كتاب المغني ج9


3

كتاب قتال أهل البغي

والأصل في هذا الباب قول الله سبحانه وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله الحجرات 9 إلى قوله إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم الحجرات 10

ففيها خمس فوائد أحدها أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الإيمان فإنه سماهم مؤمنين

الثانية أنه أوجب قتالهم

الثالثة أنه أسقط قتالهم إذا قاموا إلى أمر الله الرابعة أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم

الخامسة أن الآسة أفادة جواز قتال كل من منع حقا عليه وروى عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أعطى إماما صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر رواه مسلم وروى عرفجة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ستكون هناتن وهنات ورفع صوته ألا ومن خرج على أمتي وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان فكل من ثبتت إمامته وجبت طاعته وحرم الخروج عليه وقتاله لقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم النساء 59

وروى عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية رواه ابن عبد البر من حديث أبي هريرة وأبي ذر وابن عباس كلها بمعنى واحد وأجمعت الصحابة رضي الله عنهم على قتال البغاة فإن أبا بكر رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة وعلي قاتل أهل الجمل وصفين وأهل النهروان والخارجون عن قبضة الإمام أصناف أربعة أحدهما قوم امتنعوا وخرجوا عن طاعته وخرجوا عن قبضته بغير تأويل فهؤلاء قطاع طريق ساعون في الأرض بالفساد يأتي حكمهم في باب مفرد

الثاني قوم لهم تأويل إلى أنهم نفر يسير لا منعة لهم كالواحد والاثنين والعشرة ونحوهم فهؤلاء قطاع طريق في قول أكثر أصحابنا وهو مذهب الشافعي لأن ابنملجم لما جرح عليا قال للحسن إن برئت رأيت رأيي وإن مت فلا تمثلوا به فلم يثبت لفعله حكم البغاة ولأننا لو أثبتنا للعدد اليسير حكم البغاة في سقوط ضمان ما أتلفوه أفضى إلى أتلاف أموال الناس وقال أبو بكر لا فرق بين الكثير والقليل وحكم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الإمام

الثالث الخوارج الذين يكفرون بالذنب ويكفرون عمان وعليا وطلحة والزبير وكثيرا من الصحابة ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم إلا من خرج معهم فظاهر قول الفقهاء من أصحابنا المتأخرين أنهم بغاة


4

حكمهم حكمهم وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور الفقهاء وكثير من أهل الحديث ومالك يرى استتابتهم فإن تابوا وإلا قتلوا على إفسادهم لا على كفرهم وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار مرتدون حكمهم حكم المرتدين وتباح دماؤهم وأموالهم فإن تحيزوا في مكان وكانت لهم منعة وشوكة صاروا أهل حرب كسائر الكفار وإن كانوا في قبضة الإمام استتابهم كاستتابة المرتدين فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم وكانت أموالهم فيئا لا يرثهم ورثتهم المسلمين لما روى أبو سعيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يرى شيئا وينظر في القدح فلا يرى شيئا وينظر في الريش فلا يرى شيئا ويتمارى في الفوق رواه مالك في موطئه والبخاري في صحيحه وهو حديث صحيح ثابت الإسناد وفي لفظ قال يخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتهم فاقتلهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة رواه البخاري وروى معناه من وجوه يقول فكما خرج هذا السهم نقيا خاليا من الدم والفرق لم يتعلق منها بشيء كذلك خروج هؤلاء من الدين يعني الخوارج وعن أبي أمامة أنه رأى رؤوسا منصوبة على درج مسجد دمشق فقال كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه ثم قرأ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه آل عمران 106

إلى آخر الآية فقيل له أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا حتى عد سبعا ما حدثتكموه قال الترمذي هذا حديث حسن ورواه ابن ماجه عن سهل عن ابن عيينة عن أبي غالب أنه سمع أبا أمامة يقول شر قتى قتلوا تحت أديم السماء وخير قتلى من قتلوا كلاب أهل النار كلاب أهل النار كلاب أهل النار قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفارا قلت يا أبا أمامة هذا شيء تقوله قال بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

وعن علي رضي الله عنه في قوله تعالى قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الكهف 103

قال هم أهل النهروان وعن أبي سعيد في حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هم شر الخلق والخليقة لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وقال لا يجاوز إيمانهم حناجرهم وأكثر الفقهاء على أنهم بغاة ولا يرون تكفيرهم قال ابن المنذر لا أعلم أدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم وجعلهم كالمرتدين وقال ابن عبد البر في الحديث الذي روينان قوله يتمارى في الفوق يدل على أنه لم يكفرهم لأنهم علقوا من الإسلام بشيء بحيث يشك في خروجهم منه وروي عن علي أنه لما قاتل أهل النهر قال لأصحابه لا تبدؤوهم بالقتال وبعث إليهم أقيدونا بعبد الله بن خباب قالوا كلنا قتله فحينئذ استحل قتالهم لإقرارهم على أنفسهم بما يوجب قتلهم وذكر ابن عبد البر عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن أهل النهر أكفارهم قال من الكفر فروا قيل فمنافقون قال إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا قيل فما هم قال هم قوم أصابتهم فتنة لعموا فيها وصموا وبغوا علينا وقاتلونا فقاتلناهم ولما جرحه ابن ملجم قال للحسن أحسنوا إساره فإن عشت فأنا ولي دمي وإن مت فضربة كضربتي وهذا رأي عمر بن عبد العزيز فيهم وكثير من العلماء


5

والصحيح إن شاء الله أن الخوارج يجوز قتلهم ابتداء والإجازة على جريحهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم ووعده بالثواب من قتلهم فإن عليا رضي الله عنه قال لولا أن ينظروا لحدثتكم بما وعد الله الذي يقتلونهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ولأن بدعتهم وسوء فعلهم يقتضي حل دمائهم بدليل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من عظم ذنبهم وأنهم شر الخلق والخليقة وأنهم يمرقون من الدين وأنهم كلاب النار وحثه على قتلهم وإخباره بأنه لو أدركهم لقتلهم قتل عاد فلا يجوز إلحاقهم بمن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكف عنهم وتورع كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتالهم ولا بدعة فيهم

الصنف الرابع قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الإمام ويرومون خلعه لتأويل سائغ وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش فهؤلاء البغاة الذين نذكر في هذا الباب حكمهم وواجب على الناس معونة أمامهم في قتال البغاة لما ذكرنا في أولى الباب ولأنهم لو تركوا معونته لقهره أهل البغي وظهر الفساد في الأرض

مسألة

قال أبو القاسم رحمه الله ( وإذا اتفق المسلمون على إمام فمن خرج عليه من المسلمين يطلب موضعه حوربوا ودفعوا بأسهل ما يندفعون به )

وجملة الأمر أن من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت إمامته ووجبت معونته لما دكرنا من الحديث والإجماع وفي معناه من ثبتت إمامته بعهد النبي صلى الله عليه وسلم أو بعده إمام قبله إليه فإن أبا بكر ثبتت إمامته بإجماع الصحابة على بيعته وعمر ثبتت إمامته بعهد أبي بكر إليه وأجمع الصحابة على قبوله ولو خرج رجل على الإمام فقهره وغلب الناس بسيفه حتى أقروا له وأذعنوا بطاعته وتابعوه صار إماما يحرم قتاله والخروج عليه فإن عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزبير فقتله واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعا وكرها فصار إماما يحرم الخروج عليه وذلك لما في الخروج عليه من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم ويدخل الخارج عليه في عموم قوله عليه السلام من خرخ على أمتي وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان فمن خرج على من ثبتت إمامته بأحد هذه الوجوه باغيا وجب قتاله ولا يجوز قتالهم حتى يبعث إليهم من يسألهم ويكشف لهم الصواب إلا أن يخاف كلبهم فلا يمكن ذلك في حقهم فأما إن أمكن تعريفهم عرفهم ذلك وأزال ما يذكرونه من المظالم وأزال حججهم فإن لجوا قاتلهم حينئذ لأن الله تعالى بدأ بالأمر بالإصلاح قبل القتال فقال سبحانه وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله الحجرات 9

وروي أن عليا رضي الله عنه راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل ثم أمر أصحابه بأن لا يبدؤوهم بالقتال ثم قال إن هذا يوم من فلح فيه فلح يوم القيامة ثم سمعهم يقولون الله أكبر يا لثارات عثمان فقال اللهم أكب قتلة عثمان لوجوههم وروى عبد الله بن شداد بن الهاد أن عليا لما اعتزلته الحرورية بعث إليهم عبد الله بن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف فإن أبوا الرجوع وعظهم وخوفهم القتال وإنما كان كذلك لأن المقصود كفهم ودفع شرهم لا قتلهم فإذا أمكن بمجرد القول كان أولى من القتال لما فيه من الضرر بالفريقين فإن سألوا الإنظار نظر في حالهم وبحث في أمرهم فإن بان له أن قصدهم الرجوع إلى الطاعة ومعرفة الحق


6

أمهلهم قال ابن المنذر أجمع كل من أفظ عنه من أهل العلم فإن كان قصدهم الاجتماع على قتاله وانتظار مدد يقوون به أو خديعة الإمام أو ليأخذوه على غرة ويفترق عسكره لم ينظرهم وعاجلهم لأنه لا يأمن أن يصير هذا طريقا إلى قهر أهل العدل ولا يجوز هذا وإن أعطوه عليه مالا لأنه لا يجوز أن يأخذ المال على إقرارهم على ما لا يجوز إقرارهم عليه وإن بذل له رهائن على إنظارهم لم يجز أخذها لذلك ولأن الرهائن لا يجوز قتلهم لغدر أهلهم فلا يفيد شيئا وإن كان في أيديهم أسرى من أهل العدل وأعطوا بذلك رهائن منهم قبلهم الإمام واستظهر للمسلمين فإن أطلقوا أسرى المسلمين الذين عندهم أطلقت رهائنهم وإن قتلوا من عندهم لم يجز قتل رهائنهم لأنهم لا يقتلون بقتل غيرهم فإذا انقضت الحرب خلي الرهائن كما تخلى الأسارى منهم وإن خاف الإمام على الفئة العادلة الضعف عنهم أخر قتالهم إلى أن تمكنه القوة عليهم لأنه لا يؤمن الاصطلام والاستئصال فيؤخرهم حتى تقوى شوكة أهل العدل ثم يقاتلهم وإن سألوه أن ينظرهم أبدا ويدعهم وما هم عليه ويكفوا عن المسلمين نظرت فإن لم يعلم قوته عليهم وخاف قهرهم له إن قاتلهم تركهم وإن قوي عليهم لم يجز إقرارهم على ذلك لأنه لا يجوز أن يترك بعض المسلمين طاعة الإمام ولا تؤمن قوة شوكتهم بحيث يفضي إلى قهر الإمام العادل ومن معه ثم إن أمكن دفعهم دون القتل لم يجز قتلهم لأن المقصود دفعهم لأهلهم ولأن المقصود إذا حصل بدون القتل لم يجز القتل من غير حاجة وإن حضر معهم من لا يقاتل لم يجز قتله وقال أصحاب الشافعي فيه وجه آخر يجوز لأن عليا رضي الله عنه نهى أصحابه عن قتل محمد بن طلحة السجاد وقال إياكم وصاحب البرنس فقتله رجل وأنشأ يقول وأشعث قوام بآيات ربه قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه فخر صريعا لليدين وللفم على غير شيء غير أن ليس تابعا عليا ومن لم يتبع الحق يظلم يناشدني حم والرمح شاجر فهلا تلا حم قبل التقدم وكان السجاد حامل راية أبيه ولم يكن يقاتل فلم ينكر علي قتله ولأنه صار ردءا لهم

ولنا قول الله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم النساء 93

والأخبار الواردة في قتل المسلم والإجماع على تحريمه وإنما خص من ذلك ما حصل ضرورة دفع الباغي والصائل ففيما عداه يبقى على العموم والإجماع فيه ولهذا حرم قتل مدبرهم وأسيرهم والإجهاز على جريحهم مع أنهم إنما تركوا القتال عجزا عنه ومتى ما قدروا عليه عادوا إليه فمن لا يقاتل تورعا عنه مع قدرته عليه ولا يخاف منه القتال بعد ذلك أولى ولأنه مسلم لم يحتج إلى دفعه ولا صدر منه أحد الثلاثة فلم يحل دمه لقوله عليه السلام لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث فأما حديث علي في نهيه عن قتل السجاد فهو حجة عليه فإن نهي علي أولى من فعل من خالفه ولا يتمثل قول الله تعالى ولا قول رسوله ولا قول إمامه وقولهم لم ينكر قتلهم قلنا لم ينقل إلينا أن عليا علم حقيقة الحال في قتله ولا حضر


7

قتله فينكره وقد جاء أن عليا رضي الله عنه حين طاف في القتلى رآه فقال السجاد ورب الكعبة هذا الذي قتله بره بأبيه وهذا يدل على أنه لم يشعر بقتله ورأى كعب بن سور فقال يزعمون إنما خرج إلينا الرعاع وهذا الحبر بين أظهرهم ويجوز أن يكون تركه الإنكار عليهم اجتزاء بالنهي المتقدم ولأن القصد من قتالهم كفهم وهذا كاف لنفسه فلم يجز قتله كالمنهزم

فصل وإذا قاتل معهم عبيد ونساء وصبيان فهم كالرجل البالغ الحر يقاتلون مقبلين ويتركون مدبرين لأن قتالهم للدفع ولو أراد أحد هؤلاء قتل إنسان جاز دفعه وقتاله وإن أتى على نفسه ولذلك قلنا في أهل الحرب إذا كان معهم النساء والصبيان يقاتلون قوتلوا وقتلوا

فصل ولا يقاتل البغاة بما يعم إتلافه كالنار والمنجنيق والتغريق من غير ضرورة ولأنه لا يجوز قتل من لا يقاتل وما لا يعم إتلافه يقع على من يقاتل ومن لا يقاتل فإذا دعت إلى ذلك ضرروة مثل أن يحتاط بهم البغاة ولا يمكنهم التخلص إلا برميهم بما يعم إتلافه جاز ذلك وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة إذا تحصن الخوارج فاحتاج الإمام إلى رميهم بالمنجنيق فعل ذلك بهم ما كان لهم عسكر وما لم ينهزموا وإن رماهم البغاة بالمنجنيق والنار جاز رميهم بمثله

فصل قال أبو بكر وإذا اقتتلت طائفتان من أهل البغي فقد الإمام على قهرهما لم يعن واحدة منهما لأنهما جميعا على الخطأ وإن عجز عن ذلك وخاف اجتماعهما على حربة ضم إليه أقربهما إلى الحق فإن استويا اجتهد برأيه في ضم إحداهما ولا يقصد بذلك معونة إحداهما بل الاستعانة على الأخرى فإذا هزمها لم يقاتل من معه حتى يدعوهم إلى الطاعة لأنهم قد حصلوا في أمانه وهذا مذهب الشافعي ولا يستعين على قتالهم بالكفار بحال ولا بمن يرى قتلهم مدبرين وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي لا بأس أن يستعين عليهم بأهل الذمة والمستأمنين وصنف آخر منهم إذا كان أهل العدل هم الظاهرين على من يستعينون به

ولنا إن القصد كفهم وردهم إلى الطاعة دون قتلهم وإن دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم فإن كان يقدر على كفهم استعان بهم وإن لم يقدر لم يجوز

فصل وإذا أظهر قوم رأي الخوارج مثل تكفير من ارتكب كبيرة وترك الجماعة واستحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا أنهم لم يخرجوا عن قبضة الإمام ولم يسفكوا الدم الحرام فحكى القاضي عن أبي بكر أنه لا يحل بذلك قتلهم ولا قتالهم وهذا قول أبي حنيقة والشافعي وجمهور أهل الفقه وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز فعلى هذا حكمهم في ضمان النفس والمال حكم المسلمين وإن سبوا الإمام أو غيره من أهل العدل عزروا لأنهم ارتكبوا محرما لا حد فيه وإن عرضوا بالسب فهل يعزرون على وجهين وقال مالك في الإباضية وسائر أهل البدع يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم قال إسماعيل بن إسحاق رأى مالك قتل الخوارج وأهل القدر


8

من أجل الفساد الداخل في الدين كقطاع الطريق فإن تابوا وإلا قتلوا على إفسادهم وأما من رأى تكفيرهم فمقتضى قوله إنهم يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا لكفرهم كما يقتل المرتد وحجتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم وقوله عليه السلام لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وقوله صلى الله عليه وسلم في الذي أنكر عليه وقال إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله لأبي بكر اذهب فاقتله ثم قال لعمر مثل ذلك فأمر بقتله قبل قتاله وهو الذي قال يخرج من ضئضىء هذا قوم يعني الخوارج وقول عمر لصبيغ لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف يعني لقتلتك وإنما يقتله لكونه من الخوارج فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيماهم التسبيد يعني حلق رؤوسهم واحتج الأولون بفعل علي رضي الله عنه فإنه روي عنه أنه كان يخطب يوما فقال رجل بباب المسجد لا حكم إلا لله فقال علي كلمة حق أريد بها باطل ثم قال لكم علينا ثلاث لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله تعالى ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا ولا نبدؤكم بقتال وروى أبو يحيى قال صلى علي رضي الله عنه صلاة فناداه رجل من الخوارج لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين الزمر 65

فأجابه علي رضي الله عنه فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون الروم 60

وكتب عدي بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز إن الخوارج يسبونك فكتب إليه إن سبوني فسبوهم أو اعفوا عنهم وإن شهروا السلاح فاشهروا عليهم وإن ضربوا فاضربوا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للمنافقين الذين معه في المدينة فلأن لا يتعرض لغيرهم أولى وقد روي في خبر الخارجي الذي أنكر عليه أن خالدا قال يا رسول الله ألا أضرب عنقه قال لعله يصلي قال رب مصل لا خير فيه قال إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس

مسألة

قال ( فإن آل ما دفعوا به إلى أنفسهم فلا شيء على الدافع وإن قتل الدافع فهو شهيد )

وجملته أنه إذا لم يكن دفع أهل البغي إلا بقتلهم جاز قتلهم ولا شيء على من قتلهم من إثم ولا ضمان ولا كفارة لأنه فعل ما أمر به وقتل من أحل الله قتله وأمر بمقاتلته وكذلك ما أتلفه أهل العدل على أهل البغي حال الحرب من المال لا ضمان فيه لأنهم إذا لم يضمنوا الأنفس فالأموال أولى فإن قتل العادل كان شهيدا لأنه قتل في قتال أمر الله تعالى به بقوله فقاتلوا التي تبغي الحجرات 9

وهل يغسل ويصلى عليه فيه روايتان إحداهما لا يغسل ولا يصلى عليه لأنه شهيد معركة أمر بالقتال فيها فأشبه شهيد معركة الكفار

والثانية يغسل ويصلى عليه وهو قول الأوزاعي وابن المنذر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة على من قال لا إله إلا الله واستثنى قتيل الكفار في المعركة ففيما عداه يبقى يبقى على الأصل ولأن شهيد معركة الكفار أجره أعظم وفضله أكثر وقد جاء أنه يشفع في سبعين من أهل بيته وهذا لا يلحق به في فضله فلا يثبت فيه مثل حكمه فإن الشيء إنما يقاس على مثله


9

فصل وليس على أهل البغي أيضا ضمان ما أتلفوه حال الحرب من نفس ولا مال وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه وفي الآخر يضمنون ذلك لقول أبي بكر لأهل الردة تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم ولأنها نفوس وأموال معصومة أتلفت بغير حق ولا ضرورة دفع مباح فوجب ضمانه كالذي تلفت في غير حال الحرب

ولنا ما روى الزهري أنه قال كانت الفتنة العظمى بين الناس وفيهم البدريون فأجمعوا على أن لا يقام حد على رجل ارتكب فرجا حراما بتأويل القرآن ولا يغرم ما لا أتلفه بتأويل القرآن ولأنها طائفة ممتنعة بالحرب بتأويل سائغ فلم تضمن ما أتلفت على الأخرى كأهل العدل ولأن تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة فلا يشرع كتضمين أهل الحرب فأما قول أبي بكر رضي الله عنه فقد رجع عنه ولم يمضه فإن عمر قال له أما أن يدوا قتلانا فلا فإن قتلانا قتلوا في سبيل الله تعالى على ما أمر الله فوافقه أبو بكر ورجع إلى قوله فصار أيضا إجماعا حجة لنا ولم ينقل أنه غرم أحدا شيئا من ذلك وقد قتل طليحة عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم ثم أسلم فلم يغرم شيئا ثم لو وجب التغريم في حق المرتدين لم يلزم مثله ها هنا فإن أولئك كفار لا تأويل لهم وهؤلاء طائفة من المسلمين لهم تأويل سائغ فكيف يصح إلحاقهم به فأما ما أتلفه بعضهم على بعض في غير حال الحرب قبله أو بعده فعلى متلفه ضمانه وبهذا قال الشافعي ولذلك لما قتل الخوارج عبد الله بن خباب أرسل إليهم علي أقيدونا من عبد الله بن خباب ولما قتل ابن ملجم عليا في غير المعركة أقيد به وهل يتحتم قتل الباغي إذا قتل أحدا من أهل العدل في غير المعركة فيه وجهان أحدهما يتحتم لأنه قتل بإشهار السلاح وللسعي في الأرض بالفساد فيحتم قتله كقاطع الطريق

والثاني لا يتحتم وهو الصحيح لقول علي رضي الله عنه إن شئت أن أعفو وإن شئت استقدت فأما الخوارج فالصحيح على ما ذكرنا إباحة قتلهم فلا قصاص على قاتل أحد منهم ولا ضمان عليه في ماله

مسألة

قال ( وإذا دفعوا لم يتبع لهم مدبر ولا يجاز على جريحهم ولم يقتل لهم أسير ولم يغنم لهم مال ولم تسب له ذرية )

وجملته أن أهل البغي إذا تركوا القتال إما بالرجوع إلى الطاعة وإما بإلقاء السلاح وإما بالهزيمة إلى فئة أو إلى غير فئة وإما بالعجز لجراح أو مرض أو أسر فإنه يحرم قتلهم واتباع مدبرهم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا هزموا ولا فئة لهم كقولنا وإن كانت لهم فئة يلجؤون إليها جاز قتل مدبرهم وأسيرهم والإجازة على جريحهم وإن لم يكن لهم فئة لم يقتلوا لكن يضربون ضربا وجيعا ويحبسون حتى يقلعوا عما هم عليه ويحدثوا توبة ذكروا هذا في الخوارج ويروى عن ابن عباس نحو هذا واختاره بعض أصحاب الشافعي لأنه متى لم يقتلهم اجتمعوا ثم عادوا إلى المحاربة

ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال يوم الجمل لا يذفف على جريح ولا يهتك ستر ولا يفتح باب ومن


10

أغلق بابا أو بابه فهو آمن ولا يتبع مدبر وقد روي نحو ذلك عن عمار وعن علي رضي الله عنه أنه ودى قوما من بيت مال المسلمين قتلوا مدبرين وعن أبي أمامة أنه قال شهدت صفين وكانوا لا يجهزون على جريح ولا يقتلون موليا ولا يسلبون قتيلا وقد ذكر القاضي في شرحه عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا ابن أم عبد ما حكم من بغى على أمتي فقلت الله ورسوله أعلم

فقال لا يتبع مدبرهم ولا يجاز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم ولا يقسم فيئهم ولأن المقصود دفعهم وكفهم وقد حصل فلم يجز قتلهم كالصائل ولا يقتلون لما يخاف في الثاني كما لو لم تكن لهم فئة

إذا ثبت هذا فإن قتل إنسان من منع من قتله ضمنه لأنه قتل معصوما لم يؤمر بقتله وفي القصاص وجهان أحدهما يجب لأنه مكافئ معصوم

والثاني لا يجب لأن في قتلهم اختلافا بين الأئمة فكان ذلك شبهة دارئة للقصاص لأنه مما يندرئ بالشبهات وأما أسيرهم فإن دخل في الطاعة خلي سبيله وإن أبى ذلك وكان رجلا جلدا من أهل القتال حبس ما دامت الحرب قائمة فإذا انقضت الحرب خلي سبيله وشرط عليه أن لا يعود إلى القتال وإن لم يكن الأسير من أهل القتال كالنساء والصبيان والشيوخ الفانين خلي سبيلهم ولم يحبسوا في أحد الوجهين وفي الآخر يحبسون لأن فيه كسرا لقلوب البغاة وإن أسر كل واحد من الفريقين أسارى من الفريق الآخر جاز فداء أسارى أهل العدل بأسارى أهل البغي وإن قتل أهل البغي أسارى أهل العدل لم لجز لأهل العدل قتل أساراهم لأنهم لا يقتلون بجناية غيرهم ولا يزرون وزر غيرهم وإن أبى البغاة مفاداة الأسرى الذين معهم وحبسوهم احتمل أن يجوز لأهل العدل حبس من معهم ليتوصلوا إلى تخليص أساراهم بحبس من معهم ويحتمل أن لا يجوز حبسهم ويطلقون لأن الذنب في حبس أسارى أهل العدل لغيرهم

فصل فأما غنيمة أموالهم وسبي ذريتهم فلا نعلم في تحريمه بين أهل العلم خلافا وقد ذكرنا حديث أبي أمامة وابن مسعود ولأنهم معصومون وإنما أبيح من دمائهم وأموالهم ما حصل من ضرورة دفعهم وقتالهم ولما عداه يبقى على أصل التحريم وقد روي أن عليا رضي الله عنه يوم الجمل قال من عرف شيئا من ماله مع أحد فليأخذه وكان بعض أصحاب علي قد أخذ قدرا وهو يطبخ فيها فجاء صاحبها ليأخذها فسأله الذي يطبخ فيها إمهاله حتى ينضج الطبيخ فأبى وكبه وأخذها وهذا من جملة ما نقم الخوارج من علي فإنهم قالوا إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم فإن حلت له دماؤهم فقد حلت له أموالهم وإن حرمت عليه أموالهم فقد حرمت عليه دماؤهم فقال لهم ابن عباس أفتسبون أمكم يعني عائشة أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها فإن قلتم ليست أمكم فقد كفرتم وإن قلتم إنها أمكم واستحللتم سبيها فقد كفرتم يعني بقوله إنكم إن وجدتم أنها أمكم فقد قال الله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم الأحزاب 6

فإن لم تكن أموالهم لم يكونوا من


11

المؤمنين ولأن قتال البغاة إنما هو لدفعهم وردهم إلى الحق لا لكفرهم فلا يستباح منهم إلا ما حصل ضرورة الدفع كالصائل وقاطع الطريق وبقي حكم المال والذرية على أصل العصمة وما أخذ كراعهم وسلاحهم لم يرد إليهم حال الحرب لئلا يقاتلونا به

وذكر القاضي أن أحمد أومأ إلى جواز الانتفاع به حال التحام الحرب ولا يجوز في غير قتالهم وهذا قول أبي حنيفة لأن هذه الحال يجوز فيها إتلاف نفوسهم وحبس سلاحهم وكراعهم فجاز الانتفاع به كسلاح أهل الحرب

وقال الشافعي لا يجوز ذلك إلا من ضرورة إليه لأنه مال مسلم به فلم يجوز الانتفاع به بغير إذنه كغيره من أموالهم

وقال أبو الخطاب في هذه المسألة وجهان كالمذهبين ومتى انقضت الحرب وجب رده إليهم كما ترد إليهم سائر أموالهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه وروى أبو قيس أن عليا رضي الله عنه نادى من وجد ماله فليأخذه

مسألة

قال ( ومن قتل منهم غسل وكفن وصلي عليه )

يعني من أهل البغي وبهذا قال مالك والشافعي وقال أصحاب الرأي إن لم يكن لهم فئة صلي عليهم وإن كانت لهم فئة لم يصل عليهم لأنه يجوز قتلهم في هذه الحال فلم يصل عليهم كالكفار

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم صلوا على من قال لا إله إلا الله رواه الخلال في جامعه ولأنهم مسلمون لم يثبت لهم حكم الشهادة فيغسلون ويصلى عليهم كما لو يكن لهم فئة وما ذكروه ينتقض بالزاني المحصن والمقتص منه والقاتل في المحاربة

فصل لم يفرق أصحابنا بين الخوارج وغيرهم في هذا وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي

وظاهر كلام أحمد رحمه الله أنه لا يصلى على الخوارج فإنه قال أهل البدع إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم

وقال أحمد الجهمية والرافضة لا يصلى عليهم قد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة بأقل من هذا

وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تقاتل خيبر من ناحية من نواحيها فقاتل رجل من تلك الناحية فقتل فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقيل إنه كان في قرية أهلها نصارى ليس فيها من يصلي عليه قال أنا لا أشهده يشهده من يشاء

وقال مالك لا يصلى على الإباضية ولا القدرية وسائر أصحاب الأهواء ولا تتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم

والإباضية صنف من الخوارج نسبوا إلى عبد الله بن إباط صاحب مقالتهم والأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق والنجدات أصحاب نجدة الحروري والبيهسية أصحاب بيهس والصفرية قيل إنهم نسبوا إلى صفرة ألوانهم وأصنافهم كثيرة والحرورية نسبوا إلى أرض يقال لها حروراء خرجوا بها

وقال أبو بكر بن عياش لا أصلي على الرافضي لأنه زعم أن عمر كافر ولا على الحروري لأنه يزعم أن عليا كافر

وقال الفريابي من شتم أبا بكر فهو كافر ولا يصلى عليه


12

ووجه ترك الصلاة عليهم أنهم يكفرون أهل الإسلام ولا يرون الصلاة عليهم فلا يصلى عليهم كالكفار من أهل الذمة وغيرهم ولأنهم مرقوا من الدين فأشبهوا المرتدين

فصل والبغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا بفاسقين وإنما هم يخطئون في تأويلهم والإمام وأهل العدل مصيبون في قتالهم فهم جميعا كالمجتهدين من الفقهاء في الأحكام من شهد منهم قبلت شهادته إذا كان عدلا وهذا قول الشافعي ولا أعلم في قبول شهادتهم خلافا فأما الخوارج وأهل البدع إذا خرجوا على الإمام فلا تقبل شهادتهم لأنهم فساق وقال أبو حنيفة يفسقون بالبغي وخروجهم على الإمام ولكن تقبل شهادتهم لأن فسقهم من جهة الدين فلا ترد به الشهادة وقد قبل شهادة الكفار بعضهم على بعض ويذكر ذلك في كتاب الشهادة إن شاء الله تعالى

فصل ذكر القاضي أنه لا يكره للعادل قتل ذي رحمه الباغي لأنه قتل بحق فأشبه إقامة الحد عليه وكرهت طائفة من أهل العلم القصد إلى ذلك وهو أصح إن شاء الله لقول الله تعالى وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا العنكبوت 8

وقال الشافعي كف النبي صلى الله عليه وسلم أبا حذيفة وعتبة عن قتل أبيه وقال بعضهم لا يحل ذلك لأن الله تعالى أمر بمصاحبته بالمعروف وليس هذا من المعروف فإن قتله فهل يرثه على روايتين إحداهما يرثه هذا قول أبي بكر ومذهب أبي حينفة لأنه قتل بحق فلم يمنع الميراث كالقصاص والقتل في الحج

والثانية لا يرثه وهو قول ابن حامد ومذهب الشافعي لعموم قوله عليه السلام ليس لقاتل شيء وأما الباغي إذا قتل العادل فلا يرثه وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة يرثه لأنه قتله بتأويل أشبه قتل العادل الباغي

ولنا إنه قتله بغير حق فلم يرثه كالقاتل خطأ وفارق ما إذا قتله العادل لأنه قتله بحق وقال قوم إذا تعمد العادل قتل قريبه فقتله ابتداء لم يرثه وإن قصد ضربه ليصير غير ممتنع فجرحه ومات من هذا الضرب ورثه لأنه قتله بحق وهذا قول ابن المنذر وقال هو أقرب الأقاويل

مسألة

قال وما أخذوا في حال امتناعهم من زكاة أو خراج لم يعد عليهم )

وجملته أن أهل البغي إذا غلبوا على بلد فجبوا الخراج والزكاة والجزية وأقاموا الحدود وقع ذلك موقعه فإذا ظهر أهل العدل بعد على البلد وظفروا بأهل البغي لم يطالبوا بشيء مما جبوه ولم يرجع به على من أخذ منه روي نحو هذا عن ابن عمر وسلمة بن الأكوع وهو قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وسواء كان من الخوارج أو من


13

غيرهم

وقال أبو عبيد على من أخذوا منه الزكاة الإعادة لأنه أخذها ممن لا ولاية له صحيحة فأشبه ما لو أخذها آحاد الرعية

ولنا إن عليا لما ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم بشيء مما جبوه وكان ابن عمر إذا أتاه ساعي نجدة الحروري دفع إليه زكاته وكذلك سلمة بن الأكوع ولأن في ترك الاحتساب بها ضررا عظيما ومشقة كثيرة فإنهم قد يغلبون على البلاد السنين الكثيرة فلو لم يحتسب بما أخذوه أدى إلى ثنا الصدقات في تلك المدة كلها

فإذا ثبت هذا فإذا ذكر أرباب الصدقات أنهم قد أخذوا صدقاتهم قبل قولهم بغير يمين قال أحمد لا يستحلف الناس على صدقاتهم وإن ادعى أهل الذمة دفع جزيتهم لم تقبل بغير نية لأنهم غير مأمونين ولأن ما يجب عليهم عوض وليس بمواساة فلم يقبل قولهم كأجرة الدار ويحتمل أن يقبل قولهم إذا مضى الحول لأن الظاهر أن البغاة لا يدعون الجزية لهم فكان القول قولهم لأن الظاهر معهم ولأنه إذا مضى لذلك سنون كثيرة شق عليهم إقامة البينة على كل عام فيؤدي ذلك إلى تغريمهم الجزية مرتين وإن ادعى من عليه الخراج دفعه إليهم ففيه وجهان أحدهما يقبل

لأنه حق على مسلم فقبل قوله فيه كالزكاة

والثاني لا يقبل لأنه عوض فأشبه الجزية وإن كان من عليه الخراج ذميا فهو كالجزية لأنه عوض على غير مسلم فهو كالجزية ولأنه أحد الخراجين فأشبه الجزية

مسألة

قال ( ولا ينقص من حكم حاكمهم إلا ما ينقص من حكم غيره )

يعني إذا نصب أهل البغي قاضيا يصلح للقضاء فحكمه حكم أهل العدل ينفذ من أحكامه ما ينفذ من أحكام أهل العدل ويرد منه ما يرد فإن كان ممن يستحل دماء أهل العدل وأموالهم لم يجز قضاؤه لأنه ليس بعدل وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز قضاؤه بحال لأن أهل البغي يفسقون ببغيهم والفسق ينافي القضاء

ولنا إنه اختلاف في الفروع بتأويل سائغ فلم يمنع صحة القضاء ولم يفسق كاختلاف الفقهاء فإذا ثبت هذا فإنا إذا حكم بما لا يخالف إجماعا نفذ حكمه وإن خالف ذلك نقض حكمه فقاضي أهل البغي أولى وإن حكم بسقوط الضمان عن أهل البغي فيما أتلفوه حال الحرب جاز حكمه لأنه موضع اجتهاد وإن كان حكمه فيما أتلفوه قبل قيام الحرب لم ينفذ لأنه مخالف للإجماع وإن حكم على أهل العدل بوجوب الضمان فيما أتلفوه حال الحرب لم ينفذ حكمه لمخالفته للإجماع وإن حكم بوجوب ضمان ما أتلفوه في غير حال الحرب نفذ حكمه وإن كتب قاضيهم إلى قاضي أهل العدل جاز قبول كتابه لأنه قاض ثابت القضايا نافذ الأحكام والأولى أن لا يقبله كسرا لقلوبهم وقال أصحاب الرأي لا يقبله لأن قضاؤه لا يجوز وقد سبق الكلام في هذا فأما الخوارج إذا ولوا قاضيا لم يجز قضاؤه لأن أقل أحوالهم الفسق والفسق ينافي القضاء ويحتمل أن يصح قضاؤه وتنفذ أحكامه لأن هذا مما يتطاول وفي القضاء بفساد قضاياه وعقوده الأنكحة وغيرها ضرر كثير فجاز دفعا للضرر كما لو أقام الحدود وأخذ الجزية والخراج والزكاة


14

فصل وإن ارتكب أهل البغي في حال امتناعهم ما يوجب الحد ثم قدر عليهم أقيمت فيهم حدود الله تعالى ولا تسقط باختلاف الدار وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة إذا امتنعوا بدار لم يجب الحد على أحد منهم ولا على من عندهم من تاجر أو أسير لأنهم خارجون عن دار الإمام فأشبهوا من في دار الحرب

ولنا عموم الآيات والأخبار ولأن كل موضع تجب فيه العبادات في أوقاتها تجب الحدود فيه عند وجود أسبابها كدار أهل العدل ولأنه زان أو سارق لا شبهة في زناه وسرقته فوجب عليه الحد كالذي في دار العدل وهكدا نقول فيمن أتى حدا في دار الحرب فإنه يجب عليه لكن لا يقام إلا في دار الإسلام على ما ذكرناه في موضعه

فصل وإذا استعان أهل البغي بالكفار فلا يخلو من ثلاثة أصناف أحدهما أهل الحرب فإذا استعانوا بهم أو آمنوهم أو عقدوا لهم ذمة لم يصح واحد منهم لأن الأمان من شرط صحته إلزام كفهم عن المسلمين وهؤلاء يشترطون عليهم قتال المسلمين فلا يصح ولأهل العدل قتالهم كن لم يؤمنوه سواء وحكم أسيرهم حكم أسير سائر أهل الحرب قبل الاستعانة بهم فأما أهل البغي فلا يجوز لهم قتلهم لأنهم آمنوهم فلا يجوز لهم الغدر بهم

الصنف الثاني المستأمنون فمتى استعانوا بهم فأعانوهم نقضوا عهدهم وصاروا كأهل الحرب لأنهم تركوا الشرط وهو كفهم عن المسلمين فإن فعلوا ذلك مكرهين لم ينتقض عهدهم لأن لهم عذرا وإن ادعوا الإكراه لم يقبل قولهم إلا ببينة لأن الأصل عدمه

الصنف الثالث أهل الذمة فإذا أعانوهم وقاتلوا معهم ففيهم وجهان ذكرهما أبو بكر

أحدهما ينتقض عهدهم لأنهم قاتلوا أهل الحق فينتقض عهدهم كما لو انفردوا بقتالهم

والثاني لا ينتقض لأن أهل الذمة لا يعرفون المحق من المبطل فيكون ذلك شبهة لهم وللشافعي قولان كالوجهين

فإن قلنا ينتقض عهدهم صاروا كأهل الحرب فيما ذكرنا

وإن قلنا ينتقض عهدهم فحكمهم حكم أهل البغي في قتل مقبلهم والكف عن أسيرهم ومدبرهم وجريحهم إلا أنهم يضمنون ما أتلفوا على أهل العدل حال القتال وغيره بخلاف أهل البغي فإنهم لا يضمنون ما أتلفوا حال الحرب لأنهم أتلفوا بتأويل سائغ وهؤلاء لا تأويل لهم ولأنه سقط الضمان عن المسلمين كيلا يؤدي إلى تنفيهم عن الرجوع إلى الطاعة وأهل الذمة لا حاجة بنا إلى ذلك فيهم وإن أكرههم البغاة على معونتهم لم ينتقض عهدهم وإن ادعوا ذلك قبل قولهم لأنهم تحت أيديهم وقدرتهم

وإن قالوا ظننا أن من استعان بنا من المسلمين لزمتنا معونته لم ينتقض عهدهم وإن فعل ذلك المستأمنون انتقض عهدهم والفرق بينهما أن أهل الذمة أقوى حكما لأن عهدهم مؤبد ولا يجوز نقضه لخوف الخيانة منهم ويلزمه الإمام الدفع عنهم والمستأمنون بخلاف ذلك


15

فصل وإذا ارتد قوم فأتلفوا مالا للمسلمين لزمهم ضمان ما أتلفوه سواء تحيزوا أو صاروا في منعة أو لم يصيروا ذكره أبو بكر

قال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد وقال الشافعي حكمهم حكم أهل البغي فيما أتلفوا من الأنفس والأموال لأن تضمينهم يؤدي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الإسلام فأشبهوا أهل البغي ولنا ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لأهل الردة حين رجعوا تردون علينا ما أخذتم منا ولا نرد عليكم ما أخذنا منكم وإن تدوا قتلانا ولا ندي قتلاكم قالوا نعم يا خليفة رسول الله فقال عمر كل ما قلت كما قلت إلا أن يدوا ما قتل منا فلا لأنهم قوم قتلوا في سبيل الله واستشهدوا ولأنهم أتلفوه بغير تأويل فأشبهوا أهل الذمة فأما القتلى فحكمهم فيهم حكم أهل البغي لما ذكرنا من خبر أبي بكر وعمر ولأن طليحة الأسدي قتل عكاشة بن محصن الأسدي وثابت بن أثرم فلم يغرمهما وبنو حنيفة قتلوا من قتلوا من المسلمين يوم اليمامة فلم يغرموا شيئا ويحتمل أن يحمل أحمد وكلامه في المال على وجوب رد ما في أيديهم دون ما أتلفوه وعلى من أتلف من غير أن يكون له منعة أو أتلف في غير الحرب وما أتلفوه حال الحرب فلا ضمان عليهم فيه لأنه إذا سقط ذلك عن أهل البغي كيلا يؤدي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة فلأن يسقط ذلك كيلا يؤدي إلى التنفير عن الإسلام أولى ولأنهم إذا امتنعوا صاروا كفارا ممتنعين بدارهم فأشبهوا أهل الحرب ويحمل قول أبي بكر على ما بقي في أيديهم من المال فيكون مذهب أحمد ومذهب الشافعي في هذا سواء وهذا أعدل وأصح إن شاء الله تعالى فأما من لا منعة له فيضمن ما أتلف من نفس ومال كالواحد من المسلمين أو أهل الذمة لأنه لا منعة له ولا يكثر ذلك منه فبقي المال والنفس بالنسبة إليه على عصمته ووجوب ضمانه والله أعلم


16

كتاب المرتد

المرتد هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر قال الله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون البقرة 217

وقال النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد وغيرهم ولم ينكر ذلك فكان إجماعا

مسألة

قال ( ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وكان بالغا عاقلا دعي إليه ثلاثة أيام وضيق عليه فإن رجع وإلا قتل )

في هذه المسألة فصول خمسة أحدها أنه لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل روي ذلك عن أبي بكر وعلي رضي الله عنهما وبه قال الحسن والزهري والنخعي ومكحول وحماد ومالك والليث والأزواعي والشافعي وإسحاق وروي عن علي والحسن وقتادة أنها تسترق لا تقتل ولأن أبا بكر استرق نساء بني حنيفة وذراريهم وأعطى عليا منهم امرأة فولدت له محمد بن الحنفية وكان هذا بمحضر من الصحابة فلم ينكر فكان إجماعا وقال أبوحنيفة تجبر على الإسلام بالحبس والضرب ولا تقتل لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تقتلوا امرأة ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي فلا تقتل بالطارىء كالصبي

ولنا قوله عليه السلام من بدل دينه فاقتلوه رواه البخاري وأبو داود وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرىء مسلم إلا إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة متفق عليه وروى الدارقطني أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام فبلغ أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت ولأنها شخص مكلف بدل دين الحق بالباطل فيقتل كالرجل وأما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المرأة فالمراد به الأصلية فإنه قال ذلك حين رأى امرأة مقتولة وكانت كافرة أصلية ولذلك نهى الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيق عن قتل النساء ولم يكن فيهم مرتد ويخالف الكفر الأصلي الطارىء بدليل أن الرجل يقر عليه ولا يقتل أهل الصوامع والشيوخ والمكافيف ولا تجبر المرأة على تركه بضرب ولا حبس والكفر الطارئ بخلافه والصبي غير مكلف بخلاف المرأة وأما بنو حنيفة فلم يثبت أن من استرق منهم تقدم له إسلام ولم يكن بنو حنيفة أسلموا كلهم وإنما أسلم بعضهم والظاهر أن الذين أسلموا كانوا رجالا فمنهم من ثبت على إسلامه منهم ثمامة بن أثال ومنهم من ارتد منهمه الدجال الحنفي


17

الفصل الثاني أن الردة لا تصح إلا من عاقل فأما من لا عقل له كالطفل الذي لا عقل له والمجنون ومن زال عقله بإغماء أو نوم أو مرض أو شرب دواء يباح شربه فلا تصح ردته ولا حكم لكلامه بغير خلاف قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المجنون إذا ارتد في حال جنونه أنه مسلم على ما كان عليه قبل ذلك ولو قتله قاتل عمدا كان عليه القود إذا طلب أولياؤه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ولأنه غسر مكلف فلم يؤاخذ بكلامه كما لو لم يؤاخذ به في إقراره ولا طلاقه ولا إعتاقه وأما السكران والصبي العاقل فنذكر حكمهما فيما بعد إن شاء الله

الفصل الثالث أنه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثا هذا قول أكثر أهل العلم منهم عمر وعلي وعطاء والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي وروي عن أحمد رواية أخرى أنه لا تجب استتابته لكن تستحب وهذا القول الثاني للشافعي وهو قول عبيد بن عمير وطاوس ويروي ذلك الحسن لقول النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه ولم يذكر استتابه

وروى أن معاذا قدم على أبي موسى فوجد عنده رجلا موثقا فقال ماهذا قال رجل كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود قال لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله قال اجلس قال لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمر به فقتل متفق عليه

ولم يذكر استتابته ولأنه يقتل لكفره فلم تجب استتابته كالأصلي ولأنه لو قتل قبل الاستتابة لم يضمن ولو حرم قتله قبله ضمن وقال عطاء إن كان مسلما أصليا لم يستتب وإن كان أسلم ثم ارتد استتيب

ولنا حديث أم مروان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يستتاب ورى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن حمد بن عبد الله بن عبد القارىء عن أبيه أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى فقال له عمر هل كان من معربة خبر قال نعم رجل كفر بعد إسلامه فقال ما فعلتم به قال قربناه فضربنا عنقه فقال عمر فهلا حبستموه ثلاثا فأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب أن يراجع أمر الله اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أمرض إذ بلغني ولو لم تجب استتابته لما برىء من فعلهم ولأنه أمكن استصلاحه فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه كالثوب النجس وأما الأمر بقتله فالمراد به بعد الاستتابة بدليل ما ذكرنا وأما حديث معاذ فإنه قد جاء فيه وكان قد استتيب

ويروي أن أبا موسى استتابه شهرين قبل قدوم معاذ عليه وفي رواية فدعاه عشرين ليلة أو قريبا من ذلك فجاء معاذ فدعاه وأبى فضرب عنقه رواه داود لا يلزم من تحريم القتل وجوب الضمان بدليل نساء أهل الحرب وصبيانهم وشيوخهم إذا ثبت وجوب الاستتابة فمدتها ثلاثة أيام

روى ذلك عن عمر رضي الله عنه وبه قال مالك وإسحاق وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي

وقال في الآخر إن تاب في الحال والا قتل مكانه


18

وهذا أصح قوليه وهو قول ابن المنذر لحديث أم مروان ومعاذ لأنه مصر على كفره أشبه بعد الثلاث وقال الزهري يعدي ثلاث مرات فإن أبى ضربت عنقه وهذا يشبه قول الشافعي وقال النخعي يستتاب أبدا وهذا يفضي إلى أن لا يقتل أبدا وهو مخالف للسنة والإجماع وعن علي أنه استتاب رجلا شهرا

ولنا حديث عمر ولأن الردة إنما تكون لشبهة ولا تزول في الحال فوجب أن ينتظر مدة يرتأي فيها وأولى ذلك ثلاثة أيام للأثر فيها وأنها مدة قريبة وينبغي أن يضيق عليه في مدة الاستتابة ويحبس لقول عمر هلا حبستموه وأطعمتموه كل يوم رغيفا ويكرر دعايته لعله يتعطف قلبه فيراجع دينه

الفصل الرابع أنه إن لم يتب قتل لما قدمنا ذكره وهو قول عامة الفقهاء ويقتل بالسيف لأنه آلة القتل ولا يحرق بالنار وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريق المرتدين وفعل ذلك بهم خالد والأول أولى لقول النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه ولا تعذبوا بعذاب الله يعني النار

أخرجه البخاري وأبو داود

وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة

الفصل الخامس أن مفهوم كلام الخرقي أنه إذا تاب قبلت توبته ولم يقتل أي كفر كان وسواء كان زنديقا يستسر بالكفر أو لم يكن وهذا مذهب الشافعي والعنبري ويروي عن علي وابن مسعود وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختيار أبي بكر الخلال وقال إنه أولى على مذهب أبي عبد الله

والرواية الأخرى لا تقبل توبة الزنديق ومن تكررت ردته هو قول مالك والليث وإسحاق وعن أبي حنيفة روايتان كهاتين وأخبار أبو بكر أنه لا تقبل توبة الزنديق لقول الله تعالى إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا البقرة 160 والزنديق لا تظهر منه علامة تبين رجوعه وتوبته لأنه كان مظهرا للإسلام مسرا للكفر فإذا وقف على ذلك فأظهر التوبة لم يزد على ما كان منه قبلها وهو إظهار الإسلام وأما من تكررت ردته فقد قال الله تعالى إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا النساء 137

وروى الأثرم بإسناده عن ظبيان بن عمارة أن رجلا من بني سعد مر على مسجد بني حنيفة فإذا هم يقرؤون برجز مسيلمة فرجع إلى ابن مسعود فذكر ذلك له فبعث إليهم فأتي بهم فاستتابهم فتابوا فخلى سبيلهم إلا رجلا منهم يقال له ابن النواحة قال قد أتيت بك مرة فزعمت أنك قد تبت وأراك قد عدت فقتله ووجه الرواية الأولى قول الله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف الأنفال 38

وروي أن رجلا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ساره به حتى جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يستأذنه في قت لرجل من المسلمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس يشهد أن لا إله إلا الله قال


19

بلى ولا شهادة له قال أليس يصلي بلى ولا صلاة له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم وقد قال الله تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا النساء 145

وروي أن محش بن حمير كان في النفر الذين أنزل الله فيهم ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب التوبة 65 فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وتاب إلى الله تعالى فقبل الله توبته وهو الطائفة التي عنى الله تعالى بقوله إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة التوبة 66 فهو الذي عفا الله عنه وسأل الله تعالى أن يقتل في سبيله ولا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة ولم يعلم موضعه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كف عن المنافقين بما أظهروا من الشهادة مع أخبار الله تعالى له بباطنهم بقوله تعالى ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون التوبة 56 وغيرها من الآيات

وحديث ابن مسعود حجة في قبول توبتهم مع استسرارهم بكفرهم وأما قتله ابن النواحة فيحتمل أنه قتله لظهور كذبه في توبته لأنه أظهرها وتبين أنه ما زال عما كان عليه من كفره ويحتمل أنه قتله لقول النبي صلى الله عليه وسلم له حين جاء رسولا لمسيلمة لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك فقتله تحقيقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي أنه قتله لذلك

وفي الجملة فالخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم في الظاهر من أحكام الدنيا من ترك قتلهم وثبوت أحكام الإسلام في حقهم وأما قبول الله تعالى لها في الباطن وغفرانه لمن تاب وأقلع ظاهرا أم باطنا فلا خلاف فيه فإن الله تعالى قال في المنافقين إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما النساء 146

فصل وقتل المرتد إلى الإمام حرا كان أو عبدا وهذا قول عامة أهل العلم إلا الشافعي في أحد الوجهين في العبد فإن لسيده قتله لقول النبي صلى الله عليه وسلم أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ولأن حفصة قتلت جارية سحرتها ولأنه حق الله تعالى فملك السيد إقامته على عبده كجلد الزاني

ولنا إنه قتل لحق الله تعالى فكان إلى الإمام كرجم الزاني وكقتل الحر وأما قوله وأقيموا الحدود فلا يتناول القتل للردة فإنه قتل لكفره لا حدا في حقه وأما خبر حفصة فإن عثمان تغيط عليها وشق ذلك عليه وأما الجلد في الزنا فإنه تأذيب وللسيد تأديب عبده بخلاف القتل فإن قتله غير الإمام أساء ولا ضمان عليه لأنه محل غير معصوم وسواء قتله قبل الاستتابة أو بعدها لذلك وعلى من فعل ذلك التعزير لإساءته وافتياته

مسألة

قال ( وكان ماله فيئا بعد قضاء دينه )

وجملته أن المرتد إذا قتل أو مات على ردته فإنه يبدأ بقضاء دينه وأرش جنايته ونفقة زوجته وقريبه لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها وأولى ما يوجد من ماله وما بقي من ماله فهو فيء يجعل في بيت المال وعن أحمد رواية أخرى تدل على أنه لورثته من المسلمين وعنه أنه لقرابته من أهل الدين الذي انتقل إليه وقد مضت هذه المسألة


20

مستوفاة في الفرائض بما أغنى عن ذكرها ها هنا

فصل ولا يحكم بزوال ملك المرتد بمجرد ردته في قول أكثر أهل العلم وقال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم فعلى هذا إن قتل أو مات زال ملكه بموته وإن راجع الإسلام فملكه باق له وقال أبو بكر يزول ملكه بردته وإن راجع الإسلام عاد إليه تمليكا مستأنفا لأن عصمة نفسه وماله إنما تثبت بإسلامه فزوال إسلامه يزيل عصمتهما كما لو لحق بدار الحرب ولأن المسلمين ملكوا إراقة دمه بردته فوجب أن يملكوا ماله بها وقال أصحاب أبي حنيفة ماله موقوف إن أسلم تبينا بقاء ملكه وإن مات أو قتل على ردته تبينا زواله من حين ردته قال الشريف أبو جعفر هذا ظاهر كلام أحمد وعن الشافعي ثلاثة أقوال كهذه الثلاثة

ولنا إنه سبب يبيح دمه فلم يزل ملكه كزنا المحصن والقتل لمن يكافئه عمدا وزوال العصمة لا يلزم منه زوال الملك بدليل الزاني المحصن والقاتل في المحاربة وأهل الحرب فإن ملكهم ثابت مع عصمتهم ولو لحق المرتد بدار الحرب لم يزل ملكه لكن يباح قتله لكل أحد من غير استتابة وأخذ ماله لمن قدر عليه لأنه صار حربيا حكمه حكم أهل الحرب

وكذلك لو ارتد جماعة وامتنعوا في دارهم عن طاعة إمام المسلمين زالت عصمتهم في أنفسهم وأموالهم

لأن الكفار الأصليين لا عصمة لهم في دارهم فالمرتد أولى

فصل ويؤخذ مال المرتد فيجعل عند ثقة من المسلمين وإن كان له إماء جعلن عند امرأة ثقة لأنهن محرمات عليه فلا يمكن منهن وذكر القاضي أنه يؤجر عقاره وعبيده وإماءه والأولى أن لا يفعل لأن مدة انتظاره فيها ضرر فلا يفوت عليه منافع ملكه فيما لا يرضاه من أجلها فإنه ربما راجع الإسلام فيمتنع عليه التصرف في ماله بإجارة الحاكم له وإن لحق بدار الحرب أو تعذر قتله مدة طويلة فعل الحاكم ما يرى الحظ فيه من بيع الحيوان الذي يحتاج إلى النفقة وغيره وإجارة ما يرى إبقاءه والمكاتب يؤدي إلى الحاكم فإذا أدى عتق لأنه نائب عنه

فصل وتصرفات المرتد في ردته بالبيع والهبة والعتق والتدبير والوصية ونحو ذلك موقوف إن أسلم تبينا أن تصرفه كان صحيحا وإن قتل أو مات على ردته كان باطلا وهو قول أبي حنيفة وعلى قول أبي بكر تصرفه باطل لأن ملكه قد زال بردته وهذا أحد أقوال الشافعي وقال في الآخر إن تصرف قبل الحجر عليه انبنى على الأقوال الثلاثة وإن تصرف بعد الحجر عليه لم يصح تصرفه كالسفيه

ولنا إن ملكه تعلق به حق غيره مع بقاء ملكه فيه فكان تصرفه موقوفا كتبرع المريض

فصل وإن تزوج لم يصح تزوجه لأنه لا يقر على النكاح وما منع الإقرار على النكاح منع انعقاده كنكاح الكافر المسلمة وإن زوج لم يصح تزويجه لأن ولايته على موليته قد زالت بردته وإن زوج أمته لم يصح لأن النكاح لا يكون موقوفا ولأن النكاح وإن كان في الأمة فلا بد في عقده من ولاية صحيحة بدليل أن المرأة لا يجوز أن تزوج أمتها وكذلك الفاسق والمرتد لا ولاية له فإنه أدنى حالا من الفاسق الكافر

فصل وإن وجد من المرتد سبب يقتضي الملك كالصيد والاحتشاش والاتهاب والشراء وإيجار


21

نفسه إجارة خاصة أو مشتركة ثبت الملك له لأنه أهل للملك وكذلك تثبت أملاكه

ومن قال إن ملكه يزول لم يثبت له ملكا لأنه ليس بأهل للملك ولهذا زالت أملاكه الثابتة له فإن راجع الإسلام احتمل أن لا يثبت له شيء أيضا لأن السبب لم يثبت حكمه

واحتمل أن يثبت الملك له حينئذ لأن السبب موجود وإنما امتنع ثبوت حكمه لعدم أهليته فإذا وحدت تحقق الشرط فيثبت الملك حينئذ كما تعود إليه أملاكه التي زالت عند عدم أهليته

فعلى هذا إن مات أو قتل ثبت الملك لمن ينتقل إليه ملكه لأن هذا في معناه

فصل وإن لحق المرتد بدار الحرب فالحكم فيه كالحكم فيمن هو في دار الإسلام إلا أن ما كان معه من ماله يصير مباحا لمن قدر عليه كما أبيح دمه وأما أملاكه وماله الذي في دار الإسلام فملكه ثابت فيه ويتصرف فيه الحاكم بما يرى المصلحة فيه وقال أبو حنيفة يورث ماله كما لو مات لأنه قد صار في حكم الموتى بدليل حل دمه وماله الذي معه لكل من قدر عليه

ولنا إنه حي يورث كالحربي الأصلي وحل دمه لا يوجب توريث ماله بدليل الحربي الأصلي وإنما حل ماله الذي معه لأنه زال العاصم له فأشبه مال الحربي الذي في دار الحرب وأما الذي في دار الإسلام فهو باق على العصمة كمال الحربي الذي مع مضاربه في دار الإسلام أو عند مودعه

مسألة

قال ( ومن ترك الصلاة دعي إليها ثلاثة أيام فإن صلى وإلا قتل جاحدا تركها أو غير جاحد )

قد سبق شرح هذه المسألة في باب مفرد لها ولا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها جاحدا لوجوبها إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام والناشئ بغير دار الإسلام أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم لم يحكم بكفره وعرف ذلك وتثبت له أدلة وجوبها فإن جحدها بعد ذلك كفر وأما إذا كان الجاحد لها ناشئا في الأمصار بين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحدها وكذلك الحكم في مباني الإسلام كلها وهي الزكاة والصيام والحج لأنها مباني الإسلام وأدلة وجوبها لا تكاد تخفى إذ كان الكتاب والسنة مشحونين بأداتها والإجماع منعقد عليها فلا يجحدها إلا معاند للإسلام يمتنع من التزام الأحكام غير قابل لكتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ولا إجماع أمته

فصل ومن اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه وظهر حكمه بين المسلمين وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه كلحم الخنزير والزنا وأشباه هذا مما لا خلاف فيه كفر لما ذكرنا في تارك الصلاة وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك وإن كان بتأويل كالخوارج فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم وفعلهم لذلك متقربين به إلى الله تعالى وكذلك لم يحكم بكفر ابن ملجم مع قتله أفضل الخلق في زمنه متقربا بذلك ولا يكفر المادح له على هذا المتمني مثل فعله فإن عمران بن حطان قال فيه يمدحه لقتل علي يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ عند الله رضوانا


22

إني لأذكره يوما فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم واستحلال دمائهم وأموالهم واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا وقد روي أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلا لها فأقام عمر عليه الحد ولم يكفره وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا المائدة 93 الآية فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحد فيخرج فيمن كان مثلهم مثل حكمهم وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك

وقد قال أحمد من قال الخمر حلال فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وهذا محمول على من لا يخفى على مثله تحريمه لما ذكرنا فأما إن أكل لحم الخنزير أو ميتة أو شرب خمرا لم يحكم بردته بمجرد ذلك سواء فعله في دار الحرب أو دار الإسلام لأنه يجوز أن يكون فعله معتقدا تحريمه كما يفعل غير ذلك من المحرمات

مسألة

قال ( وذبيحة المرتد حرام وإن كانت ردته إلى دين أهل الكتاب )

هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال إسحاق إن تدين بدين أهل الكتاب حلت ذبيحته ويحكى ذلك عن الأوزاعي لأن عليا رضي الله عنه قال من تولى قوما فهو منهم

ولنا إنه كافر لا يقر على دينه فلم تحل ذبيحة كالوثني ولأنه لا تثبت له أحكام أهل الكتاب إذا تدين بدينهم فإنه لا يقر بالجزية ولا يسترق ولا يحل نكاح المرتدة وأما قول علي فهو منهم فلم يرد أنه منهم في جميع الأحكام بدليل ما ذكرنا ولأنه لم يكن يرى حل ذبائح نصارى بني تغلب ولا نكاح نسائهم مع توليتهم للنصارى ودخولهم في دينهم ومع إقرارهم بما صولحوا عليه فلأن لا يعتقد ذلك في المرتدين أولى

إذا ثبت هذا فإنه إذا ذبح حيوانا لغيره بغير إذنه ضمنه بقيمته حيا لأنه أتلفه عليه وحرمه وإن ذبحه بإذنه لم يضمنه لأنه أذن في إتلافه

مسألة

قال ( والصبي إذا كان له عشر سنين وعقل الإسلام فأسلم فهو مسلم )

وجملته أن الصبي يصح إسلامه في الجملة وبهذا قال أبو حنيفة وصاحباه وإسحاق وابن أبي شيبة وأبو أيوب

وقال الشافعي وزفر لا يصح إسلامه حتى يبلغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ حديث حسن

ولأنه قول تثبت به الأحكام فلم يصح من الصبي كالهبة ولأنه أحد من رفع القلم عنه فلم يصح إسلامه كالمجنون والنائم ولأنه ليس بمكلف أشبه الطفل

ولنا عموم قوله عليه السلام من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وقوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا


23

إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله وقال عليه السلام كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا وهذه الأخبار يدخل في عمومها الصبي ولأن الإسلام عبادة محضة فصحت من الصبي العاقل كالصلاة والحج ولأن الله تعالى دعا عباده إلى دار الإسلام وجعل طريقها الإسلام وجعل من لم يجب دعوته في الجحيم والعذاب الأليم فلا يجوز منع الصبي من إجابة دعوة الله مع إجابته إليها وسلوكه طريقها ولا إلزامه بعذاب الله والحكم عليه بالنار وسد طريق النجاة عليه مع هربه منها ولأن ما ذكرناه إجماع فإن عليا رضي الله عنه أسلم صبيا وقال سبقتكم إلى الإسلام طرا صبيا ما بلغت أوان حلم ولهذا قيل أول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن الصبيان علي ومن النساء خديجة ومن العبيد بلال

وقال عروة أسلم علي والزبير وهما ابنا ثمان سنين وبايع النبي صلى الله عليه وسلم ابن الزبير لسبع أو ثمان سنين ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم على أحد إسلامه من صغير ولا كبير

فأما قول النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاث فلا حجة لهم فيه فإن هذا يقتضي أن لا يكتب عليه ذلك والإسلام يكتب له لا عليه ويسعد به في الدنيا والآخرة فهو كالصلاة تصح منه وتكتب له وإن لم تجب عليه وكذلك غيرها من العبادات المحضة فإن قيل فإن الإسلام يوجب الزكاة عليه في ماله ونفقة قريبه المسلم ويحرمه ميراث قريبه الكافر ويفسخ نكاحه قلنا أما الزكاة فإنها نفع لأنها سبب الوزيادة والنماء وتحصين المال والثواب وأما الميراث والنفقة فأمر متوهم وهو مجبور بميراثه من أقاربه المسلمين وسقوط نفقة أقاربه الكفار ثم إن هذا الضرر مغمور في جنب ما يحصل له من سعادة الدنيا والآخرة وخلاصه من شقاء الدارين والخلود في الجحيم فينزل منزلة الضرر في أكل القوت المتضمن فوت ما يأكله وكلفة تحريك فيه لما كان بقاؤه به لم يعد ضررا والضرر في مسألتنا في جنب ما يحصل من النفع أدنى من ذلك يكثير

إذا ثبت هذا فإن الخرقي اشترط لصحة إسلامه شرطين أحدهما أن يكون له عشر سنين

لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بضربه على الصلاة لعشر

والثاني أن يعقل الإسلام ومعناه أن يعلم أن الله تعالى ربه لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله

وهذا لا خلاف في اشتراطه فإن الطفل الذي لا يعقل لا يتحقق من اعتقاد الإسلام

وإنما كلامه لقلقة بلسانه لا يدل على شيء

وأما اشتراطه العشر فإن أكثر المصححين لإسلامه لم يشترطوا ذلك ولم يحدوا له حدا من السنين

وحكاه ابن المنذر عن أحمد لأن المقصود متى ما حصل لا حاجة إلى زيادة عليه وروي عن أحمد إذا كان ابن سبع سنين فإسلامه إسلام وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مروهم بالصلاة لسبع فدل على أن ذلك حد لأمرهم وصحة عباداتهم فيكون حدا لصحة إسلامهم

وقال ابن أبي شيبة إذا أسلم وهو ابن خمس سنين جعل إسلامه إسلاما ولعله يقول إن عليا عليه السلام أسلم وهو ابن خمس سنين لأنه قد قيل إنه مات وهو ابن ثمان وخمسين

فعلى هذا يكون إسلامه وهو ابن خمس لأن مدة النبي صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن مات ثلاث وعشرون سنة وعاش علي بعد ذلك ثلاثين سنة

فذلك ثلاث


24

وخمسون فإذا ضممت إليها خمسا كانت ثمانيا وخمسين

وقال أبو أيوب أجيز إسلام ابن ثلاث سنين من أصاب الحق من صغير أو كبير أجزناه وهذا لا يكاد يعقل الإسلام ولا يدري ما يقول ولا يثبت لقوله حكم فإن وجد ذلك منه ودلت أحواله وأقواله على معرفة الإسلام وعقله إياه صح منه كغيره والله أعلم

مسألة

قال ( فإن رجع وقال لم أدر ما قلت لم يلتفت إلى قوله وأجبر على الإسلام )

وجملته أن الصبي إذا أسلم وحكمنا بصحة إسلامه لمعرفتنا بعقله بأدلته فرجع وقال لم أدر ما قلت لم يقبل قوله ولم يبطل إسلامه الأول

وروي عن أحمد أنه يقبل منه ولا يجبر على الإسلام قال أبو بكر هذا قول محتمل لأن الصبي في مظنة النقص فيجوز أن يكون صادقا قال والعمل على الأول لأنه قد ثبت عقله للإسلام ومعرفته به بأفعاله أفعال العقلاء وتصرفاته تصرفاتهم وتكلمه بكلامهم وهذا يحصل به معرفة عقله ولهذا اعتبرنا رشده بعد بلوغه بأفعاله أفعال العقلاء وتصرفاته تصرفاتهم وتكلمه بكلامهم وهذا يحصل به معرفة عقلة ولهذا اعتبرنا رشده بعد بلوغه بأفعاله وتصرفاته وعرفنا جنون المجنون وعقل العاقل بما يصدر عنه من أفعاله وأقواله وأحواله

فلا يزول ما عرفناه بمجرد دعواه

وهكذا كل من تلفظ بالإسلام أو أخبر عن نفسه به ثم أنكر معرفته بما قال لم يقبل إنكاره وكان مرتدا نص عليه أحمد في مواضع

إذا ثبت هذا فإنه إذا ارتد صحت ردته وبهذا قل أبو حنيفة

وهو الظاهر من مذهب مالك وعند الشافعي لا يصح إسلامه ولا ردته

وقد روى عن أحمد أنه يصح إسلامه ولا تصح ردته لقول عليه السلام رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وهذا يقتضي أن لا يكتب عليه ذنب ولا شيء ولو صحت ردته لكتبت عليه

وأما الإسلام فلا يكتب عليه إنما يكتب له

ولأن الردة أمر يوجب القتل فلم يثبت حكمه في حق الصبي كالزنا ولأن الإسلام إنما صح منه لأنه تمحض مصلحة فأشبه الوصية والتدبير والردة تمحضت مضرة ومفسدة فلم تلزم صحتها منه

فعلى هذا حكمه حكم من لم يرتد فإذا بلغ فإن أصر على الكفر كان مرتدا حينئذ

مسألة

قال ( ولا يقتل حتى يبلغ ويجاوز بعد بلوغه ثلاثة أيام فإن ثبت على كفره قتل )

وجملته أن الصبي لا يقتل سواء قلنا بصحة ردته أو لم نقل لأن الغلام لا يجب عليه عقوبة بدليل أنه لا يتعلق به حكم الزنا والسرقة في سائر الحدود ولا يقتل قصاصا فإذا بلغ فثبت على ردته ثبت حكم الردة حينئذ فيستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل سواء قلنا إنه كان مرتدا قبل بلوغه أو لم نقل وسواء كان مسلما أصليا فارتد أو كان كافرا فأسلم صبيا ثم ارتد

مسألة

قال ( وإذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب لم يجر عليهما ولا على أحد من أولادهما ممن كانوا قبل الردة رق )


25

وجملته أن الرق لا يجري على المرتد سواء كان رجلا أو امرأة وسواء لحق بدار الحرب أو أقام بدار الإسلام وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا لحقت المرتدة بدار الحرب جاز استرقاقها لأن أبا بكر سبي بني حنيفة واسترق نساءهم وأم محمد بن الحنفية من سبيهم

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه ولأنه لا يجوز إقراره على كفره فلم يجز استرقاقه كالرجل ولم يثبت أن الذين سباهم أبو بكر كانوا أسلموا ولا ثبت لهم حكم الردة

فإن قيل فقد روي عن علي أن المرتدة تسبي قلنا هذا الحديث ضعيف ضعفه أحمد فأما أولاد المرتدين فإن كانوا ولدوا قبل الردة فإنهم محكوم بإسلامهم تبعا لآبائهم ولا يتبعونهم في الردة لأن الإسلام يعلو وقد تبعوهم فيه فلا يتبعونهم في الكفر فلا يجوز استرقاقهم صغارا لأنهم مسلمون ولا كبارا لأنهم إن ثبتوا على إسلامهم بعد كفرهم فهم مسلمون وإن كفروا فهم مرتدون حكمهم حكم آبائهم في الاستتابة وتحريم الاسترقاق وأما من حدث بعد الردة فهو محكوم بكفره لأنه ولد بين أبوين كافرين ويجوز استرقاقه لأنه ليس بمرتد نص عليه أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي وأبي بكر

ويحتمل أن لا يجوز استرقاقهم لأن آباءهم لا يجوز استرقاقهم ولأنهم لا يقرون بالجزية فلا يقرون بالاسترقاق وهذا مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة إن ولدوا في دار الإسلام لم يجز استرقاقهم وإن ولدوا في دار الحرب جاز استرقاقهم

ولنا إنهم لم يثبت لهم حكم الإسلام فجاز استرقاقهم كولد الحربيين بخلاف آبائهم فعلى هذا إذا وقع في الأسر بعد لحوقه بدار الحرب فحكمه حكم سائر أهل دار الحرب وإن كان في دار الإسلام لم يقر بالجزية وكذلك لو بذل الجزية بعد لحوقه بدار الحرب لم يقربها لأنه انتقل إلى الكفر بعد نزول القرآن فأما من كان حملا حين ردته فظاهر كلام الخرقي أنه كالحادث بعد كفره وعند الشافعي هو كالمولود لأنه موجود ولهذا يرث

ولنا إن أكثر الأحكام إنما تتعلق به بعد الوضع فكذلك هذا الحكم

مسألة

مسألة قال ( ومن امتنع منهما أو من أولادهما الذين وصفت من الإسلام بعد البلوغ استتيب ثلاثا فإن لم يتب قتل )

قوله الذين وصفت يعني الذين ولذوا قبل الردة فإنهم محكوم بإسلامهم فلا يسترقون ومتى قدر على الزوجين أو على أولادهما استتيب منهم من كان بالغا عاقلا فإن لم يتب قتل ومن كان غير بالغ انتظرنا بلوغه ثم استتبناه فإن لم يتب قتل وينبغي أن يحبس حتى لا يهرب

فصل

ومتى ارتد أهل بلد وجرت فيه أحكامهم صاروا دار حرب في اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم الحادثين بعد الردة وعلى الإمام قتالهم فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قاتل أهل الردة بجماعة الصحابة ولأن الله تعالى قد أمر بقتال الكفار في مواضع من كتابه وهؤلاء أحقهم بالقتال لأن تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم فيكثر الضرر بهم وإذا قاتلهم قتل في قدر عليه ويتبع مدبرهم ويجاز على جريحهم وتغنم أموالهم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تصير دار حرب حتى تجمع فيها ثلاثة أشياء أن


26

كون متاخمة لدار الحرب لا شيء بينهما من دار الإسلام

الثاني أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمن

الثالث أن تجري فيها أحكامهم

ولنا إنها دار كفار فيها أحكامهم فكانت دار حرب كما لو اجتمع فيها هذه الخصال أو دار الكفرة الأصليين

فصل

وإن قتل المرتد من يكافئه عمدا فعليه القصاص نص عليه أحمد والولي مخير بين قتله والعفو عنه فإن اختار القصاص قدم على قتل الردة سواء تقدمت الردة أو تأخرت لأنه حق آدمي وإن عفا على مال وجبت الدية في ماله وإن كان القتل خطأ وجبت الدية في ماله لأنه لا عاقلة له قال القاضي وتؤخذ منه الدية في ثلاث سنين لأنها دية الخطأ فإن قتل أو مات أخذت من ماله في الحال لأن الدين المؤجل يحل بالموت في حق من لا وارث له ويحتمل أن تجب الدية عليه حالة لأنها إنما أجلت في حق العاقلة تخفيفا عليهم لأنهم يحملون عن غيرهم على سبيل المواساة فأما الجاني فتجب عليه حالة لأنها بدل عن متلف فكانت حالة كسائر أبدال المتلفات

مسألة

قال ( ومن أسلم من الأبوين كان أولاده الأصاغر تبعا له )

وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي إذا أسلم أبواه أو أحدهما وأدرك فأبي الإسلام أجبر عليه ولم يقتل وقال مالك إن أسلم الأب تبعه أولاده وإن أسلمت الأم لم يتبعوها لأن ولد الحربيين يتبع أباه دون أمه بدليل الموليين إذا كان لهما ولد كان ولاؤه لمولى أبيه دون مولى أمه ولو كان الأب عبدا أو الأم مولاة فأعتق العبد لجر ولاء ولده إلى مواليه ولأن الولد يشرف بشرف أبيه وينتسب إلى قبيلة دون قبيلة أمه فوجب أن يتبع أباه في دينه أي دين كان وقال الثوري إذا بلغ خير بين دين أبيه ودين أمه فأيهما اختاره كان على دينه ولعله يحتج بحديث الغلام الذي أسلم أبوه وأبت أمه أن تسلم فخيره النبي صلى الله عليه وسلم بين أبيه وأمه

ولنا إن الولد يتبع أبويه في الدين فإن اختلفا وجب أن يتبع المسلم منهما كولد المسلم من الكتابية ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى ويترجح الإسلام بأشياء منها أنه دين الله الذي رضيه لعباده وبعث به رسله دعاة لخلقه إليه ومنها أنه تحصل به السعادة في الدنيا والآخرة ويتخلص به في الدنيا من القتل والاسترقاق وأداء الجزية وفي الآخرة من سخط الله وعذابه ومنها أن الدار دار الإسلام يحكم بإسلام لقيطها ومن لا يعرف حاله فيها وإذا كان محكوما بإسلامه أجبر عليه إذا امتنع منه بالقتل كولد المسلمين ولأنه مسلم فإذا رجع عن إسلامه وجب قتله لقوله عليه السلام من بدل دينه فاقتلوه وبالقياس على غيره

ولنا على مالك أن الأم أحد الأبوين فيتبعها ولدها في الإسلام كالأب بل الأم أولى به لأنها أخص به لأنه مخلوق منها حقيقة وتختص بحمله ورضاعه ويتبعها في الرق والحرية والتدبير والكتاب ولأن سائر الحيوانات يتبع الولد أمه دون أبيه وهذا يعارض ما ذكره وأما تخيير الغلام فهو في الحضانة لا في الدين


27

مسألة

قال ( وكذلك من مات من الأبوين على كفره قسم له الميراث وكان مسلما بموت من مات منهما )

يعني إذا مات أحد أبوي الولد الكافرين صار الولد مسلما بموته وقسم له الميراث وأكثر الفقهاء على أنه لا يحكم بإسلامه بموتهما ولا موت أحدهما لأنه يثبت كفره تبعا ولم يوجد منه إسلام ولا ممن هو تابع له فوجب إبقاؤه على ما كان عليه ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحمد من خلفائه أنه أجبر أحدا من أهل الذمة على الإسلام بموت أبيه مع أنه لم يخل زمنهم عن موت بعض أهل الذمة عن يتيم

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم كل مولد يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه متفق عليه فجعل كفر بفعل أبويه فإذا مات أحدهما انقطعت التبعية فوجب إبقاؤه على الفطرة التي ولد عليها ولأن المسألة مفروضة فيمن مات أبوه في دار الإسلام وقضية الدار الحكم بإسلام أهلها ولذلك حكمنا بإسلام لقيطها وإنما ثبت الكفر للطفل الذي له أبوان فإذا عدما أو أحدهما وجب إبقائه على حكم الدار لانقطاع تبيعته لمن يكفر بها وإنما قسم له الميراث لأن إسلامه إنما ثبت بموت أبيه الذي استحق به الميراث فهو سبب لهما فلم يتقدم الإسلام المانع من الميراث على استحقاقه ولأن الحرية المعلقة بالموت لا توجب الميراث فيما إذا قال سيد العبد له إذا مات أبوك فأنت حر فمات أبوه فإنه يعتق ولا يرث فيجب أن يكون الإسلام المعلق بالموت لا يمنع الميراث وهذا فيما إذا كان في دار الإسلام لأنه متى انقطعت تبعيته لأبويه أو أحدهما ثبت له حكم الدار فأما دار الحرب فلا نحكم بإسلام ولد الكافرين فيها بموتهما ولا موت أحدهما لأن الدار لا يحكم بإسلام أهلها وكذلك لم نحكم بإسلام لقيطها

مسألة

قال ( ومن شهد عليه بالردة فقال ما كفرت فإن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لم يكشف عن شيء )

الكلام في هذه المسألة في فصلين الفصل الأول أنه إذا شهد عليه بالردة من تثبت الردة بشهادته فأنكر لم يقبل إنكاره واستتيب فإن تاب وإلا قتل وحكي عن بعض أصحاب أبي حنيفة أن إنكاره يكفي في الرجوع إلى الإسلام ولا يلزمه النطق بالشهادة لأنه لو أقر بالكفر ثم أنكره قبل منه ولم يكلف الشهادتين كذا ها هنا

ولنا ما روى الأثرم بإسناده عن علي رضي الله عنه أنه أتي برجل عربي قد تنصر فاستتابه فأبى أن يتوب فقتله وأتي برهط يصلون وهم زنادقة وقد قامت عليهم بذلك الشهود العدول فجحدوا وقالوا ليس لنا دين إلا الإسلام فقتلهم ولم يستتبهم ثم قال أتدرون لم استتببت النصراني استتبته لأنه أظهر دينه فأما الزنادقة الذين قامت عليهم البينة فإنما قتلتهم لأنهم جحدوا وقد قامت عليهم البينة ولأنه قد ثبت كفره فلم يحكم بإسلامه بدون الشهادتين كالكفر الأصلي ولأن إنكاره تكذيب للبينة فلم تسمع كسائر الدعاوى فأما إذا أقر بالكفر ثم أنكر فيحتمل أن نقول فيه كمسألتنا وإن سلمنا فالفرق بينهما أن الحد وجب بقوله فضل رجوعه عنه وما ثبت بالبينة لم


28

يثبت بقوله فلا يقبل رجوعه عنه كالزنا لو ثبت بقوله فرجع كف عنه وإن ثبت ببينة لم يقبل رجوعه

فصل

وتقبل الشهادة على الرد من عدلين في قول أكثر أهل العلم وبه يقول مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي قال ابن المنذر ولا نعلم أحدا خالفهم إلا الحسن قال لا يقبل في القتل إلا أربعة لأنها شهادة بما يوجب القتل فلم يقبل فيها إلا أربعة قياسا على الزنا

ولنا إنها شهادة في غير الزنا فقبلت من عدلين كالشهادة على السرقة ولا يصح قياسه على الزنا فإنه لم يعتبر فيه الأربعة لعلة القتل بدليل اعتبار ذلك في زنا البكر ولا قتل فيه وإنما العلة كونه زنا ولم يوجد ذلك في الردة ثم الفرق بينهما أن القذف بالزنا يوجب ثمانين جلدة بخلاف القذف بالردة

فصل

الثاني أنه إذا ثبتت ردته بالبينة أو غيرها فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لم يكشف عن صحة ما شهد عليه به وخلى سبيله ولا يكلف الإقرار بما نسب إليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل متفق عليه ولأن هذا يثبت به إسلام الكافر الأصلي فكذلك إسلام المرتد ولا حاجة مع ثبوت إسلامه إلى الكشف عن صحة ردته وكلام الخرقي محمول على من كفر بجحد الوحدانية أو جحد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو جحدهما معا فأما من كفر بغير هذا فلا يحصل إسلامه إلا بالإقرار بما جحده ومن أقر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنكر كونه مبعوثا إلى العالمين لا يثبت إسلامه حتى يشهد أن محمدا رسول الله الى الخلق أجمعين أو يتبرأ مع الشهادتين من كل دين يخالف الإسلام وإن زعم أن محمدا رسول مبعوث بعد غير هذا لزمه الإقرار بأن هذا المبعوث هو رسول الله لأنه إذا اقتصر على الشهادتين احتمل أنه أراد ما اعتقده وإن ارتد بجحود فرض لم يسلم حتى يقر بما جحده ويعيد الشهادتين لأنه كذب الله ورسوله بما اعتقده وكذلك إن جحد نبيا أو آية من كتاب الله تعالى أو كتابا من كتبه أو ملكا من ملائكته الذين ثبت أنهم ملائكة الله أو استباح محرما فلا بد في إسلامه من الإقرار بما جحده وأما الكفار بجحد الدين من أصله إذا شهد أن محمدا رسول الله واقتصر على ذلك ففيه روايتان

إحداهما يحكم بإسلامه لأنه روي أن يهوديا قال أشهد أن محمدا رسول الله ثم مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم صلوا على صاحبكم ولأنه لا يقر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلا وهو مقر بمن أرسله وبتوحيده لأنه صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به وقد جاء بتوحيده

الثانية أنه إن كان مقرا بالتوحيد كاليهود حكم بإسلامه لأن توحيد الله ثابت في حقه وفي ضم إليه الإقرار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكمل إسلامه

وإن كان غير موحد كالنصارى والمجوس والوثنيين لم يحك بإسلامه حتى يشهد أن لا إله إلا الله وبهذا جاءت أكثر الأخبار وهو الصحيح لأن من جحد شيئين لا يزول جحدهما إلا بإقراره بهما جميعا وإن قال أشهد أن النبي رسول الله لم نحكم بإسلامه لأنه يحتمل أن يريد غير نبينا وإن قال أنا مؤمن أو أنا مسلم فقال القاضي يحكم بإسلامه بهذا وإن لم يلفظ بالشهادتين لأنهما اسمان لشيء معلوم معروف وهو


29

الشهادتان فإذا أخبر عن نفسه بما تضمن الشهادتين كان مخبرا بهما وروى المقداد أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعهما ثم لا زمني بشجرة فقال أسلمت أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها قال لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها وعن عمران بن حصين قال أصاب المسلمون رجلا من بني عقيل فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إني مسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت قلت وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح رواهما مسلم ويحتمل أن هذا في الكافر الأصلي أو من جحد الوحداني أما من كفر بجحد نبي أو كتاب أو فريضة ونحوها فلا يصير مسلما بذلك لأنه ربما اعتقد أن الإسلام ما هو عليه فإن أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون ومنهم من هو كافر

فصل وإذا أتى الكافر بالشهادتين ثم قال لم أرد الإسلام فقط صار مرتدا ويجبر على الإسلام نص عليه أحمد في رواية جماعة ونقل عن أحمد أنه يقبل منه ولا يجبر على الإسلام لأنه يحتمل الصدق فلا يراق دمه بالشبهة والأول أولى لأنه قد حكم بإسلامه فيقتل إذا رجع كما لو طالت مدته

فصل وإذا أتى الكفار بالشهادتين ثم قال لم أرد الإسلام فقط صار مرتدا ويجبر على الإسلام نص عليه أحمد في رواية جماعة ونقل عن أحمد أنه يقبل منه ولا يجبر على الإسلام لأنه يحتمل الصدق فلا يراق دمه بالشبهة والأول أولى لأنه قد حكم بإسلامه فيقتل إذا رجع كما لو طالت مدته

فصل وإذا صلى الكافر حكم بإسلامه سواء كان في دار الحرب أو دار الإسلام أو صلى جماعة أو فرداي وقال الشافعي إن صلى في دار الحرب حكم بإسلامه وإن صلى في دار الإسلام لم يحكم بإسلامه لأنه يحتمل أنه صلى رياء وتقية

ولنا إن ما كان إسلاما في دار الحرب كان إسلاما في دار الإسلام كالشهادتين ولأن الصلاة ركن يختص به الإسلام فحكم بإسلامه به كالشهادتين واحتمال التقية والرياء يبطل بالشهادتين وسواء كان أصليا أو مرتدا وأما سائر الأركان من الزكاة والصيام والحج فلا يحكم بإسلامه به فإن المشركين كانوا يحجون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى منعهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا يحج بعد العام مشرك والزكاة صدقة وهم يصدقون وقد فرض على نصاري بني تغلب من الزكاة مثلي ما يؤخذ من المسلمين ولم يصيروا بذلك مسلمين وأما الصيام فلكل أهل دين صيام ولأن الصيام ليس بفعل إنما هو إمساك عن أفعال مخصوصة في وقت مخصوص وقد يتفق هذا من الكافر كاتفاقهمن المسمل ولا عبرة بنية الصيام لأنها أمر باطن لا علم لنا به بخلاف الصلاة فإنها أفعال تتميز عن أفعال الكفار ويختص بها أهل الإسلام ولا يثبت الإسلام حتى يأتي بصلاة يتميز بها عن صلاة الكفار من استقبال قبلتنا والركوع والسجود ولا يحصل بمجرد القيام لأنهم يقومون في صلاتهم ولا فرق بين الأصلي والمرتد في هذا لأن ما حصل به الإسلام في الأصلي حصل به في حق المرتد كالشهادتين فعلى هذا لو مات المرتد فأقام ورثته بينة أنه صلى بعد ردته حكم لهم بالميراث إلا أن يثبت أنه ارتد بعد صلاته أو تكون ردته بجحد فريضة أو كتاب أو نبي أو ملك أو نحو ذلك من البدع التي ينتسب أهلها إلى الإسلام فإنه لا يحكم بإسلامه بصلاته لأنه يعتقد بجوب الصلاة ويفعلها مع كفره فأشبه فعله غيره والله أعلم

فصل وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم لم يثبت له حكم


30

الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعا مثل أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه عنه فإن مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار وإن رجع إلى دين الكفر لم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال محمد بن الحسن يصير مسلما في الظاهر وإن رجع عنه قتل إذا امتنع من الإسلام لعموم قوله علهي السلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ولأنه أتى بقول الحق فلزمه حكمه كالحربي إذا أكره عليه

ولنا إنه أكره على ما يجوز إكراهه عليه فلم يثبت حكمه في حقه كالمسلم إذا أكره على الكفر والدليل على تحريم الإكراه قوله تعالى لا إكراه في الدين البقرة 256 وأجمع أهل العلم على أن الذمي إذا أقام على ما عوهد عليه والمستأمن لا يجوز نقض عهده ولا إكراهه على ما لم يلتزمه ولأنه أكره على ما لا يجوز إكراهه عليه فمل يثبت حكمه في حقه كالإقرار والعتق وفارق الحربي والمرتد فإنه يجوز قتلهما وإكراههما على الإسلام بأن يقول إن أسلمت وإلا قتلناك فمتى أسلم حكم بإسلامه ظاهرا وإن مات قبل زوال الإكراه عنه فحكمه حكم المسلمين لأنه أكره بحق فحكم بصحة ما يأتي به كما لو أكره المسلم على الصلاة فصلى وأما في الباطن فيما بينهما وبين ربهم فإن من اعتقد الإسلام بقلبه وأسلم فيما بينه وبين الله تعالى فهو مسلم عند الله موعود بما وعد به من أسلم طائعا وم لم يعتقد الإسلام بقلبه فهو باق على كفره لا حظ له في الإسلام سواء في هذا من يجوز إكراهه ومن لا يجوز إكراهه فإن الإسلام لا يحصل بدون اعتقاده من العاقل بدليل أن المنافقين كانوا يظهرون الإسلام ويقومون بفرائضه ولم يكونوا مسلمين

فصل ومن أكره على الكفار فأتى بكلمة الكفر لم يصر كافرا وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وقال محمد بن الحسن هو كافر في الظاهر تبين منه امرأته ولا يرثه المسلمون إن مات ولا يغسل ولا يصلي عليه وهو مسلم فيما يبنه وبين الله لأنه نطق بكلمة الكفر فأشبه المختار

ولنا قول الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله النحل 106

وروي أن عمارا أخذه المشركون فضربوه حتى تكلم بما طلبوا منه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فأخبره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن عادوا فعد وروي أن الكفار كانوا يعذبون المستضعفين من المؤمنين فما منهم أحد إلا أجابهم إلا بلال فإنه كان يقول أحد أحد وقال النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولأنه قول أكره عليه بغير حق فلم يثبت حكمه كما لو أكره على الإقرار وفارق ما إذا أكره بحق فإنه خير بين أمرين يلزمه أحدهما فأيهما اختاره ثبت حكمه في حقه فإذا ثبت أنه لم يكفر فمتى زال عنه الإكراه أمر بإظاهر إسلامه فإن أظهره فهو باق على إسلامه وإن أظهر الكفر حكم أنه كفر من حين نطق به لأننا تبينا بذلك أنه كان منشرح الصدر بالكفر من حين نطق به مختارا به وإن قامت عليه بينة أنه نطق بكلمة الكفر وكان محبوسا عند الكفار


31

ومقيدا عندهم في حالة خوف لم يحكم بردته لأن ذلك ظاهر في الإكراه وإن شهدت أنه كان آمنا حال نطقه به حكم بردته فإن ادعى ورثته رجوعه إلى الإسلام لم يقبل إلا ببينة لأن الأصل بقاؤه على ما هو عليه وإن شهدت البينة عليه بأكل لحم الخنزير لم يحكم بردته لأنه قد يأكله معتقدا تحريمه كما يشرب الخمر من يعتقد تحريمها وإن قال بعض ورثته أكله مستحلا له أو أقر بردته حرم ميراثه لأنه مقر بأنه لا يستحقه ويدفع إلى مدعي إسلامه قدر ميراثه لأنه لا يدري أكثر منه ويدفع الباقي إلى بيت المال لعدم من يستحقه فإن كان في الورثة صغير أو مجنون دفع إليه نصيبه ونصيب المقر بردة الموروث لأنه لم تثبت ردته بالنسبة إليه

فصل ومن أكره على كلمة الكفر فالأفضل له أن يصبر ولا يقولها وإن أتى ذلك على نفسه لما روى خباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن كان الرجل من قبلكم ليحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بمنشار فيوضع على شق رأسه ويشق باثنين ما يمنعه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم ما يصرفه ذلك عن دينه وجاء في تفسير قوله تعالى قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود البروج 4 5 6 7 أن بعض ملوك الكفار أخذ قوما من المؤمنين فخدهم أخدودا في الأرض وأوقد فيه نارا ثم قال من لم يرجع عن دينه فألقوه في النار فجعلوا يلقونهم فيها حتى جاءت امرأة على كفها صبي لها فتقاعست من أجل الصبي فقال الصبي يا أمه اصبري فإنك على الحق فذكرهم الله تعالى في كتابه وروى الأثرم عن أبي عبد الله أنه سئل عن الرجل يؤمر فيعرض على الكفر ويكره عليه أله أن يرتد فكرهه كراهة شديدة وقال ما يشبه هذا عندي الذين أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أولئك كانوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاؤوا وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر وترك دينهم وذلك لأن الذي يكره على كلمة يقولها ثم يخلى لا ضرر فيها وهذا المقيم بينهم يلتزم بإجابتهم إلى الكفر المقام عليه واستحلال المحرمات وترك الفرائض والواجبات وفعل المحظورات والمنكرات وإن كان امرأة تزوجها واستولدها أولادا كفارا وكذلك الرجل وظاهر حالهم المصير إلى الكفر الحقيقي والانسلاخ من الدين الحنيفي

مسألة

قال ( ومن ارتد وهو سكران لم يقتل حتى يفيق ويتم له ثلاثة أيام من وقت ردته فإن مات في سكره مات كافرا )

اختلفت الرواية عن أحمد في ردة السكران فروي عنه أنها تصح قال أبو الخطاب وهو أظهر الروايتين عنه وهو مذهب الشافعي وعنه لا يصح وهو قول أبي حنيفة لأن ذلك يتعلق بالاعتقاد والقصد والسكران لا يصح عقده ولا قصده فأشبه المعتوه ولأنه زائل العقل فلم تصح ردته كالنائم ولأنه غير مكلف فلم تصح ردته كالمجنون والدليل على أنه غير مكلف أن العقل شرط في التكليف وهو معدوم في حقه ولهذا لم يصح استتابته


32

ولنا إن الصحابة رضي الله عنهم قالوا في السكران إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فحدوه حد المفتري فأجبوا عليه حد الفرية التي يأتي بها في سكره وأقاموا مظنتها مقامها ولأنه يصح طلاقه فصحت ردته كالصاحي وقولهم ليس بمكلف ممنوع فإن الصلاة واجبة عليه وكذلك سائر أركان الإسلام ويأثم بفعل المحرمات وهذا معنى التكليف ولأن السكران لا يزول عقله بالكلية ولهذا يتقي المحذورات ويفرح بما يسره ويساء بما يضره ويزول سكره عن قرب من الزمان فأشبه الناعس بخلاف النائم والمجنون وأما استتابته فتؤخر إلى حين صحوه ليكمل عقله ويفهم ما يقال له وتزال شبهته إن كان قد قال الكفر معتقدا له كما تؤخر استتابته إلى حين زوال شدة عطشه وجوعه ويؤخر الصبي إلى حين بلوغه وكمال عقله ولأن القتل جعل للزجر ولا يحصل الزجر في حال سكره وإن قتله قاتل في حال سكره لم يضمنه لأن عصمته زالت بردته وإن مات أو قتل لم يرثه ورثته ولا يقتله حتى يتم له ثلاثة أيام ابتداؤها من حين ارتد فإن استمر سكره أكثر من ثلاث لم يقبل حتى يصحو ثم يستتاب عقيب صحوه فإن تاب وإلا قتل في الحال وإن أسلم في سكره صح إسلامه ثم يسأل بعد صحوه فإن ثبت على إسلامه فهو مسلم من حين سلم لأنه إسلامه صحيح وإن كفر فهو كافر من الآن لأن إسلامه صح وإنما يسأل استظهارا وإن مات بعد إسلامه في سكره مات مسلما

فصل ويصح إسلام السكران في سكره سواء كان كافرا أصليا أو مرتدا لأنه إذا صحت ردته مع أنها محض مضرة وقول باطل فلأن يصح إسلامه الذي هو قول حق ومحض مصلحة أولى فإن رجع عن إسلامه وقال لم أدر ما قلت لم يلتفت إلى مقالته وأجبر على الإسلام فإن أسلم وإلا قتل ويتخرج أن لا يصح إسلامه بناء على القول بأن ردته لا تصح فإن من لا تصح ردته لا يصح إسلامه كالطفل والمعتوه

فصل ولا تصح ردة المجنون ولا إسلامه لأنه لا قول له وإن ارتد في صحته ثم جن لم يقتل في حال جنونه لأنه يقتل بالإصرار على الردة والمجنون لا يوصف بالإصرار ولا يمكن استتابته ولو وجب عليه القصاص فجن قتل لأن القصاص لا يسقط عنه بسبب من جهته ها هنا يسقط برجوعه ولأن القصاص إنما يسقط بسبب من جهة المستحق له فنظير مسألتنا أن يجن المستحق للقصاص فإنه لا يستوفى حال جنونه

فصل ومن أصاب حدا ثم ارتد ثم أسلم أقيم عليه حده وبهذا قال الشافعي سواء لحق بدار الحرب في ردته أو لم يلحق بها

وقال قتادة في مسلم أحدث حدثا ثم لحق بالروم ثم قدر عليه إن كان ارتد درىء عنه الحد وإن لم يكن ارتد أقيم عليه ونحو هذا قال أبو حنيفة والثوري إلا حقوق الناس لأن ردته أحبطت عمله فأسقطت ما عليه من حقوق الله تعالى كمن فعل ذلك في حال شركه ولأن الإسلام يجب ما قبله

ولنا أنه حق عليه فلم يسقط بردته كحقوق الآدميين

وفارق ما فعله في شركه فإنه لم يثبت حكمه في حقه

وأما قوله الإسلام يجب ما قبله فالمراد به ما فعله في كفره لأنه لو أراد ما قبل ردته أفضى إلى كون الردة الي هي أعظم


33

الذنوب مكفرة للذنوب وأن من كثرت ذنوبه ولزمته حدود يكفر ثم يسلم فتكفر ذنوبه وتسقط حدوده

فصل فأما ما فعله في ردته فقد نقل مهنا عن أحمد قال سألته عن رجل ارتد عن الإسلام فقطع الطريق وقتل النفس ثم لحق بدار الحرب فأخذه المسلمون فقال تقام فيه الحدود ويقتص منه وسألته عن رجل ارتد فلحق بدار الحرب فقتل بها مسلما ثم رجع تائبا وقد أسلم فأخذه وليه يكون عليه القصاص فقال قد زال عنه الحكم لأنه إنما قتل وهو مشرك وكذلك إن سرق وهو مشرك ثم توقف بعد ذلك وقال لا أقول في هذا شيئا

وقال القاضي ما أصاب في ردته من نفس أو مال أو جرح فعليه ضمانه سواء كان في منعة وجماعة أو لم يكن لأنه التزم حكم الإسلام بإقراره فلم يسقط بجحده كما لا يسقط ما التزمه عند الحاكم بجحده والصحيح أن ما أصابه المرتد بعد لحوقه بدار الحرب أو كونه في جماعة ممتنعة لا يضمنه لما ذكرناه في آخر الباب الذي قبل هذا وما فعله قبل هذا أخذ به إذا كان مما يتعلق به حق آدمي كالجناية على نفس أو مال لأنه في دار الإسلام فلزمه حكم جنايته كالذمي والمستأمن

وأما إن ارتكب حدا خالصا لله تعالى كالزنا وشرب الخمر والسرقة فإنه إن قتل بالردة سقط ما سوى القتل من الحدود لأنه متى اجتمع مع القتل حد اكتفي بالقتل وإن رجع إلى الإسلام أخذ بحد الزنا والسرقة لأنه من أهل دار الإسلام فأخذ بهما كالذمي والمستأمل

وأما حد الخمر فيحتمل أن لا يجب عليه لأنه كافر فلا يقام عليه حد الخمر كسائر الكفار

ويحتمل أن يجب لأنه أقر بحكم الإسلام قبل ردته وهذا من أحكامه فلم يسقط بجحده بعده والله أعلم

فصل ومن ادعى النبوة أو صدق من ادعاه فقد ارتد لأن مسيلمة لما ادعى النبوة فصدقه قومه صاروا بذلك مرتدين وكذلك طليحة الأسدي ومصدقوه

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه رسول الله صلى بلى ولا شهادة له قال أليس يصلي بلى ولا صلاة له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم وقد قال الله تعالى إن المنافقين في الدرك قال عليه وسلم

فصل ومن سب الله تعالى كفر سواء كان مازحا أو جادا وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله أو كتبه

قال الله تعالى ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم التوبة 65 66 وينبغي أن لا يكتفى من الهازىء بذلك بمجرد الإسلام حتى يؤدب أدبا يزجره عن ذلك فإنه إذا لم يكتف ممن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوبة فممن سب الله تعالى أولى


34

فصل في السحر

وهو عقد ورقى وكلام يتكلم به أو يكتبه أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له

وله حقيقة فمنه ما يقتل وما يمرض وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه وما يبغض أحدهما إلى الآخر أو يحبب بين اثنين وهذا قول الشافعي وذهب بعض أصحابه إلى أنه لا حقيقة له إنما هو تخييل لأن الله تعالى قال يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى طه 66 وقال أصحاب أبي حنيفة إن كان شيئا يصل إلى بدن المسحور كدخان ونحوه جاز أن يحصل منه ذلك

فأما أن يحصل المرض والموت من غير أن يصل إلى بدنه شيء فلا يجوز ذلك لأنه لو جاز لبطلت معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن ذلك يخرق العادات فإذا جاز من غير الأنبياء بطلت معجزاتهم وأدلتهم

ولنا قوله الله تعالى قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد الفلق 1 2 3 4 يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن عليه ولولا أن السحر له حقيقة لما أمر الله تعالى بالاستعاذة منه وقال الله تعالى يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت إلى قوله فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه البقرة 102 وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى أنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله وأنه قال لها ذات يوم أشعرت أن الله تعالى أفتاني فيما استفيته أنه أتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال ما وجع الرجل قال مطبوب قال من طبه قال لبيد بن الأعصم في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر في بئر ذي أروان ذكره البخاري وغيره

جف الطلعة وعائها والمشاطة الشعر الذي يخرج من شعر الرأس أو غيره إذا مشط فقد أثبت لهم سحرا

وقد اشتهر بين الناس وجود عقد الرجل عن امرأته حين يتزوجها فلا يقدر على إتيانها وحل عقده فيقدر عليها بعد عجزه عنها حتى صار متواترا لا يمكن جحده

وروي من أخبار السحرة ما لا يكاد يمكن التواطىء على الكذب فيه

وأما إبطال المعجزات فلا يلزم من هذا لأنه لا يبلغ ما يأتي به الأنبياء عليهم السلام وليس يلزم أن ينتهي إلى أن تسعى العصي والحبال

إذا ثبت هذا فإن تعلم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم قال أصحابنا ويكفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكفر فإن حنبلا روى عنه قال قال


35

عمي في العراف والكاهن والساحر أرى أن يستتاب من هذه الأفاعيل كلها فإنه عندي في معنى المرتد فإن تاب وراجع يعني يخلى سبيله

قلت له يقتل قال لا يحبس لعله يرجع قلت له لم لا تقتله قال إذا كان يصلي لعله يتوب ويرجع وهذا يدل على أنه لم يكفره لأنه لو كفره لقتله

وقوله في معنى المرتد يعني في الاستتابة

وقال أصحاب أبي حنيفة إن اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء كفر وإن اعتقد أنه تخييل لم يكفر

وقال الشافعي إن اعتقد ما يوجب الكفر مثل التقرب إلى الكواكب السبعة وأنها تفعل ما يلتمس أو اعتقد حل السحر كفر لأن القرآن نطق بتحريمه وثبت بالنقل المتواتر والإجماع عليه وإلا فسق ولم يكفر لأن عائشة رضي الله عنها باعت مدبرة لها سحرتها بمحضر من الصحابة ولو كفرت لصارت مرتدة يجب قتلها ولم يجز استرقاقها ولأنه شيء يضر بالناس فلم يكفر بمجرده كأذاهم

ولنا قول الله تعالى واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا البقرة 102 أي وما كفر سليمان أي وما كان ساحرا كفر بسحره وقولهما إنما نحن فتنة فلا تكفر أي لا تتعلمه فتكفر بذلك وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن امرأة جاءتها فجعلت تبكي بكاء شديدا وقالت يا أم المؤمنين إن عجوزا ذهبت بي إلى هاروت وماروت علماني السحر فقالا اتقي الله ولا تكفري فإنك على رأس أمرك فقلت علماني السحر فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه ففعلت فرأيت كأن فارسا مقنعا في الحديد خرج مني حتى طار فغاب في السماء فرجعت إليهما فأخبرتهما فقالا ذلك إيمانك فذكرت باقي القصة إلى أن قالت والله يا أم المؤمنين ما صنعت شيئا غير هذا ولا أصنعه أبدا فهل لي من توبة قالت عائشة ورأيتها تبكي بكاء شديدا فطافت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون تسألهم هل لها من توبة فما أفتاها أحد إلا أن ابن عباس قال لها إن كان أحد من أبويك حيا فبريه وأكثري عن عمل البر ما استطعت وقول عائشة قد خالفها فيه كثير من الصحابة وقال علي رضي الله عنه كافر ويحتمل أن المدبرة تابت فسقط عنها القتل والكفر بتوبتها ويحتمل أنها سحرتها بمعنى أنها ذهبت إلى ساحر سحر لها

فصل وحد الساحر القتل روى ذلك عن عمر وعثمان بن عفان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز وهو قول أبي حنيفة ومالك ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر وهو قول ابن المنذر ورواية عن أحمد قد ذكرناها فيما تقدم ووجه ذلك أن عائشة رضي الله عنها باعت مدبرة سحرتها ولو وجب قتلها لما حل بيعها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق ولم يصد منه أحد الثلاثة فوجب أن لا يحل دمه


36

ولنا ما روى جندب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حد الساحر ضربه بالسيف قال ابن المنذر رواه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف وروى سعيد وأبو داود في كتابيهما عن بجالة قال كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة اقتلوا كل ساحر فقتلنا ثلاث سواحر في يوم وهذا اشتهر فلم ينكر فكان إجماعا وقتلت حفصة جارية لها سحرتها وقتل جندب بن كعب ساحرا كان يسحر بين يدي الوليد بن عقبة ولأنه كافر فيقتل للخبر الذي رووه

فصل وهل يستتاب الساحر فيه روايتان

إحداهما لا يستتاب وهو ظاهر ما نقل عن الصحابة فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه استتاب ساحرا وفي الحديث الذي رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الساحرة سألت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون هل لها من توبة فما أفتاها أحد ولأن السحر معنى في قلبه لا يزول بالتوبة فيشبه من لم يتب

والرواية الثانية يستتاب فإن تاب قبلت توبته لأنه ليس بأعظم من الشرك والمشرك يستتاب ومعرفته السحر لا تمنع قبول توبته فإن الله تعالى قبل توبة سحرة فرعون وجعلهم من أوليائه في ساعة ولأن الساحر لو كان كافرا فأسلم صح إسلامه وتوبته فإذا صحت التوبة منهما صحت من أحدهما كالكفر ولأن الكفر والقتل إنما هو بعمله بالسحر لا بعلمه بدليل الساحر إذا أسلم والعمل به يمكن التوبة منه وكذلك اعتقاد ما يكفر باعتقاده يمكن التوبة منه كالشرك وهاتان الروايتان في ثبوت حكم التوبة في الدنيا من سقوط القتل ونحوه فأما فيما بينه وبين الله تعالى وسقوط عقوبة الدار الآخرة عنه فيصح فإن الله تعالى لم يسد باب التوبة عن أحد من خلقه ومن تاب إلى الله قبل توبته لا نعلم في هذا خلافا

فصل والسحر الذي ذكرنا حكمه هو الذي يعد في العرف سحرا مثل فعل لبيد بن الأعصم حين سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة وروينا في مغازي الأموي أن النجاشي دعا السواحر فنفخن في إجليل عمارة بن الوليد فهام مع الوحش فلم يزل معها إلى إمارة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمسكة إنسان فقال خلني وإلا مت فلم يخله فمات من ساعته وبلغنا أن بعض الأمراء أخذ ساحرة فجاء زوجها كأنه محترق فقالوا قولوا لها تحل عني فقالت ائتوني بخيوط وباب فجلست على الباب حين أتوها به وجعلت تعقد وطار بها الباب فلم يقدروا عليها فهذا وأمثاله مثل أن يعقد الرجل المتزوج فلا يطيق وطء زوجته هو السحر المختلف في حكم صاحبه فأما الذي يعزم على المصروع ويزعم أنه يجمع الجن ويأمرها فتعطيه فهذا لا يدخل في هذا الحكم ظاهرا وذكره القاضي وأبو الخطاب في جملة السحرة وأما من يحل السحر فإن كان بشيء من القرآن أو شيء من الذكر والأقسام والكلام الذي لا بأس به فلا بأس به وإن كان بشيء من السحر فقد توقف أحمد عنه قال الأثرم سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل يزعم أنه يحل السحر فقال قد رخص فيه بعض الناس قيل لأبي عبد الله إنه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه ويعمل كذا فنفض يده كالمنكر وقال ما أدري ما هذا قيل له فترى أن يؤتى مثل هذا يحل السحر فقال ما أدري ما هذا


37

وروي عن محمد بن سيرين أنه سئل عن امرأة يعذبها السحر فقال رجل أخط خطا عليها وأغرز السكين عند مجمع الخط وأقرأ القرآن فقال محمد ما أعلم بقراءة القرآن بأسا على حال ولا أدري ما الخط والسكين

وروى عن سعيد بن المسيب في الرجل يؤخذ عن امرأته فيلتمس من يداويه فقال إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع وقال أيضا إن استطعت أن تنفع أخاك فافعل

فهذا من قولهم يدل على أن المعزم ونحوه لم يدخلوا في حكم السحرة ولأنهم لا يسمون به وهو مما ينفع ولا يضر

فصل فأما الكاهن الذي له رئي من الجن تأتيه بالأخبار والعراف الذي يحدس ويتخرص فقد قال أحمد في رواية حنبل في العراف والكاهن والساحر أرى أن يستتاب في هذه الأفاعيل قيل له يقتل قال لا يحبس لعله يرجع قال والعرافة طرف من السحر والساحر أخبث لأن السحر شعبة من الكفر

وقال الساحر والكاهن حكمهما القتل أو الحبس حتى يتوبا لأنهما يلبسان أمرهما وحديث عمر اقتلوا كل ساحر وكاهن وليس هو من أمر الإسلام وهذا يدل أن كل واحد منهما فيه روايتان

إحداهما أنه يقتل إذا لم يتب

والثانية لا يقتل لأن حكمه أخف من حكم الساحر وقد اختلف فيه فهذا بدرء القتل عنه أولى

فصل فأمر ساحر أهل الكتاب فلا يقتل لسحره إلا أن يقتل به وهو مما يقتل به غالبا فيقتل قصاصا وقال أبو حنيفة يقتل لعموم ما تقدم من الأخبار ولأنه جناية أوجبت قتل المسلم فأوجبت قتل الذمي كالقتل

ولنا إن لبيد بن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقتله ولأن الشرك أعظم من سحره ولا يقتل به والأخبار وردت في ساحر المسلمين لأنه يكفر بسحره وهذا كافر أصلي وقياسهم ينتقض باعتقاد الكفر والمتكلم به وينتقض بالزنا من المحصن فإنه لا يقتل به الذمي عندهم ويقتل به المسلم والله أعلم


38

كتاب الحدود

الزنا حرام وهو من الكبائر العظام بدليل قول الله تعالى ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا الإسراء 32

وقال تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا الفرقان 68 69

وروى عبد الله بن مسعود قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم منك قال أن تزني بحليلة جارك أخرجه البخاري ومسلم وكان حد الزاني في صدر الإسلام الحبس للثيب والأذى بالكلام من التقريع والتوبيخ للبكر لقوله سبحانه وتعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما النساء 15 16

قال بعض أصحاب أهل العلم المراد بقوله من نسائكم الثيب لأن قوله من نسائكم إضافة زوجية كقوله للذين يؤلون من نسائهم البقرة 226 ولا فائدة في إضافته ها هنا نعلمها إلا اعتبار الثيوبة ولأنه قد ذكر عقوبتين إحداهما أغلظ من الأخرى فكانت الأغلظ للثيب والأخرى للأبكار كالرجم والجلد ثم نسخ هذا بما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا

البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم رواه مسلم وأبو داود فإن قيل فكيف ينسخ القرآن بالسنة قلنا قد ذهب بعض أصحابنا إلى جوازه لأن الكل من عند الله وإن اختلفت طرقه ومن منع ذلك قال ليس هذا نسخا إنما هو تفسير للقرآن وتبيين لأن النسخ رفع حكم ظاهره الإطلاق فأما إن كان مشروطا بشروط وزال الشرط لا يكون نسخا وها هنا شرط الله تعالى حبسهن إلى أن يجعل لهن سبيلا فبينت السنة السبيل فكان بيانا لا نسخا ويمكن أن يقال إن نسخه حصل بالقرآن فإن الجلد في كتاب الله والرجم كان فيه فنسخ رسمه وبقي حكمه

مسألة

قال أبو القاسم رحمه الله ( وإذا زنى الحر المحصن أو الحرة المحصنة جلدا ورجما حتى يموتا في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله رحمه الله والرواية الأخرى يرجمان ولا يجلدان )

الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة


39

أحدهما في وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلا كان أو امرأة وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جمع الأعصار ولا نعلم فيه مخالفا إلا الخوارج فإنهم قالوا الجلد للبكر والثيب لقول الله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2

وقالوا لا يجوز ترك كتاب الله الثابت بطريق القطع واليقين لأخبار آحاد يجوز الكذب فيها ولأن هذا يفضي إلى نسخ الكتاب بالسنة وهو غير جائز

ولنا إنه قد ثبت الرجم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله في أخبار تشبه المتواتر وأجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما سنذكره في أثناء الباب في مواضعه إن شاء الله تعالى وقد أنزله الله تعالى في كتابه وإنما نسخ رسمه دون حكمه فروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأتها وعقلتها ووعيتها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى فالرجم حق على ما زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف وقد قرأ بها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم متفق عليه وأما آية الجلد فنقول بها فإن الزاني يجب جلده فإن كان ثيبا رجم مع الجلد والآية لم تتعرض لنفيه وإلى هذا أشار علي رضي الله عنه حين جلد شراحة ثم رجمها وقال جلدتها بكتاب الله تعالى ثم رجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لو قلنا إن الثيب لا يجلد لكان هذا تخصيصا للآية العامة وهذا سائغ بغير خلاف فإن عمومات القرآن في الإثبات كلها مخصصة وقولهم إن هذا نسخ ليس بصحيح وإنما هو تخصيص ثم لو كان نسخا بالآية التي ذكرها عمر رضي الله عنه وقد روينا أن رسل الخوارج جاؤوا عمر بن عبد العزيز رحمه الله فكان من جملة ما عابوا عليه الرجم وقالوا ليس في كتاب الله إلا الجلد وقالوا الحائض أوجبتم عليها قضاء الصوم دون الصلاة والصلاة أوكد فقال لهم عمر وأنتم لا تأخذون إلا بما في كتاب الله قالوا نعم قال فأخبروني عن عدد الصلوات المفروضات وعدد أركانها وركعاتها ومواقيتها أين تجدونه في كتاب الله تعالى وأخبروني عما تجب الزكاة فيه ومقاديرها ونصبها فقالوا انظرنا فرجعوا يومهم ذلك فلم يجدوا شيئا مما سألهم عنه في القرآن فقالوا لم نجده في القرآن قال فكيف ذهبتم إليه قالوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وفعله المسلمون بعده فقال لهم فكذلك الرجم وقضاء الصوم فإن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ورجم خلفاؤه بعده والمسلمون وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الصوم دون الصلاة وفعل ذلك نساؤه ونساء أصحابه إذا ثبت هذا فمعنى الرجم أن يرمي بالحجارة وغيرها حتى يقتل بذلك قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن المرجوم يدام عليه الرجم حتى يموت ولأن إطلاق الرجم يقتضي القتل به كقوله تعالى لتكونن من المرجومين الشعراء 116

وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين اللذين زنيا وماعزا والغامدية حتى ماتوا


40

فصل وإذا كان الزاني رجلا أقيم قائما ولم يوثق بشيء ولم يحفر له سواء ثبت الزنا ببينة أو إقرار لا نعلم فيه خلافا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر لماعز قال أبو سعيد لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم ماعز خرجنا إلى البقيع فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه ولكنه قام لنا رواه أبو داود ولأن الحفر له ودفن بعضه عقوبة لم يرد بها الشرع في حقه فوجب أن لا تثبت وإن كان امرأة فظاهر كلام أحمد أنها لا يحفر لها أيضا وهو الذي ذكره القاضي في الخلاف وذكره في المجرد أنه إن ثبت الحد بالإقرار لم يحفر لها وإن ثبت بالبينة حفر لها إلى الصدر قال أبو الخطاب وهذا أصح عندي وهو قول أصحاب الشافعي لما روى أبو بكر وبريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم امرأة فحفر لها إلى التندوة رواه أبو داود ولأنه أستر لها ولا حاجة إلى تمكينها من الهرب لكون الحد ثبت بالبينة فلا يسقط بفعل من جهتها بخلاف الثابت بالإقرار فإنها تترك على حال لو أرادت الهرب تمكنت منه لأن رجوعها عن إقرارها مقبول

ولنا إن أكثر الأحاديث على ترك الحفر فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر للجهنية ولا لماعز ولا لليهودين والحديث الذي احتجوا به غير معمول به ولا يقولون به فإن التي نقل عنه الحفر لها ثبت حدها بإقرارها ولا خلاف بيننا فيها فلا يسوغ لهم الاحتجاج به مع مخالفتهم له

إذا ثبت هذا فإن ثبات المرأة تشد عليها كيلا تنكشف

وقد روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين قال فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ولأن ذلك أستر لها

فصل والسنة أن يدور الناس حول المرجوم فإن كان الزنا ثبت ببينة فالبينة أن يبدأ الشهود بالرجم وإن كان ثبت بإقرار بدأ به الإمام أو الحاكم إن كان ثبت عنده ثم يرجم الناس بعده وروى سعيد بإسناده عن علي رضي الله عنه أنه قال الرجم رجمان فما كان منه بإقرار فأول من يرجم الإمام ثم الناس وما كان ببينة فأول من يرجم البينة ثم الناس ولأن فعل ذلك أبعد لهم من التهمة في الكذب عليه فإن هرب منهم وكان الحد ثبت ببينة اتبعوه حتى يقتلوه وإن كان ثبت بإقرار تركوه لما روي أن ماعز بن مالك لما وجد مس الحجارة خرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه فنزع له بوظيف بعير فرماه به فقتله ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه رواه أبو داود ولأنه يحتمل الرجوع فيسقط عنه الحد فإن قتله قاتل في هربه فلا شيء عليه لحديث ابن أنيس حين قتل ماعزا ولأنه قد ثبت زناه بإقراره فلا يزول ذلك باحتمال الرجوع وإن لم يقتل وأتى به الإمام فكان مقيما على اعترافه رجمه وإن رجع عنه تركه

فصل الثاني أنه يجلد ثم يرجم في إحدى الروايتين فعل ذلك علي رضي الله عنه وبه قال ابن عباس وأبي بن كعب وأبو ذر وذكر ذلك عبد العزيز عنهما واختاره وبه قال الحسن وإسحاق وداود وابن المنذر

والرواية الثانية يرجم ولا يجلد روي عن عمر وعثمان أنهما رجما ولم يجلدا وروي عن ابن مسعود أنه قال إذا اجتمع حدان الله تعالى فيهما القتل أحاط القتل بذلك وبهذا قال النخعي والزهري والأوزاعي ومالك والشافعي وأبو ثور أصحاب الرأي واختار هذا أبو إسحاق الجوزجاني وأبو بكر الأثرم ونصراه في سنتهما لأن جابرا روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا ولم يجلده ورجم الغامدية ولم يجلدها وقال واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها متفق عليه ولم يأمره بجلدها وكان هذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجب تقديمه قال الأثرم


41

سمعت أبا عبد الله يقول في حديث عبادة أنه أول حد نزل وأن حديث ماعز بعده رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجلده وعمر رجم ولم يجلد ونقل عنه إسماعيل بن سعيد نحو هذا ولأنه حد فيه قتل فلم يجتمع معه جلد كالردة ولأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سواه فالحد أولى

ووجه الرواية قوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2

وهذا عام ثم جاءت السنة بالرجم في حق الثيب والتغريب في حق البكر فوجب الجمع بينهما وإلى هذا أشار علي رضي الله عنه بقوله جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في حديث عبادة والثيب بالثيب الجلد والرجم وهذا الصريح الثابت بيقين لا يترك إلا بمثله والأحاديث الباقية ليست صريحة فإنه ذكر الرجم ولم يذكر الجلد فلا يعارض به الصريح بدليل أن التغريب يجب بذكره في هذا الحديث وليس بمذكور في الآية ولأنه زان فيجلد كالبكر ولأنه قد شرع في حق البكر عقوبتان الجلد والتغريب فيشرع في حق المحصن أيضا عقوبتان الجلد والرجم فيكون الرجم مكان التغريب فعلى هذه الرواية يبدأ بالجلد أولا ثم يرجم فإن والى بينهم جاز لأن إتلافه مقصود فلا تضر الموالاة بينهما وإن جلده يوما ورجمه في آخر جاز فإن عليا رضي الله عنه جلد شراحه يوم الخميس ثم رجمها يوم الجمعة ثم قال جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

فصل الثالث أن الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل العلم وفي حديث عمر إن الرجم على من زنا وقد أحصن وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ذكر منها أو زنا بعد إحصان وللإحصان شروط سبعة أحدهما الوطء في القبل ولا خلاف في اشتراطه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال الثيب بالثيب الجلد والرجم والثيابة تحصل بالوطء في القبل فوجب اعتباره ولا خلاف في أن عقد النكاح الخالي عن الوطء لا يحصل به إحصان سواء حصلت فيه خلوة أو وطء فيما دون الفرج أو في الدبر أو لم يحصل شيء من ذلك لأن هذا لا تصير به المرأة ثيبا ولا تخرج به عن حد الأبكار الذين حدهم جلد مائة وتغريب عام بمقتضى الخبر ولا بد من أن يكون وطأ حصل به تغييب الحشفة في الفرج لأن ذلك حد الوطء الذي يتعلق به أحكام الوطء

الثاني أن يكون نكاح لأن النكاح يسمى إحصانا بدليل قول الله تعالى والمحصنات من النساء النساء 24

يعني المتزوجات ولا خلاف بين أهل العلم في أن الزنا ووطء الشبهة لا يصير به الواطىء محصنا ولا نعلم خلافا في أن التسري لا يحصل به الإحصان لواحد منهما لكونه ليس بنكاح ولا تثبت فيه أحكامه

الثالث أن يكون النكاح صحيحا وهذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور يحصل الإحصان بالوطء في نكاح فاسد وحكي ذلك عن الليث والأوزاعي لأن الصحيح والفاسد سواء في أكثر الأحكام مثل وجوب المهر والعدة وتحريم الربيبة وأم المرأة ولحاق الولد فكذلك في الإحصان


42

ولنا إنه وطء في غير ملك غلم يحصل به الإحصان كوطء الشبهة ولا نسلم ثبوت ما ذكروه من الأحكام وإنما ثبتت بالوطء فيه وهذه ثبتت في كل وطء فيه وليست مختصة بالنكاح إلا أن النكاح ها هنا صار شبهة فصار الوطء فيه كوطء الشبهة سواء

الرابع الحرية وهي شرط في قول أهل العلم كلهم إلا أبا ثور

قال العبد والأمة هما محصنان يرجمان إذا زنيا إلا أن يكون إجماع يخالف ذلك وحكي عن الأوزاعي في العبد تحته حرة هو محصن يرجم إذا زنا وإن كان تحته أمة لم يرجم وهذه أقوال تخالف النص والإجماع فإن الله تعالى قال فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء 25

والرجم لا يتنصف وإيجابه كله يخالف النصف مع مخالفة الإجماع المنعقد قبله إلا أن يكون إذا عتقا بعد الإصابة فهذا فيه اختلاف سنذكره إن شاء الله تعالى وقد وافق الأوزاعي على أن العبد إذا وطىء الأمة ثم عتقا لم يصيرا محصنين بذلك الوطء وهو أيضا قول شاذ خالف أهل العلم به فإن الوطء وجد منهما حال كمالهما فحصنهما كالصبيين إذا بلغا الشرط الخامس والسادس البلوغ والعقل فلو وطىء وهو صبي أو مجنون ثم بلغ أو عقل لم يكن محصنا هذا قول أكثر أهل العلم ومذهب الشافعي ومن أصحابه من قال يصير محصنا وكذلك العبد إذا وطىء في رقه ثم عتق يصير محصنا لأن هذا وطء يحصل به الإحلال للمطلق ثلاثا فحصل به الإحصان كالموجود حال الكمال

ولنا قوله عليه السلام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم فاعتبر الثيوبة خاصة ولو كانت تحصل قبل ذلك لكان يجب عليه الرجم قبل بلوغه وعقله وهو خلاف الإجماع ويفارق الإحصان الإحلال لأن اعتبار الوطء في حق المطلق يحتمل أن يكون عقوبة له بتحريمها عليه حتى يطأها غيره ولأن هذا مما تأباه الطباع ويشق على النفوس فاعتبره الشارع زجرا عن الطلاق ثلاثا وهذا يستوي فيه العاقل والمجنون بخلاف الإحصان فإنه اعتبر لكمال النعمة في حقه فإن من كملت النعمة في حقه كانت جنايته أفحش وأحق بزيادة العقوبة والنعمة في العاقل البالغ أكمل والله أعلم

الشرط السابع أن يوجد الكمال فيهما جميعا حال الوطء فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه ونحوه قول عطاء والحسن وابن سيرين والنخعي وقتادة والثوري وإسحاق قالوه في الرقيق وقال مالك إذا كان أحدهما كاملا صار محصنا إلا الصبي إذا وطىء الكبيرة لم يحصنها ونحوه عن الأوزاعي واختلف عن الشافعي فقيل له قولان أحدهما كقولنا

والثاني أن الكامل يصير محصنا وهذا قول ابن المنذر لأنه خر بالغ عاقل وطىء في نكاح صحيح فصار محصنا كما لو كان الآخر مثله

وقال بعضهم إنما القولان في الصبي دون العبد فإنه يصير محصنا قولا واحدا إذا كان كاملا

ولنا إنه وطء لم يحصن به أحد المتوطئين فلم يحصن الآخر كالتسري ولأنه متى كان أحدهما ناقصا لم يكمل


43

الوطء فلا يحصل به الإحصان كما لو كانا غير كاملين وبهذا فارق ما قاسوا عليه

فصل ولا يشترط الإسلام في الإحصان وبهذا قال الزهري والشافعي فعلى هذا يكون الذميان محصنين فإن تزوج المسلم ذمية فوطئها صارا محصنين وعن أحمد رواية أخرى أن الذمية لا تحصن المسلم وقال عطاء والنخعي والشعبي ومجاهد والثوري هو شرط في الإحصان فلا يكون الكافر محصنا ولا تحصن الذمية مسلما لأن ابن عمر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أشرك بالله فليس بمحصن ولأنه إحصان من شرطه الحرية فكان الإسلام شرطا فيه كأحصان القذف وقال مالك كقولهم إلا أن الذمية تحصن المسلم بناء على أصله في أنه لا يعتبر الكمال في الزوجين وينبغي أن يكون ذلك قولا للشافعي

ولنا ما روى ملك عن نافع عن ابن عمر أنه قال جاء اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا وذكر الحديث فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما متفق عليه ولأن الجناية بالزنا استوت من المسلم والذمي فيجب أن يستويا في الحد وحديثهم لم يصح ولا نعرفه في مسند وقيل هو موقوف على ابن عمر ثم يتعين حمله على إحصان القذف جمعا بين الحديثين فإن راويهما واحد وحديثنا صريح في الرجم فيتعين حمل خبر على الإحصان الآخر

فإن قالوا إنما رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين بحكم التوراة بدليل أنه راجعها فلما تبين له أن ذلك حكم الله عليهم أقامه فيهم وفيها أنزل الله تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا المائدة 44

قلنا إنما حكم عليهما بما أنزل الله إليه بدليل قوله تعالى فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا المائدة 48

ولأنه لا يسوغ للنبي صلى الله عليه وسلم الحكم بغير شريعته ولو ساغ ذلك لساغ غيره وإنما راجع التوراة لتعريفهم أن حكم التوراة موافق لما يحكم به عليهم وأنهم تاركون لشريعتهم مخالفون لحكمهم

ثم هذا حجة لنا فإن حكم الله في وجوب الرجم إن كان ثابتا في حقهم يجب أن يحكم به عليهم فقد ثبت وجود الإحصان فيهم فإنه لا معنى له سوى وجوب الرجم على من زنى منهم بعد وجود شروط الإحصان منه وإن منعوا ثبوت الحكم في حقهم فلم حكم به النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح القياس على إحصان القذف لأن من شرطه العفة وليست شرطا ها هنا

فصل ولو ارتد المحصن لم يبطل إحصانه فلو أسلم بعد ذلك كان محصنا وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يبطل لأن الإسلام عنده شرط في الإحصاء وقد بينا أنه ليس بشرط ثم هذا داخل في عموم قوله عليه السلام أو زنا بعد إحصان ولأنه زنا بعد الإحصان فكان حده الرجم الذي لم يرتد

فأما إن نقض الذمي العهد ولحق بدار الحرب بعد إحصانه فسبى واسترق ثم أعتق احتمل أن لا يبطل إحصانه لأنه زنى بعد إحصانه فأشبه من ارتد

واحتمل أن يبطل لأنه بطل بكونه رقيقا فلا يعود إلا بسبب جديد بخلاف من ارتد


44

فصل وإذا زنى وله زوجة له منها ولد فقال ما وطئتها لم يرجم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يرجم لأن الولد لا يكون إلا من وطء فقد حكم بالوطء ضرورة الحكم بالولد

ولنا إن الولد يلحق بإمكان الوطء واحتماله والإحصان لا يثبت إلا بحقيقة الوطء فلا يلزم من ثبوت ما يكتفي فيه بالإمكان وجود ما تعتبر فيه الحقيقة وهو أحق الناس بهذا فإنه قال لو تزوج امرأة في مجلس الحاكم ثم طلقها فيه فأتت بولد لحقه مع العلم بأنه لم يطأها في الزوجية فكيف يحكم بحقيقة الوطء مع تحقق انتفائه وهكذا لو كان لامرأة ولد من زوج فأنكرت أن يكون وطئها لم يثبت إحصانها لذلك

فصل ولو شهدت بينة الإحصان أنه دخل بزوجته فقال أصحابنا يثبت الإحصان به لأن المفهوم من لفظ الدخول كالمفهوم من لفظ المجامعة

وقال محمد بن الحسن لا يكتفي به حتى تقول جامعها أو باضعها أو نحوه لأن الدخول يطلق على الخلوة بها ولهذا تثبت بها أحكامه وهذا أصح القولين إن شاء الله تعالى

فأما إذا قالت جامعها أو باضعها فلم نعلم خلافا في ثبوت الإحصان وهكذ ينبغي إذا قالت وطئها فإن قالت باشرها أو مسها أو أصابها أو أتاها فينبغي أن لا يثبت به الإحصان لأن هذا يستعمل فيما دون الجماع في الفرج كثيرا فلا يثبت به الإحصان الذي يندرئ بالاحتمال

فصل وإذا جلد الزاني على أنه بكر ثم بان محصنا لما روى جابر أن رجلا زنى بامرأة فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد الحر ثم أخبر أنه محصن فرجم رواه أبو دواد

ولأنه وجب الجمع بينهما فقد أتى ببعض الواجب إتمامه وإن لم يجب الجمع بينهما تبين أنه لم يأت بالحد الواجب فيجب أن يأتي به

مسألة

قال ( ويغسلان ويكفنان ويصلى عليهما ويدفنان )

لا خلاف في تغسيلهما ودفنهما وأكثر أهل العلم يرون الصلاة عليهما

قال الإمام أحمد سئل علي رضي الله عنه عن شراحة وكان رجمها فقال اصنعوا بها كما تصنعون بموتاكم وصلى علي على شراحة وقال مالك من قتله الإمام في حد لا نصلي عليه لأن جابرا قال في حديث ما عز فرجم حتى مات فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا ولم يصل عليه

متفق عليه

ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين في حديث الجهينة فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فرجمت ثم أمرهم فصلوا عليها فقال عمر يا رسول الله أتصلي عليها وقد زنت فقال والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت أفضل من أجادت بنفسها ورواه الترمذي وفيه فرجمت وصلى عليها وقال حديث حسن صحيح

وقال النبي صلى الله عليه وسلم صلوا على من قال لا إله إلا الله ولأنه مسلم لو مات قبل الحد صلي عليه فيصلى عليه بعده كالسارق وأما خبر ماعز فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحضره أو اشتغل عنه بأمر غير ذلك فلا يعارض ما رويناه


45

مسألة

قال ( وإذا زنى الحر البكر جلد مائة وغرب عاما )

يعني لم يحصن وإن كان ثيبا وقد ذكرنا الإحصان وشروطه ولا خلاف في وجوب الجلد على الزاني إذا لم يكن محصنا وقد جاء ببيان ذلك في كتاب الله بقوله سبحانه الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2

وجاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم موافقة لما جاء به الكتاب ويجب مع الجلد تغريبه عاما في قول جمهور العلماء

روى ذلك عن الخلفاء الراشدين وبه قال أبي وأبو داود وابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم وإليه ذهب عطاء وطاوس والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق وأبو ثور وقال مالك والأوزاعي يغرب الرجل دون المرأة لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة ولأنها لا تخلو من التغريب بمحرم أو بغير محرم لا يجوز التغريب بغير محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم ولأن تغريبها بغير محرم إغراء لها وتضييع لها وإن غربت بمحرم أفضى إلى تغريب من ليس بزان ونفي من لا ذنب له وإن كلفت أجرته ففي ذلك زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به كما لو زاد ذلك على الرجل والخبر الخاص في التغريب إنما هو في حق الرجل وكذلك فعل الصحابة رضي الله عنهم والعام يجوز تخصيصه لأنه يلزم من العمل بعمومه مخالفة مفهومه فإن دل بمفهومه على أنه ليس على الزاني أكثر من العقوبة المذكورة فيه وإيجاب التغريب على المرأة يلزم منه الزيادة على ذلك وفوات حكمه لأن الحد وجب زجرا عن الزنا وفي تغريبها إغراء به وتمكين منه مع أنه قد يخصص في حق الثيب بإسقاط الجلد في قول الأكثرين فتخصيصه ها هنا أولى وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن لا يجب التغريب لأن عليا رضي الله عنه قال حسبهما من الفتنة أن ينفيا وعن ابن المسيب أن عمر غرب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر فقال عمر لا أغرب مسلما بعد هذا أبدا ولأن الله تعالى أمر بالجلد دون التغريب فإيجاب التغريب زيادة على النص

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام وروى أبو هريرة وزيد بن خالد أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته وإنني افتديت منه بمائة شاة ووليدة

فسألت رجالا من أهل العلم فقالوا إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام والرجم على امرأة هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله عز وجل على ابنك جلد مائة وتغريب عام وجلد ابنه مائة وغربه عاما وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها متفق عليه

وفي الحديث أنه قال سألت رجالا من أهل العلم فقالوا إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام وهذا يدل على أن هذا كان مشهورا عندهم من حكم الله تعالى وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقد قيل إن الذي قال له هذا هو أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ولأن التغريب فعله الخلفاء الراشدون ولا نعرف لهم في الصحابة مخالفا فكان إجماعا ولأن الخبر يدل على عقوبتين في حق الثيب وكذلك في حق البكر وما رووه عن علي لا يثبت لضعف رواته وإرساله وقول عمر لا أغرب بعده مسلما فيحتمل أنه تغريبه في الخمر الذي أصابت الفتنة ربيعة فيه وقول مالك يخالف عموم الخبر والقياس


46

لأن ما كان حدا في الرجل يكون حدا في المرأة كسائر الحدود وقول مالك فيما يقع لي أصح الأقوال وأعدلها وعموم الخبر مخصوص بخبر النهي عن سفر المرأة بغير محرم والقياس على سائر الحدود لا يصح لأنه يستوي الرجل والمرأة في الضرر الحاصل بها بخلاف هذا الحد ويمكن قلب هذا القياس بأنه حد فلا تزاد المرأة على ما على الرجل كسائر الحدود

فصل ويغرب البكر الزاني حولا كاملا فإن عاد قبل مضي الحول أعيد تغريبه حتى يكمل الحول مسافرا ويبني على ما مضى ويغرب الرجل إلى مسافة القصر لأن ما دونها في حكم الحضر بدليل أنه لا يثبت في حقه أحكام المسافرين ولا يستبيح شيئا من رخصهم فأما المرأة فإن خرج معها محرمها نفيت إلى مسافة القصر وإن لم يخرج معها محرمها فقد نقل عن أحمد أنها تغرب إلى مسافة القصر كالرجل وهذا مذهب الشافعي

وروي عن أحمد أنها تغرب إلى دون مسافة القصر لتقرب من أهلها فيحفظوها ويحتمل كلام أحمد أن لا يشترط في التغريب مسافة القصر فإنه في رواية الأثرم ينفى من عمله إلى عمل غيره وقال أبو ثور وابن المنذر لو نفي إلى قرية أخرى بينهما ميل أو أقل جاز وقال إسحاق يجوز أن ينفى من مصر إلى مصر ونحوه

قال ابن أبي ليلى لأن النفي ورد مطلقا غير مقيد فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم والقصر يسمى سفرا ويجوز فيه التيمم والنافلة على الراحلة ولا يحبس في البلد الذي نفي إليه وبهذا قال الشافعي وقال مالك يحبس

ولنا إنه زيادة لم يرد بها الشرع فلا تشرع كالزيادة على العام

فصل وإذا زنى الغريب غرب إلى بلد غير وطنه

وإن زنى في البلد الذي غرب إليه غرب منه إلى غير البلد الذي غرب منه لأنه الأمر بالتغريب يتناوله حيث كان ولأنه قد أنس بالبلد الذي سكنه فيبعد عنه

فصل ويخرج مع المرأة محرمها حتى يسكنها في موضع ثم إن شاء رجع إذا أمن عليها

وإن شاء أقام معها حتى يكمل حولها وإن أبى الخروج معها بذلت له الأجرة قال أصحابنا وتبذل من مالها

لأن هذا من مؤنة سفرها

ويحتمل أن لا يجب ذلك عليها لأن الواجب عليها التغريب بنفسها

فلم يلزمها زيادة عليه كالرجل ولأن هذا من مؤنة إقامة الحد فلم يزمها كأجرة الجلاد فعلى هذا تبذل الأجرة من بيت المال وعلى قول أصحابنا وإن لم يكن لها مال بذلت من بيت المال فإن أبى محرمها الخروج معها لم يجبر وإن لم يكن لها محرم غربت مع نساء ثقات

والقول في أجرة من يسافر معها منهن كالقول في أجرة المحرم فإن أعوز فقد قال أحمد تبقى بغير محرم وهو قول الشافعي لأنه لا سبيل إلى تأخيره

فأشبه سفر الهجرة والحج إذا مات محرمها في الطريق ويحتمل أن يسقط النفي إذا لم يجد محرما كما يسقط سفر الحج إذا لم يكن لها محرم فإن تغريبها إغراء لها بالفجور وتعريض لها للفتنة وعموم الحديث مخصوص بعموم النهي عن سفرها بغير محرم

فصل ويجب أن يحضر الحد طائفة من المؤمنين لقول الله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين النور 2 قال أصحابنا والطائفة واحد فما فوقه وهذا قول ابن عباس ومجاهد والظاهر أنهم أرادوا واحدا مع


47

الذي يقيم الحد لأن الذي يقيم الحد حاصل ضرورة فيتعين صرف الأمر إلى غيره

وقال عطاء وإسحاق اثنان فإن أراد به واحدا مع الذي يقيم الحد فهو مثل القول الأول

وإن أراد اثنين غيره فوجهه أن الطائفة اسم لما زاد على الواحد وأقله اثنان

وقال الزهري ثلاثة لأن الطائفة جماعة وأقل الجمع ثلاثة وقال مالك أربعة لأنه العدد الذي يثبت له الزنا وللشافعي قولان كقول الزهري ومالك

وقال ربيعة خمسة

وقال الحسن عشرة

وقال قتادة نفر واحتج أصحابنا بقول ابن عباس ولأن اسم الطائفة يقع على الواحد بدليل قول الله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الحجرات 9

ثم قال فأصلحوا بين أخويكم الحجرات 10

وقيل في قوله تعالى إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة التوبة 66

أنه محش بن حمير وحده

ولا يجب أن يحضر الإمام ولا الشهود وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة إن ثبت الحد ببينة فعليها الحضور والبداءة بالرجم وإن ثبت باعتراف وجب على الإمام الحضور والبداءة بالرجم لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال الرجم رجمان فما كان منه بإقرار فأول من يرجم الإمام ثم الناس وما كان ببينة فأول من يرجم البينة ثم الناس رواه سعيد بإسناده ولأنه إذا لم تحضر البينة ولا الإمام كان ذلك شبهة والحد يسقط بالشبهات

ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضرهما والحد يثبت باعترافهما وقال يا أنيس اذهب إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ولم يحضرها ولأنه حد فلم يلزم أن يحضره الإمام ولا البينة كسائر الحدود ولا نسلم أن تخلفهم عن الحضور ولا امتناعهم من البداءة بالرجم شبهة فأما قول علي رضي الله عنه فهو على سبيل الاستحباب والفضيلة قال أحمد سنة الاعتراف أن يرجم الإمام ثم الناس ولا نعلم خلافا في استحباب ذلك والأصل فيه قول علي رضي الله عنه وقد روي في الحديث رواه أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رجم امرأة فحفر لها إلى التندوة ثم رماها بحصاة مثل الحمصة ثم قال ارموا واتقوا الوجه أخرجه أبو داود

فصل ولا يقام الحد على حامل حتى تضع يواء كان الحمل من زنا أو غيره لا نعلم في هذا خلافا

قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الحامل لا ترجم حتى تضع وقد روى بريدة أن امرأة من بني غامد قالت يا رسول الله طهرني قال وما ذاك قالت إنها حبلى من زنا قال أنت قالت نعم فقال لها ارجعي حتى تضعي ما في بطنك

قال فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد وضعت الغامدية فقال إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من ترضعه

فقام رجل من الأنصار فقال إلى إرضاعه يا نبي الله قال فرجمها رواه مسلم وأبو داود وروي أن امرأة زنت في أيام عمر رضي الله عنه فهم عمر برجمها وهي حامل فقال له معاذ إن كان لك سبيل عليها فليس لك سبيل على حملها فقال عجز النساء أن يلدن مثلك ولم يرجمها وعن علي مثله

ولأن في إقامة الحد عليها في حال حملها إتلافا لمعصوم ولا سبيل إليه وسواء


48

كان الحد رجما أو غيره

لأنه لا يؤمن الولد من سراية الضرب والقطع وربما سرى إلى نفس المضروب والمقطوع فيفوت الولد بفواته فإذا وضعت الولد

فإن كان الحد رجما لم ترجم حتى تسقيه اللبأ لأن الولد لا يعيش إلا به ثم إن كان له من يرضعه أو تكفل أحد برضاعه رجمت وإلا تركت حتى تفطمه لما ذكرنا من حديث الغامدية ولما روى أبو داود بإسناده عن بريدة أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني فجرت فوالله إني لحبلى فقال لها ارجعي حتى تلدي فرجعت فلما ولدت أتته بالصبي فقال ارجعي حتى تلدي فرجعت فلما ولدت أتته بالصبي فقال ارجعي فأرضعيه حتى تفطميه فجاءت به وقد فطمته وفي يده شيء يأكله فأمر الصبي فدفع إلى رجل من المسلمين فأمر بها فحفر لها وأمر بها فرجمت وأمر بها فصلي عليها ودفنت

وإن لم يظهر حملها لم تؤخر لاحتمال أن تكون حملت من الزنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهودية والجهنية

ولم يسألا عن استبرائها وقال لأنيس اذهب إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ولم يأمره بسؤاله عن استبرائها ورجم علي شراحة ولم يستبرئها وإن ادعت الحمل قبل قولها كما قبل النبي صلى الله عليه وسلم قول الغامدية وإن كان الحد جلدا فإذا وضعت الولد وانقطع النفاس وكانت قوية يؤمن تلفها أقيم عليها الحد وإن كانت في نفاسها أو ضعيفة يخاف تلفها لم يقم عليها الحد حتى تطهر وتقوى وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وذكر القاضي أنه ظاهر كلام الخرقي وقال أبو بكر يقام عليها الحد في الحال بسوط يؤمن معه التلف فإن خيف عليها من السوط أقيم بالعثكول يعني شمراخ النخيل وأطراف الثياب لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بضرب المريض الذي زنا فقال خذوا له مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة واحدة

ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال إن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحسنت رواه مسلم والنسائي وأبو داود ولفظه قال فأتيته فقال يا علي أفرغت فقلت أتيتها ودمها يسيل فقال دعها حتى ينقطع عنها الدم ثم أقم عليها الحد وفي حديث أبي بكرة أن المرأة انطلقت فولدت غلاما بجاءت به النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها انطلقي فتطهري من الدم رواه أبو داود ولأنه لو توالى عليه حدان فاستوفى أحدهما لم يستوف الثاني حتى يبرأ من الأول

ولأن في تأخيره إقامة الحد على الكمال من غير إتلاف فكان أولى

فصل والمريض على ضربين أحدهما يرجى برؤه فقال أصحابنا يقام عيه الحد ولا يؤخر كما قال أبو بكر في النفساء وهذا قول إسحاق وأبي ثور لأن عمر رضي الله عنه أقام الحد على قدامة بن مظعون في مرضه ولم يؤخر ما أوجبه الله بغير حجة قال القاضي وظاهر قول الخرقي تأخيره لقوله فيمن يجب عليه الحد وهو صحيح عاقل وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لحديث علي رضي الله عنه في التي هي حديثة عهد بنفاس وما ذكرناه من المعنى وأما حديث عمر في جلد قدامة فإنه يحتمل أنه كان مرضا خفيفا لا يمنع من إقامة الحد على الكمال ولهذا لم ينقل عنه أنه خفف عنه في السوط وإنما اختار له سوطا وسطا كالذي يضرب به الصحيح ثم إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم يقدم على فعل عمر مع أنه اختيار علي وفعله وكذلك الحكم في تأخيره لأجل الحر والبرد المفرط


49

الضرب الثاني المريض الذي لا يرجى برؤه

فهذا يقام عليه في الحال ولا يؤخر بسوط يؤمن معه التلف كالقضيب الصغير وشمراخ النخل فإن خيف عليه من ذلك جمع ضغث فيه مائة شمراخ فضرب به ضربة واحدة بهذا قال الشافعي وأنكر مالك هذا وقال قد قال الله تعالى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2 وهذا جلدة واحدة

ولنا ما روى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا منهم اشتكى حتى ضني فدخلت عليه امرأة فهش لها فوقع بها فسئل له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا مائة شمراخ فيضربوه ضربة واحدة رواه أبو داود والنسائي وقال ابن المنذر في إسناده مقال ولأنه لا يخلو من أن يقام الحد على ما ذكرنا أو لا يقام أصلا أو يضرب ضربا كاملا لا يجوز تركه بالكلية لأنه يخالف الكتاب والسنة ولا يجوز جلده جلدا تاما لأنه يفضي إلى إتلافه فتعين ما ذكرناه وقولهم هذا جلدة واحدة يجوز أن يقام ذلك في حال العذر مقام مائة كما قال الله تعالى في حق أيوب وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ص 44 وهذا أولى من ترك حده بالكلية أو قتله مما لا يوجب القتل

مسألة

قال ( وإذا زنى العبد والأمة جلد كل واحد منهما خمسين جلدة ولم يغربا )

وجملته أن حد العبد والأمة خمسون جلدة بكرين كانا أو ثيبين في قول أكثر الفقهاء منهم عمر وعلي وابن مسعود والحسن والنخعي ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي والبتي والعنبري وقال ابن عباس وطاوس وأبو عبيد إن كانا مزوجين فعليهما نصف الحد ولا حد على غيرهما لقول الله تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء 25 فدليل خطابه أنه لا حد على غير المحصنات وقال داود على الأمة نصف الحد إذا زنت بعد ما زوجت وعلى العبد جلد مائة بكل حال وفي الأمة إذا لم تزوج روايتان إحداهما لا حد عليها

والأخرى تجلد مائة لأن قول الله تعالى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2 عام خرجت منه الأمنة المحصنة بقوله فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء 25 فيبقى العبد والأمة التي لم تحصن على مقتضى العموم ويحتمل دليل الخطاب في الأمة أن لا حد عليها لقول ابن عباس وقال أبو ثور إذا لم يحصنا بالتزوج فعليهما نصف الحد وإن أحصنا فعليهما الرجم لعموم الأخبار فيه ولأنه حد لا يتبعض فوجب تكميله كالقطع في السرقة

ولنا ما روى ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وسئل قالوا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال إذا زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير متفق عليه قال ابن شهاب وهذا نص في جلد الأمة إذا لم تحصن وهو حجة على ابن عباس وموافقيه وداود وجعل داود عليها مائة إذل لم تحصن وخمسين إذا كانت محصنة خلاف ما شرع الله تعالى فإن الله تعالى ضاعف عقوبة المحصنة على غيرها فجعل الرجم على المحصنة والجلد على البكر وداود


50

ضاعف عقوبة البكر على المحصنة وأتباع شرع الله أولى وأما دليل الخطاب فقد روي عن ابن مسعود رحمه الله أنه قال إحصانها إسلامها وأقراؤها بفتح الألف ثم دليل الخطاب إنما يكون دليلا إذا لم يكن للتخصيص بالذكر فائدة سوى اختصاصه بالحكم ومتى كان له فائدة أخرى لم يكن دليلا مثل أن يخرج مخرج الغالب أو للتنبيه أو لمعنى من المعاني وقد قال الله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم النساء 23 ولم يختص التحريم باللاتي في حجوركم وقال وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم النساء 23 وحرم حلائل الأبناء من الرضاع وأبناء الأبناء وقال فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا النساء 101 وأبيح القصر بدون الخوف وأما العبد فلا فرق بينه وبين الأمة فالتنصيص على أحدهما يثبت حكمه في حق الآخر كما أن قول النبي النبي صلى الله عليه وسلم من أعتق شركا له في عبد ثبت حكمه في حق الأمة ثم أن المنطوق أولى منه على كل حال وأما أبو ثور فخالف نص قوله تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء 25 وعمل به فيما لم يتناول النص وخرق الإجماع في إيجاب الرجم على لمحصنات كما خرق داود الإجماع في تكميل الجلد على العبيد وتضعيف حد الإبكار على المحصنات

فصل ولا ترغيب على عبد ولا أمة وبهذ قال الحسن وحماد ومالك وإسحاق وقال الثوري وأبو ثور يغرب نصف عام لقوله تعالى فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء 25 وحد ابن عمر مملوكة له ونفاها إلى فدك وعن الشافعي قولان كالمذهبين واحتج من أوجبه بعموم قوله عليه السلام والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام

ولنا الحديث المذكور في حجتنا ولم يذكر فيه تغريبا ولو كان واجبا لذكره لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقته وحديث علي رضي الله عنه أنه قال يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها وذكر الحديث رواه أبو داود ولم يذكر أنه غربها وأما الآية فإنها حجة لنا لأن العذاب المذكور في القرآن مائة جلدة لا غير فينصرف التنصيف إليه دون غيره بدليل أنه لم ينصرف إلى تنصيف الرجم ولأن التغريب في حق العبد عقوبة لسيده دونه فلم بجب في الزنا كالتغريم بيان ذلك أن العبد لا ضرر عليه في تغريبه لأنه غريب في موضعه ويترفه بتغريبه من الخدمة ويتضرر سيده بتفويت خدمته والخطر بخروجه من تحت يده والكلفة في حفظه والإنفاق عليه مع بعده عنه فيصير الحد مشروعا في حق غير الزاني والضرر على غير الجاني وما فعل ابن عمر ففي حق نفسه وإسقاط حقه وله فعل ذلك من غير زنا ولا جناية فلا يكون حجة في حق غيره

فصل وإذا زنى العبد ثم عتق حد حد الرقيق لأنه إنما يقام عليه الحد الذي وجب عليه ولو زنى حر ذمي ثم لحق بدار الحرب ثم سبى واسترق حد حد الأحرار لأنه وجب عليه وهو حر ولو كان أحد الزانيين


51

رقيقا والآخر حرا فعلى كل واحد منهما حده ولو زنى بكر بثيب حد كل واحد منهما حده لأن كل واحد منهما إنما تلزمه عقوبة جنايته ولو زنى بعد العتق وقبل العلم به فعليه حد الأحرار لأنه زنى وهو حر وإن أقيم عليه حد الرقيق قبل العلم بحريته ثم علمت بعد تمم عليه حد الأحرار وإن عفا السيد عن عبده لم يسقط عنه الحد في قول عامة أهل العلم إلا الحسن

قال يصح عفوه وليس بصحيح لأنه حق لله تعالى يسقط بإسقاط سيده كالعبادات وكالحر إذا عفا عنه الإمام

فصل وللسيد إقامة الحد بالجلد على رقيقه القن في قول أكثر العلماء روي نحو ذلك عن علي وابن مسعود وابن عمر وأبي حميد وأبي أسيد الساعديين وفاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم وعلقمة والأسود والزهري وهبيرة بن مريم وأبي ميسرة ومالك والثوري والشافعي وأبي ثور وابن المنذر

وقال ابن أبي ليلى أدركت بقايا الأنصار يجلدون ولائدهم في مجالسهم الحدود إذا زنوا وعن الحسن بن محمد أن فاطمة حدت جارية لها زنت وعن إبراهيم أن علقمة والأسود كانا يقيمان الحدود على من زنى من خدم عشائرهم روى ذلك سعيد في سننه

وقال أصحاب الرأي ليس له ذلك لأن الحدود إلى السلطان ولأن من لا يملك إقامة الحد على الحر لا يملكه على العبد كالصبي ولأن الحد لا يجب إلا ببينة أو إقرار ويعتبر لذلك شروط من عدالة الشهود ومجيئهم مجتمعين أو في مجلس واحد وذكر حقيقة الزنا وغير ذلك من الشروط التي تحتاج إلى فقيه يعرفها ويعرف الخلاف فيها والصواب منها وكذلك الإقرار فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام أو نائبه كحد الأحرار ولأنه حد هو حق الله تعالى فيفرض إلى الإمام كالقتل والقطع

ولنا ما روى سعيد حدثنا سفيان عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هرير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا زنت أمة أحدكم فتيقن زناها فليجلدها ولا يثرب بها فإن عادت فليجلدها ولا يثرب بها فإن عادت فليجدها ولا يثرب بها فإن عادت الرابعة فليجلدها وليبعها ولو بضفير وقال حدثنا أبو الأحوص حدثنا عبد الأعلى عن أبي جميلة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم رواه الدارقطني ولأن السيد يملك تأديب أمته وتزويجها فملك إقامة الحد عليها كالسلطان وفارق الصبي

وإذا ثبت هذا فإنما يملك إقامة الحد بشروط أربعة أحدها أن يكون جلدا كحد الزنا والشرب وحد القذف فأما القتل في الردة والقطع في السرقة فلا يملكها إلا الإمام وهذا قول أكثر أهل العلم وفيهما وجه آخر أن السيد يملكها وهو ظاهر مذهب الشافعي لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم وروي أن ابن عمر قطع عبدا سرق وكذلك وعائشة وعن حفصة أنها قتلت أمة لها سحرتها ولأن ذكل حد أشبه الجلد وقال القاضي كلام أحمد يقتضي أن في قطع السارق روايتين

ولنا إن الأصل تفويض الحد إلى الإمام لأنه حق لله تعالى فيفوض إلى نائبه كما في حق الأحرار ولما ذكره


52

أصحاب أبي حنيفة وإنما فوض إلى السيد الجلد خاصة لأنه تأديب والسيد يملك عبده وضربه على الذنب وهذا من جنسه وإنما افترقا في أن هذا مقدر والتأديب غير مقدر وهذا لا أثر له في منع السيد منه بخلاف القطع والقتل فإنهما إتلاف لجملته وبعضه الصحيح ولا يملك السيد هذا من عبده ولا شيئا من جنسه والخبر الوارد في حد السيد عبده إنما جاء في الزنا خاصة وإنما قسمنا عليه ما يشبهه من الجلد وقوله أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم إنما جاء في سياق الجلد في الزنا فإن أول الحديث عن علي قال أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمة لهم فجرت فأرسلني إليها فقال اجلدها الحد قال فانطلقت فوجدتها لم تجف من دمها فرجعت إليه فقال أفرغت فقلت وجدتها لم تجف من دمها قال إذا جفت من دمها فاجلدها الحد وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم قال فالظاهر أنه إنما أراد ذلك الحد وشبهه وأما فعل حفصة فقد أنكره عثمان عليها وشق عليه وقوله أولى من قولها وما روي عن ابن عمر فلا نعلم ثبوته عنه الشرط الثاني أن يختص السيد بالمملوك فإن كان مشتركا بين اثنين أو كانت الأمة مزوجة أو كان المملوك مكاتبا أو بعضه حرا لم يملك السيد إقامة الحد عليه وقال مالك والشافعي يملك السيد إقامة الحد على الأمة المزوجة لعموم الخبر ولأنه مختص بملكها وإنما يملك الزوج بعض نفعها فأشبهت المستأجرة

ولنا ما روي عن ابن عمر أنه قال إذا كانت الأمة ذات زوج رفعت إلى السلطان وإن لم يكن لها زوج جلدها سيدها نصف ما على المحصن ولم نعرف له مخالفا في عصره فكان إجماعا ولأن نفعها مملوك لغيره مطلقا أشبهت المشتركة ولأن المشترك إنما منع من إقامة الحد عليه لأنه يقيمه في غير ملكه فإن الجزء الحر أو المملوك لغيره ليس بمملوك له وهو يقيم الحد عليه وهذا يشبهه لأن محل الحد هو محل استمتاع الزوج وهو بدنها فلا يملكه والخبر مخصوص بالمشترك فنقيس عليه والمستأجرة إجارتها مؤقتة تنقضي ويحتمل أن نقول لا يملك إقامته عليها في حال إجارتها لأنه ربما أفضى إلى تفويت حق المستأجر وكذلك الأمة المرهونة يخرج فيها وجهان

الشرط الثالث أن يثبت الحد ببينة أو اعتراف فإن ثبت باعتراف فللسيد إقامته إذا كان يعرف الاعتراف الذي يثبت به الحد وشروطه وإن ثبت ببينة اعتبر أن يثبت عند الحاكم لأن البينة تحتاج إلى البحث عن العدالة ومعرفة شروط سماعها ولفظها ولا يقوم بذلك إلا الحاكم وقال القاضي يعقوب إن كان السيد يحسن سماع البينة ويعرف شروط العدالة جاز أن يسمعها ويقيم الحد بها كما يقيمه بالإقرار وهذا ظاهر نص الشافعي لأنها أحد ما يثبت به الحد فأشبهت الإقرار ولا يقيم السيد الحد بعلمه وهذا قول مالك لأنه لا يقيمه الإمام بعلمه فالسيد أولى فإن ولاية الإمام للحد أقوى من ولاية السيد لكونها متفقا عليها وثابتة بالإجماع فإذا لم يثبت الحد في حقه بالعلم فها هنا أولى وعن أحمد رواية أخرى أنه يقيمه بعلمه لأنه قد يثبت عنده فملك إقامته كما لو أقر به ويفارق الحاكم لأن الحاكم متهم ولا يملك محل إقامته وهذا بخلافه

الشرط الرابع أن يكون السيد بالغا عاقلا عالما بالحدود وكيفية إقامتها لأن الصبي والمجنون ليسا من أهل الولايات والجاهل بالحد لا يمكنه إقامته على الوجه الشرعي فلا يفوض إليه وفي الفاسق وجهان أحدهما لا


53

يملكه لأن هذه ولاية فنافاها الفسق كولاية التزويج

والثاني يملكه لأن هذه ولاية استفادها بالملك فلم ينافها الفسق كبيع العبد وإن كان مكاتبا ففيه احتمالان أحدهما لا يملكه لأنه لأنه ليس من أهل الولاية والثاني يملكه لأنه يستفاد بالملك فأشبه سائر تصرفاته وفي المرأة أيضا احتمالان أحدهما لا تملكه لأنها ليست من أهل الولايات والثاني تملكه لأن فاطمة جلدات أمة لها وعائشة قطعت أمة لها سرقت وحفصة قتلت أمة لها سحرتها ولأنها مالكة تامة الملك من أهل التصرفات أشبهت الرجل وفيه وجه ثالث أن الحد يفرض إلى وليها لأنه يزوج أمتها ومولاتها فملك إقامة الحد على مملوكتها

فصل وإن فجر بأمة ثم قتلها فعلية الحد وقيمتها وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثورة وقال أبو يوسف إذا وجبت عليه قيمتها أسقطت الحد عنه لأنه يملكها بغرامته لها فيكون ذلك شبهة في سقوط الحد

ولنا إن الحد وجب عليه فلم يسقط بقتل المزني بها كما لو كانت حرة فغرم ديتها وقولهم إنه يملكها غير صحيح لأنه إنما غرمها بعد قتلها ولم يبق محلا للملك ثم لو ثبت أنه ملكها فإنما ملكها بعد وجوب الحد فلم يسقط عنه الحد كما لو اشتراها ولو زنى بأمة ثم اشتراها لم يسقط عنه الحد مع ثبوت حقيقة الملك له فها هنا أولى ولو زنى بأمة ثم غصبها فأبقت من يده ثم غرمها لم يسقط عنه الحد لأنه إذا لم يسقط بالملك المتفق عليه فبالمختلف فيه أولى

فصل وإذا زنى من نصفه حر ونصفه رقيق فلا رجم عليه لأنه لم تكمل الحرية فيه وعليه نصف حد الحر خمسون جلدة ونصف حد العبد خمس وعشرون فيكون عليه خمس وسبعون جلدة ويغرب نصف عام نص عليه أحمد ويحتمل أن لا يغرب لأن حق السيد في جميعه في جميع الزمان ونصيبه من العبد لا تغريب عليه فلا يلزمه ترك حقه في بعض الزمان بما لا يلزمه ولا تأخير حقه بالمهايأة من غير رضاه وإن قلنا بوجوب تغريبه فينبغي أن يكون زمن التغريب محسوبا على العبد من نصيبه الحر وللسيد نصف عام بدلا عنه وما زاد من الحرية أو نقص منها فبحساب ذلك فإن كان فيها كسر مثل أن يكون ثلثه حرا فمقتضى ما ذكرناه أن يلزمه ثلثا جلد الحر وهو ست وستون جلدة وثلثان فينبغي أن يسقط الكسر لأن الحد متى دار بين الوجوب والإسقاط سقط والمدبر والمكاتب وأم الولد بمنزلة القن في الحد لأنه رقيق كله وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المكاتب عبد ما بقي عليه درهم

مسألة

قال ( والزاني من أتى الفاحشة من قبل أو دبر )

لا خلاف بين أهل العلم في أن من وطىء امرأة في قبلها حراما لا شبهة له في وطئها أنه زان يجب عليه حد الزنا إذا كملت شروطه والوطء في الدبر مثله في كونه زنا لأنه وطء في فرج امرأة لا ملك له فيها ولا شبهة ملك فكان زنا كالوطء في القبل ولأن الله تعالى قال واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم النساء 15 الآية ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والوطء في الدبر فاحشة بقوله تعالى في قوم لوط أتأتون الفاحشة


54

الأعراف 80 يعني الوطء في أدبار الرجال ويقال أول ما بدأ قوم لوط بوطء النساء في أدبارهن ثم صاروا إلى ذلك في الرجال

فصل وإن وطىء ميتة ففيه وجهان أحدهما عليه الحد وهو قول الأوزاعي لأنه وطء في فرج آدمية فأشبه وطء الحية ولأنه أعظم ذنبا وأكثر إثما لأنه انضم إلى فاحشة هتك حرمة الميتة والثاني لا حد عليه وهو قول الحسن قال أبو بكر وبهذا أقول لأن الوطء في الميتة كالوطء لأنه عضو مستهلك ولأنها لا يشتهى مثلها وتعافها النفس فلا حاجة إلى شرع الزجر عنها والحد إنما وجب زجرا وأما الصغيرة فإن كانت ممن يمكن وطؤها فوطؤها زنا يوجب الحد لأنها كالكبيرة في ذلك وإن كانت ممن لا يصلح للوطء ففيها وجهان كالميتة قال القاضي لا حد على من وطىء صغيرة لم تبلغ تسعا لأنها لا يشتهى مثلها فأشبه ما لو أدخل أصبعه في فرجها وكذلك لو استدخلت امرأة ذكر صبي لم يبلغ عشرا لا حد عليها والصحيح أنه متى أمكن وطؤها وأمكنت المرأة من أمكنه الوطء فوطئها أن الحد يجب على المكلف منهما فلا يجوز تحديد ذلك بتسع ولا عشر لأن التحديد إنما يكون بالتوقيف ولا توقيف في هذا وكون التسع وقتا لإمكان الاستمتاع غالبا لا يمنع وجوده قبله كما أن البلوغ يوجد في خمسة عشر عاما غالبا ولم يمنع من وجوده قبله

فصل وإن تزوج ذات محرمة فالنكاح باطل بالإجماع فإن وطئها فعليه الحد في قول أكثر أهل العلم منهم الحسن وجابر بن زيد ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وإسحاق وأبو أيوب وابن خيثمة وقال أبو حنيفة والثوري لا حد عليه لأنه وطء تمكنت الشبهة منه فلم يوجب الحد كما لو اشترى أخته من الرضاع ثم وطئها وبيان الشبهة أنه قد وجدت صورة المبيح وهو عقد النكاح الذي هو سبب للإباحة فإذا لم يثبت حكمه وهو الإباحة بقيت صورته شبهة دارئة للحد الذي يندرىء بالشبهات

ولنا إنه وطء في فرج امرأة مجمع على تحريمه من غير ملك ولا شبهة ملك والواطىء من أهل الحد عالم بالتحريم فيلزمه الحد كما لو لم يوجد العقد وصورة المبيح إنما تكون شبهة إذا كانت صحيحة والعقد ها هنا باطل محرم وفعله جناية تقتضي العقوبة انضمت إلى الزنا فلم تكن شبهة كما لو أكرهها وعاقبها ثم زنى بها ثم يبطل بالاستيلاء عليها فإن الاستيلاء سبب للملك في المباحات وليس بشبهة وأما إذا اشترى أخته من الرضاع قلنا فيه منع وإن سلمنا فإن الملك المقتضي للإباحة صحيح ثابت وإنما تخلفت الإباحة لمعارض بخلاف مسألتنا فإن المبيح غير موجود لأن عقد النكاح باطل والملك به غير ثابت فالمقتضي معدوم فافترقا فأشبه ما لو اشترى خمرا فشربه أو غلاما فوطئه إذا ثبت هذا فاختلف في الحد فروي عن أحمد أنه يقبل على كل حال وبهذا قال جابر بن زيد وإسحاق وأبو أيوب وابن أبي خيثمة وروى إسماعيل بن سعيد عن أحمد في رجل تزوج امرأة أبيه أو بذات محرم فقال يقتل ويؤخذ ماله إلى بيت المال

والرواية الثانية حده حد الزاني وبه قال الحسنى ومالك والشافعي لعموم الآية والخبر ووجه الأولى ما روى البراء قال لقيت عمي ومعه الراية فقلت إلى أين تريد فقال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه


55

من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله رواه أبو داود والجوزجاني وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن وسمى الجوزجاني عمه الحارث بن عمرو

وروى الجوزجاني وابن ماجه بإسنادهما عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من وقع على ذات محرم فاقتلوه ورفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها فقال احبسوه وسلوا من ها هنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوا عبد الله بن أبي مطرف فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من تخطى المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف وهذه الأحاديث أخص مما ورد في الزنا فتقدم والقول فيمن زنى بذات محرمه من غير عقد كالقول فيمن وطئها بعد العقد

فصل وكل نكاح أجمع على بطلانه كنكاح خامسة أو متزوجة أو معتدة أو نكاح المطلقة ثلاثا إذا وطىء فيه عالما بالتحريم فهو زنا موجب للحد المشروع فيه قبل العقد وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وصاحباه لا حد فيه لما ذكروه في الفصل الذي قبل هذا وقال النخعي يجلد مائة ولا ينفى

ولنا ما ذكرناه فيما مضى وروى أبو نصر المروزي بإسناده عن عبيد بن نضيلة قال رفع إلى عمر بن الخطاب امرأة تزوجت في عدتها فقال هل علمتما فقالا لا قال لو علمتما لرجمتكما فجلده أسواطا ثم فرق بينهما وروى أبو بكر بإسناده عن خلاس قال رفع إلى علي عليه السلام امرأة تزوجت ولها زوج كتمته فرجمها وجلد زوجها الآخر مائة جلدة فإن لم يعلم تحريم ذلك فلا حد عليه لعذر الجهل

ولذلك درأ عمر عنهما الحد لجهلهما

فصل ولا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه كنكاح المتعة والشغار والتحليل والنكاح بلا ولي ولا شهود ونكاح الأخت في عدة أختها البائن ونكاح الخامسة في عدة الرابعة البائن ونكاح المجوسية وهذا قول أكثر أهل العلم لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبه

فصل ولا يجب الحد بوطء جارية مشتركة بينه وبين غيره وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور يجب

ولنا إنه فرج له فيه ملك فلا يحد بوطئه كالمكاتبة والمرهونة

فصل وإن اشترى أمه أو أخته من الرضاعة ونحوهما ووطئهما فذكر القاضي عن أصحابنا أن عليه الحد لأنه فرج لا يستباح بحال فوجب الحد بالوطء كفرج الغلام وقال بعض أصحابنا لا حد فيه وهو قول أصحاب الرأي والشافعي لأنه وطء في فرج مملوك له يملك المعاوضة عنه وأخذ صداقه فلم يجب به الحد كوطء الجارية المشتركة

فأما إن اشترى ذات محرمه من النسب ممن يعتق عليه ووطئها فعليه الحد لا نعلم فيه خلافا لأن الملك لا يثبت فيها فلم توجد الشبهة

فصل فإن زفت إليه غير زوجته وقيل هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته فلا حد عليه لا نعلم فيه خلافا وإن لم يقل له هذه زوجتك أو وجد على فراشه امرأة ظنها امرأته أو جاريته فوطئها أو دعا زوجته أو جاريته فجاءته غيرها فظنها المدعوة فوطئها أو اشتبه عليه ذلك لعماه فلا حد عليه وبه قال الشافعي وحكي عن


56

أبي حنيفة أن عليه الحد لأنه وطىء في محل لا ملك له فيه

ولنا إنه وطء اعتقد إباحته بما يعذر مثله فيه فأشبه ما لو قيل له هذه زوجتك ولأن الحدود تدرأ بالشبهات وهذه من أعظمها فأما إن دعا محرمة عليه فأجابه غيرها فوطئها يظنها المدعوة فعليه الحد سواء كانت المدعوة ممن له فيها شبهة كالجارية المشتركة أو لم يكن لأنه لا يعذر بهذا فأشبه ما لو قتل رجلا يظنه ابنه أو عبده فبان أجنبيا

فصل ولا حد على من لم يعلم تحريم الزنا

قال عمر وعثمان وعلي لا حد إلا على من علمه وبهذا قال عامة أهل العلم فإن ادعى الزاني الجهل بالتحريم وكان يحتمل أن يجهله كحديث العهد بالإسلام والناشىء ببادية قبل منه لأنه يجوز أن يكون صادقا وإن كان ممن لا يخفى عليه ذلك كالمسلم الناشىء بين المسلمين وأهل العلم لم يقبل لأن تحريم الزنا لا يخفى على من هو كذلك فقد علم كذبه وإن ادعى الجهل بفساد نكاح باطل قبل قوله لأن عمر قبل قول المدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة ولأن مثل هذا يجهل كثيرا ويخفى على غير أهل العلم

فصل فإن وطىء جارية غيره فهو زان سواء كان بإذنه أو غير إذنه لأن هذا مما لا يستباح بالبذل والإباحة وعليه الحد إلا في موضعين

أحدهما الأب إذا وطىء جارية ولده فإنه لا حد عليه في قول أكثر أهل العلم منهم مالك وأهل المدينة والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور وابن المنذر عليه الحد إلا أن يمنع منه إجماع لأنه وطء في غير ملك أشبه وطء جارية أبيه

ولنا إنه وطء تمكنت الشبهة منه فلا يجب به الحد كوطء الجارية المشتركة والدليل على تمكن الشبهة قول النبي صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك فأضاف مال ولده إليه وجعله له فإذا لم يثبت حقيقة الملك فلا أقل من جعله شبهة دارئة للحد الذي يندرىء بالشبهات ولأن القائلين بانتفاء الحد في عصر مالك والأوزاعي ومن وافقها قد اشتهر قولهم ولم يعرف لهم مخالف فكان ذلك إجماعا ولا حد على الجارية لأن الحد انتفى عن الواطيء لشبهة الملك فينتفي عن الموطوءة كوطء الجارية المشتركة ولأن الملك من قبيل المتضايفات إذا ثبت في أحد المتضايفين ثبت في الآخر فكذلك شبهته ولا يصح القياس على وطء جارية الأب لأنه لا ملك للولد فيها ولا شبهة ملك بخلاف مسألتنا وذكر ابن أبي موسى قولا في وطء جارية الأب والأم أنه لا يحد لأنه لا يقطع بسرقة ماله أشبه الأب والأول أصح وعليه عامة أهل العلم فيما علمناه

الموضع الثاني إذا وطىء جارية امرأته بإذنها فإنه يجلد مائة ولا يرجم إن كان ثيبا ولا يغرب إن كان بكرا وإن لم تكن أحلتها له فهو زان حكمه حكم الزاني بجارية الأجنبي وحكي عن النخعي أنه يعزر ولا حد عليه لأنه يملك امرأته فكانت له شبهة في مملوكتها وعن عمر وعلي وعطاء وقتادة والشافعي ومالك أنه كوطء الأجنبية سواء أحلتها له أو لم تحلها لأنه لا شبهة له فيها فأشبه وطء جارية أخته ولأنه إباحة لوطء محرمة عليه فلم يكن شبهة كإباحة سائر الملاك


57

وعن ابن مسعود والحسن إن كان استكرهها فعليه غرم مثله وتعتق فإن كانت طاوعته فعليه غرم مثلها ويملكها لأن هذا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواه ابن عبد البر وقال هذا حديث صحيح

ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن حبيب بن سالم أن رجلا يقال له عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته فرفع إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفة فقال لأقضين فيك بقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كانت أحلتها لك جلدناك مائة وإن لم تكن أحلتها لك رجمناك بالحجارة فوجدوها أحلتها له فجلده مائة وإن علقت من هذا الوطء فهل يلحقه النسب على روايتين إحداهما يلحق به لأنه وطء لا يجب به الحد فلحق به النسب كوطء الجارية المشتركة

والأخرى لا يلحق به لأنه وطء في غير ملك ولا شبهة ملك أشبه الزنا المحض

فصل ولا حد على مكرهة في قول عامة أهل العلم

روي ذلك عن عمر والزهري وقتادة والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عفي لأمتى عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه

وعن عبد الجبار بن وائل عن أبيه أنه امرأة استكرهت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدرأ عنها الحد رواه الأثرم قال وأتي عمر بإماء من إماء الإمارة استكرههن غلمان من غلمان الإمارة فضرب الغلمان ولم يضرب الإماء

وروى سعيد بإسناده عن طارق بن شهاب قال أتي عمر بامرأة قد زنت فقالت إني كنت نائمة فلم أستيقط إلا برجل قد جثم علي فخلى سبيلها ولم يضربها ولأن هذا شبهة والحدود تدرأ بالشبهات ولا فرق بين الإكراه بالإلجاء وهو أن يغلبها على نفسها وبين الإكراه بالتهديد بالقتل ونحوه نص عليه أحمد في راع جاءته امرأة عطشت فسألته أن يسقيها فقال لها أمكنيني من نفسك قال هذه مضطرة

وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن امرأة استسقت راعيا فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت فرفع ذلك إلى عمر فقال لعلي ما ترى فيها قال إنها مضطرة فأعطاها عمر شيئا وتركها

فصل وإن أكره الرجل فزنى فقال أصحابنا عليه الحد وبه قال محمد بن الحسن وأبو ثور لأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار والإكراه ينافيه فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه فيلزمه الحد كما لو أكره على غير الزنا فزنى وقال أبو حنيفة إن أكرهه السلطان فلا حد عليه وإن أكرهه غيره حد استحسانا وقال الشافعي وابن المنذر لا حد عليه لعموم الخبر ولأن الحدود تدرأ بالشبهات والإكراه شبهة فيمنع الحد كما لو كانت امرأة يحققه أن الإكراه إذا كان بالتخويف أو يمنع ما تفوت حياته بمنعه كان الرجل فيه كالمرأة فإذا لم يجب عليها الحد لم يجب عليه وقولهم إن التخويف ينافي الانتشار لا يصح لأن التخويف بترك الفعل والفعل لا يخاف منه فلا يمنع ذلك وهذا أصح الأقوال إن شاء الله تعالى

مسألة

قال ( ومن تلوط قتل بكرا كان أو ثيبا في إحدى الروايتين والأخرى حكمه حكم الزاني )


58

أجمع أهل العلم على تحري اللواط وقد ذمه الله تعالى في كتابه وعاب من فعله وذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون الأعراف 80 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط

لعن الله من عمل عمل قوم لوط واختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في حده فروي عنه أن حده الرجم بكرا كان أو ثيبا وهذا قول علي وابن عباس وجابر بن زيد وعبد الله بن معمر والزهري وأبي حبيب وربيعة ومالك وإسحاق وأحد قولي الشافعي وقتادة والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأبو ثور وهو المشهور من قولي الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان ولأن إيلاج فرج آدمي في فرج آدمي لا ملك له فيه ولا شبهة ملك فكان زنا كالإيلاج في فرج المرأة إذا ثبت كونه زنا دخل في عموم الآية والأخبار فيه ولأنه فاحشة فكان زنا كالفاحشة بين الرجل والمرأة وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريق اللوطي وهو قول ابن الزبير لما روى صفوان بن سليم عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فكتب إلى أبي بكر فاستشار أبو بكر رضي الله عنه الصحابة فيه فكان علي أشدهم قولا فيه فقال ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة وقد علمتم ما فعل الله بها أرى أن يحرق بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد بذلك فحرقه وقال الحكم وأبو حنيفة لا حد عليه لأنه ليس بمحل الوطء أشبه غير الفرج

ووجه الرواية الأولى قول النبي صلى الله عليه وسلم من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به رواه أبو داود في لفظ فارجموا الأعلى والأسفل ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنهم أجمعوا على قتله وإنما اختلفوا في صفته واحتج أحمد رضي الله عنه بقول علي عليه السلام وأنه كان يرى رجمه ولأن الله تعالى عذب قوم لوط بالرجم فينبغي أن يعاقب من فعل فعلهم بمثل عقوبتهم وقول من أسقط الحد عنه يخالف النص والإجماع وقياس الفرج على غيره لا يصح لما بينهما من الفرق إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يكون في مملوك له أو أجنبي لأن الذكر ليس بمحل لوطء الذكر فلا يؤثر ملكه له ولو وطىء زوجته أو مملوكته في دبرها كان محرما ولا حد فيه لأن المرأة محل للوطء في الجملة وقد ذهب بعض العلماء إلى حله فكان ذلك شبهة مانعة من الحد بخلاف التلوط

فصل وإن تدالكت امرأتان فهما زانيتان ملعونتان لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان ولا حد عليهما لأنه لا يتضمن إيلاجا فأشبه المباشرة دون الفرج وعليهما التعزير لأنه زنا لا حد فيه فأشبه مباشرة الرجل المرأة من غير جماع ولو باشر الرجل المرأة فاستمتع بها فيما دون الفرج فلا حد عليه لما روي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني لقيت المرأة فأصبت منها كل شيء إلا الجماع فأنزل الله تعالى أقم الصلاة هود 114 الآية فقال الرجل ألي هذه الآية فقال لمن عمل بها من أمتي رواه النسائي ولو وجد رجل مع امرأة يقبل كل واحد منهما صاحبه ولم يعلم هل وطئها أو لا فلا حد عليهما فإن قالا نحن زوجان واتفقا على ذلك فالقول قولهما وبه قال الحكم وحماد والشافعي وأصحاب الرأي وإن شهد عليهما بالزنا فقالا نحن


59

زوجان فعليهما الحد إن لم تكن نية بالنكاح وبه قال أبو ثور وابن المنذر لأن الشهادة بالزنا تنفي كونهما زوجين فلا تبطل بمجرد قولهما ويحتمل أن يسقط الحد إذا لم يعلم كونها أجنبية منه لأن ما ادعياه محتمل فيكون ذلك شبهة كما لو شهد عليه بالسرقة فادعى أن المسروق ملكه

مسألة

قال ( ومن أتى بهيمة أدب وأحسن أدبه وقتلت البهيمة )

اختلفت الرواية عن أحمد في الذي يأتي البهيمة فروي عنه أنه يعزر ولا حد عليه روي ذلك عن ابن عباس وعطاء والشعبي والنخعي والحكم ومالك والثوري وأصحاب الرأي وإسحاق وهو قول للشافعي

والرواية الثانية حكمه حكم اللائط سواء وقال الحسن حده حد الزاني وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن يقتل هو والبهيمة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أتي بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه رواه أبو داود ووجه الرواية الأولى أنه لم يصح فيه نص ولا يمكن قياسه على الوطء في فرج الآدمي لأنه لا حرمة لها وليس بمقصود يحتاج في الزجر عنه إلى الحد فإن النفوس تعافه وعامتها تنفر منه فبقي على الأصل في انتفاء الحد والحديث يرويه عمرو بن أبي عمرو ولم يثبته أحمد وقال الطحاوي هو ضعيف ومذهب ابن عباس خلافه وهو الذي روي عنه قال أبو داود هذا يضعف الحديث عنه قال إسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن الرجل يأتي البهيمة فوقف عندها ولم يثبت حديث عمرو بن أبي عمرو في ذلك ولأن الحد يدرأ بالشبهات فلا يجوز أن يثبت بحديث فيه هذه الشبهة والضعف

وقول الخرقي أدب وأحسن أدبه يعني يعزر ويبالغ في تعزيره لأنه وطء في فرج محرم لا شبهة له فيه لم يوجب الحد فأوجب التعزير كوطء الميتة

فصل ويجب قتل البهيمة وهذا قول أبي سلمة بن عبد الرحمن وأحد قولي الشافعي وسواء كانت مملوكة له أو لغيره مأكولة أو غير مأكولة قال أبو بكر الاختيار قتلها وإن تركت فلا بأس وقال الطحاوي إن كانت مأكولة دبحت وإلا لم تقتل وهذا قول ثان للشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة ولم يفرق بين كونها مأكولة أو غير مأكولة ولا بين ملكه وملك غيره فإن قيل الحديث ضعيف ولم يعملوا به في قتل الفاعل الجاني ففي حق حيوان لا جناية منه أولى

قلنا إنما يعمل به في قتل الفاعل على إحدى الروايتين لوجهين أحدهما أنه حد والحدود تدرأ بالشبهات وهذا إتلاف مال فلا تؤثر الشبهة فيه

والثاني أنه إتلاف آدمي وهو أعظم المخلوقات حرمة فلم يجز التهجم على إتلافه إلا بدلليل في غاية القوة ولا يلزم مثل هذا في إتلاف مال ولا حيوان سواه

إذا ثبت هذا فإن الحيوان إن كان للفاعل ذهب هدرا وإن كان لغيره فعلى الفاعل غرامته لأنه سبب إتلافه فيضمنه كما لو نصب له شبكة فتلف بها ثم إن كانت مأكولة فهل يباح أكلها على وجهين

وللشافعي أيضا في ذلك وجهان أحدهما يحل أكلها لقول الله تعالى أحلت لكم بهيمة الأنعام المائدة 1 ولأنه حيوان من جنس يجوز أكله ذبحه من هو من أهل الذكاة فحل أكله كما لو لم يفعل به هذا الفعل ولكن يكره أكله لشبهة التحريم


60

والوجه الثاني لا يحل أكلها لما روي عن ابن عباس أنه قيل له ما شأن البهيمة قال ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أكلها وقد فعل بها ذلك الفعل ولأنه حيوان يجب قتله لحق الله تعالى فلم يجز أكله كسائر المقتولات واختلف في علة قتلها فقيل إنما قتلت لئلا يعير فاعلها ويذكر برؤيتها

وقد روى ابن بطة بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من وجدتموه على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة قالوا يا رسول الله ما بال البهيمة قال لا يقال هذه وهذه وقيل لئلا تلد خلقا مشوها وقيل لئلا تؤكل

وإليها أشار ابن عباس في تعليله ولا يجب قتلها حتى يثبت هذا العمل بها ببينة فأما إن أقر الفاعل فإن كانت البهيمة له ثبت بإقراره وإن كانت لغيره لم يجز قتلها بقوله لأنه إقرار على ملك غيره فلم يقبل كما لو أقر بها لغير مالكها وهل يثبت هذا بشاهدين عدلين وإقرار مرتين أو يعتبر فيه ما يعتبر في الزنا على وجهين نذكرهما في موضعهما إن شاء الله تعالى مسألة قال ( والذي يجب عليه الحد ممن ذكرت من أقر بالزنا أربع مرات )

وجملته أن الحد لا يجب إلا بأحد شيئين إقرار أو بينة فإن ثبت بإقرار اعتبر إقرار أربع مرات وبهذا قال الحكم وابن أبي ليلى وأصحاب الرأي وقال الحسن وحماد ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر يحد بإقرار مرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها واعتراف مرة اعتراف وقد أوجب عليها الرجم به ورجم الجهنية وإنما اعترفت مرة وقال عمر إن الرجم حق واجب على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ولأنه حق فيثبت باعتراف مرة كسائر الحقوق

ولنا ما روى أبو هريرة قال أتى رجل من الأسلميين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فقال يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه فقال يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه حتى ثنى ذلك أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبك جنون قال لا قال فهل أحصنت قال نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارجموه متفق عليه ولو وجب الحد بمرة لم يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يجوز ترك حد وجب لله تعالى وروى نعيم بن هزال حديثه وفيه حتى قالها أربع مرات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك قد قلتها أربع مرات فبمن قال بفلانة رواه أبو داود وهذا تعليل منه يدل على أن إقرار الأربع هي الموجبة

وروى أبو برزة الأسلمي أن أبا بكر الصديق قال له عند النبي صلى الله عليه وسلم إن أقررت أربعا رجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على وجهين أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على هذا ولم ينكره فكان بمنزلة قوله لأنه لا يقر على الخطأ

الثاني أنه قد علم هذا من حكم النبي صلى الله عليه وسلم لولا ذلك ما تجاسر على قوله بين يديه

فأما أحاديثهم فآن الاعتراف لفظ المصدر يقع على القليل والكثير وحديثنا يفسره ويبين أن الاعتراف الذي يثبت به كان أربعا


61

فصل وسواء كان في مجلس واحد أو مجالس في متفرقة قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن الزاني يردد أربع مرات قال نعم على حديث ماعز هو أحوط قلت له في مجلس واحد أو في مجالس شتى قال أما الأحاديث فليست تدل إلا على مجلس واحد إلا ذاك الشيخ بشير بن مهاجر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه وذاك عندي منكر الحديث وقال أبو حنيفة لا يثبت إلا بأربع إقرارات في أربعة مجالس لأن ماعزا أقر في أربعة مجالس

ولنا إن الحديث الصحيح إنما يدل على أنه أقر أربعا في مجلس واحد وقد ذكرنا الحديث ولأنه إحدى حجتي الزنا فاكتفي به في مجلس واحد كالبينة

فصل يعتبر في صحة الإقرار أن يذكر حقيقة الفعل لتزول الشبهة لأن الزنا يعبر عما ليس بموجب للحد

وقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت قال لا

قال أفنكتها لا يكني قال نعم قال فعند ذلك أمر برجمه رواه الخباري

وفي رواية عن أبي هريرة قال أفنكتها قال نعم حتى غاب ذاك منك في ذاك منها قال نعم قال كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر قال نعم

قال فهل تدري ما الزنا قال نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا وذكر الحديث رواه أبو داود

فصل فإن أقر أنه زنى بإمرأة فكذبته فعليه الحد دونها وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا حد عليه لأنا صدقناها في إنكارها فصار محكوما بكذبه

ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن سهل بن سعد الساعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا أتاه فأقر عنده أنه زنى بامرأة فسماها له فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فسألها عن ذلك فأنكرت أن تكون زنت فجلده الحد وتركها

ولأن انتفاء ثبوته في حقها لا يبطل إقراره كما لو سكتت أو كما لو لم يسأل ولأن عموم الخبر يقتضي وجوب الحد عليه باعترافه وهو قول عمر إذا كان الحبل أو الاعتراف وقولهم إننا صدقناها في إنكارها لا يصح فإننا لم نحكم بصدقها وانتفاء الحد إنما كان لعدم المقتضي وهو الإقرار أو البينة لا لوجود التصديق بدليل ما لو سكتت أو لم تكمل البينة

إذا ثبت هذا فإن الحر والعبد والبكر والثيب في الإقرار سواء لأنه أحد حجتي الزنا فاستوى فيه الكل كالبينة

مسألة

قال ( وهو بالغ صحيح عاقل )

أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد وصحة الإقرار لأن الصبي والمجنون قد رفع القلم عنهما ولا حكم لكلامهما وقد روي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وفي حديث ابن عباس في قصة ماعز أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل قومه أمجنون هو قالوا ليس به بأس

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين أقر عنده أبك جنون وقد روى أبو داود بإسناده قال أتي عمر بمجنونة قد زنت فاستشار فيها


62

أناسا فأمر بها عمر أن ترجم فمر بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال ما شأن هذه قالوا مجنونة آل فلان زنت فأمر بها عمر أن ترجم فقال ارجعوا بها ثم أتاه فقال يا أمير المؤمنين أما علمت أن القلم قد رفع عن ثلاثة عن المجنون حتى يبرأ

وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يعقل قال بلى قال فما بال هذه قال لا شيء قال فأرسلها قال فأرسلها قال فجعل عمر يكبر

فصل فإن كان يجن مرة ويفيق أخرى فأقر في إفاقته أنه زنى وهو مفيق أو قامت عليه بينة أنه زنى في إفاقته فعليه الحد لا نعلم في هذا خلافا وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لأن الزنا الموجب للحد وجد منه في حال تكليفه والقلم غير مرفوع عنه وإقراره وجد في حال اعتبار كلامه فإن أقر في إفاقته ولم يضفه إلى حال أو شهدت عليه البينة بالزنا ولم تضفه إلى حال إفاقته لم يجب الحد لأنه يحتمل أنه وجد في حال جنونه فلم يجب الحد مع الاحتمال وقد روى أبو داود في حديث المجنونة التي أتي بها عمر أن عليا قال إن هذه معتوهة بني فلان لعل الذي أتاها أتاها في بلائها فقال عمر لا أدري فقال علي وأنا لا أدري

فصل والنائم مرفوع عنه القلم فلو زنى بنائمة أو استدخلت امرأة ذكر نائم أو وجد منه الزنا حال نومه فلا حد عليه لأن القلم مرفوع عنه ولو أقر في حال نومه لم يلتفت إلى إقراره لأن كلامه ليس بمعتبر ولا يدل على صحة مدلوله

فأما السكران ونحوه فعليه حد الزنا والسرقة والشرب والقذف إن فعل ذلك في سكره لأن الصحابة رضي الله عنهم أوجبوا عليه حد الفرية لكون السكر مظنة لها ولأنه تسبب إلى هذه المحرمات بسبب لا يعذر فيه فأشبه من لا عذر له ويحتمل أن لا يجب الحد لأنه غير عاقل فيكون ذلك شبهة في درء ما يندرىء بالشبهات ولأن طلاقه لا يقع في رواية فأشبه النائم والأول أولى لأن إسقاط الحد عنه يفضي إلى أن من أراد فعل هذه المحرمات شرب الخمر وفعل ما أحب فلا يلزمه شيء ولأن السكر مظنة لفعل المحارم وسبب إليه فقد تسبب إلى فعلها حال صحوه فأما إن أقر بالزنا وهو سكران لم يعتبر إقراره لأنه لا يدري ما يقول ولا يدل قوله على صحة خبره فأشبه قول النائم والمجنون وقد روى بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم استنكه ماعزا رواه أبو داود وإنما فعل ذلك ليعلم هل هو سكران أو لا ولو كان السكران مقبول الإقرار لما احتيج إلى تعرف براءته منه

فصل فأما قوله وهو صحيح ففسره القاضي بالصحيح من المرض يعني أن الحد لا يجب عليه في مرضه وإن وجب فإنه يقام عليه الحد بما يؤمن به تلفه فإن خيف ضرر عليه ضرب ضربة واحدة بضغث فيه مائة شمراخ أو عود صغير ويحتمل أنه أراد الصحيح الذي يتصور منه الوطء فلو أقر بالزنا من لا يتصور منه كالمجنون فلا عليه لأننا نتيقن أنه لا يتصور منه الزنا الموجب للحد ولو قامت به بينة فهي كاذبة وعليها الحد نص عليه أحمد وإن أقر الخصي أو العنين فعليه الحد وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لأنه يتصور منه ذلك فقبل إقراره به كالشيخ الكبير

فصل وأما الأخرس فإن لم تفهم إشارته فلا يتصور منه إقرار وإن فهمت إشارته فقال القاضي عليه الحد وهو قول الشافعي وابن القاسم صاحب مالك وأبي ثور وابن المنذر لأن من صح إقراره بغير الزنا صح


63

إقراره به كالناطق وقال أصحاب أبي حنيفة لا يحد بإقرار ولا بينة لأن الإشارة تحتمل ما فهم منها وغيره فيكون ذلك شبهة في درء الحد لكونه مما يندرىء بالشبهات ولا يجب بالبينة لاحتمال أن يكون له شبهة لا يمكنه التعبير عنها ولا يعرف كونها شبهة ويحتمل كلام الخرقي أن لا يجب الحد بإقراره لأنه غير صحيح ولأن الحد لا يجب مع الشبهة والإشارة لا تنتفي معها الشبهات فأما البينة فيجب عليه بها الحد لأن قوله معها غير معتبر

فصل ولا يصح الإقرار من المكره فلو ضرب الرجل ليقر بالزنا لم يجب عليه الحد ولم يثبت عليه الزنا ولا نعلم من أهل العلم خلافا في أن إقرار المكره لا يجب به حد وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال ليس الرجل بأمين على نفسه إذا جوعته أو ضربته أو أوثقته رواه سعيد وقال ابن شهاب في رجل اعترف بعد جلده ليس عليه حد ولأن الإقرار إنما ثبت به المقر به لوجود الداعي إلى الصدق وانتفاء التهمة عنه فإن العاقل لا يتهم بقصد الإضرار بنفسه ومع الإكراه يغلب على الظن أنه قصد بإقراره دفع ضرر الإكراه فانتفى ظن الصدق عنه فلم يقبل

فصل فإن أقر أنه وطىء امرأة وادعى أنها امرأته وأنكرت المرأة أن يكون زوجها نظرنا فإن لم تقر المرأة بوطئه إياها فلا حد عليه لأنه لم يقر بالزنا ولا مهر لها لأنها لا تدعيه وإن اعترفت بوطئه إياها وأقرت بأنه زنى بها مطاوعة فلا مهر عليه أيضا ولا حد على واحد منهما إلا أن يقر أربع مرات لأن الحد لا يجب بدون أربع مرات وإن ادعت أنه أكرهها عليه أو اشتبه عليها فعليه المهر لأنه أقر بسببه فقد روى مهنا عن أحمد أنه سأله عن رجل وطىء امرأة وزعم أنها زوجته وأنكرت هي أن يكون زوجها وأقرت بالوطء قال فهذه قد أقرت على نفسها بالزنا ولكن يدرأ عنه الحد بقوله إنها امرأته ولا مهر عليه ويدرأ عنها الحد حتى تعترف مرارا

قال أحمد وأهل المدينة يرون عليها الحد يذهبون لقول النبي صلى الله عليه وسلم واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها وقد تقدم الجواب عن قولهم

مسألة

قال ( ولا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد )

وجملته أن من شرط إقامة الحد بالإقرار البقاء عليه إلى تمام الحد فإن رجع عن إقراره أو هرب كف عنه وبهذا قال عطاء ويحيى بن يعمر والزهري وحماد ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو حنيفة وأبو يوسف وقال الحسن وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى يقام عليه الحد ولا يترك لأن ماعزا هرب فقتلوه ولم يتركوه

وروي أنه قال ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قومي هم غروني من نفسي وأخبروني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قاتلي فلم ينزعوا عنه حتى قتلوه أخرجه أبو داود ولو قبل رجوعه للزمتهم ديته ولأنه حق وجب بإقراره فلم يقبل رجوعه كسائر الحقوق

وحكي عن الأوزاعي أنه إن رجع حد للفرية على نفسه وإن رجع عن السرقة والشرب ضرب دون الحد


64

ولنا إن ماعزا هرب فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه قال ابن عبد البر ثبت من حديث أبي هريرة وجابر ونعيم بن هزال ونصر بن داهر وغيرهم أن ماعزا لما هرب فقال لهم ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه ففي هذا أوضح الدلائل على أنه يقبل رجوعه وعن بريدة قال كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتحدث أن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما أو قال لو لم يرجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما وإنما رجمهما عند الرابعة رواه أبو داود ولأن رجوعه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات ولأن الإقرار إحدى بينتي الحد فيسقط بالرجوع عنه كالبينة إذا رجعت قبل إقامة الحد وفارق سائر الحقوق فإنها لا تدرأ بالشبهات وإنما لم يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد هربه لأنه ليس بصريح في الرجوع

إذا ثبت هذا فإنه إذا هرب لم يتبع لقول النبي صلى الله عليه وسلم هلا تركتموه وإن لم يترك وقتل لم يضمن لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضمن ماعزا من قتله ولأن هربه ليس بصريح في رجوعه وإن قال ردوني إلى الحاكم وجب رده ولم يجز إتمام الحد فإن أتم فلا ضمان على من أتمه لما ذكرنا في هربه وإن رجع عن إقراره وقال كذبت في إقراري أو رجعت عنه أو لم أفعل ما أقررت به وجب تركه فإن قتله قاتل بعد ذلك وجب ضمانه لأنه قد زال إقراره بالرجوع عنه فصار كمن لم يقر ولا قصاص على قاتله لأن أهل العلم اختلفوا في صحة رجوعه فكان اختلافهم شبهة دارئة للقصاص ولأن صحة الإقرار مما يخفى فيكون ذلك عذرا مانعا من وجوب القصاص

مسألة

قال ( أو يشهد عليه أربعة رجال من المسلمين أحرار عدول يصفون الزنا )

ذكر الخرقي في شهود الزنا سبعة شروط أحدها أن يكونوا أربعة وهذا إجماع لا خلاف فيه بين أهل العلم لقول الله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم النساء 15

وقال تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة النور 4

وقال تعالى لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون النور 13

وقال سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء فقال النبي صلى الله عليه وسلم نعم رواه مالك في الموطأ وأبو داود في سننه

الشرط الثاني أن يكونوا رجالا كلهم ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال ولا نعلم فيه خلافا إلا شيئا يروى عن عطاء وحماد أنه يقبل فيه ثلاثة رجال وامرأتان وهو شذوذ لا يعول عليه لأن لفظ الأربعة اسم لعدد المذكورين ويقتضي أن يكتفى فيه بأربعة

ولا خلاف في أن الأربعة إذا كان بعضهم نساء لا يكتفى بهم وإن أقل ما خمسة يجزىء


65

وهذا خلاف النص ولأن في شهادتهن شبهة لتطرق الضلال إليهن قال الله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى البقرة 282

والحدود تدرأ بالشبهات

الشرط الثالث الحرية فلا تقبل فيه شهادة العبيد ولا نعلم في هذا خلافا إلا رواية حكيت عن أحمد أن شهادتهم تقبل وهو قول أبي ثور لعموم النصوص فيه ولأنه عدل ذكر مسلم فتقبل شهادته كالحر

ولنا إنه مختلف في شهادته في سائر الحقوق فيكون ذلك شبهة تمنع من قبول شهادته في الحد لأنه يندرىء بالشبهات

الشرط الرابع العدالة ولا خلاف في اشتراطها فإن العدالة تشترط في سائر الشهادات فها هنا مع مزيد الاحتياط أولى فلا تقبل شهادة الفاسق ولا مستور الحال الذي لا تعلم عدالته لجواز أن يكون فاسقا

الشرط الخامس أن يكونوا مسلمين فلا تقبل شهادة أهل الذمة فيه سواء كانت الشهادة على مسلم أو ذمي لأن أهل الذمة كفار لا تتحقق العدالة فيهم ولا تقبل روايتهم ولا أخبارهم الدينية فلا تقبل شهادتهم كعبدة الأوثان

الشرط السادس أن يصفوا الزنا فيقولوا رأينا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة والرشاء في البئر

وهذا قول معاوية بن أبي سفيان والزهري والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لما روي في قصة ماعز أنه لما أقر عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا فقال أنكتها فقال نعم حتى غاب ذلك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر قال نعم وإذا اعتبر التصريح في الإقرار كان اعتباره في الشهادة أولى

وروى أبو داود بإسناده عن جابر قال جاءت اليهود برجل منهم وامرأة زنيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ائتوني بأعلم رجلين منكم فأتوه بابني صوريا فنشدهما كيف تجدان أمر هذين في التوراة قالا نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما

قال فما يمنعكم أن ترجموهما قالا ذهب سلطاننا وكرهنا القتل فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاء أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما ولأنهم إذا لم يصفوا الزنا احتمل أن يكون المشهود به لا يوجب الحد فاعتبر كشفه

قال بعض أهل العلم يجوز للشهود أن ينظروا إلى ذلك منهما لإقامة الشهود عليهما ليحصل الردع بالحد فإن شهدوا أنهم رأوا ذكره قد غيبه في فرجها كفى والتشبيه تأكيد

وأما تعيينهم المزني بها أو الزاني إن كانت الشهادة على امرأة ومكان الزنا فذكر القاضي أنه يشترط لئلا تكون المرأة ممن اختلف في إباحتها ويعتبر ذكر المكان لئلا تكون شهادة أحدهم على غير الفعل الذي شهد به الآخر

ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا فقال إنك أقررت أربعا فبمن

وقال ابن حامد لا يحتاج إلى ذكر هذين لأنه لا يعتبر ذكرهما في الإقرار ولم يأت ذكرهما في الحديث


66

الصحيح وليس في حديث الشهادة في رجم اليهوديين ذكر المكان ولأن ما لا يشترط فيه ذكر الزمان لا يشترط فيه ذكر المكان كالنكاح ويبطل ما ذكره بالزمان

الشرط السابع مجيء الشهود كلهم في مجلس واحد ذكره الخرقي فقال وإن جاء أربعة متفرقين والحاكم جالس في مجلس حكمه لم يقم قبل شهادتهم وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم كانوا قذفة وعليهم الحد وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي والبتي وابن المنذر لا يشترط ذلك لقول الله تعالى لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء النور 13

ولم يذكر المجلس وقال تعالى فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت النساء 15

ولأن كل شهادة مقبولة إن اتفقت تقبل إذا افترقت في مجالس كسائر الشهادات

ولنا إن أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد شهدوا عند عمر على المغيرة بن شعبة بالزنا ولم يشهد زياد فحد الثلاثة ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر

ولأنه لو شهد ثلاثة فحدهم ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته

ولولا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم وبهذا فارق سائر الشهادات

وأما الآية فإنها لم تتعرض للشروط ولهذا لم تذكر العدالة وصفة الزنا ولأن قوله ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم النور 4

لا يخلو من أن يكون مطلقا في الزمان كله أو مقيدا لا يجوز أن يكون مطلقا لأنه يمنع من جواز جلدهم لأنه ما من زمن إلا يجوز أن يأتي فيه بأربعة شهداء أو بكمالهم إن كان قد شهد بعضهم فيمتنع جلدهم المأمور به فيكون تناقضا وإذا ثبت أنه مقيد فأولى ما قيد بالمجلس لأن الملجس كله بمنزلة الحال الواحدة

ولهذا ثبت فيه خيار الملجس واكتفي فيه بالقبض فيما يعتبر القبض فيه إذا ثبت هذا فإنه لا يشترط اجتماعهم حال مجيئهم ولو جاؤوا متفرقين واحدا بعد واحد في مجلس واحد قبل شهادتهم وقال مالك وأبو حنيفة إن جاؤوا متفرقين فهم قذفة لأنهم لم يجتمعوا في مجيئهم فلم تقبل شهادتهم كالذين لم يشهدوا في مجلس واحد

ولنا قصة المغيرة فإن الشهود جاؤوا واحدا بعد واحد وسمعت شهادتهم وإنما حدوا لعدم كمالها وفي حديثه أن أبا بكرة قال أرأيت إن جاء آخر يشهد أكنت ترجمه قال عمر إي والذي نفسي بيده

ولأنهم اجتمعوا في مجلس والحد أشبه ما لو جاؤوا مجتمعين ولأن المجلس كله بمنزلة ابتدائه لما ذكرناه

وإذا تفرقوا في مجالس فعليهم الحد لأن من شهد بالزنا ولم يكمل الشهادة يلزمه الحد لقوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة النور 4

فصل وإذا لم تكمل شهود الزنا فعليهم الحد في قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي وذكر أبو الخطاب فيهم روايتين وحكي عن الشافعي فيهم قولان أحدهما لا حد عليهم شهود فلم يجب عليهم الحد كما لو كانوا أربعة أحدهم فاسق

ولنا قول الله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة


67

النور 4 وهذا يوجب الجلد على كل رام لم يشهد بما قال أربعة ولأنه إجماع الصحابة

فإن عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حين لم يكمل الرابع شهادته بمحضر من الصحابة فلم ينكره أحد

وروى صالح في مسائله بإسناده عن أبي عثمان النهدي قال جاء رجل إلى عمر فشهد على المغيرة بن شعبة فتغير لون عمر ثم جاء آخر فشهد فتغير لون عمر ثم جاء آخر فشهد فاستكبر ذلك عمر ثم جاء شاب يخطر بيديه فقال عمر ما عندك يا سلح العقاب وصاح به عمر صيحة فقال أبو عثمان والله لقد كدت يغشى علي فقال يا أمير المؤمنين رأيت أمرا قبيحا فقال الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال فأمر بأولئك النفر فجلدوا

وفي رواية أن عمر لما شهد عنده على المغيرة شهد ثلاثة وبقي زياد فقال عمر أرى شابا حسنا وأرجو أن لا يفضح الله على لسانه رجلا من أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أمير رأيت استا تنبو ونفسا يعلو ورأيت رجليها فوق عنقه كأنهما أذنا حمار ولا أدري ما وراء ذلك فقال عمر الله أكبر وأمر بالثلاثة فضربوا

وقول عمر يا سلح العقاب معناه أنه يشبه سلخ العقاب الذي يحرق كل شيء أصابه وكذلك هذا توقع العقوبة بأحد الفريقين لا محالة إن كملت شهادته حد المشهود عليه وإن لم تكمل حد أصحابه فإن قيل فقد خالفهم أبو بكرة وأصحابه الذين شهدوا قلنا لم يخالفوا في وجوب الحد عليه إنما خالفوهم في صحة ما شهدوا به ولأنه رام بالزنا لم يأت بأربعة شهداء فيجب عليه الحد كما لو لم يأت بأحد

فصل وإن كملوا أربعة غير مرضيين أو واحد منهم كالعبيد والفساق والعميان ففيهم ثلاث روايات إحداهن عليهم الحد وهو قول مالك قال القاضي هذا الصحيح لأنها شهادة لم تكمل فوجب الحد على الشهادة كما لو كانوا ثلاثة

والثانية لا حد عليهم وهو قول الحسن والشعبي وأبي حنيفة ومحمد لأن هؤلاء قد جاؤوا بأربعة شهداء فدخلوا في عموم الآية

لأن عددهم قد كمل ورد الشهادة لمعنى غير تفريطهم فأشبه ما لو شهد أربعة مستورون

ولم تثبت عدالتهم ولا فسقهم

الثالثة إن كانوا عميانا أو بعضهم جلدوا وإن كانوا عبيدا أو فساقا فلا حد عليهم

وهو قول الثوري وإسحاق لأن العميان معلوم كذبهم لأنهم شهدوا بما لم يروه يقينا والآخرون يجوز صدقهم

وقد كمل عددهم فأشبهوا مستوري الحال وقال أصحاب الشافعي إن كان رد الشهادة لمعنى ظاهر كالعمى والرق والفسق الظاهر


68

ففيهم قولان وإن كان لمعنى خفي فلا حد عليهم لأن ما يخفى يخفى على الشهود فلا يكون ذلك تفريطا منهم بخلاف ما يظهر وإن شهد ثلاثة رجال وامرأتان حد الجميع

لأن شهادة النساء في هذا الباب كعدمها وبهذا قال الثوري وأصحاب الرأي وهذا يقوي رواية إيجاب الحد على الأولين وينبه على إيجاب الحد فيما إذا كانوا عميانا أو أحدهم لأن المرأتين يحتمل صدقهما وهما من أهل الشهادة في الجملة

والأعمى كاذب يقينا

وليس من أهل الشهادة على الأفعال فوجوب الحد عليهم وعلى من معهم أولى

فصل وإن رجعوا عن الشهادة أو واحد منهم فعلى جميعهم الحد في أصح الروايتين

وهو قول أبي حنيفة

والثانية يحد الثلاثة دون الراجع وهذا اختيار أبي بكر وابن حامد لأنه إذا رجع قبل الحد فهو كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله فيسقط عنه الحد ولأن في درء الحكم عنه تمكينا له من الرجوع الذي يحصل به مصلحة المشهود عليه وفي إيجاب الحد عليه زجر له عن الرجوع خوفا من الحد فتفوت تلك المصلحة وتتحقق المفسدة فناسب ذلك نفي الحد عنه وقال الشافعي يحد الراجع دون الثلاثة لأنه مقر على نفسه بالكذب في قذفه وأما الثلاثة فقد وجب الحد بشهادتهم

وإنما سقط بعد وجوبه برجوع الراجع ومن وجب الحد بشهادته لم يكن قاذفا فلم يحد كما لو لم يرجع

ولنا إنه نقص العدد بالرجوع قبل إقامة الحد فلزمهم الحد كما لو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة وقولهم وجب الحد بشهادتهم يبطل بما إذا رجعوا كلهم وبالراجع وحده فإن الحد وجب ثم سقط ووجب الحد عليهم بسقوطه ولأن الحد إذا وجب على الراجع مع المصلحة في رجوعه وإسقاط الحد عن المشهود عليه بعد وجوبه وإحيائه المشهود عليه بعد إشرافه على التلف فعلى غيره أولى

فصل وإذا شهد اثنان أنه زنى بها في هذا البيت واثنان أنه زنى بها في بيت آخر أو شهد كل اثنين عليه بالزنا في بلد غير البلد الذي شهد به صاحباهما أو اختلفوا في اليوم فالجميع قذفة وعليهم الحد وبهذا قال مالك والشافعي واختار أبو بكر أنه لا حد عليهم

وبه قال النخعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لأنهم كملوا أربعة

ولنا إنه لم يكمل أربعة على زنا واحد فوجب عليهم الحد كما لو انفرد بالشهادة اثنان وحدهما فأما المشهود عليه فلا حد عليه في قولهم جميعا

وقال أبو بكر عليه الحد وحكاه قولا لأحمد

وهذا بعيد فإنه لم يثبت زنا واحد بشهادة أربعة فلم يجب الحد ولأن جميع ما يعتبر له البينة يعتبر كمالها في حق واحدة فالموجب للحد أولى لأنه مما يحتاط له ويندرىء بالشبهات وقد قال أبو بكر إنه لو شهد اثنان أنه زنى بامرأة بيضاء وشهد اثنان أنه زنى بسوداء فهم قذفة ذكره القاضي

عنه وهذا ينقض قوله

فصل وإن شهد اثنان أنه زنى بها في زاوية بيت وشهد اثنان أنه زنى بها في زاوية منه أخرى وكانت الزاويتان متباعدتين فالقول فيهما كالقول في البيتين وإن كانتا متقاربتين كملت شهادتهم وحد المشهود


69

عليه وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا حد عليه لأن شهادتهم لم تكمل ولأنهم اختلفوا في المكان فأشبه ما لو اختلفا في البيتين وعلى قول أبي بكر تكمل الشهادة سواء تقاربت الزاويتان أو تباعدتا

ولنا إنهما إذا تقاربتا أمكن صدق الشهود بأن يكون ابتداء الفعل في إحداهما وتمامه في الأخرى أو ينسبه كل اثنين إلى إحدى الزاويتين لقربه منها فيجب قبول شهادتهم كما لو اتفقوا بخلاف ما إذا كانتا متباعدتين فإنه لا يمكن كون المشهود به فعلا واحدا فإن قيل فقد يمكن أن يكون المشهود به فعلين فلم أوجدتم الحد مع الاحتمال والحد يدرأ بالشبهات قلنا ليس هذا بشبهة بدليل ما لو اتفقوا على موضع واحد فإن هذا يحتمل فيه والحد واجب والقول في الزمان كالقول في هذا وأنه متى كان بينهما زمن متباعد لا يمكن وجود الفعل الواحد في جميعه كطرفي النهار لم تكمل شهادتهم ومتى تقاربا كملت شهادتهم والله أعلم

فصل وإن شهد اثنان أنه زنى بها في قميص أبيض وشهد اثنان أنه زنى بها في قميص أحمر أو شهد اثنان أنه زنى بها في ثوب كتان وشهد اثنان أنه زنى بها في ثوب خز كملت شهادتهم وقال الشافعي لا تكمل لتنافي الشهادتين

ولنا إنه لا تنافي بينهما فإنه يمكن أن يكون عليه قميصان فذكر كل اثنين واحدا وتركا ذكر الآخر ويمكن أن يكون عليه قميص أبيض وعليها قميص أحمر وإذا أمكن التصديق لم يجز التكذيب

فصل وإن شهد اثنان أنه زنى بها مكرهة وشهد اثنان أنه زنى بها مطاوعة فلا حد عليها إجماعا فإن الشهادة لم تكمل على فعل موجب للحد وفي الرجل وجهان أحدهما لا حد عليه وهو قول أبي بكر والقاضي وأكثر الأصحاب وقول أبي حنيفة وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن البينة لم تكمل على فعل واحد فإن فعل المطاوعة غير فعل المكرهة ولم يتم العدد على كل واحد من الفعلين ولأن كل شاهدين منهما يكذبان الآخرين وذلك يمنع قبول الشهادة أو يكون شبهة في درء الحد ولا يخرج عن أن يكون قول واحد منهما مكذبا للآخر إلا بتقدير فعلين تكون مطاوعة في أحدهما مكرهة في الآخر وهذا يمنع كون الشهادة كاملة على فعل واحد ولأن شاهدي المطاوعة قاذفان لها ولم تكمل البينة عليها فلا تقبل شهادتهما على غيرها

والوجه الثاني يجب الحد عليه اختاره أبو الخطاب وهو قول أبي يوسف ومحمد ووجه ثان للشافعي لأن الشهادة كملت على وجود الزنا منه واختلافهما إنما هو في فعلها لا في فعله فلا يمنع كمال الشهادة عليه وفي الشهود ثلاثة أوجه

أحدها لا حد عليهم وهو قول من أوجب الحد على الرجل بشهادتهم

والثاني عليهم الحد لأنهم شهدوا بالزنا ولم تكمل شهادتهم فلزمهم الحد كما لو لم يكمل عددهم

والثالث يجب الحد على شاهدي المطاوعة لأنهما قذفا المرأة بالزنا ولم تكمل شهادتهم عليها ولا يجب على شاهدي الإكراه لأنهما لم يقذفا المرأة


70

وقد كملت شهادتهم على الرجل وإنما انتفى عنه الحد للشبهة

فصل وإذا تمت الشهادة بالزنا فصدقهم المشهود عليه بالزنا لم يسقط الحد وقال أبو حنيفة يسقط لأن شرط صحة البينة الإنكار وما كمل الإقرار

ولنا قول الله تعالى فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا النساء 51

وبين النبي صلى الله عليه وسلم السبيل بالحد فتجب إمامته ولأن البينة تمت عليه فوجب الحد كما لو لم يعترف ولأن البينة أحد حجتي الزنا فلم يبطل بوجود الحجة الأخرى أو بعضها كالإقرار يحققه أن وجود الإقرار يؤكد البينة ويوافقها ولا ينافيها فلا يقدح فيها كتزكية الشهود والثناء عليهم ولا نسلم اشتراط الإنكار وإنما يكتفى بالإقرار في غير الحد إذا وجد بكماله وها هنا لم يكمل فلم يجز الاكتفاء به ووجب سماع البينة والعمل بها وعلى هذا لو أقر مرة أو دون الأربع لم يمنع ذلك سماع البينة عليه ولو تمت البينة عليه وأقر على نفسه إقرارا تاما ثم رجع عن إقراره لم يسقط عنه الحد برجوعه وقوله يقتضي خلاف ذلك

فصل وإن شهد شاهدان واعترف هو مرتين لم تكمل البينة ولم يجب الحد لا نعلم في هذا خلافا بين من اعتبر إقرار أربع مرات وهو قول أصحاب الرأي لأن إحدى الحجتين لم تكمل ولا تلفق إحداهما بالأخرى كإقرار بعض مرة

فصل وإن كملت البينة ثم مات الشهود أو غابوا جاز الحكم بها وإقامة الحد وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز الحكم لجواز أن يكونوا رجعوا وهذه شبهة تدرأ الحد

ولنا إن كل شهادة جاز الحكم بها مع حضور الشهود جاز مع غيبتهم كسائر الشهادات واحتمال رجوعهم ليس بشبهة كما لو حكم بشهادتهم

فصل وإن شهدوا بزنا قديم أو أقر به وجب الحد وبهذا قال مالك والأوزاعي والثوري وإسحاق وأبو ثور وقال أبو حنيفة لا أقبل بينة على زنا قديم وأحده بالإقرار به وهذا قول ابن حامد وذكره ابن أبي موسى مذهبا لأحمد لما روي عن عمر أنه قال أيما شهود شهدوا بحد لم يشهدوا بحضرته فإنما هم شهود ضغن ولأن تأخيره للشهادة إلى هذا الوقت يدل على التهمة فيدرأ ذلك الحد

ولنا عموم الآية وأنه حق يثبت على الفور فيثبت بالبينة بعد تطاول الزمان كسائر الحقوق والحديث رواه الحسن مرسلا ومراسيل الحسن ليست بالقوية والتأخير يجوز أن يكون لعذر أو غيبة والحد لا يسقط بمطلق الاحتمال فإنه لو سقط بكل احتمال لم يجب حد أصلا

فصل وتجوز الشهادة بالحد من غير مدع لا نعلم فيه اختلافا ونص عليه أحمد واحتج بقضية أبي بكرة حين شهد هو وأصحابه على المغيرة من غير تقدم دعوى وشهد الجارود وصاحبه على قدامة بن مظعون بشرب


71

الخمر ولم يتقدمه دعوى ولأن الحد حق الله تعالى فلم تفتقر الشهادة به إلى تقدم دعوى كالعبادات يبينه أن الدعوى في سائر الحقوق إنما تكون من المستحق وهذا لا حق فيه لأحد من الآدميين فيدعيه فلو وقعت الشهادة على الدعوى لامتنعت إقامتها

إذا ثبت هذا فإن من عنده شهادة على حد فالمستحب أن لا يقيمها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ستر عورة مسلم في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة وتجوز إقامتها لقول الله تعالى فاستشهدوا عليهن أربعة منكم النساء 15

ولأن الذين شهدوا بالحد في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم تنكر عليهم شهادتهم به ويستحب للإمام وغيره التعريض بالوقوف عن الشهادة بدليل قول عمر لزياد إني لأرى رجلا أرجو أن لا يفضح الله على يديه رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن تركها أفضل فلم يكن بأس بدلالته على الفضل

وقد روي أن رجلا سأل عقبة بن عامر فقال إن لي جيرانا يشربون الخمر أفأرفعهم إلى السلطان فقال عقبة بن عامر إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ستر عورة مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة

فصل وإن شهد أربعة على امرأة بالزنا فشهد ثقات من النساء أنها عذراء فلا حد عليها ولا على الشهود وبهذا قال الشعبي والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال مالك عليها الحد لأن شهادة النساء لا مدخل لها في الحدود فلا تسقط شهادتهن

ولنا إن البكارة تثبت بشهادة النساء ووجودها يمنع من الزنا ظاهرا لأن الزنا لا يحصل بدون الإيلاج في الفرج ولا يتصور ذلك مع بقاء البكارة لأن البكر هي التي توطأ في قبلها وإذا انتفى الزنا لم يجب الحد كما لو قامت البينة بأن المشهود عليه بالزنا مجبوب وإنما لم يجب الحد على الشهود لكمال عدتهم مع احتمال صدقهم فإنه يحتمل أن يكون وطئها ثم عادت عذرتها فيكون ذلك شبهة في درء الحد عنهم غير موجب له عليها فإن الحد لا يجب بالشبهات ويجب أن يكتفي بشهادة امرأة واحدة لأن شهادتها مقبولة فيما لا يطلع عليه الرجال

فأما إن شهدت بأنها رتقاء أو ثبت أن الرجل المشهود عليه مجبوب فينبغي أن يجب الحد على الشهود لأنه يتيقن كذبهم في شهادتهم بأمر لا يعلمه كثير من الناس فوجب عليهم الحد

فصل إذا شهد أربعة على رجل أنه زنى بامرأة وشهد أربعة آخرون على الشهود أنهم هم الزناة لم يجب الحد على أحد منهم وهذا قول أبي جنيفة لأن الأولين قد جرحهم الآخرون بشهادتهم عليهم والآخرون تتطرق إليهم التهمة واختار أبو الخطاب وجود الحد على الشهود الأولين لأن شهادة الآخرين صحيحة فيجب الحكم بها وهذا قول أبي يوسف وذكر أبو الخطاب في صدر المسألة كلاما معناه لا يحد أحد منهم حد الزنا وهل يحد الأولون حد القذف على وجهين بناء على القاذف إذا جاء مجيء الشاهد هل يحد على روايتين


72

روايتين فصل وكل زنا أوجب الحد لا يقبل فيه إلا أربعة شهود باتفاق العلماء لتناول النص له بقوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة النور 4

ويدخل فيه اللواط ووطء المرأة في دبرها لأنه زنا وعند أبي حنيفة يثبت بشاهدين بناء على أصله في أنه لا يوجب الحد وقد بينا وجوب الحد به ويخص هذا بأن الوطء في الدبر فاحشة بدليل قوله تعالى أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين الأعراف 80

وقال الله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم النساء 15

فإذا وطئت في الدبر دخلت في عموم الآية ووطء البهيمة إن قلنا بوجوب الحد لم يثبت إلا بشهود أربعة وإن قلنا لا يوجب إلا التعزير ففيه وجهان أحدهما يثبت بشاهدين لأنه لا يوجب الحد فيثبت بشاهدين كسائر الحقوق

والثاني لا يثبت بأربعة وهو قول القاضي لأنه فاحشة ولأنه إيلاج في فرج محرم فأشبه الزنا وعلى قياس هذا كل وطء لا يوجب الحد ويوجب التعزير كوطء الأمة المشتركة وأمته المزوجة فإن لم يكن وطءا كالمباشرة دون الفرج ونحوها ثبت بشاهدين وجها واحدا لأنه ليس بوطء فأشبه سائر الحقوق

فصل ولا يقيم الإمام الحد بعلمه وروي ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبه قال مالك وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي

وقال في الآخر له إقامته بعلمه وهو قول أبي ثور لأنه إذا جازت له إقامته بالبينة والاعتراف الذي لا يفيد إلا الظن فبما يفيد العلم أولى

ولنا قول الله تعالى فاستشهدوا عليهن أربعة منكم النساء 15

وقال تعالى فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون النور 13

وقال عمر أو كان الحبل أو الاعتراف ولأنه لا يجوز له أن يتكلم به ولو رماه بما علمه منه لكان قاذفا يلزمه حد القذف فلم تجز إقامة الحد به كقول غيره ولأنه إذا حرم النطق به فالعمل به أولى

فأما السيد إذا علم من عبده أو جاريته ما يوجب الحد عليه فهل له إقامته عليه فيه وجهان أحدهما لا يملك إقامته عليه لما ذكرنا في الإمام ولأن الإمام إذا لم يملك إقامته بعلمه مع قوة ولايته والإنفاق على تفويض الحد إليه فغيره أولى

والثاني يملك ذلك لأن السيد يملك تأديب عبده بعلمه وهذا يجري مجرى التأديب ولأن السيد أخص بعبده وأتم ولاية عليه وأشفق من الإمام على سائر الناس

فصل وإذا أحبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم يلزمها الحد بذلك وتسأل فإن ادعت أنها


73

أكرهت أو وطئت بشبهة أو لم تعترف بالزنا لم تحد وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وقال مالك عليها الحد إذا كانت القيمة غير غريبة إلا أن تظهر أمارات الإكراه بأن تأتي مستغيثة أو صارخة لقول عمر رضي الله عنه والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنا إذا قامت بينة أو كان الحبل أو الاعتراف

وروي أن عثمان أتي بامرأة ولدت لستة أشهر فأمر بها عثمان أن ترجم فقال علي ليس لك عليها سبيل قال الله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا الأحقاف 15

وهذا يدل على أنه كان يرجمها بحملها وعن عمر نحو من هذا

وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال يا أيها الناس إن الزنا زناءان زنا سر وزنا علانية فزنا السر أن يشهد الشهود فيكون الشهود أول من يرمي وزنا العلانية أن يظهر الحبل أو الاعتراف فيكون الإمام أول من يرمي وهذا قول سادة الصحابة ولم يظهر لهم في عصرهم مخالف فيكون إجماعا

ولنا إنه يحتمل أنه من وطء إكراه أو شبهة والحد يسقط بالشبهات وقد قيل إن المرأة تحمل من غير وطء بأن يدخل ماء الرجل في فرجها إما بفعلها أو فعل غيرها ولهذا تصور حمل البكر فقد وجد ذلك

وأما قول الصحابة فقد اختلفت الرواية عنهم فروى سعيد حدثنا خلف بن خليفة حدثنا هاشم أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب ليس لها زوج وقد حملت فسألها عمر فقالت إني امرأة ثقيلة الرأس وقع علي رجل وأنا نائمة فما استيقظت حتى فرغ فدرأ عنها الحد

وروى البراء بن صبرة عن عمر أنه أتي بامرأة حامل فادعت أنها أكرهت فقال خل سبيلها وكتب إلى أمراء الأجناد أن لا يقتل أحد إلا بإذنه

وروي عن علي وابن عباس أنهما قالا إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل

وروى الداقطني بإسناده عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر أنهم قالوا إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت ولا خلاف في أن الحد يدرأ بالشبهات وهي متحققة هاهنا

فصل وإذا استأجر امرأة لعمل شيء فزنى بها أو استأجرها ليزني بها وفعل ذلك أو زنى بامرأة ثم تزوجها أو اشتراها فعليهما الحد وبه قال أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة لا حد عليهما في هذه المواضع لأن ملكه لمنفعتها شبهة دارئة للحد ولا يحد بوطء امرأة هو مالك لها

ولنا عموم الآية والأخبار ووجود المعنى المقتضي لوجوب الحد وقولهم إن ملكه منفعتها شبهة ليس بصحيح فإنه إذا لم يسقط عنه الحد ببذلها ومطاوعتها إياه فلأن لا يسقط بملكه نفع محل آخر أولى وما وجب الحد عليه بوطء مملوكته وإنما وجب بوطء أجنبية فتغير حالها لا يسقطه كما لو ماتت

فصل وإذا وطىء امرأة له عليها القصاص وجب عليه الحد لأنه حق له عليها فلا يسقط الحد عنه كالدين


74

مسألة

قال ( ولو رجم بإقرار فرجع قبل أن يقتل كف عنه وكذلك إن رجع بعد أن جلد وقبل كمال الحد خلي )

قد تقدم شرح هذه المسألة وذكرنا أن المقر بالحد متى رجع عن إقراره ترك وكذلك إن أتى بما يدل على الرجوع مثل الهرب لم يطلب لأن ماعزا لما هرب قال النبي صلى الله عليه وسلم هلا تركتموه ولأن من قبل رجوعه قبل الشروع في الحد قبل بعد الشروع فيه كالبينة

فصل ويستحب للإمام أو الحاكم الذي يثبت عنده الحد بالإقرار التعريض له بالرجوع إذا تم والوقوف عن إتمامه إذا لم يتم كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعرض عن ماعز حين أقر عنده ثم جاءه من الناحية الأخرى فأعرض عنه حتى تمم إقراره أربعا ثم قال لعلك قبلت لعلك لمست وروي أنه قال للذي أقر بالسرقة ما إخالك فعلت رواه سعيد عن سفيان عن بريد بن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال حدثنا هشيم عن الحكم بن عتيبة عن يزيد بن أبي كبشة عن أبي الدرداء أنه أتي بجارية سوداء سرقت فقال لها أسرقت قولي لا فقالت لا فخلى سبيلها ولا بأس أن يعرض بعض الحاضرين له الرجوع أو بأن لا يقر

وروينا عن الأحنف أنه كان جالسا عند معاوية فأتي بسارق فقال له معاوية أسرقت فقال له بعض الشرطة أصدق الأمير فقال الأحنف الصدق في كل المواطن معجزة فعرض له بترك الإقرار وروي عن بعض السلف أنه لا يقطع ظريف يعني به أنه إذا قامت عليه بينة ادعى شبهة تدفع عنه القطع فلا يقطع ويكره لمن علم حاله أن يحثه على الإقرار لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهزال وقد كان قال لماعز بادر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل فيك قرآن ألا سترته بثوبك كان خيرا لك رواه سعيد وروى بإسناده أيضا عن سعيد بن المسيب قال جاء ماعز بن مالك إلى عمر بن الخطاب فقال له إنه أصاب فاحشة فقال له أخبرت بهذا أحدا قبلي قال لا قال فاستتر بستر الله وتب إلى الله فإن الناس يعيرون ولا يغيرون والله يغير ولا يعير فتب إلى الله ولا تخبر بها أحدا فانطلق إلى أبي بكر فقال له مثل ما قال عمر فلم تقره نفسه حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك

مسألة

قال ( ومن زنى مرارا ولم يحد فحد واحد )

وجملته أن ما يوجب الحد من الزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر إذا تكرر قبل إقامة الحد أجزأ حد واحد بغير خلاف علمناه

قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم منهم عطاء والزهري ومالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف وهو مذهب الشافعي وإن أقيم عليه الحد ثم حدثت منه جناية أخرى ففيها حدها لا نعلم فيه خلافا وحكاه ابن المنذر عمن يحفظ عنه وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمة تزني


75

قبل أن تحصن

قال إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ولأن تداخل الحدود إنما يكون مع اجتماعها وهذا الحد الثاني وجب بعد سقوط الأول باستيفائه وإن كانت الحدود من أجناس مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر أقميت كلها إلا أن يكون فيها قتل فإن كان فيها قتل اكتفي به لأنه لا حاجة معه إلى الزجر بغيره وقد قال ابن مسعود ما كانت حدود فيها إلا أحاط القتل بذلك كله وإن لم يكن فيها قتل استوفيت كلها وبدىء بالأخف فالأخف فيبدأ بالجلد ثم بالقطع ويقدم الأخف في الجلد على الأثقل فيبدأ في الجلد بحد الشرب ثم بحد القذف إن قلنا إنه حق لله تعالى ثم بحد الزنا وإن قلنا إن حد القذف حق لآدمي قدمناه ثم بحد الشرب ثم بحد الزنا

مسألة

قال ( وإذا تحاكم إلينا أهل الذمة حكمنا عليهم بحكم الله تعالى علينا )

وجملة ذلك أنه إذا تحاكم إلينا أهل الذمة أو استعدى بعضهم على بعض فالحاكم مخير بين إحضارهم والحكم بينهم وبين تركهم سواء كانوا من أهل دين واحد أو من أهل أديان

هذا المنصوص عن أحمد وهو قول النخعي وأحد قولي الشافعي وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى أنه يجب الحكم بينهم وهذا القول الثاني للشافعي واختيار المزني لقول الله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله المائدة 48

ولأنه يلزمه دفع من قصد واحدا منهما بغير حق فلزمه الحكم بينهما كالمسلمين

ولنا قول الله تعالى فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم المائدة 42

فخيره بين الأمرين ولا خلاف في أن هذه الآية نزلت فيمن وادعه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة ولأنهما كافران فلا يجب الحكم بينهما كالمعاهدين

والآية التي احتجوا بها محمولة على من اختار الحكم بينهم لقوله تعالى وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط المائدة 42

جمعا بين الآيتين فإنه لا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع فإذا ثبت هذا فإنه إذا حكم بينهم لم يجز له الحكم إلا بحكم الإسلام للآيتين ولأنه لا يجوز له الحكم إلا بالقسط كما في حق المسلمين ومتى حكم بينهما ألزمهما حكمه ومن امتنع منهما أجبره على قبول حكمه وأخذه به لأنه إنما دخل في العهد بشرط التزام أحكام الإسلام قال أحمد لا يبحث عن أمرهم ولا يسأل عن أمرهم إلا أن يأتوهم فإن ارتفعوا إلينا أقمنا عليهم الحد على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقال أيضا حكمنا يلزمهم وحكمنا جائز على جميع الملل ولا يدعوهما الحاكم فإن جاؤوا حكمنا بحكمنا

إذا ثبت هذا فإنه إذا رفع إلى الحاكم من أهل الذمة من فعل محرما يوجب عقوبة مما هو محرم عليهم في دينهم كالزنا والسرقة والقذف والقتل فعليه إقامة حده عليه فإن كان زنا جلد إن كان بكرا وغرب عاما وإن كان محصنا رجم لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بيهوديين فجرا بعد إحصانهما فأمر بهما فرجما

وعن ابن عمر أن اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له إن رجلا منهم وامرأة زنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجدون في التوراة في شأن الرجم فقالوا نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها الرجم


76

فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما متفق عليه

وروى أنس أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين متفق عليه وإن كان يعتقد إباحته كشرب الخمر لم يحد لأنه لا يعتقد تحريما فلم يلزمه عقوبته كالكفر وإن تظاهر به عزر لأنه أظهر منكرا في دار الإسلام فعزر عليه كالمسلم

فصل وإن تحاكم مسلم وذمي وجب الحكم بينهم بغير خلاف لأنه يجب دفع ظلم كل واحد منهما عن صاحبه

مسألة

قال ( وإذا قذف بالغ حرا مسلما أو حرة مسلمة جلدا الحد ثمانين )

القذف هو الرمي بالزنا وهو محرم بإجماع الأمة والأصل في تحريمه الكتاب والسنة

أما الكتاب فقول الله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون النور 4 وقال سبحانه إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم النور 23

وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم اجتنبوا السبع الموبقات قالوا وما هن يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات متفق عليه

والمحصنات هاهنا العفائف والمحصنات في القرآن جاءت بأربعة معان أحدها هذا

والثاني بمعنى المزوجات كقوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم النساء 24

وقوله تعالى محصنات غير مسافحات النساء 25

والثالث بمعنى الحرائر كقوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات النساء 25

وقوله سبحانه والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم المائدة 5 وقوله فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء 25

والرابع بمعنى الإسلام كقوله فإذا أحصن النساء 25 قال ابن مسعود إحصانها إسلامها وأجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف المحصن إذا كان مكلفا وشرائط الإحصان الذي يجب الحد بقذف صاحبه خمسة العقل والحرية والإسلام والعفة عن الزنا وأن يكون كبيرا يجامع مثله وبه يقول جماعة العلماء قديما وحديثا سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد وعن ابن المسيب وابن أبي ليلى قالوا إذا قذف ذمية ولها ولد مسلم يحد والأولى أولى لأن من لا يحد قاذفه إذا لم يكن له ولد لا يحد وله ولد كالمجنونة واختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط البلوغ فروي عنه أنه شرط وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لأنه أحد شرطي التكليف فأشبه العقل ولأن زنا الصبي لا يوجب حدا فلا يجب الحد بالقذف به كزنا المجنون


77

والثانية لا يشترط لأنه حر عاقل عفيف يتعير بهذا القول الممكن صدقه فأشبه الكبير وهذا قول مالك وإسحاق فعلى هذه الرواية لا بد أن يكون كبيرا يجامع مثله وأدناه أن يكون للغلام عشر وللجارية تسع

فصل ويجب الحد على قاذف الخصي والمجبوب والمريض المدنف والرتقاء والقرناء وقال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لا حد على قاذف مجبوب

قال ابن المنذر وكذلك الرتقاء وقال الحسن لا حد على قاذف الخصي لأن العار منتف عن المقذوف بدون الحد للعلم بكذب القاذف والحد إنما يجب لنفي العار

ولنا عموم قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة النور 4 والرتقاء داخلة في عموم هذا ولأنه قاذف لمحصن فيلزمه الحد كقاذف القادر على الوطء ولأن إمكان الوطء أمر خفي لا يعلمه كثير من الناس فلا ينتفي العار عند من لم يعلمه بدون الحد فيجب كقذف المريض

فصل ويجب الحد على القاذف في غير دار الإسلام وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي لا حد عليه لأنه في دار لا حد على أهلها

ولنا عموم قوله تعالى والذين يرمون النور 4 الآية ولأنه مسلم مكلف قذف محصنا فأشبه من في دار الإسلام

فصل وقدر الحد ثمانون إذا كان القاذف حرا للآية والإجماع رجلا كان أو امرأة ويشترط أن يكون بالغا عاقلا غير مكره لأن هذه مشترطة لكل حد

مسألة

قال ( إذا طالب المقذوف ولم يكن للقاذف بينة )

وجملته أن يعتبر لإقامة الحد بعد تمام القذف بشروطه شرطان أحدهما مطالبة المقذوف لأنه حق له يستوفى قبل طلبه كسائر حقوقه

والثاني أن لا يأتي ببينة لقول الله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم النور 4 فيشترط في جلدهم عدم البينة وكذلك يشترط عدم الإقرار من المقذوف لأنه في معنى البينة فإن كان القاذف زوجا اعتبر شرط ثالث وهو امتناعه من اللعان ولا نعلم خلافا في هذا كله وتعتبر استدامة الطالب إلى إقامة الحد فلو طلب ثم عفا عن الحد سقط وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وقال الحسن وأصحاب الرأي لا يسقط بعفوه لأنه حد فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود

ولنا إنه حق لا يستوفى إلا بعد مطالبة الآدمي باستيفائه فسقط بعفوه كالقصاص وفارق سائر الحدود فإنه لا يعتبر في إقامتها الطلب باستيفائها وحد السرقة إنما تعتبر فيه المطالبة بالمسروق لا باستيفاء الحد ولأنهم قالوا


78

تصح دعواه ويستحلف فيه ويحكم الحاكم فيه بعلمه ولا يقبل رجوعه عنه بعد الاعتراف فدل على أنه حق لآدمي

فصل وإذا قلنا بوجوب الحد بقذف من لم يبلغ لم تجز إقامته حتى يبلغ ويطالب به بعد بلوغه لأن مطالبته قبل البلوغ لا توجب الحد لعدم اعتبار كلامه وليس لوليه المطالبة عنه لأنه حق شرع للتشفي فلم يقم غيره مقامه في استيفائه كالقصاص فإذا بلغ وطالب أقيم عليه حينئذ ولو قذف غائبا لم يقم عليه الحد حتى يقدم ويطالب إلا أن يثبت أنه طالب في غيبته ويحتمل أن لا تجوز إقامته في غيبته بحال لأنه يحتمل أن يعفو بعد المطالبة فيكون ذلك شبهة في درء الحد لكونه يندرىء بالشبهات ولو قذف عاقلا فجن بعد قذفه وقبل طلبه لم تجز إقامته حتى يفيق ويطلب وكذلك إن أغمي عليه فإن كان قد طالب به قبل جنونه وإغمائه جازت إقامته كما لو وكل في استيفاء القصاص ثم جن أو أغمي عليه قبل استيفائه

مسألة

قال ( وإن كان القاذف عبدا أو أمة جلد أربعين بأدون من السوط الذي يجلد به الحر )

أجمع أهل العلم على وجوب الحد على العبد إذا قذف الحر المحصن لأنه داخل في عموم الآية وحده أربعون في قول أكثر أهل العلم روي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنه قال أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء فلم أرهم يضربون المملوك إذا قذف إلا أربعين وروى خلاس أن عليا قال في عبد قذف حرا نصف الجلد وجلد أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عبدا قذف حرا ثمانين وبه قال قبيصة وعمر بن عبد العزيز ولعلهم ذهبوا إلى عموم الآية والصحيح الأول للإجماع المنقول عن الصحابة رضي الله عنه ولأنه حد يتبعض فكان العبد فيه على النصف من الحر كحد الزنا وهو يخص عموم وقد عيب على أبي بكر بن عمرو بن حزم جلده العبد ثمانين وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة ما رأينا أحدا قبله جلد العبد أربعين

وقال سعيد حدثنا ابن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال حضرت عمر بن عبد العزيز جلد عبدا ثمانين فأنكر ذلك من حضره من الناس وغيرهم من الفقهاء فقال لي عبد الله بن عامر بن ربيعة إني رأيت والله عمر بن الخطاب ما رأيت أحدا جلد عبدا في قرية فوق أربعين إذا ثبت أنه أربعون فإنه يكون بدون السوط الذي يجلد به الحر لأنه لما خفف في قدره خفف في سوطه كما أن الحدود في أنفسها كلما قل منها كان سقوطه أخف فالجلد في الشرب أخف منه في القذف وفي القذف أخف منه في الزنا ويحتمل أن يساوي


79

العبد الحر في السوط لأنه على النصف ولا يتحقق التنصيف إلا مع المساواة في السوط

فصل وإذا قذف ولده وإن نزل لم يجب الحد عليه سواء كان القاذف رجلا أو امرأة وبهذا قال عطاء والحسن والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وقال عمر بن عبد العزيز ومالك وأبو ثور وابن المنذر عليه الحد لعموم الآية ولأنه حد فلا تمنع من وجوبه قرابة الولادة كالزنا

ولنا إنه عقوبة تجب حقا لآدمي فلا يجب للولد على الوالد كالقصاص أو نقول إنه حق لا يستوفى إلا بالمطالبة باستيفائه فأشبه القصاص ولأن الحد يدرأ بالشبهات فلا يجب للابن على أبيه كالقصاص ولأن الأبوة معنى يسقط القصاص فمنعت الحد كالرق والكفر وهذا يخص عموم الآية وما ذكروه ينتقض بالسرقة فإن الأب لا يقطع بسرقة مال ابنه والفرق بين القذف والزنا أن حد الزنا خالص لحق الله تعالى لا حق للآدمي فيه وحد القذف حق لآدمي فلا يثبت للابن على أبيه كالقصاص وعلى أنه لو زنا بجارية ابنه لم يجب عليه حد

إذا ثبت هذا فإنه لو قذف أم ابنه وهي أجنبية منه فماتت قبل استيفائه لم يكن لا بنه المطالبة بالحد لأن ما منع ثبوته ابتداء أسقطه طارئا كالقصاص وإن كان لها ابن آخر من غيره كان له استيفاؤه إذا ماتت بعد المطالبة به لأن الحد يملك بعض الورثة استيفاءه كله بخلاف القصاص وأما قذف سائر الأقارب فيوجب الحد على القاذف في قولهم جميعا

مسألة

قال ( وإذا قال له يا لوطي سئل عما أراد فإن قال أردت أنك من قوم لوط فلا شيء عليه وإن قال أردت أنك تعمل عمل قوم لوط فهو كمن قذف بالزنا )

في هذه المسألة فصلان أحدهما أن من قذف رجلا بعمل قوم لوط إما فاعلا وإما مفعولا فعليه حد القذف وبه قال الحسن والشافعي والنخعي والزهري ومالك وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأبو ثور وقال عطاء وقتادة وأبو حنيفة لا حد عليه لأنه قذف بما يوجب الحد عنده وعندنا هو موجب للحد وقد بيناه فيما مضى وكذلك لو قذف امرأة أنها وطئت في دبرها أو قذف رجلا بوطء امرأة في دبرها فعليه الحد عندنا وعند أبي حنيفة لا حد عليه ومبنى الخلاف ها هنا على الخلاف في وجوب حد الزنا على فاعل ذلك وقد تقدم الكلام فيه فأما إن قذفه بإتيان بهيمة انبنى ذلك على وجوب الحد على فاعله فمن أوجب الحد على فاعله أوجب حذ القذف على القاذف به ومن لا فلا وكل ما لا يجب الحد بفعله لا يجب الحد على القاذف به كما لو قذف إنسانا بالمباشرة دون الفرج أو بالوطء بالشبهة أو قذف امرأة بالمساحقة أو بالوطء مستكرها لم يجب الحد على القاذف ولأنه رماه بما لا يوجب الحد فأشبه ما لو قذفه باللمس والنظر وكذلك لو قال يا كافر يا فاسق يا سارق يا منافق يا فاجر يا


80

خبيث يا أعور يا أقطع يا أعمى ابن الزمن الأعمى الأعرج فلا حد في ذلك كله لأنه قذف بما لا يوجب الحد فلم يوجب الحد كما لو قال يا كاذب يا نمام ولا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم ولكنه يعزر لسب الناس وأذاهم فأشبه ما لو قذف من لا يوجب قذفه الحد

الفصل الثاني أنه إذا قال أردت أنك من قوم لوط فاختلفت الرواية عن أحمد فروى عنه جماعة أنه يجب عليه الحد بقوله يا لوطي ولا يسمع تفسيره بما يحيل القذف وهذا اختيار أبي بكر ونحوه قال الزهري ومالك والرواية الثانية أنه لا حد عليه نقلها المروذي ونحو هذا قال الحسن والنخعي

قال الحسن إذا قال نويت أن دينه دين لوط فلا حد عليه وإن قال أردت أنك تعمل عمل قوم لوط فعليه الحد ووجه ذلك أنه فسر كلامه بما لا يوجب الحد فلم يجب عليه حد كما لو فسره به متصلا بكلامه وروي عن أحمد رواية ثالثة أنه إذا كان في غضب قال إنه لأهل أن يقام عليه الحد لأن قرينة الغضب تدل على إرادة القذف بخلاف حال الرضا والصحيح في المذهب الرواية الأولى لأن هذه الكلمة لا يفهم منها إلا القذف بعمل قوم لوط فكانت صريحة فيه كقوله يا زاني ولأن قوم لوط لم يبق منهم أحد فلا يحتمل أن ينسب إليهم

فصل وإن قال أردت أنك على دين لوط أو أنك تحب الصبيان أو تقبلهم أو تنظر إليهم أو أنك تتخلق بأخلاق قوم لوط في أنديتهم غير إتيان الفاحشة أو أنك تنهى عن الفاحشة كنهي لوط عنها أو نحو ذلك خرج في هذا كله وجهان بناء على الروايتين المنصوصتين في المسألة لأن هذا في معناه

مسألة

قال ( وكذلك من قال يا معفوج )

المنصوص عن أحمد فيمن قال يا معفوج أن عليه الحد وكلام الخرقي يقتضي أنه يرجع إلى تفسيره فإن فسره بغير الفاحشة مثل أن قال أردت يا مفلوج أو يا مصابا دون الفرج ونحو هذا فلا حد عليه لأنه فسره بما لا حد فيه وإن فسره بعمل قوم لوط فعليه الحد كما لو صرح به ووجه القولين ما تقدم في التي قبلها

فصل وكلام الخرقي يقتضي أن لا يجب الحد على القاذف إلا بلفظ صريح لا يحتمل غير القذف وهو أن يقول يا زاني أو ينطق باللفظ الحقيقي في الجماع فأما ما عداه من الألفاظ فيرجع فيه إلى تفسيره ولما ذكرنا في هاتين المسألتين

فلو قال لرجل يا مخنث أو لامرأة يا قحبة وفسره بما ليس بقذف مثل أن يريد بالمخنث أن فيه طباع التأنيث والتشبه بالنساء وبالقحبة أنها تستعد لذلك فلا حد عليه وكذلك إذا قال يا فاجرة يا خبيثة

وحكى أبو الخطاب في هذا رواية أخرى أنه قذف صريح ويجب به الحد والصحيح الأول قال أحمد في رواية حنبل لا أرى الحد إلا على من صرح بالقذف والشتيمة قال ابن المنذر الحد على من نصب الحد نصبا


81

ولأنه قول غير الزنا فلم يكن صريحا في القذف كقوله يا فاسق وإن فسر شيئا من ذلك بالزنا فلا شك في كونه قذفا

فصل واختلفت الرواية عن أحمد في التعريض بالقذف مثل أن يقول لمن يخاصمه ما أنت بزان ما يعرفك الناس بالزنا يا حلال ابن الحلال

أو يقول ما أنا بزان ولا أمي بزانية فروى عنه حنبل لا حد عليه وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار أبي بكر وبه قال عطاء وعمرو بن دينار وقتادة والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر لما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن امرأتي ولدت غلاما أسود يعرض بنفيه فلم يلزمه بذلك حد ولا غيره وقد فرق الله تعالى بين التعريض بالخطبة والتصريح بها فأباح التعريض في العدة وحرم التصريح فكذلك في القذف ولأن كل كلام يحتمل معنيين لم يكن قذفا كقوله يا فاسق

وروى الأثرم وغيره عن أحمد أن عليه الحد وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه وبه قال إسحاق لأن عمر حين شاورهم في الذي قال لصاحبه ما أنا بزان ولا أمي بزانية فقالوا قد مدح أباه وأمه فقال عمر قد عرض بصاحبه فجلده الحد وقال معمر إن عمر كان يجلد الحد في التعريض

وروى الاثرم أن عثمان جلد رجلا قال لآخر يا ابن شامة الوذر يعرض له بزنا أمه والوذر قدر اللحم يعرض له بكمر الرجال ولأن الكناية مع القرينة الصارفة إلى أحد محتملاتها كالصريح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى ولذلك وقع الطرق بالكناية فإن لم يكن ذلك في حال الخصومة ولا وجدت قرينة تصرف إلى القذف فلا شك في أنه يجوز قذفا

وذكر أبو الخطاب من صور التعريض أن يقول لزوجة آخر قد فضحته وغطيت رأسه وجعلت له قرونا وعلقت عليه أولادا من غيره وأفسدت فراشه ونكست رأسه وذكر في جميع ذلك روايتين وذكر أبو بكر عبد العزيز أن أبا عبد الله رجع عن القول بوجوب الحد في التعريض

فصل وإن قال لرجل يا ديوث يا كشحان فقال أحمد يعزر قال إبراهيم الحربي الديوث الذي يدخل الرجال على امرأته وقال ثعلب القرطبان الذي يرضى أن يدخل الرجال على امرأته وقال القرنان والكشحان لم أرهما في كلام العرب ومعناه عند العامة مثل معنى الديوث أو قريبا منه فعلى القاذف به التعزير على قياس قوله في الديوث لأنه قذفه بما لا حد فيه

وقال خالد بن يزيد عن أبيه في الرجل يقول للرجل يا قرنان إذا كان له أخوات أو بنات في الإسلام ضرب الحد يعني أنه قاذف لهن

وقال خالد عن أبيه القرنان عند العامة من له بنات والكشحان من له أخوات يعني والله أعلم إذا كان


82

يدخل الرجال عليهن والقواد عند العامة السمسار في الزنا والقذف بذلك كله يوجب التعزير لأنه قذف بما لا يوجب الحد

فصل وإذا نفى رجلا عن أبيه فعليه الحد نص عليه أحمد وكذلك إذا نفاه عن قبيلته وبهذا قال إبراهيم والنخعي وإسحاق وبه قال أبو حنيفة والثوري وحماد إذا نفاه عن أبيه وكانت أمه مسلمة وإن كانت ذمية أو رقيقة فلا حد عليه لأن القذف لها ووجه الأول ما روى الأشعث بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول لا أوتى برجل يقول إن كنانة ليست من قريش إلا جلدته وعن ابن مسعود أنه قال لا جلد إلا في اثنين

رجل قذف محصنة أو نفى رجلا عن أبيه وهذا لا يقوله إلا توقيفا فأما إن نفاه عن أمه فلا حد عليه لأنه لم يقذف أحدا بالزنا وكذلك إن قال إن لم تفعل كذا فلست بابن فلان فلا حد فيه لأن القذف لا يتعلق بالشرط والقياس يقتضي أن لا يجب الحد بنفي الرجل عن قبيلته ولأن ذلك لا يتعين فيه الرمي بالزنا فأشبه ما لو قال للأعجمي إنك عربي

ولو قال للعربي أنت نبطي أو فارسي فلا حد فيه وعليه التعزير نص عليه لأنه يحتمل أنك نبطي اللسان أو الطبع وحكي عن أحمد روايه أخرى أن عليه الحد كما لو نفاه عن أبيه والأول أصح وبه قال مالك والشافعي لأنه يحتمل غير القذف احتمالا كثيرا فلا يتعين صرفه إليه ومتى فسر شيئا من ذلك بالقذف فهو قاذف

فصل وإذا قذف رجل رجلا فقال آخر صدقت فالمصدق قاذف أيضا في أحد الوجهين لأن تصديقه ينصرف إلى ما قاله بدليل ما لو قال لي عليك ألف فقال صدقت كان إقرارا بها ولو قال أعطني ثوبي هذا فقال صدقت كان إقرارا وفيه وجه آخر لا يكون قاذفا وهو قول زفر لأنه يحتمل أن يريد بتصديقه في غير القذف ولو قال أخبرني فلان أنك زنيت لم يكن قاذفا سواء كذبه المخبر عنه أو صدقه وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال أبو الخطاب فيه وجه آخر أنه يكون قاذفا إذا كذبه الآخر وبه قال عطاء ومالك ونحوه عن الزهري لأنه أخبر بزناه

ولنا إنه إنما أخبر أنه قد قذف فلم يكن قذفا كما لو شهد على رجل أنه قد قذف رجلا

فصل وإن قال أنت أزنى من فلان أو أزنى الناس فهو قاذف وهل يكون قاذفا للثاني فيه وجهان أحدهما يكون قاذفا له اختاره القاضي لأنه أضاف الزنا إليهما وجعل أحدهما فيه أبلغ من الآخر فإن لفظة أفعل للتفضيل فيقتضي اشتراك المذكورين في أصل الفعل وتفضيل أحدهما على الآخر فيه كقوله أجود من حاتم

والثاني يكون قاذفا للمخاطب خاصة لأن لفظة أفعل قد تستعمل للفرد بالفعل كقول الله تعالى أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى يونس 35

وقال تعالى فأي الفريقين أحق بالأمن


83

الأنعام 81

وقال لوط بناتي هن أطهر لكم هود 78

أي من أدبار الرجال ولا طهارة فيهم وقال الشافعي وأصحاب الرأي ليس بقذف للأول ولا للثاني إلا أن يريد به القذف

ولنا إن موضوع اللفظ يقتضي ما ذكرناه فحمل عليه كما لو قال أنت زان

فصل وإن قال زنأت مهموزا فقال أبو بكر وأبو الخطاب هو قذف لأن عامة الناس لا يفهمون من ذلك إلا القذف فكان قذفا كما قال زنيت وقال ابن حامد إن كان عاميا فهو قذف لأنه لا يريد به إلا القذف وإن كان من أهل العربية لم يكن قذفا لأن معناه في العربية طلعت فالظاهر أنه يريد موضوعه ولأصحاب الشافعي في كونه قذفا وجهان وإن قال زنأت في الجبل فالحكم فيه كما لو قال زنأت ولم يقل في الجبل وقال الشافعي ومحمد بن الحسن ليس بقذف قال الشافعي ويستحلف على ذلك

ولنا إنه إذا كان عاميا لا يعرف موضوعه في اللغة تعين مراده في القذف ولم يفهم منه سواه فوجب أن يكون قذفا كما لو فسره بالقذف أو لحن لحنا غير هذا

فصل فإن قال الرجل يا زانية أو لامرأة يا زاني فهو صريح في قذفهما اختاره أبو بكر وهو مذهب الشافعي واختار ابن حامد أنه ليس بقذف إلا أن يفسره به وهو قول أبي حنيفة لأنه يحتمل أن يريد بقوله يا زانية أي يا علامة في الزنا كما يقال للعالم علامة وللكثير الرواية راوية ولكثير الحفظ حفظة

ولنا إن ما كان قذفا لأحد الجنسين كان قذفا للآخر كقوله زنيت بفتح التاء وكسرها لهما جميعا ولأن هذا اللفظ خطاب لهما وإشارة إليهما بلفظ الزنا وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث وحذفها وكذلك لو قال للمرأة يا شخصا زانيا أو للرجل يا نسمة زانية كان قاذفا وقولهم إنه يريد بذلك أنه علامة في الزنا لا يصح فإن ما كان اسما للفعل إذا دخلته الهاء كانت للمبالغة كقولهم حفظة للمبالغة في الحفظ ورواية للمبالغة في الرواية وكذلك همزة ولمزة وصرعة ولأن كثيرا من الناس يذكر المؤنث ويؤنث المذكر ولا يخرج بذلك عن كون المخاطب به مرادا بما يراد باللفظ الصحيح

فصل وإن قال لرجل زنيت بفلانة كان قاذفا لهما وقد نقل عن أبي عبد الله أنه سئل عن رجل قال لرجل يا ناكح أمه ما عليه قال إن كانت أمه حية فعليه الحد للرجل ولأمه حد وقال مهنا سألت أبا عبد الله وإذا قال الرجل لرجل يا زاني ابن الزاني قال عليه حدان قلت أبلغك في هذا شيء قال مكحول قال فيه حدان وإن قر إنسان أنه زنى بإمرأة فهو قاذف لها سواء ألزمه حد الزنا بإقراره أو لم يلزمه وبهذا قال ابن المنذر وأبو ثور ويشبه مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة لا يلزمه حد القذف لأنه يتصور منه الزنا بها من غير زناها لاحتمال أن تكون مكرهة أو موطوءة بشبهة


84

ولنا ما روي ابن عباس أن رجلا من بكر بن ليث أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات فجلده مائة وكان بكرا ثم سأله البينة على المرأة فقالت كذب والله يا رسول الله فجلده حد الفرية ثمانين والاحتمال الذي ذكره لا ينفي الحد بدليل ما لو قال يا نائك أمه فإنه يلزمه الحد مع احتمال أن يكون فعل ذلك بشبهة وقد روي عن أبي هريرة أنه جلد رجلا قال لرجل ذلك ويتخرج لنا مثل قول أبي حنيفة بناء على ما إذا قال لامرأته يا زانية فقال بك زنيت

فإن أصحابنا قالوا لا حد عليها في قوله بك زنيت لاحتمال وجود الزنا به مع كونه واطئا بشبهة ولا يجب الحد عليه لتصديقها إياه وقال الشافعي عليه الحد دونها وليس هذا بإقرار صحيح

ولنا إنها صدقته فلم يلزمه حد كما لو قالت صدقت ولو قال يا زانية قالت أنت أزنى مني فقال أبو بكر هي كالتي قبلها في سقوط الحد عنه ويلزمها له ها هنا حد القذف بخلاف التي قبلها لأنها أضافت إليه الزنا وفي التي قبلها أضافته إلى نفسها

مسألة

قال ( ومن قذف رجلا فلم يقم الحد حتى زنى المقذوف لم يزل الحد عن القاذف )

وبهذا قال الثوري وأبو ثور والمزني وداود وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا حد عليه

لأن الشروط تعتبر استدامتها إلى حالة إقامة الحد بدليل أنه لو ارتد أو جن لم يقم الحد ولأن وجود الزنا منه يقوي قول القاذف ويدل على تقدم هذا الفعل منه فأشبه الشهادة إذا طرأ الفسق بعد أدائها قبل الحكم بها

ولنا إن الحد قد وجب وتم بشروطه فلا يسقط بزوال شرط الوجوب كما لو زنى بأمة ثم اشتراها أو سرق عينا فنقصت قيمتها أو ملكها وكما لو جن المقذوف بعد المطالبة

وقولهم إن الشروط تعتبر استدامتها لا يصح فإن الشروط للوجوب فيعتبر وجوبها إلى حين الوجوب وقد وجب الحد بدليل أنه ملك المطالبة ويبطل بالأصول التي قسنا عليها وأما إذا جن من وجب له الحد فلا يسقط الحد وإنما يتأخر استيفاؤه لتعذر المطالبة به فأشبه ما لو غاب من له الحد وإن ارتد من له الحد لم يملك المطالبة لأن حقوقه وأملاكه تزول أو تكون موقوفة وفارق الشهادة فإن العدالة شرط للحكم بها فيعتبر وجودها إلى حين الحكم بها بخلاف مسألتنا فإن العفة شرط للوجوب فلا تعتبر إلا إلى حين الوجوب

فصل ولو وجب الحد على ذمي أو مرتد فلحق بدار الحرب ثم عاد لم يسقط عنه وقال أبو حنيفة يسقط ولنا إنه حد وجب فلم يسقط بدخول دار الحرب كما لو كان مسلما دخل بأمان

مسألة

قال ( ومن قذف مشركا أو عبدا أو مسلما له دون العشر سنين أو مسلمة لها دون التسع سنين أدب ولم يحد )


85

وقد ذكرنا أن الإسلام والحرية وإدراك سن يجامع مثله في مثله شروط لوجوب الحد على قاذفه فإذا انتفى أحدها لم يجب الحد على قاذفه ولكن يجب تأديبه ردعا له عن إعراض المعصومين وكفا له عن أذاهم

وحد الصبي الذي لم يجب الحد بقذفه أن يبلغ الغلام عشرا والجارية تسعا في إحدى الروايتين

وقد سبق ذكر ذلك

فصل فإن اختلف القاذف والمقذوف فقال القاذف كنت صغيرا حين قذفتك

وقال المقذوف كنت كبيرا فذكر القاضي أن القول قول القاذف لأن الأصل الصغر وبراءة الذمة من الحد فإن أقام القاذف بينة أنه قذفه صغيرا وأقام المقذوف بينة أنه قذفه كبيرا وكانتا مطلقتين أو مؤرختين تاريخين مخلتفين فهما قذفان موجب أحدهما التعزير

والثاني الحد وإن بينتا تاريخا واحدا وقالت إحداهما وهو صغير وقالت الأخرى وهو كبير تعارضتا وسقطتا وكذلك لو كان تاريخ بينة المقذوف قبل تاريخ بينة القاذف

مسألة

قال ( ومن قذف من كان مشركا وقال أردت أنه زنى وهو مشرك لم يلتفت إلى قوله والقاذف إذا طالب المقذوف وكذلك من كان عبدا )

إنما كان كذلك لأنه قذفه في حال كونه مسلما محصنا وذلك بمقتضى وجوب الحد عليه لعموم الآية ووجود المعنى فإذا ادعى ما يسقط الحد عنه لم يقبل منه كما لو قذف كبيرا ثم قال أردت أنه زنى وهو صغير فأما إن قال له زنيت في شركك فلا حد عليه وبه قال الزهري وأبو ثور وأصحاب الرأي وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى

وعن مالك أنه يحد وبه قال الثوري لأنه القذف وجد في حال كونه محصنا

ولنا إنه أضاف القذف إلى حال ناقصة أشبه ما لو قذفه في حال الشرك ولأنه قذفه بما لا يوجب الحد على المقذوف فأشبه ما لو قذفه بالوطء دون الفرج

وهكذا الحكم لو قذف من كان رقيقا فقال زنيت في حال رقك أو قال زنيت وأنت طفل

وإن قال زنيت وأنت صبي أو صغير سئل عن الصغر فإن فسره بصغر لا يجامع في مثله فهي كالتي قبلها وإن فسره بصغر يجامع في مثله فعليه الحد في إحدى الروايتين وإن قال زنيت إذ كنت مشركا أو إذ كنت رقيقا فقال المقذوف ما كنت مشركا ولا رقيقا نظرنا فإن ثبت أنه كان مشركا أو رقيقا فهي كالتي قبلها وإن ثبت أنه لم يكن رقيقا كذلك وجب الحد على القاذف وإن لم يثبت واحد منهما ففيه روايتان إحداهما يجب الحد لأن الأصل عدم الشرك والرق ولأن الأصل الحرية وإسلام أهل دار الإسلام

والثانية القول قول القاذف لأن الأصل براءة ذمة القاذف

وإن قال زنيت وأن مشرك فقال المقذوف أردت قذفي بالزنا والشرك معا وقال القاذف بل أردت قذفك بالزنا إذ كنت مشركا فالقول قول القاذف اختاره أبو الخطاب وهو قول بعض الشافعية لأن الخلاف في بينته وهو أعلم بها وقوله وأنت مشرك مبتدأ وخبر وهو حال لقوله زنيت كقول الله تعالى إلا استمعوه وهم يلعبون الأنبياء 2 وقال القاضي يجب الحد وهو قول بعض الشافعية


86

لأن قوله زنيت خطاب في الحال فالظاهر أنه أراد زناه في الحال وهكذا إن قال زنيت وأنت عبد وإن قذف مجهولا وادعى أنه رقيق أو مشرك فقال المقذوف بل أنا حر مسلم فالقول قوله وقال أبو بكر القول قول القاذف في الرق لأن الأصل براءة ذمته من الحد وهو يدرأ بالشبهات وما ادعاه محتمل فيكون شبهة وعن الشافعي كالوجهين

ولنا إن الأصل الحرية وهو الظاهر فلم يلتفت إلى ما خالفه كما لو فسر صريح القذف بما يحيله وكنا لو ادعى أنه مشرك فإن قيل الإسلام يثبت بقوله أنا مسلم بخلاف الحرية قلنا إنما يثبت الإسلام بقوله في المستقبل وأما الماضي فلا يثبت بما جاء بعده فلا يثبت كونه مسلما حال القذف بقوله في حال النزاع فاستويا

مسألة

قال ( ويحد من قذف الملاعنة )

نص أحمد على هذا وهو قول ابن عمر وابن عباس والحسن والشعبي وطاوس ومجاهد ومالك والشافعي وجمهور الفقهاء ولا نعلم فيه خلافا وقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الملاعنة أن لا ترمى ولا يرمى ولدها فعليه الحد رواه أبو داود ولأن حصانتها لم تسقط باللعان ولا يبت الزنا به ولذلك لم يلزمها به حد ومن قذف ابن الملاعنة فقال هو ولد زنا فعليه الحد للخبر والمعنى وكذلك إن قال هو من الذي رميت به فأما إن قال ليس هو ابن فلان يعني الملاعن وأراد أنه منفي عنه شرعا فلا حد عليه لأنه صادق

فصل فأما إن ثبت زناه ببينة أو إقرار أو حد بالزنا فلا حد على قاذفه لأنه صادق ولأن إحصان المقذوف قد زال بالزنا ولو قال لمن زنى في شركه أو لمن كان مجوسيا تزوج بذات محرمه بعد أن أسلم يا زاني فلا حد عليه إذا فسره بذلك وقال مالك عليه الحد لأنه قذف مسلما لم يثبت زناه في إسلامه

ولنا إنه قذف من ثبت زناه أشبه ما لو ثبت زناه في الإسلام ولأنه صادق والذي يقتضيه كلام الخرقي وجوب الحد عليه لقوله ومن قذف من كان مشركا وقال أردت أنه زنى وهو مشرك لم يلتفت إلى قوله وحد

مسألة

قال ( وإذا قذفت المرأة لم يكن لولدها المطالبة إذا كانت الأم في الحياة )

وإن قذفت أمه وهي ميتة مسلمة كانت أو كافرة حرة أو أمة حد القاذف إذا طالب الابن وكان حرا مسلما أما إذا قذفت وهي في الحياة فليس لولدها المطالبة لأن الحق لها فلا يطالب به غيرها ولا يقوم غيرها مقامها سواء كانت محجورا عليها أو غير محجور عليها لأنه حق يثبت للتشفي فلا يقوم فيه غير المستحق مقامه كالقصاص وتعتبر حصانتها لأن الحق لها فتعتبر حصانتها كما لو لم يكن لها ولد وأما إن قذفت وهي ميتة فإن لولدها المطالبة لأنه قدح في نسبه ولأنه بقذف أمه ينسبه إلى أنه من زنا ولا يستحق ذلك بطريق الإرث ولذلك تعتبر الحصانة فيه ولا تعتبر الحصانة في أمه لأن القذف له

وقال أبو بكر لا يجب الحد بقذف ميتة بحال وهو قول أصحاب الرأي لأنه قذف لمن لا تصح منه المطالبة فأشبه قذف المجنون وقال الشافعي إن كان الميت محصنا فلوليه المطالبة وينقسم بانقسام الميراث وإن لم يكن محصنا فلا حد على قاذفه لأنه ليس بمحصن فلا


87

يجب الحد بقذفه كما لو كان حيا وأكثر أهل العلم لا يرون الحد على من يقذف محصنا حيا ولا ميتا لأنه إذا لم يحد بقذف غير المحصن إذا كان حيا فلأن لا يحد بقذفه بعد موته أولى

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الملاعنة ومن رمى ولدها فعليه الحد يعني من رماه بأنه ولد زنا وإذا وجب بقذف ابن الملاعنة بذلك فبقذف غيره أولى ولأن أصحاب الرأي أوجبوا الحد على من نفى رجلا عن أبيه إذا كان أبواه حرين مسلمين أو كانا ميتين والحد إنما وجب للولد لأن الحد لا يورث عندهم فأما إن قذفت أمه بعد موتها وهو مشرك أو عبد فلا حد عليه في ظاهر كلام الخرقي سواء كانت الأم حرة مسلمة أو لم تكن وقال أبو ثور وأصحاب الرأي إذا قال لكافر أو عبد لست لأبيك وأبواه حران مسلمان فعليه الحد وإن قال لعبد أمه حرة وأبوه عبد لست لأبيك فعليه الحد وإن كان العبد للقاذف عند أبي ثور وقال أصحاب الرأي يصح أن يحد المولى لعبده واحتجوا بأن هذا قذف لأمه فيعتبر إحصانها دون إحصانه لأنها لو كانت حية كان القذف لها فكذلك إذا كانت ميتة ولأن معنى هذا أن أمك زنت فأتت بك من الزنا فإذا كان من الزنا منسوبا إليها كانت هي المقذوفة دون ولدها

ولنا ما ذكرناه ولأنه لو كان القذف لها لم يجب الحد لأن الكافر لا يرث المسلم والعبد لا يرث الحر ولأنهم لا يوجبون الحد بقذف ميتة بحال فيثبت أن القذف له فيعتبر إحصانه دون إحصانها والله أعلم

فصل وإن قذفت جدته فقياس قول الخرقي أنه كقذف أمه إن كانت حية فالحق لها ويعتبر بإحصانها وليس لغيرها المطالبة عنها وإن كانت ميتة فله المطالبة إذا كان محصنا لأن ذلك قدح في نسبه فأما إن قذف أباه أو جده أو أحدا من أقاربه غير أمهاته بعد موته لم يجب الحد بقذفه في ظاهر كلام الخرقي لأنه إنما أوجب بقذف أمه حقا له لنفي نسبه لا حقا للميت ولهذا لم يعتبر إحصان المقذوفة واعتبر إحصان الولد ومتى كان المقذوف من غير أمهاته لم يتضمن نفي نسبه فلم يجب الحد وهذا قول أبي بكر وأصحاب الرأي وقال الشافعي إن كان الميت محصنا فلوليه المطالبة به وينقسم انقسام الميراث لأنه قذف محصنا فيجب الحد على قاذفه كالحي

ولنا إنه قذف من لا يتصور منه المطالبة فلم يجب الحد بقذفه كالمجنون أو نقول قذف من لا يجب الحد له فلم يجب كقذف غير المحصن وفارق قذف الحي فإن الحد يجب له

مسألة

قال ( ومن قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما كان أو كافرا )

يعني أن حده القتل ولا تقبل توبته نص عليه أحمد وحكى أبو الخطاب رواية أخرى أن توبته تقبل وبه قال أبو حنيفة والشافعي مسلما كان أو كافرا لأن هذا منه ردة والمرتد يستتاب وتصح توبته


88

ولنا إن هذا حد قذف فلا يسقط بالتوبة كقذف غير أم النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه لو قبلت توبته وسقط حده لكان أخف حكما من قذف آحاد الناس لأن قذف غيره لا يسقط بالتوبة ولا بد من إقامته

واختلفت الرواية عن أحمد فيما إذا كان القاذف كافرا فأسلم فروي أنه لا يسقط بإسلامه لأنه حد قذف فلم يسقط بالإسلام كقذف غيره

وروي أنه يسقط لأنه لو سب الله تعالى في كفره ثم أسلم سقط عنه القتل فسب نبيه أولى ولأن الإسلام يجب ما قبله والخلاف في سقوط القتل عنه فأما توبته فيما بينه وبين الله تعالى فمقبولة فإن الله تعالى يقبل التوبة من الذنوب كلها والحكم في قذف النبي صلى الله عليه وسلم كالحكم في قذف أمه لأن قذف أمه إنما أوجب القتل لكونه قاذفا للنبي صلى الله عليه وسلم وقدحا في نسبه

فصل وقذف النبي صلى الله عليه وسلم وقذف أمه ردة عن الإسلام وخروج عن الملة وكذلك سبه بغير القذف إلا أن سبه بغير القذف يسقط بالإسلام لأن سب الله تعالى يسقط بالإسلام فسب النبي صلى الله عليه وسلم أولى وقد جاء في الأثر إن الله تعالى يقول شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني أما ستمه إياي فقوله إني اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولا خلاف في أن إسلام النصراني القائل لهذا القول يمحو ذنبه

مسألة

قال ( وإذا قذف الجماعة بكلمة واحدة فحد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم )

وبهذا قال طاوس والشعبي والزهري والنخعي وقتادة وحماد ومالك والثوري وأبو حنيفة وصاحباه وابن أبي ليلى وإسحاق وقال الحسن وأبو ثور وابن المنذر لكل واحد حد كامل

وعن أحمد مثل ذلك وللشافعي قولان كالروايتين ووجه هذا أنه قذف كل واحد منهم فلزمه له حد كامل وكما لو قذفهم بكلمات

ولنا قول الله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة النور 4 ولم يفرق بين قذف واحد أو جماعة ولأن الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة فلم يحدهم عمر إلا حدا واحدا ولأنه قذف واحد فلم يجب إلا حد واحد كما لو قذف واحدا ولأن الحد إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف وتزول المعرة فوجب أن يكتفى به بخلاف ما إذا قذف كل واحد قذفا مفردا فإن كذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في آخر ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين بحده للآخر فإذا ثبت هذا فإنهم إن طلبوه جملة حد لهم وإن طلبه واحد أقيم الحد لأن الحق ثابت لهم على سبيل البدل فأيهم طالب به استوفى وسقط فلم يكن لغيره الطلب به كحق المرأة على أوليائها تزويجها إذا قام به واحد سقط عن الباقين وإن أسقطه أحدهم فلغيره المطالبة به واستيفاؤه لأن المعرة عنه لم تزل بعفو صاحبه وليس للعافي الطلب به لأنه قد أسقط حقه منه

وروي عن أحمد رحمه الله رواية أخرى أنهم إن طلبوه دفعة واحدة فحد واحد وكذلك إن طلبوه واحدا بعد واحد إلا أنه إن لم يقم حتى طلبه الكل فحد واحد وإن طلبه واحد فأقيم له ثم طلبه آخر أقيم له وكذلك


89

جميعهم وهذا قول عروة لأنهم إذا اجتمعوا على طلبه وقع استيفاؤه بجميعهم وإذا طلبه واحد منفردا كان استيفاؤه له وحده فلم يسقط حق الباقين بغير استيفائهم ولا إسقاطهم

فصل وإن قذف الجماعة بكلمات فلكل واحد حد وبهذا قال عطاء والشعبي وقتادة وابن أبي ليلى وأبو حنيفة والشافعي وقال حماد ومالك لا يجب إلا حد واحد لأنها جناية توجب حدا فإذا تكررت كفى حد واحد كما لو سرق من جماعة أو زنى بنساء أو شرب أنواعا من المسكر

ولنا إنها حقوق لآدميين فلم تتداخل كالديون والقصاص وفارق ما قاسوا عليه فإنه حق لله تعالى

فصل وإذا قال الرجل يا ابن الزانيين فهو قاذف لهما بكلمة واحدة فإن كانا ميتين ثبت الحق لولدهما ولم يجب إلا حد واحد وجها واحدا

وإن قال يا زاني ابن الزاني فهو قذف لهما بكلمتين فإن كان أبوه حيا فلكل واحد منهما حد وإن كان ميتا فالظاهر في المذهب أنه لا يجب الحد بقذفه وإن قال يا زاني ابن الزانية وكانت أمه في الحياة فلكل واحد حد وإن كانت ميتة فالقذفان جميعا له وإن قال زنيت بفلانة فهو قذف لهما بكلمة واحدة وكذلك إذا قال يا ناكح أمه ويخرج فيه الروايات الثلاث والله أعلم

فصل وإن قذف رجلا مرات فلم يحد فحد واحد رواية واحدة سواء قذفه بزنا واحد أو بزنيات وإن قذفه فحد ثم أعاد قذفه نظرت فإن قذفه بذلك الزنا الذي حد من أجله لم يعد عليه الحد في قول عامة أهل العلم وحكي عن ابن القاسم أنه أوجب حدا ثانيا وهذا يخالف إجماع الصحابة فإن أبا بكر لما حد بقذف المغيرة أعاد قذفه فلم يروا عليه حدا ثانيا فروى الأثرم بإسناده عن ظبيان بن عمارة قال شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة نفر أنه زان فبلغ ذلك عمر فكبر عليه وقال شاط ثلاثة أرباع المغيرة بن شعبة وجاء زياد فقال ما عندك فلم يثبت فأمر بهم فجلدوا وقال شهود زور فقال أبو بكرة أليس ترضى إن أتاك رجل عدل يشهد برجمه قال نعم والذي نفسي بيده فقال أبو بكرة وأنا أشهد أنه زان فأراد أن يعيد عليه الجلد فقال علي يا أمير المؤمنين إنك إن أعدت عليه الجلد أوجبت عليه الرجم وفي حديث آخر فلا يعاد في فرية جلد مرتين

قال الأثرم قلت لأبي عبد الله قول علي إن جلدته فارجم صاحبك قال كأنه جعل شهادته شهادة رجلين قال أبو عبد الله وكنت أنا أفسره على هذا حتى رأيته في الحديث فأعجبني ثم قال يقول إذا جلدته ثانية فكأنك جعلته شاهدا آخر

فأما إن حد له ثم قذفه بزنا ثان نظرت فإن قذفه بعد طول الفصل فحد ثان لأنه لا يسقط حرمة المقذوف بالنسبة إلى القاذف أبدا بحيث يمكن من قذفه بكل حال وإن قذفه عقيب حده ففيه روايتان


90

إحداهما يحد أيضا لأنه قذف لم يظهر كذبه فيه بحد فيلزم فيه حد كما لو طال الفصل ولأن سائر أسباب الحد إذا تكررت بعد أن حد للأول ثبت الثاني حكمه كالزنا والسرقة وغيرهما من الأسباب

والثانية لا يحد لأنه قد حد له مرة فلم يحد له بالقذف عقبه كما لو قذفها بالزنا الأول

فصل وإذا قال من رماني فهو ابن الزانية فرماه رجلا فلا حد عليه في قول أحد من أهل العلم وكذلك إن اختلف رجلان في شيء فقال أحدهما الكاذب هو ابن الزانية فلا حد عليه نص عليه أحمد لأنه لم يعين أحدا بالقذف وكذلك ما أشبه هذا ولو قذف جماعة لا يتصور صدقه في قذفهم مثل أن يقذف أهل بلدة كثيرة بالزنا كلهم لم يكن عليه حد

لأنه لم يلحق العار بأحد غير نفسه للعلم بكذبه

فصل وإن ادعى على رجل أنه قذفه فأنكر لم يستحلف وبه قال الشعبي وحماد والثوري وأصحاب الرأي وعن أحمد رحمه الله أنه يستحلف حكاها ابن المنذر وهو قول الزهري ومالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمين على المدعى عليه

ولأنه حق لآدمي فيستحلف فيه كالدين ووجه الأولى أنه حد فلا يستحلف فيه كالزنا والسرقة فإن نكل عن اليمين لم يقم عليه الحد لأن الحد يدرأ بالشبهات فلا يقضى فيه بالنكول كسائر الحدود

مسألة

قال ( ومن قتل أو أتى حدا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم ولم يبايع ولم يشار حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد )

وجملته أن من جنى جناية توجب قتلا خارج الحرم ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه وهذا قول ابن عباس وعطاء وعبيد بن عمير والزهري ومجاهد وإسحاق والشعبي وأبي حنيفة وأصحابه وأما غير القتل من الحدود كلها والقصاص فيما دون النفس فعن أحمد فيه روايتان إحداهما لا يستوفى من الملتجىء إلى الحرم فيه والثانية يستوفى وهو مذهب أبي حنيفة لأن المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن القتل بقوله عليه السلام فلا يسفك فيها دم وحرمة النفس أعظم فلا يقاس غيرها عليها ولأن الحد بالجلد جرى مجرى التأديب فلم يمنع منه كتأديب السيد عبده والأولى ظاهر كلام الخرقي وهي ظاهر المذهب قال أبو بكر هذه مسألة وجدتها مفردة لحنبل عن عمه أن الحدود كلها تقام في الحرم

إلا القتل والعمل على أن كل جان دخل الحرم لم يقم عليه حد جنايته حتى يخرج منه وإن هتك حرمة الحرم بالجناية فيه هتكت حرمته بإقامة الحد عليه فيه وقال مالك والشافعي وابن المنذر يستوفى منه فيه لعموم الأمر بجلد الزاني وقطع السارق واستيفاء القصاص من غير تخصيص بمكان دون مكان وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بجزية ولا دم وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ابن حنظل وهو متعلق بأستار الكعبة حديث حسن صحيح ولأنه حيوان أبيح دمه لعصيانه فأشبه الكلب العقور


91

ولنا قول الله تعالى ومن دخله كان آمنا آل عمران 97 يعني الحرم بدليل قوله فيه آيات بينات مقام إبراهيم آل عمران 97 والخبر أريد به الأمر لأنه لو أريد به الخبر لأفضى إلى وقوع الخبر خلاف المخبر وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرىء مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض وإنما حلت لي ساعة من نهار

ثم عادت إلى حرمتها فلا يسفك فيها دم متفق عليهما فالحجة فيه من وجهين أحدهما أنه حرم سفك الدم بها على الإطلاق وتخصيص مكة بهذا يدل على أنه أراد العموم

فإنه لو أراد سفك الدم الحرام لم يختص به مكة فلا يكون التخصيص مفيدا

والثاني قوله إنما حلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها ومعلوم أنه إنما حل له سفك دم حلال في غير الحرم فحرمها الحرم ثم أحلت له ساعة ثم عادت الحرمة

ثم أكد هذا بمنعه قياس غيره عليه والاقتداء به فيه بقوله فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وهذا يدفع ما احتجوا به من قتل ابن حنظل فإنه من رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي منع الناس أن يقتدوا به فيها وبين أنها له على الخصوص وما رووه من الحديث فهو من كلام عمرو بن سعيد الأشدق يرد به قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين روى له أبو شريح هذا الحديث وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع وأما جلد الزاني وقطع السارق والأمر بالقصاص فإنما هو مطلق في الأمكنة والأزمنة فإنه يتناول مكانا غير معين ضرورة أنه لا بد من مكان فيمكن إقامته في مكان غير الحرم ثم لو كان عموما فإن ما رويناه خاص يخص به مع أنه قد خص مما ذكروه الحامل والمريض المرجو برؤه

فتأخر الحد عنه وتأخر قتل الحامل فجاز أن يخص أيضا بما ذكرناه والقياس على الكلب العقور غير صحيح

فإن ذلك طبعه الأذى فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله فأما الأذى فالأصل فيه الحرمة وحرمته عظيمة

وإنما أبيح لعارض فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات فإن الحرم يعصمها

إذا ثبت هذا فإنه لا يبايع ولا يشارى ولا يطعم ولا يؤوى

ويقال له اتق الله واخرج إلى الحل ليستوفى منك الحق الذي قبلك فإذا خرج استوفي حق الله منه

وهو قول جميع من ذكرناه وإنما كان كذلك لأنه لو أطعم وأوى لتمكن من الإقامة دائما فيضيع الحق الذي عليه وإذا منع من ذلك كان وسيلة إلى خروجه فيقام فيه حق الله تعالى وليس علينا إطعامه كما أن الصيد لا يصاد في الحرم وليس علينا القيام به قال ابن عباس رحمه الله من أصاب حدا ثم لجأ إلى الحرم فإنه لا يجالس ولا يبايع ولا يؤوى ويأتيه من يطلبه فيقول أي فلان اتق الله فإذا خرج من الحرم أقيم عليه الحد

رواه الأثرم

فإن قتل من له عليه القصاص في الحرم وأقام حدا بجلد أو قتل أو قطع طرف أساء ولا شيء عليه لأنه استوفى حقه في حال لم يكن له استيفاؤه فيه فأشبه ما لو اقتص في شدة الحر أو برد مفرط


92

مسألة

قال ( ومن قتل أو أتى حدا في الحرم أقيم عليه في الحرم )

وجملته أن من انتهك حرمة الحرم بجناية فيه توجب حدا أو قصاصا

فإنه يقام عليه حدها لا نعلم فيه خلافا

وقد روى الأثرم بإسناده عن ابن عباس أنه قال من أحدث حدثا في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء

وقد أمر الله تعالى بقتال من قاتل في الحرم فقال تعالى ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم البقرة 191 فأباح قتلهم عند قتالهم في الحرم

ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم حفظا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الحد في الحرم لتعطلت حدود الله تعالى في حقهم

وفاتت هذه المصالح التي لا بد منها

ولا يجوز الإخلال بها ولأن الجاني في الحرم هاتك لحرمته

فلا ينتهض الحرم لتحريم ذمته وصيانته بمنزلة الجاني في دار الملك لا يعصم لحرمة الملك بخلاف الملتجىء إليها بجناية صدرت منه في غيرها

فصل فأما حرم مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمنع إقامة حد ولا قصاص لأن النصف إنما ورد في حرم الله تعالى وحرم المدينة دونه في الحرمة فلا يصح قياسه عليه وكذلك سائر البقاع لا تمنع من استيفاء حق ولا إقامة حد لأن أمر الله تعالى باستيفاء الحقوق وإقامة الحد مطلق في الأمكنة والأزمنة خرج منها الحرم لمعنى لا يكفي في غيره

لأنه محل الإنساك وقبلة المسلمين

وفيه بيت الله المحجوج وأول بيت وضع للناس ومقام إبراهيم وآيات بينات فلا يلتحق به سواه ولا يقاس عليه ما ليس في معناه والله أعلم


93

باب القطع في السرقة

والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة 38

وأما السنة فروت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما هلك من كان قبلكم بأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه متفق عليهما في أخبار سوى هذين نذكرها إن شاء الله في مواضعها وأجمع المسلمون على وجوب قطع السارق في الجملة

مسألة

قال أبو القاسم رحمه الله ( إذا سرق ربع دينار من العين أو ثلاثة دراهم من الورق أو قيمة ثلاثة دراهم طعاما كان أو غيره وأخرجه من الحرز قطع )

وجملته أن القطع لا يجب إلا بشروط سبعة أحدها السرقة ومعنى السرقة أخذ المال على وجه الخفية والاستتار

ومنه استراق السمع ومسارقة النظر إذا كان يستخفي بذلك فإن اختطف أو اختلس لم يكن سارقا ولا قطع عليه عند أحد علمناه غير إياس بن معاوية قال أقطع المختلس لأنه يستخفي بأخذه فيكون سارقا وأهل الفقه والفتوى من علماء الأمصار على خلافه

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس على الخائن ولا المختلس قطع وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على المنتهب قطع رواهما أبو داود

وقال لم يسمعهما ابن جريج من أبي الزبير ولأن الواجب قطع السارق

وهذا غير سارق ولأن الاختلاس نوع من الخطف والنهب وإنما يستخفي في ابتداء اختلاسه بخلاف السارق

واختلفت الرواية عن أحمد في جاحد العارية فعنه عليه القطع وهو قول إسحاق لما روي عن عائشة أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها فأتى أهلها أسامة فكلموه فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا أراك تكلمني في حد من حدود الله تعالى ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذ سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم لقطعت يدها

قالت فقطع يدها قال أحمد لا أعرف شيئا يدفعه

متفق عليه وعنه لا قطع عليه وهو قول الخرقي وأبي إسحاق بن شاقلا وأبي الخطاب وسائر الفقهاء وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا قطع على الخائن ولأن الواجب قطع السارق والجاحد غير سارق وإنما هو خائن فأشبه


94

جاحد الوديعة والمرأة التي كانت تستعير المتاع إنما قطعت لسرقتها لا بجحدها ألا ترى قوله إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه وقوله والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم لقطعت يدها وفي بعض ألفاظ رواية هذه القصة عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت وذكرت القصة

رواه البخاري وفي حديث أنها سرقت قطيفة فروى الأثرم بإسناده عن مسعود بن الأسود قال لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظمنا ذلك وكانت امرأة من قريش فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا نحن نفديها بأربعين أوقية قال تطهر خير لها فلما سمعنا لين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أتينا أسامة فقلنا كلم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث نحو سياق عائشة وهذا ظاهر في أن القصة واحدة وأنها سرقت فقطعت بسرقتها وإنما عرفتها عائشة بجحدها للعارية لكونها مشهورة بذلك ولا يلزم أن يكون ذلك سببا كما لو عرفتها بصفة من صفاتها وفيما ذكرنا جمع بين الأحاديث وموافقة لظاهر الأحاديث والقياس وفقهاء الأمصار فيكون أولى فأما جاحد الوديعة وغيرها من الأمانات فلا نعلم أحدا يقول بوجوب القطع عليه

الشرط الثاني أن يكون المسروق نصابا ولا قطع في القليل في قول الفقهاء كلهم إلا الحسن وداود وابن بنت الشافعي والخوارج قالوا يقطع في القليل والكثير لعموم الآية ولما روى أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده متفق عليه ولأنه سارق من حرز فتقطع يده كسارق الكثير

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا متفق عليه وإجماع الصحابة على ما سنذكره وهذا يخص عموم الآية والحبل يحتمل أن يساوي ذلك وكذلك البيضة يحتمل أن يراد بها بيضة السلاح وهي تساوي ذلك

واختلفت الرواية عن أحمد في قدر النصاب الذي يجب القطع بسرقته فروى عنه أبو إسحاق الجوزجاني أنه ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الورق أو ما قيمته ثلاثة دراهم من غيرهما وهذا قول مالك وإسحاق

وروى عنه الأثرم أنه إن سرق من غير الذهب والفضة ما قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم قطع فعلى هذا يقوم غير الأثمان بأدنى الأمرين من ربع دينار أو ثلاثة دراهم وعنه أن الأصل الورق ويقوم الذهب به فإن نقص ربع دينار عن ثلاثة دراهم لم يقطع سارقه وهذا يحكى عن الليث وأبي ثور وقالت عائشة لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وروي هذا عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وبه قال الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والشافعي وابن المنذر لحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وقال عثمان البتي تقطع اليد في درهم فما فوقه وعن أبي هريرة وأبي سعيد أن اليد تقطع من أربعة دراهم فصاعدا وعن عمر أن الخمس لا تقطع إلا في الخمس وبه قال سليمان بن يسار وابن أبي ليلى وابن


95

شبرمة وروي ذلك عن الحسن وقال أنس قطع أبو بكر في مجن قيمته خمسة دراهم رواه الجوزجاني بإسناده وقال عطاء وأبو حنيفة وأصحابه لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم لما روى الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا قطع إلا في عشرة دراهم وروى ابن عباس قال قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يد رجل في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم وعن النخعي لا تقطع اليد إلا في أربعين درهما

ولنا ما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم متفق عليه قال ابن عبد البر هذا أصح حديث يروى في هذا الباب لا يختلف أهل العلم في ذلك

وحديث أبي حنيفة الأول يرويه الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف والذي يرويه عن الحجاج ضعيف أيضا والحديث الثاني لا دلالة فيه على أنه لا يقطع بما دونه فإن من أوجب القطع بثلاثة دراهم أوجبه بعشرة يدل هذا الحديث على أن العرض يقوم بالدراهم لأن المجن قوم بها ولأن ما كان الذهب فيه أصلا كان الورق فيه أصلا كنصب الزكاة والديات وقيم المتلفات وقد روى أنس أن سارقا سرق مجنا ما يسرني أنه لي بثلاثة دراهم أو ما يساوي ثلاثة دراهم فقطعه أبو بكر وأتي عثمان برجل قد سرق أترجة فأمر بها عثمان فأقيمت فبلغت قيمتها ربع دينار فأمر به عثمان فقطع

فصل وإذا سرق ربع دينار من المضروب الخالص ففيه القطع

وإن كان فيه غش أو تبر يحتاج إلى تصفية لم يجب القطع حتى يبلغ ما فيه من الذهب ربع دينار لأن السبك ينقصه وإن سرق ربع دينار قراضة أو تبرا خالصا أو حليا ففيه القطع نص عليه أحمد في رواية الجوزجاني قال قلت له كيف يسرق ربع دينار فقال قطعة ذهب أو خاتما أو حليا وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي وذكر القاضي في وجوب القطع احتمالين أحدهما لا قطع عليه وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأن الدينار اسم للمضروب

ولنا إن ذلك ربع دينار لأنه يقال دينار قراضة ومكسر أو دينار خالص ولأنه لا يمكنه سرقة ربع دينار مفرد في الغالب إلا مكسورا وقد أوجب عليه القطع بذلك ولأنه حق الله تعالى تعلق بالمضروب فتعلق بما ليس بمضروب كالزكاة والخلاف فيما إذا سرق من المكسور والتبر مالا يساوي ربع دينار صحيح فإن بلغ ذلك ففيه القطع والدينار هو المثقال من مثاقيل الناس اليوم وهو الذي كل سبعة منها عشرة دراهم وهو الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبله ولم يتغير وإنما كانت الدراهم مختلفة فجمعت وجعلت كل عشرة منها سبعة مثاقيل فهي التي يتعلق القطع بثلاثة منها إذا كانت خالصة مضروبة كانت أو غير مضروبة على ما ذكرناه في الذهب وعند أبي حنيفة أن النصاب إنما يتعلق بالمضروب منها وقد ذكر ما دل عليه ويحتمل ما قاله في الدراهم لأن إطلاقها يتناول الصحاح المضروبة بخلاف ربع الدينار على أننا قد ذكرنا فيها احتمالا متقدما فهاهنا أولى وما قوم من


96

غيرهما بهما فلا قطع فيه حتى يبلغ ثلاثة دراهم صحاحا لأن إطلاقها ينصرف إلى المضروب دون المكسر

الشرط الثالث أن يكون المسروق مالا فإن سرق ما ليس بمال كالحر فلا قطع فيه صغيرا كان أو كبيرا وبهذا قال الشافعي والثوري وأصحاب الرأي وابن المنذر

وقال الحسن والشعبي ومالك وإسحاق يقطع بسرقة الحر الصغير لأنه غير مميز أشبه العبد وذكره أبو الخطاب رواية عن أحمد

ولنا إنه ليس بمال فلا يقطع بسرقته كالكبير النائم

إذا ثبت هذا فإنه إن كان عليه حلي أو ثياب تبلغ نصابا لم يقطع وبه قال أبو حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي وذكر أبو الخطاب وجها آخر أنه يقطع وبه قال أبو يوسف وابن المنذر لظاهر الكتاب ولأنه سرق نصابا من الحلي فوجب فيه القطع كما لو سرقه منفردا

ولنا إنه تابع لما لا قطع في سرقته أشبه ثياب الكبير ولأن يد الصبي على ما عليه بدليل أن ما يوجد مع اللقيط يكون له وهكذا لو كان الكبير نائما على متاع فسرقه ومتاعه لم يقطع لأن يده عليه

فصل وإن سرق عبدا صغيرا فعليه القطع في قول عامة أهل العلم قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم منهم الحسن ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو حنيفة ومحمد والصغير الذي يقطع بسرقته هو الذي لا يميز فإن كان كبيرا لم يقطع سارقه إلا أن يكون نائما أو مجنونا أو أعجميا لا يميز بين سيده وبين غيره في الطاعة فيقطع سارقه وقال أبو يوسف لا يقطع سارق العبد وإن كان صغيرا لأن من لا يقطع بسرقته كبيرا لا يقطع بسرقته صغيرا كالحر

ولنا إنه سرق مالا مملوكا تبلغ قيمته نصابا فوجب القطع عليه كسائر الحيوانات وفارق الحر فإنه ليس بمال ولا مملوك وفارق الكبير لأن الكبير لا يسرق وإنما يخدع بشيء إلا أن يكون في حال زوال عقله بنوم أو جنون فتصح سرقته ويقطع سارقه فإن كان المسروق في حال نومه أو جنونه أم ولد ففي قطع سارقها وجهان أحدهما لا يقطع لأنها لا يحل بيعها ولا نقل الملك فيها فأشبهت الحرة

والثاني يقطع لأنها مملوكة تضمن بالقيمة فأشبهت القن وحكم المدبر حكم القن لأنه يجوز بيعه ويضمن بقيمته فأما المكاتب فلا يقطع سارقه لأن ملك سيده ليس بتام عليه لكونه لا يملك منافعه ولا استخدامه ولا أخذ أرش الجناية عليه ولو جنى السيد عليه لزمه له الأرش ولو استوفى منافعه كرها لزمه عوضها ولو حبسه لزمه أجرة مثله مدة حبسه أو إنظاره مقدار مدة حبسه ولا يجب القطع لأجل ملك المكاتب ثابت في مال نفسه إلا أن يكون السارق سيده فلا قطع عليه لأن له في ماله حقا وشبهة تدرأ الحد ولذلك لو وطىء جاريته لم يحد


97

فصل وإن سرق ماء فلا قطع فيه قاله أبو بكر وأبو إسحاق بن شاقلا لأنه مما لا يتمول عادة ولا أعلم في هذا خلافا وإن سرق كلأ أو ملحا فقال أبو بكر لا قطع فيه لأنه مما ورد الشرع باشتراك الناس فيه فأشبه الماء

وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيه القطع لأنه يتمول عادة فأشبه التبن والشعير وأما الثلج فقال القاضي هو كالماء لأنه ماء جامد فأشبه الجليد والأشبه كالملح لأنه يتمول عادة فهو كالملح المنعقد من الماء وأما التراب فإن كان مما تقل الرغبات فيه كالذي يعد للتطيين والبناء فلا قطع فيه لأنه لا يتمول وإن كان مما له قيمة كثيرة كالطين الأرمني الذي يعد للدواء أو المعد للغسل به أو الصبغ كالمغرة احتمل وجهين أحدهما لا قطع فيه لأنه من جنس ما لا يتمول أشبه الماء

والثاني فيه القطع لأنه يتمول عادة ويحمل إلى البلدان للتجارة فيه فأشبه العود الهندي ولا يقطع بسرقة السرجين لأنه إن كان نجسا فلا قيمة له وإن كان طاهرا فلا يتمول عادة ولا تكثر الرغبات فيه فأشبه التراب الذي للبناء وما عمل من التراب كاللبن والفخار ففيه القطع لأنه يتمول عادة

فصل وما عدا هذا من الأموال ففيه القطع سواء كان طعاما أو ثيابا أو حيوانا أو أحجارا أو قصبا أو صيدا أو نورة أو جصا أو زرنيخا أو توابل أو فخارا أو زجاجا أو غيره وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة لا قطع على سارق الطعام الرطب الذي يتسارع إليه الفساد كالفواكه والطبائخ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا قطع في ثمر ولا كثر رواه أبو داود ولأن هذا معرض للهلاك أشبه ما لم يحرز

ولا قطع فيما كان أصله مباحا في دار الإسلام كالصيود والخشب إلا في الساج والأبنوس والصندل والقنا والمعمول من الخشب فإنه يقطع به وما عدا هذا لا يقطع به لأنه يوجد كثيرا مباحا في دار الإسلام فأشبه التراب ولا قطع في القرون وإن كانت معمولة لأن الصنعة لا تكون غالبة عليها بل القيمة لها بخلاف معمول الخشب ولا قطع عنده في التوابل والنورة والجص والزرنيخ والملح والحجارة واللبن والفخار والزجاج

وقال الثوري ما يفسد في يومه كالثريد واللحم لا قطع فيه

ولنا عموم قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة 38

وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فذكر الحديث ثم قال ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع رواه أبو داود وغيره

وروي أن عثمان رضي الله عنه أتى برجل قد سرق أترجة فأمر بها عثمان فأقيمت فبلغت قيمتها ربع دينار فأمر به عثمان فقطع رواه سعيد ولأن هذا مال يتمول في العادة ويرغب فيه فيقطع سارقه إذا اجتمعت الشروط كالمجفف ولأن ما وجب القطع في معموله وجب فيه قبل العمل كالذهب والفضة وحديثهم أراد به الثمر المعلق بدليل حديثنا فإنه مفسر له وتشبهه بغير المحرز لا


98

يصح لأن غير المحرز مضيع وهذا محفوظ ولهذا افترق سائر الأموال بالحرز وعدمه وقولهم يوجد مباحا في دار الإسلام ينتقض بالذهب والفضة والحديد والنحاس وسائر المعادن والتراب قد سبق القول فيه

فصل فإن سرق مصحفا فقال أبو بكر والقاضي لا قطع فيه وهو قول أبي حنيفة لأن المقصود منه ما فيه من كلام الله وهو مما لا يجوز أخذ العوض عنه واختار أبو الخطاب وجوب قطعه وقال هو ظاهر كلام أحمد فإنه سئل عمن سرق كتابا فيه علم لينظر فيه فقال كل ما بلغت قيمته ثلاثة دراهم فيه القطع وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور وابن المنذر لعموم الآية في كل سارق ولأنه متقوم تبلغ قيمته نصابا فوجب بسرقته ككتب الفقه ولا خلاف بين أصحابنا في وجوب القطع بسرقة كتب الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية فإن كان المصحف محلى بحلية تبلغ نصابا خرج فيه وجهان عند من لم ير القطع بسرقة المصحف أحدهما لا يقطع وهذا قول أبي إسحاق بن شاقلا ومذهب أبي حنيفة لأن الحلي تابعة لما لا يقطع بسرقته أشبهت ثياب الحر

والثاني يقطع وهو قول القاضي لأنه سرق نصابا من الحلي فوجب قطعه كما لو سرقه منفردا وأصل هذين الوجهين من سرق صبيا عليه حلي

فصل وإن سرق عينا موقوفة وجب القطع عليها لأنها مملوكة للموقوف عليه ويحتمل أن لا يقطع بناء على الوجه الذي يقول إن الموقوف لا يملكه الموقوف عليه

الشرط الرابع أن يسرق من حرز يخرجه منه وهذا قول أكثر أهل العلم وهذا مذهب عطاء والشعبي وأبي الأسود الدؤلي وعمر بن عبد العزيز والزهري وعمرو بن دينار والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم عن أحد من أهل العلم خلافهم إلا قولا حكي عن عائشة والحسن والنخعي فيمن جمع المتاع ولم يخرج به من الحرز عليه القطع وعن الحسن مثل قول الجماعة وحكي عن داود أنه لا يعتبر الحرز لأن الآية لا تفصيل فيها وهذه أقوال شاذة غير ثابتة عمن نقلت عنه

قال ابن المنذر وليس فيه خبر ثابت ولا مقال لأهل العلم إلا ما ذكرناه فهو كالإجماع والإجماع حجة على من خالفه وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا من مزينة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الثمار فقال ما أخذ في غير كمامه فاحتمل ففيه قيمته ومثله معه وما كان في الخزائن ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن رواه أبو داود وابن ماجة وغيرهما وهذا الخبر يخص الآية كما خصصناها في اعتبار النصاب إذا ثبت اعتبار الحرز والحرز ما عد حرزا في العرف فإنه لما ثبت اعتباره في الشرع من غير تنصيص على بيانه علم أنه ذلك إلى أهل العرب لأنه لا طريق إلى معرفته إلا من جهته فيرجع إليه كما رجعنا إليه في معرفة القبض والفرقة في البيع وأشباه ذلك

إذا ثبت هذا فإن من حرز الذهب والفضة والجواهر الصناديق تحت الأغلاق والأقفال الوثيقة في العمران وحرز الثياب وما خف من المتاع كالصفر والنحاس والرصاص في الدكاكين والبيوت المقفلة في العمران أو يكون فيها حافظ فيكون حرزا وإن كانت مفتوحة وإن لم تكن مغلقة ولا فيها حافظ فليست بحرز وإن كانت


99

فيها خزائن مغلقة فالخزائن حرز لما فيها وما خرج عنها فليس بمحرز وقد روي عن أحمد في البيت الذي ليس عليه غلق يسرق منه أراه سارقا

وهذا محمول على أن أهله فيه

فأما البيوت التي في البساتين أو الطرق أو الصحراء فإن لم يكن فيها أحد فليست حرزا سواء كانت مغلقة أو مفتوحة لأن من ترك متاعه في مكان خال من الناس والعمران وانصرف عنه لا يعد حافظا له وإن أغلق عليه وإن كان فيها أهلها أو حافظ فهي حرز سواء كانت مغلقة أو مفتوحة وإذا كان لابسا للثوب أو متوسدا له نائما أو مستيقظا أو مفترشا له أو متكئا عليه في أي موضع كان من البلد أو بربة فهو محرز بدليل أن رداء صفوان سرق وهو متوسد له فقطع النبي صلى الله عليه وسلم سارقه وإن تدحرج عن الثوب زال الحرز إن كان نائما وإن كان الثوب بين يديه أو غيره من المتاع كبز البزازين وقماش الباعة وخبز الخبازين بحيث يشاهده وينظر إليه فهو محرز وإن نام أو كان غائبا عن موضع مشاهدته فليس بمحرز وإن جعل المتاع في الغرائز وعلم عليها ومعها حافظ يشاهدها فهي محرز وإلا فلا

فصل والخيمة والخركاه إن نصبت وكان فيها أحد نائما أو منتبها فهي محرزة وما فيها لأنها هكذا تحرز في العادة وإن لم يكن فيها أحد ولا عندها حافظ فلا قطع على سارقها وممن أوجب القطع في السرقة من الفسطاط الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي إلا أن أصحاب الرأي قالوا يقطع السارق من الفسطاط دون سارق الفسطاط

ولنا إنه محرز بما جرت به العادة أشبه ما فيه

فصل وحرز البقل وقدور الباقلاء ونحوها بالشرائح من القصب أو الخشب إذا كان في السوق حارس وحرز الخشب والحطب والقصب في الحظائر وتعبئة بعضه على بعض وتقييده بقيد بحيث يعسر أخذ شيء منه على ما جرت به العادة إلا أن يكون في فندق مغلق عليه فيكون محرزا وإن لم يقيد

فصل والإبل على ثلاثة أضراب باركة وراعية وسائرة

فأما الباركة فإن كان معها حافظ لها وهي معقولة فهي محرزة وإن لم تكن معقولة وكان الحافظ ناظرا إليها أو مستيقظا بحيث يراها فهي محرزة وإن كان نائما أو مشغولا عنها فليست محرزة لأن العادة أن الرعاة إذا أرادوا النوم عقلوا إبلهم ولأن حل المعقولة ينبه النائم والمشتغل وإن لم يكن معها أحد فهي محرزة سواء كانت معقولة أو لم تكن

وأما الراعية فحرزها بنظر الراعي إليها فما غاب عن نظره أو نام عنه فليس بمحرز لأن الراعية إنما تحرز بالراعي ونظره وأما السائرة كان معها من يسوقها فحرزها نظره إليها سواء كانت مقطرة أو غير مقطرة وما كان منها بحيث لا يراه فليس بمحرز وإن كان معها قائد فحرزها أن يكثر الالتفات إليها والمراعاة لها ويكون بحيث يراها إذا التفتوبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحرز القائد إلا التي زمامها بيده لأنه يوليها ظهره ولا يراها إلا نادرا فيمكن أخذها من حيث لا يشعر

ولنا إن العادة في حفظ الإبل المقطرة بمراعاتها بالالتفات وإمساك زمام الأول فكان ذلك حرزا لها كالتي زمامها في يده فإن سرق من أحمال الجمال السائرة المحرزة متاعا قيمته نصاب قطع وكذلك إن سرق الحمل وإن سرق الجمل بما عليه وصاحبه نائم عليه لم يقطع لأنه في يد صاحبه وإن لم يكن صاحبه نائما عليه قطع


100

وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قطع عليه لأن ما في الحمل محرز به فإذا أخذ جميعه لم يهتك حرز المتاع فصار كما لو سرق أجزاء الحرز

ولنا إن الجمل محرز بصاحبه ولهذا لو لم يكن محرزا فقد سرقه من حرز مثله فأشبه ما لو سرق المتاع ولا نسلم أن سرقة الحرز من حرزه لا توجب القطع فإنه لو سرق الصندوق بما فيه من بيت هو محرز فيه وجب قطعه وهذا التفصيل في الإبل التي في الصحراء فأما التي في البيوت والمكان المحصن على الوجه الذي ذكرناه في الثياب فهي محرزة والحكم في سائر المواشي كالحكم في الإبل على ما ذكرناه من التفصيل فيها

فصل وإذا سرق من الحمام ولا حافظ فيه فلا قطع عليه في قول عامتهم وإن كان ثم حافظ فقال أحمد ليس على سارق الحمام قطع

وقال في رواية ابن منصور لا يقطع سارق الحمام إلا أن يكون على المتاع قاعد مثل ما صنع بصفوان وهذا قول أبي حنيفة لأنه مأذون للناس في دخوله فجرى مجرى سرقة الضيق من البيت المأذون له في دخوله ولأن دخول الناس إليه يكثر فلا يتمكن الحافظ من حفظ ما فيه

قال القاضي وفيه رواية أخرى أنه يجب القطع إذا كان فيه حافظ وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر لأنه متاع له حافظ فيجب قطع سارقه كما لو كان في بيت والأول أصح وهذا يفارق ما في البيت من الوجهين اللذين ذكرناهما فأما إن كان صاحب الثياب قاعدا عليها أو متوسدا لها أو جالسا وهي بين يديه يحفظها قطع سارقها بكل حال كما قطع سارق رداء صفوان من المسجد وهو متوسد له وكذلك إن كان نائب صاحب الثياب إما الحمامي وإما غيره حافظا لها على هذا الوجه قطع سارقها لأنها محرزة وإن لم تكن كذلك فقال القاضي إن نزع الداخل ثيابه على ما جرت به العادة ولم يستحفظها لأحد فلا قطع على سارقها ولا غرم على الحمامي لأنه غير مودع فيضمن ولا هي محرزة فيقطع سارقها وإن استحفظها الحمامي فهو مودع يلزمه مراعاتها بالنظر والحفظ فإن تشاغل عنها أو ترك النظر إليها فسرقت فعليه الغرم لتفريطه ولا قطع على السارق ولأنه لم يسرق من حرز وإن تعاهدها الحمامي بالحفظ والنظر فسرقت فلا غرم عليه لعدم تفريطه وعلى السارق القطع لأنها محرزة وهذا مذهب الشافعي وظاهر مذهب أحمد أنه لا قطع عليه في هذه الصورة لما تقدم

قال ابن المنذر قال أحمد أرجو أن لا قطع عليه لأنه مأذون للناس في دخوله ولو استحفظ رجل آخر متاعه في المسجد فسرق فإن كان قد فرط في مراعاته ونظره إليه فعليه الغرم إذا كان التزم حفظه وأجابه إلى ما سأله وإن لم يجبه لكن سكت لم يلزمه غرم لأنه ما قبل الاستيداع ولاقبض المتاع ولا قطع على السارق في الموضعين لأنه غير محرز وإن حفظ المتاع بنظره إليه وقربه منه فسرق فلا غرم عليه وعلى السارق القطع لأنه سرق من حرز ويفارق المتاع في الحمام فإن الحفظ فيه غير ممكن لأن الناس يضع بعضهم ثيابه عند ثياب بعض ويشتبه على الحمامي صاحب الثياب فلا يمكنه منع أخذها لعدم علمه بمالكها

فصل وحرز حائط الدار كونه مبنيا فيها إذا كانت في العمران أو كانت في الصحراء وفيها حافظ فإن أخذ من أجزاء الحائط أو خشبه نصابا في هذه الحال وجب قطعه لأن الحائط حرز لغيره فيكون حرزا لنفسه وإن هدم الحائط ولم يأخذه فلا قطع عليه فيه كما لو أتلف المتاع في حرز ولم يسرقه فإن كانت


101

الدار بحيث لا تكون حرزا لما فيها كدار في الصحراء لا حافظ فيها فلا قطع على من أخذ من حائطها شيئا لأنها إذا لم تكن حرزا لما فيها فلنفسها أولى وأما باب الدار فإن كان منصوبا في مكانه فهو محرز سواء كان مغلقا أو مفتوحا لأنه هكذا يحفظ وعلى سارقه القطع إذا كانت الدار محرزة بما ذكرناه وأما أبواب الخزائن في الدار فإن كان باب الدار مغلقا فهي محرزة سواء كانت مفتوحة أو مغلقة وإن كان مفتوحا لم تكن محرزة إلا أن تكون مغلقة أو يكون في الدار حافظ والفرق بين باب الدار وباب الخزانة أن أبواب الخزائن تحرز بباب الدار وباب الدار لا يحرز إلا بنصبه ولا يحرز بغيره وأما حلقة الباب فإن كانت مسمورة فهي محرزة وإلا فلا لأنها تحرز بتسميرها

فصل وإن سرق باب مسجد منصوبا أو باب الكعبة المنصوب أو سرق من سقفه شيئا أو تأزيره ففيه وجهان أحدهما عليه القطع وهو مذهب الشافعي وأبو القاسم صاحب مالك وأبي ثور وابن المنذر لأنه سرق نصابا محرزا يحرز مثله لا شبهة له فيه فيلزمه القطع كباب بيت الآدمي

والثاني لا قطع عليه وهو قول أصحاب الرأي لأنه لا مالك له من المخلوقين فلا يقطع فيه كحصر المسجد وقناديله فإنه لا يقطع بسرقة ذلك وجها واحدا لكونه مما ينتفع به فيكون له فيه شبهة فلم يقطع به كالسرقة من بيت المال وقال أحمد لا يقطع بسرقة ستارة الكعبة الخارجة منها وقال القاضي هذا محمول على ما ليست بمخيطة لأنها إنما تحرز بخياطتها وقال أبو حنيفة لا قطع فيها بحال لما ذكرنا في الباب

فصل وإذا أجر داره ثم سرق منها مال المستأجر فعليه القطع وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وقال صاحباه لا قطع عليه لأن المنفعة تحدث في ملك الآجر ثم تنتقل إلى المستأجر

ولنا إنه هتك حرزا وسرق منه نصابا لا شبهة له فوجب القطع كما لو سرق من ملك المستأجر وما قالاه لا نسلمه ولو استعار دارا فنقبها المعير وسرق مال المستعير منها قطع أيضا وبهذا قال الشافعي في أحد الوجهين وقال أبو حنيفة لا قطع عليه لأن المنفعة ملك له فما هتك حرز غيره ولأن له الرجوع متى شاء وهذا يكون رجوعا

ولنا ما تقدم في التي قبلها ولا يصح ما ذكره ولأن هذا قد صار حرزا لمال غيره لا يجوز له الدخول إليه وإنما يجوز له الرجوع في العارية والمطالبة برده إليه

فصل وإن غصب بيتا فأحرز فيه ماله فسرقه منه أجنبي أو المغصوب منه فلا قطع عليه لأنه لا حكم بحرزه وإذا كان متعديا به ظالما فيه


102

فصل وإذا سرق الضيف من مال مضيفه شيئا نظرت فإن سرقه من الموضع الذي أنزل فيه أو موضع لم يحرزه عنه لم يقطع لأنه لم يسرق من حرز وإن سرق من موضع محرز دونه نظرت فإن كان منعه قراه فسرق بقدره فلا ققطع عليه أيضا وإن لم يمنعه قراه فعليه القطع وقد روي عن أحمد أنه لا قطع على الضيف وهو محمول على إحدى الحالتين الأوليين وقال أبو حنيفة لا قطع عليه بحال لأن المضيف بسطه في بيته وماله فأشبه ابنه

ولنا إن سرق مالا محرزا عنه لا شبهة له فيه فيلزمه القطع كالأجنبي وقوله إنه بسطه فيه لا يصح فإنه أحرز عنه هذا المال ولم يبسطه فيه وتبسطه في غيره لا يوجب تبسطه فيه كما لو تصدق على مسكين بصدقة أو أهدى إلى صديقه هدية فإنه لا يسقط عنه القطع بالسرقة من غير ما تصدق به عليه أو أهدى إليه

فصل وإذا أحرز المضارب مال المضاربة أو الوديعة أو العارية أو المال الذي وكل فيه فسرقه أجنبي فعليه القطع لا نعلم فيه مخالفا لأنه ينوب مناب المالك في حفظ المال وإحرازه ويده كيده وإن غصب عينا وأحرزها أو سرقها وأحرزها فسرقها سارق فلا قطع عليه وقال مالك عليه القطع لأنه سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة له فيه وللشافعي قولان كالمذهبين وقال أبو حنيفة كقولنا في السارق وكقولهم في الغاصب

ولنا إنه لم يسرق المال من مالكه ولا ممن يقوم مقامه فأشبه ما لو وجده ضائعا فأخذه وفارق السارق من المالك أو نائبه فإنه أزال يده وسرق من حرزه

فصل وإن سرق نصابا أو غصبه فأحرزه فجاء المالك فهتك الحرز وأخذ ماله فلا قطع عليه عند أحد سواء أخذه سرقة أو غيرها لأنه أخذ ماله وإن سرق غيره ففيه وجهان أحدهما لا قطع فيه لأن له شبهة في هتك الحرز وأخذ ماله فصار كالسارق من غير حرز ولأن له شبهة في أخذ قدر ماله لذهاب بعض العلماء إلى جواز أخذ الإنسان قدر دينه من مال من هو عليه

والثاني عليه القطع لأنه سرق نصابا من حرزه لا شبهة له فيه وإنما يجوز له أخذ قدر ماله إذا عجز عن أخذ ماله وهذا أمكنه أخذ ماله فلم يجز له أخذ غيره وكذلك الحكم إذا أخذ ماله وأخذ من غيره نصابا متميزا عن مالك فإن كان مختلطا بماله غير متميز منه فلا قطع عليه لأنه أخذ ماله الذي له أخذه وحصل غيره مأخوذا ضرورة أخذه فيجب أن لا يقطع فيه ولأن له في أخذه شبهة والحد يدرأ بالشبهات فأما إن سرق مالا آخر منه غير الحرز الذي فيه ماله أو كان له دين على إنسان فسرق من ماله قدر دينه من حرزه نظرت فإن كان الغاصب أو الغريم باذلا لما عليه غير ممتنع من أدائه أو قدر المالك على أخذ ماله فتركه وسرق مال الغاصب أو الغريم فعليه القطع لأنه لا شبهة له فيه وإن عجز عن استيفاء دينه أو أرش جنايته فسرق قدر دينه أو حقه فلا قطع عليه وقال القاضي عليه القطع بناء على أصلنا في أنه ليس له أخذ قدر دينه


103

ولنا إن هذا مختلف في حله فلم يجب الحد به كما لو وطىء في نكاح مختلف في صحته وتحريم الأخذ لا يمنع الشبهة الناشئة عن الاختلاف والحدود تدرأ بالشبهات فإن سرق أكثر من دينه فهو كالمغصوب منه إذا سرق أكثر من ماله على ما مضى

فصل ولا بد من إخراج المتاع من الحرز لما قدمنا من الإجماع على اشتراطه فمتى أخرجه من الحرز وجب عليه القطع سواء حمله إلى منزله أو تركه خارجا من الحرز وسواء أخرجه بأن حمله أو رمى به إلى خارج الحرز أو شد فيه حبلا ثم خرج فمده به أو شده على بهيمة ثم ساقها به حتى أخرجها أو تركه في نهر جار فخرج به ففي هذا كله يجب القطع لأنه هو المخرج له إما بنفسه وإما بآلته فوجب عليه القطع كما لو حمله فأخرجه وسواء دخل الحرز فأخرجه أو نقبه ثم أدخل إليه يده أو عصا لها شجنة فاجتذبه بها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قطع عليه إلا أن يكون البيت صغيرا لا يمكنه دخوله لأنه لم يهتك الحرز بما أمكنه فأشبه المختلس

ولنا إنه سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة له فيه وهو من أهل القطع فوجب عليه كما لو كان البيت ضيقا ويخالف المختلس فإنه لم يهتك الحرز وإن رمى المتاع فأطارته الريح فأخرجته فعليه القطع لأنه متى كان ابتداء الفعل منه لم يؤثر فعل الريح كما لو رمى صيدا فأعانت الريح السهم حتى قتل الصيد حل ولو رمى الجمار فأعانتها الريح حتى وقعت في المرمى احتسب به وصار هذا كما لو ترك المتاع في الماء فجرى به فأخرجه ولو أمر صبيا لا يميز فأخرج المتاع وجب عليه القطع لأنه آلة له فأما إن ترك المتاع على دابة فخرجت بنفسها من غير سوقها أو ترك المتاع في ماء راكد فانفتح فخرج المتاع أو على حائط في الدار فأطارته الريح ففي ذلك وجهان أحدهما عليه القطع لأن فعله سبب خروجه فأشبه ما لو ساق البهيمة أو فتح الماء وحلق الثوب في الهواء

والثاني لا قطع عليه لأن الماء لم يكن آلة للإخراج وإنما خرج المتاع بسبب حادث من غير فعله والبهيمة لها اختيار لنفسها

فصل وإذا أخرج المتاع من بيت في الدار أو الخان إلى الصحن فإن كان البيت مغلقا ففتحه أو نقبه فقد أخرج المتاع من الحرز وإن لم يكن مغلقا فما أخرجه من الحرز وقد قال أحمد إذا خرج المتاع من البيت إلى الدار يقطع وهو محمول على الصورة الأولى

فصل قال أحمد الطرار سرا يقطع وإن اختلس لم يقطع ومعنى الطرار الذي يسرق من جيب الرجل أو كمه أو صفنه وسواء بطل ما أخذ منه المسروق أو قطع الصفن فأخذه أو أدخل يده في الجيب فأخذ


104

ما فيه فإن عليه القطع وروي عن أحمد في الذي يأخذ من جيب الرجل وكمه لا قطع عليه فيكون في ذلك روايتان

فصل وإذا دخل السارق حرزا فاحتلب لبنا من ماشية وأخرجه فعليه القطع وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قطع عليه لأنه من الأشياء الرطبة وقد مضى الكلام معه في هذا وإن شربه في الحرز أو شرب منه ما ينقص النصاب فلا قطع عليه لأنه لم يخرج من الحرز نصابا وإن ذبح الشاة في الحرز أو شق الثوب ثم أخرجهما وقيمتهما بعد الشق والذبح نصاب فعليه القطع وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قطع عليه في الشاة لأن اللحم لا يقطع عنده بسرقته والثوب إن شق أكثره فلا قطع فيه لأن صاحبه مخير بين أن يضمنه قيمة جميعه فيكون قد أخرجه وهو ملك له وقد تقدم الكلام معه في هذه الأصول وإن دخل الحرز فابتلع جوهرة وخرج فلم تخرج فلا قطع عليه لأنه أتلفها في الحرز وإن خرجت ففيه وجهان أحدهما يجب لأنه أخرجها في وعائها فأشبه إخراجها في كمه

والثاني لا يجب لأنه صمنها بالبلع فكان إتلافا لها ولأنه ملجأ إلى إخراجها لأنه لا يمكنه الخروج بدونها وإن تطيب في الحرز بطيب وخرج ولم يبق عليه من الطيب ما إذا جمع كان نصابا فلا قطع عليه لأن ما لا يجتمع قد أتلفه باستعماله فأشبه ما لو أكل الطعام وإن كان يبلغ نصابا فعليه القطع لأنه أخرج نصابا وذكر فيه وجه آخر فيما إذا كان ما تطيب به يبلغ نصابا فعليه القطع وإن نقص ما يجتمع عن النصاب لأنه أخرج نصابا والأول أولى وإن جر خشبة فألقاها بعد أن أخرج بعضها من الحرز فلا قطع عليه سواء خرج منها ما يساوي نصابا أو لم يكن لأن بعضها لا ينفرد عن بعض وكذلك لو أمسك الغاصب طرف عمامته والطرف الآخر في يد مالكها لم يضمنها وكذلك إذا سرق ثوبا أو عمامة فأخرج بعضهما

فصل وإذا نقب الحرز ثم دخل فأخرج ما دون النصاب ثم دخل فأخرج ما يتم به النصاب نظرت فإن كان في وقتين متباعدين أو ليلتين لم يجب القطع لأن كل واحدة منهما سرقة مفردة لا تبلغ نصابا وكذلك إن كانا في ليلة واحدة وبينهما مدة طويلة

وإن تقاربا وجب قطعه لأنها سرقة واحدة وإذا بنى فعلى أحد الشريكين على فعل شريكه فبناء فعل الواحد بعضه على بعض أولى

الشرط الخامس والسادس والسابع كون السارق مكلفا وثبتت السرقة ويطالب بها المالك بالمعروف وتنتفي الشبهات ويذكر ذلك في مواضعه

مسألة

قال ( إلا أن يكون المسروق ثمرا أو أكثر فلا قطع فيه )

يعني به الثمر في البستان قبل إدخاله الحرز فهذا لا قطع فيه عند أكثر الفقهاء كذلك الكثر المأخوذ من


105

النخل وهو جمار النخل

روي معنى هذا القول عن ابن عمر وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور إن كان من ثمر أو بستان محرز ففيه القطع وبه قال ابن المنذر إن لم يصح خبر رافع قال ولا أحسبه ثابتا واحتجا بظاهر الآية وبقياسه على سائر المحرزات

ولنا ما روى رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا قطع في ثمر ولا كثر أخرجه أبو داود وابن ماجة وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق فقال من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع وهذا يخص عموم الآية ولأن البستان ليس بحرز لغير الثمر فلا يكون حرزا له كما لو لم يكن محوطا فأما إن كانت نخلة أو شجرة في دار محرز فسرق منها نصابا ففيه القطع لأنه سرق من حرز والله أعلم

فصل وإن سرق من الثمر المعلق فعليه غرامة مثليه وبه قال إسحاق للخبر المذكور وقال أحمد لا أعلم سببا يدفعه وقال أكثر الفقهاء لا يجب فيه أكثر من مثله قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بوجوب غرامة مثليه وبه قال إسحاق للخبر المذكور وقال أحمد لا أعلم سببا يدفعه وقال أكثر الفقهاء لا يجب فيه أكثر من مثله قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بوجوب غرامة مثليه واعتذر بعض أصحاب الشافعي عن هذا الخبر بأنه كان حين كانت العقوبة في الأموال ثم نسخ ذلك

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو حجة لا تجوز مخالفته إلا بمعارضة مثله أو أقوى منه وهذا الذي اعتذر به هذا القائل دعوى للفسخ بالاحتمال من غير دليل عليه وهو فاسد بالإجماع ثم هو فاسد من وجه آخر لقوله ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤيه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع فقد بين وجوب القطع مع إيجاب غرامة مثليه وهذا يبطل ما قاله وقد احتج أحمد بأن عمر أغرم حاطب بن أبي بلتعة حين انتحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها وروى الأثرم الحديثين في سننه قال أصحابنا وفي الماشية تسرق من المرعى من غير أن تكون محرزة مثلا قيمتها للحديث وهو ما جاء في سياق حديث عمرو بن شعيب أن السائل قال الشاة الحريسة منهن يا نبي الله قال ثمنها ومثله معه والفكاك وما كان في المراح ففيه القطع إذا كان ما يأخذه من ذلك ثمن المجن هذا لفظ رواية ابن ماجة وما عدا هذين لا يغرم بأكثر من قيمته أو مثله إن كان مثليا هذا قول أصحابنا وغيرهم إلا أبا بكر فإنه ذهب إلى إيجاب غرامة المسروق من غير حرز بمثليه قياسا على الثمر المعلق وحريسة الحبل استدلالا بحديث حاطب

ولنا إن الأصل وجوب غرامة المثلي بمثله والمتقوم بقيمته بدليل المتلف والمغصوب والمنتهب والمختلس وسائر ما تجب غرامته خولف في هذين الموضعين للأثر ففيما عداه يبقى على الأصل

مسألة

قال ( وابتداء قطع السارق أن تقطع يده اليمنى من مفصل الكف ويحسم فإن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب وحسمت )


106

لا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى من مفصل الكف وهو الكوع وفي قراءة عبد الله بن مسعود فاقطعوا أيديهما المائدة 38 وهذا إن كان قراءة وإلا فهو تفسير وقد روي عن أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما أنهما قالا إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع ولا مخالف لهما في الصحابة ولأن البطش بها أقوى فكانت البداية بها أردع ولأنها آلة السرقة فناسب عقوبته بإعدام آلتها وإذا سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى وبذلك قال الجماعة إلا عطاء حكى عنه أنه تقطع يده اليسرى لقوله سبحانه فاقطعوا أيديهما ولأنها آلة السرقة والبطش فكانت العقوبة بقطعها أولى وروي ذلك عن ربيعة وداود وهذا شذوذ يخالف قول جماعة فقهاء الأمصار من أهل الفقه والأثر من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في السارق إذا سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ولأنه في المحاربة الموجبة قطع عضوين إنما تقطع يده ورجله ولا تقطع يداه فنقول جناية أوجبت قطع عضوين فكانا رجلا ويدا كالمحاربة ولأن قطع يديه يفوت منفعة الجنس فلا تبقى له يد يأكل بها ولايتوضأ ولا يستطيب ولا يدفع عن نفسه فيصير كالهالك فكان قطع الرجل الذي لا يشتمل على هذه المفسدة أولى

وأما الآية فالمراد بها قطع يد كل واحد منهما بدليل أنه لا تقطع اليدان في المرة الأولى وفي قراءة عبد الله فاقطعوا أيديهما وإنما ذكر بلفظ الجمع لأن المثنى إذا أضيف إلى المثنى ذكر بلفظ الجمع كقوله تعالى فقد صغت قلوبكما التحريم 4

إذا ثبت هذا فإنه تقطع رجله اليسرى لقول الله تعالى أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف المائدة 33

ولأن قطع اليسرى أرفق به لأنه يمكنه المشي على خشبة ولو قطعت رجله اليمنى لم يمكنه المشي بحال وتقطع الرجل من مفصل الكعب في قول أكثر أهل العلم وفعل ذلك عمر رضي الله عنه وكان علي رضي الله عنه يقطع من نصف القدم من معقد الشرك ويدع له عقبا يمشي عليها وهو قول أبي ثور

ولنا إنه أحد العضوين المقطوعين في السرقة فيقطع من المفصل كاليد وإذا قطع حسم وهو أن يغلي الزيت فإذا قطع غمس عضوه في الزيت لتفسد أفواه العروق لئلا ينزف الدم فيموت

وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق سرق شملة فقال اقطعوه واحسموه وهو حديث فيه مقال قاله ابن المنذر وممن استحب ذلك الشافعي وأبو ثور وغيرهما من أهل العلم ويكون الزيت من بيت المال لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به القاطع وذلك يقتضي أن يكون من بيت المال فإن لم يحسم فذكر القاضي أنه لا شيء عليه لأن عليه القطع لا مداواة المحدود ويستحب للمقطوع حسم نفسه فإن لم يفعل لم يأثم لأنه ترك التداوي في المرض وهذا مذهب الشافعي

فصل ويقطع السارق بأسهل ما يمكن فيجلس ويضبط لئلا يتحرك فيجني على نفسه وتشد يده بحبل وتجر حتى يبين مفصل الكف من مفصل الذراع ثم يوضع بينهما سكين حاد ويدق فوقهما بقوة ليقطع


107

في مرة واحدة أو توضع السكين على المفصل وتمدى مدة واحدة وإن علم قطع أوحى من هذا قطع به

فصل ويسن تعليق اليد في عنقه لما روى فضالة بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق قطعت يده ثم أمر بها فعلقت في عنقه رواه أبو داود وابن ماجة وفعل ذلك علي رضي الله عنه ولأن فيه ردعا وزجرا

فصل ولا تقطع في شدة حر ولا برد لأن الزمان ربما أعان على قتله والغرض الزجر دون القتل ولا تقطع حامل حال حملها ولا بعد وضعها حتى ينقضي نفاسها لئلا يفضي إلى تلفها وتلف ولدها ولا يقطع مريض في مرضه لئلا يأتي على نفسه ولو سرق فقطعت يده ثم سرق قبل اندمال يده لم يقطع ثانيا حتى يندمل القطع الأول وكذلك لو قطعت رجله قصاصا لم تقطع اليد في السرقة حتى تبرأ الرجل فإن قيل أليس لو وجب عليه قصاص في اليد الأخرى لقطعت قبل الاندمال والمحارب تقطع يده ورجله دفعة واحدة وقد قلتم في المريض الذي وجب عليه الحد لا ينتظر برؤه فلم خالفتم ذلك هاهنا قلنا القصاص حق آدمي يخاف فوته وهو مبني على الضيق لحاجته إليه ولأن القصاص قد يجب في يد ويجب في يدين وأكثر في حالة واحدة فلهذا جاز أن نوالي بين قصاصين ونخالف لأن كل معصية لها حد مقدر لا تجوز الزيادة عليه فإذا والى بين حدين صار كالزيادة على الحد فلم يجز وأما قطاع الطريق فإن قطع اليد والرجل حد واحد بخلاف ما نحن فيه وأما تأخير الحد للمريض ففيه منع وإن سلمنا فإن الجلد يمكن تخفيفه فيأتي به في المرض على وجه يؤمن معه التلف والقطع لا يمكن تخفيفه

فصل وإذا سرق مرات قبل القطع أجزأ قطع واحد عن جميعها وتداخلت حدودها لأنه حد من حدود الله تعالى فإذا اجتمعت أسبابه تداخل كحد الزنا وذكر القاضي فيما إذا سرق من جماعة وجاؤوا متفرقين رواية أخرى أنها لا تتداخل ولعله يقيس ذلك على حد القذف والصحيح أنها تتداخل لأن القطع خالص حق الله تعالى فتتداخل كحد الزنا والشرب وفارق حد القذف فإنه حق الآدمي ولهذا يتوقف على المطالبة باستيفائه ويسقط بالعفو عنه فأما إن سرق فقطع ثم سرق ثانيا قطع ثانيا سواء سرق من الذي سرق منه أولا أو من غيره وسواء سرق تلك العين التي قطع بها أو غيرها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا قطع بسرقة عين مرة لم يقطع بسرقتها مرة ثانية إلا أن يكون قد قطع بسرقة غزل سرقه منسوجا أو قطع بسرقة رطب ثم سرقة تمرا واحتيج بأن هذا يتعلق استيفاؤه بمطالبة آدمي فإذا تكرر سببه في العين الواحدة لم يتكرر كحد القذف

ولنا إنه حد يجب في عين فتكرره في عين واحدة كتكرره في الأعيان كالزنا وما ذكره يبطل بالغزل إذا نسج والرطب إذا أثمر ولا نسلم حد القذف فإنه متى قذفه بغير ذلك الزنا حد وإن قذفه بذلك الزنا عقيب حده لم يحد لأن الغرض إظهار كذبه وقد ظهر وها هنا الغرض ردعه عن السرقة ولم يرتدع بالأول فيردع بالثاني كالمودع إذا سرق عينا أخرى


108

فصل ومن سرق ولا يمنى له قطعت رجله اليسرى كما يقطع في السرقة الثانية وإن كانت يمناه شلاء ففيها روايتان إحداهما تقطع رجله اليسرى لأن الشلاء لا نفع فيها ولا جمال فأشبهت كفا لا أصابع عليه قال إبراهيم الحربي عن أحمد فيمن سرق ويمناه جافة تقطع رجله

والرواية الثانية أنه يسأل أهل الخبرة فإن قالوا إنها إذا قطعت رقأ دمها وانحسمت عروقها قطعت لأنه أمكن قطع يمينه فوجب كما لو كانت صحيحة وإن قالوا لا يرقأ دمها لم تقطع لأنه يخاف تلفه وقطعت رجله وهذا مذهب الشافعي وإن كانت أصابع اليمنى كلها ذاهبة فيها وجهان أحدهما لا تقطع وتقطع الرجل لأن الكف لا تجب فيه دية اليد فأشبه الذراع

والثاني تقطع لأن الراحة بعض ما يقطع في السرقة فإذا كان موجودا قطع كما لو ذهب الخنصر أو البنصر وإن ذهب بعض الأصابع نظرنا فإن ذهب الخنصر والبنصر أو ذهبت واحدة سواهما قطعت لأن معظم نفعها باق وإن لم يبق إلا واحدة فهي كالتي ذهب جميع أصابعها وإن بقي اثنتان فهل تلحق بالصحيحة أو بما قطع جميع أصابعها على وجهين والأولى قطعها

لأن نفعها لم يذهب الكلية

فصل ومن سرق وله يمنى فقطعت في قصاص أو ذهبت بأكلة أو تعدى عليه متعد فقطعها سقط القطع ولا شيء على العادي إلا الأدب وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال قتادة يقتص من القاطع وتقطع رجل السارق وهذا غير صحيح فإن يد السارق ذهبت والقاطع قطع عضوا غير معصوم وإن قطعها قاطع بعد السرقة وقبل ثبوت السرقة والحكم بالقطع ثم ثبت ذلك فكذلك ولو شهد بالسرقة فحبسه الحاكم ليعدل الشهود فقطعه قاطع

ثم عدلوا فكذلك وإن لم يعدلوا وجب القصاص على القاطع

وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي لا قصاص عليه لأن صدقهم محتمل فيكون ذلك شبهة

ولنا إنه قطع طرفا ممن يكافئه عمدا بغير حق فلزمه القطع كما لو قطعه قبل إقامة البينة

فصل وإن سرق فقطع الجذاذ يساره بدلا عن يمينه أجزأت ولا شيء على القاطع إلا الأدب وبهذا قال قتادة والشعبي وأصحاب الرأي وذلك لأن قطع يمين السارق يفضي إلى تفويت منفعة الجنس وقطع يديه بسرقة واحدة فلا يشرع وإذا انتفى قطع يمينه حصل قطع يساره مجزئا عن القطع الواجب

فلا يجب على فاعله قصاص وقال أصحابنا في وجوب قطع يمين السارق وجهان وللشافعي فيما إذا لم يعلم القاطع كونها يسارا أو ظن أن قطعها يجزىء قولان أحدهما لا تقطع يمين السارق كيلا تقطع يداه بسرقة واحدة

والثاني تقطع كما لو قطعت يسراه قصاصا

فأما القاطع فاتفق أصحابنا والشافعي على أنه إن قطعها عن غير اختيار من السارق أو كان السارق أخرجها دهشة أو ظنا منه أنها تجزىء وقطعها القاطع عالما بأنها


109

يسراه وأنها لا تجزىء فعليه القصاص وإن لم يعلم أنها يسراه أو ظن أنها مجزئة فعليه ديتها وإن كان السارق أخرجها مختارا عالما بالأمرين فلا شيء على القاطع لأنه أذن في قطعها

فأشبه غير السارق والمختار عندنا ما ذكرناه والله أعلم

مسألة

قال ( فإن عاد حبس ولا يقطع غير يد ورجل )

يعني إذا عاد فسرق بعد قطع يده ورجله لم يقطع منه شيء آخر وحبس وبهذا قال علي رضي الله عنه والحسن والشعبي والنخعي والزهري وحماد والثوري وأصحاب الرأي وعن أحمد أنه تقطع في الثالثة يده اليسرى وفي الرابعة رجله اليمنى وفي الخامسة يعزر ويحبس

وروي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قطعا يد أقطع اليد والرجل وهذا قول قتادة ومالك والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وروي عن عثمان وعمرو بن العاص وعمر بن عبد العزيز أنه تقطع يده اليسرى في الثالثة والرجل اليمنى في الرابعة ويقتل في الخامسة

لأن جابرا قال جيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسارق فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق فقال اقطعوه

قال فقطع ثم جيء به الثانية فقال اقتلوه

قالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه

فقطع ثم جيء به الثالثة فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه

قال ثم أتي به الرابعة فقال اقتلوه

قالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه ثم أتي به الخامسة قال اقتلوه قال فانطلقنا به فقتلناه ثم اجتررناه فألقيناه في بئر

رواه أبو داود

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق وإن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ولأن اليسار تقطع قودا فجاز قطعها في السرقة كاليمنى

ولأنه فعل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر

ولنا ما روى سعيد حدثنا أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه قال حضرت علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتي برجل مقطوع اليد والرجل وقد سرق فقال لأصحابه ما ترون في هذا قالوا اقطعه يا أمير المؤمنين قال قتلته إذا وما عليه القتل بأي شيء يأكل الطعام بأي شيء يتوضأ للصلاة بأي شيء يغتسل من جنابته بأي شيء يقوم على حاجته فرده إلى السجن أياما ثم أخرجه فاستشار أصحابه فقالوا مثل قولهم الأول وقال لهم مثل ما قال أول مرة فجلده جلدا شديدا ثم أرسله

وروي عنه أنه قال إني لأستحيي من الله أن لا أدع له يدا يبطش بها ولا رجلا يمشي عليها ولأن في قطع اليدين تفويت منفعة الجنس فلم يشرع في حد كالقتل ولأنه لو جاز قطع اليدين لقطع اليسرى في المرة الثانية لأنها آلة البطش كاليمنى وإنما لم تقطع للمفسدة في قطعها لأن ذلك بمنزلة الإهلال فإنه لا يمكنه أن يتوضأ ولا يغتسل ولا يستنجي ولا يحترز من نجاسة ولا يزيلها عنه ولا يدفع عن نفسه ولا يأكل ولا


110

يبطش وهذه المفسدة حاصلة بقطعها في المرة الثالثة فوجب أن يمنع قطعه كما منعه في المرة الثانية

وأما حديث جابر ففي حق شخص استحق القتل بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في أول مرة وفي كل مرة وفعل ذلك في الخامسة ورواه النسائي وقال حديث منكر

وأما الحديث الآخر وفعل أبي بكر وعمر فقد عارضه قول علي وقد روي عن عمر أنه رجع إلى قول علي فروى سعيد حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عابد قال أتي عمر برجل أقطع اليد والرجل قد سرق فأمر به عمر أن تقطع رجله فقال علي إنما قال الله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا المائدة 33

وقد قطعت يد هذا ورجله فلا ينبغي أن تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها إما أن تعزره وإما أن تستودعه السجن فاستودعه السجن

فصل وإن سرق من يده اليسرى مقطوعة أو شلاء أو مقطوعة الأصابع أو كانت يداه صحيحتين فقطعت اليسرى أو شلت قبل قطع يمناه لم تقطع يمناه على الرواية الأولى وتقطع على الثانية وإن قطع يسراه قاطع متعمدا فعليه القصاص لأنه قطع طرفا معصوما

وإن قطعه غير متعمد فعليه ديته ولا تقطع يمين السارق وبه قال أبو ثور وأصحاب الرأي

وفي قطع رجل السارق وجهان أصحهما لا يجب لأنه لم يجب بالسرقة وسقوط القطع عن يمينه لا يقتضي قطع رجله كما لو كان المقطوع يمينه

والثاني تقطع رجله لأنه تعذر قطع يمينه فقطعت رجله كما لو كانت اليسرى مقطوعة حال السرقة

وإن كانت يمناه صحيحة ويسراه ناقصة نقصا يذهب بمعظم نفعها مثل أن يذهب منها الإبهام أو الوسطى أو السبابة احتمل أن يكون كقطعها وينتقل إلى رجله وهذا قول أصحاب الرأي

واحتمل أن تقطع يمناه لأن له يدا ينتفع بها أشبه ما لو قطعت خنصرها

وإن كانت يداه صحيحتين ورجله اليمنى شلاء أو مقطوعة فلا أعلم فيها قولا لأصحابنا ويحتمل وجهين أحدهما تقطع يمينه وهو مذهب الشافعي لأنه سارق له يمنى فقطعت عملا بالكتاب والسنة ولأنه سارق له يدان فتقطع يمناه كما لو كانت المقطوعة رجله اليسرى

والثاني لا يقطع منه شيء وهو قول أصحاب الرأي لأن قطع يمناه يذهب بمنفعة المشي من الرجلين فأما إن كانت رجله اليسرى شلاء ويداه صحيحتان قطعت يده اليمنى لأنه لا يخشى تعدي ضرر القطع إلى غير المقطوع وعلى قياس هذه المسألة لو سرق ويده اليسرى مقطوعة أو شلاء لم يقطع منه شيء لذلك وأنكر هذا ابن المنذر وقال أصحاب الرأي بقولهم هذا خالفوا كتاب الله بغير حجة

مسألة

قال ( والحر والحرة والعبد والأمة في ذلك سواء )

أما الحر والحرة فلا خلاف فيهما وقد نص الله تعالى على الذكر والأنثى بقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة 38

ولأنهما استويا في سائر الحدود

فكذلك في هذا وقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم سارق رداء صفوان وقطع المخزومية التي سرقت القطيفة


111

فأما العبد والأمة فإن جمهور الفقهاء وأهل الفتوى على أنهما يجب قطعهما بالسرقة إلا ما حكي عن ابن عباس أنه قال لا قطع عليهما لأنه حد لا يمكن تنصيفه فلم يجب في حقهما كالرجم ولأنه حد فلا يساوي العبد فيه الحر كسائر الحدود

ولنا عموم الآية وروى الأثرم أن رقيقا لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة فانتحروها فأمر كثير بن الصلت أن تقطع أيديهم ثم قال عمر والله إني لأراك تجيعهم ولكن لأغرمنك غرما يشق عليك ثم قال للمزني كم ثمن ناقتك قال أربعمائة درهم قال عمر أعطه ثمانمائة درهم

وروى القاسم بن محمد عن أبيه أن عبدا أقر بالسرقة عند علي فقطعه وفي رواية قال كان عبدا يعني الذي قطعه علي رواه الإمام أحمد بإسناده وهذه قصص تنتشر ولم تنكر فتكون إجماعا وقولهم لا يمكن تنصيفه قلنا ولا يمكن تعطيله فيجب تكميله وقياسهم نقلبه عليهم فنقول حد فلا يتعطل في حق العبد والأمة كسائر الحدود وفارق الرجم فإن حد الزاني لا يتعطل بتعطيله بخلاف القطع فإن حد السرقة يتعطل بتعطيله

فصل ويقطع الآبق بسرقته وغيره روي ذلك عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وبه قال مالك والشافعي وقال مروان وسعيد بن العاص وأبو حنيفة لا يقطع لأن قطعه قضاء على سيده ولا يقضى على الغائب

ولنا عموم الكتاب والسنة وأنه مكلف سرق نصابا من حرز مثله فيقطع كغير الآبق

وقولهم إنه قضاء على سيده لا يسلم فإنه لا يعتبر فيه إقرار السيد ولا يضر إنكاره وإنما يعتبر ذلك من العبد ثم القضاء على الغائب بالبينة جائز على ما عرف في موضعه

فصل وإن أقر العبد بسرقة مال في يده فأنكر ذلك سيده وقال هذا مالي فالمال لسيده ويقطع العبد وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قطع عليه لأنه لم تثبت سرقته للمال فلم يجب قطعه كما لو أنكره المسروق منه لأنه إذا لم يقبل إقراره في المال ففي الحد الذي يندرىء بالشبهات أولى

ولنا إنه أقر بالسرقة وصدقه المسروق منه فقطع كالحر

ويحتمل أنه لا يجب القطع لأن الحد يدرأ بالشبهات وكون المال محكوما به لسيده شبهة

فصل ويقطع المسلم بسرقة مال المسلم والذمي ويقطع الذمي بسرقة مالهما وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا

فأما الحربي إذا دخل إليه مستأمنا فسرق فإنه يقطع أيضا

وقال ابن حامد لا يقطع وهو قول أبي حنيفة ومحمد لأنه حد لله تعالى فلا يقام عليه كحد الزنا وقد نص أحمد على أنه لا يقام عليه حد الزنا وللشافعي قولان كالمذهبين


112

ولنا إنه حد يطالب به فوجب عليه كحد القذف يحققه أن القطع يجب صيانة للأموال وحد القذف يجب صيانة للأعراض فإذا وجب في حقه أحدهما وجب الآخر فأما حد الزنا فلم يجب لأنه يجب به قتله لنقضه العهد ولا يجب مع القتل حد سواء

إذا ثبت هذا فإن المسلم يقطع بسرقة ماله وعند أبي حنيفة لا يجب

ولنا إنه سرق مالا معصوما من حرز مثله فوجب قطعه كسارق مال الذمي ويقطع المرتد إذا سرق لأن أحكام الإسلام جارية عليه

مسألة

قال ( ويقطع السارق وإن وهبت له السرقة بعد إخراجها )

وجملته أن السارق إذا ملك العين المسروقة بهبة أو بيع أو غيرهما من أسباب الملك لم يخل من أن يملكها قبل رفعه إلى الحاكم والمطالبة بها عنده أو بعد ذلك فإن ملكها قبله لم يجب القطع لأن من شرطه المطالبة بالمسروق وبعد ملكه له لا تصح المطالبة وإن ملكها بعده لم يسقط القطع وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق قال أصحاب الرأي يسقط لأنها صارت ملكه فلا يقطع في عين هي ملكه كما لو ملكها قبل المطالبة بها ولأن المطالبة شرط والشرط يعتبر دوامها ولم يبق لهذه العين مطالب

ولنا ما روى الزهري عن ابن صفوان عن أبيه أنه نام في المسجد وتوسد رداءه فأخذ من تحت رأسه فجاء بسارقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع فقال صفوان يا رسول الله لم أرد هذا ردائي عليه صدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا قبل أن تأتيني به رواه ابن ماجة والجوزجاني وفي لفظ قال فأتيته فقلت أتقطعه من أجل ثلاثين درهما أنا أبيعه وأنسئه ثمنها قال فهلا كان قبل أن تأتيني به رواه الأثرم وأبو داود

فهذا يدل على أنه لو وجد قبل رفعه إليه لدرأ القطع وبعده لا يسقطه

وقولهم إن المطالبة شرط

قلنا هي شرط القطع بدليل أنه لو استرد العين لم يسقط وقد زالت المطالبة

فصل وإن أقر المسروق منه أن المسروق كان ملكا للسارق أو قامت به بينة أو أن له فيه شبهة أو أن المالك أذن له في أخذها أو أنه سلبها لم يقطع لأننا تبينا أنه لم يجب بخلاف ما لو وهبه إياها فإن ذلك لا يمنع كون الحد واجبا وإن أقر له بالعين سقط القطع أيضا لأن إقراره يدل على تقدم ملكه لها فيحتمل أن تكون له حال أخذها والمنصوص عن أحمد أن القطع لا يسقط لأنه ملك تجدد سببه بعد وجوب القطع أشبه الهبة ولأن ذلك حيلة على إسقاط القطع بعد وجوبه فلم يسقط بها كالهبة

مسألة

قال ( ولو أخرجها وقيمتها ثلاثة دراهم فلم يقطع حتى نقصت قيمتها قطع )

وبهذا قال مالك والشافعي

وقال أبو حنيفة يسقط القطع لأن النصاب شرط فتعتبر استدامته

ولنا قول الله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة 38

ولأنه نقص حدث في العين فلم يمنع القطع


113

كما لو حدث باستعماله والنصاب شرط لوجوب القطع وسواء نقصت قيمتها قبل الحكم أو بعده لأن سبب الوجوب السرقة فيعتبر النصاب حينئذ

فأما إن نقص النصاب قبل الإخراج لم يجب القطع لعدم الشرط قبل تمام السبب وسواء نقصت بفعله أو بغير فعله

وإن وجدت ناقصة ولم يدر هل كانت ناقصة حين السرقة أو حدث النقص بعدها لم يجب القطع لأن الوجوب لا يثبت مع الشك في شرطه ولأن الأصل عدمه

مسألة

قال ( وإذا قطع فإن كانت السرقة باقية ردت إلى مالكها وإن كانت تالفة فعليه قيمتها سواء كان موسرا أو معسرا )

لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية فأما إن كانت تالفة فعلى السارق رد قيمتها أو مثلها إن كانت مثيلة قطع أو لم يقطع موسرا كان أو معسرا

وهذا قول الحسن والنخعي وحماد والبتي والليث والشافعي وإسحاق وأبي ثور وقال الثوري وأبو حنيفة لا يجتمع الغرم والقطع إن غرمها قبل القطع سقط القطع وإن قطع قبل الغرم سقط الغرم

وقال عطاء وابن سيرين والشعبي ومحكول لا غرم على السارق إذا قطع ووافقنا مالك في المعسر ووافقهم في الموسر

قال أبو حنيفة في رجل سرق مرات ثم قطع يغرم الكل إلا الأخيرة وقال أبو يوسف لا يغرم شيئا لأنه قطع بالكل فلا يغرم شيئا منه كالسرقة الأخيرة واحتج بما روي عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أقيم الحد على السارق فلا غرم عليه ولأن التضمين يقتضي التمليك والملك يمنع القطع فلا يجمع بينهما

ولنا إنها عين يجب ضمانها بالرد لو كانت باقية فيجب ضمانها إذا كانت تالفة كما لو لم يقطع ولأن القطع والغرم حقان يجبان لمستحقين فجاز اجتماعهما كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك وحديثهم يرويه سعد بن إبراهيم عن منصور وسعد بن إبراهيم مجهول قاله ابن المنذر وقال ابن عبد البر الحديث ليس بالقوي ويحتمل أنه أراد ليس عليه أجرة القاطع وما ذكروه فهو بناء على أصولهم ولا نسلمها لهم

فصل وإذا فعل في العين فعلا نقصها به كقطع الثوب ونحوه وجب رده ورد نقصه ووجب القطع وقال أبو حنيفة إن كان نقصا لا يقطع حق المغصوب منه إذا فعله الغاصب رد العين ولا ضمان عليه وإن كان يقطع حق الملك كقطع الثوب وخياطته فلا ضمان عليه ويسقط حق المسروق منه من العين وإن كان زيادة في العين كصبغه أحمر أو أسفر فلا ترد العين ولا يحل له التصرف فيها وقال أبو يوسف ومحمد ترد العين وبني هذا على أصله في الغرم يسقط عنه القطع

وأما إذا صبغه فقال لا يرده لأنه لو رده لكان شريكا فيه بصبغه ولا يجوز أن يقطع فيما هو شريك فيه وهذا ليس بصحيح لأن صبغه كان قبل القطع فلو كان شريكا بالصبغ لسقط القطع وإن كان يصير شريكا بالرد فالشركة الطارئة بعد القطع لا تؤثر كما لو اشترى نصفه من مالكه بعد القطع وقد سلم أبو حنيفة أن لو سرق فضة فضربها دراهم قطع ولزمه ردها

وقال صاحباه لا يقطع


114

ويسقط حق صاحبها منها بضربها وهذا شيء بيناه على أصولهما في أن تغيير اسمها يزيل ملك صاحبها وإن ملك السارق لها يسقط القطع عنه وهو غير مسلم لهما

مسألة

قال ( وإذا أخرج النباش من القبر كفنا قيمته ثلاثة دراهم قطع )

روي عن ابن الزبير أنه قطع نباشا وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة والشعبي والنخعي وحماد ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة والثوري لا قطع عليه لأن القبر ليس بحرز لأن الحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ والكفن لا يوضع في القبر لذلك ولأنه ليس بحرز لغيره فلا يكون حرزا له ولأن الكفن لا مالك له لأنه لا يخلو إما أن يكون ملكا للميت أو لوارثه وليس ملكا لواحد منهما لأن الميت لا يملك شيئا ولم يبق أهلا للملك والوارث إنما ملك ما فضل عن حاجة الميت ولأنه لا يجب القطع إلا بمطالبة المالك أو نائبه ولم يوجد ذلك

ولنا قول الله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة 38

وهذا سارق فإن عائشة رضي الله عنها قالت سارق أمواتنا كسارق أحيائنا وما ذكروه لا يصح فإن الكفن يحتاج إلى تركه في القبر دون غيره ويكتفي به في حرزه ألا ترى أن لا يترك الميت في غير القبر من غير أن يحفظ كفنه ويترك في القبر وينصرف عنه وقولهم إنه لا مالك له ممنوع بل هو مملوك للميت لأنه كان مالكا له في حياته ولا يزول ملكه إلا عما لا حاجة به إليه ووليه يقوم مقامه في المطالبة كقيام ولي الصبي في الطلب بماله

إذا ثبت هذا فلا بد من إخراج الكفن من القبر لأنه الحرز فإن أخرجه من اللحد ووضعه في القبر فلا قطع فيه لأنه لم يخرجه من الحرز فأشبه ما لو نقل المتاع في البيت من جانب إلى جانب فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمى القبر بيتا

فصل والكفن الذي يقطع بسرقته مشروعا فإن كفن الرجل في أكثر من ثلاث لفائف أو المرأة في أكثر من خمس فسرق الزائد عن ذلك أو تركه في تابوت فسرقت التابوت أو ترك معه طيبا مجموعا أو ذهبا أو فضة أو جواهر لم يقطع بأخذ شيء من ذلك لأنه ليس بكفن مشروع فتركه فيه سفه وتضييع فلا يكون محرزا ولا يقطع سارقه

فصل وهل يفتقر في قطع النباش إلى المطالبة يحتمل وجهين أحدهما يفتقر إلى المطالبة كسائر المسروقات فعلى هذا المطالب الورثة لأنهم يقومون مقام الميت في حقوقه وهذا من حقوقه

والثاني لا يفتقر إلى طلب لأن الطلب في السرقة من الأحياء شرع لئلا يكون المسروق مملوكا للسارق وقد يئس من ذلك هاهنا

مسألة

قال ( ولا يقطع في محرم ولا آلة لهو )

يعني لا يقطع في سرقة محرم كالخمر والخنزير والميتة ونحوها سواء سرقه من مسلم أو ذمي وبهذا قال


115

الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وحكي عن عطاء أن سارق خمر الذمي يقطع وإن كان مسلما لأنه مال لهم أشبه ما لو سرق دراهمهم

ولنا إنها عين محرمة فلا يقطع بسرقتها كالخنزير ولأن ما لا يقطع بسرقته من مال المسلم لا يقطع بسرقته من الذمي كالميتة والدم وما ذكروه ينتقض بالخنزير ولا اعتبار به فإن الاعتبار بحكم الإسلام وهو يجري عليهم دون أحكامهم وهكذا الخلاف معه في الصليب إذا بلغت قيمته مع تأليفه نصابا وأما آلة اللهو كالطنبور والمزمار والشبابة فلا قطع فيه وإن بلغت قيمته مفصلا نصابا وقال أبو حنيفة وقال أصحاب الشافعي إن كانت قيمته بعد زوال تأليفه نصابا ففيه القطع وإلا فلا لأنه سرق ما قيمته نصاب لا شبهة له فيه من حرز مثله وهو من أهل القطع فوجب قطعه كما لو كان ذهبا مكسورا

ولنا إنه آلة للمعصية بالإجماع فلم يقطع بسرقته كالخمر ولأن له حقا في أخذها لكسرها فكان ذلك شبهة مانعة من القطع كاستحقاقه مال ولده فإن كانت عليه حلية تبلغ نصابا فلا قطع فيه أيضا في قياس قول أبي بكر لأنه متصل بما لا قطع فيه فأشبه الخشب والأوتار وقال القاضي فيه القطع وهو مذهب الشافعي لأنه سرق نصابا من حرزه فأشبه المنفرد

فصل وإن سرق صليبا من ذهب أو فضة يبلغ نصابا متصلا فقال القاضي لا قطع فيه وهو قول أبي حنيفة وقال أبو الخطاب يقطع سارقه وهو مذهب الشافعي ووجه المذهبين ما تقدم والفرق بين هذه المسألة وبين التي قبلها أن التي قبلها له كسره بحيث لا تبقى له قيمة تبلغ نصابا وها هنا لو كسر الذهب والفضة بكل وجه لم تنقص قيمته عن النصاب ولأن الذهب والفضة جوهرهما غالب على الصنعة المحرمة فكانت الصناعة فيهما مغمورة بالنسبة إلى قيمة جوهرهما وغيرهما بخلافهما فتكون الصناعة غالبة عليه فيكون بائعا للصناعة المحرمة فأشبه الإناء ولو سرق إناء من ذهب أو فضة قيمته نصاب إذا كان متكسرا فعليه القطع لأنه غير مجمع على تحريمه وقميته بدون الصناعة المختلف فيها نصاب وإن سرق إناء معبدا لحمل الخمر ووضعه فيه ففيه القطع لأن الإناء لا تحريم فيه وإنما يحرم عليه بنيته وقصده فأشبه ما لو سرق سكينا معدة لذبح الخنازير أو سيفا يعده لقطع الطريق وإن سرق إناء فيه خمر يبلغ نصابا فقال أبو الخطاب يقطع وهو مذهب الشافعي لأنه سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة له فيه وقال غيره من أصحابنا لا يقطع لأنه تبع لما لا قطع فيه فأشبه ما لو سرق مشتركا بينه وبين غيره قال أبو إسحاق بن شاقلا ولو سرق إداوة أو إناء فيه ماء فلا قطع فيه كذلك ولو سرق منديلا في طرفه دينار مشدود فعلم فيه فعليه القطع وإن لم يعلم به فلا قطع فيه لأنه لم يقصد سرقته فأشبه ما لو تعلق بثوبه وقال الشافعي يقطع لأنه سرق نصابا فأشبه ما لو سرق ما لم يعلم أن قيمته نصاب والفرق بينهما أنه علم بالمسروق هاهنا وقصد سرقته بخلاف الدينار فإنه لم يرده ولم يقصد أخذه فلا يؤاخذ به بإيجاب الحد عليه

مسألة

قال ( ولا يقطع الوالد فيما أخذ من مال ولده لأنه أخذ ماله أخذه ولا الوالدة


116

فيما أخذت من مال ولدها ولا العبد فيما سرق من مال سيده )

وجملته أن الوالد لا يقطع بالسرقة من مال ولده وإن سفل وسواء في ذلك الأب والأم والابن والبنت والجد والجدة من قبل الأب والأم وهذا قول عامة أهل العلم منهم مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور وابن المنذر القطع على كل سارق بظاهر الكتاب إلا أن يجمعوا على شيء فيستثنى

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك وقول النبي صلى الله عليه وسلم إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه وفي لفظ فكلوا من كسب أولادكم ولا يجوز قطع الإنسان بأخذ ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذه ولا أخذه ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم مالا له مضافا إليه ولأن الحدود تدرأ بالشبهات وأعظم الشبهات أخذ الرجل من مال جعله الشرع له وأمره بأخذه وأكله وأما العبد إذا سرق من مال سيده فلا قطع عليه في قولهم جميعا ووافقهم أبو ثور فيهوحكي عن داود أنه يقطع لعموم الآية

ولنا ما روى السائب بن يزيد قال شهدت عمر بن الخطاب وقد جاءه عبد الله بن عمرو بن الحضرمي بغلام له فقال إن غلامي هذا سرق فاقطع يده فقال عمر ما سرق قال سرق مرآة امرأتي ثمنها ستون درهما

فقال أرسله لا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم ولكنه لو سرق من غيره قطع وفي لفظ قال مالكم سرق بعضه بعضا لا قطع عليه رواه سعيد وعن ابن مسعود أن رجلا جاءه فقال عبد لي سرق قباء لعبد لي آخر فقال لا قطع مالك سرق مالك وهذه قضايا تشتهر ولم يخالفها أحد فتكون إجماعا وهذا يخص عموم الآية ولأن هذا إجماع من أهل العلم لأنه قول من سمينا من الأئمة ولم يخالفهم في عصرهم أحد فلا يجوز خلافه بقول من بعدهم كما لا يجوز ترك إجماع الصحابة بقول واحد من التابعين

فصل والمدبر وأم الولد والمكاتب كالقن في هذا وبه قال الثوري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا يقطع سيد المكاتب بسرقة ماله لأنه عبد ما بقي عليه درهم وكل من لا يقطع الإنسان بسرقة ماله لا يقطع عبده بسرقة ماله كآبائه وأولاده وغيرهم كل على أصله وقال أبو ثور يقطع بسرقة مال من عدا سيده ونحوه قول مالك وابن المنذر

ولنا حديث عمر رضي الله عنه ولأن مالهم ينزل منزلة ماله في قطعه فكذلك في قطع عبده

فصل ولا يقطع الابن وإن سفل بسرقة مال والده وإن علا وبه قال الحسن والشافعي وإسحاق والثوري وإصحاب الرأي وظاهر قول الخرقي أنه يقطع لأن لم يذكره فيمن لا قطع عليه وهو قول مالك وأبي ثور وابن المنذر لظاهر الكتاب ولأنه يحد بالزنا بجاريته ويقاد بقتله فيقطع بسرقة ماله كالأجنبي

ووجه الأول أن بينهما قرابة تمنع قبول شهادة أحدهما لصاحبه فلم يقطع بسرقة ماله كالأب ولأن النفقة تجب في مال الأب لابنه حفظا له فلا يجوز إتلافه حفظا للمال وأما الزنا بجاريته فيجب به الحد لأنه لا شبهة له فيها بخلاف المال


117

فصل فأما سائر الأقارب كالإخوة والأخوات ومن عداهم فيقطع بسرقة مالهم ويقطعون بسرقة ماله وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يقطع بالسرقة من ذي رحم لأنها قرابة تمنع النكاح وتبيح النظر وتوجب النفقة أشبه قرابة الولادة

ولنا إنها قرابة لا تمنع الشهادة فلا تمنع القطع كقرابة غيره وفارق قرابة الولادة بهذا

فصل وإن سرق أحد الزوجين من مال الآخر فإن كان مما ليس محرزا عنه فلا قطع فيه وإن سرق مما أحرزه عنه ففيه روايتان إحداهما لا قطع عليه وهي اختيار أبي بكر ومذهب أبي حنيفة لقول عمر رضي الله عنه لعبد الله بن عمرو بن الحضرمي حين قال له إن غلامي سرق مرآة امرأتي أرسله لا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم وإذا لم يقطع عبده بسرقة مالها فهو أولى ولأن كل واحد منهما يرث صاحبه بغير حجب ولا تقبل شهادته له ويتبسط في مال الآخر عادة فأشبه الوالد والولد

والثانية يقطع وهو مذهب مالك وأبي ثور وابن المنذر وهو ظاهر كلام الخرقي لعموم الآية ولأنه سرق مالا محرزا عنه لا شبهة له فيه أشبه الأجنبي وللشافعي كالروايتين وقول ثالث أن الزوج يقطع بسرقة مال الزوجة لأنه لا حق له فيه ولا تقطع بسرقة ماله لأن لها النفقة فيه

فصل ولا قطع على من سرق من بيت المال إذا كان مسلما ويروى ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما وبه قال الشعبي والنخعي والحكم والشافعي وأصحاب الرأي وقال حماد ومالك وابن المنذر يقطع لظاهر الكتاب

ولنا ما روى ابن ماجة بإسناده عن ابن عباس أن عبدا من رقيق الخمس سرق من الخمس فدفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه وقال مال الله سرق بعضه بعضا ويروى ذلك عن عمر رضي الله عنه وسأل ابن مسعود عمر عمن سرق من بيت المال فقال أرسله فما من أحد إلا وله في هذا المال حق وقال سعيد حدثنا هشيم أخبرنا مغيرة عن الشعبي عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول ليس على من سرق من بيت المال قطع ولأن له في المال حقا فيكون شبهة تمنع وجوب القطع كما لو سرق من مال له فيه شركة ومن سرق من الغنيمة ممن له فيها حق أو لولده أو لسيده أو لمن لا يقطع بسرقة ماله لم يقطع لذلك وإن لم يكن من الغانمين ولا أحدا من هؤلاء الذين ذكرنا فسرق منها قبل إخراج الخمس لم يقطع لأن له في الخمس حقا وإن أخرج الخمس فسرق من الأربعة الأخماس قطع وإن سرق من الخمس لم يقطع وإن قسم الخمس خمسة أقسام فسرق من خمس الله تعالى ورسوله لم يقطع وإن سرق من غيره قطع إلا أن يكون من أهل ذلك الخمس

فصل وإن سرق من الوقف أو من غلته وكان من الموقوف عليهم مثل أن يكون مسكينا سرق من وقف المساكين أو من قوم معينين عليهم وقف فلا قطع عليه لأنه شريك وإن كان من غيرهم قطع لأنه لا حق له فيه فإن قيل فقد قلتم لا يقطع بالسرقة من بيت المال من غير تفريق بين غني وفقير فلم فرقتم ههنا


118

قلنا لأن للغني في بيت المال حقا ولهذا قال عمر رضي الله عنه ما من أحد إلا وله في هذا المال حق بخلاف وقف المساكين فإنه لا حق للغني فيه

فصل قال أحمد لا قطع في المجاعة يعني أن المحتاج إذا سرق ما يأكله فلا قطع عليه لأنه كالمضطر

وروى الجوزجاني عن عمر أنه قال لا قطع في عام سنة وقال سألت أحمد عنه فقلت تقول به قال إي لعمري لا أقطعه إذا حملته الحاجة والناس في شدة ومجاعة وعن الأوزاعي مثل ذلك وهذا محمول على من لا يجد ما يشتريه أو لا يجد ما يشتري به فإن له شبهة في أخذ ما يأكله أو ما يشتري به ما يأكله وقد روي عن عمر رضي الله عنه أن غلمان حاطب بن أبي بلتعة انتحروا ناقة للمزني فأمر عمر بقطعهم ثم قال لحاطب إني أراك تجيعهم فدرأ عنهم القطع لما ظنه يجيعهم فأما الواجد لما يأكله أو الواجد لما يشتري به وما يشتريه فعليه القطع وإن كان بالثمن الغالي ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي ولا قطع على المرأة إذا منعها الزوج قدر كفايتها أو كفاية ولدها فأخذت من ماله سواء أخذت قدر ذلك أو أكثر منه لأنها تستحق قدر ذلك فالزائد يكون مشتركا بما يستحق أخذه ولا على الضيف إذا منع قراه فأخذ أيضا من مال المضيف لذلك

مسألة

قال ( ولا يقطع إلا بشهادة عدلين أو اعتراف مرتين )

وجملة ذلك أن القطع إنما يجب بأحد أمرين بينة أو إقرار لا غير

فأما البينة فيشترط فيها أن يكونا رجلين مسلمين حرين عدلين سواء كان السارق مسلما أو ذميا وقد ذكرنا ذلك في الشهادة في الزنا بما أغنى عن إعادته هاهنا ويشترط أن يصفا السرقة والحرز وجنس النصاب وقدره ليزول الاختلاف فيه فيقولان نشهد أن هذا سرق كذا قيمته كذا من حرز ويصفا الحرز وإن كان المسروق منه غائبا فحضر وكيله وطالب بالسرقة احتاج الشاهدان أن يرفعا في نسبه فيقولان من حرز فلان ابن فلان ابن فلان بحيث يتميز من غيره فإذا اجتمعت هذه الشروط وجب القطع في قول عامتهم

قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن قطع السارق يجب إذا شهد بالسرقة شاهدان حران مسلمان ووصفا ما يوجب القطع وإذا وجب القطع بشهادتهما لم يسقط بغيبتهما ولا موتهما على ما مضى في الشهادة بالزنا وإذا شهدا بسرقة مال غائب فإن كان له وكيل حاضر فطالب به قطع السارق وإلا فلا

فصل وإذا اختلف الشاهدان في الوقت أو المكان أو المسروق فشهد أحدهما أنه سرق يوم الخميس والآخر أنه سرق يوم الجمعة أو شهد أحدهما أنه سرق من هذا البيت وشهد الآخر أنه سرق من هذا البيت أو قال أحدهما سرق ثورا وقال الآخر سرق بقرة أو قال سرق ثورا وقال الآخر سرق حمارا لم يقطع في قولهم جميعا وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وإن قال أحدهما سرق ثوبا أبيض وقال الآخر أسود أو قال أحدهما سرق هرويا فقال الآخر مرويا لم يقطع أيضا وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر لأنهما لم يتفقا على الشهادة بشيء واحد فأشبه ما لو اختلفا في الذكورية والأنوثية وقال أبو الخطاب يقطع وهو قول أبي حنيفة وأصحاب الرأي لأن الاختلاف لم يرجع إلى نفس الشهادة ويحتمل أن أحدهما


119

غلب على ظنه أنه هروي والآخر أنه مروي أو كان الثوب فيه سواد وبياض

قال ابن المنذر اللون أقرب إلى الظهور من الذكورية والأنوثية فإذا كان اختلافهما فيما يبطل شهادتهما ففيما يظهر أولى ويحتمل أن أحدهما ظن المسروق ذكرا وظنه الآخر أنثى فقد أوجب هذا رد شهادتهما فكذلك هاهنا

الثاني الاعتراف فيشترط فيه أن يعترف مرتين روي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف وزفر وابن شبرمة وقال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي ومحمد بن الحسن يقطع باعتراف مرة لأنه حق يثبت بالإقرار فلم يعتبر فيه التكرار كحق الآدمي

ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن أبي أمية المخزومي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلص قد اعترف فقال له وما إخالك سرقت قال بلى فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا فأمر به فقطع ولو وجب القطع بأول مرة لما أخره وروى سعيد عن هشيم وسفيان وأبو الأحوص وأبي معاوية عن الأعمش عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال شهدت عليا وأتاه رجل فأقر بالسرقة فرده وفي لفظ فانتهره وفي لفظ فسكت عنه وقال غير هؤلاء فطرده ثم عاد بعد ذلك فأقر فقال له علي شهدت على نفسك مرتين فأمر به فقطع وفي لفظ قد أقررت على نفسك مرتين ومثل هذا يشتهر فلم ينكر ولأنه يتضمن إتلافا في حد فكان من شرطه التكرار كحد الزنا ولأنه أحد حجتي القطع فيعتبر فيه التكرار كالشهادة وقياسهم ينتقض بحد الزنا عند من اعتبر التكرار ويفارق حق الآدمي لأن حقه مبني على الشح والتضييق ولا يقبل رجوعه عنه بخلاف مسألتنا

فصل ويعتبر أن يذكر في إقراره شروط السرقة من النصاب والحرز وإخراجه منه

فصل والحر والعبد في هذا سواء نص عليه أحمد وذلك لعموم النص فيهما ولما روى الأعمش عن القاسم عن أبيه أن عليا قطع عبدا أقر عنده بالسرقة وفي رواية قال كان عبدا يعني الذي قطعه علي ويعتبر أن يقر مرتين وروى مهنا عن أحمد إذا أقر العبد أربع مرات أنه سرق قطع وظاهر هذا أنه اعتبر إقراره أربع مرات ليكون على النصف من الحر والأول أصح لخبر علي ولأنه إقرار بحد فاستوى في عدده الحر والعبد كسائر الحدود

مسألة

قال ( ولا ينزع عن إقراره حتى يقطع )

هذا قول أكثر الفقهاء وقال ابن أبي ليلى وداود لا يقبل رجوعه لأنه لو أقر لآدمي بقصاص أو حق لم يقبل رجوعه عنه

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم للسارق ما إخالك سرقت عرض له ليرجع ولأنه حد لله تعالى ثبت بالاعتراف فقبل رجوعه عنه كحد الزنا ولأن الحدود تدرأ بالشبهات ورجوعه عنه شبهة لاحتمال أن يكون كذب على نفسه في اعترافه ولأنه أحد حجتي القطع فيبطل بالرجوع عنه كالشهادة ولأن حجة القطع زالت قبل استيفائه فسقط كما لو رجع الشهود وفارق حق لآدمي فإنه مبني على الشح والضيق ولو رجع الشهود عن الشهادة بعد الحكم لم يبطل برجوعهم ولم يمنع استيفاءها


120

إذا ثبت هذا فإنه إذا رجع قبل القطع سقط ولم يسقط غرم المسروق لأنه حق آدمي ولو أقر مرة واحدة لزمه غرامة المسروق دون القطع وإن كان رجوعه وقد قطع بعض المفصل لم يتممه إن كان يرجى برؤه لكونه قطع قليلا وإن قطع الأكثر فالمقطوع بالخيار إن شاء تركه وإن شاء قطعه ليستريح من تعليق كفه ولا يلزم القاطع قطعه لأن قطعه تداو وليس بحد

فصل قال أحمد لا بأس بتلقين السارق ليرجع عن إقراره وهذا قول عامة الفقهاء

روي عن عمر أنه أتي برجل فسأله أسرقت قل لا فقال لا فتركه وروي معنى ذلك عن أبي بكر الصديق وأبي هريرة وابن مسعود وأبي الدرداء وبه قال إسحاق وأبو ثور

وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للسارق ما إخالك سرقت وقال لماعز لعلك قبلت أو لمست وعن علي رضي الله عنه أن رجلا أقر عنده بالسرقة فانتهره وروي أنه طرده وروي أنه رده ولا بأس بالشفاعة في السارق ما لم يبلغ الإمام فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تعافوا الحدود فيما فما بينكم فما بلغني من حد وجب

وقال الزبير بن العوام في الشفاعة في الحد يفعل ذلك دون السلطان فإذا بلغ الإمام فلا أعفاه الله إن أعفاه وممن رأى ذلك الزبير وعمار وابن عباس وسعيد بن جبير والزهري والأوزاعي

وقال مالك إن لم يعرف بشر فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام وأما من عرف بشر وفساد فلا أحب أن يشفع له أحد ولكن يترك حتى يقام الحد عليه

وأجمعوا على أنه إذا بلغ الإمام لم تجز الشفاعة فيه لأن ذلك إسقاط حق وجب لله تعالى وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم حين شفع أسامة في المخزومية التي سرقت وقال أتشفع في حد من حدود الله تعالى وقال ابن عمر من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد ضاد الله في حكمه

مسألة

قال ( وإذا اشترك الجماعة في سرقة قيمتها ثلاثة دراهم قطعوا )

وبهذا قال مالك وأبو ثور

وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق لا قطع عليهم إلا أن تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا لأن كل واحد لم يسرق نصابا فلم يجب عليه قطع كما لو انفرد بدون النصاب وهذا القول أحب إلي لأن القطع هاهنا لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص والمجمع عليه فلا يجب والاحتياط بإسقاطه أولى من الاحتياط بإيجابه لأنه مما يدرأ بالشبهات

واحتج أصحابنا بأن النصاب أحد شرطي القطع فإذا اشترك الجماعة فيه كالواحد قياسا على هتك الحرز ولأن سرقة النصاب فعل يوجب القطع فاستوى فيه الواحد والجماعة كالقصاص ولم يفرق أصحابنا بين كون المسروق ثقيلا يشترك الجماعة في حمله وبين أن يخرج كل واحد منه جزءا ونص أحمد على هذا وقال مالك إن انفرد كل واحد بجزء منه لم يقطع واحد منهم كما لو انفرد كل واحد من قاطعي اليد بقطع جزء منها لم يجب القصاص

ولنا إنهم اشتركوا في هتك الحرز وإخراج النصاب فلزمهم القطع كما لو كان ثقيلا فحملوه وفارق القصاص فإنه تعتمد المماثلة ولا توجد المماثلة إلا أن توجد أفعالهم في جميع أجزاء اليد وفي مسألتنا القصد الزجر


121

من غير اعتبار مماثلة والحاجة إلى الزجر عن إخراج المال وسواء داخلا الحرز معا أو دخل أحدهما فأخرج بعض النصاب ثم دخل الآخر فأخرج باقيه لأنهما اشتركا في هتك الحرز وإخراج النصاب فلزمهما القطع كما لو حملاه معا

فصل فإن كان أحد الشريكين ممن لا قطع عليه كأبي المسروق منه قطع شريكه في أحد الوجهين كما لو شاركه في قطع يد ابنه

والثاني لا يقطع وهو أصح لأن سرقتهما جميعا صارت علة لقطعهما وسرقة الأب لا تصلح موجبة للقطع لأنه أخذ ما له أخذه بخلاف قطع يد ابنه فإن الفعل تمحض عدوانا وإنما سقط القصاص لفضيلة الأب لا لمعنى في فعله وهاهنا فعله قد تمكنت الشبهة منه فوجب أن لا يجب القطع به كاشتراك العامد والخاطىء وإن أخرج كل واحد منهما نصابا وجب القطع على شريك الأب لأنه انفرد بما يوجب القطع وإن أخرج الأب نصابا وشريكه دون النصاب ففيه الوجهان وإن اعترف اثنان بسرقة نصاب ثم رجع أحدهما فالقطع على الآخر لأنه اختص بالإسقاط فيختص بالسقوط ويحتمل أن يسقط عن شريكه لأن السبب السرقة منهما وقد اختار أحد جزأيها وكذلك لو أقر بمشاركة آخر في سرقة نصاب ولم يقر الآخر ففي القطع وجهان

فصل قال أحمد في رجلين دخلا دارا أحدهما في سفلها جمع المتاع وشده بحبل والآخر في علوها مد الحبل فرمى به وراء الدار فالقطع عليهما لأنهما اشتركا في إخراجه وإن دخلا جميعا فأخرج أحدهما المتاع وحده فقال أصحابنا القطع عليهما وبه قال أبو حنيفة وصاحباه إذا أخرج نصابين وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر القطع على المخرج وحده لأنه هو السارق وإن أخرج أحدهما دون النصاب والآخر أكثر من نصاب فتما نصابين فعند أصحابنا وأبي حنيفة وصاحبيه يجب القطع عليهما وعند الشافعي وموافقيه لا قطع على من لم يخرج نصابا فإن أخرج أحدهما نصابا والآخر دون النصاب فعند أصحابنا عليهم القطع وعند الشافعي القطع على مخرج النصاب وحده وعند أبي حنيفة لا قطع على واحد منهما لأن المخرج لم يبلغ نصبا بعدد السارقين وقد ذكرنا وجه ما قلنا فيما تقدم وإن نقبا حرزا ودخل أحدهما فقرب المتاع من النقب وأدخل الخارج يده فأخرجه فقال أصحابنا قياس قول أحمد أن القطع عليهما وقال الشافعي القطع على الخارج لأنه مخرج المتاع وقال أبو حنيفة لا قطع على واحد منهما

ولنا إنهما اشتركا في هتك الحرز وإخراج المتاع فلزمهما القطع كما لو حملاه معا فأخرجاه وإن وضعه في النقب فمد الآخر يده فأخذه فالقطع عليهما ونقل عن الشافعي في هذه المسألة قولان كالمذهبين في الصورة التي قبلها

فصل وإن نقب أحدهما وحده ودخل الآخر وحده فأخرج المتاع فلا قطع على واحد منهما لأن الأول لم يسرق والثاني لم يهتك الحرز وإنما سرق من حرز هتكه غيره فأشبه ما لو نقب رجل وانصرف وجاء آخر فصادف الحرز مهتوكا فسرق منه وإن نقب رجل وأمر غيره فأخرج المتاع فلا قطع أيضا على واحد منهما وإن كان المأمور صبيا لأن المميز له اختيار فلا يكون آلة للآمر كما لو أمره بقتل إنسان فقتله


122

وإن كان غير مميز وجب القطع على الآمر لأنه آلته وإن اشترك رجلان في النقب ودخل أحدهما فأخرج المتاع وحده أو أخذه وناوله للآخر خارجا من الحرز أو رمى به إلى خارج الحرز فأخذه الآخر فالقطع على الداخل وحده لأنه مخرج المتاع وحده مع المشاركة في النقب وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة لا قطع عليهما لأن الداخل لم ينفصل عن الحرز ويده على السرقة فلم يلزمه القطع كما لو أتلفه داخل الحرز

ولنا إن المسروق خرج من الحرز ويده عليه فوجب عليه القطع كما لو خرج به ويخالف إذا أتلفه فإنه لم يخرجه من الحرز

مسألة

قال ( ولا يقطع وإن اعترف أو قامت بينة حتى يأتي مالك المسروق يدعيه )

وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال أبو بكر يقطع ولا يفتقر إلى دعوى ولا مطالبة وهذا قول مالك وأبي ثور وابن المنذر لعموم الآية ولأن موجب القطع ثبت فوجب من غير مطالبة كحد الزنا

ولنا إن المال يباح بالبذل والإباحة فيحتمل أن مالكه أباحه إياه أو وقفه على المسلمين أو على طائفة السارق منهم أو أذن له في دخول حرزه فاعتبرت المطالبة لتزول هذه الشبهة

وعلى هذا يخرج الزنا فإنه لا يباح بالإباحة ولأن القطع أوسع في الإسقاط ألا ترى أنه إذا سرق مال ابنه لم يقطع ولو زنى بجاريته حد ولأن القطع شرع لصيانة مال الآدمي فله به تعلق فلم يستوف من غير حضور مطالب به والزنا حق لله تعالى محض فلم يفتقر إلى طلب به

إذا ثبت هذا فإن وكيل المالك يقوم مقامه في الطلب وقال القاضي إذا أقر بسرقة مال غائب حبس حتى يحضر الغائب لأنه يحتمل أن يكون قد أباحه ولو أقر بحق مطلق لغائب لم يحبس لأنه لا حق عليه لغير الغائب ولم يأمر بحبسه فلم يحبس وفي مسألتنا تعلق به حق الله تعالى وحق الآدمي فحبس لما عليه من حق الله تعالى فإن كانت العين في يده أخذها الحاكم وحفظها للغائب وإن لم يكن في يده شيء فإذا جاء الغائب كان الخصم فيها

فصل ولو أقر بسرقة من رجل فقال المالك لم تسرق مني ولكن غصبتني أو كان لي قبلك وديعة فجحدتني لم يقطع لأن إقراره لم يوافق دعوى المدعي وبهذا قال أبو ثور وأصحاب الرأي وإن أقر أنه سرق نصابا من رجلين فصدقه أحدهما دون الآخر أو قال الآخر بل غصبتنيه أو جحدتنيه لم يقطع وبه قال أصحاب الرأي وقال أبو ثور إذا قال الآخر غصبتنيه أو جحدتنيه قطع

ولنا إنه لم يوافق على سرقة نصاب فلم يقطع كالتي قبلها وإن وافقاه جميعا قطع وإن حضر أحدهما فطالب ولم يحضر الآخر لم يقطع لأن ما حصلت المطالبة به لا يوجب القطع بمفرده وإن أقر أنه سرق من رجل شيئا فقال الرجل قد فقدته من مالي فينبغي أن يقطع لما روي عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري عن أبيه أن عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني سرقت جملا لبني فلان


123

فطهرني فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فقالوا إنا افتقدنا جملا لنا فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت يده قال ثعلبة أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول الحمد لله الذي طهرني منك أردت أن تدخلي جسدي النار أخرجه ابن ماجة

فصل ومن ثبتت سرقته ببينة عادلة فأنكر لم يلتفت إلى إنكاره وإن قال أحلفوه لي إن سرقت منه لم يحلف لأن السرقة قد ثبتت بالبينة وفي إحلافه عليها قدح في الشهادة وإن قال الذي أخذته ملك لي كان لي عنده وديعة أو رهنا أو ابتعته منه أو وهبه لي أو أذن لي في أخذه أو غصبه مني أو من أبي أو بعضه لي فالقول قول المسروق منه مع يمينه لأن اليد ثبتت له فإن حلف سقطت دعوى السارق ولا قطع عليه لأنه يحتمل ما قال ولهذا أحلفنا المسروق منه وإن نكل قضينا عليه بنكوله وهذه إحدى الروايتين وهو منصوص الشافعي وعن أحمد رواية أخرى أنه يقطع لأن سقوط القطع بدعواه يؤدي إلى أن لا يجب قطع سارق فتفوت مصلحة الزجر وعنه رواية ثالثة أنه إن كان معروفا بالسرقة قطع لأنه يعلم كذبه وإلا سقط عنه القطع والأول أولى لأن الحدود تدرأ بالشبهات وإفضاؤه إلى سقوط القطع لا يمتنع اعتباره كما أن الشرع اعتبر في شهادة الزنا شروطا لا يقع معها إقامة حد ببينة أبدا على أنه لا يفضي إليه لازما فإن الغالب من السراق أنهم لا يعلمون هذا ولا يهتدون إليه وإنما يختص بعلم هذا الفقهاء الذين لا يسرقون غالبا وإن لم يحلف المسروق منه قضي عليه وسقط الحد وجها واحدا


124

كتاب قطاع الطريق

الأصل في حكمهم قول الله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض المائدة 33 وهذه الآية في قول ابن عباس وكثير من العلماء نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وبه يقول مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وحكي عن ابن عمر أنه قال نزلت هذه الآية في المرتدين وحكي ذلك عن الحسن وعطاء وعبد الكريم لأن سبب نزولها قصة العرنيين وكانوا ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الرعاة فاستاقوا إبل الصدقة فبعث النبي صلى الله عليه وسلم من جاء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقاهم في الحرة حتى ماتوا قال أنس فأنزل الله تعالى في ذلك إنما جزاء الذين يحاربون الله المائدة 33 الآية أخرجه أبو داود والنسائي ولأن محاربة الله ورسوله إنما تكون من الكفار لا من المسلمين

ولنا قول الله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم المائدة 34 والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة كما تقبل قبلها ويسقط عنهم القتل والقطع في كل حال والمحاربة قد تكون من المسلمين بدليل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله البقرة 278 279

مسألة

قال ( والمحاربون الذين يعرضون للقوم بالسلاح في الصحراء فيغصبونهم المال مجاهرة )

وجملته أن المحاربين الذين تثبت لهم أحكام المحاربة التي نذكرها بعد تعتبر لهم شروط ثلاثة أحدها أن يكون ذلك في الصحراء فإن كان ذلك منهم في القرى والأمصار فقد توقف أحمد رحمه الله فيهم وظاهر كلام الخرقي أنهم غير محاربين وبه قال أبو حنيفة والثوري وإسحاق لأن الواجب يسمى حد قطاع الطريق وقطع الطريق إنما هو في الصحراء ولأن من في المصر يلحق به الغوث غالبا فتذهب شوكة المعتدين ويكونون مختلسين والمختلس ليس بقاطع ولا حد عليه وقال كثير من أصحابنا هو قاطع حيث كان وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور لتناول الآية بعمومها كل محارب ولأن ذلك إذا وجد في المصر كان أعظم خوفا وأكثر ضررا فكان بذلك أولى

وذكر القاضي أن هذا إن كان في المصر مثل أن كبسوا دارا فكان أهل الدار بحيث لو صاحوا أدركهم الغوث فليس هؤلاء بقطاع طريق لأنهم في موضع يلحقهم الغوث عادة وإن حضروا قرية أو بلدا ففتحوه


125

وغلبوا على أهله أو محلة منفردة بحيث لا يدركهم الغوث عادة فهم محاربون لأنهم لا يلحقهم الغوث فأشبه قطاع الطريق في الصحراء

الشرط الثاني أن يكون معهم سلاح فإن لم يكن معهم سلاح فهم غير محاربين لأنهم لا يمنعون من يقصدهم ولا نعلم في هذا خلافا فإن عرضوا بالعصي والحجارة فهم محاربون وبه قال الشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة ليسوا محاربين لأنه لا سلاح معهم

ولنا إن ذلك من جملة السلاح الذي يأتي على النفس والطرف فأسيه الحديد

الشرط الثالث أن يأتوا مجاهرة ويأخذوا المال قهرا فأما إن أخذوه مختفين فهم سراق وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم وكذلك إن خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة فاستلبوا منها شيئا فليسوا بمحاربين لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم فهم قطاع طريق

مسألة

قال ( فمن قتل منهم وأخذ المال قتل وإن عفا صاحب المال وصلب حتى يشتهر ودفع إلى أهله ومن قتل منهم ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد ثم حسمتا وخلي )

روينا نحو هذا عن ابن عباس وبه قال قتادة ومجلز وحماد والليث والشافعي وإسحاق وعن أحمد أنه إذا قتل وأخذ المال قتل وقطع لأن كل واحدة من الجنايتين توجب حدا منفردا فإذا اجتمعا وجب حدهما معا كما لو زنى وسرق وذهبت طائفة إلى أن الإمام مخير فيهم بين القتل والصلب والقطع والنفي لأن أو تقتضي التخيير كقوله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة المائدة 89 وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد والحسن والضحاك والنخعي وأبي الزناد وأبي ثور وداود وروي عن ابن عباس ما كان في القرآن ( أو ) فصاحبه بالخيار

وقال أصحاب الرأي إن قتل قتل وإن أخذ المال قطع وإن قتل وأخذ المال فالإمام مخير بين قتله وصلبه وبين قتله وقطعه وبين أن يجمع له ذلك كله لأنه قد وجد منه ما يوجب القتل والقطع فكان للإمام فعلهما كما لو قتل وقطع في غير قطع طريق وقال مالك إذا قطع الطريق فرآه الإمام جلدا ذا رأي قتله وإن كان جلدا لا رأي له قطعه ولم يعتبر فعله

ولنا على أنه لا يقتل إذا لم يقتل لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق فأما ( أو ) فقد قال ابن عباس مثل قولنا فإما أن يكون توقيفا أو لغة وأيهما كان فهو حجة يدل عليه أنه بدأ بالأغلظ فالأغلظ وعرف القرآن فيما أريد به التخيير البداءة بالأخف ككفارة اليمين وما أريد به الترتيب بدىء فيه بالأغلظ فالأغلظ ككفارة الظهار والقتل ويدل عليه أيضا أن العقوبات تختلف باختلاف الإجرام ولذلك اختلف حكم الزاني والقاذف والسارق وقد سووا بينهم مع


126

اختلاف جناياتهم وهذا يرد على مالك فإنه إنما اعتبر الجلد والرأي دون الجنايات وهو مخالف للأصول التي ذكرناها

وأما قول أبي حنيفة فلا يصح لأن القتل لو وجب لحق الله تعالى لم يخير الإمام فيه كقطع السارق وكما لو انفرد بأخذ المال ولأن الحدود لله تعالى إذا كان فيها قتل سقط ما دونه كما لو سرق وزنى وهو محصن

وقد روي عن ابن عباس قال وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بردة الأسلمي فجاء ناس يريدون الإسلام فقطع عليهم أصحابه فنزل جبريل عليه السلام بالحد فيهم أن من قتل وأخذ المال قتل وصلب ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف

وقيل إنه رواه أبو داود وهذا كالمسند وهو نص

فإذا ثبت هذا فإن قاطع الطريق لا يخلو من أحوال خمس الأولى إذا قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب في ظاهر المذهب وقتله متحتم لا يدخله عفو

أجمع على هذا كل أهل العلم قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم روي ذلك عن عمر وبه قال سليمان بن موسى والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ولأنه حد من حدود الله تعالى فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود وهل يعتبر التكافؤ بين القاتل والمقتول فيه روايتان إحداهما لا يعتبر بل يؤخذ الحر بالعبد والمسلم بالذمي والأب بالابن لأن هذا القتل حد لله تعالى فلا تعتبر فيه المكافأة كالزنا والسرقة

والثانية تعتبر المكافأة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتل مسلم بكافر والحد فيه انحتامه بدليل أنه لو تاب قبل القدرة عليه سقط انحتام

ولم يسقط القصاص فعلى هذه الرواية إذا قتل المسلم ذميا أو الحر عبدا أو أخذ ماله قطعت يده ورجله من خلاف لأخذه المال وغرم دية الذمي وقيمة العبد وإن قتله ولم يأخذ مالا غرم ديته ونفي وذكر القاضي أنه إنما يتحتم قتله إذا قتله ليأخذ المال وإن قتله لغير ذلك مثل أن يقصد قتله لعداوة بينهما فالواجب قصاص غير متحتم وإذا قتل صلب لقول الله تعالى أو يصلبوا المائدة 33 والكلام فيه في ثلاثة أمور أحدها في وقته ووقته بعد القتل وبهذا قال الشافعي وقال الأوزاعي ومالك والليث وأبو حنيفة وأبو يوسف يصلب حيا ثم يقتل مصلوبا يطعن بالحربة لأن الصلب عقوبة وإنما يعاقب الحي لا الميت ولأنه جزاء على المحاربة فيشرع في الحياة كسائر الأجزية

ولأن الصلب بعد قتله يمنع تكفينه ودفنه فلا يجوز

ولنا إن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظا والترتيب بينهما ثابت بغير خلاف فيجب تقديم الأول في اللفظ كقوله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله البقرة 158 ولأن القتل إذا أطلق في لسان الشرع كان قتلا بالسيف

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتل وأحسن القتل هو القتل


127

بالسيف وفي صلبه حيا تعذيب له وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الحيوان وقولهم إنه جزاء على المحاربة قلنا لو شرع لردعه لسقط بقتله كما يسقط سائر الحدود مع القتل وإنما شرع الصلب ردعا لغيره ليشتهر أمره وهذا يحصل بصلبه بعد قتله وقولهم يمنع تكفينه ودفنه قلنا هذا لازم لهم لأنهم يتركونه بعد قتله مصلوبا

الثاني في قدره ولا توقيت فيه إلا قدر ما يشتهر أمره قال أبو بكر لم يوقت أحمد في الصلب فأقول يصلب قدر ما يقع عليه الاسم والصحيح توقيته بما ذكر الخرقي من الشهرة لأن المقصود يحصل به وقال الشافعي يصلب ثلاثا وهو مذهب أبي حنيفة وهذا توقيت بغير توقيف فلا يجوز مع أنه في الظاهر يفضي إلى تغيره ونتنه وأذى المسلمين برائحته ونظره ويمنع تغسيله وتكفينه ودفنه فلا يجوز بغير دليل

الثالث في وجوبه وهذا واجب حتم في حق من قتل وأخذ المال لا يسقط بعفو ولا غيره وقال أصحاب الرأي إن شاء الإمام صلب وإن شاء لم يصلب

ولنا حديث ابن عباس أن جبريل نزل بأن من قتل وأخذ المال صلب ولأنه شرع حدا فلم يتخير بين فعله وتركه كالقتل وسائر الحدود

إذا ثبت هذا فإنه إذا اشتهر أنزل ودفع إلى أهله فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن

فصل وإن مات قبل قتله لم يصلب

لأن الصلب من تمام الحد وقد فات الحد بموته فيسقط ما هو من تتمته وإن قتل في المحاربة بمثقل قتل كما لو قتل بمحدد لأنهما سواء في وجوب القصاص بهما وإن قتل بآلة لا يجب القصاص بالقتل بها كالسوط والعصا والحجر الصغير فظاهر كلام الخرقي أنهم يقتلون أيضا لأنهم دخلوا في العموم

الحال الثاني قتلوا ولم يأخذوا المال فإنهم يقتلون ولا يصلبون وعن أحمد رواية أخرى أنهم يصلبون لأنهم محاربون يجب قتلهم فيصلبون كالذين أخذوا المال والأولى أصح لأن الخبر المروي فيهم قال فيه ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يذكر صلبا ولأن جنايتهم بأخذ المال مع القتل تزيد على الجناية بالقتل وحده فيجب أن تكون عقوبتهم أغلظ ولو شرع الصلب ها هنا لاستويا والحكم في تحتم القتل وكونه حدا ها هنا كالحكم فيه إذا قتل وأخذ المال

فصل وإذا جرح المحارب جرحا في مثله قصاص فهل يتحتم فيه القصاص على روايتين إحداهما لا يتحتم لأن الشرع لم يرد بشرع الحد في حقه بالجراح فإن الله تعالى ذكر في حدود المحاربين القتل والصلب والقطع والنفي فلم يتعلق بالمحاربة غيرها فلا يتحتم بخلاف القتل فإنه حد فتحتم كسائر الحدود فحينئذ لا يجب فيه أكثر من القصاص

والثانية يتحتم لأن الجراح تابعة للقتل فيثبت فيها مثل حكمه ولأنه نوع قود أشبه القود في النفس والأولى أولى

وإن جرحه جرحا لا قصاص فيه كالجائفة فليس فيه إلا الدية وإن جرح إنسانا وقتل آخر اقتص


128

منه للجراح وقتل للمحاربة وقال أبو حنيفة تسقط الجراح لأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سوى القتل

ولنا إنها جناية يجب بها القصاص في غير المحاربة فيجب بها في المحاربة كالقتل ولا نسلم أن القصاص في الجراح حد وإنما هو قصاص متمحض فأشبه ما لو كان الجرح في غير المحاربة وإن سلمنا أنه حد فإنه مشروع مع القتل فلم يسقط به كالصلب وكقطع اليد والرجل

الحال الثالث أخذ المال ولم يقتل فإنه تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى وهذا معنى قوله سبحانه ( من خلاف ) وإنما قطعنا يده اليمنى للمعنى الذي قطعنا به يمنى السارق ثم قطعنا رجله اليسرى لتتحقق المخالفة وليكون أرفق به في إمكان مشيه

ولا ينتظر اندمال اليد في قطع الرجل بل يقطعان معا يبدأ بيمينه فتقطع وتحسم ثم برجله لأن الله تعالى بدأ بذكر الأيدي ولا خلاف بين أهل العلم في أنه لا يقطع منه غير يد ورجل إذا كانت يداه ورجلاه صحيحتين فأما إن كان معدوم اليد والرجل إما لكونه قد قطع في قطع طريق أو سرقة أو قصاص أو لمرض فمقتضى كلام الخرقي سقوط القطع عنه سواء كانت اليد اليمنى والرجل اليسرى أو بالعكس لأن قطع زيادة على ذلك يذهب بمنفعة الجنس أما منفعة البطش أو المشي أو كليهما وهذا مذهب أبي حنيفة وعلى الرواية التي تستوفي أعضاء السارق الأربعة بقطع ما بقي من أعضائه فإن كانت يده اليمنى مقطوعة قطعت رجله اليسرى وحدها ولو كانت يداه صحيحتين ورجله اليسرى مقطوعة قطعت يمنى يديه ولم يقطع غير ذلك وجها واحدا وهو مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا لأنه وجد في محل الحد ما يستوفي فاكتفى باستيفائه كما لو كانت اليد ناقصة بخلاف التي قبلها وإن كان ما وجب قطعه أشل

فذكر أهل الطب أن قطعه يفضي إلى تلفه لم يقطع

وكان حكمه حكم المعدوم وإن قالوا لا يفضي إلى تلفه ففي قطعه روايتان ذكرناهما في قطع السارق

الحال الرابع إذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالا

الحال الخامس إذا تابوا قبل القدرة عليهم

ويأتي ذكر حكمهما إن شاء الله تعالى

مسألة

قال ( ولا يقطع منهم إلا من أخذ ما يقطع السارق في مثله )

وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال مالك وأبو ثور للإمام أن يحكم عليه حكم المحارب لأنه محارب لله ولرسوله ساع في الأرض بالفساد فيدخل في عموم الآية ولأنه لا يعتبر الحرز فكذلك النصاب

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا قطع إلا في ربع دينار ولم يفصل ولأن هذه جناية تعلقت بها عقوبة في حق غير المحارب فلا تتغلظ في المحارب بأكثر من وجه واحد كالقتل يغلظ بالانحتام كذلك ها هنا تتغلظ بقطع الرجل


129

معها ولا تتغلظ بما دون النصاب وأما الحرز فهو معتبر فإنهم لو أخذوا مالا مضيعا لا حافظ له لم يجب القطع وإن أخذوا ما يبلغ نصابا ولا تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا قطعوا على قياس قولنا في السرقة وقياس قول الشافعي وأصحاب الرأي أنه لا يجب القطع حتى تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا ويشترط أيضا أن لا تكون لهم شبهة فيما يأخذونه من المال على ما ذكرنا في المسروق

مسألة

قال ( ونفيهم أن يشردوا فلا يتركوا يأوون في بلد )

وجملته أن المحاربين إذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالا فإنهم ينفون من الأرض لقول الله تعالى أو ينفوا من الأرض المائدة 33 ويروى عن ابن عباس أن النفي يكون في هذه الحالة وهو قول النخعي وقتادة وعطاء الخراساني والنفي هو تشريدهم عن الأمصار والبلدان فلا يتركون يأوون بلدا ويروى نحو هذا عن الحسن والزهري وعن ابن عباس أنه ينفي من بلده إلى بلد غيره كنفي الزاني وبه قال طائفة من أهل العلم قال أبو الزناد كان منفى الناس إلى باضع من أرض الحبشة وذلك أقصى تهامة اليمن وقال مالك يحبس في البلد الذي ينفى إليه كقوله في الزاني وقال أبو حنيفة نفيه حسبه حتى يحدث توبة ونحو هذا قال الشافعي فإنه قال في هذه الحال يعزرهم الإمام وإن رأى أن يحبسهم حبسهم وقيل عنه النفي طلب الإمام لهم ليقيم فيهم حدود الله تعالى وروي ذلك عن ابن عباس وقال ابن سريج يحبسهم في غير بلدهم وهذا مثل قول مالك وهذا أولى لأن تشريدهم إخراج لهم إلى مكان يقطعون فيه الطريق ويؤذون به الناس فكان حبسهم أولى وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى معناها أن نفيهم طلب الإمام لهم فإذا ظفر بهم عزرهم بما يردعهم

ولنا ظاهر الآية فإن النفي الطرد والإبعاد والحبس إمساك وهما يتنافيان فأما نفيهم إلى غير مكان معين فلقوله سبحانه أو ينفوا من الأرض المائدة 33 وهذا يتناول نفيه من جميعها وما ذكروه يبطل بنفي الزاني فإنه ينفى إلى مكان يحتمل أن يوجد منه الزنا فيه ولم يذكر أصحابنا قدر مدة نفيهم فيحتمل أن تتقدر مدته بما تظهر فيه توبتهم وتحسن سيرتهم ويحتمل أن ينفوا عاما كنفي الزاني

مسألة

قال ( فإن تابوا من قبل أن يقدر عليهم سقطت عنهم حدود الله تعالى وأخذوا بحقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال إلا أن يعفى لهم عنها )

لا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور والأصل في هذا قول الله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم المائدة 34 فعلى هذا يسقط عنهم تحتم القتل والصلب والقطع والنفي ويبقى عليهم القصاص في النفس والجراح وغرامة المال والدية لما لا قصاص فيه فأما إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شيء من الحدود لقول الله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم المائدة 34 فأوجب عليهم الحد ثم استثنى التائبين قبل القدرة فمن عداهم يبقى على


130

قضية العموم ولأنه إذا تاب قبل القدرة فالظاهر أنها توبة إخلاص وبعدها الظاهر أنها تقيه من إقامة الحد عليه ولأن في قبول توبته وإسقاط الحد عنه قبل القدرة ترغيبا في توبته والرجوع عن محاربته وإفساده فناسب ذلك الإسقاط عنه وأما بعدها فلا حاجة إلى ترغيبه لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة

فصل وإن فعل المحارب ما يوجب حدا لا يختص المحاربة كالزنا والقذف وشرب الخمر والسرقة فذكر القاضي أنها تسقط بالتوبة لأنها حدود الله تعالى فتسقط بالتوبة كحد المحاربة إلا حد القذف فإنه لا يسقط لأنه حق آدمي ولأن في إسقاطها ترغيبا في التوبة ويحتمل أن لا تسقط لأنها لا تختص المحاربة فكانت في حقه كهي في حق غيره وإن أتى حدا قبل المحاربة ثم حارب وتاب قبل القدرة عليه لم يسقط الحد الأول لأن التوبة إنما يسقط بها الذنب الذي تاب منه دون غيره

فصل وإن تاب من عليه حد من غير المحاربين وأصلح ففيه روايتان إحداهما يسقط عنه لقول الله تعالى واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما النساء 16 وذكر حد السارق ثم قال فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه المائدة 39 وقال النبي صلى الله عليه وسلم التائب من الذنب كمن لا ذنب له ومن لا ذنب له لا حد عليه وقال في ماعز لما أخبر بهربه هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه ولأنه خالص حق الله تعالى فيسقط بالتوبة كحد المحارب

والرواية الثانية لا يسقط وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لقول الله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2 وهذا عام في التائبين وغيرهم وقال تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة 38 ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية وقطع الذي أقر بالسرقة وقد جاؤوا تائبين يطلبون التطهير بإقامة الحد وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلهم توبة فقال في حق المرأة لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وجاء عمرو بن سمرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني سرقت جملا لبني فلان فطهرني وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الحد عليهم ولأن الحد كفارة فلم يسقط بالتوبة ككفارة اليمين والقتل ولأنه مقدور عليه فلم يسقط عند الحد بالتوبة كالمحارب بعد القدرة عليه فإن قلنا بسقوط الحد بالتوبة فهل يسقط بمجرد التوبة أو بها مع إصلاح العمل فيه وجهان أحدهما يسقط بمجردها وهو ظاهر قول أصحابنا لأنها توبة مسقطة للحد فأشبهت توبة المحارب قبل القدرة عليه

والثاني يعتبر إصلاح العمل لقول الله تعالى فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما النساء 16 وقال فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه المائدة 39 فعلى هذا القول يعتبر مضي مدة يعلم بها صدق توبته


131

وصلاح نيته وليست مقدرة بمدة معلومة وقال بعض أصحاب الشافعي مدة ذلك سنة وهذا توقيت بغير توقيت فلا يجوز

فصل وحكم الردء من القطاع حكم المباشر بهذا قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي ليس على الردء إلا التعزير لأن الحد يجب بارتكاب المعصية فلا يتعلق بالمعين كسائر الحدود

ولنا إنه حكم يتعلق بالمحاربة فاستوى فيه الردء والمباشر كاستحقاق الغنيمة وذلك لأن المحاربة مبنية على حصول المنعة والمعاضدة والمناصرة فلا يتمكن المباشر من فعله إلا بقوة الردء بخلاف سائر الحدود فعلى هذا إذا قتل واحد منهم ثبت حكم القتل في حق جميعهم فيجب قتل جميعهم وإن قتل بعضهم وأخذ بعضهم المال جاز قتلهم وصلبهم كما لو فعل الأمرين كل واحد منهم

فصل وإن كان فيهم صبي أو مجنون أو ذو رحم من المقطوع عليه لم يسقط الحد عن غيره في قول أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة يسقط الحد عن جميعهم ويصير القتل للأولياء إن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفو لأن حكم الجميع واحد فالشبهة في فعل واحد شبهة في حق الجميع

ولنا إنها شبهة اختص بها واحد فلم يسقط الحد عن الباقين كما لو اشتركوا في وطء امرأة وما ذكروه لا أصل له فعلى هذا لا حد على الصبي والمجنون وإن باشرا القتل وأخذا المال لأنهما ليسا من أهل الحدود وعليهما ضمان ما أخذ من المال في أموالهما ودية قتيلهما على عاقلتهما ولا شيء على الردء لهما لأنه إذا لم يثبت ذلك للمباشر لم يثبت لمن هو تبع له بطريق الأولى وإن كان المباشر غيرهما لم يلزمهما شيء لأنهما لم يثبت في حقهما حكم المحاربة وثبوت الحكم في حق الردء ثبت بالمحاربة

فصل وإن كان فيهم امرأة ثبت في حقها حكم المحاربة فمتى قتلت وأخذت المال فحدها حد قطاع الطريق وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب عليها الحد ولا على من معها لأنها ليست من أهل المحاربة كالرجل فأشبهت الصبي والمجنون ولنا إنها تحد في السرقة فيلزمها حكم المحاربة كالرجل وتخالف الصبي والمجنون ولأنها مكلفة يلزمها القصاص وسائر الحدود فلزمها هذا الحد كالرجل إذا ثبت هذا فإنها إن باشرت القتل أو أخذ المال ثبت حكم المحاربة في حق من معها لأنهم ردء لها وإن فعل ذلك غيرها ثبت حكمه في حقها لأنها ردء له كالرجل سواء وإن قطع أهل الذمة الطريق أو كان مع المحاربين المسلمين ذمي فهل ينتقض عهدهم بذلك فيه روايتان فإن قلنا ينتقض عهدهم حلت دماؤهم وأموالهم بكل حال وإن قلنا لا ينتقض عهدهم حكمنا عليهم بما نحكم على المسلمين

فصل وإذا أخذ المحاربون المال وأقيمت فيهم حدود الله تعالى فإن كانت الأموال موجودة ردت إلى مالكها وإن كانت تالفة أو معدومة وجب ضمانها على آخذها وهذا مذهب الشافعي ومقتضى قول أصحاب الرأي أنها إن كانت تالفة لم يلزمهم غرامتها كقولهم في المسروق إذا قطع السارق ووجه المذهبين ما تقدم في السرقة ويجب الضمان على الآخذ دون الردء لأن وجود الضمان ليس بحد فلا يتعلق بغير المباشر له


132

كالغصب والنهب ولو تاب المحاربون قبل القدرة عليهم وتعلقت بهم حقوق الآدميين من القصاص والضمان لاختص ذلك بالمباشر دون الردء لذلك ولو وجب الضمان في السرقة لتعلق بالمباشر دون الردء لما ذكرنا والله أعلم

فصل إذا اجتمعت الحدود لم تخل من ثلاثة أقسام القسم الأول أن تكون خالصة لله تعالى فهي نوعان أحدهما أن يكون فيها قتل مثل أن يسرق ويزني وهو محصن ويشرب الخمر ويقتل في المحاربة فهذا يقتل ويسقط سائرها وهذا قول ابن مسعود وعطاء والشعبي والنخعي والأوزاعي وحماد ومالك وأبي حنيفة وقال الشافعي يستوفى جميعها لأن ما وجب مع غير القتل وجب مع القتل كقطع اليد قصاصا

ولنا قول ابن مسعود قال سعيد حدثنا حسان بن على حدثنا مجالد عن عامر عن مسروق عن عبد الله قال إذا اجتمع حدان أحدهما القتل أحاط القتل بذلك وقال إبراهيم يكفيه القتل

وقال حدثنا هشيم أخبرنا حجاج عن إبراهيم والشعبي وعطاء أنهم قالوا مثل ذلك وهذه أقوال انتشرت في عصر الصحابة والتابعين ولم يظهر لها مخالف فكانت إجماعا ولأنها حدود لله تعالى فيها قتل فسقط ما دونه كالمحارب إذا قتل وأخذ المال فإنه يكتفي بقتله ولا يقطع ولأن هذه الحدود تراد لمجرد الزجر ومع القتل لا حاجة إلى زجره ولا فائدة فيه فلا يشرع ويفارق القصاص فإن فيه غرض التشفي والانتقام ولا يقصد منه مجرد الزجر إذا ثبت هذا فإنه إذا وجد ما يوجب الرجم والقتل للمحاربة أو القتل للردة أو لترك الصلاة فينبغي أن يقتل للمحاربة ويسقط الرجم لأن في القتل للمحاربة حق آدمي في القصاص وإنما أثرت المحاربة في تحريمه وحق الآدمي يجب تقديمه

النوع الثاني أن لا يكون فيها قتل فإن جميعها يستوفى من غير خلاف نعلمه ويبدأ بالأخف فالأخف فإذا شرب وزنى وسرق حد للشرب أو لا ثم حد للزنا ثم قطع للسرقة وإن أخذ المال في المحاربة قطع لذلك ويدخل فيه القطع للسرقة ولأن محل القطعين واحد فتداخلا كالقتلين وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يتخير بين البداءة بحد الزنا وقطع السرقة لأن كل واحد منهما ثبت بنص القرآن ثم يحد للشرب

ولنا إن حد الشرب أخف فيقدم كحد القذف ولا نسلم أن حد الشرب غير منصوص عليه في السنة ومجمع على وجوبه وهذا التقديم على سبيل الاستحباب ولو بدأ بغيره جاز ووقع الموقع ولا يوالي بين هذه الحدود لأنه ربما أفضى إلى تلفه بل متى برأ من حد أقيم الذي يليه

القسم الثاني الحدود الخاصة للآدمي وهو القصاص وحد القذف فهذه تستوفى كلها ويبدأ بأخفها فيحد للقذف ثم يقطع ثم يقتل لأنها حقوق للآدميين أمكن استيفاؤها فوجب كسائر حقوقهم وهذا قول الأوزاعي والشافعي وقال أبو حنيفة يدخل ما دون القتل فيه احتجاجا بقول ابن مسعود وقياسا على الحدود الخالصة لله تعالى


133

ولنا إن ما دون القتل حق لآدمي فلم يسقط به كذنوبهم وفارق حق الله تعالى فإنه مبني على المسامحة

القسم الثالث أن تجتمع حدود الله وحدود الآدميين وهذه ثلاثة أنواع أحدها أن لا يكون فيها قتل فهذه تستوفى كلها وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وعن مالك أن حدي الشرب والقذف يتداخلان لاستوائهما فهما كالقتلين والقطعين

ولنا إنهما حدان من جنسين لا يفوت بهما المحل فلم يتداخلا كحد الزنا والشرب ولا نسلم استواءهما فإن حد الشرب أربعون وحد القذف ثمانون وإن سلم استواءهما لم يلزم تداخلهما لأن ذلك لو اقتضى تداخلهما لوجب دخولهما في حد الزنا لأن الأقل مما يتداخل يدخل في الأكثر وفارق القتلين والقطعين لأن المحل يفوت بالأول فيتعذر استيفاء الثاني وهذا بخلافه فعلى هذا يبدأ بحد القذف لأنه اجتمع فيه معنيان خفته وكونه حقا لآدمي شحيح إلا إذا قلنا حد الشرب أربعون فإنه يبدأ به لخفته ثم بحد القذف وأيهما قدم فالآخر يليه ثم بحد الزنا فإنه لا إتلاف فيه ثم بالقطع هكذا ذكره القاضي وقال أبو الخطاب يبدأ بالقطع قصاصا لأنه حق آدمي متمحض فإذا برأ حد للقذف إذا قلنا هو حق آدمي ثم يحد للشرب فإذا برأ حد للزنا لأن حق الآدمي يجب تقديمه لتأكده

النوع الثاني أن تجتمع حدود الله تعالى وحدود الآدمي وفيها قتل فإن حدود الله تعالى تدخل في القتل سواء كان من حدود الله تعالى كالرجم في الزنا والقتل للمحاربة أو الردة أو لحق آدمي كالقصاص لما قدمناه وأما حقوق الآدمي فتستوفى كلها ثم إن كان القتل حقا لله تعالى استوفيت الحقوق كلها متوالية لأنه لا بد من فوات نفسه فلا فائدة في التأخير وإن كان القتل حقا لآدمي انتظرت باستيفائه الثاني برأه من الأول لوجهين أحدهما أن الموالاة بينهما يحتمل أن تفوت نفسه قبل القصاص فيفوت حق الآدمي

والثاني أن العفو جائز فتأخيره يحتمل أن يعفو الولي فيحيا بخلاف القتل حقا لله سبحانه

النوع الثالث أن يتفق الحقان في محل واحد ويكون تفويتا كالقتل والقطع قصاصا واحدا فإن كان فيه ما هو حالص لحق الله تعالى كالرجم في الزنا وما هو حق لآدمي كالقصاص قدم القصاص لتأكد حق الآدمي وإن اجتمع القتل للقتل في المحاربة والقصاص بدىء بأسبقهما لأن القتل في المحاربة فيه حق لآدمي أيضا فيقدم أسبقهما فإن سبق القتل في المحاربة استوفي ووجب لولي المقتول الآخر ديته في مال الجاني وإن سبق القصاص قتل قصاصا ولم يصلب لأن الصلب من تمام الحد وقد سقط الحد بالقصاص فسقط الصلب كما لو مات ويجب لولي المقتول في المحاربة ديته لأن القتل تعذر استيفاؤه وهو القصاص فصار الوجوب إلى الدية وهكذا لو مات القاتل في المحاربة وجبت الدية في تركته لتعذر استيفاء القتل من القاتل ولو كان القصاص سابقا فعفا ولي المقتول استوفي للمحاربة سواء عفا مطلقا أو إلى الدية وهذا مذهب الشافعي وأما القطع فإذا اجتمع وجوب القطع في يد أو رجل قصاصا وحدا قدم القصاص على الحد المتمحض لله تعالى لما ذكرناه سواء تقدم سببه أو تأخر وإن عفا ولي الجناية استوفي الحد فإذا قطع يدا وأخذ المال في المحاربة قطعت يده


134

قصاصا وينتظر برؤه فإذا برأ قطعت رجله للمحاربة لأنهما حدان وإنما قدم القصاص في القطع دون القتل لأن القطع في المحاربة حد محصن وليس بقصاص والقتل فيها يتضمن القصاص ولهذا لو فات القتل في المحاربة وجبت الدية ولو فات القطع لم يجب له بدل وإذا ثبت أنه يقدم القصاص على القطع في المحاربة فقطع يده قصاصا فإن رجله تقطع وهل تقطع يده الأخرى نظرنا فإن كان المقطوع بالقصاص قد كان يستحق القطع بالمحاربة قبل الجناية الموجبة للقصاص فيه لم يقطع أكثر من العضو الباقي من العضوين اللذين استحق قطعهما لأن محل القطع ذهب بعارض حادث فلم يجب قطع بدله كما لو ذهبت بعدوان أو بمرض وعلى هذا لو ذهب العضوان جميعا سقط القطع عنه بالكلية وإن كان سبب القطع قصاصا سابقا على محاربته أو كان المقطوع غير العضو الذي وجب قطعه في المحاربة مثل أن وجب عليه القصاص في يساره بعد وجوب قطع يمناه في المحاربة فهل تقطع اليد الأخرى للمحاربة على وجهين بناء على الروايتين في قطع يسرى السارق بعد يمينه إن قلنا تقطع ثم قطعت هاهنا وإلا فلا وإن شرق وأخذ المال في المحاربة قطعت يده اليمنى لأسبقهما فإن كانت المحاربة سابقة قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحسمتاه وهل تقطع يسرى يديه للسرقة على الروايتين فإن قلنا تقطع انتظر برؤه من القطع للمحاربة لأنهما حدان وإن كانت السرقة سابقة قطعت يمناه للسرقة ولا تقطع رجله للمحاربة حتى تبرأ يده وهل تقطع يسرى يديه للمحاربة على وجهين

فصل وإن سرق وقتل في المحاربة ولم يأخذ المال قتل حتما ولم يصلب ولم تقطع يده لأنهما حدان فيهما قتل فدخل ما دون القتل فيه ولم يصلب لأن الصلب من تمام حد قاطع الطريق إذا أخذ المال مع القتل ولم يوجد وهذان حدان كل واحد منهما منفصل عن صاحبه فإذا اجتمعا تداخلا وإن قتل في المحاربة جماعة قتل بالأول حتما وللباقين ديات أوليائهم لأن قتله استحق بقتل الأول وتحتم بحيث لا يسقط فتعينت حقوق الباقين في الدية كما لو مات

فصل إذا شهد عدلان على رجل أنه قطع عليهما الطريق وعلى فلان وأخذ متاعهم لم تقبل شهادتهم لأنهما صارا خصمين له بقطعه عليهما وإن قالا نشهد أن هذا قطع الطريق على فلان وأخذ متاعه قبلت شهادتهما ولم يشأ لهما الحاكم هل قطع عليكما معه أم لا لأنه لا يسألهما ما لم يدع عليهما

وإن عاد المشهود له فشهد عليه أنه قطع عليهما الطريق وأخذ متاعهما لم تقبل شهادته لأنه صار عدوا له بقطعه الطريق عليه وإن شهد شاهدان أن هؤلاء عرضوا لنا في الطريق وقطعوها على فلان قبلت شهادتهما لأنه لم يثبت كونهما خصمين بما ذكراه


135

كتاب الأشربة

الخمر محرم بالكتاب والسنة والإجماع

أما الكتاب فقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه المائدة 90

إلى قوله فهل أنتم منتهون المائدة 91

وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم كل مسكر خمر وكل خمر حرام رواه أبو داود والإمام أحمد وروى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه رواه أبو داود وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر وأجمعت الأمة على تحريمه وإنما حكي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معد يكرب وأبي جندل بن سهيل أنهم قالوا هي حلال لقول الله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا المائدة 93

فبين لهم علماء الصحابة معنى هذه الآية وتحريم الخمر وأقاموا عليهم الحد لشربهم إياها فرجعوا إلى ذلك فانعقد الإجماع فمن استحلها الآن فقد كذب النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد علم ضرورة من جهة النقل تحريمه فيكفر بذلك ويستتاب فإن تاب وإلا قتل

وروى الجوزجاني بإسناده عن ابن عباس أن قدامة بن مظعون شرب الخمر فقال له عمر ما حملك على ذلك فقال إن الله عز وجل يقول ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا المائدة 93

وإني من المهاجرين الأولين من أهل بدر وأحد فقال عمر للقوم أجيبوا الرجل فسكتوا عنه فقال لابن عباس أجبه فقال إنما أنزلها الله تعالى عذرا للماضين لمن شربهما قبل أن تحرم وأنزل إنما الخمر والميسر والأنصاب المائدة 90

حجة على الناس ثم سأل عمر الحد فيها فقال علي بن أبي طالب إذا شرب هذى وإذا هذي افترى فاجلدوه ثمانين جلدة فجلده عمر ثمانين جلدة

وروى الواقدي أن عمر قال له أخطأت التأويل يا قدامة إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك وروى الخلال بإسناده عن محارب بن دثار أن أناسا شربوا بالشام الخمر فقال لهم يزيد بن أبي سفيان شربتم الخمر قالوا نعم يقول الله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا المائدة 93

فكتب فيهم إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه إن أتاك كتابي هذا نهارا فلا تنتظر بهم إلى الليل وإن أتاك ليلا فلا تنتظر بهم نهارا حتى تبعث بهم إلي لئلا يفتنوا عباد الله فبعث بهم إلى عمر فشاور فيهم الناس فقال لعلي ما ترى فقال أرى أنهم قد شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم فقد أحلوا ما حرم الله وإن زعموا أنها حرام فاجلدوهم ثمانين فقد افتروا على الله وقد أخبرنا الله عز وجل بحد ما يفتري بعضنا على بعض فحدهم عمر ثمانين ثمانين إذا ثبت هذا فالمجمع على تحريمه عصير العنب إذا اشتذ وقذف زبده وما


136

عداه من الأشربة المسكرة فهو محرم وفيه اختلاف نذكره إن شاء الله تعالى

مسألة

قال ( ومن شرب مسكرا قل أو كثر جلد ثمانين جلدة إذا شربها وهو مختار لشربها وهو يعلم أن كثيرها يسكر )

الكلام في هذه المسألة في فصول أحدها أن كل مسكر حرام قليله وكثيره وهو خمر حكمه حكم عصير العنب في تحريمه ووجوب الحد على شاربه وروي تحريم ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص أبي بن كعب وأنس وعائشة رضي الله عنهم وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والقاسم وقتادة وعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد وإسحاق وقال أبو حنيفة في عصير العنب إذا طبخ فذهب ثلثاه ونقيع التمر والزبيب إذا طبخ وإن لم يذهب ثلثاه ونبيذ الحنطة والذرة والشعير ونحو ذلك نقيعا كان أو مطبوخا كل ذلك حلال إلا ما بلغ السكر فأما عصير العنب إذا اشتد وقذف زبده أو طبخ فذهب أقل من ثلثيه ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ فهذا محرم قليله وكثيره لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حرمت الخمرة لعينها والمسكر من كل شراب

ولنا ما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مسكر خمر وكل خمر حرام وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسكر كثيره فقليله حرام رواهما أبو داود والأثرم وغيرهما وعن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل مسكر حرام قال وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام رواه أبو داود وغيره وقال عمر رضي الله عنه نزل تحريم الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والشعير والخمر وهي من العنب والتمر والعسل والشعير والخمر ما خامر العقل متفق عليه

ولأنه مسكر أشبه عصير العنب فأما حديثهم فقال أحمد ليس في الرخصة في المسكر حديث صحيح وحديث ابن عباس رواه سعيد عن مسعر عن أبي عون عن ابن شداد عن ابن عباس قال والمسكر من كل شراب وقال ابن المنذر جاء أهل الكوفة بأحاديث معولة ذكرناها مع عللها وذكر الأثرم أحاديثهم التي يحتجون بها عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فضعفها كلها وبين عللها وقد قيل إن خبر ابن عباس موقوف عليه مع أنه يحتمل أنه أراد بالسكر المسكر من كل شراب فإنه يروي هو وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مسكر حرام

الفصل الثاني أنه يجب الحد على من شرب قليلا من المسكر أو كثيرا ولا نعلم بينهم خلافا في ذلك في عصير العنب غير المطبوخ واختلفوا في سائرها فذهب إمامنا إلى التسوية بين عصير العنب وكل مسكر وهو قول الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة والأوزاعي ومالك والشافعي وقالت طائفة لا يحد إلا أن يسكر منهم أبو وائل والنخعي وكثير من أهل الكوفة وأصحاب الرأي وقال أبو ثور من شربه معتقدا تحريمه حد ومن شربه متأولا فلا حد عليه لأنه مختلف فيه فأشبه النكاح بلا ولي

ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال من شرب الخمر فاجلدوه رواه أبو داود وغيره وقد ثبت أن كل مسكر خمر يتناول الحديث قليله وكثيره ولأنه شراب فيه شدة مطربة فوجب الحد بقليله كالخمر والاختلاف فيه لا


137

يمنع وجوب الحد فيها بدليل ما لو اعتقد تحريمها وبهذا فارق النكاح بلا ولي ونحوه من المختلف فيه وقد حد عمر قدامة بن مظعون وأصحابه مع اعتقادهم حل ما شربوه والفرق بين هذا وبين سائر المختلف فيه من وجهين أحدهما أن فعل المختلف فيه هاهنا داعية إلى فعل ما أجمع تحريمه وفعل سائر المختلف فيه يصرف عن جنسه من المجمع على تحريمه الثاني أن السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم قد استفاضت بتحريم هذا المختلف فيه فلم يبق فيه لأحد عذر في اعتقاد إباحته بخلاف غيره من المجتهدات قال أحمد بن القاسم سمعت أبا عبد الله يقول في تحريم المسكر عشرون وجها عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعضها كل مسكر خمر وبعضها كل مسكر حرام

فصل وإن ثرد في الخمر أو اصطبغ به أو طبخ به لحما أكل من مرقته فعليه الحد لأن عين الخمر موجودة وكذلك إن لت به سويقا فأكله وإن عجن به دقيقا ثم خبزه فأكله لم يحد لأن النار أكلت أجزاء الخمر فلم يبق إلا أثره وإن احتقن الخمر لم يحد لأنه ليس بشرب ولا أكل ولأنه لم يصل إلى حلقه فأشبه ما لو داوى به جرحه وإن استعط به فعليه الحد لأنه أوصله إلى باطنه من حلقه ولذلك نشر الحرمة في الرضاع دون الحقنة وحكي عن أحمد أن على من احتقن به الحد لأنه أوصله إلى جوفه والأول أولى لما ذكرناه والله أعلم

الفصل الثالث في قدر الحد وفيه روايتان إحداهما أنه ثمانون وبهذا قال مالك والثوري وأبو حنيفة ومن تبعهم لإجماع الصحابة فإنه روي أن عمر استشار الناس في حد الخمر فقال عبد الرحمن بن عوف اجعله كأخف الحدود ثمانين فضرب عمر ثمانين وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام وروي أن عليا قال في المشورة إنه إذا سكر هذى وإذا هذي افترى فحدوده حد المفتري روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما

والرواية الثانية أن الحد أربعون وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي لأن عليا جلد الوليد بن عقبة أربعين ثم قال جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي رواه مسلم وعن أنس قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب الخمر فضربه بالنعال نحوا من أربعين ثم أتي به أبو بكر فصنع مثل ذلك ثم أتي به عمر فاستشار الناس في الحدود فقال ابن عوف أقل الحدود ثمانون فضربه عمر متفق عليه وفعل النبي صلى الله عليه وسلم حجة لا يجوز تركه بفعل غيره ولا ينعقد الإجماع على ما خالف فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعلي رضي الله عنهما فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزيز يجوز فعلها إذا رآه الإمام

الفصل الرابع أن الحد إنما يلزم من شربها مختارا لشربها فإن شربها مكرها فلا حد عليه ولا إثم سواء أكره بالوعيد والضرب أو ألجىء إلى شربها بأن يفتح فوه وتصب فيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وكذلك المضطر إليها لدفع غصة بها إذا لم يجد مائعا سواها فإن الله تعالى قال في آية التحريم فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه البقرة 173

وإن شربها لعطش نظرنا فإن كانت ممزوجة


138

بما يروي من العطش أبيحت لدفعه عند الضرورة كما تباح الميتة عند المخمصة وكإباحتها لدفع الغصة وقد روينا في حديث عبد الله بن حذافة أنه أسره الروم فحبسه طاغيتهم في بيت فيه ماء ممزوج بخمر ولحم خنزير مشوي ليأكله ويشرب الخمر وتركه ثلاثة أيام فلم يفعل ثم أخرجوه حين خشوا موته فقال والله لقد كان الله أحله لي فإني مضطر ولكن لم أكن لأشمتكم بدين الإسلام وإن شربها صرفا أو ممزوجة بشيء يسير لا يروي من العطش أو شربها للتداوي لم يبح له ذلك وعليه الحد وقال أبو حنيفة يباح شربها لهما وللشافعية وجهان كالمذهبين ووجه ثالث يباح شربها للتداوي دون العطش لأنها حال ضرورة فأبيحت فيها لدفع الغصة وسائر ما يضطر إليه

ولنا ما روى الإمام أحمد بإسناده عن طارق بن سويد أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنما أصنعها للدواء

فقال إنه ليس بدواء ولكنه داء وبإسناده عن مخارق أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة وقد نبذت نبيذا في جرة فخرج والنبيذ يهدر فقال ما هذا فقالت فلانة اشتكت بطنها فنقعت لها فدفعه برجله فكسره وقال إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء ولأنه محرم لعينه فلم يبح للتداوي كلحم الخنزير ولأن الضرورة لا تندفع به فلم يبح كالتداوي بها فيما لا تصلح له

الفصل الخامس أن الحد إنما يلزم من شربها عالما أن كثيرها يسكر فأما غيره فلا حد عليه لأنه غير عالم بتحريمها ولا قاصد إلى ارتكاب المعصية بها فأشبه من زفت إليه غير زوجته وهذا قول عامة أهل العلم فأما من شربها غير عالم بتحريمها فلا حد عليه أيضا لأن عمر وعثمان قالا لا حد إلا على من علمه ولأنه غير عالم بالتحريم أشبه من لم يعلم أنها خمر وإذا ادعى الجهل بتحريمها نظرنا فإن كان ناشئا ببلد الإسلام بين المسلمين لم تقبل دعواه لأن هذا لا يكاد يخفى على مثله فلا تقبل دعواه فيه وإن كان حديث عهد بإسلام أو ناشئا ببادية بعيدة عن البلدان قبل منه لأنه يحتمل ما قاله

فصل ولا يجب الحد حتى يثبت شربه بأحد شيئين الإثرار أو البينة ويكفي في الإقرار مرة واحدة في قول أهل العلم لأنه حد لا يتضمن إتلافا فأشبه حد القذف وإذا رجع عن إقراره قبل رجوعه لأنه حد لله سبحانه فقبل رجوعه عنه كسائر الحدود ولا يعتبر مع الإقرار وجود رائحة

وحكي عن أبي حنيفة لا حد عليه إلا أن توجد رائحة ولا يصح لأنه أحد بينتي الشرب فلم يعتبر معه وجود الرائحة كالشهادة ولأنه قد يقر بعد زول الرائحة عنه ولأنه إقرار بحد فاكتفي به كسائر الحدود

فصل ولا يجب الحد بوجود رائحة الخمر من فيه في قول أكثر أهل العلم منهم الثوري وأبو حنيفة والشافعي وروى أبو طالب عن أحمد أنه يحد بذلك وهو قول مالك لأن ابن مسعود جلد رجلا وجد منه رائحة الخمر

وروي عن عمر أنه قال إني وجدت من عبيد الله ريح شراب فأقر أنه شرب الطلا فقال عمر إني سائل عنه فإن كان يسكر جلدته ولأن الرائحة تدل على شربه فجرى مجرى الإقرار والأول أولى لأن الرائحة يحتمل أنه تمضمض بها أوحسبها ماء فلما صارت في فيه مجها أو ظنها لا تسكر أو كان مكرها أو أكل نبقا بالغا أو


139

شرب شراب التفاح فإنه يكون منه كراحئة الخمر وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد الذي يدرأ بالشبهات وحديث عمر حجة لنا فإنه لم يحده بوجود الرائحة ولو وجب ذلك لبادر إليه عمر والله أعلم

فصل وإن وجد سكران أو تقيأ الخمر فعن أحمد لا حد عليه لاحتمال أن يكون مكرها أو لم يعلم أنها تسكر وهذا مذهب الشافعي ورواية أبي طالب عنه في الحد بالرائحة يدل على وجوب الحد ها هنا بطريق الأولى لأن ذلك لا يكون إلا بعد شربها فأشبه ما لو قامت البينة عليه بشربها

وقد روى سعيد حدثنا هشيم حدثنا المغيرة عن الشعبي قال لما كان من أمر قدامة ما كان جاء علقمة الخصي فقال أشهد أني رأيته يتقيؤها فقال عمر من قاءها فقد شربها فضربه الحد

وروى حصين بن المنذر الرقاشي قال شهدت عثمان وأتي بالوليد بن عقبة فشهد عليه حمران ورجل آخر فشهد أحدهما أنه رآه شربها وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها فقال عثمان إنه لم يتقيأها حتى شربها فقال لعلي أقم عليه الحد فأمر علي عبد الله بن جعفر فضربه رواه مسلم وفي رواية له فقال عثمان لقد تنطعت في الشهادة وهذا بمحضر من علماء الصحابة وسادتهم ولم ينكر فكان إجماعا ولأنه يكفي في الشهادة عليه أنه شربها ولا يتقيؤها أو لا يسكر منها حتى يشربها

فصل وأما البينة فلا تكون إلا رجلين عدلين مسلمين يشهدان أنه مسكر ولا يحتاجان إلى بيان نوعه لأنه لا ينقسم إلى ما يوجب الحد وإلى ما لا يوجبه بخلاف الزنا فإنه يطلق على الصريح وعلى دواعيه ولهذا قال النبي العينان تزنيان واليدان تزنيان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فلهذا احتاج الشاهدان إلى تفسيره وفي مسألتنا لا يسمى غير المسكر مسكرا فلم يفتقر إلى ذكر نوعه ولا يفتقر في الشهادة إلى ذكر عدم الإكراه ولا ذكر علمه أنه مسكر لأن الظاهر الاختيار والعلم وما عداهما نادر بعيد فلم يحتج إلى بيانه ولذلك لم يعتبر ذلك في شيء من الشهادات ولم يعتبره عثمان في الشهادة على الوليد بن عقبة ولا اعتبره عمر في الشهادة على قدامة بن مظعون ولا في الشهادة على المغيرة بن شعبة ولو شهدا بعتق أو طلاق لم يفتقر إلى ذكر الاختيار كذا هاهنا

مسألة

قال ( فإن مات في جلده فالحق قتله يعني ليس على أحد ضمانه )

وهذا قول مالك وأصحاب الرأي وبه قال الشافعي إن لم يزد على الأربعين وإن زاد على الأربعين فمات فعليه الضمان لأن ذلك تعزير إنما يفعله الإمام برأيه وفي قدر الضمان قولان أحدهما نصف الدية لأنه تلف من فعلين مضمون وغير مضمون فكان عليه نصف الضمان

والثاني تسقط الدية على عدد الضربات كلها فيجب من الدية بقدر زيادته على الأربعين وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت فأجد في نفسي منه شيئا إلا صاحب الخمر ولو مات وديته لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه لنا

ولنا إنه حد وجب لله فلم يجب ضمان من مات به كسائر الحدود وما زاد على الأربعين قد ذكرنا أنه من الحد وإن كان تعزيرا فالتعزير يجب فهو بمنزلة الحد وأما حديث علي فقد صح عنه أنه قال جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم


140

أربعين وأبو بكر أربعين وثبت الحد بالإجماع فلم تبق فيه شبهة

فصل ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في سائر الحدود أنه إذا أتى بها على الوجه المشروع من غير زيادة أنه لا يضمن من تلف بها وذلك لأنه فعلها بأمر الله وأمر رسوله فلا يؤاخذ به ولأنه نائب عن الله تعالى فكان التلف منسوبا إلى الله تعالى وإن زاد على الحد فتلف وجب الضمان بغير خلاف نعلمه لأنه تلف بعدوانه فأشبه ما لو ضربه في غير الحد قال أبو بكر وفي قدر الضمان قولان أحدهما كمال الدية لأنه قتل حصل من جهة الله وعدوان الضارب فكان الضمان على العادي كما لو ضرب مريضا سوطا فمات ولأنه تلف بعدوان وغيره فأشبه ما لو ألقى على سفينة موقرة حجرا فغرقها

والثاني عليه نصف الضمان لأنه تلف بفعل مضمون وغير مضمون فكان الواجب نصف الدية كما لو جرح نفسه وجرحه غيره فمات وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في أحد قوليه وقال في الآخر يجب من الدية بقسط ما تعدى به تقسط الدية على الأسواط كلها وسواء زاد خطأ أو عمدا لأن الضمان يجب في الخطأ والعمد ثم ينظر فإن كان الجلاد زاده من عند نفسه بغير أمر فالضمان على عاقلته لأن العدوان منه وكذلك إن قال الإمام له اضرب ما شئت فالضمان على عاقلته وإن كان له من يعد عليه فزاد في العدد ولم يجبره فالضمان على من يعد سواء تعمد ذلك أو أخطأ في العدد لأن الخطأ منه وإن أمره الإمام بالزيادة على الحد فزاد فقال القاضي الضمان على الإمام وقياس المذهب أنه إن اعتقد وجوب طاعة الإمام وجهل تحريم الزيادة فالضمان على الإمام وإن كان عالما بذلك فالضمان عليه كما لو أمره الإمام بقتل رجل ظلما فقتله وكل موضع قلنا يضمن الإمام فهل يلزم عاقلته أو بيت المال فيه روايتان إحداهما هو في بيت المال لأن خطأه يكثر فلو وجب ضمانه على عاقلته أجحف بهم

قال القاضي هذا أصح

والثانية هو على عاقلته لأنها وجبت بخطئه فكانت على عاقلته كما لو رمى صيدا فقتل آدميا ويحتمل أن تكون الروايتان إنما هما فيما إذا وقعت الزيادة منه خطأ

أما إذا تعمدها فهذا ظلم قصده فلا وجه لتعلق ضمانه ببيت المال بحال كما لو تعمد جلد من لا حد عليه وأما الكفارة التي تلزم الإمام فلا يحملها عنه غيره لأنها عبادة فلا تتعلق بغير من وجد منه سببها ولأنها كفارة لفعله فلا تحصل إلا بتحمله إياها ولهذا لا يدخلها التحمل بحال

فصل ولا يقام الحد على السكران حتى يصحو روي هذا عن عمر بن عبد العزيز والشعبي وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي لأن المقصود الزجر والتنكيل وحصوله بإقامة الحد عليه في صحوه أتم فينبغي أن يؤخر إليه

فصل وحد السكر الذي يحصل به فسق شارب النبيذ ويختلف معه في وقوع طلاقه ويمنع صحة الصلاة منه هو الذي يجعله يخلط في كلامه ما لم يكن قبل الشرب ويغيره عن حال صحوه ويغلب على عقله ولا يميز بين ثوبه وثوب غيره عند اختلاطهما ولا بين فعله وفعل غيره ونحو هذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وزعم أبو حنيفة أن السكران هو الذي لا يعرف السماء من الأرض ولا الرجل من المرأة


141

ولنا قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون النساء 43

نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدموا رجلا منهم في الصلاة فصلى بهم وترك في قراءته ما غير المعنى وقد كانوا قاموا إلى الصلاة عالمين بها وعرفوا إمامهم وقدموه ليؤمهم وقصد إمامتهم والقراءة لهم وقصدوا الائتمام به وعرفوا أركان الصلاة فأتوا بها ودلت الآية على أنه ما لم يعلم مايقول فهو سكران وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسكران فقا ما شربت فقال ما شربت إلا الخليطين وأتي بآخر سكران فقال ألا أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أني ما سرقت ولا زنيت فهؤلاء قد عرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتذروا إليه وهم سكارى وفي حديث حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم حين غنته قينة وهو سكران ألا يا حمز للشرف النواء وهن معقلات بالفناء وكان علي أناخ شارفين له بفناء البيت الذي فيه حمزة فقام إليها فبقر بطونها واجتث أسنمتها فذهب علي فاستعدى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حمزة محمرة عيناه فلامه النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إليه وإلى زيد بن حارثة فقال وهل أنتم إلا عبيد لأبي فانصرف عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد فهم ما قالت القينة في غنائها وعرف الشارفين وهو في غاية سكره ولأن المجنون الذاهب بالعقل بالكلية يعرف السماء من الأرض والرجل من المرأة مع ذهاب عقله ورفع القلم عنه

مسألة

قال ( ويضرب الرجل في سائر الحدود قائما بسوط لا خلق ولا جديد ولا يمد ولا يربط ويتقى وجهه )

قوله في سائر الحدود يعني جميع الحدود التي فيها الضرب وفي هذه المسألة ثلاث مسائل أحدها أن الرجل يضرب قائما وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك يضرب جالسا رواه حنبل عن أحمد لأن الله تعالى لم يأمر بالقيام ولأنه مجلود في حد فأشبه المرأة

ولنا قول علي رضي الله عنه لكل موضع في الجسد حظ يعني في الحد إلا الوجه والفرج وقال للجلاد اضرب وأوجع واتق الرأس والوجه ولأن قيامه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب وقوله إن الله لم يأمر بالقيام قلنا ولم يأمر بالجلوس ولم يذكر الكيفية فعلمناها من دليل آخر ولا يصح قياس الرجل على المرأة في هذا لأن المرأة يقصد سترها ويخشى هتكها

إذا ثبت هذا فإن الضرب يفرق على جميع جسده ليأخذ كل عضو منه حصته ويكثر منه في مواضع اللحم كالأليتين والفخذين ويتقي المقاتل وهي الرأس والوجه والفرج من الرجل والمرأة جميعا وقال مالك يضرب الظهر وما يقاربه وقال أبو يوسف يضرب الرأس أيضا لأن عليا لم يستثنه

ولنا على مالك قول علي ولأن ما عدا الأعضاء الثلاثة ليس بمقتل فأشبهت الظهر وعلى أبي يوسف أن


142

الرأس مقتل فأشبه الوجه ولأنه ربما ضربه في رأسه فذهب بسمعه وبصره وعقله أو قتله والمقصود أدبه لا قتله وقولهم لم يستثنه على ممنوع فقد ذكرنا عنه أنه قال اتق الرأس والوجه ولو لم يذكره صريحا فقد ذكره دلالة لأنه في معنى ما استثناه فيقاس عليه

المسألة الثانية أنه لا يمد ولا يربط ولا نعلم عنهم في هذا خلافا

قال ابن مسعود ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد وجلد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينقل عن أحد منهم مد ولا قيد ولا تجريد ولا تنزع عنه ثيابه بل يكون عليه الثوب والثوبان وإن كان عليه فرو أو جبة محشوة نزعت عنه لأنه لو ترك عليه ذلك لم يبال بالضرب قال أحمد لو تركت عليه ثياب الشتاء ما بالي بالضرب وقال مالك يجرد لأن الأمر بجلده يقتضي مباشرة جسمه

ولنا قول ابن مسعود ولم يعلم أحد من الصحابة خلافه والله تعالى لم يأمر بتجريده إنما أمر بجلده ومن جلد فوق الثوب فقد جلد

المسألة الثالثة أن الضرب بالسوط ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذا في غير حد الخمر

فأما حد الخمر فقال بعضهم يقام بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وذكر بعض أصحابنا أن للإمام فعل ذلك إذا رآه لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب فقال اضربوه قال فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه رواه أبو داود

ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا شرب الخمر فاجلدوه والجلد إنما يفهم من إطلاقه الضرب بالسوط ولأنه أمر بجلده كما أمر تعالى بجلد الزاني فكان بالسوط مثله والخلفاء الراشدون ضربوا بالسياط وكذلك غيرهم فكان إجماعا فأما حديث أبي هريرة فكان في بدء الأمر ثم جلد النبي صلى الله عليه وسلم واستقرت الأمور فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وجلد علي والوليد بن عقية أربعين وفي حديث جلد قدامة حين شرب أن عمر قال ائتوني بسوط فجاءه أسلم مولاه بسوط دقيق صغير فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم أنا أحدثك أنك ذكرت قرابته لأهلك ائتني بسوط غير هذا فأتاه به تاما فأمر عمر بقدامة فجلد

إذا ثبت هذا فإن السوط يكون وسطا لا جديد فيجرح ولا خلقا فيقل ألمه لما روي أن رجلا اعترف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزنا فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط فأتي بسوط مكسور فقال فوق هذا فأتي بسوط جديد لم تكسر ثمرته فقال بين هذين رواه مالك عن زيد بن أسلم مرسلا وروي عن أبي هريرة مسندا وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال ضرب بين ضربين وسوط بين سوطين وهكذا الضرب يكون وسطا لا شديد فيقتل ولا ضعيف فلا يردع ولا يرفع باعه كل الرفع ولا يحطه فلا يؤلم قال أحمد لا يبدي إبطه في شيء من الحدود يعني لا يبالغ في رفع يده فإن المقصود أدبه لا قتله

مسألة

قال ( وتضرب المرأة جالسة وتمسك يداها لئلا تنكشف )


143

وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ومالك وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف تحد قائمة كما تلاعن ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال تضرب المرأة جالسة والرجل قائما ولأن المرأة عورة وجلوسها أستر لها ويفارق اللعان فإنه لا يؤدي إلى كشف العورة وتشد عليها ثيابها لئلا ينكسف شيء من عورتها عند الضرب

فصل أشد الضرب في الحد ضرب الزاني ثم حد القذف ثم حد الشرب ثم التعزير وقال مالك كلها واحد لأن الله تعالى أمر بجلد الزاني والقاذف أمرا واحدا ومقصود جميعها واحد وهو الزجر فيجب تساويها في الصفة وعن أبي حنيفة التعزير أشدها ثم حد الزاني ثم حد الشرب ثم حد القذف

ولنا إن الله تعالى خص الزاني بمزيد تأكيد بقوله سبحانه ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله النور 2 فاقتضى ذلك مزيد تأكيد فيه ولا يمكن ذلك في العدد فتعين جعله في الصفة ولأن ما دونه أخف منه عددا فلا يجوز أن يزيد عليه في إيلامه ووجعه لأنه يفضي إلى التسوية بينهما أو زيادة القليل على ألم الكثير

مسألة

قال ( ويجلد العبد والأمة أربعين بدون سوط الحر )

هذا على الرواية التي تقول إن حد الحر في الشرب ثمانون فحد العبد والأمة نصفها وأربعون وعلى الرواية الأخرى حدهما عشرون نصف حد الحر بدون الحر لأنه لما خفف عنه في عدده خفف عنه في صفته كالتعزير مع الحد ويحتمل أن يكون سوطه كسوط الحر لأنه إنما يتحقق التنصيف إذا كان السوط مثل السوط أما إذا كان نصفا في عدده وأخف منه في سوطه كان أقل من النصف والله تعالى قد أوجب النصف بقوله تعالى فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء 25

فصل ولا تقام الحدود في المساجد وبهذا قال عكرمة والشعبي وأبو حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق وكان ابن أبي ليلى يرى إقامته في المسجد

ولنا ما روى حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يستقاد في المسجد وأن تنشد فيه الأشعار وأن تقام فيه الحدود وروي عن عمر أنه أتي برجل فقال أخرجاه من المسجد فاضرباه وعن علي أنه أتي بسارق فقال يا قنبر أخرجه من المسجد فاقطع يده ولأن المساجد لم تبن لهذا إنما بنيت للصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى ولا نأمن أن يحدث من المحدود حدث فينجسه ويؤذيه وقد أمر الله تعالى بتطهيره فقال أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود البقرة 125

مسألة

قال ( والعصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام فقد حرم إلا أن يغلى قبل ذلك فيحرم )


144

أما إذا غلى العصير كغليان القدر وقذف بزبده فلا خلاف في تحريمه وإن أتت عليه ثلاثة أيام ولم يغل فقال أصحابنا هو حرام وقال أحمد اشربه ثلاثا ما لم يغل فإذا أتى عليه أكثر من ثلاثة أيام فلا تشربه وأكثر أهل العلم يقولون هو مباح ما لم يغل ويسكر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم اشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا رواه أبو داود ولأن علة تحريمه الشدة المطربة وإنما ذكر في المسكر خاصة

ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينبذ له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى الخدم أو يهراق وروى الشالنجي بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اشربوا العصير ثلاثا ما لم يغل وقال ابن عمر اشربه ما لم يأخذ شيطانه قيل وفي كم يأخذ شيطانه قال في الثلاث ولأن الشدة تحصل في الثلاث غالبا وهي خفية تحتاج إلى ضابط فجاز جعل الثلاث ضابطا لها

ويحتمل أن يكون شربه فيما زاد على الثلاثة إذا لم يغل مكروها غير محرم فإن أحمد لم يصرح بتحريمه وقال في موضع أكرهه وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يشربه بعد ثلاث وقال أبو الخطاب عندي أن كلام أحمد في ذلك محمول على عصير الغالب أنه يتخمر في ثلاثة أيام

مسألة

قال ( وكذلك النبيذ )

يعني أن النبيذ مباح ما لم يغل أو تأتي عليه ثلاثة أيام والنبيذ ما يلقى فيه تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو به الماء وتذهب ملوحته فلا بأس به مالم يغل أو تأتي عليه ثلاثة أيام لما روينا عن ابن عباس وقال أبو هريرة علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء ثم أتيته به فإذا هو ينش فقال اضرب بهذا الحائط فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر رواه أبو داود لأنه إذا بلغ صار مسكرا وكل مسكر حرام

فصل والخمر نجسة في قول عامة أهل العلم

لأن الله تعالى حرمها لعينها فكانت نجسة كالخنزير وكل مسكر فهو حرام نجس لما ذكرنا

فصل وما طبخ من العصير والنبيذ قبل غليانه حتى صار غير مسكر كالدبس ورب الخرنوب وغيرهما من المربيات والسكر فهو مباح لأن التحريم إنماثبت في المسكر ففيما عداه يبقى على أصل الإباحة وما أسكر كثيره فقليله حرام سواء ذهب منه الثلثان أو أقل أو أكثر قال أبو داود سألت أحمد عن شرب الطلاء إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه قال لا بأس به قيل لأحمد إنهم يقولون إنه يسكر قال لا يسكر ولو كان يسكر ما أحله عمر

فصل ولا بأس بالقطاع وبه قال إسحاق وابن المنذر ولا أعلم فيه خلافا لأنه لا يسكر وإذا ترك يفسد بخلاف الخمر

والأشياء على الإباحة ما لم يرد بتحريمها حجة

فصل ويجوز الانتباذ في الأوعية كلها وعن أحمد أنه كره الانتباذ في الدباء والحنتم والنقير


145

والمزفت لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الانتباذ فيها والدباء وهو اليقين والحنتم الجرار والنقير الخشب والمزفت الذي يطلى بالزفت

والصحيح الأول لما روى بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهن نهيتكم عن الأشربة أن لا تشربوا إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا رواه مسلم وهذا دليل على نسخ النهي ولا حكم للمنسوخ

فصل ويكره الخليطان وهو أن ينبذ في الماء شيئان لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخليطين وقال أحمد الخليطان حرام وقال في الرجل ينقع الزبيب والتمر الهندي والعناب ونحوه ينقعه غدوة ويشربه عشية للدواء أكرهه لأنه نبيذ ولكن يطبخه ويشربه على المكان وقد روى أبو داود بإسناده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن ينبذ البسر والرطب جميعا ونهى أن ينبذ الزبيب والتمر جميعا وفي رواية وانتبذ كل واحد على حدة وعن أبي قتادة قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين التمر والزهر والتمر والزبيب ولينبذ كل واحد منهما على حدة متفق عليه قال القاضي يعني أحمد بقوله هو حرام إذا اشتد وأسكر وإذا لم يسكر لم يحرم وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم لعلة إسراعه إلى السكر المحرم

فإذا لم يوجد لم يثبت التحريم كما أنه عليه السلام نهى عن الانتباذ في الأوعية المذكورة لهذه العلة ثم أمرهم بالشرب فيها ما لم توجد حقيقة الإسكار فقد دل على صحة هذا ما روي عن عائشة قالت كنا ننبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فنطرحها فيه ثم نصب عليها الماء فننبذه غدوة فيشربه عشية وننبذه عشية فيشربه غدوة رواه ابن ماجة وأبو داود فلما كانت مدة الانتباذ قريبة وهي يوم وليلة لا يتوهم الإسكار فيها لم يكره فلو كان مكروها لما فعل هذا في بيت النبي صلى الله عليه وسلم له فعلى هذا لا يكره ما كان في المدة اليسيرة ويكره ما كان في مدة يحتمل إفضاؤه إلى الإسكار ولا يثبت التحريم ما لم يغل أو تمضي عليه ثلاثة أيام

مسألة

قال ( والخمرة إذا أفسدت فصيرت خلا لم تزل عن تحريمها وإن قلب الله عينها فصارت خلا فهي حلال )

روي هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه

وبه قال الزهري ونحوه قول مالك وقال الشافعي إن ألقي فيها شيء يفسدها كالملح فتخللت فهي على تحريمها وإن نقلت من شمس إلى ظل أو من ظل إلى شمس فتخللت ففي إباحتها قولان وقال أبو حنيفة تطهر في الحالين لأن علة تحريمها زالت بتخليلها فظهرت كما لو تخللت بنفسها يحققه أن التطهير لا فرق فيه بين ما حصل بفعل الله تعالى وفعل الآدمي كتطهير الثوب والبدن والأرض ونحو هذا قول عطاء وعمرو بن دينار والحارث العكلي

وذكره أبو الخطاب وجها في مذهبنا فقال وإن خللت لم تطهر وقيل تطهر

ولنا ما روى أبو سعيد قال كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت المائدة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إنه ليتيم قال أهريقوه رواه الترمذي وقال حديث حسن وعن أنس قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتخذ الخمر خلا قال لا قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ورواه مسلم


146

وعن أبي طلحة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا فقال اهرقها قال أفلا أخللها قال لا رواه أبو داود وهذا نهي يقتضي التحريم ولو كان إلى استصلاحها سبيل لم تجز إراقتها بل أرشدهم إليه سيما وهي لأيتام يحرم التفريط في أموالهم ولأنه إجماع الصحابة فروي أن عمر رضي الله عنه صعد المنبر فقال لا يحل خل خمر أفسدت حتى يكون الله تعالى هو تولى إفسادها ولا بأس على مسلم ابتاع من أهل الكتاب خلا ما لم يتعمد لإفسادها فعند ذلك يقع النهي رواه أبو عبيد في الأموال بنحو من هذا المعنى وهذا قول يشتهر لأنه خطب به الناس على المنبر فلم ينكر

فأما إذا انقلبت بنفسها فإنها تطهر وتحل في قول جميعهم فقد روي عن جماعة من الأوائل أنهم اصطبغوا بخل خمر منهم علي وأبو الدرداء وابن عمر وعائشة ورخص فيه الحسن وسعيد بن جبير وليس في شيء من أخبارهم أنهم اتخذوه خلا

ولا أنه انقلب بنفسه لكن قد بينه عمر بقوله لا يحل خل خمر أفسدت حتى يكون الله هو يتولى إفسادها ولأنها إذا انقلبت بنفسها فقد زالت علة تحريمها من غير علة خلفتها فطهرت كالماء إذا زال تغير بمكثه وإذا ألقى فيها شيء تنجس بها ثم إذا انقلبت بقي ما ألقي فيها نجسا فنجسها وحرمها فأما إن نقلها من موضع إلى آخر فتخللت من غير أن يلقى فيها شيئا فإن لم يكن قصد تخليلها حلت بذلك لأنها تخللت بفعل الله تعالى فيها وإن قصد بذلك تخليلها

احتمل أن تطهر لأنه لا فرق بينهما إلا القصد فلا يقتضي تحريمها ويحتمل أن لا تطهر لأنها خللت فلم تطهر كما لو ألقي فيها شيء

مسألة

قال ( والشرب في آنية الذهب والفضة حرام )

هذا قول أكثر أهل العلم وحكي عن معاوية بن قرة أنه قال لا بأس بالشرب من قدح فضة وحكي عن الشافعي

قول إنه مكروه غير محرم لأن النهي لما فيه من التشبه بالأعاجم فلا يقتضي التحريم

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم وقال لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة أخرجهما البخاري ومقتضى نهيه التحريم وقد توعد عليه بنار جهنم فإن معنى قوله تجرجر في بطنه نار جهنم أي هذا سبب لنار جهنم لقول الله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا النساء 10 فلم يبق في تحريمه إشكال

وقد روي أن حذيفة استسقى فأتاه دهقان بإناء من فضة فرماه به فلو أصابه لكسر منه شيئا ثم قال إنما رميته به لأنني نهيته عنه

وذكر هذا الخبر وهذا يدل على أنه فهم التحريم من نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استحل عقوبته لمخالفته إياه

فصل ويحرم اتخاذ الآنية من الذهب والفضة واستصناعها لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالطنبور والمزمار ويستوي في ذلك الرجال والنساء لعموم الحديث ولأن علة تحريمها السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء وهذا معنى يشمل الفريقين وإنما أبيح للنساء التحلي للحاجة إلى التزين للأزواج


147

فتختص الإباحة به دون غيره فإن قيل لو كانت العلة ما ذكرتم فحرمت آنية الياقوت ونحوه مما هو أرفع من الأثمان قلنا تلك لا يعرفها الفقراء فلا تنكسر قلوبهم باتخاذ الأغنياء لها لعدم معرفتهم بها ولأن قلتها في نفسها تمنع اتخاذها فيستغنى بذلك عن تحريمها بخلاف الأثمان

مسألة

قال ( إن كان قدح عليه ضبة فشرب من غير موضع الضبة فلا بأس )

وجملة ذلك أن الضبة من الفضة تباح بثلاثة شروط أحدها أن تكون يسيرة

الثاني أن تكون من الفضة فأما الذهب فلا يباح وقليله وكثيره حرام

وروي عن أبي بكر أنه رخص في يسير الذهب

الثالث أن يكون للحاجة أعني أنه جعلها لمصلحة وانتفاع مثل أن تجعل على شق أو صدع وإن قام غيرها مقامها وقال القاضي ليس هذا بشرط ويجوز اليسير من غير حاجة إذا لم يباشر الاستعمال وإنما كره أحمد الحلقة ونحوها لأنها تباشر بالاستعمال وممن رخص في ضبة الفضة سعيد بن جبير وميسرة وزاذان وطاوس والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وإسحاق وقال قد وضع عمر بن عبد العزيز فاه بين ضبتين وكان ابن عمر لا يشرب من قدح فيه حلقة فضة ولا ضبة فيها وكره الشرب في الإناء المفضض علي بن الحسين وعطاء وسالم والمطلب بن عبد الله بن حنطب ونهت عائشة أن يضبب الآنية أو يحلقها بالفضة ونحو ذلك قول الحسن وابن سيرين ولعل هؤلاء كرهوا ما قصد به الزينة أو كان كثيرا أو يستعمل فيكون قولهم وقول الأولين واحدا ولا يكون في المسألة خلاف فأما اليسير كتشعيب القدح ونحوه فلا بأس لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له قدح فيه سلسلة من فضة شعب بها رواه البخاري بمعناه ولأن ذلك يسير من الفضة فأشبه الخاتم وكره أحمد أن يباشر موضع الضبة بالاستعمال فلا يشرب من موضع الضبة لأنه يصير كالشارب من إناء فضة وكره الحلقة من فضة لأن القدح يرفع بها فيباشرها بالاستعمال وكذلك ما أشبهه

فصل ولا بأس بقبيعة السيف من فضة لما روى أنس قال كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة رواه الأثرم وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن وقال هشام بن عروة كان سيف الزبير محلى بالفضة أنا رأيته ولا بأس بالخاتم من الفضة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له خاتم من فضة ثم لبسه أبو بكر ثم عمر ثم عثمان حتى سقط منه في بئر أريس وصح ذلك عنهم وقال سعيد ألبس الخاتم وأخبر أني أفتيتك ذلك فقد روى أبو ريحانة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره عشر خلال وفيها الخاتم إلا لذي سلطان قال أحمد إنما هذا يرويه أهل الشام وحدث أحمد بحديث أبي ريحانة فلما بلغ الخاتم تبسم كالمتعجب ثم قال أهل الشام وإنما قال أحمد ذلك لأن الأحاديث قد صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم واستفاضت بإباحته وأجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من العلماء فإذا جاء حديث شاذ يخالف ذلك لم يعرج عليه وإن صح ذلك حمل على التنزيه

فصل قال الأثرم قيل لأبي عبد الله الحلية لحمائل السيف فسهل فيها وقال قد روي سيف محلى ولأنه من حلية السيف فأشبه القبيعة ولذلك يخرج في حلية الدرع والمغفر والخوذة والخف والران ولأنه في


148

معناه وقيل لأبي عبد الله حلقة المرآة فضة ورأس المكحلة فضة وما أشبه هذا قال كل شيء يستعمل مثل حلقة المرآة فأنا أكرهه لأنه يستعمله فإن المرآة ترفع بحلقتها ثم قال إنما هذا تأويل تأولته أنا

فصل ولا يباح شيء من ذلك إذا كان ذهبا إلا أنه قد روي أنه تباح قبيعة السيف قال أحمد قد روي أنه كان لعمر سيف فيه سبائك من ذهب وروى الترمذي بإسناده عن مزيدة العصري قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة وقال هذا حديث غريب ولا يباح الذهب في غير هذا إلا لضرورة كأنف الذهب وما رابط به أسنانه إذا تحركت وقال أبو بكر يباح يسير الذهب قياسا له على الفضة لكونه أحد الثمنين فأشبه الآخر وقد ذكرنا هذا في غير هذا الموضع

مسألة

قال ( ولا يبلغ بالتعزير الحد )

التعزير هو العقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها كوطء الشريك الجارية المشتركة أو أمته المزوجة أو جارية ابنه أو وطء امرأته في دبرها أو حيضها أو وطء أجنبية دون الفرج أو سرقة ما دون النصاب أو من غير حرز أو النهب أو الغصب أو الاختلاس أو الجناية على إنسان بما لا يوجب حدا ولا قصاصا ولا دية أو شتمه بما ليس بقذف ونحو ذلك يسمى تعزيرا لأنه منع من الجناية

والأصل في التعزير المنع ومنه التعزير بمعنى النصرة لأنه منع لعدوه من أذاه واختلف عن أحمد في قدره فروي عنه أنه لا يزاد على عشر جلدات نص أحمد على هذا في مواضع وبه قال إسحاق لما روى أبو بردة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى متفق عليه

والرواية الثانية لا يبلغ به الحد وهو الذي ذكره الخرقي فيحتمل أنه أراد لا يبلغ به أدنى حد مشروع وهذا قول أبي حنيفة والشافعي فعلى هذا لا يبلغ به أربعين سوطا لأنها حد العبد في الخمر والقذف وهذا قول أبي حنيفة وإن قلنا إن حد الخمر أربعون لم يبلغ به عشرين سوطا في حق العبد وأربعين في حد الحر وهذا مذهب الشافعي فلا يزاد العبد على تسعة عشر سوطا ولا الحر على تسعة وثلاثين سوطا وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف أدنى الحدود ثمانون فلا يزاد في التعزير على تسعة وسبعين ويحتمل كلام أحمد والخرقي أنه لا يبلغ بكل جناية حدا مشروعا في جنسها ويجوز أن يزيد على حد غير جنسها

وروي عن أحمد ما يدل على هذا فعلى هذا ما كان سببه الوطء جاز أن يجلد مائة إلا سوطا لينقص عن حد الزنا وما كان سببه غير الوطء لم يبلغ به أدنى الحدود لما روي عن النعمان بن بشير في الذي وطىء جارية امرأته بإذنها بجلد مائة وهذا تعزير لأنه في حق المحصن وحده إنما هو الرجم وعن سعيد بن المسيب عن عمر في أمة بين رجلين وطئها أحدهما يجلد الحد إلا سوطا واحدا رواه الأثرم واحتج به أحمد قال القاضي هذا عندي من نص أحمد لا يقتضي اختلافا في التعزير بل المذهب أنه لا يزاد على عشر جلدات اتباعا للأثر إلا في وطء جارية امرأته لحديث النعمان وفي الجارية المشتركة لحديث عمر وما عداهما يبقى على العموم لحديث أبي بردة وهذا قول حسن وإذا ثبت تقدير أكثر فليس أقله مقدرا لأنه لو تقدر لكان حدا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قدر أكثره ولم يقدر أقله فيرجع فيه إلى اجتهاد الإمام فيما يراه وما يقتضيه حال الشخص وقال مالك يجوز أن يزاد التعزير على الحد إذا رأى الإمام لما روي أن معن بن زائدة


149

عمل خاتما على نقش خاتم بيت المال ثم جاء به صاحب بيت المال فأخذ منه مالا فبلغ عمر رضي الله عنه فضربه مائة وحبسه فكلم فيه فضربه مائة أخرى فكلم فيه من بعد فضربه مائة ونفاه وروى أحمد بإسناده أن عليا أتي بالنجاشي قد شرب خمرا في رمضان فجلده ثمانين الحد وعشرين سوطا لفطره في رمضان وروي أن أبا الأسود استخلفه ابن عباس على قضاء البصرة فأتي بسارق قد كان جمع المتاع في البيت ولم يخرجه فقال أبو الأسود أعجلتموه المسكين فضربه خمسة وعشرين سوطا وخلى سبيله

ولنا حديث أبي بردة وروى الشالنجي بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين ولأن العقوبة على قدر الإجرام والمعصية والمعاصي المنصوص على حدودها أعظم من غيرها فلا يجوز أن يبلغ في أهون الأمرين عقوبة أعظمها وما قالوه يؤدي إلى أن من قبل امرأة حراما يضرب أكثر من حد الزنا وهذا غير جائز لأن الزنا مع عظمه وفحشه لا يجوز أن يزاد على حده فما دونه أولى

فأما حديث معن فيحتمل أنه كانت له ذنوب كثيرة فأدب على جميعها أو تكرر منه الأخذ أو كان ذنبه مشتملا على جنايات أخذها تزويره والثاني أخذه لمال بيت المال بغير حقه والثالث فتحه باب هذه الحيلة لغيره وغير هذا وأما حديث النجاشي فإن عليا ضربه الحد لشربه ثم عزره عشرين لفطره فلم يبلغ بتعزيره حدا

وقد ذهب أحمد إلى هذا

وروي أن من شرب الخمر في رمضان يحد ثم يعزر لجنايته من وجهين والذي يدل على صحة ما ذكرناه ما روي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى أن لا يبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطا

فصل والتعزير يكون بالضرب والحبس والتوبيخ ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه ولا أخذ ماله لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدي به ولأن الواجب أدب والتأديب لا يكون بالإتلاف

فصل والتعزير فيما شرع فيه التعزير واجب إذا رآه الإمام وبه قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي ليس بواجب لأن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها فقال أصليت معنا قال نعم فتلا عليه إن الحسنات يذهبن السيئات هود 114 وقال في الأنصار اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم في حكم حكم به للزبير إن كان ابن عمتك فغضب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعزره على مقالته وقال له رجل إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله فلم يعزره

ولنا إن ما كان من التعزير منصوصا عليه كوطء جارية امرأته أو جارية مشتركة فيجب امتثال الأمر فيه وما لم يكن منصوصا عليه إذا رأى الإمام المصلحة فيه أو علم أنه لا ينزجر إلا به وجب لأنه زاجر مشروع لحق الله تعالى فوجب كالحد

فصل وإذا مات من التعزير لم يجب ضمانه وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي يضمنه لقول علي ليس أحد أقيم عليه الحد فيموت فأجد في نفسي شيئا أن الحق قتله إلا حد الخمر فإن رسول الله صلى


150

الله عليه وسلم لم يسنه لنا وأشار على عمر بضمان التي أجهضت جنينها حين أرسل إليها

ولنا إنها عقوبة مشروعة للردع والزجر فلم يضمن من تلف بها كالحد وأما قول علي في دية من قتله حد الخمر فقد خالفه غيره من الصحابة فلم يوجبوا شيئا به ولم يعمل به الشافعي ولا غيره من الفقهاء فكيف يحتج به مع ترك الجميع له وأما قوله في الجنين فلا حجة لهم فيه فإن الجنين الذي تلف لا جناية منه ولا تعزير عليه فكيف يسقط ضمانه ولو أن الإمام حد حاملا فأتلف جنينها ضمنه مع أن الحد متفق عليه بيننا على أنه لا يجب ضمان المحدود إذا أتلف به

فصل وليس على الزوج ضمان الزوجة إذا تلفت من التأديب المشروع في النشوز ولا على المعلم إذا أدب صبيه الأدب المشروع وبه قال مالك وقال الشافعي وأبو حنيفة يضمن ووجه المذهبين ما تقدم في التي قبلها

قال الخلال إذا ضرب المعلم ثلاثا كما قال التابعون وفقهاء الأمصار وكان ذلك ثلاثا فليس بضامن وإن ضربه ضربا شديدا مثله لا يكون أدبا للصبي ضمن لأنه قد تعدى في الضرب قال القاضي وكذلك يجىء على قياس قول أصحابنا إذا ضرب الأب أو الجد الصبي تأديبا فهلك أو الحاكم أو أمينه أو الوصي عليه تأديبا فلا ضمان عليهم كالمعلم

فصل وإن قطع طرفا من إنسان فيه أكلة أو سلعة بإذنه وهو كبير عاقل فلا ضمان عليه وإن قطعه مكرها فالقطع وسرايته مضمون بالقصاص سواء كان القاطع إماما أو غيره لأن هذه جراحة تؤدي إلى التلف والأكلة إن كان بقاؤها مخوفا فقطعها مخوف وإن كان من قطعت منه صبيا أو مجنونا وقطعها أجنبي فعليه القصاص لأنه لا ولاية له عليه وإن قطعها وليه وهو الأب أو وصيه أو الحاكم أو أمينه المتولي عليه فلا ضمان عليه لأنه قصد مصلحته وله النظر في مصالحه فكان فعله مأمورا به فلم يضمن ما تلف به كما لو ختنه فمات والسلعة غدة بين اللحم والجلد تظهر في البدن كالجوزة وتكون في الرأس والبدن وهي بكسر السين والسلعة بفتح السين الشجة

فصل وإذا ختن الولي الصبي في وقت معتدل في الحر والبرد لم يلزمه ضمان إن تلف به لأنه فعل مأمور به في الشرع فلم يضمن ما تلف به كالقطع في السرقة وإن كان رجلا أو امرأة لم يختتنا فأمر السلطان بهما فختنا فإن كان ممن زعم الأطباء أنه يتلف بالختان أو الغالب تلفه به فعليه الضمان لأنه ليس له ذلك فيهما وإن كان الأغلب السلامة فلا ضمان عليه إذا كان في زمن معتدل ليس بمفرط الحر والبرد وبهذا قال الشافعي وزعم أبو حنيفة ومالك أنه ليس بواجب لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الختان سنة في الرجال ومكرمة في النساء

ولنا إنه قطع عضو صحيح من البدن يتألم بقطعه فلم يقطع إلا واجبا كاليد والرجل ولأنه يجوز كشف العورة من أجله ولو لم يكن واجبا ما جاز ارتكاب المحرم من أجله

فأما الخبر فقد قيل هو ضعيف وعلى أن الواجب يسمى سنة فإن السنة ما رسم ليحتذى ولا يجب إلا بعد البلوغ فإن لم يفعله وإلا أجبره الحاكم عليه


151

فصل إذا أمر السلطان إنسانا بالصعود في سور أو نزول في بئر أو نحوه فعطب به فقال القاضي وأصحاب الشافعي على السلطان ضمانه لأن عليه طاعة إمامه فإذا أفضت طاعته إلى الهلاك فكأنه ألجأه إليه ولو كان الآمر غير الإمام لم يضمن لأن طاعته غير لازمة فلم يلجئه إليه وإن أمره السلطان بالمضي في حاجة فعثر فهلك لم يضمنه لأن المشي ليس بسبب للهلاك في الأعم الأغلب بخلاف ما ذكرناه أولا فعلى هذا إن كان أمره الموجب للضمان لمصلحة المسلمين فالضمان في بيت المال وإن كان لمصلحة نفسه فالضمان عليه أو على عاقلته إن كان مما تحمله عاقلته وإن أقام الإمام الحد في شدة حر أو برد أو ألزم إنسانا الختان في ذلك فهل يضمن ما تلف يحتمل وجهين

مسألة

قال ( وإذا حمل عليه جمل صائل فلم يقدر على الامتناع منه إلا بضربه فضربه فقتله فلا ضمان عليه )

وجملته أن الإنسان إذا صالت عليه بهيمة فلم يمكنه دفعها إلا بقتلها جاز له قتلها إجماعا وليس عليه ضمانها إذا كانت لغيره وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وقال أبو حنيفة وأصحابه عليه ضمانها لأنه أتلف مال غيره لإحياء نفسه فكان عليه ضمانه كالمضطر إلى طعام غيره إذا أكله وكذلك قالوا في غير المكلف من الآدميين كالصبي والمجنون يجوز قتله ويضمنه لأنه لا يملك إباحة نفسه ولذلك لو ارتد لم يقتل

ولنا إنه قتله بالدفع الجائز فلم يضمنه كالعبد ولأنه حيوان جاز إتلافه فلم يضمنه كالآدمي المكلف ولأنه قتله لدفع شره فأشبه العبد وذلك لأنه إذا قتله لدفع شره كان الصائل هو القاتل لنفسه فأشبه ما لو نصب حربة في طريقه فقذف نفسه عليها فمات بها وفارق المضطر فإن الطعام لم يلجئه إلى إتلافه ولم يصدر منه ما يزيل عصمته ولهذا لو قتل المحرم صيدا لصياله لم يضمنه ولو قتله لاضطراره إليه ضمنه ولو قتل المكلف لصياله لم يضمنه ولو قتله ليأكله في المحصنة وجب القصاص وغير المكلف كالمكلف في هذا وقولهم لا يملك إباحة نفسه قلنا والمكلف لا يملك إباحة دمه ولو قال أبحت دمي لم يبح على أنه إذا صال فقد أبيح دمه بفعله فيجب أن يسقط ضمانه كالمكلف

مسألة

قال ( وإذا دخل منزله بالسلاح فأمره بالخروج فلم يفعل فله أن يضربه بأسهل ما يخرجه به فإن علم أنه يخرج بضرب عصا لم يجز أن يضربه بحديدة فإن آل الضرب إلى نفسه فلا شيء عليه وإن قتل صاحب الدار كان شهيدا )

وجملته أن الرجل إذا دخل منزل غيره بغير إذنه فلصاحب الدار أمره بالخروج من منزله سواء كان معه سلاح أو لم يكن لأنه متعد بدخول ملك غيره فكان لصاحب الدار مطالبته بترك التعدي كما لو غصب منه شيئا فإن خرج بالأمر لم يكن له ضربه لأن المقصود إخراجه وقد روي عن ابن عمر أنه رأى لصا فأصلت


152

عليه السيف قال فلو تركناه لقتله وجاء رجل إلى الحسن فقال لص دخل بيتي ومعه حديدة أقتله قال نعم بأي قتلة قدرت أن تقتله

ولنا إنه أمكن إزالة العدوان بغير القتل فلم يجز القتل كما لو غصب منه شيئا فأمكن أخذه بغير القتل وفعل ابن عمر يحمل على قصد الترهيب لا على قصد إيقاع الفعل فإن لم يخرج بالأمر فله ضربه بأسهل ما يعلم أنه يندفع به لأن المقصود دفعه فإذا اندفع بقليل فلا حاجة إلى أكثر منه فإن علم أنه يخرج بالعصا لم يكن له ضربه بالحديد لأن الحديد آلة للقتل بخلاف العصا وإن ذهب موليا لم يكن له قتله ولا اتباعه كأهل البغي وإن ضربه ضربة عطلته لم يكن له أن يثني عليه لأنه كفي شره وإن ضربه فقطع يمينه فولى مدبرا فضربه فقطع رجله فقطع الرجل مضمون عليه بالقصاص أو الدية لأنه في حال لا يجوز له ضربه وقطع اليد غير مضمون

فإن مات من سراية القطع فعليه نصف الدية كما لو مات من جراحة اثنين وإن عاد إليه بعد قطع رجله فقطع يده الأخرى فاليدان غير مضمونتين وإن مات فعليه ثلث الدية كما لو مات من جراحة ثلاثة أنفس فقياس المذهب أن يضمن نصف الدية لأن الجرحين قطع رجل واحد فكان حكمهما واحدا كما لو جرح رجل رجلا مائة جرح وجرحه أخر جرحا واحدا ومات كانت ديته بينهما نصفين ولا تقسم الدية على عدد الجراحات كذا ها هنا فأما إن لم يمكنه دفعه إلا بالقتل أو خاف أن يبدره بالقتل إن لم يقتله فله ضربه بما يقتله أو يقطع طرفه وما أتلف منه فهو هدر لأنه تلف لدفع شره فلم يضمنه كالباغي ولأنه اضطر صاحب الدار إلى قتله فصار كالقاتل لنفسه وإن قتل صاحب الدار فهو شهيد لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد رواه الخلال بإسناده ولأنه قتل لدفع ظالم فكان شهيدا كالعادل إذا قتله الباغي

فصل وكل من عرض لإنسان يريد ماله أو نفسه فحكمه ما ذكرنا فيمن دخل منزله في دفعهم بأسهل ما يمكن دفعهم به فإن كان بينه وبينهم نهر كبير أو خندق أو حصن لا يقدرون على اقتحامه فليس له رميهم وإن لم يمكن إلا بقتلهم فله قتالهم وقتلهم قال أحمد في اللصوص يريدون نفسك ومالك قاتلهم تمنع نفسك ومالك وقال عطاء في المحرم يلقى اللصوص قال يقاتلهم أشد القتال وقال ابن سيرين ما أعلم أحدا ترك قتال الحرورية واللصوص نائما إلا أن يجبن هو قال الصلت بن طريف قلت للحسن أني أخرج في هذه الوجوه أخوف شيء عندي يلقاني المصلون يعرضون لي في مالي فإن كففت يدي ذهبوا بمالي وإن قاتلت المصلي ففيه ما قد علمت قال اي بني من عرض لك في مالك فإن قتلته فإلى النار وإن قتلك فشهيد ونحو ذلك عن أنس والشعبي والنخعي وقال أحمد في امرأة أرادها رجل على نفسها فقتلته لتحصن نفسها فقال إذا علمت أنه لا يريد إلا نفسها فقتلته لتدفع عن نفسها فلا شيء عليها وذكر حديثا يرويه الزهري عن القاسم بن محمد عن عبيد بن عمير أن رجلا أضاف ناسا من هذيل فأراد امرأة على نفسها فرمته بحجر فقتلته فقال عمر والله لا يودى أبدا

ولأنه إذا جاز الدفع عن ماله الذي يجوز بذله وإباحته فدفع المرأة عن نفسها وصيانتها عن الفاحشة التي لا تباح بحال أولى

إذا ثبت هذا فإنه يجب عليها أن تدفع عن نفسها إن أمكنها ذلك لأن التمكين


153

منها محرم وفي ترك الدفع نوع تمكين فأما من أريدت نفسه أو ماله فلا يجب عليه الدفع لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة اجلس في بيتك فإن خفت أن يبهرك شعاع السيف فغط وجهك وفي لفظ فكن عبد الله المقتول ولا تكون عبد الله القاتل ولأن عثمان ترك القتال مع إمكانه مع إرادتهم نفسه فإن قيل فقد قلتم في المضطر إذا وجد ما يدفع به الضرورة لزمه الأكل منه في أحد الوجهين فلم لم تقولوا ذلك هاهنا قلنا لأن الأكل يحيي به نفسه من غير تفويت نفس غيره وهاهنا في إحياء نفسه فوات نفس غيره فلم يجب عليه فأما إن أمكنه الهرب فهل يلزمه فيه وجهان أحدهما يلزمه لأنه أمكنه الدفع عن نفسه من غير ضرر يلحق غيره فلزمه كالأكل في المخمصة

والثاني لا يلزمه لأنه دفع عن نفسه فلم يلزمه كالدفع بالقتال

فصل وإذا صال على إنسان صائل يريد ماله أو نفسه ظلما أو يريد امرأة ليزني بها فلغير المصول عليه معونته في الدفع ولو عرض اللصوص لقافلة جاز لغير أهل القافلة الدفع عنهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال انصر أخاك ظالما أو مظلوما وفي حديث إن المؤمنين يتعاونون على الفتان ولأنه لولا التعاون لذهبت أموال الناس وأنفسهم لأن قطاع الطريق إذا انفردوا بأخذ مال إنسان لم يعنه غيره فإنهم يأخذون أموال الكل واحدا واحدا وكذلك غيرهم

فصل وإذا وجد رجلا يزني بامرأته فقتله فلا قصاص عليه ولا دية لما روي أن عمر رضي الله عنه بينما هو يتغذى يوما إذ أقبل رجل يعدو ومعه سيف مجرد ملطخ بالدم فجاء حتى قعد مع عمر فجعل يأكل وأقبل جماعة من الناس فقالوا يا أمير المؤمنين إن هذا قتل صاحبنا مع امرأته فقال عمر ما يقول هؤلاء قال ضرب الآخر فخذي امرأته بالسيف فإن كان بينهما أحد فقد قتله فقال لهم عمر ما يقول قالوا ضرب بسيفه فقطع فخذي امرأته فأصاب وسط الرجل فقطعه باثنين فقال عمر إن عادوا فعد

رواه هشيم عن مغيرة عن إبراهيم أخرجه سعيد وإذا كانت المرأة مطاوعة فلا ضمان عليه فيها وإن كانت مكرهة فعليه القصاص وإذا قتل رجلا وادعى أنه وجده مع امرأته فأنكر وليه فالقول قول الولي لما روي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن رجل دخل بيته فإذا مع امرأته رجل فقتلها وقتله قال علي إن جاء بأربعة شهداء وإلا فليعط برمته ولأن الأصل عدم ما يدعيه فلا يسقط حكم القتل بمجرد الدعوى واختلفت الرواية في البينة فروي أنها أربعة شهداء لخبر علي ولما روى أبو هريرة أن سعدا قال يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء فقال النبي صلى الله عليه وسلم نعم وروي أنه يكفي شاهدان لأن البينة تشهد على وجوده على المرأة وهذا يثبت بشاهدين وإنما الذي يحتاج إلى الأربعة الزنا وهذا لا يحتاج إلى إثبات الزنا فإن قيل فحديث عمر في الذي وجد مع امرأته رجلا ليس فيه بينة وكذلك روي أن رجلا من المسلمين خرج غازيا وأوصى بأهله رجلا فبلغ الرجل أن يهوديا يختلف إلى امرأته فكمن له حتى جاء فجعل ينشد وأشعث غره الإسلام مني خلوت بعرسه ليل التمام


154

أبيت على ترائبها ويضحي على جرداء لاحقة الحزام كأن مواضع الرتلات منها فئام ينهضون إلى فئام فقام إليه فقتله فرفع ذلك إلى عمر فأهدر دمه ولم يطالب فالجواب أن ذلك ثبت عنده بإقرار الولي وإن لم تكن بينة فادعى علم الولي بذلك فالقول قول الولي مع يمينه

فصل ولو قتل رجل رجلا وادعى أنه قد هجم منزلي فلم يمكنني دفعه إلا بالقتل لم يقبل قوله إلا ببينة وعليه القود سواء كان المقتول يعرف بسرقة أو عيارة أو لا يعرف بذلك فإن شهدت البينة أنهم رأوا هذا مقبلا إلى هذا بالسلاح المشهور فضربه هذا فقد هدر دمه وإن شهدوا أنهم رأوه داخلا داره ولم يذكروا سلاحا أو ذكروا سلاحا غير مشهور لم يسقط القود بذلك لأنه قد يدخل لحاجة ومجرد الدخول المشهود به لا يوجب إهدار دمه وإن تجارح رجلان وادعى كل واحد منهما أني جرحته دفعا عن نفسي حلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه وعليه ضمان ما جرحه لأن كل واحد منهما مدع على الآخر ما ينكره والأصل عدمه

فصل ولو عض رجل يد آخر فله جذبها من فيه فإن جذبها فوقعت ثنايا العاض فلا ضمان فيها وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وروى سعيد عن هشيم عن محمد بن عبد الله أن رجلا عض رجلا فانتزع يده من فيه فسقط بعض أسنان العاض فاختصما إلى شريح فقال شريح انزع يدك من في السبع وأبطل أسنانه وحكي عن مالك وابن أبي ليلى عليه الضمان لقول النبي صلى الله عليه وسلم في السن خمس من الإبل

ولنا ما روى يعلى بن أمية قال كان لي أجير فقاتل إنسانا فعض أحدهما يد الآخر قال فانتزع المعضوض يده من في العاض فانتزع إحدى ثنيتيه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأهدر ثنيته فحسبت أنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم أفيدع يده في فيك تقضمها قضم الفحل متفق عليه ولأنه عضو تلف ضرورة دفع شر صاحبه فلم يضمن كما لو صال عليه فلم يمكنه دفعه إلا بقطع عضوه وحديثهم يدل على دية السن إذا قلعت ظلما وهذه لم تقلع ظلما وسواء كان المعضوض ظالما أو مظلوما لأن العض محرم إلا أن يكون العض مباحا مثل أن يمسكه في موضع يتضرر بإمساكه أو يعض يده ونحو ذلك مما لا يقدر على التخلص من ضرره إلا بعضه فيعضه فما سقط من أسنانه ضمنه لأنه عاد والعض مباح ولذلك لو عض أحدهما يد الآخر ولم يمكن المعضوض تخليص يده إلا بعضه فله عضه ويضمن الظالم منهما ما تلف من المظلوم وما تلف من الظالم هدر وكذلك الحكم فيما إذا عضه في غير يده أو عمل به عملا غير العض أفضى إلى تلف شيء من الفاعل لم يضمنه وقد روى محمد بن عبد الله أن غلاما أخذ قمعا من أقماع الزياتين فأدخله بين فخذي رجل ونفخ فيه فذعر الرجل من ذلك وخبط برجله فوقع على الغلام فكسر بعض أسنانه فاختصموا إلى شريح فقال شريح لا أعقل الكلب الهرار قال القاضي يخلص المعضوض يده بأسهل ما يمكن فإن أمكنه فك لحييه بيده الأخرى فعل وإن لم يمكنه لكمه في فكه فإن لم يمكنه جذب يده من فيه فإن لم يخلص فله أن يعصر خصيتيه فإن لم يمكنه فله أن يبعج بطنه وإن أتى على نفسه والصحيح أن هذا الترتيب غير معتبر وله أن يجذب يده من فيه أو لا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل ولأنه لا يلزمه


155

ترك يده في العاض حتى يتحيل بهذه الأشياء المذكورة ولأن جذب يده مجرد تخليص ليده وما حصل من سقوط الأسنان حصل ضرورة التخليص الجائز ولكن فكه جناية غير التخليص وربما تضمنت التخليص وربما أتلفت الأسنان التي لم يحصل العض بها وكانت البداءة بجذب يده أولى

وينبغي أنه متى أمكنه جذب يده فعدل إلى لكم فكه فأتلف سنا ضمنه لإمكان التخلص بما هو أولى منه

فصل ومن اطلع في بيت إنسان من ثقب أو شق باب أو نحوه فرماه صاحب البيت بحصاة أو طعنه بعود فقلع عينه لم يضمنها وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يضمنها لأنه لو دخل منزله ونظر فيه أو نال من امرأته ما دون الفرج لم يجز قلع عينه فمجرد النظر أولى

ولنا ما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح وعن سهل بن سعد أن رجلا اطلع في حجر من باب النبي صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحك رأسه بمدرى في يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو علمت أنك تنظرني لطمت أو لطعنت بها في عينك متفق عليهما ويفارق ما قاسوا عليه لأن من دخل المنزل يعلم به فيستتر منه بخلاف الناظر من ثقب فإنه يرى من غير علم به ثم الخبر أولى من القياس وظاهر كلام أحمد أنه لا يعتبر في هذا أنه لا يمكنه دفعه إلا بذلك لظاهر الخبر وقال ابن حامد يدفعه بأسهل ما يمكنه دفعه به فيقول له أولا انصرف فإن لم يفعل أشار إليه يوهمه أنه يحذفه فإن لم ينصرف فله حذفه حينئذ واتباع السنة أولى

فصل فأما إن ترك الاطلاع ومضى لم يجز رميه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطعن الذي اطلع ثم انصرف ولأنه ترك الجناية فأشبه من عض ثم ترك العض لم يجز قلع أسنانه وسواء كان المطلع منه صغيرا كثقب أو شق أو واسعا كثقب كبير وذكر بعض أصحابنا أن الباب المفتوح كذلك والأولى أنه لا يجوز حذف من نظر من باب مفتوح لأن التفريط من تارك الباب مفتوحا والظاهر أن من ترك بابه مفتوحا أنه يستتر لعلمه أن الناس ينظرون منه ويعلم بالناظر فيه والواقف عليه فلم يجز رميه كداخلي الدار وإن اطلع فرماه صاحب الدار فقال المطلع ما تعمدت الاطلاع لم يضمنه على ظاهر كلام أحمد

لأن الاطلاع قد وجد والرامي لا يعلم ما في قلبه وعلى قول ابن حامد يضمنه لأنه لم يدفعه بما هو أشهل وكذلك لو قال لم أر شيئا حين اطلعت وإن كان المطلع أعمى لم يجز رميه لأنه لا يرى شيئا ولو كان إنسان عريانا في طريق لم يكن له رمي من نظر إليه لأنه المفرط وإن كان المطلع في الدار من محارم النساء اللائي فيها فقال بعض أصحابنا ليس لصاحب الدار رميه إلا أن يكن متجردات فيصرن كالأجانب وظاهر الخبر أن لصاحب الدار رميه سواء كان فيها نساء أو لم يكن لأنه لم يذكر أنه كان في الدار التي اطلع فيها على النبي صلى الله عليه وسلم نساء وقوله لو أن امرأ اطلع عليه بغير إذن فحذفته عام في الدار التي فيها نساء وغيرها

فصل وليس لصاحب الدار رمي الناظر بما يقتله ابتداء فإن رماه بحجر يقتله أو حديدة ثقيلة ضمنه بالقصاص لأنه إنما له ما يقلع به العين المبصرة التي حصل الأذى منها دون ما يتعدى إلى غيرها


156

فإن لم يندفع المطلع برميه بالشيء اليسير جاز رميه بأكثر منه حتى يأتي ذلك على نفسه وسواء كان الناظر في الطريق أو ملك نفسه أو غير ذلك

مسألة

قال ( وما أفسدت البهائم بالليل من الزرع فهو مضمون على أهلها وما أفسدت من ذلك نهارا لم يضمنوه )

يعني إذا لم تكن يد أحد عليها فإن كان صاحبها معها أو غيره فعلى من يده عليها ضمان ما أتلفته من نفس أو مال ونذكر ذلك في المسألة التي تلي هذه وإن لم تكن يد أحد عليها فعلى مالكها ضمان ما أفسدته من الزرع ليلا دون النهار وهذا قول مالك والشافعي وأكثر فقهاء الحجاز فقال الليث يضمن مالكها ما أفسدته ليلا ونهارا بأقل الأمرين من قيمتها أو قدر ما أتلفته كالعبد إذا جنى وقال أبو حنيفة لا ضمان عليه بحال لقول النبي صلى الله عليه وسلم العجماء جرحها جبار يعني هدرا ولأنها أفسدت وليست يده عليها فلم يلزمه الضمان كما ولو كان نهارا أو كما لو أتلفت غير الزرع

ولنا ما روى مالك عن الزهري عن حزام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الأموال حفظها بالنهار وما أفسدت بالليل فهو مضمون عليهم

قال ابن عبد البر إن كان هذا مرسلا فهو مشهور حدث به الأئمة الثقات وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول ولأن العادة من أهل المواشي إرسالها في النهار للرعي وحفظها ليلا وعادة أهل الحوائط حفظها نهارا دون الليل فإذا ذهبت ليلا كان التفريط من أهلها بتركهم حفظها في وقت عادة الحفظ وإن أتلفت نهارا كان التفريط من أهل الزرع فكان عليهم وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى على كل إنسان بالحفظ في وقت عادته وأما غير الزرع فلا يضمن لأن البهيمة لا تتلف ذلك عادة فلا يحتاج إلى حفظها بخلاف الزرع

فصل قال بعض أصحابنا إنما يضمن مالكها ما أتلفته ليلا إذا كان التفريط منه بإرسالها ليلا أو إرسالها نهارا ولم يضمنها ليلا أو ضمنها بحيث يمكنها الخروج أما إذا ضمنها فأخرجها غيره بغير إذنه أو فتح عليها بابها فالضمان على مخرجها أو فاتح بابها لأنه المتلف قال القاضي هذه المسألة عندي محمولة على موضع فيه مزارع ومراعي

أما القرى العامرة التي لا مرعى فيها إلا بين قراحين كساقية وطريق وطرف زرع فليس لصاحبها إرسالها بغير حافظ عن الزرع فإن فعله فعليه الضمان لتفريطه وهذا قول بعض أصحاب الشافعي

فصل وإن أتلفت البهيمة غير الزرع لم يضمن مالكها ما أتلفته ليلا كان أو نهارا ما لم تكن يده عليها وحكي عن شريح أنه قضى في شاة وقعت في غزل حائك ليلا بالضمان على صاحبها وقرأ شريح إذ نفشت فيه غنم القوم الأنبياء 78

قال والنفش لا يكون إلا بالليل وعن الثوري يضمن وإن كان نهارا لأنه مفرط بإرسالها

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم العجماء جرحها جبار متفق عليه أي هدر وأما الآية فإن النفش هو الرعي بالليل


157

فكان هذا في الحرث الذي تفسده البهائم طبعا بالرعي وتدعوها نفسها إلى أكله بخلاف غيره فلا يصح قياس غيره عليه

فصل ومن اقتنى كلبا عقورا فأطلقه فعقر إنسانا أو دابة ليلا أو نهارا أو خرق ثوب إنسان فعلى صاحبه ضمان ما أتلفه لأنه مفرط باقتنائه إلا أن يدخل إنسان داره بغير إذنه فلا ضمان فيه لأنه متعد بالدخول متسبب بعدوانه إلى عقر الكلب له وإن دخل بإذن المالك فعليه ضمان لأنه تسبب إلى إتلافه وإن أتلف الكلب بغير العقر مثل أن ولغ في إناء إنسان أو بال لم يضمنه مقتنيه لأن هذا لا يختص به الكلب العقور قال القاضي وإن اقتنى سنورا يأكل أفراخ الناس ضمن ما أتلفه كما يضمن ما أتلفه الكلب العقور ولا فرق بين الليل والنهار وإن لم يكن له عادة بذلك لم يضمن صاحبه جنايته كالكلب إذا لم يكن عقورا ولو أن الكلب العقور أو السنور حصل عند إنسان من غير اقتنائه ولا اختياره فأفسد لم يضمنه لأنه لم يحصل الإتلاف بسببه

فصل وإن اقتنى حماما أو غيره من الطير فأرسله نهارا فلقط حبا لم يضمنه لأنه كالبهيمة والعادة إرساله

مسألة

قال ( وما جنت الدابة بيدها ضمن راكبها ما أصابت من نفس أو جرح أو مال وكذلك إن قادها أو ساقها )

وهذا قول شريح وأبي حنيفة والشافعي وقال مالك لا ضمان عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم العجماء جرحها جبار ولأنه جناية بهيمة فلم يضمنها كما لو لم تكن يده عليها

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم الرجل جبار رواه سعيد بإسناده عن هزيل بن شرحبيل عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وتخصيص الرجل بكونه جبارا دليل على وجوب الضمان في جناية غيرها ولأنه يمكنه حفظها عن الجناية إذا كان راكبها أو يده عليها بخلاف من لا يد له عليها وحديثه محمول على من لا يد له عليها

مسألة

قال ( وما جنت برجلها فلا ضمان عليه )

وبهذا قال أبو حنيفة وعن أحمد رواية أخرى أنه يضمنها وهو قول شريح والشافعي لأنه من جناية بهيمة يده عليها فيضمنها كجناية يده

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم الرجل جبار ولأنه لا يمكنه حفظ رجلها عن الجناية فلم يضمنها كما لو لم تكن يده عليها فأما إن كانت جنايتها بفعله مثل أن كبحها بلجامها أو ضربها في وجهها ونحو ذلك ضمن جناية رجلها لأنه السبب في جنايتها فكان ضمانها عليه ولو كان السبب في جنايتها غيره مثل أن نخسها أو نقرها فالضمان على من فعل ذلك دون راكبها وسائقها وقائدها لأن ذلك هو السبب في جنايتها

فصل فإن كان على الدابة راكبان فالضمان على الأول منهما لأنه المتصرف فيها القادر على


158

كفها إلا الأول منهما صغيرا أو مريضا أو نحوهما ويكون الثاني المتولي لتدبيرها فيكون الضمان عليه وإن كان مع الدابة قائد وسائق فالضمان عليهما لأن كل واحد لو انفرد ضمن فإذا اجتمعا ضمنا وإن كان معهما أو مع أحدهما راكب ففيه وجهان أحدهما الضمان عليهم جميعا لذلك

والثاني على الراكب لأنه أقوى يدا وتصرفا ويحتمل أن يكون على القائد لأنه لا حكم للراكب مع القائد

فصل والجمل المقطور على الجمل الذي عليه راكب يضمن جنايته لأنه في حكم القائد فأما الجمل المقطور على الجمل الثاني فينبغي أن لا تضمن جنايته إلا أن يكون له سائق لأن الراكب الأول لا يمكنه حفظه عن الجناية ولو كان مع الدابة ولدها لم تضمن جنايته لأنه لا يمكنه حفظه

فصل وإن وقفت الدابة في طريق ضيق ضمن ما جنت بيد أو رجل أو لأنه متعد بوقفها فيه وإن كان الطريق واسعا ففيه روايتان إحداهما يضمن وهو مذهب الشافعي لأن انتفاعه بالطريق مشروط بالسلامة وكذلك لو ترك في الطريق طينا فزلق به إنسان ضمنه

والثانية لا يضمن لأنه متعد بوقفها في الطريق الواسع فلم يضمن كما لو وقفها في موات وفارق الطين لأنه متعد بتركه في الطريق

مسألة

قال ( وإذا اصطدم الفارسان فماتت الدابتان ضمن كل واحد منهما قيمة دابة الآخر )

وجملته أن على كل واحد من المصطدمين ضمان ما تلف من الآخر من نفس أو دابة أو مال سواء كانت الدابتان فرسين أو بغلين أو حمارين أو جملين أو كان أحدهما فرسا والآخر غيره سواء كانا مقبلين أو مدبرين وبهذا قال أبو حنيفة وصاحباه وإسحاق وقال مالك والشافعي على كل واحد منهما نصف قيمة ما تلف من الآخر لأن التلف حصل بفعلهما فكان الضمان منقسما عليهما كما لو جرح إنسان نفسه وجرحه غيره فمات منهما

ولنا إن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه وإنما هو قربها إلى محل الجناية فلزم الآخر ضمانها كما لو كانت واقفة بخلاف الجراحة

إذا ثبت هذا فإن قيمة الدابتين إن تساوتا تقاصا وسقطتا وإن كانت إحداهما أكثر من الأخرى فلصاحبها الزيادة وإن ماتت إحدى الدابتين فعلى الآخر قيمتها وإن نقصت فعليه نقصها

فصل فإن كان أحدهما يسير بين يدي الآخر فأدركه الثاني فصدمه فماتت الدابتان أو إحداهما فالضمان على اللاحق لأنه الصادم والآخر مصدوم فهو بمنزلة الواقف

مسألة

قال ( وإن كان أحدهما يسير والآخر واقفا على السائر قيمة دابة الواقف )

نص أحمد على هذا لأن السائر هو الصادم المتلف فكان الضمان عليه وإن مات هو أو دابته فهو هدر لأنه


159

أتلف نفسه ودابته وإن انحرف الواقف فصادفت الصدمة انحرافه فهما كالسائرين لأن التلف حصل من فعلهما وإن كان الواقف متعديا بوقوفه مثل أن يقف في طريق ضيق فالضمان عليه دون السائر لأن التلف حصل بتعديه فكان الضمان عليه كما لو وضع حجرا في الطريق أو جلس في طريق ضيق فعثر به إنسان

مسألة

قال ( وإن تصادم نفسان يمشيان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر )

روي هذا عن علي رضي الله عنه والخلاف هاهنا في الضمان كالخلاف فيما إذا اصطدم الفارسان إلا أنه لا تقاص هاهنا في الضمان لأنه على غير من له الحق لكون الضمان على عاقلة كل واحد منهما وإن اتفق أن يكون الضمان على من له الحق مثل أن تكون العاقلة هي الوارثة أو يكون الضمان على المتصادمين تقاصا ولا يجب القصاص سواء كان اصطدامهما عمدا أو خطأ لأن الصدمة لا تقتل غالبا فالقتل الحاصل بها مع العمد عمد الخطأ ولا فرق بين البصيرين والأعميين والبصير والأعمى فإن كانتا امرأتين حاملتين فهما كالرجلين فإن أسقطت كل واحدة منهما جنينا فعلى كل واحدة نصف ضمان جنينها ونصف ضمان جنين صاحبتها لأنهما اشتركتا في قتله وعلى كل واحدة منهما عتق ثلاث رقاب واحدة لقتل صاحبتها واثنتان لمشاركتها في الحنين وإن أسقطت إحداهما دون الأخرى اشتركتا في ضمانه وعلى كل واحدة عتق رقبتين وإن أسقطتا معا ولم تمت المرأتان ففي مال كل واحدة ضمان نصف الجنينين بغرة إذا سقطا ميتين وعتق رقبتين وإن اصطدم راكب وماش فهو كما لو كانا ماشيين وإن اصطدم راكبان فماتا فهو كما لو كانا ماشيين

فصل وإن اصطدم عبدان فماتا هدرت قيمتهما لأن قيمة كل واحد منهما تعلقت برقبة الآخر فسقطت بتلفه وإن مات أحدهما تعلقت قيمته برقبة الحي فإن هلك قبل استيفاء القيمة سقطت لفوات محلها وإن تصادم حر وعبد فماتا تعلقت دية الحر برقبة العبد ثم انتقلت إلى قيمة العبد ووجبت قيمة العبد في تركة الحر فيتقاصان فإن كانت دية الحر أكثر من قيمة العبد سقطت الزيادة لأنها لا متعلق لها وإن كانت قيمة العبد أكثر أخذ الفضل من تركة الجاني وفي مال الحر عتق رقبة ولا شيء على العبد لأن تكفيره بالصوم فيفوت بفواته وإن مات العبد وحده فقيمته في ذمة الحر لأن العاقلة لا تحمل العبد وإن مات الحر وحده تعلقت ديته برقبة العبد وعليه صيام شهرين متتابعين وإن مات العبد قبل استيفاء الدية سقطت وإن قتله أجنبي فعليه قيمة ويتحول ما كان متعلقا برقبته إلى قيمته لأنها بدله وقائمة مقامه وتستوفي ممن وجبت عليه

مسألة

قال ( وإذا وقعت السفينة المنحدرة على المصاعدة فغرقتا فعلى المنحدرة قيمة السفينة المصاعدة أو أرش ما نقصت إن أخرجت إلا أن يكون قيم المنحدرة غلبته الريح فلم يقدر على ضبطها )

وجملته أن السفينتين إذا اصطدمتا لم تخلوا من حالين أحدهما أن تكونا متساويتين كاللتين في بحر أو ماء واقف أو كانت إحداهما منحدرة والأخرى مصاعدة فنبدأ بما إذا كانت إحداهما منحدرة والأخرى مصاعدة لأنها مسألة الكتاب ولا يخلو من حالين


160

أحدهما أن يكون القيم بها مفرطا بأن يكون قادرا على ضبطها أو ردها عن الأخرى فلم يفعل أو أمكنه أن يعدلها إلى ناحية أخرى فلم يفعل لم يكمل آلتها من الحبال والرجال وغيرهما فعلى المنحدر ضمان المصاعدة لأنها تنحط عليها من علو فيكون ذلك سببا لغرقها فتنزل المنحدرة بمنزلة السائر والمصاعدة بمنزلة الواقف

وإن غرقتا جميعا فلا شيء على المصعد وعلى المنحدر قيمة المصعد أو أرش ما نقصت وإن لم تتلف كلها إلا أن يكون التفريط من المصعد بأن يمكنه العدول بسفينته والمنحدر غير قادر ولا مفرط فيكون الضمان على المصعد لأنه المفرط وإن لم يكن من واحد منهما تفريط لكن هاجت ريح أو كان الماء شديد الجرية فلم يمكنه ضبطها فلا ضمان عليه لأنه لا يدخل في وسعه ضبطها ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها

الحال الثاني أن يكونا متساويتين فإن كان القيمان مفرطين كل واحد منهما سفينة الآخر بما فيها من نفس ومال كما قلنا في الفارسين يصطدمان وإن لم يكونا مفرطين فلا ضمان عليهما وللشافعي في حال عدم التفريط قولان أحدهما عليهما الضمان لأنهما في أيديهما فلزمهما الضمان كما لو اصطدم الفارسان لغلبة الفرسين لهما

ولنا إن الملاحين لا يسيران السفينتين بفعلهما ولا يمكنهما ضبطهما في الغالب ولا الاحتراز من ذلك فأشبه ما لو نزلت صاعقة أحرقت السفينة ويخالف الفرسين فإنه ممكن ضبطهما والاحتراز من طردهما وإن كان أحدهما مفرطا وحده فعليه الضمان وحده فإن اختلفا في تفريط القيم فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم التفريط وهو أمين فهو كالمودع وعند الشافعي أنهما إذا كانا مفرطين فعلى كل واحد من القيمين ضمان نصف سفينته ونصف سفينة صاحبه كقوله في اصطدام الفارسين على ما مضى

فصل فإن كان القيمان مالكين للسفينتين بما فيهما تقاصا وأخذ ذو الفضل فضله وإن كانا أجيرين ضمنا ولا تقاص هاهنا لأن من يجب له غير من يجب عليه وإن كان في السفينتين أحرار فهلكوا وكانا قد تعمدا المصادمة وذلك مما يقتل غالبا فعليهما القصاص وإن كانوا عبيدا فلا ضمان على القيمين إذا كانا حرين وإن لم يتعمدا المصادمة أو كان ذلك مما لا يقتل غالبا وجبت دية الأحرار على عاقلة القيمين وقيمة العبيد في أموالهما وإن كان القيمان عبدين تعلق الضمان برقبتهما فإن تلف جميعا سقط الضمان وأما مع عدم التفريط فلا ضمان على أحد وإن كان في السفينتين ودائع ومضاربات لم تضمن لأن الأمين لا يضمن ما لم يوجد منه تفريط أو عدوان وإن كانت السفينتان بأجرة فهما أمانة أيضا لا ضمان فيهما وإن كان فيهما مال يحملانه بأجرة إلى بلد آخر فلا ضمان لأن الهلاك بأمر غير مستطاع

فصل وإن كانت إحدى السفينتين قائمة والأخرى سائرة فلا ضمان على الواقفة وعلى السائرة ضمان الواقفة إن كان مفرطا ولا ضمان عليه إن لم يفرط على ما قدمنا


161

فصل وإن خيف على السفينة الغرق فألقى بعض الركبان متاعه لتخف وتسلم من الغرق لم يضمنه أحد لأنه أتلف متاع نفسه باختياره لصلاحه وصلاح غيره وإن ألقى متاع غيره بغير أمره ضمنه وحده

وإن قال لغيره الق متاعك فقبل منه لم يضمنه لأنه لم يلتزم ضمانه وإن قال ألقه وأنا ضامن له أو وعلى قيمته فلزمه ضمانه له لأنه أتلف ماله بعوض لمصلحة فوجب له العوض على من التزمه كما لو قال أعتق عبدك وعلي ثمنه وإن قال ألقه وعلي وعلى ركبان السفينة ضمانه فألقاه ففيه وجهان أحدهما يلزمه ضمانه وحده وهذا نص الشافعي وهو الذي ذكره أبو بكر لأنه التزم ضمانه جميعه فلزمه ما التزمه وقال القاضي إن كان ضمان استراك مثل أن يقول نحن نضمن لك أو قال على كل واحد منا ضمان قسطه أو ربع متاعك لم يلزمه إلا ما يخصه من الضمان وهذا قول بعض أصحاب الشافعي لأنه لم يضمن إلا حصته وإنما أخبر عن الباقين بالضمان فسكتوا وسكوتهم ليس بضمان وإن التزم ضمان الجميع وأخبر عن كل واحد منهم بمثل ذلك لزمه ضمان الكل وإن قال ألقه على أن أضمنه لك أنا وركبان السفينة فقد أذنوا لي في ذلك فألقاه ثم أنكروا الإذن فهو ضامن لجميعه وإن قال ألقي متاعي وتضمنه لي فقال نعم فألقاه ضمنه له وإن قال الق متاعك وعلي ضمان نصفه وعلى أخي ضمان ما بقي فألقاه فعليه ضمان النصف وحده ولا شيء على الآخر لأنه لم يضمن

فصل وإذا خرق سفينة فغرقت بما فيها وكان عمدا وهو مما يغرقها غالبا ويهلك من فيها لكونهم في اللجة أو لعدم معرفتهم بالسباحة فعليه القصاص إن قتل من يجب القصاص بقتله وعليه ضمان السفينة بما فيها من مال ونفس وإن كان خطأ فعليه ضمان العبيد ودية الأحرار على عاقلته وإن كان عمد خطأ مثل أن يأخذ السفينة ليصلح موضعا فقلع لوحا أو يصلح مسمارا فنقب موضعا فهذا عمد الخطأ وذكر القاضي وهو مذهب الشافعي والصحيح أن هذا خطأ محض لأنه قصد فعلا مباحا فأفضى إلى التلف لما لم يرده فأشبه ما لو رمى صيدا فأصاب آدميا ولكن إن قصد قلع اللوح في موضع الغالب أنه لا يتلفها فأتلفها فهو عمد الخطأ وفيه ما فيه والله أعلم


162

كتاب الجهاد

روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسولي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة متفق عليه

ولمسلم مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها رواه البخاري

مسألة

قال ( والجهاد فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين )

معنى فرض الكفاية الذي إن لم يقم به من يكفي أثم الناس كلهم وإن قام به من يكفي سقط عن سائر الناس فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع كفرض الأعيان ثم يختلفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل بعض الناس له وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفعل غيره والجهاد من فروض الأعيان لقول الله تعالى انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله التوبة 41 ثم قال إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما التوبة وقوله سبحانه كتب عليكم القتال البقرة 216 وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق

ولنا قول الله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى النساء 95 وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم وقال الله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا التوبة 122 ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا ويقيم هو وسائر أصحابه فأما الآية التي احتجوا بها فقد قال ابن عباس نسخها قوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة التوبة 122 رواه الأثرم وأبو داود ويحتمل أنه أراد حين استنفرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك وكانت إجابتهم إلى ذلك واجبة عليهم ولذلك هجر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وأصحابه الذين خلفوا حتى إذا تاب الله عليهم بعد ذلك وكذلك يجب على من استنفره الإمام لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا استنفزتم فانفروا متفق عليه

ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم إما أن يكونوا جندا لهم دواوين من أجل ذلك أو يكونوا قد أعدوا أنفسهم له تبرعا بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم ويكون في الثغور من يدفع العدو عنها ويبعث في كل سنة جيش يغيرون على العدو في بلادهم


163

فصل في ثلاثة مواضع أحدهما إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام لقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا الأنفال 45 وقوله واصبروا إن الله مع الصابرين الأنفال 46 وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله الأنفال 15 16

الثاني إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم

الثالث إذا استقر الإمام قوما لزمهم النفير معه لقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض التوبة 38 الآية والتي بعدها وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا استنفرتم فانفروا فصل ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والذكورية والسلامة من الضرر ووجود النفقة فأما الإسلام والبلوغ والعقل فهي شروط لوجوب سائر الفروع ولأن الكافر غير مأمون في الجهاد والمجنون لا يتأتى منه الجهاد والصبي ضعيف البنية وقد روى ابن عمر قال عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني في المقاتلة متفق عليه وأما الحرية فتشترط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة فلم تجب على العبد كالحج وأما الذكورية فتشترط لما روت عائشة قالت يا رسول الله هل على النساء جهاد فقال جهاد لا قتال فيه

الحج والعمرة ولأنها ليست من أهل القتال لضعفها وخورها ولذلك لا يسهم لها ولا يجب على خنثى مشكل لأنه لا يعلم كونه ذكرا فلا يجب مع الشك في شرطه وأما السلام من الضرر فمعناه السلامة من العمى والعرج والمرض وهو شرط لقول الله تعالى ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج النور 61 ولأن هذه الأعذار تمنعه من الجهاد فأما العمى فمعروف وأما الأعرج فالمانع منه هو الفاحش الذي يمنع المشي الجيد والركوب كالزمانة ونحوها وأما اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي وإنما يتعذر عليه شدة العدو فلا يمنع وجوب الجهاد لأنه ممكن منه فشابه الأعور وكذلك المرض المانع هو الشديد

فأما اليسير منه الذي لا يمنع إمكان الجهاد كوجع الضرس والصداع الخفيف فلا يمنع الوجوب

لأنه لا يتعذر معه الجهاد فهو كالعور وأما وجود النفقة فيشترط لقول الله تعالى ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله التوبة 91 ولأن الجهاد لا يمكن إلا بآلة فيعتبر القدرة عليها

فإن كان الجهاد على مسافة لا تقصر فيها الصلاة اشترط أن يكون واجدا للزاد ونفقة عائلته في مدة غيبته وسلاح يقاتل به ولا تعتبر الراحلة لأنه سفر قريب وإن كانت المسافة تقصر فيها الصلاة اعتبر مع ذلك الراحلة لقول الله تعالى ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون


164

التوبة 92

فصل وأقل ما يفعل مرة في كل عام لأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام وهي بدل عن النصرة فكذلك مبدلها وهو الجهاد فيجب في كل عام مرة إلا من عذر مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة أو يكون ينتظر المدد يستعين به أو يكون الطريق إليهم فيها مانع أو ليس فيها علف أو ماء أو يعلم من عدوه حسن الرأي في الإسلام فيطمع في إسلامه إن أخر قتالهم ونحو ذلك مما يرى المصلحة معه في ترك القتال فيجوز تركه بهدنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد صالح قريشا عشر سنين وأخر قتالهم حتى نقضوا عهده وأخر قتال قبائل من العرب بغير هدنة وإن دعت الحاجة إلى القتال في عام أكثر من مرة وجب ذلك لأنه فرض كفاية فوجب منه مادعت الحاجة إليه

مسألة

قال ( قال أبو عبد الله لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد )

روى هذه المسألة عن أحمد جماعة من أصحابه قال الأثرم قال أحمد لا نعلم شيئا من أبواب البر أفضل من السبيل وقال الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله وذكر له أمر العدو فجعل يبكي ويقول ما من أعمال البر أفضل منه وقال عنه غيره ليس يعدل لقاء العدو شيء ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال

والذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم فأي عمل أفضل منه الناس آمنون وهم خائفون قد بذلوا مهج أنفسهم وقد روى ابن مسعود قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال الصلاة لمواقيتها قلت ثم أي قال ثم بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله

قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل أو أي الأعمال خير قال إيمان بالله ورسوله قيل ثم أي شيء قال الجهاد سنام العمل قيل ثم أي قال حج مبرور أخرجه الترمذي

وقال حديث حسن صحيح وروى أبو سعيد الخدري قال قيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله متفق عليه وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم بخير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله قال الترمذي هذا حديث حسن وروى الخلال بإسناده عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده مابين السماء والأرض من عمل أفضل من جهاد في سبيل الله أو حجة مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال ولأن الجهاد بذل المهجة والمال ونفعه يعم المسلمين كلهم صغيرهم وكبيرهم قويهم وضعيفهم ذكرهم وأنثاهم وغيره لا يساويه في نفعه وخطره فلا يساويه في فضله وأجره


165

مسألة

قال ( وغزو البحر أفضل من غزو البر )

وجملته أن الغزو في البحر مشروع وفضله كثير قال أنس بن مالك نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك قالت أم حرام فقلت ما يضحكك يا رسول الله قال ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة متفق عليه قال ابن عبد البر أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أرضعته أخت لهما ثالثة

ولم نر هذا عن أحد سواه وأظنه إنما قال هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام في بيتها وينظر إلى شعرها ولعل هذا كان قبل نزول الحجاب وروى أبو داود بإسناده عن أم حرام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد والغريق له أجر شهيدين وروى ابن ماجة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول شهيد البحر مثل شهيدي البر والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله وإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين ويغفر لشهيد البحر الذنوب والدين ولأن البحر أعظم خطرا ومشقة

فإنه بين العدو وخطر الغرق

ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه فكان أفضل من غيره

فصل وقتال أهل الكتاب أفضل من قتال غيرهم

وكان ابن المبارك يأتي من مرو لغزو الروم فقيل له في ذلك فقال إن هؤلاء يقاتلون على دين

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأم خلاد إن ابنك له أجر شهيدين

قالت ولم ذاك يا رسول الله قال لأنه قتله أهل الكتاب رواه أبو داود

مسألة

قال ( ويغزى مع كل بر وفاجر )

يعني مع كل إمام قال أبو عبد الله وسئل عن الرجل يقول أنا لا أغزو ويأخذه ولد العباس إنما يوفر الفيء عليهم فقال سبحان الله هؤلاء قوم سوء هؤلاء القعدة مثبطون جهال فيقال أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم من كان يغزو أليس كان قد ذهب الإسلام ما كانت تصنع الروم وقد روى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا وبإسناده عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال والإيمان بالأقدار ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطع الجهاد وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم وظهور كلمة الكفر وفيه فساد عظيم قال الله تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض البقرة 251

فصل قال أحمد لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضيع المسلمين وإنما يغزو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين فإن كان القائد يعرف بشرب الخمر والغلول يغزى معه إنما ذلك في نفسه ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر


166

فصل ولا يستصحب الأمير معه مخذلا وهو الذي يثبط الناس عن الغزو ويزهدهم في الخروج إليه والقتال والجهاد مثل أن يقول الحر أو البر شديد والمشقة شديدة ولا تؤمن هزيمة هذا الجيش وأشباه هذا ولا مرجفا وهو الذي يقول هلكت سرية المسلمين وما لهم مدد ولا طاقة لهم بالكفار والكفار لهم قوة ومدد وصبر ولا يثبت لهم أحد ونحو هذا ولا من يعين على المسلمين بالتجسس للكفار واطلاعهم على عورات المسلمين ومكاتبتهم بأخبارهم ودلالتهم على عوراتهم أو إيواء جواسيسهم ولا من يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى بالفساد لقول الله تعالى ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة التوبة 46 47 ولأن هؤلاء مضرة على المسلمين فيلزمه منعهم وإن خرج معه أحد هؤلاء لم يسهم له ولم يرضخ وإن أظهر عون المسلمين لأنه يحتمل أن يكون أظهره نفاقا وقد ظهر دليله فيكون مجرد ضرر فلا يستحق مما غنموا شيئا وإن كان الأمير أحد هؤلاء لم يستحب الخروج معه لأنه إذا منع خروجه تبعا فمتبوعا أولى ولأنه لا تؤمن المضرة على من صحبه

مسألة

قال ( ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو )

الأصل في هذا قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار التوبة 123 ولأن الأقرب أكثر ضررا وفي قتاله دفع ضرره عن المقابل له وعمن وراءه والاشتغال بالبعيد عنه يمكنه من انتهاز الفرصة في المسلمين لاشتغالهم عنه

قيل لأحمد يحكون عن ابن المبارك أنه قيل له تركت قتال العدو عندك وجئت إلى هاهنا قال هؤلاء أهل الكتاب فقال أبو عبد الله سبحان الله ما أدري ما هذا القول يترك العدو عنده ويجىء إلى هاهنا أفيكون هذا أو يستقيم هذا وقد قال الله تعالى قاتلوا الذين يلونكم من الكفار التوبة 123 ولو أن أهل خراسان كلهم عملوا على هذا لم يجاهد الترك أحد وهذا والله أعلم إنما فعله ابن المبارك لكونه متبرعا بالجهاد والكفاية حاصلة بغيره من أهل الديوان وأجناد المسلمين والمتبرع له ترك الجهاد بالكلية فكان له أن يجاهد حيث شاء ومع من شاء

إذا ثبت هذا فإن كان له عذر في البداية بالأبعد لكونه أخوف أو لمصلحة في البداية به لقربه وإمكان الفرصة منه أو لكون الأقرب مهادنا أو يمنع من قتاله مانع فلا بأس بالبداية بالأبعد لكونه موضع حاجة

فصل وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك وينبغي أن يبتدىء بترتيب قوم في أطراف البلاد يكفون من بإزائهم من المشركين ويأمر بعمل حصونهم وحفر خنادقهم وجميع مصالحهم ويأمر في كل ناحية أميرا يقلده أمر الحروب وتدبير الجهاد ويكون ممن له رأي وعقل ونجدة وبصر بالحرب ومكايدة العدو ويكون فيه أمانة ورفق ونصح للمسلمين وإنما يبدأ بذلك لأنه لا يأمن عليها من المشركين ويغزو كل قوم من يليهم إلا أن يكون في بعض الجهات من لا يفي به من يليه فينقل إليهم قوما من آخرين ويتقدم إلى من يؤمره أن لا يحمل المسلمين على مهلكة ولا يأمرهم بدخول مطمورة يخاف أن يقتلوا


167

تحتها فإن فعل ذلك فقد أساء ويستغفر الله تعالى وليس عليه عقل ولا كفارة إذا أصيب واحد منهم بطاعته لأنه فعل ذلك باختياره ومعرفته فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع

قال القاضي ويؤخر قسمة الإماء حتى يظهر إمام احتياطا للفروج

فإن بعث الإمام جيشا وأمر عليهم أميرا فقتل أو مات فللجيش أن يؤمروا أحدهم كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في جيش مؤتة لما قتل أمراؤهم الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أمروا عليهم خالد بن الوليد فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فرضي أمرهم وصوب رأيهم وسمى خالدا يومئذ سيف الله

فصل قال أحمد قال عمر وفروا الأظفار في أرض العدو فإنه سلاح قال أحمد يحتاج إليها في أرض العدو

ألا ترى أنه إذا أراد أن يحل الحبل أو الشيء فإذا لم يكن له أظفار لم يستطع

وقال عن الحكم بن عمرو أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نخفي الأظفار في الجهاد فإن القوة في الأظفار

فصل قال أحمد يشيع الرجل إذا خرج ولا يتلقونه شيع علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ولم يتلقه

وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه شيع يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام ويزيد راكب وأبوبكر رضي الله عنه يمشي فقال له يزيد يا خليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن أنزل أنا فأمشي معك قال لا أركب ولا تنزل إنني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله وشيع أبو عبد الله أبا الحارث الصائغ ونعلاه في يديه وذهب إلى فعل أبي بكر أراد أن تغبر قدماه في سبيل الله وقال عن عوف بن مالك الخثعمي عن النبي صلى الله عليه وسلم من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار قال أحمد ليس للخثعمي صحبة وهو قديم

مسألة

قال ( وتمام الرباط أربعون يوما )

معنى الرباط الإقامة بالثغر مقويا للمسلمين على الكفار والثغر كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم وأصل الرباط من رباط الخيل لأن هؤلاء يربطون خيولهم وهؤلاء يربطون خيولهم كل يعد لصاحبه فسمي المقام بالثغر رباطا وإن لم يكن فيه خيل وفضله عظيم وأجره كبير قال أحمد ليس يعدل الجهاد عندي والرباط شيء والرباط دفع عن المسلمين وعن حريمهم وقوة لأهل الثغر ولأهل الغزو فالرباط أصل الجهاد وفرعه والجهاد أفضل منه للعناء والتعب والمشقة

وقد روي في فضل الرباط أخبار منها ما روى سلمان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه فإن مات جرى عليه عمله الذي يعمل وأجرى عليه رزقه وأمن الفتان رواه مسلم

وعن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتان القبر رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن عثمان بن


168

عفان رضي الله عنه أنه قال على المنبر إني كنت كتمتكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية تفرقكم عني ثم بدا لي أن أحدثكموه ليختار امرؤ منكم لنفسه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل رواه أبو داود والأثرم وغيرهم إذا ثبت هذا فإن الرباط يقل ويكثر فكل مدة أقامها بنية الرباط فهو رباط قل أو كثر ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم رباط يوم و رباط ليلة قال أحمد يوم رباط وليلة رباط وساعة رباط وقال عن أبي هريرة ومن رابط يوما في سبيل الله كتب له أجر الصائم القائم ومن زاد زاده الله وروى سعيد بن منصور بإسناده عن عطاء الخراساني عن أبي هريرة رباط يوم في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر في أحد المسجدين مسجد الحرام أو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن رابط أربعين يوما فقد استكمل الرباط وتمام الرباط أربعون يوما روي ذلك عن أبي هريرة وابن عمر وقد ذكرنا خبر أبي هريرة وروى أبو الشيخ في كتاب الثواب بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تمام الرباط أربعون يوما وروي عن نافع عن ابن عمر أنه قد على عمر بن الخطاب من الرباط فقال له كم رابطت قال ثلاثين يوما قال عزمت عليك إلا رجعت حتى تتمها أربعين يوما وإن رابط أكثر فله أجره كما قال أبو هريرة ومن زاد زاده الله

فصل وأفضل الرباط المقام بأشد الثغور خوفا لأنهم أحوج ومقامه به أنفع قال أحمد أفضل الرباط أشدهم كلبا وقيل لأبي عبد الله فأين أحب إليك أن ينزل الرجل بأهله قال كل مدينة معقل للمسلمين مثل دمشق وقال أرض الشام أرض المحشر ودمشق موضع يجتمع إليه الناس إذا غلبت الروم قيل لأبي عبد الله فهذه الأحاديث التي جاءت إن الله تكفل بالشام ونحو هذا قال ما أكثر ما جاء فيه وقيل له إن هذا في الثغور فأنكره وقال أرض القدس أين هي ولا يزال أهل الغرب ظاهرين هم أهل الشام ففسر أحمد الغرب في هذا الحديث بالشام وهو حديث صحيح رواه مسلم وإنما فسره بذلك لأن الشام يسمى مغربا لأنه مغرب للعراق كما يسمى العراق مشرقا ولهذا قيل ولأهل المشرق ذات عرق وقد جاء في حديث مصرحا به لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم بالشام

وفي الحديث عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال وهم بالشام

رواه البخاري في صحيحه وفي خبر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تزال طائفة بدمشق ظاهرين أخرجه البخاري في التاريخ وقد رويت في الشام أخبار كثيرة منها حديث عبد الله بن حوالة الأزدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ستجندون أجنادا جندا بالشام وجندا بالعراق وجندا باليمن فقلت خر لي يا رسول الله قال عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده فمن أبى فليلحق باليمن ويشق من غدره فإن الله تكفل لي بالشام وأهله رواه أبو داود بمعناه وكان أبو إدريس إذا روى هذا الخبر قال ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه

وروي عن الأوزاعي قال أتيت المدينة فسألت من بها من العلماء فقيل محمد بن المنكدر ومحمد بن كعب القرظي ومحمد بن علي بن عبد الله بن العباس ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه


169

فقلت والله لأبدأن بهذا قبلهم فدخلت إليه فأخذ بيدي وقال من أي إخواننا أنت قلت من أهل الشام قال من أيهم قلت من أهل دمشق قال حدثني أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يكون للمسلمين ثلاثة معاقل فمعقلهم في الملحمة الكبرى التي تكون بعمق أنطاكية دمشق ومعقلهم من الدجال بيت المقدس ومعقلهم من يأجوج ومأجوج طور سيناء رواه أبو نعيم في الحلية وفي خبر آخر عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام أخرجه أبو داود وروى سعيد بن منصور في سننه بإسناده عن أبي النضر أن عوف بن مالك أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أوصني قال عليك بجبل الخمر قال وما جبل الخمر قال أرض المحشر وبإسناده عن عطاء الخراساني بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رحم الله أهل المقبرة ثلاث مرات فسئل عن ذلك فقال تلك مقبرة تكون بعسقلان فكان عطاء يرابط بها كل عام أربعين يوما حتى مات

وروى الدارقطني في كتابه المخرج على الصحيحين بإسناده عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على مقبرة فقيل له يا رسول الله أي مقبرة هي قال مقبرة بأرض العدو يقال له عسقلان يفتتحها ناس من أمتي يبعث الله منها سبعين ألف شهيد فيشفع الرجل في مثل ربيعة ومضر ولكل عروس وعروس الجنة عسقلان وبإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أريد أن أغزو فقال عليك بالشام وأهله ثم الزم من الشام عسقلان فإنها إذا دارت الرحى في أمتي كان أهلها في راحة وعافية

فصل ومذهب أبي عبد الله كراهة نقل النساء والذرية إلى الثغور المخوفة وهو قول الحسن والأوزاعي لما روى يزيد بن عبد الله قال قال عمر لا تنزلوا المسلمين ضفة البحر رواه الأثرم بإسناده ولأن الثغور المخوفة لا يؤمن ظفر العدو بها وبمن فيها واستيلاؤهم على الذرية والنساء قيل لأبي عبد الله فتخاف على المنتقل بعياله إلى الثغر الإثم وقال كيف لا أخاف الإثم وهو يعرض ذريته للمشركين وقال كنت آمر بالتحول بالأهل والعيال إلى الشام قبل اليوم فأنا أنهى عنه الآن لأن الأمر قد اقترب وقال لا بد لهؤلاء القوم من يوم قيل فذلك في آخر الزمان قال فهذا آخر الزمان قيل فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها قال هذا للواحدة ليس الذرية

وهذا من كلام أحمد محمول على أن غير أهل الثغر لا يستحب لهم الانتقال بأهلهم إلى ثغر مخوف فأما أهل الثغر فلا بد لهم من السكنى بأهلها لولا ذلك لخربت الثغور تعطلت وخص الثغور المخوفة بدليل أنه اختار سكنى دمشق ونحوها مع كونها ثغرا لأن الغالب سلامتها وسلامة أهلها

فصل ويستحب لأهل الثغر أن يجتمعوا في المسجد الأعظم لصلواتهم كلها ليكون أجمع لهم وإذاحضر النفير صادفهم مجتمعين فيبلغ الخبر جميعهم وإن جاء خبر يحتاجون إلى سماعه أو أمر يراد إعلامهم به يعلمونه ويراهم عين الكفار فيعلم كثرتهم فيخوف بهم

قال أحمد إن كانوا متفرقين يرى الجاسوس قلتهم

قال وبلغني عن الأوزاعي أنه قال في المساجد التي بالثغر لو أن لي عليها ولاية لسمرت أبوابها ولم يقل لخربتها


170

حتى تكون صلاتهم في موضع واحد حتى إذا جاء النفير وهم متفرقون لم يكونوا مثلهم إذا كانوا في موضع واحد

فصل وفي الحرس في سبيل الله فضل كبير قال ابن عباس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وقال النبي صلى الله عليه وسلم رحم الله حارس الحرس وعن سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان عشية قال من يحرسنا الليلة قال أنس بن أبي مرثد الغنوي أنا يا رسول الله قال فاركب فركب فرسا له وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نفرق من قبلك الليلة فلما أصبحنا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال هل أحسستم فارسكم الليلة قالوا لا فثوب بالصلاة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته وسلم قال أبشروا قد جاءكم فارسكم فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبحت اطلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل نزلت الليلة قال لا إلا مصليا أو قاضيا حاجة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها رواه أبو داود وعن عثمان رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة قيام ليلها وصيام نهارها رواه ابن سنجر

مسألة

قال ( وإذا كان أبواه مسلمين لم يجاهد تطوعا إلا بإذنهما )

روي نحو هذا عن عمر وعثمان وبه قال مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وسائر أهل العلم وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أجاهد فقال ألك أبوان قال نعم قال ففيهما فجاهد وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح

وفي رواية فقال جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان قال ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما وعن أبي سعيد أن رجلا هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لك باليمن أحد قال نعم أبواي قال أذنا لك قال لا قال فارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما رواهن أبو داود ولأن بر الوالدين فرض عين والجهاد فرض كفاية وفرض العين يقدم فأما إن كان أبواه غير مسلمين فلا إذن لهما وبذلك قال الشافعي وقال الثوري لا يغزو إلا بإذنهما لعموم الأخبار

ولنا إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجاهدون وفيهم من له أبوان كافران من غير استئذانهما منهم أبو بكر الصديق وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر وأبوه رئيس المشركين يومئذ قتل ببدر وأبو عبيدة قتل أباه في الجهاد فأنزل الله تعالى لا تجد قوما المجادلة 22 الآية وعموم الأخبار مخصص بما رويناه فأما


171

إن كان أبواه رقيقين فعموم كلام الخرقي يقتضي وجوب استئذانهما لعموم الأخبار ولأنهما أبوان مسلمان فأشبها الحرين ويحتمل أن لا يعتبر إذنهما لأنه لا ولاية لهما وإن كانا مجنونين فلا إذن لهما لأنه لا يمكن استئذانهما

مسألة

قال ( وإذا خوطب بالجهاد فلا إذن لهما وكذلك كل الفرائض لا طاعة لهما في تركها )

يعني إذا وجب عليه الجهاد لم يعتبر إذن والديه لأنه صار فرض عين وتركه معصية ولا طاعة لأحد في معصية الله وكذلك كل ما وجب مثل الحج والصلاة في الجماعة والجمع والسفر للعلم الواجب قال الأوزاعي لا طاعة للوالدين في ترك الفرائض والجمع والحج والقتال لأنها عبادة تعينت عليه فلم يعتبر إذن الأبوين فيها كالصلاة ولأن الله تعالى قال ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا آل عمران 97 ولم يشترط إذن الوالدين

فصل وإن خرج في جهاد تطوع بإذنهما فمعناه منه بعد سيره وقيل وجوبه فعليه الرجوع لأنه معنى لو وجد في الابتداء منع فإذا وجد في أثنائه منع كسائر الموانع إلا أن يخاف على نفسه في الرجوع أو يحدث له عذر من مرض أو ذهاب نفقة أو نحوه فإن أمكنه الإقامة في الطريق وإلا مضى مع الجيش فإذا حضر الصف تعين عليه بحضوره ولم يبق لهما إذن وإن كان رجوعهما عن الإذن بعد تعين الجهاد عليه لم يؤثر رجوعهما شيئا وإن كانا كافرين فأسلما ومنعاه كان ذلك كمنعهما بعد إذنهما سواء وحكم الغريم يأذن في الجهاد ثم يمنع منه حكم الوالد على ما فصلناه فأما إن حدث للإنسان في نفسه عذر من مرض أو عمى أو عرج فله الانصراف سواء التقى الزحفان أو لم يلتقيا لأنه لا يمكنه القتال ولا فائدة في مقامه

فصل وإن أذن له والداه في الغزو وشرطا عليه أن لا يقاتل فحضر القتال تعين عليه وسقط شرطهما كذلك قال الأوزاعي وابن المنذر لأن صار واجبا عليه فلم يبق لهما في تركه طاعة ولو خرج بغير إذنهما فحضر القتال ثم بدا له الرجوع لم يجز له ذلك

فصل ومن عليه دين حال أو مؤجل لم يجز له الخروج إلى الغزو إلا بأذن غريمه إلا أن يترك وفاء أو يقيم به كفيلا أو يوثقه برهن وبهذا قال الشافعي ورخص مالك في الغزو لمن لا يقدر على قضاء دينه لأنه لا تتوجه المطالبة به ولا حبسه من أجله فلم يمنع من الغزو كما لو لم يكن عليه دين

ولنا إن الجهاد تقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس فيفوت الحق بفواتها وقد جاء أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا تكفر عني خطاياي قال نعم إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك رواه مسلم

وأما إذا تعين عليه الجهاد فلا إذن لغريمه لأنه تعلق بعينه فكان مقدما على ما في ذمته كسائر فروض الأعيان ولكن يستحب له أن لا يتعرض لمظان القتل من المبارزة والوقوف في أول


172

المقاتلة لأن فيه تغريرا بتفويت الحق وإن ترك وفاء أو أقام كفيلا فله الغزو بغير إذن نص عليه أحمد فيمن ترك وفاء لأن عبد الله بن حرام أبا جابر بن عبد الله خرج إلى أحد وعليه دين كثير فاستشهد وقضاه عنه ابنه بعلم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذمه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم ينكر فعله بل مدحه وقال زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه وقال لابنه جابر أشعرت أن الله أحيا أباك وكلمه كفاحا

مسألة

قال ( ويقاتل أهل الكتاب والمجوس ولا يدعون لأن الدعوة قد بلغتهم ويدعى عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا )

أما قوله في أهل الكتاب والمجوس لا يدعون قبل القتال فهو على عمومه لأن الدعوة قد انتشرت وعمت فلم يبق منهم من لم تبلغه الدعوة إلا نادرا بعيد وأما قوله يدعى عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا فليس بعام فإن من بلغته الدعوة منهم لا يدعون وإن وجد منهم من لم تبلغه الدعوة دعي قبل القتال وكذلك إن وجد من أهل الكتاب من لم تبلغه الدعوة دعوا قبل القتال

قال أحمد إن الدعوة قد بلغت وانتشرت ولكن إن جاز أن يكون قوم خلف الروم وخلف الترك على هذه الصفة لم يجز قتالهم قبل الدعوة وذلك لما روى بريدة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أوجيش أمره بتقوى الله في خاصته وبمن معه من المسلمين وقال إذالقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم رواه أبو داود ومسلم وهذا يحتمل أنه كان في بدء الأمر قبل انتشار الدعوة وظهور الإسلام فأما اليوم فقد انتشرت الدعوة فاستغني بذلك عن الدعاء عند القتال قال أحمد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام قبل أن يحارب حتى أظهر الله الدين وعلا الإسلام ولا أعرف اليوم أحدا يدعى قد بلغت الدعوة كل أحد فالروم قد بلغتهم الدعوة وعلموا ما يراد منهم وإنما كانت الدعوة في أول الإسلام وإن دعا فلا بأس وقد روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون آمنون وإبلهم تسقى على الماء فقتل المقاتلة وسبى الذرية متفق عليه وعن الصعب بن جثامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الديار من ديار المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال هم منهم متفق عليه وقال سلمة بن الأكوع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فغزونا ناسا من المشركين فبيتناهم رواه أبو داود

ويحتمل الأمر بالدعوة في حديث بريدة على الاستحباب فإنها مستحبة في كل حال وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا حين أعطاه الراية يوم خيبر وبعثه إلى قتالهم أن يدعوهم وهم ممن بلغتهم الدعوة رواه البخاري ودعا خالد بن الوليد طليحة الأسدي حين تنبأ فلم يرجع فأظهره الله عليه ودعا سلمان أهل فارس

فإذا ثبت هذا فإن كان المدعو من أهل الكتاب أو مجوسا دعاهم إلى الإسلام فإن أبوا دعاهم إلى إعطاء الجزية فإن أبوا قاتلهم وإن كانوا من غيرهم دعاهم إلى


173

الإسلام فإن أبوا قاتلهم ومن قتل منهم قبل الدعاء لم يضمن لأنه لا إيمان له ولا أمان فلم يضمن كنساء من بلغته الدعوة وصبيانهم

مسألة

قال ( ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ويقاتل من سواهم من الكفار حتى يسلموا )

وجملته أن الكفار ثلاثة أقسام قسم أهل كتاب وهم اليهود والنصارى ومن اتخذ التوراة والإنجيل كتابا كالسامرة والفرنج ونحوهم فهؤلاء تقبل منهم الجزية ويقرون على دينهم إذا بذلوها لقول الله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29

وقسم لهم شبهة كتاب وهم المجوس فحكمهم حكم أهل الكتاب في قبول الجزية منهم وإقرارهم بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذين القسمين

وقسم لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب وهم من عدا هذين القسمين من عبدة الأوثان ومن عبد ما استحسن وسائر الكفار فلا تقبل منهم الجزية ولا يقبل منهم سوى الإسلام هذا ظاهر المذهب وهو مذهب الشافعي

وروي عن أحمد أن الجزية تقبل من جميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب

وهو مذهب أبي حنيفة لأنهم يقرون على دينهم بالاسترقاق فيقرون ببذل الجزية كالمجوس وحكي عن مالك أنها تقبل من جميع الكفار إلا كفار قريش لحديث بريدة الذي في المسألة قبل هذه وهو عام ولأنهم كفار فأشبهوا المجوس

ولنا عموم قوله تعالى فاقتلوا المشركين

وقول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله خص منهما أهل الكتاب بقوله تعالى من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29

والمجوس بقوله سنوا بهم سنة أهل الكتاب فمن عداها يبقى على مقتضى العموم ولأن الصحابة رضي الله عنهم توقفوا في أخذ الجزية من المجوس ولم يأخذ عمر منهم الجزية حتى روى له عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب وثبت عندهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر وهذا يدل على أنهم لم يقبلوا الجزية ممن سواهم فإنهم إذا توقفوا فيمن له شبهة كتاب ففيمن لا شبهة له أولى ثم أخذ الجزية منهم للخبر المختص بهم فيدل على أنهم لم يأخذوها من غيرهم ولأن قول النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب يدل على اختصاص أهل الكتاب ببذل الجزية إذ لو كان عاما في جميع الكفار لم يختص أهل الكتاب بإضافتها إليهم ولأنهم تغلظ كفرهم لكفرهم بالله وجميع كتبه ورسله ولم تكن لهم شبهة فلم يقروا ببذل الجزية كقريش وعبدة الأوثان من العرب ولأن تغليظ الكفر له أثر في تحتم القتل وكونه لا يقر بالجزية بدليل المرتد وأما المجوس فإن لهم شبهة كتاب والشبهة تقوم مقام الحقيقة فيما يبنى على الاحتياط فحرمت دماؤهم ولم يثبت حل نسائهم وذبائحهم لأن الحل لا يثبت بالشبهة ولأن الشبهة لما اقتضت تحريم دمائهم


174

اقتضت تحريم ذبائحهم ونسائهم ليثبت التحريم في المواضع كلها تغليبا له على الإباحة ولا نسلم أنهم يقرون على دينهم بالاسترقاق

مسألة

قال ( وواجب على الناس إذا جاء العدو أن ينفروا المقل منهم والمكثر ولا يخرجوا إلى العدو إلا بإذن الأمير إلا أن يفجأهم عدو غالب يخافون كلبه فلا يمكنهم أن يستأذنوه )

قوله المقل منهم والمكثر يعني به والله أعلم الغني والفقير أي مقل من المال ومكثر منه ومعناه أن النفير يعم جميع الناس ممن كان من أهل القتال حين الحاجة إلى نفيرهم لمجيء العدو إليهم ولا يجوز لأحد التخلف إلا من يحتاج إلى تخلفه لحفظ المكان والأهل والمال ومن يمنعه الأمير من الخروج أو من لا قدرة له على الخروج أو القتال وذلك لقول الله تعالى انفروا خفافا وثقالا التوبة 41

وقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا استنفرتم فانفروا وقد ذم الله تعالى الذين أرادوا الرجوع إلى منازلهم يوم الأحزاب فقال تعالى ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا الأحزاب 13

ولأنهم إذا جاء العدو صار الجهاد عليهم فرض عين فوجب على الجميع فلم يجز لأحد التخلف عنه فإذا ثبت هذا فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير لأن أمر الحرب موكول إليه وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم ومكامن العدو وكيدهم فينبغي أن يرجع إلى رأيه لأنه أحوط للمسلمين إلا أن يتعذر استئذانه لمفاجأة عدوهم لهم فلا يجب استئذانه لأن المصلحة تتعين في قتالهم والخروج إليهم لتعين الفساد في تركهم ولذلك لما أغار الكفار على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجا من المدينة تبعهم فقاتلهم من غير إذن فمدحه النبي صلى الله عليه وسلم وقال خير رجالتنا سلمة بن الأكوع وأعطاه سهم فارس وراجل

فصل وسئل أحمد عن الإمام إذا غضب على الرجل فقال اخرج عليك أن لا تصحبني فنادى بالنفير يكون إذنا له قال لا إنما قصد له وحده فلا يصحبه حتى يأذن له قال وإذا نودي بالصلاة والنفير فإن كان العدو بالبعد إنما جاءهم طليعة للعدو صلوا ونفروا إليهم وإذا استغاثوا بهم وقد ورد العدو أغاثوا ونصروا وصلوا على ظهور دوابهم ويؤمون والغياث عندي أفضل من صلاة الجماعة والطالب والمطلوب في هذا الموضع يصلي على ظهر دابته وهو يسير أفضل إن شاء الله تعالى وإذا سمع النفير وقد أقيمت الصلاة يصلي ويخفف ويتم الركوع والسجود ويقرأ بسور قصار وقد نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جنب يعني غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب قال ولا يقطع الصلاة إذا كان فيها وإذا جاء النفير والإمام يخطب يوم الجمعة لا ترى أن ينفروا قال ولا تنفر الخيل إلا على حقيقة ولا تنفر على الغلام إذا أبق إذا أنفروهم فلا يكون هلاك الناس بسبب غلام وإذا نادى الإمام الصلاة جامعة لأمر يحدث فيشاور فيه لم يتخلف عنه أحد إلا من عذر

مسألة

قال ( ولا يدخل مع المسلمين من النساء إلى أرض العدو إلا الطاعنة في السن لسقي الماء ومعالجة الجرحى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم )

وجملته أنه يكره دخول النساء الشواب أرض العدو لأنهن لسن من أهل القتال وقلما ينتفع بهن فيه لاستيلاء


175

الخور والجبن عليهن ولا يؤمن ظفر العدو بهن فيستحلون ما حرم الله منهن وقد روى حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه أنها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر سادسة ست نسوة فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إلينا فجئنا فرأينا منه الغضب فقال مع من خرجتن فقلنا يا رسول الله خرجنا نغزل الشعر ونعين به في سبيل الله ومعنا دواء للجرحى ونناول السهام ونسقي السويق فقال قمن حتى إذا فتح الله خيبر أسهم لنا

كما أسهم للرجال فقلت لها يا جدة ما كان ذلك قالت تمرا قيل للأوزاعي هل كانوا يغزون معهم بالنساء في الصوائف قال لا إلا بالجواري فأما المرأة الطاعنة في السن وهي الكبيرة إذا كان فيها نفع مثل سقي الماء ومعالجة الجرحى فلا بأس به لما روينا من الخبر وكانت أم سليم ونسيبة بنت كعب تغزوان مع النبي صلى الله عليه وسلم فأما نسيبه فكانت تقاتل وقطعت يدها يوم اليمامة وقالت الربيع كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم لسقي الماء ومعالجة الجرحى

وقال أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار يسقين الماء ويداوين الجرحى

قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح

فإن قيل فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج معه من تقع عليها القرعة من نسائه وخرج بعائشة مرات قيل تلك امرأة واحدة يأخذها لحاجته إليها ويجوز مثل ذلك للأمير عند حاجته ولا يرخص لسائر الرعية لئلا يفضي إلى ما ذكرنا

فصل ينبغي للأمير أن يرفق بجيشه ويسير بهم سير أضعفهم لئلا يشق عليهم وإن دعت الحاجة إلى الجد في السير جاز له فإن النبي صلى الله عليه وسلم جد في السير جدا شديدا حين بلغه قول عبد الله بن أبي ليخرجن الأعز منها الأذل المنافقون 8

ليشتغل الناس عن الخوض فيه وإن عمر جد في السير حين استصرخ على صفية امرأته ولا يميل الأمير مع موافقيه في المذهب والنسب على مخالفيه فيهما لئلا يكسر قلوبهم فيخذلونه عند حاجته إليهم ويكثر المشاورة لذوي الرأي من أصحابه فإن الله تعالى قال وشاورهم في الأمر آل عمران 159

ويتخير المنازل لأصحابه وإذا وجد رجل رجلا قد أصيب فرسه ومع الآخر فضل استحب له حمله ولم يجب نص عليه أحمد فإن خاف تلفه فقال القاضي يجب عليه بذل فضل مركوبه ليحيى به صاحبه كما يلزمه فضل طعامه للمضطر إليه وتخليصه من عدوه

فصل وسئل أحمد عن الرجلين يشتريان الفرس بينهما يغزوان عليه يركب هذا عقبه وهذا عقبه ما سمعت فيه بشيء وأرجو أن لا يكون به بأس قيل له أيما أحب إليك يعتزل الرجل في الطعام أو يرافق قال يرافق هذا أرفق يتعاونون وإذا كنت وحدك لم يمكنك الطبخ ولا غيره فلا بأس بالنهد قد تناهد الصالحون وكان الحسن إذا سافر ألقى معهم ويزيد أيضا بعدما يلقي ومعنى النهد أن يخرج كل واحد من الرفقة شيئا من النفقة يدفعونه إلى رجل ينفق عليهم منه ويأكلون جميعا وكان الحسن البصري يدفع إلى وكيلهم مثل واحد منهم ثم يعود فيأتي سرا بمثل ذلك يدفعه إليه


176

وقال أحمد ما أرى أن يغزو ومعه مصحف يعني لا يدخل به أرض العدو لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو رواه أبو داود والأثرم

مسألة

قال ( وإذا غزا الأمير بالناس لم يجز لأحد أن يتعلف ولا يحتطب ولا يبارز علجا ولا يخرج من العسكر ولا يحدث حدثا إلا بإذنه )

يعني لا يخرج من العسكر لتعلف وهو تحصيل العلف للدواب ولا الاحتطاب ولا غيره إلا بإذن الأمير لقول الله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه النور 62

ولأن الأمير أعرف بحال الناس وحال العدو ومكامنهم ومواضعهم وقربهم وبعدهم فإذا خرج خارج بغير إذنه لم يأمن أن يصادف كمينا للعدو فيأخذوه أو طليعة لهم أو يرحل الأمير بالمسلمين ويتركه فيهلك وإذا كان بإذن الأمير لم يأذن لهم إلا إلى مكان آمن وربما يبعث معهم من الجيش من يحرسهم ويطلع لهم وأما المبارزة فتجوز بإذن الأمير في قول عامة أهل العلم إلا الحسن فإنه لم يعرفها وكرهها

ولنا إن حمزة وعليا وعبيدة بن الحارث بارزوا يوم بدر بإذن النبي صلى الله عليه وسلم وبارز علي عمرو بن عبد ود في غزوة الخندق فقتله وبارز مرحبا يوم حنين وقيل بارزه محمد بن مسلمة وبارزه قبل ذلك عامر بن الأكوع فاستشهد وبارز البراء بن مالك مرزبان الزأرة فقتله وأخذ سلبه فبلغ ثلاثين ألفا وروي عنه أنه قال قتلت تسعة وتسعين رئيسا من المشركين مبارزة سوى من شاركت فيه وبارز شبر بن علقمة أسوارا فقتله فبلغ سلبه اثني عشر ألفا فنقله إياه سعد ولم يزل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبارزون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبعده ولم ينكره منكر فكان ذلك إجماعا وكان أبو ذر يقسم أن قوله تعالى هذان خصمان اختصموا في ربهم الحج 19

نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر وهم حمزة وعلي وعبيدة بارزوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة وقال أبو قتادة بارزت رجلا يوم حنين فقتلته

إذا ثبت هذا فإنه ينبغي أن يستأذن الأمير في المبارزة إذا أمكن وبه قال الثوري وإسحاق ورخص فيها مالك والشافعي وابن المنذر لخبر أبي قتادة فإنه لم يعلم أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أكثر من حكينا عنهم المبارزة لم يعلم منهم استئذان

ولنا إن الإمام أعلم بفرسانه وفرسان العدو ومتى برز الإنسان إلى من لا يطيقه كان معرضا نفسه للهلاك فيكسر قلوب المسلمين فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام ليختار للمبارزة من يرضاه لها فيكون أقرب إلى الظفر وجبر قلوب المسلمين وكسر قلوب المشركين فإن قيل فقد أبحتم له أن ينغمس في الكفار وهو سبب لقتله قلنا إذا كان مبارزا تعلقت قلوب الجيش به وارتقبوا ظفره فإن ظفر جبر قلوبهم وسرهم وكسر قلوب الكفار وإن قتل كان بالعكس والمنغمس يطلب الشهادة لا يترقب منه ظفر ولا مقاومة فافترقا وأما مبارزة أبي قتادة فغير لازمة فإنها كانت بعد التحام الحرب رأى رجلا يريد أن يقتل مسلما فضربه أبو قتادة فالتفت إلى أبي قتادة فضمه ضمة كاد يقتله وليس هذا هو المبارزة المختلف فيها بل المختلف فيها أن يبرز رجل بين الصفين قبل التحام الحرب


177

يدعو إلى المبارزة فهذا هو الذي يعتبر له إذن الإمام لأن عين الطائفتين تمتد إليهما وقلوب الفريقين تتعلق بهما وأيهما غلب سر أصحابه وكسر قلوب أعدائه بخلاف غيره

إذا ثبت هذا فالمبارزة تنقسم ثلاثة أقسام مستحبة ومباحة ومكروهة أما المستحبة فإذا خرج علج يطلب البراز استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير لأن فيه ردا عن المسلمين وإظهارا لقوتهم والمباح أن يبتدىء الرجل الشجاع بطلبها فيباح ولا يستحب لأنه لا حاجة إليها ولا يأمن أن يغلب فيكسر قلوب المسلمين إلا أنه لما كان شجاعا واثقا من نفسه أبيح له لأنه بحكم الظاهر غالب والمكروه أن يبرز الضعيف المنة الذي لا يثق من نفسه فتكره له المبارزة لما فيه من كسر قلوب المسلمين لقتله ظاهرا

فصل إذا خرج كافر يطلب البراز جاز رميه وقتله لأنه مشرك لا عهد له ولا أمان له فأبيح قتله كغيره إلا أن تكون العادة جارية بينهم أن من خرج يطلب المبارزة لا يعرض له فيجري ذلك مجرى الشرط وإذا خرج إليه أحد يبارزه بشرط أن لا يعينه عليه سواء وجب الوفاء بشرطه لأن المؤمنين عند شروطهم فإن انهزم المسلم تاركا للقتال أو مثخنا بجراحته جاز لكل أحد قتله لأنه المسلم إذا صار إلى هذه الحال فقد انقضى قتاله وإن كان المسلم شرط عليه أن لا يقاتل حتى يرجع إلى صفه وفى له بالشرط إلا أن يترك قتاله أو ثخنه بالجراح فيتبعه ليقتله أو يجيز عليه فيجوز أن يحولوا بينه وبينه فإن قاتلهم قاتلوه لأنه إذا منعهم إنقاذه فقد نقض أمانه وإن أعان الكفار صاحبهم فعلى المسلمين أن يعينوا صاحبهم أيضا ويقاتلون من أعان عليه ولا يقاتلونه لأنه ليس بصنع من جهته فإن كان قد استنجدهم أو علم منه الرضا بفعلهم صار ناقضا لأمانه وجاز لهم قتله وذكر الأوزاعي أنه ليس للمسلمين معاونة صاحبهم وإن أثخن بالجراح قيل له فخاف المسلمون على صاحبهم وقال وإن لأن المبارزة إنما تكون هكذا ولكن لو حجزوا بينهما وخلوا سبيل العلج قال فإن أعان العدو صاحبهم فلا بأس أن يعين المسلمين صاحبهم

ولنا إن حمزة وعليا أعانا عبيدة بن الحارث على قتل شيبة بن ربيعة حين أثخن عبيدة

فصل وتجوز الخدعة في الحرب للمبارز وغيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحرب خدعة وهو حديث حسن صحيح

وروي أن عمرو بن عبد ود بارز عليا كرم الله وجهه فلما أقبل عليه قال ما برزت لأقاتل اثنين فالتفت عمرو فوثب عليه فضربه فقال عمرو خدعتني فقال علي الحرب خدعة

فصل قال أحمد إذا غزوا في البحر فأراد رجل أن يقيم بالساحل يستأذن الولي الذي هو على جميع المراكب ولا يجزئه أن يستأذن الوالي الذي في مركبه

مسألة

قال ( ومن أعطي شيئا يستعين به في غزاته فما فضل فهو له فإن لم يعط لغزاة بعينها رد ما فضل في الغزو )


178

وجملته أن من أعطي شيئا من المال يستعين به في الغزو لم يخل إما أن يعطى لغزوة بعينها أو في الغزو مطلقا فإن أعطى لغزوة بعينها فما فضل بعد الغزو فهو له

هذا قول عطاء ومجاهد وسعيد بن المسيب وكان ابن عمر إذا أعطى شيئا في الغزو يقول لصاحبه إذا بلغت وادي القرى فشأنك به ولأنه أعطاه على سبيل المعاونة والنفقة لا على سبيل الإجارة فكان الفاضل له كما لو وصى أن يحج عنه فلان حجة بألف وإن أعطاه شيئا لينفقه في سبيل الله أو في الغزو مطلقا ففضل منه فضل أنفقه في غزاة أخرى لأنه أعطاه الجميع لينفقه في جهة قربة فلزمه إنفاق الجميع فيها كما لو وصى أن يحج عنه بألف

فصل ومن أعطي شيئا ليستعين به في الغزو فقال أحمد لا يترك لأهله منه شيئا لأنه ليس يملكه إلا أن يصير إلى رأس مغزاة فيكون كهيئة ماله فيبعث إلى عياله منه ولا يتصرف فيه قبل الخروج لئلا يتخلف عن الغزو فلا يكون مستحقا لما أنفقه إلا أن يشتري منه سلاحا أو آلة الغزو فإن قصد إعطاءه لمن يغزو به فقال أحمد لا يتخذ منه سفرة فيها طعام فيطعم منها أحدا لأنه إنما أعطيها لينفقها في جهة مخصوصة وهي الجهاد

مسألة

قال ( وإذا حمل الرجل على دابة فإذا رجع من الغزو فهي له إلا أن يقول هي حبيس فلا يجوز أن تباع إلا أن تصير في حال لا تصلح فيه للغزو فتباع وتجعل في حبيس آخر وكذلك المسجد إذا ضاق بأهله إذا كان في مكان لا ينتفع به جاز أن يباع ويجعل في مكان ينتفع به وكذلك الأضحية إذا أبدلها بخير منها )

قوله حمل الرجل على دابة يعني أعطيها ليغزو عليها فإذا غزا عليها ملكها كما يملك النفقة المدفوعة إليه إلا أن تكون عارية فتكون لصاحبها أو حبيسا فتكون حبيسا بحاله

قال عمر رضي الله عنه حملت على فرس عتيق في سبيل الله فأضاعه صاحبه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه وظننته بائعه برخص فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه متفق عليه وهذا يدل على أنه ملكه لولا ذلك ما باعه ويدل على أنه ملكه بعد الغزو لأنه أقامه للبيع بالمدينة ولم يكن ليأخذه من عمر ثم يقيمه للبيع في الحال فدل على أنه أقامه للبيع بعد غزوه عليه وذكر أحمد نحوا من هذا الكلام وسئل متى يطيب له الفرس قال إذا غزا عليه قيل له فإن العدو جاءنا فخرج على هذا الفرس في الطلب إلى خمسة فراسخ ثم رجع قال لا حتى يكون غزا قيل له فحديث ابن عمر إذا بلغت وادي القرى فشأنك به قال ابن عمر كان يصنع ذلك في ماله ورأى أنه إنما يستحقه إذا غزا عليه وهذا قول أكثر أهل العلم منهم سعيد بن المسيب وسالم والقاسم ويحيى الأنصاري ومالك والليث والثوري ونحوه عن الأوزاعي قال ابن المنذر ولا أعلم أحدا يقول إن له يبيعه في مكانه وكان مالك لا يرى أن ينتفع بثمنه في غير سبيل الله إلا أن يقول له شأنك به ما أردت


179

ولنا حديث عمر وليس فيه ما اشترط مالك فأما إذا قال هي حبيس فلا يجوز بيعها وقد سبق شرح هذه المسألة في باب الوقف ويأتي شرح حكم الأضحية في بابها إن شاء الله

فصل قال أحمد لا يركب دواب السبيل في حاجة ويركبها ويستعملها في سبيل الله ولا يركب في الأمصار والقرى ولا بأس أن يركبها ويعلفها وأكره سباق الرمك على الفرس الحبيس وسهم الفرس الحبيس لمن غزا عليه ولا يباع الفرس الحبيس إلا من علة إذا عطب يصير للطحن ويصير ثمنه في مثله أو ينفق ثمنه على الدواب الحبيس وإذا أراد أن يشتري فرسا ليحمل عليه فقال أحمد يستحب شراؤها من غير الثغر ليكون توسعه على أهل الثغر في الجلب

مسألة

قال ( وإذا سبى الإمام فهو مخير إن رأى قتلهم وإن رأى من عليهم وأطلقهم بلا عوض وإن رأى أطلقهم على مال يأخذه منهم وإن رأى فادى بهم وإن رأى استرقهم

أي ذلك رأى فيه نكاية للعدو وحظا للمسلمين فعل )

وجملته أن من أسر من أهل الحرب على ثلاثة أضرب أحدها النساء والصبيان فلا يجوز قتلهم ويصيرون رقيقا للمسلمين بنفس السبي لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والولدان متفق عليه

وكان عليه السلام يسترقهم إذا سباهم

الثاني الرجال من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية فيخير الإمام فيهم بين أربعة أشياء القتل والمن بغير عوض والمفاداة بهم واسترقاقهم

الثالث الرجال من عبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يقر بالجزية فيتخير الإمام فيهم بين ثلاثة أشياء القتل أو المن والمفاداة ولا يجوز استرقاقهم وعن أحمد جواز استرقاقهم وهو مذهب الشافعي وبما ذكرنا في أهل الكتاب قال الأوزاعي والشافعي وأبو ثور وعن مالك كمذهبنا وعنه لا يجوز المن بغير عوض لأنه لا مصلحة فيه وإنما يجوز للإمام فعل ما فيه المصلحة وحكي عن الحسن وعطاء وسعيد بن جبير كراهة قتل الأسرى وقالوا لو من عليه أو فاداه كما صنع بأسارى بدر ولأن الله تعالى قال فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء محمد 4

فخير بين هذين بعد الأسر لا غير وقال أصحاب الرأي إن شاء ضرب أعناقهم وإن شاء استرقهم لا غير ولا يجوز من ولا فداء لأن الله تعالى قال فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة 5

بعد قوله فإما منا بعد وإما فداء محمد 4

وكان عمر بن عبد العزيز وعياض بن عقبة يقتلان الأسارى

ولنا على جواز المن والفداء قول الله تعالى فإما منا بعد وإما فداء محمد 4

وأن النبي صلى الله عليه وسلم من على ثمامة بن أثال


180

وأبي عزة الشاعر وأبي العاص بن الربيع وقال في أسارى بدر لو كان مطعم بن عدي حيا ثم سألني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له وفادى أسارى بدر وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا كل رجل منهم بأربعمائة وفادى يوم بدر رجلا برجلين وصاحب العضباء برجلين

وأما القتل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجال بني قريظة وهم بين الستمائة والسبعمائة وقتل يوم بدر النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط صبرا وقتل أبا غزة يوم أحد وهذه قصص عمت واشتهرت وفعلها النبي صلى الله عليه وسلم مرات وهو دليل على جوازها ولأن كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح في بعض الأسرى فإن منهم من له قوة ونكاية في المسلمين وبقاؤه ضرر عليهم فقتله أصلح ومنهم الضعيف الذي له مال كثير ففداؤه أصلح ومنهم حسن الرأي في المسلمين يرجى إسلامه بالمن عليه أو معونته للمسلمين بتخليص أسراهم والدفع عنهم فالمن عليه أصلح ومنهم من ينتفع بخدمته ويؤمن شره فاسترقاقه أصلح كالنساء والصبيان والإمام أعلم بالمصلحة فينبغي أن يفوض ذلك إليه وقوله تعالى فاقتلوا المشركين التوبة 5 )

عام لا ينسخ به الخاص بل ينزل على ما عدا المخصوص ولهذا لم يحرموا استرقاقه فأما عبدة الأوثان ففي استرقاقهم روايتان إحداهما لا يجوز وهو مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة يجوز في العجم دون العرب بناء على قوله في أخذ الجزية

ولنا إنه كافر لا يقر بالجزية فلم يقر بالاسترقاق كالمرتد وقد ذكرنا الدليل عليه

إذا ثبت هذا فإن هذا تخيير مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة فمتى رأى المصلحة في خصلة من هذه الخصال تعينت عليه ولم يجز العدول عنها ومتى تردد فيها فالقتل أولى

قال مجاهد في أمرين أحدهما يقتل الأسرى وهو أفضل وكذلك قال مالك

وقال إسحاق الاثخان أحب إلي أن يكون معروفا يطمع به في الكثير

فصل وإن أسلم الأسير صار رقيقا في الحال وزال التخيير وصار حكمه حكم النساء وبه قال الشافعي في أحد قوليه وفي الآخر يسقط القتل ويتخير بين الخصال الثلاث لما روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسروا رجلا من بني عقيل فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد علام أخذت وأخذت سابقة الحاج فقال أخذت بجريرة حلفائك من ثقيف فقد أسرت رجلين من أصحابي فمضى النبي صلى الله عليه وسلم فناداه يا محمد يا محمد فقال له ما شأنك فقال إني مسلم فقال لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح وفادى به النبي صلى الله عليه وسلم الرجلين رواه مسلم ولأنه سقط القتل بإسلامه فبقي باقي الخصال على ما كانت عليه

ولنا إنه أسير يحرم قتله فصار رقيقا كالمرأة والحديث لا ينافي رقه فقد يفادى بالمرأة وهي رقيق كما روى سلمة بن الأكوع أنه غزا مع أبي بكر فنفله امرأة فوهبها للنبي صلى الله عليه وسلم فبعث بها إلى أهل مكة وفي أيديهم أسارى ففداهم بتلك المرأة إلا أنه لا يفادي به ولا يمن عليه إلا بإذن الغانمين لأنه صار مالا لهم ويحتمل أن يجوز المن عليه لأنه كان يجوز المن عليه مع كفره فمع إسلامه أولى لكون الإسلام حسنة يقتضي إكرامه والإنعام عليه لا منع ذلك في حقه ولا يجوز رده إلى الكفار إلا أن يكون له ما يمنعه من المشركين من عشيرة أو نحوها وإنما جاز


181

فداؤه لأنه يتخلص به من الرق

فأما إن أسلم قبل أسره حرم قتله واسترقاقه والمفاداة به سواء أسلم وهو في حصن أو جوف أو مضيق أو غير ذلك لأنه لم يحصل في أيدي الغانمين بعد

فصل فإن سأل الأسارى من أهل الكتاب تخليتهم على إعطاء الجزية لم يجز ذلك في نسائهم وذراريهم لأنهم صاروا غنيمة بالسبي وأما الرجال فيجوز ذلك فيهم ولا يزول التخيير الثابت فيهم وقال أصحاب الشافعي يحرم قتلهم كما لو أسلموا

ولنا إنه بدل لا تلزم الإجابة إليه فلم يحرم قتلهم كبدل عبدة الأوثان

فصل وإذا أسر العبد صار رقيقا للمسلمين

لأنه مال لهم استولى عليه فكان للغانمين كالبهيمة وإن رأى الإمام قتله لضرر في بقائه جاز قتله

لأن مثل هذا لا قيمة له فهو كالمرتد وأما من يحرم قتلهم غير النساء والصبيان كالشيخ والزمن والأعمى والراهب فلا يحل سبيهم لأن قتلهم حرام ولا نفع في اقتنائهم

فصل ذكر أبو بكر أن الكافر إذا كان مولى مسلم لم يجز استرقاقه

لأن في استرقاقه تفويت ولاء المسلم المعصوم

وعلى قوله لا يسترق ولده أيضا إذا كان عليه ولاء لذلك وإن كان معتقه ذميا جاز استرقاقه

لأن سيده يجوز استرقاقه فاسترقاق مولاه أولى

وهذا مذهب الشافعي وظاهر كلام الخرقي جواز استرقاقه لأنه يجوز قتله وهو من أهل الكتاب فجاز استرقاقه كغيره

ولأن سبب جواز الاسترقاق قد تحقق فيه وهو الاستيلاء عليه مع كون مصلحة المسلمين في استرقاقه ولأنه إن كان المسبي امرأة أو صبيا لم يجز فيه سوى الاسترقاق فيتعين ذلك فيه وما ذكره يبطل بالقتل فإنه يفوت الولاء وهو جائز فيه

وكذلك من عليه ولاء لذمي يجوز استرقاقه وقولهم إن سيده يجوز استرقاقه غير صحيح فإن الذمي لا يجوز استرقاقه ولا تفويت حقوقه وقد قال علي رضي الله عنه إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا

مسألة

قال ( وسبيل من استرق منهم وما أخذ منهم على إطلاقهم سبيل تلك الغنيمة )

يعني من صار منهم رقيقا بضرب الرق عليه أو فودي بمال فهو كسائر الغنيمة يخمس ثم يقسم أربعة أخماسه بين الغانمين

لا نعلم في هذا خلافا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قسم فداء أسارى بدر بين الغانمين

ولأنه مال غنمه المسلمون فأشبه الخيل والسلاح فإن قيل فالأسر لم يكن للغانمين فيه حق فكيف تعلق حقهم ببدله قلنا إنما يفعل الإمام في الاسترقاق ما يرى فيه المصلحة

لأنه لم يصر مالا

فإذا صار مالا تعلق حق الغانمين به لأنهم أسروه وقهروه وهذا لا يمنع ألا ترى أن من عليه الدين إذا قتل قتلا يوجب القصاص كان لورثته الخيار فإذا اختاروا الدية تعلق حق الغرماء بها

مسألة

قال ( وإنما يكون له استرقاقهم إذا كانوا من أهل الكتاب أو مجوسا فأما ما سوى هؤلاء من العدو فلا يقبل من بالغي رجالهم إلا الإسلام أو السيف أو الفداء )

قد ذكرنا فيما تقدم أن غير أهل الكتاب لا يجوز استرقاق رجالهم في إحدى الروايتين

فصل فأما النساء والصبيان فيصيرون رقيقا بالسبي ومنع أحمد من فداء النساء بالمال لأن في


182

بقائهن تعريضا لهن للإسلام لبقائهن عند المسلمين وجوز أن يفادى بهن أسارى المسلمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم فادى بالمرأة التي أخذها من سلمة بن الأكوع ولأن في ذلك استنقاذ مسلم متحقق إسلامه فاحتمل تفويت غرضية بالإسلام من أجله

ولا يلزم من ذلك احتمال فواتها لتحصيل المال

فأما الصبيان فقال أحمد لا يفادى بهم وذلك لأن الصبي يصير مسلما بإسلام سابيه فلا يجوز رده إلى المشركين

وكذلك المرأة إذا أسلمت لم يجز ردها إلى الكفار ولا غيره لقول الله تعالى فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن الممتحنة 10 ولأن في ردها إليهم تعريضا لها للرجوع عن الإسلام واستحلال ما لا يحل منها وإن كان الصبي غير محكوم بإسلامه كالذي سبي مع أبويه لم يجز فداؤه بمال وهل يجوز فداؤه بمسلم يحتمل وجهين

فصل ولم يجوز أحمد بيع شيء من رقيق المسلمين لكافر سواء كان الرقيق مسلما أو كافرا وهذا قول الحسن

قال أحمد ليس لأهل الذمة أن يشتروا مما سبى المسلمون شيئا قال وكتب عمر بن الخطاب ينهى عنه أمراء الأمصار

هكذا حكى أهل الشام وليس له إسناد وجوز أبو حنيفة والشافعي ذلك لأنه لا يمنع من إثبات يده عليه فلا يمنع من ابتدائه كالمسلم

ولنا قول عمر ولم ينكر فيكون إجماعا ولأن فيه تفويتا للإسلام الذي يظهر وجوده فإنه إذا بقي رقيقا للمسلمين الظاهر إسلامه فيفوت ذلك ببيعه لكافر بخلاف ما إذا كان رقيقا لكافر في ابتدائه فإنه لم يثبت له هذه الغرضية والدوام يخالف الابتداء لقوته

فصل ومن أسر أسيرا لم يكن له قتله حتى يأتي به الإمام فيرى فيه رأيه لأنه إذا صار أسيرا فالخيرة فيه إلى الإمام وقد روي عن أحمد كلام يدل على إباحة قتله فإنه قال لا يقتل أسيرا غيره إلا أن يشاء الوالي فمفهومه أن له قتل أسيره بغير إذن الوالي لأن له أن يقتله ابتداء فكان له قتله دواما كما لو هرب منه أو قاتله فإن امتنع الأسير أن ينقاد معه فله إكراهه بالضرب وغيره فإن لم يمكنه إكراهه فله قتله وإن خافه أو خاف هربه فله قتله أيضا وإن امتنع من الانقياد معه لجرح أو مرض فله قتله أيضا وتوقف أحمد عن قتله والصحيح أنه يقتله كما يذفف على جريحهم ولأن تركه حيا ضرر على المسلمين وتقوية للكفار فتعين القتل كحالة الابتداء إذا أمكنه قتله وكجريحهم إذا لم يأسره فأما أسير غيره فلا يجوز له قتله إلا أن يصير إلى حال يجوز قتله لمن أسره وقد روى يحيى بن أبي كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يتعاطين أحدكم أسير صاحبه إذا أخذه فيقتله رواه سعيد فإن قتل أسيره أو أسير غيره قبل ذلك أساء ولم يلزمه ضمانه وبهذا قال الشافعي وقال الأوزاعي إن قتله قبل أن يأتي به الإمام لم يضمنه وإن قتله بعد ذلك غرم ثمنه لأنه أتلف من الغنيمة ما له قيمة فضمنه كما لو قتل امرأة


183

ولنا إن عبد الرحمن بن عوف أسر أمية بن خلف وابنه عليا يوم بدر فرآهما بلال فاستصرخ الأنصار عليهما حتى قتلوهما ولم يغرموا شيئا ولأنه أتلف ما ليس بمال فلم يغرمه كما لو أتلفه قبل أن يأتي به الإمام ولأنه أتلف ما لا قيمة له قبل أن يأتي به الإمام فلم يغرمه كما لو أتلف كلبا فأما إن قتل امرأة أو صبيا غرمه لأنه كان رقيقا بنفس السبي

فصل ومن أسر فادعى أنه كان مسلما لم يقبل قوله إلا ببينة لأنه يدعي أمرا الظاهر خلافه يتعلق به إسقاط حتى يتعلق برقبته

فإن شهد له واحد حلف معه وخلى سبيله

وقال الشافعي لا تقبل إلا شهادة عدلين لأنه ليس بمال ولا يقصد منه المال

ولنا ما روى عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر لا يبقى منهم أحد إلا أن يفدى أو يضرب عنقه فقال عبد الله بن مسعود إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم إلا سهيل بن بيضاء فقبل شهادة عبد الله وحده

مسألة

قال ( وينفل الإمام ومن استخلفه الإمام كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بدأته الربع بعد الخمس

وفي رجعته الثلث بعد الخمس )

النفل زيادة تزاد على سهم الغازي ومنه نفل الصلاة وهو ما زيد على الفرض وقول الله تعالى ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة الأنبياء 72 كأنه سأل الله ولدا فأعطاه ما سأل وزاده ولدا لولد والمراد بالبداية هاهنا ابتداء دخول الحرب والرجعة رجوعه عنها والنفل في الغزو ينقسم ثلاثة أقسام أحدها هذا الذي ذكره الخرقي وهو أن الإمام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازيا بعث بين يديه سرية تغير على العدو ويجعل لهم الربع بعد الخمس فما قدمت به السرية من شيء أخرج خمسه ثم أعطى السرية ما جعل لهم وهو ربع الباقي

وذلك خمس آخر ثم قسم ما بقي في الجيش والسرية معه

فإذا قفل بعث سرية تغير وجعل لهم الثلث بعد الخمس فما قدمت به السرية أخرج خمسه

ثم أعطى السرية ثلث ما بقي ثم قسم سائره في الجيش والسرية معه

وبهذا قال حبيب بن مسلمة والحسن والأوزاعي وجماعة ويروى عن عمرو بن شعيب أنه قال لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعله يحتج بقوله تعالى يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول الأنفال 1 فخصه بها وكان سعيد بن المسيب ومالك يقولان لا نفل إلا من الخمس وقال الشافعي يخرج من خمس الخمس لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عبد الله بن عمر فغنموا إبلا كثيرة فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا متفق عليه

ولو أعطاهم من أربعة الأخماس التي هي لهم لم يكن نفلا وكان من


184

سهامهم

ولنا ما روى حبيب بن مسلمة الفهري قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الربع في البداءة والثلث في الرجعة وفي لفظ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قفل رواهما أبو داود وعن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البداءة الربع وفي القفول الثلث رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب

وفي لفظ قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفلهم إذا خرجوا بادين الربع وينفلهم إذا قفلوا الثلث رواه الخلال بإسناده وروى الأثرم بإسناده عن جرير بن عبد الله البجلي أنه لما قدم على عمر في قومه قال له عمر هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وشيء وذكره ابن المنذر أيضا عن عمر وقال إبراهيم النخعي ينفل السرية الثلث والربع يضربهم بذلك فأما قول عمرو بن شعيب فإن مكحولا قال له حين قال لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر له حديث حبيب بن مسلمة شغلك أكل الزبيب بالطائف وما ثبت للنبي صلى الله عليه وسلم ثبت للأئمة بعده ما لم يقم على تخصيصه به دليل فأما حديث ابن عمر فهو حجة عليهم

فإن بعيرا على اثنى عشر يكون حزءا من ثلاثة عشر وخمس الخمس جزء من خمسة وعشرين وجزء من ثلاثة عشر أكثر فلا يتصور أخذ الشيء من أقل منه يحققه أن الإثني عشر إذا كانت أربعة أخماس والبعير منها ثلت الخمس فكيف يتصور أخذ ثلث الخمس من خمس الخمس فهذا محال فتعين أن يكون ذلك من غيره أو أن النفل كان للسرية دون سائر الجيش على أن ما رويناه صريح في الحكم فلا يعارض بشيء مستنبط يحتمل غير ما حمله عليه من استنبطه

إذا ثبت هذا فظاهر كلام أحمد أنهم إنما يستحقون هذا النفل بالشرط السابق فإن لم يكن شرطه لهم فلا

فإنه قيل له أليس قد نفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في البداءة الربع وفي الرجوع الثلث قال نعم ذاك إذا نفل وتقدم القول فيه فعلى هذا إن رأى الإمام أن لا ينفلهم شيئا فله ذلك

وإن رأى أن ينفلهم دون الثلث والربع فله ذلك

لأنه إذا جاز أن لا يجعل لهم شيئا جاز أن يجعل لهم شيئا يسيرا ولا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث نص عليه أحمد وهو قول مكحول والأوزاعي والجمهور من العلماء وقال الشافعي لا حد للنفل بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفل مرة الثلث وأخرى الربع وفي حديث ابن عمر نفل نصف السدس فهذا يدل على أنه ليس للنفل حد لا يتجاوزه الإمام

فينبغي أن يكون موكولا إلى اجتهاده

ولنا إن نفل النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى الثلث فينبغي أن لا يتجاوزه وما ذكره الشافعي يدل على أنه ليس لأقل النفل حد

وأنه يجوز أن ينفل أقل من الثلث والربع ونحن نقول به على أن هذا القول مع قوله إن النفل من خمس الخمس تناقض فإن شرط لهم الإمام زيادة على الثلث ردوا إليه وقال الأوزاعي لا ينبغي أن


185

يشرط النصف فإن زادهم على ذلك فليف لهم به ويجعل ذلك من الخمس

وإنما زيد في الرجعة على البداءة في النفل لمشقتها فإن الجيش في البداءة ردء للسرية تابع لها والعدو خائف وربما كان غارا وفي الرجعة لا ردء للسرية لأن الجيش منصرف عنهم والعدو مستيقظ كلب

قال أحمد في البداءة إذا كان ذاهبا الربع وفي القفلة إذا كان في الرجوع الثلث

لأنهم يشتاقون إلى أهليهم فهذا أكبر

القسم الثاني أن ينفل الإمام بعض الجيش لغنائه وبأسه وبلائه أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش قال أحمد في الرجل يأمره الأمير يكون طليعة أو عنده يدفع إليه رأسا من السبي أو دابة قال إذا كان رجل له غناء ويقاتل في سبيل الله فلا بأس بذلك ذلك أنفع لهم يحرض هو وغيره يقاتلون ويغنمون وقال إذا نفذ الإمام صبيحة المغار الخيل فيصيب بعضهم وبعضهم لا يأتي بشيء فللوالي أن يخص بعض هؤلاء الذين جاؤوا بشيء دون هؤلاء وظاهر هذا أن له إعطاء من هذه حاله من غير شرط

وحجة هذا حديث سلمة بن الأكوع أنه قال أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعتهم فذكر الحديث فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل رواه مسلم وأبو داود وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر قال فبيتنا عدونا فقتلت ليلتئذ تسعة أهل أبيات وأخذت منهم امرأة فنفلنيها أبو بكر فلما قدمت المدينة استوهبها مني رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبتها له رواه مسلم بمعناه

القسم الثالث أن يقول الأمير من طلع هذا الحصن أو هدم هذا السور أو نقب هذا النقب أو فعل كذا فله كذا أو من جاء بأسير فله كذا فهذا جائز في قول أكثر أهل العلم منهم الثوري

قال أحمد إذا قال من جاء بعشر دواب أو بقر أو غنم فله واحد

فمن جاء بخمسة أعطاه نصف ما قال لهم

ومن جاء بشيء أعطاه بقدره قيل له إذا قال من جاء بعلج فله كذا وكذا فجاء بعلج يطيب له ما يعطى قال نعم

وكره مالك هذا القسم ولم يره وقال قتالهم على هذا الوجه إنما هو للدنيا وقال هو وأصحابه لا نفل إلا بعد إحراز الغنيمة قال مالك ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه إلا بعد أن برد القتال

ولنا ما تقدم من حديث حبيب وعبادة وما شرطه عمر لجويبر بن عبد الله وقول النبي صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه ولأن فيه مصلحة وتحريضا على القتال فجاز

كاستحقاق الغنيمة وزيادة السهم الفارس واستحقاق السلب وما ذكروه يبطل بهذه المسائل وقوله إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل السلب للقاتل بعد أن برد القتال قلنا قوله ذلك ثابت الحكم فيما يأتي من الغزوات بعد قوله فهو بالنسبة إليها كالمشروط في أول الغزاة قال القاضي ولا يجوز هذا إلا إذا كان فيه مصلحة المسلمين وإن لم يكن فيه فائدة لم يجز لأنه إنما يخرج على وجه المصلحة فاعتبرت الحاجة فيه كأجرة الحمال والحافظ

إذا ثبت هذا فإن النفل لا يختص بنوع من


186

المال وذكر الخلال أنه لا نفل في الدراهم والدنانير

وهو قول الأوزاعي

لأن القاتل لا يستحق شيئا منها فكذلك غيره

ولنا حديث حبيب بن مسلمة وعبادة وجرير

فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل لهم الثلث والربع وهو عام في كل ما غنموه

ولأنه نوع مال فجاز النفل فيه كسائر الأموال وأما القاتل فإنما نفل السلب وليست الدراهم والدنانير من السلب فلم يستحق غير ما جعل له

فصل نقل أبو داود عن أحمد أنه قال له إذا قال من رجع إلى الساقة فله دينار والرجل يعمل في سياقة الغنم قال لم يزل أهل الشام يفعلون هذا وقد يكون في رجوعهم إلى الساقة وسياقة الغنم منفعة قيل له فإن أغار على قرية فنزل فيها والسبي والدواب والخرثي معهم في القرية ويمنع الناس من جمعه لكسل لا يخافون عليه العدو فيقول الإمام من جاء بعشرة أثواب فله ثوب ولمن جاء بعشرة رؤوس فله رأس قال أرجو أن لا يكون به بأس قيل له فإن قال من جاء بعدل من دقيق الروم فله دينار يريده لطعام السبي ما ترى في أخذ الدينار فلم ير به بأسا قيل فالإمام يخرج السرية وقد نفلهم جميعا فلما كان يوم المغار نادى من جاء بعشرة رؤوس فله رأس ومن جاء بكذا فله كذا فيذهب الناس فيطلبون فما ترى في هذا النفل قال لا بأس به إذا كان يحرضهم على ذلك ما لم يستغرق الثلث قلت فلا بأس بنفلين في شيء واحد قال نعم مالم يستغرق الثلث غير مرة سمعته يقول ذلك

فصل ويجوز للإمام ونائبه أن يبذلا جعلا لمن يدله على ما فيه مصلحة للمسلمين مثل طريق سهل أو ماء في مفازة أو قلعة يفتحها أو مال يأخذه أو عدو يغير عليه أو ثغرة يدخل منها لا نعلم في هذا خلافا لأنه جعل في مصلحة فجاز كأجرة الدليل وقد استأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الهجرة من دلهم على الطريق ويستحق الجعل بفعل ما جعل له الجعل فيه سواء كان مسلما أو كافرا من الجيش أو من غيره فإن جعل له الجعل مما في يده وجب أن يكون معلوما لأنها جعالة بعوض من مال معلوم فوجب أن يكون معلوما كالجهالة في رد الآبق وإن كان الجعل من مال الكفار جاز أن يكون مجهولا جهالة لا تمنع التسليم ولا تفضي إلى التنازع لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للسرية الثلث والربع مما غنموه وهو مجهول لأن الغنيمة كلها مجهولة ولأنه مما تدعو الحاجة إليه والجعالة إنما تجوز بحسب الحاجة فإن جعل له جارية معينة إن دله على قلعة يفتحها مثل أن جعل له بنت رجل عينه من أهل القلعة لم يستحق شيئا حتى يفتح القلعة لأن جعالة شيء منه اقتضت اشتراط فتحها فإذا فتحت القلعة عنوة سلمت إليه إلا أن تكون قد أسلمت قبل الفتح فإنها عصمت نفسها بإسلامها فتعذر دفعها إليه فتدفع إليه قيمتها فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل مكة عام الحديبية على أن من جاء مسلما رده إليهم فجاء نساء مسلمات منعه الله من ردهن ولو كان الجعل رجلا من أهل القلعة فأسلم قبل الفتح عصم أيضا نفسه ولم يجز دفعه وكان لصاحب الجعل قيمته وإن كان إسلام


187

الجارية أو الرجل بعد أسرهم سلما إليه إن كان مسلما وإن كان كافرا فله قيمتهما لأن الكافر لا يبتدىء الملك على مسلم وإن ماتا قبل الفتح أوبعده فلا شيء له لأنه علق حقه بشيء معين وقد تلف بغير تفريط فسقط حقه كالوديعة وفارق ما إذا أسلما فإن تسليمهما ممكن لكن منع الشرع منه وإن كان الفتح صلحا فاستثنى الإمام الجارية والرجل وسلمهما صح وإن وقع الصلح مطلقا طلب الجعل من صاحب القلعة وبذلت له قيمتهما فإن سلما إلى الإمام سلمهما إلى صاحبهما وإن أبى عرض على مشترطهما قيمتهما فإن أخذها أعطيها وتم الصلح وإن أبى فقال القاضي يفسخ الصلح لأنه حق قد تعذر إمضاء الصلح فيه لأن صاحب الجعل سابق ولا يمكن الجمع بينه وبين الصلح ونحو هذا مذهب الشافعي ولصاحب القلعة أن يحصنها مثلما كانت من غير زيادة ويحتمل أن يمضي الصلح وتدفع إلى صاحب الجعل قيمته لأنه تعذر دفعه إليه مع بقائه فدفعت إليه قيمته كما لو أسلم الجعل قبل الفتح أو أسلم بعده وصاحب الجعل كافر وقولهم إن حق صاحب الجعل سابق قلنا إلا أن المفسدة في فسخ الصلح أعظم لأن ضرره يعود على الجيش كله وربما عاد على غيره من المسلمين في كون هذه القلعة يتعذر فتحها بعد ذلك ويبقى ضررها على المسلمين ولا يجوز تحمل هذه المضرة لدفع ضرر يسير عن واحد فإن ضرر صاحب الجعل إنما هو في فوات عين الجعل وتفاوت ما بين عين الشيء وقميته يسير سيما وهو في حق شخص واحد ومراعاة حق المسلمين أجمعين بدفع الضرر الكثير عنهم أولى من دفع الضرر اليسير عن واحد منهم أو من غيرهم ولهذا قلنا فيمن وجد ماله قبل قسمه فهو أحق به فإن وجده بعد قسمته لم يأخذه إلا بثمنه لئلا يؤدي إلى الضرر بنقص القيمة أو حرمان من وقع ذلك في سهمه

فصل قال أحمد والنفل من أربعة أخماس الغنيمة هذا قول أنس بن مالك وفقهاء الشام منهم رجاء بن حيوة وعبادة بن نسى وعدي بن عدي ومكحول والقاسم بن عبد الرحمن ويزيد بن أبي مالك ويحيى بن جابر والأوزاعي وبه قال إسحاق وأبو عبيد وقال أبو عبيد والناس اليوم على هذا قال أحمد وكان سعيد بن المسيب ومالك بن أنس يقولان لا نفل إلا من الخمس فكيف خفي عليهما هذا مع علمهما

وقال النخعي وطائفة إن شاء الإمام نفلهم إبل الخمس وإن شاء بعده وقال أبو ثور وإنما النفل قبل الخمس واحتج من ذهب إلى هذا بحديث ابن عمر الذي أوردناه

ولنا ما روى معن بن يزيد السلمي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا نفل إلا بعد الخمس رواه أبو داود وابن عبد البر وهذا صريح

وحديث حبيب بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس وحديث جرير حين قال له عمر ولك الثلث بعد الخمس ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نفل الثلث ولا يتصور إخراجه من الخمس ولأن الله تعالى قال واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الأنفال 41 يقتضي أن يكون الخمس خارجا من الغنيمة كلها وأما حديث ابن عمر فقد رواه شعيب عن نافع عن ابن عمر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش


188

قبل نجد وابتعت سرية من الجيش فكان سهمان الجيش اثني عشر بعير ونفل أهل السرية بعيرا بعيرا فكان سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا فهذا يمكن أن يكون نفلهم من أربعة أخماس الغنيمة دون بقية الجيش كما ينفل السرايا ويتعين حمل الخبر على هذا لأنه لو أعطى جميع الجيش لم يكن ذلك نفلا وكان قد قسم لهم أكثر من أربعة الأخماس وهو خلاف الآية والأخبار

فصل وكلام أحمد في أن النفل من أربعة الأخماس عام لعموم الخبر فيه ويحتمل أن يحمل على القسمين الأولين من النفل فأما القسم الثالث وهو أن يقول من جاء بشيء فله كذا أو من جاء بعشرة رؤوس فله رأس منها فيحتمل أن يستحق ذلك من الغنيمة كلها لأنه ينزل بمنزلة الجعل

فأشبه السلب فإنه غير مخموس ويحتمل في القسم الثاني وهو زيادة بعض الغانمين على سهمه لغنائه أن يكون من خمس الخمس المعد للمصالح لأن عطية هذا من المصالح والمذاهب والمنصوص عليه الأول لأن عطية سلمة بن الأكوع سهم الفارس زيادة على سهمه إنما كانت من أربعة الأخماس والله أعلم

مسألة

قال ( ويرد من نفل على من معه في السرية إذ بقوتهم صار إليه )

هذا في الصورة التي ذكرها الخرقي وهي القسم الأول من أقسام النفل وهو إذا بعث سرية ونفلها الثلث أو الربع فدفع النفل إلى بعضهم وخصه به أو جاء بعضهم بشيء فنفله ولم يأت بعضهم بشيء فلم ينفله شارك من نفل من لم ينفل نص عليه أحمد لأن هؤلاء إنما أخذوا بقوة هؤلاء ولأنهم استحقوا النفل على وجه الإشاعة بينهم بالشرط السابق فلم يختص به واحد منهم كالغنيمة فأما في القسمين الآخرين اللذين لم يذكرهما الخرقي مثل أن يخص بعض الجيش بنفل لغنائه أو يجعله له كقوله من جاء بعشرة رؤوس فله رأس فجاء واحد بعشرة دون الجيش فإن من نفل يختص بنفله دون غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خص من قتل بسلب قتيله اختص به ولما خص سلمة بن الأكوع بسهم الفارس والراجل اختص به وكذلك اختص بالمرأة التي نفلها إياه أبو بكر دون الناس ولأن هذا جعل تحريضا على القتال وحثا على فعل ما يحتاج المسلمون إليه ليحمل فاعله كلفة فعله رغبة فيما جعل له فلو لم يختص به فاعله ما خاطر أحد بنفسه في فعله ولا حصلت مصلحة النفل فوجب أن يختص الفاعل لذلك بنفله كثواب الآخرة

مسألة

قال ( ومن قتل منا أحدا منهم مقبلا على القتال فله سلبه غير مخموص قال ذلك الإمام أو لم يقل )

في هذه المسألة فصول ستة أحدها أن القاتل يستحق السلب في الجملة ولا نعلم فيه خلافا والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم من قتل كافرا فله سلبه رواه الجماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم منهم أنس وسمرة بن جندب وغيرهما وروى


189

أبو قتادة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلما التقينا رأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاقته ضربة فأدركه الموت ثم إن الناس رجعوا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه

قال فقمت فقلت من يشهد لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك يا أبا قتادة فاقتصصت عليه فقال رجل من القوم صدق يا رسول الله صلى الله عليه وسلم سلب ذلك القتيل عندي فارضه منه فقال أبو بكر الصديق لاها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق فأسلمه إليه قال فأعطانيه متفق عليه وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين من قتل قتيلا فله سلبه فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا فأخذ أسلابهم رواه أبو داود

الفصل الثاني أن السلب لكل قاتل يستحق السهم أو الرضخ كالعبد والمرأة والصبي والمشرك وروي عن ابن عمر أن العبد إذا بارز مولاه فقتل لم يستحق السلب ويرضخ له منه وللشافعي فيمن لا سهم له قولان أحدهما لا يستحق السلب لأن السهم آكد منه للإجماع عليه فإذا لم يستحقه فالسلب أولى

ولنا عموم الخبر وأنه قاتل من أهل الغنيمة فاستحق السلب كذا السهم ولأن الأمير لو جعل جعلا لمن صنع شيئا فيه نفع للمسلمين لاستحقه فاعله من هؤلاء فالذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم أولى وفارق السهم لأنه علق على المظنة ولهذا يستحق بالحضور ويستوي فيه الفاعل وغيره والسلب مستحق بحقيقة الفعل وقد وجد منه ذلك فاستحقه كالمجعول له جعلا على فعل إذا فعله فإن كان القاتل ممن لا يستحق سهما ولا رضخا كالمرجف والمخذل والمعين على المسلمين لم يستحق السلب وإن قتل وهذا مذهب الشافعي لأنه ليس من أهل الجهاد وإن بارز العبد بغير إذن مولاه لم يستحق السلب لأنه عاص وكذلك كل عاص مثل من دخل بغير إذن الأمير

وعن أحمد فيمن دخل بغير إذن أنه يؤخذ منه الخمس وباقيه له جعله كالغنيمة ويخرج في العبد المبارز بغير إذن سيده مثله ويحتمل أن يكون سلب قتيل العبد على كل حال لأن ما كان له فهو لسيده ففي حرمانه السلب حرمان سيده ولا معصية منه

الفصل الثالث أن السلب للقاتل في كل حال إلا أن ينهزم العدو وبه قال الشافعي وأبو ثور وداود وابن المنذر وقال مسروق إذا التقى الزحفان فلا سلب له إنما النفل قبل وبعد ونحوه قول نافع كذلك قال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأبو بكر بن أبي مريم السلب للقاتل ما لم تمتد الصفوف بعضها إلى بعض فإذا كان كذلك فلا سلب لأحد

ولنا عموم قوله عليه السلام من قتل قتيلا فله سلبه ولأن أبا قتادة إنما قتل الذي أخذ سلبه في حال


190

التقاء الزحفين ألا تراه يقول فلما التقينا رأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين وكذلك قول أنس فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم وكان ذلك بعد التقاء الزحفين لأن هوازن لقوا المسلمين فجأة فألحموا الحرب قبل أن تتقدمها مبارزة

وروى سعيد حدثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو وعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك قال غزونا إلى طرف الشام فأمر علينا خالد بن الوليد فانضم إلينا رجل من أمداد حمير فقضى لنا أنا لقينا عدونا فقاتلونا قتالا شديدا وفي القوم رجل من الروم على فرس له وشرح مذهب ومنطقة ملطخة وسيف مثل ذلك فجعل يحمل على القوم ويغري بهم فلم يزل المددي يحتال لذلك الرومي حتى مر به فاستقفاه فضرب عرقوب فرسه بالسيف ثم وقع فأتبعه ضربا بالسيف حتى قتله فلما فتح الله أقبل بسلب القتيل وقد شهد له الناس أنه قاتله فأعطاه خالد بعض سلبه وأمسك سائره فلما قدم المدينة استعدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا خالدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعك يا خالد أن تدفع إلى هذا سلب قتيله قال استكثرته له قال فادفعه إليه وذكر الحديث ورواه أبو داود

الفصل الرابع أنه إنما يستحق السلب بشروط أربعة أحدها أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم فأما إن قتل امرأة أو صبيا أو شيخا فانيا أو ضعيفا مهينا ونحوهم ممن لا يقاتل لم يستحق سلبه لا نعلم فيه خلافا وإن كان أحد هؤلاء يقاتل استحق قاتله سلبه لأنه يجوز قتله ومن قتل أسيرا له أو لغيره لم يستحق سلبه لذلك

الثاني أن يكون المقتول فيه منفعة غير مثخن بالجراح فإن كان مثخنا بالجراح فليس لقاتله شيء من سلبه وبهذا قال مكحول وجرير بن عثمان والشافعي لأن معاذ بن عمرو بن الجموح أثبت أبا جعل وذفف عليه ابن مسعود فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ولم يعط ابن مسعود شيئا وإن قطع يدي رجل ورجليه وقتله آخر فالسلب للقاطع دون القاتل لأن القاطع هو الذي كفى المسلمين شره وإن قطع يديه أو رجليه وقتله الآخر فالسلب للقاطع في أحد الوجهين لأنه عطله فأشبه الذي قتله والثاني سلبه في الغنيمة لأنه إن كانت رجلاه سالمتين فإنه يعدو ويكثر وإن كانت يداه سالمتين فإنه يقاتل بهما فلم يكف القاطع شره كله ولا يستحق القاتل سلبه لأنه مثخن بالجراح وإن قطع يده ورجله من خلاف فكذلك وإن قطع إحدى يديه وإحدى رجليه ثم قتله آخر فسلبه غنيمة ويحتمل أنه للقاتل لأنه قاتل لمن لم يكف المسلمين شره وإن عانق رجل رجلا فقتله آخر فالسلب للقاتل وبهذا قال الشافعي وقال الأوزاعي هو للمعانق

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه ولأنه كفى المسلمين شره فأشبه ما لو لم


191

يعانقه الآخر وكذلك لو كان الكافر مقبلا على رجل يقاتله فجاء آخر من ورائه فضربه فقتله فسلبه لقاتله بدليل قصة قتيل أبي قتادة

الثالث أن يقتله أو يثخنه بجراح تجعله في حكم المقتول

قال أحمد لا يكون السلب إلا للقاتل وإن أسر رجلا لم يستحق سلبه سواء قتله الإمام أو لم يقتله وقال مكحول لا يكون السلب إلا لمن أسر علجا أو قتله وقال القاضي إذا أسر رجلا فقتله الإمام صبرا فسلبه لمن أسره لأن الأسر أصعب من القتل فإذا استحق سلبه بالقتل كان تنبيها على استحقاقه بالأسر قال وإن استبقاه الإمام كان له فداؤه أو رقبته وسلبه لأنه كفى المسلمين شره

ولنا إن المسلمين أسروا أسرى يوم بدر فقتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة والنضر بن الحارث واستبقى سائرهم فلم يعط من أسرهم أسلابهم ولا فداءهم وكان فداؤهم غنيمة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل السلب للقاتل وليس الآسر بقاتل ولأن الإمام مخير في الأسرى ولو كان لمن أسره كان أسره كان أمره إليه دون الإمام

الرابع أن يغرر بنفسه في قتله فأما إن رماه بسهم من صف المسلمين فقتله فلا سلب له

قال أحمد السلب للقاتل إنما هو في المبارزة لا يكون في الهزيمة وإن حمل جماعة من المسلمين على واحد فقتلوا فالسلب في الغنيمة لأنهم لم يغرروا بأنفسهم في قتله وإن اشترك في قتله اثنان فظاهر كلام أحمد أن سلبه غنيمة فإنه قال في رواية حرب له السلب إذا انفرد بقتله

وحكى أبو خطاب عن القاضي أنهما يشتركان في سلبه لقوله من قتل قتيلا فله سلبه وهذا يتناول الواحد والجماعة ولأنهما اشتركا في السبب فاشتركا في السلب

ولنا أن السلب إنما يستحق بالتغرير في قتله ولا يحصل ذلك بقتل الإثنين فلم يستحق به السلب كما لو قتله جماعة ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم شرك بين اثنين في السلب فإن اشترك اثنان في ضربه وكان أحدهما أبلغ في قتله من الآخر فالسلب له لأن أبا جهل ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء وأتياه النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال كلاكما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح وإن انهزم الكفار كلهم فأدرك إنسان منهزما منهم فقتله فلا سلب له لأنه لم يغرر في قتله وإن كانت الحرب قائمة فانهزم أحدهم فقتله إنسان فسلبه لقاتله لأن الحرب فر وكر وقد قتل سلمة بن الأكوع طليعة للكفار وهو منهزم فقال النبي صلى الله عليه وسلم من قتله قالوا سلمة بن الأكوع قال له سلبه أجمع وبهذا قال الشافعي وقال أبو ثور وداود وابن المنذر السلب لكل قاتل لعموم الخبر واحتجاجا بحديث سلمة هذا

ولنا أن ابن مسعود ذفف على أبي جهل فلم يعطه النبي صلى الله عليه وسلم سلبه وأمر بقتل عقبة بن معيط والنضر بن الحارث صبرا ولم يعط سلبهما من قتلهما وقتل بني قريظة صبرا فلم يعط من قتلهم أسلابهم وإنما أعطى السلب


192

من قتل مبارزا أو كفى المسلمين شره وغرر في قتله والمهزم بعد انقضاء الحرب قد كفى المسلمين شر نفسه ولم يغرر قاتله بنفسه في قتله فلم يستحق سلبه كالأسير وأما الذي قتله سلمة فكان متحيزا إلى فئة وكذلك من قتل حال قيام الحرب فإنه إن كان منهزما فهو متحيز إلى فئة وراجع إلى القتال فأشبه الكار فإن القتال فر وكر

إذا ثبت هذا فإنه لا يشترط في استحقاق السلب أن تكون المبارزة بإذن الأمير

لأن كل من قضي له بالسلب في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيهم من نقل إلينا أنه أذن له في المبارزة مع أن عموم الخبر يقتضي استحقاق السلب لكل قاتل إلا من خصه الدليل

الفصل الخامس أن السلب لا يخمس روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص وبه قال الشافعي وابن المنذر وابن جرير وقال ابن عباس يخمس وبه قال الأوزاعي ومكحول لعموم قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الأنفال 41

وقال إسحاق إن استكثر الإمام السلب خمسه وذلك إليه لما روى ابن سيرين أن البراء بن مالك بارز مرزبان الزارة بالبحرين فطعنه فدق صلبه وأخذ سواريه وسلبه فلما صلى عمر الظهر أتى أبا طلحة في داره فقال إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء قد بلغ مالا وأنا خامسه فكان أولا سلب خمس في الإسلام سلب البراء رواه سعيد في السنن وفيها أن سلب البراء بلغ ثلاثين ألفا

ولنا ما روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب رواه أبو دود وعموم الأخبار التي ذكرناها وخبر عمر حجة لنا فإنه قال إنا كنا لا نخمس السلب وقول الراوي كان أول سلب خمس في الإسلام يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر صدرا من خلافته لم يخمسوا سلبا وأتباع ذلك أولى قال الجوزجاني لا أظنه يجوز لأحد في شيء سبق فيه من الرسول صلى الله عليه وسلم إلا اتباعه ولا حجة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذكرناه يصلح أن يخصص به عموم الآية

وإذا ثبت هذا فإن السلب من أصل الغنيمة وقال مالك يحتسب من خمس الخمس

ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل مطلقا ولم ينقل عنه أنه احتسب به من خمس ولأنه لو احتسب به من خمس الخمس احتيج إلى معرفة قيمته وقدره ولم ينقل ذلك ولأن سببه لا يفتقر إلى اجتهاد الإمام فلم يكن من خمس الخمس كسهم الفارس والراجل

الفصل السادس أن القاتل يستحق السلب قال ذلك الإمام أو لم يقل وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وقال أبو حنيفة والثوري لا يستحقه إلا أن يشترطه الإمام له وقال مالك لا يستحقه إلا أن يقول الإمام ذلك ولم ير أن يقول الإمام ذلك إلا بعد انقضاء الحرب على ما تقدم من مذهبه في النفل وجعل السلب هاهنا من جملة الأنفال


193

وقد روي عن أحمد مثل قولهم وهو اختيار أبي بكر واحتجوا بما روى عوف بن مالك أن مدديا اتبعهم فقتل علجا فأخذ خالد بعض سلبه وأعطاه بعضه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تعطه يا خالد رواه سعيد وأبو داود وأنا اختصرته

ورويا بإسنادهما عن شبر بن علقمة قال بارزت رجلا يوم القادسية فقتلته وأخذت سلبه فأتيت به سعدا فخطب سعد أصحابه وقال إن هذا سلب شبر خير من اثني عشر ألفا وإنا قد نفلناه إياه ولو كان حقا له لم يحتج إلى نفله ولأن عمر أخذ الخمس من سلب البراء ولو كان حقا له لم يجز أن يأخذ منه شيئا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم دفع سلب أبي قتادة إليه من غير بينة ولا يمين

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه وهذا من قضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهورة التي عمل بها الخلفاء بعده وأخبارهم التي احتجوا بها تدل على ذلك فإن عوف بن مالك احتج على خالد حين أخذ سلب المددي فقال له عوف أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل قال بلى وقول عمر إنا كنا لا نخمس السلب يدل على أن هذه قضية عامة في كل غزوة وحكم مستمر لكل قاتل وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالدا أن لا يرد على المددي عقوبة حين أغضبه عوف بتقريعه خالدا بين يديه

وقوله قد أنجزت لك ما ذكرت لك من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما خبر شبر فإنما أنفذ له سعد ما قضى له به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه نفلا لأنه في الحقيقة نفل لأنه زيادة على سهمه

وأما أبو قتادة فإن خصمه اعترف له به وصدقه فجرى مجرى البينة ولأن السلب مأخوذ من الغنيمة بغير تقدير الإمام واجتهاده فلم يفتقر إلى شرطه كالسهم

إذا ثبت هذا فإن أحمد قال لا يعجبني أن يأخذ السلب إلا بإذن الإمام وهو قول الأوزاعي وقال ابن المنذر والشافعي له أخذه بغير إذن لأنه استحقه بجعل النبي صلى الله عليه وسلم له ذلك ولا يأمن إن أظهره عليه أن لا يعطاه ووجه قول أحمد أنه فعل مجتهد فيه فلم ينفذ أمره فيه إلا بإذن الإمام يأخذ سهمه ويحتمل أن يكون هذا من أحمد على سبيل الاستحباب ليخرج من الخلاف لا على سبيل الإيجاب فعلى هذا إن أخذه بغير إذن ترك الفضيلة وله أخذه

مسألة

قال ( والدابة وما عليها من آلتها من السلب إذا قتل وهو عليها وكذلك ما عليه من السلاح والثياب وإن كثر فإن كان معه مال لم يكن من السلب وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى أن الدابة ليست من السلب )

وجملته أن السلب ما كان القتيل لابسا له من ثياب وعمامة وقلنسوة ومنطقة ودرع ومغفر وبيضة وتاج وأسورة وران وخف بما في ذلك من حلية ونحو ذلك لأن المفهوم من السلب اللباس وكذلك السلاح من السيف والرمح والسكين واللت ونحوه لأنه يستعين به في قتاله فهو أولى بالأخذ من اللباس وكذلك الدابة لأنه يستعين بها فهي كالسلاح وأبلغ منه ولذلك استحق بها زيادة السهمان بخلاف السلاح فأما المال الذي معه في كمراته وخريطته فليس بسلب لأنه ليس من الملبوس ولا مما يستعين به في الحرب وكذلك رحله وأثاثه وما لبست يده


194

عليه من ماله ليس من سلبه وبهذا قال الأوزاعي ومكحول والشافعي إلا أن الشافعي قال ما لا يحتاج إليه في الحرب كالتاج والسوار والطوق والهميان الذي للنفقة ليس من السلب في أحد القولين لأنه مما لا يستعان به في الحرب فأشبه المال الذي في خريطته

ولنا إن في حديث البراء أنه بارزمرزبان الزرأة فقتله فبلغ سواراه ومنطقته ثلاثين ألفا فخمسه عمر ودفعه إليه

وفي حديث عمرو بن معد يكرب أنه حمل على أسوار فطعنه فدق صلبه وصرعه فنزل إليه فقطع يده وأخذ سوارين كانتا عليه ويلمقا من ديباج وسيفا ومنطقة فسلم ذلك له ولأنه ملبوس له فأشبه ثيابه ولأنه داخل في اسم السلب فأشبه الثياب والمنطقة ويدخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم فله سلبه واختلفت الرواية عن أحمد في الدابة فنقل عنه أنها ليست من السلب وهو اختيار أبي بكر لأن السلب ما كان على يديه والدابة ليست كذلك فلا يدخل في الخبر قال وذكر عبد الله حديث عمرو بن معد يكرب فأخذ سواريه ومنطقته ولم يذكر فرسه

ولنا ما روى عوف بن مالك قال خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مددي من أهل اليمن فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل يغري بالمسلمين وقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه فعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب قال عوف فأتيته فقلت له يا خالد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل قال بلى

رواه الأثرم

وفي حديث شبر بن علقمة أنه أخذ فرسه كذلك قال أحمد هو فيه ولأن الفرس يستعان بها في الحرب فأشبهت السلاح وما ذكروه يبطل بالرمح والقوس واللت فإنها من السلب ملبوسة إذا ثبت هذا فإن الدابة وما عليها من سرجها ولجامها وتجفيفها وحلية إن كانت عليها وجميع آلتها من السلب لأنه تابع لها ويستعان به في الحرب وإنما يكون من السلب إذا كان راكبا عليها وإن كانت في منزله أو مع غيره أو منفلته لم يكن من السلب كالسلاح الذي ليس معه وإن كان راكبا عليها فصرعه عنها أو أشعره عليها ثم قتله بعد نزوله عنها فهي من السلب وهكذا قول الأوزاعي وإن كان ممسكا بعنانها غير راكب عليها فعن أحمد فيها روايتان إحداهما من السلب وهو قول الشافعي لأنه متمكن من القتال عليها فأشبهت سيفه أو رمحه في يده

والثانية ليست من السلب وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار الخلال لأنه ليس براكب عليها فأشبه ما لو كانت مع غلامه وإن كان على فرس وفي يده جنيبة لم تكن الجنيبة من السلب لأنه لا يمكنه ركوبهما معا

فصل ولا تقبل دعوى القتل إلا ببينة وقال الأوزاعي يعطى السلب إذا قال أنا قتلته ولا يسأل بينة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل قول أبي قتادة


195

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه متفق عليه

وإما أبو قتادة فإن خصمه أقر له فاكتفى بإقراره قال أحمد ولا يقبل إلا شاهدان وقالت طائفة من أهل الحديث يقبل شاهد ويمين لأنها دعوى في المال ويحتمل أن يقبل شاهد بغير يمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل قول الذي شهد لأبي قتادة من غير يمين ووجه الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر البينة وإطلاقها ينصرف إلى شاهدين ولأنها دعوى للقتل فاعتبر شاهدان كقتل العمد

فصل ويجوز سلب القتلى وتركهم عراة وهذا قول الأوزاعي وكرهه الثوري وابن المنذر لما فيه من كشف عوراتهم

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في قتيل سلمة بن الأكوع له سلبه أجمع وقال من قتل قتيلا فله سلبه وهذا يتناول جميعه

مسألة

قال ( ومن أعطاهم الأمان منا من رجل أو امرأة أو عبد جاز أمانه )

وجملته أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم ويصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار ذكرا كان أو أنثى حرا كان أو عبدا وبهذا قال الثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن القاسم وأكثر أهل العلم وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يصح أمان العبد إلا أن يكون مأذونا له في القتال لأنه لا يجب عليه الجهاد فلا يصح أمانة الصبي ولأنه مجلوب من دار الكفر فلا يؤمن أن ينظر لهم تقديم مصلحتهم

ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل رواه البخاري وروى فضيل بن يزيد الرقاشي قال جهز عمر بن الخطاب جيشا فكنت فيه فحضرنا موضعا فرأينا أنا سنفتحها اليوم وجعلنا نقبل ونروح فبقي عبد منا فراطنهم وراطنوه فكتب لهم الأمان في صحيفة وشدها على سهم ورمى بها إليهم فأخذوها وخرجوا فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب فقال العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم رواه سعيد ولأنه مسلم مكلف فصح أمانه كالحر وما ذكروه من التهمة يبطل بما إذا أذن له في القتال فإنه يصح أمانه وبالمرأة فإنها أمانها يصح في قولهم جميعا قالت عائشة إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز وعن أم هانىء أنها قالت يا رسول الله إني أجرت أحمائي وأغلقت عليهم وإن ابن أمي أراد قتلهم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء إنما يجير على المسلمين أدناهم رواهما سعيد وأجارت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا العاص بن الربيع فأمضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم

فصل ويصح أمان الأسير إذا عقده غير مكره لدخوله في عموم الخبر ولأنه مسلم مكلف مختار فأشبه غير الأسير وكذلك أمان الأجير والتاجر في دار الحرب وبهذا قال الشافعي وقال الثوري لا يصح أمان أحد منهم


196

ولنا عموم الحديث والقياس على غيرهم فأما الصبي المميز فقال ابن حامد فيه روايتان إحداهما لا يصح أمانه وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه غير مكلف ولا يلزمه بقوله حكم فلا يلزم غيره كالمجنون

والرواية الثانية يصح أمانه وهو قول مالك وقال أبو بكر يصح أمانه رواية واحدة وحمل رواية المنع على غير المميز واحتج بعموم الحديث ولأنه مسلم مميز فصح أمانه كالبالغ وفارق المجنون فإنه لا قول له أصلا

فصل ولا يصح أمان كافر وإن كان ذميا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فجعل الذمة للمسلمين فلا تحصل لغيرهم ولأنه متهم على الإسلام وأهله فأشبه الحربي ولا يصح أمان مجنون ولا طفل لأن كلامه غير معتبر ولا يثبت به حكم ولا يصح أمان زائل العقل بنوم أو سكر أو إغماء لذلك ولأنه لا يعرف المصلحة من غيرها فأشبه المجنون ولا يصح من مكره لأنه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح كالإقرار

فصل ويصح أمان الإمام لجميع الكفار وآحادهم لأن ولايته عامة على المسلمين ويصح أمان الأمير لمن أقيم بإزائه من المشركين فأما في حق غيرهم فهو كآحاد المسلمين لأن ولايته على قتال أولئك دون غيرهم ويصح أمان آحاد المسلمين للواحد والعشرة والقافلة الصغيرة والحصن الصغير لأن عمر رضي الله عنه أجاز أمان العبد لأهل الحصن الذي ذكرنا حديثه ولا يصح أمانه لأهل بلدة ورستاق وجمع كثير لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام

فصل ويصح أمان الإمام للأسير بعد الاستيلاء عليه لأن عمر رضي الله عنه لما قدم عليه بالهرمزان أسيرا قال لا بأس عليك ثم أراد قتله فقال له أنس قد أمنته فلا سبيل لك عليه وشهد الزبير بذلك فعدوه أمانا رواه سعيد ولأن للإمام المن عليه والأمان دون ذلك فأما آحاد الرعية فليس له ذلك وهذا مذهب الشافعي وذكر أبو الخطاب أنه يصح أمانه لأن زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجارت زوجها أبا العاص بن الربيع بعد أسره فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم أمانها وحكي هذا عن الأوزاعي

ولنا إن أمر الأسير مفوض إلى الإمام فلم يجز الافتيات عليه فيما يمنعه ذلك كقتله وحديث زينب في أمانها إنما صح بإجازة النبي صلى الله عليه وسلم

فصل وإذا شهد للأسير اثنان أو أكثر من المسلمين أنهم أمنوه قبل إذا كانوا بصفة الشهود وقال الشافعي لا تقبل شهادتهم لأنهم يشهدون على فعل أنفسهم

ولنا إنهم عدول من المسلمين غير متهمين أشهدوا بأمانة فوجب أن يقبل كما لو شهدوا على غيرهم أنه أمنه وما ذكروه لا يصح فإن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة المرضعة على فعلها في حديث عقبة بن الحارث وإن شهد واحد أني


197

أمنته فقال القاضي قياس قول أحمد أنه يقبل كما لو قال الحاكم بعد عزله كنت حكمت لفلان على فلان بحق قبل قوله وعلى قول أبي الخطاب يصح أمانه فقبل خبره به كالحاكم في حال ولايته وهذا قول الأوزاعي ويحتمل أن لا يقبل لأنه ليس له أن يؤمنه في الحال فلم يقبل إقراره به كما لو أقر بحق على غيره وهذا قول الشافعي وأبي عبيدة

فصل إذا جاء المسلم بمشرك ادعى أنه أسره وادعى الكافر أنه أمنه ففيها ثلاث روايات إحداهن القول قول المسلم لأن الأصل معه فإن الأصل إباحة دم الحربي وعدم الأمان

والثانية القول قول الأسير لأنه يحتمل صدقه وحقن دمه فيكون هذا شبهة تمنع من قتله وهذا اختيار أبي بكر

والثالثة يرجع إلى قول من ظاهر الحال يدل على صدقه فإن كان الكافر ذا قوة معه سلاحه فالظاهر صدقه وإن كان ضعيفا مسلوبا سلاحه فالظاهر كذبه فلا يلتفت إلى قوله وقال أصحاب الشافعي لا يقبل قوله وإن صدقه المسلم لأنه لا يقدر على أمانه فلا يقبل إقراره به

ولنا إنه كافر لم يثبت أسره ولا نازعه فيه منازع فقبل قوله في الأمان كالرسول

فصل ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام وجب أن يعطاه ثم يرد إلى مأمنه لا نعلم في هذا خلافا وبه قال قتادة ومكحول والأوزاعي والشافعي وكتب عمر بن عبد العزيز بذلك إلى الناس وذلك لقول الله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه التوبة 6

قال الأوزاعي هي إلى يوم القيامة ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمن رسل المشركين ولما جاءه رسولا مسيلمة قال لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك فإننا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا فتفوت مصلحة المراسلة ويجوز عقد الأمان لكل واحد منهما مطلقا ومقيدا بمدة سواء كانت طويلة أو قصيرة بخلاف الهدنة فإنها لا تجوز إلا مقيدة لأن في جوازها مطلقا تركا للجهاد وهذا بخلافه قال القاضي ويجوز أن يقيموا مدة الهدنة بغير جزية

قال أبو بكر وهذا ظاهر كلام أحمد لأنه قيل له قال الأوزاعي لا يترك المشرك في دار الإسلام إلا أن يسلم أو يؤدي فقال أحمد إذا أمنته فهو على ما أمنته وظاهر هذا أنه خالف قول الأوزاعي

وقال أبو خطاب عندي أنه لا يجوز أن يقيم سنة بغير جزية وهذا قول الأوزاعي والشافعي لقول الله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29

ووجه الأول أن هذا كافر أبيح له الإقامة في دار الإسلام من غير التزام جزية فلم يلزمه جزية كالنساء والصبيان ولأن الرسول لو كان ممن لا يجوز أخذ الجزية منه يستوي في حقه السنة فما دونها في أن الجزية لا تؤخذ منه في المدتين فإذا جازت له الإقامة في أحدهما جازت في الأخرى قياسا


198

لها عليها

وقوله تعالى حتى يعطوا الجزية التوبة 29

أي يلتزمونها ولم يرد حقيقة الإعطاء وهذا مخصوص منها بالاتفاق فإنه يجوز الإقامة من غير التزام لها ولأن الآية تخصصت بما دون الحول فنقيس على المحل المخصوص

فصل وإذا دخل حربي دار الإسلام بأمان فأودع ماله مسلما أو ذميا أو أقرضهما إياه ثم عاد إلى دار الحرب نظرنا فإن دخل تاجرا أو رسولا أو متنزها أو لحاجة يقضيها ثم يعود إلى دار الإسلام فهو على أمانه في نفسه وماله لأنه لم يخرج بذلك عن نية الإقامة بدار الإسلام فأشبه الذمي إذا دخل لذلك وإن دخل مستوطنا بطل الأمان في نفسه وبقي في ماله لأنه بدخوله دار الإسلام بأمان ثبت الأمان لماله الذي معه فإذا بطل في نفسه بدخوله دار الحرب بقي في ماله لاختصاص المبطل بنفسه فيخص البطلان به فإن قتل فإنما يثبت الأمان لماله تبعا فإذا بطل في المتبوع بطل في التبع قلنا بل يثبت له الأمان لمعنى وجد فيه وهو إدخاله معه وهذا يقتضي ثبوت الأمان له وإن لم يثبت في نفسه بدليل ما لو بعثه مع مضارب له أو وكيل فإنه يثبت الأمان ولم يثبت الأمان في نفسه ولو يوجد فيه هاهنا ما يقتضي الأمان فيه فبقي على ما كان عليه

ولو أخذه معه إلى دار الحرب لنقض الأمان فيه كما ينتقض في نفسه لوجود المبطل منهما فإذا ثبت هذا فإن صاحبه إن طلبه بعث إليه وإن تصرف فيه ببيع أو هبة أو غيرهما صح تصرفه وإن مات في دار الحرب انتقل إلى وارثه ولم يبطل الأمان فيه وقال أبو حنيفة يبطل فيه وهو قول الشافعي لأنه قد صار لوارثه ولو يعقد فيه أمانا فوجب أن يبطل فيه كسائر أمواله

ولنا إن الأمان حق له لازم متعلق بالمال فإذا انتقل إلى الوارث انتقل لحقه كسائر الحقوق من الرهن والضمين والشفعة وهذا اختيار المزني ولأنه مال له أمان فينتقل إلى وارثه مع بقاء الأمان فيه كالمال الذي مع مضاربه وإن لم يكن له وارث صار فيئا لبيت المال فإن كان له وارث في دار الإسلام فقال القاضي لا يرثه لاختلاف الدارين والأولى أنه يرثه لأن ملتهما واحدة فيرثه كالمسلمين وإن مات المستأمن في دار الإسلام فهو كما لو مات في دار الحرب سواء لأن المستأمن حربي تجري عليه أحكامهم وإن رجع إلى الحرب فسبى واسترق فقال القاضي يكون ماله موقوفا حتى يعلم آخر أمره بموت أو غيره فإن مات كان فيئا لأن الرقيق لا يورث وإت عتق كان له وإن لم يسترق ولكن من عليه الإمام أو فاداه فماله له وإن قتله فماله لورثته وإن لم يسب ولكن دخل دار الإسلام بغير أمان ليأخذ ماله جاز قتله وسبيه لأن ثبوت الأمان لماله لا يثبت الأمان له كما لو كان ماله وديعة بدار الإسلام وهو مقيم بدار الحرب

فصل وإذا سرق المستأمن في دار الإسلام أو قتل أو غصب ثم عاد إلى وطنه في دار الحرب ثم خرج مستأمنا مرة ثانية استوفي منه ما لزمه في أمانه الأول وإن اشترى عبدا مسلما فخرج به إلى دار الحرب ثم قدر عليه لم يغنم لأنه لم يثبت ملكه عليه لكون الشراء باطلا ويرد بائعه الثمن إلى الحربي لأنه حصل في أمان فإن كان العبد تالفا فعلى الحربي قيمته ويترادان الفضل


199

فصل

وإذا دخلت الحربية إلينا بأمان فتزوجت ذميا في دارنا ثم أرادت الرجوع لم تمنع إذا رضي زوجها أو فارقها وقال أبو جنيفة تمنع

ولنا إنه عقد لا يلزم الرجل المقام به فلا يلزم المرأة كعقد الإجارة

مسألة

قال ( ومن طلب الأمان ليفتح الحصن ففعل فقال كل واحد منهم أنا المعطي لم يقتل واحد منهم )

وجملته أن المسلمين إذا حصروا حصنا فناداهم رجل آمنوني أفتح لكم الحصن جاز أن يعطوه أمانا فإن زياد بن لبيد لما حصر النجير قال الأشعث بن قيس أعطوني الأمان لعشرة أفتح لكم الحصن ففعلوا فإن أشكل الذي أعطى الأمان وادعاه كل واحد من أهل الحصن فإن عرف صاحب الأمان عمل على ذلك وإن لم يعرف لم يجز قتل واحد منهم لأن كل واحد منهم يحتمل صدقه وقد اشتبه المباح بالمحرم فيما لا ضرورة إليه فحرم الكل كما لو اشتبهت ميتة بمذكاة أو أخته بأجنبيات أو اشتبه زان محصن برجال معصومين وبهذا قال الشافعي ولا أعلم فيه خلافا وفي استرقاقهم وجهان أحدهما يحرم وذكر القاضي أن أحمد نص عليه وهو مذهب الشافعي لما ذكرنا في القتل فإن استرقاق من لا يحل استرقاقه محرم

والثاني يقرع بينهم فيخرج صاحب الأمان بالقرعة ويسترق الباقون قاله أبو بكر لأن الحق لواحد منهم غير معلوم فيقرع بينهم كما لو أعتق عبدا من عبيده وأشكل ويخالف القتل فإنه إراقة دم تندرىء بالشبهات بخلاف الرق ولهذا يمنع القتل في النساء والصبيان دون الاسترقاق

وقال الأوزاعي إذا أسلم واحد من أهل الحصن قبل فتحه أشرف علينا ثم أشكل فادعى كل واحد منهم أنه الذي أسلم يسعى كل واحد منهم في قيمة نفسه ويترك له عشر قيمته وقياس مذهبنا أن فيها وجهين كالتي قبلها

فصل قال أحمد إذا قال الرجل كف عني حتى أدلك على كذا فبعث معه قوم ليدلهم فامتنع من الدلالة فلهم ضرب عنقه لأن أمانه بشرط ولم يوجد وقال أحمد إذا لقي علجا فطلب منه الأمان فلا يؤمنه لأنه يخاف شره وإن كانوا سرية فلهم أمانه يعني أن السرية لا يخافون من غدر العلج قتلهم بخلاف الواحد وإن لقيت السرية أعلاجا فادعوا أنهم جاؤوا مستأمنين فإن كان معهم سلاح لم يقبل قولهم لأن حملهم السلاح يدل على محاربتهم وإن لم يكن معهم سلاح قبل قولهم لأنه يدل على صدقهم

فصل وإذا دخل حربي دار الإسلام بغير أمان نظرت فإن كان معه متاعب يبيعه في دار الإسلام وقد جرت العادة بدخولهم إلينا تجارا بغير أمان لم يعرض لهم وقال أحمد إذا ركب القوم في البحر فاستقبلهم فيه تجارا مشركون من أرض العدو يريدون بلاد الإسلام لم يعرضوا لهم ولم يقاتلوهم وكل من دخل بلاد المسلمين من أهل الحرب بتجارة بويع ولم يسأل عن شيء وإن لم تكن معه تجارة فقال جئت مستأمنا لم يقبل


200

منه وكان الإمام مخيرا فيه ونحو هذا قال الأوزاعي والشافعي وإن كان ممن ضل الطريق أو حملته الريح في المركب إلينا فهو لمن أخذه في إحدى الروايتين والأخرى يكون فيئا

مسألة

قال ( ومن دخل إلى أرضهم من الغزاة فارسا فنفق فرسه قبل إحراز الغنيمة فله سهم راجل ومن دخل راجلا فأحرزت الغنيمة وهو فارس فله سهم الفارس )

وجملة ذلك أن الاعتبار في استحقاق السهم بحالة الإحراز فإن أحرزت الغنيمة وهو راجل فله سهم راجل وإن أحرزت وهو فارس فله سهم الفارس سواء دخل فارسا أو راجلا قال أحمد أنا أرى أن كل من شهد الوقعة على أي حالة كان يعطي إن كان فارسا ففارس وإن كان راجلا فراجل لأن عمر قال الغنيمة لمن شهد الوقعة وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور ونحوه قال ابن عمر وقال أبو حنيفة الاعتبار بدخول دار الحرب فإن دخل فارسا فله سهم فارس وإن نفق فرسه قبل القتال وإن دخل راجلا فله سهم الراجل وإن استفاد فرسا فقاتل عليه

وعنه رواية أخرى كقولنا قال أحمد كان سليمان بن موسى يعرضهم إذا أدربوا الفارس فارس والراجل راجل لأنه دخل في الحرب بنية القتال فلا يتغير سهمه بذهاب دابته أو حصول دابة له كما لو كان بعد القتال

ولنا إن الفرس حيوان يسهم له فاعتبر وجوده حال القتال فيسهم له مع الوجود فيه ولا يسهم له مع العدم كالآدمي والأصل في هذا أن حالة استحقاق السهم حالة تقتضي الحرب بدليل قول عمر الغنيمة لمن شهد الوقعة ولأنها الحال التي يحصل فيها الاستيلاء الذي هو سبب الملك بخلاف ما قبل ذلك فإن الأموال في أيدي أصحابها ولا ندري هل يظفر بهم أو لا ولأنه لو مات بعض المسلمين قبل الاستيلاء لم يستحق شيئا ولو وجد مدد في تلك الحال أو انفلت أسير فلحق بالمسلمين أو أسلم كافر فقاتلوا استحقوا السهم فدل على أن الاعتبار بحالة الإحراز فوجب اعتباره دون غيره

مسألة

قال ( قال ويعطى ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه )

أكثر أهل العلم على أن الغنيمة تقسم للفارس منها ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه وللراجل سهم

قال ابن المنذر هذا مذهب عمر بن عبد العزيز والحسن وابن سيرين وحسين بن ثابت وعوام علماء الإسلام في القديم والحديث منهم مالك ومن تبعه من أهل المدينة والثوري ومن وافقه من أهل العراق والليث بن سعد ومن تبعه من أهل مصر والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد

وقال أبو حنيفة للفرس سهم واحد لما روى مجمع بن حارثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم خيبر على أهل الحديبية فأعطى الفارس سهمين وأعطى الرجل سهما رواه أبو داود ولأنه حيوان ذو سهم فلم يزد على سهم كالآدامي

ولنا ما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم سهمان لفرسه وسهم له متفق


201

عليه وعن أبي رهم وأخيه أنهما كانا فارسين يوم خيبر فأعطيا ستة أسهم أربعة أسهم لفرسيهما وسهمين لهما

رواه سعيد بن منصور وعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الفارس ثلاثة أسهم وأعطى الراجل سهما

وقال خالد الحذاء لا يحتلف فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسهم هكذا للفرس سهمين ولصاحبه سهما وللراجل سهما وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن أما بعد فإن سهمان الخيل مما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين للفرس وسهما للرجل ولعمري لقد كان حديثا ما أشعر أن أحدا من المسلمين هم بانتقاض ذلك فعاقبه والسلام عليك رواهما سعيد والأثرم وهذا يدل على ثبوت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا وأنه أجمع عليه فلا يعول على ما خالفه فأما حديث مجمع فيحتمل أنه أراد أعطى الفارس سهمين لفرسه وأعطى الراجل سهما يعني صاحبه فيكون ثلاثة أسهم على أن حديث ابن عمر أصح منه وقد وافقه حديث أبي رهم وأخيه وابن عباس وهؤلاء أحفظ وأعلم وابن عمر وأبو رهم وأخوه ممن شهدوا وأخذوا السهمان وأخبروا عن أنفسهم أنهم أعطوا ذلك فلا يعارض ذلك بخبر شاذ تعين غلطه أو حمله على ما يخالف ظاهره وقياس الفرس على الآدمي غير صحيح لأن أثرها في الحرب أكثر وكلفتها أعظم فينبغي أن يكون سهمها أكثر

مسألة

قال ( إلا أن يكون فرسه هجينا فيعطى سهما له وسهما لفرسه )

الهجين الذي أبوه عربي وأمه برذونة والمقرف الذي أبوه برذونة وأمه عربية قالت هند بنت النعمان بن بشير وما هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تحللها بغل فإن ولدت مهرا كريما فبالحرى وإن يك اقراف فما أنجب الفحل وأراد الخرقي بالهجين هاهنا ما عدا العربي والله أعلم وقد حكي عن أحمد أنه قال الهجين البرذون واختلفت الرواية عنه في سهمانها فقال الخلال تواترت الروايات عن أبي عبد الله في سهام البرذون أنه سهم واحد واختاره أبو بكر والخرقي وهو قول الحسن قال الخلال وروى عنه ثلاثة متيقظون أنه يسهم للبرذون مثل سهم العربي واختاره الخلال وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي والثوري لأن الله تعالى قال والخيل والبغال النحل 8 وهذه من الخيل ولأن الرواة رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم للفرس سهمين ولصاحبه سهما وهذا عام في كل فرس ولأنه حيوان ذو سهم فاستوى فيه العربي وغيره كالآدمي

وحكى أبو بكر عن أحمد رحمه الله رواية ثالثة أن البراذين إن أدركت إدراك العرب أسهم لها مثل الفرس


202

العربي وإلا فلا

وهذا قول ابن أبي شيبة وابن أبي خيثمة وأبي أيوب والجوزجاني لأنها من الخيل وقد عملت عمل العراب فأعطيت سهما كالعربي

وحكى القاضي رواية رابعة أنه لا يسهم لها وهو قول مالك بن عبد الله الخثعمي لأنه حيوان لا يعمل عمل الخيل العراب فأشبه البغال ويحتمل أن تكون هذه الرواية فيما لا يقارب العتاق منها لما روى الجوزجاني بإسناده عن أبي موسى أنه كتب إلى عمر بن الخطاب إنا وجدنا بالعراق خيلا عراضا دكنا فما ترى يا أمير المؤمنين في سهمانها فكتب إليه تلك البراذين فما قارب العتاق منها فاجعل له سهما واحدا والغ ما سوى ذلك

ولنا ما روى سعيد بإسناده عن أبي الأقمر قال أغارت الخيل على الشام فأدركت العراب من يومها وأدركت الكوادن ضحى الغد وعلى الخيل رجل من همذان يقال له المنذر بن أبي حميضة فقال لا أجعل الذي أدرك من يومه مثل الذي لم يدرك ففضل الخيل فقال عمر هبلت الوادعي أمه أمضوها على ما قال ولم يعرف عن الصحابة خلاف هذا القول

وروى مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الفرس العربي سهمين وأعطى الهجين سهما رواه سعيد أيضا ولأن نفع العربي وأثره في الحرب أفضل فيكون سهمه أرجح كتفاضل من يرضخ له وأما قولهم إنه من الخيل

قلنا والخيل في نفسها تتفاضل فتتفاضل سهمانها وأما قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم قسم للفرس سهمين من غير تفريق

قلنا هذه قضية في عين لا عموم لها فيحتمل أنه لم يكن فيها برذون وهو الظاهر فإنها من خيل العرب ولا براذين فيها ودل على صحة هذا أنهم لما وجدوا البراذين بالعراق أشكل عليهم أمرها وأن عمر فرض لها سهما واحدا وأمضى ما قال المنذر بن أبي حميضة في تفضيل العراب عليها ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم سوى بينهما لم يخف ذلك على عمر ولا خالفه ولو خالفه لم يسكت الصحابة عن إنكاره عليه سيما وابنه هو راوي الخبر فكيف يخفى ذلك عليه ويحتمل أنه فضل العراب أيضا فلم يذكره الراوي لغلبة العراب وقلة البراذين ويدل على صحة هذا التأويل خبر مكحول الذي رويناه وقياسها على الآدمي لا يصح لأن العربي منهم لا أثر له في الحرب زيادة على غيره بخلاف العربي من الخيل على غيره والله أعلم

مسألة

قال ( ولا يسهم لأكثر من فرسين )

يعني إذا كان مع الرجل خيل أسهم لفرسين أربعة أسهم ولصاحبهما سهم

ولم يزد على ذلك وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا يسهم لأكثر من فرس واحد لأنه لا يمكن أن يقاتل على أكثر منها فلم يسهم لما زاد عليها كالزائد عن الفرسين

ولنا ما روى الأوزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسهم للخيل وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين وإن كان معه عشرة أفراس وعن أزهر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يسهم للفرس سهمين


203

وللفرسين أربعة أسهم ولصاحبها سهم فذلك خمسة أسهم وما كان فوق الفرسين فهي جنائب رواهما سعيد في سننه

ولأن به إلى الثاني حاجة فإن إدامة ركوب واحد تضعفه وتمنع القتال عليه فيسهم له كالأول بخلاف الثالث فإنه مستغنى عنه

مسألة

قال ( ومن غزا على بعير وهو لا يقدر على غيره قسم له ولبعيره سهمان )

نص أحمد على هذا وظاهره أنه لا يسهم للبعير مع إمكان الغزو على فرس وعن أحمد أنه يسهم للبعير سهم ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره وحكي نحو هذا عن الحسن لأن الله تعالى قال فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب الحشر 6 ولأنه حيوان تجوز المسابقة عليه بعوض فيسهم له كالفرس

يحققه أن تجويز المسابقة بعوض إنما أبيحت في ثلاثة أشياء دون غيرهما لأنها آلات الجهاد فأبيح أخذ الرهن في المسابقة بها تحريضا على رياضتها وتعلم الإتقان فيها ولا يزاد على سهم البرذون لأنه دونه ولا يسهم له إلا أن يشهد الوقعة عليه ويكون مما يمكن القتال عليه فأما هذه الإبل الثقيلة التي لا تصلح إلا للحمل فلا يستحق راكبها شيئا لأنها لا تكر ولا تفر فراكبها أدنى حال من الراجل واختار أبو الخطاب أنه لا يسهم له بحال وهو قول أكثر الفقهاء قال ابن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل كذلك قال الحسن ومكحول والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه أسهم لغير الخيل من البهائم وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرا ولم تخل غزاة من غزواته من الإبل بل هي كانت غالب دوابهم فلم ينقل عنه أنه أسهم لها ولو أسهم لها لنقل وكذلك من بعد النبي صلى الله عليه وسلم من خلفائه وغيرهم مع كثرة غزواتهم لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنه أسهم لبعير ولو أسهم لبعير لم يخف ذلك ولأنه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر فلم يسهم له كالبغل والحمار

فصل وما عدا الخيل والإبل من البغال والحمير والفيلة وغيرها لا يسهم لها بغير خلاف وإن عظم غناؤها وقامت مقام الخيل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسهم لها ولا أحد من خلفائه ولأنها مما لا تجوز المسابقة عليه بعوض فلم يسهم لها كالبقر

فصل وينبغي للإمام أن يتعاهد الخيل عند دخول الحرب فلا يدخل إلا شديدا ولا يدخلها حطما ولا ضعيفا ولا ضرعا ولا أعجف زارحا فإن شهد أحد الوقعة على واحد من هذه لم يسهم له وبه قال مالك وقال الشافعي يسهم له كما يسهم للمريض

ولنا أنه لا ينتفع به فلم يسهم له كالرجل المخذل والمرجف

ولأنه حيوان يتعين منع دخوله فلم يسهم له كالمرجف وأما المريض الذي لا يتمكن من القتال فإن خرج بمرضه عن كونه من أهل الجهاد كالزمن والأشل


204

والمفلوج فلا سهم له لأنه لم يبق من أهل الجهاد

وإن لم يخرج بمرضه عن ذلك كالمحموم ومن به الصداع فإنه يسهم له لأنه من أهل الجهاد ويعين برأيه وتكثيره ودعائه

مسألة

قال ( ومن مات بعد إحراز الغنيمة قام وارثه مقامه في سهمه )

وجملته أن الغازي إذا مات أو قتل نظرت فإن كان قبل حيازة الغنيمة فلا سهم له لأنه مات قبل ثبوت ملك المسلمين عليها وسواء مات حال القتال أو قبله

وإن مات بعد ذلك فسهمه لورثته وقال أبو حنيفة إن مات قبل إحراز الغنيمة في دار الإسلام أو قسمها في دار الحرب فلا شيء له

لأن ملك المسلمين لا يتم عليها إلا بذلك

وقال الأوزاعي إن مات بعد ما يدرب قاصدا في سبيل الله قبل أو بعد أسهم له

وقال الشافعي وأبو ثور إن حضر القتال أسهم له سواء مات قبل حيازة الغنيمة أو بعدها وإن لم يحضر فلا سهم له ونحوه وقال مالك والليث

ولنا إنه إذا مات قبل حيازتها فقد مات قبل ملكها وثبوت اليد عليها فلم يستحق شيئا وإن مات بعدها فقد مات بعد الاستيلاء عليها في حال لو قسمت صحت قسمتها وكان له سهمه منها فيجب أن يستحق سهمه فيها كما لو مات بعد إحرازها في دار الإسلام

إذا ثبت أنه يستحقه فيكون لورثته كسائر أملاكه وحقوقه

مسألة

قال ( ويعطى الراجل سهما )

لا خلاف في أن للراجل سهما وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى الراجل سهما فيما تقدم من الأخبار

ولأن الراجل يحتاج إلى أقل مما يحتاج إليه الفارس وغناؤه دون غنائه فاقتضى ذلك أن يكون سهمه دون سهمه

فصل وسواء كانت الغنيمة من فتح حصن أو من مدينة أو من جيش وبهذا قال الشافعي وقال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي عن إسهام الخيل من غنائم الحصون

فقال كانت الولاة من قبل عمر بن عبد العزيز الوليد وسليمان لا يسهمون الخيل من الحصون ويجعلون الناس كلهم رجالة حتى ولي عمر بن عبد العزيز فأنكر ذلك وأمر بإسهامها من فتح الحصون والمدائن ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم خيبر للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم وهي حصون

ولأن الخيل ربما احتيج إليها بأن ينزل أهل الحصن فيقاتلوا خارجا منه ويلزم صاحبه مؤنة له فيقسم له كما لو كان في غير حصن

مسألة

قال ( ويرضخ للمرأة والعبد )

ومعناه أنهم يعطون شيئا من الغنيمة دون السهم ولا يسهم لهم سهم كامل ولا تقدير لما يعطونه بل ذلك إلى اجتهاد الإمام

فإن رأى التسوية بينهم سوى بينهم وإن رأى التفضيل فضل

وهذا قول أكثر أهل العلم منهم سعيد بن المسيب ومالك والثوري والليث والشافعي وإسحاق وروي ذلك عن ابن عباس وقال أبو ثور يسهم للعبد وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن والنخعي لما


205

روي عن الأسود بن يزيد أنه شهد فتح القادسية عبيد فضرب لهم سهامهم ولأن حرمة العبد في الدين كحرمة الحر

وفيه من الغناء مثل ما فيه فوجب أن يسهم له كالحر وحكي عن الأوزاعي ليس للعبد سهم ولا رضخ إلا أن يجيئوا بغنيمة أو يكون لهم غناء فيرضخ لهم وقال ويسهم للمرأة لما روى جرير بن زياد عن جدته أنها حضرت فتح خيبر قالت فأسهم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أسهم للرجال وأسهم أبو موسى في غزوة تستر لنسوة معه

وقال أبو بكر بن أبي مريم أسهمن النساء يوم اليرموك وروى سعيد بإسناده عن ابن شبل أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لسهلة بنت عاصم يوم حنين بسهم فقال رجل من القوم أعطيت سهلة مثل سهمي

ولنا ما روي عن ابن عباس أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة

وأما سهم فلم يضرب لهن رواه مسلم وروى سعيد عن يزيد بن هارون أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن المرأة والمملوك يحضران الفتح ألهما من المغنم شيء قال يحذيان وليس لهما شيء وفي رواية قال ليس لهما سهم وقد يرضخ لهما وعن عمير مولى أبي اللحم قال شهدت خيبر مع سادتي فكلموا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر أني مملوك فأمر لي بشيء من خرثي المتاع رواه أبو داود واحتج به أحمد ولأنهما ليسا من أهل القتال فلم يسهم لهما كالصبي قالت عائشة يا رسول الله هل على النساء جهاد قال نعم جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة

وقال عمر بن أبي ربيعة كتب القتل والقتال علينا وعلى المحصنات جر الذيول ولأن المرأة ضعيفة يستولي عليها الخور فلا تصلح للقتال

ولهذا لم تقتل إذا كانت حربية فأما ما روي في إسهام النساء فيحتمل أن الراوي سمى الرضخ سهما بدليل أن في حديث حشرج أنه جعل لهن نصيبا تمرا ولو كان سهما ما اختص التمر ولأن خيبر قسمت على أهل الحديبية نفر معدودين في غير حديثها ولم يذكرن منهم ويحتمل أنه أسهم لهن مثل سهام الرجال من التمر خاصة أو من المتاع دون الأرض وأما حديث سهلة فإن في الحديث أنها ولدت فأعطاها النبي صلى الله عليه وسلم لها ولولدها فبلغ رضخهما سهم رجل ولذلك عجب الرجل الذي قال أعطيت سهلة مثل سهمي ولو كان هذا مشهورا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما عجب منه

فصل والمدبر والمكاتب كالقن لأنهم عبيد فإن عتق منهم قبل انقضاء الحرب أسهم لهم

وكذلك إن قتل سيد المدبر قبل تقضي الحرب وهو يخرج من الثلث عتق وأسهم له

وأما من بعضه حر فقال أبو بكر يرضخ له بقدر ما فيه من الرق ويسهم له بقدر ما فيه من الحرية

فإذا كان نصفه حرا أعطي نصف سهم ورضخ له نصف الرضخ

لأن هذا مما يمكن تبعيضه يقسم على قدر ما فيه من الحرية والرق والميراث وظاهر كلام أحمد أنه يرضخ له

لأنه ليس من أهل وجوب القتال فأشبه الرقيق

فصل والخنثى المشكل يرضخ له

لأنه لم يثبت أنه رجل يقسم له ولأنه ليس من أهل وجوب


206

الجهاد فأشبه المرأة ويحتمل أن يقسم له نصف سهم ونصف الرضخ كالميراث فإن انكشف حاله فتبين أنه رجل أتم له سهم رجل سواء انكشف قبل تقضي الحرب أو بعده أو قبل القسمة أو بعدها

لأننا تبينا أنه كان مستحقا للسهم وأنه أعطى دون حقه

فأشبه ما لو أعطى بعض الرجال دون حقه غلطا

فصل والصبي يرضخ ولا يسهم له وبه قال الثوري والليث وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وعن القاسم وسالم في الصبي يغزو به ليس له شيء وقال مالك يسهم له إذا قاتل وأطاق ذلك ومثله قد بلغ القتال لأنه حر ذكر مقاتل فيسهم له كالرجل وقال الأوزاعي يسهم له

وقال أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للصبيان بخيبر وأسهم أئمة المسلمين لكل مولود ولد في أرض الحرب

وروى الجوزجاني بإسناده عن الوضين بن عطاء قال حدثتني جدتي قالت كنت مع حبيب بن مسلمة وكان يسهم لأمهات الأولاد لما في بطونهن

ولنا ما روي عن سعيد بن المسيب قال كان الصبيان والعبيد يحذون من الغنيمة إذا حضروا الغز في صدر هذه الأمة

وروى الجوزجاني بإسناده أن تميم بن قرع المهدي كان في الجيش الذين فتحوا الإسكندرية في المرة الآخرة قال فلم يقسم لي عمرو من الفيء شيئا وقال غلام لم يحتلم حتى كاد يكون بين قومي وبين أناس من قريش في ذلك ثائرة فقال بعض القوم فيكم أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسألوهم فسألوا أبا نضرة الغفاري وعقبة بن عامر فقالا انظروا فإن كان قد أشعر فاقسموا له فنظر إلي بعض القوم فإذا أنا قد أنبت فقسم لي

قال الجوزجاني هذا من مشاهير حديث مصر وجيده

ولأنه ليس من أهل القتال فقلم يسهم له كالعبد ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم لصبي بل كان لا يجيزهم في القتال فإن ابن عمر قال عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني في القتال وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني وما ذكروه يحتمل أن الراوي سمى الرضخ سهما بدليل ما ذكرناه

فصل فإن انفرد بالغنيمة من لا يسهم له مثل عبيد دخلوا دار الحرب فغنموا أو صبيان أو عبيد وصبيان أخذ خمسه وما بقي لهم ويحتمل أن يقسم بينهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم لأنهم تساووا فأشبهوا الرجال الأحرار ويحتمل أن يقسم بينهم على ما يراه الإمام من المفاضلة لأنهم لا تجب التسوية بينهم مع غيرهم فلا تجب مع الانفراد قياسا لإحدى الحالتين على الأخرى وإن كان فيهم رجل حر أعطي سهما وفضل عليهم بقدر ما يفضل الأحرار على العبيد والصبيان في غير هذا الموضع ويقسم الباقي بين من بقي على ما يراه الإمام من التفضيل لأن فيهم من له سهم بخلاف التي قبلها

مسألة

قال ( ويسهم للكافر إذا غزا معنا )


207

اختلفت الرواية في الكافر يغزو مع الإمام بإذنه فروي عن أحمد أنه يسهم له كالمسلم وبهذا قال الأوزاعي والزهري والثوري وإسحاق قال الجوزجاني هذا مذهب أهل الثغور وأهل العلم بالصوائف والبعوث وعن أحمد لا يسهم له وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة لأنه من غير أهل الجهاد فلم يسهم له كالعبد ولكن يرضخ له كالعبد

ولنا ما روى الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في حربه فأسهم لهم رواه سعيد في سننه وروي أن صفوان بن أمية خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر وهو على شركه فأسهم له وأعطاه من سهم المؤلفة ولأن الكفر نقص في الدين فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق وبهذا فارق العبد فإن نقصه في دنياه وأحكامه وإن غزا بغير إذن الإمام فلا سهم له لأنه غير مأمون على الدين فهو كالمرجف وشر منه وإن غزا جماعة من الكفار وحدهم فغنموا فيحتمل أن تكون غنيمتهم لهم لا خمس فيها لأن هذا اكتساب مباح لم يؤخذ على وجه الجهاد فكان لهم لا خمس فيه كالاحتشاش والاحتطاب ويحتمل أن يؤخذ خمسه والباقي لهم لأنه غنيمة قوم من أهل دار الإسلام فأشبه غنيمة المسلمين

فصل ولا يستعان بمشرك وبهذا قال ابن المنذر والجوزجاني وجماعة من أهل العلم وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة به وكلام الخرقي يدل عليه أيضا عند الحاجة وهو مذهب الشافعي لحديث الزهري الذي ذكرناه وخبر صفوان بن أمية ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين فإن كان غير مأمون عليهم لم تجزئه الاستعانة به لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل المخذل والمرجف فالكافر أولى

ووجه الأول ما روت عائشة قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر حتى إذا كان بحرة الوبر أدركه رجل من المشركين كان يذكر منه جراءة ونجدة فسر المسلمون به فقال يا رسول الله جئت لأتبعك وأصيب معك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أتؤمن بالله ورسوله قال لا

قال فارجع فلن أستعين بمشرك

قالت ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالبيداء أدركه ذلك الرجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أتؤمن بالله ورسوله قال نعم قال فانطلق متفق عليه

ورواه الجوزجاني وروى الإمام أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن حبيب قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزوة أنا ورجل من قومي ولم نسلم فقلنا إنا لنستحيي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم قال فأسلمتما قلنا لا قال فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين

قال فأسلمنا وشهدنا معه ولأنه غير مأمون على المسلمين فأشبه المخذل والمرجف قال ابن المنذر والذي ذكر أنه استعان بهم غير ثابت

فصل ولا يبلغ بالرضخ للفارس سهم فارس ولا للراجل سهم راجل كما لا يبلغ بالتعزير الحد ويفعل الإمام بين أهل الرضخ ما يرى فيفضل العبد المقاتل وذا البأس على من ليس مثله ويفضل المرأة


208

المقاتلة والتي تسقي الماء وتداوي الجرحى وتنفع على غيرها فإن قيل هلا سويتم بينهم كما سويتم بين أهل السهمان قلنا السهم منصوص عليه غير موكول إلى اجتهاد الإمام فلم يختلف كالحد ودية الحر والرضخ غير مقدر بل هو مجتهد فيه مردود إلى اجتهاد الإمام فاختلف كالتعزير وقيمة العبد

فصل وفي الرضخ وجهان أحدهما من أصل الغنيمة لأنه استحق بالمعاونة في تحصيل الغنيمة فأشبه أجرة النقالين والحافظين لها

والثاني هو من أربعة الأخماس لأنه استحق بحضور الوقعة فأشبه سهام الغانمين وللشافعي قولان كهذين

فصل أول ما يبدأ في قسمة الغنائم بالأسلاب فيدفعها إلى أهلها لأن صاحبها معين ثم بمؤنة الغنيمة من أجرة النقال والحمال والحافظ والمخزن ثم بالرضخ على أحد الوجهين وفي الآخر بالخمس ثم بالأنفال من أربعة الأخماس ثم يقسم بقية أربعة الأخماس بين الغانمين وإنما قدمنا قسمة أربعة الأخماس على قسمة الخمس لستة معان

أحدها أن أهلها حاضرون وأهل الخمس غائبون

الثاني أن رجوع الغانمين إلى أوطانهم يقف على قسمة الغنيمة وأهل الخمس في أوطانهم فكان الاشتغال بقسم نصيبهم ليعودوا إلى أوطانهم أولى

الثالث أن الغنيمة حصلت بتحصيل الغانمين وتعبهم فصاروا بمنزلة من استحقها بعوض وأهل الخمس بخلافه فكان أهل الغنيمة أولى

الرابع أنه إذا قسم الغنيمة بين الغانمين أخذ كل إنسان نصيبه فحمله واهتم به وكفى الإمام مؤنته والخمس إذا قسم ليس له من يكفي الإمام مؤنته فلا تحصل الفائدة بقسمته بل كان يحمله مجتمعا فصار يحمله متفرقا فكان تأخير قسمته أولى

الخامس أن الخمس لا يمكن قسمه بين أهله كلهم لأنه يحتاج إلى معرفتهم وعددهم ولا يمكن ذلك مع غيبتهم

السادس أن الغانمين ينتفعون بسهامهم ويتمكنون من التصرف فيها لحضورهم بخلاف أهل الخمس

مسألة

قال ( وإذا غزا العبد على فرس لسيده قسم الفرس فكان لسيده ويرضخ للعبد )

أما الرضخ للعبد فكما تقدم وأما الفرس التي تحته فيستحق مالكها سهمها فإن كان معه فرسان أو أكثر أسهم لفرسين ويرضخ للعبد نص على هذا أحمد وقال أبو حنيفة والشافعي لا يسهم للفرس لأنه تحت من لا يسهم له فلم يسهم له كما لو كانت تحت مخذل

ولنا أنه فرس حضر الوقعة وقوتل عليه فاستحق السهم كما لو كان السيد راكبه

إذا ثبت هذا فإن سهم الفرس ورضخ العبد لسيده لأنه مالكه ومالك فرسه وسواء حضر السيد القتال أو غاب عنه

وفارق فرس المخذل لأن الفرس له فإذا لم يستحق شيئا بحضوره فلأن لا يستحق بحضور فرسه أولى

فصل وإن غزا الصبي على فرس أو المرأة أو الكافر إذا قلنا لا يستحق إلا الرضخ لم يسهم


209

للفرس في ظاهر قول أصحابنا لأنهم قالوا لا يبلغ بالرضخ للفارس سهم فارس وظاهر هذا أنه يرضخ له ولفرسه ما لا يبلغ سهم الفارس ولأن سهم الفرس له فإذا لم يستحق السهم بحضوره فبفرسه أولى بخلاف العبد فإن الفرس لغيره

فصل وإذا غزا المرجف أو المخذل على فرس فلا شيء له ولا للفرس لما ذكرنا وإن غزا العبد بغير إذن سيده لم يرضخ له لأنه عاص بغزوه فهو كالمخذل والمرجف وإن غزا الرجل بغير إذن والديه أو بغير إذن غريمه استحق السهم لأن الجهاد يتعين عليه بحضور الصف فلا يبقى عاصيا فيه بخلاف العبد

فصل ومن استعار فرسا ليغزو عليه ففعل فسهم الفرس للمستعير وبهذا قال الشافعي لأنه يتمكن من الغزو عليه بإذن صحيح شرعي فأشبه ما لو استأجره

وعن أحمد رواية أخرى أن سهم الفرس لمالكه لأنه من نمائه فأشبه ولده وبهذا قال بعض الحنفية وقال بعضهم لا سهم للفرس لأن مالكه لم يستحق سهما فلم يستحق للفرس شيئا كالمخذل والمرجف والأول أصح لأنه فرس قاتل عليه من يستحق سهما وهو مالك لنفعه فاستحق سهم الفرس كالمستأجر ولأن سهم الفرس مستحق بمنفعته وهي للمستعير بإذن المالك فيها وفارق النماء والولد فإنه عير مأذون له فيه فأما إن استعاره لغير الغزو ثم غزا عليه فهو كالفرس المغصوب على ما سنذكره

فصل فإن غصب فرسا فقاتل عليه فسهم الفرس لمالكه نص عليه أحمد وقال بعض الحنفية لا يسهم للفرس وهو وجه لأصحاب الشافعي وقال بعضهم سهم الفرس للغاصب وعليه أجرته لمالكه لأنه آلة فكان الحاصل بها لمستعملها كلها كما لو غصب منجلا فاحتش بها أو سيفا فقاتل به

ولنا أنه فرس قاتل عليه من يستحق السهم فاستحق السهم كما لو كان مع صاحبه وإذا ثبت أن له سهما كان لمالكه لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما وما كان للفرس كان لمالكه وفارق ما يحتش به فإنه لا شيء له ولأن السهم مستحق ينفع الفرس ونفعه لمالكه فوجب أن يكون ما يستحق به له والحمد لله

فصل ومن استأجر فرسا ليغزو عليه فغزا عليه فسهم الفرس له لا نعلم فيه خلافا لأنه مستحق لنفعه استحقاقا لازما فكان سهمه له كمالكه

فصل فإن كان المستأجر والمستعير ممن لا سهم له إما لكونه لا شيء له كالمرجف والمخذل أو ممن يرضخ له كالصبي فحكمه حكم فرسه على ما ذكرنا وإن غصب فرسا فقاتل عليه احتمل أن يكون حكمه حكم فرسه لأن الفرس يتبع الفارس في حكمه فيتبعه إذا كان مغصوبا قياسا على فرسه واحتمل أن يكون سهم الفرس لمالكه لأن الجناية من راكبه والنقص فيه فيختص المنع به وبما هو تابع له وفرسه تابعة له لأن ما كان لها فهو له والفرس ها هنا لغيره وسهمها لمالكها فلا ينقص سهمها بنقص سهمه كما لو قاتل العبد على فرس لسيده


210

ولو قاتل العبد بغير إذن سيده على فرس لسيده خرج فيه الوجهان اللذان ذكرناهما فيما إذا غصب فرسا فقاتل عليه لأنه ها هنا بمنزلة المغصوب

فصل ولا يجوز تفضيل بعض الغانمين على بعض في القسمة إلا أن ينفل بعضهم من الغنيمة نفلا على ما ذكرنا في الأنفال فأما غير ذلك فلا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما وسوى بينهم ولأنهم اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية فتجب التسوية كسائر الشركاء

فصل وإن قال الإمام من أخذ شيئا فهو له جاز في إحدى الروايتين وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي قال أحمد في السرية تخرج فيقول الوالي من جاء بشيء فهو له ومن لم يجىء بشيء فلا شيء له الأنفال إلى الإمام ما فعل من شيء جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في يوم بدر من أخذ شيئا فهو له ولأن على هذا غزوا ورضوا به

والرواية الثانية لا يجوز وهو القول الثاني للشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم والخلفاء بعده ولأن ذلك يفضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال وظفر العدو بهم فلا يجوز ولأن الاغتنام سبب لاستحقاقهم لها على سبيل التساوي فلا يزول ذلك بقول الإمام كسائر الاكتساب وأما قضية بدر فإنها منسوخة فإنهم اختلفوا فيها فأنزل الله تعالى يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول الأنفال 1

مسألة

قال ( وإذا أحرزت الغنيمة لم يكن فيها لمن جاءهم مددا أو هرب من أسر حظ )

وجملة ذلك أن الغنيمة لمن حضر الموقعة فمن تجدد بعد ذلك من مدد يلحق بالمسلمين أو أسير ينفلت من الكفار فيلحق بجيش المسلمين أو كافر يسلم فلا حق لهم فيها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة في المدد إن لحقهم قبل القسمة أو إحرازها بدار الإسلام شاركهم لأن تمام ملكها بتمام الاستيلاء وهو الإحراز إلى دار الإسلام أو قسمتها فمن جاء قبل ذلك فقد أدركها قبل ملكها فاستحل منها كما لو جاء في أثناء الحرب وإن مات أحد من العسكر قبل ذلك فلا شيء له لما ذكرنا وقد روى الشعبي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد أسهم لمن أتاك قبل أن تتفقأ قتلى فارس

ولنا ما روى أبو هريرة أن أبان بن سعيد بن العاص وأصحابه قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحها فقال أبان اقسم لنا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلس يا أبان ولم يقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود وعن طارق بن شهاب أن أهل البصرة غزوا نهاوند فأمدهم أهل الكوفة فكتب في ذلك إلى عمر رضي الله عنه فكتب عمر أن الغنيمة لمن شهد الواقعة

رواه سعيد في سننه نحوه عن عثمان في غزوة أرمينية


211

ولأنه مدد لحق بعد تقضي الحرب أشبه ما لو جاء بعد القسمة أو بعد إحرازها بدار الإسلام ولأن سبب ملكها الاستيلاء عليها وقد حصل قبل مجيء المدد وقولهم إن ملكها بإحرازها إلى دار الإسلام ممنوع بل هو بالاستيلاء وقد استولى عليها الجيش قبل المدد وحديث الشعبي مرسل يرويه المجالد وقد تكلم فيه ثم هم لا يعملون به ولا نحن فقد حصل الإجماع منا على خلافه فكيف يحتج به

فصل وحكم الأسير يهرب إلى المسلمين حكم المدد سواء قاتل أو لم يقاتل وقال أبو حنيفة لا يسهم له إلا أن يقاتل لأنه لم يأت للقتال بخلاف المدد

ولنا إن من استحق إذا قاتل استحق وإن لم يقاتل كالمدد وسائر من حضر الوقعة

فصل وإن لحقهم المدد بعد تقضي الحرب وقبل حيازة الغنيمة أو جاءهم أسير فظاهر كلام الخرقي أنه يشاركهم لأنه جاء قبل إحرازها وقال القاضي تملك الغنيمة بانقضاء الحرب قبل حيازتها فعلى هذا لا يسهم لهم وإن حازوا الغنيمة ثم جاءهم قوم من الكفار يقاتلونهم فأدركهم المدد فقاتلوا معهم فقد نص أحمد على أنه لا شيء للمدد فإنه قال إذا غنم المسلمون غنيمة فلحقهم العدو وجاء المسلمين مدد فقاتلوا العدو معهم حتى سلموا الغنيمة فلا شيء لهم في الغنيمة لأنهم إنما قاتلوا عن أصحابهم ولم يقاتلوا عن الغنيمة لأن الغنيمة قد صارت في أيديهم وحووها قيل له فإن أهل المصيصة غنموا ثم استنقذ منهم العدو فجاء أهل طرسوس فقاتلوا معهم حتى استنقذوه فقال أحب إلي أن يصطلحوا أما في الصورة الأولى فإن الأولين قد أحرزوا الغنيمة وملكوها بحيازتهم فكانت لهم دون من قاتل معهم أما في الصورة الثانية فإنما حصلت الغنيمة بقتال الذين استنقذوها في المرة الثانية فينبغي أن يشتركوا فيها لأن الإحراز الأول قد زال بأخذ الكفار لها ويحتمل أن الأولين قد ملكوها بالحيازة الأولى ولم يزل ملكهم بأخذ الكفار لها منهم فلهذا أحب أحمد أن يصطلحوا عليها

مسألة

قال ( ومن بعثه الأمير لمصلحة الجيش فلم يحضر الغنيمة أسهم له )

هذا مثل الرسول والدليل والطليعة والجاسوس وأشباههم يبعثون لمصلحة الجيش فإنهم يشاركون الجيش وبهذا قال أبو بكر بن أبي مريم وراشد بن سعد وعطية بن قيس قالوا وقد تخلف عثمان يوم بدر فأجرى له رسول الله صلى الله عليه وسلم سهما من الغنيمة ويروى عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يعني يوم بدر فقال إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله وإني أبايع له فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه ولم يضرب لأحد غاب غيره رواه أبو داود وعن ابن عمر قال إنما تغيب عثمان عن بدر لأنه كانت تحته ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن لك أجر رجل شهد بدرا وسهمه رواه البخاري ولأنه في مصلحتهم فاستحق سهما من غنيمتهم كالسرية مع الجيش والجيش مع السرية

فصل وسئل أحمد عن قوم خلفهم الأمير في بلاد العدو وغزا وغنم ولم يمر بهم فرجعوا هل


212

يسهم لهم قال نعم يسهم لهم لأن الأمير خلفهم قيل له فإن نادى الأمير من كان ضعيفا فليتخلف فتخلف قوم فصاروا إلى لؤلؤة وفيها المسلمون فأقاموا حتى فصلوا فقال إذا كانوا قد التجؤوا إلى مأمن لهم لم يسهم لهم ولو تخلفوا وأقاموا في موضع خوف أسهم لهم وقال في قوم خلفهم الأمير وأغار في جلد الخيل فقال إن أقاموا في بلد العدو حتى رجع أسهم لهم وإن رجعوا حتى صاروا إلى مأمنهم فلا شيء لهم قيل له فإن اعتل رجل أو اعتلت دابته وقد أدرب فقال له الأمير أقم أسهم لك أو انصرف إلى أهلك أسهم لك فكرهه وقال هذا ينصرف إلى أهله فكيف يسهم له

فصل يجوز قسم الغنائم في دار الحرب وبهذا قال مالك والأوزاعي والشافعي وابن المنذر وأبو ثور وقال أصحاب الرأي لا تنقسم إلا في دار الإسلام لأن الملك لا يتم عليها إلا بالاستيلاء التام ولا يحصل إلا بإحرازها في دار الإسلام وإن قسمت أساء قاسمها وجازت قسمته لأنها مسألة مجتهد فيها فإذا حكم الإمام فيها بما يوافق قول بعض المجتهدين نفذ حكمه

ولنا ما روى أبو إسحاق الفزاري قال قلت للأوزاعي هل قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الغنائم بالمدينة قال لا أعلمه إنما كان الله تبارك وتعالى رضي الله عنهن الرب عز وجل الناس يتبعون غنائمهم ويقسمونها في أرض عدوهم ولم يقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غزاة قط أصاب فيها غنيمة إلا خمسه وقسمه من قبل أن يقفل من ذلك غزوة بني المصطلق وهوازن وخيبر ولأن كل دار صحت القسمة فيها جازت كدار الإسلام ولأن الملك ثبت فيها بالقهر والاستيلاء فصحت قسمتها كما لو أحرزت بدار الإسلام والدليل على ثبوت الملك فيها أمور ثلاثة أحدها أن سبب الملك الاستيلاء التام وقد وجد فإننا أثبتنا أيدينا عليها حقيقة وقهرناهم ونفيناهم عنها والاستيلاء يدل على حاجة المستولي فيثبت الملك كما في المباحات

الثاني أن ملك الكفار قد زال عنها بدليل أنه لا ينفذ عتقهم في العبيد الذين حصلوا في الغنيمة ولا يصح تصرفهم فيها ولم يزل ملكهم إلا غير مالك إذ ليست في هذه الحال مباحة علم أن ملكها زال إلى الغانمين

الثالث أنه لو أسلم عبد الحربي ولحق بجيش المسلمين صار حرا وهذا يدل على زوال ملك الكافر وثبوت الملك لمن قهره وبهذا يحصل الجواب عما ذكروه

مسألة

قال ( وإذا سبوا لم يفرق بين الوالد وولده ولا بين الوالدة وولدها )

أجمع أهل العلم على أن التفريق بين الأم وولدها الطفل غير جائز هذا قول مالك في أهل المدينة والأوزاعي في أهل الشام والليث في أهل مصر والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي فيه والأصل فيه ما روى أبو أيوب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة أخرجه الترمذي

وقال حديث حسن غريب وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا توله والدة عن ولدها قال أحمد لا يفرق بين الأم وولدها وإن رضيت وذلك والله أعلم لما فيه من الاضرار بالولد ولأن المرأة قد ترضى بما فيه ضررها ثم يتغير


213

قلبها بعد ذلك فتندم لا يجوز التفريق بين الأب وولده وهذا قول أصحاب الرأي ومذهب الشافعي وقال بعض أصحابه يجوز وهو قول مالك والليث لأنه ليس من أهل الحضانة بنفسه ولأنه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص عليه لأن الأم أشفق منه

ولنا إنه أحد الأبوين فأشبه الأم ولا نسلم في أنه ليس من أهل الحضانة وظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين كون الولد كبيرا بالغا أو طفلا وهذا إحدى الروايتين عن أحمد لعموم الخبر ولأن الوالدة تتضرر بمفارقة ولدها الكبير ولهذا حرم عليه الجهاد بدون إذنهما

والرواية الثانية يختص تحريم التفريق بالصغير وهو قول أكثر أهل العلم منهم سعيد بن عبد ومالك والأوزاعي والليث وأبو ثور وهو قول الشافعي لأن سلمة بن الأكوع أتى بامرأة وابنتها فنفله أبو بكر ابنتها فاستوهبها منه النبي صلى الله عليه وسلم فوهبها له ولم ينكر التفريق بينهما ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أهديت إليه مارية وأختها سيرين فأمسك مارية ووهب سيرين لحسان بن ثابت ولأن الأحرار يتفرقون بعد الكبر فإن المرأة تزوج ابنتها فالعبيد أولى وبما ذكرناه بتخصيص عموم حديث النهي واختلفوا في حد الكبر الذي يجوز معه التفريق فروي عن أحمد يجوز التفريق بينهما إذابلغ الولد وهو قول سعيد بن عبد العزيز وأصحاب الرأي وقول الشافعي وقال مالك إذا أثغر وقال الأوزاعي والليث إذا استغنى عن أمه ونفع نفسه وقال الشافعي في أحد قوليه إذا صار ابن سبع سنين أو ثمان سنين وقال أبو ثور إذا كان يلبس وحده ويتوضأ وحده لأنه إذا كان كذلك يستغني عن أمه وكذلك خير الغلام بين أمه وأبيه إذا صار كذلك ولأنه جاز التفريق بينهما بتخييره فجاز بيعه وقسمته

ولنا ما روي عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يفرق بين الوالدة وولدها فقيل إلى متى قال حتى يبلغ العلام وتحيض الجارية ولأن ما دون البلوغ مولى عليه فأشبه الطفل

فصل وإن فرق بينهما بالبيع فالبيع فاسد وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يصح البيع لأن النهي لمعنى في غير المعقود عليه فأشبه البيع في وقت النداء

ولنا ما روى أبو داود في سننه بإسناده عن علي رضي الله عنه أنه فرق بين الأم وولدها فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ورد البيع والأصل ممنوع ولا يصح ما ذكروه فإن نهى عنه لما يلحق المبيع من الضرر فهو لمعنى فيه

مسألة

قال ( والجد في ذلك كالأب والجدة فيه كالأم )

وجملة ذلك أن الجد والجدة في تحريم التفريق بينهما وبين ولد ولدهما كالأبوين لأن الجد أب والجدة أم ولذلك يقومان مقام الأبوين في استحقاق الحضانة والميراث والنفقة فقاما مقامهما في تحريم التفريق ويستوي في ذلك الجد والجدة من قبل الأب والأم لأن للجميع ولادة ومحرمية فاستووا في ذلك كاستوائهم في منع شهادة بعضهم لبعض


214

مسألة

قال ( ولا يفرق بين أخوين ولا أختين )

وجملته أنه يحرم التفريق بين الإخوة في القسمة والبيع وبهذا قال أصحاب الرأي وقال مالك والليث والشافعي وابن المنذر يجوز لأنها قرابة لا تمنع قبول الشهادة فلم يحرم التفريق كقرابة ابن العم

ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه قال وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين أخوين فبعث أحدهما فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل غلامك فأخبرته فقال رده رده رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وروى عبد الرحمن بن فروخ عن أبيه قال كتب إلينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تفرقوا بين الأخوين ولا بين الأم وولدها في البيع لأنه ذو رحم محرم فلم يجز التفريق بينهما كالولد والوالد

فصل ويجوز التفريق بين سائر الأقارب في ظاهر كلام الخرقي وقال غيره من أصحابنا لا يجوز التفريق بين ذوي رحم محرم كالعمة مع ابن أخيها والخالة مع ابن أختها لما ذكرنا من القياس

ولنا إن الأصل حل البيع والتفريق ولا يصح القياس على الإخوة لأنهم أقرب ولذلك يحجبون غيرهم عن الميراث فيبقى فيمن عداهم على مقتضى الأصل فأما من ليس بينهما رحم محرم فلا يمنع من التفريق بينهم عند أحد علمناه لعدم النص فيهم وامتناع القياس على المنصوص وكذلك يجوز التفريق بين الأم من الرضاع وولدها والأخت وأختها لذلك ولأن قرابة الرضاع لا توجب عتق أحدهما على صاحبه ولا نفقة ولا ميراثا فلم تمنع التفريق كالصداقة

فصل وإذا كان في المغنم من لا يجوز التفريق بينهم وكان قدرهم حصة واحدة من الغانمين دفعوا إلى واحد وإن كان فيهم فضل فرضي برد قيمة الفضل جاز وإن لم يكن ذلك بيعوا جملة وقسم ثمنهم أو يجعلوا في الخمس ويجوز التفريق بينهم في العتق والفداء لأن العتق لا تفرقة فيه في المكان والفداء تخليص فهو كالعتق

مسألة

قال ( ومن اشترى منهم وهم مجتمعون فتبين أن لا نسب بينهم رد إلى المقسم الفضل الذي فيه بالتفريق )

وجملته أن من اشترى من الغنم اثنين أو أكثر وحسبوا عليه بنصيبه بناء على أنهم أقارب يحرم التفريق بينهم فبان أنه لا نسب بينهم وجب عليه رد الفضل الذي فيهم على المغنم لأن قيمتهم تزيد بذلك فإن اشترى اثنين بناء على أن إحداهما أم الأخرى لا يحل له الجمع بينهما في الوطء ولا بيع إحداهما دون الأخرى فكانت قميتهما قليلة لذلك فإن بان أن إحداهما أجنبية من الأخرى أبيح له وطؤها وبيع إحداهما فتكثر قيمتهما فيجب رد الفضل كما لو اشتراهما فوجد معهما حليا أو ذهبا فتكثر قيمتهما وكما لو أخذ دراهم فبانت أكثر مما حسب عليه


215

مسألة

قال ( ومن سبي من أطفالهم منفردا أو مع أحد أبويه فهو مسلم ومن سبي مع أبويه فهو على دينهما )

وجملته أنه إذا سبى من لم يبلغ من أولاد الكفار صار رقيقا ولا يخلو من ثلاثة أحوال أحدهما أن يسبى منفردا عن أبويه فهذا يصير مسلما إجماعا لأن الدين إنما يثبت له تبعا وقد انقطعت تبعيته لأبويه لانقطاعه عنهما وإخراجه عن دارهما ومصيره إلى دار الإسلام تبعا لسابيه المسلم فكان تابعا له في دينه

والثاني أن يسبى مع أحد أبويه فإنه يحكم بإسلامه أيضا وبهذا قال الأوزاعي وقال أبو حنيفة والشافعي يكون تابعا لأبيه في الكفر لأنه لم ينفرد عن أحد أبويه فلم يحكم بإسلامه كما لو سبي معهما وقال مالك إن سبي مع أبيه يتبعه لأن الولد يتبع أباه في الدين كما يتبعه في النسب وإن سبي مع أمه فهو مسلم لأنه لا يتبعها في النسب فكذلك في الدين

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه فمفهومه أنه لا يتبع أحدهما لأن الحكم متى علق بشيئين لا يثبت بأحدهما ولأنه يتبع سابيه منفردا فيتبعه مع أحد أبويه قياسا على ما لو أسلم أحد الأبوين يحققه أن كل شخص غلب حكم إسلامه منفردا غلب مع أحد الأبوين كالمسلم من الأبوين

الثالث أن يسبى مع أبويه فإنه يكون على دينهما وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وقال الأوزاعي يكون مسلما لأن السابي أحق به لكونه ملكه بالسبي وزالت ولاية أبويه عنه وانقطع ميراثهما منه وميراثه منهما فكان أولى به منهما

ولنا قوله عليه السلام فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وهما معه وملك السابي له لا يمنع إتباعه لأبويه بدليل ما لو ولد في ملكه من عبده وأمته الكافرين

فصل وإذا سبي المتزوج من الكفار لم يخل من ثلاثة أحوال أحدها أن يسبى الزوجان معا فلا ينفسخ نكاحهما وبهذا قال أبو حنيفة والأوزاعي وقال مالك والثوري والليث والشافعي وأبو ثور ينفسخ نكاحهما لقوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم النساء 24

والمحصنات المزوجات إلا ما ملكت أيمانكم النساء 24

بالسبي قال أبو سعيد الخدري نزلت هذه الآية في سبي أوطاس وقال ابن عباس إلا ذوات الأزواج من المسبيات ولأنه استولى على محل حق الكافر فزال ملكه كما لو سباها وحدها

ولنا إن الرق معنى لا يمنع ابتداء النكاح فلا يقطع استدامته كالعتق والآية نزلت في سبايا أوطاس وكانوا


216

أخذوا النساء دون أزواجهن وعموم الآية مخصوص بالمملوكة المزوجة في دار الإسلام فيخص منه محل النزاع بالقياس عليه

الحال الثاني أن تسبى المرأة وحدها فينفسخ النكاح بلا خلاف علمناه والآية دالة عليه وقد روى أبو سعيد الخدري قال أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج في قومهن فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم النساء 24

رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن إلا أن أبا حنيفة قال إذا سبيت المرأة وحدها ثم سبي زوجها بعدها بيوم لم ينفسخ النكاح

ولنا إن السبب المقتضي للفسخ وجد فانفسخ النكاح كما لو سبي بعد شهر

الحال الثالث سبي الرجل وحده فلا ينفسخ النكاح لأنه لا نص فيه ولا القياس يقتضيه وقد سبى النبي صلى الله عليه وسلم سبعين من الكفار يوم بدر فمن على بعضهم وفادى بعضا فلم يحكم عليهم بفسخ أنكحتهم ولأننا إذا لم نحكم بفسخ النكاح فيما إذا سبيا معا مع الاستيلاء على محل حقه فلأن لا ينفسخ نكاحه مع عدم الاستيلاء أولى

وقال أبو الخطاب إذا سبي أحد الزوجين انفسخ النكاح ولم يفرق وبه قال أبو حنيفة لأن الزوجين افترقت بهما الدار وطرأ الملك على أحدهما فانفسخ النكاح كما لو سبيت المرأة وحدها وقال الشافعي إن سبي واسترق انفسخ نكاحه وإن من عليه أو فودي لم ينفسخ

ولنا ما ذكرناه وأن السبي لم يزل ملكه عن ماله في دار الحرب فلم يزله عن زوجته كما لم يزله عن أمته

فصل ولم يفرق أصحابنا في سبي الزوجين بين أن يسبيهما رجل واحد أو رجلان وينبغي أن يفرق بينهما فإنهما إذا كانا مع رجلين كان مالك المرأة منفردا بها ولا زوج لها فتحل له لقوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم النساء 24

وذكر الأوزاعي أن الزوجين إذا سبيا فهما على النكاح في المقاسم فإن اشتراهما رجل فله أن يفرق بينهما إن شاء أو يقرهما على النكاح

ولنا إن تجدد الملك في الزوجين لرجل لا يقتضي جواز الفسخ كما لو اشترى زوجين مسلمين

إذا ثبت هذا فإنه لا يحرم التفريق بين الزوجين في القسمة والبيع لأن الشرع لم يرد بذلك

فصل إذا أسلم الحربي في دار الحرب حقن ماله ودمه وأولاده الصغار من السبي وإن دخل دار الإسلام فأسلم وله أولاد صغار في دار الحرب صاروا مسلمين ولم يجز سبيهم وبه قال مالك والشافعي والأوزاعي وقال أبو حنيفة ما كان في يديه من ماله ورقيقه ومتاعه وولده الصغار وترك له وما كان من أمواله بدار


217

الحرب جاز سبيهم لأنه لم يثبت إسلامهم بإسلامه لاختلاف الدارين بينهم ولهذا إذا سبي الطفل وأبواه في دار الكفر لم يتبعهما ويتبع سابيه في الإسلام وما كان من أرض أو دار فهو فيء وكذلك زوجته إذا كانت كافرة وما في بطنها فيء

ولنا إن أولاده أولاد مسلم فوجب أن يتبعوه في دار الإسلام كما لو كانوا معه في الدار ولأن ماله مال مسلم فلا يجوز اغتنامه كما لو كان في دار الإسلام وبذلك يفارق مال الحربي وأولاده وما ذكره أبو حنيفة لا يلزم فإننا نجعله تبعا للسابي لأننا لا نعلم بقاء أبويه فأما أولاده الكبار فلا يعصمهم لأنهم لا يتبعونه ولا يعصم زوجته لذلك فإن سبيت صارت رقيقا ولم ينفسخ نكاحه برقها ولكن يكون حكمها في النكاح وفسخه حكم ما لو لم تسب على ما مر في نكاح أهل الشرك فإن كانت حاملا من زوجها لم يجز استرقاق الحمل وكان حرا مسلما وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يحكم برقه مع أمه لأن ما سرى إليه العتق سرى إليه الرق كسائر أعضائها

ولنا إنه محكوم بحريته وإسلامه فلم يجز استرقاقه كالمنفصل ويخالف الأعضاء لأنها لا تنفرد بحكم عن الأصل

فصل وإذا أسلم الحربي في دار الحرب وله مال وعقار أو دخل إليها مسلم فابتاع عقارا أو مالا فظهر المسلمون على ماله وعقاره لم يملكوه وكان له وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يغنم العقار وأما غيره فما كان في يده أو يد مسلم لم يغنم واحتج بأنها بقعة من دار الحرب فجاز اغتنامها كما لو كانت لحربي

ولنا إنه مال مسلم فأشبه ما لو كاتب في دار الإسلام

فصل إذا استأجر المسلم أرضا من حربي ثم استولى عليها المسلمون فهي غنيمة ومنافعها للمستأجر لأن المنافع ملك المسلم فإن قيل فلم أجزتم استرقاق الكافرة الحربية إذا كان زوجها قد أسلم وفي استرقاقها إبطال حق زوجها قلنا يجوز استرقاقها لأنها كافرة ولا أمان لها فجاز استرقاقها كما لو لم تكن زوجة مسلم فلا يبطل نكاحه بل هو باق ولأن منفعة النكاح لا تجري مجرى الأموال بدليل أنها لا تضمن باليد ولا يجوز أخذ العوض عنها بخلاف حق الإجارة

فصل إذا أسلم عبد الحربي أو أمته وخرج إلينا فهو حر وإن أسر سيده وأولاده وأخذ ماله وخرج إلينا فهو حر والمال له والسبي رقيقه وإن أسلم وأقام بدار الحرب فهو على رقه وإن أسلمت أم ولد الحربي وخرجت إلينا عتقت واستبرأت نفسها وهذا قول أكثر أهل العلم

قال ابن المنذر وقال به كل من نحفظ عنه من أهل العلم إلا أن أبا حنيفة قال في أم الولد تزوج إن شاءت من غير استبراء وأهل العلم على خلافه لأنها أم ولد عتقت فلم يجز أن تتزوج بغير استبراء كما لو كانت لذمي

وروى سعيد بن منصور حدثنا يزيد بن هارون عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتق العبيد إذا جاؤوا قبل مواليهم وعن أبي سعيد الأعسم قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبد وسيده


218

مقضيتين قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده أنه حر فإن خرج سيده بعد لم يرد عليه وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد رد على سيده رواه سعيد أيضا وعن الشعبي عن رجل من ثقيف قال سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد علينا أبا بكرة وكان عبدا لنا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر ثقيفا فأسلم فأبى أن يرده علينا وقال هو طليق الله ثم طليق رسوله فلم يرده علينا

مسألة

قال ( وما أخذه أهل الحرب من أموال المسلمين وعبيدهم فأدركه صاحبه قبل قسمه فهو أحق به )

فإن أدركه مقسوما فهو أحق به بالثمن الذي ابتاعه من المغنم في إحدى الروايتين

والرواية الأخرى إذا قسم فلا حق له فيه بحال يعني إذا أخذ الكفار أموال المسلمين ثم قهرهم المسلمون فأخذوها منهم فإن علم صاحبها قبل قسمها ردت إليه بغير شيء في قول عامة أهل العلم منهم عمر رضي الله عنه وعطاء والنخعي وسلمان بن ربيعة والليث ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وقال الزهري لا يرد إليه وهو للجيش ونحوه عن عمرو بن دينار لأن الكفار ملكوه باستيلائهم فصار غنيمة كسائر أموالهم

ولنا ما روى ابن عمر أن غلاما له أبق إلى العدو فظهر عليه المسلمون فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمر ولم يقسم وعنه قال ذهب فرس له فأخذها العدو فظهر عليه المسلمون فرد عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم رواهما أبو داود وعن جابر بن حيوة أن أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطاب فيما أحرز المشركون من المسلمين ثم ظهر المسلمون عليهم بعد قال من وجد ماله بعينه فهو أحق به ما لم يقسم رواه سعيد والأثرم فأما ما أدركه بعد أن قسم ففيه روايتان إحداهما أن صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب به على من أخذه وكذلك إن بيع ثم قسم ثمنه فهو أحق به بالثمن وهذا قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي ومالك لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا وجد بعيرا له كان المشركون أصابوه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن أصبته قبل أن نقسمه فهو لك وإن أصبته بعدما قسم أخذته بالقيمة ولأنه إنما امتنع أخذه له بغير شيء كيلا يفضي إلى حرمان أخذه من الغنيمة أو يضيع الثمن على المشتري وحقهما ينجبر بالثمن فيرجع صاحب المال في عين ماله بمنزلة مشتري الشقص المشفوع إلا أن المحكي عن مالك وأبي حنيفة أنه يأخذه بالقيمة ويروى عن مجاهد مثله

والرواية الثانية عن أحمد أنه إذا قسم فلا حق له فيه بحال نص عليه في رواية أبي داود وغيره وقول عمر وعلي وسليمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث

قال أحمد أما قول من قال هو أحق بالقيمة فهو قول ضعيف عن مجاهد وقال الشافعي يأخذه صاحبه قبل القسمة وبعدها ويعطي مشتريه ثمنه من خمس المصالح لأنه لم يزل عن ملك صاحبه فوجب أن يستحق أخذه بغير شيء كما قبل القسمة ويعطي من حسب عليه القيمة لئلا يفضي إلى حرمان آخذه حقه من الغنيمة وجعل من سهم المصالح لأن هذا منها وهذا قول ابن المنذر


219

ولنا ما روي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى السائب أيما رجل من المسلمين أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره وإن أصابه في أيدي التجار بعدما اقتسم فلا سبيل له إليه وقال سلمان بن ربيعة إذا قسم فلا حق له فيه رواهما سعيد في سننه ولأنه إجماع

قال أحمد إنما قال الناس فيها قولين إذا قسم فلا شيء له وقال قوم إذا قسم فهو له بالثمن فإما أن يكون له بعد القسمة بغير ذلك فلم يقله أحد ومتى ما انقسم أهل العصر على قولين في حكم لم يجز إحداث قول ثالث لأنه يخالف الإجماع فلم يجز المصير إليه وقد روى أصحابنا عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أدرك ماله قبل أن يقسم فهو له وإن أدركه بعد أن قسم فليس له فيه شيء والمعمول على ما ذكرنا من الإجماع وقولهم لم يزل ملك صاحبه عنه غير مسلم

فصل وإن أخذه أحد الرعية بهبة أو سرقة أو بغير شيء فصاحبه أحق به بغير شيء وقال أبو حنيفة لا يأخذه إلا بالقيمة لأنه صار ملكا لواحد بعينه فأشبه ما لو قسم

ولنا ما روي أن قوما أغاروا على سرح النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا ناقته وجارية من الأنصار فأقامت عندهم أياما ثم خرجت في بعض الليل قالت فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت حتى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها ثم توجهت إلى المدينة ونذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها فلما قدمت المدينة استعرفت الناقة فإذا هي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها فقلت يا رسول الله إني نذرت أن أنحرها فقال بئسما جازيتها لا نذر في معصية وفي رواية لا نذر فيما لا يملك ابن آدم رواه أحمد ومسلم ولأنه لم يحصل في يده بعوض فكان صاحبه أحق به كما لو أدركه في الغنيمة قبل قسمه فأما إن اشتراه رجل من العدو فليس لصاحبه أخذه إلا بثمنه لما روى سعيد حدثنا عثمان بن مطر الشيباني حدثنا أبو حريز عن الشعبي قال أغار أهل ماه وأهل جلولاء على العرب فأصابوا سبايا من سبايا العرب ورقيقا ومتاعا ثم إن السائب بن الأقرع عامل عمر غزاهم ففتح فاه فكتب إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم قد اشتراه التجار من أهل ماه فكتب إليه عمر إن المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يخذله فأيما رجل من المسلمين أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به وإن أصابه في أيدي التجار بعدما اقتسم فلا سبيل إليه وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد عليهم رؤوس أموالهم فإن الحرب لا يباع ولا يشتري وقال القاضي ما حصل في يده بهبة أو سرقة أو شراء فهو كما لو وجده صاحبه بعد القسمة هل يكون صاحبه أحق به بالقيمة على روايتين والأولى ما ذكرناه وإن علم الإمام بمال المسلم قبل قسمه فقسمه وجب رده وكان صاحبه أحق به بغير شيء لأن قسمته كانت باطلة من أصلها

فصل وإن غنم المسلمون من المشركين شيئا عليه علامة المسلمين فلم يعلم صاحبه فهو غنيمة

قال أحمد في مراكب تجيء من مصر يقطع عليها الروم فيأخذونها ثم يأخذها المسلمون منهم إن عرف صاحبها فلا يؤكل منها وهذا يدل على أنه إذا لم يعرف صاحبها جاز الأكل منها ونحو هذا قول الثوري والأوزاعي قالا في المصحف يحصل في الغنائم يباع وقال الشافعي يوقف حتى يجيء صاحبه وإن وجد شيء


220

موسوم عليه حبس في سبيل الله رد كما كان نص عليه أحمد وبه قال الأوزاعي والشافعي وقال الثوري يقسم ما لم يأت صاحبه

ولنا أن هذا قد عرف مصرفه وهو الحبس فهو بمنزلة ما لو عرف صاحبه قيل لأحمد فالجواميس تدرك وقد ساقها العدو للمسلمين وقد ردت يؤكل منها قال إذا عرف لمن هي فلا يؤكل منها قيل لأحمد فما حاز العدو للمسلمين فأصابه المسلمون أعليهم أن يقفوه حتى يتبين صاحبه قال إذا عرف فقيل هو لفلان وكان صاحبه بالقرب قيل له أصيب غلام في بلاد الروم قال أنا لفلان رجل قال إذا عرف الرجل لم يقسم ماله ورد على صاحبه قيل له أصبنا مركبا في بلاد الروم فيها النواتية قالوا هذا لفلان وهذا لفلان قال هذا قد عرف صاحبه لا يقسم

فصل قال القاضي يملك الكفار أموال المسلمين بالقهر وهو قول مالك وأبي حنيفة وقال أبو الخطاب لا يملكونها وهو قول الشافعي قال وهو ظاهر كلام أحمد حيث قال إن أدركه صاحبه قبل القسمة فهو أحق به وإنما منعه أخذه بعد قسمة لأن قسمه الإمام له تجري مجرى الحكم ومتى صادف الحكم أمرا مجتهدا فيه نفذ حكمه

وحكي عن أحمد في ذلك روايتان واحتج من قال لا يملكونها بحديث نافة النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه مال معصوم طرأت عليه يد عادية فلم يملك بها كالغصب ولأن من لا يملك رقبة غيره بالقهر لم يملك ماله به كالمسلم مع المسلم ووجه الأول أن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر فملك به الكافر مال المسلم كالبيع

فأما الناقة فإنما أخذها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أدركها غير مقسومة ولا مشتراة

فعلى هذا يملكونها قبل حيازتها إلى دار الكفر وهو قول مالك وذكر القاضي أنهم إنما يملكونها بالحيازة إلى دارهم وهو قول أبي حنيفة وحكي في ذلك عن أحمد روايتان ووجه الأول أن الاستيلاء سبب للملك فيثبت قبل الحيازة إلى الدار كاستيلاء المسلمين على مال الكفار ولأن ما كان سببا للملك أثبته حيث وجد كالهبة والبيع وفائدة الخلاف في ثبوت الملك وعدمه أن من أثبت الملك للكفار في أموال المسلمين أباح للمسلمين إذا أظهروا عليها قسمتها والتصرف فيها ما لم يعلموا صاحبها وأن الكافر إذا أسلم وهي في يده فهو أحق بها ومن لم يثبت الملك اقتضى مذهبه عكس ذلك والله أعلم

فصل ولا أعلم خلافا في أن الكافر الحربي إذا أسلم أو دخل إلينا بأمان بعد أن استولى على مال مسلم فأتلفه أنه لا يلزمه ضمانه وإن أسلم وهو في يده فهو له بغير خلاف في المذهب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسلم على شيء فهو له وإن كان أخذه من المستولى عليه بهبة أو سرقة أو شراء فكذلك لأنه استولى عليه في حال كفره فأشبه ما استولى عليه بقهره للمسلم وعن أحمد أن صاحبه يكون أحق به بالقيمة وإن استولى على جارية مسلم فاستولدها ثم أسلم فهي له وهي أم ولد له

نص عليه أحمد لأنها مال فأشبهت سائر الأموال وإن غنمها المسلمون وأولادها قبل إسلام سابيها فعلم صاحبها ردت إليه وكان أولادها غنيمة لأنهم أولاد


221

كافر حدثوا بعد ملك الكافر لها

فصل وإن استولوا على حر لم يملكوه سواء كان مسلما أو ذميا

لا أعلم في هذا خلافا لأنه لا يضمن بالقيمة ولا يثبت عليه يد بحال وكل ما يضمن بالقيمة يملكونه بالقهر كالعروض والعبد القن والمدبر والمكاتب وأم الولد وقال أبو حنيفة لا يملكون المكاتب وأم الولد لأنهما لا يجوز نقل الملك فيهما فهما كالحر

ولنا إنهما يضمنان بالقيمة فيملكونهما كالعبد القن ويحتمل أن يملكوا المكاتب دون أم الولد لأن أم الولد لا يجوز نقل الملك فيها ولا يثبت فيها لغير سيدها وفائدة الخلاف أن من قال بثبوت الملك فيهما قال متى قسما أو اشتراهما إنسان لم يكن لسيدهما أخذهما إلا بالثمن قال الزهري في أم الولد يأخذها لسيدها بقيمة عدل وقال مالك يفديها الإمام فإن لم يفعل يأخذها سيدها بقيمة عدل ولا يدعها يستحل فرجها من لا تحل له ومن قال لا يثبت الملك فيهما ردا إلى ما كانا عليه على كل حال كالحر وإن اشتراهما إنسان فالحكم فيهما كالحكم في الحر إذا اشتراه

فصل إذا أبق عبد المسلم إلى دار الحرب فأخذوه ملكوه كالمال وهذا قول مالك وأبي يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يملكوه وعن أحمد مثل ذلك لأنه إذا صار في دار الحرب زالت يد مولاه عنه وصار في يد نفسه فلم يملك كالحر

ولنا إنه مال لو أخذوه من دار الإسلام ملكوه فإذا أخذوه من دار الحرب ملكوه كالبهيمة

مسألة

قال ( ومن قطع من مواتهم حجرا أو عودا أو صاد حوتا أو ظبيا رده على سائر الجيش إذا استغنى عن أكله والمنفعة به )

يعني إذا أخذ شيئا له قيمة من دار الحرب فالمسلمون شركاؤه فيه وبه قال أبو حنيفة والثوري وقال الشافعي ينفرد آخذه بملكه لأنه لو أخذه من دار الإسلام ملكه فإذا أخذه من دار الحرب ملكه كالشيء التافه وهذا قول مكحول والأوزاعي ونقل ذلك عن القاسم وسالم

ولنا إنه مال ذو قيمة مأخوذ من أرض الحرب بظهر المسلمين فكان غنيمة كالمطعومات وفارق ما أخذوه من دار الإسلام لأنه لا يحتاج إلى الجيش في أخذه فأما إن احتاج إلى أكله والانتفاع به فله ذلك ولا يرده لأن لو وجد طعاما مملوكا للكفار كان له أكله إذا احتاج فما أخذ من الصيود والمباحات أولى

فصل وإن أخذ من بيوتهم أو خارج منها ما لا قيمة له في أرضهم كالمسن والأقلام والأحجار والأدوية فله أخذه وهو أحق به وإن صارت له قيمة بنقله أو معالجته نص أحمد على نحو هذا وبه


222

قال مكحول والأوزاعي والشافعي وقال الثوري إذا جاء به إلى دار الإسلام دفعه في المقسم وإن عالجه فصار له ثمن أعطي بقدر علمه فيه وبقيته في المقسم

ولنا إن القيمة إذا صارت له بعمله أو بنقله فلم تكن غنيمة كما لو لم تصر له القيمة

فصل وإن ترك صاحب المقسم شيئا من الغنيمة عجزا عن حمله فقال من أخذ شيئا فهو له فمن حمل شيئا فهو له نص عليه أحمد وسئل عن قوم غنموا غنائم كثيرة فيبقى خرثي المتاع مما لا يباع ولا يشترى فيدعه الوالي بمنزلة العقار والفخار وما أشبه ذلك أيأخذه الإنسان لنفسه قال نعم إذا ترك ولم يشتر ونحو هذا قول مالك ونقل عنه أبو طالب في المتاع لا يقدرون على حمله

إذا حمله رجل يقسم وهذا قول إبراهيم

قال الخلال روى أبو طالب هذه في ثلاثة مواضع في موضع منها وافق أصحابه وفي موضع خالفهم

قال ولا شك أن أبا عبد الله قال هذا أولا ثم تبين له بعد ذلك أن للإمام أن يبيحه وأن يحرمه وأن لهم أن يأخذوه إذا تركه الإمام إذا لم يجد من يحمله لأنه إذا لم يجد من يحمله ولم يقدر على حمله بمنزلة ما لا قيمة له فصار كالذي ذكرناه في الفصل قبل هذا

فصل وإن وجد في أرضهم ركازا فإن كان في موضع يقدر عليه بنفسه فهو كما لو وجده في دار الإسلام فيه الخمس وباقيه له وإن قدر عليه بجماعة المسلمين فهو غنيمة ونحو هذا قول مالك والأوزاعي والليث وقال الشافعي إن وجده في مواتهم فهو كما لو وجده في دار الإسلام

ولنا ما روى عاصم بن كليب عن أبي الجويرية الحرمي قال أصبت بأرض الروم جرة حمراء فيها دنانير في إمرة معاوية وعلينا معن بن يزيد السلمي فأتيته بها فقسمها بين المسلمين وأعطاني مثل ما أعطى رجل منهم ثم قال لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا نفل إلا بعد الخمس لأعطيتك ثم أخذ يعرض علي من نصيبه فأبيت أخرجه أبو داود ولأنه مال مشرك ظهر عليه بقوة جيش المسلمين فكان غنيمة كأموالهم الظاهرة

فصل وسئل أحمد عن الدابة تخرج من بلد الروم أو تنفلت فتدخل القرية وعن القوم يضلون عن الطريق فيدخلون القرية من قرى المسلمين فيأخذونهم فقال يكونون لأهل القرية كلهم يتقاسمونهم وسئل عن قوم يكونون في حصن أو رباط فيخرج منهم قوم إلى قتالهم فيصيبون دوابا أو سلاحا فقال أبو عبد الله تكون بين أهل الرباط وأهل الحضرة من القرية وسئل عن مركب بعث به ملك الروم فيه رجاله فطرحته الريح إلى طرطوس فخرج إليه أهل طرطوس فقتلوا الرجال وأخذوا الأموال فقال هذا فيء المسلمين مما أفاء الله عليهم وقال الزهري هو لمن غنمه وفيه الخمس فقال أبو الخطاب من ضل الطريق منهم أو حملته الريح إلينا فهو لمن أخذه في إحدى الروايتين لأنه متاع أخذه أحد المسلمين بغير قوة مسلم فكان له كالحطب والرواية الثانية يكون فيئا


223

فصل ومن وجد في دارهم لقطة فإن كانت من متاع المسلمين فهي لقطة يعرفها سنة ثم يملكها وإن كانت من متاع المشركين فهي غنيمة وإن احتمل الأمرين عرفها حولا ثم جعلها في الغنيمة نص عليه أحمد ويعرفها في بلد المسلمين لأنها تحتمل الأمرين فغلب فيها حكم مال المسلمين في التعريف وحكم مال أهل الحرب في كونها غنيمة احتياطا

مسألة

قال ( ومن تعلف فضلا عما يحتاج إليه رده على المسلمين فإن باعه رد ثمنه في المقسم )

أجمع أهل العلم إلا من شذ منهم على أن للغزاة إذا دخلوا أرض الحرب أن يأكلوا مما وجدوا من الطعام ويعلفوا دوابهم من أعلافهم منهم سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والشعبي والقاسم وسالم والثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال الزهري لا يؤخذ إلا بإذن الإمام وقال سليمان بن موسى لا يترك إلا أن ينهى عنه الإمام فيتقي نهيه

ولنا ما روى عبد الله بن أبي أوفى قال أصبنا طعاما يوم خيبر فكان الرجل يأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف رواه سعيد وأبو داود وروي أن صاحب جيش الشام كتب إلى عمر إنا أصبنا أرضا كثيرة الطعام والعلف وكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك

فكتب إليه دع الناس يعلفون ويأكلون فمن باع منهم شيئا بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين

رواه سعيد وقد روى عبد الله بن مغفل قال دلي جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته وقلت والله لا أعطي أحدا منه شيئا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فاستحييت منه

متفق عليه

ولأن الحاجة تدعو إلى هذا وفي المنع منه مضرة بالجيش وبدوابهم فإنه يعسر عليهم نقل الطعام والعلف من دار الإسلام ولا يجدون بدار الحرب ما يشترونه ولو وجدوه لم يجدوا ثمنه

ولا يمكن قسمة ما يأخذه الواحد منهم ولو قسم لم يحصل للواحد منهم شيء ينتفع به ولا يدفع به حاجته فأباح الله تعالى لهم ذلك فمن أخذ من الطعام شيئا مما يقتات أو يصلح به القوت من الأدم وغيره أو العلف لدابته فهو أحق به وسواء كان له ما يستغني به عنه أو لم يكن له ويكون أحق بما يأخذه من غيره فإن فضل منه ما لا حاجة به إليه رده على المسلمين لأنه إنما أبيح له ما يحتاج إليه وإن أعطاه أحد من أهل الجيش ما يحتاج إليه جاز له أخذه وصار أحق به من غيره وإن باع شيئا من الطعام أو العلف رد ثمنه في الغنيمة لما ذكرنا من حديث عمر

وروي مثله عن فضالة بن عبيد وبه قال سليمان بن موسى والثوري والشافعي وكره القاسم وسالم ومالك بيعه

قال القاضي لا يخلو إما أن يبيعه من غاز أو غيره فإن باعه لغيره فالبيع باطل لأنه بيع مال الغنيمة بغير ولاية ولا نيابة فيجب رد المبيع ونقض البيع فإن تعذر رده رد قيمته أو ثمنه إن كان أكثر من قيمته إلى المغنم

وعلى هذا الوجه حمل كلام الخرقي وإن باعه لغاز لم يحل إلا أن يبدله بطعام أو علف مما له الانتفاع به أو بغيره


224

فإن باعه بمثله فليس هذا بيعا في الحقيقة إنما سلم إليه مباحا وأخذ مثله مباحا ولكل واحد منهما الانتفاع بما أخذه وصار أحق به لثبوت يده عليه فعلى هذا لو باع صاعا بصاعين وافترقا قبل القبض جاز لأنه ليس ببيع وإن باعه به نسيئة أو أقرضه إياه فأخذه فهو أحق به ولا يلزمه إيفاؤه فإن وفاه أو رده إليه عادت اليد إليه وإن باعه بغير الطعام والعلف فالبيع أيضا غير صحيح ويصير المشتري أحق به لثبوت يده عليه ولا ثمن عليه وإن أخذ منه وجب رده إليه

فصل وإن وجد دهنا كسائر الطعام لما ذكرنا من حديث ابن مغفل ولأنه طعام فأشبه البر والشعير وإن كان غير مأكول فاحتاج أن يدهن به أو يدهن دابته فظاهر كلام أحمد جوازه إذا كان من حاجة

قال أحمد في زيت الروم إذا كان من ضرورة أو صداع فلا بأس فأما التزين فلا يعجبني وقال الشافعي ليس له دهن دابته من جرب ولا يوقحها إلا بالقيمة لأن ذلك لا تعم الحاجة إليه ويحتمل كلام أحمد مثل هذا لأن هذا ليس بطعام ولا علف

ووجه الأول أن هذا مما يحتاج إليه لإصلاح نفسه ودابته أشبه الطعام والعلف وله أكل ما يتداوى به وشرب الشراب من الجلاب والسكبجين وغيرهما عند الحاجة إليه لأنه من الطعام وقال أصحاب الشافعي ليس له تناوله لأنه ليس من القوت ولا يصلح به القوت ولأنه لا يباح مع عدم الحاجة إليه فلا يباح مع وجودها كغير الطعام

ولنا أنه طعام احتيج إليه أشبه الفواكه وما ذكروه يبطل بالفاكهة وإنما اعتبرنا الحاجة ها هنا

لأن هذا لا يتناول في العادة إلا عند الحاجة إليه

فصل قال أحمد ولا يغسل ثوبه بالصابون لأن ذلك ليس بطعام ولا علف ويراد للتحسين والزينة فلا يكون في معناهما ولو كان مع الغازي فهدا وكلب الصيد لم يكن له إطعامه من الغنيمة فإن أطعمها غرم قيمة ما أطعمها لأن هذا يراد للتفرج والزينة وليس مما يحتاج إليه في الغزو بخلاف الدواب

فصل ولا يجوز لبس الثياب ولا ركوب دابة من المغنم لما روى رويفع بن ثابت الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه رواه سعيد

فصل ولا يجوز الانتفاع بجلودهم واتخاذ النعل والجرب منها ولا الخيوط والحبال وبهذا قال


225

ابن محيريز ويحيى بن أبي كثير وإسماعيل بن عياش والشافعي ورخص في اتخاذ الجرب من جلود الغنم سليمان بن موسى ورخص مالك في الإبرة والحبل يتخذ من الشعر والنعل والخف يتخذ من جلود البقر

ولنا ما روى قيس بن أبي حازم أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبة من شعر من المغنم فقال يا رسول الله إنا لنعمل الشعر فهبها لي قال نصيبي منها لك رواه سعيد

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أدوا الخيط والمخيط فإن الغلول نار وشنار يوم القيامة ولأن ذلك من الغنيمة لا تدعو إلى أخذه حاجة عامة فلم يجز أخذه كالثياب

فصل فأما كتبهم فإن كانت مما ينتفع به ككتب الطب واللغة والشعر فهي غنيمة وإن كانت مما لا ينتفع به ككتاب التوراة والإنجيل فأمكن الانتفاع بجلودها أو ورقها بعد غسله غسل وهو غنيمة وإلا فلا يجوز بيعها

فصل وإن أخذوا من الكفار جوارح للصيد كالفهود والبزاة فهي غنيمة تقسم وإن كانت كلابا لم يجز بيعها وإن لم يردها أحد من الغانمين جاز إرسالها أو إعطاؤها غير الغانمين وإن رغب فيها بعض الغانمين دون بعض دفعت إليه ولم تحسب عليه لأنها لا قيمة لها وإن رغب فيها الجميع أو جماعة كثيرة فأمكن قسمها يكون عددا من غير تقويم وإن تعذر ذلك أو تنازعوا الجيد منها فطلبه كل واحد منهم أقرع بينهم فيها وإن وجدوا خنازير قتلوها لأنها مؤذية ولا نفع فيها

وإن وجدوا خمرا أراقوه وإن كان في ظروفه نفع للمسلمين أخذوها وإن لم يكن فيها نفع كسروها لئلا يعودوا إلى استعمالها

فصل وللغازي أن يعلف دوابه ويطعم رقيقه مما يجوز له الأكل منه سواء كانوا للقنية أو للتجارة قال أبو داود قلت لأبي عبد الله يشتري الرجل السبي في بلاد الروم يطعمهم من طعام الروم قال نعم يطعمهم

وروى عنه ابنه عبد الله قال سألت أبي عن الرجل يدخل بلاد الروم ومعه الجارية والدابة للتجارة إن أطعمهما يعني الجارية وعلف الدابة قال لا يعجبني ذلك فإن لم تكن للتجارة فلم ير به بأسا فظاهر هذا أنه لا يجوز إطعام ما كان للتجارة لأنه ليس مما يستعين به على الغزو وقال الخلال رجع أحمد عن هذه الرواية وروى عنه جماعة بعد هذا أنه لا بأس به وذلك لأن الحاجة داعية إليه فأشبه ما لا يراد به التجارة

مسألة

قال ( ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت ويشاركونه فيما غنم )


226

وجملته أن الجيش إذا فصل غازيا فخرجت منه سرية أو أكثر فأيهما غنم شاركه الآخر في قول عامة أهل العلم منهم مالك والثوري والأوزاعي والليث وحماد والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال النخعي إن شاء الإمام خمس ما تأتي به السرية وإن شاء نفلهم إياه كلهم

وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما غزا هوازن بعث سرية من الجيش قبل أوطاس فغنمت السرية فأشرك بينها وبين الجيش قال ابن المنذر وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ويرد سراياهم على قعدهم وفي تنفيل النبي صلى الله عليه وسلم في البداءة الربع وفي الرجعة الثلث دليل على اشتراكهم فيما سوى ذلك لأنهم لو اختصموا بما غنموه لما كان ثلثه نفلا ولأنهم جيش واحد وكل واحد منهم ردء لصاحبه فيشتركون كما لو غنم أحد جانبي الجيش وإن أقام الأمير ببلد الإسلام وبعث سرية أو جيشا فما غنمت السرية فهو لها وحدها لأنه إنما يشترك المجاهدون والمقيم في بلد الإسلام ليس بمجاهد وإن نفذ من بلد الإسلام جيشين أو سريتين لكل واحدة تنفرد بما غنمته لأن كل واحدة منهما انفردت بالغزو فانفردت بالغنيمة بخلاف ما إذا فصل الجيش فدخل بجملته بلاد الكفار فإن جميعهم اشتركوا في الجهاد فاشتركوا في الغنيمة

مسألة

قال ( ومن فضل معه من الطعام فأدخله البلد طرحه في مقسم تلك الغزاة في إحدى الروايتين )

والأخرى يباح له أكله إذا كان يسيرا

أما الكثير فيجب رده بغير خلاف نعلمه لأن ما كان مباحا له في دار الحرب فإذا أخذه على وجه يفضل منه كثير إلى دار الإسلام فقد أخذ ما لا يحتاج إليه فيلزمه رده لأن الأصل تحريمه لكونه مشتركا بين الغانمين كسائر المال وإنما أبيح منه ما دعت الحاجة إليه فما زاد يبقى على أصل التحريم ولهذا لم يبح له بيعه وأما اليسير ففيه روايتان إحداهما يجب رده أيضا وهو اختيار أبي بكر وقول أبي حنيفة وابن المنذر وأحد قولي الشافعي وأبي ثور لما ذكرنا في الكثير ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أدوا الخيط والمخيط ولأنه من الغنيمة ولم يقسم فلم يبح في دار الإسلام كالكبير أو كما لو أخذه في دار الإسلام

والثانية يباح وهو قول مكحول وخالد بن معدان وعطاء الخراساني ومالك والأوزاعي

قال أحمد أهل الشام يتساهلون في هذا وقد روى القاسم بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال كنا نأكل الجزور في الغزو ولا نقسمه حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا وأخرجتنا مملأة رواه سعيد وأبو داود وعن عبد الله بن يسار السلمي قال دخلت على رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقدم إلي تميرا من تمير الروم فقلت لقد سبقت الناس بهذا قال ليس هذا من العام هذا من العام الأول رواه الأثرم في سننه وقال الأوزاعي أدركت الناس


227

يقدمون بالقديد فيهديه بعضهم إلى بعض لا ينكره إمام ولا عامل ولا جماعة وهذا نقل للإجماع ولأنه أبيح إمساكه عن القسمة فأبيح في دار الإسلام كمباحات دار الحرب التي لا قيمة لها فيها ويفارق الكبير فإنه لا يجوز إمساكه عن القسمة ولأن اليسير تجري المسامحة فيه ونفعه قليل بخلاف الكثير

مسألة

قال ( وإذا اشترى المسلم أسيرا من أيدي العدو لزم الأسير أن يؤدي إلى المشتري ما اشتراه )

لا يخلو هذا من حالين أحدهما أن يشتريه بإذنه فهذا يلزمه أن يؤدي إلى المشتري ما أداه فيه بغير خلاف نعلمه إذا وزن بإذنه إذا أذن فيه كان نائبه في شراء نفسه فكان الثمن على الآمر كالوكيل

والثاني أن يشتريه بغير إذنه فيلزم الأسير الثمن أيضا عند أحمد وبه قال الحسن والنخعي والزهري ومالك والأوزاعي وقال الثوري والشافعي وابن المنذر لا يلزمه لأنه تبرع بما لا يلزمه ولم يأذن له فيه فأشبه ما لو عمر داره وقال الليث إن كان الأسير موسرا كقولنا وإن كان معسرا أدى ذلك من بيت المال

ولنا ما روى سعيد ثنا عثمان بن مطر ثنا أبو حريز عن الشعبي قال أغار أهل ماه وأهل جلولاء على العرب فأصابوا سبايا من سبايا العرب فكتب السائب بن الأقرع إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم قد اشتراه التجار من أهل ماه فكتب عمر أيما رجل أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره وإن أصابه في أيدي التجار بعد ما اقتسم فلا سبيل إليه وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد إليهم رؤوس أموالهم فإن الحر لا يباع ولا يشترى فحكم للتجار برؤوس أموالهم ولأن الأسير يجب عليه فداء نفسه ليتخلص من حكم الكفار ويخرج من تحت أيديهم فإذا ناب عنه غيره في ذلك وجب عليه قضاؤه كما لو قضى الحاكم عنه حقا امتنع من أدائه

فصل فإن اختلفا في قدر ما اشتراه به فالقول قول الأسير وهو قول الشافعي إذا أذن له وقال الأوزاعي القول قول المشتري لأنهما اختلفا في فعله وهو أعلم بفعله

ولنا إن الأسير منكر للزيادة والقول قول المنكر ولأن الأصل براءة ذمته من هذه الزيادة فيترجح قوله بالأصل

مسألة

قال ( وإذا سبى المشركون من يؤدي إلينا الجزية ثم قدر عليهم ردوا إلى ما كانوا عليه ولم يسترقوا وما أخذه العدو منهم من مال أو رقيق رد إليهم إذا علم به قبل أن يقسم ويفادى بهم بعد أن يفادى بالمسلمين )

وجملة ذلك أن أهل الحرب إذا استولوا على أهل ذمتنا فسبوهم وأخذوا أموالهم ثم قدر عليهم وجب ردهم إلى ذمتهم ولم يجز استرقاقهم في قول عامة أهل العلم منهم الشعبي ومالك والليث والأوزاعي والشافعي


228

وإسحاق ولا نعلم لهم مخالفا وذلك لأن ذمتهم باقية ولم يوجد منهم ما يوجب نقضها وحكم أموالهم حكم أموال المسلمين في حرمتها

قال علي رضي الله عنه إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا فمتى علم صاحبها قبل قسمها وجب ردها إليه وإن علم بعد القسمة فعلى الروايتين إحداهما لا حق له فيه

والثانية هو له بثمنه لأن أموالهم معصومة كأموال المسلمين وأما فداؤهم فظاهر كلام الخرقي أنه يجب فداؤهم سواء كانوا في معونتنا أو لم يكونوا

وهذا قول عمر بن عبد العزيز والليث لأننا التزمنا حفظهم بمعاهدتهم وأخذ جزيتهم فلزمنا القتال من ورائهم والقيام دونهم فإذا عجزنا عن ذلك وأمكننا تخليصهم لزمنا ذلك كمن يحرم عليه إتلاف شيء فإذا أتلفه غرمه وقال القاضي إنما يجب فداؤهم إذا استعان بهم الإمام في قتاله فسبوا وجب عليه فداؤهم لأن أسرهم كان لمعنى من جهته وهو المنصوص عن أحمد ومتى وجب فداؤهم فإنه يبدأ بفداء المسلمين قبلهم لأن حرمة المسلم أعظم والخوف عليه أشد وهو معرض لفتنته عن دين الحق بخلاف أهل الذمة

فصل ويجب فداء أسرى المسلمين إذا أمكن وبهذا قال عمر بن عبد العزيز ومالك وإسحاق ويروى عن ابن الزبير أنه سأل الحسن بن علي على من فكاك الأسير قال على الأرض التي يقاتل عليها وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني وروى سعيد بإسناده عن حبان بن جبلة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسيرهم ويؤدوا عن غارمهم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم وأن يفكوا عانيهم بالمعروف وفادى النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من المسلمين بالرجل الذي أخذه من بني عقيل وفادى بالمرأة التي استوهبها من سلمة بن الأكوع رجلين

مسألة

قال ( وإذا حاز الأمير المغانم ووكل من يحفظها لم يجز أن يؤكل منها إلا أن تدعو الضرورة بأن لا يجدوا ما يأكلون )

وجملة ذلك أن المغانم إذا جمعت وفيها طعام أو علف لم يجز لأحد أخذه إلا لضرورة لأننا إنما أبحنا أخذه قبل جمعه لأنه لم يثبت فيه ملك المسلمين بعد فأشبه المباحات من الحطب والحشيش فإذا حيزت المغانم ثبت ملك المسلمين فيها فخرجت عن حيز المباحات وصارت كسائر أملاكهم فلم يجز الأكل منها إلا لضرورة وهو أن لا يجدوا ما يأكلونه فحينئذ يجوز لأن حفظ نفوسهم ودوابهم أهم وسواء حيزت في دار الحرب أو في دار الإسلام وقال القاضي ما كانت في دار الحرب جاز الأكل منها وإن حيزت لأن دار الحرب مظنة الحاجة لعسر نقل الميرة إليها بخلاف دار الإسلام وكلام الخرقي عام في الموضعين والمعنى يقتضيه فإن ما ثبت عليه أيدي المسلمين وتحقق ملكهم له لا ينبغي أن يؤخذ إلا برضاهم كسائر أملاكهم

ولأن حيازته في دار الحرب تثبت الملك فيه بدليل جواز قسمته وثبوت أحكام الملك فيه بخلاف ما قبل الحيازة فإن الملك لم يثبت فيه بعد

مسألة

قال ( ومن اشترى من المغنم في بلاد الروم فغلب عليه العدو لم يكن عليه شيء من الثمن وإن كان قد أخذ منه الثمن رد إليه )


229

وجملته أن الأمير إذا باع من المغنم شيئا قبل قسمه لمصلحة صح بيعه فإن عاد الكفار فغلبوا على المبيع فأخذوه من المشتري في دار الحرب نظرنا فإن كان لتفريط من المشتري مثل أن خرج به من المعسكر ونحو ذلك فضمانه عليه لأن ذهابه حصل بتفريطه فكان من ضمانه كما لو أتلفه وإن حصل بغير تفريط فيه روايتان إحداهما ينفسخ البيع ويكون من ضمان أهل الغنيمة فإن كان الثمن لم يؤخذ من المشتري سقط عنه وإن كان أخذ منه رد إليه لأن القبض لم يكمل لكون المال في دار الحرب غير محرز وكونه على خطر من العدو فأشبه الثمن المبيع على رؤوس الشجر إذا تلف قبل الجذاذ

والثانية هو من ضمان المشتري وعليه ثمنه وهذا أكثر الروايات عن أحمد واختاره الخلال وأبو بكر صاحبه وهو مذهب الشافعي لأنه مال مقبوض أبيح لمشتريه فكان ضمانه عليه كما لو أحرز إلى دار الإسلام

ولأن أخذ العدو له تلف فلم يضمنه البائع كسائر أنواع التلف ولأن نماءه للمشتري فكان ضمانه عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم الخراج بالضمان

فصل وإذا قسمت الغنائم في دار الحرب جاز لمن أخذ سهمه التصرف فيه بالبيع وغيره

فإن باع بعضهم بعضا شيئا منها فغلب عليه العدو ففي ضمان البائع له وجهان بناء على الروايتين في التي قبلها وإن اشتراه مشتر من المشتري فكذلك فإذا قلنا هو من ضمان البائع رجع البائع الثاني على البائع الأول بما رجع به عليه

فصل قال أحمد في الرجل يشتري الجارية من المغنم معها الحلي في عنقها والثياب يرد ذلك في المغنم إلا شيئا تلبسه من قميص ومقنعة وإزار

وهذا قول حكيم بن حزام ومكحول ويزيد بن أبي مالك والمتوكل وإسحاق وابن المنذر ويشبه قول الشافعي واحتج إسحاق بقول النبي صلى الله عليه وسلم من باع عبدا وله مال فماله للبائع وقال الشعبي يجعله في بيت المال وكان مالك يرخص في اليسير كالقرطين وأشباههما

ولا يرى ذلك في الكثير ويمكن أن يفصل القول في هذا فيقال ما كان عليها ظاهرا مرئيا يشاهده البائع والمشتري كالقرط والخاتم والقلادة فهو للمشتري لأن الظاهر أن البائع إنما باعها بما عليها والمشتري اشتراها بذلك فيدخل في البيع كثياب البذلة وحلية السيف وما خفي فلم يعلم به البائع رده لأن البيع وقع عليها بدونه فلم يدخل في البيع كجارية أخرى

فصل قال أحمد لا يجوز لأمير الجيش أن يشتري من مغنم المسلمين شيئا لأنه يحابي ولأن عمر رد ما اشتراه ابنه في غزوة جلولاء

وقال إنه يحابى احتج به أحمد ولأنه هو البائع أو وكيله فكأنه يشتري من نفسه أو وكيل نفسه قال أبو داود قيل لأبي عبد الله إذا قوم أصحاب المغانم شيئا معروفا فقالوا في جلود الماعز بكذا والخرفان بكذا يحتاج إليه يأخذه بتلك القيمة ولا يأتي المغانم فرخص فيه وذلك لأنه يشق الاستئذان فيه فسومح فيه كما سومح في دخول الحمام وركوب سفينة الملاح من غير تقدير أجر


230

مسألة

قال ( وإذا حورب العدو لم يحرقوا بالنار )

أما العدو إذا قدر عليه فلا يجوز تحريقه بالنار بغير خلاف نعلمه وقد كان أبو بكر رضي الله عنه يأمر بتحريق أهل الردة بالنار

وفعل ذلك خالد بن الوليد بأمره فأما اليوم فلا أعلم فيه بين الناس خلافا

وقد روى حمزة الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره على سرية قال فخرجت فيها فقال إن أخذتم فلانا فأحرقوه بالنار فوليت فناداني فرجعت فقال إن أخذتم فلانا فاقتلوه ولا تحرقوه فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار

رواه أبو داود وسعيد وروى أحاديث سواه في هذا المعنى

وروى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث حمزة فأما رميهم قبل أخذهم بالنار فإن أمكن أخذهم بدونها لم يجز رميهم بها لأنهم في معنى المقدور عليه وأما عند العجز عنهم بغيرها فجائز في قول أكثر أهل العلم وبه قال الثوري والأوزاعي والشافعي

وروى سعيد بإسناده عن صفوان بن عمرو وجرير بن عثمان أن جنادة بن أمية الأزدي وعبد الله بن قيس الفزاري وغيرهما من ولاة البحرين ومن بعدهم كانوا يرمون العدو من الروم وغيرهم بالنار يحرقونهم هؤلاء لهؤلاء وهؤلاء لهؤلاء

قال عبد الله بن قيس لم يزل أمر المسلمين على ذلك

فصل وكذلك الحكم في فتح البثوق عليهم ليغرقهم إن قدر عليهم بغيره لم يجز إذا تضمن ذلك إتلاف النساء والذرية الذين يحرم إتلافهم قصدا وإن لم يقدر عليهم إلا به جاز كما يجوز البيات المتضمن لذلك ويجوز نصب المنجنيق عليهم وظاهر كلام أحمد جوازه مع الحاجة وعدمها لأن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف وممن رأى ذلك الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي قال ابن المنذر جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نصب المنجنيق على أهل الطائف وعن عمرو بن العاص أنه نصب المنجنيق على أهل الإسكندرية

ولأن القتال به معتاد فأشبه الرمي بالسهام

فصل ويجوز تبييت الكفار وهو كبسهم ليلا وقتلهم وهم غارون

قال أحمد لا بأس بالبيات وهل غزو الروم إلا البيات قال ولا نعلم أحدا كره بيات العدو

وقرأ عليه سفيان عن الزهري عن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الديار من المشركين نبيتهم فنصيب من نسائهم وذراريهم فقال هم منهم فقال إسناد جيد فإن قيل فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والذرية قلنا هذا محمول على التعمد لقتلهم قال أحمد أما أن يتعمد قتلهم فلا قال وحديث الصعب بعد نهيه عن قتل النساء لأن نهيه عن قتل النساء حين بعث إلى ابن أبي الحقيق وعلى أن الجمع بينها ممكن يحمل النهي على التعمد والإباحة على ما عداه

فصل قال الأوزاعي إذا كان في المطمورة العدو فعلمت أنك تقدر عليهم بغير النار فأحب


231

إلي أن يكف عن النار وإن لم يمكن ذلك وأبوا أن يخرجوا فلا أرى بأسا وإن كان معهم ذرية قد كان المسلمون يقاتلون بها ونحو ذلك قال سفيان وهشام ويدخن عليهم قال أحمد أهل الشام أعلم بهذا

فصل وإن تترسوا في الحرب بنسائهم وصبيانهم جاز رميهم ويقصد المقاتلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماهم بالمنجنيق ومعهم النساء والصبيان ولأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد لأنهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند حقوقهم فينقطع الجهاد وسواء كانت الحرب ملتحمة أو غير ملتحمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحين بالرمي حال التحام الحرب

فصل ولو وقفت امرأة في صف الكفار أو على حصنهم فشتمت المسلمين أو تكشفت لهم جاز رميها قصدا لما روى سعيد حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف أشرفت امرأة فكشفت عن قبلها فقال ها دونكم فارموها فرماها رجل من المسلمين فما أخطأ ذلك منها ويجوز النظر إلى فرجها للحاجة إلى رميها لأن ذلك من ضرورة رميها وكذلك يجوز رميها إذا كانت تلتقط لهم السهام أو تسقيهم الماء أو تحرضهم على القتال لأنها في حكم المقاتل وهكذا الحكم في الصبي والشيخ وسائر من منع من قتله منهم

فصل وإن تترسوا بمسلم ولم تدع حاجة إلى رميهم لكون الحرب غير قائمة أو لإمكان القدرة عليهم بدونه أو للأمن من شرهم لم يجز رميهم فإن رماهم فأصاب مسلما فعليه ضمانه وإن دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على المسلمين جاز رميهم لأنها حال ضرورة ويقصد الكفار وإن لم يخف على المسلمين لكن لم يقدر عليهم إلا بالرمي فقال الأوزاعي والليث لا يجوز رميهم لقول الله تعالى ولولا رجال مؤمنون الفتح 25 الآية قال الليث ترك فتح حصن يقدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق

وقال الأوزاعي كيف يرمون من لا يرونه إنما يرمون أطفال المسلمين وقال القاضي والشافعي يجوز رميهم إذا كانت الحرب قائمة لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد فعلى هذا إن قتل مسلما فعليه الكفارة وفي الدية على عاقلته روايتان إحداهما يجب لأنه قتل مؤمنا خطأ فيدخل في عموم قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله النساء 92

والثانية لا دية له لأنه قتل في دار الحرب برمي مباح فيدخل في عموم قوله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 ولم يذكر دية

وقال أبو حنيفة لا دية له ولا كفارة فيه لأنه رمي أبيح مع العلم بحقيقة الحال فلم يوجب شيئا كرمي من أبيح دمه


232

ولنا الآية المذكورة وأنه قتل معصوما بالإيمان والقاتل من أهل الضمان فأشبه لو لم يتترس به

مسألة

قال ( ولا يغرقوا النحل )

وجملته أن تغريق النحل وتحريقه لا يجوز في قول عامة أهل العلم منهم الأوزاعي والليث والشافعي وقيل لمالك أتحرق بيوت نحلهم قال أما النحل فلا أدري ما هو ومقتضى مذهب أبي حنيفة إباحته لأن فيه غيظا لهم وإضعافا فأشبه قتل بهائمهم حال قتالهم

ولنا ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال ليزيد بن أبي سفيان وهو يوصيه حين بعثه أميرا على القتال بالشام ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه

وروي عن ابن مسعود أنه قدم عليه ابن أخيه من غزاة غزاها فقال لعلك حرقت حرثا قال نعم قال لعلك غرقت نحلا قال نعم قال لعلك قتلت صبيا قال نعم قال ليكن غزوك كفافا أخرجهم سعيد ونحو ذلك عن ثوبان وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النحلة ونهى أن يقتل شيء من الدواب صبرا ولأنه إفساد فيدخل في عموم قوله تعالى وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد البقرة 205

ولأنه حيوان ذو روح فلم يجز قتله لغيظ المشركين كنسائهم وصبيانهم وأما أخذ العسل وأكله فمباح لأنه من الطعام المباح

مسألة

قال ( ولا يعقر شاة ولا دابة إلا لأكل لا بد لهم منهم )

أما عقر دوابهم في غير حال الحرب لمغايظتهم والإفساد عليهم فلا يجوز سواء خفنا أخذهم لها أو لم نخف وبهذا قال الأوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة ومالك يجوز لأن فيه غيظا لهم وإضعافا لقوتهم فأشبه قتلها حال قتالهم

ولنا إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال في وصيته ليزيد حين بعثه أميرا يا يزيد لا تقتل صبيا ولا امرأة ولا هرما ولا تخربن عامرا ولا تعقرن شجرا مثمرا ولا دابة عجماء ولا شاة إلا لمأكلة ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه ولا تغلل ولا تجبن

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل شيء من الدواب صبرا ولأنه حيوان ذو حرمة فأشبه النساء والصبيان وأما حال الحرب فيجوز فيها قتل المشركين كيف أمكن بخلاف حالهم إذا قدر عليهم ولهذا جاز قتل النساء والصبيان في البيبات وفي المطمورة إذا لم يتعمد قتلهم منفردين بخلاف حالة القدرة عليهم وقتل بهائمهم يتوصل به إلى قتلهم وهزيمتهم وقد ذكرنا حديث المددي الذي عقر بالرومي فرسه وروي أن حنظلة بن الراهب عقر فرس أبي سفيان به يوم أحد فرمت به فخلصه ابن شعوب وليس في هذا خلاف

فصل فأما عقرها للأكل فإن كانت الحاجة داعية إليه ولا بد منه فمباح بغير خلاف لأن


233

الحاجة تبيح مال المعصوم فمال الكافر أولى وإن لم تكن الحاجة داعية إليه نظرنا فإن كان الحيوان لا يراد إلا للأكل كالدجاج والحمام وسائر الطير والصيد فحكمه حكم الطعام في قول الجميع لأنه لا يراد لغير الأكل ونفل قيمته فأشبه الطعام وإن كان مما يحتاج إليه في القتال كالخيل لم يبح ذبحه للأكل في قولهم جميعا وإن كان غير ذلك كالغنم والبقر لم يبح في قول الخرقي وقال القاضي ظاهر كلام أحمد إباحته لأن هذا الحيوان مثل الطعام في باب الأكل والقوت فكان مثله في إباحته

وإذا ذبح الحيوان أكل لحمه وليس له الانتفاع بجلده لأنه إنما أبيح له ما يأكله دون غيره وقال عبد الرحمن بن معاذ بن جبل كلوا لحم الشاة وردوا إهابها إلى المغنم ولأن هذا حيوان مأكول فأبيح أكله كالطير

ووجه قول الخرقي ما روى سعيد ثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن ثعلبة بن الحكم قال أصبنا غنما للعدو فانتهبنا فنصبنا قدورنا فمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقدور وهي تغلي فأمر بها فأكفئت ثم قال لهم إن النهبة لا تحل ولأن هذه الحيوانات تكثر قيمتها وتشح أنفس الغانمين بها ويمكن حملها إلى دار الإسلام بخلاف الطير والطعام لكن إن أذن الأمير فيها جاز لما روى عطية بن قيس قال كنا إذا خرجنا في سرية فأصبنا غنما نادى منادي الإمام ألا من أراد أن يتناول شيئا من هذه الغنم فليتناول إنا لا نستطيع سياقتها رواه سعيد وكذلك إن قسمها لما روى معاذ قال غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم خيبر فأصبنا غنما فقسم بيننا النبي صلى الله عليه وسلم طائفة وجعل بقيتها في المغنم رواه أبو داود

وقال سعيد حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبيد أن رجلا نحر جزورا بأرض الروم فلما بردت قال يا أيها الناس خذوا من لحم هذه الجزور فقد أذنا لكم فقال مكحول يا غساني لا تأتينا من لحم هذه الجزور فقال الغساني يا أبا عبد الله أما ترى عليها من النهبى قال مكحول لا نهبى في المأذون فيه

فصل ولم يفرق أصحابنا بين جميع البهائم في هذه المسألة ويقوى عندي أن ما عجز المسلمون عن سياقته وأخذه إن كان مما يستعين به الكفار في القتال كالخيل جاز عقره وإتلافه لأنه مما يحرم إيصاله إلى الكفار بالبيع فتركه لهم بغير عوض أولى بالتحريم وإن كان مما يصلح للأكل فللمسلمين ذبحه والأكل منه مع الحاجة وعدمها وما عدا هذين القسمين لا يجوز إتلافه لأنه مجرد إفساد وإتلاف وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان لغير مأكلة

مسألة

قال ( ولا يقطع شجرهم ولا يحرق زرعهم إلا أن يكونوا يفعلون ذلك في بلادنا فيفعل ذلك بهم لينتهوا )

وجملته أن الشجر والزرع ينقسم ثلاثة أقسام أحدها ما تدعو الحاجة إلى إتلافه كالذي يقرب من حصونهم ويمنع من قتالهم أو يسترون به من المسلمين أو يحتاج إلى قطعه لتوسعة طريق أو تمكن من قتل أو سد بثق أو إصلاح طريق أو ستارة منجنيق أو غيره أو


234

يكونون يفعلون ذلك بنا فيفعل بهم ذلك لينتهوا فهذا يجوز بغير خلاف نعلمه

الثاني ما يتضرر المسلمون بقطعه لكونهم ينتفعون ببقائه لعلوفتهم أو يستظلون به أو يأكلون من ثمره أو تكون العادة لم تجر بذلك بيننا وبين عدونا فإذا فعلناه بهم فعلوه بنا فهذا يحرم لما فيه من الإضرار بالمسلمين

الثالث ما عدا هذين القسمين مما لا ضرر فيه بالمسلمين ولا نفع سوى غيظ الكفار والإضرار بهم ففيه روايتان إحداهما لا يجوز لحديث أبي بكر ووضيته وقد روي نحو ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولأن فيه إتلافا محضا فلم يجز كعقر الحيوان وبهذا قال الأوزاعي والليث وأبو ثور

والرواية الثانية يجوز وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر قال إسحاق التحريق سنة إذا كان أنكى في العدو لقول الله تعالى ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين الحشر 5

وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع وهو البويرة فأنزل الله تعالى ما قطعتم من لينة ولها يقول حسان وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير متفق عليه

وعن الزهري قال فحدثني أسامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إليه فقال أغر على أبناء صباحا وحرق رواه أبو داود قيل لأبي مسهر أنبأ قال نحن أعلم هي ببنا فلسطين والصحيح أنها أبناء كما جاءت الرواية وهي قرية من أرض الكرك في أطراف الشام في الناحية التي قتل فيها أبوه فأما ببنا فهي من أرض فلسطين ولم يكن أسامة ليصل إليها ولا يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإغارة عليها لبعدها والخطر بالمصير إليها لتوسطها في البلاد وبعدها من طرف الشام فما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليأمره بالتغرير بالمسلمين فكيف يحمل الخبر عليها مع مخالفة لفظ الرواية وفساد المعنى مسألة قال ( ولا يتزوج في أرض العدو إلا أن تغلب عليه الشهوة فيتزوج مسلمة ويعزل عنها ولا يتزوج منهم ومن اشترى منهم جارية لم يطأها في الفرج وهو في أرضهم )

يعني والله أعلم من دخل أرض العدو بأمان فأما إن كان في جيش المسلمين فمباح له أن يتزوج وقد روي عن سعيد بن أبي هلال أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج أبا بكر أسماء ابنة عميس وهم تحت الرايات أخرجه سعيد ولأن الكفار لا يد لهم عليه فأشبه من في دار الإسلام

وأما الأسير فظاهر كلام أحمد أنه لا يحل له التزوج ما دام أسيرا لأنه منعه من وطء امرأته إذا أسرت معه مع


235

صحة نكاحهما وهذا قول الزهري فإنه قال لا يحل للأسير أن يتزوج ما كان في أيدي العدو وكره الحسن أن يتزوج ما دام في أرض المشركين لأن الأسير إذا ولد له ولد كان رقيقا لهم ولا يأمن أن يطأ امرأته غيره منهم وسئل أحمد عن أسير اشتريت معه امرأته أيطؤها فقال كيف يطؤها فلعل غيره منهم يطؤها قال الأثرم قلت له ولعلها تعلق بولد فيكون معهم قال وهذا أيضا وأما الذي يدخل إليهم بأمان كالتاجر ونحوه فهو الذي أراد الخرقي إن شاء الله تعالى فلا ينبغي له التزوج لأنه لا يأمن أن تأتي امرأته بولد فيستولي عليه الكفار وربما نشأ بينهم فيصير على دينهم فإن غلبت عليه الشهوة أبيح له نكاح مسلمة لأنها حال ضرورة ويعزل عنها كيلا تأتي بولد ولا يتزوج منهم لأن امرأته إذا كانت منهم غلبته على ولدها فيتبعها على دينها وقال القاضي في قول الخرقي هذا نهي كراهة لا نهي تحريم لأن الله تعالى قال وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم النساء 24

ولأن الأصل الحل فلا يحرم بالشك والتوهم وإنما كرهنا له التزوج منهم مخافة أن يغلبوا على ولده فيسترقوه ويعلموه الكفر ففي ترويجه تعريض لهذا الفساد العظيم وازدادت الكراهة إذا تزوج منهم لأن الظاهر أن امرأته تغلبه على ولدها فتكفره كما أن حكم الإسلام تغلب الإسلام فيما إذا أسلم أحد الأبوين أو تزوج المسلم ذمية واشترى منهم جارية لم يطأها في الفرج في أرضهم مخافة أن يغلبوه على ولدها فيسترقوه ويكفروه


236

فصل في الهجرة

وهي الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام قال الله تعالى إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها النساء 97

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أنا بريء من مسلم بين مشركين لا تراءا ناراهما رواه أبو داود ومعناه لا يكون بموضع يرى نارهم ويرون ناره إذا أوقدت في آي وأخبار سوى هذين كثير وحكم الهجرة باق لا ينقطع إلى يوم القيامة في قول عامة أهل العلم وقال قوم قد انقطعت الهجرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا هجرة بعد الفتح وقال قد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية

وروي أن صفوان بن أمية لما أسلم قيل له لا دين لمن لم يهاجر فأتى المدينة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء بك أبا وهب قال قيل إنه لا دين لمن لم يهاجر قال ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة أقروا على مساكنكم فقد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية روى كله سعيد

ولنا ما روى معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها رواه أبو داود وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد رواه سعيد وغيره مع إطلاق الآيات والأخبار الدالة عليها وتحقق المعنى المقتضي لها في كل زمان وأما الأحاديث الأول فأراد بها لا هجرة بعد الفتح من بلد قد فتح وقوله لصفوان إن الهجرة قد انقطعت يعني من مكة لأن الهجرة الخروج من بلد الكفار فإذا فتح لم يبق بلد الكفار فلا تبقى منه هجرة وهكذا كل بلد فتح لا يبقى منه هجرة وإنما الهجرة إليه إذا ثبت هذا فالناس في الهجرة على ثلاثة أضرب أحدها من تجب عليه وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه ولا يمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار فهذا تجب عليه الهجرة لقول الله تعالى إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا النساء 97

وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب

الثاني من لا هجرة عليه وهو من يعجز عنها إما لمرض أو إكراه على الإقامة أو ضعف من النساء والولدان وشبههم فهذا لا هجرة عليه لقول الله تعالى إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا النساء 98 99

ولا توصف باستحباب لأنها غير مقدور عليها


237

والثالث من تستحب له ولا تجب عليه وهو من يقدر عليها لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر فتستحب له ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم ولا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة وقد كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم مقيما بمكة مع إسلامه وروينا أن نعيم النحام حين أراد أن يهاجر جاءه قومه بنو عدي فقالوا له أقم عندنا وأنت على دينك ونحن نمنعك ممن يريد أذاك واكفنا ما كنت تكفينا وكان يقوم بيتامى بني عدي وأراملهم فتخلف عن الهجرة مدة ثم هاجر بعد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم قومك كانوا خيرا لك من قومي لي

قومي أخرجوني وأرادوا قتلي وقومك حفظوك ومنعوك فقال يا رسول الله بل قومك أخرجوك إلى طاعة الله وجهاد عدوه وقومي ثبطوني عن الهجرة وطاعة الله أو نحو هذا القول

مسألة

قال ( من دخل إلى أرض العدو بأمان لم يخنهم في مالهم ولم يعاملهم بالربا )

أما تحريم الربا في دار الحرب فقد ذكرناه في الربا مع أن قول الله تعالى وحرم الربا البقرة 275

وسائر الآيات والأخبار الدالة على تحريم الربا عامة تتناول الربا في كل مكان وزمان وأما خيانتهم فمحرمة لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطا بتركه خيانتهم وأمنه إياهم من نفسه وإن لم يكن ذلك مذكورا في اللفظ فهو معلوم في المعنى ولذلك من جاءنا منهم بأمان فخاننا كان ناقضا لعهده

فإذا ثبت هذا لم تحل له خيانتهم لأنه غدر ولا يصلح في ديننا الغدر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون عند شروطهم فإن خانهم أو سرق منهم أو اقترض شيئا وجب عليه رد ما أخذ إلى أربابه فإن جاء أربابه إلى دار الإسلام بأمان أو إيمان رده عليهم وإلا بعث به إليهم لأنه أخذه على وجه حرم عليه أخذه فلزمه رد ما أخذ كما لو أخذه من مال مسلم

مسألة

قال ( ومن كان له مع المسلمين عهد فنقضوه حوربوا وقتل رجالهم ولم تسب ذراريهم ولم يسترقوا إلا من ولد بعد نقضه )

وجملة ذلك أن أهل الذمة إذا نقضوا العهد أو أخذ رجل الأمان لنفسه وذريته ثم نقض العهد فإنه يقتل رجالهم ولا تسبي ذراريهم الموجودون قبل النقض لأن العهد شملهم جميعا ودخلت فيهم الذرية والنقض إنما وجد من رجالهم فتختص إباحة الدماء بهم ومن الممكن أن ينفرد الرجل بالعهد والأمان دون ذريته وذريته دونه فجاز أن ينتقض العهد فيه دونهم والنقض إنما وجد من الرجال البالغين دون الذرية فيجب أن يختص حكمه بهم قال أحمد قالت امرأة علقمة لما ارتد إن كان علقمة ارتد فأنا لم ارتد وقال الحسن فيمن نقض العهد ليس على الذرية شيء فأما من ولد فيهم بعد نقض العهد جاز استرقاقه لأنه لم يثبت له أمان بحال وسواء فيما ذكرنا لحقوا بدار الحرب أو أقاموا بدار الإسلام

فأما نساؤهم فمن لحقت منهن بدار الحرب طائعة أو وافقت زوجها في نقض العهد جاز سبيها لأنها بالغة عاقلة نقضت العهد فأشبهت الرجل ومن لم تنقض العهد لم ينتقض عهدها بنقض زوجها


238

فصل فأما أهل الهدنة إذا نقضوا العهد حلت دماؤهم وأموالهم وسبي ذراريهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجال بني قريظة وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم حين نقضوا عهده ولما هادن قريشا فنقضت عهده حل له منهم ما كان حرم عليه منهم ولأن الهدنة عهد موقت ينتهي بانقضاء مدته فيزول بنقضه وفسخه كعقد الإجارة بخلاف عقد الذمة

فصل ومعنى الهدنة أن يعقد لأهل الحرب عقدا على ترك القتال مدة بعوض وبغير عوض وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة وذلك جائز بدليل قول الله تعالى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين التوبة 1

وقال سبحانه وتعالى وإن جنحوا للسلم فاجنح لها الأنفال 61

وروى مروان ومسور بن مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح سهيل بن عمرو بالحديبية على وضع القتال عشر سنين ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف فيهادنهم حتى يقوى المسلمون ولا يجوز ذلك إلا للنظر للمسلمين

إما أن يكون بهم ضعف عن قتالهم وإما أن يطمع في إسلامهم بهدنتهم أو في أدائهم الجزية والتزامهم أحكام الملة أو غير ذلك من المصالح

إذا ثبت هذا فإنه لا تجوز المهادنة مطلقا من غير تقدير مدة لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية ولا يجوز أن يشترط نقضها لمن شاء منهما لأنه يفضي إلى ضد المقصود منها وإن شرط الإمام لنفسه ذلك دونهم لم يجز أيضا ذكره أبو بكر لأنه ينافي مقتضى العقد فلم يصح كما لو شرط ذلك في البيع والنكاح

وقال القاضي والشافعي يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل خيبر على أن يقرهم ما أقرهم الله تعالى ولا يصح هذا فإنه عقد لازم فلا يجوز اشتراط نقضه كسائر العقود اللازمة ولم يكن بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل خيبر هدنة فإنه فتحها عنوة وإنما ساقهم وقال لهم ذلك وهذا يدل على جواز المساقاة وليس هذا بهدنة اتفاقا وقد وافقوا الجماعة في أنه لو شرط في عقد الهدنة اني أقركم ما أقركم الله لم يصح فكيف يصح منهم الاحتجاج به مع إجماعهم مع غيرهم على أنه لا يجوز اشتراطه

فصل ولا يجوز عقد الهدنة إلا على مدة مقدرة معلومة لما ذكرنا وقال القاضي وظاهر كلام أحمد أنها لا تجوز أكثر من عشر سنين وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي لأن قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة 5

عام خص منه مدة العشر لمصالحة النبي صلى الله عليه وسلم قريشا يوم الحديبية عشرا ففيما زاد يبقى على مقتضى العموم فعلى هذا إن زاد المدة على عشر بطل في الزيادة وهل تبطل في العشر على وجهين بناء على تفريق الصفقة

وقال أبو الخطاب ظاهر كلام أحمد أنه يجوز على أكثر من عشر على ما يراه الإمام من المصلحة وبهذا قال أبو حنيفة لأنه عقد يجوز في العشر فجازت الزيادة عليها كعقد الإجارة والعام مخصوص في العشر لمعنى موجود فيما زاد عليها وهو أن المصلحة قد تكون في الصلح أكثر منها في الحرب


239

فصل وتجوز مهادنتهم على غير مال لأن النبي صلى الله عليه وسلم هادنهم يوم الحديبية على غير مال ويجوز ذلك على مال يأخذه منهم فإنها إذا جازت على غير مال فعلى مال أولى وأما إن صالحهم على مال نبذله لهم فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه وهو مذهب الشافعي لأن فيه صغارا للمسلمين وهذا محمول على غير حال الضرورة فأما إن دعت إليه ضرورة وهو أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر فيجوز لأنه يجوز للأسير فداء نفسه بالمال فكذا ها هنا ولأن بذله المال أن كان فيه صغار فإنه يجوز تحمله لدفع صغار أعظم منه وهو القتل والأسر وسبي الذرية الذين يفضي سبيهم إلى كفرهم وقد روى عبد الرزاق في المغازي عن معمر عن الزهري قال أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن وهو مع أبي سفيان يعني يوم الأحزاب أرأيت إن جعلت لك ثلث تمر الأنصار أترجع بمن معك من غطفان وتخذل بين الأحزاب فأرسل إليه عيينة إن جعلت لي الشطر فعلت

قال معمر فحدثني ابن أبي نجيح أن سعد بن معاذ وسعد بن عبادة قالا يا رسول الله والله لقد كان يجر سرمه في الجاهلية في عام السنة حول المدينة ما يطيق أن يدخلها فالآن حين جاء الله بالإسلام نعطيهم ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم فنعم إذا ولولا أن ذلك جائز لما بذله النبي صلى الله عليه وسلم

وروي أن الحارث بن عمرو الغطفاني بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن جعلت لي شطر ثمار المدينة وإلا ملأتها عليك خيلا ورجلا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم حتى أشاور السعود يعني سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وسعد بن زرارة فشاورهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إن كان هذا أمر من السماء فتسليم لأمر الله تعالى وإن كان برأيك وهواك اتبعنا رأيك وهواك وإن لم يكن أمر من السماء ولا برأيك وهواك فوالله ما كنا نعطيهم في الجاهلية بسرة ولا تمرة إلا شراء أو قرى فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرسوله أتسمع فعرضه النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم ضعفهم من قوتهم فلولا جوازه عند الضعف لما عرضه عليه

فصل ولا يجوز عقد الهدنة ولا الذمة إلا من الإمام أو نائبه لأنه عقد مع جملة الكفار وليس ذلك لغيره ولأنه يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة على ما قدمناه ولأن تجويزه من غير الإمام يتضمن تعطيل الجهاد بالكلية أو إلى تلك الناحية وفيه افتيات على الإمام فإن هادنهم غير الإمام أو نائبه لم يصح وإن دخل بعضهم دار الإسلام بهذا الصلح كان آمنا لأنه دخل معتقدا للأمان ويرد إلى دار الحرب ولا يقر في دار الإسلام لأن الأمان لم يصح وإن عقد الإمام الهدنة ثم مات أو عزل لم ينتقض عهده وعلى من بعده الوفاء به لأن الإمام عقده باجتهاده فلم يجز نقضه باجتهاد غيره كما لو يجز للحاكم نقض أحكام من قبله باجتهاده وإذا عقد الهدنة لزمه الوفاء بها لقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود المائدة 1

وقال تعالى فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم التوبة 4

ولأنه لو لم يف بها لم يسكن إلى عقده وقد يحتاج إلى عقدها فإن نقضوا العهد جاز


240

قتالهم لقول الله تعالى وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون التوبة 12

وقال تعالى فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم التوبة 7

ولما نقضت قريش عهد النبي صلى الله عليه وسلم خرج إليهم فقاتلهم وفتح مكة وإن نقض بعضهم دون بعض فسكت باقيهم عن الناقض ولم يوجد منهم إنكار ولا مراسلة الإمام ولا تبرؤ فالكل ناقضون لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما هادن قريشا دخلت خزاعة مع النبي صلى الله عليه وسلم وبنو بكر مع قريش فعدت بنو بكر على خزاعة وأعانهم بعض قريش وسكت الباقوت فكان ذلك نقض عهدهم وسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلهم ولأن سكوتهم يدل على رضاهم كما أن عقد الهدنة مع بعضهم يدخل فيه جميعهم لدلالة سكوتهم على رضاهم كذلك في النقض وإن أنكر من لم ينقض على الناقض بقول أو فعل ظاهر أو اعتزال أو راسل الإمام بأني منكر لمافعله الناقض مقيم على العهد لم ينتقض في حقه ويأمره الإمام بالتميز ليأخذ الناقض وحده فإن امتنع من التميز أو إسلام الناقض صار ناقضا لأنه منع من أخذ الناقض فصار بمنزلته وإن لم يمكنه التمييز لم ينتقض عهده لأنه لأنه كالأسير فإن أسر الإمام منهم قوما فادعى الأسير أنه لم ينقض وأشكل ذلك عليه قبل قول الأسير لأنه لا يتوصل إلى ذلك إلا من قبله

فصل وإن خاف نقض العهد منهم جاز أن ينبذ إليهم عهدهم لقول الله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء الأنفال 58

يعني أعلمهم بنقض عهدهم حتى تصير أنت وهم سواء في العلم ولا يكفي وقوع ذلك في قبوله حتى يكون عن أمارة تدل على ما خافه ولا يجوز أن يبدأهم بقتال ولا غارة قبل إعلامهم بنقض العهد للآية ولأنهم آمنون بحكم العهد فلا يجوز قتلهم ولا أخذ مالهم فإن قيل فقد قلتم إن الذمي إذا خيف منه الخيانة لم ينتقض عهده قلنا عقد الذمة آكد لأنه يجب على الإمام إجابتهم إليه وهو نوع معاوضة وعقد مؤبد بخلاف الهدنة والأمان ولهذا لو نقض بعض أهل الذمة لم ينتقض عهد الباقين بخلاف الهدنة ولأن أهل الذمة في قبضة الإمام وتجب ولايته فلا يخشى الضرر كثيرا من نقضهم بخلاف أهل الهدنة فإنه يخاف منهم الغارة على المسلمين والضرر الكثير بأخذهم للمسلمين

فصل وإذا عقد الهدنة فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الذمة لأنه آمنهم مماهو في قبضته وتحت يده كما أمن من في قبضته منهم ومن أتلف من المسلمين أو من أهل الذمة عليهم شيئا فعليه ضمانه ولا تلزمه حمايتهم من أهل الحرب ولا حماية بعضهم من بعض لأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط فإن أغار عليهم قوم آخرون فسبوهم لم يلزمه استنقاذهم وليس لمسلمين شراؤهم لأنهم في عهدهم فلا يجوز لهم أذاهم ولا استرقاقهم وذكر الشافعي ما يدل على هذا

ويحتمل جواز ذلك وهو مذهب أبي حنيفة لأنه لا يجب أن يدفع عنهم فلا يحرم استرقاقهم بخلاف أهل الذمة فعلى هذا إن استولى المسلمون على الذين أسروهم وأخذوا أموالهم فاستنقذوا ذلك منهم لم يلزم رده


241

إليهم على هذا القول ومقتضى القول الأول وجوب رده كما ترد أموال أهل الذمة إليهم

فصل وإذا عقد الهدنة مطلقا فجاءنا منهم إنسانا مسلما أو بأمان لم يجب رده إليهم ولم يجز ذلك سواء كان حرا أو عبدا أو رجلا أو امرأة ولا يجب رد مهر المرأة وقال أصحاب الشافعي إن خرج العبد إلينا قبل إسلامه لم يرد إليهم فإن أسلم قبل خروجه ثم خرج إلينا لم يصر حرا لأنهم في أمان منا والهدنة تمنع من جواز القهر

وقال الشافعي في قوله إذا جاءت امرأة له مسلمة وجب رد مهرها لقول الله تعالى وآتوهم ما أنفقوا الممتحنة 10

يعني رد مهرها إلى زوجها إذا جاء يطلبها وإن جاء غيره لم يرد إليه شيء

ولنا إنه من غير أهل دار الإسلام خرج إلينا فلم يجب رده ولا رد شيء بدلا عنه كالحر من الرجال وكالعبد إذا خرج ثم أسلم قولهم إنه في أمان منا قلنا إنما أمناهم ممن هو في دار الإسلام الذين هم في قبضة الإمام فأما هو في دارهم ومن ليس في قبضته فلا يمنع منه بدليل ما لو خرج العبد قبل إسلامه ولهذا لما قتل أبو بصير الرجل الذي جاء لرده لم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ولم يضمنه ولما انفرد هو وأبو جندل وأصحابهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية فقطعوا الطريق عليهم وقتلوا من قتلوا منهم وأخذوا المال لم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم برد ما أخذوه ولا غرامة ما أتلفوه وهذا الذي أسلم كان في دارهم وقبضتهم وقهرهم على نفسه فصار حرا كما لو أسلم بعد خروجه وأما المرأة فلا يجب رد مهرها لأنها لم تأخذ منه شيئا ولو أخذته كانت قد قهرتهم عليه في دار القهر ولو وجب عليها عوضه لوجب مهر المثل دون المسمى والآية قال قتادة تبيح رد المهر وقال عطاء والزهري والثوري لا يعمل بها اليوم وعلى أن الآية إنما نزلت في قضية الحديبية حين كان النبي صلى الله عليه وسلم شرط لهم رد من جاءه مسلما فلما منع الله رد النساء أمر برد مهورهن وكلامنا فيما إذا وقع الصلح مطلقا فليس هو في معنى ما تناوله الأمر وإن وقع الكلام فيما إذا شرط رد النساء لم يصح أيضا لأن الشرط الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم شرطه كان صحيحا وقد نسخ فإذا شرط الآن كان باطلا فلا يجوز قياسه على الصحيح ولا إلحاقه به

فصل والشروط في عقد الهدنة تنقسم إلى قسمين صحيح مثل أن يشترط عليهم مالا أو معونة المسلمين عند حاجتهم إليهم أو يشترط لهم أن يرد من جاءه من الرجال مسلما أو بأمان فهذا يصح وقال أصحاب الشافعي لا يصح شرط رد المسلم إلا أن يكون له عشيرة تحميه وتمنعه

ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم شرط ذلك في صلح الحديبية ووفى لهم به فرد أبا جندل وأبا بصير ولم يخص بالشرط ذا العشيرة لأن ذا العشيرة إذا كانت عشيرته هي التي تفتنه وتؤذيه فهو كمن لا عشيرة له لكن لا يجوز هذا الشرط إلا عند شدة الحاجة إليه وتعين المصلحة فيه ومتى شرط لهم ذلك لزم الوفاء به بمعنى أنهم إذا جاؤوا في طلبه لم يمنعهم أخذه ولا يجبر الإمام على المضي معهم وله أن يأمره سرا بالهرب منهم ومقاتلتهم فإن أبا بصير لما جاء


242

النبي صلى الله عليه وسلم وجاء الكفار في طلبه قال له النبي صلى الله عليه وسلم إنا لا يصلح في ديننا الغدر وقد علمت ما عاهدناهم عليه ولعل الله أن يجعل لك فرجا ومخرجا فلما رجع مع الرجلين قتل أحدهما في طريقه ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلمه بل قال ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال فلما سمع ذلك أبو بصير لحق بساحل البحر وانحاز إليه أبو جندل بن سهيل ومن معه من المستضعفين بمكة فجعلوا لا تمر عليهم عير لقريش إلا عرضوا لها فأخذوها وقتلوا من معها فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم أن يضمهم إليه ولا يرد إليهم أحدا جاءه ففعل فيجوز حينئذ لمن أسلم من الكفار أن يتحيزوا ناحية ويقتلون من قدروا عليه من الكفار ويأخذون أموالهم ولا يدخلون في الصلح وإن ضمهم الإمام إليه بإذن الكفار دخلوا في الصلح وحرم عليهم قتل الكفار وأموالهم

وروي عنعمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما جاء أبو جندل إلى النبي صلى الله عليه وسلم هاربا من الكفار يرسف في قيوده قام إليه أبوه فلطمه وجعل يرده قال عمر فقمت إلى جانب أبي جندل فقلت إنهم الكفار وإنما دم أحدهم دم كلب وجعلت أدني منه قائم السيف لعله أن يأخذه فيضرب به أباه قال فضن الرجل بأبيه

الثاني شرط فاسد مثل أن يشترط رد النساء أو مهورهن أو رد سلاحهم أو إعطائهم شيئا من سلاحنا أو من آلات الحرب أو يشترط لهم مالا في موضع لا يجوز بذله أو يشترط نقضها متى شاؤوا أو أن لكل طائفة منهم نقضها أو يشترط رد الصبيان أو رد الرجال مع عدم الحاجة إليه فهذه كلها شروط فاسدة لا يجوز الوفاء بها وهل يفسد العقد بها على وجهين بناء على الشروط الفاسدة في البيع إلا فيما إذا شرط أن لكل واحد منهم نقضها متى شاء فينبغي أن لا تصح وجها واحدا لأن طائفة الكفار يبنون على هذا الشرط فلا يحصل الأمن منهم ولا أمنهم منا فيفوت معنى الهدنة وإنما لم يصح شرط رد النساء لقول الله تعالى إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات الممتحنة 10

إلى قوله فلا ترجعوهن إلى الكفار الممتحنة 10

وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله منع الصلح في النساء وتفارق المرأة الرجل من ثلاثة أوجه أحدها أنها لا تأمن من أن تزوج كافرا يستحلها أو يكرهها من ينالها وإليه أشار الله تعالى بقوله لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن الممتحنة 10

الثاني أنها ربما فتنت عن دينها لأنها أضعف قلبا وأقل معرفة من الرجل

الثالث أن المرأة لا يمكنها في العادة الهرب والتخلص بخلاف الرجل ولا يجوز رد الصبيان العقلاء إذا جاؤوا مسلمين لأنهم بمنزلة المرأة في الضعف في العقل والمعرفة والعجز عن التخلص والهرب فأما الطفل الذي لا يصح إسلامه فيجوز رده لأنه ليس بمسلم

فصل وإذا طلبت امرأة أو صبية مسلمة الخروج من عند الكفار جاز لكل مسلم إخراجها لما


243

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة وقفت ابنة حمزة على الطريق فلما مر بها علي قالت يا بن عم إلى من تدعني فتناولها فدفعها إلى فاطمة حتى قدم بها المدينة

مسألة

قال ( وإذا استأجر الأمير قوما يغزون مع المسلمين لمنافعهم لم يسهم لهم وأعطوا ما استؤجروا به )

نص أحمد على هذا في رواية جماعة فقال في رواية عبد الله وحنبل في الإمام يستأجر قوما يدخل بهم بلاد العدو لا يسهم لهم ويوفي لهم بما استؤجروا عليه وقال القاضي هذا محمول على استئجار من لا يجب عليه الجهاد كالعبيد والكفار

أما الرجال والمسلمون الأحرار فلا يصح استئجارهم على الجهاد لأن الغزو يتعين بحضوره على من كان من أهله فإذا تعين عليه الفرض لم يجز أن يفعله عن غيره كمن عليه حجة الإسلام لا يجوز أن يحج عن غيره وهذا مذهب الشافعي ويحتمل أن يحمل كلام أحمد والخرقي على ظاهره في صحة الاستئجار على الغزو لمن لم يتعين عليه لما روى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للغازي أجره وللجاعل أجره وروى سعيد بن منصور عن جبير بن نفير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل ويتقوون به على عدوهم مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها ولأنه أمر لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة فصح الاستئجار عليه كبناء المساجد أو لم يتعين عليه الجهاد فصح أن يؤجر نفسه عليه كالعبد ويفارق الحج حيث إنه ليس بفرض عين وأن الحاجة داعية إليه وفي المنع من أخذ الجعل عليه تعطيل له ومنع له مما فيه للمسلمين نفع وبهم إليه حاجة فينبغي أن يجوز بخلاف الحج

إذا ثبت هذا فإن قلنا بالأول فالإجارة فاسدة وعليه الأجرة بردها وله سهمه لأن غزوة بغير أجرة وإن قلنا بصحته فظاهر كلام أحمد والخرقي رحمهما الله أنه لا سهم له لأن غزوة بعوض فكأنه واقع من غيره فلا يستحق شيئا

وقد روى أبو داود بإسناده عن يعلى بن منبه قال أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغزو وأنا شيخ كبير ليس لي خادم فالتمست أجيرا يكفيني وأجري له سهمه فوجدت رجلا فلما دنا الرحيل قال ما أدري ما السهمان وما يبلغ سهمي فسم لي شيئا كان السهم أو لم يكن فسميت له ثلاثة دنانير فلما حضرت غنيمة أردت أن أجري له سهمه فذكرت الدنانير فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أمره فقال ما أجد له في غزوته في هذه الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمى ويحتمل أن يسهم له وهو اختيار الخلال قال روى جماعة عن أحمد أن للأجير السهم إذا قاتل وروى عنه جماعة أن كل من شهد القتال فله السهم

قال وهذا الذي اعتمد عليه من قول أبي عبد الله

ووجه ذلك ما تقدم من حديث عبد الله بن عمر وحديث جبير بن نفير وقول عمر الغنيمة لمن شهد الوقعة ولأنه حاضر للوقعة من أهل القتال فيسهم له كغير الأجير فأما الذين يعطون من حقهم من الفيء فلهم


244

سهامهم لأن ذلك حق جعله الله لهم ليغزو لا أنه عوض عن جهاده بل نفع جهاده له لا لغيره وكذلك من يعطون من الصدقات وهم الذين إذا نشطوا للغزو أعطوا فإنهم يعطون معونة لهم لا عوضا ولذلك إذا دفع إلى الغزاة يتقوون به ويستعينون به كان له فيه الثواب ولم يكن عوضا قال النبي صلى الله عليه وسلم من جهز غازيا كان له مثل أجره

فصل فأما الأجير للخدمة في الغزو أو الذي يكري دابة له ويخرج معها ويشهد الوقعة فعن أحمد فيه روايتان إحداهما لا سهم له وهو قول الأوزاعي وإسحاق قالا المستأجر على خدمة القوم لا سهم له ووجهه حديث يعلى بن منبه

والثانية يسهم لهما إذا شهدا القتال مع الناس وهو قول مالك وابن المنذر وبه قال الليث إذا قاتل وإن اشتغل بالخدمة فلا سهم له

واحتج ابن المنذر بحديث سلمة بن الأكوع أنه كان أجيرا لطلحة حين أدرك عبد الرحمن بن عيينة حين أغار على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل وقال القاضي يسهم له إذا كان مع المجاهدين وصحبه الجهاد

فأما لغير ذلك فلا

وقال الثوري يسهم له إذا قاتل ويرفع عمن استأجره نفقة ما اشتغل عنه

فصل فأما التاجر والصانع كالخياط والخباز والبيطار والحداد والإسكاف فقال أحمد يسهم لهم إذا حضروا

قال أصحابنا قاتلوا أو لم يقاتلوا وبه قال في التاجر الحسن وابن سيرين والثوري والأوزاعي والشافعي وقال مالك وأبو حنيفة لا يسهم لهم إلا أن يقاتلوا وعن الشافعي كقولنا وعنه لا يسهم له بحال

قال القاضي في التاجر والأجير إذا كانا مع المجاهدين وقصدهما الجهاد وإنما معه المتاع إن طلب منه باعه والأجير قصده الجهاد أيضا

فهذان يسهم لهما لأنهما غازيان والصناع بمنزلة التجار متى كانوا مستعدين للقتال ومعهم السلاح فمتى عرض اشتغلوا به أسهم لهم لأنهم في الجهاد بمنزلة غيرهم وإنما يشتغلون بغيره عند فراغهم منه

فصل إذا دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب بغير إذن الإمام فغنموا فعن أحمد فيه ثلاث روايات إحداهن أن غنيمتهم كغنيمة غيرهم يخمسه الإمام ويقسم باقيه بينهم وهذا قول أكثر أهل العلم منهم الشافعي لعموم قوله سبحانه واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الأنفال 41 الآية

والقياس على ما إذا دخلوا بإذن الإمام

والثانية هو لهم من غير أن يخمس وهو قول أبي حنيفة لأنه اكتساب مباح من غير جهاد فكان لهم شبه


245

الاحتطاب فإن الجهاد إنما يكون بإذن الإمام أو من طائفة لهم منعه وقوة فأما هذا فتلصص وسرقة ومجرد اكتساب

والثالثة أنه لا حق لهم فيه قال أحمد في عبد أبق إلى الروم ثم رجع ومعه متاع فالعبد لمولاه وما معه من المتاع والمال فهو للمسلمين لأنهم عصاة بفعلهم فلم يكن لهم فيه حق والأولى أولى قال الأوزاعي لما أقفل عمر بن عبد العزيز الجيش الذي كان مع مسلمة كسر مركب بعضهم فأخذ المشركون ناسا من القبط فكانوا خدما لهم فخرجوا يوما إلى عيد لهم وخلفوا القبط في مركبهم وشرب الآخرون ورفع القبط القلع وفي المركب متاع الآخرين وسلاحهم فلم يضعوا قلعهم حتى أتوا بيروت فكتب في ذلك إلى عمر بن عبد العزيز فكتب عمر نفلوهم القلع وكل شيء جاؤوا به إلا الخمس رواه سعيد والأثرم

وإن كانت الطائفة ذات منعة غزوا بغير إذن الإمام ففيه روايتان إحداهما لا شيء لهم وهو فيء للمسلمين

والثانية يخمس والباقي لهم وهذا أصح

ووجه الروايتين ما تقدم ويخرج فيه وجه كالرواية الثالثة وهو أن الجميع لهم من غير خمس لكونه اكتساب مباح من غير جهاد

مسألة

قال ( ومن غل من الغنيمة حرق رحله كله إلا المصحف وما فيه روح )

الغال هو الذي يكتم ما يأخذه من الغنيمة فلا يطلع الإمام عليه ولا يضعه مع الغنيمة فحكمه أن يحرق رحله كله

وبهذا قال الحسن وفقهاء الشام منهممكحول والأوزاعي والوليد بن هشام ويزيد بن يزيد بن جابر

وأتى سعيد بن عبد الملك بغال فجمع ماله وأحرقه وعمر بن عبد العزيز حاضر ذلك فلم يعبه وقال يزيد بن يزيد بن جابر السنة في الذي يغل أن يحرق رحله رواهما سعيد في سننه وقال مالك والليث والشافعي وأصحاب الرأي لا يحرق لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرق فإن عبد الله بن عمر روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال يا رسول الله هذا فيما كنا أصبنا من الغنيمة فقال سمعت بلالا نادى ثلاثا قال نعم

قال فما منعك أن تجيء به فاعتذر فقال كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك أخرجه أبو داود ولأن إحراق المتاع إضاعة له وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال

ولنا ما روى صالح بن محمد بن زرارة قال دخلت مع مسلمة أرض الروم فأتي برجل قد غل فسأل سالما عنه فقال سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه قال فوجدنا في متاعه مصحفا فسأل سالما عنه فقال بعه وتصدق بثمنه أخرجه سعيد وأبو داود والأثرم

وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغال فأما حديثهم


246

فلا حجة لهم فيه فإن الرجل يعترف أنه أخذ ما أخذه على سبيل الغلول ولا أخذه لنفسه وإنما توانى في المجىء به وليس الخلاف فيه ولأن الرجل جاء به من عند نفسه تائبا والتوبة تجب ما قبلها وتمحو الحوبة

وأما النهي عن إضاعة المال فإنما نهي عنه إذا لم تكن فيه مصلحة فأما إذا كان فيه مصلحة فلا بأس به ولا يعد تضييعا كإلقاء المتاع في البحر إذا خيف الغرق وقطع يد العبد السارق مع أن المال لا تكاد المصلحة تحصل به إلا بذهابه فأكله إتلافه وإيقافه إذهابه ولا يعد شيء من ذلك تضييعا ولا إفسادا ولا ينهي عنه

وأما المصحف فلا يحرق لحرمته ولما تقدم من قول سالم فيه والحيوان لا يحرق لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذب بالنار إلا ربها ولحرمة الحيوان في نفسه ولأنه لا يدخل في اسم المتاع المأمور بإحراقه وهذا لا خلاف فيه ولا تحرق آلة الدابة أيضا نص عليه أحمد لأنه يحتاج إليها للانتفاع بها ولأنها تابعة لما لا يحرق فأشبه جلد المصحف وكيسه وقال الأوزاعي يحرق سرجه وإكافه

ولنا أنه ملبوس حيوان فلا يحرق كثياب الغال ولا تحرق ثياب الغال التي عليه لأنه لا يجوز تركه عريانا ولا ما غل لأنه من غنيمة المسلمين قيل لأحمد فالذي أصاب في الغلول أي شيء يصنع به قال يرفع إلى المغنم

كذلك قال الأوزاعي ولا سلاحه لأنه يحتاج إليه للقتال ولا نفقته لأن ذلك مما لا يحرق عادة وجميع ذلك أو ما أبقت النار من حديد أو غيره فهو لصاحبه لأن ملكه كان ثابتا عليه ولم يوجد ما يزيله وإنما عوقب بإحراق متاعه فما لم يحترق يبقى على ما كان ويحتمل أن يباع المصحف ويتصدق به لقول سالم فيه وإن كان معه شيء من كتب الحديث أو العلم فينبغي أن لا تحرق أيضا لأن نفع ذلك يعود إلى الدين وليس المقصود الإضرار به في دينه وإنما القصد الإضرار به في شيء من دنياه

فصل وإن لم يحرق رجله حتى استحدث متاعا آخر أو رجع إلى بلده أحرق ما كان معه من حال الغلول نص عليه أحمد في الذي يرجع إلى بلده

قال ينبغي أن يحرق ما كان معه في أرض العدو وإن مات قبل إحراق رحله لم يحرق نص عليه أحمد لأنها عقوبة فتسقط بالموت كالحدود ولأنه بالموت انتقل إلى ورثته فإحراقه عقوبة لغير الجاني وإن باع متاعه أو وهبه احتمل أن لا يحرق لأنه صار لغيره أشبه ما لو انتقل عنه بالموت واحتمل أن ينقض البيع والهبة ويحرق لأنه تعلق به حق سابق على البيع والهبة فوجب تقديمه كالقصاص في حق الجاني

فصل وإن كان الغال صبيا لم يحرق متاعه وبه قال الأوزاعي لأن الإحراق عقوبة وليس هو من أهلها فأشبه الحد وإن كان عبدا لم يحرق متاعه لأنه لسيده فلا يعاقب سيده بجناية عبده وإن استهلك ما غله فهو في رقبته لأنه من جنايته وإن غلت امرأة أو ذمي أحرق متاعهما لأنهما من أهل العقوبة ولذلك يقطعان في السرقة ويحدان في الزنا وغيره وإن أنكر الغلول وذكر أنه ابتاع ما بيده لم يحرق متاعه حتى يثبت


247

غلوله ببينة أو إقرار لأنه عقوبة به فلا يجب قبل ثبوته بذلك كالحد ولا يقبل في بينته إلا عدلان لذلك

فصل ولا يحرم الغال سهمه وقال أبو بكر في ذلك روايتان إحداهما يحرم سهمه لأنه قد جاء في الحديث يحرم سهمه فإن صح فالحكم له وقال الأوزاعي في الصبي يغل يحرم سهمه ولا يحرق متاعه

ولنا ان سبب الاستحقاق موجود فيستحق كما لو لم يعلم ولم يثبت حرمان سهمه في خبر ولا قياس فيبقى بحاله ولا يحرق سهمه لأنه ليس من رحله

فصل إذا تاب الغال قبل القسمة رد ما أخذه في المقسم بغير خلاف لأنه حق تعين رده إلى أهله فإن تاب بعد القسمة فمقتضى المذهب أن يؤدي خمسه إلى الإمام ويتصدق بالباقي وهذا قول الحسن والزهري ومالك والأوزاعي والثوري والليث

وروى سعيد بن منصور عن عبد الله بن المبارك عن صفوان بن عمرو عن حوشب بن سيف قال غزا الناس الروم وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فغل رجل مائة دينار فلما قسمت الغنيمة وتفرق الناس ندم فأتى عبد الرحمن فقال قد غللت مائة دينار فاقبضها قال قد تفرق الناس فلن أقبضها منك حتى توافي الله بها يوم القيامة فأتى معاوية فذكر ذلك له فقال له مثل ذلك فخرج وهو يبكي فمر بعبد الله ابن الشاعر السكسكي فقال ما يبكيك فأخبره فقال إنا لله وإنا إليه راجعون أمطيعي أنت يا عبد الله قال نعم قال فانطلق بها عن ذلك الجيش فإن الله تعالى يعلم أسماءهم ومكانهم وإن الله يقبل التوبة عن عباده فقال معاوية أحسن والله لأن أكون أنا أفتيته بهذا أحب إلي من أن يكون لي مثل كل شيء امتلكت وعن ابن مسعود أنه رأى أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه وقال الشافعي لا أعرف للصدقة وجها وقد جاء في حديث الغال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا أقبله منك حتى تجىء به يوم القيامة

ولنا قول من ذكرنا من الصحابة ومن بعدهم ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم فيكون إجماعا ولأن تركه تضييع له وتعطيل لمنفعته التي خلق لها ولا يتخفف به شيء من إثم الغال وفي الصدقة نفع لمن تصل إليه من المساكين وما يحصل من أجر الصدقة يصل إلى صاحبه فيذهب به الإثم عن الغال فيكون أولى

مسألة

قال ( ولا يقام الحد على مسلم في أرض العدو )

وجملته أن من أتى حدا من الغزاة أو ما يوجب قصاصا في أرض الحرب لم يقم عليه حتى يقفل فيقام عليه حده وبهذا قال الأوزاعي وإسحاق وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر يقام الحد في كل موضع لأن أمر الله تعالى بإقامته مطلق في كل مكان وزمان إلا أن الشافعي قال إذا لم يكن أمير الجيش الإمام أو أمير إقليم


248

فليس له إقامة الحد ويؤخر حتى يأتي الإمام لأن إقامة الحدود إليه وكذلك إن كان بالمسلمين حاجة إلى المحدود أو قوة به أو شغل عنه أخر وقال أبو حنيفة لا حد ولا قصاص في دار الحرب ولا إذا رجع

ولنا على وجوب الحد أمر الله تعالى ورسوله به وعلى تأخيره ما روى بشر بن أبي أرطأة أنه أتى برجل في الغزاة قد سرق بختية فقال لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تقطع الأيدي في الغزاة لقطعتك أخرجه أبو داود وغيره ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم

وروى سعيد في سننه بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجلا من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار

وعن أبي الدرداء مثل ذلك وعن علقمة قال كنا في جيش في أرض الروم ومعنا حذيفة بن اليمان وعلينا الوليد بن عقبة فشرب الخمر فأردنا أن نحده فقال حذيفة أتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم وأتي سعد بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد فلما التقى الناس قال أبو محجن كفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا وأترك مشدودا على وثاقيا وقال لابنه حصفة امرأة سعد أطلقيني ولك الله علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد فإن قتلت استرحتم مني قال فحلته حين التقى الناس وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس قال وصعدوا به فوق العذيب ينظر إلى الناس قال وصعدوا به فوق العذيب ينظر إلى الناس واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة فوثب أبو محجن على فرس تسعد يقال لها البلقاء ثم أخذ رمحا ثم خرج فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم وجعل الناس يقولون هذا ملك لا يرونه يصنع وجعل سعد يقول الضبر ضبر البلقاء والطعن طعن أبي محجن وأبو محجن في القيد فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجليه في القيد فأخبرت ابنة حصفة سعدا بما كان من أمره فقال سعد لا والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى الله المسلمين به ما أبلاهم فخلى سبيله فقال أبو محجن قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها فأما إذا بهرجتني فوالله لا أشربها أبدا وهذا اتفاق لم يظهر خلافه فأما إذا رجع فإنه يقام الحد عليه لعموم الآيات والأخبار وإنما أخر لعارض كما يؤخر لمرض أو شغل فإذا زال العارض أقيم الحد لوجود مقتضيه وانتفاء معارضه

ولهذا قال عمر حتى يقطع الدرب قافلا

فصل وتقام الحدود في الثغور بغير خلاف نعلمه لأنها من بلاد الإسلام والحاجة داعية إلى زجر أهلها كالحاجة إلى زجر غيرهم وقد كتب عمر إلى أبي عيبدة أن يجلد من شرب الخمر ثمانين وهو بالشام وهو من الثغور

مسألة

قال ( وإذا فتح حصن لم يقتل من لم يحتلم أو ينبت أو يبلغ خمس عشرة سنة )


249

وجملة ذلك أن الإمام إذا ظفر بالكفار لم يجز أن يقتل صبيا لم يبلغ بغير خلاف وقد روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان متفق عليه

ولأن الصبي يصير رقيقا بنفس السبي ففي قتله إتلاف المال وإذا سبي منفردا صار مسلما فإتلافه إتلاف من يمكن جعله مسلما والبلوغ يحصل بأحد أسباب ثلاثة أحدها الاحتلام وهو خروج المني من ذكر الرجل أو قبل الأنثى في يقظة أو منام وهذا لا خلاف فيه وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات النور 58 ثم قال وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم النور وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يتم بعد احتلام وقال لمعاذ خذ من كل حالم دينارا رواهما أبو داود

الثاني إنبات الشعر الخشن حول القبل وهو علامة على البلوغ بدليل ما روى عطية القرظي كنت من سبي قريظة فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت لم يقتل فكنت فيمن لم ينبت أخرجه الأثرم والترمذي

وقال هذا حديث حسن صحيح

وعن كثير بن السائب قال حدثني أبناء قريظة أنهم عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم فمن كان منهم محتلما أو نبتت عانته قتل ومن لا ترك أخرجه الأثرم وعن أسلم مولى عمر أن عمر كان يكتب إلى أمراء الأجناد أن لا يقتلوا إلا من جرت عليه المواسي ولا يأخذوا الجزية إلا ممن جرت عليه المواسي وحكي عن الشافعي أن هذا بلوغ في حق الكفار لأنه لا يمكن الرجوع إلى قولهم في الإحتلام وعدد السنين ليس بعلامة عليه في حق المسلمين لإمكان ذلك فيهم

ولنا قول أبي نضرة وعقبة بن عامر حين اختلف في بلوغ تميم بن قرع المهري انظروا فإن كان قد أشعر فاقسموا له فنظر إليه بعض القوم فإذا هو قد أنبت فقسموا له ولم يظهر خلاف هذا فكان إجماعا ولأنه علم على البلوغ في حق الكافر فكان علما عليه في حق المسلم كالعلمين الآخرين ولأنه أمر يلازم البلوغ غالبا فكان علما عليه كالاحتلام وقهم إنه يتعذر في حق الكافر معرفة الاحتلام والسن قلنا لا تتعذر معرفة السن في الذمي الناشيء بين المسلمين ثم تعذر المعرفة لا يوجب جعل ما ليس بعلامة علامة كغير الإنبات

الثالث بلوغ خمس عشرة سنة لما روى ابن عمر قال عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني في القتال وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني في المقاتلة قال نافع فحدثت عمر بن عبد العزيز بهذا الحديث فقال هذا فصل ما بين الرجال وبين الغلمان متفق عليه وهذه العلامات الثلاث في حق الذكر والأنثى وتزيد الأنثى بعلامتين الحيض والحمل فمن لم يوجد فيه علامة منهن فهو صبي يحرم قتله

فصل ولا تقتل امرأة ولا شيخ فان وبذلك قال مالك وأصحاب الرأي وروي ذلك عن أبي


250

بكر الصديق ومجاهد وروي عن ابن عباس في قوله تعالى ولا تعتدوا يقول لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير

وقالالشافعي في أحد قوليه وابن المنذر يجوز قتل الشيوخ لقول النبي صلى الله عليه وسلم اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح ولأن الله تعالى قال فاقتلوا المشركين التوبة 5

وهذا عام يتناول بعمومه الشيوخ وقال ابن المنذر لا أعرف حجة في ترك قتل الشيوخ يستثنى بها من عموم قوله فاقتلوا المشركين التوبة 5 ولأنه كافر لا نفع في حياته فيقتل كالشاب

ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا امرأة رواه أبو داود في سننه

وروي عن أبي بكر اصديق رضي الله عنه أنه أوصى يزيد حين وجهه إلى الشام فقال لا تقتل صبيا ولا امرأة ولا هرما وعن عمر أنه وصى سلمة بن أقيس فقال لا تقتلوا امرأة ولا صبيا ولا شيخا هرما رواهما سعيد ولأنه ليس من أهل القتال فلا يقتل كالمرأة

وقد أومأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه العلة في المرأة فقال ما بال هذه قتلت وهي لا تقاتل والآية مخصوصة بما روينا ولأنه قد خرج من عمومها المرأة والشيخ الهرم في معناها فنقيسه عليها وأما حديثهم فأراد به الشيوخ الذين فيهم قوة على القتال أو معونة عليه برأي أو تدبير جمعا بين الأحاديث ولأن أحاديثنا خاصة في الهرم وحديثهم عام في الشيوخ كلهم والخاص يقدم على العام وقياسهم ينتقض بالعجوز التي لا نفع فيها

فصل ولا يقتل زمن ولا أعمى ولا راهب والخلاف فيهم كالخلاف في الشيخ وحجتهم ها هنا حجتهم فيه

ولنا في الزمن والأعمى أنهما ليسا من أهل القتال فأشبها المرأة وفي الراهب ما روي في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال وستمرون على أقوام في الصوامع قد حبسوا أنفسهم فيها فدعوهم حتى يميتهم الله على ضلالهم ولأنهم لا يقاتلون تدينا فأشبهوا من لا يقدر على القتال

فصل ولا يقتل العبيد وبه قالالشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم أدركوا خالدا فمروه أن لا يقتل ذرية ولا عسيفا وهم العبيد لأنهم يصيرون رقيقا للمسلمين بنفس السبي فأشبهوا النساء والصبيان

فصل ومن قاتل ممن ذكرنا جميعهم جاز قتله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم قريظ امرأة ألقت رحا على محمود بن سلمة ومن كان من هؤلاء الرجال المذكورين ذا رأي يعين به في الحرب جاز قتله لأن دريد بن الصمة قتل يوم حنين وهو شيخ لا قتال فيه وكانوا خرجوا به معهم يتيمنون به ويستعينون برأيه فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم قتله ولأن الرأي من أعظم المعونة في الحرب وقد جاء عن معاوية أنه قال لمروان والأسود أمددتما عليا بقيس بن سعد وبرأيه ومكايدته فوالله لو أنكما أمددتماه بثمانية آلاف مقاتل ما كان بأغيظ لي من ذلك


251

مسألة

قال ( ومن قاتل من هؤلاء النساء والمشايخ والرهبان في المعركة قتل )

لا نعلم فيه خلافا وبهذا قال الأوزاعي والثوري والليث والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقد جاء عن ابن عباس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة مقتولة يوم الخندق فقال من قتل هذه قال رجل أنا يا رسول الله قال ولم قال نازعتني قائم سيفي

قال فسكت

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على امرأة مقتولة فقال ما بالها قتلت وهي لا تقاتل وهذا يدل على أنه إنما نهى عن قتل المرأة إذا لم تقاتل ولأن هؤلاء إنما لم يقتلوا لأنهم في العادة لا يقاتلون

فصل فأما المريض فيقتل إذا كان ممن لو كان صحيحا قاتل لأنه بمنزلة الإجهاز على الجريح إلا أن يكون مأيوسا من برئه فيكون بمنزلة الزمن لا يقتل لأنه لا يخاف منه أن يصير إلى حال يقاتل فيها

فصل فأما الفلاح الذي لا يقاتل فينبغي أن لا يقتل لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال اتقوا الله في الفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب وقال الأوزاعي لا يقتل الحراث إذا علم أنه ليس من المقاتلة وقال الشافعي يقتل إلا أن يؤدي الجزية لدخوله في عموم المشركين

ولنا قول عمرو ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتلوهم حين فتحوا البلاد ولأنهم لا يقاتلون فأشبهوا الشيوخ والرهبان

فصل إذا حاصر الإمام حصنا لزمنه مصابرته ولا ينصرف عنه إلا بخصلة من خصال خمس أحدها أن يسلموا فيحرزوا بالإسلام دماءهم وأموالهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله

فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وإن أسلموا بعد الفتح عصموا دماءهم دون أموالهم ويرقون

الثانية أن يبذلوا مالا على الموادعة فيجوز قبوله منهم سواء أعطوه جملة أو جعلوه خراجا مستمرا يؤخذ منهم كل عام فإن كانوا ممن تقبل منهم الجزية فبذلوها لزمه قبولها منهم وحرم قتالهم لقول الله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29 وإن بذلوا مالا على غير وجه الجزية فرأى المصلحة في قبوله قبله ولا يلزمه قبوله إذا لم ير المصلحة فيه

الثالثة أن يفتحه

الرابعة أن يرى المصلحة في الانصراف عنه إما لضرر في الإقامة وإما لليأس منه وإما لمصلحة ينتهزها تفوت بإقامته فينصرف عنه لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا فقال إنا قافلون إن شاء الله تعالى غدا فقال المسلمون أنرجع عنه ولم نفتحه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اغدوا على القتال

فغدوا عليه فأصابهم الجراح فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قافلون غدا فأعجبهم فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه


252

الخامسة أن ينزلوا على حكم حاكم فيجوز لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما حاصر بني قريظة رضوا بأن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأجابهم إلى ذلك والكلام فيه في فصلين

أحدهما صفة الحاكم

والثاني صفة الحكم فيعتبر فيه سبعة شروط أن يكون الحاكم حرا مسلما عاقلا بالغا ذكرا عدلا فقيها كما يشترط في حاكم المسلمين ويجوز أن يكون أعمى لأن عدم البصر لا يضر في مسألتنا لأن المقصود رأيه

ومعرفة المصلحة في أحد أقسام الحكم ولا يضر عدم البصر فيه بخلاف القضاء فإنه لا يستغنى عن البصر ليعرف المدعي من المدعى عليه والشاهد من المشهود له والمشهود عليه والمقر له من المقر ويعتبر من الفقه ها هنا ما يتعلق بهذا الحكم مما يجوز فيه ويعتبر له ونحو ذلك ولا يعتبر فقهه في جميع الأحكام التي لا تعلق له بهذا ولهذا حكم سعد بن معاذ ولم يثبت أنه كان عالما بجميع الأحكام وإذا حكموا رجلين جاز ويكون الحكم ما اتفقا عليه وإن جعلوا الحكم إلى رجل يعينه الإمام جاز لأنه لا يختار إلا من يصلح وإن تزلوا على حكم رجل منهم أو جعلوا التقيين إليهم لم يجز لأنهم ربما اختاروا من لا يصلح وإن عينوا رجلا يصلح فرضيه الإمام جاز لأن بني قريظة رضوا بحكم سعد بن معاذ وعينوه فرضيه النبي صلى الله عليه وسلم وأجاز حكمه وقال لقد حكمت فيهم بحكم الله وإن مات من اتفقوا عليه فاتفقوا على غيره ممن يصلح قام مقامه وإن لم يتفقوا على من يقوم مقامه أو طلبوا حكما لا يصلح ردوا إلى مأمنهم وكانوا على الحصار حتى يتفقوا وكذلك إن رضوا باثنين فمات أحدهما فاتفقوا على من يقوم مقامه جاز وإلا ردوا إلى مأمنهم وكذلك إن رضوا بتحكيم من لم تجتمع الشرائط فيه ووافقهم الإمام عليه ثم بان أنه لا يصلح لم يحكم ويردون إلى مأمنهم كما كانوا

وأما صفة الحكم

فإن حكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم نفذ حكمه لأن سعد بن معاذ حكم في بني قريظة بذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة وإن حكم بالمن على المقاتلة وسبى الذرية فقال القاضي يلزم حكمه وهو مذهب الشافعي لأن الحكم إليه فيما يرى المصلحة فيه فكان له المن كالإمام في الأسير

واختار أبو الخطاب أن حكمه لا يلزم لأن عليه بما فيه الحظ ولا حظ للمسلمين في المن وإن حكم بالمن على الذرية فينبغي أن لا يجوز لأن الإمام لا يملك المن على الذرية إذا سبوا فكذلك الحاكم ويحتمل الجواز لأن هؤلاء لم يتعين السبي فيهم بخلاف من سبى فإنه يصير رقيقا بنفس السبي وإن حكم عليهم بالفداء جاز لأن الإمام مخير في الأسرى بين القتل والفداء والاسترقاق والمن فكذلك الحاكم وإن حكم عليهم بإعطاء الجزية لم يلزم حكمه لأن عقد الذمة عقد معاوضة فلا يثبت إلا بالتراضي ولذلك لا يملك الإمام إجبار الأسير على إعطاء الجزية وإن حكم بالقتل والسبي جاز للإمام المن على بعضهم

لأن ثابت بن قيس سأل في الزبير بن باطا من قريضة وماله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه ويخالف مال الغنيمة إذا حازه المسلمون لأن ملكهم استقر عليه وإن أسلموا قبل الحكم عليهم عصموا دماءهم وأموالهم لأنهم أسلموا وهم أحرار وأموالهم لهم فلم يجز


253

استرقاقهم بخلاف الأسير فإن الأسير قد ثبتت اليد عليه كما تثبت على الذرية ولذلك جاز استرقاقه وإن أسلموا بعد الحكم عليهم نظرت فإن كان قد حكم عليهم بالقتل سقط لأن من أسلم فقد عصم دمه ولم يجز استرقاقهم لأنهم أسلموا قبل استرقاقهم قال أبو الخطاب ويحتمل جواز استرقاقهم

كما لو أسلموا بعد الأسر ويكون المال على ما حكم فيه وإن حكم بأن المال للمسلمين كان غنيمة لأنهم أخذوه بالقهر والحصر

مسألة

قال ( وإذا خلي الأسير منا وحلف أن يبعث إليهم بشيء بعينه أو يعود إليهم فلم يقدر عليه لم يرجع إليهم )

وجملته أن الأسير إذا خلاه الكفار واستحلفوه على أن يبعث إليهم بفدائه أو يعود إليهم نظرت فإن أكرهوه بالعذاب لم يلزمه الوفاء لهم برجوع ولا فداء لأنه مكره فلم يلزمه ما أكره عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وإن لم يكره عليه وقدر على الفداء الذي التزمه أداؤه وبهذا قال عطاء والحسن والزهري والنخعي والثوري والأوزاعي وقال الشافعي أيضا لا يلزمه لأنه حر لا يستحقون بدله

ولنا قول الله تعالى وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم النحل 91

ولما صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية على رد من جاءه مسلما وفى لهم بذلك وقال إنا لا يصلح في ديننا الغدر ولأن في الوفاء مصلحة للأسارى وفي الغدر مفسدة في حقهم لأنهم لا يؤمنون بعده والحاجة داعية إليه فلزمه الوفاء به كما يلزمه الوفاء به كما يلزمه الوفاء بعقد الهدنة ولأنه عاهدتم على أداء مال فلزمه الوفاء به كثمن المبيع والمشروط في عقد الهدنة في موضع يجوز شرطه وما ذكروه باطل بما إذا شرط رد من جاءه مسلما أو شرط لهم مالا في عقد الهدنة

فأما إن عجز عن الفداء نظرنا فإن كان المفادي امرأة لم ترجع إليهم ولم يحل لهما ذلك لقول الله تعالى فلا ترجعوهن إلى الكفار الممتحنة 10

ولأن في رجوعها تسليطا لهم على وطئها حراما وقد منع الله تعالى رسوله رد النساء إلى الكفار بعد صلحه على ردهن في قصة الحديبية وفيها فجاء نسوة مؤمنات فنهاهم الله أن يردوهن رواه أبو داود وغيره وإن كان رجلا ففيه روايتان إحداهما لا يرجع أيضا وهو قول الحسن والنخعي والثوري والشافعي لأن الرجوع إليهم معصية فلم يلزم بالشرط كما لو كان امرأة وكما لو شرط قتل مسلم أو شرب الخمر

والثانية يلزمه وهو قول عثمان والزهري والأوزاعي ومحمد بن سوقة لما ذكرنا في بعث الفداء ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهد قريشا على رد من جاءه مسلما ورد أبا بصير وقال إنا لا يصلح في ديننا الغدر

وفارق رد المرأة فإن الله تعالى فرق بينهما في هذا الحكم حين صالح النبي صلى الله عليه وسلم قريشا على رد من جاءه منهم مسلما فأمضى الله ذلك في الرجال ونسخه في النساء

وقد ذكرنا الفرق بينهما من ثلاثة أوجه تقدمت

فصل فإن أطلقوه وآمنوه صاروا في أمان منه لأن أمانهم له يقتضي سلامتهم منه فإن أمكنه


254

المضي إلى دار الإسلام لزمه وإن تعذر عليه أقام وكان حكمه حكم من أسلم في دار الحرب فإن أخذ في الخروج فأدركوه وتبعوه قاتلهم وبطل الأمان لأنهم طلبوا منه المقام وهو معصية فأما إن أطلقوه ولم يؤمنوا فله أن يأخذ منهم ما قدر عليه ويسرق ويهرب لأنه لم يؤمنهم ولم يؤمنوه وإن أطلقوه وشرطوا عليه المقام عندهم لزمه ما شرطوا عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنون عند شروطهم وقال أصحاب الشافعي لا يلزمه

فأما إن أطلقوه على أنه رقيق لهم فقال أبو الخطاب له أن يسرق ويهرب ويقتل لأن كونه رقيقا حكم شرعي لا يثبت عليه بقوله ولو ثبت لم يقتض أمانا له منهم ولا لهم منه وهذا مذهب الشافعي وإن حلفوه على هذا فإن كان مكرها على اليمين لم تنعقد يمينه وإن كان مختارا فحنث كفر يمينه ويحتمل أن تلزمه الإقامة على الرواية التي تلزمه الرجوع إليهم في المسألة الأولى وهو قول الليث

فصل وإن اشترى الأسير شيئا مختارا أو اقترضه فالعقد صحيح ويلزمه الوفاء لهم لأنه عقد معاوضة فأشبه ما لو فعله غير الأسير وإن كان مكرها لم يصح فإن أكرهوه على قبضه لم يضمنه ولكن عليه رده إليهم إن كان باقيا لأنهم دفعوه إليه بحكم العقد وإن قبضه باختياره ضمنه لأنه قبضه عن عقد فاسد وإن باعه والعين قائمة لزمه ردها لأن العقد باطل وإن عدمت العين رد قيمتها

مسألة

قال ( ولا يحل لمسلم أن يهرب من كافرين ومباح له أن يهرب من ثلاثة فإن خشي الأسر قاتل حتى يقتل )

وجملته أنه إذا التقى المسلمون والكفار وجب الثبات وحرم الفرار بدليل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار الأنفال 15

وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون الأنفال 45

وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الفرار يوم الزحف فعده من الكبائر

وحكي عن الحسن والضحاك أن هذا كان يوم بدر خاصة ولا يجب في غيرها والأمر مطلق وخبر النبي صلى الله عليه وسلم عام فلا يجوز التقييد والتخصيص إلا بدليل وإنما يجب الثبات بشرطين أحدهما أن يكون الكفار لا يزيدون على ضعف المسلمين فإن زادوا عليه جاز الفرار لقول الله تعالى الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين الأنفال 66

وهذا إن كان لفظه لفظ الخبر فهو أمر بدليل قوله الآن خفف الله عنكم الأنفال 66

ولو كان خبرا على حقيقته لم يكن ردنا من غلبة الواحد للعشرة إلى غلبة الاثنين تخفيفا

ولأن خبر الله تعالى صدق لا يقع بخلاف مخبره وقد علم أن الظفر والغلبة لا يحصل للمسلمين في كل موطن يكون العدو فيه ضعف المسلمين فما دون فعلم أنه أمر وفرض ولم يأت شيء ينسخ هذه الآية لا في كتاب ولا سنة فوجب الحكم بها قال ابن عباس نزلت إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين الأنفال 65

فشق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة

ثم جاء تخفيف


255

فقال الآن خفف الله عنكم الأنفال 66 إلى قوله يغلبوا مائتين تخفيف ( الأنفال 66 )

فلما خفف الله عنهم من العدد نقص من الصبر بقدر ما خفف الله من العدد رواه أبو داود وقال ابن عباس من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فما فر

الثاني أن لا يقصد بفراره التحيز إلى فئة ولا التحرف لقتال

فإن قصد أحد هذين فهو مباح له لأن الله تعالى قال إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة الأنفال 16

ومعنى التحرف للقتال أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن مثل أن ينحاز من مواجهة الشمس أو الريح إلى استدبارهما أو من نزلة إلى علو أو من معطشة إلى موضع ماء أو يفر بين أيديهم لتنتقض صفوفهم أو تنفرد خيلهم من رجالتهم أو ليجد فيهم فرصة أو ليستند إلى جبل ونحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يوما في خطبته إذ قال يا سارية بن زنيم الجبل

ظلم الذئب من استرعاه الغنم فأنكرها الناس

فقال علي رضي الله عنه دعوه فلما نزل سألوه عما قال فلم يعترف به وكان قد بعث سارية إلى ناحية العراق لغزوهم فلما قدم ذلك الجيش أخبروا أنهم لقوا عدوهم يوم جمعة فظهر عليهم فسمعوا صوت عمر فتحيزوا إلى الجبل فنجوا من عدوهم فانتصروا عليهم وأما التحيز إلى فئة فهو أن يصير إلى فئة من المسلمين ليكون معهم فيقوى بهم على عدوهم وسواء بعدت المسافة أو قربت قال القاضي لو كانت الفئة بخراسان والفئة بالحجاز جاز التحيز إليها ونحوه ذكر الشافعي

لأن ابن عمر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني فئة لكم وكانوا بمكان بعيد منه وقال عمر إنا فئة كل مسلم وكان بالمدينة وجيوشه بمصر والشام والعراق وخراسان رواهما سعيد وقال عمر رحم الله أبا عبيد لو كان تحيز إلي لكنت له فئة وإذا خشي الأسر فالأولى له أن يقاتل حتى يقتل ولا يسلم نفسه للأسر

لأنه يفوز بثواب الدرجة الرفيعة ويسلم من تحكم الكفار عليه بالتعذيب والاستخدام والفتنة

وإن استأسر جاز لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عشرة عينا

وأمر عليهم عاصم بن ثابت فنفرت إليهم هذيل بقريب من مائة رجل رام فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد فقالوا لهم انزلوا فأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا

فقال عاصم أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة معه ونزل إليهم ثلاثة على العهد والميثاق منهم خبيب وزيد بن الدثنة فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها متفق عليه

فعاصم أخذ بالعزيمة وخبيب وزيد أخذ بالرخصة وكلهم محمود غير مذموم ولا ملوم

فصل وإذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين فغلب على ظن المسلمين الظفر

فالأولى لهم الثبات لما في ذلك من المصلحة وإن انصرفوا جاز

لأنهم لا يأمنون العطب والحكم علق على مظنته

وهو كونهم أقل من نصف عددهم ولذلك لزمهم الثبات إذا كانوا أكثر من النصف وإن غلب على ظنهم الهلاك فيه

ويحتمل أن يلزمهم الثبات إن غلب على ظنهم الظفر لما فيه من المصلحة وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة والنجاة في الانصراف فالأولى لهم الانصراف وإن ثبتوا جاز لأن لهم غرضا في الشهادة ويجوز أن أيضا وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة والانصراف فالأولى لهم الثبات لينالوا درجة الشهداء المقبلين على القتال محتسبين

فيكونون أفضل من المولين ولأنه يجوز أن يغلبوا


256

أيضا

فإن الله تعالى يقول كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين البقرة 249

ولذلك صبر عاصم وأصحابه فقاتلوا حتى أكرمهم الله بالشهادة

فصل فإن جاء العدو بلدا فلأهله التحصن منهم

وإن كانوا أكثر من نصفهم ليلحقهم مدد أو قوة

ولا يكون ذلك توليا ولا فرارا إنما التولي بعد لقاء العدو وإن لقوهم خارج الحصن فلهم التحيز إلى الحصن

لأنه بمنزلة التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة

وإن غزوا فذهبت دوابهم فليس ذلك عذرا في الفرار لأن القتال ممكن للرجالة وإن تحيزوا إلى جبل ليقاتلوا فيه رجالة فلا بأس لأنه تحرف للقتال وإن ذهب سلاحهم فتحيزوا إلى مكان يمكنهم القتال فيه بالحجارة والتستر بالشجر ونحوه أو لهم في التحيز إليه فائدة جاز

فصل فإن ولى قوم قبل إحراز الغنيمة وأحرزها الباقون فلا شيء للفارين لأن إحرازها حصل بغيرهم فكان ملكها لمن أحرزها وإن ذكروا أنهم فروا متحيزين إلى فئة أو متحرفين للقتال فلا شيء لهم أيضا لذلك وإن فروا بعد إحراز الغنيمة لم يسقط حقهم منها لأنهم ملكوا الغنيمة لحيازتها فلم يزل ملكهم عنها بفرارهم

فصل وإذا ألقى الكفار نارا في سفينة فيها مسلمون فاشتعلت فيها فما غلب على ظنهم السلامة فيه من بقائهم في مركبهم أو إلقاء نفوسهم في الماء فالأولى لهم فعله وإن استوى عندهم الأمران فقال أحمد كيف شاء يصنع قال الأوزاعي هما موتتان فاختر أيسرهما وقال أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنهم يلزمهم المقام لأنهم إذا رموا نفوسهم في الماء كان موتهم بفعلهم

وإن أقاموا فموتهم بفعل غيرهم

مسألة

قال ( ومن آجر نفسه بعد أن غنموا على حفظ الغنيمة فمباح له ما أخذ إن كان راجلا أو على دابة يملكها )

وجملته أن الغنيمة إذا احتاجت إلى من يحفظها أو سوق الدواب التي هي منها أو يرعاها أو يحملها

فإن للإمام أن يستأجر من يفعل ذلك ويؤدي أجرتها منها لأن ذلك من مؤنتها فهو كعلف الدواب وطعام السبي ومن أجر نفسه على فعل شيء من ذلك فله أجرته مباحة لأنه أجر نفسه لفعل بالمسلمين إليه حاجة فحلت له أجرته كما لو أجر نفسه على الدلالة إلى الطريق

فأما قوله إن كان راجلا أو على دابة يملكها فإنه يعني به لا يركب من دواب المغنم ولا فرسا حبيسا

قال أحمد لا بأس أن يؤجر الرجل نفسه على دابته وكره أن يستأجر القوم على سياق الرمك على فرس حبيس

لأنه يستعمل الفرس الموقوفة للجهاد فيما يختص منفعة نفسه

فإن أجر نفسه فركب الدابة الحبيس أو دابة من


257

المغنم لم تطب له أجرة لأن المعين له على العمل يختص منفعة نفسه فلا يجوز أن يستعمل فيه دواب المغنم ولا دواب الحبيس

وينبغي أن يلزمه بقدر أجر الدابة يرد في الغنيمة إن كان من الغنيمة أو يصرف في نفقة دواب الحبيس إن كان الفرس حبيسا

فصل فإن شرط في الإجارة ركوب دابة من الغنيمة فينبغي أن يجوز لأن ذلك بمنزلة أجرة تدفع إليه من المغنم ولو أجر نفسه بدابة من المغنم معينة صح

فإذا جعل أجره ركوبها كان أولى إلا أن يكون العمل مجهولا فلا يجوز

لأن من شرط صحة إجارتها كون عوضها معلوما وإن شرط في الإجارة ركوب دابة من الحبيس لم يجز لأنها إنما حبست على الجهاد وليس هذا بجهاد

إنما هو نفع لأهل الغنيمة

فصل ولا يجوز الانتفاع من الغنيمة بركوب دابة منها ولا لبس ثوب من ثيابها

لما روى رويفع بن ثابت قال لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم خيبر من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه رواه أبو داود والأثرم وعن رجل من بلقين قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى فقلت ما تقول في الغنيمة فقال لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش فقلت فما أحد أولى به من أحد قال لا

ولا السهم تستخرجه من جنبك أنت أحق به من أخيك المسلم رواه الأثرم ولأن الغنيمة مشتركة بين الغانمين وأهل الخمس فلم يجز لواحد الاختصاص بمنفعته كغيره من للأموال المشتركة

فإن دعت الحاجة إلى القتال بسلاحهم فلا بأس

قال أحمد إذا كان أنكى فيهم أو خاف على نفسه فنعم

وذكر حديث سيف أبي جهل وهو ما روى عبد الله بن مسعود قال انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد ضربت رجله فقلت الحمد لله الذي أخزاك يا أبا جهل فأضربه بسيف معي غير طائل فوقع سيفه من يده فأخذت سيفه فضربته به حتى برد رواه الأثرم وفي ركوب الفرس للجهاد روايتان إحداهما يجوز كما يجوز في السلاح

والثانية لا يجوز لأنها تتعرض للعطب غالبا وقيمتها كثيرة بخلاف السلاح

مسألة

قال ( ومن لقي علجا فقال له قف أو ألق سلاحك فقد أمنه )

قد تقدم الكلام فيمن يصح أمانه ونذكر ها هنا صفة الأمان فالذي ورد به الشرع لفظتان أجرتك وأمنتك لقول الله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك فأجره التوبة 6

وقال النبي صلى الله عليه وسلم قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت وقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن وفي معنى ذلك إذا قال لا تخف لا تذهل لا تخش لا خوف عليك لا بأس عليك

وقد روي عن عمر أنه قال إذا قلتم لا بأس أو لا تذهل أو مترس فقد أمنتموهم فإن الله تعالى يعلم


258

الألسنة

وفي رواية أخرى إذا قال الرجل للرجل لا تخف فقد أمنه فإذا قال لا تذهل فقد أمنه فإن الله يعلم الألسنة

وروي أن عمر قال للهرمزان تكلم ولا بأس عليك فلما تكلم أمر عمر بقتله فقال أنس بن مالك ليس لك إلى ذلك سبيل قد أمنته فقال عمر كلا فقال الزبير قد قلت له تكلم ولا بأس عليك فدرأ عنه عمر القتل رواه سعيد وغيره وهذا كله لا نعلم فيه خلافا

فأما إن قال له قم أو قف أو الق سلاحك فقال أصحابنا هو أمان أيضا لأن الكافر يعتقد هذا أمانا فأشبه قوله أمنتك

وقال الأوزاعي إن ادعى الكافر أنه أمن أو قال إنما وقفت لندائك فهو آمن فإن لم يدع ذلك فلا يقبل ويحتمل أن هذا ليس بأمان لأن لفظه لا يشعر به وهو يستعمل للإرهاب والتخويف فلم يكن أمانا لقوله لا قتلتك لكن يرجع إلى القاتل فإن قال نويت به الأمان فهو أمان

وإن قال لم أرد أمانه نظرنا في الكافر فإن قال اعتقدته أمانا رد إلى مأمنه ولم يجز قتله وإن لم يعتقده أمانا فليس بأمان كما لو أشار إليهم بما اعتقدوه أمانا

فصل فإن أشار المسلم إليهم بما يرونه أمانا وقال أردت به الأمان فهو أمان وإن قال لم أرد به الأمان فالقول قوله لأنه أعلم بنيته

فإن خرج الكفار من حصنهم بناء على هذه الإشارة لم يجز قتلهم ولكن يردون إلى مأمنهم

وقال عمر رضي الله عنه والله لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء إلى مشرك فنزل بأمانه فقتله لقتلته به رواه سعيد وإن مات المسلم أو غاب فإنهم يردون إلى مأمنهم وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر فإن قيل وكيف صححتم الأمان بالإشارة مع القدرة على النطق بخلاف البيع والطلاق والعتق قلنا تغليبا لحقن الدم كما حقن دم له شبهة كتاب تغليبا لحقن دمه ولأن الكفار في الغالب لا يفهمون كلام المسلمين والمسلمون لا يفهمون كلامهم فدعت الحاجة إلى التكليم بالإشارة بخلاف غيره

فصل إذا سبيت كافرة فجاء ابنها يطلبها وقال إن عندي أسيرا مسلما فأطلقوها حتى أحضره فقال الإمام أحضره فأحضره لزم إطلاقها لأن المفهوم من هذا إجابته إلى ما سأل وإن قال الإمام لم أرد إجابته لم يجبر على ترك أسيره ورد إلى مأمنه وقال أصحاب الشافعي يطلق الأسير ولا تطلق المشركة لأن المسلم حر لا يجوز أن يكون ثمنا لمملوكة ويقال له إن اخترت شراءها فائت بثمنها

ولنا إن هذا يفهم منه الشرط فيجب الوفاء به كما لو صرح به ولأن الكافر فهم منه ذلك وبنى عليه فأشبه ما لو فهم الأمان من الإشارة وقولهم إن الحر لا يكون ثمن مملوكة قلنا لكن يصح أن يفادى بها فقد فادى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسيرة التي أخذها من سلمة بن الأكوع برجلين من المسلمين وفادى برجلين من المسلمين بأسير من الكفار ووفى لهم برد من جاءه مسلما وقال إنه لا يصلح في ديننا الغدر وإن كان رد مسلم إليهم ليس


259

بحق لهم ولأنه التزم إطلاقها فلزمه لقوله عليه السلام المسلمون على شروطهم وقوله إنه لا يصلح في ديننا الغدر

مسألة

قال ( ومن سرق من الغنيمة ممن له فيها حق أو لولده أو لسيده لم يقطع )

يعني إذا كان السارق بعض الغانمين أو أباه أو سيده فلا قطع عليه لأن له شبهة وهو حقه المتعلق بها فيكون ذلك مانعا من قطعه لأن الحدود تدرأ بالشبهات فأشبه ما لو سرق من مال مشترك بينه وبين غيره وهكذا إن كان لابنه وإن علا وهو قول أبي حنيفة والشافعي وزاد أبو حبيفة إذا كان لذي رحم منه فيها حق لم يقطع مبني على أنه لا يقطع بسرقة مالهم وقد سبق الكلام في هذا ولو كان لأحد الزوجين فيها حق فسرق منها الآخر لم يقطع عند من لا يرى أن أحدهما يقطع بسرقة مال الآخر وقد سبق ذكر هذا

فصل والسارق من الغنيمة غير الغال فلا يجري مجراه في إحراق رحله ولا يجري الغال مجرى السارق في قطع يده وذكر بعض أصحابنا أن السارق يحرق رحله لأنه في معنى الغال ولأنه لما درىء عنه الحد وجب أن يشرع في حقه عقوبة أخرى كسارق الثمر يغرم مثلي ما سرق

ولنا إن هذا لا يقطع عليه اسم الغال حقيقة ولا هو في معناه لأن الغلول يكثر لكونه أخذ مال لا حافظ له ولا يطلع عليه غالبا فيحتاج إلى زاجر عنه وليس كذلك السرقة فإنها أخذ مال محفوظ فالحاجة إلى الزجر عنه أقل

مسألة

قال ( وإن طىء جارية قبل أن يقسم أدب ولم يبلغ به حد الزاني وأخذ منه مهر مثلها فطرح في المقسم إلا أن تلد منه فتكون عليه قيمتها )

يعني إذا كان الواطىء من الغانمين أو ممن لولده فيها حق فلا حد عليه لأن الملك يثبت للغانمين في الغنيمة فيكون للواطىء حق في هذه الجارية وإن كان قليلا فيدرأ عنه الحد للشبهة وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك وأبو ثور عليه الحد لقول الله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2

وهو زان ولأنه وطىء في غير ملك عامدا عالما بالتحريم فلزمه الحد كما لو وطىء جارية غيره وقال الأوزاعي كل من سلف من علمائنا يقول عليه أدنى الحدين مائة جلدة ومنع بعض الفقهاء ثبوت الملك في الغنيمة وقال إنما يثبت بالأخبار بدليل أن أحدهم لو قال أسقطت حقي سقط ولو ثبت ملكه لم يزل بذلك كالوارث

ولنا إن له فيها شبهة الملك فلم يجب عليه الحد كوطء الجارية المشتركة والآية مخصوصة بوطء الجارية المشتركة وجارية ابنه فنقيس عليه هذا ومنع الملك لا يصح لأن ملك الكفار قد زال ولا يزول إلا إلى مالك ولأنه


260

تصح قسمته ويملك الغانمون طلب قسمتها فأشبهت مال الوارث إنما كثر الغانمون فقل نصيب الواطىء ولم يستقر في شيء بعينه وكان للإمام تعيين نصيب كل واحد بغير اختياره فلذلك جاز أن يسقط بالإسقاط بخلاف الميراث وضعف الملك لا يخرجه عن كونه شبهة في الحد الذي يدرأ بالشبهات ولهذا يسقط الحد بأدنى شيء وإن لم يكن حقيقة الملك فهو شبهة

إذا ثبت هذا فإنه يعزر ولا يبلغ بالتعزير الحد على ما أسلفناه ويؤخذ منه مهر مثلها فيطرح في المقسم وبهذا قال الشافعي

وقال القاضي إنه يسقط عنه من المهر قدر حصته منها ويجب عليه بقيته كما لو وطىء جارية مشتركة بينه وبين غيره وليس بصحيح لأننا إذا أسقطنا عنه حصته وأخذنا الباقي فطرحناه في المغنم ثم قسمناه على الجميع وهو فيهم عاد إليه سهم من حصة غيره ولأن قدر حصته قد لا تمكن معرفته لقلة المهر وكثرة الغانمين ثم إذا أخذناه فإن قسمناه مفردا على من سواه لم يمكن وإن خلطناه ببقية الغنيمة ثم قسمناه على الجميع أخذ سهما مما ليس له فيه حق

إذا ثبت هذا فإن ولدت منه فالولد حر يلحقه نسبه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة هو رقيق لا يلحقه نسبه لأن الغانمين إنما يملكون بالقسمة وقد صادف وطؤه غير ملكه

ولنا إنه وطء سقط فيه الحد بشبهة الملك فيلحق فيه النسب كوطء جارية ابنه وما ذكروه غير مسلم ثم يبطل بوطء جارية ابنه

ويفارق الزنا فإنه يوجب الحد وإذا ثبت هذا فإن الأمة تصير أم ولد له في الحال وقال الشافعي لا تصير أم ولد في الحال لأنها ليست ملكا له فإذا ملكها بعد ذلك فهل تصير أم ولد فيها قولان

ولنا إنه وطء يلحق به النسب لشبهة الملك فتصير به أم ولد كوطء جارية ابنه ويبطل ما ذكروه بجارية الابن ولا نسلم ما ذكروه فإنا قد بينا أن الملك يثبت في الغنيمة بمجرد الاغتنام وعليه قيمتها تطرح في المغنم لأنه فوتها عليهم وأخرجها من الغنيمة بفعله فلزمته قيمتها كما لو قتلها فإن كان معسرا كان في ذمته قيمتها وقال القاضي إذا كان معسرا حسب قدر حصته من الغنيمة فصارت أم ولد وباقيها رقيق للغانمين لأن كونها أم ولد إنما يثبت بالسراية في ملك غيره فلم يسر في حق المعسر كالإعتاق

ولنا إنه استيلاد جعل بعضها أم ولد فيجعل جميعها أم ولد كاستيلاد جارية الابن وفارق العتق لأن الاستيلاد أقوى لكونه فعلا وينفذ من المجنون فأما قيمة الولد فقال أبو بكر فيها روايتان إحداهما تلزمه قيمته حين وضعه تطرح في المغنم لأنه فوت رقه فأشبه ولد المغرور

والثانية لا تلزمه لأنه ملكها حين علقت ولم يثبت ملك الغانمين في الولد بحال فأشبه ولد الأب من جارية ابنه إذا وطئها ولأنه يعتق حين علوقه ولا قيمة له حينئذ وقال القاضي إذا صار نصفها أم ولد يكون الولد كله حرا وعليه قيمة نصفه

فصل إذا كان في الغنيمة من يعتق على بعض الغانمين نظرت فإن كان رجلا لم يعتق لأن


261

العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم وعم علي وعقيلا أخا علي كانا في أسرى بدر فلم يعتقا عليهما ولأن الرجل لا يصير رقيقا بنفس السبي وإن استرق أو كان الأسير امرأة أو صبيا عتق عليه قدر نصيبه وسرى إلى باقيه إن كان موسرا وإن كان معسرا لم يعتق عليه إلا ملكه منه

وقالالشافعي لا يعتق منه شيء وهذا مقتضى قول أبي حنيفة لأنه لا يملك بمجرد الاغتنام ولو ملك لم يتعين ملكه فيه وإن قسمه وجعله في نصيبه واختار تملكه عتق عليه وإلا فلا

وإن جعل له بعضه فاختار تملكه عتق عليه وقوم عليه الباقي

ولنا ما بيناه من أن الملك يثبت للغانمين لكون الاستيلاء التام وجد منهم وهو سبب للملك ولأن ملك الكفار قد زال ولا يزول إلا إلى المسلمين

فصل وإن أعتق بعض الغانمين عبدا من الغنيمة قبل القسمة فإن كان ممن لم يثبت فيه الرق كالرجل قبل استرقاقه لم يعتق لما ذكرناه قبل وإن كان رقيقا كالمرأة والصبي عتق عليه قدر حصته وسرى إلى باقيه إن كان موسرا وعليه قيمة باقيه تطرح في المقسم وإن كان معسرا عتق عليه قدر ملكه من الغنيمة لأنه موسر بقدر حصته من الغنيمة فإن كان بقدر حقه من الغنيمة عتق ولم يأخذ شيئا وإن كان دون حقه أخذ باقي حقه وإن كان أكثر من حقه لم يعتق إلا قدر حقه فإن أعتق عبدا ثانيا وفضل من حقه عن الأول شيء عتق بقدره من الثاني وإن لم يفضل شيء لم يعتق من الثاني شيء

فصل ويكره نقل رؤوس المشركين من بلد إلى بلد والمثلة بقتلاهم وتعذيبهم لما روى سمرة بن جندب قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة

وعن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان رواهما أبو داود

وعن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح رواه النسائي وعن عبد الله بن عامر أنه قدم على أبي بكر الصديق برأس البطريق فأنكر ذلك فقال يا خليفة رسول الله فإنهم يفعلون ذلك بنا قال فاستنان بفارس والروم لا يحمل إلي رأس فإنما يكفي الكتاب والخبر

وقال الزهري لم يحمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم رأس قط

وحمل إلى أبي بكر رأس فأنكره وأول من حملت إليه الرؤوس عبد الله بن الزبير ويكره رميها في المنجنيق نص عليه أحمد وإن فعلوا ذلك لمصلحة جاز لما روينا أن عمرو بن العاص حين حاصر الإسكندرية ظفر أهلها برجل من المسلمين فأخذوا رأسه فجاء قومه عمرا مغضبين فقال لهم عمرو خذوا رجلا منهم فاقطعوا رأسه فارموا به إليهم في المنجنيق ففعلوا ذلك فرمى أهل الإسكندرية رأس المسلم إلى قومه


262

فصل يجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدية المقوقس صاحب مصر فإن كان ذلك في حال الغزو فقال أبو الخطاب ما أهداه المشركون لأمير الجيش أو لبعض قواده فهو غنيمة لأنه لا يفعل ذلك إلا لخوفه من المسلمين

فظاهر هذا أن ما أهدي لآحاد الرعية فهو له وقال القاضي هو غنيمة أيضا وإن كان من دار الحرب إلى دار الإسلام فهو لمن أهدى له سواء كان الإمام أو غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهدية فكانت له دون غيره وهذا قول الشافعي ومحمد وقال أبو حنيفة هو للمهدي له بكل حال لأنه خص بها أشبه إذا كان في دار الإسلام وحكي ذلك رواية عن أحمد

ولنا إنه أخذ ذلك بظهر الجيش أشبه ما لو أخذه قهرا ولأنه إذا أهدي للإمام أو الأمير فالظاهر أنه يداري عن نفسه به فأشبه ما أخذ منه قهرا وأما إن أهدي لآحاد المسلمين فلم يقصد به ذلك في الظاهر لعدم الخوف منه فيكون له كما لو أهدي إليه في دار الإسلام ويحتمل أن ينظر فإن كان بينهما مهاداة قبل ذلك فله ما أهدي إليه وإن تجدد ذلك بالدخول إلى دارهم فهو للمسلمين كقولنا في الهدية إلى القاضي


263

كتاب الجزية

وهي الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام وهي فعلة من جزى يجزي إذا قضى

قال الله تعالى واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا البقرة 48

تقول العرب جزيت ديني إذا قضيته والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع

أما الكتاب فقول الله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29

وأما السنة فما روى المغيرة بن شعبة أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند أمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية أخرجه البخاري

وعن بريدة أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله تعالى في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرا وقال له إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل وكف عنهم فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم في أخبار كثيرة وأجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية في الجملة

مسألة

قال ( ولا تقبل الجزية إلا من يهودي أو نصراني أو مجوسي إذا كانوا مقيمين على ما عوهدوا عليه )

وجملته أن الذين تقبل منهم الجزية صنفان أهل كتاب ومن له شبهة كتاب فأهل الكتاب اليهود والنصارى ومن دان بدينهم كالسامرة يدينون بالتوراة ويعملون بشريعة موسى عليه السلام وإنما خالفوهم في فروع دينهم وفرق النصارى من اليعقوبية والنسطورية والملكية والفرنجة والروم والأرمن وغيرهم ممن دان بالإنجيل وانتسب إلى عيسى عليه السلام والعمل بشريعته فكلهم من أهل الإنجيل ومن عدا هؤلاء من الكفار فليس من أهل الكتاب بدليل قول الله تعالى أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا الأنعام 156

واختلف أهل العلم في الصابئين فروي عن أحمد أنهم جنس من النصارى وقال في موضع آخر بلغني أنهم يسبتون فهؤلاء إذا سبتوا فهم من اليهود

وروي عن عمر أنه قال هم يسبتون

وقال مجاهد هم بين اليهود والنصارى وقال السدي والربيع هم من أهل الكتاب وتوقف الشافعي في أمرهم

والصحيح أنه ينظر فيهم فإن كانوا يوافقون أحد أهل الكتابين في نبيهم وكتابهم فهم منهم وإن خالفوهم في ذلك فليس هم من أهل الكتاب


264

ويروى عنهم أنهم يقولون إن الفلك حي ناطق وإن الكواكب السبعة آلهة فإن كانوا كذلك فهم كعبدة الأوثان وأما أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور وداود فلا تقبل منهم الجزية لأنهم من غير الطائفتين ولأن هذه الصحف لم تكن فيها شرائع إنما هي مواعظ وأمثال كذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم صحف إبراهيم وزبور داود في حديث أبي ذر

وأما الذين لهم شبهة كتاب فهم المجوس فإنه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع فصار لهم بذلك شبهة أوجبت حقن دمائهم وأخذ الجزية منهم ولم ينتهض في إباحة نكاح نسائهم ولا ذبائحهم دليل هذا قول أكثر أهل العلم ونقل عن أبي ثور أنهم من أهل الكتاب وتحل نساؤهم وذبائحهم لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه وأن ملكهم سكر فوقع على بنته وأخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته فلما صحا جاؤوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم ودعا أهل مملكته وقال أتعلمون دينا خيرا من دين آدم وقد أنكح بنيه بناته فأنا على دين آدم قال فتابعه قوم وقاتلوا الذين يخالفوهم فأصبحوا وقد أسري بكتابهم ورفع العلم الذي في صدورهم فهم أهل كتاب وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وأراه قال عمر منهم الجزية رواه اشافعي وسعيد وغيرهما ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب

ولنا قول الله تعالى أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا الأنعام 156

والمجوس من غير الطائفتين وقول النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب يدل على أنهم غيرهم وروى البخاري بإسناده عن بجالة أنه قال ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى يحدثه عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر ولو كانوا أهل كتاب لما وقف عمر في أخذ الجزية منهم مع أمر الله تعالى بأخذ الجزية من أهل الكتاب وما ذكروه هو الذي صار لهم به شبهة الكتاب

وقد قال أبو عبيد لا أحسب ما رووه عن علي في هذا محفوظا ولو كان له أصل لما حرم النبي صلى الله عليه وسلم نساءهم وهو كان أولى بعلم ذلك ويجوز أن يصح هذا تحريم نسائهم وذبائحهم لأن الكتاب المبيح لذلك هو الكتاب المنزل على إحدى الطائفتين وليس هؤلاء منهم ولأن كتابهم رفع فلم ينتهض للإباحة

ويثبت به حقن دمائهم

وأما قول أبي ثور في حل ذبائحهم ونسائهم فيخالف الإجماع فلا يلتفت إليه وقوله عليه السلام سنوا بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم

إذا ثبت هذا فإن أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس ثابت


265

بالإجماع لا نعلم في هذا خلافا فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على ذلك وعمل به الخلفاء الراشدون ومن بعدهم إلى زماننا هذا من غير نكير ولا مخالف وبه يقول أهل العلم من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر وغيرهم مع دلالة الكتاب على أخذ الجزية من أهل الكتاب ودلالة السنة على أخذ الجزية من المجوس بما روينا من قول المغيرة لأهل فارس أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية وحديث بريدة وعبد الرحمن بن عوف وقول النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب ولا فرق بين كونهم عجما أو عربا وبهذا قال مالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو يوسف لا تؤخذ الجزية من العرب لأنهم شرفوا بكونهم من رهط النبي صلى الله عليه وسلم

ولنا عموم الآية وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى دومة الجندل فأخذ أكيدر دومة فصالحه على الجزية وهو من العرب رواه أبو داود وأخذ الجزية من نصارى نجران وهم عرب وبعث معاذا إلى اليمن فقال إنك تأتي قوما أهل الكتاب متفق عليه وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا وكانوا عربا

قال ابن المنذر ولم يبلغنا أن قوما من العجم كانوا سكانا باليمن حيث وجه معاذا

ولو كان لكان في أمره أن يأخذ من جميعهم من كل حالم دينارا دليل على أن العرب تؤخذ منهم الجزية وحديث بريدة فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر من بعثه على سرية أن يدعو عدوه إلى أداء الجزية ولم يخص بها عجميا دون غيره وأكثر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يغزو العرب ولأن ذلك إجماع فإن عمر رضي الله عنه أراد الجزية من نصارى بني تغلب فأبوا ذلك وسألوه أن يأخذ منهم مثلما يأخذ من المسلمين فأبى ذلك عليهم حتى لحقوا بالروم ثم صالحهم على ما يأخذه منهم عوضا عن الجزية فالمأخوذ منهم جزية غير أنه على غير صفة جزية غيرهم وما أنكر أخذ الجزية منهم أحد فكان ذلك إجماعا وقد ثبت بالقطع واليقين أن كثيرا من نصارى العرب ويهودهم كانوا في عصر الصحابة في بلاد الإسلام ولا يجوز إقرارهم فيها بغير جزية فثبت يقينا أنهم أخذوا الجزية منهم وظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين من دخل في دينهم قبل تبديل كتابهم ولا بين أن يكون ابن كتابيين أو ابن وثنيين أو ابن كتابي ووثني

وقال أبو الخطاب من دخل في دينهم بعد تبديل كتابهم لم تقبل منه الجزية ومن ولد بين أبوين أحدهما تقبل منه الجزية والآخر لا تقبل منه فهل تقبل منه على وجهين وهذا مذهب الشافعي

ولنا عموم النص فيهم ولأنهم من أهل دين تقبل من أهله الجزية فيقرون بها كغيرهم وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا مقيمين على ما عوهدوا عليه من بذل الجزية والتزام أحكام الملة لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية أي يلتزموا أداءها فما لم يوجد ذلك يبقوا على إباحة دمائهم وأموالهم


266

فصل ولا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين أحدهما أن يلتزموا إعطاء الجزية في كل حول

والثاني التزام أحكام الإسلام وهو قبول ما يحكم به عليهم من أداء حق أو ترك محرم لقول الله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29

وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة فادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ولا تعتبر حقيقة الإعطاء ولا جريان الأحكام لأن إعطاء الجزية إنما يكون في آخر الحول والكف عنهم في ابتدائه عند البذل والمراد بقوله حتى يعطوا أي يلتزموا الإعطاء ويجيبوا إلى بذله كقول الله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم التوبة 5

والمراد به التزام ذلك دون حقيقته فإن الزكاة إنما يجب أداؤها عند الحول لقوله عليه السلام لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول

مسألة

قال ( ومن سواهم فالإسلام أو القتل )

يعني من سوى اليهود والنصارى والمجوس لا تقبل منهم الجزية ولا يقرون بها ولا يقبل منهم إلا الإسلام فإن لم يسلموا قتلوا هذا ظاهر مذهب أحمد وروى عنه الحسن بن ثواب أنها تقبل من جميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب لأن حديث بريدة يدل بعمومه على قبول الجزية من كل كافر إلا أنه خرج منه عبدة الأوثان من العرب لتلغط كفرهم من وجهين أحدهما دينهم

والثاني كونهم من رهط النبي صلى الله عليه وسلم

وقال الشافعي لا تقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس لكن في أهل الكتاب غير اليهود والنصارى مثل أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور داود ومن تمسك بدين آدم وإدريس وجهان أحدهما يقرون بالجزية لأنهم من أهل الكتاب فأشبهوا اليهود والنصارى وقال أبو حنيفة تقبل من جميع الكفار إلا العرب لأنهم رهط النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقرون على غير دينه وغيرهم يقر بالجزية لأنه يقر بالاسترقاق فأقروا بالجزية كالمجوس وعن مالك أنها تقبل من جميعهم إلا مشركي قريش لأنهم ارتدوا وعن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أنها تقبل من جميعهم وهو قول عبد الرحمن بن يزيد بن جابر لحديث بريدة ولأنه كافر فيقر بالجزية كأهل الكتاب

ولنا قول الله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة 5

وقول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وهذا عام خص منه أهل الكتاب بالآية والمجوس بقول النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب فمن عداهم من الكفار يبقى على قضية العموم وقد بينا أن أهل من الصحف غير أهل الكتاب المراد بالآية فيما تقدم


267

فصل

وإذا عقد الذمة لكفار زعموا أنهم من أهل الكتاب ثم تبين أنهم عبدة الأوثان فالعقد باطل من أصله وإن شككنا فيهم لم ينتقض عهدهم بالشك لأن الأصل صحته فإن أقر بعضهم بذلك دون بعض قبل من المقر في نفسه فانتقض عهده في حق من لم يقر بحاله

مسألة

قال ( والمأخوذ منهم الجزية على ثلاث طبقات فيؤخذ من أدونهم اثنا عشر درهما ومن أوسطهم أربعة وعشرون درهما ومن أيسرهم ثمانية وأربعون درهما )

الكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما في تقدير الجزية

والثاني في كمية مقدارها

فأما الأول ففيه ثلاث روايات أحدها أنها مقدرة بمقدر لا يزاد عليه ولا ينقص منه وهذا قول أبي حنيفة والشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها مقدرة بقوله لمعاذ خذ من كل حالم دينارا أو عدله مغافر وفرضها عمر مقدرة بمحضر من الصحابة فلم ينكر فكان إجماعا

والثانية أنها غير مقدرة بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان قال الأثرم قيل لأبي عبد الله فيزاد اليوم فيه وينقص يعني الجزية قال نعم يزاد فيه وينقص على قدر طاقتهم على قدر ما يرى الإمام وذكر أنه زيد عليهم فيما مضى درهمان فجعله خمسين قال الخلال العمل في قول أبي عبد الله على ما رواه الجماعة بأنه لا بأس للإمام أن يزيد في ذلك وينقص على ما رواه عنه أصحابه في عشرة مواضع فاستقر قوله على ذلك

وهذا قول الثوري وأبي عبيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذا أن يأخذ من كل حالم دينارا وصالح أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر والنصف في رجب رواهما أبو داود وعمر جعل الجزية على ثلاث طبقات على الغني ثمانية وأربعين درهما وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما وعلى الفقير اثني عشر درهما وصالح بني تغلب على مثل ما على المسلمين من الزكاة وهذا يدل على أنها إلى رأي الإمام لولا ذلك لكانت على قدر واحد في جميع هذه المواضع ولم يجز أن تختلف قال البخاري قال ابن عيينة عن أبي نجيح قلت لمجاهد ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار قال جعل ذلك من أجل اليسار ولأنها عوض فلم تقدر كالأجرة

والرواية الثالثة أن أقلها مقدر بدينار وأكثرها غير مقدر وهو اختيار أبي بكر فتجوز الزيادة ولا يجوز النقصان لأن عمر زاد على ما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقص منه وروي أنه زاد على ثمانية وأربعين فجعلها خمسين

الفصل الثاني أننا إذا قلنا بالرواية الأولى وأنها مقدرة فقدرها في حق الموسر ثمانية وأربعون


268

درهما وفي حق المتوسط أربعة وعشرون وفي حق الفقير اثنا عشر وهذا قول أبي حنيفة

وقال مالك هي في حق الغني أربعون درهما أو أربعة دنانير وفي حق الفقير عشرة دراهم أو دينار

وروي ذلك عن عمر وقال الشافعي الواجب دينار في حق كل واحد لحديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا رواه أبو داود وغيره إلا أن المستحب جعلها على ثلاث طبقات كما ذكرناه لنخرج من الخلاف قالوا وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع من غيره

ولنا حديث عمر رضي الله عنه وهو حديث لا شك في صحته وشهرته بين الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم ولم ينكره منكر ولا خلاف فيه وعمل به من بعده من الخلفاء رضي الله عنهم فصار إجماعا لا يجوز الخطأ عليه وقد وافق الشافعي على استحباب العمل به وأما حديث معاذ فلا يخلو من وجهين أحدهما أنه فعل ذلك لغلبة الفقر عليهم بدليل قول مجاهد لأن ذلك من أجل اليسار

والوجه الثاني أن يكون التقدير غير واجب بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام ولأن الجزية وجبت صغارا أو عقوبة فتختلف باختلاف أحوالهم كالعقوبة في البدن منهم من يقتل ومنهم من يسترق ولا يصح كونها عوضا عن سكنى الدار لأنها لو كانت كذلك لوجبت على النساء والصبيان والزمنى والمكافيف

فصل وحد اليسار في حقهم ما عده الناس غنى في العادة وليس بمقدر لأن التقديرات بابها التوقيف ولا توقيف في هذا فيرجع فيه إلى العادة والعرف

فصل إذا بذلوا الجزية لزم قبولها وحرم قتالهم لقول الله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله

إلى قوله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29

فجعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم فمتى بذلوها لم يجز قتالهم وقول النبي صلى الله عليه وسلم فادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم وإن قلنا إن الجزية غير مقدرة الأكثر لم يحرم قتالهم حتى يجيبوا إلى بذل ما لا يجوز طلب أكثر منه مما يحتمله حالهم

فصل وتجب الجزية في آخر كل حول وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة تجب بأوله ويطالب بها عقيب العقد وتجب الثانية في أول الحول الثاني لقول الله تعالى حتى يعطوا الجزية التوبة 29

ولنا إنه مال يتكرر بتكرر الحول أو يؤخذ في آخر كل حول فلم يجب بأوله كالزكاة والدية

وأما الآية فالمراد بها التزام إعطائها دون نفس الإعطاء ولهذا يحرم قتالهم بمجرد بذلها قبل أخذها

فصل وتؤخذ الجزية مما يسر من أموالهم ولا يتعين أخذها من ذهب ولا فضة نص عليه أحمد وهو قول الشافعي وأبي عبيد وغيرهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو


269

عدله معافر وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ من نصارى نجران ألفي حلة وكان عمر يؤتى بنعم كثيرة يأخذها من الجزية

وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان يأخذ الجزية من كل ذي صنعة من متاعه من صاحب الإبر إبرا ومن صاحب المسال مسالا ومن صاحب الحبال حبالا ثم يدعو الناس فيعطيهم الذهب والفضة فيقتسمونه ثم يقول خذوا فاقتسموا فيقولون لا حاجة لنا فيه فيقول أخذتم خياره وتركتم شراره لتحملنه

وإذا ثبت هذا فإنه يؤخذ بالقيمة لقوله عليه السلام أو عدله مغافرا

فصل ولا يصح عقد الذمة والهدنة إلا من الإمام أو نائبه وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه خلافا لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة ولأن عقد الذمة عقد مؤبد فلم يجز أن يفتات به على الإمام فإن فعله غير الإمام أو نائبه لم يصح لكن إن عقده على ما لا يجوز أن يطلب منهم أكثر منه لزم الإمام إجابتهم إليه وعقدها عليه

فصل ويجوز أن يشرط عليهم في عقد الذمة ضيافة من يمر بهم من المسلمين لما روى الإمام أحمد بإسناده عن الأحنف بن قيس أن عمر شرط عليهم ضيافة يوم وليلة وأن يصلحوا القناطر وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته قال ابن المنذر وروي عن عمر أنه قضى على أهل الذمة ضيافة من يمر بهم من المسلمين ثلاثة أيام وعلف دوابهم وما يصلحهم

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب على نصار ثلاثمائة دينار وكانوا ثلاثمائة نفس في كل سنة وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام ولأن في هذا ضربا من المصلحة لأنهم ربما امتنعوا من مبايعة المسلمين إضرارا بهم فإذا شرطت عليهم الضيافة أمن ذلك وإن لم تشرط الضيافة عليهم لم تجب ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي ومن أصحابنا من تجب بغير شرط لوجوبها على المسلمين والأول أصح لأنه أداء مال فلم يجب بغير رضاهم كالجزية فإن شرطها عليهم فامتنعوا من قبولها لم تعقد لهم الذمة وقال الشافعي لا يجوز قتالهم عليها

ولنا انه شرط سائغ امتنعوا من قبوله فقوتلوا عليه كالجزية

فصل ذكر القاضي أنه إذا شرط الضيافة فإنه يبين أيام الضيافة وعدد من يضاف من الرجالة والفرسان فيقول تضيفون في كل سنة مائة يوم عشرة من المسلمين من خبز كذا وأدم كذا وللفرس من التبن كذا ومن الشعير كذا فإن شرط الضيافة مطلقا صح في الظاهر لأن عمر رضي الله عنه شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين من غير عدد ولا تقدير قال أبو بكر إذا أطلق مدة الضيافة فالواجب يوم وليلة لأن ذلك الواجب على المسلمين ولا يكلفون الذبيحة ولا ضيافتهم بأرفع من طعامهم لأنه يروى عن عمر أنه شكا إليه


270

أهل الذمة أن المسلمين يكلفونهم الذبيحة فقال أطعموهم مما تأكلون وقال الأوزاعي ولا يكلفون الذبيحة ولا الشعير

وقال القاضي إذا وقع الشرط مطلقا لم يلزمهم الشعير ويحتمل أن يلزمهم ذلك للخيل لأن العادة جارية فهو كالخبز للرجل وللمسلمين النزول في الكنائس والبيع فإن عمر رضي الله عنه صالح أهل الشام على أن يوسعوا أبواب بيعهم وكنائسهم لمن يجتاز بهم من المسلمين ليدخلوها ركبانا فإن لم يجدوا مكانا فلهم النزول في الأفنية وفضول المنازل وليس لهم تحويل صاحب المنزل منه والسابق إلى منزل أحق به ممن يأتي بعده فإن امتنع بعضهم من القيام بما شرط أجبر عليه فإن امتنع الجميع أجبروا

فإن لم يمكن إلا بالمقاتلة قوتلوا فإن قاتلوا فقد نقضوا العهد

فصل وتقسم الضيافة بينهم على قدر جزيتهم فإن جعل الضيافة مكان الجزية جاز لما روي أن عمر رضي الله عنه كتب في الجاهلية لراهب من أهل الشام إنني إن وليت هذه الأرض أسقطت عنك خراجك فلما قدم الجابية وهو أمير المؤمنين جاءه بكتابه فعرفه وقال إنني جعلت لك ما ليس لي ولكن اختر إن شئت أداء الخراج وإن شئت أن تضيف المسلمين فاختار الضيافة ويشترط عليه ضيافة يبلغ قدرها أقل الجزية مقدرة الأقل لئلا ينقص خراجه عن أقل الجزية وذكر أن من الشروط الفاسدة اشتراط الاكتفاء بضيافتهم عن جزيتهم لأن الله تعالى أمر بقتالهم ممدودا إلى إعطاء الجزية فإن لم يعطها كان قتالهم مباحا ووجه الأول أن هذا اشتراط مال يبلغ قدر الجزية فجاز كما لو شرط عليهم الجزية مغافر

فصل وإذا شرط في عقد الذمة شرطا فاسدا مثل أن يشترط أن لا جزية عليهم أو إظهار المنكر أو إسكانهم الحجاز أو إدخالهم الحرم ونحو هذا

فقال القاضي يفسد العقد به لأنه شرط فعل محرم فأفسد العقد كما لو شرط قتال المسلمين ويحتمل أن يفسد الشرط وحده

ويصح العقد بناء على الشروط الفاسدة في البيع والمضاربة

مسألة

قال ( ولا جزية على صبي ولا زائل العقل ولا امرأة )

لا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذا وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأبو ثور وقال ابن المنذر ولا أعلم عن غيرهم خلافهم

وقد دل على صحة هذا أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد أن اضربوا الجزية ولا تضربوها على النساء والصبيان ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي رواه سعيد وأبو عبيد والأثرم وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ خذ من كل حالم دينارا دليل على أنها لا تجب على غير بالغ ولأن الدية تؤخذ لحقن الدم وهؤلاء دماؤهم محقونة بدونها


271

فصل وإن بذلت المرأة الجزية أخبرت أنها لا جزية عليها فإن قالت فأنا أتبرع بها أو أنا أؤديها قبلت منها ولم تكن جزية بل هبة تلزم بالقبض فإن شرطته على نفسها ثم رجعت كان لها ذلك وإن بذلت الجزية فتصير إلى دار الإسلام مكنت من ذلك بغير شيء ولكن يشترط عليها التزام أحكام الإسلام وتعقد لها الذمة ولا يؤخذ منها شيء إلا أن تتبرع به بعد معرفتها أنه لا شيء عليها وإن أخذ منها شيء على غير ذلك رد إليها لأنها بذلته معتقدة أنه عليها وأن دمها لا يحقن إلا به فأشبه من أدى مالا إلى من يعتقد أنه له فتبين أنه ليس له ولو حاصر المسلمون حصنا ليس فيه إلا نساء فبذلن الجزية لتعقد لهن الذمة عقدت لهن بغير شيء وحرم استرقاقهن كالتي قبلها سواء فإن كان في الحصن معهن رجال فسألوا الصلح لتكون الجزية على النساء والصبيان دون الرجال لم تصح لأنهم جعلوها على غير من هي عليه

وبرؤوا من تجب عليه وإن بذلوا جزية عن الرجال ويؤدوا عن النساء والصبيان من أموالهم جاز وكان ذلك زيادة في جزيتهم وإن كان من أموال النساء والصبيان لم يجز لأنهم يجعلون الجزية على من لا تلزمه فإن كان القدر الذي بذلوه من أموالهم مما يجزىء في الجزية أخذ منهم وسقط الباقي

فصل ومن بلغ من أولاد أهل الذمة أو أفاق من مجانينهم فهو من أهلها بالعقد الأول لا يحتاج إلى استئناف عقد له

وقال القاضي في موضع هو مخير بين التزام العقد وبين أن يرد إلى مأمنه فإن اختار الذمة عقدت له وإلا ألحق بمأمنه وهو قول الشافعي

ولنا إنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه تجديد العقد لهؤلاء ولأن العقد يكون مع سادتهم فيدخل فيه سائرهم ولأنه عقد عهد مع الكفار فلم يحتج إلى استئنافه لذلك كالهدنة ولأن الصغار والمجانين دخلوا في العقد فلم يحتج إلى تجديده لهم عند تغير أحوالهم كغيرهم

ولأنه عقد دخلوا فيه فيلزمهم بعد البلوغ والإفاقة كالإسلام

إذا ثبت هذا فإن كان البلوغ والإفاقة في أول حول قومه أخذ منه في آخره معهم وإن كان في أثناء الحول أخذ منه عند تمام الحول بقسطه ولم يترك حتى يتم حوله لئلا يحتاج إلى إفراده بحول وضبط حول كل إنسان منهم وربما أفضى إلى أن يصير لكل واحد حول منفردا

فصل ومن كان يجن ويفيق فله ثلاثة أحوال أحدها أن يكون جنونه غير مضبوط مثل من يفيق ساعة من يوم أو أيام أو يصرع ساعة من يوم أو أيام فهذا يعتبر حاله بالأغلب لأن مدة الإفاقة غير ممكن مراعاتها لتعذر ضبطها

والثاني أن يكون مضبوطا مثل من يجن يوما ويفيق يومين أو أقل من ذلك أو أكثر إلا أنه مضبوط ففيه وجهان


272

أحدهما يعتبر الأغلب من حاله وهذا مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه لأنه يجن ويفيق فيعتبر الأغلب من حاله كالأول

والثاني تلفق أيام إفاقته لأنه لو كان مفيقا في الكل وجبت الجزية فإذا وجدت الإفاقة في بعض الحول وجب فيما يجب به لو انفرد فعلى هذا الوجه في أخذ الجزية وجهان أحدهما أن أيامه تلفق فإذا كملت حولا أخذت منه لأن أخذها قبل ذلك أخذ لجزيته قبل كمال الحول فلم يجز كالصحيح

والثاني يؤخذ منه في آخر كل حول بقدر ما أفاق منه كما لو أفاق في بعض الحول إفاقة مستمرة وإن كان يجن ثلث الحول ويفيق ثلثيه أو بالعكس ففيه الوجهان كما ذكرنا فإن استوت إفاقته وجنونه مثل من يجن يوما ويفيق يوما أو يجن نصف الحول ويفيق نصفه عادة لفقت إفاقته لأنه تعذر اعتبار الأغلب لعدمه فتعين الاحتمال الآخر

الحال الثالث أن يجن نصف حول ثم يفيق إفاقة مستمرة أو يفيق نصفه ثم يجن جنونا مستمرا فلا جزية عليه في الثاني وعليه في الأول من الجزية بقدر ما أفاق من الحول على ما تقدم شرحه والله أعلم

مسألة

قال ( ولا على فقير )

يعني الفقير العاجز عن أدائها وهذا أحد أقوال الشافعي وقال في الآخر يجب عليه لقوله عليه السلام خذ من كل حالم دينارا ولأن دمه غير محقون فلا تسقط عنه الجزية كالقادر عليه

ولنا أن عمر رضي الله عنه جعل الجزية على ثلاث طبقات جعل أدناها على الفقير المعتمل فيدل على أن غير المعتمل لا شيء عليه ولأن الله تعالى قال لا يكلف الله نفسا إلا وسعها البقرة 286

ولأن هذا مال يجب بحلول الحول فلا يلزم الفقير العاجز كالزكاة والعقل ولأن الخراج ينقسم إلى خراج أرض وخراج رؤوس ثم ثبت أن خراج الأرض على قدر طاقتها وما لا طاقة له لا شيء عليه كذلك خراج الرؤوس وأما الحديث فيتناول الأخذ ممن يمكن الأخذ منه ومن لا يمكن الأخذ منه فالأخذ منه مستحيل فكيف يؤمر به

مسألة

قال ( ولا شيخ فان ولا زمن ولا أعمى )

هؤلاء الثلاثة ومن في معناهم ممن به داء لا يستطيع معه القتال ولا يرجى برؤه لا جزية عليهم وهو قول أصحاب الرأي وقالالشافعي في أحد قوليه عليهم الجزية بناء على قتلهم وقد سبق قولنا في أنهم لا يقتلون فلا تجب عليهم الجزية كالنساء والصبيان

مسألة

قال ( ولا على سيد عبد عن عبده إذا كان السيد مسلما )


273

لاخلاف في هذا نعلمه لأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا جزية على العبد وعن ابن عمر مثله ولأن ما لزم العبد إنما يؤديه سيده فيؤدي إيجابه على عبد المسلم إلى إيجاب الجزية على مسلم

فأما إن كان العبد لكافر فالمنصوص عن أحمد أنه لا جزية عليه أيضا وهو قول عامة أهل العلم

قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنه لا جزية على العبد وذلك لما ذكر من الحديث ولأنه محقون الدم فأشبه النساء والصبيان أو لا مال له فأشبه الفقير العاجز ويحتمل كلام الخرقي إيجاب الجزية عليه يؤديها سيده وروي ذلك أيضا عن أحمد وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا مما في أيديهم لأنهم أهل خراج يبيع بعضهم بعضا ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد إذ أنفذه الله منه

قال أحمد أراد أن يوفر الجزية لأن المسلم إذا اشتراه سقط عنه أداء ما يؤخذ منه والذمي يؤدي عنه وعن مملوكه خراج جماجمهم وروي عن علي مثل حديث عمر ولأنه ذكر مكلف قوي مكتسب فوجبت عليه الجزية كالحر والأول أولى

فصل ومن بعضه حر فقياس المذهب أن عليه من الجزية بقدر ما فيه من الحرية لأنه حكم يتجزأ يختلف بالرق والحرية فيقسم على قدر ما فيه كالإرث

فصل ولا جزية على أهل الصوامع من الرهبان ويحتمل وجوبها عليهم وهذا أحد قولي الشافعي وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه فرض على رهبان الديارات الجزية على كل راهب دينارين ووجه ذلك عموم النصوص ولأنه كافر صحيح قادر على أداء الجزية فأشبه الشماس

ووجه الأول أنهم محقونون بدون الجزية فلم تجب عليهم كالنساء وقد ذكرنا أنه يحرم قتلهم والنصوص مخصوصة بالنساء وهؤلاء في معناهن ولأنه لا كسب له فأشبه الفقير غير المعتمل

مسألة

قال ( ومن وجبت عليه الجزية فأسلم قبل أن تؤخذ منه سقطت عنه الجزية )

وجملته أن الذمي إذا أسلم في أثناء الحول لم تجب عليه الجزية وإن أسلم بعد الحول سقطت عنه وهذا قول مالك والثوري وأبي عبيد وأصحاب الرأي وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر إن أسلم بعد الحول لم تسقط لأنها دين يستحقه صاحبه واستحق المطالبة به في حال الكفر فلم يسقط بالإسلام كالخراج وسائر الديون وللشافعي فيما إذا أسلم في أثناء الحول قولان أحدهما عليه من الجزية بالقسط كما لو أفاق بعد الحول

ولنا قول الله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف الأنفال 38 وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس على المسلم جزية رواه الخلال وذكر أن أحمد سئل عنه فقال ليس يرويه غير جرير

قال


274

أحمد وقد روى عن عمر أنه قال إن أخذها في كفه ثم أسلم ردها عليه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ينبغي للمسلم أن يؤدي الخراج يعني الجزية وروي أن ذميا أسلم فطولب بالجزية وقيل إنما أسلمت تعوذا قال إن في الإسلام معاذا فرفع إلى عمر فقال عمر إن في الإسلام معاذا وكتب ألا تؤخذ منه الجزية رواه أبو عبيد بنحو من هذا المعنى ولأن الجزية صغار فلا تؤخذ منه كما لو أسلم قبل الحول ولأن الجزية عقوبة تجب بسبب الكفر فيسقطها الإسلام كالقتل

وبهذا فارق سائر الديون

فصل وإن مات الذمي بعد الحول لم تسقط الجزية عنه في ظاهر كلام أحمد ذكره أحمد وهو مذهب الشافعي وحكى أبو الخطاب عن القاضي أنها تسقط بالموت وهو قول أبي حنيفة

ورواه أبو عبيد عن عمر بن عبد العزيز لأنها عقوبة فتسقط بالموت كالحدود ولأنها تسقط بالإسلام فتسقط بالموت كما قبل الحول

ولنا إنه دين وجب عليه في حياته فلم يسقط بموته كديون الآدميين والحد يسقط بفوات محله وتعذر استيفائه بخلاف الجزية وفارق الإسلام فإنه الأصل والجزية بدل عنه فإذا أتى بالأصل استغنى عن البدل كمن وجد الماء لا يحتاج معه إلى التيمم بخلاف الموت ولأن الإسلام قربة وطاعة يصلح أن يكون معاذا من الجزية كما ذكر عمر رضي الله عنه والموت بخلافه

فصل ولا تتداخل الجزية بل إذا اجتمعت عليه جزية سنين استوفيت منه كلها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة تتداخل لأنها عقوبة فتتداخل كالحدود

ولنا إنها حق مال يجب في آخر كل حول فلم تتداخل كالدية

مسألة

قال ( وإذا أعتق لزمته الجزية لما يستقبل سواء كان المعتق له مسلما أو كافرا )

هذا الصحيح عن أحمد رواه عنه جماعة

وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وبه قال سفيان والليث وابن لهيعة والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وعن أحمد يقر بغير جزية وروي نحو هذا عن الشعبي لأن الولاء شعبة من الرق وهو ثابت عليه ووهن الخلال هذه الرواية وقال هذا قول قديم رجع عنه أحمد والعمل على ما رواه الجماعة وعن مالك كقول الجماعة وعنه إن كان المعتق له مسلما فلا جزية عليه لأن عليه الولاء لمسلم فأشبه ما لو كان عليه الرق

ولنا إنه حر مكلف موسر من أهل القتل فلم يقر في دارنا بغير جزية كالحر الأصلي فإذا ثبت هذا فإن حكمه فيما يستقبل من جزيته حكم من بلغ من صبيانهم أو أفاق من مجانينهم على ما مضى

مسألة

قال ( ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب وتؤخذ الزكاة من أموالهم ومواشيهم وثمرهم مثلي ما يؤخذ من المسلمين )

بنو تغلب بن وائل من العرب من ربيعة بن نزار انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية فدعاهم عمر إلى بذل الجزية فأبوا وأنفوا وقالوا نحن عرب خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة فقال عمر لا آخذ من


275

مشرك صدقة فلحق بعضهم بالروم فقال النعمان بن زرعة يا أمير المؤمنين إن القوم لهم بأس وشدة وهم عرب يأنفون من الجزية فلا تعن عليك عدوك بهم وخذ منهم الجزية باسم الصدقة فبعث عمر في طلبهم فردهم وضعف عليهم من الإبل من كل خمس شاتين ومن كل ثلاثين بقرة تبيعين ومن كل عشرين دينارا دينارا ومن كل مائتي درهم عشرة دراهم وفيما سقت السماء الخمس وفيما سقى بنضح أو غرب أو دولاب العشر فاستقر ذلك من قول عمر ولم يخالفه أحد من الصحابة فصار إجماعا وقال به الفقهاء بعد الصحابة منهم ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه أبى على نصارى بني تغلب إلا الجزية وقال لا والله إلا الجزية وإلا فقد آذنتكم بالحرب والحجة لهذا عموم الآية فيهم

وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال لئن تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم رأي لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذراريهم فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم وذلك أن عمر رضي الله عنه صالحهم على أن لا ينصروا أولادهم والعمل على الأول لما ذكرنا من الإجماع وأما الآية فإن هذا المأخوذ منهم جزية باسم الصدقة فإن الجزية يجوز أخذها من العروض

فصل قال أصحابنا تؤخذ الصدقة مضاعفة من مال من تؤخذ منه الزكاة لو كان مسلما وهذا قول أبي حنيفة وأبي عبيد وذكر قول أهل الحجاز فعلى هذا تؤخذ من مال نسائهم وصبيانهم ومجانينهم وزمناهم ومكافيفهم وشيوخهم إلا أن أبا حنيفة لا يوجب الزكاة في مال صبي ولا مجنون وكذا الواجب على بني تغلب لا يجب في مال صبي ولا مجنون إلا في الأرض خاصة وذهب الشافعي إلى أن هذا جزية تؤخذ باسم الصدقة فلا تؤخذ ممن لا جزية عليه كالنساء والصبيان والمجانين قال وقد روي عن عمر أنه قال هؤلاء حمقى رضوا بالمعنى وأبوا الاسم

وقال النعمان بن زرعة خذ منهم الجزية باسم الصدقة ولأنهم أهل ذمة فكان الواجب عليهم جزية لا صدقة كغيرهم من أهل الذمة ولأنه مال يؤخذ من أهل الكتاب لحقن دمائهم ومساكنهم فكان جزية كما لو أخذ باسم الجزية يحققه أن الزكاة طهرة وهؤلاء لا طهرة لهم

فعلى هذا يكون مصرف المأخوذ منهم مصرف القيء لا مصرف الصدقات وهذا أقيس واحتج أصحابنا بأنهم سألوا عمر أن يأخذ منهم ما يأخذ بعضكم من بعض فأجابهم عمر إليه بعد الامتناع منه والذي يأخذه بعضنا من بعض هو الزكاة من كل مال زكوي لأي مسلم كان من صغير وكبير وصحيح ومريض كذلك المأخوذ من بني تغلب ولأن نساءهم وصبيانهم صينوا عن النبي بهذا الصلح ودخلوا في حكمه فجاز أن يدخلوا في الواجب به كالرجال العقلاء وعلى هذا من كان منهم فقيرا أو له مال غير زكوي كالدور وثياب البذلة وعبيد الخدمة لا شيء عليه كما لا يجب ذلك على أهل الزكاة من المسلمين


276

ولا تؤخذ مما لم يبلغ نصابا فأما مصرف المأخوذ منهم فاختار القاضي أن مصرفه مصرف الفيء لأنه مأخوذ من مشرك ولأنه جزية مسماة بالصدقة

وقال أبو الخطاب مصرفه إلى أهل الصدقات لأنه مسمى باسم الصدقة مسلوك به فيمن يؤخذ منه مسلك الصدقة فيكون مصرفه مصرفها والأول أقيس وأصح لأن معنى الشيء أخص به من اسمه ولهذا لو سمي رجل أسدا أو نمرا أو أسود أو الجر لم يصر له حكم المسمى بذلك ولأن هذا لو كان صدقة على الحقيقة لجاز دفعها إلى فقراء من أخذت منهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم

فصل فإن بذل التغلبي أداء الجزية وتحط عند الصدقة لم يقبل منه لأن الصلح وقع على هذا فلا يغير ويحتمل أن يقبل منه لقول الله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد التوبة 29 وهذا قد أعطى الجزية وإن كان باذلو الجزية منهم حربيا قبلت منه للآية وخبر بريدة ادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ولأنه لم يدخل في صلح الأولين فلم يلزمه حكمه وهو كتابي باذل للجزية فيحقن بها دمه وإن أراد إمام نقض صلحهم وتجديد الجزية عليهم كفعل عمر بن عبد العزيز لم يكن له ذلك لأن عقد الذمة على التأبيد وقد عقده معهم عمر بن الخطاب فلم يكن لغيره نقضه ما داموا على العهد

فصل فأما سائر أهل الكتاب من النصارى واليهود العرب وغيرهم فالجزية منهم مقبولة ولا يؤخذون بما يؤخذ به نصارى بني تغلب نص أحمد على هذا ورواه عن الزهري قال وتذهب إلى أن يأخذ من مواشي بني تغلب خاصة الصدقة ونضعف عليهم كما فعل عمر رضي الله عنه وذكر القاضي وأبو الخطاب أن حكم من تنصر من تنوخ وبهرا أو تهود من كنانة وحمير وتمجس من تميم حكم بني تغلب سواء وذكر ذلك عن الشافعي نص عليه في تنوخ وبهرا لأنهم من العرب فأشبهوا بني تغلب

ولنا عموم قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29 وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال خذ من كل حالم دينارا وهم عرب وقبل الجزية من أهل نجران وهم من بني الحارث بن كعب قال الزهري أول من أعطى الجزية أهل نجران وكانوا نصارى وأخذ الجزية من أكيدر دومة وهو عربي وحكم الجزية ثابت بالكتاب والسنة في كل كتابي عربيا كان أو غير عربي إلا ما خص به بنو تغلب لمصالحة عمر إياهم ففيما عداهم يبقى الحكم على عموم الكتاب وشواهد السنة ولم يكن بين غير بني تغلب وبين أحد من الأئمة صلح كصلح بني تغلب فيما بلغنا ولا يصح قياس غير بني تغلب عليهم لوجوه أحدها أن قياس سائر العرب عليهم يخالف النصوص التي ذكرناها ولا يصح قياس المنصوص عليه على ما تلزم منه مخالفة النص


277

والثاني أن العلة في بني تغلب الصلح ولم يوجد الصلح مع غيرهم ولا يصح القياس مع تخلف العلة

الثالث أن بني تغلب كانوا ذوي قوة وشوكة لحقوا بالروم وخيف منهم الضرر إن لم يصالحوا ولم يوجد هذا في غيرهم فإن وجد هذا في غيرهم فامتنعوا من أداء الجزية وخيف الضرر بترك مصالحتهم فرأى الإمام مصالحتهم على أداء الجزية باسم الصدقة جاز ذلك إذا كان المأخوذ منهم بقدر ما يجب من الجزية أو زيادة قال علي بن سعيد سمعت أحمد يقول أهل الكتاب ليس عليهم في مواشيهم صدقة ولا في أموالهم إنما تؤخذ منهم الجزية إلا أن يكونوا صولحوا على أن تؤخذ منهم كما صنع عمر في نصارى بني تغلب حين أضعف عليهم الصدقة في صلحه إياهم وذكر هذا أبو إسحاق صاحب المهذب في كتابه والحجة في هذا قصة بني تغلب وقياسهم عليهم إذا كانوا في معناهم أما قياس من لم يصالح عليهم في جعل جزيتهم صدقة فلا يصح والله أعلم

فصل وإذا اتجر نصراني تغلبي فمر بالعاشر فقال أحمد يؤخذ منه العشر ضعف ما يؤخذ من أهل الذمة وروي بإسناده عن زياد بن حدير أن عمر بعثه مصدقا أن يأخذ من نصارى بني تغلب العشر ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر ورواه أبو عبيد

وقال حديث داود بن كردوس والنعمان بن زرعة هو الذي عليه العمل أن يكون عليهم الضعف مما على المسلمين ألا تسمعه يقول من كل عشرين درهما درهما وإنما يؤخذ من المسلمين إذا مروا بأموالهم ربع العشر من كل أربعين درهما درهم فذاك ضعف هذا وهذا ظاهر كلام الخرقي لقوله مثلا ما يؤخذ من المسلمين وهو أقيس فإن الواجب في سائر أموالهم ضعف ما على المسلمين لا ضعف ما على أهل الذمة

مسألة

قال ( ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله رحمه الله والرواية الأخرى تؤكل ذبائحهم وتنكح نساؤهم )

اختلفت الرواية عن أبي عبد الله في أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم فعنه لا يحل ذلك وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومذهب الشافعي لم يبح الشافعي ذبائح العرب من أهل الكتاب كلهم وكره ذبائح بني تغلب عطاء وسعيد بن جبير ومحمد بن علي والنخعي وقال علي رضي الله عنه إنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر ولأنه يحتمل أنهم دخلوا في دين الكفر بعد التبديل فلم يحل ذلك منهم

والرواية الثانية تحل ذبائحهم ونساؤهم وهذا الصحيح عن أحمد رواه عنه الجماعة وكان آخر الروايتين عنه قال إبراهيم بن الحارث فكان آخر قوله على أنه لا يرى بذبائحهم بأسا وهذا قول ابن عباس وروي نحوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبه قال الحسن والنخعي والشعبي والزهري وعطاء الخراساني والحكم وحماد وإسحاق وأصحاب الرأي قال الأثرم وما علمت أحدا كرهه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا عليا وذلك لدخولهم في عموم قوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم


278

المائدة 5 ولأنهم أهل كتاب يقرون على الذين دينهم ببذل المال فتحل ذبائحهم ونساؤهم كبني إسرائيل

مسألة

قال ( ومن يجز من أهل الذمة إلى غير بلده أخذ منه نصف العشر في السنة )

اشتهر هذا عن عمر رضي الله عنه وصحت الرواية عنه به وقال الشافعي ليس عليه إلا الجزية إلا أن يدخل أرض الحجاز فينظر في حاله فإن كان لرسالة أو نقل ميرة أذن له بغير شيء وإن كان لتجارة لا حاجة بأهل الحجاز إليها لم يأذن له إلا أن يشترط عليه عوضا بحسب ما يراه والأولى أن يشترط نصف العشر لأن عمر شرط نصف العشر على من دخل الحجاز من أهل الذمة

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم ليس على المسلمين عشور إنما العشور على اليهود والنصارى رواه أبو داود وروى الإمام أحمد عن سفيان عن هشام عن أنس بن سيرين قال بعثني أنس بن مالك إلى العشور فقلت تبعتني إلى العشور بين عمالك قال أما ترضى أن أجعلك على ما جعلني عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمرني أن آخذ من المسلمين ربع العشر ومن أهل الذمة نصف العشر وهذا كان بالعراق

وروى أبو عبيد في كتاب الأموال بإسناده عن لاحق بن حميد أن عمر بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة فجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون فيها في كل عشرين درهما درهما وقد ذكرنا حديث زياد بن حدير أن عمر أمره أن يأخذ من نصارى بني تغلب العشر ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر وهذا كان بالعراق واشتهرت هذه القصص ولم تنكر فكانت إجماعا وعمل به الخلفاء بعده ولم يأت تخصيص الحجاز بنصف العشر في شيء من الأحاديث علمناه لا عن عمر ولا عن غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بل ظاهر أحاديثهم أن ذلك في غير الحجاز وما وجب من المال في الحجاز وجب في غيره كالديون والصدقات

فصل ولا تؤخذ منهم في السنة إلا مرة نص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه وقال كذا روي عن إبراهيم النخعي عن عمر حين كتب ألا يأخذ في السنة إلا مرة أن يأخذ من الذمي نصف العشر وهذا قول الشافعي في الداخلين أرض الحجاز

وروى الإمام أحمد بإسناده قال جاء رجل نصراني إلى عمر فقال إن عاملك عشرني في السنة مرتين قال ومن أنت قال أنا الشيخ النصراني قالعمر وأنا الشيخ الحنيف

ثم كتب إلى عامله أن لا تعشروا في السنة إلا مرة ولأن الجزية والزكاة إنما تؤخذ في السنة مرة واحدة فكذلك هذا إذا ثبت هذا فإنه متى أخذ منهم ذلك مرة كتب لهم حجة بأدائهم لتكون وثيقة لهم وحجة على من يمرون عليه فلا يعشرهم ثانية فإن مر ثانية بأكثر من المال الذي أخذ منه أخذ من الزيادة لأنها لم تعشر


279

فصل ولا يؤخذ منهم من غير مال التجارة فلو مر بالعاشر منهم منتقل ومعه أمواله أو سائمة لم يؤخذ منه شيء نص عليه أحمد وإن كانت ماشيته للتجارة أخذ منه نصف عشرها واختلفت الرواية في القدر الذي يؤخذ منه نصف العشر فروى عنه صالح من كل عشرين دينارا دينارا يعني فإذا نقصت من العشرين فليس عليه شيء لأن ما دون النصاب لا تجب فيه زكاة على مسلم ولا على تغلبي فلا يجب فيه على ذمي شيء كالذي دون العشرة

وروى صالح أيضا أنه قال إذا مروا بالعاشر فإن كانوا أهل الحرب أخذ منهم العشر من العشرة واحدا وإن كانوا من أهل الذمة أخذ منهم نصف العشر من كل عشرين دينارا دينارا فإذا نقصت فليس عليه شيء وإن نقص مال الحربي عن عشرة دنانير لم يؤخذ منه شيء ولا يؤخذ منهم إلا مرة واحدة المسلم والذمي في ذلك سواء

وروي عن أحمد أن في العشرة نصف مثقال وليس فيما دون العشرة شيء نص على هذا في رواية أبي الحارث قال قلت إذا كان مع الذمي عشرة دنانير قال تأخذ منه نصف دينار قلت فإن كان معه أقل من عشرة دنانير قال إذا نقصت لم يؤخذ منه شيء وذلك لأن العشرة مال يبلغ واجبه نصف دينار فوجب فيه كالعشرين في حق المسلم أو نقول مال معشور فوجب في العشرة منه كمال الحربي

وقال ابن حامد يؤخذ عشر الحربي ونصف عشر الذمي مما قل أو كثر لأن عمر قال خذ من كل عشرين درهما درهما ولأنه حق عليه فوجب في قليله وكثيره كنصيب المالك في أرضه التي عامله عليها

ولنا إنه عشر أو نصف عشر وجب بالشرع فاعتبر له نصاب كزكاة الزرع والثمر ولأنه حق يتقدر بالحول فاعتبر له النصاب كالزكاة وأما قول عمر فالمراد به والله أعلم بيان قدر المأخوذ وأنه نصف العشر ومعناه إذا كان معه عشرة دنانير فخذ من كل عشرين درهما درهما لأن في صدر الحديث أن عمر بعث مصدقا وأمره أن يأخذ من المسلمين من كل أربعين درهما درهما ومن أهل الذمة من كل عشرين درهما درهما

ومن أهل الحرب من كل عشرة واحدا

وإنما يؤخذ ذلك من المسلم إذا كان معه نصاب فكذلك من غيره

فصل واختلفت الرواية عن أحمد في العاشر يمر عليه الذمي بخمر أو خنزير فقال في موضع قال عمر ولوهم بيعها لا يكون إلا على الآخذ منها

وروي بإسناده عن سويد بن غفلة في قول عمر ولوهم بيع الخمر والخنزير بعشرها قال أحمد إسناد جيد وممن رأى ذلك مسروق والنخعي وأبو حنيفة ووافقهم محمد بن الحسن في الخمر خاصة وذكر القاضي أن أحمد نص على أنه لا يؤخذ منهم شيء وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبو عبيد وأبو ثور قال عمر بن عبد العزيز الخمر لا يعشرها مسلم

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن عتبة بن فرقد بعث إليه بأربعين ألف درهم صدقة الخمر


280

فكتب إليه عمر بعثت إلي بصدقة الخمر وأنت أحق بها من المهاجرين فأخبر بذلك الناس وقال والله لا استعملتكتك على شيءيءعدها قال ف فنزعه قال أبو عبيد ومعنى قولولمر رضيضي الله عنه ه ولوهم ب بيعها وخذواوا أنتم من الثمن إن الالمسلمين كانانوا يأخذوذوذوذون من أهل الذمة الخمر والخنازير من جزيتهم وخراج أرضهم بقيمتها ثم يتولى المسلمون بيعها فأنكره عمر ثم رخص لهم أن يأخذوا من أثمانها إذا كان أهل الذمة المتولين بيعها وروى بإسناده عن سويد بن غفلة أن بلالا قال لعمر إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج فقال لا تأخذوها منهم ولكن ولوهم بيعها وخذوا أنتم من الثمن

فصل ويجوز أخذ ثمن الخمر والخنزير منهم على جزية رؤوسهم وخراج أرضهم احتجاجا بقول عمر هذا ولأنها من أموالهم التي نقرهم على اقتنائها والتصرف فيها فجاز أخذ أثمانها منهم كثيابهم

فصل وإذا مر الذمي بالعاشر وعليه دين بقدر ما معه أو ينقص عن النصاب فظاهر كلام أحمد أن ذلك يمنع أخذ نصف العشر منه لأنه حق يعتبر له النصاب والحول فيمنعه الدين كالزكاة وإن ادعى أن عليه دينا لم يقبل ذلك إلا ببينة من المسلمين لأن الأصل براءة ذمته منه وإن مر بجارية فادعى أنها ابنته أو أخته ففيه روايتان إحداهما يقبل قوله

قال الخلال وهو أشبه القولين لأن الأصل عدم ملكه فيها

والثانية لا يقبل إلا ببينة لأنها في يده فأشبهت بهيمة

مسألة

قال ( وإذا دخل إلينا منهم تاجر حربي بأمان أخذ منه العشر )

وقال أبو حنيفة لا يؤخذ منه شيء إلا أن يكونوا يأخذون منا شيئا فنأخذ منهم مثله لما روي عن أبي مجلز لاحق بن حميد قال قالوا لعمر كيف نأخذ من أهل الحرب إذا قدموا علينا قال كيف يأخذون منكم إذا دخلتم إليهم قالوا قالوا العشر قال فكذلك خذوا منهم وعن زياد بنلما ولا معاهدا قال من كنتم تعشرون قال كفار أهل الحرب فنأخذ منهم كما يأخذون منا وقال الشافعي إن دخل إلينا بتجارة لا يحتاج إليها المسلمون لم يأذن له الإمام إلا بعوض بشرطه عليه ومهما شرط جاز ويستحب أن يشترط العشر ليوافق فعله فعل عمر رضي الله عنه وإن أذن مطلقا من غير شرط فالمذهب أنه لا يؤخذ منهم شيء لأنه أمان من غير شرط فلم يستحق به شيء كالهدنة ويحتمل أن يجب العشر

لأن عمر أخذه

ولنا ما رويناه في المسألة التي قبلها وأن عمر أخذ منهم العشر واشتهر ذلك فيما بين الصحابة وعمل به الخلفاء الراشدون بعده والأئمة بعده في كل عصر من غير نكير فأي إجماع يكون أقوى من هذا ولم ينقل أنه شرط ذلك عليهم عند دخولهم ولا يثبت ذلك بالتخمين من غير نقل ولأن مطلق الأمر يحمل على المعهود في الشرع وقد استمر أخذ العشر منهم في زمن الخلفاء الراشدين فيجب أخذه فأما سؤال عمر عما يأخذون منا فإنما كان لأنهم سألوه عن كيفية الأخذ ومقداره ثم استمر الأخذ من غير سؤال ولو تقيد أخذنا منهم بأخذهم منا لوجب أن يسأل عنه في كل وقت


281

فصل ويؤخذ منهم العشر من كل مال للتجارة في ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي إذا دخلوا في نقل ميرة بالناس إليها حاجة أذن لهم في الدخول بغير عشر يؤخذ منهم وهذا قول الشافعي لأن دخولهم نفع للمسلمين

ولنا عموم ما رويناه وروى صالح عن أبيه عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر أنه كان يأخذ من النبط من القطنية العشر ومن الحنطة والزبيب نصف العشر ليكثر الحمل إلى المدينة وهذا يدل على أنه يخفف عنهم إذا رأى المصلحة فيه وله الترك أيضا إذا رأى المصلحة

فصل ويؤخذ العشر من كل حربي تاجر ونصف العشر من كل ذمي تاجر سواء كان ذكرا أو أنثى أو صغيرا أو كبيرا وقال القاضي ليس على المرأة عشر ولا نصف عشر سواء كانت حربية أو ذمية لكن إن دخلت الحجاز عشرت لأنها ممنوعة من الإقامة به ولا يعرف هذا التفصيل عن أحمد ولا يقتضيه مذهبه لأنه يوجب الصدقة في أموال النساء بني تغلب وصبيانهم وكذلك يوجب العشر أو نصفه في مال النساء وعموم الأحاديث المروية ليس فيها تخصيص للرجال دون النساء وليس هذا بجزية وإنما هو حق يختص بمال التجارة لتوسعه في دار الإسلام وانتفاعه بالتجارة فيها فيستوي فيه الرجل والمرأة كالزكاة في حق المسلمين

فصل ولا يعشرون في السنة إلا مرة ولا يؤخذ من أقل من عشرة دنانير نص عليهما أحمد وحكي عن أبي عبد الله بن حامد أن الحربي يعشر كلما دخل إلينا وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأننا لو أخذنا منه مرة واحدة لا نأمن أن يدخلوا فإذا جاء وقلت السنة الأخرى لم يدخلوا فتعذر الأخذ منهم

ولنا إنه حق يؤخذ من التجارة فلا يؤخذ أكثر من مرة في السنة كالزكاة ونصف العشر من الذمي وقولهم يفوت غير صحيح فإنه يؤخذ منه أول ما يدخل مرة ويكتب الآخذ له بما أخذ منه فلا يؤخذ منه شيء حتى تمضي تلك السنة فإذا جاء في العام الثاني أخذ منه في أول ما يدخل وإن لم يدخل فما فات من حق السنة الأولى شيء

فصل وليس لأهل الحرب دخول دار الإسلام بغير أمان لأنه لا يؤمن أن يدخل جاسوسا أو متلصصا فيضر بالمسلمين فإن دخل بغير أمان سئل فإن قال جئت رسولا فالقول قوله لأنه تتعذر إقامة البينة على ذلك ولم تزل الرسل تأتي من غير تقدم أمان

وإن قال جئت تاجرا نظرنا فإن كان معه متاع يبيعه قبل قوله أيضا وحقن دمه لأن العادة جارية بدخول تجارهم إلينا وتجارنا إليهم وإن لم يكن معه ما يتجر به لم يقبل قوله لأن التجارة لا تحصل بغير مال وكذلك مدعي الرسالة إذا لم يكن معه رسالة يؤديها أو كان ممن لا يكون مثله رسول وإن قال أمنني مسلم فهل يقبل منه على وجهين أحدهما يقبل لحقن دمه كما يقبل من الرسول والتاجر

والثاني لا يقبل لأن إقامة البينة عليه ممكنة فإن قال مسلم أنا أمنته قبل قوله لأنه يملك أن يؤمنه فقبل قوله فيه كالحاكم إذا قال حكمت لفلان على فلان


282

بحق وإن كان جاسوسا خير الإمام فيه بين أربعة أشياء كالأسير وإن كان ممن ضل الطريق أو حملته الريح إلينا في مركب فقد ذكرنا حكمه

مسألة

قال ( ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه حل دمه وماله )

وجملة ذلك أنه ينبغي للإمام عند عقد الهدنة أن يشترط عليهم شروطا نحو ما شرطه عمر رضي الله عنه وقد رويت عن عمر رضي الله عنه في ذلك أخبار منها ما رواه الخلال بإسناده عن إسماعيل بن عياش قال حدثنا غير واحد من أهل العلم قالوا كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم إنا حين قدمنا من بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا على أنا شرطنا لك على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا فيما حولها ديرا ولا قلابة ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا ما كان منها في خطط المسلمين ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل ولا نأوي فيها ولا في منازلنا جاسوسا وألا نكتم أمر من غش المسلمين وألا نضرب نواقيسنا إلا ضربا خفيا في جوف كنائسنا ولا نظهر عليها صليبا ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون ولا نخرج صليبنا ولا كتابنا في سوق المسلمين وألا نخرج باعوثا ولا شعانين ولا نرفع أصواتنا مع أمواتنا ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين وألا نجاورهم بالخنازير ولا نبيع الخمور ولا نظهر شركا ولا نرغب في ديننا ولا ندعو إليه إحدا ولا نتخذ شيئا من الرقيق الذين جرت عليهم سهام المسلمين وألا نمنع أحدا من أقربائنا إذا أراد الدخول في الإسلام وأن نلزم زينا حيثما كنا وأن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا في مواكبهم ولا نتكلم بكلامهم وأن لا نتكنى بكناهم وأن نجز مقادم رؤوسنا ولا نفرق نواصينا ونشد الزنانير على أوساطنا ولا ننقش خواتيمنا بالعربية ولا نركب السروج ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله ولا نتقلد السيوف وأن نوقر المسلمين في مجالسهم ونرشد الطريق ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا المجالس ولا نطلع عليهم في منازلهم ولا نعلم أولادنا القرآن ولا يشارك أحد منا مسلما في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة وأن نضيف كل مسلم عابر ثلاثة أيام ونطعمه من أوسط ما نجد ضمنا ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكننا وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق فكتب بذلك عبد الرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب لهم عمر أن امض لهم ما سألوه وألحق فيه حرفين اشترط عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم أن لا يشتروا من سبايانا شيئا ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده فأنفذ عبد الرحمن بن غنم ذلك وأقر من أقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط فهذه الشرط فهذه جملة شروط رضي الله عنه فإذا صولحوا عليها ثم نقض بعضهم شيئا منها فظاهر كلام الخرقي أن عهده ينتقض به وهو ظاهر ما رويناه لقولهم في الكتاب إن نحن


283

خالفنا فقد حل لك منا ما يحل لك من أهل المعاندة والشقاق وقال عمر ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده ولأنه عقد بشرط فمتى لم يوجد الشرط زال حكم العقد كما لو امتنع من التزام الأحكام وذكر القاضي والشريف أبو جعفر أن الشروط قسمان أحدهما ينتقض العهد بمخالفته وهو أحد عشر شيئا الامتناع عن بذل الجزية وجري أحكامنا عليهم إذا حكم بها حاكم والاجتماع على قتال المسلمين والزنا بمسلمة وإصابتها باسم نكاح وفتن مسلم عن دينه وقطع الطريق عليه وقتله وإيواء جاسوس المشركين والمعاونة على المسلمين بدلالة المشركين على عوراتهم أو مكاتبتهم وذكر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء فالخصلتان الأوليان ينتقض العهد بهما بلا خلاف في المذهب وهو مذهب الشافعي وفي معناهما قتالهم للمسلمين منفردين أو مع أهل الحرب لأن إطلاق الأمان يقتضي ذلك فإذا فعلوه نقضوا الأمان لأنهم إذا قاتلونا لزمنا قتالهم وذلك ضد الأمان وسائر الخصال فيها روايتان أحدهما أن العهد ينتقض بها سواء شرط عليهم ذلك أو لم يشترطوا وظاهر مذهب الشافعي قريب من هذا إلا أن ما لم يشترط عليهم لا ينتقض العهد بتركه ما خلا الخصال الثلاث الأولى فإنه يتعين شرطها وينتقض العهد بتركها بكل حال وقال أبو حنيفة لا ينتقض العهد إلا بامتناع من الإمام على وجه لا يتعذر معه أخذ الجزية منهم

ولنا مع ما ذكرناه ما روي أن عمر رفع إليه رجل قد أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنا فقال ما على هذا صالحناكم وأمر به فصلب في بيت المقدس ولأن فيه ضررا على المسلمين فأشبه الامتناع من بذل الجزية وكل موضع قلنا لا ينتقض عهده فإنه إن فعل ما فيه حد أقيم عليه حده أو قصاصه وإن لم يوجب حدا عزر ويفعل به ما ينكف به أمثاله عن فعله فإن أراد أحد منهم فعل ذلك كف عنه فإن مانع بالقتال نقض عهده ومن حكمنا بنقض عهده منهم خير الإمام فيه بين أربعة أشياء القتل والاسترقاق والفداء والمن كالأسير الحربي لأنه كافر قدرنا عليه في دارنا بغير عهد ولا عقد ولا شبهة ذلك فأشبه اللص الحربي ويختص ذلك به دون ذريته لأن النقض إنما وجد منه دونهم فاختص به كما لو أتى ما يوجب حدا أو تعزيزا

فصل أمصار المسلمين على ثلاثة أقسام أحدها ما مصره المسلمون كالبصرة والكوفة وبغداد وواسط فلا يجوز فيه إحداث كنيسة ولا بيعة ولا مجتمع لصلاتهم ولا يجوز صلحهم على ذلك بدليل ما روي عن عكرمة قال قال ابن عباس أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة ولا يضربوا فيه ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذون فيه خنزيرا رواه الإمام أحمد واحتج به ولأن هذا البلد ملك للمسلمين فلا يجوز أن يبنوا فيه مجامع للكفر وما وجد في هذه


284

البلاد من البيع والكنائس مثل كنيسة الروم في بغداد فهذه كانت في قرى أهل الذمة فأقرت على ما كانت عليه

القسم الثاني ما فتحه المسلمون عنوة فلا يجوز إحداث شيء من ذلك فيه لأنها صارت ملكا للمسلمين وما كان فيه من ذلك ففيه وجهان أحدهما يجب هدمه وتحرم تبقيته لأنها بلاد مملوكة للمسلمين فلم يجز أن تكون فيها بيعة كالبلاد التي اختطها المسلمون

والثاني يجوز لأن في حديث ابن عباس أيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوه فإن للعجم ما في عهدهم ولأن الصحابة رضي الله عنهم فتحوا كثيرا من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئا من الكنائس ويشهد لصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة ومعلوم أنها ما أحدثت فيلزم أن تكون موجودة فأبقيت وقد كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى عماله أن لا يهدموا بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار

ولأن الإجماع قد حصل على ذلك فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير

القسم الثالث ما فتح صلحا وهو نوعان أحدهما أن يصالحهم على أن الأرض لهم

ولنا الخراج عنها فلهم إحداث ما يحتاجون فيها لأن الدار لهم

والثاني أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين ويؤدون الجزية إلينا فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم من إحداث ذلك وعمارته لأنه إذا جاز أن يقع الصلح معهم على أن الكل لهم جاز أن يصالحوا على أن يكون بعض البلد لهم ويكون معهم موضع الكنائس والبيع معنا والأولى أن يصالحهم على ما صالحهم عليه عمر رضي الله عنه

ويشترط عليهم الشروط المذكورة في كتاب عبد الرحمن بن غنم أن لا يحدثوا بيعة ولا كنيسة ولا صومعة راهب ولا قلابة وإن وقع الصلح مطلقا من غير شرط حمل ما وقع عليه صلح عمر وأخذوا بشروطه فأما الذين صالحهم عمر وعقد معهم الذمة على ما في كتاب عبد الرحمن بن غنم مأخوذون بشروطه كلها وما وجد في بلاد المسلمين من الكنائس والبيع فهي على ما كانت عليه في زمن فاتحيها ومن بعدهم وكل موضع قلنا يجوز إقرارها لم يجز هدمها ولهم رم ما تشعث منها وإصلاحها لأن المنع من ذلك يفضي إلى خرابها وذهابها فجرى مجرى هدمها وإن وقعت كلها لم يجز بناؤها وهو قول بعض أصحاب الشافعي وعن أحمد أنه يجوز وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه بناء لما استهدم فأشبه بناء بعضها إذا انهدم ورم شعثها ولأن استدامتها جائزة وبناؤها كاستدامتها وحمل الخلال قول أحمد لهم أن يبنوا ما انهدم منها أي إذا انهدم بعضها ومنعه من بناء ما انهدم على ما إذا ما انهدمت كلها فجمع بين الروايتين

ولنا إن في كتاب أهل الجزيرة لعياض بن غنم ولا تجدد ما خرب من كنائسنا وروى كثير بن مرة قال


285

سمعت عمر بن الخطاب يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبنى الكنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها ولأن هذا بناء كنيسة في دار الإسلام فلم يجز كما لو ابتدىء بناؤها وفارق رم شعثها فإنه إبقاء واستدامة وهذا إحداث

فصل ومن استحدث من أهل الذمة بناء لم يجز له منعه حتى يكون أطول من بناء المسلمين المجاورين له

لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الإسلام يعلو ولا يعلى ولأن في ذلك رتبة على المسلمين وأهل الذمة ممنوعون من ذلك ولهذا يمنعون من صدور المجالس ويلجؤون إلى أضيق الطرق ولا يمنع من تعلية بنائه على من ليس بمحاور له لأن علوها إنما يكون ضررا على المجاور لها دون غيره وفي جواز مساواة المسلمين وجهان أحدهما الجواز لأنه ليس بمستطيل على المسلمين

والثاني المنع لقوله عليه السلام الإسلام يعلو ولا يعلى ولأنهم منعوا من مساواة المسلمين في لباسهم وشعورهم وركوبهم كذلك في بنائهم فإن كان للذمي دار عالية فملك المسلم دارا إلى جانبها أو بنى المسلم إلى جانب دار ذمي دارا أو اشترى ذمي دارا عالية لمسلم فله سكنى داره ولا يلزمه هدمها لأنه لم يعل على المسلمين شيئا فإن انهدمت داره العالية ثم جدد بناءها لم يجز له تعليته على بناء المسلمين

وإن انهدم ما علا منها لم تكن له إعادته وإن تشعث منه شيء ولم ينهدم فله رمه وإصلاحه لأنه ملك استدامته فملك رم شعثه كالكنيسة

فصل ولا يجوز لأحد منهم سكنى الحجاز وبهذا قال مالك والشافعي إلا أن مالكا قال أرى أن يجلو من أرض العرب كلها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يجتمع دينان في جزيرة العرب

وروى أبو داود بإسناده عن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلما قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح

وعن ابن عباس قال أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشياء قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم وسكت عن الثالث رواه أبو داود وجزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن قاله سعيد بن عبد العزيز

وقال الأصمعي وأبو عبيد هي من ريف العراق إلى عدن طولا ومن تهامة وما وراءها إلى أطراف الشام عرضا وقال أبو عبيدة هي من حفر أبي موسى إلى اليمن طولا ومن رمل تبرين إلى منقطع السماوة عرضا

قال الخليل إنما قيل لها جزيرة لأن بحر الجيش وبحر فارس والفرات قد أحاطت بها ونسبت إلى العرب لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها

وقال أحمد جزيرة العرب المدينة وما والاها

يعني أن الممنوع من سكنى الكفار المدينة وما والاها

وهو مكة واليمامة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها

وما والاها وهذا قول الشافعي لأنهم لم يجلوا من تيماء ولا من اليمن


286

وقد روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال إن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أخرجوا اليهود من الحجاز فأما إخراج أهل نجران فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على ترك الربا فنقضوا عهده فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز وإنما سمي حجازا لأنه حجز بين تهامة ونجد ولا يمنعون أيضا من أطراف الحجاز كتيماء وفيد ونحوهما

لأن عمر لم يمنعهم من ذلك

فصل ويجوز لهم دخول الحجاز للتجارة لأن النصارى كانوا يتجرون إلى المدينة في زمن عمر رضي الله عنه

وأتاه شيخ بالمدينة فقال أنا الشيخ النصراني

وإن عاملك عشرني مرتين فقال عمر وأنا الشيخ الحنيف وكتب له عمر أن لا يعشروا في السنة إلا مرة ولا يأذن لهم في الإقامة أكثر من ثلاثة على ما روي عن عمر رضي الله عنه ثم ينتقل عنه

وقال القاضي يقيم أربعة أيام حد ما يتم المسافر الصلاة والحكم في دخولهم إلى الحجاز في اعتبار الإذن كالحكم في دخول أهل الحرب دار الإسلام وإذا مرض بالحجاز جازت له الإقامة لأنه يشق الانتقال على المريض وتجوز الإقامة لمن يمرضه لأنه لا يستغنى عنه وإن كان له دين على أحد وكان حالا أجبر غريمه على وفائه فإن تعذر وفاؤه لمطل أو تغيب عنه فينبغي أن يمكن من الإقامة ليستوفي دينه لأن التعدي من غيره وفي إخراجه ذهاب ماله وإن كان الدين مؤجلا لم يمكن من الإقامة ويوكل من يستوفيه له لأن التفريط منه وإن دعت الحاجة إلى الإقامة ليبيع بضاعته احتمل أن يجوز لأن في تكليفه تركها أو حملها معه ضياع ماله

وذلك مما يمنع من الدخول بالبضائع إلى الحجاز فتفوت مصلحتهم وتلحقهم المضرة بانقطاع الجلب عنهم ويحتمل أن يمنع من الإقامة لأن له من الإقامة بدا فإن أراد الانتقال إلى مكان آخر من الحجاز جاز ويقيم فيه أيضا ثلاثة أيام أو أربعة على الخلاف فيه وكذلك إذا انتقل منه إلى مكان آخر جاز ولو حصلت الإقامة في الجميع شهرا وإذا مات بالحجاز دفن به لأنه يشق نقله وإذا جازت الإقامة للمريض فدفن الميت أولى

فصل فأما الحرم فليس لهم دخوله بحال وبهذا قال الشافعي

وقال أبو حنيفة لهم دخوله كالحجاز كله

ولا يستوطنون به ولهم دخول الكعبة والمنع من الاستيطان لا يمنع الدخول والتصرف كالحجاز

ولنا قول الله تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا التوبة 28 والمراد به الحرم بدليل قوله تعالى وإن خفتم عيلة التوبة 28 يريد ضررا بتأخير الجلب عن الحرم دون المسجد ويجوز تسمية الحرم المسجد الحرام بدليل قول الله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الإسراء 1 وإنما أسري به من بيت أم هانىء من خارج المسجد ويخالف الحجاز لأن الله تعالى منع منه مع إذنه في الحجاز فإن هذه الآية نزلت واليهود بخيبر والمدينة وغيرهما من الحجاز ولم يمنعوا من الإقامة به وأول من أجلاهم عمر رضي الله عنه ولأن الحرم أشرف لتعلق النسك به ويحرم صيده وشجره والملتجىء إليه فلا يقاس عليه فإن أراد


287

كافر الدخول إليه منع منه فإن كانت معه ميرة أو تجارة خرج إليه من يشتري منه ولم يترك هو يدخل وإن كان رسولا إلى إمام بالحرام خرج إليه من يسمع رسالته ويبلغها إياه فإن قال لا بد لي من لقاء الإمام وكانت المصلحة في ذلك خرج إليه الإمام ولم يأذن له في الدخول فإن دخل الحرم عالما بالمنع عزر وإن دخل جاهلا نهى وهدد فإن مرض بالحرم أو مات أخرج ولم يدفن به

لأن حرمة الحرم أعظم ويفارق الحجاز من وجهين أحدهما أن دخوله إلى الحرم حرام وإقامته به حرام بخلاف الحجاز

والثاني أن خروجه من الحرم سهل ممكن لقرب الحل منه وخروجه من الحجاز في مرضه صعب ممتنع وإن دفن نبش وأخرج إلا أن يصعب إخراجه لنتنه وتقطعه وإن صالحهم الإمام على دخول الحرم بعوض فالصلح باطل فإن دخلوا إلى الموضع الذي صالحهم عليه لم يرد عليهم العوض لأنهم قد استوفوا ما صالحهم عليه وإن وصلوا إلى بعضه أخذ من العوض بقدره ويحتمل أن يرد عليهم بكل حال لأن ما استوفوه لا قيمة له والعقد لم يوجب العوض لكونه باطلا

فصل فأما مساجد الحل فليس لهم دخولها بغير إذن المسلمين لأن عليا رضي الله عنه بصر بمجوسي وهو على المنبر وقد دخل المسجد فنزل وضربه وأخرجه من أبواب كندة فإن أذن لهم في دخولها جاز في الصحيح من المذهب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم عليه وفد أهل الطائف فأنزلهم من المسجد قبل إسلامهم وقال سعيد بن المسيب قد كان أبو سفيان يدخل مسجد المدينة وهو على شركه وقدم عمير بن وهب فدخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم فيه ليفتك به فرزقه الله الإسلام

وفيه رواية أخرى ليس لهم دخوله بحال لأن أبا موسى دخل على عمر ومعه كتاب قد كتب فيه حساب عمله فقال له عمر ادع الذي كتبه ليقرأه قال إنه لا يدخل المسجد قال ولم قال إنه نصراني وفيه دليل على شهرة ذلك بينهم وتقرره عندهم ولأن حدث الجنابة والحيض والنفاس يمنع المقام في المسجد فحدث الشرك أولى

فصل والمأخوذ في أحكام الذمة ينقسم خمسة أقسام أحدها ما لا يتم العقد إلا بذكره وهو شيئان التزام الجزية وجريان أحكامنا عليهم فإن أخل بذكر واحد منهما لم يصح العقد وفي معناهما ترك قتال المسلمين فإنه وإن لم يذكر لفظه فذكر المعاهدة يقتضيه

القسم الثاني ما فيه ضرر على المسلمين في أنفسهم وهو ثمانية خصال ذكرناها فيما تقدم

القسم الثالث ما فيه غضاضة على المسلمين وهو ذكر ربهم أو كتابهم أو دينهم أو رسولهم بسوء

القسم الرابع ما فيه إظهار منكر وهو خمسة أشياء إحداث البيع والكنائس ونحوها ورفع أصواتهم بكتبهم بين المسلمين وإظهار الخمر والخنزير والضرب بالنواقيس وتعلية البنيان على أبنية المسلمين والأقامة


288

بالحجاز ودخول الحرم فيلزمهم الكف عنه سواء شرط عليهم أو لم يشرط في جميع ما في هذه الأقسام الثلاثة

القسم الخامس التميز على المسلمين في أربعة أشياء لباسهم وشعورهم وركوبهم وكناهم أما لباسهم فهو أن يلبسوا ثوبا يخالف لونه لون سائر الثياب فعادة اليهود العسلي وعادة النصارى الأدكن وهو الفاختي ويكون هذا في ثوب واحد لا في جميعها ليقع الفرق ويضيف إلى هذا شد الزنار فوق ثوبه إن كان نصرانيا أو علامة أخرى إن لم يكن نصرانيا كخرقة يجعلها في عمامته أو قلنسوته يخالف لونها لونها ويختم في رقبته خاتم رصاص أو حديد أو جلجل ليفرق بينه وبين المسلمين في الحمام ويلبس نساؤهم ثوبا ملونا وتشد الزنار تحت ثيابها وتختم في رقبتها ولا يمنعون لبس فاخر الثياب ولا العمائم ولا الطيلسان لأن التمييز حصل بالغيار والزنار

وأما الشعور فإنهم يحذفون مقاديم رؤوسهم ويجزون شعورهم

ولا يفرقون شعورهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق شعره

وأما الركوب فلا يركبون الخيل لأن ركوبها عز ولهم ركوب ما سواها ولا يركبون السروج ويركبون عرضا رجلاه إلى جانب وظهره إلى آخر لما روى الخلال بإسناده أن عمر أمر بجز نواصي أهل الذمة وأن يشدوا المناطق وأن يركبوا الأكف بالعرض ويمنعون تقلد السيوف وحمل السلاح واتخاذه

وأما الكنى فلا يتكنوا بكنى المسلمين كأبي القاسم وأبي عبد الله وأبي محمد وأبي بكر وأبي الحسن وشبههما ولا يمنعون الكنى بالكلية فإن أحمد قال لطبيب نصراني يا أبا إسحاق وقال أليس النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل على سعيد بن عبادة قال أما ترى ما يقول أبو الخباب وقال الأسقف نجران أسلم أبا الحارث وقال عمر لنصراني يا أبا حسان أسلم تسلم

فصل وإذا عقد معهم الذمة كتب أسماءهم وأسماء آبائهم وعددهم وحلاهم ودينهم فيقول فلان بن فلان الفلاني طويل أو قصير أو ربعة أسمر أو أبيض أدعج العين أقنى الأنف مقرون الحاجبين ونحو هذا من صفاتهم التي يتميز بها كل واحد من الآخر ويجعل لكل عشرة عريفا يراعي من يبلغ منهم أو يفيق من جنون أو يقدم من غيبة أو يسلم أو يموت أو يغيب ويجبي جزيتهم فيكون ذلك أحوط لحفظ جزيتهم

فصل إذا مات الإمام أو عزل وولي غيره فإن عرف ما عقد عليه عقد الذمة من كان قبله وكان عقدا صحيحا أقرهم عليه لأن الخلفاء أقروا عقد عمر ولم يجددوا عقدا سواه ولأن عقد الذمة مؤبد وإن كان فاسدا رده إلى الصحة وإن لم يعرف فشهد به مسلمان أو كان أمره ظاهرا عمل به وإن أشكل عليه سألهم فإن ادعوا العهد بما يصلح أن يكون جزية قبل قولهم وعمل به وإن شاء استحلفهم استظهارا فإن بان له بعد ذلك أنهم نقضوا من المشروط عليهم شيئا رجع بما نقضوا وإن قالوا كنا نؤدي كذا وكذا تجربة وكذا وكذا هدية استحلفهم يمينا واحدة لأن الظاهرة فيما يدفعونه أنه جزية واختار أبو الخطاب أنه إذا لم يعرف ما عوهدوا عليه استأنف العقد معهم لأن عقد الأول لم يثبت عنده فصار كالمعدوم


289

مسألة

قال ( ومن هرب من ذمتنا إلى دار الحرب ناقضا للعهد عاد حربا )

يعني يصير حكمه حكم أهل الحرب سواء كان رجلا أو امرأة ومتى قدر عليه أبيح منه ما يباح من الحربي من القتل والاسترقاق وأخذ المال وإن هرب الذمي بأهله وذريته أبيح من البالغين منهم ما يباح من أهل الحرب ولم يبح سبي الذرية لأن النقض إنما وجد عن البالغين دون الذرية

فصل وإن انقضت طائفة من أهل الذمة جاز غزوهم وقتلهم وإن نقض بعضهم دون بعض اختص حكم النقض بالناقض دون غيره وإن لم ينقضوا لكن خاف النقض منهم لم يجز أن ينبذ إليهم عهدهم لأن عقد الذمة لحقهم بدليل أن الإمام تلزمه إجابتهم إليه بخلاف عقد الأمان والهدنة لمصلحة المسلمين ولأن عقد الذمة آكد لأنه مؤبد وهو معاوضة ولذلك إذا نقض بعض أهل الذمة العهد وسكت بعضهم لم يكن سكوتهم نقضا وفي عقد الهدنة يكون نقضا

فصل وإذا عقد الذمة فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الحرب وأهل الذمة لأنه التزم بالعهد حفظهم ولهذا قال علي رضي الله عنه إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا وقال عمر رضي الله عنه في وصيته للخليفة بعده وأوصيه بأهل ذمة المسلمين خيرا أن يوفي لهم بعهدهم ويحاط من ورائهم

فصل وإذا تحاكم إلينا مسلم مع ذمي وجب الحكم بينهم لأن عليا حفظ الذمي من ظلم المسلم وحفظ المسلم منه وإن تحاكم بعضهم مع بعض أو استعدى بعضهم على بعض خير الحاكم بينهم والإعراض عنهم لقول الله تعالى فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم المائدة 42 فإن حكم بينهم لم يحكم إلا بحكم الإسلام لقول الله تعالى وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط المائدة 42 قال تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم المائدة 49 وإذا استعدت المرأة على زوجها في طلاق أو ظهار أو إيلاء فإن شاء أعداها وإن شاء تركها لقول الله تعالى فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم المائدة 42 فإن أحضر زوجها حكم عليه بما يحكم على المسلم في مثل ذلك فإن كان قد ظاهر منها منعه وطأها حتى يكفر وتكفيره بالإطعام وحده لأنه لا يملك رقبة مسلم ولا يملك شراءها ولا يصح منه الصيام

فصل ولا يجوز تمكينه من شراء مصحف ولا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فقه فإن فعل فالشراء باطل لأن ذلك يتضمن ابتذاله وكره أحمد بيعهم الثياب المكتوب عليها ذكر الله تعالى

قال مهنا سألت أحمد أبا عبد الله هل تكره للرجل المسلم أن يعلم غلاما مجوسيا شيئا من القرآن قال إن أسلم فنعم وإلا فأكره أن يضع


290

القرآن في غير موضعه

قلت فيعلمه أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم وقال الفضل بن زياد سألت أبا عبد الله عن الرجل يرهن المصحف عند أهل الذمة قال لا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو

فصل ولا يجوز تصديرهم في المجالس ولا بداءتهم بالسلام لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقها أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنا غادون غدا فلا تبدؤوهم بالسلام وإن سلموا عليكم فقولوا وعليكم أخرجه الإمام أحمد بأسناده عن أنس أنه قال نهينا أو أمرنا أن لا نزيد أهل الكتاب علي وعليكم قال أبو داود قلت لأبي عبد الله تكره أن يقول الرجل للذمي كيف أصبحت أو كيف حالك أو كيف أنت أو نحو هذا قال نعم هذا عندي أكثر من السلام

وقال أبو عبد الله إذا لقيته في الطريق فلا توسع له وذلك لما تقدم من حديث أبي هريرة وروي عن ابن عمر أنه مر على رجل فسلم عليه فقيل إنه كافر فقال رد علي ما سلمت عليك فرد عليه فقال أكثر الله مالك وولدك ثم التفت إلى أصحابه فقال أكثر للجزية وقال يعقوب بن بختان سألت أبا عبد الله فقلت نعامل اليهود والنصارى فنأتيهم في منازلهم وعندهم قوم مسلمون أسلم عليهم قال نعم تنوي السلام على المسلمين وسئل عن مصافحة أهل الذمة فكرهه

فصل وما يذكر بعض أهل الذمة من أن الجزية لا تلزمهم وإن معهم كتابا من النبي صلى الله عليه وسلم بإسقاطها عنهم لا يصح وسئل عن ذلك أبو العباس بن سريج فقال ما نقل ذلك أحد من المسلمين وذكر أنهم طولبوا بذلك فأخرجوا كتابا ذكروا أنه بخط علي رضي الله عنه كتبه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيه شهادة سعد بن معاذ ومعاوية وتاريخه بعد موت سعد وقبل إسلام معاوية فاستدل بذلك على بطلانه ولأن قولهم غير مقبول ولم يرو ذلك من يعتمد على روايته

فصل قال أبو الخطاب يمتهنون عند أخذ الجزية ويطال قيامهم وتجر أيديهم عند أخذها ذهب إلى قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29 وقيل للصغار التزامهم الجزية وجريان أحكامنا عليهم ولا يقبل منهم إرسالها بل يحضر الذمي بنفسه بها ويؤديها وهو قائم والآخذ جالس ولا يشتط عليهم في أخذها ولا يعذبون إذا أعسروا عن أدائها فإن عمر رضي الله عنه أتي بمال كثير قال أبو عبيد وأحسبه من الجزية فقال إني لأظنكم قد أهلكتم الناس قالوا لا والله ما أخذنا إلا عفوا صفوا قال بلا سوط ولا بوط قالوا نعم قال الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني وقدم عليه سعيد بن عامر بن حذيم


291

فعلاه عمر بالدرة فقال سعيد سبق سيلك مطرك إن تعاقب نصبر وإن تعف نشكر وإن تستعتب نعتب فقال ما على المسلم إلا هذا ما لك تبطىء بالخراج قال أمرتنا أن لا نزيد الفلاحين على أربعة دنانير فلسنا نزيدهم على ذلك ولكن نؤخرهم إلى غلاتهم قال عمر لأعزلنك ما حييت رواهما أبو عبيد وقال إنما وجه التأخير إلى الغلة الرفق بهم قال ولم نسمع في استيداء الخراج والجزية وقتا غير هذا واستعمل علي بن أبي طالب رجلا على عسكري فقال له على رؤوس الناس لا تدعن لهم درهما من الخراج وشدد عليه القول ثم قال القنى عند انتصاف النهار فأتاه فقال إني كنت أمرتك بأمر وإني أتقدم إليك الآن فإن عصيتني نزعتك لا تبيعن لهم في خراجهم حمارا ولا بقرة ولا كسوة شتاء ولا صيف وارفق بهم وافعل بهم

فصل قال أحمد في الرجل له المرأة النصرانية لا يأذن لها أن تخرج إلى عيد أو تذهب إلى بيعة وله أن يمنعها ذلك وكذلك في الأمة قيل له أله أن يمنعها شرب الخمر قال يأمرها فإن لم تقبل فليس له منعها قيل له فإن طلبت منه أن يشتري لها زنارا قال لا يشتري لها زنارا تخرج هي تشتري لنفسها وسئل عن الذمي يعامل بالربا ويبيع الخمر والخنزير ثم يسلم وذلك المال في يده فقال لا يلزمه أن يخرج منه شيئا لأن ذلك مضى في حال كفره وأشبه نكاحهم في الكفر إذا أسلم وسئل عن المجوسيين يجعلان ولدهما مسلما فيموت وهو ابن خمس سنين فقال يدفن في مقابر المسلمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه يعني أن هذين لم يمجساه فيبقى على الفطرة وسئل أبو عبد الله عن أولاد المشركين فقال اذهب إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم الله أعلم بما كانوا عاملين قال وكان ابن عباس يقول فأبواه يهودانه وينصرانه حتى سمع الله أعلم بما كانوا عاملين فترك قوله وسأله ابن الشافعي فقال يا أبا عبد الله ذراري المشركين أو المسلمين فقال هذه مسائل أهل الزيغ وقال أبو عبد الله سأل بشر بن السري سفيان الثوري عن أطفال المشركين فصاح به وقال يا صبي أنت تسأل عن هذا قال أحمد ونحن نمر هذه الأحاديث على ما جاءت ولا نقول شيئا وسئل عن أطفال المسلمين فقال ليس فيه اختلاف أنهم في الجنة وذكروا له حديث عائشة الذي قالت فيه عصفور من عصافير الجنة قال وهذا حديث وذكر فيه رجلا ضعفه طلحة وسئل عن الرجل يسلم بشرط أن لا يصلي إلا صلاتين فقال يصح إسلامه ويؤخذ بالخمس وقال معنى حديث حكيم بن حزام بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا أخر إلا قائما أنه لا يركع في الصلاة بل يقرأ ثم يسجد من غير ركوع قال وحديث قتادة عن نصر بن عاصم أن رجلا منهم بايع النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي طرفي النهار


292

كتاب الصيد والذبائح

الأصل في إباحة الصيد الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فيقول الله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما المائدة 96 وقال سبحانه وإذا حللتم فاصطادوا المائدة 2 وقال سبحانه يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه المائدة 4 وأما السنة فروى أبو ثعلبة الخشني قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إنا بأرض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم فأخبرني ماذا يصلح لي قال أما ما ذكرت أنكم بأرض صيد فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل وعن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا رسل الكلب المعلم فيمسك علينا قال كل قلت وإن قتل قال كل لم يشركه كلب غيره قال وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض فقال ما خرق فكل وما قتل بعرضه فلا تأكل متفق عليهما وأجمع أهل العلم على إباحة الاصطياد والأكل من الصيد

مسألة

قال ( وإذا سمى وأرسل كلبه أو فهده المعلم واصطاد وقتل ولم يأكل منه جاز أكله )

وأما ما أدرك ذكاته من الصيد فلا يشترط في إباحته سوى صحة التذكية ولذلك قال عليه السلام وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل وأما ما قتل الجارح فيشترط في إباحته شروط سبعة أحدها أن يكون الصائد من أهل الذكاة فإن كان وثنيا أو مرتدا أو مجوسيا أو من غير المسلمين وأهل الكتاب أو مجنونا لم يبح صيده لأن الاصطياد أقيم مقام الذكاة والجارح آلة كالسكين وعقره للحيوان بمنزلة إفراء الأوداج

قال النبي صلى الله عليه وسلم فإن أخذ الكلب ذكاته والصائد بمنزلة المذكي فتشترط الأهلية فيه

الشرط الثاني أن يسمي عند إرسال الجارح فإن ترك التسمية عمدا أو سهوا لم يبح هذا تحقيق المذهب


293

وهو قول الشعبي وأبي ثور وداود ونقل حنبل عن أحمد إن نسي التسمية على الذبيحة والكلب أبيح قال الخلال سها حنبل في نقله فإن في أول مسألته إذا نسي وقتل لم يأكل وممن أباح متروك التسمية في النسيان دون العمد أبو حنيفة ومالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان ولأن إرسال الجارحة جرى مجرى التذكية فعفي عن النسيان فيه كالذكاة وعن أحمد أن التسمية تشترط على إرسال الكلب في العمد والنسيان ولا يلزم ذلك في إرسال السهم إليه حقيقة وليس له اختيار فهو بمنزلة السكين بخلاف الحيوان فإنه يفعل باختياره وقال الشافعي يباح متروك التسمية عمدا أو سهوا لأن البراء روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله فقال اسم الله في قلب كل مسلم وعن أحمد رواية أخرى مثل هذا

ولنا قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه المائدة 121 وقال فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه المائدة 4 وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسلت كلبك وسميت فكل قلت أرسل كلبي فأخذ معه كلبا آخر قال لا نأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر متفق عليه وفي لفظ وإذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل وفي حديث أبي ثعلبة وما صدت بقوسك ذكرت اسم الله عليه فكل وهذه نصوص صحيحة لا يعرج على ما خالفها وقوله عفي لأمتى عن الخطأ والنسيان يقتضي نفي الاسم لا جعل الشرط المعدوم كالموجود بدليل ما لو نسي شرط الصلاة والفرق بين الصيد والذبيحة أن الذبح وقع في محله فجاز أن يتسامح فيه بخلاف الصيد فأما أحاديث أصحاب الشافعي فلم يذكرها أصحاب السنن المشهورة وإن صحت فهي في الذبيحة ولا يصح قياس الصيد عليها لما ذكرنا مع ما في الصيد من النصوص الخاصة

إذا ثبت هذا فالتسمية المعتبرة قوله بسم الله لأن إطلاق التسمية ينصرف إلى ذلك وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح قال بسم الله والله أكبر وكان ابن عمر يقوله ولا خلاف في أن قوله بسم الله يجزئه وإن قال اللهم اغفر لي لم يكف لأن ذلك طلب حاجة وإن هلل أو سبح أو كبر أو حمد الله تعالى احتمل الاجزاء لأنه ذكر اسم الله تعالى على وجه التعظيم واحتمل المنع لأن إطلاق التسمية لا يتناوله وإن ذكر اسم الله تعالى بغير العربية أجزأه وإن أحسن العربية لأن المقصود ذكر اسم الله وهو يحصل بجميع اللغات بخلاف التكبير في الصلاة فإن المقصود لفظه ذكر اسم الله وهو يحصل بجميع اللغات بخلاف التكبير في الصلاة فإن المقصود لفظه وتعتبر التسمية عند الإرسال لأنه الفعل الموجود من المرسل فتعتبر التسمية عنده كما تعتبر عند الذبح من الذابح وعند إرسال السهم من الرامي نص أحمد على هذا ولا تشرع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مع التسمية في ذبح ولا صيد وبه قال الليث واختار أبو إسحاق بن شاقلا استحباب ذلك وهو قول الشافعي لقوله عليه السلام من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا وجاء في تفسير قوله تعالى ورفعنا لك ذكرك الشرح 4 لا أذكر إلا ذكرت معي


294

ولنا قوله عليه السلام موطنان لا أذكر فيهما عند الذبيحة والعطاس رواه أبو محمد الخلال بإسناده ولأنه إذا ذكر غير الله تعالى أشبه المهل لغير الله

الشرط الثالث أن يرسل الجارحة على الصيد فإن استرسلت بنفسها فقتلت لم يبح وبهذا قال ربيعة ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال عطاء والأوزاعي يؤكل صيده إذا أخرجه للصيد وقال إسحاق إذا سمى عند انفلاته أبيح صيده وروى بإسناده عن ابن عمر أنه سئل عن الكلاب تنفلت من مرابضها فتصيد الصيد قال اذكر اسم الله وكل قال إسحاق فهذا الذي اختار لم يتعمد هو إرساله من غير ذكر اسم الله عليه قال الخلال هذا على معنى قول أبي عبد الله

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسلت كلبك وسميت فكل ولأن إرسال الجارحة جعل بمنزلة الذبح ولهذا اعتبرت للتسمية معه وإن استرسل بنفسه فسمى صاحبه وزجره فزاد في عدوه أبيح صيده وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يباح وعن عطاء كالمذهبين

ولنا إن زجره أثر في عدوه فصار كما لوأرسله وذلك لأن فعل الإنسان متى انضاف إلى فعل غيره فالاعتبار بفعل الإنسان بدليل ما لو صال الكلب على إنسان فأغراه إنسان فالضمان على من أغراه وإن أرسله بغير تسمية ثم سمى وزجره في عدوه فظاهر كلام أحمد أنه يباح فإنه قال إذا أرسل ثم سمى فانزجر أو أرسل وسمى فالمعنى قريب من السواء وظاهر هذا الإباحة لأنه انزجر بتسميته وزجره فأشبه التي قبلها وقال القاضي لا يباح صيده لأن الحكم يتعلق بالإرسال الأول بخلاف ما إذا استرسل بنفسه فإنه لا يتعلق به حذر ولا إباحة

الشرط الرابع أن يكون الجارح معلما ولا خلاف في اعتبار هذا الشرط لأن الله تعالى قال وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم المائدة 4 وما تقدم من حديث أبي ثعلبة ويعتبر في تعليمه ثلاثة شروط إذا أرسله استرسل وإذا زجره انزجر وإذا أمسك لم يأكل ويتكرر هذا منه مرة بعد أخرى حتى يصير معلما في حكم العرف وأقل ذلك ثلاث قاله القاضي وهو قول أبي يوسف ومحمد ولم يقدر أصحاب الشافعي عدد المرات لأن التقدير بالتوقيف ولا توقيف في هذا بل قدره بما يصير به في العرف معلما وحكي عن أبي حنيفة أنه إذا تكرر مرتين صار معلما لأن التكرار يحصل مرتين وقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب يحصل ذلك بمرة ولا يعتبر التكرار لأنه تعلم صنعة فلا يعتبر فيه التكرار كسائر الصنائع

ولنا إن تركه للأكل يحتمل أن يكون لشبع ويحتمل أنه لتعلم فلا يتميز ذلك إلا بالتكرار وما اعتبر فيه التكرار


295

اعتبر ثلاثا كالمسح في الاستجمار وعدد الإقرار والشهود في العدة والغسلات في الوضوء ويفارق الصنائع فإنها لا يتمكن من فعلها إلا من تعلمها فإذا فعلها علم أنه قد تعلمها وعرفها وترك الأكل ممكن الوجود من المتعلم وغيره ويوجد في الصنفين جميعا فلا يتميز به أحدهما من الآخر حتى يتكرر وحكي عن ربيع ومالك أنه لا يتميز ترك الأكل لما روى أبو ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل ذكره الإمام أحمد ورواه أبو داود

ولنا إن العادة في المعلم ترك الأكل فاعتبر شرطا كالانزجار إذا زجر وحديث أبي ثعلبة معارض بما روي عن عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وهذا أولى بالتقديم لأنه متفق عليه ولأنه متضمن للزيادة وهو ذكر الحكم معللا ثم إن حديث أبي ثعلبة محمول على جارحة ثبت تعليمها لقوله إذا أرسلت كلبك المعلم ولا يثبت حتى بترك الأكل

إذا ثبت هذا فإن الانزجار بالزجر إنما يعتبر بإرساله على الصيد أو رؤيته

أما بعد ذلك فإنه لا ينزجر بحال

الشرط الخامس أن لا يؤكل من الصيد فإن أكل منه لم يبح في أصح الروايتين ويروى ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وبه قال عطاء وطاوس وعبيد بن عمير والشعبي والتخعي وسويد بن غفلة وأبو بردة وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك وقتادة وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور

والرواية الثانية يباح وروي ذلك عن سعيد بن أبي وقاص وسلمان وأبي هريرة وابن عمر حكاه عنهم الإمام أحمد وبه قال مالك والشافعي قولان كالمذهبين

واحتج من أباحه بعموم قوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم المائدة 4 وحديث أبي ثعلبة ولأنه صيد جارح معلم فأبيح كما لو لم يأكل فإن الأكل يحتمل أن يكون لفرط جوع أو غيظ على الصيد

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل مما أمسك عليك قلت وإن قتل قال وإن قتل إلا أن يأكل الكلب فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه متفق عليه ولأن ما كان شرطا في الصيد الأول كان شرطا في سائر صيوده كالإرسال والتعليم

وأما الآية فلا تتناول هذا الصيد فإنه قال فكلوا مما أمسكن عليكم المائدة 4 وهذا إنما أمسك على نفسه

وأما حديث أبي ثعلبة فقد قال أحمد يختلفون عن هشيم فيه

وعلى أن حديثنا أصح لأنه متفق عليه وعدي بن حاتم أضبط ولفظه أبين لأنه ذكر الحكم والعلة

قال أحمد حديث الشعبي عن عدي من أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الشعبي يقول كان جاري وربيطي فحدثني والعمل عليه ويحتمل أنه أكل منه بعد أن قتله وانصرف عنه وإذا ثبت هذا فإنه لا يحرم ما تقدم من صيوده في قول أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة يحرم لأنه لو كان معلما ما أكل


296

ولنا عموم الآية والأخبار وإنما خص منه ما أكل منه ففيما عداه يجب القضاء بالعموم ولأن اجتماع شروط التعليم حاصلة فوجب الحكم به ولهذا حكمنا بحل صيده فإذا وجد الأكل احتمل أن يكون لنسيان أو لفرط جوعه أو نسي التعليم فلا يترك ما ثبت يقينا بالاحتمال

فصل فإن شرب دمه ولم يأكل منه لم يحرم نص عليه أحمد وبه قال عطاء والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وكرهه الشعبي والثوري لأنه في معنى الأكل

ولنا عموم الآية والأخبار وإنما خرج منه ما أكل منه بحديث عدي فإن أكل منه فلا تأكل وهذا لم يأكل ولأن الدم لا يقصده الصائد منه ولا ينتفع به فلا يخرج بشربه عن أن يكون ممسكا على صائده

فصل ولا يحرم ما صاده الكلب بعد الصيد الذي أكل منه ويحتمل كلام الخرقي أنه يخرج عن أن يكون معلما فتعتبر له شروط التعليم ابتداء والأول أولى لما ذكرنا في صيده الذي قبل الأكل

الشرط السادس أن يجرح الصيد فإن خنقه أو قتله بصدمته لم يبح قال الشريف وبه قال أكثرهم وقال الشافعي في قول له يباح لعموم الآية والخبر

ولنا إنه قتله بغير جرح أشبه ما قتله بالحجر والبندق ولأن الله تعالى حرم الموقوذة وهذا كذلك وهذا يخص ما ذكروه وقول النبي صلى الله عليه وسلم ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل يدل على أنه لا يباح ما لم ينهر الدم

الشرط السابع أن يرسله على صيد فإن أرسله وهو لا يرى شيئا ولا يحس به فأصاب صيدا لم يبح هذا قول أكثر أهل العلم لأنه لم يرسله على الصيد وإنما استرسل بنفسه وهكذا إن رمى سهما إلى غرض فأصاب صيدا أو رمى به إلى فوق رأسه فوقع على صيد فقتله لم يبح لأنه لم يقصد برميه عينا فأشبه من نصب سكينا فانذبحت بها شاة

فصل وكل ما يقبل التعليم ويمكن الاصطياد به من سباع البهائم كالفهد أو جوارح الطير فحكمه حكم الكلب في إباحة صيده قال ابن عباس في قوله تعالى وما علمتم من الجوارح المائدة 4 هي الكلاب المعلمة وكل طير تعلم الصيد والفهود والصقور وأشباهها وبمعنى هذا قال طاوس ويحيى بن أبي كثير والحسن ومالك والثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي وأبو ثور وحكي عن ابن عمر ومجاهد أنه لا يجوز الصيد إلا بالكلب لقول الله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين المائدة 4 يعني كلبتم من الكلاب

ولنا ما روي عن عدي قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال إذا أمسك عليك فكل ولأنه جارح يصاد به عادة ويقبل التعليم فأشبه الكلب فأما الآية فإن الجوارح الكواسب ويعلم ما جرحتم بالنهار الأنعام 60 أي كسبتم وفلان جارحة أهله أي كاسبهم ( مكلبين ) من التكليب وهو الإغراء


297

فصل وهل يجب غسل أثر الكلب من الصيد فيه وجهان أحدهما لا يجب لأن الله تعالى ورسوله أمرا بأكله ولم يأمرا بغسله

والثاني يجب لأنه قد ثبتت نجاسته فيجب غسل ما أصابه كبوله

مسألة

قال ( وإذا أرسل البازي وما أشبهه فصاد وقتل أكل وإن أكل من الصيد لأن تعليمه بأن يأكل )

وجملته أنه يشترط في الصيد بالبازي ما يشترط في الصيد بالكلب إلا ترك الأكل فلا يشترط ويباح صيده وإن أكل منه وبهذا قال ابن عباس وإليه ذهب النخعي وحكاد والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ونص الشافعي على أنه كالكلب في تحريم ما كان أكل منه من صيده لأن مجالدا روى عن الشعبي عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن أكل الكلب والبازي فلا تأكل ولأنه جارح مما صاده عقيب قتله فأشبه سباع البهائم

ولنا إجماع الصحابة روى الخلال بإسناده عن ابن عباس قال إذا أكل الكلب فلا تأكل من الصيد وإذا أكل الصقر فكل لأنك تستطيع أن تضرب الكلب ولا تستطيع أن تضرب الصقر وقد ذكرنا عن أربعة من الصحابة إباحة ما أكل منه الكلب وخالفهم ابن عباس فيه ووافقهم في الصقر ولم ينقل عن أحد في عصرهم خلافهم ولأن جوارح الطير تعلم بالأكل ويتعذر تعليمها بترك الأكل فلم يقدح في تعليمها بخلاف الكلب والفهد

وأما الخسير فة يصح يرويه ويتعذر مجالد وهو ضعيف قال أحمد مجالد يصير القصة واحدة كم من أعجوبة لمجالد والروايات الصحيحة تخالفه ولا يصح قياس الطير على السباع لما بينهما من الفرق فإذا ثبت هذا فكل جارح من الطير أمكن تعليمه والاصطياد به من البازي والصقر والشاهين والعقاب حل صيدها على ما ذكرناه

مسألة

قال ( ولا يؤكل ما صيد بالكلب الأسود إذا كان بهيما لأنه شيطان )

البهيم الذي لا يخالط لونه لون سواه قال أحمد الذي ليس فيه بياض قال ثعلب وإبراهيم الحربي كل لون لم يخالطه لون آخر بهيم قيل لهما من كل لون قالا نعم وممن كره صيده الحسن والنخعي وقتادة وإسحاق قال أحمد ما أعرف أحدا يرخص فيه يعني من السلف وأباح صيده أبو حنيفة ومالك والشافعي لعموم الآية والخبر والقياس على غيره من الكلاب

ولنا إنه كلب يحرم اقتناؤه ويجب قتله فلم يبح صيده كغير المعلم ودليل تحريم اقتنائه قول النبي صلى الله عليه وسلم فاقتلوا منها كل أسود بهيم رواه سعيد وغيره

وروى مسلم في صحيحه بإسناده عن عبد الله بن المغفل قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها فقال عليكم بالأسود البهيم ذي النكتتين فإنه شيطان فأمر بقتله وما وجب قتله حرم


298

اقتناؤه وتعليمه فلم يبح صيده لغير المعلم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه شيطانا ولا يجوز اقتناء الشيطان وإباحة الصيد المقتول رخصة فلا تستباح بمحرم كسائر الرخص والعمومات مخصوصة بما ذكرناه وإن كان فيه نكتتان فوق عينيه لم يخرج بذلك عن كونه نهيا لما ذكرناه من الخبر

مسألة

قال ( وإذا أراد الصيد وفيه روح فلم يذكه حتى مات لم يؤكل )

يعني والله أعلم ما كان فيه حياة مستقرة فأما ما كانت حياته كحياة المذبوح فهذا يباح من غير ذبح في قولهم جميعا فإن الذكاة في مثل هذا لا تفيد شيئا وكذلك لو ذبحه مجوسي ثم أعاد ذبحه مسلم لم يحل فأما إن أدركه وفيه حياة مستقرة فلم يذبحه حتى مات نظرت فإن لم يتسع الزمان لذكاته حتى مات حل أيضا قال قتادة يأكله ما لم يتوان في ذكاته أو يتركه عمدا وهو قادر على أن يذكيه ونحوه قول مالك والشافعي وروي عن الحسن والنخعي وقالأبو حنيفة لا يحل لأنه أدركه حيا حياة مستقرة فتعلقت إباحته بتذكيته كما لو اتسع الزمان

ولنا إنه لم يقدر على ذكاته بوجه ينسب فيه إلى التفريط ولم يتسع لها الزمان فكان عقره ذكاته كالذي قتله ويفارق ما قاسوا عليه لأنه أمكنه ذكاته وفرط بتركها ولو أدركه وفيه حياة مستقرة يعيش بها طويلا وأمكنته ذكاته فلم يدركه حتى مات لم يبح سواء كان به جرح يعيش معه أو لا وبه قال مالك والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي لأن ما كان كذلك فهو في حكم الحي بدليل أن عمر رضي الله عنه كانت جراحاته موحية فأوصى وأجيزت وصاياه وأقواله في تلك الحال ولا سقطت عنه الصلاة والعبادات ولأنه ترك تذكيته مع القدرة عليها فأشبه غير الصيد

مسألة

قال ( فإن لم يكن معه ما يذكيه به أشلى الصائد له عليه حتى يقتله فيؤكل )

يعني أغرى الكلب به أرسله عليه ومعنى أشلى في العربية دعا إلا أن العامة تستعمله بمعنى أغراه ويحتمل أن الخرقي أراد دعاه ثم أرسله لأن إرساله على الصيد يتضمن دعاءه إليه واختلف قول أحمد في هذه المسألة فعنه مثل قول الخرقي وهو قول الحسن وإبراهيم وقال في موضع إني لأقشعر من هذا يعني أنه لا يراه وهو قول أكثر أهل العلم لأنه مقدور عليه فلم يبح بقتل الجارح له كبهيمة الأنعام وكما لو أخذه سليما ووجه الأولى أنه صيد قتله الجارح له من غير إمكان ذكاته فأبيح كما لو أدركه ميتا ولأنها حال تتعذر فيها الذكاة في الحلق واللبة غالبا فجاز أن تكون ذكاته على حسب الإمكان كالمتردية في بئر وحكي عن القاضي أنه قال في هذا يتركه حتى يموت فيحل لأنه صيد تعذرت تذكيته فأبيح بموته من عقر الصائد له كالذي تعذرت تذكيته لقلة لبته والأول أصح لأنه حيوان لا يباح بغير التذكية إذا كان معه آلة الذكاة فلم يبح بغيرها إذا لم يكن معه آلة كسائر المقدور على تذكيته ومسألة الخرقي محمولة على ما يخلف موته إن لم يقتله الحيوان


299

أو يذكي فإن كان به حياة يمكن بقاؤه إلى أن يأتي به منزلة فليس فيه اختلاف أنه لا يباح إلا بالذكاة لأنه مقدور على تذكيته

مسألة

قال ( وإذا أرسل كلبه فأضاف معه غيره لم يؤكل إلا أن يدرك في الحياة فيذكى )

معنى المسألة أن يرسل كلبه على صيده فيجد الصيد ميتا ويجد مع كلبه كلبا لا يعرف حاله ولا يدري هل وجدت فيه شرائط صيده أو لا ولا يعلم أيهما قتله أو يعلم أنهما جميعا قتلاه أو إن قاتله الكلب المجهول فإنه لا يباح إلا أن يدركه حيا فيذكيه وبهذا قال عطاء والقاسم بن مخيمرة ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم لهم مخالفا والأصل فيه ما روى عدي بن حاتم قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر قال لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر وفي لفظ فإن وجدت مع كلبك آخر فخشيت أن يكون أخذ منه وقد قتله فلا تأكله فإنك إنما ذكرت اسم الله على كلبك وفي لفظ فإنك لا تدري أيهما قتل أخرجه البخاري ولأنه شك في الاصطياد المبيح فوجب إبقاء حكم التحريم فأما إن علم أن كلبه الذي قتل وحده أو أن الكلب الآخر مما يباح صيده أبيح بدلالة تعليل تحريمه فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر وقوله فإنك لا تدري أيهما قتل ولأنه لم يشك في المبيح فلم يحرم كما لو كان هو أرسل الكلبين وسمى ولو جهل حال الكلب المشارك لكلبه ثم انكشف له أنه مسمى عليه مجتمعة فيه الشرائط حل الصيد ولو اعتقد حله لجهله بمشاركة الآخر له أو اعتقاده أنه كلب مسمى عليه ثم بان بخلافه حرم لأن حقيقة الإباحة والتحريم لا تتغير باعتقاده خلافها ولا الجهل بوجودها

فصل وإن أرسل كلبه فأرسل مجوسي كلبه فقتلا صيدا لم يحل لأن صيد المجوسي حرام فإذا اجتمع الحظر والإباحة غلب الحظر كالمتولد بين ما يؤكل وما لا يؤكل ولأن الأصل الحظر والحل موقوف على شرط وهو تذكية من هو من أهل الزكاة أو صيده الذي حصلت التذكية به ولم يتحقق ذلك وكذلك إن رمياه بسهميهما فأصاباه فمات ولا فرق بين أن يقع سهماهما فيه دفعة واحدة أو يقع أحدهما قبل الآخر إلا أن يكون الأول قد عقره عقرا موحيا مثل أن ذبحه أو جعله في حكم المذبوح ثم أصابه الثاني وهو غير مذبوح فيكون الحكم للأول فإن كان الأول المسلم أبيح وإن كان المجوسي لم يبح وإن كان الثاني موحيا أيضا فقال أكثر أصحابنا الحكم للأول أيضا لأن الإباحة حصلت به فأشبه ما لو كان الثاني غير موح ويجيء على قول الخرقي إنه لا يباح لقوله وإذا ذبح فأتى على المقاتل فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء أو وطىء عليها شيء لم تؤكل ولأن الروح خرجت بالجرحين فأشبه ما لو جرحاه معا وإن كان الأول ليس بموح والثاني موح فالحكم للثاني في الحظر والإباحة وإن أرسل المسلم والمجوسي كلبا واحدا فقتل


300

صيدا لم يبح لذلك وكذلك لو أرسله مسلما وسمى أحدهما دون الآخر وكذلك لو أرسل المسلم كلبين أحدهما معلم والآخر غير معلم فقتلا صيدا لم يحل وكذلك إن أرسل كلبه المعلم فاسترسل معه معلم آخر بنفسه فقتلا الصيد لم يحل في قول أكثر أهل العلم منهم ربيعة ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال الأوزاعي يحل ها هنا

ولنا إن إرسال الكلب على الصيد شرطا لما بيناه ولم يوجد في أحدهما

فصل فإن أرسل مسلم كلبه وأرسل مجوسي كلبه فرد الكلب المجوسي الصيد إلى كلب المسلم فقتله حل أكله وهذا قول الشافعي وأبي ثور وقال أبو حنيفة لا يحل لأن كلب المجوسي عاون في اصطياده فأشبه إذا عقره

ولنا إن جارحة المسلم انفردت بقتله فأبيح كما لو رمى المجوسي سهمه فرد الصيد فأصابه سهم مسلم فقتله أو أمسك مجوسي شاة فذبحها مسلم وبهذا يبطل ما قاله

فصل وإذا صاد المجوسي بكلب مسلم لم يبح صيده في قولهم جميعا وإن صاد المسلم بكلب المجوسي فقتل حل صيده وبهذا قال سعيد بن المسيب والحكم ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وعن أحمد لا يباح وكرهه جابر والحسن ومجاهد والنخعي والثوري لقوله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين المائدة 4

وهذا لم يعلمه وعن الحسن أنه كره الصيد بكلب اليهودي والنصراني لهذه الآية

ولنا إنه آلة صاد بها المسلم فحل صيده كالقوس والسهم

قال ابن المسيب هي بمنزلة شفرته والآية دلت على إباحة الصيد بما علمناه وما علمه غيرنا فهو في معناه فيثبت الحكم بالقياس الذي ذكرناه يحققه أن التعليم إنما أثر في جعله آلة ولا تشرط الأهلية في ذلك كعمل القوس والسهم وإنما تشترط فيما أقيم مقام الذكاة وهو إرسال الآلة من الكلب والسهم وقد وجد الشرط ها هنا

فصل وإذا أرسل جماعة كلابا وسموا فوجدوا الصيد قتيلا لا يدرون من قتله حل أكله فإن اختلفوا في قاتله وكانت الكلاب متعلقة به فهو بينهم على السواء لأن الجميع مشتركة في إمساكه فأشبه ما لو كان في أيدي الصيادين أو عبيدهم وإن كان البعض متعلقا به دون باقيها فهو لمن كلبه متعلق به وعلى من حكمنا له به اليمين في المسألتين لأن دعواه محتملة فكانت عليه كصاحب اليد وإن كان قتيلا والكلاب ناحية وقف الأمر حتى يصطلحوا ويحتمل أن يقرع بينهم فمن قرع صاحبه حلف وكان له وهذا قول أبي ثور قياسا على ما لو تداعيا دابة في يد غيرهما وعلى الأول إذا خيف فساده قبل اصطلاحهم عليه باعوه ثم اصطلحوا على ثمنه


301

مسألة

قال ( وإذا سمى ورمى صيدا فأصابت غيره جاز أكله )

وجملة ذلك الأمر أن الصيد بالسهام وكل محدد جائز بلا خلاف وهو داخل في مطلق قوله تعالى فاصطادوا وقال النبي صلى الله عليه وسلم فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل وعن أبي قتادة أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه وأخذ رمحه ثم شد على الحمار فقتله فلما أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن ذلك فقال إنما هي طعمة أطعمكموها الله متفق عليه ويعتبر فيه من الشروط ما ذكرنا في الجارح إلا التعليم وتعتبر التسمية عند إرسال السهم والطعن إن كان برمح والضرب إن كان مما يضرب لأنه الفعل الصادر منه وإن تقدمت التسمية بزمن يسير جاز كما ذكرنا في النية في العبادات ويعتبر أن يقصد الصيد فلو رمى هدفا فأصاب صيدا أو قصد رمي إنسان أو حجر رمي عبثا فقتله لم يحل وإن قصد صيدا فأصابه وغيره حلا جميعا والجارح في هذا بمنزلة السهم نص أحمد على هذه المسائل وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي إلا أن الشافعي قال إذا أرسل الكلب على صيد فأخذ آخر في طريقه حل وإن عدل عن طريقه إليه ففيه روايتان وقال مالك إذا أرسل كلبه على صيده بعينه فأخذ غيره لم يبح لأنه لم يقصد صيده إلا أن يرسله على صيود كبار فتتفرق عن صغار فإنها تباح إذا أخذها

ولنا عموم قوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم المائدة 4

وقوله عليه السلام إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم اا تعالى عليه فكل مما أمسك عليك وقول النبي صلى الله عليه وسلم كل ما ردت عليك قوسك ولأنه أرسل آلة الصيد على صيد فحل ما صاده كما لو أرسلها على كبار فتفرقت عن صغار فأخذها على مالك أو كما لو أخذ صيدا في طريقه على الشافعي ولأنه لا يمكن تعليم الجارح اصطياد واحد بعينه دون واحد فسقط اعتباره فأما إن أرسل سهمه أو الجارح ولا يرى صيدا ولا يعلمه فصاد لم يحل صيده لأنه لم يقصد صيدا لأن القصد لا يتحقق لما لا يعلمه وبهذا قال الشافعي في الكلب وقال الحسن ومعاوية بن قرة يأكله لعموم الآية والخبر ولأنه قصد الصيد فحل له ما صاده كما لو رآه

ولنا إن قصد الصيد شرط ولا يصح العقد مع عدم العلم فأشبه ما لو لم يقصد الصيد

فصل وإن رأى سوادا أو سمع حسا فظنه آدميا أو بهيمة أو حجرا فرماه فقتله فإذا هو صيد لم يبح وبهذا قال مالك ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة يباح وقال الشافعي يباح إن كان المرسل سهما ولا يباح إن كان جارحا واحتج من أباحه بعموم الآية والخبر ولأنه قصد الاصطياد وسمى فأشبه ما لو علمه صيدا


302

ولنا إنه لم يقصد الصيد فلم يبح كما لو رمى هدفا فأصاب صيدا وكما في الجارح عند الشافعي وإن ظنه كلبا أو خنزيرا لم يبح لذلك وقال محمد بن الحسن يباح لأنه مما يباح قتله

ولنا ما تقدم فأما إن ظنه صيدا حل لأنه ظن وجود الصيد أشبه ما لو رآه وإن شك هل هو صيد أو لا أو اغلب على ظنه أنه ليس بصيد لم يبح لأن صحة القصد تنبنى على العلم ولم يوجد ذلك وإن رمى حجرا يظنه صيدا فقتل صيدا فقال أبو الخطاب لا يباح لأنه لم يقصد صيدا على الحقيقة ويحتمل أن يباح لأن صحة القصد تنبني على الظن وقد وجد فصح قصده فينبغي أن يحل صيده

مسألة

قال ( وإذا رماه فغاب عن عينه فوجده ميتا وسهمه فيه ولا أثر به غيره حل أكله )

هذا هو المشهور عن أحمد وكذلك لو أرسل كلبه على صيد فغاب عن عينه ثم وجده ميتا ومعه كلبه حل وهذا قول الحسن وقتادة وعن أحمد إن غاب نهارا فلا بأس وإن غاب ليلا لم يأكله وعن مالك كالروايتين وعن أحمد ما يدل على أنه إن غاب مدة طويلة لم يبح وإن كانت يسيرة أبيح لأنه قيل له إن غاب يوما قال يوم كثير ووجه ذلك قول ابن عباس إذا رميت فأقعصت فكل وإن رميت فوجدت فيه سهمك من يومك أو ليلتك فكل وإن بات عنك ليلة فلا تأكل فإنك لا تدري ما حدث فيه بعد ذلك وكره عطاء والثوري أكل ما غاب وعن أحمد مثل ذلك والشافعي فيه قولان لأن ابن عباس قال كل ما أصميت وما أنميت فلا تأكل قال الحكم الاصماء الاقعاص يعني أنه يموت في الحال والإنماء أن يغيب عنك يعني أنه لا يموت في الحال قال الشاعر فهو لا تنمى رميته ما له لا عد من نفره وقال أبو حنيفة يباح إن لم يكن ترك طلبه وإن تشاغل عنه ثم وجده لم يبح

ولنا ما روى عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل متفق عليه وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أفتني في سهمي قال ما رد عليك سهمك فكل

قال وإن تغيب عني قال وإن تغيب عنك ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك أو تجده قد صل رواه أبو داود وعن أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا رميت الصيد فأدركته بعد ثلاث وسهمك فيه فكله ما لم ينتن


303

ولأن جرحه بسهمه سبب إباحته وقد وجد يقينا والمعارض له مشكوك فيه فلا نزول عن اليقين بالشك ولأنه وجده وسهمه فيه ولم يجد به أثرا آخر فأشبه ما لو لم يترك طلبه عند أبي حنيفة أو كما لو غاب نهارا أو مدة يسيرة أو كما لو لم يغب

إذا ثبت هذا فإنه يشترط في حله شرطان أحدهما أن يجد سهمه فيه أو أثره ويعلم أنه أثر سهمه لأنه إذا لم يكن كذلك فهو شاك في وجود المبيح فلا يثبت بالشك

والثاني أن لا يجد به أثرا غير سهمه مما يحتمل أنه قتله لقول النبي صلى الله عليه وسلم ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك وفي لفظ وإن وجدت فيه أثرا غير سهمك فلا تأكله فإنك لا تدري أقتلته أنت أو غيرك رواه الدارقطني وفي لفظ إذا وجدت فيه سهمك ولم يأكل منه سبع فكل منه رواه النسائي وفي حديث عدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وقع في الماء فلا تأكل رواه البخاري وقال عليه السلام وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل ولأنه إذا كان به أثر يصلح أن يكون قد قتله فقد تحقق المعارض فلم يبح كما لو وجد مع كلبه كلبا سواه فأما إن كان الأثر مما لا يقتل مثله مثل أكل حيوان ضعيف كالسنور والثعلب من حيوان قوي فهو مباح لأنه يعلم أن هذا لم يقتله فأشبه ما لو تهشم من وقعته

مسألة

قال ( وإذا رماه فوقع في ماء أو تردى من جبل لم يؤكل )

يعني وقع في ماء يقتله مثله أو تردى ترديا يقتله مثله ولا فرق في قول الخرقي بين كون الجراحة موحية أو غير موحية هذا المشهور عن أحمد وظاهر قول ابن مسعود وعطاء وربيعة وإسحاق وأصحاب الرأي وأكثر أصحابنا المتأخرين يقولون إن كانت الجراحة موحية مثل إن ذبحه أو أبان حشوته لم يضر وقوعه في الماء ولا ترديه وهو قول الشافعي ومالك والليث وقتادة وأبي ثور لأن هذا صار في حكم الميت بالذبح فلا يؤثر فيه ما أصابه ووجه الأول قوله وإن وقع في الماء فلا تأكل ولأنه يحتمل أن الماء أعان على خروج روحه فصار بمنزلة ما لو كانت الجراحة غير موحية ولا خلاف في تحريمه إذا كانت الجراحة غير موحية ولو وقع الحيوان في الماء على وجه لا يقتله مثل أن يكون رأسه خارجا من الماء أو يكون من طير الماء الذي لا يقتله الماء أو كان التردي لا يقتل مثل ذلك الحيوان فلا خلاف في إباحته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله ولأن الوقوع في الماء والتردي إنما حرم خشية أن يكون قاتلا أو معينا على القتل وهذا منتف فيما ذكرناه

فصل فإن رمى طائرا في الهواء أو على شجرة أو جبل فوقع إلى الأرض فمات حل وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال مالك لا يحل إلا أن تكون الجراحة موحية أو يموت قبل


304

سقوطه لقوله تعالى والمتردية ولأنه اجتمع المبيح والحاظر فغلب الحظر كما لو غرق

ولنا إنه صيد سقط بالإصابة سقوطا لا يمكن الاحتراز عن سقوطه عليه فوجب أن يحل كما لو أصاب الصيد فوقع على جنبه ويخالف ما ذكروه فإن الماء يمكن التحرز منه وهو قاتل بخلاف الأرض

مسألة

قال ( وإذا رمى صيدا فقتل جماعة فكله حلال )

قد سبق شرح هذه المسألة فيما إذا رمى صيدا فأصاب غيره

فصل قال أحمد لا بأس بصيد الليل

فقيل له قول النبي صلى الله عليه وسلم أقروا الطير على وكناتها فقال هذا كان أحدكم يريد الأمر فيثير الطير حتى يتفاءل إن كان عن يمينه قال كذا وإن جاء عن يساره قال كذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أقروا الطير على وكناتها وروي له عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تطرقوا الطير في أوكارها فإن الليل لها أمان فقال هذا ليس بشيء يرويه فرات بن السائب وليس بشيء ورواه عنه حفص بن عمر ولا أعرفه قال يزيد بن هارون وما علمت أن أحدا كره صيد الليل وقال يحيى بن معين ليس به بأس وسئل هل يكره للرجل صيد الفراخ الصغار مثل الورشان وغيره يعني من أوكارها فلم يكرهه

مسألة

قال ( وإذا رمى صيدا فأبان منه عضوا لم يؤكل ما بان منه ويؤكل ما سواه في إحدى الروايتين والأخرى يأكله وما أبان منه )

وجملته أنه إذا رمى صيدا أو ضربه فبان بعضه لم يخل من أحوال ثلاثة أحدها أن نقطعه قطعتين أو يقطع رأسه فهذا جميعه حلال سواء كانت القطعتان متساويتين أو متفاوتتين وبهذا قال الشافعي وروي ذلك عن عكرمة والنخعي وقتادة وقال أبو حنيفة إن كانتا متساويتين أو التي مع الرأس أقل حلتا وإن كانت الأخرى أقل لم يحل وحل الرأس وما معه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أبين من حي فهو ميت

ولنا إنه جزء لا تبقى الحياة مع فقده فأبيح كما لو تساوت القطعتان

الحال الثاني أن يبين منه عضو وتبقى فيه حياة مستقرة فالبائن محرم بكل حال سواء بقي الحيوان حيا أو أدركه فذكاه أو رماه بسهم آخر فقتله إلا أنه إن ذكاه حل بكل حال دون ما أبان منه وإن ضربه في غير مذبحه فقتله نظرت فإن لم يكن أثبته بالضربة الأولى حل دون ما أبان منه وإن كان أثبته لم يحل شيء منه لأن ذكاة المقدور عليه في الحلق واللبة

الحال الثالث أبان منه عضوا ولم تبق فيه حياة مستقرة فهذه التي ذكر الخرقي فيها روايتين

أشهرها عن أحمد إباحتهما قال أحمد إنما حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما قطعت من الحي ميتة إذا قطعت وهي حية تمشي وتذهب أما إذا كانت البينونة والموت جميعا أو بعده بقليل إذا كان في علاج الموت فلا بأس به ألا ترى الذي يذبح ربما مكث ساعة


305

وربما مشى حتى يموت وهذا مذهب الشافعي وروي ذلك عن علي وعطاء والحسن وقال قتادة وإبراهيم وعكرمة إن وقعا معا أكلهما وإن مشى بعد قطع العضو أكله ولم يأكل العضو

والرواية الثانية لا يباح ما بان منه وهذا مذهب أبي حنيفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم ما أبين من حي فهو ميت ولأن هذه البينونة لا تمنع بقاء الحيوان في العادة فلم يبح أكل البائن كما لو أدركه الصياد وفيه حياة مستقرة والأولى المشهورة لأن ما كان ذكاة لبعض الحيوان كان ذكاة لجميعه كما لو قده نصفين والخبر يقتضي أن يكون الباقي حيا حتى يكون المنفصل منه ميتا وكذا نقول قال أبو الخطاب فإن بقي معلقا بجلده حل رواية واحدة

فصل قال أحمد حدثنا هشيم عن منصور عن الحسن أنه كان لا يرى بالطريدة بأسا كان المسلمون يفعلون ذلك في مغازيهم وما زال الناس يفعلونه في مغازيهم واستحسنه أبو عبد الله قال والطريدة الصيد يقع بين القوم فيقطع ذامنه بسيفه قطعة ويقطع الآخر أيضا حتى يؤتى عليه وهو حي قال وليس هو عندي إلا أن الصيد يقع بينهم لا يقدرون على ذكاته فيأخذونه قطعا

مسألة

قال ( وكذلك إذا نصب المناجل للصيد )

وجملته أنه إذا نصب المناجل للصيد فعقرت صيدا أو قتلته حل فإن بان منه عضو فحكمه حكم البائن بضربة الصائد روي نحو ذلك عن ابن عمر وهو قول الحسن وقتادة وقال الشافعي لا يباح بحال لأنه لم يذكه أحد وإنما قتلت المناجل بنفسها ولم يوجد من الصائد إلا السبب فجرى ذلك مجرى من نصب سكينا فذبحت شاة ولأنه لو رمى سهما وهو لا يرى صيدا فقتل صيدا لم يحل فهذا أولى

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم كل ما ردت عليك يدك ولأنه قتل الصيد بحديدة على الوجه المعتاد فأشبه ما لو رماه بها ولأنه قصد قتل الصيد بماله حد جرت العادة بالصيد به أشبه ما ذكرنا والسبب جرى مجرى المباشرة في الضمان فكذلك في إباحة الصيد وفارق ما إذا نصب سكينا فإن العادة لم تجر بالصيد بها وإذا رمى سهما ولم ير صيدا فليس ذلك بمعتاد والظاهر أنه لا يصيب صيدا فلم يصح قصده وهذا بخلافه

فصل فأما ما قتلته الشبكة أو الحبل فهو محرم ولا نعلم فيه خلافا إلا عن الحسن أنه يباح ما قتله الحبل إذا سمى فدخل فيه وجرحه وهذا قول شاذ يخالف عوام أهل العلم ولأنه قتله بما ليس له حد أشبه ما لو قتله بالبندق

مسألة

قال ( وإذا صاد بالمعراض أكل ما قتل بحده ولا يأكل ما قتل بعرضه )

المعراض عود محدد وربما جعل في رأسه حديدة قال أحمد المعراض يشبه السهم يحذف به الصيد فربما أصاب الصيد بحده فخرق وقتل فيباح ربما أصاب بعرضه فقتل بثقله فيكون موقوذا فلا يباح وهذا قول علي وعثمان


306

وعمار وابن عباس وبه قال النخعي والحكم ومالك والثوري والشافعي وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور وقال الأوزاعي وأهل الشام يباح ما قتله بحده وعرضه وقال ابن عمر ما رمي من الصيد بجلاحق أو معراض هو من الموقوذة وبه قال الحسن

ولنا ما روى عدي بن حاتم قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض فقال ما خرق فكل وما قتل بعرضه فهو وقيذ فلا تأكل متفق عليه وهذا نص ولأن ما قتله بحده بمنزلة ما طعنه برمحه أو رماه بسهمه ولأنه محدد خرق وقتل بحده وما قتل بعرضه إنما يقتله بثقله فهو موقوذ كالذي رماه بحجر أو ببندقة

فصل قال وحكم سائر آلات الصيد حكم المعراض في أنها إذا قتلت بعرضها ولم تجرح لم يبح الصيد كالسهم يصيب الطائر بعرضه فيقتله والرمح والحربة والسيف يضرب به صفحا فيقتل فكل ذلك حرام وهكذا إن أصاب بحده فلم يجرح وقتله بثقله لم يبح لقول النبي صلى الله عليه وسلم ما خرق فكل ولأنه إذا لم يجرحه فإنما يقتله بثقله فأشبه ما أصاب بعرضه

مسألة

قال ( وإذا رمى صيدا فعقره ورماه آخر فأثبته ورماه آخر فقتله لم يؤكل وكان لمن أثبته القيمة مجروحا على قاتله )

أما الذي عقره ولم يثبته فلا شيء له ولا عليه لأنه حين ضربه كان مباحا لا ملك لأحد فيه ولم يثبت له فيه حق لأنه باق على امتناعه وأما الذي أثبته فقد ملكه لأنه أزال امتناعه فصار بمنزلة إمساكه فإذا ضربه الثالث فقتله فعليه ضمانه لأنه قتل حيوانا مملوكا لغيره وهذا محمول على أن جرح المثبت ليس بموح بدليل أنه نسب القتل إلى الثالث ويضمنه مجروحا حين الجرح الأول والثاني لأنه قتله وهما فيه

فأما إباحته فينظر فيه فإن كان القاتل أصاب مذبحه حل لأنه صادف محل الذبح وليس عليه أرش ذبحه كما لو ذبح شاة لغيره وإن كان أصاب غير مذبحه لم يحل لأنه لما أثبته صار مقدورا عليه لا يحل إلا بالذبح في الحلق واللبة فإذا قتله بغير ذلك لم يحل كما لو قتل شاة وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد

فصل وإن رمى صيدا فأثبته ثم رماه آخر فأصابه لم تخل رمية الأول من قسمين أحدهما أن تكون موحية مثل أن تنحره أو تذبحه أو تقع في خاصرته أو قلبه فينظر في رمية الثاني فإن كانت غير موحية فهو حلال ولا ضمان على الثاني أن ينقصه برميه شيئا فيضمن ما نقصه لأنه بالرمية الأولى صار مذبوحا وإن كانت رمية الثاني موحية فقال القاضي وأصحابه يحل كالتي قبلها وهو مذهب الشافعي ويجيء على قول الخرقي أن يكون حراما كقوله فيمن ذبح فأتى على المقاتل فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء أو وطىء عليها شيء لم يؤكل

القسم الثاني أن يكون جرح الأول غير موح فينظر في رمية الثاني فإن كانت موحية فهو محرم لما ذكرنا إلا أن تكون ذبحته أو نحرته وإن كانت غير موحية فلها ثلاث صور


307

إحداهما أنه ذكي بعد ذلك فيحل

والثانية لم يذك حتى مات فإنه يحرم لأنه مات من جرحين مبيح ومحرم فحرم كما لو مات من جرح مسلم ومجوسي وعلى الثاني ضمان جميعه لأنه جرحه هو الذي حرمه فكان جميع الضمان عليه

الثالثة قدر على ذكاته فلم يذكه حتى مات حرم لمعنيين

أحدهما أنه ترك ذكاته مع إمكانها

والثاني أنه مات من جرحين مبيح ومحرم ويلزم الثاني الضمان وقد قدره احتمالان أحدهما يضمن جميعه كالتي قبلها قال القاضي هذا قول الخرقي لإيجابه الضمان في مسألته على الثالث من غير تفريق وليست هذه مسألة الخرقي لقوله ثم رماه الثالث فقتله فتعين حملها على أن جرح الثاني كان موحيا لا غير

الاحتمال الثاني أن يضمن الثاني بقسط جرحه لأن الأول إذا ترك الذبح مع أمكانه صار جرحه حاضرا أيضا بدليل ما لو انفرد وقتل الصيد فيكون الضمان منقسما عليهما وذكر القاضي في قسمته عليهما أنه يسقط أرش جرح الأول وعلى الثاني أرش جراحته ثم يقسم ما بقي من القيمة بينهما نصفين

وفرض المسألة في صيد قيمته عشرة دراهم نقصه جرح الأول درهما ونقصه جرح الثاني درهما فعليه درهم ويقسم الباقي وهو ثمانية بينهما نصفين فيكون على الثاني خمسة دراهم درهم بالمباشرة وأربعة بالسراية وتسقط حصة الأول وهي خمسة وإن كان أرش جرح الثاني درهمين لزماه نصف السبعة الباقية ثلاثة ونصف فيلزمه خمسة ونصف وتسقط حصة الأول أربعة ونصف وإن كانت جنايتهما على حيوان مملوك لغيرهما قسم الضمان عليهما كذلك ويتوجه على هذه الطريقة أنه سوى بين الجنايتين مع أن الثاني حنى عليه وقيمته دون قيمته يوم جنى عليه الأول وأنه لم يدخل أرش الجناية في بدل النفس كما يدخل في الجناية على الآدمي والجواب عن هذا أن كل واحد منهما انفرد بإتلاف ما قيمته درهم وتساويا في إتلاف الباقي بالسراية فتساويا في الضمان وإنما يدخل أرش الجناية في بدل النفس التي لا ينقص بدلها بإتلاف بعضها وهو الآدمي أما البهائم فإنه إذا جنى عليها جناية أرشها درهم نقص ذلك من قيمتها فإذا سرى إلى النفس أوجبنا ما بقي من قيمة النفس ولم يدخل الأرش فيها وذكر أصحاب الشافعي في قسمة الضمان طرقا ستة أصحها عندهم أن يقال إن الأول أتلف نصف نفس قيمتها عشرة فيلزمه خمسة

والثاني أتلف نصف نفس قيمتها تسعة فيلزمه أربعة ونصف فيكون المجموع تسعة ونصفا وهي أقل من قيمته لأنها عشرة فتقسم العشرة على تسعة ونصف فيسقط عن الأول ما يقابل أربعة ونصفا ويتوجه على هذا أن كل واحد منهما يلزمه أكثر من قيمة نصف الصيد حين جنى عليه وإن كانت الجراحات من ثلاثة فإن كان الأول هو أثبته فعلى طريقة القاضي على كل واحد أرش جرحه وتقسم السراية عليهم أثلاثا وإن كان المثبت له هو الثاني فجرحه الأول هدر لا عبرة بها والحكم في جراحة الآخرين كما ذكرنا وعلى الطريقة الأخرى

الأول أتلف ثلث نفس قيمتها عشرة فيلزمه ثلاثة وثلت

والثاني أتلف ثلثها وقيمتها تسعة فيلزمه ثلاثة

والثالث أتلف ثلثها وقيمتها ثمانية فيلزمه درهمان وثلثان ومجموع ذلك تسعة تقسم عليها العشرة حصة كل واحد منهم ما يقابل ما أتلفه وإن أتلفوا شاة مملوكة لغيرهم ضمنوها كذلك


308

فصل فإن رمياه معا فقتلاه كان حلالا وملكاه لأنهما اشتركا في سبب الملك والحل تساوى لجرحان أو تفاوتا لأن موته كان بهما فإن كان أحدهما موحيا والآخر غير موح ولا يثبته مثله فهو لصاحب الجرح الموحى لأنه الذي أثبته وقتله لا شيء على الآخر لأن جرحه كان قبل ثبوت ملك الآخر فيه وإن أصابه أحدهما بعد صاحبه فوجدناه ميتا ولم نعلم هل صار بالأول ممتنعا أو لا حل لأن الأصل الامتناع ويكون بينهما لأن أيديهما عليه فإن قال كل واحد منهما أنا أثبته ثم قتلته أنت حرم لأنهما اتفقا على تحريمه ويتحالفان لأخذ الضمان وإن اتفقا على الأول منهما فادعى الأول أنه أثبته ثم قتله وأنكر الثاني إثبات الأول له فالقول قول الثاني لأن الأصل عدم امتناعه ويحرم على الأول لإقراره بتحريمه والقول قول الثاني في عدم الامتناع مع يمينه وإن علمت جراحة كل واحد منهما نظرنا فيها فإن علم أن جراحه الأول لا يبقى معها امتناع مثل أن كسر جناح الطائر أو ساق الظبي فالقول قول الأول بغير يمين وإن علم أنه لا يزيل الامتناع مثل خدش الجلد فالقول قول الثاني وإن احتمل الأمرين فالقول قول الثاني لأن الأصل معه وعليه اليمين لأن ما ادعاه الأول محتمل

فصل وإن رمى صيدا فأصابه وبقي على امتناعه حتى دخل دار إنسان فأخذه فهو لمن أخذه لأن الأول لم يملكه لكونه ممتنعا فملكه الثاني بأخذه ولو رمى طائرا على شجرة في دار قوم فطرحه في دارهم فأخذوه فهو للرامي دونهم لأن ملكه بإزالة امتناعه

فصل قال أصحابنا وإذا تعلق صيد في شرك إنسان أو شبكته ملكه لأنه أثبته بآلته

فإن أخذه أحد لزمه رده عليه لأن آلته أثبتته فأشبه ما لو أثبته بسهمه فإن لم تمسكه الشبكة بل انفلت منها في الحال أو بعد حين لم يملكه لأنه لم يثبته وإن أخذ الشبكة وانفلت بها فصاده إنسان ملكه ويرد الشبكة على صاحبها لأنه لم يثبته وإن كان يمشي بالشبكة على وجه لا يقدر على الامتناع فهو لصاحبها لأنها أزالت امتناعه وإذا أمسكه الصائد وثبتت يده عليه ثم انفلت منه لم يزل ملكه عنه لأنه امتنع منه بعد ثبوت ملكه فلم يزل ملكه عنه كما لو شردت فرسه أو ند بعيره فإن اصطاد صيدا فوجد عليه علامة مثل أن يجد في عنقه قلادة أو في أذنه قرطا لم يملكه لأن الذي اصطاده ملكه فلا يزول ملكه بالانفلات وكذلك إن وجد طائرا مقصوص الجناح فإن قيل يحتمل أن الذي أمسكه أو لا محرم لم يملكه أو أنه أرسله على سبيل التخلية وإزالة الملك عنه كإلقاء الشيء التافه

قلنا أما الأول فنادر وهو مخالف للظاهر لأن ظاهر حال المحرم أنه لا يصيد ما حرم الله عليه وأما الثاني فخلاف الأصل فإن الأصل بقاء ملكه عليه وما ذكروه محتمل فلا يزول الملك بالشك وإن علم أن مالكه أرسله اختيارا فقال أصحابنا لا يزول الملك عنه بالإرسال والإعتاق كما لو أرسل البعيرة والبقرة ويحتمل أن يزول الملك لأن الأصل الإباحة فالإرسال يرده إلى أصله ويفارق بهيمة الأنعام من وجهين أحدهما أن الأصل ها هنا الإباحة وبهيمة الأنعام بخلافه


309

الثاني أن الأرسال ها هنا يفيد وهو رد الصيد إلى الخلاص من أيدي الآدميين وحبسهم ولهذا روي عن أبي الدرداء أنه اشترى عصفورا من صبي فأرسله ويجب إرسال الصيد على المحرم إذا أحرم أو أدخل الحرم وهو في يده بخلاف بهيمة الأنعام فإن إرساله تضييع له وربما هلك إذا لم يكن له من يقوم به

مسألة

قال ( ومن كان في سفينة فوثبت سمكة فسقطت في حجره فهي له دون صاحب السفينة )

وذلك لأن السمكة من الصيد المباح يملك بالسبق إليه وهذه حصلت في يد الذي هي في حجره وحجر له ويده عليه دون صاحب السفينة ألا ترى أنهما لو تنازعا كيسا في حجره كان أحق به من صاحب السفينة كذا هاهنا ومفهوم كلام الخرقي أن السمكة إذا وقعت في السفينة فهي لصاحبها وذكره ابن أبي موسى لأن السفينة ملكه ويده عليها فما حصل من المباح فيها كان أحق به كحجره

فصل فإن كانت السمكة وثبت بسبب فعل إنسان لقصد الصيد كالصياد الذي يجعل في السفينة ضوءا بالليل ويدق بشيء كالجرس ليثب السمك في السفينة فهذا للصائد دون من وقع في حجره لأن الصائد أثبتها بذلك فصار كمن رمى طائرا فألقاه في دار قوم وإن لم يقصد الصيد بهذا بل حصل اتفاقا كانت لمن وقعت في حجره

مسألة

قال ( ولا يصاد السمك بشيء نجس )

ومعنى ذلك أن يترك في الماء شيء نجس كالعذرة والميتة وشبهها ليأكله السمك فيصيدوه به فكره أحمد ذلك وقال هو حرام لا يصاد به وإنما كره أحمد ذلك لما يتضمن من أكل السمك النجاسة وسواء في هذا ما يتفرق كالدم والعذرة وما لا يتفرق كالجرذ وقطعة من الميتة وكره أحمد الصيد ببنات وردان وقال إن مأواها الحشوش وكره الصيد بالضفادع وقال الضفدع هي عن قتله

فصل وركه الصيد بالخراطيم وكل شيء فيه الروح لما فيه من تعذيب الحيوان فإن اصطاد فالصيد مباح وكره الصيد بالشباش وهو طائر يخيط عينه أو يربط من أجل تعذيبه ولم ير بأسا بالصيد بالشبكة والشرك وشيء فيه دبق يمنع الطير من الطيران وأن يطعم شيئا إذا أكله سكر وأخذه

مسألة

قال ( ولا يؤكل صيد مرتد ولا ذبيحته وإن تدين بدين أهل الكتاب )

يعني ما قتله من الصيد ولم تدرك ذكاته وهذا قول أكثر أهل العلم منهم الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وقال الأوزاعي وإسحاق تباح ذبيحته إذا ذهب إلى النصرانية أو اليهودية لأن من تولى قوما فهو منهم

ولنا إنه كافر لا يقر على كفره فلم تبح ذبيحته كعبدة الأثان وقد مضت هذه المسألة في باب المرتد

مسألة

قال ( ومن ترك التسمية على الصيد عامدا أو ساهيا لم يؤكل وإن ترك التسمية على


310

الذبيحة عامدا لم تؤكل وإن تركها ساهيا أكلت )

وأما الصيد فقد مضى القول فيه وأما الذبيحة فالمشهور من مذهب أحمد أنها شرط مع الذكر وتسقط بالسهو وروي ذلك عن ابن عباس وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة وإسحاق وممن أباح ما نسيت التسمية عليه عطاء وطاوس وسعيد بن المسيب والحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد وربيعة وعن أحمد أنها مستحبة غير واجبة في عمد ولا سهو وبه قال الشافعي لما ذكرنا في الصيد قال أحمد إنما قال الله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه الأنعام 121 يعني الميتة وذكر ذلك عن ابن عباس

ولنا قول ابن عباس من نسي التسمية فلا بأس وروى سعيد بن منصور بإسناده عن راشد بن ربيعة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم ما لم يتعمد ولأنه قو3ل من سمينا ولم نعرف لهم في الصحابة مخالفا وقوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه الأنعام 121 محمول على ما تركت التسمية عليه عمدا بدليل قوله وإنه لفسق الأنعام 121 والأكل مما نسيت التسمية عليه ليس بفسق ويفارق الصيد لأن ذبحه في غير محل فاعتبرت التسمية تقوية له والذبيحة بخلاف ذلك

فصل والتسمية على الذبيحة معتبرة حال الذبح أو قريبا منه كما تعتبر على الطهارة وإن سمى على شاة ثم أخذ أخرى فذبحها بتلك التسمية لم يجز سواء أرسل الأولى أو ذبحها لأنه لم يقصد الثانية بهذه التسمية وإن رأى قطيعا من الغنم فقال بسم الله ثم أخذ شاة فذبحها بغير تسمية لم يحل وإن جهل كون ذلك لا يجزىء لم يجر مجرى النسيان لأن النسيان يسقط المؤاخذة والجاهل مؤاخذ ولذلك يفطر الجاهل بالأكل في الصوم دون الناسي وإن أضجع شاة ليذبحها وسمى ثم ألقى السكين وأخذ أخرى أو رد سلاما أو كلم إنسانا أو استسقى ماء ونحو ذلك وذبح حل لأنه سمى على تلك الشاة بعينها ولم يفصل بينهما إلا بفصل يسير فأشبه ما لو لم يتكلم

فصل وإن سمى الصائد على صيد فأصاب غيره حل وإن سمى على سهم ثم ألقاه وأخذ غيره فرمى به لم يبح ما صاده به لأنه لما لم يكن اعتبار التسمية على صيد بعينه اعتبرت على الآلة التي يصيد بها بخلاف الذبيحة ويحتمل أن يباح قياسا على ما لو سمى على سكين ثم ألقاها وأخذ غيرها وسقوط اعتبار تعيين الصيد لمشقته لا يقتضي اعتبار تعيين الآلة فلا يعتبر

مسألة

قال ( وإذا ند بعير فلم يقدر عليه فرماه بسهم أو نحوه مما يسيل به دمه فقتله أكل )

وكذلك إن تردى في بئر فلم يقدر على تذكيته فجرحه في أي موضع قدر عليه فقتله أكل إلا أن تكون رأسه


311

في الماء فلا يؤكل لأن الماء يعين على قتله هذا قول أكثر الفقهاء روي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم وبه قال مسروق والأسود والحسن وعطاء وطاوس وإسحاق والشعبي والحكم وحماد والثوري وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق وأبو ثور وقال مالك لا يجوز أكله إلا أن يذكى وهو قول ربيعة والليث قال أحمد لعل مالكا لم يسمع حديث رافع بن خديج واحتج لمالك بأن الحيوان الإنسي إذا توحش لم يثبت له حكم الوحشي بدليل أنه لا يجب على المحرم الجزاء بقتله ولا يصير الحمار الأهلي مباحا إذا توحش

ولنا ما روى رافع بن خديج قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فند بعير وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه فأعياهم فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا وفي لفظ فما ند عليكم فاصنعوا به هكذا متفق عليه وحرب ثور في بعض دور الأنصار فضربه رجل بالسيف وذكر اسم الله عليه فسئل عنه على فقال ذكاة وحية فأمرهم بأكله وتردى بعير في بئر فذكي من قبل شاكلته فبيع بعشرين درهما فأخذ ابن عمر عشرة بدرهمين ولأن الاعتبار في الذكاة بحال الحيوان وقت ذبحه لا بأصله بدليل الوحشي إذا قدر عليه وجبت تذكيته في الحلق واللبة وكذلك الأهلي إذا توحش يعتبر بحاله وبهذا فارق ما ذكروه فإذا تردى فلم يقدر على تذكيته فهو معجوز عن تذكيته فأشبه الوحشي فإما إن كان رأس المتردي في الماء لم يبح لأن الماء يعين على قتله فيحصل قتله بمبيح وحاظر فيحرم كما لو جرحه مسلم ومجوسي

مسألة

قال ( والمسلم والكتابي في كل ما وصفت سواء )

يعني في الاصطياد والذبح

وأجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب لقول الله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم المائدة 5 يعني ذبائحهم

قال البخاري قال ابن عباس طعامهم ذبائحهم وكذلك قال مجاهد وقتادة وروي معناه عن ابن مسعود وأكثر أهل العلم يرون إباحة صيدهم أيضا قال ذلك عطاء والليث والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم أحدا حرم صيد أهل الكتاب إلا مالكا أباح ذبائحهم وحرم صيدهم ولا يصح لأن صيدهم من طعامهم فيدخل في عموم الآية ولأن من حلت ذبيحته حل صيده كالمسلم

فصل ولا فرق بين العدل والفاسق من المسلمين وأهل الكتاب وعن ابن عباس رضي الله عنه و تؤكل ذبيحة الأقلف وعن أحمد مثله والصحيح إباحته فإنه مسلم فأشبه سائر المسلمين وإذا أبيحت القاذف والزاني وشارب الخمر مع تحقيق فسقه وذبيحة النصراني وهو كافر أقلف فالمسلم أولى


312

فصل ولا فرق بين الحربي والذمي في إباحة ذبيحة الكتابي منهم وتحريم ذبيحة من سواه وسئل أحمد عن ذبائح نصارى أهل الحرب فقال لا بأس بها حديث عبدالله بن مغفل في الشحم قال إسحاق أجاد وقال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم منهم مجاهد والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا فرق بين الكتابي العربي وغيره إلا أن في نصارى العرب اختلافا ذكرناه في باب الجزية وسئل مكحول عن ذبائح العرب فقال أما بهرا وتنوخ وسليح فلا بأس وأما بنو تغلب فلا خير في ذبائحهم والصحيح إباحة ذبائح الجميع لعموم الآية فيهم

فصل فإن كان أحد أبوي الكتابي ممن لا تحل ذبيحته والآخر ممن تحل ذبيحته فقال أصحابنا لا يحل صيده ولا ذبيحته

وبه قال الشافعي إذا كان الأب غير كتابي وإن كان الأب كتابيا ففيه قولان

أحدهما تباح وهو قول مالك وأبو ثور

والثاني لا تباح لأنه وجد ما يقتضي التحريم والإباحة فغلب ما يقتضي التحريم كما لو جرحه مسلم ومجوسي وبيان وجود ما يقتضي التحريم إن كونه ابن مجوسي أو وثني يقتضي تحريم ذبيحته

وقال أبو حنيفة تباح ذبيحته بكل حال لعموم النص ولأنه كتابي يقر على دينه فتحل ذبيحته كما لو كان ابن كتابين وأما إن كان ابن وثنيين أو مجوسيين فمقتضى مذهب الأئمة الثلاثة تحريمه ومقتضى مذهب أبي حنيفة حله لأن الاعتبار بدين الذابح لا بدين أبيه بدليل أن الاعتبار في قبول الجزية بذلك ولعموم النص والقياس

فصل فأما ما ذبحوه لكنائسهم وأعيادهم فننظر فيه فإن ذبحه لهم مسلم فهو مباح نص عليه وقال أحمد وسفيان الثوري في المجوسي يذبح لإلهه ويدفع الشاة إلى المسلم يذبحها فيسمي يجوز الأكل منها وقال اسماعيل بن سعيد سألت أحمد عما يقرب لآلهتهم يذبحه رجل مسلم قال لا بأس به وإن ذبحها الكتابي وسمى الله وحده حلت أيضا لأن شرط الحل وجد وإن علم أنه ذكر اسم غير الله عليها أو تر التسمية عمدا لم تحل قال حنبل سمعت أبا عبد الله قال أنه ذكر اسم غير الله عليها أو ترك التسمية عمدا لم تحل قال حنيل سمعت أبا عبدالله قال لا يؤكل يعني ما ذبح لأعيادهم وكنائسهم لأنه أهل لغير الله به وقال في موضع يدعون التسمية على عمد إنما يذبحون للمسيح فأما ما سوى ذلك فرويت عن أحمد الكراهة فيما ذبح لكنائسهم وأعيادهم مطلقا وهو قول ميمون بن مهران لأنه ذبح لغير الله وروي عن أحمد إباحته وسئل عنه العرباض بن سارية فقال كلوا وأطعموني وروي مثل ذلك عن أبي أمامة الباهلي وأبي مسلم الخولاني وأكله أبو الدرداء وجبير بن نفير ورخص فيه عمرو بن الأسود ومكحول وضمرة بن حبيب لقول الله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وهذا من طعامهم

قال القاضي ما ذبحه الكتابي لعيده أو نجم أو صنم أو نبي فسماه على ذبيحته حرم لقوله تعالى وما أهل لغير الله به المائدة 3 وإن سمى الله وحده حل لقول الله تعالى فكلوا مما ذكر اسم الله عليه الأنعام 118 لكنه يكره لقصده بقلبه الذبح لغير الله


313

مسألة

قال ( ولا يؤكل ما قتل بالبندق أو الحجر لأنه موقوذ )

يعني الحجر الذي لا حد له فأما المحدد كالصوان فهو كالمعراض إن قتل بحده أبيح وإن قتل بعرضه أو ثقله فهو وقيذ لا يباح وهذا قول عامة الفقهاء وقال ابن عمر في المقتولة بالبندق تلك الموقوذة وكره ذلك سالم والقاسم ومجاهد وعطاء والحسن وإبراهيم ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور ورخص فيما قتل بها ابن المسيب وروي أيضا عن عمار وعبد الرحمن بن أبي ليلى

ولنا قول الله تعالى والموقوذة المائدة 3 وروس سعيد بإسناده عن إبراهيم عن عدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت وقال في المعراض إذا أصيب بعرضه فقتل فإنه وقيذ وقال عمر ليتق أحدكم أن يحذف الأرنب بالعصا والحجر ثم قال وليذك لكم الأسل الرماح والنبل

أذا ثبت هذا فسواء شدخه أو لم يشدخه حتى لو رماه ببندقة فقطعت حلقوم طائر ومريئه أو أطارت رأسه لم يحل وكذلك إن فعل ذلك بحجر غير محدد

مسألة

قال ( ولا يؤكل صيد المجوسي وذبيحته إلا ما كان من حوت فإنه لا ذكاة له )

أجمع أهل العلم على تحريم صيد المجوسي وذبيحته إلا ما لا ذكاة له كالسمك والجراد فإنهم أجمعوا على إباحته غير أن مالكا والليث وأبا ثور شذوا على الجماعة وأفرطوا فأما مالك والليث فقال لا نرى أن يأكل الجراد إذا صاده المجوسي ورخصا في السمك وأبو ثور أباح صيده وذبيحته لقول النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب ولأنهم يقرون بالجزية فيباح صيدهم وذبائحهم كاليهود والنصارى واحتج برواية عن سعيد بن المسيب وهذا قول يخالف الإجماع فلا عبرة به

قال إبراهيم الحربي خرق أبو ثور الإجماع قال أحمد ها هنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأسا ما أعجب هذا يعرض بأبي ثور

وممن رويت عنه كراهية ذبائحهم ابن مسعود وابن عباس وعلي وجابر وأبو بردة وسعيد بن المسيب وعكرمة والحسن بن محمد وعطاء ومجاهد وعبدالرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير ومرة الهمذاني والزهري ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي قال أحمد ولا أعلم أحدا قال بخلافه إلا أن يكون صاحب بدعة ولأن الله تعالى قال وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم المائدة 5 فمفهومه تحريم طعام غيرهم من الكافر ولأنهم لا كتاب فهم فلم تحل ذبائحهم كأهل الأوثان

وقد روى الإمام أحمد بإسناده عن قيس بن سكن الأسدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم نزلتم بفارس من النبط فإذا اشتريتم لحما فإن كان من يهودي أو نصراني فكلوا وإن كانت ذبيحة مجوسي فلا تأكلوا ولأن كفرهم مع كونهم غير أهل كتاب يقتضي تحريم ذبائحهم ونسائهم بدليل سائر الكافر من غير أهل


314

الكتاب وإنما أخذت منهم الجزية لأن شبهة الكتاب تقتضي التحريم لدمائهم فلما غلبت في التحريم لدمائهم فيجب أن يغلب عدم الكتاب في تحريم الذبائح والنساء احتياطا للتحريم في الموضعين ولأنه إجماع فإنه قول من سمينا ولا مخالف لهم في عصرهم ولا فيمن بعدهم إلا رواية عن سعيد روي عنه خلافها ولا خلاف في إباحة ما صادوه من الحيتان حكي عن الحسن البصري أنه قال رأيت سبعين من الصحابة يأكلون صيد المجوسي من الحيتان لا يختلج في صدورهم شيء من ذلك رواه سعيد بن منصور والجراد كالحيتان في ذلك لأنه لا ذكاة له ولأنه تباح ميتته فلم يحرم بصيد المجوسي كالحوت

فصل وحكم سائر الكفار من عبدة الأوثان والزنادقة وغيرهم وحكم المجوسي في تحريم ذبائحهم وصيدهم إلا الحيتان والجراد وسائر ما تباح ميتته فإن ما صادوه مباح لأنه لا يزيد بذلك عن موته بغير سبب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان السمك والجراد وقال في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته

فصل قال أحمد وطعام المجوسي ليس به بأس أن يؤكل وإذا أهدي إليه أن يقبل إنما تكره ذبائحهم أو شيء فيه دسم يعني من اللحم ولم ير بالسمن والخبز بأسا وسئل عما يصنع المجوس لأمواتهم ويزمزمون عليهم أياما عشرا يقتسمون ذلك في الجيران قال لابأس بذلك وعن الشعبي كل مع المجوسي وإن زمزم

وروى أحمد أن سعيد بن جبير كان يأكل من كواميخ المجوس وأعجبه ذلك وروى هشام عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بطعام المجوس في المصر ولا بشواريزهم ولا بكواميخهم

مسألة

قال ( وكذلك كل ما مات من الحيتان في الماء وإن طفا )

قوله طفا يعني ارتفع على وجه الماء

قال عبدالله بن رواحة وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا وجملة ذلك أن السمك وغيره من ذوات الماء التي لا تعيش إلا فيه إذا ماتت فهي حلال وسواء ماتت بسبب أو غير سبب لقول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته قال أحمد هذا خير من مائة حديث وأما ما مات بسبب مثل ان صاده إنسان أو نبذه البحر أو جزر عنه فإن العلماء أحمعوا على إباحته وكذلك ما حبس في الماء بحظيرة حتى يموت فلا خلاف أيضا في حله قال أحمد الطافي يؤكل وما جزر عنه الماء أجود والسمك الذي نبذه البحر لم يختلف الناس فيه وإنما اختلفوا في الطافي وليس به بأس وممن أباح الطافي من السمك أبو بكر الصديق وأبو أيوب رضي الله عنهما وبه قال الشافعي وممن أباح ما وجد من الحيتان عطاء ومكحول والثوري والنخعي وكره الطافي جابر وطاوس وابن سيرين وجابر بن زيد وأصحاب الرأي لأن جابرا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه رواه أبو داود


315

ولنا قول الله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة المائدة 96 قال ابن عباس طعامه ما مات فيه وأيضا الحديث الذي قدمناه وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه الطافي حلال ولأنه لو مات في البر أبيح فإذا مات في البحر أبيح كالجراد فأما حديث جابر فإنما هو موقوف عليه كذلك قال أبو داود رواه الثقات فأوقفوه على جابر وقد أسند من وجه ضعيف وإن صح فنحمله على نهي الكراهة لأنه إذا مات رسب في أسفله فإذا أنتن طفا فكرهه لنتنه لا لتحريمه

فصل يباح أكل الجراد بإجماع أهل العلم وقد قال عبدالله بن أبي أوفى غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد رواع البخاري وأبو داود ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب في قوله عامة أهل العلم منهم الشافعي وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي وابن المنذر وعن أحمد إنه إذا قتله البرد لم يؤكل وعنه لا يؤكل إذا مات بغير سبب وهو قول مالك ويروى أيضا عن سعيد بن المسيب

ولنا عموم قوله عليه السلام أحلت لنا ميتتان ودمان فالميتتان السمك والجراد ولم يفصل ولأنه تباح ميتته فلم يعتبر له سبب كالسمك ولأنه لو افتقر إلى سبب لافتقر إلى ذبح وذابح وآلة كبهيمة الأنعام

فصل ويباح أكل الجراد بما فيه وكذلك السمك يجوز أن يقلى من غير أن يشق بطنه وقال أصحاب الشافعي في السمك لا يجوز لأن رجيعه نجس

ولنا عموم النص في إباحته وما ذكروه غير مسلم وإن بلع إنسان شيئا منه حيا كره لأن فيه تعذيبا له

فصل وسئل أحمد عن السمك يلقى في النار فقال ما يعجبني والجراد فقال ما يعجبني والجراد أسهل فإن هذا له دم ولم يكره أكل السمك إذا ألقى في النار إنما كره تعذيبه بالنار وأما الجراد فسهل في إلقائه لأنه لا دم له ولأن السمك لا حاجة إلى إلقائه في النار لإمكانه تركه حتى يموت بسرعة والجراد لا يموت في الحال بل يبقى مدة طويلة وفي مسند الشافعي أن كعبا كان محرما فمرت به رجل من جراد فنسي وأخذ جرادتين فألقاهما في النار وشواهما وذكر ذلك لعمر فلم ينكر عمر تركهما في النار وذكر له حديث ابن عمر كان الجراد يقلى له فقال إنما يؤخذ الجراد فتقطع أجنحته ثم يلقى في الزيت وهو حي

مسألة

قال ( وذكاة المقدور عليه من الصيد والأنعام في الحلق واللبة )

قد ذكرنا حكم المعجوز عنه من الصيد والأنعام فأما المقدور عليه منهما فلا يباح إلا بالذكاة بلا خلاف بين أهل العلم وتفتقر الذكاة إلى خمسة أشياء ذابح وآلة ومحل وفعل وذكر أما الذابح فيعتبر له شرطان دينه


316

وهو كونه مسلما أو كتابيا وعقله وهو أن يكون ذا عقل يعرف الذبح ليقصد فإن كان لا يعقل كالطفل الذي لا يميز والمجنون والسكران لم يحل ما ذبحه لأنه لا يصح منه القصد فأشبه ما لو ضرب إنسانا بالسيف فقطع عنق شاة

وأما الآلهة فلها شرطان أحدهما أن تكون محددة تقطع أو تخرق بحدها لا بثقلها

والثاني أن لا تكون سنا ولا ظفرا فإذا اجتمع هذان الشرطان في شيء حل الذبح به سواء كان حديدا أو حجرا أو بلطة أو خشبا لقول النبي صلى الله عليه وسلم ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا متفق عليه

وعن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله أرأيت إن أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصا فقال امرر الدم بما شئت واذكر اسم الله والمروة الصوان وعن رجل من بني حارثة أنه كان يرعى لقحة فأخذها الموت فلم يجد شيئا ينحرها به فأخذ وتدا فوجأها به في لبتها حتى أهريق دمها ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بأكلها رواه أبو داود وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور ونحوه قول مالك وعمرو بن دينار وبه قال أبو حنيفة إلا في السن والظفر قال إذا كانا متصلين لم يجز الذبح بهما وإن كانا منفصلين جاز

ولنا عموم حديث رافع ولأنه ما لم تجز الذكاة به متصلا لم تجز منفصلا كغير المحدد وأما العظم غير السن فمقتضى إطلاق قول أحمد والشافعي وأبي ثور إباحة الذبح به وهو قول مالك وعمرو بن دينار وأصحاب الرأي وقال ابن جريج يذكى بعظم الحمار ولا يذكى بعظم القرد لأنك تصلي على الحمار وتسقيه في جفنتك وعن أحمد لا يذكى بعظم ولا ظفر وقال النخعي لا يذكى بالعظم والقرن ووجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة فعلله بكونه عظما فكل عظم فقد وجدت فيه العلة الأول أصح إن شاء الله تعالى لأن العظيم دخل في عموم اللفظ المبيح ثم استثنى السن والظفر خاصة فيبقى سائر العظام داخلا فيما يباح الذبح به والمنطوق مقدم على التعليل ولهذا علل الظفر بكونه من مدى الحبشة ولا يحرم الذبح بالسكين وإن كانت مدية لهم ولأن العظام يتناولها سائر الأحاديث العامة يحصل بها المقصود فأشبهت سائر الآلات وأما المحل فالحلق واللبة وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر ولا يجوز الذبح في غير هذا المحل بالإجماع وقد روي في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الذكاة في الحلق واللبةقال أحمد الذكاة في الحلق واللغة واحتج بحديث عمر وهو ما روى سعيد والأثرم بإسنادهما عن الفرافصة قال كنا عند عمر فنادى أن النحر في اللبة والحلق لمن قدر وإنما نرى أن الذكاة اختصت بهذا المحل لأنه مجمع العروق فتنفسخ بالذبح فيه الدماء السيالة ويسرع زهوق النفس فيكون أطيب للحم وأخف على الحيوان قال أحمد لو كان حديث أبي العشراء حديثا يعني ما روى أبو العشراء عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك قال أحمد أبو العشراء هذا ليس بمعروف

وأما الذكر فالتسمية وقد مر ذكرها وما الفعل فيعتبر قطع الحلقوم والمريء وبهذا قال الشافعي

وعن أحمد رواية أخرى أنه يعتبر مع هذا قطع الودجين وبه قال مالك وأبو


317

يوسف لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الأوداج ثم تترك حتى تموت رواه أبو داود وقال أبو حنيفة يعتبر قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين ولا خلاف في أن الأكمل قطع الأربعة الحلقوم والمريء والودجين فالحلقوم مجرى النفس والمريء وهو مجرى الطعام والشراب والودجان وهما عرقان محيطان بالحلقوم لأنه أسرع لخروج روح الحيوان فيخف عليه ويخرج من الخلاف فيكون أولى

والأول يجزىء لأنه قطع في محل الذبح ما لا تبقى الحياة مع قطعه فأشبه ما لو قطع الأربعة

مسألة

قال ( ويستحب أن ينحر البعير ويذبح ما سواه )

لا خلاف بين أهل العلم في أن المستحب نحر الإبل وذبح ما سواها قال الله تعالى فصل لربك وانحر الكوثر 2 وقال الله تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة البقرة 67 قال مجاهد أمرنا بالنحر وأمر بنو اسرائيل بالذبح فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في قوم ماشيتهم الإبل فسن النحر وكانت بنو اسرائيل ماشيتهم البقر فأمروا بالذبح وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر بدنة وضحى بكبشين أقرنين ذبحهما بيده متفق عليه ومعنى النحر أن يضربها بحربة أو نحوها في الوهدة التي بين أصل عنقها وصدرها

فصل ويسن الذبح بسكين حاد لما روى أبو داود عن شداد بن أوس قال خصلتان سمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ويكره أن يسن السكين والحيوان يبصره ورأى رجلا قد وضع رجله على شاة وهو يحد السكين فضربه حتى أفلت الشاة ويكره أن يذبح شاة والأخرى تنظر إليه ويستحب أن يستقبل بها القبلة واستحب ذلك ابن عمر وابن سيرين وعطاء والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وكره ابن عمر وابن سيرين أكل ما ذبح لغير القبلة وقال سائرهم ليس ذلك مكروها لأن أهل الكتاب يذبحون لغير القبلة وقد أحل الله ذبلئحهم

فصل قال أحمد ولا تؤكل المصبورة ولا المجثمة وبه قال إسحاق والمجثمة هي الطائر أو الأرنب يجعل غرضا ثم يرمى حتى يقتل والمصبورة مثله إلا أن المجثمة لا تكون إلا في الطائر والأرنب وأشباهها والمبصورة كل حيوان وأصل الصبر الحبس والأصل في تحريمه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صبر البهائم وقال ?< نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مجثمة >? وبإسناده عن مجاهد قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المجثمة وعن أكلها ونهى عن المصبورة وعن أكلها


318

ولأنه حيوان مقدور عليه فلم يبح بغير الذكاة كالبعير والبقرة

مسألة

قال ( فإن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح فجائز )

هذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والزهري وقتادة ومالك والليث والثوري وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق وأبو ثور وحكي عن داود أن الإبل لا تباح إلا بالنحر ولا يباح غيرها إلا بالذبح لأن الله تعالى قال إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة البقرة 67

والأمر يقتضي الوجوب وقال تعالى فصل لربك وانحر الكوثر 2

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر البدن وذبح الغنم وإنما تؤخذ الأحكام من جهته وحكي عن مالك أنه لا يجزىء في الإبل إلا النحر لأن أعناقها طويلة فإذا ذبح تعذب بخروج روحه قال ابن المنذر إنما كرهه ولم يحرمه

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم امرر الدم بما شئت وقالت أسماء نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه ونحن بالمدينة وعن عائشة قالت نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بقرة واحدة ولأنه ذكاة في محل فجاز أكله كالحيوان الآخر

مسألة

قال ( وإذا ذبح فأبى على المقاتل فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء أو وطىء عليها شيء لم تؤكل ) يعني أذا وطىء عليها شيء يقتلها غالبا وهذا الذي ذكره الخرقي نص عليه أحمد وقال أكثر أصحابنا المتأخرين لا يحرم بهدا وهو قول أكثر الفقهاء لأنها إذا ذبحت فقد صارت في حكم الميت وكذلك لو أبين رأسها بعد الذبح لم تحرم نص عليه أحمد ولو ذبح إنسان ثم ضرب آخر عنقه أو غرقه لم يلزمه قصاص ولا دية ووجه قول الخرقي قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم وإن وقعت في الماء فلا تأكل وقال ابن مسعود من رمى طائرا فوقع في الماء فغرق فيه فلا تأكله لأنه الغرق سبب يقتل فإذا اجتمع مع الذبح فقد اجتمع ما يبيح ويحرم فيغلب الحظر ولأنه لا يؤمن أن يعين على خروج الروح فتكون قد خرجت بفعلين مبيح ومحرم فأشبه ما لو وجد الأمران في حال واحدة أو رماه مسلم ومجوسي فمات

مسألة

قال ( وإذا ذبحها من قفاها وهو مخطىء فأتت السكين على موضع ذبحها وهي في الحياة أكلت )

قال القاضي معنى الخطأ أن تلتوي الذبيحة عليه فتأتي السكين على القفا لأنها مع التوائها معجوز عن ذبحها فسقط اعتبار المحل كالمتردية في بئر فأما مع عدم التوائها فلا تباح بذلك لأن الجرح في القفا سبب للزهوق وهو في


319

غير محل الذبح فإذا اجتمع مع الذبح منع حله كما لو بقر بطنها وقد روي عن أحمد ما يدل على هذا المعنى فإن الفضل بن زياد قال سألت أبا عبدالله عمن ذبح في القفا قال عامدا أو غير عامد قلت عامدا قال لا تؤكل فإذا كان غير عامد كأن التوى عليه فلا بأس

فصل فإن ذبحها من قفاها اختيارا فقد ذكرنا عن أحمد أنها لا تؤكل وهو مفهوم كلام الخرقي وحكي هذا عن علي وسعيد بن المسيب ومالك وإسحاق قال إبراهيم النخعي تسمى هذه الذبيحة القفينة وقال القاضي إن بقيت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء حلت وإلا فلا ويعتبر ذلك بالحركة القوية وهذا مذهب الشافعي وهذا أصح لأن الذبح إذا أتى على ما فيه حياة مستقرة أحله كأكيلة السبع والمتردية والنطيحة ولو ضرب عنقها بالسيف فأطار رأسها حلت بذلك نص عليه أحمد فقال لو أن رجلا ضرب رأس بطة أو شاة بالسيف يريد بذلك الذبيحة كان له أن يأكله

وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال تلك ذكاة وحية وأفتى بأكلها عمران بن حصين وبه قال الشعبي وأبو حنيفة والثوري وقال أبو بكر لأبي عبدالله فيها قولان والصحيح أنها مباحة لأنه اجتمع قطع ما تبقى الحياة معه مع الذبح فأبيح كما ذكرنا مع قول من ذكرنا قوله من الصحابة من غير مخالف

فصل فإن ذبحها من قفاها فلم يعلم هل كانت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء أو لا نظرت فإن كان الغالب بقاء ذلك لحدة الآلة وسرعة القتل فالأولى إباحته لأنه بمنزلة ما قطعت عنقه بضربة السيف وإن كانت الآلة كالة وأبطأ قطعه وطال تعذيبه لم يبح لأنه مشكوك في وجود ما يحله فيحرم كما لو أرسل كلبه على الصيد فوجد معه كلبا آخر لا يعرفه

مسألة

قال ( وذكاتها ذكاة جنينها أشعر أو لم يشعر )

يعني أذا خرج الجنين ميتا من بطن أمه بعد ذبحها أو وجده ميتا في بطنها أو كانت حركته بعد خروجه كحركة المذبوح فهو حلال

روي هذا عن عمر وعلي وبه قال سعيد بن المسيب والنخعي والشافعي وإسحاق وابن المنذر وقال ابن عمر ذكاته ذكاة أمه إذا أشعر وروي ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وقتادة ومالك والليث والحسن بن صالح وإبي ثور لأن عبدالله بن كعب بن مالك قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه وهذا إشارة إلى جميعهم فكان إجماعا وقال أبو حنيفة لا يحل إلا أن يخرج حيا فيذكى لأنه حيوان ينفرد بحياته فلا يتذكى بذكاة غيره كما بعد الوضع

قال ابن المنذر كان الناس على إباحته لا نعلم أحدا منهم خالف ما قالوا إلى أن جاء النعمان فقال لا يحل لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين

ولنا ما روي أبو سعيد قال قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحدنا ينحر الناقة ويذبح البقرة والشاة فيجد في بطنها الجنين أنأكله أم نلقيه قال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه


320

وعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذكاة الجنين ذكاة أمه رواهما أبو داود ولأن هذا إجماع من الصحابة ومن بعدهم فلا يعول على ما خالفه ولأن الجنين متصل بها اتصال خلقة يتغذى بغذائها فتكون ذكاته ذكاتها كأعضائها ولأن الذكاة في الحيوان تختلف على حسب الإمكان فيه والقدرة بدليل الصيد الممتنع والمقدور عليه والمتردية والجنين لا يتوصل إلى ذبحه بأكثر من ذبح أمه فيكون ذكاة له

فصل واستحب أبو عبدالله أن يذبحه وإن حرج ميتا ليخرج الدم في جوفه ولأن ابن عمر كان يعجبه أن يريقوا من دمه وإن كان ميتا

فصل وإن خرج حيا حياة مستقرة يمكن أن يذكى فلم يذكه حتى مات فليس بذكي قال أحمد إن خرج حيا فلا بد من ذكاته لأنه نفس أخرج

مسألة

قال ( ولا يقطع عضو مما ذكي حتى تزهق نفسه )

كره ذلك أهل العلم منهم عطاء وعمرو بن دينار ومالك والشافعي ولا نعلم لهم مخالفا وقد قال عمر رضي الله عنه لا تعجلوا الأنفس حتى تزهق فإن قطع عضو قبل زهوق النفس وبعد الذبح فالظاهر إباحته فإن أحمد سئل عن رجل ذبح دجاجة فأبان رأسها قال يأكلها قيل والذي بان منها أيضا قال نعم

قال البخاري قال ابن عمر وابن عباس إذا قطع الرأس فلا بأس به

وبه قال عطاء والحسن والنخعي والشعبي والزهري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وذلك لأن قطع ذلك العضو بعد حصول الذكاة فأشبه ما لو قطعه بعد الموت

فصل ويكره سلخ الحيوان قبل أن يبرد لأن فيه تعذيبا للحيوان فهو كقطع العضو ويكره النفخ في اللحم الذي يريده للبيع لما فيه من الغش

فصل وإن قطع من الحيوان شيء وفيه حياة مستقرة فهو ميتة لما روى أبو واقد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة رواه أبو داود ولأن إباحته إنما تكون بالذبح وليس هذا بذبح

مسألة

قال ( وذبيحة من أطاق الذبح من المسلمين وأهل الكتاب حلال إذا سموا أو نسوا التسمية )

وجملة ذلك أن كل من أمكنه الذبح من المسلمين وأهل الكتاب إذا ذبح حل أكل ذبيحته رجلا كان أو امرأة بالغا أو صبيا حرا كان أو عبدا لا نعلم في هذا خلافا

قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي

وقد روي أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكتها بحجر فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال كلوها متفق عليه وفي هذا الحديث فوائد سبع إحداها إباحة ذبيحة المرأة


321

والثانية إباحة ذبيحة الأمة

والثالثة إباحة ذبيحة الحائض لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل

والرابعة إباحة الذبح بالحجر

والخامسة إباحة ذبح ما خيف عليه الموت

والسادسة حل ما يذبحه غير مالكه بغير إذنه

السابعة إباحة ذبحه لغير مالكه عند الخوف عليه ويشترط أن يكون عاقلا فإن كان طفلا أو مجنونا أو سكران لا يعقل لم يصح منه الذبح وبهذا قال مالك وقال الشافعي لا يعتبر العقل وله فيما إذا أرسل المجنون الكلب على صيد وجهان

ولنا إن الذكاة يعتبر لها القصد فيعتبر لها العقل كالعبادة فإن من لا عقل له لا يصح منه القصد فيصير ذبحه كما لو وقعت الحديدة بنفسها على حلق شاة فذبحتها وقوله إذا سموا أو نسوا التسمية فالتسمية مشترطة في كل ذابح مع العمد سواء كان مسلما أو كتابيا فإن ترك الكتابي التسمية عن عمد أو ذكر اسم غير الله لم تحل ذبيحته روي ذلك عن علي وبه قال النخعي والشافعي وحماد وإسحاق وأصحاب الرأي وقال عطاء ومجاهد ومكحول إذا ذبح النصراني باسم المسيح حل فإن الله تعالى أحل لنا ذبيحته وقد علم أنه سيقول ذلك

ولنا قول الله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه الأنعام 121

وقوله وما أهل لغير الله النحل 115

والآية أريد بها ما ذبحوه بشرطه كالمسلم فإن لم يعلم الذابح أم لا أو ذكر اسم غير الله أم لا فذبيحته حلال لأن الله تعالى أباح لنا أكل ما ذبحه المسلم والكتابي وقد علم أننا لا نقف على كل ذابح

وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنهم قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قوما حديثو عهد بشرك يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أو لم يذكروا قال سموا أنتم وكلوا أخرجه البخاري

فصل وإذا ذبح الكتابي ما حرم الله عليه مثل كل ذي ظفر قال قتادة هي الإبل والنعام والبط وما ليس بمشقوق الأصابع أو ذبح دابة لها شحم محرم عليه فظاهر كلام أحمد والخرقي إباحته فإن أحمد حكى عن مالك في اليهودي يذبح الشاة قال لا يأكل من شحمها قال أحمد هذا مذهب دقيق وظاهر هذا أنه لم يره صحيحا وهذا اختيار ابن حامد وأبي الخطاب وذهب أبو الحسن التميمي والقاضي إلى تحريمها وحكاه التميمي عن الضحاك ومجاهد وسوار وهو قول مالك لأن الله تعالى قال وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم المائدة 5

وليس هذا من طعامهم ولأنه جزء من البهيمة لم يبح لذابحها فلم يبح لغيره كالدم

ولنا ما روى عبدالله بن مغفل قال دلي جراب من شحم من قصر خيبر فدنوت لآخذه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم إلي متفق عليه ولأنها ذكاة أباحت اللحم والجلد فأباحت الشحم كذكاة المسلم والآية حجة لنا فإن معنى طعامهم ذبائحهم كذلك فسره العلماء وقياسهم ينتقض بما ذبحه الغاصب


322

فصل وإن ذبح شيئا يزعم أنه محرم عليه ولم يثبت أنه محرم عليه فهو حلال لعموم الآية وقوله إنه حرام غير مقبول

مسألة

قال ( فإن كان أخرس أومأ إلى السماء )

قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة الأخرس منهم الليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وهو قول الشعبي وقتادة والحسن بن صالح

إذا ثبت هذا فإنه يشير إلى السماء لأن إشارته تقوم مقام نطق الناطق وإشارته إلى السماء تدل على قصده تسمية الذي في السماء ونحو هذا قال الشعبي وقد دل على هذا حديث أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية أعجمية فقال يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله فأشارت إلى السماء فقال من أنا فأشارت بأصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء أي أنت رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها فإنها مؤمنة رواه الإمام أحمد والقاضي البرتي في مسنديهما فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإيمانها بإشارتها إلى السماء تريد أن الله سبحانه فيها أن يكتفي بذلك علما على التسمية ولو أنه أشار إشارة تدل على التسمية وعلم ذلك كان كافيا

مسألة

قال ( وإن كان جنبا جاز أن يسمي ويذبح ) وذلك أن الجنب تجوز له التسمية ولا يمنع منها لأنه إنما يمنع من القرآن لا من الذكر ولهذا تشرع له التسمية عند اغتساله وليست الجنابة أعظم من الكفر والكافر يسمي ويذبح وممن رخص في ذبح الجنب الحسن والحكم والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي قال ابن المنذر ولا أعلم أحدا منع من ذلك وتباح ذبيحة الحائض لأنها في معنى الجنب

فصل والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع وما أصابها مرض فماتت به محرمة إلا أن تدرك ذكاتها لقول الله تعالى إلا ما ذكيتم المائدة 3

وفي حديث جارية كعب أنها أصيبت شاة من غنمها فأدركتها فذبحتها بحجر فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال كلوها فإن كانت لم يبق من حياتها إلا مثل حركة المذبوح لم تبح بالذكاة لأنه لو ذبح ما ذبحه المجوسي لم يبح وإن أدركها وفيها حياة مستقرة بحيث يمكنه ذبحها حلت لعموم الآية والخبر وسواء كانت قد انتهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش لعموم الآية والخبر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل ولم يستفصل

وقد قال ابن عباس في ذئب عدا على شاة فعقرها فوقع قصبها بالأرض فأدركها فذبحها بحجر قال يلقي ما أصاب الأرض ويأكل سائرها وقال أحمد في بهيمة عقرت بهيمة حتى تبين فيها آثار الموت إلا أن فيها الروح يعني فذبحت قال إذا مصعت بذنبها وطرفت بعينها وسال الدم فأرحو إن شاء الله تعالى أن لا يكون بأكلها بأس وروي


323

ذلك بإسناده عن عقيل بن عمير وطاوس وقالا تحركت ولم يقولا سالم الدم وهذا على مذهب أبي حنيفة وقال إسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن شاة مريضة خافوا عليها الموت فذبحوها فلم يعلم منها أكثر من أنها طرفت بعينها أو حركت يدها أو رجلها أو ذنبها بضعف فنهر الدم قال فلا بأس به وقال ابن أبي موسى إذا انتهت إلى حد لا تعيش معه لم تبح بالذكاة ونص عليه أحمد فقال إذا شق الذئب بطنها فخرج قصبها قدبحها لا تأكل وقال إن كان يعلم أنها تموت من عقر السبع فلا تؤكل وإن ذكاها وقد يخاف على الشاة الموت من العلة والشيء يصيبها فيبادرها وفيذبحها فيأكلها وليس هذا مثل هذه لا يدري لعلها تعيش والتي قد خرجت أمعاؤها يعلم أنها لا تعيش وهذا قول أبي يوسف والأول أصح لأن عمر رضي الله عنه انتهى به الجرح إلى حد علم أنه لا يعيش معه فوصى فقبلت وصاياه ووجبت العبادة عليه

وفيما ذكرنا من عموم الآية والخبر وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل في حديث جارية كعب ما يرد هذا وتحمل نصوص أحمد على شاة خرجت أمعاؤها وبانت منها فتلك لا تحل بالذكاة لأنها في حكم الميت ولا تبقى حركتها إلا كحركة المذبوح فأما ما خرجت أمعاؤها ولم تبن منها فهي في حكم الحياة تباح بالذبح ولهذا قال الخرقي فيمن شق بطن رجل فأخرج حشوته فقطعها فأبانها ثم ضرب عنقه آخر فالقاتل هو الأول ولو شق بطن رجل وضرب عنقه آخر فالقاتل هو الثاني وقال بعض أصحابنا إذا كانت تعيش معظم اليوم حلت بالذكاة وهذا التحديد بعيد يخالف ظواهر المنصوص ولا سبيل إلى معرفته وقوله في حديث جارية كعب فأدركتها فذكتها بحجر يدل على أنها بادرتها بالذكاة حين خافت موتها في ساعتها والصحيح أنها إذا كانت تعيش زمنا يكون الموت بالذبح أسرع منه حلت بالذبح وأنها متى كانت مما لا يتيقن موتها كالمريضة أنها متى تحركت وسال دمها حلت والله أعلم

مسألة

قال ( والمحرم من الحيوان ما نص الله تعالى عليه في كتابه وما كانت العرب تسميه طيبا فهو حلال وما كانت تسميه خبيئا فهو محرم لقول الله تعالى ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث الأعراف 157

يعين بقوله ما سمى الله تعالى في كتابه قوله سبحانه حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به المائدة 3

وما عدا هذا فما استطابته العرب فهو حلال لقول الله تعالى ويحل لهم الطيبات الأعراف 157

يعني ما يستطيبونه دون الحلال بدليل قوله في الآية الأخرى يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات المائدة 4

ولو أراد الحلال لم يكن ذلك جوابا لهم وما استخبثته العرب فهو محرم لقول الله تعالى ويحرم عليهم الخبائث الأعراف 157

والذين تعتبر استطابتهم واستخباثهم هم أهل الحجاز من أهل الأمصار لأنهم الذين نزل عليهم الكتاب وخوطبوا به وبالسنة فرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم دون غيرهم ولم يعتبر ولم يعتبر أهل البوادي لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا ولهذا سأل بعضهمعما يأكلون فقال ما دب ودرج إلا أم حيين فقال تهن أم حيين العافية وما


324

وجد في أمصار المسلمين مما لا يعرفه أهل الحجاز رد إلى أقرب ما يشبهه في الحجاز فإن لم يشبه شيئا منها فهو مباح لدخوله في عموم قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما الأنعام 145

ولقول النبي صلى الله عليه وسلم وما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه

إذا ثبت هذا فمن المستخبثات الحشرات كالديدان والجعلان وبنات وردان والخنافس والفأر والأوزاغ والحرباء والعضاة والجراذين والعقارب والحيات وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ورخص مالك وابن أبي ليلى والأوزاعي في هذا كله إلا الأوزاغ فإن ابن عبد البر قال هو مجمع على تحريمه وقال مالك الحية حلال إذا ذكيت واحتجوا بعموم الآية المبيحة

ولنا قوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث الأعراف 157

وقول النبي صلى الله عليه وسلم خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم العقرب والفأرة والغراب والحدأة والكلب العقور وفي حديث الحية مكان الفأرة ولو كانت من الصيد المباح لم يبح قتلها ولأن الله تعالى قال لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم المائدة 95 وقال وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما المائدة 96

ولأنها مستخبثة فحرمت كالوزغ أو مأمور بقتلها فأشبهت الوزغ

فصل والقنفذ حرام

قال أبو هريرة هو حرام وكرهه مالك وأبو حنيفة ورخص فيه الشافعي والليث وأبو ثور

ولنا إن أبا هريرة قال ذكر القنفذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هو خبيث من الخبائث وراه أبو داود ولأنه يشبه المحرمات ويأكل الحشرات فأشبه الجرذ

مسألة

قال ( وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمر الأهلية )

أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية قال أحمد خمسة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كرهوها قال ابن عبد البر لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها وحكي عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما أنهما كانا يقولان بظاهر قوله سبحانه قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير الأنعام 145

وتلاها ابن عباس وقال ما خلا هذا فهو حلال وسئلت عائشة رضي الله عنها عن الفأرة فقالت ما هي بحرام وتلت هذه الآية ولم ير عكرمة وأبو وائل بأكل الحمر بأسا وقد روي عن غالب بن الحر قال أصابتنا سنة فقلت يا رسول الله أصابتنا سنة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر وأنك حرمت لحوم الحمر الأهلية فقال أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل حوالي القرية


325

ولنا ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل متفق عليه قال ابن عبد البر وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الحمر الأهلية علي وعبدالله بن عمر وعبدالله بن عمرو وجابر والبراء وعبدالله بن أبي أوفى وأنس وزاهر الأسلمي بأسانيد صحاح حسان وحديث غالب بن الحر لا يعرج على مثله مع ما عارضه ويحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لهم في مجاعتهم وبين علة تحريمها المطلق لكونها لا تأكل العذرات فقال عبدالله بن أبي أوفى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم البتة من أجل أنها تأكل العذرة متفق عليه

فصل والبغال حرام عند كل من حرم الحمر الأهلية لأنها متولدة منها والمتولد من الشيء له حكمه في التحريم وهكذا إن تولد من بين الأنسي والوحشي ولد فهو محرم تغليبا للتحريم والسمع المتولد من بين الذئب والضبع محرم قال قتادة ما البغل إلا شيء من الحمار وعن جابر قال ذبحنا يوم خيبر والبغال والحمير فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل

فصل وألبان الحمر محرمة في قول أكثرهم ورخص فيها عطاء وطاوس والزهري والأول أصح لأن حكم الألبان حكم اللحمان

مسألة

قال ( وكل ذي ناب من السباع وهي التي تضرب بأنيابها الشيء وتفرس )

أكثر أهل العلم يرون تحريم كل ذي ناب قوي من السباع يعدو به ويكسر إلا الضبع منهم مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الحديث وأبو حنيفة وأصحابه وقال الشعبي وسعيد بن جبير وبعض أصحاب مالك هو مباح لعموم قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الأنعام 145

وقوله سبحانه إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به النحل 115

ولنا ما روى أبو ثعلبة الخشني قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع متفق عليه وقال أبو هريرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أكل كل ذي ناب من السباع حرام قال ابن عبد البر هذا حديث ثابت صحيح مجمع على صحته وهذا نص صريح يخص عموم الآيات فيدخل في هذا الأسد والنمر والفهد والذئب والكلب والخنزير

وقد روي عن الشعبي أنه سئل عن رجل يتداوى بلحم الكلب فقال لا شفاه الله وهذا يدل على أنه رأى تحريمه

فصل ولا يباح أكل القرد وكرهه عمر وعطاء ومكحول والحسن ولم يجيزوا بيعه وقال ابن عبدالبر لا أعلم بين علماء المسلمين خلافا أن القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه وروي عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحم القرد ولأنه سبع فيدخل في عموم الخبر وهو مسخ أيضا فيكون من الخبائث المحرمة

فصل وابن آوى والنمس وابن عرس حرام سئل أحمد عن ابن آوى وابن عرس فقال


326

كل شيء ينهش بأنيابه من السباع وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه وقال الشافعي ابن عرس مباح لأنه ليس له ناب قوي فأشبه الضب ولأصحابه في ابن آوى وجهان

ولنا إنها من السباع فتدخل في عموم النهي ولأنها مستخبثة غير مستطابة فإن ابن آوى يشبه الكلب ورائحته كريهة فيدخل في عموم قوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث الأعراف 157

فصل واختلفت الرواية في الثعلب فأكثر الروايات عن أحمد تحريمه وهذا قول أبي هريرة ومالك وأبي حنيفة لأنه سبع فيدخل في عموم النهي ونقل عن أحمد إباحته اختاره الشريف أبو جعفر ورخص فيه عطاء وطاوس وقتادة والليث وسفيان بن عيينة والشافعي لأنه يفدى في الإحرام والحرم وقال أحمد وعطاء كل ما يودى إذا أصابه المحرم فإنه يؤكل واختلفت الرواية عن أحمد في سنور البر كاختلافها في الثعلب والقول فيه كالقول في الثعلب

وللشافعي في سنور البر وجهان

فأما الأهلي فمحرم في قول إمامنا مالك وأبي حنيفة والشافعي وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أكل الهر

فصل والفيل محرم قال أحمد ليس هو من أطعمة المسلمين وقال الحسن هو مسخ وكرهه أبو حنيفة والشافعي ورخص في أكله الشعبي

ولنا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وهو من أعظمها نابا ولأنه مستخبث فيدخل في عموم الآية المحرمة

فصل فأما الدب فينظر فيه فإن كان ذا ناب يفرس به فهو محرم وإلا فهو مباح قال أحمد إن لم يكن له ناب فلا بأس به وقال أصحاب أبي حنيفة هو سبع لأنه أشبه شيء بالسباع فلا يؤكل

ولنا إن الأصل الإباحة ولم يتحقق وجود المحرم فيبقى على الأصل وشبهه بالسباع إنما يعتبر في وجود العلة المحرمة وهو كونه ذا ناب يصيد به ويفرس فإذا لم يوجد ذلك كان داخلا في عموم النصوص المبيحة والله أعلم

مسألة

قال ( وكل ذي مخلب من الطير وهي التي تعلق بمخالبها الشيء وتصيد بها )

هذا قول أكثر أهل العلم وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال مالك والليث والأوزاعي ويحيى بن سعيد لا يحرم من الطير شيء قال مالك لم أر أحدا من أهل العلم يكره سباع الطير واحتجوا بعموم الآيات المبيحة وقول أبي الدرداء وابن عباس ما سكت الله عنه هو مما عفا عنه

ولنا ما روى ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وعن خالد بن الوليد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام عليكم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير رواهما أبو داود وهذا يخص عموم الآيات ويقدم على ما ذكروه فيدخل في هذا كل ما له مخلب يعدو به


327

كالعقاب والبازي والصقر والشاهين والباشق والحدأة والبومة وأشباهها

فصل ويحرم منها ما يأكل الجيف كالنسور والرخم وغراب البين وهو أكبر الغربان والأبقع قال عروة ومن يأكل الغراب وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقا والله ما هو من الطيبات ولعله يعني قول النبي صلى الله عليه وسلم خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم والغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور فهذه الخمس محرمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح قتلها في الحرم ولا يجوز قتل صيد مأكول في الحرم ولأن ما يؤكل لا يحل قتله إذا قدر عليه وإنما يذبح ويؤكل

وسئل أحمد عن العقعق فقال إن لم يكن يأكل الجيف فلا بأس به قال بعض أصحابنا هو يأكل الجيف فيكون على هذا محرما

فصل ويحرم الخطاف والخشاف والخفاش وهو الوطواط

قال الشاعر مثل النهار يزيد أبصار الورى نورا ويعمي أعين الخفاش قال أحمد ومن يأكل الخشاف وسئل عن الخطاف فقال لا أدري

وقال النخعي كل الطير حلال إلا الخفاش وإنما حرمت هذه لأنها مستخبثة لا تستطيبها العرب ولا تأكلها ويحرم الزنابير واليعاسيب والنحل وأشباهها لأنها مستخبثة غير مستطابة

فصل وما عدا ما ذكرنا فهو مباح لعموم النصوص الدالة على الإباحة ومن ذلك بيهمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم قال الله تعالى أحلت لكم بهيمة الأنعام المائدة 1 ومن الصيود الظباء وحمر الوحش وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا قتادة وأصحابه بأكل الحمار الذي صاده وكذلك بقر الوحش كلها مباحة على اختلاف أنواعها من الإبل والتيتل والوعل والمها وغيرها من الصيود كلها مباحة وتفدى في الإحرام ويباح النعام وقد قضى الصحابة رضي الله عنهم في النعامة ببدنة وهذا كله مجمع عليه لا نعلم فيه خلافا إلا ما يروى عن طلحة بن مصرف قال إن الحمار الوحشي إذا أنس واعتلف فهو بمنزلة الأهلي قال أحمد وما ظننت أنه روي في هذا شيء وليس الأمر عندي كما قال وأهل العلم على خلافه لأن الظباء إذا تأنست لم تحرم والأهلي إذا توحش لم يحل ولا يتغير منها شيء عن أصله وما كان عليه قال عطاء في حمار الوحش إذا تناسل في البيوت لا تزول عنه أسماء الوحش وسألوا أحمد عن الزرافة تؤكل قال نعم وهي دابة تشبه البعير ألا أن عنقها أطول وجمسها ألطف من جسمه وأعلى منه ويداها أطول من رجليها

فصل وتباح لحوم الخيل كلها عرابها وبراذينها نص عليه أحمد وبه قال ابن سيرين وروي ذلك عن ابن الزبير والحسن وعطاء والأسود بن يزيد وبه قال حماد بن زيد والليث وابن المبارك والشافعي وأبو ثور قال سعيد بن جبير ما أكلت شيئا أطيب من معرفة برذون وحرمها أبو حنيفة وكرهه مالك والأوزاعي وأبو عبيد لقول الله


328

تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها النحل 8

وعن خالد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام عليكم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها ولأنه ذو حافر فأشبه الحمار

ولنا قول جابر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل وقالت أسماء نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا فأكلناه ونحن بالمدينة متفق عليهما

ولأنه حيوان طاهر مستطاب ليس بذي ناب ولا مخلب فيحل كبهيمة الأنعام ولأنه دخل في عموم الآيات والأخبار المبيحة

وأما الآية فإنما يتعلقون بدليل خطابها وهم لا يقولون به وحديث خالد ليس له إسناد جيد قاله أحمد قال وفيه رجلان لا يعرفان يرويه ثور عن رجل ليس بمعروف وقال لا ندع أحاديثنا لمثل هذا الحديث المنكر

فصل والأرانب مباحة أكلها سعد بن أبي وقاص ورخص فيها أبو سعيد وعطاء وابن المسيب والليث ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر ولا نعلم أحدا قائلا بتحريمها إلا شيئا روي عن عمرو بن العاص وقد صح عن أنس أنه قال أنفجنا أرنبا فسعى القوم فلعبوا فأخذتها فجئت بها إلى أبي طلحة فذبحها وبعث بوركها أو قال فخذها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبله متفق عليه

وعن محمد بن صفوان أو صفوان بن محمد أنه قال صدت أرنبين فذبحتهما بمروة فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني بأكلهما رواه أبو داود

ولأنها حيوان مستطاب ليس بذي ناب أشبه الظبي

فصل ويباح الوبر وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعي وابن المنذر وأبو يوسف وقال القاضي هو محرم وهو قول أبي حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف

ولنا أنه يفدى في الإحرام والحرم وهو مثل الأرنب يعتلف النبات والبقول فكان مباحا كالأرنب ولأن الأصل الإباحة وعموم النصوص يقتضيها ولم يرد فيه تحريم فتجب إباحته

فصل وسئل أحمد عن اليربوع فرخص فيه وهذا قول عروة وعطاء الخراساني والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة هو محرم وروي ذلك عن أحمد أيضا وعن ابن سيرين والحكم وحماد وأصحاب الرأي لأنه يشبه الفأر

ولنا إن عمر حكم فيه بحفرة ولأن الأصل الإباحة ما يرد فيه تحريم وأما السنجاب فقال القاضي هو محرم لأنه ينهش فأشبه الجرذ ويحتمل أنه مباح لأنه يشبه اليربوع ومتى تردد بين الإباحة والتحريم غلبت الإباحة لأنها الأصل وعموم النصوص يقتضيها

فصل ويباح من الطيور ما لم نذكره في المحرمات من ذلك الدجاح

قال أبو موسى رأيت النبي صلى الله عليه وسلم


329

يأكل الدجاج والحبارى لما روى سفينة قال أكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم لحم حبارى رواه أبو داود ويباح الزاغ وبذلك قال الحكم وحماد ومحمد بن الحسن والشافعي في أحد قوليه

ويباح غراب الزرع وهو الأسود الكبير الذي يأكل الزرع ويطير مع الزاغ لأن مرعاهما الزرع والحبوب فأشبها الحجل

وتباح العصافير كلها قال عبدالله بن عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها إلا سأل الله عنها قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما حقها قال يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها فيرمي بها رواه النسائي

ويباح الحمام كله على اختلاف أنواعه من الجوازل والفواخت والرقاطي والقطا والحجل وغيرها وتباح الكراكي والاوز وطير الماء كله والغرانيق والطواويس وأشباه ذلك لا نعلم فيه خلافا

واختلف عن أحمد في الهدهد والصرد فعنه أنهما حلال لأنهما ليسا من ذوات المخلب ولا يستخبثان وعنه تحريمهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الهدهد والصرد والنملة والنحلة

وكل ما كان لا يصيد بمخلبه ولا يأكل الجيف ولا يستخبث فهو حلال

فصل قال أحمد أكره لحوم الجلالة وألبانها

قال القاضي في المجرد هي التي تأكل القذر فإذا كان أكثر علفها النجاسة حرم لحمها ولبنها وفي بيضها روايتان

وإن كان أكثر علفها الطاهر لم يحرم أكلها ولا لبنها وتحديد الجلالة يكون أكثر علفها النجاسة لم نسمعه عن أحمد ولا هو ظاهر كلامه لكن يمكن تحديده بما يكون كثيرا في مأكولها ويعفى عن اليسير

وقال الليث إنما كانوا يكرهون الجلالة التي لا طعام لها ألا الرجيع وما أشبهه

وقال ابن أبي موسى في الجلالة روايتان إحداهما أنها محرمة

والثانية أنها مكروهة غير محرمة وهذا قول الشافعي وكره أبو حنيفة لحومها والعمل عليها حتى تحبس ورخص الحسن في لحومها وألبانها لأن الحيوانات لا تنجس بأكل النجاسات بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجاسا ولو نجس لما طهر الإسلام ولا الاغتسال ولو نجست الجلالة لما طهرت بالحبس

ولنا ما روى ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها

رواه أبو داود وروي عبدالله بن عمرو بن العاص قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها ولا يحمل عليها إلا الأدم ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة رواه الخلال بإسناده ولأن لحمها يتولد من النجاسة فيكون نجسا كرماد النجاسة وأما شارب الخمر فليس ذلك أكثر غذائه وإنما يتغذى الطاهرات وكذلك الكافر في الغالب

فصل وتزول الكراهة بحبسها إنفاقا واختلف في قدره فروي عن أحمد أنها تحبس ثلاثا سواء كانت طائرا أو بهيمة وكان ابن عمر إذا أراد أكلها وهذا قول أبي ثور لأن ما طهر حيوانا طهر الآخر نجس ظاهره ( والأخرى ) تحبس الدجاجة ثلاثا والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين وهذا قول عطاء في


330

الناقة والبقرة لحديث عبدالله بن عمرو لأنهما أعظم جسما وبقاء علفهما فيهما أكثر من بقائه في الدجاجة والحيوان الصغير والله أعلم

فصل ويكره ركوب الجلالة وهو قول عمر وابنه وأصحاب الرأي لحديث عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوبها

ولأنها ربما عرقت فتلوث بعرقها

فصل وتحرم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات أو سمدت بها

وقال ابن عقيل يحتمل أن يكره ذلك ولا يحرم ولا يحكم يتنجيسها لأن النجاسة تستحيل في باطنها فتظهر بالاستحالة كالدم يستحيل في أعضاء الحيوان لحما ويصير لبنا وهذا قول أكثر الفقهاء منهم أبو حنيفة والشافعي وكان سعد بن أبي وقاص يدمل أرضع بالعرة ويقول مكتل عرة مكتل بر والعرة عذرة الناس

ولنا ما روي عن ابن عباس قال كنا نكري أراضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشترط عليهم أن لا يدملوها بعذرة الناس ولأنها تتغذى بالنجاسات تترقى فيها أجزاؤها والاستحالة لا تطهر فعلى هذا تطهر إذا سقيت الطاهرات كالجلالة إذا حبست وأطعمت الطاهرات

مسألة

قال ( ومن اضطر إلى الميتة فلا يأكل منها إلا ما يؤمن معه الموت )

أجمع العلماء على تحريم الميتة حال الاختيار وعلى إباحة الأكل منها في الاضطرار وكذلك سائر المحرمات والأصل في هذا قول الله تعالى إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه البقرة 173 ويباح له أكل ما يسد الرمق ويأمن معه الموت بالإجماع ويحرم ما زاد على الشبع بالإجماع أيضا وفي الشبع روايتان أظهرهما لا يباح وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وأحد القولين للشافعي قال الحسن يأكل قدر ما يقيمه لأن الآية دلت على تحريم الميتة واستثنى ما اضطر إليه فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل كحالة الابتداء ولأنه بعد سد الرمق غير مضطر فلم يحل له الأكل للآية يحققه أنه بعد سد رمقه كهو قبل أن يضطر وثم لم يبح له الأكل كذا ها هنا

والثانية يباح له الشبع اختارها أبو بكر لما روى جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة فقالت له امرأته اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله فقال حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال هل عندك غنى يغنيك قال لا قال فكلوها ولم يفرق رواه أبو داود ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح ويحتمل أن يفرق بين ما إذا كانت الضرورة مستمرة وبين ما إذا كانت مرجوة الزوال فما كانت مستمرة كحالة الأعرابي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز الشبع لأنه إذا اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة إليه عن قرب ولا يتمكن من البعد عن


331

الميتة مخافة الضرورة المستقبلة ويفضي إلى ضعف بدنه وربما أدى ذلك إلى تلفه بخلاف التي ليست مستمرة فإنه يرجو الغنى عنها بما يحل له والله أعلم إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها أن ترك الأكل قال أحمد إذا كان يخشى على نفسه سواء كان من جوع أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي وانقطع عن الرفقة فهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك ولا يتقيد ذلك بزمن محصور

فصل وهل يجب الأكل من المتية على المضطر فيه وجهان أحدهما يجب وهو قول مسروق وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي قال الأثرم سئل أبو عبدالله عن المضطر يجد الميتة ولم يأكل فذكر قول مسروق من اضطر فلم يأكل ولم يشرب فمات دخل النار وهذا اختيار ابن حامد وذلك لقول الله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة البقرة 195 وترك الأكل مع إمكانه في هذا الحال إلقاء بيده إلى التهلكة وقال الله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما النساء 29 ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله له فلزمه كما لو كان معه طعام حلال

والثاني لا يلزمه لما روي عن عبدالله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طاغية الروم حبسه في بيت وجعل معه خمرا ممزوجا بماء ولحم خنزير مشوي ثلاثة إيام فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته فأخرجوه فقال قد كان الله أحله لي لأني مضطر ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام ولأن إباحة الأكل رخصة فلا تجب عليه كسائر الرخص ولأن له غرضا في اجتناب النجاسة والأخذ بالعزيمة وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه

فصل وتباح المحرمات عند الاضطرار إليها في الحضر والسفر جميعا

لأن الآية مطلقة غير مقيدة بإحدى الحالتين وقوله فمن اضطر البقرة 173 لفظ عام في حق كل مضطر ولأن الاضطرار يكون في الحضر في سنة المجاعة وسبب الإباحة الحاجة إلى حفظ النفس عن الهلاك لكون هذه المصلحة أعظم من مصلحة اجتناب النجاسات والصيانة عن تناول المستخبثات وهذا المعنى عام في الحالتين وظاهر كلام أحمد أن الميتة لا تحل لمن يقدر على دفع ضرورته بالمسألة

وروي عن أحمد أنه قال آكل الميتة إنما يكون في السفر يعني أنه في الحضر يمكنه السؤال وهذا من أحمد خرج مخرج الغالب فإن الغالب أن الحضر يوجد فيه الطعام الحلال ويمكن دفع الضرورة بالسؤال

ولكن الضرورة أمر معتبر بوجود حقيقته لا يكتفى فيه المظنة بل متى وجدت الضرورة أباحت سواء وجدت المظنة أو لم توجد ومتى انتفت لم يبح الأكل لوجود مظنتها بحال


332

فصل قال أصحابنا ليس للمضطر في سفر المعصية أكل من الميتة كقاطع الطريق والآبق لقول الله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه البقرة 173 قال مجاهد غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم

وقال سعيد بن جبير إذا خرج يقطع الطريق فلا رخصة له فإن تاب وأقلع عن معصيته حل له الأكل

فصل وهل للمضطر التزود من الميتة على روايتين

أصحهما له ذلك وهو قول مالك لأنه لا ضرر في استصحابها ولا في إعدادها لدفع ضرورته وقضاء حاجته ولا يأكل منها إلا عند ضرورته

والثانية لا يجوز لأنه توسع فيما لم يبح للضرورة فإن استصحبها فلقيه مضطر آخر لم يجز له بيعها إياه لأنه إنما أبيح له منها ما يدفع به الضرورة ولا ضرورة إلى البيع ولأنه لا يملكه ويلزمه إعطاء الآخر بغير عوض إذا لم يكن هو مضطرا في الحال إلى ما معه

لأن ضرورة الذي لقيه موجودة وحاملها يخاف الضرر في ثاني الحال

مسألة

قال ( ومن مر بثمرة فله أن يأكلها منها ولا يحمل )

هذا يحتمل أنه أراد في حال الجوع والحاجة لأن ذكره عقيب مسألة المضطر قال أحمد إذا لم يكن عليها حائط يأكل إذا كان جائعا وإذا لم يكن جائعا فلا يأكل قال وقد فعله غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولكن إذا كان عليه حائط لم يأكل لأنه قد صار شبه الحريم وقال في موضع إنما الرخصة للمسافر إلا أنه لم يعتبرها ها هنا حقيقة الاضطرار لأن الاضطرار يبيح ما وراء الحائط

ورويت عنه الرخصة في الأكل من غير المحوطة مطلقا من غير اعتبار جوع ولا غيره

وروي عن أبي زينب التيمي قال سافرت مع أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وأبي بردة

فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون في أفواههم وهو قول عمر وابن عباس وأبي بردة قال عمر يأكل ولا يتخذ خبنة وروي عن أحمد أنه قال يأكل مما تحت الشجر وإذا لم يكن تحت الشجر فلا يأكل ثمار الناس وهو غني عنه ولا يضرب بحجر ولا يرمى لأن هذا يفسد

وقد روي عن رافع بن عمر قال كنت أرمي نخل الأنصار فأخذوني فذهبوا بي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رافع لم ترمي نخلهم قلت يا رسول الله الجوع قال لا ترم وكل ما وقع أشبعك والله وأرواك أخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وقال أكثر الفقهاء لا يباح الأكل في الضرورة لما روى العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألا وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم أخرجه أبو داود وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا متفق عليه


333

ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق فقال ما أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ومن أخرج منه شيئا فعليه غرامة مثليه والعقوبة قال الترمذي هذا حديث حسن

وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أتيت على حائط بستان فناد صاحب البستان ثلاثا فإن أجابك

وإلا فكل من غير أن تفسد

وروى سعيد بإسناده عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ولأنه قول من سمينا من الصحابة من غير مخالف فيكون إجماعا فإن قيل فقد أبى سعيد أن يأكل قلنا امتناع سعيد من أكله ليس بمخالف لهم لأن الإنسان قد يترك المباح غنى أو تورعا أو تقذرا كترك النبي صلى الله عليه وسلم أكل الضب فأما أحاديثهم فهي مخصوصة بما رويناه من الحديث والإجماع فإن كانت محوطة لم يجز الدخول إليها لقول ابن عباس إن كان عليها حائط فهو حريم فلا تأكل وإن لم يكن عليها حائط فلا بأس

ولأن إحرازه بالحائط يدل على شح صاحبه به وعدم المسامحة فيه قال بعض أصحابنا إذا كان عليها ناطور فهو بمنزلة المحوط في أنه لا يدخل إليه ولا يأكل منه ألا في الضرورة

فصل وعن أحمد في الأكل من الزرع روايتان أحداهما قال لا يأكل إنما رخص في الثمار ليس الزرع وقال ما سمعنا في الزرع أن يمس منه ووجهه أن الثمار خلقها الله تعالى للأكل رطبة والنفوس تتوق والزرع بخلافها

والثانية قال يأكل من الفريك لأن العادة جارية بأكله رطبا أشبه الثمر وكذلك الحكم في الباقلا والحمص وشبهه مما يؤكل رطبا

فأما الشعير وما لم تجر العادة بأكله فلا يجوز الأكل منه والأولى في الثمار وغيرها أن لا يأكل منها إلا بإذن لما فيه من الخلاف والأخبار الدالة على التحريم

فصل وعن أحمد في حلب لبن الماشية روايتان إحداهما يجوز له أن يحلب ويشرب ولا يحمل لما روى الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن فليحلب وليشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا فإن أجابه أحد فليستأذنه وإن لم يجبه أحد فليحلب وليشرب ولا يحمل رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح

والعمل عليه عند بعض أهل العلم

وبه يقول أحمد وإسحاق

والرواية الثانية لا يجوز له أن يحلب ولا يشرب لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينقل طعامه فإنما يخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه وفي لفظ فإن ما في ضروع مواشيهم مثل ما في مشاربهم متفق عليه


334

مسألة

قال ( ومن اضطر فأصاب الميتة وخبزا لا يعرف مالكه أكل الميتة )

وبهذا قال سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وقال مالك أن كانوا يصدقونه أنه مضطر أكل من الزرع والثمر وشرب اللبن وإن خاف أن تقطع يده أو لا يقبل منه أكل الميتة ولأصحاب الشافعي وجهان أحدهما يأكل الطعام وهو قول عبدالله بن دينار لأنه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة كما لو بذله له صاحبه

ولنا أن أكل الميتة منصوص عليه ومال الآدمي مجتهد فيه والعدول إلى المنصوص عليه أولى ولأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق

ولأن حق الآدمي تلزمه غرامته وحق الله لا عوض له

فصل إذا وجد المضطر من يطعمه ويسقيه لم يحل له الامتناع من الأكل والشرب ولا العدول إلى أكل الميتة إلا أن يخاف أن يسمه فيه أو يكون الطعام الذي يطعمه مما يضره ويخاف أن يهلكه أو يمرضه

فصل وإن وجد طعاما مع صاحبه فامتنع من بذله له أو بيعه ووجد ثمنه لم يجز له مكابرته عليه وأخذه منه وعدل إلى الميتة سواء كان قويا يخاف من مكابرته التلف أو لم يخف فإن بذلك له بثمن مثله وقدر على الثمن لم يحل له أكل الميتة لأنه قادر على طعام حلال وإن بذله بزيادة على ثمن المثل لا يجحف بماله لزمه شراؤه أيضا لما ذكرناه وإن كان عاجزا عن الثمن فهو في حكم العادم وإن امتنع من بذله إلا بأكثر من ثمن مثله فاشتراه المضطر بذلك لم يلزمه من ثمن مثله لأن الزيادة أحوج إلى بدلها بغير حق فلم يلزمه كالمكره

فصل وإن وجد المحرم ميتة وصيدا أكل الميتة وبه قال الحسن ومالك وأبو حنيفة وأصحابه وقال الشافعي في أحد قوليه يأكل الصيد ويفديه وهو قول الشعبي لأن الضرورة تبيحه ومع القدرة عليه لا تحل المتية لغناه عنها

ولنا إن إباحة الميتة منصوص عليها إباحة الصيد مجتهد فيها وتقديم المنصوص عليه أولى فإن لم يجد ميتة ذبح الصيد وأكله نص عليه أحمد لأنه مضطر إليه عينا وقد قيل إن في الصيد تحريمات ثلاثا قتله وأكله وتحريم الميتة لأن ما ذبحه المحرم من الصيد يكون ميتة فقد ساوى الميتة في هذا وفضل عليها بتحريم القتل والأكل ولكن يقال على هذا إن الشارع إذا أباح له ذبحه لم يصر ميتة ولهذا لو لم يجد الميتة فذبحه كان ذكيا طاهرا وليس بنجس ولا ميتة ولهذا يتعين عليه ذبحه في محل الذبح وتعتبر شروط الذكاة فيه ولا يجوز قتله ولو كان ميتة لم يتعين ذلك عليه

فصل وإذا ذبح المحرم الصيد عند الضرورة جاز له أن يشبع منه لأنه لحم ذكي لا حق فيه لآدمي سواه فأبيح له الشبع منه كما لو ذبحه حلال من أجله

فصل فإن لم يجد المضطر شيئا لم يبح له أكل بعض أعضائه

وقال بعض أصحاب


335

الشافعي له ذلك لأن له أن يحفظ الجملة بقطع عضو كما لو وقعت فيه الأكلة

ولنا إن أكله من نفسه ربما قتله فيكون قاتلا لنفسه ولا يتيقن حصول البقاء بأكله أما قطع الأكلة فإنه يخاف الهلاك بذلك العضو فأبيح له إبعاده ودفع ضرره المتوجه منه بتركه كما أبيح قتل الصائل عليه ولم يبح له قتله ليأكله

فصل وإن لم يجد إلا آدميا محقون الدم لم يبح له قتله إجماعا ولا إتلاف عضو منه مسلما كان أو كافرا لأنه مثله فلا يجوز أن يبقي نفسه بإتلافه وهذا لا خلاف فيه وإن كان مباح الدم كالحربي والمرتد فذكر القاضي أن له قتله وأكله لأن قتله مباح وهكذا قال أصحاب الشافعي لأنه لا حرمة له فهو بمنزلة السباع وإن وجده ميتا أبيح أكله لأن أكله مباح بعد قتله فكذلك بعد موته وإن وجد معصوما ميتا لم يبح أكله في قول أصحابنا وقال الشافعي وبعض الحنفية يباح وهو أولى لأن حرمة الحي أعظم وقال أبو بكر بن داود أباح الشافعي أكل لحوم الأنبياء واحتج أصحابنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم كسر عظم الميت ككسر عظم الحيواختار أبو الخطاب أن له أكله وقال لا حجة في الحديث ها هنا لأن الأكل من اللحم لا من العظم والمراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة لا في مقدارها بدليل اختلافهما في الضمان والقصاص ووجوب صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت

مسألة

قال ( فإن لم يصب إلا طعاما لم يبعه مالكه أخذه قهلا ليحيي به نفسه وأعطاه ثمنه ألا أن يكون بصاحبه مثل ضرورته )

وجملته أذا اضطر فلم يجد إلا طعاما لغيره نظرنا فإن كان صاحبه مضطرا إليه فهو أحق به ولم يجز لأحد أخذه منه لأنه ساواه في الضرورة وانفرد بالملك فأشبه غير حال الضرورة وإن أخذه منه أحد فمات لزمه ضمانه لأنه قتله بغير حق وإن لم يكن صاحبه مضطرا إليه لزمه بذله للمضطر لأنه يتعلق به إحياء نفس آدمي معصوم فلزمه بذله له كما يلزمه بذل منافعه في إنجائه من الغرق والحريق فإن لم يفعل فللمضطر أخذه منه لأنه مستحق له دون مالكه فجاز له أخذه كغير ماله فإن احتيج في ذلك إلى قتال فله المقاتلة عليه فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه وإن آل أخذه إلى قتل صاحبه فهو هدر لأنه ظالم بقتاله فأشبه الصائل إلا إن يمكن أخذه بشراء أو استرضاء فليس له المقاتلة عليه لإمكان الوصول إليه دونها فإن لم يبعه إلا بأكثر من ثمن مثله فذكر القاضي أن له قتاله والأولى أن لا يجوز له ذلك لأمكان الوصول إليه بدونها وإن اشتراه بأكثر من ثمن مثله لم يلزمه إلا بثمن مثله لأنه صار مستحقا له بقيمته ويلزمه عوضه في كل موضع أخذه فإن كان معه في الحال وإلا لزمه في ذمته ولا يباح للمضطر من مال أخيه إلا ما يباح من الميتة

قال أبو هريرة قلنا يا رسول الله ما يحل لأحدنا من مال أخيه إذا اضطر إليه قال يأكل ولا يحمل ويشرب ولا يحمل

فصل وإذا اشتدت المخمصة في سنة المجاعة وأصابت الضرورة خلقا كثيرا وكان عند بعض


336

الناس قدر كفايته وكفاية عياله لم يلزمه بذلك للمضطرين وليس لهم أخذه منه لأن ذلك يفضي إلى وقوع الضرورة به ولا يدفعها عنهم وكذلك إن كانوا في سفر ومعه قدر كفايته من غير فضلة لم يلزمه بذل ما معه للمضطرين ولم يفرق أصحابنا بين هذه الحال وبين كونه لا يتضرر بدفع ما معه إليهم في أن ذلك واجب عليه لكونه غير مضطر في الحال والآخر مضطر فوجب تقديم حاجة المضطر

ولنا إن هذا مفض به إلى هلاك نفسه وهلاك عياله فلم يلزمه كما لو أمكنه إنجاء الغريق بتغريق نفسه ولأن في بذله إلقاء بيده إلى التهلكة وقد نهى الله عن ذلك

مسألة

قال ( ولا بأس بأكل الضب والضبع )

أما الضب فإنه مباح في قول أكثر أهل العلم منهم عمر بن الخطاب وابن عباس وأبو سعيد وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي عنهم قال أبو سعيد كنا معشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لأن يهدى إلى أحدنا ضب أحب إليه من دجاجة فقال عمر ما يسرني أن مكان كل ضب دجاجة سمينة ولوددت أن في كل جحر ضب ضبين وبهذا قال مالك والليث والشافعي وابن المنذر

وقال أبو حنيفة هو حرام وبهذا قال الثوري لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه نهى عن أكل لحم الضب وروي نحوه عن علي ولأنه ينهش فأشبه ابن عرس

ولنا ما روي ابن عباس قال دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فقيل هو ضب يا رسول الله فرفع يده فقلت أحرام هويا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه

قال خالد فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر متفق عليه قال ابن عباس ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الضب تقذرا وأكل على مائدته ولو كان حراما ما أكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرم الضب ولكنه قذره ولو كان عندي لأكلته ولأن الأصل الحل ولم يوجد المحرم فبقي على الإباحة ولم يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي ولا تحريم ولأن الإباحة قول من سمينا من الصحابة ولم يثبت عنهم خلافه فيكون إجماعا

فصل فأما الضبع فرويت الرخصة فيها عن سعد وابن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعكرمة وإسحاق وقال عروة ما زالت العرب تأكل الضبع ولا ترى بأكلها بأسا

وقال أبو حنيفة والثوري ومالك هو حرام وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب لأنها من السباع وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل ذي ناب من السباع وهي من السباع فتدخل في عموم النهي وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الضبع فقال ومن يأكل الضبع

ولنا ما روى جابر قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكل الضبع قلت صيد هي قال نعم احتج به أحمد وفي لفظ قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم رواه أبو داود


337

قال ابن عبد البر هذا لا يعارض حديث النهي عن كل ذي ناب من السباع لأنه أقوى منه قلنا هذا تخصيص لا معارض ولا يعتبر في التخصيص كون المخصص في رتبة مخصص بدليل تخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد

فأما الخبر الذي فيه ومن يأكل الضبع فحديث طويل يرويه عبد الكريم بن أبي المخارق ينفرد به وهو متروك الحديث

ولأن الضبع قد قيل إنها ليس لها ناب وسمعت من يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد كصفحة نعل الفرس

فعلى هذا لا تدخل في عموم النهي والله أعلم

مسألة

قال ( ولا يؤكل الترياق لأنه يقع فيه لحوم الحيات )

الترياق دواء يتعالج به من السم ويجعل فيه من لحوم الحيات فلا يباح أكله ولا شربه لأن لحم الحية حرام وممن كرهه الحسن وابن سيرين ورخص فيه الشعبي ومالك لأنه يرى باحة لحوم ويقتضيه مذهب الشافعي لإباحته التداوي ببعض المحرمات

ولنا إن لحم الحيات حرام بما قد ذكرناه فيما مضى

ولا يجوز التداوي بمحرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم أن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها

فصل ولا يجوز التداوي بمحرم ولا شيء فيه محرم مثل ألبان الأتن ولحم شيء من المحرمات ولا شرب الخمر للتداوي به لما ذكرنا من الخبر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له النبيذ يصنع للدواء فقال إنه ليس بدواء ولكنه داء

فصل ويجوز أكل الأطعمة التي فيها الدود والسوس كالفواكه القثاء والخيار والبطيخ والحبوب والخل إذا لم تقذره نفسه وطابت به لأن التحرز من ذلك يشق ويجوز أكل العسل بقشه وفيه فراخ لذلك وإن نقاه فحسن فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتي بتمر عتيق فجعل يفتشه ويخرج السوس منه وينقيه وهذا أحسن

مسألة

قال ( ولا يؤكل الصيد إذا رمي بسهم مسموم إذا علم أن السم أعان على قتله )

إنما كان لذلك لأن ما قتله السم محرم وما قتله السهم وحده مباح فإذا مات بسبب مبيح ومحرم حرم كما لو مات برمية مسلم ومجوسي أو قتل الصيد كلب معلم وغيره أو وجد مع كلبه كلبا لا يعرف حاله أو رمى صيدا بسهم فوجده غريقا في الماء أو تردى من جبل أو وطىء عليه شيء فإن علم أن السم لم يعن على قتله لكون السهم أوحى منه فهو مباح لانتفاء المحرم

مسألة

قال ( وما كان مأواه البحر وهو يعيش في البر لم يؤكل إذا مات في بر أو بحر )

كل ما يعيش في البر من دواب البحر لا يحل بغير ذكاة كطير الماء والسلحفاة وكلب الماء إلا ما لا دم فيه كالسرطان فإنه يباح بغير ذكاة قال أحمد السرطان لا بأس به قيل له يذبح قال لا وذلك لأن مقصود الذبح إنما هو إخراج الدم منه وتطييب اللحم بإزالته عنه فما لا دم فيه لا حاجة إلى ذبحه وأما سائر ما ذكرنا فلا يحل ألا أن يذبح قال أحمد كلب الماء يذبحه ولا


338

أرى بأسا بالسلحفاة إذا ذبح والرق يذبحه وقال قوم يحل من غير ذكاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته ولأنه من حيوان البحر فأبيح بغير ذكاة كالسمك والسرطان وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه كل ما في البحر قد ذكاه الله تعالى لكم وروى الإمام أحمد بإسناده عن شريح رجل أدرك النبي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل شيء في البحر مذبوحوروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله ذبح كل شيء في البحر لابن آدم

ولنا إنه حيوان يعيش في البر له نفس سائلة فلم يبح بغير ذبح كالطير ولا خلاف في الطير فيما علمناه والأخبار محمولة على ما لا يعيش إلا في البحر كالسمك وشبهه لأنه لا يتمكن من تذكيته لأنه لا يذبح إلا بعد إخراجه من الماء وإذا خرج مات

فصل فأما ما لا يعيش إلا في الماء كالسمك وشبهه فإنه يباح بغير ذكاة لا نعلم في هذا خلافا لما ذكرنا من الأخبار وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالسمك والجراد وقد صح أن أبا عبيدة وأصحابه وجدوا على ساحل البحر دابة يقال لها العنبر ميتة فأكلوا منها شهرا حتى سمنوا وادهنوا فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه فقال هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء تطعمونا متفق عليه

فصل وكل صيد البحر مباح إلا الضفدع وهذا قول الشافعي وقال الشعبي لو أكل أهلي الضفادع لأطعمتهم وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في كل ما في البحر قد ذكاه الله لكم وعموم قول تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه المائدة 96

يدل على إباحة جميع صيده وروى عطاء وعمرو بن دينار أنهما بلغهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله ذبح كل شيء في البحر لابن آدم فأما الضفدع فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتله رواه النسائي فيدل ذلك على تحريمه فأما التمساح فقد نقل عنه ما يدل على أنه لا يؤكل وقال الأوزاعي لا بأس به لمن اشتهاه وقال ابن حامد لا يؤكل التمساح ولا الكوسج لأنهما يأكلان الناس وقد روي عن إبراهيم النخعي وغيره أنه قال كانوا يكرهون سباع البحر كما يكرهون سباع البر وذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وقال أبو علي النجاد ما حرم نظيره في البر فهو حرام في البحر ككلب الماء وخنزيره وإنسانه هو قول الليث في كلب الماء فإنه يرى إباحة كلب البر والبحر

وقال أبو حنيفة لا يباح إلا السمك

وقال مالك كل ما في البحر مباح لعموم قوله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه المائدة 96

فصل وكلب الماء مباح وركب الحسن بن علي رضي الله عنه سرجا عليه جلد من جلود كلاب الماء وهذا قول مالك والشافعي والليث ويقتضيه قول الشعبي والأوزاعي ولا يباح عند أبي حنيفة وهو قول أبي علي النجاد وبعض أصحاب الشافعي


339

ولنا عموم الآية والخبر قال عبدالله سألت أبي عن كلب الماء فقال حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عمرو بن دينار وأبي الزبير سمعا شريحا رجل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم يقول كل شيء في البحر فهو مذبوح قال فذكرت ذلك لعطاء فقال أما الطير فنذبحه وقال أبو عبدالله كلب الماء نذبحه

فصل قيل لأبي عبدالله يكره الجري قال لا والله وكيف لنا بالجري ورخص فيه علي والحسن ومالك الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وسائر أهل العلم وقال ابن عباس الجري لا تأكله اليهود ووافقهم الرافضة ومخالفتهم صواب

فصل وعن أحمد في السمكة توجد في بطن سمكة أخرى أو حوصلة طائر أو يوجد في حوصلته جراد فقال في موضع كل شيء أكل مرة لا يؤكل وقال في موضع الطافي أشد من هذا وقد رخص فيه أبو بكر رضي الله عنه

وهذا هو الصحيح وهو مذهب الشافعي فيما في بطن السمكة دون ما في حوصلة الطائر لأنه كالرجيع ورجيع الطائر عنده نجس

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان ولأنه حيوان طاهر في محل طاهر لا تعتبر له ذكاة فأبيح كالطافي في السمك وهكذا يخرج في الشعير يوجد في بعر الجمل أو خثي الجواميس ونحوها

مسألة

قال ( وإذا وقعت النجاسة في مائع كالدهن وما أشبهه نجس واستصبح به وإن أحب ولم يحل أكله ولا ثمنه )

ظاهر هذا أن النجاسة إذا وقعت في مائع غير الماء نجسته وإن كثر وهذا ظاهر المذهب وعن أحمد رواية أخرى أنه لا ينجس إذا كثر قال حرب سألت أحمد عن كلب ولغ في سمن أو زيت قال إذا كان في آنية كبيرة مثل حب أو نحوه رجوت أن لا يكون به بأس يؤكل وإذا كان في آنية صغيرة فلا يعجبني أن يؤكل وسئل عن كلب وقع في خل أكثر من قلتين فخرج منه وهو حي فقال هذا أسهل من أنه لو مات

وعنه رواية ثالثة ما أصله الماء كالخل التمري يدفع النجاسة عن نفسه إذا كثر وما ليس أصله الماء لا يدفع عن نفسه قال المروذي قلت لأبي عبدالله فإن وقعت النجاسة في خل أو دبس فقال أما الخل فأصله الماء يعود إلى أن يكون ماء إذا حمل عليه وقال ابن مسعود في فأرة وقعت في سمن إنما حرم من الميتة لحمها ودمها

ولنا ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن قال إن كان جامدا فخذوها


340

وما حولها فألقوه وإن كان مائعا فلا تقربوه ولأن غير الماء ليس بطهور فلا يدفع النجاسة عن نفسه وحكم الجامد قد ذكرناه فيما تقدم واختلفت الرواية في الاستصباح بالزيت النجس فأكثر الروايات إباحته لأن ابن عمر أن يستصبح به ويجوز أن تطلى به سفينة وهذا قول الشافعي وعن أحمد لا يجوز الاستصباح به وهو قول ابن المنذر لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن شحوم الميتة تطلى بها السفينة وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام وهذا معناه

ولنا إنه زيت أمكن الانتفاع به من غير ضرر فجاز كالطاهر وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في العجين الذي عجن بماء من آبار ثمود أنه نهاهم عن أكله وأمرهم أن يعلفوه النواضح وهذا الزيت ليس بميتة ولا هو من شحومها فيتناوله الخبر

إذا ثبت هذا فإنه يستصبح به على وجه لا يمسه ولا تتعدى نجاسته إليه إما أن يجعل الزيت في إبريق له بلبلة ويصب منه في المصباح ولا يمسه وإما أن يدع على رأس الجرة التي فيها الزيت سراجا مثقوبا أو قنديلا فيه ثقب ويطينه على رأس إناء الزيت أو يشمعه وكلما نقص زيت السراج صب فيه ماء بحيث يرتفع الزيت فيملأ السراج وما أشبه هذا ولم ير أبو عبدالله أن تدهن بها الجلود وقال يجعل منه الأسقية والقرب

ونقل عن عمر أنه تدهن به الجلود وعجب أحمد من هذا وقال إن في هذا لعجبا شيء يطيب بشيء فيه ميتة فعلى قول أحمد كل انتفاع يفضي إلى تنجيس إنسان لا يجوز وإن لم يفض إلى ذلك جاز فأما أكله فلا إشكال في تحريمه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقربوه ولأن النجس خبيث وقد حرم الله الخبائث وأما بيعه فظاهر كلام أحمد رحمه الله تحريمه لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا حرم الله شيئا حرم ثمنه وقال أبو موسى لتوه بالسويق وبيعوه ولا تبيعوه من مسلم وبينوه

وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أنه يباع لكافر بشرط أن يعلم بنجاسته لأن الكفار يعتقدون حله ويستبيحون أكله

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه متفق عليه وكونهم يعتقدون حله لا يجوز لنا بيعه لهم كالخمر والخنزير

فصل فأما شحوم الميتة وشحم الخنزير فلا يجوز الانتفاع به باستصباح ولا غيره ولا أن تطلى به السفن ولا الجلود لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله حرم الميتة والخنزير والأصنام قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم شحوم المتية تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح الناس قال لا هي حرام متفق عليه

فصل إذا استصبح بالزيت النجس فدخانه نجس لأنه جزء يستحيل منه والاستحالة لا تطهر فإن علق بشيء وكان يسيرا عفي عنه لأنه لا يمكن التحرز منه فأشبه دم البراغيث وإن كان كثيرا لم يعف عنه


341

فصل سئل أحمد عن خباز خبز خبزا فباع منه ثم نظر في الماء الذي عجن منه فإنه فيه فأرة فقال لا يبيع الخبز من أحد وإن باعه استرده فإن لم يعرف صاحبه تصدق بثمنه ويطعمه من الدواب ما لا يؤكل لحمه ولا يطعم لما يؤكل إلا أن يكون إذا أطعمه لم يذبح حتى يكون له ثلاثة أيام على معنى الجلالة قيل له أليس قبل النبي صلى الله عليه وسلم لا تنتفعوا من الميتة قال ليس هذا بمنزلة الميت إنما اشتبه عليه قيل له فهو بمنزلة كسب الحجام يطعم الناضح والرقيق قال هذا أشد عندي لا يطعم الرقيق لكن يعلفه البهائم قيل له أين الحجة قال حدثنا عبد الصمد عن صخر عن نافع عن ابن عمر أن قوما اختبزوا من آبار الذين مسخوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أطعموه النواضح

فصل قال أحمد لا أرى أن يطعم كلبه المعلم الميتة ولا الطير المعلم لأنه يضربه على الميتة فإن أكل الكلب فلا أرى صاحبه حرجا ولعل أحمد كره أن يكون الكلب المعلم إذا صاد وقتل أكل منه لتضريته بإطعامه الميتة ولم يكره مالك إطعام كلبه وطيره الميتة لأنه غير مأكول إذا كان لا يشرب في إنائه

فصل قال أحمد أكره أكل الطين ولا يصح فيه حديث إلا إنه يضر بالبدن ويقال إنه رديء وتركه خير من أكله وإنما كرهه أحمد لأجل مضرته فإن كان منه ما يتداوى به كالطين الأرمني فلا يكره وإن كان مما لا مضرة فيه ولا نفع كالشيء اليسير جاز أكله لأن الأصل الإباحة والمعنى الذي لأجله كره ما يضر وهو منتف ها هنا فلم يكره

فصل ويكره أكل البصل والثوم والكراث والفجل وكل ذي رائحة كريهة من أجل رائحته سواء أراد دخول المسجد أو لم يرد لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس رواه ابن ماجه وإن أكله لم يقرب من المسجد لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أكل هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا وفي رواية فلا يقربنا في مساجدنا رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وليس أكلها محرما لما روى أبو أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليه بطعام لم يأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيه الثوم فقال يا رسول الله أحرام هو قال لا ولكنني أكرهه من أجل ريحه قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي كل الثوم فلولا أن الملك يأتيني لأكلته وإنما منع أكلها لئلا يؤذي الناس برائحته ولذلك نهى عن قربان المساجد فإن أتى المساجد كره له ذلك ولم يحرم عليه لما روى المغيرة بن شعبة قال أكلت ثوما وأتيت مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقت بركعة فلما دخلت المسجد وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريح الثوم فلما قضى صلاته قال من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا حتى يذهب ريحها

فجئت فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعطي يدك قال فأدخلت يده في كم قميصي إلى صدري فإذا أنا معصوب الصدر فقال إن لك عذرا رواه أبو داود وقد روي عن أحمد أنه يأثم لأن ظاهر النهي التحريم ولأن أذى المسلمين حرام وهذا فيه أذاهم


342

فصل ويكره أكل الغدة وأذن القلب لما روي عن مجاهد قال كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة ستا وذكر هذين ولأن النفس تعافهما وتستخبثهما ولا أظن أحمد كرههما إلا لذلك لا للخبر لأنه قال فيه هذا حديث منكر ولأن في الخبر ذكر الطحال وقد قال أحمد لا بأس به ولا أكره منه شيئا

فصل وقيل لأبي عبدالله الجبن قال يؤكل من كل وسئل عن الجبن الذي يصنعه المجوس فقال ما أدري إلا أن أصح حديث فيه حديث الأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل قال سئل عمر عن الجبن وقيل له يعمل فيه الأنفحة الميتة فقال سموا أنتم وكلوا رواه أبو معاوية عن الأعمش وقال أليس الجبن الذي تأكله عامته يصنعه المجوس

فصل ولا يجوز أن يشترى الجوز الذي يتقامر به الصبيان ولا البيض الذي يتقامرون به يوم العيد لأنهم يأخذونه بغير حق

فصل قال أحمد والضيافة على كل المسلمين كل من نزل عليه ضيف كان عليه أن يضيفه قيل إن ضاف الرجل ضيف كافر يضيفه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم وهذا الحديث بين ولما أضاف المشرك دل على أن المسلم والمشرك يضاف وأنا أراه كذلك والضيافة معناها معنى صدقة التطوع على المسلم والكافر واليوم والليلة حق واجب وقال الشافعي ذلك مستحب وليس بواجب لأنه غير مضطر إلى طعامه فلم يجب عليه بذله كما لو لم يضفه

ولنا ما روى المقدام بن أبي كريمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الضيف حق واجب فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه إن شاء اقتضى وإن شاء ترك حديث صحيح وفي لفظ أيما رجل ضاف قوما فأصبح الضيف محروما فإن نصره على كل مسلم حق يأخذ بحقه من زرعه وماله رواه أبو داود والواجب يوم وليلة الكمال ثلاثة أيام لما روى أبو شريح الخزاعي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة ولا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه قالوا يا رسول الله كيف يؤثمه قال يقيم عنده وليس عنده ما يقربه متفق عليه

قال أحمد جائزته يوم وليلة كأنه أوكد من سائر الثلاثة ولم يرد يوما وليلة سوى الثلاثة لأنه يصير أربعة أيام وقد قال وما زاد على الثلاثة فهو صدقة فإن امتنع من إضافته فللضيف بقدر ضيافته

قال أحمد له أن يطالبهم بحقه الذي جعله له النبي صلى الله عليه وسلم ولا يأخذ شيئا إلا بعلم أهله

وعنه رواية أخرى أن له يأخذ ما يكفيه بغير إذنهم لما روى عقبة بن عامر قال قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا قال إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم متفق عليه

وقال أحمد في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم فله أن يعقبهم بمثل قراه يعني أن يأخذ من أرضهم وزرعهم وضرعهم بقدر ما يكفيه بغير إذنهم وعن أحمد رواية أخرى أن الضيافة على أهل القرى دون أهل الأمصار قال الأثرم سمعت أبا عبدالله يسأل عن الضيافة أي شيء تذهب فيها قال


343

هي مؤكدة وكأنها على أهل الطرق والقرى الذين يمر بهم الناس أوكد فأما مثلنا الآن فكأنه ليس مثل أولئك

فصل قال المروذي سألت أبا عبدالله قلت تكره الخبز الكبار قال نعم أكرهه ليس فيه بركة إنما البركة في الصغار وقال مرهم أن لا يخبزوا كبارا قال رأيت أبا عبدالله يغسل يديه قبل الطعام وبعده وإن كان على وضوء وقال مهنا ذكرت ليحيى بن معين حديث قيس بن الربيع عن أبي هاشم عن زاذان عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بركة الطعام الوضوء قبله وبعده فقال لي يحيى ما أحسن الوضوء قبله وبعده وذكرت الحديث لأحمد فقال ما حدث بهذا إلا قيس بن الربيع وهو منكر الحديث قلت بلغني عن يحيى بن سعيد قال كان سفيان يكره غسل اليد عند الطعام لم كره سفيان ذلك قال لأنه من زي العجم قلت بلغني عن يحيى بن سعيد قال كان سفيان يكره أن يكون تحت القصعة الرغيف لم كرهه سفيان قال كره أن يستعمل الطعام قلت تكرهه أنت قال نعم

وروي عن عقيل قال حضرت مع ابن شهاب وليمة ففرشوا المائدة بالخبز فقال لا تتخذوا الخبز بساطا وقال المروذي قلت لأبي عبدالله إن أبا معمر قال إن أبا أسامة قدم إليهم خبزا فكسره قال هذا لئلا تعرفوا كم تأكلون وقيل لأبي عبدالله يكره الأكل متكئا قال أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم لا آكل متكئا رواه أبو داود وعن شعيب بن عبدالله بن عمرو عن أبيه قال ما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل متكئا قط رواه أبو داود وعن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل الرجل وهو منبطح رواه أبو داود

فصل وتستحب التسمية عند الطعام وحمد لله عند آخره لما روى عمر بن أبي سلمة قال أكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فجالت يدي في القصعة فقال سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك قال فما زالت أكلتي بعد رواه ابن ماجه بمعناه وأبو داود وروى الأمام أحمد بإسناده عن أبي هريرة قال لا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للطاعم الشاكر مثل ما للصائم الصابر قال أحمد معناه إذا أكل وشرب يشكر الله ويحمده على ما رزقه وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل باسم الله أوله وآخره رواه أبو داود وعن معاذ بن أنس عن رسول الله قال من أكل طعاما فقال الحمد لله الذي أطعمني هذا ورقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وعن أبي سعيد قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل طعاما قال الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين وعن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع طعامه أو ما بين يديه قال الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع رواه ابن ماجه

فصل ويأكل بيمينه ويشرب بها لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه


344

ويستحب الأكل بثلاث أصابع لما روى كعب بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع ولا يمسح يده حتى يلعقها رواه الإمام أحمد وذكر له حديث ترويه ابنة الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل بكفه كلها فلم يصححه ولم ير إلا ثلاث أصابع وروي عن أحمد أنه أكل خبيصا بكفه كلها

وروي عن عبدالله بن بريدة أنه كان ينهى بناته أن يأكلن بثلاث أصابع وقال لا تشبهن بالرجال

فصل قال مهنا سألت أحمد عن حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقطعوا اللحم بالسكين فإن ذلك صنيع الأعاجم فقال ليس بصحيح لا نعرف هذا وقال حديث عمرو بن أمية الضمري خلاف هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من لحم الشاة فقام إلى الصلاة وطرح السكين وحديث مسعر عن جامع بن شداد عن المغيرة اليشكري عن المغيرة بن شعبة ضفت برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأمر بجنب فشوي ثم أخذ الشفرة فجعل يحز فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فألقى الشفرة قال وسألت أحمد عن حديث أبي جحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اكفف جشاءك يا أبا جحيفة فإن أكثركم شبعا اليوم جوعا يوم القيامة فقال هو ويحيى جمعا ليس بصحيح

فصل وروي عن ابن عباس قال لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفخ في طعام ولا شراب ولا يتنفس في الإناء وعن أنس قال ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة وقال قتادة فعلام كانوا يأكلون قال على السفر وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقام على الطعام حتى يرفع وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضعت المائدة فلا يقم رجل حتى ترفع المائدة ولا يرفع يده وإن شبع حتى يفرغ القوم وليعذر فإن الرجل يخجل جليسه فيقبض يده وعلى أن يكون له في الطعام حاجة وعن نبيشة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من أكل في قصعة فلحسها استغفرت له القصعة وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمسح أحدكم يده حتى يلعقها فإنه لا يدري في أي طعامه البركة رواهن ابن ماجه

فصل وسئل أبو عبدالله عن غسل اليد بالنجاسة فقال لا بأس به نحن نفعله وسئل عن الرجل يأتي القوم وهم على طعام فجأة لم يدع إليه فلما دخل إليهم دعوه هل يأكل قال نعم وما بأس

وسئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه ادخر لأهله قوت سنة هو صحيح قال نعم ولكنهم يختلفون في لفظه

فصل عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وعن جابر قال صنع أبو الهيثم بن التيهان للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلما فرغوا قال أثيبوا أخاكم قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما إثابته قال إن الرجل إذا دخل بيته فأكل طعامه وشرب شرابه فدعوا له فذلك إثابته رواه أبو داود والله أعلم


345

كتاب الأضاحي

الأصل في مشروعية الأضحية الكتاب والسنة والإجماع وأما الكتاب فقول الله سبحانه فصل لربك وانحر الكوثر 2

قال بعض أهل التفسير المراد به الأصحية بعد صلاة العيد

وأما السنة فما روى أنس قال ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما متفق عليه والأملح الذي فيه بياض وسواد وبياضه أغل قال الكسائي وقال ابن الأعرابي وهو النقي البياض قال الشاعر حتى اكتسى الرأس قناعا أشيبا أملح لا لدا ولا محببا وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية

مسألة

قال ( والأضحية سنة لا يستحب تركها لمن يقدر عليها )

أكثر أهل العلم يرون الأضحية سنة مؤكدة غير واجبة روي ذلك عن أبي بكر وعمرو وبلال وأبي مسعود البدري رضي الله عنهم وبه قال سويد بن غفلة وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وقال ربيعة ومالك والثوري والأوزاعي والليث وأبو حنيفة هي واجبة لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كان له سعة ولم يضع فلا يقربن مصلانا وعن محنف بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا أيها الناس إن على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة ولنا ما روى الدارقطني بأسناده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث كتبت علي وهن لكم تطوع وفي رواية الوتر والنحر وركعتا الفجرلإ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئا رواه مسلم علقه على الإرادة والواجب لا يعلق على الإرادة ولأنها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها فلم تكن واجبة كالعقيقة فأما حديثهم فقد ضعفه أصحاب الحديث ثم نحمله على تأكيد الاستحباب كما قال غسل الجمعة واجب على كل محتلم وقال من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا وقد روي عن أحمد في اليتيم يضحي عنه وليه إذا كان موسرا وهذا على سبيل التوسعة في يوم العيد لا على سبيل الإيجاب

فصل والأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها نص عليه أحمد وبهذا قال ربيعة وأبو الزناد وروي عن بلال أنه قال ما أبالي أن لا أضحي إلا بديك ولأن أضعه في يتيم قد ترب فوه فهو أحب إلي من أن أضحي

وبهذا قال الشعبي وأبو ثور

وقالت عائشة لأن أتصدق بخاتمي هذا أحب إلي من أن أهدي إلى البيت ألفا

ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى والخلفاء بعده ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها

وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم


346

قال ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إراقة دم وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا رواه ابن ماجه ولأن إيثار الصدقة على الأضحية يفضي إلى ترك سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما قول عائشة فهو في الهدي دون الأضحية وليس الخلاف فيه

مسألة

قال ( ومن أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئا )

ظاهر هذا تحريم قص الشعر وهو قول بعض أصحابنا وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق وسعيد بن المسيب وقال القاضي وجماعة من أصحابنا هو مكروه غير محرم وبه قال مالك والشافعي لقول عائشة كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقلدها بيده ثم يبعث بها ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي متفق عليه وقال أبو حنيفة لا يكره ذلك لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس فلا يكره له حلق الشعر وتقليم الأظافر كما لو لم يرد أن يضحي

ولنا ما روت أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي رواه مسلم ومقتضى النهي التحريم وهذا يرد القياس ويبطلهم وحديثهم عام وهذا خاص يجب تقديمه بتنزيل العام على ما عداها تناوله الحديث الخاص ولأنه يجب حمل حديثهم على غير محل النزاع لوجوه

منها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليفعل ما نهى عنه وإن كان مكروها قال الله تعالى إخبارا عن شعيب وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه هود 88

ولأن أقل أحوال النهي أن يكون مكروها ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليفعله فيتعين حمل ما فعله في حديث عائشة على غيره ولأن عائشة تعلم ظاهرا ما يباشرها به من المباشرة أو ما يفعله دائما كاللباس والطيب فأما ما يفعله نادرا كقص الشعر وقلم الأظافر مما لا يفعله في الأيام إلا مرة فالظاهر أنها لم ترده بخبرها وإن احتمل إرادتها إياه فهو احتمال بعيد وما كان هكذا فاحتمال تخصيصه قريب فيكفي فيه أدنى دليل وخبرنا دليل فكان أولى بالتخصيص ولأن عائشة تخبر عن أم سلمة عن قوله والقول يقدم على فعل احتمال أن يكون فعله خاصا له إذا ثبت فإنه يترك قطع الشعر وتقليم الأظافر فإن فعل استغفر الله تعالى ولا فدية فيه إجماعا سواء فعله عمدا أو نسيانا

مسألة

قال ( وتجزىء البدنة عن سبعة وكذلك البقرة )

وهذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن علي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم وبه قال عطاء وطاوس وسالم والحسن وعمرو بن دينار والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وعن عمر أنه قال


347

لا تجزىء نفس واحدة عن سبعة ونحوه قول مالك قال أحمد ما علمت أحدا إلا يرخص في ذلك ألا ابن عمر وعن سعيد بن المسيب أن الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة وبه قال إسحاق لما روى رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير متفق عليه وعن ابن عباس قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر الأضحى فاشتركنا في الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة رواه ابن ماجة

ولنا ما روى جابر قال نحرنا بالحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وقال أيضا كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها رواه مسلم وهذا إن صح من حديثهم وأما حديث رافع فهو في القسمة لا في الأضحية إذا ثبت هذا فسواء كان المشتركون من أهل بيت أو لم يكونوا مفترضين أو متطوعين أو كان بعضهم يريد القربة وبعضهم يريد اللحم لأن كل إنسان منهم أنما يجزىء عنه نصيبه فلا تضره نية غيره في عشرة

فصل ولا بأس أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة أو بقرة أو بدنة نص عليه أحمد وبه قال مالك والليث والأوزاعي وإسحاق وروي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة قال صالح قلت لأبي يضحى بالشاة عن أهل البيت قال نعم لا بأس قد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم كبشين فقرب أحدهما فقال بسم الله اللهم هذا عن محمد وأهل بيته وقر الآخر فقال بسم الله اللهم هذا منك ولك عمن وحدك من أمتي وحكي عن أبي هريرة أنه كان يضحي بالشاة فتجيء ابنته فتقول عني فيقول وعنك

وكره ذلك الثوري وأبو حنيفة لأن الشاة لا تجزىء عن أكثر من واحد فإذا اشترك فيها اثنان لم تجز عنهما كالأجنبيين

ولنا ما روى مسلم بإسناده عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بكبش ليضحي به فأضجعه ثم ذبحه ثم قال بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد وعن جابر قال ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الذبح كبشين أملحين أقرنين فلما وجههما قال وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم منك ولك عن محمد وأمته بسم الله والله أكبر ثم ذبح رواه أبو داود وروى ابن ماجه عن أبي أيوب قال كان الرجل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون الناس حديث حسن صحيح

فصل وأفضل الأضاحي البدنة ثم البقرة ثم الشاة ثم شرك في بقرة وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك الأفضل الجذع من الضأن ثم البقرة ثم البدنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين ولا يفعل إلا الأفضل ولو علم الله خيرا منه لفدى إسحاق به

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ولأنه ذبح يتقرب به إلى الله تعالى فكانت البدنة منه أفضل كالهدي فإنه قد سلمه ولأنها أكثر ثمنا


348

ولحما وأنفع فأما التضحية بالكبش فلأنه أفضل أجناس الغنم وكذلك حصول الفداء به أفضل والشاة أفضل من شرك في بدنة لأن إراقة الدم مقصودة في الأضحية والمنفرد يتقرب بءراقته كله والكبش أفضل الغنم لأنه أضحية النبي صلى الله عليه وسلم وهو أطيب لحما وذكر القاضي أن جذع الضأن أفضل من ثني المعز لذلك ولأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال نعم الأضحية الجذع من الضأن وهو حديث غريب ويحتمل أن الثني أفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تذبحوا ألا مسنة فإن عسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن رواه مسلم وأبو داود وهذا يدل على فضل الثني على الجذع لكونه جعل الثني أصلا والجذع بدلا لا ينتقل إليه إلا عند عدم الثني

فصل ويسن استسمان الأضحية واستحسانها لقول الله تعالى ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب الحج 32

قال ابن عباس تعظيمها استسمانها واستعظامها واستحسانها ولأن ذلك أعظم لأجرها وأكثر لنفعها والأفضل في الأضحية من الغنم في لونها البيضا لما روي عن مولاة أبي ورقة بن سعيد قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دم عفراء أزكى عندالله من دم سوداوين رواه أحمد بمعناه وقال أبو هريرة دم بيضاء أحب إلى الله من دم سوداوين ولأنه لون أضحية النبي صلى الله عليه وسلم ثم ما كان أحسن لونا فهو أفضل

مسألة

قال ( ولا يجزىء إلا الجذع من الضأن والثني من غيره )

وبهذا قال مالك والليث والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال ابن عمر والزهري لا يجزىء الجذع لأنه لا يجزىء من غير الضأن فلا يجزىء منه كالحمل وعن عطاء والأوزاعي فلا يجزىء الجذع من جميع الأجناس لما روى مجاشع بن سليم قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الجذع يوفي مما يوفى منه الثني رواه داود والنسائي

ولنا على أن الجذع من الضأن يجزىء حديث مجاشع وأبي هريرة وغيرهما وعلى أن الجذعة من غيرها لا تجزىء قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تذبحوا إلا مسنة فإن عسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن وقال أبو بردة بن نيار عندي جذعة أحب إلي من شاتين فهل تجزىء عني قال نعم ولا تجزىء عن أحد بعدك متفق عليه وحديثهم محمول على الجذع من الضأن لما ذكرنا قال إبراهيم الحربي أنما يجزىء الجذع من الضأن لأنه ينزو فيلقح فإذا كان من المعز لم يلقح حتى يكون ثنيا

فصل ولا يجزىء في الأضحية غير بهيمة الأنعام وإن كان أحد أبويه وحشيا لم يجزىء أيضا وحكي عن الحسن بن صالح أن بقرة الوحش تجزىء عن سبعة والظبي عن واحد وقال أصحاب الرأي ولد البقر الانسية يجزىء وإن كان أبوه وحشيا وقال أبو ثور ويجزىء إذا كان منسوبا إلى بهيمة الأنعام

ولنا قول الله تعالى ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام الحج 34

وهي الإبل والبقر والغنم وعلى


349

أصحاب الرأي أنه متولد من بين ما يجزىء وما لا يجزىء فلم يجزىء كما لو كانت الأم وحشية

مسألة

قال ( والجذع من الضأن ما له من ستة أشهر ودخل في السابع )

قال أبو القاسم وسمعت أبي يقول سألت بعض أهل البادية كيف تعرفون الضأن إذا أجذع قال لا تزال الصوفة قائمة على ظهره ما دام حملا فإذا نامت الصوفة على ظهره علم أنه قد أجذع وثني المعز إذا تمت له سنة ودخل في الثانية والبقرة إذا صار لها سنتان ودخلت في الثالثة والإبل إذا كمل لها خمس سنين ودخلت في السادسة قال الأصمعي وأبو زياد الكلابي وأبو زيد الأنصاري إذا مضت السنة الخامسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذ ثني ونرى إنما سمى ثنيا لأنه ألقى ثنيته

وأما البقرة فهي التي لها سنتان لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تذبحوا إلا مسنة ومسنة البقر التي لها سنتان وقال وكيع الجذع من الضأن يكون ابن سبعة أو ستة أشهر

مسألة

قال ( ويجتنب في الضحايا العوراء البين عورها والعجفاء التي لا تنقي والعرجاء البين عرجها البين عرجها والمريض التي لا يرجى برؤها والعضباء والعضب ذهاب أكثر من نصف الأذن أو القرن )

أما العيوب الأربعة والأول فلا نعلم بين أهل العلم خلافا في أنها تمنع الاجزاء لما روى البراء قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء التي ضلعها والعجفاء التي لا تنقي رواه أبو داود والنسائي ومعنى العوراء البين عورها التي قد انخسفت عينها وذهبت لأنها قد ذهبت عينها والعين عضو مستطاب فإن كان على عينها بياض ولم تذهب جازت التضحية بها لأن عورها ليس ببين ولا ينقص ذلك لحمها والعجفاء المهزولة التي لا تنقى هي التي لا مخ لها في عظامها لهزالها والنقي المخ قال الشاعر لا تشكين عملا ما أنقين ما دام مخ في سلامي أوعين فهذه لا تجزىء لأنها لا لحم فيها إنما هي عظام مجتمعة وأما العرجاء البين عرجها فهي التي بها عرج فاحش وذلك يمنعها من اللحاق بالغنم فتسبقها إلى الكلأ فيرعينه ولا تدركهن فينقص لحمها فإن كان عرحا يسيرا لا يفضي بها إلى ذلك أجأت وأما المريضة التي لا يرجى برؤها فهي التي بها مرض قد يئس من زواله لأن ذلك ينقص لحمها وقيمتها نقصا كبيرا والذي في الحديث المريضة البين مرضها وهي التي يبين أثره عليها لأن ذلك ينقص لحمها وقيمتها نقصا كبيرا والذي في الحديث المريضة البين مرضها وهي التي يبين أثره عليها لأن ذلك ينقص لحمها ويفسده وهو أصح وذكر القاضي أن المراد بالمريضة الجرباء لأن الجرب يفسد اللحم ويهزل إذا كثر وهذا قول أصحاب الشافعي وهذا تقييد للمطلق وتخصيص للعموم بلا دليل فالمعنى يقتضي العموم كما يقتضيه اللفظ فإن كان المرض يفسد اللحم وينقصه فلا معنى للتخصيص مع عموم اللفظ والمعنى

وأما العضب فهو ذهاب أكثر من نصف الأذن أو القرن وذلك يمنع الاجزاء أيضا وبه قال النخعي وأبو يوسف ومحمد


350

وقال أبو حنيفة والشافعي تجزىء مكسورة القرن

وروي نحو ذلك عن علي وعمار وابن المسيب والحسن وقال مالك إن كان قرنها يدمى لم يجز وإلا جاز وقال عطاء ومالك إذا ذهبت الأذن كلها لم يجز وإن ذهب يسير جاز

واحتجوا بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم أربع لا تجوز في الأضاحي يدل على أن غيره يجزىء ولأن في حديث البراء عن عبيد بن فيروز قال قلت للبراء فإني أكره النقص من القرن ومن الذنب فقال اكره لنفسك ما شئت وإياك أن تضيق على الناس ولأن المقصود اللحم ولأن المقصود اللحم ولا يؤثر ذهاب ذلك فيه

ولنا ما روى علي رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضحى بأعضب القرن والأذن قال قتادة فسألت سعيد بن المسيب فقال نعم العضب النصف فأكثر من ذلك رواه الشافعي وابن ماجه

وعن علي رضي الله عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن رواه أبو داود والنسائي وهذا منطوق يقدم على المفهوم

فصل ولا تجزىء العمياء لأن النهي عن العوراء تنبيه على العمياء وإن لم يكن عماها بينا لأن العمى يمنع مشيها مع الغنم ومشاركتها في العلف ولا تجزىء ما قطع منها عضو كالألية والأطباء لأن ابن عباس قال لا تجوز العجفاء ولا الجداء

قال أحمد هي التي قد يبس ضرعها ولأن ذلك أبلغ في الإخلال بالمقصود من ذهاب شحمة العين

فصل ويجزىء الخصي لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين موجوءين والوجأ رض الخصيتين وما قطعت خصيتاه أو شلتا فهو كالموجوء لأنه في معناه ولأن الخصال ذهاب عضو غير مستطاب يطيب اللحم بذهابه ويكثره ويسمن قال الشعبي ما زاد في لحمه وشحمه أكثر مما ذهاب منه وبهذا قال الحسن وعطاء والشعبي والنخعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا

فصل وتجزىء الجماء وهي التي لم يخلق لها قرن والصمعاء وهي الصغيرة الأذن والبتراء وهي التي لا ذنب لها سواء كان خلقة أو مقطوعا وممن لم بأسا بالبتراء ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن وسعيد بن جبير والنخعي والحكم وكره الليث أن يضحى بالبتراء ما فوق القصبة

وقال ابن حامد لا تجوز التضحية بالجماء لأن ذهاب أكثر من نصف القرن يمنع ذهاب جميعه أولى ولأن ما منع منه العور منع منه العمى وكذلك ما منع منه العضب يمنع منه كونه أجم أولى

ولنا إن هذا نقص لا ينقص اللحم ولا يخل بالمقصود ولم يرد به نهي فوجب أن يجزىء وفارق العضب فإن النهي عنه وارد وهو عيب فإنه ربما أدمى وآلم الشاة فيكون كمرضها ويقبح منظرها بخلاف الأجم فإنه حسن في الخلقة ليس بمرض ولا عيب إلا أن الأفضل ما كان كامل الخلقة فإن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش أقرن محيل وقال خير الأضحية الكبش الأقرن وأمر باستشراف العين والأذن

فصل وتكره المشقوقة الأذن والمثقوبة وما قطع شيء منها لما روي عن علي رضي الله عنه قال أمرنا


351

رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء قال زهير قلت لأبي إسحاق ما المقابلة قال تقطع طرف الأذن قلت فما المدابرة قال تقطع من مؤخر الأذن

قلت فما الخرقاء قال تشق الأذن

قلت فما الشرقاء قال تشق أذنها السمة

رواه أبو داود والنسائي قال القاضي الخرقاء التي انبثقت أذنها وهذا نهي تنزيه ويحصل الإجزاء بها ولا نعلم فيه خلافا ولأن اشتراط السلامة من ذلك يشق إذ لا يكاد يوجد سالم من هذا كله

مسألة

قال ( ولو أوجبها سليمة فعابت عنده ذبحها وكانت أضحية )

وجملته أنه إذا أوجب أضحية صحيحة سليمة من العيوب ثم حدث بها عيب يمنع الأجزاء ذبحها وأجزأته روي هذا عن عطاء والحسن والنخعي والزهري والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وقال أصحاب الرأي لا تجزئه لأن الأضحية عندهم واجبة فلا يبرأ منها إلا بإراقة دمها سليمة كما لو أوجبها في ذمته ثم عينها فعابت

ولنا ما روى أبو سعيد قال ابتعنا كبشا نضحي به فأصاب الذئب من أليته فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن نضحي به رواه ابن ماجة ولأنه عيب حدث في الأضحية الواجبة قلما يمنع الاجزاء كما لو حدث بها عيب بمعالجة الذبح ولا نسلم أنها واجبة في الذمة وإنما تعلق الوجوب بعينها

قلنا إذا تعيبت بفعله فعليه بدلها وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة أذا عالج ذبحها فقلعت السكين عينها أجزأت استحسانا

ولنا إنه عيب أحدثه بها قبل ذبحها فلم تجزئه كما لو كان قبل معالجة الذبح

فصل وإن نذر أضحية في ذمته ثم عينها فس شاة تعينت فإن عابت تلك الشاة قبل ذبحها لم تجزىء لأن ذمته لا تبرأ إلا بذبح شاة سليمة كما نذر عتق رقبة أو كان عليه عتق رقبة في كفارة فاشتراها ثم عابت عنده لم تجزئه وإن قال لله علي عتق هذا العبد فعاب أجزأ عنه

فصل وإذا أتلف الأضحية الواجبة فعليه قيمتها لأنها من المتقومات وتعتبر القيمة يوم أتلفها فإن غلت الغنم فصار مثلها خيرا من قيمتها فقال أبو الخطاب يلزمه مثلها لأنه أكثر الأمرين ولأنه تعلق بها حق الله تعالى في ذبحها فوجب عليه مثلها كما لو لم تتعيب بخلاف الآدمي وهذا مذهب الشافعي وظاهر قول القاضي أنه لا يلزمه ألا القيمة يوم إتلافها وهو قول أبي حنيفة لأنه إتلاف أوجب القيمة فلم يجب أكثر من القمية يوم الإتلاف كما لو أتلفها أجنبي وكسائر المضمونات فإن رخصت الغنم فزادت قيمتها على مثلها مثل أن كانت قيمتها عند إتلافها عشرة فصارت قيمة مثلها خمسة فعليه عشرة وجها واحدا فإن شاء اشترى بها أضحية واحدة تساوي عشرة وإن شاء اشترى اثنتين وإن شاء اشترى أضحية واحدة فإن فضل من العشرة ما لا يجيء به أضحية اشترى به شركا في بدنه فإن لم يتسع لذلك أو لم تمكنه المشاركة ففيه وجهان أحدهما يشتري لحما ويتصدق به لأن الذبح وتفرقة اللحم مقصودان فإذا تعذر أحدهما وجب الآخر

والثاني يتصدق بالفضل لأنه إذا لم يحصل له التقرب بإراقة الدم كان اللحم وثمنه سواء فإن كان المتلف أجنبيا


352

فعليه قيمتها يوم أتلفها وجها واحدا ويلزمه دفعها إلى صاحبها فإن زاد على ثمن مثلها فحكمه حكم ما لو أتلفها صاحبها وإن لم تبلغ القيمة ثمن أضحية فالحكم فيه على ما مضى فيما زاد على ثمن الأضحية في حق المضحي فإن تلفت الأضحية في يده بغير تفريط أو سرقت أو ضلت فلا شيء عليه لأنها أمانة في يده فلم يضمنها إذا لم يفرط كالوديعة

فصل وإن اشترى أضحية فلم يوجبها حتى علم بها عيبا فله ردها إن شاء وإن شاء أخذ أرشها ثم إن عيبها يمنع اجزاءها لم يكن له التضحية بها وإلا فله أن يضحي بها والأآش له وإن أوجبها ثم علم أنها معيبة فذكر القاضي أنه مخير بين ردها وأخذ أرشها فإن أخذ أرشها فحكمه حكم الزائد عن قيمة الأضحية على ما ذكرناه ويحتمل أن يكون الأرش له لأن إيجابها إنما صادفها بدون هذا الذي أخذ أرشه فلم يتعلق الأيجاب بالأرش ولا بمبدله فأشبه ما لو تصدق بها ثم أخذ أرشها وعلى قول أبي الخطاب لا يملك ردها لأنه قد زال ملكه عنها بإيجابها فأشبه ما لو اشترى عبدا معيبا فأعتقه ثم علم عيبه وهذا مذهب الشافعي فعلى هذا يتعين أخذ الأرش وفي كون الأرش للمشتري ووجوبه في التضحية وجهان ثم ننظر فإن كان عيبها لا يمنع اجزاءها فقد صح إيجابها والتضحية بها وإن كان عيبها يمع اجزاءها فحكمه حكم ما لو أوجبها عالما بعيبها على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى

مسألة

قال ( وإن ولدت ذبح ولدها وعنها )

وجملته أنه إذا عين أضحية فولدت فولدها تابع لها حكمه حكمها سواء كان حملا حين التعيين أو حدث بعده وبهذا قال الشافعي وعن أبي حنيفة لا يذبحه ويدفعه إلى المساكين حيا وإن ذبحه دفعه إليهم مذبوحا وأرش ما نقصه الذبح لأنه من نمائها فلزمه دفعه إليهم على صفته كصوفها وشعرها

ولنا إن استحقاق ولدها حكم يثبت للولد بطريق السراية من الأم فيثبت له ما يثبت لها كولد أو الولد والمدبرة إذا ثبت هذا فإنه يذبحه كما يذبحها لأنه صار أضحية على وجه التبع لأمه ولا يجوز ذبحه قبل يوم النحر ولا تأخيره عن أيامه كأمه

وقد روي عن علي رضي الله عنه أن رجلا سأله فقال يا أمير المؤمنين إني اشتريت هذه البقرة لأضحي بها وإنها وضعت هذا العجل فقال علي لا تحلبها إلا فضلا عن تيسير ولدها فإذا كان يوم الأضحى فاذبحها وولدها عن سبعة رواه سعيد بن منصور عن أبي الأحوص عن زهير العبسي عن المغيرة بن حذف عن علي

فصل ولا يشرب من لبنها إلا الفاضل عن ولدها فإن لم يفضل عنه شيء أو كان الحلب يضر بها أو ينقص لحمها لم يكن له أخذه وإن لم يكن كذلك فله أخذه والانتفاع به وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحلبها ويرش على الضرع الماء حتى ينقطع اللبن فإن احتلبها تصدق به لأن اللبن متولد من الأضحية الواجبة فلم يجز للمضحي الانتفاع به كالولد


353

ولنا قول علي رضي الله عنه لا يحلبها إلا فضلا عن تيسير ولدها ولأنه انتفاع لا يضرها فأشبه الركوب ويفارق الولد فإنه يمكن إيصاله إلى محله أما اللبن فإن حلبه وتركه فسد وإن لم يحلبه تعقد الضرع وأضر بها فجوز له شربه وإن تصدق به كان أفضل وإن احتلب ما يضر بها أو بولدها لم يجز له وعليه أن يتصدق به فإن قيل فصوفها وشعرها ووبرها إذا جزه تصدق به ولم ينتفع به فلم أجزتم له الانتفاع باللبن قلنا الفرق بينهما من وجهين أحدهما أن لبنها يتولد من غذائها وعلفها وهو القائم به فجاز صرفه إليه كما أن المرتهن إذا علف الرهن له أن يحلب ويركب وليس له أن يأخذ الصوف ولا الشعر

الثاني أن الصوف والشعر ينتفع به على الدوام فجرى مجرى جلدها واجزائها واللبن يشرب ويؤكل شيئا فشيئا فجرى مجرى منافعها وركوبها ولأن اللبن يتجدد كل يوم والصوف والشعر عين موجودة دائمة في جميع الحول

فصل وأما صوفها فإن كان جزه أنفع لها مثل أن يكون في زمن الربيع تخف بجزه وتسمن جاز جزه ويتصدق به وإن كان لا يضر بها لقرب مدة الذبح أو كان بقاؤه أنفع لها لكونه يقيها الحر والبرد لم يجز له أخذه كما أنه ليس له أخذ بعض أجزائها

مسألة

قال ( وإيجابها أن يقول هي أضحية )

وجملة ذلك أن الذي تجب به الأضحية وتتعين به هو القول دون النية وهذا منصوص الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة إذا اشترى شاة أو غيرها بنية الأضحية صارت أضحية لأنه مأمور بشراء أضحية فإذا اشتراها بالنية وقعت عنها كالوكيل

ولنا إنه إزالة ملك على وجه القربة فلا تؤثر فيه النية المقارنة للشراء كالعتق والوقف ويفارق البيع فإنه لا يمكنه جعله لموكله بعد إيقاعه وها هنا بعد الشراء يمكنه جعلها أضحية فأما إذا قال هذه أضحية واجبة كما يعتق العبد بقول سيده هذا حر ولو أنه قلدها أو أشعرها ينوي به جعلها أضحية لم تصر أضحية حتى ينطق به لما ذكرنا

مسألة

قال ( ولو أوجبها ناقصة ذبحها ولم تجزئه )

يعني إذا كانت ناقصة ناقصا يمنع الإجزاء فأوجبها وجب عليه ذبحها لأن إيجابها كالنذر لذبحها فيلزمه الوفاء به ولأن إيجابها كنذر هدي من غير بهيمة الأنعام فإنه يلزمه الوفاء به ولا يجزئه عن الأضحية المشروعة ولا تكون أضحية لقول النبي صلى الله عليه وسلم أربع لا تجزىء في الأضاحي ولكنه يذبحها ويثاب على ما يتصدق به منها كما يثاب على الصدقة


354

بما لا يصلح أن يكون هديا وكما لو أعتق عن كفارته عبدا لا يجزىء في الكفارة إلا أنه ها هنا لا يلزمه بدلها لأن الأضحية في الأصل غير واجبة ولم يوجد منه ما يوجبها وإن كانت الأضحية واجبة عليه مثل من نذر أضحية في ذمته أو أتلف أضحيته التي أوجبها لم تجزئه هذه عما في ذمته فإن زال عيبها كأن كانت عجفاء فزال عجفها أو مريضة فبرأت أو عرجاء فزال عرجها فقال القاضي قياس المذهب أنها تجزىء وقال أصحاب الشافعي لا تجزىء لأن الاعتبار بحال إيجابها ولأن الزيادة فيها كانت للمساكين كما أن نقصها بعد إيجابها عليهم لايمنع من كونها أضحية

ولنا إن هذه أضحي يجزىء مثلها فيجزىء كما لو لم يوجبها إلا بعد زوال عينها

مسألة

قال ( ولا تباع أضحية الميت في دينه ويأكلها ورثته )

يعني إذا أوجب أضحية ثم مات لم يجز بيعها وإن كان على الميت دين لا وفاء له وبهذا قال أبو ثور ويشبه مذهب الشافعي وقال الأوزاعي إن ترك دينا لا وفاء له إلا منها بيعت فيه وقال مالك إن تشاجر الورثة فيها باعوها

ولنا إنه تعين ذبحها فلم يصح بيعها في دينه كما لو كان حيا

إذا ثبت هذا فإن ورثته يقومون مقامه في الأكل والصدقة والهدية لأنهم يقومون مقام موروثهم فيما له وعليه

فصل واختلفت الرواية هل تجوز التضحية عن اليتيم من ماله فروي أنه ليس للولي ذلك لأنه إخراج شيء من ماله بغير عوض فلم يجز كالصدقة والهدية وهذا مذهب الشافعي وروي أن للولي أن يضحي عنه إذا كان موسرا وهذا قول أبي حنيفة ومالك قال مالك إذا كان له ثلاثون دينارا يضحي عنه بالشاة بنصف دينار لأنه إخراج مال يتعلق بيوم العيد فجاز إخراجه من مال اليتيم كصدقة الفطر فعلى هذا يكون إخراجها من ماله على سبيل التوسعة عليه والتطييب لقلبه وإشراكه لأمثاله في مثل هذا اليوم كما يشتري له الثياب الرفيعة للتجمل والطعام الطيب ويوسع عليه في النفقة وإن لم يجب ذلك ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في الروايتين على حالين فالموضع الذي منع التضحية إذا كان اليتيم طفلا لا يعقل التضحية ولا يفرح بها ولا يكسر قلبه بتركها لعدم الفائدة فيها فيحصل إخراج ثمنها تضييع مال لا فائدة فيه والموضع الذي أجازها إذا كان اليتيم يعقلها وينجبر قلبه بها وينكسر بتركها لحصول الفائدة منها والضرر بتفويتها واستدل أبو الخطاب بقول أحمد يضحي عنه على وجوب الأضحية والصحيح إن شاء الله تعالى ما ذكرناه وعلى كل حال متى ضحى عن اليتيم لم يتصدق بشيء منها ويوفرها لنفسه لأنه لا يجوز الصدقة بشيء من مال اليتيم تطوعا

مسألة

قال ( والاستحباب أن يأكل ثلث أضحيته ويهدي ثلثها ويتصدق بثلثها ولو أكل أكثر جاز )

قال أحمد نحن نذهب إلى حديث عبدالله يأكل هو الثلث ويطعم من أراد الثلث ويتصدق على المساكين


355

بالثلث قال علقمة بعث معي عبدالله بهدية فأمرني أن آكل ثلثا وأن أرسل إلى أهل أخيه عتبة بثلث وأن أتصدق بثلث وعن ابن عمر قال الضحايا والهدايا ثلث لك وثلث لأهلك وثلث للمساكين وهذا قول إسحاق وأحد قولى الشافعي وقال في الآخر يجعلها نصفين يأكل نصفا ويتصدق بنصف لقول الله تعالى فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير الحج 28

وقال أصحاب الرأي ما كثر من الصدقة فهو أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة وأمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكل هو وعلي من لحمها وحسيا من مرقها ونحر بدنات أو ست بدنات وقال من شاء فليقطع ولم يأكل منهن شيئا

ولنا ما روي عن ابن عباس في صفة أضحية النبي صلى الله عليه وسلم قال ويطعم أهل بيته الثلث ويطعم فقراء جيرانه الثلث ويتصدق على السؤال بالثلث رواه الحافط أبو موسى الأصفهاني في الوظائف وقال حديث حسن ولأنه قول ابن مسعود وابن عمر ولم نعرف لهما مخالفا في الصحابة فكان إجماعا ولأن الله تعالى قال فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر الحج 26

والقانع السائل يقال قنع قنوعا إذا سأل وقنع قناعة إذا رضي قال الشاعر لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعف من القنوع والمعتر الذي يعتريك أي يتعرض لك لتطعمه فلا يسأل فذكر ثلاثة أصناف فينبغي أن يقسم بينهم أثلاثا وأما الآية التي احتج بها أصحاب الشافعي فإن الله تعالى لم يبين قدر المأكول منها والمتصدق به وقد نبه عليه في آيتنا وفسره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وابن عمر بقوله وابن مسعود بأمره وأما خبر أصحاب الرأي فهو في الهدي والهدي يكثر فلا يتمكن الإنسان من قسمه وأخذ ثلثه فتتعين الصدقة بها والأمر في هذا واسع فلو تصدق بها كلها أو بأكثرها جاز وإن أكلها كلها إلا أوقية تصدق بها جاز وقال أصحاب الشافعي يجوز أكلها كلها

ولنا إن الله تعالى قال فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر الحج 36 وقال وأطعموا البائس الفقير الحج

والأمر يقتضي الوجوب وقال بعض أهل العلم يجب الأكل منها ولا تجوز الصدقة بجميعها للأكل منها

ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر خمس بدنات ولم يأكل منهن شيئا وقال من شاء فليقتطع لأنها ذبيحة يتقرب إلى الله تعالى بها فلم يجب الأكل منها كالعقيقة والأمر للاستحباب أو للإباحة كالأمر بالأكل من الثمار والزرع والنظر إليها

فصل ويجوز إدخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث في قول عامة أهل العلم ولم يجزه علي ولا ابن عمر رضي الله عنهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث


356

ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال كنت نهيتكم عن إدخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم رواه مسلم

وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما نهيتكم للذاقة التي ذفت فكلوا وتزودوا وتصدقوا وادخروا وقال أحمد فيه أسانيد صحاح فأما علي وابن عمر فلم يبلغهما ترخيص رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كانوا سمعوا النهي فرووا على ما سمعوا

فصل ويجوز أن يطعم منها كافرا وقال الحسن وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال مالك غيرهم أحب إلينا وكره مالك والليث إعطاء النصراني جلد الأضحية

ولنا إنه طعام له أكله فجاز إطعامه للذمي كسائر طعامه ولأنه صدقة تطوع فجاز إطعامها الذمي والأسير كسائر صدقة التطوع فأما الصدقة الواجبة منها فلا يجزىء دفعها إلى كافر لأنها صدقة واجبة فأشبهت الذكاة وكفارة اليمين

مسألة

قال ( ولا يعطى الجازر بأجرته شيئا منها )

وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي ورخص الحسن وعبدالله بن عبيد بن عمير في إعطائه الجلد

ولنا ما روى علي رضي الله عنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أقسم جلودها وجلالها وأن لا أعطي الجازر شيئا منها وقال نحن نعطيه من عندنا متفق عليه ولأن ما يدفعه إلى الجزار أجرة عوض عن عمله وجزارته ولا تجوز المعاوضة لشيء منها فأما إن دفع إليه لفقره أو على سبيل الهدية فلا بأس لأنه مستحق للأخذ فهو كغيره بل هو أولى لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها

مسألة

قال ( وله أن ينتفع بجلدها ولا يجوز أن يبيعه ولا شيئا منها )

وجملة ذلك أنه لا يجوز بيع شيء من الأضحية لا لحمها ولا جلدها واجبة كانت أو تطوعا لأنها تعينت بالذبح قال أحمد لا يبيعها ولا يبيع شيئا منها وقال سبحان الله كيف يبيعها وقد جعلها لله تبارك وتعالى وقال الميموني قالوا لأبي عبدالله فجلد الأضحية يعطاه السلاخ قال وحكي قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يعطى الجازر في جزارتها شيئا منها

ثم قال إسناده جيد وبهذا قال أبو هريرة وهو مذهب الشافعي

ورخص الحسن والنخعي في الجلد أن يبيعه ويشتري به الغربال والمنخل وآلة البيت وروي نحو هذا عن الأوزاعي لأنه ينتفع به هو وغيره فجرى مجرى تفريق اللحم وقال أبو حنيفة يبيع ما شاء منها ويتصدق بثمنه وروي عن ابن عمر أنه يبيع الجلد ويتصدق بثمنه وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق

ولنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقسم جلودها وجلالها ونهيه فهو أن يعطى الجازر شيئا منها

ولأنه جعله لله تعالى فلم يجز بيعه كالوقف وما ذكروه في شراء آلة البيت يبطل باللحم لا يجوز بيعه بآلة البيت وإن كان ينتفع به فأما جواز الانتفاع


357

بجلودها وجلالها فلا خلاف فيه لأنه جزء منها فجاز للمضحي الانتفاع به كاللحم وكان علقمة ومسروق يدبغان جلد أضحيتهما يصليان عليه

وروت عائشة قالت قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانوا ينتفعون من ضحاياهم يحملون منها الودك ويتخذون منها الأسقية قال وما ذاك قالت نهيت عن إمساك لحوم الأضاحي فوق ثلاث قال إنما نهيتكم للذاقة التي ذفت فكوا وتزودوا وتصدقوا حديث صحيح رواه مالك عن عبدالله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها ولأنه انتفاع به فجاز كلحمها

مسألة

قال ( ويجوز أن يبدل الأضحية إذا أوجبها بخير منها )

هذا المنصوص عن أحمد وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة ومالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن واختار أبو الخطاب أنه لا يجوز بيعها ولا إبدالها لأن أحمد نص في الهدي إذا عطب أنه يجزىء عنه وفي الأضحية أنه إذا هلكت أو ذبحها فسرقت لا بدل عليه ولو كان ملكه ما زال عنها لزمه بدلها في هذه المسائل وهذا مذهب أبي يوسف والشافعي وأبي ثور لأنه قد جعلها لله تعالى فلم يملك التصرف فيها بالبيع والابدال كالوقف

ولنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ساق مائة بدنة في حجته وقدم علي من اليمن فأشركه فيها

رواه مسلم

وهذا نوع من الهبة أو بيع ولأنه عدل عن عين وجبت لحق الله تعالى إلى خير منها من جنسها فجاز كما لو وجبت عليه بنت لبون فأخرج حقه في الزكاة فأما بيعها فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز وقال القاضي يجوز أن يبيعها ويشتري خيرا منها وهو قول عطاء ومجاهد وأبي حنيفة لما ذكرنا من حديث بدن النبي صلى الله عليه وسلم وإشراكه فيها ولأن ملكه لم يزل عنها بدليل جواز إبدالها ولأنها عين يجوز إبدالها فجاز بيعها كما قبل إيجابها

ولنا أنه جعلها لله تعالى فلم يجز بيعها كالوقف وإنما جاز إبدالها بجنسها لأنه لم يزل الحق فيها عن جنسها وإنما انتقل إلى خير منها فكأنه في المعنى ضم زيادة إليها وقد جاز إبدال المصحف ولم يجز بيعه

وأما حديث النبي صلى الله عليه وسلم فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعها وإنما شرك عليا في ثوابها وأجرها ويحتمل أن ذلك كان قبل إيجابها وقول الخرقي بخير منها يدل على أنه لا يجوز بدونها ولا خلاف في هذا لأنه تفويت جزء منها فلم يجز كإتلافه وأنه لا يجوز بمثلها لعدم الفائدة في هدا وقال القاضي في إبدالها بمثلها احتمالان أحدهما جوازه لأنه لا ينقص مما وجب عليه شيء

ولنا إنه يغير ما أوجبه لغير فائدة فلم يجز كإبداله بما دونها

مسألة

قال ( وإذا مضى نهار يوم الأضحى مقدار صلاة العيد وخطبته فقد حل الذبح إلى


358

آخر يومين من أيام التشريق نهارا ولا يجوز ليلا )

الكلام في وقت الذبح في ثلاثة أشياء

أوله وآخره وعموم وقته أو خصوصه

أما أوله فظاهر كلام الخرقي أنه إذا مضى من نهار يوم العيد قدر تحل فيه الصلاة وقدر الصلاة والخطبتين تامتين في أخف ما يكون فقد حل وقت الذبح ولا يعتبر نفس الصلاة لا فرق في هذا بين أهل المصر وغيرهم وهذا مذهب الشافعي ابن المنذر وظاهر كلام أحمد أن من شرط جواز التضحية في حق أهل المصر صلاة الإمام وخطبته

وروي نحو هذا عن الحسن والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة وإسحاق لما روى جندب بن عبدالله البجلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى

وعن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى متفق عليه وفي لفظ قال إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح فمن ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم قدمها لأهله ليس من النسك في شيء وظاهر هذا اعتبار نفس الصلاة

وقال عطاء وقتها إذا طلعت الشمس لأنها عبادة يتعلق آخرها بالوقت فتلعق أولها بالوقت كالصيام وهذا وجه قول الخرقي ومن وافقه والصحيح إن شاء الله تعالى أن وقتها في الموضع الذي يصلي فيه بعد الصلاة لظاهر الخبر والعمل بظاهره أولى

فأما غير أهل الأمصار والقرى فأول وقتها في حقهم قدر الصلاة والخطبة بعد الصلاة لأنه لا صلاة في حقهم تعتبر فوجب الاعتبار بقدرها وقال أبو حنيفة أول وقتها في حقهم إذا طلع الفجر الثاني لأنه من يوم النحر فكان وقتها منه كسائر اليوم

ولنا إنها عبادة وقتها في حق أهل المصر بعد إشراق الشمس فلا تتقدم وقتها في حق غيرهم كصلاة العيد وما ذكروه يبطل بأهل الأمصار فإن لم يصل الإمام في المصر لم يجز الذبح حتى تزول الشمس لأنها حينئذ تسقط فكأنه قد صلى وسواء ترك الصلاة عمدا أو غير عمد لعذر أو غيره فأما الذبح في اليوم الثاني فهو في أول النهار لأن الصلاة فيه غير واجبة

ولأن الوقت قد دخل في اليوم الأول وهذا من أثنائه فلا تعتبر فيه صلاة ولا غيرها وإن صلى الإمام في المصلى واستخلف من صلى في المسجد فمتى صلوا في أحد الموضعين جاز الذبح لوجود الصلاة التي يسقط بها الفرض عن سائر الناس فإن ذبح بعد الصلاة قبل الخطبة أجزأ في ظاهر كلام أحمد لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق المنع على فعل الصلاة فلا يتعلق بغيره ولأن الخطبة غير واجبة وهذا قول الثوري

الثاني آخر الوقت وآخره آخر اليوم الثاني من أيام التشريق فتكون أيام النحر ثلاثة يوم العيد ويومان بعده وهذا قول عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس قال أحمد أيام النحر ثلاثة عن غير واحد


359

من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية قال خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر أنسا وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة

وروي عن علي أخره آخر أيام التشريق وهو مذهب بالشافعي وقول عطاء والحسن لأنه روي عن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيام منى كلها منحر ولأنها أيام تكبير وإفطار فكانت محلا للنحر كالأولين

وقال ابن سيرين لا تجوز إلا في يوم النحر خاصة لأنها وظيفة عيد فلا تجوز إلا في يوم واحد كأداء الفطرة يوم الفطر

وقال سعيد بن جبير وجابر بن زيد كقول ابن سيرين في أهل الأمصار وقولنا في أهل منى وعن أبي سلمة بن عبدالرحمن وعطاء بن يسار تجوز التضحية إلى هلال محرم وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف كان الرجل من المسلمين يشتري أضحية فيسمنها حتى يكون آخر ذي الحجة فيضحي بها

رواه الأمام أحمد بإسناده

وقال هذا الحديث عجيب وقال أيام الأضحى التي أجمع عليها ثلاثة أيام

ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ادخار الأضاحي فوق ثلاث ولا يجوز الذبح في وقت لا يجوز ادخار الأضحية إليه ولأن اليوم الرابع لا يجب الرمي فيه فلم تجز التضحية فيه كالذي بعده ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم إلا رواية عن علي وقد روي عنه مثل مذهبنا وحديثهم إنما هو ومنى كلها منحر ليس فيه ذكر الأيام والتكبير أعم من الذبح وكذلك الإفطار بدليل أول يوم النحر ويوم عرفة يوم تكبير ولا يجوز الذبح فيه

الثالث في زمن الذبح وهو النهار دون الليل نص عليه أحمد في رواية الأثرم وهو قول مالك وروي عن عطاء ما يدل عليه وحكي عن أحمد رواية أخرى أن الذبح يجوز ليلا وهو اختيار أصحابنا المتأخرين وقول الشافعي وإسحاق وأبي حنيفة وأصحابه لأن الليل زمن يصح فيه الرمي فأشبه النهار

ووجه قول الخرقي قول الله تعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام الحج 28 وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الذبح بالليل ولأنه ليل يوم يجوز الذبح فيه فأشبه ليلة يوم النحر ولأن الليل تتعذر فيه تفرقة اللحم في الغالب فلا يفرق طريا فيفوت بعض المقصود ولهذا قالوا يكره الذبح فيه فعلى هذا إن ذبح ليلا لم يجزئه عن الواجب وإن كان تطوعا فذبحها كانت شاة لحم ولم تكن أضحية فإن فرقها حصلت القربة بتفريقها دون ذبحها

فصل إذا فات وقت الذبح ذبح الواجب قضاء وصنع به ما يصنع بالمذبوح في وقته وهو مخير في التطوع فإن فرق لحمها كانت القربة بذلك دون الذبح لأنها شاة لحم وليست أضحية وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يسلمها إلى الفقراء ولا يذبحها فإن ذبحها فرق لحمها وعليه أرش ما نقصها الذبح لأن الذبح قد سقط بفوات وقته


360

ولنا أن الذبح أحد مقصودي الأضحية فلا يسقط بفوات وقته كتفرقة اللحم وذلك أنه لو ذبحها في الأيام ثم خرجت قبل تفريقها فرقها بعد ذلك

ويفارق الوقوف والرمي ولأن الأضحية لا تسقط بفواتها بخلاف ذلك

فصل وإذا وجبت الأضحية بإيجابه لها فضلت أو سرقت بغير تفريط منه فلا ضمان عليه لأنها أمانة في يده فإن عادت إليه ذبحها سواء كان في زمن الذبح أو فيما بعده على ما ذكرناه

مسألة

قال ( وإن ذبح قبل ذلك لم يجزئه ولزمه البدل )

وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى ولأنها نسيكة واجبة ذبحها قبل وقتها فلزمه بدلها كالهدي إذا ذبحه قبل محله ويجب أن يكون بدلها مثلها أو خيرا منها لأن ذبحها قبل محلها إتلاف لها وكلام الخرقي ومن أطلق من أصحابنا محمول على الأضحية الواجبة بنذر أو تعيين فإن كانت غير واجبة بواحد من الأمرين فهي شاة لحم ولا بدل عليه إلا أن يشاء لأنه قصد التطوع فأفسده فلم يجب عليه بدله كما لو خرج بصدقة تطوع فدفعها إلى غير مستحقها والحديث يحمل على أحد أمرين أما الندب وأما على التخصيص بمن وجبت عليه بدليل ما ذكرنا

فأما الشاة المذبوحة فهي شاة لحم كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه يصنع بها ما شاء كشاة ذبحها للحمها لا لغير ذلك فإن هذه إن كانت واجبة فقد لزمه إبدالها وذبح ما يقوم مقامها فخرجت هذه عن كونها واجبة كالهدي الواجب إذا عطب دون محله وإن كان تطوعا فقد أخرجها بذبحه إياها قبل محلها عن القربة فبقيت مجرد شاة لحم

ويحتمل أن يكون حكمها حكم الأضحية كالهدي إذا عطب لا يخرج عن حكم الهدي على رواية ويكون معنى قوله شاة لحم أي في فضلها وثوابها خاصة دون ما يصنع بها

مسألة

قال ( ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم وأن ذبحها بيده كان أفضل ) وجملته أنه يستحب أن لا يذبح الأضحية إلا مسلم لأنها قربة فلا يليها غير أهل القربة وأن استناب ذميا في ذبحها جاز مع الكراهة

وهذا قول الشافعي وأبي ثور وابن المنذر

وحكي عن أحمد لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم

وهذا قول مالك وممن كره ذلك علي وابن عباس وجابر رضي الله عنهم وبه قال الحسن وابن سيرين

وقال جابر لا يذبح النسك إلا مسلم لما روى في حديث ابن عباس الطويل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يذبح ضحاياكم إلا طاهر ولأن الشحوم تحرم علينا مما يذبحونه على رواية فيكون ذلك بمنزلة إتلافه

ولنا إن من جاز له ذبح غير الأضحية جاز له ذبح الأضحية كالمسلم ويجوز أن يتولى الكافر ما كان قربة للمسلم كبناء المساجد والقناطر

ولا نسلم تحريم الشحوم علينا بذبحهم والحديث محمول على الاستحباب والمستحب أن يذبحها المسلم ليخرج من الخلاف

وإن ذبحها بيده كان أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أقرنين


361

أملحين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما ونحر البدنات الست بيده ونحر من البدن التي ساقها في حجته ثلاثا وستين بدنة بيده ولأن فعله قربة وفعل القربة أولى من استنابته فيها فإن استناب فيها جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم استناب من نحر باقي بدنه بعد ثلاث وستين وهذا لا شك فيه

ويستحب أن يحضر ذبحها لأن في حديث ابن عباس الطويل ( واحضروها إذا ذبحتم فإنه يغفر لكم عند أول قطرة من دمها ) وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة احضري أضحيتك يغفر لك بأول قطرة من دمها مسألة قال ( ويقول عند الذبح بسم الله والله أكبر وإن نسي فلا يضره ) ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح قال بسم الله والله وأكبر وفي حديث أنس وسمى وكبر

وكذلك كان يقول ابن عمر وبه يقول أصحاب الرأي ولا نعلم في استحباب هذا خلافا ولا في أن التسمية مجزئة وإن نسى التسمية أجزأه ما ذكرنا في الذبائح وإن زاد فقال اللهم هذا منك ولك اللهم تقبل مني أو من فلان فحسن وبه قال أكثر أهل العلم

وقال أبو حنيفة يكره أن يذكر اسم غير الله لقول الله تعالى وما أهل لغير الله به المائدة 3

ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بكبش له ليذبحه فأضجعه ثم قال اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد ثم ضحى رواه مسلم وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم منك ولك عن محمد وأمته بسم الله والله أكبر ثم ذبح وهذا نص لا يعرج على خلافه

مسألة

قال ( وليس عليه أن يقول عند الذبح عمن لأن النية تجزىء ) لا أعلم خلافا في أن النية تجزىء وإن ذكر من يضحي عنه فحسن لما روينا من الحديث قال الحسن يقول بسم الله والله أكبر هذا منك ولك تقبل من فلان وكره أهل الرأي هذا وقد ذكرناه في التي قبلها

فصل وان عين أضحية فذبحها غيره بغير إذنه أجزأت عن صاحبها

ولا ضمان على ذابحها

وبهذا قال أبو حنيفة وقال مالك هي شاة لحم لصاحبها أرشها وعليه بدلها لأن الذبح عبادة فإذا فعلها غير صاحبها عنه بغير إذنه لم تقع الموقع كالزكاة

وقال الشافعي تجزىء عن صاحبها وله على ذابحها أرش ما بين قيمتها صحيحة ومذبوحة

لأن الذبح أحد مقصودي الهدي فإذا فعله فاعل بغير إذن المضحي ضمنه كتفرقة اللحم

ولنا على مالك أنه فعل لا يفتقر إلى النية فإذا فعله غير الصاحب أجزأ عنه كغسل ثوبه من النجاسة وعلى الشافعي أنها أضحية أجزأت عن صاحبها ووقعت موقعها فلم يضمن ذابحها كما لو كان بإذن ولأنه إراقة دم تعين إراقته لحق الله تعالى فلم يضمن مريقه كقاتل المرتد بغير إذن الإمام ولأن الأرش لو وجب فإنما يجب ما بين كونها مستحقة الذبح في هذه الأيام متعينة له وما بين كونها مذبوحة ولا قيمة لهذه الحياة ولا تفاوت بين القيمتين فتعذر


362

وجود الأرش ووجوبه لأنه لو وجب الأرش لم يخل إما أن يجب للمضحي أو للفقراء لا جائز أن يجب للفقراء لأنهم إنما يستحقونها مذبوحة ولو دفعها إليهم في الحياة لم يجز ولا جائز أن يجب له لأنه لا يجوز أن يأخذ بدل شيء منها كعضو من أعضائها ولأنهم وافقونا في أن الأرش لا يدفع إليه فيتعذر إيجابه لعدم مستحقه

فصل وإن نذر أضحية في ذمته ثم ذبحها فله أن يأكل منها وقال القاضي من أصحابنا من منع الأكل منها وهو ظاهر كلام أحمد وبناه على الهدي المنذور

ولنا أن النذر محمول على المعهود والمعهود من الأضحية الشرعية ذبحها والأكل منها والنذر لا يغير من صفة المنذور إلا الإيجاب وفارق الهدي الواجب بأصل الشرع لا يجوز الأكل منه فالمنذور محمول عليه بخلاف الأضحية

فصل ولا يضحى عما في البطن وروي ذلك عن ابن عمر وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر ولا نعلم مخالفا لهم وليس للعبد والمدبر والمكاتب وأم الولد أن يضحوا إلا بإذن سادتهم لأنهم ممنوعون من التصرف بغير إذنهم ألا المكاتب فإنه ممنوع من التبرع والأضحية تبرع وأما من نصفه حر إذا ملك بجزئه الحر شيئا فله أن يضحي بغير إذن سيده لأن له أن يتبرع بغير إذنه

مسألة

قال ( ويجوز أن يشترك السبعة فيضحوا بالبدنة والبقرة )

وجملته أنه يجوز أن يشترك في التضحية بالبدنة والبقرة وسبعة واجبا كان أو تطوعا سواء كانوا كلهم متقربين أو يريد بعضهم القربة وبعضهم اللحم وبهذا قال الشافعي وقال مالك لا يجوز الاشتراك في الهدي

وقال أبو حنيفة يجوز للمتقربين ولا يجوز إذا كان بعضهم غير متقرب لأن الذبح واحد فلا يجوز أن تختل نية القربة فيه

ولنا ما روى جابر قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقرة كل سبعة منا في بدنة رواه مسلم

ولنا على أبي حنيفة أن الجزء المجزىء لا ينقص بإرادلا الشريك غير القربة فجاز كما لو اختلفت جهات القرب فأراد بعضهم التضحية وبعضهم الفدية

فصل ويجوز للمشتركين قسمة اللحم ومنع منه أصحاب الشافعي في وجه بناء على أن القسمة بيع وبيع لحم الهدي والأضحية غير جائز

ولنا إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاشتراك مع أن سنة الهدي والأضحية الأكل منها دليل على تجويز القسمة إذ لا يتمكن واحد منهم من الأكل إلا بالقسمة وكذلك الصدقة والهدية ولا نسلم أن القسمة بيع هي إفراز حق على ما ذكرنا في باب القسمة

مسألة

قال ( والعقيقة سنة عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ) العقيقة الذبيحة التي تذبح عن المولود وقيل هي الطعام الذي يصنع ويدعى إليه من أجل المولود قال أبو عبيد


363

الأصل في العقيقة الشعر الذي على المولود وجمعها عقائق ومنها قول الشاعر أيا هند لا تنكحي بوهة عليه عقيقته أحسبا ثم إن العرب سمت الذبيحة عند حلق شعره عقيقة على عاداتهم في تسمية الشيء باسم سببه أو ما جاوره ثم اشتهر ذلك حتى صار من الأسماء العرفية وصارت الحقيقة مغمورة فيه فلا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة وقال ابن عبد البر أنكر أحمد هذا التفسير وقال إنما العقيقة الذبح نفسه

ووجهه أن أصل العق القطع ومنه عق والديه إذا قطعهما والذبح قطع الحلقوم والمريء والودجين والعقيقة سنة في قول عامة أهل العلم منهم ابن عباس وابن عمر وعائشة وفقهاء التابعين وأئمة الأمصار ألا أصحاب الرأي قالوا ليست سنة وهي من أمر الجاهلية وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن العقيقة فقال إن الله تعالى لا يحب العقوق فكأنه كره الاسم وقال ومن ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل رواه مالك في موطئه وقال الحسن وداود هي واجبة وروي عن بريدة أن الناس يعرضون عليها كما يعرضون على الصلوات الخمس لما روي سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قالكل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه وتحلق رأسه وعن أبي هريرة مثله قال أحمد إسناده جيد وروى حديث سمرة الأثرم وأبو داود وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة وظاهر الأمر الوجوب

ولنا على استحبابها هذه الأحاديث وعن أم كرز الكعيبة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة وفي عن الغلام شاتان مثلان وعن الجارية شاة رواه أبو داود وفي رواية قال العقيقة عن الغلام شاتان والإجماع قال أبو الزناد العقيقة من أمر الناس كانوا يكرهون تركه وقال أحمد العقيقة سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عق عن الحسن والحسين وفعله وأصحابه وقال النبي صلى الله عليه وسلم الغلام مرتهن بعقيقته وهو إسناد جيد يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وجعلها أبو حنيفة من أمر الجاهلية وذلك لقلة علمه ومعرفته بالأخبار وأما بيان كونها غير واجبة فدليله ما احتج به أصحاب الرأي من الخبر وما رووه محمول على تأكيد الاستحباب جمعا بين الأخبار ولأنها ذبيحة لسرور حادث فلم تكن واجبة كالوليمة والنقيعة

فصل والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمتها نص عليه أحمد وقال إذا لم يكن عنده ما يعق فاستقرض رجوت أن يخلف الله عليه إحياء سنة قال ابن المنذر صدق إحياء السنن واتباعها أفضل وقد ورد فيها من التأكيد في الأخبار التي رويناها ما لم يرد في غيرها ولأنها ذبيحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها فكانت أولى كالوليمة والأضحية

مسألة

قال ( عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة )


364

هذا قول أكثر القائلين بها وبه قال ابن عباس وعائشة والشافعي وإسحاق وأبو ثور وكان ابن عمر شاة شاة عن الغلام والجارية لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عق عن الحسن شاة وعن الحسين شاة رواه أبو داود وكان الحسن وقتادة لا يريان عن الجارية عقيقة لأن العقيقة شكر للنعمة الحاصلة بالولد والجارية لا يحصل بها سرور فلا يشرع لها عقيقة

ولنا حديث عائشة وأم كرز وهذا نص وما رووه محمول على الجواز

إذا ثبت هذا فالمستحب أن تكون الشاتان متماثلتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم شاتان متكافئتان وفي رواية مثلان قال أحمد يعني متقاربتين أو متساويتين لما جاء من الحديث فيه ويجوز فيها الذكر والأنثى لما روي في حديث أم كرز أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة ولا بأس أن يكون ذكورا وإناثا رواه سعيد وأبو داود والذكر أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين بكبش كبش وضحى بكبشين أقرنين والعقيقة تجري مجرى الأضحية والأفضل في لونها البياض على ما ذكرنا في الأضحية لأنها تشبهها ويستحب استسمانها واستعظامها واستحسانها كذلك وإن خالف ذلك أو عق بكبش واحد أجزأ لما روينا من حديث الحسن والحسين

مسألة

قال ( ويذبح يوم السابع )

قال أصحابنا السنة أن تذبح يوم السابع فإن فات ففي أربع عشرة فإن فات ففي إحدى وعشرين ويروى هذا عن عائشة وبه قال إسحاق وعن مالك في الرجل يريد أن يعق عن ولده فقال ما علمت هذا من أمر الناس وما يعجبني ولا نعلم خلافا بين أهل العلم القائلين بمشروعيتها في استحباب ذبحها يوم السابع والأصل فيه حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه وأما كونه في أربع عشرة ثم في إحدى وعشرين فالحجة فيه قول عائشة رضي الله عنها وهذا تقدير الظاهر أنها لا تقوله ألا توقيفا وإن ذبح قبل ذلك أو بعده أجزأه لأن المقصود يحصل وإن تجاوز أحدا وعشرين احتمل أن يستحب في كل سابع فيجعله في ثمانية وعشرين فإن لم يكن ففي خمسة وثلاثين وعلى هذا قياسا على ما قبله واحتمل أن يجوز في كل وقت لأن هذا قضاء فائت فلم يتوقف كقضاء الأضحية وغيرها وإن لم يعق أصلا فبلغ الغلام وكسب فلا عقيقة عليه وسئل أحمد عن هذه المسألة فقال ذلك على الوالد يعني لا يعق عن نفسه لأن السنة في حق غيره وقال عطاء والحسن يعق عن نفسه لأنها مشروعة عنه ولأنه مرتهن بها فينبغي أن يشرع له فكاك نفسه

ولنا أنها مشروعة في حق الوالد فلا يفعلها غيره كالأجنبي كصدقة الفطر

فصل ويستحب أن يحلق رأس الصبي يوم السابع ويسمى لحديث سمرة وإن تصدق بزنة شعره فضة فحسن لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة لما ولدت الحسن احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة


365

على المساكين والأوفاض يعني أهل الصفة رواه الإمام أحمد وروى سعيد في سننه عن محمد بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين بكبش كبش وأنه تصدق بوزن شعورهما ورقا وأن فاطمة كانت إذا ولدت ولدا حلقت شعره وتصدقت بوزنه ورقا وإن سماه قبل السابع جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولد الليلة لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم وسمى الغلام الذي جاءه به أنس بن مالك فحنكه وسماه عبدالله ويستحب أن يحسن اسمه لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم وقال عليه السلام أحب الأسماء إلي عبدالله وعبد الرحمن حديث صحيح

وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال أحب الأسماء إلى الله تعالى أسماء الأنبياء وقال النبي صلى الله عليه وسلم تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي وفي رواية لا تجمعوا بين اسمي وبين كنيتي

فصل ويكره أن يلطخ رأسه بدم كره ذلك أحمد والزهري ومالك الشافعي وابن المنذر وحكي عن الحسن وقتادة أنه مستحب لما روي في حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويدمى رواه همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا قال هذا إلا الحسن وقتادة وأنكره سائر أهل العلم وكرهوه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مع الغلام عقيقته فهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى رواه أبو داود وهذا يقتضي أن لا يمس بدم لأنه أذى

وروي يزيد بن عبد المزني عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يعتق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم قال مهنا ذكرت هذا الحديث لأحمد فقال ما أظرفه ورواه ابن ماجة ولم يقل عن أبيه ولأن هذا تنجيس له فلا يشرع كلطخه بغيره من النجاسات

وقال بريدة كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ويلطخ رأسه بدمها فلما جاء الإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران رواه أبو داود فأما رواية من روى ويدمى فقال أبو داود ويسمى هكذا قال سلام بن أبي مطيع عن قتادة وإياس بن دغفل عن الحسن ووهم همام فقال ويدمى قال أحمد قال فيه ابن أبي عروبة يسمى وقال همام ويدمى وما أراه إلا أخطأ وقد قيل هو تصحيف من الراوي

مسألة

قال ( ويجتنب فيها من العيب ما يجتنب في الأضحية )

وجملته أن حكم العقيقة حكم الأضحية في سنها وأنه يمنع فيها من العيب ما يمنع فيها ويستحب فيها من الصفة ما يستحب فيها وكانت عائشة تقول أتوني به أعين أقرن وقال عطاء الذكر أحب إلي من الألأنثى والضأم أحب من المعز فلا يجزىء فيها أقل من الجزع من الضأن والثني من المعز ولا تجوز فيها العوراء البين عورها والعرجاء البين ضلعها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنفي والعضباء التي ذهب أكثر من نصف أذنها


366

أو قرنها وتكره فيها الشرقاء والخرفاء والمقابلة والمدابرة ويستحب استشراف العين والأذن كما ذكرنا في الأضحية سواء لأنها تشبهها فتقاس عليها

مسألة

قال ( وسبيلها في الأكل والهدية والصدقة سبيلها لا أنها تطبخ أجدالا )

وبهذا قال الشافعي وقال ابن سيرين اصنع بلحمها كيف شئت

وقال ابن جريج تطبخ بماء وملح وتهدى الجيران والصديق ولا يتصدق منها بشيء وسئل أحمد عنها فحكى قول ابن سيرين وهذا يدل على أنه ذهب إليه وسئل هل يأكلها قال لم أقل يأكلها كلها ولا يتصدق منها بشيء والأشبه قياسها على الأضحية لأنها نسيكة مشروعة غير واجبة فأشبهت الأضحية ولأنها أشبهتها في صفاتها وسنها وقدرها وشروطها فأشبهتها في مصرفها وإن طبخها ودعا إخوانه فأكلوه فحسن

ويستحب أن تفصل أعضاؤها ولا تكسر عظامها لما روي عن عائشة أنها قالت السنة شاتان مكافئتان عن الغلام وعن الجارية شاة تطبخ جدولا ولا يكسر عظم ويأكل ويطعم ويتصدق وذلك يوم السابع

قال أبو عبيد الهروي في العقيقة تطبخ جدولا لا يكسر لها عظم أي عضوا عضوا وهو الجدال بالدال غير المعجمة والأرب والشلو والعضو والوصل كله واحد وإنما فعل بها ذلك لأنها أول ذبيحة ذبحت عن المولود فاستحب فيها ذلك تفاؤلا بالسلامة وكذلك قالت عائشة وروي أيضا عن عطاء وابن جريج وبه قال الشافعي

فصل قال أحمد يباع الجلد والرأس والسقط ويتصدق به وقد نص في الأضحية على خلاف هذا وهو أقيس في مذهبه لأنها ذبيحة لله فلا يباع منها شيء كالهدي ولأنه تمكن الصدقة بذلك بعينه فلا حاجة إلى بيعه وقال أبو الخطاب يحتمل أن ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى فيخرج في المسألتين روايتان ويحتمل إن يفرق بينهما من حيث إن الأضحية ذبيحة شرعت يوم النحر فأشبهت الهدي والعقيقة شرعت عند سرور حادث وتجدد نعمة فأشبهت الذبيحة في الوليمة ولأن الذبيحة ها هنا لم تخرج عن ملكه فكان له أن يفعل بها ما شاء من بيع وغيره والصدقة بثمن ما بيع منها بمنزلة الصدقة به في فضلها وثوابها وحصول النفع به فكان له ذلك

فصل قال بعض أهل العلم يستحب للوالد أن يؤذن في أذن ابنه حين يولد لما روي عن عبدالله بن رافع عن أمه أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة وعن عمر بن عبدالعزيز أنه كان إذا ولد له مولود أخذه في خرقة فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى وسماه وروينا أن رجلا قال لرجل عند الحسن يهنئه بابن له ليهنك فارس فقال الحسن وما يدريك أنه فارس هو أو حمار فقال كيف نقول قال قل بورك في الموهوب وشكرت الواهب وبلغ أشده ورزقت بره وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحنك أولاد الأنصار بالتمر وروي أنس قال ذهبت بعبدالله بن أبي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد قال هل معك تمر فناولته تمرات فلاكهن ثم فغر فاه ثم مجه فيه فجعل يتلمظ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الأنصار التمر وسماه عبدالله


367

فصل قال أصحابنا لا تسن الفرعة ولا العتيرة وهو قول علماء الأمصار سوى ابن سيرين فإنه كان يذبح العتيرة في رجب ويروي فيها شيئا والفرعة والفرع بفتح الراء أول ولد الناقة كانوا يذبحونه لآلهتهم في الجاهلية فنهوا عنها قال ذلك أبو عمرو الشيباني وقال أبو عبيد العتيرة وهي الرجبية كان أهل الجاهلية إذا طلب أحدهم أمرا نذر أن يذبح من غنمه شاة في رجب وهي العتائر والصحيح إن شاء الله تعالى أنهم كانوا يذبحونها في رجب من غير نذر جعلوا ذلك سنة فيما بينهم كالأضحية في الأضحى وكان منهم من ينذرها كما قد تنذر الأضحية بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم على كل أهل بيت أضحاة وعتيرة وهذا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام تقرير لما كان في الجاهلية وهو يقتضي ثبوتها بغير نذر ثم نسخ ذلك بعد ولأن العتيرة لو كانت هي المنذورة لم تكن منسوخة فإن الإنسان لو نذر ذبح شاة في أي وقت كان لزمه الوفاء بنذره والله أعلم وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرعة من كل خمس واحدة قال ابن المنذر هذا حديث ثابت

ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا فرع ولا عتيرة متفق عليه وهذا الحديث متأخر عن الأمر بها فيكون ناسخا ودليل تأخره أمران أحدهما أن راويه أبو هريرة وهو متأخر الإسلام فإن إسلامه في سنة فتح خيبر وهي السنة السابعة من الهجرة

والثاني أن الفرع والعتيرة كان فعلهما أمرا متقدما على الإسلام فاظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه واستمرار النسخ من غير رفع له ولو قدرنا تقدم النهي على الأمر بها لكانت قد نسخت ثم نسخ ناسخها وهذا خلاف الظاهر

إذا ثبت هذا فإن المراد بالخبر نفي كونها سنة لا تحريم فعلها ولا كراهته فلو ذبح إنسان ذبيحة في رجب أو ذبح ولد الناقة لحاجته إلى ذلك أو للصدقة به وإطعامه لم يكن ذلك مكروها

والله تعالى أعلم


368

كتاب السبق والرامي

المسابقة جائزة بالسنة والإجماع

وأما السنة فروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق متفق عليه قال موسى بن عقبة من الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة أميال وقالسفيان من الثنية إلى مسجد بني زريق ميل أو نحوه وأجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة والمسابقة على ضربين مسابقة بغير عوض ومسابقة بعوض

فأما المسابقة بغير عوض فتجوز مطلقا من غير تقييد بشيء معين كالمسابقة على الأقدام والسفن والطيور والبغال والحمير والفيلة والمزاريق وتجوز المصارعة ورفع الحجر ليعرف الأشد وغير هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر مع عائشة فسابقته على رجلها فسبقته قالت فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال هذه بتلك رواه أبو داود وسابق سلمة بن الأكوع رجلا من الأنصار بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في يوم ذي قرد و صارع النبي صلى الله عليه وسلم ركانة فصرعه رواه الترمذي ومر بقوم يربعون حجرا يعني يرفعونه ليعرفوا الأشد منهم فلم ينكر عليهم وسائر المسابقة يقاس على هذا

وأما المسابقة بعوض فلا تجوز إلا بين الخيل والإبل والرمي لما سنذكره إن شاء الله تعالى واختصت هذه الثلاثة بتجويز العوض فيها لأنها من آلات الحرب المأمور بتعلمها وأحكامها والتفوق فيها وفي المسابقة بها مع العوض مبالغة في الاجتهاد في النهاية لها والأحكام لها وقد ورد الشرع بالأمر بها والترغيب في فعلها قال تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم الأنفال 60

وقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي وروى سعيد في سننه عن خالد بن زيد قال كنت رجلا راميا وكان عقبة بن عامر الجهني يمر بي فيقول يا خالد اخرج بنا نرم فلما كان ذات يوم أبطأت عنه فقال هلم أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة صانعه يحتسب في صنعه الخير والرامي به ومنبله ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا وليس من اللهو إلا ثلاث تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها وعن مجاهد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الملائكة لا تحضر من لهوكم إلا الرهان والنضال قال الأزهري النضال في الرمي والرهان في الخيل والسباق فيهما قال مجاهد ورأيت ابن عمر يشتد بين الهدفين إذا أصاب خصلة قال أنا بها وعن حذيفة مثله

مسألة

قال ( والسبق في النصل والحافر والخف لا غير )


369

السبق بسكون الباء المسابقة بفتحها الجعل المخرج في المسابقة والمراد بالنصل ها هنا السهم ذو النصل وبالحافر الفرس وبالخف البعير عبر عن كل واحد منها بجزء منه يختص به ومراد الخرقي أن المسابقة بعوض لا تجوز إلا في هذه الثلاثة وبهذا قال الزهري ومالك وقال أهل العراق يجوز ذلك في المسابقة على الأقدام والمصارعة لورود الأثر بهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم سابق عائشة وصارع ركانة ولأصحاب الشافعي وجهان كالمذهبين ولهم في المسابقة في الطيور وجهان بناء على الوجهين في المسابقة على الأقدام والمصارعة

ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر رواه أبو داود فنفي السبق في غير هذه الثلاثة ويحتمل أن يراد به نفي الجعل أي لا يجوز الجعل إلا في هذه الثلاثة ويحتمل أن يراد به نفي المسابقة بعوض فإنه يتعين حمل الخبر على أحد الأمرين للإجماع على جواز المسابقة بغير عوض في هذه الثلاثة وعلى كل تقدير فالحديث حجة لنا

ولأن غير هذه الثلاثة لا يحتاج إليها في الجهاد كالحاجة إليها فلم تجز المسابقة عليها بعوض كالرمي بالحجارة ورفعها

إذا ثبت هذا فالمراد بالنصل السهام من النشاب والنبل دون غيرهما والحافر الخيل وحدها والخف الإبل وحدها وقال أصحاب الشافعي تجوز المسابقة بكل ما له نصل من المزاريق وفي الرمح والسيف وجهان وفي الفيل والبغال والحمير وجهان لأن للمزاريق والرماح والسيوف نصلا وللفيلة خف وللبغال والحمير حوافر فتدخل في عموم الخبر

ولنا إن هذه الحيوانات المختلف فيها لا تصلح للكر والفر ولا يقاتل عليها ولا يسهم لها والفيل لا يقاتل عليه أهل الإسلام والرماح والسيوف لا يرمى بها فلم تجز المسابقة عليها كالبقر والتراس والخبر ليس بعام فيما تجوز المسابقة به لأنه نكرة في إثبات وإنما هو عام في نفي ما لا تجوز المسابقة به بعوض لكونه نكرة في سياق النفي ثم لو كان عاما لحمل على ما عهدت المسابقة عليه وورد الشرع بالحث على تعلمه وهو ما ذكرناه

مسألة

قال ( وإذا أرادا أن يستبقا أخرج أحدهما ولم يخرج الآخر فإن سبق من أخرج أحرز سبقه ولم يأخذ من المسبوق شيئا وإن سبق من لم يخرج أحرز سبق صاحبه )

وجملته أن المسابقة إذا كانت بين اثنين أو حزبين لم تخل إما أن يكون العوض منهما أو من غيرهما نظرت فإن كان من الإمام جاز سواء كان من ماله أو من بيت المال لأن في ذلك مصلحة وحثا على تعلم الجهاد ونفعا للمسلمين وإن كان غير إمام جاز له بدل العوض من ماله وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا يجوز بذل العوض من غير الإمام لأن هذا مما يحتاج إليه للجهاد فاختص به الإمام لتولية الولايات وتأمير الأمراء

ولنا إنه بذل لماله فيما فيه مصلحة وقربة فجاز كما لو اشترى به خيلا وسلاحا فأما إن كان منهما اشترط كون الجعل من أحدهما دون الآخر فيقول إن سبقتني فلك عشرة وإن سبقتك فلا شيء عليك فهذا جائز


370

وحكي عن مالك أنه لا يجوز لأنه قمار

ولنا إن أحدهما يختص بالسبق فجاز كما لو أخرجه الإمام ولا يصح ما ذكره لأن القمار أن لا يخلو كل واحد منهما من أن يغنم أو يغرم وها هنا لا خطر على أحدهما فلا يكون قمارا فإذا سبق المخرج أحرز سبقه ولا شيء له على صاحبه وإن سبق الآخر أخذ سبق المخرج فملكه وكان كسائر ماله لأنه عوض في الجعالة فيملك فيها كالعوض المجهول في رد الضالة والآبق وإن كان العوض في الذمة فهو دين يقضى به عليه ويجبر على تسليمه إن كان موسرا وإن أفلس ضرب به مع الغرماء

فصل والمسابقة عقد جائز ذكرهابن حامد وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر هو لازم إن كان العوض منهما وجائز إذا كان من أحدهما أو من غيرها وذكره القاضي احتمالا لأنه عقد من شرطه أن يكون العوض والمعوض معلومين فكان لازما كالإجارة

ولنا إنه عقد على ما لا تتحقق القدرة على تسليمه فكان جائزا كرد الآبق فإنه عقد على الإصابة ولا يدخل تحت قدرته وبهذا فارق الإجارة فعل هذا لكل واحد من المتعاقدين الفسخ قبل الشروع في المسابقة وإن أراد أحدهما الزيادة فيها أو النقصان منها لم يلزم الآخر إجابته وأما بعدالشروع في المسابقة فإن كان لم يظهر لأحدهما فضل على الآخر جاز الفسخ لكل واحد منهما وإن ظهر لأحدهما فضل مثل أن يسبقه بفرسه في بعض المسابقة أو يصيب بسهامه أكثر منه فللفاضل الفسخ ولا يجوز للمفضول لأنه لو جاز له ذلك لفات غرض المسابقة لأنه متى بان له سبق صاحبه له فسخها وترك المسابقة فلا يحصل المقصود وقال أصحاب الشافعي إذا قلنا العقد جائز ففي جواز الفسخ من المفضول وجهان فصل ويشترط أن يكون العوض معلوما لأنه مال في عقد فكان معلوما كسائر العقود ويكون معلوما بالمشاهدة أو بالقدر والصفة على ما تقدم في غير موضع ويجوز أن يكون حالا ومؤجلا كالعوض في البيع ويجوز أن يكون بعضه خالا وبعضه مؤجلا فلو قال إن نضلتني فلك دينار حال وقفيز حنطة بعد شهر جاز وصح النضال لأن ما جاز أن يكون حالا ومؤجلا جاز أن يكون بعضه حالا وبعضه مؤجلا كالثمن غير أنه يحتاج إلى صفة الحنطة بما تصير به معلومة

فصل فإن شرط أن يطعم السبق أصحابه فالشرط فاسد لأنه عوض على عمل فلا يستحقه غير العامل كالعوض في رد الآبق ولا يفسد العقد

وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يفسد

ولنا إنه عقد لا تقف صحته على تسمية بدل فلم يفسد بالشرط الفاسد كالنكاح وذكر القاضي أن الشروط الفاسدة في المسابقة تنقسم قسمين أحدهما ما يخل بشرط صحة العقد نحو أن يعود إلى جهالة العوض أو المسافة ونحوهما فيفسد العقد لأن العقد لا يصح مع فوات شرطه


371

والثاني ما لا يخل بشرط العقد نحو أن يشترط أن يطعم السبق أصحابه أو غيرهم أو يشترط أنه إذا نضل لا يرمي أبدا أو لا يرمي شهرا أو شرطا أن لكل واحد منهما أو لأحدهما فسخ العقد متى شاء بعد الشروع في العمل وأشباه هذا فهذه شروط باطلة في نفسها وفي العقد المقترن بها وجهان أحدهما صحته لأن العقد تم بأركانه وشروطه فإذا حذف الزائد الفاسد بقي العقد صحيحا

والثاني يبطل لأنه بذل العوض لهذا الغرض فإذا لم يحصل له غرضه لا يلزمه العوض وكل موضع فسدت المسابقة فإن كان السابق المخرج أمسك سبقه وإن كان الآخر فله أجر عمله لأنه عمل بعوض لم يسلم له فاستحق أجر المثل كالإجارة الفاسدة

فصل وإذا كان المخرج غير المتسابقين فقال لهما أو لجماعة أيكم سبق فله عشرة جاز لأن كلا منهم يطلب أن يكون سابقا وأيهم سبق استحق العشرة وإن جاؤوا جميعا فلا شيء لواحد منهم لأنه لا سابق فيهم وإن قال لاثنين أيكما سبق فله عشرة وأيكما صلى فله عشرة لم يصح لأنه لا فائدة في طلب السبق فلا يحرص عليه لعدم فائدته فيه وإن قال ومن صلى فله خمسة صح لأن كل واحد يطلب السبق لفائدته فيه بزيادة الجعل وإن كانوا أكثر من اثنين فقال من سبق فله عشرة ومن صلى فله كذلك صح لأن كل واحد منهم يطلب أن يكون سابقا أو مصليا والمصلي هو الثاني لأن رأسه عند مصلي الآخر والصلوان هما العظمان الناتئان من جانبي الذنب وفي الأثر عن علي رضي الله عنه أنه قال سبق أبو بكر وصلى عمر وخبطتنا عشواء وقال الشاعر إن تبتدر غاية يوما لمكرمة تلق السوابق منا والمصلينا فإن قال للمجلي وهو الأول مائة وللمصلي وهو الثاني تسعون وللتالي وهو الثالث ثمانون وللنازع وهو الرابع سبعون وللمرتاح وهو الخامس ستون وللحظي وهو السادس خمسون وللعاطف وهو السابع أربعون وللمؤمل وهو الثامن ثلاثون وللطيم وهو التاسع عشرون وللسكيت وهو العاشر عشرة وللفسكل وهو الآخر خمسة صح لأن كل واحد يطلب السبق فإذا فاته طلب ما يلي السابق والفسكل اسم للآخر ثم يستعمل هذا في غير المسابقة بالخيل تجوزا كما روي أن أسماء ابنة عميس كانت تزوجت جعفر بن أبي طالب وولدت له عبد الله ومحمدا وعونا ثم تزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر ثم تزوجها علي بن أبي طالب فقالت له إن ثلاثة أنت آخرهم لأخيار

فقال لولدها فسكلتني أمكم وإن جعل للمصلي أكثر من السابق أو مثله أو جعل للتالي أكثر من المصلي أو مثله أو لم يجعل للمصلي شيئا ولم يجز لأن ذلك يفضي إلى أن لا يقصد السبق بل يقصد التأخر فيفوت المقصود

فصل إذا قال لعشرة من سبق منكم فله عشرة صح فإن جاؤوا معا فلا شيء لهم لأنه لم يوجد الشرط الذي يستحق به الجعل في واحد منهم وإن سبقهم واحد فله العشرة لوجود الشرط فيه وإن سبق اثنان فلهما


372

العشرة وإن سبق تسعة وتأخر واحد فالعشرة للتسعة

لأن الشرط وجد فيهم فكان الجعل بينهم كما لو قال من رد عبدي الآبق فله عشرة فرده تسعة ويحتمل أن يكون لكل واحد من السابقين عشرة لأن كل واحد منهم سابق فيستحق الجعل بكماله كما لو قال من رد عبدا لي فله عشرة فرد كل واحد عبدا وفارق ما لو قال من رد عبدي فرده تسعة لأن كل واحد منهم لم يرده إنما رده حصل من الكل ويصير هذا كما لو قال من قتل قتيلا فله سلبه فإن قتل كل واحد واحدا فلكل واحد سلب قتيله كاملا وإن قتل الجماعة واحدا فلجميعهم سلب واحد وها هنا كل واحد له سبق مفرد فكان له الجعل كاملا

فعلى هذا لو قال من سبق فله عشرة ومن صلى فله خمسة فسبق خمسة وصلى خمسة فعلى الأول من الوجهين السابقين عشرة لكل واحد منهم درهمان وللمصلين خمسة لكل واحد منهم درهم وعلى الوجه الثاني لكل واحد من السابقين عشرة فيكون لهم خمسون ولكل واحد من المصلين خمسة فيكون لهم خمسة وعشرون ومن قال بالوجه الأول احتمل على قوله أن لا يصح العقد على هذا الوجه لأنه يحتمل أن يسبق تسعة فيكون لهم عشرة لكل واحد درهم وتسع ويصلي واحد فيكون له خمسة فيصير للمصلي من الجعل فوق ما للسابق فيفوت المقصود

مسألة

قال ( وإن أخرجا جميعا لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللا يكافي فرسه فرسيهما أو بعيره بعيريهما أو رميه رميهما فإن سبقهما أحرز سبقيهما وإن كان السابق أحدهما أحرز سبقه وأخذ سبق صاحبه فكان كسائر ماله ولم يأخذ من المحلل شيئا ) السبق بالفتح الجعل الذي يسابق عليه ويسمى الخطر والندب والقرع والرهن ويقال سبق إذا أخذ وإذا أعطى ومن الأضداد ومتى استبق الاثنان والجعل بينهما فأخرج كل واحد منهما لم يجز وكان قمارا لأن كل واحد منهما لا يخلو من أن يغنم أو يغرم وسواء كان ما أخرجاه متساويا مثل أن يخرج كل واحد منهما عشرة أو متفاوتا مثل ان أخرج أحدهما عشرة والآخر خمسة

ولو قال إن سبقتني فلك علي عشرة وإن سبقتك فلي عليك قفيز حنطة أو قال إن سبقتني فلك علي عشرة ولي عليك قفيز لم يجز لما ذكرناه فإن أدخلا بينهما محللا وهو ثالث لم يخرج شيئا جاز

وبهذا قال سعيد بن المسيب والزهري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي

وحكى أشهب عنمالك أنه قال في المحلل لا أحبه وعن جابر بن زيد أنه قيل له إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا لا يرون بالدخيل بأسا قال هم أعف من ذلك

ولنا ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فليس بقمار

ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار رواه أبو داود فجعله قمارا إذا أمن أن يسبق لأنه لا يخلو كل واحد منهما من أن يغنم أو يغرم وإذا لم يأمن أن يسبق لم يكن قمارا لأن كل واحد منهما يجوز أن يخلو عن ذلك

يشترط أن يكون فرس المحلل مكافئا لفرسيهما أو بعيره مكافئا لبعيريهما ورميه لرمييهما فإن لم يكن مكافئا مثل أن يكون فرساهما جوادين وفرسه بطيء فهو قمار للخبر ولأنه مأمون سبقه فوجوده كعدمه وإن كان مكافئا لهما جاز فإن جاؤوا كلهم الغاية دفعة واحدة أحرز كل واحد منهما سبق نفسه ولا شيء للمحل لأنه لا سابق فيهم وكذلك إن سبق المستبقان المحلل وإن سبق المحلل وحده أحرز السبقين بالاتفاق وإن سبق أحد المستبقين


373

وحده أحرز سبق نفسه وأخذ سبق صاحبه ولم يأخذ من المحلل شيئا وإن سبق أحد المستبقين والمحلل أحرز السابق مال نفسه ويكون سبق المسبوق بين السابق والمحلل نصفين وسواء كان المستبقون اثنين أو أكثر حتى لو كانوا مائة وبينهم محلل لا سبق منه جاز وكذلك لو كان المحلل جماعة جاز لأنه لا فرق بين الاثنين والجماعة وهذا كله مذهب الشافعي

فصل ويشترط في المسابقة بالحيوان تحديد المسافة وأن يكون لابتداء عدوهما وآخره غاية لا يختلفان فيها لأن الغرض معرفة أسبقهما ولا يعلم ذلك إلا بتساويهما في الغاية ولأن أحدهما قد يكون مقصرا في أول عدوه سريعا في انتهائه وقد يكون بضد ذلك فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه ومن الخيل ما هو أصبر والقارح أصبر من غيره وقد روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل وفضل القرح في الغاية رواه أبو داود وسبق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع وذلك ستة أميال أو سبعة وبين التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق وذلك ميل أو نحوه فإن استبقا بغير غاية لينظر أيهما يقف أولا لم يجز لأنه يؤدي إلى أن لا يقف أحدهما حتى ينقطع فرسه ويتعذر الإشهاد على السبق فيه ويشترط في المسابقة إرسال الفرسين أو البعيرين دفعة واحدة فإن أرسل أحدهما قبل الآخر ليعلم هل يدركه الآخر أو لا لم يجز هذا في المسابقة بعوض لأنه قد لا يدركه مع كونه أسرع منه لبعد المسافة بينهما ويكون عند أول المسافة من يشاهد إرسالهما ويرتبهما وعند الغاية من يضبط السابق منهما لئلا يختلفا في ذلك ويحصل السبق في الخيل بالرأس إذا تماثلت الأعناق فإن اختلفا في طول العنق أو كان ذلك في الإبل اعتبر السبق بالكتف لأن الاعتبار بالرأس متعذر

فإن طويل العنق قد يسبق رأسه لطول عنقه لا لسرعة عدوه وفى الإبل ما يرفع رأسه وفيها ما يمد عنقه فربما سبق رأسه لمد عنقه لا لسبقه فلذلك اعتبرنا الكتف فإن سبق رأس قصير العنق فهو سابق لأن من ضرورة ذلك كونه سابقا وإن سبق طويل العنق بأكثر مما بينهما في طول العنق فهو سابق لأن من ضرورة ذلك كونه سابقا وإن سبق طويل العنق بأكثر مما بينهما في طول العنق فقد سبق وإن كان بقدره لم يسبقه وإن كان أقل فالآخر السابق ونحو هذا كله قول الشافعي وقال الثوري إذا سبق أحدهما بالإذن كان سابقا ولا يصح لأن أحدهما قد يرفع رأسه ويمد الآخر عنقه فيكون سابقا بإذنه لذلك لا لسبقه وإن شرطا السبق بأقدام معلومة كثلاثة أو أكثر أو أقل لم يصح وقال بعض أصحاب الشافعي يصح ويتخاطان ذلك كما في الرمي وليس بصحيح لأن هذا لا ينضبط ولا يقف الفرسان عند الغاية بحيث يعرف مساحة ما بينهما

وقد روى الدارقطني بإسناده عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي قد جعلت لك هذه السبقة بين الناس فخرج علي فدعا سراقة بن مالك فقال يا سراقة إني قد جعلت إليك ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم في عنقي من هذه السبقة في عنقك فإذا أتيت الميطان قال أبو عبد الرحمن الميطان مرسلها من الغاية فصف الخيل ثم ناد هل من مصلح للجام أو حامل لغلام أو طارح لجل فإذا لم يجبك أحد فكبر ثلاثا ثم خلها عند الثالثة فيسعد الله بسبفه من شاء من خلقه وكان علي يقعد على منتهى الغاية يخط خطا ويقيم رجلين متقابلين عند طرف الخط طرفيه بين إبهامي أرجلهما وتمر الخيل بين الرجلين ويقول لهما إذا خرج أحد الفرسين على صاحبه بطرف أذنيه أو أذن أو عذار


374

فاجعلا السبقة له فإن شككتما فاجعلوا سبقهما نصفين فإذا قرنتم ثنتين فاجعلا الغاية من غاية أصغر الثنتين ولا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام وهذا الأدب الذي ذكره في هذا الحديث في ابتداء الإرسال وانتهاء الغاية من أحسن ما قيل في هذا وهو مروي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في قضية أمره بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوضها إليه فينبغي أن تتبع ويعمل بها

فصل ويشترط في الرهان أن تكون الدابتان من جنس واحد فإن كانتا من جنسين كالفرس والبعير لم يجز لأن البعير لا يكاد يسبق الفرس فلا يحصل الغرض من هذه المسابقة وإن كانتا من نوعين كالعربي والبرذون أو البختي والعرابي ففيه وجهان أحدهما لا يصح ذكره أبو الخطاب لأن التفاوت بينهما في الجري معلوم بحكم العادة فأشبها الجنسين

والثاني يصح ذكره القاضي

وهذا مذهب الشافعي لأنهما من جنس واحد وقد يسبق كل واحد منهما الآخر والضابط الجنس وقد وجد ويكفي في المظنة احتمال الحكمة ولو على بعد

فصول في المناضلة وهي المسابقة في الرمي بالسهام والمناضلة مصدر ناضلته نضالا ومناضلة وسمي الرمي نضالا

لأن السهم التام يسمى نضلا فالرمي به عمل بالنضل فسمي نضالا ومناضلة مثل قاتلته قتالا ومقاتلة وجادلته جدالا ومجادلة ويشترط لصحته ثمانية شروط أحدها أن يكون عدد الرشق معلوما والرشق بكسر الراء عدد الرمي وأهل اللغة يقولون هو عبارة عما بين العشرين والثلاثين والرشق بفتح الراء الرمي نفسه مصدر رشقت رشقا أي رميت رميا وإنما اشترط علمه لأنه لو كان مجهولا لأفضى إلى الخلاف لأن أحدهما يريد القطع والآخر يريد الزيادة فيختلفان

والثاني أن يكون عدد الإصابة معلوما فيقولان الرشق عشرون والإصابة خمسة أو ستة أو ما يتفقان عليه منها إلا أنه لا يجوز اشتراط إصابة نادرة كإصابة جميع الرشق أو إصابة تسعة أعشاره ونحو هذا لأن الظاهر أن هذا لا يوجد فيفوت الغرض

الثالث استواؤهما في عدد الرشق والإصابة وصفتها وسائر أحوال الرمي

فإن جعلا رشق أحدهما عشرة والآخر عشرين أو شرطا أن يصيب أحدهما خمسة والآخر ثلاثة أو شرطا إصابة أحدهما خواسق والآخر خواصل أو شرطا أن يحط أحدهما من إصابته سهمين أو يحط سهمين من إصابته بسهم من إصابة صاحبه أو شرطا أن يرمي أحدهما من بعد والآخر من قرب أو أن يرمي أحدهما وبين أصابعه سهم والآخر بين أصابعه سهمان أو أن يرمي أحدهما وعلى رأسه شيء والآخر خال عن شاغل أو أن يحط عن أحدهما واحدا من


375

خطئه لا له ولا عليه وأشبه هذا بما تفوت به المساواة لم يصح لأن موضوعها على المساواة والغرض معرفة الحذق وزيادة أحدهما على الآخر فيه ومع التفاضل لا يحصل فإنه ربما أصاب أحدهما لكثرة رميه لا لحذقه فاعتبرت المساواة كالمسابقة على الحيوان

الرابع أن يصفا الإصابة فيقولان خواصل وهو المصيب للغرض كيفما كان قال الأزهري يقال خصلت مناضلي خصلة وخصلا ويسمى ذلك الفرع والقرطسة يقال قرطس إذا أصاب

أو حوابي وهو ما وقع بين يدي الغرض ثم وثب إليه ومنه يقال حبا الصبي أو خواصر وهو ما وقع في أحد جانبي الغرض ومنه قيل الخاصرة لأنها في جانب الإنسان

أو خوارق وهو ما خرق الغرض ثم وقع بين يديه

أو خواسق وهو ما خرق الغرض وثبت فيه

أو موارق وهو ما أنفذ الغرض ووقع من ورائه

أو خوازم وهو ما خزم جانب الغرض وإن شرطا الخواسق والحوابي معا صح

الخامس قدر الغرض والغرض هو ما يقصد إصابته من قرطاس أو ورق أو جلد أو خشب أو قرع أو غيره ويسمى غرضا لأنه يقصد ويسمى شارة وشنا قال الأزهري ما نصب في الهدف فهو القرطاس وما نصب في الهواء فهو الغرض ويجب أن يكون قدره معلوما بالمشاهدة أو بتقديره بشبر أو شبرين بحسب الاتفاق فإن الإصابة تختلف باختلاف سعته وضيقه

السادس معرفة المسافة إما بالمشاهدة أو بالذراعان فيقول مائة ذراع أو مائتي ذراع لأن الإصابة تختلف بقربها وبعدها ومهما اتفقا عليه جاز إلا أن يجعلا مسافة بعيدة تتعذر الإصابة في مثلها وهو ما زاد على ثلاثمائة ذراع فلا يصح لأن الغرض يفوت بذلك وقد قيل إنه ما رمى إلى أربعمائة ذراع إلا عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه

السابع تعيين الرماة فلا يصح مع الإبهام لأن الغرض معرفة معرفة حذق الرمي بعينه لا معرفة حذق رام في الجملة ولو عقد اثنان نضالا على أربع مع كل واحد منهما ثلاثة لم يجز لذلك ولا يشترط تعيين القوس والسهام ولو عينها لم تتعين لأن القصد معرفة الحذق وهذا لا يختلف إلا بالرامي لا باختلاف القوس والسهام وفي الرهان يعتبر تعيين الحيوان الذي يسابق به ولا يعتبر الراكب لأن الغرض معرفة عدو الفرس لا حذق الراكب وكل ما يعتبر تعيينه إذا تلف انفسخ العقد ولم يقم غيره مقامه لأن العقد تعلق بعينه فانفسخ بتلف العين ولأن الغرض معرفة حذق الرامي أو عدو الفرس وقد فاتت معرفة ذلك بموته ولا يعرف حذقه من غيره وما لا يتعين يجوز إبداله لعذر وغيره فإذا تلف قام غيره مقامه فإن شرطا أن لا يرمي بغير هذا القوس ولا بغير هذا السهم أو لا يركب غير هذا الراكب فهذه شروط فاسدة لأنها تنافي مقتضى العقد أشبهت ما إذا شرط إصابة بإصابتين

الثامن أن تكون المسابقة في الإصابة ولو قالا السبق لأبعدنا رميا لم يجز لأن الغرض من الرمي


376

الإصابة لأبعد المسافة فإن المقصود من الرمي إما قتل العدو أو جرحه أو الصيد أو نحو ذلك وكل هذا إنما يحصل من الإصابة لا من الإبعاد

فصل والمناضلة على ثلاثة أضرب أحدها تسمى المبادرة وهو أن يقولا من سبق إلى خمس إصابات من عشرين رمية فهو السابق فأيهما سبق إليها مع تساويهما في الرشق فقد سبق فإذا رميا عشرة عشرة فأصاب أحدهما خمسا ولم يصب الآخر خمسا فالمصيب خمسا هو السابق

لأنه قد سبق إلى خمسة وسواء أصاب الآخر أربعا أو ما دونها أو لم يصب شيئا ولا حاجة إلى إتمام الرشق لأن السبق قد حصل بسبقه إلى ما شرط السبق إليه وإن أصاب كل واحد منهما من العشر خمسا فلا سابق فيهما ولا يكملان الرشق لأن جميع الإصابة المشروطة قد حصلت واستويا فيها فإن رمى أحدهما عشرا فأصاب خمسا ورمى الآخر تسعا فأصاب أربعا لم يحكم بالسبق ولا بعدمه حتى يرمي العاشر فإن أخطأ به فقد سبق الأول وإن أصاب به فلا سابق فيهما وإن لم يكن أصاب من التسعة إلا ثلاثا فقد سبقه الأول ولا يحتاج إلى رمي العاشر لأن أكثر ما يحتمل أنه يصيب به ولا يخرجه ذلك عن كونه مسبوقا

الضرب الثاني أن يقول أينا فضل صاحبه بإصابة أو إصابتين أو ثلاث من عشرين رمية فقد سبق ويسمى مفاضلة ومحاطة لأن ما تساويا فيه من الإصابة محطوط غير معتد به ويلزم إكمال الرشق إذا كان في إتمامه فائدة فإذا قالا أينا فضل صاحبه بثلاث فهو سابق فرميا اثنتي عشرة رمية فأصابها أحدهما وأخطأها الآخر كلها لم يلزم إتمام الرشق لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب الآخر الثمانية الباقية ويحطها الأول ولا يخرج الأول بهذا عن كونه سابقا وإن كان الأول إنما أصاب من الاثنتي عشرة عشرا لزمهما أن يرميا الثالثة عشرة فإن أصاباها أو أخطأ أو أصابها الأول وحده فقد سبق ولا يحتاج إلى إتمام الرشق فإن أصابها الآخر وأخطأها الأول فعليهما أن يرميا الرابعة عشرة والحكم فيها وفيما بعدها كالحكم في الثالثة عشرة وأنه متى أصاباها أو أخطآ أو أصابها الأول فقد سبق ولا يرميان ما بعدها وإن أصابها الآخر وحده رميا ما بعدها وهكذا كل موضع كان في إتمام الرشق فائدة لأحدهما لزم إتمامه وإن يئس من الفائدة لم يلزم إتمامه فإذا بقي من العدد ما يمكن أن يسبق أحدهما به صاحبه أو يسقط أحدهما به سبق صاحبه لزم الإتمام وإلا فلا فإذا كان السبق يحصل بثلاث إصابات من عشرين فرميا ثماني عشرة فأخطآها أو أصاباها أو تساويا في الإصابة فيها لم يلزم إتمام الرشق لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب أحدهما هاتين الرميتين ويخطئهما الآخر ولا يحصل السبق بذلك

وكذلك إن فضل أحدهما الآخر بخمس إصابات فما زاد لم يلزم الإتمام لأن إصابة الآخر بالسهمين الباقيين لا يخرج الآخر عن كونه فاضلا بثلاث إصابات وإن لم يفضله إلا بأربع رميا السهم الآخر فإن أصابه المفضول وحده فعليهما رمي الآخر فإن أصابه المفضول أيضا سقط سبق الأول وإن أخطآ في أحد السهمين أو أصاب الأول في أحدهما فهو سابق


377

فصل الثالث أن يقولا أينا أصاب خمسا من عشرين فهو سابق فمتى أصاب أحدهما خمسا من العشرين ولم يصبها الآخر فالأول سابق وإن أصاب كل واحد منهما خمسا أو لم يصب واحد منهما خمسا فلا سابق فيهما وهذه في معنى المحاطة في أنه يلزم إتمام الرشق ما كان في إتمامه فائدة فإذا خلا عن الفائدة لم يلزم إتمامه ومتى أصاب كل واحد منهما خمسا لم يلزم إتمامه ولم يكن فيهما سابق فإن رميا ست عشرة رمية ولم يصب واحد منهما شيئا لم يلزم إتمامه ولا سابق فيهما لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب أحدهما الأربعة كلها ولا يحصل السبق بذلك

واختلف أصحابنا فقال أبو الخطاب لا بد من معرفة الرمي هل هو مبادرة أو محاطة أو مفاضلة لأن غرض الرماة يختلف فمنهم من تكثر إصابته في الابتداء دون الانتهاء ومنهم من هو بالعكس فوجب بيان ذلك ليعلم ما دخل فيه وظاهر كلام القاضي أنه لا يحتاج إلى اشتراط ذلك لأن مقتضى النضال المبادرة وأن من بادر إلى الإصابة فهو السابق فإنه إذا شرط أن السبق لمن أصاب خمسة من عشرين فسبق إليها واحد فقد وجد الشرط

ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين

فصل فإن شرطا إصابة موضع من الهدف على أن يسقط ما قرب من إصابة أحدهما ما بعد من إصابة الآخر ففعل ثم فضل أحدهما الآخر بما شرطاه كان سابقا ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي

لأن هذا نوع من المحاطة فإذا أصاب أحدهما موضعا بينه وبين الغرض شبر وأصاب الآخر موضعا بينه وبين الغرض أقل من شبر أسقط الأول وإن أصاب الأول الغرض أسقط الثاني فإن أصاب الثاني الدائرة التي في الغرض لم يسقط به الأول لأن الغرض كله موضع للإصابة فلا يفضل أحدهما صاحبه إذا أصاباه جميعا إلا أن يشترط ذلك وإن شرطا أن يحسب كل واحد منهما خاسقة بإصابتين جاز لأن أحدهما لم يفضل صاحبه في شيء فقد استويا

فصل والسنة أن يكون لهما غرضان يرميان أحدهما ثم يمضيان إليه فيأخذان السهام يرميان الآخر لأن هذا كان فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة وقال إبراهيم التيمي رأيت حذيفة يشتد بين الهدفين يقول أنا بها في قميص وعن ابن عمر مثل ذلك والهدف ما ينصب الغرض عليه إما تراب مجموع وإما حائط

ويروى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يشتدون بين الأغراض يضحك بعضهم إلى بعض فإذا جاء الليل كانوا رهبانا فإن جعلوا غرضا واحدا جاز لأن المقصود يحصل به وهو عادة أهل عصرنا

ولا بد في المناضلة أن يبتدىء أحدهما بالرمي لأنهما لو رميا معا أفضى إلى الاختلاف ولم يعرف المصيب منهما فإن كان المخرج أجنبيا قدم من يختاره منهما فإن لم يختر وتشاحا أقرع بينهما وأيهما كان أحق بالتقديم فبدره


378

الآخر فرمى لم يعتد له بسهمه أصاب أو أخطأ وإذا بدأ أحدهما في وجه بدأ الآخر في الثاني تعديلا بينهما وإن شرطا البداءة لأحدهما في كل الوجوه لم يصح لأن موضوع المناضلة على المساواة وهذا تفاضل فإن فعل ذلك من غير شرط باتفاق منهما جاز لأن البداءة لا أثر لها في الإصابة ولا في تجريد الرمي وإن شرطا أن يبدأ كل واحد منهما من وجهين متواليين جاز لتساويهما ويحتمل أن يكون اشتراط البداءة في كل موضع ذكرنا غير لازم ولا يؤثر في العقد لأنه لا أثر له في تجويد رمي ولا كثرة إصابة وكثير من الرماة يختار التأخر على البداية فيكون وجود هذا الشرط كعدمه فإذا رمى البادىء بسهم رمى الثاني بسهم كذلك حتى يقضيا رميهما لأن إطلاق المناضلة يقتضي المراسلة ولأن ذلك أقرب إلى التساوي وأنجز للرمي لأن أحدهما يصلح قوسه ويعدل سهمه حتى يرمي الآخر وإن رميا بسهمين سهمين فحسن وهو العادة بين الرماة فيما رأينا وإن اشترطا أن يرمي أحدهما رشقا ثم يرمي الآخر أو يرمي أحدهما عددا ثم يرمي الآخر مثله جاز

لأن هذا لا يؤثر في مقصود المناضلة وإن خالف مقتضى الإطلاق كما يجوز أن يشترط في البيع ما لا يقتضيه الإطلاق من النقود والخيار والأجل لما كان غير مانع من المقصود

فصل وإن شرطا أن يرميا أرشاقا كثيرة جاز لأنه إذا جاز على القليل جاز على الكثير ولا بد أن تكون معلومة ثم إن شرطا أن يرميا منها كل يوم قدرا اتفقا عليه جاز لأن الغرض في هذا صحيح فإنهما أو أحدهما قد يضعف عن الرمي كله مع حذقه وإن أطلقا العقد جاز وحمل على التعجيل والحلول كسائر العقود فيرميان من أول النهار إلى آخره إلا أن يعرض عذر يمنع من مرض أو ريح أو تشوش السهام أو لحاجته إلى طعام أو شراب أو صلاة أو قضاء حاجة لأن هذه مستثناة بالعرف وكذلك المطر فإنه يرخي الوتر ويفسد الرشق فإذا جاء الليل تركاه لأن العادة ترك الرمي بالليل فحمل العقد عليه مع الإطلاق إلا أن يشترطا الرمي ليلا فيأخذ أحدهما صاحبه بذلك وإن كانت الليلة مقمرة منيرة اكتفي بذلك وإلا رميا في ضوء شمعة أو مشعل وإن عرض عارض يمنع الرمي كما ذكرنا أو كسر قوس أو قطع وتر أو انكسر سهم جاز إبداله فإن لم يمكن أخر الرمي حتى يزول العارض

فصل فإن أراد أحدهما التطويل والتشاغل عن الرمي بما لا حاجة إليه من مسح القوس والوتر ونحو ذلك إرادة التطويل على صاحبه لعله ينسى القصد الذي أصاب به أو يفتر منع من ذلك وطولب بالرمي ولا يدهش بالاستعجال بالكلية بحيث يمنع من تحري الإصابة ويمنع كل واحد منهما من الكلام الذي يغبط به صاحبه مثل أن يرتجز ويفتخر ويتبجح بالإصابة ويعنف صاحبه على الخطأ أو يظهر له أنه يعلمه وهكذا الحاضر معهما مثل الأمير والشاهدين وغيرهم يكره لهم مدح المصيب وزهزهته وتعنيف المخطىء وزجره لأن فيه كسر قلب أحدهما وغيظه

فصل وإذا تشاحا في موضع الوقوف فإن كان ما طلبه أحدهما أولى مثل أن يكون في أحد


379

الموقفين يستقبل الشمس أو ريحا يؤذيه استقبالها ونحو ذلك والآخر يستدبرها قدم قول من طلب استدبارها لأنه العرف إلا أن يكون في شرطهما استقبال ذلك فالشرط أملك كما قلنا في الرمي ليلا وإن كان الموقفان سواء كان ذلك إلى الذي له البداءة فيتبعه الآخر فإذا كان في الوجه الثاني وقف حيث شاء ويتبعه الأول

فصل ويجوز عقد النضال على جماعة لأنه يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أصحاب له ينتضلون فقال ارموا وأنا مع ابن الأدرع فأمسك الآخرون وقالوا كيف نرمي وأنت مع ابن الأدرع قال ارموا وأنا معكم كلكم رواه البخاري ولأنه إذا جاز أن يكونا اثنين جاز أن يكونوا جماعتين لأن المقصود معرفة الحذق وهذا يحصل في الجماعتين فجاز كما في سباق الخيل وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل المضمرة وسبق بين الخيل التي لم تضمر وعلى هذا يكون كل حزب بمنزلة واحد فإن عقد النضال جماعة ليتناضلوا حزبين فذكر القاضي أنه يجوز وهو مذهب الشافعي ويحتمل أن لا يجوز لأن التعيين شرط وقبل التفاضل لم يتعين من في كل واحد من الحزبين فعلى هذا إذا تفاضلوا عقدوا النضال بعده

وعلى قول القاضي يجوز العقد قبل التفاضل ولا يجوز أن يقسموا بالقرعة لأنها ربما وقعت على الحذق في أحد الحزبين وعلى الكوادان في الآخر فيبطل مقصود النضال بل يكون لكل حزب رئيس فيختار أحدهما واحدا ثم يختار الآخر واحدا كذلك حتى يتفاضلوا جميعا ولا يجوز أن يجعل الخيار إلى أحدهما في الجميع ولا أن يختار جميع حزبه أو لا لأنه يختار الحذاق كلهم في حزبه ولا يجوز أن يجعل رئيس الحزبين واحدا لأنه يميل إلى حزبه فتلحقه التهمة ولا يجوز أن يختار كل واحد من الرئيسين أكثر من واحد لأنه أبعد من التساوي وإذا اختلفا في المبتدىء بالخيار منهما أقرع بينهما ولو قال أحدهما أنا أختار أولا وأخرج السبق أو يخرجه أصحابي لم يجز لأن السبق إنما يستحق بالسبق لا في مقابلة تفضل أحدهما بشيء

فصل وإذا خرج أحد الزعيمين السبق من عنده فسبق حزبه لم يكن على حزبه شيء لأنه جعله على نفسه دونهم وإن شرطه عليهم فهو عليهم بالسوية ويكون للحزب الآخر بالسوية من أصاب منهم ومن لم يصب في أحد الوجهين كما أنه على الحزب الآخر بالسوية وفي الوجه الآخر يقسم بينهم على قدر الإصابة وليس لمن لم يصب منهم شيء لأن استحقاقه بالإصابة فكان على قدرها واختص بمن وجدت منه بخلاف المسبوقين فإنه وجب عليهم لالتزامهم له وقد استووا في ذلك

فصل ومتى كان النضال بين حزبين اشترط كون الرشق يمكن قسمه بينهمم بغير كسر ويتساوون فيه فإن كانوا ثلاثة وجب أن يكون له ثلث وإن كانوا أربعة وجب أن يكون له ربع وكذلك ما زاد لأنه إذا لم يكن كذلك بقي سهم أو أكثر لا يمكن الجماعة الاشتراك فيه

فصل وإذا كانوا حزبين فدخل معهم رجل لا يعرفونه في أحد الحزبين وكان يحسن الرمي جاز وإن كان لا يحسنه بطل العقد فيه وأخرج من الحزب الآخر من جعل بإزائه لأن كل واحد يجعل في


380

مقابلته آخر أو يختار أحد الزعيمين واحدا ويختار الآخر آخر في مقابلته وهل يبطل في الباقين عهلى وجهين بناء على تفريق الصفقة فإن قلنا لا يبطل فلكل حزب الخيار لتبعيض الصفقة في حقهم وإن بان راميا لكنه قليل الإصابة فقال حزبه ظنناه كثير الإصابة أو لم نعلم حاله أو بان كثير الإصابة فقال الحزب الآخر ظنناه قليل الإصابة لم يسمع ذلك منهم وكان كمن عرفوه لأن شرط دخوله أن يكون في العقد من أهل الصنعة دون الحذق كما لو اشترى عبدا على أنه كاتب فبان حاذقا أو ناقصا فيها لم يؤثر

فصل ولا يجوز أن يقولوا نقرع فمن خرجت قرعته فهو السابق ولا أن من خرجت قرعته فالسبق عليه ولا أن يقولوا نرمي فأينا أصاب فالسبق على الآخر لأنه عوض في عقد فلا يستحق بالقرعة ولا بالإصابة وإن شرطوا أن يكون فلان مقدم حزب وفلان مقدم الآخر ثم فلان ثانيا من الحزب الأول وفلان ثانيا من الحزب الثاني كان فاسدا

لأن تقديم كل واحد من الحزب يكون إلى زعيمه وليس للحزب الآخر مشاركته في ذلك فإذا شرطوه كان فاسدا

فصل وإذا تناضل اثنان وأخرج أحدهما السبق

فقال أجنبي أنا شريكك في الغنم والغرم أن نضلك فنصف السبق علي وإن نضلته فنصفه لي لم يجز وكذلك لو كان المتناضلون ثلاثة فيهم محلل فقال رابع للمستبقين أنا شريككما في الغنم والغرم كان باطلا

لأن الغنم والغرم إنما يكون من المناضل فأما من لا يرمي فلا يكون له غنم ولا غرم ولو شرطا في النضال أنه إذا جلس المسبق كان عليه السبق لم يجز لأن السبق على النضال وهذا الشرط يخالف مقتضى النضال فكان فاسدا

فصل ولو فضل أحد المتناضلين صاحبه

فقال المفضول اطرح فضلك وأعطيك دينارا لم يجز لأن المقصود معرفة الحذق وذلك يمنع منه وإن فسخا العقد وعقدا عقدا آخر جاز وإن لم يفسخاه ولكن رميا تمام الرشق فتمت الإصابة له مع ما أسقطه استحق السبق ورد الدينار إن كان أخذه

فصل إذا كان شرطهما حواصل وهي الإصابة المطلقة اعتد بها كيفما وجدت بشرط أن يصيب بنصل السهم فإن أصاب بعرضه أو بفوقه نحو أن ينقلب السهم بين يدي الغرض فيصيب فوقه الغرض لم يعتد به لأن هذا من شيء الخطأ وإن انقطع السهم قطعيتن فأصابت القطعة الأخرى لم يحتسب به فإن كان الغرض جلدا خيط عليه شنبر كشنبر المنخل وجعلا له عرى وخيوطا تعلق به في العرى فأصاب الشنبر أو العرى نظرت في شرطهما فإن شرطا إصابة الغرض اعتد له لأن ذلك من الغرض

فأما المعاليق وهي الخيوط فلا يعتد له بإصابتها على كلا الشرطين لأنها ليست من الجلدة ولا من الغرض فأشبه إصابة الهدف

فصل وإن أطارت الريح الغرض فوقع السهم في موضعه فإن كان شرطهما خواصل احتسب لفه به لعلمنا أنه لو كان الغرض في موضعه أصابه وإن كان شرطهما خواسق فقال القاضي ينظر


381

فإن كانت صلابة الهدف كصلابة الغرض فثبت في الهدف احتسب له به لأنه لو بقي مكانه لثبت فيه كثبوته في الهدف

وإن لم يثبت فيه مع التساوي لم يحتسب وإن كان الهدف أصلب فلم يثبت فيه أو كان رخوا لم يحتسب السهم له ولا عليه لأننا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض لو بقي مكانه أو لا وهذا مذهب الشافعي وقال أبو الخطاب إن كان شرطهما خواسق لم يحتسب له بالسهم الذي وقع في موضعه ولا عليه لأننا لا ندري هل يثبت في الغرض لو كان موجودا أو لا وإن وقع السهم في غير موضع الغرض احتسب به على راميه لأنه خطأ ولو وقع في الغرض في الموضع الذي طار إليه حسب عليه أيضا لا له إلا أن يكونا اتفقا على رميه في الموضع الذي طار إليه وكذلك الحكم إذا ألقت الريح الغرض على وجهه

فصل وإذا رمى فأخطأ لعارض من كسر قوس أو قطع وتر أو حيوان اعترض بين يديه أو ريح شديدة ترد السهم عرضا لم يحسب عليه بذلك السهم لأن خطأه للعارض لا لسوء رميه قال القاضي ولو أصاب لم يحتسب عليه لم يحتسب له لأنه إذا لم يحتسب ولأن الريح الشديدة كما يجوز أن تصرف الرمي الشديد فيخطىء يجوز أن تصرف السهم المخطىء عن خطئه فيقع مصيبا فتكون إصابته بالريح لا بحذق رميه فأما إن وقع السهم في حائل بينه وبين الغرض فمرقه وأصاب الغرض حسب له لأن إصابته لسداد رميه ومروقه لقوته فهو أولى من غيره وإن كانت الريح لينة خفيفة لا ترد السهم عادة لم يمنع لأن الجو لا يخلو من ريح ولأن الريح اللينة لا تؤثر إلا في الرمي الرخو الذي لا ينتفع به

فصل وإن كان شرطهما خواسق والخاسق ما ثقب الغرض وثبت فيه فمتى أصاب الغرض بنصله وثبت فيه حسب له وإن خدشه ولم يثقبه لم يحتسب له وحسب به عليه وإن مرق منه احتسب له به لأن ذلك لقوة رميه فهو أبلغ من الخاسق وإن خرقه وهو أن يثقبه ويقع بين يديه ففيه وجهان أحدهما يحتسب له لأنه ثقب ثقبا يصلح للخسق وإنما لم يثبت السهم لسبب آخر من سعة الثقب أو غيره

والثاني لا يحتسب له لأن شرطهما الخواسق والخاسق ما ثبت وثبوته يكون بحذق الرامي وقصده برميه ما اتفقا عليه فإن كان امتناع السهم من الثبوت لمصادفته ما يمنع الثبوت من حصاة أو حجر أو عظم أو أرض غليظة ففيه الوجهان إلا أنه إذا لم يحتسب له لم يعد عليه لأن العارض منعه من الثبوت فأشبه ما لو منعه عارض من الإصابة وإن اختلفا في وجود العارض نظرت فإن علم موضع الثقب باتفاقهما أو ببينة نظر في الموضع فإن لم يكن فيه ما يمنع فالقول قول المنكر وإن كان فيه ما يمنع فالقول قول المدعي ولا يمين لأن الحال تشهد بصدق ما ادعاه وإن لم يعلما موضع الثقب إلا أنهما اتفقا على أنه خرق الغرض ولم يكن وراءه شيء يمنع فالقول قول المنكر بغير يمين أيضا لأنه لا مانع وإن كان وراءه ما يمنع وادعى المصاب عليه أنه لم يكن السهم في موضع وراءه ما يمنع فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم الإصابة مع احتمال ما يقوله المصيب وإن أنكر أن يكون خرق أيضا فالقول أيضا قوله مع يمينه لما ذكرناه


382

فصل وإن شرطا خاسقا فوقع السهم في ثقب في الغرض أو موضع بال فنقبه وثبت في الهدف معلقا في الغرض نظرت فإن كان الهدف صليبا كصلابة الغرض فثبت فيه حسب له لأنه علم أن الغرض لو كان صحيحا لثبت فيه وإن كان الهدف ترابا أهيل لم يحتسب له ولا عليه لأننا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض لو أصاب موضعا منه قويا أو لا وإن صادف السهم في ثقب في الغرض قد ثبت في الهدف مع قطعة من الغرض

فقال الرامي خسفت وهذه الجلدة قطعها سهمي لشدة الرمية فأنكر صاحبه وقال بل هي كانت مقطوعة فإن علم أن الغرض كان صحيحا فالقول قول الرامي وإن اختلفا فذكرالقاضي أنها كالتي قبلها وإن كان الهدف رخوا لم يعتد به وإن كان قويا صلبا اعتد به وإن وقع سهمه في سهم ثابت في الغرض اعتد له به فإن كان شرطهما خواسق لم يحتسب له به ولا عليه لأننا لا نعلم يقينا أنه لولا فوق السهم الثابت لخسق فإن أصاب السهم ثم سبح عنه فخسق احتسب له به

فصل إذا قال رجل لآخر ارم هذا السهم فإن أصبت به فلك درهم صح وكان جعالة لأنه بذل مالا له في فعل له فيه غرض صحيح ولم يكن هذا نضالا لأن النضال يكون بين اثنين أو جماعة على أن يرموا جميعا ويكون الجعل لبعضهم إذا كان سابقا وإن قال إن أصبت به فلك درهم وإن أخطأت فعليك درهم لم يصح لأنه قمار

وإن قال ارم عشرة أسهم فإن كان صوابك أكثر من خطئك فلك درهم صح لأنه جعل الجعل في مقابلة الإصابة المعلومة فإن أكثر العشرة أقله ستة وليس ذلك بمجهول لأنه بالأقل يستحق الجعل وإن قال إن كان صوابك أكثر فلك بكل سهم أصبت به درهم صح

وكذلك إن قال ارم عشرة ولك بكل سهم أصبت به منها درهم

أو قال فلك بكل سهم زائد على النصف من المصيبات درهم لأن الجعل معلوم بتقديره بالإصابة فأشبه ما لو قال استق لي من هذا البئر ولك بكل دلو تمرة

أو قال من رد عبدا من عبيدي فله بكل عبد درهم

وإن قال إن كان خطؤك أكثر فعليك درهم أو نحو هذا لم يجز لأنه قمار

وإن قال ارم عشرة فإن أخطأتها فعليك درهم أو نحو هذا لم يجز لأن الجعل يكون في مقابلة عمل ولم يوجد من المقابل عمل يستحق به شيئا

ولو قال الرامي لأجنبي إن أخطأت فلك درهم لم يصح لذلك

فصل وإذا عقد النضال ولم يذكرا قوسا فظاهر كلام القاضي أنه يصح ويستويان في القوس إما العربية وإما العجمية وقال غيره لا يصح حتى يذكرا نوع القوس الذي يرميان عليه في الابتداء لأن إطلاقه ربما أفضى إلى الاختلاف وقد أمكن التحرز عنه بالتعيين للنوع فيجب ذلك وإن اتفقا على أنهما يرميان بالنشاب في الابتداء صح وينصرف إلى الرامي بالقوس الأعجمية

لأن سهامها هو المسمى بالنشاب وسهام العربية يسمى نبلا فإن عين نوعا من القسي لم يجز العدول عنها إلى غيرها لأن أحدهما قد يكون


383

أحذق بالرمي بأحد النوعين دون الآخر

وإن عينا قوسا بينها لم تتعين لأنها قد تنكسر ويحتاج إلى إبدالها لأن الحذق لا يختلف باختلاف عين القوس بخلاف النوع وإن تناضلا على أن يرمي أحدهما بالعربية والآخر بالفارسية أو أحدهما بقوس الزنبور والآخر بقوس الجرخ أو قوس الحسبان وهو قوس سهامه قصار يجعل في مجرى مثل القصبة ثم يرمي بها ففيها وجهان أحدهما يصح وهو قول القاضي ومذهب الشافعي لأنهما نوعا جنس فصحت المسابقة مع اختلافهما كالخيل والإبل

والثاني لا تصح المسابقة مع اختلافهما لأنهما يختلفان في الإصابة فجرى مجرى المسابقة بين جنسين وكذلك الحكم في المسابقة بين نوعي الخيل والإبل

فصل وظاهر كلام أحمد إباحة الرمي بالقوس الفارسية ونص على جواز المسابقة بها وقال أبو بكر بن جعفر يكره

لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى مع رجل قوسا فارسية فقال القها فإنها ملعونة ولكن عليكم بالقسي العربية وبرماح القنا فبها يؤيد الله الدين وبها يمكن الله لكم في الأرض رواه الأثرم

ولنا انعقاد الإجماع على الرمي بها وإباحة حملها فإن ذلك جار في أكثر الأعصار وهي التي يحصل الجهاد بها في عصرنا وأكثر الأعصار المتقدمة

وأما الخبر فيحتمل أنه لعنها لأن حملتها في ذلك العصر العجم ولم يكونوا أسلموا بعد ومنع العرب من حملها لعدم معرفتهم بها ولهذا أمر برماح القنا ولو حمل إنسان رمحا غيرها لم يكن مذموما وحكى أحمد أن قوما استدلوا على القسي الفارسية بقول الله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة الأنفال 60 يعني أن هذا مما استطاعه من القوة فيدخل في عموم الآية

مسألة

قال ولا يجوز إذا أرسل الفرسان أن يجنب أحدهما إلى فرسه فرسا يحرضه على العدو ولا يصيح به وقت سباقه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا جنب ولا جلب

معنى الجنب أن يجنب المسابق إلى فرسه فرسا لا راكب عليه يحرض الذي تحته على العدو ويحثه عليه وهذا ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي معناه أن يجنب فرسا يتحول عند الغاية عليه لكونها أقل كلالا وإعياء قال ابن المنذر كذا قيل ولا أحسب هذا يصح لأن الفرس التي يسابق عليها لا بد من تعيينها فإن كانت التي يتحول عنها فما حصل السبق بها وإن كانت التي يتحول إليها فما حصلت المسابقة بها في جميع الحلبة ومن شرط السباق ذلك ولأن هذا متى احتاج إلى التحول والاشتغال به فربما سبق باشتغاله لا سرعة غيره ولأن


384

المقصود معرفة عدو الفرس في الحلبة كلها فمتى كان إنما يركبه في آخر الحلبة فما حصل المقصود

وأما الجلب فهو أن يتبع الرجل فرسه يركض خلفه ويجلب عليه ويصيح وراءه يستحثه بذلك على العدو هكذا فسره مالك وقال قتادة الجلب والجنب في الرهان وروي عن أبي عبيد كقول مالك وحكي عنه أن معنى الجلب أن يحشر الساعي أهل الماشية ليصدقهم قال فلا يفعل ليأتهم على مياههم فيصدقهم والتفسير الأول هو الصحيح لما روى عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا جلب ولا جنب في الرهان رواه أبو داود وفي حديث علي في السباق وفي آخره ولا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام ويروى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أجلب على الخيل يوم الرهان فليس منا


385

كتاب الايمان

الأصل في مشروعيتها وثبوت حكمها الكتاب والسنة والإجماع

أما الكتاب فقول الله سبحانه لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان المائدة 89 الآية وقال تعالى ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها النحل 91 وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالحلف في ثلاثة مواضع فقال ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين يونس 53 وقال تعالى قل بلى وربي لتأتينكم سبأ 3 والثالث قل بلى وربي لتبعثن التغابن 7 وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها متفق عليه

وكان أكثر قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومصرف القلوب ومقلب القلوب ثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في آي وأخبار سوى هذين كثير وأجمعت الأمة على مشروعية اليمين وثبوت أحكامها

ووضعها في الأصل لتوكيد المحلوف عليه

فصل وتصح من كل مكلف مختار قاصد إلى اليمين ولا تصح من غير مكلف كالصبي والمجنون والنائم لقوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاث ولأنه قول يتعلق به وجوب حق فلم يصح من غير مكلف أو غير مكلف ولا تنعقد يمين مكره

وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة تنعقد لأنها يمين مكلف فانعقدت كيمين المختار

ولنا ما روى أبو أمامة وواثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس على مقهور يمين ولأنه قول حمل عليه بغير حق فلم يصح ككلمة الكفر

فصل وتصح اليمين من الكافر وتلزمه الكفارة بالحنث سواء حنث في كفره أو بعد إسلامه وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر إذا حنث بعد إسلامه وقال الثوري وأصحاب الرأي لا ينقعد يمينه لأنه ليس بمكلف

ولنا إن عمر رضي الله عنه نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء بنذره ولأنه من أهل القسم بدليل قوله تعالى فيقسمان بالله المائدة 106 ولا نسلم أنه غير مكلف وإنما تسقط عنه العبادات بإسلامه لأن الإسلام يجب ما قبله فأما ما يلزمه بنذره أو يمينه فينبغي أن يبقى حكمه في حقه لأنه من جهته

فصل ولا يجوز الحلف بغير الله وصفاته نحو أن يحلف بأبيه أو الكعبة أو صحابي أو إمام


386

قال الشافعي أخشى أن يكون معصية قال ابن عبد البر وهذا أصل مجمع عليه وقيل يجوز ذلك لأن الله تعالى أقسم بمخلوقاته فقال والصافات صفا الصافات 1 والمرسلات عرفا المرسلات 1 والنازعات غرقا النازعات 1 وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي السائل عن الصلاة أفلح وأبيه إن صدق وقال في حديث أبي العشراء وأبيك لو طعنت في فخذها لأجزأك

ولنا ما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أدركه وهو يحلف بأبيه فقال إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت قال عمر فما حلفت بها بعد ذلك ذاكرا ولا آثرا متفق عليه يعني ولا حاكيا لها عن غيري وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف بغير الله فقد أشرك قال الترمذي هذا حديث حسن وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال متفق عليه وفي لفظ من أنه بريء من الإسلام فإن كان قد كذب فهو كما قال وإن كان صادقا لم يرجع إلى الإسلام سالما رواه أبو داود فأما قسم الله بمصنوعاته فإنما أقسم به دلالة على قدرته وعظمته ولله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه ولا وجه للقياس على إقسامه وقد قيل إن في إقسامه إضمار القسم برب هذه المخلوقات فقوله والضحى الضحى 1 أي ورب الضحى

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم أفلح وأبيه إن صدق فقال ابن عبد البر هذه اللفظة غير محفوظة من وجه صحيح فقد رواهمالك وغيره من الحفاظ فلم يقولوها فيه وحديث أبي العشراء قد قال أحمد لو كان يثبت يعني أنه لم يثبت ولهذا لم يعمل به الفقهاء في إباحة الذبح في الفخذ ثم لو ثبت فالظاهر أن النهي بعده لأن عمر قد كان يحلف بها كما حلف بها النبي صلى الله عليه وسلم ثم نهى عن الحلف بها ولم يرد بعد لنهي إباحة ولذلك قال عمر وهو يروي الحديث بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فما حلفت بها ذاكرا ولا آثرا ثم إن لم يكن الحلف بغير الله محرما فهو مكروه فإن حلف فليستغفر الله تعالى أو ليذكر الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله لأن الحلف بغير الله سيئة والحسنة تمحو السيئة وقد قال تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات هود 114 وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها ولأن من حلف بغير الله فقد عظم غير الله تعظيما يشبه تعظيم الرب تبارك وتعالى

ولهذا سمي شركا لكونه أشرك غير الله مع الله تعالى في تعظيمه بالقسم به فيقول لا إله إلا الله توحيدا لله تعالى وبراءة من الشرك وقال الشافعي من حلف بغير الله تعالى فليقل استغفر الله

فصل ويكره الإفراط في الحلف بالله تعالى لقول الله تعالى ولا تطع كل حلاف مهين


387

القلم 10 وهذا ذم له يقتضي كراهة فعله فإن لم يخرج إلى حد الإفراط فليس بمكروه إلا أن يقترن به ما يوجب كراهته ومن الناس من قال الأيمان كلها مكروهة لقول الله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم البقرة 214

ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحلف كثيرا وقد كان يحلف في الحديث الواحد أيمانا كثيرة وربما كرر اليمين الواحدة ثلاثا فإنه قال في خطبة الكسوف والله يا أمة محمد ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولقيته امرأة من الأنصار معها أولادها فقال والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إلي ثلاث مرات وقال والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا ولو كان هذا مكروها لكان النبي صلى الله عليه وسلم أبعد الناس منه ولأن الحلف بالله تعظيم له وربما ضم إلى يمينه وصف الله تعالى بتعظيمه وتوحيده فيكون مثابا على ذلك وقد روي أن رجلا حلف على شيء فقال والله الذي لا إله إلا هو ما فعلت كذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما إنه قد كذب ولكن قد غفر له بتوحيده وأما الإفراط في الحلف فإنما كره لأنه لا يكاد يخلو من الكذب والله أعلم

فأما قوله ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم البقرة 224 فمعناه لا تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر والتقوى والإصلاح بين الناس وهو أن يحلف بالله أن لا يفعل برا ولا تقوى ولا يصلح بين الناس ثم يمتنع من فعله ليبر في يمينه ولا يحنث فيها فنهوا عن المضي فيها

قال أحمد وذكر حديث ابن عباس بإسناده في قوله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم البقرة 224 الرجل يحلف أن لا يصل قرابته وقد جعل الله له مخرجا في التكفير فأمره أن لا يعتل بالله فليكفر وليبر وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأن يستلج أحدكم في يمينه آثم له عند الله من أن يؤدي الكفارة التي فرض الله عليه متفق عليه وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك وقال إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها متفق عليهما وإن كان النهي عاد إلى اليمين فالمنهي عنه الحلف على ترك البر والتقوى والإصلاح بين الناس لا على كل يمين فلا حجة فيها لهم إذا

فصل والأيمان تنقسم خمسة أقسام


388

أحدها واجب وهي التي ينجي بها إنسانا معصوما من هلكة كما روي عن سويد بن حنظلة قال خرجنا نريد النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرج القوم أن يحلفوا وحلفت أنا إنه أخي فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدقت المسلم أخو المسلم رواه أبو داود والنسائي فهذا ومثله واجب لأن إنجاء المعصوم واجب وقد تعين في اليمين فيجب وكذلك إنجاء نفسه مثل أن تتوجه عليه أيمان القسامة في دعوى القتل عليه وهو بريء

الثاني مندوب وهو الحلف الذي تتعلق به مصلحة من إصلاح بين متخاصمين أو إزالة حقد من قلب مسلم عن الحالف أو غيره أو دفع شر فهذا مندوب لأن فعل هذه الأمور مندوب إليه واليمين مفضية إليه وإن حلف على فعل طاعة أو ترك معصية ففيه وجهان أحدهما أنه مندوب إليه وهو قول بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي لأن ذلك يدعوه إلى فعل الطاعات وترك المعاصي

والثاني ليس بمندوب إليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك في الأكثر الأغلب ولا حنث النبي صلى الله عليه وسلم أحدا عليه ولا ندبه إليه ولو كان ذلك طاعة لم يخلوا به ولأن ذلك يجري مجرى النذر

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل متفق عليه

الثالث المباح مثل الحلف على فعل مباح أو تركه والحلف على الخبر بشيء هو صادق فيه أو يظن أنه فيه صادق فإن الله تعالى قال لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم البقرة 225 ومن صور اللغو أن يحلف على شيء يظنه كما حلف عليه ويبين بخلافه فأما الحلف على الحقوق عند الحاكم ففيه وجهان أحدهما أن تركه أولى من فعله فيكون مكروها ذكر ذلك أصحابنا وأصحاب الشافعي لما روي أن عثمان والمقداد تحاكما إلى عمر في مال استقرضه المقداد فجعل عمر اليمين على المقداد فردها على عثمان فقال عمر لقد أنصفك فأخذ عثمان ما أعطاه المقداد ولم يحلف فقال خفت أن يوافق قدر بلاء فيقال بيمين عثمان

والثاني أنه مباح فعله كتركه لأن الله تعالى أمر نبيه بالحلف على الحق في ثلاثة مواضع

وروى محمد بن كعب القرظي أن عمر قال على المنبر وفي يده عصا يا أيها الناس لا تمنعكم اليمين من حقوقكم فوالذي نفسي بيده إن في يدي لعصا

وروى عمر بن شبة في كتاب قضاة البصرة بإسناده عن الشعبي أن عمر وأبيا تحاكما إلى زيد في نخل ادعاه أبي فتوجهت اليمين على عمر فقال زيد اعف أمير المؤمنين فقال عمر ولم يعفي أمير المؤمنين إن عرفت شيئا استحققته بيميني وإلا تركته والله الذي لا إله إلا هو إن النخل لنخلي وما لأبي فيه حق فلما خرجا وهب


389

النخل لأبي فقيل له يا أمير المؤمنين هلا كان هذا قبل اليمين فقال خفت أن لا أحلف فلا يحلف الناس على حقوقهم بعدي فيكون سنة ولأنه حلف صدق على حق فأشبه الحلف عند غير الحاكم

الرابع المكروه وهو الحلف على فعل مكروه أو ترك مندوب قال الله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس البقرة 224

وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حلف لا ينفق على مسطح بعد الذي قال لعائشة ما قال وكان من جملة أهل الإفك الذين تكلموا في عائشة رضي الله عنها فأنزل الله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا النور 22

وقيل المراد بقوله ولا يأتل أي لا يمتنع ولأن اليمين على ذلك مانعة من فعل الطاعة أو حاملة على فعل المكروه فتكون مكروهة فإن قيل لو كانت مكروهة لأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على الأعرابي الذي سأله عن الصلوات فقال هل علي غيرها فقال لا إلا أن تطوع فقال والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها ولا أنقص منها ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بل قال أفلح الرجل إن صدق قلنا لا يلزم هذا فإن اليمين على تركها لا تزيد على تركها ولو تركها لم ينكر عليه ويكفي في ذلك بيان أن ما تركه تطوع وقد بينه له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله إلا أن تطوع ولأن هذه اليمين إن تضمنت ترك المندوب فقد تناولت فعل الواجب والمحافظة عليه كله بحيث لا ينقص منه شيئا وهذا في الفضل يزيد على ما قابله من ترك التطوع فيترجح جانب الإثبات بها على تركها فيكون من قبيل المندوب فكيف ينكر ولأن في الإقرار على هذه اليمين بيان حكم محتاج إليه

وهو بيان أن ترك التطوع غير مؤاخذ به فلو أنكر على الحالف لحصل ضد هذا وتوهم كثير من الناس لحوق الإثم بتركه فيفوت الغرض ومن قسم المكروه الحلف في البيع والشراء فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحلف منفق للسلعة محق للبركة رواه ابن ماجة

القسم الخامس المحرم وهو الحلف الكاذب فإن الله تعالى ذمه بقوله ويحلفون على الكذب وهم يعلمون المجادلة 14

ولأن الكذب حرام فإذا كان محلوفا عليه كان أشد في التحريم وإن أبطل به حقا أو اقتطع به مال معصوم كان أشد فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف يمينا فاجرة يقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان وأنزل الله عز وجل في ذلك إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم آل عمران 77

ومن هذا القسم الحلف على فعل معصية أو ترك واجب فإن المحلوف عليه حرام فكان الحلف حراما لأنه وسيلة إليه والوسيلة تأخذ حكم المتوسل إليه

فصل ومتى كانت اليمين على فعل واجب أو ترك محرم كان حلها محرما لأن حلها بفعل المحرم


390

وهو محرم وإن كانت على فعل مندوب أو ترك مكروه فحلها مكروه وإن كانت على فعل مباح فحلها مباح فإن قيل وكيف يكون حلها مباحا وقد قال الله تعالى ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها النحل 91

قلنا هذا في الأيمان في العهود والمواثيق بدليل قوله تعالى وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها النحل 91

إلى قوله تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة النحل 92

والعهد يجب الوفاء به بغير يمين فمع اليمين أولى فإن الله تعالى قال وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم النحل 91

وقال يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود المائدة 1

ولهذا نهي عن نقض اليمين والنهي يقتضي التحريم وذمهم عليه وضرب لهم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا

ولا خلاف في أن الحل المختلف فيه لا يدخله شيء من هذا وإن كانت على فعل مكروه أو ترك مندوب فحلها مندوب إليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك وقال النبي صلى الله عليه وسلم إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منهم إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها وإن كانت اليمين على فعل محرم أو ترك واجب فحلها واجب

لأن حلها بفعل الواجب وفعل الواجب واجب

مسألة

قال ( ومن حلف أن يفعل شيئا فلم يفعله أو لا يفعل شيئا ففعله فعليه الكفارة )

لا خلاف في هذا عند فقهاء الأمصار

قال ابن عبد البر اليمين التي فيها الكفارة بإجماع المسلمين هي التي على المستقبل من الأفعال

وذهبت طائفة إلى أن الحنث متى كان طاعة لم يوجب كفارة وقال قوم من حلف على فعل معصية فكفارتها تركها وقال سعيد بن جبير اللغو أن يحلف الرجل فيما لا ينبغي له يعني فلا كفارة عليه في الحنث

وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ولا في معصية الله تعالى ولا في قطيعة رحم ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليدعها وليأت الذي هو خير فإن تركها كفارة رواه أبو داود

ولأن الكفارة إنما تجب لرفع الإثم ولا إثم في الطاعة

ولأن اليمين كالنذر ولا نذر في معصية الله تعالى

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه قال إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني أخرجه البخاري

وحديثهم لا يعارض حديثنا لأن حديثنا أصح منه وأثبت

ثم إنه يحتمل أن تركها كفارة ثم الحلف والكفارة المختلف فيها كفارة المخالفة

وقولهم إن الحنث طاعة قلنا فاليمين غير طاعة فتلزمه الكفارة للمخالفة ولتعظيم اسم الله تعالى إذا حلف به ولم يبر بيمينه

إذا ثبت هذا نظرنا في يمينه فإن كانت على ترك شيء ففعله حنث

ووجبت الكفارة وإن كانت على فعل شيء


391

فلم يفعله وكانت يمينه مؤقتة بلفظه أو نيته أو قرينة حاله ففات الوقت حنث وكفر

فإن كانت مطلقة لم يحنث إلا بفوات وقت الإمكان

لأنه ما دام في الوقت والفعل ممكن فيحتمل أن يفعل فلا يحنث ولهذا قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم ألم تخبرنا أنا نأتي البيت ونطوف به قال فأخبرتك أنك تأتيه العام قال لا

قال فإنك آتيه ومطوف به وقد قال الله تعالى قل بلى وربي لتبعثن التغابن 7

وهو حق ولم يأت بعد

مسألة

قال ( وإن فعله ناسيا فلا شيء عليه إذا كانت اليمين بغير الطلاق والعتاق )

وجملة ذلك أن من حلف أن لا يفعل شيئا ففعله ناسيا فلا كفارة عليه نقله عن أحمد الجماعة إلا في الطلاق والعتاق فإنه يحنث هذا اهر المذهب

واختاره الخلال وصاحبه وهو قول أبي عبيد وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يحنث في الطلاق والعتاق أيضا وهذا قول عطاء وعمرو بن دينار وابن أبي نجيح وإسحاق

قالوا لا حنث على الناسي في طلاق ولا غيره وهو ظاهر مذهب الشافعي لقوله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم الأحزاب 5

وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولأنه غير قاصد للمخالفة فلم يحدث كالنائم والمجنون

ولأنه أحد طرفي اليمين فاعتبر فيه القصد كحالة الابتداء بها وعن أحمد رواية أخرى أنه يحنث في الجميع وتلزمه الكفارة في اليمين المكفرة وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد والزهري وقتادة وربيعة ومالك وأصحاب الرأي والقول الثاني للشافعي لأنه فعل ما حلف عليه قاصدا لفعله فلزمه الحنث كالذاكر وكما لو كانت اليمين بالطلاق والعتاق

ولنا على أن الكفارة لا تجب في اليمين المكفرة ما تقدم ولأنها تجب لرفع الإثم ولا إثم على الناسي وأما الطلاق والعتاق فهو معلق بشرط فيقع بوجود شرط من غير قصد كما لو قال أنت طالق إن طلعت الشمس أو قدم الحاج

فصل وإن فعله غير عالم بالمحلوف عليه كرجل حلف لا يكلم فلانا فسلم عليه يحسبه أجنبيا أو حلف أنه لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه فأعطاه قدر حقه ففارقه ظنا منه أنه قد بر فوجد ما أخذه رديئا أو حلف لا بعت لزيد ثوبا فوكل زيد من يدفعه إلى من يبيعه فدفعه إلى الحالف فباعه من غير علمه فهو كالناسي

لأنه غير قاصد للمخالفة أشبه الناسي

فصل والمكره على الفعل ينقسم قسمين أحدهما أن يلجأ إليه مثل من يحلف لا يدخل دارا فحمل فأدخلها أو لا يخرج منها فأخرج محمولا أو مدفوعا بغير اختياره ولم يمكنه الامتناع

فهذا لا يحنث في قول أكثرهم

وبه قال أصحاب الرأي وقال مالك إن دخل مربوطا لم يحنث وذلك لأنه لم يفعل الدخول والخروج فلم يحنث كما


392

لو لم يوجد ذلك

الثاني أن يكره بالضرب والتهديد بالقتل ونحوه فقال أبو الخطاب فيه روايتان كالناسي وللشافعي قولان وقال مالك وأبو حنيفة يحنث لأن اللكفارة لا تسقط بالشبهة فوجبت مع الإكراه والنسيان ككفارة الصيد

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولأنه نوعه إكراه فلم يحنث به كما لو حمل ولم يمكنه الامتناع ولأن الفعل لا ينسب إليه فأشبه من لم يفعله ولا نسلم الكفارة في الصيد بل إنما تجب على المكره والله أعلم

مسألة

قال ( ومن حلف على شيء وهو يعلم أنه كاذب فلا كفارة عليه لأن الذي أتى به أعظم من أن تكون فيه الكفارة )

هذا ظاهر المذهب نقله الجماعة عن أحمد وهو قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن ومالك والأوزاعي والثوري والليث وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة وهذه اليمين تسمى يمين الغموس لأنها تغمس صاحبها في الإثم

قال ابن مسعود كنا نعد من اليمين التي لا كفارة لها اليمين الغموس وعن سعيد بن المسيب قال هي من الكبائر وهي أعظم من أن تكفر وروي عن أحمد أن فيها الكفارة وروي ذلك عن عطاء والزهري والحكم والبتي وهو قول الشافعي لأنه وجدت منه اليمين بالله تعالى والمخالفة مع القصد فلزمته الكفارة كالمستقبلة

ولنا إنها يمين غير منعقدة فلا نوجب الكفارة كاللغو أو يمين على ماض فأشبهت اللغو وبيان كونها غير منعقدة أنها لا توجب برا ولا يمكن فيها ولأنه قارنها ما ينافيها وهو الحنث فلم تنعقد كالنكاح الذي قارنه الرضاع ولأن الكفارة لا ترفع إثمها فلا تشرع فيها ودليل ذلك أنها كبيرة فإنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس رواه البخاري وروي فيه خمس من الكبائر لا كفارة لهن الإشراك بالله والفرار من الزحف وبهت المؤمن وقتل المسلم بغير حق والحلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرىء مسلم ولا يصح القياس على المستقبلة لأنها يمين منعقدة يمكن حلها والبر فيها وهذه غير منعقدة فلا حل لها

وقول النبي صلى الله عليه وسلم فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير يدل على أن الكفارة إنما تجب بالحلف على فعل يفعله فيما يستقبله قاله ابن المنذر

مسألة

قال ( والكفارة إنما تلزم من حلف يريد عقد اليمين )

وجملته أن اليمين التي تمر على لسانه في عرض حديثه من غير قصد إليها لا كفارة فيها في قول أكثر أهل العلم لأنها من لغو اليمين نقل عبد الله عن أبيه أنه قال اللغو عندي أن يحلف على اليمين يرى أنها كذلك والرجل يحلف فلا يعقد قلبه على شيء وممن قال إن اللغو اليمين التي لا يعقد عليها قلبه عمر وعائشة رضي الله عنهما وبه قال عطاء والقاسم وعكرمة والشعبي والشافعي لما روي عنعطاء قال قالت عائشة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يعني اللغو


393

في اليمين هو كلام الرجل في بيته لا والله وبلى والله أخرجه أبو داود قال ورواه الزهري وعبد الملك بن أبي سليمان ومالك بن مغول عن عطاء عن عائشة موقوفا

وروى الزهري أن عروة حدثه عن عائشة قالت أيمان اللغو ما كان في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا يعقد عليه القلب وأيمان الكفارة كل يمين حلف عليها على وجه من الأمر في غضب أو غيره ليفعلن أو ليتركن فذلك عقد الأيمان التي فرض الله تعالى فيها الكفارة ولأن اللغو في كلام العرب الكلام غير المعقود عليه وهذا كذلك وممن قال لا كفارة في هذا ابن عباس وأبو هريرة وأبو مالك وزرارة بن أوفى والحسن والنخعي ومالك وهو قول من قال إنه من لغو اليمين ولا نعلم في هذا خلافا ووجه ذلك قول الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين المائدة 89

فجعل الكفارة لليمين التي يؤاخذ بها ونفى المؤاخذة باللغو فيلزم انتفاء الكفارة ولأن المؤاخذة يحتمل أن يكون معناها إيجاب الكفارة بدليل أنها تجب في الأيمان التي لا مأثم فيها

وإذا كانت المؤاخذة إيجاب الكفارة فقد نفاها في اللغو فلا تجب ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم فكان إجماعا ولأن قول عائشة في تفسير اللغو وبيان الأيمان التي فيها الكفارة خرج منها تفسيرا لكلام الله تعالى وتفسير الصحابي مقبول

مسألة

قال ( ومن حلف على شيء يظنه كما حلف فلم يكن فلا كفارة عليه لأنه من لغو اليمين )

أكثر أهل العلم على أن هذه اليمين لا كفارة فيها

قاله ابن المنذر

يروى هذا عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي مالك وزرارة بن أوفى والحسن والنخعي ومالك وأبي حنيفة والثوري

وممن قال هذا لغو اليمين مجاهد وسليمان بن يسار والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأكثر أهل العلم على أن لغو اليمين لا كفارة فيه

وقالابن عبد البر أجمع المسلمون على هذا

وقد حكي عن النخعي في اليمين على شيء يظنه حقا فيتبين بخلافه أنه من لغو اليمين وفيه الكفارة وهو أحد قولي الشافعي وروي عن أحمد أن فيه الكفارة وليس من لغو اليمين لأن اليمين بالله تعالى وجدت مع المخالفة فأوجبت الكفارة كاليمين على مستقبل

ولنا قول الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم المائدة 89

وهذه منه ولأنها يمين غير منعقدة فلم تجب فيها كفارة كيمين الغموس ولأنه غير مقصود للمخالفة فأشبه ما لو حنث ناسيا

وفي الجملة لا كفارة في يمين على ماض لأنها تنقسم ثلاثة أقسام ما هو صادق فيه فلا كفارة فيه إجماعا وما تعمد الكذب فيه فهو يمين الغموس لا كفارة فيها لأنها أعظم من أن تكون فيها كفارة وما يظنه حقا فيتبين بخلافه فلا كفارة فيه لأنه من لغو اليمين فأما اليمين على المستقبل فما عقد عليه قلبه وقصد اليمين عليه ثم خالف فعليه الكفارة وما لم يعقد عليه قلبه ولم يقصد اليمين عليه وإنما جرت على لسانه فهو من لغو اليمين

وكلام عائشة يدل على هذا فإنها قالت أيمان اللغو ما كان في المراء والمزاحة والهزل والحديث الذي لا يعقد عليه القلب وأيمان الكفارة كل يمين حلف عليها على وجه من


394

الأمر في غضب أو غيره ليفعلن أو ليتركن فذلك عقد الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة وقال الثوري في جامعة الأيمان أربعة يمينان يكفران وهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل أو يقول والله لأفعلن ثم لا يفعل ويمينان لا يكفران أن يقول والله ما فعلت وقد فعل أو يقول والله لقد فعلت وما فعل

مسألة

قال ( واليمين المكفرة أن يحلف بالله عز وجل أو باسم من أسمائه ) أجمع أهل العلم على أن من حلف بالله عز وجل فقال والله أو بالله أو تالله فحنث أن عليه الكفارة

قال ابن المنذر وكان مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي يقولون من حلف باسم من أسماء الله تعالى فحنث أن عليه الكفارة ولا نعلم في هذا خلافا إذا كان من أسماء الله عز وجل التي لا يسمى بها سواه وأسماء الله تنقسم ثلاثة أقسام أحدها ما لا يسمى بها غيره نحو قوله والله والرحمن والأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء ورب العالمين ومالك يوم الدين ورب السموات والأرض والحي الذي لا يموت ونحو هذا فالحلف بهذا يمين بكل حال

والثاني ما يسمى به غير الله تعالى مجازا وإطلاقه ينصرف إلى الله تعالى مثل الخالق والرازق والرب والرحيم والقادر والقاهر والملك والجبار ونحوه فهذا يسمى به غير الله مجازا بدليل قول الله تعالى ?< وتخلقون إفكا وتذرون أحسن الخالقين >? العنكبوت 17

وقوله ارجع إلى ربك يوسف 50

و اذكرني عند ربك يوسف 42

فأنساه الشيطان ذكر ربه يوسف 42 وقال فارزقوهم منه النساء

وقال بالمؤمنين رؤوف رحيم التوبة 128

فهذا إن نوى به اسم الله تعالى أو أطلق كان يمينا لأنه بإطلاقه يتصرف إليه وإن نوى به غير الله تعالى لم يكن يمينا لأنه يستعمل في غيره فينصرف بالنية إلى ما نواه وهذا مذهب الشافعي وقال طلحة العاقولي إذا قال والرب والخالق والرازق كان يمينا على كل حال كالأول لأنها لا تستعمل مع التعريف بلام التعريف إلا في اسمه تعالى فأشبهت القسم الأول

الثالث ما يسمى به الله تعالى وغيره ولا ينصرف إليه بإطلاقه كالحي والعالم والموجود والمؤمن والكريم والشاكر فهذا إن قصد به اليمين باسم الله تعالى كان يمينا وإن أطلق أو قصد غير الله تعالى لم يكن يمينا فيختلف هذا القسم والذي قبله في حالة الإطلاق ففي الأول يكون يمينا وفي الثاني لا يكون يمينا وقال القاضي والشافعي في هذا القسم لا يكون يمينا وإن قصد به اسم الله تعالى لأن اليمين إنما تنعقد لحرمة الاسم فمع الاشتراك لا تكون له حرمة والنية المجردة لا تنعقد بها اليمين

ولنا إنه أقسم باسم الله تعالى قاصدا به الحلف به فكان يمينا مكفرة كالقسم الذي قبله وقولهم إن النية


395

المجردة لا تنعقد بها اليمين نقول به وما انعقد بالنية المجردة إنما انعقد بالاسم المحتمل المراد به اسم الله تعالى فإن النية تصرف اللفظ المحتمل إلى أحد محتملاته فيصير كالمصرح به كالكنايات وغيرها ولهذا لو نوى بالقسم الذي قبله غير الله تعالى لم يكن يمينا لنيته

فصل والقسم بصفات الله تعالى كالقسم بأسمائه وصفاته تنقسم أيضا ثلاثة أقسام

أحدها ما هو صفات لذات الله تعالى لا يحتمل غيرها كعزة الله تعالى وعظمته وجلاله وكبريائه وكلامه فهذه تنعقد بها اليمين في قولهم جميعا

وبه يقول الشافعي وأصحاب الرأي لأن هذه من صفات ذاته لم يزل موصوفا بها وقد ورد الأثر بالقسم ببعضها فروي أن النار تقول قط قط وعزتك

رواه البخاري والذي يخرج من النار يقول وعزتك لا أسئلك غيرها وفي كتاب الله تعالى فبعزتك لأغوينهم أجمعين ص 82

الثاني ما هو صفة للذات ويعبر به عن غيرها مجازا كعلم الله وقدرته فهذه صفة للذات لم يزل موصوفا بها وقد تستعمل في المعلوم والمقدور اتساعا كقولهم اللهم اغفر لنا علمك فينا

ويقال اللهم قد أريتنا قدرتك فأرنا عفوك

ويقال انظر إلى قدرة الله أي مقدوره فمتى أقسم بهذا كان يمينا وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا قال وعلم الله لا يكون يمينا لأنه يحتمل المعلوم

ولنا إن العلم من صفات الله تعالى فكانت اليمين به يمينا موجبة للكفارة كالعظمة والعزة القدرة وينتقض ما ذكروه بالقدرة فإنهم قد سلموها وهي قرينتها فأما إن نوى القسم بالمعلوم والمقدور احتمل أن لا يكون يمينا وهو قول أصحاب الشافعي لأنه نوى بالاسم غير صفة الله مع احتمال اللفظ ما نواه فأشبه ما لو نوى القسم بمحلوف في الأسماء التي يسمى بها غير الله تعالى

وقد روي عن أحمد أن ذلك يكون يمينا بكل حال ولا تقبل منه نية غير صفة الله تعالى وهو قول أبي حنيفة في القدرة لأن ذلك موضوع للصفة فلا يقبل منه فيه غير الصفة كالعظمة وقد ذكر طلحة العاقولي في أسماء الله تعالى المعرفة بلام التعريف كالخالق والرازق أنها تكون يمينا بكل حال لأنها لا تنصرف إلا إلى اسم الله كذا هذا

الثالث ما لا ينصرف بإطلاقه إلى صفة الله تعالى لكن ينصرف بإضافته إلى الله سبحانه لفظا أو نية كالعهد والميثاق والأمانة ونحوه فهذا لا يكون يمينا مكفرة إلا بإضافته أو نيته وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى

فصل وإن قال وحق الله فهي يمين مكفرة وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا كفارة لها لأن حق الله طاعته ومفروضاته وليست صفة له


396

ولنا إن لله حقوقا يستحقها لنفسه من البقاء والعظمة والجلال والعزة وقد اقترن عرف الاستعمال بالحلف بهذه الصفة فتنصرف إلى صفة الله تعالى كقوله وقدرة الله

وإن نوى بذلك القسم بمخلوق فالقول فيه كالقول في الحلف بالعلم والقدرة إلا أن احتمال المخلوق بهذا اللفظ أظهر

فصل وإن قال لعمر الله فهي يمين موجبة للكفارة

وبه قال أبو حنيفة

وقال الشافعي إن قصد اليمين فهي يمين وإلا فلا وهو اختيار أبي بكر لأنها إنما تكون يمينا بتقدير خبر محذوف فكأنه قال لعمر الله ما أقسم به فيكون مجازا والمجاز لا ينصرف إليه الإطلاق

ولنا إنه أقسم بصفة من صفات ذات الله فكان يمينا موجبا للكفارة كالحلف ببقاء الله تعالى فإن معنى ذلك الحلف ببقاء الله تعالى وحياته ويقال العمر والعمر واحد وقيل معناه وحق الله

وقد ثبت له عرف الشرع والاستعمال

قال الله تعالى لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون الحجر 72

وقال النابغة فلا لعمر الذي قد زرته حججا وما أريق على الأنصاب من جسد وقال آخر إذا رضيت كرام بني قشير لعمر الله أعجبني رضاها وقال آخر ولكن لعمر الله ما ظل مسلما كغر الثنايا واضحات الملاغم وهذا في الشعر والكلام كثير

وأما احتياجه إلى التقدير فلا يصح فإن اللفظ إذا اشتهر في العرف صار من الأسماء العرفية يجب حمله عليه عند الإطلاق دون موضوعه الأصلي على ما عرف من سائر الأسماء العرفية ومتى احتاج اللفظ إلى التقدير وجب التقدير له ولم يجز إطراحه ولهذا يفهم مراد المتكلم به من غير اطلاع على نية قائله وقصده كما يفهم أن مراد المتكلم بهذا من المتقدمين القسم ويفهم من القسم بغير حرف القسم في أشعارهم القسم في مثل قوله فقلت يمين الله أبرح قاعدا ويفهم من القسم الذي حذف في جوابه حرف لا أنه مقدر مراد كهذا البيت ويفهم من قول الله تعالى واسأل القرية يوسف 82 وأشربوا في قلوبهم العجل البقرة 93 التقدير فكذا ها هنا وإن قال عمرك الله كما في قوله أيها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان فقد قيل هو مثل قوله نشدتك الله ولهذا ينصب اسم الله تعالى فيه

وإن قال لعمري أو لعمرك أو عمرك فليس بيمين في قول أكثرهم وقال الحسن في قوله لعمري عليه الكفارة

ولنا إنه أقسم بحياة مخلوق فلم تلزمه كفارة كما لو قال وحياتي وذلك لأن هذا اللفظ يكون قسما بحياة


397

الذي أضيف إليه العمر فإن التقدير لعمرك قسمي أو ما أقسم به والعمر الحياة أو البقاء

فصل وإن قال وايم الله أو وايمن الله فهي يمين موجبة للكفارة والخلاف فيه كالذي ذكرنا في الفصل الذي قبله

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم به وانضم إليه عرف الاستعمال فوجب أن يصرف إليه واختلف في اشتقاقه فقيل هو جمع يمين وحذفت النون فيه في البعض تخفيفا لكثرة الاستعمال وقيل هو من اليمين فكأنه قال ويمين الله لأفعلن وألفه ألف وصل

فصل وحروف القسم ثلاثة الباء وهي الأصل وتدخل على المظهر والمضمر جميعا والواو وهي بدل من الباء تدخل على المظهر دون المضمر لذلك وهي أكثر استعمالا وبها جاءت أكثر الأقسام في الكتاب والسنة وإنما كانت الباء الأصل لأنها الحرف الذي تصل به الأفعال القاصرة عن التعدي إلى مفعولاتها والتقدير في القسم أقسم بالله كما قال الله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم الأنعام 109 النحل 38 النور 53 فاطر 42

والتاء بدل من الواو وتختص باسم واحد من أسماء الله تعالى وهو الله ولا تدخل على غيره فيقال تالله ولو قال تالرحمن أو تالرحيم لم يكن قسما فإذا أقسم بأحد هذه الحروف الثلاثة في موضعه كان قسما صحيحا لأنه موضوع له وقد جاء في كتاب الله تعالى وكلام العرب قال الله تعالى تالله لتسألن عما كنتم تفترون النحل 56 تالله لقد آثرك الله علينا يوسف 91

تالله تفتأ تذكر يوسف يوسف 85

تالله لقد علمتم & وتالله لأكيدن أصنامكم الأنبياء 57

قال الشاعر تالله يبقى على الأيام ذو حيد بمشمخر به الضبان والآس فإن قال ما أردت به القسم لم يقبل منه لأنه أتى باللفظ الصريح في القسم واقترنت به قرينة دالة عليه وهو الجواب بجواب القسم ويحتمل أن يقبل منه في قوله تالله لأقومن إذا قال أردت أن قيامي بمعونة الله وفضله لأنه فسر كلامه بما يحتمل ولا يقتل في الحرفين الآخرين لعدم الاحتمال ويحتمل أن لا يقبل بحال لأنه أجاب بجواب القسم فيمنع صرفه إلى غيره

فصل وإن أقسم بغير حرف القسم فقال الله لأقومن بالجر أو النصب كان يمينا وقالالشافعي لا يكون يمينا إلا أن ينوي لأن ذكر اسم الله تعالى بغير حرف القسم ليس بصريح في القسم فلا ينصرف إليه إلا بالنية

ولنا إنه سائغ في العربية وقد ورد به عرف الاستعمال في الشرع فروي أن عبد الله بن مسعود أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتل أبا جهل فقال الله إنك قتلته قال الله إني قتلته ذكره البخاري وقال لركانة بن عبد يزيد الله ما أردت إلا واحدة قال الله ما أردت إلا واحدة وقال امرؤ القيس فقلت يمين الله أبرح قاعدا


398

وقال أيضا فقالت يمين الله ما لك حيلة وقد اقترنت به قرينتان تدلان عليه إحداهما الجواب بجواب القسم

والثاني النصب والجر في اسم الله تعالى

فوجب أن تكون يمينا كما لو قال والله وإن قال الله لأفعلن بالرفع ونوى اليمين فهي يمين لكنه قد لحن فهو كما لو قال والله بالرفع وإن لم ينو اليمين

فقال أبو الخطاب يكون يمينا لأن قرينة الجواب بجواب القسم كافية والعامي لا يعرف الإعراب فيأتي به إلا أن يكون من أهل العربية فإن عدوله عن إعراب القسم دليل على أنه لم يرده ويحتمل أن لا يكون قسما في حق العامي لأنه ليس بقسم في حق أهل العربية فلم يكن قسما في غيرهم كما لو لم يجبه بجواب القسم

فصل ويجاب القسم بأربعة أحرف حرفان للنفي هما ما ولا وحرفان للإثبات وهما ان واللام المفتوحة وتقوم إن المكسورة مقام النافية مثل قوله وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى التوبة 107

وإن قال والله أفعل بغير حرف فالمحذوف ها هنا لا وتكون يمينه على النفي لأن موضوعه في العربية كذلك قال الله تعالى تالله تفتأ تذكر يوسف يوسف 85

أي لا تفتأ وقال لا شاعر تالله يبقى على الأيام ذو حيد وقال آخر فقلت يمين الله أبرح قاعدا أي لا أبرح

فصل فإن قال لاها لله ونوى اليمين فهو يمين لما روي أن أبا بكر الصديق ضي الله عنه قال في سلب قتيل أبي قتادة لاها لله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق وإن لم ينو اليمين فالظاهر أنه لا يكون يمينا لأنه لم يقترن به عرف ولا نية في جوابه حرف يدل على القسم وهذا مذهب الشافعي رضي الله عنه

مسألة

قال ( أو بآية من القرآن )

وجملته أن الحلف بالقرآن أو بآية منه أو بكلام الله يمين منعقدة تجب الكفارة بالحنث فيها وبهذا قال ابن مسعود والحسن وقتادة ومالك والشافعي وأبو عبيد وعامة أهل العلم وقال أبو حنيفة وأصحابه ليس بيمين ولا تجب به كفارة فمنهم من زعم أنه مخلوق ومنهم من قال لا يعهد اليمين به

ولنا إن القرآن كلام الله وصفة من صفات ذاته فتنعقد اليمين به كما لو قال وجلال الله وعظمته وقولهم هو مخلوق قلنا هذا كلام المعتزلة وإنما الخلاف مع الفقهاء وقد روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال القرآن كلام الله غير مخلوق

وقال ابن عباس في قوله تعالى قرآنا عربيا غير ذي عوج الزمر 28

أي غير مخلوق وأما قولهم لا يعهد اليمين به فيلزمهم قولهم وكبرياء الله وعظمته وجلاله

إذا ثبت هذا فإن الحلف


399

بآية منه كالحلف بجميعه لأنها من كلام الله تعالى

فصل وإن حلف بالمصحف انعقدت يمينه وكان قتادة يحلف بالمصحف ولم يكره ذلك إمامنا وإسحاق لأن الحالف بالمصحف إنما قصد الحلف بالمكتوب فيه وهو القرآن فإنه بين دفتي المصحف بإجماع المسلمين

مسألة

قال ( أو تصدق بملكه أو بالحج )

وجملته إذا أخرج النذر مخرج اليمين بأن يمنع نفسه أو غيره به شيئا أو يحث به على شيء مثله أن يقول إن كلمت زيدا فله علي الحج أو صدقة مالي أو صوم سنة فهذا يمين حكمه أنه مخير بين الوفاء بما حلف عليه فلا يلزمه شيء وبين أن يحنث فيتخير بين فعل المنذور وبين كفارة يمين ويسمى نذر اللجاج والغضب ولا يتعين عليه الوفاء به وإنما يلزم نذر التبرز وسنذكره في بابه وهذا قول عمر وابن عباس وابن عمر وعائشة وحفصة وزينب بنت أبي سلمة وبه قال عطاء وطاوس وعكرمة والقاسم والحسن وجابر بن زيد والنخعي وقتادة وعبد الله بن شريك والشافعي والعنبري وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وقال سعيد بن المسيب لا شيء في الحلف بالحج وعن الشعبي والحارث والعكلي وحماد والحكم لا شيء في الحلف بصدقة ماله لأن الكفارة إنما تلزم بالحلف بالله تعالى لحرمة الاسم وهذا ما حلف باسم الله ولا يجب ما سماه لأنه لم يخرجه مخرج القربة وإنما التزمه على طريق العقوبة فلم يلزمه وقال أبو حنيفة ومالك يلزمه الوفاء بنذره لأنه نذر فيلزمه الوفاء به كنذر التبرر وروي نحو ذلك عن الشعبي

ولنا ما روى عمران بن حصين قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين رواه سعيد بن منصور والجوزجاني في المترجم وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف بالمشي أو الهدي أو جعل ماله في سبيل الله أو في المساكين أو في رتاج الكعبة فكفارته كفارة اليمين ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم ولأنه يمين فيدخل في عموم قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين المائدة 89

ودليل أنه يمين أنه يسمى بذلك ويسمى قائله حالفا وفارق نذر التبرر لكونه قصد به التقرب إلى الله تعالى والبر ولم يخرجه مخرج اليمين وها هنا يخرج مخرج اليمين ولم يقصد به قربة ولا برا فأشبه اليمين من وجه والنذر من وجه فخير بين الوفاء به وبين الكفارة

وعن أحمد رواية ثانية أنه تتعين الكفارة ولا يجزئه الوفاء بنذره وهو قول لبعض أصحاب الشافعي لأنه يمين والأول أولى لأنه إنما التزم فعل ما نذره فلا يلزمه أكثر منه كنذر التبرر وفارق اليمين بالله تعالى لأنه أقسم بالاسم المحترم فإذا خالف لزمته الكفارة تعظيما للاسم بخلاف هذا


400

مسألة

قال ( أو بالعهد )

وجملته أنه إذا حلف بالعهد أو قال وعهد الله وكفالته فذلك يمين يجب تكفيرها إذا حنث فيها وبهذا قال الحسن وطاوس والشعبي والحارث العكلي وقتادة والحكم والأوزاعي ومالك و حلفت عائشة رضي الله عنها بالعهد أن لا تكلم ابن الزبير فلما كلمته أعتقت أربعين رقبة وكانت إذا ذكرته تبكي وتقول واعهداه قال أحمد العهد شديد في عشرة مواضع من كتاب الله وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا الإسراء 34 ويتقرب إلى الله تعالى إذا حلف بالعهد وحنث ما استطاع وعائشة أعتقت أربعين رقبة ثم تبكي حتى تبل خمارها وتقول واعهداه وقال عطاء وأبو عبيد وابن المنذر لا يكون يمينا إلا أن ينوي وقال الشافعي لا يكون يمينا إلا أن ينوي اليمين بعهد الله الذي هو صفته وقال أبو حنيفة ليس بيمين ولعلهم ذهبوا إلى أن العهد من صفات الفعل فلا يكون الحلف به يمينا كما لو قال وخلق الله وقد وافقنا أبو حنيفة في أنه إذا قال علي عهد الله وميثاقه لأفعلن ثم حنث أنه يلزمه الكفارة

ولنا إن عهد الله يحتمل كلامه الذي أمرنا به ونهانا كقوله تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم يس 60 وكلامه قديم صفة له ويحتمل أنه استحقاقه لما تعبدنا به وقد ثبت له عرف الاستعمال فيجب أن يكون يمينا بإطلاقه كما لو قال وكلام الله

إذا ثبت هذا

فإنه إن قال علي عهد الله وميثاقه لأفعلن أو قال وعهد الله وميثاقه لأفعلن فهو يمين وإن قال والعهد والميثاق لأفعلن ونوى عهد الله كان يمينا لأنه نوى الحلف بصفة من صفات الله تعالى وإن أطلق فقال القاضي فيه روايتان إحداهما يكون يمينا لأن لام التعريف إن كانت للعهد يجب أن تنصرف إلى عهد الله لأنه الذي عهدت اليمين به وإن كانت للاستغراق دخل فيه ذلك

والثانية لا يكون يمينا لأنه يحتمل غير ما وجبت به الكفارة ولم يصرفه إلى ذلك بنيته فلا تجب الكفارة لأن الأصل عدمها

مسألة

قال ( أو بالخروج من الإسلام )

اختلفت الرواية عن أحمد في الحلف بالخروج من الإسلام مثل أن يقول هو يهودي أو نصراني أو مجوسي إن فعل كذا أو هو بريء من الإسلام أو من رسول الله أو من القرآن إن فعل أو يقول هو يعبد الصليب أن يعبدك أو يعبد غير الله تعالى إن فعل أو نحو هذا فعن أحمد عليه الكفارة إذا حنث يروى هذا عن عطاء وطاوس والحسن والشعبي والثوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي ويروى ذلك عن زيد بن ثابت رضي الله عنه


401

والرواية الثانية لا كفارة عليه وهو قول مالك والشافعي والليث وأبي ثور وابن المنذر لأنه لم يحلف باسم الله ولا صفته فلم تلزمه كفارة كما لو قال عصيت الله تعالى فيما أمرني ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في الرواية الأولى على الندب دون الإيجاب لأنه قال في رواية حنبل إذا قال أكفر بالله أو أشرك بالله فأحب إلي أن يكفر كفارة يمين إذا حنث

ووجه الرواية الأولى ما روي عن الزهري عن خارجة بن زيد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يقول هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو بريء من الإسلام في اليمين يحلف بها فيحنث في هذه الأشياء فقال عليه كفارة يمين أخرجه أبو بكر ولأن البراءة من هذه الأشياء توجب الكفر بالله فكان الحلف يمينا كالحلف بالله تعالى

والرواية الثانية أصح إن شاء الله تعالى فإن الوجوب من الشارع ولم يرد في هذه اليمين نص ولا هي في قياس المنصوص فإن الكفارة إنما وجبت في الحلف باسم الله تعظيما لاسمه وإظهارا لشرفه وعظمته ولا تتحقق التسوية

فصل وإن قال هو يستحل الخمر والزنا إن فعل ثم حنث أو قال هو يستحل ترك الصلاة أو الصيام أو الزكاة فهو كالحلف بالبراءة من الإسلام لأن استحلال ذلك يوجب الكفر وإن قال عصيت الله فيما أمرني أو في كل ما افترض علي أو محوت المصحف أو أنا أسرق أو أقتل النفس التي حرم الله إن فعلت وحنث لم تلزمه كفارة لأن هذا دون الشرك وإن قال أخزاه الله أو أقطع يده أو لعنه الله إن فعل ثم حنث فلا كفارة عليه نص عليه أحمد وبهذا قال عطاء والثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي وقال طاوس والليث عليه كفارة وبه قال الأوزاعي إذا قال عليه لعنة الله

ولنا إن هذا لا يوجب الكفر فأشبه ما لو قال محوت المصحف وإن قال لا يراني الله في موضع كذا إن فعلت وحنث

فقال القاضي عليه كفارة وذكر أن أحمد نص عليه

والصحيح أن هذا لا كفارة فيه لأن إيجابها في هذا ومثله تحكم بغير نص ولا قياس صحيح

فصل ولا يجوز الحلف بالبراءة من الإسلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم من قال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال وإن كان صادقا لم يعد إلى الإسلام سالما رواه أبو داود

مسألة

قال ( أو بتحريم مملوكه أو شيء من ماله )

وجملته أنه إذا قال هذا حرام علي إن فعلت وفعل أو قال ما أحل الله علي حرام إن فعلت ثم فعل فهو مخير إن شاء ترك ما حرمه على نفسه وإن شاء كفر وإن قال هذا الطعام حرام علي فهو كالحلف على تركه ويروى نحو هذا عن ابن مسعود والحسن وجابر بن زيد وقتادة وإسحاق وأهل العراق وقال سعيد بن جبير فيمن قال الحل علي حرام يمين من الأيمان يكفرها وقال الحسن هي يمين إلا أن ينوي طلاق امرأته وعن


402

إبراهيم مثله وعنه إن نوى طلاقا وإلا فليس بشيء وعن الضحاك أن أبا بكر وعمر وابن مسعود قالوا الحرام يمين وقال طاوس هو ما نوى وقال مالك والشافعي ليس بيمين ولا شيء عليه لأنه قصد تغيير المشروع فلغا ما قصده كما لو قال هذه ربيبتي

ولنا قول الله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك إلى قوله قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم التحريم 2 سمى تحريم ما أحل الله يمينا وفرض له تحلة وهي الكفارة وقالت عائشة رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يمكث عند زينت بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل إن أجد منك ريح مغافير فدخل على إحدانا فقالت له ذلك

فقال لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له

فنزل يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك التحريم 1 متفق عليه فإن قيل إنما نزلت الآية في تحريم مارية القبطية كذلك قال الحسن وقتادة قلنا ما ذكرناه أصح فإنه متفق عليه وقول عائشة صاحبة القصة الحاضرة للتنزيل المشاهدة للحال أولى والحسن وقتادة لو سمعا قول عائشة لم يعدلا به شيئا ولم يصيرا إلى غيره فكيف يصار إلى قولهما وبترك قولها وقد روي عن ابن عباس وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل تحريم الحلال يمينا ولو ثبت أن الآية نزلت في تحريم مارية كان حجة لنا لأنها من الحلال الذي حرم وليست زوجة فوجوب الكفارة بتحريمها يقتضي وجوبه في كل حلال حرم بالقياس عليها لأنه حرم الحلال فأوجب الكفارة كتحريم الأمة والزوجة وما ذكروه يبطل بتحريمها وإذا قال هذه ربيبتي يقصد تحريمها فهو ظهار

مسألة

( أو يقول أقسم بالله أو أشهد بالله أو أعزم بالله )

هذا قول عامة الفقهاء لا نعلم فيه خلافا وسواء نوى اليمين أو أطلق لأنه لو قال بالله ولم يقل أقسم ولا أشهد ولم يذكر الفعل كان يمينا وإنما كان يمينا بتقدير الفعل قبله لأن الباء تتعلق بفعل مقدر على ما ذكرناه فإذا أظهر الفعل ونطق بالمقدر كان أولى بثبوت حكمه وقد ثبت له عرف الاستعمال قال الله تعالى فيقسمان بالله المائدة 106 وقال تعالى وأقسموا بالله الأنعام 109 النحل 8 النور 53 فاطر 42 وقال فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين النور ويقول الملاعنن في لعانه أشهد بالله إني لمن الصادقين وتقول المرأة أشهد بالله إنه لمن الكاذبين وأنشد أعرابي عمر أقسم بالله لتفعلنه وكذلك الحكم إن ذكر الفعل بلفظ الماضي فقال

أقسمت بالله أو شهدت بالله قال عبد الله بن رواحة أقسمت بالله لتنزلنه وإن أراد بقوله أقسمت بالله الخبر عن قسم ماض أو بقوله أقسم بالله عن قسم يأتي


403

به فلا كفارة عليه وإن ادعى إرادة ذلك قبل منه وقال القاضي لا يقبل في الحكم وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأنه خلاف الظاهر

ولنا إن هذا حكم فيما بينه وبين الله تعالى فإذا علم من نفسه أنه نوى شيئا أو أراده مع احتمال اللفظ إياه لم تلزمه كفارة وإن قال شهدت بالله إني آمنت بالله فليس بيمين وإن قال أعزم بالله يقصد اليمين فهو يمين وإن أطلق فظاهر كلام الخرقي أنه يمين وهو قول ابن حامد وقال أبو بكر ليس بيمين وهو قول الشافعي لأنه لم يثبت له عرف الشرع ولا الاستعمال وظاهره غير اليمين لأن معناه أقصد بالله لأفعلن

ووجه الأول أنه يحتمل اليمين وقد اقترن به ما يدل عليه وهو جوابه بجواب القسم فيكون يمينا

فأما إن نوى بقوله غير اليمين لم يكن يمينا

فصل وإن قال أحلف بالله أو أولي بالله أو حلفت بالله أو آليت بالله أو ألية بالله أو حلفا بالله أو قسما بالله فهو يمين سواء نوى به اليمين أو أطلق لما ذكرناه في أقسم بالله وحكمه حكمه في تفصيله لأن الإيلاء والحلف والقسم واحد قال الله تعالى للذين يؤلون من نسائهم البقرة 226 وقال سعد بن معاذ أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به

وقال الشاعر أولي برب الراقصات إلى منى ومطارح الأكوار حيث تبيت وقال ابن زيد إليه باليعملات ترتمي بها النجاء بين أجواز الفلا وقال بل قسما بالشم من يعرب هل لمقسم من بعد هذا منتهى فصل وإن قال أقسمت أو آليت أو حلفت أو شهدت لأفعلن ولم يذكر بالله فعن أحمد روايتان إحداهما أنها يمين وسواء نوى اليمين أو أطلق وروي نحو ذلك عن عمر وابن عباس والنخعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه

وعن أحمد إن نوى اليمين بالله كان يمينا وإلا فلا وهو قول مالك وإسحاق وابن المنذر لأنه يحتمل القسم بالله وبغيره فلم تكن يمينا حتى يصرفه بنيته إلى ما تجب به الكفارة وقال الشافعي ليس بيمين وإن نوى وروي نحو ذلك عن عطاء والحسن والزهري وقتادة وأبي عبيد لأنها عريت عن اسم الله وصفته فلم تكن يمينا كما لو قال أقسمت بالبيت

ولنا إنه قد ثبت لها عرف الشرع والاستعمال فإن أبا بكر قال أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بما أصبت مما أخطأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقسم يا أبا بكر رواه أبو داود وقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم أقسمت


404

عليك يا رسول الله لتبايعنه فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبررت قسم عمي ولا هجرة وفي كتاب الله تعالى إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله المنافقون 1 إلى قوله اتخذوا أيمانهم جنة المنافقون 2 فسماها يمينا وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وقالت عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفت لئن عادوا لنصطلمنهم لجاؤوا تردي حجرتيها المقالب وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل فآليت لا تنفك عيني خزينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا وقولهم يحتمل القسم بغير الله قلنا إنما يحمل على القسم المشروع ولهذا لم يكن هذا مكروها ولو حمل على القسم بغير الله كان مكروها ولو كان مكروها لم يفعله أبو بكر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبر النبي صلى الله عليه وسلم قسم العباس حين أقسم عليه

فصل وإن قال أعزم أو عزمت لم يكن قسما نوى به القسم أو لم ينو لأنه لم يثبت لهذا اللفظ عرف في شرع ولا استعمال ولا هو موضع للقسم ولا فيه دلالة عليه وكذلك لو قال أستعين بالله أو أعتصم بالله أو أتوكل على الله أو علم الله أو عز الله تبارك الله ونحو هذا لم يكن يمينا نوى أو لم ينو لأنه ليس بموضوع للقسم لغة ولا ثبت له عرف في شرع ولا استعمال فلم يجب به شيء كما لو قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر

مسألة

قال ( أو بأمانة الله ) قال القاضي لا يختلف المذهب في أن الحلف بأمانة الله يمين مكفرة وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا تنعقد اليمين بها إلا أن ينوي الحلف بصفة الله تعالى لأن الأمانة تطلق على الفرائض والودائع والحقوق قال الله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان الأحزاب 72 وقال تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها النساء 58 يعني الودائع والحقوق وقال النبي صلى الله عليه وسلم أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك وإذا كان اللفظ محتملا لم يصرف إلى أحد محتملاته إلا بنية أو دليل صارف إليه

ولنا إن أمانة الله صفة له بدليل وجوب الكفارة على من حلف بها إذا نوى ويجب حملها على ذلك عند الإطلاق لوجوه أحدها أن حملها على غير ذلك صرف اليمين المسلم إلى المعصية أو المكروه لكونه قسما بمخلوق والظاهر من حال المسلم خلافه


405

والثاني أن القسم في العادة يكون بالمعظم المحترم دون غيره وصفة الله تعالى أعظم حرمة وقدرا

والثالث أن ما ذكروه من الفرائض والودائع لم يعهد القسم بها ولا يستحسن ذلك لو صرح به فكذلك لا يقسم بما هو عبارة عنه

الرابع أن أمانة الله المضافة إليه هي صفته وغيرها يذكر غير مضاف إليه كما ذكر في الآيات والخبر

الخامس أن اللفظ عام في كل أمانة الله لأن اسم الجنس إذا أضيف إلى معرفة أفاد الاستغراق فيدخل فيه أمانة الله التي هي صفته فتنعقد اليمين بها موجبة للكفارة كما لو نواها

فصل فإن قال والأمانة لا فعلت ونوى الحلف بأمانة الله فهو يمين مكفرة موجبة للكفارة وإن أطلق فعلى روايتين إحداهما يكون يمينا لما ذكرنا من الوجوه

والثانية لا يكون يمينا لأنه لم يضفها إلى الله تعالى فيحتمل غير ذلك

قال أبو الخطاب وكذلك إذا قال والعهد والميثاق والجبروت والعظمة والأمانات فإن نوى يمينا كان يمينا وإلا فلا وقد ذكرنا في الأمانة روايتين فيخرج في سائر ما ذكروه وجهان قياسا عليها

فصل ويكره الحلف بالأمانة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف بالأمانة فليس منا رواه أبو داود وروي عن زياد بن حدير أن رجلا حلف عنده بالأمانة فجعل يبكي بكاء شديدا فقال له الرجل هل كان هذا يكره قال نعم كان عمر ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي

فصل ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق كالكعبة والأنبياء وسائر المخلوقات ولا تجب الكفارة بالحنث فيها هذا ظاهر كلام الخرقي وهو قول أكثر الفقهاء وقال أصحابنا الحلف برسول الله صلى الله عليه وسلم يمين موجبة للكفارة وروي عن أحمد أنه قال إذا حلف بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنث فعليه الكفارة قال أصحابنا لأنه أحد شرطي الشهادة فالحلف به موجب للكفارة كالحلف باسم الله تعالى

ووجه الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ولأنه حلف بغير الله فلم يوجب الكفارة كسائر الأنبياء ولأنه مخلوق فلم تجب الكفارة بالحلف به كإبراهيم عليه السلام ولأنه ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص ولا يصح قياس اسم غير الله على اسمه لعدم الشبه وانتفاء المماثلة وكلامأحمد في هذا يحمل على الاستحباب دون الإيجاب

مسألة

قال ( ولو حلف بهذه الأشياء كلها على شيء واحد فحنث فعليه كفارة واحدة )

وجملته إنه إذا حلف بجميع هذه الأشياء التي ذكرهاالخرقي وما يقوم مقامها أو كرر اليمين على شيء


406

واحد مثل أن قال والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا

فحنث فليس عليه إلا كفارة واحدة

روي نحو هذا عنابن عمر وبه قال الحسن وعروة وإسحاق وروي أيضا عن عطاء وعكرمة والنخعي وحماد والأوزاعي وقالأبو عبيد فيمن قال علي عهد الله وميثاقه وكفالته ثم حنث فعليه ثلاث كفارات وقال أصحاب الرأي عليه بكل يمين كفارة إلا أن يريد التأكيد والتفهيم ونحوه عن الثوري وأبي ثور وعن الشافعي قولان كالمذهبين وعن عمرو بن دينار إن كان في مجلس واحد كقولنا وإن كان في مجالس كقولهم واحتجوا بأن أسباب الكفارات تكررت فتكرر الكفارات كالقتل لآدمي وصيد حرمي ولأن اليمين الثانية مثل الأولى فتقتضي ما تقتضيه

ولنا إنه حنث واحد أوجب جنسا واحدا من الكفارات فلم يجب به أكثر من كفارة كما لو قصد التأكيد والتفهيم وقولهم إنها أسباب تكررت لا نسلمه فإن السبب الحنث وهو واحد وإن سلمنا فينتقض بما إذا تكرر الوطء في رمضان في أيام وبالحدود إذا تكررت أسبابها فإنها كفارات وبما إذا قصد التأكيد ولا يصح القياس على الصيد الحرمي لأن الكفارة بدل ولذلك تزداد بكبر الصيد وتتقدر بقدره فهي كدية القتيل ولا على كفارة قتل الآدمي لأنها أجريت مجرى البدل أيضا لحق الله تعالى لأنه لما أتلف آدميا عابدا لله تعالى ناسب أن يوجد عبدا يقوم مقامه في العبادة فلما عجز عن الإيجاد لزمه إعتاق رقبة لأن العتق إيجاد للعبد بتخليصه من رق العبودية وشغلها إلى فراغ البال للعبادة بالحرية التي حصلت بالإعتاق ثم الفرق ظاهر وهو أن السبب ها هنا تكرر بكماله وشروطه وفي محل النزاع لم يوجد ذلك

لأن الحنث إما أن يكون هو السبب أو جزءا منه أو شرطا له بدليل توقف الحكم على وجوده وأيا ما كان فلم يتكرر فلم يجز الإلحاق ثم وإن صح القياس فقياس كفارة اليمين على مثلها أولى من قياسها على القتل لبعد ما بينهما

فصل وإذا حلف يمينا واحدة على أجناس مختلفة فقال والله لا أكلت ولا شربت ولا لبست فحنث في الجميع فكفارة واحدة لا أعلم فيه خلافا لأن اليمين واحدة والحنث واحد فإنه بفعل واحد من المحلوف عليه يحنث وتنحل اليمين وإن حلف أيمانا على أجناس فقال والله لا أكلت والله لا شربت والله لا لبست فحنث في وحدة منها فعليه كفارة فإن أخرجها ثم حنث في يمين أخرى لزمته كفارة أخرى لا نعلم في هذا أيضا خلافا لأن الحنث في الثانية تجب به الكفارة بعد أن كفر عن الأولى فأشبه ما لو وطىء في رمضان فكفر ثم وطىء مرة أخرى فإن حنث في الجميع قبل التكفير فعليه في كل يمين كفارة وهذا ظاهر كلام الخرقي ورواه المروذي عن أحمد وهو قول أكثر أهل العلم

وقال أبو بكر تجزئة كفارة واحدة ورواها ابن منصور عن أحمد قال القاضي وهي الصحيحة وقال أبو بكر ما نقله المروذي عن أحمد قول لأبي عبد الله ومذهبه أن كفارة واحدة تجزئة وهو قول إسحاق لأنها كفارات


407

من جنس فتداخلت كالحدود من جنس وإن اختلفت محالها بأن يسرق من جماعة أو يزني بنساء

ولنا أنهن أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى فلم تتكفر إحداهما بكفارة الأخرى كما لو كفر عن إحداهما قبل الحنث في الأخرى وكالأيمان المختلفة الكفارة وبهذا فارق الأيمان على شيء واحد فإنه متى حنث في إحداهما كان حانثا في الأخرى فإن كان الحنث واحدا كانت الكفارة واحدة وها هنا تعدد الحنث فتعددت الكفارات وفارق الحدود فإنها وجبت للزجر وتندرىء بالشبهات بخلاف مسألتنا

ولأن الحدود عقوبة بدنية فالموالاة بينها ربما أفضت إلى التلف فاجتزىء بأحدها وها هنا الواجب إخراج مال يسير أو صيام ثلاثة أيام فلا يلزم الضرر الكثير بالموالاة فيه ولا يخشى منه التلف

مسألة

قال ( ولو حلف على شيء واحد بيمينين مختلفي الكفارة لزمته في كل واحدة من اليمينين كفارتها ) هذا مثل الحلف بالله وبالظهار وبعتق عبده فإذا حنث فعليه كفارة يمين وكفارة ظهار ويعتق العبد لأن تداخل الأحكام إنما يكون مع اتحاد الجنس كالحدود من جنس والكفارات ها هنا أجناس وأسبابها مختلفة فلم تتداخل الزنا والسرقة والقذف والشرب

مسألة

قال ( ومن حلف بحق القرآن لزمته بكل آية كفارة يمين ) نص على هذا أحمد وهو قول ابن مسعود والحسن وعنه أن الواجب كفارة واحدة وهو قياس المذهب الشافعي وأبي عبيد لأن الحلف بصفات الله كلها وتكرر اليمين بالله سبحانه لا يوجب أكثر من كفارة واحدة فالحلف بصفة واحدة من صفاته أولى أن تجزئه كفارة واحدة

ووجه الأول ما روى مجاهد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف بسورة من القرآن فعليه بكل آية كفارة يمين صبر فمن شاء بر ومن شاء فجر رواه الأثرم ولأن ابن مسعود قال عليه بكل آية كفارة يمين ولم نعرف مخالفا له في الصحابة فكان إجماعا قال أحمد وما أعلم شيئا يدفعه ويحتمل أن كلام أحمد في كل آية كفارة على الاستحباب لمن قدر عليه فإنه قال عليه بكل آية كفارة فإن لم يمكنه فكفارة واحدة ورده إلى واحدة عن العجز دليل على أن ما زاد عليها غير واجب وكلام ابن مسعود أيضا يحمل على الاختيار والاحتياط لكلام الله والمبالغة في تعظيمه كما أن عائشة أعتقت أربعين رقبة حين حلفت بالعهد وليس ذلك بواجب ولا يجب أكثر من كفارة لقول الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين المائدة 89 وهذه يمين فتدخل في عموم الأيمان المنعقدة ولأنها يمين واحدة فلم توجب كفارات كسائر الأيمان ولأن إيجاب كفارات بعدد الآيات يفضي إلى المنع من البر والتقوى والإصلاح بين


408

الناس لأنم من علم أنه بحنثه تلزمه هذه الكفارات كلها ترك المحلوف عليه كائنا ما كان وقد يكون برا وتقوى واصلاحا فتمنعه منه وقد نهى الله تعالى عنه بقوله ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس البقرة 224 وإن قلنا بوجوب كفارات بعدد الآيات فلم يطق أجزأته كفارة واحدة نص عليه أحمد

مسألة

قال ( وعن أبي عبد الله فيمن حلف بنحر ولده روايتان إحداهما كفارة يمين والأخرى يذبح كبشا

اختلفت الرواية فيمن حلف بنحر ولده نحو أن يقول إن فعلت كذا فلله علي أن أذبح ولدي أو يقول ولدي بخير إن فعلت كذا أو نذر ذبح ولده مطلقا غير معلق بشرط فعن أحمد عليه كفارة يمين وهذا قياس المذهب لأن هذا نذر معصية أو نذر لجاج وكلاهما يوجب الكفارة وهو قول ابن عباس فإنه روي عنه أنه قال لامرأة نذرت أن تذبح ابنها لا تنحري ابنك وكفري عن يمينك

والرواية الثانية كفارته ذبح كبش ويطعمه المساكين وهو قول أبي حنيفة ويروى ذلك عن ابن عباس أيضا لأن نذر ذبح الولد جعل في الشرع كنذر ذبح شاة بدليل أن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده وكان أمرا بذبح شاة وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه ودليل أنه أمر بذبح شاة أن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء ولا بالمعاصي وذبح الولد من كبائر المعاصي

قال الله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق الإسراء 31 وقال النبي صلى الله عليه وسلم أكبر الكبائر أن تجعل لله ندا وهو خلقك

قيل ثم أي قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك

وقال الشافعي ليس هذا بشيء ولا يجب به شيء لأنه نذر معصية لا يجب الوفاء به ولا يجوز ولا تجب به كفارة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم ولقوله عليه السلام ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه

ولنا قوله عليه السلام لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين ولأن النذر حكمه حكم اليمين بدليل قوله عليه السلام النذر حلفه وكفارته كفارة يمين فيكون بمنزلة من حلف ليذبحن ولده وقولهم إن النذر لذبح الولد كناية عن ذبح كبش لا يصح لأن إبراهيم لو كان مأمورا بذبح كبش لم يكن الكبش فداء ولا كان مصدقا للرؤيا قبل ذبح الكبش وإنما أمر بذبح ابنه ابتلاء ثم فدي بالكبش وهذا أمر اختص بإبراهيم عليه السلام لا يتعداه إلى غيره لحكمة علمها الله تعالى فيه ثم لو كان إبراهيم مأمورا بذبح كبش فقد ورد شرعنا


409

بخلافه فإن نذر ذبح الابن ليس بقربة في شرعنا ولا مباح بل هو معصية فتكون كفارته ككفارة سائر نذور المعاصي

فصل وإن نذر ذبح نفسه أو أجنبي ففيه أيضا عن أحمد روايتان وعن ابن عباس أيضا فيه روايتان

نقل ابن منصور عن أحمد فيمن نذر أن ينحر نفسه إذا حنث بذبح شاة وكذلك إن نذر ذبح أجنبي

لأنه روي عن ابن عباس في الذي قال أنا أنحر فلانا فقال عليه ذبح كبش ولأنه نذر ذبح آدمي فكان عليه ذبح كبش كنذر ذبح ابنه

والثانية عليه كفارة يمين لأنه نذر معصية فكان موجبه كفارة لما ذكرنا فيما تقدم

وروى الجوزجاني بإسناده عن الأوزاعي قال حدثني أبو عبيد قال جاء رجل إلى ابن عمر فقال إني نذرت أن أنحر نفسي قال فتجهمه ابن عمر وأفف منه ثم أتى ابن عباس فقال له اهد مائة بدنة ثم أتى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له أرأيت لو نذرت أن لا تكلم أباك أو أخاك إنما هذه خطوة من خطوات الشيطان استغفر الله وتب إليه ثم رجع إلى ابن عباس فأخبره فقال أصاب عبد الرحمن ورجع ابن عباس عن قوله والصحيح في هذا أنه نذر معصية حكمه حكم نذر سائر المعاصي لا غير

فصل قال أحمد في امرأة نذرت نحر ولدها ولها ثلاثة أولاد تذبح عن كل واحد كبشا وتكفر يمينها وهذا على قوله إن كفارة نذر ذبح الولد ذبح كبش جعل عن كل واحد كبشا لأن لفظ الواحد إذا أضيف اقتضى التعميم فكان عن كل واحد كبش فإن عنت بنذرها واحدا فإنما عليها كبش واحد بدليل أن إبراهيم عليه السلام لما أمر بذبح ابنه الواحد فدى بكبش واحد ولم يفد غير من أمر بذبحه من أولاده وكذا ها هنا وعبد المطلب لما نذر ذبح ابن من بنيه إن بلغوا عشرة لم يفد منهم إلا واحدا وسواء نذرته معينا أو عنت واحدا غير معين فأما قول أحمد وتكفر يمينها فيحتمل أنه أراد أن ذبح الكباش كفارة يمينها ويحتمل أنه كان مع نذرها يمين وأما على الرواية الأخرى تجزئها كفارة يمين على ما سبق

مسألة

قال ( ومن حلف بعتق ما يملك فحنث عتق عليه كل ما يملك من عبيده وإمائه ومكاتبيه ومدبريه وأمهات أولاده وشقص يملكه من مملوكه )

معناه إذا قال إن فعلت كذا فكل مملوك لي حر أو عتيق أو فكل ما أملك حر فإن هذا إذا حنث عتق مماليكه ولم تغن عنه كفارة

وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وبه قال ابن أبي ليلى والثوري ومالك والأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وروي عن ابن عمر وأبي هريرة وعائشة وأبي سلمة وحفصة وزينب بنت أبي سلمة والحسن وأبي ثور تجزئه كفارة يمين لأنها يمين فتدخل في عموم قول الله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين المائدة 89


410

وروي عن أبي رافع قال قالت مولاتي ليلى بنت العجماء كل مملوك لها محرر وكل مال لها هدي وهي يهودية وهي نصرانية إن لم تفرق بينك وبين امرأتك قال فأتيت زينب بنت أم سلمة ثم أتيت حفصة إلى أن قال ثم أتيت ابن عمر فجاء معي إليها فقام على الباب فسلم فقال أمن حجارة أنت أم منن حديد أفتتك زينب وأفتتك أم المؤمنين كفري عن يمينك وخلي بين الرجل وامرأته رواه الأثرم والجوزجاني مطولا

ولنا إنه علق العتق على شرط وهو قابل للتعليق فيقع بوجود شرطه كالطلاق والآية مخصوصة بالطلاق والعتق في معناه ولأن العتق ليس بيمين في الحقيقة إنما هو تعليق على شرط فأشبه الطلاق فأما حديث أبي رافع قال أحمد فيه كفري يمينك وأعتقي جاريتك وهذه زيادة يجب قبولها ويحتمل أنها لم يكن لها مملوك سواها

فصل فأما إن قال فإن فعلت فلله علي أن أعتق عبدي أو أحرره أو نحو هذا لم يعتق بحنثه وكفر كفارة يمين على ما ذكرنا في نذر اللجاج لأن هذا لم يعلق عتق العبد إنما حلف على تعليق العتق بشرط بخلاف الذي قبله

فصل وإذا حنث عتق عليه عبيده وإماؤه ومدبروه وأمهات أولاده ومكاتبوه والأشقاص التي يملكها من العبيد والإماء وبهذا قال أبو ثور والمزني وابن المنذر وعن أحمد رواية أخرى لا يعتق الشقص إلا أن ينويه ولعله ذهب إلى أن الشقص لا يقع عليه اسم العبد وقال أبو حنيفة وصاحباه وإسحاق لا يعتق المكاتب وهو قول الشافعي لأنه خارج عن ملك سيده وتصرفه فلم يدخل في اسم مماليكه كالحر

وقال الربيع سماعي من الشافعي أنه يعتق

ولنا إنه مملوكه فيعتق كالمدبر ودليل كونه مملوكه قوله عليه السلام المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وقوله لعائشة اشتري بريرة وأعتقيها وكانت مكاتبة ولا يصح شراء غير المملوك ولا عتقه

ولأنه يصح إعتاقه بالإجماع وأحكامه أحكام العبيد ولأنه مملوك فلا بد له من مالك ولأنه يصح إعتاقه بالمباشرة فدخل في العتق بالتعليق كسائر عبيده وأما الشقص فإنه مملوك له قابل للتحرير فيدخل في عموم لفظه

فصل فإن قال عبد فلان حر إن دخلت الدار ثم دخلها لم يعتق العبد بغير خلاف لأنه لا يعتق بإعتاقه ناجزا فلا يعتق بالتعليق أولى وهل تلزمه كفارة يمين فيه عن أحمد روايتان ذكرهما ابن أبي موسى

إحداهما عليه كفارة لأنه حلف بالعتق فيما لا يقع بالحنث فلزمته كفارة كما لو قال لله علي أن أعتق فلانا

والثانية لا كفارة عليه لأنه حلف بإخراج مال غيره فلم يلزمه شيء كما لو قال مال فلان صدقة إن دخلت الدار ولأنه تعليق للعتق على صفة فلم تجب به كفارة كسائر التعليق وأما إذا قال لله علي أن أعتق عبدا فإنه نذر فأوجب الكفارة لكون النذر كاليمين وليس كذلك ها هنا فإنه إنما علق العتق على صفة فوجود الصفة أثر في جعل المعلق كالمنجز ولو نجز العتق لم يلزمه شيء فكذلك ههنا


411

فصل فإن قال إن فعلت كذا فمال فلان صدقة أو فعلى فلان حجة أو فمال فلان حرام عليه أو هو بريء من الإسلام وأشباه هذا فليس ذلك بيمين ولا تجب به كفارة ولا نعلم بين أهل العلم فيه خلافا لأنه لم يرد الشرع فيه بكفارة ولا هو في معنى ما ورد الشرع به

مسألة

قال ( ومن حلف فهو مخير في الكفارة قبل الحنث وبعده وسواء كانت الكفارة صوما أو غيره إلا في الظهار والحرام فعليه الكفارة قبل الحنث )

الظهار والحرام شيء واحد وإنما عطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظين ولا خلاف بين العلماء فيما علمناه في وجوب تقديم كفارته على الوطء والأصل فيه قول الله تعالى فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا المجادلة 3

فأما كفارة سائر الأيمان فإنها تجوز قبل الحنث وبعده صوما كانت أو غيره في قول أكثر أهل العلم وبه قال مالك

وممن روي عنه جواز تقديم التكفير عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس وسلمان الفارسي ومسلمة بن مخلد رضي الله عنهم وبه قال الحسن وابن سيرين وربيعة والأوزاعي والثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو عبيد وأبو خيثمة وسليمان بن داود وقال أصحاب الرأي لا تجزىء الكفارة قبل الحنث لأنه تكفير قبل وجود سببه فأشبه ما لو كفر قبل اليمين ودليل ذلك أن سبب التكفير الحنث إذا هو هتك الاسم المعظم المحترم ولم يوجد وقال الشافعي كقولنا في الإعتاق والإطعام والكسوة وكقولهم في الصيام من أجل أنه عبادة بدنية فلم يجز فعله قبل وجوبه لغير مشقة كالصلاة

ولنا ما روى عبد الرحمن بن سمرة قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير رواه أبو داود وفي لفظ وائت الذي هو خير رواه البخاري والأثرم وروى أبو هريرة وأبو الدرداء وعدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك رواه الأثرم وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير أو أتيت الذي هو خير وكفرت عن يمينى رواه البخاري ولأنه كفر بعد وجود السبب فأجزأ كما لو كفر بعد الجرح وقبل الزهوق والسبب هو اليمين بدليل قوله تعالى ذلك كفارة أيمانكم المائدة 89

وقوله سبحانه قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم التحريم 2

وقول النبي صلى الله عليه وسلم وكفرت عن يميني وكفر يمينك وتسمية الكفارة كفارة اليمين وبهذا ينفصل عما ذكروه فإن الحنث شرط وليس بسبب وتعجيل حق المال بعد وجود سببه وقيل وجود شرطه جائز بدليل تعجيل الزكاة بعد وجود النصاب قبل الحلول وكفارة القتل بعد الجرح وقبل الزهوق

قال ابن عبد البر العجب من أصحاب أبي حنيفة أجازوا تقديم الزكاة من غير أن يرووا فيها مثل هذه الآثار الواردة في تقديم الكفارة ويأبون تقديم الكفارة مع كثرة الرواية الواردة فيها والحجة في السنة ومن خالفها محجوج بها فأما أصحاب الشافعي فهم محجوجون بالأحاديث مع أنهم قد احتجوا بها في البعض وخالفوها في البعض وفرقوا بين ما جمع بينه النص ولأن


412

الصيام نوع تكفير فجاز قبل الحنث كالتكفير بالمال وقياس الكفارة على الكفارة أولى من قياسها على الصلاة المفروضة بأصل الوضع

فصل فأما التكفير قبل اليمين فلا يجوز عند أحد من العلماء لأنه تقديم للحكم قبل سببه فلم يجز كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب وكفارة القتل قبل الجرح

فصل والتكفير قبل الحنث وبعده سواء في الفضيلة وقال ابن أبي موسى بعده أفضل عند أحمد وهو قول الشافعي ومالك والثوري لما فيه من الخروج من الخلاف وحصول اليقين ببراءة الذمة

ولنا إن الأحاديث الواردة فيه فيها التقديم مرة والتأخير أخرى وهذا دليل التسوية ولأنه تعجيل مال يجوز تعجيله قبل وجوبه فلم يكن التأخير أفضل كتعجيل الزكاة وكفارة القتل وما ذكروه معارض بتعجيل النفع للفقراء والتبرع بما لم يجب عليه وعلى أن الخلاف المخالف للنصوص لا يوجب تفضيل المجمع عليه كترك الجمع بين الصلاتين

فصل وإن كان الحنث في اليمين محظورا فعجل الكفارة قبله ففيه وجهان أحدهما تجزئة لأنه عجل الكفارة بعد سببها فأجزأته كما لو كان الحنث مباحا

والثاني لا تجزئة

لأن التعجيل رخصة فلا يستباح بالمعصية كالقصر في سفر المعصية والحديث لم يتناول المعصية فإنه قال إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر وهذا لم ير غيرها خيرا منها ولأصحاب الشافعي في هذا وجهان كما ذكرنا

مسألة

قال وإذا حلف فقال إن شاء الله تعالى فإن شاء فعل وإن شاء ترك ولا كفارة عليه إذا لم يكن بين الاستثناء واليمين كلام )

وجملة ذلك أن الحالف إذا قال إن شاء الله مع يمينه فهذا يسمى استثناء فإن ابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى رواه أبو داود وأجمع العلماء على تسميته استثناء وأنه متى استثنى في يمينه لم يحنث فيها والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث رواه الترمذي

وروى أبو داود من حلف فاستثنى فإن شاء رجع وإن شاء ترك ولأنه متى قال لأفعلن إن شاء الله فقد علمنا أنه متى شاء الله فعل ومتى لم يفعل لم يشأ الله ذلك فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن

إذا ثبت هذا فإنه يشترط أن يكون الاستثناء متصلا باليمين بحيث لا يفصل بينهما كلام أجنبي ولا يسكت بينهما سكوتا يمكنه الكلام فيه فأما السكوت لانقطاع نفسه أو صوته أو عي أو عارض من عطشه أو شيء غيرها فلا يمنع صحة الاستثناء وثبوت حكمه وبهذا قال مالك والشافعي والثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي وإسحاق لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف فاستثنى وهذا يقتضي كونه عقيبه ولأن الاستثناء من تمام الكلام فاعتبر اتصاله به كالشرط وجوبه وخبر المبتدأ


413

والاستثاء بإلا

ولأن الحالف إذا سكت ثبت حكم يمينه وانعقدت موجبة لحكمها وبعد ثبوته لا يمكن دفعه ولا تغييره قال أحمد حديث النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ولم يقل فاستثنى ولو جاز الاستثناء في كل حال لم يحنث حانث به

وعنأحمد رواية أخرى أنه يجوز الاستثناء إذا لم يطل الفصل بينهما

قال في رواية المروذي حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال إن شاء الله إنما هو استثناء بالقرب ولم يخلط كلامه بغيره

ونقل عنهإسماعيل بن سعيد مثل هذا وزاد قال ولا أقول فيه بقول هؤلاء يعني من لم ير ذلك إلا متصلا ويحتمل كلامالخرقي هذا لأنه قال إذا لم يكن بين الاستثناء واليمين كلام ولم يشترط اتصال الكلام وعدم السكوت وهذا قول الأوزاعي قال في رجل حلف لا أفعل كذا وكذا ثم سكت ساعة لا يتكلم ولا يحدث نفسه بالاستثناء فقال له إنسان قل إن شاء الله فقال إن شاء الله أيكفر يمينه قال أراه قد استثنى وقالقتادة له أن يستثني قبل أن يقوم أو يتكلم

ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى بعد سكوته إذ قال والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال إن شاء الله واحتج به أحمد ورواه أبو داود وزاد قالالوليد بن مسلم ثم لم يغزهم ويشترط على هذه الرواية أن لا يطيل الفصل بينهما ولا يتكلم بينهما بكلام أجنبي

وحكى ابن أبي موسى عن بعض أصحابنا أنه قال يصح الاستثناء ما دام في المجلس وحكي ذلك عن الحسن وعطاء وعن عطاء أنه قال قدر حلب الناقة العزوزة وعن ابن عباس أن له أن يستثني بعد حين وهو قول مجاهد وهذا القول لا يصح لما ذكرناه وتقديره بمجلس أو غيره لا يصلح لأن التقديرات بابها التوقيف فلا يصار إليها بالتحكم

فصل ويشترط أن يستثني بلسانه ولا ينفعه الاستثناء بالقلب في قول عامة أهل العلم منهم الحسن والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو حنيفة وابن المنذر ولا نعلم لهم مخالفا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف فقال إن شاء الله والقول هو النطق ولأن اليمين لا تنعقد بالنية فكذلك الاستثناء وقد روي عن أحمد إن كان مظلوما فاستثنى في نفسه رجوت أن يجوز إذا خاف على نفسه فهذا في حق الخائف لأن يمينه غير منعقدة أو لأنه بمنزلة المتأول وأما في حق غيره فلا

فصل واشترط القاضي أن يقصد الاستثناء فلو أراد الجزم فسبق لسانه إلى الاستثناء من غير قصد أو كانت عادته جارية بالاستثناء فجرى لسانه على العادة من غير قص لم يصح لأن اليمين لما لم ينعقد من غير قصد فكذلك الاستثناء وهذا مذهب الشافعي وذكر بعضهم أنه لا يصح الاستثناء حتى يقصده مع ابتداء يمينه فلو حلف غير قاصد للاستثناء ثم عرض له بعد فراغه من اليمين فاستثنى لم ينفعه ولا يصح لأن هذا يخالف عموم الخبر


414

فإنه قال من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث ولأن لفظ الاستثناء يكون عقيب يمينه فكذلك نيته

فصل يصح الاستثناء في كل يمين مكفرة كاليمين بالله والظهار والنذر وقال ابن أبي موسى من استثنى في يمين تدخلها كفارة فله ثنياه لأنها أيمان مكفرة فدخلها الاستثناء كاليمين بالله تعالى فلو قال أنت علي كظهر أمي إن شاء الله تعالى أو أنت علي حرام إن شاء الله أو إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي إن شاء الله أو لله علي أن أتصدق بمائة درهم إن شاء الله لم يلزمه شيء لأنها أيمان فتدخل في عموم قوله من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث

فصل وإن قال والله لأشربن اليوم إلا أن يشاء الله أو لا أشرب إلا أن يشاء الله لم يحنث بالشرب ولا بتركه لما ذكرنا في الإثبات ولا فرق بين تقديم الاستثناء وتأخيره في هذا كله فإذا قال والله إن شاء الله لا أشرب اليوم أو لأشربن ففعل أو ترك لم يحنث لأن تقديم الشرط وتأخيره سواء قال الله تعالى إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد النساء 176

فصل وإن قال والله لأشربن اليوم إن شاء زيد فشاء زيد لزمه الشرب فإن تركه حتى مضى اليوم حنث وإن لم يشأ زيد لم يلزمه يمين فإن لم تعلم مشيئته لغيبة أو جنون أو موت انحلت اليمين لأنه لم يوجد الشرط وإن قال والله لا أشرب إلا أن يشاء زيد فقد منع نفسه الشرب إلا أن توجد مشيئة زيد فإن شاء فله الشرب وإن لم يشأ لم يشرب وإن خفيت مشيئته فلم يكن له أن يشرب قبل وجودها وإن قال والله لأشربن إلا أن يشاء زيد فقد ألزم نفسه الشرب إلا أن يشاء زيد أن لا يشرب لأن الاستثناء ضد المستثنى منه والمستثنى إيجاب لشربه بيمينه فإن شرب قبل مشيئة زيد بر وإن قال زيد قد شئت أن لا يشرب انحلت اليمين لأنها معلقة بعدم مشيئته لترك الشرب ولم تتقدم فلم يوجد شرطها وإن قال قد شئت أن يشرب أو ما شئت أن لا يشرب لم تنحل اليمين لأن هذه المشيئة غير المستثناء فإن خفيت مشيئته لزمه الشرب لأنه علق وجوب الشرب بعدم المشيئة وهي معدومة بحكم الأصل وإن قال والله لا أشرب اليوم إن شاء زيد فقال زيد قد شئت أن لا تشرب فشرب حنث وإن شرب قبل مشيئته لم يحنث لأن الامتناع من الشرب معلق بمشيئته ولم تثبت مشيئته فلم يثبت الامتناع بخلاف التي قبلها وإن خفيت مشيئته فهي في حكم المعدومة والمشيئة في هذه المواضع أن يقول بلسانه

مسألة

قال ( وإذا استثنى في الطلاق والعتاق فأكثر الروايات عن أبي عبد الله رحمه الله أنه توقف عن الجواب وقد قطع في موضع أن لا ينفعه الاستثناء )

يعني إذا قال لزوجته أنت طالق إن شاء الله أو لعبده أنت حر إن شاء الله فقد توقف أحمد في الجواب لاختلاف الناس فيها وتعارض الأدلة وفي موضع قطع أنه لا ينفعه الاستثناء فيهما قال في رواية إسحاق بن منصور وحنبل من


415

حلف فقال إن شاء الله لم يحنث وليس له استثناء في الطلاق والعتاق قال حنبل لأنهما ليسا من الأيمان وبه قال مالك والأوزاعي والحسن وقتادة وقال طاوس وحماد والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي يجوز الاستثناء فيهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث لأنه علق الطلاق والعتاق بشرط لم يتحقق وجوده فلم يقعا كما لو علقه بمشيئتة زيد ولم تتحقق مشيئته

ولنا إنه أوقع الطلاق والعتاق في محل قابل فوقع كما لو لم يستثن والحديث إنما تناول الأيمان وليس هذا بيمين إنما هو تعليق على شرط

قال ابن عبد البر إنما ورد التوقيف بالاستثناء في اليمين بالله تعالى وقول المتقدمين الأيمان بالطلاق والعتاق إنما جاز على التقريب والاتساع ولا يمين في الحقيقة إلا بالله وهذا طلاق وعتاق وقد ذكرنا هذه المسألة في الطلاق بأبسط من هذا

مسألة

قال ( وإذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق لم تطلق إن تزوج بها وإن قال إن ملكت فلانا فهو حر فملكه صار حرا )

اختلفت الرواية عن أحمد في هاتين المسألتين فعنه لا يقع طلاق ولا عتق روي هذا عن ابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وعروة وجابر بن زيد وسوار والقاضي والشافعي وأبو ثور وابن المنذر ورواه الترمذي عن علي وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين وشريح وغير واحد من فقهاء التابعين قال وهو قول أكثر أهل العلم لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق فيما لا يملك ولا طلاق لابن آدم فيما لا يملك قال الترمذي وهذا حديث حسن وهو أحسن ما روي في هذا الباب وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك ابن آدم وإن عينها رواه الدارقطني وروى أبو بكر في الشافي عن الخلال عن الرمادي عن عبد الرزاق عن معمر عن جويبر عن الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا طلاق قبل نكاح قال أحمد هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعدة من الصحابة ولأن من لا يقع طلاقه وعتقه بالمباشرة لم تنعقد له صفة كالمجنون ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم فيكون إجماعا

والرواية الثانية عن أحمد أنه يصح في العتق ولا يصح في الطلاق قال في رواية أبي طالب إذا قال إن اشتريت هذا الغلام فهو حر فاشتراه عتق وإن قال إن تزوجت فلانة فهي طالق فهذا غير الطلاق هذا حق لله تعالى والطلاق يمين ليس هو لله تعالى ولا فيه قربة إلى الله تعالى

قالأبو بكر في كتاب الشافي لا يختلف قول أبي عبد الله إن الطلاق إذا وقع قبل النكاح لا يقع وأن العتاق يقع إلا ما روى محمد بن الحسن بن هارون في العتق أنه لا يقع وما أراه إلا غلطا كذلك سمعت الخلال يقول فإن كان حفظ فهو قول آخر والفرق بينهما أن ناذر العتق يلزمه الوفاء به وأن ناذر الطلاق لا يلزمه الوفاء به فكما افترقا في النذر جاز أن يفترقا في اليمين ولأنه لو قال لأمته أول ولد تلدينه فهو حر فإنه يصح وهو تعليق للحرية على الملك


416

وعن أحمد رحمه الله ما يدل على وقوع الطلاق والعتق وهو قول الثوري وأصحاب الرأي لأنه يصح تعليقه على الأخطار فصح تعليقه على حدوث الملك كالوصية والنذر واليمين

وقال مالك إن خص جنسا من الأجناس أو عبدا بعينه عتق إذا ملكه وإن قال كل عبد أملكه فهو حر لم يصح والأول أصح إن شاء الله تعالى لأنه تعليق للطلاق والعتاق 3قبل الملك فأشبه ما لو قال لأجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق أو لأمة غيره إن دخلت الدار فأنت حرة ثم تزوج الأجنبية وملك الأمة ودخلتا الدار فإن الطلاق لا يقع ولا تعتق الأمة بغير خلاف نعلمه

مسألة

قال ( ولو حلف أن لا ينكح فلانة أو لا اشتريت فلانة فنكحها نكاحا فاسدا أو اشتراها شراء فاسدا لم يحنث )

وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا قال لعبده إن زوجتك أو بعتك فأنت حر فزوجه تزويجا فاسدا لم يعتق وإن باعه بيعا فاسدا يملك به حنث لأن البيع الفاسد عنده يثبت به الملك إذا اتصل به القبض ولنا أن اسم البيع ينصرف إلى الصحيح بدليل أن قول الله تعالى وأحل الله البيع البقرة 275

وأكثر ألفاظه في البيع إنما ينصرف إلى الصحيح فلا يحنث بما دونه كما في النكاح وكالصلاة وغيرهما وما ذكروه من ثبوت الملك به لا نسلمه

وقال ابن أبي موسى لا يحنث بالنكاح الفاسد وهل يحنث بالبيع الفاسد على روايتين

وقال أبو الخطاب إن نكحها نكاحا مختلفا فيه مثل أن يتزوجها بلا ولي ولا شهود أو باع في وقت النداء فعلى وجهين وقال ابن أبي موسى إن تزوجها تزويجا مختلفا فيه أو ملك ملكا مختلفا فيه حنث فيهما جميعا

ولنا أنه نكاح فاسد وبيع فاسد فلم يحنث بهما كالمتفق على فسادهما

فصل والماضي والمستقبل سواء في هذا وقال محمد بن الحسن إذا حلف ما صليت ولا تزوجت ولا بعت وكان قد فعله فاسدا حنث لأن الماضي لا يقصد منه إلا الاسم والاسم يتناوله والمستقبل بخلافه فإنه يراد بالنكاح والبيع الملك وبالصلاة القربة

ولنا أن ما لا يتناوله الاسم في المستقبل لا يتناوله في الماضي كالإيجاب وكغير المسمى وما ذكروه لا يصح لأن الاسم لا يتناوله إلا الشرعي ولا يحصل

فصل وإن حلف لا يبيع فباع بيعا فيه الخيار حنث وقال أبو حنيفة لا يحنث لأن الملك لا يثبت في مدة الخيار فأشبه البيع الفاسد

ولنا أنه بيع صحيح شرعي فيحنث به كالبيع اللازم وما ذكروه لا يصح فإن بيع الخيار يثبت الملك به بعد انقضاء الخيار بالاتفاق وهو سبب له ولا نسلم أن الملك لا يثبت في مدة الخيار


417

فصل وإن حلف لا يبيع أو لا يزوج فأوجب البيع والنكاح ولم يقبل المتزوج والمشتري لم يحنث وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي

ولا نعلم فيه خلافا لأن البيع والنكاح عقدان لا يتمان إلا بالقبول فلم يقع الاسم على الإيجاب بدونه فلم يحنث به وإن حلف لا يهب ولا يعير فأوجب ذلك ولم يقبل الآخر فقال القاضي يحنث وهو قول أبي حنيفة وابن سريج لأن الهبة والعارية عوض فيهما فكان مسماهما الإيجاب والقبول شرط لنقل الملك وليس هو من السبب فيحنث بمجرد الإيجاب فيهما كالوصية

وقال الشافعي لا يحنث بمجرد الإيجاب لأنه عقد لا يتم إلا بالقبول فلم يحنث فيه بمجرد الإيجاب كالنكاح والبيع فأما الوصية والهدية والصدقة فقال أبو الخطاب يحنث فيها بمجرد الإيجاب كالنكاح والبيع فأما الوصية والهدية والصدقة فقال أبو الخطاب يحنث فيها بمجرد الإيجاب ولا أعلم قول الشافعي فيها إلا أن الظاهر أنه لا يخالف في الوصية والهدية

لأن الاسم يقع عليهما بدون القبول ولهذا لما قال الله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين البقرة 180

إنما أراد الإيجاب دون القبول ولأن الوصية صحيحة قبل موت الموصي ولا قبول لها حينئذ

فصل وإن حلف لا يتزوج حنث بمجرد الإيجاب والقبول الصحيح لا نعلم فيه خلافا لأن ذلك يحصل به المسمى الشرعي فتناوله يمينه وإن حلف ليتزوجن بر بذلك سواء كانت له امرأة أو لم يكن وسواء تزوج نظيرتها أو دونها أو أعلى منها إلا أن يحتال على حل يمينه بتزويج لا يحصل مقصودها مثل أن يواطىء امرأة على نكاح لا يغيظها به ليبر في يمينه فلا يبر بهذا وقال أصحابنا إذا حلف ليتزوجن على امرأته لا يبر حتى يتزوج ويدخل بها وهو قول مالك لأنه قصد غيظ زوجته ولا يحصل إلا بذلك

ولنا أن تزوج تزويجا صحيحا فبر به كما لو تزوج نظيرتها ودخل بها قولهم إن الغيظ لا يحصل إلا بتزويج نظيرتها والدخول غير مسلم فإن الغيظ يحصل بمجرد الخطبة وإن حصل بما ذكروه زيادة في الغيظ فلا تلزمه الزيادة على الغيظ الذي يحصل بما تناولته يمينه كما أنه لا يلزمه نكاح اثنتين ولا ثلاث ولا أعلى من نظيرتها والذي تناولته يمينه مجرد التزويج

ولذلك لو حلف لا يتزوج على امرأته حنث بهذا فكذلك يحصل البر به لأن المسمى واحد فما تناوله النفي تناوله في الإثبات وإنما لا يبر إذا تزوج تزويجا لا يحصل به الغيظ كما ذكرناه من الصورة ونظائرها لأن مبنى الأيمان على المقاصد والنيات ولم يحصل مقصوده ولأن التزويج ها هنا يحصل حيلة على التخلص من يمينه بما لا يحصل مقصودها فلم تقبل منه حيلته وقد نص أحمد على هذا

فقال إذا حلف ليتزوجن على امرأته فتزوج بعجوز أو زنجية لا يبر لأنه أراد أن يغمها ويغيرها وبهذا لا تغار ولا تغتم فعلله أحمد بما لا يغيظ بها الزوجة ولم يعتبر أن تكون نظيرتها لأن الغيظ لا يتوقف على ذلك ولو قدر أن يزوج العجوز يغيظها والزنجية لبر به وإنما ذكره أحمد لأن الغالب أنه لا يغيظها لأنها تعلم أنه إنما فعل ذلك حيلة لئلا يغيظها ويبر به

فصل إذا حلف لا تسريت فوطىء جاريته حنث ذكره أبو الخطاب

وقال القاضي لا يحنث حتى يطأ


418

فينزل فحلا كان أو خصيا وقال أبو حنيفة لا يحنث حتى يحصنها ويحجبها عن الناس لأن التسري مأخوذ من السر ولأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه كهذه

ولنا أن التسري مأخوذ من السر وهو الوطء لأنه يكون في السر قال الله تعالى ولكن لا تواعدوهن سرا البقرة 235

وقال الشاعر فلن تتطلبوا سرها للغنى وإن تسلموها لأزهادها وقال آخر إلا زعمت بسياسة القوم أنني كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي ولأن كل حكم تعلق بالوطء لم يعتبر فيه الإنزال ولا التحصين كسائر الأحكام

فصل إذا حلف لا يهب له أهدى إليه أو أعمره حنث لأن ذلك من أنواع الهبة وإن أعطاه من الصدقة الواجبة أو نذر أو كفارة لم يحنث لأن ذلك حق لله تعالى عليه يجب إخراجه فليس هو بهبة منه وإن تصدق عليه تطوعا فقال القاضي أيحنث وهو مذهب الشافعي وقال أبو الخطاب لا يحنث وهو قول أصحاب الرأي لأنهما يختلفان اسما وحكما بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هو عليها صدقة ولنا هدية وكانت الصدقة محرمة عليه والهدية حلالا له وكان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة ومع هذا الاختلاف لا يحنث في أحدهما بفعل الآخر

ووجه الأول أنه تبرع بعين في الحياة فحنث به كالهدية ولأن الصدقة تسمي هبة فلو تصدق بدرهم قيل وهب درهما وتبرع بدرهم واختلاف التسمية لكون الصدقة نوعا من الهبة فيختص باسم دونها كاختصاص الهدية والعمرى باسمين ولم يخرجهما ذلك عن كونهما هبة وكذلك اختلاف الأحكام فإنه قد يثبت للنوع ما لا يثبت للجنس كما يثبت للآدمي من الأحكام ما لا يثبت لمطلق الحيوان فإن وصى له لم يحنث لأن الهبة تمليك في الحياة والوصية إنما تملك بالقبول بعد الموت فإن أعاره لم يحنث لأن الهبة تمليك الأعيان وليس في العارية تمليك عين ولأن المستعير لا يملك المنفعة وإنما يستبيحها ولهذا يملك المعير الرجوع فيها ولا يملك المستعير إجارتها ولا إعارتها هذا قول القاضي ومذهب الشافعي وقال أبو الخطاب يحنث لأن العارية هبة المنفعة والأول أصح وإن أضافه لم يحنث لأنه لم يملكه شيئا وإنما أباحه

ولهذا لا يملك التصرف بغير الأكل وإن باعه وحاباه لم يحنث لأنه معاوضة يملك الشفيع أخذ جميع المبيع

ولو كان هبة أو بعضه هبة لم يملك أخذه كله

وقال أبو الخطاب يحنث في أحد الوجهين لأنه يترك له بعض المبيع بغير ثمن أو وهبه بعض الثمن وإن وقف عليه فقال أبو الخطاب يحنث لأنه تبرع له بعين في الحياة ويحتمل أن لا يحنث لأن الوقف لا يملك في رواية وإن حلف لا يتصدق عليه فوهب له لم يحنث لأن الصدقة نوع من الهبة

ولا يحنث الحالف على نوع بفعل نوع آخر ولا يثبت للجنس حكم النوع ولهذا حرمت الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم ولم تحرم الهبة ولا الهدية وإن حلف لا يهب له شيئا فأسقط عنه دينا لم يحنث إلا أن ينوي لأن الهبة تمليك عين وليس له إلا دين في ذمته


419

قال ( ولو حلف أن لا يشتري فلانا أو لا يضربه فوكل في الشرك والضرب حنث )

وجملته أن من حلف لا يفعل شيئا فوكل من فعله حنث إلا أن ينوي مباشرته بنفسه ونحو هذا قول مالك وأبي ثور وقال الشافعي لا يحنث إلا أن ينوي بيمينه أن لا يستنيب في فعله أو يكون ممن لم تجر عادته بمباشرته

لأن إطلاق إضافة الفعل يقتضي مباشرته بدليل أنه لو وكله في البيع لم يجز للوكيل توكيل غيره وإن حلف لا يبيع ولا يضرب فأمر من فعله

فإن كان ممن يتولى ذلك بنفسه لم يحنث وإن كان ممن لا يتولاه كالسلطان ففيه قولان

وإن حلف لا يحلق رأسه فأمر من حلقه فقيل له فيه قولان

وقيل يحنث قولا واحدا وقال أصحاب الرأي إن حلف لا يبيع فوكل من باع لم يحنث وإن حلف لا يضرب ولا يتزوج فوكل من فعله حنث

ولنا إن الفعل يطلق على من وكل فيه وأمر به فيحنث به كما لو كان ممن لا يتولاه بنفسه وكما لو حلف لا يحلق رأسه فأمر من حلقه أو لا يضرب فوكل من ضرب عند أبي حنيفة وقد قال الله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله البقرة 196 وقال محلقين رؤوسكم ومقصرين الفتح

وكان هذا متناولا للاستنابة فيه ولأن المحلوف عليه وجد من نائبه فحنث به كما لو حلف لا يدخل دارا فأمر من حمله إليها وقولهم إن إضافة الفعل إليه تقتضي المباشرة بمنعه

ولا نسلم أنه إذا وكل في فعل يمتنع على الوكيل التوكيل فيه ولئن سلمنا فلأن التوكيل يقصد به الأمانة والحذق والناس يختلفون فيهما فإذا عين واحدا لم تجز مخالفة تعيينه بخلاف اليمين فأما إن نوى بيمينه المباشرة للمحلوف عليه

أو كان سبب يمينه يقتضيها أو قرينه حاله تخصص بها

لأن إطلاقه يقيد بنيته أو بما دل عليها فأشبه ما لو صرح به بلفظه وإن حلف ليشترين أو ليبيعن أو ليضربن فوكل من فعل ذلك بر لما ذكرنا في طرف النفي ولذلك لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله المحلقين تناول من حلق رأسه بأمره

فصل وإن حلف ليطلقن زوجته أو لا يطلقها فوكل من طلقها أو قال لها طلقي نفسك فطلقها أو قال لها اختاري أو أمرك بيدك فطلقت نفسها بر وحنث والخلاف فيه على ما تقدم

وإن قال أنت طالق إن شئت أو إن قمت فشاءت أو قامت حنث بغير خلاف لأن الطلاق منه وإنما هي حققت شرطه

فصل فإن حلف لا يضرب امرأته فلطمها أو لكمها أو ضربها بعصا أو غيرها حنث بغير خلاف وإن عضها أو خنقها أو جز شعرها جزا يؤلمها قاصدا للاضرار بها حنث وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يحنث لأن ذلك لا يسمى ضربا فلا يحنث به كما لو شتمها شتما آلمها

وقد نقل عن أحمد ما يدل على هذا فإن مهنا نقل عنه فيمن قال لامرأته إن لم أضربك اليوم فأنت طالق فعضها أو قرصها أو أمسك شعرها فهو على ما نوى من ذلك قال القاضي فظاهر هذا أنه لم يدخله في إطلاق اسم الضرب


420

ولنا إن هذا في العرف يستعمل لكف الأذى المؤلم للجسم فيدخل فيه كل ما اختلفنا فيه ولهذا يقال تضاربا إذا فعل كل واحد منهما هذا بصاحبه

وإن لم يكن معهما آلة وفارق الشتم فإنه لا يؤلم الجسم وإنما يؤلم القلب

مسألة

قال ( ومن حلف بعتق أو طلاق أن لا يفعل شيئا ففعله ناسيا حنث )

وبهذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والزهري وقتادة وربيعة ومالك وأبو عبيد وأصحاب الرأي وهو المشهور عن الشافعي وقال عطاء وعمرو بن دينار وابن أبي نجيح وإسحاق وابن المنذر لا يحنث وهو رواية عن أحمد لأن الناسي لا يكلف حال نسيانه فلا يلزمه الحنث كالحلف بالله تعالى

ولنا إن هذا يتعلق به حق آدمي فتعلق الحكم به مع النسيان كالإتلاف ولأنه حكم علق على شرط فيوجد بوجدان شرطه كالمنع من الصلاة بعد العصر وقد سبقت هذه المسألة

مسألة

قال ( وإذا حلف فتأول في يمينه فله تأويله إذا كان مظلوما وإن كان ظالما لم ينفعه تأويله

لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يمينك على ما يصدقك به صاحبه )

معنى التأويل أن يقصد بكلامه محتملا يخالف ظاهره

نحو أن يحلف أنه أخي يقصد أخوة الإسلام أو المشابهة أو يعني بالسقف والبناء السماء وبالبساط والفراش الأرض وبالأوتاد الجبال وباللباس الليل أو يقول ما رأيت فلانا يعني ما ضربت رئته ولا ذكرته يريد ما قطعت ذكره أو يقول جواري أحرار يعني سفنه ونسائي طوالق يعني نساء الأقارب منه أو يقول ما كاتبت فلانا ولا عرفته ولا أعلمته ولا سألته حاجة ولا أكلت له دجاجة ولا فروجة ولا شربت له ماء ولا في بيتي فرش ولا حصير ولا بارية وينوي بالمكاتبة مكاتبة الرقيق وبالتعريف جعله عريفا وبالاعلام جعله أعلم الشفة والحاجة شجرة صغيرة والدجاجة الكثة من الغزل والفروجة الدراعة والفرش صغار الإبل والحصير والحبس والبارية السكين التي يبرى بها أو يقول ما لفلان عندي وديعة ولا شيء يعني بما الذي أو يقول ما فلان ها هنا ويعني موضعا بعينه أو يقول والله ما أكلت من هذا شيئا ولا أخذت منه يعني الباقي بعد أخذه وأكله فهذا وأشباهه مما يسبق إلى فهم السامع خلافه إذا عناه بيمينه فهو تأويل

لأنه خلاف الظاهر ولا يخلو حال الحالف المتأول من ثلاثة أحوال أحدها أن يكون مظلوما مثل من يستحلفه ظالم على شيء لو صدقه لظلمه أو ظلم غيره أو نال مسلما منه ضرر فهذا له تأويله

قال مهنا سألت أحمد عن رجل له امرأتان اسم كل واحدة منهما فاطمة

فماتت واحدة منهما فحلف بطلاق فاطمة ونوى التي ماتت قال إن كان المستحلف له ظالما فالنية نية صاحب الطلاق وإن كان المطلق هو الظالم فالنية نية الذي استحلف وقد روى أبو داود بإسناده عن سويد بن حنظلة قال خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرج القوم أن يحلفوا فحلفت أنه أخي فخلى سبيله فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال أنت أبرهم وأصدقهم المسلم أخو المسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب يعني سعة المعاريض التي يوهم


421

بها السامع غير ما عناه

قال محمد بن سيرين الكلام أوسع من أن يكذب ظريف يعني لا يحتاج أن يكذب لكثرة المعاريض وخص الظريف بذلك يعني به الكيس الفطن فإنه يفطن للتأويل فلا حاجة به إلى الكذب

الحال الثاني أن يكون الحالف ظالما كالذي يستحلفه الحاكم على حق عنده فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلف

ولا ينفع الحالف تأويله وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا فإن أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينك على ما يصدقك به صاحبك رواه مسلم وأبو داود وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم النية على نية المستحلف رواه مسلم وقالت عائشة اليمين على ما وقع للملحوف له ولأنه لو ساغ التأويل لبطل المعنى المبتغى باليمين

إذ مقصودها تخويف الحالف ليرتدع عن الجحود خوفا من عاقبة اليمين الكاذبة فمتى ساغ التأويل له انتفى ذلك وصار التأويل وسيلة إلى جحد الحقوق ولا نعلم في هذا خلافا

قال إبراهيم في رجل استحلفه السلطان بالطلاق على شيء فورى في يمينه إلى شيء آخر أجزأ عنه وإن كان ظالما لم تجزىء عنه التورية

الحال الثالث لم يكن ظالما ولا مظلوما فظاهر كلام أحمد أن له تأويل فروي أن مهنا كان عنده هو والمروذي وجماعة فجاء رجل يطلب المروذي ولم يرد المروذي أن يكلمه فوضع مهنا أصبعه في كفه وقال ليس المروذي ها هنا وما يصنع المروذي ها هنا يريد ليس هو في كفنه ولم ينكر ذلكأبو عبد الله وروي أن مهنا قال له إني أريد الخروج يعني السفر إلى بلد وأحب أن تسمعني الجزء الفلاني فأسمعه إياه ثم رآه بعد ذلك فقال ألم تقل إنك تريد الخروج فقال له مهنا قلت لك إني أريد الخروج الآن فلم ينكر عليه وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم في هذا خلافا روى سعيد عن جرير عن المغيرة قال كان إذا طلب إنسان إبراهيم ولم يرد إبراهيم أن يلقاه خرجت إليه الخادم وقالت اطلبوه في المسجد وقال له رجل إني ذكرت رجلا بشيء فكيف لي أن أعتذر إليه قل له والله إن الله يعلم ما قلت من ذلك من شيء وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا ومزاحه أن يوهم السامع بكلامه غير ما عناه وهو التأويل وقال لعجوز لا تدخل الجنة عجوز يعني أن الله ينشئهن أبكارا عربا أترابا

وقال أنس إن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله احملني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا حاملوك على ولد الناقة

قال وما أصنع بولد الناقة قال وهل تلد الإبل إلا النوق رواه أبو داود وقال لامرأة وقد ذكرت له زوجها أهو الذي في عينه بياض فقالت يا رسول الله إنه لصحيح العين وأراد النبي صلى الله عليه وسلم البياض الذي حول الحدق وقال لرجل احتضنه من ورائه من يشتري هذا العبد فقال يا رسول الله تجدني إذا كاسدا قال لكنك عند الله لست بكاسد وهذا كله من التأويل والمعاريض وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم حقا فقال لا أقول إلا حقا وروي عن شريح أنه خرج من عند زياد وقد حضره الموت فقيل له كيف تركت الأمير قال تركته يأمر وينهي فلما مات قيل له كيف قلت ذلك قال تركته يأمر بالصبر وينهى عن البكاء والجزع ويروى عن شقيق أن رجلا خطب امرأة وتحته أخرى فقالوا لا نزوجك حتى تطلق امرأتك فقال اشهدوا أني قد طلقت ثلاثا فزوجوه فأقام على امرأته فقالوا قد طلقت ثلاثا قال ألم تعلموا أنه كان


422

لي ثلاث نسوة فطلقتهن قالوا بلى قال قد طلقت ثلاثا فقالوا ما هذا أردنا فذكر ذلك شقيق لعثمان فجعلها نيته

وروي عن الشعبي أنه كان في مجلس فنظر إليه رجل ظن أنه طلب منه التعريف به والثناء عليه فقال الشعبي إن له بيتا وشرفا فقيل للشعبي بعدما ذهب الرجل تعرفه قال لا ولكنه نظر إلي قيل فكيف أثنيت عليه قال شرفه أذناه وبيته الذي يسكنه وروي أن رجلا أخذ على شراب فقيل له من أنت فقال أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره وإن نزلت يوما فسوف تعود ترى الناس أفواجا على باب داره فمنهم قيام حولها وقعود فظنوه شريفا فخلوا سبيله عنه فإذا هو ابن الباقلاني وأخذ الخوارج رافضيا فقالوا له تبرأ من عثمان وعلي فقال أنا من علي ومن عثمان بريء فهذا وشبهه هو التأويل الذي لا يعذر به الظالم ويسوغ لغيره مظلوما كان أو غير مظلوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك في المزاح من غير حاجة به إليه

فصل والمستحيل نوعان أحدهما مستحيل عادة كصعود السماء والطيران وقطع المسافة البعيدة في مدة قليلة فإذا حلف على فعله انعقدت يمينه ذكرهالقاضي وأبو الخطاب لأنه يتصور وجوده فإذا حلف عليه انعقدت يمينه ولزمته الكفارة في الحال لأنه مأيوس من البر فيها فوجبت الكفار كما لو حلف ليطلقن امرأته فماتت

والثاني المستحيل عقلا كرد أمس وشرب الماء الذي في الكوز ولا ماء فيه فقال أبو الخطاب لا تنعقد يمينه ولا تجب بها كفارة وهو مذهب مالك لأنها يمين قارنها ما يحلها فلم تنعقد كيمين الغموس أو يمين على غير متصور فأشبهت يمين الغموس وهذا لأن اليمين إنما تنعقد على متصور أو متوهم التصور وليس ها هنا واحد منهما

وقالالقاضي تنعقد موجبة للكفارة في الحال وهذا قول أبي يوسف والشافعي لأنه حلف على فعل نفسه في المستقبل ولم يفعل كما لو حلف ليطلقن امرأته فماتت قبل طلاقها وبالقياس على المستحيل عادة ولا فرق بين أن يعلم استحالته أو لا يعلم مثل أن يحلف ليشربن الماء الذي في الكوز ولا ماء فيه فالحكم واحد فيمن علم أنه لا ماء فيه ومن لا يعلم وإن حلف ليقتلن فلانا وهو ميت فهو كالمستحيل عادة لأنه يتصور أن يحييه الله فيقتله وتنعقد يمينه على قول أصحابنا وإن حلف لأقتلن الميت يعني في حال موته فهو مستحيل عقلا فيكون فيه من الخلاف ما قد ذكرناه

فصل فإن قال والله ليفعلن فلان كذا أو لا يفعل أو حلف على حاضر فقال والله لتفعلن كذا فأحنثه ولم يفعل فالكفارة على الحالف كذلك قال ابن عمر وأهل المدينة وعطاء وقتادة والأوزاعي وأهل العراق والشافعي لأن الحالف هو الحانث فكانت الكفارة عليه كما لو كان هو الفاعل لما يحنثه ولأن سبب الكفارة إما اليمين وإما الحنث أو هما وأي ذلك قدر فهو موجود في الحالف وإن قال أسألك بالله لتفعلن وأراد اليمين فهي كالتي


423

قبلها وإن أراد الشفاعة إليه بالله فليس بيمين ولا كفارة على واحد منهما وإن قال بالله لتفعلن فهي يمين لأنه أجاب بجواب القسم إلا أن ينوي ما يصرفها وإن قال بالله أفعل فليست يمينا لأنه لم يجبها بجواب القسم ولذلك لا يصلح أن يقول والله أفعل ولا بالله أفعل وإنما صلح ذلك في التاء لأنها لا تخص بالقسم فيدل على أنه سؤال فلا تجب به كفارة

فصل وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإبرار المقسم رواه البخاري وهذا والله أعلم على سبيل الندب لا على سبيل الإيجاب بدليل أن أبا بكر قال أقسمت عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخبرني بما أصبت مما أخطأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقسم يا أبا بكر ولم يخبره ولو وجب عليه إبراره لأخبره ويحتمل أن يجب عليه إبراره إذا لم يكن فيه ضرر ويكون امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من إبرار أبي بكر لما علم من الضرر فيه وإن أجابه إلى صورة ما أقسم عليه دون معناه عند تعذر المعنى فحسن فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العباس جاءه برجل ليبايعه على الهجرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح وقال العباس أقسمت عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبايعنه فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في يده وقال أبررت قسم عمي ولا هجرة وأجابه إلى صورة المبايعة دون ما قصد بيمينه

فصل ويستحب إجابة من سأل بالله لما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ومن استجار بالله فأجيروه ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه

وعن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله أما الذين يحبهم الله فرجل سأل قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فتخلف رجل بأعقابهم فأعطاه سرا لا يعلم بعطيته إلا الله عز وجل والذي أعطاه وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم فقام يتملقني ويتلو آياتي ورجل كان في سرية فلقوا العدو فهزموا فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له والثلاثة الذين يبغضهم الله الشيخ الزاني والفقير المختال والغني الظلوم رواهما النسائي

فصل إذا قال حلفت ولم يكن حلف فقالأحمد هي كذبة ليس عليه يمين وعنه عليه الكفارة لأنه أقر على نفسه والأول هو المذهب لأنه حكم فيما بينه وبين الله تعالى فإذا كذب في الخبر به لم يلزمه حكمه كما لو قال ما صليت وقد صلى ولو قال على يمين ونوى الخبر فهي كالتي قبلها وإن نوى القسم فقال أبو الخطاب هي يمين وهو قول أصحاب الرأي وقال الشافعي ليس بيمين لأنه لم يأت باسم الله تعالى المعظم ولا صفته فلم يكن يمينا كما لو قال حلفت وهذا أصح إن شاء الله تعالى فإن هذه ليست صيغة اليمين والقسم وإنما هي صيغة الخبر فلا يكون بها حالفا وإن قدر ثبوت حكمها لزمه أقل ما يتناوله الاسم وهو يمين ما وليست كل يمين موجبة للكفارة فلا يلزمه شيء ووجه الأول أنه كناية عن اليمين وقد نوى بها اليمين فتكون يمينا كالصريح

فصل وإذا حلف على ترك شيء أو حرمه لم يصر محرما وقال أبو حنيفة يصير محرما لقول الله


424

تعالى لم تحرم ما أحل الله لك التحريم 1 وقوله قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم التحريم 2 ولأن الحنث يتضمن هتك حرمة الاسم المعظم فيكون حراما ولأنه إذا حرمه فقد حرم الحلال فيحرم كما لو حرم زوجته

ولنا إنه إذا أراد التكفير فله فعل المحلوف عليه وحل فعله مع كونه محرما تناقض وتضاد والعجب أن أبا حنيفة لا يجوز التكفير إلا بعد الحنث وقد فرض الله تعالى تحلة اليمين فعلى قوله يلزم كون المحرم مفروضا أو من ضرورة المفروض لأنه لا يصل إلى التحلة إلا بفعل المحلوف عليه وهو عنده محرم وهذا غير جائز ولأنه لو كان محرما لوجب تقديم الكفارة عليه كالظهار ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك فأمر بفعل المحلوف عليه ولو كان محرما لم يأمره به وسماه خيرا والمحرم ليس بخير وأما الآية فإنما أراد بها قوله هو علي حرام أو منع نفسه منه وذلك يسمى تحريما قال الله تعالى يحلونه عاما ويحرمونه عاما التوبة 37 وقال وحرموا ما رزقهم الله الأنعام ولم يثبت فيه التحريم حقيقة ولا شرعا