ورثه في قياس المذهب إن لم يكن له وارث سواه وسقط عنه القصاص وإن كان محجوبا عن ميراثه كله فلوارث القتيل قتل الآخر وإن عفا أحدهما عن الآخر ثم قتل المعفو عنه العافي ورثه أيضا وسقط عنه ما وجب عليه من الدية وإن تعافيا جميعا على الدية تقاصا بما استويا فيه ووجب لقاتل الأم الفضل على قاتل الأب لأن عقل الأم نصف عقل الأب ويتخرج أن يسقط القصاص عنهما لتساويهما في استحقاقه لسقوط الديتين إذا تساوتا ولأنه لا سبيل إلى استيفائهما واستيفاء أحدهما دون الآخر حيف فلا يجوز فتعين السقوط وإن كان لكل واحد منهما ابن يحجب عمه عن ميراث أبيه فإذا قتل أحدهما صاحبه ورثه ابنه ثم لابنه أن يقتل عمه ويرثه ابنه ويرث كل واحد من الابنين مال أبيه ومال جده الذي قتله عمه دون الذي قتله أبوه وإن كان لكل واحد منهما ابنة فقتل أحدهما صاحبه سقط القصاص عنه لأنه ورث نصف مال أخيه ونصف قصاص نفسه فسقط عنه القصاص وورث مال أبيه الذي قتله أخوه ونصف مال أخيه ونصف مال أبيه الذي قتله هو وورثت البنت التي قتل أبوها نصف مال أبيها ونصف مال جدها الذي قتله عمها ولها على عمها نصف دية قتيله

فصل أربعة إخوة قتل الأول الثاني والثالث الرابع فالقصاص على الثالث لأنه لما قتل الرابع لم يرثه وورثه الأول

وقد كان للرابع نصف قصاص الأول فرجع نصف قصاصه إليه فسقط ووجب للثالث نصف الدية وكان للأول قتل الثالث لأنه لم يرث من دم نفسه شيئا فإن قتله ورثه في ظاهر المذهب ويرث ما يرثه عن أخيه


230

الثاني وإن عفا عنه إلى الدية وجبت عليه بكمالها يقاصه بنصفها وإن كان لهما ورثة كان فيها من التفصيل مثل الذي في التي قبلها

مسألة

قال ( ويقتل الولد بكل واحد منهما ) هذا قول عامة أهل العلم منهم مالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وحكى أصحابنا عن أحمد رواية ثانية أن الابن لا يقتل بأبيه لأنه ممن لا تقبل شهادته له بحق النسب فلا يقتل به كالأب مع ابنه والمذهب أنه يقتل به للآيات والأخبار وموافقة القياس ولأن الأب أعظم حرمة وحقا من الأجنبي فإذا قتل بالأجنبي فبالأب أولى ولأنه يحد بقذفه فيقتل به كالأجنبي ولا يصح قياس الابن على الأب لأن حرمة الوالد على الولد آكد والابن مضاف إلى أبيه بلام التمليك بخلاف الوالد مع الولد

وقد ذكر أصحابنا حديثين متعارضين عن سراقة عن النبي صلى الله عليه وسلم

أحدهما أنه قال لا يقاد الأب من ابنه ولا الابن من أبيه

والثاني أنه كان يقيد الأب من ابنه ولا يقيد الابن من أبيه

رواه الترمذي وهذان الحديثان أما الحديث الأول لا نعرفه ولم نجده في كتب السنن المشهورة ولا أظن له أصلا وإن كان له أصل فهما متعارضان متدافعان يجب اطراحهما والعمل بالنصوص الواضحة الثابتة والإجماع الذي لا تجوز مخالفته

مسألة

قال ( ويقتل الجماعة بالواحد ) وجملته أن الجماعة إذا قتلوا واحدا فعلى كل واحد منهم القصاص إذا كان كل واحد منهم لو انفرد بفعله وجب عليه القصاص روي ذلك عن عمر وعلي والمغيرة وابن شعبة وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وأبو سلمة وعطاء وقتادة وهو مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي وحكي عن أحمد رواية أخرى لا يقتلون به وتجب عليهم الدية

وهذا قول ابن الزبير والزهري وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت وعبد الله وربيعة وداود وابن المنذر وحكاه ابن أبي موسى عن ابن عباس

وروي عن معاذ بن جبل وابن الزبير وابن سيرين والزهري أنه يقتل منهم واحد ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية لأن كل واحد منهم مكافىء له فلا تستوفى أبدال بمبدل واحد كما لا تجب ديات لمقتول واحد ولأن الله تعالى قال الحر بالحر البقرة 178 وقال وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس المائدة 45

فمقتضاه أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة ولأن التفاوت في الأوصاف يمنع بدليل أن الحر لا يؤخذ بالعبد والتفاوت في العدد أولى

قال ابن المنذر لا حجة مع من أوجب قتل جماعة بواحد

ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم

روى سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قتل سبعة من أهل صنعاء


231

قتلوا رجلا وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا وعن علي رضي الله عنه أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلا

وعن ابن عباس أنه قتل جماعة بواحد ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف فكان إجماعا ولأنها عقوبة تجب للواحد على الواحد فوجبت للواحد على الجماعة كحد القذف ويفارق الدية فإنها تتبعض والقصاص لا يتبعض ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك أدى إلى التسارع إلى القتل به فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر

فصل ولا يعتبر في وجوب القصاص على المشتركين التساوي في سببه فلو جرحه رجل جرحا والآخر مائة أو جرحه أحدهما موضحة والآخر آمة أو أحدهما جائفة والآخر غير جائفة فمات كانا سواء في القصاص والدية لأن اعتبار التساوي يفضي إلى سقوط القصاص عن المشتركين إذلا يكاد جرحان يتساويان من كل وجه ولو احتمل التساوي لم يثبت الحكم لأن الشرط يعتبر العلم بوجوده ولا يكتفي باحتمال الوجود بل الجهل بوجوده كالعلم بعدمه في انتفاء الحكم ولأن الجرح الواحد يحتمل أن يموت منه دون المائة كما يحتمل أن يموت من الموضحة دون الآمة ومن غير الجائفة دون الجائفة ولأن الجراح إذا صارت نفسا سقط اعتبارها فكان حكم الجماعة كحكم الواحد ألا ترى أنه لو قطع أطرافها كلها فمات وجبت دية واحدة كما لو قطع طرفه فمات

فصل إذا اشترك ثلاثة في قتل رجل فقطع أحدهم يده والآخر رجله وأوضحه الثالث فمات فللولي قتل جميعهم والعفو عنهم إلى الدية فيأخذ من كل واحد ثلثها وله أن يعفو عن واحد فيأخذ منه ثلث الدية ويقتل الآخرين وله أن يعفو عن اثنين فيأخذ منهما ثلثي الدية ويقتل الثالث فإن برئت جراحة أحدهم ومات من الجرحين الآخرين فله أن يقتص من الذي برىء جرحه بمثل جرحه ويقتل الآخرين أو يأخذ منهما دية كاملة أو يقتل أحدهما ويأخذ من الآخر نصف الدية وله أن يعفو عن الذي برىء جرحه ويأخذ منه دية جرحه فإن ادعى الموضح أن جرحه برىء قبل موته وكذبه شريكاه نظرت في الولي فإن صدقه ثبت حكم البرء بالنسبة إليه فلا يملك قتله ولا مطالبته بثلث الدية وله أن يقتص منه موضحة أو يأخذ منه أرشها ولم يقبل قوله في حق شريكه لأن الأصل عدم البرء فيها لكن إذا اختار الولي القصاص فلا فائدة لهما في إنكار ذلك لأن له أن يقتلهما سواء برئت أو لم تبرأ وإن اختار الدية لم يلزمهما أكثر من ثلثيها وإن كذبه الولي حلف وله الاقتصاص منه أو مطالبته بثلث الدية ولم يكن له مطالبة شريكه بأكثر من ثلثها فإن شهد له شريكاه ببرئها لزمهما الدية كاملة لإقرارهما بوجوبها وللولي أخذها منهما إن صدقهما وإن لم يصدقهما وعفا إلى الدية لم يكن له أكثر من ثلثيها لأنه لا يدعي أكثر من ذلك وتقبل شهادتهما له إن كانا قد تابا وعدلا لأنهما لا يجران إلا أنفسهما بذلك نفعا فيسقط القصاص عنه ولا يلزمه أكثر من أرش موضحة

فصل إذا قطع رجل يده من الكوع ثم قطعها آخر من المرفق ثم مات نظرت فإن كانت جراحة الأول برئت قبل قطع الثاني فالثاني هو القاتل وحده وعليه القود أو الدية كاملة إن عفا عن قتله وله قطع يد الأول أو نصف الدية وإن لم تبرأ فهما قاتلان وعليهما القصاص في النفس وإن عفا إلى الدية وجبت عليهما وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة هو القاتل الثاني وحده لا قصاص على الأول في النفس لأن قطع الثاني قطع سراية قطعه


232

ومات بعد زوال جنايته فأشبه ما لو اندمل جرحه

وقال مالك إن قطعه الثاني عقيب قطع الأول قتلا جميعا وإن عاش بعد قطع الأول حتى أكل وشرب ومات عقيب قطع الثاني فالثاني هو القاتل وحده وإن عاش بعدهما حتى أكل وشرب فللأولياء أن يقسموا على أيهما شاؤوا ويقتلوه

ولنا إنهما قطعان لو مات بعد كل واحد منهما وحده لوجب عليه القصاص فإذا مات بعدهما وجب عليهما القصاص كما لو كان في يدين ولأن القطع الثاني لا يمنع جنايته بعده فلا يسقط حكم ما قبله كما لو كان في يدين ولا نسلم زوال جنايته ولا قطع سرايته فإن الألم الحاصل بالقطع الأول لم يزل وإنما انضم إليه الألم الثاني فضعفت النفس عن احتمالها فزهقت بهما فكل القتل بهما ويخالف الاندمال فإنه لا يبقى معه الألم الذي حصل في الأعضاء الشريفة فاختلفا فإن ادعى الأول أن جرحه اندمل فصدقه الولي سقط عنه القتل ولزمه القصاص في اليد أو نصف الدية وإن كذبه شريكه واختار الولي القصاص فلا فائدة له في تكذيبه لأن قتله واجب وإن عفا عنه إلى الدية فالقول قوله مع يمينه

ولا يلزمه أكثر من نصف الدية وإن كذب الولي الأول حلف وكان له قتله لأن الأصل عدم ما ادعاه ولو ادعى الثاني اندمال جرحه فالحكم فيه كالحكم في الأول إذا ادعى ذلك

مسألة

قال ( وإذا قطعوا بها قطعت نظيرتها من كل واحد منهم ) وجملته أن الجماعة إذا اشتركوا في جرح موجب للقصاص وجب القصاص على جميعهم وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وقال الحسن والزهري والثوري وأصحاب الرأي وابن المنذر لا نقطع يدان بيد واحدة ويتعين ذلك وجها في مذهب أحمد

لأنه روي عنه أن الجماعة لا يقتلون بالواحد وهذا تنبيه على أن الأطراف لا تؤخذ بطرف واحد لأن الأطراف يعتبر التساوي فيها بدليل أنا لا نأخذ الصحيحة بالشلاء ولا كاملة الأصابع بناقصتها ولا أصلية بزائدة ولا زائدة بأصلية ولا يمينا بيسار ولا يسارا بيمين ولا نساوي بين الطرف والأطراف فوجب امتناع القصاص بينهما ولا يعتبر التساوي في النفس فإننا نأخذ الصحيح بالمريض وصحيح الأطراف بمقطوعها وأشلها ولأنه يعتبر في القصاص في الأطراف التساوي في نفس القطع بحيث لو قطع كل واحد من جانب لم يجب القصاص بخلاف النفس ولأن الاشتراك الموجب للقصاص في النفس يقع كثيرا فوجب القصاص زجرا عنه كيلا يتخذ وسيلة إلى كثرة القتل والاشتراك المختلف فيه لا يقع إلا في غاية الندرة فلا حاجة إلى الزجر عنه ولأن إيجاب القصاص على المشتركين في النفس يحصل به الزجر عن كل اشتراك أو عن الاشتراك المعتاد وإيجابه عن المشتركين في الطرف لا يحصل به الزجر عن الاشتراك المعتاد ولا عن شيء من الاشتراك إلا على صورة نادرة الوقوع بعيدة الوجود يحتاج في وجودها إلى تكلف فإيجاب القصاص للزجر عنها يكون منعا لشيء ممتنع بنفسه لصعوبته وإطلاقا في القطع السهل المعتاد بنفي القصاص عن فاعله وهذا لا فائدة فيه بخلاف الاشتراك في النفس يحققه أن وجوب القصاص على الجماعة بواحد في النفس والطرف على خلاف الأصل لكونه يأخد في الاستيفاء زيادة على ما فوت عليه ويخل بالتماثل المنصوص على النهي عما عداه وإنما


233

خولف هذا الأصل في الأنفس زجرا عن الاشتراك الذي يقع القتل به غالبا ففيما عداه يجب البقاء على أصل التحريم ولأن النفس أشرف من الطرف ولا يلزم من المحافظة عليها بأخذ الجماعة بالواحد المحافظة على ما دونها بذلك

ولنا ما روي أن شاهدين شهدا عند علي رضي الله عنه على رجل بالسرقة فقطع يده ثم جاءا بآخر فقال هذا هو السارق وأخطأنا في الأول فرد شهادتهما على الثاني وغرمهما دية الأول وقال لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما فأخبر أن القصاص على كل واحد منهما لو تعمدا قطع يد واحدة ولأنه أحد نوعي القصاص فتؤخذ الجماعة بالواحد كالأنفس وأما اعتبار التساوي فمثله في الأنفس فإننا نعتبر التساوي فيهما فلا نأخذ مسلما بكفار ولا حر بعبد وأما أخذ صحيح الأطراف بمقطوعها فلأن الطرف ليس هو من النفس المقتص منها وإنما بفوت تبعا ولذلك كانت ديتهما واحدة بخلاف اليد الناقصة والشلاء مع الصحيحة فإن ديتهما مختلفة وأما اعتبار التساوي في الفعل فإنما اعتبر في اليد لأنه يمكن مباشرتها بالقطع فإذا قطع كل واحد منها من جانب كان فعل كل واحد منها متميزا عن فعل صاحبه فلا يجب على إنسان قطع محل لم يقطع مثله وأما النفس فلا يمكن مباشرتها بالفعل وإنما أفعالهم في البدن فيفضي ألمه إليها فتزهق ولا يتميز ألم فعل أحدهما من ألم فعل الآخر فكانا كالقاطعين في محل واحد ولذلك لا يستوفي من الطلاف إلا في المفصل الذي قطع الجاني منه ولا يجوز تجاوزه في النفس لو قتله بجرح في بطنه أو جنبه أو غير ذلك كان الاستيفاء من العنق دون المحل الذي وقعت الجناية فيه

إذا ثبت هذا فإنما يجب القصاص على المشتركين في الطرف إذا اشتركوا فيه على وجه ولا يتميز فعل أحدهم عن فعل الآخر إما بأن يشهدوا عليه بما يوجب قطعه فيقطع ثم يرجعون عن الشهادة أو يكرهوا إنسانا على قطع طرف فيجب قطع المكرهين كلهم والمكره أو يلقوا صخرة على طرف إنسان فيقطعه أو يقطعوا يدا أو يقلعوا عينا بضربة واحدة أو يضعوا حديدة على مفصل ويتحاملوا عليها جميعا أو يمدوها فتبين فإن قطع كل واحد منهم من جانب أو قطع أحدهم بعض المفصل وأتمه غيره أو ضرب كل واحد ضربة أو وضعوا منشارا على مفصله ثم مدة كل واحد إليه مرة حتى بانت اليد فلا قصاص فيه لأن كل واحد منهم لم يقطع اليد ولم يشارك في قطع جميعها وإن كان قتل واحد منهم يمكن الاقتصاص بمفرده اقتص منه وهذا مذهب الشافعي

مسألة

قال ( وإذا قتل الأب وغيره عمدا قتل من سوى الأب ) وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وعن أحمد رواية أخرى لا قصاص على واحد منهما وهو قول أصحاب الرأي لأنه قتل تركب من موجب وغير موجب فلم يوجب كقتل العامد والخاطىء والصبي والبالغ والمجنون والعاقل

ولنا أنه شارك في القتل العمد العدوان فيمن يقتل به لو انفرد بقتله فوجب عليه القصاص كشريك


234

الأجنبي ولا نسلم أن فعل الأب غير موجب فإنه يقتضي الإيجاب لكونه تمحض عمدا عدوانا والجناية به أعظم إثما وأكثر جرما ولذلك خصه الله تعالى بالنهي عنه فقال ولا تقتلوا أولادكم

ثم قال إن قتلهم كان خطأ كبيرا الإسراء 31

ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أعظم الذنب

قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك فجعله أعظم الذنوب بعد الشرك ولأنه قطع الرحم التي أمر الله تعالى بصلتها ووضع الإساءة موضع الإحسان فهو أولى بإيجاب العقوبة والزجر عنه وإنما امتنع الوجوب في حق الأب لمعنى مختص بالمحل لا لقصور في السبب الموجب فلا يمتنع عمله في المحل الذي لا مانع فيه

وأما شريك الخاطىء فلنا فيه منع ومع التسليم فامتناع الوجوب فيه لقصور السبب عن الإيجاب فإن فعل الخاطىء غير موجب للقصاص ولا صالح له والقتل منه ومن شريكه غير متمحض عمدا لوقوع الخطأ في الفعل الذي حصل به زهوق النفس بخلاف مسألتنا

فصل وكل شريكين امتنع القصاص في حق أحدهما لمعنى فيه من غير قصور في السبب فهو في وجوب القصاص على شريكه كالأب وشريكه مثل أن يشترك مسلم وذمي في قتل عبد عمدا عدوانا فإن القصاص لا يجب على المسلم والحر ويجب على الذمي والعبد إذا قلنا بوجوبه على شريك الأب لأن امتناع القصاص عن المسلم لإسلامه وعن الحر لحريته وانتفاء مكافأة المقتول له

وهذا المعنى لا يتعدى إلى فعله ولا إلى شريكه فلم يسقط القصاص عنه

وقد نقل عبد الله بن أحمد قال سألت أبي رحمه الله عن حر وعبد قتلا عبدا عمدا قال أما الحر فلا يقتل بالعبد وعلى الحر نصف قيمة العبد في ماله والعبد إن شاء سيده أسلمه وإلا فداه بنصف قيمة العبد

وظاهر هذا أنه لا قصاص على العبد فيخرج مثل ذلك في كل قتل شارك فيه من لا يجب عليه القصاص

مسألة

قال ( وإذا اشترك في القتل صبي ومجنون وبالغ لم يقتل واحد منهم وعلى العاقل ثلث الدية في ماله وعلى عاقلة كل واحد من الصبي والمجنون ثلث الدية وعتق رقبتين في أموالهما لأن عمدهما خطأ ) أما إذا شاركوا في القتل من لا قصاص عليه لمعنى في فعله كالصبي والمجنون فالصحيح في المذهب أنه لا قصاص عليه وبهذا قال الحسن والأوزاعي وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه وهو أحد قولي الشافعي وعن أحمد رواية أخرى أن القود يجب على البالغ العاقل حكاها ابن المنذر عن أحمد وحكي ذلك عن مالك وهو القول الثاني للشافعي وروي ذلك عن قتادة والزهري وحماد لأن القصاص عقوبة تجب عليه جزاء لفعله فمتى كان فعله عمدا عدوانا وجب القصاص عليه ولا ننظر إلى فعل شريكه بحال ولأنه شارك في القتل عمدا عدوانا فوجب عليه القصاص كشريك الأجنبي وذلك لأن الإنسان إنما يؤخذ بفعله لا بفعل غيره فعلى هذا يعتبر فعل


235

الشريك منفردا فمتى تمحض عمدا عدوانا وكان المقتول مكافئا له وجب عليه القصاص

وبنى الشافعي قوله على أن فعل الصبي والمجنون إذا تعمداه عمد لأنهما يقصدان القتل وإنما سقوط القصاص عنهما لمعنى فيهما وهو عدم التكليف فلم يقتض سقوطه عن شريكهما كالأبوة

ولنا إنه شارك من لا مأثم عليه في فعله فلم يلزمه قصاص

كشريك الخاطىء ولأن الصبي والمجنون لا قصد لهما صحيح ولهذا لا يصح إقرارهما فكان حكم فعلهما حكم الخطأ وهذا معنى قول الخرقي عمدهما خطأ أي في حكم الخطأ في انتفاء القصاص عنده ومدار ديته وحمل عاقلتهما إياها ووجوب الكفارة

إذا ثبت هذا فإن الدية تجب عليهم أثلاثا على كل واحد منهم ثلثها لأن الدية بدل المحل ولذلك اختلفت باختلافه والمحل المتلف واحد فكانت ديته واحدة ولأنها تتقدر بقدره أما القصاص فإنما كمل في كل واحد لأنه جزاء الفعل وأفعالهم متعددة فتعد في حقهم وكمل في حق كل واحد كما لو قذف جماعة واحدا إلا أن الثلث الواجب على المكلف يلزم في ماله حالا لأن فعله عمد والعاقلة لا تحمل العمد وما يلزم الصبي والمجنون فعلى عاقلتهما لأن عمدها خطأ والعاقلة تحمل جناية الخطأ إذا بلغت ثلث الدية وتكون مؤجلة عاما فإن الواجب متى كان ثلث الدية كان أجله عاما ويلزم كل واحد منهما الكفارة من ماله لأن فعلهما خطأ والقاتل الخاطىء والمشارك في القتل خطأ يلزمه كفارة لأنها لا تجب بدلا عن المحل ولهذا لم تختلف وإنما وجبت تكفيرا للفعل ومحوا لأثره فوجب تكميلها كالقصاص

مسألة

قال ( ويقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر ) هذا قول عامة أهل العلم منهم النخعي والشعبي والزهري وعمر بن عبد العزيز ومالك وأهل المدينة والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وغيرهم

وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال يقتل الرجل بالمرأة ويعطى أولياؤه نصف الدية

أخرجه سعيد وروي مثل هذا عن أحمد وحكي ذلك عن الحسن وعطاء وحكي عنهما مثل قول الجماعة ولعل من ذهب إلى القول الثاني يحتج بقول علي رضي الله عنه

ولأن عقلها نصف عقله فإذا قتل بها بقي له بقية فاستوفيت ممن قتله

ولنا قوله تعالى النفس بالنفس المائدة 45

وقوله الحر بالحر البقرة 178

مع عموم سائر النصوص وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يهوديا رض رأس جارية من الأنصار وروى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والأسنان وأن الرجل يقتل بالمرأة وهو كتاب مشهور عند أهل العلم متلقى بالقبول عندهم ولأنهما شخصان يحد كل واحد منهم بقذف صاحبه فقتل كل واحد منهما بالآخر كالرجلين ولا يجب مع القصاص شيء لأنه قصاص واجب فلم يجب معه شيء على المقتص كسائر


236

القصاص واختلاف الأبدال لا عبرة به في القصاص بدليل أن الجماعة يقتلون بالواحد والنصراني يؤخذ بالمجوسي مع اختلاف دينيهما ويؤخذ العبد بالعبد مع اختلاف قيمتهما

فصل ويقتل كل واحد من الرجل والمرأة بالخنثى ويقتل بهما لأنه لا يخلو من أن يكون ذكرا أو أنثى

مسألة

قال ( ومن كان بينهما في النفس قصاص فهو بينهما في الجراح ) وجملته أن كل شخصين جرى بينهما القصاص في النفس جرى القصاص بينهما في الأطراف فيقطع الحر المسلم بالحر المسلم والعبد بالعبد والذمي بالذمي والذكر بالأنثى والأنثى بالذكر ويقطع الناقص بالكامل كالعبد بالحر والكافر بالمسلم ومن لا يقتل بقتله لا يقطع طرفه بطرفه فلا يقطع مسلم بكافر ولا حر بعبد ولا ولد بولد وبهذا قال مالك والثوري والشافعي وأبو ثور وإسحاق وابن المنذر قال أبو حنيفة لا قصاص في الطرف بين مختلفي البدل فلا يقطع الكامل بالناقص ولا الناقص بالكامل ولا الرجل المرأة ولا بالمرأة بالرجل ولا الحر بالعبد ولا العبد بالحر ويقطع المسلم بالكافر والكافر بالمسلم لأن التكافؤ معتبر في الأطراف بدليل أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء ولا الكاملة بالناقصة فكذا لا يؤخذ طرف الرجل بطرف المرأة ولا يؤخذ طرفها بطرفه كما لا تؤخذ اليسرى باليمنى

ولنا إن من جرى بينهما القصاص في النفس جرى في الطرف كالحرين وما ذكروه يبطل بالقصاص في النفس فإن التكافؤ معتبر بدليل أن المسلم لا يقتل بمستأمن ثم يلزمه أن يأخذ الناقصة بالكاملة لأن المماثلة قد وجدت وزيادة فوجب أخذها بها إذا رضى المستحق كما تؤخذ ناقصة الأصابع بكاملة الأصابع وأما اليسار واليمنى فيجريان مجرى النفس لاختلاف محليهما وهذا استوى بدلهما فعلم أنها ليست ناقصة عنها شرعا ولا العلة فيهما ذلك

مسألة

قال ( وإذا قتلاه وأحدهما مخطىء والآخر متعمد فلا قود على واحد منهما وعلى العامد نصف الدية في ماله وعلى عاقلة المخطىء نصفها وعليه في ماله عتق رقبة مؤمنة ) أما المخطىء فلا قصاص عليه للكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله النساء 92 وقال تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به الأحزاب 5 وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وأجمع أهل العلم على أنه لا قصاص عليه وأما شريكه فأكثر أهل العلم لا يرون عليه قصاصا وبه قال النخعي والشافعي وأصحاب الرأي وروي عن أحمد أن عليه القصاص وحكي ذلك لأنه شارك في القتل عمدا عدوانا فوجب عليه القصاص كشريك العامد ولأن مؤاخذته بفعله وفعله عمد وعدوان لا عذر له فيه


237

ولنا إنه قتل لم يتمحض عمدا فلم يوجب القصاص كشبه العمد وكما لو قتله واحد بجرحين عمدا وخطأ ولأن كل واحد من الشريكين مباشرة ومتسبب فإذا كانا عامدين فكل واحد متسبب إلى فعل موجب للقصاص فقام فعل شريكه مقام فعله لتسببه إليه وهاهنا إذا أقمنا المخطىء مقام العامد صار كأنه قتله بعمد وخطأ وهذا غير موجب

فصل وهل يجب القصاص على شريك نفسه وشريك السبع فيه وجهان ذكرهما أبو عبد الله بن حامد وصورة ذلك أن يجرحه سبع ويجرحه إنسان عمدا إما قبل ذلك أو بعده فيموت منهما أو يجرح نفسه عمدا ثم يخرجه غيره عمدا فيموت منهما فهل يجب على المشارك له قصاص فيه وجهان واختلف عن الشافعي فيه وقال أصحاب الرأي لا قصاص عليه لأنه شارك من لا يجب القصاص عليه فلم يلزمه قصاص كشريك الخاطىء ولأنه قتل تركب من موجب وغير موجب فلم يوجب كالقتل الحاصل من عمد وخطأ ولأنه إذا لم يجب على شريك الخاطىء وفعله مضمون فلأن لا يجب على شريك من لا يضمن فعله أولى

الوجه الثاني عليه القصاص وهو قول أبي بكر وروي عن أحمد أنه قال إذا جرحه رجل ثم جرح الرجل نفسه فمات فعلى شريكه القصاص لأنه قتل عمد متمحض فوجب القصاص على الشريك فيه كشريك الأب فأما إن جرح الرجل نفسه خطأ كأنه أراد ضرب جارحة فأصاب نفسه أو خاط جرحه فصادف اللحم الحي فلا قصاص على شريكه في أصح الوجهين وفيه وجه آخر أن عليه القصاص بناء على الروايتين في شريك الخاطىء

فصل فإن جرحه إنسان فتداوي بسم فمات نظرت فإن كان سم ساعة يقتل في الحال فقد قتل نفسه وقطع سراية الجرح وجرى مجرى من ذبح نفسه بعد أن جرح وننظر في الجرح فإن كان موجبا للقصاص فلوليه استيفاؤه وإن لم يكن موجبا له فلوليه الأرش وإن كان السم لا يقتل في الغالب وقد يقتل بفعل الرجل في نفسه عمد خطأ والحكم في شريكه كالحكم في شريك الخاطىء وإذا لم يجب القصاص فعلى الجارح نصف الدية وإن كان السم يقتل غالبا بعد مدة احتمل أن يكون عمد الخطأ أيضا لأنه لم يقصد القتل إنما قصد التداوي فيكون كالذي قتله واحتمل أن يكون في حكم العمد فيكون في شريكه الوجهان المذكوران في الفصل الذي قبله وإن جرح رجل فخاط جرحه أو أمر غيره فخاطه له وكان ذلك مما يجوز أن يقتل فحكمه حكم ما لو شرب سما يجوز أن يقتل على ما مضى فيه وإن خاطه غيره بغير إذنه كرها فهما قاتلان عليهما القود وإن خاطه وليه أو الإمام وهو ممن لا ولاية عليه فهما كالأجنبي وإن كان لهما عليه ولاية فلا قود عليهما لأن فعلهما جائز لهما إذ لهما مداواته فيكون ذلك خطأ وهل على الجارح القود فيه وجهان بناء على شريك الخاطىء

مسألة

قال ( ودية العبد قيمته وإن بلغت ديات ) أجمع أهل العلم أن في العبد الذي لا تبلغ قيمته دية الحر قيمته وإن بلغت قيمته دية الحر أو زادت عليها


238

فذهب أحمد رحمه الله إلى أن فيه قيمته بالغة ما بلغت وإن بلغت ديات عمدا كان القتل أو خطأ سواء ضمن باليد أو بالجناية وهذا قول سعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز وإياس بن معاوية والزهري ومكحول ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي يوسف وقال النخعي والشعبي والثوري وأبو حنيفة ومحمد لا تبلغ به دية الحر وقال أبو حنيفة ينتقص عن دية الحر دينارا أو عشرة دراهم القدر الذي يقطع به السارق

وهذا إذا ضمن بالجناية وإن ضمن باليد بأن يغضب عبدا فيموت في يده فإن قيمته تجب وإن زادت على دية الحر واحتجوا بأنه ضمان آدمي فلم يزد على دية الحر كضمان الحر وذلك لأن الله تعالى لما أوجب في الحر دية لا تزيد وهو أشرف لخلوصه من نقيصة الرق كان تنبيها على دية العبد المنقوص لا يزاد عليها فنجعل مالية العبد معيارا للقدر الواجب فيه ما لم يزد على الدية فإذا زاد علمنا خطأ ذلك فنرده إلى دية الحر كأرش ما دون الموضحة يجب فيه ما تخرجه الحكومة ما لم يزد على أرش الموضحة فنرده إليها

ولنا إنه مال متقوم فيضمن بكمال قيمته بالغة ما بلغت كالفرس أو مضمون بقيمته فكانت جميع القيمة كما لو ضمنه باليد ويخالف الحر فإنه ليس بمضمون بالقيمة وإنما ضمن بما قدره الشرع فلم يتجاوزه ولأن ضمان الحر ليس بضمان مال ولذلك لم يختلف باختلاف صفاته وهذا ضمان مال يزيد بزيادة المالية وينقص بنقصانها فاختلفا وقد حكى أبو الخطاب عن أحمد رحمه الله رواية أخرى أنه لا يبلغ بالعبد دية الحر

والمذهب الأول


239

باب القود

القود القصاص

ولعله إنما سمي بذلك لأن المقتص منه في الغالب يقاد بشيء يربط فيه أو بيده إلى القتل فسمي القتل قودا لذلك

مسألة

قال ( ولو شق بطنه فأخرج حشوته فقطعها فأبانها منه ثم ضرب عنقه آخر فالقاتل هو الأول

ولو شق بطنه ثم ضرب عنقه آخر فالثاني هو القاتل لأن الأول لا يعيش مثله والثاني قد يعيش مثله ) وجملته أنه إذا جنى عليه اثنان جنايتين نظرنا فإن كانت الأولى أخرجته من حكم الحياة مثل قطع حشوته أي ما في بطنه وإبانتها منه أو ذبحه ثم ضرب عنقه الثاني فالأول هو القاتل لأنه لا يبقى مع جنايته حياة فالقود عليه خاصة وعلى الثاني التعزير كما لو جنى على ميت وإن عفا الولي إلى الدية فهي على الأول وحده وإن كان جرح الأول يجوز بقاء الحياة معه مثل شق البطن من غير إبانة الحشوة أو قطع طرف ثم ضرب عنقه آخر فالثاني هو القاتل لأنه لم يخرج الأول من حكم الحياة فيكون الثاني هو المفوت لها فعليه القصاص في النفس والدية كاملة إن عفا عنه ثم ننظر في جرح الأول فإن كان موجبا للقصاص كقطع الطرف فالولي مخير بين قطع طرفه والعفو عن ديته مطلقا وإن كان لا يوجب القصاص كالجائفة ونحوها فعليه الأرش وإنما جعلنا عليه القصاص لأن فعل الثاني قطع سراية جراحة فصار كالمندمل الذي لا يسري وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه مخالفا ولو كان جرح الأول يفضي إلى الموت لا محالة إلا أنه لا يخرج به من حكم الحياة وتبقى معه الحياة المستقرة مثل خرق المعي أو أم الدماغ فضرب الثاني عنقه فالقاتل هو الثاني لأنه فوت حياة مستقرة وقيل هو في حكم الحياة بدليل أن عمر رضي الله عنه لما جرح دخل عليه الطبيب فسقاه لبنا فخرج يصلد فعلم الطبيب أنه ميت فقال اعهد إلى الناس فعهد إليهم وأوصى وجعل الخلافة إلى أهل الشورى فقبل الصحابة عهده وأجمعوا على قبول وصاياه وعهده فلما كان حكم الحياة باقيا كان الثاني مفوتا لها فكان هو القاتل كما لو قتل عليلا لا يرجى برء علته

فصل إذا ألقى رجلا من شاهق فتلقاه آخر بسيف فقتله فالقصاص على من قتله لأنه فوت حياته قبل المصير إلى حال يئسوا فيها من حياته فأشبه ما لو رماه إنسان بسهم قاتل فقطع آخر عنقه قبل وقوع السهم به أو ألقى عليه صخرة فأطار آخر رأسه بالسيف قبل وقوعها عليه وبهذا قال الشافعي إن رماه من مكان يجوز أن يسلم منه وإن رماه من شاهق لا يسلم منه الواقع ففيه وجهان أحدهما كقولنا

والثاني الضمان عليهما بالقصاص والدية عند سقوطه لأن كل واحد منهما سبب للإتلاف

ولنا إن الرمي سبب والقتل مباشرة فانقطع حكم السبب كالدافع مع الحافر والجارح مع الذابح وكالصور التي ذكرنا

وما ذكروه باطل بهذه الأصول المذكورة


240

مسألة

قال ( وإذا قطع يديه ورجليه ثم عاد فضرب عنقه قبل أن تندمل جراحه قتل ولم تقطع يده ولا رجلاه في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله رحمه الله والرواية الأخرى قال إنه وهل أن يفعل به كما فعل فإن عفا عنه الولي فعليه دية واحدة ) وجملة ذلك أن الرجل إذا جرح رجلا ثم ضرب عنقه قبل اندمال الجرح فالكلام في المسألة في حالين أحدهما أن يختار الولي القصاص فاختلفت الرواية عن أحمد في كيفية الاستيفاء فروى عنه لا يستوفي إلا بالسيف في العنق وبه قال عطاء والثوري وأبو يوسف ومحمد لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا قود إلا بالسيف رواه ابن ماجة ولأن القصاص أحد بدلي النفس فدخل الطرف في حكم الجملة كالدية فإنه لو صار الأمر إلى الدية لم تجب إلا دية النفس ولأن القصد من القصاص في النفس تعطيل الكل وإتلاف الجملة وقد أمكن هذا بضرب العنق فلا يجوز تعديته بإتلاف أطرافه كا لو قتله بسيف كال فإنه لا يقتل بمثله

والرواية الثانية عن أحمد قال إنه لأهل أن يفعل به كما فعل يعني أن للمستوفي أن يقطع أطرافه ثم يقتله

وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأبي حنيفة وأبي ثور لقول الله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به النحل 126 وقوله سبحانه فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم البقرة 194 ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رض رأس يهودي لرضه رأس جارية من الأنصار بين حجرين ولأن الله تعالى قال والعين بالعين المائدة 45 وهذا قد قلع عينه فيجب أن تقلع عينه للآية

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه ولأن القصاص موضوع على المماثلة ولفظه مشعر به فوجب أن يستوفي منه مثل ما فعل كما لو ضرب العنق آخر غيره

فأما الحديث لا قود إلا بالسيف فقال أحمد ليس إسناده بجيد

الحال الثاني أن يصير الأمر إلى الدية إما بعفو الولي أو كون الفعل خطأ أو شبه عمد أو غير ذلك فالواجب دية واحدة

هذا ظاهر مذهب الشافعي وقال بعضهم تجب دية الأطراف المقطوعة ودية النفس لأنه لما قطع بسراية الجرح بقتله صار كالمستقر فأشبه ما لو قتله غيره ولهذا لم يسقط القصاص فيه

ولنا إنه قاتل قبل استقرار الجرح فدخل أرش الجراحة في أرش النفس كما لو سرت إلى نفسه والقصاص في الأطراف على إحدى الروايتين لا يجب وإن وجب فإن القصاص لا يشبه الدية لأن سراية الجرح لا تسقط القصاص فيه وتسقط ديته

فصل ومتى قلنا له أن يستوفي بمثل ما فعل بوليه فأحب أن يقتصر على ضرب عنقه فله ذلك


241

وهو أفضل وإن قطع أطرافه التي قطعها الجانب أو بعضها ثم عفا عن قتله فكذلك لأنه تارك بعض حقه وإن قطع بعض أطرافه ثم عفا إلى الدية لم يكن له ذلك لأن جميع ما فعل بوليه لا يجب به إلا دية واحدة فلا يجوز أن يستوفي بعضه ويستحق كمال الدية فإن فعل فله ما بقي من الدية فإن لم يبق منها شيء فلا شيء له وإن قلنا ليس له أن يستوفي إلا بضرب العنق فاستوفى منه بمثل ما فعل فقد أساء ولا شيء عليه سوى المأثم لأن فعل الجاني في الأطراف لم يوجب عليه شيئا يختص بها فكذلك فعل المستوفي إن قطع الجاني طرفا واحدا ثم عفا إلى الدية لم يكن له إلا تمامها وإن قطع ما تجب به الدية ثم عفا لم يكن له شيء وإن قطع ما يجب به أكثر من الدية ثم عفا احتمل أن يلزمه ما زاد على الدية لأنه لا يستحق أكثر من الدية وقد فعل ما يوجب أكثر منها فكانت الزيادة عليه واحتمل أن لا يلزمه شيء لأنه لو قتله لم يلزمه شيء فإذا ترك قتله وعفا عنه فأولى أن لا يلزمه شيء ولأنه فعل بعض ما فعل بوليه فلم يلزمه شيء كما لو قلنا إن له أن يستوفي مثل ما فعل به

فصل فإن قطع يديه ورجليه أو جرحه جرحا يوجب القصاص إذا انفرد فسرى إلى النفس فله القصاص في النفس وهل له أن يستوفي القطع قبل القتل على روايتين ذكرهما القاضي وبناهما على الروايتين المذكورتين في المسألة

إحداهما ليس له قطع الطرف وهو مذهب أبي حنيفة لأن ذلك يفضي إلى الزيادة على ما جناه الأول والقصاص يعتمد المماثلة فمتى خيف فيه الزيادة سقط كما لو قطع يده من نصف الذراع والثانية يجب القصاص في الطرف فإن مات به وإلا ضربت عنقه

وهذا مذهب الشافعي لما ذكرناه في أول المسألة وذكر أبو الخطاب أنه لا يقتض منه في الطرف رواية واحدة وأنه لا يصح تخريجه على الروايتين في المسألة لإفضاء هذا إلى الزيادة بخلاف المسألة

والصحيح تخريجه على الروايتين وليس هذا بزيادة لأن فوات النفس بسراية فعله وسراية فعله كفعله فأشبه ما لو قطعه ثم قتله ولأن زيادة الفعل في الصورة محتمل في الاستيفاء كما لو قتله بضربة فلم يمكن قتله في الاستيفاء إلا بضربتين

فصل وإن جرحه جرحا لا قصاص فيه ولا يلزم فوات الحياة به مثل أن أجافه أو أمه أو قطع يده من نصف ذراعه أو رجله من نصف ساقه فمات منه أو قطع يدا ناقصة الأصابع أو شلاء أو زائدة ويد القاطع أصلية صحيحة فالصحيح في المذهب أنه ليس له فعل وليس له أن يقتص إلا في العنق بالسيف ذكره أبو بكر والقاضي وقال غيرهما فيه رواية أخرى له أن يقتض بمثل ما فعله لأنه صار قتلا فكان له القصاص بمثل فعله كما لو رض رأسه بحجر فقتله به والصحيح الأول لأن هذا لو انفرد لم يكن فيه قصاص فلم يجز القصاص فيه مع القتل كما لو قطع يمينه ولم يكن للقاطع يمين لم يكن له أن يستوفي من يساره وفارق ما إذا رض رأسه فمات لأن ذلك الفعل قتل مفرد وهاهنا قتل وقطع والقطع لا يوجب قصاصا فبقي مجرد القتل فإذا جمع المستوفي بينهما فقد زاد قطعا لم يرد الشرع باستيفائه فيكون حراما وسواء في هذا ما إذا قطع ثم قتل عقيبه وبين ما إذا قطع فسرى إلى النفس


242

فصل

فأما قطع اليمنى ولا يمنى للقاطع أو اليد ولا يد له أو قلع العين ولا عين له فمات المجني عليه فإنه يقتل بالسيف في العنق ولا قصاص في طرفه ولا أعلم فيه خلافا لأن القصاص إنما يكون من مثل العضو المتلف وهو هاهنا معدوم ولأن القصاص فعل مثل ما فعل الجاني ولا سبيل إليه ولأنه لو قطع ثم عفا عن القتل لصار مستوفيا رجلا ممن لم يقطع له مثلها أو أذنا بدلا عن عين وهذا غير جائز وهذا يدل على فساد الوجه الثاني في الفصل الذي قبله

فصل وإن قتله بغير السيف مثل أن قتله بحجر أو هدم أو تغريق أو خنق فهل يستوفي القصاص بمثل فعله فيه روايتان إحداهما له ذلك وهو قول مالك والشافعي

والثانية لا يستوفي إلا بالسيف في العنق وبه قال أبو حنيفة فيما إذا قتله بمثقل الحديد على إحدى الروايتين عنده أو جرحه فمات ووجه الروايتين ما تقدم في أول المسألة ولأن هذا لا تؤمن معه الزيادة على ما فعله الجاني فلا يجب القصاص بمثل آلته كما لو قطع الطرف بآلة كالة أو مسمومة أو بالسيف فإنه لا يستوفى بمثله ولأن هذا لا يقتل به المرتد فلا يستوفي به القصاص كما لو قتله بتجريع الخمر أو بالسحر ولا تفريع على هذه الرواية

فأما على الرواية الأخرى فإنه إذا فعل به مثل فعله فلم يمت قتله بالسيف وهذا أحد قولي الشافعي

والقول الثاني أنه يكرر عليه ذلك الفعل حتى يموت به لأنه قتله بذلك فله قتله بمثله

ولنا إنه قد فعل به مثل فعله فلم يزد عليه كما لو جرحه جرحا أو قطع منه طرفا فاستوفى منه الولي مثله فلم يمت به فإنه لا يكرر عليه الجرح بغير خلاف ويعدل إلى ضرب عنقه فكذا هاهنا

فصل وإن قتله بما لا يحل لعينه مثل أن لاط به فقتله أو جرعه خمرا أو سحره لم يقتل بمثله اتفاقا ويعدل إلى القتل بالسيف وحكى أصحاب الشافعي فيمن قتله باللواط وتجريع الخمر وجها آخر أنه يدخل في دبره خشبة يقتله بها ويجرعه الماء حتى يموت

ولنا إن هذا محرم لعينه فوجب العدول عنه إلى القتل بالسيف كما لو قتله بالسحر وإن حرقه فقال بعض أصحابنا لا يحرق لأن التحريق محرق لحق الله تعالى لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يعذب بالنار إلا رب النار ولأنه داخل في عموم الخبر وهذا مذهب أبي حنيفة وقال القاضي الصحيح أن فيه روايتين كالتغريق

إحداهما يحرق وهو مذهب الشافعي لما روى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه وحملوا الحديث الأول على غير القصاص في المحرق

فصل إذا زاد مستوفي القصاص في النفس على حقه مثل أن يقتل وليه فيقطع المقتص أطرافه أو بعضها نظرنا فإن عفا بعد قطع طرفه فعليه ضمان ما أتلف بديته وبهذا قال أبو حنيفة وقال مالك والشافعي وابن المنذر وأبو يوسف ومحمد لا ضمان عليه ولكن قد أساء ويعزر وسواء عفا عن القاتل أو قتله لأنه قطع


243

طرفا من جملة استحق إتلافها فلم يضمنه كما لو قطع أصبعا من يد يستحق قطعها

ولنا إنه قطع طرفا له قيمة حال القطع بغير حق فوجب عليه ضمانه كما لو عفا عنه ثم قطعه أو كما لو قطعه أجنبي فأما إن قطعه ثم قتله احتمل أن يضمنه أيضا لأنه يضمنه إذا عفا عنه فكذلك إذا لم يعف عنه لأن العفو إحسان فلا يكون موجبا للضمان واحتمل أن لا يضمنه وهو قول أبي حنيفة لأنه لو قطع متعديا ثم قتل لم يضمن الطرف فلأن يضمنه إذا كان القتل مستحقا أولى

فأما القصاص فلا يجب في العرف بحال

ولا نعلم في هذا خلافا لأن القصاص عقوبة تدرأ بالشبهات والشبهة هاهنا متحققة لأنه متحقق لإتلاف هذا الطرف ضمنا لاستحقاقه إتلاف الجملة ولا يلزم من سقوط القصاص أن لا تجب الدية بدليل امتناعه لعدم المكافآت

فأما إن كان الجاني قطع طرفه ثم قتله فاستوفى منه بمثل فعله فقد ذكرناه فيما مضى وإن قطع طرفا غير الذي قطعه الجاني كأن قطع الجانب يده فقطع المستوفي رجله احتمل أن يكون بمنزلة ما لو قطع يده لأن ديتهما واحدة

واحتمل أن تلزمه دية فقطع الرجل لأن الجاني لم يقطعها فأشبه ما لو لم يقطع يده

فصل فأما إن كانت الزيادة في الاستيفاء لأنه الطرف مثل إن استحق قطع أصبع فقطع اثنتين فحكمه حكم القاطع ابتداء إن كان عقدا من مفصل أو شجه يجب في مثلها القصاص فعليه القصاص في الزيادة وإن كان خطأ أو جرحا لا يوجب القصاص مثل من يستحق موضحة فاستوفاها هاشمة فعليه أرش الزيادة إلا أن يكون ذلك بسبب من الجاني كاضطرابه حال الاستيفاء فلا شيء على المقتص لأنه حصل بفعل الجاني فإن اختلفا هل فعله خطأ أو عمدا فالقول قول المقتص مع يمينه لأن هذا مما يمكن الخطأ فيه وهو أعلم بقصده وإن قال المقتص حصل هذا باضطرابك أو فعل من جهتك فالقول قول المقتص منه لأنه منكر فإن سرى الاستيفاء الذي حصلت فيه الزيادة إلى نفس المقتص منه فمات أو إلى بعض أعضائه مثل أن قطع أصبعه فسرى إلى جميع يده أو اقتص منه بآلة كالة أو مسمومة أو في حال حر مفرط أو برد شديد فسرى

فقال القاضي على المقتص نصف الدية لأنه تلف بفعلين جائز ومحرم ومضمون وغير مضمون فانقسم الواجب عليهما نصفين كما لو جرحه جرحا في حال ردته وجرحا بعد إسلامه فمات منهما وهذا كله مذهب الشافعي

ويحتمل أن يلزمه ضمان السراية كلها فيما إذا اقتص بآلة مسمومة أو كالة لأن الفعل كله محرم بخلاف قطع الأصبعين فإن أحدهما مباح

فصل قال القاضي ولا يجوز استيفاء القصاص إلا بحضرة السلطان وحكاه عن أبي بكر وهو مذهب الشافعي لأنه أمر يفتقر إلى الاجتهاد ويحرم الحيف فيه فلا يؤمن الحيف مع قصد التشفي

فإن استوفاه من غير حضرة السلطان وقع الموقع ويعزر لافتياته بفعل ما منع فعله ويحتمل أن يجوز الاستيفاء بغير حضور السلطان إذا كان القصاص في النفس لأن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل يقوده بنسعة فقال إن هذا قتل أخي فاعترف بقتله

فقال النبي صلى الله عليه وسلم اذهب فاقتله رواه مسلم بمعناه

ولأن اشتراط حضور السلطان لا يثبت إلا بنص


244

أو إجماع أو قياس ولم يثبت ذلك ويستحب أن يحضر شاهدين لئلا يجحد المجني عليه الاستيفاء وإذا أراد المولى الاستيفاء فعلى السلطان أن يتفقد الآلة التي يستوفي بها فإن كانت كالة منعه الاستيفاء بها لئلا يعذب المقتول

وقد روى شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتهم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته وإن كانت مسمومة منعه الاستيفاء بها لأنها تفسد البدن وربما منعت غسله وإن عجل فاستوفى بآلة كالة أو مسمومة عزر وإن كان السيف صارما غير مسموم نظر في الولي فإن كان يحسن الاستيفاء ويكمله بالقوة والمعرفة مكنه منه لقوله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا الإسراء 33 وقال عليه السلام من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين فإن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية ولأنه حق له متميز فكان له استيفاؤه بنفسه إذا أمكنه كسائر الحقوق وإن لم يحسن الاستيفاء أمره بالتوكيل لأنه عاجز عن استيفاء حقه فإن ادعى الولي المعرفة بالاستيفاء فأمكنه السلطان من ضرب عنقه فضرب عنقه فأبانه فقد استوفى حقه وإن أصاب غيره وأقر بتعمد ذلك عزر وإن قال أخطأت وكانت الضربة في موضع قريب من العنق كالرأس والمنكب قبل قوله مع يمينه لأن هذا مما يجوز الخطأ في مثله وإن كان بعيدا كالوسط والرجلين لم يقبل قوله لأن مثل هذا لا يقع الخطأ فيه ثم إن أراد العود ففيه وجهان أحدهما لا يمكن منه لأنه تبين منه أنه لا يحسن الاستيفاء ويحتمل العود إلى مثل فعله والثاني يمكن منه قاله القاضي لأن الظاهر تحرزه عن مثل ذلك ثانيا وإن كان الولي لا يحسن الاستيفاء أمره بالتوكيل فيه لأنه حقه فكان له التوكيل في استيفائه كسائر حقوقه

فإن لم يجد من يوكله إلا بعوض أخذ العوض من بيت المال

قال بعض أصحابنا يرزق من بيت المال رجل يستوفي الحدود والقصاص لأن هذا من المصالح العامة فإن لم يحصل ذلك فالأجرة على الجاني لأنها أجرة لإيفاء الحق الذي عليه فكانت عليه كأجرة الكيال في بيع المكيل ويحتمل أن تكون على المقتص لأنه وكيله فكانت الأجرة على موكله كسائر المواضع والذي على الجاني التمكين دون الفعل ولهذا لو أراد أن يقتص من نفسه لم يمكن منه ولأنه لو كانت عليه أجرة التوكيل للزمته أجرة الولي إذا استوفى بنفسه

وإن قال الجاني أنا أقتص لك من نفسي لم يلزم تمكينه ولم يجز ذلك له لأن الله قال ولا تقتلوا أنفسكم النساء 29 ولأن معنى القصاص أن يفعل به كما فعل ولأن القصاص حق عليه لغيره فلم يجز أن يكون هو المستوفي له كالبائع لا يستوفي من نفسه

فصل وإن كان القصاص لجماعة من الأولياء وتشاحوا في المتولي منهم للاستيفاء أمروا بتوكيل أحدهم أو واحد من غيرهم ولم يجز أن يتولاه جميعهم لما فيه من تعذيب الجاني وتعدد أفعالهم فإن لم يتفقوا على واحد وتشاحوا

وكان كل واحد منهم يحسن الاستيفاء أقرع بينهم لأن الحقوق إذا تساوت وعدم الترجيح صرنا إلى القرعة كما


245

لو تشاحوا في تزويج موليتهم فمن خرجت له القرعة أمر الباقون بتوكيله ولا يجوز له الاستيفاء بغير إذنهم لأن الحق لهم فلا يجوز استيفاؤه بغير إذنهم وإن لم يتفقوا على توكيل واحد منعوا الاستيفاء حتى يوكلوا

مسألة

قال ( وإن كانت الجراح برئت قبل قتله فعلى المعفو عنه ثلاث ديات إلا أن يريدوا القود فيقيدوا ويأخذوا من ماله ديتين ) أما إذا قطع يديه ورجليه فبرئت جراحه ثم قتله فقد استقر حكم القطع ولولي القتيل الخيار إن شاء عفا وأخذ ثلاث ديات دية لنفسه ودية ليديه ودية لرجليه وإن شاء قتله قصاصا بالقتل وأخذ ديتين لأطرافه وإن أحب قطع أطرافه الأربعة وأخذ دية لنفسه وإن أحب قطع يديه وأخذ ديتين لنفسه ورجليه وإن أحب قطع رجليه وأخذ ديتين لنفسه ويديه وإن أحب قطع طرفا واحدا وأخذ دية الباقي وإن أحب قطع ثلاثة أطراف وأخذ دية الباقي وكذلك سائر فروعها لأن حكم القطع استقر قبل القتل بالاندمال فلم يتغير حكمه بالقتل الحادث بعده كما لو قتله أجنبي ولا نعلم في هذا مخالفا

فصل فإن اختلف الجاني والولي في اندمال الجرح قبل القتل وكانت المدة بينهما يسيرة لا يحتمل اندماله في مثلها فالقول قول الجاني بغير يمين

وإن اختلفا في مضي المدة فالقول قول الجاني مع يمينه لأن الأصل عدم مضيها وإن كانت المدة مما يحتمل البر فيها فالقول قول الولي مع يمينه لأنه قد وجد سبب وجوب الدية اليدين بقطعهما والجاني يدعي سقوط ديتهما بالقتل والأصل عدم ذلك فإن كانت للجاني بينة ببقاء المجني عليه ضمنا حتى قتله حكم له ببينته وإن كان للولي بينة ببرئه حكم له أيضا

وإن تعارضتا قدمت بينة الولي لأنها مثبتة للبرء ويحتمل أن يكون القول قول الجاني إذا لم يكن لهما بينة لأن الأصل بقاء الجراحة وعدم اندمالها

وإن قطع أطرافه فمات واختلفا هل برأ قبل الموت أو مات بسراية الجرح أو قال الولي إنه مات بسبب آخر كأن لدغ أو من الشجة في رأس المجني عليه ويستوفي أرش الباقي فإن كانت بقدر ثلثها فله ثلث أرش موضحة ذبح نفسه أو ذبحه غيره فالحكم فيما إذا مات بغير سبب آخر كالحكم فيما إذا قتله سواء وأما إذا مات بقتل أو سبب آخر ففيه وجهان أحدهما تقديم قول الجاني لأن الظاهر بقاء الجناية والأصل عدم سبب آخر فيكون الظاهر معه

والثاني القول قول ولي الجناية لأن الأصل بقاء الديتين اللتين وجد سببهما حتى يوجد ما يزيلهما فإن كانت دعواهما بالعكس فقال الولي مات من سراية قطعك فعليك القصاص في النفس فقال الجاني بل اندملت جراحه قبل موته أو ادعى موته بسبب آخر فالقول قول الولي مع يمينه لأن الجرح سبب للموت فقد تحقق والأصل عدم الاندمال وعدم سبب آخر يحصل الزهوق به وسواء كان الجرح فيما يجب به القصاص في الطرف كقطع اليد من مفصل ولا يوجبه كالجائفة والقطع من غير مفصل وهذا كله مذهب الشافعي

مسألة

قال ( ولو رمى وهو مسلم كافرا عبدا فلم يقع به السهم حتى عتق وأسلم فلا قود وعليه دية حر مسلم إذا مات من سهمه ) هذا قول ابن حامد ومذهب الشافعي وقال أبو بكر يجب القود لأنه قتل مكافئا له ظلما عمدا فوجب


246

القصاص كما لو كان حرا مسلما حال الرمي يحققه أن الاعتبار بحال الجناية بدليل ما لو رمى مسلما حيا فلم يقع به السهم حتى ارتد أو مات لم يلزمه شيء ولو رمى عبدا كافرا فلم يقع به السهم حتى عتق وأسلم فعليه دية حر مسلم وقال أبو حنيفة يلزمه في العبد دية عبد لمولاه لأن الإصابة ناشئة عن إرسال السهم فكان الاعتبار بها كحالة الجرح فأما الكافر فمذهبه أن ديته دية المسلم وأنه يقتل به المسلم وكذلك يقتل الحر بالعبد

ولنا على درء القصاص أنه لم يتعد إلى نفس مكافأته له حال الرمي فلم يجب عليه قصاص كما لو رمى حربيا أو مرتدا فأسلم وعلى أبي حنيفة أنه أتلف حرا فضمنه ضمان الأحرار كما لو قصد صيدا وما قاله يبطل بما إذا رمى حيا فأصابه ميتا أو صحيحا فأصابه معيبا

ولنا على أن ديته تجب لورثته دون سيده أنه إذا أسلم تجب ديته لورثته المسلمين دون الكفار وإن مات مسلما حرا فكانت ديته لورثته المسلمين كما لو كان كذلك حال رميه ولأن الميراث إنما يستحق بالموت فتعتبر حاله حينئذ لا حين سبب الموت بدليل ما لو مرض وهو عبد كافر ثم أسلم ومات بتلك العلة والواجب بدل المحل فيعتبر بالمحل الذي فات بها فيجب بقدره وقد فات بها نفس حر مسلم والقصاص جزاء الفعل فيعتبر الفعل فيه والإصابة معا لأنهما طرفاه فلذلك لم يجب القصاص بقتله

فصل ولم يفرق الخرقي بين كون الكافر ذميا أو غيره إلا أنه يتعين التفريق فيه فمتى رمى إلى حربى في دار الحرب فأسلم قبل وقوع الرمية به فلا دية له وفيه الكفارة لأنه رمى مندوب إليه مأمور به فأشبه ما لو قتله في دار الحرب يظنه حربيا وكان قد أسلم وكتم إسلامه وفيه رواية أخرى أن فيه الدية على عاقلة القاتل لأنه نوع خطأ فكذلك هاهنا ولو رمى مرتدا في دار الإسلام فأسلم ثم وقع السهم به ضمنه لأنه مفرط بإرسال سهمه عليه لأن قتل المرتد إلى الإمام لا إلى آحاد الناس وقتله بالسيف لا بالسهم

فصل ولو رمى حربيا فتترس بمسلم فأصابه فقتله نظرنا فإن كان تترس به بعد الرمي ففيه الكفارة وفي الدية على عاقلة الرامي روايتان كالتي قبلها وإن تترس به قبل الرمي لم يجز رميه إلا أن يخاف على المسلمين فيرمي الكافر ولا يقصد المسلم فإذا قتله ففي ديته أيضا روايتان وإن رماه من غير خوف على المسلم فقتله فعليه ديته لأنه لم يجز له رميه

فصل ولو قطع يد عبد ثم أعتق ومات أو يد ذمي ثم أسلم ومات ففيه وجهان أحدهما الواجب دية حر مسلم لورثته ولسيده منها أقل الأمرين من ديته أو أرش جنايته اعتبارا بحال استقرار الجناية وقال القاضي وأبو بكر تجب قيمة العبد بالغة ما بلغت مصروفة إلى السيد اعتبارا بحال الجناية لأنها الموجب للضمان فاعتبرت حال وجودها ومقتضى قولهما ضمان الذمي الذي أسلم بدية ذمي ويلزمهما على هذا أن يصرفاها إلى ورثته من أهل الذمة وهو غير صحيح لأن الدية لا تخلو من أن تكون مستحقة للمجني عليه أو لورثته فإن كانت


247

له وجب أن تكون لورثته المسلمين كسائر أمواله وأملاكه كالذي كسبه بعد جرحه وإن كانت تحدث على ملك ورثته فورثته هم المسلمون دون الكفار

فصل وإذا قطع أنف عبد قيمته ألف دينار فاندمل ثم أعتقه السيد وجبت قيمته بكمالها للسيد وإن أعتقه ثم اندمل فكذلك لأنه إنما استقر بالاندمال ما وجب بالجناية والجناية كانت في ملك سيده وإن مات من سراية الجرح فكذلك في قول أبي بكر والقاضي وهو قول المزني لأن الجناية يراعى فيها حال وجودها وقد ذكر القاضي أن أحمد نص عليه في رواية حنبل فيمن فقأ عيني عبد ثم أعتق ومات ففيه قيمته لا الدية ومقتضى قول الخرقي أن الواجب فيه دية حر وهو مذهب الشافعي لأن اعتبار الجناية بحالة الاستقرار وقد ذكرناه وتصرف إلى السيد لأنه استحق أقل الأمرين من ديته أو أرش الجرح والدية هاهنا أقل الأمرين وما ذكروه ينتقض بما إذا قطع يديه ورجليه فمات بسراية الجرح فإن الواجب دية النفس لا دية الجرح

فصل وإن قطع يد عبد فأعتق ثم عاد فقطع رجله واندمل القطعان فلا قصاص في اليد لأنها قطعت في حال رقه ويجب فيها نصف قيمته أو ما نقصه القطع لسيده ويجب القصاص في الرجل التي قطعها حال حريته أو نصف الدية إن عفا عن القصاص لورثته

وإن اندمل قطع اليد وسرى قطع الرجل إلى نفسه ففي اليد نصف القيمة لسيده وعلى القاطع القصاص في النفس أو الدية كاملة لورثته وإن اندمل قطع الرجل وسرى قطع اليد ففي الرجل القصاص بقطعها أو نصف الدية لورثته ولا قصاص في اليد ولا في سرايتها وعلى الجاني دية حر لسيده منها أقل الأمرين من أرش القطع أو دية الحر على قول ابن حامد وعلى قول أبي بكر والقاضي تجب قيمة العبد لسيده اعتبارا بحال جنايته وإن سرى الجرحان لم يجب القصاص في النفس ولا اليد لأنه مات من جرحين موجب وغير موجب فلم يجب القصاص كما لو جرحه جرحين عمدا أو خطأ ولكن يجب القصاص في الرجل لأنه قطعها من حر فإن اقتص منه وجب نصف الدية لأنه مات من جنايته وقد استوفى منه ما يقابل نصف الدية وللسيد أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية فإن زاد نصف الدية على نصف القيمة كان الزائد للورثة وإن عفا ورثته عن القصاص فلهم أيضا نصف الدية وإن كان قاطع الرجل غير قاطع اليد واندمل الجرحان فعلى قاطع اليد نصف القيمة لسيده وعلى قاطع الرجل القصاص فيها أو نصف الدية وإن سرى الجرحان إلى نفسه فلا قصاص على الأول لأنه قطع يد عبد وعليه نصف دية الحر لأن المجني عليه حر في حال قرار الجناية وعلى الثاني القصاص في النفس إذا كان عمد القطع لأنه شارك في القتل عمدا عدوانا فهو كشريك الأب ويتخرج إلا القصاص عليه في النفس لأن الروح خرجت من سراية قطعين موجب وغير موجب بناء على شريك الأب وإن عفا عنه إلى الدية فعليه نصف دية حر وإن قلنا بوجوب القصاص في النفس خرج في وجوبه في الطرف روايتان وإن قلنا لا تجب في النفس وجب في الرجل

فصل وإن قلع عين عبد ثم أعتق ثم قطع آخر يده ثم قطع آخر رجله فلا قود على الأول سواء


248

اندمل جرحه أو سرى وأما الآخران فعليهما القود في الطرفين إن وقف قطعهما أو ديتهما إن عفا عنهما وإن سرت الجراحات كلها فعليهما القصاص في النفس لأن جنايتهما صارت نفسا وفي ذلك وفي القصاص في الطرف اختلاف وقد ذكرناه وإن عفا عنهما فعليهم الدية أثلاثا وفيما يستحقه السيد وجهان أحدهما أقل الأمرين من نصف القيمة أو ثلث الدية هذا قياس قول أبي بكر لأنه بالقطع استحق نصف القيمة فإذا صارت نفسا وجب فيها ثلث الدية فكان له أقل أمرين

والثاني له أقل الأمرين من ثلث القيمة أو ثلث الدية لأن الجناية إذا صارت نفسا كان الاعتبار بما آلت إليه ألا ترى أنه لو جنى الجانيان الآخران قبل العتق أيضا لم يكن على الأول إلا ثلث القيمة فلا يزيد حقه بالعتق كما لو قلع رجل عينه أيضا ثم باعه سيده ثم قطع آخر يده وآخر رجله ثم مات فإنه يكون للأول ثلث القيمة وإن كان أرش الجناية نصف القيمة فإذا قلنا بالوجه الأول فلو كان الأول قطع إصبعيه أو هشمه والجانيان في الحرية قطعا يده فالدية عليهم أثلاثا للسيد منها أقل الأمرين من أرش الأصبع وهو عشر القيمة أو ثلث الدية ولو كان الجاني في حال الرق قطع يديه والجانيان في الحرية قطعا رجليه وجبت الدية أثلاثا وكان للسيد منها أقل الأمرين من جميع قيمته أو ثلث الدية وعلى الوجه الآخر يكون له في الفرعين أقل الأمرين من ثلث القيمة أو ثلث الدية

فصل فإن كان الجانيان في حال الرق والواحد في حال الحرية فمات فعليهم الدية وللسيد من ذلك في أحد الوجهين أقل الأمرين من أرش الجنايتين أو ثلثي الدية وعلى الآخر أقل الأمرين من ثلثي القيمة أو ثلثي الدية

فصل وإن كان الجناة أربعة واحد في الرق وثلاثة في الحرية ومات كان للسيد في أحد الوجهين الأقل من أرش الجناية أو ربع الدية وعلى الآخر الأقل من ربع القيمة أو ربع الدية

وإن كان الثلاثة في الرق والواحد في الحرية كان للسيد أقل الأمرين من أرش الجنايات وثلاثة أرباع الدية في أحد الوجهين وفي الآخر الأقل من ثلاثة أرباع القيمة أو ثلاثة أرباع الدية ولو كانوا عشرة واحد في الرق وتسعة في الحرية فالدية عليهم وللسيد فيها بحساب ما ذكرنا على اختلاف الوجهين

فصل فإن قطع يده ثم أعتق فقطع آخر رجله ثم عاد الأول فقتله بعد الاندمال فعليه القصاص للورثة ونصف القيمة للسيد وعلى الآخر القصاص للورثة في الرجل أو نصف الدية فإن كان قبل الاندمال فعلى الجاني الأول القصاص في النفس دون اليد لأنه قطعها في رقه فإن اختار الورثة القصاص في النفس سقط حق السيد لأنه لا يجوز أن يستحق عليه النفس وأرش الطرف قبل الاندمال فإن الطرف داخل في النفس في الأرش

وإن اختاروا العفو فعليه الدية دون أرش الطرف لأن أرش الطرف يدخل في النفس وللسيد أقل الأمرين من نصف القيمة أو أرش الطرف

والباقي للورثة وأما الثاني فعليه نصف القصاص في الرجل لأن القتل قطع


249

سرايتها فصار كما لو اندملت فإن عفا عنه فعليه القصاص في النفس وهل يقطع طرفه على روايتين

فإن عفا الورثة فعليه دية واحدة

وأما الأول فعليه نصف القيمة للسيد ولا قصاص عليه وإن كان القاتل ثالثا فقد استقر القطعان ويكون على الأول نصف القيمة لسيده وعلى الثاني القصاص في الرجل أو نصف الدية لورثته وعلى الثالث القصاص في النفس أو الدية

فصل وإذا قطع رجل يد عبده ثم أعتقه ثم اندمل جرحه فلا قصاص عليه ولا ضمان لأنه إنما قطع يد عبده وإنما استقر بالاندمال ما وجب بالجراح وإن مات بعد العتق بسراية الجرح فلا قصاص فيه لأن الجناية كانت على مملوكه وفي وجود الضمان وجهان أحدهما لا يجب شيء لأنه مات بسراية جرح غير مضمون أشبه ما لو مات بسراية القطع في الحد وسراية القود ولأنا تبينا أن القطع كان قتلا فيكون قاتلا لعبده فلا يلزمه ضمانه كما لو لم يعتقه

والثاني يضمنه بما زاد على أرش القطع من الدية لأنه مات وهو حر بسراية قطع عدوان فيضمن كما لو كان القاطع أجنبيا لكن يسقط أرش القطع لأنه في ملكه ويجب الزائد لورثته فإن لم يكن له وارث سواه وجبت لبيت المال ولا يرث السيد شيئا لأن القاتل لا يرث

مسألة

قال ( وإذا قتل رجل اثنين واحدا بعد واحد فاتفق أولياء الجميع على القود أقيد لهما وإن أراد ولي الأول القود والثاني الدية أقيد للأول وأعطي أولياء الثاني الدية من ماله

وكذلك إن أراد أولياء الأول الدية والثاني القود ) وجملة ذلك أنه إذا قتل اثنين فاتفق أولياؤهما على قتله بهما قتل بهما وإن أراد أحدهما القود والآخر الدية قتل لمن أراد القود وأعطى أولياء الثاني الدية من ماله سواء كان المختار للقود الثاني أو الأول وسواء قتلهما دفعة واحدة أو دفعتين فإن بادر أحدهما فقتله وجب للآخر الدية في ماله أيهما كان وقال أبو حنيفة ومالك يقتل بالجماعة ليس لهم إلا ذلك فإن طلب بعضهم الدية فليس له وإن بادر أحدهم فقتل سقط حق الباقين لأن الجماعة لو قتلوا واحدا قتلوا به

فكذلك إذا قتلهم واحد قتل بهم كالواحد بالواحد

وقال الشافعي لا يقتل إلا بواحد سواء اتفقوا على طلب القصاص أو لم يتفقوا لأنه إذا كان لكل واحد استيفاء القصاص فاشتراكهم في المطالبة لا يوجب تداخل حقوقهم كسائر الحقوق

ولنا على أبي حنيفة قول النبي صلى الله عليه وسلم فمن قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل فظاهر هذا أن أهل كل قتيل يستحقون ما اختاروه من القتل أو الدية فإذا اتفقوا على القتل وجب لهم وإن اختار بعضهم الدية وجب له بظاهر الخبر ولأنهما جنايتان لا يتداخلان إذا كانتا خطأ أو أحدهما فلم يتداخلا في العمد كالجنايات على الأطراف وقد سلموها

ولنا على الشافعي أنه محل تعلق به حقان لا يتسع لهما معا رضى المستحقان به عنهما فيكتفي به كما لو قتل عبد


250

عبدين خطأ فرضي بأخذه عنهما ولأنهما رضيا بدون حقهما فجاز كما لو رضي صاحب الصحيحة بالشلاء أو ولي الحر بالعبد وولي المسلم بالكافر وفارق ما إذا كان القتل خطأ فإن الجناية تجب في الذمة والذمة تتسع لحقوق كثيرة وما ذكره مالك وأبو حنيفة فليس بصحيح فإن الجماعة قتلوا بالواحد لئلا يؤدي الاشتراك إلى إسقاط القصاص تغليظا للقصاص ومبالغة في الزجر وفي مسألتنا ينعكس هذا فإنه إذا علم أن القصاص واجب عليه بقتل واحد وإن قتل الثاني والثالث لا يزداد به عليه حق بادر إلى قتل من يريد قتله وفعل ما يشتهي فعله فيصير هذا كإسقاط القصاص عنه ابتداء مع الدية

فصل وإن طلب كل ولي قتله بوليه مستقلا من غير مشاركة قدم الأول لأن حقه أسبق ولأن المحل صار مستحقا له بالقتل الأول فإن عفا ولي الأول فلولي الثاني قتله وإن طالب ولي الثاني قبل طلب الأول بعث الحاكم إلى ولي الأول فأعلمه وإن بادر الثاني فقتله أساء وسقط حق الأول إلى الدية وإن كان ولي الأول غائبا أو صغيرا أو مجنونا انتظر وإن عفا أولياء الجميع إلى الديات فلهم ذلك وإن قتلهم دفعة واحدة وتشاحوا في المستوفى أقرع بينهم

فقدم من تقع له القرعة لتساوي حقوقهم وإن بادر غيره فقتله استوفى حقه ويسقط حق الباقين إلى الدية وإن قتلهم متفرقا وأشكل الأول أو ادعى كل ولي أنه الأول ولا بينة لهم فأقر القاتل لأحدهم قدم بإقراره وإن لم يقر أقرعنا بينهم لاستواء حقوقهم

فصل وإن قطع يميني رجلين فالحكم فيه كالحكم في الأنفس على ما ذكرنا من التفصيل والاختلاف إلا أن أصحاب الرأي قالوا يقاد لهما جميعا ويغرم لهما دية اليد في ماله نصفين وهذا لا يصح لأنه يفضي إلى إيجاب القود في بعض العضو والدية في بعضه والجمع بين البدل والمبدل في محل واحد ولم يرد الشرع به ولا نظير له يقاس عليه

فصل وإن قطع يد رجل ثم قتل آخر ثم سرى القطع إلى نفس المقطوع فمات فهو قاتل لهما فإذا تشاحا في المستوفى للقتل قتل بالذي قتله لأن وجوب القتل عليه أسبق فإن القتل بالذي قطعه إنما وجب عند السراية وهي متأخرة عن قتل الآخر وأما القطع فإن قلنا إنه يستوفي منه مثل ما فعل فإنه يقطع له أولا ثم يقتل الذي قتله ويجب للأول نصف الدية وإن قلنا لا يستوفي القطع وجبت له الدية كاملة ولم يقطع طرفه ويحتمل أن يجب له القطع على كل حال لأن القطع إنما يدخل في القتل عند استيفاء القتل فإذا تعذر استيفاء القتل وجب استيفاء الطرف لوجوب مقتضيه وعدم المانع من استيفائه كما لو لم يسر ولو كان قطع اليد لم يسر إلى النفس فإنه تقطع يده أولا ثم يقتل وسواء تقدم القطع أو تأخر وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك يقتل ولا يقطع لأنه إذا قتل تلف الطرف فلا فائدة في القطع فأشبه ما لو كانا لواحد

ولنا إنهما جنايتان على رجلين فلم يتداخلا كقطع يدي رجلين وما ذكره من القياس غير صحيح لأنه قد


251

قال يد رجل ثم قتله يقصد المثلة به قطع وقتل ونحن نوافقه على هذا في رواية فقد حصل الإجماع منها ومنهما على انتفاء التداخل في الأصل فكيف يقيس عليه ولكنه ينقلب دليلا عليه فنقول قطع وقتل فيستوفى منه مثل ما فعل كما لو فعله برجل واحد يقصد المثلة به ويثبت الحكم في محل النزاع بطريق التنبيه فإنه إذا لم يتداخل حق الواحد فحق الاثنين أولى ويبطل بهذا ما قاله من المعنى

فصل وإن قطع أصبعا من يمين رجل ويمينا لآخر وكان قطع الأصبع أسبق قطعت أصبعه قصاصا وخير الآخر بين العفو إلى الدية وبين القصاص وأخذ دية الأصبع ذكره القاضي وهو اختيار ابن حامد ومذهب الشافعي لأنه وجد بعض حقه فكان له استيفاء الموجود وأخذ بدل المفقود كمن أتلف مثليا لرجل فوجد بعض المثل وقال أبو بكر يخير بين القصاص ولا شيء له معه وبين الدية هذا قياس قوله وهو مذهب أبي حنيفة لأنه لا يجمع في عضو واحد بين قصاص ودية كالنفس وإن كان قطع اليد سابقا على قطع الإصبع قطعت يمينه قصاصا ولصاحب الأصبع أرشها ويفارق هذا ما إذا قتل رجلا ثم قطع يد آخر حيث قدمنا استيفاء القطع مع تأخره لأن قطع اليد لا يمنع التكافؤ في النفس بدليل أن نأخذ كامل الأطراف بناقصها وأن ديتهما واحدة ونقص الأصبع يمنع التكافؤ في اليد بدليل أنا لا نأخذ الكاملة بالناقصة واختلاف ديتهما وإن عفا صاحب اليد قطعت الأصبع لصاحبها وإن اختار قطعها

مسألة

قال ( وإذا جرحه جرحا يمكن الاقتصاص منه بلا حيف اقتص منه ) وجملة ذلك أن القصاص يجري فيما دون النفس من الجروح إذا أمكن للنص والإجماع أما النص فقول الله تعالى والجروح قصاص المائدة 45 وروى أنس بن مالك أن الربيع بنت النضر بن أنس كسرت ثنية جارية فعرضوا عليهم الأرش فأبوا إلا القصاص فجاء أخوها أنس بن النضر فقال يا رسول الله تكسر ثنية الربيع والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها

فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أنس كتاب الله القصاص

قال فعفا القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره متفق عليه وأجمع المسلمون على جريان القصاص فيما دون النفس إذا أمكن ولأن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص فكان كالنفس في وجوبه

فصل ويشترط لوجوب القصاص في الجروح ثلاثة أشياء أحدها أن يكون عمدا محضا فأما الخطأ فلا قصاص فيه إجماعا ولأن الخطأ لا يوجب القصاص في النفس وهي الأصل ففيما دونها أولى ولا يجب بعمد الخطأ وهو أن يقصد ضربه بما لا يفضي إلى ذلك غالبا مثل أن يضربه بحصاة لا يوضح مثلها فتوضحه فلا يجب به القصاص لأنه شبه العمد ولا يجب القصاص إلا بالعمد


252

المحض وقال أبو بكر يجب به القصاص ولا يراعى فيه ذلك لعموم الآية

الثاني التكافؤ بين الجارح والمجروح وهو أن يكون الجاني يقاد من المجني عليه لو قتله كالحر المسلم مع الحر المسلم فأما من لا يقتل بقتله فلا يقتص منه فيما دون النفس له كالمسلم مع الكافر والحر مع العبد والأب مع ابنه لأنه لا تؤخذ نفسه بنفسه فلا يؤخذ طرفه بطرفه ولا يجرح بجرحه كالمسلم مع المستأمن

الثالث إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة لأن الله تعالى قال وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به النحل 126 وقال فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم البقرة 194 ولأن دم الجاني معصوم إلا في قدر جنايته فما زاد عليها يبقى على العصمة فيحرم استيفاؤه بعد الجناية كتحريمه قبلها ومن ضرورة المنع من الزيادة المنع من القصاص لأنها من لوازمه فلا يمكن المنع منها إلا بالمنع منه وهذا لا خلاف فيه نعلمه

وممن منع القصاص فيما دون الموضحة الحسن والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي

إذا ثبت هذا فإن الجرح الذي يمكن استيفاؤه من غير زيادة هو كل جرح ينتهي إلى عظم كالموضحة في الرأس والوجه ولا نعلم في جواز القصاص في الموضحة خلافا وهي كل جرح ينتهي إلى العظم في الرأس والوجه وذلك لأن الله تعالى أوجب القصاص في الجروح فلو لم يجب هاهنا لسقط حكم الآية وفي معنى الموضحة كل جرح ينتهي إلى عظم فيما سوى الرأس والوجه كالساعد والعضد والساق والفخذ في قول أكثر أهل العلم وهو منصوص الشافعي

وقال بعض أصحابه لا قصاص فيها لأنه لا يقدر فيها وليس بصحيح لقول الله تعالى والجروح قصاص المائدة 45 ولأنه أمكن استيفاؤها بغير حيف ولا زيادة لانتهائها إلى عظم فهي كالموضحة والتقدير في الموضحة ليس هو المقتضي للقصاص ولا عدمه مانعا وإنما كان التقدير في الموضحة لكثرة شينها وشرف محلها ولهذا ما قدر ما فوقها من شجاج الرأس والوجه ولا قصاص فيه وكذلك الجائفة أرشها مقدر لا قصاص فيه

فصل ولا يستوفى القصاص فيما دون النفس ولا بآلة يخشى منها الزيادة سواء كان الجرح بها أو بغيرها لأن القتل إنما استوفى بالسيف لأنه آلته وليس ثمة شيء يخشى التعدي إليه فيجب أن يستوفى ما دون النفس بآلته ويتوفى ما يخشى منه الزيادة إلى محل لا يجوز استيفاؤه ولأننا منعنا القصاص بالكلية فيما يخشى الزيادة في استيفائه فلأن نمنع الآلة التي يخشى منها ذلك أولى فإن كان الجرح موضحة أو ما أشبهها فبالموسى أو حديد ماضية معدة لذلك ولا يستوفي ذلك إلا من له علم بذلك كالجرائحي ومن أشبهه فإن لم يكن للولي علم بذلك أمر بالاستنابة وإن كان له علم فقال القاضي ظاهر كلام أحمد أنه يمكن منه لأنه أحد


253

نوعي القصاص فيمكن من استيفائه إذا كان يحسن كالقتل ويحتمل أن لا يمكن من استيفائه بنفسه ولا يليه إلا نائب الإمام أو من يستنيبه ولي الجناية وهذا مذهب الشافعي لأنه لا يؤمن مع العداوة وقصد التشفي الحيف في الاستيفاء بما لا يمكن تلافيه وربما أفضى إلى النزاع والاختلاف بأن يدعي الجاني الزيادة وينكرها المستوفي

فصل وإذا أراد الاستيفاء من موضحة وشبهها فإن كان على موضعها شعر حلقه ويعمد إلى موضع الشجة من رأس المشجوج فيعلم منه طولها بخشبة أو خيط ويضعها على رأس الشاج ويعلم طرفيه بخط بسواد أو غيره ويأخذ حديدة عرضها كعرض الشجة فيضعها في أول الشجة ويجرها إلى آخرها مثل الشجة طولا وعرضا ولا يراعي العمق لأنه حده العظم ولو روعي العمق لتعذر الاستيفاء لأن الناس يختلفون في قلة اللحم وكثرته وهذا كما يستوفي في الطرف مثله وإن اختلفا في الصغر والكبر والدقة والغلظ ويراعى الطول والعرض لأنه ممكن فإن كان رأس الشاج والمشجوج سواء استوفى قدر الشجة وإن كان رأس الشاج أصغر لكنه يتسع للشجة استوفيت إن استوعب أن رأس الشاج كله وهي بعض رأس المشجوج

لأنه استوفاها بالمساحة ولا يمنع الاستيفاء زيادتها على مثل موضعها من رأس الجاني لأن الجميع رأسه وإن كان قدر الشجة يزيد على رأس الجاني فإنه يستوفي الشجة من جميع رأس الشاج ولا يجوز أن ينزل إلى جبهته لأنه يقتص في عضو آخر غير العضو الذي جنى عليه وكذلك لا ينزل إلى قفاه لما ذكرناه

ولا يستوفي بقية الشجة في موضع آخر من رأسه لأنه يكون مستوفيا لموضحتين وواضعا للحديدة في غير الموضع الذي وضعها فيه الجاني واختلف أصحابنا فيماذا يصنع فذكر القاضي أن ظاهر كلام أبي بكر أنه لا أرش له فيما بقي كي لا يجتمع قصاص ودية في جرح واحد وهذا مذهب أبي حنيفة فعلى هذا يتخير بين الاستيفاء في جميع رأس الشاج ولا أرش له وبين العفو إلى دية موضحة وقال أبو عبد الله بن حامد وبعض أصحابنا له أرش ما بقي وهو مذهب الشافعي لأنه تعذر القصاص فيما جنى عليه فكان له أرشه كما لو تعذر في الجميع فعلى هذا تقدر شجة الجاني وإن زادت أو نقصت عن هذا فبالحساب من أرش الموضحة ولا يجب له أرش موضحة كاملة لئلا يفضي إلى إيجاب القصاص

ودية موضحة في موضحة واحدة فإن أوضحه في جميع رأسه ورأس الجاني أكبر فللمجني عليه أن يوضح منه بقدر مساحة موضحته من أي الطرفين شاء لأنه جنى عليه في ذلك الموضع كله وإذا استوفى قدر موضحته ثم تجاوزها واعترف أنه عمد ذلك فعليه القصاص في ذلك القدر فإذا اندملت موضحته استوفى منه القصاص في موضع الاندمال لأنه موضع الجناية وإن ادعى الخطأ فالقول قوله لأنه محتمل وهو أعلم بقصده وعليه أرش موضحة فإن قيل فهذه الموضحة كلها لو كانت عدوانا لم يجب فيها إلا دية موضحة فكيف يجب في بعضها دية موضحة قلنا لأن المستوفي لم يكن جناية إنما يجاوز الزائد والزائد لو انفرد لكان موضحة فكذلك إذا كان معه ما ليس بجناية بخلاف ما إذا كان كلها عدوانا فإن الجميع جناية واحدة


254

فصل

وإذا أوضحه في جميع رأسه ورأس الجاني أكبر فأحب أن يستوفي القصاص بعضه من مقدم الرأس أو بعضه من مؤخره

احتمل أن يمنع منه لأنه يأخذ موضحتين بواحدة وديتهما مختلفة واحتمل الجواز لأنه لا يجاوز موضع الجناية ولا قدرها إلا أن يقول أهل الخبرة إن في ذلك زيادة ضرر أو شين فلا يفعل ولأصحاب الشافعي كهذين فإن كان رأس المجني عليه أكبر فأوضحه الجاني في مقدمه ومؤخره موضحتين قدرهام جميع رأس الجاني فله الخيار بين أن يوضحه موضحة واحدة في جميع رأسه أو يوضحه موضحتين يقتصر في كل واحدة منهما على قدر موضحته ولا أرش لذلك وجها واحدا لأنه ترك الاستيفاء مع إمكانه وإن عفا إلى الأرش فله أرش موضحتين وإن شاء اقتص من أحدهما وأخذ دية الأخرى

فصل وإذا كانت الجناية في غير الرأس والوجه فكانت في ساعد فزادت على ساعد الجاني لم ينزل إلى الكف ولم يصعد إلى العضد وإن كانت في الساق لم ينزل إلى القدم ولم يصعد إلى الفخذ لأنه عضو آخر فلا يقتص منه كما لم ينزل من الرأس إلى الوجه ولم يصعد من الوجه إلى الرأس

فصل وإذا شج في مقدم رأسه أو مؤخره عرضا شجة لا يتسع لها مثل ذلك الموضع من رأس الشاج فأراد أن يستوفي من وسط الرأس فيما بين الأذنين لكونه يتسع لمثل تلك الموضحة ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لأنه غير الموضع الذي شجه فلم يجز له الاستيفاء منه كما لو أمكنه استيفاء حقه من محل شجته واحتمل أن يجوز لأن الرأس عضو واحد فإذا لم يمكنه استيفاء حقه من محل شجته جاز من غيره كما لو شجه في مقدم رأسه شجة قدرها جميع رأى الشاج جاز إتمام استيفائها في مؤخر رأس الجاني وهذا منصوص الشافعي وهكذا يخرج فيما إذا كان الجرح في موضع من الساق والقدم والذراع والعضد وإن أمكن الاستيفاء من محل الجناية لم يجز العدول عنه وجها واحدا

مسألة

قال ( وكذلك إذا قطع منه طرفا من مفصل قطع منه مثل ذلك المفصل إذا كان الجاني يقاد من المجني عليه لو قتله ) أجمع أهل العلم على جريان القصاص في الأطراف وقد ثبت ذلك بقوله تعالى والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص المائدة 45 وبخبر الربيع بنت النضر بن أنس ويشترط لجريان القصاص فيها شروط خمسة أحدها أن يكون عمدا على ما أسلفناه والثاني أن يكون المجني عليه مكافئا للجاني بحيث يقاد به لو قتله

والثالث أن يكون الطرف متساويا للطرف ولا يؤخذ صحيح بأشل ولا كاملة الأصابع بناقصة ولا أصلية بزائدة

ولا يشترط التساوي في الدقة والغلظ والصغر والكبر والصحة والمرض لأن اعتبار ذلك يفضي إلى سقوط


255

القصاص بالكلية

والرابع الاشتراك في الاسم الخاص فلا تؤخذ يمين بيسار ولا يسار بيمين ولا أصبع بمخالفة لها ولا جفن أو شفة إلا بمثلها

والخامس إمكان الاستيفاء من غير حيف وهو أن يكون القطع من مفصل فإن كان من غير مفصل فلا قصاص فيه من موضع القطع بغير خلاف نعلمه وقد روى نمر بن جابر عن أبيه أن رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسيف فقطعها من غير مفصل فاستعدى عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأمر له بالدية قال إني أريد القصاص قال خذ الدية بارك الله لك فيها ولم يقض له بالقصاص رواه ابن ماجة

فصل وقي قطع اليد ثمان مسائل أحدها قطع الأصابع من مفاصلها فالقصاص واجب لأن لها مفاصل ويمكن القصاص من غير حيف وإن اختار الدية فله نصفها لأن في كل أصبع عشر الدية

الثانية قطعها من نصف الكف فليس له القصاص من موضع القطع لأنه ليس بمفصل فلا يؤمن الحيف فيه

وإن أراد قطع الأصابع ففيه وجهان أحدهما ليس له ذلك وهذا اختيار أبي بكر لأنه يقتص من غير موضع الجناية فلم يجز كما لو كان القطع من الكوع يحققه أن امتناع قطع الأصابع إذا قطع من الكوع إنما كان لعدم المقتضي أو وجود مانع وأيهما كان فهو متحقق إذا كان القطع من نصف الكف

والثاني له قطع الأصابع ذكره أصحابنا وهو مذهب الشافعي لأنه يأخذ دون حقه لعجزه عن استيفاء حقه فأشبه ما لو شجه هاشمة فاستوفى موضحة

ويفارق ما إذا قطع من الكوع لأنه أمكنه استيفاء حقه فلم يجز له العدول إلى غيره

وهل له حكومة في نصف الكف فيه وجهان أحدهما ليس له ذلك لأنه يجمع بين القصاص والأرش في عضو واحد فلم يجز كما لو قطع من الكوع

والثاني له أرش نصف الكف لأنه حق له تعذر استيفاؤه فوجب أرشه كسائر ما هذا حاله

وإن اختار الدية فله نصفها لأن قطع اليد من الكوع لا يوجب أكثر من نصف الدية فما دونه أولى

الثالثة قطع من الكوع فله قطع يده من الكوع لأنه مفصل وليس له قطع الأصابع لأنه غير محل الجناية فلا يستوفى منه مع إمكان الاستيفاء من محلها

الرابعة قطع من نصف الذراع فليس له أن يقطع من ذلك الموضع لأنه ليس بمفصل وقد ذكرنا الخبر الوارد فيه فله نصف الدية وحكومة في المقطوع من الذراع وهل له أن يقطع من الكوع فيه وجهان كما ذكرنا

فيمن قطع من نصف الكف ومن جوز له القطع من الكوع فعنده في وجوب الحكومة لما قطع من الذراع وجهان ويخرج أيضا في جواز قطع الأصابع وجهان فإن قطع منها لم يكن له حكومة في الكف لأنه أمكنه أخذه قصاصا فلم يكن له طلب أرشه كما لو كانت الجناية مع الكوع

الخامسة قطع من المرفق فلع القصاص منه لأنه مفصل وليس له القطع من الكوع لأنه أمكنه استيفاء حقه بكماله والاقتصاص من محل الجناية عليه فلم يجز له العدول إلى غيره وإن عفا إلى الدية فله دية اليد وحكومة للساعد

السادسة قطعها من العضد فلا قصاص فيها في أحد الوجهين وله دية اليد وحكومة للساعد وبعض العضد والثاني له القصاص من المرفق وهل له حكومة في الزائد على وجهين وهل له القطع من الكوع يحتمل


256

وجهين

السابعة قطع من المنكب فالواجب القصاص لأنه مفصل وإن اختار الدية فله دية اليد وحكومة لما زاد

الثامنة خلع عظم المنكب ويقال له مشط الكف فيرجع فيه إلى اثنين من ثقات أهل الخبرة فإن قالوا يمكن الاستيفاء من غير أن تصير جائفة استوفي وإلا صار الأمر إلى الدية وفي جواز الاستيفاء من المرفق أو ما دونه مثل ما ذكرنا في نظائره ومثل هذه المسائل في الرجل والساق كالذراع والفخذ كالعضد والورك كعظم الكتف والقدم كالكف

مسألة

قال ( وليس في المأمومة ولا في الجائفة قصاص ) المأمومة شجاج الرأس وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ وتسمى تلك الجلدة أم الدماغ لأنها تجمعه فالشجة الواصلة إليها تسمى مأمومة وآمة لوصولها إلى أم الدماغ والجائفة في البدن وهي التي تصل إلى الجوف وليس فيها قصاص عند أحد من أهل العلم نعلمه إلا ما روي عن ابن الزبير أنه قص من المأمومة فأنكر الناس عليه وقالوا ما سمعنا أحدا قص منها قبل ابن الزبير وممن لم ير في ذلك قصاصا مالك والشافعي وأصحاب الرأي وروي عن علي رضي الله عنه لا قصاص في المأمومة وقاله مكحول والزهري والشعبي وقال عطاء والنخعي لا قصاص في الجائفة

وروى ابن ماجة في سننه عن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا قود في المأمومة ولا في الجائفة ولا في المنقلة ولأنهما جرحان لا تؤمن الزيادة فيهما فلم يجب فيها قصاص ككسر العظام

فصل وليس في شيء من شجاج الرأس قصاص سوى الموضحة وسواء في ذلك ما دون الموضحة كالحارصة والبازلة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق وما فوقها وهي الهاشمة والمنقلة والآمة وبهذا قال الشافعي

فأما ما فوق الموضحة فلا نعلم أحدا أوجب فيها القصاص إلا ما روي عن الزبير أنه أقاد من المنقلة وليس بثابت عنه وممن قال به عطاء وقتادة وابن شبرمة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي

وقال ابن المنذر لا أعلم أحدا خالف ذلك ولأنهما جراحتان لا تؤمن الزيادة فيهما أشبها المأمومة والجائفة وأما ما دون الموضحة فقد روي عن مالك وأصحاب الرأي أن القصاص يجب في الدامية والباضعة والسمحاق

ولنا إنها جراحة لا تنتهي إلى عظم فلم يجب فيها قصاص كالمأمومة ولأنه لا يؤمن فيها الزيادة فأشبه كسر العظام

وبيان ذلك أنه إن اقتص من غير تقدير أفضى إلى أن يأخذ أكثر من حقه وإن اعتبر مقدار العمق أفضى إلى أن يقتص من الباضعة والسمحاق موضحة ومن الباضعة سمحاقا لأنه قد يكون لحم المشجوج كثيرا بحيث يكون عمق باضعته كموضحة الشاج أو سمحاقة ولأننا لم نعتبر في الموضحة قدر عمقها فكذلك في غيرها وبهذا قال الحسن وأبو عبيد

فصل وإن كانت الشجة فوق الموضحة فأحب أن يقتص موضحة جاز ذلك بغير خلاف بين


257

أصحابنا وهو مذهب الشافعي لأنه يقتص على بعض حقه ويقتص من محل جنايبته فإنه إنما يضع السكين في موضع وضعها الجاني لأن سكين الجاني وصلت إلى العظم ثم تجاوزته بخلاف قاطع الساعد فإنه لم يضع سكينه في الكوع وهل له أرش ما زاد على الموضحة فيه وجهان أحدهما ليس له ذلك وهو اختيار أبي بكر لأنه جرح واحد فلا يجمع فيه بين قصاص ودية كما لو قطع الشلاء بالصحيحة وكما في الأنفس إذا قتل المسلم بالكافر والعبد بالحر

والثاني له أرش ما زاد على الموضحة اختاره ابن حامد وهو مذهب الشافعي لأنه تعذر القصاص فيه فانتقل إلى البدل كما لو قطع أصبعيه ولم يكن الاستيفاء إلا من واحدة وفارق الشلاء بالصحيحة لأن الزيادة ثم من حيث المعنى وليست متميزة بخلاف مسألتنا

مسألة

قال ( وتقطع الأذن بالأذن ) أجمع أهل العلم على أن الأذن تؤخذ بالأذن وذلك لقول الله تعالى والأذن بالأذن المائدة 45 ولأنها تنتهي إلى حد فاصل فأشبهت اليد وتؤخذ الكبيرة بالصغيرة وتؤخذ أذن السميع بأذن السميع وتؤخذ أذن الأصم بكل واحدة منهما لتساويهما فإن ذهاب السمع نقص في الرأس لأنه محله وليس بنقص فيهما وتؤخذ الصحيحة بالمثقوبة لأن الثقب ليس بعيب وإنما يفعل في العادة للقرط والتزين به فإن كان الثقب في غير محله أو كانت مخرومة أخذت بالصحيحة ولم تؤخذ الصحيحة بها لأن الثقب إذا انخرم صار نقصا فيها والثقب في غير محله عيب ويخير المجني عليه بين أخذ الدية إلا قدر النقص وبين أن يقتص فيما سوى المعيب ويتركه من أذن الجاني وفي وجوب الحكومة له في قدر الثقب وجهان وإن قطعت بعض أذنه فله أن يقتص من أذن الجاني وتقدير ذلك بالأجزاء فيؤخذ النصف بالنصف

والثلث بالثلث وعلى حساب ذلك وقال بعض أصحاب الشافعي لا يجزي القصاص في البعض لأنه لا ينتهي إلى حد

ولنا إنه يمكن تقدير المقطوع وليس فيها كسر عظم فجرى القصاص في بعضها كالذكر وبهذا ينتقص ما ذكره

فصل وتؤخذ الأذن المستحشفة بالصحيحة وهل تؤخذ الصحيحة بها فيه وجهان أحدهما لا تؤخذ بها لأنها ناقصة معيبة فلم تؤخذ بها الصحيحة كاليد الشلاء وسائر الأعضاء

والثاني تؤخذ بها لأن المقصود منها جمع الصوت وحفظ محل السمع والجمال وهذا يحصل بها كحصوله بالصحيحة بخلاف سائر الأعضاء

فصل وإن قطع أذنه فأبانها فألصقها صاحبها فالتصقت وثبتت فقال القاضي يجب القصاص وهو قول الثوري والشافعي وإسحاق لأنه وجب بالإبانة وقد وجدت الإبانة وقال أبو بكر لا


258

قصاص فيها وهو قول مالك لأنها لم تبين على الدوام فلم يستحق إبانة أذن الجاني داما وإن سقطت بعد ذلك قريبا أو بعيدا فله القصاص ويرده ما أخذ وعلى قول أبي بكر إذا لم تسقط له دية الأذن وهو قول أصحاب الرأي وكذلك قول الأولين إذا اختار الدية وقال مالك لا عقل لها إذا عادت مكانها فأما إن قطع بعض أذنه فالتصق فله أرش الجرح ولا قصاص فيه وإن قطع أذن إنسان فاستوفى منه فألصق الجاني أذنه فالتصقت وطلب المجني عليه إبانتها لم يكن له ذلك لأن الإبانة قد حصلت والقصاص قد استوفي فلم يبق له قبله حق فأما إن كان المجني عليه لم يقطع جميع الإذن إنما قطع بعضها فالتصق كان للمجني عليه قطع جميعها لأنه استحق إبانة جميعها ولم يكن إبانة والحكم في السن كالحكم في الأذن

فصل ومن ألصق أذنه بعد إبانتها أو سنة فهل تلزمه إبانتها فيه وجهان مبنيان على الروايتين فيما بان من الآدمي هل هو نجس أو طاهر إن قلنا هو نجس لزمته إزالتها ما لم يخف الضرر بإزالتها كما لو جبر عظمه بعظم نجس وإن قلنا بطهارتها لم تلزمه إزالتها وهو اختيار أبي بكر وقول عطاء بن أبي رباح وعطاء الخراساني وهو الصحيح لأنه جزء آدمي طاهر في حياته وموته فكان طاهرا كحالة اتصاله فأما إن قطع بعض أذنه فالتصق لم تلزمه إبانتها لأنها طاهرة على الروايتين جميعا لأنها لم تصر ميتة لعدم إبانتها ولا قصاص فيها

قاله القاضي وهو مذهب الشافعي لأنه لا يمكن المماثلة في المقطوع منها

مسألة

قال ( والأنف بالأنف ) وأجمعوا على جريان القصاص في الأنف أيضا للآية والمعنى ويؤخذ الكبير بالصغير والأقنى بالأفطس وأنف الأشم بأنف الأخشم الذي لا يشم لأن ذلك لعلة في الدماغ والأنف صحيح كما تؤخذ أذن السميع بأذن الأصم وإن كان بأنفه جذام أخذ به الأنف الصحيح ما لم يسقط منه شيء لأن ذلك مرض فإن سقط منه شيء لم يقطع به الصحيح إلا أن يكون من أحد جانبيه فيأخذ من الصحيح مثل ما بقي منه أو يأخذ أرش ذلك والذي يجب فيه القصاص أو الدية هو المارن وهو ما لان منه دون قصبة الأنف لأن ذلك حد ينتهي إليه فهو كاليد يجب القصاص فيما انتهى إلى الكوع وإن قطع الأنف كله من القصبة فعليه القصاص في المارن وحكومة للقصبة هذا قول ابن حامد ومذهب الشافعي وفيه وجه آخر أنه لا يجب مع القصاص حكومة كي لا يجتمع في عضو واحد قصاص ودية وقياس قول أبي بكر أنه لا يجب القصاص هاهنا لأنه يضع الحديدة في غير الموضع الذي وضعها الجاني فيه فلم يملك ذلك كقوله فيمن قطع اليد من نصف الذراع أو الكف

وذكر القاضي هاهنا كقول أبي بكر وفي نظائره مثل قول ابن حامد ولا يصح التفريق مع التساوي وإن قطع بعض الأنف قدر بالأجزاء وأخذ منه بقدر ذلك كقولنا في الأذن ولا يؤخذ بالمساحة لئلا يفضي إلى قطع جميع أنف الجاني لصغره ببعض أنف المجني عليه لكبره ويؤخذ المنخر الأيمن بالأيمن والأيسر بالإيسر ولا يؤخذ أيمن بأيسر ولا أيسر بأيمن ويؤخذ الحاجز بالحاجز لأنه يمكن القصاص فيه لانتهائه إلى حد


259

مسألة

قال ( والذكر بالذكر ) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن القصاص يجري في الذكر لقوله تعالى والجروح قصاص المائدة 45 ولأن له حدا ينتهي إليه ويمكن القصاص فيه من غير حيف فوجب فيه القصاص كالأنف ويستوي في ذلك الصغير والكبير والشيخ والشاب والذكر الكبير والصغير والصحيح والمريض لأن ما وجب فيه القصاص من الأطراف لم يختلف بهذه المعاني كذلك الذكر ويؤخذ كل واحد من المختون والأغلف بصاحبه لأن الغلفة زيادة تستحق إزالتها فهي كالمعدومة

وأما ذكر الخصي والعنين فذكر الشريف أن غيرهما لا يؤخذ بهما وهو قول مالك لأنه لا منفعة فيهما لأن العنين لا يطأ ولا ينزل والخصي لا يولد له ولا ينزل ولا يكاد يقدر على الوطء فهما كالأشل ولأن كل واحد منهما ناقص فلا يؤخذ به الكامل كاليد الناقصة بالكاملة

وقال أبو الخطاب يؤخذ غيرهما بهما في أحد الوجهين وهو مذهب الشافعي لأنهما عضوان صحيحان ينقضان وينبسطان فيؤخذ بهما غيرهما كذكر الفحل غير العنين وإنما عدم الإنزال لذهاب الخصية والعنة لعلة في الظهر فلم يمنع ذلك من القصاص بهما كأذن الأصم وأنف الأخشم وقال القاضي لا يؤخذ ذكر الفحل بالخصي لتحقق نقصه والإياس من برئه وفي أخذه بذكر العنين وجهان أحدهما يؤخذ به غيره لأنه غير مأيوس من زوال عنته ولذلك يؤجل سنة بخلاف الخصي والصحيح الأول فإذا ترددت الحال بين كونه مساويا للآخر وعدمه لم يجب القصاص لأن الأصل عدمه فلا يجب بالشك سيما وقد حكمنا بانتفاء التساوي لقيام الدليل على عنته وثبوت عيبه ويؤخذ كل واحد من الخصي والعنين بمثله لتساويهما كما يؤخذ العبد بالعبد والذمي بالذمي

فصل ويؤخذ بعضه ببعضه ويعتبر ذلك بالأجزاء دون المساحة فيؤخذ النصف بالنصف والربع بالربع وما زاد أو نقص فبحسب ذلك على ما ذكرناه في الأنف والأذن

مسألة

قال ( والأنثيان بالأنثيين ) ويجري القصاص في الأنثيين لما ذكرنا من النص والمعنى لا نعلم فيه خلافا فإن قطع إحداهما وقال أهل الخبرة إنه ممكن أخذها مع سلامة الأخرى جاز

فإن قالوا لا يؤمن تلف الأخرى لم تؤخذ خشية الحيف ويكون فيها نصف الدية وإن أمن تلف الأخرى أخذت اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى لما ذكرناه في غيرهما

فصل وفي القصاص في شفري المرأة وجهان وأحدهما لا قصاص فيهما لأنه لحم لا مفصل له ينتهي إليه فلم يجب فيه قصاص كلحم الفخذين هذا قول القاضي


260

والثاني فيهما القصاص لأن انتهائهما معروف فأشبها الشفتين وجفني العين وهذا قول أبي الخطاب ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين

فصل وإن قطع ذكر خنثى مشكل أو أنثييه أو شفريه فاختار القصاص لم يكن له قصاص في الحال ويقف الأمر حتى يتبين حاله لأننا لا نعلم أن المقطوع عضو أصلي وإن اختار الدية وكان يرجى انكشاف حاله أعطيناه اليقين فيكون له حكومة في المقطوع وإن كان قد قطع جميعها فله دية امرأة في الشفرين وحكومة في الذكر والأنثيين وإن يئس من انكشاف حاله أعطي نصف دية الذكر والأنثيين ونصف دية الشفرين وحكومة في نصف ذلك كله

فصل يجب القصاص في الأليتين الناتئتين بين الفخذين والظهر بجانبي الدبر وهذا ظاهر مذهب الشافعي وقال المزني لا قصاص فيهما لأنهما لحم متصل بلحم فأشبه لحم الفخذ

ولنا قوله تعالى والجروح قصاص المائدة 45 ولأن لهما حدا ينتهيان إليه فجرى القصاص فيهما كالذكر والأنثيين

مسألة

قال ( وتقلع العين بالعين ) أجمع أهل العلم على القصاص في العين وممن بلغنا قوله في ذلك مسروق والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي والزهري والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وروي عن علي رضي الله عنه والأصل فيه قول الله تعالى والعين بالعين المائدة 45 ولأنها تنتهي إلى مفصل فجرى القصاص فيها كاليد وتؤخذ عين الشاب بعين الكبير المريضة وعين الصغير بعين الكبير والأعمش ولا تؤخذ صحيحة بقائمة لأنه يأخذ أكثر من حقه

فصل فإن قلع عينه بأصبعه لم يجز أن يقتص بأصبعه لأنه لا يمكن المماثلة فيه وإن لطمه فذهب ضوء عينه لم يجز أن يقتص منه باللطمة لأن المماثلة فيها غير ممكنة ولهذا لو انفردت من إذهاب الضوء لم يجب فيها قصاص ويجب القصاص في البصر فيعالج بما يذهب ببصره من غير أن يقلع عينه كما روى يحيى بن جعدة أن أعرابيا قدم بحلوبة له إلى المدينة فساومه فيها مولى لعثمان بن عفان رضي الله عنه فنازعه فلطمه ففقأ عينه فقال له عثمان هل لك أن أضعف لك الدية وتعفو عنه فأبي فرفعهما إلى علي رضي الله عنه فدعا علي بمرآة فأحماها ثم وضع القطن على عينه الأخرى ثم أخذ المرآة بكلبتين فأدناها من عينه حتى سأل إنسان عينه وإن وضع فيها كافورا يذهب بضوئها من غير أن يجني على الحدقة جاز وإن لم يمكن إلا بالجنابة على العضو سقط القصاص لتعذر المماثلة


261

وذكر القاضي أنه يقتص منه باللطمة فيلطمه المجني عليه مثل لطمته فإن ذهب ضوء عينه وإلا كان له أن يذهبه بما ذكرنا وهذا مذهب الشافعي وهذا لا يصح فإن اللطمة لا يقتص منها منفردة فلا يقتص منها إذا سرت إلى العين كالشجة إن كانت دون الموضحة ولأن اللطمة إذا لم تكن في العين لا يقتص منها بمثلها مع الأمن من إفساد العضو في العين فمع خوف ذلك أولى ولأنه قصاص فيما دون النفس فلم يجز بغير الآلة المعدة كالموضحة وقال القاضي لا يجب القصاص إلا أن تكون اللطمة تذهب بذلك غالبا فإن كانت لا تذهب به غالبا فذهب فهو شبه عمد لا قصاص فيه وهو قول الشافعي لأنه فعل لا يفضي إلى الفوات غالبا فلم يجب به القصاص كشبه العمد في النفس

وقال أبو بكر يجب القصاص بكل حال لعموم قوله والعين بالعين المائدة 45 ولأن اللطمة إذا أسألت إنسان العين كانت بمنزلة الجرح ولا يعتبر في الجرح الإفضاء إلى التلف غالبا

فصل فلو لطم عينه فذهب بصرها وابيضت وشخصت فإن أمكن معالجة عين الجاني حتى يذهب بصرها وتبيض وتشخص من غير جناية على الحدقة فعل ذلك وإن لم يمكن إلا ذهاب بعض ذلك مثل أن يذهب البصر دون أن تبيض وتشخص فعليه حكومة للذي لم يمكن القصاص فيه كما لو جرح هاشمة فإنه يقتص موضحة ويأخذ أرش باقي جرحه وعلى قول أبي بكر لا يستحق مع القصاص أرش

وقال القاضي إذا اقتص منه يعني لطمه مثل لطمته فذهب ضوء عينه ولم تبيض ولم تشخص فإن أمكن معالجتها حتى تبيض وتشخص من غير ذهاب الحدقة فعله وإن تعذر ذلك فلا شيء عليه كما لو اندملت موضحة المجني عليه وحشة قبيحة وموضحة الجاني حسنة جميلة لم يجب شيء كذلك هاهنا وهذا بناه على أن اللطمة حصل بها القصاص كما حصل بجرح الموضحة وقد بينا فساد هذا

فصل وإن شجه شجة دون الموضحة فأذهب ضوء عينه لم يقتص منه مثل شجته بغير خلاف نعلمه لأنها لا قصاص فيها إذا لم يذهب ضوء العين فكذلك إذا ذهب ويعالج ضوء العين بمثل ما ذكرنا في اللطمة وإن كانت الشجة فوق الموضحة فله أن يقتص موضحة وهل له أرش الزيادة عليها فيه وجهان وإن ذهب ضوء العين وإلا استعمل فيه ما يزيله من غير أن يجني على الحدقة وإن شجه موضح فله أن يقتص منها وحكم القصاص في البصر على ما ذكرنا من قبل

واختلف أصحاب الشافعي في القصاص في البصر في هذه المواضع كلها فقال بعضهم لا قصاص فيه لأنه لا يجب بالسراية كما لو قطع أصبعه فسرى القطع إلى التي تليها فأذهبها عندهم وقال بعضهم يحب القصاص هاهنا قولا واحدا لأن ضوء العين لا تمكن مباشرته بالجناية فيقتص منه بالسراية كالنفس فيقتص من البصر كما ذكرنا فيما قبل هذا

فصل إذا قلع الأعور عين صحيح فلا قود وعليه دية كاملة روي ذلك عن عمر وعثمان


262

رضي الله عنهما وبه قال 6 المسيب وعطاء

وقال الحسن والنخعي إن شاء الله اقتص وأعطاه نصف دية

وقال مالك إن شاء اقتص وإن شاء أخذ دية كاملة

وقال مسروق والشعبي وابن سيرين وابن مغفل والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر له القصاص ولا شيء عليه وإن عفا فله نصف الدية لقول الله تعالى والعين بالعين المائدة 45 وجعل النبي صلى الله عليه وسلم في العينين الدية ولأنها إحدى شيئين فيهما الدية فوجب القصاص ممن له واحدة أو نصف الدية كما لو قطع الأقطع يد من له يدان

ولنا قول عمر رضي الله عنهما ولم نعرف لهما مخالفا في عصرهما ولأنه لم يذهب بجميع بصره فلم يجز له الاقتصاص منه بجميع بصره كما لو كان ذا عينين وأما إذا قطع يد الأقطع فلنا فيه منع ومع التسليم فالفرق بينهما أن يد الأقطع لا تقوم مقام اليدين في النفع الحاصل بهما بخلاف عين الأعور فإن النفع الحاصل بالعينين حاصل بها وكل حكم يتعلق بصحيح العينين يثبت في الأعور مثله ولهذا صح عتقه في الكفارة دون الأقطع

فأما وجوب الدية كاملة عليه وهو قول مالك فلأنه لما دفع عنه القصاص مع إمكانه لفضيلته ضوعفت الدية عليه كالمسلم إذا قتل ذميا عمدا ولو قلع الأعور إحدى عيني الصحيح خطأ لم يلزمه إلا نصف الدية بغير اختلاف لعدم المعنى المقتضي لتضعيف الدية

فصل ولو قلع الأعور عين مثله ففيه القصاص بغير خلاف لتساويهما من كل وجه إذا كانت العين مثل العين في كونها يمينا أو يسارا

وإن عفا إلى الدية فله جميعها وكذلك إن قلعها خطأ أو عفا بعض مستحقي القصاص لأنه ذهب بجميع بصره فأشبه ما لو قلع عيني صحيح

فصل وإن قلع الأعور عيني صحيح فقال القاضي هو مخير إن شاء اقتص ولا شيء له سوى ذلك لأنه قد أخذ جميع بصره فإن اختار الدية فله دية واحدة لقول النبي صلى الله عليه وسلم وفي العينين الدية لأنه لم يتعذر القصاص فلم تتضاعف الدية كما لو قطع الأشل يد صحيح أو كان رأس الشاج أصغر أو يد القاطع أنقص

وقال القاضي يقتضي الفقه أن يلزمه ديتان إحداهما للعين التي تقابل عينه

والدية الثانية لأجل العين الناتئة لأنها عين أعور والصحيح ما قلنا وهو قول أكثر أهل العلم وأشد موافقة للنصوص وأصح في المعنى

فصل وإن قلع صحيح العينين عين أعور فله القصاص من مثلها ويأخذ نصف الدية نص عليه أحمد لأنه ذهب بجميع بصره وأذهب الضوء الذي بدله دية كاملة وقد تعذر استيفاء جميع الضوء إذ لا يمكن أخذ عينين بعين واحدة ولا أخذ يمين بيسرى فوجب الرجوع ببدل نصف الضوء ويحتمل أنه ليس له إلا القصاص من غير زيادة أو العفو على الدية كما لو قطع الأشل يدا صحيحة ولأن الزيادة هاهنا غير متميزة فلم يكن لها بدل كزيادة الصحيحة على الشلاء هذا مع عموم قوله تعالى والعين بالعين المائدة 45


263

فصل وإن قطع الأقطع يد من له يدان فعليه القصاص وإن قطعت رجل الأقطع أو يده فله القصاص أو نصف الدية لأن يد الأقطع لا تقوم مقام يديه في الانتفاع والبطش ولا يجزىء في العتق عن الكفارة بخلاف عين الأعور فإنها تقوم مقام عينيه جميعا

وقال القاضي إن كانت المقطوعة أو لا قطعت ظلما أو قصاصا ففي الباقية نصف الدية رواية واحدة وإن كانت الأولى قطعت في سبيل الله ففي الثانية روايتان إحداهما نصف الدية والثانية دية كاملة لأنه عطل منافعه من العضوين جملة وأما إن قطع الأقطع يد من ليس بأقطع فإن قلنا إن في يد الأقطع دية كاملة فلا قصاص

وإن قلنا لا تكمل فيها الدية فالقصاص واجب فيها واللائق بالفقه ما ذكرناه أولا والتعليل بتفويت منفعة العضوين ينتقض بما إذا قطعت الأولى قصاصا والقياس على عين الأعور غير صحيح لما بينهما من الفرق فأما إن قطعت أذن من قطعت إحدى أذنيه فليس له إلا نصف الدية رواية واحدة وإن قطع هو أذن ذي أذنين وجب عليه القصاص بغير خلاف علمناه لا في المذهب ولا في غيره لأنه نفع كل أذن لا يتعلق بالأخرى

فصل ويؤخذ الجفن بالجفن لقوله تعالى والجروح قصاص المائدة 45 ولأنه يمكن القصاص فيه لانتهائه إلى مفصل وهذا مذهب الشافعي ويؤخذ جفن البصير بجفن البصير والضرير وجفن الضرير بكل واحد منهما لأنهما تساويا في السلامة من النقص وعدم البصر نقص في غيره لأنه يمنع أخذ أحدهما بالآخر كالأذن إذا عدم السمع منها

مسألة

قال ( والسن بالسن ) أجمع أهل العلم على القصاص في السن للآية وحديث الربيع ولأن القصاص فيها ممكن لأنها محدودة في نفسها فوجب فيها القصاص كالعين وتؤخذ الصحيحة بالصحيحة وتؤخذ المكسورة بالصحيحة لأنه يأخذ بعض حقه وهل يأخذ مع القصاص أرش الباقي فيه وجهان ذكرناهما فيما مضى

فصل ولا يقتص إلا من سن من أثغر أي سقطت رواضعه ثم نبتت يقال لمن سقطت رواضعه ثغر فهو مثغور فإذا نبتت قيل أثغر واثغر لغتان وإن قلع سن من لم يثغر لم يقتص من الجاني في الحال

وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي لأنها تعود بحكم العادة فلا يقتص منها كالشعر ثم إن عاد بدل السن في محلها مثلها على صفتها فلا شيء على الجانب كما لو قلع شعرة ثم نبتت وإن عادت مائلة عن محلها أو متغيرة عن صفتها كان عليه حكومة لأنها لو لم تعد ضمن السن فإذا عادت ناقصة ضمن ما نقص منها بالحساب ففي ثلثها ثلث ديتها وفي ربعها ربعها وعلى هذا وإن عادت والدم يسيل ففيها حكومة لأنه نقص حصل بفعله وإن مضى زمن عودها ولم تعد سئل أهل العلم بالطب فإن قالوا قد يئس من عودها فالمجني عليه بالخيار بين القصاص أو دية السن فإن مات المجني عليه قبل الإياس من عودها فلا قصاص لأن الاستحقاق له غير متحقق فيكون ذلك


264

شبهة في درئه وتجب الدية لأن القلع موجود والعود مشكوك فيه ويحتمل أنه إذا مات قبل مجيء وقت عودها أن لا يجب شيء لأن العادة عودها فأشبه ما لو حلق شعره فمات قبل نباته فأما إن قلع سن من قد ثغر وجب القصاص له في الحال لأن الظاهر عدم عودها وهذا قول بعض أصحاب الشافعي

وقال القاضي يسأل أهل الخبرة فإن قالوا لا تعود فله القصاص في الحال وإن قالوا يرجى عودها إلى وقت ذكروه لم يقتص حتى يأتي ذلك الوقت وهذا قول بعض أصحاب الشافعي لأنها تحتمل العود فأشبهت سن من لم يثغر

وإذا ثبت هذا فإنها إن لم تعد بعد فلا كلام وإن عادت لم يجب قصاص ولا دية وهذا قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر لا يسقط الأرش لأن هذه السن لا تستخلف عادة فإذا عادت كانت هبة مجددة ولذلك لا ينتظر عودها في الضمان

ولنا إنها سن عادت فسقط الأرش كسن من لم يثغر وندرة وجودها لا يمنع ثبوت حكمها إذا وجدت فعلى هذا إن كان أخذ الأرش رده وإن كان استوفى القصاص لم يجز قلع هذه قصاصا لأنه لم يقصد العدوان وإن عادت سن الجاني دون سن المجني عليه ففيه وجهان أحدهما لا تقلع لئلا يأخذ سنين بسن واحدة وإنما قال الله تعالى والسن بالسن المائدة 45 والثاني تقلع وإن عادت مرات لأنه قلع سنه وأعدمها فكان له إعدام سنه ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين

فصل وإن قلع سنا فاقتص منه ثم عادت سن المجني عليه فقلعها الجاني ثانية فلا شيء عليه لأن سن المجني عليه لما عادت وجب للجاني عليه دية سنة فلما قلعها وجب على الجاني ديتها للمجني عليه فقد وجب لكل واحد منهما دية سن فيتقاصان

مسألة

قال ( وإن كسر بعضها برد من سن الجاني مثله ) وجملته أن القصاص جار في بعض السن لأن الربيع كسرت سن جارية فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص ولأن ما جرى القصاص في جملته جرى في بعضه إذا أمكن كالأذن فيقدر ذلك بالأجزاء فيؤخذ النصف بالنصف والثلث بالثلث وكل جزء بمثله ولا يؤخذ ذلك بالمساحة كي لا يفضي إلى أخذ جميع سن الجاني ببعض سن المجني عليه ويكون القصاص بالمبرد ليؤمن أخذ الزيادة فإنا لو أخذناها بالكسر لم نأمن أن تنصدع أو تنقلع أو تنكسر من غير موضع القصاص ولا يقتص حتى يقول أهل الخبرة إنه يؤمن انقلاعها أو السواد فيها لأن توهم الزيادة يمنع القصاص في الأعضاء كما لو قطعت يده من غير مفصل فإن قيل فقد أجزتم القصاص في الأطراف مع توهم سرايتها إلى النفس فلم منعتم منه لتوهم السراية إلى بعض العضو قلنا وهم السراية إلى النفس لا سبيل إلى التحرز منه فلو اعتبرناه في المنع لسقط القصاص في الأطراف بالكلية فسقط اعتباره

أما السراية إلى بعض العضو فتارة نقول إنما منع القصاص فيها احتمال الزيادة في الفعل لا في السراية مثل من يستوفي بعض الذراع


265

فإنه يحتمل أن يفعل أكثر مما فعل به وكذلك من كسر سنا ولم يصدعها فكسر المتوفي سنه وصدعها أو قلعها أو كسر أكثر مما كسر فقد زاد على المثل والقصاص يعتمد المماثلة وتارة نقول إن السراية في بعض العضو إنما منع إذا كانت ظاهرة ومثل هذا يمنع في النفس ولهذا منعناه من الاستيفاء بآلة كالة أو مسمومة وفي وقت إفراط الحرارة أو البرودة تحرزا من السراية

فصل ومن قلع سنا زائدة وهي التي تنبت فضلة في غير سمت الأسنان خارجة عنها إما إلى داخل الفم وإما إلى الشفة كانت للجاني مثلها في موضعها فللمجني عليه القصاص أو أخذ حكومة في سنه وإن لم يكن له مثلها في محلها فليس للمجني عليه إلا الحكومة وإن كانت إحدى الزائدتين أكبر من الأخرى ففيه وجهان أحدهما لا تؤخذ الكبرى بالصغرى لأن الحكومة فيها أكبر فلا يقلع بها ما هو أقل قيمة منها

والثاني تؤخذ بها لأنهما سنان متساويان في الموضع فتؤخذ كل واحدة منهما بالأخرى كالأصليتين ولأن قول الله تعالى والسن بالسن المائدة 45 عام فيدخل فيه محل النزاع وإن قلنا يثبت القياس في الزائدتين بالاجتهاد فالثابت بالاجتهاد معتبر بما ثبت بالنص واختلاف القيمة لا يمنع القصاص بدليل جريانه بين العبيد وبين الذكر والأنثى في النفس والأطراف على أن كبر السن لا يوجب كثرة قيمتها فإن السن الزائدة نقص وعيب وكثرة العيب زيادة في النقص لا في القيمة ولأن كبر السن الأصلية لا يزيد قيمتها فالزائدة كذلك

فصل ويؤخذ اللسان باللسان لقوله تعالى والجروح قصاص المائدة 45 ولأن له حدا ينتهي إليه فاقتص منه كالعين ولا نعلم في هذا خلافا ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس لأنه أفضل منه ويؤخذ الأخرس بالناطق لأنه بعض حقه ويؤخذ بعض اللسان ببعض لأنه أمكن القصاص في جميعه فأمكن في بعضه كالسن ويقدر ذلك بالأجزاء ويؤخذ منه بالحساب

فصل وتؤخذ الشفة بالشفة وهي ما جاوز الذقن والخدين علوا وسفلا لقول الله تعالى والجروح قصاص المائدة 45 ولأن له حدا ينتهي إليه يمكن القصاص منه فوجب كاليدين

مسألة

قال ( ولا تؤخذ يمين بيسار ولا يسار بيمين ) هذا قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن ابن سيرين وشريك أن إحداهما تؤخذ بالأخرى لأنهما يستويان في الخلقة والمنفعة

ولنا إن كل واحدة منهما تختص باسم فلا تؤخذ إحداهما بالأخرى كاليد مع الرجل فعلى هذا كل ما انقسم إلى يمين ويسار كاليدين والرجلين والأذنين والمنخرين والثديين والأليتين والأنثيين لا تؤخذ إحداهما بالأخرى


266

فصل وما انقسم إلى أعلى وأسفل كالجفنين والشفتين لا يؤخذ الأعلى بالأسفل ولا الأسفل بالأعلى لما ذكرنا ولا تؤخذ أصبع بأصبع إلا أن يتفقا في الاسم والموضع ولا تؤخذ أنملة بأنملة إلا أن يتفقا في ذلك ولا تؤخذ عليا بسفلى ولا وسطى

والوسطى والسفلى لا تؤخذان بغيرهما ولا تؤخذ السن بالسن إلا أن يتفق موضعهما واسمهما ولا تؤخذ أصبع ولا سن أصلية بزائدة ولا زائدة بأصلية ولا زائدة بزائدة في غير محلها لما ذكرناه

فصل وما لا يجوز أخذه قصاصا لا يجوز بتراضيهما واتفاقهما عليه

لأن الدماء لا تستباح بالاستباحة والبذل ولذلك لو بذلها له ابتداء لا يحل أخذها ولا يحل لأحد قتل نفسه ولا قطع طرفه فلا يحل لغيره ببذله فلو تراضيا على قطع إحدى اليدين بدلا عن الأخرى فقطعها المقتص سقط القود لأن القود في الأولى بإسقاط صاحبها وفي الثانية بإذن صاحبها في قطعها ودياتهما متساوية وهذا قول أبي بكر ولذلك قال لو قطع المقتص اليد الأخرى عدوانا لسقط القصاص لأنهما تساويا في الألم والدية والاسم فتقاصا وتساقطا ولأن إيجاب القصاص يفضي إلى قطع يدي كل واحد منهما وإذهاب منفعة الجنس وإلحاق الضرر العظيم بهما جميعا ولا تفريع على هذا القول لوضوحه وكل واحد من القطعتين مضمون بسرايته لأنه عدوان وقال ابن حامد إن كان أخذها عدوانا فلكل واحد منهما القصاص على صاحبه وإن أخذها بتراضيهما فلا قصاص في الثانية لرضا صاحبها ببذلها وإذنه في قطعها وفي وجوبه في الأولى وجهان أحدهما يسقط لما ذكرنا

والثاني لا يسقط لأنه رضي بتركه بعوض لم يثبت فكان له الرجوع إلى حقه كما لو باعه سلعة بخمر وقبضه إياه فعلى هذا له القصاص إلا أنه لا يقتص إلا بعد اندمال الأخرى وللجاني دية يده فإذا وجب للمجني عليه دية يده وكانت الديتان واحدة تقاصا وإن كانت إحداهما أكبر من الأخرى كالرجل مع المرأة وجب القصاص لصاحبه

فصل وإذا قال المقتص للجاني أخرج يمينك لأقطعها فأخرج يساره فقطعها فعلى قول أبي بكر يجزىء ذلك سواء قطعها عالما بها أو غير عالم وعلى قول ابن حامد إن أخرجها عمدا عالما بأنها يساره وإنها لا تجزىء فلا ضمان على قاطعها ولا وقود لأنه بذلها بإخراجه لها لا سبيل على العوض وقد يقوم الفعل في ذلك مقام النطق بدليل أنه لا فرق بين قوله خذ هذا فكله وبين استدعاء ذلك منه فيعطيه إياه ويفارق هذا ما لو قطع يد إنسان وهو ساكت لأنه لم يوجد منه البذل وينظر في المقتص فإن فعل ذلك عالما بالحال عذر لأنه ممنوع منه لحق الله تعالى وهل يسقط القصاص في اليمين على وجهين أحدهما يسقط لأن قاطع اليسار تعدى بقطعها ولأنه قطع إحدى يديه فلم يملك قطع اليد الأخرى كما لو قطع يد السارق اليسرى مكان يمينه فإنه لا يملك قطع يمينه

والوجه الثاني أنه لايسقط وهو مذهب الشافعي وفرقوا بين القصاص وقطع السارق من ثلاثة أوجه أحدها أن الحد مبني على الإسقاط بخلاف القصاص

والثاني أن اليسار لا تقطع في السرقة وإن عدمت يمينه لأنه يفوت منفعة الجنس في الحد بخلاف القصاص

والثالث أن اليد لو سقطت بأكلة أو قصاص


267

سقط القطع في السرقة فجاز أن يسقط بقطع اليسار بخلاف القصاص فإنه لا يسقط وينتقل إلى البدل لكن لا تقطع يمينه حتى تندمل يساره لئلا يؤدي إلى ذهاب نفسه فإن قيل أليس له قطع يمين رجل ويسار آخر لم يؤخر أحدهما إلى اندمال الآخر قلنا الفرق بينهما أن القطعين مستحقان قصاصا فلهذا جمعنا بينهما وفي مسألتنا أحدهما غير مستحق فلم نجمع بينهما فإذا اندملت اليسار قطعنا اليمين فإن سرى قطع اليسار إلى نفسه كانت هدرا ويجب في تركته دية اليمين لتعذر الاستيفاء فيها بموته وإن قال المقتص منه لم أعلم أنها اليسار أو ظننت أنها تجزىء عن اليمين نظرت في المستوفي فإن علم أنها يساره وأنها لا تكون قصاصا ضمنها بديتها ويعزر وقال بعض الشافعية عليه القصاص لأنه قطعها مع العلم بأنه ليس له قطعها

ولنا إنه قطعها ببذل صاحبها فلم يجب عليه القصاص كما لو علم باذلها وإن كان جاهلا فلا تعزير عليه وعليه الضمان بالدية لأنه بذلها على وجه البذل فكانت مضمونة عليه ولأنها مضمونة لو كان القاطع عالما بها وما وجب ضمانه في العمد وجب في الخطأ كإتلاف المال والقصاص باق له في اليمين ولا تقطع حتى تندمل اليسار فإذا اندملت فله قطع اليمين فإن عفا وجب بدلها ويتقاصان وإن سرت اليسار إلى نفسه كانت مضمونة بالدية الكاملة وقد تعذر قطع اليمين ووجب له نصف الدية فيتقاصان به ويبقى نصف الدية لورثة الجاني وإن اختلفا في بذلها فقال الجاني إنما بذلتها بدلا عن اليمين

وقال المجني عليه بذلتها في غير عوض أو قال أخرجتها دهشة

فقال بل عالما

فالقول قول الجاني لأنه أعلم بنيته ولأن الظاهر أن الإنسان لا يبذل طرفه للقطع تبرعا مع أن عليه قطعا مستحقا وهذا مذهب الشافعي وإن كان باذل اليسار مجنونا مثل أن يجن بعد وجوب القصاص عليه فعلى قاطعها ضمانها بالقصاص إن كان عالما وبالدية إن كان مخطئا لأن بذل المجنون ليس بشبهة

وإن كان من له القصاص مجنونا ومن عليه القصاص عاقلا فأخرج إليه يساره أو يمينه فقطعها ذهبت هدرا لأنه لا يصح منه الاستيفاء ولا يجوز البدل له ولا ضمان عليه لأنه أتلفها ببذل صاحبها لكن إن كان المقطوع اليمنى فقد تعذر استيفاء القصاص فيها لتلفها فيكون للمجنون ديتها وإن وثب المجنون عليه فقطع يده التي لا قصاص فيها فعلى عاقلته ديتها وله القصاص في الأخرى وإن قطع الأخرى فهو مستوف حقه في أحد الوجهين لأن حقه متعين فيها فإذا أخذها قهرا سقط حقه كما لو أتلف وديعته

والثاني لا يسقط حقه وله عقل يده وعقل يد الجاني على عاقلته لأن المجنون لا يصح منه الاستيفاء ويفارق الوديعة إذا أتلفها لأنها تلفت بغير تفريط وليس لها بدل إذا تلفت بذلك واليد بخلافه فإنها لو تلفت بغير تفريط كانت عليه ديتها وكذلك الصغير وكذلك الحكم فيهما إذا قتلا قاتل أبيهما عمدا وإن اقتصا من الجاني ما لا تحمله عاقلته كما دون الثلث كقطع أصبع ونحوها سقط حقهما لأن ذلك يقتضي الدية في ذمتهما ولهما في ذمة الجاني مثل ذلك فيتقاصان وإن كانت ديتهما مختلفة كالمسلم والذمي والرجل والمرأة فإن قلنا يكونان مستوفيين لحقهما بالقطع لم يبق لهما حق كما لو أتلفا وديعتهما وإن قلنا لا يكونان مستوفيين يقاص من الديتين بقدر الأدنى منهما ووجب الفضل للصبي والمجنون وإن كانت


268

الجناية عليهما أو على وليهما خطأ تحمله العاقلة فاستوفيا القصاص لم يسقط حقهما وجها واحدا وكانت دية من استوفيا منه على عاقلتهما مؤجلة ودية الجناية عليهما أو على وليهما على عاقلة الجاني مؤجلة

فصل وسراية القود غير مضمونة ومعناه أنه إذا قطع طرفا يجب القود فيه فاستوفى منه المجني عليه ثم مات الجاني بسراية الاستيفاء لم يلزم المستوفي شيء وبهذا قال الحسن وابن سيرين ومالك والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وابن المنذر وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم وقال عطاء وطاوس وعمرو بن دينار والحارث العكلي والشعبي والنخعي والزهري وأبو حنيفة عليه الضمان قال أبو حنيفة عليه كمال الدية في ماله وقال غيره هي على عاقلته لأنه فوت نفسه ولا يستحق إلا طرفه فلزمته ديته كما لو ضرب عنقه ولأنها سراية قطع مضمون فكانت مضمونة كسراية الجناية والدليل على أنه مضمون أنه مضمون بالقطع الأول لأنه في مقابلته

ولنا إن عمر وعليارضي الله عنهما قالا من مات من حد أو قصاص لا دية له ألحق قتله رواه سعيد بمعناه ولأنه قطع مستحق مقدر فلا تضمن سرايته كقطع السارق وفارق ما قاسوا عليه فإنه ليس ما فعله مستحقا

إذا ثبت هذا فلا فرق بين سرايته إلى النفس بأن يموت منها أو إلى ما دونها مثل أن يقطع أصبعا فتسري إلى كفه

فصل وسراية الجناية مضمونة بلا خلاف لأنها أثر الجناية والجناية مضمونة فكذلك أثرها ثم إن سرت إلى النفس وما لا يمكن مباشرته بالإتلاف مثل أن يهشمه في رأسه فيذهب ضوء عينيه وجب القصاص فيه ولا خلاف في ذلك في النفس وفي ضوء العين خلاف قد ذكرناه فيما تقدم وإن سرت إلى ما يمكن مباشرته بالإتلاف مثل إن قطع أصبعا فتآكلت أخرى وسقطت من مفصل ففيه القصاص أيضا في قول إمامنا وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وقال أكثر الفقهاء لا قصاص في الثانية وتجب ديتها لأن ما أمكن مباشرته بالجناية لا يجب القود فيه بالسراية كما لو رمى سهما فمرق منه إلى آخر

ولنا إن ما وجب فيه القود بالجناية وجب بالسراية كالنفس وضوء العين ولأنه أحد نوعي القصاص فأشبه ما ذكرنا وفارق ما ذكروه فإن ذلك فعل وليس بسراية ولأنه لو قصد ضرب رجل فأصاب آخر لم يجب القصاص ولو قصد قطع إبهامه فقطع سبابته وجب القصاص ولو ضرب إبهامه فمرق إلى سبابته وجب القصاص فيهما فافترقا ولأن الثانية تلفت بفعل أوجب القصاص فوجب القصاص فيها كما لو رمى إحداهما فمرق إلى الأخرى فأما إن قطع أصبعا فشلت إلى جانبها أخرى وجب القصاص في المقطوعة حسب الأرش في الشلاء وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا قصاص فيهما ويجب أرشهما جميعا لأن حكم السراية لا ينفرد عن الجناية بدليل ما لو سرت إلى النفس فإذا لم يجب القصاص في إحداهما لم يجب في الأخرى

ولنا إنها جناية موجبة للقصاص لو لم تسر فأوجبته إذا سرت كالتي تسري إلى سقوط أخرى وكما لو قطع يد


269

حبلى فسرى إلى جنينها وبهذا يبطل ما ذكره وفارق الأصل لأن السراية مقتضية للقصاص كاقتضاء الفعل له فاستوى حكمهما وهاهنا بخلافه ولأن ما ذكره غير صحيح فإن القطع إذا سرى إلى النفس سقط القصاص في القطع ووجب في النفس فحالف حكم الجناية حكم السراية فسقط ما قاله

إذا ثبت هذا فإن الأرش يجب في ماله ولا تحمله العاقلة لأنه جناية عمد وإنما لم يجب القصاص فيه لعدم المماثلة في قطع والشلل فإذا قطع إصبعه فشلت أصابعه الباقية وكفه فعفا عن القصاص وجب له نصف الدية وإن اقتص من الإصبع فله في الأصابع الباقية أربعون من الإبل ويتبعها ما حاذاها من الكف وهو أربعة أخماسه فيدخل أرشه فيها ويبقى خمس الكف فيه وجهان أحدهما يتبعها في الأرش ولا شيء فيه

والثاني فيه الحكومة لأن ما يقابل الأربع تبعها في الأرش لاستوائهما في الحكم وحكم التي اقتص منها مخالف لحكم الأرش فلم يتبعها

فصل ولا يجوز القصاص في الطرف إلا بعد اندمال الجرح في قول أكثر أهل العلم منهم النخعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وإسحاق وأبو ثور

وروي ذلك عن عطاء والحسن وقال ابن المنذر كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى الانتظار بالجرح حتى يبرأ ويتخرج لنا أنه يجوز الاقتصاص قبل البرء بناء على قولنا إنه إذا سرى إلى النفس يفعل كما فعل وهذا قول الشافعي قال ولو سأل القود ساعة قطعت أصبعه أقدته لما روى جابر أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فقال يا رسول الله أقدني قال حتى تبرأ فأبى وعجل فاستقاد له رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيبت رجل المستقيد وبرأت رجل المستقاد منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس لك شيء عجلت رواه سعيد مرسلا ولأن القصاص من الطرف لا يسقط بالسراية فوجب أن يملكه في الحال كما لو برأ

ولنا ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستقاد من الجروح حتى يبرأ المجروح ورواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأن الجرح لا يدري أقتل هو أم ليس بقتل فينبغي أن ينتظر ليعلم ما حكمه فأما حديثهم فقد رواه الدارقطني وفي سياقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك ثم نهى أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه وهذه زيادة يجب قبولها وهي متأخرة عن الاقتصاص فتكون ناسخة له وفي نفس الحديث ما يدل على أن استقادته قبل البرء معصية لقوله قد نهيتك فعصيتني وما ذكروه ممنوع وهو مبني على الخلاف

فصل فإن اقتص قبل الاندمال هدرت سراية الجناية وقال أبو حنيفة والشافعي بل هي مضمونة لأنها سراية جناية فكانت مضمونة كما لو لم يقتص

ولنا الخبر المذكور ولأنه استعجل ما لم يكن له استعجاله فبطل حقه كقاتل موروثه وبهذا فارق من لم يقتص فعلى هذا لو سرى القطعان جميعا فمات الجاني والمستوفي فهما هدر

وقال أبو حنيفة يجب ضمان كل واحد منهما مضمونة ثم يتقاصان فيسقطان وقال الشافعي إن مات المجني عليه أولا ثم


270

مات الجاني كان قصاصا لأنه مات من سراية القطع فقد مات بفعل المجني عليه وإن مات الجاني فكذلك في أحد الوجهين وفي الآخر يكون الجاني هدرا ولولي المجني عليه نصف الدية فأما إن سرى أحد القطعين دون موت صاحبه فعندنا هو هدر لا ضمان فيه وعند أبي حنيفة يجب ضمان سرايته وعند الشافعي إن سرت الجناية فهي مضمونة وإن سرى الاستيفاء لم يجب ضمانه ومبنى ذلك على ما تقدم من الخلاف

فصل وإن اندمل جرح الجناية فاقتص منه ثم انتقض فسرى فسرايته مضمونة وسراية الاستيفاء غير مضمونة لأنه اقتص بعد جواز الاقتصاص فعلى هذا لو قطع يد رجل فبرأ فاقتص ثم انتقض جرح المجني عليه فمات فلوليه قتل الجاني لأنه مات من جنايته وإن عفا إلى الدية فلا شيء له لأنه استوفى بالقطع ما قيمته دية وهو يداه وإن سرى الاستيفاء لم يجب أيضا شيء لأن القصاص قد سقط بموته والدية لا يمكن إيجابها لما ذكرنا وإن كان المقطوع بالجناية يدا فوليه بالخيار بين القصاص في النفس وبين العفو إلى نصف الدية ومتى سقط القصاص بموت الجاني أو غيره وجب نصف الدية في تركة الجاني أو ماله إن كان حيا

فصل ولو قطع كتابي يد مسلم فبرأ أو اقتص ثم انتقض جرح المسلم فمات فلوليه قتل الكتابي والعفو إلى أرش الجرح وفي قدره وجهان أحدهما نصف الدية لأنه قد استوفى بدل يده بالقصاص وبدلها نصف ديته فبقي له نصفها كما لو كان القاطع مسلما

والثاني له ثلاثة أرباعها لأن يد اليهودي تعدل نصف ديته وذلك ربع دية المسلم فقد استوفى ربع ديته وبقي له ثلاثة أرباعها وإن كان قطع يدي المسلم فاقتص منه ثم مات المسلم فعفا وليه إلى مال انبنى على الوجهين إن قلنا تعتبر قيمة اليهودي فله هاهنا نصف الدية وإن قلنا الاعتبار بقيمة يد المسلم فلا شيء له هاهنا لأنه قد استوفى بدل يديه وهما جميع ديته ولو كان القطع في يديه ورجليه فعفا إلى الدية لم يكن له شيء وجها واحدا لأن دية ذلك دية مسلم ولو كان الجاني امرأة على رجل فالحكم على ما ذكرنا سواء لأن ديتها نصف دية الرجل

فصل إذا قطع يد رجل من الكوع ثم قطعها من المرفق فمات بسرايتهما فلوليه قتل القاطعين وليس له أن يقطع طرفيهما في أحد الوجهين وفي الآخر له قطع يد القاطع من الكوع فإن قطعها ثم عفا عنه فله نصف الدية وأما الآخر فإن كانت يده مقطوعة من الكوع فقطعها من المرفق ثم عفا فله دية إلا قدر الحكومة في الذراع ولو كانت يد القاطع من المرفق صحيحة لم يجز قطعها رواية واحدة لأنه يأخذ صحيحة بمقطوعة وإن قطع أيديهما وهما صحيحتان أو قطع رجلان يديه فقطع يديهما ثم سرت الجناية فمات من قطعهما فليس لوليه العفو على الدية لأنه قد استوفى ما قيمته دية وإن اختار قتلهما فله ذلك

فصل ولا يجوز أن يقتص من حامل قبل وضعها سواء كانت حاملا وقت الجناية أو حملت بعدها قبل الاستيفاء وسواء كان القصاص في النفس أو في الطرف أما في النفس فلقول الله تعالى فلا يسرف في القتل


271

الإسراء 33 وقتل الحامل قتل لغير القاتل فيكون إسرافا

وروى ابن ماجة بإسناده عن عبد الرحمن بن غنم قال ثنا معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس قالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا وحتى تكفل ولدها وإن زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها وهذا نص ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للغامدية المقرة بالزنا ارجعي حتى تضعي ما في بطنك

ثم قال لها ارجعي حتى ترضعيه ولأن هذا إجماع من أهل العلم لا نعلم بينهم فيه اختلافا

وأما القصاص في الطرف فلأننا منعنا الاستيفاء فيه خشية السراية إلى الجاني أو إلى زيادة في حقه فلأن تمنع منه خشية السراية إلى غير الجاني تفويت نفس معصومة أولى وأحرى ولأن في القصاص منها قتلا لغير الجاني وهو حرام وإذا وضعت لم تقتل حتى تسقي الولد اللبأ لأن الولد لا يعيش إلا في الغالب ثم إن لم يكن للولد من يرضعه لم يجز قتلها حتى يجيء أوان فطامه لما ذكرنا من الخبرين

ولأنه لما أخر الاستيفاء لحفظه وهو حمل فلأن يؤخر لحفظه بعد وضعه أولى إلا أن يكون القصاص فيما دون النفس ويكون الغالب بقاؤها وعدم ضرره بالاستيفاء منها فيستوف

وإن وجد له مرضعة راتبة جاز قتلها لأنه يستغني بلبنها وإن كانت مترددة أو جماعة يتناوبنه أو أمكن أن يسقى من لبن شاة أو نحوها جاز قتلها ويستحب للولي تأخيرها لما على الولد من الضرر لاختلاف اللبن عليه وشرب لبن البهيمة

فصل وإذا ادعت الحمل ففيه وجهان أحدهما تحبس حتى يتبين حملها لأن للحمل أمارات خفية تعلمها من نفسها ولا يعلمها غيرها فوجب أن يحتاط للحمل حتى يتبين انتفاء ما ادعته

ولأنه أمر يختصها فقبل قولها فيه كالحيض

الثاني ذكره القاضي أنها ترى أهل الخبرة فإن شهدن بحملها أخرت وإن شهدن ببراءتها لم تؤخر لأن الحق حال عليها فلا يؤخر بمجرد دعواها

فصل وإن اقتص من حامل فقد أخطأ وأخطأ السلطان الذي مكنه من الاستيفاء وعليهما الإثم إن كانا عالمين أو كان منهما تفريط وإن علم أحدهما أو فرط فالإثم عليه ثم ننظر فإن لم تلق الولد فلا ضمان فيه لأنا لم نتحقق وجوده وحياته

وإن انفصل ميتا أو حيا لوقت لا يعيش في مثله ففيه غرة وإن انفصل حيا لوقت يعيش مثله ثم مات من الجناية وجبت فيه دية وعلى من يجب ضمانه ننظر فإن كان الإمام والولي عالمين بالحمل وتحريم الاستيفاء أو جاهلين بالأمرين أو بأحدهما أو كان الولي عالما بذلك دون الممكن له من الاستيفاء فالضمان عليه وحده لأنه مباشر والحاكم الممكن له صاحب سبب ومتى اجتمع المباشر مع المتسبب كان الضمان على المباشر دون المتسبب كالحافر مع الدافع وإن علم الحاكم دون الولي فالضمان على الحاكم وحده لأن المباشر


272

معذور فكان الضمان على المتسبب كالسيد إذا أمر عبده بالقتل والعبد أعجمي لا يعرف تحريم القتل وكشهود القصاص إذا رجعوا عن الشهادة بعد الاستيفاء وقال القاضي إن كان أحدهما عالما وحده فالضمان عليه وحده وإن كانا عالمين فالضمان على الحاكم لأنه الذي يعرف الأحكام والولي إنما يرجع إلى حكمه واجتهاده

وإن كانا جاهلين ففيه وجهان أحدهما الضمان على الإمام كما لو كانا عالمين

والثاني على الولي وهذا مذهب الشافعي

وقال أبو الخطاب الضمان على الحاكم ولم يفرق

وقال المزني الضمان على الولي في كل حال لأنه المباشر والسبب غير ملجىء فكان الضمان عليه كالحافر مع الدافع وكما لو أمر من يعلم تحريم القتل به فقتل

وقد ذكرنا ما يقتضي التفريق والله أعلم

مسألة

قال ( وإذا كان القاطع سالم الطرف والمقطوعة شلاء فلا قود ) لا نعلم أحدا من أهل العلم قال بوجوب قطع يد أو رجل أو لسان صحيح بأشل إلا ما حكي عن داود أنه أوجب ذلك لأن كل واحد منهما مسمى باسم صاحبه فيؤخذ به كالأذنين

ولنا إن الشلاء لا نفع فيها سوى الجمال فلا يؤخذ بها ما فيه نفع كالصحيحة لا تؤخذ بالقائمة وما ذكر له قياس وهو لا يقول بالقياس وإذا لم نوجب القصاص في العينين مع قول الله تعالى والعين بالعين المائدة 45 لأجل تفاوتهما في الصحة والعمى فلأن لا يجب ذلك فيما لا نص فيه أولى

فصل وإن قطع أذنا شلاء أو أنفا أشل فهل يؤخذ به الصحيح فيه وجهان أحدهما لا يؤخذ به كسائر الأعضاء

والثاني يؤخذ به لأن نفعه لا يذهب بشلله فإن نفع الأذن جمع الصوت ورد الهوام وستر موضع السمع ونفع الأنف جمع الريح ورد الهواء أو الهوام فقد ساوى الصحيح الجمال والنفع فوجب أخذ كل واحد منهما بالآخر كالصحيح بالصحيح بخلاف اليد والرجل وللشافعي قولان كالوجهين

فصل ولا تؤخذ يد كاملة الأصابع بناقصة الأصابع فلو قطع من له خمس أصابع يد من له أربع أو ثلاث أو قطع من له أربع أصابع يد من له ثلاث لم يجب القصاص لأنها فوق حقه وهل له أن يقطع من أصابع الجاني بعدد أصابعه فيه وجهان ذكرناهما فيما إذا قطع من نصف الكف وإن قطع ذو اليد الكاملة يدا فيها أصبع شلاء وباقيها صحاح لم يجز أخذ الصحيحة بها لأنه أخذ كامل بناقص وفي الاقتصاص من الأصابع الصحاح وجهان فإن قلنا له أن يقتص فله الحكومة في الشلاء وأرش ما تحتها من الكف وهل يدخل ما تحت الأصابع الصحاح في قصاصها أو تجب فيه حكومة على وجهين

فصل وإن قطع اليد الكاملة ذو يد فيها إصبع زائد وجب القصاص فيها ذكره أبو عبد


273

الله بن حامد لأن الزائدة عيب ونقص في المعنى يرد بها المبيع فلم يمنع وجودها القصاص منها كالسلعة فيها والخراج واختار القاضي أنها لا تقطع بها وهو مذهب الشافعي لأنها زيادة

فعلى هذا إن كان للمجني عليه أيضا إصبع زائدة في محل الزائدة من الجاني وجب القصاص لاستوائهما وإن كانت في غير محلها أو لم يكن للمجني عليه إصبع زائدة لم تؤخذ يد الجاني وهل يملك قطع الأصابع ننظر فإن كانت الزائدة ملصقة بأحد الأصابع فليس له قطع تلك الأصابع لأن في قطعها إضرارا بالزائدة وهل له قطع الأصابع الأربع على وجهين وإن لم تكن ملصقة بواحدة منهن فهل له قطع الخمس على وجهين وإن كانت الزائدة ثابتة في أصبع في أنملتها العليا لم يجز قطعها وإن كانت نابتة في السفلى أو الوسطى فله قطع ما فوقها من الأنامل في أحد الوجهين ويأخذ أرش الأنملة التي تعذر قطعها في أحد الوجهين ويتبع ذلك خمس الكف

فصل وإن قطع ذو يد لها أظفار يد من لا أظفار له لم يجز القصاص لأن الكاملة لا تؤخذ بالناقصة وإن كانت المقطوعة ذات أظفار إلا أنها خضراء أو مستحشفة أخذنا بها السليمة لأن ذلك علة ومرض والمرض لا يمنع القصاص بدليل أنا نأخذ الصحيح بالسقيم

مسألة

قال ( وإن كان القاطع أشل والمقطوعة سالمة فشاء المظلوم أخذها فذلك له ولا شيء له غيرها وإن شاء عفا وأخذ دية يده ) أما إذا اختار الدية فله دية يده لا نعلم فيه خلافا لأنه عجز عن استيفاء حقه على الكمال بالقصاص فكانت له الدية كما لو لم يكن للقاطع يد وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي

وإن اختار القصاص سئل أهل الخبرة فإن قالوا إنه قطع لم تنسد العروق ودخل الهواء إلى البدن فأفسده سقط القصاص لأنه لا يجوز أخذ نفس بطرف وإن أمن هذا فله القصاص لأنه رضي بدون حقه فكان له ذلك كما لو رضي المسلم بالقصاص من الذمي والرجل من المرأة والحر من العبد وليس له مع القصاص أرش لأن الشلاء كالصحيحة في الخلقة وإنما نقصت في الصفة فلم يكن له أرش كالصور التي ذكرناها

وقال أبو الخطاب عندي له أرش مع القصاص على قياس قوله في عين الأعور والأول أصح فإن إلحاق هذا الفرع بالأصول المتفق عليها أولى من إلحاقه بفرع مختلف فيه خارج عن الأصول مخالف للقياس

فصل وتؤخذ الشلاء بالشلاء إذا أمن في الاستيفاء الزيادة وقال أصحاب الشافعي لا تؤخذ بها في أحد الوجهين لأن الشلاء عليلة والعلل يختلف تأثيرها في البدن فلا تتحقق المماثلة بينهما

ولنا إنهما متماثلان في ذات العضو وصفته فجاز أخذ إحداهما بالأخرى كالصحيحة بالصحيحة

فصل وتؤخذ الناقصة بالناقصة إذا تساوتا فيه بأن يكون المقطوع من يد الجاني كالمقطوع من يد المجني عليه لأنهما تساوتا في الذات والصفة فأما إن اختلفا فكان المقطوع من يد أحدهما الإبهام ومن الأخرى أصبع


274

غيرها لم يجز القصاص لأن فيه أخذ أصبع بغيرها وإن كانت يد أحدهما ناقصة أصبعا والأخرى ناقصة تلك الأصبع فأخرى جاز أخذ الناقصة أصبعين بالناقصة أصبعا وهل له أرش أصبعه الزائدة فيه وجهان

ولا يجوز أخذ الأخرى بها لأن الكاملة لا تؤخذ بالناقصة

فصل ويجوز أخذ الناقصة بالكاملة لأنها دون حقه وهل له أخذ دية الأصابع الناقصة على وجهين أحدهما له ذلك وهو قول الشافعي

واختيار ابن حامد

والثاني ليس له مع القصاص أرش

وهو مذهب أبي حنيفة وقياس قول أبي بكر لئلا يفضي إلى الجمع بين القصاص ودية في عضو واحد

وقال القاضي قياس قوله سقوط القصاص كقوله فيمن قطعت يده من نصف الذراع وليس كذلك لأنه يقتص من موضع الجناية ويضع الحديدة في موضع وضعها الجاني فملك ذلك كما لو جنى عليه فوق الموضحة أو كان رأس الشاج أصغر أو أخذ الشلاء بالصحيحة ويفارق القاطع من نصف الذراع لأنه لا يمكنه القصاص من موضع الجناية

هكذا حكاه الشريف عن أبي بكر

فصل وإن كانت يد القاطع والمجني عليه كاملتين

في يد المجني عليه أصبع زائدة فعلى قول ابن حامد لا عبرة بالزائدة لأنها بمنزلة الخراج والسلعة

وعلى قول غيره له قطع يد الجاني وهل له حكومة في الزائدة على وجهين وإن قطع من له خمس أصابع أصلية كف من له أربع أصابع أصلية وأصبع زائدة أو قطع من له أربع أصابع وأصبع زائدة كف من له خمس أصابع أصلية فلا قصاص في الصورة الأولى لأن الأصلية لا تؤخذ بالزائدة وله القصاص في الصورة الثانية في قول ابن حامد لأن الزائدة لا عبرة بها

وقال غيره إن لم تكن الزائدة في محل الأصلية فلا قصاص أيضا لأن الأصبعين مختلفان وإن كانت في محل الأصلية فقال القاضي يجري القصاص وهو مذهب الشافعي ولا شيء له لنقص الزائدة وهذا فيه نظر فإنها متى كانت في محل الأصلية كانت أصلية لأن الزائدة هي التي زادت عن عدد الأصابع أو كانت في غير محل الأصابع وهذا له خمس أصابع في محلها فكانت كلها أصلية

فإن قالوا معنى كونها زائدة أنها ضعيفة مائلة عن سمت الأصابع

قلنا ضعفها لا يوجب كونها زائدة كذكر العنين وأما ميلها عن الأصابع فإنها إن لم تكن نابتة في محل الأصبع المعدومة فسد قولهم إنها في محلها وإن كانت نابتة في موضعها وإنما مال رأسها واعوجت فهذا مرض لا يخرجها عن كونها أصلية

فصل وإذا قطع أصبعه فأصابه من جرحها أكلة في يده وسقطت من مفصل ففيها القصاص وإن بادرها صاحبها فقطعها من الكوع لئلا تسري إلى سائر جسده ثم اندمل جرحه فعلى الجاني القصاص في الأصبع والحكومة فيما تأكل من الكف ولا شيء عليه فيما قطعه المجني عليه لأنه تلف بفعله وإن لم يندمل ومات من ذلك فالجاني شريك نفسه فيحتمل وجوب القصاص عليه ويحتمل أن لا يجب بحال لأن فعل المجني إنما قصد به المصلحة فهو عمد الخطأ وشريك الخاطىء

لا قصاص عليه ويكون عليه نصف الدية وإن قطع المجني عليه موضع الأكلة نظرت فإن قطع لحما ميتا ثم سرت الجناية فالقصاص على الجاني لأنه سراية جرحه خاصة وإن


275

كان في لحم حي فمات فالحكم فيه كما لو قطعها خوفا من سرايتها

فصل وإذا قطع أنملة لها طرفان إحداهما زائدة والأخرى أصلية فإن كانت أنملة القاطع ذات طرفين أيضا أخذت بها وإن لم تكن ذات طرفين قطعت وعليه حكومة في الزائدة وإن كانت المقطوعة ذات طرف واحد وأنملة القاطع ذات طرفين أخذت بها في قول ابن حامد وعلى قول غيره لا قصاص فيها وله دية أنملته وإن ذهب الطرف الزائد فله الاستيفاء وإن قال أنا أصبر حتى يذهب الزائد ثم اقتص فله ذلك لأن القصاص حقه فلا يجبر على تعجيل استيفائه

فصل ولو قطع أنملة رجل العليا ثم قطع أنملة آخر الوسطى ثم قطع السفلى من ثالث فللأول القصاص من العليا ثم للثاني أن يقتص من الوسطى ثم للثالث أن يقتص من السفلى سواء جاؤوا دفعة واحدة أو واحدا بعد واحد وبهذا قال الشافعي

وقال أبو حنيفة لا قصاص إلا في العليا لأنه لم يجب في غيرها حال الجناية لتعذر استيفائه فلم يجب بعد ذلك كما لو كان غير مكافىء حال الجناية ثم صار مكافئا بعده

ولنا إن تعذر القصاص لإيصال محله بغيره لا يمنعه إذا زال الاتصال كما لو جنت الحامل ويفارق عدم التكافؤ

لأنه تعذر لمعنى فيه وهاهنا تعذر لاتصال غيره به فأما إن جاء صاحب الوسطى أو السفلى يطلب القصاص قبل صاحب العليا لم يعطه لأن في استيفائه إتلاف أنملة لا يستحقها

وقيل لهما إما أن تصبرا حتى تعلما ما يكون من الأول فإن اقتص فلكما القصاص وإن عفا فلا قصاص لكما وإما أن ترضيا بالعقل فإذا جاء صاحب العليا فاقتص فللثاني الاقتصاص وحكم الثالث مع الثاني كحكم الثاني مع الأول وإن عفا فلهما العقل فإن قالا نحن نصبر وننظر بالقصاص أن تسقط العليا بمرض أو نحوه ثم نقتصر لم يمنعا من ذلك وإن قطع صاحب الوسطى الوسطى والعليا فعليه دية العليا تدفع إلى صاحب العليا وإن قطع الأصبع كلها فعليه القصاص في الأنملة الثالثة وعليه أرش العليا للأول وأرش السفلى على الجاني لصاحبها وإن عفا الجاني عن قصاصها وجب أرشها يدفعه إليه ليدفعه إلى المجني عليه

فصل وإن قطع إنملة رجل العليا ثم قطع أنملتي آخر العليا والوسطى من تلك الأصبع فللأول قطع العليا لأن حقه أسبق ثم يقطع الثاني الوسطى ويأخذ أرش العليا منه فإن بادر الثاني فقطع الأنملتين فقد استوفى حقه وتعذر استيفاء القصاص للأول وله الأرش على الجاني وإن كان قطع الأنملتين أولا قدمنا صاحبهما فقطعهما في القصاص للأول وله الأرش على الجاني وإن بادر صاحبهما فقطعها فقد استوفى حقه وتقطع الوسطى للأول ويأخذ الأرش للعليا ولو قطع أنملة رجل العليا ولم يكن للقاطع عليا فاستوفى الجاني من الوسطى فإن عفا إلى الدية تقاصا وتساقطا لأن ديتهما واحدة وإن اختار الجاني القصاص فله ذلك ويدفع أرش العليا ويجيء على قول أبي بكر أن لا يجب القصاص لأن ديتهما واحدة واسم الأنملة يشملها فتساقطا كقوله في إحدى اليدين بدلا عن الأخرى


276

مسألة

قال ( وإذا قتل وله وليان بالغ وطفل أو غائب لم يقتل حتى يقدم الغائب ويبلغ الطفل ) وجملته أن ورثة القتيل إذا كانوا أكثر من واحد لم يجز لبعضهم استيفاء القود إلا بإذن الباقين فإن كان بعضهم غائبا انتظر قدومه ولم يجز للحاضر الاستقلال بالاستيفاء بغير خلاف علمناه وإن كان بعضهم صغيرا أو مجنونا فظاهر مذهب أحمد رحمه الله أنه ليس لغيرهما الاستيفاء حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون وبهذا قال ابن شبرمة وابن أبي ليلى والشافعي وأبو يوسف وإسحاق ويروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله وعن أحمد رواية أخرى للكبار العقلاء استيفاؤه وبه قال حماد ومالك والأوزاعي والليث وأبو حنيفة لأن الحسن بن علي رضي الله عنهما قتل ابن ملجم قصاصا وفي الورثة صغار فلم ينكر ذلك ولأن ولاية القصاص هي استحقاق استيفائه وليس للصغير هذه الولاية

ولنا إنه قصاص غير متحتم ثبت لجماعة معينين فلم يجز لأحدهم استيفاؤه استقلالا كما لو كان بين حاضر وغائب أو أحد بدلي النفس فلم ينفرد به بعضهم كالدية والدليل على أن للصغير والمجنون فيه حقا أربعة أمور أحدها أنه لو كان منفردا لاستحقه ولو نافاه الصغر مع غيره لنافاه منفردا كولاية النكاح

والثاني أنه لو بلغ لاستحق ولو لم يكن مستحقا عند الموت لم يكن مستحقا بعده كالرقيق إذا عتق بعد موت أبيه

والثالث أنه لو صار الأمر إلى المال لاستحق ولو لم يكن مستحقا للقصاص لما استحق بدله كالأجنبي

والرابع أنه لو مات الصغير لاستحقه ورثته ولو لم يكن حقا لم يرثه كسائر ما لم يستحقه فأما ابن ملجم فقد قيل إنه قتله بكفره لأنه قتل عليا مستحلا لدمه معتقدا كفره متقربا بذلك إلى الله تعالى وقيل قتله لسعيه في الأرض بالفساد وإظهار السلاح فيكون كقاطع الطريق إذا قتل وقتله متحتم وهو إلى الإمام والحسن هو الإمام ولذلك لم ينتظر الغائبين من الورثة ولا خلاف بيننا في وجوب انتظارهم وإن قدر أنه قتله قصاصا فقد اتفقنا على خلافه فكيف يحتج به بعضنا على بعض

فصل وإن كان الوارث واحدا صغيرا كصبي قتلت أمه وليست زوجة لأبيه فالقصاص له وليس لأبيه ولا غيره استيفاؤه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك له استيفاؤه وكذلك الحكم في الوصي والحاكم في الطرف دون النفس وذكر أبو الخطاب في موضع في الأب روايتين وفي موضع وجهين أحدهما كقولنا لأن القصاص أحد بدلي النفس فكان للأب استيفاؤه كالدية

ولنا إنه لا يملك إيقاع الطلاق بزوجته فلا يملك استيفاء القصاص له كالوصي ولأن القصد التشفي ودرك الغيظ ولا يحصل ذلك باستيفاء الولي ويخالف الدية فإن الغرض يحصل باستيفاء الأب له فافترقا ولأن الدية إنما يملك استيفاءها إذا تعينت والقصاص لا يتعين فإنه يجوز العفو إلى الدية والصلح على مال أكثر منها وأقل والدية بخلاف ذلك


277

فصل وكل موضع وجب تأخير الاستيفاء فإن القاتل يحبس حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون ويقدم الغائب وقد حبس معاوية هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل في عصر الصحابة فلم ينكر ذلك وبذل الحسن والحسين وسعيد بن العاص لابن القتيل سبع ديات فلم يقبلها

فإن قيل فلم لا يخلى سبيله كالمعسر بالدين قلنا لأن في تخليته تضييعا للحق فإنه لا يؤمن هربه والفرق بينه وبين المعسر من وجوه أحدهما أن قضاء الدين لا يجب مع الإعسار فلا يحبس بما لا يجب والقصاص هاهنا واجب وإنما تعذر المستوفى

الثاني أن المعسر إذا حبسناه تعذر الكسب لقضاء الدين فلا يفيد بل يضر من الجانبين وهاهنا الحق نفسه يفوت بالتخلية لا بالحبس الثالث أنه قد استحق قتله وفيه تفويت نفسه ونفعه فإذا تعذر تفويت نفسه جاز تفويت نفعه لإمكانه فإن قيل فلم يحبس من أجل الغائب وليس للحاكم عليه ولاية إذا كان مكلفا رشيدا ولذلك لو وجد بعض ماله مغصوبا لم يملك انتزاعه قلنا لأن في القصاص حقا للميت وللحاكم عليه ولاية ولهذا تنفذ وصاياه من الدية وتقضى ديونه منها فنظيره أن يجد الحاكم من تركة الميت في يد إنسان شيئا غصبا والوارث غائب فإنه يأخذه ولو كان القصاص في لحى طرفه لم يتعرض لمن هو عليه فإن أقام القاتل كفيلا بنفسه ليخلي سبيله لم يجز لأن الكفالة لا تصح في القصاص فإن فائدتها استيفاء الحق من الكفيل إن تعذر إحضار المكفول به ولا يمكن استيفاؤه من غير القاتل فلم تصح الكفالة به كالحد ولأن فيه تغريرا بحق المولى عليه فإنه ربما خلى سبيله فهرب فضاع الحق

فصل فإن قتله بعض الأولياء بغير إذن الباقين لم يجب عليه قصاص وبهذا قال أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي والقول الأخير عليه القصاص لأنه ممنوع من قتله وبعضه غير مستحق له وقد يجب القصاص بإتلاف بعض النفس بدليل ما لو اشترك الجماعة في قتل واحد

ولنا إنه مشارك في استحقاق القتل فلم يجب عليه القصاص كما لو كان مشاركا في ملك الجارية ووطئها ولأنه محل يملك بعضه فلم تجب العقوبة المقدرة باستيفائه كالأصل ويفارق إذا قتل الجماعة واحدا فإنا لا نوجب القصاص بقتل بعض النفس وإنما نجعل كل واحد منهم قاتلا لجميعها وإن سلمنا وجوبه عليه لقتله بعض النفس فمن شرطه المشاركة لمن فعله كفعله في العمد والعدوان ولا يتحقق هاهنا

إذا ثبت هذا فإن للولي الذي لم يقتل قسطه من الدية لأنه حقه من القصاص سقط بغير اختياره فأشبه ما لو مات القاتل أو عفا بعض الأولياء وهل يجب ذلك على قاتل الجاني أو في تركة الجاني فيه وجهان وللشافعي قولان أحدهما يرجع على قاتل الجاني لأنه أتلف محل حقه فكان الرجوع عليه بعوض نصيبه كما لو كانت له وديعة فأتلفها

والثاني يرجع في تركة الجاني كما لو أتلفه أجنبي أو عفا شريكه عن القصاص

وقولنا أتلف محل حقه يبطل بما إذا أتلف مستأجره أو غريمه أو امرأته أو كان المتلف أجنبيا ويفارق الوديعة فإنها مملوكة لهما فوجب


278

عوض ملكه أما الجاني فليس بمملوك للمجني عليه وإنما له عليه حق فأشبه ما لو قتل غريمه فعلى هذا يرجع ورثة الجاني على قاتله بدية مورثهم إلا قدر حقه منها

فعلى هذا لو كان الجاني أقل دية من قاتله مثل امرأة قتلت رجلا له ابنان فقتلها أحدهما بغير إذن الآخر فللآخر نصف دية أبيه في تركة المرأة التي قتلته ويرجع ورثتها بنصف ديتها على قاتلها وهو ربع دية الرجل

وعلى الوجه الأول يرجع الابن الذي لم يقتل على أخيه بنصف دية المرأة لأنه لم يفوت على أخيه إلا نصف المرأة ولا يمكن أن يرجع على ورثة المرأة بشيء لأن أخاه الذي قتلها أتلف جميع الحق

وهذا يدل على ضعف هذا الوجه

ومن فوائده أيضا صحة إبراء من حكمنا بالرجوع عليه وملك مطالبته فإن قلنا يرجع على ورثة الجاني صح إبراؤهم وملكوا الرجوع على قاتل موروثهم بقسط أخيه العافي وإن قلنا يرجع على تركة الجاني وله تركة فله الأخذ منها سواء أمكن ورثته أن يستوفوا من الشريك أو لم يمكنهم وإن قلنا يرجع على شريكه لم يكن له مطالبة ورثة الجاني سواء كان شريكه موسرا أو معسرا

مسألة

قال ( ومن عفا من ورثة المقتول عن القصاص لم يكن إلى القصاص سبيل وإن كان العافي زوجا أو زوجة ) أجمع أهل العلم على إجازة العفو عن القصاص وأنه أفضل والأصل فيه الكتاب والسنة أما الكتاب فقول الله تعالى في سياق قوله كتب عليكم القصاص في القتلى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان البقرة 178 وقال تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس المائدة 45 إلى قوله والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له المائدة 45 قيل في تفسيره فهو كفارة للجاني يعفو صاحب الحق عنه

وقيل فهو كفارة للعافي بصدقته

وأما السنة فإن أنس بن مالك قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو رواه أبو داود

وفي حديثه في قصة الربيع بنت النضر حين كسرت سن جارية فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص فعفا القوم

إذا ثبت هذا فالقصاص حق لجميع الورثة من ذوي الأنساب والأسباب والرجال والنساء والصغار والكبار فمن عفا منهم صح عفوه وسقط القصاص ولم يبق لأحد إليه سبيل

وهذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والنخعي والحكم وحماد والثوري وأبو حنيفة والشافعي وروي معنى ذلك عن عمر وطاوس والشعبي وقال الحسن وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي

ليس للنساء عفو والمشهور عن مالك أنه موروث للعصبات خاصة وهو وجه لأصحاب الشافعي لأنه ثبت لدفع العار فاختص به العصبات كولاية النكاح ولهم وجه ثالث أنه لذوي الأنساب دون الزوجين لقول النبي صلى الله عليه وسلم من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين بين أن يقتلوا أو يأخذوا


279

العقل وأهله ذوو رحمة

وذهب بعض أهل المدينة إلى أن القصاص لا يسقط بعفو بعض الشركاء وقيل هو رواية عن مالك لأن حق غير العافي لا يرضى بإسقاطه وقد تؤخذ النفس ببعض النفس بدليل قتل الجماعة بالواحد

ولنا عموم قوله عليه السلام فأهله بين خيرتين وهذا عام في جميع أهله والمرأة من أهله بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم من يعذرني من رجل يبلغني أذاه في أهلي وما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي يريد عائشة

وقال له أسامة يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيرا

وروى زيد بن وهب أن عمر أتي برجل قتل قتيلا فجاء ورثة المقتول ليقتلوه فقالت امرأة المقتول وهي أخت القاتل قد عفوت عن حقي فقال عمر الله أكبر عتق القتيل رواه أبو داود وفي رواية عن زيد قال دخل رجل على امرأته فوجد عندها رجلا فقتلها فاستعدى إخوتها عمر فقال بعض إخوتها قد تصدقت فقضى لسائرهم بالدية

وروى قتادة أن عمر رفع إليه رجل قتل رجلا فجاء أولاد المقتول وقد عفا بعضهم فقال عمر لابن مسعود ما تقول قال إنه قد أحرز من القتل فضرب على كتفه وقال كيف ملىء علما والدليل على أن القصاص لجميع الورثة ما ذكرناه في مسألة القصاص بين الصغير والكبير ولأن من ورث الدية ورث القصاص كالعصبة فإذا عفا بعضهم صح عفوه كعفوه عن سائر حقوقه وزوال الزوجية لا يمنع استحقاق القصاص كما لم يمنع استحقاق الدية وسائر حقوقه الموروثة ومتى ثبت أنه حق مشترك بين جميعهم سقط بإسقاط من كان من أهل الإسقاط منهم لأن حقه منه له فينفذ تصرفه فيه فإذا سقط سقط جميعه لأنه مما لا يتبعض كالطلاق والعتاق ولأن القصاص حق مشترك بينهم لا يتبعض مبناه على الدرء والإسقاط فإذا أسقط بعضهم سرى إلى الباقي كالعتق والمرأة أحد المستحقين فسقط بإسقاطها كالرجل ومتى عفا أحدهم فللباقين حقهم من الدية سواء عفا مطلقا أو إلى الدية وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا أعلم لهما مخالفا ممن قال بسقوط القصاص وذلك لأن حقه من القصاص سقط بغير رضاه فثبت له البدل كما لو ورث القاتل بعض دمه أو مات ولما ذكرناه من خبر عمر رضي الله عنه

فصل فإن قتله الشريك الذي لم يعف عالما بعفو شريكه وسقوط القصاص به فعليه القصاص سواء حكم به الحاكم أو لم يحكم وبهذا قال أبو حنيفة وأبو ثور وهو الظاهر من مذهب الشافعي وقيل له قول آخر لا يجب القصاص لأن له فيه شبهة لوقوع الخلاف

ولنا إنه قتل معصوما مكافئا له عمدا يعلم أنه لا حق له فيه فوجب عليه القصاص كما لو حكم العفو حاكم والاختلاف لا يسقط القصاص فإنه لو قتل مسلما بكافر قتل مسلما بكافر قتلناه به مع الاختلاف في قتله وأما إن قتله قبل العلم


280

بالعفو فلا قصاص عليه وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه عليه القصاص لأنه قتل عمد عدوان لمن لا حق له في قتله

ولنا إنه قتله معتقدا ثبوت حقه فيه مع أن الأصل بقاؤه فلم يلزمه قصاص كالوكيل إذا قتل بعد عفو الموكل قبل علمه بعفوه ولا فرق بين أن يكون الحاكم قد حكم بالعفو أو لم يحكم به لأن الشبهة موجودة مع انتفاء العلم معدومة عند وجوده وقال الشافعي متى قتله بعد حكم الحاكم لزمه القصاص علم بالعفو أو لم يعلم وقد بينا الفرق بينهما ومتى حكمنا عليه بوجوب الدية إما لكونه معذورا وإما للعفو عن القصاص فإنه يسقط عنه منها ما قابل حقه على القاتل قصاصا ويجب عليه الباقي فإن كان الولي عفا إلى غير مال فالواجب لورثة القاتل ولا شيء عليهم وإن كان عفا إلى الدية فالواجب لورثة القاتل وعليهم نصيب العافي من الدية وقيل فيه إن حق العافي من الدية على القاتل لا يصح لأن الحق لم يبق متعلقا بعينه وإنما الدية واجبة في ذمته فلم تنتقل إلى القاتل كما لو قتل غريمه

فصل فإن كان القاتل هو العافي فعليه القصاص سواء عفا مطلقا أو إلى مال وبهذا قال عكرمة والثوري ومالك والشافعي وابن المنذر وروي عن الحسن تؤخذ منه الدية ولا يقتل

وقال عمر بن عبد العزيز الحكم فيه إلى السلطان

ولنا قوله تعالى فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم البقرة 178 قال ابن عباس وعطاء والحسن وقتادة في تفسيرها أي بعد أخذه الدية

وعن الحسن عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أعفي من قتل بعد أخذه الدية ولأنه قتل معصوما مكافئا فوجب عليه القصاص كما لو لم يكن قتل

فصل وإذا عفا عن القاتل مطلقا صح ولم تلزمه عقوبة وبهذا قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر وأبو ثور وقال مالك والليث والأوزاعي يضرب ويحبس سنة

ولنا إنه إنما كان عليه حق واحد وقد أسقطه مستحقه فلم يجب عليه شيء آخر كما لو أسقط الدية عن القاتل خطأ

فصل وإذا وكل من يستوفي القصاص صح توكيله نص عليه أحمد رحمه الله فإن وكله ثم غاب وعفا عن القصاص واستوفى الوكيل نظرنا فإن كان عفوه بعد القتل لم يصح لأن حقه قد استوفي وإن كان قتله وقد علم الوكيل به فقد قتله ظلما فعليه القود كما لو قتله ابتداء

وإن قتله قبل العلم بعفو الموكل فقال أبو بكر لا ضمان على الوكيل لأنه لا تفريط منه فإن العفو حصل على وجه لا يمكن الوكيل استدراكه فلم يلزمه ضمان كما لو عفا بعد ما رماه

وهل يلزم الموكل الضمان فيه قولان أحدهما لا ضمان عليه لأن عفوه غير صحيح لما ذكرنا


281

من حصوله في حال لا يمكنه استدراك الفعل فوقع القتل مستحقا له فلم يلزمه ضمان ولأن العفو إحسان فلا يقتضي وجوب الضمان

والثاني عليه الضمان لأن قتل المعفو عنه حصل بأمره وتسليطه على وجه لا ذنب للمباشر فيه فكان الضمان على الآمر كما لو أمر عبده الأعجمي بقتل معصوم

وقال غير أبي بكر في صحة العفو وجهان بناء على الروايتين في الوكيل هل ينعزل بعزل الموكل أو لا وللشافعي قولان كالوجهين

فإن قلنا لا يصح العفو فلا ضمان على أحد لأنه قتل من يجب قتله بأمر يستحقه

وإن قلنا يصح العفو فلا قصاص فيه لأن الوكيل قتل من يعتقد إباحة قتله بسبب هو معذور فيه فأشبه ما لو قتل في دار الحرب من يعتقده حربيا

وتجب الدية على الوكيل لأنه لو علم لوجب عليه القصاص فإذا لم يعلم تعلق به الضمان كما لو قتل مرتدا قد أسلم قبل علمه بإسلامه ويرجع بها على الموكل لأنه غره بتسليطه على القتل بتفريطه في ترك إعلامه بالعفو فيرجع عليه كالغار في النكاح بحرية أمة أو تزوج معيبة

ويحتمل أن لا يرجع عليه لأن العفو إحسان منه فلا يقتضي الرجوع عليه فعلى هذا تكون الدية على عاقلة الوكيل وهذا اختيار أبي الخطاب لأن هذا جرى مجرى الخطأ فأشبه ما لو قتل في دار الحرب مسلما يعتقده حربيا

وقال القاضي هو في مال الوكيل لأنه عن عمد محض وهذا لا يصح لأنه لو كان عمدا محضا لأوجب القصاص ولأنه يشترط في العمد المحض أن يكون عالما بحال المحل وكونه معصوما ولم يوجد هذا وإن قال هو عمد الخطأ فعمد الخطأ تحمله العاقلة ذكره الخرقي ودل عليه خبر المرأة التي قتلت جاريتها وجنينها بمسطح فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدية على عاقلتها واختلف أصحاب الشافعي على هذين الوجهين فعلى قول القاضي إن كان الموكل عفا إلى الدية فله الدية في تركة الجاني ولورثة الجاني مطالبة الوكيل بديته وليس للموكل مطالبة الوكيل بشيء فإن قيل فقد قلتم فيما إذا كان القصاص لأخوين فقتله أحدهما فعليه نصف الدية ولأخيه مطالبته به في وجه

قلنا ثم أتلف حقه فرجع ببدله عليه وهاهنا أتلفه بعد سقوط حق الموكل عنه فافترقا وإن قلنا إن الوكيل يرجع على الموكل احتمل أن تسقط الديتان لأنه لا فائدة في أن يأخذها الورثة من الوكيل ثم يدفعوها إلى الموكل ثم يردها الموكل إلى الوكيل فيكون تكليفا لكل واحد منهم بغير فائدة ويحتمل أن يجب ذلك لأن الدية الواجبة في ذمة الوكيل لغير من الوكيل الرجوع عليه وإنما تتساقط الديتان إذا كان لكل واحد من الغريمين على صاحبه مثل ما له عليه ولأنه قد تكون الديتان مختلفتين بأن يكون أحد المقتولين رجلا والآخر امرأة فعلى هذا يأخذ ورثة الجاني ديته من الوكيل ويدفعون إلى الموكل دية وليه ثم يرد الموكل إلى الوكيل قدر ما غرمه وإن أحال ورثة الجاني الموكل على الوكيل بدية وليهم صح فإن كان الجاني أقل دية مثل أن تكون امرأة قتلت رجلا فقتلها الوكيل فلورثتها إحالة الموكل بديتها لأنه القدر الواجب لهم على الوكيل فيسقط عن الوكيل والموكل جميعا ويرجع الموكل على ورثتها بنصف دية وليه وإن كان الجاني رجلا قتل امرأة فقتله الوكيل فلورثة الجاني إحالة الموكل بدية المرأة لأن الموكل لا يستحق عليهم أكثر من ديتها ويطالبون الوكيل بنصف دية الجاني ثم يرجع به على الموكل


282

فصل وإذا جني على الإنسان فيما دون النفس جناية توجب القصاص فعفا عن القصاص ثم سرت الجناية إلى نفسه فمات لم يجب القصاص وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك أن القصاص واجب لأن الجناية صارت نفسا ولم يعف عنها

ولنا إنه يتعذر استيفاء القصاص في النفس دون ما عفا عنه فسقط في النفس كما لو عفا بعض الأولياء ولأن الجناية إذا لم يكن فيها قصاص مع إمكانه لم يجب في سرايتها كما لو قطع يد مرتد ثم أسلم ثم مات منها نظرنا فإن كان عفا على مال فله الدية كاملة

وإن عفا على غير مال وجبت الدية إلا أرش الجراح الذي عفا عنه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة تجب الدية كاملة لأن الجناية صارت نفسا وحقه في النفس لا فيما عفا عنه وإنما سقط القصاص للشبهة وإن قال عفوت عن الجناية لم يجب شيء لأن الجناية لا تختص بالقطع وقال القاضي فيما إذا عفا عن القطع ظاهر كلام أحمد أنه لا يجب شيء وبه قال أبو يوسف ومحمد لأنه قطع غير مضمون فكذلك سرايته

ولنا إنها سراية جناية أوجبت الضمان فكانت مضمونة كما لو لم يعف وإنما سقطت ديتها بعفوه عنها فيختص السقوط بما عفا عنه دون غيره والمعفو عنه نصف الدية لأن الجناية أوجبت نصف الدية فإذا عفا سقط ما وجب دون ما لم يجب فإذا صارت نفسا وجب بالسراية نصف الدية ولم يسقط أرش الجرح فيما إذا لم يعف وإنما تكلمت الدية بالسراية

فصل فإن كان الجرح لا قصاص فيه كالجائفة ونحوها فعفا عن القصاص فيه ثم سرى إلى النفس فلوليه القصاص لأن القصاص لم يجب في الجرح فلم يصح العفو عنه وإنما وجب القصاص بعد عفوه وله العفو عن القصاص وله كمال الدية

وإن عفا عن دية الجرح صح وله بعد السراية دية النفس إلا أرش الجرح ولا يمتنع وجوب القصاص في النفس مع أنه لا يجب كمال الدية بالعفو عنه كما لو قطع يدا فاندملت واقتص منها ثم انتقضت وسرت إلى النفس فله القصاص في النفس وليس له العفو إلا على نصف الدية وإن قطع يده من نصف الساعد فعفا عن القصاص ثم سرى فعلى قول أبي بكر لا يسقط القصاص في النفس لأن القصاص لم يجب فهو كالجائفة ومن جوز له القصاص من الكوع أسقط القصاص في النفس كما لو كان القطع من الكوع وقال المزني لا يصح العفو عن دية الجرح قبل اندماله فلو قطع يدا فعفا عن ديتها وقصاصها ثم اندملت لم تسقط ديتها وسقط قصاصها لأن القصاص قد وجب فيها فصح العفو عنه بخلاف الدية وليس بصحيح لأن دية الجرح إنما وجبت بالجناية إذ هي السبب ولهذا لو جنى على طرف عبد ثم باعه قبل موته كان أرش الطرف لبائعه لا لمشتريه وتأخير المطالبة به ويصح العفو عنه كذا هاهنا

فصل فإن قطع يده فعفا عنه ثم عاد الجاني فقتله فلوليه القصاص وهذا ظاهر مذهب


283

الشافعي قال بعضهم لا قصاص

لأن العفو حصل عن بعضه فلا يقتل به كما لو سرى القطع إلى نفسه

ولنا إن القتل انفرد عن القطع فعفوه عن القطع لا يمنع ما يلزم بالقتل كما لو كان القاطع غيره وإن اختار الدية فقال القاضي إن كان العفو عن الطرف إلى غير دية فله بالقتل نصف الدية وهو ظاهر مذهب الشافعي ولأن القتل إذا تعقب الجناية قبل الاندمال كان كالسراية

ولذلك لو لم يعف لم يجب أكثر من دية والقطع يدخل في القتل في الدية دون القصاص ولذلك لو أراد القصاص كان له أن يقطع ثم يقتل ولو صار الأمر إلى الدية لم يجب إلا دية واحدة وقال أبو الخطاب له العفو إلى دية كاملة وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأن القطع منفرد عن القطع فلم يدخل حكم أحدهما في الآخر كما لو اندمل ولأن القتل موجب للقتل فأوجب الدية كاملة كما لو لم يتقدمه عفو وفارق السراية فإنها لم توجب قتلا ولأن السراية عفي عن سببها والقتل لم يعف عن شيء منه ولا عن سببه وسواء فيما ذكرنا كان العافي عن الجرح أخذ دية طرفه أو لم يأخذها

فصل وإن قطع أصبعا فعفا المجني عليه عن القصاص ثم سرت الجناية إلى الكف ثم اندمل الجرح لم يجب القصاص لما ذكرنا في النفس ولأن القصاص سقط في الأصبع بالعفو فصارت اليد ناقصة لا تؤخذ بها الكاملة ثم إن كان العفو إلى الدية وجبت الدية كلها وإن كان على غير مال خرج فيه من الخلاف ما ذكرنا فيما إذا قطع يدا فعفا المجني عليه ثم سرى إلى نفسه فعلى هذا تجب هاهنا دية الكف لا دية الأصبع

ذكره أبو الخطاب وهو مذهب الشافعي وقال القاضي ظاهر كلام أحمد أن لا يجب شيء وهو قول أبي يوسف ومحمد لأن العفو عن الجناية عفو عما يحدث منها وقد قال القاضي إن القياس فيما إذا قطع اليد ثم سرى إلى النفس أن يجب نصف الدية فيلزمه أن يقول مثل ذلك هاهنا

فصل فإن قال عفوت عن الجناية وما يحدث منها صح عفوه ولم يكن له في سرايتها قصاص ولا دية في ظاهر كلام أحمد وسواء عفا بلفظ العفو أو الوصية وممن قال بصحة عفو المجروح عن دمه مالك وطاوس والحسن وقتادة والأوزاعي وقال أصحاب الشافعي إذا قال عفوت عن الجناية وما يحدث منها ففيه قولان أحدهما أنه وصية فيبني على الوصية للقاتل وفيه قولان أحدهما لا يصح فتجب دية النفس إلا دية الجرح

والثاني يصح فإن خرجت من الثلث سقط وإلا سقط منها ما خرج من الثلث ووجب الباقي

والقول الثاني ليس بوصية لأنه إسقاط في الحياة فلا يصح وتلزمه دية النفس إلا دية الجرح

ولنا إنه أسقط حقه بعد انعقاد سببه فسقط كما لو أسقط الشفعة بعد البيع إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يخرج من الثلث أو لم يخرج لأن موجب العمد القود في إحدى الروايتين أو أحد شيئين في الرواية الأخرى فما تعينت الدية ولا تعينت الوصية بمال ولذلك صح العفو من المفلس إلى غير مال وأما جناية الخطأ فإذا عفا عنها وعما يحدث منها اعتبر خروجها من الثلث سواء عفا بلفظ العفو أو الوصية أو الإبراء أو غيرها فإن خرجت من الثلث صح عفوه في الجميع وإن لم تخرج من الثلث سقط عنه من ديتها ما احتمله الثلث وبهذا قال مالك والثوري


284

وأصحاب الرأي ونحوه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي وإسحاق لأن الوصية هاهنا بمال

فصل فإن اختلف الجاني والولي أو المجني عليه

فقال الجاني عفوت مطلقا وقال المجني عليه بل عفوت إلى مال أو قال عفوت عن الجناية وما يحدث منها قال بل عفوت عنها دون ما يحدث منها فالقول قول المجني عليه أو وليه إن كان الخلاف معه لأن الأصل عدم العفو عن الجميع وقد ثبت العفو عن البعض بإقراره فيكون القول في عدم سقوطه قوله

مسألة

قال ( وإذا اشترك الجماعة في القتل فأحب الأولياء أن يقتلوا الجميع فلهم ذلك وإن أحبوا أن يقتلوا البعض ويعفوا عن البعض ويأخذوا الدية من الباقين فلهم ذلك ) أما قتلهم للجميع فقد ذكرنا فيما مضى وأما إن أحبوا قتل البعض فلهم ذلك لأن كل من لهم قتله فلهم العفو عنه كالمنفرد ولا يسقط القصاص عن البعض بعفو البعض لأنهما شخصان فلا يسقط القصاص عن أحدهما بإسقاطه عن الآخر كما لو قتل كل واحد رجلا وأما إذا اختاروا أخذ الدية من القاتل أو من بعض القتلة فإن لهم هذا من غير رضا الجاني وبهذا قال سعيد بن المسيب وابن سيرين والشافعي وعطاء ومجاهد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر

وقال النخعي ومالك وأبو حنيفة ليس للأولياء إلا القتل إلا أن يصطلحا على الدية برضا الجاني وعن مالك رواية أخرى كقولنا واحتجوا بقوله تعالى كتب عليكم القصاص البقرة 178 والمكتوب لا يتخير فيه ولأنه متلف يجب به البدل فكان بدله معينا كسائر أبدال المتلفات

ولنا قول الله تعالى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان البقرة 178 قال ابن عباس كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية فأنزل الله تعالى هذه الآية كتب عليكم القصاص في القتلى البقرة 178 فمن عفي له من أخيه شيء البقرة 178 فالعفو أن تقبل في العمد الدية فاتباع بالمعروف البقرة 178 يتبع الطالب بالمعروف ويؤدي إليه المغلوب بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة مما كتب على من قبلكم

رواه البخاري

وروى أبو هريرة قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يودى وإما يقاد متفق عليه

وروى أبو شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل وأنا والله عاقله فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية رواه أبو داود وغيره

ولأن القتل المضمون إذا سقط فيه القصاص من غير إبراء ثبت المال كما لو عفا بعض الورثة ويخالف سائر المتلفات لأن بدلها يجب من


285

جنسها وهاهنا يجب في الخطأ وعمد الخطأ من غير الجنس فإذا رضي في العمد ببدل الخطأ كان له ذلك لأنه أسقط بعض حقه ولأن القاتل أمكنه إحياء نفسه ببذل الدية فلزمه وينتقض ما ذكروه بما إذا كان رأس الشاج أصغر أو يد القاطع أنقص فإنهم سلموا فيهما

فصل واختلفت الرواية في موجب العمد فروي عن أحمد رحمه الله أن موجبه القصاص عينا لقوله عليه السلام من قتل عمدا فهو قود ولما ذكروه في دليلهم وروي أن موجبه أحد شيئين القصاص أو الدية لما ذكرناه قبل هذا ولأن الدية أحد بدلي النفس فكانت بدلا عنها لا عن بدلها كالقصاص وأما الخبر فالمراد به وجوب القود ونحن نقول به ويخالف القتل سائر المتلفات لأن بدلها لا يختلف بالقصد وعدمه والقتل بخلافه وللشافعي قولان كالروايتين فإذا قلنا موجبه القصاص عينا فله العفو إلى الدية والعفو مطلقا فإذا عفا مطلقا لم يجب شيء وهذا ظاهر مذهب الشافعي وقال بعضهم تجب الدية لئلا يطل الدم وليس بشيء لأنه لو عفا عن الدية بعد وجوبها صح عفوه وإن عفا عن القصاص بغير مال لم يجب شيء

فأما إن عفا عن الدية لم يصح عفوه لأنها لم تجب وإن قلنا الواجب أحد شيئين لا بعينه فعفا عن القصاص مطلقا أو إلى الدية وجبت الدية لأن الواجب غير معين فإذا ترك أحدهما وجب الآخر وإن اختار الدية سقط القصاص وإن اختار القصاص تعين وهل له بعد ذلك العفو على الدية قال القاضي له ذلك لأن القصاص أعلى فكان له الانتقال إلى الأدنى ويكون بدلا عن القصاص

وليست التي وجبت بالقتل كما قلنا في الرواية الأولى أن الواجب القصاص عينا وله العفو إلى الدية ويحتمل أنه ليس له ذلك

لأنه أسقطها باختياره القود فلم يعد إليها

فصل وإذا جنى عبد على حر جناية موجبة للقصاص فاشتراه المجني عليه بأرش الجناية سقط القصاص لأن عدوله إلى الشراء اختيار للمال ولا يصح الشراء لأنهما إن لم يعرفا قدر الأرش فالثمن مجهول وإن عرفا عدد الإبل وأسنانها فصفتها مجهولة والجهل بالصفة كالجهل بالذات في فساد البيع

ولذلك لو باعه شيئا يحمل جذع غير معروف الصفة لم يصح وإن قدر الأرش بذهب أو فضة وباعه به صح

فصل إذا وجب القصاص لصغير لم يجز لوليه العفو إلى غير مال لأنه لا يملك إسقاط حقه وإن أحب العفو إلى مال وللصبي كفاية من غيره لم يجز لأن فيه تفويت حقه من غير حاجة فإن كان فقيرا محتاجا ففيه وجهان أحدهما له ذلك لحاجته إلى المال لحفظه قال القاضي هذا أصح

والثاني لا يجوز لأنه لا يملك إسقاط قصاصه وأما حاجته فإن نفقته في بيت المال والصحيح الأول فإن وجوب النفقة في بيت المال لا يغنيه إذا لم يحصل فأما إن كان مستحق القصاص مجنونا فقيرا فلوليه العفو على المال لأنه ليس حالة معتادة ينتظر فيها رجوع عقله


286

فصل ويصح عفو المفلس والمحجور عليه لسفه عن القصاص لأنه ليس بمال وإن أراد المفلس القصاص لم يكن لغرمائه إجباره على تركه

وإن أحب العفو عنه إلى مال فله ذلك لأن فيه حظا للغرماء وإن أراد العفو على مال انبنى على الروايتين إن قلنا الواجب القصاص فله ذلك لأنه لم يثبت له مال يتعلق به حق الغرماء وإن قلنا الواجب أحد شيئين لم يملك لأن المال يجب بقوله عفوت عن القصاص فقوله على غير مال إسقاط له بعد وجوبه وتعيينه ولا يملك ذلك وهكذا الحكم في السفيه ووارث المفلس وإن عفا المريض على غير مال فذكر القاضي في موضع أنه يصح سواء خرج من الثلث أو لم يخرج وذكر أن أحمد نص على هذا وقال في موضع يعتبر خروجه من ثلثه ولعله ينبني على الروايتين في موجب العمد على ما مضى

فصل وإذا قتل من ولا وارث له فالأمر إلى السلطان فإن أحب القصاص فله ذلك وإن أحب العفو على مال فله ذلك وإن أحب العفو إلى غير مال لم يملكه لأن ذلك للمسلمين ولاحظ لهم في هذا وهذا قول أصحاب الرأي إلا أنهم لا يرون العفو على مال إلا برضا الجاني

فصل وإذا اشترك الجماعة في القتل فعفي عنهم إلى الدية فعليهم دية واحدة وإن عفا عن بعضهم فعلى المعفو عنه قسطه من الدية لأن الدية بدل المحل وهو واحد فتكون ديته واحدة سواء أتلفه واحد أو جماعة

وقال ابن أبي موسى فيه رواية أخرى أن على كل واحدة دية كاملة لأن له قتل كل واحد منهم فكان على كل واحد منهم دية نفس كاملة كما لو قلع الأعور عين صحيح فإنه تجب عليه دية عينه وهو دية كاملة

والصحيح الأول لأن الواجب بدل المتلف فلا يختلف المتلف ولذلك لو قتل عبد قيمته ألفان حرا لم يملك العفو على أكثر من الدية

وأما القصاص فإنه عقوبة على الفعل فيتعدد بتعدده

مسألة

قال ( وإن قتل من للأولياء أن يقيدوا به فبذل القاتل أكثر من الدية على أن لا يقاد فللأولياء قبول ذلك ) وجملته أن من له القصاص له أن يصالح عنه بأكثر من الدية وبقدرها وأقل منها لا أعلم فيه خلافا لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل عمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا أخذوا الدية ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة

وما صولحوا عليه فهو لهم وذلك لتشديد القتل رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وروينا أن هدبة بن خشرم قتل قتيلا فبذل سعيد بن العاص والحسن والحسين لابن المقتول سبع ديات ليعفو عنه فأبى ذلك وقتله ولأنه عوض عن غير مال فجاز الصلح عنه بما اتفقوا عليه كالصداق وعوض الخلع ولأنه صلح عما لا يجري فيه الربا فأشبه الصلح عن العروض

مسألة

قال ( وإذا أمسك رجلا وقتله آخر قتل القاتل وحبس الماسك حتى يموت ) يقال أمسك ومسك ومسك وقد جمع الخرقي بين اللغتين فقال إذا أمسك وحبس الماسك وهو اسم الفاعل


287

من مسك مخففا ولا خلاف في أن القاتل يقتل

لأنه قتل من يكافئه عمدا بغير حق

وأما الممسك فإن لم يعلم أن القاتل يقتله فلا شيء عليه لأنه متسبب والقاتل مباشر فسقط حكم المتسبب به وإن أمسكه له ليقتله مثل أن ضبطه له حتى ذبحه له فاختلفت الرواية فيه عن أحمد فروي عنه أنه يحبس حتى يموت

وهذا قول عطاء وربيعة وروي ذلك عن علي وروي عن أحمد أنه يقتل أيضا وهو قول مالك

قال سليمان بن أبي موسى الاجتماع فينا أن يقتل لأنه لو لم يمسكه ما قدر على قتله وبإمساكه تمكن من قتله فالقتل حاصل بفعلهما فيكونان شريكين فيه فيجب عليهما القصاص كما لو جرحاه

وقال أبو حينفة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر يعاقب ويأثم ولا يقتل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله والممسك غير قاتل ولأن الإمساك سبب غير ملجىء فإذا اجتمعت معه المباشرة كان الضمان على المباشر كما لو لم يعلم الممسك أنه يقتله

ولنا ما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أمسك الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك ولأنه حبسه إلى الموت فيحبس الآخر إلى الموت كما لو حبسه عن الطعام والشراب حتى مات فإننا نفعل به ذلك حتى يموت

فصل وإن اتبع رجلا ليقتله فهرب منه فأدركه آخر فقطع رجله ثم أدركه الثاني فقتله نظرت فإن كان قصد الأول حبسه بالقطع ليقتله الثاني فعليه القصاص في القطع وحكمه في القصاص في النفس حكم الممسك لأنه حبسه على القتل وإن لم يقصد حبسه فعليه القطع دون القتل كالذي أمسكه غير عالم

وفيه وجه حر ليس عليه إلا القطع بكل حال والأول أصح لأنه الحابس له بفعله فأشبه الحابس بإمساكه

فإن قيل لم اعتبرتم قصد الإمساك هاهنا وأنتم لا تعتبرون إرادة القتل في الخارج قلنا إذا مات من الجرح فقد مات من سرايته وأثره فنعتبر قصد الجرح الذي هو السبب دون قصد الأثر وفي مسألتنا إنما كان موته بأمر غير السراية والفعل ممكن له عليه فاعتبر قصده لذلك الفعل كما لو أمسكه

مسألة

قال ( ومن أمر عبده أن يقتل رجلا وكان العبد أعجميا لا يعلم أن القتل محرم قتل السيد وإن كان يعلم خطر القتل قتل العبد وأدب السيد ) إنما ذكر الخرقي كونه أعجميا وهو الذي لا يفصح ليتحقق منه الجهل

وإنما يكون الجهل في حق من نشأ في غير بلاد الإسلام

فأما من أقام في بلاد الإسلام بين أهله فلا يخفى عليه تحريم القتل ولا يعذر في فعله ومتى كان العبد يعلم تحريم القتل فالقصاص عليه ويؤدب سيده لأمره بما أفضى إلى القتل بما يراه الإمام من الحبس والتعزير وإن كان غير عالم بخطره فالقصاص على سيده ويؤدب العبد قال أحمد يضرب ويؤدب

ونقل عنه أبو طالب قال يقتل الولي ويحبس العبد حتى يموت لأن العبد سوط المولى وسيفه كذا قال علي وأبو هريرة وقال علي رضي


288

الله عنه يستودع السجن

وممن قال بهذه الجملة الشافعي وممن قال إن السيد يقتل علي وأبو هريرة وقال قتادة يقتلان جميعا وقال سليمان بن موسى لا يقتل الآمر ولكن يديه ويعاقب ويحبس لأنه لم يباشر القتل ولا ألجأ إليه فلم يجب عليه قصاص كما لو علم العبد خطر القتل

ولنا إن العبد إذا كان غير عالم بخطر القتل فهو معتقد إباحته وذلك شبهة تمنع القصاص كما لو اعتقده صيدا فرماه فبان إنسانا

ولأن حكمة القصاص الردع والزجر ولا يحصل ذلك في معتقد الإباحة وإذا لم يجب عليه وجب على السيد لأنه آلة له لا يمكن إيجاب القصاص عليه فوجب على المتسبب به كما لو أنهشه حية أو كلبا أو ألقاه في زبية أسد فأكله ويفارق هذا ما إذا علم خطر القتل فإن القصاص على العبد لإمكان إيجابه عليه وهو مباشر له فانقطع حكم الأمر كالدافع مع الحافر ويكون على السيد الأدب لتعديه بالتسبب إلى القتل

فصل ولو أمر صبيا لا يميز أو مجنونا أو أعجميا لا يعلم خطر القتل فقتل فالحكم فيه كالحكم في العبد يقتل الآمر دون المباشر ولو أمره بزنا أو سرقة لم يجب الحد على الآمر لأن الحد لا يجب إلا على المباشر والقصاص يجب بالتسبب ولذلك وجب على المكره والشهود في القصاص

فصل ولو أمر السلطان رجلا فقتل آخر فإن كان القاتل يعلم أنه لا يستحق قتله فالقصاص عليه دون الآمر لأنه غير معذور في فعله فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وعنه عليه السلام أنه قال من أمركم من الولاة بغير طاعة الله تعالى فلا تطيعوه فلزمه القصاص كما لو أمره غير السلطان فإن لم يعلم ذلك فالقصاص على الآمر دون المأمور لأن المأمور معذور لوجوب طاعة الإمام فيما ليس بمعصية والظاهر أنه لا يأمر إلا بالحق وإن أمره غير السلطان من الرعية بالقتل فقتل فالقود على المأمور بكل حال علم أو لم يعلم لأنه لا يلزمه طاعته وليس له القتل بحال بخلاف السلطان فإن إليه القتل للردة والزنا وقطع الطريق إذا قتل القاطع ويستوفي القصاص للناس وهذا ليس إليه شيء من ذلك وإن أكرهه السلطان على قتل أحد أو جلده بغير حق فمات فالقصاص عليهما وإن وجبت الدية كانت عليهما فإن كان الإمام يعتقد جواز القتل دون المأمور كمسلم قتل ذميا أو حر قتل عبدا فقتله فقال القاضي الضمان عليه دون الإمام لأن الإمام أمره بما أدى اجتهاده إليه والمأمور لا يعتقد جوازه فلم يكن له أن يقبل أمره

فإذا قتله لزمه الضمان لأنه قتل من لا يحل له قتله وينبغي أن يفرق بين العامي والمجتهد فإن كان مجتهدا فالحكم فيه على ما ذكره القاضي وإن كان مقلدا فلا ضمان عليه لأن له تقليد الإمام فيما رآه وإن كان الإمام يعتقد تحريمه والقاتل يعتقد حله فالضمان على الآمر كما لو أمر السيد الذي لا يعتقد تحريم القتل به والله أعلم


289

كتاب الديات

الأصل في وجوب الدية الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا النساء 92

وأما السنة فروى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لعمرو بن حزم كتابا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات وقال فيه وإن في النفس مائة من الإبل رواه النسائي في سننه ومالك في موطئه قال ابن عبد البر وهو كتاب مشهور عند أهل السير ومعروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه المتواتر في مجيئه في أحاديث كثيرة تأتي في مواضعها من الباب إن شاء الله وأجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة

مسألة

قال أبو القاسم رحمه الله ( ودية الحر المسلم مائة من الإبل ) أجمع أهل العلم على أن الإبل أصل في الدية وأن دية الحر المسلم مائة من الإبل وقد دلت عليه الأحاديث الواردة منها حديث عمرو بن حزم وحديث عبد الله بن عمر في دية خطأ العمد وحديث ابن مسعود في دية الخطأ وسنذكرها إن شاء الله

وظاهر كلام الخرقي أن الأصل في الدية الإبل لا غير وهذا إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله ذكر ذلك أبو الخطاب وهو قول طاوس والشافعي وابن المنذر وقال القاضي لا يختلف المذهب أن أصول الدية الإبل والذهب والورق والبقر والغنم فهذه خمسة لا يختلف المذهب فيها وهذا قول عمر وعطاء وطاوس وفقهاء المدينة السبعة وبه قال الثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد لأن عمرو بن حزم روى في كتابه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن وأن في النفس المؤمنة مائة من الإبل وعلى أهل الورق ألف دينار رواه النسائي

وروى ابن عباس أن رجلا من بني عدي قتل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم دينه اثني عشر ألفا رواه أبو داود وابن ماجة وروى الشعبي أن عمر جعل على أهل الذهب ألف دينار

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر قام خطيبا فقال ألا إن الإبل قد غلت فقوم على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا وعلى أهل البقر مائتين بقرة وعلى أهل الشاة ألف شاة وعلى أهل الحلل مائتين حلة رواه أبو داود


290

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الإبل ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين دية العمد والخطأ فغلظ بعضها وخفف بعضها ولا يتحقق هذا في غير الإبل ولأنه بدل متلف حقا لآدمي فكان متعينا كعوض الأموال وحديث ابن عباس يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الورق بدلا عن الإبل والخلاف في كونها أصلا وحديث عمرو بن شعيب يدل على أن الأصل الإبل فإن إيجابه لهذه المذكورات على سبيل التقويم لغلاء الإبل ولو كانت أصولا بنفسها لم يكن إيجابها تقويما للإبل ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك ولا لذكره معنى

وقد روي أنه كان يقوم الإبل قبل أن تغلو بثمانية آلاف درهم ولذلك قيل إن دية الذمي أربعة آلاف درهم وديته نصف الدية فكان ذلك أربعة آلاف حين كانت الدية ثمانية آلاف درهم

فصل فإذا قلنا هي خمسة أصول فإن قدرها من الذهب ألف مثقال ومن الورق اثنا عشر ألف درهم ومن البقر والحلل مائتان ومن الشاة ألفا ولم يختلف القائلون بهذه الأصول في قدرها من الذهب ولا من سائرها إلا الورق فإن الثوري وأبا حنيفة وصاحبيه قالوا قدرها عشرة آلاف من الورق وحكي ذلك عن ابن شبرمة لما روى الشعبي أن عمر جعل على أهل الورق عشرة آلاف ولأن الدينار معدول في الشرع بعشرة دراهم بدليل أن نصاب الذهب عشرون مثقالا ونصاب الفضة مائتان وبما ذكرناه قال الحسن وعروة ومالك والشافعي في قول وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس لما ذكرنا من حديث ابن عباس وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر ولأن الدينار معدول باثني عشر درهما بدليل أن عمر فرض الجزية على الغني أربعة دنانير أو ثمانية وأربعين درهما وعلى المتوسط دينارين أو أربعة وعشرون درهما وعلى الفقير دينارا أو اثنا عشر درهما وهذا أولى مما ذكروه في نصاب الزكاة ولأنه لا يلزم أن يكون نصاب أحدهما معدولا بنصاب الآخر كما أن السائمة من بهيمة الأنعام ليس نصاب شيء منها معدولا بنصاب غيره قال ابن عبد البر ليس مع من جعل الدية عشرة آلاف عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث مسند ولا مرسل وحديث الشعبي عن عمر يخالفه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عنه

فصل وعلى هذا أي شيء أحضره من عليه الدية من القاتل أو العاقلة من هذه الأصول لزم الولي أخذه ولم يكن له المطالبة بغيره سواء كان من أهل ذلك النوع أو لم يكن لأنها أصول في قضاء الواجب يجزىء واحد منها فكانت الخيرة إلى من وجبت عليه كخصال الكفارة وكشاتي الجبران في الزكاة مع الدراهم وإن قلنا الأصل الإبل خاصة فعليه تسليمها إليه سليمة من العيوب وأيهما أراد العدول عنها إلى غيرها فللآخر منعه لأن الحق متعين فيها فاستحقت كالمثل في المثليات المتلفة وإن أعوزت الإبل ولم توجد إلا بأكثر من ثمن المثل فله العدول إلى ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم وهذا قول الشافعي القديم وقال في الجديد تجب قيمة الإبل بالغة ما بلغت لحديث عمرو بن شعيب عن عمر في تقويم الإبل ولأن ما ضمن بنوع من المال وجبت قيمته كذوات


291

الأمثال ولأن الإبل إذا أجزأت إذا قلت قلت قيمتها ينبغي أن تجزىء وإن كثرت قيمتها كالدنانير إذا غلت أو رخصت وهكذا ينبغي أن تقول إذا غلت الإبل كلها فأما إن كانت الإبل موجودة بثمن مثلها إلا أن هذا لم يجدها لكونها في غير بلده نحو ذلك فإن قوم الدية من الدراهم اثني عشر ألفا وألف دينار

فصل وظاهر كلام الخرقي أنه لا يعتبر قيمة الإبل بل متى وجدت على الصفة المشروطة وجب أخذها قلت قيمتها أو كثرت وهذا ظاهر مذهب الشافعي وذكر أصحابنا أن ظاهر مذهب أحمد أن تؤخذ مائة قيمة كل بعير منها مائة وعشرون درهما فإن لم يقدر على ذلك أدى اثني عشر ألف درهم أو ألفي دينار لأن عمر قوم الإبل على أهل الذهب ألف مثقال وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا فدل على أن ذلك قيمتها ولأن هذه إبدال محل واحد فيجب أن تتساوى في القيمة كالمثل والقيمة في بدل القرض والمتلف في المثليات

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في النفس المؤمنة مائة من الإبل وهذا مطلق فتقييده يخالف إطلاقه فلم يجز إلا بدليل ولأنها كانت تؤخذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيمتها ثمانية آلاف وقول عمر في حديث إن الإبل قد غلت فقومها على أهل الورق اثني عشر ألفا دليل على أنها في حال رخصها أقل قيمة من ذلك وقد كانت تؤخذ في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من ولاية عمر مع رخصها وقلة قيمتها ونقصها عن مائة وعشرين فإيجاب ذلك فيها خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين دية الخطأ والعمد فغلظ دية العمد وخفف دية الخطأ وأجمع عليه أهل العلم واعتبارها بقيمة واحدة تسوية بينهما وجمع بين ما فرقه الشارع وإزالة للتخفيف والتغليظ جميعا بل هو تغليظ لدية الخطأ لأن اعتبار ابن مخاض بقيمة ثنية أو جذعة يشق جدا فيكون تغليظا للدية في الخطأ وتخفيفا لدية العمد وهذا خلاف ما قصده الشارع وورد به ولأن العادة نقص قيمة بنات المخاض عن قيمة الحقاق والجذعات فلو كانت تؤدى على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بقيمة واحدة ويعتبر ذلك فيها لنقل ولم يجز الإخلال به لأن ما ورد به الشرع مطلقا إنما يحمل على العرف والعادة فإذا أريد به ما يخالف العادة وجب بيانه وإيضاحه لئلا يكون تلبيسا في الشريعة وإيهامهم أن حكم الله خلاف ما هو حكمه على الحقيقة والنبي صلى الله عليه وسلم بعث للبيان قال الله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم النحل 44 فكيف يحمل قوله على الإلباس والإلغاز هذا مما لا يحل ثم لو حمل الأمر على ذلك لكن الأسنان عبثا غير مفيد فإن فائدة ذلك إنما هو كون اختلاف أسنانها مظنة اختلاف القيم فأقيم مقامه ولأن الإبل أصل في الدية فلا تعتبر قيمتها بغيرها كالذهب والورق ولأنها أصل في الوجوب فلا تعتبر قيمتها كالإبل في السلم وشاة الجبران وحديث عمرو بن شعيب حجة لنا فإن الإبل كانت تؤخذ قبل أن تغلو ويقومها عمر وقيمتها أقل من اثني عشر ألفا وقد قيل إن قيمتها كانت ثمانية ألاف ولذلك قال عمر دية الكتابي أربعة آلاف وقولهم إنها إبدال محل واحد فلنا أن نمنع ونقول البدل إنما هو الإبل وغيرها معتبر بها وإن سلمنا فهو


292

منتقض بالذهب والورق فإنه لا يعتبر تساويهما وينتقض أيضا بشاة الجبران مع الدراهم وأما بدل القرض والمتلف فإنما هو المثل خاصة والقيمة بدل عنه لا تجب إلا عند العجز عنه بخلاف مسألتنا

فإن قيل هذا حجة عليكم لقولكم إن الإبل هي الأصل وغيرها بدل عنها فيجب أن يساويها كالمثل والقيمة قلنا إذا ثبت لنا هذا ينبغي أن يقوم غيرها بها ولا تقوم هي بغيرها لأن البدل يتبع الأصل ولا يتبع الأصل البدل على أنا نقول إنما صير إلى التقدير بهذا لأن عمر رضي الله عنه قومها في وقته بذلك فوجب المصير إليه كي لا يؤدي إلى التنازع والاختلاف في قيمة الإبل الواجبة كما قدر لبن المصراة بصاع من التمر نفيا للتنازع في قيمته فلا يوجب هذا أن يرد الأصل إلى التقويم فيفضي إلى عكس حكمة الشرع ووقوع التنازع في قيمة الإبل مع وجوبها بعينها على أن المعتبر في بدلي القرض مساواة المحل المقرض فاعتبر مساواة كل واحد من بدليه له والدية غير معتبرة بقيمة المتلف ولهذا لا تعتبر صفاته وهكذا قول أصحابنا في تقويم البقرة والشاة والحلل يجب أن يكون مبلغ الواجب من كل صنف منها اثني عشر ألفا فتكون قيمة كل بقرة أو حلة ستين درهما وقيمة كل شاة ستة دراهم لتتساوى الأبدال كلها وكل حلة بردتان فيكون أربعمائة برد

فصل ولا يقبل في الإبل معيب ولا أعجف ولا يعتبر فيها أن تكون من جنس إبله ولا إبل بلده

وقال القاضي وأصحاب الشافعي الواجب عليه من جنس إبله سواء كان القاتل أو العاقلة لأن وجوبها على سبيل المواساة فيجب كونها من جنس ما لهم كالزكاة فإذا كان عند بعض العاقلة عراب وعند بعضهم بخاتي أخذ من كل واحدة من جنس ما عنده وإن كان عند واحد صنفان ففيه وجهان أحدهما يؤخذ من كل صنف بقسطه

والثاني يؤخذ من الأكثر فإن استويا دفع من أيهما شاء فإن دفع من غير إبله خيرا من إبله أو مثلها جاز كما لو أخرج في الزكاة خيرا من الواجب وإن كان أدون لم يقبل إلا أن يرضى المستحق

وإن لم يكن له إبل فمن غالب إبل البلد فإن لم يكن في البلد إبل وجب من غالب إبل أقرب البلاد إليه فإن كانت إبله عجافا أو مراضا كلف تحصيل صحاح من جنس ما عنده لأنه بدل متلف فلا تؤخذ فيه معيبة كقيمة الثوب المتلف ونحو هذا قال أصحابنا في البقر والغنم

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في النفس المؤمنة مائة من الإبل أطلق الإبل فمن قيدها احتاج إلى دليل

ولأنها بدل المتلف فلم يختص بجنس ماله كبدل سائر المتلفات ولأنها حق ليس سببه المال فلم يعتبر كونه من جنس ماله كالمسلم فيه والقرض

ولأن المقصود بالدية جبر المفوت والجبر لا يختص بجنس مال من وجب عليه وفارق الزكاة فإنها وجبت على سبيل المواساة ليشارك الفقراء الأغنياء فيما أنعم الله تعالى به عليهم فاقتضى كونه من جنس أموالهم وهذا بدل متلف فلا وجه لتخصيصه بماله

وقولهم إنها مواساة غير صحيح وإنما وجبت جبرا للفائت كبدل المال المتلف وإنما العاقلة تواسي القاتل فيما وجب بجنايته ولهذا لا يجب من جنس أموالهم إذا لم يكونوا


293

ذوي إبل والواجب بجنايته إبل مطلقة فتواسيه في تحملها ولأنها لو وجبت من جنس مالهم لوجبت المريضة من المراض والصغيرة من الصغار كالزكاة

مسألة

قال ( وإن كان القتل عمدا فهي في مال القاتل حالة أرباعا خمس وعشرون بنات مخاص وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون حقه وخمس وعشرون جذعة ) أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل لا تحملها العاقلة وهذه قضية الأصل وهو أن بدل المتلف يجب على المتلف وأرش الجناية على الجاني قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يجني جان إلا على نفسه وقال لبعض أصحابه حين رأى معه ولده ابنك هذا قال نعم قال أما أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه ولأن موجب الجناية أثر فعل الجاني فيجب أن يختص بضررها كما لا يختص بنفعها فإنه لو كسب كان كسبه له دون غيره وقد ثبت حكم ذلك في سائر الجنايات والإكساب وإنما خولف هذا الأصل في قتل المعذور فيه لكثرة الواجب وعجز الجاني في الغالب عن تحمله مع وجوب الكفارة عليه وقيام عذره تخفيفا عنه ورفقا به والعامد لا عذر له فلا يستحق التخفيف ولا يوجب فيه المعنى المقتضي للمواساة في الخطأ إذا ثبت هذا فإنها تجب حالة وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة تجب في ثلاثة سنين لأنها دية آدمي فكانت مؤجلة كدية شبه العمد

ولنا إن ما وجب بالعمد المحض كان حالا كالقصاص وأرش أطرف العبد ولا يشبه شبه العمد لأن القاتل معذور لكونه لم يقصد القتل وإنما أفضى إليه من غير اختيار منه فأشبه الخطأ ولهذا تحمله العاقلة ولأن القصد التخفيف على العاقلة الذين لم تصدر منهم جناية وحملوا أداء مال مواساة فالأرفق بحالهم التخفيف عنهم وهذا موجود في الخطأ وشبه العمد على السواء وأما العمد فإنما يحمله الجاني في غير حال العذر فوجب أن يكون ملحقا ببدل سائر المتلفات ويتصور الخلاف معه فيما إذا قتل ابنه أو قتل أجنبيا وتعذر استيفاء القصاص لعفو بعضهم أو غير ذلك واختلفت الرواية في مقدارها فروى جماعة عن أحمد أنها أرباع كما ذكر الخرقي وهو قول الزهري وربيعة ومالك وسليمان بن يسار وأبي حنيفة وروي ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه وروى جماعة عن أحمد أنها ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها وبهذا قال عطاء ومحمد بن الحسن والشافعي وروي ذلك عن عمر وزيد وأبي موسى والمغيرة لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم وذلك لتشديد القتل رواه الترمذي وقال هو حديث حسن غريب وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهم وعن عمرو بن شعيب أن رجلا يقال له قتادة حذف ابنه بالسيف فقتله فأخذ عمر منه الدية ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة رواه مالك في موطئه ووجه الأول ما روى الزهري عن السائل بن يزيد قال كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرباعا خمسا


294

وعشرين جذعة وخمسا وعشرين حقة وخمسا وعشرين بنت لبون وخمسا وعشرين بنت مخاض ولأنه قول ابن مسعود ولأنه حق يتعلق بجنس الحيوان فلا يعتبر فيه الحمل كالزكاة والأضحية

فصل والخلفة الحامل وقول النبي صلى الله عليه وسلم في بطونها أولادها تأكيد وقلما تحمل إلا ثنية وهي التي لها خمس سنين ودخلت في السادسة وأي ناقة حملت فهي خلفة تجزىء في الدية وقد قيل لا تجزىء إلا ثنية لأن في بعض ألفاظ الحديث أربعون خلفة ما بين ثنية عامها إلى بازل ولأن سائر أنواع الإبل مقدرة السن فكذلك الخلفة والذي ذكره القاضي هو الأولى لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الخلفة والخلفة هي الحامل فيقتضي أن تجزىء كل حامل ولو أحضرها خلفة فأسقطت قبل قبضها فعليه بدلها فإن أسقطت بعد قبضها أجزأت لأنه برىء منها بدفعها

فصل فإن اختلفا في حملها رجع إلى أهل الخبرة كما يرجع في حمل المرأة إلى القوابل وإن تسلمها الولي ثم قال لم تكن حوامل وقد ضمرت أجوافها وقال الجاني بل قد ولدت عندك نظرت فإن قبضها بقول أهل الخبرة فالقول قول الجاني لأن الظاهر إصابتهم وإن قبضها بغير قولهم فالقول قول الولي لأن الأصل عدم الحمل

مسألة

قال ( وإن كان القتل شبه عمد فكما وصفت في أسنانها إلا أنها على العاقلة في ثلاث سنين في كل سنة ثلثها ) وجملته أن القول في أسنان دية شبه العمد كالقول في دية العمد سواء في اختلاف الروايتين فيها واختلاف العلماء فيها وقد سبق الكلام في ذلك إلا أنها تخالف العمد في أمرين أحدهما أنها على العاقلة في ظاهر المذهب وبه قال الشعبي والنخعي والحكم والشافعي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال ابن سيرين والزهري والحارث العكلي وابن شبرمة وقتادة وأبو ثور هي على القاتل في ماله واختاره أبو بكر عبد العزيز لأنها موجب فعل قصده فلم تحمله العاقلة كالعمد المحض ولأنها دية مغلظة فأشبهت دية العمد وهكذا يجب أن يكون مذهب مالك لأن شبه العمد عنده من باب العمد

ولنا ما روى أبو هريرة قال اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية المرأة على عاقلتها متفق عليه ولأنه نوع قتل لا يوجب قصاصا فوجبت ديته على العاقلة كالخطأ ويخالف العمد المحض لأنه يغلظ من كل وجه لقصده الفعل وإرادته القتل وعمد الخطأ يغلظ من وجه وهو قصده الفعل ويخفف من وجه وهو كونه لم يرد القتل فاقتضى تغليظها من وجه وهو الأسنان وتخفيفها من وجه وهو حمل العاقلة لها وتأجيلها ولا أعلم في أنها تجب مؤجلة خلافا بين أهل العلم وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة وأبو هاشم وعبد الله بن عمر ومالك والشافعي


295

وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وقد حكي عن قوم من الخوارج أنهم قالوا الدية حالة لأنها بدل متلف

ولم ينقل إلينا ذلك عمن يعد خلافه خلافا وتخالف الدية سائر المتلفات لأنها تجب على غير الجاني على سبيل المواساة له فاقتضت الحكمة تخفيفها عليهم وقد روي عن عمر وعلي أنهما قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين ولا مخالف لهما في عصرهما فكان إجماعا

فصل ويجب في آخر كل حول ثلثها ويعتبر ابتداء السنة من حين وجوب الدية

وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ابتداؤها من حين حكم الحاكم لأنها مدة مختلف فيها فكان ابتداؤها من حين حكم الحاكم كمدة العنة

ولنا إنه مال مؤجل فكان ابتداء أجله من حين وجوبه كالدين المؤجل والسلم ولا نسلم الخلاف فيها فإن الخوارج لا يعتد بخلافهم إذا ثبت هذا فإن كان الواجب دية نفس فابتداء حولها من حين الموت سواء كان قتلا موجبا أو عن سراية جرح وإن كان الواجب دية جرح نظرت فإن كان عن جرح اندمل من غير سراية مثل أن قطع يده فبرأت بعد مدة فابتداء المدة من حين القطع لأن تلك حالة الوجوب ولهذا لو قطع يده وهو ذمي فأسلم ثم اندملت وجب نصف دية يهودي

وأما إن كان الجرح ساريا مثل أن قطع أصبعه فسرى ذلك إلى كفه ثم اندمل فابتداء المدة من حين الاندمال لأنها إذا سرت فما استقر الأرش إلا عند الاندمال هكذا ذكر القاضي وأصحاب الشافعي وقال أبو الخطاب تعتبر المدة من حين الاندمال فيهما لأن الأرش لا يستقر إلا بالاندمال بينهما

فصل وإذا كان الواجب دية فإنها تقسم في ثلاث سنين في كل سنة ثلثها سواء كانت دية النفس أو دية الطرف كدية جدع الأنف أو الأذنين أو قطع الذكر أو الأنثيين وإن كان دون الدية نظرنا فإن كان ثلث الدية كدية المأمومة أو الجائفة وجب في آخر السنة الأولى ولم يجب منه شيء حالا وإن كان نصف الدية أو ثلثها كدية اليد أو دية المنخرين وجب الثلث في آخر السنة الأولى والباقي في آخر السنة الثانية وإن كان أكثر من الثلثين كدية ثمان أصابع وجب الثلثان في السنتين والباقي في آخر الثالثة وإن كان أكثر من دية مثل أن ذهب سمع إنسان ففي كل سنة ثلث لأن الواجب لو كان دون الدية لم ينقص في السنة عن الثلث فكذلك لا يزيد عليه إذا زاد على الثلث وإن كان الواجب بالجناية على اثنين وجب لكل واحد ثلث في كل سنة لأن كل واحد له دية فيستحق ثلثها كما لو انفرد حقه وإن كان الواجب دون ثلث الدية كدية الأصبع لم تحمله العاقلة لأنها لا تحمل ما دون الثلث ويجب حالا لأنه بدل متلف لا تحمله فكان حالا كالجناية على المال

فصل وفي الدية الناقصة كدية المرأة والكتابي وجهان

أحدهما تقسم في ثلاث سنين لأنها بدل النفس فأشبهت الدية الكاملة

والثاني يجب منها في العام الأول قدر ثلث الدية الكاملة وباقيها في العام الثاني لأن هذه تنقص عن الدية فلم تقسم في ثلاث سنين كأرش الطرف وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي كالوجهين وإن كانت الدية لا تبلغ ثلث الدية الكاملة كدية المجوسي وهو ثمانمائة درهم ودية الجنين وهي


296

خمس من الإبل لم تحمله العاقلة لأنها لا تحمل ما دون الثلث فأشبه دية السن والموضحة إلا أن يقتل الجنين مع أمه فتحمله العاقلة لأنها جناية واحدة وتكون دية الأم على الوجهين بأن قلنا هي في عامين كانت دية الجنين واجبة مع ثلث دية الأم في العام الأول لأنها دية أخرى ويحتمل أن تجب مع باقي دية الأم في العام الثاني وإن قلنا دية الأم في ثلاث سنين فهل تجب دية الجنين في ثلاثة أعوام أو لا على وجهين فإذا قلنا بوجوبها في ثلاث سنين وجبت في السنين التي وجبت فيها دية الأم لأنهما ديتان لمستحقين فيجب في كل سنة ثلث ديتها وثلث ديته ويحتمل أن تجب في ثلاث سنين أخرى لأن تلفها موجب جناية واحدة

مسألة

قال ( وإن كان القتل خطأ كان على العاقلة مائة من الإبل تؤخذ في ثلاث سنين أخماسا عشرون بنات مخاض وعشرون بنو مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة ) لا يختلف المذهب في أن دية الخطأ أخماسا كما ذكر الخرقي وهذا قول ابن مسعود والنخعي وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهري والليث وربيعة ومالك والشافعي هي أخماس إلا أنهم جعلوا مكان بني مخاض بني لبون وهكذا رواه سعيد في سننه عن النخعي عن ابن مسعود وقال الخطابي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ودعى الذي قتل بخيبر بمائة من إبل الصدقة وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض وروي عن علي والحسن والشعبي والحارث العكلي وإسحاق أنها أرباع كدية العمد سواء وعن زيد أنها ثلاثون حقة وثلاثون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون بنت مخاض وقال طاوس ثلاثون حقة وثلاثون بنت لبون وثلاثون بنت مخاض وعشرون بني لبون ذكور لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن من قتل خطأ فديته من الإبل ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وعشر بني لبون ذكور رواه أبو داود وابن ماجة وقال أبو ثور الديات كلها أخماس كدية الخطأ لأنها بدل متلف فلا تختلف بالعمد والخطأ كسائر المتلفات وحكي عنه أن دية العمد مغلظة ودية شبه العمد والخطأ أخماس لأن شبه العمد تحمله العاقلة فكان أخماسا كدية الخطأ

ولنا ما روى عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون بني مخاض رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة ولأن ابن لبون يجب على طريق البدل عن ابنة مخاض في الزكاة إذا لم يجدها فلا يجمع البدل والمبدل في واجب ولأن موجبهما واحد فيصير كأنه أوجب أربعين ابنة مخاض ولأن ما قلناه الأقل فالزيادة عليه لا تثبت إلا بتوقيف يجب على من ادعاه الدليل فأما دية قتيل خيبر فلا حجة لهم فيه لأنهم لم يدعوا على أهل خيبر قتله إلا عمدا فتكون ديته دية العمد وهي من أسنان الصدقة والخلاف في دية الخطأ وقول أبي ثور يخالف الآثار المروية التي ذكرناها فلا يعول عليه


297

فصل ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن دية الخطأ على العاقلة قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم وقد ثبت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قضى بدية الخطأ عن العاقلة وأجمع أهل العلم على القول به وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم دية عمد الخطأ على العاقلة بما قد رويناه من الأحاديث وفيه تنبيه على أن العاقلة تحمل دية الخطأ والمعنى ذلك أن جنايات الخطأ تكثر ودية الآدمي كثيرة فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل والإعانة له تخفيفا عنه إذا كان معذورا في فعله وينفرد هو بالكفارة

فصل ولا خلاف بينهم في أنها مؤجلة في ثلاث سنين فإن عمر وعليا رضي الله عنهم جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفا فأتبعهم على ذلك أهل العلم ولأنه مال يجب على سبيل المواساة فلم يجب حالا كالزكاة وكل دية تحملها العاقلة تجب مؤجلة لما ذكرنا وما لا تحمله العاقلة يجب حالا لأنه بدل متلف فلزم المتلف حالا كقيم المتلفات وفارق الذي تحمله العاقلة فإنه يجب مواساة فألزم التأجيل تخفيفا على متحمله وعدل به عن الأصل في التأجيل كما عدل به عن الأصل في إلزامه غير الجاني

فصل ولا يلزم القاتل شيء من الدية وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة هو كواحد من العاقلة لأنها وجبت عليهم إعانة له فلا يريدون عليه فيها

ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية المرأة على عاقلتها متفق عليه وهذا يقتضي أنه قضى بجميعها عليهم ولأنه قاتل لم تلزمه الدية فلم يلزمه بعضها كما لو أمره الإمام بقتل رجل فقتله يعتقد أنه بحق فبان مظلوما ولأن الكفارة تلزم القاتل في ماله وذلك يعدل قسطه من الدية وأكثر منه فلا حاجة إلى إيجاب شيء من الدية عليه

فصل والكفارة في مال القاتل لا يدخلها تحمل وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين تكون في بيت المال لأنها تكثر فإيجابها في ماله يجحف به

ولنا إنها كفارة فلا تجب على غير من وجد منه سببها كسائر الكفارات وكما لو كانت صوما ولأن الكفارة شرعت للتكفير عن الجاني ولا يكفر عنه بفعل غيره ويفارق الدية فإنها إنما شرعت لخير المحل وذلك يحصل بها كيفما كان ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قضى بالدية على العاقلة لم يكفر عن القاتل وما ذكروه لا أصل له ولا يصح قياسه على الدية لوجوه أحدها أن الدية لم تجب في بيت المال لأنها إنما وجبت على العاقلة ولا يجوز أن يثبت حكم الفرع مخالفا لحكم الأصل

الثاني أن الدية كثيرة فإيجابها على القاتل يجحف به والكفارة بخلافها


298

الثالث أن الدية وجبت مواساة للقاتل وجعل حظ القاتل من الواجب الكفارة فإيجابها على غيره يقطع المواساة ويوجب على غير الجاني أكثر مما وجب عليه وهذا لا يجوز

فصل وذكر أصحابنا أن الدية تغلظ بثلاثة أشياء إذا قتل في الحرم والشهور الحرم وإذا قتل محرما وقد نص أحمد رحمه الله على التغليظ على من قتل محرما في الحرم وفي الشهر الحرام فأما إن قتل ذا رحم محرم فقال أبو بكر تغلظ ديته وقال القاضي ظاهر كلام أحمد أنها لا تغلظ وقال أصحاب الشافعي تغلظ بالحرم والأشهر الحرم وذي الرحم المحرم وفي التغليظ بالإحرام وجهان وممن روي عنه التغليظ عثمان وابن عباس والسعيدان وعطاء وطاوس والشعبي ومجاهد وسليمان بن يسار وجابر بن زيد وقتادة والأوزاعي ومالك والشافعي وإسحاق واختلف القائلون بالتغليظ في صفته فقال أصحابنا تغلظ لكل واحد من الحرمات ثلث الدية فإذا اجتمعت الحرمات الثلاث وجبت ديتان

قال أحمد في رواية ابن منصور فيمن قتل محرما في الحرم وفي الشهر الحرام فعليه أربعة وعشرون ألفا وهذا قول التابعين القائلين بالتغليظ

وقال أصحاب الشافعي صفة التغليظ إيجاب دية العمد في الخطأ لا غير ولا يتصور التغليظ في غير الخطأ ولا يجمع بين تغليظين

وهذا قول مالك إلا أنه يغلظ في العمد فإذا قتل ذا رحم محرم عمدا فعليه ثلاثون جذعة وأربعون خلفة وتغليظها في الذهب والورق أن ينظر قيمة أسنان الإبل غير مغلظة وقيمتها مغلظة ثم يحكم بزيادة ما بينهما كأن قيمتها مخففة ستمائة وفي العمد ثمانمائة وذلك ثلث الدية المخففة وعند مالك تغلظ على الأب والأم والجد دون غيرهم واحتجا على صفة التغليظ بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه أخذ من قتادة المدلجي دية ابنه حين حذفه بالسيف ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة ولم يزد عليه في العدد شيئا وهذه قصة اشتهرت فلم تنكر فكانت إجماعا ولأن ما أوجب التغليظ أوجبه في الأسنان دون القدر كالضمان ولا يجمع بين تغليظين لأن ما أوجب التغليظ بالضمان إذا اجتمع سببان تداخلا كالحرم والإحرام في قتل الصيد وعلى أنه لا يغلظ بالإحرام أن الشرع لم يرد بتغليظه واحتج أصحابنا بما روى ابن أبي نجيح أن امرأة وطئت في الطواف فقضى عثمان رضي الله عنه فيها بستة آلاف وألفين تغليظا للحرم وعن ابن عمر أنه قال من قتل في الحرم أو ذا رحم أو في الشهر الحرام فعليه دية وثلث وعن ابن عباس أن رجلا قتل رجلا في الشهر الحرام وفي البلد الحرام فقال ديته اثنا عشر ألفا وللشهر الحرام أربعة آلاف وللبلد الحرام أربعة آلاف وهذا مما يظهر وينتشر ولم ينكر فيثبت إجماعا وهذا فيه الجمع بين تغليظات ثلاث ولأنه قول التابعين القائلين بالتغليظ واحتجوا على التغليظ في العمد أنه إذا غلظ الخطأ مع العذر فيه ففي العمد مع عدم العذر أولى وكل من غلظ الدية أوجب التغليظ في بدل الطرف بهذه الأسباب لأن ما أوجب تغليظ دية النفس أوجب تغليظ دية الطرف كالعمد وظاهر


299

كلام الخرقي أن الدية لا تغلظ بشيء من ذلك وهو قول الحسن والشعبي والنخعي وأبي حنيفة والجوزجاني وابن المنذر

وروي ذلك عن الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في النفس المؤمنة مائة من الإبل لم يزد على ذلك وعلى أهل الذهب ألف مثقال وفي حديث أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وأنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله

من قتل له قتيل بعد ذلك فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية وهذا القتل كان بمكة في حرم الله تعالى فلم يزد النبي صلى الله عليه وسلم على الدية ولم يفرق بين الحرم وغيره

وقول الله عز وجل ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله النساء 92 يقتضي أن الدية واحدة في كل مكان وفي كل حال ولأن عمر رضي الله عنه أخذ من قتادة المدلجي دية ابنه ولم يزد على مائة وروى الجوزجاني بإسناده عن أبي الزناد أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع الفقهاء فكان مما أحيى من تلك السنن بقول فقهاء المدينة السبعة ونظرائهم أن ناسا كانوا يقولون إن الدية تغلظ في الشهر الحرام أربعة آلاف فتكون ستة عشر ألف درهم فألغى عمر رحمه الله ذلك بقول الفقهاء وأثبتها اثني عشر ألف درهم في الشهر الحرام والبلد الحرام وغيرهما قال ابن المنذر وليس ثابت ما روي عن الصحابة في هذا ولو صح فقول عمر يخالفه وقوله أولى من قول من خالفة وهو أصح في الرواية مع موافقته الكتاب والسنة والقياس

فصل ولا تغلظ الدية بموضع غير الحرم وقال أصحاب الشافعي تغلظ الدية بالقتل في المدينة على قوله القديم لأنها مكان يحرم صيده فأشبهت الحرم وليس بصحيح لأنها ليست محلا للمناسك فأشبهت سائر البلدان ولا يصح قياسها على الحرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أي بلد هذا أليست البلدة الحرام قال فإن دماءكم وأموالكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا وهذا يدل على أنه أعظم البلاد حرمة وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أعتى الناس على الله رجل قتل في الحرم ورجل قتل غير قاتله ورجل قتل بذحل الجاهلية وتحريم الصيد ليس هو العلة في التغليظ وإن كان من جملة المؤثر فقد خالف تحريم الحرم فإنه لا يجب الجزاء على من قتل فيه صيدا ولا يحرم للرعي فيه ولا الاحتشاش منه ولا ما يحتاج إليه من الرحل والعارضة والقائمة وشبهه

مسألة

قال ( والعاقلة لا تحمل العبد ولا العمد ولا الصلح ولا الاعتراف وما دون الثلث ) في هذه المسألة خمس مسائل

الأولى أن العاقلة لا تحمل العبد يعني إذا قتل العبد قاتل وجبت قيمته في مال القاتل ولا شيء على عاقلته خطأ كان أو عمدا وهو قول ابن عباس والشعبي والثوري ومكحول والنخعي والبتي ومالك والليث وابن أبي ليلى وإسحاق وأبي ثور وقال عطاء والزهري والحكم وحماد وأبو


300

حنيفة تحمله العاقلة لأنه آدمي يجب بقتله القصاص والكفارة فحملت العاقلة بدله كالحر وعن الشافعي كالمذهبين ووافقنا أبو حنيفة في دية أطرافه

ولنا ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا وروي عن ابن عباس موقوفا عليه ولم نعرف له في الصحابة مخالفا فيكون إجماعا ولأن الواجب فيه قيمة تختلف باختلاف صفاته فلم تحمله العاقلة كسائر القيم ولأنه حيوان لا تحمل العاقلة قيمة أطرافه فلم تحمل الواجب في نفسه كالفرس وبهذا فارق الحر

المسألة الثانية أنها لا تحمل العمد سواء كان مما يجب القصاص فيه أو لا يجب ولا خلاف في أنها لا تحمل دية ما يجب فيه القصاص وأكثر أهل العلم على أنها لا تحمل العمد بكل حال وحكي عن مالك أنها تحمل الجنايات التي لا قصاص فيها كالمأمومة والجائفة وهذا قول قتادة لأنها جناية لا قصاص فيها أشبهت جناية الخطأ

ولنا حديث ابن عباس ولأنها جناية عمد فلا تحملها العاقلة كالموجب للقصاص وجناية الأب على ابنه ولأن العاقلة إنما يثبت في الخطأ لكون الجاني معذورا تخفيفا عنه ومواساة له والعامد غير معذور فلا يستحق التخفيف ولا المعاونة فلم يوجد فيه المقتضي وبهذا فارق العمد الخطأ ثم يبطل ما ذكروه بقتل الأب ابنه فإنه لا قصاص فيه ولا تحمله العاقلة

فصل وإن اقتص بحديدة مسمومة فسرى إلى النفس ففيه وجهان أحدهما تحمله العاقلة

لأنه ليس بعمد محض أشبه عمد الخطأ

والثاني لا تحمله

لأنه قتله بآلة يقتل مثلها غالبا فأشبه من لا قصاص له ولو وكل استيفاء القصاص ثم عفا عنه فقتله الوكيل من غير علم بعفوه فقال القاضي لا تحمله العاقلة لأنه عمد قتله وقال أبو الخطاب تحمله العاقلة لأنه لم يقصد الجناية ومثل هذا يعد خطأ بدليل ما لو قتل في دار مسلما يظنه حربيا فإنه عمد قتله وهو أحد نوعي الخطأ وهذا أصح ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين

فصل وعمد الصبي والمجنون خطأ تحمله العاقلة وقال الشافعي في أحد قوليه لا تحمله لأنه عمد يجوز تأديبهما عليه فأشبه القتل من البالغ

ولنا إنه لا يتحقق منهما كمال القصد فتحمله العاقلة كشبه العمد ولأنه قتل لا يوجب القصاص لأجل العذر فأشبه الخطأ وشبه العمد وبهذا فارق ما ذكروه ويبطل ما ذكروه بشبه العمد

المسألة الثالثة أنها لا تحمل الصلح ومعناه أن يدعى عليه القتل فينكره ويصالح المدعي على مال فلا تحمله العاقلة لأنه مال ثبت بمصالحته واختياره فلم تحمله العاقلة كالذي ثبت باعترافه وقال القاضي معناه أن يصالح الأولياء عن دم العمد إلى الدية والتفسير الأول أولى لأن هذا عمد فيستغني عنه بذكر العمد وممن قال لا تحمل العاقلة الصلح ابن عباس والزهري والشعبي والثوري والليث والشافعي وقد ذكرنا حديث


301

ابن عباس فيه ولأنه لو حملته العاقلة أدى إلى أن يصالح بمال غيره ويوجب عليه حقا بقوله

المسألة الرابعة أنها لا تحتمل الاعتراف وهو أن يقر الإنسان على نفسه بقتل خطأ أو شبه عمد فتجب الدية عليه ولا تحمله العاقلة ولا نعلم فيه خلافا وبه قال ابن عباس والشعبي والحسن وعمر بن عبد العزيز والزهري وسليمان بن موسى والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وقد ذكرنا حديث ابن عباس فيه ولأنه لو وجب عليهم لوجب بإقرار غيرهم ولا يقبل إقرار شخص على غيره ولأنه يتهم في أن يواطىء من يقر له بذلك ليأخذ الدية من عاقلته فيقاسمه إياها

إذا ثبت هذا فإنه يلزمه ما اعترف به وتجب الدية عليه حالة في ماله في قول أكثرهم

وقال أبو ثور وابن عبد الحكم لا يلزمه شيء ولا يصح إقراره لأنه مقر على غيره لا على نفسه ولأنه لم يثبت موجب إقراره فكان باطلا كما لو أقر على غيره بالقتل

ولنا قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله النساء 92 ولأنه مقر على نفسه بالجناية الموجبة للمال فصح إقراره كما لو أقر بإتلاف مال أو بما لا تحمل ديته العاقلة ولأنه محل مضمون فيضمن إذا اعترف به كسائر المحال وإنما سقطت عنه الدية في محل الوفاق لتحمل العاقلة لها فإذا لم تحملها وجبت عليه كجناية المرتده

المسألة الخامسة أنها لا تحمل ما دون الثلث وبهذا قال سعيد بن المسيب وعطاء ومالك وإسحاق وعبد العزيز وعمر بن أبي سلمة وبه قال الزهري وقال لا تحمل الثلث أيضا وقال الثوري وأبو حنيفة تحمل السن والموضحة وما فوقها لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الغرة التي في الجنين على العاقلة وقيمتها نصف عشر الدية ولا تحمل ما دون ذلك لأنه ليس فيه أرش مقدر والصحيح عن الشافعي أنها تحمل الكثير والقليل لأن من حمل الكثير حمل القليل كالجاني في العمد

ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قضى في الدية أن لا يحمل منها شيء حتى تبلغ عقل المأمومة ولأن مقتضى الأصل وجوب الضمان على الجاني لأنه موجب جنايته وبدل متلفه فكان عليه كسائر المتلفات والجنايات وإنما خولف في الثلث فصاعدا تخفيفا عن الجاني لكونه كثيرا يجحف به قال النبي صلى الله عليه وسلم الثلث كثير ففيما دونه يبقى عليه قضية الأصل ومقتضى الدليل وهذا حجة على الزهري لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثلث كثيرا فأما دية الجنين فلا تحملها العاقلة إلا إذا مات مع أمه من الضربة لكون ديتهما جميعا موجب جناية تزيد على الثلث وإن سلمنا وجوبها على العاقلة فلأنها دية آدمي كاملة

فصل وتحمل العاقلة دية الطرف إذا بلغ الثلث وهو قول من سمينا في المسألة التي قبل هذا


302

وحكي عن الشافعي أنه قال في القديم لا تحمل ما دون الدية لأن ذلك يجري مجرى ضمان الأموال بدليل أنه لا تجب فيه كفارة

ولنا قول عمر رضي الله عنه ولأن الواجب دية جناية على حر تزيد على الثلث فحملتها العاقلة كدية النفس

لأنه كثير يجب ضمانا لحر أشبه ما ذكرنا وما ذكره يبطل بما إذا جنى على الأطراف بما يوجب الدية أو زيادة عليها

فصل وتحمل العاقلة دية المرأة بغير خلاف بينهم فيها وتحمل من جراحها ما أبلغ أرشه ثلث دية الرجل كدية أنفها وما دون ذلك كدية يدها لا تحمله العاقلة وكذلك الحكم في دية الكتابي ولا تحمل دية المجوسي لأنها دون الثلث ولا دية الجنين إن مات منفردا أو مات قبل موت أمه نص عليه أحمد لأنه دون الثلث وإن مات مع أمه حملتها العاقلة نص عليه لأن وجوب ديتهما حصل في حال واحدة بجناية واحدة مع زيادتهما على الثلث فحملتها العاقلة كالدية الواحدة

فصل وإن كان الجاني ذميا فعقله على عصبته من أهل ديته المعاهدين في إحدى الروايتين وهو قول الشافعي وفي الأخرى لا يتعاقلون لأن المعاقلة تثبت في حق المسلم على خلاف الأصل تخفيفا عنه ومعونة له فلا يلحق به الكافر لأن المسلم أعظم حرمة وأحق بالمواساة والمعونة من الذمي ولهذا وجبت الزكاة على المسلمين مواساة لفقرائهم ولم تجب على أهل الذمة لفقرائهم فتبقى في حق الذي على الأصل ووجه الرواية الأولى أنهم عصبة يرثونه فيعقلون عنه كعصبة المسلم من المسلمين ولا يعقل عنه عصبته المسلمون لأنهم لا يرثونه ولا الحربيون لأن الموالاة والنصرة ومنقطعة بينهم ويحتمل أن يعقلوا عنه إذا قلنا إنهم يرثونه لأنهم أهل دين واحد يرث بعضهم بعضا ولا يعقل يهودي عن نصراني ولا نصراني عن يهودي لأنهم لا موالاة بينهم وهم أهل ملتين مختلفتين ويحتمل أن يتعاقلا بناء على الروايتين في توارثهما

فصل وإن تنصر يهودي أو تهود نصراني وقلنا إنه يقر عليه عقل عنه عصبته من أهل الدين الذي انتقل إليه وهل يعقل عنه الذين انتقل عن دينهم على وجهين وإن قلنا لا يقر لم يعقل عنه أحد لأنه كالمرتد والمرتد لا يعقل عنه أحد لأنه ليس بمسلم فيعقل عنه المسلمون ولا ذمي فيعقل عنه أهل الذمة وتكون جنايته في ماله وكذلك كل من لا تحمل عاقلته جنايته يكون موجبها في ماله كسائر الجنايات التي لا تحمل العاقلة

فصل ولو رمى ذمي صيدا ثم أسلم ثم أصاب السهم آدميا فقتله لم يعقله المسلمون لأنه لم يكن مسلما حال رميه ولا المعاهدون لأنه قتله وهو مسلم فيكون في مال الجاني وهكذا لو رمى وهو مسلم ثم ارتد ثم قتل السهم إنسانا لم يعقله أحد ولو جرح ذمي ذميا ثم أسلم الجارح ومات المجروح وكان أرش جراحه يزيد على الثلث فعقله على عصبته من أهل الذمة وما زاد على أرش الجرح لا يحمله أحد ويكون في مال الجاني كما


303

ذكرنا وإن لم يكن أرش الجرح مما تحمله العاقلة فجميع الدية على الجاني وكذلك الحكم إذا جرح مسلما ثم ارتد ويحتمل أن تحمل الدية كلها العاقلة في المسألتين لأن الجناية وجدت وهو ممن تحمل العاقلة جنايته ولهذا وجب القصاص في المسألة الأولى وإذا كان عمدا ويحتمل أن لا يتحمل العاقلة شيئا لأن الأرش إنما يستقر باندمال الجرح أو سرايته

فصل إذا تزوج عبد معتقة فأولادها أولادا فولاؤهم لمولى أمهم وإن جنى أحدهم فالعقل على مولى أمه لأنه عصبته ووارثه فإن أعتق أبوه ثم سرت الجناية أو رمى بسهم فلم يقع السهم حتى أعتق أبوه لم يحمل عقله أحد لأن موالي الأم قد زال ولاؤهم عنه قبل قتله وموالي الأب لم يكن لهم عليه ولاء حال جنايته فتكون الدية عليه في ماله إلا أن يكون أرش الجرح مما تحمله العاقلة منفردا فيخرج فيه مثل ما قلنا في المسألة التي قبلها

فصل وإن جنى الرجل على نفسه خطأ أو على أطرافه ففيه روايتان

قال القاضي أظهرهما أن على عاقلته ديته لورثته إن قتل نفسه أو أرش جرحه لنفسه إذا كان أكثر من الثلث وهذا قول الأوزاعي وإسحاق لما روي أن رجلا ساق حمارا فضربه بعصا كانت معه فطارت منها شظية ففقأت عينه فجعل عمر ديته على عاقلته وقال هي يد من أيدي المسلمين لم يصبها اعتداء على أحد ولم نعرف له مخالفا في عصره ولأنها جناية خطأ فكان عقلها على عاقلته كما لو قتل غيره

فعلى هذه الرواية إن كانت العاقلة الورثة لم يجب شيء لأنه لا يجب للإنسان شيء على نفسه وإن كان بعضهم وارثا سقط عنه ما يقابل نصيبه وعليه ما زاد على نصيبه وله ما بقي إن كان نصيبه من الدية أكثر من الواجب عليه

والرواية الثانية جنايته هدر وهذا قول أكثر أهل العلم منهم ربيعة ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وهو أصح لأن عامر بن الأكوع بارز مرحبا يوم خيبر فرجع سيفه على نفسه فمات ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بدية ولا غيرها ولو وجبت لبينه النبي صلى الله عليه وسلم

ولأنه جنى على نفسه فلم يضمنه غيره كالعمد ولأن وجوب الدية على العاقلة إنما كان مواساة للجاني وتخفيفا عنه وليس على الجاني هاهنا شيء يحتاج إلى الإعانة والمواساة فيه فلا وجه لإيجابه

ويفارق هذا ما إذا كانت الجناية على غيره فإنه لو لم تحمله العاقلة لأجحف به وجوب الدية لكثرتها

فأما إن كانت الجناية على نفسه شبه عمد فهل تجري مجرى الخطأ على وجهين أحدهما هي كالخطأ لأنها تساويه فيما إذا كانت على غيره

والثاني لا تحمله العاقلة لأنه لا عذر له فأشبه العمد المحض

فصل وأما خطأ الإمام والحاكم في غير الحكم والاجتهاد فهو على عاقلته بغير خلاف إذا كان مما تحمله العاقلة وما حصل باجتهاده ففيه روايتان إحدهما على عاقلته أيضا لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه بعث إلى امرأة ذكرت بسوء فأجهضت جنينها فقال عمر لعلي عزمت عليك لا تبرح حتى تقسمها على قومك ولأنه جاز فكان خطؤه على عاقلته كغيره

والثانية هو في بيت المال وهو مذهب الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة


304

وإسحاق لأن الخطأ يكثر في أحكامه واجتهاده فإيجاب عقله على عاقلته يجحف بهم ولأنه نائب عن الله تعالى في أحكامه وأفعاله فكان أرش جنايته في مال الله سبحانه وللشافعي قولان كالروايتين

مسألة

قال ( وإذا جنى العبد فعلى سيده أن يفديه أو يسلمه فإن كانت الجناية أكثر من قيمته لم يكن على سيده أكثر من قيمته ) هذا في الجناية التي تؤدي بالمال إما لكونها لا توجب إلا المال وإما لكونها موجبة للقصاص فعفا عنها إلى المال فإن جناية العبد تتعلق برقبته إذ لا يخلو من أن تتعلق برقبته أو ذمته أو ذمة سيده

أو لا يجب شيء ولا يمكن إلغاؤها لأنها جناية آدمي فيجب اعتبارها كجناية الحر ولأن جناية الصغير والمجنون غير ملغاة مع عذره وعدم تكليفه فجناية العبد أولى ولا يمكن تعلقها بذمته لأنه يقضي إلى إلغائها أو تأخير حق المجني عليه إلى غير غاية ولا بذمة السيد لأنه لم يجن فتعين تعلقها برقبة العبد ولأن الضمان موجب جنايته فتتعلق برقبته كالقصاص ثم لا يخلو أرش الجناية من أن يكون بقدر قيمته فما دون أو أكثر فإن كان بقدرها فما دون فالسيد مخير بين أن يفديه بأرش جنايته أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه وبهذا قال الثوري ومحمد بن الحسن وإسحاق وروي ذلك عن الشعبي وعطاء ومجاهد وعروة والحسن والزهري وحماد لأنه إن دفع أرش الجناية فهو الذي وجب للمجني عليه فلم يملك المطالبة بأكثر منه وإن سلم العبد فقد أدى المحل الذي تعلق الحق به

ولأن حق المجني عليه لا يتعلق بأكثر من الرقبة وقد أداها وإن طالب المجني عليه بتسليمه إليه وأبى ذلك سيده لم يجبر عليه لما ذكرنا وإن دفع السيد عبده فأبى الجاني قبوله وقال بعه وادفع إلي ثمنه فهل يلزم السيد ذلك على روايتين

وأما إن كانت الجناية أكثر من قيمته ففيه روايتان إحداهما أن سيده يخير بين أن يفديه بقيمته أو أرش جنايته وبين أن يسلمه لأنه إذا أدى قيمته فقد أدى قدر الواجب عليه فإن حق المجني عليه لا يزيد على العبد فلم يلزمه أكثر من ذلك كما لو كانت الجناية بقدر قيمته

والرواية الثانية يلزمه تسليمه إلا أن يفديه بأرش جنايته بالغة ما بلغت وهذا قول مالك لأنه ربما إذا عرض للبيع رغب فيه راغب بأكثر من قيمته فإذا أمسكه فقد فوت تلك الزيادة على المجني عليه وللشافعي قولان كالروايتين

ووجه الرواية الأولى أن الشرع قد جعل له فداءه فكان له فداؤه وكان الواجب قدر قيمته كسائر المتلفات

فصل فإن كانت الجناية موجبة للقصاص فعفا ولي الجناية على أن يملك العبد لم يملكه بذلك لأنه إذا لم يملكه بالجناية فلأن لا يملكه بالعفو أولى

ولأنه أحد من عليه القصاص فلا يملكه بالعفو كالحر ولأنه إذا عفا عن القصاص انتقل حقه إلى المال فصار كالجاني جناية موجبة للمال

وفيه رواية أخرى أنه يملكه لأنه مملوك استحق إتلافه فاستحق إبقاءه على ملكه كعبده الجاني عليه


305

فصل

قال أبو طالب سمعت أبا عبد الله يقول إذا أمر غلامه فجنى فعليه ما جنى وإن كان أكثر من ثمنه أن قطع يده حر فعليه دية الحر وإن كان ثمنه أقل

وإن أمره سيده أن يجرح رجلا فما جنى فعليه قيمة جنايته وإن كانت أكثر من ثمنه لأنه بأمره وكان علي وأبو هريرة يقولان إذا أمر عبده أن يقتل فإنما هو سوطه ويقتل المولى ويحبس العبد وقال أحمد حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا قتادة عن خلاس أن عليا قال إذا أمر الرجل عبده فقتل إنما هو كسوطه أو كسيفه يقتل المولى والعبد يستودع السجن ولأنه فوت شيئا بأمره فكان على السيد ضمانه كما لو استدان بأمره

فصل فإن جنى جنايات بعضها بعد بعض فالجاني بين أولياء الجنايات بالحصص وبهذا قال الحسن وحماد وربيعة وأصحاب الرأي والشافعي وروي عن شريح أنه قال يقضى به لآخرهم وبه قال الشعبي وقتادة لأنها جناية وردت على محل مستحق فقدم صاحبها على المستحق قبله كالجناية على المملوك الذي لم يجن وقال شريح في عبد شج رجلا ثم آخر فقال شريح يدفع إلى الأول إلا أن يفديه مولاه ثم يدفع إلى الثاني ثم يدفع إلى الثالث إلا أن يفديه الأوسط

ولنا إنهم تساووا في سبب تعلق الحق به فتساووا في الاستحقاق كما لو جنى عليهم دفعة واحدة بل لو قدم بعضهم كان الأول أولى لأن حقه أسبق ولا يصح القياس على الملك فإن حق المجني عليه أقوى بدليل أنهم لو وجدوا دفعة واحدة قدم لحق المجني عليه ولأن حق المجني عليه ثبت بغير رضا صاحبه عوضا وحق المالك ثبت برضاه أو بغير عوض فافترقا

فصل وإن أعتق السيد عبده الجاني عتق وضمن ما تعلق به من الأرش لأنه أتلف محل الجناية على من تعلق حقه به فلزمه غرامته كما لو قتله وينبني قدر الضمان على الروايتين فيما إذا اختار إمساكه بعد الجناية لأنه امتنع من تسليمه بإعتاقه فهو بمنزلة امتناعه من تسليمه باختيار فدائه

ونقل ابن منصور عن أحمد أنه إن أعتقه عالما بجنايته فعليه الدية يعني دية المقتول وإن لم يكن عالما بجنايته فعليه قيمة العبد وذلك لأنه إذا أعتقه مع العلم كان مختارا لفدائه بخلاف ما إذا لم يعلم فإنه لم يختر الفداء لعدم علمه به فلم يلزمه أكثر من قيمة ما فوته

فصل فإن باعه أو وهبه صح بيعه لما ذكرنا في البيع ولم يزل تعلق الجناية عن رقبته فإن كان المشتري عالما بحاله فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة وينتقل الخيار في فدائه وتسليمه إليه كالسيد الأول وإن لم يعلم فله الخيار بين إمساكه ورده كسائر المبيعات

مسألة

قال ( والعاقلة العمومة وأولادهم وإن سلفوا في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله والرواية الأخرى الأب والابن والإخوة وكل العصبة من العاقلة ) العاقبة من يحمل العقل والعقل الدية تسمى عقلا لأنها تعقل لسان ولي المقتول وقيل إنما سميت العاقلة


306

لأنهم يمنعون عن القاتل والعقل المنع ولهذا سمي بعض العلوم عقلا لأنه يمنع من الإقدام على المضار ولا خلاف بين أهل العلم في أن العاقلة العصبات وأن غيرهم من الإخوة من الأم وسائر ذوي الأرحام والزوج وكل من عدا العصبات ليسوا هم من العاقلة واختلف في الآباء والبنين هل هم من العاقلة أو لا وعن أحمد في ذلك روايتان أحدهما كل العصبة من العاقلة يدخل فيه آباء القاتل وأبناؤه وإخوته وعمومته وأبناؤهم وهذا اختيار أبي بكر والشريف أبي جعفر وهو مذهب مالك وأبي حنيفة لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عقل المرأة بين عصبتها من كانوا لا يرثون منها شيئا إلا ما فضل عن ورثتها وإن قتلت فعقلها بين ورثتها رواه أبو داود ولأنهم عصبة فأشبهوا الإخوة يحققه أن العقل موضوع على التناصر وهم من أهله ولأن العصبة في تحمل العقل كهم في الميراث في تقديم الأقرب فالأقرب وآباؤه وأبناؤه أحق العصبات بميراثه فكانوا أولى بتحمل عقله

والرواية الثانية ليس آباؤه وأبناؤه من العاقلة وهو قول الشافعي لما روى أبو هريرة اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى فقتلتها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم

متفق عليه

وفي رواية ثم ماتت القاتلة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ميراثها لبنيها والعقل على العصبة رواه أبو داود والنسائي وفي رواية عن جابر بن عبد الله قال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلتها وبرأ زوجها وولدها قال فقالت عاقلة المقتولة ميراثها لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثها لزوجها وولدها رواه أبو داود

إذا ثبت هذا في الأولاد قسنا عليه الوالد لأنه في معناه ولأن مال ولده ووالده كماله ولهذا لم تقبل شهادتهما له ولا شهادته لهما ووجب على كل واحد منهما الإنفاق على الآخر إذا كان محتاجا والآخر موسرا وعتق عليه إذا ملكه فلا تجب في ماله دية كما لم يجب في مال القاتل

وظاهر كلام الخرقي أن في الإخوة روايتين كالولد والوالد وغيره من أصحابنا يجعلونهم من العاقبة بكل حال ولا أعلم فيه عن غيرهم خلافا

فصل فإن كان الولد ابن ابن عم أو كان الوالد والد مولى أو عصبة مولى فإنه يعقل في ظاهر كلام أحمد

قاله القاضي

وقال أصحاب الشافعي ولا يعقل لأنه والد أو ولد فلم يعقل كما لو لم يكن كذلك

ولنا إنه ابن ابن عم أو مولى فيعقل كما لو لم يكن ولدا وذلك لأن هذه القرابة أو الولاء سبب يستقل بالحكم منفردا فإذا وجد مع لا يثبت به الحكم أثبته كما لو وجد مع الرحم المجرد ولأنه يثبت حكمه مع القرابة الأخرى بدليل أنه يلي نكاحها مع أن الابن لا يلي النكاح عندهم

فصل وسائر العصبات من العاقلة بعدوا أو قربوا من النسب والمولى وعصبته ومولى المولى


307

وعصبته وغيرهم وبهذا قال عمر بن عبد العزيز والنخعي وحماد ومالك والشافعي ولا أعلم عن غيرهم خلافهم وذلك لأنهم عصبة يرثون المال إذا لم يكن وارث أقرب منهم فيدخلون في العقل كالقريب ولا يعتبر أن يكونوا وارثين في الحال بل متى كانوا يرثون لولا الحجب عقلوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية بين عصبة المرأة من كانوا لا يرثون منها إلا ما فضل عن ورثتها ولأن الموالي من العصبات فأشبهوا المناسبين

فصل ولا يدخل في العقل من ليس بعصبة ولا يعقل المولى من أسفل وبه قال أبو حنيفة وأصحاب مالك

وقال الشافعي في أحد قوليه يعقل لأنهما شخصان يعقل أحدهما صاحبه فيعقل الآخر عنه كالأخوين

ولنا إنه ليس بعصبة له ولا وارث فلم يعقل عنه كالأجنبي

وما ذكروه يبطل بالذكر مع الأنثى والكبير مع الصغير والعاقل مع المجنون

فصل ولا يعقل مولى الموالاة وهو الذي يوالي رجلا يجعل له ولاءه ونصرته ولا الحليف وهو الرجل يحالف الآخر على أن يتناصرا على دفع الظلم ويتضافرا على من قصدهما أو قصد أحدهما ولا العديد وهو الذي لا عشيرة له ينضم إلى عشيرة فيعد نفسه معهم

وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يعقل مولى الموالاة ويرث وقال مالك إذا كان الرجل في غير عشيرته فعقله على القوم الذي هو معهم

ولنا إنه معنى يتعلق بالعصبة فلا يستحق بذلك كولاية النكاح

فصل ولا مدخل لأهل الديوان في المعاقلة

وبهذا قال الشافعي

وقال أبو حنيفة يتحملون جيمع الدية فإن عدموا فالأقارب حينئذ يعقلون لأن عمر رضي الله عنه جعل الدية على أهل الديوان في الأعطية في ثلاث سنين

ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة ولأنه معنى لا يستحق به الميراث فلم يحمل العقل كالجوار واتفاق المذاهب وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم أولى من قضاء عمر على أنه إن صح ما ذكر عنه فيحتمل أنهم كانوا عشيرة القاتل

فصل ويشترك في العقل الحاضر والغائب

وبهذا قال أبو حنيفة وقال مالك يختص به الحاضر لأن التحمل بالنصرة وإنما هي بين الحاضرين ولأن في قسمته على الجميع مشقة وعن الشافعي كالمذهبين

ولنا الخبز وأنهم استووا في التعصيب والإرث فاستووا في تحمل العقل كالحاضرين ولأنه معنى يتعلق بالتعصيب فاستوى فيه الحاضر والغائب كالميراث والولاية

فصل ويبدأ في قسمته بين العاقلة بالأقرب فالأقرب يقسم على الإخوة وبينهم والأعمام وبنيهم ثم أعمام الأب ثم بنيهم ثم أعمام الجد ثم بنيهم كذلك أبدا حتى إذا انقرض المناسبون فعلى المولى المعتق ثم على عصابته ثم على مولى المولى ثم على عصباته الأقرب فالأقرب كالميراث سواء وإن قلنا للآباء والأبناء من العاقلة بدىء


308

بهم لأنهم أقرب ومتى اتسعت أموال قوم للعقل يعدهم إلى من بعدهم لأنه حق يستحق بالتعصيب فيقدم الأقرب فالأقرب كالميرات وولاية النكاح وهل يقدم من يدلي بالأبوين على من يدلي بالأب على وجهين أحدهما يقدم لأنه يقدم في الميراث فقدم في العقل كتقديم الأخ على ابنه والثاني يستويان لأن ذلك يستفاد بالتعصيب ولا أثر للأم في التعصيب والأول أولى إن شاء الله تعالى

لأن قرابة الأم تؤثر في الترجيح والتقديم وقوة التعصيب لاجتماع القرابتين على وجه لا تنفرد كل واحدة بحكم وذلك لأن القرابتين تنقسم إلى ما تنفرد منهما بحكم كابن العم إن كان أخا من أم فإنه يرث بكل واحدة من القرابتين ميراثا مفردا يرث السدس بالأخوة ويرث بالتعصيب ببنوة العم وحجب إحدى القرابتين لا يؤثر في حجب الأخرى

فهذا لا يؤثر في قوة ولا ترجيح ولذلك لا يقدم ابن العم الذي هو أخ من أم على غيره وما لا ينفرد كل واحد منهما بحكم كابن العم من أبوين مع ابن عم من أب لا تنفرد إحدى القرابتين بميراث عن الأخرى فتؤثر في الترجيح وقوة التعصيب ولذلك أثرت في التقديم في الميراث فكذلك في غيره وبما ذكرناه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يسوى بين القريب والبعيد ويقسم على جميعهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية المقتولة على عصبة القاتلة

ولنا إنه حكم تعلق بالتعصيب فوجب أن يقدم فيه الأقرب فالأقرب كالميراث والخبر لا حجة فيه لأننا نقسمه على الجماعة إذا لم يف به الأقرب فنحمله على ذلك

فصل ولا يحمل العقل إلا من يعرف نسبه من القاتل أو يعلم أنه من قوم يدخلون كلهم في العقل ومن لا يعرف ذلك منه لا يحمل وإن كان من قبيلته فلو كان القاتل قرشيا لم يلزم قريشا كلهم التحمل فإن قريشا وإن كانوا كلهم يرجعون إلى أب واحد إلا أن قبائلهم تفرقت وصار كل قوم ينتسبون إلى أب يتميزون به فيعقل عنهم من يشاركهم في نسبهم إلى الأب الأدنى ألا ترى أن الناس كلهم بنو آدم

فهم راجعون إلى أب واحد لكن إن كان من فخذ واحد يعلم أن جميعهم يتحملون وجب أن يحمل جميعهم سواء عرف أحدهم نسبه أو لم يعرف للعلم بأنه متحمل على أي وجه كان وإن لم يثبت نسب القاتل من أحد فالدية في بيت المال لأن المسلمين يرثونه إذا لم يكن له وارث بمعنى أنه يؤخذ ميراثه لبيت المال فكذلك يعقلونه على هذا الوجه وإن وجد له من يحمل بعض العقل فالباقي في بيت المال كذلك

فصل ولا خلاف بين أهل العلم في أن العاقلة لا تكلف من المال ما يجحف بها ويشق عليها لأنه لازم لها من غير جنايها على سبيل المواساة للقاتل والتخفيف عنه فلا يخفف عن الجاني بما يثقل على غيره ويجحف به كالزكاة ولأنه لو كان الإجحاف مشروعا كان الجاني أحق به لأنه موجب جنايته وجزاء فعله فإذا لم يشرع في حقه ففي حق غيره أولى واختلف أهل العلم فيما يحمله كل واحد منهم فقال أحمد يحملون على قدر ما يطيقون فعلى هذا لا يتقدر شرعا وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم فيفرض على كل واحد قدرا يسهل ولا يؤذي وهذا مذهب مالك لأن التقدير لا يثبت إلا بتوقيف ولا يثبت بالرأي والتحكم ولا نص في هذه المسألة


309

فوجب الرجوع فيها إلى اجتهاد الحاكم كمقادير النفقات وعن أحمد رواية أخرى أنه يفرض على الموسر نصف مثقال لأنه أقل مال يتقدر في الزكاة فكان معتبرا بها ويجب على المتوسط ربع مثقال لأن ما دون ذلك تافه لكون اليد لا تقطع فيه وقد قالت عائشة رضي الله عنها لا تقطع اليد في الشيء التافه وما دون ربع دينار لا قطع فيه وهذا اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي وقال أبو حنيفة أكثر ما يجعل على الواحد أربعة دراهم وليس لأقله حد لأن ذلك مال يجب على سبيل المواساة للقرابة فلم يتقدر أقله كالنفقة قال ويسوي بين الغنى والمتوسط لذلك والصحيح الأول لما ذكرنا من أن التقدير إنما يصار إليه بتوقيف ولا توقيف فيه وأنه يختلف بالغني والمتوسط كالزكاة والنفقة ولا يختلف بالقرب والبعد كذلك واختلف القائلون بالتقدير بنصف دينار وربعه قال بعضهم يتكرر الواجب في الأعوام الثلاثة فيكون الواجب فيها على الغني دينارا ونصفا وعلى المتوسط ثلاث أرباع دينار لأنه حق يتعلق بالحول على سبيل المواساة فيتكرر بتكرر الحول كالزكاة وقال بعضهم لا يتكرر لأن في إيجاب زيادة على النصف إيجابا لزيادة على أقل الزكاة فيكون مضرا ويعتبر الغنى والتوسط عند رأس الحول لأنه حال الوجوب فاعتبر الحال عنده كالزكاة وإن اجتمع من عدد العاقلة في درجة واحدة عدد كثير قسم الواجب على جميعهم فيلزم الحاكم كل إنسان على حسب ما يراه وإن قل وعلى الوجه الآخر يجعل على المتوسط نصف ما على الغني ويعم بذلك جميعهم وهذا أحد قولي الشافعي وقال في الآخر يخص الحاكم من شاء منهم فيفرض عليهم هذا القدر الواجب لئلا ينقص عن القدر الواجب ويصير إلى الشيء التافه ولأنه يشق فربما أصاب كل واحد قيراط فيشق جمعه

ولنا إنهم استووا في القرابة فكانوا سواء كما لو قلوا وكالميراث وأما التعلق بمشقة الجمع فغير صحيح لأن مشقة زيادة الواجب أعظم من مشقة الجمع ثم هذا تعلق بالحكمة من غير أصل يشهد لها فلا يترك لها الدليل ثم هي معارضة بخفة الواجب على كل واحد وسهولة الواجب عليهم ثم لا يخلو من أن يخص الحاكم بعضهم بالاجتهاد أو بغير اجتهاد فإن خصه بالاجتهاد فعليه فيه مشقة وربما لم يحصل له معرفة الأولى منهم بذلك فيتعذر الإيجاب وإن خصه بالتحكم أفضى إلى أنه يخير بين أن يوجب على إنسان شيئا بشهوته من غير دليل وبين أن لا يوجب عليه ولا نظير له وربما ارتشى من بعضهم وربما امتنع من فرض عليه شيء من أدائه لكونه يرى مثله لا يؤدي شيئا مع التساوي من كل الوجوه

فصل ومن مات من العاقلة أو افتقر أو جن قبل الحول لم يلزمه شيء لا نعلم في هذا خلافا لأنه مال يجب في آخر الحول على سبيل المواساة فأشبه الزكاة وإن وجد ذلك بعد الحول لم يسقط الواجب وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يسقط بالموت لأنه خرج من أهلية الوجوب فاشبه ما لو مات قبل الحول

ولنا إنه حق تدخله النيابة لا يملك إسقاطه في حياته فأشبه الديون وفارق ما قبل الحول لأنه لم يجب ولم يستمر الشرط إلى حين الوجوب فأما إن كان فقيرا حال القتل فاستغنى عند الحول فقال القاضي يجب عليه لأنه وجد


310

وقت الوجوب وهو من أهله ويخرج على هذا من كان صبيا فبلغ أو مجنونا فأفاق عند الحول وجب عليه كذلك ويحتمل أن لا يجب لأنه لم يكن من أهل الوجوب حالة السبب فلم يثبت الحكم فيه حالة الشرط كالكافر إذا ملك مالا ثم أسلم عند الحول لم تلزمه الزكاة فيه

مسألة

قال ( وليس على فقير من العاقلة ولا امرأة ولا صبي ولا زائل العقل حمل شيء من الدية ) أكثر أهل العلم على أنه لا مدخل من هؤلاء في تحمل العقل قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ لا يعقلان من العاقلة وأجمعوا على أن الفقير لا يلزمه شيء وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وحكى بعض أصحابنا عن مالك وأبي حنيفة أن للفقير مدخلا في التحمل وذكره أبو الخطاب رواية عن أحمد لأنه من أهل النصرة فكان من العاقلة كالغني والصحيح الأول لأن تحمل العقل مواساة فلا يلزم الفقير كالزكاة ولأنها وجبت على العاقلة تخفيفا عن القاتل فلا يجوز التثقيل بها على من لا جناية منه وفي إيجابها على الفقير تثقيل عليه وتكليف له ما لا يقدر عليه ولأننا أجمعنا على أنه لا يكلف أحد من العاقلة ما يثقل عليه ويجحف به وتحميل الفقير شيئا منها يثقل عليه ويجحف بماله وربما كان الواجب عليه جميع ماله أو أكثر منه أو لا يكون له شيء أصلا وأما الصبي والمجنون والمرأة فلا يجملون منها لأن فيها معنى التناصر وليس هم من أهل النصرة

فصل ويعقل المريض إذا لم يبلغ حد الزمانة والشيخ إذا لم يبلغ حد الهرم لأنهما من أهل النصرة والمواساة وفي الزمن والشيخ الفاني وجهان أحدهما لا يعقلان لأنهما ليسا من أهل النصرة ولهذا لا يجب عليهما الجهاد ولا يقتلان إذا كانا من أهل الحرب وكذلك يخرج في الأعمى لأنه مثلهما في هذا المعنى

والثاني يعلقون لأنهم من أهل المواساة ولهذا تجب عليهم الزكاة وهذا ينتقض بالصبي والمجنون ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كمذهبنا

مسألة

قال ( ومن لم يكن له عاقلة أخذ من بيت المال فإن لم يقدر على ذلك فليس على القاتل شيء ) الكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما أن من لا عاقلة له هل يؤدي من بيت المال أو لا فيه روايتان إحداهما يؤدى عنه وهو مذهب الزهري والشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودى الأنصاري الذي قتل بخيبر من بيت المال وروي أن رجلا قتل في زحام في زمن عمر فلم يعرف قاتله فقال علي لعمر يا أمير المؤمنين لا يطل دم امرىء مسلم فأدى ديته من بيت المال ولأن المسلمين يرثون من لا وارث له


311

فيعقلون عند عدم عاقلته كعصباته ومواليه

والثانية لا يجب ذلك لأن بيت المال فيه حق للنساء والصبيان والمجانين والفقراء ولا عقل عليهم فلا يجوز صرفه فيما لا يجب عليهم ولأن العقل على العصبة وليس بيت المال عصبة ولا هو كعصبة هذا

فأما قتيل الأنصار فغير لازم لأن ذلك قتيل اليهود وبيت المال لا يعقل عن الكفار بحال وإنما النبي صلى الله عليه وسلم تفضل عليهم وقولهم إنهم يرثونه قلنا ليس صرفه إلى بيت المال ميراثا بل هو فيء ولهذا يؤخذ مال من لا وارث له من أهل الذمة إلى بيت المال ولا يرثه المسلمون ثم لا يجب العقل على الوارث إذا لم يكن عصبة ويجب على العصبة وإن لم يكن وارثا فعلى الرواية الأولى إذا لم يكن له عاقلة أديت الدية عنه كلها من بيت المال وإن كان له عاقلة لا تحمل الجميع أخذ الباقي من بيت المال وهل تؤدى من بيت المال في دفعة واحدة أو في ثلاث سنين على وجهين أحدهما في ثلاث سنين على حسب ما يؤخذ من العاقلة

والثاني يؤدى دفعة واحدة وهذا أصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أدى دية الأنصاري دفعة واحدة وكذلك عمر ولأن الدية بدل متلف لا تؤديه العاقلة فيجب كله في الحال كسائر بدل المتلفات وإنما أجل على العاقلة تخفيفا عنهم ولا حاجة إلى ذلك في بيت المال ولهذا يؤدى الجميع

الفصل الثاني إذا لم يمكن الأخذ من بيت المال فليس على القاتل شيء وهذا أحد قولي الشافعي لأن الدية لزمت العاقلة ابتداء بدليل أنه لا يطالب بها غيرهم ولا يعتبر تحملهم ولا رضاهم بها ولا تجب على غير من وجبت عليه كما لو عدم القاتل فإن الدية لا تجب على أحد كذا هاهنا فعلى هذا إن وجد بعض العاقلة حملوا بقسطهم وسقط الباقي فلا يجب على أحد ويتخرج أن تجب الدية على القاتل إذا تعذر حملها عنه وهذا القول الثاني للشافعي لعموم قوله ودية مسلمة إلى أهله النساء 92 ولأن قضية الدليل وجوبها على الجاني جبرا للمحل الذي فوته وإنما سقط عن القاتل لقيام العاقلة مقامه في جبر المحل فإذا لم يؤخذ ذلك بقي واجبا عليه بمقتضى الدليل ولأن المراد دائر بين أن يطل دم المقتول وبين إيجاب ديته على المتلف لا يجوز الأول لأن فيه مخالفة الكتاب والسنة وقياس أصول الشريعة فتعين الثاني ولأن إهدار الدم المضمون لا نظير له وإيجاب الدية على قاتل الخطأ له نظائر فإن المرتد لما لم يكن له عاقلة تجب الدية في ماله والذمي الذي لا عاقلة له تلزمه الدية ومن رمى سهما ثم أسلم أو كان مسلما فارتد أو كان عليه الولاء لموالي أمه فانجر إلى موالي أبيه ثم أصاب بسهم إنسانا فقتله كانت الدية في ماله لتعذر حمل عاقلته عقله كذلك هاهنا فنحرر منه قياسا فنقول قتيل معصوم في دار الإسلام تعذر حمل عاقلته عقله فوجب على قاتله كهذه الصورة وهذا أولى من إهداء دماء الأحرار في أغلب الأحوال فإنه لا يكاد يوجد عاقلة تحمل الدية كلها ولا سبيل إلى الأخذ من بيت المال فتضيع الدماء ويفوت حكم إيجاب الدية وقولهم إن الدية تجب على العاقلة ابتداء ممنوع وإنما تجب على القاتل ثم تتحملها العاقلة عنه وإن


312

سلمنا وجوبها عليهم ابتداء

لكن مع وجودهم أما مع عدمهم فلا يمكن القول بوجوبها عليهم ثم ما ذكروه منقوض بما أبديناه من الصور فعلى هذا تجب الدية على القاتل إن تعذر حمل جميعها أو باقيها إن حملت العاقلة بعضها والله أعلم

مسألة

قال ( ودية الحر الكتابي نصف دية الحر المسلم ونساؤهم على النصف من دياتهم ) هذا ظاهر المذهب وهو مذهب عمر بن عبد العزيز وعروة ومالك وعمرو بن شعيب وعن أحمد أنها ثلث دية المسلم إلا أنه رجع عنها فإن صالحا روي عنه أنه قال كنت أقول دية اليهود والنصراني أربعة آلاف وأنا اليوم أذهب إلى نصف دية المسلم حديث عمرو بن شعيب وحديث عثمان الذي يرويه الزهري عن سالم عن أبيه وهذا صريح في الرجوع عنه وروي عن عمر وعثمان أن ديته أربعة آلاف درهم وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعمرو بن دينار والشافعي وإسحاق وأبو ثور لما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف وروي عن عمر رضي الله عنه جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف ودية المجوسي ثمانمائة درهم وقال علقمة ومجاهد والشعبي والنخعي والثوري وأبو حنيفة ديته كدية المسلم وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن مسعود ومعاوية رضي الله عنهم وقال ابن عبد البر هو قول سعيد بن المسيب والزهري لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم ولأن الله تعالى ذكر في كتابه دية المسلم فقال ودية مسلمة إلى أهله النساء 92 وقال في الذمي مثل ذلك ولم يفرق فدل على أن ديتهما واحدة ولأنه ذكر حر معصوم فتكمل ديته كالمسلم

ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دية المعاهد نصف دية المسلم وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن عقل الكتابي نصف عقل المسلم رواه الإمام أحمد وفي لفظ دية المعاهد نصف دية الحر قال الخطابي ليس في دية أهل الكتاب شيء أثبت من هذا ولا بأس بإسناده وقد قال به أحمد وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى ولأنه نقص مؤثر في الدية فأثر في تنصيفها كالأنوثة وأما حديث عبادة فلم يذكره أهل السنن والظاهر أنه ليس بصحيح وأما حديث عمر فإنما كان ذلك حين كانت الدية ثمانية آلاف فأوجب فيه نصفها أربعة آلاف ودليل ذلك ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم ودية أهل الكتاب يومئذ النصف فهذا بيان وشرح مزيل للأشكال ففيه جمع للأحاديث فيكون دليلا لنا ولو لم يكن كذلك لكان قول النبي صلى الله عليه وسلم مقدما على قول عمر وغيره بغير إشكال فقد كان عمر إذا بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة ترك قوله وعمل بها فكيف يسوغ لأحد أن يحتج بقوله في ترك قول رسول الله


313

صلى الله عليه وسلم فأما ما احتج به الآخرون فإن الصحيح من حديث عمرو بن شعيب ما رويناه أخرجه الأئمة في كتبهم دون ما رووه وأما ما رووه من أقوال الصحابة فقد روي عنهم خلافه فنحمل قولهم في إيجاب الدية كاملة على سبيل التغليظ قال أحمد إنما غلظ عثمان الدية عليه لأنه كان عمدا فلما ترك القود غلظ عليه وكذلك حديث معاوية ومثل هذا ما روي عن عمر رضي الله عنه حين انتحر رقيق حاطب ناقة لرجل مزني فقال لحاطب إني أراك تجيعهم لأغرمنك غرما يشق عليك فأغرمه مثلي قيمتها فأما ديات نسائهم فعلى النصف من دياتهم لا نعلم في هذا خلافا قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل ولأنه لما كان دية نساء المسلم على النصف من دياتهم كذلك نساء أهل الكتاب على النصف من دياتهم

فصل وجراحاتهم من دياتهم كجراح المسلمين من دياتهم وتغلظ دياتهم باجتماع الحرمات عند من يرى تغليظ ديات المسلمين

قال حرب قلت لأبي عبد الله فإن قتل ذميا في الحرم قال يزاد أيضا على قدره كما يزاد على المسلم وقالالأثرم قيل لأبي عبد الله جنى على مجوسي في عينه وفي يده قال يكون بحساب ديته كما أن المسلم يؤخذ بالحساب فكذلك هذا قيل قطع يده قال بالنصف من ديته

مسألة

قال ( فإن قتلوه عمدا أضعفت الدية على قاتله المسلم لإزالة القود ) هكذا حكم عثمان بن عفان رضي الله عنه هذا يروى عن عثمان رواه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلا قتل رجلا من أهل الذمة فرفع إلى عثمان فلم يقتله وغلظ عليه ألف دينار فصار إليه أحمد اتباعا له وله نظائر في مذهبه فإنه أوجب على الأعور لما قلع عين الصحيح دية كاملة حين درأ القصاص عنه وأوجب على سارق التمر مثلي قيمته حين درأ عنه القطع وهذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم في سارق التمر فيثبت مثله هاهنا ولو كان القاتل ذميا أو قتل ذمي مسلما لم تضعف الدية عليه لأن القصاص عليه واجب في الموضعين وجمهور أهل العلم على أن دية الذمي لا تضاعف بالعمد لعموم الأثر فيها ولأنها دية واجبة فلم تضاعف كدية المسلم أو كما لو كان القاتل ذميا ولا فرق في الدية بين الذمي وبين المستأمن لأن كل واحد منهما كتابي معصوم الدم وأما المرتد والحربي فلا دية لهما لعدم العصمة فيهما

مسألة

قال ( ودية المجوسي ثمانمائة درهم ونساؤهم على النصف ) وهذا قول أكثر أهل العلم قال أحمد ما أقل ما اختلف في دية المجوسي وممن قال ذلك عمر وعثمان وابن مسعود رضي الله عنهم وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء وعكرمة والحسن ومالك والشافعي وإسحاق وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال ديته نصف دية المسلم كدية الكتابي لقول النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب وقال النخعي والشعبي وأصحاب الرأي ديته كدية المسلم لأنه آدمي حر معصوم فأشبه المسلم


314

ولنا قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم في عصرهم مخالفا فكان إجماعا وقوله سنوا بهم سنة أهل الكتاب يعني في أخذ جزيتهم حقن دمائهم بدليل أن ذبائحهم ونساءهم لا تحل لنا ولا يجوز اعتباره بالمسلم ولا الكتابي لنقصان ديته وأحكامه عنهما فينبغي أن تنقص ديته كنقص المرأة عن دية الرجل وسواء كان المجوسي ذميا أو مستأمنا لأنه محقون الدم ونساؤهم على النصف من دياتهم بإجماع وجراح كل واحد معتبرة من ديته وإن قتلوا عمدا أضعفت الدية على القاتل المسلم لإزالة القود نص عليه أحمد قياسا على الكتابي

فصل فأما عبدة الأوثان وسائر من لا كتاب له كالتراك ومن عبد ما استحسن فلا دية لهم وإنما تحقن دماءهم بالأمان فإذا قتل من له أمان منهم فديته دية مجوسي لأنها أقل الديات فلا تنقص عنها ولأنه كافر ذو عهد لا تحل مناكحته فأشبه المجوسي

فصل ومن لم تبلغه الدعوة من الكفار إن وجد لم يجز قتله حتى يدعى فإن قتل قبل الدعوة من غير أن يعطى أمانا فلا ضمان فيه لأنه لا عهد له ولا إيمان فأشبه امرأة الحربي وابنه الصغير وإنما حرم قتله ليبلغه الدعوة وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو الخطاب يضمن بما يضمن به أهل ديته وهو مذهب الشافعي لأنه محقون الدم أشبه من له أمان والأول أولى فإن هذا ينتقض بصبيان أهل الحرب ومجانينهم ولأنه كافر لا عهد له فلم يضمن كالصبيان والمجانين فأما إذا كان له عهد فله دية أهل دينه فإن لم يعرف دينه ففيه دية المجوسي لأنه اليقين وما زاد مشكوك فيه

مسألة

قال ( ودية الحرة المسلمة نصف دية الحر المسلم ) قال ابن المنذر وابن عبد البر أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أنهما قالا ديتهما كدية الرجل لقوله عليه السلام في نفس المؤمنة مائة من الإبل وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فإن في كتاب عمرو بن حزم دية المرأة على النصف من دية الرجل وهي أخص مما ذكروه وهما في كتاب واحد فيكون ما ذكرنا مفسرا لما ذكروه مخصصا له ودية نساء كل أهل دين على النصف من دية رجالهم على ما قدمنا في موضعه

مسألة

قال ( وتساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى ثلث الدية فإن جاوز الثلث فعلى النصف ) وروي هذا عن عمر وابن عمر وزيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير والزهري وقتادة والأعرج وربيعة ومالك

قال ابن عبد البر وهو قول فقهاء المدينة السبعة وجمهور أهل المدينة


315

وحكي عن الشافعي في القديم وقال الحسن يستويان إلى النصف وروي عن علي رضي الله عنه أنها على النصف فيما قل وكثر وروي ذلك عن ابن سيرين وبه قال الثوري والليث وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور والشافعي في ظاهر مذهبه واختاره ابن المنذر لأنهما شخصان تختلف ديتهما فاختلف أرش أطرافهما كالمسلم والكافر ولأنها جناية لها أرش مقدر فكان من المرأة على النصف من الرجل كاليد وروي عن ابن مسعود أنه قال تعاقل المرأة الرجل إلى النصف عشر الدية فإذا زاد على ذلك فهي على النصف لأنها تساويه في الموضحة

ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها أخرجه النسائي وهو نص يقدم على ما سواه

وقال ربيعة قلت لسعيد بن المسيب كم في أصبع المرأة قال عشر قلت ففي أصبعين قال عشرون

قلت ففي ثلاث أصابع قال ثلاثون قلت ففي أربع قال عشرون

قال قلت لما عظمت مصيبتها قل عقلها قال هكذا السنة يا ابن أخي وهذا مقتضى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه سعيد بن منصور ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم إذ لم ينقل عنهم خلاف ذلك إلا عن علي ولا نعلم ثبوت ذلك عنه ولأن ما دون الثلث يستوي فيه الذكر والأنثى بدليل الجنين فإنه يستوي فيه الذكر والأنثى فأما الثلث نفسه فهل يستويان فيه على روايتين إحداهما يستويان فيه لأنه لم يعتبر حد القلة ولهذا صحت الوصية به

وروي أنهما يختلفان فيه وهو الصحيح لقوله عليه السلام حتى يبلغ الثلث وحتى للغاية فيجب أن تكون مخالفة لما قبلها لقول الله تعالى حتى يعطوا الجزية التوبة 29 ولأن الثلث في حد الكثرة لقوله عليه السلام الثلث والثلث كثير

فصل فأما دية نساء سائر أهل الأديان فقال أصحابنا تساوي دياتهن ديات رجالهم إلى الثلث لعموم قوله عليه السلام عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها ولأن الواجب دية امرأة فساوت دية الرجل من أهل دينها كالمسلمين ويحتمل أن تساوي المرأة الرجل إلى قدر ثلث دية الرجل المسلم لأنه القدر الكثير الذي يثبت فيه التنصيف في الأصل وهو دية المسلم

مسألة

قال ( ودية العبد والأمة قيمتهما بالغة ما بلغ ذلك ) وقد تقدم شرح هذه المسألة فيما مضى ولا فرق في هذا الحكم بين القن من العبيد والمدبر والمكاتب وأم الولد

قال الخطابي أجمع عوام الفقهاء على أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم في جنايته والجناية عليه إلا إبراهيم النخعي فإنه قال في المكاتب يؤدي بقدر ما أدى من كتابته دية الحر وما بقي دية العبد

وروي في ذلك شيء عن علي رضي الله عنه وقد روى أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده قال حدثنا محمد بن عبد الله ثنا هشام بن أبي


316

عبد الله قال حدثني يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المكاتب يقتل أنه يؤدي ما أدى من كتابته دية الحر وما بقي دية العبد

قال الخطابي وإذا صح الحديث وجب القول به إذا لم يكن منسوخا أو معارضا بما هو أولى منه

مسألة

قال ( ودية الجنين إذا سقط من الضربة ميتا وكان من حرة مسلمة غرة عبد أو أمة قيمتها خمس من الإبل موروثة عنه كأنه سقط حيا ) يقال غرة عبد بالصفة وغرة عبد بالإضافة والصفة أحسن لأن الغرة اسم للعبد نفسه

قال مهلهل كل قتيل في كليب غرة حتى ينال القتل إلى مرة في هذه المسألة فصول خمسة أحدها أن في جنين الحرة المسلمة غرة وهذا قول أكثر أهل العلم منهم عمر بن الخطاب وعطاء والشعبي والنخعي والزهري ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي

وقد روي عنعمر رضي الله عنه أنه استشار الناس في املاص المرأة فقال المغيرة بن شعبة شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو أمة قال لتأتين بمن يشهد معك فشهد له محمد بن مسلمة وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها عبد أو أمة وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم متفق عليه والغرة عبد أو أمة سميا بذلك لأنهما من أنفس الأموال والأصل في الغرة الخيار

فإن قيل فقد روي في هذا الخبر أو فرس أو بغل قلنا هذا لا يثبت رواه عيسى بن يونس ووهم فيه قاله أهل النقل والحديث الصحيح المتفق عليه إنما فيه عبد أو أمة

فأما قول الخرقي من حرة مسلمة

فإنما أراد أن جنين الحرة المسلمة لا يكون إلا حرا مسلما فمتى كان الجنين حرا مسلما ففيه الغرة وإن كانت أمه كافرة أو أمة مثل أن يتزوج المسلم كتابية فإن جنينها منه محكوم بإسلامه وفيه الغرة ولا يرث منها شيئا لأنه مسلم وولد السيد من أمته وولد المغرور من أمة حر وكذلك لو وطئت الأمة بشبهة فولدها حر وفيه الغرة فأما إن كان الجنين محكوما برقة لم تجب فيه الغرة وسيأتي بيان حكمه وأما جنين الكتابية والمجوسية إذا كان محكوما بكفره ففيه عشر دية أمه

وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي

قال ابن المنذر ولم أحفظ عن غيرهم خلافهم وذلك لأن جنين الحرة المسلمة مضمون بعشر دية أمه فكذلك جنين الكافرة إلا أن أصحاب الرأي يرون أن دية الكافرة كدية المسلمة فلا يتحقق عندهم بينهما اختلاف فإن كان أبوا الجنين كافرين مختلفا دينهما كولد الكتاب من المجوسية والمجوسي من الكتابية اعتبرناه بأكثرهما دية فنوجب فيه عشر دية كتابية على كل حال لأن ولد المسلمة من الكافرة معتبر بأكثرهما دية كذا هاهنا ولا فرق فيما


317

ذكرناه بين كون الجنين ذكرا أو أنثى لأن السنة لم تفرق بينهما وبه يقول الشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وعامة أهل العلم ولو ضرب بطن كتابية حاملا من كتابي فأسلم أحد أبويه ثم أسقطته ففيه الغرة في قول ابن حامد والقاضي وهو ظاهر كلام أحمد ومذهب الشافعي لأن الضمان معتبر بحال استقرار الجناية والجنين محكوم بإسلامه عند استقرارها وفي قول أبي بكر وأبي الخطاب فيه عشر دية كتابية لأن الجناية عليه في حال الغرة وإن ضرب بطن أمة فأعتقت ثم ألقت الجنين فعلى قول ابن حامد والقاضي فيه غرة وفي قول أبي بكر وأبي الخطاب فيه عشر قيمة أمه

لأن الجناية عليه في حال كونه عبدا ويمكن منع كونه عبدا ويمكن منع كونه صار حرا لأن الظاهر تلفه بالجناية وبعد تلفه لا يمكن تحريره وعلى قول هذين يكون الواجب فيه لسيده وعلى قول ابن حامد للسيد أقل الأمرين من الغرة أو عشر قيمة أمة لأن الغرة إن كانت أكثر لم يستحق الزيادة لأنها زادت بالحرية الحاصلة بزوال ملكه وإن كانت أقل لم يكن له أكثر منها لأن النقص حصل بإعتاقه فلا يضمن له كما لو قطع يد عبد فأعتقه سيده ثم مات بسراية الجناية كان له أقل الأمرين من دية حر أو نصف قيمته وما فضل عن حق السيد لورثة الجنين فأما إن ضرب بطن الأمة فأعتق السيد جنينها وحده نظرت فإن أسقطه حيا لوقت يعيش مثله ففيه دية حر نص عليه أحمد وإن كان لوقت يعيش مثله ففيه غرة

لأنه حر على قول ابن حامد وعلى قول أبي بكر عليه عشر قيمة أمه وإن أسقطته ميتا ففيه عشر قيمة أمه لأننا لا نعلم كونه حيا حال إعتاقه ويحتمل أن تجب عليه الغرة لأن الأصل بقاء حياته فأشبه ما لو أعتق أمه

الفصل الثاني أن الغرة إنما تجب إذا سقط من الضربة

ويعلم ذلك بأن يسقط عقيب الضرب أو ببقائها متألمة إلى أن يسقط ولو قتل حاملا لم يسقط جنينها أو ضرب من جوفها حركة أو انتفاخ فسكن الحركة وأذهبها لم يضمن الجنين وبهذا قال مالك وقتادة والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن المنذر وحكي عن الزهري أن عليه الغرة لأن الظاهر أنه قتل الجنين فلزمته الغرة كما لو أسقطت

ولنا إنه لا يثبت حكم الولد إلا بخروجه ولذلك لا تصح له وصية ولا ميراث ولأن الحركة يجوز أن تكون لريح في البطن سكنت ولا يجب الضمان بالشك فأما إذا ألقته ميتا فقد تحقق والظاهر تلفه من ضربة فيجب ضمانه سواء ألقته في حياتها أو بعد موتها وبهذا قال الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة إن ألقته بعد موتها لم يضمنه لأنه يجري مجرى أعضائها وبموتها سقط حكم أعضائها

ولنا إنه جنين تلف بجنايته وعلم ذلك بخروجه فوجب ضمانه كما لو سقط في حياتهما ولأنه لو سقط حيا ضمنه فكذلك إذا سقط ميتا كما لو أسقطته في حياتها وما ذكروه ليس بصحيح لأنه لو كان كذلك لكان إذا سقط ميتا ثم ماتت لم يضمنه كأعضائها ولأنه آدمي موروث فلا يدخل في ضمان أمه كما لو خرج حيا

فأما إن ظهر بعضه من بطن أمه ولم يخرج باقيه ففيه الغرة وبه قال الشافعي وقال مالك وابن المنذر لا تجب الغرة حتى تلقيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أوجب الغرة في الجنين الذي ألقته المرأة وهذه لم تلق شيئا أشبه ما لو لم يظهر منه شيء


318

ولنا إنه قاتل لجنينها فلزمته الغرة كما لو ظهر جميعه

ويفارق ما لو لم يظهر منه شيء لأنه لم يتيقن قتله ولا وجوده

وكذلك إن ألقت يدا أو رجلا أو رأسا أو جزءا من أجزاء الآدمي وجبت الغرة لأنا تيقنا أنه من جنين وإن ألقت رأسين أو أربع أيد لم يجب أكثر من غرة لأن ذلك يجوز أن يكون من جنين واحد

ويجوز أن يكون من جنينين فلم تجب الزيادة مع الشك لأن الأصل براءة الذمة وكذلك لم يجب ضمانه إذا لم يظهر فإن أسقطت ما ليس فيه صورة آدمي فلا شيء فيه لأنا لا نعلم أنه جنين

وإن ألقت مضغة فشهد ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية ففيه غرة وإن شهدت أنه مبتدأ خلق آدمي لو بقي تصور ففيه وجهان أصحهما لا شيء فيه لأنه لم يتصور فلم يجب فيه كالعلقة

ولأن الأصل براءة الذمة فلا تشغلها بالشك

والثاني فيه غرة لأنه مبتدأ خلق آدمي أشبه ما لو تصور وهذا يبطل بالنطفة والعلقة

الفصل الثالث أن الغرة عبد أو أمة وهذا قول أكثر أهل العلم وقال عروة وطاوس ومجاهد عبد أو أمة أو فرس لأن الغرة اسم لذلك

وقد جاء في حديث أبي هريرة قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل وجعل ابن سيرين مكان الفرس مائة شاة ونحوه قال الشعبي لأنه روي في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل في ولدها مائة شاة

رواه أبو داود

وروي عن عبد الملك بن مروان أنه قضى في الجنين إذا أملص بعشرين دينارا فإذا كان مضغة فأربعين فإذا كان عظما فستين فإذا كان العظم قد كسي لحما فثمانين فإن تم خلقه وكسي شعره فمائة دينار قال قتادة إذا كان علقة فثلث غرة وإذا كان مضغة فثلثي غرة

ولنا قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في إملاص المرأة بعبد أو أمة وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضية على ما خالفهم

وذكر الفرس والبغل في الحديث وهم انفرد به عيسى بن يونس عن سائر الرواة فالظاهر أنه وهم فيه وهو متروك في البغل بغير خلاف وكذلك في الفرس وهذا الحديث الذي ذكرناه أصح ما روي فيه وهو متفق عليه وقد قال به أكثر أهل العلم فلا يلتفت إلى ما خالفه وقول عبد الملك بن مروان تحكم بتقدير لم يرد به الشرع وكذلك قتادة وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالاتباع من قولهما إذا ثبت هذا فإنه تلزمه الغرة فإن أراد دفع بدلها ورضي المدفوع إليه جاز لأنه حق آدمي فجاز ما تراضيا عليه وأيهما امتنع من قبول البدل فله ذلك لأن الحق فيها فلا يقبل بدلها إلا برضاهما وتجب الغرة سالمة من العيوب وإن قل العيب لأنه حيوان وجب بالشرع فلم يقبل فيه المعيب كالشاة في الزكاة لأن الغرة الخيار والمعيب ليس من الخيار ولا يقبل فيها هرمة ولا ضعيفة ولا خنثى ولا خصي

وإن كثرت قيمته لأن ذلك عيب

ولا يتقدر منها في ظاهر كلام الخرقي

وهو قول أبي حنيفة وقال القاضي وأبو الخطاب وأصحاب الشافعي لا يقبل فيها من له دون سبع سنين لأنه يحتاج إلى من يكفله له ويحضنه وليس من الخيار وذكر بعض أصحاب الشافعي أنه لا يقبل فيها غلام بلغ خمسة عشر سنة لأنه لا يدخل على النساء ولا ابنة عشرين لأنها تتغير وهذا تحكم لم يرد الشرع به

فيجب أن لا يقبل وما ذكروه من الحاجة إلى الكفالة باطل بمن له فوق


319

السبع ولأن بلوغه قيمة الكبير مع صغره يدل على أنه خيار ولم يشهد لما ذكروه نص ولا له نظير يقاس عليه والشاب البالغ أكمل من الصبي عقلا وبنية وأقدر على التصرف وأنفع في الخدمة وقضاء الحاجة وكونه لا يدخل على النساء إن أريد به النساء الأجنبيات بلا حاجة إلى دخوله عليهن وإن أريد به سيدته فليس بصحيح

فإن الله تعالى قال ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم إلى قوله ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض النور 58 ثم لو لم يدخل على النساء لحصل من نفعه أضعاف ما يحصل من دخوله وفوات شيء إلى ما هو أنفع منه لا يعد فواتا كمن اشترى بدرهم ما يساوي عشرة لا يعد فواتا ولا خسرانا ولا يعتبر لون الغرة

وذكر عن أبي عمرو بن العلاء أن الغرة لا تكون إلا بيضاء ولا يقبل عبد أسود ولا جارية سوداء

ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بعبد أو أمة وأطلق مع غلبة السواد على عبيدهم وإمائهم ولأنه حيوان يجب دية فلم يعتبر لونه كالإبل في الدية

الفصل الرابع أن الغرة قيمتها نصف عشر الدية وهي خمس من الإبل وروي ذلك عن عمر وزيد رضي الله عنهما وبه قال النخعي والشعبي وربيعة وقتادة ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ولأن ذلك أقل ما قدره الشرع في الجنايات وهو أرش الموضحة ودية السن فرددناه إليه فإن قيل فقد وجب في الأنملة ثلاثة أبعرة وثلث وذلك دون ما ذكرتموه قلنا الذي نص عليه صاحب الشريعة غرة قيمتها أرش الموضحة وهو خمس من الإبل وإذا كان أبوا الجنين كتابيين ففيه غرة قيمتها نصف قيمة الغرة الواجبة في المسلم وفي جنين المجوسية غرة قيمتها أربعون درهما وإذا تعذر وجود غرة بهذه الدراهم وجبت الدراهم لأنه موضع حاجة

وإذا اتفق نصف عشر الدية من الأصول كلها بأن تكون قيمتها خمسا من الإبل وخمسين دينارا أو ستمائة درهم فلا كلام وإن اختلفت قيمة الإبل فنصف عشر الدية من غيرها مثل أن كانت قيمة الإبل أربعين دينارا أو أربعمائة درهم

فظاهر كلام الخرقي أنها تقوم بالإبل لأنها الأصل وعلى قول غيره من أصحابنا تقوم بالذهب أو الورق فجعل قيمتها خمسين دينارا أو ستمائة درهم فإن اختلفا قومت على أهل الذهب به وعلى أهل الورق به فإن كان من أهل الذهب والورق جميعا قومها من هي عليه بما شاء منهما لأن الخيرة إلى الجاني في دفع ما شاء من الأصول ويحتمل أن تقوم بأدناهما على كل حال لذلك وإذا لم يجد الغرة انتقل إلى خمس من الإبل على قول الخرقي

وعلى قول غيره ينتقل إلى خمسين دينارا أو ستمائة درهم

الفصل الخامس أن الغرة موروثة عن الجنين كأنه سقط حيا لأنها دية له وبدل عنه فيرثها ورثته كما لو قتل بعد الولادة وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي

وقال الليث لا تورث بل تكون بدله لأمه لأنه كعضو من أعضائها فأشبه يدها

ولنا إنها دية آدمي حر فوجب أن تكون موروثة عنه كما لو ولدته حيا ثم مات وقوله إنه عضو من أعضائها


320

لا يصح لأنه لو كان عضوا لدخل بدله في دية أمه كيدها ولما منع القصاص من أمه وإقامة الحد عليها من أجله ولما وجبت الكفارة بقتله ولما صح عتقه دونها ولا عتقها دونه ولا تصور حياته بعد موتها ولأن كل نفس تضمن بالدية تورث كدية الحي فعلى هذا إذا أسقطت جنينا ميتا ثم ماتت فإنها ترث نصيبها من ديته ثم يرثها ورثتها وإن ماتت قبله ثم ألقته ميتا لم يرث أحدهما صاحبه وإن خرج حيا ثم مات قبلها ثم ماتت فإنها ترث نصيبها من ديته ثم يرثها ورثتها وإن ماتت قبله ثم ألقته ميتا لم يرث أحدهما صاحبه وإن خرج حيا ثم ماتت قبله ثم مات أو ماتت ثم خرج حيا ثم مات ورثها ثم يرثه ورثته وإن اختلف وراثهما في أولهما موتا فحكمهما حكم الغرقى على ما ذكر في موضعه ويجيء على قول الخرقي في المسألة التي ذكرها إذا ماتت امرأة وابنها أن يحلف ورثة كل واحد منهما ويختصموا بميراثه وإن ألقت جنينا ميتا أو حيا ثم مات ثم ألقت آخر حيا ففي الميت غرة وفي الحي الأول دية كاملة إذا كان سقوطه لوقت يعيش مثله ويرثهما الآخر ثم يرثه ورثته إن مات وإن كانت الأم قد ماتت بعد الأول وقبل الثاني فإن دية الأول ترث منها الأم والجنين الثاني ثم إذا ماتت الأم ورثها الثاني ثم يصير ميراثه لورثته وإن ماتت الأم بعدهما ورثتهما جميعا

فصل وإذا ضرب بطن امرأة فألقت أجنة ففي كل واحدة غرة وبهذا قال الزهري ومالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر قال ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم وذلك لأنه ضمان آدمي فتعدد بتعدده كالديات وإن ألقتهم أحياء في وقت يعيشون في مثله ثم ماتوا ففي كل واحدة دية كاملة وإن كان بعضهم حيا فمات وبعضهم ميتا ففي الحي دية وفي الميت غرة

فصل وتحمله العاقلة دية الجنين إذا مات مع أمه نص عليه أحمد إذا كانت الجناية عليها خطأ أو شبه عمد لما روى المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة على عصبة القاتلة وإن كان قتل الأم عمدا أو مات الجنين وحده لم تحمله العاقلة وقال الشافعي تحمله العاقلة على كل حال بناء على قوله إن العاقلة تحمل القليل والكثير والجناية على الجنين ليست تعمد لأنه لا يتحقق وجوده ليكون مقصودا بالضرب

ولنا إن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث على ما ذكرناه وهذا دون الثلث وإذا مات وحده أو من جناية عمد فدية أمه على قاتلها فكذلك ديته لأن الجناية لا يحمل بعض ديتها الجاني وبعضها غيره فيكون الجميع على القاتل كما لو قطع عمدا فسرت الجناية إلى النفس

مسألة

قال ( وإن كان الجنين مملوكا ففيه عشر قيمة أمه سواء كان الجنين ذكرا أو أنثى ) وجملة ذلك أنه إذا كان جنين الأمة مملوكا فسقط من الضربة ميتا ففيه عشر قيمة أمه هذا قول الحسن وقتادة ومالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر وبنحوه قال النخعي والزهري وقال زيد بن أسلم يجب فيه نصف عشر غرة وهو خمسة دنانير وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه يجب فيه نصف عشر قيمته إن كان ذكرا وعشر


321

قيمته إن كان أنثى لأن الغرة واجبة في جنين الحرة نصف عشر دية الرجل وعشر دية الأنثى وهذا متلف فاعتباره بنفسه أولى من اعتباره بأمه ولأنه جنين مضمون تلف بالضرب فكان فيه نصف عشر الواجب فيه إذا كان ذكرا كبيرا وعشر الواجب إذا كان أنثى كجنين الحرة وقال محمد بن الحسن مذهب أهل المدينة يفضي إلى أن يجب في الجنين الميت أكثر من قيمته إذا كان حيا

ولنا إنه جنين مات بالجناية في بطن أمه فلم يختلف ضمانه بالذكورة والأنوثة كجنين الحرة ودليلهم نقلبه عليهم فنقول جنين مضمون تلف بالجناية فكان الواجب فيه عشر ما يجب في أمه كجنين الحرة وما ذكروه من مخالفة الأصل معارض بأن مذهبهم يفضي إلى تفضيل الأنثى على الذكر وهو خلاف الأصول ولأنه لو اعتبر بنفسه لوجبت قيمته كلها كسائر المضمونات بالقيمة ولأن مخالفتهم أشد من مخالفتنا لأننا اعتبرناه إذا كان ميتا بأمه وإذا كان حيا بنفسه فجاز أن تزيد قيمة الميت على الحي مع اختلاف الجهتين كما جاز أن يزيد البعض على الكل في أن من قطع أطراف إنسان الأربعة كان الواجب عليه أكثر من دية النفس كلها وهم فضلوا الأنثى على الذكر مع اتحاد الجهة وأوجبوا فيما يضمن بالقيمة عشر قيمته تارة ونصف عشرها أخرى وهذا لا نظير له

إذا ثبت هذا فإن قيمة أمه معتبرة يوم الجناية وعليها وهذا منصوص الشافعي وقال بعض أصحابه تقوم حين أسقطت لأن الاعتبار في ضمان الجناية بالاستقرار ويتخرج لنا وجه كذلك

ولنا إنه لم يتحلل بين الجناية وحال الاستقرار ما يوجب تغيير بدل النفس فكان الاعتبار بحال الجناية كما لو جرح عبدا ثم نقصت السوق لكثرة الجلب ثم مات فإن الاعتبار بقيمته يوم الجناية ولأن قيمتها تتغير بالجناية وتنقص فلم تقوم في حال نقصها الحاصل بالجناية كما لو قطع يدها فماتت من سرايتهما أو قطع يدها فمرضت بذلك ثم اندملت جراحتها

فصل وولد المدبرة والمكاتبة والمعتقة بصفة وأم الولد إذا حملت من غير مولاها حكمه حكم ولد الأمة لأنه مملوك ولا تحمل العاقلة شيئا من ذلك لأن العاقلة لا تحمل عبدا بحال

فأما جنين المعتق بعضها فهو كهي فيه من الحرية مثل ما فيها فإذا كان نصفها حرا فنصفه حر فيه نصف غرة لورثته وفي النصف الباقي نصف عشر قيمة أمه لسيده

فصل وإن وطىء أمه بشبهة أو غر بأمة فتزوجها وأحبلها فضربها ضارب فألقت جنينا فهو حر وفيه غرة موروثة عنه لورثته وعلى الواطىء عشر قيمتها لسيدها لأنه لولا اعتقاد الحرية لكان هذا الجنين مملوكا لسيده على ضاربه عشر قيمة أمه فلما انعتق بسبب الوطء فقد حال بين سيدها وبين هذا القدر فألزمناه ذلك للسيد سواء كان بقدر الغرة أو أكثر منها أو أقل

فصل إذا سقط جنين ذمية قد وطئها مسلم وذمي في طهر واحد وجب فيه اليقين وهو ما في جنين الذمي فإن ألحق بعد ذلك بالذمي فقد وفى ما عليه وإن ألحق بمسلم فعليه تمام الغرة وإن ضرب بطن


322

نصرانية فأسقطت وادعت أو ادعى ورثته أنه من مسلم حملت به من وطء شبهة أو زنا فاعترف الجاني فعليه غرة كاملة وإن كان مما تحمله العاقلة فاعترف أيضا فالغرة عليها وإن أنكرت حلفت وعليها ما في جنين الذميين والباقي على الجاني لأنه ثبت باعترافه والعاقلة لا تحمل اعترافا وإن اعترفت العاقلة دون الجاني فالغرة عليها مع دية أمه وإن أنكر الجاني والعاقلة فالقول قولهم مع أيمانهم أننا لا نعلم أن هذا الجنين من مسلم ولا تلزمهم اليمين على البت لأنها يمين على النفي في فعل الغير فإذا حلفوا وجبت دية ذمي لأن الأصل ولدها تابع لها ولأن الأصل براءة الذمة وإن كان مما لا تحمله العاقلة فالقول قول الجاني وحده مع يمينه ولو كانت النصرانية امرأة مسلم فادعى الجاني أن الجنين من ذمي بوطء شبهة أو زنا فالقول قول ورثة الجنين لأن الجنين محكوم بإسلامه فإن الولد للفراش

فصل وإذا كانت الأمة بين شريكين فحملت بمملوك فضربها أحدهما فأسقطت فعليه كفارة لأنه أتلف آدميا ويضمن لشريكه نصف عشر قيمة أمه ويسقط ضمان نصيبه لأنه ملكه وإن أعتقها الضارب بعد ضربها وكان معسرا ثم أسقطت عتق نصيبه منها ومن ولدها وعليه لشريكه نصف عشر قيمة الأم وعليه نصف غرة من أجل النصف الذي صار حرا يورث عنه بمنزلة مال الجنين ترث أمه منه بقدر ما فيها من الحرية

والباقي لباقي ورثته هذا قول القاضي وقياس قول أبي بكر وأبي الخطاب لا يجب على الضارب ضمان ما أعتقه لأنه حين الجناية لم يكن مضمونا عليه والاعتبار في الضمان بحال الجناية وهي الضرب ولهذا اعتبرنا قيمة الأم حال الضرب وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وهذا أصح إن شاء الله لأن الإتلاف حصل بفعل غير مضمون فأشبه ما لو جرح حربيا فأسلم ثم مات بالسراية ولأن موته يحتمل أن يكون قد حصل بالضرب فلا يتجدد ضمانه بعد موته والأصل براءة ذمته وإن كان المعتق موسرا سرى العتق إليها وإلى جنينها وفي الضمان الوجهان فعلى قول القاضي في الجنين غرة موروثة عنه وعلى قياس قول أبي بكر عليه ضمان نصيب شريكه من الجنين بنصف عشر قيمة أمه ولا يضمن أمه لأنه قد ضمنها بإعتاقها فلا يضمنها بتلفها وإن كان المعتق الشريك الذي لم يضرب وكان معسرا فلا ضمان على الشريك في نصيبه لأن العتق لم يسر إليه وعليه في نصيب شريكه من الجنين نصف غرة يرثها ورثته على قول القاضي وعلى قياس أبي بكر يضمن نصيب شريكه بنصف عشر قيمة أمه يكون لسيده اعتبارا بحال الجناية

وكذلك الحكم في ضمان الأم إذا ماتت من الضربة وإن كان المعتق موسرا سرى العتق إليهما وصارا حرين وعلى المعتق ضمان نصف الأم ولا يضمن نصف الجنين لأنه يدخل في ضمان الأم كما يدخل في بيعها وعلى الضارب ضمان الجنين بغرة موروثة عنه على قول القاضي وعلى قياس قول أبي بكر يضمن نصيب الشريك بنصف عشر قيمة أمه وليس عليه ضمان نصيبه لأنه ملكه حال الجناية عليه وأما ضمان الأم ففي أحد الوجهين فيها دية حرة لسيدها منها أقل الأمرين من ديتها أو قيمتها وعلى الآخر يضمنها بقيمتها لسيدها كما تقدم من قطع يد عبد ثم أعتق ومات


323

فصل ولو ضرب بطن أمته ثم أعتقها ثم أسقطت جنينا ميتا لم يضمنه في قياس قول أبي بكر لأن جنايته لم تكن مضمونة في ابتدائها فلم يضمن سرايتها كما لو خرج مرتدا فأسلم ثم مات ولأن موت الجنين يحتمل أنه حصل بالضربة في مملوكه ولم يتجدد بعد العتق ما يوجب الضمان وعلى قول ابن حامد عليه غرة لا يرث منها شيئا لأن اعتبار الجناية بحال استقرارها ولو كانت الأمة لشريكين فضرباها ثم أعتقاها معا فوضعت جنينا ميتا فعلى قول أبي بكر على كل واحد منهما نصف عشر قيمة أمه لشريكه لأن كل واحد منهما جنى على الجنين ونصفه له فسقط عنه ضمانه ولزم ضمان نصفه الذي لشريكه بنصف عشر قيمة أمه اعتبارا بحال الجناية وعلى قول ابن حامد على كل واحد منهما نصف الغرة للأم منها الثلث وباقيها للورثة ولا يرث القاتل منها شيئا

فصل إذا ضرب ابن المعتقة الذي أبوه عبد بطن امرأة ثم أعتق أبوه ثم أسقطت جنينا وماتت احتمل أن تكون ديتهما في مال الجاني على ما تقدم ذكره واحتمل أن تكون الدية على مولى الأم وعصباته في قياس قول أبي بكر اعتبارا بحال الجناية وعلى قياس قول ابن حامد على مولى الأب وأقاربه اعتبارا بحال الإسقاط وإن ضرب ذمي بطن امرأته الذمية ثم أسلم ثم أسقطت لم تحمله عاقلته وإن ماتت معه فكذلك لأن عاقلته المسلمين لا يعقلون عنه لأنه كان حين الجناية ذميا وأهل الذمة لا يعقلون عنه لأنه حين الإسقاط مسلم ويحتمل أن يكون عقله في قياس أبي بكر على عاقلته من أهل الذمة اعتبارا بحال الجناية ويكون في الجنين ما يجب في الجنين الكافر لأنه حين الجناية محكوم بكفره وعلى قياس قول ابن حامد تجب فيه غرة كاملة ويكون عقله وعقل أمه على عاقلته المسلمين اعتبارا بحال الاستقرار

مسألة

قال ( وإن ضرب بطنها فألقت جنينا حيا ثم مات من الضربة ففيه دية حر إن كان حرا أو قيمته إن كان مملوكا إذا كان سقوطه لوقت يعيش لمثله وهو أن يكون لستة أشهر فصاعدا ) هذا قول عامة أهل العلم قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن في الجنين يسقط حيا من الضرب دية كاملة منهم زيد بن ثابت وعروة والزهري والشعبي وقتادة وابن شبرمة ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وذلك لأنه مات من جنايته بعد ولادته في وقت يعيش لمثله فأشبه قتله بعد وضعه

وفي هذه المسألة ثلاثة فصول فصل أحدها أنه إنما يضمن بالدية إذا وضعته حيا ومتى علمت حياته ثبت له هذا الحكم سواء ثبتت باستهلاله أو ارتضاعه أو بنفسه أو عطاسه أو غيره من الأمارات التي تعلم بها حياته هذا ظاهر قول الخرقي وهو مذهب الشافعي وروي عن أحمد أنه لا يثبت له حكم الحياة إلا بالاستهلال وهذا قول الزهري وقتادة ومالك وإسحاق وروي معنى ذلك عن عمر رضي الله عنه وابن عباس والحسن بن علي وجابر رضي الله عنهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا استهل المولود ورث وورث مفهومه أنه لا يرث إذا لم يستهل

والاستهلال


324

الصياح قاله ابن عباس والقاسم والنخعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان فيستهل صارخا إلا مريم وابنها فلا يجوز غير ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم والأصل في تسمية الصياح استهلالا أن من عادة الناس أنهم إذا رأوا الهلال صاحوا وأراه بعضهم بعضا فسمي صياح المولود استهلالا لأنه في ظهوره بعد خفائه كالهلال وصياحه كصياح من يتراءاه

ولنا إنه علمت حياته فأشبه المستهل والخبر يدل بمعناه وتنبيهه على ثبوت الحكم في سائر الصور لأن شربه اللبن أدل على حياته من صياحه وعطاسه صوت منه كصياحه وأما الحركة والاختلاج المنفرد فلا يثبت به حكم الحياة لأنه قد يتحرك بالاختلاج وسبب آخر وهو خروجه من مضيق فإن اللحم يختلج سيما إذا عصر ثم ترك فلم تثبت بذلك حياته

فصل الفصل الثاني أنه إنما يجب ضمانه إذا علم موته بسبب الضربة ويحصل ذلك بسقوطه في الحال وموته متألما إلى أن يموت أو بقاء أمه متألمة إلى أن تسقطه فيعلم بذلك موته بالجناية كما لو ضرب رجلا فمات عقيب ضربه أو بقي ضمنا حتى مات وإن ألقته حيا فجاء آخر فقتله وكان فيه حياة مستقرة فعلى الثاني القصاص إذا كان عمدا أو الدية كاملة وإن لم يكن فيه حياة مستقرة بل كانت حركته كحركة المذبوح فالقاتل هو الأول وعليه الدية كاملة وعلى الثاني الأدب وإن وقع الجنين حيا ثم بقي زمنا سالما لا ألم به لم يضمنه الضارب لأن الظاهر أنه لم يمت من جنايته

فصل الفصل الثالث أن الدية الكاملة إنما تجب فيه إذا كان سقوطه لستة أشهر فصاعدا فإن كان لدون ذلك ففيه غرة كما لو سقط متألما وبهذا قال المزني وقال الشافعي فيه دية كاملة لأننا علمنا حياته وقد تلف من جنايته

ولنا إنه لم تعلم فيه حياة يتصور بقاؤه بها فلم تجب فيه دية كما لو ألقته ميتا وكالمذبوح وقولهم إننا علمنا حياته قلنا وإذا سقط ميتا وله ستة أشهر فقد علمنا حياته أيضا

فصل وإذا ادعت امرأة على إنسان أنه ضربها فأسقطت جنينها فأنكر الضرب فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم الضرب وإن أقر بالضرب أو قامت به بينة وأنكر أن تكون أسقطت فالقول قوله أيضا مع يمينه لأنه لا يعلم أنها أسقطت ولا تلزمه اليمين على البت لأنها يمين على فعل الغير والأصل عدمه وإن ثبت الإسقاط والضرب ببينة أو إقرار فادعى أنها أسقطته من غير ضربة نظرنا فإن كانت أسقطت عقيب ضربه فالقول قولها لأن الظاهر أنه منه لوجوده عقيب شيء يصلح أن يكون سببا له وإن ادعى أنها ضربت نفسها أو شربت دواء أو فعل ذلك غيرها فحصل الإسقاط فأنكرته فالقول قولها مع يمينها لأن الأصل عدم ذلك وإن أسقطت بعد الضرب بأيام نظرنا فإن كانت متألمة إلى حين الإسقاط فالقول قولها وإن لم تكن متألمة فالقول قوله مع يمينه كما


325

لو ضرب إنسانا فلم يبق متألما ولا ضمنا ومات بعد أيام وإن اختلفا في وجود التألم فالقول قوله لأن الأصل عدمه وإن كانت متألمة في بعض المدة فادعى أنها برئت وزال ألمها وأنكرت ذلك فالقول قولها لأن الأصل بقاؤه وإن ثبت إسقاطها من الضربة فادعت سقوطه حيا وأنكرها فالقول قوله مع يمينه إلا أن تقوم لها بينة باستهلاله لأن الأصل عدم ذلك وإن ثبتت حياته فادعت أنه لوقت يعيش مثله وأنكرها فالقول قولها مع يمينها لأن ذلك لا يعرف إلا من جهتها ولا يمكن إقامة البينة عليه فقبل قولها فيه كانقضاء عدتها ووجود حيضها وطهرها وإن أقامت بينة باستهلاله وأقام الجاني بينة بعدم استهلاله قدمت بينتها لأنها مثبتة فتقدم على النافية لأن المثبتة معها زيادة علم وإن ادعت أنه مات عقيب إسقاطه وادعى أنه عاش مدة فالقول قولها لأن الأصل عدم حياته وإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه قدمت بينة الجاني لأن معها زيادة علم وإن ثبت أنه عاش مدة فادعت أنه بقي متألما حتى مات وأنكر ذلك فالقول قوله لأن الأصل عدم التألم وإن أقاما بينتين قدمت بينتها لأن معها زيادة علم ويقبل في استهلال الجنين وسقوطه وبقائه متألما وبقاء أمه متألمة قول امرأة واحدة لأنه مما لا يطلع عليه الرجال فإن الغالب أنه لا يشهد الولادة إلا النساء والاستهلال يتصل بها وهو يشهدن حال المرأة وولادتها وحال الطفل ويعرفن علله وأمراضه وقوته وضعفه دون الرجال وإن اعترف الجاني باستهلاله أو ما يوجب فيه دية كاملة لم تحمله العاقلة وكانت الدية في مال الجاني لأن العاقلة لا تحمل اعترافا وإن كان مما تحمل العاقلة فيه الغرة فعلى العاقلة غرة وباقي الدية في مال القاتل

فصل وإن انفصل منها جنينان ذكر وأنثى فاستهل أحدهما واتفقوا على ذلك واختلفوا في المستهل فقال الجاني هو الأنثى وقال وارث الجنين هو الذكر فالقول قول الجاني مع يمينه لأن الأصل عدم الاستهلال من الذكر وبراءة ذمته من الزائد على دية الأنثى فإن كان لأحدهما بينة قدم بها وإن كان لكل واحد منهما بينة وجبت دية الذكر لأن البينة قد قامت باستهلاله والبينة المعارضة لها نافية له والإثبات مقدم على النفي فإن قيل فينبغي أن تجب دية الذكر والأنثى قلنا لا تجب دية الأنثى لأن المستحق لها لم يدعها وهو مكذب للبينة الشاهدة بها وإن ادعى الاستهلال منهما ثبت ذلك بالبينتين وإن لم تكن بينة فاعترف الجاني باستهلال الذكر فأنكرت العاقلة فالقول قولهم مع أيمانهم فإذا حلفوا كانت عليهم دية الأنثى وغرة إن كانت تحمل الغرة وعلى الضارب تمام دية الذكر وهو نصف الدية لا تحمله العاقلة لأنه ثبت باعترافه وإن اتفقوا على أن أحدهما استهل ولم يعرف بعينه لزم العاقلة دية أنثى لأنها متيقنة وتمام دية الذكر مشكوك فيه والأصل براءة الذمة منه فلم يجب بالشك ويجب الغرة في الذي لم يستهل

فصل إذا ضربها فألقت يدا ثم ألقت جنينا فإن كان إلقاؤهما متقاربا أو بقيت المرأة متألمة إلى أن ألقته دخلت اليد في ضمان الجنين لأن الظاهر أن الضرب قطع يده وسرى إلى نفسه فأشبه ما لو قطع يد رجل وسرى القطع إلى نفسه ثم إن كان الجنين سقط ميتا أو حيا لا يعيش لمثله ففيه غرة وإن ألقته حيا لوقت يعيش


326

لمثله ففيه دية كاملة وإن بقي حيا فلم يمت فعلى الضارب ضمان اليد بديتها بمنزلة من قطع يد رجل فاندملت وقال القاضي وبعض أصحاب الشافعي يسأل القوابل فإن قلن إنها يد من لم تخلق فيه الحياة ففيها نصف الغرة وإن قلن يد من خلقت فيه الحياة ففيها نصف الدية

ولنا إن الجنين إنما يتصور بقاء الحياة فيه إذا كان حيا قبل ولادته بمدة طويلة أقلها شهران على ما دل عليه حديث الصادق المصدوق في أنه تنفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر وأقل ما يبقى بعد ذلك شهران لأنه لا يحيى إذا وضعته لأقل من ستة أشهر والكلام مفروض فيما إذا لم يتخلل بين الضربة والإسقاط مدة تزيل ظن سقوطه بها فيعلم حينئذ أنها كانت بعد وجود الحياة فيه وأما إن ألقت اليد وزال الألم ثم ألقت الجنين ضمن اليد وحدها بمنزلة من قطع يدا فاندملت ثم مات صاحبها ثم ننظر فإن ألقته ميتا أو لوقت لا يعيش مثله ففي اليد نصف غرة لأن جميعه غرة ففي يده نصف ديته وإن ألقته حيا لوقت يعيش مثله ثم مات أو عاش وكان بين إلقاء اليد وبين إلقائه مدة يحتمل أن تكون الحياة لم تخلق فيها أري القوابل هاهنا فإن قلن إنها يد من لم تخلق فيها الحياة وجب نصف غرة وإن قلن إنها يد من خلقت فيه الحياة ومضى له ستة أشهر ففيه نصف الدية وإن قيل إنها يد من خلقت الحياة ولم تمض له ستة أشهر وجب فيه نصف غرة لأنها يد من لا يجب فيه أكثر من غرة فأشبهت يد من لم ينفخ فيه روح وإن أشكل الأمر عليهن وجب نصف الغرة لأنه اليقين وما زاد مشكوك فيه فلا يجب بالشك

مسألة

قال ( وعلى كل من ضرب ممن ذكرت عتق رقبة مؤمنة سواء كان الجنين حيا أو ميتا ) هذا قول أكثر أهل العلم منهم الحسن وعطاء والزهري والحكم ومالك والشافعي وإسحاق قال ابن المنذر كل من نحفظ عنه من أهل العلم أوجب على ضارب بطن المرأة تلقي جنينا الرقبة مع الغرة وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه وقال أبو حنيفة لا تجب الكفارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب الكفارة حين أوجب الغرة

ولنا قول الله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 وقال وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة النساء وهذا الجنين إن كان من مؤمنين أو أحد أبويه فهو محكوم بإيمانه تبعا يرثه ورثته المؤمنون ولا يرث الكافر منه شيئا وإن كان من أهل الذمة فهو من قوم بيننا وبينهم ميثاق ولأنه نفس مضمون بالدية فوجبت فيه الرقبة كالكبير وترك ذكر الكفارة لا يمنع وجوبها كقوله عليه السلام في النفس المؤمنة مائة من الإبل وذكر الدية في مواضع ولم يذكر الكفارة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية المقتولة على عاقلة القاتلة ولم يذكر كفارة وهي واجبة كذا هاهنا وإنما كان كذلك لأن الآية أغنت عن ذكر الكفارة في موضع آخر فاكتفى بها وإن ألقت المضروبة أجنة ففي كل جنين كفارة كما أن في كل جنين غرة أو دية وإن اشترك جماعة في ضرب امرأة فألقت جنينا فديته أو الغرة عليهم بالحصص وعلى كل واحد منهم كفارة كما إذا قتل جماعة رجلا واحدا وإن


327

ألقت أجنة فدياتهم عليهم بالحصص وعلى كل واحد في كل جنين كفارة فلو ضرب ثلاثة بطن امرأة فألقت ثلاثة أجنة فعليهم تسع كفارات على كل واحد ثلاثة

مسألة

قال ( وإذا شربت الحامل دواء فألقت به جنينا فعليها غرة لا ترث منها شيئا وتعتق رقبة ) ليس في هذه الجملة اختلاف بين أهل العلم نعلمه إلا ما كان من قول من لم يوجب عتق الرقبة على ما قدمنا وذلك لأنها أسقطت الجنين بفعلها وجنايتها فلزمها ضمانه بالغرة كما لو جنى عليه غيرها ولا ترث من الغرة شيئا لأن القاتل لا يرث المقتول وتكون الغرة لسائر ورثته وعليها عتق رقبة كما قدمنا ولو كان الجاني المسقط للجنين أباه أو غيره من ورثته فعليه غرة لا يرث منها شيئا ويعتق رقبة وهذا قول الزهري والشافعي وغيرهما

فصل وإن جنى على بهيمة فألقت جنينها ففيه ما نقصها في قول عامة أهل العلم وحكي عن أبي بكر أن فيه عشر قيمة أمه لأنه جناية على حيوان يملك بيعه أسقطت جنينه أشبه جنين الأمة وهذا لا يصح لأن الجناية على الأمة تقدر من قيمتها ففي يدها نصف قيمتها وفي موضحتها نصف عشر قيمتها بقدر الجناية من قيمتها كبعض أعضائها والبهيمة إنما يجب في الجناية عليها قدر نقصها فكذلك في جنينها ولأن الأمة آدمية ألحقت بالأحرار في تقدير أعضائها من ديتها والبهيمة بخلاف ذلك

مسألة

قال ( وإذا رمى ثلاثة بالمنجنيق فرجع الحجر فقتل رجلا فعلى عاقلة كل واحد منهم ثلث الدية وعلى كل واحد منهم عتق رقبة مؤمنة في ماله ) أما عتق رقبة على كل واحد منهم فلا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم لأن كل واحد منهم مشارك في إتلاف آدمي معصوم والكفارة لا تتبعض فكملت في حق كل واحد منهم ثم لا يخلو من حالين أحدهما أن يقتل واحدا منهم والثاني أن يقتل واحدا من غيرهم فعلى كل واحد عتق رقبة كما ذكرنا والدية على عواقلهم أثلاثا لأن العاقلة تحمل الثلث فما زاد سواء قصدوا رمي واحد بعينه أو رمي جماعة أو لم يقصدوا ذلك إلا أنهم إن لم يقصدوا قتل آدمي معصوم فهو خطأ ديته دية الخطأ وإن قصدوا رمي جماعة أو واحد بعينه فهو شبه عمد لأن قصد الواحد بعينه بالمنجنيق لا يكاد يفضي إلى إتلافه فتكون ديته مغلظة على العاقلة إلا أنها في ثلاث سنين وعلى قول أبي بكر لا تحمل العاقلة دية شبه العمد فلا تحمله هاهنا

والثاني أن يصيب رجلا منهم فعلى كل واحدة كفارة أيضا ولا تسقط عمن أصابه الحجر لأنه شارك في قتل نفس مؤمنة والكفارة إنما تجب لحق الله تعالى فوجبت عليه بالمشاركة في نفسه كوجوبها بالمشاركة في قتل غيره وأما الدية ففيها ثلاثة أوجه أحدها أن على عاقلة كل واحد منهم ثلث ديته لورثة المقتول لأن كل واحد منهم مشارك في قتل نفس مؤمنة خطأ فلزمته ديتها كالأجانب وهذا ينبني على إحدى الروايتين في أن جناية المرء على نفسه أو أهله خطأ يحمل عقلها عاقلته


328

الوجه الثاني ما قبل فعل المقتول ساقط لا يضمنه أحد لأنه شارك في إتلاف حقه فلم يضمن ما قابل فعله كما لو شارك في قتل بهيمته أو عبده وهذا الذي ذكره القاضي في المجرد ولم يذكر غيره وهو مذهب الشافعي

الثالث أن يلغى فعل المقتول في نفسه وتجب ديته بكمالها على عاقلة الآخرين نصفين قال أبو الخطاب هذا قياس المذهب بناء على مسألة المتصادمين والذي ذكره القاضي أحسن وأصح في النظر وقد روي نحوه عن علي رضي الله عنه في مسألة القارضة والقابضة والواقصة قال الشعبي وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن فارن فركبت إحداهن على عنق أخرى وقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت عنقها فماتت فرفع ذلك إلى علي رضي الله عنه فقضى بالدية أثلاثا على عواقلهن وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة لأنها أعانت على قتل نفسها وهذه شبهة بمسألتنا ولأن المقتول مشارك في القتل فلم تكمل الدية على شريكيه كما لو قتلوا واحدا من غيرهم وإن رجع الحجر فقتل اثنين من الرماة فعلى الوجه الأول تجب ديتهما على عواقلهما أثلاثا وعلى كل واحد كفارتان وعلى الوجه الثاني تجب على عاقلة الحي منهم لكل ميت ثلث ديته وعلى عاقلة كل واحد من الميتين ثلث دية صاحبه ويلغى فعله في نفسه وعلى الوجه الثالث على عاقلة الحي لكل واحد من الميتين نصف الدية وتجب على عاقلة كل واحد من الميتين الدية لصاحبه

مسألة

قال ( وإن كانوا أكثر من ثلاثة فالدية حالة في أموالهم ) هذا هو الصحيح في المذهب سواء كان المقتول منهم أو من غيرهم إلا أنه إذا كان منهم يكون فعل المقتول في نفسه هدرا لأنه لا يجب عليه لنفسه شيء ويكون باقي الدية في أموال شركائه حالا لأن التأجيل في الديات إنما يكون فيما تحمله العاقلة وهذا لا تحمله العاقلة لأنها لا تحمل ما دون الثلث والقدر اللازم لكل واحد دون الثلث وذكر أبو بكر فيها رواية أخرى أن العاقلة تحملها لأن الجناية فعل واحد أوجب دية تزيد على الثلث والصحيح هو الأول لأن كل واحد منهم يختص بموجب فعله دون فعل شركائه وحمل العاقلة إنما شرع للتخفيف عن الجاني فيما يشق ويثقل وما دون الثلث يسير على ما ألفناه والذي يلزم كل واحد أقل من الثلث وأما قوله إنه فعل واحد قلنا بل هي أفعال لأن فعل كل واحد غير فعل الآخر وإنما موجب الجميع واحد فأشبه ما لو جرحه كل واحد جرحا فأتت النفس بجميعها

إذا ثبت هذا فالضمان يتعلق بمن مد الحبال ورمى الحجر دون وضعه في الكفة وأمسك الخشبة اعتبارا بالمباشر كمن وضع سهما في قوس رجل ورماه صاحب القوس فالضمان على الرامي دون الواضع

فصل إذا سقط رجل في بئر فسقط عليه آخر فقتله فعليه ضمانه لأنه قتله فضمنه كما لو رمى عليه حجرا ثم ينظر فإن كان عمد رمي نفسه عليه وهو مما يقتل غالبا فعليه القصاص وإن كان مما لا يقتل


329

غالبا فهو شبه عمد وإن وقع خطأ فالدية على عاقلته مخففة وإن مات الثاني بوقوعه على الأول فدمه هدر لأنه مات بفعله وقد روى علي بن رباح اللخمي أن رجلا كان يقود أعمى فوقع في بئر فخر البصير ووقع الأعمى فوق البصير فقتله فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى فكان الأعمى ينشد في الموسم فيها أيها الناس لقيت منكرا هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا خرا معا كلاهما تكسرا وهذا قول ابن الزبير وشريح والنخعي والشافعي وإسحاق ولو قال قائل ليس على الأعمى ضمان البصير لأنه الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه وكان سبب وقوعه عليه ولذلك لو فعله قصدا لم يضمنه بغير خلاف وكان عليه ضمان الأعمى ولو لم يكن سببا لم يلزمه ضمان بقصده لكان له وجه إلا أن يكون مجمعا عليه فلا تجوز مخالفة الإجماع ويحتمل أنه إنما لم يجب الضمان على القائد لوجهين أحدهما أنه مأذون فيه من جهة الأعمى فلم يضمن ما تلف به كما لو حفر له بئرا في داره بإذنه فتلف بها

الثاني أنه فعل مندوب إليه مأمور به فأشبه ما لو حفر بئرا في سابلة ينتفع بها المسلمون فإنه لا يضمن ما تلف بها

فصل فإن سقط رجل في بئر فتعلق بآخر فوقعا معا فدم الأول هدر لأنه مات من فعله وعلى عاقلته دية الثاني إن مات لأنه قتله بجذبته فإن تعلق الثاني بثالث فماتوا جميعا فلا شيء على الثالث وعلى عاقلة الثاني ديته في أحد الوجهين لأنه جذبه وباشره وبالجذب والمباشرة تقطع حكم السبب كالحافز مع الدافع

والثاني ديته على عاقلة الأول والثاني نصفين لأن الأول جذب الثاني الجاذب للثالث فصار مشركا للثاني في إتلافه

ودية الثاني على عاقلة الأول في أحد الوجهين لأنه هلك بجذبته وإن هلك بسقوط الثالث عليه فقد هلك بجذبة الأول وجذبة نفسه للثالث فسقط فحل نفسه كالمصطدمين وتجب ديته بكمالها على الأول ذكره القاضي

والوجه الثاني يجب على الأول نصف ديته ويهدر نصفها في مقابلة فعل نفسه وهذا مذهب الشافعي ويتخرج وجه ثالث وهو وجوب نصف ديته على عاقلته لورثته كما قلنا فيما إذا رمى ثلاثة بالمنجنيق فقتل الحجر أحدهم وأما الأول إذا مات بوقوعهما عليه ففيه الأوجه الثلاثة لأنه مات من جذبته وجذبة الثاني للثالث فتجب ديته كلها على عاقلة الثاني ويلغى فعل نفسه على الوجه الأول وعلى الثاني يهدر نصف ديته المقابل لفعل نفسه ويجب نصفها على الثاني وعلى الثالث يجب نصفها على عاقلته لورثته وإن جذب الثالث رابعا فمات جميعهم بوقوع بعضهم على بعض فلا شيء على الرابع لأنه لم يفعل شيئا في نفسه ولا غيره وفي ديته وجهان أحدهما أنها على عاقلة الثالث والمباشر لجذبه

والثاني على عاقلة الأول والثاني والثالث لأنه مات من جذب الثلاثة فكانت ديته على عواقلهم وأما الأول فقد مات بجذبته وجذبة الثاني وجذبة الثالث ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يلغي فعل نفسه وتجب ديته على عاقلة الثاني والثالث نصفين

الثاني يجب على عاقلتهما ثلثاها ويسقط ما قابل فعل نفسه

الثالث يجب ثلثها على عاقلته لورثته وأما الجاذب الثاني فقد مات بالأفعال الثلاثة وفيه هذه الأوجه


330

المذكورة في الأول سواء وأما الثالث ففيه مثل هذه الأوجه الثلاثة ووجهان آخران

أحدهما أن ديته بكمالها على الثالث لأنه المباشر لجذبه فسقط فعل غيره بفعله

والثاني أن على عاقلته نصفها ويسقط النصف الثاني في مقابلة فعله في نفسه

فصل وإن وقع بعضهم على بعض فماتوا نظرت فإن كان موتهم بغير وقوع بعضهم على بعض مثل أن يكون البئر عميقا يموت الواقع فيه بنفس الوقوع أو كان فيه ماء يغرق الواقع فيقتله أو أسد يأكلهم فليس على بعضهم ضمان بعض لعدم تأثير فعل بعضهم في هلاك بعض وإن شككنا في ذلك لم يضمن بعضهم بعضا لأن الأصل براءة الذمة فلا نشغلها بالشك وإن كان موتهم بوقوع بعضهم على بعض فدم الرابع هدر لأن غيره لم يفعل فيه شيئا وإنما هلك بفعله وعليه دية الثالث لأنه قتله بوقوعه عليه ودية الثاني عليه وعلى الثالث نصفين ودية الأول على الثلاثة أثلاثا

فصل وإن هلكوا بأمر في البئر مثل أسد كان فيه وكان الأول جذب الثاني والثاني جذب الثالث والثالث جذب الرابع فقتلهما الأسد فلا شيء على الرابع وديته على عاقلة الثالث في أحد الوجهين وفي الثاني على عواقل الثلاثة أثلاثا ودم الأول هدر وعلى عاقلته دية الثاني وأما دية الثالث فعلى الثاني في أحد الوجهين وفي الآخر على الأول والثاني نصفين وهذه المسألة تسمى مسألة الزبية وقد روى حنش الصنعاني أن قوما من أهل اليمن حفروا زبية للأسد فاجتمع الناس على رأسها فهوى فيها واحد فجذب ثانيا فجذب الثاني الثالث ثم جذب الثالث رابعا فقتلهم الأسد فرفع ذلك إلى علي رضي الله عنه فقال للأول ربع الدية لأنه هلك فوقه ثلاثة وللثاني ثلث الدية لأنه هلك فوقه اثنان وللثالث نصف الدية لأنه هلك فوقه واحد وللرابع كمال الدية وقال فإني أجعل الدية على من حضر رأس البئر فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال هو كما قال رواه سعيد بن منصور قال حدثنا أبو عوانة وأبو الأحوص عن سماك بن حرب عن حنش بنحو هذا المعنى قال أبو الخطاب فذهب أحمد إلى ذلك توقيفا على خلاف القياس والقياس ما ذكرناه

فصل ويجب الضمان بالسبب كما يجب بالمباشرة فإذا حفر بئرا في طريق لغير مصلحة المسلمين أو في ملك غيره بغير إذنه أو وضع في ذلك حجرا أو حديدة أو صب فيه ماء أو وضع فيه قشر بطيخ أو نحوه وهلك فيه إنسان أو دابة ضمنه لأنه تلف بعدواته فضمنه كما لو جنى عليه روي عن شريح أنه ضمن رجلا حفر بئرا فوقع فيها رجل فمات وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال النخعي والشعبي وحماد والثوري والشافعي وإسحاق وإن وضع رجل حجرا وحفر آخر بئرا أو نصب سكينا فعثر بالحجر فوقع في البئر أو على السكين فهلك فالضمان على واضع الحجر دون الحافر وناصب السكين لأن واضع الحجر كالدافع له وإذا اجتمع الحافر والدافع فالضمان على الدافع وحده

وبهذا قالالشافعي

ولو وضع رجل حجرا ثم حفر عنده آخر بئرا أو نصب سكينا فعثر بالحجر فسقط عليهما فهلك احتمل أن يكون الحكم كذلك لما ذكرنا

واحتمل أن يضمن الحافر


331

وناصب السكين لأن فعلهما متأخر عن فعله فأشبه ما لو كان زق فيه مائع وهو واقف فحل وكاءه إنسان وأماله آخر فسال ما فيه كان الضمان على الآخر منهما وإن وضع إنسان حجرا أو حديدة في ملكه أو حفر فيه بئرا فدخل إنسان بغير إذنه فهلك به فلا ضمان على المالك لأنه لم يتعد وإنما الداخل هلك بعدوان نفسه وإن وضع حجرا في ملكه ونصب أجنبي فيه سكينا أو حفر بئرا بغير إذنه فعثر رجل بالحجر فوقع على السكين أو في البئر فالضمان على الحافر وناصب السكين لتعديهما إذا لم يتعلق الضمان بواضع الحجر لانتفاء عدوانه وإن اشترك جماعة في عدوان تلف به شيء فالضمان عليهم وإن وضع اثنان حجرا وواحد حجرا فعثر بهما إنسان فهلك فالدية على عواقلهم أثلاثا في قياس المذهب وهو قول أبي يوسف لأن السبب حصل من الثلاثة أثلاثا فوجب الضمان عليهم وإن اختلفت أفعالهم كما لو جرحه واحد جرحين وجرحه اثنان جرحين فمات بهما وقال زفر على الاثنين النصف وعلى واضع الحجر وحده النصف لأن فعله مساو لفعلهما وإن حفر إنسان بئرا ونصب آخر فيها سكينا فوقع إنسان في البئر على السكين فمات فقال ابن حامد الضمان على الحافر لأنه بمنزلة الدافع وهذا قياس المسائل التي قبلها

ونص أحمد رحمه الله على أن الضمان عليهما قال أبو بكر لأنهما في معنى الممسك والقاتل الحافر كالممسك وناصب السكين كالقاتل فيخرج من هذا أن يجب الضمان على جميع المتسببين في المسائل السابقة

فصل وإن حفر بئرا في ملك نفسه أو في ملك غيره بإذنه فلا ضمان عليه لأنه غير متعد بحفرها وإن حفرها في موات لم يضمن لأنه غير متعد بحفرها وكذلك إن وضع حجرا أو نصب شركا أو شبكة أو منجلا ليصيد بها وإن فعل شيئا من ذلك في طريق ضيق فعليه ضمان من هلك به لأنه متعد وسواء أذن له الإمام فيه أو لم يأذن فإنه ليس للإمام الإذن فيما يضر بالمسلمين ولو فعل ذلك الإمام لضمن ما تلف به لتعديه وإن كان الطريق واسعا فحفر في مكان منها ما يضر بالمسلمين فعليه الضمان كذلك وإن حفر في موضع لا ضرر فيه نظرنا فإن حفرها لنفسه ضمن ما تلف بها سواء حفرها بإذن الإمام أو غير إذنه وقال أصحاب الشافعي إن حفرها بإذن الإمام لم يضمن لأن للإمام أن يأذن في الانتفاع بما لا ضرر فيه بدليل أنه يجوز أن يأذن في العقود فيه ويقطعه لمن يبيع فيه

ولنا إنه تلف بحفر حفرة في حق مشترك بغير إذن أهله لغير مصلحتهم فضمن كما لو لم يأذن له الإمام ولا نسلم أن للإمام أن يأذن في هذا وإن يأذن في القعود لأن ذلك لا يدون وتمكن إزالته في الحال فأشبه القعود في المسجد ولأن القعود جائز من غير إذن الإمام بخلاف الحفر وإن حفر البئر لنفع المسلمين مثل أن يحفره لينزل فيه ماء المطر من الطريق أو لتشرب منه المارة ونحوها فلا ضمان عليه لأنه محسن بفعله غير متعد بحفره فأشبه باسط الحصير في المسجد وذكر بعض أصحابنا أنه لا يضمن إذا كان بإذن الإمام وإن كان بغير إذنه ففيه روايتان

إحداهما لا يضمن فإن أحمد قال في رواية إسحاق بن إبراهيم إذا أحدث بئرا لماء المطر ففيه نفع للمسلمين أرجو أن لا يضمن


332

والثاني يضمن أومأ إليه أحمد لأنه إفتات على الإمام ولم يذكر القاضي سوى هذه الرواية والصحيح هو الأول لأن هذا مما تدعو الحاجة إليه ويشق استئذان الإمام فيه وتعم البلوى به ففي وجوب استئذان الإمام فيه تفويت لهذه المصلحة العامة لأنه لا يكاد يوجود من يتحمل كلفة استئذانه وكلفة الحفر معا فتضيع هذه المصلحة فوجب إسقاط استئذانه كما في سائر المصالح العامة من بسط حصير في مسجد أو تعليق قنديل فيه أو وضع سراج أو رمي شعث فيه وأشباه ذلك

وحكم البناء في الطريق حكم الحفر فيها على ما ذكرنا من التفصيل والخلاف وهو أنه متى بنى بناء يضر إما لكونه في طريق ضيق أو في واسع يضر بالمارة أو بنى لنفسه فقد تعدى ويضمن ما تلف به وإن بنى في طريق واسع في موضع لا يضر البناء فيه لنفع المسلمين كبناء مسجد يحتاج إليه للصلاة فيه في زاوية ونحوها فلا ضمان عليه وسواء في ذلك كله أذن فيه الإمام أو لم يأذن ويحتمل أن يعتبر إذن الإمام في البناء لنفع المسلمين دون الحفر لأن الحفر تدعو الحاجة إليه لنفع الطريق وإصلاحها وإزالة الطين والماء منها بخلاف البناء فجرى حفرها مجرى تنقيتها وحفر هدفه منها وقلع حجر يضر بالمارة ووضع الحصى في حفرة منها ليملأها ويسهلها بإزالة الطين ونحوه منها وتسقيف ساقية فيها ووضع حجر في طين فيها ليطأ الناس عليه أو يعبروا عليه فهذا كله مباح لا يضمن ما تلف به

لا أعلم فيه خلافا

وكذلك ينبغي أن يكون في بناء القناطر ويحتمل أن يعتبر استئذان الإمام لأن مصلحته لا يعم وجودها بخلاف غيره وإن سقف مسجدا أو فرش بارية فيه أو نصب عليه بابا أو جعل فيه رفا لينفع أهله أو علق فيه قنديلا أو بنى فيه حائطا فتلف به شيء فلا ضمان عليه وقال أصحاب الشافعي إن فعل شيئا من ذلك بغير إذن الإمام ضمن في أحد الوجهين وقال أبو حنيفة يضمن إذا لم يأذن فيه الجيران

ولنا أنه فعل أحسن به ولم يتعد فيه فلم يضمن ما تلف به كما لو أذن فيه الإمام والجيران ولأن هذا مأذون فيه من جهة العرف لأن العادة جارية بالتبرع به من غير استئذان فلم يجب ضمان كالمأذون فيه نطقا

فصل وإن حفر العبد بئرا في ملك إنسان بغير إذنه أو في طريق يتضرر به ثم أعتقه سيده ثم تلف بها شيء ضمنه العبد

وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة الضمان على سيده لأن الجناية هي الحفر في حال رقه وكان ضمان جنايته حينئذ على سيده فلا يزول ذلك بعتقه كما له جرح في حال رقه ثم سرى جرحه بعد عتقه

ولنا إن التلف الموجب للضمان وجد بعد إعتاقه فكان الضمان عليه كما لو اشترى سيفا في حال رقه ثم قتل به بعد عتقه وفارق ما قاسوا عليه لأن الإتلاف الموجب للضمان وجد حال رقه وهاهنا حصل بعد عتقه وكذلك القول في نصب حجر أو غيره من الأسباب التي يجب بها الضمان

فصل وإذا حفر إنسان بئرا في ملك مشترك بينه وبين غيره بغير إذنه ضمن ما تلف جميعه وهذا قياس مذهب الشافعي

وقال أبو حنيفة يضمن ما قابل نصيب شريكه فلو كان له شريكان لضمن ثلثي


333

التالف لأنه تعدى في نصيب شريكيه وقالأبو يوسف عليه نصف الضمان لأنه تلف بجهتين فكان الضمان نصفين كما لو جرحه واحد جرحا وجرحه آخر جرحين

ولنا إنه متعد بالحفر فضمن الواقع فيها كما لو كان في ملك غيره والشركة أوجبت تعديه بجميع الحفر فكان موجبا لجميع الضمان ويبطل ما ذكره أبو يوسف بما لو حفره في طريق مشترك فإن له فيها حقا ومع ذلك يضمن الجميع والحكم فيها إذا أذن له بعض الشركاء في الحفر دون بعض كالحكم فيما إذا حفر في ملك مشترك بينه وبين غيره لكونه لا يباح الحفر ولا التصرف حتى يأذن الجميع

فصل وإذا حفر بئرا في ملك إنسان أو وضع فيه ما يتعلق به الضمان فأبرأه المالك من ضمان ما يتلف به ففيه وجهان أحدهما يبرأ لأن المالك لو أذن فيه ابتداء لم يضمن ما تلف به فإذا أبرأه من الضمان وأذن فيه زال عنه الضمان كما لو اقترن الإذن بالحفر

والآخر لا ينتفي عنه الضمان لأنه سبب موجب للضمان فلا يزول حكمه بالإبراء كسائر الأسباب ولأن حصول الضمان به لكونه تعدى بحفره والإبراء لا يزيل ذلك لأن ما مضى لا يمكن تغييره عن الصفة التي وقع عليها ولأن وجوب الضمان ليس بحق للمالك الإبراء منه كما لو أبرأه غير المالك ولأنه إبراء مما لم يجب فلم يصح كالإبراء من الشفعة قبل البيع

فصل وإن استأجر أجيرا فحفر في ملك غيره بغير إذنه وعلم الأجير ذلك فالضمان عليه لأنه متعديا بالحفر وليس له فعل ذلك بأجرة ولا غيرها فتعلق الضمان به كما لو أمره غيره بالقتل فقتل وإن لم يعلم فالضمان على المستأجر لأنه غره فتعلق الضمان به كالإثم وكذلك الحكم في البناء ونحوه ولو استأجر أجيرا ليحفر له في ملكه بئرا أو ليبني له فيها بناء فتلف الأجير بذلك لم يضمنه المستأجر وبهذا قال عطاء والزهري وقتادة وأصحاب الرأس ويشبه مذهب الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم البئر جبار ولأنه لم يتلفه وإنما فعل الأجير باختيار نفسه فعلا أفضى إلى تلفه فأشبه ما لو فعله تبرعا من عند نفسه إلا أن يكون الأجير استأجره بغير إذن سيده أو صبيا بغير إذن وليه فيضمنه لأنه متعد باستعماله متسبب إلى إتلاف حق غيره

فصل فإن حفر إنسان في ملكه بئرا فوقع فيها إنسان أو دابة فهلك به وكان الداخل دخل بغير إذنه فلا ضمان على الحافر لأنه لا عدوان منه وإن دخل بإذنه والبئر مكشوفة والداخل بصير يبصرها فلا ضمان أيضا لأن الواقع هو الذي أهلك نفسه فأشبه ما لو قدم إليه سيف فقتل به نفسه وإن كان الداخل أعمى أو كانت في ظلمة لا يبصرها الداخل أو غطى رأسه فلم يعلم الداخل بها حتى وقع فيها فعليه ضمانه

وبهذا قال شريح والشعبي والنخعي وحماد ومالك وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وقال في الآخر لا يضمنه لأنه هلك بفعل نفسه

ولنا إنه تلف بسببه فضمنه كما لو قدم له طعاما مسموما فأكله وبهذا ينتقض ما ذكروه وإن اختلفا فقال


334

صاحب الدار ما أذنت لك في الدخول وادعى ولي الهالك أنه أذن له فالقول قول المالك لأنه منكر وإن قال كانت مكشوفة وقال الآخر كانت مغطاة فالقول قول ولي الواقع لأن الظاهر معه فإن الظاهر أنها لو كانت مكشوفة لم يسقط فيها ويحتمل أن القول قول المالك لأن الأصل براءة ذمته فلا تشتغل بالشك ولأن الأصل عدم تغطيتها

فصل وإذا بنى في ملكه حائطا مائلا إلا الطريق أو إلى ملك غيره فتلف به شيء وسقط على شيء فأتلفه ضمنه لأنه متعد بذلك فإنه ليس له الانتفاع بالبناء في هواء ملك غيره أو هواء مشترك ولأنه يعرضه للوقوع على غيره في غير ملكه فأشبه ما لو نصب فيه منجلا يصيد به وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافا وإن بناه في ملكه مستويا أو مائلا إلى ملكه فسقط من غير استهدام ولا ميل فلا ضمان على صاحبه فيما تلف به لأنه لم يتعد ببنائه ولا حصل منه تفريط بإبقائه وإن مال قبل وقوعه إلى ملكه ولم يتجاوزه فلا ضمان عليه لأنه بمنزلة بنائه مائلا في ملكه وإن مال قبل وقوعه إلى هواء الطريق أو إلى ملك إنسان أو ملك مشترك بينه وبين غيره نظرنا فإن لم يمكنه نقضه فلا ضمان عليه لأنه لم يتعد ببنائه ولا فرط في ترك نقضه لعجزه عنه فأشبه ما لو سقط من غير ميل فإن أمكنه نقضه فلم ينقضه لم يخل من حالين أحدهما أن يطالب بنقضه والثاني أن لا يطالب به فإن لم يطالب به لم يضمن في المنصوص عن أحمد وهو ظاهر كلام الشافعي ونحوه قال الحسن والنخعي والثوري وأصحاب الرأي لأنه بناه في ملكه والميل حادث بغير فعله فأشبه ما لو وقع قبل ميله وذكر بعض أصحابنا فيه وجها آخر أن عليه الضمان وهو قول ابن أبي ليلى وأبي ثور وإسحاق لأنه متعد بتركه مائلا فضمن ما تلف به كما لو بناه مائلا إلى ذلك ابتداء ولأنه لو طولب بنقضه فلم يفعل ضمن ما تلف ولو لم يكن ذلك موجبا للضمان لم يضمن بالمطالبة كما لو لم يكن مائلا أو كان مائلا إلى ملكه وأما أن طولب بنقضه فلم يفعل فقد توقف أحمد عن الجواب فيها وقال أصحابنا يضمن وقد أومأ إليه أحمد وهو مذهب مالك ونحوه قال الحسن والنخعي والثوري وقال أبو حنيفة الاستحسان أن يضمن لأن حق الجواز للمسلمين وميل الحائط ويمنعهم ذلك فلهم المطالبة بإزالته فإذا لم يزله ضمن كما لو وضع عدلا على حائط نفسه فوقع في ملك غيره فطولب برفعه فلم يفعل حتى عثر به إنسان وفيه وجه آخر لا ضمان عليه قال أبو حنيفة وهو القياس لأنه بناه في ملكه ولم يسقط بفعله فأشبه ما لو لم يطالبه بنقضه أو سقط قبل ميله أو لم يمكنه نقضه ولأنه لو وجب الضمان لم تشترط المطالبة كما لو بناه مائلا إلى غير ملكه فإن قلنا عليه الضمان إذا طولب فإن المطالبة من كل مسلم أو ذمي توجب الضمان إذا كان ميله إلى الطريق لأن لكل واحد منهم حق المرور فكانت له المطالبة كما لو مال الحائط إلى ملك جماعة كان لكل واحد منهم المطالبة وإذا طالب واحد فاستأجله صاحب الحائط أو أجله له الإمام لم يسقط عنه الضمان لأن الحق لجميع المسلمين فلا يملك واحد منهم إسقاطه وإن كانت المطالبة لمستأجر الدار أو مرتهنها أو مستعيرها ومستودعها فلا ضمان عليهم لأنهم لا يملكون النقض وليس الحائط ملكا لهم وإن طولب المالك في هذه الحال فلم يمكنه استرجاع الدار ونقض الحائط


335

فلا ضمان عليه لعدم تفريطه وإن أمكنه استرجاعها كالمعسر والمودع والراهن إذا أمكنه فكاك الرهن فلم يفعل ضمن لأنه أمكنه النقض وإن كان المالك محجورا عليه لسفه أو صغر أو جنون فطولب هو لم يلزمه الضمان لأنه ليس أهلا للمطالبة وإن طولب وليه أو وصيه فلم ينقضه فالضمان على المالك لأن سبب الضمان ماله فكان الضمان عليه دون المتصرف كالوكيل مع الموكل وإن كان الملك مشتركا بين جماعة فطولب أحدهم بنقضه احتمل وجهين أحدهما لا يلزمه شيء لأنه لا يمكنه نقضه بدون إذنهم فهو كالعاجز عن نقضه

والثاني يلزمه بحصته لأنه يتمكن من النقض بمطالبة شركائه وإلزامهم النقض فصار بذلك مفرطا وأما إن كان ميل الحائط إلى ملك آدمي معين إما واحد وإما جماعة فالحكم على ما ذكرنا إلا أن المطالبة للمالك أو ساكن الملك الذي مال إليه دون غيره وإن كان لجماعة فأيهم طالب وجب النقض بمطالبته كما لو طالب واحد بنقض المائل إلى الطريق إلا أنه متى طالب ثم أجله صاحب الملك أو أبرأه منه أو فعل ذلك ساكن الدار التي مال إليها جاز لأن الحق له وهو يملك إسقاطه وإن مال إلى درب غير نافذ فالحق لأهل الدرب والمطالبة لهم لأن الملك لهم ويلزم النقض بمطالبة أحدهم ولا يبرأ بإبرائه وتأجيله إلا أن يرضى بذلك جميعهم لأن الحق لجميعهم

فصل وإذا تقدم إلى صاحب الحائط بنقضه فباعه مائلا فلا ضمان على بائعه لأنه ليس بملك له ولا على المشتري لأنه لم يطالب بنقضه وكذلك إن وهبه وأقبضه وإن قلنا بلزوم الهبة زال الضمان عنه بمجرد العقد وإذا وجب الضمان وكان التالف به آدميا فالدية على عاقلته فإن أنكرت عاقلته كون الحائط لصاحبهم لم يلزمهم العقل إلا أن يثبت ذلك ببينة ولأن الأصل عدم الوجوب عليهم فلا يجب الشك وإن اعترف صاحب الحائط لزمه الضمان دونهم لأن العاقلة لا تحمل اعترافا وكذلك إن أنكروا مطالبته بنقضه فالحكم على ما ذكرنا وإن كان الحائط في يد صاحبهم وهو ساكن في الدار لم يثبت بذلك الوجوب عليهم لأن دلالة ذلك على الملك من جهة الظاهر

والظاهر لا تثبت به الحقوق وإنما ترجح به الدعوى

فصل وإن لم يمل الحائط لكن تشقق فإن لم يخش سقوطه لكون شقوقه بالطول لم يجب نقضه وكان حكمه في هذا حكم الصحيح لأنه لم يخف سقوطه فأشبه الصحيح وإن خيف وقوعه مثل أن تكون شقوقه بالعرض فحكمه حكم المائل لأنه يخاف منه التلف فأشبه المائل

فصل وإذا أخرج إلى الطريق النافذ جناحا أو ساباطا فسقط أو شيء منه علي شيء فأتلفه فعلى المخرج ضمانه وقال أصحاب الشافعي إن وقعت خشبة ليست مركبة على حائطه وجب ضمان ما أتلفت وإن كانت مركبة على حائط وجب نصف الضمان لأنه تلف بها وضعه على ملكه وملك غيره فانقسم الضمان عليهما

ولنا إنه تلف بما أخرجه إلى حق الطريق فضمنه كما لو بنى حائطه مائلا إلى الطريق فأتلف أو أقام خشبة في


336

ملكه مائلة إلى الطريق أو كما لو سقطت الخشبة التي ليست موضوعة على الحائط ولأنه إخراج يضمن به البعض فضمن به الكل كالذي ذكرنا ولأنه تلف بعدوانه فضمنه كما لو وضع البناء على أرض الطريق

والدليل على عدوانه وجوب ضمان البعض ولو كان مباحا لم يضمن به كسائر المباحات ولأن هذه خشبة لو انقصف الخارج منها وسقط فأتلف ضمن ما أتلف فيجب أن يضمن ما أتلف جميعها كسائر المواضع التي يجب الضمان فيها ولأننا لم نعلم موضعا يجب الضمان كله ببعض الخشبة ويجب نصفه بجميعها وإن كان إخراج الجناح إلى درب غير نافذ بغير إذن أهله ضمن ما أتلفه وإن فعل ذلك بإذنهم فلا ضمان عليه لأنه مباح له غير معتد فيه

فصل وإن أخرج ميزابا إلى الطريق فسقط على إنسان أو شيء فأتلفه ضمنه وبهذا قال أبو حنيفة وحكي عن مالك أنه لا يضمن ما أتلفه لأنه غير متعد بإخراجه فلم يضمن ما تلف به كما لو أخرجه إلى ملكه وقال الشافعي إن سقط كله فعليه نصف الضمان لأنه تلف بما وضعه على ملكه وملك غيره وإن انقصف الميزاب فسقط منه ما خرج عن الحائط ضمن جميع ما تلف به لأنه كله في غير ملكه

ولنا ما سبق في الجناح ولا نسلم أن إخراجه مباح فإنه أخرج إلى هواء ملك غيره شيئا يضر به فأشبه ما لو أخرجه إلى ملك آدمي معين بغير إذنه فأما إن أخرج إلى ملك آدمي معين شيئا من جناح أو ساباط أو ميزاب أو غيره فهو متعد ويضمن ما تلف به لا أعلم فيه خلافا

فصل وإذا بالت دابته في طريق فزلق به حيوان فمات به فقال أصحابنا على صاحب الدابة الضمان إذا كان راكبا لها أو قائدا أو سائقا لها لأنه تلف حصل من جهة دابته التي يده عليها فأشبه ما لو جنت بيدها أو فمها وقياس المذهب أنه لا يضمن ما تلف بذلك لأنه لا يد له على ذلك ولا يمكن التحرر منه فلم يضمن ما تلف به كما لو أتلف برجلها وكما لو لم يكن له يد عليها ويفارق هذا ما أتلفت بيدها وفمها لأنه يمكنه حفظهما

فصل وإذا وضع جرة على سطحه أو حائطه أو حجرا فرمته الريح على إنسان فقتله أو شيء أتلفه لم يضمن لأن ذلك من غير فعله ووضعه له كان في ملكه ويحتمل أن يضمن إذا وضعها متطرفة لأنه نسب إلى إلقائها وتعد بوضعها فأشبه من بنى حائطه مائلا

فصل وإن سلم ولده الصغير إلى السابح ليعلمه السباحة فغرق فالضمان على عاقلة السابح لأنه سلمه إليه ليحتاط في حفظه فإذا غرق نسب إلى التفريط في حفظه وقالالقاضي قياس المذهب أن لا يضمنه لأنه فعل ما جرت العادة به لمصلحته فلم يضمن ما تلف به كما إذا ضرب المعلم الصبي ضربا معتادا فتلف به

فأما الكبير إذا غرق فليس على السابح شيء إذا لم يفرط لأن الكبير في يد نفسه لا ينسب التفريط في هلاكه إلى غيره

فصل وإذا طلب إنسانا بسيف مشهور فهرب منه فتلف في هربه ضمنه سواء وقع من شاهق أو


337

انخسف به سقف أو خر في بئر أو لقيه سبع فافترسه أو غرق في ماء أو احترق بنار وسواء كان المطلوب صبيا أو كبيرا أعمى أو بصيرا عاقلا أو مجنونا وقال الشافعي لا يضمن البالغ العاقل البصير إلا أن يخسف به سقف فإن فيه وفي الصغير والمجنون والأعمى قولان لأنه هلك بفعل نفسه فلم يضمنه الطالب كما لو لم يطلبه

ولنا إنه هلك بسبب عدوانه فضمنه كما لو حفر له بئرا أو نصب سكينا أو سم طعامه ووضعه في منزله وما ذكره يبطل بهذه الأصول ولأنه تسبب إلى إهلاكه فأشبه ما لو انخسف من تحته سقف أو كان صغيرا أو مجنونا وإن طلبه بشيء يخيفه به كالليث ونحوه فحكمه حكم ما لو طلبه بسيف مشهور لأنه في معناه

فصل ولو شهر سيفا في وجه إنسان أو دلاه من شاهق فمات من روعته أو ذهب عقله فعليه ديته وإن صاح بصبي أو مجنون صيحة شديدة فخر من سطح أو نحوه فمات أو ذهب عقله أو تغفل عاقلا فصاح به فأصابه ذلك فعليه ديته تحملها العاقلة فإن فعل ذلك عمدا فهو شبه عمد وإلا فهو خطأ ووافق الشافعي في الصبي وله في البالغ قولان

ولنا إنه سبب إتلافه فضمنه كالصبي

فصل وإن قدم إنسانا إلى هدف يرميه الناس فأصابه سهم من غير تعمد فضمانه على عاقله الذي قدمه لأنه الرامي كالحافر والذي قدمه كالدافع فكان الضمان على عاقلته وإن عمد الرامي رميه فالضمان عليه لأنه مباشر وذاك متسبب فأشبه الممسك والقاتل وإن لم يقدمه أحد فالضمان على الرامي وتحمله عاقلته وإن كان خطأ لأنه قتله

فصل وإن شهد رجلان على رجل بجرح أو قتل أو سرقة قد توجب القطع أو زنا يوجب الرجم أو الجلد ونحو ذلك فاقتص منه أو قطع بالسرقة أو حد فأفضى إلى تلفه ثم رجعا عن الشهادة لزمهما ضمان ما تلف بشهادتهما كالشريكين في الفعل ويكون الضمان في مالهما لا تحمله عاقلتهما لأنها لا تحمل اعترافا وهذا يثبت باعترافهما

وقد روي عن علي رضي الله عنه أن شاهدين شهدا عنده على رجل بالسرقة فقطعه ثم أتيا بآخر فقالا يا أمير المؤمنين ليس ذاك السارق إنما هذا هو السارق فأغرمهما دية الأول وقال لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما ولم يقبل قولهما في الثاني

وإن أكره رجل رجلا على قتل إنسان فقتله فصار الأمر إلى الدية فهي عليهما لأنهما كالشريكين ولهذا وجب القصاص عليهما ولو أكره رجل امرأة فزنى بها فحملت فماتت من الولادة ضمنها لأنها ماتت بسبب فعله وتحملها العاقلة إلا أن لا يثبت ذلك إلا باعترافه فتكون الدية عليه لأن العاقلة لا تحمل اعترافا


338

فصل

إذا بعث السلطان إلى امرأة ليحضرها فأسقطت جنينا ميتا ضمنه لما روي أن عمر رضي الله عنه بعث إلى امرأة مغيبة كان يدخل عليها فقالت يا ويلها ما لها ولعمر فبينما هي في الطريق إذ فزعت فضربها الطلق فألقت ولدا فصاح الصبي صيحتين ثم مات فاستشار عمر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأشار بعضهم أن ليس عليك شيء إنما أنت وال ومؤدب وصمت علي فأقبل عليه عمر فقال ما تقول يا أبا الحسن فقال إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك إن ديته عليك لأنك أفزعتها فألقته فقال عمر أقسمت عليك أن لا تبرح حتى تقسمها على قومك ولو فزعت المرأة فماتت لوجبت ديتها أيضا ووافق الشافعي في ضمان الجنين وقال لا تضمن المرأة لأن ذلك ليس بسبب إلى هلاكها في العادة

ولنا إنها نفس هلك بإرساله إليها فضمنها كجنينها أو نفس هلكت بسببه فغرمها كما لو ضربها فماتت وقوله إنه ليس بسبب عادة قلنا ليس كذلك فإنه سبب للإسقاط والإسقاط سبب للهلاك عادة ثم لا يتعين في الضمان كونه سببا معتادا فإن الضربة والضربتين بالسوط ليست سببا للهلاك في العادة ومتى أفضت إليه وجب الضمان وإن استعدى إنسان على امرأة فألقت جنينها أو ماتت فزعا فعلى عاقلة المستعدي الضمان إن كان ظالما لها وإن كانت هي الظالمة فأحضرها عند الحاكم فينبغي أن لا يضمنها لأنها سبب إحضارها بظلمها فلا يضمنها غيرها ولأنه استوفي حقه فلم يضمن ما تلف به كالقصاص ويضمن جنينها لأنه تلف بفعله فأشبه ما لو اقتص منها

فصل ومن أخذ طعام إنسان أو شرابه في برية أو مكان لا يقدر فيه على طعام وشراب فهلك بذلك أو هلكت بهيمته فعليه ضمان ما تلف به لأنه سبب هلاكه وإن اضطر إلى طعام وشراب لغيره فطلبه منه فمنعه إياه مع غناه عنه في تلك الحال فمات بذلك ضمنه المطلوب منه لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قضى بذلك ولأنه إذا اضطر إليه صار أحق به ممن هو في يده وله أخذه قهرا فإذا منعه إياه تسبب إلى إهلاكه بمنعه ما يستحقه فلزمه ضمانه كما لو أخذ طعامه وشرابه فهلك بذلك وظاهر كلام أحمد أن الدية في ماله لأنه تعمد هذا الفعل الذي يقتل مثله غالبا وقال القاضي تكون على عاقلته لأن هذا لا يوجب القصاص فيكون شبه العمد وإن لم يطلبه منه لم يضمنه لأنه لم يمنعه ولم يوجد منه فعل تسبب به إلا هلاكه وكذلك كل من رأى إنسانا في مهلكة فلم ينجه منها مع قدرته على ذلك لم يلزمه ضمانه وقد أساء وقال أبو الخطاب قياس المسألة الأولى وجوب ضمانه لأنه لم ينجه من الهلاك من إمكانه فيضمنه كما لو منعه الطعام والشراب

ولنا إنه لم يهلكه ولم يكن سببا في هلاكه فلم يضمنه كما لو لم يعلم بحاله وقياس هذا على هذه المسألة غير صحيح لأنه في المسألة منعه منعا كان سببا في هلاكه فضمنه بفعله الذي تعدى به وهاهنا لم يفعل شيئا يكون سببا


339

فصل

ومن ضرب إنسانا حتى أحدث فإن عثمان رضي الله عنه قضى فيه بثلث الدية وقال أحمد لا أعرف شيئا يدفعه وبه قال إسحاق وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا شيء فيه لأن الدية إنما تجب لإتلاف منفعة أو عضو أو إزالة جمال وليس هاهنا شيء من ذلك وهذا هو القياس وإنما ذهب من ذهب إلى إيجاب الثلث لقضية عثمان لأنها في مظنة الشهرة ولم ينقل خلافها فيكون إجماعا ولأن قضاء الصحابي بما يخالف القياس يدل على أنه توقيف وسواء كان الحدث ريحا أو غائطا أو بولا وكذلك الحكم فيما إذا أفزعه حتى أحدث

فصل إذا ادعى القاتل أن المقتول كان عبدا أو ضرب ملفوفا فقده أو ألقى عليه حائطا أو ادعى أنه كان ميتا وأنكر وليه ذلك فالقول قول الولي مع يمينه وهذا أحد قولي الشافعي وقال في الآخر القول قول الجاني لأن الأصل براءة ذمته وما ادعاه محتمل فلا يزول عن اليقين بالشك

ولنا إن الأصل حياة المجني عليه وحريته فيجب الحكم ببقائه كما لو قتل من كان مسلما وادعى أنه ارتد قبل قتله وبهذا يبطل ما ذكره وهكذا لو قتل في دار الإسلام إنسانا وادعى أنه كان كافرا وأنكر وليه فالقول قول الولي لأن الدار دار الإسلام ولذلك حكمنا بإسلام لقيطها وإن قطع عضوا وادعى شلله أو قلع عينا وادعى عماها وأنكر الولي فالقول قول المجني عليه لأن الأصل السلامة وكذلك لو قطع ساعدا وادعى أنه لم يكن عليه كف أو قطع ساقا وادعى أنه لم يكن لها قدم وقال القاضي إن اتفقا على أنه كان بصيرا فالقول قول المجني عليه وإلا فالقول قول الجاني وهذا مذهب الشافعي وكذلك على قياسه إذا اختلفا في شلل العضو لأن هذا مما لا يتعذر إقامة البينة عليه فإنه لا يخفى على أهله وجيرانه ومعاملته وصفة تحمل الشهادة عليه أنه كان يتبع الشخص بصره ويتوقى ما يتوقاه البصير ويتجنب البئر وأشباهه في طريقه ويعدل في العطفات خلف من يطلبه

ولنا إن الأصل السلام فكان القول قول من يدعيه كما لو اختلفا في إسلام المقتول وحياته وقولهم لا تتعذر إقامة البينة عليه قلنا وكذلك لا تتعذر إقامة البينة على ما يدعيه الجاني فإيجابها عليه أولى من إيجابها على من يشهد له الأصل ثم يبطل بسائر المواضع التي سلموها فإن قالوا هاهنا ما ثبت أن الأصل وجود البصر قلنا الظاهر يقوم مقام الأصل ولهذا رجحنا قول من يدعي حريته وإسلامه

فصل وإن زاد في القصاص من الجراح وقال إنما حصلت الزيادة باضطرابه وأنكر المجني عليه ففيه وجهان أحدهما القول قول المقتص منه لأن الأصل عدم الاضطراب ووجوب الضمان

والثاني القول قول المقتص لأن الأصل براءة ذمته وما يدعيه محتمل والأول أصح فإن الجرح سبب وجوب الضمان وما يدعيه من الاضطراب المانع من ثبوت حكمه الأصل عدمه فالقول قول من ينفيه كما لو جرح رجلا وادعى أنه جرحه دفعا عن نفسه أو قتله وادعى أنه وجده مع أهله أو قتل بهيمة وادعى أنها صالت عليه


340

باب ديات الجراح

الجراح تتنوع نوعين أحدهما الشجاج وهي ما كان في رأس أو وجه

النوع الثاني ما كان في سائر البدن وينقسم قسمين

أحدهما قطع عضو

والثاني قطع لحم والمضمون في الآدمي ضربان أحدهما ما ذكرنا

والثاني تفويت منفعه كتفويت السمع والبصر والعقل

مسألة

قال رحمه الله ( ومن أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد فقيه الدية وما فيه شيئان ففي كل واحد منهما نصف الدية )

وجملة ذلك أن كل عضو لم يخلق الله تعالى في الإنسان منه إلا واحدا كاللسان والأنف والذكر والصلب ففيه دية كاملة لأن إتلافه إذهاب منفعة الجنس وإذهابها كإتلاف النفس وما فيه منه شيئان كاليدين والرجلين والعينين والأذنين والمنخرين والشفتين والخصيتين والثديين والأليتين ففيهما الدية كاملة لأن في إتلافها إذهاب منفعة الجنس وفي إحداهما نصف لأن في إتلافه إذهاب نصف منفعة الجنس وهذه الجملة مذهب الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا وقد روي عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب له في كتابه وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية وفي اللسان الدية وفي الشفتين الدية وفي البيضتين الدية وفي الذكر الدية وفي الصلب الدية وفي العينين الدية وفي الرجل الواحدة نصف الدية رواه النسائي وغيره ورواه ابن عبد البر وقال كتاب عمرو بن حزم معروف عند الفقهاء وما فيه متفق عليه عند العلماء إلا قليلا

فصل وما في الإنسان منه أربعة أشياء ففيها الدية وفي كل واحد منها ربع الدية وهو أجفان العينين وأهدابها وما فيه منه عشرة ففيها الدية وفي كل واحد منها عشرها وهي أصابع اليدين وأصابع الرجلين وما فيه منه ثلاثة أشياء ففيها الدية وفي الواحد ثلثها وهو المنخران والحاجز بينهما وعنه في المنخرين الدية وفي الحاجز حكومة لأن المنخرين شيئان من جنس فكان فيهما الدية كالشفتين وليس في البدن شيء من جنس يزيد على الدية إلا الأسنان فإن في كل سن خمسا من الإبل فتزيد على الدية وقد روي أنه ليس فيها إلا الدية قياسا على سائر ما في البدن والصحيح الأول لأن الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ورد بإيجاب خمس في كل سن فيجب العمل به وإن خالف القياس

مسألة

قال وفي العينين الدين )

أجمع أهل العلم على أن في العينين إذا أصيبتا خطأ الدية وفي العين الواحدة نصفها لقول النبي صلى الله عليه وسلم وفي العينين الدية ولأنه ليس في الجسد منهما إلا شيئان ففيهما الدية وفي إحداهما نصفها كسائر الأعضاء التي كذلك


341

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وفي العين الواحدة خمسون من الإبل رواه مالك في موطئه ولأن العينين من أعظم الجوارح نفعا وجمالا فكانت فيهما الدية وفي إحداهما نصفها كاليدين

إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يكونا صغيرتين أو كبيرتين ومليحتين أو قبيحتين أو صحيحتين أو مريضتين أو حولاوين أو رمضتين فإن كان فيهما بياض لا ينقص البصر لم تنقص الدية وإن نقص البصر نقص من الدية بقدره وفي ذهاب البصر الدية لأن كل عضوين وجبت الدية بذهابهما وجبت بإذهاب نفعهما كاليدين إذا أشلهما وفي ذهاب بصر أحدهما نصف الدية كما لو أشل يدا واحدة وليس في إذهابهما بنفعها أكثر من دية كاليدين

فصل وإن جنى على رأسه جناية ذهب بها بصره فعليه ديته لأنه ذهب بسبب جنايته وإن لم يذهب بها فداواها فذهب بالمداواة فعليه ديته لأنه ذهب بسبب فعله وإن اختلفوا في ذهاب البصر رجع إلى اثنين عدلين مسلمين من أهل الخبرة لأن لهما طريقا إلى معرفة ذلك لمشاهدتهما العين التي هي محل البصر ومعرفة بحالها بخلاف السمع وإن لم يوجد أهل الخبرة أو تعذر معرفة ذلك اعتبر بأن يوقف في عين الشمس ويقرب الشيء من عينه في أوقات غفلته فإن طرف عينه وخاف من الذي يخوف به فهو كاذب وإلا حكم له وإذا علم ذهاب بصره وقال أهل الخبرة لا يرجى عوده وجبت الدية وإن قالوا يرجى عوده إلى مدة عينوها انتظر إليها ولم يعط الدية حتى تنقضي المدة فإن عاد البصر سقطت عن الجاني وإن لم يعد استقرت الدية وإن مات المجني عليه قبل العود استقرت الدية سواء مات في المدة أو بعدها فإن ادعى الجاني عود بصره قبل موته وأنكر وارثه فالقول قول الوارث لأن الأصل معه وإن جاء أجنبي فقلع عينه في المدة استقرت على الأول الدية أو القصاص لأنه أذهب البصر فلم يعد وعلى الثاني حكومة لأنه أذهب عينا لا ضوء لها يرجى عودها وإن قال الأول عاد ضوءها وأنكر الثاني فالقول قول المنكر لأن الأصل معه فإن صدق المجني عليه الأول سقط حقه عنه ولم يقبل قوله على الثاني وإن قال أهل الخبرة يرجى عوده لكن لا نعرف له مدة وجبت الدية أو القصاص لأن انتظار ذلك إلى غير غاية يفضي إلى إسقاط موجب الجناية والظاهر في البصر عدم العود والأصل يؤيده فإن عاذ قبل استيفاء الواجب سقط وإن عاد بعد الاستيفاء وجب رد ما أخذ منه لأنا تبينا أنه لم يكن واجبا

فصل وإن جنى عليه فنقص ضوء عينيه ففي ذلك حكومة وإن ادعى نقص ضوئهما فالقول قوله مع يمينه لأنه لا يعرف ذلك إلا من جهته وإن ذكر أن إحداهما نقصت عصبت المريضة وأطلقت الصحيحة ونصب له شخص فيباعد عنه

فكلما قال رأيته فوصف لونه علم صدقه حتى تنتهي فإذا انتهت علم موضعها ثم تشد الصحيحة وتطلق المريضة وينصب له شخص ثم يذهب حتى تنتهي رؤيته ثم يدار الشخص إلى جانب آخر فيصنع به مثل ذلك ثم يعلمه عند المسافتين ويذرعان ويقابل بينهما فإذا كانتا سواء فقد صدق وينظر كم مسافة رؤية العليلة والصحيحة ويحكم له من الدية بقدر ما بينهما وإن اختلفت المسافتان فقد كذب وعلم أنه


342

قصر مسافة رؤية المريضة ليكثر الواجب له فيردد حتى تستوي المسافة بين الجانبين والأصل في هذا ما روي عن علي رضي الله عنه

قال ابن المنذر أحسن ما قيل في ذلك ما قاله علي رضي الله عنه أمر بعينه فعصبت وأعطى رجلا بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى بصره ثم أمر فخط عند ذلك ثم أمر بعينه فعصبت الأخرى وفتحت الصحيحة وأعطى رجلا بيضة فانطلق بها وهو يبصر حتى انتهى بصره ثم خط عند ذلك ثم حول إلى مكان آخر ففعل مثل ذلك فوجده سواء فأعطاه بقدر ما نقص من بصره من مال الآخر

قال القاضي وإذا زعم أهل الطب أن بصره يقل إذا بعدت المسافة ويكثر إذا قربت وأمكن هذا في المذارعة عمل عليه وبيانه أهم إذا قالوا إن الرجل إذا كان يبصر إلى مائة ذراع ثم أراد أن يبصر إلى مائتي ذراع احتاج للمائة الثانية إلى ضعفي ما يحتاج إليه للمائة الأولى من البصر فعلى هذا إذا أبصر بالصحيحة إلى مائتين وأبصر بالعليلة إلى مائة علمنا أنه قد نقص ثلثا بصر عينه فيجب له ثلثا ديتها وهذا لا يكاد ينضبط في الغالب وكل ما لا ينضبط ففيه حكومة

وإن جنى على عينيه فندرتا أو إذا حولتا أو أعمشتا ففي ذلك حكومة كما لو ضرب يده فاعوجت

والجناية على الصبي والمعتوه كالجناية على البالغ والعاقل وإنما يفترقان في أن البالغ خصم لنفسه والخصم للصبي والمجنون وليهما فإذا توجهت اليمين عليهما لم يحلفا ولم يحلف الولي عنهما فإن بلغ الصبي وأفاق المجنون حلفا حينئذ ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كمذهبنا

فصل وفي عين الأعور دية كاملة وبذلك قال الزهري ومالك والليث وقتادة وإسحاق

وقال مسروق وعبد الله بن مغفل والنخعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي فيها نصف الدية لقوله عليه السلام وفي العين خمسون من الإبل وقوله النبي صلى الله عليه وسلم وفي العينين الدية يقتضي أن لا يجب فيهما أكثر من ذلك سواء قلعهما واحد أو اثنان في وقت واحد أو وقتين وقالع الثانية قالع عين أعور فلو وجبت عليه دية لوجب فيهما دية ونصف ولأن ما ضمن بنصف الدية مع بقاء نظيره ضمن به مع ذهابه كالأذن ويحتمل هذا كلام الخرقي لقوله وفي العين الواحدة نصف الدية لم يفرق

ولنا إن عمر وعثمان وعليا وابن عمر قضوا في عين الأعور بالدية ولم نعلم لهم في الصحابة مخالفا فيكون إجماعا ولأن قلع عين الأعور تتضمن إذهاب البصر كله فوجبت الدية كما لو أذهبه من العينين ودليل ذلك أنه يحصل بها ما يحصل بالعينين فإنه يرى الأشياء البعيدة ويدرك الأشياء اللطيفة ويعمل أعمال البصراء ويجوز أن يكون قاضيا وشاهدا ويجزىء في الكفارة وفي الأضحية إذا لم تكن العوراء مخسوفة فوجب في بصره دية كاملة كذا في العينين فإن قيل فلو صح هذا لم يجب في ذهاب بصر إحدى العينين نصف الدية لأنه لم ينقص قلنا لا يلزم من وجوب شيء من دية العينين نقص دية الثاني بدليل ما لو جنى عليهما فاحولتا أو عمشتا

أو نقص ضوءهما فإنه يجب أرش النقص ولا تنقص ديتهما بذلك ولأن النقص الحاصل لم يؤثر في تنقيص أحكامه ولا هو مضبوط في تفويت النفع فلم يؤثر في تنقيص الدية كالذي ذكرنا


343

فصل وإن قلع الأعور عين صحيح نظرنا فإن قلع العين التي لا تماثل عينه الصحيحة أو قلع المماثلة للصحيحة خطأ فليس عليه إلا نصف الدية لا أعلم فيه مخالفا لأن ذلك هو الأصل وإن قلع المماثلة لعينه الصحيحة عمدا فلا قصاص عليه وعليه دية كاملة وبهذا قال سعيد بن المسيب وعطاء ومالك في إحدى روايتيه

وقال في الأخرى عليه نصف الدية ولا قصاص

وقال المخالفون في المسألة الأولى له القصاص

لقوله تعالى والعين بالعين المائدة 45 وإن اختار الدية فله نصفها للخبر ولأنه لو قلعها غيره لم يجب فيها إلا نصف الدية فلم يجب عليه إلا نصفها كالعين الأخرى

ولنا إن عمر وعثمان قضيا بمثل مذهبنا ولا نعرف لهما مخالفا في الصحابة فكان إجماعا

فصل وإن قلع الأعور عيني صحيح العينين فليس عليه إلا دية عمدا كان أو خطأ

وذكر القاضي أن قياس المذهب وجوب ديتين

إحداهما في العين التي استحق بها قلع عين الأعور

والأخرى في الأخرى لأنها عين أعور

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في العينين الدية ولأنه قلع عينين فلم يلزمه أكثر من الدية كما لو كان القاطع صحيحا ولأنه لم يزد على تفويت منفعة الجنس فلم يزد على الدية كما لو قطع أذنه وما ذكره القاضي لا يصح لأن وجوب الدية في إحدى عينيه لا يجعل الأخرى عين أعور على أن وجوب الدية بقلع إحدى العينين قضية مخالفة للخبر والقياس صرنا إليها لإجماع الصحابة عليها ففيما عدا موضع الإجماع يجب العمل بهما والبقاء عليهما فإن كان قلعهما عمدا فاختار القصاص فليس له إلا قلع عينه لأنه أذهب بصره كله فلم يكن له أكثر من إذهاب بصره وهذا مبني على ما تقدم من قضاء الصحابة ولأن عين الأعور تقوم مقام العينين وأكثر أهل العلم على أن له القصاص من العين ونصف الدية للعين الأخرى وهو مقتضى الدليل والله أعلم

فصل وإن قطع يد أقطع أو رجل أقطع الرجل فله نصف الدية أو القصاص من مثلها لأنه عضو أمكن القصاص من مثله فكان الواجب فيه القصاص أو دية مثله كما لو قطع أذن من له أذن واحدة

وعن أحمد رواية أخرى أن الأولى إن كانت قطعت ظلما وأخذ ديتها أو قطعت قصاصا ففيها نصف ديتها وإن قطعت ففي سبيل الله في الباقية دية كاملة لأنه عطل منافعه من العضوين جملة فأشبه قلع عين الأعور والصحيح الأول لأن هذا أحد العضوين اللذين تحصل بهما منفعة الجنس لا يقوم مقام العضوين فلم تجب فيه دية كاملة كسائر الأعضاء وكما لو كانت الأولى أخذت قصصا أو في غير سبيل الله ولا يصح القياس على عين الأعور لوجوه ثلاثة أحدها أن عين الأعور حصل بها ما يحصل بالعينين ولم يختلفا في الحقيقة والأحكام إلا تفاوتا يسيرا بخلاف أقطع اليد والرجل


344

والثاني أن عين الأعور لم يختلف الحكم فيها باختلاف صفة ذهاب الأولى وها هنا اختلفا

الثالث أنه هذا التقدير والتعيين على هذا الوجه أمر لا يصار إليه بمجرد الرأي ولا توقيف فيه فيصار إليه ولا نظير له فيقاس عليه والمصير إليه تحكم بغير دليل فيجب إطراحه وإن قطعت أذن من قطعت أذنه أو منخر من قطعت منخره لم يجب فيه أكثر من نصف الدية رواية واحدة لأن منفعة كل أذن لا تتعلق بالأخرى بخلاف العينين

مسألة

قال ( وفي الأشفار الأربعة الدية وفي كل واحد منهما ربع الدية )

يعني أجفان العينين وهي أربعة ففيها جميعها الدية لأن فيها منفعة الجنس وفي كل واحد منهما ربع الدية لأن كل ذي عدد تجب في جميعه الدية تجب في الواحد منها بحصته من الدية كاليدين والأصابع وبهذا قال الحسن والشعبي وقتادة وأبو هاشم والثوري والشافعي وأصحاب الرأي

وعن مالك في جفن العين وحجاجها الاجتهاد لأنه لم يعلم تقديره عن النبي صلى الله عليه وسلم والتقدير لا يثبت قياسا

ولنا إنها أعضاء فيها جمال ظاهر ونفع كامل فإنها تكن العين وتحفظها وتقيها الحر والبرد وتكون كالغلق عليها يطبقه إذا شاء ويفتحه إذا شاء ولولاها لقبح منظره فوجبت فيها الدية كاليدين ولا نسلم أن التقدير لا يثبت قياسا فإذا ثبت هذا فإن في أحدها ربع الدية

وحكي عن الشعبي أنه يجب في الأعلى ثلثا دية العين وفي الأسفل ثلثها لأنه أكثر نفعا

ولنا إن كل ذي عدد تجب الدية في جميعه تجب بالحصة في الواحد منه كاليدين والأصابع وما ذكره يبطل باليمنى مع اليسرى والأصابع وإن قلع العينين بأشفارهما وجبت ديتان لأنهما جنسان تجب الدية بكل واحد منهما منفردا بوجدت بإتلافهما جملة ديتان كاليدين والرجلين وتجب الدية في أشفار عين الأعمى

لأن ذهاب بصره عيب في غير الأجفان

فلم يمنع وجوب الدية فيها كذهاب الشم لا يمنع وجوب الدية في الأنف

فصل وتجب في أهداب العينين بمفردها الدية وهو الشعر الذي على الأجفان وفي كل واحد منها ربعها وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي فيه حكومة

ولنا إن فيها جمالا ونفعا فإنها تقي العينين وترد عنهما وتحسن العين وتجملها فوجبت فيها الدية كالأجفان وإن قطع الأجفان بأهدابها لم يجب أكثر من دية لأن الشعر يزول تبعا لزوال الأجفان فلم تفرد بضمان كالأصابع إذا قطع اليد وهي عليها

مسألة

قال ( وفي الأذنين الدية )

روي ذلك عن عمر وعلي وبه قال عطاء ومجاهد والحسن وقتادة والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي ومالك في إحدى الروايتين عنه وقال في الأخرى فيهما لأن الشرع لم يرد فيهما بتقدير ولا يثبت التقدير بالقياس


345

ولنا إن في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي الأذنين الدية ولأن عمر وعليا قضيا فيهما بالدية فإن قيل فقد روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قضى في الأذن بخمسة عشر بعيرا قلنا لم يثبت ذلك قاله ابن المنذر ولأن ما كان في البدن منه عضوان كان فيهما الدية كاليدين وفي إحداهما نصف الدية بغير خلاف بين القائلين بوجوب الدية فيهما ولأن كل عضوين وجبت الدية فيهما وجب في أحدهما نصفها كاليدين وإن قطع بعض إحداهما وجب بقدر ما قطع من ديتها وفي ربعها ربعها وعلى هذا الحساب سواء قطع من أعلى الأذن أو أسفلها أو اختلف في الجمال أو لم يختلف كما أن الأسنان والأصابع تختلف في الجمال والمنفعة ودياتها سواء

وقد روي عن أحمد رحمه الله في شحمة الأذن ثلث الدية والمذهب الأول وتجب الدية في أذن الأصم لأن الصمم نقص في غير الأذن فلم يؤثر في ديتها كالعمى لا يؤثر في دية الأجفان وهذا قول الشافعي ولا أعلم فيه مخالفا

فصل فإن جنى على أذنه فاستحشفت واستحشافها كشلل سائر الأعضاء ففيها حكومة وهذا أحد قولي الشافعي وقال في الآخر في ذلك ديتها لأن ما وجبت ديته بقطعه وجبت بشلله كاليد والرجل

ولنا أن نفعها باق وبعد استحشافها وجمالها فإن نفعها جمع الصوت ومنع دخول الماء والهوام في صماخه وهذا باق بعد شللها فإن قطعها قاطع بعد استحشافها ففيها ديتها لأنه قطع أذنا فيها جمالها ونفعها فوجبت ديتها كالصحيحة

وكما لو قلع عينا عمشاء أو حولاء

مسألة

قال ( وفي السمع إذا ذهب من الأذنين الدية )

لا خلاف في هذا

قال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن في السمع الدية روي ذلك عن عمر وبه قال مجاهد وقتادة والثوري والأوزاعي وأهل الشام وأهل العراق ومالك والشافعي وابن المنذر ولا أعلم عن غيرهم خلافا لهم

وقد روي عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وفي السمع الدية وروى أبو المهلب عن أبي قلابة أن رجلا رمى رجلا بحجر في رأسه فذهب سمعه وعقله ولسانه ونكاحه فقضى عمر بأربع ديات والرجل حي ولأنها حاسة تختص بنفع فكان فيها الدية كالبصر وإن ذهب السمع من إحدى الأذنين وجب نصف الدية كما لو ذهب البصر من إحدى العينين وإن قطع أذنه فذهب سمعه وجبت ديتان لأن السمع في غيرهما

فأشبه ما لو قلع أجفان عينيه فذهب بصره بخلاف العين إذا قلعت فذهب بصره

فإن البصر في العين فأشبه البطش الذاهب بقطع اليد

فصل وإن اختلفا في ذهاب سمعه فإنه يتغفل ويصاح به وينظر اضطرابه ويتأمل عند صوت الرعد والأصوات المزعجة

فإن ظهر منه انزعاج أو التفات أو ما يدل على السمع فالقول قول الجاني مع يمينه

لأن ظهور الأمارات يدل على أنه سميع فغلبت جنبة المدعي وحلف لجواز أن يكون ما ظهر منه اتفاقا وإن لم يوجد منه


346

شيء من ذلك فالقول قوله مع يمينه لأن الظاهر أنه غير سميع

وحلف لجواز أن يكون احترز وتصبر وإن ادعى ذلك في إحداهما سدت الأخرى وتغفل على ما ذكرنا فإن ادعى نقصان السمع فيهما فلا طريق لنا إلى معرفة ذلك إلا من جهته فيحلفه الحاكم ويوجب حكومة وإن ادعى نقصه في أحدهما سددنا العليلة وأطلقنا الصحيحة وأقمنا من يحدثه وهو يتباعد إلى حيث يقول إني لا أسمع فإذا قال إني لا أسمع غير عليه الصوت والكلام فإن بان أنه يسمع وإلا فقد كذب فإذا انتهى إلى آخر سماعه قدر المسافة وسد الصحيحة وأطلقت المريضة وحدثه وهو يتباعد حتى يقول إني لا أسمع فإذا قال ذلك غير عليه الكلام

فإن تغيرت صفته لم يقبل قوله وإن لم تتغير صفته حلف وقبل قوله ومسحت المسافتان ونظر ما نقصت العليلة فوجب بقدره فإن قال إني أسمع العالي

ولا أسمع الخفي فهذا لا يمكن تقديره فتجب فيه حكومة

فصل فإن قال أهل الخبرة إنه يرجى عود سمعه إلى مدة انتظر إليها وإن لم يكن لذلك غاية لم ينتظر ومتى عاد السمع فإن كان قبل أخذ الدية سقطت

وإن كان بعده ردت على ما قلنا في البصر

مسألة

قال ( وفي قرع الرأس إذا لم ينبت الشعر الدية وفي شعر اللحية الدية إذا لم ينبت وفي الحاجبين الدية إذا لم تنبت )

هذه الشعور الثلاثة في كل واحد منها دية

وذكر أصحابنا معها شعرا رابعا

وهو أهداب العينين وقد ذكرناه قبل هذا ففي كل واحد منهما دية

وهذا قول أبي حنيفة والثوري

وممن أوجب في الحاجبين الدية سعيد بن المسيب وشريح والحسن وقتادة وروي عن علي وزيد بن ثابت أنهما قالا في الشعر فيه الدية وقال مالك والشافعي فيه حكومة واختاره ابن المنذر

لأنه إتلاف جمال من غير منفعة فلم تجب في الدية كاليد الشلاء والعين القائمة

ولنا أنه أذهب الجمال على الكمال فوجب فيه دية كاملة كأذن الأصم وأنف الأخشم وما ذكروه ممنوع فإن الحاجب يرد العرق عن العين ويفرقه وهدب العين يرد عنها ويصونها

فجرى مجرى أجفانها وينتقض ما ذكروه بالأصل الذي قسنا عليه ويفارق اليد الشلاء فإنه ليس جمالها كاملا

فصل وفي أحد الحاجبين نصف الدية لأن كل شيئين فيهما الدية

ففي أحدهما نصفها كاليدين

وفي بعض ذلك أو ذهاب شيء من الشعور المذكورة من الدية بقسطه من ديته يقدر بالمساحة كالأذنين ومارن الأنف ولا فرق في هذه الشعور بين كونها كثيفة أو خفيفة أو جميلة أو قبيحة أو كونها من صغير أو كبير لأن سائر ما فيه الدية من الأعضاء لا يفترق الحال فيه بذلك وإن أبقى من لحيته ما لا جمال فيه أو من الشعور ففيه وجهان أحدهما يؤخذ بالقسط

لأنه محل يجب في بعضه بحصته فأشبه الأذن ومارن الأنف

والثاني تجب الدية كاملة

لأنه أذهب المقصود كله فأشبه ما لو أذهب ضوء العينين

ولأن جنايته ربما


347

أحوجت إلى إذهاب الباقي لزيادته في القبح على ذهاب الكل فتكون جنايته سببا لذهاب الكل فأوجبت ديته

كما لو ذهب بسراية الفعل أو كما لو احتاج في دواء شجة الرأس إلى ما ذهب بضوء عينه

فصل ولا تجب الدية في شيء من هذه الشعور إلا بذهابه على وجه لا يرجى عوده مثل أن يقلب على رأسه ماء حارا فتلف منبت الشعر فينقلع بالكلية بحيث لا يعود وإن رجي عوده إلى مدة انتظر إليها

وإن عاد الشعر قبل أخذ الدية لم تجب فإن عاد بعد أخذها ردها والحكم فيه كالحكم في ذهاب السمع والبصر فيما يرجى عوده وفيما لا يرجى

فصل ولا قصاص في شيء من هذه الشعور

لأن إتلافها إنما يكون بالجناية على محلها وهو غير معلوم المقدار

فلا تمكن المساواة فيه

فلا يجب القصاص فيه

مسألة

قال ( وفي المشام الدية )

يعني الشم في إتلافه الدية

لأنه حاسة تختص بمنفعة فكان فيها الدية كسائر الحواس

ولا نعلم في هذا خلافا

قال القاضي في كتاب عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وفي المشام الدية فإن ادعى ذهاب شمه اغتفلناه بالروائح الطيبة والنتنة فإن هش للطيب وتنكر للمنتن فالقول قول الجاني مع يمينه وإن لم يبن منه ذلك فالقول قول المجني عليه كقولهم في اختلافهم في السمع وإن ادعى المجني عليه نقص شمه فالقول قوله مع يمينه لأنه لا يتوصل إلى معرفة ذلك إلا من جهته فقبل قوله فيه كما يقبل قول المرأة في انقضاء عدتها بالإقراء ويجب له من الدية ما تخرجه الحكومة وإن ذهب شمه ثم عاد قبل أخذ الدية سقطت وإن كان بعد أخذها ردها لأنا تبينا أنه لم يكن ذهب وإن رجي عود شمه إلى مدة انتظر إليها وإن ذهب شمه من أحد منخريه ففيه نصف الدية كما لو ذهب بصره من إحدى عينيه

فصل وفي الأنف الدية إذا كان قطع مارنه بغير خلاف بنيهم حكاه ابن عبد البر وابن المنذر عمن يحفظ عنه من أهل العلم

وفي كتاب عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية وفي رواية مالك في الموطأ إذا أوعى جدعا يعني إذا استوعب واستؤصل ولأنه عضو فيه جمال ومنفعة ليس في البدن منه إلا شيء واحد فكانت فيه الدية كاللسان وإنما الدية في مارنه وهو ما لان منه هكذا قال الخليل وغيره لأنه يروي عن طاوس أنه قال كان في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الأنف إذا أوعب مارنه جدعا الدية ولأن الذي يقطع فيه ذلك فانصرف الخبر إليه فإن بعضه ففيه بقدره من الدية يمسح ويعرف قدر ذلك منه كما قلنا في الأذنين وقد روي هذا عن عمر بن عبد العزيز والشعبي والشافعي وإن قطع أحد المنخرين ففيه ثلث الدية وفي المنخرين ثلثاها وفي الحاجز بينهما الثلث قال أحمد في الوترة الثلث وفي الحرمة في كل واحد


348

منهما الثلث وبهذا قال إسحاق وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن المارن يشتمل على ثلاثة أشياء من جنس فتوزعت الدية على عددها كسائر ما فيه عدد من جنس من اليدين والأصابع والأجفان الأربعة وحكى أبو الخطاب وجها آخر من المنخرين الدية

وفي الحاجز بينهما حكومة لقول أحمد في كل زوجين من الإنسان الدية وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي لأن المنخرين ليس في البدن لهما ثالث فأشبها اليدين

ولأنه بقطع المنخرين أذهب الجمال كله والمنعة فأشبه قطع اليدين فعلى هذا الوجه في قطع أحد المنخرين نصف الدية وإن قطع معه الحاجز ففيه حكومة وإن قطع نصف الحاجز أو أقل أو أكثر لم يزد على حكومة وعلى الأول في قطع أحد المنخرين ونصف الحاجز نصف الدية وفي قطع جميعه مع المنخر ثلثا الدية وفي قطع جزء من الحاجز أو أحد المنخرين بقدره من ثلث الدية يقدر بالمساحة فإن شق الحاجز بين المنخرين ففيه حكومة فإن بقي منفرجا فالحكومة فيه أكثر

فصل وإن قطع المارن مع القصبة ففيه الدية في قياس المذهب

وهذا مذهب مالك ويحتمل أن تجب الدية في المارن وحكومة في القصبة وهذا مذهب الشافعي

لأن المارن وحده موجب للدية فوجبت الحكومة في الزائدة كما لو قطع القصبة وحدها مع قطع لسانه

ولنا قوله عليه السلام في الأنف إذا أوعب جدعا الدية ولأنه عضو واحد فلم يجب به أكثر من دية كالذكر إذا قطع من أصله وما ذكروه يبطل بهذا ويفارق ما إذا قطع لسانه وقصبته لأنهما عضوان فلا تدخل دية أحدهما في الآخر وأما العضو الواحد فلا يبعد أن يجب في جميعه ما يجب في بعضه كالذكر يجب في حشفته الدية التي يجب في جميعه وأصابع اليد يجب فيها ما يجب في اليد من الكوع وكذلك أصابع الرجل وفي الثدي كله ما في حلمته فأما إن قطع الأنف وما حته من اللحم ففي اللحم حكومة لأنه ليس من الأنف فأشبه ما لو قطع الذكر واللحم الذي تحته

فصل فإن ضرب أنفه فأشله ففيه حكومة وإن قطعه قاطع بعد ذلك ففيه ديته كما قلنا في الأذن وقول الشافعي ها هنا كقوله في الأذن على ما مضى شرحه وتبيانه وإن ضربه فعوجه أو غير لونه ففيه حكومة في قولهم جميعا وفي قطعه بعد ذلك دية كاملة وإن قطعه إلا جلدة بقي معلقا بها فلم يلتحم واحتيج إلى قطعه ففيه دية لأنه قطع جميعه بعضعه بالمباشرة وباقيه بالتسبب فأشبه ما لو سرى قطع بعضه إلى قطع جميعه وإن رده فالتحم ففيه حكومة لأنه لم يبن وإن أبانه فراده فالتحم فقال أبو بكر ليس فيه إلا حكومة كالتي قبلها وقال القاضي فيه دية وهذا مذهب الشافعي لأنه أبان أنفه فلزمته ديته كما لو لم يلتحم ولأن ما أبين قد نجس فلزمه أن يبينه بعد التحامه ومن قال بقول أبي بكر منع نجاسته ووجوب إبانته لأن أجزاء الآدمي كجملته بدليل سائر الحيوانات وجملته طاهرة وكذلك أجزاؤه

فصل وإن قطع أنفه فذهب شمه فعليه ديتان لأن الشم في غير الأنف فلا تدخل دية أحدهما في


349

الآخر كالسمع مع الأذن والبصر مع أجفان العينين والنطق مع الشفتين وإن قطع أنف الأخشم وجبت ديته لأن ذلك عيب في غير الأنف فأشبه ما ذكرنا

مسألة

قال ( وفي الشفتين الدية )

لا خلاف بين أهل العلم أن في الشفيتين الدية وفي كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الشفتين الدية ولأنهما عضوان ليس في البدن مثلهما فيهما جمال ظاهر ومنفعة كاملة فإنهمنا طبق على الفم تقيانه مايؤذيه ويستران الأسنان ويردان الرق وينفخ بهما ويتم بهما الكلام فإن فيهما بعض مخارج الحروف فتجب فيهما الدية كاليدين والرجلين وظاهر المذهب أن في كل واحدة منهما نصف الدية

وروي هذا عن أبي بكر وعلي رضي الله عنهما وإليه ذهب أكثر الفقهاء وروي عن أحمد رحمه الله رواية أخرى أن في العليا ثلث الدية وفي السفلى الثلثين لأن هذا يروى عن زيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب والزهري ولأن المنفعة بهما أعظم لأنها التي تدور وتتحرك وتحفظ الريق والطعام والعليا ساكنة لا حركة فيها

ولنا قول أبي بكر وعلي رضي الله عنهما ولأن كل شيئين وجبت فيهما الدية وجب في أحدهما نصفها كسائر الأعضاء ولأن كل ذي عدد وجبت فيه الدية سوي بين جميعه فيها كالأصابع والأسنان ولا اعتبار بزيادة النفع بدليل ما ذكرنا من الأصل

فصل فإن ضربهما فأشلهما وجبت ديتهما لأنه أتلف منفعتهما فوجبت ديتهما كما لو أشل يديه وإن تقلستا فلم تنطبقا على الأسنان أو استرختا فصارتا لا تنفصلان عن الأسنان ففيهما الدية لأنه عطل منفعتهما وجمالهما وإن تقلستا بعض التقليس وجبت الحكومة لأن منافعهما لم تبطل بالكلية

فصل حد الشفة السفلى من أسفل ما تجافى عن الأسنان واللثة مما ارتفع عن جلدة الذقن وحد العليا من فوق ما تجافى عن الأسنان واللثة إلى اتصاله بالمنخرين والحاجز وحدهما طولا طول الفم إلى حاشية الشدقين وليست حاشية الشدقين منهما

مسألة

قال ( وفي اللسان المتكلم به الدية )

أجمع أهل العلم على وجوب الدية في لسان الناطق وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم وبه قال أهل المدينة وأهل الكوفة وأصحاب الرأي وأصحاب الحديث وغيرهم وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي اللسان الدية ولأن فيه جمالا ومنفعة فأشبه الأنف فأما الجمال فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الجمال فقال في اللسان ويقال جمال الرجل في لسانه والمرء بأصغريه قلبه ولسانه ويقال ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة وأما النفع فإن به تبلغ الأغراض وتستخلص الحقوق وتدفع الآفات وتقضى به الحاجات وتتم العبادات في القراءة والذكر والشكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعليم


350

والدلالة على الحق المبين والصراط المستقيم وبه يذوق الطعام ويستعين في مضغة وتقليبه وتنقية الفم وتنظيفه فهو أعظم الأعضاء نفعا وأتمها جمالا فإيجاب الدية في غيره تنبيه على إيجابها فيه وإنما تجب الدية في لسان الناطق فإن كان أخرس لم تجب فيه دية كاملة بغير خلاف لذهاب نفعه المقصود منه كاليد الشلاء والعين القائمة

فصل وفي الكلام الدية فإذا جنى عليه فخرس وجبت ديته لأن كل ما تعلقت الدية بإتلافه تعلقت بإتلاف منفعته كاليد فأما إن جنى عليه فأذهب ذوقه

فقال أبو الخطاب فيه الدية لأن الذوق حاسة فأشبه الشم وقياس المذهب لأنه لا دية فيه فإنه لا يختلف في أن لسان الأخرس لا تجب فيه الدية وقد نص أحمد رحمه الله على أن فيه ثلث الدية ولو وجب في الذوق دية لوجبت في ذهابه مع ذهاب اللسان بطريق الأولى واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال قد نص الشافعي على وجوب الدية فيه ومنهم من قال لا نص له فيه ومنهم من قال قد نص على إن في لسان الأخرس حكومة وإن ذهب الذوق بذهابه والصحيح إن شاء الله أنه لا دية فيه لأن في إجماعهم على أن لسان الأخرس لا تكمل الدية فيه إجماعا على أنها لا تكمل في ذهاب الدوق بمفرده لأن كل عضو لا تكمل الدية فيه بمنفعته لا تكمل بمنفعته دونه كسائر الأعضاء ولا تفريع على هذا القول فأما على الأول فإذا ذهب ذوقه كله ففيه دية كاملة وإن نقص نقصا غير مقصدر بأن يحس المذاق كله إلا أنه لا يدركه على الكمال ففيه حكومة كما لو نقص بصره نقصا لا يتقدر وإن كان نقصا يتقدر بأن لا يدرك بأحد المذاق الخمس وهي الحلاوة والمرارة والحموضة والملوحة والعذوبة ويدرك بالباقي ففيه خمس الدية وفي اثنتين خمساها وفي ثلاث ثلاثة أخماسها وإن لم يدرك بواحدة ونقص الباقي فعليه خمس الدية وحكومة لنقص الباقي وإن قطع لسان أخرس فذهب ذوقه ففيه الدية لإتلافه الذوق وإن جنى على لسان ناطق فأذهب كلامه وذوقه ففيه ديتان وإن قطعه فذهب معا ففيه دية واحدة لأنهما يذهبان تبعا لذهابه فوجبت ديته دون ديتهما كما لو قتل إنسانا لم تجب إلا دية واحدة ولو ذهبت منافعه مع بقائه ففي كل منفعة دية

فصل وإن ذهب بعض الكلام وجب من الدية بقدر ما ذهب يعتبر ذلك بحروف المعجم وهي ثمانية وعشرون حرفا سوى لا فإن مخرجها مخرج اللام والألف فما نقص من الحروف وجب من الدية بقدره لأن الكلام يتم بجميعها فالذاهب يجب أن يكون عوضه من الدية كقدره من الكلام ففي الحرف الواحد ربع سبع الدية وفي الحرفين نصف سبعها وفي الأربعة سبعها ولا فرق بين ما خف من الحروف على اللسان وما ثقل لأن كل ما وجب في المقدر لم يختلف لاختلاف قدره كالأصابع ويحتمل أن تقسم الدية على الحروف التي للسان فيها عمل دون الشفة وهي أربعة الباء والميم والفاء والواو دون حروف الحلق الستة الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين فهذه عشرة بقي ثمانية عشر حرفا للسان تنقسم ديته عليها لأن الدية تجب بقطع اللسان وذهاب هذه الحروف وحدها مع بقائه فإذا وجبت الدية ففيها بمفردها وجب في بعضها بقسطة منها ففي الواحد نصف تسع الدية وفي الاثنين تسعها وفي الثلاثة سدسها وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وإن جنى على شفته


351

فذهب وجب فيه بقدره وكذلك إن ذهب بعض حروف الحلق بجنايته وينبغي أن تجب بقدره من الثمانية والعشرين وجها واحدا وإن ذهب حرف فعجز عن كلمة لم يجب غير أرش الحرف لأن الضمان إنما يجب لما تلف وإن ذهب حرف فأبدل مكانه حرفا آخر كأنه يقول درهم فصار يقول دلهم أو دعهم أو ديهم فعليه ضمان الحرف الذاهب لأن ما تبدل لا يقوم مقام الذاهب في القراءة ولا غيرها فإن جنى عليه فذهب البدل وجبت ديته أيضا لأنه أصل وإن لم يذهب شيء من الكلام لكن حصلت فيه عجلة أو تمتمة أو فأفأة فعليه حكومة لما حصل من النقص والشين ولم تجب الدية لأن المنفعة باقية وإن جنى عليه جان آخر فأذهب كلامه ففيه الدية كاملة كما لو جنى على عينه جان فعمشت ثم جنى عليها آخر فذهب ببصرها وإن أذهب الأول بعض الحروف وأذهب الثاني بقية الكلام فعلى كل واحد منهما بقسطه كما لو ذهب الأول ببصر إحدى العينين وذهب الآخر ببصر الأخرى وإن كان ألثغ من غير جناية عليه فذهب إنسان بكلامه كله فإن كان مأيوسا من زوال لثغته ففيه بقسط ما ذهب من الحروف وإن كان غير مأيوس من زوالها كالصبي ففيه الدية كاملة لأن الظاهر زوالها وكذلك الكبير إذا أمكن إزالة لثغته بالتعليم

فصل إذا قطع بعض لسانه فذهب بعض كلامه فإن استويا مثل أن يقطع ربع لسانه فيذهب ربع كلامه وجب ربع الدية بقدر الذاهب منهما كما لو قلع إحدى عينيه فذهب بصرها وإن ذهب من أحدهما أكثر من الآخر كأن قطع ربع لسانه فذهب نصف كلامه أو قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه وجب بقدر الأكثر وهو نصف الدية في الحالين لأن كل واحد من اللسان والكلام مضمون بالدية منفردا فإذا انفرد نصفه بالذهاب وجب النصف ألا ترى أنه لو ذهب نصف الكلام ولم يذهب من اللسان شيء وجب نصف الدية ولو ذهب نصف اللسان ولم يذهب من الكلام شيء وجب نصف الدية وإن قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام وجب نصف الدية فإن قطع آخر بقية اللسان فذهبت بقية الكلام ففيه ثلاثة أوجه أحدها عليه نصف الدية هذا قول القاضي وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن السالم نصف اللسان وباقيه أشل بدليل ذهاب نصف الكلام

والثاني عليه نصف الدية وحكومة للربع الأشل لأنه لو كان جميعه أشل لكانت فيه حكومة أو ثلث الدية فإذا كان بعضه أشل ففي ذلك البعض حكومة أيضا

الثالث عليه ثلاثة أرباع الدية وهذا الوجه الثاني لأصحاب الشافعي لأنه قطع ثلاثة أرباع لسانه فذهب ربع كلامه فوجبت عليه ثلاثة أرباع الدية كما لو قطعه أولا ولا يصح القول بأن بعضه أشل لأن العضو متى كان فيه بعض النفع لم يكن بعضه أشل كالعين إذا كان بصرها ضعيفا واليد إذا كان بطشها ناقصا وإن قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه فعليه نصف ديته فإن قطع الآخر بقيته فعليه ثلاثة أرباع الدية وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي والآخر عليه نصف الدية لأنه لم يقطع إلا نصف لسانه

ولنا إنه ذهب ثلاثة أرباع الكلام فلزمه ثلاثة أرباع ديته كما لو ذهب ثلاثة أرباع الكلام بقطع نصف اللسان


352

الأول ولأنه لو أذهب ثلاثة أرباع الكلام مع بقاء اللسان لزمه ثلاثة أرباع الدية فلأن تجب بقطع نصف اللسان في الأول أولى ولو لم يقطع الثاني نصف اللسان لكن جنى عليه جناية أذهب بقية كلامه مع بقاء لسانه لكان عليه ثلاثة أرباع ديته لأنه ذهب بثلاثة أرباع ما فيه الدية فكان عليه ثلاثة أرباع الدية كما لو جنى على صحيح فذهب بثلاثة أرباع كلامه مع بقاء لسانه

فصل وإذا قطع بعض لسانه عمدا فاقتص المجني عليه من مثل ما جنى عليه به فذهب من كلام الجاني مثل ما ذهب من كلام المجني عليه وأكثر فقد استوفى حقه ولا شيء في الزائد لأنه من سراية القود وسراية القود غير مضمونه وإن ذهب أقل فللمقتص دية ما بقي لأنه لم يستوف بدله

فصل وإذا قطع لسان صغير لم يتكلم لطفوليته وجبت ديته وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تجب لأنه لسان لا كلام فيه فلم تجب فيه دية كلسان الأخرس

ولنا إن ظاهره السلامة وإنما لم يتكلم لأنه لا يحسن الكلام فوجبت به الدية كالكبير ويخالف الأخرس فإنه علم أنه أشل ألا ترى أن أعضاءه لا يبطش بها وتجب فيها الدية وإن بلغ حدا يتكلم مثله فلم يتكلم فقطع لسانه لم تجب فيه الدية لأن الظاهر أنه لا يقدر على الكلام ويجب فيه ما يجب في لسان الأخرس وإن كبر فنطق ببعض الحروف وجب فيه بقدر ما ذهب من الحروف لأننا تبينا أنه كان ناطقا وإن كان قد بلغ إلى حد يتحرك بالبكاء وغيره فلم يتحرك فقطعه قاطع فلا دية فيه لأن الظاهر أنه لو كان صحيحا لتحرك وإن لم يبلغ إلى حد يتحرك ففيه الدية لأن الظاهر سلامته وإن قطع لسان كبير وادعى أنه كان أخرس ففيه مثل ما ذكرنا فيما إذا اختلفا في شلل العضو المقطوع على ما ذكرناه فيما مضى

فصل وإن جنى عليه فذهب كلامه أو ذوقه ثم عاد لم تجب الدية لأننا تبينا أنه لم يذهب ولو ذهب لم يعد وإن كان قد أخذ الدية ردها وإن قطع لسانه فعاد لم تجب الدية أيضا وإن كان قد أخذها ردها قاله أبو بكر وظاهر مذهب الشافعي أنه لا يرد الدية لأن العادة لم تجر بعوده واختصاص هذا بعوده يدل على أنه هبة مجددة

ولنا إنه عاد ما وجبت فيه الدية فوجب رد الدية كالأسنان وسائر ما يعود وإن قطع إنسان نصف لسانه فذهب كلامه كله ثم قطع آخر بقيته فعاد كلامه لم يجب رد الدية لأن الكلام الذي كان باللسان قد ذهب ولم يعد إلى اللسان وإنما عاد في محل آخر بخلاف التي قبلها وإن قطع لسانه فذهب كلامه ثم عاد اللسان دون الكلام لم يرد الدية لأنه قد ذهب ما تجب الدية فيه بانفراده وإن عاد كلامه دون لسانه لم يردها أيضا لذلك

فصل وإذا كان للسانه طرفان فقطع أحدهما فذهب كلامه ففيه الدية لأن ذهاب الكلام بمفرده يوجب الدية وإن ذهب بعض الكلام نظرت فإن كان الطرفان متساويين وكان ما قطعه بقدر ما ذهب من الكلام وجب وإن كان أحدهما أكبر وجب الأكثر على ما مضى وإن لم يذهب من الكلام شيء وجب بقدر ما


353

ذهب من اللسان من الدية وإن كان أحدهما منحرفا عن سمت اللسان فهو خلقة زائدة وفيه حكومة وإن قطع جميع اللسان وجبت الدية من غير زيادة سواء كان الطرفان متساويين أو مختلفين وقال القاضي إن كانا متساويين ففيهما الدية وإن كان أحدهما منحرفا عن سمت اللسان وجبت الدية وحكومة في الخلقة

ولنا إن هذه الزيادة عيب ونقص يرد بها المبيع وينقص من ثمنه فلم يجب فيها شيء كالسلعة في اليد وربما عاد القولان إلى شيء واحد لأن الحكومة لا يخرج بها شيء إذا كانت الزيادة عيبا

مسألة

قال ( وفي كل سن خمس من الإبل إذا قلعت ممن قد أثغر والأضراس والأنياب كالأسنان )

لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن دية الأسنان خمس خمس في كل سن وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس ومعاوية وسعيد بن المسيب وعروة وعطاء وطاوس والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وفي كتاب عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم في السن خمس من الإبل رواه النسائي وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأسنان خمس خمس رواه أبو داود فأما الأضراس والأنياب فأكثر أهل العلم على أنها مثل الأسنان منهم عروة وطاوس وقتادة والزهري ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وروي ذلك عن ابن عباس ومعاوية وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قضى في الأضراس ببعير بعير وعن سعيد بن المسيب أنه قال لو كنت أنا لجعلت في الأضراس بعيرين بعيرين فتلك الدية سواء وروى ذلك مالك في موطئه وعن عطاء نحوه حكي عن أحمد رواية أن في جميع الأسنان والأضراس الدية فيتعين حمل هذه الرواية على مثل قول سعيد للإجماع على أن في كل سن خمسا من الإبل وورد الحديث به فيكون في الأسنان ستون بعيرا لأن فيه اثني عشر سنا أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربعة أنياب فيها خمس وفيه عشرون ضرسا في كل جانب عشرة خمسة من فوق وخمسة من أسفل فيكون فيها أربعون بعيرا في كل ضرس بعيران فتكمل الدية وحجة من قال هذا أنه ذو عدد يجب فيه الدية فلم تزد ديته على دية الإنسان كالأصابع والأجفان وسائر ما في البدن ولأنها تشتمل على منفعة جنس فلم تزد ديتها على الدية كسائر منافع الجنس ولأن الأضراس تختص بالمنفعة دون الجمال والأسنان فيها منفعة وجمال فاختلفا في الأرش

ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء وهذا نص وقوله في الأحاديث المتقدمة في الأسنان خمس خمس ولم يفصل يدخل في عمومها الأضراس لأنها أسنان ولأن كل دية وجبت في جملة كانت مقسومة على العدد دون المنافع كالأصابع والأجفان والشفتين وقد أومأ ابن عباس إلى هذا فقال لا أعتبرها بالأصابع فأما ما ذكروه من المعنى فلا بد من مخالفة القياس فيه فمن ذهب إلى قولنا خالف المعنى الذي ذكروه ومن ذهب إلى قولهم خالف التسوية الثابتة بقياس سائر الأعضاء من جنس واحد فكان ما ذكرناه مع موافقة الأخبار وقول أكثر أهل العلم أولى وأما على


354

قول عمر إن في كل ضرس بعيرا فيخالف القياسين جميعا والأخبار فإنه لا يوجب الدية الكاملة وإنما يوجب ثمانين بعيرا ويخالف بين الأعضاء المتجانسة وإنما يجب هذا الضمان في سن من قد ثغر وهو الذي أبدل أسنانه وبلغ حدا إذا قلعت سنه لم يعد بدلها ويقال ثغر وأثغر واثغر إذا كان كذلك فأما سن الصبي الذي لم يثغر فلا يجب بقلعها في الحال شيء هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا أعلم فيه خلافا وذلك لأن العادة عود سنه فلم يجب فيها في الحال شيء كنتف شعره لكن ينتظر عودها فإن مضت مدة ييأس من عودها وجبت ديتها قال أحمد يتوقف سنة لأنه الغالب في نباتها

وقال القاضي إذا سقطت أخواتها ولم تعد هي أخذت الدية وإن نبت مكانها أخرى لم تجب ديتها كما لو نتف شعره فعاد مثله لكن إن عادت قصيرة أو مشوهة ففيها حكومة لأن الظاهر أن ذلك بسبب الجناية عليها فإن أمكن تقدير نقصها عن نظيرتها ففيها من ديتها بقدر ما نقص وكذلك إن كانت فيها ثلمة أمكن تقديرها ففيها بقدر ما ذهب منها كما لو كسر من سنه ذلك القدر وإن نبتت أكبر من أخواتها ففيها حكومة لأن ذلك عيب وقيل فيها وجه آخر لا شيء فيها لأن هذا زيادة والصحيح الأول لأن ذلك شين حصل بسبب الجناية فأشبه نقصها وإن نبتت مائلة عن صف الأسنان بحيث لا ينتفع بها ففيها ديتها لأن ذلك كذهابها وإن كانت ينتفع بها ففيها حكومة للشين الحاصل بها ونقص نفعها وإن نبتت صفراء أو حمراء أو متغيرة ففيها حكومة لنقص جمالها وإن نبتت سوداء أو خضراء ففيها روايتان حكاهما القاضي إحداهما فيها ديتها

والثانية فيها حكومة كما لو سودها من غير قلعها وإن مات الصبي قبل اليأس من عود سنه ففيه وجهان أحدهما لا شيء له لأن الظاهر أنه لو عاش لعادت فلم يجب فيها شيء كما لو نتف شعره

والثاني فيها الدية لأنه قلع سنا وأيس من عودها فوجبت ديتها كما لو مضى زمن تعود في مثله فلم تعد وإن قلع سن من قد ثغر وجبت ديتها في الحال لأن الظاهر أنها لا تعود فإن عادت لم يجب الدية وإن كان قد أخذها ردها

وبهذا قال أصحاب الرأي وقال مالك لا يرد شيئا لأن العادة أنها لا تعود فمتى عادت كانت هبة من الله تعالى مجددة فلا يسقط بذلك ما وجب له بقلع سنه وعن الشافعي كالمذهبين

ولنا إنه عاد له في مكانها مثل التي قلعت فلم يجب له شيء كالذي لم يثغر وإن عادت ناقصة أو مشوهة فحكمها حكم سن الصغير إذا عادت على ما ذكرنا ولو قلع سن من لم يثغر فمضت مدة ييأس من عودها وحكم بوجوب الدية فعادت بعد ذلك سقطت الدية وردت إن كانت أخذت كسن الكبير إذا عادت

فصل وتجب دية السن فيما ظهر منها من اللثة لأن ذلك هو المسمى سنا وما في اللثة منها يسمى سنخا فإذا كسر السن ثم جاء آخر فقلع السنخ ففي السن ديتها وفي السنخ حكومة كما لو قطع إنسان


355

أصابع رجل ثم قطع آخر كفه وإن قلعها الآخر بسنخها لم يجب فيها أكثر من ديتها كما لو قطع اليد من كوعها وإن فعل ذلك في مرتين فكسر السن ثم عاد فقلع السنخ فعليه ديتها وحكومة لأن ديتها وجبت بالأول ثم وجب عليه بالثاني حكومة كما لو فعله غيره وكذلك لو قطع الأصابع ثم قطع الكف وإن كسر بعض الظاهر ففيه من دية السن بقدره وإن كان ذهب النصف وجب نصف الأرش وإن كان الذاهب الثلث وجب الثلث وإن جاء آخر فكسر بقيتها فعليه بقية الأرش فإن قلع الثاني بقيتها بسنخها نظرنا فإن كان الأول كسرها عرضا فليس على الثاني للسنخ شيء لأنه تابع لما قلعه من ظاهر السن فصار كما لو قطع الأول من كل إصبع من أصابعه أنملة ثم قطع الثاني يده من الكوع وإن كان الأول كسر نصف السن طولا دون سنخه فجاء الثاني فقطع الباقي بالسنخ كله فعليه دية النصف الباقي وحكومة لنصف السنخ الذي بقي لما كسره الأول كما لو قطع الأول إصبعين من يد ثم جاء الثاني فقطع الكف كله فإن اختلف الثاني والمجني عليه فيما قلعه الأول فالقول قول المجني عليه لأن الأصل سلامة السن وإن انكشفت اللثة عن بعض السن فالدية في قدر الظاهر عادة دون ما انكشف على خلاف العادة وإن اختلفا في قدر الظاهر اعتبر ذلك بأخواتها فإن لم يكن بها شيء يعتبر به ولم يمكن أن يعرف ذلك أهل الخبرة فالقول قول الجاني لأن الأصل براءة ذمته

فصل وإن قلع سنا مضطربة لكبر أو مرض وكانت منافعها باقية من المضغ وضغط الطعام والريق وجبت ديتها وكذلك إن ذهب بعض منافعها وبقي بعضها لأن جمالها وبعض منافعها باق فكمل ديتها كاليد المريضة ويد الكبير وإن ذهبت منافعها كلها فهي كاليد الشلاء على ما سنذكرها إن شاء الله تعالى وإن قلع سنا فيها داء أو آكلة فإن لم يذهب شيء من أجزائها وجب فيها دية السن الصحيحة لأنها كاليد المريضة وإن سقط من أجزائها شيء سقط من ديتها بقدر الذاهب منها ووجب الباقي وإن كان إحدى ثنيتيه قصيرة نقص من ديته بقدر نقصها كما لو نقصت بكسرها

فصل فإن جنى على سنه جان فاضطربت وطالت على الأسنان وقيل إنها تعود إلى مدة إلى ما كانت عليه انتظرت إليها فإن ذهبت وسقطت وجبت ديتها وإن عادت كما كانت فلا شيء فيها كما لو جنى على يده فمرضت ثم برأت وإن بقي فيها اضطراب ففيها حكومة وإن قلعها قالع فعليه ديتها كاملة كما ذكرنا في الفصل الذي قبله وعلى الأول حكومة لجنايته وإن مضت المدة ولم تعد إلى ما كانت عليه ففيها حكومة وإن قلعها قالع فعليه ديتها كما ذكرنا وإن قالوا يرجى عودها من غير تقدير مدة وجبت الحكومة فيها لئلا يفضي إلى إهدار الجناية فإن عادت سقطت الحكومة لما ذكرنا في غيرها

فصل فإن قلع قالع سنه فردها صاحبها فنبتت في موضعها لم تجب ديتها نص عليها أحمد في رواية جعفر بن محمد وهذا قول أبي بكر وعلى قول القاضي تجب ديتها وهو مذهب الشافعي وقد ذكرنا توجيههما فيما إذا قطع أنفه فرده فالتحم فعلى قول أبي بكر يجب فيها حكومة لنقصها إن نقصت أو ضعفها إن


356

ضعفت وإن قلعها قالع بعد ذلك وجبت ديتها لأنها سن ذات جمال ومنفعة فوجبت ديتها كما لو لم تنقلع وعلى قول القاضي ينبني حكمها على وجوب قلعها فإن قلنا يجب قلعها فلا شيء على قالعها لأنه قد أحسن بقلعه ما يجب قلعه وإن قلنا لا يجب قلعها احتمل أن يؤخذ بديتها لما ذكرنا واحتمل أن لا يؤخذ بديتها لأنه قد وجبت له ديتها مرة فلا تجب ثانية ولكن فيها حكومة فأما إن جعل مكانها سنا أخرى أو سن حيوان أو عظما فنبتت وجب ديتها وجها واحدا لأن سنه ذهبت بالكلية فوجبت ديتها كما لو لم يجعل مكانها شيئا وإن قلعت هذه الثانية لم تجب ديتها لأنها ليست سنا له ولا هي من بدنه ولكن يجب فيها حكومة لأنها جناية أزالت جماله ومنفعته فأشبه ما لو خاط جرحه بخيط فالتحم فقلع أسنان الخيط فانفتح الجرح وزال التحامه ويحتمل أن لا يجب شيء لأنه أزال ما ليس من بدنه أشبه ما لو قلع الأنف الذهب الذي جعله المجدوع مكان أنفه

فصل وإن جنى على سنه فسودها فحكي عن أحمد رحمه الله في ذلك روايتان إحداهما تجب ديتها كاملة وهو ظاهر كلام الخرقي ويروى هذا عن زيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين وشريح والزهري وعبد الملك بن مروان والنخعي ومالك والليث وعبد العزيز بن أبي سلمة والثوري وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي

والرواية الثانية عن أحمد أنه إن أذهب منفعتها من المضغ عليها ونحوه ففيها ديتها وإن لم يذهب نفعها ففيها حكومة وهذا قول القاضي والقول الثاني للشافعي وهو المختار عند أصحابه لأنه لم يذهب بمنفعتها فلم تكمل ديتها كما لو اصفرت

ولنا إنه قول زيد بن ثابت ولم يعرف له مخالف في الصحابة فكان إجماعا ولأنه أذهب الجمال على الكمال فكملت ديتها كما لو قطع أذن الأصمن أنف الأخشم فأما إن اصفرت أو احمرت لم تكمل ديتها لأنه لم يذهب الجمال على الكمال وفيها حكومة وإن اخضرت احتمل أن يكون كتسويدها لأنه يذهب لجمالها واحتمل أن لا يجب فيها إلا حكومة لأن ذهاب جمالها بتسويدها أكثر فلم يلحق به غيره كما لو حمرها فعلى قول من أوجب ديتها متى قلعت بعد تسويدها ففيها ثلث ديتها أو حكومة على ما سنذكره فيما بعد وعلى قول من لم يوجب فيها إلا حكومة يجب في قلعها ديتها كما لو صفرها

فصل وإن جنى على سنه فذهبت حدتها وكلت ففي ذلك حكومة وعلى قالعها بعد ذلك دية كاملة لأنها سن صحيحة كاملة فكملت ديتها كالمضطربة وإن ذهب منها جزء ففي الذاهب بقدره وإن قلعها قالع نقص من ديتها بقدر ما ذهب كما لو كسر منها جزء

فصل وفي اللحيين الدية وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان السفلى لأن فيهما نفعا وجمالا وليس في البدن مثلهما فكانت فيهما الدية كسائر ما في البدن منه شيئان وفي أحدهما نصفها كالواحد مما في البدن منه شيئان وإن


357

قلعهما بما عليهما من الأسنان وجبت عليه ديتهما ودية الأسنان ولم تدخل دية الأسنان في ديتهما كما تدخل دية الأصابع في دية الوجه لوجوه ثلاثة أحدها أن الأسنان مغروزة في اللحيين غير متصلة بهما بخلاف الأصابع

والثاني أن كل واحد من اللحيين والأسنان ينفرد باسمه ولا يدخل أحدهما في اسم الآخر بخلاف الأصابع والكف فإن اسم اليد يشملهما

والثالث أن اللحيين توجدان قبل وجود الأسنان في الخلقة وتبقيان بعد ذهابها في حق الكبير ومن تقلعت أسنانه عادت بخلاف الأصابع والكف

مسألة

قال ( وفي اليدين الدية )

أجمع أهل العلم على وجوب الدية في اليدين ووجوب نصفها في إحداهما وروي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وفي اليدين الدينة وفي الرجلين الدية وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي اليد خمسون من الإبل ولأن فيها جمالا ظاهرا ومنفعة كاملة وليس في البدن من جنسهما غيرهما فكان فيهما الدية كالعينين واليد التي تجب فيها الدية من الكوع لأن اسم اليد عند الإطلاق ينصرف إليها بدليل أن الله تعالى لما قال والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة 38 كان الواجب قطعهما من الكوع وكذلك التيمم يجب فيه مسح اليدين إلى الكوعين فإن قطع يده من فوق الكوع مثل أن يقطعها من المرفق أو نصف الساعد فليس عليه إلا دية اليد نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وهذا قول عطاء وقتادة والنخعي وابن أبي ليلى ومالك وهو قول بعض أصحاب الشافعي

وظاهر مذهبه عند أصحابه أنه يجب مع دية اليد حكومة لما زاد لأن اسم اليد لها إلى الكوع ولأن المنفعة المقصودة في اليد من البطش والأخذ والدفع فالكف وما زاد تابع للكف والدية تجب في قطعها من الكوع بغير خلاف فتجب في الزائد حكومة كما لو قطعه بعد قطع الكف قال أبو الخطاب وهذا قول القاضي

ولنا إن اليد اسم للجميع إلى المنكب بدليل قوله تعالى وأيديكم إلى المرافق المائدة 6 ولما نزلت آية التيمم مسحت الصحابة إلى المناكب وقال ثعلب اليد إلى المنكب وفي عرف الناس أن جميع ذلك يسمى يدا فإذا قطعها من فوق الكوع فما قطع إلا يدا فلا يلزمه أكثر من ديتها فأما قطعها في السرقة فلأن المقصود يحصل به وقطع بعض الشيء يسمى قطعا له كما يقال قطع ثوبه إذا قطع جانبا منه وقولهم إن الدية تجب في قطعها من الكوع قلنا وكذلك تجب بقطع الأصابع منفردة ولا يجب بقطعها من الكوع أكثر مما يجب في قطع الأصابع والذكر يجب في قطعه من أصله مثل ما يجب بقطع حشفته فأما إذا قطع اليد من الكوع ثم قطعها ثم قطعها من المرفق وجب في المقطوع ثانيا حكومة لأنه وجبت عليه دية اليد بالقطع الأول فوجبت بالثاني حكومة كما لو قطع الأصابع ثم قطع الكف أو قطع حشفة الذكر ثم قطع بقيته أو كما لو فعل ذلك اثنان


358

فصل

فإن جنى عليها فأشلها وجبت عليه ديتها لأنه فوت منفعتها فلزمته ديتها كما لو أعمى عينه مع بقائها أو أخرس لسانه وإن جنى على يده فعوجها أو نقص قوتها أو شانها فعليه حكومة لنقصها وإن كسرها ثم انجبرت مستقيمة وجبت حكومة لشينها إن شانها ذلك وإن عادت معوجة فالحكومة أكثر لأن شينها أكثر وإن قال الجاني أنا أكسرها ثم أجبرها مستقيمة لم يمكن من ذلك لأنها جناية ثانية فإن كسرها تعديا ثم جبرها فاستقامت لم يسقط ما وجب من الحكومة في اعوجاجها لأن ذلك استقر حين انجبرت عوجاء وهذه جنابة ثانية والجبر الثاني لها دون الأولى ولا يشبه هذا ما إذا ذهب ضوء عينه ثم عاد لأننا تبينا أن الضوء لم يذهب وإنما حال دونه حائل وها هنا بخلافه وتجب الحكومة في الكسر الثاني لأنها جناية ثانية ويحتمل أن لا يتجب لأنه أزال ضرر العوج منها فكان نفعا فأشبه ما لو جنى عليه بقطع سلعة أزالها عنه

فصل فإن كان له كفان في ذراع أو يدان على عضد وإحداهما باطشة دون الأخرى أو إحداهما أكثر بطشا أو في سمت الذراع والأخرى منحرفة عنه أو إحداهما تامة والأخرى ناقصة فالأولى هي الأصلية والأخرى زائدة ففي الأصلية ديتها القصاص بقطعها عمدا والأخرى زائدة فيها حكومة سواء قطعها مفردة أو قطعها مع الأصلية

وعلى قول ابن حامد لا شيء فيها لأنها عيب فهي كالسلعة في اليد وإن استويا من كل الوجوه فإن كانتا غير باطشتين فيهما ثلث دية اليد أو حكومة ولا تجب دية اليد كاملة لأنهما لا نفع له فيهما فهما كاليد الشلاء وإن كانتا باطشتين ففيهما جميعا دية اليد وهل تجب حكومة ذلك على وجهين بناء على الزائدة هل فيها حكومة أم لا وإن قطع إحداهما فلا قود لاحتمال أن تكون هي الزائدة فلا تقطع الأصلية بها وفيها نصف ما فيهما إذا قطعتا لتساويهما وإن قطع إصبعا من إحداهما وجب أرش نصف أصبع وفي الحكومة وجهان وإن قطع ذو اليد التي لها طرفان يدا مفردة وجب القصاص فيهما على قول ابن حامد لأن هذا نقص لا يمنع القصاص كالسلعة في اليد وعلى قول غيره لا يجب لئلا يأخذ يدين بيد واحدة ولا تقطع إحداهما لأنا لا نعرف الأصلية فنأخذها ولا نأخذ زائدة بأصلية فأما إن كان له قدمان في رجل واحدة فالحكم على ما ذكرناه في اليدين فإن كانت إحدى القدمين أطول من الأخرى وكان الطويل مساويا للرجل الأخرى فهو الأصلي وإن كان زائدا عنها والآخر مساو للرجل الأخرى فهو الأصلي وإن كان له في كل رجل قدمان يمكنه المشي على الطويلتين مشيا مستقيما فهما الأصليان وإن لم يمكنه فقطعا وأمكنه المشي على القصيرتين فهما الأصليان والآخران زائدان وإن أشل الطويلتين ففيهما الدية لأن الظاهر أنهما الأصليان فإن قطعهما قاطع فأمكنه المشي على القصيرتين تبين أنهما الأصليان وإن لم يمكنه فالطويلان هما الأصليان

مسألة

قال ( وفي الثديين الدية سواء كان من رجل أو امرأة )

أما ثديا المرأة ففيهما ديتهما لا نعلم فيه بين أهل العلم خلافا وفي الواحد منهما نصف الدية قال ابن


359

المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن في ثدي المرأة نصف الدية وفي الثديين الدية وممن حفظنا ذلك عن الحسن والشعبي والزهري ومكحول وقتادة ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولأن فيهما جمالا ومنفعة فأشبها اليدين والرجلين وفي أحدهما نصف الدية لأن كل عضوين وجبت الدية فيهما وجب في أحدهما نصفها كاليدين وفي قطع حلمتي الثديين ديتهما نص عليه أحمد رحمه الله وروى نحو هذا الشعبي والنخعي والشافعي وقال مالك والثوري إن ذهب اللبن وجبت ديتهما وإلا وجبت حكومة بقدر شينه ونحوه قال قتادة إذا ذهب الرضاع بقطعهما ففيهما الدية

ولنا إنه ذهب منهما ما تذهب المنفعة بذهابه فوجبت ديتهما كالأصابع مع الكف وحشفة الذكر وبيان ذهاب المنفعة أن بهما يشرب الصبي ويرتضع فهما كالأصابع في الكف وإن قطع الثديين كلهما فليس فيهما إلا دية كما لو قطع الذكر كله وإن حصل مع قطعهما جائفة وجب فيهما ثلث الدية مع ديتهما وإن حصل جائفتان وجبت دية وثلثان وإن ضربهما فأشلهما ففيهما الدية كما لو أشل يديه وإن جنى عليهما فأذهب لبنهما من غير أن يشلهما فقال أصحابنا فيهما حكومة وهذا قول أصحاب الشافعي ويحتمل أن تجب ديتهما لأنه ذهب بنفعهما فأشبه ما لو أشلهما وهذا ظاهر قول مالك والثوري وقتادة وإن جنى عليهما من صغيرة ثم ولدت فلم ينزل لها لبن سئل أهل الخبرة فإن قالوا إن الجناية سبب قطع اللبن فعليه ما على من ذهب باللبن بعد وجوده وإن قالوا ينقطع بغير الجناية لم يجب عليه أرشه لأن الأصل براءة ذمته فلا يجب فيها شيء بالشك وإن جنى عليهما فنقص لبنهما أو جنى على ثديين ناهدين فكسرهما أو صار بهما مرض ففيه حكومة لنقصه الذي نقصهما

فصل فأما ثديا الرجل وهما الثندوتان ففيهما الدية وبهذا قال إسحاق وحكي ذلك قولا للشافعي وقال النخعي ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر فيهما حكومة وهو ظاهر مذهب الشافعي لأنه ذهب بالجمال من غير منفعة فلم تجب الدية كما لو أتلف العين القائمة واليد الشلاء وقال الزهري في حلمة الرجل خمس من الإبل وعن زيد بن ثابت فيه ثمن الدية

ولنا إن ما وجب فيه الدية من المرأة وجب فيه من الرجل كاليدين وسائر الأعضاء ولأنهما عضوان في البدن يحصل بهما الجمال ليس في البدن غيرهما من جنسهما فوجبت فيهما الدية كاليدين ولأنه أذهب الجمال فوجبت الدية كالشعور الأربعة عند أبي حنيفة وكأذني الأصم وأنف الأخشم عند الجميع ويفارق العين القائمة لأنه ليس فيها جمال كامل ولأنها عضو قد ذهب منه ما تجب فيه الدية فلم تكمل ديته كاليدين إذا شلتا بخلاف مسألتنا

مسألة

قال ( وفي الأليتين الدية )

قال ابن المنذر كل من نحفظ عنه من أهل العلم يقولون في الأليتين الدية

وفي كل واحدة منهما نصفها منهم عمرو بن شعيب والنخعي والشافعي وأصحاب الرأي ولأنهما عضوان من جنس فيهما جمال ظاهر ومنفعة


360

كاملة فإنه يجلس عليهما كالوسادتين فوجب فيهما الدية وفي إحداهما نصفها كاليدين والأليتان هما ما علا وأشرف من الظهر عن استواء الفخذين وفيهما الدية إذا أخذتا إلى العظم الذي تحتهما وفي ذهاب بعضهما بقدره لأن ما وجب الدية فيه وجب في بعضه بقدره فإن جهل المقدار وجبت حكومة لأنه نقص لم يعرف قدره

فصل وفي الصلب الدية إذا كسر فلم ينجبر لما روي في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي الصلب الدية وعن سعيد بن المسيب أنه قال مضت السنة أن في الصلب الدية وهذا ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وممن قال بذلك زيد بن ثابت وعطاء والحسن والزهري ومالك وقال القاضي وأصحاب الشافعي ليس في كسر الصلب دية إلا أن يذهب مشيه أو جماعه فتجب الدية لتلك المنفعة لأنه عضو لم تذهب منفعته فلم تجب فيه دية كاملة كسائر الأعضاء

ولنا الخبر ولأنه عضو ليس في البدن مثله فيه جمال ومنفعة فوجبت الدية فيه بمفرده كالأنف وإن ذهب مشيه بكسر صلبه ففيه الدية في قول الجميع ولا يجب أكثر من دية لأنها منفعة تلزم كسر الصلب غالبا فأشبه ما لو قطع رجليه وإن لم يذهب مشيه لكن ذهب جماعه فيه الدية أيضا

روي ذلك عن علي رضي الله عنه لأنه نفع مقصود فأشبه ذهاب مشيه وإن ذهب جماعه ومشيه وجبت ديتان في ظاهر كلام أحمد رحمه الله في رواية ابنه عبد الله لأنهما منفعتان تجب الدية بذهاب كل واحدة منهما منفردة فإذا اجتمعتا وجبت ديتان كالسمع والبصر وعن أحمد فيهما دية واحدة لأنهما نفع عضو واحد فلم يجب فيها أكثر من دية واحدة كما لو قطع لسانه فذهب كلامه وذوقه وإن جبر صلبه فعادت إحدى المنفعتين دون الأخرى لم يجب إلا دية إلا أن تنقص الأخرى فتجب حكومة لنقصها أو تنقص من جهة أخرى فيكون فيه حكومة لذلك وإن ادعى ذهاب جماعه وقال رجلان من أهل الخبرة إن مثل هذه الجناية يذهب بالجماع فالقول قول المجني عليه مع يمينه لأنه لا يتوصل إلى معرفة ذلك إلا من جهته وإن كسر صلبه فشل ذكره اقتضى كلامه أحمد وجوب ديتين لكسر الصلب واحدة وللذكر أخرى وفي قول القاضي ومذهب الشافعي يجب في الذكر دية وحكومة لكسر الصلب وإن أشل رجليه ففيهما دية أيضا وإن أذهب ماءه دون جماعه احتمل وجوب الدية وهذا يروى عن مجاهد

قال بعض أصحاب الشافعي هو الذي يقتضيه مذهب الشافعي لأنه ذهب بمنفعة مقصودة فوجبت الدية كما لو ذهب بجماعة أو كما لو قطع أنثييه أو رضهما ويحتمل أن لا تجب الدية كاملة لأنه لم يذهب بالمنفعة كلها

مسألة

قال ( وفي الذكر الدية )

أحمع أهل العلم على أن في الذكر الدية وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي الذكر الدية ولأنه عضو واحد فيه الجمال والمنفعة فكملت فيه الدية كالأنف واللسان وفي شلله ديته لأنه ذهب بنفعه أشبه ما لو أشل لسانه وتجب الدية في ذكر الصغير والكبير والشيخ والشاب سواء قدر على الجماع أو لم يقدر

فأما ذكر العنين فأكثر أهل


361

العلم على وجوب الدية لعموم الحديث ولأنه غير مأيوس من جماعه وهو عضو سليم في نفسه فكملت ديته كذكر الشيخ وذكر القاضي فيه عن أحمد روايتين إحداهما تجب فيه الدية لذلك

لوالثانية لا تكمل ديته وهو مذهب قتادة لأن منفعته الإنزال والإحبال والجماع وقد عدم ذلك منه في حال الكمال فلم تكمل ديته كالأشل وبهذا فارق ذكر الصبي والشيخ واختلفت الرواية في ذكر الخصي فعنه فيه دية كاملة وهو قول سعيد بن عبد العزيز والشافعي وابن المنذر للخبر ولأن منفعة الذكر الجماع وهو باق فيه

والثانية لا تجب فيه وهو قول مالك والثوري وأصحاب الرأي وقتادة وإسحاق لما ذكرنا في ذكر العنين ولأن المقصود منه تحصيل النسل ولا يوجد ذلك منه لم يكمل ديته كالأشل والجماع يذهب في الغالب بدليل أن البهائم يذهب جماعها بخصائها والفرق بين ذكر العنين وذكر الخصي أن الجماع في ذكر العنين أبعد منه في ذكر الخصي واليأس من الإنزال متحقق في ذكر الخصي دون ذكر العنين فعلى قولنا لا تكمل الدية في ذكر الخصي إن قطع الذكر والأنثيين دفعة واحدة أو قطع الذكر ثم قطع الأنثيين لزمته ديتان فإن قطع الأنثيين ثم قطع الذكر لم يلزمه إلا دية واحدة من الأنثيين وفي الذكر حكومة لأنه ذكر خصي قال القاضي ونص أحمد على هذا وإن قطع نصف الذكر بالطول ففيه نصف الدية ذكره أصحابنا والأولى أن تجب الدية كاملة لأنه ذهب بمنفعة الجماع به فكملت ديته كما لو أشله أو كسر صلبه فذهب جماعه وأن قطع قطعة منه مما دون الحشفة وكان البول يخرج على ما كان عليه وجب بقدر القطعة من جميع الذكر من الدية وإن خرج البول من موضع القطع وجب الأكثر من حصة القطعة من الدية أو الحكومة وإن ثقب ذكره فيما دون الحشفة فصار البول يخرج من الثقب ففيه حكومة لذلك

مسألة

قال ( وفي الأنثيين الدية )

لا نعلم في هذا خلافا وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي البيضتين الدية ولأن فيهما الجمال والمنفعة فإن النسل يكون بهما فكانت فيهما الدية كاليدين وورى الزهري عن سعيد بن المسيب أنه قال مضت السنة أنه في الصلب الدية وفي الأنثيين الدية وفي إحداهما نصف الدية في قول أكثر أهل العلم وحكي عن سعيد بن المسيب أن في اليسرى ثلثي الدية وفي الثانية ثلثها لأن نفع اليسرى أكثر لأن النسل يكون بها

ولنا إن ما وجبت الدية في شيئين منه وجب في أحدهما نصفها كاليدين وسائر الأعضاء ولأنهما ذو عدد تجب فيه الدية فاستوت ديتهما كالأصابع وما ذكروه ينتقض بالأصابع والأجفان تستوي دياتها مع اختلاف نفعها ثم يحتاج إلى إثبات ذلك الذي ذكره وإن رض أنثييه أو أشلهما كملت ديتهما كما لو أشل يديه أو ذكره فإن قطع أنثييه فذهب نسله لم يجب أكثر من دية لأن ذلك نفعهما فلم تزدد الدية بذهابه معهما كالبصر مع ذهاب العينين والبطش مع ذهاب الرجلين

وإن قطع إحداهما فذهب النسل لم يجب أكثر من نصف الدية لأن ذهابه غير متحقق


362

مسألة

قال ( وفي الرجلين الدية )

أجمع أهل العلم على أن في الرجلين الدية وفي إحداهما نصفها روي ذلك عن عمر وعلي وبه قال قتادة ومالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وقد ذكرنا الحديث والمعنى فيما تقدم وفي تفصيلها مثل ما ذكرنا من التفصيل في اليدين سواء ومفصل الكعبين ها هنا مثل مفصل الكوعين في اليدين

فصل وفي قدم الأعرج ويد الأعسم الدية لأن العرج لمعنى في غير القدم والعسم الاعوجاج في الرسغ وليس ذلك عيبا في قدم ولا كف فلم يمنع ذلك كمال الدية فلهما وذكر أبو بكر أن في كل واحد منهما ثلث الدية كاليد الشلاء ولا يصح لأن هذين لم تبطل منفعتهما فلم تنقص ديتهما بخلاف اليد الشلاء

مسألة

قال ( وفي كل أصبع من اليدين والرجلين عشر من الإبل وفي كل أنملة منها ثلث عقلها إلا الإبهام فإنها مفصلان ففي كل مفصل منها خمس من الإبل )

هذا قول عامة أهل العلم منهم عمر وعلي وابن عباس وبه قال مسروق وعروة ومكحول والشعبي وعبد الله بن معقل والثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وأصحاب الحديث ولا نعلم فيه مخالفا إلا رواية عن عمر أنه قضى في الإبهام بثلث غرة وفي التي تليها باثنتي عشرة وفي الوسطى بعشر وفي التي تليها بتسع وفي الخنصر بست

وروي عنه أنه لما أخبر بكتاب كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لآل حزم وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل أخذ به وترك قوله الأول

وعن مجاهد في الإبهام خمس عشرة وفي التي تليها ثلاث عشرة وفي التي تليها عشر وفي التي تليها ثمان وفي التي تليها سبع

ولنا ما روى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دية أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل أصبع أخرجه الترمذي وقال حديث صحيح رواه أبو داود عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه وهذه سواء يعني الإبهام والخنصر أخرجه البخاري وأبو داود وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي كل إصبع من أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل ولأنه جنس ذو عدد تجب فيه الدية فكان سواء من الدية كالأسنان والأجفان وسائر الأعضاء ودية كل أصبع مقسومة على أناملها وفي كل أصبع ثلاث أنامل إلا الإبهام فإنها أنملتان ففي كل أنملة من غير الإبهام ثلث عقل الإبهام ثلاثة أبعرة وثلث وفي كل أنملة من الإبهام خمس من الإبل نصف ديتها وحكي عن مالك أنه قال الإبهام أيضا ثلاث أنامل

إحداها باطنة وليس هذا بصحيح فإن الاعتبار بالظاهر فإن قوله عليه السلام في كل أصبع عشر من الإبل يقتضي وجوب العشر في الظاهر لأنها هي الأصبع التي يقع عليها الاسم دون ما بطن منها كما أن السن التي يتعلق بها وجوب ديتها


363

هي الظاهرة من لحم اللثة دون سنخها والحكم في أصابع اليدين والرجلين سواء لعموم الخبر فيهما وحصول الاتفاق عليهما

فصل وفي الأصبع الزائدة حكومة

وبذلك قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وعن زيد بن ثابت أن فيها ثلث دية الأصبع وذكر القاضي أنه قياس المذهب على رواية إيجاب الثلث في اليد الشلاء والأول أصح لأن للتقدير لا يصار إليه بالتوقيف أو بمماثلته لما فيه توقيف وليس ذلك ها هنا لأن اليد الشلاء يحصل بها الجمال والأصبع الزائدة لا جمال فيها في الغالب ولأن جمال اليد الشلاء لا يكاد يختلف والأصبع الزائد تختلف باختلاف محالها وصفتها وحستها وقبحها فكيف يصح قياسها على اليد مسألة قال ( وفي البطن إذا ضرب فلم يستمسك الغائط الدية وفي المثانة إذا لم يستمسك البول الدية )

وبهذا قال ابن جريج وأبو ثور وأبو حنيفة ولم أعلم فيه مخالفا إلا أن ابن أبي موسى ذكر في المثانة رواية أخرى فيها ثلث الدية والصحيح الأول كل واحد من هذين المحلين عضو فيه منفعة كبيرة ليس في البدن مثله فوجب في تفويت منفعته دية كاملة كسائر الأعضاء المذكورة فإن نفع المثانة حبس البول وحبس البطن الغائط منفعة مثلها والنفع بهما كثير والضرر بفواتهما عظيم فكان في كل واحدة منهما الدية كالسمع والبصر وإن فاتت المنفعتان بجناية واحدة وجب على الجانني ديتان كما لو ذهب سمعه وبصره بجناية واحدة

مسألة

قال ( وفي ذهاب العقل الدية )

لا نعلم في هذا خلافا وقد روي عن عمر وزيد رضي الله عنهما وإليه ذهب من بلغنا قوله من الفقهاء وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي العقل الدية ولأنه أكبر المعاني قدرا وأعظم الحواس نفعا فإن به يتميز من البهيمة ويعرف به حقائق المعلومات ويهتدي إلى مصالحه ويتقي ما يضره ويدخل به في التكليف وهو شرط في ثبوت الولايات وصحة التصرفات وأداء العبادات فكان بإيجاب الدية أحق من بقية الحواس فإن نقص عقله نقصا معلوما مثل أن صار يجن يوما ويفيق يوما فعليه من الدية بقدر ذلك لأن ما وجبت فيه الدية وجب بعضها في بعضه بقدره كالأصابع وإن لم يعلم مثل أن صار مدهوشا أو يفزع مما لا يفزع منه ويستوحش إذا خلا فهذا لا يمكن تقديره فتجب فيه حكومة

فصل فإن أذهب عقله بجناية لا توجب أرشا كاللطمة والتخوف ونحو ذلك ففيه الدية لا غير

وإن أذهبه بجناية توجب أرشا كالجراح أو قطع عضو وجبت الدية وأرش الجرح وبهذا قال مالك والشافعي في الجديد وقال أبو حنيفة والشافعي في القديم يدخل الأقل منهما في الأكثر فإن كانت الدية أكثر من أرش


364

الجرح وجبت وحدها وإن كان أرش الجرح أكثر كأن قطع يديه ورجليه فذهب عقله وجبت دية الجرح ودخلت دية العقل فيه لأن ذهاب العقل تختل معه منافع الأعضاء فدخل أرشها فيه كالموت

ولنا إن هذه جناية أذهبت منفعة من غير محلها مع بقاء النفس فلم يتداخل الأرشان كما لو أوضحه فذهب بصره أو سمعه ولأنه لو جنى على أذنه أو أنفه فذهب سمعه أو شمه لم يدخل أرشهما في دية الأنف والأذن مع قربهما منها فها هنا أولى وما ذكروه لا يصح لأنه لو دخل أرش الجرح في دية العقل لم يجب أرشه إذا زاد على دية العقل كما أن دية الأعضاء كلها مع القتل لا يجب أكثر من دية النفس ولا يصح قولهم إن منافع الأعضاء تبطل بذهاب العقل فإن المجنون تضمن منافعه وأعضاؤه بعد ذهاب عقله بما تضمن به منافع الصحيح وأعضاؤه ولو ذهبت منافعه وأعضاؤه لم تضمن كما لا تضمن منافع الميت وأعضاؤه وإذا جاز أن تضمن بالجناية عليها بعد الجناية عليه جاز ضمانها مع الجانية عليه كما لو جنى عليه فأذهب سمعه وبصره بجراحة في غير محلها

فصل فإن جنى عليه فأذهب عقله وسمعه وبصره وكلامه وجب أربع ديات مع أرش الجرح قال أبو قلابة رمى رجل رجلا بحجر فذهب عقله وبصره وسمعه ولسانه فقضى فيه عمر بأربع ديات وهو حي ولأنه أذهب منافع في كل واحد منها دية فوجب عليه دياتها كما لو أذهبها بجنايات فإن مات من الجناية لم يجب إلا دية واحدة لأن ديات المنافع كلها تدخل في دية النفس كديات الأعضاء

مسألة

قال ( وفي الصغر الدية والصعر أن يضربه فيصير وجهه في جانب )

أصل الصعر داء يأخذ البعير في عنقه فيلتوي عنقه وقول الله تعالى ولا تصعر خدك للناس لقمان 18

أي لا تعرض عنهم بوجهك تكبرا كإمالة وجه البعير الذي به الصغر فمن جنى على إنسان جناية فعوج عنقه حتى صار وجهه في جانب فعليه دية كاملة

روي ذلك عن زيد بن ثابت

وقال الشافعي ليس فيه إلا حكومة لأنه إذهاب جمال من غير منفعة

ولنا ما روى مكحول عن زيد بن ثابت أنه قال وفي الصعر الدية ولم يعرف له في الصحابة مخالف فكان إجماعا ولأنه أذهب الجمال والمنفعة فوجبت فهي دية كاملة كسائر المنافع وقولهم لم يذهب بمنفعته غير صحيح فإنه لا يقدر على النظر أمامه واتقاء ما يحذره إذا مشى وإذا نابه أمر أو دهمه عدو لم يمكنه العلم به ولا اتقاؤه ولا يمكنه لي عنقه ليعرف ما يريد نظره ويتعرف ما ينفعه ويضره

فصل فإن جنى عليه فصار الالتفات عليه شاقا أو ابتلاع الماء أو غيره ففيه حكومة لأنه لم يذهب بالمنفعة كلها ولا يمكن تقديرها وإن صار بحيث لا يمكنه ازدراد ريقه فهذا لا يكاد يبقى فإن بقي مع ذلك ففيه


365

الدية لأنه تفويت منفعة ليس لها مثل في البدن

مسألة

قال ( وفي اليد الشلاء ثلث ديتها وكذلك العين القائمة والسن السوداء )

اليد الشلاء التي ذهب منها منفعة البطش والعين القائمة التي ذهب بصرها وصورتها باقية كصورة صحيحة واختلفت الرواية عن أحمد وفي السن السوداء فعنه في كل واحدة ثلث ديتها وروي هذا عن ابن الخطاب ومجاهد وبه قال إسحاق وعن زيد بن ثابت في العين القائمة مائة دينار

والرواية الثالثة عن أحمد في كل واحدة حكومة وهذا قول مسروق والزهري ومالك والشافعي وأبي ثور والنعمان وابن المنذر لأنه لا يمكن إيجاب دية كاملة لكونها قد ذهبت منفعتها ولا مقدر فيها فتجب الحكومة فيها كاليد الزائدة

ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية وفي اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها وفي السن السوداء إذا قلعت ثلث ديتها

رواه النسائي وأخرجه أبو داود في العين وحدها مختصرا وقول عمر رضي الله عنه رواه قتادة عن خلاس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب قضى في العين القائمة إذا خسفت واليد الشلاء إذا قطعت والسن السوداء إذا كسرت ثلث دية كل واحدة منهن ولأنها كاملة الصورة فكان فيها مقدر كالصحيحة وقولهم لا يمكن إيجاب مقدر ممنوع فإنا قد ذكرنا التقدير وبيناه

فصل قال القاضي قول أحمد رحمه الله السن السوداء ثلث ديتها محمول على سن ذهبت منفعتها بحيث لا يمكنه أن يعض بها الأشياء أو كانت تفتت فأما إن كانت منفعتها باقية ولم يذهب منها إلا لونها ففيها كمال ديتها سواء قلت منفعتها بأن عجز عن عض الأشياء الصلبة بها أو لم يعجز لأنها باقية المنفعة فكملت ديتها كسائر الأعضاء وليس على من سودها إلا حكومة وهذا مذهب الشافعي والصحيح من مذهب أحمد ما يوافق ظاهر كلامه لظاهر الأخبار وقضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقول أكثر أهل العلم ولأنه ذهب جمالها بتسويدها فكملت ديتها على من سودها كما لو سود وجهه ولم يجب على متلفها أكثر من ثلث ديتها كاليد الشلاء وكالسن إذا كانت بيضاء فانقلعت ونبت مكانها سوداء لمرض فيها فإن القاضي وأصحاب الشافعي سلموا أنها لا تكمل ديتها

فصل فإن نبتت أسنان صبي سوداء ثم ثغر ثم عادت سوداء فديتها تامة لأن هذا جنس خلق على هذه الصورة فأشبه من خلق أسود الجسم والوجه جميعا وإن نبتت أولا بيضاء ثم ثغر ثم عادت سوداء سئل أهل الخبرة فإن قالوا ليس السواد لعلة ولا مرض ففيها أيضا كمال ديتها وإن قالوا ذلك لمرض فيها فعلى قالعها ثلث ديتها أو حكومة وقد سلم القاضي وأصحاب الشافعي الحكم في هذه الصورة وهو حجة عليهم فيما خالفوا فيه ويحتمل أن يكون الحكم فيما كانت سوداء من ابتداء الخلقة هكذا لأن المرض قد يكون في فيه من ابتداء خلقته فيثبت حكمه في بعض ديتها كما لو كان طارئا


366

فصل

وفي لسان الأخرس روايتان أيضا كالروايتين في اليد الشلاء وكذلك كل عضو ذهبت منفعته وبقيت صورته كالرجل الشلاء والأصبع والذكر إذا كان أشل وذكر الخصي والعنين إذا قلنا لا تكمل ديتهما وأشباه هذا فكله يخرج على الروايتين

إحداهما فيه ثلث ديته والأخرى حكومة

فصل فأما اليد أو الرجل أو الأصبع أو السن الزوائد ونحو ذلك فليس فيه إلا حكومة وقال القاضي هذا في معنى اليد الشلاء فتكون على قياسها يخرج على الروايتين والذي ذكرناه أصح لأنه لا تقدير في هذا ولا هو في معنى المقدر ولا يصح قياس هذا على العضو الذي ذهبت منفعته وبقي جماله لأن هذه الزوائد لا جمال فيها إنما هي شين في الخلقة وعيب يرد به المبيع وتنقص به القيمة فكيف يصح قياسه على ما يحصل به الجمال ثم لو حصل به جمال ما لكنه يخالف جمال العضو الذي يحصل به تمام الخلقة ويختلف في نفسه اختلافا كثيرا فوجبت فيه الحكومة ويحتمل أن لا يجب فيه شيء لما ذكرنا

فصل واختلفت الرواية في قطع الذكر بعد حشفته وقطع الكف بعد أصابعه فروى أبو طالب عن أحمد فيه ثلث ديته وكذلك شحمة الأذن وعن أحمد في ذلك كله حكومة والصحيح في هذا أن فيه حكومة لعدم التقدير فيه وامتناع قياسه على ما فيه تقدير لأن الأشل بقيت صورته وهذا لم تبق صورته إنما بقي بعض ما فيه الدية أو أصل ما فيه الدية فأما قطع الذراع بعد قطع الكف والساق بعد قطع القدم فينبغي أن تجب الحكومة فيه وجها واحدا لأن إيجاب ثلث دية اليد فيه يفضي إلى أن يكون الواجب فيه مع بقاء الكف والقدم وذهابهما واحدا مع تفاوتهما وعدم النص فيهما والله أعلم

مسألة

قال ( وفي إسكتي المرأة الدية )

الإسكتان هما اللحم المحيط بالفرج من جانبيه إحاطة الشفتين بالفم وأهل اللغة يقولون الشفران حاشيتا الإسكتين كما أن أشفار العين أهدابها وفيهما دية المرأة إذا قطعتا

وبهذا قال الشافعي وقال الثوري إذا لم يقدر على جماعها وقضى به محمد بن سفيان إذا بلغ العظم لأن فيهما جمالا ومنفعة وليس في البدن غيرهما من جنسها فوجبت فيهما الدية كسائر ما فيه منه شيئان وفي إحداهما نصف الدية كما ذكرنا في غيرهما وإن جنى عليهما فأشلهما وجبت ديتهما كما لو جنى على شفتيه فأشلهما ولا فرق بين كونهما غليظتين أو دقيقتين قصيرتين أو طويلتين من بكر أو ثيب أو صغيرة أو كبيرة مخفوضة أو غير مخفوضة لأنهما عضوان فيهما الدية فاستوى فيهما جميع ما ذكرنا كسائر أعضائها ولا فرق بين الرتقاء وغيرها لأن الرتق عيب في غيرهما فلم ينقص ديتهما كما أن الصمم لم ينقص دية الأذنين والخفض هو الختان في حق المرأة

فصل وفي ركب المرأة حكومة

وهو عانة المرأة وكذلك في عانة الرجل لأنه لا مقدر فيه ولا هو نظير لما قدر فيه فإن أخذ منه شيء مع فرج المرأة أو ذكر الرجل ففيه الحكومة مع الدية كما لو أخذ مع الأنف


367

والشفتين شيء من اللحم الذي حولهما

مسألة

قال ( وفي موضحة الحر خمس من الإبل سواء كان من رجل أو امرأة والموضحة في الرأس والوجه سواء وهي التي تبرز العظم )

هذه من شجاج الرأس أو الوجه وليس في الشجاج ما فيه قصاص سواها ولا يجب المقدر في أقل منها وهي التي تصل إلى العظم سميت موضحة لأنها أبدت وضح العظم وهو بياضه

وأجمع أهل العلم على أن أرشها مقدر قاله ابن المنذر وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي الموضحة خمس من الإبل رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن وقول الخرقي في موضحة الحر يحترز به من موضحة العبد وقوله سواء كان من رجل أو امرأة يعني أنهما لا يختلفان في أرش الموضحة لأنها دون ثلث الدية وهما يستويان فيما دون الثلث ويختلفان فيما زاد وعند الشافعي أن موضحة المرأة على النصف موضحة الرجل بناء على أن جراح المرأة على النصف من جراح الرجل في الكثير والقليل وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى

وعموم الحديث الذي رويناه ها هنا حجة عليه وفهي كفاية وأكثر أهل العلم على أن الموضحة في الرأس والوجه سواء روي ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وبه قال شريح ومكحول والشعبي والنخعي والزهري وربيعة وعبيد الله بن الحسن وأبو حنيفة الشافعي وإسحاق وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال تضعف موضحة الوجه على موضحة الرأس فيجب في موضحة الوجه عشر من الإبل

لأنه شينها أكثر وذكره القاضي رواية عن أحمد وموضحة الرأس يسترها الشعر والعمامة وقال مالك إذا كانت في الأنف أو في اللحي الأسفل ففيها حكومة لأنها تبعد عن الدماغ فأشبهت موضحة سائر البدن

ولنا عموم الأحاديث وقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما الموضحة في الرأس والوجه سواء ولأنها موضحة فكان أرشها خمسا من الإبل كغيرها مما سلموه ولا عبرة بكثر الشين بدليل التسوية بين الصغيرة والكبيرة وما ذكروه لمالك لا يصح فإن الموضحة في الصدر أكثر ضررا وأقرب إلى القلب ولا مقدر فيها وقد روي عن أحمد رحمه الله أنه قال موضحة الوجه أحرى أن يزاد في ديتها وليس معنى هذا أنه يجب فيها أكثر والله أعلم وإنما معناه أنها أولى بإيجاب الدية فإنه إذا وجب في موضحة الرأس مع قلة شينها واستتارها بالشعر وغطاء الرأس خمس من الإبل فلأن يجب ذلك في الوجه الظاهر الذي هو مجمع المحاسن وعنوان الجمال أولى

وجعل كلام أحمد على هذا أولى من حمله على ما يخالف الخبر والأثر وقول أكثر أهل العلم ومصيره إلى التقدير بغير توقيف ولا قياس صحيح

فصل وبجب أرش الموضحة في الصغيرة والكبيرة والبارزة والمستورة بالشعر لأن اسم الموضحة يشمل الجميع وحد الموضحة ما أفضى إلى العظم ولو بقدر إبرة ذكره ابن القاسم والقاضي فإن شجه في رأسه شجة بعضها موضحة وبعضها دون الموضحة لم يلزمه


368

أكثر من أرش موضحة لأنه لو أوضح الجميع لم يلزمه أكثر من أرش موضحة فلأنه لا يلزمه في الإيضاح في البعض أكثر من ذلك أولى وهكذا لو شجه شجة بعضها هاشمة وباقيها دونها لم يلزمه أكثر من أرش هاشمة وإن كانت منقلة وما دونها أو مأمومة وما دونها فعليه أرش منقلة أو مأمومة لما ذكرنا

فصل وليس في موضحة غير الرأس والوجه مقدر في قول أكثر أهل العلم منهم أمامنا مالك والثوري والشافعي وإسحاق وابن المنذر قال ابن عبد البر ولا يكون في البدن موضحة يعني ليس فيها مقدر قال وعلى ذلك جماعة العلماء إلا الليث بن سعد قال الموضحة تكون في الجسد أيضا وقال الأوزاعي في جراحة الجسد على النصف من جراحة الرأس وحكي نحو ذلك عن عطاء الخراساني قال في الموضحة في سائر الجسد خمسة وعشرون دينارا

ولنا إن اسم الموضحة إنما يطلق على الجراحة المخصوصة في الوجه والرأس وقول الخليفتين الراشدين الموضحة في الوجه والرأس سواء يدل على أن باقي الجسد بخلافه ولأن الشين فيما في الرأس والوجه أكثر وأخطر مما في سائر البدن فلا يلحق به ثم إيجاب ذلك في سائر البدن يفضي إلى أن يجب في موضحة العضو أكثر من ديته مثل أن يوضح أنملة ديتها ثلاثة وثلث ودية الموضحة خمس وأما قول الأوزاعي وعطاء والخراساني فتحكم لا نص فيه ولا قياس يقتضيه فيجب إطراحه

فصل وإن أوضحه في رأسه وجر السكين إلى قفاه فعليه أرش موضحة وحكومة لجرح القفا لأن القفا ليس بموقع للموضحة وإن أوضحه في رأسه ومدها إلى وجهه فعلى وجهين أحدهما أنها موضحة واحدة لأن الوجه والرأس سواء في الموضحة فصار كالعضو الواحد

والثاني هما موضحتان لأنه أوضحه في عضوين فكان لكل واحد منهما حكم نفسه كما لو أوضحه في رأس ونزل إلى القفا

فصل وإن أوضحه في رأسه موضحتين بينهما حاجز فعليه أرش موضحتين لأنهما موضحتان فإن أزال الحاجز الذي بينهما وجب أرش موضحة واحدة لأنه صار الجميع بفعله موضحة فصار كما لو أوضح الكل من غير حاجز يبقى بينهما وإن اندملتا ثم أزال الحاجز بينهما فعليه أرش ثلاث مواضح لأنه استقر عليه أرش الأوليين بالاندمال ثم لزمته دية الثالثة وإن تأكل ما بينهما قبل اندمالهما فزال لم يلزمه أكثر من أرش واحدة لأن سراية فعله كفعله وإن اندملت إحداهما وزال الحاجز بفعله أو سراية الأخرى فعليه أرش موضحتين وإن أزال الحاجز أجنبي فعلى الأول أرش موضحتين وعلى الثاني أرش موضحة لأن فعل أحدهما لا ينبني على فعل الآخر فانفرذ كل واحد منهما بحكم جنايته وإن أزاله المجني عليه وجب على الأول أرش موضحتين لأن ما وجب بجنايته لا يسقط بفعل غيره فإن اختلفا فقال الجاني أنا شققت ما بينهما وقال المجني عليه بل أنا أو أزالها آخر


369

سواك فالقول قول المجني عليه لأن سبب أرش موضحتين قد وجد والجاني يدعي زواله والمجني عليه ينكره والقول قول المنكر والأصل معه وإن أوضح موضحتين ثم قطع اللحم الذي بينهما في الباطن وترك الجلد الذي فوقهما وجهان أحدهما يلزمه أرش موضحتين لانفصالهما

والثاني أرش موضحة لاتصالهما في الباطن وإن جرحه جراحا واحدة وأوضحه في طرفيها وباقيها دون الموضحة ففيه أرش موضحتين لأن ما بينهما ليس بموضحة

مسألة

قال ( وفي الهاشمة عشر من الإبل وهي التي توضح العظم وتهشمه )

الهاشمة هي التي تتجاوز الموضحة فتهشم العظم سميت هاشمة لهشمها العظم ولم يبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها تقدير وأكثر من بلغنا قوله من أهل العلم على أن أرشها مقدر بعشر من الإبل روى ذلك قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت وبه قال قتادة والشافعي والعنبري ونحوه قال الثوري وأصحاب الرأي إلا أنهم قدروها بعشر الدية من الدراهم وذلك على قولهم ألف درهم وكان الحسن لا يوقت فيها شيئا وحكي عن مالك أنه قال لا أعرف الهاشمة لكن في الإيضاح خمس وفي الهشم حكومة قال ابن المنذر النظر يدل على قول الحسن إذ لا سنة فيها ولا إجماع ولأنه لم ينقل فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم تقدير فوجبت فيها الحكومة كما دون الموضحة

ولنا قول زيد ومثل ذلك الظاهر أنه توقيف ولأنه لم نعرف له مخالفا في عصره فكان إجماعا ولأنها شجة فوق الموضحة تختص باسم فكان فيها مقدر كالمأمومة

فصل والهاشمة في الرأس والوجه خاصة على ما ذكرنا في الموضحة وإن هشمه هاشمتين بينهما حاجز ففيهما عشرون من الإبل على ما ذكرنا في الموضحة من التفصيل وتستوي الهاشمة الصغيرة والكبيرة وإن شجة شجة بعضها موضحة وبعضها هاشمة وبعضها سمحاق وبعضها متلاحمة وجب أرش الهاشمة لأنه لو كان جميعها هاشمة أجزأ أرشها ولو انفرد القدر المهشوم وجب أرشها فلا ينقص ذلك بما إذا زاد من الأرش في غيرها وإن ضرب رأسه فهشم العظم ولم يوضحه لم تجب دية الهاشمة بغير خلاف لأن الأرش المقدر وجب في هاشمة يكون معها موضحة وفي الواجب فيها وجهان أحدهما فيها خمس من الإبل لأنه لو أوضح وكسر لوجبت عشر خمس في الإيضاح وخمس في الكسر فإذا وجد الكسر دون الإيضاح وجب خمس

والثاني تجب حكومة لأنه كسر عظم لا جرح معه فأشبه كسر قصبة الأنف

فصل فإن أوضحه موضحتين هشم العظم في كل واحدة منهما واتصل الهشم في الباطن فهما هاشمتان لأن الهشم إنما يكون تبعا للإيضاح فإذا كانتا موضحتين كان الهشم هاشمتين بخلاف الموضحة فإنها ليست تبعا لغيرها فافترقا


370

مسألة

قال ( وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل وهي التي توضح وتهشم وتسطو حتى تنقل عظامها )

المنقلة زائدة على الهاشمة وهي التي تكسر العظام وتزيلها عن مواضعها فيحتاج إلى نقل العظم ليلتئم وفيها خمس عشرة من الإبل بإجماع من أهل العلم حكاه ابن المنذر وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل وفي تفصيلها ما في تفصيل الموضحة والهاشمة على ما مضى

مسألة

قال ( وفي المأمومة ثلث الدية وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ وفي الآمة مثل ما في المأمومة )

المأمومة والآمة شيء واحد قال ابن عبد البر أهل العراق يقولون لها الآمة وأهل الحجاز المأمومة وهي الجراحة الواصلة إلى أم الدماغ سميت أم الدماغ لأنها تحوطه وتجمعه فإذا وصلت الجراحة إليها سميت آمة ومأمومة يقال آم الرجل آمة ومأمومة وأرشها ثلث الدية في قول عامة أهل العلم إلا مكحولا فإنه قال إن كانت عمدا ففيها ثلثا الدية وإن كانت خطأ ففيها ثلثها

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب عمرو بن حزم وفي المأمومة ثلث الدية

وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وروي نحوه عن علي ولأنها شجة فلم يختلف أرشها بالعمد والخطأ في المدار كسائر الشجاج

فصل وإن خرق جلدة الدماغ فهي الدامغة وفيها ما في المأمومة قال القاضي لم يذكر أصحابنا الدامغة لمساواتها المأمومة في أرشها وقيل فيها في ذلك حكومة لخرق جلدة الدماغ ويحتمل أنهم تركوا ذكرها لكونها لا يسلم صاحبها في الغالب

فصل فإن أوضحه رجل ثم هشمه الثاني ثم جعلها الثالث منقلة ثم جعلها الرابع مأمومة فعلى الأول أرش موضحته وعلى الثاني خمس تمام أرش الهاشمة وعلى الثالث خمس تمام أرش المنقلة وعلى الرابع ثمانية عشر وثلث تمام أرش المأمومة

مسألة

قال ( وفي الجائفة ثلث الدية وهي التي تصل إلى الجوف )

هذا قول عامة أهل العلم منهم أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل الحديث وأصحاب الرأي إلا مكحولا قال فيها في العمد ثلثا الدية

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب عمرو بن حزم وفي الجائفة ثلث الدية وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ولأنها جراحة فيها مقدر فلم يختلف أرشها بالعمد والخطأ كالموضحة ولا نعلم في جراح البدن الخالية عن قطع الأعضاء وكسر العظام مقدرا غير الجائفة والجائفة ما وصل إلى الجوف من بطن أو ظهر أو صدر أو ثغرة نحر أو ورك أو غيره وذكر ابن عبد البر أن مالكا وأبا حنيفة والشافعي والبتي وأصحابهم اتفقوا على أن الجائفة لا تكون إلا في


371

الجوف قال ابن القاسم الجائفة ما أفضى إلى الجوف ولو بمغرز إبرة فأما إن خرق شدقه فوصل إلى باطن الفم فليس بجائفة لأن داخل الفم حكمه حكم الظاهر لا حكم الباطن وإن طعنه في وجنته فكسر العظم ووصل إليه فيه فليس بجائفة لما ذكرنا

وقال الشافعي في أحد قوليه هو جائفة لأنه قد وصل إلى جوف وهذا ينتقض بما إذا خرق شدقه فعلى هذا يكون عليه دية هاشمة لكسر العظم وفيما زاد حكومة وإن جرحه في أنفه فأنفذه فهو كما لو جرحه في وجنته فأنفذه إلى فيه في الحكم والخلاف وإن جرحه في ذكره فوصل إلى مجرى البول الذكر فليس بجائفة لأنه ليس بجوف يخاف التلف من الوصول إليه بخلاف غيره

فصل وإن أجافه جائفتين بينهما حاجز فعليه ثلثا الدية وإن خرق الجاني ما بينهما أو ذهب بالسراية صار جائفة واحدة فيها ثلث الدية لا غير وإن خرق ما بينهما أجنبي أو المجني عليه فعلى الأول ثلثا الدية وعلى الأجنبي الثاني ثلثها ويسقط ما قابل فعلى المجني عليه وإن احتاج إلى خرق ما بينه ما للمداواة فخرقها المجني عليه أو غيره بأمره أو خرقها ولي المجني عليه لذلك أو الطبيب بأمره فلا شيء في خرق الحاجز وعلى الأول ثلثا الدية وإن أجافه رجل فوسعها آخر فعلى كل واحد منهما أرش جائفة لأن فعل كل واحد منهما لو انفرد كان جائفة فلا يسقط حكمه بانضمامه إلى فعل غيره

لأن فعل الإنسان لا ينبغي على فعل غيره وإن وسعها الطبيب بإذنه أو إذن وليه لمصلحته فلا شيء عليه

وإن وسعها جان آخر في الظاهر دون الباطن أو في الباطن دون الظاهر فعليه حكومة لأن جنايته لم تبلغ الجائفة وإن أدخل السكين في الجائفة ثم أخرجها عزر ولا أرش عليه وإن كان قد خاطها فجاء آخر فقطع الخيوط وأدخل السكين فيها قبل أن تلتحم عزر أشد من التعزير الأول الذي قبله وغرمه ثمن الخيوط وأجرة الخياط ولم يلزمه أرش جائفة لأنه لم يجفه وإن فعل ذلك بعد التحامها فعليه أرش الجائفة وثمن الخيوط لأنه بالالتحام عاد إلى الصحة فصار كالذي لم يجرح وإن التحم بعضها دون بعض ففتق ما التحم فعليه أرش جائفة لما ذكرنا وإن فتق غير ما التحم عليه فليس عليه أرش الجائفة وحكمه حكم من فعل مثل فعله قبل أن يلتحم منها شيء وإن فتق بعض ما التحم في الظاهر دون الباطن أو الباطن دون الظاهر فعليه حكومة كما لو وسع جرحه كذلك

فصل وإن جرح فخذه ومد السكين حتى بلغ الورك فأجاف فيه أو جرح الكتف وجر السكين حتى بلغ الصدر فأجافه فيه فعليه أرش الجائفة وحكومة في الجراح لأن الجراح في غير موضع الجائفة فانفردت بالضمان كما لو أوضحه في رأسه وجر السكين حتى بلغ القفا فإنه يلزمه أرش موضحة وحكومة لجرح القفا

فصل فإن أدخل حديدة أو خشبة أو يده في دبر إنسان فخرق حاجزا في الباطن فعليه حكومة ولا يلزمه أرش جائفة لأن الجائفة ما خرقت من الظاهر إلى الجوف وهذه بخلافه وكذلك لو أدخل السكين في جائفة


372

إنسان فخرق شيئا في الباطن فليس ذلك بجائفة لما ذكرنا

مسألة

قال ( فإن جرحه في جوفه فخرج من الجانب الآخر فهما جائفتان )

هذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء ومجاهد وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي قال ابن عبد البر لا أعلمهم يختلفون في ذلك وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أنه قال هي جائفة واحدة وحكي أيضا عن أبي حنيفة لأن الجائفة هي التي تنفذ من ظاهر البدن إلى الجوف وهذه الثانية إنما نفذت من الباطن إلى الظاهر

ولنا ما روى سعيد بن المسيب أن رجلا رمى رجلا بسهم فأنفذه فقضى أبو بكر رضي الله عنه بثلثي الدية ولا مخالف له فيكون إجماعا أخرجه سعيد بن منصور في سننه وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر قضى في الجائفة إذا نفذت الجوف بأرش جائفتين لأنه أنفذه من موضعين فكان جائفتين كما لو أنفذه بضربتين وما ذكره غير صحيح فإن الاعتبار بوصول الجرح إلى الجوف لا بكيفية إيصاله إذ لا أثر لصورة الفعل مع التساوي في المعنى ولأن ما ذكروه من الكيفية ليس بمذكور في خبر وإنما العادة والغالب وقوع الجائفة هكذا فلا يعتبر كما أن العادة والغالب حصولها بالحديد ولو حصلت بغيره لكانت جائفة ثم ينتقض ما ذكروه بما لو أدخل يده في جائفة إنسان فخرق بطنه من موضع آخر فإنه يلزمه أرش جائفة بغير خلاف نعلمه وكذلك يخرج فيمن أوضح إنسانا في رأسه ثم أخرج رأس السكين من موضع آخر فهي موضحتان فإن هشمه هاشمة لها مخرجان فهي هاشمتان وكذلك ما أشبهه

فصل فإن أدخل أصبعه في فرج بكر فأذهب بكارتها فليس بجائفة لأن ذلك ليس بجوف

مسألة

قال ( ومن وطىء زوجته وهي صغيرة ففتقها لزمه ثلث الدية )

معنى الفتق خرق ما بين مسلك البول والمني وقيل بل معنا خرق ما بين القبل والدبر إلا أن هذا بعيد لأنه يبعد أن يذهب بالوطء ما بينهما من الحاجز فإنه حاجز غليظ قوي والكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما في أصل وجوب الضمان

والثاني في قدره

أما الأول فإن الضمان إنما يجب بوطء الصغيرة أو النحيفة التي لا تحمل الوطء دون الكبيرة المحتملة له وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي يجب الضمان في الجميع لأنه جناية فيجب الضمان به كما لو كان في أجنبية

ولنا إنه وطء مستحق فلم يجب ضمان ما تلف به كالبكارة ولأنه فعل مأذون فيه ممن يصح إذنه فلم يضمن ما تلف بسرايته كما لو أذنت في مداواتها بما يفضي إلى ذلك وكقطع السارق أو استيفاء القصاص وعكسه الصغيرة والمكرهة على الزنا إذا ثبت هذا فإنه يلزمه المهر المسمى في النكاح مع أرش الجناية ويكون أرش الجناية في ماله إن كان عمدا محضا وهو أن يعلم أنها لا تطيقه وأن وطأه يفيضها فأما إن لم يعلم ذلك وكان مما يحتمل أن لا يفضي


373

إليه فهو عمد الخطأ فيكون على عاقلته إلا على قول من قال إن العاقلة لا تحمل عمد الخطأ فإنه يكون في ماله

الفصل الثاني في قدر الواجب وهو ثلث الدية وبهذا قال قتادة وأبو حنيفة وقال الشافعي تجب الدية كاملة وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز لأنه أتلف منفعة الوطء فلزمته الدية كما لو قطع إسكتيها

ولنا ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قضى في الإفضاء بثلث الدية ولم نعرف له في الصحابة مخالفا ولأن هذه الجناية تخرق الحاجز بين مسلك البول والذكر فكان موجبها ثلث الدية كالجائفة ولا نسلم أنها تمنع الوطء وأما قطع الإسكتين فإنما أوجب الدية لأنه قطع عضوين فيهما نفع وجمال فأشبه قطع الشفتين

فصل وإن استطلق بولها مع ذلك لزمته دية من غير زيادة وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي تجب دية وحكومة لأنه فوت منفعتين فلزمه أرشهما كما لو فوت كلامه وذوقه

ولنا إنه أتلف عضوا واحدا لم يفت غير منافعه فلم يضمنه بأكثر من دية واحدة كما لو قطع لسانه فذهب ذوقه وكلامه وما قاله لا يصح لأنه لو أوجب دية المنفعتين لأوجب ديتين لأن استطلاق البول موجب الدية والإفضاء عنده موجب للدية منفردا ولم يقل به وإنما أوجب الحكومة ولم يوجد مقتضيها فإننا لا نعلم أحدا

أوجب في الإفضاء حكومة

فصل وإن اندمل الحاجز وانسد وزال الإفضاء لم يجب ثلث الدية ووجبت حكومة لجبر ما حصل من النقص

فصل وإن أكره امرأة على الزنا فأفضاها لزمه ثلث ديتها ومهر مثلها لأنه حصل بوطء غير مستحق ولا مأذون فيه فلزمه ضمان ما تلف به كسائر الجنايات وهل يلزمه أرش البكارة مع ذلك فيه روايتان إحداهما لا يلزمه لأن أرش البكارة داخل في مهر المثل فإن مهر البكر أكثر من مهر الثيب فالتفاوت بينهما هو عوض أرش البكارة فلم يضمنه مرتين كما في حق الزوجة

والثانية يضمنه لأنه محل أتلفه بعدوانه فلزمه أرشه كما لو أتلفه بأصبعه فأما المطاوعة على الزنا إذا كانت كبيرة ففتقها فلا ضمان عليه في فتقها وقال الشافعي يضمن لأن المأذون فيه الوطء دون الفتق فأشبه ما لو قطع يدها

ولنا إنه ضرر حصل من فعل مأذون فلم يضمنه كأرش بكارتها ومهر مثلها وكما لو أذنت في قطع يدها فسرى القطع إلى نفسها وفارق ما إذا أذنت في وطئها فقطع يدها لأن ذلك ليس من المأذون فيه ولا من ضرورته

فصل وإن وطىء امرأة شبهة فأفضاها فعليه أرش إفضائها مع مهر مثلها لأن الفعل إنما أذن


374

فيه اعتقادا أن المستوفى له هو المستحق فإذا كان غيره ثبت في حقه وجوب الضمان لما أتلف كما لو أذن في أخذ الدين لمن يعتقد أنه مستحقه فبان أنه غيره وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يجب لها أكثر من مهر مثلها أو أرش إفضائها لأن الأرش لإتلاف العضو فلا يجمع بين ضمانه وضمان منفعته كما لو قلع عينا

ولنا إن هذه جناية تنقل عن الوطء فلم يدخل بدله فيها كما لو كسر صدرها وما ذكروه غير صحيح فإن المهر يجب لاستيفاء منفعة البضع والأرش يجب لإتلاف الحاجز فلا تدخل المنفعة فيه

فصل وإن استطلق بول المكرهة على الزنا والموطوءة بشبهة مع إفضائهما فعليه ديتهما والمهر وقال أبو حنيفة في الموطوءة بشبهة لا يجمع بينهما ويجب أكثرهما وقد سبق الكلام معه في ذلك

مسألة

قال ( وفي الضلع بعير وفي الترقوة بعيران )

ظاهر هذا أن في كل ترقوة بعيرين فيكون في الترقوتين أربعة أبعرة وهذا قول زيد بن ثابت والترقوة هو العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف ولكل واحد ترقوتان ففيهما أربعة أبعرة في ظاهر قول الخرقي وقال القاضي المراد بقول الخرقي الترقوتان معا وإنما اكتفى بلفظ الواحد الألف واللام المقتضية للاستغراق فيكون في كل ترقوة بعير وهذا قول عمر بن الخطاب وبه قال سعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الملك بن مروان وسعيد بن جبير وقتادة وإسحاق وهو قول الشافعي والمشهور من قوليه عند أصحابه أن في كل واحد مما ذكرنا حكومة وهو قول مسروق وأبي حنيفة ومالك وابن المنذر لأنه عظم باطن لا يختص بجمال ومنفعة فلم يجب فيه أرش مقدر كسائر أعضاء البدن ولأن التقدير إنما يكون بتوقيف أو قياس صحيح وليس في هذا توقيف ولا قياس وروي عن الشعبي أن في الترقوة أربعين دينارا وقال عمرو بن شعيب في الترقوتين الدية وفي أحدهما نصف لأنهما عضوان فيهما جمال ومنفعة وليس في البدن غيرهما من جنسهما فكملت فيهما الدية كاليدين

ولنا قول عمر رضي الله عنه وزيد بن ثابت وما ذكروه ينتقض بالهاشمة فإنها كسر عظام باطنة وفيها مقدر ولا يصح قولهم

إنها لا تختص بجمال ومنفعة فإن جمال هذه العظام ونفعها لا يوجد في غيرها ولا مشارك لها فيه وأما قول عمرو بن شعيب فمخالف للإجماع فإننا لا نعلم أحدا قبله ولا بعده وافقه فيه

مسألة

قال ( وفي الزند أربعة أبعرة لأنه عظمان )

قال القاضي يعني به الزندين فيهما أربعة أبعرة لأن فيهما أربعة عظام ففي كل عظم بعير

وهذا يروي عن عمر بن الخطاب وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي فيه حكومة لما تقدم

ولنا ما روى سعيد ثنا هشيم حدثنا يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب أو عمرو بن العاص كتب إلى عمر في أحد الزندين إذا كسر فكتب له عمر إن فيه بعيرين وإذا كسر الزندين ففيهما أربعة


375

من الإبل ورواه أيضا من طريق آخر مثل ذلك وهذا لم يظهر له مخالف في الصحابة فكان إجماعا

فصل ولا مقدر في غير هذه العظام في ظاهر كلام الخرقي

وهو قول أكثر أهل العلم وقال القاضي في عظم الساق بعيران وفي الساقين أربعة أبعرة وفي عظم الفخذ بعيران وفي الفخذين أربعة فهذه تسعة عظام فيها مقدر الضلع والترقوتان والزندان والساقان والفخذان وما عداها لا مقدر فيه وقال ابن عقيل وأبو الخطاب وجماعة من أصحال القاضي في كل واحد من الذراع والعضد بعيران وزاد أبو الخطاب عظم القدم لما روى سليمان بن يسار أن عمر قضى في الذراع والعضد والفخذ والساق والزند إذا كسر منها واحد منها فجبر

ولم يكن به دحور يعني عوجا بعير وإن كان فيها دحور فبحساب ذلك وهذ الخبر إن صح فهو مخالف لما ذهبوا إليه فلا يصبح دليلا عليه والصحيح إن شاء الله أنه لا تقدير في غير الخمسة الضلع والترقوتين والزندين لأن التقدير إنما يثبت بالتوقيف

ومقتضى الدليل وجوب الحكومة في هذه العظام الباطنة كلها وإنما خالفناه في هذه العظام لقضاء عمر رضي الله عنه ففيما عداها يبقى على مقتضى الدليل وما عدا هذه العظام كعظم الظهر وغيره ففيه الحكومة ولا نعلم فيه مخالفا وإن خالف فهو قول شاذ لا يستند إلى دليل يعتمد عليه ولا يصار إليه

مسألة

قال ( والشجاج التي لا توقيت فيها أولها الحارصة وهي التي تحرص الجلد )

يعني تشقه قليلا وقال بعضهم هي الحارصة

ثم الباضعة وهي التي تشق اللحم بعد الجلد ثم البازلة وهي التي يسيل منها الدم ثم المتلاحمة وهي التي أخذت في اللحم ثم السمحاق وهي التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة ثم الموضحة

هكذا وقع في النسخ التي وصلت إلينا الحارصة ثم الباضعة ثم البازلة ولعله من غلط الكاتب والصواب الحارصة ثم البازلة ثم الباضعة هكذا رتبها سائر من علمنا قوله من أهل العلم

ولأن الباضعة التي تشق اللحم بعد الجلد فلا يمكن وجودها قبل البازلة التي يسيل منها الدم وتسمى الدامعة لقلة سيلان دمها تشبيها له بخروج الدمع من العين والتي تشق اللحم بعد الجلد يسيل منها دم كثير في الغالب فكيف يصح جعلها سابقة على ما لا يسهل منها إلا دم يسير كدمع العين ويدل على صحة ما ذكرناه أن زيد بن ثابت جعل في البازلة بعيرا وفي الباضعة بعيرن وقول الخرقي والشجاج يعني جراح الرأس والوجه

فإنه يسمى شجاجا خاصة دون جراح سائر البدن والشجاج المسماة عشر خمس منها أرشها مقدر وقد ذكرناهما وخمس لا توقيت فيها قال الأصمعي أولها الحارصة وهي التي تشق الجلد قليلا يعني تقشر شيئا يسيرا من الجلد لا يظهر منه دم ومنه حرص القصار الثوب إذا شقه قليلا ثم البازلة وهي التي ينزل منها الدم أي يسيل وتسمى الدامية أيضا والدامعة ثم الباضعة وهي التي تشق اللحم بعد الجلد ثم المتلاحمة وهي التي أخذت في اللحم يعني دخلت فيه دخولا كثيرا يزيد على الباضعة ولم تبلغ السمحاف ثم السمحاق وهي التي تصل إلى قشرة رقيقة فوق العظم


376

تسمى تلك القشرة سمحاقا وسميت الجراح الواصلة إليها بها ويسميها أهل المدينة الملطا والملطاة

وهي التي تأخذ اللحم كله حتى تخلص منه ثم الموضحة وهي التي تقشر تلك الجلدة وتبدي وضح العظم أي بياضه وهي أول الشجاج الموقتة وما قبلها من الشجاج الخمس فلا توقيت فيها في الصحيح من مذهب أحمد وهو قول أكثر الفقهاء يروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي

وروي عن أحمد رواية أخرى أن في الدامية بعيرا وفي الباضعة بعيرين وفي المتلاحمة ثلاثة

وفي السمحاق أربعة أبعرة لأن هذا يروي عن زيد بن ثابت

وروي عن علي في السمحاق مثل ذلك

رواه سعيد عنهما وعن عمر وعثمان فيها نصف أرش الموضحة والصحيح الأول لأنها جراحات لم يرد فيها توقيت في الشرع فكان الواجب فيها حكومة كجراحات البدن وروي عن مكحول قال قضى النبي صلى الله عليه وسلم في الموضحة بخمس من الإبل ولم يقض فيما دونها ولأنه لم يثبت فيها مقدر بتوقيف ولا له قياس يصح فوجب الرجوع إلى الحكومة كالحارصة وذكر القاضي أنه متى أمكن اعتبار هذه الجراحات من الموضحة مثل أن يكون في رأس المجني عليه موضحة إلى جانبها قدرت هذه الجراحة منها فإن كانت بقدر النصف وجب نصف أرش الموضحة إن كانت بقدر الثلث وجب ثلث الأرش وعلى هذا إلا أن تزيد الحكومة على قدر ذلك

فتوجب ما تخرجه الحكومة

فإذا كانت الجراحة قدر نصف الموضحة وشينها ينقص قدر ثلثيها أوجبنا ثلثي أرش الموضحة وإن نقصت الحكومة أقل من النصف أوجبنا النصف فتوجب الأكثر مما تخرجه الحكومة أو قدرها من الموضحة لأنه اجتمع سببان موجبان الشين وقدرها من الموضحة فوجب بها أكثرهما لوجود سببه والدليل على إيجاب المقدار أن هذا اللحم فيه مقدر فكان في بعضه بمقداره من ديته كالمارن والحشفة والشفة والجفن وهذ مذهب الشافعي وهذا لا نعلمه مذهبا لأحمد وما يقتضيه مذهبه ولا يصح لأن هذه جراحة تجب فيها الحكومة فلا يجب فيها مقدر كجراحات البدن ولا يصح قياس هذا على ما ذكره فإنه لا تجب فيه الحكومة ولا نعلم لما ذكروه نظيرا

مسألة

قال ( وما لم يكن فيه من الجراح توقيت ولم يكن نظيرا لما وقتت ديته ففيه حكومة )

أما الذي فيه توقيت فهو الذي نص النبي صلى الله عليه وسلم على أرشه وبين قدر ديته كقوله في الأنف الدية وفي اللسان الدية وقد ذكرناه وأما نظيره فهو ما كان في معناه ومقيسا عليه كالأليتين والثديين والحاجبين

وقد ذكرنا ذلك أيضا

فما لم يكن من الوقت ولا مما يمكن قياسه عليه كالشجاع التي دون الموضحة وجراح البدن سوى الجائفة وقطع الأعضاء وكسر العظام المذكورة

فليس فيه إلا الحكومة

مسألة

قال ( والحكومة أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوم وهي به قد برأت فما نقصته الجناية فله مثله من الدية كأن تكون قيمته وهو عبد صحيح عشرة وقيمته وهو عبد به الجناية تسعة فكيون فيه عشر ديته )


377

هذا الذي ذكره الخرقي رحمه الله في تفسير الحكومة قول أهل العلم كلهم لا نعلم بينهم فيه خلافا

وبه قال الشافعي والعنبري وأصحاب الرأي وغيرهم قال ابن المنذر كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن معنى قولهم حكومة أن يقال إذا أصيب الإنسان بجرح لا عقل له معلوم كم قيمة هذا المجروح لو كان عبدا لم يجرح هذا الجرح فإذا قيل مائة دينار قيل وكم قيمته

وقد أصابه هذا الجرح وانتهى برؤه قيل خمسة وتسعون فالذي يجب على الجاني نصف عشر الدية وإن قالوا تسعون فعشر الدية

وإن زاد أو نقص فعلى هذا المثال

وإنما كان كذلك لأن جملته مضمونة بالدية فأجزاؤه مضمونة منها

كما أن المبيع لما كان مضمونا على البائع بالثمن كان أرش عيبه مقدرا من الثمن

فيقال كم قيمته لا عيب فيه فقالوا عشرة

فيقال كم قيمته وفيه العيب فإذا قيل تسعة علم أنه نقص عشر قيمته فيجب أن ترد من الثمن عشره أي قدر كان ونقدره عبدا ليمكن تقويمه ونجعل العبد أصلا للحر فيما لا موقت فيه والحر أصلا للعبد فيما فيه توقيت

مسألة

قال ( وعلى هذا ما زاد من الحكومة أو نقص إلا أن تكون الجناية في رأس أو وجه فيكون أسهل مما وقت فيه فلا يجاوز به أرش الموقت )

يعني لو نقصته الجناية أكثر من عشر قيمته لوجب أكثر من عشر ديته ولو نقصته أقل من العشر مثل أن نقصته نصف عشر قيمته لوجب نصف عشر ديته إلا إذا شجه دون الموضحة

فبلغ أرش الجراح بالحكومة أكثر من أرش الموضحة لم يجب الزائد فلو جرحه في وجهه سمحاقا فنقصته عشر قيمته فمقتضى الحكومة وجوب عشر من الإبل ودية الموضحة خمس فها هنا يعلم غلط المقوم لأن الجراحة لو كانت موضحة لم تزد على خمس مع أنها سمحاق وزيادة عليها فلأن لا يجب في بعضها زيادة على خمس أولى

وهذا قول أكثر أهل العلم

وبه يقول الشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن مالك أنه يجب ما تخرجه الحكومة كائنا ما كان لأنها جراحة لا مقدر فيها

فوجب فيها ما نقص كما لو كانت في سائر البدن

ولنا إنها بعض الموضحة لأنه لو أوضحه لقطع ما قطعته هذه الجراحة ولا يجوز أن يجب في بعض الشيء أكثر مما يجب فيه ولأن الضرر في الموضحة أكثر والشين أعظم والمحل واحد فإذا لم يزد أرش الموضحة على خمس كان ذلك تنبيها على أن لا يزيد ما دونها عليها

وأما سائر البدن فما كان فيه موقت كالأعضاء والعظام المعلومة والجائفة فلا يزاد جرح عظم على ديته مثاله جرح أنملة فبلغ أرشها بالحكومة خمسا من الإبل فإنه يرد إلى دية الأنملة

وإن جنى عليه في جوفه دون الجائفة لم يزد على أرش الجائفة وما لم يكن كذلك وجب ما أخرجته الحكومة لأن المحل مختلف فإن قيل فقد وجب في بعض البدن أكثر مما وجب في جميعه ووجب في منافع اللسان أكثر من الواجب فيه قلنا إنما وجبت دية النفس عوضا عن الروح وليست الأطراف بعضها بخلاف مسألتنا هذه ذكره القاضي ويحتمل كلام الخرقي أن يختص امتناع الزيادة بالرأس والوجه لقوله إلا أن تكون الجناية في رأس أو وجه فلا يجاوز به أرش الموقت


378

فصل

وإذا أخرجت الحكومة في شجاج الرأس التي دون الموضحة قدر أرش الموضحة أو زيادة عليه فظاهر كلام الخرقي أنه يجب أرش الموضحة وقال القاضي يجب أن تنقص عنها شيئا حسب ما يؤدي إليها الاجتهاد وهذا مذهب الشافعي لئلا يجب في بعضها ما يجب في جميعها ووجه قول الخرقي أن مقتضى الدليل وجوب ما أخرجته الحكومة وإنما سقط الزائد على أرش الموضحة لمخالفته النص أو تنبيه النص ففيما لم يزد يجب البقاء على الأصل ولأن ما ثبت بالتنبيه يجوز أن يساوي المنصوص عليه في الحكم ولا يلزم أن يزيد عليه كما أنه لما نص على وجوب فدية الأذى في حق المعذور ولم تلزم زيادتها في حق من لا عذر له ولا يمتنع أن يجب في البعض ما يجب في الكل بدليل وجوب دية الأصابع مثل دية اليد كلها وفي حشفة الذكر مثل ما في جميعه فإن قيل هذا وجب بالتقدير الشرعي لا بالتقويم قلنا إذا ثبت الحكم بنص الشارع لم يمتنع ثبوت مثله بالقياس عليه والاجتهاد المؤدي إليه

وفي الجملة فالحكومة دليل ترك العمل بها في الزائد لمعنى مفقود في المساوي فيجب العمل فيه بها لعدم المعارض ثم وإن صح ما ذكروه فينبغي أن ينقص أدنى ما تحصل به المساواة المحذورة ويجب الباقي عملا بالدليل الموجب له والله أعلم

فصل ولا يكون التقويم إلا بعد برء الجرح لأن أرش الجرح المقدر إنما يستقر بعد برئه فإن لم تنقصه الجناية شيئا بعد البرء مثل أن قطع أصبعا أو يدا زائدة أو قلع لحية امرأة فلم ينقصه ذلك بل زاده حسنا فلا شيء على الجاني لأن الحكومة لأجل جبر النقص ولا نقص ها هنا فأشبه ما لو لطم وجهه فلم يؤثر وإن زادته الجناية حسنا فالجاني محسن بجنايته فلم يضمن كما لو قطع سلعة أو ثؤلولا وبط خراجا ويحتمل أن يضمن قال القاضي نص أحمد على هذا لأن هذا جزء مضممون فلم يعر عن ضمان كما لو أتلف مقدر الأرش فازداد به جمالا أو لم ينقصه شيئا

فعلى هذا يقوم في أقرب الأحوال إلى البرء لأنه لما سقط اعتبار قيمته بعد برئه قوم في أقرب الأحوال إليه كولد المغرور لما تعذر تقويمه في البطن قوم عند الوضع لأنه أقرب الأحوال التي أمكن تقويمه إلى كونه في البطن وإن لم ينقص في تلك الحال قوم والدم جار لأنه لا بد من نقص للخوف عليه

ذكره القاضي ولأصحاب الشافعي وجهان كما ذكرنا وتقوم لحية المرأة كأنها لحية رجل في حال ينقصه ذهاب لحيته وإن أتلف سنا زائدة قوم وليس له سن ولا خلفها أصلية ثم يقوم وقد ذهبت الزائدة فإن كانت المرأة إذا قدرناها ابن عشرين نقصها ذهاب لحيتها يسيرا وإن قدرناها ابن أربعين نقصها كثيرا قدرناها ابن عشرين لأنه أقرب الأحوال إلى حال المجني عليه فأشبه تقويم الجرح الذي لا ينقص بعد الاندمال فإنا نقومه في أقرب أحوال النقص إلى حال الاندمال والأول أصح إن شاء الله فإن هذا لا مقدر فيه ولم ينقص شيئا فأشبه الضرب وتضمين النقص الحاصل حال جريان الدم إنما هو تضمين الخوف عليه وقد زال فأشبه ما لو لطمه فاصفر لونه حال اللطمة أو احمر ثم زال ذلك وتقدير المرأة رجلا لا يصح لأن اللحية زين للرجل وعيب فيها وتقدير ما يعيب بما يزين لا يصح وكذلك تقدير السن في حالة إيراد زوالها بحالة تكره لا


379

يجوز فإن الشيء يقدر بنظيره ويقاس على مثله لا على ضده ومن قال بهذا الوجه فإنما يوجب أدنى ما يمكن إيجابه وهو أقل نقص يمكن تقديره

فصل وإن لطمه على وجهه فلم يؤثر في وجهه فلا ضمان عليه لأنه لم ينقص به جمال ولا منفعة ولم يكن له حال ينقص فيها فلم يضمنه كما لو شتمه وإن سود وجهه أو خضره ضمنه بديته لأنه فوت الجمال على الكمال فضمنه بديته كما لو قطع أذني الأصم وأنف الأخشم وقال الشافعي ليس فيه إلا حكومة لأنه لا مقدر فيه ولا هو نظير لمقدر وقد ذكرنا أنه نظير لقطع الأذنين في ذهاب الجمال بل هو أعظم في ذلك فيكون بإيجاب الدية أولى وإن زال السواد يرد ما أخذه لزوال سبب الضمان وإن زال بعضه وجبت فيه حكومة ورد الباقي وإن صفر وجهه أو حمره ففيه حكومة لأن الجمال لم يذهب على الكمال وهذا يشبه ما لو سود سنه أو غير لونه على ما ذكرنا من التفصيل فيها

مسألة

قال ( وإن كانت الجناية على العبد مما ليس فيه شيء موقت في الحر ففيه ما نقصه بعد التئام الجرح وإن كان فيما جنى عليه شيء موقت في الحر فهو موقت في العبد ففي يده نصف قيمته وفي موضحته نصف عشر قيمته نقصته الجناية أقل من ذلك أو أكثر وهكذا الأمة )

وجملته أن الجناية على العبد يجب ضمانها بما نقص من قيمته لأن الواجب إنما وجب جبرا لما فات بالجناية ولا ينجبر إلا بإيجاب ما نقص من القيمة فيجب ذلك كما لو كانت الجناية على غيره من الحيوانات وسائر المال ولا يجب زيادة على ذلك لأن حق المجني عليه قد انجبر فلا يجب له زيادة على ما فوته الجاني عليه هذا هو الأصل ولا نعلم فيه خلافا فيما ليس فيه مقدر شرعي فإن كانت الفائتة بالجناية مؤقتا في الحر كيده وموضحته ففيه عن أحمد روايتان إحداهما أن فيه أيضا ما نقصه بالغا ما بلغ وذكر أبو الخطاب أن هذا اختيار الخلال وروى الميموني عن أحمد أنه قال إنما يأخذ قيمة ما نقص منه على قول ابن عباس وروي هذا عن مالك فيما عدا موضحته ومنقلته وهاشمته وجائفته لأن ضمانه ضمان الأموال فيجب فيه ما نقص كالبهائم ولأن ما ضمن بالقمية بالغا ما بلغ ضمن بعضه مما نقص كسائر الأموال ولأن مقتضى الدليل ضمان الفائت بما نقص خالفناه فيما وقت في الحر كما خالفناه في ضمان بقيته بالدية المؤقتة ففي العبد يبقى فيهما على مقتضى الدليل وظاهر المذهب أن ما كان موقتا في الحر فهو موقت في العبد ففي يده أو عينه أو أذنه أو شفته نصف قيمته وفي موضحته نصف عشر قيمته وما أوجب الدية في الحر كالأنف واللسان واليدين والرجلين والعينين والأذنين أوجب قيمة العبد مع بقاء ملك السيد عليه روي هذا عن علي رضي الله عنه وروي نحوه عن سعيد بن المسيب وبه قال ابن سيرين وعمر بن عبد العزيز والشافعي والثوري وبه قال أبو حنيفة

قال أحمد هذا قول سعيد بن المسيب وقال آخرون ما أصيب به العبد فهو على ما نقص من قيمته والظاهر أن هذا لو كان قول علي ما احتج أحمد فيه إلا به دون غيره إلا أن أبا حنيفة والثوري قالا ما أوجب الدية من الحر يتخير سيد العبد فيه بين أن يغرمه قيمته ويصير ملكا للجاني


380

وبين أن لا يضمنه شيئا لئلا يؤدي إلى اجتماع البدل والمبدل لرجل واحد وروي عن إياس بن معاوية فيمن قطع يد عبد عمدا أو فقأ عينه هو له وعليه ثمنه

ووجه هذه الرواية قول علي رضي الله عنه ولم نعرف له في الصحابة مخالفا ولأنه آدمي يضمن بالقصاس والكفارة فكان في أطرافه مقدر كالحر ولأن أطرافه فيها مقدر من الحر فكان فيها مقدر من العبد كالشجاج الأربع عند مالك وما وجب في شجاجه مقدر وجب في أطرافه مقدار كالحر وعلى أبي حنيفة قول علي ولأن هذه الأعضاء فيها مقدر فوجب ذلك فيها مع بقاء ملك السيد في العبد كاليد الواحدة وسائر الأعضاء ولأن من ضمنت يده بمقدر ضمنت يداه بمثليه من غير أن يملكه كالحر

وقولهم إنه اجتمع البدل والمبدل لواحد بصحيح لأن القيمة ها هنا بدل العضو وحده ولو كان بدلا عن الجملة لكان بدل اليد الواحدة بدلا عن نصفه وبدل تسع أصابع بدلا من تسعة أعشاره والأمر بخلافه والأمة مثل العبد في ذلك إلا أنها تشبه بالحرة وإذا بلغت ثلث قيمتها احتمل أن جنايتها ترد إلى النصف فيكون في ثلاث أصابع ثلاثة أعشار قيمتها وفي أربعة أصابع خمسها كما أن المرأة تساوي الرجل في الجراح إلى ثلث ديتها فإذا بلغت الثلث ردت إلى النصف والأمة امرأة فيكون أرشها من قيمتها كأرش الحرة ويحتمل أن لا يرد إلى النصف لأن ذلك في الحرة على خلاف الأصل لكون الأصل زيادة الأرش بزيادة الجناية وأن كلما زاد نقصها وضررها زاد في ضمانها فإذا خولف هذا في الحرة بقينا في الأمة على وفق الأصل

فصل وإذا جنى على العبد في رأس أو وجه دون الموضحة فنقصته أكثر من أرشها وجب ما نقصته ويحتمل أن يرد إلى نصف عشر قيمته كالحر إذا زاد أرش شجته التي دون الموضحة على نصف عشر ديته والأول أولى لأن هذه جراحة لا موقت فيها فكان الواجب فيها ما نقص كما لو كانت في غير رأسه ولأن الأصل وجوب ما نقص خولف في المقدر ففي هذا يبقى على الأصل

مسألة

قال ( وإن كان المقتول خنثى مشكلا ففيه نصف دية ذكر ونصف دية أنثى )

وهذا قول أصحاب الرأي

وقال الشافعي الواجب دية أنثى لأنها اليقين فلا يجب الزائدة بالشك ولنا أنه يحتمل الذكورية والأنوثية احتمالا واحدا وقد يئسنا من انكشاف حاله فيجب التوسط بينهما والعمل بكلا الاحتمالين

فصل فأما جراحه فما لم يبلغ ثلث الدية ففيه دية الجراح جرح الذكر لاستواء الذكر والأنثى في ذلك وإن زاد على الثلث مثل قطع يده ففيه ثلاثة أرباع دية يد الذكر سبعة وثلاثون بعيرا ونصف ويقاد به الذكر والأنثى لأنهما لا يختلفان في القود ويقاد هو بكل واحد منهما

مسألة

قال ( وإن كان المجني عليه نصفه حر ونصفه عبد فلا قود وعلى الجاني إن كان عمدا


381

نصف دية حر ونصف قيمته وهكذا في جراحه وإن كان خطأ فعليه نصف قيمته وعلى عاقلته نصف الدية )

يعني لا قود على قاتله إذا كان نصفه حرا لأنه ناقص بالرق فلم يقتل به الحر كما لو كان كله رقيقا وإن كان قاتله عبدا قتل به لأنه أكمل من الجاني وإن كان نصف القاتل حرا وجب القود لتساويهما وإن كانت الحرية في القاتل أكثر لم يجب القود لعدم المساواة بينهما وفي ذلك كله إذا لم يكن القاتل عبدا فعليه نصف دية حر ونصف قيمته إذا كان عمدا لأن العاقلة لا تحمل العمد وإن كان خطأ ففي ماله نصف قيمته لأن العاقلة لا تحمل على العبد وعلى عاقلته نصف الدية لأنها دية حر في الخطأ والعاقلة تحمل ذلك

وهكذا الحكم في جراحه إذا كان قدر الدية من أرشها يبلغ ثلث الدية مثل أن يقطع أنفه أو يديه وإن قطع إحدى يديه فعقل جميعها على الجاني في ماله لأن عليه نصف دية اليد وهو ربع ديته لأجل حرية نصفه وذلك دون ثلث الدية وعليه ربع قيمته

فصل ودية الأعضاء كدية النفس فإن كان الواجب من الذهب أو من الورق لم يختلف بعمد ولا خطأ وإن كان من الإبل وجب في العمد أرباعا على إحدى الروايتين وفي الأخرى يجب خمس وعشر منها حقاق وخمس وعشر جذاع وخمساها خلفات وفي الخطأ يجب أخماسا فإن لم يمكن مثل أن يوضحه عمدا فإنه يجب أربعة أرباعا والخامس من أحد الأجناس الأربعة قيمته ربع قيمة الأربع وإن قلنا بالرواية الأخرى وجب خلفتان وحقة وجذعة وبعير قيمته نصف قيمة حقة ونصف قيمة جذعة وإن كان خطأ وجب الخمس من الأجناس الخمسة من كل جنس بعير وإن كان الواجب دية أنملة وقلنا يجب من ثلاثة أجناس وجب بعير وثلث من الخلفات وحقة وجذعة

وإن قلنا أرباعا وجب ثلاثة وثلث قيمتها نصف قيمة الأربعة وثلثها وإن كان خطأ فقيمتها ثلثا قيمة الخمس وعند أصحابنا قيمة كل بعير مائة وعشرون درهما أو عشرة دنانير ولا فائدة في تعيين أسنانها فإن اختلفت قيمة الدنانير والدراهم مثل أن كانت العشرة دنانير تساوي مائة درهم فقياس قولهم أنه إذا جاء بما قيمته عشرة دنانير لزم المجني عليه قبوله لأنه لو جاءه بالدنانير لزمه قبولها فيلزمه قبول ما يساويها والله أعلم


382

باب القسامة

القسامة مصدر أقسم قسما وقسامة ومعناه حلف حلفا والمراد بالقسامة ها هنا الأيمان المكررة في دعوى القتل قال القاضي هي الأيمان إذا كثرت على وجه المبالغة

قال وأهل اللغة يذهبون إلى أنها القوم الذين يحلفون سموا باسم المصدر كما يقال رجل زور وعدل ورضا وأي الأمرين كان فهو من القسم الذي هو الحلف والأصل في القسامة ما روى يحيى بن سعيد الأنصاري عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج أن محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا إلى خيبر فتفرقا في النخيل فقتل عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود فجاء أخوه عبد الرحمن وابنا عمه حويصة ومحيصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه وهو أصغرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم كبر كبر أو قال ليبدأ الأكبر فتكلما في أمر صاحبهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته

فقالوا أمر لم نشهده كيف نحلف قال فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم

قالوا يا رسول الله قوم كفار ضلال

قال فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله

قال سهل فدخلت مربدا لهم فركضتني ناقة من تلك الإبل متفق عليه

مسألة

قال أبو القاسم رحمه الله ( إذا وجد قتيل فادعى أولياؤه على قوم لا عداوة بينهم ولم يكن لهم بينة لم يحكم لهم بيمين ولا غيرها )

الكلام في هذه المسألة في فصلين الأول في أنه إذا وجد قتيل في موضع فادعى أولياؤه قتله على جل أو جماعة ولم تكن بينهم عداوة ولا لوث فهي كسائر الدعاوى إن كانت لهم بينة حكم لهم بها وإلا فالقول قول المنكر وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا ادعى أولياؤه قتله على أهل المحلة أو على معين فللولي أن يختار من الموضع خمسين رجلا يحلفون خمسين يمينا والله ما قتلناه ولا علمنا قاتله فإن نقصوا على الخمسين كررت الأيمان عليهم حتى تتم فإذا حلفوا وجبت الدية على باقي الخطة فإن لم يكن وجبت على سكان الموضع فإن لم يحلفوا حبسوا حتى يحلفوا أو يقروا لما روي أن رجلا وجد قتيلا بين حيين فحلفهم عمر رضي الله عنه خمسين يمينا


383

وقضى بالدية على أقربهما يعني أقرب الحيين فقالوا والله ما وقت أيماننا أموالنا فقال عمر حقنتهم بأموالكم دماءكم

ولنا حديث عبد الله بن سهل وقول النبي صلى الله عليه وسلم لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه رواه مسلم وقول النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على من أنكر ولأن الأصل في المدعى عليه براءة ذمته ولم يظهر كذبه فكان القول قوله كسائر الدعاوى ولأنه مدعى عليه فلم تلزمه اليمين والغرم كسائر الدعاوى

وقول النبي صلى الله عليه وسلم أولى من قول عمر وأحق بالاتباع

ثم قصة عمر يحتمل أنهم اعترفوا بالقتل خطأ وأنكروا العمد فأحلفوا على العمد ثم إنهم لا يعملون بخبر النبي صلى الله عليه وسلم المخالف للأصول وقد صاروا ها هنا إلى ظاهر قول عمر المخالف للأصول وهو إيجاب الأيمان على غير المدعى عليه وإلزامهم الغرم مع عدم الدعوى عليهم والجمع بين تحليفهم وتغريمهم وحبسهم على الأيمان قال ابن المنذر سن النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وسن القسامة في القتيل الذي وجد بخيبر وقول أصحاب الرأي خارج عن هذه السنن

فصل ولا تسمع الدعوى على غير المعين فلو كانت الدعوى على أهل مدينة أو محلة أو واحد غير معين أو جماعة منهم بغير أعيانهم لم تسمع الدعوى وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي تسمع ويستحلف خمسون منهم لأن الأنصار ادعوا القتل على يهود خيبر ولم يعينوا القاتل فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم دعواهم

ولنا إنها دعوى في حق فلم تسمع على غير معين كسائر الدعاوى فأما الخبر فإن دعوى الأنصار التي سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن الدعوى التي بين الخصمين المختلف فيها فإن تلك من شرطها حضور المدعى عليه عندهم أو تعذر حضوره عندنا وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الدعوى لا تصح على غير معين

فصل فأما إن ادعى القتل من غير وجود قتل ولا عداوة فحكمها حكم سائر الدعاوى في اشتراط تعيين المدعى عليه وأن القول قوله لا نعلم فيه خلافا

الفصل الثاني أنه إذا ادعى القتل ولم تكن عداوة ولا لوث ففيه عن أحمد روايتان إحداهما لا يحلف المدعى عليه ولا يحكم عليه بشيء ويخلى سبيله هذا الذي ذكره الخرقي ها هنا وسواء كانت الدعوى خطأ أو عمدا لأنها دعوى فيما لا يجوز بذله فلم يستحلف فيها كالحدود ولأنه لا يقضى في هذه الدعوى بالنكول فلم يستحلف فيها كالحدود

والثانية يستحلف وهو الصحيح وهو قول الشافعي لعموم قوله عليه السلام اليمين على المدعى عليه وقول النبي صلى الله عليه وسلم لو يعطى الناس بدعواهم لادعى


384

قوم دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ظاهر في إيجاب اليمين ها هنا لوجهين أحدهما عموم اللفظ فيه

والثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في صدر الخبر بقوله لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ثم عقبه بقوله ولكن اليمين على المدعى عليه فيعود إلى المدعى عليه المذكور في الحديث ولا يجوز إخراجه منه إلا بدليل أقوى منه ولأنها دعوى في حق آدمي فيستحلف فيها كدعوى المال ولأنها دعوى لو أقر بها لم يقبل رجوعه عنها فتجب اليمين فيها كالأصل المذكور إذا ثبت هذا فالمشروع يمين واحدة وعن أحمد أنه يشرع خمسون يمينا لأنها دعوى في القتل فكان المشروع فيها خمسون يمينا كما لو كان بينهم لوث وللشافعي قولان في هذا كالروايتين

ولنا إن قوله عليه السلام ولكن اليمين على المدعى عليه ظاهر في أنها يمين واحدة من وجهين أحدهما أنه وحد اليمين فينصرف إلى واحدة

والثاني أنه لم يفرق في اليمين المشروعة فيدل على التسوية بين المشروعة في الدم والمال ولأنها يمين يعضدها الظاهر والأصل فلم تغلظ كسائر الأيمان ولأنها يمين مشروعة في جنبه المدعى عليه ابتداء فلم تغلظ بالتكرير كسائر الأيمان بهذا فارق ما ذكروه فإن نكل المدعى عليه عن اليمين لم يجب القصاص بغير خلاف في المذهب وقال أصحاب الشافعي إن نكل المدعى عليه ردت اليمين على المدعي فحلف خمسين يمينا واستحق القصاص إن كانت الدعوى عمدا والدية إن كانت موجبة للقتل لأن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالبينة أو الإقرار والقصاص يجب بكل واحد منهما

ولنا إن القتل لم يثبت ببينة ولا إقرار ولم يعضده لوث فلم يجب القصاص كما لو لم ينكل ولا يصح إلحاق الأيمان مع النكول ببينة ولا إقرار لأنها أضعف منها بدليل أنه لا يشرع إلا عند عدمها فيكون بدلا عنهما والبدل أضعف من المبدل ولا يلزم من ثبوت الحكم بالأقوى ثبوته بالأضعف ولا يلزم من ثبوت الحكم بالأقوى ثبوته بالأضعف ولا يلزم من وجوب الدية وجوب القصاص لأنه لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال ولا بالشاهد واليمين ويحتاط له ويدرأ بالشبهات والدية بخلافه فأما الدية فتثبت بالنكول عند من يثبت المال به أو ترد اليمين على المدعي فيحلف يمينا واحدة ويستحقها كما لو كانت الدعوى في مال والله أعلم

مسألة

قال ( فإن كان بينهم عداوة ولوث فادعى أولياؤه على واحد حلف الأولياء على قاتله خمسين يمينا واستحقوا دمه إذا كانت الدعوى عمدا )

الكلام في هذه المسألة في فصول أربعة الأول في اللوث المشترط في القسامة اختلفت الرواية عن أحمد فيه فروي عنه أن اللوث هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه كنحو ما بين الأنصار ويهود خيبر وما بين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب وما بين أهل العدل وما بين الشرطة واللصوص وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله نقل مهنا عن أحمد فيمن وجد قتيلا في المسجد الحرام ينظر من بينه وبينه في حياته شيء يعني ضغنا يؤخذون به ولم يذكر القاضي في اللوث غير العداوة إلا أنه قال في الفريقين يقتتلان فينكشفون عن قتيل فاللوث على الطائفة واللوث على طائفة القتيل إذا ثبت هذا فإنه لا يشترط مع العداوة أن لا


385

يكون في الموضع الذي به القتيل غير العدو نص عليه أحمد في رواية مهنا التي ذكرناها وكلام الخرقي يدل عليه أيضا واشترط القاضي أن لا يوجد القتيل في موضع عدو لا يختلط بهم غيرهم وهذا مذهب الشافعي لأن الأنصاري قتل في خيبر ولم يكن فيها إلا اليهود وجميعهم أعداء ولأنه متى اختلط بهمن غيرهم احتمل أن يكون القاتل ذلك الغير ثم ناقض القاضي قوله فقال في قوم ازدحموا في مضيق فافترقوا عن قتيل إن كان في القوم من بينه وبينهم عداوة وأمكن أن يكون هو قتله لكونه بقربه فهو لوث فجعل العداوة لوثا مع وجود غير العدو

ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الأنصار هل كان بخيبر غير اليهود أم لا مع أن الظاهر وجود غيرهم فيها لأنها كانت أملاكا للمسلمين يقصدونها لأخذ غلات أملاكهم منها وعمارتها والاطلاع عليها والامتياز منها ويبعد أن يكون مدينة على جادة تخلو من غير أهلها وقول الأنصار ليس لنا بخيبر عدو إلا يهود يدل على أنه قد كان بها غيرهم ممن ليس بعدو ولأن اشتراكهم في العداوة لا يمنع من وجود اللوث في حق واحد وتخصيصه بالدعوى مع مشاركة غيره في احتمال قتله فلأن يمنع ذلك وجوب من يبعد منه القتل أولى وما ذكروه من الاحتمال لا ينفي اللوث فإن اللوث لا يشترط فيه يقين القتل من المدعى عليه ولا ينافيه الاحتمال ولو تيقن القتل من المدعى عليه لما احتيج إلى الأيمان ولو اشترط نفي الاحتمال لما صحت الدعوى على واحد من جماعة لأنه يحتمل أن القاتل غيره ولا على الجماعة كلهم لأنه يحتمل أن يشترك الجميع في قتله

والرواية الثانية عن أحمد أن اللوث ما يغلب على الظن صدق المدعي وذلك من وجوه أحدها العداوة المذكورة

والثاني أن يتفرق جماعة عن قتيل فيكون ذلك لوثا في حق كل واحد منهم فإن ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع الجماعة فالقول قوله مع يمينه ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأن الأصل عدم ذلك إلا أن يثبت ببينة

الثالث أن يزدحم الناس في مضيق فيوجد فيهم قتيل فظاهر كلام أحمد أن هذا ليس بلوث فإنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة فديته في بيت المال وهذا قول إسحاق وروي ذلك عن عمر وعلي فإن سعيدا روى في سننه عن إبراهيم قال قتل رجل في زحام الناس بعرفة لجاء أهله إلى عمر فقال بينتكم على من قتله فقال علي يا أمير المؤمنين لا يطل دم امرىء مسلم إن علمت قاتله وإلا فأعطه ديته من بيت المال قال أحمد فيمن وجد مقتولا في المسجد الحرام ينظر من كان بينه وبينه شيء في حياته يعني عداوة يؤخذون فلم يجعل الحضور لوثا وإنما جعل اللوث العداوة وقال الحسن والزهري فيمن مات في الزحام ديته على من حضر لأن قتله حصل منهم وقال مالك دمه هدر لأنه لا يعلم له قاتل ولا وجد لوث فيحكم بالقسامة

وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إليه في رجل وجد قتيلا لم يعرف قاتله فكتب إليهم إن من القضايا قضايا لا يحكم فيها إلا في الدار الآخرة وهذا منها

الرابع أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بالدم ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن أنه قتله مثل أن يرى رجلا هاربا يحتمل أنه القاتل أو سبعا يحتمل ذلك فيه

الخامس أن يقتتل فئتان فيفترقون عن قتيل من إحداهما فاللوث على الأخرى ذكره القاضي فإن كانوا


386

بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضا فاللوث على طائفة القتيل هذا قول الشافعي

وروي عن أحمد أن عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان إلا أن يدعوا على واحد بعينه وهذا قول مالك وقال ابن أبي ليلى على الفرييقين جميعا لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه فاستوى الجميع فيه وعن أحمد في قوم اقتتلوا فقتل بعضهم وجرح بعضهم

فدية المقتولين على المجروحين تسقط منها دية الجراح وإن كان فيهم من لا جرح فيه فهل عليه من الديات شيء على وجهين ذكرهما ابن حامد

السادس أن يشهد بالقتل عبيد ونساء فهذا فيه عن أحمد روايتان إحداهما أنه لوث لأنه يغلب على الظن صدق المدعي في دعواه فأشبه العداوة

والثانية ليس بلوث لأنها شهادة مردودة فلم تكن لوثا كما لو شهد به كفار وإن شهد به فساق أو صبيان فهل يكون لوثا على وجهين أحدهما ليس بلوث لأنه لا يتعلق بشهادتهم حكم لا يثبت اللوث بها كشهادة الأطفال والمجانين

والثاني يثبت بها اللوث لأنها شهادة يغلب على الظن صدق المدعي فأشبه شهادة النساء والعبيد وقول الصبيان معتبر في الإذن في دخول الدار وقبول الهدية ونحوها وهذا مذهب الشافعي ويعتبر أن يجيء الصبيان متفرقين لئلا يتطرق إليهم التواطؤ على الكذب فهذه الوجوه قد ذكر عن أحمد أنها لوث لأنها يغلب على الظن صدق المدعي أشبهت العداوة

وروي أن هذا ليس بلوث وهو ظاهر كلامه في الذي قتل في الزحام لأن اللوث إنما يثبت بالعداوة بقضية الأنصاري القتيل بخيبر ولا يجوز القياس لأن الحكم ثبت بالمظنة ولا يجوز القياس في المظان لأن الحكم إنما يتعدى بتعدي سببه والقياس في المظان جمع بمجرد الحكمة وغلبة الظنون والحكم والظنون تختلف ولا تأتلف وتنخبط ولا تنضبط ولا تختلف باختلاف القرائن والأحوال والأشخاص فلا يمكن ربط الحكم بها ولا تعديته بتعديها ولأنها يعتبر في التعدية والقياس التساوي بين الأصل والفرع في المقتضي ولا سبيل إلى يقين التساوي بين الظنين مع كثرة الاحتمالات وترددها فعلى هذه الرواية حكم هذه الصور حكم غيرها مما لا لوث فيه

فصل وإن شهد رجلان على رجل أنه قتل أحد هذين القتيلين لم تثبت هذه الشهادة ولم يكن لوثا عند أحد علمائنا قوله وإن شهد أن هذا القتيل قتله أحد هذين الرجلين أو شهد أحدهما أن هذا قتله وشهد الآخر أنه أقر بقتله أو شهد أحدهما أن هذا قتله بسيف وشهد الآخر أنه قتله بسكين لم تثبت الشهادة ولم يكن لوثا هذا قول القاضي واختياره والمنصوص عن أحمد فيما إذا شهد أحدهما بقتله والآخر بالإقرار بقتله أنه يثبت القتل واختار أبو بكر ثبوت القتل ها هنا وفيما إذا شهد أحدهما أنه قتله بسيف وشهد الآخر أنه قتله بسكين لأنهما اتفقا على القتل واختلفا في صفته وقال الشافعي هو لوث في هذه الصورة في أحد القولين وفي الصورتين اللتين قبلها هو لوث لأنها شهادة يغلب على الظن صدق المدعي أشبهت شهادة النساء والعبيد ولنا إنها شهادة مردودة للاختلاف فيها فلم يكن لوثا كالصورة الأولى


387

فصل وليس من شرط اللوث أن يكون بالقتيل أثر وبهذا قال مالك والشافعي وعن أحمد أنه شرطه وهذا قول حماد وأبي حنيفة والثوري لأنه إذا لم يكن به أثر احتمل أنه مات حتف أنفه

ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الأنصار هل كان بقتيلهم أثر أو لا ولأن القتل يحصل بما لا أثر له كغم الوجه والخنق وعصر الخصيتين وضربه الفؤاد فأشبه من به أثر ومن به أثر قد يموت حتف أنفه لسقطته أو صرعته أو يقتل نفسه فعلى قول من اعتبر الأثر إن خرج الدم من أذنه فهو لوث لأنه لا يكون إلا بالخنق له أو أمر أصيب به وإن خرج من أنفه فهل يكون لوثا على وجهين الفصل الثاني أن القسامة لا تثبت ما لم يتفق الأولياء على الدعوى فإن كذب بعضهم بعضا فقال أحدهم قتله هذا وقال الآخر لم يقتله هذا أو قال بل قتله هذا الآخر لم تثبت القسامة نص عليه أحمد وسواء كان المكذب عدلا أو فاسقا وذكر عن الشافعي أو القسامة لا تبطل بتكذيب الفاسق لأن قوله غير مقبول

ولنا إنه مقر على نفسه بتبرئة من ادعى عليه أخوه فقبل كما لو ادعى دينا لهما وإنما لا يقبل قوله على غيره فأما على نفسه فهو كالعدل لأنه لا يتهم في حقها فأما إن لم يكذبه ولم يوافقه في الدعوى مثل أن قال أحدهما قتله هذا وقال الآخر لا نعلم قاتله فظاهر كلام الخرقي أن القسامة لا تثبت لاشتراطه ادعاء الأولياء على واحد وهذا قول مالك وكذلك إن كان أحد الوليين غائبا فادعى الحاضر دون النائب أو ادعيا جميعا على واحد ونكل أحدهما عن الأيمان لم يثبت القتل في قياس قول الخرقي ومقتضى قول أبي بكر والقاضي ثبوت القسامة وكذلك مذهب الشافعي لأن أحدهما لم يكذب الآخر فلم تبطل القسامة كما لو كان أحد الوارثين امرأة أو صغيرا فعلى قولهم يحلف المدعي خمسين يمينا ويستحق نصف الدية لأن الأيمان ها هنا بمنزلة البينة ولا يثبت شيء من الحق إلا بعد كمال البينة فأشبه ما لو ادعى أحدهما دينا لأبيهما فإنه لا يستحق نصيبه من الدين إلا أن يقيم بينة كاملة وذكر أبو الخطاب فيما إذا كان أحدهما غائبا أن الأول فيه وجهان أحدهما أنه يحلف خمسا وعشرين يمينا وهذا قول ابن حامد لأن الأيمان مقسومة عليه وعلى أخيه بدليل ما لو كانا حاضرين متفقين في الدعوى ولا يحلف الإنسان عن غيره فلا يلزمه أكثر من حصته فإذا حضر الغائب أقسم خمسا وعشرين يمينا وجها واحدا لأنه يبني على أيمان أخيه وذكر أبو بكر والقاضي في نظير هذه المسألة أن الأول يحلف خمسين يمينا وهل يحلف الثاني خمسين أو خمسا وعشرين على وجهين أحدهما يقول يحلف خمسين لأن أخاه لم يستحق إلا بخمسين فكذلك هو

ولنا إنهما لم يتفقا في الدعوى فلم تثبت القسامة كما لو كذبه ولأن الحق في محل الوفاق إنما يثبت بأيمانهما التي أقيمت مقام البينة ولا يجوز أن يقوم أحدهما مقام الآخر في الأيمان كما في سائر الدعاوى فعلى هذا إن قدم الغائب فوافق أخاه أو عاد من لم يعلم فقال قد عرفته هو الذي عينه أخي أقسما حينئذ وإن قال أحدهما قتله هذا وقال الآخر قتله هذا وفلان فعلى قول الخرقي لا تثبت القسامة لأنها لا تكون إلا على واحد وعلى قول غيره يحلفان على


388

من اتفقا عليه ويستحقان نصف الدية ولا يجب القود لأنه إنما يجب في الدعوى على واحد ويحلفان جميعا على هذا الذي اتفقا عليه على حسب دعواهما ويستحقان نصف الدية ولا يجب أكثر من نصف الدية لأن أحدهما يكذب الآخر في النصف الآخر فبقي اللوث في حقه في نصف الدم الذي اتفقا عليه ولم يثبت في النصف الذي كذبه أخوه فيه ولا يحلف الآخر على الآخر لأن أخاه كذبه في دعواه عليه وإن قال أحدهما قتل أبي زيد وآخر لا أعرفه وقال الآخر قتله عمرو وآخر لا أعرفه لم تثبت القسامة في ظاهر قول الخرقي لأنها لا تكون إلا على واحد ولأنهما ما اتفقا في الدعوى على واحد ولا يمكن أن يحلفا على من لم يتفقا في الدعوى عليه والحق إنما ثبت في محل الوفاق بأيمان الجميع فكيف يثبت في الفرع بأيمان البعض وقال أبو بكر والقاضي تثبت القسامة وهذا مذهب الشافعي لأنه ليس ها هنا تكذيب فإنه يجوز أن يكون الذي جهله كل واحد منهما هو الذي عرفه أخوه فيحلف كل واحد منهما على الذي عينه خمسين يمينا ويستحق ربع الدية فإن عاد كل واحد منهما فقال قد عرفت الذي جهله وهو الذي عينه أخي خلف أيضا على الذي حلف عليه أخوه وأخذ منه ربع الدية ويحلف خمسا وعشرين يمينا لأنه يبني على أيمان أخيه فلم يلزمه أكثر من خمس وعشرين كما لو عرفه ابتداء وفيه وجه آخر أنه يحلف خمسين يمينا لأن أخاه حلف خمسين يمينا وللشافعي في هذا قولان كالوجهين ويجىء في المسألة وجه آخر وهو أن الأول لا يحلف أكثر من خمسة وعشرين يمينا لأنه إنما يحلف على ما يستحقه والذي يستحقه النصف فيكون عليه نصف الأيمان كما لو حلف أخوه معه وإن قال كل واحد منهما الذي كنت جهلته غير الذي عينه أخي بطلت القسامة التي أقسماها لأن التكذيب يقدح في اللوث فيراكل واحد منهما ما أخذ من الدية وإن كذب أحدهما أخاه ولم يكذبه الآخر بطلت قسامة المكذب دون الذي لم يكذب

فصل وإن قال الولي بعد القسامة غلطت ما هذا الذي قتله أو ظلمته بدعواي القتل عليه أو قال كان هذا المدعى عليه في بلد آخر يوم قتل وليي وكان بينهما بعد لا يمكن أن يقتله إذا كان فيه بطلت القسامة ولزمه رد ما أخذه لأنه مقر على نفسه فقبل إقراره وإن قال ما أخذته حرام سئل عن ذلك فإن قال أردت أنني كذبت في دعواي عليه بطلت قسامته أيضا وإن قال أردت أن الأيمان تكون في جنبة المدعى عليه كمذهب أبي حنيفة لم تبطل القسامة لأنها ثبتت باجتهاد الحاكم فيقدم على اعتقاده وإن قال هذا مغصوب وأقر بمن غصب منه لزمه رده عليه ولا يقبل قوله على من أخذه منه لأن الإنسان لا يقبل إقراره على غيره وإن لم يقر به لأحد لم ترفع يده عنه لأنه لم يتعين مستحقه وإن اختلفا في مراده بقوله فالقول قوله لأنه أعرف بقصده

فصل وإن أقام المدعى عليه بينة أنه كان يوم القتل في بلد معين من بلد المقتول لا يمكن مجيئه منه إليه في يوم واحد بطلت الدعوى وإن قالت البينة نشهد أن فلانا لم يقتله لم تسمع هذه الشهادة لأنه نفي مجرد فإن قالا ما قتله فلان بل قتله فلان سمعت لأنها شهدت بإثبات تضمن النفس فسمعت كما لو قالت ما قتله فلان لأنه كان يوم القتل في بلد بعيد


389

فصل

فإن جاء رجل فقال ما قتله هذا المدعى عليه بل أنا قتلته فكذبه الولي لم تبطل دعواه وله القسامة ولا يلزمه رد الدية إن كان أخذها لأنه قول واحد ولا يلزم المقر شيء لأنه أقر لمن يكذبه وإن صدقه الولي أو طالبه بموجب القتل لزمه رد ما أخذه وبطلت دعواه على الأول لأن ذلك جرى مجرى الإقرار ببطلان الدعوى وهل له مطالبة المقر فيه وجهان أحدهما له مطالبته لأنه أبر له بحق فملك مطالبته به كسائر الحقوق

والثاني ليس له مطالبته لأن دعواه على الأول انفراده بالقتل إبراء لغيره فلا يملك مطالبة من أبرأه والمنصوص عن أحمد رحمه الله أنه يسقط القود عنهما وله مطالبة الثاني بالدية فإنه قال في رجل شهد عليه شاهدان بالقتل فأخد ليقتاد منه فجاء رجل فقال ما قتله هذا أنا قتلته فالقود يسقط عنهما والدية على الثاني ووجه ذلك ما روي أن رجلا ذبح رجلا في خربة وتركه وهرب وكان قصاب قد ذبح شاة وأراد ذبح أخرى فهربت منه إلى الخربة فتبعها حتى وقف على القتيل والسكين بيده ملطخة بالدم فأخذ على تلك الحال وجيء به إلى عمر رضي الله عنه فأمر بقتله فقال القاتل في نفسه يا ويله قتلت نفسا ويقتل بسببي آخر فقام فقال أنا قتلته ولم يقتله هذا فقال عمر إن كان قد قتل نفسا فقد أحيا نفسا ودرأ عنه القصاص ولأن الدعوى على الأول شبهة في درء القصاص عن الثاني وتجب الدية عليه لإقراره بالقتل لموجب لهما وهذا القول أصح وأعدل مع شهادة الأثر بصحته

الفصل الثالث أن الأولياء إذا ادعوا القتل على من بينه وبين القتيل لوث شرعت اليمين في حق المدعين أولا فيحلفون خمسين يمينا على المدعى عليه أنه قتله وثبت حقهم قبله فإن لم يحلفوا استحلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرىء وبهذا قال يحيى بن سعيد وربيعة وأبو الزناد ومالك والشافعي وقال الحسن يستحلف المدعى عليهم أولا خمسين يمينا ويبرؤون وإن أبوا أن يحلفوا استحلف خمسون من المدعين أن حقنا قبلكم ثم يعصون الدية لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمين على المدعى عليه رواه مسلم وفي لفظ البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه رواه الشافعي في مسنده

وروى أبو داود بإسناده عن سليمان بن يسار عن رجال من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود وبدأ بهم يحلف منكم خمسون رجلا فأبوا فقال للأنصار استحقوا قالوا نحلف على الغيب يا رسول الله فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهود لأنه وجد بين أظهرهم ولأنها يمين في دعوى فوجبت في جانب المدعى عليه ابتداء كسائر الدعاوى وقال الشعبي والنخعي والثوري وأصحاب الرأي يستحلف خمسون رجلا من أهل المحلة التي وجد فيها القتيل بالله ما قتلناه ولا علمنا قاتلا ويغرمون الدية لقضاء عمر بذلك ولم نعرف له في الصحابة مخالفا فكان إجماعا وتكلموا في حديث سهل بما روى أبو داود عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عبد الرحمن ونجيد بن قبطي أحد بني حارثة

قال محمد بن إبراهيم وايم الله ما كان سهل بأعلم منه ولكنه كان أسن منه قال والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احلفوا على ما لا علم لكم به ولكنه كتب إلى يهود حين كلمته الأنصار إنه وجد بين أبياتكم


390

قتيل فدوه فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده

ولنا حديث سهل وهو صحيح متفق عليه ورواه مالك في موطئه وعمل به وما عارضه من الحديث لا يصح لوجوه أحدها أنه نفي فلا يرد به قول المثبت

والثاني أن سهلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد القصة وعرفها حتى أنه قال ركضتني ناقة من تلك الإبل والآخر يقول برأيه وظنه من غير أن يرويه عن أحد ولا حضر القصة

والثالث أن حديثنا مخرج في الصحيحين متفق عليه وحديثهم بخلافه

الرابع أنهم لا يعلمون بحديثهم ولا حديثنا فكيف يحتجون بما هو حجة عليهم فيما خالفوه فيه وحديث سليمان بن يسار عن رجال من الأنصار ولم يذكر لهم صحبة فهو أدنى لهم من حديث محمد بن إبراهيم وقد خالف الحديثين جميعا فكيف يجوز أن يعتمد عليه وحديث اليمين على المدعى عليه لم ترد به هذه القصة لأنه يدل على أن الناس لا يعطون بدعواهم وهنا قد أعطوا بدعواهم على أن حديثنا أخص منه فيجب تقديمه ثم هو حجة عليهم لكون المدعين أعطوا بمجرد دعواهم من غير بينة ولا يمين منهم وقد رواه ابن عبد البر بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال البينة على المدعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة وهذه الزيادة يتعين العمل بها لأن الزيادة من الثقة مقبولة ولأنها أيمان مكررة فيبدأ بها بأيمان المدعين كاللعان

إذا ثبت هذا فإن أيمان خمسون مرددة على ما جاءت به الأحاديث الصحيحة وأجمع عليه أهل العلم لا نعلم أحدا خالف فيه

الفصل الرابع أن الأولياء إذا حلفوا استحقوا القود إذا كانت الدعوى عمدا إلا أن يمنع منه مانع روي ذلك عن ابن الزبير وعن عمر بن عبد العزيز وبه قال مالك وأبو ثور وابن المنذر

وعن معاوية وابن عباس والحسن وإسحاق لا تجب بها الدية لقول النبي صلى الله عليه وسلم لليهود إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب من الله ولأن أيمان المدعين إنما هي بغلبة الظن وحكم الظاهر فلا يجوز إشاطة الدم بها لقيام الشبهة المتمكنة منها ولأنها حجة لا يثبت بها النكاح ولا يجب بها القصاص كالشاهد واليمين وللشافعي قولان كالمذهبين

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته وفي رواية مسلم فيسلم إليكم وفي لفظ وتستحقون دم صاحبكم فأراد دم القاتل لأن دم القتيل ثابت لهم قبل اليمين والرمة الحبل الذي يربط به من عليه القود ولأنها حجة يثبت بها العمد فيجب بها القود كالبينة

وقد روى الأثرم بإسناده عن عامر الأحول أن النبي صلى الله عليه وسلم أقاد بالقسامة الطائفة وهذا نص ولأن الشارع جعل القول قول المدعي مع يمينه احتياطا للدم فإن لم يجب القود سقط هذا المعنى

مسألة

قال ( فإن لم يحلف المدعون حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرىء )


391

هذا ظاهر المذهب وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة وأبو الزناد ومالك والليث والشافعي وأبو ثور وحكى أبو الخطاب رواية أخرى عن أحمد أنهم يحلفون ويغرمون الدية لقضية عمر وخبر سليمان بن يسار وهو قول أصحاب الرأي

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم أي يتبرؤون منكم وفي لفظ قال فيحلفون خمسين يمينا ويبرئون من دمه وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغرم اليهود وأنه أداها من عنده ولأنها أيمان مشروعة في حق المدعى عليه فيبرأ بها كسائر الأيمان ولأن ذلك إعطاء بمجرد الدعوى فلم يجز للخبر ومخالفة مقتضى الدليل فإن قول الإنسان لا يقبل على غيره بمجرده كدعوى المال وسائر الحقوق ولأن في ذلك جمعا بين اليمين والغرم فلم يشرع كسائر الحقوق

مسألة

قال ( فإن لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه فداه الإمام من بيت المال )

يعني أدى ديته لقضية عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر فأبى الأنصار أن يحلفوا وقالوا كيف نقبل أيمان قوم كفار فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده كراهية أن يبطل دمه فإن تعذر فداؤه من بيت المال لم يجب على المدعى عليهم شيء لأن الذي يوجبه عليهم اليمين وقد امتنع مستحقوها من استيفائها فلم يجب لهم غيرها كدعوى المال

فصل وإن امتنع المدعى عليهم من اليمين لم يحبسوا حتى يحلفوا وعن أحمد رواية أخرى أنهم يحبسون حتى يحلفوا وهو قول أبي حنيفة

ولنا إنها يمين مشروعة في حق المدعى عليه فلم يحبس عليها كسائر الأيمان

إذا ثبت هذا فإنه لا يجب القصاص بالنكول لأنه حجة ضعيفة فلا يشاط بها الدم كالشاهد واليمين

قال القاضي وفداه الإمام من بيت المال نص عليه أحمد

وروى عنه حرب بن إسماعيل أن الدية تجب عليهم وهذا هو الصحيح وهو اختيار أبي بكر لأنه حكم ثبت بالنكول فيثبت في حقهم هاهنا كسائر الدعاوى ولأن وجوبها في بيت المال يفضي إلى إهدار الدم وإسقاط حق المدعين مع إمكان جبره فلم يجز كسائر الدعاوى ولأنها يمين توجهت في دعوى أمكن إيجاب المال بها فلم تخل من وجوب شيء على المدعى عليه كما في سائر الدعاوى وها هنا لو لم يجب على المدعى عليه مال بنكوله ولم يجبر على اليمين لخلا من وجوب شيء عليه بالكلية وقال أصحاب الشافعي إذا نكل المدعى عليهم ردت الأيمان على المدعين إن قلنا موجبها المال فإن حلفوا استحقوا وإن نكلوا فلا شيء لهم وإن قلنا موجبها القصاص فهل ترد على المدعين فيه قولان وهذا القول لا يصلح لأن اليمين إنما شرعت في حق المدعى عليه إذا نكل عنها المدعي فلا ترد عليه كما لا ترد على المدعى عليه إذا نكل المدعي عنها بعد ردها عليه في سائر الدعاوى ولأنها يمين مردودة على أحد المتداعيين فلا ترد على من ردها كدعوى المال


392

مسألة

قال ( وإذا شهدت البينة العادلة أن المجروح قال دمي عند فلان فليس ذلك بموت للقسامة ما لم يكن لوث )

هذا قول أكثر أهل العلم منهم الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وقال مالك والليث هو لوث لأن قتيل بني إسرائيل قال قتلني فلان فكان حجة وروي هذا القول عن عبد الملك بن مروان

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لو يعطى الناس بدعواهم لأدعى قوم دماء رجال وأموالهم ولأنه يدعي حقا لنفسه فلم يقبل قوله كما لو لم يمت ولأنه خصم فلم تكن دعواه لوثا كالولي فأما قتيل بني إسرائيل فلا حجة فيه فإنه لا قسامة فيه ولأن ذلك كان من آيات الله ومعجزات نبيه موسى عليه السلام حيث أحياه الله تعالى بعد موته وأنطقه بقدرته بما اختلفوا فيه ولم يكن الله لينطقه بالكذب بخلاف الحي ولا سبيل إلى مثل هذا اليوم ثم ذاك في تنزيه المتهمين فلا يجوز تعديتها إلى تهمة البريئين

مسألة

قال ( والنساء والصبيان لا يقسمون )

يعني إذا كان المستحق نساء وصبيانا لم يقسموا أما الصبيان فلا خلاف بين أهل العلم أنهم لا يقسمون سواء كانوا من الأولياء أو مدعى عليهم لأن الأيمان حجة للحالف والصبي لا يثبت بقوله حجة ولو أقر على نفسه لم يقبل فلأن لا يقبل قوله في حق غيره أولى وأما النساء فإذا كن من أهل القتيل لم يستحلفن وبهذا قال ربيعة والثوري والليث والأوزاعي وقال مالك لهن مدخل في قسامة الخطأ دون العمد قال ابن القاسم ولا يقسم في العمد إلا اثنان فصاعدا كما أنه لا يقتل إلا بشاهدين وقال الشافعي يقسم كل وارث بالغ لأنها يمين في دعوى فتشرع في حق النساء كسائر الأيمان

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم يقسم خمسون رجلا منكم وتستحقون دم صاحبكم ولأنها حجة يثبت بها قتل العمد فلا تسمع من النساء كالشهادة ولأن الجناية المدعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل ولا مدخل للنساء في إثباته وإنما يثبت المال ضمنا فجرى ذلك مجرى رجل ادعى زوجية امرأة بعد موتها ليرثها فإن ذلك لا يثبت بشاهد ويمين ولا بشهادة رجل وامرأتين وإن كان مقصودها المال فأما إن كانت المرأة مدعى عليها القتل فإن قلنا إنه يقسم من العصبة رجال لم تقسم المرأة أيضا لأن ذلك مختص بالرجال وإن قلنا يقسم المدعى عليه فينبغي أن تستحلف لأنها لا تثبت بقولها حقا ولا قتلا وإنما هي لتبرئتها منه فتشرع في حقها اليمين كما لو لم يكن لوث فعلى هذا إذا كان في الأولياء نساء ورجال أقسم الرجال وسقط حكم النساء وإن كان فيهم صبيان ورجال بالغون أو كان فيهم حاضرون وغائبون فقد ذكرنا من قبل أن القسامة لا تثبت حتى يحضر الغائب فكذا لا تثبت حتى يبلغ الصبي لأن الحق لا يثبت إلا ببينته الكاملة والبينة أيمان الأولياء كلهم والأيمان لا تدخلها النيابة ولأن الحق إن كان قصاصا فلا يمكن تبعيضه فلا فائدة في قسامة الحاضر البالغ وإن كان غيره فلا تثبت إلا بواسطة ثبوت القتل وهو لا يتبعض


393

أيضا وقال القاضي إن كان القتل عمدا لم يقسم الكبير حتى يبلغ الصغير ولا الحاضر حتى يقدم الغائب لأن حلف الكبير الحاضر لا يفيد شيئا في الحال وإن كان موجبا للمال كالخطأ وعمد الخطأ فللحاضر المكلف أن يحلف ويستحق قسطه من الدية

وهذا قول أبي بكر وابن حامد ومذهب الشافعي واختلفوا في كم يقسم الحاضر فقال ابن حامد يقسم بقسطه من الأيمان فإن كان الأولياء اثنين أقسم الحاضر خمسا وعشرين يمينا وإن كانوا ثلاثة أقسم سبع عشرة يمينا وإن كانوا أربعة أقسام ثلاث عشرة يمينا وكلما قدم غائب أقسم بقدر ما عليه واستوفى حقه لأنه لو كان الجميع حاضرين لم يلزمه أكثر من قسطه وكذلك إذا غاب بعضهم كا في سائر الحقوق ولأنه لا يستحق أكثر من قسطه من الدية فلا يلزمه أكثر من قسطه من الأيمان وقال أبو بكر يحلف الأول خمسين يمينا وهذا قول الشافعي ولأن الحكم لا يثبت إلا بالبينة الكاملة والبينة هي الأيمان كلها ولذلك لو ادعى أحدهما دينا لأبيهما لم يستحق نصيبه منه إلا بالبينة المثبتة لجميعه ولأن الخمسين في القسامة كاليمين الواحدة في سائر الحقوق ولو ادعى مالا له فيه شركة له به شاهد الحلف يمينا كاملة كذلك هذا فإذا قدم الثاني أقسم خمسا وعشرين يمينا وجها واحدا عند أبي بكر لأنه يبني على أيمان أخيه المتقدمة وقال الشافعي فيه قول آخر إنه يقسم خمسين يمينا أيضا لأن أخاه إنما استحق بخمسين فكذلك هو فإذا قدم ثالث وبلغ فعلى قول أبي بكر يقسم سبع عشرة يمينا لأنه يبني على أيمان أخويه وعلى قول الشافعي فيه قولان أحدهما أنه يقسم سبع عشرة يمينا

والثاني خمسين يمينا وإن قدم رابع كان على هذا المثال والله أعلم

فصل والخنثى المشكل يحتمل أن يقسم لأن سبب القسامة وجد في حقه وهو كونه مستحقا للدم ولم يتحقق المانع من يمينه ويحتمل أن لا قسامة عليه لأنه لا يعقل من العقل ولا يثبت القتل بشهادته أشبه المرأة

مسألة

قال ( وإذا خلف المقتول ثلاثة بنين جبر الكسر عليهم فحلف كل واحد منهم سبع عشرة يمينا )

واختلفت الرواية عن أحمد فيمن تجب عليه أيمان القسامة فروي أنه يحلف من العصبة الوارث منهم وغير الوارث خمسون رجلا كل واحد منهم يمينا واحدة وهذا قول لمالك فعلى هذا يحلف الوارث منهم الذين يستحقون دمه فإن لم يبلغوا خمسين تمموا من سائر العصبة يؤخذ الأقرب منهم فالأقرب من قبيلته التي ينتسب إليها ويعرف كيفية نسبه من المقتول فأما من عرف أنه من القبيلة ولم يعرف وجه النسب لم يقسم مثل أن يكون الرجل قرشيا والمقتول قرشي ولا يعرف كيفية نسبه منه فلا يقسم لأننا نعلم أن الناس كلهم من آدم ونوح وكلهم يرجعون إلى أب واحد ولو قتل من لا يعرف نسبه لم يقسم عنه سائر الناس فإن لم يوجد من نسبه خمسون رددت الأيمان عليهم وقسمت بينهم فإن انكسرت عليهم جبر كسرها عليهم حتى تبلغ خمسين لقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار يحلف خمسون رجلا منكم وتستحقون دم صاحبكم وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن لعبد الله بن سهل خمسون رجلا وارثا فإنه لا يرثه إلا أخوه أو من هو في درجته أو أقرب منه نسبا ولأنه خاطب بهذا بني عمه وهم غير وارثين


394

والرواية الثانية لا يقسم إلا الوارث وتعرض الأيمان على ورثة المقتول دون غيرهم على حسب مواريثهم هذا ظاهر قول الخرقي واختيار ابن حامد وقول الشافعي لأنها يمين في دعوى حق فلا تشرع في حق غير المتداعيين كسائر الأيمان فعلى هذه الرواية تقسم بين الورثة من الرجال من ذوي الفروض والعصبات على قدر إرثهم فإن انقسمت من غير كسر مثل أن يخلف المتقول اثنين أو أخا وزوجا حلف كل واحد منهم خمسا وعشرين يمينا وإن كانوا ثلاثة بنين وجدا أو أخوين جبر الكسر عليهم فحلف كل واحد منهم سبع عشرة يمينا لأن تكميل الخمسين واجب ولا يمكن تبعيض اليمين ولا حمل بعضهم لها عن بعض فوجب تكميل اليمين المنكسرة في حق كل واحد منهم وإن خلف أخا من أبا وأخا من أم فعلى الأخ من الأم سدس الأيمان ثم يجبر الكسر فيكون عليه تسع أيمان وعلى الأخ من الأب اثنتان وأربعون وهذا أحد قولي الشافعي وقال في الآخر يحلف كل واحد من المدعين خمسين يمينا سواء تساووا في الميراث واختلفوا فيه لأن ما حلفه الواحد إذا انفرد حلفه كل واحد من الجماعة كاليمين الواحدة في سائر الدعاوى وعن مالك أنه قال ينظر إلى من عليه أكثر اليمين فيجبر عليه ويسقط عن الآخر

ولنا على أن الخمسين تقسم بينهم قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم وأكثر ما روي عنه في الأيمان خمسون ولو حلف كل واحد خمسين لكانت مائة ومائتين وهذا خلاف النص ولأنها حجة فلم تزد على ما يشرع في حق الواحد كالبينة ويفارق اليمين على المدعى عليه فإنها ليست حجة للمدعي ولأنها لم يمكن قسمتها فكملت في حق واحد كاليمين المنكسرة في القسامة فإنها تجبر وتكمل في حق كل واحد لكونها لا تتبعض وما لا يتبعض يكمل كالطلاق والعتاق وما ذكره مالك لا يصح لأنه إسقاط لليمين عمن عليه بعضها فلم يجز كما لو تساوى الكسران بأن يكون على كل واحد من الاثنين نصفها أو على كل واحد من الثلاثة ثلثها وبالقياس على من عليه أكثرها ولأن اليمين في سائر الدعاوى تكمل في حق كل واحد ويستوي من له في المدعى كثير وقليل كذا هاهنا ولأنه يفضي إلى أن يتحمل اليمين غير من وجبت عليه عمن وجبت عليه فلم يجز ذلك كاليمين الكاملة وكالجزء الأكبر

فصل فإن كان فيهم من لا قسامة عليه بحال وهو النساء سقط حكمه فإذا كان ابن وبنت حلف الابن الخمسين كلها وإن كان أخ وأخت لأم وأخ وأخت لأب قسمت الأيمان بين الأخوين على أحد عشر على الأخ من الأم ثلاثة وعلى الآخر ثمانية ثم يجبر الكسر عليهما فيحلف الأخ من الأب سبعا وثلاثين يمينا والأخ من الأم أربع عشرة يمينا

فصل فإن مات المستحق انتقل إلى وارثه ما عليه من الأيمان وكانت الأيمان بينهم على حسب مواريثهم ويجبر الكسر فيها عليهم كما ينجبر في حق ورثة القتيل وإن مات بعضهم قسم نصيبه من الأيمان بين ورثته فلو كان للقتيل ثلاثة بنين كان على كل واحد سبع عشرة يمينا فإن مات بعضهم قبل أن يقسم وخلف ثلاثة بنين قسمت أيمانه بينهم فكان على كل واحد منهم ستة أيمان وإن خلف ابنين حلف كل واحد تسعة أيمان وإنما قلنا هذا لأن الوارث يقوم مقام الموروث في إثبات حججه كما يقوم مقامه في استحقاق ماله وهذا من حججه ولذلك


395

يملك إقامة البينة والحلف في الإنكار ومع الشاهد الواحد في دعوى المال وإن كان موته بعد شروعه في الأيمان فحلف بعضها فإن ورثته يستأنفون الأيمان ولا يبنون على أيمانه لأن الخمسين جرت مجرى اليمين الواحدة ولأن لا يجوز أن يستحق أحد بيمين غيره ولا يبطل هذا بما إذا حلف جميع الأيمان ثم مات لأنه يستحق المال إرثا عنه لا بيمينه ولأنه إذا حلف الوارثان كل واحد خمسا وعشرين يمينا فإن الدية تستحق بيمينهما لأنهما يشتركان في الأيمان ويستحق كل واحد بقدر أيمانه ولا يستحق بيمين غيره وإن كان اجتماع العدد شرطا في استحقاقها

فصل ولو حلف بعض الأيمان ثم جن ثم أفاق فإنه يتمم ولا يلزمه إلا الاستئناف لأن أيمانه وقعت موقعها ويفارق الموت لأن الموت يتعذر معه إتمام الأيمان منه وغيره لا يبني على يمينه وها هنا يمكنه أن يتمها إذا أفاق ولا تبطل بالتفريق بدليل أن الحاكم إذا حلفه الأيمان ثم تشاغل عنه لم تبطل ويتمها وما لا يبطله التفريق لا يبطله تخلل الجنون له كالسعي بين الصفا والمروة وإن حلف بعض الأيمان ثم عزل الحاكم وولي غيره أتمها عند الثاني ولم يلزمه استئنافها لأن الأيمان وقعت موقعها وكذلك لو حلف بعضها ثم سأل الحاكم إنظاره فأنظره بنى على ما مضى ولم يلزمه الاسئناف لما ذكرنا

فصل إذا ردت الأيمان على المدعى عليه وكان عمدا لم تجز على أكثر من واحد فيحلف خمسين يمينا وإن كان عن غير عمد كالخطأ وشبه العمد فظاهر كلام الخرقي في أنه لا قسامة في هذا لأن القسامة من شرطها اللوث والعداوة إنما أثرها في تعمد القتل لا في خطئه ه فإن احاحتمال الخطأطأ في العمد وغيره سواءاء وقال غيرهره من أصحاحابنا فيه قسقسقسامة وهو قول الشافعي لأن اللوث لا يختص العداوة عندهم فعلى هذا تجوز الدعوى على جماعة فإذا ادعى على جماعة لزم كل واحد منهم خمسون يمينا

وقال بعض أصحابنا تقسم الأيمان بينهم بالحصص كقسمها بين المدعين إلا أنها هاهنا تقسم بالسوية لأن المدعى عليهم متساوون فيها فهم كبني الميت

وللشافعي قولان كالوجهين والحجة لهذا القول قول النبي صلى الله عليه وسلم تبرئكم يهود بخمسين يمينا وفي لفظ قال فيحلفون لكم خمسين يمينا ويبرؤون من دمه ولأنهم أحد المتداعيين في القسامة فتسقط الأيمان على عددهم كالمدعين وقال مالك يحلف من المدعى عليهم خمسون رجلا خمسين يمينا فإن لم يبلغوا خمسين رجلا رددت على من حلف منهم حتى تكمل خمسين يمينا فإن لم يوجد أحد يحلف إلا الذي ادعي عليه حلف وحده خمسين يمينا لقول النبي صلى الله عليه وسلم فتبرئكم يهود بخمسين يمينا

ولنا إن هذه أيمان يبرىء بها القتل فكان على كل واحد خمسون كما لو ادعى على كل واحد وحده قتيل ولأنه لا يبرىء المدعى عليه حال الاشتراك إلا ما يبرئه حال الانفراد ولأن كل واحد منهم يحلف على غير ما حلف عليه صاحبه بخلاف المدعين فإن أيمانهم على شيء واحد فلا يلزم من تلفيقها تلفيق ما يختلف مدلوله أو مقصوده

مسألة

قال ( وسواء كان المقتول مسلما أو كافرا حرا أو عبدا إذا كان المقتول يقتل به المدعى عليه إذا ثبت عليه القتل لأن القسامة توجب القود إلا أن يحب الأولياء أخذ الدية )


396

أما إذا كان المقتول مسلما حرا فليس فيه اختلاف سواء كان المدعى عليه مسلما أو كافرا فإن الأصل في القسامة قصة عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر فاتهم اليهود بقتله فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة

وأما إن كان المقتول كافرا أو عبدا وكان قاتله ممن يجب عليه القصاص بقتله وهو المماثل له في حاله ففيه القسامة وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي وقال الزهري والثوري ومالك والأوزاعي لا قسامة في العبد فإنه مال فلم تجب القسامة فيه كقتل البهيمة

ولنا إنه قتل موجب للقصاص فأوجب القسامة كقتل الحر وفارق البهيمة فإنها لا قصاص فيها ويقسم على العبد سيده لأنه المستحق لدمه وأم الولد والمدبر والمكاتب والمعلق عتقه بصفة كالقن لأن الرق ثابت فيهم وإن كان القاتل ممن لا قصاص عليه كالمسلم يقتل كافرا والحر يقتل عبدا فلا قسامة فيه في ظاهر قول الخرقي وهو قول مالك لأن القسامة إنما تكون فيما يوجب القود وقال القاضي فيهما القسامة وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي لأنه قتل آدمي يوجب الكفارة فشرعت القسامة فيه كقتل الحر المسلم ولأن ما كان حجة في قتل الحر المسلم كان حجة في قتل العبد الكافر كالبينة

ولنا إنه قتل لا يوجب القصاص فأشبه قتل البهيمة ولا يلزم من شرعها فيما يوجب القصاص شرعها مع عدمه بدليل أن العبد إذا اتهم بقتل سيده شرعت القسامة إذا كان القتل موجبا للقصاص

ذكره القاضي لأنه لا يجوز قتله قبل ذلك ولو لم يكن موجبا للقصاص لم تشرع القسامة

فصل وإن قتل عبد المكاتب فللمكاتب أن يقسم على الجاني لأنه ملك للعبد يملك التصرف فيه وفي بدله وليس لسيده انتزاعه منه وله شراؤه منه ولو اشترى المأذون له في التجارة عبدا فقتل فالقسامة لسيده دونه لأن ما يبتاعه المأذون يملكه سيده دونه ولهذا يملك انتزاعه منه وإن عجز المكاتب قبل أن يقسم فلسيده أن يقسم لأنه صار المستحق لبدل المقتول بمنزلة ورثة الحر إذا مات قبل أن يقسم ولو ملك السيد عبده أو أم ولده عبدا فقتل فالقسامة للسيد سواء قلنا يملك العبد بالتمليك أو لا يملك لأنه إن لم يملك فالملك لسيده وإن ملك فهو ملك غير ثابت ولهذا يملك سيده انتزاعه منه ولا يجوز له التصرف بغير إذن سيده بخلاف المكاتب وإن أوصى لأم ولده ببدل العبد صحت الوصية وإن كان لم يجب بعد كما تصح الوصية بثمرة لم تخلق

والقسامة للورثة لأنهم القائمون مقام الموصي في إثبات حقوقه فإذا حلفوا ثبت لها البدل بالوصية وإن لم يحلفوا لم يكن لها أن تحلف كما إذا امتنع الورثة من اليمين مع الشاهد لم يكن للغرماء أن يحلفوا معه

فصل والمحجور عليه لسفه أو فلس كغير المحجور عليه في دعوى القتل والدعوى عليه إلا إذا أقر بمال أو لزمته الدية بالنكول عن اليمين لم يلزمه في حال حجره لأن إقراره بالمال في الحال غير مقبول بالنسبة إلى أخذ شيء من ماله في الحال على ما عرف في موضعه

فصل ولو جرح مسلم فارتد ومات على الردة فلا قسامة فيه لأن نفسه غير مضمونة وإنما يضمن الجرح ولا قسامة فيما دون النفس ولأن ماله يصير فيئا والفيء ليس له مستحق معين فتثبت القسامة له وإن مات


397

مسلما فارتد وارثه قبل القسامة فقال أبو بكر ليس له أن يقسم وإن أقسم لم يصح لأن ملكه يزول من ماله وحقوقه فلا يبقى مستحقا للقسامة وهذا قول المزني ولأن المرتد قد أقام على الشرك الذي لا ذنب أعظم منه فلا يستحق بيمينه دم مسلم ولا يثبت بها قتل وقال القاضي الأولى أن تعرض عليه القسامة فإن أقسم وجبت الدية وهذا قول الشافعي لأن استحقاق المال بالقسامة حق عليه فلا يبطل بردته كاكتساب المال بوجوه الاكتساب وكفره لا يمنع يمينه فإن الكافر تصح يمينه وتعرض عليه الدعاوى فإن حلف ثبت القصاص أو الدية فإن عاد إلى الإسلام كان له

وإن مات كان فيئا والصحيح إن شاء الله ما قال أبو بكر لأن مال المرتد إما أن يكون ملكه قد زال عنه وإما موقوف وحقوق المال حكمها حكمه فإن قلنا بزوال ملكه فلا حق له وإن قلنا هو موقوف فهو قبل انكشاف حاله مشكوك فيه فلا يثبت الحكم بشيء مشكوك فيه فكيف وقتل المسلم أمر كبير لا يثبت مع الشبهات ولا يستوفي مع الشك وأما إن ارتد قبل موت موروثه لم يكن وارثا ولا حق له وتكون القسامة لغيره من الوارث وإن لم يكن للميت وارث سواه فلا قسامة فيه لما ذكرنا وإن عاد إلى الإسلام قبل قسامة غيره فقياس المذهب أنه يدخل في القسامة لأنه متى رجع قبل قسم الميراث قسم له وقال القاضي لا تعود القسامة إليه لأنها استحقت على غيره وإن ارتد رجل فقتل عبده أو قتل ثم ارتد فهل له أن يقسم على وجهين بناء على الاختلاف المتقدم فإن عاد إلى الإسلام عادت القسامة لأنه يستحق بدل العبد

فصل ولا قسامة فيما دون النفس من الأطراف والجوارح ولا أعلم بين أهل العلم في هذا خلافا وممن قال لا قسامة في ذلك مالك وأبو حنيفة والشافعي وذلك لأن القسامة تثبت في النفس لحرمتها فاختصت بها دون الأطراف كالكفارة ولأنها تثبت حيث كان المجني عليه لا يمكنه التعبير عن نفسه وتعيين قاتله ومن قطع طرفه يمكنه ذلك وحكم الدعوى فيه حكم الدعوى في سائر الحقوق والبينة على المدعي واليمين على من أنكر يمينا واحدة ولأنها دعوى لا قسامة فيها فلا تغلظ بالعدد كالدعوى في المال

مسألة

قال ( وليس للأولياء أن يقسموا على أكثر من واحد )

لا يختلف المذهب أنه لا يستحق بالقسامة أكثر من قتل واحد وبهذا قال الزهري ومالك وبعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم يستحق بها قتل الجماعة لأنها بينة موجبة للقود فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة وهذا نحو قول أبي ثور

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته فخص بها الواحد ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد فيقتصر عليه ويبقى على الأصل فيما عداه وبيان مخالفة الأصل بها أنها تثبت باللوث واللوث شبهة مغلبة على الظن صدق المدعي والقود يسقط بالشبهات فكيف يثبت بها ولأن الأيمان في سائر الدعاوى تثبت ابتداء في جانب المدعى عليه وهذا بخلافه وبيان ضعفها أنها تثبت بقول المدعي ويمينه مع التهمة في حقه والشك في صدقه وقيام العداوة المانعة من صحة الشهادة عليه في إثبات حق لغيره فلأن يمنع من قبول قوله وحده في إثبات حقه لنفسه أولى وأحرى وفارق البينة فإنها قويت بالعدد وعدالة الشهود وانتفاء التهمة


398

في حقهم من الجهتين في كونهم لا يثبتون لأنفسهم حقا ولا نفعا ولا يدفعون عنها ضرا ولا عداوة بينهم وبين المشهود عليه ولهذا يثبت بها سائر الحقوق والحدود التي تنتفي بالشبهات

إذا ثبت هذا فلا قسامة فيما لا قود فيه في قول الخرقي فيطرد قوله في أن القسامة لا تشرع إلا في حق واحد وعند غيره أن القسامة تجري فيما لا قود فيه فيجوز أن يقسموا في هذا على جماعة وهذا قول مالك والشافعي فعلى هذا إن ادعى على اثنين على أحدهما لوث حلف على من عليه اللوث خمسين يمينا واستحق نصف الدية عليه وحلف الآخر يمينا واحدة وبرىء وإن نكل عن اليمين فعليه نصف الدية وإن ادعى على ثلاثة عليهم لوث ولم يحضر إلا واحد منهم حلف على الحاضر منهم خمسين يمينا واستحق ثلث الدية فإذا حضر الثاني ففيه وجهان

أحدهما يحلف عليه خمسين يمينا أيضا ويستحق ثلث الدية لأن الحق لا يثبت على أحد الرجلين إلا بما يثبت على الآخر كالبينة فإنه يحتاج إلى إقامة البينة الكاملة على الثاني كإقامتها على الأول

والثاني يحلف عليه خمسا وعشرين يمينا لأنهما لو حضرا معا لحلف عليهما خمسين يمينا حصة هذا منها خمس وعشرون وهذا الوجه ضعيف فإن اليمين لا تقسم عليهم إذا حضروا ولو حلف كل واحد منفردا حصته من الأيمان لم يصح ولم يثبت له حق وإنما الأيمان عليهم جميعا وتتناولهم تناولا واحدا ولأنها لو قسمت عليهم بالحصص لوجب أن لا يقسم على الأول أكثر من سبع عشرة يمينا وكذلك على الثاني لأن هذا القدر هو حصة من الأيمان فعلى كلا التقديرين لا وجه لحلفه خمسا وعشرين يمينا وإن قيل إنما حلف بقدر حصته وحصة الثالث فينبغي أن يحلف أربعا وثلاثين وإذا قدم الثالث ففيه الوجهان

أصحهما يحلف عليه خمسين يمينا ويستحق ثلث الدية

والآخر يحلف سبع عشرة يمينا وإن حضروا جميعا حلف عليهم خمسين يمينا واستحق الدية عليهم أثلاثا وهذا التفريع يدل على اشتراط حضور المدعى عليه وقت الأيمان وذلك لأنها أقيمت مقام البينة فاشترط حضور من أقيمت عليه كالبينة وكذلك إن ردت الأيمان على المدعى عليهم اشترط حضور المدعين وقت حلف المدعى عليهم لأن الأيمان له عليهم فيعتبر رضاه بها وحضوره إلا أن يوكل وكيلا فيقوم حضوره مقام موكله

فصل وإن قال المدعي قتله هذا ورجل آخر لا أعرفه وكان على المعين لوث أقسم عليه خمسين يمينا واستحق نصف الدية فإن تعين له الآخر حلف عليه واستحق نصف الدية وإن قال قتله هذا ونفر لا أعلم عددهم لم تجب القسامة لأنه لا يعلم كم حصته من الدية

فصل ولا تسمع الدعوى إلا محررة بأن يقول ادعى أن هذا قتل ولي فلان ابن فلان عمدا أو خطأ أو شبه العمد ويصف القتل فإن كان عمدا قال قصد إليه بسيف أو بما يقتل مثله غالبا فإن كانت الدعوى على واحد فأقر ثبت القتل وإن أنكر وثم بينة حكم بها وإلا صار الأمر إلى الأيمان وإن كانت الدعوى على أكثر من واحد لم يخل من أربعة أحوال

أحدها أن يقول قتله هذا وهذا تعمد قتله ويصف العمد بصفته فيقال له عين


399

واحدا فإن القسامة الموجبة للقود لا تكون على أكثر من واحد

الحال الثاني أن يقول تعمد هذا وهذا كان خاطئا فهو يدعي قتلا غير موجب للقود فيقسم عليهما ويأخذ نصف الدية من مال العامد ونصفها من عاقلة المخطىء

الحال الثالث أن يقول عمد هذا ولا أدري أكان قتل الثاني عمدا أو خطأ فقيل لا تسوغ القسامة هاهنا لأنه يحتمل أن يكون الآخر مخطئا فيكون موجبها الدية عليهما ويحتمل أن يكون عامدا فلا تسوغ القسامة عليهما ويجب تعيين واحد والقسامة عليه فيكون موجبها القود فلم تجز القسامة مع هذا فإن عاد فقال علمت أن الآخر كان عامدا فله أن يعين واحدا ويقسم عليه وإن قال كان مخطئا ثبتت القسامة حينئذ ويسأل فإن أنكر ثبتت القسامة وإن أقر ثبت عليه القتل ويكون عليه نصف الدية في ماله لأنه ثبت بإقراره لا بالقسامة

وقال القاضي يكون على عاقلته والأول أصح لأن العاقلة لا تحمل اعترافا

الحال الرابع أن يقول قتلاه خطأ أو شبه عمد أو أحدهما خاطىء والآخر شبه العمد فله أن يقسم عليهما فإن ادعى أنه قتل وليه عمدا فسئل عن تفسير العمد ففسره بعمد الخطأ قبل تفسيره وأقسم على ما فسره به لأنه أخطأ في وصف القتل بالعمدية ونقل المزني عن الشافعي لا يحلف عليه لأنه بدعوى العمد برأ العاقلة فلا تسمع دعواه بعد ذلك ما يوجب عليهم المال

ولنا إن دعواه قد تحررت وإنما غلط في تسمية شبه العمد عمدا وهذا مما يشتبه فلا يؤاخذ به ولو أحلفه الحاكم قبل تحرير الدعوى وتبين نوع القتل لم يعتد باليمين لأن الدعوى لا تسمع غير محررة فكأنه حلفه قبل الدعوى ولأنه إنما يحلفه ليوجب له ما يستحقه فإذا لم يعلم ما يستحقه بدعواه لم يحصل المقصود باليمين فلم يصح

فصل قال القاضي يجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله وإن كانوا غائبين عن مكان القتل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار تحلفون وتستحقون دم صاحبكم وكانوا بالمدينة والقتل بخيبر ولأن الإنسان يحلف على غالب ظنه كما أن من اشترى من إنسان شيئا فجاء آخر يدعيه جاز أن يحلف أنه لا يستحقه لأن الظاهر أنه ملك الذي باعه وكذلك إذا وجد شيئا بخطه أو خط أبيه ودفتره جاز له أن يحلف وكذلك إذا باع شيئا لم يعلم فيه عيبا فادعى عليه المشتري أنه معيب وأراد رده كان له أن يحلف أنه باعه بريئا من العيب ولا ينبغي أن يحلف المدعي إلا بعد الاستثبات وغلبة ظن يقارب اليقين وينبغي للحاكم أن يقول لهم اتقوا الله واستثبتوا ويعظهم ويحذرهم ويقرأ عليهم إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا آل عمران 77 ويعرفهم ما في اليمين الكاذبة وظلم البريء وقتل النفس بغير الحق ويعرفهم أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وهذا كله مذهب الشافعي

فصل ويستحب أن يستظهر في ألفاظ اليمين في القسامة تأكيدا فيقول والله الذي لا إله إلا هو عالم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فإن اقتصر على لفظة الله كفى أو بقول والله أو بالله أو تالله بالجر كما تقضيه العربية فإن قاله مضموما أو منصوبا فقد لحن قال القاضي ويجزئه تعمده أو لم يتعمده لأنه لحن لا يحيل المعنى


400

وهو قول الشافعي

وما زاد على هذا تأكيد ويقول لقد قتل فلان بن فلان الفلاني ويشير إليه فلانا ابني أو أخي منفردا بقتله ما شركه غيره

وإن كانا اثنين قال منفردين ما شركهما غيرهما

ثم يقول عمدا أو خطأ

وبأي اسم من أسماء الله أو صفة من صفات ذاته حلف أجزأ إذا كان إطلاقه ينصرف إلى الله تعالى ويقول المدعى عليه في اليمين والله ما قتلته ولا شاركت في قتله ولا أحدثت شيئا مات منه ولا كان سببا في موته ولا معينا على موته

مسألة

( ومن قتل نفسا محرمة أو شارك فيها أو ضرب بطن امرأة فألقت جنينا ميتا وكان الفعل خطأ فعلى القاتل عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وعن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى أن على قاتل العمد تحرير رقبة مؤمنة )

الأصل في كفارة القتل قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 الآية وأجمع أهل العلم على أن على القاتل خطأ كفارة سواء كان المقتول ذكرا أو أنثى وتجب في قتل الصغير والكبير سواء باشره بالقتل أو تسبب إلى قتله بسبب يضمن به النفس كحفر البئر ونصب السكين وشهادة الزور وبهذا قال مالك والشافعي

وقال أبو حنيفة لا تجب بالتسبب لأنه ليس بقتل ولأنه ضمن بدله بغير مباشرة للقتل فلم تلزمه الكفارة كالعاقلة

ولنا إنه كالمباشرة في الضمان فكان كالمباشرة في الكفارة

ولأنه سبب لإتلاف الآدمي يتعلق به ضمانه فتعلقت به الكفارة كما لو كان راكبا فأوطأ دابته إنسانا

وقياسهم ينتقد بالأب إذا أكره إنسانا على قتل ابنه فإن الكفارة تجب عليه من غير مباشرة وفارق العاقلة فإنها تتحمل عن غيرها

ولم يصدر منها قتل ولا تسبب إليه

وقولهم ليس بقتل ممنوع قال القاضي ويلزم الشهود الكفارة سواء قالوا أخطأنا أو تعمدنا

وهذا يدل على أن القتل بالسبب تجب به الكفارة بكل حال ولا يعتبر فيه الخطأ والعمد لأنه إن قصد به القتل فهو جار مجرى الخطأ في أنه لا يجب به القصاص

فصل وتجب الكفارة بقتل العبد

وبه قال أبو حنيفة والشافعي

وقال مالك لا تجب به لأنه مضمون بالقيمة أشبه البهيمة

ولنا عموم قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 لأنه يجب القصاص بقتله فتجب الكفارة به كالحر ولأنه مؤمن فأشبه الحر ويفارق البهائم بذلك

فصل وتجب بقتل الكافر المضمون سواء كان ذميا أو مستأمنا وبهذا قال أكثر أهل العلم

وقال الحسن ومالك لا كفارة فيه لقوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 فمفهومه أن لا كفارة في غير المؤمن

ولنا قوله تعالى وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 والذمي له ميثاق

وهذا منطوق يقدم على دليل الخطاب

ولأنه آدمي مقتول ظلما فوجبت الكفارة بقتله كالمسلم

فصل وإذا قتل الصبي والمجنون وجبت الكفارة في أموالهما

وكذلك الكافر

وبهذا قال الشافعي


401

وقال أبو حنيفة لا كفارة على واحد منهم لأنها عبادة محضة تجب بالشرع

فلا تجب على الصبي والمجنون والكافر كالصلاة والصيام

ولنا إنه حق مالي يتعلق بالقتل فتعلقت بهم كالدية وتفارق الصوم والصلاة لأنهما عبادتان بدنيتان وهذه مالية أشبهت نفقات الأقارب

وأما كفارة اليمين فلا تجب على الصبي والمجنون لأنها تتعلق بالقول ولا قول لهما وهذه تتعلق بالفعل وفعلهما متحقق قد أوجب الضمان عليهما ويتعلق بالفعل ما لا يتعلق بالقول بدليل أن العتق يتعلق بأحبالهما دون إعتاقهما بقولهما وأما الكافر فتجب عليه

وتكون عقوبة عليه كالحدود

فصل ومن قتل في دار الحرب مسلما يعتقده كافرا أو رمى إلى صف الكفار فأصاب فيهم مسلما فقتله فعليه كفارة لقوله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92

فصل ومفهوم كلام الخرقي أن كل قتل مباح لا كفارة فيه كقتل الحربي والباغي والزاني المحصن والقتل قصاصا أو حدا لأنه قتل مأموربه

والكفارة لا تجب لمحو المأمور به

وأما الخطأ فلا يوصف بتحريم ولا إباحة لأنه كفعل المجنون والبهيمة لكن النفس الذاهبة به معصومة محرمة محترمة

فلذلك وجبت الكفارة فيها

وقال قوم الخطأ محرم ولا إثم فيه

وقيل ليس بمحرم لأن المحرم ما أثم فاعله وهذا لا إثم فيه وقوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ النساء 92 هذا استثناء منقطع وإلا في موضع لكن التقدير لكن قد يقتله خطأ وقيل إلا بمعنى ولا أي ولا خطأ وهذا يبعد لأن الخطأ لا يتوجه إليه النهي لعدم إمكان التحريم منه

وكونه لا يدخل تحت الوسع ولأنها لو كانت بمعنى ولا كانت عاطفة للخطأ على ما قبله وليس قبله ما يصلح عطفه عليه

وأما قتل نساء أهل الحرب وصبيانهم فلا كفارة فيه

لأنه ليس لهم أيمان ولا أمان وإنما منع من قتلهم لانتفاع المسلمين بهم لكونهم يصيرون بالسبي رقيقا ينتفع بهم وكذلك قتل من لم تبلغه الدعوة لا كفارة فيه لذلك ولذلك لم يضمنوا بشيء فأشبهوا من قتله مباح

فصل ومن قتل نفسه خطأ وجبت الكفارة في ماله وبهذا قال الشافعي

وقال أبو حنيفة لا تجب لأن ضمان نفسه لا يجب فلم تجب الكفارة كقتل نساء أهل الحرب وصبيانهم

ولنا عموم قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 ولأنه آدمي مؤمن مقتول خطأ فوجبت الكفارة على قاتله كما لو قتله غيره والأول أقرب إلى الصواب إن شاء الله فإن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بكفارة وقوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ النساء 92 إنما أريد بها إذا قتل غيره بدليل قوله ودية مسلمة إلى أهله النساء 92 وقاتل نفسه لا تجب فيه دية بدليل قتل عامر بن الأكوع

فصل ومن شارك في قتل يوجب الكفارة لزمته كفارة ويلزم كل واحد من شركائه كفارة وهذا


402

قول أكثر أهل العلم منهم الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العكلي والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى أن على الجميع كفارة واحدة

وهو قول أبي ثور وحكي عن الأوزاعي وحكاه أبو علي الطبري عن الشافعي وأنكره سائر أصحابه واحتج لمن أوجب كفارة واحدة بقوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 ومن يتناول الواحد والجماعة

ولم يوجب إلا كفارة واحدة ودية والدية لا تتعدد فكذلك الكفارة ولأنها كفارة قتل فلم تتعدد بتعدد القاتلين مع اتحاد المقتول ككفارة الصيد الحرمي

ولنا إنها لا تتبعض وهي من موجب قتل الآدمي فكملت في حق كل واحد من المشتركين كالقصاص

وتخالف كفارة الصيد فإنها تجب بدلا ولهذا تجب في أبعاضه وكذلك الدية

فصل إذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينا ميتا فعليه الكفارة به قال الحسن وعطاء والزهري والنخعي والحاكم وحماد ومالك والشافعي وإسحاق

وقال أبو حنيفة لا تجب وقد مضت هذه المسألة في دية الجنين

فصل والمشهور في المذهب أنه لا كفارة في قتل العمد وبه قال الثوري ومالك وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية أخرى تجب فيه الكفارة وحكي ذلك عن الزهري

وهو قول الشافعي لما روى واثلة بن الأسقع قال أتينا النبي صلى الله عليه وسلم بصاحب لنا قد أوجب بالقتل

فقال أعتقوا عنه رقبة يعتق الله تعالى بكل عضو منها عضوا منه من النار ولأنها إذا وجبت في قتل الخطأ ففي العمد أولى

لأنه أعظم إثما وأكبر جرما وحاجته إلى تكفير ذنبه أعظم

ولنا مفهوم قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 ثم ذكر قتل العمد ولم يوجب فيه كفارة وجعل جزاءه جهنم

فمفهومه أنه لا كفارة فيه وروي أن سويد بن الصامت قتل رجلا فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم القود ولم يوجب كفارة وعمرو بن أمية الضمري قتل رجلين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فوداهما النبي صلى الله عليه وسلم ولم يوجب كفارة ولأنه فعل يوجب القتل فلا يوجب كفارة كزنا المحصن وحديث واثلة يحتمل أنه كان خطأ وسماه موجبا أي فوت النفس بالقتل ويحتمل أنه كان شبه عمد

ويحتمل أنه أمرهم بالإعتاق تبرعا ولذلك أمر غير القاتل بالإعتاق وما ذكروه من المعنى لا يصح لأنها وجبت في الخطأ فتمحو إثمه لكونه لا يخلو من تفريط

فلا يلزم من ذلك إيجابها في موضع عظم الإثم فيه بحيث لا يرتفع بها إذا ثبت هذا فلا فرق بين العمد الموجب للقصاص وما لا قصاص فيه كقتل الوالد ولده والسيد عبده والحر العبد والمسلم الكافر لأن هذا من أنواع العمد

فصل وتجب الكفارة في شبه العمد ولم أعلم لأصحابنا فيه قولا لكن مقتضى الدليل ما ذكرناه


403

ولأنه أجري مجرى الخطأ في نفي القصاص وحمل العاقلة ديته وتأجيلها في ثلاث سنين فجرى مجراه في وجوب الكفارة ولأن القاتل إنما لم يحمل شيئا من الدية لتحمله الكفارة

فلو لم تجب عليه الكفارة تحمل من الدية لئلا يخلو القاتل عن وجوب شيء أصلا ولم يرد الشرع بهذا

فصل وكفارة القتل عتق رقبة مؤمنة بنص الكتاب سواء كان القاتل أو المقتول مسلما أو كافرا

فإن لم يجدها في ملكه فاضلة عن حاجته أو يجد ثمنها فاضلا عن كفايته فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وهذا ثابت بالنصف أيضا فإن لم يستطع ففيه روايتان إحداهما يثبت الصيام في ذمته ولا يجب شيء آخر

لأن الله تعالى لم يذكره ولو وجب لذكره

والثاني يجب إطعام ستين مسكينا لأنها كفارة فيها عتق وصيام شهرين متتابعين فكان فيها إطعام ستين مسكينا عند عدمها ككفارة الظهار والفطر في رمضان

وإن لم يكن مذكورا في نص القرآن فقد ذكر ذلك في نظيره فيقاس عليه

فعلى هذه الرواية إن عجز عن الإطعام ثبت في ذمته حتى يقدر عليه وللشافعي قولان في هذا كالروايتين والله أعلم

مسألة

قال ( وما أوجب القصاص فلا يقبل فيه إلا عدلان )

وجملته أن ما أوجب القصاص في نفس كالقتل العمد العدوان من المكافىء أو في طرف كقطعه من مفصل عمدا ممن يكافئه فلا يقبل فيه إلا شهادة رجلين عدلين ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين ولا شاهد ويمين الطالب لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا وذلك لأن القصاص إراقة دم عقوبة على جناية فيحتاط له باشتراط الشاهدين العدلين كالحدود وسواء كان القصاص يجب على مسلم أو كافر أو حر أو عبد لأن العقوبة يحتاط لدرئها

وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى أنه لا يقبل في الشهادة على القتل إلا شهادة أربعة

وهذا مذهب الحسن لأنها شهادة يثبت بها القتل فلم يقبل أقل من أربعة كالشهادة على الزنا من المحصن

ولنا إنه أحد نوعي القصاص فيقبل فيه اثنان كقطع الطرف وفارق الزنا فإنه مختص بهذا وليست العلة كونه قتلا بدليل وجوب الأربعة في زنا البكر ولا قتل فيه ولأنه انفرد بوجوب الحد على الرامي به والشهود وإذا لم تكمل شهادتهم فلم يجز أن يلحق به ما ليس مثله

مسألة

قال ( وما أوجب من الجنايات المال دون القود قبل فيه رجل وامرأتان أو رجل عدل مع يمين الطالب )

وجملته أن ما كان موجبه المال كقتل الخطأ وشبه العمد في حق من لا يكافئه والجائفة والمأمومة وما دون الموضحة وشريك الخطائ وأشباه هذا فإنه يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وشهادة عدل ويمين الطالب وهذا مذهب الشافعي وقال أبو بكر لا يثبت أيضا إلا بشهادة عدلين ولا تسمع فيه شهادة النساء ولا شاهد يمين


404

لأنها شهادة على قتل أو جناية على آدمي فلم تسمع من النساء كالقسم الأول يبين صحة هذا أنه ما لم يكن للنساء مدخل في القسامة في العمد ولم يكن لهن مدخل في القسامة على الخطأ وشبه العمد الموجب للمال فيدل هذا على أنهن لا مدخل لهن في الشهادة على دم بحال

ولنا إنها شهادة على ما يقصد به المال على الخصوص فوجب أن تقبل كالشهادة على البيع والإجارة وفارق قتل العمد فإنه موجب للعقوبة التي يحتاط بإسقاطها فاحتيط في الشهادة على أسبابها وفي مسألتنا المقصود تقبل شهادتين فيه فقبلت شهادتهن على سببه

فصل ولو ادعى جناية عمد وقال عفوت عن القصاص فيها لم يقبل فيه شاهد وامرأتان لأنه إنمنا يعفو عن شيء ثبت له ولا يثبت ذلك القتل بتلك الشهادة وإن ثبت القتل إما بشاهدين أو بإقرار المدعى عليه صح العفو لأن الحق ثبت له بوجود القتل وإنما خفي ثبوته عمن لم يعلم ذلك فإذا علم ذلك علم أنه كان ثابتا من حين وجد القتل فيكون العفو مصادفا لحقه الثابت فينفذ كما لو أعتق عبدا ينازعه فيه منازع ثم ثبت أنه كان ملكه حين العتق

فصل ولو ادعى جناية عمد وقال عفوت عن القصاص فيها لم يقبل فيه شاهد وامرأتان لأنه إنما يعفو عن شيء ثبت له ولا ثبت ذلك القتل بتلك الشهادة وإن ثبت القتل إما بشاهدين أو بإقرار المدعى عليه صح العفو لأن الحق ثبت له بوجود القتل وإما بشاهدين أو بإقرار المدعى عليه صح العفو لأن الحقب ثبت له بوجود القتل وإنما خفي ثبوته عمن لم يعلم ذلك فإذا علم ذلك علم أنه كان ثابتا من حين وجد القتل فيكون العفو مصادفا لحقه الثابت فينفذ كما لو أعتق عبدا ينازعه فيه منازع ثم ثبت أنه كان ملكه حين العقت

فصل ولا يثبت القتل بالشهادة إلا مع زوال الشبهة في لفظ الشاهدين نحو أن يقولا نشهد أنه ضربه فقتله أو فمات منه فإن قالا ضربه بالسيف فمات أو فوجدناه ميتا أو فمات عقيبه أو قالا ضربه بالسيف فاسأل دمه أو فأنهر دمه فمات مكانه لم يثبت القتل لجواز أن يكون مات عقيب الضرب بسبب آخر قود روي عن شريح أنه شهد عنده رجل بالقتل فقال أشهد أنه اتكأ عليه بمرفقه فمات فقال له شريح فمات منه فأعاد الرجل قوله الأول فقال له شريح قم فلا شهادة لك وإن كانت الشهادة بالجرح فقالا ضربه فأوضحه أو فاتضح منه أو فوجدناه موضحا من الضربة قبلت شهادتهما وإن قالا ضربه فاتضح رأسه أو وجدناه موضحا أو فاسأل دمه ووجدنا في رأسه موضحة لم يثبت الإيضاح لجواز أن يتضح عقيب ضربه بسبب آخر ولا بد من تعيين الموضحة في إيجاب القصاص لأنه إن كان في رأسه موضحتان فيحتاجان إلى بيان ما شهدا به منهما وإن كانت واحدة فيحتمل أن يكون قد أوسعها غير المشهود عليه فيجب أن يعينها الشاهدان فيقولان هذه وإن قالا أوضحه في موضع كذا من رأسه موضحة قدر مساحتها كذا وكذا قبلت شهادتهما وإن قالا لا نعلم قدرها أو موضعها لم يحكم بالقصاص لأنه يعتذر مع الجهالة وتجب الدية لأنها لا تختلف باختلافها وإن قالا ضرب رأسه فأسال دمه كانت بازلة وإن قالا فسال دمه لم يثبت شيء لجواز أن يسيل دمه بسبب آخر وإن قالا نشهد أنه ضرب فقطع يده ولم يكن أقطع اليدين قبلت شهادتهما وثبت القصاص لعدم الاشتباه وإن كان أقطع اليدين ولم يعينا المقطوعة لم يثبت القصاص لأنهما لم يعينا اليد التي يجب القصاص منها وتجب دية اليدين لأنها لا تختلف باختلاف اليدين

فصل إذا شهد أحدهما أنه أقر بقتله عمدا وشهد الآخر أنه أقر بقتله ولم يقل عمدا ولا خطأ ثبت


405

القتل لأن البينة قد تمت عليه ولم تثبت صفته لعدم تمامها عليه ويسأل المشهدو عليه عن صفته فإن أنكر أصل القتل لم يقبل إنكاره لقيام البينة به وإن أقر بقتل العمد ثبت بإقراره وءن أقر بقتل الخطأ وأنكر الولي فالقول قول القاتل وهل يستحلف على ذلك ويخرج فيه وجهان وإن صدقه الولي على الخطأ ثبت عليه وإن أقر بقتل العمد وكذبه الولي وقال بل كان خطأ لم يجب القود لأن الولي لا يدعيه وتجب دية الخطأ ولا تحمل العاقلة شيئا من ديته في هذه المواضع كلها وتكون في ماله لأنها لم تثبت ببينة وفي بعضها القاتل مقر بأنها في ماله دون مال عاقلته وإن قال أحد الشاهدين أشهد أنه أقر بقتله عمدا وقال الآخر أشهد أنه أقر بقتله خطأ ثبت القتل أيضا لأنه لا تنافي بين شهادتيهما لأنه يجوز أن يقر عند أدهما بقتلا العمد ويقر عند الآخر بقتل الخطأ فثبت إقراره بالقتل دون صفته ويطالب ببيان صفته على ما ذكرنا في التي قبلها وإن شهد أحدهما أنه قتله عمدا وشهد الآخر أنه قتله خطأ ثبت القتل أيضا دون صفته ويطالب ببيان صفته على ما ذكرنا لأن الفعل قد يعتقده أحدهما خطأ والآخر عشية وقال أحدهما قتله بسيف وقال الآخر بصعا لم تتم الشهادة ذكره القاضي لأن كل واحد منهما يخالف صاحبه ويكذبه وهذا مذهب الشافعي وقال أبو بكر يثبت القتل بذلك لأنهما اتفقا على القتل واختلفا في صفته فأشبه التي قبلها والأول أصح لأن كل واحد من الشاهدين يكذب صاحبه فإن القتل غدوة غير القتل عشية ولا يتصور أن يقتل غدوة ثم يقتل عشية ولا أني قتل بسيف ثم يقتل بعصا بخلاف العمد والخطؤ لأن الفعل واحد والخلاف في نيته وقصده وقد يخفى ذلك على أحدهما دون الآخر وإن شهد أحدهما أنه قتله وشهد الآخر أنه أقر بقتله ثبت القتل نص عليه أحمد واختاره أبو بكر واختار القاضي أنه لا يثبت وهو مذهب الشافعي لأن أحدهما شهد بغير ما شهد به الآخر فلم تتفق شهادتهما على فعل واحد

ولنا إن الذي أقر به هو القتل الذي شهد به الشاهد فلا تنافي بينهما فيثبت بشهادتهما كما لو شهد أحدهما بالقتل عمدا والآخر بالقتل خطأ أو كما لو شهد أحدهما أن له عليه ألفا وشهد الآخر أنه أقر بألف له

فصل إذا قتل رجل عمدا قتلا يوجب القصاص سواء كان الشاهد عدلا أو فاسقا لأن شهادته تضمنت سقوط حقه من القصاص وقوله مقبول في ذلك فإن أحد الوليين إذا عفا عن حقه سقط القصاص كله ويشبه هذا ما لو كان عبد بين شريكين فشهد أحدهما أن شريكه أعتق نصيبه وهو موسى عتق نصيبه وإن أنكره الآخر فإن كان الشاهد بالعفو عن القصاص والما للم يسقط المال لأن الشاهد اعترف أن نصيبه سقط بغير اختياره فأما نصيب المشهود عليه فإن كان الشاهد ممن لا تقبل شهادته فالقول قول المشهود عليه مع يمينه فإذا حلف ثبت حصته من الدية وءن كان الشاهد مقبول القول حلف الجاني معه وسقط عنه الحق المشهود عليه ويحلف الجاني أنه عفا عن الدية ولا يحتاج إلى ذكر العفو عن القصاص لأنه قد أسقط بهشادة الشاهد فلا يحتاج إلى ذكره في اليمين ولأنه إنما يحلف على ما يدعى عليه ولا يدعى عليه غير الدية


406

فصل وإذا جرح رجل فشهد له رجلان من ورثته غير الوالدين والمولودين نظرت فإن كانت الجرح مندملة فشهادتهما مقبولة لأنهما لا يجران إلى أنفسهما نفعا وإن كانت غير مندملة لم يحكم بشهادتهما لجواز أن تصير نفسا فتجب الدية لهما بشهادتهما فإن شهدا في تلك الحال وردت شهادتهما ثم اندملت فأعادا شهادتهما فهل تقبل على وجهين أحدهما لا تقبل لأن الشهادة ردت التهمة فلا تقبل وإن زالت التهمة كالفاسق إذا أعاد شهادته المردودة بعد عدالته

والثاني تقبل لأن سبب التهمة قد تحقق زواله وللشافعي وجهان كهذين وإن شهد وارثا المريض بمال ففي قبول شهادتهما له وجهان أحدهما تقبل لأنهما يثبتان المال للمريض وإن مات انتقل إليهما عنه فأشبهت الشهادة للصحيح بخلاف الجناية فإنها إذا صارت نفسا وجبت الدية لهما به

والوجه الثاني لا تقبل لأنه متى ثبت المال للمريض تعلق حق ورثته به ولهذا لا ينفذ تبرغه فيه فيما زاد على الثلث وإن شهد للمجروح بالجرح من لا يرثه لكونه محجوبا كالأخوين يشهدان لأخيهما وله ابن سمعت شهادتهما فإن مات ابنه نظرت فإن كان الحاكم يحكم بشهادتهما لم ينتقض حكمه لأن ما يطرأ بعد الحكم بالشهادة لا يؤثر فيها كالفسف وإن كان ذلك قبل الحكم بالشهادة لم يحكم بها لأنهما صارا مستحقين فلا يحكم بشهادتهما كما لو فسق الشاهدان قبل الحكم بشهادتهم وإن شهد على رجل بالجراح الموجبة للدية على العاقلة كجراحة العمد أو العبد سمعت شهادت العاقلة بجرح الشهود لأنهما لا يدفعان عن أنفسهما ضررا فإن موجب هذه الجراحة القصاص أو المال في ذمة الجاني وكذلك إن كان الشاهدان يشهدان على إقراره بالجرح لأن العاقلة لا تحمل الاعتراف وإن كانت شهادتهما بجراح عقله دون ثلث الدية خطأ نظرنا فإن كانت شهادة العاقلة بجرح الشهود قبل الاندمال لم تقبل لأنها ربما صارت نفسا فتحملها العاقلة وإن كانت بعده قبلت لأنها لا تحمل ما دون الثلث وإن كان الشاهدان بالجرح ليسا من العاقلة في الحال وإنما يصيران من العاقلة التي تتحمل أن لو مات من هو أقرب منهما قبلت شهادتهما ذكره القاضي لأنهما ليسا من العاقلة وإنما يصيران منها بموت القريب والظاهر حياته وفارق الفقير إذا شهد لأن الغني ليست عليه أمارة فإن المال غاد ورائح ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله على نحوما ذكرنا ويحتمل أن يسوى بين المسلمين لأن كل واحد منهما ليس من العاقلة في الحال وإنما يصير منها بحدوث أمر لم يتفق الآن سببه فهما سواء واحتمال غنى الفقير كاحتمال موت الحي بل الموت أقرب فإنه لا بد منه وكل حي ميت وكل نفس ذائقة المت وليس كل فقير يستغني فما ثبت في إحدى الصورتين ثبت في الأخرى فيثبت فيهما جميعا وجهان بأن ينقل حكم كل واحدة من الصورتين إلى الأخرى

فصل إذا شهد رجلان على رجلين أنهما قتلا رجلا ثم شهد المشهود عليهما على الأولين أنهما اللذان قتلاه فصدق الولي الأولين وكذب الآخرين وجب القتل عليهما لأن الولي يكذبهما وهما يدفعان


407

بشهادتهما عن أنفسهما ضررا وإن صدق الآخرين وحدهما بطلت شهادة الجميع لأن الأولين بذلت شهادتهما لتكذيبه لهما ورجوعه عما شهدا له به والآخران لا تقبل شهادتهما لأنهما عدوان للأولين ولأنهما يددعان عن أنفسهما ضررا وإن صدق الجميع بطلت شهادتهم أيضا لأنه بتصديق الأولين مكذب للآخرين وتصديقه للآخرين تكذيب للأولين وهما متهمان لما ذكرناه فإن قيل كيف نتصور هذه المسألة والشهادة إنما تكون بعد الدعوى فكيف يتصور فرض تصديقهم وتكذيبهم قلنا قد يتصور أن يشهدوا قبل الدعوى إذا لم يعلم الولي من قتله ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قالا خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها وهذا معنى ذلك