كتاب المغني ج10


3

كتاب الكفارات

الأصل في كفارة اليمين الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم المائدة 89 الآية وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك في اخبار سوى هذا وأجمع المسلمون على مشروعية الكفارة في اليمين بالله تعالى

مسألة

قال أبو القاسم رحمه الله ( ومن وجبت عليه بالحنث كفارة يمين فهو مخير إن شاء أطعم عشرة مساكين مسلمين أحرارا كبارا كانوا أو صغارا إذا أكلوا الطعام )

أجمع أهل العلم على أن الحانث في يمينه بالخيار إن شاء أطعم وإن شاء كسا وإن شاء أعتق أي ذلك فعل أجزأه لأن الله تعالى عطف بعض هذه الخصال على بعض بحرف أو وهو للتخيير قال ابن عباس ما كان في كتاب الله أو ( فهو مخير فيه وما كان فمن لم يجد فالأول الأول ذكره الإمام أحمد في التفسير والواجب في الإطعام إطعام عشرة مساكين لنص الله تعالى على عددهم إلا أن لا يجد عشرة مساكين فيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ويعتبر في المدفوع إليهم أربعة أوصاف

أن يكونوا مساكين وهم الصنفان اللذان تدفع إليهم الزكاة المذكوران في أول أصنافهم في قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين التوبة 60 والفقراء مساكين وزيادة لكون الفقير أشد حاجة من المسكين على ما بيناه ولأن الفقر والمسكنة في غير الزكاة شيء واحد لأنهما جميعا اسم للحاجة إلى ما لا بد منه في الكفاية ولذلك لو وصى للفقراء أو وقف عليهم أو للمساكين لكان ذلك لهم جميعا وإنما جعلا صنفين في الزكاة وفرق بينهما لأن الله تعالى ذكر الصنفين جميعا باسمين فاحتيج إلى التفريق بينهما فأما في غير الزكاة فكل واحد من الاسمين يعبر به عن الصنفين لأن جهة استحقاقهم واحدة وهي الحاجة إلى ما تتم به الكفاية ولا يجوز صرفها إلى غيرهم سواء كان من أصناف الزكاة أو لم يكن لأن الله تعالى أمر بها للمساكين وخصهم بها فلا تدفع إلى غيرهم ولأن القدر المدفوع إلى كل واحد من الكفارة قدر يسير يراد به دفع حاجة يومه في مؤنته وغيرهم من الأصناف لا تندفع حاجتهم بهذا لكثرة حاجتهم وإذا صرفوا ما يأخذونه في حاجتهم صرفوه إلى غير ما شرع له

الثاني أن يكونوا أحرارا فلا يجزىء دفعها إلى عبد ولا مكاتب ولا أم ولد بهذا قال مالك والشافعي واختار الشريف أبو جعفر جواز دفعها إلى مكاتب نفسه وغيره

وقالأبو الخطاب يتخرج جواز دفعها إليه بناء على جواز


4

إعتاقه في كفارته لأنه يأخذ من الزكاة لحاجته أشبه المسكين

ولنا إن الله تعالى عده صنفا في الزكاة غير صنف المساكين ولا هو في معنى المساكين لأن حاجته غير جنس حاجتهم فدل على أنه ليس بمسكين والكفارة إنما هي للمساكين بدليل الآية ولأن المسكين يدفع إليه لتتم كفايته والمكاتب إنما يأخذ لفكاك رقبته أما كفايته فإنها حاصلة بكسبه وماله فإن لم يكن له كسب ولا مال عجزه سيده ورجع إليه واستغنى بإنفاقه وخالف الزكاة فإنها تصرف إلى الغنى والكفارة بخلافها

الثالث أن يكونوا مسلمين فلا يجوز صرفها إلى كافر ذميا كان أو حربيا وبذلك قال الحسن والنخعي والأوزاعي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وقال أبو ثور وأصحاب الرأي يجوز دفعها إلى الذمي لدخوله في اسم المساكين فيدخل في عموم الآية ولأنه مسكين من أهل دار الإسلام فأجزأ الدفع إليه من الكفارة كالمسلم وروي نحو هذا عن الشعبي وخرجه أبو الخطاب وجها في المذهب بناء على جواز إعتاقه في الكفارة وقال الثوري يعطيهم إن لم يجد غيرهم

ولنا إنهم كفار فلم يجز إعطاؤهم كمستأمني أهل الحرب والآية مخصوصة بهذا فنقيس

الرابع أن يكونوا قد أكلوا الطعام فإن كان طفلا لم يطعم لم يجز الدفع إليه في ظاهر كلام الخرقي وقول القاضي وهو ظاهر قول مالك فإنه قال يجوز الدفع إلى الفطيم وهو إحدى الروايتين عن أحمد

والرواية الثانية يجوز دفعها إلى الصغير الذي لم يطعم ويقبض للصغير وليه وهو الذي ذكره أبو الخطاب في المذهب وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي قالأبو الخطاب وهو قول أكثر الفقهاء لأنه حر مسلم محتاج فأشبه الكبير ولأن أكله للكفارة ليس بشرط وهذا يصرف الكفارة إلى ما يحتاج إليه مما تتم به كفايته فأشبه الكبير

ولنا قوله تعالى إطعام عشرة مساكين المائدة 89 وهذا يقتضي أكلهم له فإذا لم تعتبر حقيقة أكله اعتبر إمكانه ومظنته ولا تتحقق مظنته فيمن لا يأكل ولأنه لو كان المقصود دفع حاجته لجاز دفع القيمة ولم يتعين الإطعام وهذا يقيد ما ذكروه فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة في واحد جاز الدفع إليه سواء كان صغيرا أو كبيرا محجورا عليه أو غير محجور عليه إلا أن من لا حجر عليه يقبض لنفسه أو يقبض له وكيله والمحجور عليه كالصغير والمجنون يقبض له وليه

مسألة

قال ( لكل مسكين مد من حنطة أو دقيق أو رطلان خبزا أو مدان تمرا أو شعيرا )

أما مقدار ما يعطي كل مسكين وجنسه فقد ذكرناه في باب الظهار ونص الخرقي على أنه يجزىء الدقيق والخبز ونص أحمد عليه أيضا وروي عنه لا يجزىء الخبز وهو قول مالك والشافعي وقال لا يجزىء دقيق ولا سويق لأنه خرج عن حالة الكمال والادخار ولا يجزىء في الزكاة فلم يجزىء في الكفارة كالقيمة

ولنا قول الله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم المائدة 89


5

وهذا قد أطعمهم ما يطعم أهله فوجب أن يجزئه روى الإمام أحمد في كتاب التفسير بإسناده عن ابن عمر من أوسط ما تطعمون أهليكم المائدة 89 فإنه الخبز واللبن

وفي رواية عنه قال من أوسط ما تطعمون أهليكم المائدة 89 الخبز والتمر والخبز والزيت والخبز والسمن وقال أبو رزين من أوسط ما تطعمون أهليكم المائدة 89 خبز وزيت وخل وقال الأسود بن يزيد الخبز والتمر

وعن علي الخبز والتمر الخبز والسمن الخبز واللحم وعن ابن سيرين قال كانوا يقولون أفضله الخبز واللحم وأوسطه الخبز والسمن وأخسه الخبز والتمر وقال عبيدة الخبز والزيت وسأل رجل شريحا ما أوسط طعام أهلي فقال شريح إن الخبز والخل والزيت لطيب فقال له رجل أفرأيت الخبز واللحم قال أرفع طعام أهلك وطعام الناس وعن علي والحسن والشعبي وقتادة ومالك وأبي ثور يغديهم أو يعشيهم وهذا اتفاق على تفسير ما في الآية بالخبز ولأنه أطعم المساكين من أوسط طعام أهله فأجزأه كما لو أعطاه حبا ويفارق الزكاة من وجهين أحدهما أن الواجب عليه عشر الحب وعشر الحب حب فاعتبر الواجب وها هنا الواجب الإطعام والخبز أقرب إليه

والثاني أن دفع الزكاة يراد للاقتيات في جميع العام فيحتاج إلى ادخاره فاعتبر أن يكون على صفة تمكن من ادخاره عاما والكفارة تراد لدفع حاجة يومه ولهذا تقدرت بما الغالب أنه يكفيه ليومه والخبز أقرب إلى ذلك لأنه قد كفاه مؤنة طحنه وخبزه إذا تقرر هذا فإنه إن أعطى المسكين رطلي خبز بالعراقي أجزأه لأنه لا يكون من أقل من مد وقدر ذلك بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم خمس أواق وسبع أوقية وإن طحن مدا وخبزه أجزأه نص عليه أحمد

وكذلك إذا دفع دقيق المد إلى المسكين أجزأه وإن دفع الدقيق من غير تقدير حنطته فقال أحمد يجزئه بالوزن رطل وثلث ولا يجزئه إخراج مد دقيق بالكيل لأنه يروع بالطحن فحصل في مد دقيق الحب أقل من مد الحب وإن زاد في الدقيق عن مد بحيث يعلم أنه قدر مد حنطة جاز وقول الخرقي في مد دقيق يحتمل أنه أراد إخراجه بالوزن كما ذكر أحمد ويحتمل أنه أراد مدا من الحنطة طحنه ثم أخرج دقيقه ويحتمل أنه أراد إخراج ما يعلم أن حبه مد لما ذكرنا ويجب أن يحمل قوله في الدقيق والخبز على دقيق الحنطة وخبزها فإن أعطى من الشعير لم يجزئه إلا ضعف ذلك كما لا يجزىء من حبها إلا ضعف ما يجزىء من حب البر

فصل والأفضل إخراج الحب لأن فيه خروجا من الخلاف قال أحمد التمر أعجب إلي والدقيق ضعيف والتمر أحب إلي ويحتمل أن يكون إخراج الخبز أفضل لأنه أنفع للمسكين وأقل كلفة وأقرب إلى حصول المقصود منه بغنيته والظاهر أن المسكين يأكله ويستغني به في يومه ذلك والحب يعجز عن طحنه وعجنه فالظاهر أنه يحتاج إلى بيعه ثم يشتري بثمنه خبزا فيتكلف حمل كلفة البيع والشراء وغبن البائع والمشتري له وتأخر حصول النفع به وربما لم يحصل له بثمنه من الخبز ما يكفيه ليومه فيفوت المقصود مع حصول الضرر


6

فصل ويجب أن يكون المخرج في الكفارة سالما من العيب ولا يكون الحب مسوسا ولا متغيرا طعمه ولا فيه زوان أو تراب يحتاج إلى تنقية وكذلك دقيقه وخبزه لأن مخرج في حق الله تعالى عما وجب في الذمة فلم يجز أن يكون معيبا كالشاة في الزكاة

مسألة

قال ( ولو أعطاهم مكان الطعام أضعاف قيمته ورقا لم يجزه )

وجملته أنه لا يجزىء في الكفارة إخراج قيمة الطعام ولا الكسوة في قول إمامنا مالك والشافعي وابن المنذر وهو ظاهر قول من سمينا قولهم في تفسير الآية في المسألة التي قبلها وهو ظاهر من قول عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي وأجازه الأوزاعي وأصحاب الرأي لأن المقصود دفع حاجة المسكين وهو يحصل بالقيمة

ولنا قول الله تعالى إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم المائدة 89 هذا ظاهر في عين الطعام والكسوة فلا يحصل التكفير بغيره لأنه لم يؤد الواجب إذا لم يؤد ما أمره الله بأدائه ولأن الله تعالى خير بين ثلاثة أشياء ولو جازت القيمة لم ينحصر التخيير في الثلاثة ولأنه لو أريدت القيمة لم يكن للتخيير معنى لأن قيمة الطعام إن ساوت قيمة الكسوة فهما شيء واحد فكيف يخير بينهما وإن زادت قيمة أحدهما على الآخر فكيف يخير بين شيء وبعضه ثم ينبغي أنه إذا أعطاه في الكسوة ما يساوي إطعامه أن يجزئه وهو خلاف الآية وكذلك لو غلت قيمة الطعام فصار نصف المد يساوي كسوة المسكين ينبغي أن يجزئه نصف المد وهو خلاف الآية ولأنه أحد ما يكفر به فيتعين ما ورد به النص كالعتق أو فلا تجزىء فيه القيمة كالعتق فعلى هذا لو أعطاهم أضعاف قيمة الطعام لا يجزئه لأنه لم يؤد الواجب فلا يخرج عن عهدته

مسألة

قال ( ويعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله )

وبهذا قال الشافعي وأبو ثور ولا نعلم فيه مخالفا ولأن الكفارة حق مال يجب لله تعالى فجرى مجرى الزكاة فيمن يدفع إليه من أقاربه ومن لا يدفع إليه وقد سبق ذلك في باب الزكاة

فصل وكل من يمنع الزكاة من الغني والكافر والرقيق يمنع أخذ الكفارة وهل يمنع منها بنو هاشم فيه وجهان أحدهما يمنعون منها لأنها صدقة واجبة فمنعوا منها لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنا لا تحل لنا الصدقة وقياسا على الزكاة والثاني لا يمنعون لأنها لم تجب بأصل الشرع فأشبهت صدقة التطوع

مسألة

قال ( ومن لم يصب إلا مسكينا واحدا ردد عليه في كل يوم تتمة عشرة أيام )


7

وجملته أن المكفر لا يخلو من أن يجد المساكين بكمال عددهم أو لا يجدهم فإن وجدهم لم يجزئه إطعام أقل من عشرة في كفارة اليمين ولا أقل من ستين في كفارة الظهار وكفارة الجماع في رمضان وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأجاز الأوزاعي دفعها إلى واحد وقال أبو عبيد إن خص بها أهل بيت شديدي الحاجة جاز بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمجامع في رمضان حين أخبره بشدة حاجته وحاجة أهله أطعمه عيالك ولأنه دفع حق الله تعالى إلى من هو من أهل الاستحقاق فأجزأه كما لو دفع زكاته إلى واحد وقال أصحاب الرأي يجوز أن يرددها على مسكين واحد في عشرة أيام إن كانت كفارته يمينا أو في ستين إن كان الواجب إطعام ستين مسكينا ولا يجوز دفعها إليه في يوم واحد وحكاهأبو الخطاب رواية عن أحمد لأنه في كل يوم قد أطعم مسكينا ما يجب للمسكين فأجزأ كما لو أعطى غيره ولأنه لو أطعم هذا المسكين من كفارة أخرى أجزأه فكذلك إذا أطعمه من هذه الكفارة

ولنا قول الله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين المائدة 89 ومن أطعم واحدا فما أطعم عشرة فما امتثل الأمر فلا يجزئه ولأن الله تعالى جعل كفارته إطعام عشرة مساكين فإذا لم يطعم عشرة فما أتى بالكفارة ولأن من لم يجز الدفع إليه في اليوم الأول لم يجز في اليوم الثاني مع اتفاق الحال كالولد فأما الواقع على أهله فإنما أسقط الله تعالى الكفارة عنه لعجزه عنها فإنه لا خلاف في أن الإنسان لا يأكل كفارة نفسه ولا يطعمها عائلته وقد أمر بذلك

الحال الثاني العاجز عن عدد المساكين كلهم فإنه يردد على الموجودين منهم في كل يوم حتى تتم عشرة فإن لم يجد إلا واحدا ردد عليه تتمة عشرة أيام وإن وجد اثنين ردد عليهما خمسة أيام وعلى هذا ونحو هذا قال الثوري وهو اختيار أكثر الأصحاب وعن أحمد رواية أخرى لا يجزئه إلا كمال العدد وهو مذهب مالك والشافعي لما ذكرنا في حال القدرة

ولنا إن ترديد الإطعام في عشرة أيام في معنى إطعام عشرة لأن يدفع الحاجة في عشرة أيام فأشبه ما لو أطعم في كل يوم واحدا والشيء بمعناه يقوم مقامه بصورته عند تعذرها ولهذا شرعت الابدال لقيامها مقام المبدلات في المعنى ولا يجتزأ بها مع القدرة على المبدلات كذا ها هنا

فصل وإن أطعم كل يوم مسكينا حتى أكمل العشرة أجزأه بلا خلاف نعلمه لأن الواجب إطعام عشرة مساكين وقد أطعمهم وإن دفعها إلى من يظنه مسكينا فبان غنيا ففي ذلك وجهان بناء على الروايتين في دفع الزكاة إليه أحدهما لا يجزئه وهو قول الشافعي وأبي يوسف وأبي ثور وابن المنذر لأنه لم يطعم المساكين فلم يجزئه كما لو علم

والثاني يجزئه وهو قول أبي حنيفة ومحمد لأنه دفعها إلى من يظنه مسكينا وظاهره المسكنة فأجزأه كما لو


8

يعلم حاله

وهذا لأن الفقر يخفى وتشق معرفة حقيقته قال الله تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف البقرة 273 فوجب أن يكتفي بظهوره وظنه وكذلك لما سأل الرجلان النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة قال إن شئتما أعطيتكما منها ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب وإن بان كافرا أو عبدا لم يجزئه وجها واحدا كقولنا في الزكاة لأن ذلك لا يكاد يخفى وليس هو في مظنة الخفاء فإن كان الدافع الإمام فأخطأ في الفقر لم يضمن وإن أخطأ في الحرية والإسلام فهل يضمن على الوجهين بناء على خطئه في الحد

فصل إذا أطعم مسكينا في يوم واحد من كفارتين ففيه وجهان أحدهما يجزئه لأنه أطعم عن كل كفارة عشرة مساكين فأجزأه كما لو أطعمه في يومين ولأن من جاز له أن يأخذ من اثنين جاز أن يأخذ من واحد كالقدر الذي يجوز له أخذه من الزكاة

والثاني لا يجزئه إلا عن واحد وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف لأنه أعطى مسكينا في يوم طعام اثنين فلم يجزئه إلا عن واحد كما لو كان في كفارة واحدة وإن أطعم اثنين من كفارتين في يوم واحد جاز ولا نعلم في جوازه خلافا وكذلك إن أطعم واحدا من كفارتين في يومين جاز أيضا بغير خلاف نعلمه فلو كان على واحد عشر كفارات وعنده عشرة مساكين يطعمهم كل يوم كفارة يفرقها عليهم جاز لأنه أتى بما أمر به فخرج عن عهدته وبيان أنه أتى بما أمر أنه أطعم عن كل كفارة عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله والحكم في الكسوة كالحكم في الطعام على ما فصلناه

مسألة

قال ( وإن شاء كسا عشرة مساكين للرجل ثوب يجزئه أن يصلي فيه وللمرأة درع وخمار )

لا خلاف في أن الكسوة أحد أصناف كفارة اليمين لنص الله تعالى عليها في كتابه بقوله تعالى أو كسوتهم المائدة 89 ولا تدخل في كفارة غير كفارة اليمين ولا يجزئه أقل من كسوة عشرة لقول الله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم المائدة 89 وتتقدر الكسوة بما تجزىء الصلاة فيه فإن كان رجلا فثوب تجزئه الصلاة فيه وأن كانت امرأة فدرع وخمار وبهذا قال مالك وممن قال لا تجزئه السروايل الأوزاعي وأبو يوسف وقال إبراهيم ثوب جامع وقال الحسن كل مسكين حلة إزار ورداء قال ابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وأصحاب الرأي يجزئه ثوب ثوب ولم يفرقوا بين الرجل والمرأة وحكي عن الحسن قال تجزىء العمامة وقال سعيد بن المسيب عباءة وعمامة وقال الشافعي يجزىء أقل ما يقع عليه الاسم من سراويل أو إزار أو رداء أو منفعة أو عمامة وفي القلنسوة وجهان

واحتجوا بأن ذلك يقع عليه اسم الكسوة فأجزأ كالذي تجوز الصلاة فيه

ولنا إن الكسوة أحد أنواع الكفارة فلم يجز فيه ما يقع عليه الاسم كالإطعام والإعتاق ولأن التكفير عبادة تعتبر


9

فيها الكسوة فلم يجز فيها أقل مما ذكرناه كالصلاة ولأنه مصروف إلى المساكين في الكفارة فيتقدر كالإطعام ولأن اللابس ما لا يستر عورته إنما يسمى عريانا لا مكتسيا وكذلك لابس السراويل وحده أو مئزرا يسمى عريانا فلا يجزئه لقول الله تعالى أو كسوتهم المائدة 89

إذا ثبت هذا فإنه إذا كسا امرأة أعطاها درعا وخمارا لأنه أقل ما يستر عورتها وتجزئها الصلاة فيه وإن أعطاها ثوبا واسعا يمكنها أن تستر به بدنها ورأسها أجزأه ذلك وإن كسا الرجل أجزأه قميص أو ثوب يمكنه أن يستر عورته ويجعل على عاتقه منه شيئا أو ثوبين يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر ولا يجزئه مئزر وحده ولا سروال وحده لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي أحدكم في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء

فصل ويجوز أن يكسوهم من جميع أصناف الكسوة من القطن والكتان والصوف والشعر والوبر والخز والحرير لأن الله تعالى أمر بكسوتهم ولم يعين جنسا فأي جنس كساهم منه خرج به عن العهدة لوجود الكسوة المأمور بها ويجوز أن يكسوهم لبيسا أو جديدا إلا أن يكون مما قد يلي وذهبت منفعته لأنه معيب فلا يجزىء كالحب المعيب والرقبة إذا بطلت منفعتها وسواء كان ما أعطاهم مصبوغا أو غير مصبوغ أو خاما أو مقصورا لأنه تحصل الكسوة المأمور بها والحكمة المقصودة منها

فصل والذي تجزىء كسوتهم هم المساكين الذين يجزىء إطعامهم لأن الله تعالى قال فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم المائدة 89 فينصرف الضمير إليهم وقد تقدم الكلام في المساكين وأصنافهم

مسألة

قال ( وإن شاء أعتق رقبة مؤمنة قد صلت وصامت لأن الإيمان قول وعمل وتكون سليمة ليس فيها نقص يضر بالعمل )

وجملته أن إعتاق الرقبة أحد خصال الكفارة بغير خلاف لنص الله تعالى عليه بقوله أو تحرير رقبة المائدة 89 ويعتبر في الرقبة ثلاثة أوصاف أحدها أن تكون مؤمنة في ظاهر المذهب وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد

وعن أحمد رواية أخرى أن الذمية تجزىء وهو قول عطاء وأبي ثور وأصحاب الرأي لقول الله تعالى فتحرير رقبة النساء 92 وهذا مطلق فتدخل فيه الكافرة

ولنا إنه تحرير في كفارة فلا تجزىء فيه الكافرة كفارة القتل والجامع بينهما أن الإعتاق يتضمن تفريغ العبد المسلم لعبادة ربه

وتكميل أحكامه وعبادته وجهاده ومعونة المسلم فناسب ذلك شرع إعتاقه في الكفارة تحصيلا لهذه


10

المصالح والحكم مقرون بها في كفارة القتل المنصوص على الإيمان فيها فيعلل بها ويتعدى ذلك الحكم إلى كل تحرير في كفارة فيختص بالمؤمنة لاختصاصها بهذه الحكمة وأما المطلق الذي احتجوا به فإنما يحمل على المقيد في كفارة القتل كما حمل مطلق قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم البقرة 282 على المقيد في قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق 2 وإن لم يحمل عليه من جهة اللغة حمل عليه من جهة القياس

الثاني أن تكون قد صلت وصامت وهذا قول الشعبي ومالك وإسحاق قال القاضي لا يجزىء من له دون السبع لأنه لا تصح منه العبادات في ظاهر كلام أحمد وظاهر كلام الخرقي المعتبر الفعل دون السن فمن صلى وصام ممن له عقل يعرف الصلاة والصيام ويتحقق منه الإتيان به بنيته وأركانه فإنه يجزىء في الكفارة وإن كان صغيرا ولم يوجدا منه لم يجزىء في الكفارة وإن كان كبيرا وقال أبو بكر وغيره من أصحابنا يجوز إعتاق الطفل في الكفارة وهو قول الحسن وعطاء والزهري والشافعي وابن المنذر لأن المراد بالإيمان ها هنا الإسلام بدليل إعتاق الفاسق قال الثوري المسلمون كلهم مؤمنون عندنا في الأحكام ولا ندري ما هم عند الله ولهذا تعلق حكم القتل بكل مسلم بقوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ النساء 92 والصبي محكوم بإسلامه يرثه المسلمون ويرثهم ويدفن في مقابر المسلمين ويغسل ويصلي عليه وإن سبي منفردا عن أبويه أجزأه عتقه لأنه محكوم بإسلامه وكذلك إن سبي مع أحد أبويه ولو كان أحد أبوي الطفل مسلما والآخر كافرا أجزأ إعتاقه لأنه محكوم بإسلامه وقال القاضي في موضع يجزىء إعتاق الصغيرة في جميع الكفارات إلا كفارة القتل فإنها على روايتين

وقال إبراهيم النخعي ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة فلا يجزىء إلا ما صام وصلى وما كان في القرآن رقبة ليست بمؤمنة فالصبي يجزىء ونحو هذا قول الحسن ووجه قول الخرقي أن الواجب رقبة مؤمنة والإيمان قول وعمل فما لم تحصل الصلاة والصيام لم يحصل العمل

وقال مجاهد وعطاء في قوله فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 قال قد صلت ونحو هذا قول الحسن وإبراهيم وقال مكحول إذا ولد المولود فهو نسمة فإذا تقلب ظهرا لبطن فهو رقبة فإذا صلى فهو مؤمنة ولأن الطفل لا تصح منه عبادة لفقد التكليف فلم يجزىء في الكفارة كالمجنون ولأن الصبا نقص يستحق به النفقة على القريب أشبه الزمالة والقول الآخر أقرب إلى الصحة إن شاء الله لأن الإيمان الإسلام وهو حاصل في حق الصغير ويدل على هذا أن معاوية بن الحكم السلمي أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية فقال لها أين الله قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة رواه مسلم

وفي حديث عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية أعجمية فقال يا رسول الله إن علي رقبة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله فأشارت برأسها إلى السماء


11

قال من أنا فأشارت إلى رسول الله وإلى السماء أي أنت رسول الله قال أعتقها فحكم لها بالإيمان بهذا القول

فصل ولا يجزىء إعتاق الجنين في قول أكثر أهل العلم وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال أبو ثور يجزىء لأنه آدمي مملوك فصح إعتاقه عن الرقبة كالمولود

ولنا إنه لم تثبت له أحكام الدنيا بعد فإنه لا يملك بالإرث والوصية ولا يشترط لهما كونه آدميا لكونه ثبت له ذلك وهو نطفة أو علقة وليس بآدمي في تلك الحال

الثالث أن لا يكون بها نقص يضر بالعمل وقد شرحنا ذلك في الظهار ويجزىء الصبي وإن كان عاجزا عن العمل لأن ذلك ماض إلى زوال وصاحبه سائر إلى الكمال ولا يجزىء المجنون لأن نقصه لا غاية لزواله معلومة فأشبه الزمن

فصل وإن أعتق غائبا تعلم حياته وتجيء أخباره صح وأجزأه عن الكفارة كالحاضر وإن شك في حياته وانقطع خبره لم يحكم بالإجزاء فيه لأن الأصل شغل ذمته ولا تبرأ بالشك وهذا العبد مشكوك فيه بوجوده فشك في إعتاقه

فإن قيل الأصل حياته قلنا إلا أنه قد علم أن الموت لا بد منه وقد وجدت دلالة عليه وهو انقطاع أخباره فإن تبين بعد هذا كونه حيا تبينا صحة عتقه وبراءة الذمة من الكفارة وإلا فلا

فصل وإن أعتق غيره عنه بغير أمره لم يقع عن المعتق عنه إذا كان حيا وولاؤه للمعتق ولا يجزىء عن كفارته وإن نوى ذلك وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك أنه إذا أعتق عن واجب على غيره بغير أمره صح لأنه قضى عنه واجبا كما لو قضى عنه دينا

ولنا إنه عبادة من شرطها النية فلم يصح أداؤها عمن وجبت عليه بغير أمره مع كونه من أهل الأمر كالحج ولأنه أحد خصال الكفارة فلم يصح عن المكفر بغير أمره كالصيام وهكذا الخلاف فيما إذا كفر عنه بإطعام أو كسوة ولا يجوز أن ينوب عنه في الصيام بإذنه ولا بغير إذنه لأنه عبادة بدنية فلا تدخلها النيابة فأما إن أعتق عنه بأمره نظرت فإن جعل له عوضا صح العتق عن المعتق عنه وله ولاؤه وأجزأ عن كفارته بغير خلاف علمناه وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم لأنه حصل العتق عنه بماله فأشبه ما لو اشتراه ووكل البائع في إعتاقه عنه وإن لم يشترط عوضا ففيه روايتان إحداهما يقع العتق عن المعتق عنه ويجزىء في كفارته وهو قول مالك والشافعي لأنه أعتق بأمره فصح كما لو شرط عوضا

والأخرى لا يجزىء وولاؤه للمعتق وهو قول أبي حنيفة لأن العتق بعوض كالبيع وبغير عوض كالهبة ومن شرط الهبة القبض ولم يحصل فلم يقع عن الموهوب له وفارق البيع فإنه لا يشترط فيه القبض فإن كان المعتق عنه ميتا نظرت فإن أوصى بالعتق صح لأنه بأمره وإن لم يوص به فأعتق عنه أجنبي لم يصح لأنه ليس بنائب عنه وإن أعتق


12

عنه وارثه فإن لم يكن عليه واجب لم يصح العتق عنه ووقع عن المعتق وإن كان عليه عتق واجب صح العتق عنه لأنه نائب له في ماله وأداء واجباته فإن كانت عليه كفارة يمين فكسا عنه أو أطعم عنه جاز وإن أعتق عنه ففيه وجهان أحدهما ليس له ذلك لأنه غير متعين فجرى مجرى التطوع

والثاني يجزىء لأن العتق يقع واجبا لأن الوجوب يتعين فيه بالفعل فأشبه المعين من العتق ولأنه أحد خصال كفارة اليمين فجاز أن يفعله عنه كالإطعام والكسوة ولو قال من عليه الكفارة أطعم عن كفارتي أو اكس ففعل صح رواية واحدة سواء ضمن له عوضا أو لم يضمن له عوضا

مسألة

قال ( ولو اشتراها بشرط العتق فأعتقها في الكفارة عتقت ولم تجزئه عن الكفارة )

وهذا مذهب الشافعي وروي عن معقل بن يسار ما يدل عليه وذلك لأنه إذا اشتراها بشرط العتق فالظاهر أن البائع نقصه من الثمن لأجل هذا الشرط فكأنه أخذ عن العتق عوضا فلم تجزئه عن الكفارة

قال أحمد إن كانت رقبة واجبة لم تجزئه لأنها ليست رقبة سليمة ولأن عتقها يستحق بسبب آخر وهو الشرط فلم تجزئه كما لو اشترى قريبه فنوى بشرائه العتق عن الكفارة أو قال إن دخلت الدار فأنت حر ثم نوى عند دخوله أنه عن كفارته

فصل ولو قال له رجل أعتق عبدك عن كفارتك ولك عشرة دنانير ففعل لم يجزئه عن الكفارة لأن الرقبة لم تقع خالصة عن الكفارة وقال القاضي العتق كله يقع عن باذل العوض وله ولاؤه وهذا فيه نظر فإن المعتق لم يعتقه عن باذلي العوض ولا رضي بإعتاقه عنه ولا باذل العوض طلب ذلك والصحيح أن إعتاقه من المعتق والولاء له وقد ذكر الخرقي أنه إذا قال أعتقه والثمن علي فالثمن عليه والولاء للمعتق فإن رد العشرة على باذلها ليكون العتق عن الكفارة وحدها أو عزم على رد العشرة أو رد العشرة قبل العتق فأعتقه عن كفارته أجزأه

فصل وإذا اشترى عبدا ينوي إعتاقه عن كفارته فوجد به عيبا لا يمنع من الإجراء في الكفارة فأخذ أرشه ثم أعتق العبد كفارته أجزأه وكان الأرش له لأن العتق إنما وقع على العبد المعيب دون الأرش وإن أعتقه قبل العلم بالعيب ثم ظهر على العيب فأخذ أرشه فهو له أيضا كما لوأخذه قبل إعتاقه وعنه أنه يصرف ذلك الأرش في الرقاب لأنه أعتقه معتقدا أنه سليم فكان بمنزلة العوض عن حق الله تعالى وكفارة الأرش مصروفة في حق الله تعالى كما لو باعه كان الأرش للمشترى وإن علم العيب ولم يأخذ أرشه حتى أعتقه كان الأرش للمعتق لأنه أعتقه معيبا عالما بعيبه فلم يلزمه أرش كما لو باعه ولم يعلم عيبه

مسألة

قال ( وكذلك لو اشترى بعض من يعتق عليه إذا ملكه ينوي بشرائه الكفارة عتق ولم يجزئه )

وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وقال أصحاب الرأي يجزئه استحسانا لأنه يجزىء عن كفارة البائع فأجزأ عن كفارة المشتري كغيره


13

ولنا قوله تعالى فتحرير رقبة النساء 92

والتحرير فعل العتق ولم يحصل العتق ها هنا بتحرير منه ولا إعتاق فلم يكن ممتثلا للأمر ولأن عتقه مستحق بسبب آخر فلم يجزئه كما لو ورثه ينوي به العتق عن كفارته وكأم الولد ويخالف المشتري البائع من وجهين أحدهما أن البائع يعتقه والمشتري لم يعتقه إنما يعتق بإعتاق الشرع وهذا عن غير اختيار منه

والثاني أن البائع لا يستحق عليه إعتاقه والمشتري بخلافه

فصل إذا ملك نصف عبد فأعتقه عن كفارته عتق وسرى إلى باقيه إن كان موسرا بقيمة باقيه ولم يجزئه عن كفارته في قول أبي بكر الخلال وصاحبه وحكاه عن أحمد وهو قول أبي حنيفة لأن عتق نصيب شريكه لم يحصل بإعتاقه إنما حصل بالسراية وهي غير فعله وإنما هي من آثار فعله فأشبه ما لو اشترى من يعتق عليه ينوي به الكفارة يحقق هذا أنه لم يباشر بالإعتاق إلا نصيبه فسرى إلى غيره ولو خص نصيب غيره بالإعتاق لم يعتق منه شيء ولأنه إنما يملك إعتاق نصيب لا نصيب غيره وقال القاضي قال غيرهما من أصحابنا يجزئه إذا نوى إعتاق جميعه عن كفارته وهو مذهب الشافعي لأنه أعتق عبدا كامل الرق سليم الخلق غير مستحق العتق ناويا به الكفارة فأجزأه كما لو كان الجميع ملكه والأول أصح إن شاء الله ولا نسلم أنه أعتق العبد كله وإنما أعتق نصفه وعتق الباقي عليه فأشبه شراء قريبه ولأن إعتاق باقيه مستحق بالسراية فهو كالقريب فعلى هذا هل يجزئه عتق نصفه الذي هو ملكه ويعتق نصفا آخر فتكمل الكفارة ينبني على ما إذا أعتق نصفي عبدين وسنذكره إن شاء الله وإن نوى عتق نصيبه عن الكفارة ولم ينو ذلك في نصيب شريكه لم يجزئه نصيب شريكه وفي نصيبه نفسه ما سنذكره إن شاء الله

ولو كان معسرا فأعتق نصيبه عن كفارته فكذلك فإن ملك باقيه فأعتقه عن الكفارة أجزأه ذلك وإن أراد صيام شهر وإطعام ثلاثين مسكينا لم يجزئه كما لو أعتق نصف عبد في كفارة اليمين وأطعم خمسة مساكين أو كساهم لم يجزئه

فصل وإن كان العبد كله له فأعتق جزءا منه معينا أو مشاعا عتق جميعه وإن كان نوى به الكفارة أجزأ عنه لأن إعتاق بعض العبد إعتاق لجميعه

وإن نوى إعتاق الجزء الذي باشره بالإعتاق عن الكفارة دون غيره لم يجزئه عتق غيره وهل يحتسب بما نوى به الكفارة على وجهين

فصل وإن قال إن ملكت فلانا فهو حر

وقلنا يصح هذا لتعليق فاشتراه ينوي العتق عن كفارته عتق ولم يجزئه عن الكفارة ويخرج فيه من الخلاف مثل ما في شراء قريبه والله أعلم

مسألة

قال ( ولا تجزىء في الكفارة أم ولد )

هذا ظاهر المذهب وبه قال الأوزاعي ومالك والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية أخرى


14

أنها ويروى ذلك عن الحسن وطاوس والنخعي وعثمان البتي لقول الله تعالى فتحرير رقبة النساء 92 تجزىء

ومعتقها قد حررها

ولنا إن عتقها يستحق بسبب آخر فلم تجزىء عنه كما لو اشترى قريبه أو عبدا بشرط العتق فأعتقه وكما لو قال لعبده أنت حر إن أدخلت الدار ثم نوى عتقه عن كفارته عند دخوله والآية مخصوصة بما ذكرناه فنقيس عليه ما اختلفنا فيه

فصل ولد أم الولد الذي ولدته بعد كونها أم ولد حكمه حكمها فيما ذكرناه لأن حكمه حكمها في العتق بموت سيدها

مسألة

قال ( ولا مكاتب قد أدى من كتابته شيئا )

روي عن أحمد رحمه الله في المكاتب ثلاث روايات إحداهن يجزىء مطلقا اختاره أبو بكر وهو مذهب أبي ثور لأن المكاتب عبد يجوز بيعه فأجزأ عتقه كالمدبر ولأنه رقبة فدخل في مطلق قوله سبحانه فتحرير رقبة النساء 92

والثانية لا يجزىء مطلقا وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد لأن عتقه مستحق بسبب آخر ولهذا لا يملك إبطال كتابته فأشبه أم الولد

والثالثة إن أدى من كتابته شيئا لم يجزئه وإلا أجزأه وبهذا قال الليث والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي قال القاضي هو الصحيح لأنه إذا أدى شيئا فقد حصل العوض عن بعضه فلم يجزىء كما لو أعتق بعض رقبة وإذا لم يؤد فقد أعتق رقبة كاملة مؤمنة سالمة الخلق تامة الملك لم يحصل عن شيء منها عوض فأجزأ عتقها كالمدبر ولو أعتق عبدا على مال فأخذه من العبد لم يجزىء عن كفارته في قولهم جميعا

مسألة

قال ( ويجزئه المدبر )

وهذا قول طاوس والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وقال الأوزاعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي لا يجزىء لأن عتقه مستحق بسبب آخر فأشبه أم الولد ولأن بيعه عندهم غير جائز فأشبه أم الولد

ولنا قوله تعالى فتحرير رقبة النساء 92

وقد حرر رقبة ولأنه عبد كامل المنفعة يجوز بيعه ولم يحصل عن شيء منه عوض فجاز عتقه كالقن والدليل على جواز بيعه أن النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبرا وسنذكر حديثه في بابه إن شاء الله ولأن التدبير إما أن يكون وصية أو عتقا بصفة وأيا ما كان فلا يمنع التفكير بإعتاقه قبل وجود الصفة والصفة ها هنا الموت ولم يوجد


15

مسألة

قال ( والخصي )

لا نعلم في إجزاء الخصي خلافا سواء كان مقطوعا أو مشلولا أو موجوءا لأن ذلك نقص لا يضر بالعمل ولا يؤثر فيه بل ربما زادت بذلك قيمته فاندفع فيه ضرر شهوته فأجزأ كالفحل

مسألة

قال ( وولد الزنا )

هذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن فضالة بن عبيد وأبي هريرة وبه قال ابن المسيب والحسن وطاوس والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وابن المنذر

وروي عن عطاء والشعبي والنخعي وحماد أنه لا يجزىء لأن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ولد الزنا شر الثلاثة قال أبو هريرة لأن أمنع بسوط في سبيل الله أحب إلي منه رواه أبو داود

ولنا دخوله في مطلق قوله تعالى فتحرير رقبة النساء 92

ولأنه مملوك مسلم كامل العمل لم يعتض عن شيء منه ولا استحق عتقه بسبب آخر فأجزأ عتقه كولد الرشيدة

فأما الأحاديث الواردة في ذمة فاختلف أهل العلم في تفسيرها

فقال الطحاوي ولد الزنا هو الملازم للزنا كما يقال ابن السبيل الملازم لها وولد الليل الذي لا يهاب السرقة وقال الخطابي عن بعض أهل العلم قال هو شر الثلاثة أصلا وعنصرا ونسبا لأنه خلق من ماء الزنا وهو خبيث وأنكر قوم هذا التفسير وقالوا ليس عليه من وزر والديه شيء وقد قال الله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى الأنعام 164 الإسراء 15 فاطر 18 الزمر 7 النجم 38

وفي الجملة هذا يرجع إلى أحكام الآخرة أما أحكام الدنيا فهو كغيره في صحة إمامته وبيعه وعتقه وقبول شهادته فكذلك في إجزاء عتقه عن الكفارة لأنه من أحكام الدنيا

مسألة

قال ( فإن لم يجد من هذه الثلاثة واحدا أجزأه صيام ثلاثة أيام متتابعة )

يعني إن لم يجد طعاما ولا كسوة ولا عتقا انتقل إلى صيام ثلاثة أيام لقول الله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام المائدة 89

وهذا لا خلاف فيه إلا في اشتراط التتابع في الصوم وظاهر المذهب اشتراطه كذلك قال إبراهيم النخعي والثوري وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي وروي نحو ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة

وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى أنه يجوز تفريقها وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه لأن الأمر بالصوم مطلق ولا يجوز تقييده إلا بدليل ولأنه صام الأيام الثلاثة فلم يجب التتابع فيه كصيام المتمع ثلاثة أيام في الحج

ولنا إن في قراءة أبي وعبد الله بن مسعود فصيام ثلاثة أيام المائدة 89

متتابعات كذلك ذكره الإمام أحمد في التفسير عن جماعة وهذا إن كان قرآنا فهو حجة لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وإن لم يكن قرآنا فهو رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ يحتمل أن يكون سمعاه من النبي صلى الله عليه وسلم تفسيرا فظناه قرآنا فثبتت له رتبة الخبر ولا ينقص عن


16

درجة تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للآية وعلى كلا التقديرين فهو حجة يصار إليه ولأنه صيام في كفارة فوجب فيه التتابع ككفارة القتل والظهار والمطلق يحتمل على المقيد على ما قررناه فيما مضى فعلى هذا إن أفطرت المرأة لمرض أو حيض أو الرجل لمرض لم ينقطع التتابع وبهذا قال أبو ثور وإسحاق

وقال أبو حنيفة ينقطع فيهما لأن التتابع لم يوجد وفوات الشرط يبطل به المشروط وقال الشافعي ينقطع في المضر في أحد القولين ولا ينقطع في الحيض

ولنا إنه عذر يبيح الفطر أشبه الحيض في كفارة القتل

مسألة

قال ( ولو كان الحانث عبدا لم يكفر بغير الصوم )

لا خلاف في أن العبد يجزئه الصيام في الكفارة لأن ذلك فرض المعسر من الأحرار وهو أحسن حالا من العبد فإنه يملك في الجملة ولأن العبد داخل في قوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام المائدة 89

وإن أذن السيد لعبده في التكفير بالمال لم يلزمه لأنه ليس بمالك لما أذن له فيه وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجزئه التكفير بغير الصيام

وقد قال غيره من أصحابنا فيما إذا أذن له سيده في التكفير بالمال روايتان إحداهما يجوز تكفيره به

والأخرى لا يجوز إلا بالصيام وقد ذكرنا علل ذلك في الظهار والاختلاف فيه

وذكر القاضي أن أصل هذا عنده الروايتان في ملك العبد بالتمليك إن قلنا يملك بالتمليك فملكه سيده وأذن له بالتكفير بالمال جاز لأنه مالك لما يكفر به وإن قلنا لا يملك بالتمليك ففرضه الصيام لأنه لا يملك شيئا يكفر به وكذلك إن قلنا يملك ولم يأذن له سيده بالتكفير في المال ففرضه الصيام وإن ملك لأنه محجور عليه ممنوع من التصرف فيما في يديه قال وأصحابنا يجعلون في العبد روايتين مطلقا سواء قلنا يملك أو لا يملك ثم على الرواية التي تجيز له التكفير بالمال له أن يطعم وهل له أن يعتق على روايتين إحداهما ليس له ذلك لأن العتق يقتضي الولاء والولاية والإرث وليس ذلك للعبد ولكن يكفر بالإطعام وهذا رواية عن مالك وبه قال الشافعي على القول الذي يجيز له التكفي بالمال

والثانية له التكفير بالعتق لأن من صح تكفيره بالمال صح بالعتق كالحر ولأنه يملك العبد فصح تكفيره بإعتاقه كالحر وقولهم إن العتق يقتضي الولاء والولاية لا نسلم ذلك في العتق في الكفارة على ما أسلفناه وإن سلمنا فتخلف بعض الأحكام لا يمنع ثبوت المقتضي فإن الحكم يتخلف بتخلف سببه لا لتخلف أحكامه كما أنه يثبت لوجود سببه ولأن تخلف بعض الأحكام مع وجود المقتضي إنما يكون لمانع منعها ويجوز أن يختص المنع بها دون غيرها ولهذا السبب المقتضي لهذه الأحكام لا يمنع ثبوته تخلفها عنه في الرقيق على أن الولاء يثبت بإعتاق العبد لكن لا يرث به كما لو اختلف ديناهما وهذا اختيار أبي بكر وفرع عليه إذا أذن له سيده فأعتق نفسه ففيه قولان


17

أحدهما يجزئه لأنه رقبة تجزىء عن غيره فأجزأت عن نفسه كغيره

والآخر لا يجزئه لأن الاذن له في الإعتاق ينصرف إلى إعتاق غيره وهذا التعليل يدل على أن سيده لو أذن له في إعتاق نفسه عن كفارته جاز فأما إن أطلق الإذن في الإعتاق فليس له أن يعتق إلا أقل رقبة تجزيء عن الواجب وليس له إعتاق نفسه إذا كانت أفضل مما يجزىء وهذا من أبي بكر يقتضي أنه لا يعتبر في التكفير أن يملكه سيده ما يكفر به لأنه لا يملك نفسه بل متى أذن له في التكفير بالعتق أو الإطعام أجزأه لأنه لو اعتبر التمليك لما صح له أن يعتق نفسه لأنه لا يملكها ولأن التمليك لا يكون إلا في معين ولا يصح أن يأذن فيه مطلقا

فصل وإذا أعتق العبد عبدا عن كفارته بإذن سيده وقلنا إن الإعتاق في الكفارة يثبت به الولاء لمعتقه ثبت ولاؤه للعبد الذي أعتقه لقول النبي صلى الله عليه وسلم زإنما الولاء للمعتق ولا يرث لأنه ليس من أهل الميراث ولا يمتنع ثبوت الولاء مع انتفاء الإرث كما لو اختلف دينهما أو قتل المعتق عتيقه فإنه لا يريثه مع ثبوت الولاء له عليه فإن عتق المعتق له ورث بالولاء لزوال المانع كما إذا كانا مختلفي الدين فأسلم الكافر منهما ذكر هذا طلحة العاقولي ومقتضى هذا أن سيد العبد لا يرث عتيقه في حياة عبده كما لا يرث ولد عبده فإن أعتق عبده ثم مات ورث السيد مولى عبده لأنه مولى مولاه كما أنه لو أعتق العبد وله ولد عليه لمولى أمه يجر ولاءه ويرثه سيده إذا مات أبوه

فصل وليس للسيد منع عبده من التكفير بالصيام سواء كان الحلف أو الحنث بإذنه أو بغير إذنه وسواء أضر به الصيام أو لم يضر به وقال الشافعي إن حنث بغير إذنه والصوم يضر به فله منعه لأن السيد لم يأذن له فيم ألزمه نفسه مما يتعلق به ضرر على السيد فكان له منعه وتحليله كما لو أحرم بالحج بغير إذنه

ولنا إنه صوم واجب لحق الله تعالى فلم يكن لسيده منعه منه كصيام رمضان وقضائه ويفارق الحج لأن ضرره كثير لطول مدته وغيبته عن سيده وتفويت خدمته ولهذا ملك تحليل زوجته منه ولم يملك منعها صوم الكفارة فأما صوم التطوع فإن كان فيه ضرر عليه فللسيد منعه منه لأنه يفوت حقه بما ليس بواجب عليه وإن كان لا يضر به لم يكن ليسده منعه منه لأنه يعبد ربه بما لا مضرة فيه فأشبه ذكر الله تعالى وصلاة النافلة في غير وقت خدمته وللزوج منع زوجته منه في كل حال لأنه يفوت حقه من الاستمتاع ويمنعه منه

مسألة

قال ( ولو حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق عليه فعليه الصوم لا يجزئه غيره )

ظاهر هذا أن الاعتبار في الكفارات بحالة الحنث لأنه وقت الوجوب وهو حينئذ عبد فوجب عليه الصوم فلا يجزئه غير ما وجب عليه وقال القاضي هذا فيه نظر فإن المنصوص أنه يكفر كفارة عبد لأنه إنما يكفر بما وجب عليه يوم حنث ومعناه أنه لا يلزمه التكفير بالمال فإنه كفر به أجزأه وهذا منصوص عن الشافعي ومن أصحابه من قال بقول الخرقي وليس على الخرقي حجة من كلام أحمد بل هو حجة له لقوله إنما يكفر ما وجب عليه وإنما للحصر


18

تثبت المذكور وتنفي ما عداه ولم يجب عليه إلا الصوم فلا يكفر بغيره ووجه ذلك أنه حكم تعلق بالعبد في رقه فلم يتغير بحريته كالحد وهذا على القول الذي لم يجز فيه للعبد التكفير بالمال بإذن سيده فأما على القول الآخر فله التكفير ها هنا بطريق الأولى لأنه إذا جاز له في حال رقه التكفير بالمال في حال حريته أولى وإنما احتاج إلى إذن سيده في حال رقه لأن المال لسيده أو لتعلق حقه بماله وبعد الحرية قد زال ذلك ولا حاجة إلى إذنه وإن قلنا التكفير بأغلظ الأحوال لم يكن له التكفير بغير المال إن كان موسرا وإن حلف عبد وحنث وهو حر فحكمه حكم الأحرار لأن الكفارة لا تجب قبل الحنث فما وجبت إلا وهو حر

فصل ومن نصفه حر فحكمه في التكفير حكم الحر الكامل فإذا ملك يجزئه الحر ما لا يكفر به لم يجز له الصيام وله التكفير بأحد الأمور الثلاثة وظاهر مذهب الشافعي أن له التكفير بالإطعام والكسوة دون الإعتاق لأنه لا يثبت له الولاء ومنهم من قال لا يجزئه إلا الصيام لأنه منقوص بالرق أشبه القن

ولنا قول الله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام المائدة 89

وهذا واجد لأنه يملك ملكا تاما فأشبه الحر الكامل ولا نسلم أنه لا يثبت له الولاء ثم إن امتناع بعض أحكامه لا يمنع صحته كعتق المسلم رقيقه الكافر

مسألة

قال ( ويكفر بالصوم من لم يفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته مقدار ما يكفر به )

وجملة ذلك أن كفارة اليمين تجمع تخييرا وترتيبا فيتخير بين الخصال الثلاث فإن لم يجدها انتقل إلى صيام ثلاثة أيام ويعتبر أن لا يجد فاضلا عن قوته وقوت عياله يومه وليلته قدرا يكفر به وهذا قول إسحاق ونحوه قال أبو عبيد وابن المنذر وقال الشافعي من جاز له الأخذ من الزكاة لحاجته وفقره أجزأه الصيام لأنه فقير ولأن النخعي قال إذا كان مالكا لعشرين درهما فله الصيام وقال عطاء الخراساني لا يصوم من ملك عشرين درهما ولمن يملك دونها الصيام وقال سعيد بن جبير إذا لم يملك إلا ثلاثة دراهم كفر بها وقال الحسن درهمين وهذان القولان نحو قولنا

ووجه ذلك أن الله تعالى اشترط للصيام أن لا يجد بقوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام المائدة 89

ومن وجد ما يكفر به فاضلا عن قوته وقوت عياله فهو واجد فيلزمه التكفير بالمال لظاهر الآية ولأنه حق لا يزيد بزيادة المال فاعتبر فيه الفاضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته كصدقة الفطر

فصل فلو ملك ما يكفر به وعليه دين مثله وهو مطالب به فلا كفارة عليه لأنه حق لآدمي والكفارة حق لله تعالى فإذا كان مطالبا بالدين وجب تقديمه كزكاة الفطر فإن لم يكن مطالبا بالدين فكلام أحمد يقتضي روايتين


19

إحداهما تجب الكفارة لأنه لا يعتبر فيها قدر من المال فلم يسقط بالدين كزكاة الفطر

والثانية لا تجب لأنها حق لله تعالى يجب في المال فأسقطها الدين كزكاة المال وهذا أصح لأن حق الآدمي أولى بالتقديم لشحه وحاجته إليه وفيه نفع للغريم وتفريغ ذمة المدين وحق الله تعال مبني على المسامحة لكرمه وغناه ولأن الكفارة بالمال لها بدل ودين الآدمي لا بدل له ويفارق صدقة الفطر لكونها أجريت مجرى النفقة ولهذا يتحملها الإنسان عن غيره كالزوج عن امرأته وعائلته ورقيقه ولا بدل لها بخلاف الكفارة

فصل فإن كان له مال غائب أو دين يرجو وفاءه لم يكفر بالصيام وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة يجزئه الصيام لأنه غير واجد فأجزأه الصيام عملا بقوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام المائدة 89

وقياسا على المعسر والدليل على أنه غير واجد أن المتمتع لو عدم الهدي في موضعه انتقل إلى الصيام ولو عدم الماء في موضعه انتقل إلى التيمم ولو عدم المظاهر المال في موضعه انتقل إلى الصيام والانتقال في هذه المواضع مشروط بعدم الوجدان ولأنه غير متمكن من التكفير بالمال أشبه هذه الأصول

ولنا إنه حق مال يجب على وجه الطهرة فلم تمنع الغيبة وجوبه كالزكاة ولأنه غير مؤقت ولا ضرر في تأخيره فلم يسقط بغيبته كالزكاة وفارق الهدي فإن له وقتا يفوت بالتأخير والتيمم يفضي تأخيره إلى فوات الصلاة وتأخير كفارة الظهار يفضي إلى ترك الوطء وفيه ضرر بخلاف مسألتنا ولا نسلم عدم التمكن ولهذا صح بيع الغائب مع أن التمكن من التسليم شرط

مسألة

قال ( ومن له دار لا غنى له عن سكناها أو دابة يحتاج إلى ركوبها أو خادم يحتاج إلى خدمته أجزأه الصيام في الكفارة )

وجملته أن الكفارة إنما تجب فيما يفضل عن حاجته الأصلية والسكنى من الحوائج الأصلية وكذلك الدابة التي يحتاج إلى ركوبها لكونه لا يطيق المشي فيما يحتاج إليه أو لم تجر عادته به وكذلك الخادم الذي يحتاج إلى خدمته لكونه ممن لا يخدم نفسه لمرض أو كبر أو لم تجر عادته به وهذه الثلاثة من الحوائج الأصلية لا تمنع التكفير بالصيام ولا الزكاة من الأخذ والكفارة

وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك من ملك رقبة تجزيء في الكفارة لا يجزئه الصيام وإن كان محتاجا إليها لخدمته لأنه واجد لرقبة يعتقها فيلزمه ذلك لقوله تعالى أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام المائدة 89

فاشترط للصيام أن لا يجدها

ولنا إنها مستغرقة لحاجته الأصلية فلم تمنع جواز الانتقال كالمسكن والمركوب والطعام الذي هو محتاج إليه وما ذكروه يبطل بالطعام المحتاج إليه وبما إذا وجد الماء وهو محتاج إليه للعطش فإنه لا يمنع الانتقال إلى التيمم ولأن


20

وجدان ثمن الرقبة كوجدانها ولهذا لم يجز لمن وجد ثمنها الانتقال إلى الصيام ومع هذا لو وجد ثمنها الذي يحتاج إليه لم يمنعه الانتقال كذا ها هنا

إذا ثبت هذا فإنه إن كان في شيء من ذلك فضل عن حاجته مثل منن له دار كبيرة تساوي أكثر من دار مثله ودابة فوق دابة وخادم فوق خادم مثله يمكن أن يحصل به قدر ما يحتاج إليه وتفضل فضلة يكفر بها فإنه يباع منه الفاضل عن كفايته أو يباع الجميع ويبتاع له قدر ما يحتاج إليه ويكفر بالباقي وإن تعذر بيعه أو أمكن البيع ولم يمكن شراء ما يحتاج إليه ترك ذلك وكان له الانتقال إلى الصيام لأنه تعذر الجمع بين القيام بحاجته والتكفير بالمال فأشبه ما لو لم يكن فيه فضل

فصل ومن له عقار يحتاج إلى أجرته لمؤنته وحوائجه الأصلية أو بضاعة يختل ربحها المحتاج إليه بالتكفير منها أو سائمة يحتاج إلى نمائها حاجة أصلية أو أثاث يحتاج إليه وأشباه هذا فله التكفير بالصيام لأن ذلك مستغرق لحاجته الأصلية فأشبه المعدم

مسألة

ومن له عقار يحتاج إلى أجرته لمؤنته وحوائجه الأصلية أو بضاعة يختل ربحها المحتاج إليه بالتكفير منها أو سائمة يحتاج إلى نمائها حاجة أصلية أو أثاث يحتاج إليه وأشباه هذا فله التكفير بالصيام لأن ذلك مستغرق لحاجته الأصلية فأشبه المعدم

مسألة

قال ( ويجزئه إن أطعم خمسة مساكين وكسا خمسة )

وجملته أنه إذا أطعم بعض المساكين وكسا الباقين بحيث يستوفي العدد أجزأه في قول إمامنا والثوري وأصحاب الرأي وقال الشافعي لا يجزئه لقول الله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم المائدة 89

فوجه الدلالة من وجهين أحدهما أنه جعل الكفارة أحد هذه الخصال الثلاثة ولم يأت بواحد منها

والثاني أن انتصاره على هذه الخصال الثلاث دليل على انحصار التكفير فيها وما ذكرتموه خصلة رابعة ولأنه نوع من التكفير فلم يجزئه تبعيضه كالعتق ولأنه لفق الكفارة من نوعين فأشبه ما لو أعتق نصف عبد وأطعم خمسة أو كساهم

ولنا إنه خرج من المنصوص عليه بعده العدد الواجب فأجزأ كما لو أخرجه من جنس واحد ولأن كل واحد من النوعين يقوم مقام صاحبه في جميع العدد فقام مقامه في بعضه كالكفارتين وكالتيمم لما قام مقام الماء في البدن كله في الجنابة جاز في بعضه في طهارة الحدث فيما إذا كان بعض بدنه صحيحا وبعضه جريحا وفيما إذا وجد من الماء ما يكفي بعض بدنه ولأن معنى الطعام والكسوة متقارب إذ القصد منها سد الخلة ودفع الحاجة وقد استويا في العدد واعتبار المسكنة في المدفوع إليه وتنوعهما من حيث كونهما في الإطعام سدا لجوعه وفي الكسوة ستر العورة لا يمنع الإجزاء في الكفارة الملفقة منهما كما لو كان أحد الفقيرين محتاجا إلى ستر عورته والآخر إلى الاستدفاء ولأنه قد خرج


21

عن عهدة الذين أطعمهم بالإطعام فيخرج عن عهدة الذين كساهم بالكسوة بدليل أنه لا يلزمه بالإنفاق أكثر من إطعام من بقي ولا كسوة أكثر ممن بقي وإذا خرج عن عهدة عشرة مساكين وجب أن يجزئه كما لو اتفق النوع

وأما الأية فإنها تدل بمعناها على ما ذكرناه فإنها دلت على أنه مخير في كل فقير بين أن يطعمه أو يكسوه وهذا يقتي ما ذكرناه ويصير كما يخير في الصيد الحرمي بين أن يفديه بالنظير أو يقوم النظير بدراهم فيشتري بها طعاما يتصدق به أو يصوم عن كل مد يوما فلو صام عن بعض الأمداد وأطعم بعضا أجزأ كذلك ها هنا وكذلك الدية لما كان مخيرا بين إخراج ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم لو أعطى البعض ذهبا والبعض دراهم جاز

وفارق ما إذا أعتق نصف عبد وأطعم خمسة أو كساهم لأن تنصيف العتق يخل بالآخر لما سنذكره بعد هذا

فصل وإن أطعم المساكين بعض الطعام وكساه بعض الكسوة لم يجزئه لأنه ما أطعمه الطعام الواجب له ولا كساه الكسوة الواجبة فصار كمن لم يطعمه شيئا ولم يكسه وإن أطعم بعض المساكين برا وبعضهم تمرا أو من جنس آخر أجزأ وقال الشافعي لا يجزئه

ولنا قوله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين المائدة 89

وقد أطعمهم من جنس ما يجب عليه ولأنه لو كسا بعض المساكين قطنا وبعضهم كتانا جاز مع اختلاف النوع كلك الإطعام

مسألة

قال ( وإن أعتق نصفي عبدين أو نصفي أمتين أو نصفي عبد وأمة أجزأ عنه )

قال الشريف أبو جعفر هذا قول أكثرهم يعني أكثر الفقهاء

وقال أبو بكر بن جعفر لا يجزىء لأن المقصود من العتق تكميل الأحكام ولا يحصل من إعتاق نصفين واختلف أصحاب الشافعي على ثلاثة أوجه فمنهم من قال كقول الخرقي ومنهم من قال كقول أبي بكر ومنهم من قال إن كان نصف الرقيق حرا أجزأ لأنه يحصل تكميل الأحكام وإن كان رقيقا لم يجز لأنه لا يحصل

ولنا إن الأشقاص كالأشخاص فيما لا يمنع منه العيب اليسير دليله الزكاة ونعني به إذا كان له نصف ثمانين شاة مشاعا وجبت الزكاة كما لو ملك أربعين منفردة وكالهدايا والضحايا إذا اشتركوا فيها والأولى أنه لا يجزىء إعتاق نصفين إذا لم يكن الباقي بينهما حرا لأن إطلاق الرقبة إنما ينصرف إلى إعتاق الكاملة ولا يحصل من الشقصين ما يحصل من الرقبة الكاملة من تكميل الكاملة الأحكام وتخليص الآدمي من ضرر الرق ونقصه فلا يثبت به من الأحكام ما يثبت بإعتاق رقبة كاملة ويمتنع قياص الشقصين على الرقبة الكاملة ولهذا لو أمر إنسانا بشراء رقبة أو بيعها أو بإهداء حيوان أو بالصدقة به لم يكن له أن يشقصه كذا ههنا


22

مسألة

قال ( وإن أعتق نصف عبد وأطعم خمسة مساكين أو كساهم لم يجزئه )

لا نعلم في هذا خلافا وذلك لأن مقصودهما مختلف متباين إذ كان القصد من العتق تكميل الأحكام وتخليص المعتق من الرق والقصد من الإطعام والكسوة سد الخلة وإبقاء النفس بدفع المجاعة في الطعام وستر العورة ورفع ضرر الحر والبرد في الكسوة فلتقارب معناهما واتحاد مصرفهما جريا مجرى الجنس الواحد فكملت الكفارة من أحدهما بالآخر ولذلك سوى بين عددهما ولتباعد مقصد العتق منهما واختلاف مصرفهما ومباينتهما له لم يجريا مجرى الجنس الواحد فلم يكمل به واحد منهما ولذلك خالف عدده عددهما

فصل ولو أطعم بعض المساكين أو كساهم أو عتق نصف عبد ولم يكن له ما يتم به الكفارة فصام عن الباقي لم يجزئه ولأنه بدل في الكفارة فلم تكمل به كسائر الأبدال مع مبدلاتها ولأن الصوم من الطعام والكسوة أبعد من العتق فإذا لم يجز تكميل أحد نوعي المبدل من الآخر فتكميله بالبدل أولى فإن قيل يبطل لهذا بالغسل والوضوء مع التيمم

قلنا التيمم لا يأتي ببعضه بدلا عن بعض الطهارة وإنما يأتي به بكماله وها هنا لو أتى بالصيام جميعه أجزأه

مسألة

قال ( ومن دخل في الصوم ثم أيسر لم يكن عليه الخروج من الصوم إلى العتق أو الإطعام إلا أن يشاء )

وفي هذه المسألة فصلان إحداهما أنه إذا شرع في الصوم ثم قدر على العتق أو الإطعام أو الكسوة لم يلزمه الرجوع إليها وروي ذلك عن الحسن وقتادة وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر

وروي عن النخعي والحكم أنه يلزمه الرجوع إلى أحدها وبه قال الثوري وأصحاب الرأي لأنه قدر على المبدل قبل إتمام البدل فلزمه الرجوع كالمتيمم إذا قدر على الماء قبل إتمام صلاته

ولنا إنه بدل لا يبطل بالقدرة على المبدل فلم يلزمه الرجوع إلى المبدل بعد الشروع فيه كما لو شرع المتمتع العاجز عن الهدي في صوم السبعة الأيام فإنه لا يخرج بلا خلاف

والدليل على أن البدل لا يبطل أن البدل الصوم وهو صحيح مع قدرته اتفاقا وفارق التيمم فإنه يبطل بالقدرة على الماء بعد فراغه مه ولأن الرجوع إلى طهارة الماء لا مشقة فيه ليسره والكفارة يشق الجميع فيها بين خصلتين وإيجاب الرجوع بيفضي إلى ذلك فإن قيل ينتقض دليلكم بما إذا شرع المتمتع في صوم الثلاثة قلنا إذا قدر على الهدي في صوم الثلاثة تبينا أنه ليس بعادم له في وقته لأن وقت الهدي يوم النحر بخلاف مسألتنا

الفصل الثاني أنه إن أحب الانتقال إلى الأعلى فله ذلك في قول أكثرهم ولا نعلم خلافا إلا في العبد إذا حنث ثم عتق


23

وقال أبو الخطاب لا يجوز الانتقال في مسألتنا محتجا بقول الخرقي إذا حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق قال وهو ظاهر كلام أحمد لقوله في العبد إنما يكفر ما وجب عليه

ولنا إن العتق والإطعام الأصل فأجزأه التكفير به كما لو تكلف الفقير فاستدان وأعتق وأما العبد إذا عتق فيحتمل أنه يجوز له الانتقال كمسألتنا

ويحمل كلام أحمد على أنه لا يلزمه الانتقال ويحتمل أنه يفرق بينه وبين الحر من حيث إن الحر كان يجزئه التكفير بالمال لو تكلفه والعبد لم يكن يجزئه إلا الصيام على رواية

فصل ولو وجبت الكفارة على موسر فأعسر لم يجزئه الصيام

وبهذا قال الشافعي وقال أبو ثور وأصحاب الرأي يجزئه لأنه عاجز عن المدل فجاز له العدول إلى البدل كما لو وجبت عليه الصلاة ومعه ماء فاندفق قبل الوضوء به

ولنا إن الإطعام وجب عليه في الكفارة فلم يسقط بالعجز عنه كالإطعام في كفارة الظهار وفارق الوضوء لأن الصلاة واجبة ولا بد من أدائها فاحتيج إلى الطهارة لها في وقتها بخلاف الكفارة

فصل والكفارة في حق العبد والحر والرجل والمرأة والمسلم والكافر سواء

لأن الله تعالى ذكر الكفارة بلفظ عام في جميع المخاطبين فدخل الكل في عمومه إلا أن الكافر لا يصح منه التكفير بالصيام لأنه عبادة وليس هو من أهلها ولا بالإعتاق لأن من شرطه الإيمان في الرقبة ولا يجوز لكافر شراء مسلم إلا أن يتفق إسلامه في يده أو يرث مسلما فيعتقه فيصح إعتاقه وإن لم يتفق ذلك فتكفيره بالإطعام أو الكسوة فإذا كفر به ثم أسلم لم يلزمه إعادة التكفير وإن أسلم قبل التكفير كفر بما يجب عليه في تلك الحال من إعتاق أو إطعام أو كسوة أو صيام ويحتمل على قول الخرقي ألا يجزئه الصيام لأنه إنما يكفر بما وجب عليه حين الحنث ولم يكن الصيام مما وجب عليه


24

باب جامع الأيمان

مسألة

قال أبو القاسم رحمه الله تعالى ( ويرجع في الأيمان إلى النية )

وجملة ذلك أن مبنى اليمين على نية الحالف فإذا نوى بيمينه ما يحتلمه انصرفت يمينه إليه سواء كان ما نواه موافقا لظاهر اللفظ أو مخالفا له فالموافق للظاهر أن ينوي باللفظ موضوعه الأصلي مثل أن ينوي باللفظ العام العموم وبالمطلق الإطلاق وبسائر الألفاظ ما يتبادر إلى الأفهام منها والمخالف يتنوع أنواعا

أحدها أن ينوي بالعام الخاص مثل أن يحلف لا يأكل لحما ولا فاكهة ويريد لحما بعينه وفاكهة بعينها ومنها أن يحلف علة فعل شيء أو تركه مطلقا وينوي فعله أو تركه في وقت بعينه مثل أن يحلف لا أتغدى يعني اليوم أو لآكلن يعني الساعة ومنها أن ينوي بيمينه غير ما يفهمه السامع منه كما ذكرنا في المعاريض في مسألة إذا تأول في يمينه فله تأويله ومنها أن يريد بالخاص العام مثل أن يحلف لا شربت لفلان الماء من العطش ينوي قطع كل ما له فيه منة أو لا يأوي مع امرأته في دار يريد جفاءها بترك اجتماعها معه في جميع الدور أو حلف لا يلبس ثوبا من غزلها يريد قطع مننتها به فيتعلق يمينه بالانتفاع به أو بثمنه مما له فيه منة عليه

وبهذا قال مالك وقال أبو حنيفة والشافعي لا عبرة بالنية والسبب فيما يخالف لفظه لأن الحنث مخالفة ما عقد عليه اليمين واليمين لفظه فلو أحنثناه علة ما سواه لأحنثنا علة ما نوى لا علة ما حلف ولأن النية بمجردها لا تنعقد بها اليمين فكذلك لا يحنث بمخالفتها

ولنا إنه نوى بكلامه ما يحتمله ويسوغ في اللغة التعبير به عنه فينصرف يمينه إليه كالمعاريض وبيان احتمال اللفظ أنه يسوغ في كلام العرب التعبير بالخاص عن العام قال الله تعالى ما يملكون من قطمير فاطر 13 ولا يظلمون فتيلا النساء 49 فإذا لا يؤتون الناس نقيرا النساء 53

والقطمير لفافة النواة والفتيل ما في شقها والنقير النقرة التي في ظهرها ولم يرد ذلك بعينه بل نفى كل شيء وقال الحطيئة يهجو بني العجلان ولا يظلمون الناس حبة خردل ولم يرد الحبة بعينها إنما أراد لا يظلمونهم شيئا وقد يذكر العام ويراد به الخاص كقوله تعالى الذين قال لهم الناس آل عمران 173 يعني رجلا واحدا إن الناس قد جمعوا لكم آل عمران 173 يعني أبا سفيان وقال تعالى تدمر كل شيء الأحقاف 25 ولم يرد السماء والأرض ولا مساكنهم وإذا احتمله اللفظ وجب صرف اليمين إليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما لامرىء ما نوى ولأن كلام الشارع يحمل على مراده إذا ثبت ذلك بالدليل فكذلك كلام غيره وقولهم إن الحنث مخالفة ما عقد عليه اليمين قلنا وهذا كذلك فإنما انعقدت عليه اليمين على ما نواه ولفظه مصروف إليه وليست هذه نية مجردة بل لفظ منوي به ما يحتمله


25

فصل ومن شرط انصراف اللفظ إلى ما نواه احتمال اللفظ له فإن نوى ما لا يحتمله اللفظ مثل أن يحلف لا يأكل خبزا يعني به لا يدخل بيتا فإن يمينه لا تنصرف إلى المنوي لأنها نية مجردة لا يحتملها اللفظ فأشبه ما لو نوى ذلك بغير يمين

مسألة

قال ( فإن لم ينو شيئا رجع إلى سبب اليمين وما هيجها )

وجملته أنه إذا عدمت النية نظرنا في سبب اليمين وما أثارها لدلالته علة النية فإذا حلف لا يأوي مع امرأته في هذه الدار نظرنا فإن كان سبب يمينه غيظا من جهة الدار لضرر لحقه منها أو منة عليه بها اختصت يمينه بها وإن كان لغيظ لحقه من المرأة يقتضي جفاءها ولا أثر للدار فيه تعلق ذلك بإيوائه معها في كل دار وكذلك إذا حلف لا يلبس ثوبا من غزلها فإن كان سببه المنية عليه منها فكيفما انتفع به أو بثمنه حنث وإن كان سبب يمينه خشونة غزلها ورداءته لم يتعد بيمينه لبسه والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في التي قبلها قد دللنا علة تعلق اليمين بما نواه والسبب دليل على النية فيتعلق اليمين به وقد ثبت أن كلام الشارع إذا كان خاصا في شيء لسبب عام تعدى إلى ما يوجد فيه السبب كتنصيصه علة تحريم التفاضل في أعيان ستة أثبت الحكم في كل ما يوجد فيه معناها كذلك في كلام الآدمي مثله فأما إن كان اللفظ عاما وللسبب خاصا مثل من دعى إلى غداء فحلف لا يتغدى أو حلف لا يقعد فإن كانت له نية فيمينه على ما نوى وإن لم تكن له نية فكلام أحمد يقتضي روايتين إحداهما أن اليمين محمولة علة العموم لأن أحمد سئل عن رجل حلف لا يدخل بلدا لظلم رآه فيه فزال الظلم فقال النذر يوفى به يعني لا يدخله

ووجه ذلك أن لفظ الشارع إذا كان عاما لسبب خاص وجب الأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب كذلك يمين الحالف وذكر القاضي فيمن حلف على زوجته أو عبده أن لا يخرج إلا بإذنه فعتق العبد وطلق الزوجة وخرجا بغير إذنه لا يحنث لأن قرينة الحال تنقل حكم الكلام إلى نفسها وإنما يملك منع الزوجة والعبد مع ولايته عليهما فكأنه قال ما دمتما في ملكي ولأن السبب يدل على النية في الخصوص كدلالته عليها في العموم ولو نوى الخصوص لاختصت يمينه به فكذلك إذا وجد ما يدل عليها ولو حلف لعامل لا يخرج إلا بإذنه فعزله أو حلف أن لا يرى منكرا إلا رفعه إلى فلان القاضي فعزل ففيه وجهان بناء على ما تقدم

أحدهما لا تنحل اليمين بعزله

قال القاضي هذا قياس المذهب لأن اليمين إذا تعلقت بعين موصوفة تعلقت بالعين وإن تغيرت الصفة وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي

والوجه الآخر تنحل اليمين بعزله وهو مذهب أبي حنيفة لأنه لا يقال رفعه إليه إلا في حال ولايته فعلى هذا إن رأى المنكر في ولايته فأمكنه رفعه فلم يرفعه إليه حتى عزل لم يبر برفعه إليه حال كونه معزولا

وهل يحنث بفعله فيه وجهان

أحدهما يحنث لأنه قد فات رفعه إليه فأشبه ما لو مات

والثاني لا يحنث لأنه لم يتحقق فواته لاحتمال أن يلي فيرفعه إليه بخلاف ما إذا مات فإنه يحنث لأنه قد تحقق فواته وإذا مات قبل إمكان رفعه إليه حنث أيضا لأنه قد مات

فأشبه ما لو حلف ليضربن عبده في غد


26

فمات العبد اليوم ويحتمل أن لا يحنث لأنه لم يتمكن من فعل المحلوف عليه فأشبه المكره وإن قلنا لا تنحل يمينه بعزله فرفعه إليه بعد عزله بر بذلك

فإن اختلف السبب والنية مثل أن امتنت عليه امرأته بغزلها فحلف أنه لا يلبس ثوبا من غزلها ينوي اجتناب اللبس خاصة دون الانتفاع بثمنه وغيره قدمت النية على السبب وجها واحدا لأن النية وافقت مقتضى اللفظ وإن نوى بيمينه ثوبا واحدا فكذلك في ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي يقدم السبب لأن اللفظ ظاهر في العموم والسبب يؤكد ذلك الظاهر ويقويه لأن السبب هو الإمتنان وظاهر حاله قطع النية فلا يلتفت إلى نيته المخالفة للظاهرين والأول أصح لأن السبب إنما اعتبر لدلالته على القصد فإذا خالف حقيقة القصد لم يعتبر فكان وجوده كعدمه فلم يبق إلا لفظه بعمومه والنية تخصه علة ما بيناه فيما مضى

مسألة

قال ( ولو حلف لا يسكن دارا هو ساكنها خرج من وقته فإن تخلف عن الخروج من وقته حنث )

وجملة ذلك أن ساكن الدار إذا حلف لا يسكنها فمتى أقام فيها بعد يمينه زمنا يمكنه فيه الخروج حنث لأن استدامة السكنى كابتدائها في وقوع اسم السكنى عليها ألا تراه يقول سكنت هذه الدار شهرا كما يقول لبست هذا الثوب شهرا وبهذا قال الشافعي وإن أقام لنقل رحله وقماشه لم يحنث لأن الانتقال لا يكون إلا بالأهل والمال فيحتاج أن ينقل ذلك معه حتى يكون متنقلا وحكي عن مالك أنه إن أقام دون اليوم والليلة لم يحنث لأن ذلك قليل يحتاج إليه في الانتقال فلم يحنث به وعن زفر أنه قال يحنث وإن انتقل في الحال لأنه لا بد من أن يكون ساكنا عقيب يمينه ولو لحظة فيحنث بها وليس بصحيح فإن ما لا يمكن الاحتراز منه لا يراد باليمين ولا يقع عليه وأما إذا أقام زمنا يمكنه الانتقال فيه فإنه يحنث لأنه فعل ما يقع عليه اسم السكنى فحنث به كموضع الاتفاق ألا ترى أنه لو حلف لا يدخل الدار فدخل إلى أول جزء منها حنث وإن كان قليلا

فصل وإن أقام لنقل متاعه وأهله لم يحنث وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يحنث

ولنا إن الانتقال إنما يكون بالأهل والمال على ما سنذكره ولا يمكنه التحرز من هذه الإقامة فلا يقع اليمين عليها وعلى هذا إن خرج بنفسه وترك أهله وماله في المسكن مع إمكان نقلهم عنه حنث

وقال الشافعي لا يحنث إذا خرج بنية الانتقال لأنه إذا خرج بنية الانتقال فليس بساكن ولأنه يجوز أن يريد السكنى وحده دون أهله وماله

ولنا إن السكنى تكون بالأهل والمال ولهذا يقال فلان ساكن بالبلد الفلاني وهو غائب عنه بنفسه وإذا نزل بلدا بأهله وماله يقال سكنه ولو نزله بنفسه لا يقال سكنه وقولهم إنه نوى السكنى بنفسه لا يصح فإن من خرج إلى مكان لينقل أهله ولم ينو السكنى بنفسه فأشبه من خرج يشتري متاعا وإن خرج عازما على السكنى بنفسه


27

منفردا عن أهله الذي في الدار لم يحنث ويدين فيما بينه وبين الله تعالى

ذكره القاضي

وحكي عن مالك أنه اعتبر نقل عياله دون ماله والأولى إن شاء الله أنه إذا انتقل بأهله فسكن في موضع آخر فإنه لا يحنث وإن بقي متاعه في الدار لأن مسكنه حيث حل أهله به ونوى الإقامة به ولهذا لو حلف لا يسكن دارا لم يكن ساكنا لها فنزلها بأهله ناويا للسكنى بها حنث

وقال القاضي إن نقل إليها ما يتأثث به ويستعمله في منزله فهو ساكن وإن سكنها بنفسه

فصل وإن أكره على المقام لم يحنث لقول النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وكذلك إن كان في جوف الليل في وقت لا يجد منزلا يتحول إليه أو يحول بينه وبين المنزل أبواب مغلقة لا يمكنه فتحها أو خوف على نفسه أو أهله أو ماله فأقام في طلب النقلة أو انتظارا لزوال المانع منها أو خرج طالبا للنقلة فتعذرت عليه إما لكونه لم يجد مسكنا يتحول إليه لتعذر الكراء أو غيره أو لم يجد بها ثم ينتقل عليها ولا يمكنه النقلة بدونها فأقام ناويا للنقلة متى قدر عليها لم يحنث وإن أقام أياما وليالي

لأن إقامته عن غير اختيار منه لعدم تمكينه من النقلة

فإنه إذا لم يجد مسكنا لا يمكنه ترك أهله وإلقاء متاعه في الطريق فلم يحنث به كالمقيم للإكراه

وإن أقام في هذا الوقت غير ناو للنقلة حنث ويكون نقله لما يحتاج إلى نقله علة ما جرت به العادة فلو كان ذا متاع كثير فنقله قليلا قليلا على العادة بحيث لا يترك النقل المعتاد لم يحنث وإن أقام أياما ولا يلزمه جمع دواب البلد لنقله ولا النقل بالليل ولا وقت الاستراحة عند التعب ولا أوقات الصلوات لأن العادة لم تجر بالنقل فيها ولو ذهب رحله أو أودعه أو أعاره وخرج لم يحنث لأن يده زالت عن المتاع فإن تردد إلى الدار لنقل المتاع أو عائدا لمريض أو زائرا لصديق لم يحنث وقال القاضي إن دخلها ومن رأيه الجلوس عنده حنث وإلا فلا

ولنا إن هذا ليس بسكنى ولذلك لو حلف لسيكنن دارا لم يبر بالجلوس فيها لأنه على هذا الوجه لا يسمى ساكنا به بهذا العذر فلم يحنث به كما لو لم ينو الجلوس وإن كان له في الدار امرأة أو عائلة فأرادهم على الخروج معه والانتقال عنها فأبوا ولم يمكنه إخراجهم فخرج وتركهم لم يحنث لأن هذا مما لا يمكنه فأشبهه ما لم يمكنه نقله من رحله

فصل وإن حلف لا يساكن فلانا فالحكم في الاستدامة علة ما ذكرنا في الحلف علة السكنى وإن انتقل أحدهما وبقي الآخر لم يحنث لزوال المساكنة وإن سكنا في دلو واحد وكل واحد في بيت ذي باب وغلق رجع إلى بيته بيمينه أو إلى سببها وما دلت عليه قرائن أحواله في المحلوف على المساكنة فيه فإن عدم ذلك كله حنث وهذا قول مالك

وقالالشافعي إن كانت الدار صغيرة فهما متساكنان لأن الصغيرة مسكن واحد

وإن كانت كبيرة إلا أن أحدهما في البيت والآخر في الصفة أو كانا في صفتين أو ببيتين ليس على أحدهما غلق دون صاحبه فهما متساكنان


28

وإن كانا في بيتين كل واحد منهما له غلق أو كانا في خان

فليسا متساكنين لأن كل واحد منهما ينفرد بمسكنه دون الآخر فأشبها المتجاورين كل واحد منهما ينفرد بمسكنه

ولنا إنهما في دار واحدة فكانا متساكنين كالصغيرة وفارق المتجاورين في الدارين فإنهما ليسا متساكنين ويمينه على نفي المساكنة لا علة المجاورة ولو كانا في دار واحدة حالة اليمين فخرج أحدهما منها وقسماها حجرتين

وفتحا لكل واحدة منهما بابا وبينهما حاجز ثم سكن كل واحد منهما في حجرة لم يحنث لأنهما غير متماسكين وإن تشاغلا ببناء الحاجز بينهما وهما متساكنان حنث لأنهما تساكنا قبل انفراد إحدى الدارين من الأخرى وهذا قول الشافعي ولا نعلم فيه خلافا

فصل فإن حلف لا ساكنت فلانا في هذه الدار قسماها حجرتين وبنيا بينهما حائطا وفتح كل واحد منهما لنفسه بابا ثم سكنا فيهما لم يحنث لما ذكرنا في التي قبلها وهذا قول الشافعي وابن المنذر وأبي ثور وأصحاب الرأي وقال مالك لا يعجبني ذلك ويحتمله قياس المذهب لكونه عين الدار ولا ينحل بتغيرها كما لو حلف لا يدخلها فصارت نصا والأول أصح لأنه لم يساكنه فيها لكون المساكنة في الدار لا تحصل مع كونهما دارين وفارق الدخول فإنه دخلها متغيرة

فصل وإن حلف ليخرجن من هذه الدار اقتضت يمينه الخروج بنفسه وأهله كما لو حلف لا يسكنها وإن حلف ليخرجن من هذه البلدة تناولت يمينه الخروج بنفسه

لأن الدار يخرج منها صاحبها في اليوم مرات عادة

فظاهر حاله أنه لم يرد الخروج المعتاد وإنما أراد الخروج الذي هو النقلة والخروج من البلد بخلاف ذلك وإذا خرج الحالف فهل له العود فيه عن أحمد روايتان إحداهما لا شيء عليه في العود ولا يحنث به

لأن يمينه على الخروج وقد خرج فانحلت يمينه لفعل ما حلف عليه فلم يحنث فيما بعد

والثانية يحنث بالعود لأن ظاهر قصد هجران ما حلف على الرحيل منه ولا يحصل ذلك بالعود ويمكن حمل هذه الرواية على أن للمحلوف عليه سببا هيج يمينه أو دلت قرينة حاله علة إرادته هجرانه أو نوى ذلك بيمينه فاقتضت يمينه دوام اجتنابها وإن لم يكن كذلك لم يحنث بالعود لأن اليمين تحمل عند عدم ذلك على مقتضى اللفظ ومقتضاه ها هنا الخروج

وقد فعله فانحلت يمينه وكذلك الحكم إذا حلف على الرحيل منها إلا أنه إذا حلف على الرحيل من بلد لم يبر إلا بالرحيل بأهله

مسألة

قال ( ولو حلف لا يدخل دارا فحمل فأدخلها ولم يمكنه الامتناع لم يحنث )

نص عليه أحمد هذا في رواية أبي طالب وهو قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا


29

وذلك لأن الفعل غير موجود منه ولا منسوب إليه وإن حمل بأمره فأدخلها حنث لأنه دخل مختارا فأشبه ما لو دخل راكبا وإن حمل بغير أمره ولكنه أمكنه الامتناع فلم يمتنع حنث أيضا لأنه دخلها غير مكره فأشبه ما لو حمل بأمره وقال أبو الخطاب في الحنث وجهان أحدهما لا يحنث لأنه لم يفعل الدخول ولم يأمر به فأشبه ما لو لم يمكنه الامتناع ومتى دخل باختياره حنث سواء كان ماشيا أو راكبا أو محمولا أو ألقى نفسه في ماء فجره إليها أو سبح فيه فدخلها من بابها أو تسور حائطها أو دخل من طاقة فيها أو نقب حائطا ودخل من ظهرها أو غير ذلك

فصل فإن أكره بالضرب ونحوه على دخلوها فدخلها لم يحنث في أحد الوجهين وهو أحد قولي الشافعي وفي الآخر يحنث وهو قول أصحاب الرأي ونحوه قول النخعي لأنه فعل ما حلف على تركها ودخلها

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكروه عليه

ولأنه دخلها مكرها فأشبه ما لو حمل مكرها

فصل وإن رقي فوق سطحها حنث وبهذا قال مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال الشافعي لا يحنث ولأصحابه فيما إذا كان السطح محجرا وجهان واحتجوا بأن السطح يقيها الحر والبرد ويحرزها فهو كحيطانها

ولنا أن سطح الدار منها وحكمه حكمها سواء فحنث بدخوله كالمحجر أو كما لو دخل بين حيطانها ودليل ذلك أنه يصح الاعتكاف في سطح المسجد ويمنع الجنب من اللبث فيه ولو حلف ليخرجن من الدار فصعد سطحها لم يبر ولو حلف أن لا يخرج منها فصعد سطحها لم يحنث ولأنه داخل في حدود الدار ومملوك لصاحبها ويملك بشرائها ويخرج من ملك صاحبها ببيعها والبائت عليه يقال باب في داره وبهذا يفارق ما وراى حائطها فإن كان في اليمين قرينة لفظية أو حالية تقتضي اختصاص الإرادة بداخل الدار مثل أن يكون سطح الدار طريقا وسبب يمينه يقتضي ترك وصلة أهل الدار لم يحنث بالمرور على سطحها وكذلك إن نوى بيمينه باطن الدار تقيدت يمينه بما نواه لأنه ليس للمرء إلا ما نواه

فصل فإن تعلق بغصن شجرة في الدار لم يحنث وإن صعد حتى صار في مقابلة سطحها بين حيطانها حنث

وإن لم ينزل بين حيطانها احتمل أن يحنث لأنه في هوائها وهواؤها ملك لصاحبها

فأشبه ما لو قام على سطحها واحتمل أن لا يحنث لأنه لا يسمى داخلا ولا هو على شيء من أجزائها وكذلك إن كانت الشجرة في غير الدار فتعلق بفرغ ماد على الدار في مقابلة سطحها فإن قام على حائط الدار احتمل وجهين أحدهما أنه يحنث وهو قول أبي ثور وأصحاب الرأي لأنه داخل في حدها فأشبه القائم على سطحها

والثاني لا يحنث لأنه


30

لا يسمى دخولا وإن قام في طاق الباب فكذلك لأنه بمنزلة حائطها وقال القاضي إذا قام على العتبة لم يحنث لأن الباب إذا غلق حصل خارجا منها ولا يسمى داخلا فيها

فصل وإن حلف أن لا يضع قدمه في الدار فدخلها راكبا أو ماشيا منقولا أو حافيا حنث كما لو حلف أن لا يدخلها وبهذا قال أصحاب الرأي وقال أبو ثور إن دخلها راكبا لم يحنث لأنه لم يضع قدمه فيها

ولنا إنه قد دخل الدار فحنث كما لو دخلها ماشيا ولا نسلم أنه لم يضع قدمه فيها فإن قدمه موضوعة على الدابة فيها فأشبه ما لو دخلها منتعلا وعلى أن هذا في العرف عبارة عن اجتناب الدخول فتحمل اليمين عليه

فإن قيل هذا مجاز لا يحمل اليمين عليه

قلنا المجاز إذا اشتهر صار من الأسماء العرفية فينصرف اللفظ بإطلاقه إليه كلفظ الرواية والدابة وغيرهما

فصل وإن حلف لا يدخل في هذه الدار من بابها فدخلها من غير الباب لم يحنث لأن يمينه لم تتناول غير الباب

ويتخرج أنه يحنث إذا أراد بيمينه اجتناب الدار ولم يكن للباب سبب هيج يمينه كما لو حلف لا يأوي مع زوجته في دار فآوى معها في غيرها

وإن حول بابها في مكان آخر فدخل فيه حنث لأنه دخلها من بابها وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وإن حلف لا دخلت من باب هذه الدار فكذلك وإن جعل لها باب آخر مع بقاء الأول فدخل منه حنث لأنه دخل من باب الدار

وإن قلع الباب ونصب في دار أخرى وبقي الممر حنث بدخوله من الموضع الذي نصب فيه الباب لأن الدخول في الممر لا من المصراع

فصل فإن حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارا مملوكة له أو دارا يسكنها بأجرة أو عارية أو غصب حنث وبذلك قال أبو ثور وأصحاب الرأي

وقال الشافعي لا يحنث إلا بدخول دار يملكها

لأن الإضافة في الحقيقة إلى المالك بدليل أنه لو قال هذه الدار لفلان كان مقرا له بملكها ولو قال أردت أنه يسكنها لم يقبل

ولنا إن الدار تضاف إلى ساكنها كإضافتها إلى مالكها قال الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن الطلاق 1 أراد بيوت أزاجهن التي يسكنها

وقال تعالى وقرن في بيوتكن الأحزاب 33 ولأن الإضافة للاختصاص وكذلك يضاف الرجل إلى أخيه بالأخوة وإلى أبيه بالبنوة وإلى ولده بالأبوة وإلى امرأته بالزوجية وساكن الدار مختص بها فكانت إضافتها إليه صحيحة وهي مستعملة في العرف فوجب أن يحنث بدخولها كالمملوكة له وقولهم إن هذه الإضافة مجاز ممنوع بل هي حقيقة لما ذكرناه ولو كانت مجاز

لكنه مشهور فيتناوله اللفظ كما لو حلف لا شربت من رواية فلان فإنه يحنث بالشرب من مزادته

وأما الإقرار فإنه لو قال هذه دار زيد وفسر إقراره بسكناها احتمل أن نقول يقبل تفسيره وإن سلمنا فإن قرينة الإقرار تصرفه إلى الملك وكذلك لو حلف لا دخلت مسكن زيد حنث بدخوله


31

الدار التي يسكنها ولو قال هذا المسكن لزيد كان مقرا له بها

ولا خلاف في هذه المسألة وهي نظيرة مسألتنا

فصل ولو حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة استأجرها فلان حنث وإن ركب دابة استعارها لم يحنث ذكره أبو الخطاب وكذلك لو ركب دابة غصبها فلان وفارق مسألة الدار فإنه لم يحنث في الدار لكونه استعارها ولا غصبها وإنما حنث لسكناها بها فأضيفت الدار إليه لذلك ولو غصبها أو استعارها من غير أن يسكنها لم تصح إضافتها إليه ولا يحنث الحالف فيكون كمستعير الدابة وغاصبها سواء

فصل وإن حلف لا يدخل دار هذا العبد ولا يركب دابته ولا يلبس ثوبه فدخل دارا جعلت برسمه أو ركب دابة جعلت برسمه أو لبس ثوبا جعل برسمه حنث وعند الشافعي لا يحنث لأنه لا يملك شيئا والإضافة تقتضي الملك وقد قدمنا الكلام معه في الفصل الذي قبل هذا

ويختص هذا الفصل بأن الملكية لا تمكن ها هنا ولا تصح الإضافة بمعناها فتعين حمل الإضافة ها هنا على إضافة الاختصاص دون الملك وإن حلف لا يدخل دار زيد فدخل دار عبده حنث وبه قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لأن دار العبد ملك لسيده وإن حلف لا يلبس ثوب السيد ولا يركب دابته فلبس ثوب عبده وركب دابته حنث وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لأن العبد بهما خص

ولنا إنهما مملوكان للسيد فتناولتهما يمين الحالف كالدار وما ذكروه يبطل بالدار

مسألة

قال ( ولو حلف لا يدخل دارا فأدخل يده أو رجله أو رأسه أو شيئا منه حنث ولو حلف أن يدخل لم يبر حتى يدخل بجميعه أما إذا حلف ليدخلن أو يفعل شيئا لم يبر إلا بفعل جميعه والدخول إليها بجملته )

لا يختلف المذهب في شيء من ذلك ولا نعلم بين أهل العلم فيه اختلافا لأن اليمين تناولت فعل الجميع كما لو أمره الله تعالى بفعل شيء لم يخرج من عهدة الأمر إلا بفعل الجميع ولأن اليمين على فعل شيء إحبار بفعله في المستقبل مؤكد بالقسم والخبر بفعل شيء يقتضي فعله كله فأما إن حلف لا يدخل فأدخل بعضه ولا يفعل شيئا ففعل بعضه ففيه روايتان إحداهما لا يحنث وحكي عن مالك لأن اليمين يقتضي المنع من فعل المحلوف عليه فاقتضت المنع من فعل الشيء منه كالنهي فنظير الحالف على الدخول قوله تعالى وادخلوا الباب سجدا الأعراف 161

ادخلوا عليهم الباب المائدة 23

فلا يكون المأمور ممتثلا إلا بدخول جملته ونظير الحلف على ترك الدخول قوله سبحانه لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم النور 27

وقوله لا تدخلوا بيوت النبي الأحزاب 53

لا يكون المنهي ممتثلا إلا بترك الدخول كله فكذلك الحالف على


32

ترك الدخول لا يبرأ إلا بتركه كله فمتى أدخل بعضه لم يكن تاركا لما حلف عليه فكان مخالفا كالنهي عن الدخول

ووجه الجمع بينهما أن الآمر والناهي يقصد الحمل على فعل الشيء أو المنع منه والحالف يقصد بيمينه ذلك فكانا سواء يحققه أن الآمر بالفعل أو الحالف عليه يقصد فعل الجميع فلا يكون ممتثلا ولا بارا إلا بفعله كله والناهي والحالف على الترك بقصد ترك الجميع فلا يكون ممتثلا ولا بارا إلا بترك الجميع وفاعل البعض ما فعل الجميع ولا ترك الجميع فلا يكون ممتثلا للأمر ولا النهي ولا بارا بالحلف على الفعل ولا الترك

والرواية الثانية لا يحنث إلا بأن يدخل كله قال أحمد في رواية صالح وحنبل فيمن حلف على امرأته لا تدخل بيت أخيها لم تطلق حتى تدخل كلها ألا ترى أن عوف بن مالك قال كلي أو بعضي لأن الكل لا يكون بعضا والبعض لا يكون كلا وهذا اختيار أبي الخطاب ومذهب أبي حنيفة والشافعي وهكذا كل شيء حلف أن لا يفعله ففعل بعضه لا يحنث حتى يفعل كله لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج رأسه إلى عائشة وهو معتكف فترجه وهي حائض والمعتكف ممنوع من الخروج من المسجد والحائض ممنوعة من اللبث فيه

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي بن كعب إني لا أخرج من المسجد حتى أعلمك سورة فلما أخرج رجله من المسجد علمه إياها ولأن يمينه تعلقت بالجميع فلم تنحل بالبعض كالإثبات وهذا الخلاف في اليمين المطلقة فأما إن نوى الجميع أو البعض فيمينه على ما نوى وكذلك إن اقترنت به قرينة تقتضي أحد الأمرين تعلقت يمينه به فلو قال والله لا شربت هذا النهر أو هذه البركة تعلقت يمينه ببعضه وجها واحدا لأن فعل الجميع ممتنع فلا ينصرف يمينه إليه وكذلك لو قال والله لا آكل الخبز ولا أشرب الماء وما أشبهه مما علق على اسم جنس أو علقه على اسم جمع كالمسلمين والمشركين والفقراء والمساكين فإنما يحنث بالبعض وبهذا قال أبو حنيفة وسلمة أصحاب الشافعي في اسم الجنس دون الجمع وإن علقه على اسم جنس مضاف كماء النهر حنث أيضا بفعل البعض إذا كان مما لا يمكن شربه كله وهو قول أبي حنيفة وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي والآخر لا يحنث لأن لفظه يقتضي جميعه فلم يتعلق ببعضه كماء الإداوة

ولنا إنه لا يمكن شرب جميعه فتعلقت اليمين ببعضه كما لو حلف لا يكلم الناس فتكلم بعضهم وبهذا فارق ماء الإداوة وإن نوى بيمينه فعل الجميع أو كان في لفظه ما يقتضي ذلك لم يحنث إلا بفعل الجميع وإن قال والله لا صمت يوما لم يحنث حتى يكمله وإن حلف لا صليت صلاة ولا أكلت أكلة لم يحنث حتى يكمل الصلاة والأكلة وإن قال لامرأته إن حضت حيضة فأنت طالق لم تطلق حتى تطهر من حيضة مستقبلة وإن قال لامرأتيه إن حضتما فأنتما طالقتان لم تطلق واحدة منهما حتى تحيضا كلتاهما فهذا وأشباهه مما يدل على إرادته فعل الجميع فوجب تعلق اليمين به

وقال أحمد في رجل قال لامرأته إذا صمت يوما فأنت طالق إذا غابت الشمس من ذلك اليوم طلقت وقال القاضي إذا حلف لا صليت صلاة لم يحنث حتى يفرغ مما يسمى صلاة ولو حلف لا يصلي ولا يصوم حنث في الصلاة بتكبيرة الإحرام وفي الصيام بطلوع الفجر إذا نوى الصيام وبهذا قال الشافعي ووافق أبو حنيفة في


33

الصيام وقال في الصلاة لا يحنث حتى يسجد سجدة

ولنا إنه يسمى مصليا بدخوله في الصلاة فحنث به كما سجد سجدة ولأنه شرع فيما حلف عليه أشبه الصيام يشرع فيه واختار أبو الخطاب أن لا يحنث حتى يصلي ركعة بسجدتيها ولا يحنث في الصيام حتى يصوم يوما كاملا لأن ما دون ذلك لا يكون بمفرده صوما ولا صلاة والأول أولى فإن كل جزء من ذلك صلاة وصيام لكن يشترط لصحته إتمامه وكذلك يقال لمن أفسد ذلك بطل صومه وصلاته

مسألة

قال ( ومن حلف ألا يلبس ثوبا وهو لابسه نزعه من وقته فإن لم يفعل حنث )

وجملة ذلك أن من حلف لا يلبس ثوبا هو لابسه فإن نزعه في الحال وإلا حنث وكذلك إن حلف لا يركب دابة هو راكبها فإن نزل في أول حالة الإمكان وإلا حنث وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور لا يحنث باستدامة اللبس والركوب حتى يبتدئه لأنه لو حلف لا يتزوج ولا يتطهر فاستدام ذلك لم يحنث كذا ها هنا

ولنا إن استدامة اللبس والركوب تسمى لبسا وركوبا ويسمى به لابسا وراكبا ولذلك يقال لبست هذا الثوب شهرا وركبت دابتي يوما فحنث باستدامته كما لو حلف لا يسكن فاستدام السكنى وقد اعتبر الشرع هذا في الإحرام حيث حرم لبس المخيط فأوجب الكفارة في استدامته كما أوجبها في ابتدائه وفارق التزويج فإنه لا يطلق على الاستدامة فلا يقال تزوجت شهرا وإنما يقال منذ شهر ولهذا لم تحرم استدامته في الإحرام كابتدائه

فصل فإن حلف لا يتزوج ولا يتطيب ولا يتطهر فاستدام ذلك لم يحنث في قولهم جميعا لأنه لا يطلق على مستديم هذه الأفعال اسم الفعل فلا يقال تزوجت شهرا ولا تطهرت شهرا ولا تطيبت شهرا وإنما يقال منذ شهر ولم ينزل الشارع استدامة التزويج والطيب منزلة ابتدائها في تحريمه في الإحرام وإيجاب الكفارة فيه

فصل وإن حلف لا يدخل دارا هو فيها فأقام فيها ففيه وجهان أحدهما يحنث لأن استدامة المقام في ملك الغير كابتدائه في التحريم قال أحمد في رجل حلف على امرأته لا دخلت أنا وأنت هذه الدار وهما جميعا فيها قال أخاف أن يكون قد حنث

والثاني لا يحثن ذكره القاضي واختاره أبو الخطاب وهو قول أصحاب الرأي لأن الدخول لا يستعمل في الاستدامة ولهذا يقال دخلتها منذ شهر ولا يقال دخلتها شهرا فجرى مجرى التزويج ولأن الدخول الانفصال من خارج إلى داخل فهو لا يوجد في الإقامة وللشافعي قولان كالوجهين ويحتمل أن من أحنثه إنما كان لأن ظاهر حال الحالف أنه يقصد هجران الدار ومباينتها والإقامة فيها تخالف ذلك فجرى مجرى الحالف على ترك السكنى به

فصل فإن حلف لا يضاجع امرأته على فراش وهما متضاجعان فاستدام ذلك حنث لأن


34

المضاجعة تقع على الاستدامة ولهذا يقال اضطجع على الفراش ليلة وإن كان هو مضطجعا على الفراش وحده فاضطجعت عنده عليه نظرت فإن قام لوقته لم يحنث وإن استدام حنث لما ذكرنا وإن حلف لا يصوم وهو صائم فأتم يومه فقال القاضي يحنث ويحتمل أن يحنث لأن الصوم يقع على الاستدامة يقال صام يوما ولو شرع في صوم يوم العيد فظن أنه في رمضان فبان أنه يوم العيد حرمت عليه استدامته وإن حلف لا يسافر وهو مسافر فأخذ في العود أو أقام لم يحنث وإن مضى في سفره حنث لأن الاستدامة سفر ولهذا يقال سافرت شهرا

فصل وإن حلف لا يلبس هذا الثوب وكان رداء في حال حلفه فارتدى به أو ائتزر أو اعتم به أو جعله قميصا أو سراويل أو قباء ولبسه حنث هذا هو الصحيح من مذهب الشافعي لأنه قد لبسه وإن قال في يمينه لا ألبسه وهو رداء فغيره عن كونه رداء ولبسه لم يحنث لأن اليمين وقعت على ترك لبسه رداء وإن قال والله لا لبست شيئا فلبس قميصا أو عمامة أو قلنسوة أو درعا أو جوشنا أو خفا أو نعلا حنث وقال أصحاب الشافعي في الخف والنعل وجهان أحدهما لا يحنث

ولنا إنه ملبوس حقيقة وعرفا فحنث به كالثياب وفي الحديث أن النجاشي أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم خفين فلبسهما

وقيل لابن عمر إنك تلبس هذا النعال قال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسهما وإن ترك القلنسوة في رجله أو أدخل يده في الخف أو النعل لم يحنث لأنه ذلك ليس بلبس لهما

فصل وإن حلف ليلبسن امرأته حليا فلبسها خاتما من فضة أو مخنقة من لؤلؤ أو جوهر وحده بر في يمينه وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يبر لأنه ليس بحلي وحده

ولنا قول الله تعالى وتستخرجوا منه حلية تلبسونها النحل 14

وقال تعالى يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا الحج 23

وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو أنه قال قال الله تعالى للبحر الرقي إني جاعل فيك الحلية والصيد والطيب ولأن الفضة حلي إذا كانت سوارا أو خلخالا فكانت حليا إذا كانت خاتما كالذهب والجوهر واللؤلؤ حلي مع غيره فكان حليا وحده كالذهب

وإن ألبسها عقيقا أو سبجا لم يبر وقال الشافعي إن كان من أهل السواد بر وفي غيرهم وجهان لأن هذا حلي في عرفهم

ولنا إن هذا ليس بحلي فلا يبر به كالودع وخرز الزجاج وما ذكروه يبطل بالودع وإن حلف لا يلبس حليا فلبس دراهم أو دنانير في مرسلة ففيه وجهان أحدهما لا يحنث لأنه ليس بحلي إذا لم يلبسه فكذلك إذا لبسه

والثاني يحنث لأنه ذهب وفضة لبسه فكان حليا كالسوار والخاتم وإن لبس سيفا محلى لم يحنث لأن


35

السيف ليس بحلي وإن لبس منطقة محلاة ففيه وجهان أحدهما لا يحنث لأن الحلية لها دونه فأشبه السيف المحلى

والثاني يحنث لأنها من حلي الرجال ولا يقصد بلبسها محلاة في الغالب إلا التجمل بها وإن حلف لا يلبس خاتما فلبسه في غير الخنصر من أصابعه حنث

وقال الشافعي لا يحنث لأن اليمين تقتضي لبسا معينا معتادا وليس هذا معتادا فأشبه ما لو أدخل القلنسوة في رجله

ولنا إنه لابس لما حلف على ترك لبسه فأشبه ما لو ائتزر بالسراويل وأما إدخال القلنسوة في رجله فهو عبث وسفه بخلاف هذا فإنه لا فرق بين الخنصر وغيرها إلا من حيث الاصطلاح على تخصيصه بالخنصر

مسألة

قال ( ولو حلف أن لا يأكل طعاما اشتراه زيد فأكل طعاما اشتراه زيد وبكر حنث إلا أن يكون أراد أن لا ينفرد أحدهما بالشراى )

وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وقال الشافعي لا يحنث وذكره أبو الخطاب احتمالا لأن كل جزء لم ينفرد أحدهما بشرائه فلم يحنث به كما لو حلف لا يلبس ثوبا اشتراه زيد فلبس ثوبا اشتراه زيد وهو وغيره

ولنا إن زيدا مشتر لنصفه وهو طعام وقد أكله فيجب أن يحنث كما لو اشتراه زيد ثم خلطه بما اشتراه عمرو فأكل الجميع وأما الثوب فلا نسلم وإن سلمناه فالفرق بينهما أن نصف الثوب ليس بثوب ونصف الطعام طعام وقد أكله بعد أن اشتراه زيد وإن اشترى زيد نصفه مشاعا أو اشترى نصفه ثم اشترى الآخر باقيه فأكل منه حنث والخلاف فيه على ما تقدم ولو اشترى زيد نصفه معينا ثم خلطه بالنصف الآخر فأكل الجميع أو أكثر من النصف حنث بغير خلاف لأنه أكل مما اشتراه زيد يقينا وإن أكل نصفه أو أقل من نصفه ففيه وجهان أحدهما يحنث لأنه يستحيل في العادة انفراد ما اشتراه زيد من غيره فيكون الحنث ظاهرا ظهورا كثيرا

والثاني لا يحنث لأن الأصل عدم الحنث ولم يتيقن أكله مما اشتراه زيد وكل موضع لا يحنث فحكمه حكم من حلف لا يأكل تمرة فوقعت في تمر فأكل منه واحد على ما سنذكره إن شاء الله تعالى وإن أكل من طعام اشتراه زيد ثم باعه أو اشتراه لغيره حنث ويحتمل أن لا يحنث

فصل وإن حلف لا يلبس من عزل فلانة فلبس ثوبا من غزلها وغزل غيرها حنث وبه قال الشافعي وإن حلف لا يلبس ثوبا من غزلها وغزل غيرها ففيه روايتان إحداهما يحنث كالتي قبلها

والثانية لا يحنث وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه لم يلبس ثوبا كاملا من غزلها وكذلك إن حلف لا يلبس ثوبا نسجه زيد ولا يأكل من قدر طبخها ولا يدخل دارا اشتراها ولا يلبس ثوبا خاطه زيد فلبس ثوبا نسجه هو وغيره أو خاطاه أو أكل من قدر طبخاها أو دخل دارا اشترياها ففي هذا كله من الخلاف والقول مثلما في المسألة الأولى وإن حلف أن لا يلبس ما خاطه زيد حنث بلبس ثوب خاطاه جميعا لأنه ليس مما خاطه زيد بخلاف ما إذا قال


36

ثوبا خاطه زيد وإن حلف أن لا يدخل دارا لزيد فدخل دارا له ولغيره خرج فيه وجهان والخلاف فيها على ما مضى

مسألة

قال ( ولو حلف لا يزورهما أو لا يكلملهما فزار أو كلم أحدهما حنث إلا أن يكون أراد ألا يجتمع فعله بهما )

يمكن أن تكون هذه المسألة مبنية على من حلف أن لا يفعل شيئا ففعل بعضه فإن هذا حالف على كلام شخصين وزيارتهما فتكليمه أحدهما وزيارته فعل لبعض ما حلف عليه وقد مضى الكلام في هذا ويمكن أن يقال تقدير يمينه لا كلمت هذا ولا كلمت هذا لأن المعطوف يقدر له بعد حرف العطف فعل وعامل مثل العامل الذي قبل المعطوف عليه فيصير كقوله سبحانه حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم النساى 23

أي وحرمت عليكم بناتكم فيصيركل واحد منهما محلوفا عليه منفردا فيحنث به فإن قصد ألا يجتمع فعله بهما لم يحنث إلا بذلك لأنه قصد بيمينه ما يحتمله فانصرف إليه وإن قصد ترك كلام كل واحد منهما منفردا حنث بفعله لأنه عقد يمينه على ترك ذلك

وإن قال والله لا كلمت زيدا ولا عمرا حنث بكلام كل منهما بغير إشكال فإن هذا يقتضي ترك كلام كل واحد منهما منفردا قال الله تعالى ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا الفرقان 3 أي لا يملكون شيئا من ذلك

فصل فإن قال أنت طالق إن كلمت زيدا وعمرا أو عبدي حر إن كلمت زيدا وعمرا لم يقع الطلاق ولا العتف إلا بتكليمها لأنه جعل تكليمهما معا شرط لوقوع ذلك ولا يثبت المشروط إلا بوجود الشرط جميعه وكذلك لو قال لامرأتيه إن حضتما فأنتما طالقتان لم يقع الطلاق على كل واحدة منهما إلا بحيضهما جميعا وتفارق اليمين بالله تعالى فإن مقتضاها المنع من فعل المحلوف عليه فتحصل المخالفة بفعل البعض وقد جمع بعض أصحابنا بينهما في الحنث بفعل البعض لكون المقصود من الحلف كله على ترك شيء المنع من فعله فيستويان أما إذا قال إذا حضتما فأنتما طالقتان فليس ذلك بيمين لأنه لا يقصد بهذا منع من شيء ولا حث عليه إنما هو شرط مجرد وليس فيه معنى اليمين

فصل ومن حلف على فعل شيء فقال والله لا آكل خبزا ولحما ولا زبدا ولا تمرا ولا أدخل هاتين الدارين ولا أعصي الله في هذين البلدين ولا أمسك هاتين المرأتين ففعل بعض ما حلف عليه مثل أن أكل أحدهما أو دخل إحدى الدارين أو عصى الله في أحد البلدين أو أمسك إحدى المرأتين فهل يحنث يخرج على روايتين وإن قصد بيمينه أن لا يجمع بينهما أو المنع من كل واحد منهما فيمينه على ما نواه وإن قال والله لا آكل سمكا وأشرب لبنا بالفتح وهو من أهل العربية لم يحنث إلا بالجمع بينهما لأن الواو ها هنا بمعنى مع ولذلك اقتضت


37

الفتح وإن عطفت أحدهما على الآخر بتكرار لا اقتضى المنع من كل واحد منهما منفردا وحنث بفعله

مسألة

قال ( ولو حلف أن لا يلبس ثوبا فاشترى به أو بثمنه ثوبا فلبسه حنث إذا كان ممن امتن عليه بذلك الثوب وكذلك إن انتفع بثمنه هذه المسألة فرع أصل تقدم ذكره في أول الباب وهو أن الأسباب معتبرة في الأيمان فيتعدى الحكم بتعديها فإذا امتن عليه بثوب فحلف أن لا يلبسه لتنقطع المنة به حنث بالانتفاع به في غير اللبس من أخذ ثمنه لأنه نوع انتفاع به يلحق المنة به وإن لم يقصد المنة قطع ولا كان سبب يمينه يقتضي ذلك لم يحنث إلا بما تناولته يمينه وهو لبسه خاصة فلو أبدله بثوب غيره ثم لبسه أو انتفع به في غير اللبس أو باعه وأخذ ثمنه لم يحنث لعدم تناول اليمين له لفظا ونية وسببا

فصل وإن فعل شيئا عليه فيه لها منة سوى الانتفاع بالثوب وبعضه مثل أن سكن دارها أو أكل طعامها أو لبس ثوبا لها غير المحلوف عليه لم يحنث لأن المحلوف عليه الثوب فتعلقت يمينه به أو بما حصل به ولم يتعد إلى غيره لاختصاص اليمين والسبب به

فصل وإن امتنت عليه امرأته بثوب فحلف أن لا يلبسه قطعا لمنتها فاشتراه غيره ثم كساه إياه أو اشتراه الحالف ولبسه على وجه لا منة لها فيه فهل يحنث على وجهين أحدهما يحنث لمخالفته ليمينه ولأن لفظ الشارع إذا كان أعم من السبب وجب الأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب كذا في اليمين ولأنه لو خاصمته امرأة له فقال نسائي طوالق طلقهن كلهن

وإن كان سبب الطلاق واحدة كذا ها هنا

والثاني لا يحنث لأن السبب اقتضى تقييد لفظه بما وجد فيه السبب فصار كالمنوي أو كما لو خصصه بقرينة لفظية

مسألة

قال ( ولو حلف أن لا يأوي مع زوجته في دار فأوى معها في غيرها حنث إذا كان أراد بيمينه جفاى زوجته ولم يكن للدار سبب هيج يمينه )

وهذه أيضا من فروع اعتبار النية وذلك أنه متى قصد جفاءها بترك الأوى معها ولم يكن للدار أثر في يمينه كان ذكر الدار كعدمه وكأنه حلف ألا يأوي معها فإذا أوى معها في غيرها فقد أوى معها فحنث لمخالفته ما حلف على تركه وصار هذا بمنزلة سؤال الأعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم واقعت أهلي في نهار رمضان فقال أعتق رقبة لما كان ذكر لأهله لا أثر له إيجاب الكفارة حذفناه من السبب وصار السبب الوقاع سواى كان للأهل أو لغيرهم وإن كان للدار أثر في يمينه مثل إن كان يكره سكناها أو خوصهم من أحلها أو امتن عليه بها لم يحنث إذا أوى معها في غيرها لأنه قصد بيمينه الجفاء في الدار بعينها فلم يخالف ما حلف عليه وإن عدم السبب والنية لم يحنث إلا بفعل ما تناوله لفظه وهو الأوي معها في تلك الدار بعينها لأنه يجب اتباع لفظه إذا لم تكن نية ولا سبب يصرف اللفظ عن مقتضاه أو يقتضي زيادة عليه ومعنى الأوي الدخول فمتى حلف لا يأوي معها فدخل معها الدار


38

حنث قليلا كان لبثهما أو كثيرا قال الله تعالى مخبرا عن فتى موسى إذ أوينا إلى الصخرة الكهف 63

قال ما كان ذلك إلا ساعة أو ما شاء الله يقال أويت أنا وأويت غيري قال الله تعالى إذ أوى الفتية إلى الكهف الكهف 10

وقال الله تعالى وآويناهما إلى ربوة المإمنون 50

فصل وإن برها بهدية أو غيرها أو اجتمع معها فيما ليس بدار ولا بيت لم يحنث سواء كان الدار سبب في يمينه أو لم يكن لأنه قصد جفاءها بهذا النوع فلم يحنث بغيره وإن حلف لا يأوي معها في دار لسبب فزال السبب الموجب ليمينه مثل إن كان السبب امتنانها بها عليه فملك الدار أو صارت لغيرها فأوى معها فيها فهل يحنث على وجهين تقدم ذكرهما وتعليلهما

فصل فإن حلف أن لا يدخل عليها فيما ليس ببيت فحكمه حكم المسألة التي قبلها وإذا قصد جفاءها ولم يكن البيت سبب هيج يمينه حنث وإلا فلا فإن دخل على جماعة هي فيهم يقصد الدخول عليها معهم حنث وكذلك إن لم يقصد شيئا وإن استثناها بقلبه ففيه وجهان أحدهما لا يحنث كما لو حلف ألا يسلم عليها فسلم على جماعة هي فيهم يقصد بقلبه السلام على غيرها فإنه لا يحنث

والثاني يحنث لأن الدخول فعل لا يتميز فلا يصح تخصيصه بالقصد وقد وجد في حق الكل على السواء وهي فيهم فحنث به كما لو لم يقصد استثناءها وفارق السلام فإنه قول يصح تخصيصه بالقصد ولهذا يصح أن يقال السلام عليكم إلا فلانا ولا يصح أن يقال دخلت عليكم إلا فلانا ولأن السلام قول يتناول ما يتناول الضمير في عليكم والضمير عام يصح أن يراد به الخاص فصح أن يراد به من سواها والفعل لا يتأتى هذا فيه وإن دخل بيتا لا يعلم أنها فيه فوجدها فيه كالدخول عليها ناسيا فإن قلنا لا يحنث بذلك فخرج حين علم بها لم يحنث وكذلك إن حلف لا يدخل عليها فدخلت هي عليه فخرج في الحال لم يحنث وإن أقام فهل يحنث على وجهين بناء على من حلف لا يدخل دارا هو فيها فاستدام المقام بها فهل يحنث على وجهين مسألة قال ( ولو حلف أن يضرب عبده في غد فمات الحالف من يومه فلا حنث عليه وإن مات العبد حنث ) أما إذا مات الحالف من يومه فلا حنث عليه لأن الحنث إنما يحصل بفوات المحلوف عليه في وقته وهو الغد والحالف قد خرج عن أن يكون من أهل التكليف قبل الغد فلا يمكن حثه وكذلك إن جن الحالف في يومه فلم يفق إلا بعد خروج الغد لأنه خرج عن كونه من أهل التكليف وإن هرب العبد أو مرض العبد أو الحالف أو نحو ذلك فلم يقدر على ضربه في الغد حنث وإن لم يمت الحالف ففيه مسائل


39

أحدها أن يضرب العبد في غد أي وقت كان منه فإنه يبر في يمينه بلا خلاف

الثانية أمكنه ضربه في غد فلم يرضبه حتى مضى الغد وهما في الحياة حنث أيضا بلا خلاف

الثالثة مات العبد من يومه فإنه يحنث وهذا أحد قولي الشافعي ويتخرج ألا يحنث وهو قول أبي حنيفة ومالك

والقول الثاني للشفاعي لأنه فقد ضربه بغير اختياره فلم يحنث كالمكره والناسي

والثالثة مات العبد من يومه فإنه يحنث وهذا أحد قولي الشافعي ويتخرج ألا يحنث وهو قول أبي حنيفة ومالك

والقول الثاني للشافعي لأنه فقد ضربه بغير اختياره فلم يحنث كالمكره والناسي

ولنا إنه لم يفعل ما حلف عليه في وقته من غير إكراه ولا نسيان وهو من أهل الحنث فحنث كما لو أتلفه باختياره وكما لو حلف ليحجن العام فلم يقدر على الحج لمرض أو عدم النفقة وفارق الإكراه والنسيان فإن الإمتناع لمعنى في الحالف وها هنا الإمتناع لمعنى في المحل فأشبه ما لو ترك ضربه لصعوبته أو ترك الحالف الحج لصعوبة الطريق وبعدها عليه فأما إن كان تلف المحلوف عليه بفعله واختياره حنث وجها واحدا لأنه فوت الفعل على نفسه

قال القاضي ويحنث الحالف ساعة موته لأن يمينه انعقدت من حين حلفه وقد تعذر عليه الفعل في الحال كما لو لم يؤقت ويتخرج ألا يحنث قبل الغد لأن الحنث مخالفة ما عقد يمينه عليه فلا تحصل المخالفة إلا بترك الفعل في وقته

الرابعة مات العبد في غد قبل التمكن من ضربه فهو كما لو مات في يومه

الخامسة مات في غد بعد التمكن من ضربه قبل ضربه فإنه يحنث وجها واحدا

وقال بعض أصحاب الشافعي يحنث قولا واحدا وقال بعضهم فيه قولان

ولنا إنه يمكنه ضربه في وقته فلم يضربه فحنث كما لو مضى الغد قبل ضربه

السادسة مات الحالف في غد بعد التمكن من ضربه فلم يضربه حنث وجها واحدا لما ذكرنا

السابعة ضربه في يومه فإنه لا يبر وهذا قول أصحاب الشافعي

وقال القاضي وأصحاب أبي حنيفة يبر لأن يمينه للحث على ضربه فإذا ضربه اليوم فقد فعل المحلوف عليه وزيادة فأشبه ما لو حلف ليقضينه حقه في غد فقضاه اليوم

ولنا إنه لم يفعل المحلوف عليه في وقته فلم يبر كما لو حلف ليصومن يوم الجمعة فصام يوم الخميس وفارق قضاء الدين فإن المقصود تعجيله لا غير وفي قضاى اليوم زيادة في التعجيل فلا يحنث فيها لأنه علم من قصده إرادة أن لا يتجاوز غدا بالقضاء فصار كالملفوظ به إذا كان مبنى الأيمان على النية ولا يصح قياس ما ليس بمثله عليه وسائر المحلوفات لا نعلم منها إرادة التعجيل عن الوقت الذي وقته لها فامتنع الإلحاق وتعين التمسك باللفظ

الثامنة ضربه بعد موته لم يبر لأن اليمين تنصرف إلى ضربه حيا يتألم بالضرب وقد زال هذا بالموت

التاسعة ضربه ضربا لا يؤلمه لم يبر لما ذكرناه

العاشرة خنقة أو نتف شعره أو عصر ساقه بحيث يؤلمه فإنه يبر لأنه يسمى ضربا لما تقدم ذكرنا له


40

الحادية عشرة جن العبد فضربه فإنه يبر لأنه حي يتألم بالضرب وإن لم يضربه حنث وإن حلف لا يضربه في غد ففيه نحو من هذه المسائل ومتى فات ضربه بموته أو غيره لم يحنث لأنه لم يضربه

فصل وإن قال والله لأشربن ماء هذا الكوز غدا فاندفق اليوم أو لآكلن هذا الخبز غدا فتلف فهو على نحو مما ذكرنا في العبد قال صالح سألت أبي عن الرجل يحلف أن يشرب هذا الماء فانصب قال يحنث وكذلك إن حلف أن يأكل هذا الرغيف فأكله كلب قال يحنث لأن هذا لا يقدر عليه

مسألة

قال ( ومن حلف ألا يكلمه حينا فكلمه قبل الستة أشهر حنث )

وجملة ذلك أنه إذا حلف لا يكلمه حينا فإن قيد ذلك بلفظه أو بنيته بزمن تقيد به وإن أطلقه انصرف إلى ستة أشهر روي ذلك عن ابن عباس وهو قول أصحاب الرأي وقالمجاهد والحكم وحماد ومالك هو سنة لقول الله تعالى تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها إبراهيم 25

أي كل عام وقال الشافعي وأبو ثور لا قدر له ويبر بأدنى زمن لأن الحين اسم مبهم يقع على القليل والكثير

قال الله تعالى ولتعلمن نبأه بعد حين ص 88

قيل أراد يوم القيامة وقال هل أتى على الإنسان حين من الدهر الإنسان 1

وقال فذرهم في غمرتهم حتى حين المؤمنون 54

وقال حين تمسون وحين تصبحون الروم 17

ويقال جئت منذ حين وإن كان أتاه من ساعة

ولنا إن الحين المطلق في كلام الله أقله ستة أشهر قال عكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيد في قوله تعالى تؤتي أكلها كل حين إبراهيم 25

إنه ستة أشهر فيحمل مطلق كلام الآدمي على مطلق كلام الله تعالى ولأنه قول ابن عباس ولا نعلم أنه مخالفا في الصحابة وما استشهدوا به من المطلق في كلام الله تعالى فيما ذكرناه أقله فيحمل عليه لأنه اليقين

فصل فإن حلف لا يكلمه حقبا فذلك ثمانون عاما وقال مالك أربعون عاما لأن ذلك يروى عن ابن عباس وقال القاضي وأصحاب الشافعي هو أدنى زمان لأنه لم ينقل فيه عن أهل اللغة تقدير

ولنا ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله تعاللى لابثين فيها أحقابا النبأ 23

الحقب ثمانون سنة وما ذكره القاضي وأصحاب الشافعي لا يصح لأن قول ابن عباس حجة ولأن ما ذكروه يفضي إلى حمل كلام الله تعالى لابثين فيها أحقابا وقول موسى أو أمضي حقبا إلى اللكنة لأنه أخرج ذلك مخرج التكثير فإذا صار معنى ذلك لابثين فيها النبأ ساعات ولحظات أو أمضى لحظات أو ساعات صار مقتضى ذلك التقليل وهو ضد ما أراد الله تعالى بكلامه وضد المفهوم منه ولم يذكره أحد من المفسرين فيما نعلم فلا يجوز تفسير الحقب به

فصل فإذا حلف لا يكلمه زمنا أو وقتا أو دهرا أو عمرا أو مليا أو طويلا أو بعيدا أو قريبا


41

بر بالقليل والكثير في قول أبي الخطاب ومذهب الشافعي لأن هذه الأسماء لا حد لها في اللغة وتقع على القليل والكثير فوجب حمله على أقل ما يتناوله اسمه وقد يكون القرب بعيدا بالنسبة إلى ما هو أقرب منه وقريبا بالنسبة إلى ما هو أبعد منه ولا يجوز التحديد بالتحكم وإنا يصار إليه بالتوقيف ولا توقفي ها هنا فيجب حمله على اليقين وهو أقل ما يتناوله الاسم

وقالابن أبي موسى الزمان ثلاثة أشهر وقال طلحة العاقولي الحين والزمان والعمر واحد لأنهم لا يفرقون في العادة بينهما والناس يقصدون بذلك التبعيد فلو حمل على القليل حمل على خلاف قصد الحالف والدهر يحتمل أنه كالحين أيضا لهذا المعنى

وقال في بعيد ومليء وطويل هو أكثر من شهر وهذا قول أبي حنيفة لأن ذلك ضد القليل ولا يجوز حمله على ضده ولو حمل على أربعين عاما كان حسنا لقول الله تعالى مخبرا عن نبيه عليه السلام فقد لبثت فيكم عمرا من قبله يونس 16

وكان أربعين سنة فيجب حمل الكلام عليه ولأن العمر في الغالب لا يكون إلا مدة طويلة فلا يحمل على خلاف ذلك

فصل فإن حلف لا يكلمه الدهر أو الأبد أو الزمان فذلك على الأبد لأن ذلك بالألف واللام وهي للاستغراق فتقتضي الدهر كله

فصل فإن حلف على أيام فهي ثلاثة لأنها أقل الجمع قال الله تعالى واذكروا الله في أيام معدودات البقرة 203

وهي أيام التشريق وإن حلف على أشهر فهي ثلاثة لأنها أقل الجمع وإن حلف على شهور فاختار أبو الخطاب أنها ثلاثة لذلك وقال غيره يتناول يمينه اثني عشر شهرا لقول الله تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا التوبة 36

ولأن الشهور جمع الكثرة وأقله عشرة فلا يحمل على ما يحمل على ما يحمل عليه جمع القلة

مسألة

قال ( وإذا حلف أن يقضيه حقه في وقت فقضاه قبله لم يحنث إذا كان أردا بيمينه ألا يجاوز ذلك الوقت )

وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد وأبو ثور وقال الشافعي يحنث إذا قضاه قبله لأنه ترك فعل ما حلف عليه مختارا فحنث كما لو قضاه بعده

ولنا إن مقتضى هذا اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الغد فإذا قضاه قبله فقد قضى قبل خروج الغد وزاد خيرا ولأن مبنى الأيمان على النية ونية هذا بيمينه ترك تعجيل القضاء قبل خروج الغد فتعلقت يمينه بهذا المعنى كما لو صرح به فإن لم تكن له نية رجع إلى سبب اليمين فإن كان تقتضي التعجيل فهو كما لو نواه لأن السبب يدل على النية وإن لم ينو ذلك ولا كان السبب يقتضيه ظاهر كلام الخرقي أنه لا يبر إلا بقضائه في الغد فلا يبر بقضائه قبله

وقال القاضي يبر على كل حال لأن اليمين للحث على الفعل فمتى عجله فقد أتى بالمقصود فيه كما لو نوى ذلك والأول أصح إن شاء الله لأنه ترك فعل ما تناولته يمينه لفظا ولم تصرفها عنه نية ولاسبب


42

فتصرف كما لو حلف ليصومن شعبان فصام رجبا و يحتمل ما قاله القاضي في القضاء خاصة لأن عرف هذه اليمين في القضاء التعجيل فتصرف اليمين المطلقة إليه

فصل فأما غير قضاء الحق كأكل شيء أو شربه أو بيع شيء أو شرائه أو ضرب عبد ونحوه فمتى عين وقته ولم ينو ما يقتضي تعجيله ولا كان سبب يمينه يقتضيه لم يبر إلا بفعله في وقته وذكر القاضي أنه يبر بتعجيله عن وقته وحكي ذلك عن أصحاب أبي حنيفة

ولنا إنه لم يفعل المحلوف عليه في وقته من غير نية تصرف يمينه ولا سبب فيحنث كالصيام ولو فعل بعض المحلوف عليه قبل وقته وبعضه في وقته لم يبر لأن اليمين في الإثبات لا يبر فيها إلا بفعل جميع المحلوف عليه فترك بعضه في وقته كترك جميعه إلا أن ينوي أن لا يجاوز ذلك الوقت أو يقتضي ذلك سببها

فصل ومن حلف لا يبيع ثوبه بعشرة فباعه بها أو بأقل منها حنث وإن باعه بأكثر منها لم يحنث وقال الشافعي لا يحنث إذا باعه بأقل لأنه لم يتناول يمينه

ولنا إن العرف في هذا أن لا يبيعه بها ولا بأقل منها بدليل أنه لو وكل في بيعه إنسانا وأمره أن لا يبيعه بعشرة لم يكن له بيعه بأقل منها ولأن هذا تنبيه على امتناعه من بيعه بما دون العشرة والحكم يثبت بالنية كثبوته باللفظ فإن حلف لا اشتريته بعشرة فاشتراه بأقل لم يحنث وإن اشتراه بها أو بأكثر منها حنث لما ذكرنا ومقتضى مذهب الشافعي أن لا يحنث إذا اشتراه بأكثر منها لأن يمينه لم تتناوله لفظا

ولنا إنها تناولته عرفا وتنبيها فكان حانثا كما لو حلف ما له علي حبة فإنه يحنث إذا كان له عليه أكثر منها ويبرأ بيمينه مما زاد عليها كبراءته منها قيل لأحمد رجل إن حلف لا ينقص هذا الثوب عن كذا قال قد أخذته ولكن هب لي كذا قال هذا حيلة قيل له فإن قال البائع بعتك بكذا وأهب لفلان شيئا آخر قال هذا كله ليس بشيء فكرهه

فصل فإن حلف ليقضينه حقه في غد فمات الحالف من يومه لم يحنث لما ذكرنا فيما إذا حلف ليضربن عبده في غد فمات من يومه وإن مات المستحق فحكي عن القاضي أنه يحنث لأنه قد تعذر قضاؤه فأشبه ما له حلف ليضربن عبده غدا فمات العبد قبل اليوم

وقال أبو الخطاب إن قضى ورثته لن يخنث لأن قضاى ورثته يقوم مقام قضائه في إبراى ذمته فكذلك في البر في يمينه بخلاف ما إذا مات العبد فإنه لا يقوم ضرب غيره مقام ضربه

وقال أصحاب الرأي وأبو ثور تنحل اليمين بموت المستحق ولا يحنث سواء قضى ورثته أو لم يقضهم لأنه تعذر عليه فعل ما حلف عليه بغير اختياره أشبه المكره وقد سبق الكلام على هذا في مسألة من حلف ليضربن عبده غدا فمات العبد اليوم وإن أبرأه المستحق من الحق فهل يحنث على وجهين بناء على المكره هل يحنث على روايتين وإن قضاه عوضا عن حقه لم يحنث عند ابن حامد لأن قد قضى حقه وقال القاضي يحنث لأنه لم يقضه الحق الذي عليه بعينه


43

فصل فإن حلف ليقضيه عند رأس الهلال أو مع رأسه أو إلى رأس الهلال أو إلى استهلاله أو عند رأس الشهر أو مع رأسه فقضاه عند غروب الشمس من ليلة الشهر بر في يمينه وإن أخر ذلك مع إمكانه حنث وإن شرع في عده أو كيله أو وزنه فتأخر القضاء لكثرته لم يحنث لأنه لم يترك القضاء وكذلك إذا حلف ليأكلن هذا الطعام في هذا الوقت فشرع في أكله فيه فتأخر الفراغ لكثرته لم يحنث لأن أكله كله غير ممكن في هذا الوقت اليسير فكانت يمينه على الشروع فيه في ذلك الوقت أو على مقارنة فعله فذلك الوقت للعلم بالعجز عن غير ذلك ومذهب الشافعي في هذا كله كما ذكره

مسألة

قال ( ولو حلف أن لا يشرب ماء هذا الإنباء فشرب بعضه حنث إلا أن يكون أراد أن لا يشربه كله )

وجملة ذلك أنه إذا حلف ليفعلن شيئا لم يبر إلا بفعل جميعه وإن حلف أن لا يفعله وأطلق ففعل بعضه ففيه روايتان تقدم ذكرهما

وإن نوى فعل جميعه أو كان في يمينه ما يدل عليه لم يحنث إلا بفعل جميعه وإن نوى فعل البعض أو كان في يمينه ما يدل عليه حنث بفعل البعض رواية واحدة فإن حلف لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه فهل يحنث بذلك فيه روايتان

وإن حلف لا يشرب ماء دجلة أو ماء هذا النهر حنث بشرب أدنى شيء منه لأن شرب جميعه ممتنع بغير يمينه فلا حاجة إلى توكيد المنع بيمينه فتصرف يمينه إلى منع نفسه مما يمكن فعله وهو شرب البعض كما لو حلف لا شربت الماء وبهذا قال أبو حنيفة

وقال أصحاب الشافعي إن حلف على الجنس كالناس والماء والخبز والتمر ونحوه حنث بفعل البعض وإن تناولت يمينه الجميع كالمسلمين والمشركين والمساكين لم يحنث بفعل البعض وإن تناولت اسم جنس يضاف كماء النهر وماء دجلة ففيه وجهان

ولنا إنه حلف على ما لا يمكنه فعل جميعه فتناولت يمينه بعضه منفردا اسم الجنس

وإن حلف لا شربت في الفرات فشرب من مائه حنث سواء كرع فيه أو اغترف منه ثم شرب وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يحنث حتى يكرع فيه لأن حقيقة ذلك الكرع فلم يحنث بغيره كما لو حلف لا شربت من هذا الإناء فصب منه في غيره وشرب

ولنا إن معنى يمينه أن لا يشرب من ماء الفرات لأن الشرب يكون من مائها ومنها في العرف حملت اليمين عليه كما لو حلف لا شربت من هذه البئر ولا أكلت من هذه الشجرة ولا شربت من هذه الشاة ويفارق الكوز فإن الشرب في العرف منه لأنه آلة للشرب بخلاف النهر وما ذكروه يبطل بالبئر والشاة والشجرة وقد سلموا أنه لو استقى من البئر أو احتلب لبن الشاة أو التقط من الشجرة وشرب وأكل حنث فكذا في مسألتنا

فصل وإن حلف لا يشرب من ماء الفرات فشرب من نهر يأخذ منه حنث لأنه من ماء


44

الفرات ولو حلف لا يشرب من ماء الفرات فشرب من نهر يأخذ منه ففيه وجهان أحدهما يحنث لأن معنى الشرب منه الشرب من مائه فحنث كما لو حلف لا شربت من مائه وهذا أحد الإحتمالين لأصحاب الشافعين

والثاني لا يحنث وهو قول أبي حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف فإن عنه رواية أنه يحنث وإنما قلنا إنه لا يحنث لأن ما أخذه النهر يضاف إلى ذلك النهر لا إلى الفرات ويزول بإضافته إليه عن إضافته إلى الفرات فلا يحنث به كغير الفرات

مسألة

قال ( ولو قال والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك فهرب منه لم يحنث ولو قال لا افترقنا فهرب منه حنث )

أما إذا حلف لا فارقتك ففيه مسائل عشرة

أحدها أن لا يفارقه الحالف مختارا فيحنث بلا خلاف سواء أبرأه من الحق أو فارقه والحق عليه لأنه فارقه قبل استيفاء حقه منه

الثانية فارقه مكرها فينظر فإن حمل مكرها حتى فرق بينهما لم يحنث وإن أكره بالضرب والتهديد لم يحنث وفي قول أبي بكر يحنث وفي الناسي تفصيل ما ذكرناه فيما مضى

الثالثة هرب منه الغريم اختياره فلا يحنث وبهذا قالمالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وروي عن أحمد أنه لا يحنث لأن معنى يمينه ألا تحصل بينهما فرقة وقد حصلت

ولنا إنه حلف على فعل نفسه في الفرقة وما فعل ولا فعل باختياره فلم يحنث كما لو حلف لا قمت فقام غيره

الرابعة أذن له الحالف في الفرقة ففارقه فمفهوم كلام الخرقي أنه يحنث وقال الشافعي لا يحنث قال القاضي وهو قول الخرقي لأنه لم يفعل الفرقة التي حلف أنه لا يفعلها

ولنا إن معنى يمينه لألزمنك فإذا فارقه بإذنه فما فلزمه ويفارق ما إذا هرب منه لأنه فر بغير اختياره وليس هذا قول الخرقي ولأن الخرقي قال فهرب منه فمفهومه أنه إذا فارقه بغير هرب أنه يحنث

الخامسة فارقه من غير إذن ولا هرب على وجه يمكنه ملازمته والمشي معه وإمساكه فلم يفعل فالحكم فيها كالتي قبلها

السادسة قضاه قدر حقه ففارقه ظنا منه أنه وفاه فخرج رديئا أو بعضه فيخرج في الحنث روايتان

بناء على الناسي وللشافعي قولان كالروايتان أحدهما يحنث وهو قول مالك لأنه فارقه قبل استيفاء حقه مختارا

والثاني لا يحنث وهو قول أبي ثور وأصحاب الرأي إذا وجدها زيوفا وإن وجد أكثرها نحاسا فإنه يحنث وإن وجدها


45

مستحقة فأخذها صاحبها خرج أيضا على الروايتين في الناس لأنه ظان أنه مستوف حقه فأشبه ما لو وجدها رديئة

وقال أبو ثور وأصحاب الرأي لا يحنث وإن علم بالحال ففارقه حنث لأنه لم يوفه حقه

السابعة فلسه الحاكم ففارقه نظرت فإن ألزمه الحاكم فهو كالمكره وإن لم يلزمه مفارقته لكنه فارقه لعلمه بوجوب مفارقته حنث لأنه فارقه من غير إكراه فحنث كما لو حلف لا يصلي فوجبت عليه صلاة فصلاها

الثامنة أحاله الغريم بحقه ففارقه فإنه يحنث

وبهذا قالالشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة ومحمد لا يحنث لأنه قد بريء إليه منه

ولنا إنه ما استوفى حقه منه بدليل أنه لم يصل إليه شيء ولذلك يملك المطالبة به فحنث كما لو لم يحله فإن ظن أنه قد بر بذلك ففارقه فقال أبو الخطاب يخرج على الروايتين

والصحيح أنه يحنث لأن هذا جهل بحكم الشرع فيه فلا يسقط عند الحنث كما لو جهل كون هذه اليمين موجبة للكفارة فأما إن كانت يمينه لا فارقتك ولي قبلك حق فأحاله به ففارقه لم يحنث لأنه لم يبق له قبله حق وإن أخذ به ضمينا أو كفيلا أو رهنا ففارقه حنث بلا إشكال لأنه يملك مطالبة الغريم

التاسعة قضاه عن حقه عوضا عنه ثم فارقه

فقال ابن حامد لا يحنث وهو قول أبي حنيفة لأنه قد قضاه حقه وبريء إليه منه بالقضاء وقال القاضي يحنث لأن يمينه على نفس الحق وهذا بدله وإن كانت يمينه لا فارقتك حتى تبرأ من حقي أو لي قبلك حق لم يحنث وجها واحدا لأنه لم يبق له قبله حق وهذا مذهب الشافعي والأول أصح لأنه قد استوفى حقه

العاشرة وكل وكيلا يستوفي له حقه فإن فارقه قبل استيفاء الوكيل حنث لأنه فارقه قبل استيفاء حقه وإن استوفى الوكيل ثم فارقه لم يحنث لأن استيفاء وكيله استيفاء له يبرأ به غريمه ويصير في ضمان الموكل

فصل فأما إن قال لا فارقتني حتى أستوفي حقي منك نظرت فإن فارقه المحلوف عليه مختارا حنث وإن أكره على فراقه لم يحنث وإن فارقه الحالف مختارا حنث إلا على ما ذكره القاضي في تأويل كلام الخرقي وهو مذهب الشافعي وسائر الفروع تأتي ها هنا على نحو ما ذكرناه

فصل وإن كانت بيمينه لا افترقنا فهرب منه المحلوف عليه حنث لأن يمينه تقتضي ألا تحصل بينهما فرقة بوجه وقد حصلت الفرقة بهربه وإن أكرها على الفرقة لم يحنث إلا على قول من لم ير الإكراه عذرا

فصل فإن حلف لا فارقتك حتى أوفيك حقك فأبرأه الغريم منه فهل يحنث على وجهين بناء على المكره وإن كان الحق عينا فهو هبا له الغريم فقبلها حنث لأنه ترك إيفاؤها له باختياره وإن قبضها منه ثم وهبها إياها لم يحنث وإن كانت يمينه لا فارقتك ولك قبلي حق لم يحنث إذا أبرأه أو وهب العين له

فصل والفرقة في هذا كله ما عده الناس فراقا في العادة وقد ذكرنا الفرقة في البيع وما


46

نواه بيمينه مما يحتمله لفظه فهو على ما نواه والله أعلم

مسألة

قال ( ولو حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه فذلك على كل مرة إلا أن يكون نوى مرة )

وجملته أن من قال لزوجته إن خرجت إلا بإذني أو بغير إذني فأنت طالق أو قال إن خرجت إلا أن آذن لك أو حتى آذن لك أو إلى أن آذن لك فالحكم في هذه الألفاظ الخمسة أنها متى خرجت بغير إذنه طلقت وانحلت يمينه لأن حرف أن لا يقتضي تكرارا فإذا حنث مرة انحلت كما لو قال أنت طالق إن شئت وإن خرجت بإذنه لم يحنث لأن الشرط ما وجد وليس في هذا الاختلاف ولا تنحل اليمين فمتى خرجت بعد هذا بغير إذنه طلقت

وقالالشافعي تنحل فلا يحنث بخروجها بعد ذلك لأن اليمين تعلقت بخروج واحد بحرف لا يقتضي التكرار وإذا وجد بغير إذن حنث وإن وجد بإذن بر لأن البر يتعلق بما يتعلق به الحنث

وقال أبو حنيفة في قوله إن خرجت إلا بإذني أو بغير إذني كقولنا لأن الخروج بإذنه في هذين الموضعين مستثنى من يمينه فلم يدخل فيها ولم يتعلق به بر ولا حنث وإن قال إن خرجت إلا أن آذن لك أو حتى آذن لك أو إلى أن آذن لك متى أذن لها انحلت يمينه ولم يحنث بعد ذلك بخروجها بغير إذنه لأنه جعل الإذن فيها غاية ليمينه وجعل الطلاق معلقا على الخروج قبل إذنه فمتى أذن انتهت غاية يمينه وزال حكمها كما لو قال إن خرجت إلى أن تطلع الشمس أو إلا أن تطلع الشمس أو حتى تطلع الشمس فأنت طالق فخرجت بعد طلوعها ولأن حرف إلى وحتى للغاية لا للاستثناء

ولنا أنه علق الطلاق على شرط

وقدوجد فيقع الطلاق كما لو لم تخرج بإذنه وقولهم قد بر غير صحيح لوجهين أحدهما أن المأذون فيه مستثنى من يمينه غير داخل فيها فكيف يبر ألا ترى أنه لو قال لها إن كلمت رجلا إلا أخاك أو غير أخيك فأنت طالق فكلمت أخاها ثم كلمت رجلا آخر فإنها تطلق ولا تنحل يمينه بتكليمها أخاها والثاني أن المحلوف عليه خروج موصوف بصفة ولا تنحل اليمين بوجود ما لم توجد فيه الصفة ولا يحنث به فلا يتعلق بما عداه بر ولا حنث كما لو قال إن خرجت عريانة فأنت طالق أو إن خرجت راكبة فأنت طالق فخرجت مستترة ماشية لم يتعلق به بر ولا حنث ولأنه لو قال لها إن كلمت رجلا فاسقا أو من غير محارمك فأنت طالق لم يتعلق بتكليمها لغير من هو موصوف بتلك الصفة بر ولا حنث فكذلك في الأفعال وقولهم تعلقت اليمين بخروج واحد قلنا إلا أنه خروج موصوف بصفة فلا تنحل اليمين بوجود غيره ولا يحنث به

وأما قول أصحاب أبي حنيفة أن الألفاظ الثلاثة ليست من ألفاظ الاستثناء قلنا قوله إلا أن آذن لك من ألفاظ الاستثناء واللفظتان الأخريان في معناه في إخراج المأذون من يمينه فكان حكمهما كحكمه

هذا الكلام فيما إذا ألطق فإن نوى تعليق الطلاق على خروج واحد تعلقت يمينه به وقبل قوله في الحكم لأنه فسر لفظه بما يحتمله احتمالا


47

غير بعيد وإن أذن لها مرة واحدة ونوى الإذن في كل مرة فهو على ما نوى وقد نقل عبد الله بن أحمد عن أبيه إذا حلف أن لا تخرج امرأته إلا بإذنه إذا أذن لها مرة فهو إذن لكل مرة وتكون يمينه على ما نوى وإن قال كلما خرجت فهو بإذني أجزأه مرة واحدة وإن نوى بقوله إلى أن آذن لك أو حتى آذن لك الغاية وأن الخروج المحلوف عليه ما قبل الغاية دون ما بعدها قبل قوله وانحلت يمينه بالإذن لنيته فإن مبنى الأيمان على النية

فصل وإن قال إن خرجت بغير إذني فأنت طالق فأذن لها ثم نهاها فخرجت طلقت لأنها خرجت بغير إذنه وكذلك إن قال إلا بإذني

وقال بعض أصحاب الشافعي لا يحنث لأنه قد أذن ولا يصح لأن نهيه قد أبطل إذنه فصارت خارجة بغير إذنه وكذلك لو أذن لوكيله في بيع ثم نهاه عنه فباعه كان باطلا وإن قال إن خرجت بغير إذني لغير عيادة المريض فأنت طالق فخرجت لعيادة مريض ثم تشاغلت بغيره أو قال إن خرجت إلى غير الحمام بغير إذني فأنت طالق فخرجت إلى الحمام ثم عدلت إلى غيره ففيه وجهان أحدهما لا يحنث لأنها ما خرجت لغير عيادة مريض ولا إلى غير الحمام وهذا مذهب الشافعي

الثاني يحنث لأن قصده في الغالب ألا تذهب إلى غير الحمام وعيادة المريض وقد ذهبت إلى غيرهما ولأن حكم الاستدامة حكم الابتداء ولهذا لو حلف ألا يدخل دارا هو داخلها فأقام فيها حنث في أحد الوجهين وإن قصدت بخروجها الحمام وغيره أو العياد وغيرها حنث لأنها خرجت لغيرهما وإن قال إن خرجت لا لعيادة مريض فأنت طالق فخرجت لعيادة مريض وغيره لم يحنث لأن الخروج لعيادة المريض وإن قصدت معه غيره وإن قال إن خرجت بغير إذني فأنت طالق ثم أذن لها ولم تعلم فخرجت ففيه وجهان أحدهما تطلق وبه قال أبو حنيفة ومالك ومحمد بن الحسن

والثاني لا يحنث وهو قول الشافعي وأبو يوسف لأنها خرجت بعد وجود الإذن من جهته فلم يحنث كما لو علمت به ولأنه لو عزل وكيله انعزل وإن لم يعلم بالعزل فكذلك تصير مأذونا لها وإن لم تعلم ووجه الأول أن الإذن إعلام وكذلك قيل في قوله تعالى آذنتكم على سواء الأنبياء 109

أي أعلمتكم فاستويا في العلم وأذان من الله ورسوله التوبة 3 أي إعلام فأذنوا بحرب من الله ورسوله البقرة 279

فاعلموا به واشتقاقه من الإذن يعني أوقعته في إذنك وأعلمتك به ومع عدم العلم لا يكون إعلاما فلات يكون إذنا ولأن إذن الشارع في أوامره ونواهيه لا يثبت إلا بعد العلم بها كذلك إذن الآدمي وعلى هذا يمنع وجود الإذن من جهته

فصل فإن حلف عليها أن لا تخرج من هذه الدار إلا بإذنه فصعدت سطحها أو خرجت إلى


48

صحنها لم يحنث لأنها لم تخرج من الدار وإن حلف لا تخرج من البيت فخرجت إلى الصحن أو إلى سطحه حنث وهذا مقتضى مذهب الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ولو حلف على زوجته لا تخرج ثم حملها فأخرجها فإن أمكنها الامتناع فلم تمتنع حنث وقال الشافعي لا يحنث لأنها لم تخرج إنما أخرجت

ولنا إنها خرجت مختارة فحنث كما لو أمرت من حملها والدليل على خروجها أن الخروج الانفصال من داخل إلى خارج وقد وجد ذلك وما ذكره يبطل بما إذا أمرت من حملها فأما إن لم يمكنها الامتناع فيحتمل أن لا يحنث وهو قول أصحاب الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي لأن الخروج لا ينسب إليها فأشبه ما لو حملها غير الحالف ويحتمل أن يحنث لأنه مختار لفعل ما حلف على تركه وإن حلف لا تخرجي إلا بإذن زيد فمات زيد ولم يأذن فخرجت حنث الحالف لأنه علقه على شرط ولم يوجد ولا يجوز فعل المشروط

مسألة

قال ( ولو حلف ألا يأكل هذا الرطب فأكله تمرا حنث وكذلك كل ما تولد من ذلك الرطب )

وجملة ذلك أنه إذا حلف على شيء عينه بالإشارة مثل أن حلف لا يأكل هذا الرطب لم يخل من حالين أحدهما أن يأكله رطبا فيحنث بلا خلاف بين الجميع لكونه فعل ما حلف على تركه صريحا

الثاني أن تتغير صفته وذلك يقسم خمسة أقسام أحدها أن تستحيل أجزاؤه ويتغير اسمه مثل أن يحلف لا أكلت هذه البيضة فصارت فرخا أو لا أكلت هذه الحنطة فصارت زرعا فأكله فهذا لا يحنث لأنه زال واستحالت أجزاؤه وعلى قياسه إذا حلف لا شربت هذا الخمر فصارت خلا فشربه

القسم الثاني تغيرت صفته وزال اسمه مع بقاء أجزائه مثل أن يحلف لا آكل هذا الرطب فصار تمرا ولا أكلم هذا الصبي فصار شيخا ولا آكل هذا الحمل فصار كبشا أو لا آكل هذا الرطب فصار دبسا أو خلا أو ناطفا أو غيره من الحلواء ولا يأكل هذه الحنطة فصارت دقيقا أو سويقا أو خبزا أو هريسة أو لا أكلت هذا العجين أو هذا الدقيق فصار خبزا ولا أكلت هذا اللبن فصار سمنا أو جبنا أو كشكا أو لا دخلت هذه الدار فصارت مسجدا أو حماما أو فضاء ثم دخلها أو أكله حنث في جميع ذلك وبه قال أبو حنيفة فيما إذا حلف لا كلمت هذا الصبي فصار شيخا ولا أكلت هذا الحمل فصار كبشا ولا دخلت هذه الدار فدخلها بعد تغيرها وقال أبو يوسف في الحنطة إذا صارت دقيقا

وللشافعي في الرطب إذا صار تمرا والصبي إذا صار شيخا والحمل إذا صار كبشا وجهان وقالوا في سائر الصور لا يحنث لأن اسم المحلوف عليه وصورته زالت فلم يحنث كما لو حلف لا يأكل هذه البيضة فصارت فرخا

ولنا إن عين المحلوف عليه باقية فحنث بها كما لو حلف لا أكلت هذا الحمل فأكل لحمه أو لا لبست هذا


49

الغزل فصار ثوبا فلبسه أو لا لبست هذا الرداء فلبسه بعد أن صار قيمصا أو سراويل وفارق البيضة إذا صارت فرخا لأن أجزاءها استحالت فصارت عينا أخرى ولم تبق عينها ولأنه اعتبار بالاسم مع التعيين كما لو حلف لا كلمت زيدا هذا فغير اسمه أو لا كلمت صاحب هذا الطيلسان فكلمه بعد بيعه

ولأنه متى اجتمع التعيين مع غيره مما يعرف به كان الحكم للتعيين كما لو اجتمع مع الإضافة

القسم الثالث تبدلت الإضافة مثل أن حلف لا كلمت زوجة زيد هذه ولا عبده هذا ولا دخلت داره هذه فطلقالزوجة وباع العبد والدار فكلمهما ودخل الدار حنث

وبه قال مالك والشافعي ومحمد وزفر وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يحنث إلا في الزوجة لأن الدار لا توالي ولا تعادي وإنما الامتناع لأجل مالكها فتعلقت اليمين بها مع بقاء ملكه عليها وكذلك العبد في الغالب

ولنا إنه إذا اجتمع في اليمين التعيين والإضافة كان الحكم للتعيين كما لو قال والله لا كلمت زوجة فلان ولا صديقه وما ذكروه لا يصح في العبد لأنه يوالي ويعادي ويلزمه في الدار إذا أطلق ولم يذكر مالكها فإنه يحنث بدخولها بعد بيع مالكها إياها

القسم الرابع إذا تغيرت صفته بما يزيل اسمه ثم عادت كمقص انكسر ثم أعيد وقلم انكسر ثم بري وسفينة تفصمت ثم أعيدت ودار هدمت ثم بنيت وأسطوانة نقضت ثم أعيدت فإنه يحنث لأن أجزاءها واسمها موجود فأشبه ما لو لم تتغير

القسم الخامس إذا تغيرت صفته بما لم يزل اسمه كلحم شوي أو طبخ وعبد بيع ورجل مرض فإنه يحنث به بلا خلاف نعلمه لأن الاسم الذي علق عليه اليمين لم يزل ولا زال التغير فحنث به كما لو لم يتغير حاله

فصل وإن قال والله لا كلمت سعدا زوج هند أو سيد صبيح أو صديق عمرو أو مالك هذه الدار أو صاحب هذا الطيلسان أو لا كلمت هند امرأة سعد أو صبيحا عبده أو عمرا صديقه فطلق الزوجة وباع العبد والدار والطيلسان وعادى عمرا وكلمهم حنث لأنه متى اجتمع الاسم والإضافة غلب الاسم بجريانه مجرى التعيين لتعريف المحل

فصل ومتى نوى بيمينه في هذه الأشياء ما دام على تلك الصفة أو الإضافة أو لم يتغير فيمينه على ما نواهه لقوله عليه السلام وإنما لامرىء ما نوى والله أعلم

مسألة

قال ( ولو حلف ألا يأكل تمرا فأكل رطبا لم يحنث )

وجملة ذلك أنه إذا لم يعين المحلوف عليه ولم ينو بيمينه ما يخاف ظاهر اللفظ ولا صرفه السبب عنه تعلقت يمينه بما تناوله الاسم الذي علقه عليه يمينه ولم يتجاوزه فإذا حلف ألا يأكل تمرا لم يحنث إذا أكل رطبا ولا بسرا ولا


50

بلحا وإذا حلف لا يأكل رطبا لم يحنث إذا أكل تمرا ولا بسرا ولا بلحا ولا سائر ما لا يسمى رطبا وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا

فصل ولو حلف لا يأكل عنبا فأكل زبيبا أو دبسا أو خلا أو ناطفا أو لا يكلم شابا فكلم شيخا أو لا يشتري جديا فاشترى تيسا أو لا يضرب عبدا فضرب عتيقا لم يحنث بغير خلاف لأن اليمين تعلقت بالصفة دون العين ولم توجد الصفة فجرى مجرى قوله لا أكلت هذه التمرة فأكل غيرها

فصل فإن حلف لا يأكل رطبا فأكل منصفا وهو الذي بعضه بسر وبعضه تمرا ومذنبا وهو الذي بدأ فيه الأرطاب من ذنبه وباقيه بسرا أو حلف لا يأكل بسرا فأكل ذلك حنث

وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد الشافعي وقالأبو يوسف وبعض أصحاب الشافعي لا يحنث لأنه لا يسمى رطبا ولا تمرا

ولنا إنه أكل رطبا وبسرا فحنث كما لو أكل نصف رطبة ونصف بسرة منفردتين وما ذكروه لاة يصح فإن القدر الذي أرطب رطب والباقي بسر ولو أنه حلف لا يأكل الرطب فأكل القدر الذي أرطب من النصف حنث ولو حلف لا يأكل البسر فأكل البسر الذي في النصف حنث وإن أكل البسر من يمينه على الرطب وأكل الرطب من يمينه على البسر لم يحنث واحد منهما وإن حلف واحد ليأكلن رطبا وآخر ليأكلن بسرا فأكل الحالف على أكل الرطب ما في المنصف من الرطبة وأكل الآخر باقيها برا جميعها وإن حلف ليأكلن رطبة أو بسرة أو لا يأكل ذلك فأكل منصفا لم يبر ولم يحنث لأنه ليس فيه رطبة ولا بسرة

فصل وإن حلف لا يأكل لبنا فأكل من لبن الأنعام أو الصيد أو لبن آدمية حنث لأن الاسم يتناوله حقيقة وعرفا وسواء كان حليبا أو رائبا أو مائعا أو مجمدا لأن الجميع لبن ولا يحنث بأكل الجبن والسمن والمصل والأقط والكشك ونحوه فإن أكل زبدا لم يحنث نص عليه

وقال القاضي يحتمل أن يقال في الزبد إن ظهر فيه لبن حنث بأكله وإلا فلا كما قلنا فيمن حلف لا يأكل سمنا فأكل خبيصا فيه سمن وهذا مذهب الشافعي وإن حلف لا يأكل زبدا فأكل سمنا أو لبنا لم يظهر فيه الزبد لم يحنث وإن كان الزبد ظاهرا فيه حنث وإن أكل جبنا لم يحنث وكذلك سائر ما يصنع من اللبن وإن حلف لا يأكل سمنا فأكل زبدا أو لبنا أو شيئا مما يصنع من اللبن سوى السمن لم يحنث وإن أكل السمن منفردا أو في عصيدة أو حلواء أو طبيخ فظهر فيه طعمه حنث ولذلك إذا حلف لا يأكل لبنا فأكل طبيخا فيه لبن أو لا يأكل خلافا فأكل طبيخا فيه خل يظهر طعمه فيه حنث وبهذا قال الشافعي وقال بعض أصحابه لا يحنث لأنه لم يفرده بالأكل ولا يصح لأنه أكل المحلوف عليه وأضاف إليه غيره فحنث كما لو أكله ثم أكل غيره

فصل وإن حلف لا يأكل شعيرا فأكل حنطة فيها حبات شعير حنث لأنه أكل شعيرا فحنث كما لو حلف لا يأكل رطبا فأكل منصفا ويحتمل أن لا يحنث لأنه يستهلك في الحنطة فأشبه السمن في


51

الخبيص وإن نوى بيمينه ألا يأكل الشعير منفردا أو كان سبب يمينه يقتضي ذلك أو يقتضي أكل شعير يظهر أثر أكله لم يحنث إلا بذلك لما قدمنا

فصل فإن حلف لا يأكل فاكهة حنث بأكل كل ما يسمى فاكهة وهي كل ثمرة تخرج من الشجرة يتفكه بها من العنب والرطب والرمان والسفرجل والتفاح والكمثري والخوخ والمشمش والأترج والتوت والنبق والموز والجوز والجميز وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة وأبو ثور لا يحنث بأكل ثمرة النخل والرمان لقول الله تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان الرحمن 68 والمعطوف يغاير المعطوف عليه

ولنا إنها ثمرة شجرة يتفكه بهما فكانا من الفاكهة كسائر ما ذكرنا ولأنهما في عرف الناس فاكهة ويسمى بائعهما فاكهانيا وموضع بيعهما دار الفاكهة والأصل في العرف الحقيقة والعطف لشرفهما وتخصيصهما كقوله تعالى من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال البقرة 98 وهما من الملائكة فأما يابس هذه الفواكه كالزبيب والتمر والتين والمشمش اليابس والإجاص ونحوها فهو من الفاكهة لأنه ثمر شجرة يتفكه بها ويحتمل أنه ليس منها لأنه يدخر ومنه ما يقتات فأشبه الحبوب والزيتون وليس بفاكهة لأنه لا يتفكه بأكله وإنما المقصود زيته وما يؤكل منه يقصد به التأدم لا التفكه والبطم في معناه لأن المقصود زيته ويحتمل أنه فاكهة لأنه ثمر شجر يؤكل غضا ويابسا على جهته فأشبه التوت والبلوط ليس بفاكهة لأنه لا يتفكه به وإنما يؤكل عند المجاعة أو التداوي وكذلك سائر ثمر شجر البر الذي لا يستطاب كالزعرور الأحمر وثمر القيقب والعفص وجب الآس ونحوه وإن كان فيها ما يستطاب كحب الصنوبر فهو فاكهة لأنه ثمرة شجرة يتفكه به

فصل فأما القثاء والخيار والقرع والباذنجان فهو من الخضر وليس بفاكهة وفي البطيخ وجهان أحدهما هو من الفاكهة ذكره القاضي وهو قول الشافعي وأبي ثور لأنه ينضج ويحلو أشبه ثمر الشجر

والثاني ليس من الفاكهة لأنه ثمر بقلة أشبه الخيار والقثاء وأما ما يكون في الأرض كالجزر واللفت والفجل والقلقاس والسوطل ونحوه فليس شيء من ذلك فاكهة لأنه لا يسمى بها ولا هو في معناها

فصل وإن حلف لا يأكل أدما حنث بأكل كل ما جرت العادة بأكل الخبز منه لأن هذا معنى التأدم وسواء في هذا ما يصطبغ كالطبيخ والمرق والخل والزيت والسمن والشيرج واللبن قال الله تعالى في الزيت وصبغ للآكلين المإمنون 20

وقال عليه السلام نعم الإدام الخل

وقال ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة رواه ابن ماجة أو من الجامدات كالشواء والجبن والباقلاء والزيتون والبيض

وبهذا قال


52

الشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ما لا يصطبغ به فليس بأدم لأن كل واحد منهما يرفع إلى الفم منفردا

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم سيد الإدام اللحم وقال سيد إدامكم الملح رواه ابن ماجة لأنه يؤكل به الخبز عادة فكان أدما كالذي يصطبغ به ولأن كثيرا مما ذكرنا لا يؤكل في العادة وحده إنما يعد للتأدم به وأكل الخبز به فكان أدما كالخل واللبن وقولهم إنه يرفع إلى الفم وحده مفردا عنه جوابان أحدهما أن منه ما يرفع مع الخبز كالملح ونحوه

والثاني أنهما يجتمعان في الفم والمضغ والبلغ الذي هو حقيقة الأكل فلا يضر افتراقهما قبله فأما التمر ففيه وجهان أحدهما هو أدم لما روى يوسف عن عبد الله بن سلام قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع تمرة على كسرة وقال هذه إدام هذه رواه أبو داود وذكره الإمام أحمد

والثاني ليس بأدم لأنه لا يؤتدم به عادة إنما يؤكل قوتا أو حلاوة وإن أكل الملح مع الخبز فهو إدام لما ذكرنا من الخبز ولأنه يؤكل به الخبز ولا يؤكل منفردا عادة أشبه الجبن والزيتون

فصل فإن حلف لا يأكل طعاما فأكل ما يسمى طعاما من قوت وأدم وحلواء وتمر وجامد ومانع حنث

قال الله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه آل عمران 93

وقال تعالى ويطعمون الطعام على حبه الإنسان 8 يعني على محبة الطعام لحاجتهم إليه وقيل على حب الله تعالى وقال الله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير الأنعام 145

وسمى النبي صلى الله عليه وسلم اللبن طعاما وقال إنما يخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم وفي الماء وجهان أحدهما هو طعام لقول الله تعالى إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني البقرة 249

والطعام ما يطعم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى اللبن طعاما وهو مشروب فكذلك الماء

والثاني ليس بطعام لأنه لا يسمى طعاما ولا يفهم من إطلاق اسم الطعام ولهذا يعطف عليه فيقال طعام وشراب وقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لا أعلم ما يجزىء من الطعام والشراب إلا اللبن ورواه ابن ماجة ويقال باب الأطعمة الأشربة ولأنه إن كان طعاما في الحقيقة فليس بطعام في العرف فلا يحنث بشربه لأنه مبنى الأيمان على العرف لكون الحالف في الغالب لا يريد بلفظه إلا ما يعرفه فإن أكل دواء ففيه وجهان أحدهما يحنث لأنه يطعم حال الإختيار وهذا مذهب الشافعي


53

والثاني لا يحنث لأنه لا يدخل في إطلاق اسم الطعام ولا يؤكل إلا عند الضرورة فإن أكل من نبات الأرض ما جرت العادة بأكله حنث وإن أكل ما لا يجزئه عادة كورق الشجر ونشارة الخشب احتمل وجهين أحدهما يحنث لأنه قد أكله فأشبه ما جرت العادة بأكله ولأنه روي عن عتبة بن غزوان أنه قال لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق الحبلة حتى قرحت أشداقنا

الثاني لا يحنث لأنه لا يتناوله اسم الطعام في العرف

فصل فإن حلف لا يأكل قوتا فأكل خبزا أو تمرا أو زبيبا أو لحما أو لبنا حنث لأن كل واحد من هذه يقتات في بعض البلدان ويحتمل أن لا يحنث إلا بأكل ما يقتاته أهل بلده لأن يمينه تنصرف إلى القوت المتعارف عندهم في بلدهم ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين وإن أكل سويقا أو استف دقيقا حنث لأنه لا يقتات كذلك ولهذا قال بعض اللصوص لا تخبزا خبزا وبسابسا ولا تطيلا بمقام حبسا وإن أكل حبا يقتات خبزه حنث لأنه يسمى قوتا ولذلك يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخر قوت عياله لسنة وإنما يدخر الحب ويحتمل أن لا يحنث لأنه لا يقتات كذلك وإن أكل عنبا أو حصرما أو خلا لم يحنث لأنه لم يصر قوتا

فصل فإن حلف لا يملك مالا حنث بملك كل ما يسمى مالا سواء كان من الأثمان أو غيرها من العقار والأثاث والحيوان وبهذا قال الشافعي وعن أحمد أنه إذا نذر الصدقة بجميع ماله إنما يتناول نذره الصامت من ماله ذكرها ابن أبي موسى لأن إطلاق المال ينصرف إليه

وقال أبو حنيفة لا يحنث إلا إن ملك مالا زكويا استحسانا لأن الله تعالى قال وفي أموالهم حق للسائل والمحروم الذاريات 19

فلم يتناول إلا الزكوية

ولنا إن غير الزكوية أموال قال الله تعالى أن تبتغوا بأموالكم النساء 24

وهي مما يجوز ابتغاء النكاح بها وقالأبو طلحة للنبي صلى الله عليه وسلم أحب أموالي إلي بيرحاء يعني حديقة وقال عمر أصبت مالا بأرض خيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه وقال أبو قتادة اشتريت مخرفا فكان أول مال ثأثلته وفي الحديث خير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة ويقال خير المال عين خرارة في أرض خوارة ولأنه يسمى مالا فحنث به كالزكوي وأما قوله وفي أموالهم حق الذاريات 19

فالحق ها هنا غير الزكاة لأن هذه الآية مكية نزلت قبل فرض الزكاة فإن الزكاة إنما فرضت بالمدينة ثم لو كان الحق للزكاة فلا حجة فيها فإن الحق إذا كان في بعض المال فهو في المال كما أن من هو في


54

بيت من دار أو في بلدة فهو في الدار والبلدة قال الله عز وجل وفي السماء رزقكم وما توعدون الذاريات 22

ولا يلزم أن يكون في كل أقطارها ثم لو اقتضى هذا العموم لوجب تخصيصه فإن ما دون النصاب مال ولات زكاة فيه فإن حلف لا مال له وله دين حنث ذكره أبو الخطاب وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لأنه لا ينتفع به

ولنا إنه ينعقد عليه حول الزكاة ويصح إخراجها عنه ويصح التصرف فيه بالإبراء والحوالة والمعاوضة عنه لمن هو في ذمته والتوكيل في استيفائه فيحنث به كالمودع وإن كان له مال مغصوب حنث لأنه باق على ملكه فإن كان له مال ضائع ففيه وجهان أحدهما يحنث لأن الأصل بقاؤه على ملكه

والثاني لا يحنث لأنه لا يعلم بقاؤه وإن ضاع على وجه قد يئس من عوده كالذي يسقط في بحر لم يحنث لأن وجوده كعدمه ويحتمل أن لا يحنث في كل موضع لا يقدر على أخذ ماله كالمجحود والمغصوب والذي على غير مليء لأنه لا نفع فيه وحكمه حكم المعدوم في جواز الأخذ من الزكاة وانتفاء وجوب أدائها عليه عنه وإن تزوج لم يحنث لأن ما يملكه ليس بمال وإن وجب له حق شفعة لم يحنث لأنه لم يثبت له الملك به وإن استأجر عقارا أو غيره لم يحنث لأنه لم يسمى مالكا لمال

مسألة

قال ( ولو حلف لا يأكل لحما فأكل الشحم أو المخ أو الدماغ لم يحنث إلا أن يكون أراد اجتناب الدسم فيحنث بأكل الشحم )

وجملته أن الحالف على ترك أكل اللحم لا يحنث بأكل ما ليس بلحم من الشحم والمخ وهو الذي في العظام والدماغ وهو الذي في الرأس في قحفه ولا الكبد والطحال والرئة والقلب والكرش والمصران والقانصة ونحوها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يحنث بأكل هذا كله لأنه لحم حقيقة ويتخذ منه ما يتخذ من اللحم فأشبه لحم الفخذ

ولنا أنه لا يسمى لحما وينفرد عنه باسمه وصفته ولو أمر وكيله بشراء لحم فاشترى هذا لم يكن ممتثلا لأمره ولا ينفذ الشراء للموكل فلم يحنث بأكله كالبقل وقد دل على أن الكبد والطحال ليستا بلحم قول النبي صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان أما الدمان فالكبد والطحال ولا نسلم أنه لحم حقيقة بل هو من الحيوان مع اللحم كالعظم والدم

فأما إن قصد اجتناب الدسم حنث بأكل الشحم لأن له دسما وكذلك المخ وكل ما فيه دسم

فصل ولا يحنث بأكل الألية وقال بعض أصحاب الشافعي يحنث لأنها نابتة في اللحم وتشبهه في الصلابة وليس بصحيح لأنها لا تسمى لحما ولا يقصد بها ما يقصد به ونخالفه في اللون والذوب والطعم فلم يحنث بأكلها كشحم البطن فأما الشحم الذي على الظهر والجنب وفي تضاعيف اللحم فلا يحنث بأكله في ظاهر كلام الخرقي فإنه قال اللحم لا يخلو من شحم يشير إلى ما يخالط اللحم مما تذيبه النار وهذا


55

وهذا قول طلحة العاقولي وممن قال هذا شحم أبو يوسف ومحمد وقال القاضي هو لحم يحنث بأكله ولا يحنث فأكله من حلف لا يأكل شحما وهذا مذهب الشافعي لأنه لا يسمى شحما ولا بائعه شحاما ولا يفرد عن اللحم مع الشحم ويسمى بائعه لحاما ويسمى لحما سمينا ولو وكل في شراء لحم فاشتراه الوكيل لزمه ولو اشتراه الوكيل في شراء الشحم لم يلزمه

ولنا قوله تعالى ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم الأنعام 146

ولأنه يشبه الشحم في صفته وذوبه ويسمى دهنا فكان شحما كالذي في البطن ولا نسلم أنه لا يسمى شحما ولا أنه يسمى بمفرده لحما وإنما يسمى اللحم الذي هو عليه لحما سمينا ولا يسمى بائعه شحاما لأنه لا يباع بمفرده وإنما يباع تبعا للحم وهو تابع له في الوجود والبيع فلذلك سمي بائعه لحاما ولم يسم شحاما لأنه سمي بما هو الأصل فيه دون التبع

فصل وإن أكل المرق لم يحنث ذكره أبو الخطاب قال وقد روي عن أحمد أنه قال لا يعجبني الأكل من المرق وهذا على طريق الورع وقال ابن أبي موسى والقاضي يحنث لأن المرق لا يخلو من أجزاء اللحم الذائبة وقد قيل المرق أحد اللحمين

ولنا إنه ليس بلحم حقيقة ولا يطلق عليه اسمه فلم يحنث به كالكبد ولا نسلم أن أجزاء اللحم فيه وإنما فيه ماء اللحم ودهنه وليس ذلك بلحم

وأما المثل فإنما أراد به المجاز كما في نظائره من قولهم الدعاء أحد الصدقتين وقلة العيال أحد اليسارين وهذا دليل على أنها ليست بلحم لأنه جفلها غير اللحم الحقيقية

فصل فإن أكل رأسا أو كارعا فقد روي عن أحمد ما يدل على أنه لا يحنث لأنه روي عنه ما يدل على أن من حلف لا يشتري لحما فاشترى رأسا أو كارعا لا يحنث إلا أن ينوي أن لا يشتري من الشاة شيئا قال القاضي لأن إطلاق اسم اللحم لا يتناول الرؤوس والكوارع ولو وكله في شراى لحم فاشترى رأسا أو كارعا لم يلزمه ويسمى بائع ذلك رآسا ولا يسمى لحاما وقالأبو الخطاب يحنث بأكل لحم الخد لأنه لحم حقيقة وحكي عن أبي موسى أنه لا يحنث إلا أن ينويه باليمين وإن أكل اللسان احتمل وجهين أحدهما يحنث لأنه لحم حقيقة

والثاني لا يحنث لأنه ينفرد عن اللحم باسمه وصفته فأشبه القلب

مسألة

قال ( فإن حلف ألا يأكل الشحم فأكل اللحم حنث لأن اللحم لا يخلو من شحم )

ظاهر كلام الخرقي أن الشحم كل ما يذوب بالنار مما في الحيوان فظاهر الآية والعرف يشهد لقوله وهذا ظاهر قول أبي الخطاب وطلحة وقال به أبو يوسف ومحمد بن الحسن فعلى هذا لا يكاد لحم يخلو من شيء منه وإن قل فيحنث به

وقال القاضي الشحم هو الذي يكون في الجوف من شحم الكلى أو غيره وإن أكل من كل شيءمن الشاة من لحمها الأحمر والأبيض والألية والكبد والطحال والقلب فقال شيخنا لا يحنث يعني ابن جامد لأن


56

اسم الشحم لا يقع عليه وهو قول أبي حنيفة والشافعي وقد سبق الكلام في أن شحم الظهر والجنب شحم فيحنث به وأما إن أكل لحما أحمر وحده لا يظهر فيه شيءمن الشحم فظاهر كلام الخرقي أنه يحنث لأنه لا يخلو من شحم وإن قل ويظهر في الطبخ فإنه يبين على وجه المرق وإن قيل وبهذا يفارق من حلف لا يأكل سمنا فأكل خبيصا فيه سمن لاة يظهر الدهن فيه وقال غير الخرقي من أصحابنا لا يحنث وهو الصحيح لأنه لا يسمى شحما ولا يظهر فيه طعمه ولا لونه والذي يظهر في المرق قد فارق اللحم فلا يحنث بأكل اللحم الذي كان فيه

فصل ويحنث بالأكل من الألية في ظاهر كلام الخرقي وموافقيه لأنها دهن يذوب بالنار ويباع مع الشحم ولا يباع مع اللحم

وعلى قول القاضي وموافقيه ليست شحما ولا لحما فلات يحنث به الحالف على تركها

مسألة

قال ( وإذا حلف ألا يأكل لحما ولم يرد لحما بعينه فأكل من لحم الأنعام أو الطيور أو السمك حنث )

أما إذا أكل من لحم الأنعام أو الصيد أو الطائر فإنه يحنث في قول عامة علماء الأمصار وأما السمك فظاهر المذهب أنه يحنث بأكله وبهذا قال قتادة والثوري ومالك وأبو يوسف وقال ابن أبي موسى في الإرشاد لا يحنث به إلا أن ينويه وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأبي ثور لأنه لا يتصرف إليه إطلاق اسم اللحم ولو وكل وكيلا في شراى اللحم فاشترى له سمكا لم يلزمه ويصح أن ينفي عنه الاسم فيقول ما أكلت لحما وإنماأكلت سمكا فلم يتعلق به الحنث عند الإطلاق كما لو حلف لا قعدت تحت سقف فإنه لا يحنث بالقعود تحت السماء وقد سماها الله تعالى سقفا محفوظا لأنه مجاز كذا ها هنا

ولنا قول الله تعالى وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا النحل 14 وقال ومن كل تأكلون لحما طريا فاطر

ولأنه من جسم حيوان ويسمى لحما فحنث بأكله كلحم الطائر وما ذكروه يبطل بلحم الطائر

وأما السماء فإن الحالف ألا يقعد تحت سقف لا يمكنه التحرز من القعود تحتها فيعلم أنه لم يردها بيمينه ولأن التسمية ثم مجاز وها هنا هي حقيقة لكونه من جسم حيوان يصلح للأكل فكان الاسم فيه حقيقة كلحم الطائر حيث قال الله تعالى ولحم طير مما يشتهون الواقعة 21

فصل ويحنث بأكل اللحم المحرم كلحم الميتة والخنزير والمغصوب وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي في أحد الوجهين لا يحنث بأكل المحرم بأصله لأن يمينه تنصرف إلى ما يحل لا إلى ما يحرم فلم يحنث بما لا يحل كما لو حلف لا يبيع فباع بيعا فاسدا لم يحنث


57

ولنا إن هذا لحم حقيقة وعرفا فيحنث بأكله كالمغصوب وقد سماه الله تعالى لحما فقال ولحم الخنزير النحل 115

وما ذكروه يبطل بما إذا حلف لا يلبس ثوبا فلبس ثوب حرير وأما البيع الفاسد فلا يحنث به لأنه ليس ببيع في الحقيقة

فصل والأسماء تنقسم إلى ثلاثة أقسام أحدهما ما له مسمى واحد كالرجل والمرأة والإنسان والحيوان فهذا تنصرف اليمين إلى مسماه بغير خلاف

الثاني موضوع شرعي وموضوع لغوي كالوضوء والطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة والبيع ونحو ذلك فهذا تنصرف اليمين عند الإطلاق إلى موضوعه الشرعي دون اللغوي لا نعلم فيه أيضا خلافا غير ما ذكرناه فيما تقدم

الثالث ما له موضوع حقيقي ومجاز لم يشتهر أكثر من الحقيقة كالأسد والبحر فيمين الحالف تنصرف عند الإطلاق إلى الحقيقة دون المجاز لأن كلام الشارع إذا ورد في مثل هذا حمل على حقيقته دون مجازه كذلك اليمين

الرابع الأسماء العرفية وهي ما يشتهر مجازه حتى تصير الحقيقة مغمورة فيه فهذا على ضروب أحدها ما يغلب على الحقيقة بحيث لا يعلمها أكثر الناس كالراوية هي في العرف اسم المزادة وفي الحقيقة اسم لما يستقى عليه من الحيوانات والظعينة في العرف المرأة وفي الحقيقة الناقة التي يظعن عليها والعذرة والغائط في العرف الفضلة المستقذرة وفي الحقيقة العذرة فناء الدار ولذلك قال علي عليه السلام لقول ما لكم لا تنظفون عذراتكم يريد أفنيتكم والغائط المكان المطمئن فهذا وأشباهه تنصرف يمين الحالف إلى المجاز دون الحقيقة لأنه الذي يريده بيمينه ويفهم من كلامه فأشبه الحقيقة في غيره

الضرب الثاني أن يخص عرف الاستعمال بعض الحقيقة بالاسم وهذا يتنوع أنواعا فمنه ما يشتهر التخصيص فيه كلفظ الدابة هو في الحقيقة اسم لكل ما يدب قال الله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها هود 6 وقال إن شر الدواب عند الله الذين كفروا الأنفال

وفي العرف اسم للبغال والخيل والحمير ولذلك لو وصى إنسان لرجل بدابة من دوابه كان له أحد هذه الثلاث فالظاهر أن يمين الحالف تنصرف إلى العرف دون الحقيقة عند الإطلاق كالذي قبله ويحتمل أن تتناول يمينه الحقيقة بناء على قولهم فيما سنذكره وعلى ذول من قال في الحالف على ترك أكل اللحم إن يمينه تتناول السمك ومن هذا النوع إذا حلف لا يشم الريحان فإنه في العرف اسم مختص بالريحان الفارسي وهو في الحقيقة اسم


58

لكل نبت أو زهر طيب الريح مثل الورد والبنفسج والنرجس

وقال القاضي لا يحنث إلا بشم الريحان الفارسي

وهو مذهب الشافعي لأن الحالف لا يريد بيمينه في الظاهر سواه وقال أبو الخطاب يحنث بشم ما يسمى في الحقيقة ريحانا لأن الاسم يتناوله حقيقة ولا يحنث بشم الفاكهة وجها واحدا لأنها لا تسمى ريحانا حقيقة ولا عرفا ومن هذا لو حلف لا يشم وردا ولا بنفسجا فسم دهن البنفسج وماء الورد فقال القاضي لا يحنث وهو مذهب الشافعي لأنه لم يشم وردا ولا بنفسخا

وقال أبو الخطاب يحنث لأن الشم إنما هو للرائحة دون الذات ورائحة الورد والبنفسج موجودة فيهما وقال أبو حنيفة يحنث بشم دهن البنفسج لأنه يسمى بنفسجا ولا يحنث بشم ماء الورد لأنه لا يسمى وردا والأول أقرب إلى الصحة إن شاء الله وإن شم الورد والبنفسج اليابس حنث وقال بعض أصحاب الشافعي لا يحنث كما لو حلف لا يأكل رطبا فأكل تمرا

ولنا أن حقيقته باقية فحنث به كما لو حلف لا يأكل لحما فأكل قديدا وفارق ما ذكروه فإن التمر ليس رطبا وإن حلف لا يأكل شواء حنث بأكل اللحم المشوي دون غيره من البيض المشوي وما عداه وبه قال أصحاب الرأي وقال أبو يوسف وابن المنذر يحنث بأكل كل ما يشوى لأنه شواء

ولنا إن هذا لا يسمى شواء فلم يحنث بأكله كالمطبوخ وقولهم هو شواء في الحقيقة قلنا لكنه لا يسمى شواء في العرف والظاهر أنه إنما يريد المسمى شواء في عرفهم وإن حلف لا يدخل بيتا فدخل مسجدا أو حماما فإنه يحنث نص عليهأحمد ويحتمل أن لا يحنث وهو قول أكثر الفقهاء لأنه لا يسمى بيتا في العرف فأشبه ما قبله من الأنواع

والأول المذهب لأنهما بيتان حقيقة وقد سمى الله المساجد بيوتا فقال في بيوت أذن الله أن ترفع النور 36 وقال إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا آل عمران 96

وروي في حديث المسجد بيت كل تقي

وروي في خبر بئس البيت الحمام وإذا كان بيتا في الحقيقة ويسميه الشارع بيتا حنث بدخوله كبيت الإنسان ولا يسلم أنه من الأنواع فإن هذا يسمى بيتا في العرف بخلاف الذي قبله وإن دخل بيتا من شعر أو غيره حنث سواء كان الحالف حضريا أو بدويا فإن اسم البيت يقع عليه حقيقة وعرفا قال الله تعالى والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم النحل 80

فأما ما لا يسمى في العرف بيتا كالخيمة فالأولى أن لا يحنث بدخوله من لا يسميه بيتا لأن يمينه لا تنصرف إليه فإن دخل دهليز دار أو صفتها لم يحنث وهو قول بعض أصحاب الشافعي وقال أبو حنيفة يحنث لأن جميع الدار بيت


59

ولنا إنه لا يسمى بيتا ولهذا يقال ما دخلت البيت إنما وقفت في الصحن وإن حلف لا يركب فركب سفينة فقال أبو الخطاب يحنث لأنه ركوب قال الله تعالى اركبوا فيها بسم الله مجراها هود 41 وقال فإذا ركبوا في الفلك العنكبوت

الضرب الثالث أن يكون الاسم المحلوف عليه عاما لكن أضاف إليه فعلا لم تجر العادة به إلا في بعضه أو اشتهر في البعض دون البعض مثل أن يحلف أن لا يأكل رأسا فإنه يحنث بأكل رأس كل حيوان من النعم والصيود والطيور والحيتان والجراد ذكره القاضي

وقال أبو الخطاب لا يحنث إلا بأكل رأس جرت العادة ببيعه للأكل منفردا وقال الشافعي لا يحنث إلا بأكل رؤوس بهيمة الأنعام دون غيرها إلا أن يكون في بلد تكثر فيه الصيود وتميز رؤوسها فيحنث بأكلها

وقال أبو حنيفة لا يحنث بأكل رؤوس الإبل لأن العادة لم تجر ببيعها مفردة وقال صاحباه لا يحنث إلا بأكل رؤوس الغنم لأنها التي تباع في الأسواق دون غيرها فيمينه تنصرف إليها

ووجه الأول أن هذه رؤوس حقيقة وعرفا مأكولة فحنث بأكلها كما لو حلف لا يأكل لحما فأكل من لحم النعام والزرافة وما يندر وجوده وبيعه ومن ذلك إذا حلف لا يأكل بيضا حنث بأكل بيض كل حيوان سواء كثر وجوده كبيض الدجاج أو قل وجوده كبيض النعام وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي لا يحنث بأكل بيض النعام وقال أبو ثور لا يحنث إلا بأكل بيض الدجاج وما يباع في السوق

ولنا إن هذا كله بيض حقيقة وعرفا وهو مأكول فيحنث بأكله كبيض الدجاج ولأنه لو حلف لا يشرب ماء فشرب ماء البحر أو ماء نجسا أو لا يأكل حبزا فأكل خبز الأرز أو الذرة في مكان لا يعتاد أكله فيه حنث فأما إن أكل السمك أو الجراد فقال القاضي يحنث لأنه بيض حيوان أشبه ببيض النعام

وقالأبو الخطاب لا يحنث إلا بأكل بيض يزايل بائضه في الحياة وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وأكثر العلماء وهو الصحيح لأن هذا يفهم من إطلاق اسم البيض ولا يذكر إلا مضافا إلى بائضه ولا يحنث بأكل شيء يسمى بيضا غير بيض الحيوان ولا بأكل شيء يسمى رأسا غير رؤوس الحيوان لأن ذلك ليس برأس ولا بيض في الحقيقة والله أعلم

مسألة

قال ( وإن حلف ألا يأكل سويقا فشربه أو لا يشربه فأكله حنث إلا أن تكون له نية )

وجملته أن من حلف لا يأكل شيئا فشربه أو لا يشربه فأكله فقد نقل عن أحمد ما يدل على روايتين إحداهما يحنث لأن اليمين على ترك أكل شيء أو شربه يقصد بها في العرف اجتناب ذلك الشيء فحملت اليمين عليه إلا أن ينوي ألا ترى أن قوله تعالى ولا تأكلوا أموالهم النساء 2

و إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما النساء 10

لم يرد به الأكل على الخصوص ولو قال طبيب لمريض لا تأكل العسل لكان ناهيا له عن شربه

والثانية لا يحنث وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي لأن الأفعال أنواع كالأعيان ولو


60

حلف على نوع من الأعيان فلم يحنث بغيره وكذلك الأفعال

وقال القاضي إنما الروايتان فيمن عين المحلوف عليه مثل من حلف لا أكلت هذا السويق فشربه أو لا يشربه فأكله أما إذا أطلق فقال لا أكلت سويقا فشربه لم يحنث رواية واحدة لا يحتلف المذهب فيه وهذا مخالف لإطلاق الخرقي وليس للتعيين أثر الحنث وعدمه فإن الحنث في المعين إنما هو لتناوله ما حلف عليه وإجراء معنى الأكل والشرب على التناول العام فيهما وهذا لا فرق فيه بين التعيين وعدمه وعدم الحنث يتعلل بأنه لم يفعل الفعل الذي حلف على تركه وإنما فعل غيره وهذا في المعين كهو في المطلق فإذا كان في المعين روايتان كانتا في المطلق لعدم الفارق بينهما ولأن الرواية في الحنث أخذت من كلام الخرقي وليس فيه تعيين ورواية عدم الحنث أخذت من رواية مهنا عن أحمد فيمن حلف لا يشرب هذا النبيذ فأكله لا يحنث لأنه لا يسمى شربا وهذا في المعين فإن عديت كل رواية إلى محل الأخرى وجب أن يكون في الجميع روايتان وإن قصرت كل رواية على محلها كان الأمر على خلاف ما قال القاضي وهو أن يحنث في المطلق ولا يحنث في المعين فأما إن حلف ليأكلن شيئا فشربه أو ليشربنه فأكله فيخرج فيه وجهان بناء على الروايتين في الحنث

إذا حلف على الترك ومتى تقيدت يمينه بنية أو سبب يدل عليها كانت يمينه على ما نواه أو دل عليه السبب لأن مبنى الأيمان على النية

فصل وإن حلف لا يشرب شيئا فمصه ورمى به فقد روي عن أحمد فيمن حلف لا يشرب فمص قصب السكر لا يحنث وقال ابن أبي موسى إذا حلف لا يأكل ولا يشرب فمص قصب السكر لا يحنث وهذا قول أصحاب الرأي فإنهم قالوا إذا حلف لا يشرب فمص حب رمان ورمى بالتفل لا يحنث لأن ذلك ليس بأكل ولا شرب ويجيء على قول الخرقي أنه يحنث لأنه قد تناوله ووصل إلى بطنه وحلقه فإنه يحنث على ما قلنا فيمن حلف لا يأكل شيئا فشربه أو لا يشربه فأكله وإن حلف لا يأكل سكرا فتركه في فيه حتى ذاب فابتلعه خرج على الروايتين وإن حلف لا يطعم شيئا حنث بالأكل والشرب والمص لأن ذلك كله طعم قال الله تعالى في النهر ومن لم يطعمه البقرة 249

وإن حلف لا يأكله أو لا يشربه فذاقه لم يحنث في قولهم جميعا لأنه ليس بأكل ولا شرب ولذلك لم يفطر به الصائم وإن حلف لا يذوقه فأكله أو شربه أو مصه حنث لأنه ذوق وزيادة وإن مضغه ورمى به حنث لأنه قد ذاقه

فصل وإن حلف ليأكلن أكلة بالفتح لم يبر حتى يأكل ما يعده الناس أكلة وهي المرة من الأكلة بالضم اللقمة ومنه فليناوله في يده أكلة أو أكلتين

مسألة

قال ( ومن حلف بالطلاق ألا يأكل تمرة فوقع في تمرة فأكل منه واحدة منع من وطء زوجته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها ولا يتحقق حنثه حتى يأكل التمر كله )

وجملته أن حالف هذه اليمين لا يخلو من أحوال ثلاثة أحدها أن يتحقق أكل التمرة المحلوف عليها

فإما أن يعرفها بعينها أو بصفتها أو يأكل التمر كله أو الجانب


61

الذي وقعت فيه كله فهذا يحنث بلا خلاف بين أهل العلم وبه يقول الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لأنه أكل التمرة المحلوف عليها

الثاني أن يتحقق أنه لم يأكلها إما بأن لا يأكل من التمر شيئا أو أكل شيئا يعلم أنه غيرها فلا يحنث أيضا بلا خلاف ولا يلزمه اجتناب زوجته

الثالث أكل من التمر شيئا إما واحدة أو أكثر إلى أن لا يبقى منه إلا واحدة ولم يدر هل أكلها أم لا فهذه مسألة الخرقي فلا يتحقق حنثه لأن الباقية يحتمل أنها المحلوف عليها ويقين النكاح ثابت فلا يزول بالشك وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي

فعلى هذا يكون حكم الزوجية باقيا في لزوم نفقتها وكسوتها ومسكنها وسائر أحكامها إلا الوطء

فإن الخرقي قال يمنع وطأها لأنها شاك في حلها فحرمت عليه كما لو اشتبهت عليه امرأته بأجنبية

وذكر أبو الخطاب أنها باقية على الحل وهو مذهب الشافعي لأن الأصل الحل فلا يزول بالشك كسائر أحكام النكاح ولأن النكاح باق حكما فأثبت الحل كما لو شك هل طلق أم لا وإن كانت يمينه ليأكلن هذه التمرة فلا يتحقق بره حتى يتحقق أنه أكلها

مسألة

قال ( ولو حلف أن يضربه عشرة أسواط فجمعها فضربه بها ضربة واحدة لم يبر في يمينه )

وبهذا قال مالك وأصحاب الرأي وقال ابن حامد يبر لأن أحمد قال في المريض عليه الحد يضرب بعثكال النخل فيسقط عنه الحد وبهذا قال الشافعي إذا علم أنها مسته كلها

وإن علم أنها لم تمسه كلها لم يبر وإن شك لا يحنث في الحكم لأن الله تعالى قال وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ص 44

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في المريض الذي زنى خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة واحدة ولأنه ضربه بعشرة أسواط فبر في يمينه كما لو فرق الضرب

ولنا إن معنى يمينه أن يضربه عشر ضربات ولم يضربه إلا ضربة واحدة فلم يبر كما لو حلف ليضربنه عشرمرات بسوط والدليل على هذا أنه لو ضربه عشر ضربات بسوط واحد يبر في ييمينه بغير خلاف

ولو عاد العدد إلى السوط لم يبر بالضرب بسوط واحد كما لو حلف ليضربنه بعشرة أسواط ولأن السوط ها هنا آلة أقيمت مقام المصدر فانتصب انتصابه فمعنى كلامه لأضربنه عشر ضربات بسوط وهذا هو المفهوم من يمينه والذي يقتضيه لغة فلا يبر بما يخالف ذلك وأما أيوب عليه السلام فإن الله تعالى أرخص له رفقا بامرأته لبرها به وإحسانها إليه ليجمع له بين بره في يمينه ورفقه بامرأته ولذلك امتن عليه بهذا وذكره في جملة ما من عليه به من معافاته إياه من بلائه وإخراج الماء له فيختص هذا به كاختصاصه بما ذكر معه ولو كان هذا الحكم عاما لكل واحد لما اختص أيوب بالمنة عليه

وكذلك المريض الذي يخاف تلفه أرخص له بذلك في الحد دون غيره

وإذا لم يتعده هذا الحكم في الحد


62

الذي ورد النص به فيه فلئلا يتعداه إلى اليمين أولى ولو خص بالبر من له عذر يبيح العدول في الحد إلى الضرب بالعثكال لكان له وجه

وأما تعديته إلى غيره فبعيدة جدا

ولو حلف أن يضربه بعشرة أسواط فجمعها فضربه بها بر لأنه قد فعل ما حلف عليه وإن حلف ليضربنه عشر مرات لم يبر بضربه بعشرة أسواط دفعة واحدة بغير خلاف

لأنه لم يفعل ما تناولته يمينه وإن حلف ليضربنه عشر ضربات فكذلك إلا وجها لأصحاب الشافعي

أنه يبر وليس بصحيح لأن هذه ضربة واحدة بأسواط ولهذا يصح أن يقال ما ضربته إلا ضربة واحدة ولو حلف لا يضربه أكثر من ضربة واحدة ففعل هذا لم يحنث في يمينه

فصل ولا يبر حتى يضربه ضربا مؤلما وبهذا قال مالك وقال الشافعي يبر بما لا يؤلم لأنه يتناوله الاسم فوقع البر به كالمؤلم

ولنا إن هذا يقصد به في العرف التأليم فلا يبر بغيره

وكذلك كل موضع وجب الضرب في الشرع في حد أو تعزير كان من شرطه التأليم كذا ها هنا

مسألة

قال ( ولو حلف ألا يكلمه فكتب إليه أو أرسل إليه رسولا حنث إلا أن يكون أراد أن لا يشافهه )

أكثر أصحابنا على هذا وهو مذهب مالك والشافعي وقد روى الأثرم وغيره عن أحمد في رجل حلف ألا يكلم رجلا فكتب إليه كتابا قال وأي شيء كان سبب ذلك إنما ينظر إلى سبب يمينه

ولو حلف أن الكتاب قد يجري مجرى الكلام والكتاب قد يكون بمنزلة الكلام في بعض الحالات وهذا يدل على أنه لا يحنث بالكتاب إلا أن تكون نيته أو سبب يمينه يقتضي هجرانه وترك صلته وإن لم يكن كذلك لم يحنث بكتاب ولا رسول لأن ذلك ليس بتكلم في الحقيقة وهذا يصح نفيه فيقال ما كلمته وإنما كاتبته أو راسلته ولذلك قال الله تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله البقرة 253 وقال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي وقال وكلم الله موسى تكليما النساء

ولو كانت الرسالة تكليما لشارك موسى غيره من الرسل ولم يختص بكونه كليم الله ونجيه وقد قال أحمد حين مات بشر الحافي لقد كان فيه أنس وما كلمته قط وقد كانت بينهما مراسلة وممن قال لا يحنث بهذا الثوري وأبو حنيفة وابن المنذر والشافعي في الجديد واحتج أصحابنا بقوله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي الشورى 51

فاستثنى الرسول من التكلم والأصل أن يكون المستثنى جنس المستثنى منه ولأنه وضع لإفهام الآدميين أشبه الخطاب والصحيح أن هذا ليس بتكلم وهذا الاستثناء من غير الجنس كما قال في الآية الأخرى آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا آل عمران 41

والرمز ليس بتكلم لكن إن نوى ترك مواصلته أو كان سبب يمينه


63

يقتضي هجرانه حنث لذلك ولذلك قال أحمد إن الكتاب يجري مجرى الكلام وقد يكون بمنزلة الكلام فلم يجعله كلاما إنما قال هو بمنزلته في بعض الحالات إذا كان السبب يقتضي ذلك وإذا أطلق احتمل أن لا يحنث لأنه لم يكلمه واحتمل أن يحنث لأن الغالب من الحالف هذه اليمين قصد ترك المواصلة فتعلق يمينه بما يراد في الغالب كقولنا في المسألة قبلها والله أعلم

فصل وإن أشار إليه ففيه وجهان قال القاضي يحنث لأنه في معنى المكاتبة والمراسلة في الإفهام

والثاني لا يحنث ذكره أبو الخطاب لأنه ليس بكلام

قال الله تعالى لمريم عليها السلام فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا مريم 25

إلى قوله فأشارت إليه مريم 28

وقال في زكريا آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا إلى قوله فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا مريم 10 11

ولأن الكلام حروف وأصوات ولا يوجد في الإشارة

ولأن الكلام شيء مسموع وتبطل به الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس والإشارة بخلاف هذا فإن قيل فقد قال الله تعالى آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا آل عمران 41

قلنا هذا استثناء من غير الجنس بدليل ما ذكرنا وصحة نفيه عنه فيقال ما كلمه وإنما أشار إليه

فصل فإن كلم غير المحلوف عليه بقصد إسماع المحلوف عليه فقال أحمد يحنث لأنه قد أراد تكليمه وقد روينا عن أبي بكرة نفيع بن الحارث أنه كان قد حلف أن لا يكلم أخاه زيادا

فلما أراد زياد الحج جاء أبو بكرة إلى قصر زياد فدخل فأخذ بنيا لزياد صغيرا في حجره ثم قال يا ابن أخي إن أباك يريد الحج ولعله يمر بالمدينة فيدخل على أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا النسب الذي ادعاه وهو يعلم أنه ليس بصحيح وأن هذا لا يحل له ثم قام فخرج وهذا يدل على أنه لم يعتقد ذلك تكليما له ووجه الأول أنه أسمعه كلامه قاصدا لإسماعه وإفهامه فأشبه ما لو خاطبه

وقال الشاعر إياك أعني فاسمعي يا جارة فصل فإن ناداه بحيث يسمع فلم يسمع لتشاغله أو غفلته حنث نص عليه أحمد فإنه سئل عن رجل حلف أن لا يكلم فلانا فناداه والمحلوف عليه لا يسمع قال يحنث

لأنه قد أراد تكليمه وهذا لكون ذلك يسمى تكليما

يقال كلمته فلم يسمع

وإن كان ميتا أو غائبا أو مغمى عليه أو أصم لا يعلم بتكليمه إياه لم يحنث وبهذا قال الشافعي وحكي عن أبي بكر أنه يحنث بنداء الميت لأن النبي صلى الله عليه وسلم كلمهم وناداهم وقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم

ولنا قوله تعالى وما أنت بمسمع من في القبور فاطر 22

ولأنه قد بطلت حواسه وذهبت نفسه فكان أبعد من السماع من الغائب البعيد لبقاء الحواس في حقه وإنما كان ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم كرامة له وأمرا اختص به فلا يقاس عليه غيره


64

فصل وإن سلم على المحلوف عليه حنث لأن السلام كلام تبطل الصلاة به وإن سلم على جماعة هو فيهم أو كلهم فإن قصد المحلوف عليه مع الجماعة حنث لأنه كلمه وإن قصدهم دونه لم يحنث

قال القاضي لا يحنث رواية واحدة وهو مذهب الشافعي لأن اللفظ العام يحتمل التخصيص فإذا نواه به فهو على ما نواه وإن أطلق حنث

وبه قال الحسن وأبو عبيد ومالك وأبو حنيفة لأنه مكلم لجميعهم لأن مقتضى اللفظ العموم فيحمل على مقتضاه عند الإطلاق وقال القاضي فيه روايتان وللشافعي قولان أحدهما لا يحنث لأن العام يصلح للخصوص

فلا يحنث بالاحتمال والأول أولى لأن هذا الاحتمال مرجوح فيتعين العمل بالراجح كما احتمل اللفظ المجاز الذي ليس بمشتهر فإنه لا يمنع حمله على الحقيقة عند إطلاقه فإن لم يعلم أن المحلوف عليه فيهم ففيه روايتان إحداهما لا يحنث لأنه لم يرده فأشبه ما لو استثناه

والثانية يحنث لأنه قد أرادهم بسلامه وهو منهم وهذا بمنزلة الناسي

وإن كان وحده فسلم عليه ولا يعرفه فقال أحمد يحنث ويحتمل أن لا يحنث بناء على الناسي والجاهل

فصل فإن حلف لا يكلمه ثم وصل يمينه بكلامه مثل أن قال فتحقق ذلك أو فاذهب فقال أصحابنا يحنث وقال أصحاب أبي حنيفة لا يحنث بالقليل لأن هذا تمام الكلام الأول والذي يقتضيه يمينه أن لا يكلمه كلاما مستأنفا واحتج أصحابنا بأن هذا القليل كلام منه له حقيقة وقد وجد بعد يمينه فيحنث به كما لو فصله ولأن ما يحنث به إذا فصله يحنث به إذا وصله كالكثير وقولهم إن اليمين يقتضي خطابا مستأنفا قلنا وهذا الخطاب مستأنف غير الأول بدليل أنه لو قطعه حنث به وقياس المذهب أنه لا يحنث

لأن قرينة صلته هذا الكلام بيمينه تدل على إرادة كلام يستأنفه بعد انقضاء هذا الكلام المتصل فلا يحنث به كما لو وجدت النية بحقيقة وإن نوى كلاما غير هذا لم يحنث بهذا المذهبين

فصل وإن صلى بالمحلوف عليه إماما ثم سلم من الصلاة لم يحنث نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة وقال أصحاب الشافعي يحنث لأنه شرع له أن ينوي السلام على الحاضرين

ولنا إنه قول مشروع في الصلاة فلم يحنث به كتكبيرها وليست نية الحاضرين بسلامه واجبة في السلام وإن ارتج عليه في الصلاة ففتح عليه الحالف لم يحنث لأن ذلك كلام الله وليس بكلام الآدميين

فصل وإن حلف لا يتكلم فقرأ لم يحنث وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن قرأ في الصلاة لم يحنث وإن قرأ خارجا منها حنث لأنه يتكلم بكلام الله وإن ذكر الله تعالى لم يحنث ومقتضى مذهب أبي حنيفة أنه يحنث لأنه كلام قال الله تعالى وألزمهم كلمة التقوى الفتح 26

وقال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الكلام أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقال كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم


65

ولنا إن الكلام في العرف لا يطلق إلا على كلام الآدميين ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يحدث من أمره ما يشاء وأنه قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة لم يتناول المختلف فيه وقال زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت وقوموا لله قانتين البقرة 238

فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وقال الله تعالى آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار آل عمران 41

فأمره بالتسبيح مع قطع الكلام عنه ولأن ما لا يحنث به في الصلاة لا يحنث به خارجا منها كالإشارة وما ذكروه يبطل بالقراءة والتسبيح في الصلاة وذكر الله المشروع فيها وإن استأذن عليه إنسان فقال ادخلوها بسلام آمنين الححر 46

يقصد القرآن لم يحنث وإلا حنث

فصل وإن حلف لا يتكلم ثلاث ليال أو ثلاثة أيام لم يكن له أن يتكلم في الأيام التي بين الليالي ولا في الليالي التي بين الأيام إلا أن ينوي لأن الله تعالى قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا آل عمران 41

وفي موضع آخر ثلاث ليال سويا مريم 10

فكان كل واحد من اللفظين عبارة عن الزمانين جميعا وقال الله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر الأعراف 142 فدخل فيه الليل والنهار

فصل ومن حلف أن لا يتكفل بمال فكفل ببدن إنسان فقال أصحابنا يحنث لأن المال يلزمه بكفالته إذا تعذر تسليم المكفول به والقياس أنه لا يحنث لأنه لم يكفل بمال وإنما يلزمه المال بتعذر إحضار المكفول به وأما قبل ذلك فلا يلزمه ولأن هذا لا يسمى كفالة بالمال ولا يصح نفيها عنه فيقال ما تكفل بمال وإنما تكفل بالبدن وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي

فصل وإن حلف لا يستخدم عبدا فخدمه وهو ساكت لم يأمره ولم ينهه فقال القاضي إن كان عبده حنث وإن كان عبد غيره لم يحنث وهذا قول أبي حنيفة لأن عبده يخدمه عبادة بحكم استحقاقه ذلك عليه فيكون معنى يمينه لا منعتك خدمتي فإذا لم ينهه لم يمنعه فيحنث وعبد غيره بخلافه وقال أبو الخطاب يحنث في الحالين لأن إقراره على الخدمة استخدام ولهذا يقال فلان يستخدم عبده إذا خدمه وإن لم يأمره ولأن ما حنث به في عبده حنث به في غيره كسائر الأشياء وقال الشافعي لا يحنث في الحالين لأنه حلف على فعل نفسه ولا يحنث بفعل غيره كسائر الأفعال

فصل وإذا حلف رجل بالله لا يفعل شيئا فقال له آخر يميني في يمينك لم يلزمه شيء لأن يمين الأول ليست ظرفا ليمين الثاني وإن نوى أنه يلزمني من اليمين ما يلزمك لم يلزمه حكمها قاله القاضي وهو مذهب الشافعي لأن اليمين بالله لا تنعقد بالكناية لأن تعلق الكفارة بها لحرمة اللفظ باسم الله المحترم أو صفة من صفاته ولا يوجد ذلك في الكناية وإن حلف بطلاق فقال آخر يمين في يمينك ينوي أنه يلزمني من اليمين ما يلزمك انعقدت يمينه نص عليه أحمد وسئل عن رجل حلف بالطلاق لا يكلم رجلا فقال رجل وأنا على مثل يمينك فقال عليه مثل ما قال الذي حلف لأن الكناية تدخل في الطلاق وكذلك يمين العتاق والظهار وإن لم ينو شيئا لم تنعقد يمينه لأن الكناية


66

لا تعمل بغير نية وليس هذا بصريح وإن كان المقول له لم يحلف بعد وإنما أراد أنه يلزمه ما يلزم الآخر من يمين يحلف بها فحلف المقول له لم تنعقد يمين القائل وإن كان في الطلاق والعتاق لأنه لا بد أنه يكون هناك ما يكنى عنه وليس ها هنا ما يكنى عنه وذكر القاضي في موضع آخر فيمن قال أيمان البيعة تلزمني أنه إن عرفها ونوى جميع ما فيها انعقدت يمينه بجميع ما فيها وهذا خلاف ما قاله في هذه المسألة فيكون فيها وجهان

فصل فإن قال أيمان البيعة تلزمني فقال أبو عبد الله بن بطة كنت عند أبي القاسم الخرقي وقد سأله رجل عن أيمان البيعة فقال لست أفتي فيها بشيء ولا رأيت أحدا من شيوخنا يفتي في هذه اليمين قال وكان أبي رحمة الله يعني أبا علي يهاب الكلام فيها ثم قال أبو القاسم إلا أن يلتزم الحالف بها جميع ما فيها من الأيمان فقال له السائل عرفها أو لم يعرفها فقال نعم وأيمان البيعة هي التي رتبها الحجاج يستحلف بها عند البيعة والأمر المهم للسلطان وكانت البيعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين بالمصافحة فلما ولي الحجاج رتبها أيمانا تشتمل على اليمين بالله والطلاق والعتاق وصدقة المال فمن لم يعرفها لم تنعقد يمينه بشيء مما فيها لأن هذا ليس بصريح في القسم والكناية لا تصح إلا بالنية ومن لم يعرف شيئا لم يصح أن ينويه وإن عرفها ولم ينو عقد اليمين بما فيها لم يصح أيضا لما ذكرناه ومن عرفها ونوى اليمين بما فيها صح في الطلاق والعتاق لأن اليمين بها تنعقد بالكناية وما عدا ذلك من اليمين بالله وما عدا الطلاق والعتاق فقال القاضي ها هنا تنعقد يمينه أيضا لأنها يمين فتنعقد بالكناية المنوية كيمين الطلاق والعتاق وقال في موضع آخر لا تنعقد اليمين بالله بالكناية وهو مذهب الشافعي لأن الكفارة وجبت فيها لما ذكر فيها من اسم الله العظيم المحترم ولا يوجد ذلك في الكناية والله أعلم


67

كتاب النذور

الأصل في النذر الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى يوفون بالنذر الدهر 7 وقال وليوفوا نذورهم الحج وأما السنة فروت عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه وعن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون ويخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون ويظهر فيهم السمن رواهما البخاري وأجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة ولزوم الوفاء به

فصل ولا يستحب

لأن ابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وأنه قال لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل متفق عليه وهذا نهي كراهة لا نهي تحريم لأنه لو كان حراما لما مدح الموفين به لأن ذنبهم في ارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه ولأن النذر لو كان مستحبا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم وأفاضل أصحابه

مسألة

قال ( ومن نذر أن يطيع الله عز وجل لزمه الوفاء به ومن نذر أن يعصيه لم يعصه وكفر كفارة يمين )

ونذر الطاعة الصلاة والصيام والحج والعمرة والعتق والصدقة والاعتكاف والجهاد وما في هذه المعاني سواء نذره مطلقا بأن يقول لله علي أن أفعل كذا وكذا أو علقه بصفة مثل قوله إن شفاني من الله من علتي أو شفى فلانا أو سلم مالي الغائب أو ما كان في هذا المعنى فأدرك ما أمل بلوغه من ذلك فعليه الوفاء به ونذر المعصية أن يقول لله علي أن أشرب الخمر أو أقتل النفس المحرمة وما أشبه فلا يفعل ذلك ويكفر كفارة يمين وإذا قال لله علي أن أركب دابتي أو أسكن داري أو ألبس أحسن ثيابي وما أشبهه لم يكن هذا نذر طاعة ولا معصية فإن لم يفعله كفر كفارة يمين لأن النذر كاليمين وإذا نذر أن يطلق زوجته استحب له أن لا يطلقها ويكفر كفارة يمين وجملته أن النذر سبعة أقسام أحدها نذر اللجاج والغضب وهو الذي يخرجه مخرج اليمين للحث على فعل شيء أو المنع منه غير قاصد به للنذر ولا القربة فهذا حكمه حكم اليمين وقد ذكرناه في باب الأيمان

القسم الثاني نذر طاعة وتبرر مثل الذي ذكر الخرقي فهذا يلزم الوفاء به للآيتين والخبرين وهو ثلاثة أنواع أحدها التزام طاعة في مقابلة نعمة استجلبها أو نقمة استدفعها كقوله إن شفاني الله فلله علي صوم شهر


68

فتكون الطاعة الملتزمة مما له أصل في الوجوب بالشرع كالصوم والصلاة والصدقة والحج فهذا يلزم الوفاء به بإجماع أهل العلم

النوع الثاني التزام طاعة من غير شرط كقوله ابتداء لله علي صوم شهر فيلزمه الوفاء به وفي قول أكثر أهل العلم وهو قول أهل العراق وظاهر مذهب الشافعي وقال بعض أصحابه لا يلزم الوفاء به لأنأبا عمر غلام ثعلب قال النذر عند العرب وعد بشرط ولأن ما التزمه الآدمي بعوض يلزمه بالعقد كالمبيع والمستأجر وما التزمه بغير عوض لا يلزمه بمجرد العقد كالهبة

النوع الثالث نذر طاعة لا أصل لها في الوجوب كالإعتكاف وعيادة المريض فيلزم الوفاء به لأن النذر فرع من المشروع فلا يجب به ما لا يجب له نظر بأصل الشرع

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه وذمه الذين ينذرون ولا يوفون وقول الله تعالى ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون التوبة 75 76 77

وقد صح أن عمر قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك ولأنه ألزم نفسه قربة على وجه التبرر فتلزمه كموضع الإجماع وكما لو ألزم نفسه أضحية أو أوجب هديا هديا وكالإعتكاف وكالعمرة فإنهم قد سلموها وليست واجبة عندهم وما ذكروه يبطل بهذين الأصلين وما حكوه عن أبي عمر لا يصح فإن العرب تسمي الملتزم نذرا وإن لم يكن بشرط قال جميل فليت رجالا فيك قد نذروا دمي وهموا بقتلي يا بثين لقوني والجعالة وعد بشرط وليست بنذر

القسم الثالث النذر المبهم وهو أن يقول لله علي نذر فهذا تجب به الكفارة في قول أكثر أهل العلم وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وجابر وعائشة وبه قال الحسن وعطاء وطاوس والقاسم وسالم والشعبي والنخعي وعكرمة وسعيد بن جبير ومالكوالثوري ومحمد بن الحسن ولا أعلم فيه مخالفا إلا الشافعي قال لا ينعقد نذره ولا كفارة فيه لأن من النذر ما لا كفارة فيه

ولنا ما روى عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفارة النذر إذا لم يسمه كفارة اليمين رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب ولأنه نص وهذا قول من سمينا من الصحابة والتابعين ولا نعرف لهم في عصرهم مخالفا فيكون إجماعا


69

القسم الرابع نذر المعصية فلا يحل الوفاء به إجماعا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نذر أن يعصي الله فلا يعصه ولأن معصية الله لا تحل في حال ويجب على الناذر كفارة يمين

روي نحو هذا عن ابن مسعود وابن عباس وجابر وعمران بن حصين وسمرة بن جندب وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه

وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا كفارة عليه فإنه قال فيمن نذر ليهدمن دار غيره لبنة لبنة لا كفارة عليه وهذا في معناه

وروي هذا عن مسروق والشعبي وهو مذهب مالك والشافعي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد رواه مسلم وقال ليس على الرجل نذر فيما لا يملك متفق عليه وقال لا نذر إلا ما ابتغي به وجه الله رواه أبو داود وقال من نذر أن يعصي الله فلا يعصه ولم يأمر بكفارة ولما نذرت المرأة التي كانت مع الكفار فنجت على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنحرها قالت يا رسول الله إني نذرت إن أنجاني الله عليها أن أنحرها قال بئس ما جزيتها لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد رواه مسلم ولم يأمرها بكفارة وقال لأبي إسرائيل حين نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم مروه فليتكلم وليجلس وليستظل وليتم صومه رواه البخاري ولم يأمره بكفارة لأن النذر التزام الطاعة وهذا التزام معصية ولأنه نذر غير منعقد فلم يوجب شيئا كاليمين غير المنعقدة ووجه الأول ما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه وقال الترمذي هو حديث غريب

وعن أبي هريرة وعمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله روى الجوزجاني بإسناده عن عمران بن حصين قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء وما كان من نذر في معصية الله فلا وفاء فيه ويكفره ما يكفر اليمين وهذا نص ولأن النذر يمين بدليل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال النذر حلفة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأخت عقبة لما نذرت المشي إلى بيت الله الحرام فلم تطقه تكفر يمينها صحيح أخرجه أبو داود وفي رواية ولتصم ثلاثة أيام قال أحمد إليه أذهب

وقالابن عباس في التي نذرت ذبح ابنها كفري يمينك ولو حلف على فعل معصية لزمته الكفارة فكذلك إذا نذرها فأما أحاديثهم فمعناها لا وفاء بالنذر في معصية الله وهذا لا خلاف فيه وقد جاء مصرحا به هكذا في رواية مسلم ويدل على هذا أيضا في سياق الحديث ولا يمين في قطيعة رحم يعني لا يبر فيها ولو لم يبين الكفارة في أحاديثهم فقد بينها في أحاديثنا فإن فعل ما نذره من المعصية فلا كفارة عليه كما لو حلف ليفعلن معصية ففعلها ويحتمل أن تلزمه الكفارة حتما لأن النبي صلى الله عليه وسلم عين فيه الكفارة ونهى عن فعل المعصية

القسم الخامس المباح كلبس الثوب وركوب الدابة وطلاق المرأة على وجه مباح فهذا يتخير الناذر فيه بين فعله فيبر بذلك لما روي أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوفي بنذرك رواه أبو داود لأنه لو حلف على فعل مباح بر بفعله فكذلك إذا نذره لأن النذر كاليمين وإن


70

شاء تركه وعليه كفارة يمين ويتخرج أن لا كفارة فيه فإن أصحابنا قالوا يمن نذر أن يعتكف أو يصلي في مسجد معين كان له أن يصلي ويعتكف في غيره ولا كفارة ومن نذر أن يتصدق بماله كله أجزأته الصدقة بثلثه بلا كفارة وهذا مثله وقال مالك والشافعي لا ينعقد نذره لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا نذر إلا فيما أبتغي به وجه الله وقد روى ابن عباس قال بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم مروه فليستظل وليجلس وليتكلم وليتم صومه رواه البخاري وعن أنس قال نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله الحرام فسئل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال إن الله لغني عن مشيها مروها فلتركب قال الترمذي هذا حديث صحيح ولم يأمر بكفارة وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يهادي بين اثنين فسأل عنه فقالوا نذر أن يحج ماشيا فقال إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه مروه فليركب متفق عليه

ولم يأمره بكفارة ولأنه نذر غير موجب لفعل ما نذره فلم يوجب كفارة كنذر المستحيل

ولنا ما تقدم في القسم الذي قبله فأما حديث التي نذرت المشي فقد أمر فيه بالكفارة في حديث آخر وروى عقبة بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال مروها فلتركب ولتكفر عن يمينها صحيح أخرجه أبو داود وهذه زيادة يجب الأخذ بها ويجوز أن يكون الراوي للحديث روى البعض وترك البعض أو يكون النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذكر الكفارة في بعض الحديث إحالة على ما علم من حديثه في موضع آخر ومن هذا القسم إذا نذر فعل مكروه كطلاق امرأته فإنه مكروه بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم أبغض الحلال إلى الله الطلاق فالمستحب أن لا يفي ويكفر فإن وفى بنذره فلا كفارة عليه والخلاف فيه كالذي قبله

القسم السادس نذر الواجب كالصلاة المكتوبة فقال أصحابنا لا ينعقد نذره وهو قول أصحاب الشافعي لأن النذر التزام ولا يصح التزام ما هو لازم له ويحتمل أن ينعقد نذره موجبا كفارة يمين إن تركه كما لو حلف على فعله فإن النذر كاليمين وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم يمينا وكذلك لو نذر معصية أو مباحا لم يلزمه ويكفر إذا لم يفعله

القسم السابع نذر المستحيل كصوم أمس فهذا لا ينعقد ولا يوجب شيئا لأنه لا يتصور انعقاده ولا الوفاء به ولو حلف على فعله لم تلزمه كفارة فالنذر أولى وعقد الباب في صحيح المذهب أن النذر كاليمين وموجبه موجبها إلا في لزوم الوفاء به إذا كان قربة وأمكنه فعله ودليل هذا الأصل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأخت عقبة لما نذرت المشي فلم تطقه ولتكفر يمينها وفي رواية فلتصم ثلاثة أيام قال أحمد إليه أذهب وعن عقبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كفارة النذر كفارة اليمين أخرجه مسلم وقول ابن عباس للتي نذرت ذبح ولدها كفري يمينك ولأنه قد ثبت أن حكمه حكم اليمين في أحد أقسامه وهو نذر اللجاج فكذلك سائره في سوى ما استثناه الشرع

فصل وإن نذر فعل طاعة وما ليس بطاعة لزمه فعل الطاعة كما في خبر أبي إسرائيل فإن النبي


71

صلى الله عليه وسلم أمره بإتمام الصوم وترك ما سواه لكونه ليس بطاعة وفي وجوب الكفارة لما تركه الاختلاف الذي ذكرناه وقد روى عقبة بن عامر قال نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية غير مختمرة فذكر ذلك عقبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مر أختك فلتركب ولتختمر ولتصم ثلاثة أيام رواه الجوزجاني والترمذي فإن كان المتروك خصالا كثيرة أجزأته كفارة واحدة لأنه نذر واحد فتكون كفارته واحدة كاليمين الواحدة على أفعال ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أخت عقبة بن عامر في ترك التحفي والاختمار بأكثر من كفارة

مسألة

قال ( ومن نذر أن يتصدق بماله كله أجزأه أن يتصدق بثلثه كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي لبابة حين قال إن من توبتي يا رسول الله أن أنخلع من مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجزئك الثلث )

وجملة ذلك أن من نذر أن يتصدق بماله كله أجزأه ثلثه وبهذا قال الزهري ومالك وروى الحسين بن إسحاق الخرقي عن أحمد قال سألته عن رجل قال جميع ما أملك في المساكين صدقة قال كفارته كفارة اليمين قال وسئل عن رجل قال ما يرث عن فلان فهو للمساكين فذكروا أنه قال يطعم عشرة مساكين

وقال ربيعة يتصدق منه بقدر الزكاة لأن المطلق محمول على معهود الشرع ولا يجب في الشرع إلا قدر الزكاة وعن جابر بن زيد قال إن كان كثيرا وهو ألفان تصدق بعشرة وإن كان متوسطا وهو ألف تصدق بسبعة وإن كان قليلا وهو خمسمائة تصدق بخمسة وقال أبو حنيفة يتصدق بالمال الزكوي كله وعنه في غيره روايتان إحداهما يتصدق به

والثانية لا يلزمه منه شيء وقال النخعي والبتي والشافعي يتصدق بماله كله لقول النبي صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه ولأنه نذر طاعة فلزمه الوفاء به كنذر الصلاة والصيام

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي لبابة حين قال إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله فقال يجزئك الثلث وعن كعب بن مالك قال قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليه بعض مالك متفق عليه ولأبي داود يجزىء عنك الثلث فإن قالوا هذا ليس بنذر وإنما أراد الصدقة بجميعه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإقتصار على ثلثه كما أمر سعدا حين أراد الوصية بجميع ماله بالإقتصار على الوصية بثلثه وليس هذا محل النزاع إنما النزاع فيمن نذر الصدقة بجميعه قلنا عنه جوابان أحدهما أن قوله يجزىء عنك الثلث دليل على أنه أتى بلفظ يقتضي الإيجاب لأنها إنما تستعمل غالبا في الواجبات ولو كان مخيرا بإرادة الصدقة لما لزمه شيء يجزىء عنه بعضه

الثاني أن منعه من الصدقة بزيادة على الثلث دليل على أنه ليس بقربة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع أصحابه من القرب ونذر ما ليس بقربة لا يلزم الوفاء به وما قاله أبو حنيفة فقد سبق الكلام عليه وما قاله ربيعة لا يصح فإن هذا


72

ليس بزكاة ولا في معناها فإن الصدقة وجبت لإغناء الفقراء ومواساتهم وهذه صدقة تبرع بها صاحبها تقربا إلى الله تعالى ثم إن المحمول على معهود الشرع المطلق وهذه صدقة معينة غير مطلقة ثم تبطل بما لو نذر صياما فإنه لا يحمل على صوم رمضان وكذلك الصلاة وما ذكره جابر بن زيد تحكم بغير دليل

فصل وإذا نذر الصدقة بمعين من ماله أو بمقدر كأبف فروي عن أحمد أن يجوز ثلثه لأن مال نذر الصدقة به فأجزأه ثلثه كجميع المال والصحيح في المذهب لزوم الصدقة بجميعه لأنه منذور وه قربة فيلزمه الوفاء به كسائر المنذورات

ولعموم قوله تعالى يوفون بالنذر وإنما خولف هذا في جميع المال للأثر فيه ولما في الصدقة بجميع المال من الضرر الاحف به اللهم إلا أن يكون المنذور هاهنا يستغرق جمبع المال فيكون كنذر ذلك

ويحتمل أنه إن كان المنذور ثلث المال فما دون لزمه وفاء نذره وإن زاد على الثلث لزمه الصدقة بقدر الثلث منه لأن حكم يعتبر فيه الثلث فأسبه الوصية به

وإذا نذر الصدقة بقدر من المال فأبرأ غريمه من قدره يقصد به وفاء النذر لم يجزئه وإن كان الغريم من أهل الصدقة

قال أحمد لا يجزئه حتى يقبضه وذلك لأن الصدقة تقتضي التمليك وهذا إسقاط فلم يجزئه كما في الزكاة

وقال أحمد فيمن نذر أن يتصدق بمال وفي نفسه أنه ألف أجزأه أن يخرج ما شاء وذلك لأن اسم المال يقع على القليل وما نواه زيادة على ما تناوله الاسم والنذر لا يلزم بالنية والقياس أن يلزمه ما نواه لأنه نوى بكلامه ما يحتمله فتعلق الحكم به كاليمين

وقد نص أحمد فيمن نوى صوما أو صلاة وفي نفسه أكثر مما يتناوله لفظه أنه يلزمه ذلك وهذا كذلك والله أعلم

مسألة

قال ( ومن نذر أن يصوم وهو شيخ كبير لا يطيق الصيام كفر كفارة يمين وأطعم لكل يوم مسكينا )

وجملته أن من نذر طاعة لا يطيقها أو كان قادرا عليها فعجز عنها فعليه كفارة يمين لما روى عقبة بن عامر قال نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فقال لتمش ولتركب متفق عليه ولأبي داود

وتكفر يمينها وللترمذي ولتصم ثلاثة أيام وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين قال ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين رواه أبو داود وقال وقفه من رواه عن ابن عباس


73

وقال ابن عباس من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا في معصيته فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا يطيقه فليف الله بما نذر فإذا كفر وكان المنذور غير الصيام لم يلزمه شيء آخر وإن كان صياما فعن أحمد روايتان إحداهما يلزمه لكل يوم إطعام مسكين قال القاضي وهذا أصح لأنه صوم وجد سبب إيجابه عينا فإذا عجز عنه لزمه أن يطعم عن كل يوم مسكينا كصيام رمضان ولأن المطلق من كلام الآدميين يحمل على المعهود شرعا ولو عجز عن الصوم المشروع أطعم عن كل يوم مسكينا وكذلك إذا عجز عن الصوم المنذور

والثانية لا يلزمه شيء آخر من إطعام ولا غيره لقوله عليه السلام ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين وهذا يقتضي أن تكون كفارة اليمين جميع كفارته ولأنه نذر عجز عن الوفاء به فكان الواجب فيه كفارة يمين كسائر النذور ولأن موجب النذر موجب اليمين إلا مع إمكان الوفاء به إذا كان قربة ولا يصح قياسه على صوم رمضان لوجهين أحدهما أن رمضان يطعم عنه عند العجز بالموت فكذلك في الحياة وهذا بخلافه ولأن صوم رمضان آكد بدليل وجوب الكفارة بالجماع فيه وعظم إثم من أفطر بغير عذر

والثاني أن قياس المنذور على المنذور أولى من قياسه على المفروض بأصل الشرع ولأن هذا قد وجبت فيه كفارة فأجزأت عنه بخلاف المشروع وقولهم إن المطلق من كلام الآدمي محمول على المعهود في الشرع

قلنا ليس هذا بمطلق وإنما هو منذور معين ويتخرج أن لا تلزمه كفارة في العجز عنه كما في العجز الواجب بأصل الشرع

فصل وإن عجز لعارض يرجى زواله من مرض أو نحوه انتظر زواله ولا تلزمه كفارة ولا غيرها لأنه لم يفت الوقت فيشبه المريض في شهر رمضان فإن استمر عجزه إلى أن صار غير مرجو الزوال صار إلى الكفارة والفدية على ما ذكرنا من الخلاف فيه فإن كان العجز المرجو الزوال عن صوم معين فات وقته انتظر الإمكان ليقضيه وهل تلزمه لفوات الوقت كفارة على روايتين ذكرهما أبو الخطاب

إحداهما تجب الكفارة لأنه أخل بما نذره على وجهه فلزمته الكفارة كما لو نذر المشي إلى بيت الله الحرام فعجز ولأن النذر كاليمين ولو حلف ليصومن هذا الشهر فأفطره لعذر لزمته كفارة كذا ها هنا

والثانية لا تلزمه لأنه أتى بصيام أجزأه عن نذره من غير تفريط منه فلم تلزمه كفارة يمين كما لو صام ما عينه

فصل وإن نذر غير الصيام فعجز عنه كالصلاة ونحوها فليس عليه إلا الكفارة لأن الشرع لم يجعل لذلك بدلا يصار إليه فوجبت الكفارة لمخالفته نذره فقط وإن عجز عنه لعارض فحكمه حكم الصيام سواء فيما فصلناه

مسألة

قال ( وإذا نذر صياما ما ولم يذكر عددا ولم ينوه فأقل ذلك صيام يوم وأقل الصلاة ركعتان )


74

أما إذا نذر صياما مطلقا فأقل ذلك يقوم صيام يوم لا خلاف فيه لأنه ليس في الشرع صوم مفرد أقل من يوم فيلزمه لأنه اليقين وأما الصلاة ففيها روايتان إحداهما يجزئه ركعة نقلها إسماعيل بن سعيد لأن أقل الصلاة ركعة فإن الوتر صلاة مشروعة وهي ركعة واحدة وروي عن عمر رضي الله عنه أنه تطوع بركعة واحدة

والثانية لا يجزئه إلا ركعتان وبه قال أبو حنيفة لأن أقل صلاة وجبت بالشرع ركعتان فوجب حمل النذر عليه

وأما الوتر فهو نفل والنذر فرض فحمله على المفروض أولى ولأن الركعة لا تجزىء في الفرض فلا تجزىء في النفل كالسجدة وللشافعي قولان كالروايتين فأما إن عين بنذره عددا لزمه قل أو كثر لأن النذر ثابت بقوله

وكذلك عدده فإن نوى عددا فهو كما لو سماه لأنه نوى بلفظه ما يحتمله فلزمه حكمه كاليمين

مسألة

قال ( وإذا نذر المشي إلى بيت الله الحرام لم يجزئه إلا أن يمشي في حج أو عمرة فإن عجز عن المشي ركب وكفر كفارة يمين )

وجملته أن من نذر المشي إلى بيت الله الحرام لزمه الوفاء بنذره وبهذا قال مالك والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وابن المنذر ولا نعلم فيه خلافا وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ولا يجزئه المشي إلا في حج أو عمرة وبه يقول الشافعي ولا أعلم فيه خلافا وذلك لأن المشي المعهود في الشرع هو المشي في حج أو عمرة فإذا أطلق الناذر حمل على المعهود الشرعي ويلزمه المشي فيه لنذره فإن عجز عن المشي ركب وعليه كفارة يمين

وعن أحمد رواية أخرى أنه يلزمه دم وهو قول الشافعي وأفتى به عطاء لما روى ابن عباس أن أخت عقبة بن عامر نذرت المشي إلى بيت الله الحرام فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تركب وتهدي هديا رواه أبو داود وفيه ضعف ولأنه أخل بواجب في الإحرام فلزمه هدي كتارك الإحرام من الميقات وعن ابن عمر وابن الزبير قالا يحج من قابل ويركب ما مشى ويمشي ما ركب ونحوه قال ابن عباس وزاد فقال ويهدي وعن الحسن مثل الأقوال الثلاثة وعن النخعي روايتان إحداهما كقول ابن عمر

والثانية كقول ابن عباس وهذا قول مالك وقال أبو حنيفة عليه هدي سواء عجز عن المشي أو قدر عليه وأقل الهدي شاة وقال الشافعي لا يلزمه مع العجز كفارة بحال إلا أن يكون النذر مشيا إلى بيت الله فهل يلزمه هدي فيه قولان

وأما غيره فلا يلزمه مع العجز شيء

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لأخت عقبة بن عامر لما نذرت المشي إلى بيت الله لتمش ولتركب ولتكفر عن يمينها وفي رواية فلتصم ثلاثة أيام وقول النبي صلى الله عليه وسلم كفارة ال 9 نذر كفارة اليمين ولأن المشي مما لا يوجبه الإحرام فلم يجب الدم بتركه كما لو نذر صلاة ركعتين فتركهما وحديث الهدي ضعيف وهذا حجة على


75

الشافعي حيث أوجب الكفارة عليها من غير ذكر العجز

فإن قيل فإن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الكفارة عليها من غير ذكر العجز

قلنا يتعين حمله على حالة العجز لأن المشي قربة لأنه مشي إلى عبادة والمشي إلى العبادة أفضل

ولهذا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يركب في عيد ولا جنازة فلو كانت قادرة على المشي لأمرها به ولم يأمرها بالركوب والتكفير ولأن المشي المقدور عليه لا يخلو من أن يكون واجبا أو مباحا

فإن كان واجبا لزم الوفاء به وإن كان مباحا لم تجب الكفارة بتركه عند الشافعي وقد أوجب الكفارة ها هنا وترك ذكره في الحديث إما لعلم النبي صلى الله عليه وسلم بحالها وعجزها وإما لأن الظاهر من حال المرأة العجز عن المشي إلى مكة أو يكون قد ذكر في الخبر فترك الراوي ذكره وقول أصحاب أبي حنيفة إنه أخل بواجب في الحج

قلنا المشي لم يوجبه الإحرام ولا هو من مناسكه فلم يجب بتركه هدي كما لو نذر صلاة ركعتين في الحج فلم يصلهما فإما إن ترك المشي مع إمكانه فقد أساء وعليه كفارة أيضا لتركه صفة النذر

وقياس المذهب أن يلزمه استئناف الحج ماشيا لتركه صفة المنذور كما لو نذر صوما متتابعا فأتى به متفرقا وإن عجز عن المشي بعد الحج كفر وأجزأه وإن مشى بعض الطريق وركب بعضا فعلى هذا القياس يحتمل أن يكون كقول ابن عمر وهو أن يحج فيمشي ما ركب ويركب ما مشى ويحتمل أن لا يجزئه إلا حج يمشي جميعه لأن ظاهر النذر يقتضي هذا

ووجه القول الأول أنه لا يلزمه بترك المشي المقدور عليه أكثر من كفارة لأن المشي غير مقصود في الحج ولا ورد الشرع باعتباره في موضع فلم يلزم بتركه أكثر من كفارة كما لو نذر التحفي وشبهه وفارق التتابع في الصيام فإنها صفة مقصودة فيه اعتبرها الشرع في صيام الكفارات كفارة الظهار والجماع واليمين

فصل فإن نذر الحج راكبا لزمه الحج كذلك لأن فيه اتفاقا في الحج فإن ترك الركوب فعليه كفارة وقال أصحاب الشافعي يلزمه دم لترفهه بترك الإنفاق وقد تبينا أن الواجب بترك النذر الكفارة دون الهدي إلا أن هذا إذا مشى ولم يركب مع إمكانه لم يلزمه أكثر من كفارة لأن الركوب في نفسه ليس بطاعة ولا قربة وكل موضع نذر المشي فيه أو الركوب فإنه يلزمه الإتيان بذلك من دويرة أهله إلا أن ينوي موضعا بعينه فيلزمه من ذلك الموضع لأن النذر محمول على أصله في الفرض والحج المفروض بأصل الشرع يجب كذلك ويحرم للمنذور من حيث يحرم للواجب قال بعض الشافعية يجب الإحرام من دويرة أهله لأن إتمام الحج كذلك

ولنا أن المطلق محمول على المعهود في الشرع والإحرام الواجب إنما هو من الميقات ويلزمه المنذور من المشي أو الركوب في الحج أو العمرة إلى أن يتحلل لأن ذلك انقضاء الحج والعمرة

قال أحمد يركب في الحج إذا رمى وفي العمرة إذا سعى لأنه لو وطىء بعد ذلك لم يفسد حجا ولا عمرة وهذا يدل على أنه إنما يلزمه في الحج التحلل الأول

فصل وإذا نذر المشي إلى بيت الله أو الركوب إليه ولم يرد بذلك حقيقة المشي والركوب إنما أراد


76

إتيانه في حج أو عمرة ولم يتعين عليه مشي ولا ركوب لأنه عنى ذلك بنذره وهو محتمل له فأشبه ما لو صرح به ولو نذر أن يأتي بيت الله الحرام أو يذهب إليه لزمه إتيانه في حج أو عمرة وعن أبي حنيفة لا يلزمه شيء لأن مجرد إتيانه ليس بقربة ولا طاعة

ولنا أنه علق نذره بوصول البيت فلزمه كما لو قال لله علي المشي إلى الكعبة إذا ثبت هذا فهو مخير في المشي والركوب وكذلك إذا نذر أن يحج البيت أو يزوره لأن الحج يحصل بكل واحد من الأمرين فلم يتعين أحدهما

وإن قال لله علي أن آتي البيت الحرام غير حاج ولا معتمر لزمه الحج والعمرة وسقط شرطه وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن قوله لله علي أن آتي البيت يقتضي حجا أو عمرة وشرط سقوط ذلك يناقض نذره فسقط حكمه

فصل إذا نذر المشي إلى البلد الحرام أو بقعة منه كالصفا والمروة وأبي قبيس أو موضع في الحرم لزمه الحج أو عمرة نص عليه أحمد وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يلزمه إلا أن ينذر المشي إلى الكعبة أو إلى مكة

وقال أبو يوسف ومحمد إن نذر المشي إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام كقولنا وفي باقي الصور كقول أبي حنيفة

ولنا أنه نذر المشي إلى موضع من الحرم أشبه النذر إلى مكة

فأما إن نذر المشي إلى غير الحرم كعرفة ومواقيت الإحرام وغير ذلك لم يلزمه ذلك ويكون كنذر المباح وكذلك إن نذر إتيان مسجد سوى المساجد الثلاثة لم يلزمه إتيانه وإن نذر الصلاة فيه لزمه الصلاة دون المشي ففي أي موضع صلى أجزأه لأن الصلاة لا تخص مكانا دون مكان فلزمته الصلاة دون الموضع ولا نعلم في هذا خلافا إلا عن الليث فإنه قال لو نذر صلاة أو صياما بموضع لزمه فعله في ذلك الموضع ومن نذر المشي إلى مسجد مشى إليه

وقال الطحاوي ولم يوافقه على ذلك أحد من الفقهاء وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى متفق عليه ولو لزمه المشي إلى مسجد بعيد لشد الرحل إليه ولأن العبادة لا تختص بمكان دون مكان فلا يكون فعلها فيما نذر فعلها فيه قربة فلا تلزمه بنذره وفارق ما لو نذر العبادة في يوم بعينه لزمه فعلها فيه لأن الله تعالى عين لعبادته زمنا ووقتا معينا ولم يعين لها مكانا وموضعا والنذور مردودة إلى أصولها في الشرع فتعينت بالزمان دون المكان

فصل إن نذر المشي إلى بيت الله تعالى ولم ينو به شيئا ولم يعينه انصرف إلى بيت الله الحرام لأن المخصوص بالقصد دون غيره وإطلاق بيت الله ينصرف إليه دون غيره في العرف فينصرف إليه إطلاق النذر

فصل وإن نذر المشي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى لزمه ذلك وبهذا قال مالك والأوزاعي وأبو عبيد وابن المنذر وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر لا يبين لي وجوب المشي إليهما لأن البر


77

بإتيان بيت الله فرض والبر بإتيان هذين نفل

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ولأنه أحد المساجد الثلاثة فيلزم المشي إليه بالنذر كالمسجد الحرام ولا يلزم ما ذكره لأن كل قربة تجب بالنذر وإن لم يكن لها أصل في الوجوب كعيادة المريض وشهود الجنائز ويلزمه بهذا النذر أن يصلي في الموضع الذي أتاه ركعتين لأن القصد بالنذر القربة والطاعة وإنما تحصيل ذلك بالصلاة فتضمن ذلك نذره كما يلزم ناذر المشي إلى بيت الله الحرام أحد النسكين ونذر الصلاة في أحد المسجدين كنذر المشي إليه كما أن نذر أحد النسكين في المسجد الحرام كنذر المشي إليه

وقال أبو حنيفة لا تتعين عليه الصلاة في موضع بالنذر سواء كان في المسجد الحرام أو غيره لأن ما لا أصل له في الشرع لا يجب بالنذر بدليل نذر الصلاة في سائر المساجد

ولنا ما روي أن عمر قال يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك متفق عليه ولأن الصلاة فيها أفضل من غيرها بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام متفق عليه وروي عنه صلى الله عليه وسلم صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة وإذا كان فضيلة وقربة لزم بالنذر كما لو نذر طول القراءة وما ذكروه يبطل بالعمرة فإنها تلزم بنذرها وهي غير واجبة عندهم

فصل وإذا نذر الصلاة في المسجد الحرام لم تجزئه الصلاة في غيره لأنه أفضل المساجد وخيرها وأكثرها ثوابا للمصلي فيها وإن نذر الصلاة في المسجد الأقصى أجزأته الصلاة في المسجد الحرام لما روى جابر أن رجلا قام يوم الفتح فقال يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله علي أن أصلي في بيت المقدس ركعتين قال صل ها هنا ثم أعاد عليه فقال شأنك رواه أبو داود

ورواه الإمام أحمد ولفظه والذي نفسي بيده لو صليت هاهنا لأجزأ عنك كل صلاة في بيت المقدس وإن نذر إتيان المسجد الأقصى والصلاة فيه أجزأته الصلاة فيه وفي مسجد المدينة لأنه أفضل وإن نذر ذلك في مسجد المدينة لم يجزئه فعله في المسجد الأقصى لأنه مفضول وقد سبق هذا في باب الإعتكاف

فصل وإن أفسد الحج المنذور ماشيا وجب القضاء ماشيا لأن القضاء يكون على صفة الأداء وكذلك إن فاته الحج لكن إن فاته الحج سقط توابع الوقوف من المبيت بمزدلفة ومنى والرمي وتحلل بعمرة ويمشي بالحج الفاسد ماشيا حتى يتحلل منه

مسألة

قال ( وإذا نذر عتق رقبة فهي التي تجزىء عن الواجب إلا أن يكون نوى رقبة بعينها )


78

يعني لا تجزئه إلا رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المضرة بالعمل وهي التي تجزىء في الكفارة لأن النذر المطلق يحمل على المعهود في الشرع والواجب بأصل الشرع كذلك وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي والوجه الآخر يجزئه أي رقبة كانت صحيحة أو معيبة مسلمة أو كافرة لأن الاسم يتناول جميع ذلك

ولنا أن المطلق يحمل على معهود الشرع وهو الواجب في الكفارة وما ذكروه يبطل بنذر المشي إلى بيت الله الحرام فإنه لا يحمل على ما تناوله الاسم فأما إن نوى رقبة بعينها أجزأه عتقها أي رقبة كانت لأنه نوى بلفظه ما يحتمله وإن نوى ما يقع عليه اسم الرقبة أجزأه ما نواه لما ذكرناه أن المطلق يتقيد بالنية كما يتقيد بالقرينة اللفظية

قال أحمد فيمن نذر عتق عبد بعينه فمات قبل أن يعتقه تلزمه كفارة يمين ولا يلزمه عتق عبد لأن هذا شيء فاته على حديث عقبة بن عامر وإليه أذهب في الفائت وما عجز عنه

فصل وإذا نذر هديا مطلقا لم يجزئه إلا ما يجزىء في الأضحية وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لأن المطلق يحمل على معهود الشرع وإن عين الهدي بلفظه أو نيته أجزأه ما عينه صغيرا كان أو كبيرا جليلا كان أو حقيرا لأن ذلك يسمى هديا قال النبي صلى الله عليه وسلم من راح في الساعة الخامسة فكأنما أهدى بيضة وإنما صرفنا المطلق إلى المعهود الشرع لأنه غلب على الاسم كما لو نذر أن يصلي لزمته صلاة شرعية دون اللغوية وإن قال لله عليه أن أهدي بدنة أو بقرة أو قال شاة لزمه أقل ما يجزىء من ذلك الجنس الذي عينه فإن نذر بدنة أجزأه ثنية من الإبل أو ثني فإن لم يجد من الإبل فبقرة فإن لم يجد فسبع من الغنم لأن النذر محمول على معهود الشرع وقد تقرر في الشرع أن البقرة تقوم مقام البدنة وكذلك سبع من الغنم فإن أراد إخراج البقرة أو الغنم مع القدرة على البدنة فقال القاضي لا يجزئه وهو المنصوص عن الشافعي والذي يقتضيه مذهب الخرقي جواز ذلك لقوله ومن وجب عليه بدنة فذبح سبعا من الغنم أجزأه فإن نوى بنذره بدنة من الإبل لم يجزئه غيرها مع وجودها وجها واحدا لأنها وجبت بإيجابه بخلاف ما إذا أطلق فإنها انصرفت إلى الإبل بمعهود الشرع ومعهود الشرع فيها أن تقوم البقرة مقامها فأما إن نواها من الإبل أو غيره فمقتضى المذهب أنه لا يقوم غيرها مقامها كسائر المنذورات وكذلك إن صرح بها في نذره مثل أن يقول لله علي أن أهدي ناقة ويحتمل أن تقوم البقرة مقامها عند عدمها لأنها تعينت هديا شرعيا والهدي الشرعي له بدل

فصل ومن نذر هديا لزمه إيصاله إلى مساكين الحرم لأن إطلاق الهدي يقتضي ذلك قال الله تعالى هديا بالغ الكعبة المائدة 95 فإن عين شيئا بنذره مثل أن يقول أهدي شاة أو ثوبا أو برا أو ذهبا فكان مما ينقل حمل إلى الحرم ففرق في مساكينه وإن كان مما لا ينقل نحو أن يقول لله علي أن أهدي داري هذه أو أرضي أو شجرتي هذه بيعت وبعث بثمنها إلى الحرم لأنه لا يمكن إهداؤه بعينه فانصرف بذلك إلى بدله وقد روي عن ابن عمر أن


79

رجلا سأله في امرأة نذرت أن تهدي دارا فقال تبيعها وتتصدق بثمنها على مساكين الحرم وكذلك لو كان المنذور مما ينقل لكن يشق نقله كخشبة ثقيلة فإنه يبيعها لأنه أحظ للمساكين من نقلها وإن كان مما لا كلفة في نقله إلا أنه لا يمكن تفريقه بنفسه ويحتاج إلى البيع نظر إلى الحظ للمساكين في بيعه في بلده أو نقله ليباع ثم وإن استوى الأمران بيع في أي موضع شاء

فصل وإن نذر أن يهدي إلى غير مكة كالمدينة أو الثغور أو يذبح بها لزمه الذبح وإيصال ما أهداه إلى ذلك المكان وتفرقة الهدي ولحم الذبيحة على أهله إلا أن يكون بذلك المكان ما لا يجوز النذر له ككنيسة أو صنم أو نحوه مما يعظمه الكفار أو غيرهم مما لا يجوز تعظيمه كشجرة أو قبر أو حجر أو عين ماء ونحو ذلك لما روى أبو داود قال نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل كان بها وثن من أوثان الجاهلية يعبد قالوا لا قال هل كان فيها عيد من أعيادهم قالوا لا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك لأنه ضمن نذره نفع فقراء ذلك البلد بإيصال اللحم إليهم وهذه قربة فتلزمه كما لو نذر التصدق عليهم فإن كان بها شيء مما ذكرنا لم يجز النذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم هل كان بها وثن أو عيد من أعياد الجاهلية وهذا يدل على أنه لو كان بها ذلك لمنعه من الوفاء بنذره ولأن في هذا تعظيما لغير ما عظم الله يشبه تعظيم الكفار للأصنام فحرم كتعظيم الأصنام ولذلك لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتخذات على القبور المساجد والسرج وقال لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر مثلما صنعوا وعلى هذا نذر الشمع والزيت وأشبه للأماكن التي فيها القبور لا يصح

فصل وإن نذر الذبح بمكة فهو كنذر الهدي إليها لأن مطلق النذر محمول على معهود الشرع ومعهود الشرع في الذبح الواجب بها أن يفرق اللحم بها

مسألة

قال ( وإذا نذر صيام شهر من يوم يقدم فلان فقدم أول يوم من شهر رمضان أجزأه صيامه لرمضان ونذره )

ظاهر كلام الخرقي أن نذر هذا منعقد لكن صيامه يجزىء عن النذر ورمضان وهو قول أبي يوسف وهو قياس قول ابن عباس وعكرمة لأنه نذر صوما في وقت وقد صام فيه وقال القاضي ظاهر كلام الخرقي أن النذر غير منعقد لأن نذره وافق زمنا يستحق صومه فلم ينعقد نذره كنذر صوم رمضان قال والصحيح عندي صحة النذر لأنه نذر طاعة يمكن الوفاء به غالبا فانعقد كما لو وافق شعبان فعلى هذا يصوم رمضان ثم يقضي ويكفر وهذا اختيار أبي بكر ونقل جعفر بن محمد عن أحمد أن عليه القضاء وقول الخرقي أجزأه صيامه لرمضان ونذره دليل على أن نذره انعقد عنده لولا ذلك لما كان صومه عن نذره وقد نقل أبو الخطاب عن أحمد فيمن نذر أن يحج وعليه حجة مفروضة فأحرم عن النذر وقعت عن المفروض ولا يجب عليه شيء آخر وهذا مثل قول الخرقي وروى عكرمة عن ابن عباس في رجل نذر أن يحج ولم يكن حج الفريضة قال يجزىء لهما جميعا وعن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال


80

عكرمة يقضي حجته عن نذره وعن حجة الإسلام أرأيتم لو أن رجلا نذر أن يصلي أربع ركعات فصلى العصر

أليس ذلك يجزئه من العصر والنذر قال فذكرت قولي لابن عباس فقال أصبت وأحسنت وقال ابن عمر وأنس وعروة يبدأ بحجة الإسلام ثم يحج لنذره وفائدة انعقاد نذره لزوم الكفارة بتركه وأنه لو لم ينوه لنذره لزمه قضاؤه وعلى هذا لو وافق نذره بعض رمضان وبعض شهر آخر إما شعبان وإما شوال لزمه صوم ما خرج عن رمضان ويتمه من رمضان ولو قال لله علي صوم رمضان فعلى قياس قول الخرقي يصح نذره ويجزئه صيامه عن الأمرين وتلزمه الكفارة إن أخل به وعلى قول القاضي لا ينعقد نذره وهو مذهب الشافعي لأنه لا يصح صومه عن النذر فأشبه الليل

ولنا أن النذر يمين فينعقد في الواجب موجبا للكفارة كاليمين بالله تعالى

فصل ونقل عن أحمد فيمن نذر أن يحج العام وعليه حجة الإسلام روايتان إحداهما تجزئه حجة الإسلام عنها وعن نذره نقلها أبو طالب

والثانية ينعقد نذره موجبا لحجة غير حجة الإسلام يبدأ بحجة الإسلام ثم يقضي نذره نقلها ابن منصور لأنهما عبادتان تجبان بسببين مختلفين

فلم يسقط إحداهما بالأخرى كما لو نذر حجتين ووجه الأولى أنه نذر عبادة في وقت معين وقد أتى بها فيه فأشبه ما لو قال لله علي أن أصوم رمضان

فصل فإن قال لله علي أن أصوم شهرا فنوى صيام شهر رمضان لنذره ورمضان لم يجزئه لأن شهر رمضان واجب بفرض الله تعالى ونذره يقتضي إيجاب شهر فيجب شهران بسببين ولا يجزىء أحدهما عن الآخر كما لو نذر صوم شهرين وكما لو نذر أن يصلي ركعتين لم تجزئه صلاة الفجر عن نذره وعن صلاة الفجر

مسألة

قال ( وإذا نذر أن يصوم يوم يقدم فلان فقدم يوم فطر أو أضحى لم يصمه وصام يوما مكانه وكفر كفارة يمين )

وجملته أن من نذر أن يصوم يوم يقدم فلان فإن نذره صحيح وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر لا يصح نذره

لأنه لا يمكن صومه بعد وجود شرطه فلم يصح كما لو قال لله علي أن أصوم اليوم الذي قبل اليوم الذي يقدم فيه

ولنا أنه زمن صح فيه صوم التطوع فانعقد نذره لصومه كما لو أصبح صائما تطوعا قال لله علي أن أصوم يومي وقولهم لا يمكن صومه لا يصح فإنه قد يعلم اليوم الذي يقدم فيه قبل قدومه فينوي صومه من الليل لأنه قد يجب عليه ما لا يمكنه كالصبي يبلغ في أثناء يوم من رمضان أو الحائض تطهر فيه ولا نسلم ما قاسوا عليه إذا ثبتت صحته ولا يخلو من أقسام خمسة أحدها أن يعلم قدومه من اليل فينوي صومه ويكون يوما يجوز فيه صوم النذر فيصح صومه ويجزئه لأنه وفى بنذره

الثاني أن يقدم يوم فطر أو أضحى فاختلفت الرواية عن أحمد في هذه المسألة فعنه لا يصومه ويقضي ويكفر نقله عن أحمد جماعة وهو قول أكثر أصحابنا ومذهب الحكم وحماد

الرواية الثانية يقضي ولا كفارة عليه وهو قول الحسن والأوزاعي وأبي عبيد وقتادة وأبي ثور وأحد قولي الشافعي فإنه فاته الصوم الواجب بالنذر فلزمه


81

قضاؤه كما لو تركه نسيانا ولم تلزمه كفارة لأن الشرع منعه من صومه فهو كالمكره

وعن أحمد رواية ثالثة إن صامه صح صومه وهو مذهب أبي حنيفة لأنه وفى بما نذر فأشبه ما لو نذر معصية ففعلها ويتخرج أن يكفر من غير قضاء

لأنه وافق يوما صومه حرام فكان موجبه الكفارة كما لو نذرت المرأة صوم يوم حيضها

ويتخرج أن لا يلزمه شيء من كفارة ولا قضاء بناء على من نذر المعصية وهذا قول مالك والشافعي في أحد قوليه بناء على نذر المعصية

ووجه قولالخرقي أن النذر ينعقد لأنه نذر نذرا يمكن الوفاء به غالبا فكان منعقدا كما لو وافق غير يوم العيد

ولا يجوز أن يصوم يوم العيد لأن الشرع حرم صومه فأشبه زمن الحيض

ولزمه القضاء لأنه نذر منعقد وقد فاته الصيام بالعذر ولزمته الكفارة لفواته كما لو فاته بمرض وإن وافق يوم حيض أو نفاس فهو كما لو وافق يوم فطر أو أضحى إلا أنه لا يصومه بغير خلاف في المذهب ولا بين أهل العلم

الثالث أن يقدم في يوم يصح صومه والناذر مفطر ففيه روايتان إحداهما يلزمه القضاء والكفارة لأنه نذر صوما نذرا صحيحا ولم يف به

فلزمه القضاء والكفارة كسائر المنذورات ويتخرج أن لا تلزمه كفارة وهو مذهب الشافعي لأنه ترك المنذور لعذر

والثانية لا يلزمه شيء من قضاء ولا غيره وهو قول أبي يوسف وأصحاب الرأي وابن المنذر لأنه قدم في زمن لا يصح صومه فيه فلم يلزمه شيء كما لو قدم ليلا

الرابع قدم والناذر صائم فلا يخلو من أن يكون تطوعا أو فرضا فإن كان تطوعا فقال القاضي يصوم بقيته ويعقده عن نذره ويجزئه ولا قضاء ولا كفارة وهو قول أبي حنيفة لأنه يمكن صوم يوم بعضه تطوع وبعضه واجب كما لو نذر في أثناء التطوع إتمام صوم ذلك اليوم وإنما وجد سبب الوجوب في بعضه وذكر القاضي احتمالا آخر أنه يلزمه القضاء والكفارة لأنه صوم واجب فلم يصح بنية من النهار كقضاء رمضان وذكر أبو الخطاب هذين الاحتمالين روايتين وعند الشافعي عليه القضاء فقط كما لو قدم وهو مضطر ويتخرج لنا مثله وأما إن كان الصوم واجبا فحكمه حكم المسألة التي قبل هذه وقد ذكرناه وإن قدم وهو ممسك لم ينو الصيام ولم يفعل ما يفطره فحكمه حكم الصائم تطوعا

الخامس أن يقدم ليلا فلا شيء عليه في قولهم جميعا لأنه لم يقدم في اليوم ولا في وقت يصح فيه الصيام

فصل وإن قال لله علي صوم يوم العيد فهذا نذر معصية على ناذره الكفارة لا غير نقلها حنبل عن أحمد وفيه رواية أخرى أن عليه القضاء مع الكفارة كالمسألة المذكورة والأولى هي الصحيحة قاله القاضي لأن هذا نذر معصية فلم يوجب قضاء كسائر المعاصي وفارق المسألة التي قبلها لأنه لم يقصد بنذره المعصية وإنما وقع اتفاقا


82

وههنا تعمدها بالنذر فلم ينعقد نذره ويدخل في قوله عليه السلام لا نذر في معصية ويتخرج ألا يلزمه شيء بناء على نذر المعصية فيما تقدم وإن نذرت المرأة صوم يوم حيضها ونفاسها فعليها الكفارة لا غير ولم أعلم عن أصحابنا في هذا خلافا

مسألة

قال ( وإن وافق قدومه يوما من أيام التشريق صامه في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله رحمه الله والرواية الأخرى لا يصومه ويصوم يوما مكانه ويكفر كفارة يمين )

اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في صيام أيام التشريق عن الفرض وقد ذكرنا ذلك في الصيام فإن قلنا يصومها عن الفرض صامها هاهنا وأجزأته وإن قلنا لا يصومها فحكمه حكم من وافق يوم العيد وقد مضى

فصل وإن قال لله علي صوم يوم يقدم فلان أبدا أو قال لله علي صوم يوم كل خميس أبدا لزمه ذلك في المستقبل فأما اليوم الذي يقدم فيه فقد مضى بيان حكمه ولا يدخل في نذره ذلك اليوم من شهر رمضان لأن رمضان لا يتصور انفكاكه عن دخول ذلك اليوم فيه ولا يمكنه صومه عن غير رمضان لأنه لا يقبل ذلك ويجيء على قول الخرقي أن يدخل في نذره ويجزئه صومه لرمضان ونذره وإن وافق يوم عيد أو يوما من أيام التشريق أو يوم حيض ففيه الاختلاف ما قد مضى وإن وجب عليه صوم شهرين عن كفارة الظهار أو نحوه صامها عن الكفارة دون النذر لأنه متى نوى النذر في ابتدائهما انقطع التتابع فلا يقدر على التكفير فحينئذ يقضي نذره ويكفر لأنه ترك صوم النذر مع إمكانه لعذر ويفارق الأيام التي دخلت في رمضان فإنها لم تدخل في نذره لعدم انفكاكه عنها وهاهنا تنفك الأيام عن دخول الكفارة فيها ولا فرق بين كون نذره قبل وجوب الكفارة أو بعدها لأن الأيام التي في رمضان لا يصح صومها عن نذره وأيام الكفارة يصح صومها عن نذره وإذا نواها عن نذره انقطع التتابع وأجزأت عن المنذور وإن فاتته أيام كثيرة لزمته كفارة واحدة عن الجميع فإذا كفر ثم فاته شيء بعد ذلك لزمته كفارة ثانية نص عليه أحمد فإنه قال فيمن نذر صيام أيام فمرض فإن كان قد كفر عن الأول ثم أفطر بعد ذلك كفر كفارة أخرى وإن لم يكن كفر عن الأول فكفارة واحدة ولا يكون مثل اليمين إذا حنث وكفر سقطت عنه ويتخرج أنه متى كفر مرة لم تلزمه كفارة أخرى لأن النذر كاليمين ويشبه اليمين وإيجاب الكفارة فيه لذلك واليمين لا يوجب أكثر من كفارة فمتى كفرها لم يجب بها أخرى كذلك النذر فعلى هذا متى فاته شيء فكفر عنه ثم فاته شيء آخر قضاه من غير كفارة لأن وجوب الكفارة الثانية لا نص فيه ولا إجماع ولا قياس ولا يمكن إيجابها بغير دليل

فصل إذا نذر صوم سنة بعينها لم يدخل في نذره رمضان لأنه لا يقبل غير صوم رمضان فأشبه الليل ولا يوما العيدين لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيامهما ولا يصح صومهما عن النذر فأشبها رمضان وعن أحمد فيمن نذر صوم شوال يقضي يوم الفطر ويكفر فعلى هذه الرواية يدخل في نذره العيدان وأيام التشريق لأنها أيام من جملة


83

السنة والأول أصح وفي أيام التشريق روايتان وإن نذر صوم سنة مطلقة

فهل يلزمه صوم سنة متتابعة أو لا فيه روايتان إحداهما يلزمه

لأن السنة المطلقة تنصرف إلى المتتابعة فعلى هذه الرواية حكمها حكم المعينة في أنه لا يدخل فيها العيدان ولا رمضان وفي أيام التشريق روايتان فإن ابتدأها من أول شهر أتم أحد عشر شهرا بالهلال إلا شهر شوال فإنه يتمه بالعدد لأنه لم يصم من أوله وإن ابتدأها من أثناء شهر أتم ذلك الشهر بالعدد والباقي بالهلال على ما ذكرنا

والرواية الثانية لا تلزمه متابعة وهو مذهب الشافعي لأن المتفرقة تسمى سنة فيتناولها نذره فيلزمه اثنا عشر شهرا بالأهلة إن شاء وإن شاء صامها بالعدد وإن ابتدأ الشهر من أثنائه أتمه ثلاثين يوما وإنما لزمه هاهنا اثنا عشر شهرا لأنه يمكن حمل النذر على سنة ليس فيها رمضان ولا الأيام التي لا يجوز صيامها فحمل نذره على ما ينعقد فيه بخلاف ما إذا عين السنة وهذا كمن عين سلعة بالعقد فوجد بها عيبا لم يكن له إبدالها ولو وصفها ثم وجدها معيبة ملك إبدالها ويتم شوال بالعدد لأنه لم يبدأه من أوله وإن صام ذي الحجة من أوله قضى أربعة أيام تاما كان أو ناقصا لأنه بدأه من أوله وقيل إن كان ناقصا قضى خمسة ليكمله ثلاثين لأنه لم يصم الشهر كله فأشبه شوال وإن شرط التتابع صار حكمها حكم المعينة

مسألة

قال ( ومن نذر أن يصوم شهرا متتابعا ولم يسمه فمرض في بعضه فإذا عوفي بنى وكفر كفارة يمين وإن أحب أتى بشهر متتابع ولا كفارة عليه وكذلك المرأة إذا نذرت صيام شهر متتابع وحاضت فيه )

وجملته أن من نذر صياما متتابعا غير معين ثم أفطر فيه لم يخل من حالين أحدهما أن يفطر لعذر من حيض أو مرض ونحوهما فهذا مخير بين أن يبتدىء الصوم ولا شيء عليه لأنه أتى بالمنذور على وجهه وبين أن يبني على صيامه ويكفر لأن الكفارة تلزم لتركه المنذور وإن كان عاجزا بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أخت عقبة بن عامر بالكفارة لعجزها عن المشي ولأن النذر كاليمين ولو حلف ليصومن متتابعا ثم لم يأت به متتابعا لزمته الكفارة وإنما جوز له البناء ها هنا لأن الفطر لعذر لا يقطع التتابع حكما بدليل أنه لو أفطر في صيام الشهرين المتتابعين من عذر كان له البناء فإن كان العذر يبيح الفطر كالسفر

فهل يقطع التتابع ففيه وجهان أحدهما يقطعه لأنه يفطر باختياره

والثاني لا يقطعه لأنه عذر في فطر رمضان فأشبه المرض

والثاني أن يفطر لغير عذر فهذا يلزمه استئناف الصيام ولا كفارة عليه لأنه ترك التتابع المنذور لغير عذر مع إمكان الإتيان به فلزمه فعله كما لو نذر صوما معينا فصام قبله وبهذا الفصل قال الشافعي إلا في الكفارة فإنه لا يوجبها في المنذور وقد ذكرنا دليل وجوبها


84

فصل

إذا صام شهرا من أول الهلال أجزأه ناقصا كان أو تاما لأن ما بين الهلالين شهر ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم إنما الشهر تسع وعشرون وإن بدأ من أثناء شهر لزمه شهر بالعدد ثلاثون يوما لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين فإن صام شوال لزمه إكماله ثلاثين لأنه بدأ من أثنائه وإن كان ناقصا قضى يومين وإن كان تاما أتم يوما واحدا وإن صام ذا الحجة أفطر يوم الأضحى وأيام التشريق ولم ينقطع تتابعه كما لو أفطرت المرأة بحيض وعليه كفارة ويقضي أربعة أيام إن كان تاما وخمسة إن كان ناقصا ويحتمل أن لا يلزمه إلا الأربعة وإن كان ناقصا لأنه بدأه من أوله فيقضي المتروك منه لا غير ولو صام شهرا من أول الهلال فمرض فيه أياما معلومة أو حاضت المرأة فيه ثم طهرت قبل خروجه قضى ما أفطر منه بعدته إن كان الشهر تاما وإن كان ناقصا فهل يلزمه الإتيان بيوم آخر على وجهين بناء على ما ذكرنا في فطر العيد وأيام التشريق

فصل ومن نذر صيام شهر فهو مخير بين أن يصوم شهرا بالهلال وهو أن يبتدئه من أوله فيجزئه وبين أن يصومه بالعدد ثلاثين يوما وهل يلزمه التتابع فيه وجهان أحدهما يلزمه وهو قول أبي ثور لأن إطلاق الشهر يقتضي التتابع

والثاني لا يلزمه التتابع وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن لأن الشهر يقع على ما بين الهلالين وعلى ثلاثين يوما ولا خلاف أنه يجزئه ثلاثون يوما فلم يلزمه التتابع كما لو نذر ثلاثين يوما فأما إن نذر صيام ثلاثين يوما لم يلزمه التتابع فيها نص عليه أحمد

وقد روي عن أحمد فيمن قال لله علي صيام عشرة أيام يصومها متتابعة وهذا يدل على وجوب التتابع في الأيام المنذورة وحمل بعض أصحابنا كلام أحمد على من شرط التتابع أو نواه لأن لفظ العشرة لا يقتضي تتابعا والنذر لا يقتضيه ما لم يكن في لفظه أو نيته

وقال بعضهم كلام أحمد على ظاهره ويلزمه التتابع في نذر العشرة دون الثلاثين لأن الثلاثين شهر فلو أراد التتابع لقال شهرا فعدوله إلى العدد دليل على إرادة التفريق بخلاف العشرة والصحيح أنه يلزمه التتابع فإن عدم ما يدل على التفريق ليس بدليل على إرادة التتابع فإن الله تعالى قال في قضاء رمضان فعدة من أيام أخر البقرة 184 ولم يذكر تفريقها ولا تتابعها ولم يجب التتابع فيها بالإتفاق

وقال بعض أصحابنا إن نذر اعتكاف أيام لزمه التتابع ولا يلزمه مثل ذلك في الصيام لأن الإعتكاف يتصل بعضه ببعض من غير فصل والصوم يتخلله الليل فيفصل بعضه من بعض ولذلك لو نذر اعتكاف يومين متتابعين


85

لدخل فيه الليل والصحيح التسوية لأن الواجب ما اقتضاه لفظه ولفظه لا يقتضي التتابع بدليل نذر الصوم وما ذكروه من العرف لا أثر له ومن قال يلزمه التتابع لزمته الليالي التي بين أيام الاعتكاف كما لو قال متتابعة

فصل إذا نذر صيام أشهر متتابعة فابتدأها من أول شهر أجزأه صومها بالأهلة بلا خلاف وإن ابتدأها من أثناء شهر كمله بالعدد وباقي الأشهر بالأهلة وهذا قول مالك والشافعي وأحد الروايتين عن أبي حنيفة والرواية الأخرى يكمل الجميع بالعدد

وروي ذلك عن أحمد وقد تقدم توجيه الروايتين

مسألة

قال ( ومن نذر أن يصوم شهرا بعينه فأفطر يوما بغير عذر ابتدأ شهرا وكفر كفارة يمين )

وجملته أنه إذا نذر صوم شهر معين فأفطر في أثنائه لم يخل من حالين أحدهما أفطر لغير عذر ففيه روايتان إحداهما يقطع صومه ويلزمه استئنافه لأنه صوم يجب متتابعا بالنذر فأبطله الفطر لغير عذر كما لو شرط التتابع وفارق رمضان فإن تتابعه بالشرع لا بالنذر وها هنا أوجبه على نفسه على صفة ثم فوتها فأشبه ما لو شرطه متتابعا

الثانية لا يلزمه الاستئناف إلا أن يكون قد شرط التتابع وهذا قول الشافعي لأن وجوب التتابع ضرورة التعيين لا بالشرط فلم يبطله الفطر في أثنائه كشهر رمضان ولأن الاستئناف يجعل الصوم في الوقت الذي لم يعينه والوفاء بنذره في غير وقته وتفويت يوم واحد لا يوجب تفويت غيره من الأيام فعلى هذا يكفر عن فطره ويقضي يوما مكانه بعد إتمام صومه وهذا أقيس إن شاء الله تعالى وعلى الرواية الأولى يلزمه الإستئناف عقيب اليوم الذي أفطر فيه ولا يجوز تأخيره لأن باقي الشهر منذور ولا يجوز ترك الصوم فيه وتلزمه كفارة أيضا لإحلاله بصوم هذا اليوم الذي أفطره

الحال الثاني أفطر لعذر فإنه يبني على ما مضى من صيامه ويقضي ويكفر هذا قياس المذهب وقال أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه لا كفارة عليه وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي عبيد لأن المنذور محمول على المشروع ولو أفطر رمضان لعذر لم يلزمه شيء

ولنا أنه فات ما نذره فلزمته كفارة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأخت عقبة بن عامر ولتكفر يمينها وفارق رمضان فإنه لو أفطر لغير عذر لم تجب عليه كفارة إلا في الجماع

فصل فإن جن جميع الشهر المعين لم يلزمه قضاء ولا كفارة

وقال أبو ثور يلزمه القضاء لأنه من أهل التكليف حالة نذره وقضائه فلزمه القضاء كالمغمى عليه

ولنا أنه ليس من أهل التكليف في وقت الوجوب فلم يلزمه القضاء كما لو كان في شهر رمضان وإن حاضت


86

المرأة جميع الزمن المعين فعليها القضاء وفي الكفارة وجهان وقال الشافعي لا كفارة عليها وفي القضاء وجهان أحدهما لا يلزمها النذر لأن زمن الحيض لا يمكن الصوم فيه ولا يدخل في النذر كزمن رمضان

ولنا أن المنذور يحمل على المشروع ابتداء ولو حاضت في شهر رمضان لزمها القضاء وكذلك المنذور

فصل ولو قال لله علي الحج في عامي هذا فلم يحج لعذر أو غيره فعليه القضاء والكفارة ويحتمل ألا كفارة عليه إذا كان معذورا وقال الشافعي إن تعذر عليه الحج لعدم أحد الشرائط السبعة أو منعه منه سلطان أو عدو فلا قضاء عليه وإن حدث به مرض أو أخطأ عددا أو نسي أو توانى قضاه

ولنا أنه فاته الحج المنذور فلزمه قضاؤه كما لو مرض ولأن المنذور محمول على المشروع ابتداء ولو فاته المشروع لزمه قضاؤه كذلك المنذور

فصل ولو نذر صوم شهر بعينه أو الحج في عام بعينه وفعل ذلك قبله لم يجزئه وقالأبو يوسف يجزئه كما لو حلف ليقضينه حقه في وقت فقضاه قبله

ولنا أن المنذور محمول على المشروع ولو صام قبل رمضان لم يجزئه فكذلك إذا صام المنذور قبله ولأنه لم يأت بالمنذور في وقته فلم يجزئه كما لو لم يفعله أصلا

مسألة

قال ( ومن نذر أن يصوم فمات قبل أن يأتي به صام عنه ورثته من أقاربه وكذلك كل ما كان من نذر طاعة )

يعني من نذر حجا أو صياما أو صدقة أو عتقا أو اعتكافا أو صلاة أو غيره من الطاعات ومات قبل فعله فعله الولي عنه وعن أحمد في الصلاة لا يصلى عن الميت لأنها لا بدل لها بحال وأما سائر الأعمال فيجوز أن ينوب الولي عنه فيها وليس بواجب عليه ولكن يستحب له ذلك على سبيل الصلة له والمعروف وأفتى بذلك ابن عباس في امرأة نذرت أن تمشي إلى قباء فماتت ولم تقضه أن تمشي ابنتها عنها وروى سعيد عن سفيان عن عبد الكريم بن أبي أمية أنه سأل ابن عباس عن نذر كان على أمه من اعتكاف قال صم عنها واعتكف عنها وقال حدثنا أبو الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر عن عامر بن شعيب أن عائشة اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد ما مات وقال مالك لا يمشي أحد عن أحد ولا يصلي ولا يصوم عنه وكذلك سائر أعمال البدن قياسا على الصلاة وقال الشافعي يقضي عنه الحج ولا يقضي الصلاة قولا واحدا ولا يقضي الصوم في أحد القولين ويطعم عنه لكل يوم مسكين لأن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين أخرجه ابن ماجه

وقال أهل الظاهر يجب القضاء على وليه بظاهر الأخبار الواردة فيه وجمهور أهل العلم على أن ذلك ليس بواجب على الولي إلا أن يكون حقا في المال ويكون للميت تركه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا محمول على الندب


87

والاستحباب بدليل قرائن في الخبر منها أن النبي صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين وقضاء الدين على الميت لا يجب على الوارث ما لم يخلف تركة يقضي بها ومنها أن السائل سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل يفعل ذلك أم لا وجوابه يختلف باختلاف مقتضى سؤاله فإن كان مقتضاه السؤال عن الإباحة فالأمر في جوابه يقتضي الإباحة وإن كان السؤال عن الإجزاء فأمره يقتضي الإجزاء كقولهم أنصلي في مرابض الغنم قال صلوا في مرابض الغنم وإن كان سؤالهم عن الوجوب فأمره يقتضي الوجوب كقولهم أنتوضأ من لحوم الإبل قال توضؤوا من لحوم الإبل وسؤال السائل في مسألتنا كان عن الإجزاء فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالفعل يقتضيه لا غير

ولنا على جواز الصيام عن الميت ما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه وعن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يار سول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها قال أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه قال نعم قال فدين الله أحق أن يقضى وفي رواية قال جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم أفأصوم عنها قال أرأيت لو كان على أمك دينلفقضيته كان يؤدى ذلك عنها قالت نعم قال صومي عن أمك متفق عليهن وعن ابن عباس أن سعد بن عبادة الأنصاري استفتى النبي صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه فأفتاه أن يقضيه فكانت سنة بعد وعنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو كان عليها دين أكنت قاضيه قال نعم قال فاقض الله فهو أحق بالقضاء رواهما البخاري وهذا صريح في الصوم والحج ومطلق في النذر وما عدا المذكور في الحديث يقاس عليه وحديث ابن عمر في الصوم الواجب بأصل الشرع ويتعين حمله عليه جمعا بين الحديثين ولو قدر التعارض لكانت أحاديثنا أصح وأكثر وأولى بالتقديم

إذا ثبت هذا فإن الأولى أن يقضي النذر عنه وارثه فإن قضاه غيره أجزأه عنه كما لو قضى عنه دينه فإن النبي صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين وقاسه عليه ولأن ما يقضيه الوارث إنما هو تبرع منه وغيره مثله في التبرع وإن كان النذر في مال تعلق بتركته

فصل ومن نذر أن يطوف على أربع فعليه طوافان قال ذلك ابن عباس لما روى معاوية بن خديج الكندي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أمه كبشة بنت معد يكرب عمة الأشعث بن قيس فقال يا رسول الله إني آليت أن أطوف بالبيت حبوا فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم طوفي على رجليك سبعين سبعا عن يديك وسبعا عن رجليك أخرجه الدارقطني بإسناده

وقال ابن عباس في امرأة نذرت أن تطوف بالبيت على أربع قال تطوف عن يديها سبعا وعن رجليها سبعا رواه سعيد والقياس أن يلزمه طواف واحد على رجليه ولا يلزمه ذلك على يديه لأنه غير مشروع فيسقط كما أن أخت عقبة نذرت أن تحج غير مختمرة فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحج وتختمر

وروى عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فحانت منه نظرة فإذا امرأة ناشرة شعرها فقال مروها فلتختمر


88

ومر برجلين مقترنين فقال أطلقا قرانكما وقد ذكرنا حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن يصوم ويفعل أشياء فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالصوم وحده ونهاه عن سائر نذوره

وهل تلزمه كفارة يخرج فيه وجهان بناء على ما تقدم

وقياس المذهب لزوم الكفارة لإخلاله بصفة نذره وإن كان غير مشروع كما لو كان أصل النذر غير مشروع

وأما وجه الأول فلأن من نذر الطواف على أربع فقد نذر الطواف على يديه ورجليه فأقيم الطواف الثاني مقام طوافه على يديه

فصل فإن نذر صوم الدهر لزمه ولم يدخل في نذره رمضان ولا أيام العيد والتشريق فإن أفطر لعذر أو غيره لم يقضه لأن الزمن مستغرق بالصوم المنذور ولكن تلزمه كفارة لتركه وإن لزمه قضاء من رمضان أو كفارة قدمه على النذر لأنه واجب بأصل الشرع فقدم على ما أوجبه على نفسه كتقديم حجة الإسلام على المنذورة فإذا لزمته كفارة لتركه صوم يوم أو أكثر وكانت كفارته الصيام احتمل أن لا يجب لأنه لا يمكن التكفير إلا بترك الصوم المنذور وتركه يوجب كفارة فيفضي ذلك إلى التسلسل وترك المنذور بالكلية ويحتمل أن تجب الكفارة ولا تجب بفعلها كفارة لأن ترك النذر لعذر لا يوجب كفارة فلا يفضي إلى التسلسل

فصل وصيغة النذر أن يقول لله علي أن أفعل كذا وإن قال علي نذر كذا لزمه أيضا لأنه صرح بلفظ النذر

وإن قال إن شفاني الله فعلي صوم شهر كان نذرا وإن قال لله عليه المشي إلى بيت الله قال ابن عمر في الرجل يقول علي المشي إلى الكعبة لله قال هذا نذر فليمش ونحوه عن القاسم بن محمد ويزيد بن إبراهيم التيمي ومالك وجماعة من العلماء واختلف فيه عن سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد فروي عنهما مثل قولهم وروي عنهما فيمن قال علي المشي إلى بيت الله فليس بشيء إلا أن يقول علي نذر مشي إلى بيت الله

ولنا أن لفظة علي للإيجاب على نفسه فإذا قال علي المشي إلى بيت الله فقد أوجبه على نفسه فلزمه كما لو قال هو علي نذر والله أعلم


89

كتاب القضاء

الأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة والإجماع

أما الكتاب فقول الله تعالى يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ص 26 وقول الله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله المائدة 49 وقوله وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم النور 48 وقوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما النساء 65 وأما السنة فما روى عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر متفق عليه في آي وأخبار سوى ذلك كثيرة وأجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس

فصل والقضاء من فروض الكفايات لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه فكان واجبا عليهم كالجهاد والإمامة قال أحمد لا بد للناس من حاكم أتذهب حقوق الناس وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به وأداء الحق فيه ولذلك جعل الله فيه أجرا مع الخطأ وأسقط عنه حكم الخطأ ولأن فيه أمرا بالمعروف ونصرة المظلوم وأداء الحق إلى مستحقه وردا للظالم عن ظلمه وإصلاحا بين الناس وتخليصا لبعضهم من بعض وذلك من أبواب القرب ولذلك تولاه النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله فكانوا يحكمون لأممهم وبعث عليا إلى اليمن قاضيا وبعث أيضا معاذا قاضيا

وقد روي عن ابن مسعود أنه قال لأن أجلس قاضيا بين اثنين أحب إلي من عبادة سبعين سنة وعن عقبة بن عامر قال جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اقض بينهما قلت أنت أولى بذلك قال وإن كان قلت علام أقضي قال اقض فإن أصبت فلك عشرة أجور وإن أخطأت فلك أجر واحد رواه سعيد في سننه

فصل وفيه خطر عظيم ووزر كبير لمن لم يؤد الحق فيه ولذلك كان السلف رحمه الله عليهم يمتنعون منه أشد الامتناع ويخشون على أنفسهم خطره

قال خاقان بن عبد الله أريد أبو قلابة على قضاء البصرة فهرب إلى اليمامة فأريد على قضائها فهرب إلى الشام فأريد على قضائها وقيل ليس ها هنا غيرك قال فأنزلوا الأمر على ما قلتم فإنما مثلي مثل سابح وقع في البحر فسبح يومه فانطلق ثم سبح اليوم الثاني فمضى أيضا فلما كان اليوم الثالث فترت يداه

وكان يقال أعلم الناس بالقضاء أشدهم له كراهة

ولعظم خطره قال النبي صلى الله عليه وسلم من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين قال الترمذي هذا حديث


90

حسن

وقيل في هذا الحديث إنه لم يخرج مخرج الذم للقضاء وإنما وصفه بالمشقة فكأن من وليه قد حمل على مشقة كمشقة الذبح

فصل والناس في القضاء على ثلاثة أضرب

منهم من لا يجوز له الدخول فيه وهو من لا يحسنه ولم تجتمع فيه شروطه فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال القضاة ثلاثة ذكر منهم رجلا قضى بين الناس بجهل فهو في النار ولأن من لا يحسنه لا يقدر على العدل فيه فيأخذ الحق من مستحقه فيدفعه إلى غيره ومنهم من يجوز له ولا يجب عليه وهو من كان من أهل العدالة والاجتهاد ويوجد غيره مثله فله أن يلي القضاء بحكم حاله وصلاحيته ولا يجب عليه لأنه لم يتعين له وظاهر كلام أحمد أنه لا يستحب له الدخول فيه لما فيه من الخطر والغرر وفي تركه من السلامة ولما ورد فيه من التشديد والذم ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي وقد أراد عثمان رضي الله عنه تولية ابن عمر القضاء فأباه وقال أبو عبد الله بن حامد إن كان رجلا خاملا لا يرجع إليه في الأحكام ولا يعرف فالأولى له توليه ليرجع إليه في الأحكام ويقوم به الحق وينتفع به المسلمون وإن كان مشهورا في الناس بالعلم يرجع إليه في تعليم العلم والفتوى فالأولى الاشتغال بذلك لما فيه من النفع مع الأمن من الغرر ونحو هذا قال أصحاب الشافعي وقالوا أيضا إذا كان ذا حاجة وله في القضاء رزق فالأولى له الاشتغال به فيكون أولى من سائر المكاسب لأنه قربة وطاعة وعلى كل حال فإنه يكره للإنسان طلبه والسعي في تحصيله لأن أنسا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها متفق عليه

الثالث من يجب عليه وهو من يصلح للقضاء ولا يوجد سواه فهذا يتعين عليه لأنه فرض كفاية لا يقدر على القيام به غيره فيتعين عليه كغسل الميت وتكفينه

وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه لا يتعين عليه فإنه سئل هل يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره قال لا يأثم فهذا يحتمل أنه يحمل على ظاهره في أنه لا يجب عليه لما فيه من الخطر بنفسه فلا يلزمه الإضرار بنفسه لنفع غيره ولذلك امتنع أبو قلابة منه وقد قيل له ليس غيرك

ويحتمل أن يحمل على من لم يمكنه القيام بالواجب لظلم السلطان أو غيره فإن أحمد قال لا بد للناس من حاكم أتذهب حقوق الناس فصل ويجوز للقاضي أخذ الرزق ورخص فيه شريح وابن سيرين والشافعي وأكثر أهل العلم


91

وروي عن عمر رضي الله عنه أنه استعمل زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقا ورزق شريحا في كل شهر مائة درهم وبعث إلى الكوفة عمارا وعثمان بن حنيف وابن مسعود ورزقهم كل يوم شاة نصفها لعمار ونصفها لابن مسعود وعثمان وكان ابن مسعود قاضيهم ومعلمهم وكتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام أن انظرا رجالا من صالحي من قبلكم فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم وارزقوهم واكفوهم من مال الله

وقالأبو الخطاب يجوزل له أخذ الرزق مع الحاجة فأما مع عدمها فعلى وجهين وقال أحمد ما يعجبني أن يأخذ على القضاء أجرا وإن كان فبقدر شغله مثل ولي اليتيم وكان ابن مسعود والحسن يكرهان الأجر على القضاء وكانمسروق وعبد الرحمن بن القاسم بن عبد الرحمن لا يأخذان عليه أجرا وقالا لا نأخذ أجرا على أن نعدل بين اثنين وقال أصحاب الشافعي إن لم يكن متعينا جاز له أخذ الرزق عليه وإن تعين لم يجز إلا مع الحاجة والصحيح جواز أخذ الرزق عليه بكل حال لأنأبا بكر رضي الله عنه لما ولي الخلافة فرضوا له الرزق كل يوم درهيمن ولما ذكرناه من أن عمر رزق زيدا وشريحا وابن مسعود وأمر بفرض الرزق لمن تولى من القضاة ولأن بالناس حاجة إليه ولو لم يجز فرض الرزق لتعطل وضاعت الحقوق فأما الإستئجار عليه فلا يجوز قال عمر رضي الله عنه لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرا وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا وذلك لأنه قربة يختص فاعله أن يكون في أهل القرية فأشبه الصلاة ولأنه لا يعمله الإنسان عن غيره وإنما يقع عن نفسه فأشبه الصلاة ولأنه عمل غير معلوم فإن لم يكن للقاضي رزق فقال للخصمين لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقا عليه جاز ويحتمل أن لا يجوز

فصل وإذا كان الإمام في بلد فعليه أن يبعث القضاة إلى الأمصار غير بلده فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا قاضيا إلى اليمن وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن أيضا وقال له بم تحكم قال بكتاب الله تعالى قال فإن لم تجد قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد قال أجتهد رأيي قال الحمد لله الذي ولفق رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث عمر شريحا على قضاء الكوفة وكعب بن سوار على قضاء البصرة وكتب إلى عبيدة ومعاذ يأمرهما بتولية القضاء في الشام لأن أهل كل بلد يحتاجون إلى القاضي ولا يمكنهم المصير إلى بلد الإمام ومن أمكنه ذلك شق عليه فوجب إغناؤهم عنه

فصل وإذا أراد الإمام تولية قاض فإن كان له خبرة بالناس ويعرف من يصلح للقضاء ولاه وإن لم يعرف ذلك سأل أهل المعرفة بالناس واسترشدهم على من يصلح وإن ذكر له رجل لا يعرفه أحضره وسأله وإن عرف عدالته وإلا بحث عن عدالته فإذا عرفها ولاه ويكتب له عهدا يأمره فيه بتقوى الله والتثبت في القضاء ومشاورة أهل العلم وتصفح أحوال الشهود وتأمل الشهادات وتعاهد اليتامى وحفظ أموالهم وأموال الوقوف وغير ذلك مما يحتاج إلى مراعاته ثم إن كان البلد الذي ولاه قضاءه بعيدا لا يستفيض إليه الخبر بما يكون في بلد الإمام أحضر


92

شاهدين عدلين وقرأ عليهما العهد أو أقرأه غيره بحضرته وأشهدهما على توليته لميضيا معه إلى بلد ولايته فيقيما له الشهادة ويقول لهما اشهدا على أني قد وليته قضاء البلد الفلاني وتقدمت إليه بما اشتمل هذا العهد عليه وإن كان البلد قريبا من بلد الإمام يستفيض إليه ما يجري في بلد الإمام مثل أن يكون بينهما خمسة أيام أو ما دونها جاز أن يكتفي بالإستفاضة دون الشهادة لأن الولاية تثبت بالاستفاضة وبهذا قال الشافعي إلا أن عنده في ثبوت الولاية بالإستلفاضة في البلد القريب وجهين وقال أصحاب أبي حنيفة تثبت بالاستفاضة ولم يفصلوا بين القريب والبعيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم ولى عليا ومعاذا قضاء اليمن وهو بعيد من غير شهادة وولى الولاة في البلدان البعيدة وفوض إليهم الولاية والقضاء ولم يشهد وكذلك خلفاؤه ولم ينقل منهم الإشهاد على توليه القضاء مع بعد بلدانهم

ولنا أن القضاء لا يثبت إلا بأحد الأمرين وقد تعذرت الإستفاضة في البلد البعيد لعدم وصولها إليه فتعين الإشهاد ولا نسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشهد على توليته فإن الظاهر أنه لم يبعث واليا إلا ومعه جماعة فالظاهر أنه أشهدهم وعدم نقله لا يلزم منه عدم فعله وقد قام دليله فتعين وجوده

مسألة

قالأبو القاسم رحمه الله تعالى ( ولا يولى قاض حتى يكون بالغا عاقلا مسلما حرا عدلا عالما فقيها ورعا )

وجملته أنه يشترط في القاضي ثلاثة شروط أحدها الكمال وهو نوعان كمال الأحكام وكمال الخلقة أما كمال الأحكام فيعتبر في أربعة أشياء أن يكون بالغا عاقلا حرا ذكرا وحكي عن ابن جرير أنه لا تشترط الذكورية لأن المرأة يجوز أن تكون مفتية فيجوز أن تكون قاضية وقال أبو حنيفة يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود لأنه يجوز أن تكون شاهدة فيه

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ولأن القاضي يحضره محافل الخصوم والرجال ويحتاج فيه إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي ليست أهلا للحضور في محافل الرجال ولا تقبل شهادتها ولو كان معها ألف امرأة مثلها ما لم يكن معهن رجل وقد نبه الله تعالى على ضلالهن ونسيانهن بقوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى البقرة 282 ولا تصلح للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان ولهذا لم يول النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد فيما بلغنا ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالبا وأما كمال الخلقة فأن يكون متكلما سميعا بصيرا لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم ولا يفهم جميع الناس إشارته والأصم لا يسمع قول الخصمين والأعمى لا يعرف المدعي من المدعى عليه والمقر له من المقر والشاهد من


93

المشهود له وقال بعض أصحاب الشافعي يجوز أن يكون أعمى لأن شعيبا كان أعمى ولهم في الأخرس الذي تفهم إشارته وجهان

ولنا أن هذه الحواس تؤثر في الشهادة فيمنع فقدها ولاية القضاء كالسمع وهذا لأن منصب الشهادة دون منصب القضاء والشاهد يشهد في أشياء يسيرة يحتاج إليها فيها وربما أحاط بحقيقة علمها والقاضي ولايته عامة ويحكم في قضايا الناس عامة فإذا لم يقبل منه الشهادة فالقضاء أولى وما ذكروه عن شعيب فلا نسلم فيه فإنه لم يثبت أنه كان أعمى ولو ثبت فيه ذلك فلا يلزم ها هنا فإن شعيبا عليه السلام كان من آمن معه من الناس قليلا وربما لا يحتاجون إلى حكم بينهم لقلتهم وتناصفهم فلا يكون حجة في مسألتنا

الشرط الثاني العدالة فلا يجوز تولية فاسق ولا من فيه نقص يمنع الشهادة وسنذكر ذلك في الشهادة إن شاء الله تعالى وحكي عن الأصم أنه قال يجوز أن يكون القاضي فاسقا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن أوقاتها فصلوها لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم سبحة

ولنا قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا الحج 6 ) فأمر بالتبين عند قول الفاسق ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله ويجب التبين عند حكمه ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهدا فلئلا يكون قاضيا أولى فأما الخبر فأخبر بوقوع كونهم أمراء لا بمشروعيته والنزاع في صحة توليته لا في وجودها

الشرط الثالث أن يكون من أهل الاجتهاد وبهذا قال مالك والشافعي وبعض الحنفية وقال بعضهم يجوز أن يكون عاميا فيحكم بالتقليد لأن الغرض منه فصل الخصائم فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز كما يحكم بقول المقومين

ولنا قول الله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله المائدة 49 ولم يقل بالتقليد وقال لتحكم بين الناس بما أراك الله النساء 105 وقال فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى اللهه والرسول النساء وروى بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ورجل جار في الحكم فهو في النار رواه ابن ماجه والعامي يقضي على جهل ولأن الحكم آكد من الفتيا لأنه فتيا وإلزام ثم المفتي لا يجوز أن يكون عاميا مقلدا فالحكم أولى

فإن قيل فالمفتي يجوز أن يخبر بما سمع

قلنا نعم إلا أنه لا يكون مفتيا في تلك الحال وإنما هو مخير فيحتاج أن يخبر عن رجل بعينه من أهل الإجتهاد فيكون معمولا بخبره لا بفتياه ويخالف قول معرفته المقولين لأن ذلك لا يمكن الحاكم معرفته بنفسه بخلاف الحكم


94

إذا ثبت هذا فمن شرط الإجتهاد معرفة ستة أشياء الكتاب والسنة والإجماع والاختلاف والقياس ولسان العرب

أما الكتاب فيحتاج أن يعرف منه عشر أشياء الخاص والعام والمطلق والمقيد والمحكم والمتشابه والمجمل والمفسر والناسخ والمنسوخ في الآيات المتعلقة بالأحكام وذلك نحو خمسمائة

ولا يلزمه معرفة سائر القرآن

فأما السنة فيحتاج إلى معرفته ما يتعلق منها بالأحكام دون سائر الأخبار من ذكر الجنة والنار والرقائق ويحتاج أن يعرف منها ما يعرف من الكتاب ويزيد معرفة التواتر والآحاد والمرسل والمتصل والمسند والمنقطع والصحيح والضعيف ويحتاج إلى معرفة ما أجمع عليه وما اختلف فيه ومعرفة القياس وشروطه ويحتاج إلى معرفة ما أجمع عليه وما اختلف فيه ومعرفة القياس وشروطه وأنواعه وكيفية استنباطه الأحكام ومعرفة لسان العرب فيما يتعلق بما ذكرنا ليتعرف به استنباط الأحكام من أصناف علوم الكتاب والسنة وقد نص أحمد على اشتراط ذلك للفتيا والحكم في معناه فإن قيل هذه شروط لا تجتمع فكيف يجوز اشتراطها قلنا ليس من شرطه أن يكون محيطا بهذه العلوم إحاطة تجمع أقصاها وإنما يحتاج إلى أن يعرف من ذلك ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة ولسان العرب ولا أن يحيط بجميع الأخبار الواردة في هذا فقد كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب خليفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيراه وخير الناس بعده في حال إمامتهما يسأنلا عن الحكم فلا يعرفان ما فيه من السنة يسألا الناس فيخبرا فسئل أبو بكر عن ميراث الجدة فقال مالك في كتاب الله شيء ولا أعلم لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ولكن ارجعي حتى أسأل الناس ثم قام فقال أنشد الله من يعلم قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجدة فقام المغيرة بن شعبة فقال أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس

وسألعمر عن إملاص المرأة فأخبرهالمغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة ولا يشترط معرفة المسائل التي فرعها المجتهدون في كتبهم فإن هذه فروع فرعها الفقهاء بعد حيازة منصب الإجتهاد فلا تكون شرطا له وهو سابق عليها وليس من شرط الاجتهاد في مسألة أن يكون مجتهدا في كل المسائل بل من عرف أدلة مسألة وما يتعلق بها فهو مجتهد فيها وإن جهل غيرها كمن يعرف الفرائض وأصولها ليس من شرط اجتهاده فيها معرفته بالبيع ولذلك ما من إمام إلا وقد توقف في مسائل وقيل من يجيب في كل مسألة فهو مجنون وإذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله

وحكي أنمالكا سئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين منها لا أدري ولم يخرجه ذلك عن كونه مجتهدا وإنما المعتبر أصول هذه الأمور وهو مجموع مدون في فروع الفقه وأصوله فمن عرف ذلك ورزق فهمه كان مجتهدا له الفتيا وولاية الحكم إذا وليه والله أعلم

فصل ليس من شرط الحاكم كونه كاتبا

وقيل يشترط ذلك لعلم ما يكتبه كاتبه ولا يتمكن من إخفائه عنه

ولنا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أميا وهو سيد الحكام وليس من ضرورة الحاكم الكتابة فلا تعتبر شروطها وإن احتاج إلى ذلك جاز توليته لمن يعرفه كما أنه قد يحتاج إلى القسمة بين الناس وليس من شرطه معرفة المساحة ويحتاج إلى التقويم وليس من شرط القضاء أن يكون عالما بقيمة الأشياء ولا معرفته بعيوب كل شيء


95

فصل وينبغي أن يكون الحاكم قويا من غير عنف لينا من غير ضعف لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله ويكون حليما متأنيا ذا فطنة وتيقظ لا يؤتي من غفلة ولا يخدع لغرة صحيح السمع والبصر عالما بلغات أهل ولايته عفيفا ورعا نزها بعيدا عن الطمع صدوق اللهجة ذا رأي ومشورة لكلامه لين إذا قرب وهيبة إذا أوعد ووفاء إذا وعد ولا يكون جبارا ولا عسوفا فيقطع ذا الحجة عن حجته قال علي رضي الله عنه لا ينبغي أن يكون القاضي قاضيا حتى تكون فيه خمس خصال عفيف حليم عالم بما كان قبله يستشير ذوي الألباب لا يخاف في الله لومة لائم

وعنعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال ينبغي للقاضي أن تجتمع فيه سبع خلال إن فاتته واحدة كانت فيه وصمة العقل والفقه والورع والنزاهة والصرامة والعلم بالسنن والحكم ورواه سعيد فيه يكون فهما حليما عفيفا صلبا سآلا عما لا يعلم وفي رواية محتملا للأئمة ولا يكون ضعيفا مهينا لأن ذلك يبسط المتخاصمين إلى التهاتر والتشاتم بين يديه قال عمر رضي الله عنه لأعزلن فلانا عن القضاء ولأستعملن رجلا إذا رآه الفاجر فرقه

فصل وله أن ينتهر الخصم إذا التوى ويصيح عليه وإن استحق التعزير عزره بما يرى من أدب أو حبس

وإن افتات عليه بأن يقول حكمت علي بغير الحق أو ارتشيت فله تأديبه وله أن يعفو وإن بدأ المنكر باليمين قطعها عليه وقال البينة على خصمك فإن عاد عزره إن رأى وأمثال ذلك مما فيه إساءة الأدب فله مقابلة فاعله وله العفو

فصل وإن ولى الإمام رجلا القضاء فإن كانت ولايته في غير بلده فأراد السير إلى بلاد ولايته بحث عن قوم من أهل ذلك البلد ليسألهم عنه ويتعرف منهم ما يحتاج إلى معرفته فإن لم يجد سأل في طريقه فإن لم يجد سأل إذا دخل البلد عن أهله ومن به من العلماء والفضلاء وأهل العدالة والسير وسائر ما يحتاج إلى معرفته وإذا قرب من البلد بعث من يعلمهم بقدومه ليتلقوه ويجعل قدومه يوم الخميس إن أمكنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر قدم يوم الخميس ثم يقصد الجامع فيصلي فيه ركعتين كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إذا دخل المدينة ويسأل الله تعالى التوفيق والعصمة والمعونة وأن يجعل عمله صالحا ويجعله لوجهه خالصا ولا يجعل لأحد فيه شيئا ويفوض أمره إلى الله تعالى ويتوكل عليه ويأمر مناديه فينادي في البلد أن فلانا قدم عليكم قاضيا فاجتمعوا لقراءة عهده وقت كذا وكذا وينصرف إلى منزله الذي أعد له وينبغي أن يكون في وسط البلد ليتساوى أهل المدينة فيه ولا يشق على بعضهم قصده فإذا اجتمعوا أمر بعهده فقرىء عليهم ليعلموا التولية ويأتوا إليه ويعد الناس يوما يجلس فيه للقضاء ثم ينصرف إلى منزله وأول ما يبدأ فيه من أمر الحكم أن يبعث إلى الحاكم المعزول فيأخذ منه ديوان الحكم وهو ما فيه وثائق الناس من المحاضر وهي نسخ ما ثبت عند الحاكم والسجلات نسخ ما حكم به وما كان عنده من حجج الناس ووثائقهم مودعة في ديوان الحكم وكانت عنده بحكم الولاية فإذا انتقلت الولاية إلى غيره كان عليه تسليمها


96

إليه فتكون مودعة عنده في ديوانه ثم يخرج في اليوم الذي وعد بالجلوس فيه إلى مجلسه على أكمل حالة وأعدلها خليا من الغضب والجوع الشديد والعطش والفرح الشديد والحزن الكثير والهم العظيم والوجع المؤلم ومدافعة الأخبثين أو أحدهما والنعاس الذي يغمر القلب ليكون أجمع لقلبه وأحضر لذهنه وأبلغ في تيقظه للصواب وفطنته لموضع الرأي ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان فنص على الغضب ونبه على ما في معناه من سائر ما ذكرناه ويسلم على من يمر به من المسلمين في طريقه ويذكر الله بقلبه ولسانه حتى يأتي مجلسه ويستحب أن يجعله في موضع بارز للناس فسيح كالرحبة والفضاء الواسع أو الجامع ولا يكره القضاء في المساجد فعل ذلك شريح والحسن والشعبي ومحارب بن دثار ويحيى بن يعمر وابن أبي ليلى وابن خلدة قاض لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وروي عن عمر وعثمان وعلي أنهم كانوا يقضون في المسجد

وقال مالك القضاء في المسجد من أمر الناس القديم وبه قال مالك وإسحاق وابن المنذر وقال الشافعي يكره ذلك إلا أن يتفق خصمان عنده في المسجد

لما روي أن عمر كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن أن لا تقض في المسجد لأنه تأتيك الحائض والجنب ولأن الحاكم يأتيه الذمي والحائض والجنب وتكثر غاشيته ويجري بينهم اللغظ والتكاذب والتجاحد وربما أدى إلى السب وما لم تبن له المساجد

ولنا إجماع الصحابة بما قد رويناه عنهم وقالالشعبي رأيت عمر وهو مستند إلى القبلة يقضي بين الناس وقال مالك هو من أمر الناس القديم ولأن القضاء قربة وطاعة وإنصاف بين الناس فلم يكره في المسجد ولا نعلم صحة ما رووه عن عمر وقد روي عنه خلافه

وأما الحائض فإن عرضت لها حاجة إلى القضاء وكلت أو أتته في منزله والجنب يغتسل ويدخل والذمي يجوز دخوله بإذن مسلم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس في مسجده مع حاجة الناس إليه للحكومة والفتيا وغير ذلك من حوائجهم وكان أصحابه يطالب بعضهم بعضا بالحقوق في المسجد وربما رفعوا أصواتهم

فقد روي عن كعب بن مالك أنه قال تقاضيت ابن أبي حدرد دينا في المسجد حتى ارتفعت أصواتنا فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فأشار إلي أن ضع من دينك الشطر فقلت نعم يا رسول الله قال فقم فاقضه وينبغي أن يكون جلوسه في وسط البلد لئلا يبعد على قاصديه ولا يتخذ حاجبا يحجب الناس عن الوصول إليه لما روى القاسم بن مخيمرة عن أبي مريم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ولي من أمور الناس شيئا واحتجب دون حاجتهم احتجب الله دون حاجته وفاقته وفقره رواه الترمذي ولأن حاجبه ربما قدم المتأخر وأخر المتقدم لغرض له وربما كسرهم بحجبهم والإستئذان لهم ولا بأس باتخاذ حاجب في غير مجلس القضاء ويبسط له شيء ولا يجلس على التراب ولا على حصير المسجد لأن ذلك يذهب بهيبته من أعين الخصوم ويجعل جلوسه مستقبل القبلة لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة وهذه الآداب المذكورة في هذا الفصل ليست شرطا في الحكم إلا الخلو من الغضب وما في معناه فإن في اشتراطه روايتين


97

فصل وإذا جلس الحاكم في مجلسه فأول ما ينظر فيه أمر المحبوسين لأن الحبس عذاب وربما كان فيهم من لا يستحق البقاء فيه فينفذ إلى حبس القاضي الذي كان قبله ثقة يكتب اسم كل محبوس وفيم حبس ولمن حبس فيحمله إليه فيأمر مناديا ينادي في البلد ثلاثة أيام ألا إن القاضي فلان بن فلان ينظر في أمر المحبوسين يوم كذا فمن كان له محبوس فليحضر فإذا حضر ذلك اليوم وحضر الناس ترك الرقاع التي فيها اسم المحبوسين بين يديه ومد يده إليها فما وقع في يده منها نظر إلى اسم المحبوس وقال من خصم فلان المحبوس فإذا قال خصمه أنا بعث معه ثقة إلى الحبس فأخرج خصمه وحضر معه مجلس الحكم ويفعل ذلك في قدر ما يعلم أنه يتسع زمانه للنظر فيه في ذلك المجلس ولا يخرج غيرهم فإذا حضر المحبوس وخصمه لم يسأل خصمه لم حبسته لأن الظاهر أن الحاكم إنما حبسه بحق لكن يسأل المحبوس بم حبست ولا يخلو جوابه من خمسة أقسام أحدها أن يقول حبسني بحق له حال أنا مليء فيقول له الحاكم اقضه وإلا رددتك في الحبس

الثاني أن يقول له علي دين أنا معسر به فيسأل خصمه فإن صدقه فلسه الحاكم وأطلقه وإن كذبه نظر في سبب الدين فإن كان شيئا حصل له به مال كقرض أو شراء لم يقبل قوله في الإعسار إلا ببينة بأن ماله تلف أو نفد أو ببينة أنه معسر فيزول الأصل الذي ثبت ويكون القول قوله فيما يدعيه عليه من المال وإن لم يثبت له أصل مال ولم تكن لخصمه بينة بذلك فالقول قول المحبوس مع يمينه أنه معسر لأن الأصل الإعسار وإن شهدت لخصمه بينة بأن له مالا لم تقبل حتى تعين ذلك المال بما يتميز به فإن شهدت عليه البينة بدار معينة أو غيرها وصدقها فلا كلام وإن كذبها وقال ليس هذا لي وإنما هو في يدي لغيري لم يقبل إلا أن يقر به إلى واحد بعينه فإن كان الذي أقر له به حاضرا نظرت فإن كذبه في إقراره سقط وقضى من المال دينه وإن صدقه نظرت فإن كان له به بينة فهو أولى لأن له بينة وصاحب اليد يقر له به وإن لم تكن له بينة فذكر القاضي أنه لا يقبل قولهما ويقضي الدين منه لأن البينة شهدت لصاحب اليد بالملك فتضمنت شهادتها وجوب القضاء منه فإذا لم تقبل شهادتها في حق نفسه قبلت فيما تضمنته لأنه حق لغيره ولأنه متهم في إقراره لغيره لأنه قد يفعل ذلك ليخلص ماله ويعود إليه فتلحقه تهمة فلم تبطل البينة بقوله وفيه وجه آخر يثبت الإقرار وتسقط البينة لأنها تشهد بالملك لمن لا يدعيه وينكره

الجواب الثالث أن يقول حبسني لأن البينة شهدت علي لخصمي بحق ليبحث عن حال الشهود فهذا ينبني على أصل وهو أن الحاكم هل له ذلك أو لا فيه وجهان أحدهما ليس له ذلك لأن الحبس عذاب فلا يتوجه عليه قبل ثبوت الحق عليه فعلى هذا لا يرده إلى الحبس إن صدقه خصمه في هذا

والثاني يجوز حبسه لأن المدعي قد أقام ما عليه وإنما بقي ما على الحاكم من البحث ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين فعلى هذا الوجه يرده إلى الحبس حتى يكشف عن حال شهوده وإن كذبه خصمه وقال بل قد عرف


98

الحاكم عدالة شهودي وحكم عليه بالحق فالقول قوله لأن الظاهر أن حبسه بحق

الجواب الرابع يقول حبسني الحاكم بثمن كلب أو قيمة خمر أرقته لذمي لأنه كان يرى ذلك فإن صدقه خصمه فذكر القاضي أنه يطلقه لأن غرم هذا ليس بواجب وفيه وجه آخر أن الحاكم ينفذ حكم الحاكم الأول لأنه ليس له نقض حكم غيره باجتهاده وفيه وجه آخر أنه يتوقف ويجتهد أن يصطلحا على شيء لأنه لا يمكنه فعل أحد الأمرين المتقدمين وللشافعي قولان كهذين الوجهين الأخيرين وإن كذبه خصمه وقال بل حبست بحق واجب غير هذا فالقول قوله لأن الظاهر حبسه بحق

الجواب الخامس أن يقول حبست ظلما ولا حق علي فينادي منادي الحاكم بذكر ما قاله فإن حضر رجل فقال أنا خصمه فأنكره وكانت للمدعي بينة كلف الجواب على ما مضى وإن لم تكن له بينة أو لم يظهر له خصم فالقول قوله مع يمينه أنه لا خصم له أو لا حق عليه ويخلي سبيله

فصل ثم ينظر في أمر الأوصياء لأنهم يكونون ناظرين في أموال اليتامى والمجانين وتفرقة الوصية بين المساكين فيقصدهم الحاكم بالنظر لأن المنظور عليه لا يمكنه المطالبة بحقه فإن الصغير والمجنون لا قول لهما والمساكين لا يتعين الأخذ منهم فإذا قدم إليه الوصي فإن كان الحاكم قبله نفذ وصيته لم يعزله لأن الحاكم ما نفذ وصيته إلا وقد عرف أهليته في الظاهر ولكن يراعيه فإن تغيرت حاله بفسق أو ضعف أضاف إليه أمينا قويا يعينه وإن كان الأول ما نفذ وصيته نظر فيه فإن كان أمينا قويا أقره وإن كان أمينا ضعيفا ضم إليه من يعينه وإن كان فاسقا عزله وأقام غيره وعلى قول الخرقي يضم إليه أمين ينظر عليه وإن كان قد تصرف أو فرق الوصية وهو أهل للوصية نفذ تصرفه وإن كان ليس بأهل وكان أهل الوصية بالغين عاقلين معينين صح الدفع إليهم لأنهم قبضوا حقوقهم وإن كانوا غير معينين كالفقراء والمساكين ففيه وجهان أحدهما عليه الضمان ذكره القاضي وأصحاب الشافعي لأنه ليس له التصرف

والثاني لا ضمان عليه لأنه أوصله إلى أهله وكذلك إن فرق الوصية غير الموصى إليه بتفريقها فعلى وجهين

فصل ثم ينظر في أمناء الحاكم وهم من رد إليهم الحاكم النظر في أمر الأطفال وتفرقة الوصايا التي لم يعين لها وصي فإن كانوا بحالهم أقرهم لأن الذي قبله ولاهم ومن تغير حاله منهم عزله إن فسق وإن ضعف ضم إليه أمينا

فصل ثم ينظر في أمر الضوال واللقطة التي تولى الحاكم حفظها فإن كانت مما يخاف تلفه


99

كالحيوان أو في حفظه مؤنة كالأموال الجافية باعها وحفظ ثمنها لأربابها وإن لم تكن كذلك كالأثمان حفظها لأربابها ويكتب عليها لتعرف

مسألة

قال ( ولا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان )

لا خلاف بين أهل العلم فيما علمناه في أن القاضي لا ينبغي له أن يقضي وهو غضبان كره ذلك شريح وعمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة والشافعي وكتب أبو بكرة إلى عبد الله بن أبي بكرة وهو قاض بسجستان أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان متفق عليه وكتبعمر رضي الله عنه إلى أبي موسى إياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر لهم عند الخصومة فإذا رأيت الخصم يتعمد الظلم فأوجع رأسه ولأنه إذا غضب تغير عقله ولم يستوف رأيه وفكره وفي معنى الغضب كل ما شغل فكره من الجوع المفرط والعطش الشديد والوجع المزعج ومدافعة أحد الأخبثين وشدة النعاس والهم والغم والحزن والفرح فهذه كلها تمنع الحاكم لأنها تمنع حضور القلب واستيفاء الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب فهي في معنى الغضب المنصوص عليه فتجري مجراه فإن حكم في الغضب أو ما شاكله فحكي عن القاضي أنه لا ينفذ قضاؤه لأنه منهي عنه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه وقال في المجرد ينفذ قضاؤه وهو مذهب الشافعي لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم اختصم إليه الزبير ورجل من الأنصار في شراج الحرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير اسق ثم أرسل الماء إلى جارك

فقال الأنصاري إن كان ابن عمتك فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للزبير اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر متفق عليه فحكم في حال غضبه وقيل إنما يمنع الغضب الحاكم إذا كان قبل أن يتضح له الحكم في المسألة فأما إن اتضح الحكم ثم عرض الغضب لم يمنعه لأن الحق قد استبان قبل الغضب فلا يؤثر الغضب فيه

مسألة

قال ( وإذا نزل به الأمر المشكل عليه مثله شاور فيه أهل العلم والأمانة )

وجملته أن الحاكم إذا حضرته قضية تبين له حكمها في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله أو إجماع أو قياس جلي حكم ولم يحتج إلى رأي غيره لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن بم تحكم قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد قال أجتهد برأيي قال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن احتاج إلى الاجتهاد استحب له أن يشاور لقول الله تعالى وشاورهم في الأمر آل عمران 159 قال الحسن إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لغنيا عن مشاورتهم وإنما أراد أن يستن بذلك الحكام بعده وقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أسارى بدر وفي مصالحة الكفار يوم الخندق وفي لقاء الكفار يوم بدر

وروي ما كان أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاورأبو بكر الناس في ميراث الجدة وعمر في


100

دية الجنين وشاور الصحابة في حد الخمر

وروي أن عمر كان يكون عنده جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف إذا نزل به الأمر شاورهم فيه ولا مخالف في استحباب ذلك قال أحمد لما ولي سعيد بن إبراهيم قضاء المدينة كان يجلس بين القاسم وسالم يشاورهما وولي محارب بن دثار قضاء الكوفة فكان يجلس بين الحكم وحماد يشاورهما ما أحسن هذا لو كان الحكام يفعلونه يشاورون وينتظرون ولأنه قد ينتبه بالمشاورة ويتذكر ما نسيه بالمذاكرة ولأن الإحاطة بجميع العلوم متعذرة وقد ينتبه لإصابة الحق ومعرفة الحادثة من هو دون القاضي فكيف بمن يساويه أو يزيد عليه فقد روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه جاءته الجدتان فورث أم الأم وأسقط أم الألب فقال له عبد الرحمن بن سهل يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أسقطت التي لو ماتت ورثها ورثت التي لو ماتت لم يرثها فرجع أبو بكر فأشرك بينهما

وروى عمر بن شبة عن الشعبي أن كعب بن سوار كان جالسا عند عمر فجاءته امرأة فقالت يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي والله إنه ليبيت ليله قائما ويظل نهاره صائما في اليوم الحار ما يفطر فاستغفر لها وأثنى عليها وقال مثلك أثنى الخير قال واستحيت المرأة فقامت راجعة فقال كعب يا أمير المؤمنين هلا أعديت المرأة على زوجها قال وما شكت قال زوجها أشد الشكاية قال أو ذاك أرادت قال نعم قال ردوا علي المرأة فقال لا بأس بالحق أن تقوليه إن هذا زعم أنك جئت تشكين زوجك أنه يجتنب فراشك قالت أجل إني امرأة شابة وإني لأبتغي ما يبتغي النساء فأرسل إلى زوجها فجاء فقال لكعب اقض بينهما قال أمير المؤمنين أحق أن يقضي بينهما قال عزمت عليك لتقضين بينهما فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهم قال فإني أرى كأنها عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن فاقضي له بثلاثة أيام بلياليهن يتعبد فيهن ولها يوم وليلة فقال عمر والله ما رأيك الأول أعجب إلي من الآخر اذهب فأنت قاض على البصرة

إذا ثبت هذا فإنه يشاور أهل العلم والأمانة

لأن من ليس كذلك فلا قول له في الحادثة ولا يسكن إلى قوله قال سفيان وليكن أهل مشورتك أهل التقوى وأهل الأمانة ويشاور الموافقين والمخالفين ويسألهم عن حجتهم ليبين له الحق

فصل والمشاورة ها هنا لاستخراج الأدلة ويعرف الحق بالاجتهاد ولا يجوز أن يقلد غيره ويحكم بقول سواه سواء ظهر له الحق فخالفه غيره فيه أو لم يظهر له شيء وسواء ضاق الوقت أو لم يضق وكذلك ليس للمفتي الفتيا بالتقليد وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة إذا كان الحاكم من أهل الإجتهاد جاز له ترك رأيه لرأي من هو أفقه منه عنده إذا صار إليه فهو ضرب من الاجتهاد ولأنه يعتقد أنه أعرف منه بطريق الاجتهاد

ولنا أنه من أهل الاجتهاد فلم يجز له تقليد غيره كما لو كان مثله كالمجتهدين في القبلة وما ذكره ليس بصحيح فإن من هو أفقه منه يجوز عليه الخطأ فإذا اعتقد أن ما قاله خطأ لم يجز له أن يعمل به وإن كان لم يبن له الحق فلا يجوز له أن يحكم بما يجوز أن يبين له خطؤه إذا اجتهد


101

فصل قال أصحابنا يستحب أن يحضر مجلسه أهل العلم من كل مذهب حتى إذا حدثت حادثة يفتقر إلى أن يسألهم عنها سألهم ليذكروا أدلتهم فيها وجوابهم عنها فإنه أسرع لاجتهاده وأقرب لصوابه فإن حكم باجتهاده فليس لأحد منهم أن يرد عليه وإن خالف اجتهاده لأن فيه افتياتا عليه إلا أن يحكم بما يخالف نصا أو إجماعا

فصل وينبغي له أن يحضر شهوده مجلسه ليستوفي بهم الحقوق وتثبت بهم الحجج والمحاضر فإن كان ممن يحكم بعلمه فإن شاء أدناهم إليه وإن شاء باعدهم منه بحيث إذا احتاج إلى إشهادهم على حكمه استدعاهم ليشهدوا بذلك وإن كان ممن لا يحكم بعلمه أجلسهم بالقرب منه حتى يسمعوا كلام المتخاصمين لئلا يقر منهم مقر ثم ينكر ويجحد فيحفظوا عليه إقراره ويشهدوا به

فصل وإذا اتصلت به الحادثة واستنارت الحجة لأحد الخصمين حكم وإن كان فيها لبس أمرهما بالصلح فإن أبيا أخرهما إلى البيان فإن عجلها قبل البيان لم يصلح حكمه

وممن رأى الإصلاح بين الخصمين شريح وعبد الله بن عتبة وأبو حنيفة والشعبي والعنبري وروي عن عمر أنه قال ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن قال أبو عبيد إنما يسعه الصلح في الأمور المشكلة

أما إذا استنارت الحجة لأحد الخصمين وتبين له موضع الظالم فليس له أن يحملهما على الصلح ونحوه قول عطاء واستحسنه ابن المنذر وروي عن شريح أنه ما أصلح بين متحاكمين إلا مرة واحدة

فصل وإذا حدثت حادثة نظر في كتاب الله فإن وجدها وإلا نظر في سنة رسوله فإن لم يجدها نظر في القياس فألحقها بأشبه الأصول بها لما ذكرنا من حديث معاذ بن جبل وهو حديث يرويه عمرو بن الحارث ابن أخي المغيرة بن شعبة عن رجال من أصحاب معاذ من أهل حمص وعمرو والرجال مجهولون إلا أنه حديث مشهور في كتب أهل العلم رواه سعيد بن منصور والإمام أحمد وغيرهما وتلقاه العلماء بالقبول وجاء عن الصحابة من قولهم ما يوافقه فروى سعيد أن عمر قال لشريح أنظر ما يتبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا وما لا يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه السنة وما لم يتبين لك في السنة فاجتهد فيه رأيك وعن ابن مسعود مثل ذلك

مسألة

قال ( ولا يحكم الحاكم بعلمه )

ظاهر المذهب أن الحاكم لا يحكم بعلمه في حد ولا غيره لا فيما علمه قبل الولاية ولا بعدها هذا قول شريح والشعبي ومالك وإسحاق وأبي عبيد ومحمد بن الحسن وهو أحد قولي الشافعي

وعن أحمد رواية أخرى يجوز له ذلك وهو قول أبي يوسف وأبي ثور والقول الثاني للشافعي واختيار المزني لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت له هند إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي قال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فحكم لها من غير بينة ولا إقرار لعلمه بصدقها


102

وروى ابن عبد البر في كتابه أن عروة ومجاهدا رويا أن رجلا من بني مخزوم استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب أنه ظلمه حدا في موضع كذا وكذا وقال عمر إني لأعلم الناس بذلك وربما لعبت أنا وأنت فيه ونحن غلمان فأتني بأبي سفيان فأتاه به فقال له عمر يا أبا سفيان انهض بنا إلى موضع كذا وكذا فنهضوا ونظر عمر فقال يا أبا سفيان خذ هذا الحجر من هاهنا فضعه ها هنا فقال والله لا أفعل فقال والله لتفعلن فقال والله لا أفعل فعلاه بالدرة وقال خذه لا أم لك فضعه ها هنا فإنك ما علمت قديم الظلم

فأخذ أبو سفيان الحجر ووضعه حيث قال عمر ثم إن عمر استقبل القبلة فقال اللهم لك الحمد حيث لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه وأذللته لي بالإسلام قال فاستقبل القبلة أبو سفيان وقال اللهم لك الحمد إذا لم تمتني حتى جعلت في قلبي من الإسلام ما أذل به لعمر

قالوا فحكم بعلمه ولأن الحاكم يحكم بالشاهدين لأنهما يغلبان على الظن فما تحققه وقطع به كان أولى ولأنه يحكم بعلمه في تعديل الشهود وجرحهم فكذلك في ثبوت الحق قياسا عليه

وقال أبو حنيفة ما كان من حقوق الله لا يحكم فيه بعلمه لأن حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة والمسامحة وأما حقوق الآدميين فما علمه قبل ولايته لم يحكم به وما علمه في ولايته حكم به لأن ما علمه قبل ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود قبل ولايته وما علمه في ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود في ولايته

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فدل على أنه إنما يقضي بما يسمع لا بما يعلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الحضرمي والكندي شاهداك أو يمينه ليس لك منه إلا ذاك

وروي عن عمر رضي الله عنه أنه تداعى عنده رجلان فقال له أحدهما أنت شاهدي فقال إن شئتما شهدت ولم أحكم أو أحكم ولا أشهد

وذكر ابن عبد البر في كتابه عن عائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم على الصدقة فلاحاه رجل في فريضة فوقع بينهما شجاج فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم الأرش ثم قال إني خاطب الناس ومخبرهم أنكم قد رضيتم أرضيتم قالوا نعم فصعد النبي صلى الله عليه وسلم فخطب وذكر القصة وقال أرضيتم قالوا لا فهم بهم المهاجرون فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم صعد فخطب الناس ثم قال أرضيتم قالوا نعم وهذا يبين أنه لم يأخذ بعلمه

وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لو رأيت حدا على رجل لم أحده حتى تقوم البينة ولأن تجويز القضاء بعلمه يفضي إلى تهمته والحكم بما اشتهى ويحيله على علمه فأما حديث أبي سفيان فلا حجة فيه لأنه فتيا لا حكم بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أفتى في حق أبي سفيان من غير حضوره ولو كان حكما عليه لم يحكم عليه في غيبته وحديث عمر الذي رووه كان إنكارا لمنكر رآه لا حكم بدليل أنه ما وجدت منهما دعوى وإنكار بشروطهما ودليل


103

ذلك ما رويناه عنه ثم لو كان حكما كان معارضا بما رويناه عنه ويفارق الحكم بالشاهدين فإنه لا يفضي إلى تهمة بخلاف مسألتنا

وأما الجرح والتعديل فإنه يحكم فيه بعلمه بغير خلاف لأنه لو لم يحكم فيه بعلمه لتسلسل فإن المزكيين يحتاج إلى معرفة عدالتهما وجرحهما فإذا لم يعمل بعلمه احتاج كل واحد منهما إلى مزكيين ثم كل واحد منهما يحتاج إلى مزكيين فيتسلسل وما نحن فيه بخلافه

فصل ولا خلاف في أن للحاكم أن يحكم بالبينة والإقرار في مجلس حكمه إذا سمعه معه شاهدان فإن لم يسمعه معه أحد أو سمعه شاهد فنص أحمد على أنه يحكم به

وقال القاضي لا يحكم به حتى يسمعه معه شاهدان لأنه حكم بعلمه

مسألة

قال ( ولا ينقض من حكم غيره إذا رفع إليه إلا ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماعا )

وجملة ذلك أن الحاكم إذا رفعت إليه قضية قد قضى بها حاكم سواه فبان له خطؤه أو بان له خطأ نفسه نظرت فإن كان الخطأ لمخالفة نص كتاب أو سنة أو إجماع نقض حكمه وبهذا قال الشافعي وزاد إذا خالف نصا جليا نقضه وعن مالك وأبي حنيفة أنهما قالا لا ينقض الحكم إلا إذا خالف الإجماع ثم ناقضا ذلك فقال مالك إذا حكم بالشفعة للجار نقض حكمه وقال أبو حنيفة إذا حكم ببيع متروك التسمية أو حكم بين العبيد بالقرعة نقض حكمه وقال محمد بن الحسن إذا حكم بالشاهد واليمين نقض حكمه وهذه مسائل خلاف موافقة للسنة واحتجوا على أنه لا ينقض ما لم يخالف الإجماع بأنه يسوغ فيه الخلاف فلم ينقض حكمه فيه كما لا نص فيه

وحكي عن أبي ثور وداود أنه ينقض جميع ما بان له خطؤه لأن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت نفسك فيه اليوم فهديت لرشدك أن تراجع فيه الحق فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ولأنه خطأ فوجب الرجوع عنه كما لو خالف الإجماع وحكي عن مالك أنه واففقهما في قضاء نفسه

ولنا على نقضه إذا خالف نصا أو إجماعا أنه قضاء لم يصادف شرطه فوجب نقضه كما لو لم يخالف الإجماع وبيان مخالفته للشرط أن شرط الحكم بالاجتهاد عدم النص بدليل خبر معاذ ولأنه إذا ترك الكتاب والسنة فقد فرط فوجب نقض حكمه كما لو خالف الإجماع أو كما لو حكم بشهادة كافرين وما قالوه يبطل بما حكيناه عنهم

فإن قيل أليس إذا صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم بان له الخطأ لم يعد قلنا الفرق بينهما من ثلاثة أوجه أحدها أن استقبال القبلة يسقط حال العذر في حال المسايفة والخوف من عدو أو سبع أو نحوه مع العلم ولا يجوز ترك الحق إلى غيره مع العلم بحال

الثاني أن الصلاة من حقوق الله تعالى تدخلها المسامحة


104

الثالث أن القبلة يتكرر فيها اشتباه القبلة فيشق القضاء ها هنا إذا بان له الخطأ لا يعود الاشتباه بعد ذلك

وأما إذا تغير اجتهاده من غير أن يخالف نصا ولا إجماعا أو خالف اجتهاده اجتهاد من قبله لم ينقضه لمخالفته لأن الصحابة رضي الله عنه أجمعوا على ذلك فإن أبا بكر حكم في مسائل باجتهاده وخالفه عمر ولم ينقض أحكامه وعلي خالف عمر في اجتهاده فلم ينقض أحكامه وخالفهما علي فلم ينقض أحكامهما فإن أبا بكر سوى بين الناس في العطاء وأعطى العبيد وخالفهعمر ففاضل بين الناس وخالفهما علي فسوى بين الناس وحرم العبيد ولم ينقض واحد منهم ما فعله من قبله وجاء أهل نجران إلى علي فقالوا يا أمير المؤمنين كتابك بيدك وشفاعتك بلسانك فقال ويحكم إن عمر كان رشيد الأمر ولن أرد قضاء قضى به عمر

رواه سعيد

وروي أنعمر حكم في المشركة بإسقاط الإخوة من الأبوين ثم شرك بينهم بعد وقال تلك ما قضينا وهذه على ما قضينا وقضى في الحد بقضايا مختلفة ولم يرد الأولى ولأنه يؤدي إلى نقض الحكم بمثله وهذا يؤدي إلى أن لا يثبت الحكم أصلا لأن الحاكم الثاني يخالف الذي قبله والثالث يخالف الثاني فلا يثبت حكم فإن قيل فقد روي أن شريحا حكم في ابني عم أحدهما أخ لأم أن المال للأخ فرفع ذلك إلى علي رضي الله عنه فقال علي بالعبد فجيء به فقال في أي كتاب الله وجدت ذلك فقال قال الله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله الأحزاب 6 فقال له علي قد قال الله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس النساء 12 ونقض حكمه قلنا لم يثبت عندنا أن عليا نقض حكمه ولو ثبت فيحتمل أن يكون علي رضي الله عنه اعتقد أنه خالف نص الكتاب في الآية التي ذكرها فنقض حكمه لذلك

فصل إذا تغير اجتهاده قبل الحكم فإنه يحكم بما تغير اجتهاده إليه ولا يجوز أن يحكم باجتهاده الأول لأنه إذا حكم فقد حكم بما يعتقد أنه باطل وهذا كما قلنا فيمن تغير اجتهاده في القبلة بعدما صلى لا يعيد وإن كان قبل أن يصلي إلى الجهة التي تغير اجتهاده إليها ولذلك إذا بان فسق الشهود قبل الحكم لم يحكم بشهادتهم ولو بان بعد الحكم لم ينقضه

فصل وليس على الحاكم تتبع قضايا من كان قبله لأن الظاهر صحتها وصوابها وأنه لا يولى القضاء إلا من هو من أهل الولاية فإن تتبعها نظر في الحاكم قبله فإن كان ممن يصلح للقضاء فما وافق من أحكامه الصواب أو لم يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا لم يسغ نقضه وإن كان مخالفا لأحد هذه الثلاثة وكان في حق لله تعالى كالعتاق والطلاق نقضه لأن له النظر في حقوق الله سبحانه وإن كان يتعلق بحق آدمي لم ينقضه إلا بمطالبة صاحبه لأن الحاكم لا يستوفي حقا لمن لا ولاية عليه بغير مطالبته فإن طلب صاحبه ذلك نقضه وإن كان القاضي قبله لا


105

يصلح للقضاء نقضت قضاياه المخالفة للصواب كلها سواء كانت مما يسوغ فيه الاجتهاد أو لا يسوغ لأن حكمه غير صحيح وقضاؤه كلا قضاء لعدم شرط القضاء فيه وليس في نقض قضاياه نقض الاجتهاد بالاجتهاد لأن الأول ليس باجتهاد ولا ينقض ما وافق الصواب لعدم الفائدة في نقضه فإن الحق وصل إلى مستحقه وقال أبو الخطاب ينقض قضاياه كلها ما أخطأ فيه وما أصاب وهو مذهب الشافعي

لأن وجود قضائه كعدمه ولا أعلم فيه فائدة فإن الحق لو وصل إلى مستحقه بطريق القهر من غير حكم لم يغير ذلك وكذلك إذا كان بقضاء وجوده كعدمه والله أعلم

فصل وحكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته في قول جمهور العلماء منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود ومحمد بن الحسن

وقال أبو حنيفة إذا حكم الحاكم بعقد أو فسخ أو طلاق نفذ حكمه ظاهرا وباطنا فلو أن رجلين تعمدا الشهادة على رجل أنه طلق امرأته فقبلهما القاضي بظاهر عدالتهما ففرق بين الزوجين لجاز لأحد الشاهدين نكاحها بعد قضاء عدتها وهو عالم بتعمده الكذب

ولو أن رجلا ادعى نكاح امرأة وهو يعلم أنه كاذب وأقام شاهدي زور فحكم الحاكم حلت له بذلك وصارت زوجته قال ابن المنذر وتفرد أبو حنيفة فقال لو استأجرت امرأة شاهدين شهدا لها بطلاق زوجها وهما يعلمان كذبهما وتزويرهما فحكم الحاكم بطلاقها لحل لها أن تتزوج وحل لأحد الشاهدين نكاحها واحتج بما روي عن علي رضي الله عنه أن رجلا ادعى على امرأة نكاحها فرفعها إلى علي رضي الله عنه فشهد له شاهدان بذلك فقضى بينهما بالزوجية فقالت والله ما تزوجني يا أمير المؤمنين اعقد بيننا عقدا حتى أحل له

فقال شاهداك زوجاك فدل على أن النكاح ثبت بحكمه ولأن اللعان ينفسخ به النكاح وإن كان أحدهما كاذبا فالحكم أولى

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار متفق عليه وهذا يدخل فيه ما إذا ادعى أنه اشترى منه شيئا فحكم له ولأنه حكم بشهادة زور فلا يحل له ما كان محرما عليه كالمال المطلق

وأما الخبر عن علي إن صح فلا حجة لهم فيه لأنه أضاف التزويج إلى الشاهدين لا إلى حكمه ولم يجبها إلى التزويج لأن فيه طعنا على الشهود

فأما اللعان فإنما حصلت الفرقة به لا بصدق الزوج ولهذا لو قامت البينة به لم ينفسخ النكاح إذا ثبت هذا فإذا شهد على امرأة بنكاح وحكم به الحاكم ولم تكن زوجته فإنها لا تحل له ويلزمها في الظاهر وعليها أن تمتنع ما أمكنها فإن أكرهها عليه فالإثم عليه دونها وإن وطئها الرجل فقال أصحابنا وبعض الشافعية عليه الحد لأنه وطئها وهو يعلم أنها أجنبية

وقيل لا حد عليه لأنه وطء مختلف في حله فيكون ذلك شبهة وليس لها أن تتزوج غيره

وقال أصحاب الشافعي تحل لزوج ثان غير أنها ممنوعة منه في الحكم وقال القاضي يصح النكاح


106

ولنا إن هذا يفضي إلى الجمع بين الوطء للمرأة من اثنين أحدهما يطؤها بحكم الظاهر والآخر بحكم الباطن

وهذا فساد فلا يشرع ولأنها منكوحة لهذا الذي قامت له البينة في قول بعض الأئمة فلم يجز تزويجها لغيره كالمتزوجة بغير ولي

وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى مثل مذهب أبي حنيفة في أن حكم الحاكم يزيل الفسوخ والعقود والأول هو المذهب

فصل وإذا استعدى رجل على رجل إلى الحاكم ففيه روايتان إحداهما أنه يلزمه أن يعديه ويستدعي خصمه سواء علم بينهما معاملة أو لم يعلم وسواء كان المستعدي ممن يعامل المستعدى عليه أو لا يعامله كالفقير يدعي على ذي ثروة وهيئة نص على هذا في رواية الأثرم في الرجل يستعدي على الحاكم أنه يحضره ويستحلفه

وهذا اختيار أبي بكر ومذهب أبي حنيفة والشافعي لأن في تركه تضييعا للحقوق وإقرارا للظلم فإنه قد ثبت له الحق على من هو أرفع منه بغصب أو يشتري منه شيئا ولا يوفيه أو يودعه شيئا أو يعيره إياه فلا يرده ولا تعلم بينهما معاملة فإذا لم يعد عليه سقط حقه وهذا أعظم ضررا من حضور مجلس الحاكم فإنه لا نقيصة فيه وقد حضر عمر وأبي عند زيد وحضر هو وآخر عند شريح وحضر علي عند شريح وحضر المنصور عند رجل من ولد طلحة بن عبيد الله

والرواية الثانية لا يستدعيه إلا أن يعلم بينهما معاملة ويتبين أن لما ادعاه أصلا

روي ذلك عنعلي رضي الله عنه وهو مذهبمالك لأن في أعدائه على كل أحد تبذيل أهل المروءات وإهانة لذوي الهيئات فإنه لا يشاء أحد أن يبذلهم عند الحاكم إلا فعل وربما فعل هذا من لا حق له ليفتدي المدعي عليه من حضوره وشر خصمه بطائفة من ماله والأولى أولى لأن ضرر تضييع الحق أعظم من هذا وللمستدعي عليه أن يوكل من يقوم مقامه إن كره الحضور

وإن كان المستدعى عليه امرأة نظرت فإن كانت برزة وهي التي تبرز لقضاء حوائجها فحكمها حكم الرجل

وإن كانت مخدرة وهي التي تبرز لقضاء حوائجها أمرت بالتوكيل فإن توجهت اليمين عليها بعث الحاكم أمينا معه شاهدان فيستحلفها بحضرتهما فإن أقرت شهدا عليها

وذكر القاضي أن الحاكم يبعث من يقضي بينها وبين خصمها في دارها وهو مذهب الشافعي لأن النبي قال واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فبعث إليها ولم يستدعها وإذا حضروا عندها كان بينها وبينهم ستر تتكلم من ورائه فإن اعترفت للمدعي أنها خصمه حكم بينهما

وإن أنكرت ذلك جيء بشاهدين من ذوي رحمها يشهدان أنها المدعى عليها ثم يحكم بينهما فإن لم تكن له بينة التحفت بجلبابها وأخرجت من وراء الستر لموضع الحاجة وما ذكرناه أولى إن شاء الله لأنه أستر لها وإذا كانت خفرة منعها الحياء من النطق بحجتها والتعبير عن نفسها سيما مع جهلها بالحجة وقلة معرفتها بالشرع وحججه

فصل ولا يخلو المستعدى عليه من أن يكون حاضرا أو غائبا

فإن كان حاضرا في البلد أو قريبا منه

فإن شاء الحاكم بعث مع المستعدي عونا يحضر المدعى عليه

وإن شاء بعث معه قطعة من شمع أو طين مختوما


107

بخاتمه فإذا بعث معه ختما فعاد فذكر أنه امتنع أو كسر الختم بعث إليه عيونا

فإن امتنع أنفذ صاحب المعنونة فأحضره فإذا حضر وشهد عليه شاهدان بالامتناع عزره إن رأى ذلك بحسب ما يراه تأديبا له إما بالكلام وكشف رأسه أو بالضرب أو بالحبس فإن اختبأ بعث الحاكم من ينادي على بابه ثلاثا أنه إن لم يحضر سمر بابه وختم عليه ويجمع أماثل جيرانه ويشهدهم على إعذاره

فإن لم يحضر وسأل المدعي أن يسمر عليه منزله ويختم عليه وتقرر عند الحاكم أن المنزل منزله سمره أو ختمه

فإن لم يحضر بعث الحاكم من ينادي على بابه بحضرة شاهدي عدل أنه لم يحضر مع فلان أقام عنه وكيلا وحكم عليه

فإن لم يحضر أقام عنه وكيلا وسمع البينة عليه وحكم عليه كما يحكم على الغائب

وقضى حقه من ماله إن وجد له مالا وهذا مذهب الشافعي وأبي يوسف وأهل البصرة

حكاه عنهم أحمد

وإن لم يجد له مالا ولم تكن للمدعي بينة فكان أحمد ينكر التهجم عليه ويشتد عليه حتى يظهر وقال الشافعي إن علم له مكانا أمر بالهجوم عليه فيبعث خصيانا أو غلمانا لم يبلغوا الحلم وثقات من النساء معهم ذوو عدل من الرجال فيدخل النساء والصبيان فإذا حصلوا في صحن الدار دخل الرجال ويؤمر الخصيان بالتفتيش ويتفقد النساء فإن ظفروا به أخذوه فأحضروه

وإن استعدى على غائب نظرت

فإن كان الغائب في غير ولاية القاضي لم يكن له أن يعدي عليه وله الحكم عليه على ما سنذكره إن شاء الله تعالى

وإن كان في ولايته وله في بلده خليفة فإن كانت له بينة ثبت الحق عنده وكتب به إلى خليفته ولم يحضره وإن لم تكن له بينة حاضرة نفذه إلى خصمه ليخاصمه عند خليفته وإن لم يكن له فيه خليفة وكان فيه من يصلح للقضاء أذن له في الحكم بينهما وإن لم يكن فيه من يصلح للقضاء قيل له حرر دعواك لأنه يجوز أن يكون ما يدعيه ليس بحق عنده كالشفعة للجار وقيمة الكلب أو خمر الذمي فلا يكلفه الحضور لما لا يقضي عليه به مع المشقة فيه بخلاف الحاضر فإنه لا مشقة في حضوره فإذا تحررت بعث فأحضر خصمه بعدت المسافة أو قربت

وبهذا قال الشافعي وقال أبو يوسف إن كان يمكنه أن يحضر ويعود فيأوي إلى موضعه أحضره وإلا لم يحضره ويوجد من يحكم بينهما

وقيل إن كانت المسافة دون مسافة القصر أحضره وإلا فلا

ولنا أنه لا بد من فصل الخصومة بين المتخاصمين فإذا لم يمكن إلا بمشقة فعل ذلك كما لو امتنع من الحضور فإنه يؤدب ويعزر ولأن إلحاق المشقة به أولى من إلحاقها بمن ينفذه الحاكم ليحكم بينهما وإن كانت امرأة برزة لم يشترط في سفرها هذا محرم

نص عليه أحمد لأنه لحق آدمي وحق الآدمي مبني على الشح والضيق

فصل وإن استعدى على الحاكم المعزول لم يعده حتى يعرف ما يدعيه فيسأله عنه صيانة للقاضي عن الامتهان فإن ذكر أنه يدعي عليه حقا من دين أو غصب أعداه وحكم بينهما كغير القاضي وكذلك إن ادعى أنه أخذ منه رشوة على الحكم لأن أخذ الرشوة عليه لا يجوز فهي كالغصب وإن ادعى عليه الجور في الحكم وكان للمدعي بينة أحضره وحكم بالبينة وإن لم يكن معه بينة ففيه وجهان


108

أحدهما لا يحضره لأن في إحضاره وسؤاله امتهانا له وأعداء القاضي كثير وإذا فعل هذا معه لم يؤمن ألا يدخل في القضاء أحد خوفا من عاقبته والثاني يحضره لجواز أن يعترف فإن حضر واعترف حكم عليه وإن أنكر فالقول قوله من غير يمين لأن قول القاضي مقبول بعد العزل كما يقبل في ولايته وإن ادعى عليه أنه قتل ابنه ظلما فهل يستحضره من غير بينة فيه وجهان فإن أحضره فاعترف حكم عليه وإلا فالقول قوله

وإن ادعى أنه أخرج عينا من يده بغير حق فالقول قول الحاكم من غير يمين ويقبل قوله للمحكوم له بها على ما سنذكره إن شاء الله تعالى

فصل وإن ادعى على شاهدين أنهما شهدا عليه زورا أحضرهما فإن اعترفا أغرمهما وإن أنكرا وللمدعي بينة على إقرارهما بذلك فأقامها لزمهما ذلك

وإن أنكرا لم يستحلفا لأن إحلافهما يطرق عليهما الدعاوي في الشهادة والامتهان وربما منع ذلك إقامة الشهادة وهذا قول الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا

مسألة

قال ( وإذا شهد عنده من لا يعرفه سأل عنه فإن عدله اثنان قبل شهادته )

وجملته أنه إذا شهد عند الحاكم شاهدان فإن عرفهما عدلين حكم بشهادتهما وإن عرفهما فاسقين لم يقبل قولهما وإن لم يعرفهما سأل عنهما لأن معرفة العدالة شرط في قبول الشهادة بجميع الحقوق وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد

وعن أحمد رواية أخرى يحكم بشهادتهما إذا عرف إسلامهما بظاهر الحال إلا أن يقول الخصم هما فاسقان

وهذا قول الحسن والمال والحد في هذا سواء لأن الظاهر من المسلمين العدالة ولهذا قال عمر رضي الله عنه المسلمون عدول بعضهم على بعض

وروي أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهد برؤية الهلال فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أتشهد ألا إله إلا الله فقال نعم فقال أتشهد أني رسول الله قال نعم فصام وأمر الناس بالصيام ولأن العدالة أمر خفي سببها الخوف من الله تعالى ودليل ذلك الإسلام فإذا وجد فليكتف به ما لم يقم على خلافه دليل وقال أبو حنيفة في الحدود والقصاص كالرواية الأولى وفي سائر الحقوق كالثانية لأن الحدود والقصاص مما يحتاط لها وتندرىء بالشبهات بخلاف غيرها

ولنا أن العدالة شرط فوجب العلم بها كالإسلام أو كما لو طعن الخصم فيهما فأما الأعرابي المسلم فإنه كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبتت عدالتهم بثناء الله تعالى عليهم فإن من ترك دينه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إيثارا لدين الإسلام وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتت عدالته

وأما قول عمر فالمراد به أن الظاهر العدالة ولا يمنع ذلك في وجوب البحث ومعرفة حقيقة العدالة فقد روي


109

عنه أنه أتي بشاهدين فقال لهما عمر لست أعرفكما ولا يضركما إن لم أعرفكما جيئا بمن يعرفكما فأتيا برجل فقال له عمر تعرفهما فقال نعم فقال عمر صحبتهما في السفر الذي تبين فيه جواهر الناس قال لا قال عاملتهما في الدنانير والدراهم التي تقطع فيها الرحم قال لا قال كنت جارا لهما تعرف صباحهما ومساءهما قال لا قال يا ابن أخي لست تعرفهما جيئا بمن يعرفكما وهذا بحث يدل على أنه لا يكتفي بدونه

إذا ثبت هذا فإن الشاهد يعتبر فيه أربعة شروط الإسلام والبلوغ والعقل والعدالة فليس فيها ما يخفى ويحتاج إلى البحث إلا العدالة فيحتاج إلى البحث عنها لقول الله تعالى ممن ترضون من الشهداء البقرة 282 ولا نعلم أنه مرضي حتى نعرفه أو نخبر عنه فيأمر الحاكم بكتب أسمائهم وكناهم ونسبهم ويرفعون فيها بما يمتيزون به عن غيرهم ويكتب صنائعهم ومعائشهم وموضع مساكنهم وصلاتهم ليسأل عن جيرانهم وأهل سوقهم ومسجدهم ومحلتهم ونحلتهم فيكتب أسود أو أبيض أو أنزع أو أغم أو أشهل أو أكحل أقنى الأنف أو أفطس أو رقيق الشفتين أو غليظهما طويل أو قصير أو ربعة ونحو هذا ليتميز ولا يقع اسم على اسم ويكتب اسم المشهود له والمشهود عليه وقدر الحق ويكتب ذلك كله لأصحاب مسائله لكل واحد رقعة وإنما ذكرنا المشهود له لئلا يكون بينه وبين الشاهد قرابة تمنع الشهادة أو شركة وذكرنا اسم المشهود عليه ليعرف لئلا تكون بينه وبين الشاهد عداوة وذكرنا قدر الحق لأنه ربما كان ممن يرون قبوله في اليسير دون الكثير فتطيب نفس المزكي به إذا كان يسيرا ولا تطيب إذا كان كثيرا

وينبغي للقاضي أن يخفي عن كل واحد من أصحاب مسائله ما يعطي الآخر من الرقاع لئلا يتواطؤوا وإن شاء الحكم عين لصاحب مسائله من يسأله ممن يعرفه من جوار الشاهد وأهل الخبرة به وإن شاء أطلق ولم يعين المسؤول ويكون السؤال سرا لئلا يكون فيه هتك المسؤول عنه وربما يخاف المسؤول من الشاهد أو من المشهود له أو المشهود عليه أن يخبر بما عنده أو يستحي

وينبغي أن يكون أصحاب مسائله غير معروفين له لئلا يقصدوا بهدية أو رشوة وأن يكونوا أصحاب عفاف في الطعمة والأنفس ذوي عقول وافرة أبرياء من الشحناء والبغض لئلا يطعنوا في الشهود أو يسألوا عن الشاهد عدوه فيطعن فيه فيضيع حق المشهود له ولا يكونون من أهل الأهواء والعصبية يميلون إلى من وافقهم على من خالفهم ويكونون أمناء ثقات لأن هذا موضع أمانة فإذا رجع أصحاب مسائله فأخبر اثنان بالعدالة قبل شهادته وإن أخبر بالجرح رد شهادته وإن أخبر أحدهما بالعدالة والآخر بالجرح بعث آخرين فإن عادا فأخبرا بالتعديل تمت بينة التعديل وسقط الجرح لأن بينته لم تتم وإن أخبرا بالجرح ثبت ورد الشهادة وإن أخبر أحدهما بالجرح والآخر بالتعديل تمت البيتان ويقدم الجرح ولا يقبل الجرح والتعديل إلا من اثنين ويقبل قول أصحاب المسائل وقيل لا يقبل إلا شهادة المسؤولين ويكلف اثنين منهم أن يشهدوا


110

بالتزكية والجرح عنده على شروط الشهادة في اللفظ وغيره ولا تقبل من صاحب المسألة لأن ذلك شهادة على شهادة مع حضور شهود الأصل

ووجه القول الأول أن شهادة أصحاب المسائل شهادة استفاضة لا شهادة على شهادة فيكتفي بمن يشهد بها كسائر شهادات الإستفاضة ولأنه موضع حاجة فلا يلزم المزكي الحضور للتزكية وليس للحاكم إجباره عليها فصار كالمرض والغيبة في سائر الشهادات ولأننا لو لم نكتف بشهادة أصحاب المسائل لتعذرت التزكية لأنه قد يتفق ألا يكون في جيران الشاهد من يعرفه الحاكم فلا يقبل قوله فيفوت التعديل والجرح

فصل قال القاضي ولا بد من معرفة إسلام الشاهد ويحصل ذلك بأحد أربعة أمور أحدها إخباره عن نفسه أنه مسلم أو إتيانه بكلمة الإسلام وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله لأنه لو لم يكن مسلما صار مسلما بذلك

الثاني اعتراف المشهود عليه بإسلامه لأن ذلك حق عليه

الثالث خبرة الحاكم لأننا اكتفينا بذلك في عدالته فكذلك في إسلامه

الرابع بينة تقوم به ولا بد من معرفة الحرية في موضع تعبر فيه ويكفي في ذلك أحد أمور ثلاثة بينة أو اعتراف المشهود عليه أو خبرة الحاكم ولا يكفي اعتراف الشاهد لأنه لا يملك أن يصير حرا فلا يملك الإقرار به بخلاف الإسلام

فصل وإذا شهد عند الحاكم مجهول الحال فقال المشهود عليه هو عدل ففيه وجهان أحدهما يلزم الحاكم الحكم بشهادته لأن البحث عن عدالته لحق المشهود عليه وقد اعترف بها ولأنه إذا أقر بعدالته فقد أقر بما يوجب الحكم لخصمه فيؤخذ بإقراره كسائر أقاريره

والثاني لا يجوز الحكم بشهادته لأن في الحكم بها تعديلا له فلا يثبت بقول واحد ولأن اعتبار العدالة في الشاهد حق لله تعالى ولهذا لو رضي الخصم بأن يحكم عليه بقول فاسق لم يجز الحكم به ولأنه لا يخلو إما أن يحكم عليه مع تعديله أو مع انتفائه لا يجوز أن يقال مع تعديله لأن التعديل لا يثبت بقول الواحد ولا يجوز مع انتفاء تعديله لأن الحكم بشهادة غير العدل غير جائز بدليل شهادة من ظهر فسقه ومذهب الشافعي مثل هذا فإن قلنا بالأول فلا يثبت تعديله في حق غير المشهود عليه لأنه لم توجد بينة التعديل وإنما حكم عليه لإقراره بوجود شروط الحكم وإقراره يثبت في حقه دون غيره كما لو أقر بحق عليه وعلى غيره في حقه دون غيره

مسألة

قال ( وإن عدله اثنان وجرحه اثنان فالجراحة أولى )


111

وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك ينظر أيهما أعدل اللذان جرحاه أو اللذان عدلاه فيؤخذ بقول أعدلهما

ولنا أن الجارح معه زيادة علم خفيت على المعدل فوجب تقديمه لأن التعديل يتضمن ترك الريب والمحارم والجارح مثبت لوجود ذلك والإثبات مقدم على النفي ولأن الجارح يقول رأيته يفعل كذا والمعدل مستنده أنه لم يره يفعل ويمكن صدقهما والجمع بين قوليهما بأن يراه الجارح يفعل المعصية ولا يراه المعدل فيكون مجروحا

فصل ولا يقبل الجرح والتعديل إلا من اثنين وبهذا قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وابن المنذر وروي عن أحمد يقبل ذلك من واحد وهو اختيار أبي بكر وقولأبي حنيفة لأنه خبر لا يعتبر فيه لفظ الشهادة فقبل من واحد كالرواية

ولنا إنه إثبات صفة من يبني الحاكم حكمه على صفته فاعتبر فيه العدد كالحضانة وفارق الرواية فإنها على المساهلة ولا نسلم أنها لا تفتقر إلى لفظ الشهادة ويعتبر في التعديل والجرح لفظ الشهادة فيقول في التعديل أشهد أنه عدل ويكفي هذا وإن لم يقل علي ولي هذا قول أكثر أهل العلم وبه يقول شريح وأهل العراق ومالك وبعض الشافعية

وقال أكثرهم لا يكفيه إلا أن يقول عدل علي ولي واختلفوا في تعليله فقال بعضهم لئلا تكون بينهما عداوة أو قرابة وقال بعضهم لئلا يكون عدلا في شيء دون شيء

ولنا قول الله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق 2 فإذا شهدا أنه عدل ثبت ذلك بشهادتهما فيدخل ذلك في عموم الأمر لأنه إذا كان عدلا لزم أن يكون له وعليه وفي حق سائر الناس وفي كل شيء فلا يحتاج إلى ذكره ولا يصح ما ذكروه فإن الإنسان لا يكون عدلا في شيء دون شيء ولا في حق شخص دون شخص فإنها لا توصف بهذا ولا تنتفي أيضا بقوله عدل علي ولي فإن من ثبتت عدالته لم تزل بقرابة ولا عداوة وإنما ترد شهادته للتهمة مع كونه عدلا ثم إن هذا إذا كان معلوما انتفاؤه بينهما لم يحتج إلى ذكره ولا نفيه عن نفسه كما لو شهد بالحق من عرف الحاكم عدالته لم يحتج إى أن ينفي عن نفسه ذلك ولأن العداوة لا تمنع من شهادته له بالتزكية وإنما تمنع الشهادة عليه وهذا شاهد له بالتزكية والعدالة فلا حاجة به إلى نفي العداوة

فصل ولا يكفي أن يقول لا أعلم منه إلا الخير وهذا مذهب الشافعي وقال أبو يوسف يكفي لأنه إذا كان من أهل الخبرة به ولا يعلم إلا الخير فهو عدل

ولنا أنه لم يصرح بالتعديل فلم يكن تعديلا كما لو قال أعلم منه خيرا وما ذكروه لا يصح لأن الجاهل بحال


112

أهل الفسق لا يعلم منهم إلا الخير لأنه يعلم إسلامهم وهو خير لا يعلم منهم غير ذلك وهم غير عدول

فصل قال أصحابنا ولا يقبل التعديل إلا من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة وهذا مذهب الشافعي لخبر عمر الذي قدمناه ولأن عادة الناس إظهار الصالحات وإسرار المعاصي فإذا لم يكن ذا خبرة باطنة ربما اغتر بحسن ظاهره وهو فاسق في الباطن وهذا يحتمل أن يريدوا به أن الحاكم إذا علم أن المعدل لا خبرة له لم تقبل شهادته بالتعديل كما فعل عمر رضي الله عنه ويحتمل أنهم أرادوا أنه لا يجوز للمعدل الشهادة بالعدالة إلا أن تكون له خبرة باطنة

فأما الحاكم إذا شهد عنده العدل بالتعديل ولم يعرف حقيقة الحال فله أن يقبل الشهادة من غير كشف وإن استكشف الحال كما فعل عمر رضي الله عنه فلا بأس

فصل ولا يسمع الجرح إلا مفسرا ويعتبر فيه اللفظ فيقول أشهد أنني رأيته يشرب الخمر أو يعامل بالربا أو يظلم الناس بأخذ أموالهم أو ضربهم أو سمعته يقذف أو يعلم ذلك باستفاضته في الناس ولا بد من ذكر السبب وتعيينه وبهذا قال الشافعي وسوار وقالأبو حنيفة يقبل الجرح المطلق وهو أن يشهد أنه فاسق أو أنه ليس يعدل وعن أحمد مثله لأن التعديل يسمع مطلقا فكذلك الجرح ولأن التصريح بالسبب يجعل الجارح فاسقا ويوجب عليه الحد في بعض الحالات وهو أن يشهد عليه بالزنا فيقضي الجرح إلى جرح الجارح وتبطيل شهادته ولا يتجرح بها المجروح

ولنا أن الناس يختلفون في أسباب الجرح كاختلافهم في شارب النبيذ فوجب أن لا يقبل مجرد الجرح لئلا يخرجه بما لا يراه القاضي جرحا ولأن الجرح ينقل عن الأصل فإن الأصل في المسلمين العدالة والجرح ينقل عنها فلا بد أن يعرف الناقل لئلا يعتقد نقله بما لا يراه الحاكم ناقلا

وقولهم إنه يفضي إلى جرح الجارح وإيجاب الحد عليه قلنا ليس كذلك لأنه يمكنه التعريض من غير تصريح فإن قيل ففي بيان السبب هتك المجروح قلنا لا بد من هتكه فإن الشهادة عليه بالفسق هتك له ولكن جاز ذلك للحاجة الداعية إليه كما جازت الشهادة عليه به لإقامة الحد عليه بل ها هنا أولى فإن فيه دفع الظلم عن المشهود عليه وهو حق آدمي فكان أولى بالجواز ولأن هتك عرضه بسببه لأنه تعرض للشهادة مع ارتكابه ما يوجب جرحه فكان هو الهاتك لنفسه إذ كان فعله هو المحوج للناس إلى جرحه فإن صرح الجارح بقذفه بالزنا فعليه الحد إن لم يأت بتمام أربعة شهداء وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا حد عليه إذا كان بلفظ الشهادة لأنه لم يقصد إدخال المعرة عليه

ولنا قول الله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة النور 4 ولأن أبا بكرة ورفيقيه شهدوا على المغيرة بالزنا ولم يكمل زياد شهادته فجلدهم عمر حد القذف بمحضر


113

الصحابة فلم ينكره منكر فكان إجماعا ويبطل ما ذكروه بما إذا شهدوا عليه لإقامة الحد عليه

فصل وإذا أقام المدعى عليه بينة أن هذين الشاهدين شهدا بهذا الحق عند حاكم فرد شهادتهما لفسقهما بطلت شهادتهما لأن الشهادة إذا ردت لفسق لم تقبل مرة ثانية

فصل ولا يقبل الجرح والتعديل من النساء وقال أبو حنيفة يقبل لأنه لا يعتبر فيه لفظ الشهادة فأشبه الرواية وإخبار الديات

ولنا أنها شهادة فيما ليس بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال فأشبه الشهادة في القصاص وما ذكروه غير مسلم

فصل ولا يقبل الجرح من الخصم بلا خلاف بين العلماء فلو قال المشهود عليه هذان فاسقان أو عدوان لي أو آباء للمشهود له لم يقبل قوله لأنه متهم في قوله ويشهد بما يجر إليه نفعا فأشبه الشهادة لنفسه ولو قبلنا قوله لم يشأ أحد أن يبطل شهادة من شهد عليه إلا أبطلها فتضيع الحقوق وتذهب حكمة شرع البينة

فصل ولا تقبل شهادة المتوسمين وذلك إذا حضر مسافران فشهدا عند حاكم لا يعرفهما لم تقبل شهادتهما وقال مالك يقبلهما إذا رأى فيهما سيما الخير لأنه لا سبيل إلى معرفة عدالتهما ففي التوقف عن قبولهما تضييع الحقوق فوجب الرجوع فيهما إلى السيماء الجميلة

ولنا أن عدالتهما مجهولة فلم يجز الحكم بشهادتهما كشاهدي الحضر وما ذكروه معارض بأن قبول شهادتهما يفضي إلى أن يقضي بشهادتهما بدفع الحق إلى غير مستحقه

فصل قال أحمد ينبغي للقاضي أن يسأل عن شهوده كل قليل لأن الرجل ينتقل من حال إلى حال وهل هذا مستحب أو واجب فيه وجهان أحدهما مستحب لأن الأصل بقاء ما كان فلا يزول حتى يثبت الجرح

والثاني يجب البحث كلما مضت مدة يتغير الحال فيها لأن العيب يحدث وذلك على ما يراه الحاكم ولأصحاب الشافعي وجهان مثل هذين

فصل وليس للحاكم أن يرتب شهودا لا يقبل غيرهم لأن الله تعالى قال وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق 2 ولأن فيه إضرارا بالناس لأن كثيرا من الوقائع التي يحتاج إلى البينة فيها تقع عند غير المرتبين فمتى ادعى إنسان شهادة غير المرتبين وجب على الحاكم سماع بينته والنظر في عدالة شاهديه ولا يجوز ردهم بكونهم من غير المرتبين لأن ذلك يخالف الكتاب والسنة والإجماع لكن له أن يرتب شهودا يشهدهم الناس فيستغنون بإشهادهم


114

عن تعديلهم ويستغني الحاكم عن الكشف عن أحوالهم فيكون فيه تخفيف من وجه ويكونون أيضا يزكون من عرفوا عدالته من غيرهم إذا شهد

فصل ولا بأس أن يعظ الشاهدين

كما روي عن شريح أنه كان يقول للشاهدين إذا حضرا يا هذان ألا تريان إني لم أدعكما ولست أمنعكما أن ترجعا وإنما يقضي على هذا أنتما وأنا معتق بكما فاتقيا وفي لفظ إني بكما أقضي اليوم وبكما أتقي يوم القيامة

وروى أبو حنيفة قال كنت عند محارب بن دثار وهو قاضي الكوفة فجاء رجل فادعى على رجل حقا فأنكره فأحضر المدعي شاهدين فشهدا له فقال المشهود عليه والذي به تقوم السماء والأرض لقد كذبا علي في الشهادة وكان المحارب بن دثار متكئا فاستوى جالسا وقال سمعت ابن عمر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الطير لتخفق بأجنحتها وترمي ما في حواصلها من هول يوم القيامة وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار فإن صدقتما فاثبتا وإن كذبتما فغطيا رؤوسكما وانصرفا فغطيا رؤوسهما وانصرفا

مسألة

قال ( ويكون كاتبه عدلا وكذلك قاسمه )

وجملته أنه يستحب للحاكم أن يتخذ كاتبا لأن النبي صلى الله عليه وسلم استكتب زيد بن ثابت وغيره ولأن الحاكم تكثر أشغاله ونظره فلا يمكنه أن يتولى الكتابة بنفسه وإن أمكنه تولي الكتابة بنفسه جاز والاستنابة فيه أولى ولا يجوز أن يستنيب في ذلك إلا عدلا لأن الكتابة موضع أمانة ويستحب أن يكون فقيها ليعرف مواقع الألفاظ التي تتعلق بها الأحكام ويفرق بين الجائز والواجب وينبغي أن يكون وافر العقل ورعا نزها لئلا يستمال بالطمع ويكون مسلما لأن الله تعالى قال يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا آل عمران 118 ويروى أن أبا موسى قدم على عمر رضي الله عنه ومعه كاتب نصراني فأحضر أبو موسى شيئا من مكتوباته عند عمر فاستحسنه وقال قل لكاتبك يجيء فيقرأ كتابه قال إنه لا يدخل المسجد قال ولم قال إنه نصراني فانتهره عمر وقال لا تأتمنوهم وقد خونهم الله تعالى ولا تقربوهم وقد أبعدهم الله تعالى ولا تعزوهم وقد أذلهم الله تعالى ولأن الإسلام من شروط العدالة والعدالة شرط وقال أصحاب الشافعي في اشتراط عدالته وإسلامه وجهان أحدهما تشترط لما ذكرنا

والثاني لا تشترط لأن ما يكتبه لا بد من وقوف القاضي عليه فتؤمن الخيانة فيه ويستحب أن يكون جيد الخط لأنه أكمل وأن يكون حرا يخرج من الخلاف وإن كان عبدا جاز لأن شهادة العبد جائزة ويكون القاسم على الصفة التي ذكرنا في الكاتب ولا بد من كونه حاسبا لأنه عمله وبه يقسم فهو كالخط للكاتب والفقه للحاكم ويستحب للحاكم أن يجلس كاتبه بين يديه ليشاهد ما يكتبه ويشافهه بما يملي عليه


115

وإن قعد ناحية جاز لأن المقصود يحصل فإن ما يكتبه يعرض على الحاكم فيستبرئه

فصل وإذا ترافع إلى الحاكم خصمان فأقر أحدهما لصاحبه فقال المقر له للحاكم أشهد لي على إقراره شاهدين لزمه ذلك لأن الحاكم لا يحكم بعلمه فربما جحد المقر فلا يمكنه الحكم عليه بعلمه ولو كان يحكم بعلمه احتمل أن ينسى فإن الإنسان عرضة النسيان فلا يمكنه الحكم بإقراره وإن ثبت عنده حق بنكول المدعى عليه أو بيمين المدعي بعد النكول فسأله المدعي أن يشهد على نفسه لزمه لأنه لا حجة للمدعي سوى الإشهاد وإن ثبتت عنده بينة فسأله الإشهاد ففيه وجهان أحدهما لا يلزمه لأن بالحق بينة فلا يجب جعل بينة أخرى

والثاني يجب لأن في الإشهاد فائدة جديدة وهي إثبات تعديل بينته وإلزام خصمه وإن حلف المنكر وسأل الحاكم الإشهاد على براءته لزمه ليكون حجة له في سقوط المطالبة مرة أخرى وفي جميع ذلك إذا سأله أن يكتب له محضرا بما جرى ففيه وجهان أحدهما يلزمه ذلك لأنه وثيقة له فهو كالإشهاد لأن الشاهدين ربما نسيا الشهادة أو نسيا الخصمين فلا يذكرهما إلا ذوي خطيهما

والثاني لا يلزمه لأن الإشهاد يكفيه والأول أصح لأن الشهود تكثر عليهما الشهادات ويطول عليهم الأمد فالظاهر أنهما لا يتحققان الشهادة تحققا يحصل به أداؤها فلا يتقيد إلا بالكتاب فإن اختار أن يكتب له محضرا فصفته حضر القاضي فلان بن فلان الفلاني قاضي عبد الله الإمام فلان على كذا وكذا وإن كان خليفة القاضي قال خليفة القاضي فلان بن فلان الفلاني عبد الله قاضي الإمام بمجلس حكمه وقضائه فإن كان يعرف المدعي والمدعى عليه بأسمائهما وأنسابهما قال فلان بن فلان الفلاني وأحضر معه فلان بن فلان الفلان ويرفع في نسبهما حتى يتميز ويستحب ذكر حليتهما وإن أخل به جاز لأن ذكر نسبهما إذا رفع فيه أغنى عن ذكر الحلية وإن كان الحاكم لا يعرف الخصمين قال مدع ذكر أنه فلان بن فلان الفلاني وأحضر معه مدعى عليه ذكر أنه فلان بن فلان الفلاني ويرفع في نسبهما ويذكر حليتهما لأن الاعتماد عليهما فربما استعارا النسب ويقول أغم أو انزع ويذكر صفة العينين والأنف والفم والحاجبين واللون والطول والقصر ما ادعى عليه كذا وكذا فأقر له ولا يحتاج أن يقول بمجلس حكمه لأن الإقرار يصح في غير مجلس الحكم وإن كتب أنه شهد على إقراره شاهدان كان أوكد ويكتب الحاكم على رأس المحضر الحمد لله رب العالمين أو ما أحب من ذلك فأما إن أنكر المدعى عليه وشهدت عليه بينة قال فادعى عليه كذا وكذا فأنكر فسأل الحاكم المدعي ألك بينة فأحضرها وسأل الحاكم سماعها ففعل وسأله أن يكتب له محضرا بما جرى فأجابه إليه وذلك في وقت كذا ويحتاج ها هنا أن يذكر بمجلس حكمه وقضائه بخلاف الإقرار لأن البينة لا تسمع إلا في مجلس الحكم والإقرار بخلافه ويكتب الحاكم في آخر المحضر شهدا عندي بذلك فإن كان مع المدعي كتاب فيه


116

خط الشاهد كتب خطوطهما أو تحت خط كل واحد منهما شهد عندي بذلك ويكتب علامته في رأس المحضر وإن اقتصر على ذلك دون المحضر جاز

فأما إن لم تكن للمدعي بينة فاستحلف المنكر ثم سأل المنكر الحاكم محضرا لئلا يحلف في ذلك ثانيا كتب له مثل ما تقدم إلا أنه يقول فأنكر فسأل الحاكم المدعي ألك بينة فلم تكن له بينة فقال لك يمينه فسأله أن يستحلفه فاستحلفه في مجلس حكمه وقضائه في وقت كذا وكذا ولا بد من ذكر تحليفه لأن الاستحلاف لا يكون إلا في مجلس الحكم ويعلم في أوله خاصة وإن نكل المدعى عليه عن اليمين قال فعرض اليمين على المدعى عليه فنكل عنها فسأل خصمه الحاكم أن يقضي عليه بالحق فقضى عليه في وقت كذا ويعلم في آخره ويذكر أن ذلك في مجلس حكمه وقضائه فهذه صفة المحضر فأما إن سأل صاحب الحق الحاكم أن يحكم له بما ثبت في المحضر لزمه أن يحكم له به وينفذه فيقول حكمت به ألزمته الحق أنفذت الحكم به فإن طلبه أن يشهد له على حكمه لزمه ذلك لتحصل له الوثيقة به فإن طالبه أن يسجل له به وهو أن يكتب في المحضر ويشهد على إنفاذه سجل له وفي وجوب ذلك الوجهان المذكوران في المحضر وهذه صورة السجل

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أشهد عليه القاضي فلان بن فلان الفلاني قاضي عبد الله الإمام على كذا وكذا في مجلس حكمه وقضائه في موضع كذا وكذا في وقت كذا وكذا أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان ونسبهما وقد عرفهما بما ساغ له به قبول شهادتهما عنده بما في كتاب نسخه وينسخ الكتاب إن كان معه أو المحضر في أي حكم كان فإذا فرغ منه قال بعد ذلك فحكم به فأنفذه وأمضاه بعد أن سأله فلان بن فلان أن يحكم له به ولا يحتاج أن يذكر أنه بمحضر المدعى عليه لأن القضاء على الغائب جائز فإن أراد أن يذكره احتياطا قال بعد أن حضره من ساغ له الدعوى عليه ويكتب الحاكم بالسجل والمحضر نسختين إحداهما تكون في يد صاحب الحق والأخرى تكون في ديوان الحكم فإن هلكت إحداهما نابت الأخرى عنها ويختم الذي في ديوان الحكم ويكتب على طيه سجل فلان بن فلان أو محضر فلان بن فلان أو وثيقة فلان بن فلان فإن كثر ما عنده جمع ما يجتمع في كل يوم أو أسبوع أو شهر على قدر كثرتها وقلتها وشدها إضبارة ويكتب عليها أسبوع كذا من شهر كذا من سنة كذا ثم يضم ما يجتمع في السنة ويدعها ناحية ويكتب عليها كتب سنة كذا حتى إذا حضر من يطلب شيئا منها سام عن السنة فيخرج كتب تلك السنة ويسهل وينبغي أن يتولى جمعها وشدها بنفسه لئلا يزور عليه فإن تولى ذلك ثقة من ثقاته جاز

فصل وينبغي أن يجعل من بيت المال شيء برسم الكاغد الذي يكتب فيه المحاضر والسجلات وأنه من المصالح فإنه يحفظ به الوثائق ويذكر الحاكم حكمه والشاهد شهادته ويرجع بالدرك على من


117

رجع عليه فإن أعوز ذلك لم يلزم الحاكم ذلك ويقول لصاحب الحق إن شئت جئت بكاغد أكتب لك فيه فإنه حجة لك ولست أكرهك عليه

فصل وإذا ارتفع إليه خصمان فذكر أحدهما أن حجته في ديوان الحكم فأخرجها الحاكم من ديوانه فوجدها مكتوبة بخطه تحت ختمه وفيها حكمه فإن ذكر ذلك حكم به وإن لم يذكره لم يحكم به نص عليه أحمد في الشهادة قاله بعض أصحابنا وهو قول أبي حنيفة والشافعي ومحمد بن الحسن وعنأحمد رضي الله عنه أنه يحكم به وبه قال ابن أبي ليلى وهذا الذي رأيته عن أحمد في الشهادة لأنه إذا كان في قمطره تحت ختمه لم يحتمل أن يكون إلا صحيحا

ووجه الأولى أنه حكم حاكم لم يعلمه فلم يجز إنفاذه إلا ببينة كحكم غيره ولأنه يجوز أن يزور عليه وعلى ختمه والخط يشبه الخط

فإن قيل فلو وجد في دفتر أبيه حقا على إنسان جاز له أن يدعيه ويحلف عليه

قلنا هذا يخالف الحكم والشهادة بدليل الإجماع على أنه لو وجد بخط أبيه شهادة لم يجز له أن يحكم بها ولا يشهد بها ولو وجد حكم أبيه مكتوبا بخطه لم يجز له إنفاذه ولأنه يمكنه الرجوع فيما حكم به عليه إلى نفسه لأنه فعل نفسه فروعى ذلك

وأما ما كتبه أبوه فلا يمكنه الرجوع فيما حكم به إلى نفسه فيكفي فيه الظن

فصل فإن ادعى رجل على الحاكم أنك حكمت لي بهذا الحق على خصمي فذكر الحاكم حكمه أمضاه وألزم خصمه ما حكم به عليه وليس هذا حكما بالعلم إنما هو إمضاء لحكمه السابق وإن لم يذكره القاضي فشهد عنده شاهدان على حكمه لزمه قبولها وإمضاء القضاء وبه قال ابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن قال القاضي هذا قياس قول أحمد لأنه قال يرجع الإمام إلى قول اثنين فصاعدا من المأمومين

وقالأبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي لا يقبل لأنه يمكنه الرجوع إلى الإحاطة والعلم فلا يرجع إلى الظن كالشاهد إذا نسي شهادته فشهد عنده شاهدان أنه شهد لم يكن له أن يشهد

ولنا أنهما لو شهدا عنده بحكم غيره قبل فكذلك إذا شهدا عنده بحكم نفسه ولأنهما شهدا بحكم حاكم وما ذكروه لا يصح لأن ذكر ما نسيه ليس إليه ويخالف الشاهد لأن الحاكم يمضي ما حكم به إذا ثبت عنده والشاهد لا يقدر على إمضاء شهادته وإنما يمضيها الحاكم

مسألة

قال ( ولا يقبل هدية من لم يكن يهدي إليه قبل ولايته )

وذلك لأن الهدية يقصد بها في الغالب استمالة قلبه ليعتني به في الحكم فتشبه الرشوة قال مسروق إذا قبل القاضي الهدية أكل السحت وإذا قبل الرشوة بلغت به الكفر وقد روى أبو حميد الساعدي قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فقال هذا لكم وهذا أهدي إلي فقام النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى


118

عليه ثم قال ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي ألا جلس في بيت أمه فينظر أيهدي إليه أم لا والذي نفس محمد بيده لا نبعث أحدا منكم فيأخذ شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر فرفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه فقال اللهم هل بلغت ثلاثا متفق عليه ولأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدل على أنها من أجلها ليتوسل بها إلى ميل الحاكم معه على خصمه فلم يجز قبولها منه كالرشوة فأما إن كان يهدي إليه قبل ولايته جاز قبولها منه بعد الولاية لأنها لم تكن من أجل الولاية لوجود سببها قبل الولاية بدليل وجودها قبلها قال القاضي ويستحب له التنزه عنها وإن أحس أنه يقدمها بين يدي خصومه أو فعلها حال الحكومة حرم أخذها في هذه الحال لأنها كالرشوة وهذا كله مذهب الشافعي وروي عن أبي حنيفة وأصحابه أن قبول الهدية مكروه غير محرم وفيما ذكرنا دلالة على التحريم

فصل فأما الرشوة في الحكم ورشوة العامل فحرام بلا خلاف قال الله تعالى أكالون للسحت المائدة 42 قال الحسن وسعيد بن جبير في تفسيره هو الرشوة وقال إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به إلى الكفر

وروى عبد الله بن عمر قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ورواه أبو هريرة وزاد في الحكم ورواه أبو بكر في زاد المسافر وزاد والرائش وهو السفير بينهما ولأن المرتشي إنما يرتشي ليحكم بغير الحق أو ليوقف الحكم عنه وذلك من أعظم الظلم قال مسروق سألت ابن مسعود عن السحت أهو الرشوة في الحكم قال لا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون & والظالمون و الفاسقون المائدة 44 47 ولكن السحت أن يستعينك الرجل على مظلمة فيهدي لك فلا تقبل وقال قتادة قال كعب الرشوة تسفه الحليم وتعمي عين الحكيم فأما الراشي فإن رشاه ليحكم له بباطل أو يدفع عنه حقا فهو ملعون وإن رشاه ليدفع ظلمه ويجزيه على واجبه فقد قال عطاء وجابر بن زيد والحسن لا بأس أن يصانع عن نفسه قال جابر بن زيد ما رأينا في زمن زياد أنفع لنا من الرشا ولأنه يستنفذ ماله كما يستنفذ الرجل أسيره فإن ارتشى الحاكم أو قبل هدية ليس له قبولها فعليه ردها إلى أربابها لأنه أخذها بغير حق فأشبه المأخوذ بعقد فاسد ويحتمل أن يجعلها في بيت المال لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر ابن اللتبية بردها على أربابها وقد قال أحمد إذا أهدى البطريق لصاحب الجيش عينا أو فضة لم تكن له دون سائر الجيش قال أبو بكر يكونون فيه سواء

فصل ولا ينبغي للقاضي أن يتولى البيع والشراء بنفسه لما روى أبو الأسود المالكي عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما عدل وال اتجر في رعيته أبدا ولأنه يعرف فيحابي فيكون كالهدية ولأن


119

ذلك يشغله عن النظر في أمور الناس

وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه لما بويع أخذ الذراع وقصد السوق فقالوا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسعك أن تشتغل عن أمور المسلمين قال فإني لا أدع عيالي يضيعون قالوا فنحن نفرض لك ما يكفيك ففرضوا له كل يوم درهمين فإن باع واشترى صح البيع لأن البيع تم بشروطه وأركانه وإن احتاج إلى مباشرته ولم يكن له من يكفيه جاز ذلك ولم يكره لأن أبا بكر رضي الله عنه قصد السوق ليتجر فيه حتى فرضوا له ما يكفيه ولأن القيام بعياله فرض عين فلا يتركه لوهم مضرة وأما إذا استغنى عن مباشرته ووجد من يكفيه ذلك كره له لما ذكرناه من المعنيين وينبغي أن يوكل في ذلك من لا يعرف أنه وكيله لئلا يحابي وهذا مذهب الشافعي وحكي عن أبي حنيفة أنه قال لا يكره له البيع والشراء وتوكيل من يعرف لما ذكرنا من قضية أبي بكر رضي الله عنه

ولنا ما ذكرناه وروي عن شريح أنه قال شرط علي عمر حين ولاني القضاء أن لا أبيع ولا أبتاع ولا أرتشي ولا أقضي وأنا غضبان وقضية أبي بكر حجة لنا فإن الصحابة أنكروا عليه فاعتذر بحفظ عياله عن الضياع فلما أغنوه عن البيع والشراء بما فرضوا له قبل قولهم وترك التجارة فحصل الإتفاق منهم على تركها عند الغني عنها

فصل ويجوز للحاكم حضور الولائم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحضرها ويأمر بحضورها وقال من لم يجب فقد عصى الله ورسوله فإن كثرت وازدحمت تركها ولم يجب أحدا لأن ذلك يشغله عن الحكم الذي قد تعين عليه لكنه يعتذر إليهم ويسألهم التحليل

ولا يجيب بعضا دون بعض لأن في ذلك كسرا لقلب من لم يجبه إلا أن يختص بعضها بعذر يمنعه دون بعض مثل أن يكون في إحداهما منكر أو تكون في مكان بعيد أو يشتغل بها زمنا طويلا والأخرى بخلاف ذلك فله الإجابة إليها دون الأولى لأن عذره ظاهر في التخلف عن الأولى

فصل وله عيادة المرضى وشهود الجنائز وإتيان مقدم الغائب وزيارة إخوانه والصالحين من الناس لأنه قربة وطاعة وإن كثر ذلك فليس له الاشتغال به عن الحكم لأن هذا تبرع فلا يشتغل به عن الغرض وله حضور البعض دون البعض لأن هذا يفعله لنفع نفسه لتحصيل الأجر والقربة له والولائم يراعى فيها حق الداعي فينكسر قلب من لم يجبه إذا أجاب غيره

مسألة

قال ( ويعدل بين الخصمين في الدخول عليه والمجلس والخطاب )

وجملته أن على القاضي العدل بين الخصمين في كل شيء من المجلس والخطاب واللحظ واللفظ والدخول عليه والإنصات إليهما والاستماع منهما وهذا قول شريح وأبي حنيفة والشافعي ولا أعلم فيه مخالفا


120

وقد روى عمر بن شبة في كتاب قضاة البصرة بإسناده عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من يلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لفظه وإشارته ومقعده يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الآخر وفي رواية فليسو بينهم في النظر والمجلس والإشارة وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي سو بين الناس في مجلسك وعدلك حتى لا ييأس الضعيف من عدلك ولا يطمع شريف في حيفك وقال سعيد ثناهشيم ثنا سيار ثنا الشعبي قال كان بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبي بن كعب بدار في شيء فجعلا بينهما زيد بن ثابت فأتياه في منزله فقال له عمر أتيناك لتحكم بيننا في بينة تؤتي الحاكم فوسع له زيد عن صدر فراشه فقال ها هنا يا أمير المؤمنين فقال له عمر جرت في أول القضاء ولكن أجلس مع خصمي فجلسا بين يديه فادعى أبي وأنكر عمر فقال زيد لأبي اعف أمير المؤمنين من اليمين وما كنت لأسألها لأحد غيره فحلف عمر ثم أقسم لا يدرك زيد باب القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء ورواه عمر بن شبة وفيه فلما أتيا باب زيد خرج فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي لأتيتك قال في بيته يؤتى الحكم فلما دخلا عليه قال ها هنا يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي لأتيتك قال في بيته يؤتى الحكم فلما دخلا عليه قال ها هنا يا أمير المؤمنين قال بل أجلس مع خصمي فادعى أبي وأنكر عمر ولم تكن لأبي بينة فقال زيد اعف أمير المؤمنين من اليمين فقال عمر تالله إن زلت ظالما السلام عليك يا أمير المؤمنين ها هنا اعف أمير المؤمنين ولم يعفى أمير المؤمنين إن كان لي حق استحققته بيميني وإلا تركته والله الذي لا إله إلا هو إن النخل لنخلي وما لأبي فيها حق ثم أقسم عمر لا يصيب زيد وجه القضاء حتى يكون عمر وغيره من الناس عنده سواء فلما خرجا وهب النخل لأبي فقيل له يا أمير المؤمنين فهلا كان هذا قبل أن تحلف قال خفت أن أترك اليمين فتصير سنة فلا يحلف الناس على حقوقهم وقال إبراهيم جاء رجل إلى شريح وعنده السري بن وقاص فقال الرجل لشريح أعدني على هذا الجالس عندك فقال شريح للسري قم فاجلس مع خصمك قال إني أسمعك من مكاني قال لا قم فاجلس مع خصمك فأبى أن يسمع منه حتى أجلسه مع خصمه

وفي رواية قال إن مجلسك يريبه وإني لا أدع النصرة وأنا عليها قادر ولما تحاكم علي رضي الله عنه واليهودي إلى شريح قال علي إن خصمي لو كان مسلما لجلست معه بين يديك ولأن الحاكم إذا ميز أحد الخصمين على الآخر حصر وانكسر قلبه وربما لم تقم حجته فأدى ذلك إلى ظلمه وإن أذن أحد الخصمين للحاحكم في رفع الخصم الآخر عليه في المجلس جاز لأن الحق له ولا ينكسر قلبه إذا كان هو الذي رفعه

والسنة أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم رواه أبو داود وقال علي رضي الله عنه لو أن خصمي مسلم لجلست معه بين يديك ولأن ذلك أمكن للحاكم في العدل بينهما والإقبال عليهما والنظر في خصومتهما وإن كان الخصمان ذميين سوى بينهما أيضا لاستوائهما في دينهما وإن كان أحدهما مسلما والآخر ذميا جاز رفع المسلم عليه لما روى إبراهيم التيمي قال وجد


121

علي كرم الله وجهه درعه مع يهودي فقال درعي سقطت وقت كذا فقال اليهودي درعي وفي يدي بيني وبينك قاضي المسلمين فارتفعا إلى شريح فلما رآه شريح قام من مجلسه وأجلسه في موضعه وجلس مع اليهودي بين يديه فقال علي إن خصمي لو كان مسلما لجلست معه بين يديك ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تساووهم في المجالس ذكره أبو نعيم في الحلية ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون صاحبه إما أن يضيفهما معا أو يدعهما

وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه نزل به رجل فقال له إنك خصم قال نعم قال تحول عنا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تضيفوا أحد الخصمين إلا ومعه خصمه ولأن ذلك يوهم الخصم ميل الحاكم إلى من أضافه ولا يلقن أحدهما حجته ولا ما فيه ضرر على خصمه مثل أن يريد أحدهما الإقرار فيلقنه الإنكار أو اليمين فيلقنه النكول أو النكول فيجزئه على اليمين أو يحس من الشاهد بالتوقف فيجسره على الشهادة أو يكون مقدما على الشهادة فيوقفه عنها أو يقول لأحدهما وحده تكلم ونحو هذا مما فيه إضرار بخصمه لأن عليه العدل بينهما

فإن قيل فقد لقن النبي صلى الله عليه وسلم السارق فقال ما إخالك سرقت وقال عمر لزياد أرجو أن لا يفضح الله على يديك رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا لا يرد هذا الإلزام ها هنا فإن هذا في حقوق الله وحدوده ولا خصم للمقر ولا للمشهود عليه فليس في تلقينه حيف على أحد الخصمين ولا ترك للعدل في أحد الجانبين والذي قلنا في المختلفين في حق من حقوق الآدميين ولا ينبغي أن يعنت الشاهد ولا يداخله في كلامه ويعنفه في ألفاظه

فصل وإذا حضر القاضي خصوم كثيرة قدم الأول فالأول وينبغي أن يبعث من يكتب من جاء الأول فالأول فيقدمه قال ابن المنذر الأحسن أن يتخذ خيطا ممدودا طرفه يلي مجلس الحاكم والطرف الآخر يلي مجلس الخصوم فكل من جاء كتب اسمه في رقعة وثقبها وأدخلها في الخيط مما يلي مجلس الخصوم حتى يأتي على آخرهم فإذا جلس القاضي مد يده إلى الطرف الذي يليه فأخذ الرقعة التي تليه ثم التي بعدها كذلك حتى يأتي على آخرها فإن بقي منها شيء وزال الوقت الذي يقضي فيه عرف الطرف الذي يليه حين يجلس فيتناول في المجلس الثاني الرقاع كفعله بالأمس والاعتبار بسبق المدعي لأن الحق له ومتى قدم رجلا لسبقه فحكم بينه وبين خصمه فقال لي دعوى أخرى لم يسمع منه لأنه قد قدمه بسبقه في خصومة فلا يقدمه بأخر ويقول له اجلس حتى إذا لم يبق أحد من الحاضرين نظرت في دعواك الأخرى إن أمكن فإذا فرغ الكل فقال الأخير بعد فصل خصومته لي دعوى أخرى لم يسمع منه حتى يسمع دعوى الأول الثانية ثم يسمع دعواه وإن ادعى المدعى عليه على المدعي حكم بينهما لأننا إنما نعتبر الأول فالأول في الدعوى لا في المدعى


122

عليه وإذا تقدم الثاني فادعى على المدعي الأول أو المدعى عليه الأول حكم بينهما

وإن حضر اثنان أو جماعة دفعة واحدة أقرع بينهم فقدم من خرجت له القرعة لتساوي حقوقهم وإن كثر عددهم كتب أسماءهم في رقاع وتركها بين يديه ومد يده فأخذ رقعة رقعة واحدة بعد أخرى ويقدم صاحبها حسب ما يتفق

فصل فإن حضر مسافرون ومقيمون فكان المسافرون قليلا بحيث لا يضر تقديمهم على المقيمين قدمهم لأنهم على جناح السفر ويشتغلون بما يصلح للرحيل وقد خفف الله عنهم الصوم وشطر الصلاة تخفيفا عنهم وفي تأخيرهم ضرر بهم فإن شاء أفرد لهم يوما يفرغ من حوائجهم فيه

وإن شاء قدمهم من غير إفراد يوم لهم فإن كانوا كثيرا بحيث يضر تقديمهم فهم والمقيمون سواء لأن تقديمهم مع القلة إنما كان لدفع الضرر المختص بهم فإذا آل دفع الضرر عنهم إلى الضرر بغيرهم تساووا ولا خلاف في أكثر هذه الآداب وأنها ليست شرطا في صحة القضاء فلو قدم المسبوق أو قدم الحاضرين أو نحوه كان قضاؤه صحيحا

فصل وإذا تقدم إليه خصمان فإن شاء قال من المدعي منكما لأنهما حضرا لذلك وإن شاء سكت ويقول القائم على رأسه من المدعي منكما إن سكتا جميعا ولا يقول الحاكم ولا صاحبه لأحدهما تكلم لأن في إفراده بذلك تفضيلا له وتركا للإنصاف

قال عمر بن قيس شهدت شريحا إذا جلس إليه الخصمان ورجل قائم على رأسه يقول أيكما المدعي فليتكلم وإن ذهب الآخر يشغب غمزه حتى يفرغ المدعي ثم يقول تكلم فإن بدأ أحدهما فادعى فقال خصمه أنا المدعي لم يلتفت الحاكم إليه وقال أجب عن دعواه ثم ادع بعدما شئت فإن ادعيا معا فقياس المذهب أن يقرع بينهما وهو قياس قول الشافعي لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر وقد تعذر الجمع بينهما فيقرع بينهما كالمرأتين إذا زفتا في ليلة واحدة واستحسن ابن المنذر أن يسمع منهما جميعا وقيل يرجىء أمرهما حتى يتبين المدعي منهما وما ذكرناه أولى لأنه لا يمكن الجمع بين الحكم في القضيتين معا وإرجاء أمرهما إضرار بهما وفيما ذكرنا دفع الضرر بحسب الإمكان وله نظير في مواضع من الشرع فكان أولى

فصل ولا يسمع الحاكم الدعوى إلا محررة إلا في الوصية والإقرار لأن الحاكم يسأل المدعى عليه عما ادعاه فإن اعترف به لزمه ولا يمكنه أن تلزمه مجهولة ويفارق الإقرار فإن الحق عليه فلا يسقط بتركه إثباته وإنما صحت الدعوى في الوصية مجهولة لأنها تصح مجهولة فإنه لو وصى له بشيء أو سهم صح فلا يمكنه أن يدعيها إلا مجهولة كما ثبت وكذلك الإقرار لما صح أن يقر بمجهول صح لخصمه أن يدعي عليه أنه أقر له بمجهول

إذا ثبت هذا فإن كان المدعي أثمانا فلا بد من ذكر ثلاثة أشياء الجنس والنوع والقدر

فيقول


123

عشرة دنانير بصرية وإن اختلفت بالصحاح والمكسرة قال صحاح أو قال مكسرة وإن كانت الدعوى في غير الأثمان وكانت عينا تنضبط بالصفات كالحبوب والثياب والحيوان احتاج أن يذكر الصفات التي تشترط في السلم وإن ذكر القيمة كان آكد إلا أن الصفة تغني فيه كما تغني في العقد وإن كانت جواهر ونحوها مما لا ينضبط بالصفة فلا بد من ذكر قيمتها لأنها لا تنضبط إلا بها وإن كان المدعى تالفا وهو مما له مثل كالمكيل والموزون ادعى مثله وضبطه بصفته

وإن كان مما لا مثل له كالنبات والحيوان ادعى قيمته لأنها تجب بتلفه وإن كان التالف شيئا محلى بفضة أو بذهب قومه بغير جنس حليته وإن كان محلى بذهب وفضة قومه بما شاء منهما لأنه موضع حاجة وإن كان المدعى عقارا فلا بد من بيان وضعه وحدوده فيدعي أن هذه الدار بحدودها وحقوقها لي وأنها في يده ظلما وأنا أطالبه بردها علي

وإن ادعى عليه أن هذه الدار لي وأنه يمنعني منها صحت الدعوى وإن لم يقل إنها في يده لأنه يجوز أن ينازعه ويمنعه وإن لم تكن في يده وإن ادعى جراحة لها أرش معلوم كالموضحة من الحر جاز أن يدعي الجراحة ولا يذكر أرشها لأنه معلوم وإن كانت من عبد أو كانت من حر لا مقدر فيها فلا بد من ذكر أرشها وإن ادعى على أبيه دينا لم تسمع الدعوى حتى يدعي أن أباه مات وترك في يده مالا لأن الولد لا يلزمه قضاء دين والده ما لم يكن كذلك ويحتاج أن يذكر تركة أبيه ويحررها ويذكر قدرها كما يصنع في قدر الدين هكذا ذكره القاضي والصحيح أنه يحتاج إلى ذكر ثلاثة أشياء تحرير دينه وموت أبيه وأنه وصل إليه من تركة أبيه ما فيه وفاء لدينه وإن قال ما فيه وفاء لبعض دينه احتاج أن يذكر ذلك القدر والقول قول المدعى عليه في نفي تركة الأب مع يمينه وإن أنكر موت أبيه فالقول قوله مع يمينه ويكفيه أن يحلف على نفي العلم لأنه على نفي فعل الغير وقد يموت ولا يعلم به ابنه ويكفيه أن يحلف أن ما وصل إليه من تركة أبيه ما فيه وفاء حقه ولا شيء منه ولا يلزمه أن يحلف أن أباه لم يخلف شيئا لأنه قد يخلف تركة فلا تصل إليه فلا يلزمه الإيفاء منه فإن لم يحسن المدعي تحرير الدعوى فهل للحاكم أن يلقنه تحريرها يحتمل وجهين أحدهما يجوز لأنه لا ضرر على صاحبه في ذلك والثاني لا يجوز لأن فيه إعانة أحد الخصمين في حكومته

فصل إذا حرر المدعي دعواه فللحاكم أن يسأل خصمه الجواب قبل أن يطلب منه المدعي ذلك لأن شاهد الحال يدل عليه لأن إحضاره والدعوى إنما يراد ليسأل الحاكم المدعى عليه فقد أغنى ذلك عن سؤاله فيقول لخصمه ما تقول فيما يدعيه فإن أقر لزمه وليس للحاكم أن يحكم عليه إلا بمسألة المقر له لأن الحكم عليه حق له فلا يستوفيه إلا بمسألة مستحقة هكذا ذكر أصحابنا

ويحتمل أن يجوز له الحكم عليه قبل مسألة المدعي لأن الحال تدل على إرادته ذلك فاكتفي بها كما أكتفي بها في مسألة المدعي الجواب ولأن كثيرا من الناس لا يعرف مطالبة الحاكم بذلك


124

فيترك مطالبته به لجهله فيضيع حقه فعلى هذا يجوز له الحكم قبل مسألته

وعلى القول الأول إن سأله الخصم فقال احكم لي حكم عليه والحكم أن يقول قد ألزمتك ذلك أو قضيت عليك له أو يقول اخرج له منه فمتى قال له أحد هذه الثلاثة كان حكما بالحق وإن أنكر فقال لا حق لك قبلي فهذا موضع البينة قال الحاكم ألك بينة لما روى أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم حضرمي وكندي فقال الحضرمي يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض لي فقال الكندي للحضرمي ألك بينة قال لا قال فلك يمينه وهو حديث حسن صحيح وإن كان المدعي عارفا بأنه موضع البينة فالحاكم مخير بين أن يقول ألك بينة وبين أن يسكت فإذا قال له ألك بينة وذكر أن له بينة حاضرة لم يقل له الحاكم أحضرها لأن ذلك حق له فله أن يفعل ما يرى وإذا أحضرها لم يسألها الحاكم عما عندها حتى يسأله المدعي ذلك لأنه حق له فلا يسأله ولا يتصرف فيه من غير إذنه فإذا سأله المدعي سؤالها قال من كانت عنده شهادة فليذكرها إن شاء ولا يقول لهما اشهدا لأنه أمر وكانشريح يقول للشاهدين ما أنا دعوتكما ولا أنهاكما أن ترجعا وما يقضي على هذا المسلم غيركما وإني بكما أقضي اليوم وبكما أتقي يوم القيامة وإن رأى الحاكم عليهما ما يوجب رد شهادتهما ردها كما روي عن شريح أنه شهد عنده شاهد وعليه قباء مخروط الكمين فقال له شريح أتحسن أن توضأ قال نعم قال فاحسر عن ذراعيك فذهب يحسر عنهما فلم يستطع فقال له شريح قم فلا شهادة لك

وإن أديا الشهادة على غير وجهها مثل أن يقولا بلغنا أن عليه ألفا أو سمعنا ذلك ردت شهادتهما

وشهد رجل عند شريح فقال أشهد أنه اتكأ عليه بمرفقه حتى مات فقال شريح أتشهد أنه قتله قال أشهد أنه اتكأ عليه بمرفقه حتى مات قال أتشهد أنه قتله قال أشهد أنه اتكأ عليه بمرفقه حتى مات قال قم لا شهادة لك

وإن كانت شهادة صحيحة عرف الحاكم عدالتهم قال للمشهود عليه قد شهدا عليك فإن كان عندك ما يقدح في شهادتهما فبينه عندي فإن سأل الإنظار أنظره اليومين والثلاثة فإن لم يجرح حكم عليه لأن الحق قد وضح على وجه لا إشكال فيه

وإن ارتاب بشهادتهم فرقهم فسأل كل واحد عن شهادته وصفتها فيقول كنت أول من شهد أو كتبت أو لم تكتب وفي أي مكان شهدت وفي أي شهر وأي يوم وهل كنت وحدك أو معك غيرك فإن اختلفوا سقطت شهادتهم وإن اتفقوا بحث عن عدالتهم ويقال أو لمن فعل هذا دانيال ويقال فعله سليمان وهو صغير

وروي عن علي رضي الله عنه أن سبعة نفر خرجوا ففقد واحد منهم فأتت زوجته عليا فدعا الستة فسألهم عنه فأنكروا ففرقهم وأقام كل واحد عند سارية ووكل به من يحفظه ودعا واحدا منهم فسأله فأنكر فقال الله أكبر فظن الباقون أنه قد اعترف فدعاهم فاعترفوا فقال للأول قد شهدوا عليك وأنا قاتلك فاعترف فقتلهم وإن لم يعرف عدالتهما بحث عنها فإن لم تثبت عدالتهما قال للمدعي زدني شهودا وإن تكن له بينة عرفه الحاكم أن لك يمينه وليس للحاكم أن يستحلفه قبل مسألة المدعي لأن اليمين حق له فلم يجز استيفاؤها من غير مطالبة مستحقها كنفس الحق فإن استحلفه من غير مسألة أو بادر المنكر فحلف لم يعتد بيمينه لأنه أتى بها في غير وقتها

وإذا سألها المدعي أعادها له لأن الأولى لم تكن يمينه

وإن أمسك المدعي عن إحلاف المدعى عليه ثم أراد إحلافه بالدعوى المتقدمة جاز لأنه لم يسقط حقه منها وإنما أخرها

وإن قال أبرأتك من هذه اليمين سقط حقه منها في هذه الدعوى وله أن يستأنف الدعوى لأن حقه لا يسقط بالإبراء من اليمين

فإن استأنف


125

الدعوى فأنكر المدعى عليه فله أن يحلفه لأن هذه الدعوى غير الدعوى التي أبرأه فيها من اليمين فإن حلف سقطت الدعوى ولم يكن للمدعي أن يحلفه يمينا أخرى لا في هذا المجلس ولا في غيره

وإن كان الحق لجماعة فرضوا بيمين واحد جاز وسقطت دعواهم باليمين لأنها حقهم ولأنه لما جاز ثبوت الحق ببينة واحدة لجماعة جاز سقوطه بيمين واحدة

قال القاضي ويحتمل أن لا يصح حتى يحلف لكل واحد يمينا وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن اليمين حجة في حق الواحد فإذا رضي بها اثنان صارت الحجة في حق كل واحد منهما ناقصة والحجة الناقصة لا تكمل برضى الخصم كما لو رضي أن يحكم عليه بشاهد واحد والصحيح الأول لأن الحق لهما فإذا رضيا به جاز ولا يلزم من رضاهما بيمين واحدة أن يكون لكل واحد بعض اليمين كما أن الحقوق إذا قامت بها بينة واحدة لا يكون لكل حق بعض البينة فأما إن حلفه لجميعهم يمينا واحدة بغير رضاهم لم تصح يمينه بلا خلاف نعلمه

وقد حكى الاصطخري أن إسماعيل بن إسحاق القاضي حلف رجلا بحق لرجلين يمينا واحدة فخطأه أهل عصره

وإن قال المدعي لي بينة غائبة قال له الحاكم لك يمينه فإن شئت واحدة أن يكون لكل حق بعض البينة فأما إن حلفه لجميعهم يمينا واحدة بغير رضاهم لم تصح يمينه بلا خلاف نعلمه

وقد حكى الاصطخري أن إسماعيل بن إسحاق القاضي حلف رجلا بحق لرجلين يمينا واحدة فخطأه أهل عصره

وإن قال المدعي لي بينة غائبة قال له الحاكم لك يمينه فإن شئت فاستحلفه وإن شئت أخرته إلى أن تحضر بينتك وليس لك مطالبته بكفيل ولا ملازمته حتى تحضر البينة نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك فإن أحلفه ثم حضرت بينته حكم بها ولم تكن مزيلة للحق لأن اليمين إنما يصار إليها عند عدم البينة فإذا وجدت البينة بطلت اليمين وتبين كذبها

وإن قال لي بينة حاضرة وأريد يمينه ثم أقيم بينتي لم يملك ذلك

وقال أبو يوسف يستحلفه وإن نكل قضى عليه لأن في الاستحلاف فائدة وهو أنه ربما نكل فقضى عليه فأغنى عن البينة

ولنا قوله عليه السلام شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك وأو للتخيير بين شيئين فلا يكون له الجمع بينهما ولأنه أمكن لفصل الخصومة بالبينة فلم يشرع غيرها مع إرادة المدعي إقامتها وحضروها كما لو لم يطلب يمينه ولأن اليمين بدل فلم يجب الجمع بينها وبين مبدلها كسائر الأبدال مع مبادلاتها

وإن قال المدعي لا أريد إقامتها وإنما أريد يمينه أكتفي بها استحلف لأن البينة حقه فإذا رضي بإسقاطها وترك إقامتها فله ذلك كنفس الحق فإن حلف المدعى عليه ثم أراد المدعي إقامة بينته فهل يملك ذلك يحتمل وجهين أحدهما له ذلك لأن البينة لا تبطل بالاستحلاف كما لو كانت غائبة

والثاني ليس له ذلك لأنه قد أسقط حقه من إقامتها

ولأن تجويز إقامتها يفتح باب الحيلة لأنه يقول لا أريد إقامتها ليحلف خصمه ثم يقيمها فإن كان له شاهد واحد في الأموال عرفه الحاكم أن له أن يحلف مع شاهده ويستحق فإن قال لا أحلف أنا وأرضى بيمينه استحلف له فإذا حلف سقط الحق عنه فإن عاد المدعي بعدها فقال أنا أحلف مع شاهدي لم يستحلف ولم يسمع منه ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأن اليمين فعله وهو قادر عليها فأمكنه أن يسقطها بخلاف البينة وإن عاد قبل أن يحلف المدعى عليه فبذل اليمين فقال القاضي ليس له ذلك في هذا المجلس وكل موضع قلنا يستحلف المدعى عليه فإن الحاكم يقول له إن حلفت وإلا جعلتك ناكلا وقضيت عليك ثلاثا فإن حلف وإلا حكم عليه بنكوله إذا سأله المدعي ذلك


126

فإن سكت عن جواب الدعوى فلم يقر ولم ينكر حبسه الحاكم حتى يجيب ولا يجعله بذلك ناكلا ذكره القاضي في المجرد

وقالأبو الخطاب يقول له الحاكم إن أجبت وإلا جعلتك ناكلا وحكمت عليك ويكرر ذلك عليه فإن أجاب وإلا جعله ناكلا وحكم عليه لأنه ناكل عما توجه عليه الجواب فيه فيحكم عليه بالنكول عنه كاليمين

مسألة

قال ( وإذا حكم على رجل في عمل غيره فكتب بإنفاذ القضاء عليه إلى قاضي ذلك البلد قبل كتابه وأخذ المحكوم عليه بذلك الحق )

ثم الأصل في كتاب القاضي إلى القاضي والأمير إلى الأمير الكتاب والسنة والإجماع

أما الكتاب فقول الله تعالى إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين النمل 29 31

وأما السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وملوك الأطراف وكان يكتب إلى ولاته ويكتب لعماله وسعاته وكان في كتابه إلى قيصر بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى قيصر عظيم الروم أما بعد فأسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرا عظيما فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم

وروى الضحاك بن سفيان قال كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها

وأجمعت الأمة على كتاب القاضي إلى القاضي ولأن الحاجة إلى قبوله داعية فإن من له حق في غير بلده ولا يمكنه إتيانه والمطالبة به إلا بكتاب القاضي فوجب قبوله

وإذا ثبت هذا فإن كتاب القاضي يقبل في الأموال وما يقصد به المال ولا يقبل في الحدود كحق الله تعالى وهل يقبل فيما عدا هذا على وجهين وبهذا قال أصحاب الرأي وقال أصحاب الشافعي يقبل في كل حق لآدمي من الجراح وغيرها وهل يقبل في الحدود التي لله تعالى على قولين وتمام الكلام في هذا الفصل يذكر في الشهادة على الشهادة إن شاء الله تعالى والكتاب على ضربين أحدهما أن يكتب بما حكم به وذلك مثل أن يحكم على رجل بحق فيغيب قبل إيفائه أو يدعي حقا على غائب ويقيم به بينة ويسأل الحاكم الحكم عليه فيحكم عليه ويسأله أن يكتب له كتابا يحمله إلى قاضي البلد الذي فيه الغائب فيكتب له إليه أو تقوم البينة على حاضر فيهرب قبل الحكم عليه فيسأل صاحب الحق الحاكم الحكم عليه وأن يكتب له كتابا بحكمه ففي هذه الصور الثلاث يلزم الحاكم إجابته إلى الكتابة ويلزم المكتوب إليه قبوله سواء كانت بينهما مسافة بعيدة أو قريبة حتى


127

لو كانا في جانبي بلد أو مجلس لزمه قبوله وإمضاؤه سواء كان حكما على حاضر أو غائب لا نعلم في هذا خلافا لأن حكم الحاكم يجب إمضاؤه على كل حاكم

الضرب الثاني أن يكتب بعلمه بشهادة شاهدين عنده بحق لفلان مثل أن تقوم البينة عنده بحق لرجل على آخر ولم يحكم به فيسأله صاحب الحق أن يكتب له كتابا بما حصل عنده فإنه يكتب له أيضا

قال القاضي ويكون في كتابه شهد عندي فلان وفلان بكذا وكذا ليكون المكتوب إليه هو الذي يقضي به ولا يكتب ثبت عندي لأن قوله ثبت عندي حكم بشهادتهما فهذا لا يقبله المكتوب إليه إلا في المسافة البعيدة التي هي مسافة القصر ولا يقبله فيما دونها لأنه نقل شهادة فاعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة على الشهادة ونحو هذا قول الشافعي

وقال أبو يوسف ومحمد يجوز أن يقبله في بلده وحكي عن أبي حنيفة مثل هذا وقال بعض المتأخرين من أصحابه الذي يقتضيه مذهبه أنه لا يجوز ذلك في الشهادة على الهشادة واحتج من أجازه بأنه كتاب الحاكم بما ثبت عنده فجاز قبوله مع القرب ككتابه بحكمه

ولنا أن ذلك نقل الشهادة إلى المكتوب إليه فلم يجز مع القرب كالشهادة على الشهادة ويفارق كتابه بالحكم فإن ذلك ليس بنقل وإنما هو خبر وكل موضع يلزمه قبول الكتاب فإنه يأخذ المحكوم عليه بالحق الذي حكم عليه به فيبعث إليه فيستدعيه فإن اعترف بالحق أمره بأدائه وألزمه إياه وإن قال لست المسمى في هذا الكتاب فالقول قوله مع يمينه إلا أن يقيم المدعي بينة أنه المسمى في الكتاب إن اعترف أن هذا الاسم اسمه والنسب نسبه والصفة صفته إلا أن الحق ليس هو عليه إنما هو على الآخر يشاركه في الاسم والنسب والصفة فالقول قول المدعي في نفي ذلك لأن الظاهر عدم المشاركة في هذا كله فإن أقام المدعى عليه بينة بما ادعاه من وجود مشارك له في هذا كله أحضره الحاكم وسأله وكتب إلى الحاكم الكاتب يعلمه الحال وما وقع من الإشكال حتى يحضر الشاهدين فيشهدا عنده بما يتميز به المشهود عليه منهما

وإن ادعى المسمى أنه كان في البلد من يشاركه في الاسم والصفة وقد مات نظرنا فإن كان موته قبل وقوع المعاملة التي وقع الحكم بها أو كان ممن لم يعاصره المحكوم عليه أو المحكوم له لم يقع إشكال وكان وجوده كعدمه

وإن كان موته بعد الحكم أو بعد المعاملة وكان ممن أمكن أن تجري بينه وبين المحكوم له معاملة فقد وقع الإشكال كما لو كان حيا لجواز أن يكون الحق على الذي مات

فصل وإذا كتب الحاكم بثبوت بينة أو إقرار بدين جاز وحكم به المكتوب إليه أخذ المحكوم عليه به وإن كان ذلك عينا كعقار محدود أو عين مشهودة لا تشتبه بغيرها كعبد معروف مشهود أو دابة كذلك حكم به المكتوب إليه


128

أيضا وألزم تسليمه إلى المحكوم له به وإن كان عينا لا تتميز إلا بالصفة كعبد غير مشهود أو غيره من الأعيان التي لا تتميز إلا بالوصف ففيه وجهان أحدهما لا يقبل كتابه وبه قالأبو حنيفة وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن الوصف لا يكفي بدليل أنه لا يصح أن يشهد لرجل بالوصف والتحلية كذلك المشهود به

والثاني يجوز لأنه ثبت في الذمة بالعقد على هذه الصفة فأشبه الدين ويخالف المشهود له فإنه لا حاجة إلى ذلك فيه فإن الشهادة له لا تثبت إلا بعد دعواه

ولأن المشهود عليه يثبت بالصفة والتلحية فكذلك المشهود به

فعلى هذا الوجه ينفذ العين مختومة وإن كان عبد أو أمة ختم في عنقه وبعثه إلى القاضي الكاتب ليشهد الشاهدان على عينه فإن شهدا عليه دفع إلى المشهود له به وإن لم يشهدا على عينه أو قال المشهود به غير هذا وجب على آخذه رده إلى صاحبه ويكون حكمه حكم المغصوب في ضمانه وضمان نقصه ومنفعته فيلزمه أجره إن كان له أجر من يوم أخذه إلى أن يصل إلى صاحبه لأنه أخذه من صاحبه قهرا بغير حق

فصل ومن استوفى الحق من المحكوم عليه فقال للحاكم عليه اكتب لي محضرا بما جرى لئلا يلقاني خصمي في موضع آخر فيطالبني به مرة أخرى ففيه وجهان أحدهما تلزمه إجابته ليخلص من المحذور الذي يخافه

والثاني لا تلزمه لأن الحاكم إنما يكتب بما ثبت عنده أو حكم به فأما استئناف ابتداء فيكفيه فيه الإشهاد فيطالبه أن يشهد على نفسه بقبض الحق لأن الحق ثبت عليه بالشهادة والأول أصح لأنه قد حكم عليه بهذا الحق ويخاف الضرر بدون المحضر فأشبه ما حكم به ابتداء وإن طالب المحكوم له بدفع الكتاب الذي ثبت به الحق لم يلزمه دفعه إليه لأنه ملكه فلا يجب عليه دفعه إلى غيره وكذلك كل من له كتاب بدين فاستوفاه أو عقار فباعه لا يلزمه دفع الكتاب لأنه ملكه ولأنه يجوز أن يخرج ما قبضه مستحقا فيعود إلى ماله

فصل ويقبل الكتاب من قاضي مصر إلى قاضي مصر وإلى قاضي قرية ومن قاضي قرية إلى قاضي قرية وقاضي مصر ومن القاضي إلى خليفته ومن خليفته إليه لأنه كتاب من قاض إلى قاض فأشبه ما لو استويا ويجوز أن يكتب إلى قاض معين وإلى من وصله كتابي من قضاة المسلمين وحكامهم من غير تعيين ويلزم من وصله قبوله وبهذا قال أبو ثور واستحسنه أبو يوسف وقال أبو حنيفة لا يجوز أن يكتب إلى غير معين

ولنا أنه كتاب حاكم من ولايته وصل إلى حاكم فلزمه قبوله كما لو كان الكتاب إليه بعينه

فصل


129

وصفة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم سبب هذا الكتاب أطال الله بقاء من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم أنه ثبت عندي في مجلس حكمي وقضائي الذي أتولاه بمكان كذا وإن كان نائبا قال الذي أنوب فيه عن القاضي فلان بمحضر من خصمين مدع ومدعى عليه جاز استماع الدعوى منهما وقبول البينة من أحدهما على الآخر بشهادة فلان وفلان وهما من الشهود المعدلين عندي وعرفتهما وقبلت شهادتهما بما رأيت معه قبولها معرفة فلان بن فلان الفلاني بعينه واسمه ونسبه فإن كان في إثبات أسر أسير قال وإن الفرنج خذلهم الله أسروه بمكان كذا في وقت كذا وأخذوه إلى مكان كذا وهو مقيم تحت موطنهم أبادهم الله وأنه رجل فقير من فقراء المسلمين ليس له شيء من الدنيا ولا يقدر على فكاك نفسه ولا على شيء منه وأنه مستحق للصدقة على ما يقتضيه كتاب المحضر المشار إليه المتصل أوله بآخر كتابي هذا المؤرخ بكذا

وإن كان في إثبات دين كتب وأنه استحق في ذمة فلان بن فلان الفلاني ويرفع في نسبه ويصفه بما يتميز به من الدين وكذا وكذا دينا عليه حالا وحقا واجبا لازما وأنه يستحق مطالبته واستيفاءه منه وإن كان في إثبات عين كتب وأنه مالك لما في يدي فلان من الشيء الفلاني ويصفه صفة يتميز بها مستحق لأخذه وتسليمه على ما يقتضيه كتاب المحضر المتصل بآخر كتابي هذا المؤرخ بتاريخ كذا وقال الشاهدان المذكوران أنهما بما شهدا به عالمان وله محققان وأنهما لا يعلمان خلاف ما شهدا به إلى حين أقاما الشهادة عندي فأمضيت ما ثبت عندي من ذلك وحكمت بموجبه بسؤال من جازت مسألته وسألني من جاز سؤاله وسوغت الشريعة المطهرة إجابته المكاتبة بذلك إلى القضاة والحكام فأوجبته إلى ملتمسه لجوازه له شرعا وتقدمت بهذا الكتاب فكتب وبإلصاق المحضر المشار إليه فألصق فمن وقف عليهم منهم وتأمل ما ذكرته وتصفح ما سطرته واعتمد في إنفاذه والعمل بموجب الشرع المطهر أحرز من الأجر أجزله وكتب من مجلس الحكم المحروس من مكان كذا في وقت كذا ولا يشترط أن يذكر القاضي اسمه في العنوان ولا ذكر اسم المكتوب إليه في باطنه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا لم يذكر اسمه فلا يقبل لأن الكتاب ليس إليه ولا يكفي ذكر اسمه في العنوان دون باطنه لأن ذلك لم يقع على وجه المخاطبة

ولنا إن المعول فيه على شهادة الشاهدين على القاضي الكاتب بالحكم وذلك لا يقدح فيها ولو ضاع الكتاب أو امتحي سمعت شهادتهما وحكم بها

مسألة

قال ( ولا يقبل الكتاب إلا بشهادة عدلين يقولان قرأه علينا أو قرىء عليه بحضرتنا فقال اشهدا علي أنه كتابي إلى فلان )

وجملته أنه يشترط لقبول كتاب القاضي شروط ثلاثة أحدها أن يشهد به شاهدان عدلان ولا يكفي معرفة المكتوب إليه خط الكاتب وختمه ولا يجوز له قبوله بذلك في قول أئمة الفتوى

وحكي عن الحسن وسوار والعنبري أنهم


130

قالوا إذا كان يعرف خطه وختمه قبله وهو قول أبي ثور والاصطخري ويتخرج لنا مثله بناء على قوله في الوصية إذا وجدت بخطه لأن ذلك تحصل به غلبة الظن فأشبه شهادة الشاهدين

ولنا أن ما أمكن إثباته بالشهادة لم يجز الإقتصار فيه على الظاهر كإثبات العقود ولأن الخط يشبه الخط والختم يمكن التزوير عليه ويمكن الرجوع إلى الشهادة فلم يعول على الخط كالشاهد لا يعول في الشهادة على الخط وفي هذا انفصال عما ذكروه

إذا ثبت هذا فإن القاضي إذا كتب الكتاب دعا رجلين يخرجان إلى البلد الذي فيه القاضي المكتوب إليه فيقرأ عليهما الكتاب أو يقرؤه غيره عليهما والأحوط أن ينظرا معه فيما يقرؤه فإن لم ينظرا جاز لأنه لا يستقرأ إلا ثقة فإذا قرىء عليهما قال اشهدا على أن هذا كتابي إلى فلان وإن قال اشهدا علي بما فيه كان أولى وإن اقتصر على قوله هذا كتابي إلى فلان فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجزىء لأنه يحملهما الشهادة فاعتبر فيه أن يقول اشهدا علي كالشهادة على الشهادة

وقال القاضي يجزىء وهو مذهب الشافعي ثم إن كان ما في الكتاب قليلا اعتمد على حفظه وإن كثر فلم يقدرا على حفظه كتب كل واحد منهما مضمونه وقابل بها لتكون معه يذكر بها ما يشهد به ويقبضان الكتاب قبل أن يغيبا لئلا يدفع إليهما غيره فإذا وصل الكتاب معهما إليه قرأه الحاكم أو غيره عليهما فإذا سمعاه قالا نشهد أن هذا كتاب فلان القاضي إليك أشهدنا على نفسه بما فيه لأنه قد يكون كتابه غير الذي أشهدهما عليه

قال أبو الخطالب ولا يقبل إلا أن يقولا نشهد أن هذا كتاب فلان لأنها أداء شهادة فلا بد فيها من لفظ الشهادة

ويجب أن يقولا من عمله لأن الكتاب لا يقبل إلا إذا وصل من مجلس عمله وسواء وصل الكتاب مختوما أو غير مختوم مقبولا أو غير مقبول لأن الاعتماد على شهادتهما لا على الخط والختم

فإن امتحي الكتاب وكانا يحفظان ما فيه جاز لهما أن يشهدا بذلك وإن لم يحفظا ما فيه لم تمكنهما الشهادة

وقالأبو حنيفة وأبو ثور لا يقبل الكتاب حتى يشهد شاهدان على ختم القاضي

ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتابا إلى قيصر ولم يختمه فقيل له إنه لا يقرأ كتابا غير مختوم فاتخذ الخاتم

واقتصاره على الكتاب دون الختم دليل على أن الختم ليس بشرط في القبول وإنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ليقرؤوا كتابه ولأنهما شهدا بما في الكتاب وعرفا ما فيه فوجب قبوله كما لو وصل مختوما وشهدا بالختم

إذا ثبت هذا فإنه إنما يعتبر ضبطهما لمعنى الكتاب وما يتعلق به الحكم قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن قوم شهدوا على صحيفة وبعضهم ينظر فيها وبعضهم لا ينظر قال إذا حفظ فليشهد قيل كيف يحفظ وهو كلام كثير قال يحفظ ما كان عليه الكلام والوضع

قلت يحفظ المعنى قال نعم قيل له والحدود والثمن وأشباه ذلك قال نعم ولو أدرج الكتاب وختمه قال هذا كتابي اشهدا علي بما فيه أو قد أشهدتكما على نفسي بما فيه لم يصح هذا التحمل وبه قال أبو حنيفة والشافعي


131

وقال أبو يوسف إذا ختمه بختمه وعنوانه جاز أن يتحملا الشهادة عليه مدرجا فإذا وصل الكتاب شهدا عنده أنه كتاب فلان ويتخرج لنا مثل هذا لأنهما شهدا بما في الكتاب فجاز وإن لم يعلما تفصيله كما لو شهدا لرجل بما في هذا الكيس من الدراهم جازت الشهادة وإن لم يعرفا قدرها

ولنا إنهما شهدا بمجهول لا يعلمانه فلم تصح شهادتهما كما لو شهدا أن لفلان على فلان مالا وفارق ما ذكره فإن تعيينه الدراهم التي في الكيس أغنى عن معرفة قدرها وها هنا الشهادة على ما في الكتاب دون الكتاب وهما لا يعرفانه

الشرط الثاني أن يكتبه القاضي من موضع ولايته وحكمه فإن كتبه من غير ولايته لم يسغ قبوله لأنه لا يسوغ له في غير ولايته حكم فهو فيه كالعامي

الشرط الثالث أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه في موضع ولايته فإن وصله في غيره لم يكن له قبوله حتى يصير إلى موضع ولايته

ولو ترافع إليه خصمان في غير موضع ولايته لم يكن له الحكم بينهما بحكم ولايته إلا أن يتراضيا به فيكون حكمه حكم غير القاضي إذا تراضيا به وسواء كان الخصمان من أهل عمله أو لم يكونا ولو ترافع إليه خصمان وهو في موضع ولايته من غير أهل ولايته كان له الحكم بينهما لأن الاعتبار بموضعهما إلا أن يأذن الإمام لقاض أن يحكم بين أهل ولايته حيث كانوا ويمنعه من الحكم بين غير أهل ولايته حيثما كان فيكون الأمر على ما أذن فيه ومنع منه لأن الولاية بتوليته فيكون الحكم على وفقها

فصل في تغيير حال القاضي ولا يخلو من أن يتغير حال الكاتب أو المكتوب إليه أو حالهما معا فإن تغيرت حال الكاتب بموت أو عزل بعد أن كتب الكتاب وأشهد على نفسه لم يقدح في كتابه وكان على من وصله الكتاب قبوله والعمل به سواء تغيرت حاله قبل خروج الكتاب من يده أو بعده وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يعمل به في الحالين

وقالأبو يوسف إن مات قبل خروجه من يده لم يعمل به وإن مات بعد خروجه من يده عمل به لأن كتاب الحاكم بمنزلة الشهادة على الشهادة لأنه ينقل شهادة شاهدي الأصل فإذا مات قبل وصول الكتاب صار بمنزلة موت شاهدي الفرع قبل أداء شهادتهما

ولنا أن المعول في الكتاب على الشاهدين اللذين يشهدان على الحاكم وهما حيان فيجب أن يقبل كتابه كما لو لم يمت ولأن كتابه إن كان فيما حكم به فحكمه لا يبطل بموته وعزله وإن كان فيما ثبت عنده بشهادة فهو أصل واللذان شهدا عليه فرع ولا تبطل شهادة الفرع بموت شاهد الأصل وما ذكروه حجة عليهم لأن الحاكم قد أشهد على نفسه وإنما يشهد عند المكتوب إليه شاهدان عليه وهما حيان وهما شاهدا الفرع وليس موته مانعا من شهادتهما فلا يمنع قبولها كموت شاهدي الأصل

وإن تغيرت حاله بفسق قبل الحكم بكتابته لم يجز الحكم به لأن حكمه بعد فسقه لا يصح فكذلك لا يجوز الحكم


132

بكتابه ولأن بقاء عدالة شاهدي الأصل شرط في صحة الحكم بشاهدي الفرع فكذلك بقاء عدالة الحاكم لأنه بمنزلة شاهدي الأصل فإن فسق بعد الحكم بكتابه لم يتغير كما لو حكم بشيء ثم بان فسقه فإنه لا ينقض ما مضى من أحكامه كهذا هنا

وأما إن تغيرت حال المكتوب إليه بأي حال كان من موت أو عزل أو فسق فلمن وصل إليه الكتاب ممن قام مقامه قبول الكتاب والعمل به وبه قال الحسن حكي عنه أن قاضي الكوفة كتب إلى إياس بن معاوية قاضي البصرة كتب كتابا فوصل وقد عزل وولي الحسن فعمل به

وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يعمل به لأن كتاب القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة عند المكتوب إليه وإذا شهد شاهدان عند قاض لم يحكم بشهادتهما غيره

ولنا إن المعول على شهادة الشاهدين بحكم الأول أو ثبوت الشهادة عنده وقد شهدا عند الثاني فوجب أن يقبل كالأول

وقولهم إنه شهادة عند الذي مات ليس بصحيح

فإن الحاكم الكاتب ليس بفرع ولو كان فرعا لم يقبل وحده وإنما الفرع الشاهدان اللذان شهدا عليه وقد أديا الشهادة عند المتجدد ولو ضاع الكتاب فشهدا بذلك عند الحاكم المكتوب إليه قبل فدل ذلك على أن الاعتبار بشهادتهما دون الكتاب وقياس ما ذكرناه أن الشاهدين لو حملا الكتاب إلى غير المكتوب إليه في حال حياته وشهدا عنده عمل به لما بيناه وإن كان المكتوب إليه خليفة للكاتب فمات الكاتب أو عزل انعزل المكتوب إليه لأن نائب عنه فينعزل بعزله وموته كولائه وقال بعض أصحاب الشافعي لا ينعزل خليفته كما لا ينعزل القاضي الأصلي بموت الإمام ولا عزله

ولنا ما ذكرناه ويفارق الإمام لأن الإمام يعقد القضاء والإمارة للمسلمين فلم يبطل ما عقده لغيره كما لو مات الولي في النكاح لم يبطل النكاح ولهذا ليس للإمام أن يعزل القاضي من غير تغير حاله ولا ينعزل إذا عزله بخلاف نائب الحاكم فإنه تنعقد ولايته لنفسه نائبا عنه فملك عزله ولأن القاضي لو انعزل بموت الإمام لدخل الضرر على المسلمين لأنه يفضي إلى عزل القضاة في جميع بلاد المسلمين وتتعطل الأحكام وإذا ثبت أنه لا ينعزل فليس له قبول الكتاب لأنه حينئذ ليس بقاض

مسألة

قال ( ولا تقبل الترجمة عن أعجمي تحاكم إليه إذا لم يعرف لسانه إلا من عدلين يعرفان لسانه )

وجملته أنه إذا تحاكم إلى القاضي العربي أعجميان لا يعرف لسانهما أو أعجمي وعربي فلا بد من مترجم عنهما

ولا تقبل الترجمة إلا من اثنين عدلين

وبهذا قالالشافعي وعن أحمد رواية أخرى أنها تقبل من واحد وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز وابن المنذر وقول أبي حنيفة

وقال ابن المنذر في حديث زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب يهود قال فكنت أكتب له إذا كتب إليهم وأقرأ له إذا كتبوا ولأنه مما لا يفتقر إلى لفظ الشهادة فأجزأ فيه الواحد كأخبار الديانات


133

ولنا إنه نقل ما خفي على الحاكم إليه فيما يتعلق بالمتخاصمين فوجب فيه العدد كالشهادة ويفارق أخبار الديانات فإنها لا تتعلق بالمتخاصمين ولا نسلم أنه لا يعتبر فيه لفظ الشهادة ولأن ما لا يفهمه الحاكم وجوده عنده كعدم يتعلق بالمتخاصمين كنقل الإقرار إليه من غير مجلسه ولا يقبل ذلك إلا من شاهدين

كذا ها هنا فعلى هذه الرواية تكون الترجمة شهادة تفتقر إلى العدد والعدالة ويعتبر فيها من الشروط ما يعتبر في الشهادة على الإقرار بذلك الحق فإن كان مما يتعلق بالحدود والقصاص اعتبر فيه الحرية ولم يكف إلا شاهدان ذكران

وإن كان مما لا يتعلق بها كفى فيه ترجمة رجل وامرأتين ولم تعتبر الحرية فيه وإن كان في حد زنا خرج في الترجمة فيه وجهان أحدهما لا يكفي فيه أقل من أربعة رجال أحرار عدول

والثاني يكفي فيه اثنان بناء على الروايتين في الشهادة على الإقرار به ويعتبر فيه لفظ الشهادة لأنه شهادة وإن قلنا يكفي فيه واحد فلا بد من عدالته ولا تقبل من كافر ولا فاسق وتقبل من العبد لأنه من أهل الشهادة والرواية

وقال أبو حنيفة لا تقبل من العبد لأنه ليس من أهل الشهادة

ولنا إنه خبر يكفي فيه قول الواحد فيقبل فيه خبر العبد كأخبار الديانات ولا نسلم أن هذه شهادة ولا أن العبد ليس من أهل الشهادة ولا يعتبر فيه لفظ الشهادة كالرواية وعلى هذا الأصل ينبغي أن تقبل ترجمة المرأة إذا كانت من أهل العدالة لأن روايتها مقبولة

فصل والحكم في التعريف والرسالة والجرح والتعديل كالحكم في الترجمة وفيها من الخلاف ما فيها ذكره الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب وقد ذكرنا الجرح والتعديل فيما مضى

مسألة

قال ( وإذا عزل فقال كنت حكمت في ولايتي لفلان على فلان بحق قبل قوله وأمضى ذلك الحق )

وبهذا قال إسحاق قال أبو الخطاب ويحتمل أن لا يقبل قوله وقول القاضي في فروع هذه المسألة يقتضي أن لا يقبل قوله ها هنا

وهو قول أكثر الفقهاء لأن من لا يملك الحكم لا يملك الإقرار به كمن أقر بعتق عبد بعد بيعه ثم اختلفوا فقال الأوزاعي وابن المنذر وابن أبي ليلى هو بمنزلة الشاهد إذا كان معه شاهد آخر قبل وقال أصحاب الرأي لا يقبل إلا شاهدان سواه يشهدان بذلك

وهو ظاهر مذهب الشافعي لأن شهادته على فعل نفسه لا تقبل

ولنا إنه لو كتب إلى غيره ثم عزل ووصل الكتاب بعد عزله لزم المكتوب إليه قبول كتابه بعد عزل كاتبه فكذلك ها هنا ولأنه أخبر بما حكم به وهو غير متهم فيجب قبوله كحال ولايته

فصل فأما إن قال في ولايته كنت حكمت لفلان بكذا قبل قوله سواء قال قضيت عليه بشاهدين عدلين

أو قال سمعت بينته وعرفت عدالتهم أو قال قضيت عليه بنكوله أو قال أقر عندي فلان لفلان بحق فحكمت به وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف وحكي عن محمد بن الحسن أنه لا يقبل حتى يشهد معه رجل عادل لأن فيه إخبارا بحق على غيره فلم يقبل قول واحد كالشهادة


134

ولنا إنه يملك كالحكم فملك الإقرار به كالزوج إذا أخبر بالطلاق والسيد إذا أخبر بالعتق ولأنه لو أخبر أنه أخبر أنه رأى كذا وكذا فحكم به قبل كذا ها هنا وفارق الشهادة فإن الشاهد لا يملك إثبات ما أخبر به

فأما إن قال حكمت بعلمي أو بالنكول أو بشاهد يمين في الأموال فإنه يقبل أيضا

وقال الشافعي لا يقبل قوله في القضاء بالنكول وينبني قوله حكمت بعلمي على القولين في جواز القضاء بعلمه لأنه لا يملك الحكم بذلك فلا يملك الإقرار به

ولنا إنه أخبر بحكمه فيما لو حكم به لنفذ حكمه فوجب قبوله كالصور التي تقدمت ولأنه حاكم أخبر بحكمه في ولايته فوجب قبوله كالذي سلمه ولأن الحاكم إذا حكم في مسألة يسوغ فيها الاجتهاد لم يسغ نقض حكمه ولزم غيره إمضاؤه والعمل به فصار بمنزلة الحكم بالبينة العادلة ولا نسلم ما ذكره وإن قال حكمت لفلان على فلان بكذا ولم يضف حكمه إلى بينة ولا غيرها وجب قبوله وهو ظاهر مسألة الخرقي فإنه لم يذكر ما ثبت به الحكم وذلك لأن الحاكم متى ما حكم بحكم يسوغ فيه الاجتهاد وجب قبوله وصار بمنزلة ما أجمع عليه

فصل وإذا أخبر القاضي بحكمه في غير موضع ولايته فظاهر كلام الخرقي أن قوله مقبول وخبره نافذ لأنه إذا قبل قوله بحكمه بعد العزل وزوال ولايته بالكلية فلأن يقبل مع بقائها في غير موضع ولايته أولى

وقال القاضي لا يقبل قوله وقال لو اجتمع قاضيان في غير ولايتهما كقاضي دمشق وقاضي مصر اجتمعا في بيت المقدس فأخبر أحدهما الآخر بحكم حكم به أو شهادة ثبتت عنده لم يقبل أحدهما قول صاحبه ويكونان كشاهدين أخبر أحدهما الآخر بما عنده وليس له أن يحكم به إذا رجع إلى عمله لأنه خبر من ليس بقاض في موضعه

وإن كانا جميعا في عمل أحدهما كأنهما اجتمعا جميعا في دمشق فإن قاضي دمشق لا يعمل بما أخبره به قاضي مصر لأنه يخبره به في غيره غمله

وهل يعمل قاضي مصر بما أخبره به قاضي دمشق إذا رجع إلى مصر فيه وجهان بناء على القاضي هل له أن يقضي بعلمه على روايتين لأن قاضي دمشق أخبره به في عمله

ومذهب الشافعي في هذا كقول القاضي ها هنا

فصل إذا ولى الإمام قاضيا ثم مات لم ينعزل لأن الخلفاء رضي الله عنهم ولوا حكاما في زمنهم فلم ينعزلوا بموتهم ولأن في عزله بموت الإمام ضررا على المسلمين فإن البلدان تتعطل من الحكام وتقف أحكام الناس إلى أن يولي الإمام الثاني حاكما وفيه ضرر عظيم وكذلك لا ينعزل القاضي إذا عزل الإمام لما ذكرنا فأما إن عزله الإمام الذي ولاه أو غيره ففيه وجهان أحدهما لا ينعزل وهو مذهب الشافعي لأنه عقده لمصلحة المسلمين فلم يملك عزله مع سداد حاله كما لو عقد النكاح على موليته لم يكن له فسخه

والثاني له عزله لما روي عنعمر رضي الله عنه أنه قال لأعزلن أبا مريم وأولين رجلا إذا رآه الفاجر فرقه فعزله عن قضاء البصرة وولي كعب بن سوار مكانه وولي علي رضي الله عنه أبا الأسود ثم عزله فقال لم عزلتني وما خنت ولا جنيت فقال إني رأيتك يعلو كلامك على الخصمين ولأنه يملك عزل أمرائه وولاته على البلدان فكذلك قضاته


135

وقد كان عمر رضي الله عنه يولي ويعزل فعزل شرحبيل بن حسنة عن ولايته في الشام وولى معاوية فقال له شرحبيل أمن جبن عزلتني أو خيانة قال من كل لا ولكن أردت رجلا أقوى من رجل

وعزل خالد بن الوليد وولى أبا عبيدة وقد كان يولي بعض الولاة الحكم مع الإمارة فولي أبا موسى البصرة قضاءها وإمرتها ثم كان يعزلهم هو ومن لم يعزله عزله عثمان بعده إلا القليل منهم فعزل القاضي أولى ويفارق عزله بموت من ولاه أو عزله لأن فيه ضررا وها هنا لا ضرر فيه لأنه لا يعزل قاضيا حتى يولي آخر مكانه ولهذا لا ينعزل الوالي بموت الإمام وينعزل بعزله وقد ذكر أبو الخطاب في عزله بالموت أيضا وجهين والأولى إن شاء الله تعالى ما ذكرناه

فأما إن تغيرت حال القاضي بفسق أو زوال عقل أو مرض يمنعه من القضاء أو اختل فيه بعض شروطه فإنه ينعزل بذلك ويتعين على الإمام عزله وجها واحدا

فصل وللإمام تولية القضاء في بلده وغيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم ولى عمر بن الخطاب القضاء وولي عليا ومعاذا وقال عثمان بن عفان لابن عمر إن أباك قد كان يقضي وهو خير منك قال إن أبي قد كان يقضي وإن أشكل عليه شيء سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث

رواه عمر بن شبة في كتاب قضاة البصرة

وروى سعيد في سننه عن عمرو بن العاص قال جاء خصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي يا عمرو اقض بينهما قلت أنت أولى بذلك مني يا رسول الله قال إن أصبت القضاء بينهما فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك حسنة وعن عقبة بن عامر مثله ولأن الإمام يشتغل بأشياء كثيرة من مصالح المسلمين فلا يتفرغ للقضاء بينهم فإذا ولي قاضيا استحب أن يجعل له أن يستخلف لأنه قد يحتاج إلى ذلك فإذا أذن له في الإستخلاف جاز له بلا خلاف نعلمه وإن نهاه عنه لم يكن له أن يستخلف لأن ولايته بإذنه فلم يكن له ما نهاه عنه كالوكيل وإن أطلق فله الاستخلاف ويحتمل أن لا يكون له ذلك ولأنه يتصرف بالإذن فلم يكن له ما لم يأذن فيه كالوكيل

ولأصحاب الشافعي في هذا وجهان

ووجه الأول أن الغرض من القضاء الفصل بين المتخاصمين فإذا فعله بنفسه أو بغيره جاز كما لو أذن له ويفارق التوكيل لأن الإمام يولي القضاء للمسلمين لا لنفسه بخلاف التوكيل فإن استخلف في موضع ليس له الاستخلاف فحكمه حكم من لم يول

فصل ويجوز أن يولي قاضيا عموم النظر في خصوص العمل فيقلده النظر في جميع الأحكام في بلد بعينه فينفذ حكمه فيمن سكنه ومن أتى إليه من غير سكانه ويجوز أن يقلده خصوص النظر في عموم العمل فيقول جعلت إليك الحكم في المداينات خاصة في جميع ولايتي ويجوز أن يجعل حكمه في قدر من المال نحو أن يقول احكم في المائة فما دونها فلا ينفذ حكمه في أكثر منها ويجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل وخصوص النظر في خصوص العمل

ويجوز أن يولي قاضيين وثلاثة في بلد واحد يجعل لكل واحد عملا فيولي أحدهم عقود الأنكحة والآخر الحكم في


136

المداينات وآخر النظر في العقار ويجوز أن يولي كل واحد منهم عموم النظر في ناحية من نواحي البلد فإن قلد قاضيين أو أكثر عملا واحدا في مكان واحد ففيه وجهان أحدهما لا يجوز اختاره أبو الخطاب وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأنه يؤدي إلى إيقاف الحكم والخصومات لأنهما يختلفان في الاجتهاد ويرى أحدهما ما لا يرى الآخر

والآخر يجوز ذلك وهو قول أصحاب أبي حنيفة وهو أصح إن شاء الله تعالى لأنه يجوز أن يستخلف في البلدة التي هو فيها فيكون فيها قاضيان فجاز أن يكون فيها قاضيان أصليان ولأن الغرض فصل الخصومات وإيصال الحق إلى مستحقه وهذا يحصل فأشبه القاضي ولأنه يجوز للقاضي أن يستخلف خليفتين في موضع واحد فالإمام أولى لأن توليته أقوى

وقولهم يفضي إلى إيقاف الحكومات غير صحيح فإن كل حاكم يحكم باجتهاده بين المتخاصمين إليه وليس للآخر الاعتراض عليه ولا نقض حكمه فيما خالف اجتهاده

فصل وإذا قال الإمام من نظر في الحكم من فلان وفلان فقد وليته لم تنعقد الولاية لمن نظر لأنه علقها على شرط ولم يعين بالولاية أحدا منهم ويحتمل أن تنعقد الولاية لمن نظر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أميركم زيد فإن قتل فأميركم جعفر فإن قتل فأميركم عبد الله بن رواحة فعلق ولاية الإمارة على شرط فكذلك ولاية الحكم وإن قال وليت فلانا وفلانا فأيهما نظر فهو خليفتي انعقدت الولاية لمن نظر منهم لأنه عقد الولاية لهما جميعا

فصل ولا يجوز أن يقلد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافا لأن الله تعالى قال فاحكم بين الناس بالحق ص 26 والحق لا يتعين في مذهب وقد يظهر له الحق في غير ذلك المذهب

فإن قلده على هذا الشرط بطل الشرط وفي فساد التولية وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع

فصل وإن فوض الإمام إلى إنسان تولية القضاء جاز لأنه يجوز أن يتولى ذلك فجاز له التوكيل فيه كالبيع وإن فوض إليه اختيار قاض جاز ولا يجوز له اختيار نفسه ولا والده ولا ولده كما لو وكله في الصدقة بما لم يجز له أخذه ولا دفعه إلى هذين ويحتمل أنه يجوز له اختيارهما إذا كانا صالحين للولاية لأنهما يدخلان في عموم من أذن له في الاختيار منه مع أهليتهما فأشبها الأجانب

فصل وليس للحاكم أن يحكم لنفسه كما لا يجوز أن يشهد لنفسه فإن عرضت له حكومة مع بعض الناس جاز أن يحاكمه إلى بعض خلفائه أو بعض رعيته فإن عمر حاكم أبيا إلى زيد وحاكم رجلا عراقيا إلى شريح وحاكم علي اليهودي إلى شريح وحاكم عثمان طلحة إلى جبير بن مطعم فإن عرضت حكومة لوالديه أو ولده أو من لا تقبل شهادته له ففيه وجهان أحدهما لا يجوز له الحكم فيها بنفسه وإن حكم له لم ينفذ حكمه وهذا قول أبي حنيفة والشافعي لأنه لا تقبل شهادته له فلم ينفذ حكمه له كنفسه

والثاني ينفذ حكمه اختاره أبو بكر وهو قول أبي يوسف وابن المنذر وأبي ثور لأنه حكم


137

لغيره أشبه الأجانب وعلى القول الأول متى عرضت لهؤلاء حكومة حكم بينهم الإمام أو حاكم آخر أو بعض خلفائه فإن كانت الخصومة بين والديه أو ولديه أو والده وولده لم يجز له الحكم بينهما على أحد الوجهين لأنه لا تقبل شهادته لأحدهما على الآخر فلم يجز الحكم بينهما كما لو كان خصمه أجنبيا وفي الآخر يجوز وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأنها سواء عنده فارتفعت تهمة الميل فأشبها الأجنبيين

فصل وإذا تحاكم رجلان إلى رجل حكماه بينهما ورضياه وكان ممن يصلح للقضاء فحكم بينهما جاز ذلك ونفذ حكمه عليهما وبهذا قال أبو حنيفة وللشافعي قولان

أحدهما لا يلزمهما حكمه إلا بتراضيهما لأن حكمه إنما يلزم بالرضا به ولا يكون الرضا إلا بعد المعرفة بحكمه

ولنا ما روى أبو شريح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له إن الله هو الحكم فلم تكنى أبا الحكم قال إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم ورضي علي الفريقان

قال ما أحسن هذا فمن أكبر ولدك قال شريح

قال فأنت أبو شريح أخرجه النسائي

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حكم بين اثنين تراضيا به لم يعدل بينهما فهو ملعون ولولا أن حكمه يلزمهما لما لحقه هذا الذم ولأن عمروأبيا تحاكما إلى زيد وحاكم عمر أعرابيا إلى شريح قبل أن يوليه وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير مطعم ولم يكونوا قضاة

فإن قيل فعمر وعثمان كانا إمامين فإذا ردا الحكم إلى رجل صار قاضيا قلنا لم ينقل عنهما إلا الرضا بتحكيمه خاصة وبهذا لا يصير قاضيا وما ذكروه يبطل بما إذا رضي بتصرف وكيله فإنه يلزمه قبل المعرفة به

إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز نقض حكمه فيما لا ينقض به حكم من له ولاية وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة للحاكم نقضه إذا خالف رأيه لأن هذا عقد في حق الحاكم فملك فسخه كالعقد الموقوف في حقه

ولنا أن هذا حكم صحيح لازم فلم يجز فسخه لمخالفته رأيه كحكم من له ولاية وما ذكروه غير صحيح فإن حكمه لازم للخصمين فكيف يكون موقوفا ولو كان كذلك لملك فسخه وإن لم يخالف رأيه ولا نسلم الوقوف في العقود

إذا ثبت هذا فإن لكل واحد من الخصمين الرجوع عن تحكيمه قبل شروعه في الحكم لأنه لا يثبت إلا برضاه فأشبه ما لو رجع عن التوكيل قبل التصرف وإن رجع بعد شروعه ففيه وجهان أحدهما له ذلك لأن الحكم لم يتم أشبه قبل الشروع

والثاني ليس له ذلك لأنه يؤدي إلى أن كل واحد منهما إذا رأى من الحكم ما لا يوافقه رجع فبطل المقصود به

فصل قال القاضي وينفذ حكم من حكماه في جميع الأحكام إلى أربعة أشياء النكاح واللعان والقذف والقصاص لأن لهذه الأحكام مزية على غيرها فاختص الإمام بالنظر فيها ونائبه يقوم مقامه وقال أبو الخطاب ظاهر كلام أحمد أنه ينفذ حكمه فيها ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين وإذا كتب هذا القاضي بما حكم به كتابا إلى قاض من قضاة المسلمين لزمه قبوله وتنفيذ كتابه لأنه حاكم نافذ الأحكام فلزم قبول كتابه كحاكم الإمام


138

مسألة

قال ( ويحكم على الغائب إذا صح الحق عليه )

وجملته أن من ادعى حقا على غائب في بلد آخر وطلب من الحاكم سماع البينة والحكم بها عليه فعلى الحاكم إجابته إذا كملت الشرائط وبهذا قال شبرمة ومالك والأوزاعي والليث وسوار وأبو عبيد وإسحاق وابن المنذر فكان شريح لا يرى القضاء على الغائب وعن أحمد مثله وبه قال ابن أبي ليلى والثوري وأبو حنيفة وأصحابه

وروي ذلك عن القاسم والشعبي إلا أن أبا حنيفة قال إذا كان له خصم حاضر من وكيل أو شفيع جاز الحكم عليه واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر فإنك تدري بما تقضي قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح

ولأنه قضاء لأحد الخصمين وحده فلم يجز كما لو كان الآخر في البلد ولأنه يجوز أن يكون للغائب ما يبطل البينة ويقدح فيها فلم يجز الحكم عليه

ولنا أن هندا قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحسح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي قال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف متفق عليه فقضى لها ولم يكن حاضرا ولأن هذا له بينة مسموعة عادلة فجاز الحكم بها كما لو كان الخصم حاضرا وقد وافقنا أبو حنيفة في سماع البينة ولأن ما تأخر عن سؤال المدعي إذا كان حاضرا يقدم عليه إذا كان غائبا كسماع البينة

وأما حديثهم فنقول به إذا تقاضى إليه رجلان لم يجز الحكم قبل سماع كلامهما وهذا يقتضي أن يكونا حاضرين ويفارق الحاضر الغائب فإن البينة لا تسمع على حاضر إلا بحضرته والغائب بخلافه وقد ناقض أبو حنيفة أصله فقال إذا جاءت امرأة فادعت أن لها زوجا غائبا وله مال في يد رجل وتحتاج إلى النفقة فاعترف لها بذلك فإن الحاكم يقضي عليه بالنفقة

ولو ادعى رجل على حاضر أنه اشترى من غائب ما فيه شفعة وأقام بينة بذلك حكم له بالبيع والأخذ بالشفعة ولو مات المدعى عليه فحضر بعض ورثته أو حضر وكيل الغائب وأقام المدعي بينة بذلك حكم له بما ادعاه

إذا ثبت هذا فإنه إن قدم الغائب قبل الحكم وقف الحكم على حضوره فإن خرج الشهود لم يحكم عليه وإن استنظر الحاكم أجله ثلاثا فإن جرحهم وإلا حكم عليه وإن ادعى القضاء أو الإبراء فكانت له بينة برىء وإلا حلف المدعي وحكم له وإن قدم بعد الحكم فجرح الشهود بأمر كان قبل الشهادة بطل الحكم وإن جرحهم بأمر بعد أداء الشهادة أو مطلقا لم يبطل الحكم ولم يقبله الحاكم لأنه يجوز أن يكون بعد الحكم فلا يقدح فيه وإن طلب التأجيل أجل ثلاثا فإن جرحهم وإلا نفذ الحكم وإن ادعى القضاء أو الإبراء فكانت له به بينة وإلا حلف الآخر ونفذ الحكم

فصل لا يقضي على الغائب إلا في حقوق الآدميين فأما في الحدود التي لله تعالى فلا يقضي بها عليه لأن مبناها على المساهلة والإسقاط فإن قامت بينة على غائب بسرقة مال حكم بالمال دون القطع

فصل وإذا قامت البينة على غائب أو غير مكلف كالصبي والمجنون لم يستحلف المدعي مع بينته في أشهر الروايتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ولأنها بينة عادلة فلم تجب اليمين معها كما


139

لو كانت على حاضر

والرواية الثانية يستحلف معها وهو قول الشافعي لأنه يجوز أن يكون استوفى ما قامت به البينة أو ملكه العين التي قامت بها البينة ولو كان حاضرا فادعى ذلك لوجبت اليمين فإذا تعذر ذلك منه لغيبته أو عدم تكليفه يجب أن يقوم الحاكم مقامه فيما يمكن دعواه ولأن الحاكم مأمور بالاحتياط في حق الصبي والمجنون والغائب لأن كل واحد منهم لا يعبر عن نفسه وهذا من الاحتياط

فصل ظاهر كلام الخرقي أنه إذا قضى على الغائب بعين سلمت إلى المدعي وإن قضى عليه بدين ووجد له مال وفي منه فإنه قال في رواية حرب في رجل أقام بينة أن له سهما من ضيعة في أيدي قوم فتواروا عنه يقسم عليهم شهدوا أو غابوا ويدفع إلى هذا حقه لأنه يثبت حقه بالبينة فيسلم إليه كما لو كان خصمه حاضرا

ويحتمل أن لا يدفع إليه شيء حتى يقيم كفيلا أنه متى حضر خصمه وأبطل دعواه فعليه ضمان ما أخذه لئلا يأخذ المدعي ما حكم له به ثم يأتي خصمه فيبطل حجته أو يقيم بينة بالقضاء والإبراء أو يملك التي قامت بها البينة بعد ذهاب المدعي وغيبته أو موته فيضيع مال المدعى عليه وظاهر كلام أحمد الأول فإنه قال في رجل عنده دابة مسروقة فقال هي عندي وديعة إذا أقيمت البينة أنها له تدفع إلى الذي أقام البينة حتى يجيء صاحب الوديعة فيثبت

فصل فأما الحاضر في البلد أو قريب منه إذا لم يمنع من الحضور فلا يقضي عليه قبل حضوره في قول أكثر أهل العلم وقال أصحاب الشافعي في وجه لهم إنه يقضي عليه في غيبته لأنه غائب أشبه الغائب عن البلد

ولنا أنه أمكن سؤاله فلم يجز الحكم عليه قبل سؤاله كحاضر مجلس الحاكم ويفارق الغائب البعيد فإنه لا يمكن سؤاله فإن امتنع من الحضور أو توارى فظاهر كلام أحمد جواز القضاء عليه لما ذكرنا عنه في رواية حرب وروى عنه أبو طالب في رجل وجد غلامه عند رجل فأقام البينة أنه غلامه فقال الذي عنده الغلام أودعني هذا رجل فقال أحمد أهل المدينة يقضون على الغائب يقولون إنه لهذا الذي أقام البينة وهو مذهب حسن وأهل البصرة يقضون على غائب يسمونه الأعذار وهو إذا ادعى على رجل ألفا وأقام البينة فاختفى المدعى عليه يرسل إلى بابه فينادي الرسول ثلاثا فإن جاء وإلا قد أعذروا إليه فهذا يقوي قول أهل المدينة وهو معنى حسن

وقد ذكر الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب أنه يقضي على الغائب الممتنع وهو قول الشافعي لأنه تعذر حضوره وسؤاله فجاز القضاء عليه كالغائب البعيد بل هذا أولى لأن البعيد معذور وهذا لا عذر له وقد ذكرنا فيما تقدم شيئا من هذا


140

كتاب القسمة

الأصل في القسمة قول الله تعالى ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر القمر 28 وقوله تعالى وإذا حضر القسمة أولوا القربى النساء 8 وقول النبي صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة وقسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر على ثمانية عشر سهما وكان يقسم الغنائم

وأجمعت الأمة على جواز القسمة ولأن بالناس حاجة إلى القسمة ليتمكن كل واحد من الشركاء من التصرف على إيثاره ويتخلص من سوء المشاركة وكثرة الأيدي

مسألة

قال ( وإذا أتاه شريكان في ربع أو نحوه فسألاه أن يقسمه بينهما قسمه وأثبت في القضية بذلك أن قسمه إياه بينهما كان على إقرارهما لا عن بينة شهدت لهما بملكهما )

إذا ثبت هذا فإن الشريكين في أي شيء كان ربعا أو غيره والربع هو العقار من الدور ونحوها إذا طلبا من الحاكم أن يقسمه بينهما أجابهما إليه وإن لم يثبت عنده ملكهما وبهذا قال أبو يوسف ومحمد

وقالأبو حنيفة إن كان عقارا نسبوه إلى ميراث لم يقسمه حتى يثبت الموت والورثة لأن الميراث باق على حكم ملك الميت فلا يقسمه احتياطا للميت وأما ما عدا العقار يقسمه وإن كان ميراثا لأنه يبور ويهلك وقسمته تحفظه وكذا العقار الذي لا ينسب إلى الميراث وظاهر قول الشافعي أنه لا يقسم عقارا كان أو غيره ما لم يثبت ملكهما لأن قسمه بقولهم لو رفع بعد ذلك إلى حاكم آخر يستسهله أن يجعله حكما لهم ولعله يكون لغيرهم

ولنا أن اليد تدل على الملك ولا منازع لهم فيثبت لهم من طريق الظاهر ولهذا يجوز لهم التصرف ويجوز شراؤه منهم واتهابه واستئجاره وما ذكره الشافعي يندفع إذا ثبت في القضية أني قسمته بينهم بإقرارهم لا عن بينة شهدت لهم بملكهم وكل ذي حجة على حجته وما ذكره أبو حنيفة لا يصح لأن الظاهر ملكهم ولا حق للميت فيه إلا أن يظهر عليه دين وما ظهر والأصل عدمه

ولهذا اكتفينا به في غير العقار وفيما لم ينسبوه إلى الميراث

فصل وتجوز قسمة المكيلات والموزونات من المطعومات وغيرها لأن جواز قسمة الأرض مع اختلافها يدل على جواز قسمة ما لا يختلف بطريق التنبيه وسواء في ذلك الحبوب والثمار والنورة والأشنان والحديد والرصاص ونحوها من الجمادات والعصير والخل واللبن والعسل والسمن والدبس والزيت والرب ونحوها من المائعات وسواء قلنا إن القسمة بيع أو إفراز حق لأن بيعه جائز وإفرازه جائز فإن كان فيها أنواع كحنطة وشعير وتمر وزبيب فطلب


141

أحدهما قسمها كل نوع على حدته أجبر الممتنع وإن طلب قسمها أعيانا بالقيمة لم يجبر الممتنع لأن هذا بيع نوع بنوع آخر فليس بقسمة فلم يجبر عليه كغير الشريك فإن تراضيا عليه جاز

وكان بيعا يعتبر فيه التقابض قبل التفرق فيما يعتبر التقابض فيه وسائر شروط البيع

فصل فإن كان بينهما ثياب أو حيوان أو أواني أو خشب أو عمد أو أحجار فاتفق على قسمتها جاز

لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم يوم بدر ويوم حنين ويوم خيبر وهي تشتمل على أجناس من المال وساء اتفقا على قسمة كل جنس بينهما أو على قسمتها أعيانا بالقيمة وإن طلب أحدهما قسمة كل نوع على حدته وطلب الآخر قسمته أعيانا بالقيمة قدم قول من طلب قسمة كل نوع على حدته إذا أمكن وإن طلب أحدهما القسمة وأبى الآخر وكان مما لا يمكن قسمته إلا بأخذ عوض عنه من غير جنسه أو قطع ثوب في قطعه نقص أو كسر إناء أو رد عوض لم يجبر الممتنع وإن أمكن قسمة كل نوع على حدته من غير ضرر ولا رد عوض فقال القاضي يجبر الممتنع

وهو ظاهر مذهب الشافعي وهو قول أبي الخطاب لا أعرف في هذا عن إمامنا رواية ويحتمل أن لا يجبر الممتنع

وهو قول ابن خيران من أصحاب الشافعي

لأن هذا إنما يقسم أعيانا بالقيمة فلم يجبر الممتنع عليه كما لا يجبر على قسمة الدور بأن يأخذ هذا دارا وهذا دارا وكالجنسين المختلفين

ووجه الأول أن الجنس الواحد كالدار الواحدة وليس اختلاف الجنس الواحد في القيمة بأكثر من اختلاف قيمة الدار الكبيرة والقرية العظيمة فإن أرض القرية تختلف سيما إذا كانت ذات أشجار مختلفة وأراض متنوعة والدار ذات بيوت واسعة وضيقة وحديثة وقديمة ثم هذا الاختلاف لم يمنع الإجبار على القسمة كذلك الجنس الواحد وفارق الدور فإنه أمكن قسمة كل دار على حدتها وها هنا لا يمكن قسمة كل ثوم منها أو إناء على حدته وإن كانت الثياب أنواعا كالحرير والقطن والكتان فهي كالأجناس وكذلك سائر الأموال والحيوان كغيره من الأموال ويقسم النوع الواحد منه وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يقسم الرقيق قسمة إجبار لأنه تختلف منافعه ويقصد منه العقل والدين والفطنة وذلك لا يقع فيه التعديل

ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم جزأ العبيد الذين أعتقهم الأنصاري في مرضه ثلاثة أجزاء ولأنه نوع حيوان يدخله التقويم فجازت قسمته كسائر الحيوان وما ذكره غير صحيح لأن القيمة تجمع ذلك وتعد له كسائر الأشياء المختلفة

فصل والقسمة إفراز حق وتمييز أحد النصيبين من الآخر وليست بيعا وهذا أحد قولي الشافعي

وقال في الآخر هي بيع وحكي عن أبي عبد الله بن بطة لأنه يبدل نصيبه من أحد السهمين بنصيب صاحبه من السهم الآخر وهذا حقيقة البيع

ولنا أنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك ولا تجب فيها الشفعة ويدخلها الإجبار وتلزم بإخراج القرعة ويتقدر أحد النصيبين بقدر الآخر والبيع لا يجوز فيه شيء من ذلك ولأنها تنفرد عن البيع باسمها وأحكامها فلم تكن بيعا كسائر العقود وفائدة الخلاف أنها إذا لم تكن بيعا جازت قسمة الثمار خرصا والمكيل وزنا والموزون كيلا والتفرق قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض


142

في البيع ولا يحنث إذا حلف لا يبيع بها وإذا كان العقار أو نصفه وقفا جازت القسمة

وإن قلنا هي بيع انعكست هذه الأحكام هذا إذا خلت من الرد فإن كان فيها رد عوض فهي بيع لأن صاحب الرد يبذل المال عوضا عما حصل له من مال شريكه وهذا هو البيع فإن فعلا ذلك في وقف لم يجز لأن بيعه غير جائز وإن كان بعضه وقفا وبعضه طلقا والرد من صاحب الطلق لم يجز لأنه يشتري بعض الوقف فإن كان من أهل الوقف جاز لأنهم يشترون بعض الطلق وذلك جائز

فصل وتقبل شهادة القاسم بالقسمة إذا كان متبرعا ولا تقبل إذا كان بأجرة

وبهذا قال الاصطخري وقالأبو حنيفة تقبل وإن كان بأجرة لأنه لا يلحقه تهمة فقبل قوله كالمرضعة وقال الشافعي لا تقبل لأنه شهد على فعل نفسه الذي يوجب تعديله فلم تقبل كشهادة القاضي المعزول على حكمه

ولنا أنه شهد بما لا نفع له فيه فقبل كالأجنبي وإذا كان بأجرة لم يقبل لأنه متهم لكونه يوجب الأجرة لنفسه وهذا نفع فتكون شهادته لنفسه وقول الشافعي أنه يوجب تعديله ممنوع ولا نسلم لهم ما ذكروه في الحكم

مسألة

قال ( ولو سأل أحدهما شريكه مقاسمته فامتنع أجبره الحاكم على ذلك إذا أثبت عنده ملكها وكان مثله ينقسم وينتفعان به مقسوما )

أما إذا طلب أحدهما القسمة فامتنع الآخر لم يخل من حالين أحدهما يجبر الممتنع على القسمة وذلك إذا اجتمع ثلاثة شروط أحدها أن يثبت عند الحاكم ملكهما ببينة لأن في الإجبار على القسمة حكما على الممتنع منهما فلا يثبت إلا بما يثبت به الملك لخصمه بخلاف حالة الرضى فإنه لا يحكم على أحدهما إنما يقسم بقولهما ورضاهما

الشرط الثاني أن لا يكون فيها ضرر فإن كان فيها ضرر لم يجبر الممتنع لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار رواه ابن ماجه ورواه مالك في موطئه مرسلا وفي لفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن لا ضرر ولا ضرار

الشرط الثالث أن يمكن تعديل السهام من غير شيء يجعل معها فإن لم يمكن ذلك لم يجبر الممتنع لأنها تصير بيعا والبيع لا يجبر عليه أحد المتبايعين ومثال ذلك أرض قيمتها مائة فيها شجرة أو بئر تساوي مائتين

فإذ جعلت الأرض سهما كان الثلث فيحتاج أن يجعل معها خمسين يردها عليها من لم يخرج له البئر أو الشجرة ليكونا نصفين متساويين فهذه فيها بيع ألا ترى أن آخذ الأرض قد باع نصيبه من الشجرة أو البئر بالثمن الذي أخذه والبيع لا يجبر عليه لقول الله تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء 29 فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة أجبر الممتنع منهما على القسمة لأنها تتضمن إزالة ضرر الشركة عنهما وحصول النفع لهما لأن نصيب كل واحد منهما إذا تميز كان له أن يتصرف فيه بحسب اختياره ويتمكن من


143

إحداث الغراس والبناء والزرع والساقية والإجارة والعارية ولا يمكنه ذلك مع الاشتراك فوجب أن يجبر الآخر عليه لقوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار

إذا ثبت هذا فقد اختلفوا في الضرر المانع من القسمة ففي قول الخرقي وهو ما لا يمكن معه انتفاع أحدهما بنصيبه مفردا فيما كان ينتفع به مع الشركة مثل أن تكون بينهما دار صغيرة إذا قسمت أصاب كل واحد منهما موضعا ضيقا لا ينتفع به ولو أمكن أن ينتفع به في شيء غير الدار ولا يمكن أن ينتفع به دارا لم يجبر على القسمة أيضا لأنه ضرر يجري مجرى الإتلاف

وعن أحمد رواية أخرى أن المانع هو أن تنقص قيمة نصيب أحدهما بالقسمة عن حال الشركة سواء انتفعوا به مقسوما أو لم ينتفعوا

وقالالقاضي هذا ظاهر كلام أحمد لأنه قال في رواية الميموني إذا قال بعضهم يقسم وبعضهم لا يقسم فإن كان فيه نقصان من ثمنه بيع وأعطوا الثمن فاعتبر نقصان الثمن وهذا ظاهر كلام الشافعي لأن نقص قيمته ضرر والضرر منفي شرعا وقال مالك يجبر الممتنع وإن استضر قياسا على ما لا ضرر فيه ولا يصح لقوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار ولأن في قسمته ضررا فلم يجبر عليه كقسمة الجوهرة بكسرها ولأن في قسمته إضاعته للمال

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعته ولا يصح القياس على ما لا ضرر فيه لما بينهما من الفرق فإن كان أحد الشريكين يستضر بالقسمة دون الآخر كرجلين بينهما دار لأحدهما ثلثاها وللآخر ثلثها فإذا قسماها استضر صاحب الثلث لكونه لا يحصل له ما يكون دارا ولا يستضر الآخر لأنه يبقى له ما يصير دارا مفردة فطلب صاحب الثلثين القسمة لم يجبر الآخر عليها ذكره أبو الخطاب وهو ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل قال كل قسمة فيها ضرر لا أرى قسمتها وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي ثور

وقالالقاضي يجبر الآخر عليها وهو قول الشافعي وأهل العراق لأنه طلب إفراد نصيبه الذي لا يستضر بتمييزه فوجبت إجابته إليه كما لو كانا لا يستضران بالقسمة

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار ولأنها قسمة يستضر بها صاحبه فلم يجبر عليها كما لو استضرا معا ولأن فيه إضاعة المال

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعته وإذا حرم عليه إضاعته ماله فإضاعته مال غيره أولى

وقد روى عمرو بن جميع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تعصبه على أهل الميراث إلا ما حصل القسم قال أبو عبيدة هو أن يخلف شيئا إذا قسم كان فيه ضرر على بعضهم أو عليهم جميعا ولأننا اتفقنا على أن الضرر مانع من القسمة وأن الضرر في حق أحدهما مانع ولا يجوز أن يكون المانع هو ضرر الطالب لأنه مرضي به من جهته فلا يجوز كونه مانعا كما لو تراضيا عليها مع ضررهما أو ضرر أحدهما فتعين الضرر المانع في جهة المطلوب ولأنه ضرر اغير مرضي به من جهة صاحبه فمنع القسمة كما لو


144

استضرا معا وإن طلب القسمة المستضر بها كصاحب الثلث في المسألة المفروضة أجبر الآخر عليها هذا مذهب أبي حنيفة ومالك

لأنه سلب دفع ضرر الشركة عنه بأمر لا ضرر على صاحبه فيه فأجبر عليه كما لا ضرر فيه

يحققه أن ضرر الطالب مرضي به من جهته فسقط حكمه والآخر لا ضرر عليه فصار كما لا ضرر فيه

وذكر أصحابنا أن المذهب أنه لا يجبر الممتنع على القسم لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال ولأن طلب القسمة من المستضر سفه فلا تجب إجابته إلى السفه قال الشريف متى كان أحدهما يستضر لم تجب القسمة وقال أبو حنيفة متى كان أحدهما ينتفع بها وجبت وقال الشافعي إن انتفع بها الطالب وجبت وإن استضر بها الطالب فعلى وجهين وقال مالك تجب على كل حال ولو كانت دار بين ثلاثة لأحدهم نصفها وللآخرين نصفها لكل واحد منهما ربعها فإذا قسمت استضر كل واحد منهما ولا يستضر صاحب النصف فطلب صاحب النصف القسمة وجبت إجابته لأنه يمكن قسمتها نصفين فيصير حقهما لهما دارا وله النصف فلا يستضر أحد منهما ويحتمل أن لا تجب عليهما الإجابة لأن كل واحد منهما يستضر بإفراز نصيبه وإن طلبا المقاسمة فامتنع صاحب النصف أجبر لأنه لا ضرر على واحد منهم وإن طلبا إفراز نصيب كل واحد منهما أو طلب أحدهما إفراز نصيبه لم تجب القسمة على قياس المذهب لأنه إضرار بالطالب وسفه على الوجه الذي ذكرناه تجب القسمة لأن المطلوب منه لا ضرر عليه

الحال الثاني الذي لا يجبر أحدهما على القسمة وهي ما إذا عدم أحد الشروط الثلاثة فلا تجوز القسمة إلا برضاهما وتسمى قسمة التراضي وهي جائزة مع اختلال الشروط كلها لأنها بمنزلة البيع والمناقلة وبيع ذلك جائز

فصل إذا كانت دار بين اثنين سفلها وعلوها فإذا طلبا قسمها نظرت فإن طلب أحدهما قسمة السفل والعلو بينهما ولا ضرر في ذلك أجبر الآخر عليه لأن البناء في الأرض يجري مجرى الغرس فيتبعها في البيع والشفعة ثم لو طلب قسمة أرض فيها غراس أجبر شريكه عليه كذلك البناء وإن طلب أحدهما جعل السفل لأحدهما والعلو للآخر ويقرع بينهما لم يجبر عليه الآخر لثلاثة معان أحدها أن العلو يتبع للسفل ولهذا إذا بيعا تثبت الشفعة فيهما وإذا أفرد العلو بالبيع لم تثبت فيه الشفعة وإذا كان تبعا له لم يجعل المتبوع سهما والتبع سهما فيصير التبع أصلا

الثاني أن السفل والعلو يجريان مجرى الدارين المتلاصقتين لأن كل واحد منهما يسكن منفردا ولو كان بيينهما داران لم يكن لأحدهما المطالبة بجعل كل دار نصيبا كذا ها هنا


145

الثالث أن صاحب القرار يملك قرارها وهواءها فإذا جعل السفل نصيبا انفرد صاحبه بالهواء وليست هذه قسمة عادلة وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يقسمه الحاكم يجعل ذراعا من السفل بذراعين من العلو وقال أبو يوسف ذراع بذراع وقال محمد يقسمها بالقيمة واحتجوا بأنها دار واحدة فإذا قسمها على ما يراه جاز كالتي لا علو لها

ولنا ما ذكرناه من المعاني الثلاثة وفيها رد ما ذكروه وما يذكرونه من كيفية القسمة تحكم وبعضه يرد بعضا وإن طلب أحدهما قسمة العلو وحده أو السفل وحده لم يجب إليه

لأن القسمة تراد للتمييز ومع بقاء الإشاعة لا يحصل التمييز وإن طلب قسمة السفل منفردا أو العلو منفردا لم يجب إليه لأنه قد يحصل لكل واحد منهما علو سفل الآخر فيستضر كل واحد منهما ولا يتميز الحقان

فصل وإذا كان بينهما دار أو خان كبير فطلب أحدهما قسمة ذلك ولا ضرر في قسمته أجبر الممتنع على القسمة وتفرد بعض المساكن عن بعض وإن كثرت المساكن وإن كان بينهما داران أو خانان أو أكثر فطلب أحدهما أن يجمع نصيبه في إحدى الدارين أو أحد الخانين ويجعل الباقي نصيبا لم يجبر الممتنع وبهذا قالالشافعي وقالأبو يوسف ومحمد إذا رأى الحاكم ذلك فله فعله سواء تقاربتا أو فرقتا لأنه أنفع وأعدل

وقال مالك إن كانتا متجاورتين أجبر الممتنع من ذلك عليه لأن المتجاورتين تتقارب منفعتهما بخلاف المتباعدتين وقال أبو حنيفة إن كانت إحداهما أحجزة الأخرى أجبر الممتنع وإلا فلا لأنهما يجريان مجرى الدار الواحدة

ولنا أنه نقل حقه من عين إلى عين أخرى فلم يجبر عليه كالمتفرقين على ملك وكما لو لم تكن حجة بها مع أبي حنيفة وكما لو كانتا دارا ودكانا مع أبي يوسف ومحمد والحكم في الدكاكين كالحكم في الدور وكما لو كانت لها عضائد صغار لا يمكن قسمة كل واحدة منهما منفردة لم يجبر الممتنع من قسمها عليها

فصل فإن كانت بينهما أرض واحدة يمكن قسمتها ويتحقق فيها الشروط التي ذكرناها أجبر الممتنع على قسمها سواء كانت فارغة أو ذات شجر وبناء فإن كان فيها نخل وكرم وشجر مختلف وبناء فطلب أحدهما قسمة كل عين على حدتها وطلب الآخر قسمة الجميع بالتعديل بالقيمة

فقال أبو الخطاب تقسم كل عين على حدتها وكذلك كل مقسوم إذا أمكنت التسوية بين الشريكين في جيده ورديئه كان أولى ونحو هذا قال أصحاب الشافعي فإنهم قالوا إذا أمكنت التسوية بين الشريكين في جيده ورديئه بأن يكون الجيد في مقدمها والرديء في مؤخرها فإذا قسمناها صار لكل واحد في الجيد والرديء مثل ما للآخر وجبت القسمة وأجبر الممتنع عليها وإن لم تمكن القسمة هكذا بأن تكون العمارة أو الشجر والجيد لا تمكن قسمته وحده وأمكن التعديل بالقيمة عدلت بالقيمة وأجبر الممتنع من القسمة عليها

وقال الشافعي في أحد القولين لا يجبر الممتنع من القسمة عليها

وقالوا إذا كانت الأرض ثلاثين جريبا قيمة عشرة


146

أجربة منها كقيمة عشرين لم يجبر الممتنع من القسمة عليها لتعذر التساوي في الزرع ولأنه لو كان حقلان متجاوران لم يجبر الممتنع من القسمة إذا لم تمكن إلا بأن يجعل كل واحد منهما سهما كذا ها هنا

ولنا أنه مكان واحد أمكنت قسمته وتعديله من غير رد عوض ولا ضرر فوجبت قسمته كالدور ولأن ما ذكروه يفضي إلى منع وجوب القسمة في البساتين كلها والدور فإنه لا يمكن تساوي الشجر وبناء الدور ومساكنها إلا بالقيمة ولأنه مكان لو بيع بعضه وجبت فيه الشفعة لشريك البائع فوجبت قسمته كما لو أمكنت التسوية بالزرع

وأما إذا كان بستانان لكل واحد منهما طريق أو حقلان أو داران أو دكانان متجاوران أو متباعدان فطلب أحد الشريكين قسمته بجعل كل واحد بينهما لم يجبر الآخر على هذا سواء كانا متساويين أو مختلفين وهذا ظاهر مذهب الشافعي لأنهما شيئان متميزان لو بيع أحدهما لم تجب الشفعة فيه لمالك الآخر بخلاف البستان الواحد والأرض الواحدة وإن عظمت فإنه إذا بيع بعضها وجبت الشفعة لمالك البعض الباقي والشفعة كالقسمة لأن كل واحد منهما يراد لإزالة ضرر الشركة ونقصان التصرف فما لا تجب قسمته لا تجب الشفعة فيه فكذلك ما لا شفعة فيه لا تجب قسمته وعكس هذا ما تجب قسمته تجب فيه الشفعة وما تجب الشفعة فيه تجب قسمته ولأنه لو بدا الصلاح في بعض البستان كان صلاحا لباقيه وإن كان كبيرا ولم يكن صلاحا لما جاوزه وإن كان صغيرا

فصل وإن كان في الأرض زرع فطلب أحدهما قسمتها دون الزرع أجبر الممتنع لأن الزرع في الأرض كالقماش في الدار فلم يمنع القسمة كالقماش وسواء خرج الزرع أو كان بذرا لم يخرج فإذا قسماها بقي الزرع بينهما مشتركا كما لو باعا الأرض لغيرهما وإن طلب أحدهما قسمة الزرع منفردا لم يجبر الآخر عليه لأن القسمة لا بد فيها من تعديل المقسوم وتعديل الزرع بالسهام لا يمكن لأنه يشترط بقاؤه في الأرض المشتركة وإن طلب قسمتها مع الزرع وكان قدخرج جاز وأجبر الممتنع عليه سواء كان قصيلا أو اشتد الحب فيه لأن الزرع كالشجر في الأرض والقسمة إفراز حق وليست بيعا وإن قلنا هي بيع لم يجبر إذا اشتد الحب لأنه يتضمن بيع السنبل بعضه ببعض ويحتمل الجواز لأن السنابل ها هنا دخلت تبعا للأرض فليست المقصود فأشبه بيع النخلة المثمرة بمثلها وقال الشافعي لا يجبر الممتنع من قسمتها مع الزرع لأن الزرع مودع في الأرض للنقل عنها فلم تجب قسمته معها كالقماش فيها

ولنا أنه نابت فيها للنماء والنفع فأشبه الغراس وفارق القماش فإنه غير متصل بالدار ولا ضرر عليه في نقله وإن كان الزرع بذرا في الأرض فقال أصحابنا لا تجوز قسمته لجهالته وكونه لا يمكن إفرازه وهذا مذهب الشافعي ويحتمل الجواز لأنه يدخل تبعا للأرض فلا تضر جهالته كأساسات الحيطان وكذلك لو اشترى أرضا فيها زرع فاشترطوا ملكه بالشرط وإن كان بذرا مجهولا

فصل إذا كانت بينهما أرض قيمتها مائة في أحد جانبيها بئر قيمتها مائة وفي الآخر شجرة قيمتها مائة


147

عدلت بالقيمة وجعلت البئر مع نصف الأرض نصيبا والشجرة مع النصف الآخر نصيبا فإن كانت بين ثلاثة أو أكثر نظرت في الأرض فإن كانت قيمتها مائة أو أقل لم تجب القسمة لأنها إذا كانت أقل لم يمكن التعديل إلا بقسمة البئر والشجرة وذلك مما لا تجب قسمته وإن كانت قيمتها مائة فجعلناها سهما والبئر سهما والشجرة سهما لم يحصل مع البئر والشجرة شيء من الأرض فيصير هذا كقسمة الشجر وحده وقسمة ذلك وحده ليست قسمة إجبار وإن كانت الأرض كبيرة القيمة بحيث يأخذ بعض الشركاء سهامهم منها ويبقى منها شيء مع البئر والشجرة وجبت القسمة ومثاله أن تكون قيمة الأرض مائتين وخمسين فيجعلها مائة وخمسين سهما ويضم إلى البئر ما قيمته خمسون وإلى الشجرة مثل ذلك فتصير ثلاثة سهام متساوية وفي كل سهم جزء من أجزاء الأرض فتجب القسمة حينئذ وكذلك لو كانوا أربعة وقيمة الأرض أربعمائة وجبت القسمة لأننا نجعل ثلاثمائة منها سهمين ومائة مع البئر والشجرة سهمين فتعدلت السهام ولو كانت الأرض لاثنين فأراد قسمة البئر والشجرة دون الأرض لم تكن قسمة إجبار وهكذا الأرض ذات الشجر إذا اقتسم الشجر دون الأرض لم تكن قسمة إجبار ولو اقتسماها بشجرها كانت قسمة إجبار لأن الشجر يدخل تبعا للأرض فيصير الجميع كالشيء الواحد ولهذا تجب فيه الشفعة إذا بيع شيء من الأرض بشجرة وإذا قسم ذلك دون الأرض صار أصلا في القسمة ليس بتابع لشيء واحد فيصير كأعيان مفردة من الدور والدكاكين المتفرقة ولهذا لا تجب فيه الشفعة إذا بيع مفردا وكل قسمة غير واجبة إذا تراضيا بها فهي بيع حكمها حكم البيع

مسألة

قال ( وإذا قسم طرحت السهام فيصير لكل واحد ما وقع سهمه عليه إلا أن يتراضيا فيكون لكل واحد ما رضي به )

وجملته أن القسمة على ضربين قسمة إجبار وقسمة تراضي وقد ذكرنا أن قسمة الإجبار ما أمكن التعديل فيها من غير رد ولا تخلو من أربعة أقسام أحدها أن تكون السهام متساوية وقيمة أجزاء المقسوم متساوية

الثاني أن تكون السهام متساوية وقيمة الأجزاء مختلفة

الثالث أن تكون السهام مختلفة وقيمة الأجزاء متساوية

الرابع أن تكون السهام مختلفة والقيمة مختلفة

فأما الأول فمثل أرض بين ستة لكل واحد منهم سدسها وقيمة أجزاء الأرض متساوية فهذه تعدلها بالمساحة ستة أجزاء متساوية لأنه يلزم من تعديلها بالمساحة تعديلها بالقيمة لتساوي أجزائها في القيمة ثم يقرع بينهم وكيفما أقرع بينهم جاز في ظاهر كلام أحمد فإنه قال في رواية أبي داود إن شاء رقاعا وإن شاء خواتيم يطرح ذلك في حجر من لم يحضر ويكون لكل واحد خاتم معين ثم يقال اخرج خاتما على هذا السهم فمن خرج خاتمه فهو له وعلى هذا لو أقرع بالحصا أو غيره جاز واختار أصحابنا في القرعة أن يكتب رقاعا متساوية بعدد السهام وهو ها هنا مخير بين أن يخرج الأسماء على السهام وبين إخراج السهام على الأسماء فإن أخرج الأسماء على السهام كتب في كل رقعة اسم واحد من الشركاء وتترك في بنادق طين أو شمع متساوية القدر والوزن ويترك في حجر من لم يحضر القسمة ويقال له أخرج بندقة على هذا السهم فإذا أخرجها كان ذلك السهم لمن خرج اسمه في البندقة ثم يخرج أخرى على سهم آخر كذلك حتى يبقى الأخير فيتعين لمن بقي وإن اختار إخراج السهام على الأسماء كتب في الرقاع أسماء السهام فيكتب في رقعة الأول مما يلي جهة كذا وفي أخرى الثاني حتى يكتب


148

الستة ثم يخرج الرقعة على واحد بعينه فيكون له السهم الذي في الرقعة ويفعل ذلك حتى يبقى الأخير فيتعين لمن بقي وذكر أبو بكر أن البنادق تجعل طينا وتطرح في ماء ويعين واحد فأي البنادق انحل الطين عنها وخرجت رقعتها على الماء فهي له وكذلك الثاني والثالث وما بعده فإن خرج اثنان أعيد الإقراع والأول أولى وأسهل

القسم الثاني أن تكون السهام متفقة والقيمة مختلفة فإن الأرض تعدل بالقيمة وتجعل ستة أسهم متساوية القيمة ويفعل في إخراج السهام مثل الذي قبله سواء لا فرق بينهما إلا أن التعديل تم بالسهام وها هنا بالقيمة

القسم الثالث أن تكون القيمة متساوية والسهام مختلفة مثل أرض بين ثلاثة لأحدهم نصفها وللآخر ثلثها وللآخر سدسها وأجزاؤها متساوية القيمة فإنها تجعل سهاما بقدر أقلها وهو السدس فتجعل ستة أسهم وتعدل بالأجزاء ويكتب ثلاث رقاع بأسمائهم ويخرج رقعة على السهم الأول فإن خرجت لصاحب السدس أخذه ثم يخرج أخرى على الثاني فإن لصاحب الثلث أخذ الثاني والثالث وكانت الثلاثة الباقية لصاحب النصف بغيره قرعة وإن خرجت القرعة الثانية لصاحب النصف أخذ الثاني والثالث والرابع وكان الخامس والسادس لصاحب الثلث وإن خرجت القرعة الأولى لصاحب النصف أخذ الثلاثة الأول وتخرج الثانية على الرابع فإن خرجت لصاحب الثلث أخذه والذي يليه وكان السادس لصاحب السدس فإن خرجت الثانية لصاحب السدس أخذه وأخذ الآخر الخامس والسادس وإن خرجت الأولى لصاحب الثلث أخذ الأول والثاني ثم يخرج الثانية على الثالث فإن خرجت لصاحب النصف أخذ الثلث والرابع والخامس وأخذ الآخر السادس وإن خرجت الثانية لصاحب السدس أخذه وأخذ صاحب النصف ما بقي وقيل تكتب ستة رقاع باسم صاحب النصف ثلاث وباسم صاحب الثلث اثنان وباسم صاحب السدس واحدة وهذا لا فائدة فيه فإن المقصود خروج اسم صاحب النصف وإذا كتب ثلاث رقاع حصل المقصود فأغنى ولا يصح أن يكتب رقاعا بأسماء السهام ويخرجها على أسماء الملاك لأنه إذا أخرج واحدة فيها السهم الثاني لصاحب السدس ثم أخرج أخرى لصاحب النصف أو الثلث فيهما السهم الأول احتاج أن يأخذ نصيبه متفرقا فيتضرر بذلك

القسم الرابع إذا اختلفت السهام والقيمة فإن القاسم يعدل السهام بالقيمة ويجعلها ستة أسهم متساوية القيم ثم يخرج الرقاع فيها الأسماء على السهام كما ذكرنا في القسم الثالث سواء لا فصل بينهما إلا أن التعديل ها هنا بالقيم وفي التي قبلها بالمساحة وأما الضرب الثاني وهي قسمة التراضي التي فيها رد ولا يمكن تعديل السهام إلا أن يجعل مع بعضها عوض فهذه لا إجبار فيها لأنها معاوضة ولا يجبر على المعاوضة وكذلك سائر ما لا تجب قسمته كالدارين تجعل كل واحدة منهما سهما وما يدخل الضرر عليهما بقسمته وأشباه هذا وقد ذكرنا منه صورا فيما تقدم

إذا ثبت هذا فإن قسمة الإجبار تلزم بإخراج القرعة لأن القرعة قاسم الحاكم بمنزلة حكمه فيلزم بإخراجها كلزوم حكم الحاكم وأما قسمة التراضي ففيها وجهان أحدهما يلزمه أيضا كقسمة الإجبار لأن القاسم كالحاكم وقرعته


149

كحكمه

والثاني لا تلزم لأنها بيع والبيع يلزم بالتراضي لا بالقرعة وإنما القرعة ها هنا لنعرف البائع من المشتري فأما إن تراضيا على أن يأخذ كل واحد منهما واحدا من السهمين بغير قرعة فإنه يجوز لأن الحق لهما ولا يخرج عنهما وكذلك لو خير أحدهما صاحبه فاختار ويلزم ها هنا بالتراضي وتفرقهما كما يلزم البيع

فصل ويجوز للشريكين أن يقتسما بأنفسهما وأن يأتيا الحاكم لنيصب بينهما قاسما يقسم لهما وأن ينصبا قاسما يقسم لهما فإن نصب الحاكم قاسما لهما فمن شرطه العدالة ومعرفة الحساب والقيمة والقسمة ليوصل إلى كل ذي حق حقه وهذا قول الشافعي إلا أنه يشترط كونه حرا وإن نصبا قاسما بينهما فكان على صفة قاسم الحاكم في العدالة والمعرفة فهو كقاسم الحاكم في لزوم قسمته بالقرعة وإن كان كافرا أو فاسقا أو غير عارف بالقسمة لم تلزم قسمته إلا بتراضيهما بها ويكون وجوده كعدمه فيما يرجع إلى لزوم القسمة ويجزىء قاسم واحد فيما لا يحتاج إلى تقويم فإن احتاج القسم إلى التقويم احتاج إلى قاسمين لأنه يحتاج إلى أن يكون المقوم اثنين ولا يكفي في التقويم واحد فمتى نصبا قاسما أو نصبه الحاكم وكانت الشروط فيه متحققة لزمت القسمة بقرعته وإن اختل فيه بعض الشروط لم تلزم القسمة إلا بتراضيهما لأن وجوده وعدمه واحد وإن قسما بأنفسهما وأقرعا لم تلزم القسمة إلا بتراضيهما بعد القرعة لأنه لا حاكم بينهما ولا من يقوم مقامه

فصل وعلى الإمام أن يرزق القاسم من بيت المال لأن هذا من المصالح وقد روي أن عليا رضي الله عنه اتخذ قاسما وجعل له رزقا من بيت المال فإن لم يرزقه الإمام قال الحاكم للمتقاسمين ادفعا إلى القاسم أجرة ليقسم بينكما فإن استأجره كل واحد منهما بأجر معلوم ليقسم نصيبه جاز وإن استأجروه جميعا إجارة واحدة ليقسم بينهم الدار بأجر واحد معلوم لزم كل واحد منهم من الأجر بقدر نصيبه من المقسوم

وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يكون عليهم على عدد رؤوسهم لأن عمله في نصيب أحدهما كعمله في نصيب الآخر سواء تساوت سهامهم أو اختلفت فكان الأجر بينهم سواء

ولنا أن أجر القسمة يتعلق بالملك فكان بينهم على قدر الأملاك كنفقة العبد وما ذكروه لا يصح لأن العمل في أكبر النصيبين أكثر ألا ترى أن المقسوم لو كان مكيلا أو موزونا كان كيل الكثير أكثر عملا من كيل القليل وكذلك الوزن والزرع وعلى أن يبطل بالحافظ فإن حفظ القليل والكثير سواء ويختلف أجره باختلاف المال

فصل وأجرة القسمة بينهما وإن كان أحدهما الطالب لها وبهذا قال أبو يوسف ومحمد والشافعي وقال أبو حنيفة هي على الطالب للقسمة لأنها حق له

ولنا أن الأجرة تجب بإفراز الأنصباء وهم فيها سواء فكانت الأجرة عليهما كما لو تراضوا عليها

فصل وإذا ادعى أحد المتقاسمين غلطا في القسمة وأنه أعطي دون حقه نظرت فإن كانت قسمته تلزم


150

بالقرعة ولا تقف على تراضيهما فالقول قول المدعى عليه مع يمينه ولا تقبل دعوى المدعي إلا ببينة عادلة فإن أقام شاهدين عدلين نقضت القسمة وأعيدت وإن لم تكن بينة وطلب يمين شريكه أنه لا فضل معه أحلف له وإنما قدمنا قول المدعى عليه لأن الظاهر صحة القسمة وأداء الأمانة فيها وإن كانت مما لا تلزم إلا بالتراضي كالذي قسماه بأنفسهما ونحوه لم تسمع دعوى من ادعى الغلط هكذا قال أصحابنا وهو مذهب الشافعي لأنه قد رضي بذلك ورضاه بالزيادة في نصيب شريكه تلزمه الصحيح عندي أن هذه كالتي قبلها وأنه متى أقام البينة بالغلط نقضت القسمة لأن ما ادعاه محتمل ثبت ببينة عادلة فأشبه ما لو شهد على نفسه بقبض الثمن أو المسلم فيه ثم ادعى غلطا في كيله أو وزنه

وقولهم إن حقه من الزيادة سقط برضاه لا يصح فإنه إنما يسقط مع علمه أما إذا ظن أنه أعطي حقه فرضي بناء على هذا ثم بان له الغلط فلا يسقط به حقه كالثمن والمسلم فيه فإنه لو قبض المسلم فيه بناء على أنه عشرة مكاييل راضيا بذلك ثم ثبت أنه ثمانية أو ادعى المسلم إليه أنه غلط فأعطاه اثني عشر وثبت ذلك ببينة لم يسقط حق واحد منهما بالرضى ولا يمنع سماع دعواه وبينته ولأن المدعى عليه في مسألتنا لو أقر بالغلط لنقضت القسمة ولو سقط حق المدعي بالرضا لما نقضت القسمة بإقراره كما لو وهبه الزائد وقد ذكر أصحابنا وغيرهم فيمن باع دارا على أنها عشرة أذرع فبانت تسعة أو أحد عشر أن البيع باطل في أحد الوجهين

وفي الآخر تكون الزيادة للبائع والنقض عليه والبيع إنما يلزم بالتراضي فلو كان التراضي يسقط حقه من الزيادة لسقط حق البائع من الزيادة وحق المشتري من النقص والله أعلم

ولأن من رضي بشيء بناء على ظن تبين خلافه لم يسقط به حقه كما لو اقتسما شيئا وتراضيا به ثم بان نصيب أحدهما مستحقا فإن قيل فلم لا تعطي المظلوم حقه في هاتان المسألتين ولا تنقض القسمة كما لو تبين الغلط في الثمن أو المسلم فيه

قلنا لأن الغلط ها هنا في نفس القسمة بتفويت شرط من شروطها وهو تعديل السهام فتبطل لفوات شرطها وفي المسلم والثمن الغلط في القبض دون العقد فإن العقد قد تم بشروطه فلا يؤثر الغلط في قبض عوضه في صحته بخلاف مسألتنا

فصل إذا اقتسم الشريكان شيئا فبان بعضه مستحقا نظرت فإن كان معينا في نصيب أحدهما بطلت القسمة

وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تبطل بل يخير من ظهر المستحق في نصيبه بين الفسخ والرجوع بما بقي من حقه كما لو وجد عيبا فيما أخذه

ولنا أنها قسمة لم تعدل فيها السهام فكانت باطلة كما لو فعلا ذلك مع علمهما بالحال وأما إذا بان نصيب أحدهما معيبا فيحتمل أن تمنع المسألة ونقول ببطلان القسمة لعدم التعديل بالقيمة ويحتمل أن يفرق بينهما فإن العيب لا يمكن التحرز منه فلم يؤثر في البطلان كالبيع وإن كان المستحق في نصيبهما على السواء لم تبطل القسمة لأن ما يبقى لكل واحد منهما بعد المستحق قدر حقه ولأن القسمة إفراز حق أحدهما من الآخر وقد أفرز كل واحد منهما حقه إلا أن يكون ضرر المستحق في نصيب أحدهما أكثر مثل أن يسد طريقه أو مجرى مائه أو ضوئه أو نحو هذا فتبطل القسمة لأن هذا يمنع التعديل وإن كان المستحق في نصيب أحدهما أكثر من الآخر بطلت لما ذكرناه وإن كان المستحق مشاعا في نصيبهما بطلت القسمة لأن


151

الثالث شريكهما وقد اقتسما من غير حضوره ولا إذنه فأشبه ما لو كان لهما شريك يعلمانه فاقتسما دونه وإن كانا يعلمان المستحق حال القسمة أو أحدهما فالحكم فيها كما لو لم يعلما على ما ذكرنا من التفصيل فيه والله أعلم

فصل وإذا ظهر في نصيب أحدهما عيب لم يعلمه قبل القسمة فله فسخ القسمة أو الرجوع بأرش العيب لأنه نقص في نصيبه فملك ذلك كالمشتري ويحتمل أن تبطل القسمة لأن التعديل فيها شرط ولم يوجد بخلاف البيع

فصل وإذا اقتسما دارين فأخذ كل واحد منهما دارا وبنى فيها أو اقتسما أرضين فبنى أحدهما في نصيبه أو غرس ثم استحق نصيبه ونقض بناؤه وقلع غرسه فإنه يرجع على شريكه بنصف البناء والغرس

ذكره الشريف أبو جعفر وحكاه أبو الخطاب عن القاضي وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن ليس له الرجوع عليه بشيء لأنه بنى وغرس باختيار نفسه فلم يرجع بنقص ذلك على غيره كما لو بنى في ملك نفسه

ولنا أن هذه القسمة بمنزلة البيع فإن الدارين لا يقسمان قسمة إجبار على أن تكون كل واحدة منهما نصيبا وإنما يقسمان كذلك بالتراضي فتكون جارية مجرى البيع ولو باعه الدار جميعها ثم بانت مستحقة رجع عليه بالبناء كله فإذا باعه نصفها رجع عليه بنصفه وكذلك يخرج في كل قسمة جارية مجرى البيع وهي قسمة التراضي الذي فيه رد عوض وما لا يجبر على قسمته لضرر فيه ونحو ذلك فأما قسمة الإجبار إذا ظهر نصيب أحدهما مستحقا بعد البناء والغرس فيه فنقض البناء وقلع الغرس فإن قلنا القسمة بيع فالحكم فيها كذلك وإن قلنا ليست بيعا لم يرجع لأن شريكه لم يغره ولم ينقل إليه من جهته بيع وإنما أفرز حقه من حقه فلم يضمن له ما غرم فيه

هذا الذي يقتضيه قول أصحابنا

فصل وإذا اقتسم الورثة تركة الميت ثم بان عليه دين لا وفاء له إلا مما اقتسموه لم تبطل القسمة لأن تعلق الدين بالتركة لا يمنع صحة التصرف فيها لأنه تعلق بها بغير رضاهم فأشبه تعلق دين الجناية برقبة الجاني ويفارق الرهن لأن الحق يتعلق به برضا مالكه واختياره فعلى هذا يقال للورثة إن شئتم وفيتم الدين والقسمة بحالها وإن شئتم نقضت القسمة وبيعت التركة في الدين فإن أجاب أحدهم وامتنع الآخر بيع نصيب الممتنع وحده وبقي نصيب المجيب بحاله وإن كان ثم وصية بجزء من المقسوم فالحكم فيه كما ظهر مستحقا على ما مر من التفصيل فيه لأنه يستحق أخذه وإن كانت الوصية بمال غير معين مثل أن يوصي بمائة دينار فحكمها حكم الدين على ما بينا

فصل وإذا طلب أحد الشريكين من الآخر المهايأة من غير قسمة إما في الأجزاء بأن يجعل لأحدهما بعض الدار يسكنها أو بعض الحقل يزرعه ويسكن الآخر ويزرع في الباقي أو يسكن أحدهما ويزرع سنة ويسكن الآخر ويزرع سنة أخرى لم يجبر الممتنع منهما وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يجبر لأن في الامتناع منه ضررا فينتفي بقوله


152

عليه السلام لا ضرر ولا ضرار ووافقنا أبو حنيفة في العبيد خاصة على أنه لا يجبر على المهايأة

ولنا أن المهايأة معاوضة فلا يجبر عليها كالبيع ولأن حق كل واحد في المنفعة عاجل فلا يجوز تأخيره بغير رضاه كالدين وكما في العبيد عند أبي حنيفة ويخالف قسمة الأصل فإنه إفراز النصيبين وتمييز أحد الحقين

إذا ثبت هذا فإنهما إذا اتفقا على المهايأة جاز لأن الحق لهما فجاز فيه ما تراضيا عليه كقسمة التراضي ولا يلزم بل متى رجع أحدهما عنها انقضت المهايأة ولو طلب أحدهما القسمة كان له ذلك وانتقضت المهايأة ووافق أبو حنيفة وأصحابه في انتقاضها بطلب القسمة وقال مالك تلزم المهايأة لأنه يجبر عليها عنده فلزمت كقسمة الأصل

ولنا أنه بذل منافع ليأخذ منافع من غير إجارة فلم يلزم كما لو أعاره شيئا ليعيره شيئا آخر إذا احتاج إليه وفارق القسمة فإنها إفراز حق على ما ذكرناه

فصل قال أحمد في قوم اقتسموا دارا وحصل لبعضهم فيها زيادة أذرع ولبعضهم نقصان ثم باعوا الدار جملة واحدة قسمت الدار بينهما على قدر الأذرع يعني أن الثمن يقسم بينهم على قدر ملكهم فيها وهذا محمول على أن زيادة أحدهما في الأذرع كزيادة ملكه فيها مثل أن يكون لأحدهما الخمسان فيحصل له أربعون ذراعا وللآخر ثلاثة أخماس فيحصل له ستون فإن الثمن يقسم بينهما أخماسا على قدر ملكهما في الدار فإن كانت زيادة الأذرع لرداءة ما أخذه صاحبها مثل دار بينهما نصفين فأخذ أحدهما بنصيبه من جيدها أربعين ذراعا وأخذ الآخر من رديئها ستين ذراعا فلا ينبغي أن يقسم الثمن على قدر الأذرع بل يقسم بينهما نصفين لأن الستين ها هنا معدولة بالأربعين فكذلك يعدل بها في الثمن والله أعلم وقال أحمد في قوم اقتسموا دارا كانت أربعة سطوح يجري عليها الماء فلما اقتسموا أراد أحدهم منع جريان ماء الآخر عليه وقال هذا شيء قد صار لي قال إن كان بينهما شرط أنه يرد الماء فله ذلك فإن لم يشترط فليس له منعه ووجهه أنهم اقتسموا الدار وأطلقوا فاقتضى ذلك أن يملك كل واحد حصته بحقوقها وكما لو اشتراها بحقوقها ومن حقها جريان مائها في ماء كان يجري إليه معتادا له وهو على سطح المانع فلهذا استحقه حالة الإطلاق فإن تشارطا على رده فالشرط أملك والمؤمنون على شروطهم وقال أبو الخطاب إذا اقتسما دارا فحصل الطريق في نصيب أحدهما وكان لنصيب الآخر منفذ يتطرق منه وإلا بطلت القسمة وذلك لأن القسمة تقتضي التعديل والنصيب الذي لا طريق له لا قيمة له إلا قيمة قليلة فلا يحصل التعديل ولأن من شرط الإجبار على القسمة أن يكون ما يأخذه كل واحد منهما يمكن الانتفاع به وهذا لا ينتفع به آخذه فإن كان قد أخذه راضيا به عالما بأنه لا طريق له جاز لأن قسمة التراضي بيع وشراؤه على هذا الوجه جائز وقياس المسألة التي قبل هذه أن الطريق تبقى بحالها في نصيب الآخر ما لم يشترط صرفها عنه كمجرى الماء والله أعلم

فصل قال وللأب والوصي قسمة مال الصغير مع شريكه لأن القسمة إما إفراز حق أو بيع وكلاهما


153

جائز لهما ولأن في القسمة مصلحة للصبي فجازت كالشراء له ويجوز لهما قسمة التراضي من غير زيادة في العوض لأن فيه دفعا لضرر الشركة فأشبه ما لو باعه لضرر الحاجة إلى قضاء الدين أو الحاجة إلى النفقة

فصل ولا تصح ولاية القضاء إلا بتولية الإمام أو من فرض الإمام إليه ذلك فإن كان من ولاه ليس بعدل

فهل تصح ولايته على وجهين ويلزم الإمام أن يختار للقضاء بين المسلمين أفضل من يقدر عليه لهم والألفاظ التي تنعقد بها الولاية تنقسم إلى صريح وكناية فالصريحة سبعة ألفاظ وهي قد وليتك الحكم وقلدتك واستنبتك واستخلفتك ورددت إليك الحكم وفوضت إليك وجعلت إليك فإذا وجد أحد هذه الألفاظ من المولي وجوابها من المولى بالقبول انعقدت الولاية وأما الكناية فهي أربعة ألفاظ قد اعتمدت عليك وعولت عليك ووكلت إليك واستندت إليك فلا تنعقد الولاية بها حتى تقترن بها قرينة نحو قوله فاحكم فيما وكلت إليك وانظر فيما أسندت إليك وتول ما عولت فيه عليك وإذا صحت الولاية وكانت عامة استفاد بها النظر في عشرة أشياء فصل الخصومات بين المتنازعين واستيفاء الحق ممن ثبت عليه ودفعه إلى مستحقه والنظر في أموال اليتامى والمجانين والحجر على من يرى الحجر عليه لسفه أو فلس والنظر في الوقوف في عمله في حفظ أصولها وإجراء فروعها على ما شرطه الواقف وتزويج الأيامى اللاتي لا أولياء لهن وإقامة الحدود والنظر في مصالح المسلمين في عمله بكف الأذى عن طرقات المسلمين وأفنيتهم وتصفح حال شهوده وأمنائه والاستبدال بمن ثبت جرحه منهم والإمامة في صلاة الجمعة والعيد وفي جباية الخراج وأخذ الصدقة وجهان

فصل قال ويوصي الوكلاء والأعيان على بابه بتقوى الله تعالى والرفق بالخصوم وقلة الطمع ويجتهد أن يكونوا شيوخا أو كهولا من أهل الدين والصيانة والعفة

فصل قال ابن المنذر يكره للقاضي أن يفتي في الأحكام كان شريح يقول أنا أقضي ولا أفتي وأما الفتيا في الطهارة وسائر ما لا يحكم في مثله فلا بأس بالفتيا فيه


154

كتاب الشهادات

والأصل في الشهادات الكتاب والسنة والإجماع والعبرة

أما الكتاب فقول الله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء البقرة 282 وقال تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق 2 وأشهدوا إذا تبايعتم البقرة 282

وأما السنة فما روى وائل بن حجر قال جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض لي فقال الكندي هي أرضي وفي يدي فليس له فيها حق فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي ألك بينة قال لا قال فلك يمينه قال يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع من شيء قال ليس لك منه إلا ذلك قال فانطلق الرجل ليحلف له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر لئن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله تعالى وهو عنه معرض قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح

وروى محمد بن عبد الله العرزمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال البينة على المدعي واليمين على المدعيى عليه قال الترمذي هذا حديث في إسناده مقال والعرزمي يضعف في الحديث من قبل حفظه ضعفه ابن المبارك وغيره إلا أن أهل العلم أجمعوا على هذا قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ولأن الحاجة داعية إلى الشهادة لحصول التجاحد بين الناس فوجب الرجوع إليها قال شريح القضاء جمر فنحه عنك بعودين يعني الشاهدين وإنما الخصم داء والشهود شفاء فأفرغ الشفاء على الداء

فصل وتحمل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية لقول الله تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا البقرة 282 وقال تعالى ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه البقرة 283 وإنما خص القلب بالإثم لأنه موضع العلم بها ولأن الشهادة أمانة فلزم أداؤها كسائر الأمانات

إذا ثبت هذا فإن دعي إلى تحمل شهادة في نكاح أو دين أو غيره لزمته الإجابة وإن كانت عنده شهادة فدعي إلى أدائها لزمه ذلك فإن قام بالفرض في التحمل أو الأداء اثنان سقط عن الجميع امتنع الكل أثموا وإنما يأثم الممتنع إذا لم يكن عليه ضرر وكانت شهادته تنفع فإن كان عليه ضرر في التحمل أو الأداء أو كان ممن لا تقبل شهادته أو يحتاج إلى التبذل في التزكية ونحوها لم يلزمه لقول الله تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد البقرة 282 وقول النبي صلى وإن


155

امتنع الكلت أثموا وإنما يأثم الممتنع لم يكن عليه ضرر وكانت شهادته تنفع فإن كان عليه ضرر في التحمل أو الأداء أو كان ممن لا تقبل شهادته أو يحتاج إلى التبذل في التزكية ونحوها لم يلزمه لقول الله تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد ( 1 ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار ولأنه لا يلزمه أن يضر بنفسه لنفع غيره وإذا كان ممن لا تقبل شهادته لم يجب عليه لأن مقصود الشهادة لا يحصل منه وهل يأثم بالامتناع إذا وجد غيره ممن يقوم مقامه فيه وجهان أحدهما يأثم لأنه قد تعين بدعائه ولأنه منهي عن الامتناع بقوله ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا البقرة 282

والثاني لا يأثم لأن غيره يقوم مقامه فلم يتعين في حقه كما لو لم يدع إليها فأما قول الله تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد البقرة 282 فقد قرىء بالفتح والرفع فمن رفع فهو خبر معناه النهي ويحتمل معنيين أحدهما أن يكون الكاتب فاعلا أي لا يضر الكاتب والشهيد من يدعوه بأن لا يجيب أو يكتب ما لم يستكتب أو يشهد ما لم يستشهد به

والثاني أن يكون يضار فعل ما لم يسم فاعله فيكون معناه ومعنى الفتح واحدا أي لا يضر الكاتب والشهيد بأن يقطعهما عن شغلهما بالكتابة والشهادة ويمنعا حاجتهما

واشتقاق الشهادة من المشاهدة لأن الشاهد يخبر عما يشاهده

وقيل لأن الشاهد بخبره جعل الحاكم كالمشاهد للمشهود عليه وتسمى بينة لأنها تبين ما التبس وتكشف الحق فيما اختلف فيه

مسألة

قال ( ولا يقبل في الزنا إلا أربعة رجال عدول أحرار مسلمين )

أجمع المسلمون على أنه لا يقبل في الزنا أقل من أربعة شهود وقد نص الله تعالى عليه بقوله سبحانه لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون النور 13 في آي سواها

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أربعة وإلا حد في ظهرك في إخبار سوى هذا وأجمعوا على أنه يشترط كونهم مسلمين عدولا ظاهرا وباطنا وسواء كان المشهود عليه مسلما أو ذميا وجمهور العلماء على أنه يشترط أن يكونوا رجالا أحرارا فلا تقبل شهادة النساء ولا العبيد وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وشذ أبو ثور

فقال تقبل فيه شهادة العبيد

وحكي عن عطاء وحماد أنهما قالا تجوز شهادة ثلاثة رجال وامرأتين لأنه نقص واحد من عدد الرجال فقام مقامه امرأتان كالأموال

ولنا ظاهر الآية وأن العبد مختلف في شهادته في المال فكان ذلك شبهة في الحد لأنه بالشبهات


156

يندرىء ولا يصلح قياس هذا على الأموال لخفة حكمها وشدة الحاجة إلى إثباتها لكثرة وقوعها والاحتياط في حفظها ولهذا زيد في عدد شهود الزنا على شهود المال

فصل وفي الإقرار بالزنا روايتان ذكرهما أبو بكر وللشافعي فيه قولان أحدهما يثبت بشاهدين قياسا على سائر الأقارير

والثاني لا يثبت إلا بأربعة لأنه موجب لحد الزنا أشبه فعله

مسألة

قال ( ولا يقبل فيما سوى الأموال مما يطلع عليه الرجال أقل من رجلين )

وهذا القسم نوعان أحدهما العقوبات وهي الحدود والقصاص فلا يقبل فيه إلا شهادة رجلين إلا ما روي عن عطاء وحماد أنهما قالا يقبل فيه رجل وامرأتان قياسا على الشهادة في الأموال

ولنا إن هذا ما يحتاط لدرئه وإسقاطه ولهذا يندرىء بالشبهات ولا تدعو الحاجة إلى إثباته وفي شهادة النساء شبهة بدليل قوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى البقرة 282 وأنه لا تقبل شهادتهن وإن كثرن ما لم يكن معهن رجل فوجب أن لا تقبل شهادتهن فيه ولا يصح قياس هذا على المال لما ذكرنا من الفرق وبهذا الذي ذكرنا

قال سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وحماد والزهري وربيعة ومالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي واتفق هؤلاء وغيرهم على أنها تثبت بشهادة رجلين ما خلا الزنا إلا الحسن فإنه قال الشهادة على القتل كالشهادة على الزنا لأنه يتعلق به إتلاف النفس فأشبه الزنا

ولنا إنه أحد نوعي القصاص فأشبه القصاص في الطرف وما ذكره من الوصف لا أثر له فإن الزنا الموجب للحد لا يثبت إلا بأربعة ولأن حد الزنا حق لله تعالى يقبل الرجوع عن الإقرار به

ويعتبر في شهداء هذا النوع من الحرية والذكورية والإسلام والعدالة ما يعتبر في شهداء الزنا على ما سنذكره

الثاني ما ليس بعقوبة كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والإيلاء والظهار والنسب والتوكيل والوصية إليه والولاء والكتابة وأشباه هذا فقال القاضي المعول عليه في المذهب أن هذا لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال وقد نص أحمد في رواية الجماعة على أنه لا تجوز شهادة النساء في النكاح والطلاق وقد نقل عن أحمد في الوكالة إن كانت بمطالبة دين يعني تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين فأما غير ذلك فلا

ووجه ذلك أن الوكالة في اقتضاء الدين يقصد منها المال فيقبل فيها شهادة رجل وامرأتين كالحوالة قال القاضي فيخرج من هذا أن النكاح وحقوقه من الرجعة وشبهها لا تقبل فيها شهادة النساء رواية واحدة وما عداه يخرج على روايتين وقال أبو الخطاب يخرج في النكاح والعتاق أيضا روايتان إحداهما لا تقبل فيه إلا شهادة رجلين وهو قول النخعي والزهري ومالك وأهل المدينة والشافعي وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وربيعة في الطلاق

والثانية تقبل فيه شهادة رجلين وامرأتين

روي ذلك عن جابر بن زيد وإياس بن معاوية والشعبي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وروي ذلك في النكاح عن عطاء واحتجوا بأنه لا


157

يسقط بالشبهة فيثبت برجل وامرأتين كالمال

ولنا إنه ليس بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال فلم يكن للنساء في شهادته مدخل كالحدود والقصاص وما ذكروه لا يصح فإن الشبهة لا مدخل لها في النكاح وإن تصور بأن تكون المرأة مرتابة بالحمل لم يصح النكاح

فصل وقد نقل عن أحمد رضي الله عنه في الإعسار ما يدل على أنه لا يثبت إلا بثلاثة لحديث قبيصة بن المخارق حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة قال أحمد هكذا جاء الحديث فظاهر هذا أنه أخذ به وروي عنه أنه لا يقبل قوله إنه وصي حتى يشهد له رجلان أو رجل عدل فظاهر هذا أنه يقبل في الوصية شهادة رجل واحد وقال في الرجل يوصي ولا يحضره إلا النساء قال أجيز شهادة النساء فظاهر هذا أنه أثبت الوصية بشهادة النساء على الإنفراد إذا لم يحضره الرجال

قال القاضي والمذهب أن هذا كله لا يثبت إلا بشاهدين وحديث قبيصة في حل المسألة لا في الإعسار

فصل ولا يثبت شيء من هذين النوعين بشاهد ويمين المدعي لأنه إذا لم يثبت بشهادة رجل وامرأتين فلئلا يثبت بشهادة واحد ويمين أولى قال أحمد ومالك في الشاهد واليمين إنما يكون ذلك في الأموال خاصة لا يقع في حد ولا نكاح ولا طلاق ولا عتاقة ولا سرقة ولا قتل

وقد قال الخرقي إذا ادعى العبد أن سيده أعتقه وأتى بشاهد حلف مع شاهده وصار حرا ونص عليه أحمد وقال في شريكين في عبد ادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق حقه منه وكانا معسرين عدلين فللعبد أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير حرا أو يحلف مع أحدهما ويصير نصفه حرا فيخرج مثل هذا في الكتابة والولاء والوصية والوديعة والوكالة فيكون في الجميع روايتان

ما خلا العقوبات البدنية والنكاح وحقوقه فإنها لا تثبت بشاهد ويمين قولا واحدا قال القاضي المعمول عليه في جميع ما ذكرناه أنه لا يثبت إلا بشاهدين وهو قول الشافعي وروى الدارقطني بإسناده عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال استشرت جبريل في القضاء باليمين مع الشاهد فأشار علي في الأموال لا تعد ذلك وقال عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى بالشاهد واليمين قال نعم في الأموال وتفسير الراوي أولى من تفسير غيره

رواه الإمام أحمد وغيره بإسنادهم

مسألة

قال ( ولا يقبل في الأموال أقل من رجل وامرأتين ورجل عدل مع يمين الطالب )

وجملة ذلك أن المال كالفرض والغصب والديون كلها وما يقصد به المال كالبيع والوقف والإجارة والهبة والصلح والمساقاة والمضاربة والشركة والوصية له والجناية الموجبة للمال كجناية الخطأ وعمد الخطأ والعمد الموجب للمال دون القصاص كالجائفة وما دون الموضحة من الشجاج تثبت بشهادة رجل وامرأتين وقال أبو


158

بكر لا تثبت الجناية في البدن بشهادة رجل وامرأتين لأنها جناية فأشبهت ما يوجب القصاص والأول أصح لأن موجبها المال فأشبهت البيع وفارق ما يوجب القصاص لأن القصاص لا تقبل فيه شهادة النساء وكذلك ما يوجبه والمال يثبت بشهادة النساء وكذلك ما يوجبه ولا خلاف في أن المال يثبت بشهادة النساء مع الرجال وقد نص الله تعالى على ذلك في كتابه بقوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى قوله واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء البقرة 282 وأجمع أهل العلم على القول به وقد ذكرنا خبر أبي هريرة وابن عباس فيه

فصل وأكثر أهل العلم يرون ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وهو قول الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والحسن وشريح وإياس وعبد الله بن عتبة وأبي سلمة بن عبد الرحمن ويحيى بن يعمر و ربيعة ومالك وابن أبي ليلى وأبي الزناد والشافعي وقال الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي والأوزاعي لا يقضي بشاهد ويمين وقال محمد بن الحسن من قضى بالشاهد واليمين نقضت حكمه لأن الله تعالى قال واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان البقرة 282 فمن زاد في ذلك فقد زاد في النص والزيادة في النص نسخ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال البينة على المدعي واليمين على من أنكر فحصر اليمين في جانب المدعى عليه كما حصر البينة في جانب المدعي

ولنا ما روى سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد الواحد رواه سعيد بن منصور في سننه والأئمة من أهل السنن والمسانيد قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وفي الباب عن علي وابن عباس وجابر ومسروق وقال النسائي إسناد حديث ابن عباس في اليمين مع الشاهد إسناد جيد ولأن اليمين تشرع في حق من ظهر صدقه وقوي جانبه ولذلك شرعت في حق صاحب اليد لقوة جنبته بها وفي حق المنكر لقوة جنبته فإن الأصل براءة ذمته والمدعي ها هنا قد ظهر صدقه فوجب أن تشرع اليمين في حقه ولا حجة لهم في الآية لأنها دلت على مشروعية الشاهدين والشاهد والمرأتين ولا نزاع في هذا وقولهم إن الزيادة في النص نسخ غير صحيح لأن النسخ الرفع والإزالة والزيادة في الشيء تقرير له لا رفع والحكم بالشاهد واليمين لا يمنع الحكم بالشاهدين ولا يرفعه ولأن الزيادة لو كانت متصلة بالمزيد عليه لم ترفعه ولم تكن نسخا وكذلك إذا انفصلت عنه ولأن الآية واردة في التحمل دون الأداء ولهذا قال أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى البقرة 282 والنزاع في الأداء وحديثهم ضعيف وليس هو للحصر بدليل أن اليمين تشرع في حق المودع إذا ادعى رد الوديعة وتلفها وفي حق الأمناء لظهور جنايتهم وفي حق الملاعن وفي القسامة وتشرع في حق البائع والمشتري إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة وقول محمد


159

في نقض قضاء من قضى بالشاهد واليمين يتضمن القول بنقض قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الذين قضوا به وقد قال الله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما النساء 65 والقضاء بما قضى به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أولى من قضاء محمد بن الحسن المخالف له

فصل قال القاضي يجوز أن يحلف على ما لا تسوغ الشهادة عليه مثل أن يجد بخطه دينا له على إنسان وهو يعرف أنه لا يكتب إلا حقا ولم يذكره أو يجد في رزمانج أبيه بخطه دينا له على إنسان ويعرف من أبيه الأمانة وأنه لا يكتب إلا حقا فله أن يحلف عليه ولا يجوز أن يشهد به ولو أخبره بحق أبيه ثقة فسكن إليه جاز أن يحلف عليه ولم يجز له أن يشهد به وبهذا قال الشافعي والفرق بين اليمين والشهادة من وجهين أحدهما أن الشهادة لغيره فيحتمل أن من له الشهادة قد زور على خطه ولا يحتمل هذا فيما يحلف عليه لأن الحق إنما هو للحالف فلا يزور أحد عليه

الثاني أن ما يكتبه الإنسان من حقوقه يكثر فينسى بعضه بخلاف الشهادة

فصل وكل موضع قبل فيه الشاهد واليمين فلا فرق بين كون المدعي مسلما أو كافرا عدلا أو فاسقا رجلا أو امرأة نص عليه أحمد لأن من شرعت في حقه اليمين لا يختلف حكمه باختلاف هذه الأوصاف كالمنكر إذا لم تكن بينة

فصل قال أحمد مضت السنة أن يقضي باليمين مع الشاهد الواحد فإن أبى أن يحلف استحلف المطلوب وهذا قول مالك والشافعي ويروى عن أحمد فإن أبى المطلوب أن يحلف ثبت الحق عليه

فصل ولا تقبل شهادة امرأتين ويمين المدعي وبه قال الشافعي وقال مالك يقبل ذلك في الأموال لأنهما في الأموال أقيمتا مقام الرجل فحلف معهما كما يحلف مع الرجل

ولنا أن البينة على المال إذا حلت من رجل لم تقبل كما لو شهد أربع نسوة وما ذكروه يبطل بهذه الصورة فإنهما لو أقيمتا مقام رجل من كل وجه لكفى أربع نسوة مقام رجلين ولقبل في غير الأموال شهادة رجل وامرأتين ولأن شهادة المرأتين ضعيفة تقوت بالرجل واليمين ضعيفة فيضم ضعيف إلى ضعيف فلا يقبل

فصل إذا ادعى رجل على رجل أنه سرق نصابا من حرزه وأقام بذلك شاهدا وحلف معه


160

أو شهد له بذلك رجل وامرأتان وجب له المال المشهود به إن كان باقيا أو قيمته إن كان تالفا ولا يجب القطع لأن هذه حجة في المال دون القطع وإن ادعى على رجل أنه قتل وليه عمدا فأقام شاهدا وامرأتين أو حلف مع شاهده لم يثبت قصاص ولا دية والفرق بين المسألين أن السرقة توجب القطع والغرم معا فإذا لم يثبت أحدهما ثبت الآخر والقتل العمد موجبه القصاص عينا في إحدى الروايتين والدية بدل عنه ولا يجب البدل ما لم يوجد المبدل

وفي الرواية الأخرى الواجب أحدهما لا بعينه فلا يجوز أن يتعين أحدهما إلا بالاختيار أو التعذر ولم يوجد واحد منهما

وقالابن أبي موسى لا يجب المال في السرقة أيضا إلا بشاهدين لأنها شهادة على فعل يوجب الحد والمال فإذا بطلت في إحداهما بطلت في الأخرى والأول أولى لما ذكرناه وإن ادعى رجل على رجل أنه ضرب أخاه بسهم عمدا فقتله ونفذ إلى إخيه الآخر فقتله خطأ وأقام بذلك شاهدا وامرأتين أو شاهدا وحلف معه ثبت قتل الثاني لأنه خطأ موجبه المال ولم يثبت قتل الأول لأنه عمد موجبه القصاص فهما كالجنايتين المفترقتين وعلى قول أبي بكر لا يثبت شيء منهما لأن الجناية عنده لا تثبت إلا بشاهدين سواء كان موجبها المال أو غيره ولو ادعى رجل على آخر أنه سرق منه وغصبه مالا فحلف بالطلاق والعتاق ما سرق منه ولا غصبه فأقام المدعي شاهدا وامرأتين شهدا بالسرقة والغصب أو أقام شاهدا وحلف معه استحق المسروق والمغصوب لأنه أتى ببينة يثبت ذلك بمثلها ولم يثبت طلاق ولا عتاق لأن هذه البينة حجة في المال دون الطلاق والعتاق وظاهر مذهب الشافعي في هذا الفصل كمذهبنا إلا فيما ذكرناه من الخلاف عن أصحابنا

فصل ولو ادعى جارية في يد رجل أنها أم ولده وأن ابنها ابنه منها ولد في ملكه وأقام بذلك شاهدا وامرأتين أو حلف مع شاهده حكم له بالجارية لأن أم الولد مملوكة له ولهذا يملك وطأها وإجارتها وتزويجها ويثبت لها حكم الاستيلاد بإقراره لأن إقراره ينفذ في ملكه والملك يثبت بالشاهد والمرأتين والشاهد واليمين ولا يحكم له بالولد لأنه يدعي نسبه والنسب لا يثبت بذلك ويدعي حريته أيضا فعلى هذا يقر الولد في يد المنكر مملوكا له وهذا أحد قولي الشافعي وقال في الآخر يأخذها وولدها ويكون ابنه لأن من ثبتت له العين ثبت له نماؤها والولد نماؤها وذكر أبو الخطاب فيها عن أحمد روايتين كقولي الشافعي

ولنا أنه لم يدع الولد ملكا وإنما يدعي حريته ونسبه وهذان لا يثبتان بهذه البينة فيبقيان على ما كانا عليه

فصل وإن ادعى رجل أنه خالع امرأته فأنكرت ثبت ذلك بشاهد وامرأتين أو يمين المدعي لأنه يدعي المال الذي خالعت به وإن ادعت ذلك المرأة لم يثبت إلا بشهادة رجلين لأنها لا تقصد منه إلا


161

الفسخ وخلاصها من الزوج ولا يثبت ذلك إلا بهذه البينة

مسألة

قال ( ويقبل فيما لا يطلع عليه الرجال مثل الرضاع والولادة والحيض والعدة وما أشبهها شهادة امرأة عدل )

لا نعلم بين أهل العلم خلافا في قبول شهادة النساء المفردات في الجملة قال القاضي والذي تقبل فيه شهادتهن منفردات خمسة أشياء الولادة والاستهلال والرضاع والعيوب تحت الثياب كالرتق والقرن والبكارة والثيابة والبرص وانقضاء العدة وعن أبي حنيفة لا تقبل شهادتهن منفردات على الرضاع لأنه يجوز أن يطلع عليه محارم المرأة من الرجال فلم يثبت بالنساء منفردات كالنكاح

ولنا ما روى عقبة بن الحارث قال تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فأتت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأعرض عني ثم أتيته فقلت يا رسول الله إنها كاذبة قال كيف وقد زعمت ذلك متفق عليه ولأنها شهادة على عورة للنساء فيها مدخل فقبل فيها شهادة النساء كالولادة وتخالف العقد فإنه ليس بعورة وحكي عن أبي حنيفة أيضا أن شهادة النساء المنفردات لا تقبل في الاستهلال لأنه يكون بعد الولادة وخالفه صاحباه وأكثر أهل العلم لأنه يكون حال الولادة فيتعذر حضور الرجال فأشبه الولادة نفسها

وقد روي عنعلي رحمه الله أنه أجاز شهادة القابلة وحدها في الاستهلال

رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور إلا أنه من حديث جابر الجعفي وإجازه شريح والحسن والحارث العكلي وحماد

فصل إذا ثبت هذا فكل موضع قلنا تقبل فيه شهادة النساء المنفردات فإنه تقبل فيه شهادة المرأة الواحدة وقال طاوس وتجوز شهادة المرأة في الرضاع وإن كانت سوداء وعن أحمد رواية أخرى لا تقبل فيه إلا امرأتان وهو قول الحكم وابن أبي ليلى وابن شبرمة وإليه ذهب مالك والثوري لأن كل جنس يثبت به الحق كفى فيه اثنان كالرجال ولأن الرجال أكمل منهن عقلا ولا يقبل منهم إلا اثنان وقال عثمان البتي يكفي ثلاث لأن كل موضع قبل فيه النساء كان العدد ثلاثة كما لو كان معهن رجل

وقال أبو حنيفة تقبل شهادة المرأة الواحدة في ولادة الزوجات دون ولادة المطلقة وقال عطاء والشعبي وقتادة والشافعي وأبو ثور لا يقبل فيه إلا أربع لأنها شهادة من شرطها الحرية فلم يقبل فيها الواحدة كسائر الشهادات ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال شهادة امرأتين بشهادة رجل

ولنا ما روى عقبة بن الحارث أنه قال تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فأعرض عني ثم ذكرت له ذلك فقال وكيف وقد زعمت ذلك متفق عليه وروى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة ذكره الفقهاء في كتبهم وروى أبو الخطاب عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يجزىء في الرضاع شهادة امرأة واحدة ولأنه معنى


162

يثبت بقول النساء المنفردات فلا يشترط فيه العدد كالرواية وأخبار الديانات وما ذكره الشافعي من اشتراط الحرية غير مسلم وقول النبي صلى الله عليه وسلم شهادة امرأتين بشهادة رجل في الموضع الذي تشهد فيه مع الرجل

فصل فإن شهد الرجل بذلك فقال أبو الخطاب تقبل شهادته وحده لأنه أكمل من المرأة فإذا اكتفي بها وحدها فلأن يكتفى به أولى ولأن ما قبل فيه قول المرأة الواحدة قبل فيه قول الرجل كالرواية

مسألة

قال ( ومن لزمته الشهادة فعليه أن يقوم بها على القريب والبعيد لا يسعه التخلف عن إقامتها وهو قادر على ذلك )

وجملته أن أداء الشهادة من فروض الكفايات فإن تعينت عليه بأن لا يتحملها من يكفي فيها سواه لزمه القيام بها وإن قام بها اثنان غيره سقط عنه أداؤها إذا قبلها الحاكم فإن كان تحملها جماعة فأداؤها واجب على الكل إذا امتنعوا أثموا كلهم كسائر فروض الكفايات ودليل وجوبها قول الله تعالى ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه البقرة 283 وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما النساء 135 وفي الآية الأخرى كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى المائدة 8 ولأن الشهادة أمانة فلزمه أداؤها عند طلبه كالوديعة ولقوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها النساء 58 فإن عجز عن إقامتها أو تضرر بها لم تجب عليه لقول الله تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم البقرة 282

فصل ومن له كفاية فليس له أخذ الجعل على الشهادة لأنه أداء فرض فإن فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منهم فرضا وإن لم تكن له كفاية ولا تعينت عليه حل له أخذه والنفقة على عياله فرض عين فلا يشتغل عنه بفرض الكفاية

فإذا أخذ الرزق جمع بين الأمرين وإن تعينت عليه الشهادة احتمل ذلك أيضا واحتمل أن لا يجوز لئلا يأخذ العوض عن أداء فرض عين وقال أصحاب الشافعي لا يجوز أخذ الأجرة لمن تعينت عليه وهل يجوز لغيره على وجهين

مسألة

قال ( وما أدركه من الفعل نظرا أو سمعه تيقنا وإن لم ير المشهود عليه شهد به )

وجملة ذلك أن الشهادة لا تجوز إلا بما علمه بدليل قوله تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون الزخرف 86 وقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا الإسراء 36


163

وتخصيصه لهذه الثلاثة بالسؤال لأن العلم بالفؤاد وهو يستند إلى السمع والبصر ولأن مدرك الشهادة الرؤية والسماع وهما بالبصر والسمع وروي عن ابن عباس أنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة قال هل ترى الشمس قال نعم قال على مثلها فاشهد أو دع رواه الخلال في الجامع بإسناده

إذا ثبت هذا فإن مدرك العلم الذي تقع به الشهادة اثنان الرؤية والسماع وما عداهما من مدارك العلم كالشم والذوق واللمس لا حاجة إليها في الشهادة في الأغلب فأما ما يقع بالرؤية فالأفعال كالغصب والإتلاف والزنا وشرب الخمر وسائر الأفعال وكذلك الصفات المرئية كالعيوب في المبيع ونحوها فهذا لا تتحمل الشهادة فيه إلا بالرؤية لأنه تمكن الشهادة عليه قطعا فلا يرجع إلى غير ذلك وأما السماع فنوعان أحدهما من المشهود عليه مثل العقود كالبيع والإجارة وغيرهما من الأقوال فيحتاج إلى أن يسمع كلام المتعاقدين ولا تعتبر رؤية المتعاقدين إذا عرفهما وتيقن أنه كلامهما وبهذا قال ابن عباس والزهري وربيعة والليث وشريح وعطاء وابن أبي ليلى ومالك

وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن الشهادة لا تجوز حتى يشاهد القائل المشهود عليه

لأن الأصوات تشتبه فلا يجوز أن يشهد عليها من غير رؤية كالخط

ولنا أنه عرف المشهود عليه يقينا فجازت شهادته عليه كما لو رآه وجواز اشتباه الأصوات كجواز اشتباه الصور

وإنما تجوز الشهادة لمن عرف المشهود عليه يقينا وقد يحصل العلم بالسماع يقينا وقد اعتبره الشرع بتجويزه الرواية من غير رؤية ولهذا قبلت رواية الأعمى ورواية من روى عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير محارمهن

وأما النوع الثاني فسنذكره إن شاء الله تعالى في المسألة التي تلي هذا

فصل إذا عرف المشهود عليه باسمه وعينه ونسبه جاز أن يشهد عليه حاضرا كان أو غائبا وإن لم يعرف ذلك لم يجز أن يشهد عليه مع غيبته وجاز أن يشهد عليه حاضرا بمعرفة عينه نص عليه أحمد قال مهنا سألت أحمد عن رجل شهد لرجل بحق له على رجل وهو لا يعرف اسم هذا ولا اسم هذا إلا أنه يشهد له فقال إذا قال أشهد أن لهذا على هذا وهما شاهدان جميعا فلا بأس وإن كان غائبا فلا يشهد حتى يعرف اسمه

فصل والمرأة كالرجل في أنه إذا عرفها وعرف اسمها ونسبها جاز أن يشهد عليها مع غيبتها

وإن لم يعرفها لم يشهد عليها مع غيبتها قال أحمد في رواية الجماعة لا تشهد إلا لمن تعرف وعلى من تعرف ولا يشهد إلا على امرأة قد عرفها

وإن كانت ممن قد عرف اسمها ودعيت وذهبت وجاءت فليشهد وإلا فلا يشهد فأما إن لم يعرفها فلا يجوز أن يشهد مع غيبتها

ويجوز أن يشهد على عينها إذا عرف عينها ونظر إلى وجهها قال أحمد ولا يشهد على امرأة حتى ينظر إلى وجهها وهذا محمول على الشهادة على من لم يتيقن معرفتها فأما من تيقن معرفتها وتعرف بصوتها يقينا فيجوز أن يشهد عليها إذا تيقن صوتها على


164

ما قدمناه في المسألة قبلها

فإن لم يعرف المشهود عليه فعرفه عنده من يعرفه

فقد روي عن أحمد أنه قال لا يشهد على شهادة غيره إلا بمعرفته لها وقال لا يجوز للرجل أن يقول للرجل أنا أشهد أن هذه فلانة ويشهد على شهادته وهذا صريح في المنع من الشهادة على من لا يعرفه بتعريف غيره وقال القاضي يجوز أن يحمل هذا على الاستحباب لتجويزه الشهادة بالاستفاضة

وظاهر قوله المنع منه

وقال أحمد لا يشهد على امرأة إلا بإذن زوجها وهذا يحتمل أنه لا يدخل عليها بيتها ليشهد عليها إلا بإذن زوجها لما روى عمرو بن العاص قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستأذن على النساء إلا بإذن أزواجهن رواه أحمد في مسنده فأما الشهادة عليها في غير بيتها فجائزة

لأن إقرارها صحيح وتصرفها إذا كانت رشيدة صحيح فجاز أن يشهد عليها به

فصل وإذا عرف الشاهد خطه ولم يذكر أنه شهد به فهل يجوز له أن يشهد بذلك فيه روايتان إحداهما لا يجوز أن يشهد بها قال أحمد في رواية حرب فيمن يرى خطه وخاتمه ولا يذكر الشهادة قال لا يشهد إلا بما يعلم وقال في روياة غيره

إذا عوف خطه وكيف تكون الشهادة إلا هكذا وقال في موضع آخر إذا عوف خطه ولم يحفظ فلا يشهد إلا أن يكون منسوخا عنده موضوعا تحت ختمه وحرزه فيشهد وإن لم يحفظ وقال أيضا إذا كان رديء الحفظ فيشهد ويكتبها عنده وهذه رواية ثالثة وهو أن يشهد إذا كانت مكتوبة عنده بخطه في حرزه ولا يشهد إذا لم تكن كذلك بمنزلة القاضي في إحدى الروايتين إذا وجد حكمه بخطه تحت ختمه أمضاه ولا يمضيه إذا لم يكن كذلك

مسألة

قال ( وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه شهد به كالشهادة على النسب والولادة )

هذا النوع الثاني من السماع وهو ما يعلمه بالاستفاضة

وأجمع أهل العلم على صحة الشهادة بها في النسب والولادة قال ابن المنذر أما النسب فلا أعلم أحدا من أهل العلم منع منه ولو منع ذلك لاستحالت معرفة الشهادة به إذ لا سبيل إلى معرفته قطعا بغيره ولا تمكن المشاهدة فيه ولو اعتبرت المشاهدة لما عرف أحد أباه ولا أمه ولا أحدا من أقاربه وقال قال الله تعالى يعرفونه كما يعرفون أبناءهم البقرة 146 واختلف أهل العلم فيما تجوز الشهادة عليه بالإستفاضة غير النسب والولادة فقال أصحابنا هو تسعة أشياء النكاح والملك المطلق والوقف ومصرفه والموت والعتق والولاء والولاية والعزل وبهذا قال أبو سعيد الاصطخري وبعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم لا تجوز في الوقف والولاء والعتق والزوجية


165

لأن الشهادة ممكنة فيه بالقطع فإنها شهادة بعقد فأشبه سائر العقود وقال أبو حنيفة لا تقبل إلا في النكاح والموت ولا تقبل في الملك المطلق لأنها شهادة بمال أشبه الدين وقال صاحباه يقبل في الولاء مثل عكرمة مولى ابن عباس

ولنا أن هذه الأشياء تتعذر الشهادة عليها في الغالب بمشاهدتها أو مشاهدة أسبابها فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة كالنسب قال مالك ليس عندنا من يشهد على أحباس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالسماع وقال مالك السماع في الأحباس والولاء جائز وقال أحمد في رواية المروذي أشهد أن دار بختان لبختان وإن لم يشهدك

وقيل له تشهد أن فلانة امرأة فلان ولم تشهد النكاح فقال نعم إذا كان مستفيضا فأشهد أقول إن فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن خديجة وعائشة زوجاه وكل أحد يشهد بذلك من غير مشاهدة

فإن قيل يمكنه العلم في هذه الأشياء بمشاهدة السبب قلنا وجود السبب لا يفيد العلم بكونه سببا فإنه يجوز أن يشتري ما ليس بملك البائع ويصطاد صيدا صاده غيره ثم انفلت منه وإن تصور ذلك فهو نادر وقول أصحاب الشافعي تمكن الشهادة في الوقف باللفظ لا يصح لأن الشهادة ليست بالعقود ها هنا

وإنما يشهد الوقف الحاصل بالعقد فهو بمنزلة الملك وكذلك يشهد بالزوجية دون العقد وكذلك الحرية والولاء وهذه جميعها لا يمكن القطع بها كما لا يمكن القطع بالملك لأنها مترتبة على الملك فوجب أن تجوز الشهادة فيها بالاستفاضة كالملك سواء

قال مالك ليس عندنا من شهد على أحباس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على السماع

إذا ثبت هذا فكلام أحمد والخرقي يقتضي أن لا يشهد بالاستفاضة حتى تكثر به الأخبار ويسمعه من عدد كثير يحصل به العلم لقول الخرقي فيما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في القلب يعني حصل العلم به وذكر القاضي في المجرد أنه يكفي أن يسمع من اثنين عدلين ويسكن قلبه إلى خبرهما لأن الحقوق تثبت بقول اثنين وهذا قول المتأخرين من أصحاب الشافعي والقول الأول هو الذي يقتضيه لفظ الاستفاضة فإنها مأخوذة من قبض الماء لكثرته ولأنه لو اكتفى فيه بقول اثنين لا يشترط فيه ما يشترط في الشهادة على الشهادة وإنما اكتفى بمجرد السماع

فصل فإن كان في يد الرجل دار أو عقار يتصرف فيها تصرف الملاك بالسكنى والإعارة والإجارة والعمارة والهدم والبناء من غير منازع فقال أبو عبد الله بن حامد يجوز أن يشهد له بملكها وهو قول أبي حنيفة والاصطخري من أصحاب الشافعي قال القاضي ويحتمل أن لا يشهد إلا بما شاهده من الملك واليد والتصرف لأن اليد ليست منحصرة في الملك قد تكون بإجارة وإعارة وغصب وهذا قول بعض أصحاب الشافعي ووجه الأول أن اليد دليل الملك واستمرارها من غير منازع يقويها فجرت مجرى الاستفاضة فجاز أن يشهد بها كما لو شاهد سبب اليد من بيع أو إرث أو هبة واحتمال كونها عن غصب أو إجارة يعارضه استمرار اليد من غير منازع فلا يبقى مانعا كما لو شاهد سبب اليد فإن احتمال كون البائع غير مالك والوارث والواهب لا يمنع الشهادة كذا ها هنا

فإن قيل فإذا بقي الاحتمال لم يحصل


166

العلم ولا تجوز الشهادة إلا بما يعلم

قلنا الظن يسمى علما قال الله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات الممتحنة 10 ولا سبيل إلى العلم اليقيني ها هنا فجازت بالظن

فصل وإذا سمع رجلا يقول لصبي هذا ابني جاز أن يشهد به لأنه مقر بنسبه وإن سمع الصبي يقول هذا أبي والرجل يسمعه فسكت جاز أن يشهد أيضا

لأن سكوت الأب إقرار له والإقرار يثبت النسب فجازت الشهادة به وإنما أقيم السكوت ها هنا مقام الإقرار لأن الإقرار على الانتساب الباطل جائز بخلاف سائر الدعاوى

ولأن النسب يغلب فيه الإثبات ألا ترى أنه يلحق بالإمكان في النكاح وذكرأبو الخطاب أنه يحتمل أن لا يشهد مع السكوت حتى يتكرر لأن السكوت ليس بإقرار حقيقي وإنما أقيم مقامه فاعتبرت تقويته بالتكرار كما اعتبرت تقوية اليد في العقار بالاستمرار

فصل وإذا شهد عدلان أن فلانا مات وخلف من الورثة فلانا وفلانا لا نعلم له وارثا غيرهما قبلت شهادتهما وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي والعنبري وقالابن أبي ليلى حتى يبينا أنه لا وارث له سواهما

ولنا أن هذا مما لا يمكن علمه فيكفي فيه الظاهر مع شهادة الأصل بعدم وارث آخر قال أبو الخطاب سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أو لم يكونا ويحتمل أن لا تقبل إلا من أهل الخبرة الباطنة لأن عدم علمهم بوارث آخر ليس بدليل على عدمه بخلاف أهل الخبرة الباطنة فإن الظاهر أنه لو كان له وارث آخر لم يخف عليهم وهذا قول الشافعي

فأما إن قالا لا نعلم له وارثا بهذه البلدة أو بأرض كذا وكذا لم تقبل وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يقضي به كما لو قالا لا نعلم له وارثا وذكر ذلك مذهبا لأحمد أيضا

ولنا أن هذا ليس بدليل على عدم الوارث لأنهما قد يعلمان أنه لا وارث له في تلك الأرض ويعلمان له وارثا في غيرها فلم تقبل شهادتهما كما لو قالا لا نعلم له وارثا في هذا البيت

مسألة

قال ( من لم يكن من الرجال والنساء عاقلا مسلما بالغا عدلا لم تجز شهادته )

وجملته أن يعتبر في الشاهد سبعة شروط

أحدها أن يكون عاقلا ولا تقبل شهادة من ليس بعاقل إجماعا قاله ابن المنذر

وسواء ذهب عقله بجنون أو سكر أو طفولية وذلك لأنه ليس بمحصل ولا تحصل الثقة بقوله ولأنه لا يأثم بكذبه ولا يتحرز منه

الثاني أن يكون مسلما ونذكر هذا فيما بعد إن شاء الله تعالى

الثالث أن يكون بالغا فلا تقبل شهادة صبي لم يبلغ بحال يروى هذا عن ابن عباس وبه قال


167

القاسم وسالم وعطاء ومكحول وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري والشافعي وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور وأبو حنيفة وأصحابه وعن أحمد رحمه الله رواية أخرى أن شهادتهم تقبل في الجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحالة التي تجارحوا عليها وهذا قول مالك

لأن الظاهر صدقهم وضبطهم فإن تفرقوا لم تقبل شهادتهم لأنه يحتمل أن يلقنوا قال ابن الزبير إن أخذوا عند مصاب ذلك فبالحري أن يعقلوا ويحفظوا وعن الزهري أن شهادتهم جائزة ويستحلف أولياء المشجوج وذكره عن مروان وروي عن أحمد رواية ثالثة أن شهادته تقبل إذا كان ابن عشر قال ابن حامد فعلى هذه الرواية تقبل شهادتهم في غير الحدود والقصاص كالعبيد وروي عنعلي رضي الله عنه أن شهادة بعضهم تقبل على بعض وروي ذلك عن شريح والحسن والنخعي قال إبراهيم كانوا يجيزون شهادة بعضهم على بعض فيما كان بينهم قالالمغيرة وكان أصحابنا لا يجيزون شهادتهم على رجل ولا على عبد

وروى الإمام أحمد بإسناده عن مسروق قال كنا عند علي فجاءه خمسة غلمة فقالوا إنا كنا ستة غلمة نتغاط فغرق منا غلام فشهد الثلاثة على الاثنين أنهما غرقاه وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم غرقوه فجعل على الاثنين ثلاثة أخماس الدية وجعل على الثلاثة خمسيها وقضى بنحو هذا مسروق والمذهب أن شهادتهم لا تقبل في شيء لقول الله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم البقرة 282 وقال وأشهدوا ذوى عدل منكم الطلاق وقال ممن ترضون من الشهداء البقرة 282 والصبي ممن لا يرضى وقال ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه البقرة 283 فأخبر أن الشاهد الكاتم لشهادته آثم والصبي لا يأثم فيدل على أنه ليس بشاهد ولأن الصبي لا يخاف من مأثم الكذب فيزعه عنه ويمنعه منه فلا تحصل الثقة بقوله ولأن من لا يقبل قوله على نفسه في الإقرار لا تقبل شهادته على غيره كالمجنون يحقق هذا أن الإقرار أوسع لأنه يقبل من الكافر والفاسق والمرأة ولا تصح الشهادة منهم ولأن من لا تقبل شهادته في المال لا تقبل في الجراح كالفاسق ومن لا تقبل شهادته على من ليس بمثله لا تقبل على مثله كالمجنون

الشرط الرابع العدالة لقول الله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق 2 ولا تقبل شهادة الفاسق لذلك ولقول الله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ( الحجرات 6 ) فأمر بالتوقف عن نبأ الفاسق والشهادة نبأ فيجب التوقف عنه

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود في الإسلام ولا ذي غمر على أخيه رواه أبو عبيد وكان أبو عبيد لا يراه خص بالخائن والخائنة أمانات الناس بل جميع ما افترض الله تعالى على العباد القيام به أو اجتنابه من صغير ذلك وكبيرة قال الله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال


168

الأحزاب 72 وروي عنعمر رضي الله عنه أنه قال لا يؤسر رجل بغير العدول ولأن دين الفاسق لم يزعه عن ارتكاب محظورات الدين فلا يؤمن أن لا يزعه عن الكذب فلا تحصل الثقة بخبره

إذا تقرر هذا فالفسوق نوعان أحدهما من حيث الأفعال فلا نعلم خلافا في رد شهادته

والثاني من جهة الاعتقاد وهو اعتقاد البدعة فيوجب رد الشهادة أيضا وبه قال مالك وشريك وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وقالشريك أربعة لا تجوز شهادتهم ( رافضي ) يزعم أن له إماما مفترضة طاعته ( وخارجي ) يزعم أن الدنيا دار حرب ( وقدري ) يزعم أن المشيئة إليه ( ومرجىء ) ورد شهادة يعقوب وقال ألا أرد شهادة من يزعم أن الصلاة ليست من الإيمان وقال أبو حامد من أصحاب الشافعي المختلفون على ثلاثة أضرب ضرب اختلفوا في الفروع فهؤلاء لا يفسقون بذلك ولا ترد شهادتهم وقد اختلف الصحابة في الفروع ومن بعدهم من التابعين

الثاني من نفسقه ولا نكفره وهو من سب القرابة كالخوارج أو سب الصحابة كالروافض فلا تقبل لهم شهادة لذلك

الثالث من نكفره وهو من قال بخلق القرآن ونفي الرؤية وأضاف المشيئة إلى نفسه فلا تقبل له شهادة وذكر القاضي أبو يعلى مثل هذا سواء قال وقالأحمد ما تعجبني شهادة الجهمية والرافضة والقدرية المعلنة وظاهر قول الشافعي وابن أبي ليلى والثوري وأبي حنيفة وأصحابه قبول شهادة أهل الأهواء وأجازسوار شهادة ناس من بني العنبر ممن يرى الاعتزال قال الشافعي إلا أن يكونوا ممن يرى الشهادة بالكذب بعضهم لبعض كالخطابية وهم أصحاب أبي الخطاب يشهد بعضهم لبعض بتصديقه

ووجه قول من أجاز شهادتهم أنه اختلاف لم يخرجهم عن الإسلام أشبه الاختلاف في الفروع ولأن فسقهم لا يدل على كذبهم لكونهم ذهبوا إلى ذلك تدينا واعتقادا أنه الحق ولم يرتكبوه عالمين بتحريمه بخلاف فسق الأفعال

قال أبو الخطاب ويتخرج على قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض أن الفسق الذي يتدين به من جهة الاعتقاد لا ترد الشهادة به وقد روي عن أحمد جواز الرواية عن القدري إذا لم يكن داعية فكذلك الشهادة

ولنا أنه أحد نوعي الفسق فترد به الشهادة كالنوع الآخر ولأن المبتدع فاسق فترد شهادته للآية والمعنى

الشرط الخامس أن يكون متيقظا حافظا لما يشهد به فإن كان مغفلا أو معروفا بكثرة الغلط لم تقبل شهادته


169

الشرط السادس أن يكون ذا مروءة

الشرط السابع انتفاء الموانع وسنشرح هذه الشروط في مواضعها إن شاء الله تعالى

فصل ظاهر كلام الخرقي أن شهادة البدوي على من هو من أهل القرية وشهادة أهل القرية على البدوي صحيحة إذا اجتمعت هذه الشروط وهو قول ابن سيرين وأبي حنيفة والشافعي وأبي ثور واختاره أبو الخطاب

وقال الإمام أحمد أخشى أن لا تقبل شهادة البدوي على صاحب القرية فيحتمل هذا أن لا تقبل شهادته وهو قول جماعة من أصحابنا ومذهب أبي عبيد وقال مالك كقول أصحابنا فيما عدا الجراح وكقول الباقين في الجراح احتياطا للدماء واحتج أصحابنا بما روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ولأنه متهم حيث عدل عن أن يشهد قرويا وأشهد بدويا

قال أبو عبيد ولا أرى شهادتهم ردت إلا لما فيهم من الجفاء بحقوق الله تعالى والجفاء في الدين

ولنا أن من قبلت شهادته على أهل البدو قبلت شهادته على أهل القرية كأهل القرى ويحمل الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو ونخصه بهذا لأن الغالب أنه لا يكون له من يسأله الحاكم فيعرف عدالته

مسألة

قال ( والعدل من لم تظهر منه ريبة وهذا قول إبراهيم النخعي وإسحاق )

وجملته أن العدل هو الذي تعتدل أحواله في دينه وأفعاله قال القاضي يكون ذلك في الدين والمروءة والأحكام أما الدين فلا يرتكب كبيرة ولا يداوم على صغيرة فإن الله تعالى أمر أن لا تقبل شهادة القاذف فيقاس عليه كل مرتكب كبيرة ولا يخرجه عن العدالة فعل صغيرة لقول الله تعالى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم النجم 32 قيل اللمم صغار الذنوب ولأن التحرز منها غير ممكن جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما أي لم يلم فإن لا مع الماضي بمنزلة لم مع المستقبل وقيل اللمم أن يلم بالذنب ثم لا يعود فيه والكبائر كل معصية فيها حد والإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله وشهادة الزور وعقوق الوالدين

وروى أبو بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وقتل النفس التي حرم


170

الله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور وقول الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت متفق عليه

قال أحمد ولا تجوز شهادة آكل الربا والعاق وقاطع الرحم ولا تقبل شهادة من لا يؤدي زكاة ماله وإذا أخرج في طريق المسلمين الأسطوانة والكنيف لا يكون عدلا ولا يكون ابنه عدلا إذا ورث أباه حتى يرد ما أخذه من طريق المسلمين ولا يكون عدلا إذا كذب الكذب الشديد لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد شهادة رجل في كذبه

وقال عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود في حد ولا ذي غمر على أخيه في عداوة ولا القاطع لأهل البيت ولا مجرب عليه شهادة زور ولا ضنين في ولاء ولا قرابة وقد رواه أبو داود فيه لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخيه فأما الصغائر فإن كان مصرا عليها ردت شهادته وإن كان الغالب من أمره الطاعات لم يرد لما ذكرنا من عدم إمكان التحرز منه

وأما المروءة فاجتناب الأمور الدنيئة المزرية به وذلك نوعان أحدهما من الأفعال كالأكل في السوق يعني به الذي ينصب مائدة في السوق ثم يأكل والناس ينظرون ولا يعني به أكل الشيء اليسير كالكسرة ونحوها وإن كان يكشف ما جرت العادة بتغطيته من بدنه أو يمد رجليه في مجمع الناس أو يتمسخر بما يضحك الناس به أو يخاطب امرأته أو جاريته أو غيرهما بحضرة الناس بالخطاب الفاحش أو يحدث الناس بمباضعته أهله ونحو هذا من الأفعال الدنيئة ففاعل هذا لا تقبل شهادته لأن هذا سخف ودناءة فمن رضيه لنفسه واستحسنه فليست له مروءة فلا تحصل الثقة بقوله قال أحمد في رجل شتم بهيمة قال الصالحون لا تقبل شهادته حتى يتوب

وقد روى أبو مسعود البدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت يعني من لم يستح صنع ما شاء ولأن المروءة تمنع الكذب وتزجر عنه ولهذا يمتنع منه ذو المروءة وإن لم يكن ذا دين

وقد روي عن أبي سفيان أنه حين سأله قيصر عن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه فقال والله لولا أني كرهت أن يؤثر عني الكذب لكذبته ولم يكن يومئذ ذا دين ولأن الكذب دناءه والمروءة تمنع من الدناءة

وإذا كانت المروءة مانعة من الكذب اعتبرت في العدالة كالدين ومن فعل شيئا من هذا مختفيا به لم يمنع من قبول شهادته لأن مروءته لا تسقط به

وكذلك إن فعله مرة أو شيئا قليلا لم ترد شهادته لأن صغير المعاصي لا يمنع الشهادة إذا قل فهذا أولى ولأن المروءة لا تختل بقليل هذا ما لم يكن عادته

النوع الثاني في الصناعات الدنيئة كالكساح والكناس لا تقبل شهادتهما لما روى سعيد في سننه أن رجلا أتىابن عمر فقال له إني رجل كناس قال أي شيء تكنس الزبل قال لا

قال فالعذرة


171

قال نعم قال منه كسبت المال ومنه تزوجت ومنه حججت قال نعم

قال الأجر خبيث وما تزوجت خبيث حتى تخرج منه كما دخلت فيه وعن ابن عباس مثله في الكساح ولأن هذا دناءة يجتنبه أهل المروءات فأشبه الذي قبله فأما الزبال والقراد والحجام ونحوهم ففيه وجهان

أحدهما لا تقبل شهادتهم لأنه دناءة يجتنبه أهل المروءات فهو كالذي قبله

والثاني تقبل لأن بالناس إليه حاجة فعلى هذا الوجه إنما تقبل شهادته إذا كان يتنظف للصلاة في وقتها ويصليها فإن صلى بالنجاسة لم تقبل شهادته وجها واحدا وأما الحائك أو الحارس والدباغ فهي أعلى من هذه الصنائع فلا ترد بها الشهادة وذكرها أبو الخطاب في جملة ما فيه وجهان

وأما سائر الصناعات التي لا دناءة فيها فلا ترد الشهادة بها إلا من كان منهم يحلف كاذبا أو يعد ويخلف وغلب هذا عليه فإن شهادته ترد وكذلك من كان منهم يخر الصلاة عن أوقاتها أو لا يتنزه عن النجاسات فلا شهادة له ومن كانت صناعته محرمة كصانع المزامير والطنابير فلا شهادة له ومن كانت صناعته يكثر فيها الربا كالصائغ والصيرفي ولم يتوق ذلك ردت شهادته

فصل في اللعب

كل لعب فيه قمار فهو محرم أي لعب كان وهو من الميسر الذي أمر الله تعالى باجتنابه ومن تكرر منه ذلك ردت شهادته وما خلا من القمار وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين ولا من أحدهما فمنه ما هو محرم ومنه ما هو مباح فأما المحرم فاللعب بالنرد وهذا قولأبي حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي وقال بعضهم هو مكروه غير محرم

ولنا ما روى أبو موسى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من لعب بالنردشير فقد عصى الله ورسوله

وروى بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه رواهما أبو داود وكان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب النردشير لم يسلم عليهم

إذا ثبت هذا فمن تكرر منه اللعب به لم تقبل شهادته سواء لعب به قمارا أو غير قمار وهذا قول أبي حنيفة ومالك وظاهر مذهب الشافعي قال مالك من لعب بالنرد والشطرنج فلا أرى شهادته طائلة لأن الله تعالى قال فماذا بعد الحق إلا الضلال يونس 32 وهذا ليس من الحق فيكون من الضلال

فصل فأما الشطرنج فهو كالنرد في التحريم إلا أن النرد آكد منه في التحريم لورود النص في تحريمه لكن هذا في معناه فيثبت فيه حكمه قياسا عليه

وذكر القاضي أبو حسين ممن ذهب إلى تحريمه علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وسعيد بن


172

المسيب والقاسم وسالما وعروة ومحمد بن علي بن الحسين ومطرا الوراق ومالكا وهو قول أبي حنيفة وذهب الشافعي إلى إباحته وحكى ذلك أصحابه عن أبي هريرة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير واحتجوا بأن الأصل الإباحة ولم يرد بتحريمها نص ولا هي في معنى المنصوص عليه فتبقى على الإباحة ويفارق الشطرنج النرد من وجهين أحدها أن في الشطرنج تدبير الحرب فأشبه اللعب بالحراب والرمي بالنشاب والمسابقة بالخيل

والثاني أن المعول في النرد ما يخرجه الكعبتان فأشبه الأزلام والمعول في الشطرنج على حذقه وتدبيره فأشبه المسابقة بالسهام

ولنا قول الله تعالى إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه المائدة 90 قال علي رضي الله عنه الشطرنج من الميسر

ومر علي رضي الله عنه على قوم يغلبون بالشطرنج فقال ما هذه الماثيل التي أنتم لها عاكفون أحمد أصح ما في الشطرنج قول علي رضي الله عنه

وروى واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل ينظر في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة ليس لصاحب الشاه فيها نصيب رواه أبو بكر بإسناده ولأنه لعب يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة فأشبه اللعب بالنرد

وقولهم لا نص فيها قد ذكرنا فيها نصا وهي أيضا في معنى النرد المنصوص على تحريمه وقولهم إن فيها تدبير الحرب

قلنا لا يقصد هذا منها وأكثر اللاعبين بها إنما يقصدون منها اللعب أو القمار وقولهم إن المعول فيها على تدبيره فهو أبلغ في اشتغاله بها وصدها عن ذكر الله والصلاة

إذا ثبت هذا فقال أحمد النرد أشد من الشطرنج وإنما قال ذلك لورود النص في النرد والإجماع على تحريمها بخلاف الشطرنج

وإذا ثبت تحريما فقال القاضي هو كالنرد في رد الشهادة به وهذا قول مالك وأبي حنيفة لأنه محرم مثله

وقال أبو بكر إن فعله من يعتقد تحريمه فهو كالنرد في حقه وإن فعله من يعتقد إباحته لم ترد شهادته إلا أن يشغله عن الصلاة في أوقاتها أو يخرجه إلى الحلف الكاذب ونحوه من المحرمات أو يلعب بها على الطريق أو يفعل في لعبه ما يستخف به من أجله ونحو هذا مما يخرجه عن المروءة وهذا مذهب الشافعي وذلك لأنه مختلف فيه فأشبه سائر المختلف فيه

فصل واللاعب بالحمام يطيرها لا شهادة له وهذا قول أصحاب الرأي وكان شريح لا يجيز شهادة صاحب حمام ولا حمام وذلك لأنه سفه ودناءة وقلة مروءة ويتضمن أذى الجيران بطيره وإشرافه على دورهم ورميه إياها بالحجارة


173

وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يتبع حماما فقالشيطان يتبع شيطانة وإن اتخذ الحمام لطلب فراخها أو لحمل الكتب أو للأنس بها من غير أذى يتعدى إلى الناس لم ترد شهادته وقد روى عبادة بن الصامت أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه الوحشة فقال اتخذ زوجا من حمام

فصل فأما المسابقة المشروعة بالخيل وغيرها من الحيوانات أو على الأقدام فمباحة لا دناءة فيها ولا ترد به الشهادة وقد ذكرنا مشروعية ذلك في باب المسابقة وكذلك ما في معناه من الثقاف واللعب بالحراب وقد لعب الحبشة بالحراب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقامت عائشة خلفه تنظر إليهم وتستتر به حتى ملت

ولأن في هذا تعلما للحرب فإنه من آلاته فأشبه المسابقة بالخيل والمناضلة وسائر اللعب إذا لم يتضمن ضررا ولا شغلا عن فرض فالأصل إباحته فما كان منه فيه دناءة يترفع عنه ذوو المروءات منع الشهادات إذا فعله ظاهرا وتكرر منه وما كان منه لا دناءة فيه لم ترد بها الشهادة بحال

فصل في الملاهي وهي على ثلاثة أضرب ( محرم ) وهو ضرب الأوتار والنايات والمزامير كلها والعود والطنبور والمعزفة والرباب ونحوها فمن أدام استماعها ردت شهادته لأنه يروى عن علي رضي الله عنه عن االنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا ظهرت في أمتي خمس عشرة خصلة حل بهم البلاء فذكر فيها إظهار المعازف والملاهي

وقال سعيد ثنا فرج بن فضالة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله بعثني رحمة للعالمين وأمرني بمحق المعازف والمزامير لا يحل بيعهن ولا شراؤهن ولا تعليمهن ولا التجارة فيهن وثمنهن حرام يعني الضاربات

وروى نافع قال سمع ابن عمر مزمارا قال فوضع أصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق وقال لي يا نافع هل تسمع شيئا قال فقلت لا قال فرفع أصبعيه من أذنيه وقال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا رواه الخلال في جامعه من طريقين ورواه أبو داود في سننه وقال حديث منكر

وقد احتج قوم بهذا الخبر على إباحة المزمار وقالوا لو كان حراما لمنع النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر من سماعه ومنع ابن عمر نافعا من استماعه ولأنكر على الزامر بها

قلنا أما الأول فلا يصح لأن المحرم استماعها دون سماعها والاستماع غير السماع ولهذا فرق الفقهاء في سجود التلاوة بين السامع والمستمع ولم يوجبوا على من سمع شيئا محرما سد أذنيه وقال الله تعالى وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه القصص 55 ولم يقل سدوا آذانهم والمستمع هو الذي يقصد السماع ولم يوجد هذا من ابن عمر وإنما وجد منه السماع ولأن بالنبي صلى الله عليه وسلم حاجة إلى معرفة انقطاع الصوت عنه لأنه عدل عن الطريق وسد أذنيه فلم يكن ليرجع إلى الطريق ولا يرفع أصبعيه عن أذنيه حتى ينقطع الصوت عنه فأبيح للحاجة


174

وأما الإنكار فلعله كان في أول الهجرة حين لم يكن الإنكار واجبا أو قبل إمكان الإنكار لكثرة الكفار وقلة أهل الإسلام

فإن قيل فهذا الخبر ضعيف فإن أبا داود رواه وقال هو حديث منكر

قلنا قد رواه الخلال بإسناده من طريقين فلعل أبا داود ضعفه لأنه لم يقع له إلا من إحدى الطريقين

وضرب مباح وهو الدف فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف أخرجه مسلم

وذكر أصحابنا وأصحاب الشافعي أنه مكروه في غير النكاح لأنه يروى عن عمر أنه كان إذا سمع صوت الدف بعث فنظر فإن كان في وليمة سكت وإن كان في غيرها عمد بالدرة

ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة جاءته فقالت إني نذرت إن رجعت من سفرك سالما أن أضرب على رأسك بالدف فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو في بنذرك رواه أبو داود ولو كان مكروها لم يأمرها به وإن كان منذورا

وروت الربيع بنت معوذ قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة بني بي فجعلت جويريات يضربن بدف لهن ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر إلى أن قالت إحداهن وفينا نبي يعلم ما في غد فقال دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين متفق عليه وأما الضرب به للرجال فمكروه على كل حال لأنه إنما كان يضرب به النساء والمخنثون المتشبهون بهن ففي ضرب الرجال به تشبه بالنساء وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء

فأما الضرب بالقضيب فمكروه إذا انضم إليه محرم أو مكروه كالتصفيق والغناء والرقص وإن خلا عن ذلك كله لم يكره لأنه ليس بآلة ولا يطرب ولا يسمع منفردا بخلاف الملاهي ومذهب الشافعي في هذا الفصل كما قلنا

فصل واختلف أصحابنا في الغناء فذهب أبو بكر الخلال وصاحبه أبو بكر عبد العزيز إلى إباحته وقال أبو بكر عبد العزيز والغناء والنوح معنى واحد مباح ما لم يكن معه منكر ولا فيه طعن وكانالخلال يحمل الكراهة من أحمد على الأفعال المذمومة لا على القول بعينه

وروي عنأحمد أنه سمع عند ابنة صالح قوالا فلم ينكر عليه وقال له صالح يا أبه أليس كنت تكره هذا فقال إنه قيل لي إنهم يستعملون المنكر

وممن ذهب إلى إباحته من غير كراهة سعد بن إبراهيم وكثير من أهل المدينة والعنبري لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت كانت عندي جاريتان تغنيان فدخل أبو بكر فقال مزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهما فإنها أيام عيد متفق عليه

وعن عمر رضي الله عنه أنه قال الغناء زاد الراكب واختار القاضي أنه مكروه غير محرم وهو قول الشافعي قال هو من اللهو المكروه وقال أحمد الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني


175

وذهب آخرون من أصحابنا إلى تحريمه قال أحمد فيمن مات وخلف ولدا يتيما وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها تباع ساذجة قيل له إنها تساوي مغنية ثلاثين ألفا وتساوي ساذجة عشرين دينارا قال لا تباع إلا على أنها ساذجة

واحتجوا على تحريمه بما روي عن ابن الحنفية في قوله تعالى واجتنبوا قول الزور الحج 30 قال الغناء وقال ابن عباس وابن مسعود في قوله ومن الناس من يشتري لهو الحديث قال هو الغناء

وعن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء المغنيات وبيعهن والتجارة فيهن وأكل أثمانهن حرام أخرجه الترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث علي بن يزيد وقال تكلم فيه أهل العلم وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الغناء ينبت النفاق في القلب والصحيح أنه من قول ابن مسعود وعلى كل حال من اتخذ الغناء صناعة يؤتى له ويأتي له أو اتخذ غلاما أو جارية مغنيين يجمع عليهما الناس فلا شهادة له لأن هذا عند من لم يحرم سفه ودناءة وسقوط مروءة ومن حرمه فهو مع سفهه عاص مصر متظاهر بفسوقه وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وإن كان لا ينسب نفسه إلى الغناء وإنما يترنم لنفسه ولا يغني الناس أو كان غلامه وجاريته إنما يغنيان له انبنى هذا على الخلاف فيه فمن أباحه أو كرهه لم ترد شهادته ومن حرمه قال إن داوم عليه ردت شهادته كسائر الصغائر وإن لم يداوم عليه لم ترد شهادته وإن فعله من يعتقد حله فقياس المذهب أنه لا ترد شهادته بما لا يشتهر به منه كسائر المختلف فيه من الفروع ومن كان يغشى بيوت الغناء أو يغشاه المغنون للسماع متظاهرا بذلك وكثر منه ردت شهادته في قولهم جميعا لأنه سفه ودناءة وإن كان معتبرا به فهو كالمغني لنفسه على ما ذكر من التفصيل فيه

فصل وأما الحداء وهو الإنشاد الذي تساق به الإبل فمباح لا بأس به في فعله واستماعه لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء وكان مع الرجال وكان أنجشة مع النساء فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن رواحة حرك بالقوم فاندفع يرتجز فتبعه أنجشة فأعنقت الإبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأنجشة رويدك رفقا بالقوارير يعني النساء وكذلك نشيد الأعراب وهو النصب لا بأس به وسائر أنواع الإنشاد ما لم يخرج إلى حد الغناء وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع إنشاد الشعر فلا ينكره

والغناء من الصوت ممدود مكسور والغنى من المال مقصور والحداء مضموم ممدود كالدعاء والرعاء ويجوز الكسر كالنداء والهجاء والغذاء

فصل والشعر كالكلام حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن من الشعر لحكما وكان يضع لحسان منبرا يقوم عليه فيهجو من هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين


176

وأنشده كعب بن زهير قصيدة بانت سعاد فقلبي اليوم متبول في المسجد وقال له عمه العباس يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك فقال قل لا يفضض الله فاك فأنشده من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق وقال عمرو بن الشريد أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أمعك من شعر أمية قلت نعم فأنشدته بيتا فقال هيه فأنشدته بيتا فقال هيه حتى أنشدته مائة قافية وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وقد اختلف في هذا فقيل ليس بشعر وإنما هو كلام موزون وقيل بل هو شعر ولكنه بيت واحد قصير فهو كالنثر ويروى أن أبا الدرداء قيل له ما من أهل بيت في الأنصار إلا وقد قال الشعر قال وأنا قد قلت يريد المرء أن يعطي مناه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا وليس في إباحة الشعر خلاف وقد قاله الصحابة والعلماء والحاجة تدعو إليه لمعرفة اللغة العربية والاستشهاد به في التفسير وتعرف معاني كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ويستدل به أيضا على النسب والتاريخ وأيام العرب ويقال الشعر ديوان العرب فإن قيل فقد قال الله تعالى والشعراء يتبعهم الغاوون الشعراء 224 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلىء شعرا رواه أبو داود وأبو عبيد وقال معنى يريه يأكل جوفه يقال وراه يريه قال الشاعر وراهن ربي مثل ما قد ورينني وأحمى علي أكبادهن المكاويا قلنا أما الآية فالمراد بها من أسرف وكذب بدليل وصفه لهم بقوله ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون الشعراء 226 ثم استثنى المؤمنين فقال إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا الشعراء 227 ولأن الغالب على الشعراء قلة الدين والكذب وقذف المحصنات وهجاء الأبرياء سيما من كان في ابتداء الإسلام ممن يهجو المسلمين ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويعيب الإسلام ويمدح الكفار فوقع الذم على الأغلب واستثنى منهم من لا يفعل الخصال المذمومة فالآية دليل على إباحته ومدح أهله المتصفين بالصفات الجميلة

وأما الخبر فقال أبو عبيد معناه أن يغلب عليه الشعر حتى يشغله عن القرآن والفقه وقيل المراد به ما


177

كان هجاء وفحشا فما كان من الشعر يتضمن هجو المسلمين والقدح في أعراضهم أو التشبيب بامرأة بعينها والإفراط في وصفها فذكر أصحابنا أنه محرم وهذا إن أريد به أنه محرم على قائله فهو صحيح وأما على راويه فلا يصح فإن المغازي تروى فيها قصائد الكفار الذين هاجوا بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينكر ذلك أحد

وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في الشعر الذي تقاولت به الشعراء في يوم بدر وأحد وغيرهما إلا قصيدة أمية بن أبي الصلت الحائية وكذلك يروى شعر قيس بن الحطيم في التشبيب بعمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة وأم النعمان بن بشير

وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم قصيدة كعب بن زهير وفيها التشبيب بسعاد ولم يزل الناس يروون أمثال هذا ولا ينكر

وروينا أن النعمان بن بشير دخل مجلسا فيه رجل يغنيهم بقصيدة قيس بن الخطيم فلما دخل النعمان سكتوه من قبل أن فيها ذكر أمه فقال النعمان دعوه فإنه لم يقل بأسا إنما قال وعمرة من سروات النساء تنفح بالمسك أردانها وكان عمران بن طلحة في مجلس فغناهم رجل بشعر فيه ذكر أمه فسكتوه من أجله فقال دعوه فإن قائل هذا الشعر كان زوجها

فأما الشاعر فمتى كان يهجو المسلمين أو يمدح بالكذب أو يقذف مسلما أو مسلمة فإن شهادته ترد وسواء قذف المسلمة بنفسه أو بغيره وقد قيل أعظم الناس ذنبا رجل يهاجي رجلا فيهجو القبيلة بأسرها

وقد روينا أن أبا دلامة شهد عند قاض أظنه ابن أبي ليلى فخاف أن يرد شهادته فقال إن الناس غطوني تغطيت عنهم وإن بحثوا عني ففيهم مباحث فقال القاضي ومن يبحثك يا أبا دلامة وغرم المال من عنده ولم يظهر أنه رد شهادته

فصل في قراءة القرآن بالألحان أما قراءته من اغير تلحين فلا بأس به وإن حسن صوته فهو أفضل فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال زينوا أصواتكم بالقرآن وروي زينوا القرآن بأصواتكم وقال لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي موسى لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ ولقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود

فقال أبو موسى لو أعلم أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا

وروي أن عائشة رضي الله عنها أبطأت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقال أين كنت يا عائشة فقالت يا


178

رسول الله كنت أستمع قراءة رجل في المسجد لم أسمع أحدا يقرأ أحسن من قراءته فقام النبي صلى الله عليه وسلم فاستمع قراءته ثم قال هذا سالم مولى أبي حذيفة الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا وقال صالح قلت لأبي زينوا القرآن بأصواتكم ما معناه قال أن يحسنه وقيل له ما معنى من لم يتغن بالقرآن قال يرفع صوته به وهكذا قال الشافعي وقال الليث يتحزن به ويتخشع به ويتباكى به

وقال ابن عيينة وعمرو بن الحارث ووكيع يستغني به

فأما القراءة بالتلحين فينظر فيه فإن لم يفرط في التمطيط والمد وإشباع الحركات فلا بأس به فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ ورجع ورفع صوته قال الراوي لولا أن يجتمع الناس علي لحكيت لكم قراءته

وقال عليه السلام ليس منا من لم يتغن بالقرآن وقال ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به ومعنى أذن استمع

قال الشاعر في سماع يأذن الشيخ له وقال القاضي هو مكروه على كل حال ونحوه قول أبي عبيد وقال معنى قوله ليس منا من لم يتغن بالقرآن أي يستغنى به قال الشاعر وكنت مرأ زمنا بالعراق عفيف المناخ كثير التغني قال ولو كان من الغناء بالصوت لكان من لم يغن بالقرآن ليس من النبي صلى الله عليه وسلم وروي نحو هذا التفيسر عن ابن عيينة

وقال القاضي أحمد بن محمد البرني هذا قول من أدركنا من أهل العلم

وقال الوليد بن مسلم يتغنى بالقرآن يجهر به وقيل يحسن صوته به

والصحيح أن هذا القدر من التلحين لا بأس به لأنه لو كان مكروها لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم

ولا يصح حمله على التغني في حديث ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن على الاستغناء لأن معنى أذن استمع وإنما تستمع القراءة ثم قال يجهر به والجهر صفة القراءة لا صفة الاستغناء

فأما إن أفرط في المد والتمطيط وإشباع الحركات بحيث يجعل الضمة واوا والفتحة ألفا والكسرة ياء كره ذلك ومن أصحابنا من يحرمه لأن يغير القرآن ويخرج الكلمات عن وضعها ويجعل الحركات حروفا

وقد روينا عن أبي عبد الله أن رجلا سأله عن ذلك فقال له ما اسمك قال محمد قال أيسرك أن يقال لك يا مو حامد قال لا فقال لا يعجبني أن يتعلم الرجل الألحان إلا أن يكون حرمه مثل حرم أبي موسى فقال له رجل فيكلمون فقال لا كل ذا واتفق العلماء على أنه تستحب قراءة القرآن بالتحزين والترتيل والتحسين وروى بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرؤوا القرآن بالحزن فإنه نزل بالحزن وقال المروذي سمعت أبا عبد الله قال لرجل لو قرأت وجعل أبو عبد الله ربما تغرغرت عينه

وقال زهير بن حرب كنا عند يحيى القطان فجاء محمد بن سعيد الترمذي فقال له يحيى اقرأ فقرأ فغشي على يحيى حتى حمل فأدخل وقال محمد بن صالح العدوي قرأت عند يحيى بن سعيد فغشي عليه


179

حتى فاته خمس صلوات

فصل ولا تقبل شهادة الطفيلي وهو الذي يأتي طعام الناس من غير دعوة وبهذا قالالشافعي ولا نعلم فيه مخالفا وذلك لأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أتى إلى طعام لم يدع إليه دخل سارقا وخرج معيرا ولأنه يأكل محرما ويفعل ما فيه سفه ودناءة وذهاب مروءة فإن لم يتكرر هذا منه لم ترد شهادته لأنه من الصغائر

فصل ومن سأل من غير أن تحل له المسألة فأكثر ردت شهادته لأنه فعل محرما وأكل سحتا وأتى دناءة وقد روى قبيصة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ورجل تحمل حمالة فحلت له حتى يصيبها ثم يمسك فما سوى ذلك من المسألة فهو سحت يأكله صاحبه سحتا يوم القيامة رواه مسلم

وأما السائل ممن تباح له المسألة فلا ترد شهادته بذلك إلا أن يكون أكثر عمره سائلا أو يكثر ذلك منه فينبغي أن ترد شهادته لأن ذلك دناءة وسقوط مروءة ومن أخذ من الصدقة ممن يجوز له الأخذ من غير مسألة لم ترد شهادته لأنه فعل جائز لا دناءة فيه وإن أخذ منها ما لا يجوز له وتكرر ذلك منه ردت شهادته لأنه مصر على الحرام

فصل ومن فعل شيئا من الفروع مختلفا فيه معتقدا إباحته لم ترد شهادته كالمتزوج بغير ولي أو بغير شهود وآكل متروك التسمية وشارب يسير النبيذ نص عليه أحمد في شارب النبيذ يحد ولا ترد شهادته وبهذا قال الشافعي

قال مالك ترد شهادته لأنه فعل ما يعتقد الحاكم تحريمه

فأشبه المتفق على تحريمه

ولنا إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يختلفون في الفروع فلم يكن بعضهم يعيب من خالفه ولا يفسقه ولأنه نوع مختلف فلم ترد شهادة فاعله كالذي يوافقه عليه الحاكم وإن فعل ذلك معتقدا تحريمه ردت شهادة به إذا تكرر وقال أصحاب الشافعي لا ترد شهادته به لأنه فعل لا ترد به شهادته بعض الناس فلا ترد به شهادة البعض الآخر كالمتفق على حله

ولنا إنه فعل يحرم على فاعله ويأثم به فأشبه المجمع على تحريمه وبهذا فارق معتقد حله وقد روي عن أحمد فيمن يجب عليه الحج فلا يحج ترد شهادته وهذا يحمل على من اعتقد وجوبه على الفور فأما من يعتقد أنه على التراخي ويتركه بنية فعله فلا ترد شهادته كسائر ما ذكرنا ويحتمل أن ترد شهادته مطلقا


180

لقول النبي صلى الله عليه وسلم من قدر على الحج فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا وقال عمر لقد هممت أن أنظر في الناس فمن وجدته يقدر على الحج ولا يحج ضربت عليه الجزية ثم قال ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين

مسألة

قال ( وتجوز شهادة الكفار من أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم )

وجملته أنه إذا شهد بوصية المسافر الذي مات في سفره شاهدان من أهل الذمة قبلت شهادتهما إذا لم يوجد غيرهما ويستحلفان بعد العصر ما خانا ولا كتما ولا اشتريا به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين

قالابن المنذر وبهذا قال أكابر الماضين يعني الآية التي في سورة المائدة وممن قال شريح والنخعي والأوزاعي ويحيى بن حمزة وقضى بذلك ابن مسعود وأبو موسى رضي الله عنهما

وقالأبو حنيفة ومالك والشافعي لا تقبل لأن من لا تقبل شهادته على غير الوصية لا تقبل في الوصية كالفاسق لا تقبل شهادته فالكافر أولى واختلفوا في تأويل الآية فمنهم من حملها على التحمل دون الأداء ومنهم من قال المراد بقوله من غيركم أي من غير عشيرتكم ومنهم من قال الشهادة في الآية اليمين

ولنا قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت المائدة 106 وهذا نص الكتاب وقد قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فروي ابن عباس قال خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن زيد فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جام فضة مخوصا بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وجدوا الجام بمكة فقالوا اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم فنزلت فيهم يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم المائدة 106

وعن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا الأشعري فأخبراه وقدما بتركته ووصيته فقال الأشعري هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحلفهما بعد العصر ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا أنها لوصية الرجل وتركته فأمضى شهادتهما رواهما أبو داود في سننه

وروى الخلال حديث أبي موسى بإسناده وحمل الآية على أنه أراد من غير عشيرتكم لا يصح لأن الآية


181

نزلت في قضية عدي وتميم بلا خلاف بين المفسرين وقد فسرها بما قلنا سعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين وعبيدة وسعيد بن جبير والشعبي وسلمان التيمي وغيرهم ودلت عليه الأحاديث التي رويناها ولأنه لو صح ما ذكروه لم تجب الأيمان لأن الشاهدين من المسلمين لا قسامة عليهم وحملها على التحمل لا يصح لأنه أمر بإحلافهم ولا أيمان في التحمل وحملها على اليمين لا يصح لقوله فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله المائدة 106 ولأنه عطفها على ذوي العدل من المؤمنين وهما شاهدان

وروى أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ أن ابن مسعود قضى بذلك في زمن عثمان

قال أحمد أهل المدينة ليس عندهم حديث أبي موسى من أين يعرفونه فقد ثبت هذا الحكم بكتاب الله وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاء الصحابة به وعملهم بما ثبت في الكتاب والسنة فتعين المصير إليه والعمل به سواء وافق القياس أو خالفه

مسألة

قال ( ولا تجوز شهادتهم في غير ذلك )

مذهب أبي عبد الله أن شهادة أهل الكتاب لا تقبل في شيء على مسلم ولا كافر غير ما ذكرنا عنه نحو من عشرين نفسا ومن قال لا تقبل شهادتهم الحسن وابن أبي ليلى والأوزاعي ومالك والشافعي وأبو ثور ونقل حنبل عن أحمد أن شهادة بعضهم على بعض لم تقبل وخطأه الخلال في نقله هذا وكذلك صاحبهأبو بكر قال هذا غلط لا شك فيه وقال ابن حامد بل المسألة على الروايتين وقال أبو حفص البرمكي تقبل شهادة السبي بعضهم لبعض في النسب إذا ادعى أحدهم أن الآخر أخوه والمذهب الأول والظاهر غلط من روى خلاف ذلك وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن شهادة بعضهم على بعض تقبل ثم اختلفوا فمنهم من قال الكفر كله ملة واحدة فتقبل شهادة اليهودي على النصراني والنصراني على اليهودي هذا قول حماد وسوار والثوري والبتي وأبي حنيفة وأصحابه وعن قتادة والحكم وأبي عبيد وإسحاق تقبل شهادة كل ملة بعضها على بعض ولا تقبل شهادة يهودي على نصراني ولا نصراني على يهودي وروي عن الزهري والشعبي كقولنا وكقولهم واحتجوا بما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض رواه ابن ماجه ولأن بعضهم يلي على بعض فتقبل شهادة بعضهم على بعض كالمسلمين

ولنا قول الله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق 2 وقال تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء البقرة 282 والكافر ليس بذي عدل ولا هو منا ولا من رجالنا ولا ممن نرضاه ولأنه لا تقبل شهادته على غير أهل دينه فلا تقبل على أهل دينه كالحربي والخبر يرويه مجالد وهو ضعيف وإن ثبت فيحتمل أنه أراد اليمين فإنها تسمى شهادة قال الله تعالى في اللعان


182

فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين النور 6 وأما الولاية فمتعلقها القرابة والشفقة وقرابتهم ثابتة وشفقتهم كشفقة المسلمين وجازت لموضع الحاجة فإن غير أهل دينهم لا يلي عليهم والحاكم يتعذر عليه ذلك لكثرتهم بخلاف الشهادة فإنها ممكنة من المسلمين وقد روي عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقبل شهادة أهل دين إلا المسلمين فإنهم عدول على أنفهسم وعلى غيرهم

مسألة

قال ( ولا تقبل شهادة خصم ولا جار إلى نفسه ولا دافع عنها )

أما الخصم فهو نوعان أحدهما كل من خاصم في حق لا تقبل شهادته فيه كالوكيل لا تقبل شهادته فيما هو وكيل فيه ولا الوصي فيما هو وصي فيه ولا الشريك فيما هو شريك فيه ولا المضارب بمال أو حق للمضاربة ولو غصب الوديعة من المودع وطالب بها لم تقبل شهادته فيها وكذلك ما أشبه هذا لأنه خصم فيه فلم تقبل شهادته به كالمالك

والثاني العدو فشهادته غير مقبولة على عدوه في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن ربيعة والثوري وإسحاق ومالك والشافعي ويريد بالعداوة ها هنا العداوة الدنيوية مثل أن يشهد المقذوف على القاذف والمقطوع عليه الطريق على القاطع والمقتول وليه على القاتل والمجروح على الجارح والزوج يشهد على امرأته بالزنا فلا تقبل شهادته لأنه يقر على نفسه بعداوته لها لإفسادها فراشه

فأما العداوة في الدين كالمسلم يشهد على الكافر أو المحق من أهل السنة يشهد على مبتدع فلا ترد شهادته لأن العدالة بالدين والدين يمنعه من ارتكاب محظور دينه

وقال أبو حنيفة لا تمنع العداوة الشهادة لأنها لا تخل بالعدالة فلا تمنع الشهادة كالصداقة

ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخيه رواه أبو داود

الغمر الحقد ولأن العداوة تورث التهمة فتمنع الشهادة كالقرابة القريبة وتخالف الصداقة فإن في شهادة الصديق لصديقه بالزور نفع غيره بمضرة نفسه وبيع آخرته بدنيا غيره وشهادة العدو على عدوه يقصد بها نفع نفسه بالتشفي من عدوه فافترقا

فإن قيل فلم قبلتم شهادة المسلمين على الكفار مع العداوة قلنا العداوة ها هنا دينية والدين لا يقتضي شهادة الزور ولا أن يترك دينه بموجب دينه

فصل فإن شهد على رجل بحق فقذفه المشهود عليه لم ترد شهادته بذلك لأننا لو أبطلنا شهادته بهذا لتمكن كل مشهود عليه من إبطال شهادة الشاهد بأن يقذفه ويفارق ما لو طرأ الفسق بعد أداء الشهادة وقبل الحكم فإن رد الشهادة فيه لا يفضي إلى ذلك بل إلى عكسه ولأن طريان الفسق يورث تهمة في حال أداء الشهادة لأن العادة إسراره فظهوره بعد أداء الشهادة يدل على أنه كان يسره حالة أدائها وها هنا حصلت العداوة بأمر لا تهمة على الشاهد فيه وأما المحاكمة في الأموال فليست بعداوة تمنع الشهادة في غير ما حاكم فيه


183

وأما قوله ولا جار إلى نفسه فإن الجار إلى نفسه هو الذي ينتفع بشهادته ويجر إليه بها نفعا كشهادة الغرماء للمفلس بدين أو عين وشهادتهم للميت بدين أو مال فإنه لو ثبت للمفلس أو الميت دين أو مال تعلقت حقوقهم به ويفارق ما لو شهد الغرماء لحي لا حجر عليه بمال فإن شهادتهم تقبل لأن حقهم لا يتعلق بماله وإنما يتعلق بذمته

فإن قيل إذا كان معسرا سقطت عنه المطالبة فإذا شهدا له بمال ملكا مطالبته فجروا إلى أنفسهم نفعا

قلنا لم تثبت المطالبة بشهادتهم إنما تثبت بيساره وإقراره لدعواه الحق الذي شهدوا به ولا تقبل شهادة الوارث للموروث بالجرح قبل الاندمال لأنه قد يسري الجرح إلى نفسه فتجب الدية لهم بشهادتهم ولا شهادة الشفيع ببيع شقص له فيه الشفعة ولا شهادة السيد لعبده المأذون له في التجارة ولا لمكاتبه قال القاضي ولا تقبل شهادة الأجير لمن استأجره وقال نص عليه أحمد

فإن قيل فلم قبلتم شهادة الوارث لموروثه مع أنه إذا مات ورثه فقد جر إلى نفسه بشهادته نفعا قلنا لا حق له في ماله حين الشهادة وإنما يحتمل أن يتجدد له حق وهذا لا يمنع قبول الشهادة كما لو شهد لامرأة يحتمل أن يتزوجها أو لغريم له بمال يحتمل أن يوفيه منه أو يفلس فيتعلق حقه به وإنما المانع ما يحصل للشاهد به نفع حال الشهادة

فإن قيل فقد منعتم قبول شهادته لموروثه بالجرح قبل الإندمال لجواز أن يتجدد له حق وإن لم يكن له حق في الحال فإن قلتم قد انعقد سبب حقه قلنا يبطل بالشاهد لموروثه المريض بحق فإن شهادته تقبل مع انعقاد سبب استحقاقه بدليل أن عطيته له لا تنفذ وعطيته لغيره تقف على الخروج من الثلث قلنا إنما منعنا الشهادة لموروثه بالجرح لأنه ربما أفضى إلى الموت فتجب الدية للوارث الشاهد به ابتداء فيكون شاهدا لنفسه موجبا له بها حقا ابتداء بخلاف الشاهد للمريض أو المجروح بمال فإنه إنما يجب للشمهود له ثم يجوز أن ينتقل ويجوز أن لا ينتقل فلم يمنع الشهادة له كالشهادة لغريمه فإن قيل فقد أجزتم شهادة الغريم لغريمه بالجرح قبل الاندمال كما أجزتم شهادته له بماله

قلنا إنما أجزناها لأن الدية لا تجب للشاهد ابتداء إنما تجب للقتيل أو لورثته ثم يستوفي الغريم منها فأشبهت الشهادة بالمال

وأما الدافع عن نفسه فمثل أن يشهد المشهود عليه بجرح الشهود أو تشهد عاقلة القاتل خطأ بجرح الشهود الذين شهودا به لما فيه من دفع الدية عن أنفسهم فإن كان الشاهدان بالجرح فقيرين احتمل قبول شهادتهما لأنهما لا يحملان شيئا من الدية واحتمل أن لا تقبل لأنه يخاف أن يوسرا قبل الحول فيحملا كذلك الخلاف في البعيد الذي لا يحمل لبعده فإنه لا يأمن أن يموت من هو أقرب منه قبل الحول فيحمل ولا تقبل شهادة الضامن للمضمون بقضاء الحق أو الإبراء منه ولا شهادة أحد الشفيعين على الآخر بإسقاط


184

شفعته لأنه يوفر الحق على نفسه ولا شهادة بعض غرماء المفلس على بعضهم بإسقاط دينه أو استيفائه ولا بعض من أوصي له بمال على آخر بما يبطل وصيته إذا كانت وصيته تحصل بها مزاحمته إما لضيق الثلث عنهما أو لكون الوصيتين بمعين فهذا وأشباهه لا تقبل الشاهد به متهم لما يحصل بشهادته من نفع نفسه ودفع الضرر عنها فيكون شاهدا لنفسه

وقد قال الزهري مضت السنة في الإسلام أن لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين والظنين المتهم

وروى طلحة بن عبد الله بن عوف قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا شهادة لخصم ولا ظنين وممن رد شهادة الشريك لشريكه شريح والنمعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا

فصل وإن شهد الشريك لشريكه في غير ما هو شريك فيه أو الوكيل لموكله في غير ما هو وكيل فيه أو العدو لعدوه أو الوارث لموروثه بمال أو بالجرح بعد الاندمال أو شهد أحد الشفيعين بعد أن أسقط شفعته على الآخر بإسقاط شفعته أو أحد الوصيين بعد سقوط وصيته على الآخر بما يسقط وصيته أو كانت إحدى الوصيتين لا تزاحم الأخرى ونحو ذلك مما لا تهمة فيه قبلت لأن المقتضي لقبول الشهادة متحقق والمانع منتف فوجب قبولها عملا بالمقتضي

مسألة

قال ( ولا تقبل شهادة من يعرف بكثرة الغلط والغفلة )

وجملته أنه يعتبر في الشاهد أن يكون موثوقا بقوله لتحصل غلبة الظن بصدقه ولذلك اعتبرنا العدالة ومن يكثر غلطه وتغفله لا يوثق بقوله لاحتمال أن يكون من غلطاته فربما شهد على غير من استشهد عليه أو لغير من شهد له أو بغير ما استشهد به وإذا كان مغفلا فربما استنزله الخصم بغير شهادته فلا تحصل الثقة بقوله ولا يمنع من الشهادة وجود غلط نادر أو غفلة نادرة لأن أحدا لا يسلم من ذلك فلو منع ذلك الشهادة لآنسد بابها فاعتبرنا الكثرة في المنع كما اعتبرنا كثرة المعاصي في الإخلال بالعدالة

مسألة

قال ( وتجوز شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت )

روى هذا عن علي وابن عباس وبه قال ابن سيرين وعطاء والشعبي والزهري ومالك وابن أبي ليلى وإسحاق وابن المنذر

وقال أبو حنيفة والشافعي لا تقبل شهادته

وروي ذلك عن النخعي وأبي هاشم واختلف عن الحسن وإياسوابن أبي ليلى وأجاز الشافعي شهادته بالاستفاضة والترجمة وإذا أقر عند أذنه ويد الأعمى على رأسه ثم ضبطه حتى حضر عند الحاكم فشهد عليه ولم يجزها في غيرها ذلك لأن من لا تجوز شهادته على الأفعال لا تجوز على الأقوال كالصبي ولأن الأصوات تشتبه فلا يحصل اليقين فلم يجز أن يشهد بها كالخط

ولنا قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم البقرة 282 وسائر الآيات في الشهادة ولأنه رجل عدل


185

مقبول الرواية فقبلت شهادته كالبصير وفارق الصبي فإنه ليس برجل ولا عدل ولا مقبول الرواية ولأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين وقد يكون المشهود عليه من ألفه الأعمى وكثرت صحبته له وعرف صوته يقينا فيجب أن تقبل شهادته فيما تيقنه كالبصير ولا سبيل إلى إنكار حصول اليقين في بعض الأحوال

قال قتادة للسمع قيافة كقيافة البصر ولهذا قال أصحاب الشافعي تقبل شهادته فيما يثبت بالاستفاضة ولا يثبت عندهم حتى يسمعها من عدلين ولا بد أن يعرفهما حتى يعرف عدالتهما فإذا صح أن يعرف الشاهدين صح أن يعرف المقر ولا خلاف في قبول روايته وجواز استماعه من زوجته إذا عرف صوتها وصحة قبوله النكاح وجواز اشتباه الأصوات كجواز اشتباه الصور وفارق الأفعال فإن مدركها الرؤية وهي غير ممكنة من الأعمى والأقوال مدركها السمع وهو يشارك البصير فيه وربما زاد عليه ويفارق الخط فإنه لو تيقن من كتب الخط أو رآه وهو يكتبه لم يجز أن يشهد بما كتب فيه إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز أن يشهد إلا إذا تيقن الصوت وعلم المشهود عليه يقينا

فإن جوز أن يكون صوت غيره لم يجز أن يشهد به كما لو اشتبه على البصير المشهود عليه فلم يعرفه

فصل فإن تحمل الشهادة على فعل ثم عمي جاز أن يشهد به إذا عرف المشهود عليه باسمه ونسبه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تجوز شهادته أصلا لأنه لا يجوز أن يكون حاكما

ولنا ما تقدم ولأن العمى فقد حاسة لا تخل بالتكليف فلم يمنع قبول الشهادة كالصمم ويفارق الحكم فإنه يعتبر له من شروط الكمال ما لا يعتبر للشهادة ولذلك يعتبر له السمع والاجتهاد وغيرهما فإن لم يعرف المشهود عليه باسمه ونسبه لكن تيقن صوته لكثرة إلفه له صح أن يشهد به أيضا لما ذكرنا في أول المسألة

وإن شهد عند الحاكم ثم عمي قبل الحاكم بشهادته جاز الحكم بها وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يجوز الحكم بها لأنه معنى يمنع قبول الشهادة مع صحة النطق فمنع الحكم بها كالفسق

ولنا إنه معنى طرأ بعد أداء الشهادة لا يورث تهمة في حال الشهادة فلم يمنع قبولها كالموت وفارق الفسق فإنه يورث تهمة حال الشهادة

فصل ولا تجوز شهادة الأخرس بحال نص عليه أحمد رضي الله عنه فقال لا تجوز شهادة الأخرس قيل له وإن كتبها قال لا أدري وهذا قول أصحاب الرأي وقال مالك والشافعي وابن المنذر تقبل إذا فهمت إشارته لأنها تقوم مقام نطقه في أحكامه من طلاقه ونكاحه وظهاره وإيلائه فكذلك في شهادته واستدل ابن المنذر بأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار وهو جالس في الصلاة إلى الناس وهم قيام أن اجلسوا فجلسوا


186

ولنا إنها شهادة بالإشارة فلم تجز كإشارة الناطق يحققه أن الشهادة يعتبر فيها اليقين ولذلك لا يكتفى بإيماء الناطق ولا يحصل اليقين بالإشارة وإنما اكتفى بإشارته في أحكامه المختصة به للضرورة ولا ضرورة ها هنا ولهذا لم يجز أن يكون حاكما ولأن الحاكم لا يمضي حكمه إذا وجد حكمه بخطه تحت ختمه ولم يذكر حكمه والشاهد لا يشهد برؤية خطه فلأن لا يحكم بخط غيره أولى

وما استدل به ابن المنذر لا يصح فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قادرا على الكلام وعمل بإشارته في الصلاة ولو شهد الناطق بالإيماء والإشارة لم يصح إجماعا فعلم أن ال شهادة مفارقة لغيرها من الأحكام

مسألة

قال ( ولا تجوز شهادة الوالدين وإن علوا للولد وإن سفل ولا شهادة الولد وإن سفل لهما وإن علو )

ظاهر المذهب أن شهادة الوالد لولده لا تقبل ولا لولد ولده وإن سفل وسواء في ذلك ولد البنين وولد البنات ولا تقبل شهادة الولد لوالده ولا لوالدته ولا جده ولا جدته من قبل أبيه الله تبارك وتعالى رضي الله عنهن الرب عز وجل وأمه وإن علوا وسواء في ذلك الآباء والأمهات وآباؤهما وأمهاتهما وبه قال شريح والحسن والشعبي والنخعي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي

وروي عن أحمد رحمه الله رواية ثانية تقبل شهادة الابن لأبيه ولا تقبل شهادة الأب له لأن مال الابن في حكم مال الأب له أن يتملكه إذا شاء فشهادته له شهادة لنفسه أو يجر بها لنفسه نفعا قال النبي صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك وقال إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم ولا يوجد هذا في شهادة الابن لأبيه وعنه رواية ثالثة تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه في ما لاتهمة فيه كالنكاح والطلاق والقصاص والمال إذا كان مستغنى عنه لأن كل واحد منهما لا ينتفع بما يثبت للآخر من ذلك فلا تهمة في حقه

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن شهادة كل واحد منهما للآخر مقبولة

وروي ذلك عن شريح وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبو ثور والمزني وداود وإسحاق وابن المنذر لعموم الآيات ولأنه عدل تقبل شهادته في غير هذا الموضع فتقبل شهادته فيه كالأجنبي

ولنا ما روى الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا ظنين في قرابة ولا ولاء والظنين المتهم والأب يتهم لولده لأن ماله كماله بما ذكرنا ولأن بينهما بعضية فكأنه يشهد لنفسه ولهذا قال عليه السلام فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ولأنه متهم في الشهادة لولده كتهمة العدو في الشهادة على عدوه والخبر أخص من الآيات فتخص به

فصل فأما شهادة أحدهما على صاحبه فتقبل نص عليه أحمد وهذا قول عامة أهل العلم


187

ولم أجد عن أحمد في الجامع فيه خلافا وذلك لقول الله تعالى كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين النساء 135 فأمر بالشهادة عليهم ولو لم تقبل لما أمر بها ولأنها إنما ردت للتهمة في إيصال النفع ولا تهمة في شهادته عليه فوجب أن تقبل كشهادة الأجنبي بل أولى فإن شهادته لنفسه لما ردت للتهمة في إيصال النفع إلى نفسه كان إقراره عليه مقبولا وحكى القاضي في المجرد رواية أخرى أن شهادة أحدهما لا تقبل على صاحبه لأن شهادته له غير مقبولة فلا تقبل عليه كالفاسق

وقال بعض الشافعية لا تقبل شهادة الابن على أبيه في قصاص ولا حد قذف لأنه لا يقتل بقتله ولا يحد بقذفه فلا يلزمه ذلك والمذهب الأول لما ذكرنا ولأنه يتهم ولا يتهم عليه فشهادته عليه أبلغ في الصدق كإقراره على نفسه

فصل وإن شهد اثنان بطلاق ضرة أمهما وقذف زوجها لها قبلت شهادتهما لأن حق أمهما لا يزداد به وسواء كان المشهود عليه أباهما أو أجنبيا وتوفير الميراث لا يمنع قبول الشهادة بدليل قبول شهادة الوارث لموروثه

فصل وتجوز شهادة الرجل لابنه من الرضاعة وأبيه منها وسائر أقاربه منها لأنه لا نسب بينهما يوجب الإنفاق والصلة وعتق أحدهما على صاحبه وتبسطه في ماله بخلاف قرابة النسب

مسألة

قال ( ولا السيد لعبده ولا العبد لسيده )

أما شهادة السيد لعبده فغير مقبولة

لأن مال العبد لسيده فشهادته له شهادة لنفسه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ولا نعلم في هذا خلافا ولا تقبل شهادته له أيضا بنكاح ولا لأمته بطلاق لأن في طلاق أمته تخليصها له وإباحة بعضها له وفي نكاح العبد نفع له ونفع مال الإنسان نفع له ولا تقبل شهادة العبد لسيده لأنه يتبسط في مال سيده وينتفع به ويتصرف فيه وتجب نفقته منه ولا يقطع بسرقته فلا تقبل شهادته له كالابن مع أبيه

مسألة

قال ( ولا الزوج لامرأته ولا المرأة لزوجها )

وبهذا قال الشافعي والنخعي ومالك وإسحاق وأبو حنيفة وأجاز شهادة كل واحد منهما لصاحبه شريح والحسن والشافعي وأبو ثور لأنه عقد على منفعة فلا يمنع قبول الشهادة كالإجارة وعن أحمد رواية أخرى كقولهم وقال الثوري وابن أبي ليلى تقبل شهادة الرجل لامرأته لأنه لا تهمة في حقه ولا تقبل شهادتها له لأن يساره وزيادة حقها من النفقة تحصل بشهادتها له بالمال فهي متهمة لذلك

ولنا إن كل واحد منهما يرث الآخر من غير حجب وينبسط في ماله عادة فلم تقبل شهادته كالابن


188

مع أبيه ولأن يسار الرجل يزيد نفقة امرأته ويسار المرأة تزيد به قيمة بعضها المملوك لزوجها فكان كل واحد منهما ينتفع بشهادته لصاحبه فلم تقبل كشهادته لنفسه ويحقق هذا أن مال كل واحد منهما يضاف إلى الآخر

قال الله تعالى وقرن في بيوتكن الأحزاب 33 وقال لا تدخلوا كالابن بيوت النبي الأحزاب فأضاف البيوت إليهن تارة وإلى النبي صلى الله عليه وسلم أخرى وقال لا تخرجوهن من بيوتهن الطلاق 1 وقال عمر للذي قال له إن غلامي سرق مرآة امرأتي لا قطع عليه عبدكم سرق مالكم ويفارق عقد الإجارة من هذه الوجوه كلها

مسألة

قال ( وشهادة الأخ لأخيه جائزة )

وقالابن المنذر وأجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة روي هذا عن ابن الزبير وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز والشعبي والنخعي والثوري ومالك والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي

وحكي عن ابن المنذر عن الثوري أنه لا تقبل شهادة كل ذي رحم محرم

وعن مالك أنه لا تقبل شهادته لأخيه إذا كان منقطعا إليه في صلته وبره لأنه متهم في حقه

وقال ابن المنذر قال مالك لا تجوز شهادة الأخ لأخيه في النسب وتجوز في الحقوق

ولنا عموم الآيات ولأنه عدل غير متهم فتقبل شهادته له كالأجنبي ولا يصح القياس على الوالد والولد لأن بينهما بعضية وقرابة قوية بخلاف الأخ

فصل وشهادة العم وابنه والخال وابنه وسائر الأقارب أولى بالجواز فإن شهادة الأخ إذا أجيزت مع قربه كان تنبيها على شهادة من هو أبعد منه بطريق أولى

فصل وتقبل شهادة أحد الصديقين لصاحبه في قول عامة العلماء إلا مالكا قال لا تقبل شهادة الصديق الملاطف لأنه يجر إلى نفسه نفعا بها فهو منهم فلم تقبل شهادته كشهادة العدو على عدوه

ولنا عموم أدلة الشهادة وما قاله يبطل شهادة الغريم للمدين قبل الحجر وإن كان ربما قضاه دينه منه فجر إلى نفسه نفعا أعظم مما يرجى ها هنا بين الصديقين

فأما العداوة فسببها محظور وفي الشهادة عليه شفاء غيظه منه فخالفت الصداقة

مسألة

قال ( وتجوز شهادة العبد في كل شيء إلا في الحدود وتجوز شهادة الأمة فيما تجوز فيه شهادة النساء )

الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة أحدهما في قبول شهادة العبد فيما عدا الحدود والقصاص فالمذهب أنها مقبولة


189

روي ذلك عن علي وأنس رضي الله عنهما

قال أنس ما علمت أن أحدا رد شهادة العبد وبه قال عروة وشريح وإياس وابن سيرين والبتي وأبو ثور وداود وابن المنذر وقال عطاء ومجاهد والحسن ومالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو عبيد لا تقبل شهادته لأنه غير ذي مروءة ولأنها مبنية على الكمال لا تتبعض فلم يدخل فيها العبد كالميراث

وقال الشعبي والنخعي والحكم تقبل في الشيء اليسير

ولنا عموم آيات الشهادة وهو داخل فيها فإنه من رجالنا وهو عدل تقبل روايته وفتياه وأخباره الدينية

وروى عقبة بن الحارث قال تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال وكيف وقد زعمت ذلك متفق عليه وفي رواية أبي داود فقلت يا رسول الله إنها لكاذبة قال وما يدريك وقد قالت ما قالت دعها عنك ولأنه عدل غير متهم فتقبل شهادته كالحر

ولا نسلم أنه غير ذي مروءة فإنه كالحر ينقسم إلى من له مروءة ومن لا مروءة له

وقد يكون منهم الأمراء والعلماء والصالحون والأتقياء

سئلإياس بن معاوية عن شهادة العبيد فقال أنا أرد شهادة عبد العزيز بن صهيب وكان منهم زياد بن أبي زياد مولى ابن عباس من العلماء الزهاد وكان عمر بن عبد العزيز يرفع قدره ويكرمه ومنهم عكرمة مولى ابن عباس أحد العلماء الثقات وكثير من العلماء الموالي كانوا عبيدا أو أبناء عبيد لم يحدث فيهم بالإعتاق إلا الحرية والحرية لا تغير طبعا ولا تحدث علما ولا مروءة ولا يقبل منهم إلا من كان ذا مروءة ولا يصح قياس الشهادة على الميراث فإن الميراث خلافة للموروث في ماله وحقوقه والعبد لا تمكنه الخلافة لأن ما يصير إليه يملكه سيده فلا يمكن أن يخلف فيه الميراث ولأن الميراث يقتضي التمليك والعبد لا يملك ومبنى الشهادة على العدالة التي هي مظنة الصدق وحصول الثقة من القول والعبد أهل لذلك فوجب أن تقبل شهادته

الفصل الثاني أن شهادته لا تقبل في الحد وفي القصاص احتمالان أحدهما تقبل شهادته فيه

لأنه حق آدمي لا يصح الرجوع عن ا لإقرار به فأشبه الأموال

والثاني لا تقبل لأنه عقوبة بدنية تدرأ بالشبهات فأشبه الحد وذكر الشريف وأبو الخطاب في العقوبات كلها من الحدود والقصاص روايتين إحداهما تقبل لما ذكرنا ولأنه رجل عدل فتقبل شهادته فيها كالحر

والثانية لا تقبل وهو ظاهر المذهب لأن الاختلاف في قبول شهادته في الأموال نقص وشبهة فلم تقبل شهادته فيما يدرأ بالشبهات ولأنه ناقص الحال فلم تقبل شهادته في الحد والقصاص كالمرأة

الفصل الثالث شهادة الأمة جائزة فيما تجوز فيه شهادة النساء ولأن النساء لا تقبل شهادتهن في الحدود والقصاص وإنما تقبل في المال أو سببه والأمة كالحرة فيما عداهما فساوتهن في الشهادة وقد دل عليه حديث عقبة بن الحارث


190

فصل وحكم المكاتب والمدبر وأم الولد والمعتق بعضه حكم القن فيما ذكرنا لأن الرق فيهم وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لا تجوز شهادة المكاتب وبه قال عطاء والشعبي والنخعي

ولنا ما ذكرناه في العبد وإذا ثبت الحكم في القن ففي هؤلاء أولى لأنهم أكمل منه لوجود أسباب الحرية فيهم

مسألة

قال ( وشهادة ولد الزنا جائزة في الزنا وغيره )

هذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والحسن والشعبي والزهري والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو حنيفة وأصحابه وقال مالك والليث لا تجوز شهادته في الزنا وحده لأنه متهم فإن العادة فيمن فعل قبيحا أنه يجب أن يكون له نظراء

وحكي عن عثمان أنه قال ودت الزانية أن النساء كلهن زنين

ولنا عموم الآيات وأنه عدل مقبول الشهادة في غير الزنا فقبل في الزنا كغيره ومن قبلت شهادته في القتل قبلت في الزنا كولد الرشيدة قال ابن المنذر وما احتجوا به غلط من وجوه

أحدها أن ولد الزنا لم يفعل فعلا قبيحا يجب أن يكون له نظراء فيه والثاني أنني لا أعلم ما ذكر عن عثمان ثابتا عنه وأشبه ذلك أن لا يكون ثابتا عنه وغير جائز أن يطلق عثمان كلاما بالظن عن ضمير امرأة لم يسمعها تذكره

الثالث أن الزاني لو تاب لقبلت شهادته وهو الذي فعل الفعل القبيح فإذا قبلت شهادته مع ما ذكروه فغيره أولى فإنه لا يجوز أن يلزم ولده من وزره أكثر مما لزمه وما يتعدى الحكم إلى غيره من غير أن يثبت فيه مع أن ولده لا يلزمه شيء من وزره لقول الله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى الأنعام 164 وولد الزنا لم يفعل شيئا يستوجب به حكما

مسألة

قال ( وإذا تاب القاذف قبلت شهادته )

وجملته أن القاذف إن كان زوجا فحقق قذفه ببينة أو لعان أو كان أجنبيا فحققه بالبينة أو بإقرار المقذوف لم يتعلق بقذفه فسق ولا حد ولا رد شهادة وإن لم يحقق قذفه بشيء من ذلك تعلق به وجوب الحد عليه والحكم بفسقه ورد شهادته لقول الله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون النور 4 فإن تاب لم يسقط عنه الحد وزال الفسق بلا خلاف وتقبل شهادته عندنا

وروي ذلك عن عمر وأبي الدرداء وابن عباس وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والشعبي والزهري وعبد الله بن عتبة وجعفر بن أبي ثابت وأبو الزناد ومالك والشافعي والبتي وإسحاق وأبو عبيد وابن المنذر وذكره ابن عبد البر عن يحيى بن سعيد وربيعة وقال شريح والحسن والنخعي وسعيد بن جبير والثوري وأصحاب الرأي لا تقبل شهادته إذا جلد وإن تاب وعند أبي حنيفةلا


191

ترد شهادته قبل الجلد وإن لم يتب فالخلاف معه في فصلين أحدهما أنه عندنا تسقط شهادته بالقذف إذا لم يحققه وعند أبي حنيفة ومالك لا تسقط إلا بالجلد

والثاني أنه إذا تاب قبلت شهادته وإن جلد وعند أبي حنيفة لا تقبل وتعلق بقول الله تعالى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا النور 4 وروى لا ابن ماجه بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجوز شهادة خائن ولا محدود في الإسلام واحتج في الفصل الآخر بأن القذف قبل حصول الجلد يجوز أن تقوم به البينة فلا يجب به التفسيق

ولنا في الفصل الأول إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه يروى عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول لأبي بكرة حين شهد على المغيرة بن شعبة تب أقبل شهادتك ولم ينكر ذلك منكر فكان إجماعا قال سعيد بن المسيب شهد على المغيرة ثلاثة رجال أبو بكرة ونافع بن الحارث وشبل بن معيد ونكل زياد فجلد عمر الثلاثة وقال لهم توبوا تقبل شهادتكم فتاب رجلان وقبل عمر شهادتهما وأبى أبو بكرة فلم يقبل شهادته وكان قد عاد مثل النصل في العبادة ولأنه تائب من ذنبه فقبلت شهادته كالتائب من الزنا يحققه أن الزنا أعظم من القذف به وكذلك قتل النفس التي حرم الله وسائر الذنوب إذا تاب فاعلها قبلت شهادته فهذا أولى وأما الآية فهي حجة لنا فإنه استثنى التائبين بقوله تعالى إلا الذين تابوا آل عمران 89 من النفي إثبات فيكون تقديره إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم وليسوا بفاسقين فإن قالوا إنما يعود الاستثناء إلى جملة التي تليه بدليل أنه لا يعود إلى الجلد

قلنا بل يعود إليه أيضا لأن هذه الجمل معطوف بعضها على بعض بالواو وهي للجمع تجعل الجمل كلها كالجملة الواحدة فيعود الاستثناء إلى جميعها إلا ما منع منه مانع ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه عاد الاستثناء إلى الجملتين جميعا ولأن الاستثناء يغاير ما قبله فعاد إلى الجمل المعطوف بعضها على بعض بالواو كالشرط فإنه لو قال امرأته طالق وعبده حر إن لم يقم عاد الشرط إليهما كذا الاستثناء بل عود الاستثناء إلى رد الشهادة أولى لأن رد الشهادة هو المأمور به فيكون هو الحكم والتفسيق خرج مخرج الخبر والتعليل لرد الشهادة فعود الاستثناء إلى الحكم المقصود أولى من رده إلى التعليل وحديثهم ضعيف قال ابن عبد البر لم يرفع من روايته حجة وقد روي من غير طريقه ولم تذكر فيه هذه الزيادة فدل ذلك على أنها من غلطه ويدل على خطئه قبول شهادة كل محدود في غير القذف بعد توبته لو قدر صحته فالمراد به من لم يتب بدليل كل محدود تائب سوى هذا

وأما الفصل الثاني فدليلنا فيه الآية فإنه رتب على رمي المحصنات ثلاثة أشياء إيجاب الجلد ورد الشهادة والفسق فيجب أن يثبت رد الشهادة بوجود الرمي الذي لم يمكنه تحقيقه كالجلد ولأن الرمي هو


192

المعصية والذنب الذي يستحق به العقوبة وتثبت به المعصية الموجبة لرد الشهادة والحد كفارة وتطهير فلا يجوز تعليق رد الشهادة به وإنما الجلد ورد الشهادة حكمان للقذف فيثبتان جميعا به وتخلف استيفاء أحدهما لا يمنع ثبوت الآخر وقولهم إنما يتحقق بالجلد لا يصح لأن الجلد حكم القذف الذي تعذر تحقيقه فلا يستوفى قبل تحقق القذف وكيف يجوز أن يستوفى حد قبل تحقق سببه ويصير متحققا بعده هذا باطل

فصل والقاذف في الشتم ترد شهادته وروايته حتى يتوب والشاهد بالزنا إذا لم تكمل البينة تقبل روايته دون شهادته وحكي عن الشافعي أن شهادته لا ترد

ولنا إن عمر لم يقبل شهادة أبي بكرة وقال له تب أقبل شهادتك وروايته مقبولة ولا نعلم خلافا في قبول رواية أبي بكرة مع رد عمر شهادته

مسألة

قال ( وتوبته أن يكذب نفسه )

ظاهر كلام أحمد والخرقي أن توبة القاذف إكذاب نفسه فيقول كذبت فيما قلت وهذا منصوص الشافعي واختيار الاصطخري من أصحابه قال ابن عبد البر ومن قال هذا سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والشعبي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور لما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم آل عمران 89 قال توبته إكذاب نفسه ولأن عرض المقذوف تلوث بقذفه فإكذابه نفسه يزيل ذلك التلويث فتكون التوبة به وذكر القاضي أن القذف إن كان سبا فالتوبة منه إكذاب نفسه وإن كان شهادة فالتوبة منه أن يقول القذف حرام باطل ولن أعود إلى ما قلت وهذا قول بعض أصحاب الشافعي قال وهو المذهب لأنه قد يكون صادقا فلا يؤمر بالكذب والخبر محمول على الإقرار بالبطلان لأنه نوع إكذاب

والأولى أنه متى علم من نفسه الصدق فيما قذف به فتوبته الاستغفار والإقرار ببطلان ما قاله وتحريمه وأنه لا يعود إلى مثله وإن لم يعلم صدق نفسه فتوبته إكذاب نفسه سواء كان القذف بشهادة أو سب لأنه قد يكون كاذبا في الشهادة صادقا في السب

ووجه الأول أن الله تعالى سمى القاذف كاذبا إذا لم يأت بأربعة شهداء على الإطلاق بقوله سبحانه لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون النور 13 فتكذيب الصادق نفسه يرجع إلى أنه كاذب في حكم الله وإن كان في نفس الأمر صادقا

فصل وكل ذنب تلزم فاعله التوبة منه متى تاب منه قبل الله توبته بدليل قوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم آل عمران 135 136 وقال ومن يعمل سوءا أو


193

يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما النساء ولأن أو النبي صلى الله عليه وسلم قال التائب من الذنب كمن لا ذنب له وقال عمر رضي الله عنه بقية عمر المؤمن لا قيمة له يدرك فيه ما فات ويحيي فيه ما أمات ويبدل الله سيئاته حسنات

والتوبة على ضربين باطنة وحكمية فأما الباطنة فهي ما بينه وبين ربه تعالى فإن كانت المعصية لا توجب حقا عليه في الحكم كقبلة أجنبية أو الخلوة بها وشرب مسكر أو كذب فالتوبة منه الندم والعزم على أن لا يعود وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الندم توبة وقيل التوبة النصوح تجمع أربعة أشياء الندم بالقلب والاستغفار باللسان وإضمار أن لا يعود ومجانبة خلطاء السوء وإن كانت توجب عليه حقا لله تعالى أو لآدمي كمنع الزكاة والغصب فالتوبة منه بما ذكرنا وترك المظلمة حسب إمكانه بأن يؤدي الزكاة ويرد المغصوب أو مثله إن كان مثليا وإلا قيمة وإن عجز عن ذلك نوى رده متى قدر عليه فإن كان عليه فيها حق في البدن فإن كان حقا لآدمي كالقصاص وحد القذف اشترط في التوبة التمكين من نفسه وبذلها للمستحق وإن كان حقا لله تعالى كحد الزنا وشرب الخمر فتوبته أيضا بالندم والعزم على ترك العود ولا يشترط الإقرار به فإن كان ذلك لم يشتهر عنه فالأولى له ستر نفسه والتوبة فيها بينه وبين الله تعالى لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله تعالى فإنه من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد فإن الغامدية حين أقرت بالزنا لم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وإن كانت معصية مشهورة فذكر القاضي أن الأولى الإقرار به ليقام عليه الحد لأنه إذا كان مشهورا فلا فائدة في ترك إقامة الحد عليه والصحيح أن ترك الإقرار أولى لأن النبي صلى الله عليه وسلم عرض للمقر عنده بالرجوع عن الإقرار فعرض لماعز وللمقر عنده بالسرقة بالرجوع مع اشتهاره عنه بإقراره وكره الإقرار حتى أنه قيل لما قطع السارق كأنما أسف وجهه رمادا ولم يرد الأمر بالإقرار ولا الحث عليه في كتاب ولا سنة ولا يصح له قياس إنما ورد الشرع بالستر والاستتار والتعريض للمقر بالرجوع عن الإقرار وقال لهزال وكان هو الذي أمر ماعزا بالإقرار يا هزال لو سترته بثوبك كان خيرا لك

وقال أصحاب الشافعي توبة هذا إقراره ليقام عليه الحد وليس بصحيح لما ذكرنا ولأن التوبة توجد حقيقتها بدون الإقرار وهي تجب ما قبلها كما ورد في الأخبار مع ما دلت عليه الآيات في مغفرة الذنوب بالاستغفار وترك الإصرار

وأما البدعة فالتوبة منها بالاعتراف بها والرجوع عنها واعتقاد ضد ما كان يعتقد منها

فصل ظاهر كلام أحمد والخرقي أنه لا يعتبر في ثبوت أحكام التوبة من قبول الشهادة وصحة ولايته في النكاح إصلاح العمل وهو أحد القولين للشافعي وفي القول الآخر يعتبر إصلاح العمل إلا أن يكون ذنبه الشهادة بالزنا ولم يكمل عدد الشهود فإنه يكفي مجرد التوبة من غير اعتبار إصلاح وما عداه


194

فلا تكفي التوبة حتى تمضي عليه سنة تظهر فيها توبته ويتبين فيها صلاحه

وذكر أبو الخطاب هذا رواية لأحمد لأن الله تعالى قال إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا آل عمران 89 وهذا نص فإنه نهى عن قبول شهادتهم ثم استثنى التائب المصلح ولأن عمر رضي الله عنه لما ضرب صبيغا أمر بهجرانه حتى بلغته توبته فأمر أن لا يكلم إلا بعد سنة

ولنا قوله عليه السلام التوبة تجب ما قبلها وقوله التائب من الذنب كمن لا ذنب له ولأن المغفرة تحصل بمجرد التوبة فكذلك الأحكام ولأن التوبة من الشرك بالإسلام لا تحتاج إلى اعتبار ما بعده وهو أعظم الذنوب كلها فما دونه أولى

فأما الآية فيحتمل أن يكون الإصلاح هو التوبة وعطفه عليها لاختلاف اللفظين ودليل ذلك قول عمر لأبي بكرة تب أقبل شهادتك ولم يعتبر أمرا آخر ولأن من كان غاصبا فرد ما في يديه أو مانعا للزكاة فأداها وتاب إلى الله تعالى قد حصل منه الإصلاح وعلم نزوعه عن معصيته بأداء ما عليه ولو لم يرد التوبة ما أدى ما في يديه ولأن تقييده بالسنة تحكم لم يرد الشرع به والتقدير إنما يثبت بالتوقيف وما ورد عن عمر في حق صبيغ إنما كان لأنه تائب من بدعة وكانت توبته بسبب الضرب والهجران فيحتمل أنه أظهر التوبة تسترا بخلاف مسألتنا

وقد ذكر القاضي أن التائب من البدعة يعتبر له مضي سنة لحديث صبيغ رواه أحمد في الورع قال ومن علامة توبته أن يجتنب من كان يواليه من أهل البدع ويوالي من كان يعاديه من أهل السنة والصحيح أن التوبة من البدعة كغيرها إلا أن تكون التوبة بفعل يشبه الإكراه كتوبة صبيغ فيعتبر له مدة تظهر أن توبته على إخلاص لا عن إكراه وللحاكم أن يقول للمتظاهر بالمعصية تب أقبل شهادتك وقال مالك لا أعرف هذا قال الشافعي وكيف لا يعرفه وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوبة وقاله عمر لأبي بكرة مسألة قال ( ومن شهد بشهادة قد كان شهد بها وهو غير عدل وردت عليه لم تقبل منه في حال عدالته )

وجملته أن الحاكم إذا شهد عنده فاسق فرد شهادته لفسقه ثم تاب وأصلح وأعاد تلك الشهادة لم يكن له أن يقبلها وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور والمزني وداود تقبل

قال ابن المنذر والنظر يدل على هذا لأنها شهادة عدل فتقبل كما لو شهد وهو كافر فردت شهادته ثم شهد بها بعد إسلامه

ولنا إنه متهم في أدائها لأنه يعير بردها ولحقته غضاضة لكونها ردت بسبب نقص يتغير به وصلاح حاله بعد ذلك من فعله يزول به العار فتلحقه التهمة في أنه قصد إظهار العدالة وإعادة الشهادة لتقبل فيزول ما حصل بردها ولأن الفسق يخفى فيحتاج في معرفته إلى بحث واجتهاد فعند ذلك نقول شهادة مردودة بالاجتهاد فلا تقبل بالاجتهاد لأن ذلك يؤدي إلى نقض الاجتهاد وفارق ما إذا ردت شهادة كافر


195

لكفره أو صبي لصغره أو عبد لرقه ثم أسلم الكافر وبلغ الصبي وعتق العبد وأعادوا تلك الشهادة فإنها لا ترد لأنها لم ترد أولا بالاجتهاد وإنما ردت باليقين ولأن البلوغ والحرية ليسا من فعل الشاهد فيتهم في أنه فعلهما لتقبل شهادته والكافر لا يرى كفره عارا ولا يترك دينه من أجل شهادة ردت عليه

وقد روي عن النخعي والزهري وقتادة أبي الزناد ومالك أنها ترد أيضا في حق من أسلم وبلغ وعن أحمد رواية أخرى كذلك لأنها شهادة مردودة فلم تقبل كشهادة من كان فاسقا وقد ذكرنا ما يقتضي فرقا بينهما فيفرقان وروي عن أحمد في العبد إذا ردت شهادته لرقه ثم عتق وادعى تلك الشهادة روايتان وقد ذكرنا أن الأولى أن شهادته تقبل

لأن العتق من غير فعله وهو أمر يظهر بخلاف الفسق

فصل وإن شهد السيد لمكاتبه فردت شهادته أو شهد وارث لموروثه بالجرح قبل الاندمال فردت شهادته ثم عتق المكاتب وبرأ الجرح وأعادوا تلك الشهادة ففي قبولها وجهان أحدهما تقبل

لأن زوال المانع ليس من فعلهم فأشبه زوال الصبي بالبلوغ ولأن ردها بسبب لا عار بإعادتها بخلاف الفسق

والثاني لا تقبل

لأنه ردها باجتهاده فلا ينقضها باجتهاده والأول أشبه بالصحة فإن الأصل قبول شهادة العدل ما لم يمنع منه مانع ولا يصح القياس على الشهادة المردودة للفسق لما ذكرنا بينهما من الفرق ويخرج على هذا كل شهادة مردودة إما للتهمة أو لعدم الأهلية إذا أعادها بعد زوال التهمة ووجود الأهلية فهل تقبل على وجهين

مسألة

قال ( وإن كان لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلا قبلت منه )

وذلك لأن التحمل لا تعتبر فيه العدالة ولا البلوغ ولا الإسلام لأنه لا تهمة في ذلك وإنما يعتبر ذلك في الأداء فإذا رأى الفاسق شيئا أو سمعه ثم عدل وشهد به قبلت شهادته بغير خلاف نعلمه وهكذا الصبي والكافر إذا شهد بعد الإسلام والبلوغ قبلت

وكذلك الرواية ولذلك كان الصبيان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يروون عنه بعد أن كبروا كالحسن والحسين وابن عباس والنعمان بن بشير وابن الزبير وابن جعفر والشهادة في معنى الرواية ولذلك اعتبرت لها العدالة وغيرها من الشروط المعتبرة للشهادة

مسألة

قال ( ولو شهد وهو عدل فلم يحكم بشهادته حتى حدث منه ما لا تجوز شهادته معه لم يحكم بها )

وجملة ذلك أن الشاهدين إذا شهدا عند الحاكم وهما ممن تقبل شهادته ولم يحكم بها حتى فسقا أو كفرا لم يحكم بشهادتهما وبهذا قال أبو يوسف والشافعي وقالأبو ثور والمزني يحكم بها لأن بقاء أهلية الشهادة ليس شرطا في الحكم بدليل ما لو ماتا ولأن فسقهما تجدد بعد أداء الشهادة فأشبه ما لو تجدد بعد الحكم


196

بها ووجه ذلك من طريقين أحدهما أن عدالة الشاهد شرط للحكم فيعتبر دوامها إلى حين الحكم لأن الشروط لا بد من وجودها في المشروط وإذا فسق انتفى الشرط فلم يجز الحكم

والثاني أن ظهور فسقه وكفره يدل على تقدمه لأن العادة أن الإنسان يسر الفسق ويظهر العدالة والزنديق يسر كفره ويظهر إسلامه فلا نأمن كونه كافرا أو فاسقا حين أداء الشهادة فلم يجز الحكم بها مع الشك فيها

فأما إن حدث هذا منه بعد الحكم بشهادة لم ينقض لأن الحكم وقع صحيحا لاستمرار شرطه إلى انتهائه ولأنه قد وجد مقرونا بشرطه ظاهرا فلا ينقض بالشك كما لو رجع عن الشهادة وكما لو صلى بالتيمم ثم وجد الماء لكن إن كان ذلك قبل الاستيفاء وكان حدا لله تعالى لم يجز استيفاؤه بالشبهات لأنه يدرأ وهذا شبهة فيه فأشبه ما لو رجع عن الإقرار به قبل استيفائه وإن كان مالا استوفي لأن الحكم قد تم وثبت الاستحقاق بأمر ظاهر الصحة فلا يبطل بأمر محتمل ولذلك لم يبطل رجوعه عن إقراره وإن كان حد قذف أو قصاصا احتمل وجهين أحدهما يستوفي وهذا قول أبي حنيفة لأنه حق آدمي مطالب به أشبه المال

والثاني لا يستوفي وهو قول محمد لأنه عقوبة على البدن تدرأ بالشبهات أشبه الحد وللشافعي وجهان كهذين وأما ما حدث بعد الاستيفاء فلا يؤثر في حد ولا حق لأن الحق استوفى بما ظاهره الصحة وسوغ الشرع استيفاءه فلم يؤثر فيه ما طرأ بعده كما لو لم يظهر شيء

فصل فأما إن أديا الشهادة وهما من أهلها ثم ماتا قبل الحكم بها حكم الحاكم بشهادتهما سواء ثبتت عدالتهما في حياتهما أو بعد موتهما وسواء كان المشهود به حدا أو غيره وكذلك إن جنوا أو أغمي عليهم وبهذا قال الشافعي لأن الموت لا يؤثر في شهادته ولا يدل على الكذب فيها ولا يحتمل أن يكون موجودا حال أداء الشهادة والجنون والإغماء في معناه بخلاف الفسق والكفر

مسألة

قال ( وشهادة العدل على شهادة العدل جائزة في كل شيء إلا في الحدود إذا كان الشاهد الأول ميتا أو غائبا )

الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة أحدها في جوازها

والثاني في موضعها

والثالث في شرطها

أما الأول فإن الشهادة على الشهادة جائزة بإجماع العلماء وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي قال أبو عبيد أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على إمضاء الشهادة على الشهادة في الأموال ولأن الحاجة داعية إليها فإنها لو لم تقبل لبطلت الشهادة على الوقف وما يتأخر إثباته عند الحاكم ثم يموت شهوده وفي ذلك ضرر على الناس ومشقة شديدة فوجب أن تقبل كشهادة الأصل

الفصل الثاني أنها تقبل في الأموال وما يقصد به المال بإجماع كما ذكر أبو عبيد ولا


197

تقبل في حد وهذا قول النخعي والشعبي وأبي حنيفة وأصحابه وقال مالك والشافعي في قول وأبو ثور تقبل في الحدود وكل حق لأن ذلك فيثبت بشهادة الأصل فيبت بالشهادة على الشهادة كالمال

ولنا إن الحدود مبنية على الستر والدرء بالشبهات والإسقاط بالرجوع عن الإقرار والشهادة على الشهادة فيها شبهة فإنها يتطرق إليها احتمال الغلط والسهو والكذب في شهود الفرع مع احتمال ذلك في جهود الأصل وهذا احتمال زائد لا يوجد في شهادة الأصل وهو معتبر بدليل أنها لا تقبل مع القدرة على شهود الأصل فوجب أن لا تقبل فيما يندرىء بالشبهات ولأنها إنما تقبل للحاجة ولا حاجة إليها في الحد لأن ستر صاحبه أولى من الشهادة عليه ولأنه لا نص فيها ولا يصح قياسها على الأموال لما بينهما من الفرق في الحاجة والتساهل فيها ولا يصح قياسها على شهادة الأصل لما ذكرنا من الفرق فبطل إثباتها وظاهر كلام أحمد أنها لا تقبل في القصاص أيضا ولا حد القذف لأنه قال إنما تجوز في الحقوق أما الدماء والحد فلا وهذا قول أبي حنيفة

وقال مالك والشافعي وأبو ثور وهو ظاهر كلام الخرقي لقوله في كل شيء إلا في الحدود لأنه حق آدمي لا يسقط بالرجوع عن الإقرار به ولا يستحب ستره فأشبه الأموال وذكر أصحابنا هذا رواية عن أحمد لأن ابن منصور نقل أن سفيان قال شهادة رجل مكان رجل في الطلاق جائزة قال أحمد ما أحسن ما قال فجعله أصحابنا رواية في القصاص وليس هذا برواية فإن الطلاق لا يشبه القصاص والمذهب أنها لا تقبل فيه لأنه عقوبة بدنية تدرأ بالشبهات وتبنى على الإسقاط فأشبهت الحدود فأما ما عدا الحدود والقصاص والأموال كالنكاح والطلاق وسائر ما لا يثبت إلا بشاهدين فنص أحمد على قبولها في الطلاق والحقوق فيدل على قبولها في جميع هذه الحقوق وهو قولالخرقي

وقال ابن حامد لا تقبل في النكاح ونحوه قول أبي بكر فعلى قولهما لا تقبل إلا في المال وما يقصد به المال وهو قول أبي عبيد لأنه حق لا يثبت إلا بشاهدين فأشبه حد القذف ووجه الأول أنه حق لا يدرأ بالشبهات فيثبت بالشهادة كالمال وبهذا فارق الحدود

الفصل الثالث في شروطها ولها أربعة شروط أحدها أن تتعذر شهادة الأصل لموت أو غيبة أو مرض أو حبس أو خوف من سلطان أو غيره وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وحكي عن أبي يوسف ومحمد جوازها مع القدرة على شهادة الأصل قياسا على الرواية وأخبار الديانات

وروي عن الشعبي أنها لا تقبل إلا أن يموت شاهد الأصل لأنهما إذا كانا حيين رجي حضورهما فكانا كالحاضرين وعن أحمد مثل هذا إلا أن القاضي تأوله على الموت وما في معناه من الغيبة البعيدة ونحوها ويمكن تأويل قول الشعبي على هذا فيزول هذا الخلاف

ولنا على اشتراط تعذر شهادة شاهد الأصل أنه إذا أمكن الحاكم أن يسمع شهادة شاهدي الأصل


198

استغنى عن البحث عن عدالة شاهدي الفرع وكان أحوط للشهادة فإن سماعه منهما معلوم وصدق شاهدي الفرع مظنون والعمل باليقين مع إمكانه أولى من اتباع الظن ولأن شهادة الأصل تثبت نفس الحق وهذه إنما تثبت الشهادة عليه ولأن في شهادة الفرع ضعفا لأنه يتطرق إليها احتمالان احتمال غلظ شاهدي الأصل واحتمال غلط شاهدي الفرع فيكون ذلك وهنا فيها ولذلك لم تنتهض لإثبات الحدود والقصاص فينبغي أن لا تثبت إلا عند عدم شاهدي الأصل كسائر الأبدال ولا يصح قياسها على أخبار الديانات لأنه خفف فيها ولهذا لا يتعبر فيها العدد ولا الذكورية ولا الحرية ولا اللفظ والحاجة داعية إليها في حق عموم الناس بخلاف مسألتنا

ولنا على قبولها عند تعذرها بغير الموت أنه تعذرت شهادة الأصل فتقبل شهادة الفرع كما لو مات شاهدي الأصل ويخالف الحاضرين فإن سماع شهادتهما ممكن فلم يجز غير ذلك

إذا ثبت هذا فذكر القاضي أن الغيبة المشترطة لسماع شهادة الفرع أن يكون شاهد الأصل بموضع لا يمكنه أن يشهد ثم يرجع من يومه وهذا قاله أبو يوسف وأبو حامد من أصحاب الشافعي لأن الشاهد تشق عليه المطالبة بمثل هذا السفر وقد قال الله تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد البقرة 282 وإذا لم يكلف الحضور تعذر سماع شهادته فاحتيج إلى سماع شهادة الفرع

وقال أبو الخطاب تعتبر مسافة القصر وهو قول أبي حنيفة وأبي الطيب الطبري مع اختلافهم في مسافة القصر كل على أصله لأن ما دون ذلك في حكم الحاضر في الترخص وغيره بخلاف مسافة القصر ويعتبر دوام هذا الشرط إلى الحكم فلو شهد شاهدا الفرع فلم يحكم بشهادتهما حتى حضر شاهدا الأصل وقف الحكم على سماع شهادتهما لأنه قدر على الأصل قبل العمل بالبدل فلم يجز العمل به كالمتيمم يقدر على الماء قبل الصلاة ولأن حضورهما لو وجد قبل أداء شهادة الفرع منع فإذا طرأ قبل الحكم منع منه كالفسق

الشرط الثاني أن يتحقق شروط الشهادة من العدالة وغيرها في كل واحد من شهود الأصل والفرع على الوجه الذي ذكرناه لأن الحكم ينبني على الشهادتين جميعا فاعتبرت الشروط في كل واحد منهما ولا خلاف في هذا نعلمه

فإن عدل شهود الفرع شهود الأصل فشهدا بعدالتهما وعلى شهادتهما جاز بغير خلاف نعلمه وإن لم يشهدا بعدالتهما جاز ويتولى الحاكم ذلك

فإن علم عدالتهما حكم وإن لم يعرفها بحث عنها وبهذا قال الشافعي

وقالالثوري وأبو يوسف إن لم يعدل شاهدا الفرع شاهدي الأصل لم يسمع الحاكم شهادتهما لأن ترك تعديله يرتاب به الحاكم وليس بصحيح

لأنه يجوز أن لا يعرفا ذلك فيرجع فيه إلى بحث الحاكم ويجوز أن


199

يعرفا عدالتهما ويتركاها اكتفاء بما يثبت عند الحاكم من عدالتهما ولا بد من استمرار هذا الشرط ووجود العدالة في الجميع إلى انقضاء الحكم لما ذكرنا في شاهد الأصل قبل هذا وإن مات شهود الأصل والفرع لم يمنع الحكم وكذلك لو مات شهود الأصل قبل أداء الفروع شهادتهم لم يمنع من أدائها والحكم بها لأن موتهم من شرط سماع شهادة الفروع والحكم فلا يجوز جعله مانعا وكذلك إن جنوا لأن جنونهم بمنزلة موتهم

الشرط الثالث أن يعينا شاهدي الأصل ويسمياهما وقال ابن جرير إذا قالا ذكرين حرين عدلين جاز وإن لم يسميا لأن الغرض معرفة الصفات دون العين وليس بصحيح لجواز أن يكونا عدلين عندهما مجروحين عند غيرهما ولأن المشهود عليه ربما أمكنه جرح الشهود فإذا لم يعرف أعيانهما تعذر عليه ذلك

الشرط الرابع أن يسترعيه شاهد الأصل الشهادة فيقول أشهد على شهادتي أني أشهد أن لفلان على فلان كذا أو أقر عندي بكذا أو سمع شاهدا يسترعي آخر شهادة يشهده عليها فيجوز لهذا السامع أن يشهد بها لحصول الاسترعاء ويحتمل أن لا يجوز له أن يشهد إلا أن يسترعيه بعينه وهو قول أبي حنيفة قال أحمد لا تكون شهادة إلا أن يشهدك فأما إذا سمعته يتحدث فإنما ذلك حديث وبما ذكرناه قال الشافعي وأصحاب الرأي وأبو عبيد فأما إن سمع شاهدا يشهد عند الحاكم بحق أو سمعه يشهد بحق يعزيه إلى سبب نحو أن يقول أشهد أن لفلان على فلان ألفا من ثمن مبيع فهل يشهد به قال أبو الخطاب فيه روايتان

وذكر القاضي أن له الشهادة به وهو مذهب الشافعي لأنه بالشهادة عند الحاكم ونسبته للحق إلى سببه يزول الاحتمال ويرتفع الأشكال فتجوز له الشهادة على شهادته كما لو استرعاه

والرواية الأخرى لا يجوز أن يشهد على شهادته وهو قول أبي حنيفة وأبي عبيد لأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة فلا ينوب عنه إلا بإذنه ومن نصر الأول قال هذا ينقل شهادته ولا ينوب عنه لأنه لا يشهد مثل شهادته وإنما يشهد على شهادته فأما إن قال أشهد أني أشهد على فلان بكذا فالأشبه أن يجوز أن يشهد على شهادته وهذا قول أبي يوسف لأن معنى ذلك أشهد على شهادتي

وقال أبو حنيفة لا يجوز إلا أن يقول أشهد على شهادتي أني أشهد لأنه إذا قال أشهد فقد أمره بالشهادة ولم يسترعه وما عدا هذه المواضع لا يجوز أن يشهد فيها على الشهادة فإذا سمعه يقول أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم لم يجز أن يشهد على شهادته لأنه لم يسترعه الشهادة فيحتمل أن يكون وعده بها وقد يوصف الوعد بالوجوب مجازا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال العدة دين ويحتمل أن يريد بالشهادة العلم فلم يجز لسامعه الشهادة به

فإن قيل فلو سمع رجلا يقول لفلان علي ألف درهم جاز أن يشهد بذلك فكذا


200

هذا

قلنا الفرق بينهما من وجهين أحدهما أن الشهادة تحتمل العلم ولا تحتمل الإقرار

الثاني أن الإقرار أوسع في لزومه من الشهادة بدليل صحته في المجهول وأنه لا يراعي فيه العدد بخلاف الشهادة ولأن الإقرار قول الإنسان على نفسه وهو غير متهم عليها فيكون أقوى منها ولهذا لا تسمع الشهادة في حق المقر ولا يحكم بها

ولو قال شاهد الأصل أنا أشهد أن لفلان على فلان ألفا فاشهد به أنت عليه لم يجز أن يشهد على شهادته لأنه ما استرعاه شهادته فيشهد عليها ولا هو شاهد بالحق لأنه ما سمع الاعتراف به ممن هو عليه ولا شاهد سببه

فصل فأما كيفية الأداء إذا كان قد استرعاه الشهادة فإنه يقول أشهد أن فلان بن فلان وقد عرفته بعينه واسمه ونسبه وعدالته أشهدني أنه يشهد أن لفلان بن فلان على فلان بن فلان كذا وكذا أو أن فلانا أقر عندي بكذا وإن لم يعرف عدالته لم يذكرها وإن سمعه يشهد غيره قال أشهد أن فلان بن فلان أشهد على شهادته أن لفلان بن فلان على فلان بن فلان كذا وكذا وإن كان سمعه يشهد عند الحاكم قال أشهد أن فلان بن فلان شهد على فلان بن فلان عند الحاكم بكذا

وإن كان نسب الحق إلى سببه قال أشهد أن فلان بن فلان قال أشهد أن لفلان بن فلان على فلان بن فلان كذا وكذا من جهة كذا وكذا وإذا أراد الحاكم أن يكتب ذلك كتبه على ما ذكرنا في الأداء

فصل واختلفت الرواية في شرط خامس وهو الذكورية في شهود الفرع فعن أحمد أنها شرط فلا يقبل في شهود الفرع نساء بحال سواء كان الحق مما تقبل فيه شهادة النساء أو لا وهذا قول مالك والثوري والشافعي لأنهم يثبتون بشهادتهم شهادة شهود الأصل دون الحق وليس ذلك بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال

فأشبه القصاص والحد

والثانية للنساء مدخل فيما لو كان المشهود به يثبت بشهادتهن في الأصل قال حرب قيل لأحمد فشهادة امرأتين على شهادة امرأتين تجوز قال نعم يعني إذا كان معهما رجل وذكرالأوزاعي ذلك لك قال سمعت نمير بن أوس يجيز شهادة المرأة على المرأة

ووجهه أن المقصود بشهادة الفروع إثبات الحق الذي يشهد به شهود الأصل فقبلت فيه شهادتهن كالبيع

ويفارق الحد والقصاص فإنه ليس القصد من الشهادة به إثبات مال بحال

فأما شهود الأصل فيدخل النساء فيه فيجوز أن يشهد رجلان على شهادة رجل وامرأتين في كل حق يثبت بشهادتهن مع الرجل في قول أكثر أهل العلم

وذكر أبو الخطاب في المنع منه رواية أخرى لأن في الشهادة على الشهادة ضعفا لما ذكرنا من قبل فلا مدخل للنساء فيها لأنها تزداد بشهادتهن ضعفا

ولنا إن شهود الفرع إن كانوا يثبتون شهادة الأصل فهي تثبت بشهادتهم وإن كانوا يثبتون نفس الحق فهي تثبت بشهادتهم ولأن النساء شهدن بالمال أو ما يقصد به المال فيثبت بشهادتهن كما لو أدينها عند الحاكم

وما ذكر للرواية الأخرى لا أصل له


201

فصل

ويجوز أن يشهد كل واحد من شاهدي الأصل شاهد فرع فيشهد شاهدا فرع على شاهدي أصل

قال القاضي لا يختلف كلام أحمد في هذا وهو قول شريح والشعبي والحسن وابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري وإسحاق والبتي والعنبري ونمير بن أوس وقال إسحاق لم يزل أهل العلم على هذا حتى جاء هؤلاء

وقال أحمد وشاهد على شاهد يجوز لم يزل الناس على ذا شريح فمن دونه إلا أن أبا حنيفة أنكره وذهب أبو عبد الله بن بطة إلى أنه لا يقبل على كل شاهد أصل إلا شاهدا فرع

وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لأن شاهدي الفرع يثبتان شهادة شاهدي الأصل فلا تثبت شهادة كل واحد منهما بأقل من شاهدين كما لا يثبت إقرار مقرين بشهادة اثنين يشهد على كل واحد منهما واحد

ولنا إن هذا يثبت بشاهدين وقد شهد اثنان بما يثبته فيثبت كما لو شهدا بنفس الحق ولأن شاهدي الفرع بدل من شهود الأصل فيكفي في عددها ما يكفي شهادة الأصل ولأن هذا إجماع على ما ذكره أحمد وإسحاق ولأن شاهدي الفرع لا ينقلان عن شاهدي الأصل حقا عليهما فوجب أن يقبل فيه قول واحد كأخبار الديانات فإنهم إنما ينقلون الشهادة وليست حقا عليهم ولهذا لو أنكراها لم يعد الحاكم عليهما ولم يطلب منهما

وهذا الجواب عما ذكروه

فإذا ثبت هذا فمن اعتبر لكل شاهد أصل شاهدي فرع أجاز أن يشهد شاهدان على كل واحد من شاهدي الأصل

وبهذا قال مالك وأصحاب الرأي

وقال الشافعي ورأيت كثيرا من الحكام والمفتين يجيزه وخرجه على قولين أحدهما جوازه والآخر لا يجوز حتى يكون شهود الفرع أربعة على كل شاهد أصل شاهدا فرع

واختاره المزني لأن من يثبت به أحد طرفي الشهادة لا يثبت به الطرف الآخر كما لو شهد أصل مع شاهد ثم شهد مع آخر على شهادة شاهد الأصل الآخر

ولنا إنهما شهدا على قولين فوجب أن يقبل كما لو شهدا بإقرارين بحقين أو بإقرار اثنين وإنما لم يجز أن يشهد شاهد الأصل فرعا لأنه يؤدي إلى أن يكون بدل أصلا في شهادة بحق وذلك لا يجوز ولأنهم يثبتون بشهادتهم شهادة الأصل وليست شهادة أحدهم ظرفا لشهادة الآخر فعلى قول الشافعي أن يثبت الحق بشهادة رجل وامرأتين وجب أن يكون شهود الفرع ستة وإن كان حق يثبت بأربع نسوة فوجب أن يكون شهود الفرع ثمانية وإن كان المشهود به زنا خرج فيه خمسة أقوال

أحدها لا مدخل لشهادة الفرع في إثباته والثاني يجوز ويجب أن يكون شهود الفرع ستة عشر فيشهد على شهادة كل واحد من شهود الأصل أربعة

الثالث يكفي ثمانية

والرابع يكونون أربعة يشهدون على كل واحد

والخامس يكفي شاهدان يشهدان على كل واحد من شهود الأصل وهذا إثبات لحد الزنا بشاهدين وهو بعيد

فصل وإن شهد بالحق شاهدا أصل وشاهدا فرع يشهدان على شهادة أصل آخر جاز وإن شهد شاهد أصل وشاهد فرع خرج فيه من الخلاف ما ذكرنا من قبل وإن شهد شاهد أصل ثم شهد هو


202

وآخر فرعا على شاهد أصل آخر لم تفد شهادته الفرعية شيئا وكان حكم ذلك حكم ما لو شهد على شهادته شاهد واحد

مسألة

قال ( ويشهد على من سمعه يقر بحق وإن لم يقل للشاهد اشهد علي )

اختلفت الرواية عن أحمد في هذه المسألة

فالمذهب ما ذكره الخرقي وبه قال الشعبي والشافعي

وعن أحمد رواية ثانية لا يشهد حتى يقول له المقر اشهد علي كما أنه لا يجوز أن يشهد على شهادة رجل حتى يسترعيه إياها ويقول له اشهد على شهادتي وعن رواية ثالثة إذا سمعه يقر بقرض لا يشهد وإذا سمعه يقر بدين يشهد

لأن المقر بالدين معترف أنه عليه والمقر بالقرض لا يعترف بذلك لجواز أن يكون اقترض منه ثم وفاه

وعنه رواية رابعة إذا سمع شيئا فدعي إلى الشهادة فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء لم يشهد

قال ولكن يجب عليه إذا أشهد أن يشهد إذا دعي ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا البقرة 282 قال إذا أشهدوا

وقال ابن أبي موسى إذا سمع رجلا يقر لرجل بحق ولم يقل اشهد علي بذلك وسمع الشاهد فله أن يشهد عليه فيقول أشهد أني حضرت إقرار فلان بكذا ولا يقول أشهد على إقراره وإن سمعه يقول اقترضت من فلان أو قبضت من فلان لم يجز أن يشهد به والصحيح الأول لأن الشاهد يشهد بما علمه وقد حصل له العلم بسماعه فجاز أن يشهد به كما يجوز أن يشهد بما رآه من الأفعال وذكر القاضي أن في الأفعال روايتين أحدهما لا يشهد به حتى يقول المشهود عليه اشهد وهذا إن أراد به العموم في جميع الأفعال فلا يصح لأن ذلك يؤدي إلى منع الشهادة عليها بالكلية فإن الغاصب لا يقول لأحد اشهد علي أني أغصب ولا السارق ولا الزاني ولا القاتل وأشباه هؤلاء

وقد شهد أبو بكرة وأصحابه على المغيرة بالزنا لم يقل عمر هل أشهدكم أو لا ولم يقل هذا أحد من الصحابة ولا من غيرهم ولا قاله الذين شهدوا على قدامة بشرب الخمر ولا قاله عمر للذين شهدوا على الوليد بن عقبة

وإن أراد به الأفعال التي تكون بالتراضي كالقرض والقبض فيه وفي الرهن والبيع والافتراق ونحو ذلك جاز

فصل ولو حضر شاهدان حسابا بين اثنين شرطا عليهما أن لا يحفظا عليهما شيئا كان لشاهدين أن يشهدا بما سمعاه منهما ولم يسقط ذلك شرطهما لأن للشاهد أن يشهد بما سمعه أو علمه

وذلك قد حصل له سواء أشهده أو سمعه وكذلك يشهدان على العقود بحضورها وعلى الجنايات بمشاهدتها ولا يحتاجان إلى إشهاد وبهذا قال ابن سيرين ومالك والثوري والشافعي

فصل والحقوق على ضربين أحدهما حق لآدمي معين كالحقوق المالية والنكاح وغيره من العقود والعقوبات كالقصاص وحد


203

القذف والوقف على آدمي معين فلا تسمع الشهادة فيه إلا بعد الدعوى لأن الشهادة فيه حق لآدمي فلا تستوفى إلا بعد مطالبته وإذنه ولأنها حجة على الدعوى ودليل لها فلا يجوز تقدمها عليها

الضرب الثاني ما كان حقا لآدمي غير معين كالوقف على الفقراء والمساكين أو جميع المسلمين أو على مسجد أو سقاية أو مقبرة مسبلة أو الوصية لشيء من ذلك ونحو هذا أو ما كان حقا لله تعالى كالحدود الخالصة لله تعالى أو الزكاة أو الكفارة فلا تفتقر الشهادة به إلى تقدم الدعوى لأن ذلك ليس له مستحق معين من الآدميين يدعيه ويطالب به ولذلك شهد أبو بكرة وأصحابه على المغيرة وشهد الجارود وأبو هريرة على قدامة بن مظعون بشرب الخمر وشهد الذين شهدوا على الوليد بن عقبة بشرب الخمر أيضا من غير تقدم دعوى فأجيزت شهادتهم ولذلك لم يعتبر في ابتداء الوقف قبول من أحد ولا رضى منه وكذلك ما لا يتعلق به حق أحد الغريمين كتحريم الزوجة بالطلاق أو الظهار أو إعتاق الرقيق تجوز الحسبة به ولا تعتبر فيه دعوى ولو شهد شاهدان بعتق عبد أو أمة ابتداء ثبت ذلك سواء صدقهما المشهود بعتقه أو لم يصدقهما وبهذا قال الشافعي وبه قالأبو حنيفة في الأمة وقال في العبد لا يثبت ما لم يصدق العبد به ويدعيه لأن العتق حقه فأشبه سائر حقوقه

ولنا إنها شهادة بعتق فلا تفتقر إلى تقدم الدعوى كعتق الأمة ويخالف سائر الحقوق لأنه حق لله تعالى ولهذا لا يفتقر إلى قبول العتق ودليل ذلك الأمة وما ذكروه يبطل بعتق الأمة فإن قيل الأمة يتعلق بإعتاقها تحريم الوطء قلنا هذا لا أثر له فإن المنع يوجب تحريمها عليه ولا تسمع الشهادة به إلا بعد الدعوى

فصل ومن كانت عنده شهادة لآدمي لم يخل إما أن يكون عالما بها أو غير عالم فإن كان عالما بها لم يجز للشاهد أداؤها حتى يسأله ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون ويشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون رواه البخاري ولأن أداءها حق للمشهود له فلا يستوفى إلا برضاه كسائر حقوقه وإن كان المشهود له غير عالم بها جاز للشاهد أداؤها قبل طلبها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أنبئكم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها

رواه مسلم وأبو داود ومالك وقال مالك هو الذي يأتي بشهادته ولا يعلم بها الذي هي له وهذا الحديث وإن كان مطلقا فإنه يتعين حمله على هذه الصور جمعا بين الحديثين ولأنه إذا لم يكن عالما بها فتركه طلبها لا يدل على أنه لا يريد إقامتها بخلاف العالم بها وهذا مذهب الشافعي

فصل ويعتبر لفظ الشهادة في أدائها فيقول أشهد أنه أقر بكذا ونحوه ولو قال أعلم أو أحق وأتيقن أو أعرف لم يعتد به لأن الشهادة مصدر شهد يشهد شهادة فلا بد من الإتيان بفعلها المشتق منها ولأن فيها معنى لا يحصل في غيرها من اللفظات بدليل أنها تستعمل في اليمين فيقال أشهد بالله ولهذا تستعمل في اللعان ولا يحصل ذلك من غيرها وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافا


204

مسألة

قال ( وتجوز شهادة المستخفي إذا كان عدلا )

المستخفي هو الذي يخفي نفسه عن المشهود عليه ليسمع إقراره ولا يعلم به مثل من يجحد الحق علانية ويقر به سرا فيختبىء شاهدان في موضع لا يعلم بهما ليسمعا إقراره به ثم يشهدا به فشهادتهما مقبولة على الرواية الصحيحة وبهذا قال عمرو بن حريث وقال كذلك يفعل بالخائن والفاجر وروي مثل ذلك عن شريح وهو قولالشافعي وروي عن أحمد رواية أخرى لا تسمع شهادته وهو اختيار أبي بكر وابن أبي موسى وروي ذلك عن شريح والشعبي لأن الله تعالى قال ولا تجسسوا وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حدث بحديث ثم التفت فهي أمانة يعني أنه لا يجوز لسامعه ذكره عنه لالتفاته وحذره وقال مالك إن كان المشهود عليه ضعيفا ينخدع لم يقبلا عليه وإن لم يكن كذلك قبلت

ولنا إنهما شهدا بما سمعاه يقينا فقبلت شهادتهما كما لو علم بها


205

كتاب الأقضية

مسألة

قال أبو القاسم رحمه الله ( وإذا هلك رجل وخلف ولدين ومائتي درهم فأقر أحدهما بمائة درهم دينا على أبيه لأجنبي دفع إلى المقر له نصف ما في يده من إرثه عن أبيه إلا أن يكون المقر عدلا فيشاء الغريم أن يحلف مع شهادة الابن ويأخذ مائة وتكون المائة الباقية بين الابنين )

هذه المسألة في الإقرار من بعض الورثة وقد ذكرناها في باب الإقرار وأنه إنما يلزم المقر من الدين بقدر ميراثه منه وميراثه ها هنا النصف فيكون عليه نصف الدين وهو نصف المائة ونصفها الباقي يشهد به على أخيه فإن كان عدلا فشاء الغريم حلف مع شهادته واستحق الباقي لأنه لا تهمة في حق الابن المقر فإنه لا يجر إلى نفسه بهذه الشهادة نفعا ولا يدفع بها ضرا وإن شهد أجنبي مع الوارث المقر كملت الشهادة وحكم للمدعي بما شهدا به له إذا كانا عدلين وأديا الشهادة بلفظ الشهادة ولا يكتفى بلفظ الإقرار في الشهادة لما ذكرنا من قبل وإن كان الإقرار من اثنين من الورثة عدلين مثل أن يخلف ثلاثة بنين فيقر اثنان منهم بالدين ويشهدان به فإن شهادتهما تقبل ويثبت باقي الدين في حق المنكر

وبهذا كله قال الحسن والشعبي والشافعي وابن المنذر وقال حماد وأصحاب الرأي المقر به كله في نصيب المقر وهو قول الشعبي وعلى هذا ينبغي أن لا تقبل شهادة المقر بالدين لأنه يجر بشهادته نفعا إلى نفسه وهو إسقاط بعض ما أقر به عن نفسه والإقرار بوصية تخرج من الثلث كالإقرار بالدين فيما ذكرناه

فصل ولو ثبت لرجل على رجل دين ببينة لم يمنع ذلك قبول شهادته عليه بدين أو وصية في قول عامة أهل العلم إلا ابن أبي ليلى قال لا تقبل شهادته على غريمه الميت بذلك فيحتمل أنه منع من ذلك لئلا يواطىء من يشهد بدين فيحاص الغرماء بما شهد له به ثم يقلسمه

ولنا إنه عدل غير مهتم فتقبل شهادته له كغيره وذلك لأنه لم يجر بشهادته إلى نفسه نفعا ولا يدفع به ضرا بل يضر نفسه بها لكون المشهود له يزاحمه في الاستيفاء وينقص ما يأخذه فهو أقرب إلى الصدق وأحرى أن تقبل شهادته وما ذكرناه له من الاحتمال يوجد في الأجنبي فلم يمنع قبول شهادته

مسألة

قال ( ول هلك رجل عن ابنين وله حق بشاهد وعليه من الدين ما يستغرق ميراثه فأبى الوارثان أن يحلفا مع الشاهد لم يكن للغريم أن يحلف مع شاهد الميت ويستحق فإن حلف الوارثان مع الشاهد حكم بالدين فدفع إلى الغريم )

وجملته أن الرجل إذا مات مفلسا زادعى ورثته ذينا له على رجل فأنكر فأقاموا شاهدا عدلا وحلفوا معه


206

حكم بالدين للميت ثم تقضى منه ديونه ثم تنفذ وصاياه من الثلث إلا أن يجيز الورثة فإن أبى الورثة أن يحلفوا لم يكن للغريم أن يحلف مع شاهد الميت وبهذا قال إسحاق وأبو ثور والشافعي في الجديد وقال في القديم للغريم أن يحلف ويستحق وهذا قول مالك لأن حقه متعلق به بدليل أنه لو ثبت المال قدم حقه على الورثة وكانت له اليمين كالوارث

ولنا إن الدين للورثة دون العريم فلم يكن له أن يحاف عليه كما لو لم يستغرق الدين ميراثه والدليل على أنه للوارث أن يكتغي بيمينه ولو كان لغيره لما اكتفي بها ولأن حف الغريم في ذمة الميت والدين للميت ولهذا يشهد الشاهد بأن الدين للميت والذي يحلف معه إنما يحلف على هذا ولا يجوز للغريم أن يحلف لي في ذمة المدعى عليه دينا بالأتفاق فلم يجز أن يحلف على دين غيره الذي لا فعل له فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل اليمين للمالك ولا يلزم على هذا الوكيل لأنه يحلف على فعل نفسه ولأن الغريم لو حلف مع الشاهد ثم أبرأ الميت من الدين لرجع الدين إلى الورثة ولو كان قد ثبت له بيمينه لم يرجع إليهم وهكذا لو وصى الميت لأنسان ثم لم يحلف الورثة لم يكن للموصى له أن يحلف لما ذكرناه

فإن حلف أحد الابنين مع الشاهد لم يثبت من الدين إلا قدر حصته وهكذا إذا ادعى الورثة وصية لأبيهم أو دينا وأقاموا شاهدا لم يثبت جميعه إلا بأيمان جميعهم وإن حلف بعضهم ثبت من الدين والوصية بقدر حقه ولا يشاركه فيه باقي الورثة لأنه لا يثبت لهم حق بدون أيمانهم ولا يجوز أن يستحقوا بيمين غيرهم ويقضي من دين أبيه بقدر ما ثبت له فإن كان في الورثة صغير أو معتوه وقف حقه حتى يبلغ الصغير ويعقل المعتوه لأنه لا يمكن أن يحلف على حاله ولا يحلف وليه لكون اليمين لا تدخلها النيابة وإن كان فيهم أخرس مفهوم الإشارة حلف وأعطي حصته وإن لم تفهم إشارته وقف حقه أيضا فإن مات أو مات الصبي والمعتوه قام ورثتهم مقامهم في اليمين والاستحقاق فإن طالب أولياؤهما في حياتهما بحبس المدعى عليه حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون ويعقل الأخرس الإشارة أو بإقامة كفيل لم يجابوا إلى ذلك لأن الحبس عذاب لا يستحق على من لم يثبت عليه حق

فصل وتركة الميت يثبت الملك فيها لورثته وسواء كان عليه دين أو لم يكن نص عليه أحمد فيمن أفلس ثم مات قال قد انتقل المبيع إلى الورثة وحصل ملكه لهم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن كان الدين يستغرق التركة منع نقلها إلى الورثة فإن كان لا يستغرقها لم يمنع انتقال شيء منها

وقال أبو سعيد الاصطخري يمنع بقدره وقد أومأ أحمد إلى مثل هذا فإنه قال في أربعة بنين ترك أبوهم دارا وعليه دين فقال أحد البنين أنا أعطي ودعوا لي الربع فقال أحمد هذه الدار للغرماء لا يرثون شيئا حتى يؤدوا الدين وهذا يدل على أنها لم تنتقل إليهم عنده لأنه يمنع الوارث من إمساك الربع بدفع قيمته لأن الدين لم يثبت في ذمم الورثة فيجب أن يتعلق بالتركة والمذهب الأول ولهذا قال إن الغريم لا يحلف على دين الميت وذلك أن الدين محله الذمة وإنما يتعلق بالتركة فيتخير الورثة بين قضاء الدين منها أو من


207

غيرها كالرهن والجاني ولهذا لا يلزم للغرماء نفقة العبيد ولا يكون نماء التركة لهم ولأنه لا يخلو من أن تنتقل إلى الورثة أو إلى الغرماء أو تبقى للميت أو لا تكون لأحد

لا يجوز أن تنتقل إلى الغرماء لأنها لو انتقلت إليهم لزمهم نفقة الحيوان وكان نماؤها لهم غير محسوب من دينهم ولا يجوز أن تبقى للميت لأنه لم يبق أهلا للملك ولا يجوز أن لا تكون لأحد لأنها مال مملوك فلا بد من مالك ولأنها لو بقيت بغير مالك لأبيحت لمن يتملكها كسائر المباحات فثبت أنها انتقلت إلى الورثة فعلى هذا إذا نمت التركة مثل أن غلت الدار وأثمرت النخيل ونتجت الماشية فهو للوارث ينفرد به لا يتعلق به حق الغرماء لأنه نماء ملكه فأشبه كسب الجاني ويحتمل أن يتعلق به حق الغرماء كنماء الرهن ومن اختار الأول قال تعلق الحق بالرهن آكد لأنه ثبت باختيار المالك ورضاه ولهذا منع التصرف فيه وهذا يثبت بغير رضى المالك ولم يمنع التصرف فكان أشبه بالجاني

وعلى الرواية الأخرى يكون نماء التركة حكمه حكم التركة وما يحتاج إليه من المؤنة منها وإن تصرف الورثة في التركة ببيع أو هبة أو قسمة فعلى الرواية الأولى تصرفهم صحيح فإن قضوا الدين وإلا نقضت تصرفاتهم كما لو تصرف السيد في العبد الجاني ولم يقض دين الجناية وعلى الرواية الأخرى تصرفاتهم فاسدة لأنهم تصرفوا فيما لم يملكوه

فصل إذا خلف ثلاثة بنين وأبوين فادعى البنون أن أباهم وقف داره عليهم في صحته وأقاموا بذلك شاهدا واحدا حلفوا معه وصارت وقفا عليهم وسقط حق الأبوين وإن لم يحلفوا معه ولم يكن على الميت دين ولا له وصية حلف الأبوان وكان نصيبهما طلقا لهما ونصيب البنين وقفا عليهم بإقرارهم لأنه ينفذ بإقرارهم وإن كان على الميت دين أو وصى بشيء قضي دينه ونفذت وصيته وما بقي بين الورثة فما حصل للبنين كان وقفا عليهم بإقرارهم وإن حلف واحد منهم كان ثلث الدار وقفا عليه والباقي يقضي منه الدين وما فضل يكون ميراثا فما حصل للابنين منه كان وقفا عليهما ولا يرث الخالف شيئا لأنه يعترف أنه لا يستحق منها شيئا سوى ما وقف عليه وإن حلفوا كلهم فثبت الوقف عليهم لم يخل من أن يكون الوقف مرتبا على بطن ثم على بطن بعد بطن أبدا أو مشتركا فإن كان مرتبا فإذا انقرض الأولاد الثلاثة انتقل الوقف إلى البطن الثاني بغير يمين لأنه قد ثبت كونه وقفا بالشاهدين ويمين الأولاد فلم يحتج من انتقل إليه إلى بينة كما لو ثبت بشاهدين وكالمال الموروث وكذلك إذا انقرض الأولاد ورجع إلى المساكين لم يحتاجوا في ثبوته لهم إلى يمين لما ذكرناه

وإن انقرض أحد الأولاد انتقل نصيبه منه إلى إخوته أو إلى من شرط الواقف انتقاله إليه بغير يمين لما ذكرنا فإن امتنع البطن الأول من اليمين فقد ذكرنا أن نصيبهم يكون وقفا عليهم بإقرارهم فإذا انقرضوا كان ذلك وقفا على حسب ما أقروا به فإن كان إقرارهم أنه وقف عليهم ثم على أولادهم فقال أولادهم نحن نحلف مع شاهدنا لتكون جميع الدار وقفا لنا فلهم ذلك لأنهم ينقلون الوقف من الواقف فلهم إثباته


208

كالبطن الأول فأما إن حلف أحد البنين ونكل أخواه ثم مات الحالف ونظرت فإن مات بعد موت إخوته صرف نصيبه إلى أولاده وجها واحدا وإن مات في حياة إخوته ففيه ثلاثة أوجه أحدها ينصرف إلى إخوته لأنه لا يثبت للبطن الثاني شيء مع بقاء أحد من البطن الأول

والثاني ينتقل إلى أولاده لأن أخويه أسقطا حقهما بنكولهما فصارا كالمعدومين

والثالث يصرف إلى أقرب عصبة الواقف لأنه لم يمكن صرفه إلى الأخوين ولا إلى البطن الثاني لما ذكرنا فيصرف إلى أقرب عصبة الواقف إلى أن يموت الأخوان ثم يعود إلى البطن الثاني والأول أصح لأن الأخوين لم يسقطا حقوقهما وإنما امتنعا من إقامة الحجة عليه ولذلك لو اعترف لهما الأبوان ثبت الوقف من غير يمين وهاهنا قد حصل الاعتراف من البطن الثاني فوجب أن ينصرف إليهما لحصول الاتفاق من الجميع على استحقاقهما له

فإن قيل فإذا كان البطن الثاني صغارا فما حصل الاعتراف منهم

قلنا قد حصل الاعتراف من الحالف الذي ثبتت الحجة بيمينه وبالبينة التي ثبت بها الوقف وبها يستحق البطن الثاني فاكتفى بذلك في انتقاله إلى الأخوين كما يكتفى به في انتقاله إلى البطن الثاني بعد انقراض الأخوين ويدل على صحة هذا أننا اكتفينا بالبينة في أصل الوقف وفي كيفيته وصفته وترتيبه فيما عدا هذا المختلف فيه فيجب أن يكتفى به فيه

فأما إن كان شرط الواقف أن من مات منهم عن ولد انتقل نصيبه إليه انتقل إلى أولاده وجها واحدا لأنه لا منازع لهم فيه وإن مات من غير ولد انتقل إلى أخويه على الوجه الصحيح ويخرج فيه الوجهان الآخران

الحال الثاني إذا كان الوقف مشتركا وهو أن يدعو أن أباهم وقف داره على ولده وولد ولده ما تناسلوا فقد شرك بين البطون

ففي هذه الحال إذا حلف أولاده الثلاثة مع شاهدهم ولم يكن أحد من أولادهم معهم موجودا ثبت الوقف على الثلاثة وإن كان من أولادهم أحد موجودا فهو شريكهم فإن كان كبيرا حلف واستحق وإن لم يحلف كان نصيبه ميراثا تقضى منه الديون وتنفذ الوصايا وباقيه للورثة لأنه يأخذ الوقف ابتداء من الواقف بغير واسطة فهو كأحد البنين وإن كان صغيرا أو حدث لأحد البنين ولد يشاركهم في الوقف أو كان أحد البنين صغيرا وقف نصيبه من الوقف عليه ولا يسلم إلى وليه حتى يبلغ فيحلف أو يمتنع لأنه يتلقى الوقف من غير واسطة

فإن قيل فلم لم يستحق بغير يمين لكون البنين المستحقين معترفين له بذلك فيكتفى باعترافهم كما لو كان في أيديهم دار فاعترفوا لصغير منها بشرك فإنه يسلم إلى وليه قلنا الفرق بينهما أن الدار التي في أيديهم لم يكن لهم فيها منازع ولا يوجب على أحد منهم فيها يمين وهذه ينازعهم فيها الأبوان وأصحاب الديون والوصايا وإنما يأخذونها بأيمانهم فإذا أقروا بمشارك لهم فقد اعترفوا بأنه كواحد منهم لا يستحق إلا بيمينه كما لا يستحق واحد منهم إلا باليمين ويفارق ما إذا كان الوقف مرتبا على بطن بعد بطن فإنه لا يشاركهم


209

أحد من البطن الثاني فإذا بلغ الصغير الموقوف نصيبه فحلف كان له وإن امتنع نظرت فإن كان موجودا حين الدعوى أو قبل حلفهم كان نصيبه ميراثا كما لو كان له بالغا فامتنع من اليمين فإن حدث بعد أيمانهم وثبوت الوقف نماء كان له نصيبه أيضا لأن الوقف ثبت في جميع الدار بأيمان البنين فلا يبطل بامتناع من حدث إلا أنه إن أقر أنها ليست وقفا وكذب البنين في ذلك كان نصيبه من الغلة ميراثا حكمه حكم نماء الميراث وإن لم يكذبهم فنصيبه وقف له

وقال القاضي إن امتنع من اليمين رد نصيبه إلى الأولاد الثلاثة ولم يفرق بين من كان موجودا حال الدعوى والحادث بعدها لأنه لا يجوز أن يستحق بغير يمينه ولا يجوز أن يبطل الوقف الثابت بأيمانهم فتعين رد نصيبه إليهم

ولنا إنه إن كان موجودا حال الدعوى وحلفهم فهو شريكهم حين يثبت الوقف فلم يجز أن يثبت الوقف في نصيبه بغير يمينه كالبالغ وإن كان حادثا بعد ثبوت الوقف بأيمانهم فهم مقرون له بنصيبه وهو يصدقهم في إقرارهم فلم يجز لهم أخذ نصيبه كما لو أقروا له بمال ولأنهم يقرون بأنهم لا يستحقون أكثر من ثلاثة أرباع الوقف فلا يجوز لهم أخذ أكثر من ذلك وإن مات الصغير قبل بلوغه قام وارثه مقامه فيما ذكرنا وإن مات أحد البنين البالغين قبل بلوغ الصغير وقف أيضا نصيبه مما كان لعمه الميت وكان الحكم فيه كالحكم في نصيبه الأصلي

وقال القاضي إن بلغ فامتنع من اليمين فالربع موقوف إلى حين موت الثالث ويقسم بين البالغين وورثة الميت لأنه كان بين الثلاثة ونصيبه من الميت للبالغين الحيين خاصة لأنهما مستحقا الوقف

مسألة

قال ( ومن ادعى دعوى وذكر أن بينته بالبعد منه فحلف المدعى عليه ثم أحضر المدعي بينته حكم بها ولم تكن اليمين مزيلة للحق )

وجملته أن المدعي إذا ذكر أن بينته بعيدة منه أو لا يمكنه إحضارها أو لا يريد إقامتها فطلب اليمين من المدعى عليه أحلف له فإذا حلف ثم أحضر المدعي ببينة حكم له وبهذا قال شريح والشعبي ومالك والثوري والليث والشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وإسحاق وحكي عن ابن أبي ليلى وداود أن بينته لا تسمع لأن اليمين حجة المدعى عليه فلا تسمع بعدها حجة المدعي كما لا تسمع يمين المدعى عليه بعد بينة المدعي

ولنا قول عمر رضي الله عنه البينة الصادقة أحب إلي من اليمين الفاجرة وظاهر هذه البينة الصدق ويلزم من صدقها فجوز اليمين المتقدمة فتكون أولى ولأن كل حالة يجب عليه الحق فيها بإقراره يجب عليه بالبينة كما قبل اليمين وما ذكروه لا يصح لأن البينة الأصل واليمين بدل عنها

ولهذا لا تشرع إلا عند تعذرها والبدل يبطل بالقدرة على المبدل كبطلان التيمم بالقدرة على الماء ولا يبطل الأصل بالقدرة على


210

البدل ويدل على الفرق بينهما أنهما حال اجتماعهما وإمكان سماعهما تسمع البينة ويحكم بها ولا تسمع اليمين ولا يسأل عنها

فصل فإن طلب المدعي حبس المدعى عليه أو إقامة كفيل به إلى أن تحضر بينته البعيدة لم يقبل منه ولم يكن له ملازمة خصمه نص عليه أحمد لأنه لم يثبت له قبله حق يحبس به ولا يقيم به كفيلا ولأن الحبس عذاب فلا يلزم معصوما لم يتوجه عليه حق ولأنه لو جاز ذلك لتمكن كل ظالم من حبس من شاء من الناس بغير حق وإن كانت بينته قريبة فله ملازمته حتى يحضرها لأن ذلك من ضرورة إقامتها فإنه لو لم يتمكن من ملازمته لذهب من مجلس الحاكم ولا تمكن إقامتها إلا بحضرته ولأنه لما تمكن من إحضاره مجلس الحاكم ليقيم البينة عليه تمكن من ملازمته فيه حتى تحضر البينة وتفارق البينة البعيدة أو من لا يمكن حضورها فإن إلزامه الإقامة إلى حين حضورها يحتاج إلى حبس أو ما يقوم مقامه ولا سبيل إليه

فصل ولو أقام المدعي شاهدا واحدا ولم يحلف معه وطلب يمين المدعى عليه أحلف له ثم إن أحضر شاهدا آخر بعد ذلك كملت بينته وقضي بها لما ذكرنا في التي قبلها وإن قال المدعي لي بينة حاضرة وأريد إحلاف المدعى عليه ثم أقيم البينة عليه ففيه وجهان أحدهما له ذلك ويستحلف خصمه لأنه يملك استحلافه إذا كانت بينته بعيدة فكذلك إذا كانت قريبة ولأنه لو قال أريد إقامة بينتي القريبة ملك استحلافه فكذلك إذا أراد إقامتها

الثاني لا يملك استحلافه لأن في البينة غنية عن اليمين فلم تشرع معها ولأن البينة أصل واليمين بدل فلا يجمع البدل والأصل كالتيمم مع الماء وفارق البعيدة فإنها في الحال كالمعدومة للعجز عنها وكذلك التي لا يريد إقامتها لأنه قد تكون عليه مشقة في إحضارها أو عليها في الحضور مشقة فسقط ذلك للمشقة بخلاف التي يريد إقامتها

مسألة

قال ( واليمين التي يبرأ بها المطلوب هي اليمين بالله وإن كان الحالف كافرا )

وجملته أن اليمين المشروعة في الحقوق التي يبرأ بها المطلوب هي اليمين بالله في قول عامة أهل العلم إلا أن مالكا أحب أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو وإن استحلف حاكم بالله أجزأ

قال ابن المنذر هذا أحب إلي لأن ابن عباس روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استحلف رجلا فقال له قل والله الذي لا إله إلا هو ما له عندك شيء رواه أبو داود وفي حديث عمر حين حلف لأبي قال والله الذي لا إله إلا هو إن النخل لنخلي وما لأبي فيها شيء

وقالالشافعي إن كان المدعي قصاصا أو عتاقا أو حدا أو ما لا يبلغ نصابا غلظت اليمين فيحلف بالله لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية وقال في القسامة عالم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهذا اختيار أبي الخطاب

وذكر القاضي أن هذا في أيمان القسامة خاصة وليس بشرط


211

ولنا قول الله تعالى تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا المائدة 106 وقال تعالى فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما المائدة 107 وقال تعالى في اللعان فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين النور 6 وقال تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم الأنعام 109 قال بعض أهل التفسير من أقسم بالله فقد أقسم جهد اليمين

واستحلف النبي صلى الله عليه وسلم ركانة بن عبد يزيد في الطلاق فقال آلله ما أردت إلا واحدة وفي حديث الحضرمي والكندي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألك بينة قال لا ولكن أحلفه والله ما يعلم أنها أرضي غصبنيها رواه أبو داود

وقال عثمان لابن عمر تحلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه ولأن في الله كفاية فوجب أن يكتفي باسمه في اليمين كالموضع الذي سلموه

فأما حديث ابن عباس وعمر فإنه يدل على جواز الاستحلاف كذلك وما ذكرناه يدل على الاكتفاء باسم الله وحده وما ذكره الباقون فتحكم لا نص فيه ولا قياس يقتضيه

إذا ثبت هذا فإن اليمين في حق المسلم والكافر جميعا بالله تعالى لا يحلف أحد بغيره لقول الله تعالى فيقسمان بالله المائدة 107 ولقول النبي صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت

فصل وتشرع اليمين في حق كل مدعى عليه سواء كان مسلما أو كافرا عدلا أو فاسقا امرأة أو رجلا لقول النبي صلى الله عليه وسلم اليمين على المدعى عليه

وروى شقيق عن الأشعث بن قيس قال قال كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لك بينة قلت لا قال لليهودي احلف

قلت إذا يحلف فيذهب بمالي فأنزل الله عز وجل إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا إلى آخر الآية رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه وفي حديث الحضرمي قلت إنه رجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه قال ليس لك منه إلا ذلك

مسألة

قال ( إلا أنه إن كان يهوديا قيل له قل والله الذي أنزل التوراة على موسى وإن كان نصرانيا قيل له قل والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى وإن كان لهم مواضع يعظمونها ويتوقون أن يحلفوا فيها كاذبين حلفوا فيها )

ظاهر كلامالخرقي رحمه الله أن اليمين لا تغلظ إلا في حق أهل الذمة ولا تغلظ في حق المسلمين ونحو هذا قال أبو بكر ووجه تغليظها في حقهم ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني لليهود نشدتكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى رواه أبو داود وكذلك قال الخرقي تغلظ بالمكان فيحلف في المواضع التي يعظمها ويتوقى الكذب فيها ولم يذكر التغليظ بالزمان وقال


212

أبو الخطاب إن رأى التغليظ في اليمين في اللفظ بالزمان والمكان فله ذلك قال وقد أومأ إليه أحمد في رواية الميموني وذكر التغليظ في حق المجوسي قال فيقال له قل والله الذي خلقني ورزقني وإن كان وثنيا حلفه بالله وحده وكذلك إن كان لا يعبد الله لأنه لا يجوز أن يحلف بغير الله لقول النبي صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ولأن هذا إن لم يكن يعتد هذه يمينا فإنه يزداد بها إثما وعقوبة وربما عجلت عقوبته فيتعظ بذلك ويعتبر به غيره وهذا كله ليس بشرط في اليمين وإنما للحاكم فعله إذا رأى

وممن قال يستحلف أهل الكتاب بالله وحده مسروق وأبو عبيدة بن عبد الله وعطاء وشريح والحسن وإبراهيم بن كعب بن سور ومالك والثوري وأبو عبيد

وممن قال لا يشرع التغليظ بالزمان والمكان في حق مسلم أبو حنيفة وصاحباه وقال مالك والشافعي تغلظ ثم اختلفا

فقال مالك يحلف في المدينة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحلف قائما ولا يحلف قائما إلا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستحلفون في غير المدينة في مساجد الجماعات ولا يحلف عند المنبر إلا على ما يقطع فيه السارق فصاعدا وهو ثلاثة دراهم

وقال الشافعي يستحلف المسلم بين الركن والمقام بمكة وفي المدينة عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سائر البلدان في الجوامع عند المنبر وعند الصخرة في بيت المقدس وتغلظ في الزمان في الاستحلاف بعد العصر ولا تغلظ في المال إلا في نصاب فصاعدا وتغلظ في الطلاق والعتاق والحد والقصاص وهذا اختيار أبي الخطاب

وقالابن جرير تغلظ في القليل والكثير واحتجوا بقول الله تعالى تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله المائدة 106 قيل أراد بعد العصر وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف على منبري هذا بيمين آثمة فليتبوأ مقعده من النار فثبت أنه يتعلق بذلك تأكيد اليمين وروى مالك قال اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع في دار كانت بينهما إلى مروان بن الحكم فقال زيد أحلف له مكاني فقال مروان لا والله إلا عند مقاطع الحقوق قال فجعل زيد يحلف إن حقه لحق ويأبى أن يحلف عند المنبر فجعل مروان يعجب

ولنا قول الله تعالى فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما المائدة 107 ولم يذكر مكانا ولا زمنا ولا زيادة في اللفظ واستحلف النبي صلى الله عليه وسلم ركانة في الطلاق فقال الله ما أردت إلا واحدة قال الله ما أردت إلا واحدة ولم يغلظ يمينه بزمن ولا مكان ولا زيادة لفظ وسائر ما ذكرنا في التي قبلها وحلف عمر لأبي حين تحاكما إلى زيد في مكانه وكانا في بيت زيد وقال عثمان لابن عمر تحلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه وفيما ذكروه تقييد لمطلق هذه النصوص

ومخالفة الإجماع فإن ما ذكرنا عن الخليفتين عمر وعثمان مع من حضرهما لم ينكر وهو في محل الشهرة فكان إجماعا وقوله تعالى تحبسونهما من بعد الصلاة المائدة 106 وإنما كان في حق أهل الكتاب في الوصية في السفر وهي قضية خولف فيها القياس في مواضع منها قبول شهادة أهل الكتاب على المسلمين ومنها استحلاف الشاهدين ومنها استحلاف خصومهما عند العثور على استحقاقهما الإثم وهم لا يعلمون بها


213

أصلا فكيف يحتجون بها ولما ذكر أيمان المسلمين أطلق اليمين ولم يقيدها والاحتجاج بهذا أولى من المصير إلى ما خولف فيه القياس وترك العمل به وأما حديثهم فليس فيه دليل على مشروعية اليمين عند المنبر إنما فيه تغليظ اليمين على الحالف عنده ولا يلزم من هذا الاستحلاف عنده

وأما قصة مروان فمن العجب احتجاجهم بها وذهابهم إلى قول مروان في قضية خالفه زيد فيها وقول زيد فقيه الصحابة وقاضيهم وأفرضهم أحق أن يحتج به من قول مروان فإن قول مروان لو انفرد ما جاز الاحتجاج به فكيف يجوز الاحتجاج به على مخالفة إجماع الصحابة وقول أئمتهم وفقهائهم ومخالفته فعل النبي صلى الله عليه وسلم وإطلاق كتاب الله تعالى

وهذا ما لا يجوز وإنما ذكر الخرقي التغليظ بالمكان واللفظ في حق الذمي لاستحلاف النبي صلى الله عليه وسلم اليهود بقوله نشدتكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ولقول الله تعالى في حق الكتابين تحبسونهما من بعد الصلاة المائدة 106 ولأنه روي عن كعب بن سور في نصراني قال اذهبوا به إلى المذبح واجعلوا الإنجيل في حجره والتوراة على رأسه وقال الشعبي في نصراني اذهب به إلى البيعة فاستحلفه بما يستحلف به مثله وقالابن المنذر لا أعلم حجة توجب أن يستحلف في مكان بعينه ولا بيمين غير الذي يستحلف بها المسلمون وعلى كل حال فلا خلاف بين أهل العلم في أن التغليظ بالزمان والمكان والألفاظ غير واجب إلا أن ابن الصباغ ذكر أن في وجوب التغليظ بالمكان قولين للشافعي وخالفه ابن العاص

فقال لا خلاف بين أهل العلم في أن القاضي حيث استحلف المدعى عليه في عمله وبلد قضائه جاز وإنما التغليظ بالمكان فيه اختيار فيكون التغليظ عند من رآه اختيارا واستحسانا

فصل قال ابن المنذر ولم نجد أحدا يوجب اليمين بالمصحف وقال الشافعي رأيتهم يؤكدون بالمصحف ورأيت ابن مازن وهو قاض بصنعاء يغلظ اليمين بالمصحف قال أصحابه فيغلظ عليه بإحضار المصحف لأنه يشتمل على كلام الله تعالى وأسمائه وهذا زيادة على ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليمين وفعله الخلفاء الراشدون وقضاتهم من غير دليل ولا حجة يستند إليها ولا يترك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لفعل ابن مازن ولا غيره

مسألة

قال ( ويحلف الرجل فيما عليه على البت ويحلف الوارث على دين الميت على العلم )

معنى البت القطع أي يحلف بالله ما له علي شيء

وجملة الأمر أن الأيمان كلها على البت والقطع إلا على نفي فعل الغير فإنها على نفي العلم

وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وقال الشعبي والنخعي كلها على العلم

وذكرابن أبي موسى رواية عن أحمد وذكر أحمد حديث الشيباني عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تضطروا الناس في أيمانهم أن يحلفوا على ما لا يعلمون ولأنه لا يكلف ما لا علم له به

وقال ابن أبي ليلى كلها على البت كما يحلف على فعل نفسه


214

ولنا حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم استحلف رجلا فقال له قل والله الذي لا إله إلا هو ما له عليك حق وروى الأشعث بن قيس أن رجلا من كندة ورجلا من حضرموت اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض من اليمن فقال الحضرمي يا رسول الله إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا وهي في يده قال هل لك بينة قال لا ولكن أحلفه والله العظيم ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه فتهيأ الكندي لليمين رواه أبو داود ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكروه لا يصح لأنه يمكنه الإحاطة بفعل نفسه ولا يمكنه ذلك في فعل غيره فافترقا في اليمين كما افترقت الشهادة فإنها تكون بالقطع فيما يمكن القطع فيه من العقود وعلى الظن فيما لا يمكن فيه القطع من الأملاك والأنساب وعلى نفي العلم فيما لا تمكن الإحاطة بانتفائه كالشهادة على أنه لا وارث له غير فلان وفلان وحديث القاسم بن عبد الرحمن محمول على اليمين على نفي فعل الغير

إذا ثبت هذا فإنه يحلف فيما عليه على البت نفيا كان أو إثباتا وأما ما يتعلق بفعل غيره فإن كان إثباتا مثل أن يدعي أنه أقرض أو باع ويقيم شاهدا بذلك فإنه يحلف مع شاهده على البت والقطع وإن كان على نفي العلم مثل أن يدعى عليه دين أو غصب أو جناية فإنه يحلف على نفي العلم لا غير وإن حلف عليه على البت كفاه وكان التقدير فيه العلم كما في الشاهد إذا شهد بعدد الورثة وقال ليس له وارث غيرهم سمع ذلك

وكان التقدير فيه علمه ولو ادعى عليه أن عبده جنى أو استدان فأنكر ذلك فيمينه على نفي العلم لأنها يمين على نفي فعل الغير فأشبهت اليمين الوارث على نفي الموروث

فصل قالابن أبي موسى اختلف قول أحمد فيمن باع سلعة وظهر المشتري على عيب بها

وأنكره البائع هل اليمين على البتات أو على علمه على روايتين ولو أبق عند المشتري فادعى على البائع أنه أبق عنده فأنكر هل يلزمه أن يحلف أنه لم يأبق قط أو على نفي علمه على روايتين إلا أن يكون ولده فيحلف أنه لم يأبق قط ووجه كون اليمين على علمه أنها على نفي فعل الغير فأشبه ما لو ادعى عليه أن عبده جنى ووجه الأخرى أنه إذا ادعى عليه أنه باعه معيبا يستحق به رده عليه فلزمته اليمين على البت كما لو كان إثباتا

فصل ومن توجهت عليه يمين هو فيها صادق أو توجهت له أبيح له الحلف ولا شيء عليه من إثم ولا غيره لأن الله تعالى شرع اليمين ولا يشرع محرما

وقد أمر الله تعالى نبيه أن يقسم على الحق في ثلاثة مواضع من كتابه وحلف عمر لأبي على نخيل ثم وهبه له وقال خفت إن لم أحلف أن يمتنع الناس من الحلف على حقوقهم فتصير سنة وقال حنبل بلي أبو عبد الله بنحو هذا جاء إليه ابن عمه فقال لي قبلك حق من ميراث أبي وأطالبك بالقاضي وأحلفك فقيل لأبي عبد الله ما ترى قال أحلف له إذا لم يكن له قبلي حق وأنا غير شاك في ذلك حلفت له وكيف لا أحلف وابن عمر قد حلف وأنا من أنا وعزم أبو عبد الله على اليمين فكفاه الله ذلك ورجع الغلام عن تلك المطالبة واختلف في الأولى فقال قوم الحلف أولى من افتداء يمينه لأن عمر حلف

ولأن في الحلف فائدتين أحدهما حفظ ماله عن الضياع وقد نهى


215

النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعته

والثانية تخليص أخيه الظالم من ظلمه وأكل المال بغير حقه وهذا من نصيحته ونصرته بكفه عن ظلمه وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم على رجل أن يحلف ويأخذ حقه وقال أصحابنا افتداء يمينه فإن عثمان افتدى يمينه وقال خفت أن تصادف قدرا فيقال حلف فعوقب أو هذا شؤم يمينه

وروى الخلال بإسناده أن حذيفة عرف جملا سرق له فخاصم فيه إلى قاضي المسلمين فصارت اليمين على حذيفة فقال لك عشرة دراهم فأبى فقال لك عشرون فأبى فقال لك ثلاثون فأبى فقال لك أربعون فأبى فقال حذيفة أتراني أترك جملي فحلف بالله أنه ل ما باع ولا وهب ولأن في اليمين عند الحاكم تبدلا ولا يأمن أن يصادف قدرا فينسب إلى الكذب وأنه عوقب بحلفه كاذبا وفي ذهاب ماله له أجر وليس هذا تضييعا للمال فإن أخاه المسلم ينتفع به في الدنيا ويغرمه له في الآخرة

وأماعمر فإنه خاف الاستنان به وترك الناس الحلف على حقوقهم فيدل على أنه لولا ذلك لما حلف وهذا أولى والله تعالى أعلم

فصل فأما الحلف الكاذب ليقتطع به مال أخيه ففيه إثم كبير

وقد قيل إنه من الكبائر لأن الله تعالى وعد عليه العذاب الأليم فقال سبحانه إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم آل عمران 77 قال الأشعث بن قيس نزلت هذه الآية كان لي بئر في أرض ابن عم لي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بينتك أو يمينه قلت إذا يحلف عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان أخرجه البخاري

وروى ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان متفق عليه وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الكندي لئن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض وهو حديث حسن صحيح وقد روي في حديث أن يمين الغموس تذر الديار بلاقع ويستحب للحاكم أن يخوف المدعى عليه من اليمين الفاجرة ويقرأ عليه الآية والأخبار

فصل ومن ادعى عليه دين وهو معسر به لم يحل له أن يحلف أنه لا حق له علي وبهذا قال المزني وقال أبو ثور له ذلك لأن الله تعالى قال وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ( البقرة 280 ) ولأنه لا يستحق مطالبته به في الحال ولا يجب عليه أداؤه إليه

ولنا أن الدين في ذمته وهو حق له عليه ولو لم يكن عليه حق لم يجب إنظاره به

فصل ويمين الحالف على حسب جوابه فإذا ادعى عليه أنه غصبه أو استودعه وديعة أو اقترض منه نظرنا في جواب المدعى عليه فإن قال ما غصبتك ولا استودعتني ولا أقرضتني كلف أن يحلف على ذلك فإن قال ما لك علي حق أو لا تستحق علي شيئا أو لا تستحق علي ما ادعيته ولا شيئا منه كان جوابا صحيحا ولا يكلف الجواب عن الغصب والوديعة والقرض لأنه يجوز أن يكون غصب منه ثم رده عليه


216

فلو كلف جحد ذلك كان كاذبا وإن أقر به ثم ادعى الرد لم يقبل منه فإذا طلب منه اليمين حلف على حسب ما أجاب

ولو ادعى أنني ابتعت منك الدار التي في يدك فأنكره وطلب يمينه نظرنا في جوابه فإن أجاب بأنك لا تستحقها حلف على ذلك ولم يلزمه أن يحلف أنه ما ابتاعها لأنه قد يبتاعها منه ثم يردها عليه وإن أجاب بأنك لم تبتعها مني حلف على ذلك

وقالأحمد في رجل ادعى على رجل أنه أودعه فأنكره هل يحلف ما أودعتني قال إذا حلف ما لك عندي شيء ولا لك في يدي شيء فهو يأتي على ذلك وهذا يدل على أنه لا يلزمه الحلف على حسب الجواب وأنه متى حلف ما لك قبلي حق برىء بذلك ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين

فصل ولا تدخل اليمين النيابة ولا يحلف أحد عن غيره فلو كان المدعى عليه صغيرا أو مجنونا لم يحلف عنه ووقف الأمر حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون ولم يحلف عنه وليه ولو ادعى الأب لابنه الصغير حقا أو ادعاه الوصي أو الأمين له فأنكر المدعى عليه فالقول قوله مع يمينة فإن نكل قضي عليه ومن لم ير القضاء بالنكول ورأى رد اليمين على المدعي لم يحلف الولي عنهما ولكن تقف اليمين ويكتب الحاكم محضرا بنكول المدعى عليه وإن ادعى على العبد دعوى نظرت فإن كانت مما يقبل قول العبد فيها على نفسه كالقصاص والطلاق والقذف فالخصومة معه دون سيده

فإن قلنا إن اليمين تشرع في هذا أحلف العبد دون سيده وإن نكل لم يحلف غيره وإن كان مما لا يقبل قول العبد كإتلاف مال أو جناية توجب المال فالخصم السيد واليمين عليه ولا يحلف العبد فيها بحال

فصل وإذا نكل من توجهت عليه اليمين عنها وقال لي بينة أقيمها أو حساب استثبته لأحلف على ما أتيقن فذكر أبو الخطاب أنه لا يمهل وإن لم يحلف جعل ناكلا وقيل لا يكون ذلك نكولا ويمهل مدة قريبة وإن قال ما أريد أن أحلف أو سكت فلم يذكر شيئا نظرنا في المدعى فإن كان مالا أو المقصود منه المال قضي عليه بنكوله ولم ترد اليمين على المدعي نص عليه أحمد فقال أنا لا أرى رد اليمين إن حلف المدعى عليه وإلا دفع إليه حقه وبهذا قال أبو حنيفة واختار أبو الخطاب أن له رد اليمين على المدعي إن ردها حلف المدعي وحكم له بما ادعاه قال وقد صوبه أحمد فقال ما هو ببعيد يحلف ويستحق وقال هو قول أهل المدينة روي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال شريح والشعبي والنخعي وابن سيرين ومالك في المال خاصة وقاله الشافعي في جميع الدعاوى لما روي عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رد اليمين على طالب الحق رواه الدارقطني ولأنه إذا نكل ظهر صدق المدعي وقوي جانبه فتشرع اليمين في حقه كالمدعى عليه قبل نكوله وكالمدعي إذا شهد له شاهد واحد ولأن النكول قد يكون لجهله بالحال وتورعه عن الحلف على ما لا يتحققه أو للخوف من عاقبة اليمين أو ترفعا عنها مع علمه بصدقه في إنكاره ولا يتعين بنكوله صدق المدعي فلا يجوز الحكم له من غير دليل فإذا حلف كانت يمينه دليلا عند عدم ما هو أقوى منها كما


217

في موضع الوفاق وقال ابن أبي ليلى لا أدعه حتى يقر أو يحلف

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمين على جانب المدعى عليه فحصرها في جانب المدعى عليه وقوله البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه فجعل جنس اليمين في جنبة المدعى عليه كما جعل جنس البينة في جنبة المدعي وقال أحمد قدم ابن عمر إلى عثمان في عبد له فقال له احلف أنك ما بعته وبه عيب علمته فأبى ابن عمر أن يحلف فرد العبد عليه ولم يرد اليمين على المدعي ولأنها بينة في المال فحكم فيها بالنكول كما لو مات من لا وارث له فوجد الإمام في دفتره دينا له على إنسان فطالبه به فأنكره وطلب منه اليمين فأنكره فإنه لا خلاف أن اليمين لا ترد وقد ذكر أصحاب الشافعي في هذا أنه يقضي بالنكول في أحد الوجهين وفي الآخر يحبس المدعى عليه حتى يقر أو يحلف وكذلك لو ادعى رجل على ميت أنه وصى إليه بتفريق ثلثه وأنكر الورثة ونكلوا عن اليمين قضى عليهم والخبر لا تعرف صحته ومخالفة ابن عمر له في القصة التي ذكرناها تدل على ضعفه فإنه لم يرد اليمين على المدعي ولا ردها عثمان فعلى هذا إذا نكل عن اليمين قال له الحاكم إن حلفت وإلا قضيت عليك ثلاثا فإن حلف وإلا قضى عليه وعلى القول الآخر يقول له لك رد اليمين على المدعي الله تبارك وتعالى رضي الله عنهن الرب عز وجل فإن ردها حلف وقضى له وإن نكل عن اليمين سئل عن سبب نكوله فإن قال لي بينة أقيمها أو حساب أستئبته لا أحلف على ما أتيقنه أخرت الحكومة وإن قال ما أريد أن أحلف سقط حقه من اليمين فلو بذلها في ذلك المجلس بعد هذا لم تسمع منه إلى أن يعود في مجلس آخر فإن قيل فالمدعى عليه لو امتنع من اليمين ثم بذلها سمعت منه فلم منعتم سماعها ها هنا قلنا اليمين في حق المدعى عليه هي الأصل فمتى قدر عليها أو بذلها وجب قبولها والمصير إليها كالمبدلات مع إبدالها وأما يمين المدعي فهي بدل فإذا امتنع منها لم ينتقل الحق إلى غيره فإذا امتنع منها سقط حقه منها لضعفها وأما إذا خلف وقضى له فعاد المدعى عليه وبذل اليمين لم يسمع منه وهكذا لو بذلها بعد الحكم عليه بنكوله لم يسمع لأن الحكم قد تم فلا ينقض كما لو قامت به بينة فأما غير المال وما لا يقصد به المال فلا يقضي فيه بالنكول نص عليه أحمد في القصاص

ونقل عنه في رجل ادعى على رجل أنه قذفه فقال استحلفوه فإن قال لا أحلف أقيم عليه قال أبو بكر هذا قول قديم والمذهب أنه لا يقضي في شيء من هذا بالنكول ولا فرق بين القصاص في النفس والقصاص في الطرف وبهذا قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يقضي بالنكول في القصاص فيما دون النفس وعن أحمد مثله والأول هو المذهب لأن هذا أحد نوعي القصاص فأشبه النوع الآخر فعلى هذا ما يصنع به فيه وجهان

أحدهما يخلى سبيله لأنه لم يثبت عليه حجة وتكون فائدة شرعية اليمين الردع والزجر والثاني يحبس حتى يقر أو يحلف وأصل الوجهين المرأة إذا نكلت عن اللعان

فصل وإذا حلف فقال إن شاء الله تعالى أعيدت عليه اليمين لأن الاستثناء يزيل حكم


218

اليمين وكذلك إن وصل يمينه بشرط أو كلام غير مفهوم وإن حلف قبل أن يستحلفه الحاكم أعيدت عليه ولم يعتد بما حلف قبل الاستحلاف وكذلك إن استحلفه الحاكم قبل أن يسأله المدعي استحلافه لم يعتد بها

فصل ولو ادعى على رجل دينا أو حقا فقال قد أبرأتني منه أو استوفيته مني فالقول قول من ينكر الإبراء والاستيفاء مع يمينه ويكفيه أن يحلف بالله أن هذا الحق ويسميه تسمية يصير بها معلوما ما برئت ذمتك منه ولا من شيء منه أو ما برئت ذمتك من ذلك الحق ولا من شيء منه وإن ادعى استيفاءه أو البراءة بجهة معلومة حلف على تلك الجهة وحدها وكفاه

فصل والحقوق على ضربين أحدهما ما هو حق لآدمي

والثاني ما هو حق لله تعالى فحق الآدمي ينقسم قسمين

أحدهما ما هو مال أو المقصود منه المال فهذا تشرع فيه اليمين بلا خلاف بين أهل العلم فإذا لم تكن للمدعي بينة حلف المدعى عليه وبرىء وقد ثبت هذا في قصة الحضرمي والكندي الذين اختلفا في الأرض وعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمين على المدعى عليه

القسم الثاني ما ليس بمال ولا المقصود منه المال وهو كل ما لا يثبت إلا بشاهدين كالقصاص وحد القذف والنكاح والطلاق والرجعة والعتق والنسب والاستيلاد والولاء والرق ففيه روايتان أحدهما لا يستحلف المدعى عليه ولا تعرض عليه اليمين قال أحمد لم أسمع من مضى جوزوا الأيمان إلا في الأموال والعروض خاصة وهذا قول مالك ونحوه قولهأبي حنيفة فإنه قال لا يستحلف في النكاح وما يتعلق به من دعوى الرجعة والفيئة في الإيلاء ولا في الرق وما يتعلق به من الاستيلاد والولاء والنسب لأن هذه الأشياء لا يدخلها البدل وإنما تعرض اليمين فيما يدخله البدل فإن المدعى عليه مخير بين أن يحلف أو يسلم ولأن هذه الأشياء لا تثبت إلا بشاهدين ذكرين فلا تعرض فيها اليمين كالحدود

والرواية الثانية يستحلف في الطلاق والقصاص والقذف وقال الخرقي إذا قال ارتجعتك فقالت انقضت عدتي قبل رجعتك فالقول قولها مع يمينها وإذا اختلف في مضي الأربعة أشهر فالقول قوله مع يمينه فيخرج من هذا أنه يستحلف في كل حق لآدمي وهذا قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد لقول النبي صلى الله عليه وسلم لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه أخرجه مسلم وهذا عام في كل مدعى عليه وهو ظاهر في دعوى الدماء لذكرها في الدعوى مع عموم الأحاديث ولأنها دعوى صحيحة في حق لآدمي فجاز أن يحلف فيها المدعى عليه كدعوى المال

الضرب الثاني حقوق الله تعالى وهي نوعان أحدهما الحدود فلا تشرع فيها يمين ولا نعلم في هذا خلافا لأنه لو أقر ثم رجع عن إقراره قبل منه وخلي من غير يمين فلأن لا يستحلف مع عدم الإقرار أولى ولأنه يستحب ستره والتعويض للمقربة بالرجوع عن إقراره وللشهود بترك الشهادة والستر عليه قال النبي صلى الله عليه وسلم لهزال في قصة ماعز يا هزال لو سترته بثوبك لكان خيرا لك فلا تشرع فيه يمين بحال

النوع الثاني الحقوق المالية كدعوى الساعي الزكاة على رب المال وأن الحول قد تم وكمل


219

النصاب فقال أحمد القول قول رب المال من غير يمين ولا يستحلف الناس على صدقاتهم وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد يستحلف لأنها دعوى مسموعة أشبه حق الآدمي

ولنا أنه حق لله تعالى أشبه الحد ولأن ذلك عبادة فلا يستحلف عليها كالصلاة ولو ادعى عليه أن عليه كفارة يمين أو ظهار أو نذر صدقة أو غيرها فالقول قوله في نفي ذلك من غير يمين ولا تسمع الدعوى في هذا ولا في حد لله تعالى لأنه لا حق للمدعي فيه ولا ولاية له عليه فلا تسمع منه دعواه حقا لغيره من غير إذنه ولا ولاية له عليه فإن تضمنت دعواه حقا له مثل أن يدعي سرقة ماله ليضمن السارق أو يأخذ منه ما سرقه أو يدعي عليه الزنا بجاريته ليأخذ مهرها منه سمعت دعواه ويستحلف المدعى عليه لحق الآدمي دون حق الله تعالى

مسألة

قال ( وإذا شهد من الأربعة اثنان أن هذا زنى بها في هذا البيت وشهد الآخران أنه زنى بها في البيت الآخر فالأربعة قذفه وعليهم الحد )

وجملته أن من شرط صحة الشهادة على الزنا اجتماع الشهود الأربعة على فعل واحد فإن لم يجتمعوا لم تكمل الشهادة وكان الجميع قذفة وعليهم الحد فإذا شهد اثنان أنه زنى بها في هذا البيت واثنان أنه زنى بها في بيت آخر فما اجتمعوا على الشهادة بزنا واحد لأن الزنا في هذا البيت غير الزنا في الآخر فلم تكمل شهادتهم ويحدون حد القذف وبهذا قال مالك والشافعي في أحد قوليه وقال أبو بكر تكمل شهادتهم ويحد المشهود عليه واستبعده أبو الخطاب وقال هذا سهو من الناقل لأنه يخالف الأصول والإجماع والحد يدرأ بالشبهات فكيف يجب بها وقال النخعي وأصحاب الرأي وأبو ثور والشافعي في قول لا حد على الشهود لأنهم كملوا أربعة ولا على المشهود عليه لأنهم لم يشهدوا بزنا واحد يجب الحد به

ولنا أنهم لم يشهدوا بزنا واحد فلزمهم الحد كما لو شهد اثنان أنه زنى بامرأة واثنان أنه زنى بغيرها

ولأنه لا يخلو من أن تكون شهادتهم بزنا واحد أو باثنين فإن كان بفعل واحد مثل أن يعين الجميع وقتا واحدا لا يمكن زناه فيه في الموضعين فاثنان منهم كاذبان يقينا واثنان منهم لو خلوا عن المعارضة لشهادتهم لكانا قذفة فمع التعارض أولى وإن كانت شهادتهم بفعلين كانوا قذفة كما لو عينوا في شهادتهم أنه زنى مرة أخرى وما ذكروه يبطل بالأصل الذي ذكرناه

فصل وكذلك كل شهادة على فعلين مثل أن يشهد اثنان أنه زنى بامرأة وآخران أنه زنى بأخرى أو يشهدان أنه زنى بها في يوم وآخران أنه زنى بها في آخر أو يشهدان أنه زنا بها ليلا وآخران أنه زنى بها نهارا أو يشهدان أنه زنى بها غدوة ويشهد آخران أنه زنى بها عشيا وأشباه هذا فإنهم قذفة في هذه


220

المواضع وعليهم الحد لما ذكرناه فإن شهد اثنان أنه زنى بها في زاوية بيت وشهد آخران أنه زنى بها في زاوية منه أخرى وكانتا متباعدتين فالحكم فيه كما ذكرنا وقال أبو حنيفة تقبل شهادتهم ويحد المشهود عليه استحسانا وهو قول أبي بكر

ولنا أنهما مكانان لا يمكن وقوع الفعل الواحد فيهما ولا يصح نسبته إليهما فأشبها البيتين

وأما إن كانتا متقاربتين تمكن نسبته إلى كل واحدة منهما لقربه منها كملت الشهادة لإمكان صدقهم في نسبته إلى الزاويتين جميعا

فصل ومتى كانت الشهادة على فعل فاختلف الشاهدان في زمنه أو مكانه أو صفة له تدل على تغاير الفعلين لم تكمل شهادتهما مثل أن يشهد أحدهما أنه غصبه دينارا يوم السبت ويشهد الآخر أنه غصبه دينارا يوم الجمعة أو يشهد أحدهما أنه غصبه بدمشق ويشهد الآخر أنه غصبه بمصر أو يشهد أحدهما أنه غصبه دينارا ويشهد الآخر أنه غصبه ثوبا فلا تكمل الشهادة لأن كل فعل لم يشهد به شاهدان

وهكذا إن اختلفا في زمن القتل أو مكانه أو صفته أو في شرب الخمر أو القذف لم تكمل الشهادة لأن ما شهد به أحد الشاهدين غير الذي شهد به الآخر فلم يشهد بكل واحد من الفعلين إلا شاهد واحد فلم يقبل إلا على قول أبي بكر فإن هذه الشهادة لم تكمل ويثبت المشهود به إذا اختلفا في الزمان والمكان فأما إن اختلفا في صفة الفعل فشهد أحدهما أنه سرق مع الزوال كيسا أبيض وشهد آخر أنه سرق مع الزوال كيسا أسود أو شهد أحدهما أنه سرق هذا الكيس غدوة وشهد الآخر أنه سرقه عشيا لم تكمل الشهادة ذكره ابن حامد وقال أبو بكر تكمل والأول أصح لأن كل فعل لم يشهد به إلا واحد على ما قدمناه

وإن اختلفا في صفة المشهود به اختلافا يوجب تغيرهما مثل أن يشهد أحدهما بثوب والآخر بدينار فلا خلاف في أن الشهادة لا تكمل لأنه لا يمكن إيجابهما جميعا لأنه يكون إيجابا بالحق عليه بشهادة واحد ولا إيجاب أحدهما بعينه لأن الآخر لم يشهد به وليس أحدهما أولى من الآخر فأما إن شهد بكل فعل شاهدان واختلفا في الزمان أو المكان أو الصفة ثبتا جميعا لأن كل واحد منهما قد شهدت به بينة عادلة لو انفردت أثبتت الحق وشهادة الأخرى لا تعارضها لإمكان الجمع بينهما إلا أن يكون الفعل مما لا يمكن تكرره كقتل رجل بعينه فتتعارض البينتان لعلمنا أن إحداهما كاذبة ولا نعلم أيتها هي بخلاف ما يتكرر ويمكن صدق البينتين فيه فإنهما جميعا يثبتان إن ادعاهما وإن لم يدع إلا إحداهما ثبت له ما ادعاه دون ما لم يدعه

وإن شهد اثنان أنه سرق مع الزوال كيسا أسود وشهد آخران أنه سرق مع الزوال كيسا أبيض أو شهد اثنان أنه سرق هذا الكيس غدوة وشهد آخران أنه سرقه عشيا فقال القاضي يتعارضان وهو مذهب الشافعي كما لو كان المشهود به قتلا والصحيح أن هذا لا تعارض فيه لا يمكن صدق البينتين بأن يسرق


221

عند الزوال كيسين أبيض وأسود فتشهد كل بينة بأحدهما ويمكن أن يسرق كيسا غدوة ثم يعود إلى صاحبه أو غيره فيسرقه عشيا ومع إمكان الجمع لا تعارض

فعلى هذا إن ادعاهما المشهود له ثبتا له في الصورة الأولى وأما في الصورة الثانية فيثبت له الكيس المشهود به حسب فإن المشهود به وإن كانا فعلين لكنهما في محل واحد فلا يجب أكثر من ضمانه وإن لم يدع المشهود له إلا أحد الكيسين ثبت له ولم يثبت له الآخر لعدم دعواه إياه وإن شهد له شاهد بسرقة كيس في يوم وشهد آخر بسرقة كيس في يوم آخر أو شهد أحدهما في مكان وشهد آخر بسرقة في مكان آخر أو شهد أحدهما بغصب كيس أبيض وشهد آخر بغصب كيس أسود فادعاهما المشهود له فله أن يحلف مع كل واحد منهما ويحكم له به لأنه مال قد شهد له به شاهد وإن لم يدع إلا أحدهما ثبت له ما ادعاه ولم يثبت له الآخر لعدم دعواه إياه

فصل فأما الشهادة على الإقرار مثل أن يشهد أحدهما أنه أقر عندي يوم الخميس بدمشق أنه قتله أو قذفه أو غصبه كذا أو أن له في ذمته كذا ويشهد آخر أنه أقر عندي بهذا يوم السبت بحمص كملت شهادتهما

وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي

وقال زفر لا تكمل شهادتهما لأن كل إقرار لم يشهد به إلا واحد فلم تكمل الشهادة فأشبه الشهادة على الفعل

ولنا إن المقر به واحد وقد شهد اثنان بالإقرار به فكملت شهادتهما كما لو كان الإقرار بهما واحدا وفارق الشهادة على الفعل فإن الشهادة فيها على فعلين مختلفين فنظيره من الإقرار أن يشهد أحدهما أنه أقر عندي أنه قتله في يوم الخميس وشهد الآخر أنه أقر أنه قتله يوم الجمعة فإن شهادتهما لا تقبل ها هنا

ويحقق ما ذكرناه أنه لا يمكن جمع الشهود لسماع الشهادة في حق كل واحد والعادة جارية بطلب الشهود في أماكنهم لا في جمعهم إلى المشهود له فيمضي إليهم في أوقات متفرقة وأماكن مختلفة فيشهدهم على إقراره وإن كان الإقرار على فعلين مختلفين مثل أن يقول أحدهما أشهد أنه أقر عندي أنه قتله يوم الخميس وقال الآخر أشهد أنه أقر عندي أنه قتله يوم الجمعة أو قال أحدهما أشهد أنه أقر عندي أنه قذفه بالعربية وقال الآخر أشهد أنه أقر عندي أنه قذفه بالعجمية لم تكمل الشهادة لأن الذي شهد به أحدهما غير الذي شهد به صاحبه فلم تكمل الشهادة كما لو شهد أحدهما أنه أقر أنه غصبه دنانير وشهد الآخر أنه أقر أنه غصبه دراهم لم تكمل الشهادة وعلى قولأبي بكر تكمل الشهادة في القتل والقذف لأن القذف بالعربية أو العجمية والقتل بالبصرة أو الكوفة ليس من المقتضى فلا يعتبر في الشهادة ولم يؤثر والأول أصح

فصل فإن شهد أحدهما أنه باع أمس وشهد الآخر أنه باع اليوم أو شهد أحدهما أنه طلقها أمس وشهد الآخر أنه طلقها اليوم فقال أصحابنا تكمل الشهادة وقالالشافعي لا تكمل لأن كل واحد من البيع والطلاق لم يشهد به إلا واحد أشبه ما لو شهد بالغصب في وقتين

ووجه قول أصحابنا أن المشهود به شيء واحد يجوز أن يعاد مرة بعد أخرى ويكون واحدا فاختلافهما في الوقت ليس باختلاف فيه فلم يؤثر كما لو شهد أحدهما بالعربية والآخر بالفارسية


222

فصل وكذلك الحكم في كل شهادة على قول فالحكم فيه كالحكم في البيع إلا النكاح فإنه كالفعل الواحد فإذا شهد أحدهما أنه تزوجها أمس وشهد الآخر أنه تزوجها اليوم لم تكمل الشهادة في قولهم جميعا

لأن النكاح أمس غير النكاح اليوم فلم يشهد بكل واحد من العقدين إلا شاهد واحد فلم يثبت كما لو كانت الشهادة على فعل وكذلك القذف فإنه لا تكمل الشهادة إلا أن يشهدا على قذف واحد

فصل فإن شهد أحدهما أنه غصب هذا العبد وشهد الآخر أنه أقر بغصبه منه كملت الشهادة وحكم بها

لأنه يجوز أن يكون الغصب الذي أقر به هو الذي شهد الشاهد به فلم يختلف الفعل وكملت الشهادة كما لو شهدا في وقتين على إقراره بالغصب وقال القاضي لا تكمل الشهادة ولا يحكم بها وهو قول الشافعي لأنه يجوز أن يكون ما أقر به غير ما شهد به الشاهد وهذا يبطل بالشهادة اقرارين فإنه يجوز أن يكون ما أقره به عند أحد الشاهدين غير ما أقر به عند الآخر إذا كانا في وقتين مختلفين

ولأنه إذا أمكن جعل الشهادة على واحد لم تحمل على اثنين كالإقرار وكما لو شهد بالغصب اثنان وشهد على الإقرار به اثنان وإن شهد أحدهما أنه غصب هذا العبد من زيد أو أنه أقر بغصبه منه وشهد الآخر أنه ملك زيد لم تكمل شهادتهما لأنهما لم يشهدا على شيء واحد وإن شهد أنه أخذه من يده ألزمه الحاكم رده إلى يديه لأن اليد دليل الملك فترد إلى يده لتكون دلالتها ثابتة له قال مهنا سألت أبا عبد الله عن رجل ادعى دارا في يد رجل وأقام شاهدين شهد أحدهما أن هذه الدار لفلان وقال الآخر أشهد أن هذه الدار دار فلان قال شهادتهما جائزة

فصل ومن شهد بالنكاح فلا بد من ذكر شروطه لأن الناس يختلفون في شروطه فيجب ذكرها لئلا يكون الشاهد يعتقد أن النكاح صحيح وهو فاسد وإن شهد بعقد سواه كالبيع والإجارة فهل يشترط ذكر شروطه على روايتين إحداهما يشترط ذكرها لأن الناس يختلفون في شروطه فاشتراط ذكرها كالنكاح

والثانية لا يشترط ذكر شروطه لأنه لا يشترط ذكرها في الدعوى فكذلك في الشهادة به بخلاف النكاح وإن شهد بالرضاع فلا بد من ذكر أنه شرب من ثديها أو من لبن حلب منه وعدد الرضعات لأن الناس يختلفون في عدد الرضعات وفي الرضاع المحرم وإن شهد أنه ابنها من الرضاع لم يكف لاختلاف الناس فيما يصير به ابنها ولا بد من ذكر أن ذلك كان في الحولين وإن شهد بالقتل فلا بد من وصف القتل فيقول جرحه فقتله أو ضربه بكذا فقتله أو ضربه بكذا فقتله ولو قال ضربه فمات لم يحكم بذلك الجواز أن يكون مات بغير هذا

وقد روي عن شريح أنه شهد عنده رجل فقال أشهد أنه اتكأ عليه بمرفقه فمات فقال له شريح فمات منه أو فقتله فأعاد القول الأول وأعاد عليه شريح سؤاله فلم يقل فقتله ولا فمات منه فقال له شريح قم فلا شهادة لك رواه سعيد ومن شهد بالزنا فلا بد من ذكر الزاني والمزني بها ومكان الزنا وصفته لأن اسم الزنا يطلق على ما لا يوجب الحد

وقد يعتقد الشاهد ما ليس بزنا زنا فاعتبر ذلك صفته ليزول الاحتمال واعتبر ذكر المرأة لئلا تكون ممن تحل له أو له في وطئها شبهة وذكر المكان لئلا تكون


223

الشهادة منهم على فعلين ومن أصحابنا من قال لا يحتاج إلى ذكر المزني بها ولا ذكر المكان لأنه محل للفعل فلم يعتبر ذكره كالزمان وإن شهد بالسرقة فلا بد من ذكر سرقة نصاب من الحرز وذكر المسروق منه وصفة السرقة وإن شهد بالقذف فلا بد من ذكر المقذوف وصفة القذف وإن شهد بمال احتاج إلى تحريره بمثل ما ذكرنا في الدعوى وإن ترك الشاهد ذكر شيء يحتاج إلى ذكره سأله الحاكم عنه كما سأل شريح الشاهد الذي شهد عنده أنه اتكأ عليه بمرفقه حتى مات وإن حرر المدعي دعواه أو حرر أحد الشاهدين شهادته وشهد بها وقال الآخر أشهد بمثل ذلك أو قال حين حرر المدعي دعواه أشهد بذلك أو بهذا أجزأه

مسألة

قال ( ولو جاء أربعة متفرقون والحاكم جالس في مجلس حكمه لم يقم قبل شهادتهم وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم كانوا قذفة وعليهم الحد )

هذه المسألة قد ذكرناها في كتاب الحدود بما أغنى عن إعادتها هنا

مسألة

قال ( ومن حكم بشهادتهما بجرح أو قتل ثم رجعا

وقالا عمدنا اقتص منهما وإن قالا أخطأنا غرما الدية أو أرش الجرح )

وجملة الأمر أن الشهود إذا رجعوا عن شهادتهم بعد أدائها لم يخل من ثلاثة أحوال أحدها أن يرجعوا قبل الحكم بها فلا يجوز الحكم بها في قول عامة أهل العلم وحكي عن أبي ثور أنه شذ عن أهل العلم وقال يحكم بها لأن الشهادة قد أديت فلا تبطل برجوع من شهد بها كما لو رجعا بعد الحكم وهذا فاسد لأن الشهادة شرط الحكم فإذا زالت قبله لم يجز كما لو فسقا ولأن رجوعهما يظهر به كذبهما فلم يجز الحكم بها كما لو شهدا بقتل رجل ثم علم حياته ولأنه زال ظنه في أن ما شهد به حق فلم يجز له الحكم به كما لو تغير اجتهاده وفارق ما بعد الحكم فإنه تم بشرطه

ولأن الشك لا يزيل ما حكم به كما لو تغير اجتهاده

الحال الثاني أن يرجعا بعد الحكم وقبل الاستيفاء فينظر فإن كان المحكوم به عقوبة كالحد والقصاص لم يجز استيفاؤه لأن الحدود تدرأ بالشبهات ورجوعهما من أعظم الشبهات ولأن المحكوم به عقوبة ولم يتعين استحقاقها ولا سبيل إلى جبرها فلم يجز استيفاؤها كما لو رجعا قبل الحكم وفارق المال فإنه يمكن جبره بإلزام الشاهدين عوضه والحد والقصاص لا ينجبر بإيجاب مثله على الشاهدين

لأن ذلك ليس بجبر ولا يحصل لمن وجب له منه عوض وإنما شرع للزجر والتشفي والانتقام لا للجبر فإن قيل فقد قلتم إنه إذا حكم بالقصاص ثم فسق الشاهدان استوفى في أحد الوجهين قلنا الرجوع أعظم في الشبهة من طريان الفسق لأنهما يقران أن شهادتهما زور وأنهما كانا فاسقين حين شهدا وحين حكم الحاكم بشهادتهما وهذا الذي طرأ فسقه لا يتحقق كون شهادته كذبا ولا أنه كان فاسقا حين أدى الشهادة ولا حين الحكم بها ولهذا لو فسق بعد الاستيفاء لم يلزمه شيء والراجعان تلزمهما غرامة ما شهدا به فافترقا وإن كان المشهود به مالا استوفى ولم ينقض حكمه في قول أهل الفتيا من علماء الأمصار وحكي عن سعيد بن المسيب


224

والأوزاعي أنهما قالا ينقض الحكم وإن استوفى الحق ثبت بشهادتهما فإذا رجعا زال ما ثبت به الحكم فنقض الحكم كما لو تبين أنهما كانا كافرين

ولنا إن حق المشهود له وجب له فلا يسقط بقولهما كما لو ادعياه لأنفسهما يحقق هذا أن حق الإنسان لا يزول إلا ببينة أو إقرار ورجوعهما ليس بشهادة ولهذا لا يفتقر إلى لفظ الشهادة ولا هو إقرار من صاحب الحق وفارق ما إذا تبين أنهما كافرين لأننا تبينا أنه لم يوجد شرط الحكم وهو شهادة العدول وفي مسألتنا لم يتبين ذلك بجواز أن يكونا عدلين صادقين في شهادتهما وإنما كذبا في رجوعهما ويفارق العقوبات حيث لا تستوفي فإنها تدرأ بالشبهات

الحال الثالث أن يرجعا بعد الاستيفاء فإنه لا يبطل الحكم ولا يلزم المشهود له شيء سواء كان المشهود به مالا أو عقوبة لأن الحكم قد تم باستيفاء المحكوم به ووصول الحق إلى مستحقه ويرجع به على الشاهدين ثم ينظر فإن كان المشهود به إتلافا في مثله القصاص كالقتل والجرح نظرنا في رجوعهما فإن قالا عمدنا الشهادة عليه بالزور ليقتل أو يقطع فعليهما القصاص وبهذا قالابن شبرمة وابن أبي ليلى والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد

وقال أصحاب الرأي لا قود عليهما لأنهما لم يباشرا الإتلاف فأشبها حافر البئر وناصب السكين إذا تلف بهما شيء

ولنا إن عليا رضي الله عنه شهد عنده رجلان على رجل بالسرقة فقطعه ثم عادا فقالا أخطأنا ليس هذا هو السارق فقال علي لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما ولا مخالف له في الصحابة فيكون إجماعا ولأنهما تسببا إلى قتله أو قطعه بما يفضي إليه غالبا فلزمهما القصاص كالمكره وفارق الحفر ونصب السكين فإنه لا يفضي إلى القتل غالبا

وقد ذكرنا هذه المسألة في القصاص فأما إن قالا عمدنا الشهادة عليه ولا نعلم أنه يقتل بهذا وكانا ممن يجوز أن يجهلا ذلك وجبت الدية في أموالهما مغلظة لأنه شبه عمد ولم تحمله العاقلة لأنه ثبت باعترافهما والعاقلة لا تحمل اعترافا وإن قال أحدهما عمدت قتله وقال الآخر أخطأت فعلى العامد نصف دية مغلظة وعلى الآخر نصف دية مخففة ولا قصاص في الصحيح من المذهب لأنه قتل عمد وخطأ

وإن قال كل واحد منهما عمدت وأخطأ صاحبي احتمل أن يجب القصاص عليهما لاعتراف كل واحد منهما بعمد نفسه واحتمل وجوب الدية لأن كل واحد منهما إنما اعترف بعمد شارك فيه مخطئا وهذا لا يوجب القصاص والإنسان إنما يؤاخذ بإقراره لا بإقرار غيره فعلى هذا تجب عليهما دية مغلظة وإن قال أحدهما عمدنا جميعا وقال الآخر عمدت وأخطأ صاحبي فعلى الأول القصاص وفي الثاني وجهان كالتي قبلها


225

وإن قالا جميعا أخطأنا فعليهما الدية مخففة في أموالهما لأن العاقلة لا تحمل الاعتراف وإن قال أحدهما عمدنا معا وقال الآخر أخطأنا معا فعلى الأول القصاص وعلى الثاني نصف دية مخففة لأن كل منهما يؤاخذ بحكم إقراره وإن قال كل واحد منهما عمدت ولا أدري ما فعل صاحبي فعليهما القصاص لإقرار كل واحد منهما بالعمد ويحتمل أن لا يجب عليهما القصاص لأن إقرار كل واحد منهما لو انفرد لم يجب عليه قصاص وإنما يؤاخذ الإنسان بإقراره لا بإقرار صاحبه وإن قال أحدهما عمدت ولا أدري ما قصد صاحبي سئل صاحبه

فإذا قال عمدت ولا أدري ما قصد صاحبي فهي كالتي قبلها وإن قال عمدنا فعليه القصاص وفي الأول وجهان

وإن قال أخطأت أو أخطأنا فلا قصاص على واحد منهما وإن جهل حال الآخر بأن يجن أو يموت أو لا يقدر عليه فلا قصاص على المقر وعليه نصيبه من الدية المغلظة

فصل وإن رجع أحد الشاهدين وحده فالحكم فيه كالحكم في رجوعهما في أن الحاكم لا يحكم بشهادتهما إذا كان رجوعه قبل الحكم وفي أنه لا يستوفي العقوبة إذا رجع قبل استيفائها لأن الشرط يختل برجوعه كاختلاله برجوعهما وإن كان رجوعه بعد الاستيفاء لزمه حكم إقراره وحده فإن أقر بما يوجب القصاص وجب عليه

وإن أقر بما يوجب دية مغلظة وجب عليه قسطه منها وإن أقر بالخطأ وجب عليه نصيبه من الدية المخففة وإن كان الشهود أكثر من اثنين في الحقوق المالية أو القصاص ونحوه فما ثبت بشاهدين أو أكثر من أربعة فرجع الزائد منهم قبل الحكم واستيفاء لم يمنع ذلك الحكم ولا الاستيفاء لأن ما بقي من البينة كاف في إثبات الحكم واستيفائه وإن رجع بعد الاستيفاء فعليه القصاص إن أقر بما يوجبه أو قسطه من الدية أو من المفوت بشهادتهم إن كان غير ذلك وفي ذلك اختلاف سنذكره إن شاء الله تعالى

مسألة

قال ( وإن كانت شهادتهما بمال غرماه ولم يرجع به على المحكوم له به سواء كان المال قائما أو تالفا )

أما كونه لا يرجع به على المحكوم له به فلا نعلم فيه بين أهل العلم خلافا سواء ما حكيناه عن سعيد بن المسيب والأوزاعي وقد ذكرنا الكلام معهما فيما مضى فأما الرجوع به على الشاهدين فهو قول أهل العلم منهم مالك وأصحاب الرأي وهو قول الشافعي القديم وقال في الجديد لا يرجع عليهما بشيء إلا أن يشهدا بعتق عبد فيضمنا قيمته لأنه لم يوجد منهما إتلاف المال ولا يد عادية عليه فلم يضمنا كما لو ردت أن شهادتهما

ولنا إنهما أخرجا ماله من يده بغير حق وحالا بينه وبينه فلزمهما الضمان كما لو شهدا بعتقه ولأنهما أزالا يد السيد عن عبده بشهادتهما المرجوع عنها فأشبه ما لو شهدا بحريته ولأنهما تسببا إلى إتلاف حقه بشهادتهما بالزور عليه فلزمهما الضمان كشاهدي القصاص يحقق هذا أنه إذا ألزمهما القصاص الذي يدرأ


226

بالشبهات فوجوب المال أولى

وقولهم إنهما ما أتلفا المال يبطل بما إذا شهدا بعتقه فإن الرق في الحقيقة لا يزول بشهادة الزور وإنما حالا بين سيده وبينه وفي موضع إتلاف المال فهما تسببا إلى تلفه فيلزمهما ضمان ما تلف بسببهما كشاهدي القصاص وشهود الزنا وحافر البئر وناصب السكين

مسألة

قال ( وإن كان المحكوم به عبدا أو أمة غرما قيمته )

أما إذا شهدا بالعبد أو الأمة لغير مالكه فالحكم في ذلك كالحكم في الشهادة بالمال على ما ذكرنا من الخلاف فيه لأنها من جملة المال وإن شهدا بحريتهما ثم رجعا عن الشهادة لزمهما غرامة قيمتهما لسيدهما بغير خلاف بينهم فيه فإن المخالف في التي قبلها هو الشافعي وقد وافق ها هنا وهو حجة عليه فيما خالف فيه فإن إخراج العبد عن يد سيده بالشهادة بحريته كإخراجه عنها بالشهادة به لغير مالكه فإذا لزمه الضمان ثم لزمه ها هنا وغرما القيمة لأن العبيد من المتقومات لا من ذوات الأمثال

فصل وإن شهدا بطلاق امرأة تبين به فحكم الحاكم بالفرقة ثم رجعا عن الشهادة وكان قبل الدخول فالواجب عليهما نصف المسمى وبهذا قال أبو حنيفة

وقال الشافعي في أحد قوليه يجب مهر المثل لأنهما أتلفا عليه البضع فلزمهما عوضه وهو مهر المثل وفي القول الآخر لزمهما نصف مهر المثل لأنه إنما ملك نصف البضع بدليل أنه إنما يجب عليه نصف المهر

ولنا أن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم بدليل ما لو أخرجته من ملكه بردتها أو إسلامها أو قتلها نفسها فإنها لا تضمن شيئا ولو فسخت نكاحها قبل الدخول برضاع من ينفسخ به نكاحها لم يغرم شيئا وإنما وجب عليهما نصف المسمى لأنهما ألزماه للزوج بشهادتهما وقراره عليه فرجع عليهما كما يرجع به على من فسخ نكاحه برضاع أو غيره

وقوله إنه ملك نصف البضع غير صحيح فإن البضع لا يجوز تمليك نصفه ولأن العقد ورد على جميعه والصداق واجب جميعه ولهذا تملكه المرأة إذا قبضته ونماؤه لها وتملك طلبه إذا لم تقبضه وإنما يسقط نصفه بالطلاق وأما إن كان الحكم بالفرقة بعد الدخول فلا ضمان عليهما وبه قال أبو حنيفة وعن أحمد رواية أخرى عليهما ضمان المسمى في الصداق لأنهما فوتا عليه نكاحا وجب عليه به عوض فكان عليهما ضمان ما وجب به كما لو شهدا بذلك قبل الدخول

وقال الشافعي يلزمهما له مهر المثل لأنهما أتلفا البضع عليه وقد سبق الكلام معه في هذا ولا يصح القياس على ما قبل الدخول لأنهما قرار عليه نصف المسمى وكان يعرض السقوط وها هنا قد تقرر المهر بالدخول فلم يقررا عليه شيئا ولم يخرجا من ملكه متقوما فأشبه ما لو أخرجاه من ملكه بقتلها أو أخرجته هي بردتها


227

فصل وإن شهدا على امرأة بنكاح فحكم به الحاكم ثم رجعا نظرت فإن طلقها الزوج قبل دخوله بها لم يغرما شيئا لأنهما لم يفوتا عليهما شيئا وإن دخل بها وكان الصداق المسمى بقدر مهر المثل أو أكثر منه ووصل إليها فلا شيء عليهما لأنها أخذت عوض ما فوتاه عليها وإن كان دونه فعليهما ما بينهما وإن لم يصل إليها فعليهما ضمان مهر مثلها لأنه عوض ما فوتاه عليها

فصل وإن شهدا بكتابة عبده ثم رجعا نظرت فإن عجز ورد في الرق فلا شيء عليهما فإن أدى وعتق فعليهما ضمان جميعه لأنهما فوتاه عليه بشهادتهما ويحتمل أن يلزمهما ما بين قيمته وما قبضه من كتابته والأول أولى لأن ما قبضه من كسب عبده فلا يحسب عليه وإن أراد تغريمها بشهادتهما ويحتمل أن يلزمهما قبل انكشاف الحال فينبغي أن يغرمهما ما بين قيمته سليما ومكاتبا وإن شهدا باستيلاد أمته ثم رجعا فينبغي أن يرجع عليهما بما نقصتها الشهادة من قيمتها وإن عتقت بموته رجع الورثة بما بقي من قيمتها

فصل وكل موضع وجب الضمان على الشهود بالرجوع وجب أن يوزع بينهم على عددهم قلوا أو كثروا قال أحمد في رواية إسحاق بن منصور إذا شهد بشهادة ثم رجع وقد أتلف مالا فإنه ضامن بقدر ما كانوا في الشهادة فإن كانوا اثنين فعليه النصف وإن كانوا ثلاثة فعليه الثلث وعلى هذا لو كانوا عشرة فعليه العشر وسواء رجع وحده أو رجعوا جميعا وسواء رجع الزائد عن القدر الكافي في الشهادة أو من ليس بزائد فلو شهد أربعة بالقصاص فرجع واحد منهم وقال عمدنا قتله فعليه القصاص وإن قال أخطأنا فعليه ربع الدية وإن رجع اثنان فعليهما القصاص أو نصف الدية وإن شهد ستة بالزنا على محصن فرجم بشهادتهم ثم رجع واحد فعليه القصاص أو سدس الدية وإن رجع اثنان فعليهما القصاص أو ثلث الدية وبهذا قال أبو عبيد وقال أبو حنيفة إن رجع واحد أو اثنان فلا شيء عليهما لأن بينة الزنا قائمة فدمه غير محقون وإن رجع ثلاثة فعليهم ربع الدية وإن رجع أربعة فعليهم نصف الدية وإن رجع خمسة فعليهم ثلاثة أرباعها وإن رجع الستة فعلى كل واحد منهم سدسها ومنصوص الشافعي فيما إذا رجع اثنان كمذهب أبي حنيفة واختلف أصحابه فيما إذا شهد بالقصاص ثلاثة فرجع أحدهما فقال أبو إسحاق لا قصاص عليه لأن بينة القصاص قائمة وهل يجب عليه ثلث الدية على وجهين

وقال ابن الحداد عليه القصاص وفرق بينه وبين الراجع من شهود الزنا إذا كان زائدا فإن دم المشهود عليه بالزنا غير محقون وهذا دمه محقون وإنما أبيح دمه لولي القصاص وحده واختلفوا فيما إذا شهد بالمال ثلاثة فرجع أحدهم

على وجهين أحدهما يضمن الثلث

والثاني لا شيء عليه

ولنا إن الإتلاف حصل بشهادتهم فالراجع مقر بالمشاركة فيه عمدا عدوانا لمن هو مثله في ذلك فلزمه القصاص كما لو أقر بمشاركتهم في مباشرة قتله ولأنه أحد من قتل المشهود عليه بشهادته فأشبه الثاني من شهود القصاص والرابع من شهود الزنا ولأنه أحد من حصل الإتلاف بشهادته فلزمه من الضمان بقسطه كما لو


228

رجع الجميع ولأن ما تضمنه كل واحد مع اتفاقهم على الرجوع يضمنه إذا انفرد بالرجوع كما لو كانوا أربعة وقولهم إن دمه غير محقون غير صحيح فإن الكلام فيم إذا قتل ولم يبق له دم يوصف بحقن ولا عدمه وقيام الشهادة لا يمنع وجوب القصاص كما لو شهدت لرجل باستحقاق القصاص فاستوفاه ثم أقر بأنه قتله ظلما وأن الشهود شهدوا بالزور والتفريق بين القصاص والرجم يكون دم القاتل غير محقون لا يصح لأنه غير محقون بالنسبة إلى من قتله ولأن كل واحد مؤاخذ بإقراره ولا يعتبر قول شريكه ولهذا لو أقر أحد الشريكين بعمدهما

وقال الآخر أخطأنا وجب القصاص على المقر بالعمد

فصل وإذا حكم الحاكم في المال بشهادة رجل وامرأتين ثم رجعوا عن الشهادة توزع الضمان عليهم على الرجل نصفه وعلى كل امرأة ربعه وإن رجع أحدهم وحده فعليه من الضمان حصته وإن كان الشهود رجلا وعشر نسوة فرجعوا فعلى الرجل السدس وعلى كل امرأة نصف السدس وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولأن كل امرأتين كرجل فالعشر كخمسة رجال ويحتمل أن يجب عليهن النصف وعلى الرجل النصف وبهذا قال أبو يوسف ومحمد لأن الرجل نصف البينة بدليل أنه لو رجع وحده بعد الحكم كان كرجوعهن كلهن فيكون الرجل حزبا والنساء حزبا فإن رجع بعض النسوة وحدهن أو الرجل فعلى الراجع مثل ما عليه إذا رجع الجميع وعند أبي حنيفة وأصحابه متى رجع من النسوة ما زاد على اثنين فليس على الراجعات شيء وقد مضى الكلام منهم في هذا

فصل وإذا شهد أربعة بأربعمائة فحكم الحاكم بها ثم رجع واحد عن مائة وآخر عن مائتين والثالث عن ثلاثمائة والرابع عن أربعمائة فعلى كل واحد مما رجع عنه بقسطه

فعلى الأول خمسة وعشرون وعلى الثاني خمسون وعلى الثالث خمسة وسبعون وعلى الرابع مائة لأن كل واحد منهم مقر بأنه فوت على المشهود عليه ربع ما رجع عنه ويقتضي مذهب أبي حنيفة أن لا يلزم الراجع عن الثلاثمائة والأربعمائة أكثر من خمسين خمسين لأن المائتين لا تلزم الراجع عن الثلاثمائة لأن المائتين التي رجعا عنهما قد بقي بها شاهدان

فصل وإذا شهد أربعة بالزنا واثنان بالإحصان فرجم ثم رجعوا عن الشهادة فالضمان على جميعهم وقال أبو حنيفة لا ضمان على شهود الإحصان لأنهم شهدوا بالشرط دون السبب الموجب للقتل وإنما يثبت ذلك شهادة الزنا ولأصحاب الشافعي وجهان كالمذهبين

ولنا إن قتله حصل بمجموع الشهادتين فتجب الغرامة على الجميع كما لو شهدوا جميعهم بالزنا وفي كيفية الضمان وجهان أحدهما يوزع عليهم على عدد رؤوسهم كشهود الزنا لأن القتل حصل من جميعهم والثاني على شهود الزنا النصف وعلى شهود الإحصان النصف لأنهم حزبان فلكل حزب نصف فإن شهد أربعة بالزنا


229

واثنان منهم بالإحصان ثم رجعوا فعلى الوجه الأول على شاهدي الإحصان الثلثان وعلى الآخرين الثلث لأن على شاهدي الإحصان الثلث لشهادتهما به والثلث لشهادتهما بالزنا وعلى الآخرين الثلث لشهادتهما بالزنا وحده

وعلى الوجه الثاني على شهود الإحصان ثلاثة أرباع الدية لأن عليهما النصف لشهادتهما بالإحصان ونصف الباقي لشهادتهما بالزنا ويحتمل أن لا يجب على شاهدي الإحصان إلا النصف لأن كل واحد منهما جنى جنايتين وجنى كل واحد من الآخرين جناية واحدة فكانت الدية بينهم على عدد رؤوسهم لا على عدد جناياتهم كما لو قتل اثنان واحدا جرحه أحدهما جرحا والآخر جرحين

فصل وإذا شهد شاهدان أنه أعتق هذا العبد على ضمان مائة درهم وقيمة العبد مائتان فحكم الحاكم بشهادتهما ثم رجعا رجع السيد على الشاهدين بمائة لأنها تمام القيمة وكذلك لو شهدا على رجل أنه طلق زوجته قبل الدخول على مائة ونصف المسمى مائتان غرما للزوج مائة لأنهما فوتاها بشهادتهما المرجوع عنها

فصل وإذا شهد رجلان على رجل بنكاح امرأة بصداق ذكراه وشهد آخران بدخوله بها ثم رجعوا بعد الحكم عليه بصداقها فعلى شهود النكاح الضمان لأنهم ألزموه المسمى ويحتمل أن يكون عليهم النصف وعلى الآخرين النصف لأنهم قرراه وشاهدا النكاح أوجباه فقسم بين الأربعة أرباعا وإن شهد مع هذا شاهدان بالطلاق لم يلزمهما شيء لأنهما لم يفوتا عليه شيئا يدعيه ولا أوجبا عليه ما لم يكن عليه واجبا

فصل وإن شهد شاهدا فرع على شاهدي أصل فحكم الحاكم بشهادتهما ثم رجع شاهدا الفرع فعليهما الضمان

لا أعلم بينهم في ذلك خلافا وإن رجع شاهدا الأصل وحدهما لزمهما الضمان أيضا وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن

وحكى أبو الخطاب عن القاضي أنه لا ضمان عليهما وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف لأن الحكم تعلق بشهادة شاهدي الفرع بدليل أنهما جعلا شهادة شاهدي الأصل شهادة فلم يلزم شاهدي الأصل ضمان لعدم تعلق الحكم بشهادتهما

ولنا إن الحق ثبت بشهادة شاهدي الأصل بدليل اعتبار عدالتهما فإذا رجعا ضمنا كشاهدي الفرع

فصل وإذا حكم الحاكم بشاهد ويمين فرجع الشاهد غرم جميع المال نص عليه أحمد في رواية جماعة وقال مالك والشافعي يلزمه النصف لأنه أحد حجتي الدعوى فكان عليه النصف كما لو كانا شاهدين

ولنا إن الشاهد حجة الدعوى فكان الضمان عليه كالشاهدين

يحققه أن اليمين قول الخصم وقول


230

الخصم ليس بحجة على خصمه وإنما هو شرط الحكم فجرى مجرى مطالبته الحاكم بالحكم وبهذا ينفصل عما ذكروه ولو سلمنا أنها حجة لكن إنما جعلها حجة شهادة الشاهد ولهذا لم يجز تقديمها على شهادته بخلاف شهادة الشاهد الآخر

قال أبو الخطاب ويتخرج أن لا يلزمه إلا النصف المحكوم به إذا قلنا ترد اليمين على المدعي

فصل وإذا رجعوا عن الشهادة بعد الحكم وقالوا عمدنا ووجب عليهم القصاص لم يعزروا ولأن القصاص يغني عن تعزيرهم وإن كان في مال عزروا وغرموا لأنهم جنوا جناية وارتكبوا جريمة عظيمة وهي شهادة الزور ويحتمل أن لا يعزروا لأن رجوعهم توبة منهم فيسقط عنهم التعزير ولأن شرعية تعزيرهم تمنعهم الرجوع خوفا منه فلا يشرع

وإن قالوا أخطأنا لم يعزروا لأن الله تعالى قال وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم الأحزاب 5 هذا إن كان قولهم يحتمل الصدق في الخطأ وإن لم يحتمله عزروا ولم يقبل قولهم

مسألة

قال ( وإذا قطع الحاكم يد السارق بشهادة اثنين ثم بان أنهم كافران أو فاسقان كانت دية اليد في بيت المال )

وجملته أن الحاكم إذا حكم بشهادة اثنين في قطع أو قتل وأنفذ ذلك ثم بان أنهما كافران أو فاسقان أو عبدان أو أحدهما فلا ضمان على الشاهدين لأنهما متيمان على أنهما صادقان فيما شهدا به وإنما الشرع منع قبول شهادتهما بخلاف الراجعين عن الشهادة فإنهما اعترفا بكذبهما ويجب الضمان على الحاكم أو الإمام الذي تولى ذلك لأنه حكم بشهادة من لا يجوز له الحكم بشهادته ولا قصاص عليه لأنه مخطىء وتجب الدية وفي محلها روايتان

إحداهما في بيت المال لأنه نائب للمسلمين ووكيلهم وخطأ الوكيل في حق موكله عليه ولأن خطأ الحاكم يكثر لكثرة تصرفاته وحكوماته فإيجاب ضمان ما يخطىء فيه على عاقلته إجحاف بهم فاقتضى ذلك التخفيف عنه بجعله في بيت المال ولهذا المعنى حملت العاقلة دية الخطأ عن القاتل

والرواية الثانية هي على عاقلته مخففة مؤجلة

لما روي أن امرأة ذكرت عند عمر بسوء فأرسل إليها فأجهضت ذا بطنها فبلغ ذلك عمر فشاور الصحابة فقال بعضهم لا شيء عليك إنما أنت مؤدب وقال علي عليك الدية فقال عمر عزمت عليك لا تبرح حتى تقسمها على قومك يعني قريشا لأنهم عاقلة عمر ولو كانت في بيت المال لم يقسمها على قومه ولأنه من خطئه فتحمله عاقلته كخطئه في غير الحكومة وللشافعي قولان كالروايتين فإذا قلنا إن الدية على عاقلته لم تحمل إلا الثلث فصاعدا ولا تحمل الكفارة لأن العاقلة لا تحمل الكفارة في محل الوفاق كذا ها هنا وتكون الكفارة في ماله وإذا قلنا إنه في بيت المال


231

فينبغي أن يكون فيه القليل والكثر لأن جعله في بيت المال لعلة أنه نائب عنهم وخطأ النائب على مستنيبه وهذا يدخل فيما يكثر خطؤه فجعل الضمان في ماله يجحف به وإن قل لكثرة تكرره وسواء تولى الحاكم الاستيفاء بنفسه أو أمر من تولاه قال أصحابنا وإن كان الولي استوفاه فهو كما لو استوفاه الحاكم لأن الحاكم سلطه على ذلك ومكنه منه والولي يدعي أنه حقه فإن قيل فإذا كان الولي استوفى حقه فينبغي أن يكون الضمان عليه كما لو حكم له بمال فقبضه ثم بان فسق شهوده كان الضمان على المستوفي دون الحاكم كذا ها هنا قلنا ثم حصل في يد المستوفي مال المحكوم عليه بغير حق فوجب عليه رده أو ضمانه إن أتلف وها هنا لم يحصل في يده شيء وإنما أتلف شيئا بخطأ الإمام وتسليطه عليه فافترقا

فصل وإن شهد بالزنا أربعة فزكاهم اثنان فرجم المشهود عليه ثم بان أن الشهود فسقة أو عبيد أو بعضهم فلا ضمان على الشهود لأنهم يزعمون أنهم محقون ولم يعلم كذبهم يقينا والضمان على المزكين وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال القاضي الضمان على الحاكم لأنه حكم بقتله من غير تحقق شرطه ولا ضمان على المزكين لأن شهادتهما شرط وليست الموجبة وقال أبو الخطاب في رؤوس المسائل الضمان على الشهود الذين شهدوا بالزنا

ولنا إن الزكين شهدوا بالزور شهادة أفضت إلى قتله فلزمهما الضمان كشهود الزنا إذا رجعوا ولا ضمان على الحاكم لأنه أمكن إحالة الضمان على الشهود فأشبه ما إذا رجعوا عن الشهادة وقوله إن شهادتهم شرط لا يصح لأن من أصلنا أن شهود الإحصان يلزمهم الضمان وإن لم يشهدوا بالسبب وقد نص عليه أحمد وقول أبي الخطاب لا يصح لأن شهود الزنا لم يرجعوا ولا علم كذبهم بخلاف المزكين فإنه تبين كذبهم وأنهم شهدوا بالزور وأما إن تبين فسق المزكين فالضمان على الحاكم لأن التفريط منه حيث قبل شهادة فاسق من غير تزكية ولا بحث فيلزمه الضمان كما لو قبل شهادة شهود الزنا من غير تزكية ثم تبين فسقهم

فصل ولو جلد الإمام إنسانا بشهادة شهود ثم بان أنهم فسقة أو كفرة أو عبيد فعلى الإمام ضمان ما حصل من أثر الضرب وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا ضمان عليه

ولنا إنها جناية صدرت عن خطأ الإمام فكانت مضمونة عليه ما لو قطعه أو قتله

فصل ولو حكم الحاكم بمال بشهادة شاهدين ثم بان أنهما فاسقان أو كافران فإن الإمام ينقض حكمه ويرد المال إن كان قائما وعوضه إن كان تالفا فإن تعذر ذلك لإعساره أو غيره فعلى الحاكم ضمانه ثم يرجع على المشهود له وعن أحمد رواية أخرى لا ينقض حكمه إذا كانا فاسقين ويغرم الشهود المال وكذلك الحكم إذا شهد عنده عدلان أن الحاكم قبله حكم بشهادة فاسقين ففيه روايتان ولا يغرم الشهود المال وكذلك الحاكم إذا شهد واختلف أصحاب الشافعي فيه أيضا ولا خلاف بين الجميع في أنه ينقض


232

حكمه إذا كانا كافرين وينقض حكم غيره إذا ثبت عنده أنه حكم بشهادة كافرين فنقيس على ذلك ما إذا حكم بشهادة فاسقين فإن شهادة الفاسقين مجمع على ردها وقد نص الله تعالى على التبين فيها فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا الحجرات 6 وأمر بإشهاد العدول وقال وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق 2 واعتبر الرضا بالشهداء فقال تعالى ممن ترضون من الشهداء البقرة 282 فيجب نقض الحكم لفوات العدالة كما يجب نقضه لفوات الإسلام ولأن الفسق معنى لو ثبت عند الحاكم قبل الحكم منعه فإذا شهد شاهدان أنه كان موجودا حالة الحكم وجب نقض الحكم كالكفر والرق في العقوبات إذا ثبت هذا فإن أبا حنيفة قال لا يسمع الحاكم الشهادة بفسق الشاهدين لا قبل الحكم ولا بعده ومتى جرح المشهود عليه البينة لم تسمع بينته بالفسق ولكن يسأل عن الشاهدين ولا تسمع على الفسق شهادة لأن الفسق لا يتعلق به حق أحد فلا تسمع فيه الدعوى والبينة

ولنا إنه معنى يتعلق الحكم به فسمعت فيه الدعوى والبينة كالتزكية وقوله لا يتعلق به حق أحد ممنوع فإن المشهود عليه يتعلق حقه بفسقه في منع الحكم عليه قبل الحكم ونقضه بعده وتبرئته من أخذ ماله أو عقوبته بغير حق فوجب أن تسمع فيه الدعوى والبينة كما لو ادعى رق الشاهدين ولم يدعه لنفسه ولأنه إذا لم تسمع البينة الفسق أدى إلى ظلم المشهود عليه لأنه يمكن أن لا يعرف فسق الشاهدين إلا شهود المشهود عليه فإذا لم تسمع شهادتهم وحكم عليه بشهادة الفاسقين كان ظالما له فأما إن قامت البينة أنه حكم بشهادة والدين أو ولدين أو عدوين نظرا في الحاكم الذي حكم بشهادتهما فإن كان ممن يرى الحكم به لم ينقض حكمه لأنه حكم باجتهاده فيما يسوغ فيه الاجتهاد ولم يخالف نصا ولا إجماعا وإن كان ممن لا يرى الحكم بشهادتهم نقضه لأن الحاكم به يعتقد بطلانه والفرق بين المال والإتلاف أن المال إن كان باقيا وجب رده إلى صاحبه لأن كل واحد أحق بماله وإن كان تالفا وجب ضمانه على آخذه لأنه أخذه بغير إذن صاحبه ولا استحقاق لأخذه أما الإتلاف فإنه لم يحصل به في يد المتلف شيء يرده ولم يمكن تضمينه لأنه إنما أتلفه بحكم الحاكم وتسليطه عليه وهو لا يقر بعدوانه بل يقول استوفيت حقي ولم يثبت خلاف دعواه ولم يكن تضمين الشهود لأنهم يقولون شهدنا بما علمنا وأخبرنا بما رأينا وسمعنا ولم نكتم شهادة الله تعالى التي لزمنا أداؤها ولم يثبت كذبهم فوجب إحالة الضمان على الحاكم لأنه حكم من غير وجود شرط الحكم ومكن من إتلاف المعصوم من غير بحث عن عدالة الشهود وكان التفريط منه فوجب إحالة الضمان عليه

مسألة

قال ( وإذا ادعى العبد أن سيده أعتقه حلف مع شاهده وصار حرا )

روي عن أحمد في هذا روايتان إحداهما أن العتق ثبت بشاهد ويمين وهو اختيار أبي بكر لأنه إزالة


233

ملك فيثبت بشاهد ويمين كالبيع والهبة ولأنه إتلاف للمال فيقبل فيه شاهد ويمين كالإتلاف بالفعل وإفضاؤه إلى تكميل الأحكام لا يمنع ثبوته بشاهد ويمين بدليل أن الولادة تثبت بشهادة النساء وينبني عليها النسب الذي لا يثبت بشهادتهن

والرواية الثانية لا تثبت الحرية إلا بشاهدين عدلين ذكرين لأنها ليست بمال ولا المقصود منها المال ويطلع عليها الرجال وغالب الأحوال فأشبهت الحدود والقصاص والله أعلم

مسألة

قال ( ومن شهد بشهادة زور أدب وأقيم للناس في المواضع التي يشتهر أنه شاهد زور إذا تحقق تعمده لذلك )

وجملة ذلك أن الشهادة الزور من أكبر الكبائر قد نهى الله عنها في كتابه مع نهيه عن الأوثان فقال تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور الحج 30 وقد روي عن خريم بن فاتك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثلاث مرات ثم تلا قوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور رواه أبو داود وروي هذا عن ابن مسعود من قوله وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا بلى يا رسول الله قال الإشراك الله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور وشهادة الزور

فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت متفق عليه

وروى أبو حنيفة عن محارب بن دثار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال شاهد الزور لا تزول قدماه حتى تجب له النار فمتى ثبت عند الحاكم عن رجل أنه شهد بزور عمدا عزره وشهره في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن عمر رضي الله عنه وبه يقول شريح والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله والأوزاعي وابن أبي ليلى ومالك والشافعي وعبد الملك بن يعلى قاضي البصرة وقال أبو حنيفة لا يعزر ولا يشهر لأنه قول منكر وزور فلا يعزر به كالظهار وروى عنه الطحاوي أنه يشهر وأنكره المتأخرون

ولنا إنه قول محرم يضربه الناس فأوجب العقوبة على قائله كالسب والقذف ويخالف الظهار من وجهين أحدهما أنه يختص بضرره

والثاني أنه أوجب كفارة شاقة هي أشد من التعزير ولأنه قول عمر رضي الله عنه ولم نعرف له في الصحابة مخالفا

وإذا ثبت هذا فإن تأديبه غير مقدور وإنما هو مفوض إلى رأي الحاكم إن رأى ذلك بالجلد جلده وإن رآه يحبس أو كشف رأسه وإهانته وتوبيخه فعل ذلك ولا يزيد في جلده على عشر جلدات وقال الشافعي لا يزيد على تسع وثلاثين لئلا يبلغ به أدنى الحدود وقالابن أبي ليلى يجلد خمسة وسبعين سوطا وهو أحد قولي أبي يوسف وقال الأوزاعي في شاهدي الطلاق يجلدان مائة مائة ويغرمان الصداق

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يجلد أحد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله تعالى متفق عليه وقال القاسم وسالم يخفق سبع خفقات وقال شريح يجلد أسواطا فأما شهرته بين الناس فإنه يوقف في سوق إن كان من أهل السوق أو قبيلته إن كان من أهل القبائل أو في مسجده إن كان من أهل المساجد ويقول


234

الموكل به إن الحاكم يقرأ عليكم السلام ويقول هذا شاهد زور فاعرفوه وهذا مذهب الشافعي وأتي الوليد بن عبد الملك بشاهد الزور فأمر بقطع لسانه وعنده القاسم وسالم فقالا سبحان الله بحسبه أن يخفق سبع خفقات ويقام بعد العصر فيقال هذا أبو قبيس وجدناه شاهد زور ففعل ذلك به ولا يسخم وجهه ولا يركب ولا يكلف أن ينادي على نفسه وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه يجلد أربعين جلدة ويسخم وجهه ويطال حبسه رواه الإمام أحمد وقالسوار يلبب ويدار به على حلق المسجد فيقول من رآني فلا يشهد بزور

وروي عن عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة أنه أمر بحلق نصف رؤوسهم وتسخيم وجوههم ويطاف بهم في الأسواق والذي شهدوا له معهم

ولنا إن هذا مثلة وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة وما روي عن عمر فقد روي عنه خلافه وأنه حبسه يوما وخلى سبيله وفي الجملة ليس في هذا تقدير شرعي فما فعل الحاكم مما يراه ما لم يخرج إلى مخالفة نص أو معنى نص فله ذلك ولا يفعل به شيء من ذلك حتى يحقق أنه شاهد زور وتعمد ذلك إما بإقراره أو يشهد على رجل بفعل في الشام في وقت ويعلم أن المشهود عليه في ذلك الوقت في العراق أو يشهد بقتل رجل وهو حي أو أن هذه البهيمة في يد هذا منذ ثلاثة أعوام وسنها أقل من ذلك أو يشهد على رجل أنه فعل شيئا في وقت وقد مات قبل ذلك الوقت أو لم يولد إلا بعده وأشباه هذا مما يتيقن به كذبه ويعلم تعمده لذلك فأما تعارض البينتين أو ظهور فسقه أو غلطه في شهادته فلا يؤدب به لأن الفسق لا يمنع الصدق والتعارض لا يعلم به كذب إحدى البينتين بعينها والغلط قد يعرض للصادق العدل ولا يتعمده فيعفى عنه وقد قال الله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم الأحزاب 5 وقال النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه

فصل ومتى علم أن الشاهدين شهدا بالزور تبين أن الحكم كان باطلا ولزم نقضه لأنا تبينا كذبهما فيما شهدا به وبطلان ما حكم به فإن كان المحكوم به مالا رد إلى صاحبه وإن كان إتلافا فعلى الشاهدين ضمانه لأنهما سبب إتلافه إلا أن يثبت ذلك بإقرارهما على أنفسهما من غير موافقة المحكوم له فيكون ذلك رجوعا منهما عن شهادتهما وقد بينا حكم ذلك

فصل فإذا تاب شاهد الزور وأتت على ذلك مدة تظهر فيها توبته وتبين صدقه فيها وعدالته قبلت شهادته وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وقال مالك لا تقبل شهادته أبدا لأن ذلك لا يؤمن منه

ولنا إنه تائب من ذنبه فقبلت توبته كسائر التائبين

وقوله لا يؤمن منه ذلك

قلنا مجرد الاحتمال لا يمنع قبول الشهادة بدليل سائر التائبين فإنه لا يؤمن منهم معاودة ذنوبهم ولا غيرها وشهادتهم مقبولة والله أعلم


235

مسألة

قال ( وإذا غير العدل شهادته بحضرة الحاكم فزاد فيها أو نقص قبلت منه ما لم يحكم بشهادته )

وهذا مثل أن يشهد بمائة ثم يقول هي مائة وخمسون أو يقول بل هي تسعون فإنه يقبل منه رجوعه ويحكم بما شهد به أخيرا وبهذا قال أبو حنيفة والثوري وسليمان بن حبيب المحاربي وإسحاق

وقال الزهري لا تقبل شهادته الأولى ولا الآخرة لأن كل واحدة منهما ترد الأخرى وتعارضها ولأن الأولى مرجوع عنها والثانية غير موثوق بها لأنها من مقر بغلطه وخطئه في شهادته فلا يؤمن أن يكون في الغلط كالأولى

وقال مالك يؤخذ بأقل قوليه لأنه أدى الشهادة وهو غير متهم فلم يقبل رجوعه عنها كما لو اتصل بها الحكم

ولنا إن شهادته الآخرة شهادة من عدل غير متهم لم يرجع عنها فوجب الحكم بها كما لو لم يتقدمها ما يخالفها ولا تعارضها الأولى لأنها قد بطلت برجوعه عنها ولا يجوز الحكم بها لأنها شرط الحكم فيعتبر استمرارها إلى انقضائه ويفارق رجوعه بعد الحكم لأن الحكم قد تم باستمرار شرطه فلا ينقض بعد تمامه

فصل وإن شهد بألف ثم قال قبل الحكم قضاه منه خمسمائة فسدت شهادته ذكره أبو الخطاب فقال إذا شهد أن عليه ألفا قم قال أحدهما قضاه منه خمسمائة بطلت شهادته وذلك أنه شهد بأن الألف جميعه عليه وإذا قضاه خمسمائة لم تكن الألف كله عليه فيكون كلامه متناقضا فتفسد شهادته وفارق هذا ما لو شهد بألف ثم قال بل بخمسمائة لأن ذلك رجوع عن الشهادة بخمسمائة وإقرار بغلط نفسه وهذا لا يقول هذا على سبيل الرجوع والمنصوص عن أحمد أن شهادته تقبل بخمسمائة فإنه قال إذا شهد بألف ثم قال أحدهما قبل الحكم قضاه منه خمسمائة أفسد شهادته والمشهود له ما اجتمعا عليه وهو خمسمائة فصحح شهادته في نصف الألف الباقي وأبطلها في النصف الذي ذكر أنه قضاه لأن ذلك بمنزلة الرجوع عن الشهادة به فأشبه ما لو قال أشهد بألف بل بخمسمائة

قال أحمد ولو جاء بعد هذا المجلس فقال أشهد أنه قضاه منه خمسمائة لم يقبل منه لأنه قد أمضى الشهادة فهذا يحتمل أنه أراد به أنه إذا جاء بعد الحكم فشهد بالقضاء لم يقبل منه لأن الألف وقد وجب بشهادتهما وحكم الحاكم ولا تقبل شهادته بالقضاء لأنه لا يثبت بشاهد واحد فأما إن شهد أنه أقرضه ألفا ثم قال قضاه منه خمسمائة قبلت شهادته في باقي الألف وجها واحدا لأنه لا تناقض في كلامه ولا اختلاف

مسألة

قال ( وإذا شهد شاهده بألف وآخر بخمسمائة حكم لمدعي الألف بخمسمائة وحلف مع شاهده على الخمسمائة الأخرى إن أحب )

وجملة ذلك أنه إذا شهد أحد الشاهدين بشيء وشهد الآخر ببعضه صحت الشهادة وثبت ما اتفقا عليه


236

وحكم به وهذا قول شريح ومالك والشافعي وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد وإسحاق وأبي عبيد وحكي عن الشعبي أنه شهد عنده رجلان شهد أحدهما أنه طلقها تطليقة وشهد الآخر أنه طلقها تطليقتين فقال قد اختلفتما قوما وحكي عن أبي حنيفة أنه إذا شهد شاهد أنه أقر بألف وشهد آخر أنه أقر بألفين لم تصح الشهادة لأن الإقرار بالألف غير الإقرار بالألفين فلم يشهد بكل إقرار إلا واحد

ولنا إن الشهادة قد كملت فيما اتفقا عليه فحكم به كما لو لم يزد أحدهما على صاحبه وما ذكره من أن كل إقرار إنما يشهد به واحد يبطل بما إذا شهد أحدهما أنه أقر بألف غدوة وشهد الآخر أنه أقر بألف عشيا فإن الشهادة تكمل مع أن كل إقرار إنما يشهد به واحد فأما ما انفرد به أحدهما فإن للمدعي أن يحلف معه ويستحق وهذا قول من يرى الحكم بشاهد ويمين وهذا فيما إذا أطلقا الشهادة أو لم تختلف الأسباب والصفات

فأما إن اختلفت مثل أن يشهد شاهد بألف من قرض وشاهد بخمسمائة من ثمن مبيع ويشهد شاهد بألف بيض وآخر بخمسمائة سود أو يشهد شاهد بألف دينار والآخر بخمسمائة درهم لم تكمل البينة وكان له أن يحلف مع كل واحد منهما ويستحقها ويحلف مع أحدهما ويستحق ما شهد به

فصل فإن شهد له شاهدان بألف وشاهدان بخمسمائة ولم تختلف الأسباب والصفات دخلت الخمسمائة في الألف ووجب له بالشهادتين مائة وإن اختلفت الأسباب والصفات وجب له الألف والخمسمائة ولم يدخل أحدهما في الآخر لأنهما مختلفان

فصل وإن شهد له شاهد أنه باعه هذا العبد بألف وشهد آخر أنه باعه إياه بخمسمائة لم تكمل البينة لاختلافهما في صفة البيع وله أن يحلف مع أحدهما ويثبت له ما حلف عليه وإن شهد له بكل عقد شاهدان ثبت البيعان وإن أضافا البيع إلى وقت واحد مثل أن يشهد أنه باعه هذا العبد مع الزوال بألف وشهد الآخر أنه باعه إياه مع الزوال بخمسمائة تعارضت البينتان وسقطتا لأنه لا يمكن اجتماعهما وكل بينة تكذب الأخرى وإن شهد بكل واحد من هذين شاهد واحد كان له أن يحلف مع أحدهما ولا يتعارضان لأن التعارض إنما يكون بين البينتين الكاملتين

فصل وإن شهد أحدهما أنه غصبه ثوبا قيمته درهمان وشهد آخر أن قيمته ثلاثة ثبت له ما اتفقا عليه وهو درهمان وله أن يحلف مع الآخر على درهم لأنهما اتفقا على درهمين وانفرد أحدهما بدرهم فأشبه ما لو شهد أحدهما بألف وآخر بخمسمائة وإن شهد شاهدان أن قيمته درهمان وشاهدان أن قيمته ثلاثة ثبت له درهمان وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة له ثلاثة لأنه قد شهد بها شاهدان وهما حجة فيجب الأخذ بهما كما يؤخذ بالزيادة في الأخبار وكما لو شهد له شاهدان بألف وشاهدان بألفين فإنه يجب له ألفان قال القاضي ويتوجه لنا مثل هذا بناء على مسألة الألف وخمسمائة

ولنا إن من شهد أن قيمته درهمان ينفي أن تكون قيمته ثلاثة فقد تعارضت البينتان في الدرهم وتخالف


237

الزيادة في الأخبار فإن من يروي الناقص لا ينفي الزيادة وكذلك من شهد بألف لا ينفي أن عليه ألفا آخر فإن قيل فلم قلتم إنه إذا شهد بكل واحد من القيمتين شاهدان تعارضتا وإن شهد واحد لم تتعارضا وكان له أن يحلف مع الشاهد بالزيادة عليها قلنا لأن الشاهدين حجة وبينة فإذا كملت من الجانبين تعارضت الحجتان لتعذر الجمع بينهما وأما الشاهد الواحد فليس بحجة وحده وإنما يصير حجة مع اليمين فإذا حلف مع أحدهما كملت الحجة بيمينه ولم يعارضهما ما ليس بحجة كما لو شهد بأحدهما شاهدان وبالآخر شاهد واحد

مسألة

قال ( ومن ادعى شهادة عدل فأنكر أن تكون عنده ثم شهد بها بعد ذلك وقال كنت أنسيتها قبلت منه )

وجملة ذلك أن العدل إذا أنكر أن تكون عنده شهادة ثم شهد بها وقال كنت أنسيتها قبلت ولم ترد شهادته وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق ولا أعلم فيه مخالفا وذلك لأنه يجوز أن يكون نسيها وإذا كان ناسيا لها فلا شهادة عنده فلا نكذبه مع إمكان صدقه ولا يشبه هذا إذا ما قال لا بينة ثم أتى ببينة حيث لا تسمع فإن ذلك إقرار منه على نفسه بعدم البينة والإنسان يؤاخذ بإقراره وقول الشاهد لا شهادة عندي ليس بإقرار فإن الشهادة ليست له إنما هي حق عليه فيكون منكرا لها فإذا اعترف بها كان إقرارا بعد الإنكار وهو مسموع بخلاف الإنكار بعد الإنكار ولأن الناسي للشهادة لا شهادة له عنده فهو صادق في إنكاره فإذا ذكرها صارت عنده فلا تنافي بين القولين وصار هذا كمن أنكر أن يكون عنده شهادة قبل أن يستشهد ثم استشهد بعد ذلك فصارت عنده بخلاف من أنكر أن له بينة فإنه لا يخرج عن أن يكون له بينة بنسيانها

مسألة

قال ( ومن شهد بشهادة يجر إلى نفسه بعضها بطلت شهادته في الكل )

وجملته أن من شهد بشهادة له بعضها مثل أن يشهد الشريك لشريكه بمال من الشركة أو يشهد على زيد بدار له ولعمرو فإن شهادته تبطل في الكل وقالالشافعي فيها قولان أحدهما كقولنا

والثاني تصح شهادته لغيره لأنه أجنبي فتصح شهادته له كما لو لم يكن له فيها شرك ويتخرج لنا مثل هذا بناء على قولنا في عبد بين ثلاثة اشترى نفسه منهم بثلاثمائة درهم فادعى أنهم قبضوها منه فأنكر أحدهم أن يكون أخذ شيئا فأقر له اثنان وشهدا على المنكر بالقبض فإن شهادتهما تقبل عليه ويشاركهما فيما أخذا من المال

ولنا إنها شهادة ترد بعضها للتهمة فترد جميعها كما لو شهد المضارب لرب المال بمال من المضاربة ولو شهد بدين لأبيه وأجنبي أو شهد بشهادة ترد في بعض ما شهد به بطلت كلها

مسألة

قال ( وإذا مات رجل وخلف ابنا وألف درهم فادعى رجل على الميت ألف درهم وصدقه الأب وادعى آخر مثل ذلك وصدقه الابن فإن كان في مجلس واحد كان الألف


238

بينهما وإن كان في مجلسين كان الألف للأول ولا شيء للثاني )

وجملته أن الميت إذا خلف وارثا وتركه فأقر الوارث لرجل بدين على الميت يستغرق ميراثه فقد أقر بتعليق دينه بجميع التركة واستحقاقه لجميعها فإذا أقر بعد ذلك لآخر نظرت فإن كان في المجلس صح الإقرار واشتركا في التركة لأن حالة المجلس كلها كحالة واحدة بدليل القبض فيما يعتبر القبض فيه وإمكان الفسخ في البيع ولحوق الزيادة في العقد فكذلك في الإقرار وإن كان في مجلس آخر لم يقبل إقراره لأنه يقر بحق على غيره فإنه يقر بما يقتضي مشاركة الأول في التركة ومزاحمته فيها وتنقيص حقه منها ولا يقبل إقرار الإنسان على غيره وقال الشافعي يقبل إقراره ويشتركان فيها لأن الوارث يقوم مقام الموروث ولو أقر الموروث لهما لقبل فكذلك الوارث ولأن منعه من الإقرار يفضي إلى إسقاط حق الغرماء فإنه قد لا يتفق حضورهم في مجلس واحد فيبطل حقه بغيبته ولأن من قبل إقراره أولا قبل إقراره ثانيا إذا لم يتغير حاله كالموروث

ولنا إنه أقر بما يتعلق بمحل تعلق به حق غيره على وجه يضربه تعلقا يمنع صحة تصرفه فيه فلم يقبل كإقرار الراهن بجناية عبده المرهون أو الجاني وأما الموروث فإن أقر في صحته صح لأن الدين لا يتعلق بماله وإنما يتعلق بذمته وإن أقر في مرضه لم يحاص المقر له غرماء الصحة لذلك وإن أقر في مرضه لغريم يستغرق دينه تركته ثم أقر لآخر في مجلس آخر صح وشارك الأول والفرق بينه وبين الوارث أن إقراره الأول لم يمنعه التصرف في ماله ولا أن يتعلق به دين آخر بأن يستدين دينا آخر فلم يمنع ذلك تعلق الدين بتركته بالإقرار بخلاف الوارث فإنه لا يملك أن يعلق بالتركة دينا آخر بفعله فلا يملكه بقوله ولا يملك التصرف في التركة ما لم يلتزم قضاء الدين

فصل وإن مات وترك ألفا فأقر به ابنه لرجل ثم أقر به لغيره فهو للأول ولا شيء للثاني فيه سواء كان في مجلس أو مجلسين لأنه باعترافه للأول ثبت له الملك فيه فصار إقراره للثاني إقرارا له بملك غيره فلم يقبل وتلزم المقر غرامته للثاني لأنه فوته عليه بإقراره لغيره فأشبه ما لو غصبه منه فدفعه إلى غيره

مسألة

قال ( ومن ادعى دعوى على مريض فأومأ برأسه أي نعم لم يحكم بها حتى يقول بلسانه )

وجملته أن إشارة المريض لا تقوم مقام نطقه وسواء كان عاجزا عن الكلام أو قادرا عليه وبهذا قال الثوري

وقال الشافعي يقبل إقراره بإشارته إذا كان عاجزا عن الكلام لأنه إقرار بالإشارة من عاجز عن الكلام فأشبه إقرار الأخرس

ولنا إنه غير مأيوس من نطقه فلم تقم إشارته مقام نطقه كالصحيح

وبهذا فارق الأخرس فإنه مأيوس من نطقه ولهذا لو ارتج عليه في الصلاة لم تصح صلاته بغير قراءة بخلاف الأخرس والآيسة يفرق بينها وبين من ارتفع حيضها مع إمكانه في العدة ولأن عجزه عن النطق غير متحقق

فإنه يحتمل أن يترك الكلام


239

لصعوبته عليه ومشقته لا لعجزه

وإن صار إلى حال يتحقق الإياس من نطقه لم يوثق بإشارته لأن المرض الذي أعجزه عن النطق لم يختص بلسانه فيجوز أن يكون أثر في عقله أ وفي سمعه فلم يدر ما قيل له بخلاف الأخرس

ولأن الأخرس قد تكررت إشارته حتى صارت عند من يعاشره كاليقين ومماثلة النطق وهذا لم تتكرر إشارته فلعله لم يرد الإقرار إنما أراد الإنكار أو إسكات من يسأله ومع هذه الفروق لا يصح القياس

مسألة

قال ( ومن ادعى دعوى وقال لا بينة لي ثم أتى بعد ذلك ببينة لم تقبل لأنه مكذب لبينته )

وبهذا قال محمد بن الحسن وقال أبو سيف وابن المنذر تقبل وهو ظاهر مذهب الشافعي لأنه يجوز أن ينسى أو يكون الشاهدان سمعا وصاحب الحق لا يعلم فلا يثبت بذلك أنه كذب بينته

وقال بعض أصحاب الشافعي وإن كان الإشهاد أمرا تولاه بنفسه لم تسمع بينته لأنه أكذبها وإن كان وكيله أشهد على المدعى عليه أو شهد من غير علمه أو من غير أن يشهدهم سمعت بينته لأنه معذور في نفيه إياها وهذا القول حسن

ولنا إنه أكذب بينته بإقراره أنه لا يشهد له أحد فإذا شهد له إنسان كان تكذيبا له ويفارق الشاهد إذا قال لا شهادة عندي ثم قال كنت نسيتها لأن ذلك إقرار لغيره بعد الإنكار وها هنا هو مقر لخصمه بعدم البينة فلم يقبل رجوعه عنه

والحكم فيما إذا قال كل بينة لي زور كالحكم فيما إذا قال لا بينة لي على ما ذكرنا من الخلاف فيه

فصل وإن قال ما أعلم لي بينة ثم أتى ببينة سمعت لأنه يجوز أن تكون له بينة لم يعلمها ثم علمها قال أبو الخطاب ولو قال ما أعلم لي بينة فقال شاهدان نحن نشهد لك سمعت بينته

مسألة

قال ( وإذا شهد الوصي على من موصى عليهم قبلت شهادته وإن شهد لهم لم يقبل إذا كانوا في حجره )

أما شهادته عليهم فمقبولة لا نعلم فيه خلافا فإنه لا يتهم عليهم ولا يجر بشهادته عليهم نفعا ولا يدفع عنهم بها ضررا وأما شهادته لهم إذا كانوا في حجره فغير مقبولة وهذا قول أكثر أهل العلم

منهم الشعبي والثوري ومالك والشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وابن أبي ليلى وأجاز شريح وأبو ثور شهادته لهم إذا كان الخصم غيره لأنه أجنبي منهم فقبلت شهادته لهم كما بعد زوال الوصية

ولنا إنه شهد بشيء هو خصم فيه فإنه الذي يطالب بحقوقهم ويخاصم فيها ويتصرف فيها فلم تقبل شهادته كما لو شهد بمال نفسه ولأنه يأخذ من مالهم عند الحاجة فيكون متهما في الشهادة به

فأما قوله إذا كانوا في حجره فإنه يعني أنه لو شهد لهم بعد زوال ولايته عنهم قبلت شهادته لزوال المعنى الذي منع قبولها والحكم في أمين الحاكم يشهد للأيتام الذين هم تحت ولايته كالحكم في الوصي سواء

مسألة

قال ( إذا شهد من يخنق في الأحيان قبلت شهادته في إفاقته )

قالابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم وممن حفظنا عنه ذلك مالك والثوري


240

والشافعي وإسحاق وأبو ثور

ولا أحسبه إلا مذهب أهل الكوفة وذلك لأن الاعتبار في الشهادة بحال أدائها وهو في وقت الأداء من أهل التحصيل والعقل الثابت فقبلت شهادته كالصبي إذا كبر

ولأنه عدل غير متهم فقبلت شهادته كالصحيح وزوال عقله في غير حال الشهادة لا يمنع قبولها كالصحيح الذي ينام والمريض الذي يغمى عليه في بعض الأحيان

مسألة

قال ( وتقبل شهادة الطبيب في الموضحة إذا لم يقدر على طبيبين وكذلك البيطار في داء الدابة )

وجملته أنه إذا اختلف في الشجة هل هي موضحة أو لا أو فيما كان أكثر منها كالهاشمة والمنقلة والآمة والدامغة أو أصغر منها كالباضعة والمتلاحمة والسمحاق أو في الجائفة وغيرها من الجراح التي لا يعرفها إلا الأطباء أو اختلفا في داء يختص بمعرفته الأطباء أو في داء الدابة فظاهر كلام الخرقي أنه إذا قدر على طبيبين أو بيطارين لا يجزىء واحد لأنه مما يطلع عليه الرجال فلم تقبل فيه شهادة واحد كسائر الحقوق فإن لم يقدر على اثنين أجزأ واحد لأنه مما لا يمكن كل واحد أن يشهد به

لأنه مما يختص به أهل الخبرة من أهل الصنعة فاجتزىء فيه بشهادة واحد بمنزلة العيوب تحت الثياب يقبل فيها قول المرأة الواحدة فقبول قول الرجل الواحد أولى

فصل قالأحمد رحمه الله إذا قال أشهد على مائة درهم ومائة درهم فشهد على مائة دون مائة كره إلا أن يقول أشهد ولي على مائة ومائة يحكيه كله للحاكم كما كان وقال أحمد إذا شهد على ألف وكان الحاكم لا يحكم إلا على مائة ومائتين فقال له صاحب الحق أريد أن تشهد لي على مائة لم يشهد إلا بألف قال القاضي وذلك أن على الشاهد نقل الشهادة على ما شهد قال الله تعالى ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها المائدة 108 ولأنه لو ساغ للشاهد أن يشهد ببعض ما أشهد عليه لساغ للقاضي أن يقضي ببعض ما شهد به الشاهد

وقال أبو الخطاب عندي يجوز أن يشهد بذلك لأن من شهد بألف فقد شهد بمائة فإذا شهد بمائة لم يكن كاذبا في شهادته فجاز كما لو كان قد أقرضه مائة مرة وتسعمائة مرة أخرى والأول أصح لما ذكره القاضي ولأن شهادته بمائة ربما أوهمت أن هذه المائة غير التي شهدت بأصله فيؤدي إلى إيجابها عليه مرتين

فصل قال أحمد إذا شهد بألف درهم ومائة دينار فله من دراهم ذلك البلد ودنانيره قال القاضي لأنه لما جاز أن يحمل مطلق العقد على ذلك جاز أن تحمل الشهادة عليه والله أعلم


241

كتاب الدعاوى والبينات

الدعوى في اللغة إضافة الإنسان إلى نفسه شيئا ملكا أو استحقاقا أو صفقة أو نحو ذلك وهي في الشرع إضافته إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو في ذمته والمدعى عليه من يضاف إليه استحقاق شيء عليه

وقال ابن عقيل الدعوى الطلب قال الله تعالى ولهم ما يدعون وقيل المدعي من يلتمس بقوله أخذ شيء من يد غيره أو إثبات حق في ذمته والمدعى عليه من ينكر ذلك وقيل المدعي من إذا ترك لم يسكت والمدعى عليه من إذا ترك سكت وقد يكون كل واحد منهما مدعيا ومدعى عليه بأن يختلفا في العقد فيدعي كل واحد منهما أن الثمن غير الذي ذكره صاحبه

والأصل في الدعوى قول النبي صلى الله عليه وسلم لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه رواه مسلم وفي حديث البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ولا تصح الدعوى إلا من جائز التصرف

مسألة

قال أبو القاسم رحمه الله ( ومن ادعى زوجية امرأة فأنكرته ولم تكن له بينة فرق بينهما ولم يحلف

وجملته أن النكاح لا يستحلف فيه رواية واحدة ذكره القاضي وهو قول أبي حنيفة ويتخرج أن يستحلف في كل حق لآدمي وهو قول الشافعي وابن المنذر ونحوه قول أبي يوسف ومحمد لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمين على المدعى عليه ولأنه حق لآدمي فيستحلف فيه كالمال ثم اختلفوا فقال أبو يوسف ومحمد يستحلف في النكاح فإن نكل ألزم النكاح وقال الشافعي إن نكل ردت اليمين على الزوج فحلف وثبت النكاح

ولنا إن هذا مما لا يحل بذله فلم يستحلف فيه كالحد يحقق هذا أن الأبضاع مما يحتاط فيها فلا تباح بالنكول ولا به وبيمين المدعي كالحدود وذلك لأن النكول ليس بحجة قوية إنما هو سكوت مجرد يحتمل أن يكون لخوفه من اليمين أو للجهل بحقيقة الحال أو للحياء من الحلف والتبذل في مجلس الحاكم

ومع هذه الاحتمالات لا ينبغي أن يقضى به فيما يحتاط له

ويمين المدعي إنما هي قول نفسه لا ينبغي أن يعطي بها أمرا فيه خطر عظيم وإثم كبير ويمكن من وطء امرأة يحتمل أن تكون أجنبية منه

وأما الحديث فإنما تناول الأموال والدماء فلا يدخل النكاح فيه ولو دخل فيه كل دعوى لكان مخصوصا بالحدود فالنكاح في معناه بل النكاح أولى لأنه لا يكاد يخلو من شهود لكون الشهادة شرطا في انعقاده أو من اشتهاره فيشهد فيه بالاستفاضة والحدود بخلاف ذلك

إذا ثبت هذا فإنه يفرق بينهما ويحال بينه وبينها ويخلى سبيلها وإن قلنا إنها تحلف على الاحتمال الآخر فنكلت لم يقض بالنكول وتحبس في أحد الوجهين حتى


242

تقر أو تحلف وفي الآخر يخلى سبيلها وتكون فائدة شرع اليمين التخويف والردع لتقر إن كان المدعي محقا أو تحلف فتبرأ إن كان مبطلا

فصل وإذا ادعى رجل نكاح امرأة احتاج إلى ذكر شرائط النكاح فيقول تزوجتها بولي مرشد وشاهدي عدل ورضاها إن كانت ممن يعتبر رضاها

وهذا منصوص الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يحتاج إلى ذكر شرائطه لأنه نوع ملك فأشبه ملك العبد ألا ترى أنه لا يحتاج أن يقول وليست معتدة ولا مرتدة ولنا إن الناس اختلفوا في شرائط النكاح فمنهم من يشترط الولي والشهود ومنهم من لا يشترط ومنهم من يشترط إذن البكر البالغ لأبيها في تزويجها ومنهم من لا يشترطه وقد يدعي نكاحا يعتقده صحيحا والحاكم لا يرى صحته ولا ينبغي أن يحكم بصحته مع جهله بها ولا يعلم بها ما لم تذكر الشروط وتقوم البينة بها وتفارق المال فإن أسبابه تنحصر وقد يخفى على المدعي سبب ثبوت حقه والعقود تكثر شروطها ولذلك اشترطنا لصحة البيع شروطا سبعة وربما لا يحسن المدعي عدها ولا يعرفها والأموال مما يتساهل فيها ولذلك افترقا في اشتراط الولي والشهود في عقوده فافترقا في الدعوى وعدم العدة والردة لم يختلف الناس فيه والأصل عدمها ولا تختلف به الأغراض فإن كانت المرأة أمة والزوج حرا فقياس ما ذكرناه أنه يحتاج إلى ذكر عدم الطول وخوف العنت ولأنهما من شرائط صحة نكاحها وأما إن ادعى استدامة الزوجية ولم يدع العقد لم يحتج إلى ذكر الشروط في أحد الوجهين لأنه يثبت بالاستفاضة ولو اشترط ذكر الشروط لاشترطت الشهادة به ولا يلزم ذلك في شهادة الاستفاضة وفي الثاني يحتاج إلى ذكر الشروط لأنه دعوى نكاح فأشبه دعوى العقد

فصل وإن ادعت المرأة النكاح على زوجها وذكرت معه حقا من حقوق النكاح كالصداق والنفقة ونحوها سمعت دعواها بغير خلاف نعلمه لأنها تدعي حقا لها تضيفه إلى سببه فتسمع دعواها كما لو ادعت ملكا أضافته إلى الشراء وإن أفردت دعوى النكاح فقال القاضي تسمع دعواها أيضا لأنه سبب لحوق لها فتسمع دعواها فيه كالبيع وقالأبو الخطاب فيه وجه آخر لا تسمع دعواها فيه لأن النكاح حق للزوج عليها فلا تسمع دعواها حقا لغيرها فإن قلنا بالأول سئل الزوج فإن أنكر ولم تكن بينة فالقول قوله من غير يمين لأنه إذا لم تستحلف المرأة والحق عليها فلأن لاا يستحلف من الحق له وهو ينكره أولى ويحتمل أن يستحلف لأن دعواها إنما سمعت لتضمنها دعوى حقوق مالية تشرع فيها اليمين وإن قامت البينة بالنكاح ثبت لها ما تضمنه النكاح من حقوقها فأما إباحتها له فتنبني على باطن الأمر فإن علم أنها زوجته حلت له لأن إنكاره النكاح ليس بطلاق ولا نوى به الطلاق وإن علم أنها ليست امرأته إما لعدم العقد أو لبينونتها منه لم تحل له وهل يمكن منها في الظاهر يحتمل وجهين أحدهما يمكن منها لأن الحاكم قد حكم بالزوجية

والثاني لا يمكن منها لإقراره على نفسه بتحريمها عليه فيقبل قوله في حق نفسه


243

دون ما عليه كما لو تزوج امرأة ثم قال هي أختي من الرضاعة

فإذا ثبت هذا فإن دعواها النكاح كدعوى الزوج فيما ذكرنا من الكشف عن سبب النكاح وشرائط العقد ومذهب الشافعي قريب مما ذكرنا في هذا الفصل

فصل فأما سائر العقود غير النكاح كالبيع والإجارة والصلح وغيرها فلا يفتقر إلى الكشف وذكر الشروط في أصح الوجهين لأنها لا يحتاط لها ولا تفتقر إلى الولي والشهود فلم تفتقر إلى الكشف كدعوى العين وسواء كان المبيع جارية أو غيرها لأنها مبيع فأشبهت الجارية وكذلك إذا كان المدعي عينا أو دينا لم يحتج إلى ذكر السبب لأن أسباب ذلك تكثر ولا تنحصر وربما خفي على المستحق سبب استحقاقه فلا يكلف بيانه ويكفيه أن يقول استحق هذه العين التي في يده أو استحق كذا كذا في ذمته ويقول في البيع إني اشتريت منه هذه الجارية بألف درهم أو بعتها منه بذلك ولا يحتاج أن يقول وهي ملكه أو وهي ملكه ونحن جائز الأمر وتفرقنا عن تراض وذكر أبو الخطاب في العقود وجها آخر أنه يشترط ذكر شروطها قياسا على النكاح وذكر أصحاب الشافعي هذين الوجهين ووجها ثالثا أنه إن كان المبيع جارية اشترط ذكر شروط البيع لأنه عقد يستباح به الوطء فأشبه النكاح وإن كان المبيع غيرها لم يشترط لعدم ذلك والأول أولى لأنها دعوى فيما لا يشترط فيه الولي والشهود أشبه دعوى العين وما لزم ذكره في الدعوى فلم يذكره سأله الحاكم عنه لتصير الدعوى معلومة فيمكن الحاكم الحكم بها وقد ذكرنا سائر الدعاوى فيما سبق بما أغنى عن إعادته ها هنا

مسألة

قال ( ومن ادعى دابة في يد رجل فأنكر وأقام كل واحد منهما بينة حكم بها للمدعي ببينته ولم يلتفت إلى بينة المدعى عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بسماع بينة المدعي ويمين المدعى عليه وسواء شهدت بينة المدعى عليه أنها له أو قالت ولدت في ملكه عليه )

وجملة ذلك أن من ادعى شيئا في يد غيره فأنكره ولكل واحد منهما بينة فإن بينة المدعي تسمى بينة الخارج وبينة المدعى عليه تسمى بينة الداخل وقد اختلفت الرواية عن أحمد فيما إذا تعارضتا فالمشهور عنه تقديم بينة المدعي ولا تسمع بينة المدعى عليه بحال وهذا قول إسحاق وعنه رواية ثانية إن شهدت بينة الداخل بسبب الملك وقالت نتجت في ملكه أو اشتراها أو نسجها أو كانت بينته أقدم تاريخا قدمت وإلا قدمت بينة المدعي وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور في النتاج والنساج فيما لا يتكرر نسجه

فأما ما يتكرر نسجه كالصوف والخز فلا تسمع بينته لأنها إذا شهدت بالسبب فقد أفادت ما لا تفيده اليد وقد روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم اختصم إليه رجلان في دابة أو بعير فأقام كل واحد منهما البينة بأنها له أنتجها فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي هي في يده وذكر أبو الخطاب رواية ثالثة أن بينة المدعى عليه تقدم بكل حال وهو قول شريح والشعبي والنخعي والحكم والشافعي وأبي عبيد وقال هو قول أهل المدينة وأهل الشام وروي عن طاوس وأنكر القاضي كون هذا رواية عن أحمد وقال لا تقبل بينة الداخل إذا


244

لم تفد إلا ما أفادته يده رواية واحدة واحتج من ذهب إلى هذا القول بأن جنبة المدعى عليه أقوى لأن الأصل معه ويمينه تقدم على يمين المدعي فإذا تعارضت البينتان وجب إبقاء يده على ما فيها وتقديمه كما لو لم تكن بينة لواحد منهما وحديث جابر يدل على هذا فإنه إنما قدمت بينته ليده

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه فجعل جنس البينة في جنبة المدعي فلا يبقى في جنبة المدعى عليه بينة ولأن بينة المدعي أكثر فائدة فوجب تقديمها كتقديم بينة الجرح على التعديل ودليل كثرة فائدتها أنها تثبت شيئا لم يكن وبينة المنكر إنما تثبت ظاهرا تدل اليد عليه فلم تكن مفيدة ولأن الشهادة بالملك يجوز أن يكون مستندها رؤية اليد والتصرف فإن ذلك جائز عند كثير من أهل العلم فصارت البينة بمنزلة اليد المفردة فتقدم عليها بينة المدعي كما تقدم على اليد كما أن شاهدي الفرع لما كانا مبنيين على شاهدي الأصل لم تكن لهما مزية عليهما

فصل وأي البينتين قدمناها لم يحلف صاحبها معها وقال الشافعي في أحد قوليه يستحلف صاحب اليد لأن البينتين سقطتا بتعارضهما فصارا كمن لا بينة لهما فيحلف الداخل كما لو لم تكن لواحد منهما بينة

ولنا إن إحدى البينتين راجحة فيجب الحكم بها منفردة كما لو تعارض خبران خاص وعام أو أحدهما أرجح بوجه من الوجوه ولا نسلم أن البينة الراجحة تسقط وإنما ترجح ويعلم بها وتسقط المرجوحة

فصل فإن كانت البينة لأحدهما دون الآخر نظرت فإن كانت البينة للمدعي وحده حكم بها ولم يحلف بغير خلاف في المذهب وهو قول أهل الفتيا من أهل الأمصار منهم الزهري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وقال شريح وعون بن عبد الله والنخعي والشعبي وابن أبي ليلى يستحلف الرجل مع بينته قال شريح لرجل لو أثبت عندي كذا وكذا شاهدا ما قضيت لك حتى تحلف

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي بينتك أو يمينه ليس لك إلا ذلك وقول النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ولأن البينة إحدى حجتي الدعوى فيكتفى بها كاليمين قال أصحابنا ولا فرق بين الحاضر والغائب والحي والميت والصغير والكبير والمجنون والمكلف

وقالالشافعي إذا كان المشهود عليه لا يعبر عن نفسه أحلف المشهود له لأنه لا يمكنه أن يعبر عن نفسه في دعوى القضاء والإبراء فيقوم الحاكم مقامه في ذلك لنزول الشبهة وهذا حسن فإن قيام البينة للمدعي بثبوت حقه لا ينفي احتمال القضاء والإبراء بدليل أن المدعى عليه لو ادعاه سمعت دعواه وبينته فإن كان حاضرا مكلفا فسكوته عن دعوى ذلك دليل على انتفائه فيكتفي بالبينة وإن كان غائبا أو ممن لا قول له نفي احتمال ذلك من غير دليل يدل على انتفائه فتشرع اليمين لنفسه وإن لم تكن للمدعي بينة وكانت للمنكر بينة سمعت بينته ولم يحتج إلى الحلف معها لأنا إن قلنا بتقديمها مع التعارض وإنه لا يحلف معها فمع انفرادها أولى وإن قلنا بتقديم بينة المدعى عليه فيجب أن يكتفى بها عن اليمين لأنها أقوى من اليمين فإذا


245

اكتفى باليمين فيما هو أقوى منها أولى ويحتمل أن تشرع اليمين أيضا لأن البينة ها هنا يحتمل أن تكون مستندها اليد والتصرف فلا تفيد إلا ما أفادته اليد والتصرف وذلك لا يغني عن اليمين فكذلك ما قام مقامه

فصل وإن ادعى الخارج أن الدابة ملكه وأنه أودعها للداخل أو عاره إياها أو آجرها منه ولم يكن لواحد منهما بينة فالقول قول المنكر مع يمينه ولا نعلم فيه خلافا وإن كان لكل واحد منهما بينة فبينة الخارج مقدمة وهذا قول الشافعي

وقال القاضي بينة الداخل مقدمة لأنه هو الخارج في المعنى لأنه ثبت أن المدعي صاحب اليد وأن يد الداخل نائبة عنه

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي ولأن اليمين في حق المدعى عليه فتكون البينة للمدعي كما لو لم يدع الإيداع يحققه أن دعواه الإيداع زيادة في حجته وشهادة البينة بها تقوية لها فلا يجوز أن تكون مبطلة لبينته وإن ادعى الخارج أن الداخل غصبه إياها وأقاما بينتين فهي للخارج ويقتضي قول القاضي أنها للداخل والأولى ما ذكرناه

فصل فإن كان في يد رجل جلد شاة مسلوخة ورأسها وسواقطها وباقيها في يد آخر فادعاها كل واحد منهما كلها ولا بينة لواحد منهما فلكل واحد منهما ما في يده مع يمينه وإن أقاما بينتين وقلنا تقدم بينة الخارج فلكل واحد منهما ما في يد صاحبه وإن قلنا تقدم بينة الداخل فلكل واحد منهما ما في يده من غير يمين

فصل فإن كان في يد كل واحد منهما شاة فادعى كل واحد منهما أن الشاة التي في يد صاحبه له ولا بينة لهما حلف كل واحد منهما لصاحبه وكانت الشاة التي في يده له وإن أقاما بينتين فلكل واحد منهما الشاة التي في يد صاحبه ولا تعارض بينهما وإن كان كل واحد منهما قال هذه الشاة التي في يدك لي من نتاج شاتي هذه فالتعارض في النتاج لا في الملك إذ يستحيل أن يكون كل واحد منهما يثبت الأخرى والحكم على ما تقدم وإن ادعى كل واحد منهما أن الشاتين لي دون صاحبي وأقاما بينتين تعارضتا وانبنى ذلك على القول في بينة الداخل والخارج فمن قدم بينة الخارج جعل لكل واحد منهما ما في يد الآخر ومن قدم بينة الداخل أو قدمها إذا شهدت بالنتاج جعل لكل واحد منهما ما في يده

فصل وإذا ادعى زيد شاة في يد عمرو وأقام بها بينة فحكم له بها حاكم ثم ادعاها عمرو على زيد وأقام بها بينة فإن قلنا بينة الخارج مقدمة لم تسمع بينة عمرو لأن بينة زيد مقدمة عليها وإن قلنا بينة الداخل مقدمة نظرنا في الحكم كيف وقع فإن كان حكم بها لزيد لأن عمرا لا بينة له ردت إلى عمرو لأنه قد قامت له بينة واليد كانت له وإن حكم بها لزيد لأنه يرى تقديم بينة الخارج لم ينقض حكمه لأنه حكم بما يسوغ الاجتهاد فيه وإن كانت بينة عمرو قد شهدت له أيضا وردها الحاكم لفسقها ثم عدلت لم ينقض الحكم أيضا لأن الفاسق إذا ردت شهادته لفسقه ثم أعادها بعد لم تقبل وإن لم يعلم


246

الحكم كيف كان لم ينقض لأن حكم الحاكم الأصل جريانه على العدل والإنصاف والصحة فلا ينقض بالاحتمال فإن جاء ثالث فادعاها وأقام بها بينة فبينته وبينة زيد متعارضتان ولا يحتاج زيد إلى إقامة بينته لأنها قد شهدت مرة وهما سواء في الشهادة حال التنازع فلم يحتج إلى إعادتها كالبينة إذا شهدت ووقف الحكم على البحث عن حالها ثم بانت عدالتها فإنها تقبل ويحكم من غير إعادة شهادتها كذا ها هنا

فصل وإذا كان في يد رجل شاة فادعاها رجل أنها له منذ سنة وأقام بذلك بينة وادعى الذي هي في يده أنها في يده منذ سنتين وأقام بذلك بينة فهي للمدعي بغير خلاف لأن بينته تشهد له بالملك وبينة الداخل تشهد باليد خاصة فلا تعارض بينهما لإمكان الجمع بينهما بأن تكون اليد على غير ملك فكانت بينة الملك أولى فإن شهدت بينة بأنها ملكه منذ سنتين فقد تعارض ترجيحان تقدم التاريخ من جهة بينة الداخل وكون الأخرى بينة الخارج ففيه روايتان إحداهما تقدم بينة الخارج وهو قول أبي يوسف ومحمد وأبي ثور ويقتضيه عموم كلام الخرقي لقوله صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي ولأن بينة الداخل يجوز أن يكون مستندها اليد فلا تفيد أكثر مما تفيده اليد أشبهت الصورة التي قبلها

والثانية تقدم بينة الداخل وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنها تضمنت زيادة فإن كانت بالعكس فشهدت بينة الداخل أنه يملكها منذ سنة وشهدت بينة الخارج أنه يملكها منذ سنتين قدمت بينة الخارج إلا على الرواية التي تقدم فيها بينة الداخل فيخرج فيها وجهان بناء على الروايتين في التي قبلها وظاهر مذهبالشافعي تقديم بينة الداخل على كل حال وقال بعضهم فيها قولان وإن ادعى الخارج أنها ملكه منذ سنة وادعى الداخل أنه اشتراها منه منذ سنتين وأقام كل واحد منهما بينة قدمت بينة الداخل ذكره القاضي وهو قول أبي ثور فإن اتفق تاريخ السنين إلا أن بينة الداخل تشهد بنتاج أو بشراء أو غنيمة أو إرث أو هبة من مالك أو قطيعة من الإمام أو سبب من أسباب الملك ففي أيهما تقدم روايتان ذكرناهما وإن ادعى أحدهما أنه اشتراها من الآخر قضي له بها لأن بينة الابتياع شهدت بأمر حدث خفي على البينة الأخرى فقدمت عليها كتقديم بينة الجرح على بينة التعديل

مسألة

قال ( ولو كانت الدابة في أيديهما فأقام أحدهما البينة أنها له وأقام الآخر البينة أنها له نتجت في ملكه سقطت البينتان وكانا كمن لا بينة لهما وكانت اليمين لكل واحد منهما على صاحبه في النصف المحكوم له به )

وجملته أنه إذا تنازع رجلان في عين في أيديهما فادعى كل واحد منهما أنها ملكه دون صاحبه ولم تكن لهما بينة حلف كل واحد منهما لصاحبه وجعلت بينهما نصفين لا نعلم في هذا خلافا لأن يد كل واحد منهما على نصفها والقول قول صاحب اليد مع يمينه وإن نكلا جميعا عن اليمين فهي بينهما أيضا لأن كل واحد


247

منهما يستحق ما في يد الآخر بنكوله وإن نكل أحدهما وحلف الآخر قضي له بجميعها لأنه يستحق ما في يده بيمينه وما في يد صاحبه إما بنكوله وإما بيمينه التي ردت عليه عند نكول صاحبه وإن كانت لإحداهما بينة دون الآخر حكم له بها لا نعلم في هذا خلافا وإن أقام كل واحد منهما بينة وتساوتا تعارضت البينتان وقسمت العين بينهما نصفين وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لما روى أبو موسى رضي الله عنه أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعير فأقام كل واحد منهما شاهدين فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبعير بينهما نصفين رواه أبو داود ولأن كل واحد منهما داخل في نصف العين خارج عن نصفها فتقدم بينة كل واحد منهما فيما في يده عند من يقدم بينة الداخل وفيما في يد صاحبه عند من يقدم بينة الخارج فيستويان على كل واحد من القولين

وذكر أبو الخطاب فيها رواية أخرى أنه يقرع بينهما فمن خرجت قرعته حلف أنها لا حق للآخر فيها وكانت اليمين له كما لو كانت في يد غيرهما والأول أصح للخبر والمعنى اختلفت الرواية هل يحلف كل منهما على النصف المحكوم له به أو يكون له من غير يمين فروي أنه يحلف وهذا ذكره الخرقي لأن البينتين لما تعارضتا من اغير ترجيح وجب إسقاطها كالخبرين إذا تعارضا وتساويا وإذا سقطا صار المختلفان كمن لا بينة لهما ويحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به وهذا أحد قولي الشافعي بناء على أن اليمين تجب على الداخل مع بينته وكل واحد منهما داخل في نصفها فيحكم له به ببينته ويحلف معها في أحد القولين

والرواية الأخرى أن العين تقسم بينهما من غير يمين وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قوليالشافعي وهو أصح للخبر والمعنى الذي ذكرناه ولا يصح قياس هاتين البينتين على الخبرين المتساويين لأن كل بينة راجحة في نصف العين على كل واحد من القولين وقد ذكرنا أن البينة الراجحة يحكم بها من غير حاجة إلى يمين فأما إن شهدت إحدى البينتين بأن العين لهذا وشهدت الأخرى أنها لهذا الآخر نتجت في ملكه فقد ذكرنا في الترجيح بهذا روايتين إحداهما لا يرجح به وهو اختيار الخرقي لأنهما تساويا فيما يرجع إلى المختلف فيه وهو ملك العين الآن فوجب تساويهما في الحكم

والثانية تقدم بينة النتاج وما في معناه وهو مذهب أبي حنيفة لأنها تتضمن زيادة علم وهو معرفة السبب والأخرى خفي عليها ذلك فيحتمل أن تكون شهادتهما مستندة إلى مجرد اليد والتصرف فتقدم الأولى عليها كتقدم بينة الجرح على التعديل وهذا قول القاضي فيما إذا كانت العين في يد غيرهما

فصل فإن شهدت إحداهما أنها له منذ سنة وشهدت الأخرى أنها له منذ سنتين فظاهر كلام الخرقي التسوية بينهما وهو أحد قولي الشافعي وقال القاضي قياس المذهب تقديم أقدمهما تاريخا وهو قول أبي حنيفة والقول الثاني للشافعي لأن المتقدمة التاريخ أثبتت الملك له في وقت لم تعارضه فيه البينة الأخرى فيثبت الملك فيه ولهذا له المطالبة بالنماء في ذلك الزمان وتعارضت البينتان في الملك في الحال فسقطتا وبقي ملك السابق تجب استدامته وأن لا يثبت لغيره ملك إلا من جهته ووجه قول الخرقي أن


248

الشاهد بالملك الحادث أحق بالترجيح لجواز أن يعلم به دون الأول ولهذا لو ذكر أنه اشتراه من الآخر أو وهبه له لقدمت بينته اتفاقا فإذا لم يرجح بهذا فلا أقل من التساوي وقولهم إنه يثبت الملك في الزمن الماضي من غير معارضة

قلنا إنما يثبت تبعا لثبوته في الحال ولو انفرد بأن يدعي الملك في الماضي لم تسمع دعواه ولا بينته فإن وقتت إحداهما وأطلقت الأخرى فهما سواء ذكره القاضي وقال أبو الخطاب يحتمل أن يحكم به لمن لم يوقت وهو قول أبي يوسف ومحمد

ولنا إنه ليس في إحداهما ما يقتضي الترجيح من تقدم الملك ولا غيره فوجب استواؤهما كما لو أطلقتا أو استوى تاريخهما

فصل ولا ترجح إحدى البينتين بكثرة العدد ولا اشتهار العدالة وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ويتخرج أن ترجح بذلك مأخوذا من قولالخرقي ويتبع الأعمى أوثقهما في نفسه

وهذا قول مالك لأن أحد الخبرين يرجح بذلك فكذلك الشهادة لأنها خبر ولأن الشهادة إنما اعتبرت لغلبة الظن بالمشهود به وإذا كثر العدد أو قويت العدالة كان الظن به أقوى وقال الأوزاعي يقسم على عدد الشهود فإذا شهد لأحدهما شاهدان وللآخر أربعة قسمت العين بينهما أثلاثا لأن الشهادة سبب الاستحقاق فيوزع الحق عليها

ولنا إن الشهادة مقدرة بالشرع فلا تختلف بالزيادة كالدية وتخالف الخبر فإنه مجتهد في قبول خبر الواحد دون العدد فرجح بالزيادة والشهادة يتفق فيها على خير الاثنين فصار الحكم متعلقا بهما دون اعتبار الظن ألا ترى أنه لو شهد النساء منفردات لا تقبل شهادتهن وإن كثرن حتى صار الظن بشهادتهن أغلب من شهادة الذكرين وعلى هذا لا ترجح شهادة الرجلين على شهادة الرجل والمرأتين في المال لأن كل واحدة من البينتين حجة في المال فإذا اجتمعتا تعارضتا فأما إن كان لأحدهما شاهدان وللآخر شاهد فبذل يمينه معه

ففيه وجهان أحدهما يتعارضان لأن كل واحد منهما حجة بمفرده فأشبها الرجلين مع الرجل والمرأتين

والثاني يقدم الشاهدان لأنهما حجة متفق عليها والشاهد واليمين مختلف فيهما ولأن اليمين قوله لنفسه والبينة الكاملة شهادة الأجنبيين فيجب تقديمها كتقديمها على يمين المنكر وهذا الوجه أصح إن شاء الله وللشافعي قولان كالوجهين

فصل وإذا كان في أيديهما دار فادعاها أحدهما كلها وادعى الآخر نصفها ولا بينة لهما فهي بينهما نصفين

نص عليه أحمد وعلى مدعي النصف اليمين لصاحبه ولا يمين على الآخر لأن النصف المحكوم له به لا منازع له فيه ولا نعلم في هذا خلافا إلا أنه حكي عن ابن شبرمة أن لمدعي الكل ثلاثة أرباعها لأن النصف له لا منازع فيه والنصف الآخر يقسم بينهما على حسب دعواهما فيه

ولنا إن يد مدعي النصف على ما يدعيه فكان القول قوله فيه مع يمينه كسائر الدعاوى فإن كان لكل


249

واحد منهما بينة بما يدعيه فقد تعارضت بينتاهما فالنصف لمدعي الكل والنصف الآخر ينبني على الخلاف في أي البينتين تقدم وظاهر المذهب تقديم بينة المدعي فتكون الدار كلها لمدعي الكل وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه فإن كانت الدار في يد ثالث لا يدعيها فالنصف لصاحب الكل لا منازع له فيه ويقرع بينهما في النصف الآخر فمن خرجت له القرعة حلف وكان له وإن كان لكل واحد بينة تعارضتا وسقطتا وصارا كمن لا بينة لهما وإن قلنا تستعمل البينتان أقرع بينهما وقدم من تقع له القرعة في أحد الوجهين

والثاني يقسم النصف المختلف فيه بينهما فيصير لمدعي الكل ثلاثة أرباعها

فصل فإن كانت الدار في يد ثلاثة ادعى أحدهم نصفها وادعى الآخر ثلثها وادعى الآخر سدسها فهذا اتفاق منهم على كيفية ملكهم وليس ها هنا اختلاف ولا تجاحد فإن ادعى كل واحد منهم أن باقي الدار وديعة أو عارية معي وكانت لكل واحد منهم بما ادعاه من الملك بينة قضي له به لأن بينته تشهد له بما ادعاه ولا معارض لها وإن لم تكن لواحد منهما بينة حلف كل واحد منهم وأقر في يده ثلثها

فصل فإن ادعى أحدهم جميعها وادعى الآخر نصفها والآخر ثلثها فإن لم تكن لواحد منهم بينة قسمت بينهم أثلاثا وعلى كل واحد منهم اليمين على ما حكم له به لأن يد كل واحد منهم على ثلثها وإن كان لأحدهم بينة نظرت فإن كانت لمدعي الجميع فهي له وإن كانت لمدعي النصف أخذه والباقي بين الآخرين نصفين لمدعي الكل السدس بغير يمين ويحلف على نصف السدس ويحلف الآخر على الربع الذي يأخذه جميعه فإن كان البينة لمدعي الثلث أخذه والباقي بين الآخرين لمدعي الكل السدس بغير يمين ويحلف على السدس الآخر ويحلف الآخر على جميع ما يأخذه وإن كانت لكل واحد بما يدعيه بينة

فإن قلنا تقدم بينة صاحب اليد قسمت بينهم أثلاثا لأن يد كل واحد منهم على الثلث وإن قلنا تقدم بينة الخارج فينبغي أن تسقط بينة صاحب الثلث لأنها داخلة ولمدعي النصف السدس لأن بينته خارجة فيه ولمدعي الكل خمسة أسداس لأن له السدس بغير بينة لكونه لا منازع له فيه فإن أحدا يدعيه وله الثلثان لكون بينته خارجة عنهما

وقيل بل لمدعي الثلث السدس لأن بينة مدعي الكل ومدعي النصف تعارضتا فيه فتساقطتا وبقي لمن هو في يده ولا شيء لمدعي النصف لعدم ذلك فيه وسواء كان لمدعي الثلث بينة أو لم تكن وإن كانت العين في يد غيرهم واعترف أنه لا يملكها ولا بينة لهم فالنصف لمدعي الكل لأنه ليس منهم من يدعيه ويقرع بينهم في النصف الباقي فإن خرجت القرعة لصاحب الكل أو لصاحب النصف حلف وأخذه وإن خرجت لصاحب الثلث حلف وأخذ الثلث ثم يقرع بين الآخرين في السدس فمن قرع صاحبه حلف وأخذه

وإن أقام كل واحد منهم بينة بما ادعاه فالنصف لمدعي الكل لما ذكرنا والسدس الزائد يتنازعه مدعي الكل ومدعي النصف والثلث يدعيه الثلاثة وقد تعارضت البينات فيه فإن قلنا تسقط البينات أقرعنا


250

بين المتنازعين فيما تنازعوا فيه فمن قرع صاحبه حلف وأخذه ويكون الحكم فيه كما لو لم تكن لهم بينة وهذا قول أبي عبيد وقول الشافعي إذ كان بالعراق

وعلى الرواية التي نقول إذا تعارضت البينات قسمت العين بين المتداعين فلمدعي الكل النصف ونصف السدس الزائد عن الثلث وثلث الثلث ولمدعي النصف نصف السدس وثلث الثلث ولمدعي الثلث ثلثه وهو التسع فتخرج المسألة من ستة وثلاثين سهما لمدعي الكل النصف ثمانية عشر سهما ونصف السدس ثلاثة والتسع أربعة فذلك خمسة وعشرون سهما ولصاحب النصف سبعة ولمدعي الثلث أربعة وهو التسع وهذا قياس قول قتادة والحارث العكلي وابن شبرمة وحماد وأبي حنيفة وهو قول للشافعي وقال أبو ثور يأخذ مدعي الكل النصف ويوقف الباقي حتى يتبين ويروى هذا عن مالك وهو قول للشافعي

وقالابن أبي ليلى وقوم من أهل العراق تقسم العين بينهم على حسب عول الفرائض لصاحب الكل ستة ولصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث سهمان فتصح من أحد عشر سهما

وسئل سهل بن عبد الله بن أبي أوس عن ثلاثة ادعوا كيسا وهو بأيديهم ولا بينة لهم وحلف كل واحد منهم على ما ادعاه ادعى أحدهم جميعه وادعى آخر ثلثيه وادعى آخر نصفه فأجاب فيهم بشعر يقول نظرت أبا يعقوب في الحسب التي طرت فأقامت منهم كل قاعد فلمدعي الثبثين ثلث وللذي استلاط جميع المال عند التحاشد من المال نصف غير ما سينوبه وحصته من نصف ذا المال زائد وللمدعي نصفا من المال ربعه ويؤخذ نصف السدس من كل واحد وهذا قول من قسم المال بينهم على حسب العول فكأن المسألة عالت من ستة إلى ثلاثة عشر وذلك أنه أخذ مخرج الكسور وهي ستة فجعلها لمدعي الكل وثلثاها أربعة لمدعي الثلثين ونصفها ثلاثة لمدعي النصف صارت ثلاثة عشر

فصل فإن كانت الدار في أيدي أربعة فادعى أحدهم جميعها والثاني ثلثيها والثالث نصفها والرابع ثلثها ولا بينة لهم حلف لهم كل واحد وله ربعها لأنها في يده فالقول قول صاحب اليد مع يمينه وإن أقام كل واحد منهم بما ادعاه بينة قسمت بينهم أرباعا أيضا لأننا إن قلنا تقدم بينة الداخل فكل واحد منهم داخل في ربعها فتقدم بينته فيه وإن قلنا تقدم بينة الخارج فإن الرجلين إذا ادعيا عينا في يد غيرهما فأنكرهما وأقام كل واحد منهما بينة بدعواه تعراضتا وأقر الشيء في يد من هو في يده وإن كانت الدار في يد خامس لا يدعيها ولا بينة لواحد منهم بما ادعاه فالثلث لمدعي الكل لأن أحدا لا ينازعه فيه ويقرع بينهم في الباقي فإن خرجت القرعة لصاحب الكل أو لمدعي الثلثين أخذه وإن وقعت لمدعي النصف أخذه وأقرع بين الثلاثة في الثلث الباقي وهذا قول أبي عبيد والشافعي إذ كان بالعراق إلا أنهم عبروا عنه بعبارة أخرى فقالوا لمدعي الكل


251

الثلث ويقرع بينه وبين مدعي الثلثين في السدس الزائد عن النصف ثم يقرع بينهما وبين مدعي النصف في السدس الزائد عن الثلث ثم يقرع بين الأربعة في الثلث الباقي ويكون الإقراع في ثلاثة مواضع وعلى الرواية الأخرى الثلث لمدعي الكل ويقسم السدس الزائد عن النصف بينه وبين مدعي الثلثين ثم يقسم السدس الزائد عن الثلث بينهما وبين مدعي النصف أثلاثا ثم يقسم الثلث الباقي بين الأربعة أرباعا وتصح المسألة من ستة وثلاثين سهما لصاحب الكل ثلثها اثنا عشر ونصف السدس الزائد على النصف ثلاثة وثلث السدس الزائد عن الثلث سهمان وربع الثلث الباقي ثلاثة فيحصل له عشرون سهما وهي خمسة أتساع الدار ولمدعي الثلثين ثمانية أسهم تسعان وهي مثل ما لمدعي الكل بعد الثلث الذي انفرد به ولمدعي النصف خمسة أسهم تسع وربع تسع ولمدعي الثلث ثلاثة نصف السدس وعلى قول من قسمها على العول هي من خمسة عشر لصاحب الكل ستة ولصاحب الثلثين أربعة ولصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث سهمان وعلى قول أبي ثور لصاحب الكل الثلث ويوقف الباقي حتى يتبين

مسألة

قال ( ولو كانت الدابة في يد غيرهما واعترف أنه لا يملكها وأنها لأحدهما لا يعرفه عينا قرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وسلمت إليه )

وجملته أن الرجلين إذا تداعيا عينا في يد غيرهما ولا بينة لهما فأنكرهما فالقول قوله مع يمينه بغير خلاف نعلمه وإن اعترف أنه لا يملكها وقال لا أعرف صاحبها أو قال هي لأحدكما لا أعرفه عينا أقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف أنها له وسلمت إليه لما روى أبو هريرة أن رجلين تداعيا عينا لم تكن لواحد منهما بينة فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين أحبا أم كرها رواه أبو داود ولأنهما تساويا في الدعوى ولا بينة لواحد منهما ولا يد والقرعة تميز عند التساوي كما لو أعتق عبيدا لا مال له غيرهم في مرض موته وأما إن كانت لأحدهما بينة حكم بها بغير خلاف نعلمه وإن كانت لكل واحد منهما بينة ففيه روايتان ذكرهما أبو الخطاب

إحداهما تسقط البينتان ويقترع المدعيان على اليمين كما لو لم تكن بينة وهذا الذي ذكره القاضي وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه ذكر القرعة ولم يفرق بين أن تكون معهما بينة أو لم تكن وروي هذا عن ابن عمر وابن الزبير وبه قال إسحاق وأبو عبيد وهو رواية عن مالك وقديم قولي الشافعي وذلك لما روى ابن المسيب أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر وجاء كل منهما بشهود عدول على عدة واحدة فأسهم النبي صلى الله عليه وسلم بينهما رواه الشافعي في مسنده ولأن البينتين حجتان تعارضتا من غير ترجيح لإحداهما على الأخرى فسقطتا كالخبرين

والرواية الثانية تستعمل البينتان وفي كيفية استعمالهما روايتان إحداهما تقسم العين بينهما وهو قول الحارث العكلي وقتادة وابن شبرمة وحماد وأبي حنيفة وقول الشافعي لما روى أبو موسى أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعير وأقام كل واحد منهما البينة أنه له فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم به بينهما نصفين ولأنهما


252

تساويا في دعواه فيتساويان في قسمته

والرواية الثانية تقدم إحداهما بالقرعة وهو قول الشافعي وله قول رابع يوقف الأمر حتى يتبين وهو قول أبي ثور لأنه اشتبه الأمر فوجب التوقف كالحاكم إذا لم يتضح له الحكم في قضيته

ولنا الخبران وأن تعارض الحجتين لا يوجب التوقف كالخبرين بل إذا تعذر الترجيح أسقطناهما ورجعنا إلى دليل غيرهما

إذا ثبت هذا فإننا إذا قلنا إن البينتين تسقطان أقرع بينهما فمن خرجت له قرعته حلف وأخذها كما لو لم تكن لهما بينة وإن قلنا يعمل بالبينتين ويقرع بينهما فمن خرجت له القرعة أخذها من غير يمين وهذا قول الشافعي لأن البينة تغني عن اليمين وقال أبو الخطاب عليه اليمين مع البينة ترجيحا لها وعلى هذا القول تكون هذه الرواية كالأولى في هذا الحكم وإنما يظهر الفرق بينهما في شيء آخر سنذكره إن شاء الله تعالى

فصل فإن أنكرهما من العين في يده وكانت لأحدهما بينة حكم له بها وإن أقام كل واحد منهما بينة فإن قلنا تستعمل البينتان أخذت العين من يده وقسمت بينهما على قول من يرى القسمة أو تدفع إلى من تخرج له القرعة على قول من يرى ذلك وإن قلنا تسقط البينتان حلف صاحب اليد وأقرت في يده كما لو لم تكن لهما بينة وإن أقر بها بعد ذلك لهما أو لأحدهما قبل إقراره وإن أقر بها في الابتداء لأحدهما صار المقر له صاحب اليد لأن من هي في يده مقر بأن يده نائبة عن يده وإن أقر لهما جميعا فاليد لكل واحد منهما في الجزء الذي أقر له به لذلك

فصل وإن تداعيا عينا في يد غيرهما فقال هي لأحدكما لا أعرفه عينا أو قال لا أعرف صاحبها أهو أحدكما أو غيركما أو قال أودعنيها أحدكما أو رجل لا أعرفه عينا فادعى كل واحد منهما أنك تعلم أني صاحبها أو أني الذي أودعتكها أو طلبت يمينه لزمه أن يحلف له لأنه لو أقر له لزمه تسليمها إليه ومن لزمه الحق مع الإقرار لزمته اليمين مع الإنكار ويحلف على ما ادعاه من نفي العلم وإن صدقاه فلا يمين عليه وإن صدقه أحدهما حلف للآخر وإن أقر بها لواحد منهما أو غيرهما صار المقر له صاحب اليد فإن قال غير المقر له احلف لي أن العين ليست ملكي أو أني لست الذي أودعتكها لزمه اليمين على ما ادعاه من ذلك لما ذكرنا وإن نكل عن اليمين قضي عليه بقيمتها وإن اعترف بها لهما كان الحكم فيها كما لو كانت في أيديهما ابتداء وعليه اليمين لكل واحد منهما في النصف المحكوم به لصاحبه وعلى كل واحد منهما اليمين لصاحبه في النصف المحكوم له به

فصل وإذا كان في يد رجل دار فادعاها نفسان قال أحدهما آجرتكها وقال الآخر هي داري أعرتكها أو قال هي داري ورثتها من أبي أو قال هي داري ولم يذكر شيئا آخر فأنكرهما صاحب اليد وقال هي داري فالقول قوله مع يمينه وإن كان لأحدهما بينة حكم له بها وإن أقام كل واحد منهما بما ادعاه بينة تعارضتا وكان الحكم على ما ذكرنا فيما مضى إلا على الرواية التي تقدم فيها البينة الشاهدة


253

بالسبب فإن بينة من ادعى أنه ورثها مقدمة لشهادتها بالسبب وإن أقام أحدهما بينة أنه غصبها منه وأقام الآخر بينة أنه أقر له بها فهي للمغصوب منه ولا تعارض بينهما لأن الجمع بينهما ممكن بأن يكون غصبها من هذا وأقر بها لغيره وإقرار الغاصب باطل وهذا مذهب الشافعي فتدفع إلى المغصوب منه ولا يغرم للمقر له شيئا لأنه ما حال بينه وبينها وإنما حالت البينة بينهما ولو أقر بها لأحدهما أو أقر أنه غصبها من غيره لزمه تسليمها إلى من أقر له بها أولا ولزمه غرامتها للآخر لأنه حال بينه وبينها بإقراره الأول

فصل نقل ابن منصور عن أحمد في رجل أخذ من رجلين ثوبين أحدهما بعشرة والآخر بعشرين ثم لم يدر أيهما ثوب هذا من ثوب هذا فادعى أحدهما ثوبا من هذين الثوبين يعني وادعاه الآخر يقرع بينهما فأيهما أصابته القرعة حلف وكان الثوب الجيد له والآخر للآخر وإنما قال ذلك لأنهما تنازعا عينا في يد غيرهما

فصل إذا تداعيا عينا فقال كل واحد منهما هذه العين لي اشتريتها من زيد بمائة ونقدته إياها ولا بينة لواحد منهما فإن أنكرهما زيد حلف وكانت العين له وإن أقر بها لأحدهما سلمها إليه وحلف للآخر وإن أقر لكل واحد منهما بنصفها سلمت إليهما وحلف لكل واحد منهما على نصفها وإن قال لا أعلم لمن هي منكما أقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها وإن حلف البائع أنها له ثم أقر بها لأحدهما سلمت إليه ثم إن أقر بها للآخر لزمته غرامتها له وإن أقام كل واحد منهما بما ادعاه بينة نظرنا فإن كانت البينتان مؤرختين بتاريخين مختلفين مثل أن يدعي أحدهما أنه اشتراها في المحرم وادعى الآخر أنه اشتراها في صفر وشهدت بينة كل واحد منهما للآخر بدعواه فهي للأول لأنه ثبت أنه باعها للأول فزال ملكه عنها فيكون بيعه في صفر باطلا لكونه باع ما لا يملكه ويطالب برد الثمن وإن كانتا مؤرختين بتاريخ واحد أو مطلقتين أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة تعارضتا لتعذر الجمع فينظر في العين فإن كانت في يد أحدهما انبنى ذلك على الخلاف في بينة الداخل والخارج فمن قدم بينة الداخل جعلها لمن هي في يده ومن قدم بينة للخارج وإن كانت في يد البائع وقلنا تسقط البينتان رجع إلى البائع فإن أنكرهما حلف لهما وكانت له وإن أقر لأحدهما سلمت إليه وحلف للآخر وإن أقر لهما فهي بينهما ويحلف لكل واحد منهما على نصفها كما لو لم تكن لهما بينة وإن قلنا لا تسقط البينتان لم يتلفت إلى إنكاره ولا اعترافه وهذا قول القاضي وأكثر أصحاب الشافعي لأنه قد ثبت زوال ملكه وأن يده لا حكم لها فلا حكم لقوله فمن قال يقرع بينهما أقرع بينهما فمن خرجت له القرعة فهي له مع يمينه وهذا قول القاضي لم يذكر شيئا سوى هذا ومن قال تقسم بينهما قسمت وهذا ذكره أبو الخطاب

وقد نص عليه أحمد في رواية الكوسج في رجل أقام البينة أنه اشترى سلعة بمائة وأقام الآخر بينة أنه اشتراها بمائتين فكل واحد منهما يستحق النصف من السلعة بنصف الثمن فيكونان شريكين

وحملالقاضي هذه الرواية على أن العين في أيديهما أو على أن البائع أقر لهما جميعا وإطلاق الرواية يدل


254

على صحة قول أبي الخطاب

فعلى هذا إن كان المبيع مما لا يدخل في ضمان المشتري إلا بقبضه فلكل واحد منهما الخيار لأن الصفقة تبعضت عليه فإن اختارا الإمساك رجع كل واحد منهما بنصف الثمن وإن اختارا الفسخ رجع كل واحد منهما بجميع الثمن وإن اختار أحدهما الفسخ توفرت السلعة كلها على الآخر إلا أن يكون الحاكم قد حكم له بنصف السلعة ونصف الثمن فلا يعود النصف الآخر إليه

وهذا قول الشافعي في كل مبيع

فصل فإن ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيد بمائة وهي ملكه وادعى الآخر أنه اشتراها من عمرو وهي ملكه وأقام كل واحد منهما بدعواه بينة فهذه تشبه التي قبلها في المعنى فإن كانت في يد أحد المشتريين انبنى ذلك على الروايتين في تقديم بينة الداخل والخارج وإن كانت في أيديهما قسمت بينهما لأن بينة كل واحد منهما داخلة في أحد النصفين خارجة في النصف الآخر وإن كانت في يد أحد البائعين فأنكرهما وادعاها لنفسه

فإن قلنا تسقط البينتان حلف وكانت له وإن أقر بها لأحدهما صار الداخل إلا أن يقر له بعد أن يحلف أنها له وإن قلنا تقدم إحداهما بالقرعة فهي لمن تخرج له القرعة مع يمينه وإن قلنا تقسم بينهما قسمت ورجع كل واحد منهما بنصف ثمنها وإن كان المبيع مما يدخل في ضمان المشتري بنفس العقد أو كان المشتري مقرا بقبضه فلا خيار لواحد منهما ولا رجوع بشيء من الثمن لاعترافه بسقوط الضمان عن البائع وإن كان من المكيل والموزون ولم يقبض فلكل واحد منهما الخيار في الفسخ والإمضاء فإن اختار أحدهما الفسخ لم يتوفر المبيع على الآخر لأن البائع اثنان بخلاف التي قبلها

فصل ولو كان في يد رجل دار فادعى رجلان كل واحد منهما يزعم أنه غصبها منه وأقام بذلك بينة فالحكم في هذه كالحكم فيما إذا ادعى كل واحد منهما أنني اشتريتها منه على ما مضى من التفصيل فيه

وإن اتفق تاريخهما أو كانتا مطلقتين أو إحداهما تعارضتا وإن قدم تاريخ إحداهما فهل ترجح بذلك على وجهين

فأما إن شهدت البينة أنه أقر بغصبها من كل واحد منهما لزمه دفعها إلى الذي أقر له بها أولا ويغرم قيمتها للآخر

فصل فإن ادعى كل واحد منهما أنك اشتريتها مني بألف وأقام بذلك بينة واتفق تاريخهما مثل أن يقول كل واحد منهما اشتراها مني مع الزوال يوم كذا ليوم واحد فهما متعارضتان فإن قلنا تسقطان رجع إلى قول المدعى عليه فإن أنكرهما حلف لهما وبرىء وإن أقر لأحدهما فعليه له الثمن ويحلف للآخر وإن أقر لهما معا فعليه لكل واحد منهما الثمن لأنه يحتمل أن يشتريها من أحدهما ثم يهبها للآخر ويشتريها منه

وإن قال اشتريتها منكما صفقة واحدة بألف فقد أقر لكل واحد منهما بنصف الثمن وله أن يحلفه على الباقي وإن قلنا يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة وجب له الثمن ويحلف للآخر ويبرأ وإن قلنا تقسم قسم الثمن بينهما ويحلف لكل واحد منهما على الباقي فإن كان التاريخان مختلفين أو كانتا مطلقتين أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة ثبت العقدان ولزمه الثمنان لأنه يمكن أن يشتريها من أحدهما ثم يملكها الآخر فيشتريها


255

منه وإذا أمكن صدق البينتين والجمع بينهما وجب تصديقهما فإن قيل فلم قلتم إنه إذا كان البائع واحدا والمشتري اثنان فأقام أحدهما بينة أنه اشتراها في المحرم وأقام الآخر بينة أنه اشتراها في صفر يكون الشراء الثاني باطلا قلنا لأنه إذا ثبت الملك للأول لم يبطله بأن يبيعه الثاني ثانيا وفي مسألتنا ثبوت شرائه من كل واحد منهما يبطل ملكه لأنه لا يجوز أن يشتري ثانيا ملك نفسه ويجوز أن يبيع البائع ما ليس له فافترقا فإن قيل فإذا كانت البينتان مطلقتين أو إحداهما مطلقة احتمل أن يكون تاريخهما واحدا فيتعارضان والأصل براءة ذمة المشهود عليه فلا تشتغل بالشك قلنا إنه متى أمكن صدق البينتين وجب تصديقهما ولم يكن ثم شك وإنما يبقى الوهم والوهم لا تبطل به البينة لأنها لو بطلت به لم يثبت بها حق أصلا لأنه ما من بينة إلا ويحتمل أن تكون كاذبة أو غير عادلة أو متهمة أو معارضة ولم يلتفت إلى هذا الوهم كذا ها هنا

فصل وإذا مات رجل فشهد رجلان أن هذا الغلام ابن هذا الميت لا نعلم له وارثا سواه وشهد آخران لآخران هذا الغلام ابن هذا الميت لا نعلم له وارثا سواه فلا تعارض بينهما وثبت نسب الغلامين منه ويكون الإرث بينهما لأنه يجوز أن تعلم كل بينة ما لم تعلمه الأخرى

فصل وإذا ادعى رجل عبدا في يد آخر أنه اشتراه منه وادعى العبد أن سيده أعتقه ولا بينة لهما فأنكرهما حلف لهما والعبد له وإن أقر لأحدهما ثبت ما أقر له به ويحلف للآخر وإن أقام أحدهما بينة بما ادعاه ثبت وإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه وكانتا مؤرختين بتاريخين مختلفين قدمنا الأول وبطلت الأخرى لأنه إن سبق العتق لم يصح البيع لأن بيع الحر لا يصح وإن سبق البيع لم يصح العتق لأنه أعتق عبد غيره

فإن قيل يحتمل أنه عاد إلى ملكه فأعتقه قلنا قد ثبت الملك للمشتري فلا يبطله عتق البائع وإن كانتا مؤرختين بتاريخ واحد أو مطلقتين أو إحداهما مطلقة تعارضتا لأنه لا ترجيح لإحداهما على الأخرى فإن كان في يد المشتري انبنى ذلك على الخلاف في تقديم بينة الداخل والخارج فإن قدمنا بينة الداخل فهو للمشتري وإن قدمنا بينة الخارج قدم العتق لأنه خارج وإن كان في يد البائع وقلنا إن البينتين تسقطان بالتعارض صارا كمن لا بينة لهما ويرجع إلى السيد فإن أنكرهما حلف لهما وإن أقر بالعتق ثبت ولم يحلف العبد لأنه لو أقر بأنه ما أعتقه لم يلزمه شيء فلا فائدة في إحلافه ويحلف البائع للمشتري وإن أقر للمشتري ثبت الملك ولم يحلف العبد لأنه لو أقر له أنه كان أعتقه لم يلزمه غرم فلا فائدة في إحلافه وإن قلنا يستعملان فاعترف لأحدهما لم يرجح باعترافه لأن ملكه قد زال فإن قلنا ترجح إحدى البينتين بالقرعة أقرعنا بينهما فمن خرجت قرعته قدمناه

قال أبو بكر هذا قياس قول أبي عبد الله فعلى هذا يحلف من خرجت له القرعة في أحد الوجهين وإن قلنا يقسم قسمنا العبد فجعلنا نصفه مبيعا ونصفه حرا ويسري العتق إلى جميعه إن كان البائع موسرا لأن اليبنه قامت عليه بأنه أعتقه مختارا وقد ثبت العتق في نصفه بشهادتهما

فصل إذا ادعى رجل زوجية امرأة فأقرت بذلك قبل إقرارها لأنها أقرت على نفسها وهي


256

غير متهمة فإنها لو أرادت ابتداء النكاح لم تمنع منه وإن ادعاها اثنان فأقرت لأحدهما لم يقبل منها لأن الآخر يدعي ملك نصفها وهي معترفة أن ذلك قد ملك عليها فصار إقرارها بحق غيرها ولأنها متهمة فإنها لو أرادت ابتداء تزويج أحد المتداعيين لم يكن لها ذلك قبل الانفصال من دعوى الآخر

فإن قيل فلو تداعيا عينا في يد ثالث فأقر لأحدهما قيل

قلنا لا يثبت الملك بإقراره في العين وإنما يجعله كصاحب اليد فيحلف والنكاح لا يستحق باليمين فلم ينفع الإقرار به ها هنا فإن كان لأحد المتداعيين بينة حكم له بها لأن البينة حجة في النكاح وغيره وإن أقاما بينتين تعارضتا وسقطتا وحيل بينهما ولا يرجح أحد المتداعيين بإقرار المرأة لما ذكرنا ولا بكونها في بيته ويده لأن اليد لا تثبت على حرة ولا سبيل إلى القسمة ها هنا ولا إلى القرعة لأنه لا بد مع القرعة من اليمين ولا مدخل لها في النكاح

فصل إذا قال السيد لعبده إن قتلت فأنت حر ثم مات فادعى العبد أنه قتل وأنكر الورثة فالقول قولهم مع أيمانهم لأن الأصل عدم القتل فإن أقام بينة بدعواه عتق وإن أقام الورثة بينة بموته قدمت بينة العبد في أحد الوجهين لأنها تشهد بزيادة وهي القتل

والثاني تتعارضان لأن إحداهما تشهد بضد ما شهدت به الأخرى فيبقى على الرق وإن قال إن مت في رمضان فعبدي سالم حر وإن مت في شوال فعبدي غانم حر ثم مات فادعى كل واحد منهما موته في الشهر الذي يعتق بموته فيه وأنكرهما الورثة فالقول قولهم مع أيمانهم وإن أقروا لأحدهما عتق بإقرارهم وإن أقام كل واحد منهما بينة بموجب عتقه ففيه ثلاثة أوجه أحدها تقدم بينة سالم لأن معها زيادة علم فإنها أثبتت ما يجوز أن يخفى على البينة الأخرى وهو موته في رمضان

والثاني يتعارضان ويبقى العبدان على الرق لأنهما سقطا فصارا كمن لا بينة لهما

والثالث يقرع بينهما فيعتق من تقع له القرعة وإن قال إن برئت من مرضي هذا فسالم حر وإن مت منه فغانم حر فمات وادعى كل واحد منهما موجب عتقه أقرع بينهما فمن خرجت له القرعة عتق لأنه لا يخلو من أن يكون برىء أو لم يبرأ فيعتق أحدهما على كل حال ولم تعلم عينه فيخرج بالقرعة كما لو أعتق أحدهما فأشكل علينا ويحتمل أن يقدم قول غانم لأن الأصل عدم البرء وإن أقام كل واحد منهما بينة بموجب عتقه فقال أصحابنا يتعارضان ويبقى العبدان على الرق وهذا مذهب الشافعي لأن كل واحدة منهما تكذب الأخرى وتثبت زيادة تنفيها الأخرى ولا يصح هذا القول لأن التعارض أثره في إسقاط البينتين ولو لم يكونا أصلا لعتق أحدهما فكذلك إذا سقطتا وذلك لأنه لا يخلو من إحدى الحالتين اللتين علق على كل واحدة منهما عتق أحدهما فيلزم وجوده كما لو قال إن كان هذا الطائر غرابا فسالم حر وإن لم يكن غرابا فغانم حر ولم يعلم حاله ولكن يحتمل وجهين أحدهما أن يقرع بينهما كما في مسألة الطائر لأن البينتين إذا تعارضتا قدمت إحداهما بالقرعة في رواية

والثاني تقدم بينة سالم لأنها شهدت بزيادة وهي البرء وإن أقر الورثة لأحدهم


257

عتق بإقرارهم ولم يسقط حق الآخر مما ذكرنا إلا أن يشهد اثنان عدلان منهم بذلك مع انتفاء التهمة ويعتق وحده إذا لم تكن للآخر بينة

فصل وإذا ادعى سالم أن سيده أعتقه في مرض موته وادعى عبده الآخر غانم أنه أعتقه في مرض موته وكل واحد منهما ثلث ماله فأقام كل واحد منهما بدعواه بينة فلا تعارض بينهما لأن ما شهدت به كل بينة لا ينفي ما شهدت به الأخرى ولا تكذب إحداهما الأخرى فيثبت إعتاقه لهما ثم ينظر فإن كانت البينتان مؤرختين بتاريخين مختلفين عتق الأول منهما ورق الثاني إلا أن يجيز الورثة لأن المريض إذا تبرع بتبرعات يعجز ثلثه عن جميعها قدم الأول فالأول وإن اتفق تاريخهما أو أطلقتا أو إحداهما فهما سواء لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى فيستويان ويقرع بينهما فمن خرجت له القرعة عتق ورق الآخر إلا أن يجيز الورثة لأنه لا يخلو إما أن يكون أعتقهما معا فيقرع بينهما كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العبيد الستة الذين أعتقهم سيدهم عند موته ولم يكن له مال غيرهم أو يكون أعتق أحدهما قبل صاحبه وأشكل علينا فيخرج بالقرعة كما في مسألة الطائر وقيل تعتق من كل واحد نصفه وهو قول للشافعي لأنه أقرب إلى التعديل بينهما فإن في القرعة قد يرق السابق المستحق للعتق ويعتق الثاني المستحق للرق وفي القسمة لا يخلو المستحق للعتق من حرية ولا المستحق للرق من رق ولذلك قسمنا المختلف فيه على إحدى الروايتين إذا تعارضت به بينتان والأول المذهب لأنه لا يخلو من شبهة بإحدى الصورتين اللتين ذكرناهما والقرعة ثابتة في كل واحدة منهما وقولهم إن في القرعة احتمال إرقاق نصف الحر قلنا وفي القسمة إرقاق نصف الحر يقينا وتحرير نصف الرقيق يقينا وهو أعظم ضررا وإن كانت قيمة أحدهما الثلث وقيمة الآخر دون الثلث فكان الأول أو الذي خرجت قرعته الثلث عتق ورق الآخر وإن كان هو الناقص عن الثلث عتق وعتق من الآخر تمام الثلث وإن كان لأحدهما بينة ولا بينة للآخر أو بينته فاسقة عتق صاحب البينة العادلة ورق الآخر

وإن كان لكل واحد منهما بينة عادلة إلا أن إحداهما تشهد أنه أعتق سالما في مرضه والأخرى تشهد بأنه وصى بعتق غانم وكان سالم ثلث المال عتق وحده ووقف عتق غانم على إجازة الورثة لأن التبرع يقدم على الوصية وإن كان سالم أقل من الثلث عتق من غانم تمام الثلث وإن شهدت إحداهما أنه وصى بعتق سالم وشهدت الأخرى أنه وصى بعتق غانم فهما سواء ويقرع بينهما سواء اتفق تاريخهما أو اختلف لأن الوصية يستوي فيها المتقدم والمتأخر وقال أبو بكر وابن أبي موسى يعتق نصف كل واحد منهما بغير قرعة لأن القرعة إنما تجب إذا كان أحدهما عبدا والآخر حرا ولا كذلك ها هنا فيجب أن تقسم الوصية بينهما ويدخل النقص على كل واحد منهما بقدر وصيته كما لو وصى لاثنين بمال والأول قياس المذهب لأن الإعتاق بعد الموت كالإعتاق في مرض الموت وقد ثبت في الإعتاق في مرض الموت أنه يقرع بينهما لحديث عمران بن حصين فكذلك بعد الموت ولأن المعنى المقتضي لتكميل العتق في أحدهما في الحياة موجود بعد الممات فيثبت فأما إن صرح فقال إذا مت فنصف كل واحد من سالم وغانم حر أو كان في لفظه ما يقتضيه أو دلت عليه قرينة ثبت ما اقتضاه


258

فصل فإن خلف المريض ابنين لا وارث له سواهما فشهدا أنه أعتق سالما في مرض موته وشهد أجنبيان أنه أعتق غانما في مرض موته وكل واحد ثلث ماله ولم يطعن الابنان في شهادتهما وكانت البينتان عادلتين فالحكم فيه كالحكم فيما إذا كانا أجنبيين سواء لأنه قد ثبت أن الميت أعتق العبدين فإن طعن الاثنان في شهادة الأجنبيين وقالا ما أعتق غانما في مرض موته وكل واحد ثلث ماله إنما أعتق سالما لم يقبل قولهما في رد شهادة الأجنبية لأنها بينة عادلة مثبتة والأخرى نافية وقول المثبت يقدم على قول النافي ويكون حكم ما شهدت به حكم ما إذا لم يطعن الورثة في شهادتهما في أنه يعتق إن تقدم تاريخ عتقه أو خرجت له القرعة ويرق إذا تأخر تاريخه أو خرجت القرعة لغيره وأما الذي شهد به الابنان فيعتق كله لإقرارهما بإعتاقه وحده واستحقاقه للحرية وهذا قول القاضي وقيل يعتق ثلثاه إن حكم بعتق سالم وهو ثلث الباقي لأن العبد الذي شهد به الأجنبيان كالمغصوب من التركة وكالذهب من التركة بموت أو تلف فيعتق ثلث الباقي وهو ثلثا غانم والأول أصح لأن المعتبر خروجه من الثلث حال الموت وحال الموت في قول الابنين لم يعتق سالم إنما عتق بالشهادة بعد الموت فيكون ذلك بمنزلة موته بعد موت سيده فلا يمنع من عتق من خرج من الثلث قبل موته فإن كان الابنان فاسقين ولم يردا شهادة الأجنبية ثبت العتق لسالم ولم يزاحمه من شهد له الابنان لفسقهما لأن شهادة الفاسق كعدمها فلا يقبل قولهما في إسقاط حق ثبت ببينة عادلة

وقد أقر الابنان بعتق غانم فينظر فإن تقدم تاريخ عتقه أو أقرع بينهما فخرجت القرعة له عتق كله كما قلنا في التي قبلها وإن تأخر تاريخ عتقه أو خرجت القرعة لغيره لم يعتق منه شيء لأن الابنين لو كانا عدلين لم يعتق منه شيء فإذا كانا فاسقين أولى

وقالالقاضي وبعض أصحاب الشافعي يعتق نصفه في الأحوال كلها لأنه استحق العتق بإقرار الورثة مع ثبوت العتق للآخر بالبينة العادلة فصار بالنسبة كأنه أعتق العبدين فيعتق منه نصفه وهذا لا يصح فإنه لو أعتق العبدين لأعتقنا أحدهما بالقرعة لأنه في حال تقدم تاريخ عتق من شهدت له البينة لا يعتق منه شيء

ولو كانت بينته عادلة فمع فسوقها أولى وإن كذبت الورثة الأجنبية فقالت ما أعتق غانما إنما أعتق سالما عتق العبدان وقيل يعتق من سالم ثلثاه والأول أولى

فصل فإن شهد عدلان أجنبيان أنه وصى بعتق سالم وشهد عدلان وارثان أنه رجع عن الوصية بعتق سالم ووصى بعتق غانم وقيمتهما سواء أو كانت قيمة غانم أكثر قبلت شهادتهما وبطلت وصية سالم لأنهما لا يجران إلى أنفسهما نفعا ويدفعان عنها ضررا فإن قيل فهما يثبتان لأنفسهما ولاء غانم قلنا وهما يسقطان ولاء سالم وعلى أن الولاء إثبات سبب الميراث وهذا لا يمنع قبول الشهادة بدليل ما لو شهدا بعتق غانم من غير معارض ثبت عتقه ولهما ولاؤه ولو شهدا بثبوت نسب أخ لهما قبلت شهادتهما مع ثبوت سبب الإرث لهما وتقبل شهادة المرأة لأخيه بالمال وإن جاز أن يرثه فإن كان الوراثان فاسقين لم تقبل شهادتهما في الرجوع ويلزمهما إقرارهما لغانم فيعتق سالم بالبينة العادلة ويعتق غانم بإقرار الورثة بالوصية بإعتاقه وحده


259

وذكر القاضي وأصحاب الشافعي أنه إنما يعتق ثلثاه لأنه لما أعتق سالم بشهادة الأجنبيين صار كالمغصوب فصار غانم نصف التركة فيعتق ثلثاه وهو ثلث التركة

ولنا إن الوارثة تقر بأنه حين الموت ثلث التركة وأن عتق سالم إنما كان بشهادتهما بعد الموت فصار كالمغصوب بعد الموت ولو غصب بعد الموت لم يمنع عتق غانم كله فكذلك الشهادة بعتقه

وقد ذكر القاضي فيما إذا شهدت بينة عادلة بإعتاق سالم في مرضه ووارثة فاسقة بإعتاق غانم في مرضه وأنه لم يعتق سالما أن غانما يعتق كله وهذا مثله

فأما إن كانت قيمة غانم أقل من قيمة سالم فالوارثة متهمة لكونها ترد إلى الرق من كثرت قيمته فترد شهادتها في الرجوع كما ترد شهادتها بالرجوع عن الوصية ويعتق سالم وغانم كله أو ثلثاه وهو ثلث الباقي على ما ذكرنا من الاختلاف فيما إذا كانت فاسقة وإن لم تشهد الوارثة بالرجوع عن عتق سالم لكن شهدت بالوصية بعتق غانم وهي بينة عادلة ثبتت الوصيتان سواء كانت قيمتها سواء أو مختلفة فيعتقا إن خرجا من الثلث وإن لم يخرجا من الثلث أقرع بينهما فيعتق من خرجت له القرعة ويعتق تمام الثلث من الآخر سواء تقدمت إحدى الوصيتين على الأخرى أو استوتا لأن المتقدم والمتأخر من الوصايا سواء

فصل ولو شهدت بينة عادلة أنه وصى لزيد بثلث ماله وشهدت بينة أخرى أنه رجع عن الوصية لزيد ووصى لعمرو بثلث ماله وشهدت بينة ثالثة أنه رجع عن الوصية لعمرو ووصى لبكر بثلث ماله صحت الشهادات كلها وكانت الوصية لبكر سواء كانت البينتان من الورثة أو لم تكن لأنه لا تهمة في حقهم وإن كانت شهادة البينة الثالثة أنه رجع عن إحدى الوصيتين لم تفد هذه الشهادة شيئا لأنه قد ثبت بالبينة الثانية أنه رجع عن وصية زيد وهي إحدى الوصيتين فعلى هذا تثبت الوصية لعمرو وإن كانت البينة الثانية شهدت بالوصية لعمرو ولم تشهد بالرجوع عن وصية زيد فشهدت الثالثة بالرجوع عن إحدى الوصيتين لا بعينها فقال القاضي لا تصح الشهادة وهذا مذهب الشافعي لأنهما لم يعينا المشهود عليه ويصير كما لو قالا نشهد أن لهذا على أحد هذين ألفا

وأن لأحد هذين على هذا ألفا ويكون الثلث بين الجميع أثلاثا

وقال أبو بكر قياس قول أبي عبد الله أنه يصح الرجوع عن إحدى الوصيتين ويقرع بينهما فمن خرجت له قرعة الرجوع عن وصيته بطلت وصيته

وهذا قول ابن أبي موسى وإذا صح الرجوع عن إحداهما بغير تعيين صحت الشهادة به كذلك ووجه ذلك أن الوصية تصح بالمجهول وتصح الشهادة فيها بالمجهول فجازت في الرجوع من غير تعيين المرجوع عن وصيته

فصل وإن شهد شاهدان أنه وصى لزيد بثلث ماله وشهد واحد أنه وصى لعمرو بثلث ماله انبنى هذا على أن الشاهد واليمين هل يعارض الشاهدين أو لا فيه وجهان أحدهما يعارضهما فيحلف عمرو مع شاهده ويقسم الثلث بينهما لأن الشاهد واليمين حجة في المال فأشبه الشاهدين


260

والثاني لا يعارضهما لأن الشاهدين أقوى فيرجحان على الشاهد واليمين فعلى هذا ينفرد زيد بالثلث وتقف وصية عمرو على إجازة الورثة فأما إن شهد واحد أنه رجع عن وصية زيد ووصى لعمرو بثلثه فلا تعارض بينهما ويحلف عمرو مع شاهده وتثبت الوصية لعمرو والفرق بين المسألتين أن في الأولى تقابلت البينتان فقدمنا أقواهما

وفي الثانية لم يتقابلا وإنما يثبت الرجوع وهو يثبت بالشاهد واليمين لأن المقصود به المال وهذا مذهب الشافعي والله أعلم

مسألة

قال ( ولو كان في يده دار فادعاها رجل فأقر بها لغيره فإن كان المقر له بها حاضرا جعل الخصم فيها وإن كان غائبا وكانت للمدعي بينة حكم بها للمدعي ببينته وكان الغائب على خصومته متى حضر )

وجملته أن الإنسان إذا ادعى دارا في يد غيره فقال الذي هي في يده ليست لي إنما هي لفلان وكان المقر له بها حاضرا سئل عن ذلك فإن صدقه صار الخصم فيها وكان صاحب اليد لأن من هي في يده اعترف أن يده نائبة عن يده وإقرار الإنسان بما في يده إقرار صحيح فيصير خصما للمدعي فإن كان للمدعي بينة حكم له بها وإن لم تكن له بينة فالقول قول المدعى عليه مع يمينه وإن قال المدعي احلفوا لي المقر الذي كانت العين في يده أنه لا يعلم أنها لي فعليه اليمين

لأنه لو أقر له بها بعد اعترافه لزمه الغرم كما لو قال هذه العين لزيد ثم قال هي لعمرو فإنها تدفع إلى زيد ويدفع قيمتها لعمرو ومن لزمه الغرم مع الإقرار لزمته اليمين مع الإنكار فإن رد المقر له الإقرار وقال ليست لي وإنما هي للمدعي حكم له بها

وإن لم يقل هي للمدعي ولكن قال ليست لي فإن كانت للمدعي بينة حكم له بها

وإن لم تكن له بينة ففيه وجهان أحدهما تدفع إلى المدعي لأنه يدعيها ولا منازع له فيها

ولأن من هي في يده لو ادعاها ثم نكل قضينا بها للمدعي فمع عدم ادعائه لها أولى

والثاني لا تدفع إليه لأنه لم يثبت لها مستحق لأن المدعي لا يد له ولا بينة وصاحب اليد معترف أنها ليست له فيأخذها الإمام فيحفظها لصاحبها وهذا الوجه الثاني ذكره القاضي والأول أولى لما ذكرنا من دليله ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين ووجه ثالث أن المدعي يحلف أنها له وتسلم إليه ويتخرج لنا مثله بناء على القول برد اليمين إذا نكل المدعى عليه وإن قال المقر له هي الثالث انتقلت الخصومة إليه وصار بمنزلة صاحب اليد لأنه أقر له بها من اليد له حكما وأما إن أقر بها المدعى عليه لمجهول قيل له ليس هذا بجواب

فإن أقررت بها لمعروف وإلا جعلناك ناكلا وقضينا عليك فإن أصر قضي عليه بالنكول وإن أقر بها الغائب أو لغير مكلف معين كالصبي والمجنون صارت الدعوى عليه فإن لم تكن للمدعي بينة لم يقض له بها لأن الحاضر يعترف أنها ليست له ولا يقضى على الغائب بمجرد الدعوى ويقف الأمر حتى يقدم الغائب ويصير غير المكلف مكلفا فتكون الخصومة معه فإن قال المدعي احلفوا لي المدعى عليه أحلفناه لما تقدم وإن أقر بها للمدعي لم تسلم إليه

لأنه اعترف أنها لغيره ويلزمه أن يغرم له قيمتها لأنه فوتها عليه بإقراره بها


261

لغيره وإن كان مع المدعي بينة سمعها الحاكم وقضى بها وكان الغائب على خصومته متى حضر له أن يقدح في بينة المدعي وأن يقيم بينة تشهد بانتقال الملك إليه من المدعي وإن أقام بينة أنها ملكه فهل يقضى بها على وجهين بناء على تقديم بينة الداخل والخارج

فإن قلنا تقدم بينة الخارج فأقام الغائب بينة تشهد له بالملك والنتاج أو سبب من أسباب الملك فهل تسمع بينته ويقضى بها على وجهين وإن كان مع المقر بينة تشهد بها للغائب سمعها الحاكم ولم يقض بها لأن البينة للغائب والغائب لم يدعها هو ولا وكيله وإنما سمعها الحاكم لما فيها من الفائدة وهو زوال التهمة عن الحاضر وسقوط اليمين عنه إذا ادعى عليه أنك تعلم أنها لي ويتخرج أن يقضى بها إذا قلنا بتقديم بين الداخل وأن للمودع المخاصمة في الوديعة إذا غصبت ولأنها بينة مسموعة فيقضى بها كبينة المدعي إذا لم تعارضها بينة أخرى فإن ادعى من هي في يده أنها معه بإجارة أو عارية وأقام بينة بالملك للغائب لم يقض بها لوجهين أحدهما أن ثبوت الإجارة والعارية يترتب على الملك للمؤجر بهذه البينة فلا تثبت الإجارة المترتبة عليها

والثاني أن بينة الخارج مقدمة على بينة الداخل ويخرج القضاء بها على تقديم بينة الداخل وكون الحاضر له فيها حق فإنه يقضي بها وجها واحدا ومتى عاد المقر بها لغيره وادعاها لنفسه لم تسمع دعواه لأنه أقر بأنه لا يمكلها فلا يسمع منه الرجوع عن إقراره والحكم في غير المكلف كالحكم في الغائب على ما ذكرنا

فصل وإذا طلب المدعي أن يكتب له محضرا بما جرى لزمته إجابته فيكتب له محضرا حضر القاضي فلان بن فلان الفلاني قاضي عبد الله الإمام فلان بن فلان الفلاني أو خليفة القاضي فلان بن فلان إن كان نائبا فلان بن فلان الفلاني وأحضر معه فلان بن فلان الفلاني فادعى دارا في يديه ويعينها ويذكر حدودها وصفتها فاعترف بها المدعى عليه لفلان بن فلان الفلاني وهو حينئذ غائب عن بلد القاضي فأقام المدعي بينة وهي فلان بن فلان الفلاني وفلان بن فلان الفلاني فشهدا عنده للمدعي بما ادعاه وعرف الحاكم عدالتهما بما يسوغ معه قبول شهادتهما أو شهد عنده بعدالتهما فلان وفلان فقبل شهادتهما فقضى بها على الغائب جعل كل ذي حجة على حجته فإن كان الغائب قد قدم ولم يأت بحجة زاد وقدم الغائب المقر له بها فلان ولم يأت بحجة تدفع المدعي عن دعواه وإن أقام عند حضوره بينة زاد وأقام بينة وكانت بينة المدعي مقدمة على بينته لأنها بينة خارج

فصل وإذا ادعى إنسان أن أباه مات وخلفه وأخا له غائبا ولا وارث له سواهما وترك دارا في يد هذا الرجل فأنكر صاحب اليد فأقام المدعي بينة بما ادعاه ثبتت الدار للميت وانتزعت الدار من يد المنكر ودفع نصفها إلى المدعي وجعل النصف الآخر في يد أمين للغائب يكريه له وكذلك إن كان المدعي مما ينقل ويحول وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن كان مما ينقل ولا يحول أو مما ينحفظ ولا يخاف هلاكه لم ينزع نصيب الغائب من يد المدعى عليه لأن الغائب لم يدعه هو ولا وكيله فلم ينزع من يد من هو في يده كما لو ادعى أحد الشريكين دارا مشتركة بينه وبين أجنبي فإنه يسلم إلى المدعي نصيبه ولا ينزع


262

نصيب الغائب كذا ها هنا

ولنا إنها تركة ميت ثبتت ببينة فوجب أن ينزع نصيب الغائب كالمنقول وكما لو كان أخوه صغيرا أو مجنونا ولأن فيما قاله ضررا لأنه قد يتعذر على الغائب إقامة البينة وقد يموت الشاهدان أو يغيبان أو تزول عنهما عدالتهما ويعزل الحاكم فيضيع حقه فوجب أن يحفظ بانتزاعه كالمنقول ويفارق الشريك الأجنبي إجمالا وتفصيلا

أما الإجمال فإن المنقول ينتزع نصيب شريكه في الميراث ولا ينتزع نصيب شريكه الأجنبي وأما التفصيل فإن البينة ثبت بها الحق للميت بدليل أنه يقضى منه ديونه وتنفذ منه وصاياه ولأن الأخ لا يشاركه فيما أخذه إذا تعذر عليه أخذ الباقي فأما إن كان دينا في ذمة إنسان فهل يقبض الحاكم نصيب الغائب فيه وجهان

أحدهما يقبضه كما يقبض العين

والثاني لا يقبضه لأنه إذا كان في ذمة من هو عليه كان أحوط من أن يكون أمانة في يد الأمين لأنه لا يؤمن عليه التلف إذا قبضه والأول أولى لأنه في الذمة أيضا يعرض للتلف بالفلس والموت وعزل الحاكم وتعذر البينة

إذا ثبت هذا فإننا إذا دفعنا إلى الحاضر نصف الدار أو الدين لم نطالبه بضمين لأننا دفعناه بقول الشهود والمطالبة بالضمين طعن عليهم قال أصحابنا سواء كان الشاهدان من أهل الخبرة الباطنة أو لم يكونا ويحتمل أن لا تقبل شهادتهما في نفي وارث آخر حتى يكونا من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة لأن من ليس من أهل المعرفة ليس جهله بالوارث دليلا على عدمه ولا يكتفي به وهذا قول الشافعي فعلى هذا لا تكون الدار موقوفة ولا يسلم إلى الحاضر نصفها حتى يسأل الحاكم ويكشف عن المواضع التي كان يطوفها ويأمر مناديا ينادي إن فلانا مات فإن كان له وارث فليأت فإذا غلب على ظنه أنه لو كان له وارث لظهر دفع إلى الحاضر نصيبه وهل يطلب منه ضمينا يحتمل وجهين وهكذا الحكم إذا كان الشاهدان من أهل الخبرة الباطنة ولكن لم يقولا ولا نعلم له وراثا سواه فإن كان مع الابن ذو فرض فعلى ظاهر المذهب يعطى فرضه كاملا وعلى هذا التخريج يعطى اليقين فإن كانت له زوجة أعطيت ربع الثمن لجواز أن يكون له أربع نسوة وإن كانت له جدة ولم يثبت موت أمه لم تعط شيئا وإن ثبت موتها أعطيت ثلث السدس لجواز أن يكون له ثلاث جدات ولا تعطى العصبة شيئا فإن كان الوارث أخا لم يعط شيئا لجواز أن يكون للميت وارث يحجبه وإن كان معه أم أعطيت السدس عائلا والمرأة ربع الثمن عائلا والزوج الربع عائلا لأنه اليقين فإن المسألة قد تعول مع وجود الزوج مثل أن يخلف أبوين وابنين وزوجا فإذا كشف الحاكم أعطى الزوج نصيبه وكمل لذوي الفروض فروضهم

فصل وإذا اختلف في دار في يد أحدهما فأقام المدعي بينة أن هذه الدار كانت أمس ملكه أو منذ شهر فهل تسمع هذه البينة ويقضى بها على وجهين أحدهما تسمع ويحكم بها لأنها تثبت الملك في الماضي وإذا ثبت استديم حتى يعلم زواله

والثاني لا تسمع

قال القاضي هو الصحيح لأن الدعوى لا تسمع ما لم يدع

فصل فأما إن أديا الشهادة وهما من أهلها ثم ماتا قبل الحكم بها حكم

المدعي الملك في الحال


263

فلا تسمع بينة على ما لم يدعه لكن إن انضم إلى شهادتهما بيان سبب يد الثاني وتعريف تعديها فقالا نشهد أنها كانت ملكه أمس فقبضها هذا منه أو سرقها أو ضلت منه فالتقطعها هذا ونحو ذلك سمعت وقضي بها لأنها إذا لم تبين السبب فاليد دليل الملك ولا تنافي بين ما شهدت به البينة وبين دلالة اليد لجواز أن تكون ملكه أمس ثم تنتقل إلى صاحب اليد فإذا ثبت أن سبب اليد عدوان خرجت عن كونها دليلا فوجب القضاء باستدامة الملك السابق وإن أقر المدعى عليه أنها كانت ملكا للمدعي أمس أو فيما مضى سمع إقراره وحكم به في الصحيح لأنه حينئذ يحتاج إلى بيان سبب انتقالها إليه فيصير هو المدعي فيحتاج إلى البينة ويفارق البينة من وجهين أحدهما أنه أقوى من البينة لكونه شهادة من الإنسان على نفسه ويزول به النزاع بخلاف البينة ولهذا يسمع في المجهول ويقضى به بخلاف البينة

والثاني أن البينة لا تسمع إلا على ما ادعاه والدعوى يجب أن تكون معلقة بالحال والإقرار يسمع ابتداء وإن شهدت البينة أنها كانت في يده أمس ففي سماعها وجهان وإن أقر المدعى عليه بذلك فالصحيح أنها تسمع ويقضى به لما ذكرنا

فصل وإن ادعى أمة أنها له وأقام بينة فشهدت أنها ابنة أمته أو ادعى ثمرة فشهدت له البينة أنها ثمرة شجرته لم يحكم له بها لجواز أن تكون ولدتها قبل تملكها وأثمرت الشجرة هذه الثمرة قبل ملكه إياها وإن قالت البينة ولدتها في ملكه أو أثمرتها في ملكه حكم له بها لأنها شهدت أنها نماء ملكه ونماء ملكه ملكه ما لم يرد سبب ينقله عنه فإن قيل فقد قلتم لا تقبل شهادته بالملك السابق على الصحيح وهذه شهادة بملك سابق قلنا الفرق بينهما على تقدير التسليم أن النماء تابع للملك في الأصل فإثبات ملكه في الزمن الماضي على وجه التبع وجرى مجرى ما لو قال ملكته منذ سنة وأقام البينة بذلك فإن ملكه يثبت في الزمن الماضي تبعا للحال ويكون له النماء فيما مضى ولأن البينة ها هنا شهدت بسبب الملك وهو ولادتها أو وجودها في ملكه فقويت بذلك ولهذا لو شهدت بالسبب في الزمن الماضي فقالت أقرضه ألفا أو باعه ثبت الملك وإن لم يذكره فمع ذكره أولى

وإن شهدت له البينة أن هذا الغزل من قطنه وهذا الدقيق من حنطته وأن هذا الطائر من بيضته حكم له به وإن لم يضفه إلى ملكه لأن الغزل عين القطن وإنما تغيرت صفته والدقيق أجزاء الحنطة تفرقت والطير هو أجزاء البيضة استحال وكأن البينة قالت هذا غزله ودقيقه وطيره وليس كذلك بالولد والثمرة فإنهما غير الأم والشجرة ولو شهد أن هذه البيضة من طيره لم يحكم له بها حتى يقولا باضها في ملكه لأن البيضة غير الطير وإنما هي من نمائه فهي كالولد ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كما ذكرنا

فصل وإذا كانت في يد زيد دار فادعاها عمرو وأقام بينة أنه اشتراها من خالد بثمن مسمى نقده إياه أو أن خالدا وهبه تلك الدار لم تقبل بينته بهذا حتى يشهد أن خالدا باعه إياها أو وهبها له وهو يملكها أو يشهد أنها دار عمرو اشتراها من خالد أو يشهد أنه باعها أو وهبها له وسلمها إليه وإنما لم


264

تسمع البينة بمجرد الشراء والهبة لأن الإنسان قد يبيع ما لا يملكه ويهبه فلا تقبل شهادتهم به فإن انضم إلى ذلك الشهادة للبائع بالملك أو شهدوا للمشتري بالملك أو شهدوا بالتسليم فقد شهدوا بتقديم اليد أو بالملك للمدعي أو لمن باعه فالظاهر أنه ملكه لأن اليد تدل على الملك وهذا مذهب الشافعي وإنما قبلناها وهي شهادة بملك ماض لأنها شهدت بالملك مع السبب والظاهر استمراره بخلاف ما إذا لم يذكر السبب

فصل وإذا كان في يد رجل طفل لا يعبر عن نفسه فادعى أنه مملوكه قبلت دعواه ولم يحل بينه وبينه لأن اليد دليل الملك والصبي ما لم يعبر عن نفسه فهو كالبهيمة والمتاع إلا أن يعرف أن سبب يده غير الملك مثل أن يلتقطه فلا تقبل دعواه لرقه لأن اللقيط محكوم بتجريده وأما غيره فقد وجد فيه دليل الملك من غير معارض فيحكم برقه فإذا بلغ فادعى الحرية لم تقبل دعواه لأنه محكوم برقه قبل دعواه وإن لم يدع ملكه لأنه كان يتصرف فيه بالاستخدام وغيره فهو كما لو ادعى رقه ويحكم له برقه لأن اليد دليل الملك فإن ادعى أجنبي نسبه لم يقبل لما فيه من الضرر على السيد لأن النسب مقدم على الولاء في الميراث فإن أقام البينة بنسبه ثبت ولم يزل الملك عنه لأنه يجوز أن يكون ولده وهو مملوك بأن يتزوج بأمة أو يسبي الصغير ثم يسلم أبوه إلا أن يكون الأب عربيا فلا يسترق ولده في رواية وهو قول الشافعي القديم وإن أقام بينة أنه ابن حرة فهو حر لأن ولد الحرة لا يكون إلا حرا وإن كان الصبي مميزا يعبر عن نفسه فادعى من هو في يده رقه ولم يعرف تقدم اليد عليه قبل تمييزه إلا أننا إن رأيناه في يده وهما يتنازعان ففيه وجهان

أحدهما لا يثبت ملكه عليه لأنه معرب عن نفسه ويدعي الحرية أشبه البالغ

والثاني يثبت ملكه عليه لأنه صغير ادعى رقه وهو في يده فأشبه الطفل فأما البالغ إذا ادعى رقه فأنكر لم يثبت رقه إلا ببينة وإن لم تكون بينة فالقول قوله مع يمينه في الحرية لأنها الأصل وهذا الفاصل بجميعه مذهب الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي إلا أن أصحاب الرأي قالوا متى أقام إنسان بينة أنه ولده ثبت النسب والحرية لأن ظهور الحرية في ولد الحر أكثر من احتمال الرق الحاصل باليد لا سيما إذا لم يعرف من الرجل كفر ولا تزوج بأمة فلا ينفى احتمال الرق وهذا القول هو الصواب إن شاء الله

فصل وإن ادعى اثنان رق بالغ في أيديهما فأنكرهما فالقول قوله مع يمينه وإن اعترف لهما بالرق ثبت رقه فإن ادعاه كل واحد منهما لنفسه فاعترف لأحدهما فهو لمن اعترف له وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يكون بينهما نصفين لأن يدهما عليه فأشبه الطفل والثوب

ولنا إنه إنما حكم برقه باعترافه فكان مملوكا لمن اعترف له كما لو لم تكن يده عليه ويخالف الثوب والطفل فإن الملك حصل فيهما باليد وقد تساويا فيه وها هنا حصل بالاعتراف وقد اختص به أحدهما فكان مختصا به فإن أقام كل واحد منهما بينة أنه مملوكه تعارضتا وسقطتا ويقرع بينهما أو يقسم بينهما على ما مضى من التفصيل فيه فإن قلنا بسقوطهما ولم يعترف لهما بالرق فهو حر وإن اعترف لأحدهما فهو لمن اعترف له وإن أقر لهما معا فهو بينهما لأن البينتين سقطتا وصارتا كالمعدومتين فإن قلنا بالقرعة أو القسمة


265

فأنكرهما لم يلتفت إلى إنكاره وإن اعترف لأحدهما لم يلتفت إلى اعترافه لأن رقه ثابت بالبينة فلم تبق له يد على نفسه كما قلنا فيما إذا ادعى رجلان دارا في يد ثالث وأقام كل واحد منهما بينة أنها ملكه واعترف أنها ليست له ثم أقر أنها لأحدهما لم يرجح إقراره

فصل ولو كان في يده صغيرة فادعى نكاحها لم يقبل منه ولا يخلى بينها وبينه ولو ادعى رقها قبل منه إذا كانت طفلة لا تعبر عن نفسها لأن اليد دليل الملك وأما المدعي للنكاح فهو مقر بحريتها أو بأنها غير مملوكة له واليد لا تثبت على الحر فإذا كبرت فاعترفت له بالنكاح قبل إقرارها

فصل ولو ادعى ملك عين وأقام به بينة وادعى آخر أنه باعها منه أو وهبها إياه أو وقفها عليه أو ادعت امرأته أنه أصدقها إياها أو أعتقها وأقام بذلك بينة قضي له بها بغير خلاف نعلمه لأن بينة هذا شهدت بأمر خفي على البينة الأخرى والبينة الأخرى شهدت بالأصل فيمكن أنه كان ملكه ثم صنع به ما شهدت به البينة الأخرى ولو مات رجل وترك دارا فادعى ابنه أنه خلفها ميراثا وادعت امرأته أنه أصدقها إياها وأقاما بذلك بينتين حكم بها للمرأة ولأنها تدعي أمرا زائدا خفي على بينة الابن وسواء شهدت البينة بالشراء وما في معناه بأنه باع ملكه أو ما في يده أو لم تشهد بذلك وسواء شهدت بالبيع والقبض أو لم تذكر القبض وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يثبت الملك للمشتري ولا تزال يد البائع إلا أن تشهد البينة بأنه باع ملكه أو ما في يده لأن البيع المطلق ليس بحجة لأنه قد يبيع ما لا يملك

ولنا إن بينة البائع أثبتت الملك له فإذا أقامت بينة الشراء عليه كانت حجة عليه في إزالة ملكه عنها إلى المشتري فوجب القضاء له بها ولو ادعى إنسانء دارا في يد رجل أنها لي منذ سنة وأقام بهذا بينة فجاء ثالث فادعى أنه اشتراها من مدعيها منذ سنتين وأقام بهذا بينة ثبت لمدعي الشراء وليس في شهادة البينة الأولى أنه تملكها منذ سنة ما يبطل أنها له منذ سنتين لأنه لا تنافي بين ملكها منذ سنتين وملكها منذ سنة فإن المالك منذ سنتين يستمر ملكه في السنة الثانية فإن قالت بينة الشراء هو مالكها ثبت الملك بغير خلاف وإن لم نقل ذلك كان فيه من الخلاف ما قد ذكرناه

فصل ولو ادعى رجل ملك دار في يد آخر وادعى صاحب اليد أنها في يده منذ سنتين وأقام كل واحد منهما بينة بدعواه فهي لمدعي الملك بلا خلاف نعلمه لأنه لا تنافي بين الدعوتين ولا البينتين لأنها قد تكون ملكا له وهي في يد الآخر وإن ادعى دابة أنها له منذ عشر سنين وأقام بهذا بينة فوجدت الدابة لها أقل من عشر سنين فالبينة كاذبة والدابة لمن هي في يده

فصل وإذا شهد شاهدان على رجل أنه أقر لفلان بألف وشهد أحدهما أنه قضاه ثبت الإقرار فإن حلف مع شاهده على القضاء ثبت وإلا حلف المقر له أنه لم يقضه ويثبت له الألف وإن شهد أحدهما أن له عليه ألفا وشهد الآخر أنه قضاه ألفا ثبت عليه الألف لأن شاهد القضاء لم يشهد بألف عليه وإنما تضمنت شهادته أنها كانت عليه والشهادة لا تقبل إلا صريحة بخلاف المسألة الأولى فإن البينة أثبتت


266

الألف بشهادتها الصريحة بها ولو ادعى أنه أقرضه ألفا فقال لا يستحق علي شيئا فأقام بينه بالقرض وأقام المدعى عليه بينة أنه قضاه ألفا ولم يعرف التاريخ برىء بالقضاء لأنه لم يثبت عليه إلا ألف واحد ولا يكون القضاء إلا لما عليه فلهذا جعل القضاء للألف الثابتة وإن قال ما أقرضتني ثم أقام بينة بالقضاء لم تقبل بينته في أنه قضاه للقرض لأنه بإنكاره القرض تعين صرفها إلى قضاء غيره ولو لم ينكر القرض إلا أن بينة القضاء كانت مؤرخة بتاريخ سابق على القرض لم يجز صرفها إلى قضاء القرض لأنه لا يقضي القرض قبل وجوده

مسألة

قال ( ولو مات رجل وخلف ولدين مسلما وكافرا فادعى المسلم أن أباه مات مسلما وادعى الكافر أن أباه مات كافرا فالقول قول الكافر مع يمينه لأن المسلم باعترافه بأخوة الكافر يعترف بأن أباه كان كافرا مدعيا لإسلامية وإن لم يعترف بأخوة الكافر ولم تكن بينة بأخوته كان الميراث بينهما نصفين لتساوي أيديهما )

وجملته أنه إذا مات رجل لا يعرف دينه وخلف تركة وابنين يعترفان أنه أبوهما أحدهما مسلم والآخر كافر فادعى كل واحد منهما أنه مات على دينه وأن الميراث له دون أخيه فالميراث للكافر لأن دعوى المسلم لا تخلو من أن يدعي كون الميت مسلما أصليا فيجب كون أولاده مسلمين ويكون أخوه الكافر مرتدا وهذا خلاف الظاهر فإن المرتد لا يقر على ردته في دار الإسلام أو يقول إن أباه كان كافرا فأسلم قبل موته فهو معترف بأن الأصل ما قاله أخوه مدع زواله وانتقاله والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت زواله وهذا معنى قول الخرقي إن المسلم باعترافه بأخوة الكافر معترف أن أباه كان كافرا مدعيا لإسلامه وذكر ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى أنهما في الدعوى سواء فالميراث بينهما نصفين كما لو تنازع اثنان عينا في أيديهما ويحتمل أن يكون الميراث للمسلم منهما وهو قول أبي حنيفة لأن الدار دار الإسلام يحكم بإسلام لقيطها ويثبت للميت فيها إذا لم يعرف أصل دينه حكم الإسلام في الصلاة عليه ودفنه وتكفينه من الوقف الموقوف على أكفان موتى المسلمين ولأن هذا حكمه حكم الموتى المسلمين في تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين وسائر أحكامه فكذلك في ميراثه ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ويجوز أن يكون أخوه الكافر مرتدا لم تثبت عند الحاكم ردته ولم ينته إلى الإمام خبره وظهور الإسلام بناء على هذا أكثر من ظهور الكفر بناء على كفر أبيه ولهذا جعل الشرع أحكامه أحكام المسلمين فيما عدا المتنازع فيه وقال القاضي قياس المذهب أنا ننظر فإن كانت التركة في أيديهما قسمت بينهما نصفين وإن لم تكن في أيديهما أقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف واستحق كما قلنا فيما إذا تداعيا عينا ويقتضي كلامه أنها إذا كانت في يد أحدهما فهي له مع يمينه وهذا لا يصلح لأن كل واحد منهما يعترف أن هذه التركة تركة هذا الميت وأنه إنما يستحقإها بالميراث فلا حكم ليده وقال أبو الخطاب يحتمل أن يقف الأمر حتى يعرف أصل دينه أو يصطلحا

وهذا قول الشافعي


267

ولنا ما ذكرناه من الدليل على ظهور كفره وعند ذلك يتعين الترجيح لقوله وصرف الميراث إليه وأما ظهور حكم الإسلام في الصلاة عليه فلأن الصلاة لا ضرر فيها على أحد وكذلك تغسيله ودفنه وأما قوله إن الإسلام يعلو ولا يعلى فإنما يعلو إذا ثبت والنزاع في ثبوته وهذا فيما إذا لم يثبت فأما إن ثبت أصل دينه فالقول قول من ينفيه عليه مع يمينه وهذا قول الشافعي وأبي ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة القول قول المسلم على كل حال لما ذكرنا في التي قبلها

ولنا إن الأصل بقاء ما كان عليه وكان القول قول من يدعيه كسائر المواضع فأما إن لم يعترف المسلم بأخوة الكافر وادعى كل واحد منهما أن الميت أبوه دون الآخر فهما سواء في الدعوة لتساوي أيديهما ودعاويهما فإن المسلم والكافر في الدعوى سواء ويقسم ميراثه نصفين كما لو كان في أيديهما دار فادعاها كل واحد منهما ولا بينة لهما ويحتمل أن يقدم قول المسلم لما ذكرنا والله أعلم

مسألة

قال ( وإن أقام المسلم بينة أنه مات مسلما وأقام الكافر بينة أنه مات كافرا أسقطت البينتان وكانا كمن لا بينة لهما وإن قال شاهدان نعرفه كان كافرا وقال شاهدان نعرفه كان مسلما فالميراث للمسلم لأن الإسلام يطرأ على الكفر إذا لم يؤرخ شهود معرفتهم )

وجملة ذلك أنه إذا خلف الميت ولدين مسلما وكافرا فادعى المسلم أنه مات مسلما وأقام بذلك بينة وأقام الكافر بينة من المسلمين أنه مات كافرا ولم يعرف أصل دينه فهما متعارضتان وإن عرف أصل دينه نظرنا في لفظ الشهادة فإن شهدت كل واحدة منهما أنه كان آخر كلامه التلفظ بما شهدت به فهما متعارضتان وإن شهدت إحداهما أنه مات على دين الإسلام وشهدت الأخرى أنه مات على دين الكفر قدمت بينة من يدعي انتقاله عن دينه لأن المبقية له على أصل دينه ثبتت شهادتها على الأصل الذي تعرفه لأنهما إذا عرفا أصل دينه ولم يعرفا انتقاله عنه جاز لهما أن يشهدا أنه مات على دينه الذي عرفاه والبينة الأخرى معها علم لم تعلمه الأولى فقدمت عليها كما لو شهد بأن هذا العبد كان ملكا لفلان إلى أن مات وشهد آخران أنه أعتقه أو باعه قبل موته قدمت بينة العتق والبيع

فأما إن قال شاهدان نعرفه قبل موته قد كان مسلما وقال شاهدان نعرفه كان كافرا نظرنا في تاريخهما فإن كانتا مؤرختين بتاريخين مختلفين عمل بالآخرة منهما لأنه ثبت أنه انتقل عما شهدت به الأولى إلى ما شهدت به الآخرة وإن كانتا مطلقتين أو إحداهما مطلقة قدمت بينة المسلم لأن المسلم لا يقر على الكفر في دار الإسلام وقد يسلم الكافر فيقر وإن كانتا مؤرختين بتاريخ واحد نظرت في شهادتهما فإن كانت على اللفظ فهما متعارضتان وإن لم تكن على اللفظ ولم يعرف أصل دينه فهما متعارضتان وإن عرف أصل دينه قدمت الناقلة له عن أصل دينه وكل موضع تعارضت البينتان فقال الخرقي تسقط البينتان ويكونان كمن لا بينة لهما وقد ذكرنا روايتين آخرتين إحداهما يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وأخذ

والثانية تقسم بينهما ونحو هذا

قال الشافعي وقال أبو حنيفة تقدم بينة الإسلام على كل حال وقد مضى الكلام معه وقول الخرقي فيما إذا قال شاهدان نعرفه كان


268

مسلما وقال شاهدان نعرفه كان كافرا محمول على من لم يعرف أصل دينه أو علم أن أصل دينه الكفر أما من كان مسلما في الأصل فينبغي أن تقدم بينة الكفر لأن بينة الإسلام يجوز أن تستند إلى ما كان عليه في الأصل

فصل وإن خلف ابنا مسلما وأخا كافرا فاختلفا في دينه حال الموت فالحكم فيها كالتي قبلها وهكذا سائر الأقارب إلا أن يخلف أبوين كافرين وابنين مسلمين أو غيرهما من الأقارب ويختلفون في دينه فإن كون الأبوين كافرين بمنزلة معرفة أصل دينه لأن الولد قبل بلوغه محكوم له بدين أبويه فثبت أنه كان كافرا وإن الابنين يدعيان إسلامه فيكون القول قول الأبوين وإن كانا مسلمين فالقول قولهما في إسلامه لأن كفره ينبني على أنه كان مسلما فارتد أو أن أبويه كانا كافرين فأسلما بعد بلوغه والأصل خلافه

فصل ولو مات مسلم وخلف زوجة وورثة سواها وكانت الزوجة كافرة ثم أسلمت فادعت أنها أسلمت قبل موته فأنكرها الورثة فالقول قول الورثة لأن الأصل عدم ذلك وإن لم يثبت أنها كافرة فادعى عليها الورثة أنها كانت كافرة فأنكرتهم فالقول قولها لأن الأصل عدم ما ادعوه عليها

وإن ادعوا أنه طلقها قبل موته فأنكرتهم فالقول قولها وإن اعترفت بالطلاق وانقضاء العدة وادعت أنه راجعها فالقول قولهم

وإن اختلفوا في انقضاء عدتها فالقول قولها في أنها لم تنقض لأن الأصل بقاؤها ولا نعلم في هذا كله خلافا وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور ولو خلف ولدين مسلمين اتفقا على أن أحدهما كان مسلما حين موت أبيه وادعى الآخر أنه أسلم في حياة أبيه وجحده أخوه فالميراث للمتفق عليه لأن الأصل بقاء الكفر إلى أن يعلم زواله وعلى أخيه اليمين ويكون على نفي العلم لأنها على نفي فعل أخيه إلا أن يكون ثبت أنه كان مسلما قبل القسمة فإن من أسلم على ميراث قبل أن يقسم قسم له وإن كان أحدهما حرا والآخر رقيقا ثم عتق واختلفا في حريته عند الموت فالقول قول من ينفيها وإن لم يثبت أنه كان رقيقا ولا كافرا فادعى عليه أنه كان كذلك فأنكر فالقول قوله والميراث بينهما لأن الأصل الحرية والإسلام وعدم ما سواهما

فصل وإن أسلم أحد الابنين في غرة شعبان وأسلم الآخر في غرة رمضان واختلفا في موت أبيهما فقال الأول منهما مات في شعبان فورثته وحدي

وقال الآخر مات في رمضان فالميراث بينهما لأن الأصل بقاء حياته حتى يعلم زوالها فإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه ففيه وجهان

أحدهما يتعارضان

والثاني تقدم بينة موته في شعبان لأن معها زيادة علم لأنها بينت موته في شعبان ويجوز أن يخفى ذلك على البينة الأخرى

فصل وإن اختلفا في دار فادعى أحدهما أن هذه داري ورثتها من أبي وادعى الآخر أنها داره ورثها من أبيه وليس أحدهما أخا للآخر وكانت في يد أحدهما فهي للذي في يده سواء كان مسلما أو كافرا وإن كانت في أيديهما فهي بينهما وإن كان لكل واحد منهما بينة وهي في أيديهما تعارضتا وكان الحكم فيها على ما قدمنا في مثلها


269

مسألة

قال ( وإذا ماتت امرأة وابنها فقال زوجها ماتت قبل ابنها فورثناها ثم مات ابني فورثته وقال أخوها مات ابنها فورثته ثم ماتت فورثناها حلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه وكان ميراث الابن لأبيه وميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين )

وجملته أنه إذا ماتت جماعة يرث بعضهم بعضا واختلف الأحياء من ورثتهم في أسبقهم بالموت كامرأة وابنها ماتا فقال الزوج ماتت المرأة أولا فصار ميراثها كله لي ولابني ثم مات ابني فصار ميراثه لي وقال أخوها مات ابنها أولا فورثت ثلث ماله ثم ماتت فكان ميراثها بيني وبينك نصفين حلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه وجعلنا ميراث كل واحد منهما للأحياء من ورثته دون من مات معه لأن سبب استحقاق الحي من موروثه موجود وإنما يمتنع لبقاء موروث الآخر بعده وهذا أمر مشكوك فيه فلا نزول عن اليقين بالشك فيكون ميراث الابن لأبيه لا مشارك له فيه وميراث المرأة بين أخيها وزوجها نصفين وهذا مذهب الشافعي

فإن قيل فقد أعطيتم الزوج نصف ميراث المرأة وهو لا يدعي إلا الربع قلنا بله هو مدع له كله ربعه بميراثه منها وثلاثة أرباعه بإرثه من ابنه قال أبو بكر وقد ثبتت البنوة بيقين فلا يقطع ميراث الأب منه إلا ببينة تقوم للأخ وهذا تعليل لقول الخرقي في هذه المسألة وذكر قولا آخر أنه يحتمل أن الميراث بينهما نصفين قال وهذا اختياري أن كل رجلين ادعيا ما لا يمكن صدقهما فيه فهو بينهما نصفين وهذا لا يدري ما أراد به إن أراد أن مال المرأة بينهما نصفين فهو قول الخرقي وليس بقول آخر وإن أراد أن مالها ومال الابن بينهما نصفين لم يصح لأنه يفضي إلى إعطاء الأخ ما لا يدعيه ولا يستحقه يقينا لأنه لا يدعي من مال الابن أكثر من سدسه ولا يمكن أن يستحق أكثر منه وإن أراد أن ثلث مال الابن يضم إلى مال المرأة فيقتسمانه نصفين لم يصح لأن نصف ذلك للزوج باتفاق منهما لا ينازعه الأخ فيه وإنما النزاع بينهما في نصفه ويحتمل أن يكون هذا مراده كما لو تنازع الأخ فيه وإنما النزاع بينهما خفي كما لو تنازع رجلان دارا في أيديهما فادعاها أحدهما كلها وادعى الآخر نصفها فإنها تقسم بينهما نصفين وتكون اليمين على مدعي النصف إلا أن الفرق بين هذه المسألة وتلك أن الدار في أيديهما فكل واحد منهما في يده نصفها فمدعي النصف يدعيه وهي في يده فقبل قوله فيه مع يمينه وفي مسألتنا يعترفان أن هذا ميراث عن الميتين فلا بد لأحدهما عليه لاعترافهما بأنه لم يكن لهما وإنما هو ميراث يدعيانه عن غيرهما وإن أراد أن يضم سدس مال الابن إلى نصف مال المرأة فيقسم بينهما نصفين فله وجه لأنهما تساويا في دعواه فيقسم بينهما كما لو تنازعا دابة في أيديهما وعلى كل واحد منهما اليمين فيما حكم له به والذي يقتضيه قول أصحابنا في الغرقى والهدمى أن يكون سدس ميراث اللابن للأخ وباقي الميراثين للزوج لأننا نقدر أن المرأة ماتت أولا فيكون ميراثها لابنها وزوجها ثم مات الابن فورث الزوج كل ما في يده فصار ميراثها كله لزوجها ثم نقدر أن الابن مات أولا فورثه أبواه لأمه الثلث ثم ماتت فصار الثلث بين أخيها وزوجها نصفين لكل واحد منهما السدس فلم يرث الأخ إلا سدس مال الابن كما ذكرنا ولعل هذا القول يختص بمن جهل موتهما واتفق وراثهما على الجهل به والقولان


270

المتقدمان قول الخرقي وقول أبي بكر فيما إذا ادعى ورثة كل ميت أنه مات أخيرا وأن الآخر مات قبله فإن كان لأحدهما بينة بما ادعاه حكم بها وإن أقاما بينتين تعارضتا وهل تسقطان أو تستعملان فيقرع بينهما أو يقتسمان ما اختلفا فيه يخرج على الروايات الثلاث والله أعلم

فصل ولو كان في يد رجل دار فادعت امرأته أنه أصدقها إياها أو أنها اشترتها منه فأنكرها فالقول قوله مع يمينه لأن القول قول المنكر مع يمينه وإن أقام كل واحد منهما بينة قدمت بينة المرأة لأنها تشهد بزيادة خفيت على بينة الزوج وإن مات الرجل وخلف ابنا فادعى الابن أنه خلف الدار ميراثا وادعت المرأة أنه أصدقها إياها أو باعها إياها وأقاما بينتين قدمت بينة المرأة لذلك فإن لم تكن بينة فالقول قول الابن مع يمينه لا نعلم في هذا خلافا

فصل وإذا ادعى رجل أنه اكترى بيتا في دار لرجل شهرا بعشرة فادعى الرجل أنه اكترى الدار كلها بعشرة ذلك الشهر ولا بينة لواحد منهما فقد اختلفا في صفة العقد في قدر المكترى فيتحالفان وقد مضى حكم التحالف في البيع وذكر أبو الخطاب فيما إذا ادعى البائع أنه باعه عبده هذا بعشرة وقال المشتري بل هو والعبد الآخر بعشرة فالقول قول البائع مع يمينه ولم يجعل بينهما تحالفا لأن المشتري يدعي بيعا في العبد الزائد ينكره البائع والقول قول المنكر وهذا مثله فعلى هذا يكون القول قول المكري مع يمينه إذا عدمت البينة وإن أقام أحدهما بدعواه بينة حكم له وإن كان مع كل واحد بينة تعارضتا سواء كانتا مطلقتين أو مؤرختين بتاريخ واحد أو إحداهما مؤرخة والأخرى مطلقة لأن العقد على البيت مفردا وعلى الدار كلها في زمن واحد محال فإن قلنا تسقطان فالحكم فيه كما لو لم يكن بينهما بينة وإن قلنا يقرع بينهما قدمنا قول من تقع له القرعة وهذا قول القاضي وظاهر مذهب الشافعي وعلى قول أبي الخطاب تقدم بينة المكتري لأنها تشهد بزيادة وهو قول بعض أصحاب الشافعي فإن قيل فهلا أوجبتم الأخريين معا على المكتري كما قلتم فيما إذا قامت البينة إنه تزوجها يوم الخميس بألف فقامت بينة أخرى أنه تزوجها يوم الجمعة بمائة يجب المهران قلنا ثم يجوز أن يكون المهران مستقرين بأن يتزوجها يوم الخميس ويدخل بها ثم يخالعها ثم يتزوجها يوم الجمعة وأما الأجرة فلا تستقر إلا بمضي الزمان فإذا عقد عقدا قبل مضي المدة لم يجز أن تجب الأجرتان

مسألة

قال ( ولو شهد شاهدان على رجل أنه أخذ من صبي ألفا وشهد آخران على رجل آخر أنه أخذ من الصبي ألفا كان على ولي الصبي أن يطالب أحدهما بالألف إلا أن تكون كل بينة لم تشهد بالألف الذي شهدت به الأخرى فيأخذ الولي الألفين )

أما إذا كانت كل بينة شهدت بألف غير معين فإن الولي يطالب بالألفين جميعا لأن كل واحد من الرجلين ثبت عليه أحد الألفين فيلزمه أداؤها وعلى الولي أن يطالب بها كما لو أقر كل واحد منهما بألف وأما إن كان المشهود به ألفا معينا فشهدت بينة أن هذا الرجل هو الآخذ لها لم يجب إلا ألف واحد وللولي


271

مطالبة أيهما شاء لأنه قد ثبت أن كل واحد منهما أخذ الألف فإن كان لم يرده فقد استقر في ذمته وإن كان رده إلى الصبي لم تبرأ ذمته برده إليه لأنه ليس له قبض صحيح فإن غرمه الذي لم يرده لم يرجع على أحد لأنه استقر عليه وإن غرمه الراد له رجع على الذي لم يرده فإن غرمه أحدهما فادعى أن الضمان استقر على صاحبه ليرجع عليه فالقول قول الآخر مع يمينه لأن الأصل عدم استقراره عليه

مسألة

قال ( ولو أن رجلين حربيين جاءا من أرض الحرب فذكر كل واحد منهما أنه أخو صاحبه جعلناهما أخوين وإن كانا سبيا فادعيا ذلك بعد أن أعتقا فميراث كل واحد منهما لمعتقه إذا لم يصدقهما إلا أن تقوم بما ادعياه بينة من المسلمين فيثبت النسب ويورث كل واحد منهما من أخيه )

وجملته أن أهل الحرب إذا دخلوا إلينا مسلمين أو غير مسلمين فأقر بعضهم بنسب بعض ثبت نسبهم كما يثبت نسب أهل دار الإسلام من المسلمين وأهل الذمة بإقرارهم ولأنه إقرار لا ضرر على أحد فيه فقبل كإقرارهم بالحقوق المالية ولا نعلم في هذا خلافا وإن كانوا سبيا فأقر بعضهم بنسب بعض وقامت بذلك بينة من المسلمين ثبت أيضا سواء كان الشاهد أسيرا عندهم أو غير أسير ويسمى الواحد من هؤلاء حميلا أي محمولا كما يقال للمقتول قتيل وللمجروح جريح لأنه حمل من دار الكفر وقيل سمي حميلا لأنه حمل نسبه على غيره وإن شهد بنسبه الكفار لم تقبل وعن أحمد رواية أخرى أن شهادتهم في ذلك تقبل لتعذر شهادة المسلمين به في الغالب فأشبه شهادة أهل الذمة على الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم والمذهب الأول لأننا إذا لم نقبل شهادة الفاسق فشهادة الكافر أولى وإنما لم يقبل إقرارهم لما في ذلك من الضرر على السيد بتفويت إرثه بالولاء على تقدير العتق وإن صدقهما معتقهما قبل لأن الحق له وإن لم يصدقهما ولم تقم بينة بذلك لم يرث بعضهم من بعض وميراث كل واحد منهما لمعتقه وهذا قول الشافعي فيما إذا أقر بنسب أب أو أخ أو جد أو ابن عم وإن أقر بنسب ففيه ثلاثة أوجه أحدها لا يقبل

والثاني يقبل لأنه يملك أن يستولد فملك الإقرار به

والثالث إن أمكن أن يستولد بعد عتقه قبل لأنه يملك الاستيلاد بعد عتقه وإلا لم يقبل لأنه لا يملك قبل عتقه أو يستولد قبل عتقه ويروى عن ابن مسعود ومسروق والحسن وابن سيرين أن إقراره يقبل فيما يقبل فيه الإقرار من الأحرار الأصليين وبه قال أبو حنيفة لأنه مكلف أقر بنسب وإرث مجهول النسب يمكن صدقه فيه ووافقه المقر له فيه فقبل كما لو أقر من له أخ بنسب ابن وبهذا الأصل يبطل ما ذكروه

ولنا ما روى الشعبي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى شريح أن لا تورث حميلا حتى تقوم به بينة رواه سعيد وقال أيضا حدثنا سفيان عن ابن جدعان عن سعيد بن المسيب قال كتب عمر بن الخطاب أن لا تورث حميلا إلا ببينة ولأن إقراره يتضمن إسقاط حق معتقه من ميراثه فلم يقبل كما لو أقر أنه مولى لغيره فإن غيره شريكه في ولائه وفارق الإقرار من الحر الذي له أخ لأن الولاء نتيجة الملك فجرى مجراه ولأن


272

الولاء ثبت عن عوض والأخوة بخلافه ألا ترى أنه لو قال لغيره اعتق عبدك عني وعلي ثمنه صح ولم يثبت له إلا الولاء وإذا ثبت أنه بعوض كان أقوى من النسب وإنما قدمنا النسب في الميراث لقربه لا لقوته كما نقدم ذوي الفروض على العصبة مع قربهم

فصل وإذا كانا مختلفي الدين لم يثبت النسب بإقرارهما وإن لم يتوارثا لأنه يحتمل أن يسلم الكافر منهما فيرث ولذلك لو أقرا بالنسب في حال رقهما لم يثبت لاحتمال التوارث بالعتق وإن ولد لكل واحد منهما ابن من حرة فأقر كل واحد منهما للآخر أنه ابن عمه احتمل أن يقبل إقراره لأنه لا ولاء عليه فيقبل إقراره لوجود المقتضي لقبوله وانتفاء المعارض واحتمل أن لا يقبل لأنه يرثه المسلمون ولأنه إذا لم يقبل إقرار الأصول فالفروع أولى فإن قلنا يقبل إقرارهما فأقر أحدهما لأبي الآخر أنه عمه لم يثبت الإقرار بالنسبة إلى أنه ابن أخيه لأنه لو ثبت لورث عمه دون مولاه المعتق له وهل يثبت بالنسبة إلى العم فيرث ابن أخيه يحتمل أن يثبت لانتفاء الولاء عن ابن الأخ فلا تفضي صحة الإقرار إلى إسقاط الولاء والأولى أنه لا يثبت لأنه لم يثبت بالنسبة إلى أحد الطرفين فلم يثبت في الآخر

مسألة

قال ( وإذا كان الزوجان في البيت فافترقا أو ماتا فادعى كل واحد منهما ما في البيت أنه له أو ورثته حكم بما كان يصلح للرجال للرجل وما كان يصلح للنساء للمرأة وما كان يصلح أن يكون لهما فهو بينهما نصفين )

وجملة ذلك أن الزوجين إذا اختلفا في متابع البيت أو في بعضه فقال كل واحد منهما جميعه لي أو قال كل واحد منهما هذه العين لي وكانت لأحدهما بينة ثبت له بلا خلاف وإن لم يكن لواحد منهما بينة فالمنصوص عن أحمد أن ما يصلح للرجال من العمائم وقمصانهم وجبابهم والأقبية والطيالسة والسلاح وأشباه ذلك القول فيه قول الرجل مع يمينه وما يصلح للنساء كحليهن وقمصانهن ومقانعهن ومغازلهن فالقول قول المرأة مع يمينها وما يصلح لهما كالمفارش والأواني فهو بينهما وسواء كان في أيديهما من طريق المشاهدة أو من طريق الحكم وسواء اختلفا في حال الزوجية أو بعد البينونة وسواء اختلفا أو اختلف ورثتهما أو أحدهما وورثة الآخر

قالأحمد في رواية الجماعة منهم يعقوب بن بختان في الرجل يطلق زوجته أو يموت فتدعي المرأة المتاع فما كان يصلح للرجال فهو للرجل وما كان من متاع النساء فهو للنساء وما استقام أن يكون بين الرجال والنساء فهو بينهما وإن كان المتاع على يدي غيرهما فمن أقام البينة دفع إليه وإن لم تكن لهما بينة أقرع بينهما فمن كانت له القرعة حلف وأعطي المتاع وقال في رواية مهنا وكذلك إن اختلفا وأحدهما مملوك وبهذا قال الثوري وابن أبي ليلى

وقالالقاضي هذا إنما هو فيما إذا كانت أيديهما عليه من طريق الحكم أما ما كان في يد أحدهما من طريق المشاهدة فهو له مع يمينه وإن كان في أيديهما قسم بينهما نصفين سواء كان يصلح لهما أو لأحدهما وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن إلا أنهما قالا ما يصلح لهما ويدهما عليه من طريق الحكم فالقول فيه


273

قول الرجل مع يمينه وإذا اختلف أحدهما وورثة الآخر فالقول قول النافي منهما لأن اليد المشاهدة أقوى من اليد الحكمية بدليل أنه لو تنازع الخياط وصاحب الدار في الإبرة والمقص كانت للخياط

وقال أبو يوسف القول قول المرأة فيما جرت العادة أنه قدر جهاز مثلها وقال مالك ما صلح لكل واحد منهما فهو له وما صلح لهما كان للرجل سواء كان في أيديهما من طريق المشاهدة أو من طريق الحكم لأن البيت للرجل ويده أقوى عليه لأن عليه السكنى

وقال الشافعي وزفر والبتي كل ما في البيت بينهما نصفين فيحلف كل واحد منهما على نصفه ويأخذه

وروي نحو ذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لأنهما تساويا في ثبوت يدهما على المدعي وعدم البينة فلم يقدم أحدهما على صاحبه كالذي يصلح لهما أو كما لو كان في يدهما من حيث المشاهدة عند من سلم ذلك

ولنا إن أيديهما جميعا على متاع البيت بدليل ما لو نازعهما فيه أجنبي كان القول قولهما وقد يرجح أحدهما على صاحبه يدا وتصرفا فيجب أن يقدم كما لو تنازعا دابة أحدهما راكبها والآخر أخذ بزمامها أو قميصا أحدهما لابسه والآخر آخذ بكمه أو جدارا متصلا بداريهما معقودا ببناء أحدهما أو له عليه أزج

ولنا على أبي حنيفة والقاضي أنهما تنازعا فيما في أيديهما ولا مزية لأحدهما على صاحبه أشبه ما إذا كان في اليد الحكمية فأما ما كان يصلح لهما فإنه في أيديهما ولا مزية لأحدهما على صاحبه

أشبه ما إذا كان في أيديهما من جهة المشاهدة والدلالة على أنه ليس للنافي أن وارث الميت قائم مقامه أشبه ما لو وكل أحدهما لنفسه وكيلا فأما إذا لم يكن لهما يد حكمية بل تنازع رجل وامرأة في عين غير قماش بينهما فلا يرجح أحدهما بصلاحية ذلك له بل إن كانت في أيديهما فهي بينهما وإن كانت في يد أحدهما فهي له وإن كانت في يد غيرهما اقترعا عليها فمن خرجت له القرعة فهي له واليمين على من حكمنا بها له في كل المواضع لأنه ليس لهما يد حكمية فأشبها سائر المختلفين

فصل وإذا كان في الدكان نجار وعطار فاختلفا فيما فيها حكم بآلة كل صناعة لصاحبها فآلة العطارين للعطار وآلة النجارين للنجار وإن لم يكونا في دكان واحد لكن اختلفا في عين لم يرجح أحدهما بصلاحية العين المختلف فيها له كما ذكرنا في الزوجين ويكون ذلك كتنازع الأجنبيين

فصل وإذا اختلف المكري والمكتري في شيء في الدار نظرت فإن كان مما ينقل ويحول كالأثاث والأواني والكتب فهو للمكتري لأن العادة أن الإنسان يكري داره فارغة من رحله وقماشه وإن كان في شيء مما يتبع في البيع كالأبواب المنصوبة والخوابي المدفونة والرفوف المسمرة والسلالم المسمرة والمفاتيح والرحى المنصوبة وحجرها التحتاني فهو للمكري لأنه من توابع الدار فأشبه الشجرة المغروسة فيها وإن كانت الرفوف موضوعة على أوتاد فقال أحمد إذا اختلفا في الرفوف فهي لصاحب الدار فظاهر هذا العموم في الرفوف كلها وقال القاضي كلام أحمد محمول على المسمرة فأما غير المسمرة فهي بينهما إذا تحالفا


274

لأنها لا تتبع في البيع فأشبهت القماش وهذا ظاهر يشهد للمكتري وللمكري ظاهر يعارض هذا وهو أن المكري يترك الرفوف في الدار ولا ينقلها عنها فإذا تعارض الظاهران من الجانبيين استويا وهذا مذهب الشافعي فعلى هذا إذا تحالفا كانت بينهما وإن حلف أحدهما ونكل الآخر فهي لمن حلف وذكر القاضي في موضع آخر وأبو الخطاب أنه إن كان للرف شكل منصوب في الدار فهو لصاحب الدار مع يمينه وإن لم يكن له شكل منصوب تحالفا وكان بينهما لأنه إذا كان له شكل منصوب في الدار فالشكل تابع للدار فهو لصاحبها والظاهر أن أحد الرفين لمن له الآخر وكذلك إن اختلفا في مصراع باب مقلوع فالحكم فيه كما ذكرنا لأن أحدهما لا يستغني عن صاحبه فكان أحدهما لمن له الآخر كالحجر الفوقاني من الرحى والمفتاح مع السكرة ووجه ظاهر كلام أحمد في أن الرفوف لصاحب الدار على كل حال أن العادة جارية بترك الرفوف في الدار ولم تجر بنقل المكتري لها معه فكانت لصاحب الدار كالذي له شكل منصوب ولأنها إذا كانت لها أوتاد منصوبة فالأوتاد لصاحب الدار فكذلك ما نصبت له كالحجر الفوقاني من الرحى إذا كان السفلاني منصوبا ومفتاح السكرة المسمرة

فصل وإذا كان الخياط في دار غيره فاختلفا في الإبرة والمقص فهي للخياط لأن تصرفه فيهما أكثر وأظهر والظاهر معه لأن الإنسان إذا دعا خياطا ليخيط له فالعادة أنه يحمل معه إبرته ومقصه وإن اختلفا في القميص فهو لصاحب الدار إذ ليست العادة أن يحمل القميص معه يخيطه في دار غيره وإنما العادة أن يخيط قميص صاحب الدار فيها

وإن اختلف صاحب الدار والنجار في القدوم والمنشار وآلة النجارة فهي للنجار وإن اختلفا في الخشبة المنجورة والأبواب والرفوف المنشورة فهي لصاحب الدار وإن اختلف النجاد ورب الدار في قوس الندف فهو للنجاد وإن اختلفا في الفرش والقطن والصوف فهو لصاحب الدار وإن اختلف رب الدار والسقا في القربة فهي للسقا وإن اختلفا في الخابية والجرار فهي لصاحب الدار لما ذكرنا

فصل وإذا تنازع رجلان دابة أحدهما راكبها والآخر آخذ بزمامها فالراكب أولى بها لأن تصرفه فيها أقوى ويده آكد وهو المستوفي لمنفعتها وإن كان لأحدهما عليها حمل والآخر آخذ بزمامها فهي لصاحب الحمل لذلك وإن كان لأحدهما عليها حمل والآخر راكب عليها فهي للراكب لأنه أقوى تصرفا وإن اختلفا في الحمل فادعاه الراكب وصاحب الدابة فهو للراكب لأن يده على الدابة والحمل معا فأشبه ما لو اختلف الساكن وصاحب الدار في قماش فيها وإن تنازع صاحب الدابة والراكب في السرج فهو لصاحب الدابة لأن السرج في العادة يكون لصاحب الفرس وإن تنازع اثنان في ثياب على عبد لأحدهما فهي لصاحب العبد لأن يد العبد عليها وإن تنازع صاحب الثياب والآخر في العبد اللابس لها فهما سواء لأن نفع الثياب يعود إلى العبد لا إلى صاحب الثياب ومذهب الشافعي في هذا الفصل والذي قبله كما ذكرنا

فصل فإن اختلف صاحب أرض ونهر في حائط بينهما فهو لهما ويحلف كل واحد منهما على


275

النصف المحكوم له به

وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة هو لصاحب النهر لأنه لنفعه وقال أبو يوسف ومحمد هو لصاحب الأرض لأنه متصل بأرضه

ولنا إنه حاجز بين ملكيهما فكانت يدهما عليه فيكون لهما كما لو تنازع صاحب العلو والسفل في السقف الذي بينهما أو حائط بين داريهما وما ذكروه من الترجيحين متقابل فيستويان وإن تنازع صاحب العلو والسفل في السقف الذي بينهما فهو بينهما لذلك وكل موضع قلنا يقسم بينهما نصفين قائما يحلف كل واحد منهما على النصف الذي يحصل له دون النصف الآخر لأن ما يحصل له لا يفيده الحلف عليه شيئا فلا يستحلف عليه كالمدعي لا يحلف على ما يأخذه المدعى عليه

فصل وإن تنازعا عمامة طرفها في يد أحدهما وباقيها في يد الآخر أو قميصا كمه في يد أحدهما وباقيه مع الآخر فهما سواء فيها لأن يد الممسك بالطرف عليها بدليل أنه لو كان باقيها على الأرض فنازعه فيها غيره كانت له وإذا كانت في أيديهما تساويا فيها ولو كانت دار فيها أربعة أبيات وفي أحد أبياتها ساكن وفي الثلاثة الباقية ساكن آخر فاختلفا فيها كان لكل واحد ما هو ساكن فيه لأن كل بيت ينفصل عن صاحبه ولا يشارك الخارج منه الساكن فيه في ثبوت اليد عليه ولو تنازعا الساحة التي يتطرق منها إلى البيوت فهي بينهما نصفين لاشتراكهما في ثبوت اليد عليها فأشبهت العمامة فيما ذكرنا

مسألة

قال ( ومن كان له على أحد حق فمنعه منه وقدر له على مال لم يأخذ منه مقدار حقه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك رواه الترمذي )

وجملته أنه إذا كان لرجل على غيره حق وهو مقر به باذل له لم يكن له أن يأخذ من ماله إلا ما يعطيه بلا خلاف بين أهل العلم فإن أخذ من ماله شيئا بغير إذنه لزمه رده إليه وإن كان قدر حقه لأنه لا يجوز أن يملك عليه عينا من أعيان ماله بغير اختياره لغير ضرورة وإن كانت من جنس حقه لأنه قد يكون للإنسان غرض في العين فإن أتلفها أو تلفت فصارت دينا في ذمته وكان الثابت في ذمته من جنس حقه تقاصا في قياس المذهب والمشهور من مذهب الشافعي وإن كان مانعا له لأمر يبيح المنع كالتأجيل والإعسار لم يجز أخذ شيء من ماله بغير خلاف وإن أخذ شيئا لزمه رده إن كان باقيا أو عوضه إن كان تالفا ولا يحصل التقاص ها هنا لأن الدين الذي له لا يستحق أخذه في الحال بخلاف التي قبلها وإن كان مانعا له بغير حق وقدر على استخلاصه بالحاكم أو السلطان لم يجز له الأخذ أيضا بغيره لأنه قدر على استيفاء حقه بمن يقوم مقامه فأشبه ما لو قدر على استيفائه من وكيله وإن لم يقدر على ذلك لكونه جاحدا له ولا بينه له به أو لكونه لا يجيبه إلى المحاكمة ولا يمكنه اجباره على ذلك أو نحو هذا فالمشهور في المذهب أنه ليس له أخذ قدر حقه وهو إحدى الروايتين عن مالك قال ابن عقيل جعل أصحابنا المحدثون لجواز الأخذ وجها في المذهب أخذا من حديث هند حين قال لها النبي صلى الله عليه وسلم خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف وقال أبو الخطاب ويتخرج لنا جواز الأخذ


276

فإن كان المقدور عليه من جنس حقه أخذ بقدره وإن كان من غير جنسه تحرى واجتهد في تقويمه مأخوذ من حديث هند ومن قول أحمد في المرتهن يركب ويحلب بقدر ما ينفق والمرأة تأخذ مؤنتها وبائع السلعة يأخذها من مال المفلس بغير رضا

وقال الشافعي إن لم يقدر على استخلاص حقه بعينه فله أخذ قدر حقه من جنسه أو من غير جنسه وإن كانت له بينة وقدر على استخلاصه ففيه وجهان والمشهور من مذهب مالك أنه إن لم يكن لغيره عليه دين فله أن يأخذ بقدر حقه وإن كان عليه دين لم يجز لأنهما يتحاصان في ماله إذا أفلس

وقالأبو حنيفة له أن يأخذ بقدر حقه إن كان عينا أو ورقا أو من جنس حقه وإن كان المال عرضا لم يجز لأن أخذ العرض عن حقه اعتياض ولا تجوز المعاوضة إلا برضا من المتعاوضين قال الله تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء 29 واحتج من أجاز الأخذ بحديث هند حين جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف متفق عليه وإذا جاز لها أن تأخذ من ماله ما يكفيها بغير إذنه جاز للرجل الذي له الحق على الرجل

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك رواه الترمذي وقال حديث حسن ومتى أخذ منه قدر حقه من ماله بغير علمه فقد خانه فيدخل في عموم الخبر وقال صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه ولأنه إن أخذ من غير جنس حقه كان معاوضة بغير تراض وإن أخذ من جنس حقه فليس له تعيين الحق بغير رضى صاحبه فإن التعيين إليه ترى ألا أنه لا يجوز له أن يقول اقضني حقي من هذا الكيس دون هذا ولأن كل ما لا يجوز له تملكه إذا لم يكن له دين لا يجوز له أخذه إذا كان له دين كما لو كان باذلا له وأما حديث هند فإن أحمد اعتذر عنه بأن حقها واجب عليه في كل وقت وهذا إشارة منه إلى الفرق بالمشقة في المحاكمة في كل وقت والمخاصمة كل يوم تجب فيه النفقة بخلاف الدين وفرق أبو بكر بينهما بفرق آخر وهو أن قيام الزوجية كقيام البينة فكأن الحق صار معلوما يعلم قيام مقتضيه وبينهما فرقان آخران أحدهما أن للمرأة من التبسط في ماله بحكم العادة ما يؤثر في إباحة أخذ الحق وبذل اليد فيه بالمعروف بخلاف الأجنبي

الثاني أن النفقة تراد لإحياء النفس وإبقاء المهجة وهذا مما لا يصبر عنه

ولا سبيل إلى تركه فجاز أخذ ما تندفع به هذه الحاجة بخلاف الدين حتى نقول لو صارت النفقة ماضية لم يكن لها أخذها ولو وجب لها عليه دين آخر لم يكن لها أخذه فعلى هذا إن أخذ شيئا لزمه رده إن كان باقيا وإن كان تالفا وجب مثله إن كان مثليا أو قيمته إن كان متقوما فإن كان من جنس دينه تقاصا وتساقطا في قياس المذهب وإن كان من غير جنسه لزمه غرمه ومن جوز من أصحابنا الأخذ فإنه قال إن وجد من جنس حقه جاز له الأخذ منه بقدر حقه من غير زيادة وليس له


277

الأخذ من غير جنس حقه مع قدرته على أخذه من جنسه وإن لم يجد إلا من غير جنس حقه فيحتمل أن لا يجوز له تملكه لأنه لا يجوز أن يبيعه من نفسه وهذا يبيعه من نفسه وتلحقه فيه تهمة ويحتمل أن يجوز له ذلك كما قالوا الرهن ينفق عليه إذا كان مركوبا أو محلوبا يركب ويحلب بقدر النفقة وهي من غير الجنس واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من جوز له هذا ومنهم من قال يواطىء رجلا يدعي عليه عند الحاكم دينا فيقر له بملك الشيء الذي أخذه فيمتنع من عليه الدعوى من قضاء الدين ليبيع الحاكم الشيء المأخوذ ويدفعه إليه

فصل إذا ادعى إنسان على إنسان حقا وأقام به شاهدين فلم يعرف الحاكم عدالتهما فسأل حبس غريمه حتى تثبت عدالة شهوده أجيب إلى ذلك لأن الظاهر من المسلمين العدالة ولأن الذي على الغريم قد أتى به وإنما بقي ما على الحاكم وهو الكشف عن عدالة الشهود وإن أقام شاهدا واحدا وسأل حبس غريمه ليقيم شاهدا آخر وكان الحق مما لا يثبت إلا بشاهدين لم يحبس المدعى عليه لأن البينة ما تمت والحبس عذاب فلا يتوجه عليه دون تمام البينة وإن كان الحق مما يثبت بشاهد ويمين ففيه وجهان أحدهما يحبس له لأن الشاهد الواحد حجة في المال وإنما اليمين مقوية له

والثاني لا يحبس وهو الصحيح لأنه إن حبس ليقيم شاهدا آخر يتم به البينة فهو كالحقوق التي لا تثبت إلا بشاهدين وإن حبس ليحلف معه فلا حاجة إليه فإن الحلف ممكن في الحال فإن حلف ثبت حقه وإلا لم يجب شيء ويحتمل أن يقال إن كان المدعي باذلا لليمين والتوقف لأجل إثبات عدالة الشاهد حبس لما ذكرنا في التي قبلها وإن كان التوقف عن الحكم بغير ذلك لم يحبس لما ذكرناه قال القاضي وكل موضع حبس فيه بشاهدين استديم الحبس حتى تثبت عدالة الشهود أو فسقهم وكل موضع حبس فيه بشاهد واحد فإنه يقال للمشهود له إن جئت بشاهد آخر إلى ثلاث وإلا أطلقناه

فصل وإن ادعى العبد أن سيده أعتقه وأقام شاهدين ولم يعدلا فسأل العبد الحاكم أن يحول بينه وبين سيده إلى أن يبحث الحاكم عن عدالة الشهود فعلى الحاكم ذلك ويؤجره من ثقة وينفق عليه من كسبه ويحبس الباقي فإن عدل الشاهدان سلم إليه الباقي من كسبه وإن فسقا رد إلى سيده وإنما حلنا بينهما لما ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا ولأننا لو لم نحل بينهما أفضى إلى أن تكون أمة فيطأها

وإن أقام شاهدا واحدا وسأل أن يحال بينهما ففيه وجهان

وإن أقامت المرأة شاهدين يشهدان بطلاقها ولم تعرف عدالة الشهود حيل بينه وبينها وإن أقامت شاهدا واحدا لم يحل بينهما لأن البينة لم تتم وهذا مما لا يثبت إلا بشاهدين فلا يثبت بشاهد واحد

والله أعلم


278

كتاب العتق

العتق في اللغة الخلوص ومنه عتاق الخيل وعتاق الطير أي خالصها وسمي البيت الحرام عتيقا لخلوصه من أيدي الجبابرة وهو في الشرع تحرير الرقبة وتخليصها من الرق يقال عتق العبد وأعتقه أنا وهو عتيق ومعتق والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع

أما الكتاب فقول الله تعالى فتحرير رقبة النساء 92 وقال تعالى فك رقبة البلد 13 وأما السنة فما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها إربا منه من النار حتى إنه ليعتق اليد باليد والرجل بالرجل والفرج بالفرج متفق عليه في أخبار كثيرة سوى هذا وأجمعت الأمة على صحة العتق وحصول القربة به

والعتق من أفضل القرب إلى الله تعالى لأن الله تعالى جعله كفارة للقتل والوطء في رمضان والأيمان وجعله النبي صلى الله عليه وسلم فكاكا لمعتقه من النار ولأن فيه تخليصا للآدمي المعصوم من ضرر الرق وملك نفسه ومنافعه على حسب إرادته واختياره وإعتاق الرجل أفضل من إعتاق المرأة لما روى كعب بن مرة البهزي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أيما رجل أعتق رجلا مسلما كان فكاكه من النار يجزى بكل عظم من عظامه عظما من عظامه وأيما رجل مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزى بكل عظم من عظامهما عظما من عظامه وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار تجزى بكل عظم من عظامها عظما من عظمامها

والمستحب عتق من له دين وكسب ينتفع بالعتق فأما من يتضرر بالعتق كمن لا كسب له تسقط نفقته عن سيده فيضيع أو يصير كلا على الناس ويحتاج إلى المسألة فلا يستحب عتقه وإن كان ممن يخاف عليه المضي إلى دار الحرب والرجوع عن دين الإسلام أو يخاف عليه الفساد كعبد يخاف أنه إذا أعتق واحتاج سرق وفسق وقطع الطريق أو جارية يخاف منها الزنا والفساد كره إعتاقه وإن غلب على الظن إفضاؤه إلى هذا كان محرما لأن التوسل إلى الحرام حرام وإن أعتقه صح لأنه إعتاق صدر من أهله في محله فصح كإعتاق غيره

فصل ويحصل العتق بالقول والملك والاستيلاد ونذكر ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى ولا يحصل بالنية المجردة لأنه إزالة ملك فلا يحصل بالنية المجردة كسائر الإزالة وألفاظه تنقسم إلى صريح وكناية

فالصريح لفظ الحرية والعتق وما تصرف منهما نحو أنت حر أو محرر أو عتيق أو معتق أو


279

أعتقتك لأن هذين اللفظين وردا في الكتاب والسنة وهما يستعملان في العتق عرفا فكانا صريحين فيه فمتى أتى بشيء من هذه الألفاظ حصل به العتق وإن لم ينو شيئا عتق أيضا

قالأحمد في رجل لقي امرأة في الطريق فقال تنحي يا حرة فإذا هي جاريته قال قد عتقت عليه وقال في رجل قال لخدم قيام في وليمة مروا أنتم أحرار وكانت معهم أم ولد له لم يعلم بها قال هذا عندي تعتق أم ولده يحتمل أن لا تعتق في هذين الموضعين لأنه قصد باللفظة الأولى غير العتق فلم تعتق بها كما لو قال عبدي حر يريد أنه عفيف كريم الأخلاق وباللفظة الثانية أراد غير أم ولده فأشبه ما لو نادى امرأة من نسائه فأجابته غيرها فقال أنت طالق يحسبها التي ناداها فإنها لا تطلق على رواية فكذا ها هنا فأما إن قصد غير العتق كالرجل يقول عبدي هذا حر يريد عفته وكرم أخلاقه أو يقول لعبده ما أنت إلا حر أي إنك لا تطيعني ولا ترى لي عليك حقا ولا طاعة فلا يعتق في ظاهر المذهب

قال حنبل سئل أبو عبد الله عن رجل قال لغلامه أنت حر وهو يعاتبه فقال إذا كان لا يريد به العتق يقول كأنك حر ولا يريد أن يكون حرا أو كلاما نحو هذا رجوت أن لا يعتق وأنا أهاب المسألة لأنه نوى بكلامه ما يحتمله فانصرف إليه كما لو نوى بكناية العتق العتق وبهذا قال الثوري وابن المنذر قال وإن طلب استحلافه حلف وبيان احتمال اللفظ لما أراده أن المرأة الحرة تمدح بهذا فيقال امرأة حرة يعنون عفيفة وتمدح المملوكة به أيضا ويقال للحي الكريم الأخلاق حر قالت سبيعة ترثي عبد المطلب ولا تسأما أن تبكيا كل ليلة ويوم على حر كريم الشمائل وأما الكناية فنحو قوله لا سبيل لي عليك ولا سلطان لي عليك وأنت سائبة واذهب حيث شئت وقد خليتك فهذا إن نوى به العتق عتق لأنه يحتمله وإن لم ينوه به لم يعتق لأنه يحتمل غيره ولم يرد به كتاب ولا سنة ولا عرف استعمال وذكر القاضي وأبو الخطاب في قوله لا سبيل لي عليك ولا سلطان لي عليك روايتين إحداهما أنه صريح

والثانية أنه كناية وهو الصحيح لما ذكرناه فأما إن قال لا رق لي عليك ولا ملك لي عليك وأنت لله فقال القاضي هو صريح نص عليه أحمد وذكر أبو الخطاب فيه روايتين ولا خلاف في المذهب أنه يعتق به إذا نوى وممن قال يعتق بقوله أنت لله إذا نوى الشعبي والمسيب بن رافع وحماد والشافعي وقال أبو حنيفة لا يعتق به لأن مقتضاه أنت عبد الله أو مخلوق لله وهذا لا يقتضي العتق

ولنا إنه يحتمل أنه حر لله أو عتيق لله أو عبد لله وحده لست بعبد لي ولا لأحد سوى الله فإذا نوى الحرية به وقعت كسائر الكنايات وما ذكروه لا يصح لأن احتماله لما ذكروه لا يمنع احتماله لما ذكرناه بدليل سائر الكنايات فإنها تحتمل العتق وغيره ولو لم تحتمل إلا العتق لكانت صريحة فيه وما يحتمل أمرين انصرف إلى أحدهما بالنية وهذا شأن الكنايات وما ذكروه من الاحتمال يدل على أن هذا ليس بصريح وإنما هو كناية وقوله لا ملك لي عليك ولا رق لي عليك خبر عن انتفاء ملكه ورقه لم يرد به شرع ولا عرف استعمال في العتق فلم يكن صريحا فيه كقوله ما أنت عبدي ولا مملوكي وقوله لامرأته ما أنت


280

امرأتي ولا زوجتي

فصل وإن قال لأمته أنت طالق ينوي العتق به ففيه روايتان إحداهما لا تعتق به وهو قول أبي حنيفة لأن الطلاق لفظ وضع لإزالة الملك عن المنفعة فلم يزل به الملك عن الرقة كفسخ الإجارة ولأن ملك الرقبة لا يستدرك بالرجعة فلا ينحل بالطلاق كسائر الأملاك

والرواية الثانية هو كناية تعتق به الأمة إذا نوى العتق وهو قول مالك والشافعي لأن الرق أحد الملكين على الآدمي فيزول بلفظ الطلاق كالآخر أو فيكون اللفظ الموضوع لإزالة أحدهما كناية في إزالة الآخر كالحرية في إزالة النكاح ولأن فيه معنى الإطلاق فإذا نوى به إطلاقها من ملكه فقد نوى بلفظه ما يحتمله فتحل به الحرية كسائر كنايات العتق

فصل فإن قال لأكبر منه أو لمن لا يولد لمثله هذا ابني مثل أن يقول من له عشرون سنة لمن له خمس عشرة سنة هذا ابني لم يعتق ولم يثبت نسبه وقال أبو حنيفة يعتق وخرجه أبو الخطاب وجها لنا لأنه اعترف بما تثبت به حريته فأشبه ما لو أقر بها

ولنا إنه قول يتحقق كذبه فيه

فلم تثبت به الحرية كما لو قال لطفل هذا أبي أو لطفلة هذه أمي

قال ابن المنذر هذا من قول النعمان شاذ لم يسبقه أحد إليه ولا تبعه أحد عليه وهو محال من الكلام وكذب يقينا ولو جاز هذا لجاز أن يقول الرجل لطفل هذا أبي ولأنه لو قال لزوجته وهي أسن منه هذه ابنتي أو قال لها وهو أسن منها هذه أمي لم تطلق كذا هذا

فصل فإن قال لأمته أنت حرام علي ينوي به العتق عتقت وذكر أبو الخطاب أن فيها رواية أخرى لا تعتق كقوله لها أنت طالق والصحيح أنها تعتق به

لأنه يحتمل أنت حرام علي لكونك حرة فتعتق به كقوله لا سبيل لي عليك

فصل ويصح العتق من كل من يجوز تصرفه في المال وهو البالغ العاقل الرشيد سواء كان مسلما أو ذميا أو حربيا ولا نعلم في هذا خلافا إلا عن أبي حنيفة ومن وافقه في أن عتق الحربي لا يصح لأنه لا ملك له على التمام بدليل إباحة أخذ الجزية منه وانتفاء عصمته في نفسه وماله

ولنا إنه يصح طلاقه فصح إعتاقه كالذمي ولأنه مالك بالغ عاقل رشيد فصح إعتاقه كالذمي وقولهم لا ملك له لا يصح

فإنهم قد قالوا إنهم يملكون أموال المسلمين بالقهر فلأن يثبت الملك لهم في غير ذلك أولى

فصل ولا يصح من غير جائز التصرف فلا يصح عتق الصبي والمجنون قال ابن المنذر هذا قول عامة أهل العلم وممن حفظنا عنه ذلك الحسن والشعبي والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ ولأنه تبرع بالمال فلم يصح منهما كالهبة ولا يصح عتق السفيه المحجور عليه وهو قول القاسم بن محمد وذكر أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه يصح عتقه قياسا على طلاقه وتدبيره


281

ولنا إنه محجور عليه في ماله لحظ نفسه فلم يصح عتقه كالصبي ولأنه تصرف في المال في حياته فأشبه بيعه وهبته ويفارق الطلاق لأن الحجر عليه في ماله والطلاق ليس بتصرف فيه ويفارق التدبير لأنه تصرف فيه بعد موته وغناه عنه بالموت

ولهذا صحت وصيته ولم تصح هبته المنجزة وعتق السكران مبني على طلاقه وفيه من الخلاف ما فيه ولا يصح عتق المكره كما لا يصح طلاقه

ولا بيعه ولا شيء من تصرفاته

فصل ولا يصح العتق من غير المالك فلو أعتق عبيد ولده الصغير أو يتيمه الذي في حجره لم يصح وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقالمالك يصح عتق عبد ولده الصغير لقوله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك ولأن له عليه ولاية وله فيه حق فصح إعتاقه كماله

ولنا إنه عتق من غير مالك فلم يصح كإعتاق عبد ولده الكبير قالابن المنذر لما ورث الله الأب من مال ابنه السدس مع ولده دل على أنه لا حق له في سائره

وقوله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك لم يرد به حقيقة الملك وإنما أراد المبالغة في وجوب حقه عليك وإمكان الأخذ من مالك وامتناع مطالبتك له بما أخذ منه ولهذا لا ينفذ إعتاقه لعبد ولده الكبير الذي ورد الخبر فيه وثبوت الولاية له على مال ولده أبلغ من امتناع إعتاقه عبده ولأنه إنما أثبت الولاية عليه لحظ الصبي ليحفظ ماله عليه وينميه له ويقوم بمصالحه التي يعجز الصبي عن القيام بها وإذا كان مقصود الولاية الحفظ اقتضت منع التضييع والتفريط بإعتاق رقيقه والتبرع بماله ولو قال رجل لعبد آخر أنت حر من مالي فليس بشيء فإن اشتراه بعد ذلك فهو مملوكه ولا شيء عليه

وبهذا قال مالك والشافعي وعامة الفقهاء ولو بلغ رجلا أن رجلا قال لعبده أنت حر من مالي فقال قد رضيت فليس بشيء وبهذا قال الثوري وإسحاق

مسألة

قال أبو القاسم رحمه الله ( وإذا كان العبد بين ثلاثة فأعتقوه معا أو وكل نفسان الثالث أن يعتق حقوقهما مع حقه ففعل أو أعتق كل واحد منهم حقه وهو معسر فقد صار حرا وولاؤه بينهم أثلاثا )

وجملته أن العبد متى كان لثلاثة فأعتقوه معا إما بأنفسهم بأن يتلفظوا بعتقه معا أو يعلقوا عتقه على صفة واحدة فتوجد أو يوكلوا واحدا فيعتقه أو يوكل نفسان منهم الثالث فيعتقه فإنه يصير حرا وولاؤه بينهم على قدر حقوقهم فيه

لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الولاء لمن أعتق وكل واحد منهم قد أعتق حقه فيثبت له الولاء عليه وهذا لا نعلم فيه بين أهل العلم خلافا فأما إن أعتقه سادته الثلاثة واحدا بعد واحد وهم معسرون أو كان المعتقان الأولان معسرين والثالث موسرا فالصحيح فيه أنه يعتق على كل واحد منهم حقه وله ولاؤه وهذا قول أكثر أهل العلم وحكى ابن المنذر فيما إذا أعتق المعسر نصيبه قولين شاذين أحدهما أنه باطل لأنه لا يمكن أن يعتق نصفه منفردا إذ لا يمكن أن يكون إنسان نصفه حر ونصفه عبد كما لا يمكن أن يكون نصف المرأة طالقا ونصفها زوجة ولا سبيل إلى إعتاق جميعه فبطل كله


282

والثاني يعتق كله وتكون قيمة نصيب الذي لم يعتق في ذمة المعتق يتبع بها إذا أيسر كما لو أتلفه وهذان القولان شاذان لم يقلهما من يحتج بقوله ولا يعتمد على مذهبه ويردهما قول النبي صلى الله عليه وسلم من أعتق شركا له في عبد فكان معه ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل وأعطي شركاؤه وحصصهم وعتق جميع العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق متفق عليه

وإذا ثبت أنه لا يعتق على المعسر إلا نصيبه فباقي العبد على الرق وإذا أعتقه مالكه عتق بإعتاقه وكان لكل واحد منهم ولاء ما أعتق لأن الولاء لمن أعتق ويفارق العتق الطلاق لكون المرأة لا يمكن الاشتراك فيها ولا ورود النكاح على بعضها ولا تكون إلا الواحد فنظيره إذا كان العبد لواحد فأعتق جزءا منه

فإنه يعتق جميعه

فصل وإذا قال كل واحد من الشركاء للعبد إذا دخلت الدار فنصيبي منك حر فدخل عتق عليهم جميعا سواء قالوا ذلك دفعة واحدة أو في دفعات متفرقة لأن العتق في أنصبائهم يقع دفعة واحدة وإن اختلفت أوقات تعليقه

مسألة

قال ( ولو أعتقه أحدهم وهو موسر عتق كله وصار لصاحبه عليه قيمة ثلثيه )

وجملته أن الشريك إذا أعتق نصيبه من العبد وهو موسر عتق نصيبه لا نعلم خلافا فيه لما فيه من الأثر ولأنه جائز التصرف أعتق ملكه الذي لم يتعلق به حق غيره فنفذ فيه كما لو أعتق جميع العبد المملوك له وإذا أعتق نصيبه سرى العتق إلى جميعه فصار جميعه حرا وعلى المعتق قيمة أنصباء شركائه والولاء له وهذا قول مالك وابن أبي ليلى وابن شبرمة والثوري والشافعي وأبي يوسف ومحمد وإسحاق

وقال البتي لا يعتق إلا حصه المعتق ونصيب الباقين باق على الرق ولا شيء على المعتق لما روى ابن التلب عن أبيه أن رجلا أعتق شقصا له في مملوك فلم يضمنه النبي صلى الله عليه وسلم

ذكره أحمد ورواه ولأنه لو باع نصيبه لاختص البيع به فكذلك العتق إلا أن تكون جارية نفيسة يغالى فيها فيكون ذلك بمنزلة الجناية من المعتق للضرر الذي أدخله على شريكه

وقالأبو حنيفة لا يعتق إلا حصة المعتق ولشريكه الخيار في ثلاثة أشياء إن شاء أعتق وإن شاء استسعى العبد وإن شاء ضمن شريكه فيعتق حينئذ

ولنا الحديث الذي رويناه وهو حديث صحيح متفق عليه

ورواه مالك في موطئه عن نافع عن ابن عمر فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم العتق في جميعه وأوجب قيمة نصيب شريك المعتق الموسر عليه ولم يجعل له خيرة ولا لغيره

وروى قتادة عن أبي المليح عن أبيه أن رجلا من قومه أعتق شقصا له من مملوك فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل خلاصه عليه في ماله وقال ليس لله شريك قال أبو عبد الله الصحيح أنه عن أبي المليح عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل وليس فيه عن أبيه هذا معنى كلامه وقول البتي شاذ يخالف الأخبار كلها فلا يعول عليه وحديث التلب يتعين حمله على المعسر جمعا بين الأحاديث وقياس العتق على البيع لا يصح فإن


283

البيع لا يسري فيما إذا كان العبد كله له والعتق يسري فإنه لو باع نصف عبده لم يسر ولو أعتق نصفه عتق كله

وإذا ثبت هذا فإن ولاءه يكون له لأنه عتق بإعتاقه من ماله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن أعتق ولا خلاف في هذا عند من يرى عتقه عليه

فصل ولا فرق في هذا بين كون الشركاء مسلمين أو كافرين أو بعضهم مسلما وبعضهم كافرا ذكره القاضي وهو قول الشافعي

وقالأبو الخطاب في الكافر وجه أنه إذا أعتق نصيبه من مسلم أنه لا يسري إلى باقيه ولا يقوم عليه لأنه لا يصح شراء الكافر عبدا مسلما

ولنا عموم الخبر ولأن ذلك ثبت لإزالة الضرر فاستوى فيه المسلم والكافر كالرد بالعيب والغرض ها هنا تكميل العتق ودفع الضرر عن الشريك دون التمليك بخلاف الشراء ولو قدر أن ها هنا تمليكا لكان تقديرا في أدنى زمان حصل ضرورة تحصيل العتق ولا ضرر فيه فإن قدر فيه ضرر فهو مغمور بالنسبة إلى ما يحصل من العتق فوجوده كالعدم وقياس هذا على الشراء غير صحيح لما بينهما من الفرق والله أعلم

مسألة

قال ( فإن أعتقاه بعد عتق الأول وقبل أخذ القيمة لم يثبت لهما فيه عتق لأنه قد صار حرا بعتق الأول له )

يعني أن العتق يسري إلى جميعه باللفظ لا بدفع القيمة فيعتق كله حين لفظ بالعتق ويصير حرا وتستقر القيمة عليه فلا يعتق بعد ذلك بعتق غيره وبهذا قال ابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري وأبو يوسف ومحمد وإسحاق وابن المنذر والشافعي في قول له واختاره المزني وقال الزهري وعمرو بن دينار ومالك والشافعي في قول له لا يعتق إلا بدفع القيمة ويكون قبل ذلك ملكا لصاحبه ينفذ عتقه فيه ولا ينفذ تصرفه فيه بغير العتق وهذا مقتضى قول أبي حنيفة واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم قوم عليه قيمة العدل فأعطي شركاؤه حصصهم وعتق جميع العبد وفي لفظ رواه أبو داود فإن كان موسرا يقوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط ثم يعتق

فجعله عتيقا بعد دفع القيمة ولأن العتق إذا ثبت بعوض ورد الشرع به مطلقا لم يعتق إلا بالأداء كالمكاتب وللشافعي قول ثالث إن العتق مراعى فإن دفع القيمة تبينا أنه كان عتق من حين أعتق نصيبه وإن لم يدفع القيمة تبينا أنه لم يكن عتق لأن فيه احتياطا لهما جميعا

ولنا حديث ابن عمر روي بألفاظ مختلفة تجتمع في الدلالة على الحرية باللفظ فمنها لفظ رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعتق شركا له في عبد فكان له ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل فهو عتيق رواه البخاري وأبو داود والنسائي وفي لفظ رواه ابن أبي مليكة عن نافع عن ابن عمر فكان له مال فقد عتق كله وفي رواية ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر فكان له مال فقد عتق كله وفي رواية ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر وكان للذي يعتق ما يبلغ ثمنه فهو يعتق


284

كله وروى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعتق شقصا في مملوك فهو حر من ماله وهذه نصوص في محل النزاع فإنه جعله حرا وعتيقا بإعتاقه مشروطا بكونه موسرا ولأنه عتق بالسراية فكانت حاصلة عقيب لفظه كما لو أعتق حرا من عبيده ولأن القيمة معتبرة وقت الإعتاق ولا ينفذ تصرف الشريك فيه بغير الإعتاق وعند الشافعي لا ينفذ بالإعتاق أيضا فدل على أن العتق حصل فيه بالإعتاق الأول فأما حديثهم فلا حجة لهم فيه فإن الواو لا تقتضي ترتيبا وأما العطف بثم في اللفظ الآخر فلم يرد بها الترتيب فإنها قد ترد لغير الترتيب كقوله تعالى ثم الله شهيد على ما يفعلون يونس 46 وأما العوض فإنما وجب عن المتلف بالإعتاق بدليل اعتباره بقيمته حين الإعتاق وعدم اعتبار التراضي فيه وجوب القيمة من غير وكس ولا شطط بخلاف الكتابة فإذا ثبت هذا فإن الشريكين إذا أعتقاه بعد عتق الأول وقبل أخذ القيمة لم يثبت لهما فيه عتق ولا لهما عليه ولاء وولاؤه كله للمعتق الأول وعليه القيمة لأنه قد صار حرا بإعتاقه وعند مالك يكون ولاؤه بينهم أثلاثا ولا شيء على المعتق الأول من القيمة لأنه قد صار حرا بإعتاقه وعند مالك يكون ولاؤه بينهم أثلاثا ولا شيء على المعتق الأول من القيمة ولو أن المعتق الأول لم يؤد القيمة حتى أفلس عتق العبد وكانت القيمة في ذمته دينا يزاحم بها الشريكان عندنا وعند مالك لا يعتق منه إلا ما عتق ولو كان المعتق جارية حاملا فلم تؤد القيمة حتى وضعت حملها فليس على المعتق إلا قيمتها حين أعتقها لأنه حينئذ حررها وعند مالك يقوم ولدها أيضا ولو تلف العبد قبل أداء القيمة مات حرا والقيمة على المعتق لأنه فوت عليه رقه وعند مالك لا شيء على المعتق ما لم يقوم ويحكم بقيمته فهو في جميع أحكامه عبد

فصل والقيمة معتبرة حين اللفظ بالعتق لأنه حين الإتلاف وهو أحد أقوال الشافعي وللشريك مطالبة المعتق بالقيمة على الأقوال كلها فإن اختلفا في قدرها رجع إلى قول المقومين فإن كان العبد قد مات أو غاب أو تأخر تقويمه زمنا تختلف فيه القيم ولم تكن بينة فالقول قول المعتق لأنه ينكر الزيادة والأصل براءة ذمته منها وهذا أحد قولي الشافعي وإن اختلف في صناعة في العبد توجب زيادة القيمة فالقول قول المعتق لذلك إلا أن يكون العبد يحسن الصناعة في الحال ولم يمض زمن يمكن تعلمها فيه فالقول قول الشريك لأننا علمنا صدقه وإن مضى زمن يمكن حدوثها فيه ففيه وجهان أحدهما القول قول المعتق لأن الأصل براءة ذمته

والثاني القول قول الشريك لأن الأصل بقاء ما كان وعدم الحدوث وإن اختلفا في عيب ينقص القيمة كسرقة أو إباق فالقول قول الشريك لأن الأصل السلامة فبالجهة التي رجحنا قول المعتق في نفي الصناعة يرجح قول الشريك في نفي العيب وإن كان العيب فيه حال الاختلاف واختلفا في حدوثه فالقول قول المعتق لأن الأصل براءة ذمته وبقاء ما كان على ما كان وعدم حدوث العيب فيه ويحتمل أن يكون القول قول الشريك لأن الأصل براءته من العيب حين الإعتاق


285

فصل والمعتبر في اليسار في هذا أن يكون له فضل عن قوته يومه وليلته وما يحتاج إليه من حوائجه الأصلية من الكسوة والمسكن وسائر ما لا بد له منه يدفعه إلى شريكه ذكره أبو بكر في التنبيه وإن وجد بعض ما يفي بالقيمة قوم عليه قدر ما يملكه منه ذكره أحمد في رواية ابن منصور وهو قول مالك

وقال أحمد لا تباع فيه دار ولا رباع ومقتضى هذا أن لا يباع له أصل مال وقال مالك والشافعي يباع عليه سوار بيته وما له بال من كسوته ويقضى عليه في ذلك ما يقضى عليه في سائر الدعاوى والمعتبر في ذلك حال تلفظه بالعتق لأنه حال الوجوب فإن أيسر المعسر بعد ذلك لم يسر إعتاقه وإن أعسر الموسر لم يسقط ما وجب عليه لأنه وجب عليه فلم يسقط بإعساره كدين الإتلاف نص على هذا أحمد

فصل إذا قال أحد الشريكين لشريكه إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر مع نصيبك فأعتق نصيبه عتقا معا ولم يلزم المعتق شيء وقيل يعتق كله على المعتق لأن إعتاق نصيبه شرط عتق نصيب شريكه فيلزم أن يكون سابقا عليه والأول أولى لأنه أمكن العمل بمقتضى شرطه فوجب حمله عليه كما لو وكله في إعتاق نصيبه مع نصيبه فأعتقهما معا وإن قال إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر فقال أصحابنا إذا أعتق نصيبه سرى وعتق عليه كله وقوم عليه ولا يقع إعتاق شريكه لأن السراية سبقت فمنعت عتق الشريك ويحتمل أن يعتق عليهما جميعا لأن عتق نصيبه سبب للسراية وشرط لعتق نصيب الشريك فلم يسبق أحدهما الآخر لوجودهما في حال واحد وقد يرجح وقوع عتق الشريك لأنه تصرف منه في ملكه والسراية تقع في غير الملك على خلاف الأصل فكان نفوذ عتق الشريك أولى ولأن سراية العتق على خلاف الأصل لكونها إتلافا لملك المعصوم بغير رضاه وإلزاما للمعتق غرامة لم يلتزمها بغير اختياره وإنما يثبت لمصلحة تكميل العتق فإذا حصلت هذه المصلحة بإعتاق المالك كان أولى وإن قال إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر قبل إعتاقك نصيبك وقعا معا إذا أعتق نصيبه وهذا مقتضى قولأبي بكر والقاضي

ومقتضى قول ابن عقيل أن يعتق كله على المعتق ولا يقع إعتاق شريكه لأنه أعتق في زمن ماض ومقتضى قول ابن سريج ومن وافقه ممن قال بسراية العتق أن لا يصح إعتاقه لأنه يلزم من عتقه نصيبه تقدم عتق الشريك وسرايته فيمتنع إعتاق نصيب هذا ويمتنع عتق نصيب الشريك ويفضي إلى الدور فيمتنع الجميع وقد مضى الكلام في هذا في مسائل الطلاق والله تعالى أعلم

مسألة

قال ( وإن أعتقه الأول وهو معسر وأعتقه الثاني وهو موسر عتق عليه نصيبه ونصيب شريكه وكان ثلث ولائه للمعتق الأول وثلثاه للمعتق الثاني )

ظاهر المذهب أن المعسر إذا أعتق نصيبه من العبد استقر فيه العتق ولم يسر إلى نصيب شريكه بل يبقى على الرق فإذا استحق الثاني نصيبه وهو موسر عتق عليه جميع ما بقي منه نصيبه بالمياسرة ونصيب شريكه الثالث بالسراية وصار له ثلثا ولائه وللأول ثلثه وهذا قول إسحاق وأبي عبيد وابن المنذر وداود وابن


286

جرير وهو قول مالك والشافعي على الوجه الذي بيناه من قولهما فيما مضى وروي عن عروة أنه اشترى عبدا أعتق نصفه وكان عروة يشاهره شهر عبد وشهر حر وروي عن أحمد أن المعسر إذا أعتق نصيبه استسعى العبد في قيمة حصة الباقين حتى يؤديها فيعتق وهو قول ابن شبرمة وابن أبي ليلى والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعتق شقصا له في مملوك فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال وإلا استسعى العبد غير مشقوق عليه متفق عليه ورواه أبو داود

وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة فإذا استسعى في نصف قيمته ثم أيسر معتقه رجع عليه بنصف القيمة لأنه هو ألجأه إلى هذا وكلفه إياه وعنأبي يوسف ومحمد أنهما قالا يعتق جميعه وتكون قيمة نصيب الشريك في ذمته لأن العتق لا يتبعض فإذا وجد في البعض سرى إلى جميعه كالطلاق ويلزم المعتق القيمة لأنه المتلف لنصيب صاحبه بإعتاقه فوجبت قيمته في ذمته كما لو أتلفه بقتله وقال أبو حنيفة لا يسري العتق وإنما يستحق به إعتاق النصيب الباقي فيتخير شريكه بين إعتاق نصيبه ويكون الولاء بينهما وبين أن يستسعى العبد في قيمة نصيبه فإذا أداه إليه عتق والولاء بينهما

ولنا حديث ابن عمرو وهو حديث صحيح ثابت عند جميع العلماء بالحديث ولأن الاستسعاء إعتاق بعوض فلم يجبر عليه كالكتابة ولأن في الاستسعاء إضرار بالشريك والعبد

أما الشريك فإنا نحيله على سعاية لعله لا يحصل منها شيء أصلا وإن حصل فربما يكون يسيرا متفرقا ويفوت عليه ملكه وأما العبد فإنا نجبره على سعاية لم يردها وكسب لم يختره وهذا ضرر في حقهما وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار قال سليمان بن حرب أليس إنما ألزم المعتق ثمن ما بقي من العبد لئلا يدخل على شريكه ضرر فإذا أمره بالسعي وإعطائه كل شهر درهمين ولم يقدر على تملكه فأي ضرر أعظم من هذا فأما حديث الاستسعاء فقال الأثرم ذكره سليمان بن حرب فطعن فيه وضعفه وقال أبو عبد الله ليس في الاستسعاء ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث أبي هريرة يرويه ابن أبي عروة وأما شعبة وهشام الدستوائي فلم يذكراه وحدث به معمر ولم يذكر فيه السعاية

قال أبو داود وهمام أيضا لا يقوله قال المروذي وضعف أبو عبد الله حديث سعيد وقال ابن المنذر لا يصح حديث الاستسعاء وذكر همام أن ذكر الاستسعاء من فتيا قتادة وفرق بين الكلام الذي هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول قتادة وقال بعد ذلك فكان قتادة يقول إن لم يكن له مال استسعى قال ابن عبد البر حديث أبي هريرة يدور على قتادة وقد اتفق شعبة وهشام وهمام على ترك ذكره وهم الحجة في قتادة فالقول قولهم فيه عند جميع أهل العلم بالحديث إذا خالفهم غيرهم فأما قول أبي حنيفة وقول صاحبيه الأخير فلا شيء معهم يحتجون به من حديث قوي ولا ضعيف بل هو مجرد رأي وتحكم يخالف الحديثين جميعا قال ابن عبد البر لم يقل أبو حنيفة وزفر بحديث ابن عمر ولا حديث أبي هريرة على وجهه وكل قول يخالف السنة فمردود على قائله والله المستعان

فصل إذا قلنا بالسعاية احتمل ألا يعتق كله وتكون القيمة في ذمة العبد دينا يستسعى في


287

أدائها وتكون أحكامه أحكام الأحرار فإن مات وفي يده مال كان لسيده بقية السعاية وباقي ماله موروث ولا يرجع العبد على أحد وهذا قول أبي يوسف ومحمد ويحتمل أن لا يعتق حتى يؤدي السعاية فيكون حكمه قبل أدائها حكم من بعضه رقيق إذا مات فللشريك الذي لم يعتق من ماله مثل ما يكون له على قول من لم يقل بالسعاية لأنه إعتاق بأداء مال فلم يعتق قبل أدائه كالمكاتب وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة يرجع العبد على المعتق إذا أيسر لأنه كلفه السعاية بإعتاقه

ولنا إنه حق لزم العبد في مقابلة حريته فلم يرجع به على أحد كمال الكتابة ولأنه لو رجع به على السيد لكان هو الساعي في العوض كسائر الحقوق الواجبة عليه

مسألة

قال ( ولو كان المعتق الثاني معسرا عتق نصيبه منه وكان ثلثه رقيقا لمن لم يعتق فإن مات وفي يده مال كان ثلثه لمن لم يعتق وثلثاه للمعتق الأول والمعتق الثاني بالولاء إذا لم يكن له وارث أحق منهما )

إنما كان كذلك لأن المعسر لا يعتق إلا نصيبه والأول والثاني معسران فلم يعتق على كل واحد إلا نصيبه ونصيبهما الثلثان وبقي ثلثه رقيقا للثالث فإذا خلف العبد مالا فثلثه للذي لم يعتق لأنه مالك لثلثه وثلثاه ميراث لأنه ملكهما بجزئه الحر فإن كان له وارث نسيب يرث ماله كله أخذه لأنه أحق من المعتق وإن لم يكن له وارث نسيب فهو للمعتقين بالولاء وإن كان له ذو فرض يرث البعض أخذ فرضه منه وباقيه للمعتقين وهذا القول فيما إذا لم يكن مالك ثلثه قاسم العبد في حياته كسبه ولم يهايئه فأما إن قاسمه أو هايأه فلا حق له في تركته لأنها حصلت بالجزء الحر فتكون جميعها ميراثا لورثته دون مالك ثلثه إذ لا حق له في الجزء الحر فلا يكون له حق فيما كسبه به ولا فيما ملكه به

فصل ومن قال بالسعاية فإنه يستسعى حين أعتقه الأول فإذا أعتق الثاني نصيبه انبنى ذلك على القول في حريته هل حصلت بإعتاق الأول أو لا فمن جعله حرا لم يصحح عتق الثاني لأنه عتق بإعتاق الأول ومن لم يجعله حرا صحح عتق الثاني لأنه أعتق جزءا مملوكا له من عبد وإذا مات قبل أداء سعايته فقد مات وثلثه رقيق فيكون حكمه في الميراث حكم ما ذكرنا في القول الآخر

فصل وإذا حكمنا بعتق بعضه ورق باقيه فإن نفقته في حياته وفطرته وأكسابه بينه وبين سيده على قدر ما فيه من الحرية والرق وإن تراضيا على المهايأة بينهما كانت نفقة العبد وكسبه في أيامه له وعليه وفي أيام سيده يكون كسبه لسيده ونفقته عليه فأما الأكساب النادرة كاللقطة والهبة والوصية فذكر القاضي أنها تدخل في المهايأة لأنها من أكسابه فأشبهت المعتادة وذكر غيره من أصحابنا وجها آخر أنها لا تدخل في المهايأة وتكون بينهما على كل حال لأن المهايأة معاوضة فكأنه تعاوض عن نصيبه من كسبه في يوم سيده بنصيب سيده في يومه فلا تتناول المعاوضة المجهول وما لا يغلب على الظن وجوده فأما الميراث فلا


288

يدخل في المهايأة ولا يستحق سيده منه شيئا لأنه إنما يرث بجزئه الحر ويملك هذا العبد بجزئه الحر جميع أنواع الملك ويرث ويورث بقدر ما فيه من الحرية وقد مضى ذكر ذلك

فصل ومن أعتق عبده وهو صحيح جائز التصرف صح عتقه بإجماع أهل العلم وإن أعتق بعضه عتق كله في قول جمهور العلماء وروي ذلك عن عمر وابنه رضي الله عنهما وبه قال الحسن والحكم والأوزاعي والثوري والشافعي قال ابن عبد البر عامة العلماء بالحجاز والعراق قالوا يعتق كله إذا أعتق نصفه وقال طاوس يعتق في عتقه ويرق في رقه وقال حماد وأبو حنيفة يعتق منه ما أعتق ويسعى في باقيه وخالف أبا حنيفة أصحابه فلم يروا عليه سعاية وروي عن مالك في رجل أعتق نصف عبد ثم غفل عنه حتى مات فقال أرى نصفه حرا ونصفه رقيقا لأنه تصرف في بعضه فلم يسر إلى باقيه كالبيع

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من أعتق شركا له في عبد فكان معه ما يبلغ قيمة العبد قوم عليه قيمة العدل وعتق عليه جميع العبد وإذا أعتق عليه نصيب شريكه كان بينهما على عتق جميعه إذا كان كله ملكا له وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أعتق شقصا له في مملوك فهو حر من ماله

ولأنه إزالة ملك لبعض مملوكه الآدمي فزال عن جميعه كالطلاق ويفارق البيع فإنه لا يحتاج إلى السعاية ولا ينبني على التغليب والسراية

إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يعتق جزءا كبيرا كنصفه وثلثه أو صغيرا كعشره وعشر عشره ولا نعلم في هذا خلافا بين القائلين بسراية العتق إذا كان مشاعا وإن أعتق جزءا معينا كرأسه أو يده أو إصبعه عتق كله أيضا وبهذا قال قتادة والشافعي وإسحاق وقال أصحاب الرأي إن أعتق رأسه أو ظهره أو بطنه أو جسده أو نفسه أو فرجه عتق كله لأن حياته لا تبقى بدون ذلك وإن أعتق يده أو عضوا تبقى حياته بدونه لم يعتق لأنه يمكن إزالة ذلك مع بقائه فلم يعتق بإعتاقه كشعره أو سنة

ولنا إنه أعتق عضوا من أعضائه فيعتق جميعه كرأسه

فأما إذا أعتق شعره أو سنه أو ظفره لم يعتق وقال قتادة والليث في الرجل يعتق ظفر عبده يعتق كله لأنه جزء من أجزائه أشبه إصبعه

ولنا إن هذه الأشياء تزول ويخرج غيرها فأشبهت الشعر والريق وقد ذكر ذلك في الطلاق وما ذكر في الطلاق فالعتاق مثله والله أعلم

مسألة

قال ( وإذا كان العبد بين شريكين فادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق حقه منه فإن كانا معسرين لم يقبل قول كل واحد منهما على شريكه فإن كانا عدلين كان للعبد أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير حرا أو يحلف مع أحدهما ويصير نصفه حرا )

أما إذا كان الشريكان معسرين فليس في دعوى أحدهما على صاحبه إعتاق نصيبه اعتراف بحرية نصيبه ولا ادعاء لاستحقاق قيمته على المعتق لكون عتق المعسر يقف على نصيبه ولا يسري إلى غيره فلم يكن في دعواه أكثر من أنه شاهد على صاحبه بإعتاق نصيبه فإن لم يكونا عدلين فلا أثر لكلامهما في الحال ولا عبرة


289

بقولهما لأن غير العدل لا تقبل شهادته وإن كانا عدلين فشهادتهما مقبولة لأن كل واحد منهما لا يجر إلى نفسه بشهادته نفعا ولا يدفع بها ضررا وقد حصل للعبد بحرية كل نصف منه شاهد عدل فإن حلف معهما عتق كله وإن حلف مع أحدهما صار نصفه حرا على الرواية التي تقول إن العتق يحصل بشاهد ويمين وإن لم يحلف مع واحد منهما لم يعتق منه شيء لأن العتق لا يحصل بشاهد من غير يمين بلا خلاف نعلمه وإن كان أحدهما عدلا دون الآخر فله أن يحلف مع شهادة العدل ويصير نصفه حرا ويبقى نصفه الآخر رقيقا

فصل ومن قال بالاستسعاء فقد اعترف بأن نصيبه قد خرج عن يده فيخرج العبد كله ويستسعى في قيمته لاعتراف كل واحد منهما بذلك في نصيبه

فصل وإن اشترى أحدهما نصيب صاحبه عتق عليه ولم يسر إلى النصف الذي كان له لأن عتقه حصل باعترافه بحريته بإعتاق شريكه ولا يثبت له عليه ولاء لأنه لا يدعي إعتاقه بل يعترف بأن المعتق غيره وإنما هو مخلص له ممن يسترقه ظلما فهو كمخلص الأسير من أيدي الكفار

وقالأبو الخطاب يسري لأنه شراء حصل به الإعتاق فأشبه شراء بعض ولده إن أكذب نفسه في شهادته على شريكه ليسترق ما اشتراه لم يقبل منه لأنه رجوع عن الإقرار بالحرية فلم يقبل كما لو أقر بحرية عبده ثم أكذب نفسه وهل يثبت له الولاء عليه إن أعتقه يحتمل أن لا يثبت لما ذكرنا ويحتمل أن يثبت لأننا نعلم أن على العبد ولاء ولا يدعيه أحد سواه ولا ينازعه فيه فوجب أن يقبل قوله فيه وإن اشترى كل واحد منهما نصيب صاحبه صار العبد كله حرا لا ولاء عليه لواحد منهما فإن أعتق كل واحد منهما ما اشتراه ثم أكذب نفسه في شهادته فهل يثبت له الولاء على من أعتقه على وجهين وإن أقر كل واحد منهما بأنه كان أعتق نصيبه وصدق الآخر في شهادته بطل البيعان ويثبت لك لواحد منهما الولاء على نصفه لأن أحدا لا ينازعه فيه وكل واحد منهما يصدق الآخر في استحقاق الولاء ويحتمل أن يثبت الولاء لهما وإن لم يكذب واحد منهما نفسه لأننا نعلم أن الولاء عليه ثابت لهما ولا يخرج عنهما وأنه بينهما إما بالعتق الأول وإما بالثاني لأنهما إن كانا صادقين في شهادتهما فقد ثبت الولاء لكل واحد منهما على النصف الذي أعتقه أو لا وإن كانا كاذبين فقد أعتق كل واحد منهما نصفه بعد أن اشتراه وإن كان أحدهما صادقا والآخر كاذبا فلا ولاء للصادق منهما لأنه لم يعتق النصف الذي كان له أولا ولا صح عتقه في الذي اشتراه لأنه كان حرا قبل شرائه والولاء كله للكاذب لأنه أعتق النصف الذي كان له ثم اشترى النصف الذي لشريكه فأعتقه وكل واحد منهما يساوي صاحبه في الاحتمال فيقسم بينهما

فصل وكل من شهد على سيد عبد بعتق عبده ثم اشتراه عتق عليه وإن شهد اثنان عليه بذلك فردت شهادتهما ثم اشترياه أو أحدهما عتق وبهذا قال الأوزاعي ومالك والشافعي وابن المنذر وهو قياس قول أبي حنيفة ولا يثبت للمشتري ولاء على العبد لأنه لا يدعيه ولا للبالغ لأنه ينكر عتقه ولو كان


290

العبد بين شريكين فادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق حقه منه وكانا موسرين فعتق عليهما أو كانا معسرين عدلين فحلف العبد مع كل واحد وعتق أو شهد مع كل واحد منهما عدل آخر وعتق العبد أو ادعى عبد أن سيده أعتقه فأنكر وقامت البينة بعتقه عتق ولا ولاء على العبد في هذه المواضع كلها لأن أحدا لا يدعيه ولا يثبت لأحد حق ينكره فإن عاد من ثبت إعتاقه فاعترف به ثبت له الولاء لأنه لا مستحق له سواه وإنما لم يثبت له لإنكاره له فإذا اعترف زال الإنكار وثبت له وأما الموسران إذا أعتق عليهما فإن صدق أحدهما صاحبه في أنه أعتق نصيبه وحده أو أنه سبق بالعتق فالولاء له وعليه غرامة نصيب الآخر فإن اتفقا على أن كل واحد منهما أعتق نصيبه دفعة واحدة فالولاء بينهما وإن ادعى كل واحد منهما أنه المعتق وحده أو أنه السابق بالعتق تحالفا وكان الولاء بينهما نصفين

مسألة

قال ( وإن كان الشريكان موسرين فقد صار العبد حرا باعتراف كل واحد منهما بحريته وصار مدعيا على شريكه نصف قيمته فإن لم تكن بينة فيمين كل واحد منهما لشريكه )

وجملة ذلك أن الشريكين الموسرين إذا ادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق نصيبه فكل واحد منهما معترف بحرية نصيبه شاهد على شريكه بحرية نصفه الآخر لأنه يقول لشريكه أعتقت نصيبك فسرى العتق إلى نصيبي فعتق كله عليك ولزمك لي قيمة نصيبي فصار العبد حرا لاعترافهما بحريته وبقي كل واحد منهما يدعي قيمة حصته على شريكه فإن كان لأحدهما بينة حكم له بها وإن لم تكن بينة حلف كل واحد منهما لصاحبه وبرئا فإن نكل أحدهما قضي عليه وإن نكلا جميعا تساقط حقاهما لتماثلهما ولا فرق في هذه الحال بين العدلين والفاسقين والمسلمين والكافرين لتساوي العدل والفاسق والمسلم والكافر في الاعتراف والدعوى بخلاف التي قبلها

فصل وإن كان أحد الشريكين موسرا والآخر معسرا عتق نصيب المعسر وحده لاعترافه بأن نصيبه قد صار حرا بإعتاق شريكه الموسر الذي يسري عتقه ولم يعتق نصيب الموسر لأنه يدعي أن المعسر الذي لا يسري عتقه أعتق نصيبه خاصة فعتق وحده ولا تقبل شهادة المعسر عليه لأنه يجر بشهادته إلى نفسه نفعا لكونه يوجب عليه بشهادته نصف قيمته فعلى هذا إن لم تكن للعبد بينة سواه حلف الموسر وبرىء من القيمة والعتق جميعا ولا ولاء للمعسر في نصيبه لأنه لا يدعيه ولا للموسر لذلك أيضا وإن عاد المعسر فأعتقه وادعاه ثبت له وإن أقر الموسر بإعتاق نصيبه وصدق المعسر عتق نصيبه أيضا وعليه غرامة نصيب المعسر وثبت له الولاء وإن كان للعبد بينة أجنبية تشهد بإعتاق الموسر وكانت عدلين ثبت العتق ووجبت القيمة للمعسر عليه وإن كانت رجلا واحدا حلف العبد معه ويثبت العتق في إحدى الروايتين والأخرى لا يثبت العتق وللمعسر أن يحلف معه ويستحق قيمة نصيبه سواء حلف العبد أو لم يحلف لأن الذي يدعيه مال يقبل فيه شاهد ويمين


291

فصل وإن ادعى أحد الشريكين أن شريكه أعتق نصيبه وأنكر الآخر وكان المدعى عليه موسرا عتق نصيب المدعي وحده لاعترافه بحريته بسراية عتق شريكه وصار مدعيا نصف القيمة على شريكه ولا يسري لأنه لا يعترف أنه المعتق له وإنما عتق باعترافه بحريته لا بإعتاقه له ولا ولاء له عليه لإنكاره له

قال القاضي وولاؤه موقوف وإن كان المدعي عدلا لم تقبل شهادته لأنه يدعي نصف قيمته على شريكه فيجر بشهادته نفعا ومن شهد بشهادة يجر إليه بها نفعا بطلت شهادته كلها وأما إن كان المدعى عليه معسرا فالقول قوله مع يمينه ولا يعتق منه شيء وإن كان المدعي عدلا حلف العبد مع شهادته وصار نصفه حرا وقال حماد إن كان المشهود عليه موسرا سعى له وإن كان معسرا سعى لهما وقالأبو حنيفة إن كان معسرا سعى العبد وولاؤه بينهما وإن كان موسرا فولاء نصفه موقوف فإن اعترف أنه أعتق استحق الولاء وإلا كان الولاء لبيت المال

فصل إذا قال أحد الشريكين إن كان هذا الطائر غرابا فنصيبي حر وقال الآخر إن لم يكن غرابا فنصيبي حر وطار ولم يعلما حاله فإن كانا موسرين عتق العبد كله وإن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا عتق نصيب المعسر وحده لما ذكرنا وإن كانا معسرين لم يعتق نصيب واحد منهما لأنه لم يتعين الحنث فيه فإن اشترى أحدهما نصيب الآخر عتق نصفه لأننا علمنا حرية نصفه ولم يسر إلى النصف الآخر وإن اشترى العبد أجنبي عتق نصفه لأن نصفه حر يقينا فلم يملك جميعه

مسألة

قال ( وإذا مات رجل وخلف ابنين وعبدين لا يملك غيرهما وهما متساويان في القيمة فقال أحد الابنين أبي أعتق هذا

وقال الآخر أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما أقرع بينهما فإن وقعت القرعة على الذي اعترف الابن بعتقه عتق ثلثاه إن لم يجز الابنان عتقه كاملا وكان الآخر عبدا وإن وقعت القرعة على الآخر عتق منه ثلثه وكان لمن قرعنا بقوله فيه سدسه ونصف العبد الآخر ولأخيه نصفه وسدس العبد الذي اعترف أن أباه أعتقه فصار ثلث كل واحد من العبدين حرا )

هذه المسألة محمولة على أن العتق كان في مرض الموت أو بالوصية لأنه لو أعتقه في صحته لعتق كله ولم يقف على إجازة الورثة فأما إذا اعترفا أنه أعتق أحدهما في مرضه فلا يخلو من أربعة أحوال إما أن يعينا العتق في أحدهما فيعتق منه ثلثاه لأن ذلك ثلث جميع ماله إلا أن يجيزا عتق جميعه فيعتق

الثاني أن يعين كل واحد منهما العتق في واحد غير الذي عينه أخوه فيعتق من كل واحد منهما ثلثه لأن كل واحد منهما حقه نصف العبدين فيقبل قوله في عتق حقه من الذي عينه وهو ثلثا النصف الذي له وذلك هو الثلث ولأنه يعترف بحرية ثلثيه فيقبل قوله في حقه منهما وهو الثلث ويبقى الرق في ثلثه فله نصفه وهو السدس ونصف العبد الذي ينكر عتقه


292

والحال الثالث أن يقول أحدهما أبي أعتق هذا ويقول الآخر أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما وهي مسألة الكتاب فتقوم القرعة مقام تعيين الذي لم يعين فإن وقعت على الذي عينه أخوه عتق منه ثلثاه كما لو عيناه بقولهما وإن وقعت على الآخر كان كما لو عين كل واحد منهما عبدا يكون لكل واحد منهما سدس العبد الذي عينه ونصف العبد الذي ينكر عتقه فيصير ثلث كل واحد من العبدين حرا

الحال الرابع أن يقولا أعتق أحدهما ولا ندري من منهما فإنه يقرع بين العبدين فمن وقعت عليه القرعة عتق منه ثلثاه إن لم يجيزا عتق جميعه وكان الآخر رقيقا

فصل فإن رجع الابن الذي جهل عين المعتق فقال قد عرفته قبل القرعة فهو كما لو عينه ابتداء من غير جهل وإن كان بعد القرعة فوافقها تعيينه لم يتغير الحكم وإن خالفها عتق من الذي عينه ثلثه بتعيينه فإن عين الذي عينه أخوه عتق ثلثاه وإن عين الآخر عتق منه ثلثه وهل يبطل العتق في الذي عتق بالقرعة على وجهين

مسألة

قال ( وإذا كان لرجل نصف عبد ولآخر ثلثه ولآخر سدسه فأعتق صاحب النصف وصاحب السدس معا وهما موسران عتق عليهما وضمنا حق شريكهما فيه نصفين وكان ولاؤه بينهما أثلاثا لصاحب النصف ثلثاه ولصاحب السدس ثلثه )

وجملته أن العبد إذا كان مشتركا بين جماعة فأعتق اثنان منهم أو أكثر وهم موسورون سرى عتقهم إلى باقي العبد ويكون الضمان بينهم على عدد رؤوسهم يتساوون في ضمانه وولائه وبهذا قال الشافعي ويحتمل أن يقسم بينهم على قدر أملاكهم وهو قول مالك في إحدى الروايتين عنه لأن السراية حصلت بإعتاق ملكيهما وما وجب بسبب الملك كان على قدره كالنفقة واستحقاق الشفعة

ولنا إن عتق النصيب إتلاف لرق الباقي وقد اشتركا فيه فيتساويان في الضمان كما لو جرح أحدهما جرحا والآخر جرحين فمات منهما أو ألقى أحدهما جزءا من النجاسة في مائع وألقى الآخر جزأين ويفارق الشفعة فإنها تثبت لإزالة الضرر عن نصيب الذي لم يبع فكان استحقاقه على قدر نصيبه ولأن الضمان ها هنا لدفع الضرر منهما وفي الشفعة لدفع الضرر عنهما والضرر منهما يستويان في إدخاله على الشريك وفي الشفعة ضرر صاحب النصف أعظم من ضرر صاحب السدس فاختلفا

وإذا ثبت هذا كان ولاؤه بينهما أثلاثا لأننا إذا حكمنا بأن الثلث معتق عليهما نصفين فنصف الثلث سدس إذا ضممناه إلى النصف الذي لأحدهما صار ثلثين وإذا ضممنا السدس الآخر إلى سدس المعتق صار ثلثا وعلى الوجه الآخر يصير الولاء بينهما أرباعا لصاحب النصف ثلاثة أرباعه ولصاحب السدس ربعه والضمان بينهما كذلك


293

فأما قوله فأعتقاه معا فلأنه شرط في الحكم الذي ذكرناه اجتماعهما في العتق بحيث لا يسبق أحدهما الآخر بأن يتلفظا به معا أو يوكل أحدهما صاحبه فيعتقهما معا أو يوكلا وكيلا فيعتقهما أو يعلقا عتقه على شرط فيوجد فإن سبق أحدهما صاحبه عتق عليه نصيب شريكيه جميعا وكان الضمان عليه والولاء له كله

وقوله وهما موسران شرط آخر فإن سراية العتق يشترط لها اليسار فإن كان أحدهما موسرا وحده قوم عليه جميع نصيب من لم يعتق لأن المعسر لا يسري عتقه فيكون الضمان على الموسر خاصة فإن كان أحدهما يجد بعض ما يخصه قوم عليه ذلك القدر وباقيه على الآخر مثل أن يجد صاحب السدس قيمة نصف السدس فيقوم عليه ويقوم الربع على صاحب النصف ويصير ولاؤه بينهم أرباعا لصاحب السدس ربعه وباقيه لمعتق النصف لأنه لو كان أحدهما معسرا قوم الجميع على الآخر فإذا كان موسرا ببعضه قوم الباقي على صاحب النصف لأنه موسر

مسألة

قال ( وإذا كانت الأمة بين شريكين فأصابها أحدهما وأحبلها أدب ولم يبلغ به الحد وضمن نصف قيمتها لشريكه وصارت أم ولد له وولده حر وإن كان معسرا كان في ذمته نصف مهر مثلها وإن لم تحبل منه فعليه نصف مهر مثلها وهي على ملكيهما )

لا نعلم خلافا بين أهل العلم في تحريم وطء الجارية المشتركة لأن الوطء يصادف ملك غيره من غير نكاح ولم يحله الله تعالى في غير ملك ولا نكاح بدليل قوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون المؤمنون 5 6 7 وأكثر أهل العلم لا يوجبون فيه حدا لأن له فيها ملكا فكان ذلك شبهة دارئة للحد وأوجبه أبو ثور لأنه وطء محرم لأجل كونه في ملك غيره فأشبه ما لو لم يكن له فيها ملك

ولنا إنه وطء صادف ملكه فلم يوجب به حد كوطء زوجته الحائض ويفارق ما لا ملك له فيها فإنه لا شبهة له فيها ولهذا لو سرق عينا له نصفها لم يقطع ولو لم يكن له فيها ملك قطع ولا خلاف في أنه يعزر لما ذكرناه في حجة أبي ثور ثم لا يخلو من حالين إما أن لا تحمل منه فهي باقية على ملكهما وعليه نصف مهر مثلها لأنه وطء سقط فيه الحد للشبهة فأوجب مهر المثل كما لو وطئها يظنها امرأته وسواء كانت مطاوعة أو مكرهة لما ذكرنا ولأن وطء جارية غيره يوجب المهر وإن طاوعت لأن المهر لسيدها فلا يسقط بمطاوعتها كما لو أدبت في قطع عضو من أعضائها ويكون الواجب نصف المهر بقدر ملك الشريك فيها

الحال الثاني أن يحبلها وتضع ما يتبين فيه بعض خلق الإنسان فإنها تصير بذلك أم ولد للواطىء كما لو كانت خالصة له وتخرج بذلك من ملك الشريك كما تخرج بالإعتاق وسواء كان الواطىء موسرا أو معسرا لأن الإيلاد أقوى من الإعتاق ويلزمه نصف قيمتها لأنه أخرج نصفها من ملك الشريك فلزمته قيمته كما لو


294

أخرجه بالإعتاق أو الإتلاف فإن كان موسرا أداه وإن كان معسرا فهو في ذمته كما لو أتلفها والولد حر يلحق نسبه لوالده لأنه من وطىء في محل له فيه ملك فأشبه ما لو وطىء زوجته وقال القاضي الصحيح عندي أنه لا يقوم عليه نصيب شريكه إذا كان معسرا بل يصير نصفها أم ولد ونصفها قنا باقيا في ملك الشريك لأن الإحبال كالعتق ويجري مجراه في التقويم والسراية فاعتبر في سرايته اليسار كالعتق وهذا قول أبي الخطاب أيضا ومذهب الشافعي

فعلى هذا إذا ولدت احتمل أن يكون الولد كله حرا لاستحالة انعقاد الولد من حر وعبد واحتمل أن يكون نصفه حرا ونصفه رقيقا لأن نصف أمه أم ولد ونصفها قن لغير الواطىء فكان نصف الولد حرا ونصفه رقيقا كولد المعتق بعضها وبهذا يتبين أنه لم يستحل انعقاد الولد من حر وقن

ووجه قول الخرقي إن بعضها أم ولد فكان جميعها أم ولد كما لو كان الواطىء موسرا ويفارق الإعتاق فإن الاستيلاد أقوى ولهذا ينفذ من جميع المال من المريض ومن الصبي والمجنون والإعتاق بخلافه

فصل قال أبو الخطاب وهل تلزمه قيمة الولد ومهر الأمة على وجهين

أحدهما لا يلزمه ذلك وهو ظاهر قول الخرقي لأنه لم يذكرهما لأن الأمة صارت مملوكة له فلم يلزمه مهر مملوكته ولا قيمة ولدها ولأن الولد خلق حرا فلم يقوم عليه ولده الحر

والوجه الثاني يلزمه لشريكه نصف مهر مثلها ونصف قيمة ولدها لأن الوطء صادف ملك غيره وإنما انتقلت بالوطء الموجب للمهر فيكون الوطء سبب الملك ولا يثبت الحكم إلا بعد تمام سببه فيلزم حينئذ تقدم الوطء على ملكه فيكون في ملك غيره فيوجب مهر المثل وفعله ذلك منع انخلاق الولد على ملك الشريك فيجب عليه نصف قيمته كولد المغرور وقال القاضي إن وضعت الولد بعد التقويم فلا شيء على الواطىء لأنها وضعته في ملكه وقت الوجوب حالة الوضع ولا حق للشريك فيها ولا في ولدها وإن وضعته قبل التقويم فهل تلزمه قيمة نصفه على روايتين

ذكرهما أبو بكر واختار أنه تلزمه قيمته

فصل ولا فرق بين أن يكون له في الأمة ملك كثير أو يسير وقد ذكر الخرقي فيما إذا وطىء جارية من المغنم أنها تصير أم ولد إذا أحبلها وإن كان إنما له فيها سهم يسير من كثير من ألف سهم

مسألة

قال ( وإن ملك سهما ممن يعتق عليه بغير الميراث وهو موسر عتق عليه كله وكان لشريكه عليه قيمة حقه منه وإن كان معسرا لم يعتق عليه إلا مقدار ما ملك وإن ملك بعضه بالميراث لم يعتق منه إلا مقدار ما ملك موسرا كان أو معسرا )

قد ذكرنا فيما تقدم أن من ملك ذا رحم محرم فهو حر لما روى سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ملك ذا رحم محرم فهو حر رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي

وروى ضمرة عن سفيان عن عبد الله بن دينار


295

عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم من ملك ذا رحم محرم فهو حر

وسئل أحمد عن ضمرة فقال ثقة إلا أنه روى حديثين ليس لهما أصل

أحدهما هذا الحديث وروي عن إبراهيم عن الأسود عن عمر أنه قال من ملك ذا رحم محرم فهو حر وقد ذكرنا هذا وما فيه من الخلاف فيما تقدم فأما إن ملك سهما ممن يعتق عليه مثل أن يملك سهما من ولده فإنه يعتق عليه ما ملك منه سواء ملكه منه بعوض أو بغير عوض كالهبة والاغتنام والوصية وسواء ملكه باختياره كالذي ذكرناه أو بغير اختياره كالميراث لأن كل ما يعتق به الكل يعتق به البعض كالإعتاق بالقول ثم ينظر فإن كان معسرا لم يسر العتق واستقر في ذلك الجزء ورق الباقي لأنه لو أعتقه بقوله لم يسر إعتاقه مع تصريحه بالعتق وقصده إياه فها هنا أولى وإن كان موسرا وكان الملك باختياره كالملك بغير الميراث سرى إلى باقيه فعتق جميع العبد ولزمه لشريكه قيمة باقية لأنه فوته عليه وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف وقال قوم لا يعتق عليه إلا ما ملك سواء ملكه بشراء أو غيره لأن هذا لم يعتقه وإنما عتق عليه بحكم الشرع من غير اختيار منه فلم يسر كما لو ملكه بالميراث وفارق ما أعتقه لأنه فعله باختياره قاصدا إليه

ولنا إنه فعل سبب العتق اختيارا منه وقصدا إليه فسرى ولزمه الضمان كما لو وكل من أعتق نصيبه وفارق الميراث فإنه حصل من غير قصده ولا فعله ولأن من باشر سبب السراية اختيارا لزمه ضمانها كمن جرح إنسانا فسرى جرحه ولأن مباشرته لما يسري وتسببه إليه في لزوم حكم السراية واحد بدليل استواء الحافز والدافع في ضمان الواقع فأما إن ملكه بالميراث لم يسر العتق فيه واستقر فيما ملكه ورق الباقي سواء كان موسرا أو معسرا لأنه لم يتسبب إلى إعتاقه وإنما حصل بغير اختياره وبهذا قالمالك والشافعي وأبو يوسف وعن أحمد ما يدل على أنه يسري إلى نصيب شريكه إذا كان موسرا لأنه أعتق عليه بعضه وهو موسر فسرى إلى باقيه كما لو وصى له به فقبله والمذهب الأول لأنه لم يعتقه ولا تسبب إليه فلم يضمن ولم يسر كالأجنبي وفارق ما تسبب إليه

فصل وإن ورث الصبي والمجنون جزءا ممن يعتق عليهما عتق ولم يسر إلى باقيه لأنه إذا لم يسر في حق المكلف ففي حقهما أولى وإن وهب لهما أو وصى لهما به وهما معسران فعلى وليهما قبوله لأنه نفع لهما بإعتاق قريبهما من غير ضرورة يلحق بهما وإن كانا موسرين ففيه وجهان مبنيان على أنه هل يقوم عليهما باقيه إذا ملكا بعضه وفيه وجهان أحدهما لا يقوم ولا يسري العتق إليه لأنه يدخل في ملكه بغير اختياره فأشبه ما لو ورثه

والثاني يقوم عليه لأن قبول وليه يقوم مقام قبوله فأشبه الوكيل فعلى هذا الوجه ليس لوليه قبوله لما فيه من الضرر وعلى الأول يلزمه قبوله لأنه يقع بغير ضرر إذا كان ممن لا تلزمه نفقته وإذا قلنا ليس له أن يقبله فقبله احتمل أن لا يصح القبول لأنه فعل ما لم يأذن الشرع فيه فأشبه ما لو باع ماله بغبن واحتمل أن


296

يصح وتكون الغرامة عليه لأنه ألزمه هذه الغرامة فكانت عليه كنفقة الحج إذا حجه

فصل وإذا باع عبدا لذي رحمه وأجنبي صفقة واحدة عتق كله إذا كان ذو رحم معسرا وضمن لشريكه قيمة حقه منه وقال القاضي لا يضمن لشريكه شيئا لأن ملكه لم يتم إلا بقبول شريكه فصار كأنه أذن له في إعتاق نصيبه

ولنا إنه عتق عليه نصيبه بملكه باختياره فوجب أن يقوم عليه باقيه مع يساره كما لو انفرد بشرائه ولا نسلم أنه لا يصح قبوله إلا بقبول شريكه

فصل وإذا كانت أمة مزوجة ولها ابن موسر فاشتراها هو وزوجها وهي حامل منه صفقة واحدة عتق نصيب الابن من أمه وسرى إلى نصيب الزوج ويقوم عليه وعتق الحمل عليهما معا لأنه ابن الزوج وأخ الابن ولا يجب لأحدهما على الآخر شيء منه لأنه عتق عليهما في حال واحدة ولو كانت المسألة بحالها فوهبت لهما أو أوصى لهما بها فقبلاها في حالة واحدة فكذلك وإن قبلها أحدهما قبل الآخر نظرنا

فإن قبل الابن أولا عتقت عليه الأم وحملها حصته من الأم بالملك وتبعها حصته من الحمل وسرى العتق إلى الباقي في الأم والولد وعليه قيمة باقيهما للزوج وإن قبل الزوج أولا عتق عليه الحمل كله نصيبه بالملك وباقيه بالسراية وقوم عليه ثم إذا قبل الابن عتقت عليه الأم كلها ويتقاصان ويرد كل واحد منهما الفضل على صاحبه ومن قال في الوصية إن الملك لا يثبت فيها بالموت فالحكم فيه كما لو قبلاها دفعة واحدة

فصل وإذا كان لرجل نصف عبدين متساويين في القيمة لا يملك غيرهما فأعتق أحدهما في صحته عتق وسرى إلى نصيب شريكه لأنه موسر بالنصف الذي له من العبد الآخر فإن أعتق النصف الآخر من العبد الآخر عتق لأن وجوب القيمة في ذمته لا يمنع صحة عتقه ولم يسر لأنه معسر وإن أعتق الأول في مرض موته لم يسر لأنه إنما ينفذ عتقه في ثلث ماله وثلث ماله هو الثلث من العبد الذي أعتق نصفه فإذا أعتق الثاني وقف على إجازة الورثة وإن أعتق الأول في صحته وأعتق الثاني في مرضه لم ينفذ عتق الثاني لأن عليه دينا استغرق قيمته فيمنع صحة عتقه إلا أن يجيز الورثة

فصل إذا شهد شاهدان على رجل أنه أعتق شركا له في عهد فسرى إلى نصيب الشريك وغرم له قيمة نصيبه ثم رجعا عن الشهادة غرما قيمة العبد جميعه

وقال بعض أصحاب الشافعي تلزمهما غرامة نصيبه دون نصيب شريكه لأنهما لم يشهدا إلا بعتق نصيبه فلم تلزمهما غرامة ما سواه

ولنا إنهما فوتا عليه نصيبه وقيمة نصيب شريكه فلزمهما ضمانه كما لو فوتاه بفعلهما وكما لو شهدا عليه بجرح ثم سرى الجرح ومات المجروح فضمن الدية ثم رجعا عن شهادتهما


297

فصل وإن شهد شاهدان على ميت بعتق عبد في مرض موته وهو ثلث ماله فحكم حاكم بشهادتهما وعتق العبد ثم شهد آخران بعتق آخر هو ثلث ماله ثم رجع الأولان عن الشهادة نظرنا في تاريخ شهادتهما فإن كان سابقة ولم تكذب الورثة رجوعهما عتق الأول ولم يقبل رجوعهما ولم يغرما شيئا ويحتمل أن يلزمهما شراء الثاني وإعتاقه لأنهما منعا عتقه بشهادتهما المرجوع عنها وإن صدقوهما في رجوعهما وكذبوهما في شهادتهما عتق الثاني ورجعوا عليهما بقيمة الأول لأنهما فوتا رقه عليهم بشهادتهم المرجوع عنها وإن كان تاريخها متأخرا عن الشهادة الأخرى بطل عتق المحكوم له بعتقه لأننا تبينا أن الميت قد أعتق ثلث ماله قبل إعتاقه ولم يغرم الشاهدان شيئا لأنهما ما فوتا شيئا وإن كانتا مطلقتين أو إحداهما أو أنفق تاريخهما أقرع بينهما فإن خرجت على الثاني عتق وبطل عتق الأول ولا شيء على الشاهدين لأن الأول باق على الرق وإن خرجت قرعة الأول عتق ونظرنا في الورثة فإن كذبوا الشاهدين الأولين في شهادتهما عتق الثاني ورجعوا على الشاهدين بقيمة الأول لأنهما فوتا رقه بغير حق فإن كذبوهما في رجوعهما لم يرجعوا عليهما بشيء لأنهم يقرون بعتق المحكوم بعتقه

مسألة

قال ( وإذا كان له ثلاثة أعبد فأعتقهم في مرض موته أو دبرهم أو دبر أحدهم وأوصى بعتق الآخرين ولم يخرج من ثلثه إلا واحد لتساوي قيمتهم أقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رق فمن وقع له سهم الحرية عتق دون صاحبيه )

وجملة ذلك أن العتق في مرض الموت والتدبير والوصية بالعتق يعتبر خروجه من الثلث لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجز من عتق الذي أعتق ستة مملوكين في مرضه إلا ثلثهم ولأنه تبرع بمال أشبه الهبة فإن أعتق أكثر من الثلث لم يجز إلا الثلث

فإن أعتق عبيدا في مرضه واحدا بعد واحد بدىء بالأول فالأول حتى يستوفي الثلث

وإن وقع العتق دفعة واحدة ولم يخرجوا من الثلث أقرع بينهم فأخرج الثلث بالقرعة

ومسألة الخرقي فميا إذا وقع العتق دفعة واحدة ولم يكن له مال سواهم

وأما إن دبرهم استوى المقدم والمؤخر منهم لأن التدبير عتق معلق بشرط وهو الموت والشرط إذا وجد ثبت المشروط به في وقت واحد وكذلك الموصى بعتقه يستوي هو والتدبير لأن الجميع عتق بعد الموت فمتى أعتق ثلاثة أعبد متساويين في القيمة هم جميع ماله دفعة واحدة أو دبرهم أو وصى بعتقهم أو دبر بعضهم ووصى بعتق باقيهم ولم يجز الورثة أكثر من الثلث أقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رق فمن خرج له سهم الحرية عتق ورق صاحباه وبهذا قال عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان ومالك والشافعي وإسحاق وداود وابن جرير

وقالأبو حنيفة يعتق من كل واحد ثلثه ويستسعى في باقيه وروي نحو هذا عن سعيد بن المسيب وشريح والشعبي والنخعي وقتادة وحماد لأنهم تساووا في سبب الاستحقاق فيتساوون في الاستحقاق كما لو كان يملك ثلثهم وحده وهو ثلث ماله أو كما لو وصى بكل واحد منهم لرجل وأنكر أصحاب أبي حنيفة القرعة وقالوا هي من القمار وحكم الجاهلية ولعلهم يردون الخبر الوارد في هذه المسألة لمخالفته قياس الأصول


298

وذكر الحديث لحماد فقال هذا قول الشيخ يعني إبليس فقال له محمد بن ذكوان وضع القلم عن ثلاثة أحدهم المجنون حتى يفيق يعني أنه مجنون فقال له حماد ما دعاك إلى هذا فقال محمد وأنت فما دعاك إلى هذا وهذا قليل في جواب حماد وكان حريا أن يستتاب عن هذا فإن تاب وإلا ضربت عنقه

ولنا ما روى عمران بن حصين أن رجلا من الأنصار أعتق ستة مملوكين في مرضه لا مال له غيرهم فجزأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة

وهذا نص في محل النزاع وحجة لنا في الأمرين المختلف فيهما وهما جمع الحرية واستعمال القرعة وهو حديث صحيح ثابت رواه مسلم وأبو داود وسائر أصحاب السنن

ورواه عن عمران بن حصين والحسن وابن سيرين وأبو المهلب ثلاثة أئمة

ورواه الإمام أحمد عن إسحاق بن عيسى عن هشيم عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي زيد الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم

قال أحمد أبو زيد الأنصاري رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وروي نحوه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم

ولأنه حق في تفريقه ضرر فوجب جمعه بالقرعة كقسمة الإجبار إذا طلبها أحد الشريكين ونظيره من القسمة ما لو كانت دار بين اثنين لأحدهما ثلثها وللآخر ثلثاها وفيها ثلاثة مساكن متساوية لا ضرر في قسمتها فطلب أحدهما القسمة فإنه يجعل كل بيت سهما ويقرع بينهم بثلاثة أسهم لصاحب الثلث سهم وللآخر سهمان

وقولهم إن الخبر يخالف قياس الأصول نمنع ذلك بل هو موافق له لما ذكرناه وقياسهم فاسد لأنه إذا كان ملكه ثلثهم وحده لم يكن جمع نصيبه والوصية لا ضرر في تفريقها بخلاف مسألتنا

وإن سلمنا مخالفته قياس الأصول فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم واجب الاتباع سواء وافق القياس أو خالفه لأنه قول المعصوم الذي جعل الله تعالى قوله حجة على الخلق أجمعين وأمرنا باتباعه وطاعته وحذر العقاب في مخالفة أمره وجعل الفوز في طاعته والضلال في معصيته

وتطرق الخطأ إلى القائس في قياسه أغلب من تطرق الخطأ إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة بعدهم في روايتهم على أنهم قد خالفوا قياس الأصول بأحاديث ضعيفة فأوجبوا الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر ونقضوا الوضوء بالقهقهة في الصلاة دون خارجها

وقولهم في مسألتنا في مخالفة القياس والأصول أشد وأعظم والضرر في مذهبهم أعظم وذلك لأن الإجماع منعقد على أن صاحب الثلث في الوصية وما في معناها لا يحصل له شيء حتى يحصل للورثة مثلاه

وفي مسألتنا يعتقون الثلث ويستسعون العبد في الثلثين فلا يحصل للورثة شيء في الحال أصلا ويحيلونهم على السعاية وربما لا يحصل منها شيء أصلا وربما لا يحصل منها في الشهر إلا درهم أو درهمان فيكون هذا في حكم من لم يحصل له شيء وفيه ضرر على العبيد لأنهم يجبرونهم على الكسب والسعاية عن غير اختيار منهم وربما كان المجبر على ذلك جارية فيحملها ذلك على البغاء أو عبدا فيسرق أو يقطع الطريق وفيه ضرر على الميت حيث أفضوا بوصيته إلى الظلم والإضرار وتحقيق ما يوجب له العقاب من ربه والدعاء عليه من عبيده وورثته وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكرناه في حق الذي فعل هذا قال لو شهدته لم يدفن في مقابر المسلمين


299

قال ابن عبد البر في قول الكوفيين ضروب من الخطأ والاضطراب مع مخالفة السنة الثابتة وأشار إلى ما ذكرناه وأما إنكارهم للقرعة فقد جاءت في الكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم آل عمران 44 وقال تعالى فساهم فكان من المدحضين الصافات 141 وأما السنة فقال أحمد في القرعة خمس سنن أقرع بين نسائه وأقرع في ستة مملوكين وقال لرجلين استهما وقال مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة وقال لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه وفي حديث الزبير أن صفية جاءت بثوبين ليكفن فيهما حمزة رضي الله عنه فوجدنا إلى جنبه قتيلا فقلنا لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب فوجدنا أحد الثوبين أوسع من الآخر فأقرعنا عليهما ثم كفنا كل واحد في الثوب الذي صار له وتشاح الناس يوم القادسية في الأذان فأقرع بينهم سعد وأجمع العلماء على استعمالها في القسمة ولا أعلم بينهم خلافا في أن الرجل يقرع بين نسائه إذا أراد السفر بإحداهن وإذا أراد البداية بالقسمة بينهن وبين الأولياء إذا تساووا وتشاحوا فيمن يتولى التزويج أو من يتولى استيفاء القصاص وأشباه هذا

فصل في كيفية القرعة قال أحمد قال سعيد بن جبير يقرع بينهم بالخواتيم أقرع بين اثنين في ثوب فأخرج خاتم هذا وخاتم هذا ثم قال يخرجون بالخواتيم ثم تدفع إلى رجل فيخرج منها واحدا قال أحمد بأي شيء خرجت مما يتفقان عليه وقع الحكم به سواء كان رقاعا أو خواتيم قال أصحابنا المتأخرون الأولى أن يقطع رقاعا صغارا متساوية ثم تلقى في حجر رجل لم يحضر أو يغطي عليها بثوب ثم يقال له أدخل يدك فأخرج بندقية فينفضها ويعلم ما فيها وهذا قول الشافعي وفي كيفية القرعة والعتق ست مسائل

أحدها أن يعتق عددا من العبيد لهم ثلث صحيح كثلاثة أو ستة أو تسعة وقيمتهم متساوية ولا مال له غيرهم فيخرجون ثلاثة أجزاء جزءا للحرية وجزأين للرق وتكتب ثلاث رقاع في واحدة حرية وفي اثنين رق ويترك في ثلاثة بنادق وتغطى بثوب ويقال لرجل لم يحضر اخرج على اسم هذا الجزء فإن خرجت قرعة الحرية عتق ورق الجزآن الآخران وإن خرجت قرعة رق رق وأخرجت أخرى على جزء آخر فإن خرجت رقعت الحرية عتق ورق الجزء الثالث وإن خرجت قرعة الرق رق وعتق الجزء الثالث لأن الحرية تعينت فيهم وإن شئت كتبت اسم كل جزء في رقعة ثم أخرجت رقعة على الحرية فإذا خرجت رقعة على الحرية عتق المسمون فيها ورق الباقون وإن خرجت رقعة على الرق رق المسمون فيها ثم تخرج أخرى على الرق فيرق المسمون فيها ويعتق الجزء الثالث وإن أخرجت الثانية على الحرية عتق المسمون فيها دون الثالث

المسألة الثانية أن تمكن قسمتهم أثلاثا وقيمتهم مختلفة يمكن تعديلهم بالقيمة كستة قيمة منهم


300

اثنين منهم ثلاثة آلاف وقيمة اثنين ألفان وقيمة اثنين ألف ألف فيجعل الاثنين الأوسطين جزءا ويجعل اثنين قيمة أحدهما ثلاثة آلاف مع الآخر قيمته ألف جزءا والآخران جزء فيكونون ثلاثة أجزاء متساوية في العدد والقيمة على ما قدمناه في المسألة الأولى قيل لأحمد لم يستووا في القيمة قال يقومون بالثمن

المسألة الثالثة يكونون متساوين في العدد مختلفين في القيمة ولا يمكن الجمع بين تعديلهم بالعدد والقيمة معا ولكن يمكن تعديلهم بكل واحد منهما منفردا كستة أعبد قيمة أحدهم ألف وقيمة اثنين ألف وقيمة ثلاثة ألف فإنهم يعدلون بالقيمة دون العدد نص عليه أحمد

وقال إذا كانت قيمة واحد مثل اثنين قوم لأنه لا يجوز أن يقع العتق في أكثر من الثلث ولا أقل وفي قسمتهم بالعدد تكرار القرعة وتبعيض العتق حتى يكمل الثلث فكان التعديل بالقيمة أولى بيان ذلك أننا لو جعلنا الذي قيمته ألف آخر فخرجت قرعة الحرية لهما احتجنا أن نعيد القرعة بينهما فإذا خرجت على القليل القيمة عتق وأعتق من الذي قيمته ألف تمام الثلث

وإن وقعت قرعة الحرية على اثنين قيمتهما دون الثلث عتقا ثم أعيدت لتكميل الثلث فإذا وقعت على واحد كملت الحرية منه فحصل ما ذكرناه من التبعيض والتكرار ولأن قسمتهم بين المشتركين فيهم إنما يعدلون فيها بالقيمة دون الأجزاء فعلى هذا يجعل الذي قيمته ألف جزءا والاثنين اللذين قيمتهما ألف جزءا والثلاثة الباقين جزءا ثم يقرع بينهم على ما ذكرنا

المسألة الرابعة أمكن تعديلهم بالقيمة دون العدد كسبعة قيمة أحدهم ألف وقيمة اثنين ألف وقيمة أربعة ألف فيعدلون بالقيمة دون العدد كما ذكرنا

المسألة الخامسة أمكن تعديلهم بالعدد دون القيمة كستة أعبد قيمة اثنين ألف وقيمة اثنين سبعمائة وقيمة اثنين خمسمائة فها هنا نجزئهم بالعدد لتعذر تجزئتهم بالقيمة فيجعل كل اثنين جزءا ويضم كل واحد ممن قيمتهما قليلة إلى واحد ممن قيمتهما كثيرة ويجعل المتوسطين جزءا ويقرع بينهم فإن وقعت قرعة الحرية على جزء قيمته أكثر من الثلث أعيدت القرعة بينهما فيعتق من تقع له قرعة الحرية ويعتق من الآخر تتمة الثلث ورق باقيه والباقون وإن وقعت الحرية على جزء أقل من الثلث عتقا جميعا ثم يكمل الثلث من الباقين بالقرعة

المسألة السادسة لم يكن تعديلهم بالعدد ولا القيمة كخمسة أعبد قيمة أحدهم ألف واثنان ألف واثنان ثلاثة آلاف احتمل أن يجزئهم ثلاثة أجزاء فيجعل أحدهم أكثرهم قيمة جزءا ويضم إلى الثاني كثير القيمة أقل الباقين قيمة ويجعلهما جزءا والباقين جزءا ويقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رق لأن هذا أقرب إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ويعدل الثلث بالقيمة على ما تقدم واحتمل أن لا يجزئهم بل تخرج القرعة على واحد واحد حتى يستوفي الثلث فيكتب خمس رقاع بأسمائهم ثم يخرج رقعة على الحرية فمن خرج اسمه فيها عتق ثم يخرج الثانية فمن خرج اسمه فيها عتق منه تمام الثلث وإن كانوا ثمانية قيمتهم سواء ففيهم ثلاثة أوجه


301

أحدها أن يكتب ثمانية رقاع بأسمائهم ثم يخرج على الحرية رقعة بعد أخرى حتى يستوفي الثلث

والثاني أن يجزئهم أربعة أجزاء ثم يقرع بينهم سهم حرية وثلاثة رق فمن خرج له سهم الحرية عتق ثم يقرع بين الستة بسهم حرية وسهمي رق فمن خرج له سهم الحرية أعيدت بينهما فمن خرج له سهم الحرية كمل الثلث منه

والثالث أن يجزئهم ثلاثة أجزاء ثلاثة وثلاثة واثنان ويقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رق فإن خرج سهم الحرية للاثنين عتقا وكمل الثلث بالقرعة من الباقين وإن خرجت لثلاثة أقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رق ذكر هذين الوجهين الآخرين أبو الخطاب وروي عن أحمد في خمسة أو أربعة يجعل أكثرهم قيمة مكان اثنين إن كانا قيمته وإلا أقرع بين ثلاثة قيمتهم واحدة ثم يقرع بين الذي بقي والذي تصيبه القرعة ينظر ما بقي من قيمته من الثلث فيعتق حصته فإن كان جميع ماله عبدين أقرعنا بينهما بسهم حرية وسهم رق على كل حال

فصل وإن كان للمعتق مال غير العبد مثلا قيمة العبيد أو أكثر عتق العبيد كلهم لخروجهم من الثلث وإن كان أقل من مثليهم عتق من العبد قدر ثلث المال كله فإذا كان العبيد كلهم نصف المال عتق ثلثاهم وإن كانا ثلثي المال عتق نصفهم وإن كانوا ثلاثة أرباعه عتق أربعة أتساعهم وطريقه أن تضرب قيمة العبد في ثلاثة ثم تنسب إليه مبلغ التركة فما خرج بالنسبة عتق من العبيد مثلها فإذا كان قيمة العبد ألفا وباقي التركة ألف ضربت قيمة العبد في ثلاثة تكن ثلاثة آلاف ثم تنسب إليها الألفين تكن ثلثيها فيعتق ثلثاهم وإن كان قيمة العبد ثلاثة آلاف وباقي التركة ألف ضربت قيمتهم في ثلاثة تكن تسعة آلاف وتنسب إليها التركة كلها تكن أربعة أتساعها وإن كان قيمتهم أربعة آلاف وباقي التركة ألف ضربت قيمتهم في ثلاثة تكن اثني عشر ألفا ونسبت إليها خمسة آلاف تكن ربعها وسدسها فيعتق من العبيد ربعهم وسدسهم

فصل وإن كان على الميت دين يحيط بالتركة لم يعتق منهم شيء وإن كان يحيط ببعضها قدم الدين لأن العتق وصية وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدين قبل الوصية ولأن قضاء الدين واجب وهذا تبرع وتقديم الواجب متعين وإن كان الدين بقدر نصف العبيد جعلوا جزأين وكتبت رقعتان رقعة للدين ورقعة للتركة وتخرج واحدة منهما على أحد الجزأين فمن خرجت عليه رقعة الدين بيع فيه وكان الباقي من جميع التركة يعتق ثلثهم بالقرعة على ما تقدم وإن كان الدين بقدر ثلثهم كتبت ثلاث رقاع رقعة للدين واثنتان للتركة وإن كان بقدر ربعهم كتب أربع رقاع رقعة للدين وثلاثة للتركة ثم يقرع بين من خرجت له رقاع التركة وإن كتب رقعة للدين ورقعة للحرية ورقعتان للتركة جاز وقيل لا يجوز لئلا تخرج رقعة الحرية قبل قضاء الدين والأول أصح لأنه إنما يمنع من العتق قبل قضاء الدين إذا لم يكن له وفاء فأما إذا كان له وفاء لم يمنع منه بدليل ما لو كان العتق في أقل من ثلث الباقي بعد وفاء الدين فإنه لا يمنع من العتق قبل وفائه


302

فصل وإذا أعتق في مرض موته ثلاثة لا يملك غيرهم أو واحدا منهم غير معين فمات أحدهم أقرعنا بين الميت والأحياء فإن وقعت على الميت حسبناه من التركة وقومناه حين الإعتاق سواء مات في حياة سيده أو بعده قبل القرعة وبهذا قال الشافعي وقال مالك إن مات قبل موت سيده أقرعنا بين الحيين لأنهما جميع التركة ولهذا لا يعتق إلا ثلثهما ولا يعتبر الميت لأنه ليس بمحسوب من التركة ولأنه لو أعتق الحيين بعد موته لأعتقنا ثلثهما

ولنا إن الميت أحد المعتقين فوجب أن يقرع بينه وبينهم كما لو مات بعد سيده ولأن المقصود تكميل الأحكام وحصول ثواب العتق ويحصل هذا في الميت فوجب أن يدخل في القرعة كما لو مات بعد سيده فأما إن وقعت القرعة على الحي نظرنا في الحي فإن كان الميت مات قبل موت السيد أو بعده قبل قبض الوارث له لم نحسبه من التركة لأنه لم يصل إلى الوارث فتكون التركة الحيين فيخرج ثلثهما ممن وقعت عليه القرعة وتعتبر قيمته حين الإعتاق

لأنه حين إتلافه وتعتبر قيمة التركة بأقل الأمرين من حين الموت إلى حين قبض الوارث لأن الزيادة فائدة تجددت على ملك الوارث فلا تحسب عليه من التركة والنقصان قبل القبض لم يحصل له ولم ينتفع به فأشبه الشارد والآبق وإنما يحسب عليه ما حصل في يده ولا يحسب الميت من التركة لأنه ما وصل إلى الورثة فيكمل ثلث الحيين ممن وقعت عليه القرعة وإن كان موته بعد قبض الورثة حسب من التركة لأنه وصل إليهم وجعلناه كالحي في تقويمه معهم والحكم بإعتاقه إن وقعت عليه القرعة أو من الثلثين إن وقعت القرعة على غيره وتحسب قيمته أقل الأمرين من حين موت سيده إلى حين قبضه ونحو هذا قال الشافعي

فصل وإن دبر الثلاثة أو وصى بعتقهم فمات أحدهم في حياته بطل تدبيره والوصية فيه وأقرع بين الحيين فأعتق من أحدهما ثلثهما لأن الميت لا يمكن الحكم بوقوع العتق فيه لكونه مات قبل الوقت الذي يعتق فيه وقبل أن يتحقق شرط العتق بخلاف التي قبلها فإن العتق حصل من حين الإعتاق وإنماء القرعة تبينه وتكشفه ولهذا يحكم بعتقه من حين الإعتاق حتى يكون كسبه له وحكمه حكم الأحرار في سائر أحواله وإن مات المدبر بعد موت سيده أقرع بينه وبين الأحياء لأنه قد حصل العتق من حين موت السيد

مسألة

قال ( ولو قال لهم في مرض موته أحدكم حر أو كلكم حر ومات فكذلك )

أما إذا قال لهم كلكم حر فهي المسألة التي تقدمت وشرحناها وأما إذا قال أحدكم حر فإنه يقرع بينهم فيخرج أحدهم بالقرعة فيعتق ويرق الباقون وسواء كان للميت مال سواهم أو لم يكن إذا كان يخرج من الثلث وإن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث ولو كان المعتق حيا ولم ينو واحدا بعينه لم يكن له التعيين وأعتق أحدهم بالقرعة وإن قال أردت واحدا منهم بعينه لم يقبل منه وتعينت الحرية فيه وقال أبو حنيفة والشافعي له تعيين أحدهم فيعتق من عينه وإن لم يكن نواه حالة القول ويطالب المعتق


303

بالتعيين فإذا عين أحدهم تعين حسب اختياره ولم يكن لسائر العبيد الاعتراض عليه

لأن له تعيين العتق ابتداء فإذا أوقعه غير معين كان له تعيينه كالطلاق

ولنا إن مستحق العتق غير معين فلم يملك تعيينه كما لو أعتق الجميع في مرضه ولم يخرجوا من الثلث وكما لو أعتق معينا ثم نسيه والطلاق كمسألتنا فأما إن مات المعتق ولم يعين فالحكم عندنا لا يختلف وليس للورثة التعيين بل يخرج المعتق بالقرعة وقد نص الشافعي على هذا إذا قالوا لا ندري أيهم أعتق وقال أبو حنيفة لهم التعيين لأنهم يقومون مقام موروثهم وقد سبق الكلام في المعتق

فصل ولو أعتق إحدى إمائه ثم وطىء إحداهن لم يتعين الرق فيها وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي يتعين الرق فيها لأن الحرية عنده تتعين بتعيينه ووطؤه دليل على تعيينه وقد سبق الكلام على هذا الأصل ولأن المعتقة واحدة فلم تتعين بالوطء كما لو أعتق واحدة ثم نسيها

فصل وإذا أعتق واحدا بعينه ونسيه فقياس قول أحمد أن يعتق أحدهم بالقرعة وهذا قول الليث وقال الشافعي يقف الأمر حتى يذكر فإن مات قبل أن يتبين أقرع الورثة بينهم وقال ابن وهب يعتقون كلهم

وقال مالك إن أعتق عبدا له ومات ولم يبين فكانوا ثلاثة عتق منهم بقدر ثلثهم وإن كانوا أربعة عتق منهم بقدر ربع قيمتهم وعلى هذا فيقرع بينهم فإن خرجت القرعة على من قيمته أقل من الربع أعيدت القرعة حتى تكمل

وقال أصحاب الرأي إن قال الشهود نشهد أن فلانا أعتق أحد عبيده ولم يسم عتق ثلث كل واحد منهم وسعى في باقيه أو ربع كل واحد منهم إن كانوا أربعة وإن قالوا نشهد أن فلانا أعتق بعض عبيده ونسيناه فشهادتهم باطلة ونحو هذا قول الشعبي والأوزاعي ولم يذكرا ما ذكره أصحاب الرأي في الشهادة

ولنا إن مستحق العتق غير مبين فأشبه ما لو أعتق جميعهم في مرض موته فإن أقرع بينهم فخرجت القرعة لواحد ثم قال المعتق ذكرت أن المعتق غيره ففيه وجهان أحدهما يرد الأول إلى الرق ويعتق الذي عينه لأنه تبين له المعتق فعتق دون غيره كما لو لم يقرع

والثاني يعتقان معا وهو قول الليث ومقتضى قول ابن حامد لأن الأول ثبتت الحرية فيه بالقرعة فلا تزول كسائر الأحرار ولأن قول المعتق ذكرت من كنت نسيته يتضمن إقرارا عليه بحرية من ذكره وإقرارا على غيره فقبل إقراره على نفسه ولم يقبل على غيره وأما إذا لم يقرع فإنه يقبل قوله فيعتق من عينه ويرق غيره فإذا قال أعتقت هذا عتق ورق الباقون وإن قال أعتقت هذا لا بل هذا عتق جميعا لأنه أقر بعتق الأول فلزمه ثم أقر بعتق الثاني فلزمه ولم يقبل رجوعه عن إقراره الأول فكذلك الحكم في إقرار الوارث

مسألة

قال ( وإذا ملك نصف عبد فدبره أو أعتقه في مرض موته فعتق بموته وكان


304

ثلث ماله يفي بقيمة النصف الذي لشريكه أعطي وكان كله حرا في إحدى الروايتين والأخرى لا يعتق إلا حصته وإن حمل ثلث ماله قيمة حصة شريكه )

وجملته أنه إذا ملك شقصا من عبد فأعتقه في مرض موته أو دبره أو وصى بعتقه ثم مات ولم يف ثلث ماله بقيمة نصيب الشريك لم يعتق إلا نصيبه فلا خلاف نعلمه بين أهل العلم إلا قولا شاذا أو قول من يرى السعاية وذلك أنه ليس له من ماله إلا الثلث الذي استغرقته قيمة الشقص فيبقى معسرا بمنزلة من أعتق في صحته شقصا وهو معسر فأما إن كان ثلث ماله يفي بقيمة حصة شريكه ففيه روايتان إحداهما يسري إلى نصيب الشريك فيعتق العبد جميعه ويعطي الشريك قيمة نصيبه من ثلثه لأن ثلث المال للمعتق والملك فيه تام وله التصرف فيه بالتبرع والإعتاق وغيره فجرى مجرى مال الصحيح فيسري عتقه كسراية عتق الصحيح الموسر

والرواية الثانية لا يعتق إلا حصته لأنه بموته يزول ملكه إلى ورثته فلا يبقى شيء يقضي منه الشريك وبهذا قالالأوزاعي لأن الميت لا يضار

وقال القاضي ما أعتقه في مرض موته سرى وما دبره أو وصى بعتقه لم يسر وقال الرواية في سراية العتق حال الحياة أصح والرواية في وقوفه في التدبير أصح وهذا مذهب الشافعي لأن العتق في الحياة ينفذ في حال ملك المعتق وصحة تصرفه وتصرفه في ثلثه كتصرف الصحيح في جميع ماله وأما التدبير والوصية فإنما يحصل العتق به في حال يزول ملك المعتق وتصرفاته والله أعلم

مسألة

قال ( وكذلك الحكم إذا دبر بعضه وهو مالك لكله )

وجملته أنه إذا دبر بعض عبده وهو أن يقول إذا مت فنصف عبدي حر ثم مات فإن كان النصف المدبر ثلث ماله من غير زيادة ولم يسر لأنه لو دبره كله لم يعتق منه إلا ثلثه فإذا لم يدبر إلا ثلثه كان أولى وإن كان العبد كله يخرج من الثلث ففي تكميل الحرية روايتان إحداهما تكمل وهو قول أكثر الفقهاء لأن أبا حنيفة وأصحابه يرون التدبير كالإعتاق في السراية

وهو أحد قولي الشافعي لأنه إعتاق لبعض عبده فعتق جميعه كما لو أعتقه في حياته

والرواية الثانية لا يكمل العتق فيه لأنه لا يمنع جواز البيع فلا يسري كتعليقه بالصفة

فصل فإما إن أعتق بعض عبده في مرضه فهو كعتق جميعه إن خرج من الثلث عتق جميعه وإلا عتق منه بقدر الثلث لأن الإعتاق في المرض كالإعتاق في الصحة إلا في اعتباره من الثلث وتصرف المريض في ثلثه في حق الأجنبي كتصرف الصحيح في جميع ماله كما لو أعتق شركا له في عبدل وثلثه يحتمل جميعه وعنه لا يعتق منه إلا ما عتق

فصل وإذا دبر أحد الشريكين حصته صح ولم يلزمه في الحال لشريكه شيء وهذا قول الشافعي فإذا مات عتق الجزء الذي دبره إذا خرج من ثلث ماله وفي سرايته إلى نصيب الشريك ما ذكرنا


305

في المسألة وقبلها وقال مالك إذا دبر نصيبه تقاوماه فإن صار للمدبر صار مدبرا كله وإن صار للآخر صار رقيقا كله

وقال الليث يغرم المدبر لشريكه قيمة نصيبه ويصير العبد كله مدبرا فإن لم يكن له مال سعى العبد في قيمة نصيب الشريك فإذا أداها صار مدبرا كله وقال أبو يوسف ومحمد يضمن المدبر للشريك قيمة حقه موسرا كان أو معسرا ويصير المدبر له

وقالأبو حنيفة الشريك بالخيار إن شاء دبر وإن شاء أعتق وإن شاء استسعى العبد وإن شاء ضمن صاحبه وإن كان موسرا

ولنا إنه تعليق للعتق على صفة فصح في نصيبه كما لو علقه بموت شريكه

فصل مسألة قال ولو أعتقهم وثلثه يحتملهم فأعتقناهم ثم ظهر عليه دين يستغرقهم بعناهم في دينه )

وجملته أن المريض إذا أعتق عبيده في المرض أو دبرهم أو وصى بعتقهم ومات ثم ظهر عليه دين وهم يخرجون من ثلثه في الظاهر فأعتقناهم ثم ظهر عليه دين يستغرق التركة تبينا بطلان عتقهم وبقاء رقهم فيباعون في الدين ويكون عتقهم وصية والدين مقدم على الوصية ولهذا قال علي رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الدين قبل الوصية ولأن الدين مقدم على الميراث بالاتفاق ولهذا تباع التركة في قضاء الدين وقد قال الله تعالى من بعد وصية يوصين بها أو دين النساء 12 والميراث مقدم على الوصية في الثلثين فما تقدم على الميراث يجب أن يقدم على الوصية وبهذا قال الشافعي ورد ابن أبي ليلى عبدا أعتقه سيده عند الموت وعليه دين قال أحمد أحسن ابن أبي ليلى

وذكر أبو الخطاب عن أحمد رواية في الذي يعتق عبده في مرضه وعليه دين أنه يعتق منه بقدر الثلث ويرد الباقي

وقال قتادة وأبو حنيفة وإسحاق يسعى العبد في قيمته

ولنا إنه تبرع في مرض موته بما يعتبر خروجه من الثلث فقدم عليه الدين كالهبة ولأنه يعتبر من الثلث فقدم عليه الدين كالوصية وخفاء الدين لا يمنع ثبوت حكمه ولهذا يملك الغريم استيفاءه فعلى هذا تبين أنه أعتقهم وقد استحقهم الغريم بدينه فلم ينفذ عتقه كما لو أعتق ملك غيره فإن قال الورثة نحن نقضي الدين ونمضي العتق ففيه وجهان أحدهما لا ينفذ حتى يبتدئوا العتق لأن الدين كان مانعا منه فيكون باطلا ولا يصح بزوال المانع بعده

والثاني ينفذ العتق لأن المانع منه إنما هو الدين فإذا سقط وجب نفوذه كما لو أسقط الورثة حقوقهم


306

من ثلثي التركة نفذ العتق في الجميع

ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين وقالوا إن أصل الوجهين إذا تصرف الورثة في التركة ببيع أو غيره وعلى الميت دين وقضى الدين هل ينفذ فيه وجهان

فصل فإن أعتق المريض ثلاثة أعبد لا مال له غيرهم فأقرع الورثة فأعتقوا واحدا وأرقوا اثنين ثم ظهر عليه دين يستغرق نصفهم ففيه وجهان أحدهما تبطل القرعة لأن الدين شريك في الإقراع فإذا حصلت القسمة مع عدمه كانت باطلة كما لو قسم شريكان دون شريكهما الثالث

الثاني يصح الإقراع لأنه لا يمكن إمضاء القسمة وإفراد حصة الدين من كل واحد من النصيبين لأن القرعة دخلت لأجل العتق دون الدين فيقال للورثة اقضوا ثلثي الدين وهو بقدر قيمة نصف العبدين اللذين بقيا إما من العبيد وإما من غيرهم ويجب رد نصف العبد الذي عتق إذا كان الذي أعتق عبدين أقرعنا بينهما فإذا خرجت القرعة على أحدهما فكان بقدر سدس التركة عتق وبيع الآخر في الدين وإن كان أكثر عتق منه بقدر السدس وإن كان أقل عتق وعتق من الآخر تمام السدس

مسألة

قال ( ولو أعتقهم وهم ثلاثة فأعتقنا منهم واحدا لعجز ثلثه عن أكثر منه ثم ظهر له مال يخرجون من ثلثه عتق من أرق منهم )

وجملته أنه إذا أعتق ثلاثة في مرضه لم يعرف له مال غيرهم أو دبرهم أو وصى بعتقهم لم يعتق منهم إلا ثلثهم ويرق الثلثان إذا لم يجز الورثة عتقهم فإذا فعلنا ذلك ثم ظهر له مال بقدر مثليهم تبينا أنهم قد عتقوا من حين أعتقهم أو من حين موته إن كان دبرهم لأن التدبير وتصرف المريض في ثلث ماله جائز نافذ وقد بان أنهم ثلث ماله وخفاء ذلك علينا لا يمنع كونه موجودا فلا يمنع كون العتق واقعا

فعلى هذا يكون حكمهم حكم الأحرار من حين أعتقهم فيكون كسبهم لهم وإن كانوا قد تصرف فيهم ببيع أو هبة أو رهن أو تزويج بغير إذن كان ذلك باطلا وإن كانوا قد تصرفوا فحكم تصرفهم حكم تصرف الأحرار فلو تزوج عبد منهم بغير إذن سيده كان نكاحه صحيحا والمهر عليه واجب وإن ظهر له مال بقدر قيمتهم عتق ثلثاهم لأنهما ثلث جميع المال فيقرع بين الاثنين اللذين أوقفناهما فيعتق أحدهما ويرق الآخر إن كانا متساويين في القيمة وإن ظهر له مال بقدر نصفهم عتق نصفهم وإن كان بقدر ثلثهم عتق أربعة أتساعهم وكلما ظهر له مال عتق من العبدين اللذين رقا بقدر ثلثه

فصل وإذا وصى بعتق عبد له يخرج من ثلثه وجب على الوصي إعتاقه فإن أوصى بذلك ورثته لزمهم إعتاقه فإن امتنعوا أجبرهم السلطان فإن أصروا على الامتناع أعتقه السلطان أو من ينوب منابه كالحاكم لأن هذا حق الله تعالى وللعبد ومن وجب عليه ذلك ناب السلطان عنه أو نائبه كالزكاة والديون فإذا أعتقه الوارث أو السلطان عتق وما اكتسبه في حياة الموصي فهو للموصي يكون من جملة تركته إن بقي بعده لأنه كسب عبده القن وما كسبه بعد موته وقبل إعتاقه فهو للوارث

وقال القاضي هو للعبد


307

لأنه كسبه بعد استقرار سبب العتق فيه فكان له ككسب المكاتب وقال بعض أصحاب الشافعي فيه قولان مبنيان على القولين في كسب العبد الموصى به قبل قبول الوصية

ولنا إنه عبد قن فكان كسبه للورثة كغير الموصى بعتقه وكالمعلق عتقه بصفة وفارق المكاتب فإنه يملك كسبه قبل عتقه فكذلك بعده

ويبطل ما ذكروه بأم الولد فإن عتقها قد استقر سببه في حياة سيدها وكسبها له

والموصى به لا نسلمه وإن سلمناه فالفرق بينهما أن الموصى به قد تحقق فيه سبب الملك وإنما وقف على شرط هو القبول فإذا وجد الشرط استند الحكم إلى ابتداء السبب وفي الوصية وبالعتق ما وجد السبب وإنما أوصى بإيجاده وهو العتق فإذا وجد لم يجز أن يثبت حكمه سابقا عليه

ولهذا يملك الموصى له أن يقبل بنفسه وها هنا لا يملك العبد أن يعتق نفسه

وإن مات العبد بعد تمام موت سيده وقبل إعتاقه فما كسبه للورثة على قولنا ولا أعلم قول من خالفنا فيه

فصل فإن علق عتق عبده على شرط في صحته فوجد في مرضه اعتبر خروجه من الثلث قالهأبو بكر قال وقد نص أحمد على مثل هذا في الطلاق

وقال أبو الخطاب فيه وجه آخر أنه يعتق من رأس المال وهو مذهب الشافعي لأنه لا يتهم فيه فأشبه العتق في صحته

ولنا إنه عتق في حال تعلق حق الورثة بثلثي ماله فاعتبر من الثلث كالمنجز وقولهم لا يتهم فيه قلنا وكذلك العتق المنجز لا يتهم فيه فإن الإنسان لا يتهم بمحاباة غير الوارث وتقديمه على وارثه وإنما منع منه لما فيه من الضرر بالورثة وهذا حاصل ها هنا

ولو قال إذا قدم زيد وأنا مريض فأنت حر فقدم وهو مريض كان معتبرا من الثلث وجها واحدا

فصل وإذا أعتق عبدا وله مال فماله لسيده روي هذا عن ابن مسعود وأبي أيوب وأنس بن مالك وبه قال قتادة والحكم والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وروي ذلك عن حماد والبتي وداود بن أبي هند وحميد وقال الحسن وعطاء والشعبي والنخعي ومالك وأهل المدينة يتبعه ماله لما روى نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أعتق عبدا وله مال فالمال للعبد رواه الإمام أحمد بإسناده وغيره وروى حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا أعتق عبدا لم يعرض لماله

ولنا ما روى الأثرم بإسناده عن ابن مسعود أنه قال لغلامه عمير يا عمير إني أريد أن أعتقك عتقا هنيئا فأخبرني بمالك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أيما رجل أعتق عبده أو غلامه فلم يخبره بماله فماله لسيده ولأن العبد وماله كانا جميعا للسيد فأزال ملكه عن أحدهما فبقي ملكه في الآخر كما لو باعه وقد دل على هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع فأما حديث ابن عمر فقال أحمد يرويه عبد الله بن أبي جعفر من أهل مصر وهو ضعيف في الحديث كان صاحب فقه فأما في الحديث فليس هو فيه بالقوي وقال أبو الوليد هذا الحديث خطأ فأما فعل ابن عمر فإنه تفضل منه على


308

معتقه قيل للإمام أحمد كان هذا عندك على التفضل فقال إي لعمري على التفضل قيل له فكأنه عندك للسيد فقال نعم للسيد مثل البيع سواء

مسألة

قال ( وإذا قال لعبده أنت حر في وقت سماه لم يعتق حتى يأتي ذلك الوقت )

وجملة ذلك أن السيد إذا علق عتق عبده أو أمته على مجىء وقت مثل قوله أنت حر في رأس الحول لم يعتق حتى يأتي رأس الحول وله بيعه وهبته وإجارته ووطء الأمة وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وابن المنذر قال أحمد إذا قال لغلامه أنت حر إلى أن يقدم فلان ومجىء فلان واحد وإلى رأس السنة وإلى رأس الشهر إنما يريد إذا جاء رأس السنة أو جاء رأس الهلال منه وإذا قال أنت طالق إذا جاء الهلال إنما تطلق إذا جاء رأس الهلال وقال إسحاق كما قال أحمد وحكي عنمالك أنه إذا قال لعبده أنت حر في رأس الحول عتق في الحال والذي حكاه ابن المنذر عنه أنها إذا كانت جارية لم يطأها لأنه لا يملكها ملكا تاما ولا يهبها ولا يلحقها بسببه رق وإن مات السيد قبل الوقت كانت حرة عند الوقت من رأس المال وقد روي عن أحمد أنه لا يطؤها لأن ملكه غير تام عليها والأول أصح لما روي عن أبي ذر أنه قال لعبده أنت عتيق إلى رأس الحول فلولا أن العتق يتعلق بالحول لم يعلقه عليه لعدم فائدته ولأنه علق العتق بصفة فوجب أن يتعلق بها كما لو قال إذا أديت إلي ألفا فأنت حر واستحقاقها للعتق لا يمنع الوطء كالاستيلاد ولا يلزم المكاتبة لأنها اشترت نفسها من سيدها بعوض وزال ملكه عن إكسابها بخلاف مسألتنا

فصل وإذا جاء الوقت وهو في ملكه عتق بغير خلاف نعلمه وإن خرج عن ملكه ببيع أو ميراث أو هبة لم يعتق وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال النخعي وابن أبي ليلى إذا قال لعبده إن فعلت كذا فأنت حر فباعه بيعا صحيحا ثم فعل ذلك الفعل عتق وانتقض البيع قال ابن أبي ليلى إذا حلف بالطلاق لا كلمت فلانا ثم طلقها طلاقا بائنا ثم كلمه حنث وعامة أهل العلم على خلاف هذا القول لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا طلاق ولا عتاق ولا بيع فيما لا يملك ابن آدم ولأنه لا ملك له فلم يقع طلاقه ولا عتاقه كما لو لم يكن له مال متقدم

فصل وإذا قال لعبده إن لم أضربك عشرة أسواط فأنت حر ولم ينو وقتا بعينه لم يعتق حتى يموت ولم يوجد الضرب وإن باعه قبل ذلك صح بيعه ولم ينفسخ في قول أكثر أهل العلم وقال مالك ليس له بيعه فإن باعه فسخ البيع

ولنا إنه باعه قبل وجود الشرط فصح ولم ينفسخ كما لو قال إن دخلت الدار فأنت حر وباعه قبل دخولها

فصل وإذا قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فباعه ثم اشتراه ودخل الدار عتق وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي فيها قولان


309

أحدهما لا يعتق لأن ملكه فيه متأخر عن عقد الصفة فلم يقع العتق فيه كما لو عقد الصفة في حال زوال ملكه عنه

ولنا إنه علق الصفة في ملكه وتحقق الشرط في ملكه فوجب أن يحنث كما لو لم يزل ملكه عنه وفارق ما إذا علقها في حال زوال ملكه وتحقق الشرط في ملكه لأنه لو نجز العتق لم يقع فإذا علقه كان أولى بعدم الوقوع بخلاف مسألتنا فأما إن دخل الدار بعد بيعه ثم اشتراه ودخل الدار فالمنصوص عن أحمد أنه لا يعتق

وذكر عنه رواية أخرى أنه يعتق وروي عنه في الطلاق أنه يقع لأن التعليق والشرط وجدا في ملكه فأشبه ما لو لم يتخللهما دخول

ووجه الأول أن العتق معلق على شرط لا يقتضي التكرار فإذا وجد مرة انحلت اليمين وقد وجد الدخول في ملك غيره فانحلت اليمين فلم يقع العتق به بعد ذلك ويفارق العتاق الطلاق من حيث أن النكاح الثاني ينبني على النكاح الأول بدليل أن طلاقه في النكاح الأول يحسب عليه في النكاح الثاني وينقص به عدد طلاقه والملك باليمين بخلافه

فصل وإذا قال لعبد له مقيد هو حر إن حل قيده ثم قال هو حر إن لم يكن في قيده عشرة أرطال فشهد شاهدان عند الحاكم أن وزن قيده خمسة أرطال فحكم بعتقه وأمر بحل قيده فوزن فوجد وزنه عشرة أرطال عتق العبد بحل قيده وتبينا أنه ما عتق بالشرط الذي حكم الحاكم بعتقه به وهل يلزم الشاهدين ضمان قيمته فيه وجهان أحدهما أنه يلزمهما ضمانها لأن شهادتهما الكاذبة سبب عتقه وإتلافه فضمناه كالشهادة المرجوع عنها ولأن عتقه حصل بحكم الحاكم المبني على الشهادة الكاذبة فأشبه الحكم بالشهادة التي يرجعان عنها وهذا قول أبي حنيفة

والثاني لا ضمان عليها وهو قول أبي يوسف ومحمد لأن عتقه لم يحصل بالحكم المبني على شهادتهما وإنما حصل بحل قيده ولم يشهدا به فوجب أن لا يضمنا كما لو لم يحكم الحاكم

فصل وإن قال لعبده أنت حر متى شئت لم يعتق حتى يشاء بالقول فمتى شاء عتق سواء كان على الفور أو التراخي وإن قال أنت حر إن شئت فكذلك ويحتمل أن يقف ذلك على المجلس لأن ذلك بمنزلة التخير ولو قال لأمرأته أختاري نفسك لم يكن لها الاختيار إلا على الفور فإن تراخى ذلك بطل خيارها كذا تعليقه بالمشيئة من غير ان يقرنه بزمن يدل على التراخي وإن قال أنت حر كيف شئت احتمل ان يعتق في الحال وهو قول أبي حنيفة لأن كيف لا تقتضي شرطا ولا وقتا ولا مكانا فلا تقتضي توقيف العتق وإنما هي صفة للحال فتقتضي وقوع الحرية على أي حال شاء ويحتمل أن لا يعتق حتى يشاء وهو قول أبي يوسف ومحمد لأن المشيئة تقتضي الخيار فتقتضي أن لا يعتق قبل اختياره كما قال


310

أنت حر متى شئت لم يعتق حتى يشاء بالقول فمتى شاء عتق سواء كان على الفور أو التراخي وإن قال أنت حر إن شئت فكذلك ويحتمل أن يقف ذلك على المجلس لأن ذلك بمنزلة التخيير ولو قال لامرأته اختاري نفسك لم يكن لها الاختيار إلا على الفور فإن تراخى ذلك بطل خيارها كذا تعليقه بالمشيئة من غير أن يقرنه بزمن يدل على التراخي وإن قال أنت حر كيف شئت احتمل أن يعتق في الحال وهو قول أبي حنيفة لأن كيف لا تقتضي شرطا ولا وقتا ولا مكانا فلا تقتضي توقيف العتق وإنما هي صفة للحال فتقتضي وقوع الحرية على أي حال شاء ويحتمل أن لا يعتق حتى يشاء وهو قول أبي يوسف ومحمد لأن المشيئة تقتضي الخيار فتقتضي أن لا يعتق قبل اختياره كما لو قال أنت حر متى شئت لأن كيف تعطي ما تعطي متى وأي فحكمها حكمهما

وقد ذكر أبو الخطاب في الطلاق أنه إذا قال لزوجته أنت طالق متى شئت وكيف شئت وحيث شئت لم تطلق حتى تشاء فيجىء ها هنا مثله

فصل وتعليق العتق على أداء شيء ينقسم ثلاثة أقسام أحدها تعليقه على صفة محضة كقوله إن أديت إلي ألفا فأنت حر فهذه صفة لازمة لا سبيل إلى إبطالها لأنه ألزمها نفسه طوعا فلم يملك إبطالها كما لو قال إن دخلت الدار فأنت حر ولو اتفق السيد والعبد على إبطالها لم تبطل بذلك ولو أبرأه السيد من الألف لم يعتق بذلك ولم يبطل الشرط لأنه لا حق له في ذمته يبرئه منه وإنما هو تعليق على شرط محض وإن مات السيد انفسخت الصفة لأن ملكه زال عنه فلا ينفذ عتقه في ملك غيره وإن زال ملكه ببيع أو هبة زالت الصفة فإن عاد إلى ملكه عاد كما ذكرنا فيما قبل ومتى وجدت الصفة عتق ولم يحتج إلى تجديد إعتاق من جهة السيد لأنه إزالة ملك معلق على صفة وهو قابل للتعليق فيوجد بوجود الصفة كالطلاق وما يكسبه العبد قبل وجود الشرط فهو لسيده لأنه لم يوجد عقد يمنع كون كسبه لسيده إلا أن ما يأخذه السيد منه يحسبه من الألف التي أداها فإذا كمل أداؤها عتق وما فضل في يده لسيده وإن كان المعلق عتقه أمة فولدت لم يتبعها ولدها في أحد الوجهين

لأنها أمة قن فأشبه ما لو قال إن دخلت الدار فأنت حرة ولا تجب عليها قيمة نفسها لأنه عتق من السيد بصفة فأشبه ما لو باشر عتقها ولا يعتق حتى يؤدي الألف بكمالها وذكر القاضي أن من أصلنا أن العتق المعلق بصفة يوجد بوجود بعضها كما لو قال أنت حر إن أكلت رغيفا فأكل بعضه وهذا لا يصح لوجوه أحدها أن أداء الألف شرط العتق وشروط الأحكام يعتبر وجودها بكمالها لثبوت الأحكام وتنتفي بانتفائها بدليل سائر شروط الأحكام

الثاني أنه إذا علقه على وصف ذي عدد فالعدد وصف في الشرط ومتى علق الحكم على شرط ذي وصف لا يثبت ما لم توجد الصفة كما لو قال لعبده إن خرجت عاريا فأنت حر فخرج لابسا لا يعتق فكذلك العدد

الثالث أنه متى كان في اللفظ ما يدل على الكل لم يحنث بفعل البعض وكذلك لو حلف لا صليت صلاة لم يحنث حتى يفرغ مما يسمى صلاة ولو حلف لا صمت صياما لم يحنث حتى يصوم يوما ولو قال لامرأته إن حضت حيضة فأنت طالق لم تطلق حتى تطهر من الحيضة وقد ذكر القاضي هذه المسائل ونظائرها وذكر الألف هاهنا يدل على إرادته أداء الألف كاملة

الرابع أننا لا نسلم هذا الأصل الذي ادعاه وأنه إذا قال له أنت حر إن أكلت رغيفا لم يعتق بأكل


311

بعضه وإنما إذا حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه حنث في رواية في موضع يحتمل إرادة البعض ويتناوله اللفظ كمن حلف لا يصلي فشرع في الصلاة أو لا يصوم فشرع في الصوم

أولا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه ونحو هذا لأن الشارع في الصلاة والصيام قد صلى وصام ذلك الجزء الذي شرع فيه والقدر الذي شربه من الإناء هو ماء الإناء وقرينة حاله تقتضي المنع من الكل فتقتضي الامتناع من الكل ومتى فعل البعض فما امتنع من الكل فحنث لذلك ولو حلف على فعل شيء لم يبرأ إلا بفعل الجميع وفي مسألتنا تعليق الحرية على أداء الألف يقتضي وجود أدائها فلا يثبت الحكم المعلق عليها دون أدائها كمن حلف ليؤدين ألفا لم يبرأ حتى يؤديها

الخامس أن موضوع الشرط في الكتاب والسنة وأحكام الشريعة على أنه لا يثبت المشروط بدون شرطه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال لا إله إلا الله دخل الجنة فلو قال بعضها مقتصرا عليه لم يستحق إلا العقوبة

وقال من أحيا أرضا ميتة فهي له فلو شرع في الإحياء لم تكن له ولو قال في المسابقة من سبق إلى خمس إصابات فهو سابق فسبق إلى أربع لم يكن سابقا ولو قال من رد ضالتي فله دينار فشرع في ردها لم يستحق شيئا فكيف يخالف موضوعات الشرع واللغة بغير دليل وإنما الذي جاء عن أحمد في الأيمان فيمن حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه يحنث لأن اليمين على الترك يقصد بها المنع فنزلت منزلة النهي والنهي عن فعل شيء يقتضي المنع من بعضه بخلاف تعليق المشروط على الشرط والله أعلم

القسم الثاني صفة جمعت معاوضة وصفة والمغلب فيها حكم المعاوضة وهي الكتابة الصحيحة فهي مساوية للصفة المحضة في العتق بوجودها وأنه لا يجب عليه قيمة نفسه وأن الولاء لسيده وتخالفها في أنه لو أبرأه السيد من المال برىء منه وعتق لأن ذمته مشغولة به فبرىء منه بإبرائه كثمن المبيع ولا ينفسخ بموت السيد ولا بيع المكاتب ولا هبته لأنه عند معاوضة لازم أشبه البيع وما كسبه قبل الأداء فهو له وما فضل في يده بعد الأداء فهو له وولد المكاتبة الذين ولدتهم في الكتابة يعتقون بعتقها

القسم الثالث صفة فيها معاوضة والمغلب فيها حكم الصفة وهي الكتابة الفاسدة نحو الكتابة على مجهول أو نجم واحد أو مع إخلال شرط من شروط الكتابة فتساوي الصفة المحضة والكتابة في أنه لا يعتق بالأداء لأنه عتق معلق على شرط ولا تلزمه قيمة نفسه ولا يبطل بجنون المكاتب ولا الحجر عليه لأن الحجر للرق لا يمنع صحة كتابته فلا يقتضي حدوثه إبطالها وإن أدى حال جنونه عتق لأن الصفة وجدت

وقال أبو بكر لا يعتق بذلك ويفارقهما في أن للسيد فسخها ورفعها لأنها فاسدة والفاسد يشرع رفعه وإزالته ويفارق الكتابة الصحيحة في أنها تبطل بموت السيد وجنونه والحجر عليه لسفه لأنه عقد جائز من جهته فبطل بهذه الأمور كالوكالة والمضاربة وقد قال أحمد إذا وسوس فهو بمنزلة الموت وهذا قول القاضي وقال أبو بكر لا تبطل بشيء من ذلك لأنه عقد كتابة فلم يبطل بذلك كالصحيحة وتفارق


312

الصفة المحضة في أن كسب العبد قبل الأداء له وما فضل في يده بعد الأداء فهو له دون سيده ويتبع المكاتبة ولدها حملا لها على الكتابة الصحيحة في أحد الوجهين فيهما وفي الآخر لا يستحق كسبه ولا يتبع المكاتبة ولدها لأن العتق حصل بالصفة لا بالكتابة وأما الكتابة بمحرم الخمر والخنزير فقال القاضي هي كتابة فاسدة حكمها حكم ما ذكرنا ويعتق فيها بالأداء وقال أبو بكر لا يعتق فيها بالأداء وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الميموني إذا كاتبه كتابة فاسدة فأدى ما كوتب عليه عتق ما لم تكن الكتابة محرمة وينبغي أن يقال إن علق العتق على أداء المحرم عتق به كما لو علق العتق على السرقة وشرب الخمر وإن قال كاتبتك على خمر لم يعتق بأدائه كقول أبي بكر والله أعلم

فصل وإذا قال لعبده أنت حر وعليك ألف عتق ولا شيء عليه لأنه أعتقه بغير شرط وجعل عليه عوضا لم يقبله فيعتق ولم يلزمه الألف هكذا ذكر المتأخرون من أصحابنا ونقل جعفر بن محمد قال سمعت أبا عبد الله قيل له إذا قال أنت حر وعليك ألف درهم قال جيد قيل له فإن لم يرض العبد قال لا يعتق إنما قاله له على أن يؤدي إليه ألف درهم فإن لم يؤد فلا شيء وإن قال أنت حر على ألف فكذلك في إحدى الروايتين لأن على ليست من أدوات الشرط ولا البدل فأشبه قوله وعليك ألف

والثانية إن قبل العبد عتق ولزمته الألف وإن لم يقبل لم يعتق وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة لأنه أعتقه بعوض فلم يعتق بدون قبوله كما لو قال أنت حر بألف وهذه الرواية أصح لأن على تستعمل للشرط والعوض قال الله تعالى قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا الكهف 66 وقال تعالى فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا الكهف 94 ولو قال في النكاح زوجتك ابنتي فلانة على صداق خمسمائة درهم فقال الآخر قبلت صح النكاح وثبت الصداق

وقال الفقهاء إذا تزوجها على ألف لها وألف لأبيها كان ذلك جائزا فأما إذا قال أعتقتك على أن تخدمني سنة فقبل ففيها روايتان كالتي قبلها وقيل إن لم يقبل العبد لم يعتق رواية واحدة فعلى هذا إذا قبل العبد عتق في الحال ولزمته خدمته سنة فإن مات السيد قبل كمال السنة رجع على العبد بقيمة ما بقي من الخدمة بهذا وقال الشافعي وقال أبو حنيفة تقسط قيمة العبد على خدمة السنة فيقسط منها بقدر ما مضى ويرجع عليه بما بقي من قيمته

ولنا إن العتق عقد لا يلحقه الفسخ فإذا تعذر فيه استيفاء العوض رجع إلى قيمته كالخلع في النكاح والصلح في دم العمد وإن قال أنت حر على أن تعطيني ألفا فالصحيح أنه لا يعتق حتى يقبل فإذا قبل عتق ولزمه الألف وإن قال أنت حر بألف لم يعتق حتى يقبل فيعتق ويلزمه ألف

فصل وإذا علق عتق أمته بصفة وهي حامل تبعها ولدها في ذلك لأنه كعضو من


313

أعضائها فإن وضعته قبل وجود الصفة ثم وجدت الصفة عتق لأنه تابع في الصفة فأشبه ما لو كان في الصفة فأشبه ما لو كان في البطن وإن كانت حائلا حين التعليق ثم وجدت الصفة وهي حامل عتقت هي وحملها لأن العتق وجد فيها وهي حامل فتبعها ولدها كالمنجز وإن حملت بعد التعليق وولدت قبل وجود الصفة ثم وجدت بعد ذلك لم يعتق الولد لأن الصفة لم تتعلق به لا في حال التعليق ولا في حال العتق وفيه وجه آخر أنه يتبعها في العتق قياسا على ولد المدبرة وإن بطلت الصفة ببيع أو موت لم يعتق الولد لأنه إنما يبيعها في العتق لا في الصفة فإذا لم توجد فيها لم يوجد فيه بخلاف ولد المدبرة فإنه تبعها في التدبير فإذا بطل فيها بقي فيه

مسألة

قال ( وإذا أسلمت أم ولد النصراني منع من غشيانها والتلذذ بها وأجبر على نفقتها فإن أسلم حلت له وإذا مات عتقت )

هذه المسألة يؤخر شرحها إلى باب عتق أمهات الأولاد فإنه أليق بها

مسألة

قال ( وإذا قال لأمته أول ولد تلدينه فهو حر فولدت اثنين أقرع بينهما فمن أصابته القرعة فهو حر إذا أشكل أولهما خروجا )

إنما كان كذلك لأن أحدهما استحق العتق ولم يعلم بعينه فوجب إخراجه بالقرعة كما لو قال لعبيده أحدكم حر وقد سبق القول في هذه المسألة فأما إن علم أولهما خروجا فهو الحر وحده وهذا قول مالك والثوري وأبي هاشم والشافعي وابن المنذر وقال الحسن والشعبي وقتادة إذا ولدت ولدين في بطن فهما حران

ولنا إنهع إنما أعتق الأول والذي خرج أولا هو أول المولودين فاختص العتق به كما لو ولدتهما في بطنين

فصل فإن ولدت الأول ميتا والثاني حيا فذكر الشريف أنه يعتق الحي منهما وبه قال أبو حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي لا يعتق واحد منهما وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لأن شرط العتق إنما وجد في الميت وليس بمحل للعتق فانحلت اليمين به وإنما قلنا إن شرط العتق إنما وجد فيه لأنه أول ولد بدليل أنه لو قال لأمته إذا ولدت ولدا فأنت حرة فولدت ولدا ميتا عتقت ووجه الأول أن العتق يستحيل في الميت فتعلقت اليمين بالحي كما لو قال إن ضربت فلانا فعبدي حر فضربه حيا عتق وإن ضربه ميتا لم يعتق ولأنه معلوم من طريق العادة أنه قصد عقد يمينه على ولد يصح العتق فيه وهو أن يكون حيا فتصير الحياة مشروطة فيه فكأنه قال أول ولد تلدينه حيا فهو حر

فصل وإن قال لأمته كل ولد تلدينه فهو حر عتق كل ولد ولدته في قول جمهور العلماء منهم مالك والشافعي والأوزاعي والليث والثوري قالابن المنذر ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم فإن باع الأمة ثم ولدت لم يعتق ولدها لأنها ولدتهم بعد زوال ملكه


314

فصل فإن قال أول غلام أملكه فهو حر انبنى ذلك على العتق قبل الملك وفيه روايتان فإن قلنا يصح عتق أول من يملكه فإن ملك اثنين عتق أحدهما بالقرعة في قياس قول أحمد فإنه قال في رواية مهنا إذا قال أول من يطلع من عبيدي فهو حر فطلع اثنان أو جميعهم فإنه يقرع بينهم ويحتمل أن يعتقا جميعا لأن الأولية وجدت فيهما جميعا فتثبت الحرية فيهما كما لو قال في المسابقة من سبق فله عشرة فسبق اثنان اشتركا في العشرة وقال النخعي يعتق أيهما شاء وقال أبو حنيفة لا يعتق واحد منهما لأنه لا أول فيهما لأن كل واحد منهما مساوي للآخر ومن شرط الأولية سبق الأول

ولنا إن هذين لم يسبقهما غيرهما فكانا أول كالواحد وليس من شرط الأول أن يأتي بعده ثان بدليل ما لو ملك واحدا ولم يملك بعده شيئا وإذا كانت الصفة موجودة فيهما فإما أن يعتقا جميعا أو يعتق أحدهما وتعينه القرعة على ما ذكرنا من قبل وكذلك الحكم فيما إذا قال أول ولد تلدينه فهو حر فولدت اثنين وخرجا جميعا معا فالحكم فيهما كذلك

فصل وإن قال آخر عبد أملكه فهو حر فملك عبيدا لم يحكم بعتق واحد منهم حتى يموت لأنه ما دام حيا فهو يحتمل أن يملك عبدا يكون هو الآخر فإذا مات عتق آخرهم وتبينا أنه كان حرا حين ملكه فيكون إكسابه له وإن كانت أمة كان أولادها أحرار من حين ولدتهم لأنهم أولاد حرة وإن كان وطئها فعليه مهرها لأنه وطىء حرة أجنبية ولا يحل له أن يطأها حين ملكها حتى يملك بعدها غيرها لأنه ما لم يملك بعدها غيرها فهي آخر في الحال وإنما يزول ذلك بملك غيرها فوجب أن يحرم الوطء وإن ملك اثنين دفعة واحدة ثم مات فالحكم في عتقهما كالحكم فيما إذا ملك اثنين في المسألة التي قبلها

مسألة

قال ( وإذا قال العبد لرجل اشترني من سيدي بهذا المال فأعتقني ففعل فقد صار حرا وعلى المشتري أن يؤدي إلى البائع مثل الذي اشتراه به وولاءه للذي اشتراه إلا أن يكون قال له بعني بهذا المال فيكون الشراء والعتق باطلا ويكون السيد قد أخذ ماله )

وجملته أن العبد إذا دفع إلى أجنبي مالا وقال اشترني من سيدي بهذا المال فأعتقني ففعل لم يخل من أن يشتريه بعين المال أو في ذمته ثم ينقد المال فإن اشتراه في ذمته فأعتقه فالشراء صحيح والعتق جائز لأنه ملكه بالشراء فنفذ عتقه له وعلى المشتري أداء الثمن الذي اشتراه به لأنه لزمه الثمن بالبيع والذي دفعه إلى السيد كان ملكا له لا يحتسب له به من الثمن فيبقى الثمن واجبا عليه يلزمه أداؤه وكان العتق من ماله والولاء له وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وأما إن اشتراه بعين المال فالشراء باطل والعتق غير واقع لأنه اشترى بعين مال غيره شيئا بغير إذنه فلم يصح الشراء ولم يقع العتق لأنه أعتق مملوك غيره بغير إذنه ويكون السيد قد أخذ ماله لأن ما في يد العبد محكوم به لسيده

وعلى الرواية التي تقول إن النقود لا تتعين بالتعيين في العقود يصح البيع والعتق ويكون الحكم كما لو


315

اشتراه في ذمته ونحو هذا قال النخعي وإسحاق فإنهما قالا الشراء والعتق جائزان ويرد المشتري مثل الثمن من غير تفريق

وقال الحسن البيع والعتق باطلان وقال الشعبي لا يجوز ذلك ويعاق من فعله من غير تفريق أيضا وقد ذكرنا ما يقتضي التفريق وفيه توسط بين المذهبين فكان أولى إن شاء الله تعالى

فصل ولو كان العبد بين شريكين فأعطى العبد أحدهما خمسين دينارا على أن يعتق نصيبه منه فأعتقه عتق وسرى إلى باقيه إن كان موسرا ورجع عليه شريكه بنصف الخمسين وبنصف قيمة العبد لأن ما في يد العبد يكون بين سيديه لا ينفرد به أحدهما إلا أن نصيب المعتق ينفذ فيه العتق وإن كان العوض مستحقا إذ لم يقع العتق على عينها وإنما سمى خمسين ثم دفعها إليه وإن أوقع العتق على عينها يجب أن يرجع على العبد بقيمة ما أعتقه بالعوض المستحق ويسري العتق إلى نصيف شريكه فيرجع بقيمته ويكون الولاء للمعتق

فصل ولو وكل أحد الشريكين شريكه في عتق نصيبه فقال الوكيل نصيبي حر عتق وسرى إلى نصيب شريكه ويكون الولاء له وإن أعتق نصيب الموكل عتق وسرى إلى نصيبه والولاء للموكل وإن أعتق نصف العبد ولم ينو شيئا احتمل أن ينصرف إلى نصيبه لأنه لا يحتاج إلى نية ونصيب شريكه يفتقر إلى النية ولم ينو ذلك واحتمل أن ينصرف إلى نصيب شريكه لأنه أمره بالإعتاق فانصرف إلى ما أمر به ويحتمل أن ينصرف إليهما لأنهما تساويا فانصرف إليهما وأيهما حكمنا بالعتق عليه ضمن نصيب شريكه ويحتمل أن لا يضمن لأن الوكيل إن أعتق نصيبه فسرى إلى نصيب شريكه لم يضمنه لأنه مأذون له في العتق وقد أعتق بالسراية فلم يضمن كمن أذن له في إتلاف شيء فإنه لا يضمنه وإن أتلفه بالسراية وإذا أعتق نصيب شريكه لم يلزم شريكه الضمان لأنه مباشر لسبب الإتلاف فلم يجب له ضمان ما تلف به كما لو قال له أجنبي أعتق عبدك فأعتقه والله أعلم


316

كتاب التدبير

ومعنى التدبير تعليق عتق عبده بموته والوفاة دبر الحياة ويقال دابر الرجل يدابر مدابرة إذا مات فسمي العتق بعد الموت تدبيرا لأنه إعتاق في دبر الحياة والأصل فيه السنة والإجماع

أما السنة فما روى جابر أن رجلا أعتق مملوكا له عن دبر منه فاحتاج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يشتريه مني فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه وقال أنت أحوج منه متفق عليه

وأما الإجماع فقال ابن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن من دبر عبده أو أمته ولم يرجع عن ذلك حتى مات والمدبر يخرج من ثلث ماله بعد قضاء دين إن كان عليه وإنفاذ وصاياه إن كان وصي وكان السيد بالغا جائز الأمر أن الحرية تجب له أو لها

مسألة

قال ( وإذا قال لعبده أو أمته أنت مدبر أو قد دبرتك أو أنت حر بعد موتي فقد صار مدبرا )

وجملة ذلك أنه إذا علق صريح العتق بالموت فقال أنت حر أو محرر أو عتيق أو معتق بعد موتي صار مدبرا بلا خلاف نعلمه وأما إن قال أنت مدبر أو قد دبرتك فإنه يصير مدبرا بنفس اللفظ من غير افتقار إلى نية وهذا منصوص الشافعي

وقال بعض أصحابه فيه قول آخر أنه ليس بصريح في التدبير ويفتقر إلى النية لأنهما لفظان لم يكثر استعمالهما فافتقر إلى النية كالكنايات

ولنا إنهما لفظان وضعا لهذا العقد فلم يفتقر إلى النية كالبيع ويفارق الكنايات فإنها غير موضوعة له ويشاركها فيه غيرها فافتقرت إلى النية للتعيين ويرجح أحد المحتملين بخلاف الموضوع

فصل ويعتق المدبر بعد الموت من ثلث المال في قول أكثر أهل العلم يروى ذلك عن علي وابن عمر وبه قال شريح وابن سيرين والحسن وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري وقتادة وحماد ومالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وروي عن ابن مسعود ومسروق ومجاهد والنخعي وسعيد بن جبير أنه يعتق من رأس المال لأنه عتق فينفذ من رأس المال كالعتق في الصحة وعتق أم الولد

ولنا إنه تبرع بعد الموت فكان من الثلث كالوصية ويفارق العتق في الصحة فإنه لم يتعلق به حق غير المعتق فينفذ في الجميع كالهبة المنجزة

وقد نقلحنبل عن أحمد أنه يعتق من رأس المال وليس عليها عمل قال أبو بكر هذا قول قديم رجع عنه أحمد إلى ما نقله الجماعة


317

فصل وإن اجتمع العتق في المرض والتدبير قدم العتق لأنه أسبق وإن اجتمع التدبير والوصية بالعتق تساويا لأنهما جميعا عتق بعد الموت ويحتمل أن يقدم التدبير لأن الحرية تقع فيه عند الموت والوصية تقف على الإعتاق بعده

فصل ويجوز التدبير مطلقا ومقيدا فالمطلق تعليق العتق بالموت من غير شرط آخر كقوله أنت حر بعد موتي والمقيد ضربان أحدهما خاص نحو أن يقول إن مت من مرضي هذا أو سفري هذا أو في بلدي هذا أو عامي هذا فأنت حر فهذا جائز على ما قال إن مات على الصفة التي شرطها عتق العبد وإلا لم يعتق

وقال مهنا سألت أحمد عمن قال لعبده أنت حر مدبر اليوم قال يكون مدبرا ذلك اليوم فإن مات ذلك اليوم صار حرا يعني إذا مات المولى

الضرب الثاني أن يعلق التدبير على صفة مثل أن يقول إن دخلت الدار أو إن قدم زيد أو إن شفى الله مريضي فأنت حر مدبر أو فأنت حر بعد موتي فهذا لا يصير مدبرا في الحال لأنه علق التدبير على شرط وإذا وجد صار مدبرا وعتق بموت سيده وإن لم يوجد الشرط في حياة السيد ووجد بعد موته لم يعتق لأن إطلاق الشرط في حياة السيد يقتضي وجوده في الحياة بدليل ما لو لم علق عليه عتقا منجزا فقال إذا دخلت الدار فأنت حر فدخلها بعد موته لم يعتق وكما لو قال لوكيله بع عبدي فمات الموكل قبل بيعه بطلت وكالته ولأن المدبر من علق عتقه بالموت وهذا قبل الموت لم يكن مدبرا وبعد الموت لا يمكن حدوث التدبير وإن قال إن دخلت الدار بعد موتي فأنت حر فذكر أبو الخطاب فيها روايتين

إحداهما لا يعتق وهو قياس المنصوص عنه في قوله أنت حر بعد موتي بيوم أو شهر فإنه قالا يعتق لأنه علق العتق بصفة توجد في ملك غيره فلم يعتق كما لو قال إن دخلت الدار بعد بيعي إياك فأنت حر ولأنه إعتاق له بعد قرار ملك غيره عليه فلم يعتق كالمنجز

والثانية يعتق وهو الذي ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأنه صرح بذلك فحمل عليه كما لو وصى بإعتاقه وكما لو وصى ببيع سلعة ويتصدق بثمنها ويفارق التصرف بعد البيع فإن الله تعالى جعل للإنسان التصرف بعد موته في ثلثه بخلاف ما بعد البيع والأول أصح إن شاء الله تعالى ويفارق الوصية بالعتق وبيع السلعة لأن الملك لا يستقر للورثة فيه ولا يملكون التصرف فيه بخلاف مسألتنا

وقولهم حصل له التصرف في ثلثه

قلنا إنما يتصرف فيه تصرفا يثبت عقيب موته ويمنع انتقاله إلى الوارث وإن ثبت للوارث فهو ثبوت غير مستقر وقد قيل يكون مراعى فإذا قبل الموصى له تبينا أن الملك كان له من حين الموت وإن لم يقبل تبينا أنه كان للوارث فعلى قولنا لا يعتق بالدخول بعد الموت للوارث التصرف فيه كيف شاء ومن صحح هذا الشرط احتمل أن يمنع الوارث من التصرف في رقبته لأنه يستحق العتق فأشبه الموصي بعتقه


318

واحتمل أن لا يمنعه لأنه علق عتقه على صفة غير الموت فلم يمنع من التصرف فيه كما لو قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فأما كسبه قبل عتقه فهو للوارث لأن الملك فيه مستقر قبل وجود الشرط كما لو كان الوارث هو الذي علق عتقه

فصل فإن قال أنت حر بعد موتي بشهر أو قال بيوم فقال أحمد في رواية مهنا لا يعتق ولا تصح هذه الصفة وقال أيضا سألت أحمد عن رجل قال لعبده أنت حر بعد موتي بشهر بألف درهم فقال هذا كله لا يكون شيئا بعد موته وهذا اختيار أبي بكر وذكر القاضيان ابن أبي موسى وأبو يعلى فيها رواية أخرى أنه يعتق إذا وجدت الصفتان الموت ومضي المدة المذكورة وبهذا قال الثوري وأبو يوسف وإسحاق

ووجه الروايتين ما تقدم وقال أصحاب الرأي لا يعتق حتى يعتقه الوارث وعلى قول من قال يعتق يكون قبل الموت ملكا للوارث وكسبه له كأم الولد والمدبر في حياة السيد وإن كان أمة فولدت قبل وجود الصفة فولدها يتبعها في التدبير ويعتق بوجود الصفة كما تعتق هي

فصل إذا قال لعبده إذا قرأت القرآن فأنت حر بعد موتي فقرأ القرآن جميعه صار مدبرا وإن قرأ بعضه لم يصر مدبرا وإن قال إذا قرأت قرآنا فأنت حر بعد موتي فقرأ بعض القرآن صار مدبرا لأنه في الأولى عرفه بالألف واللام المقتضية للاستغراق فعاد إلى جميعه

وها هنا نكره فاقتضى بعضه فإن قيل فقد قال الله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم النحل 98 وقال وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا الإسراء 45 ولم يرد جميعه قلنا قضية اللفظ تتناول جميعه لأن الألف واللام للاستغراق وإنما حمل على بعضه بدليل فلا يحمل على البعض في غير ذلك الموضع بغير دليل ولأن قرينة الحال تقتضي قراءة جميعه لأن الظاهر أنه أراد ترغيبه في قراءة القرآن بتعليق الحرية به ومجازاته على قراءته بالحرية والظاهر أنه لا يجازى بهذا الأمر الكثير ولا يرغب به إلا فيما يشق أما قراءته آية أو آيتين فلا

فصل فإن قال لعبده إن شئت فأنت حر بعد موتي أو إذا شئت أو متى شئت أو أي وقت شئت فأنت حر بعد موتي فهو تدبير بصفة فمتى شاء في حياة سيده صار مدبرا يعتق بموت سيده كما لو قال إن دخلت الدار فأنت حر بعد موتي فدخلها في حياته وإن مات السيد قبل مشيئته بطلت الصفة كما لو مات في المسألة الأخرى قبل دخول الدار وإن قال متى شئت بعد موتي فأنت حر أو أي وقت شئت بعد موتي فأنت حر فهذا تعليق للعتق على صفة بعد الموت وقد ذكرنا أنه لا يصح وأن قول القاضي صحته

فعلى قوله يكون ذلك على التراخي فمتى شاء بعد موت سيده عتق وما كان له من كسب قبل مشيئته فهو لورثة سيده لأنه عبد قبل ذلك بخلاف الموصى به فإن في كسبه قبل القبول وجهين


319

أحدهما أنه يكون للموصى له لأننا تبينا أنه ملكه من حين الموت وها هنا لا يثبت الملك قبل المشيئة وجها واحدا لأنه عتق معلق على شرط فلا يثبت العتق قبل الشرط وجها واحدا وذكرالقاضي في قوله إذا شئت أو إن شئت فأنت حر بعد موتي أنه على الفور فإن شاء في المجلس صار مدبرا وإن تراخت المشيئة عن المجلس بطلت ولم يصر مدبرا بالمشيئة بعده بناء على قوله اختاري نفسك فإن الاختيار يقف على المجلس وهذا في معناه وإن قال إن شئت بعد موتى أو إذا شئت بعد موتي فأنت حر كان على الفور أيضا فمتى شاء عقيب موت سيده أو في المجلس صار حرا وإن تراخت مشيئته عن المجلس لم تثبت فيه حرية وقد ذكر في الطلاق أنه إذا قال أنت طالق إن شئت وشاء أبوك فشاءا معا وقع الطلاق سواء شاءا على الفور أو التراخي أو شاء أحدهما على الفور والآخر على التراخي وهذا مثله فيخرج في كل مسألة مثل ما ذكر في الأخرى

فصل إذا قال لعبده إذا مت فأنت حر أو لا أو قال فأنت حر أو لست بحر لم يصر مدبرا لأنه استفهام ولم يقطع بالعتق فأشبه ما لو قال لزوجته أنت طالق أو لا وقد ذكرنا ذلك في الطلاق

فصل وإذا دبر أحد الشريكين نصيبه لم يسر التدبير إلى نصيب شريكه موسرا كان أو معسرا وذكر أبو الخطاب وجها أنه يسري تدبيره إذا كان موسرا ويقوم عليه نصيب شريكه وهو قول أبي حنيفة لأنه استحق العتق بموت سيده فسرى ذلك فيه كالاستيلاد وللشافعي قولان كالمذهبين

ولنا أنه تعليق للعتق بصفة فلم يسر كتعليقه بدخول الدار ويفارق الاستيلاد فإنه آكد ولهذا يعتق من جميع المال ولو قتلت سيدها لم يبطل حكم استيلادها ولا يجوز بيعها والمدبر بخلاف ذلك فعلى هذا إذا مات المدبر عتق نصيبه إن خرج من الثلث وهل يسري إلى نصيب شريكه إن كان موسرا فيه روايتان ذكرهما الخرقي في غير هذا الموضع وإن أعتق الشريك نصيبه قبل موت المدبر وهو موسر عتق وسرى إلى نصيب المدبر

وذكر القاضي وأبو الخطاب فيها وجهين وللشافعي فيها قولان أحدهما كقولنا

والثاني لا يسري عتقه وهو قولأبي حنيفة لأن المدبر قد استحق الولاء على العبد بموته فلم يكن للآخر إبطاله

ولنا قوله عليه السلام من أعتق شركا له في عبد فكان له ما يبلغ قيمة العبد قوم عليه قيمة العدل وأعطى شركاؤه حصصهم وإلا فقد عتق منه ما عتق ولأنه إذا سرى إلى إبطال الملك الذي هو آكد من الولاء فالولاء أولى وما ذكروه لا أصل له ويبطل بما إذا علق عتق نصيبه بصفة

فصل وإن دبر كل واحد منهما نصيبه فمات أحدهما عتق نصيبه وبقي نصيب الآخر على التدبير إن لم يف ثلثه بقيمة حصة شريكه وإن كان يفي به فهل يسري العتق إليه على روايتين وإن قال كل واحد منهما إذا متنا فأنت حر فقال أبو بكر قال أحمد إذا مات أحدهما فنصيبه حر وظاهر هذا أن أحمد


320

جعل هذا اللفظ تدبيرا من كل واحد منهما لنصيبه ومعناه إذا مات كل واحد منا فنصيبه حر فإنه قابل الجملة بالجملة فيصرف إلى مقابلة البعض بالبعض كقوله ركب الناس دوابهم ولبسوا ثيابهم وأخذوا رماحهم يريد لبس كل إنسان ثوبه وركب دابته وأخذ رمحه وكذلك إن قال أعتقوا عبيدهم كان معناه أعتق كل واحد عبده وقال القاضي هذا تعليق للحرية بموتهما جميعا وإنما قال أحمد يعتق نصيبه بناء على أن وجود بعض الصفة يقوم مقام جميعها ولا يصح هذا لأنه لو كانت هذه العلة لعتق العبد كله لوجود بعض صفة كل واحد منهما ولأننا قد أبطلنا هذا القول بما ذكرنا من قبل ومقتضى قول القاضي أن لا يعتق شيء منه قبل موتهما جميعا وإن قال كل واحد منهما أردت أن العبد حر بعد آخرنا موتا انبنى هذا على تعليق الحرية على صفة توجد بعد الموت وقد ذكرنا الخلاف في ذلك فإن قلنا بجواز ذلك عتق بعد موت الآخر منهما عليهما جميعا وإن قلنا لا يصح ذلك عتق نصيب الآخر منهما بالتدبير وفي سرايته إلى باقيه إن كان ثلثه يحتمل ذلك روايتان

وإن قال كل واحد منهما إذا مت قبل شريكي فنصيبي له فإذا مات فهو حر وإن مت بعده فنصيبي حر فقد وصى كل واحد منهما للآخر فإذا مات أحدهما صار العبد كله للآخر فإذا مات عتق كله عليه وصار ولاؤه كله له إن قلنا لا يصح تعليق العتق على صفة بعد الموت وإن قلنا يصح عتق عليهما وولاؤه بينهما

مسألة

قال ( وله بيعه في الدين )

ظاهر كلام الخرقي أنه لا يباع في الدين وقد أومأ إليه أحمد وقال مالك لا يباع إلا في دين يغلب رقبة العبد فإذا كان العبد يساوي ألفا فكان عليه خمسمائة لم يبع العبد وروي عن أحمد أنه قال أنا أرى بيع المدبر في الدين

وإذا كان فقيرا لا يملك شيئا رأيت أن أبيعه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد باع المدبر لما علم أن صاحبه لا يملك شيئا غيره باعه النبي صلى الله عليه وسلم لما علم حاجته وهذا قول إسحاق وأبي أيوب وأبي خيثمة وقالا إن باعه من غير حاجة أجزأناه ونقل جماعة عن أحمد جواز بيع المدبر مطلقا في الدين وغيره مع الحاجة وعدمها قال إسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن بيع المدبر إذا كان بالرجل حاجة إلى ثمنه قال له أن يبيعه محتاجا كان إلى ذلك أو غير محتاج وهذا والصحيح

وروي مثل هذا عنعائشة وعمر بن عبد العزيز وطاوس ومجاهد وهو قول الشافعي وكره بيعه ابن عمر وسعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وابن سيرين والزهري والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح وأصحاب الرأي ومالك لأن ابن عمر رضي الله عنهما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يباع المدبر ولا يشترى ولأنه استحق العتق بموت سيده أشبه أم الولد

ولنا ما روى جابر رضي الله عنه أن رجلا أعتق مملوكا له عن دبر فاحتاج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من


321

يشتريه مني فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه وقال أنت أحوج منه متفق عليه قال جابر عبد قبطي مات عام أول في إمارةابن الزبير وقال أبو إسحاق الجوزجاني صحت أحاديث بيع المدبر باستقامة الطرق والخبر إذا ثبت استغني به عن غيره من رأي الناس ولأنه عتق بصفة ثبت بقول المعتق فلم يمنع البيع كما لو قال إن دخلت الدار فأنت حر ولأنه تبرع بمال بعد الموت فلم يمنع البيع في الحياة كالوصية قال أحمد هم يقولون من قال غلامي حر رأس الشهر فله بيعه قبل رأس الشهر وإن قال غدا فله بيعه اليوم وإن قال إذا مت قال لا يبيعه فالموت أكثر من الأجل ليس هذا قياسا إن جاز يبيعه قبل رأس الشهر فله أن يبيعه قبل مجيء الموت وهم يقولون فيمن قال إن مت من مرضي هذا فعبدي حر ثم لم يمت من مرضه ذلك فليس بشيء وإن قال إن مت فهو حر لا يباع هذا متناقض إنما أصله الوصية من الثلث فله أن يغير وصيته ما دام حيا فأما خبرهم فلم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو من قول ابن عمر وقال الطحاوي هو عن ابن عمر وهو ليس بمسند عن النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أنه أراد بعد الموت أو على الاستحباب أما أم الولد فإن عتقها يثبت بغير اختيار سيدها وليس بتبرع ويكون من جميع المال ولا يمكن إبطاله بحال والتدبير بخلافه ووجه قول الخرقي أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما باع المدبر عند الحاجة فلا يتجاوز به موضع الحاجة

مسألة

قال ( ولا تباع المدبرة في الدين إلا في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله رحمه الله والرواية الأخرى الأمة كالعبد )

لا نعلم هذا التفريق بين المدبرة والمدبر عن غير إمامنا رحمه الله وإنما احتاط في رواية المنع من بيعها لأن فيه إباحة فرجها وتسليط مشتريها على وطئها مع وقوع الخلاف في بيعها وحلها فكره الإقدام على ذلك مع الاختلاف فيه والظاهر أن هذا المنع منه كان على سبيل الورع لا على التحريم البات فإنه إنما قال لا يعجبني بيعها والصحيح جواز بيعها فإن عائشة باعت مدبرة لها سحرتها ولأن المدبرة في معنى المدبر فما ثبت فيه ثبت فيها

مسألة

قال ( فإن اشتراه بعد ذلك رجع في التدبير )

وجملة ذلك أن السيد إذا دبر عبده ثم باعه ثم اشتراه عاد تدبيره لأنه علق عتقه بصفة فإذا باعه ثم اشتراه عادت الصفة كما لو قال أنت حر إن دخلت الدار ثم باعه ثم اشتراه وذكرالقاضي أن هذا مبني على أن التدبير تعليق بصفة وفيه رواية أخرى أنه وصية فتبطل بالبيع ولا تعود لأنه لو وصى بشيء ثم باعه بطلت الوصية ولم تعد بشرائه ومذهب الشافعي مثل هذا إلا أن عود الصفة بعد الشراء له فيه قولان والصحيح ما قال الخرقي لأن التدبير وجد فيه التعليق بصفة فلا يزول حكم التعليق بوجود معنى الوصية فيه بل هو جامع للأمرين وغير ممتنع وجود الحكم بسببين فيثبت حكمها فيه


322

مسألة

قال ( ولو دبره ثم قال قد رجعت في تدبيري أو قد أبطلته لم يبطل لأنه علق العتق بصفة في إحدى الروايتين والأخرى يبطل التدبير )

اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في بطلان التدبير بالرجوع فيه قولان فالصحيح أنه لا يبطل لأنه علق العتق بصفة فلا يبطل كما لو قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر والثانية يبطل لأنه جعل له نفسه بعد موته فكان ذلك وصية فجاز الرجوع فيه بالقول كما لو وصى له بعبد آخر وهذا قول الشافعي القديم

وقوله الجديد كالرواية الأولى وهو الصحيح لأنه تعليق للعتق بصفة ولا يصح القول بأنه وصية به لنفسه لأنه لا يملك نفسه وإنما تحصل فيه الحرية ويسقط عنه الرق ولهذا لا تقف الحرية على قبوله ولا اختياره وتتنجز عقيب الموت كتنجزها عقيب سائر الشروط ولأنه غير ممتنع أن يجمع الأمرين فثبت فيه حكم التعليق في امتناع الرجوع ويجتمعان في حصول العتق بالموت

فصل إذا قال السيد لمدبره إذا أديت إلى ورثتي كذا فأنت حر فهو رجوع عن التدبير وينبني على الروايتين إن قلنا له الرجوع بالقول فظاهره أنه بطل التدبير ها هنا وإن قلنا ليس له الرجوع لم يؤثر القول شيئا وإن دبره كله ثم رجع في نصفه صح إذا قلنا له الرجوع في جميعه لأنه لما صح أن يدبر نصفه ابتداء صح أن يرجع في تدبير نصفه وإن غير التدبير فكان مطلقا فجعله مقيدا صار مقيدا إن قلنا بصحة الرجوع في التدبير وإلا فلا وإن كان مقيدا فأطلقه صح على كل حال لأنه زيادة فلا يمنع منها وإذا دبر الأخرس وكانت إشارته أو كتابته معلومة صح تدبيره ويصح رجوعه إن قلنا بصحة الرجوع في التدبير لأن إشارته وكتابته تقوم مقام نطق الناطق في أحكامه وإن دبر وهو ناطق ثم صار أخرس صح رجوعه بإشارته المعلومة أو كتابته وإن لم تفهم إشارته فلا عبرة بها لأنه لا يعلم رجوعه

فصل وإذا رهن المدبر لم يبطل تدبيره لأنه تعليق للعتق بصفة فإن مات السيد وهو رهن عتق وأخذ من تركة سيده قيمته فتكون رهنا مكانه لأن عتقه بسبب من جهة سيده فأشبه ما لو باشره بالعتق ناجزا

فصل وإن ارتد المدبر ولحق بدار الحرب لم يبطل تدبيره لأن ملك سيده باق عليه ويصح تصرفه فيه بالعتق والهبة والبيع إن كان مقدورا عليه فإن سباه المسلمون لم يملكوه لأنه مملوك لمعصوم ويرد إلى سيده إن علم به قبل قسمته ويستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن لم يعلم به حتى قسم لم يرد إلى سيده في إحدى الروايتين

والأخرى إن اختار سيده أخذه بالثمن الذي حسب به على آخذه أخذه وإن لم يختر أخذه بطل تدبيره ومتى عاد إلى سيده بوجه من الوجوه عاد تدبيره وإن لم يعد إلى سيده بطل تدبيره كما لو بيع وكان رقيقا لمن هو في يده وإن مات سيده قبل سبيه عتق فإن سبي بعد هذا لم يرد إلى ورثة سيده لأن ملكه زال عنه


323

بحريته فصار كأحرار دار الحرب ولكن يستتاب فإن تاب وأسلم صار رقيقا يقسم بين الغانمين وإن لم يتب قتل ولم يجز استرقاقه لأنه لا يجوز إقراره على كفره وقال القاضي لا يجوز استرقاقه إذا أسلم وهو قول الشافعي لأن في استرقاقه إبطال ولاء المسلم الذي أعتقه

ولنا إن هذا لا يمنع قتله وإذهاب نفسه وولائه فلأن لا يمنع تملكه أولى ولأن المملوك الذي لم يعتقه سيده يثبت الملك فيه للغانمين إذا لم يعرف مالكه بعينه ويثبت فيه إذا قسم قبل العلم بمالكه والملك آكد من الولاء فلأن يثبت مع الولاء وحده أولى

فعلى هذا لو كان المدبر ذميا فلحق بدار الحرب ثم مات سيده أو أعتقه ثم قدر عليه المسلمون فسبوه ملكوه وقسموه

وعلى قول القاضي ومذهب الشافعي لا يملكونه فإن كان سيده ذميا جاز استرقاقه في قول القاضي ولأصحاب الشافعي في استرقاقه وجهان أحدهما يجوز وهذا حجة عليهم لأن عصمة مال الذمي كعصمة مال المسلم بدليل قطع سارقه سواء كان مسلما أو ذميا ووجوب ضمانه وتحريم تملك ماله إذا أخذه الكفار ثم قدر عليه المسلمون فأدركه صاحبه قبل القسمة

وقال القاضي الفرق بينهما أن سيده ها هنا لو لحق بدار الحرب جاز تملكه فجاز تملك عتقه بخلاف المسلم قلنا إنما جاز استرقاق سيده لزوال عصمته وذهاب عاصمه وهو ذمته وعهده وأما إذا ارتد مدبره فإن عصمة ولائه ثابتة بعصمة من له ولاؤه وهو والمسلم في ذلك سواء فإذا جاز إبطال ولاء أحدهما جاز في الآخر مثله

فصل فإن ارتد سيده المدبر فذكر القاضي أن المذهب أنه يكون موقوفا فإن عاد إلى الإسلام فالتدبير باق بحاله لأنا تبينا أن ملكه لم يزل وإن قتل أو مات على ردته لم يعتق المدبر لأنا تبينا أن ملكه زال بردته

وقال أبو بكر قياس قول أبي عبد الله أن تدبيره يبطل بالردة فإن عاد إلى الإسلام استأنف التدبير وقال الشافعي التدبير باق ويعتق بموت سيده لأن تدبيره سبق ردته فهو كبيعه وهبته قبل ارتداده وهذا ينبني على القول في مال المرتد هل هو باق على ملكه أو قد زال بردته وقد ذكر في باب المرتد فأما إن دبر في حال ردته فتدبيره مراعى فإن عاد إلى الإسلام تبينا أن تدبيره وقع صحيحا وإن قتل أو مات على ردته تبينا أنه وقع باطلا ولم يعتق المدبر

وقال ابن أبي موسى تدبيره باطل وهذا قول أبي بكر لأن الملك عنده يزول بالردة وإذا أسلم رد إليه تملكا مستأنفا

مسألة

قال ( وما ولدت المدبرة بعد تدبيرها فولدها بمنزلتها


324

وجملته أن الولد الحادث من المدبرة بعد تدبيرها لا يخلو من حالين

أحدهما أن يكون موجودا حال تدبيرها ويعلم ذلك بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر من حين التدبير فهذا يدخل معها في التدبير بلا خلاف نعلمه لأنه بمنزلة عضو من أعضائها فإن بطل التدبير في الأم لبيع أو موت أو رجوع بالقول لم يبطل في الولد لأنه ثبت فيه أصلا

الحال الثاني أن تحمل به بعد التدبير فهذا يتبع أمه في التدبير ويكون حكمه كحكمها في العتق بموت سيدها في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والقاسم ومجاهد والشعبي والنخعي وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والثوري والحسن بن صالح وأصحاب الرأي

وذكرالقاضي أن حنبلا نقل عن أحمد أن ولد المدبرة عبد إذا لم يشرط المولى قال فظاهر هذا أنه لا يتبعها ولا يعتق بموت سيدها وهذا قول جابر بن زيد وعطاء وللشافعي قولان كالمذهبين

أحدهما لا يتبعها وهو اختيار المزني لأن عتقها معلق بصفة تثبت بقول المعتق وحده فأشبهت من علق عتقها بدخول الدار قال جابر بن زيد إنما هو بمنزلة الحائط تصدقت به إذا مت فإن ثمرته لك ما عشت ولأن التدبير وصية وولد الموصى بها قبل الموت لسيدها

ولنا ما روي عن عمر وابن عمر وجابر أنهم قالوا ولد المدبرة بمنزلتها ولم تعرف لهم في الصحابة مخالفا فكان إجماعا ولأن الأم استحقت الحرية بموت سيدها فيتبعها ولدها كأم الولد ويفارق التعليق بصفة في الحياة والوصية من جهة أن التدبير آكد من كل واحد منهما لأنه اجتمع فيه الأمران وما وجد فيه سببان آكد مما وجد فيه أحدهما وكذلك لا تبطل بالموت ولا بالرجوع عنه فعلى هذا إن بطل التدبير في الأم لمعنى اختص بها من بيع أو موت أو رجوع لم يبطل في ولدها ويعتق بموت سيدها كما لو كانت أمه باقية على التدبير فإن لم يتسع الثلث لهما جميعا أقرع بينهما فأيهما وقعت القرعة عليه عتق إن احتمله الثلث وإلا عتق منه بقدر الثلث وإن فضل من الثلث بعد عتقه شيء كمل من الآخر كما لو دبر عبدا وأمه معا وأما الولد الذي وجد قبل التدبير فلا نعلم خلافا في أنه لا يتبعها لأنه لا يتبع في العتق المنجز ولا في حكم الاستيلاد ولا في الكتابة فلأن لا يتبع في التدبير أولى قال الميموني قلت لأحمد ما كان من ولد المدبرة قبل أن تدبر يتبعها قال لا يتبعها من ولدها ما كان قبل ذلك إنما يتبعها ما كان بعد ما دبرت

وقال حنبل سمعت عمي يقول في الرجل يدبر الجارية ولها ولد قال ولدها معها وجعل أبو الخطاب هذه رواية في أن ولدها قبل التدبير يتبعها وهذا بعيد والظاهر أن أحمد لم يرد أن ولدها قبل التدبير معها وإنما أراد ولدها بعد التدبير على ما صرح به في غير هذه الرواية فإن ولدها الموجود لا يتبعها في عتق ولا كتابة ولا استيلاد ولا بيع ولا هبة ولا رهن ولا شيء من الأسباب الناقلة للملك في الرقبة

فصل فإن عتق أمته بصفة نظرنا فإن كانت حاملا حين التعليق تبعها فيه لأنه كعضو من أعضائها وإن كانت حاملا حين وجود الصفة عتق معها لذلك

وإن حملت بعد التعليق وولدت


325

قبل وجود الصفة لم يتبعها في الصفة ولم يعتق بوجودها

وفيه وجه آخر أنه يعتق بها ويتبع أمه في ذلك

ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين ووجه اتباعه إياها أنها استحقت الحرية فتبعها ولدها كالمدبرة

ولنا إنه يملكها ملكا كاملا ويباح له التصرف في رقبتها بأنواع التصرفات بغير خلاف فلم يعتق ولدها بعتقها كالموصي بعتقها أو الموكل فيه وتفارق المدبرة فإن التدبير آكد لما ذكرنا

ولهذا اختلف في جواز بيعها والتصرف فيها

فصل فأما ولد المدبر فحكمه حكم أمه لا نعلم فيه خلافا

وهذا قول ابن عمر وعطاء والزهري والأوزاعي والليث وذلك لأن الولد يتبع الأم في الرق والحرية وإن تسرى بإذن سيده فولد له أولاد

فروي عن أحمد أنهم يتبعونه في التدبير

وروي ذلك عن مالك

وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن إباحة التسري تنبني على ثبوت الملك وولد الحر من أمته يتبعه في الحرية دونها كذلك ولد المدبر من أمته يتبعه دونها ولأنه ولد من يستحق الحرية من أمته فيتبعه في ذلك كولد لمكاتب من أمته

فصل وإذا ولدت المدبرة فرجع في تدبيرها وقلنا بصحة الرجوع لم يتبعها ولدها لأن الولد المنفصل لا يتبع في الحرية ولا في التدبير ففي الرجوع أولى وإن رجع في تدبيره وحده جاز

لأنه إذا جاز الرجوع في الأم المباشرة بالتدبير ففي غيرها أولى كما لو دبرها وابنها المنفصل وإن دبرها حاملا ثم رجع في تدبيرها حال حملها لم يتبعها الولد في الرجوع لأن التدبير إعتاق والإعتاق مبني على التغليب والسراية والرجوع عنه بعكس ذلك فلم يتبع الولد فيه وهذا كما لو ولد له توأمان فأقر بأحدهما لزماه جميعا وإن نفى أحدهما لم ينتف الآخر وإن رجع فيهما جميعا جاز وإن رجع في أحدهما دون الآخر جاز وإن دبر الولد دون أمه أو الأم دون ولدها جاز لأنه يجوز أن يعتق كل واحد منهما دون صاحبه فجواز أن يدبر أحدهما دون صاحبه أولى ولأنه تعليق للعتق بصفة فجاز في أحدهما دون الآخر كالتعليق بدخول الدار وإن دبر أمته ثم قال إن دخلت الدار فقد رجعت في تدبيري لم يصح لأن الرجوع لا يصح تعليقه بصفة

وإن قال كلما ولدت ولدا فقد رجعت في تدبيره لم يصح لذلك

فصل وإذا اختلفت المدبرة وورثة سيدها في ولدها فقالت ولدتهم بعد تدبيري فعتقوا معي وقال الورثة بل ولدتهم قبل تدبيرك فهم مملوكون لنا

فالقول قول الورثة مع أيمانهم لأن الأصل بقاء رقهم وانتفاء الحرية عنهم فإذا لم تكن بينة فالقول قول من يوافق قوله الأصل

فصل وكسب المدبر في حياة سيده لسيده وله أخذه منه لأن التدبير لا يخرج عن شبهه بالوصية بالعتق أو بالتعليق له على صفة أو بالاستيلاد وكل هؤلاء كسبهم لسيدهم فكذلك المدبر فإن اختلف هو وورثة سيده فيما في يده بعد عتقه

فقال كسبته بعد حريتي وقالوا بل قبل ذلك

فالقول قوله


326

لأنه في يده ولم يثبت ملكهم عليه بخلاف الولد فإنه كان رقيقا لهم فإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه قدمت بينة الورثة عند من يقدم بينة الخارج وبينة المدبر عند من يقدم بينة الداخل وإن أقر المدبر أن ذلك كان في يده في حياة سيده ثم تجدد ملكه عليه بعد موته

فالقول قول الوارث لأن الأصل معهم فإن أقام المدبر بينة بدعواه قبلت وتقدم على بينة الورثة إن كانت لهم بينة لأن بينة المدبر تشهد بزيادة وإن لم يقر المدبر بأنه كان في يده في حياة سيده فأقام الورثة بينة به فهل تسمع بينتهم على وجهين

مسألة

قال ( وله إصابة مدبرته )

يعني له وطؤها

روي عن ابن عمر أنه دبر أمتين كان يطؤهما وممن رأى ذلك ابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والثوري والنخعي ومالك والأوزاعي والليث والشافعي

قال أحمد لا أعلم أحدا كره ذلك غير الزهري

وحكي عن الأوزاعي أنه كان يقول إن كان يطؤها قبل تدبيرها فلا بأس بوطئها بعده وإن كان لا يطؤها قبله لم يطأها بعد تدبيرها

ولنا إنها مملوكته لم تشتر نفسها منه فحل له وطؤها

لقول الله تعالى أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين المؤمنون 6 وكأم الولد

فصل وابنة المدبرة كأمها في حل وطئها إن لم يكن وطىء أمها وعنه ليس له وطؤها لأن حق الحرية ثبت لها تبعا أشبه ولد المكاتبة

ولنا إن ملك سيدها تام عليها فحل له وطؤها للآية وكأمها واستحقاقها للحرية لا يزيد على استحقاق أمها ولا يمنع ذلك وطأها

وأما ولد المكاتبة فألحقت بأمها وأمها يحرم وطؤها فكذلك ابنتها وأم هذه يحل وطؤها فيجب إلحاقها بها وكلام أحمد محمول على أنه وطىء أمها فحرمت عليه لذلك

مسألة

قال ( ومن أنكر التدبير لم يحكم عليه إلا بشاهدين عدلين أو شاهد ويمين العبد )

وجملته أن العبد إذا ادعى على سيده أنه دبره فدعواه صحيحة لأنه يدعي استحقاق العتق ويحتمل أن لا تصح الدعوى لأن السيد إذا أنكر التدبير كان بمنزلة إنكار الوصية وإنكار الوصية رجوع عنها في أحد الوجهين فيكون إنكار التدبير رجوعا عنه والرجوع عنه يبطله في أحد الوجهين فتبطل الدعوى والصحيح أن الدعوى صحيحة لأن الصحيح أن الرجوع عن التدبير لا يبطله ولو أبطله فما ثبت كون الإنكار رجوعا ولو ثبت ذلك فلا يتعين الإنكار جوابا للدعوى فإنه يجوز أن يكون جوابها إقرارا

فإذا ثبت هذا فإن السيد إن أقر فلا كلام وإن أنكر ولم تكن للعبد بينة فالقول قول المنكر مع يمينه لأن الأصل عدمه وإن كانت للعبد


327

بينة حكم بها ويقبل فيه شاهدان عدلان بلا خلاف وإن لم يكن له إلا شاهد واحد وقال أنا أحلف معه أو شاهد وامرأتان ففيه روايتان إحداهما لا يحكم به وهو مذهب الشافعي لأن الثابت به الحرية وكمال الأحكام وهذا ليس بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال فأشبه النكاح والطلاق

والثانية يثبت بذلك لأنه لفظ يزول به ملكه عن مملوكه فأشبه البيع وهذا أجود لأن البينة إنما تراد لإثبات الحكم على المشهود عليه وهي في حقه إزالة ملكه عن ماله فثبت بهذا وإن حصل به غرض آخر للمشهود له فلا يمنع ذلك من ثبوته بهذه البينة ولأن العتق مما يتشوف إليه ويبنى على التغليب والسراية فينبغي أن يسهل طريق إثباته وإن كان الاختلاف بين العبيد وورثة السيد بعد موته فهو كما لو كان الخلاف مع السيد إلا أن الدعوى صحيحة بغير خلاف لأنهم لا يملكون الرجوع وأيمانهم على نفي العلم لأن الخلاف في فعل موروثهم وأيمانهم على نفي فعله وتجب اليمين على كل واحد من الورثة ومن نكل منهم عتق نصيبه ولم يسر إلى باقيه وكذلك إن أقر لأن إعتاقه بفعل الموروث لا بفعل المقر ولا الناكل

مسألة

قال ( وإذا دبر عبده ومات وله مال غائب أو دين في ذمة موسر أو معسر عتق من المدبر ثلثه وكلما اقتضى من دينه شيء أو حضر من ماله الغائب شيء عتق من المدبر مقدار ثلثه كذلك من يعتق الثلث حتى كله )

وجملة ذلك أن السيد إذا دبر عبده ومات وله مال سواه يفي بثلثي ماله إلا أنه غائب أو دين في ذمة إنسان لم يعتق جميع العبد لجواز أن يتلف الغائب أو يتعذر استيفاء الدين فيكون العبد جميع التركة وهو شريك الورثة فيها له ثلثها ولهم ثلثاها فلا يجوز أن يحصل على جميعها ولكنه يتنجر عتق ثلثه ويبقى ثلثاه موقوفين لأن ثلثه حر على كل حال لأن أسوأ الأحوال أن لا يحصل من سائر المال شيء فيكون العبد جميع التركة فيعتق ثلثه كما لو لم يكن له مال سواه وكلما اقتضى من الدين شيء أو حضر من الغائب شيء عتق من المدبر قدر ثلثه فإذا كانت مائة وقدم من الغائب مائة عتق ثلثه الثاني فإذا قدمت مائة أخرى عتق ثلثه الباقي وإن بقي له دين بعد ذلك أو مال غائب لم يؤثر بقاؤه لأن الحاصل من المال يخرج المدبر كله من ثلثه وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي ولهم وجه آخر لا يعتق منه شيء حتى يستوفى من الدين شيء أو يقدم من الغائب شيء فيعتق من العبد قدر نصفه لأن الورثة لم يحصل لهم شيء والعبد شريكهم فلا يجوز أن يحصل على شيء ما لم يحصل لهم مثلاه فإن تلف الغائب ويئس من استيفاء الدين عتق ثلثه حينئذ وملكوا ثلثيه لأن العبد صار جميع التركة وهذا لا يصح لأن ثلث العبد خارج من الثلث يقينا وإنما الشك في الزيادة عليه وما خرج من الثلث يقينا يجب أن يكون يقينا حرا لأن التدبير صحيح ولا خلاف في أنه ينفذ في الثلث ووقف هذا الثلث على العتق مع يقين حصول العتق فيه ووجود المقتضي له وعدم الفائدة في وقفه لا معنى له وكون الورثة لم يحصل لهم شيء لمعنى اختص بهم لا يوجب أن لا يحصل


328

له شيء مع عدم ذلك المعنى فيه ألا ترى أنه لو أبرأ غريمه من دينه وهو جميع التركة فإنه يبرأ من ثلثه ولم يحصل للورثة شيء ولو كان الدين مؤجلا فأبرأه منه برىء من ثلثه في الحال وتأخر استيفاء الثلثين إلى الأجل ولو كان الغريم معسرا برىء من ثلثه في الحال وتأخر الباقي إلى الميسرة ولأن تأخير عتق الثلث لا فائدة للورثة فيه ويفوت نفعه للمدبر فينبغي أن لا يثبت

فإذا ثبت هذا فإن العبد إذا عتق كله بقدوم الغائب أو استيفاء الدين تبينا أنه كان حرا حين الموت فيكون كسبه له لأنه إنما عتق بالتدبير ووجود الشرط الذي علق عليه السيد حريته وهو الموت وإنما وقفناه للشك في خروجه من الثلث فإذا زال الشك تبينا أنه كان حاصلا قبل زوال الشك وإن تلف المال تبينا أنه كان ثلثاه رقيقا ولم يعتق منه سوى ثلثه وإن تلف بعض المال رق من المدبر ما زاد على قدر ثلث الحاصل من المال

فصل وإن كان المدبر عبدين وله دين يخرجان من ثلث المال على تقدير حصوله أقرعنا بينهما فيعتق ممن تخرج له القرعة قدر ثلثهما وكان باقيه والعبد الآخر موقوفا فإذا استوفى من الدين شيء كمل من عتق من وقعت له القرعة قدر ثلثه وما فضل عتق من الآخر كذلك حتى يعتقا جميعا أو مقدار الثلث منهما

وإن تعذر استيفاء الدين لم يرد العتق على قدر ثلثهما وإن خرج الذي وقعت له القرعة مستحقا بطل العتق فيه وعتق من الآخر ثلثه

فصل وإذا دبر عبدا قيمته مائة وله مائة دينا عتق ثلثه ورق ثلثه ووقف ثلثه على استيفاء الثلث الباقي وإذا كانت له مائة حاضرة مع ذلك عتق من المدبر ثلثاه ووقف عتق ثلثه على استيفاء الدين

فصل وإن دبر عبده وقيمته مائة وله ابنان وله مائتان دينا على أحدهما عتق من المدبر ثلثاه لأن حصة الذي عليه الدين منه كالمستوفى ويسقط عن الذي عليه الدين منه نصفه لأنه قدر حصته من الميراث ويبقى الآخر عليه مائة كلما استوفى منها شيئا عتق قدر ثلثه وإن كانت المائتان دينا على الابنين بالسوية عتق المدبر كله لأن كل واحد منهما عليه قدر حقه وقد حصل ذلك بسقوطه من ذمته

فصل فإن دبر عبدا قيمته مائة وخلف ابنين ومائتي درهم دينا له على أحدهما ووصى لرجل بثلث ماله عتق من المدبر ثلثه وسقط عن الغريم مائة وكان للموصى له سدس العبد واللابنين ثلثه ويبقى سدس العبد موقوفا لأن الحاصل من المال ثلثاه وهو العبد والمائة الساقطة عن الغريم وثلث ذلك مقسوم بين المدبر والوصي نصفين فحصة المدبر منه ثلثه يعتق في الحال ويبقى له السدس موقوفا فكلما اقتضى من المائة الباقية شيء عتق


329

من المدبر قدر سدسه ويكون المستوفى بين الابنين والوصي أثلاثا فإذا استوفيت كلها حصل للابن ثلثاها وثلث العبد وهو قدر حقه وكمل في المدبر عتق نصفه وحصل للوصي سدس العبد وثلث المائة وهو قدر حقه وإن كان الدين على أجنبي لم يعتق من المدبر إلا سدسه لأن الحاصل من التركة هو العبد وثلثه بينه وبين الوصي الآخر وللوصي سدسه ولكل ابن سدسه ويبقى ثلثه موقوفا فكلما اقتضى من الدين شيء عتق من المدبر قدر سدسه وكان المستوفى بين الابنين والوصي أسداسا للوصي سدسه ولهما خمسة أسداسه فيحصل لكل واحد نصف المائة وثلثها وسدس العبد وهو قدر حقه ويحصل لوصي سدس المائتين وسدس العبد وهو قدر حقه ويعتق من المدبر نصفه وهو قدر حقه

مسألة

قال ( وإذا دبر قبل البلوغ كان تدبيره جائزا إذا كان له عشر سنين فصاعدا وكان يعرف التدبير وما قلته في الرجل فالمرأة مثله إذا كان لها تسع سنين فصاعدا )

وجملته أن تدبير الصبي المميز ووصيته جائزة وهذا إحدى الروايتين عن مالك وأحد قولي الشافعي قال بعض أصحابه هو أصح قوليه

وروي ذلك عن عمر وشريح وعبد الله بن عتبة وقال الحسن وأبو حنيفة لا يصح تدبيره كالمجنون وهو الرواية الثانية عن مالك والقول الثاني للشافعي لأنه لا يصح إعتاقه فلم يصح تدبيره كالمجنون

ولنا ما روى سعيد عن هشيم عن يحيى عن ابن سعيد عن أبي بكر بن محمد أن غلاما من الأنصار أوصى لأخوال له من غسان بأرض يقال لها بئر جئم قومت بثلاثين ألفا فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فأجاز الوصية قال يحيى بن سعيد وكان الغلام ابن عشر سنين أو اثنتي عشرة سنة

وروي أن قوما سألوا عمر رضي الله عنه عن غلام من غسان يافع وصى لبنت عمه فأجاز عمر وصيته ولم نعرف له مخالفا ولأن صحة وصيته وتدبيره أحظ له بيقين لأنه ما دام باقيا لا يلزمه فإذا مات كان ذلك صلة وأجرا فصح كوصية المحجور عليه لسفه ويخالف العتق لأن فيه تفويت ماله عليه في حياته ووقت حاجته فأما تقييد من يصح تدبيره بمن له عشر فلقول النبي صلى الله عليه وسلم اضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع وهو قول الذي ورد فيه الخبر عنعمر رضي الله عنه واعتبر المرأة بتسع لقول عائشة رضي الله عنها إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة ويروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا ولأنه السن الذي يمكن بلوغها فيه ويتعلق به أحكام سوى ذلك

فصل ويصح منه الرجوع إن قلنا بصحة الرجوع من المكلف لأن من صحت وصيته صح رجوعه كالمكلف وإن أراد بيع المدبر قام وليه في بيعه مقامه وإن أذن له وليه في بيعه فباعه صح منه

فصل ويصح تدبير المحجور عليه لسفه ووصيته لما ذكرنا في الصبي ولا تصح وصية المجنون ولا تدبيره لأنه لا يصح شيء من تصرفاته وإن كان يجن يوما ويفيق يوما صح تدبيره في إفاقته

فصل ويصح تدبير الكافر ذميا كان أو حربيا في دار الإسلام ودار الحرب لأن له ملكا صحيحا فصح تصرفه فيه كالمسلم فإن قيل لو كان ملكه صحيحا لم يملك عليه بغير اختياره قلنا هذا لا ينافي الملك بدليل أنه يملك في النكاح ويملك زوجته عليه بغير اختياره ومن عليه الدين إذا امتنع من قضائه أخذ من ماله بقدر ما عليه بغير اختياره وحكم تدبيره حكم تدبير المسلم على ما ذكرنا فإن أسلم مدبر الكافر أمر بإزالة


330

ملكه عنه وأجبر عليه لئلا يبقى الكافر مالكا للمسلم كغير المدبر ويحتمل أن يترك في يد عدل وينفق عليه من كسبه فإن لم يكن له كسب أجبر سيده على الإنفاق عليه

وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه بناء على أن بيع المدبر غير جائز ولأن في بيعه إبطال سبب العتق وإزالة غرضيته فكان إبقاؤه أصلح فتعين كأم الولد فإن قلنا ببيعه فباعه بطل تدبيره وإن قلنا يترك في يد عدل فإنه يستنيب من يتولى استعماله واستكسابه وينفق عليه من كسبه وما فضل فلسيده وإن لم يف بنفقته فالباقي على سيده وإن اتفق هو وسيده على المخارجة جاز وينفق على نفسه مما فضل من كسبه فإذا مات سيده عتق إن خرج من الثلث وإلا عتق منه بقدر الثلث وبيع الباقي على الورثة إن كانوا كفارا وإن أسلموا بعد الموت ترك وإن رجع سيده في تدبيره وقلنا بصحة الرجوع بيع عليه وإن كان المدبر كمستأمن وأراد أن يرجع به إلى دار الحرب ولم يكن أسلم لم يمنع من ذلك وإن كان قد أسلم منع منه لأننا نحول بينه وبينه في دار الإسلام فأولى أن يمنع من التمكن به في دار الحرب

مسألة

قال ( وإذا قتل المدبر سيده بطل تدبيره )

إنما يبطل تدبيره بقتله سيده لمعنيين أحدهما أنه قصد استعجال العتق بالقتل المحرم فعوقب بنقيض قصده وهو إبطال التدبير كمنع الميراث بقتل الموروث ولأن العتق فائدة تحصل بالموت فتنتفي بالقتل كالإرث والوصية

والثاني أن التدبير وصية فتبطل بالقتل كالوصية بالمال ولا يلزم على هذا عتق أم الولد لكونه آكد فإنها صارت بالاستيلاد بحال لا يمكن نقل الملك فيها بحال ولذلك لم يجز بيعها ولا هبتها ولا رهنها ولا الرجوع عن ذلك بالقول ولا غيره والإرث نوع من النقل فلو لم تعتق بموت سيدها لا نتقل الملك فيها إلى الوارث ولا سبيل إليه بخلاف المدبر ولأن سبب حرية أم الولد الفعل والبعضية التي حصلت بينها وبين سيدها بواسطة ولدها وهذا آكد من القول ولهذا انعقد استيلاد المجنون ولم ينفذ إعتاقه ولا تدبيره وسرى حكم استيلاد المعسر إلى نصيب شريكه بخلاف الإعتاق وعتقت من رأس المال والتدبير لا ينفذ إلا في الثلث ولا يملك الغرماء إبطال عتقها وإن كان سيدها مفلسا بخلاف المدبر ولا يلزم من الحكم في موضع تأكد الحكم فيما دونه كما لم يلزم إلحاقه به في هذه المواضع التي افترقا فهيا

إذا ثبت هذا فلا فرق بين كون القتل عمدا أو خطأ كما لا فرق بين ذلك في حرمان الإرث وإبطال وصية القاتل

فصل فأما سائر جناياته غير قتل سيده فلا تبطل تدبيره لكن إن كانت جناية موجبة للمال أو موجبة للقصاص فعفا الولي إلى مال تعلق المال برقبته فمن جوز بيعه جعل سيده بالخيار بين تسليمه فيباع في الجناية وبين فدائه فإن سلمه في الجناية فبيع فيها بطل تدبيره وإن عاد إلى سيده عاد تدبيره وإن اختار فداءه وفداه بما يفدى به العبد فهو مدبر بحاله ومن لم يجز بيعه عين فداءه على سيده كأم الولد وإن كانت الجناية موجبة للقصاص فاقتص منه في النفس بطل تدبيره وإن اقتص منه في الطرف فهو مدبر بحاله وإذا


331

مات سيده بعد جنايته وقبل استيفائها عتق على كل حال سواء كانت موجبة للمال أو القصاص لأن صفة العتق وجدت فيه فأشبه ما لو باشره به فإن كان الواجب قصاصا استوفي سواء كانت جنايته على عبد أو حر لأن ا لقصاص قد استقر وجوبه عليه في حال رقه فلا يسقط بحدوث الحرية فيه وإن كان الواجب عليه مالا في رقبته فدي بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته وإن جنى على المدبر فأرش الجناية لسيده

فإن كانت الجناية على نفسه وجبت قيمته لسيده وبطل التدبير بهلاكه فإن قيل فهلا جعلتم قيمته قائمة مقامه كالعبد المرهون والموقوف إذا جنى عليه قلنا الفرق بينهما من ثلاثة أوجه أحدها أن كل واحد من الوقف والرهن لازم فتعلق الحق ببدله والتدبير غير لازم لأنه يمكن إبطاله بالبيع وغيره فلم يتعلق الحق ببدله

الثاني أن الحق في التدبير للمدبر فبطل حقه بفوات مستحقه والبدل لا يقوم مقامه في الاستحقاق والحق في الوقف للموقوف عليه وفي الرهن للمرتهن وهو باق فيثبت حقه في بدل محل حقه

الثالث أن المدبر إنما ثبت حقه بوجود موت سيده فإذا هلك قبل سيده فقد هلك قبل ثبوت الحق له فلم يكن له بدل بخلاف الرهن والوقف فإن الحق ثابت فيهما فقام بدلهما مقامهما وبين الرهن والمدبر فرق رابع وهو أن الواجب القيمة ولا يمكن وجود التدبير فيها ولا قيامها مقام المدبر فيه وإن أخذ عبدا مكانه فليس هو البدل إنما هو بدل القيمة بخلاف الرهن فإن القيمة يجوز أن تكون رهنا فإن قيل فهذا يلزم عليه الموقوف فإنه إذا قتل أخذت قيمته فاشتري بها عبد يكون وقفا مكانه قلنا قد حصل الفرق بين المدبر والرهن من الوجوه الثلاثة وكونه لا يحصل الفرق بينه وبين الوقف من هذا الوجه لا يمنع أن يحصل الفرق بينه وبين الرهن به

فصل وإذا دبر السيد عبده ثم كاتبه جاز نص عليه أحمد

وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة والحسن ولفظ حديث أبي هريرة عن مجاهد قال دبرت امرأة من قريش خادما لها

ثم أرادت أن تكاتبه قال فكنت الرسول إلى أبي هريرة فقال كاتبيه فإن أدى كتابته فذاك وإن حدث بك حدث عتق قال وأراه قال على ما كان عليه له ولأن التدبير إن كان عتقا بصفة لم يمنع الكتابة كالذي علق عتقه بدخول الدار وإن كان وصية لم يمنعها كما لو وصى بعتقه ثم كاتبه ولأن التدبير والكتابة سببان للعتق فلم يمنع أحدهما الآخر كتدبير المكاتب وذكر القاضي أن التدبير يبطل بالكتابة إذا قلنا هو وصية كما لو وصى به لرجل ثم كاتبه وهذا يخالف ظاهر كلام أحمد وهو غير صحيح في نفسه ويفارق التدبير والوصية به لرجل لأن مقصود الكتابة والتدبير لا يتنافيان إذ كان المقصود منهما جميعا العتق فإذا اجتمعا كان آكد لحصوله فإنه إذا فات عتقه من أحدهما حصل بالآخر وأيهما وجد قبل صاحبه حصل العتق به ومقصود الوصية به يتنافيان لأن الكتابة تراد للعتق والوصية تراد لحصول الملك فيه للموصى له ولا يجتمعان

إذا ثبت هذا فإنه


332

إن أدى في حياة السيد صار حرا بالكتابة وبطل التدبير وإن مات السيد قبل الأداء عتق بالتدبير إن خرج من الثلث وبطلت الكتابة وإن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث وسقط من الكتابة بقدر ما عتق وكان على الكتابة فيما بقي فإن أدى البعض ثم مات سيده عتق كله وسقط باقي الكتابة إن خرج من الثلث وإن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث وسقط مما بقي من الكتابة بقدر ثلث المال وأدى ما بقي


333

كتاب المكاتب

الكتابة إعتاق السيد عبده على مال في ذمته يؤدى مؤجلا سميت كتابة لأن السيد يكتب بينه وبينه كتابا بما اتفقا عليه وقيل سميت كتابة من الكتب وهو الضم لأن المكاتب يضم بعض النجوم إلى بعض ومنه سمي الخرز كتابا لأنه يضم أحد الطرفين إلى الآخر بخرزة وقال الحريري وكاتبين وما خطت أناملهم حرفا ولا قرؤوا ما خط في الكتب وقال ذو الرمة في ذلك المعنى وفراء عرفته أنأى خوارزها مشلشل صنعته بينها الكتب يصف قربة يسيل الماء من بين خرزها وسميت الكتيبة كتيبة لانضمام بعضها إلى بعض والمكاتب يضم بعض نجومه إلى بعض والنجوم ها هنا الأوقات المختلفة لأن العرب كانت لا تعرف الحساب وإنما تعرف الأوقات بطلوع النجوم كما قال بعضهم إذا سهيل أول الليل طلع فابن اللبون الحق والحق جذع فسميت الأوقات نجوما والأصل في الكتابة الكتاب والسنة والإجماع

أما الكتاب فقول الله تعالى والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا النور 33

أما السنة فما روى سعيد عن سفيان عن الزهري عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه وروى سهل بن حنيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعان غارما أو غازيا أو مكاتبا في كتابته أظله الله يوم لا ظل إلا ظله في أحاديث كثيرة سواهما وأجمعت الأمة على مشروعية الكتابة

فصل إذا سأل العبد سيده مكاتبته استحب له إجابته إذا علم فيه خيرا ولم يجب ذلك في ظاهر المذهب وهو قول عامة أهل العلم منهم الحسن والشعبي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد أنها واجبة إذا دعا العبد المكتسب الصدوق سيده إليها فعليه إجابته وهو قول عطاء والضحاك وعمرو بن دينار وداود وقالإسحاق أخشى أن يأثم إن لم يفعل ولا يجبر عليه ووجه ذلك قول الله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا النور 33 وظاهر الأمر الوجوب

وروي أن سيري أبا محمد بن سيرين كان عبدا لأنس بن مالك فسأله أن يكاتبه فأبى فأخبر سيرين عمر بن الخطاب بذلك فرفع الدرة على أنس وقرأ عليه والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا النور 33 فكاتبه أنس


334

ولنا إنه إعتاق بعوض فلم يجب كالاستسعاء والآية محمولة على الندب قول عمر رضي الله عنه يخالف فعل أنس ولا خلاف بينهم في أن من لا خير فيه لا تجب إجابته قال أحمد الخير صدق وصلاح ووفاء بمال الكتابة ونحو هذا قال إبراهيم وعمرو بن دينار وغيرهما وعبارتهم في ذلك مختلفة

قال ابن عباس غنى وإعطاء للمال وقال مجاهد غنى وأداء وقال النخعي صدق ووفاء وقال عمرو بن دينار مال وصلاح وقال الشافعي قوة على الكسب وأمانة وهل تكره كتابة من لا كسب له أو لا قال القاضي ظاهر كلام أحمد كراهيته وكان ابن عمر رضي الله عنه يكرهه وهو قول مسروق والأوزاعي وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يكره ولم يكرهه الشافعي وإسحاق وابن المنذر وطائفة من أهل العلم لأن جويرية بنت الحارث كاتبها ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها فأدى عنها كتابتها وتزوجها واحتج ابن المنذر بأن بريرة كاتبت ولا حرفة لها ولم ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجه الأول ما ذكرنا في عتقه وينبغي أن ينظر في المكاتب فإن كان ممن يتضرر بالكتابة ويضيع لعجزه عن الإنفاق على نفسه ولا يجد من ينفق عليه كرهت كتابته وإن كان يجد من يكفيه مؤنته لم تكره كتابته لحصول النفع بالحرية من غير ضرر

فأما جويرية فإنها كانت ذات أهل ومال وكانت ابنة سيد قومه فإذا عتقت رجعت إلى أهلها فأخلف الله لها خيرا من أهلها فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصارت إحدى أمهات المؤمنين وأعتق الناس ما كان بأيديهم من قومها حين بلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وقالوا أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ير امرأة أعظم بركة على قومها منها وأما بريرة فإن كتابتها تدل على إباحة ذلك وأنه ليس بمنكر ولا خلاف فيه وإنما الخلاف في كراهته وقال مسروق إذا سأل العبد مولاه المكاتبة فإن كان له مكسبة أو كان له مال فليكاتبه وإن لم يكن له مال ولا مكسبة فليحسن ملكته ولا يكلفه إلا طاقته

فصل ولا تصح الكتابة إلا ممن يصح تصرفه فأما المجنون والطفل فلا تصح مكاتبتهما لرقيقهما ولا مكاتبة سيدهما لهما وأما الصبي المميز فإن كاتب عبده فإن كاتب عبده بإذن وليه صح ويحتمل أن لا يصح بناء على قولنا إنه لا يصح بيعه بإذن وليه ولأن هذا عقد إعتاق فلم يصح منه كالعتق بغير مال فأما إن لم يأذن وليه فيه فلا يصح بحال وإن كان المميز سيده صح وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يصح فيهما جميعا بحال لأنه ليس بمكلف فأشبه المجنون

ولنا إنه يصح تصرفه وبيعه بإذن وليه فصحت منه الكتابة بذلك كالمكلف ودليل صحة تصرفه قول الله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح النساء 6 والابتلاء الاختبار له بتفويض التصرف إليه ليعلم هل يقع منه على وجه المصلحة أو لا وهل يغبن في بيعه وشرائه أو لا وإيجاب السيد لعبده المميز المكاتبة إذن له في قبولها

إذا ثبت هذا فإن كان السيد المكاتب طفلا أو مجنونا فلا حكم لتصرفه ولا قوله وإن


335

كاتب المكلف عبده الطفل أو المجنون لم يثبت لهذا التصرف حكم الكتابة الصحيحة ولا الفاسدة لأنه لا حكم لقولهما ولكن إن قال إن أديتما إلي فأنتما حران فأديا عتق بالصفة لا بالكتابة وما في أيديهما لسيدهما وإن لم يقل ذلك لم يعتقا ذكره أبو بكر وقال القاضي يعتقان وهو مذهب الشافعي لأن الكتابة تتضمن معنى الصفة فيحصل العتق ها هنا بالصفة المحضة كما لو قال إن أديت إلي فأنت حر

ولنا أنه ليس بصفة صريحا ولا معنى وإنما هو عقد باطل فأشبه البيع ا الباطل

فصل وإذا كاتب الذمي عبده المسلم صح لأنه عقد معاوضة أو عتق بصفة وكلاهما يصح منه وإذا ترافعا إلى الحاكم بعد الكتابة نظر في العقد فإن كان موافقا للشرع أمضاه سواء ترافعا قبل إسلامهما أو بعده وإن كاتب كتابة فاسدة مثل أن يكون العوض خمرا أو خنزيرا أو غير ذلك من أنواع الفساد ففيه ثلاث مسائل أحدها أن يكونا قد تقابضا حال الكفر فتكون الكتابة ماضية والعتق حاصل لأن ما تم في حال الكفر لا ينقضه الحاكم ويحكم بالعتق سواء ترافعا قبل الإسلام أو بعده

الثانية تقابضا بعد الإسلام ثم ترافعا إلى الحاكم فإنه يعتق أيضا لأن هذه كتابة فاسدة ويكون حكمها حكم الكتابة الفاسدة المعقودة في الإسلام على ما سنذكره إن شاء الله تعالى

الثالثة ترافعا قبل قبض العوض الفاسد أو قبض بعضه فإن الحاكم يرفع هذه الكتابة ويبطل لأنها كتابة فاسدة لم يتصل بها قبض تنبرم به ولا فرق بين إسلامهما أو إسلام أحدهما فيما ذكرناه لأن التغليب لحكم الإسلام وقال أبو حنيفة إذا كاتبه على خمر ثم أسلما لم يفسد العقد ويؤدي قيمة الخمر لأن الكتابة كالنكاح ولو أمهرها خمرا ثم أسلما بطل الخمر ولم يبطل النكاح

ولنا إن هذا عقد لو عقده المسلم كان فاسدا فإذا أسلما قبل التقابض أو أحدهما حكم بفساده كالبيع الفاسد ويفارق النكاح فإنه لو عقده المسلم بخمر كان صحيحا وإن أسلم مكاتب الذمي لم تنفسخ الكتابة لأنها وقعت صحيحة ولا يجبر على إزالة ملكه لأنه خارج بالكتابة عن تصرف الكافر فيه فإن عجز أجبر على إزالة ملكه عنه حينئذ وإن اشترى مسلما فكاتبه لم تصح الكتابة لأن الشراء باطل ولم يثبت له به ملك وإن أسلم عبده فكاتبه بعد إسلامه لم تصح كتابته لأنه يلزم إزالة ملكه عنه والكتابة لا تزيل الملك فإن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وقال القاضي له كتابته لأنه يخرج بها عن تصرف سيده فيه فإن عجز عاد رقيقا قنا وأجبر على إزالة ملكه عنه حينئذ

فصل وإن كاتب الحربي عبده صحت كتابته سواء كان في دار الحرب أو دار الإسلام وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يصح لأن ملكه ناقص وحكي عن مالك أنه لا يملك بدليل أن للمسلم تملكه عليه


336

ولنا قول الله تعالى وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم الأحزاب 27 وهذه الإضافة إليهم تقتضي صحة تصرفاتهم فإذا ثبت هذا فإذا كاتب عبده ثم دخلا مستأمنين إلينا لم يتعرض الحاكم لهما وإن ترافعا إليه نظر بينهما فإن كانت كتابتهما صحيحة ألزمهما حكمها وإن كانت فاسدة بين لهما فسادها وإن جاءا وقد قهر أحدهما صاحبه بطلت الكتابة لأن العبد إن قهر سيده ملكه فبطلت كتابته لخروجه عن ملك سيده وإن قهره السيد على إبطال الكتابة ورده رقيقا بطلت لأن دار الكفر دار قهر وإباحة ولهذا لو قهر حر حرا على نفسه ملكه وإن دخلا من غير قهر فقهر أحدهما الآخر في دار الإسلام لم تبطل الكتابة وكانا على ما كانا عليه قبله لأن دار الإسلام دار حظر لا يؤثر فيها القهر إلا بالحق إن دخلا مستأمنين ثم أرادا الرجوع إلى دار الحرب لم يمنعا وإن أراد السيد الرجوع وأخذ المكاتب معه فأبى المكاتب الرجوع معه لم يجبر لأنه بالكتابة زال ملكه وسلطانه عنه وإنما له في ذمته حق ومن له في ذمة غيره حق لا يملك إجباره على السفر معه لأجله ويقال للسيد إن أردت الإقامة في دار الإسلام لتستوفي مال الكتابة فاعقد الذمة وأقم إن كانت مدتها طويلة وإن أردت توكيل من يقبض لك نجوم الكتابة فافعل فإذا أدى نجوم الكتابة عتق ثم هو مخير إن أحب أن يقيم في دار الإسلام عقد على نفسه الذمة وإن أحب الرجوع لم يمنع وإن عجز وفسخ السيد كتابته عاد رقيقا ويرد إلى سيده والأمان له باق لأنه من مال سيده وسيده عقد الأمان لنفسه وماله فإذا انتقض الأمان في نفسه بعوده لم ينتقض في ماله وإن كاتبه في دار الحرب فهرب ودخل إلينا بطلت الكتابة فإن ملكه زال عنه بقهره على نفسه فأشبه ما لو قهره على غيره من ماله وسواء جاءنا مسلما أو غير مسلم وإن جاءنا بإذن سيده فالكتابة بحالها لأنه لم يقهر سيده فإذا دخل إلينا بأمان بإذن سيده ثم سبى المسلمون سيده وقتل انتقلت الكتابة إلى ورثته كما لو مات حتف أنفه وإن من عليه الإمام أ وفاداه أو هرب فالكتابة بحالها وإن استرقه الإمام فالمكاتب موقوف إن عتق سيده فالكتابة بحالها وإن مات أو قتل فالمكاتب للمسلمين مبقي على ما بقي من كتابته يعتق بأدائه إليهم وولاؤه لهم وإن عجز فهو رقيق لهم وإن أراد المكاتب الأداء قبل عتق سيده وموته أدى إلى الحاكم أو إلى أمينه وكان المال المقبوض موقوفا على ما ذكرناه بعتق المكاتب بالأداء وسيده رقيق لا يثبت له ولاء

وقال أبو بكر يكون الولاء للمسلمين وقال القاضي يكون موقوفا فإن عتق سيده فهو له وإن مات على رقه فهو للمسلمين وإن كان استرقاق سيده بعد عتق المكاتب وثبوت الولاء عليه فقال القاضي يكون ولاؤه موقوفا فإن عتق السيد كان الولاء له وإن قتل أو مات على رقه بطل الولاء لأنه رقيق لا يورث فيبطل الولاء لعدم مستحقه وينبغي أن يكون للمسلمين لأن مال من لا وارث له للمسلمين فكذلك الولاء والله أعلم

فصل وإن كاتب المرتد عبده فعلى قول أبي بكر الكتابة باطلة لأن ملكه زال بردته وعلى


337

الظاهر من المذهب كتابته موقوفة إن أسلم تبينا أنها كانت صحيحة وإن قتل أو مات على ردته بطلت وإن أدى في ردته لم يحكم بعتقه ويكون موقوفا فإن أسلم سيده تبينا صحة الدفع إليه وعتقه وإن قتل أو مات على ردته فهو باطل والعبد رقيق وإن كاتبه وهو مسلم ثم ارتد وحجر عليه لم يكن للعبد الدفع إليه ويؤدي إلى الحاكم ويعتق بالأداء وإن دفع إلى المرتد كان موقوفا كما ذكرنا وإن كاتب المسلم عبده المرتد صحت كتابته لأنه يصح بيعه فإذا أدى عتق وإن أسلم فهو على كتابته

فصل وكتابة المريض صحيحة فإن كان مرض الموت المخوف اعتبر من ثلثه لأنه بيع ماله بماله فجرى مجرى الهبة وكذلك يثبت الولاء على المكاتب لكونه معتقا فإن خرج من الثلث كانت الكتابة لازمة وإن لم يخرج من الثلث لزمت الكتابة في قدر الثلث وسائره موقوف على إجازة الورثة فإن أجازت جازت وإن ردتها بطلت وهذا قول الشافعي وقال أبو الخطاب في رؤوس المسائل تجوز الكتابة من رأس المال لأنه عقد معاوضة أشبه البيع

مسألة

قال ( وإذا كاتب عبده أو أمته على أنجم فأديت الكتابة فقد صار العبد حرا وولاؤه لمكاتبه )

في هذه المسألة ثلاثة فصول أحدها أن ظاهر هذا الكلام أن الكتابة لا تصح حالة ولا تجوز إلا مؤجلة منجمة وهو ظاهر المذهب وبه قال الشافعي وقال مالك و أبو حنيفة تجوز حالة لأنه عقد على عين فإذا كان عوضه في الذمة جاز أن يكون حالا كالبيع

ولنا إنه روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم عقدوا الكتابة ولم ينقل عن واحد منهم أنه عقدها حالة ولو جاز ذلك لم يتفق جميعهم على تركه ولأن الكتابة عقد معاوضة يعجز عن أدائها عوضها في الحال فكان من شرطه التأجيل كالسلم على أبي حنيفة ولأنها عقد معاوضة يلحقه الفسخ من شرطه ذكر العوض فإذا وقع لعى وجه يتحقق فيه العجز عن العوض لم يصح كما لو أسلم في شيء لا يوجد عند محله ويفارق البيع لأنه لا يتحقق في العجز عن العوض لأن المشتري يملك المبيع والعبد لا يملك شيئا وما في يده لسيده وفي التنجيم حكمتان إحداهما يرجع إلى المكاتب وهي التخفيف عليه لأن الأداء مفرقا أسهل ولهذا تسقط الديون على المعسرين عادة تخفيفا عليهم

والأخرى للسيد وهي أن مدة الكتابة تطول غالبا فلو كانت على نجم واحد لم يظهر عجزه إلا في آخر المدة فإذا عجز عاد إلى الرق وفاتت منافعه في مدة الكتابة كلها على السيد من غير نفع حصل له وإذا كانت منجمة نجوما فعجز عن النجم الأول فمدته يسيرة وإن عجز عما بعده فقد حصل للسيد نفع بما أخذه


338

من النجوم قبل عجزه

إذا ثبت هذا فأقله نجمان فصاعدا وهذا مذهب الشافعي

ونقل عن أحمد أنه قال من الناس من يقول نجم واحد منهم من يقول نجمان ونجمان أحب إلي وهذا يحتمل أن يكون معناه أني أذهب إلى أنه لا يجوز إلا نجمان ويحتمل أن يكون المستحب نجمين ويجوز نجم واحد

قال ابن أبي موسى هذا على طريق الاختيار وإن جعل المال كله في نجم واحد جاز لأنه عقد يشترط فيه التأجيل فجاز أن يكون إلى أجل واحد كالمسلم ولأن اعتبار التأجيل ليتمكن من تسليم العوض وهذا يحصل بنجم واحد

ووجه الأول ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال الكتابة على نجمين والإيتاء من الثاني

وهذا يقتضي أن هذا أقل ما تجوز عليه الكتابة لأن أكثر من نجمين يجوز بالإجماع

وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه غضب على عبد له فقال لأعاقبنك ولأكاتبنك على نجمين ولو كان يجوز أقل من هذا لعاقبه به في الظاهر

وفي حديث بريرة أنها أتت عائشة رضي الله عنها فقالت يا أم المؤمنين إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني ولأن الكتابة مشتقة من الضم وهو ضم نجم إلى نجم فدل ذلك على افتقارها إلى نجمين والأول أقيس ولا بد أن تكون النجوم معلومة ويعلم في كل نجم قدر ما يؤديه ولا يشترط تساوي النجوم ولا قدر المؤدى في كل نجم فإذا قال كاتبتك على ألف إلى عشر سنين تؤدي عند انقضاء كل سنة مائة أو قال تؤدي منها مائة عند انقضاء خمس سنين وباقيها عند تمام العشرة أو قال تؤدي في آخر العام الأول مائة وتسعمائة عند انقضاء السنة العاشرة فكل هذا جائز وإن قال تؤدي في كل عام مائة جاز ويكون أجل كل مائة عند انقضاء السنة وظاهر قول القاضي وأصحاب الشافعي أنه لا يصح لأنه لم يتبين وقت الأداء من العام

ولنا أن بريرة قالت كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية ولأن الأجل إذا علق بمدة تعلق بأحد طرفيها فإن كان بحرف إلى تعلق بأولها كقوله إلى شهر رمضان وإن كان بحرف في كان إلى آخرها لأنه جعل جميعها وقتا لأدائها فإذا أدى في آخرها كان مؤديا لها في وقتها فلم يتعين عليه الأداء قبله كتأدية الصلاة في آخر وقتها فإن قال يؤديها في عشر سنين أو إلى عشر سنين لم يجز لأنه نجم واحد ومن أجاز الكتابة على نجم واحد أجازه وإن قال يؤدي بعضها في نصف المدة وباقيها في آخرها لم يجز لأن البعض مجهول يقع على القليل والكثير

الفصل الثاني أنه إذا كاتبه على أنجم مدة معلومة صحت الكتابة وعتق بأدائها سواء نوى بالكتابة الحرية أو لم ينو وسواء قال إذا أديت إلي فأنت حر أو لم يقل وبهذا قال أبو حنيفة

وقال الشافعي لا يعتق حتى يقول إذا أديت إلي فأنت حر وينوي بالكتابة الحرية ويحتمل في مذهبنا


339

مثل ذلك لأن لفظ الكتابة يحتمل المخارجة ويحتمل العتق بالأداء فلا بد من تمييز أحدهما على الآخر ككنايات العتق

ولنا إن الحرية موجب عقد الكتابة فتثبت عند تمامه كسائر أحكامه ولأن الكتابة عقد وضع للعتق فلم يحتج إلى لفظ العتق ولا نيته كالتدبير وما ذكروه من استعمال الكتابة في المخارجة إن ثبت فليس بمشهور فلم يمنع وقوع الحرية به كسائر الألفاظ الصريحة على أن اللفظ المحتمل ينصرف بالقرائن إلى أحد محتمليه كلفظ التدبير في معاشه أو غير ذلك وهو صريح في الحرية فها هنا أولى

الفصل الثالث أنه لا يعتق قبل أداء جميع الكتابة قالأحمد في عبد بين رجلين كاتباه على ألف فأدى تسعمائة ثم أعتق أحدهما نصيبه قال لا يعتق إلا نصف المائة

وقد روي عن عمر وابنه و زيد بن ثابت و عائشة و سعيد بن المسيب و لزهري أنهم قالوا المكاتب عبد ما بقي عليه درهم رواه عنهم الأثرم وبه قال القاسم سالم و سليمان بن يسار و عطاء و قتادة و الثوري و ابن شبرمة و مالك و الأوزاعي و الشافعي و إسحاق وأصحاب الرأي وروي ذلك عن أم سلمة

وروى سعيد بإسناده عن أبي قلابة قال كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه دينار وبإسناده عن عطاء أن ابن عمر كاتب غلاما على ألف دينار فأدى إليه تسعمائة دينار وعجز عن مائة دينار فرده ابن عمر في الرق وذكر أبو بكر و القاضي و أبو الخطاب أنه إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة وعجز عن ربعها عتق لأنه يجب رده إليه فلا يرد إلى الرق بعجزه عنه لأنه عجز عن أداء حق هو له لا حق للسيد فلا معنى لتعجيزه فيما يجب رده إليه وقال علي رضي الله عنه يعتق منه بقدر ما أدى لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أصاب المكاتب حدا أو ميراثا ورث بحساب ما عتق منه ويؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حر وما بقي دية عبد رواه الترمذي وقال حديث حسن وروي عن عمر و علي رضي الله عنهما أنه إذا أدى الشطر فلا رق عليه

وروي ذلك عن النخعي وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذا أدى قدر قيمته فهو غريم وقضى به شريح وقال الحسن في المكاتب إذا عجز استسعى بعد العجز سنتين

ولنا ما روى سعيد ثنا هشيم عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل كاتب غلامه على مائة أوقية فعجز على عشر أواق فهو رقيق وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المكاتب عبد ما بقي عليه درهم رواه أبو داود ولأنه عوض عن المكاتب فلا يعتق قبل أدائه كالقدر المتفق عليه ولأنه لو أعتق بعضه لسرى إلى باقيه كما لو باشره بالعتق فإن العتق لا يتبعض في الملك فأما حديث ابن عباس فمحمول على مكاتب لرجل مات وخلف ابنين فأقر أحدهما بكتابته وأنكر الآخر فأدى إلى المقر أو ما أشبهها من الصور جمعا بين الأخبار وتوفيقا بينها وبين القياس ولأن قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه دليل على اعتبار جميع ما


340

يؤدي ويجوز أن يتوقف العتق على أداء الجميع وإن جاز رد بعضه إليه كما لو قال إذا أديت إلي ألفا فأنت حر ولله علي رد ربعها إليك فإنه لا يعتق قبل أداء جميعها وإن وجب عليه رد بعضها

فصل وتجوز الكتابة على كل مال يجوز السلم فيه لأنه مال يثبت في الذمة مؤجلا في معاوضة فجاز ذلك فيه كعقد السلم فإن كان من الأثمان وكان في البلد نقد واحد جاز إطلاقه لأنه ينصرف بالإطلاق إليه فجاز ذلك فيه كالبيع وإن كان فيه نقود أحدهما أغلب في الاستعمال جاز الإطلاق أيضا وانصرف إليه عند الإطلاق كما لو انفرد وإن كانت مختلفة متساوية في الاستعمال وجب بيانه بجنسه وما يتميز به من غيره من النقود وإن كان من غير الأثمان وجب وصفه بما يوصف به في السلم وما لا يصح في السلم فيه لا يجوز أن يكون عوضا في الكتابة لأنه عقد معاوضة يثبت عوضه في الذمة فلم يجز بعوض مجهول كالسلم فإن كاتبه على عبد مطلق لم يصح ذكره أبو بكر وهو قول الشافعي وذكر القاضي فيه وجهين أحدهما لا يجوز والآخر يجوز وهو قول أبي حنيفة و مالك لأن العتق معنى لا يلحقه الفسخ فجاز أن يكون الحيوان المطلق عوضا فيه كالعقل

ولنا إن ما لا يجوز أن يكون عوضا في البيع والإجارة لا يجوز أن يكون عوضا في الكتابة كالثوب المطلق ويفارق العقل لأنه بدل عن متلف مقدر في الشرع وها هنا عوض في عقد فأشبه البيع ولأن الحيوان الواجب في العقل ليس بحيوان مطلق بل هو مقيد بجنسه وسنه فلم يصح الإلحاق به ولأن الحيوان المطلق لا تجوز الكتابة عليه بغير خلاف بين الناس فيما علمناه وإنما الخلاف في العبد المطلق ولم يرد به الشرع بدلا من موضع علمناه

إذا ثبت هذا فإن من صحح الكتابة به أوجب له عبدا وسطا وهو السندي ويكون وسطا من السنديين في قيمته كقولنا في الصداق ولا تصح الكتابة على حيوان مطلق غير العبد فيما علمناه ولا على ثوب ولا دار ولذلك لا تجوز على ثوب من ثيابه ولا عمامة من عمائمه ولا غير ذلك من المجهولات وإن وصف ذلك بأوصاف المسلم صح وممن أجاز الكتابة على العبيد الحسن و سعيد بن جبير و النخعي و الزهري و ابن سيرين و مالك وأصحاب الرأي وروي ذلك عن أبي برزة و حفصة رضي الله عنهما

فصل وتصح الكتابة على خدمة ومنفعة مباحة لأنها أحد العوضين في الإجارة فجاز أن تكون عوضا في الكتابة كالأثمان ويشترط العلم بها كما يشترط في الإجارة فإن كاتبه على خدمة شهر ودينار صح ولا يحتاج إلى ذكر الشهر وكونه عقيب العقد لأن إطلاقه يقتضي ذلك وإن عين الشهر لوقت لا يتصل بالعقد مثل أن يكاتبه في المحرم على خدمته في رجب ودينار صح أيضا كما يجوز أن يؤجره داره شهر رجب في المحرم وقال أصحاب الشافعي لا يجوز على شهر لا يتصل بالعقد ويشترطون ذكر ذلك ولا يجوزون إطلاقه بناء على قولهم في الإجارة وقد سبق ذكر ذلك ولا يجوزون إطلاقه بناء على قولهم في الإجارة وقد سبق ذكر الخلاف فيه في باب الإجارة ويشترط كون الدينار المذكور مؤجلا لأن الأجل شرط في عقد الكتابة فإن جعل محل الدينار بعد الشهر بيوم أو أكثر صح بغير خلاف نعلمه وإن جعل محله في الشهر أو بعد انقضائه صح أيضا وهذا قول بعض أصحاب الشافعي


341

وقال القاضي لا يصح لأنه يكون نجما واحدا وهذا لا يصح لأن الخدمة كلها لا تكون في وقت محل الدينار وإنما يوجد جزء منها يسير مقاربا له وسائرها فيما سواه ولأن الخدمة بمنزلة العوض الحاصل في ابتداء مدتها ولهذا يستحق عوضها جميعه عند العقد فيكون محلها غير محل الدينار وإنما جازت حالة لأن المنع من الحلول في غيرها لأجل العجز عنه في الحال وهذا غير موجود في الخدمة فجازت حالة وإن جعل محل الدينار قبل الخدمة وكانت الخدمة غير متصلة بالعقد بحيث يكون الدينار مؤجلا والخدمة بعده جاز وإن كانت الخدمة متصلة بالعقد لم يتصور كون الدينار قبله ولم تجز في أوله لأنه يكون حالا ومن شرطه التأجيل

فصل وإن كاتبه على خدمة مفردة في مدة واحدة مثل أن كاتبه على خدمة شهر معين أو سنة معينة فحكمه حكم الكتابة على نجم واحد على ما مضى من القول فيه ويحتمل أن يكون كالكتابة على أنجم لأن الخدمة تستوفى في أوقات متفرقة بخلاف المال فإن جعله على شهر بعد شهر كأن كاتبه في أول المحرم على خدمة فيه وفي رجب صح لأنه على نجمين وإن كاتبه على منفعة في الذمة معلومة كخياطة ثياب عينها أو بناء حائط وصفه صح أيضا إذا كاتبه على نجمين وإن قال كاتبتك على أن تخدمني هذا الشهر وخياطة كذا عقيب الشهر صح في قول الجميع وإن قال على أن تخدمني شهرا من وقتي هذا وشهرا عقيب هذا الشهر صح أيضا وعند الشافعي لا يصح

ولنا إنه كاتبه على نجمين فصح كالتي قبلها

فصل وإذا كاتب العبد وله مال فماله لسيده إلا أن يشترطه المكاتب وإن كانت له سرية أو ولد فهو لسيده وبهذا قال الثوري و الحسن بن صالح و أبو حنيفة و أبو يوسف و الشافعي وقال الحسن و عطاء و النخعي و سليمان بن موسى و عمرو بن دينار و مالك و ابن أبي ليلى في المكاتب ماله له ووافقنا عطاء و سليمان بن موسى و النخعي و عمرو بن دينار و مالك في الولد واحتج لهم بما روى عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أعتق عبدا وله مال فالمال للعبد

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع متفق عليه والكتابة بيع ولأنه باعه نفسه فلم يدخل معه غيره كولده وأقاربه ولأنه هو وماله كانا لسيده فإذا وقع العقد على أحدهما بقي الآخر على ما كان عليه كما لو باعه لأجنبي وحديثهم ضعيف قد ذكرنا ضعفه

مسألة

قال ( وولاؤه لمكاتبه )

لا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن ولاء المكاتب لسيده إذا أدى إليه وبه يقول مالك و الشافعي وأصحاب الرأي وذلك لأن الكتابة إنعام وإعتاق له لأن كسبه كان لسيده بحكم ملكه إياه فرضي به عوضا عنه وأعتق رقبته عوضا عن منفعته المستحقة له بحكم الأصل فكان معتقا له منعما عليه فاستحق ولاءه لقوله صلى الله عليه وسلم الولاء لمن أعتق وفي حديث بريرة أنها قالت كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية


342

فقالت عائشة إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة ويكون ولاؤك لي فعلت فرجعت بريرة إلى أهلها فذكرت ذلك لهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم وهذا يدل على أن ثبوت الولاء على المكاتب لسيده كان متقررا عندهم والله أعلم

مسألة

قال ( ويعطي مما كوتب عليه الربع لقول الله تعالى وآتوهم من مال الله الذي آتاكم الكلام في الإيتاء في خمسة فصول وجوبه وقدره وجنسه ووقت جوازه ووقت وجوبه

أما الأول فإنه يجب على السيد إيتاء المكاتب شيئا مما كوتب عليه وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال الشافعي و إسحاق وقال بريدة و الحسن و النخعي و الثوري و مالك و أبو حنيفة ليس بواجب لأنه عقد معاوضة فلا يجب فهي الإيتاء كسائر عقود المعاوضات

ولنا قول الله تعالى وآتوهم من مال الله الذي آتاكم النور 33 وظاهر الأمر الوجوب قال علي رضي الله عنه في تفسيرها ضعوا عنهم ربع مال الكتابة وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال ضعوا عنهم من مكاتبتهم شيئا وتخالف الكتابة سائر العقود فإن القصد بها الرفق بالعبد بخلاف غيرها ولأن الكتابة يستحق بها الولاء على العبد مع المعاوضة فلذلك يجب أن يستحق العبد على السيد شيئا فإن قيل المراد بالإيتاء إعطاؤه سهما من الصدقة أو الندب إلى التصدق عليه وليس ذلك بواجب بدليل أن العقد يوجب العوض عليه فكيف يقتضي إسقاط شيء منه قلنا أما الأول فإن عليا و ابن عباس رضي الله عنهما فسراه بما ذكرناه وهما أعلم بتأويل القرآن وحمل الأمر على الندب يخالف مقتضى الأمر فلا يصار إليه إلا بدليل وقولهم إن العقد يوجب عليه فلا يسقط عنه قلنا إنما يجب للرفق به عند آخر كتابته مواساة له وشكرا لنعمة الله تعالى كما تجب الزكاة مواساة من النعم التي أنعم الله تعالى بها على عبده ولأن العبد ولي جمع هذا المال وتعب فيه فاقتضى الحال مواساته منه كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإطعامه من الطعام الذي ولي حره ودخانه واختص هذا بالوجوب لأن فيه معونة على العتق وإعانة لمن يحق على الله تعالى عونه فإن أبا هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة حق على الله تعالى عونهم المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف أخرجه الترمذي وقال حديث حسن

الفصل الثاني في قدره وهو الربع ذكره الخرقي و أبو بكر وغيرهما من أصحابنا وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وقال قتادة العشر وقال الشافعي و ابن المنذر يجزىء ما يقع عليه الاسم وهو قول مالك إلا أنه عنده مستحب لقول الله تعالى من مال الله الذي آتاكم النور 33 للتبعيض والقليل بعض


343

فيكتفي به وقال ابن عباس ضعوا عنهم من مكاتبتهم شيئا ولأنه قد ثبت أن المكاتب لا يعتق حتى يؤدي جميع الكتابة بما ذكرنا من الأخبار ولو وجب إيتاؤه الربع لوجب أن يعتق إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة ولا يجب عليه أداء مال يجب رده إليه وروي عن ابن عمر أنه كاتب عبدا له على خمسة وثلاثين ألفا فأخذ منه ثلاثين وترك له خمسة

ولنا ما روى أبو بكر بإسناده عن علي رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وآتوهم من مال الله الذي آتاكم النور 33 فقال ربع الكتابة وروي موقوفا على علي ولأنه مال يجب إيتاؤه مواساة بالشرع فكان مقدرا كالزكاة ولأن حكمة إيجابه الرفق بالمكاتب وإعانته على تحصيل العتق وهذا لا يحصل باليسير الذي هو أقل ما يقع عليه الاسم فلم يجز أن يكون هو الواجب وقول الله تعالى وآتوهم من مال الله النور 33 وإن ورد غير مقدر فإن السنة تبينه وتبين قدره كالزكاة

الفصل الثالث في جنسه إن قبض مال الكتابة ثم أعطاه منه جاز لأن الله تعالى أمر بالإيتاء منه وإن وضع عنه مما وجب عليه جاز لأن الصحابة رضي الله عنهم فسروا الإيتاء بذلك ولأنه أبلغ في النفع وأعون على حصول العتق فيكون أفضل من الإيتاء وتحصل دلالة الآية عليه من طريق التنبيه وإن أعطاه من جنس مال الكتابة من غيره جاز ويحتمل أن لا يلزم المكاتب قبوله وهو ظاهر كلام الشافعي لأن الله تعالى أمر بالإيتاء منه

ولنا إنه لا فرق في المعنى بين الإيتاء منه وبين الإيتاء من غيره إذا كان من جنسه فوجب أن يتساويا في الأجزاء وغير المنصوص إذا كان في معناه ألحق به وكذلك جاز الحط وليس هو بإيتاء لما كان في معناه وإن أتاه من غير جنسه مثل أن يكاتبه على دراهم فيعطيه دنانير أو عروضا لم يلزمه قبوله لأنه لم يؤته منه ولا من جنسه ويحتمل الجواز لأن الرفق به يحصل به

الفصل الرابع في وقت جوازه وهو من حين العقد لقول الله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم النور 33 وذلك يحتاج إليه من حين العقد وكلما عجله كان أفضل لأنه يكون أنفع كالزكاة

الفصل الخامس في وقت وجوبه وهو حين العتق لأن الله تعالى أمر بإيتائه من المال الذي آتاه وإذا أتى المال عتق فيجب إيتاؤه حينئذ

قال علي رضي الله عنه الكتابة على نجمين والإيتاء من الثاني فإن مات السيد قبل إيتائه فهو دين في تركته لأنه حق واجب فهو كسائر ديونه وإن ضاقت التركة عنه وعن غيره من الديون تحاصوا في التركة بقدر حقوقهم ويقدم ذلك على الوصايا لأنه دين وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم أن الدين قبل الوصية والله الموفق

مسألة

قال ( وإن عجلت الكتابة قبل محلها لزم السيد الأخذ وعتق من وقته في


344

إحدى الروايتين عن أبي عبد الله رحمه الله

والرواية الأخرى إذا ملك ما يؤدي فقد صار حرا )

الكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما فيما إذا عجل المكاتب الكتابة قبل محلها فالمنصوص عن أحمد أنه يلزم قبولها ويعتق المكاتب

وذكر أبو بكر فيه رواية أخرى أنه لا يلزم قبول المال إلا عند نجومه لأن بقاء المكاتب في هذه المدة في ملكه حق له ولم يرض بزواله فلم يزل كما لو علق عتقه على شرط لم يعتق قبله والصحيح في المذهب الأول وهو مذهب الشافعي إلا أن القاضي قال أطلق أحمد والخرقي هذا القول وهو مقيد بما لا ضرر في قبضه قبل محله كالذي لا يفسد ولا يختلف قديمه وحديثه ولا يحتاج إلى مؤنة في حفظه ولا يدفعه في حال خوف يخاف ذهابه فإن اختل أحد هذه الأمور لم يلزم قبضه مثل أن يكون مما يفسد كالعنب والرطب والبطيخ أو يخاف تلفه كالحيوان فإنه ربما تلف قبل المحل ففاته مقصوده وإن كان مما يكون حديثه خيرا من قديمه لم يلزمه أيضا أخذه لأنه ينقص إلى حين الحلول وإن كان مما يحتاج إلى مخزن كالطعام والقطن لم يلزمه أيضا لأنه يحتاج في إبقائه إلى وقت المحل إلى موته فيتضرر بها ولو كان غير هذا إلا أن البلد مخوف يخاف نهبه لم يلزمه أخذه لأن في أخذه ضررا لم يرض بالتزامه وكذلك لو سلمه إليه في طريق مخوف أو موضع يتضرر بقبضه فيه لم يلزمه قبضه ولم يعتق المكاتب ببذله

قال القاضي والمذهب عندي أن في قبضه تفصيلا على حسب ما ذكرناه في السلم ولأنه لا يلزم الإنسان التزام ضرر لم يقتضه العقد ولو رضي بالتزامه وأما ما لا ضرر في قبضه فإذا عجله لزم السيد أخذه وذكر أبو بكر أنه يلزمه قبوله من غير تفصيل اعتمادا على إطلاق أحمد القول في ذلك وهو ظاهر إطلاق الخرقي لما روى الأثرم بإسناده عن أبي بكر بن حزم أن رجلا أتى عمر رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين إني كاتبت على كذا وكذا وإني أيسرت بالمال فأتيته به فزعم أنه لا يأخذها إلا نجوما فقال عمر رضي الله عنه يا يرفأ خذ هذا المال فاجعله في بيت المال وأد إليه نجوما في كل عام وقد عتق هذا فلما رأى ذلك سيده أخذ المال وعن عثمان بنحو هذا

ورواه سعيد بن منصور في سننه عن عمر و عثمان جميعا قال حدثنا هشيم عن ابن عوف عن محمد بن سيرين أن عثمان قضى بذلك ولأن الأجل حق لمن عليه الدين فإذا قدمه فقد رضي بإسقاط حقه فسقط كسائر الحقوق فإن قيل إذا علق عتق عبده على فعل في وقت ففعله في غيره لم يعتق فكذلك إذا قال إذا أديت إلي ألفا في رمضان فأداه في شعبان لم يعتق قلنا تلك صفة مجردة لا يعتق إلا بوجودها والكتابة معاوضة يبرأ فيها بأداء العوض فافترقا وكذلك لو أبرأه من العوض في المكاتبة عتق ولو أبرأه من المال في الصفة المجردة لم يعتق والأولى إن شاء الله ما قاله القاضي في أن ما كان في قبضه ضرر لم يلزمه قبضه ولم يعتق ببذله لما ذكره من الضرر الذي لم يقتضه العقد وخبر عمر رضي الله عنه لا دلالة فيه على وجوب قبض ما فيه ضرر ولأن أصحابنا قالوا لو لقيه في بلد آخر فدفع إليه نجوم الكتابة أو بعضها فامتنع من أخذها لضرر فيه من خوف


345

أو مؤنة حمل لم يلزمه قبوله لما عليه من الضرر فيه وإن لم يكن فيه ضرر لزمه قبضه كذا ها هنا وكلام أحمد رحمه الله محمول على ما إذا لم يكن في قبضه ضرر وكذلك قول الخرقي و أبي بكر

فصل إذا أحضر المكاتب مال الكتابة أو بعضه ليسلمه فقال السيد هذا حرام أو غصب لا أقبله منك سئل العبد عن ذلك فإن أقر به لم يلزم السيد قبوله لأنه لا يلزمه أخذ المحرم ولا يجوز له وإن أنكر وكانت للسيد بينة بدعواه لم يلزمه قبوله وتسمع بينته لأن له حقا في أن لا يقتضي دينه من حرام ولا يأمن من أن يرجع صاحبه عليه به وإن لم تكن له بينة فالقول قول العبد مع يمينه فإن نكل عن اليمين لم يلزم السيد قبوله أيضا وإن حلف قيل للسيد إما أن تقبضه وإما أن تبرئه ليعتق فإن قبضه وكان تمام كتابته عتق ثم ينظر فإن ادعى أنه حرام مطلقا لم يمنع منه لأنه لا يقر به لأحد وإنما تحريمه فيما بينه وبين الله تعالى وإن ادعى أنه غصبه من فلان لزمه دفعه إليه إن ادعاه لأن قوله وإن لم يقبل في حق المكاتب فإنه يقبل في حق نفسه كما لو قال رجل لعبد في يد غيره هذا حر وأنكر ذلك من العبد في يده لم يقبل قوله عليه فإن انتقل إليه بسبب من الأسباب لزمته حريته وإن أبرأه من مال الكتابة حين امتنع المكاتب من قبضه لم يلزمه قبضه لأنه لم يبق له عليه حق وإن لم يبرئه ولم يقبضه كان له دفع ذلك إلى الحاكم ويطالبه بقبضه فينوب الحاكم في قبضه عنه ويعتق العبد كما رويناه عن عمر و عثمان في قبضهما مال الكتابة حين امتنع المكاتب من قبضه

فصل وإذا كاتبه على جنس لم يلزمه قبض غيره فلو كاتبه على دنانير لم يلزمه قبض دراهم ولا عرض وإن كاتبه على دراهم لم يلزمه أخذ الدنانير ولا العروض وإن كاتبه على عرض موصوف لم يلزمه قبض غيره وإن كاتبه على نقد وأعطاه من جنسه خيرا منه وكان ينفق فيما ينفق فيه الذي كاتبه عليه لزمه أخذه لأنه زاده خيرا وإن كان لا ينفق في بعض البلدان التي ينفق فيها ما كاتبه عليه لم يلزمه قبوله لأن عليه فيه ضررا

الفصل الثاني إذا ملك ما يؤدي فالصحيح أنه لا يعتق حتى يؤدي روي ذلك عن عمر وابنه و زيد و عائشة رضي الله عنهم فإنهم قالوا المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وهو قول أكثر أهل العلم وعن أحمد رضي الله عنه رواية أخرى أنه إذا ملك ما يؤدي عتق لما روى سعيد قال حدثنا سفيان عن الزهري عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه ورواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح فأمرهن بالحجاب بمجرد ملكه لما يؤديه ولأنه مالك لوفاء مال الكتابة أشبه ما لو أداه فعلى هذه الرواية يصير حرا بملك الوفاء فمتى امتنع منه أجبره الحاكم عليه وإن هلك ما في يديه قبل الأداء صار دينا في ذمته وقد صار حرا ووجه الرواية الأولى ما روى عمر وابن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وقوله أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد وأيما عبد كاتب على مائة


346

دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد رواه سعيد

وفي رواية من كاتب عبده على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق أو قال إلا عشرة دراهم ثم عجز فهو رقيق رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب ولأنه عتق علق بعوض فلم يعتق قبل أدائه كما لو قال إذا أديت إلي ألفا فأنت حر فعلى هذه الرواية إن أدى عتق وإن لم يؤد لم يعتق فإن امتنع من الأداء فقال أبو بكر يؤديه الإمام منه ولا يكون ذلك عجزا ولا يملك السيد الفسخ وهو قول أبي حنيفة ويحتمل كلام الخرقي أنه إذا لم يؤد عجزه السيد إن أحب فإنه قال إذا لم يؤد نجما حتى حل نجم آخر عجزه السيد إن أحب وعاد عبدا اغير مكاتب ونحوه قال الشافعي فإنه قال إن شاء عجز نفسه وامتنع من الأداء ووجهه أن العبد لا يجبر على اكتساب ما يؤديه في الكتابة فلا يجبر على الأداء كسائر العقود الجائزة ووجه الأول أنه يثبت للعبد استحقاق الحرية بملك ما يؤدي فلم يملك إبطالها كما لو أدى فإن تلف المال قبل أدائه جاز بعجزه واسترقاقه وجها واحدا

مسألة

قال ( وإذا أدى بعض كتابته ومات وفي يده وفاء وفضل فهو لسيده في إحدى الروايتين والأخرى لسيده بقية كتابته والباقي لورثته )

يحتمل أن هذه المسألة مبنية على ما قبلها فإذا قلنا إنه لا يعتق بملك ما يؤدي فقد مات رقيقا فانفسخت الكتابة بموته وكان ما في يده لسيده وإن قلنا إنه عتق بملك ما يؤدي فقد مات حرا وعليه لسيده بقية كتابته لأنه دين له عليه والباقي لورثته

قال القاضي الأصح أنه تنفسخ الكتابة بموته ويموت عبدا وما في يده لسيده رواه الأثرم بإسناده عن عمر و زيد و الزهري وبه قال إبراهيم و عمر بن عبد العزيز و قتادة و الشافعي لما ذكرناه في التي قبلها ولأنه مات قبل أداء مال الكتابة فوجب أن تنفسخ كما لو لم يكن له مال ولأنه عتق علق بشرط مطلق فينقطع بالموت كما لو قال إذا أديت إلي ألفا فأنت حر

والرواية الثانية يعتق ويموت حرا ولسيده بقية كتابته وما فضل لورثته

وروي ذلك عن علي و ابن مسعود و معاوية وبه قال عطاء و الحسن و طاوس و شريح و النخعي و الثوري و الحسن بن صالح و مالك و إسحاق وأصحاب الرأي إلا أن أبا حنيفة قال يكون حرا في آخر جزء من حياته وهذا قول القاضي ووجه هذه الرواية ما قدمنا في التي قبلها ولأنها معاوضة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين فلا تنفسخ بموت الآخر كالبيع ولأن العبد أحد من تمت به كتابة فلم تنفسخ بموته كالسيد والأولى أولى وتفارق الكتابة البيع لأن كل واحد من المتعاقدين غير معقود عليه ولا يتعلق العقد بعينه فلم ينفسخ بتلفه والمكاتب هو المعقود عليه والعقد يتعلق بعينه فإذا تلف قبل تمام الأداء انفسخ العقد كما لو تلف المبيع قبل قبضه ولأنه مات قبل وجود شرط حريته ويتعذر وجوده بعد موته

فصل وإذا مات ولم يخلف وفاء فلا خلاف في المذهب أن الكتابة تنفسخ بموته ويموت


347

عبدا وما في يده لسيده وهو قول أهل الفتوى من أئمة الأمصار إلا أن يموت بعد أداء ثلاثة أرباع الكتابة عند أبي بكر و القاضي ومن وافقهما فإنه يموت حرا في مقتضى قولهم

وقال مالك إن كان له ولد حر انفسخت الكتابة وإن كان له مملوك في كتابته أجبر على دفع المال كله إن كان له مال وإن لم يكن له مال أجبر على الاكتساب والأداء

وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه يعتق منه بقدر ما أدى وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أصاب المكاتب حدا أو ميراثا ورث بقدر ما أدى ويؤدي المكاتب بحصة ما أدى وعن عمر و علي و النخعي إذا أدى الشطر فلا رق عليه

وقال ابن مسعود إذا أدى قدر قيمته فهو غريم وقد ذكرنا الجواب عن هذه الأقوال كلها فيما تقدم بما أغنى عن إعادته إن شاء الله تعالى

فصل ولا تنفسخ الكتابة بالجنون لأنها عقد لازم فلم تنفسخ بالجنون كالرهن وفارق الموت لأن العقد على العين والموت يفوت العين بخلاف الجنون ولأن القصد من الكتابة العتق والموت ينافيه ولهذا لا يصح عتق الميت والجنون لا ينافيه بدليل صحة عتق المجنون فعلى هذا إن أدى إليه المال عتق لأن السيد إذا قبض منه فقد استوفى حقه الذي كان عليه وله أخذ المال من يده فيتضمن ذلك براءته من المال فيعتق بحكم العقد وإن لم يؤد كان للسيد أن يحضره عند الحاكم وتثبت الكتابة بالبينة فيبحث الحاكم عن ماله فإن وجد له مالا سلمه في الكتابة وعتق وإن لم يجد له مالا جعل له أن يعجزه ويلزمه الإنفاق عليه لأنه عاد قنا ثم إن وجد له الحاكم بعد ذلك ما لا يفي بمال الكتابة أبطل فسخ السيد لأن الباطن بان بخلاف ما حكم به فبطل حكمه كما إذا أخطأ النص وحكم بالاجتهاد إلا أنه يرد على السيد ما أنفقه من حين الفسخ لأنه لم يكن مستحقا عليه في الباطن وإن أفاق فأقام البينة أنه كان قد دفع إليه مال الكتابة بطل أيضا فسخ السيد ولا يرد عليه ما أنفقه لأنه أنفق عليه مع علمه بحريته فكان متطوعا بذلك فلم يرجع به وينبغي أن يستحلف السيد الحاكم أنه ما استوفى مال الكتابة وهذا قول أصحاب الشافعي ولم يذكره أصحابنا وهو حسن لأنه استوفاه والمجنون لا يعبر عن نفسه فيدعيه فيقوم الحاكم مقامه في استخلافه عليه

فصل وقتل المكاتب كموته في انفساخ الكتابة على ما أسلفنا من الخلاف سواء كان القاتل السيد أو الأجنبي ولا قصاص على قاتله الحر لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم فإن كان القاتل سيده ولم يخلف وفاءه انفسخت الكتابة وعاد ما في يده إلى سيده ولم يجب عليه شيء لأنه لو وجب لوجب له فإن قيل فالقاتل لا يستحق بالقتل شيئا من تركة المقتول قلنا ها هنا لا يرجع إليه مال المكاتب ميراثا بل يحكم ملكه عليه لزوال المكاتبة وإنما يمنع القاتل الميراث خاصة ألا ترى أن من له دين مؤجل إذا قتل من عليه الحق حل دينه وفي رواية وأم الولد إذا قتلت سيدها عتقت وإن كان المكاتب قد خلف وفاء وقلنا إن الكتابة


348

تنفسخ بموته فالحكم كذلك وإن قلنا لا تنفسخ بموته فله القيمة على سيده تصرف إلى ورثته كما لو كانت الجناية على بعض أطرافه في حياته فإن كان الوفاء يحصل بإيجاب القيمة ولا يحصل بدونها وجبت كما لو خلف وفاء لأن دية المقتول كتركته في قضاء ديونه منها وانصرافها إلى وراثه بينهم على فرائض الله تعالى ولا فرق فيما ذكرنا بين أن يخلف وارثا أو لا يخلف وارثا وذكر القاضي أنه إذا لم يخلف وارثا سوى سيده لم تجب القيمة عليه بحال

ولنا إن من لا وارث له يصرف ماله إلى المسلمين ولا حق لسيده فيه لأن صرفه إلى سيده بطريق الإرث والقاتل لا ميراث له وإن كان القاتل أجنبيا وجبت القيمة لسيده إلا في الموضع الذي تنفسخ الكتابة فإنها تجب لورثته والله أعلم

مسألة

قال ( وإذا مات السيد كان العبد على كتابته وما أدى فبين ورثة سيده مقسوما كالميراث )

وجملة ذلك أن الكتابة لا تنفسخ بموت السيد لا نعلم بين أهل العلم خلافا وذلك لأنه عقد لازم من جهته لا سبيل إلى فسخه فلم ينفسخ بموته كالبيع والإجارة إذا ثبت هذا فإن المكاتب يؤدي نجومه أو ما بقي منها إلى ورثته لأنه دين لموروثهم ويكون مقسوما بينهم على قدر مواريثهم كسائر ديونه فإن كان له أولاد ذكور وإناث فللذكر مثل حظ الأنثيين ولا يعتق حتى يؤدي إلى كل ذي حق حقه فإن أدى إلى بعضهم دون بعض لم يعتق كما لو كان بين شركاء فأدى إلى بعضهم فإن كان بعضهم غائبا وكان له وكيل دفع نصيبه إلى وكيله وإن لم يكن له وكيل دفع نصيبه إلى الحاكم وعتق وإن كان موليا عليه دفع نصيبه إلى وليه إما ابنه أو وصيه أو الحاكم أو أمينه فإن كان له وصيان لم يبرأ إلا بالدفع إليهما معا وإن كان الوارث رشيدا قبض لنفسه ولا تصح الوصية إلى غيره ليقبض له لأن الرشيد ولي نفسه وإن كان بعضهم رشيدا وبعضهم موليا عليه فحكم كل واحد منهم حكمه لو انفرد وإن أذن بعضهم له في الأداء إلى الآخر وكان الذي أذن له في ذلك رشيدا فأدى إلى الآخر جميع حقه عتق نصيبه فإن كان معسرا لم يسر إلى نصيب شريكه وإن كان موسرا عتق عليه كله وقوم عليه باقيه كما لو كان بين شريكين فأعتق أحدهما نصيبه وهذا ظاهر كلام الخرقي وهو أحد قولي الشافعي وقال القاضي لا يسري عتقه وإن كان موسرا

وهو القول الثاني للشافعي وقال أبو حنيفة لا يعتق إلا بأداء مال جميع مال الكتابة لأنه أدى بعض مال الكتابة فأشبه ما لو أداه إلى السيد وإن أبرأه من مال الكتابة برىء منه وعتق وإن أبرأه بعضهم عتق نصيبه وكذلك إن أعتق نصيبه منه عتق والخلاف في هذا كله كالخلاف فيما إذا أدى بعضهم بإذن الآخر

ولنا على أن يعتق نصيب من أبرأه من حقه عليه أو استوفى نصيبه بإذن شركائه أنه أبرأه من جميع ماله


349

عليه فوجب أن يلحقه العتق كما لو أبرأه سيده من جميع مال الكتابة وفارق ما إذا أبرأه سيده من بعض مال الكتابة لأنه ما أبرأه من جميع حقه

ولنا على سراية عتقه أنه إعتاق لبعض العبد الذي يجوز إعتاقه من موسر جائز التصرف غير مجبور عليه فوجب أن يسري عتقه كما لو كان قنا ولأنه عتق حصل بفعله واختياره فسرى كمحل الوفاق فإن قيل في السراية ضرر بالشركاء لأنه قد يعجز فيرد إلى الرق قلنا إذا كان العتق في محل الوفاق يزيل الرق المتمكن الذي لا كتابة فيه فلأن يزيل عرضية ذلك بطريق الأولى

مسألة

قال ( وولاؤه لسيده وإن عجز فهو عبد لسائر الورثة )

أما إذا عجز ورد في الرق فإنه يكون عبدا لجميع الورثة كما لو لم يكن مكاتبا لأنه من مال موروثهم فكان بينهم كسائر المال وأما إذا أدى مال الكتابة وعتق فقال الخرقي يكون ولاؤه لمكاتبه يختص به عصباته دون أصحاب الفروض وهذا قول أكثر الفقهاء وهو اختيار أبي بكر ونقله إسحاق بن منصور عن أحمد رحمه الله و إسحاق وروى حنبل و صالح بن أحمد عن أبيه قال اختلف الناس في المكاتب يموت سيده وعليه بقية من كتابته قال بعض الناس الولاء للرجال والنساء وقال بعض الناس لا ولاء للنساء لأن هذا إنما هو دين على المكاتب ولا يرث النساء من الولاء إلا ما كاتبن أو أعتقن ولكل وجه والذي أراه ويغلب على أنهن يرثن وذلك لأن المكاتب لو عجز بعد وفاة السيد رد رقيقا وهذا قول طاوس و الزهري وذلك لأن المكاتب انتقل إلى الورثة بموت المكاتب فكان ولاؤه لهم كما لو انتقل إلى المشتري ولأنه يؤدي إلى الورثة فكان ولاؤه لهم كما لو أدى إلى المشتري ووجه الأول أن السيد هو المنعم بالعتق فكان الولاء له كما لو أدى إليه ولأن الورثة إنما ينتقل إليهم ما بقي للسيد وإنما بقي للسيد دين في ذمة المكاتب والفرق بين الميراث والشراء أن السيد نقل حقه في المبيع باختياره فلم يبق له فيه حق من وجه والوارث يخلف الموروث ويقوم مقامه ويبني على ما فعله موروثه ولا ينتقل إليه شيء أمكن بقاؤه لموروثه والولاء مما أمكن بقاؤه للموروث فوجب أن لا ينتقل عنه

فصل فإن أعتقه الورثة صح عتقهم لأنه ملك لهم فصح عتقهم له ولأن السيد لو أعتقه نفذ عتقه وهم يقومون مقام موروثهم ويكون ولاؤه لهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن أعتق وإن أعتق بعضهم نصيبه فعتق عليه كله قوم عليه نصيب شركائه وكان ولاؤه له وإن لم يسر عتقه لكونه معسرا أو لغير ذلك فله ولاء ما أعتقه للخبر ولأنه منعم عليه بالعتق فكان الولاء له كغير المكاتب وقال القاضي إن أعتقوه كلهم قبل عجزه كان الولاء للسيد وإن أعتق بعضهم لم يسر عتقه ثم ينظر فإن أدى إلى الباقين عتق كله وكان ولاؤه للسيد وإن عجز فردوه إلى الرق كان ولاء نصيب المعتق له لأنه لولا إعتاقه لعاد سهمه رقيقا كسهام سائر الورثة فلما أعتقه كان هو المنعم عليه فكان الولاء له دونهم فأما إن أبرأه الورثة كلهم عتق


350

وكان ولاؤه على الروايتين اللتين ذكرناهما فيما إذا أدى إليهم لأن الإبراء جرى مجرى استيفاء ما عليه ويحتمل أن يكون الولاء لهم لأنهم أنعموا عليه بما عتق به فأشبه ما لو أعتقوه وإن أبرأه بعضهم من نصيبه كان في ولائه ما ذكرناه من الخلاف والله أعلم

فصل وإذا باع الورثة المكاتب أو وهبوه وصح بيعهم وهبتهم لأنهم يقومون مقام المكاتب والمكاتب يملك بيعه وهبته فكذلك ورثته ويكون عند المشتري والموهوب له مبقي على كتابته فإن عجز فعجزه عاد رقيقا له وإن أدى وعتق كان ولاؤه لمن يؤدي إليه على الرواية التي تقول إن ولاءه للورثة إذا أدى إليهم وأما على الرواية الأخر فيحتمل أن لا يصح بيعه ولا هبته لأن ذلك يقتضي إبطال سبب ثبوت الولاء للسيد الذي كاتبه وليس ذلك للورثة ويحتمل أن يصح ويكون الولاء للسيد إن عتق بالكتابة لأن السيد عقدها فعتق بها فكان ولاؤه له ويفارق ما باعه السيد لأن السيد ببيعه أبطل حق نفسه وله ذلك بخلاف الورثة فإنهم لا يملكون إبطال حق موروثهم

فصل وإن وصى السيد بمال الكتابة لرجل صح فإن سلم مال الكتابة إلى الموصى له أو وكيله أو وليه وإن كان محجورا عليه برىء منه وعتق وولاؤه لسيده الذي كاتبه لأنه المنعم عليه وإن أبرأه من المال عتق أيضا لأنه برىء من مال الكتابة فأشبه ما لو أدى وإن أعتقه لم يعتق لأنه لا يملك رقبته ولا وصى له بها وإنما وصى له بالمال الذي عليه وإن عجز ورد في الرق عاد عبدا للورثة وما قبضه الوصي الموصى له من المال فهو له لأنه قبضه بحكم الوصية الصحيحة والأمر في تعجيزه إلى الورثة لأن الحق ثبت لهم بتعجيزه ويصير العبد لهم فكانت الخيرة في ذلك إليهم وأما الموصى له فإن حقه ووصيته تبطل بتعجيزه فلم يكن له في ذلك حق وإن وصى بمال الكتابة للمساكين ووصى إلى رجل بقبضه وتفريقه بينهم صح ومتى سلم المال إلى الوصي بريء وعتق وإن أبرأه منه لم يبرأ لأن الحق لغيره وإن دفعه المكاتب إلى المساكين لم يبرأ منه ولم يعتق لأن التعيين إلى الوصي دونه وإن وصى بدفع المال إلى غرمائه تعين القضاء منه كما لو وصى به عطية له وإن كان إنما أوصى بقضاء ديونه مطلقا كان على المكاتب أن يجمع بين الورثة والوصي بقضاء الدين ويدفعه إليهم بحضرته لأن المال للورثة ولهم أن يقضوا لدين منه ومن غيره وللوصي في قضاء الدين حق فيه لأن لهم منعهم من التصرف في التركة قبل قضاء الدين

فصل إذا مات رجل وخلف ابنين وعبدا فادعى العبد أن سيده كاتبه فصدقاه ثبتت الكتابة لأن الحق لهما وإن أنكراه وكانت له بينة بدعواه ثبتت الكتابة وعتق بالأداء إليهما وإن عجز فلهما رده إلى الرق وإن لم يعجزاه وصبرا عليه لم يملك الفسخ وإن عجزه أحدهما وأبى الآخر تعجيزه بقي نصفه على الكتابة وعاد نصفه الآخر رقيقا وإن لم تكن له بينة فالقول قولهما مع أيمانهما لأن الأصل بقاء الرق وعدم الكتابة وتكون أيمانهم على نفي العلم فيحلفان بالله أنهما لا يعلمان أن أباهما كاتبه لأنها يمين على نفي


351

فعل الغير فإن حلفا ثبت رقه وإن نكلا قضى عليهما أو ردت اليمين عليه على قول من قضى بردها فيحلف العبد وتثبت الكتابة وإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضى برق نصفه وكتابة نصفه وإن صدقه أحدهما وكذبه الآخر ثبتت الكتابة في نصفه وعليه البينة في نصفه الآخر فإن لم تكن له بينة وحلف المنكر صار نصفه مكاتبا ونصفه رقيقا قنا فإن شهد المقر على أخيه قبلت شهادته لأنه لا يجربها إلى نفسه نفعا ولا يدفع بها ضررا فإن كان معه شاهد آخر كملت الشهادة وثبتت الكتابة في جميعه وإن لم يشهد معه غيره فهل يحلف العبد معه على روايتين وإن لم يكن عدلا أو لم يحلف العبد معه وحلف المنكر كان نصفه مكاتبا ونصفه رقيقا ويكون كسبه بينه وبين المنكر نصفين ونفقته من كسبه لأنها على نفسه وعلى مالك نصفه فإن لم يكن له كسب كان على المنكر نصف نفقته ثم إن اتفق هو ومالك نصفه على المهايأة معاومة أو مشاهرة أو كيفما كان جاز وإن طلب ذلك أحدهما وامتنع الآخر فظاهر كلام أحم د أنه يجبر عليها وهو قول أبي حنيفة لأن المنافع مشتركة بينهما فإذا أراد أحدهما حيازة نصيبه من غير ضرر لزم الآخر إجابته كالأعيان ويحتمل أن لا يجبر وهو قول الشافعي لأن المهايأة تأخير حقه الحال لأن المنافع في هذا اليوم مشتركة بينهما فلا تجب الإجابة إليه كتأخير دينه الحال فإن اقتسما الكسب مهايأة أو مناصفة فلم يف بأداء نجومه فللمقر رده في الرق وما في يده له خاصة لأن المنكر قد أخذ حقه من الكسب وإن اختلف المنكر والمقر فيما في يد المكاتب فقال المنكر هذا كان في يده قبل دعوى الكتابة وكسبه في حياة أبينا وأنكر ذلك المقر فالقول قوله مع يمينه لأن المنكر يدعي كسبه في وقت الأصل عدمه فيه ولأنه لو اختلف هو والمكاتب في ذلك القول المكاتب فكذلك من يقوم مقامه وإن أدى الكتابة عتق نصيب المقر خاصة ولم يسر إلى نصيب شريكه لأنه لم يباشر العتق ولم يتسبب إليه وإنما كان السبب من أبيه وهذا حاك عن أبيه مقر بفعله فهو كالشاهد ولأن المقر يزعم أن نصيب أخيه حر أيضا لأنه قد قبض من العبد مثل ما قبض فقد حصل أداء مال الكتابة إليهما جميعا فعتق كله بذلك وولاء هذا النصف للمقر لأن أخاه لا يدعيه وهذا المقر يدعي أنه كله قد عتق بالكتابة وهذا الولاء الذي على هذا النصف نصيبي من الولاء وقال أصحاب الشافعي في ذلك وجهان أحدهما كقولنا

والثاني الولاء بين الاثنين لأنه يثبت لموروثهما فكان لهما بالميراث والصحيح ما قلناه لما ذكرناه ولا يمنع ثبوت الولاء للأب واختصاص أحد الابنين به كما لو ادعى أحدهما دينا لأبيه على إنسان وأنكره الآخر فإن المدعي يأخذ نصيبه من الدين ويختص به دون أخيه وإن كان يرثه عن الأب وكذلك لو ادعياه معا وأقاما به شاهدا واحدا فحلف أحدهما مع الشاهد وأبى الآخر فإن أعتق أحدهما حصته عتق وسرى إلى باقيه إن كان موسرا وهذا قول الخرقي لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أعتق شركا له من عبد وكان له ما يبلغ قيمة العبد قوم عليه قيمة العدل وأعطى شركاؤه حصصهم ولأنه موسر أعتق نصيبه من عبد مشترك فسرى إلى باقيه كغير المكاتب وقال أبو بكر و القاضي لا تعتق إلا حصته لأنه إن كان المعتق المقر فهو


352

ومنفذ وإن كان المنكر لم يصر إلى نصيب المقر لأنه مكاتب لغيره وفي سراية العتق إليه إبطال سبب الولاء عليه فلم يجز ذلك

مسألة

قال ( ولا يمنع المكاتب من السفر )

وجملته أن المكاتب لا يمنع من السفر قريبا كان أو بعيدا وهذا قول الشعبي و النخعي و سعيد بن جبير و الثوري و الحسن بن صالح و أبي حنيفة ولم يفرق أصحابنا بين السفر الطويل وغيره لكن قياس المذهب أن له منعه من سفر تحل نجوم كتابته قبله لأنه يتعذر معه استيفاء النجوم في وقتها والرجوع في وقته عند عجزه فمنع منه كالغريم الذي يحل عليه الدين قبل مدة سفره واختلف قول الشافعي فقال في موضع له السفر وفي قول ليس له السفر فقال بعض أصحابه فيها قولان وقال بعضهم ليست على قولين إنما هي على اختلاف حالين فالموضع الذي قال له السفر إذا كان قصيرا لأنه في حكم الحاضر والموضع الذي منع منه إذا كان بعيدا يتعذر معه بعد استيفاء نجومه والرجوع في رقه عند عجزه

ولنا إن المكاتب في يد نفسه وإنما للسيد عليه دين فأشبه الحر المدين وما ذكروه لا أصل له ويبطل بالحرم الغريم

فصل فإن شرط عليه في الكتابة أن لا يسافر فقال القاضي الشرط باطل وهو قول الحسن و سعيد بن جبير و الشعبي و النخعي و أبي حنيفة لأنه ينافي مقتضى العقد فلم يصح شرطه كشرط ترك الاكتساب ولأنه غريم فلم يصح شرط ترك السفر عليه كما لو أقرضه رجل قرضا بشرط أن لا يسافر وقال أبو الخطاب يصح الشرط وله منعه من السفر وهو قول مالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم


353

المسلمون على شروطهم ولأنه شرط له فيه فائدة فلزم كما لو شرط نقدا معلوما وبيان فائدته أنه لا يأمن إباقه وأنه لا يرجع إلى سيده فيفوت العبد والمال الذي عليه ويفارق القرض فإنه عقد جائز من جانب المقرض متى شاء طالب بأخذه ومنع الغريم السفر قبل إيفائه فكان المنع من السفر حاصلا بدون شرطه بخلاف الكتابة فإنه لا يمكن السيد منعه من السفر إلا بشرطه وفيه حفظ عبده وماله فلا يمنع من تحصيله وهذا أصح إن شاء الله تعالى وأولى فعلى هذا الوجه لسيده منعه من السفر فإن سافر بغير إذنه فله رده إن أمكنه وإن لم يمكنه رده احتمل أن له تعجيزه ورده إلى الرق لأنه لم يف بما شرطه عليه أشبه ما لو لم يف بأداء الكتابة واحتمل أن لا يملك ذلك لأنه مكاتب كتابة صحيحة لم يظهر عجزه فلم يملك تعجيزه كما لو لم يشترط عليه

فصل وإن شرط في كتابته أن لا يسأل فقال أحمد قال جابر بن عبد الله هم على شروطهم إن رأيته يسأل تنهاه فإن قال لا أعود لم يرده عن كتابته في مرة فظاهر هذا أن الشرط صحيح لازم وأنه إن خالف مرة لم يعجزه وإن خالف مرتين أو أكثر فله تعجيزه

قال أبو بكر إذا رآه يسأل مرة في مرة عجزه كما إذا حل نجم في نجم عجزه فاعتبر المخالفة في مرتين كحلول نجمين

وإنما صح الشرط لقوله صلى الله عليه وسلم المسلمون على شروطهم ولأن له في هذا فائدة وغرضا صحيحا وهو أن لا يكون كلا على الناس ولا يطعمه من صدقتهم وأوساخهم

وذكر أبو الخطاب أنه لا يصح الشرط لأن الله تعالى جعل للمكاتب سهما من الصدقة بقوله تعالى وفي الرقاب التوبة 60

وهم المكاتبون فلم يصح اشتراط ترك طلب ما جعله الله تعالى له

مسألة

قال ( وليس له أن يتزوج إلا بإذن سيده )

وهذا قول الحسن و مالك و الليث و ابن أبي ليلى و أبي حنيفة و الشافعي و أبي يوسف وقال الحسن بن صالح له ذلك لأنه عقد معاوضة أشبه البيع

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر ولأن على السيد فيه ضررا لأنه ربما عجز فيرجع إليه ناقص القيمة ويحتاج أن يؤدي المهر والنفقة من كسبه فيعجز عن تأدية نجومه فيمنع من ذلك كالتبرع به

إذا ثبت هذا فإنه إذا تزوج ولم يصح تزويجه وقال الثوري نكاحه موقوف إن أدى تبينا أنه كان صحيحا وإن عجز فنكاحه باطل

ولنا الخبر ولأنه تصرف منع منه للضرر فلم يصح كالهبة وما ذكره لا أصل له

فإذا ثبت هذا فإنه يفرق بينهما فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها وإن كان بعده فعليه مهر مثلها يؤدي من كسبه لأنه بمنزلة جنايته وإن أتت بولد لحقه نسبه لأنه من وطء في نكاح فاسد فإن كانت المرأة حرة فهو حر وإن كانت أمة فولدها رقيق لسيدها

فأما إن أذن له سيده في النكاح صح منه في قولهم جميعا فإن الخبر يدل بمفهومه على صحة تزويجه إذا أذن له ولأن المنع من نكاحه لحق سيده فإذا أذن له زال المانع ولأنه لو أذن لعبده القن في النكاح صح منه فالمكاتب أولى

فصل وليس له التسري بغير إذن سيده لأنه ملكه غير تام وقال الزهري لا ينبغي لأهله أن يمنعوه من التسري

ولنا إن ملكه ناقص وعلى السيد فيه ضرر فيمنع منه كالتزويج وبيان الضرر فيه أنه ربما أحبلها والحبل مخوف في بنات آدم وربما تلفت وربما ولدت فصارت أم ولد فيمتنع عليه بيعها في أداء كتابتها وإن عجزت رجعت إلى السيد ناقصة فإذا منع من التزويج لضرره فهذا أولى

فأما إن أذن له سيده في التسري جاز له


354

وقال الشافعي لا يجوز له ذلك وإن أذن فيه سيده في أحد القولين لأنه أمر يضر به وربما أفضى إلى منعه من العتق فلم يجز وإن أذن فيه سيده ولأنه ناقص الملك فلم يجز له التسري كوطء الجارية المتشركة

ولنا إنه أذن لعبده القن في التسري جاز فالمكاتب أولى ولأن المنع كان لأجل الضرر بالسيد فجاز تأديبه كالتزويج

إذا ثبت هذا فإنه إذا تسرى بإذن سيده أو غير إذنه فلا حد عليه لشبهة الملك ولا مهر عليه لأنه لو وجب لوجب له ولا يجب على الإنسان شيء لنفسه وإن حبلت فالنسب لاحق به لأن الحد إذا سقط بالشبهة لحقه النسب ويكون الولد مملوكا له لأنه ابن أمته ولا يعتق عليه لأنه ملكه غير تام وليس له بيعة لأنه ولده ويكون موقوفا على كتابته فإن أدى عتق وعتق الولد لأنه ملك لأبيه الحر وإن عجز وعاد إلى الرق فولده رقيق أيضا ويكونان مملوكين للسيد فأما الأمة فإن ولدت قبل عتقه وعجزه فإنها تصير أم ولد للمكاتب وليس له بيعها نص عليه أحمد لأن ولدها له حرمة الحرية ولا يجوز بيعه ويعتق بعتق أبيه فكذلك أمه فعلى هذا لا يجوز بيعها وتكون موقوفة على المكاتب إن عتق فهي أم ولده وإن رق رقت

وقال القاضي في موضع لا تصير أم ولد بحال وله بيعها لأنها حملت بمملوك في ملك غير تام وللشافعي قولان كهذين الوجهين وإن وضعته بعد عتقه لأقل من ستة أشهر تبينا أنها حملت به في حال رقه فالحكم على ما مضى وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر حكمنا أنها حملته حرا لأننا لم نتيقن وجوده في حال الرق وتكون أم ولد لأنها علقت بحر في ملكه وللشافعي من التفصيل نحو مما ذكرنا

فصل وليس للمكاتب أن يزوج عبيده وإماءه بغير إذن سيده وهذا قول الشافعي وابن المنذر وذكر عن مالك أن له ذلك إذا كان على وجه النظر لأنه عقد على منفعة فملكه كالإجارة وهذا الذي قاله أبو الخطاب في رؤوس المسائل

وحكي عن القاضي أنه قال في الخصال له تزويج الأمة دون العبد وهو قول أبي حنيفة لأنه يأخذ عوضا عن تزويجها بخلاف العبد ولأنه عقد ذمة على منافعها فأشبه إجارتها

ولنا إن على السيد فيه ضررا لأنه إن زوج العبد لزمته نفقة امرأته ومهرها وشغله بحقوق النكاح ونقص قيمته وإن زوج الأمة ملك الزوج بضعها ونقصت قيمتها وقلت الرغبات فيها وربما امتنع بيعها بالكلية وليس ذلك من جهات المكاتب فربما عجزه ذلك عن أداء نجومه وإن عجز عاد رقيقا للسيد مع ما تعلق بهم من الحقوق ولحقهم من النقص فلم يجز ذلك له كإعتاقهم وفارق إجارة الدار فإنها من جهات المكاسب عادة فعلى هذا إن وجب تزويجهم لطلبهم ذلك وحاجتهم إليه باعهم فإن العبد متى طلب التزويج خير سيده بين بيعه وتزويجه وإن أذن له السيد في ذلك جاز لأن الحق له والمنع من أجله فجاز بإذنه

فصل وليس له إعتاق رقيقه إلا بإذن سيده وبهذا قال الحسن والأوزاعي ومالك والشافعي وأبو حنيفة لأن فيه ضررا على سيده بتفويت ماله فيما لا يحصل به مال فأشبه الهبة

فإن أعتق لم


355

يصح إعتاقه ويتخرج أن يصح ويقف على إذن سيده

وقال أبو بكر هو موقوف على آخر أمر المكاتب فإن أدى عتق معتقه وإن لم يؤد رق قال القاضي هذا قياس المذهب كقولنا في ذوي الأرحام إنهم موقوفون

ولنا إنه تبرع بماله بغير إذن سيده فكان باطلا كالهبة ولأنه تصرف تصرفا منع منه لحق سيده فكان باطلا كسائر ما يمنع منه ولا يصح قياسه على ذوي أرحامه لأن عتق ذوي أرحامه ليس بتصرف منه

وإنما يعتقهم الشرع على مالكهم ويملكهم والمكاتب ملكه ناقص فلم يعتق به فإذا عتق كمل ملكه فعتقوا حينئذ والمعتق إنما يعتق بالإعتاق الذي كان باطلا فلا تتيقن صحته إذا كمل الملك لأن كمال الملك في الثاني لا يوجب كونه كاملا حين الإعتاق وكذلك لا يصح سائر تبرعاته بأدائه فأما إن أذن فيه سيده صح وقال الشافعي في أحد القولين لا يصح

لأن تبرعه بماله يفوق المقصود من كتابته وهو العتق الذي هو حق لله تعالى أو فيه حق له فلا يجوز تفويته ولأن العتق لا ينفك من الولاء والعبد ليس من أهله ولأن ملك المكاتب ناقص والسيد لا يملك إعتاق ما في يده ولا هبته فلم يصح لأنه فيه

ولنا إن الحق لا يخرج عنهما فإذا اتفقا على التبرع به جاز كالراهن والمرتهن وما ذكروه يبطل بالنكاح فإنه لا يملك ولا يملكه السيد عليه وإذا أذن له فيه جاز وأما الولاء فإنه يكون موقوفا فإن عتق المكاتب كان له وإلا فهو لسيده كما يرق مماليكه من ذوي أرحامه هذا قول القاضي وقال القاضي أبو بكر يكون لسيده لأن إعتاقه إنما صح بإذن سيده فكان كالنائب له

فصل والمكاتب محجور عليه في ماله فليس له استهلاكه ولا هبته وبهذا قال الحسن ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا أعلم فيه مخالفا لأن حق سيده لم ينقطع عنه لأنه قد يعجز فيعود إليه ولأن القصد من الكتابة تحصيل العتق بالأداء وهبة ماله تفوت ذلك وإن أذن فيه سيده جاز وقال أبو حنيفة لا يجوز لأنه يوفت المقصود بالكتابة وعن الشافعي فيه كالمذهبين

ولنا إن الحق لا يخرج عنهما فجاز باتفاقهما كالراهن والمرتهن فأما الهبة بالثواب فلا تصح وقال الشافعي في أحد قوليه تصح لأن فيها معاوضة

ولنا إن الاختلاف في تقدير الثواب يوجب الغرر فيها ولأن عوضها يتأخر فيكون كالبيع نسيئة وإن أذن فيها السيد جازت وإن وهب لسيده جاز لأن قبوله الهبة إذن فيها وكذلك إن وهب لابن سيده الصغير

فصل ولا يحابي في البيع ولا يزيد في الثمن الذي اشترى به ولا يعير دابة ولا يهدي هدية وأجاز ذلك أصحاب الرأي ويحتمل جواز إعارة دابته وهدية المأكول ودعائه إليه لأن ذلك يجوز للمأذون له


356

ولا ينحط المكاتب عن درجته ووجه الأول أنه تبرع بماله فلم يجز كالهبة ولا يوصي بماله ولا يحط عن المشتري شيئا ولا يقرض ولا يضمن ولا يتكفل بأحد وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي لأن ذلك تبرع بماله فمنع منه كالهبة

فصل وليس له أن يحج إن احتاج إلى إنفاق ماله فيه ونقل الميموني عن أحمد للمكاتب أن يحج من المال الذي جمعه إذا لم يأت نجمه وهذا محمول على أنه يحج بإذن سيده أما بغير إذنه فلا يجوز لأنه تبرع بما ينفق مالا فيه فلم يجز كالعتق

فأما إن أمكنه الحج من غير إنفاق ماله كالذي تبرع إنسان بإحجامه أو يخدم من ينفق عليه فيجوز إذا لم يأت نجمه لأن هذا يجري مجرى تركه للكسب وليس ذلك مما يمنع منه

فصل وليس للمكاتب أن يكاتب إلا بإذن سيده وهذا قول الحسن والشافعي لأن الكتابة نوع إعتاق فلم تجز من المكاتب كالمنجز ولأنه لا يملك الإعتاق فلم يملك الكتابة كالمأذون له في التجارة واختار القاضي جواز الكتابة وهو الذي ذكره أبو الخطاب في رؤوس المسائل وهو قول مالك وأبي حنيفة والثوريوالأوزاعي لأنه نوع معاوضة فأشبه البيع وقال أبو بكر هو موقوف كقوله في العتق المنجز فإن أذن فيها السيد صحت وقال الشافعي فيها قولان وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم فإذا كاتب عبده فعجزا جميعا صارا رقيقين للسيد وإن أدى المكاتب الأول ثم أدى الثاني فولاء كل واحد منهما لمكاتبه وإن أدى الأول وعجز الثاني صار رقيقا للأول وإن عجز الأول وأدى الثاني فولاؤه للسيد الأول وإن أدى الثاني قبل عتق الأول عتق قال أبو بكر وولاؤه للسيد

وهو قول أبي حنيفة لأن العتق لا ينفك عن الولاء والولاء لا يوقف لأنه سبب يورث به فهو كالنسب

ولأن الميراث لا يقف كذلك سببه

وقال القاضي هو موقوف إن أدى عتق والولاء له وإلا فهو للسيد وهذا أحد قولي الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن أعتق ولأن العبد ليس بملك له ولا يجوز أن يثبت له الولاء على من لم يعتق في ملكه وقولهم لا يجوز أن يقف كما لم يقف النسب والميراث فليس كذلك فإن النسب يقف على بلوغ الغلام وانتسابه إذا لم تلحقه القافة بأحد الواطئين وكذلك الميراث يوقف على أن الفرق بين النسب والميراث وبين الولاء أن الولاء لا يجوز أن يقع لشخص ثم ينتقل وهو ما يجره موالي الأب من مولى الأم فجاز أن يكون موقوفا والنسب والميراث بخلاف ذلك فإن مات المعتق قبل عتق المكاتب وقلنا الولاء للسيد ورثه

وإن قلنا هو موقوف فميراثه أيضا موقوف

فصل وليس له أن يبيع نسيئة وإن باع السلعة بأضعاف قيمتها وهذا مذهب الشافعي

لأن فيه تغريرا بالمال وهو ممنوع من التغرير بالمال لتعلق حق السيد به

قال القاضي ويتخرج الجواز بناء على الضارب أن له البيع نسيئة في إحدى الروايتين فيخرج ها هنا مثله وسواء أخذ بالثمن ضمينا أو رهنا أو لم يأخذ لأن الغرر لم يزل فإن الرهن يحتمل أن يتلف ويحتمل أن يفلس


357

الغريم والضمين ويحتمل أن يجوز مع الرهن أو الضمين لأن الوثيقة قد حصلت به والعوارض نادرة على خلاف الأصل فإن باع بأكثر مما يساوي حالا وجعل الزيادة مؤجله جاز لأن الزيادة ربح وإن اشترى نسيئة جاز لأنه لا غرر فيه ولا يجوز أن يدفع به رهنا لأن الرهن أمانة وقد يتلف أو يجحده الغريم وليس له أن يدفع ماله سلما لأنه في معنى البيع نسيئة وله أن يستأنف في ذمته لأنه في معنى الشراء نسيئة وليس له أن يقرض لأنه تبرع بالمال فيه خطر به وله أن يقترض لأنه ينتفع بالمال وليس له أن يدفع ماله مضاربة لأنه يسلمه إلى غيره فيغرر به لو أن يأخذ المال قراضا لأنه من أنواع الكسب ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله على ما ذكرنا

فصل وللمكاتب أن يبيع ويشتري بإجماع من أهل العلم لأن عقد الكتابة لتحصيل العتق ولا يحصل إلا بأداء عوضه ولا يمكنه الأداء إلا بالاكتساب والبيع والشراء من أقوى جهات الاكتساب فإنه قد جاء في بعض الآثار أن تسعة أعشار الرزق في التجارة وله أن يأخذ ويعطي فيما فيه الصلاح لماله والتوفير عليه وله أن ينفق مما في يده من المال على نفسه في مأكله ومشربه وكسوته بالمعروف مما لا غناء له عنه وعلى رقيقه والحيوان الذي له وله تأديب عبيده وتعزيرهم إذا فعلوا ما يستحقون ذلك لأنه من مصلحة ملكه فملكه كالنفقة عليهم ولا يملك إقامة الحد عليهم لأن هذا موضع ولاية وليس هو من أهلها وله المطالبة بالشفعة والأخذ بها لأنه نوع شراء فإن كان المشتري للشقص سيده فله أخذه لأن له أن يشتري منه وإن اشترى المكاتب شقصا لسيده فيه شركة فله أخذه من المكاتب بالشفعة لأنه مع سيده في باب البيع والشراء كالأجنبي وإن وجبت للسيد على مكاتبه شفعة فادعى المكاتب أن سيده عفا عنها سمعت دعواه وإن أنكره السيد كان عليه اليمين وإن أذن السيد لمكاتبه في البيع بالمحاباة صح منه وكان لسيده الأخذ بالشفعة لأن بيعه بالمحاباة مع إذن سيده فيه صحيح ويصح إقرار المكاتب بالبيع والشراء والعيب والدين لأنه يصح تصرفه فيه بذلك ومن ملك شيئا فله الإقرار به

مسألة

قال ( ولا يبيعه سيده درهما بدرهمين )

وجملته أن الربا يجري بين العبد وبين سيده فلم يجز أن يبيعه درهما بدرهمين كالأجنبيين وقال ابن أبي موسى لا ربا بينهما لأنه عبد في الأظهر من قوله ولا ربا بين العبد وسيده ولهذا جاز أن يعجل لسيده ويضع عنه بعض كتابته وله وطء مكاتبته إذا شرط ولو حملت منه صارت له بذلك أم ولد ووجه قول الخرقي أن السيد مع مكاتبه في باب المعاملة كالأجنبي بدليل أن لكل واحد منهما الشفعة على صاحبه ولا يملك كل واحد منهما التصرف فيما في يد صاحبه وإنما يتعلق لسيده حق فيم بيده لكونه بعرضية أن يعجزه فيعود إليه وهذا لا يمنع جريان الربا بينهما كالأب مع ابنه فعلى هذا القول لا يجوز التفاضل بينهما فيما يحرم التفاضل فيه بين الأجنبيين ولا النساء فيما يحرم النساء فيه بين الأجانب


358

فصل فإن كان لكل واحد منهما على صاحبه دين مثل أن كان للسيد على المكاتب دين من الكتابة أو غيرها وللمكاتب على سيده دين وكانا نقدا من جنس واحد حالين أو مؤجلين أجلا واحدا تقاصا وتساقطا لأنهما إذا تساقطا بين الأجانب فمع السيد ومكاتبه أولى وإن كانا نقدين من جنسين كدراهم ودنانير فقال ابن أبي موسى لو كان له على سيده ألف درهم ولسيده عليه مائة درهم فجعلها قصاصا بها جاز بخلاف الحرين

وقال القاضي لا يجوز هذا لأنه بيع دين بدين وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الدين بالدين ولأنه لا يجوز بين الأجنبيين فلم يجز بين المكاتب وسيده كسائر المحرمات وفارق العبد القن فإنه باق في تصرف سيده وما في يده ملك خالص لسيده له أخذه والتصرف فيه فعلى هذا لا يجوز مع التراضي به وعلى قول أبي موسى إذا تراضيا بذلك وتبايعاه ولا يثبت التقابض قبل تراضيهما به لأنه بيع فأما إن كان عرضين أو عرضا ونقدا لم تجز المقاصة فيهما بغير تراضيهما بحال سواء كان القرض من جنس حقه أو غير جنسه وإن تراضيا بذلك لم يجز أيضا لأنه بيع دين بدين وإن قبض أحدهما من الآخر حقه ثم دفعه إلى الآخر عوضا عن ماله في ذمته جاز إذا لم يكن الثابت في الذمة عن سلم فإن ثبت عن سلم لم يجز أخذ عوضه قبل قبضه وفي الجملة أن حكم المكاتب مع سيده في هذا حكم الأجانب إلا على قول ابن أبي موسى الذي ذكرناه والله أعلم

مسألة

قال ( وليس للرجل أن يطأ مكاتبه إلا أن يشترط )

الكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما في وطئها بغير شرط وهو حرام في قول أكثر أهل العلم منهم سعيد بن المسيب والحسن والزهري ومالك والليث والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وقيل له وطؤها في الوقت الذي لا يشغلها الوطء عن السعي عما هي فيه لأنها ملك يمينه فتدخل في عموم قوله تعالى أو ما ملكت أيمانهم المؤمنون 6 و ( المعارج 30 )

ولنا إن الكتابة عقد أزال ملك استخدامها وملك عوض منفعة بضعها فيما إذا وطئت بشبهة فأزال حل وطئها كالبيع والآية مخصوصة بالمزوجة فنقيس عليها محل النزاع ولأن الملك ها هنا ضعيف لأنه قد زال عن منافعها جملة ولهذا لو وطئت بشبهة كان المهر لها وتفارق أم الولد فإن ملكه باق عليها وإنما يزول بموته فأشبهت المدبرة والموصى بها وإنما امتنع البيع لأنها استحقت العتق بموته استحقاقا لازما لا يمكن زواله

الفصل الثاني إذا شرط وطأها فله ذلك وبه قال سعيد بن المسيب وقال سائر من ذكرنا ليس له وطؤها لأنه لا يملكه مع إطلاق العقد فلم يملكه بالشرط كما لو زوجها أو أعتقها


359

وقال الشافعي إذا شرط ذلك في عقد الكتابة فسد لأنه شرط فاسد فأفسد العقد كما لو شرط عوضا فاسدا وقال مالك لا يفسد العقد به لأنه لا يخل بركن العقد ولا شرطه فلم يفسده كالصحيح

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنون عند شروطهم ولأنها مملوكة له شرط نفعها فصح كشرط استخدامها يحقق هذا أن منعه من وطئها مع بقاء ملكه عليها ووجود المقتضي لحل وطئها إنما كان لحقها فإذا شرطه عليها جاز كالخدمة ولأنه استثنى بعض ما كان له فصح كاشتراط الخدمة وفارق البيع لأنه يزيل ملكه عنها

فصل فإن وطئها مع الشرط فلا حد عليه ولا تعزير ولا مهر لأنه وطء يملكه ويباح له فأشبه وطأها قبل كتابتها وإن وطئها من غير شرط فقد أساء وعليه التعزير لأنه وطء محرم ولا حد عليه في قول عامة الفقهاء لا نعلم فيه خلافا إلا عن الحسن والزهري فإنهما قالا عليه الحد لأنه عقد عليهما عقد معاوضة يحرم الوطء فأوجب الحد بوطئها كالبيع

ولنا إنها مملوكته فلم يجب الحد بوطئها كأمته المستأجرة والمرهونة وتخالف البيع فإنه يزيل الملك والكتابة لا تزيله بدليل قوله عليه السلام المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وعليه مهرها لها لأنه استوفى منفعتها الممنوع من استيفائها فكان عليه عوضها كمنافع بدنها

فصل وإن أولدها صارت أم ولد له سواء وطئها بشرط أو بغير شرط لأنه أحبلها بحرفي ملكه فكانت أم ولده كغير المكاتبة والولد حر لأنه ولده من مملوكته ويلحقه نسبه لذلك ولأنه من وطء سقط فيه الحد للشبهة فأشبه ولد المغرور ولا تلزمه قيمته لأنها وضعته في ملكه

فصل وليس له وطء بنتها لأنها تابعة لأمها موقوفة معها فلم يبح وطؤها كأمها ولا يباح ذلك بالشرط لأن حكم الكتابة ثبت فيها تبعا ولم يكن وطؤها مباحا حال العقد بشرطه فإن وطئها فلا حد عليه لأنها ملكه ويأثم ويعزر لأنه وطىء فرجا محرما ولها مهر عليه حكمه حكم كسبها يكون لأمها تستعين به في كتابتها لأن ذلك سبب حريتها وإن أحبلها صارت أم ولد له والولد حر لأنه أحبلها بحر في ملكه ويلحقه نسبه ولا تجب عليه قيمتها لأن أمها لا تملكها ولا قيمة ولدها لأنها وضعته في ملكه

فصل وليس له وطء جارية مكاتبته ولا مكاتبه اتفاقا فإن فعل أثم وعزر ولا حد عليه لشبهة الملك لأنه يملك مالكها وعليه مهرها لسيدها وولده منها حر يلحقه نسبه لأن الحد سقط لشبهة الملك وتصير أم ولد له وعليه قيمتها لسيدها لأنه أخرجها بوطئه عن ملكه وكان عليه قيمتها لسيده ولا تجب عليه قيمة الولد لأنها وضعته في ملكه ويحتمل أن تلزمه قيمته لأنه أخرجه بوطئه عن أن يكون مملوكا لسيدها فأشبه ولد المغرور

فصل ولا يملك إجبار مكاتبته ولا ابنتها ولا أمتها على التزويج لأنه زال ملكه بعقد


360

الكتابة عن نفعها ونفع بضعها وعن عوضه وليس لواحدة منهما التزوج بغير إذن لأن عليه ضررا في ذلك فإنه يثبت للزوج حقا فيها فربما عجزت وعادت إليه على وجه لا يملك وطأها فإن تراضيا بذلك جاز لأن الحق لا يخرج عنهما وهو وليها وولي ابنتها وجاريتها جميعا لأن الملك له فأشبه الجارية القن والمهر للمكاتبة على ما ذكرنا في مهرهن إذا وطئها السيد

مسألة

قال ( فإن وطئها ولم يشترط أدب ولم يبلغ به حد الزاني وكان عليه مهرمثلها )

وجملة الأمر أن السيد إذا وطىء مكاتبته من غير شرط فقد ذكرنا أنه لا حد عليه لكن إن كانا عالمين بالتحريم عزرا وإن كانا جاهلين عزرا وإن كان أحدهما عالما والآخر جاهلا عزر العالم وعزر الجاهل ولا يخرج بالوطء عن الكتابة وقال الليث إن طاوعته فقد فسخت كتابتها وعادت قنا

ولنا إنه عقد لازم فلم ينفسخ بالمطاوعة على الوطء كالإجارة والبيع بعد لزومه فأما المهر فإنه يجب لها أكرهها أو طاوعته وبه قال الحسن والثوري والحسن بن صالح والشافعي وقال قتادة يجب إذا أكرهها ولا يجب إذا طاوعته ونقله المزني عن الشافعي لأن المطاوعة بذلت نفسها بغير عوض فصارت كالزانية ومنصوص الشافعي وجوبه في الحالين وأنكر أصحابه ما نقله المزني وقالوا لا يعرف وقال مالك لا شيء عليه لأنها ملكه

ولنا إنه عوض منفعتها فوجب لها كعوض بدنها ولأن المكاتبة في يد نفسها ومنافعها لها ولهذا لو وطئها أجنبي كان المهر لها وإنما وجب في حال المطاوعة لأن الحد يسقط عنه لشبهة الملك فوجب لها المهر كما لو وطىء امرأة بشبهة عقد مطاوعة فإن تكرر وطؤها وكان قد أدى مهر الوطء الأول فللثاني مهر أيضا لأن الأداء قطع حكم الوطء الأول وإن لم يكن أدى عن الأول لم يجب إلا مهر واحد لأن هذا عن وطء الشبهة فلم يكن إلا مهرا واحدا كالوطء في النكاح الفاسد

فصل وإذا وجب لها المهر فإن كان لم يحل عليها نجم فلها المطالبة به إن كان قد حل عليها فكان المهر من غير جنسه فلها المطالبة به أيضا وإن كان من جنسه تقاصا وأخذ ذو الفضل فضله

مسألة

قال ( فإن علقت منه فهي مخيرة بين العجز وتكون أم ولد وبين المضي على كتابتها فإن أدت عتقت وإن عجزت عتقت بموته وإن مات قبل عجزها انعتقت لأنها من أمهات الأولاد ويسقط عنها ما بقي من كتابتها وما في يدها لورثة سيدها )

وجملته أن السيد إذا استولد مكاتبته فالولد حر لأنه من مملوكته لا حق به ولا تجب قيمته لذلك وتصير أم ولد له لذلك ولا تبطل كتابتها لأنه عقد لازم من جهة سيدها وقد اجتمع لها سببان يقتضيان العتق أيهما سبق صاحبه ثبت حكمه

هذا قول الزهري ومالك والثوري والليث والشافعي وأصحاب الرأي


361

وابن المنذر وقال الحكم تبطل كتابتها لأنها سبب للعتق فتبطل بالاستيلاد كالتدبير

ولنا إنها عقد معاوضة فلا تبطل بالوطء كالبيع ولأنها سبب للعتق لا يملك السيد الرجوع عنه فلم تبطل بذلك كالتعليق بصفة وما ذكروه يبطل بالتعليق بالصفة وتفارق الكتابة التدبير من وجوه أحدها أن حكم التدبير والاستيلاد واحد وهو العتق عقيب الموت والاستيلاد أقوى لأنه يعتبر من رأس المال ولا سبيل إلى إبطاله بحال فاستغنى به عن التدبير والكتابة سبب يتعجل بها العتق بالأداء ويكون ما فضل من كسبها لها ويملك بها منافعها وكسبها وتخرج عن صرف سيدها وهذا لا يحصل بالاستيلاد فيجب أن تبقى لبقاء فائدتها

الثاني أن الكتابة أقوى من التدبير للزومها وكونها لا تبطل بالرجوع عنها ولا ببيع المكاتب ولا هبته

الثالث أن التدبير تبرع والكتابة عقد معاوضة لازم

فإذا ثبت هذا فإنه يجتمع لها سببان كل واحد منهما يقتضي الحرية فأيهما ثم قبل صاحبه ثبتت الحرية به كما لو انفرد لأن انضمام أحدهما إلى الآخر كونه لا ينافيه لا يمنع ثبوت حكمه فإن أدت عتقت بالكتابة وما فضل من كسبها فهو لها لأن المعتق بالكتابة له ما فضل من نجومه وإن عجزت وردت في الرق بطل حكم الكتابة وبقي لها حكم الاستيلاد منفردا كما لو لم تكن مكاتبة وله وطؤها وتزويجها وإجارتها وتعتق بموته وما في يدها لورثة سيدها وإذا مات سيدها قبل عجزها انعتقت لأنها أم ولد وتسقط الكتابة لأن الحرية حصلت فسقط العوض المبذول في تحصيلها كما لو باشرها سيدها بالعتق وما في يدها لورثة سيدها في قول الخرقي وأبي الخطاب لأنها عتقت بحكم الاستيلاد وبطل حكم الكتابة فأشبهت غير المكاتبة وقال القاضي في المجرد وابن عقيل في كتابه ما فضل في يدها لها وهو قول الشافعي لأن العتق إذا وقع في الكتابة لا يبطل حكمها كالإبراء من نجوم الكتابة ولأن ملكها كان ثابتا على ما في يدها ولم يحدث إلا ما يزيل حق سيدها عنها فيقتضي زوال حقه عما في يدها وتقرير ملكها وخلوصه لها كما اقتضى ذلك في نفسها وهذا أصح والله أعلم

فصل وإن أعتقها سيدها عتقت وسقطت كتابتها وما في يدها لها في قول القاضي ومن وافقه فأما على قول الخرقي ومن وافقه فقياسه أن يكون لسيدها كما لو عتقت بالاستيلاد ويحتمل أن يكون لها على قولهم أيضا لأن السيد أعتقها برضاه فيكون رضا منه بإعطائها مالها بخلاف العتق بالاستيلاد فإنه حصل بغير رضا الورثة واختيارهم ولأنه لو كان مال المكاتب يصير للسيد بإعتاقه لتمكن السيد من أخذ مال المكاتب متى شاء فمتى كان له غرض في أخذ ماله إما لكثرته وفضله عن نجوم كتابته وإما لغرض له في بعض أعيان ماله أعتقه وأخذ ماله وهذا ضرر على المكاتب لم يرد الشرع به ولا يقتضيه عقد الكتابة فوجب أن لا يشرع

فصل وإن أتت بولد من اغير سيدها بعد استيلادها فله حكمها في العتق بكل واحد من


362

السببين أيهما سبق عتق به كالأم سواء لأنه بائع لها فيثبت له ما يثبت لها وإن ماتت المكاتبة بقي للولد سبب الاستيلاد وحده وإن اختلفا في ولدها فقالت ولدته بعد كتابتي أو بعد ولادتي وقال السيد بل قبله فقال أبو بكر القول قول السيد مع يمينه

وهذا قول الشافعي لأن الأصل كون الأمة وولدها رقيقا لسيدهما التصرف فيهما وهي تدعي ما يمنع التصرف وإن زوج مكاتبه أمته ثم باعها منه واختلفا في ولدها فقال السيد هو لي لأنها ولدته قبل بيعها لك وقال المكاتب بل بعده فالقول قول المكاتب لأنهما اختلفا في ملكه ويد المكاتب عليه فكان القول قول صاحب اليد مع يمينه كسائر الأموال ويفارق ولد المكاتبة لأنها لا تدعي ملكه

فصل إذا كانت الأمة بين شريكين فكاتباها ثم وطئها أحدهما أدب فوق أدب الواطىء ولمكاتبته الخالصة له لأن الوطء ها هنا حرم من وجهين الشركة والكتابة فهو آكد وإثمه أعظم وأدبه أكثر وعليه مهر مثلها على ما أسلفناه فيما إذا كان السيد واحدا فإن لم يكن حل نجم قبضت المهر فإذا حل نجمهما سلمته إليهما وإن حل نجمهما وهو من جنس مال الكتابة وكان في يدها بقدره دفعته إلى الذي لم يطأها واحتسبت على الواطىء بالمهر وإن لم يكن في يدها شيء وكان بقدر نجمها أو دونه أخذت من الواطىء نصفه وسلمته إلى الآخر وإن لم يكن من جنس مال الكتابة فاتفقا على أخذه عوضا من مال الكتابة فالحكم فيه كما لو كان من جنسها وإن لم يتفقا قبضته ودفعته مما عليها من مال الكتابة من عوضه أو غيره وإن عجزت فسخا الكتابة وكان في يدها بقدر المهر أخذه الذي لم يطأ وسقط المهر من ذمة الواطىء وإن لم يكن في يدها شيء كان للذي لم يطأ أن يرجع على الواطىء بنصفه لأنه وطىء جارية مشتركة بينهما فإن حبلت منه صارت أم ولد له وعليه نصف قيمتها لشريكه مع نصف المهر الواجب لها موسرا كان أو معسرا إلا أنه إن كان موسرا أداه في الحال وإن كان معسرا فهو في ذمته هذا ظاهر كلام الخرقي ذكر مثل هذا في باب العتق فعلى هذا تصير أم ولد للواطىء ومكاتبته له كأنه اشتراها وتكون مبقاة على ما بقي من كتابتهما وتعتبر قيمتها بما تساوي مكاتبته مبقاة على ما بقي عليها من كتابتها واختار القاضي أنه إن كان معسرا لم يسر احبال لأنه بمنزلة الإعتاق بالقول يعتبر اليسار في سرايته ونصيب الواطىء قد ثبت له حكم الاستيلاد وحكم الكتابة ونصيب شريكه لم يثبت له إلا حكم الكتابة فإن أدت إليهما عتقت وبطل حكم الاستيلاد وإن عجزت وفسخا الكتابة ثبت لنصفها حكم الاستيلاد ونصفها قن لا يقوم على الوارث وإن كان موسرا لأنه ليس بمعتق وإن مات الواطىء قبل عجزها عتق نصيبه وسقط حكم الكتابة فيه وكان الباقي مكاتبا وإن كان الواطىء موسرا فقد ثبت لنصفها حكم الاستيلاد ونصفها الآخر موقوف فإن أدت إليهما عتقت كلها وولاؤها لهما وإن عجزت وفسخا الكتابة قومناها حينئذ على الواطىء فيدفع إلى شريكه قيمة نصيبه وتصير جميعها أم ولد له فإن مات عتقت عليه وكان ولاؤها له وهذا مذهب الشافعي وله قول آخر أنها تقوم على الموسر وتبطل الكتابة في نصف الشريك وتصير جميعها أم ولد ونصفها مكاتبا للواطىء فإن


363

أدت نصيبه إليه عتقت وسرى إلى الباقي لأنه ملكه وعتق جميعها وإن عجزت ففسخ الكتابة كانت أم ولد له خاصة فإذا مات عتقت كلها

ولنا إن بعضها أم ولد فكان جميعها كذلك كما لو كان الشريك موسرا يحقق هذا أم الولد حاصل من جميعها وهو كله من الواطىء ونسبه لاحق به فيجب أن يثبت ذلك لجميعها ويفارق الإعتاق فإنه أضعف على ما بينا من قبل

ولنا على أن الكتابة لا تبطل بالتقويم أنها عقد لازم فلا تبطل مع بقائها بفعل صدر منه كما لو استولدها وهي في ملكه وكما لو لم تحبل منه فأما الولد فإنه حر لأنه من وطء فيه شبهة ونسبه لاحق به كذلك ولا يلزمه قيمته لأنها وضعته في ملكه

وروي عن أحمد في هذا روايتان إحداهما لا تجب قيمته لأن نصيب شريكه انتقل إليه من حين العلوق وفي تلك الحال لم تكن قيمته فلم يضمنه

والثانية عليه نصف قيمته لأنه كان من سبيل هذا النصف أن يكون مملوكا لشريكه فقد تلف رقه عليه فكان عليه نصف قيمته وقال القاضي هذه الرواية أصح على المذهب وذكر هاتين الروايتين أبو بكر واختار أنها إن وضعته بعد التقويم فلا شيء على الواطىء وإن وضعته قبل التقويم غرم نصف قيمته فإن ادعى الواطىء الاستبراء وأتت بالولد لأكثر من ستة أشهر حين الاستبراء لم يلحق به ولم تصر أم ولد وكان حكم ولدها حكمها وإن أتت به لأقل من ستة أشهر من حين الاستبراء لحق به كما لو كان قبل الاستبراء لأنا تبينا أنه كانت حاملا وقت الاستبراء فلم يكن ذلك استبراء

فصل وإن وطئاها جميعا فقد وجب لها على كل واحد منهما مهر مثلها فإن كانت في الحالين على صفة واحدة فهما سواء في الواجب عليهما وإن كانت بكرا حين وطئها الأول فعليه مهر بكر وعلى الآخر مهر ثيب فإن كان نجمها لم يحل فلها مطالبتهما بالمهرين وإن كان النجم قد حل وهو من جنس المهر تقاصا على ما ذكرنا في المقاصة فإن أدت إليهما عتقت وكان لهما المطالبة بالمهرين وإن عجزت عن نفسها وفسخا الكتابة بعد قبضها المهرين لم يملك أحدهما مطالبة الآخر بشيء لأنها قبضتهما وهي مستحقة لذلك فإن كانا في يدها اقتسماها وإن تلفا أو بعضهما فلا شيء لها لأن السيد لا يثبت له دين على مملوكه وإن كان الفسخ قبل قبض المهرين وهما سواء سقط عن كل واحد ما عليه وإن كان أحدهما أكثر من الآخر تقاص منها بقدر أقلهما على الآخر بنصف الزيادة وإن قبضت البعض من أحدهما دون الآخر رجع المقبوض منه على الآخر بنصف ما عليه وإن قبضت البعض من أحدهما دون الآخر أو قبضت من أحدهما أكثر من الآخر رجع من قبض منه الأكثر على الآخر بنصف الزيادة التي أداها وإن أفضاها أحدهما بوطئه فعليه لها ثلث قيمتها لأن الإفضاء في الحرة يوجب ثلث ديتها فوجب في الأمة ثلث قيمتها مع المهر


364

فصل

ويحتمل أن يلزمه في الإفضاء قدر نقصها وقال القاضي تلزمه قيمتها وهو مذهب الشافعي والخلاف في ذلك فرع على الواجب في إفضاء الحرة وقد ذكرناه فإن فسخت الكتابة رجع من لم يفضها على الآخر بنصف قيمة الإفضاء على الخلاف الذي ذكرناه وإن ادعى كل واحد منهما على الآخر أنه الذي أفضاها أو وطئها حلف كل واحد منهما وبرىء وإن نكل أحدهما قضي عليه وإن كان الخلاف في ذلك قبل عجزها فادعت على أحدهما فالقول قوله مع يمينه وإن ادعت على أحدهما غير معين لم تسمع الدعوى

فصل فإن أولدها كل واحد منهما واتفقا على السابق منهما فعلى قول الخرقي تصير أم ولد له وولده حر لاحق النسب به والخلاف في ذلك كالخلاف فيما إذا انفرد بإيلادها سواء

أما الثاني فعلى قول الخرقي قد وطىء أم ولد غيره بشبهة وأولدها فلا تصير أم ولد له لأنها مملوكة غيره فأشبه ما لو باعها ثم أولدها وعليه مهرها لأن الكتابة لم تبطل والولد حر لأنه وطء شبهة وعليه قيمته للأول لأنه فوت رقه عليه فكان من سبيله أن يكون رقيقا له حكمه حكم أمه فتلزمه قيمته على هذه الصفة وقد ذكرنا في وجوب نصف قيمة الأول خلافا

فإن قلنا بوجوبها تقاصا بما لكل واحد منهما على صاحبه في القدر الذي تساويا فيه ويرجع ذو الفضل بفضله وتعتبر القيمة يوم الولادة لأنها أول حال أمكن التقويم فيها

وذكر القاضي في هذه المسألة أربعة أحوال

أحدها أن يكونا موسرين فالحكم على ما ذكرنا إلا أنه جعل المهر الواجب على الثاني للأول

وهذا مذهب الشافعي ولا يصح لأن الكتابة لا تبطل بالاستيلاد ومهر المكاتبة لها دون سيدها ولأن سيدها لو وطئها لوجب عليه المهر لها فلأن لا يملك المهر الواجب على غيره أولى ولأنه عوض نفعها فكان لها كأجرتها

الثاني أن يكون الأول موسرا والثاني معسرا فيكون كالحال الذي قبله سواء قال القاضي إلا أن ولده يكون مملوكا لإعساره بقيمته وهذا غير صحيح لأن الولد لا يرق لإعسار والده بدليل ولد المغرور من أمة والوطء بشبهة وكل موضع حكمنا بحرية الولد لا يختلف بالإعسار واليسار فإنما يعتبر اليسار في سراية العتق وليس عتق هذا بطريق السراية إنما هو لأجل الشبهة في الوطء فلا وجه لاعتبار اليسار فيه والصحيح أنه حر وتجب قيمته في ذمة أبيه

الحال الثالث أن يكونا معسرين فإنها تصير أم ولد لهما جميعا نصفها أم ولد للأول ونصفها أم ولد للثاني قال وعلى كل واحد منهما نصف مهرها لصاحبه وفي ولد كل واحد منهما وجهان أحدهما أن يكون كله حرا وفي ذمة أبيه نصف قيمته لشريكه

والثاني نصفه حر وباقيه عبد لشريكه إلا أن نصف ولد الأول عبد قن لأنه تابع للنصف الباقي من


365

الأم وأما النصف الباقي من ولد الثاني فحكمه حكم أمه لأنه ولد منها بعد أن ثبت لنصفها حكم الاستيلاد للأول فكان نصفه الرقيق تابعا لها في ذلك ولعل القاضي أراد ما إذا عجزت وفسخت الكتابة فأما إذا كانت باقية على الكتابة فإن لها المهر كاملا على كل واحد منهما وإذا حكم برق نصف ولدها وجب أن يكون له في الكتابة لأن ولد المكاتبة يكون تابعا لها

الحال الرابع أن يكون الأول معسرا والثاني موسرا فحكمه حكم الثالث سواء إلا أن ولد الثاني حر لأن الحرية ثبتت لنصفه بفعل أبيه وهو موسر فسرى إلى جميعه وعليه نصف قيمته لشريكه ولم تقوم عليه الأم لأن نصفها أم ولد للأول ولو صح هذا لوجب أن لا يقوم عليه نصف الولد لأن حكمه حكم أمه في هذا فإذا منع حكم الاستيلاد السراية في الأم منعه فيما هو تابع لها ومذهب الشافعي في هذه المسألة قريب مما ذكر القاضي

فصل وإن اختلفا في السابق منهما فادعى كل واحد منهما أنه السابق فعلى قولنا لها المهر على كل واحد منهما وكل واحد يقر لصاحبه بنصف قيمة الجارية لأنه يقول صارت أم ولد لي بإحبالي إياها ووجب لشريكي علي نصف قيمتها ولي عليه قيمة ولده لأنه يقول أولدتها بعد أن ذكرهما فعلى هذا إن استوى ما يدعيه وما يقر به تقاصا وتساقطا ولا يمين لواحد منهما على صاحبه لأنه يقول لي عليك مثل ما لك علي والجنس واحد فتساقطا وإن زاد ما يقر به فلا شيء عليه لأن خصمه يكذبه في إقراره وإن زاد ما يدعيه فله اليمين على صاحبه في الزيادة ويثبت للأمة حكم العتق في نصيب كل واحد منهما بموته لإقراره بذلك ولا يقبل قوله على شريكه في إعتاق نصيبه

وقال أبو بكر في الأمة قولان أحدهما يقرع بينهما فتكون أم ولد لمن تقع القرعة له

والثاني تكون أم ولد ولا يطؤها واحد منهما قال وبالأول أقول وأما القاضي فاختار أنهما إن كانا موسرين فكل واحد منها يدعي المهر على صاحبه ويقر له بنصفه وهذا مذهب الشافعي لأن المهر عندهم لسيدها دونها ولا يعتق شيء منها بموت الأول لاحتمال أن تكون أم ولد للآخر وأما إذا مات الآخر عتقت لأن سيدها قد مات يقينا وإن كانا معسرين فكل واحد منهما مقر بأن نصفها أم ولده ويصدقه الآخر لأن الاستيلاد لا يسري مع الإعسار وكل واحد منهما يقر لصاحبه بنصف المهر والآخر يصدقه فيتقاصان إن تساويا وإن فضل أحدهما صاحبه نظرت فإن كان كل واحد منهما يدعي الفضل تحالفا وسقط وإن كان كل واحد منهما يقر للآخر بالفضل سقط لتكذيب المقر له به وفي الولد وجهان أحدهما يكون حرا فيكون كل واحد منهما يدعي على الآخر نصف قيمة الولد

والوجه الثاني نصفه حر فيقر بأن نصف الولد مملوك لشريكه فيكون الولدان بينهما من غير يمين وعلى الوجه الأول يتقاصان إن تساوت قيمة الولدين ولا يمين في الموضعين فأيهما مات عتق


366

نصيبه وولاؤه له وإن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا فالموسر يقر للمعسر بنصف المهر ونصف قيمة الولد ونصف مهرها ويدعي عليه جميع المهر وقيمة الولد والمعسر يقر للموسر بنصف المهر ونصف قيمة الولد فيسقط إقرار الموسر للمعسر بنصف قيمة الجارية لكونه لا يدعيه ولا يصدقه فيه ويتقاصان بالمهر لاستوائهما فيه ويدفع المعسر إلى الموسر نصف قيمة الولد لإقراره به ويحلف على ما يدعيه عليه من الزيادة لأنه ادعى عليه جميع قيمة الولد فأقر له بنصفها ويحلف له الموسر على نصف قيمة الولد الذي ادعاه المعسر عليه

فأما الجارية فإن نصيب الموسر منها أم ولد بغير خلاف بينهما فيه وباقيها يتنازعانه فإن مات الموسر أولا عتق نصيبه وولاؤه لورثته فإذا مات المعسر عتق باقيها وإن مات المعسر أولا لم يعتق منها شيء فإذا مات الموسر عتق جميعها ويجىء على قول أبي بكر أن يقرع بينهما في النصف المختلف فيه

فصل فإن وطئاها معا فأتت بولد لم يخل من ثلاثة أقسام أحدها أن لا يمكن أن يكون من واحد منهما مثل أن تأتي به بعد استبرائها منهما أو بعد أربع سنين منذ وطئها كل واحد منهما أو قبل مضي ستة أشهر منذ وطئها كل واحد منهما فإن الولد منفي عنهما وهو مملوك لهما حكمه حكم أمه في العتق بأدائها وإذا ادعى كل واحد منهما الاستبراء قبل منه لأن دعوى الاستبراء في الأمة كاللعان في الحرة

القسم الثاني أن يكون من أحدهما بعينه دون صاحبه فالحكم فيه كالحكم فيما إذا ولدت من أحدهما بعينه من وجوب المهر لها وقيمة نصفها لشريكه مع الخلاف في ذلك

وأما الذي لم تحبل من وطئه فإن كان الأول فعليه المهر لها وإن كان هو الثاني فقد وطىء أم ولد غيره فإن كانت الكتابة باقية فعليه المهر لها أيضا وإن كانت الكتابة قد فسخت فالمهر للذي استولدها وقد وجب للثاني على الأول نصف قيمتها وفي قيمة الولد روايتان فإن كان المهر للأول تقاصا بقدر أقل الحقين وإن كان المهر لها رجع بحقه على الذي أحبلها وأما القاضي فقال في هذا القسم الحكم في الأول كالحكم فيه إذا انفرد بالوطء على ما مضى من التفصيل والتطويل

وأما الثاني فإن وطئها بعد ولادتها من الأول نظرنا فإن وطئها بعد الحكم بكونه أم ولد للأول فعليه مهر مثلها فإن كان فسخ الكتابة في حق نفسه لعجزها فالمهر له لأنها أم ولده وإن كان لم يفسخ فالمهر بينه وبينها نصفين وإن وطئها بعد زوال الكتابة في حقه وقبل الحكم بأنها أم ولد للأول سقط عنه نصف مهرها لأن نصفها قن له وعليه النصف لها إن لم يكن الأول فسخ الكتابة أو له إن كان فسخ وإن كان الأول معسرا فنصيبه منها أم ولد له ولها عليها المهران والحكم فيما إذا عجزت أو أدت قد تقدم

فأما إن كان الولد من الثاني فالحكم في وطء الأول كالحكم فيه إذا وطىء منفردا فلم يحبلها

وأما الثاني فإن كان موسرا قوم عليه نصيب شريكه عند العجز فإن فسخا الكتابة قومناها عليه


367

وصارت أم ولد له وإن أوصى الثاني بالمقام على الكتابة قومنا عليه نصيب الأول وصارت كلها أم ولد ونصفها مكاتب ويرجع الأول على الثاني بنصف المهر ونصف قيمة الولد على إحدى الروايتين ويرجع الثاني على الأول بنصف المهر فيتقاصان به إن كان باقيا عليهما وإن كان الثاني معسرا فالحكم فيه كما لو ولدت من الأول وكان معسرا لا فضل بين المسألتين

القسم الثالث أمكن أن يكون الولد من كل واحد منهما فإنه يرى القافة معهما فيلحق بمن ألحقوه به منهما فمن ألحق به فحكمه حكم ما لو عرف أنه منه بغير قافة

مسألة

قال ( وإذا كاتب نصف عبد فأدى ما كوتب عليه ومثله لسيده صار حرا بالكتابة إن كان الذي كاتبه معسرا وإن كان موسرا عتق عليه كله وصار نصف قيمته على الذي كاتبه لشريكه )

وجملته أن الرجل إذا كان له نصف عبد كانت له مكاتبته وتصح منه سواء كان باقيه حرا أو مملوكا لغيره وسواء أذن فيه الشريك أو لم يأذن هذا ظاهر كلام الخرقي وأبي بكر وقول الحكم وابن أبي ليلى وحكي ذلك عن الحسن البصري والحسن بن صالح ومالك والعنبري وكره الثوري وحماد كتابته بغير إذن شريكه

وقال الثوري إن فعل رددته إلا أن يكون نقده فيضمن لشريكه نصف ما في يده وقال أبو حنيفة تصح بإذن الشريك ولا تصح بغير إذنه وهذا أحد قولي الشافعي إلا أن أبا حنيفة قال إذنه فيما مضى في ذلك يقتضي الإذن في تأدية مال الكتابة من جميع كسبه ولا يرجع الآذن بشيء منه وقال أبو يوسف ومحمد يكون جميعه مكاتبا

وقال الشافعي في أحد قوليه إن كان باقيه حرا صحت كتابته وإن كان باقيه ملكا لم تصح كتابته سواء أذن فيه الشريك أم لم يأذن لأن كتابته تقتضي إطلاقه في رد الكسب والمسافرة وملك نصفه يمنع ذلك ويمنعه أخذ نصيبه من الصدقات لئلا يصير كسبا له ويستحق سيده نصفه ولأنه إذا أدى عتق جميعه فيؤدي إلى أن يؤدي نصف كتابته ويعتق جميعه

ولنا إنه عقد معاوضة على نصفه فصح كبيعه ولأنه ملك له يصح بيعه وهبته فصحت كتابته كما لو ملك جميعه ولأنه ينفذ إعتاقه فصحت كتابته كالعبد الكامل وكما لو كان باقيه حرا عند الشافعي أو أذن فيه الشريك عند الباقين

وقولهم إنه يقتضي المسافرة والكسب وأخذ الصدقة قلنا أما المسافرة فليست من المقتضيات الأصلية فوجود مانع منها لا يمنع أصل العقد وأما الكسب وأخذ الصدقة فإنه لا يمنع كسبه وأخذه الصدقة يجزئه


368

بالمكاتبة ولا يستحق الشريك شيئا منه لأنه إنما استحق ذلك بالجزء المكاتب ولا حق للشريك فيه فكذلك فيما حصل به كما لو ورث شيئا يجزئه الحر وأما الكسب فإن هايأه مالك نصفه فكسب في نوبته شيئا لم يشاركه فيه أيضا وإن لم يهايئه فكسب بجملته شيئا كان بينهما له بقدر ما فيه من الجزء المكاتب ولسيده الباقي لأنه كسبه يجزئه المملوك فيه فأشبه ما لو كسب قبل كتابته فيقسم بين سيديه

وقولهم إنه يفضي إلى أن يؤدي بعض الكتابة فيعتق جميعه قلنا يبطل هذا بما لو علق عتق نصيبه على أداء مال فإنه يؤدي عوض البعض ويعتق الجميع على أننا نقول لا يعتق حتى يؤدي جميع الكتابة فإن جميع الكتابة هو الذي كاتبه عليه مالك نصفه ولم يبق منها شيء فلا يعتق حتى يؤدي جميعها ولأنه لا يعتق الجميع بالأداء وإنما يعتق الجزء المكاتب لا غير وباقيه إن كان المكاتب معسرا لم يعتق وإن كان موسرا عتق بالسراية لا بالكتابة ولا يمنع هذا كما لو أعتق بعضه عتق جميعه فإذا جاز جميعه بإعتاق بعضه بطريق السراية جاز ذلك فيما يجري مجرى العتق

إذا ثبت هذا فإنه إذا كاتب نصيبه لم تسر الكتابة ولم يتعد الجزء الذي كاتبه لأن الكتابة عقد معاوضة فلم يسر كالبيع وليس للعبد أن يؤدي إلى مكاتبه شيئا حتى يؤدي إلى شريكه مثله سواء أذن الشريك في كتابته أو لم يأذن لأنه إنما أذن في كتابة نصيبه وذلك يقتضي أن يكون نصيبه باقيا له ولا يقتضي أن يكون معروفا في الكتابة هذا إذا كان الكسب بجميعه فإن أدى الكتابة من جميع كسبه لم يعتق لأن الكتابة صحيحة تقتضي العتق ببراءته من العوض وذلك لا يحصل بدفع ما ليس له وإن أدى إليهما جميعا عتق كله لأن نصفه يعتق بالأداء فإذا عتق سرى إلى سائره وإن كان الذي كاتبه موسرا لأن عتقه بسبب من جهته فلزمه قيمته كما لو باشره بالعتق أو كما لو علق عتق نصيبه على صفة فعتق بها ويرجع الشريك على المكاتب بنصف قيمته كما لو باشره بالعتق

فأما إن ملك العبد شيئا يجزئه المكاتب مثل أن هايأه سيده فكسب شيئا في نوبته أو أعطى من الصدقة من سهم الرقاب أو من غيره فلا حق لسيده فيه وله أداء جميعه في كتابته لأنه إنما استحق ذلك بما فيه من الكتابة فأشبه النصف الباقي بعد إعطاء الشريك حقه فلو كان ثلثه حرا وثلثه مكاتبا وثلثه رقيقا فورث بجزئه الحر ميراثا وأخذ يجزئه المكاتب من سهم الرقاب فله دفع ذلك كله في كتابته لأنه ما استحق بجزئه الرقيق شيئا منه لا يستحق مالكه منه شيئا وإذا أدى جميع كتابته عتق فإذا كان الذي كاتبه معسرا لم يسر العتق ولم يتعد نصيبه كما إذا واجهه بالعتق إلا على الرواية التي نقول فيها بالاستسعاء فإنه يستسعى في نصيب الذي لم يكاتب وإن كان موسرا سرى إلى باقيه

فصل وإذا كان العبد كله ملكا لرجل فكاتب بعضه جاز قاله أبو بكر لأنها معاوضة فصحت في بعضه كالبيع فإذا أدى جميع كتابته عتق كله لأنه إذا سرى العتق فيه إلى ملك غيره فإلى ملكه أولى ويجب أن يؤدي إلى سيده مثلي كتابته لأن نصف ما يكسبه يستحقه سيده بما فيه من الرق ونصفه


369

يؤدي في الكتابة إلا أن يرضى سيده بتأدية الجميع في الكتابة فيصح وإذا استوفى المال كله عتق نصفه بالكتابة وباقيه بالسراية

فصل وإذا كان العبد لرجلين فكاتباه معا جاز سواء تساويا في العوض أو اختلفا فيه وسواء اتفق نصيباهما فيه أو اختلف وسواء كان في عقد واحد أو عقدين وبهذا قال أبو حنيفة

وقال الشافعي لا يجوز أن يتفاضلا في المال مع التساوي في الملك ولأن التساوي في المال منع التفاضل في الملك لأن ذلك يؤدي إلى أن ينتفع أحدهما بمال الآخر لأنه إذا دفع إلى أحدهما أكثر من قدر ملكه ثم عجز رجع عليه الآخر بذلك

ولنا إن كل واحد منهما يعقد على نصيبه عقد معاوضة فجاز أن يختلفا في العوض كالبيع وما ذكروه لا يلزم لأن انتفاع أحدهما بمال الآخر إنما يكون عند العجز وليس ذلك من مقتضيات العقد وإنما يكون عند زواله فلا يضر ولأنه إنما يؤدي إليهما على التساوي وإذا عجز قسم ما كسبه بينهما على قدر الملكين فلم يكن أحدهما منتفعا إلا بما يقابل ملكه وعاد الأمر بعد زوال الكتابة إلى حكم الرق كأنه لم يزل

فإن قيل فالتساوي في الملك يقتضي التساوي في أدائه إليهما ويلزمه منه وفاء كتابة أحدهما قبل الآخر فيعتق نصيبه ويسري إلى نصيب صاحبه ويرجع عليه الآخر بنصف قيمته قلنا ويمكن أداء كتابته إليهما دفعة واحدة فيعتق عليهما ويمكن أن يكاتب أحدهما على مائة في نجمين في كل نجم خمسون ويكاتب الآخر على مائتين في نجمين في النجم الأول خمسون

وفي الثاني مائة وخمسون ويكون وقتهما واحدا فيؤدي إلى كل واحد منهما حقه على أن أصحابنا قالوا لا يسري العتق إلى نصيب الآخر ما دام مكاتبا فعلى هذا القول لا يفضي إلى ما ذكروه على أنه وإن قدر إفضاؤه إليه فلا مانع فيه من صحة الكتابة فإنه لا يخل بمقصود الكتابة وهو العتق بها ويمكن وجود سراية العتق من غير ضرر بأن يكاتبه على مثلي قيمته فإذا عتق عليه غرم لشريكه نصف قيمته وسلم له باقي المال وحصل له ولاء العبد ولا ضرر في هذا ثم لو كان فيه ضرر لكن قد رضي به حين كتابته على أقل مما كاتبه به شريكه والضرر المرضي به من جهة المضرور لا عبرة فيه كما لو باشره بالعتق أو أبرأه من مال الكتابة فإنه يعتق عليه ويسري عتقه ويغرم لشريكه وهو جائز فهذا أولى بالجواز ولا يجوز أن يختلفا في التنجيم ولا في أن يكون لأحدهما في النجوم قبل النجم الأخير أكثر من الآخر في أحد الوجهين لأنه لا يجوز أن يؤدي إليهما إلا على السواء ولا يجوز تقديم أحدهما بالأداء على الآخر واختلافهما في ميقات النجوم وقدر المؤدى فيهما يفضي إلى ذلك

والثاني يجوز لأنه يمكن أن يعجل لمن تأخر نجمه قبل محله ويعطي من قل نجمه أكثر من الواجب له ويمكن أن يأذن له أحدهما في الدفع إلى الآخر قبله أو أكثر منه ويمكن أن ينتظره من حل نجمه أو يرضى من


370

له الكثير بأخذ دون حقه وإذا أمكن إفضاء العقد إلى مقصوده فلا نبطله باحتمال عدم الإفضاء إليه

فصل وليس للمكاتب أن يؤدي إلى أحدهما أكثر من الآخر ولا يقدم أحدهما على الآخر ذكره القاضي وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ولا أعلم فيه خلافا لأنهما سواء فيه فيستويان في كسبه وحقهما متعلق بما فيه يده تعلقا واحدا فلم يكن له أن يخص أحدهما بشيء منه دون الآخر ولأنه ربما عجز فيعود إلى الرق ويتساويان في كسبه فيرجع أحدهما على الآخر بما في يده من الفضل بعد انتفاعه به مدة فإن قبض أحدهما دون الآخر شيئا لم يصح القبض وللآخر أن يأخذ من حصته إذا لم يكن أذن في القبض وإن أذن فيه ففيه وجهان ذكرهماأبو بكر أحدهما يصح لأن المنع لحقه فجاز بإذنه كما لو أذن المرتهن للراهن في التصرف فيه أو أذن البائع للمشتري في قبض البيع قبل توفية ثمنه أو أذنا للمكاتب في التبرع ولأنهما لو أذنا له في الصدقة بشيء صح قبض المتصدق عليه له كذلك ها هنا

والثاني لا يجوز وهذا اختيار أبي بكر ومذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي واختيار المزني لأن ما في يد المكاتب ملك له فلا ينفذ إذن غيره فيه وإنما حق سيده في ذمته الأول أصح إن شاء الله تعالى لأن الحق لهم لا يخرج عنهم فإذا اتفقوا على شيء فلا وجه للمنع

وقولهم إنه ملك للمكاتب تعليق على العلة ضد ما تقتضيه لأن كونه ملكا له يقتضي جواز تصرفه فيه على حسب اختياره وإنما المنع لتعلق حق سيده به فإذا أذن زال المانع فصح التقبيض لوجود مقتضيه وخلوه من المانع ثم يبطل لما ذكرنا من المسائل فعلى هذا الوجه إذا دفع أحدهما مال الكتابة بإذن صاحبه عتق نصيبه من المكاتب لأنه استوفى حقه ويسري العتق إلى باقيه وعليه قيمة حصة شريكه لأن عتقه بسببه

هذا قول الخرقي ويضمنه في الحال بنصف قيمته مكاتبا مبقي على ما بقي عليه من كتابته وولاؤه كله له وما في يده من المال الذي لم يقبض بقدر ما قبضه صاحبه والباقي بين العبد وبين سيده الذي عتق عليه لأن نصفه عتق بالكتابة ونصفه بالسراية فحصة ما عتق بالكتابة للعبد وحصة ما عتق بالسراية لسيده وعلى ما اخترناه يكون الباقي كله للعبد لأن الكسب كان ملكا له فلا يزول ملكه عنه بعتقه كما لو عتق بالأداء وقال أبو بكر والقاضي لا يسري العتق في الحال وإنما يسري عند عجزه فعلى قولهما يكون باقيا على الكتابة فإن أدى إلى الآخر عتق عليهما وولاؤه لهما وما بقي في يده من كسبه فهو له

وإن عجز وفسخت كتابته قوم على الذي أدى إليه وكان ولاء جميعه له وتنفسخ الكتابة في نصفه وإن مات فقد مات ونصفه حر ونصفه رقيق ولسيده الذي لم يعتق نصيبه أن يأخذ مما خلفه مثل ما أخذه شريكه من مال الكتابة وله نصف ما يبقى والباقي لورثة العبد فإن لم يكن له وارث من نسبه فهو للذي أدى إليه بالولاء وإن قلنا لا يصح القبض فما أخذه القابض بينه وبين شريكه ولا تعتق حصته من المكاتب لأنه لم يستوف عوضه ولغير القابض مطالبة القابض بنصيبه مما قبضه كما لو قبضه بغير إذنه سواء وإن لم يرجع غير القابض بنصيبه حتى أدى المكاتب إليه كتابته صح وعتق عليهما جميعا وإن مات العبد قبل استيفاء الآخر حقه فقد مات عبدا ويستوفي الذي لم يقبض من كسبه بقدر ما أخذه صاحبه والباقي بينهما


371

قال أحمد في رواية ابن منصور في عبد بين رجلين كاتباه فأدى إلى أحدهما كتابته ثم مات وهو يسعى للآخر لمن ميراثه

قال أحمد كلما كسب العبد في كتابته فهو بينهما ويرجع هذا على الآخر بنصيبه مما أخذ وميراثه بينهما قال ابن منصور قال إسحاق بن راهويه كما قال

فصل وإن عجز مكاتبهما فله الفسخ والإمضاء فإن فسخا جميعا أو أمضيا الكتابة جاز ما اتفقا عليه وإن فسخ أحدهما وأمضى الآخر جاز وعاد نصفه رقيقا قنا ونصفه مكاتبا وقال القاضي تنفسخ الكتابة في جميعه وهو مذهب الشافعي لأن الكتابة لو بقيت في نصفه لعاد ملك الذي فسخ الكتابة إليه ناقصا

ولنا إنها كتابة في ملك أحدهما فلم تنفسخ بفسخ الآخر كما لو انفرد بكتابته ولأنهما عقدان مفردان فلم ينفسخ أحدهما بفسخ الآخر كالبيع وما حصل من النقص لا يمنع لأنه إنما حصل ضمنا لتصرف الشريك في نصيبه فلم يمنع كإعتاق الشريك ولأن من أصلنا أنه تصح مكاتبة أحدهما نصيبه فإذا لم يمنع العقد في ابتدائه فلأن يبطل في دوامه أولى ولأن ضرره حصل بعقده وفسخه فلا يزول بفسخ غيره ولأن في فسخ الكتابة ضررا بالمكاتب وسيده وليس دفع الضرر عن الشريك الذي فسخ بأولى من دفع الضرر عن الذي لم يفسخ بل دفع الضرر عن الذي لم يفسخ أولى لوجوه ثلاثة أحدها أن ضرر الذي فسخ حصل ضمنا لبقاء عقد شريكه في ملك نفسه وضرر شريكه يزول عقده وفسخ تصرفه في ملكه

والثاني أن ضرر الذي فسخ لم يعتبره الشرع في موضع ولا أصل لما ذكروه من الحكم ولا يعرف له نظير فيكون بمنزلة المصلحة المرسلة التي وقع الإجماع على إطراحها وضرر شريكه بفسخ عقده معتبر في سائر عقوده من بيعه وهبته ورهنه وغير ذلك فيكون أولى

الثالث أن ضرر الفسخ يتعدى إلى المكاتب فيكون ضررا باثنين وضرر الفاسخ لا يتعداه

ثم لو قدر تساوي الضررين لوجب إبقاء الحكم على ما كان عليه ولا يجوز إحداث الفسخ من غير دليل راجح

مسألة

قال ( وإذا عتق المكاتب استقبل بما في يده من المال حولا ثم زكاه إن كان نصابا )

وجملته أن المكاتب لا زكاة عليه بلا خلاف نعلمه فإذا عتق صار من أهل الزكاة حينئذ فيبتدىء حول الزكاة من يوم عتق فإذا تم الحول وجبت الزكاة إن كان نصابا وإن لم يكن نصابا فلا شيء فيه ويصير هذا كالكافر إذا أسلم وفي يده مال زكوي يبلغ نصابا فإنه يستقبل به حولا من حين أسلم لأنه صار حينئذ من أهل الزكاة وكذلك العبد إذا عتق وفي يده مال أبقاه له سيده

مسألة

قال ( وإذا لم يؤد نجما حتى حل نجم آخر عجزه السيد إن أحب وعاد عبدا غير مكاتب )


372

وجملته أن الكتابة عقد لازم لا يملك السيد فسخها قبل عجز المكاتب بغير خلاف نعلمه وليس له مطالبة المكاتب قبل حلول النجم لأنه إنما ثبت في العقد مؤجلا وإذا حل النجم فللسيد مطالبته بما حل من نجومه لأنه دين له حل فأشبه دينه على الأجنبي وله الصبر عليه وتأخيره به سواء كان قادرا على الأداء أو عاجزا عنه لأنه حق له سمح بتأخيره أشبه دينه على الأجنبي فإن اختار الصبر عليه لم يملك العبد الفسخ بغير خلاف نعلمه قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المكاتب إذا حل عليه نجم أو نجمان أو نجومه كلها فوقف السيد عن مطالبته وتركه بحال أن الكتابة لا تنفسخ ما داما ثابتين على العقد الأول فإن أجله به ثم بدا له الرجوع فله ذلك لأن الدين الحال لا يتأجل بالتأجيل كالقرض وإن حل عليه نجمان فعجز عنهما فاختار السيد فسخ كتابته ورده إلى الرق فله ذلك بغير حضور حاكم ولا سلطان ولا تلزمه الاستتابة فعل ذلك ابن عمر وهو قول شريح والنخعي وأبي حنيفة والشافعي

وقال ابن أبي ليلى لا يكون عجزه إلا عند قاض وحكي هذا عن مالك وقال الحسن إذا عجز استؤني بعد العجز سنتين وقالالأوزاعي شهرين ونحو ذلك

ولنا ما روى سعيد بإسناده عن ابن عمر أنه كاتب غلاما له على ألف دينار فأدى إليه تسعمائة دينار وعجزه عن مائة دينار فرده إلى الرق بإسناده عن عطية العوفي عن ابن عمر أنه كاتب عبده على عشرين ألفا فأدى عشرة آلاف ثم أتاه فقال إني قد طفت العراق والحجاز فردني في الرق فرده

وروي عنه أنه كاتب عبدا له على ثلاثين ألفا فقال له أنا عاجز فقال له امح كتابتك فقال امح أنت وروى سعيد بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال أيما رجل كاتب غلامه على مائة أوقية فعجز عن عشر أواق فهو رقيق ولأنه عقد عجز عن عوضه فملك مستحقه فسخه كالسلم إذا تعذر المسلم فيه ولأنه فسخ عقد مجمع عليه فلم يفتقر إلى الحاكم كفسخ المعتقة تحت العبد فإن قيل فلم كانت الكتابة لازمة من جهة السيد غير لازمة من جهة العبد قلنا هي لازمة من جهة الطرفين ولا يملك العبد فسخها بحال وإنما له أن يعجز بنفسه ويمتنع من الكسب وإنما كان له ذلك لوجهين أحدهما أن الكتابة تتضمن إعتاقا بصفة ومن علق عتق عبده بصفة لم يملك إبطالها ويلزم وقوع العتق بالصفة ولا يلزم العبد الإتيان بالصفة ولا يجبر عليها

والثاني أن الكتابة لحظ العبد دون سيده وكان العقد لازما لمن ألزم نفسه حظ غيره وصاحب الحظ بالخيار فيه كمن ضمن لغيره شيئا أو كفل له أو رهن عند رهنا

فصل فأما إن حل نجم واحد فعجز عن أدائه فظاهر كلام الخرقي أنه ليس للسيد الفسخ حتى يحل نجمان قبل أدائهما وهي إحدى الروايتين عن أحمد قال القاضي وهو ظاهر كلام أصحابنا وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وهو قول الحكم وابن أبي ليلى وأبي يوسف والحسن بن صالح


373

وقال ابن أبي موسى وروي عن أحمد أنه لا يعود رقيقا حتى يقول قد عجزت وقيل عنه إذا أدى أكثر مال الكتابة لم يرد إلى الرق واتبع بما بقي

والرواية الثانية أنه إذا عجز عن نجم واحد فلسيده فسخ الكتابة وهو قول الحارث العكلي وأبي حنيفة والشافعي لأن السيد دخل على أن يسلم له مال الكتابة على الوجه الذي كاتبه عليه ويدفع إليه المال في نجومه فإذا لم يسلم له لم يلزمه عتقه ولما ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا ولأنه عجز عن أداء النجم في وقته فجاز فسخ كتابته كالنجم الأخير

ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال لا يرد المكاتب في الرق حتى يتوالى عليه نجمان ولأن ما بين النجمين محل لأداء الأول فلا يتحقق العجز عنه حتى يفوت محله بحلول الثاني

فصل وإذا حل النجم وماله حاضر عنده طولب بأدائه ولم يجز الفسخ قبل الطلب كما لا يجوز فسخ البيع والسلم بمجرد وجوب الدفع قبل الطلب فإن طلب منه فذكر أنه غائب عن المجلس في ناحية من نواحي البلد أو قريب منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة يمكن إحضاره قريبا لم يجز فسخ الكتابة وأمهل بقدر ما يأتي به إذا طلب الإمهال لأن هذا يسير لا ضرر فيه وإن كان معه مال من غير جنس مال الكتابة فطلب الإمهال ليبيعه بجنس مال الكتابة أمهل وإن كان المال غائبا أكثر من مسافة القصر لم يلزم الإمهال وهذا قول الشافعي

وقال أبو حنيفة إن كان له مال حاضر أو غائب يرجو قدومه استؤني ليومين وثلاثة لا أزيده على ذلك لأن الثلاثة آخر حد القلة والقرب لما بيناه فيما مضى وما زاد عليها في حد الكثرة وهذا كله قريب بعضه من بعض فأما إذا كان قادرا على الأداء واجدا لما يؤديه فامتنع من أدائه وقال قد عجزت فقال الشريف أبو جعفر وجماعة من أصحابنا المتأخرين يملك السيد فسخ الكتابة وهو ظاهر كلام الخرقي لقوله إذا حل نجم فلم يؤده حتى حل نجم آخر عجزه السيد إن أحب فعلق جواز الفسخ على عدم الأداء وهذا مذهب الشافعي

وقال أبو بكر بن جعفر ليس له ذلك ويجبر على تسليم العوض وهو قول أبي حنيفة ومالك والأوزاعي وقد ذكرنا هذا فيما تقدم فأما إن كان قادرا على أداء المال كله ففيه رواية أخرى أنه يصير حرا يملك ما يؤدي وقد سبق ذكرها

فصل وإذا حل النجم والمكاتب غائب بغير إذن سيده فله الفسخ وإن كان سافر بإذنه لم يكن له أن يفسخ لأنه أذن في السفر المانع من الأداء ولكن يرفع أمره إلى الحاكم ويثبت عنده حلول مال الكتابة ليكتب الحاكم إلى المكاتب فيعلم بما ثبت عنده فإن كان عاجزا عن أداء المال كتب بذلك إلى الحاكم الكاتب ليجعل للسيد فسخ الكتابة وإن كان قادرا على الأداء طالبه بالخروج إلى البلد الذي فيه


374

السيد ليؤدي مال الكتابة أو يوكل من يفعل ذلك فإن فعله في أول حال الإمكان عند خروج القافلة إن كان لا يمكنه الخروج إلا معها لم يجز الفسخ وإن أخره عن حال الإمكان ومضى زمن المسير ثبت للسيد خيار الفسخ فإن وكل السيد في بلد المكاتب من يقبض منه مال الكتابة لزمه الدفع إليه فإن امتنع من الدفع ثبت للسيد خيار الفسخ وإن كان قد جعل للوكيل الفسخ عند امتناع المكاتب من الدفع إليه جاز وله الفسخ إذا ثبتت وكالته ببينة بحيث يأمن المكاتب إنكار السيد وكالته وإن لم يثبت ذلك لم يلزم المكاتب الدفع إليه وكان له عذر يمنع جواز الفسخ لأنه لا يأمن أن يسلم إليه فينكر السيد وكالته ويرجع على المكاتب بالمال وسواء صدقه في أنه وكيل أو كذبه وإن كتب حاكم البلد الذي فيه السيد إلى حاكم البلد الذي فيه المكاتب ليقبض منه المال لم يلزمه ذلك لأن هذا توكيل لا يلزم الحاكم الدخول فيه فإن الحاكم لا يكلف القبض للبالغ الرشيد فإن اختار القبض جرى مجرى الوكيل ومتى قبض منه المال عتق

فصل قال وإذا دفع العوض في الكتابة فبان مستحقا تبين أنه لم يعتق وكان هذا الدفع كعدمه لأنه لم يؤد الواجب عليه وقيل له إن أديت الآن وإلا فسخت كتابتك وإن كان قد مات بعد الأداء فقد مات عبدا فإن بان معيبا مثل أن كاتبه على عروض موصوفة فقبضها فأصاب بها عيبا بعد قبضها نظرت فإن كان قد رضي بذلك وأمسكها استقر العتق فإن قيل كيف يستقر العتق ولم يعطه جميع ما وقع عليه العقد فإن ما يقابل العيب لم يقبضه فأشبه ما لو كاتبه على عشرة فأعطاه تسعة قلنا إمساكه المعيب راضيا به رضا منه بإسقاط حقه فجرى مجرى إبرائه من بقية كتابته وإن اختار إمساكه وأخذ أرش العيب أورده فله ذلك قال أبو بكر وقياس قول أحمد رحمه الله أنه لا يبطل العتق وليس له الرد وله الأرش لأن العتق إتلاف واستهلاك فإذا حكم بوقوعه لم يبطل كعقد الخلع ولأنه ليس المقصود منه المال فأشبه الخلع

وقال القاضي يتوجه أن له الرد ويحكم بارتفاع العتق الواقع لأن العتق إنما استقر باستقرار الأداء فيه وقد ارتفع الأداء فارتفع العتق وهذا مذهب الشافعي لأن الكتابة عقد معاوضة يلحقه الفسخ بالتراضي فوجب أن يفسخ بوجود العيب كالبيع وإن اختار إمساكه وأخذ الأرش فله ذلك وتبين أن العتق لم يقع ولأننا تبينا أن ذمته لم تبرأ من مال الكتابة ولا يعتق قبل ذلك وظن وقوع العتق لا يوقعه إذا بان الأمر بخلافه كما لو بان العوض مستحقا وإن تلفت العين عند السيد أو حدث بها عنده عيب استقر أرش العيب والحكم في ارتفاع العتق على ما ذكرناه فيما مضى ولو قال السيد لعبده إن أعطيتني عبدا فأنت حر فأعطاه عبدا فبان حرا أو مستحقا لم يعتق بذلك لأن معناه إن أعطيته ملكا ولم يعطه إياه ملكا ولم يملكه إياه

فصل وإذا دفع إليه مال الكتابة ظاهرا فقال له السيد أنت حر ثم بان العوض مستحقا لم يعتق بذلك لأن ظاهره الإخبار عما حصل له بالأداء ولو ادعى المكاتب أن سيده قصد بذلك عتقه وأنكر


375

السيد فالقول قول السيد مع يمينه لأن الظاهر معه وهو أخبر بما نوى

مسألة

قال ( وما قبض من نجوم كتابته استقبل بزكاته حولا )

وجملته أن ما يأخذه من نجوم كتابته كمال استفادته بكسب أو غيره فيملكه بأخذه ويستقبل به حولا لأنه لا يملك ما في يد مكاتبه ولهذا جرى الربا بينهما ولا زكاة عليهما في الدين الذي على المكاتب لأن ملكه عليه غير تام فوجب أن يستقبل بما يأخذه منه حولا كما لو أخذه من أجنبي

مسألة

قال ( وإذا جنى المكاتب بدىء بجنايته قبل كتابته فإن عجز كان سيده مخيرا بين أن يفديه بقيمته إن كانت أقل من جنايته أو يسلمه )

وجملة ذلك أن المكاتب إذا جنى جناية موجبة للمال تعلق أرشها برقبته ويؤدي من المال الذي في يده وبهذا قال الحسن والحكم وحماد والأوزاعي ومالك والحسن بن صالح والشافعي وأبو ثور وقال عطاء والنخعي وعمرو بن دينار جنايته على سيده قال عطاء ويرجع سيده بها عليه وقال الزهري إذا قتل رجلا خطأ كانت كتابته وولاؤه لولي المقتول إلا أن يفديه سيده

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يجني جان إلا على نفسه ولأنها جناية عبد فلم تجب في ذمة سيده كالقن إذا ثبت هذا فإنه يبدأ بأداء الجناية قبل الكتابة سواء حل عليه نجم أو لم يحل وهذا المنصوص عليه عن أحمد والمعمول به في المذهب وذكر أبو بكر قولا آخر أن السيد يشارك ولي الجناية فيضرب بقدر ما حل من نجوم كتابته لأنهما دينان فيتحاصان كسائر الديون

ولنا إن أرش الجناية من العبد يقدم على سائر الحقوق المتعلقة به ولذلك قدمت على حق المالك وحق المرتهن وغيرهما فوجب أن يقدم ها هنا يحققه أن أرش جنايته مقدم على ملك السيد في عبده فيجب تقديمه على عوضه وهو مال الكتابة بطريق الأولى لأن الملك فيه قبل الكتابة كان مستقرا ودين الكتابة غير مستقر فإذا قدم على المستقر فعلى غيره أولى لأن أرش الجناية مستقر فيجب تقديمه على الكتابة التي ليست مستقرة إذا ثبت هذا فإنه يفدي نفسه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته لأنه إن كان أرش الجناية أقل فلا يلزمه أكثر من موجب جنايته وهو أرشها وإن كان أكثر لم يكن عليه أكثر من قيمته لأنه لا يلزمه أكثر من بدل المحل الذي يتعلق به الأرش فإن بدأ بدفع المال إلى ولي الجناية فوفى بما يلزمه من أرش الجناية وإلا باع الحاكم منه بما بقي من أرش الجناية وباقيه باق على كتابته وإن اختار الفسخ فله ذلك ويعود عبدا غير مكاتب مشتركا بين السيد وبين المشتري فإن أبقاه على الكتابة فأدى عتق بالكتابة وسرى العتق إلى باقيه وإن كان المكاتب موسرا ويقوم عليه وإن كان معسرا عتق منه ما عتق وباقيه رقيق وإن لم يكن في يده مال ولم يف بالجناية إلا قيمته كلها بيع كله فيها وبطلت كتابته وإن بدأ بدفع المال إلى سيده نظرنا فإن


376

كان ولي الجناية سأل الحاكم فحجر على المكاتب ثبت الحجر عليه وكان النظر فيه إلى الحاكم فلا يصح دفعه إلى سيده ويرتجعه الحاكم ويدفعه إلى ولي الجناية فإن وفى وإلا كان الحكم فيه على ما ذكرنا من قبل وإن لم يكن الحاكم حجر عليه صح دفعه إلى سيده لأنه يقضي حقا عليه فجاز كما لو قضى بعض غرمائه قبل الحجر عليه ثم إن كان ما دفعه إليه جميع مال الكتابة عتق ويكون الأرش في ذمته فيضمن ما كان عليه قبل العتق وهو أقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته لأنه لا يلزمه أكثر مما كان واجبا بالجناية وإن أعتقه السيد فعليه فداؤه بذلك لأنه أتلف محل الاستحقاق فكان عليه فداؤه كما لو قتله وإن عجز ففسخ السيد كتابته فداه أيضا بما ذكرناه وقال أبو بكر فيما إذا فداه سيده قولان يعني روايتين إحداهما يفديه بأقل الأمرين

والثانية يفديه بأرش جنايته بالغة ما بلغت

فصل وإذا جنى المكاتب جنايات تعلقت برقبته واستوى الأول والآخر في الاستيفاء ولم يقدم الأول على الثاني لأنها تعلقت بمحل واحد وكذا إن كان بعضها في حال كتابته وبعضها بعد تعجيزه فهي سواء ويتعلق جميعها بالرقبة فإن كان فيها ما يوجب القصاص فلولي الجناية استيفاؤه وتبطل حقوق الآخرين وإن عفا إلى مال صار حكمه حكم الجناية الموجبة للمال فإن أبرأه بعضهم استوفى الباقون لأن حق كل واحد يتعلق برقبته يستوفيه إذا انفرد فإذا اجتمعوا تزاحموا فإذا أبرأه بعضهم سقط حقه وتزاحم الباقون كما لو انفردوا كما في الوصايا وإن أدى وعتق فالضمان عليه وإن عتقه سيده فالضمان عليه وأيها ضمن فالواجب عليه أقل الأمرين كما ذكرنا في الجناية الواحدة ولأنه لو عجزه الغرماء وعاد قنا بيع وتحاصوا في ثمنه كذلك ها هنا فأما إن عجزه سيده فعاد قنا خير بين فدائه وتسليمه فإن اختار فداءه ففيه روايتان إحداهما يفديه بأقل الأمرين كما لو أعتقه أو قتله

والثانية يلزمه أرش الجنايات كلها بالغة ما بلغت لأنه لو سلمه احتمل أن يرغب فيه راغب بأكثر من قيمته فقد فوت تلك الزيادة باختيار إمساكه فكان عليه جميع الأرش ويفارق ما إذا أعتقه أو قتله لأن المحل فيهما تلفت ماليته فلم يمكن تسليمه ولم يجب أكثر من قيمته والمحل باق وها هنا يمكن تسليمه وبيعه وإن أراد المكاتب فداء نفسه قبل تعجيزه أو عتقه ففيه روايتان إحداهما يفدي نفسه بأقل الأمرين

والثاني بأرش الجنايات بالغة ما بلغت لأن محل الأرش قائم غير تالف ويمكن تعجيز نفسه في كل جناية يباع فيها فأشبه ما لو عجزه سيده

فصل وإن جنى المكاتب على سيده فيما دون النفس فالسيد خصمه فيها فإن كانت موجبة للقصاص وجب كما تجب على عبده القن لأن القصاص يجب للزجر فيحتاج إليه العبد في حق سيده وإن عفا على مال أو كانت موجبة للمال ابتداء وجب له لأن المكاتب مع سيده كالأجنبي يصح أن يبايعه ويثبت له في ذمته المال والحقوق كذلك الجناية ويفدي نفسه بأقل الأمرين في إحدى الروايتين والأخرى يفديها بأرش الجناية بالغة ما بلغت فإن وفى ما في يده بما عليه فلسيده مطالبته به وأخذه وإن لم يف به


377

فلسيده تعجيزه فإذا عجزه وفسخ الكتابة سقط عنه مال الكتابة وأرش الجناية لأنه عاد عبدا قنا ولا يثبت للسيد على عبده القن مال وإن أعتقه سيده ولا مال في يده سقط الأرش لأنه كان متعلقا برقبته وقد أتلفها فسقط وإن كان في يده مال لم يسقط لأن الحق كان متعلقا بالذمة وما في يده من المال فإذا تلفت الرقبة بقي الحق متعلقا بالمال فاستوفي منه كما لو عتق بالأداء وهل يجب أقل الأمرين أو أرش الجناية كله على وجهين ويستحق السيد مطالبته بأرش الجناية قبل أداء مال الكتابة لما ذكرنا من قبل في حق الأجنبي وإن اختار تأخير الأرش والبداية يقبض مال الكتابة جاز

ويعتق إذا قبض مال الكتابة كله وقال أبو بكر لا يعتق بالأداء قبل أرش الجناية لوجوب تقديمه على مال الكتابة

ولنا إن الحقين جميعا للسيد فإذا تراضيا على تقديم أحدهما على الآخر جاز لأن الحق لهما لا يخرج عنهما ولأنه لو بدأ بأداء الكتابة قبل أرش الجناية في حق الأجنبي عتق ففي حق السيد أولى ولأن أرش الجناية لا يلزم أداؤه قبل اندمال الجرح فيمكن تقدم وجوب الأداء عليه

فإذا ثبت هذا فإنه إذا أدى عتق ويلزمه أرش الجناية سواء كان في يده مال أو لم يكن لأن عتقه بسبب من جهته فلم يسقط ما عليه بخلاف ما إذا أعتقه سيده فإنه أتلف محل حقه وها هنا بخلافه وهل يلزمه أقل الأمرين أو جميع الأرش على وجهين

وإن كانت جنايته على نفس سيده فلورثته القصاص في العمد أو العفو على حال وفي الخطأ المال وفيما يفدي به نفسه روايتان

وحكم الورثة مع المكاتب حكم سيده معه

لأن الكتابة انتقلت إليهم والعبد لو عاد قنا لكان لهم وإن جنى على موروث سيده فورثه سيده فالحكم فيه كما لو كانت الجناية على سيده فيما دون النفس على ما مضى بيانه

فصل وإن اجتمع على المكاتب أرش جناية وثمن مبيع أو عوض قرض أو غيرهما من الديون مع مال الكتابة وفي يده مال يفي بها فله أن يؤديها ويبدأ بما شاء منها كالحر وإن لم يف بها ما في يده وكلها حالة لم يحجر الحاكم عليه فخص بعضهم بالقضاء صح كالحر وإن كان فيها مؤجل فعجله بغير إذن سيده لم يجز لأن تعجيله تبرع فلم يجز بغير إذن سيده كالهبة وإن كان بإذن سيده جاز كالهبة

وإن كان التعجيل للسيد فقبوله بمنزلة إذنه وإن كان الحاكم قد حجر عليه بسؤال غرمائه فالنظر إلى الحاكم وإنما يحجر عليه بسؤالهم فإن حجر عليه بغير سؤالهم لم يصح لأن الحق لهم ولا يستوفى بغير إذنهم وإن سأله سيده الحجر عليه لم يجبه إلى ذلك

لأن حقه غير مستقر فلم يحجر عليه من أجله فإذا حجر عليه بسؤال الغرماء فقال القاضي عندي أنه يبدأ بقضاء ثمن المبيع وعوض القرض يسوى بينهما ويقدمهما على أرش الجناية ومال الكتابة لأن أرش الجناية محل الرقبة فإذا لم يحصل مما في يده استوفي من رقبته وهذا مذهب الشافعي واتفق أصحابنا والشافعي على تقديم أرش الجناية على مال الكتابة على ما مضى

فصل وإذا جنى بعض عبيد المكاتب جناية توجب القصاص فللمجني عليه الخيار بين


378

القصاص والمال فإن اختار المال أو كانت الجناية خطأ أو شبه عمد أو إتلاف مال تعلق أرشها برقبته وللمكاتب فداؤه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته لأنه بمنزلة شرائه وليس له فداؤه بأكثر من قيمته كما لا يجوز له أن يشتريه بذلك إلا أن يأذن فيه سيده فإن كان الأرش أقل من قيمته لم يكن له تسليمه لأنه تبرع بالزيادة وإن زاد الأرش على قيمته فهل يلزمه تسليمه أو يفديه بأقل الأمرين على روايتين

فصل فإن ملك المكاتب ابنه أو بعض ذوي رحمه المحرم أو ولد له ولد من أمته فجنى جناية تعلق أرشها برقبته وللمكاتب فداؤه بغير إذن سيده كما يفدي غيره من عبيده

وقال القاضي في المجرد ليس له فداؤه بغير إذنه وهو مذهب الشافعي

لأنه إتلاف لماله فإن ذوي رحمه ليسوا بمال له ولا يتصرف فيهم فلم يجز له إخراج ماله في مقابلتهم ولأن شراءهم كالتبرع ويفارق العبد الأجنبي فإنه ينتفع به وله صرفه في كتابته فكان فداؤه وشراؤه كسائر الأموال لكن إن كان لهذا الجاني كسب فدي منه وإن لم يكن له كسب بيع في الجناية إن استغرقت قيمته وإن لم تستغرقها بيع بعضه فيها وما بقي للمكاتب

ولنا أنه عبد له جنى فملك فداءه كسائر عبيده ولا نسلم أنه لا يملك شراءه وقولهم لا يتصرف فيه قلنا إلا أن كسبه له وإن عجزه المكاتب صار رقيقا معه لسيده وإن أدى المكاتب لم يتضرر السيد بعتقهم وانتفع به المكاتب وإذا دار أمره بين نفع وانتفاء ضرر وجب أن لا يمنع منه وفارق التبرع فإنه يفوت المال على السيد فإن قيل بل فيه مضرة وهو منعه من أداء الكتابة فإنه إذا صرف المال فيه ولم يقدر على صرفه في الكتابة عجز عنها

قلنا هذا الضرر لا يمنع المكاتب منه بدليل ما لو ترك الكسب مع إمكانه أو امتنع من الأداء مع قدرته عليه فإنه لا يمنع منه ويجبر على كسب ولا أداء فكذلك لا يمنع مما هو في معناه ولا مما يفضي إليه ولأن غاية الضرر في هذا المنع من إتمام الكتابة وليس إتمامها واجبا عليه فأشبه ترك الكسب بل هذا أولى بوجهين أحدهما أن هذا فيه نفع للسيد لمصيرهم عبيدا له

والثاني أن فيه نفعا للمكاتب بإعتاق ولده وذوي رحمه ونفعهم بالإعتاق على تقدير الأداء فإذا لم يمنع مما يساويه في المضرة من غير نفع فيه فلأن لا يمنع مما فيه نفع لازم لإحدى الجهتين أولى وولد المكاتبة يدخل في كتابتها والحكم في جنايته كالحكم في ولد المكاتب سواء

فصل وإن جنى بعض عبيد المكاتب على بعض جناية موجبها المال لم يثبت لها حكم لأنه لا يجب للسيد على عبده مال وإن كان موجبها قصاصا فقال أبو بكر ليس له القصاص لأنه إتلاف لماله باختياره وهذا الذي ذكره أبو الخطاب في رؤوس المسائل وقال القاضي له القصاص لأنه من مصلحة


379

ملكه فإنه لو لم يستوفه أفضى إلى إقدام بعضهم على بعض وليه له العفو على مال لما ذكرنا ولا يجوز بيعه في أرش الجناية لأن الأرش لا يثبت له في رقبة عبده فإن كان الجاني من عبيده ابنه لم يجز بيعه لذلك وقال أصحاب الشافعي يجوز بيعه في أحد الوجهين لأنه لا يملك بيعه قبل جنايته فيستفيد بالجناية ملك بيعه

ولنا أنه عبده فلم يجب له عليه أرش كالأجنبي وما ذكروه ينتقض بالرهن إذا جنى على راهنه

فصل وإن جنى عبد المكاتب عليه جناية موجبها المال كانت هدرا لما ذكرنا وإن كان موجبها القصاص فله أن يقتص إن كان فيما دون النفس لأن العبد يقتص منه لسيده وإن عفا على مال سقط القصاص ولم يجب المال فإن كان الجاني أباه لم يقتص منه لأن الوالد لا يقتل بولده وإن جنى المكاتب عليه لم يقتص منه لأن السيد لا يقتص منه لعبده وقال القاضي فيه وجه آخر أنه يقتص منه لأن حكم الأب معه حكم الأحرار بدليل أنه لا يملك بيعه والتصرف فيه وجعلت حريته موقوفة على حريته قال ولا نعلم موضعا يقتص فيه المملوك من مالكه سوى هذا الموضع

فصل وإذا جنى على المكاتب فيما دون النفس فأرش الجناية له دون سيده لثلاثة معان أحدها أن كسبه له وذلك عوض عما يتعطل بقطع يده من كسبه

والثاني أن المكاتبة تستحق المهر في النكاح لتعلقه بعضو من أعضائها كذلك بدل العضو

والثالث أن السيد يأخذ مال الكتابة بدلا عن نفس المكاتبة فلا يجوز أن يستحق عنه عوضا آخر ثم لا يخلو من ثلاثة أحوال أحدها أن يكون الجاني سيده فلا قصاص عليه لمعنيين

أحدهما أنه حر والمكاتب عبد

والثاني أنه مالكه ولا يقتص من المالك لمملوكه ولكن يجب الأرش ولا يجب إلا باندمال الجرح على ما ذكرنا في الجنايات ولأنه قبل الاندمال لا تؤمن سرايته إلى نفسه فيسقط أرشه

فإذا ثبت هذا فإنه إن سرى الجرح إلى نفسه انفسخت الكتابة وكان الحكم فيه كما لو قتله وإن اندمل الجرح وجب أرشه له على سيده فإن كان من جنس مال الكتابة وقد حل عليه نجم تقاصا وإن كان من غير جنس مال الكتابة أو كان النجم لم يحل لم يتقاصا ويطالب كل واحد منهما بما يستحقه وإن اتفقا على أن يجعل أحدهما عوضا عن الآخر وكانا من جنسين لم يجز لأنه بيع دين بدين فإن قبض أحدهما حقه ثم دفعه إلى الآخر عوضا عن حقه جاز وإن رضي المكاتب بتعجيل الواجب له عما لم يحل من نجومه جاز إذا كان من جنس مال الكتابة

الحال الثانية إذا كان الجاني أجنبيا حرا فلا قصاص أيضا لأن الحر لا يقتل بالعبد ولكن ينظر إن سرى الجرح إلى نفسه انفسخت الكتابة وعلى الجاني قيمته لسيده وإن اندمل الجرح فعليه أرشه له فإن أدى الكتابة وعتق ثم سرى الجرح إلى نفسه وجبت ديته لأن اعتبار الضمان بحالة الاستقرار ويكون ذلك لورثته فإن كان الجاني السيد أو غيره من الورثة لم يرث شيئا لأن القاتل لا يرث ويكون لبيت المال


380

إن لم يكن له وارث ومن اعتبر الجناية بحالة ابتدائها أوجب على الجاني قيمته ويكون لورثته أيضا

الحال الثالث إذا كان الجاني عبدا أو مكاتبا فإن كان موجب الجناية القصاص وكانت على النفس انفسخت الكتابة وسيده مخير بين القصاص والعفو على مال يتعلق برقبة الجاني وإن كانت فيما دون النفس مثل أن يقطع يده أو رجله فللمكاتب استيفاء القصاص وليس لسيده منعه كما أن المريض يقبض ولا يعترض عليه ورثته والمفلس يقبض ولا يعترض عليه غرماؤه وإن عفا على مال ثبت له وإن عفا مطلقا أو إلى غير مال انبنى ذلك على الروايتين في موجب العمد إن قلنا موجبه القصاص عينا صح ولم يثبت له مال وليس للسيد مطالبته باشتراط مال لأن ذلك تكسب ولا يملك السيد إجباره على الكسب وإن قلنا الواجب بأحد أمرين ثبتت له دية الجرح لأنه لما سقط القصاص تعين المال ولا يصح عفوه عن المال لأنه لا يملك التبرع به بغير إذن سيده وإن صالح على بعض الأرش فحكمه حكم العفو إلى غير مال

فصل وإذا مات المكاتب وعليه ديون وأروش وجنايات ولم يكن ملك ما يؤدي في كتابته انفسخت كتابته وسقط أرش الجنايات لأنها متعلقة برقبته وقد تلفت ويستوفى دينه مما كان في يده فإن لم يف بها سقط الباقي

قال أحمد ليس على سيده قضاء دينه هذا كان يسعى لنفسه وإن كان قد ملك ما يؤدي في كتابته انبنى ذلك على الروايتين في عتق المكاتب بملك ما يؤديه وقد ذكرنا فيه روايتين للظاهر منهما أنه لا يعتق بذلك فتنفسخ الكتابة أيضا ويبدأ بقضاء الدين على ما ذكرنا في الحال الأول وهذا قول زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن وشريح وعطاء وعمرو بن دينار وأبي الزناد ويحيى الأنصاري وربيعة والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي

والرواية الثانية أنه إذا ملك ما يؤدي لفقد صار حرا فعلى هذا يضرب السيد مع الغرماء بما حل من نجومه

وروي نحو هذا عن شريح والنخعي والشعبيوالحكم وحماد وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح لأنه دين له حال فيضرب به كسائر الديون ويجيء على قول من قال إن الدين يحل بالموت أن يضرب بجميع مال الكتابة لأنه قد صار حالا والمذهب الأول الذي نقله الجماعة عن أحمد

وقد روى سعيد في سننه حدثنا هشيم أنا منصور وسعيد عن قتادة قال ذكرت لسعيد بن المسيب قول شريح في المكاتب إذا مات وعليه دين وبقية من مكاتبته فقلت إن شريحا قضى أن مولاه يضرب مع الغرماء فقال أخطأ شريح قضى زيد بالدين قبل الكتابة

مسألة

قال ( وإذا كاتبه ثم دبره فإذا أدى صار حرا وإن مات السيد قبل الأداء عتق بالتدبير إن حمل الثلث ما بقي من كتابته وإلا عتق منه بمقدار الثلث وسقط من الكتابة بمقدار ما عتق وكان على الكتابة فيما بقي )


381

وجملة ذلك أن تدبير المكاتب صحيح لا نعلم فيه خلافا لأنه تعليق عتق بصفة وهو يملك إعتاقه وإن كان وصية فهو وصية بإعتاقه وهو يملكه فعند هذا إن أدى عتق بالأداء لأنه سبب للعتق ويبطل التدبير للغنى عنه وما في يده له وإن عجز وفسخت الكتابة بطلت كتابته وصار مدبرا غير مكاتب فإذا مات السيد عتق إن خرج من الثلث وما في يده لسيده وإن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث وإن مات السيد قبل أدائه وعجزه عتق بالتدبير إن حمله الثلث وإن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث وسقط من الكتابة بقدر ما عتق لأن مال الكتابة عوض عنه فإذا عتق نصفه وجب أن يسقط نصف الكتابة لأنه لم تبق الكتابة إلا في نصفه فلم يبق عليه من مالها إلا بقدر ذلك وهو على الكتابة فيما بقي وما في يده له وهذا مذهب الشافعي رضي الله عنه

وقال أصحابنا إذا عتق بالتدبير بطلت الكتابة وكان ما في يده لسيده كما لو بطلت الكتابة بعجزه لأنه عبد عتق بالتدبير فكان ما في يده لسيده كغير المكاتب والصحيح الأول إن شاء الله تعالى لأنه مكاتب برىء من مال الكتابة فعتق بذلك وكان ما في يده له كما لو أبرأه سيده يحققه أن ملكه كان ثابتا على ما في يده ولم يحدث ما يزيله وإنما الحادث مزيل لملك سيده عنه فيبقى ملكه كما لو عتق بالأداء

فصل وإذا قال السيد لمكاتبه متى عجزت بعد موتي فأنت حر فهذا تعليق للحرية على صفة تحدث بعد الموت وقد ذكرنا فيه اختلافا فيما مضى فإن قلنا لا يصح فلا كلام وإن قلنا يصح فمتى عجز بعد الموت صار حرا بالصفة فإن ادعى العجز قبل حلول النجم لم يعتق لأنه لم يجب عليه شيء يعجز عنه وإن ادعى ذلك بعد حلول نجمه ومعه ما يؤديه لم يصح قوله لأنه ليس بعاجز وإن لم يكن معه مال ظاهر فصدقه الورثة عتق وإن كذبوه فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم المال وعجزه فإذا حلف عتق وإذا عتق بهذه الصفة كان ما في يده له إن لم تكن كتابته فسخت لأن العجز لا تنفسخ به الكتابة وإنما يثبت به استحقاق الفسخ والحرية تحصل بأول وجوده فتكون الحرية قد حصلت له في حال كتابته فيكون ما في يده كما لو عتق بالإبراء من مال الكتابة ومقتضى قول بعض أصحابنا أن تبطل كتابته ويكون ما بيده لورثة سيده

فصل وإذا كاتب عبدا في صحته ثم أعتقه في مرض موته أو أبرأه من مال الكتابة فإن كان يخرج من ثلثه الأقل من قيمته أو مال كتابته عتق مثل أن يكون له سوى المكاتب مائتان وقيمة المكاتب مائة ومال الكتابة مائة وخمسون فإنا نعتبر قيمته دون مال الكتابة وهي تخرج من الثلث ولو كان مال الكتابة مائة وقيمته مائة وخمسون اعتبرنا مال الكتابة ونفذ العتق ويعتبر الباقي من مال الكتابة دون ما أدى منها وإنما اعتبرنا الأقل لأن قيمته إن كانت أقل فهي قيمة ما أتلف بالإعتاق ومال الكتابة ما استقر


382

عليه فإن للعبد إسقاطه بتعجيز نفسه أو يمتنع من أدائه فلا يجبر عليه فلم يحتسب له به وإن كان عوض الكتابة أقل اعتبرناه لأنه يعتق بأدائه ولا يستحق السيد عليه سواه وقد ضعف ملكه فيه وصار عوضه وإن كان كل واحد منهما لا يخرج من الثلث مثل أن يكون ماله سوى المكاتب قيمته مائة فإننا نضم الأقل من قيمته أو مال كتابته إلى ماله ونعمل بحسابه فيعتق منه ثلثاه ويبقى ثلثه بثلث مال الكتابة فإن أداه عتق وإلا رق منه ثلثه ويحتمل أنه إذا كان مال الكتابة مائة وخمسين فيبقى ثلثه بخمسين فأداها أن يقول قد زاد مال الميت لأنه حسب على الورثة بمائة وحصل لهم بثلثه خمسون فقد زاد مال الميت فينبغي أن يزيد ما عتق منه لأن هذا المال يحصل لهم بعقد السيد والإرث عنه ويجب أن يكون المعتبر من مال الكتابة ثلاثة أرباعه لأن ربعه يجب إيتاؤه للمكاتب فلا يحسب من مال الميت فعلى هذا إذا كان ثلاثة أرباع مال المكاتب مائة وخمسين وقيمة العبد مائة وللميت مائة أخرى عتق من العبد ثلثاه وحصل للورثة من كتابة العبد خمسون عن ثلث العبد المحسوب عليهم بثلث المائة فقد زاد لهم ثلث الخمسين فيعتق من العبد قدر ثلثها وهو تسع الخمسين وذلك نصف تسعه فصار العتق ثابتا في ثلثه ونصف تسعه وحصل للورثة المائة وثمانية أتساع الخمسين وهو مثلا ما عتق منه فإن قيل لم أعتقتم بعضه وقد بقي عليه بعض مال الكتابة وقد قلتم إن المكاتب لا يعتق منه شيء حتى يؤدي جميع مال الكتابة قلنا إنما أعتقنا بعضه ها هنا بإعتاق سيده لا بالكتابة ولما كان العتق في مرض موته نفذ في ثلث ماله وبقي باقيه لحق الورثة والموضع الذي لا يعتق إلا بأداء جميع الكتابة إذا كان عتقه بها لأنه إذا بقي عليه شيء فما حصل الاستيفاء ويختص المعاوضة فلم تثبت الحرية في العوض

فصل وإن وصى سيده بإعتاقه أو إبرائه من الكتابة وكان يخرج من ثلثه أقل الأمرين من قيمته أو مال كتابته فالحكم فيه كالحكم فيما إذا أعتقه في مرضه أو أبرأه إلا أنه يحتاج ها هنا إلى إيقاع العتق لأنه أوصى به وإن لم يخرج الأقل منهما من ثلثه أعتق منه بقدر الثلث ويسقط من الكتابة بقدر ما عتق ويبقى باقيه على باقي الكتابة فإن أداه عتق جميعه وإن عجز عتق منه بقدر الثلث ورق الباقي وقياس المذهب أن يتنجز عتق ثلثه في الحال كقولنا فيمن دبر عبدا له وله مال غائب أو دين في ذمة موسر أو معسر أنه يعتق ثلثه في الحال وإن لم يحصل للورثة في الحال شيء ولأن حق الورثة متحقق الحصول فإنه إن أدى وإلا عاد الباقي قنا وذكرالقاضي فيه وجها آخر أنه لا يتنجز عتق شيء منه إذا لم يكن للميت مال سواه لئلا يتنجز للوصية ما عتق منه ويتأخر حق الوارث وكذلك لو كان له مال غائب أو دين حاضر لم تتنجز وصيته من الحاضر والأول أصح لما ذكرناه وأما الحاضر والغائب فإنه إن كان له أوصى له بالحاضر أخذ ثلثه في الحال ووقف الباقي على قدوم الغائب فقد حصل للموصى له ثلثه الحاضر ولم يحصل للورثة شيء في الحال فهو كمسألتنا ولم يكمل له جميع وصيته لأن الغائب غير موثوق بحصوله فإنه ربما تلف بخلاف ما نحن فيه فأما الزيادة الحاصلة بزيادة مال الكتابة فإنها تقف على أداء مال الكتابة


383

مسألة

قال ( وإذا ادعى المكاتب وفاء كتابته وأتى بشاهد حلف مع شاهده وصار حرا )

وهذا قول الشافعي رضي الله عنه لأن النزاع بينهما في أداء المال والمال يقبل فيه الشاهد واليمين

فإن قيل القصد بهذه الشهادة العتق وهو مال يثبت بشاهد ويمين

قلنا بل يثبت بشاهد ويمين في رواية

وإن سلمنا أنه لا يثبت بذلك لكن الشهادة ها هنا إنما هي بأداء المال والعتق يحصل عند أدائه بالعقد الأول ولم يشهد الشاهد به ولا بينهما فيه نزاع ولا يمتنع أن يثبت بشهادة الواحد ما يترتب عليه أمر لا يثبت إلا بشاهدين كما أن الولادة تثبت بشهادة المرأة الواحدة ويترتب عليها ثبوت النسب الذي لا يثبت بشهادة النساء ولا بشاهد واحد

فصل فإن لم يكن للعبد شاهد وأنكر السيد فالقول قوله مع يمينه لأنه منكر

وإن قال العبد لي شاهد غائب أنظر ثلاثا فإن جاء به وإلا حلف السيد ثم متى جاء شاهده وأدى الشهادة ثبتت حريته وإن جاء بشاهد فجرح فقال لي شاهد غائب عدل أنظر ثلاثا لما ذكرنا

فصل وإن أقر السيد بقبض مال الكتابة عتق العبد إذا كان ممن يصح إقراره وإن أقر بذلك في مرض موته قبل لأنه إقرار لغير وارث وإقرار المريض لغير وارثه مقبول

وإذا قال استوفيت كتابتي كلها عتق العبد

وإن قال استوفيتها كلها إن شاء الله تعالى وإن شاء زيد عتق ولم يؤثر الاستثناء لأن هذا الاستثناء لا مدخل له في الإقرار

قالأحمد في روياة أبي طالب إذا قال له علي ألف إن شاء الله كان مقرا بها

ولأن هذا الاستثناء تعليق بشرط والذي يتعلق بالشرط إنما هو المستقبل وأما الماضي فلا يمكن تعليقه لأنه قد وقع على صفة لا يتغير عنها بالشرط وإنما يدل الشرط فيه على الشك فيه فكأنه قال استوفيت كتابتي وأنا أشك فيه فيلغو الشك ويثبت الإقرار وإن قال استوفيت آخر كتابتي وقال إنما أردت أني استوفيت النجم الآخر دون ما قبله وادعى العبد إقراره باستيفاء الكل فالقول قول السيد لأنه أعرف بمراده

فصل إذا أبرأه السيد من مال الكتابة برىء وعتق لأن ذمته خلت من مال الكتابة فأشبه ما لو أداه وإن أبرأه من بعضه برىء منه وكان على الكتابة فيما بقي لأن الإبراء كالأداء

وإن كاتبه على دنانير فأبرأه من دراهم

أو على دراهم فأبرأه من دنانير لم تصح البراءة لأنه أبرأه مما لا يجب له عليه إلا أن يريد بقدر ذلك مما لي عليك فإن اختلفا فقال المكاتب إنما أردت من قيمة ذلك وقال السيد بل ظننت أن لي عليك النقد الذي أبرأتك منه فلم تقع البراءة موضعها فالقول قول السيد مع يمينه لأنه اعترف بنيته وإن مات السيد واختلف المكاتب مع ورثته فالقول قولهم مع أيمانهم أنهم لا يعلمون موروثهم أراد ذلك وإن


384

مات المكاتب واختلف ورثته وسيده فالقول قول السيد لما ذكرنا

مسألة

قال ( ولا يكفر المكاتب بغير الصوم )

وجملته أن المكاتب إذا لزمته كفارة ظهار أو جماع في نهار رمضان أو قتل أو كفارة يمين لم يكن له التكفير بالمال لأنه عبد ولأنه في حكم المعسر بدليل أنه لا تلزمه كفارة زكاة ولا نفقة قريب وله أخذ الزكاة لحاجته

وكفارة العبد والمعسر الصيام

وإن أذن له سيده في التكفير بالمال جاز لأنه بمنزلة التبرع ويجوز له التبرع بإذن سيده ولأن المنع لحقه وقد أذن فيه ولا يلزمه التكفير بالمال إذا أذن فيه السيد لأن عليه ضررا فيه لما يفضي إليه من تفويت حريته كما أن التبرع لا يلزمه بإذن سيده

وقال القاضي المكاتب كالعبد القن في التكفير ومتى أذن له سيده في التكفير بالمال انبنى على ملك العبد إذا ملكه سيده فإن قلنا لا يملك لم يصح تكفيره بعتق ولا إطعام ولا كسوة سواء ملكه سيده أو لم يملكه وسواء أذن فيه أو لم يأذن لأنه يكفر بما ليس بمملوك له فلم يصح وإن قلنا يملك بالتمليك صح تكفيره بالطعام إذا أذن فيه وإن أذن له في التكفير بالعتق فهل يصح على روايتين سبق ذكرهما في تكفير العبد والصحيح أن هذا التفصيل لا يتوجه في المكاتب لأنه يملك المال بغير خلاف وإنما ملكه ناقص لتعلق حق سيده به فإذا أذن له سيده صح كالتبرع

مسألة

قال ( وولد المكاتبة الذين ولدتهم في الكتابة يعتقون بعتقها )

وجملته أنه يصح مكاتبة الأمة كما تصح مكاتبة العبد لا خلاف بين أهل العلم فيه وقد دل عليه حديث بريرة وحديث جويرية بنت الحارث ولأنها داخلة في عموم قوله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا النور 33

ولأنها يمكنها التكسب والأداء فهي كالعبد وإذا أتت المكاتبة بولد من غير سيدها من نكاح أو غيره فهو تابع لها موقوف على عتقها بالأداء أو الإبراء عتق وإن فسخت كتابتها وعادت إلى الرق عاد رقيقا

وهذا قول شريح ومالك وأبي حنيفة والثوري وإسحاق وسواء في هذا ما كان حملا حال الكتابة وما حدث بعدها وقال أبو ثور وابن المنذر هو عبد قن لا يتبع أمه وللشافعي قولان كالمذهبين واحتجوا بأن الكتابة غير لازمة من جهة العبد فلا تسري إلى الولد كالتعليق بالصفة

ولنا إن الكتابة سبب ثابت للعتق لا يجوز إبطاله فسرى إلى الولد كالاستيلاد ويفارق التعليق بالصفة فإن السيد يملك إبطاله بالبيع

إذا ثبت هذا فالكلام في الولد في فصول أربعة في قيمته إذا تلف وفي كسبه


385

وفي نفقته وفي عتقه أما قيمته إذا تلف فقال أبو بكر هو لأمه تستعين بها على كتابتها لأن السيد لا يملك التصرف فيه مع كونه عبدا فلا يستحق قيمته ولأنه بمنزلة جزء منها ولو جنى على جزء منها كان أرشه لها كذلك ولدها وإذا لم يستحقها هو كانت لأمه لأن الحق لا يخرج عنهما ولأن ولدها لو ملكته بهبة أو شراء كانت قيمته لها فكذلك لو تبعها يحققه أنه إذا تبعها صار حكمه حكمها ولا يثبت ملك السيد في منافعه ولا في أرش الجناية عليه كما لا يثبت له ذلك فيها وقال الشافعي في أحد قوليه تكون القيمة لسيدها لأنها لو قتلت كانت قيمتها لسيدها فكذلك ولدها والفرق بينهما أن الكتابة تبطل بقتلها فيصير مالها لسيدها بخلاف ولدها فإن العقد باق بعد قتله فنظير هذا إتلاف بعض أعضائها والحكم في إتلاف بعض أعضائها كالحكم في إتلافه

وأما كسبه وأرش الجناية عليه فينبغي أيضا أن يكون لأمه لأن ولدها جزء منها تابع لها فأشبه بقية أجزائها ولأن أداءها لكتابتها سبب لعتقه وحصول الحرية له فينبغي أن يصرف فيه بمنزلة صرفه إليه إذ في عجزها رقه وفوات كسبه عليه وأما نفقته فعلى أمه لأنها تابعة لكسبه وكسبه لها فنفقته عليها وأما عتقه فإنه يعتق بأدائها أو إبرائها ويرق بعجزها لأنه تابع لها وإن ماتت المكاتبة على كتابتها بطلت كتابتها وعاد رقيقا قنا إلا أن تخلف وفاء فيكون على الروايتين وإن أعتقها سيدها لم يعتق ولدها لأنه إنما تبعها في حكم الكتابة وهو العتق بالأداء وما حصل الأداء وإنما حصل عتقها بأمر لا يتبعها فيه فأشبه ما لو لم تكن مكاتبة ومقتضى قول أصحابنا الذين قالوا تبطل كتباتها بعتقها أن يعود ولدها رقيقا ومقتضى قولنا أنه يبق على حكم الكتابة ويعتق بالأداء لأن العقد لم يوجد ما يبطله وإنما سقط الأداء عنها لحصول الحرية بدونه فإذا لم يكن لها ولد يتبعها في الكتابة ولا في يدها مال يأخذه لم يظهر حكم بقاء العقد ولم يكن في بقائه فائدة فانتفى لانتفاء فائدته وفي مسألتنا في بقائه فائدة لإفضائه إلى عتق ولدها فينبغي أن يبقى

ويحتمل أن يعتق بإعتاقها لأنه جرى مجرى إبرائها من مال الكتابة والحكم فيما إذا أعتقت باستيلاد أو تدبير أو تعليق بصفة كالحكم فيما إذا أعتقها لأنها عتقت بغير الكتابة وإن أعتق السيد الولد دونها صح عتقه نص عليه أحمد في رواية مهنا لأنه مملوك فصح عتقه كأمه ولأنه لو أعتقه معها لصح ومن صح عتقه مع غيره صح مفردا كسائر مماليكه

وقال القاضي وقد كان يجب أن لا ينفذ عتقه لأن فيه ضررا بأمه بتفويت كسبه عليها لأنها كانت تستعين به في كتابتها ولعل أحمد نفذ عتقه تغليبا للعتق والصحيح أنه يعتق وما ذكره القاضي من الضرر لا يصح لوجوه أحدها أن الضرر إنما يحصل في حق من له كسب يفضل عن نفقته فأما من لا كسب له فتخليصها من نفقته نفع محض فلا ضرر في إعتاقه لأنه لا يفضل لها من كسبه شيء ينتفع به فكان ينبغي أن يقيد الحكم الذي ذكره بهذا القيد

الثاني أن النفع بكسبها ليس بواجب لها بدليل أنه لا يملك


386

إجباره على الكسب فلم يكن الضرر بفواته معتبرا في حقها

الثالث أن مطلق الضرر لا يكفي في منع العتق الذي تحقق مقتضيه ما لم يكن له أصل يشهد بالاعتبار ولم يذكر له أصلا ثم هو ملغى بعتق المفلس والراهن وسراية العتق إلى ملك الشريك فإنه يعتق مع وجود الضرر بتفويت الحق اللازم فهذا أولى

فصل فأما ولد ولدها فإن حكمه حكم أمه لأن ولد المكاتب لا يتبعه وأما ولد بنتها فهو كبنتها وبهذا قال الشافعي وقال أبي حنيفة لا تسري الكتابة إليه لأن السراية إنما تكون مع الاتصال وهذا ولد منفصل فلا تسري إليه بدليل أن ولد أم الولد قبل أن يستولدها لا يسري إليه الاستيلاد وهذا الولد اتصل بأمه دون جدته

ولنا إن ابنتها ثبت لها حكمها تبعا فيجب أن يثبت لابنتها حكمها تبعا كما يثبت حكم أمها ولأن البنت تبعت أمها فيجب أن يتبعها ولدها لأن عليه إتباعها لأنها موجودة في ولدها ولأن البنت تعلق بها حق العتق فيجب أن يسري إلى ولدها كالمكاتبة وهذا الخلاف في ولد البنت التابعة لأنها في الكتابة فأما المولودة قبل الكتابة فلا تدخل في الكتابة فابنتها أولى

مسألة

قال ( ويجوز بيع المكاتب )

وهذا قول عطاء والنخعي والليث وابن المنذر وهو قديم قولي الشافعي قال لا وجه لقول من مكاتب قال لا يجوز

وحكى أبو الخطاب عنأحمد رواية أخرى أنه لا يجوز بيعه وهو قول مالك وأصحاب الرأي والجديد من قوليالشافعي لأنه عقد يمنع استحقاق كسبه فيمنع بيعه كبيعه وعتقه

وقال الزهري وأبو الزناد يجوز بيعه برضاه ولا يجوز إذا لم يرض وحكي ذلك عن أبي يوسف لأن بريرة إنما بيعت برضاها وطلبها ولأن لسيده استيفاء منافعه برضاه ولا يجوز بغير رضاه كذلك بيعه

ولنا ما روى عروة عن عائشة أنها قالت جاءت بريرة إلي فقالت يا عائشة إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينني ولم تكن قضت من كتابتها شيئا فقالت لها عائشة ونفست فيها ارجعي إلى أهلك إن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعا فعلت فذهبت بريرة إلى أهلها فعرضت عليهم ذلك فأبوا وقالوا إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا فذكرت ذلك عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا يمنعك ذلك منها ابتاعي وأعتقي إنما الولاء لمن أعتق

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما بال ناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ومن اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرطه أوثق وإنما الولاء لمن أعتق متفق عليه

قال ابن المنذر بيعت بريرة بعلم النبي صلى الله عليه وسلم وهي مكاتبة ولم ينكر ذلك ففي ذلك أبين البيان أن بيعه جائز ولا أعلم خبرا يعارضه ولا أعلم في شيء من الأخبار دليلا على عجزها وتأوله الشافعي على أنها


387

كانت قد عجزت وكان بيعها فسخا لكتابتها وهذا التأويل بعيد يحتاج إلى دليل في غاية القوة وليس في الخبر ما يدل عليه بل قولها أعينيني على كتابتي دلالة على بقائها على الكتابة ولأنها أخبرتها أن نجومها في كل عام أوقية فالعجز إنما يكون بمضي عامين عند من لا يرى العجز إلا بحلول نجمين أو بمضي عام عند الآخرين والظاهر أن شراء عائشة لها كان في أول كتابتها ولا يصح قياسه على أم الولد لأن سبب حريتها مستقر على وجه لا يمكن فسخه بحال فأشبه الوقف والمكاتب يجوز رده إلى الرق وفسخ كتابته إذا عجز فافترقا

قال ابن أبي موسى وهل للسيد أن يبيع المكاتب بأكثر مما عليه على روايتين ولأن المكاتب عبد مملوك لسيده لم يتحتم عتقه فجاز بيعه كالمعلق عتقه بصفة والدليل على أنه مملوك قول االنبي صلى الله عليه وسلم المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وأن مولاته لا يلزمها أن تحتجب منه بدليل قوله عليه السلام إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه فيدل على أنها لا تحتجب قبل ذلك

وقد روينا في هذا عن نبهان مولى أم سلمة أنه قال قالت لي أم سلمة يا نبهان هل عندك ما تؤدي قلت نعم فأخرجت الحجاب بيني وبينها وروت هذا الحديث قال فقلت لا والله ما عندي ما أؤدي ولا أنا بمؤد وإنما سقط الحجاب عنها منه لكونه مملوكها ولأنه يصح عتقه ولا يصح عتق من ليس بمملوك ويرجع عند العجز إلى كونه قنا ولو صار حرا ما عاد إلى الرق ويفارق إعتاقه لأنه يزيل الرق بالكلية وليس بعقد وإنما هو إسقاط للملك فيه وأما بيعه فلا يمنع مالكه بيعه وأما البائع فلم يبق له فيه ملك بخلاف مسألتنا

فصل وتجوز هبته والوصية به ونقل الملك فيه لأنه في معنى بيعه وقد روي عن أحمد أنه منع هبته لأن الشرع إنما ورد ببيعه والصحيح جوازها لأن ما كان في معنى المنصوص عليه ثبت الحكم فيه

مسألة

قال ( ومشتريه يقوم فيه مقام المكاتب فإذا أدى صار حرا وولاؤه لمشتريه فإن لم يبين البائع للمشتري أنه مكاتب فهو مخير بين أن يرجع في الثمن أو يأخذ ما بينه سليما ومكاتبا )

وجملة ذلك أن الكتابة لا تنفسخ بالبيع ولا يجوز إبطالها ولا نعلم في هذا خلافا قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن بيع السيد مكاتبه على أن يبطل كتابته ببيعه إذا كان ماضيا فيها مؤديا ما يجب عليه من نجومه في أوقاتها غير جائز وذلك لأنها عقد لازم فلا تبطل ببيع العبد كإجارته ونكاحه ويبقى على كتابته عند المشتري وعلى نجومه كما لو كان عند البائع مبقي على ما بقي عليه من كتابته ويؤدي إلى المشتري كما كان يؤدي إلى البائع فإن عجز فهو عبد لمشتريه لأنه صار سيده وإن أدى عتق وولاؤه لمشتريه لأن حق المكاتب فيه انتقل إلى المشتري فصار المشتري هو المعتق ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة ابتاعي وأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق ولما أراد أهلها اشتراط ولائها أنكر ذلك وأخبر ببطلانه


388

وإذا لم يعلم المشتري كونه مكاتبا ثم علم ذلك فله فسخ البيع أو أخذ الأرش لأن الكتابة عيب لكون المشتري لا يقدر على التصرف فيه ولا يستحق كسبه ولا استخدامه ولا الوطء إن كانت أمة وقد انعقد سبب زوال الملك فيه فيملك الفسخ بذلك كمشتري الأمة المزوجة أو المعيبة فيتخير حينئذ بين فسخ البيع والرجوع بالثمن وبين إمساكه وأخذ الأرش وهو قسط ما بينه مكاتبا وبينه رقيقا قنا فيقال كم قيمته مكاتبا وكم قيمته لو كان غير مكاتب فإذا قيل قيمته مكاتبا مائة وقيمته غير مكاتب مائة وخمسون والثمن مائة وعشرون فقد نقصته الكتابة ثلث قيمته فيرجع بثلث ثمنه وهو أربعون ولا يرجع بالخمسين التي نقصت بالكتابة من قيمته على ما قرر في البيع

فصل فأما بيع الدين الذي على المكاتب من نجومه فلا يصح وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وقال عطاء وعمرو بن دينار ومالك يصح لأن السيد يملكها في ذمة المكاتب فجاز بيعها كسائر أمواله

ولنا إنه دين غير مستقر فلم يجز بيعه كدين السلم ودليل عدم الاستقرار أنه معرض للسقوط بعجز المكاتب ولأنه لا يملك السيد إجبار العبد على أدائه ولا إلزامه بتحصيله فلم يجز بيعه كالعدة بالتبرع ولأنه غير مقبوض وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض فإن باعه فالبيع باطل وليس للمشتري مطالبة المكاتب بتسليمه إليه وله الرجوع بالثمن على البائع إن كان دفعه إليه فإن سلم المكاتب إلى المشتري نجومه ففيه وجهان أحدهما يعتق لأن البيع تضمن الإذن في القبض فأشبه قبض الوكيل

والثاني لا يعتق لأنه لم يستنبه في القبض وإنما قبض لنفسه بحكم البيع الفاسد فكان القبض أيضا فاسدا ولم يعتق بخلاف وكيله فإنه استنابه ولو صرح بالإذن فليس بمستنيب له في القبض وإنما إذنه بحكم المعاوضة فلا فرق بين التصريح وعدمه فإن قلنا يعتق بالأداء برىء المكاتب من مال الكتابة ويرجع السيد على المشتري بما قبضه لأنه كالنائب عنه فإن كان من جنس الثمن وكان قد تلف تقاصا بقدر أقلهما ورجع ذو الفضل بفضله وإن قلنا لا يعتق بذلك فمال الكتابة باق على المكاتب ويرجع المكاتب على المشتري بما دفعه إليه ويرجع المشتري على الباع فإن سلمه المشتري إلى البائع لم يصح التسليم لأنه قبضه بغير إذن المكاتب فأشبه ما لو أخذه من ماله بغير إذنه فإن كان من غير جنس مال الكتابة تراجعا بما لكل واحد منهما على الآخر وإن باعه ما أخذه بما له في ذمته وكان مما يجوز البيع فيه جاز إذا كان ما قبضه السيد باقيا وإن كان قد تلف ووجبت قيمته وكانت من جنس مال الكتابة تقاصا وإن كان المقبوض من جنس مال الكتابة فتحاسبا به جاز

فصل وإذا كانت المكاتبة ذات ولد يتبعهما في الكتابة فباعهما معا صح لأنهما ملكه ولا مانع من بيعهما ويكونان عند المشتري كما كانا عند البائع سواء وإن باع أحدهما دون صاحبه أو باع


389

أحدهما لرجل وباع الآخر لغيره لم يصح لوجهين أحدهما أنه لا يجوز التفريق بين الأم وولدها في البيع إلا بعد البلوغ في إحدى الروايتين

والثاني أن الولد تابع لأمه ولها كسبه وعليها نفقته فصار في معنى مملوكها فلم يجز التفريق بينه وبينها ويحتمل أن يجوز ذلك إذا كان بالغا لأن محل للبيع صدر فيه التصرف من أهله ويكون عند من هو عنده على ما كان عليه قبل بيعه لها كسبه وأرش الجناية عليه وعليها نفقته ويعتق بعتقها كما لو بيع والله أعلم

فصل وإن وصى بالمكاتب لرجل فقال أبو بكر قال أحمدالوصية به جائزة لأنه يرى بيعه وكذلك هبته ويقوم من انتقل إليه مقام مكاتبه في الأداء إليه وإن عجز عاد إليه رقيقا له قنا وإن عتق فالولاء له كما ذكرنا في المشتري سواء فإن عجز في حياة الموصى لم تبطل الوصية لأن رقه لا ينافي الوصية وإن أدى وعتق في حياة الموصي بطلت الوصية ومن منع بيع المكاتب منع الوصية فيه وهبته فإن قال إن عجز ورق فهو لك بعد موتي صحت الوصية إذا عجز في حالة الموصي وإن عجز بعد موته لم يستحقه لأن الشرط بطل بموته كما لو قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر بعد موتي فلم يدخلها حتى مات سيده وإن قال إن عجزت بعد موتي فهو لك فهذا تعليق للوصية على صفة توجد بعد الموت وقد ذكرنا في صحتها وجهين

فصل وإن وصى بكتابته لرجل صحت الوصية لأنها تصح بما ليس بمستقر كما تصح بما لا يملكه في الحال من ثمرة شجرة وحمل جاريته وللموصي له أن يستوفي المال عند حلوله وله أن يبرأ منه فإذا استوفاه أو أبرأه منه عتق المكاتب والولاء لسيده لأنه المنعم عليه وإن عجز المكاتب فأراد الوارث تعجيزه وأراد الموصي له إنظاره فالقول قول الوارث لأن حق الموصي له في المال ما دام العقد قائما وحق الوارث متعلق به إذا عجزه برده في الرق وليس للموصى له إبطال حق الوارث من تعجيزه وإن أراد الوارث إنظاره وأراد الموصى له تعجيزه لم يكن له لأن الحق في التعجيز والفسخ للوارث ولا حق للموصى له في ذلك ولا بيع لأن حقه يسقط به ومتى عجز عاد عبدا للورثة وإن وصى لرجل بما تعجله المكاتب صح لأنها وصية بصفة فإن عجل شيئا فهو للموصى له وإن لم يعجل شيئا حتى حلت نجومه بطلت الوصية

فصل وإن وصى بمال الكتابة لرجل وبرقبته لآخر صحت الوصيتان فإن أدى إلى صاحب المال أو أبرأه منه عتق قال أصحابنا وتبطل وصية صاحب الرقبة ويحتمل أن لا تبطل ويكون الولاء له لأنه أقامه مقام نفسه في استحقاق الرقبة ولو لم يوص بها لكان الولاء له فإذا وصى بها كان الولاء لمن وصى له بها ولأنه لو وصى له بالمكاتب مطلقا لكان الولاء له فكذلك إذا وصى برقبته لأن الولاء يستفاد من الوصية بالرقبة دون الوصية بالمال وإن عجز فسخ صاحب الرقبة كتابته وكان رقيقا له وبطلت الوصية بالمال وإن كان صاحب المال قد قبض من كتابته شيئا فهو له وإن اختلفا في فسخ الكتابة عند العجز


390

قدم قول صاحب الرقبة لأنه يقوم مقام الورثة على ما بيناه فيما تقدم وقياس هذه المسألة أنه لو وصى لرجل برقبة المكاتب دون مال الكتابة أنه يصح لأن الوصية بالرقبة دون المال صحيحة فيما إذا وصى بها لرجل وحده وأوصى بالمال الآخر

فصل وإذا كانت الكتابة فاسدة فأوصى لرجل بما في ذمة المكاتب لم تصح الوصية لأنه لا شيء في ذمته وإن قال وصيت لك بما أقبضه من مال الكتابة صح لأن الكتابة الفاسدة يؤدى فيها المال كما يؤدى في الصحيحة وإن وصى برقبة المكاتب صح لأن الوصية برقبة المكاتب تصح في الكتابة الصحيحة ففي الفاسدة أولى

فصل وتصح الوصية لمكاتبه لأنه مع سيده في المعاملة كالأجنبي ولذلك جاز أن يدفع إليه زكاته فإن قال ضعوا عن مكاتبي بعض كتابته أو بعض ما عليه وضعوا ما شاؤوا قليلا كان أو كثيرا من أول نجومه أو من آخرها وإن قال ضعوا عنه نجما من نجومه فلهم أن يضعوا أي نجم شاؤوا كما لو قال ضعوا أي نجم شئتم وسواء كانت نجومه متفقة أو مختلفة لأن اللفظ يتناول واحدا منها غير معين وإن قال ضعوا عنه أي نجم شاء كان ذلك إلى مشيئته فيلزمهم وضع النجم الذي يختار وضعه لأن سيده جعل المشيئة له وإن قال ضعوا عنه أكبر نجومه لزمهم أن يضعوا أكبرها مالا لأنه أكبرها قدرا وإن قال ضعوا عنه أكثر نجومه لزمهم أن يضعوا عنه أكثر من نصفها لأن أكثر الشيء يزيد على نصفه فإذا كانت نجومه خمسة وضعوا ثلاثة وإن كانت ستة وضعوا أربعة ويحتمل أن ينصرف ذلك إلى واحد منها أكبرها مالا بمنزلة قوله أكبر نجومه فإن كانت نجومه متساوية تعين الاحتمال الأول وإن قال ضعوا عنه أوسط نجومه فلم يكن فيها إلا وسط واحد تعينت الوصية فيه مثل أن تكون نجومه متساوية القدر والأجل وعددها منفرد فيتعين وضع أوسطها عددا فإذا كانت خمسة فالأوسط الثالث وإن كانت سبعة فالأوسط الرابع وإن كان عددها مزدوجا وهي مختلفة المقدار فبعضها مائة وبعضها مائتان وبعضها ثلاثمائة فأوسطها المائتان فتعين الوصية فيه لأنه أوسطها وإن كانت متساوية القدر مختلفة الأجل مثل أن يكون اثنان منها إلى شهر وواحد إلى شهرين وواحد إلى ثلاثة أشهر تعينت الوصية فيما هو إلى شهرين لأنها أوسطها

وإن اتفقت هذه المعاني الثلاثة في واحد تعينت الوصية فيه وإن كان لها أوسط في القدر وأوسط في الأجل وأوسط في العدد يخالف بعضها بعضا فذلك إلى اختيار الورثة فلهم وضع ما شاؤوا منها وإن اختلف الورثة والمكاتب فيما أراد الموصي منها فالقول قول الورثة مع أيمانهم لأنهم لا يعلمون ما أراد الموصي ثم التعيين إليهم ومتى كان العدد وترا فأوسطه واحدا فإن كان شفعا كأربعة وستة فأوسطه اثنان وهكذا القول فيما إذا وصى بأوسط نجومه وإن قال ضعوا عنه ما خف أو قال ما يثقل أو ما يكثر كان ذلك إلى تقدير الورثة لأن كل شيء يخف إلى جنب ما هو أخف منه كما قال أصحابنا


391

فيما إذا وصى بمال عظيم أو كثير أو ثقيل أو خفيف وإن قال ضعوا عنه أكثر ما عليه وضع عنه النصف وأدنى زيادة وإن قال ضعوا عنه أكثر ما عليه ومثل نصفه فذلك ثلاثة أرباع وأدنى زيادة وإن قال ضعوا عنه أكثر ما عليه ومثله فذلك الكتابة كلها وزيادة عليها فيصح في الكتابة ويبطل بالزيادة لعدم محلها وإن قال ضعوا عنه ما شاء فشاء وضع كل ما عليه لأن وصيته تتناوله وإن قال ضعوا عنه ما شاء من مال الكتابة لم يكن له وضع الكل لأن من للتبعيض فلا تتناول الجميع

ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كنحو ما ذكرناه

مسألة

قال ( وإذا اشترى المكاتب أباه أو ذا رحمه من المحرم عليه نكاحه لم يعتقوا حتى يؤدي وهم في ملكه فإن عجز فهم عبيد لسيده )

الكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما أنه يصح أن يشتري من ذوي أرحامه من يعتق عليه بغير إذن سيده وهذا قول الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي

وقال الشافعي لا يصح لأنه تصرف يؤدي إلى إتلاف ماله لأنه يخرج من ماله ما يجوز له التصرف فيه في مقابلة ما لا يجوز له التصرف فيه فأشبه الهبة فإن أذن له سيده فيه فمنهم من قال يجوز قولا واحدا وهو قول مالك لأن المنع لحق سيده فجاز بإذنه ومنهم من قال فيه قولان

ولنا إنه اشترى مملوكا لا ضرر في شرائه فصح كالأجنبي وبيانه أنه يأخذ كسبهم وإن عجز صاروا رقيقا لسيده ولأنه يصح أن يشتريه غيره فصح شراؤه له كالأجنبي ويفارق الهبة لأنها تفوت المال بغير عوض ولا نفع يرجع إلى المكاتب ولا السيد ولأنه تحقق السبب وهو صدور التصرف من أهله في محله ولم يتحقق المانع لأن ما ذكروه لا نص فيه ولا أصل له يقاس عليه

الفصل الثاني أنهم لا يعتقون بمجرد ملكه لهم لأنه لو باشرهم بالعتق أو أعتق غيرهم لم يقع العتق فلا يقع بالشراء الذي أقيم مقامه ولا يجوز له بيعهم ولا هبتهم ولا إخراجهم عن ملكه

وقال أصحاب الرأي له بيع من عدا المولودين والوالدين لأنهم ليست قرابتهم قرابة حرية ولا تعصيبية فأشبهوا الأجانب

ولنا إنه ذو رحم يعتق عليه إذا عتق ولا يجوز بيعه كالوالدين والمولودين ولأنه لا يملك بيعهم إذا كان حرا فلا يملكه مكاتبا كوالديه ولأنهم نزلوا منزلة أجزائه فلم يملك بيعهم كيده فإذا أدى وهم في ملكه عتقوا لأنه كمل ملكه فيهم وزال تعلق سيده عنهم فعتقوا حينئذ وولاؤهم له دون سيدهم لأنهم عتقوا عليه بعد زوال ملك سيده عنه فيكونون بمنزلة ما لو اشتراهم بعد عتقه وإن عجز ورد في الرق صاروا عبيدا


392

للسيد لأنهم من ماله فيصيرون للسيد بعجزه كعبيده الأجانب

فصل وكسبهم للمكاتب لأنهم مماليكه ونفقتهم عليه بحكم الملك لا بحكم القرابة وإن أعتقهم السيد لم يعتقوا لأنه لا يملكهم فلا يملك التصرف فيهم وإن أعتقهم المكاتب بغير إذن سيده لم يعتقوا لتعلق حق سيده بهم وإن أعتقهم بإذنه عتقوا كما لو أعتق غيرهم من عبيده وإن أعتقه سيده عتق وصاروا رقيقا للسيد كما لو عجز لأن كتابته تبطل بعتقه كما تبطل بموته وعلى ما اخترناه يعتقون لأنه عتق قبل فسخ الكتابة فوجب أن يعتقوا كما لو عتق بالإبراء من مال الكتابة أو بأدائه يحقق هذا أن الكتابة عقد لازم يستفيد بها المكاتب ملك رقيقه واكتسابه ويبقى حق السيد في ملك رقبته على وجه لا يزول إلا بأداء أو ما يقوم مقامه فلا يتسلط السيد على إبطالها فيما يرجع إلى إبطال حق المكاتب وإنما يتسلط على إبطال حقه من رقبة المكاتب فينفذ في ماله دون ما للمكاتب وقد ذكرنا مثل هذا فيما مضى وإن مات المكاتب ولم يخلف وفاء عاد رقيقا وقال أبو يوسف ومحمد يسعون في الكتابة على نجومها وكذلك أم ولده وقال أبو حنيفة في الولد خاصة إن جاء بالكتابة حالة قبلت منه وعتق

ولنا إنه عبد للمكاتب فصار بموته لسيده إذا لم يخلف وفاء كالأجنبي وإن خلف وفاء انبنى على الروايتين في فسخ الكتابة على ما تقدم

فصل وإن وهب له بعض ذوي رحمه فله قبوله وإن وصى له به فله قبول الوصية لأنه إذا ملك شراءه مع ما فيه من بذل ماله فلأن يجوز بغير عوض أولى ملكه فحكمه حكم ما لو اشتراه

فصل ويجوز أن يشتري المكاتب امرأته والمكاتبة زوجها لأن ذلك يجوز لغير المكاتب فجاز للمكاتب كشراء الأجانب وينفسخ النكاح بذلك وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا ينفسخ لأن المكاتب لا يملك بدليل أنه لا يجوز له التسري ولا يعتق والده وولده إذا اشتراه فأشبه العبد القن

ولنا إن المكاتب يملك ما اشتراه بدليل أنه تثبت له الشفعة على سيده ولسيده عليه ويجري الربا بينه وبينه وإنما منع من التسري لتعلق حق سيده بما في يده كما يمنع الراهن من الوطء مع ثبوت ملكه ولم يعتق عليه ذوو رحمه لذلك فإذا اشترى أحدهما الآخر فله التصرف فيه لأنه أجنبي منه

فصل وإذا زوج السيد ابنه من مكاتبة برضاها ثم مات السيد وكانت من ورثته انفسخ النكاح وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا ينفسخ النكاح لأنها لا ترثه وإنما تملك نصيبها من الدين الذي عليه بدليل أن الوارث لو أبرأ المكاتب من الدين عتق وكان الولاء للميت لا للوارث فإن عجز وعاد رقيقا انفسخ النكاح حينئذ لأنها ملكت نفسها منه


393

ولنا إن المكاتب مملوك لسيده لا يعتق بموته فوجب أن ينتقل إلى ورثته كسائر أملاكه ولأنها لا يجوز لها ابتداء نكاحه لأجل الملك فانفسخ نكاحها بتجدد ذلك فيه كالعبد القن وأما كون الولاء للميت فلأن السبب وجد منه فنسب العتق إليه وثبت الولاء له

إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن ترثه كله أو ترث نصيبها منه لأنها إذا ملكت منه جزءا انفسخ النكاح فيه فبطل في باقية لأنه لا يتجزأ وكذلك لو اشترت زوجها أو جزءا منه أو ورثت شيئا من العبد القن بطل نكاحها وإن كانت لا ترث أباها لمانع من موانع الميراث فنكاحها باق بحاله والحكم في سائر الورثة من النساء كالحكم في البنت وكذلك لو تزوج رجل مكاتبة فورثها أو ورث شيئا منها انفسخ نكاحه لذلك والله أعلم

مسألة

قال ( وإذا كان العبد لثلاثة فجاءهم بثلاثمائة درهم فقال بيعوني نفسي بها فأجابوه فلما عاد إليهم ليكتبوا له كتابا أنكر أحدهم أن يكون أخذ شيئا وشهد الرجلان عليه بالأخذ فقد صار العبد حرا بشهادة الشريكين إذا كانا عدلين ويشاركهما فيما أخذا من المال وليس على العبد شيء )

اعترض على الخرقي في هذه المسألة حيث أجاز شراء نفسه بعين ما في يده مع أنه قد ذكر في باب العتق إذا قال العبد لرجل اشترني من سيدي بهذا المال وأعتقني فاشتراه بعين المال كان الشراء والعتق باطلين ويكون السيد قد أخذ ماله وقد أجاب القاضي عن هذا الإشكال بوجوه منها أن يكون مكاتبا وقوله بيعوني من نفسي بهذه أي أعجل لكم الثلاثمائة وتضعون عني ما بقي من كتابتي ولهذا ذكرهما في باب المكاتب

الثاني أن يكون المال في يد العبد لأجنبي قال له اشتر نفسك بها من غير أن يملكه إياها

الثالث أن يكون عتقا بصفة تقديره إذا قبضنا منك هذه الدراهم فأنت حر

الرابع أن يكون رضى سادته ببيعه نفسه بما في يده وفعلهم ذلك معه إعتاق منهم له مشروطا بتأدية ذلك إليهم فتكون صورته صورة البيع ومعناه العتق بشرط الأداء كما لو قال بعتك نفسك بخدمتي سنة فإن منافعه مملوكة لسيده وقد صح هذا فيها فكان فيها ها هنا وهذا الوجه أظهرها إن شاء الله تعالى لأنه لا يحتاج إلى تأويل ومتى أمكن حمل الكلام على ظاهره لم يجز تأويله بغير دليل وإذا تعذر فمتى اشترى العبد نفسه من سادته عتق لأن البيع يخرجه من ملكهم ولا يثبت عليه ملك آخر إلا أنه ها هنا لا يعتق إلا بالقبض لأنا جعلناه عتقا مشروطا بالقبض وبهذا قال الخرقي فقد صار العبد حرا بشهادة الشريكين اللذين شهدا بالقبض ولو عتق بالبيع لعتق باعترافهم به لا بالشهادة بالقبض ومتى أنكر أحدهم أخذ نصيبه من الثمن فشهد عليه شريكاه فكانا عدلين قبلت شهادتهما لأنهما عدلان شهدا للعبد ما يعتق به فقبلت شهادتهما كالأجنبيين ورجع المشهود عليهما فيشاركهما فيما أخذاه لأنهما عترفا بأخذ مائتين من ثمن العبد والعبد مشترك بينهم فثمنه يجب أن يكون بينهم ولأن ما في يد العبد لهم والذي أخذاه كان في يده فيجب أن يشترك الجميع فيه ويكون بينهم بالسوية وشهادتهما فيما لهما فيه نفع غير مقبولة ودفع مشاركته لهما فيه نفع لهما فلم تقبل شهادتهما فيه وقبلت شهادتهما فيما


394

ينتفع به العبد دون ما ينفتعان به كما لو أقر بشيء لغيرهما لهما فيه نفع فإن إقرارهما يقبل فيما عليهما دون ما لهما

وقياس المذهب أن لا تقبل شهادتهما على شريكهما بالقبض لأنهما يدفعان بها عن أنفسهما مغرما ومن شهد شهادة جر إلى نفسه نفعا بطلت شهادته في الكل وإنما يقبل ذلك في الإقرار لأن العدالة غير معتبرة فيه والتهمة لا تمنع من صحته بخلاف الشهادة فعلى هذا القياس يعتق نصيب الشاهدين بإقرارهما ويبقى نصيب المشهود عليه موقوفا على القبض وله مطالبته بنصيبه أو مشاركة صاحبه فيما أخذا فإن شاركهما أخذ منهما ثلثي مائة ورجع على العبد بتمام المائة ولا يرجع المأخوذ منه على الآخر بشيء لأنه إن أخذ من العبد فهو يقول ظلمني وأخذ مني مرتين وإن أخذ من الشاهدين فهما يقولان ظلمنا وأخذ منا ما لا يستحقه علينا ولا يرجع المظلوم على غير ظالمه وإن كانا غير عدلين فكذلك سواء قلنا إن شهادة العدلين مقبولة أو لا لأن غير العدل لا تقبل شهادته وإنما يؤاخذ بإقراره فإن أنكر الثالث البيع فنصيبه باق على الرق إذا حلف إلا أن يشهدا عليه بالبيع ويكونان عدلين فتقبل شهادتهما لأنهما لا يجران إلى أنفسهما بهذه الشهادة نفعا

فصل وإذا كان العبد بين شريكين فكاتباه بمائة فادعى دفعها إليهما وصدقاه عتق فإن أنكر أو لم تكن بينة فالقول قولهما مع أيمانهما وإن أقر أحدهما وأنكر الآخر عتق نصيب المقر وأما المنكر فعلى قول الخرقي تقبل شهادة شريكه عليه إذا كان عدلا فيحلف العبد مع شهادته ويصير حرا ويرجع المنكر على الشاهد فيشاركه فيما أخذه وأما القياس فيقتضي أن لا تسمع شهادة شريكه عليه لأنه يدفع بشهادته عن نفسه مغرما والقول قول سيده مع يمينه فإذا حلف فله مطالبة شريكه بنصف ما اعترف به وهو خمسة وعشرون لأن ما قبضه كسب العبد وهو مشترك بينهما فإن قيل فالمنكر ينكر قبض شريكه فكيف يرجع عليه قلنا إنما ينكر قبض نفسه وشريكه مقر بالقبض ويجوز أن يكون قد قبض فلم يعلم به وإذا أقر بمنصور لزمه حكم إقراره ومن حكمه جواز رجوع شريكه عليه فإن قيل لو كان عليه دين لاثنين فوفى أحدهما لم يرجع الآخر على شريكه فلم يرجع ها هنا قلنا إن كان الدين ثابتا بسبب واحد فما قبض أحدهما منه يرجع الآخر عليه كمسألتنا وعلى أن هذا يفارق الدين لكون الدين لا يتعلق بما في يد الغريم إنما يتعلق بذمته فحسب والسيد يتعلق حقه بما في يد المكاتب ولا يدفع شيئا منه إلى أحدهما إلا كان حق الآخر ثابتا فيه

إذا ثبت هذا فإنه إن رجع على العبد بخمسين استقر ملك الشريك فيه على ما أخذه ولم يرجع العبد عليه بشيء لأنه إنما قبض حقه وإن رجع على الشريك رجع عليه بخمسة وعشرين وعلى العبد بخمسة وعشرين ولم يرجع أحدهما على الآخر بما أخذ منه لما ذكرنا من قبل وإن عجز العبد عن أداء ما يرجع به عليه فله تعجيزه واسترقاقه ويكون نصفه حرا ونصفه رقيقا ورجع على الشريك بنصف ما أخذه ولا تسري الحرية فيه لأن الشريك والعبد يعتقدان أن الحرية ثابتة في جميعه وأن هذا المنكر غاصب لهذا النصف الذي استرقه ظالم باسترقاقه والمنكر يدعي رق العبد جميعه ولا يعترف بحرية شيء منه لأنه يزعم أني ما قبضت


395

نصيبي من كتابته وشريكي إن قبض شيئا فقد استحق نصفه بغير إذني فلا يعتق شيء منه بهذا القبض وسراية العتق ممتنعة على كلا القولين لأن السراية إنما تكون فيما إذا عتق بعضه وبقي بعضه رقيقا وجميعهم يتفقون على خلاف ذلك وهو المنصوص عن الشافعي رضي الله عنه

فصل فإن ادعى العبد أنه دفع المائة إلى أحدهما ليدفع إلى شريكه حقه ويأخذ الباقي وأنكر المدعى عليه حلف وبرىء وإذا قال إنما دفعت إلي حقي وإلى شريكي حقه ولا بينة للعبد فالقول قول المدعى عليه في أنه لم يقبض إلا قدر حقه مع يمينه ولا نزاع بين العبد وبين الآخر لأنه لم يدع عليه شيئا وله مطالبة العبد بجميع حقه وله مطالبته بنصفه ومطالبة القابض بنصف ما قبضه فإن اختار مطالبة العبد فله القبض منه بغير ثمن وإن اختار الرجوع على شريكه بنصفه فللشريك عليه اليمين أنه لم يقبض من المكاتب شيئا لأنه لو أقر بذلك لسقط حقه من الرجوع فإذا أنكره لزمته اليمين فإن شهد القابض على شريكه بالقبض لم تقبل شهادته لمعنيين أحدهما أن المكاتب لم يدع عليه شيئا وإنما تقبل البينة إذا شهدت بصدق المدعي

والثاني أنه يدفع عن نفسه مغرما فإن عجز العبد فلغير القابض أن يسترق نصفه ويقوم عليه نصيب شريكه لأن العبد معترف برقه غير مدع لحرية هذا النصيب بخلاف التي قبلها ويحتمل أن لا تقوم أيضا لأن القابض يدعي حرية جميعه والمنكر يدعي ما يوجب رق جميعه فإنهما يقولان ما قبضه قبضه بغير حق ولا يعتق حتى يسلم إلى مثل ما سلم إليه فإذا كان أحدهما يدعي رق جميعه والآخر يدعي حرية جميعه فما اتفقا على حرية البعض دون البعض

فصل وإن اعترف المدعي بقبض المائة على الوجه الذي ادعاه المكاتب وقال قد دفعت إلى شريكي نصفها فأنكر الشريك فالقول قوله مع يمينه وله مطالبة من شاء منهما بجميع حقه وللمرجوع عليه أن يحلفه فإن رجع على الشريك فأخذ منه خمسين كان له ذلك لأنه اعترف بقبض المائة كلها ويعتق المكاتب لأنه وصل إلى كل واحد منهما قدر حقه من الكتابة ولا يرجع الشريك عليه بشيء لأنه يعترف له بأداء ما عليه وبراءته منه وإنما يزعم أن شريكه ظلمه ولا يرجع على غير ظالمه فإن رجع على العبد فله أن يأخذ منه الخمسين لأنه يزعم أنه ما قبض شيئا من كتابته وللعبد الرجوع على القابض بها سواء صدقه في دفعها إلى المنكر أو كذبه لأنه وإن دفعها فقد دفعها دفعا غير مبر فكان مفرطا ويعتق العبد بأدائها فإن عجز عن أدائها فله أن يأخذها من القابض ثم يسلمها فإن تعذر ذلك فله تعجيزه واسترقاق نصفه ومشاركة القابض في الخمسين التي قبضها عوضا عن نصيبه ويقوم لأنه يعترف أنه حر وأن هذا ظلمه باسترقاق نصفه الحر وإن أمكن الرجوع على القابض بالخمسين ودفعها إلى المنكر فامتنع من ذلك فهل يملك المنكر تعجيزه واسترقاق نصفه على وجهين بناء على القول في تعجيز العبد نفسه مع القدرة على الأداء إن قلنا له ذلك فللمنكر استرقاقه وإن قلنا ليس له ذلك فليس للمنكر استرقاقه لأنه قادر على الأداء فإن قيل فلم لا


396

يرجع المنكر على القباض بنصف ما قبضه إذا استرق نصف العبد قلنا لأنه لو رجع عليه بها كان قابضا جميع حقه من مال الكتابة فيعتق المكاتب بذلك إلا أن يتعذر قبضها في نجومها فتنفسخ الكتابة ثم يطالب بها بعد ذلك فيكون له الرجوع بنصفها كما لو كانت غائبة في بلد آخر وتعذر تسليمها حتى فسخت الكتابة والله أعلم

مسألة

قال ( وإذا قال السيد كاتبتك على ألفين وقال العبد على ألف فالقول قول السيد مع يمينه )

قال القاضي هذا المذهب نص عليه أحمد رضي الله عنه في رواية الكوسج وهو قول الثوري والأوزاعي وإسحاق وقال أبو بكر اتفق أحمد والشافعي على أنهما يتحالفان ويترادان وهو قول أبي يوسف ومحمد لأنهما اختلفا في عوض العقد القائم بينهما فيتحالفان إذا لم تكن بينة كالمتبايعين وحكي عن أحمد رضي الله عنه رواية ثالثة أن القول قول المكاتب وهو قول أبي حنيفة لأنه منكر للألف الزائد والقول على المنكر ولأنه مدعى عليه فيدخل في عموم قوله عليه السلام ولكن اليمين على المدعى عليه

ولنا إنه اختلاف في الكتابة فالقول قول السيد فيه كما لو اختلفا في أصلها ويفارق البيع من وجهين أحدهما أن الأصل في البيع عدم ملك كل واحد منهما لما صار إليه والأصل في المكاتب وكسبه أنه لسيده فالقول قوله فيه

والثاني أن التحالف في البيع مفيد ولا فائدة في التحالف في الكتابة فإن الحاصل منه يحصل بيمين السيد وحده وبيان ذلك أن الحاصل بالتحالف فسخ الكتابة ورد العبد إلى الرق إذا لم يرض بما حلف عليه سيده وهذا يحصل من جعل القول قول السيد مع يمينه فلا يشرع التحالف مع عدم فائدته وإنما قدمنا قول المنكر في سائر المواضع لأن الأصل معه والأصل ها هنا مع السيد لأن الأصل ملكه العبد وكسبه فإذا ثبت هذا فمتى حلف السيد ثبتت الكتابة بألفين كما لو اتفقا عليها وسواء كان اختلافهما قبل العتق أو بعده مثل أن يدفع إليه ألفين فيعتق ثم يدعي المكاتب أن أحدهما عن الكتابة والآخر وديعة ويقول السيد هما جميعا مال الكتابة ومن قال بالتحالف قال إذا تحالفا فلكل واحد منهما فسخ الكتابة إلا أن يرضى بقول صاحبه وإن كان التحالف بعد العتق في مثل الصور التي ذكرناها لم ترتفع الحرية لأنها لا يمكن رفعها بعد حصولها ولا إعادة الرق بعد رفعه ولكن يرجع السيد بقيمته ويرد عليه ما أدى إليه فإن كان من جنس واحد تقاصا بقدر أقلهما وأخذ ذو الفضل فضله

فصل وإن اختلفا في أداء النجوم فقال المكاتب أديت وعتقت وأنكر السيد فالقول قول السيد مع يمينه لأنه منكر والقول قول المنكر وإن اختلفا في إبرائه من مال الكتابة أو شيء منه فالقول قول السيد مع يمينه لذلك


397

فصل وإن كاتب عبدين واستوفى من أحدهما ولم يدر من أيهما استوفى فقياس المذهب أن يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة عتق ورق الآخر كما لو أعتق عبدا من عبيده وأنسيه فإن ادعى الآخر عليه أنه أدى فعليه اليمين أنه ما أدى إليه فإن نكل عتق الآخر فإن مات السيد قبل القرعة أقرع الورثة فإن ادعى الآخر عليهم أنه المؤدي فعليهم اليمين أنهم لا يعلمون أنه أدى لأنها يمين على نفي فعل الغير فإن أقام أحد العبدين ببينة أنه أدى عتق سواء كان قبل القرعة أو بعدها في حياة السيد أو بعد موته فإن كان ذلك قبل القرعة تعينت الحرية فيه ورق الآخر وإن كان بعدها فكذلك لأن القرعة ليست عتقا وإنما هي معينة للعتق والبينة أقوى منها فثبت بها خطأ القرعة فتبين بقاء الرق في الذي ظننا حريته كما تبينا حرية من ظننا رقه ولأن من لم يؤد لا يصير مؤديا بوقوع القرعة له فلا يوجد حكمه الذي هو العتق ويتخرج على قول أبي بكر وابن حامد أن يعتقا على ما ذكرناه في الطلاق وكذلك الحكم فيما إذا ذكر السيد المؤدى منهما ومتى ادعى الآخر أنه أدى فله اليمين على المدعى عليه سواء كان السيد أو ورثته إلا أنه كان المدعى عليه السيد فاليمين على البت وإن كانت على ورثته فاليمين على نفي العلم إلا أن يدعي الأداء إليهم فتكون أيمانهم على البت أيضا وعلى كل واحد من الورثة يمين لأن كل واحد منهم يدعي عليه فلزمته اليمين كما لو انفرد بالدعوى

فصل إذا كان للمكاتب أولاد من معتقه آخر غير سيده فقال سيده قد أدى إلي عتق فانجر ولاء ولده إلي فأنكر ذلك مولى أمهم وكان المكاتب حيا فقد صار حرا بهذا القول فإنه إقرار من سيده بعتقه وينجز ولاء ولده إليه وإن كان ميتا فالقول قول مولى أمهم لأن الأصل الرق وبقاء ولائهم له فيحلف ويبقى ولاؤهم له

مسألة

قال ( وإذا أعتق الأمة أو كاتبها وشرط ما في بطنها أو أعتق ما في بطنها دونها فله الشرط )

روي نحو هذا القول عن ابن عمر وأبي هريرة والنخعي وإسحاق وابن المنذر وقال ابن سيرين له ما استثنى

وقال عطاء والشعبي إذا استثنى ما في بطنها فله استثناؤه

وقال مالك والشافعي لا يصح استثناء الجنين لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنياء إلا أن تعلم ولأنه لا يصح استثناؤه في البيع فلا يصح في العتق كبعض أعضائها

ولنا قول ابن عمر وأبي هريرة ولم نعلم لهما مخالفا في الصحابة قال أحمد أذهب إلى حديث ابن عمر في العتق ولا أذهب إليه في البيع

وقد روى الأثرم بإسناده عن ابن عمر أنه أعتق جارية واستثنى ما في بطنها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال المسلمون على شروطهم وهذا قد شرط ما في بطن معتقته فكان له بمقتضى الخبر ولأنه يصح إقراره بالعتق


398

فصح استثناؤه وأما خبرهم فنقول به والحمل معلوم فيصح استثناؤه بمقتضى الحديث ويفارق البيع فإنه عقد معاوضة يعتبر فيه العلم بصفات العوض ليعلم هل هو قائم مقام العوض أم لا والعتق تبرع لا تتوقف صحته على معرفة صفات المعتق ولا تنافيه الجهالة بها ويكفي العلم بوجوده وقد علم ذلك ولذلك صح إفراد الحمل بالعتق ولم يصح إفراده بالبيع ولأن استثناءه في البيع إذا بطل بطل البيع كله وها هنا إذا بطل استثناؤه لم يبطل العتق في الأمة ويسري الإعتاق إليه فكيف يصح إعتاقه مع تضاد الحكم فيهما ولا يصح قياسه على بعض أعضائها لأن العضو لا يتصور انفراده بالرق والحرية دون الحمل وكذلك لو أعتق عضوا من أمته صارت كلها حرة فإذا أعتق بعضها سرى إلى المستثنى والولد حيوان منفرد لو أعتقه لم تسر الحرية إلى أمه ويصح انفراده بالحرية عن أمه فيما إذا أعتقه دونها وفي ولد المغرور بحرية أمه وفيما إذا وطىء بشبهة وفي ولد أم الولد وغير ذلك لا يمكن ذلك في بعض الأعضاء ولأن الولد يرث ويورث ويوصى به وله وإذا قتل كان بدله موروثا ولا تختص به أمه وتجب الكفارة بقتله والديه في مقابلته فكيف يصح قياسه على أعضائها فأما إن عتق ما في بطنها دونها فلا أعلم خلافا فيه

قال إسحاق بن منصور سئل سفيان عن رجل قال ما في بطنك حر قال هو حر والأم مملوكة لأن ولدها منها وليست هي من ولدها قال أحمد وإسحاق جيد

وقال مهنا سألت أحمد رضي الله عنه عن رجل زوج أمته فقالت فقد حبلت فقال لها مولاها ما في بطنك حر ولم تكن حاملا قال لا تعتق فأعادت عليه القول مرة أخرى فقال لا يكون شيء إنما أراد ما في بطنها فلم يكن شيء

قال المروذي وسئل أبو عبد الله عن رجل أعتق عبدا له واستثنى منه خدمته شهرا فقال جائز

مسألة

قال ( ولا بأس أن يعجل المكاتب لسيده بعض كتابته ويضع عنه بعض كتابته )

وجملته أنه إذا كاتبه على ألف في نجمين إلى سنة ثم قال عجل لي خمسمائة منه حتى أضع عنك الباقي أو حتى أبرئك من الباقي أو قال صالحني منه على خمسمائة معجلة جاز ذلك وبه يقول طاوس والزهري والنخعي وأبو حنيفة وكرهه الحسن وابن سيرين والشعبي

وقال الشافعي لا يجوز لأن هذا بيع ألف بخمسمائة وهو ربا الجاهلية وهو أن يزيد في الدين لأجل الأجل وهذا أيضا هبة ولأن هذا لا يجوز بين الأجانب والربا يجري بين المكاتب وسيده فلم يجز هذا بينهما كالأجانب

ولنا إن مال الكتابة غير مستقر ولا هو دين صحيح بدليل أنه لا يجبر على أدائه وله أن يمتنع من أدائه ولا تصح الكفالة به وما يؤديه إلى سيده كسب عبده وإنما جعل الشرع هذا العقد وسيلة إلى العتق


399

وأوجب فيه التأجيل مبالغة في تحصيل العتق وتخفيفا عن المكاتب فإذا أمكنه التعجيل على وجه يسقط عنه بعض ما عليه كان أبلغ في حصول العتق وأخف على العبد ويحصل من السيد إسقاط بعض ما له على عبده ومن الله تعالى إسقاط ما أوجبه عليه من الأجل لمصلحته ويفارق سائر الديون بما ذكرنا ويفارق الأجانب من حيث إن هذا عبده فهو أشبه بعبده القن

وقولهم إن الربا يجري بينهما فنمنعه على ما ذكر ابن أبي موسى وإن سلمناه فإن هذا مفارق لسائر الربا بما ذكرناه وهذا يخالف ربا الجاهلية فإنه إسقاط لبعض الدين وربا الجاهلية زيادة في الدين وربا الجاهلية يفضي إلى نفاذ مال المدين وتحمله من الدين ما يعجز عن وفائه فيحبس من أجله ويؤسر به وهذا يفضي إلى تعجيل عتق المكاتب وخلاصه من الرق والتخفيف عنه فافترقا

فصل فإن اتفقا على الزيادة في الأجل والدين مثل أن يكاتبه على ألف في نجمين إلى سنة يؤدي في نصفها خمسمائة وفي آخرها الباقي فيجعلانها إلى سنتين بألف ومائتين في كل سنة ستمائة أو مثل أن يحل عليه نجم فيقول أخرني به إلى كذا وأزيدك كذا فيحتمل أنه لا يجوز لأن الدين المؤجل إلى وقت لا يتأخر أجله عن وقته باتفاقهما عليه ولا يتغير أجله بتغييره وإذا لم يتأخر عن وقته لم تصح الزيادة التي في مقابلته ولأن هذا يشبه ربا الجاهلية المحرم وهو الزيادة في الدين للزيادة في الأجل ويفارق المسألة الأولى من هذين الوجهين فإن قيل فكما أن الأجل لا يتأخر كذلك لا يتعجل ولا يصير الدين المؤجل حالا فلم جاز في المسألة الأولى قلنا إنما جاز في المسألة الأولى بالتعجيل فعلا فإنه إذا دفع إليه الدين المؤجل قبل محله جاز وجاز للسيد إسقاط باقي حقه عليه وفي هذه المسألة يأخذ أكثر مما وقع عليه العقد فهو ضد المسألة الأولى وهو ممتنع من وجه آخر لأن في ضمن الكتابة أنك متى أديت إلي كذا فأنت حر فإذا أدى إليه ذلك فينبغي أن يعتق فإن قيل فإذا غير الأجل والعوض فكأنهما فسخا الكتابة الأولى وجعلاها كتابة ثانية قلنا لم يجر بينهما فسخ وإنما قصدا تغيير العوض والأجل على وجه لا يصح فيبطل التغيير ويبقى العقد بحاله ويحتمل أن يصح ذلك كما في المسألة الأولى فعلى هذا لو اتفقا على ذلك ثم رجع أحدهما فإن له الرجوع وكذلك في المسألة الأولى لو قال أعجل لك مال الكتابة وتسقط عني منه كذا فقال نعم ثم رجع أحدهما قبل التعجيل فله الرجوع لما ذكرنا من أن الدين المؤجل لا يتأخر عن أجله ولا يتقدم وإنما له أن يؤديه قبل محله ولمن له الدين ترك قبضه في محله وذلك إلى اختياره فإذا وعد به ثم رجع قبل الفعل فله ذلك

فصل فإن صالح المكاتب سيده عما في ذمته بغير جنسه مثل أن يصالحه عن النقود بحنطة أو شعير جاز إلا أنه لا يجوز أن يصالحه على شيء مؤجل لأنه يكون بيع دين بدين وإن صالحه عن الدراهم بدنانير أو عن الحنطة بشعير لم يجز التصرف قبل القبض لأن هذا بيع في الحقيقة فيشترط له القبض في المجلس وقال القاضي يحتمل أن لا تصح هذه المصالحة مطلقا لأن هذا دين من شرطه التأجيل فلم تجز


400

المصالحة عليه بغيره ولأنه دين غير مستقر فهو كدين السلم وقال ابن أبي موسى لا يجري الربا بين المكاتب وسيده فعلى قوله تجوز المصالحة كيفما كانت كما يجوز ذلك بين العبد القن وسيده والأولى ما ذكرناه ويفارق دين الكتابة دين السلم

فإنه يفارق سائر الديون بما ذكرنا في هذه المسألة فمفارقته لدين السلم أعظم والله أعلم

مسألة

قال ( وإذا كان العبد بين اثنين فكاتب أحدهما فلم يؤد كل كتابته حتى أعتق الآخر وهو موسر فقد صار العبد كله حرا ويرجع الشريك على المعتق بنصف قيمته )

قد ذكرنا فيما تقدم أن العبد المشترك يجوز لأحد الشريكين كتابة نصيبه منه بغير إذن شريكه ويبقى سائره غير مكاتب فإذا فعل هذا عتق الذي لم يكاتبه حصته منه وهو موسر عتق وسرى العتق إلى باقيه فصار كله حرا ويضمن لشريكه قيمة حصته منه ويكون المرجوع بقيمته مكاتبا يبقى على ما بقي من كتابته لأن الرجوع عليه بقيمة ما أتلف وإنما أتلف مكاتبا وإن كان المعتق معسر لم يسر العتق على ما مضى في باب العتق وقال ابو بكر والقاضي لا يسري العتق في الحال لكن ينظر فإن أدى كتابته عتق باقية بالكتابة وكان ولاؤه بينهما وإن فسخت كتابته لعجزه سرى العتق وقوم عليه حينئذ لأن سراية العتق في الحال مفضية إلى إبطال الولاء الذي انعقد سببه ونقله عن المكاتب إلى غيره وقال ابن أبي ليلى عتق الشريك موقوف حتى ينظر ما يضنع في الكتابة فإن أداها عتق وكان المكاتب ضامنا لقيمة نصيب شريكه وولاؤه كله للمكاتب وإن عجز سرى عتق الشريك وضمن نصف القيمة للمكاتب وكان ولاؤه كله له وأما مذهب الشافعي فلا تجوز كتابة أحد الشريكين إلا أن يأذن فيه شريكه فيكون فيه قولان فإذا كاتبه بإذن شريكه ثم اعتق الذي لم يكاتب فهل يسري في الحال أو يقف على العجز فيه قولان

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من أعتق شركا له في عبد وكان له ما يبلغ قيمة العبد قوم عليه قيمة عدل وهذا داخل في عمومه ولأنه عتق لجزء من العبد من موسر غير محجور عليه فسرى إلى باقية كما لو كان قنا ولأن مقتضى السراية متحقق والمانع منه لم يثبت كونه مانعا فإنه لا نص فيه ولا أصل له يقاس عليه فوجب أن يثبت وقولهم إنه يفضي إلى أبطال الولاء قلنا إذ كان العتق يؤثر في إبطال الملك الثابت المستقر الذي الولاء من بعض آثاره فلان يؤثر في نقل الولاء بمفرده أولى ولأنه لو أعتق عبدا له أولاد من معتقه قوم نقل ولادهم إليه فإذ نقل ولاءهم الثابت بإعتاق غيرهم فلأن ينقل ولاء لم يثبت بعد بإعتاق من عليه الولاء أولى ولأنه نقل الولاء ثم عمن لم يغرم له عوضا فلأن ينقله بالعوض أولى فانتقال الولاء في موضع جر الولاء ينبه على سراية العتق وانتقال الولاء إلى المعتق لكونه أولى منه من ثلاثة أوجه

أحدها أن الولاء ثم ثابت وههنا بعرض الثبوت والثاني أن النقل حصل ثم بإعتاق غيره وههنا بإعتاقه

والثالث أنه أنتقل ثم بغير وههنا بعوض


401

فصل وإن كان المعتق معسرا لم يسر عتقه وكان نصيبه حرا وباقيه على الكتابة فإن أدى عتق عليهما وكان ولاؤه بينهما وإن عجز عاد الجزء المكاتب رقيقا قنا إلا على الرواية التي تقول يستسعى العبد

فإنه يستسعى عند عجزه في قيمة باقيه ولا يستسعى في حال الكتابة لأن الكتابة سعاية فيما اتفقا عليه فاستغني بها عن السعاية فيما يحتاج إلى التقويم فإذا عجز وفسخت الكتابة بطلت ورجع إلى السعاية في القيمة والله أعلم

فصل ونقل عن أحمد رضي الله عنه أنه سئل عن عبد بين شريكين فكاتباه على ألف درهم فأدى إليهما تسعمائة لهذا أربعمائة درهم وخمسين درهما ولهذا أربعمائة درهم وخمسين درهما ثم إن أحدهما أعتق نصيبه قال إن كان للمعتق مال أدى إلى شريكه نصف قيمة العبد لا يحاسبه بها أحد لأنه عبد ما بقي عليه درهم ولأنه قد يجوز أن يعجزه فيعود إلى الرق أو يموت فيكون عنده مال فهو بينهما ونقل عنه حنبل أنه يعتق إلا نصف المائة على هذا ويكون الولاء على قدر ما أعتق فالرواية الأولى توافق قول الخرقي فإنه أوجب على المعتق غرامة نصف قيمة العبد وينبغي أن تجب نصف قيمته على الصفة التي عتق عليها وهو كونه مكاتبا قد أدى كتابته إلا مائة منها وهي عشرها وأما رواية حنبل فيحتمل أن تكون على ما قال أبو بكر والقاضي في أنه لا يسري العتق إلى الجزء المكاتب لغيره

وقد نصرنا الرواية الأولى بما ذكرناه والله أعلم

مسألة

قال ( وإذا عجز المكاتب ورد في الرق وكان قد تصدق عليه بشيء فهو لسيده )

وجملته أن المكاتب إذا عجز وفي يده مال ورد في الرق فهو لسيده سواء كان من كسبه أو من صدقة تطوع أو وصية وما كان من صدقة مفروضة عليه ففيه روايتان إحداهما هو لسيده وهو قول أبي حنيفة وقال عطاء يجعله في السبيل أحب إلي وإن أمسكه فلا بأس

الرواية الثانية يؤخذ ما بقي في يده فيجعل في المكاتبين نقلها حنبل وهو قول شريح والنخعي والثوري واختار أبو بكر والقاضي أنه يرد إلى أربابه وهو قول إسحاق لأنه إنما دفع إليه ليصرف في العتق فإذا لم يصرف فيه وجب رده كالغازي والغارم وابن السبيل

ولنا إن ابن عمر رد مكاتبا في الرق فأمسك ما أخذه منه ولا يأخذ لحاجته فلم يرد ما أخذه كالفقير والمسكين وأما الغازي فإنه يأخذ لحاجتنا إليه بقدر ما يكفيه لغزوه وأما الغارم فإن غرم لإصلاح ذات البين فهو كالغازي يأخذ لحاجتنا وإن غرم لمصلحة نفسه فهو كمسألتنا لا يرده

فصل وأما ما أداه إلى سيده قبل عجزه فلا يجب رده بحال لأن المكاتب صرفه في الجهة


402

التي أخذه لها وثبت ملك سيده عليه ملكا مستقرا لم يزل ملكه عنه كما لو عتق المكاتب ويفارق ما في يد المكاتب لأن ملك سيده لم يثبت عليه قبل هذا والخلاف في ابتداء ثبوته وما تلف في يد المكاتب لم يرجع عليه به سواء عجز أو أدى لأن ماله تلف في يده فأشبه ما لو تلف ما في يد سائر أصناف الصدقة وإن اشترى به عرضا وعجز والعوض في يده ففيه من الخلاف مثل ما لو وجد بعينه لأن العوض عوضه وقائم مقامه فأشبه ما لو أعطى الغازي من الصدقة ما اشترى به فرسا وسلاحا ثم فضل ذلك عن حاجته

فصل وموت المكاتب قبل الأداء كعجزه فيما ذكرنا لأن سيده يأخذ ما في يده قبل حصول مقصود الكتابة وإن أدى وبقي في يده شيء فحكمه في رده أو أخذه لنفسه حكم سيده في ذلك عند عجزه لأن ما لم يؤده في كتابته بقي بعد زوالها وإن كان قد استدان ما أداه في الكتابة وبقي عنده من الصدقة بقدر ما يقضي به دينه لم يلزمه رده لأنه محتاج إليه بسبب الكتابة فأشبه ما يحتاج إليه في أدائها

مسألة

قال ( وإذا اشترى المكاتبان كل واحد منهما الآخر صح شراء الأول وبطل شراء الآخر )

لا خلاف في أن المكاتب يصح شراؤه للعبيد والمكاتب يجوز بيعه على ما ذكرنا فإذا اشترى أحد المكاتبين لسيد واحد أو لسيدين فإذا عاد الثاني فاشترى الذي اشتراه لم يصح لأنه سيده ومالكه وليس للملوك أن يملك مالكه لأنه يفضي إلى تناقض الأحكام إذ كل واحد منهما يقول لصاحبه أنا سيدك ولي عليك مال الكتابة تؤديه إلي فإن عجزت فلي فسخ كتابتك وردك إلى أن تكون رقيقا لي وهذا تناقض وإذا تنافى أن تملك المرأة زوجها ملك اليمين لثبوت ملكه عليها في النكاح فها هنا أولى ولأنه لو صح هذا لتقاص الدينان إذا تساويا وعتقا جميعا

فإذا ثبت هذا فشراء الأول صحيح والمبيع ها هنا باق على كتابته فإن أدى عتق وولاؤه موقوف فإن أدى سيده كتابته كان له لأنه عتق بأدائه إليه فإن عجز فولاؤه لسيده لأن العبد لا يثبت له ولاء

ولأن السيد يأخذ ماله فكذلك حقوقه هذا ومقتضى قول القاضي ومقتضى قول أبي بكر أن الولاء لسيده لأن المكاتب عبد لا يثبت له الولاء فيثبت لسيده وكذلك فيما إذا أعتق بإذن سيده أو كاتب عبده فأدى كتابته وهذا نظيره ويحتمل أن يفرق بينهما لكون العتق تم بإذن السيد فيحصل الإنعام منه بإذنه فيه وها هنا لا يفتقر إلى إذنه فلا نعمة عليه فلا يكون له عليه ولاء ما لم يعجزه سيده والله أعلم

فصل وإن لم يعلم السابق منهما فقال أبو بكر يبطل البيعان ويرد كل واحد منهما إلى كتابته لأن كل واحد منهما مشكوك في صحة بيعه فيرد إلى اليقين وذكر القاضي أن يجري مجرى ما إذا زوج الوليان فأشكل الأول منهما فيقتضي هذا أن يفسخ البيعان كما يفسخ النكاحان وعلى قول أبي بكر لا حاجة إلى الفسخ لأن النكاح إنما احتيج إلى فسخه من أجل المرأة فإنها منكوحة نكاحا صحيحا لواحد منهما يقينا


403

فلا يزول إلا بفسخ وفي مسألتنا لم يثبت تعين البيع في واحد بعينه فلم يفتقر إلى فسخ

فصل وإذا كاتب عبيدا له صفقة واحدة بعوض واحد مثل أن يكاتب ثلاثة أعبد له بألف صح في قول أكثر أهل العلم منهم عطاء وسليمان بن موسى وأبو حنيفة ومالك والحسن بن صالح وإسحاق وهو المنصوص عن الشافعي رضي الله عنه وقال بعض أصحابه فيه قول آخر لا يصح لأن العقد مع ثلاثة كعقود ثلاثة وعوض كل منهم مجهول فلم يصح كما لو باع كل واحد منهم لواحد صفقة واحدة بعوض واحد

ولنا إن جملة العوض معلومة وإنما جهل تفصيلها فلم تمنع صحة العقد كما لو باعهم لواحد وعلى قول من قال إن العوض يكون بينهم على السواء فقد علم أيضا تفصيل العوض وعلى كل واحد منهم ثلث وكذا يقول فيما لو باعهم لثلاثة

إذا ثبت هذا فإن كل واحد منهم مكاتب بحصته من الألف ويقسم بينهم على قدر قيمتهم حين العقد لأنه حين المعاوضة وزوال سلطان السيد عنهم فإذا أداه عتق هذا قول عطاء وسليمان بن موسى والحسن بن صالح والشافعي وإسحاق وقال أبو بكر عبد العزيز يتوجه لأبي عبد الله قول آخر أن العوض بينهم على عدد رؤوسهم فيتساوون فيه لأنه أضيف إليهم إضافة واحدة فكان بينهم بالسوية كما لو أقر لهم بشيء

ولنا إن هذا عوض فتسقط على المعوض كما لو اشترى شقصا وسيفا وكما لو اشترى عبيدا فرد واحدا منهم بعيب أو أتلف أحدهم ورد الآخر ويخالف الإقرار فإنه ليس بعوض

إذا ثبت هذا فأيهم أدى حصته عتق

وهذا قول الشافعي وقال ابن أبي موسى لا يعتق واحد منهم حتى يؤدي جميع الكتابة وحكي ذلك عن أبي بكر وهو قول مالك وحكي عنه أنه إذا امتنع أحدهم عن الكسب مع القدرة عليه أجبر عليه الباقون واحتجوا بأن الكتابة واحدة بدليل أنه لا يصح من كل واحد منهم الكتابة بقدر حصته دون الباقين ولا يحصل العتق إلا بأداء جميع الكتابة كما لو كان المكاتب واحدا وقال أبو حنيفة إن لم يقل لهم السيد إن أديتم عتقتم فأيهم أدى حصته عتق وإن أدى جميعها عتقوا كلهم ولم يرجع على صاحبيه بشيء وإن قال لهم إن أديتم عتقتم لم يعتق واحد منهم حتى تؤدي الكتابة كلها ويكون بعضهم حميلا عن بعض ويأخذ أيهم شاء بالمال وأيهم أداها عتقوا كلهم ورجع على صاحبيه بحصتهما

ولنا أنه عقد معاوضة مع ثلاثة فاعتبر كل واحد منهم بأداء حصته كما لو اشتروا عبدا وكما لو لم يقل إن أديتم عتقتم على قول أبي حنيفة فإن قوله ذلك لا يؤثر لأن استحقاق العتق بأداء العوض لا بهذا القول بدليل أنه يعتق بالأداء بدون هذا القول ولم يثبت كون هذا القول مانعا من العتق ولا نسلم أن هذا العقد كتابة واحدة فإن العقد مع جماعة عقود بدليل البيع ولا يصح القياس على كتابة الواحد لأن ما قدره في مقابلة عتقه وها هنا في مقابلة عتقه ما يخصه فافترقا

إذا ثبت هذا فإنه إن شرط عليهم في العقد أن كل واحد منهم ضامن عن الباقين فالشرط فاسد والعقد صحيح وقال أبو الخطاب في الشرط رواية أخرى


404

أنه صحيح وخرجه ابن حامد وجها بناء على الروايتين في ضمان الحر لمال الكتابة وقال الشافعي رضي الله عنه العقد والشرط فاسدان لأن الشرط فاسد ولا يمكن تصحيح العقد بدونه لأن السيد إنما رضي بالعقد بهذا الشرط فإذا لم يثبت لم يكن راضيا بالعقد وقال مالك وأبو حنيفة العقد والشرط صحيحان لأنه مقتضى العقد عندهما

ولنا إن مال الكتابة ليس بلازم ولا مآله إلى اللزوم فلم يصح ضمانه كما لو جعل المال صفة مجردة في العتق فقال إن أديت إلي ألفا فأنت حر ولأن الضامن لا يلزمه أكثر مما يلزمه المضمون عنه ومال الكتابة لا يلزم المكاتب فلا يلزم الضامن ولأن الضمان تبرع وليس للمكاتب التبرع ولأنه لا يملك الضمان عن حر ولا عمن ليس معه في الكتابة فكذلك من معه وأما العقد فصحيح لأن الكتابة لا تفسد بفساد الشرط بدليل خبر بريرة وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى

فصل إذا مات بعض المكاتبين سقط قدر حصته نص عليه أحمد رضي الله عنه في رواية حنبل وكذلك إن أعتق بعضهم وعن مالك إن أعتق السيد أحدهم وكان مكتسبا لم ينفذ عتقه لأنه يضر بالباقين وإن لم يكن مكتسبا نفذ عتقه لعدم الضرر فيه وهذا مبني على أنه لا يعتق واحدا منهم حتى يؤدي جميع مال الكتابة وقد مضى الكلام فيه

فصل فإن أدى أحد المكاتبين عن صاحبه أو عن مكاتب آخر قبل أداء ما عليه بغير علم سيده لم يصح لأن هذا تبرع وليس له التبرع بغير إذن سيده وإن كان قد حل عليه نجم صرف ذلك فيه وإن لم يكن حل عليه نجم فله الرجوع فيه وإن علم السيد بذلك ورضي بقبضه عن الآخر صح لأن قبضه له راضيا به مع العلم دليل على الإذن فيه فجاز كما لو أذن فيه تصريحا وإن كان الأداء بعد أن عتق صح سواء علم السيد أو لم يعلم فإذا أراد الرجوع على صاحبه بما أدى عنه نظرنا فإن كان قصد التبرع عليه لم يرجع به وإن أداه محتسبا بالرجوع عليه وكان الأداء بإذن المؤدى عنه فهو فرض يلزمه أداؤه كما لو اقترضه منه وإن كان بغير إذنه لم يرجع عليه لأنه تبرع بأداء ما لا يلزمه كما لو تصدق عنه صدقة تطوع وبهذا فارق سائر الديون وإن كان بإذنه وطلب استيفاءه قدم على أداء مال الكتابة كسائر الديون وإذا عجز عن أدائه فحكمه حكم سائر الديون وهذا كله مذهب الشافعي

فصل ولا يصح ضمان الحر لمال الكتابة وذكر القاضي فيه روايتين إحداهما يصح ضمانه لأنه عوض في معاوضة فصح ضمانه كثمن المبيع

ولنا ما ذكرناه من قبل ولا يصح قياسه على الثمن لأنه لازم وهذا غير لازم

فصل وإذا أدوا ما عليهم أو بعضه ثم اختلفوا فقال من كثرت قيمته أدى كل واحد منا


405

بقدر ما عليه فلا فضل لأحدنا على صاحبه وقال من قلت قيمته أدينا على السواء فلي الفضل عليك أو يكون وديعة لي عند سيدنا فالقول قول الأول لأن الظاهر أن من عليه دين لا يؤدي أكثر منه فرجحت دعواه بذلك فإن كان المؤدى أكثر مما عليهم واختلفوا في الزيادة فالقول قول من يدعي التساوي لأنهم اشتركوا في أدائه فكانت أيديهم عليه فاستووا فيه كما لو كان في أيديهم مال فاختلوا فيه

فصل وإن جنى بعضهم فجنايته عليه دون صاحبه وبهذا قال الشافعي رضي الله عنه وقال مالك رضي الله عنه يؤدون كلهم أرشه فإن عجزوا رقوا

ولنا قول الله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى الأنعام 164

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يجني جان إلا على نفسه ولأنه لو اشترك رجلان وتعاقدا لم يحمل أحدهما جناية صاحبه فكذا ها هنا لأن ما لا يصح لا يتضمنه عقد الكتابة ولا يجب على أحدهما بفعل الآخر كالقصاص وقد بينا أن كل واحد منهما مكاتب بحصته فهو كالمنفرد بعقده

مسألة

قال ( وإذا شرط في كتابته أن يوالي من شاء فالولاء لمن أعتق والشرط باطل )

أما الشرط فباطل لا نعلم في بطلانه خلافا وذلك لما روت عائشة رضي الله عنها قالت كانت في بريرة ثلاث قضيات أراد أهلها أن يبيعوها ويشترطوا الولاء فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق متفق عليه وفي الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اشتريها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق متفق عليه ولأن الولاء لا يصح نقله بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وهبته وقال إنما الولاء لمن أعتق ولأنه لحمة كلحمة النسب فلم يصح اشتراطه لغير صاحبه كالقرابة ولأنه حكم العتق فلم يصح اشتراطه لغير المعتق كما لا يصح اشتراط حكم النكاح لغير الناكح ولا حكم البيع لغير العاقل وسواء شرط أن يوالي من شاء أو شرطه لبائعه أو لرجل آخر بعينه ولا تفسد الكتابة بهذا الشرط نص عليه أحمد رضي الله عنه وقال الشافعي رضي الله عنه يفسد به كما لو شرط عوضا مجهولا ويتخرج لنا مثل ذلك بناء على الشروط الفاسدة في البيع

ولنا حديث بريرة فإن أهلها شرطوا لهم الولاء فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بشرائها مع هذا الشرط وقال إنما الولاء لمن أعتق ويفارق جهالة العوض فإنه ركن العقد لا يمكن تصحيح العقد بدونه وربما أفضت جهالته إلى التنازع والاختلاف وهذا الشرط زائد فإذا حذفناه بقي العقد صحيحا بحاله فإن قيل المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم اشترطي لهم الولاء أي عليهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر بالشرط الفاسد واللام تستعمل بمعنى على كقول الله تعالى وإن أسأتم فلها


406

الإسراء 7

أي هذا لا يصح لوجوه ثلاثة أحدها أنه يخالف وضع اللفظ والاستعمال

والثاني أن أهل بريرة أبوا هذا الشرط فكيف يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بشرط لا يقبلونه

والثالث أن ثبوت الولاء لها لا يحتاج إلى شرط لأنه مقتضى العتق وحكمه

والرابع أن في بعض الألفاظ لا يمنعنك هذا الشرط منها ابتاعي واعتقي وإنما أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالشرط تعريفا لنا أن وجود هذا الشرط كعدمه وأنه لا ينقل الولاء عن المعتق

فصل وإن اشترط السيد على المكاتب أن يرثه دون ورثته أو يزاحمهم في مواريثهم فهو شرط فاسد في قول عامة العلماء منهمالحسن وعطاء وشريح وعمر بن عبد العزيز والنخعي وإسحاق وأجاز إياس بن معاوية أن يشترط شيئا من ميراثه ولا يصح لأنه يخالف كتاب الله عز وجل وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل بقول النبي صلى الله عليه وسلم قال سعيد حدثنا هشيم حدثنا منصور عن ابن سيرين أن رجلا كاتب مملوكه واشترط ميراثه فلما مات المكاتب تخاصم ورثته إلى شريح فقضى شريح بميراث المكاتب لورثته فقال الرجل ما يغني عني شرطي منذ عشرين سنة فقال شريح كتاب الله أنزله على نبيه قبل شرطك بخمسين سنة ولا تفسد الكتابة بهذا الشرط كالذي قبله

فصل وإن شرط عليه خدمة معلومة بعد العتق جاز وبه قال عطاء وابن شبرمة وقال مالك والزهري لا يصح لأنه ينافي مقتضى العقد أشبه ما لو شرط ميراثه

ولنا إنه روي عن عمر رضي الله عنه أنه أعتق كل من يصلي من سبي العرب وشرط عليهم إنكم تخدمون الخليفة من بعدي ثلاث سنوات ولأنه اشترط خدمة في عقد الكتابة أشبه ما لو شرطها قبل العتق ولأنه شرط نفعا معلوما أشبه ما لو شرط عوضا معلوما ولا نسلم أنه ينافي مقتضى العقد فإن مقتضاه العتق عند الأداء وهذا لا ينافيه

فصل وإذا كاتبه على ألفين في رأس كل شهر ألف وشرط أن يعتق عند أداء الأول صح في قياس المذهب ويعتق عند أدائه لأن السيد لو أعتقه بغير أداء شيء صح فكذلك إذا أعتقه عند أداء البعض ويبقى الآخر دينا عليه بعد عتقه كما لو باعه نفسه به

مسألة

قال ( وإذا أسر العدو المكاتب فاشتراه رجل فأخرجه إلى سيده فأحب أخذه أخذه بما اشتراه فهو على كتابته وإن لم يحب أخذه فهو على ملك مشتريه مبقي على ما بقي من كتابته يعتق بالأداء وولاؤه لمن يؤدي إليه )

وجملته أن الكفار إذا أسروا مكاتبا ثم استنفذه المسلمون فالكتابة بحالها فإن أخذ في الغنائم فعلم بحاله


407

أو أدركه سيده قبل قسمه أخذه بغير شيء وكان على كتابته كمن لم يؤسر وإن لم يدركه حتى قسم وصار في سهم بعض الغانمين أو اشتراه رجل من الغنيمة قبل قسمه أو من المشركين وأخرجه إلى سيده فإن سيده أحق به بالثمن الذي ابتاعه به وفيما إذا كان غنيمة رواية أخرى أنه إذا قسم فلا حق لسيده فيه بحال فيخرج في المشتري مثل ذلك وعلى كل تقدير فإن سيده إن أخذه فهو مبقي على ما بقي من كتابته وإن تركه فهو في يد مشتريه مبقي على ما بقي من كتابته فيعتق بالأداء في الموضعين وولاؤه لمن يؤدي إليه كما لو اشتراه من سيده

وقال أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنه لا يثبت عليه ملك الكفار ويرد إلى سيده بكل حال ووافق أبو حنيفة الشافعي في المكاتب والمدبر خاصة لأنهما عنده لا يجوز بيعهما ولا نقل الملك فيهما فأشبها أم الولد وقد تقدم الكلام في الدلالة على أن ما أدركه صاحبه مقسوما لا يستحق صاحبه أخذه بغير شيء وكذلك ما اشتراه مسلم من دار الحرب وفي أن المكاتب والمدبر يجوز بيعهما بما يغني عن إعادته ها هنا

فصل وهل يحتسب عليه بالمدة التي كان فيها مع الكفار على وجهين أحدهما لا يحتسب عليه بها لأن الكتابة اقتضت تمكينه من التصرف والكسب في هذه المدة فإذا لم يحصل له ذلك لم يحتسب عليه كما لو حبسه سيده فعلى هذا ينبني على ما مضى من المدة قبل الأسر وتبقى مدة الأسر كأنها لم توجد

والثاني يحتسب عليه بها لأنها من مدة الكتابة مضت بغير تفريط من سيده فاحتسب عليه بها كما لو مرض ولأنه مدين مضت مدة من اجل دينه في حبسه فاحتسب عليه بها كسائر الغرماء وفارق ما إذا حبسه سيده بما سنذكره إن شاء الله تعالى فعلى هذا إذا حل عليه نجم عند استنقاذه جازت مطالبته وإن حل ما يجوز تعجيزه بترك أدائه فلسيده تعجيزه ورده إلى الرق وهل له ذلك بنفسه أو حكم الحاكم فيه وجهان

أحدهما له ذلك لأنه تعذر عليه الوصول إلى المال في وقته فأشبه لو كان حاضرا يحققه أنه لو كان حاضر والمال غائبا يتعذر إحضاره وأداؤه في مدة قريبة لكان لسيدة الفسخ فالمال ههنا إما معدوم وإما غائب يتعذراداؤه وفي كالتا الحالتين يجوز الفسخ

الثاني ليس له ذلك إلا بحكم الحاكم لأنه مع الغيبة يحتاج إلى أن يبحث أله مال أم لا وليس كذلك إذا كان حاضرا فإنه يطالبه فإن أدى وإلا فقد عجز نفسه فإن فسخ الكتابة بنفسه أو بحكم الحاكم ثم خلص المكاتب فادعى أن له مالا في وقت الفسخ يفي بما عليه وأقام بذلك بينه بطل الفسخ ويحتمل أن لا يبطل حتى يثبت أنه كانت يمكنه أداؤه لأنه إذا كان معتذر الأداء كان وجود كعدمه

8845

فصل

وان حبسه سيده مدة فقد أساء ولا يحتسب عليه بمدته في أحد الوجوه


408

والثاني يحتسب عليه بمدته لأن مال الكتابة دين مؤجل فيحتسب بمدة الحبس من الأجل كسائر الديون المؤجلة فعلى هذا الوجه يلزمه أجر مثله في المدة التي حبسه فيها والأول أصح لأن على سيده تمكينه من التصرف مدة كتابته فإذا حبسه مدة وجب عليه تأخيره مثل تلك المدة ليستوفي الواجب له ولأن حبسه يفضي إلى إبطال الكتابة وتفويت مقصودها ورده إلى الرق ولأن عجزه عن أداء نجومه في محلها بسبب من سيده فلم يستحق به فسخ العقد كما لو منع البائع المشتري من أداء الثمن لم يستحق فسخ البيع ولو منعت المرأة زوجها من الإنفاق عليها لم يستحق فسخ العقد كذا ها هنا

الوجه الثالث أنه يلزم سيده أرفق الأمرين به من تخليته مثل تلك المدة أو أجر مثلها لأنه قد وجد سببهما فكان المكاتب أنفعهما

فصل وإذا أوصى بأن يكاتب عبده صحت الوصية لأن الكتابة يتعلق بها حق الله تعالى وحق الآدمي فإذا أوصى به صح وتعتبر قيمته من ثلثه لأنه تبرع من جهته فإنه بيع ماله بماله فإن خرج من الثلث لزمهم كتابته ولا يعتبر مال الكتابة من ماله ذكره القاضي لأنه نماء ماله وفائدته ولأن الاعتبار بحالة الموت وهو لا يملك مال الكتابة ثم ينظر فإن عين مال الكتابة كاتبوه عليه سواء كان أقل من قيمته أو مثلها أو أكثر فإن لم يعينه كاتبوه على ما جرى العرف بكتابة مثله به والعرف أن يكاتب العبد بأكثر من قيمته لكون دينها مؤجلا ويجب رد ربعه إليه ويعتبر في ذلك رضى العبد لأن الكتابة لا تلزمه ولا يجوز إجباره عليها بخلاف ما لو وصى بعتقه فإنه يعتق ولا يقف على اختياره ولا رضاه فإن رد الوصية بطلت فإن عاد فطلبها لم تلزمه إجابته إليها لأن وصيته بطلت بالرد فأشبه الوصية بالمال وإن لم يكن ردها وجبت إجابته إليها وإذا أدى عتق وكان ولاؤه للموصى بكتابته كما لو وصى بعتقه فإن عجز فللوارث رده في الرق وإن لم يخرج من الثلث فإنه يكاتب منه ما خرج من الثلث وإن كان قد وصى بوصايا غير الكتابة لا تخرج من الثلث تحاصوا في الثلث وأدخل النقص على كل واحد منهم بقدر ماله في الوصية ويتخرج أن تقدم الكتابة بناء على الرواية التي تقدم العتق لأن الكتابة مقصودها العتق وتفضي إليه ويحتمل أن لا تقدم بحال لأن العتق تغليب وسراية ليس هو للكتابة وإفضاؤها إلى العتق لا يوجب تقديمها كما لو وصى لرجل بابنه فإنه لا يقدم مع أن القصد بوصيته العتق ويفضي إليه

فصل فإن قال كاتبوا أحد رقيقي فللورثة مكاتبة من شاؤوا منهم في أحد الوجهين وفي الآخر يكاتبون واحدا منهم بالقرعة وإن قال أحد عبيدي فكذلك إلا أنه ليس لهم مكاتبة أمة ولا خنثى مشكل لأنه لا يعلم كون الخنثى عبدا أو أمة وإن قال أحد إمائي فليس لهم مكاتبة عبد ولا خنثى مشكل كذلك وإن كان الخنثى غير مشكل وكان رجلا فلهم مكاتبته إذا قال كاتبوا أحد عبيدي وإن كان أنثى فلهم مكاتبته إذا قال كاتبوا أحد إمائي لأن هذا عيب فيه والعيب لا يمنع الكتابة والله أعلم


409

فصل والكتابة الفاسدة أن يكاتبه على عوض مجهول أو عوض حال أو محرم كالخمر والخنزير فأما إن شرط في الكتابة شرطا فاسدا فالمنصوص أنه لا يفسدها لكن يلغو الشرط وتبقى الكتابة صحيحة ويتخرج أن يفسدها بناء على الشروط الفاسدة في البيع وهذا مذهب الشافعي

وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله ما يدل على أن الكتابة على العوض المحرم باطلة لا يعتق بالأداء فيها وهو اختيار أبي بكر فإنه قد روي عن أحمد رضي الله عنه أنه قال إذا كاتبه كتابة فاسدة فأدى ما كوتب عليه عتق ما لم تكن الكتابة محرمة فحكم بالعتق بالأداء إلا في المحرمة

واختار القاضي أنه يعتق بالأداء كسائر الكتابات الفاسدة ويمكن حمل كلام القاضي على ما إذا جعل السيد الأداء شرطا للعتق فقال إذا أديت إلي فأنت حر فأدى إليه فإنه يعتق بالصفة المجردة لا بالكتابة ويثبت في هذه الكتابة حكم الصفة في العتق بوجودها لا بحكم الكتابة وأما غيرها من الكتابة الفاسدة فإنها تساوي الصحيحة في أربعة أحكام أحدها أنه يعتق بأداء منا كوتب عليه سواء صرح بالصفة فقال إن أديت إلي فأنت حر أو لم يقل لأن معنى الكتابة يقتضي هذا فيصير كالمصرح به فيعتق بوجوده كالكتابة الصحيحة

الثاني أنه إذا عتق بالأداء لم تلزمه قيمة نفسه ولم يرجع على سيده بما أعطاه ذكره أبو بكر وهو ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه وقال الشافعي رضي الله عنه يتراجعان فيجب على العبد قيمته وعلى السيد ما أخذه فيتقاصان بقدر أقلهما إن كانا من جنس واحد ويأخذ ذو الفضل فضله لأنه عقد معاوضة فاسدة فوجب التراجع فيه كالبيع الفاسد

ولنا إنه عقد كتابة لمعاوضة حصل العتق فيها بالأداء فلم يجب التراجع فيها كما لو كان العقد صحيحا ولأن ما أخذه السيد فهو من كسب عبده الذي لم يملك كسبه فلم يجب عليه رده والعبد عتق بالصفة فلم تجب عليه قيمته كما لو قال إن دخلت الدار فأنت حر

وأما البيع الفاسد فإنه إن كان بين هذا وبين سيده فلا رجوع على السيد بما أخذه وإن كان بينه وبين غيره فإنه أخذ ما لا يستحقه ودفع إلى الآخر ما لا يستحقه بعقد المقصود منه المعاوضة وفي مسألتنا بخلافه

الثالث أن المكاتب يملك التصرف في كسبه لأن عقد الكتابة تضمن الإذن في ذلك وله أخذ الصدقات والزكوات لأنه مكاتب يعتق بالأداء فملك ذلك كما في الكتابة الصحيحة

الرابع أنه إذا كاتب جماعة كتابة فاسدة فأدى أحدهم حصته عتق على قول من قال إنه يعتق في الكتابة الصحيحة بأداء حصته لأن معنى العقد أن كل واحد منهم مكاتب بقدر حصته متى أدى إلى كل واحد منهم قدر حصته فهو حر ومن قال لا يعتق في الصحيحة إلا أن يؤدي الجميع فها هنا أولى وتفارق الصحيحة في ثلاثة أحكام أحدها


410

أن لكل واحد من السيد والمكاتب فسخها ورفعها سواء كان ثم صفة أو لم تكن وهذا قول أصحاب الشافعي رضي الله عنه لأن الفاسد لا يلزم حكمه والصفة ها هنا مبنية على المعاوضة وتابعة لها لأن المعاوضة هي المقصودة فلما أبطل المعاوضة التي هي الأصل بطلت الصفة المبنية عليها بخلاف الصفة المجردة ولأن السيد لم يرض بهذه الصفة إلا بأن يسلم له العوض المسمى فإذا لم يسلم كان له إبطالها بخلاف الكتابة الصحيحة فإن العوض سلم له فكان العقد لازما له

الثاني أن السيد إذا أبرأه من المال لم تصح البراءة ولا يعتق بذلك لأن المال غير ثابت في العقد بخلاف الكتابة الصحيحة وجرى هذا مجرى الصفة المجردة في قوله إذا أديت إلي ألفا فأنت حر

الثالث أنه لا يلزم السيد أن يؤدي إليه شيئا من الكتابة لأن العتق ها هنا بالصفة المجردة فأشبه ما لو قال إذا أديت إلي ألفا فأنت حر واختلف في أربعة أحكام أحدها في بطلان الكتابة بموت السيد فذهب القاضي وأصحابه إلى بطلانها وهو قول الشافعي رضي الله عنه لأنه عقد جائز من الطرفين لا يؤول إلى اللزوم فيبطل بالموت كالوكالة ولأن المغلب فيها حكم الصفة المجردة والصفة تبطل بالموت فكذلك هذه الكتابة وقال أبو بكر لا تبطل بالموت ويعتق بالأداء إلى الوارث وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه لأنه مك 2 اتب يعتق بالأداء إلى السيد فيعتق بالأداء إلى الوارث كما في الكتابة الصحيحة ولأن الفاسدة كالصحيحة في باب العتق بالأداء وفي أن الولد يتبعه فكذلك في هذا

والثاني في بطلانها بجنون السيد والحجر عليه لسفه والخلاف فيه كالخلاف في بطلانها بموته والأولى أنها لا تبطل ها هنا لأن الصفة المجردة لا تبطل بذلك والمغلب في هذه الكتابة حكم الصفة المجردة فلا تبطل به فعلى هذا لو أدى إلى سيده بعد ذلك عتق وعلى قول من أبطلها لا يعتق

الثالث أن ما في يد المكاتب وما يكسبه وما يفضل في يده بعد الأداء له دون سيده في قول القاضي ومذهب الشافعي رضي الله عنه لأنها كتابة يعتق بالأداء فيها فكان هذا الحكم ثابتا فيها كالصحيحة وقال أبو الخطاب ذلك لسيده في الموضعين لأن كسب العبد لسيده بحكم الأصل والعقد ها هنا فاسد لم يثبت الحكم في وجوب العوض في ذمته فلم ينقل الملك في المعوض كسائر العقود الفاسدة ولأن المغلب فيها حكم الصفة المجردة وهي لا تثبت الملك له في كسبه فكذا ها هنا وفارقت الكتابة الصحيحة فإنها تثبت الملك في العوض فأثبتته في المعوض

الرابع هل يتبع المكاتبة ولدها قال أبو الخطاب فيه وجهان أحدهما يتبعها لأنها كتابة يعتق فيها بالأداء فيعتق به ولدها كالكتابة الصحيحة

والثاني لا يتبعها وهو أقيس وأصح لما ذكرنا في الذي قبله ولأن الأصل بقاء الرق فيه فلا يزول إلا بنص أو معنى نص وما وجد واحد منهما ولا يصح القياس على الكتابة الصحيحة لما ذكرنا من الفرق بينهما فيما تقدم فيبقى على الأصل والله أعلم


411

كتاب عتق أمهات الأولاد

أم الولد هي التي ولدت من سيدها في ملكه ولا خلاف في إباحة التسري ووطء الإماء لقول الله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين المؤمنون 5 6

وقد كانت مارية القبطية أم ولد النبي صلى الله عليه وسلم وهي أم إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم التي قال فيها أعتقها ولدها وكانت هاجر أم إسماعيل عليه السلام سرية إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام وكان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أمهات أولاد أوصى لكل واحدة منهن بأربعمائة وكان لعلي رضي الله عنه أمهات أولاد

ولكثير من الصحابة وكان علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله من أمهات الأولاد

وروي أن الناس لم يكونوا يرغبون في أمهات الأولاد حتى ولد هؤلاء الثلاثة من أمهات الأولاد فرغب الناس فيهن وروي عن سالم بن عبد الله قال كان لابن رواحة جارية وكان يريد الخلوة بها وكانت امرأته ترصده فخلا البيت فوقع عليها فندرت به امرأته وقالت أفعلتها قال ما فعلت قالت فقر إذا قال شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسومينا قالت أما إذا أقررت فاذهب إذا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره قال فلقد رأيته يضحك حتى تبدو نواجذه ويقول هيه كيف قلت فأكرره عليه فيضحك

فصل فإذا وطىء الرجل أمته فأتت بولد بعد وطئه بستة أشهر فصاعدا لحقه نسبه وصارت له بذلك أم ولد وإن أتت بولد تام لأقل من ستة أشهر لم يلحقه نسبه لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر بدليل ما روى الحسن أن امرأة ولدت لستة أشهر فأتي بها إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهم برجمها فقال له علي رضي الله عنه ليس لك ذلك إن الله يقول وحمله وفصاله ثلاثون شهرا الأحقاف 15

فقد يكون في البطن ستة أشهر والرضاعة أربعة وعشرون شهرا فذلك تمام ما قال الله تعالى ثلاثون شهرا فخلا عنها عمر وروي عن ابن عباس أنه قال ذلك لعثمان ومن اعترف بوطء أمته فأتت بولد يمكن أن يكون منه لحقه نسبه ولم يكن له نفيه لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال حصنوا هذه الولائد فلا يطأ رجل وليدته ثم ينكر ولدها إلا ألزمته إياه رواه سعيد وعن ابن عمر قال قال عمر أيما رجل غشي أمته ثم ضيعها فالضيعة عليه والولد ولده رواه سعيد أيضا ولأن أمته صارت فراشا بالوطء فلحقه ولدها كالمرأة ولقوله صلى الله عليه وسلم


412

الولد للفراش فإن نفاه سيدها لم ينتف عنه إلا أن يدعي أنه استبرأها وأتت بالولد بعد استبرائها بستة أشهر فينتفي عنه بذلك وهل يحلف على ذلك على وجهين وقد روي عن الحسن قال إذا أنكر الرجل ولده من أمته فله ذلك وعن الشعبي أنه كان يقول ينتفي من ولده إذا كان من أمته متى شاء

ولنا قول عمر إنه ولد على فراشه فلم يكن له نفيه كولده من زوجته فإن أقر به لم يكن له نفيه بعد ذلك لا نعلم فيه خلافا قال إبراهيم إذا أقر بولده فليس له أن ينتفي منه فإن انتفى منه ضرب الحد وألحق به الولد

وقال شريح لرجل أقر بولده لا سبيل لك أن تنتفي منه وكذلك إن هنىء به فسكت أو أمن على الدعاء لأنه دليل على الرضا به فقام مقام الإقرار به وإن كان يطأ جاريته وادعى أنه كان يعزل عنها لم ينتف الولد بذلك لما روى أبو سعيد أنه قال يا رسول الله إنا نصيب النساء ونحب الأثمان أفنعزل عنهن فقال إن الله إذا قضى خلق نسمة خلقها وعن جابر قال جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن لي جارية وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل مني فقال اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها قال فلبث الرجل ثم أتاه فقال إن الجارية قد حملت فقال قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها رواه أبو داود

وعن أبي سعيد أنه قال كنت أعزل عن جاريتي فولدت أحب الخلق إلي يعني ابنه وعن ابن عمر أن عمر قال ما بال رجال يطؤون ولائدهم ثم يعزلونهن لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أنه أتاها إلا ألحقت به ولدها فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا ولأنها بالوطء صارت فراشا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم الولد للفراش ولما تنازع عبد بن زمعة وسعد في ابن وليدة زمعة فقال عبد هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر متفق عليه ولأنه قد يسبق من الماء ما لا يحس به فيخلق منه الولد وقد روي عن ابن عمر وزيد بن ثابت ما يدل على أن الولد لا يلحق به مع العزل فروى سعيد حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن فتى من أهل المدينة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعزل عن جارية له فجاءت بحمل فشق عليه وقال اللهم لا تلحق بآل عمر من ليس منهم فإن آل عمر ليس بهم خفاء فولدت ولدا أسود فقال ممن هو فقالت من راعي الإبل فحمد الله وأثنى عليه وقال حدثنا سفيان عن حماد عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد أن زيد بن ثابت كانت له جارية فارسية وكان يعزل عنها فجاءت بولد فأعتق الولد وجلدها الحد وقال إنما كنت استطبت نفسك ولا أريدك وفي رواية قال ممن حملت قالت منك

فقال كذبت وما وصل إليك مني ما يكون منه الحمل وما أطؤك إلا أني استطبت نفسك

وقال الثوري وأبو حنيفة لا تصير فراشا ولا يلحقه ولدها إلا أن يقر بولدها فيلحقه أولادها بعد ذلك

ولنا ما ذكرناه وقول عمر الموافق للسنة أولى من قوله فيما خالفها

فصل وإن اعترف بوطء أمته في الدبر أو دون الفرج فقد روي عن أحمد رضي الله عنه أنه يلحقه ولدها وتصير فراشا بهذا وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي رضي الله عنه ولأنه قد يجامع فيسبق الماء إلى الفرج والصحيح في هذا إن شاء الله تعالى أنها لا تصير فراشا لأنه ليس بمنصوص عليه ولا هو في معنى


413

المنصوص ولا يثبت الحكم إلا بدليل ولا ينتقل عن الأصل إلا بناقل عنه إذا ثبت هذا فكل موضع لحقه الولد من أمته إذا حملت به في ملكه فالولد حر الأصل لا ولاء عليه وتصير به الأمة أم ولد

مسألة

قال ( وأحكام أمهات الأولاد أحكام الإماء في جميع أمورهن إلا أنهن لا يبعن )

وجملة ذلك أن الأمة إذا حملت من سيدها وولدت منه ثبت لها حكم الاستيلاد وحكمها حكم الإماء في حل وطئها لسيدها واستخدامها وملك كسبها وتزويجها وإجارتها وعتقها وتكليفها وحدها وعورتها وهذا قول أكثر أهل العلم وحكي عن مالك أنه لا يملك إجارتها وتزويجها لأنه لا يملك بيعها فلا يملك تزويجها وإجارتها كالحرة

ولنا إنها مملوكة ينتفع بها فيملك سيدها تزويجها وإجارتها كالمدبرة ولأنها مملوكة تعتق بموت سيدها فأشبهت المدبرة وإنما منع بيعها لأنها استحقت أن تعتق بموته وبيعها يمنع ذلك بخلاف التزويج والإجارة ويبطل دليلهم بالموقوفة والمدبرة عند من منع بيعها إذا ثبت هذا فإنها تخالف الأمة القن في أنها تعتق بموت سيدها من رأس المال ولا يجوز بيعها ولا التصرف فيها بما ينقل الملك من الهبة والوقف ولا ما يراد للبيع وهو الرهن ولا تورث لأنها تعتق بموت السيد ويزول الملك عنها

روي هذا عن عمر وعثمان وعائشة وعامة الفقهاء وروي عن علي وابن عباس وابن الزبير إباحة بيعهن وإليه ذهب داود

قال سعيد حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس في أم الولد قال بعها كما تبيع شاتك أو بعيرك

قال وحدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن الشعبي عن عبيدة قال خطب علي الناس فقال شاورني عمر في أمهات الأولاد فرأيت أنا وعمر أن أعتقهن فقضى به عمر حياته وعثمان حياته فلما وليت رأيت أن أرقهن

قال عبيدة فرأي عمر وعلي في الجماعة أحب إلينا من رأي علي وحده وقد روى صالح بن أحمد قال قلت لأبي إلى أي شيء تذهب في بيع أمهات الأولاد قال أكرهه وقد باع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال في رواية إسحاق بن منصور لا يعجبني بيعهن قال أبو الخطاب فظاهر هذا أنه يصح بيعهن مع الكراهة فجعل هذا لرواية ثانية عن أحمد رضي الله عنه والصحيح أن هذا ليس رواية مخالفة لقوله إنهن لا يبعن لأن السلف رحمة الله عليهم كانوا يطلقون الكراهة على التحريم كثيرا ومتى كان التحريم والمنع مصرحا به في سائر الروايات عنه وجب حمل هذا اللفظ المحتمل على المصرح به ولا يجعل ذلك اختلافا ولمن أجاز بيعهن أن يحتج بما روى جابر قال بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فلما كان عمر رضي الله عنه نهانا فانتهينا رواه أبو داود وما كان جائزا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر لم يجز نسخه بقول عمر ولا غيره ولأن نسخ الأحكام إنما يجوز في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن النص إنما ينسخ بنص مثله وأما قول الصحابي فلا ينسخ ولا ينسخ به فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتركون أقوالهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتركونها بأقوالهم وإنما تحمل مخالفة عمر لهذا النص على أنه لم يبلغه ولو بلغه لم يعده إلى غيره ولأنها مملوكة ولم يعتقها سيدها ولا شيئا


414

منها ولا قرابة بينه وبينها فلم تعتق كما لو ولدت من أبيه في نكاح أو غيره ولأن الأصل الرق ولم يرد بزواله نص ولا إجماع ولا ما في معنى ذلك فوجب البقاء عليه ولأن ولادتها لو كانت موجبة لعتقها لثبت العتق بها حين وجودها كسائر أسبابه وروي عن ابن عباس رواية أخرى أنها تجعل في سهم ولدها لتعتق عليه وقال سعيد حدثنا سفيان حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب قال مات رجل منا وترك أم ولد فأراد الوليد بن عقبة أن يبيعها في دينه فأتينا عبد الله بن مسعود فذكرنا ذلك له فقال إن كان ولا بد فاجعلوها في نصيب أولادها

ولنا ما روى عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة عن دبر منه وقال ابن عباس ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اعتقها ولدها رواهما ابن ماجه

وذكر الشريف أبو جعفر في مسائله عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد ولا يبعن ولا يرهن ولا يرثن ويستمتع بها سيدها ما بدا له فإن مات فهي حرة وهذا فيما أظن عن عمر ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم بدليل قول علي كرم الله وجهه كان رأيي ورأي عمر أن لا تباع أمهات الأولاد وقوله فقضى به عمر حياته وعثمان حياته وقول عبيدة رأي علي كرم الله وجهه وعمر في الجماعة أحب إلينا من رأيه وحده

وروى عكرمة عن ابن عباس قال قال عمر رضي الله عنه ما من رجل كان يقر بأنه يطأ جاريته ثم يموت إلا أعتقها ولدها إذا ولدت وإن كان سقطا فإن قيل فكيف تصح دعوى الإجماع مع مخالفة علي وابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم قلنا قد روي عنهم الرجوع عن المخالفة فقد روى عبيدة قال بعث إلي علي كرم الله وجهه وإلى شريح أن اقضوا كما كنتم تقضون فإني أبغض الاختلاف وابن عباس قال ولد أم الولد بمنزلتها وهو الراوي لحديث عتقهن عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عمر فيدل على موافقته لهم ثم قد ثبت الإجماع باتفاقهم قبل المخالفة واتفاقهم معصوم عن الخطأ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة ولا يجوز أن يخلو زمن عن قائم لله بحجته ولو جاز ذلك في بعض العصر لجاز في جميعه ورأي الموافق في زمن الاتفاق خير من رأيه في الخلاف بعده فيكون الاتفاق حجة على المخالف له منهم كما هو حجة على غيره فإن قيل فلو كان الإتفاق في بعض العصر إجماعا حرمت مخالفته فكيف خالفه هؤلاء الأئمة الذين لا تجوز نسبتهم إلى ارتكاب الحرام قلنا الإجماع ينقسم إلى مقطوع به ومظنون وهذا من المظنون فيمكن وقوع المخالفة منهم له مع كونه حجة كما وقع منهم مخالفة النصوص الظنية ولا تخرج بمخالفتهم عن كونها حجة كذا ها هنا

فأما قول جابر بعنا أمهات الأولاد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فليس فيه تصريح بأنه كان بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا علم أبي بكر فيكون ذلك واقعا من فعلهم على انفرادهم فلا يكون فيه حجة ويتعين حمل الأمر على هذا لأنه لو كان هذا واقعا بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وأقرا عليه لم تجز مخالفته ولم يجمع الصحابة


415

بعدهما على مخالفتهما ولو فعلوا ذلك لم يخل من منكر ينكر عليهم ويقول كيف يخالفون فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل صاحبه وكيف يتركون سنتهما ويحرمون ما أحلا من هذا ولأنه لو كان ذلك واقعا بعلمهما لاحتج به على حين رأى بيعهن واحتج به كل من وافقه على بيعهن ولم يجز شيء من هذا فوجب أن يحمل الأمر على ما حملناه عليه فلا يكون فيه إذا حجة ويحتمل أنهم باعوا أمهات الأولاد في النكاح لا في الملك

فصل ومن أجاز بيع أم الولد فعلى قوله إن لم يبعها حتى مات ولم يكن له وارث إلا ولدها عتقت عليه وإن كان لها وارث سوى ولدها حسبت من نصيب ولدها فعتقت وكان له ما بقي من ميراثه وإن لم يبق شيء فلا شيء له وإن كانت أكثر من نصيبه عتق منها قدر نصيبه وباقيها رقيق لسائر الورثة إلا على قول من قال إنه إذا ورث سهما ممن يعتق عليه سرى العتق إلى باقيه وإن لم يكن لها ولد من سيدها ورثها كسائر رقيقه

مسألة

قال ( وإذا أصاب الأمة وهي ملك غيره بنكاح فحملت منه ثم ملكها حاملا عتق الجنين وكان له بيعها )

وجملته أنه إذا تزوج أمة غيره فأولدها أو أحبلها ثم ملكها بشراء أو غيره لم تصر أم ولد له بذلك سواء ملكها حاملا فولدت في ملكه أو ملكها بعد ولادتها وبهذا قال الشافعي رضي الله عنه لأنها علقت منه بمملوك فلم يثبت لها حكم الاستيلاد كما لو زنى بها ثم اشتراها ولأن الأصل الرق وإنما خولف هذا الأصل فيما إذا حملت منه في ملكه بقول الصحابة رضي الله عنهم ففيما عداه يبقى على الأصل

ونقل القاضي ابن أبي موسى عن أحمد رضي الله عنه أنها تصير أم ولد في الحالين وهو قول الحسن وأبي حنيفة لأنها أم ولده وهو مالك لها فثبت لها حكم الاستيلاد كما لو حملت في ملكه ولم أجد هذه الرواية عن أحمد فيما إذا ملكها بعد ولادتها إنما نقل عنه التوقف عنها في رواية مهنا فقال لا أقول فيها شيئا وصرح في رواية جماعة سواه بجواز بيعها فقال لا أرى بأسا أن يبيعها إنما الحسن وحده قال إنها أم ولد وقال أكثر ما سمعنا فيه من التابعين يقولون لا تكون أم ولد حتى تلد عنده وهو يملكها فإن عبيدة السلماني يقول نبيعها وشريح وإبراهيم وعامر والشعبي وأما إذا ملكها حاملا فظاهر كلام أحمد رضي الله عنه أنها تصير أم ولد وهو مذهب مالك رضي الله عنه لأنها ولدت منه في ملكه فأشبه ما لو أحبلها في ملكه وقد صرح أحمد رضي الله عنه في رواية إسحاق بن منصور أنها لا تكون أم ولد حتى تحدث عنده حملا وروى عنه ابنه صالح قال سألت أبي عن الرجل ينكح الأمة فتلد منه ثم يبتاعها قال لا تكون أم ولد له قلت فإن استبرأها وهي حامل منه قال إذا كان الوطء يزيد في الولد وكان يطؤها بعدما اشتراها وهي حامل منه كانت أم ولد له قال ابن حامد إن وطئها في ابتداء حملها أو توسطه كانت بذلك أم ولد له لأن الماء يزيد في سمع الولد وبصره وقالالقاضي إن ملكها حاملا فلم يطأها حتى وضعت لم تصر أم ولد له وإن وطئها حال حملها


416

نظرنا فإن كان بعد أن كمل الولد وصار له خمسة أشهر لم تصر به أم ولد وإن كان وطئها قبل ذلك صارت له بذلك أم ولد لأن عمر رضي الله عنه قال أبعدما اختلطت دماؤكم ودماؤهن ولحومكم ولحومهن بعتموهن فعلل بالمخالطة والمخالصة ها هنا حاصلة لأن الماء يزيد في الولد ولأن الحرية البعض أثرا في تحرير الجميع بدليل ما إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من العبد

وقال أبو الخطاب إن وطئها بعد الشراء فهي أم ولد وكلام الخرقي يقتضي أنها لا تكون أم ولد إلا أن تحبل منه في ملكه وهو الذي نص عليه أحمد رضي الله عنه في رواية إسحاق بن منصور فقال لا تكون أم ولد حتى تحدث عنده حملا لأنها لم تعلق منه بحر فلم يثبت لها حكم الاستيلاد كما لو زنى بها ثم اشتراها يحقق هذا أن حملها منه أفاد الحرية لولده فلأن لا يفيدها الحرية أولى ويفارق هذا ما إذا حملت منه في ملكه فإن الولد حر فيتحرر بتحريره وما ذكروه من زيادة الولد بالوطء غير متيقن فإن هذا الولد يحتمل أنه زاد ويحتمل أنه لم يزد فلا يثبت الحكم بالشك ولو ثبت أنه زاد لم يثبت الحكم بهذه الزيادة بدليل ما لو ملكها وهي حامل من زنا منه أو من غيره فوطئها لم تصر أم ولد

وإن زاد الولد به ولأن حكم الاستيلاد إنما يثبت بالإجماع في حق من حملت منه في ملكه وما عداه ليس في معناه وليس فيه نص ولا إجماع فوجب أن لا يثبت هذا الحكم ولأن الأصل الرق فيبقى على ما كان عليه

فصل قال أحمد رضي الله عنه فيمن اشترى جارية حاملا من غيره فوطئها قبل وضعها فإن الولد لا يلحق بالمشتري ولا يبيعه ولكن يعتقه لأنه قد شرك فيه لأن الماء يزيد في الولد

وقد روي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال لعله يريد أن يلم بها قالوا نعم

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه في قبره كيف يورثه وهو لا يحل له أم كيف يستخدمه وهو لا يحل له

رواه أبو داود يعني إن استلحقه وشركه في ميراثه لم يحل له لأنه ليس بولده فإن اتخذه مملوكا يستخدمه لم يحل له لأنه قد شرك فيه لكون الماء يزيد في الولد

فصل وإذا وطىء الرجل جارية ولده فإن كان قد قبضها وتملكها ولم يكن الولد وطئها ولا تعلقت بها حاجته فقد ملكها الأب بذلك وصارت جاريته والحكم فيها كالحكم في جاريته التي ملكها بالشراء وإن وطئها قبل تملكها فقد فعل محرما لأن الله تعالى قال والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون المؤمنون 5 و 6 و 7

وهذه ليست زوجا له ولا ملك يمينه فإن قيل فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك فأضاف مال الابن إلى أبيه بلام الملك والاستحقاق فدل على أنه ملكه قلنا لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الملك بدليل أنه أضاف إليه الولد وليس بمملوك وأضاف إليه ماله في حالة إضافته إلى الولد ولا يكون الشيء مملوكا لمالكين حقيقة في حال


417

واحدة وقد يثبت الملك لولده حقيقة بدليل حل وطء إمائه والتصرف في ماله وصحة بيعه وهبته وعتقه ولأن الولد لو مات لم يرث منه أبوه إلا ما قدر له ولو كان ماله لاختص به ولو مات الأب لم يرث وورثته مال ابنه ولا يجب على الأب حج ولا زكاة ولا جهاد بيسار ابنه فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد التجوز بتشبيهه بماله في بعض الأحكام

إذا ثبت هذا فإنه لا حد على الأب للشبهة لأنه إذا لم يثبت حقيقة الملك فلا أقل من أن يكون شبهة تدرأ الحد فإن الحدود تدرأ بالشبهات ولكن يعزر لأنه وطىء جارية لا يملكها وطأ محرما فكان عليه التعزير كوطء الجارية المشتركة وفيه وجه آخر لا يعزر عليه لأن مال ولده كماله ولا يصح لأن ماله مباح له غير ملوم عليه وهذا ا لوطء هو عادة فيه ملوم عليه وإن علقت منه فالولد حر لأنه من وطء رديء فيه الحد لشبهة الملك وكان حرا كولد الجارية المشتركة ولا تلزمه قيمته لأن الجارية تصير ملكا له بالوطء فيحصل علوقها بالولد وهي ملك له وتصير أم ولد له تعتق بموته وتنتقل إلى ملكه فيحل له وطؤها بعد ذلك وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه وقال في الآخر لا تصير أم ولد له ولا يملكها لأنه استولدها في غير ملكه فأشبه الأجنبي ولأن ثبوت أحكام الاستيلاد إنما كان بالإجماع فيما إذا استولد مملوكته وهذه ليست مملوكة له ولا في معنى مملوكته فإنها محرمة عليه فوجب أن لا يثبت لها هذا الحكم ولأن الأصل الرق فيبقى على الأصل ولأن الوطء المحرم لا ينبغي أن يكون سببا للملك الذي هو نعمة وكرامة لأنه يفضي إلى تعاطي المحرمات

ولنا إنها علقت منه بحر لأجل الملك فصارت أم ولد له كالجارية المشتركة وفارق وطء الأجنبي في هذا

إذا ثبت هذا فإنه لا يلزمه مهرها ولا قيمتها

وقال أبو حنيفة لا يلزمه مهرها ويلزمه قيمتها لأنه أخرجها عن ملك سيدها بفعل محرم فأشبه ما لو قتلها وإنما لم يلزمه مهرها لأنه إذا ضمنها فقد دخلت قيمة البضع في ضمانها فلم يضمنه ثانيا كما لو قطع يدها فسرى القطع إلى نفسها فإنه يضمن قيمة النفس دون قيمة اليد وقال الشافعي يلزمه مهرها لأنه وطىء جارية غيره وطأ محرما فلزمه مهرها كالأجنبي وتلزمه قيمتها على القول بكونها أم ولد كما يلزم أحد الشريكين قيمة نصيب شريكه إذا استولد الجارية المشتركة

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك ولأنه لا تلزمه قيمة ولدها فلم يلزمه مهرها ولا قيمتها كمملوكته ولأنه وطء صارت به الموطوءة أم ولد لأمر لا يختص ببعضها فأشبه استيلاد مملوكته

فصل فإن كان الولد قد وطىء جاريته ثم وطئها أبوه فأولدها فقد روي عن أحمد رضي الله عنه فيمن وقع على جارية ابنه إن كان الأب قابضا لها ولم يكن الابن وطئها فهي أم ولده وليس للابن فيها شيء

قال القاضي فظاهر هذا أن الابن إن كان قد وطئها لم تصر أم ولد للأب باستيلادها لأنها تحرم عليه تحريما مؤبدا


418

بوطء ابنه لها ولا تحل له بحال فأشبه وطء الأجنبي فعلى هذا القول لا يملكها ولا تعتق بموته

فأما ولدها فيعتق على أخيه لأنه ذو رحم منه ويحتمل أن يثبت لها حكم الاستيلاد من غير أن تحل له كما لو استولد مملوكته التي وطئها ابنه فإنها تصير أم ولد له مع كونها محرمة عليه على التأبيد فكذلك ها هنا وذلك لأنه وطء يدرأ فيه الحد بشبهة الملك فصارت به أم ولد كما لو لم يطأها الابن

فصل وإن وطىء الابن جارية أبيه أو أمه فهو زان يلزمه الحد إذا كان عالما بالتحريم ولا تصير عليه أم ولد له ويلزمه مهرها وولده يعتق على جده لأنه ابن ابنه إذا قلنا إن ولده من الزنا يعتق على أبيه وتحرم الجارية على الأب على التأييد ولا تجب بسبب قيمتها على الابن لأنه لم يخرجها عن ملكه ولم يمنعه بيعها ولا التصرف فيها بغير الاستمتاع فإن استولدها الأب بعد ذلك فقد فعل محرما ولا حد عليه لأنه وطء صادف ملكا وتصير أم ولد له لأنه استولد مملوكته فأشبه ما لو وطىء أمته المرهونة

فصل وإن زوج أمته ثم وطئها فقد فعل محرما ولا حد عليه لأنها مملوكته ويعزر قال أحمد رضي الله عنه يجلد ولا يرجم يعني أنه يعزر بالجلد لأنه لو وجب عليه الحد لوجب الرجم إذا كان محصنا فإن أولدها صارت أم ولده لأنه استولد مملوكته وتعتق بموته وولده حر وما ولدت بعد ذلك من الزوجه فحكمه حكم أمه

فصل ولو ملك رجل أمه من الرضاع أو أخته أو ابنته لم يحل له وطؤها فإن وطئها فلا حد عليه في أصح الروايتين لأنها مملوكته ويعزر فإن ولدت فالولد حر ونسبه لاحق به وهي أم ولده وكذلك لو ملك أمة مجوسية أو وثنية فاستولدها أو ملك الكافر أمة مسلم فاستولدها فلا حد عليه ويعزر ويلحقه نسب ولده وتصير أم ولد له تعتق بموته لما ذكرنا وكذلك لو وطىء أمته المرهونة أو وطىء رب المال أمة من مال المضاربة فأولدها صارت له بذلك أم ولد وخرجت من الرهن والمضاربة وعليه قيمتها للمرتهن تجعل مكانها رهنا أو توفية عن دين الرهن وتنفسخ المضارة فيها وإن كان فيها ربح جعل الربح في مال المضاربة والله أعلم

مسألة

قال ( وإذا علقت منه بحر في ملكه فوضعت بعض ما يستبين فيه خلق الإنسان كانت له بذلك أم ولد )

ذكر الخرقي لمصيرها أم ولد شروطا ثلاثة أحدها أن تعلق منه بحر فأما إن علقت منه بمملوك ويتصور ذلك في الملك في موضعين أحدهما في العبد إذا ملكه سيده وقلنا إنه يملك فإنه إذا وطىء أمته واستولدها فولده مملوك ولا تصير الأمة أم ولد يثبت لها حكم الاستيلاد بذلك وسواء أذن له سيده في التسري بها أو لم يأذن له

والثاني إذا استولد المكاتب أمته فإن ولده مملوك له وأما الأمة فإنه لا تثبت لها أحكام أم الولد في العتق بموته في الحال لأن المكاتب ليس بحر وولده منها ليس بحر فأولى أن لا تتحرر هي ومتى عجز المكاتب وعاد إلى الرق أو مات قبل أداء كتابته فهي أمة قن كأمة العبد القن وهل يملك


419

المكاتب بيعها والتصرف فيها ففيه اختلاف

ذكر القاضي في موضع أنه لا يثبت فيها شيء من أحكام الاستيلاد ولا تصير أم ولد بحال وهذا أحد قولي الشافعي لأنها علقت بمملوك في ملك غير تام فلم يثبت لها شيء من أحكام الاستيلاد كأمة العبد القن وظاهر المذهب أنها موقوفة لا يملك بيعها ولا نقل الملك فيها فإن عتق صارت له أم ولد تعتق بموته فيثبت لها من حرمة الاستيلاد ما يثبت لولدها من حرمة الحرية وقد نص أحمد رضي الله عنه على منع بيعها ومفهوم كلام الخرقي يحتمل الوجهين جميعا

الشرط الثاني أن تعلق منه في ملكه سواء كان من وطء مباح أم محرم مثل الوطء في الحيض أو النفاس أو الصوم أو الإحرام أو الظهار أو غيره فأما إن علقت منه في غير ملكه لم تصر بذلك أم ولد سواء علقت منه بمملوك مثل أن يطأها في ملك غيره بنكاح أو زنا أو علقت بحر مثل أن يطأها بشبهة أو غر من أمة وتزوجها على أنها حرة فاستولدها أو اشترى جارية فاستولدها فبانت مستحقة فإن الولد حر ولا تصير الأمة أم ولد في هذه المواضع بحال

وفيه وجه آخر أنه إن ملكها بعد ذلك صارت أم ولد وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في المسألة التي قبل هذه والمقصود بذكر هذه الشروط ها هنا ثبوت الحكم عند اجتماعها وأما انتفاؤه عند انتفائها فيذكر في مسائل مفردة لها

الشرط الثالث أن تضع ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان من رأس أو يد أو رجل أو تخطيط سواء وضعته حيا أو ميتا وسواء أسقطته أو كان تاما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا ولدت الأمة من سيدها فقد عتقت وإن كان سقطا وروى الأثرم بإسناده عن ابن عمر أنه قال أعتقها ولدها وإن كان ولدها سقطا قال الأثرم قلت لأبي عبد الله أم الولد إذا أسقطت لا تعتق فقال إذا تبين فيه يد أو رجل أو شيء من خلقه فقد عتقت وهذا قول الحسن والشافعي

وقال الشعبي إذا تلبث في الخلق الرابع فكان مخلقا انقضت به عدة الحرة وأعتقت به الأمة ولا أعلم في هذا خلافا بين من قال بثبوت حكم الاستيلاد فأما إن ألقت نطفة أو علقة لم يثبت به شيء من أحكام الولادة لأن ذلك ليس بولد

وروى يوسف بن موسى أن أبا عبد الله قيل له ما تقول في الأمة إذا ألقت مضغة أو علقة قال تعتق وهذا قول إبراهيم النخعي وإن وضعت مضغة لم يظهر فيها شيء من خلق الآدمي فشهد ثقات من القوابل أن فيها صورة خفية تعلقت بها الأحكام لأنهن اطلعن على الصورة التي خفيت على غيرهن وإن لم يشهدن بذلك لكن علم أنه مبتدأ خلق آدمي إما بشهادتهن أو غير ذلك ففيه روايتان

إحداهما لا تصير به الأمة أم ولد ولا تنقضي به عدة الحرة ولا يجب على الضارب المتلف له الغرة ولا الكفارة وهذا ظاهر كلام الخرقي والشافعي وظاهر ما نقله الأثرم عن أحمد رضي الله عنه وظاهر كلام الحسن والشعبي وسائر من اشترط أن يتبين شيء فيه خلق الإنسان لأنه لم يبن فيه شيء من خلق الآدمي أشبه النطفة والعلقة

والثانية تتعلق به الأحكام الأربعة لأنه مبتدأ خلق آدمي أشبه إذا تبين وخرج أبو عبد الله بن حامد رواية ثالثة وهو أن الأمة تصير بذلك أم ولد ولا تنقضي به عدة الحرة لأنه روي عن أحمد رضي الله عنه في الأمة إذا وضعت فمسته القوابل فعلمن أنه لحم


420

ولم يتبين لحمه تحتاط في العدة بأخرى ويحتاط بعتق الأمة وظاهر هذا أنه حكم بعتق الأمة ولم يحكم بانقضاء العدة لأن عتق الأمة يحصل للحرية فاحتيط بتحصيلها والعدة يتعلق بها تحريم التزوج وحرمة الفرج فاحتيط بإبقائها وقال بعض الشافعية بالعكس لا تجب العدة ولا تصير الأمة أم ولد لأن الأصل عدم كل واحد منهما فيبقى على أصله ولا يصح لأن العدة كانت ثابتة والأصل بقاؤها على ما كانت عليه والأصل في الآدمي الحرية فتغلب ما يفضي إليها والله أعلم

مسألة

قال ( فإذا مات فقد صارت حرة وإن لم يملك غيرها )

يعني أن أم الولد تعتق من رأس المال وإن لم يملك سواها وهذا قول كل من رأى عتقهن لا نعلم بينهم فيه خلافا وسواء ولدت في الصحة أو المرض لأنه حاصل بالتذاذه وشهوته وما يتلفه في لذاته وشهوته يستوي فيه حال الصحة والمرض كالذي يأكله ويلبسه ولأن عتقها بعد الموت وما يكون بعد الموت يستوي فيه المرض والصحة كقضاء الديون والتدبير والوصية ولا نعلم في هذا خلافا بين من رأى عتقهن

قال سعيد حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن نافع قال أدرك ابن عمر رجلان فقالا إنا تركنا هذا الرجل يبيع أمهات الأولاد يعنيان ابن الزبير فقال ابن عمر أتعرفان أبا حفص فإنه قضى في أمهات الأولاد أن لا يبعن ولا يوهبن يستمتع بها صاحبها فإذا مات فهي حرة

وقال حدثنا غياث عن حصيف عن عكرمة عن ابن عباس قال قال عمر رضي الله عنه ما من رجل كان يقر بأنه يطأ جاريته ويموت إلا أعتقها إذا ولدت وإن كان سقطا

فصل ولا فرق بين المسلمة والكافرة والعفيفة والفاجرة ولا بين المسلم والكافر والعفيف والفاجر في هذا في قول أئمة أهل الفتوى من أهل الأمصار لأن ما يتعلق به العتق يستوي فيه المسلم والكافر والعفيف والفاجر كالتدبير والكتابة ولأن عتقها بسبب اختلاط دمها بدمه ولحمها بلحمه فإذا استويا في النسب استويا في حكمه وروى سعيد حدثنا هشيم أخبرنا منصور عن ابن سيرين عن أبي عطية الهمداني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في أم الولد إن أسلمت وأحصنت وعفت أعتقت وإن كفرت وفجرت وغدرت رقت وقال حدثنا هشيم أخبرنا يحيى عن أم ولد رجل ارتدت عن الإسلام فكتب في ذلك إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وكتب عمر بيعوها ليسبيها أحد من أهل دينها وإذا كان مبنى عتق أمهات الأولاد على قول عمر رضي الله عنه وقد قال هذا القول فينبغي أن يختص العتق بالمسلمة العفيفة دون الكافرة الفاجرة لانتفاء الدليل الذي ثبت به عتقهن والله أعلم

مسألة

قال ( وإذا صارت الأمة أم ولد بما وصفنا ثم ولدت من غيره كان له حكمها في العتق بموت سيدها


421

وجملته أن أم الولد إذا ولدت بعد ثبوت حكم الاستيلاد لها من غير سيدها من زوج أو غيره فحكم ولدها حكمها في أنه يعتق بموت سيدها ويجوز فيه من التصرفات ما يجوز فيها ويمتنع فيه ما يمتنع فيها

قال أحمد رضي الله عنه قال ابن عمر وابن عباس وغيرهما ولدها بمنزلتها ولا نعلم في هذا خلافا بين القائلين بثبوت حكم الاستيلاد إلا أنعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال هم عبيد فيحتمل أنه أراد أنه لا يثبت لهم حكم أمهم لأن الاستيلاد مختص بها فيختص بحكمه كولد من علق عتقها بصفة ويحتمل أنه أراد أنهم عبيد حكمهم حكم أمهم مثل قول الجماعة لأن الولد يتبع أمه في الرق والحرية فيتبعها في سببه إذا كان متأكدا كولد المكاتبة والمدبرة بل ولد أم الولد أولى لأن سبب العتق فيها مستقر ولا سبيل إلى إبطاله بحال فإن ماتت أم الولد قبل سيدها لم يبطل حكم الاستيلاد في الولد وتعتق بموت سيدها لأن السبب لم يبطل وإنما تثبت الحرية فيها لأنها لم تبق محلا وكذلك ولد المدبرة لا يبطل الحكم فيه بموت أمه وأما ولد المكاتبة إذا ماتت فإنه يعود رقيقا لأن العقد يبطل بموتها فلم يبق حكمه فيه وقد ذكرنا في هذا خلافا فيما تقدم وإن أعتق السيد أم الولد أو المدبرة لم يعتق ولدها لأنها عتقت بغير السبب الذي تبعها فيه ويبقى عتقه موقوفا على موت سيده وكذلك إن أعتق ولدهما لم يعتقا بعتقه وإن أعتق المكاتبة فقد قال أحمد وسفيان وإسحاق المكاتبة إذا أدت أو أعتقت عتق ولدها وأم الولد والمدبرة إذا أعتقت لم يعتق ولدها حتى يموت السيد فظاهر هذا أن ولد المكاتبة يتبعها في العتق بإعتاق سيدها لأنه في حكم ما لها يستحق كسبه فيتبعها إذا أعتقها كمالها ولأن إعتاقها يمنع أداءها بسبب من السيد فأشبه ما لو أبرأها من مال الكتابة

فصل فأما ولد أم الولد قبل استيلادها وولد المدبرة قبل تدبيرها والمكاتبة قبل كتابتها فلا يتبعها لوجوده قبل انعقاد السبب فيها وزوال حكم التبعية عنه قبل تحقق السبب في أمه ولهذا لا يتبعها في العتق المنجز ففي السبب أولى وذكر أبو الخطاب في ولد المدبرة قبل التدبير روايتين فيخرج ها هنا مثله وهو بعيد لأن الولد المنفصل لا يتبعها في عتق ولا بيع ولا هبة ولا رهن ولا شيء من الأحكام سوى الإسلام بشرط كونه صغيرا فكيف يتبع في التدبير ولأنه لا نص فيه ولا قياس يقتضيه فيبقى بحاله

مسألة

قال ( وإذا أسلمت أم ولد النصراني منع من وطئها والتلذذ بها وأجبر على نفقتها فإذا أسلم حلت له وإن مات قبل ذلك عتقت )

وجملة ذلك أن الكافر يصح منه الاستيلاد لأمته كما يصح منه عتقها وإذا استولد الذمي أمته ثم أسلمت لم تعتق في الحال وبهذا قال الشافعي وقال مالك تعتق إذ لا سبيل إلى بيعها ولا إلى إقرار ملكه عليها لما فيه من إثبات ملك كافر على مسلمة فلم يجز كالأمة القن وعن أحمد رضي الله عنه رواية أخرى أنها تستسعى فإن أدت عتقت وهو قول أبي حنيفة لأن فيه جمعا بين الحقين حقها في أن لا يبقى ملك الكافر عليها وحقه في حصول عوض ملكه فأشبه بيعها إذا لم تكن أم ولد


422

ولنا إنه إسلام طرأ على ملك فلم يوجب عتقا ولا سعاية كالعبد القن وما ذكروه مجرد حكمة لم يعرف من الشارع اعتبارها وبقاؤها ضرر فإن عتقها مجانا إضرارا بالمالك بإزالة ملكه بغير عوض وفي الاستسعاء إلزام لها بالكسب بغير رضاها وتضييع لحقه لأن فيه إحالة على سعاية لا تدري هل يحصل منها شيئا أو لا وإن حصل فالظاهر أنه يكون يسيرا في أوقات متفرقة وجوده قريب من عدمه والحق أن يبقى الملك على ما كان عليه ويمنع من وطئها والتلذذ بها كي لا يطأها ويبتذلها وهو مشرك ويحال بينه وبينها ويمنع الخلوة بها لئلا يفضي إلى الوطء المحرم ويجبر على نفقتها على التمام لأنها مملوكته ومنعه من وطئها بغير معصية منها فأشبهت الحائض والمريضة وتسلم إلى امرأة ثقة تكون عندها لتحفظها وتقوم بأمرها وإن احتاجت إلى أجر أو أجر مسكن فعلى سيدها

وذكر القاضي أن نفقتها في كسبها وما فضل من كسبها فهو لسيدها وإن عجز عن نفقتها فهل يلزم سيدها تمام نفقتها على روايتين ونحو هذا مذهب الشافعي والصحيح أن نفقتها على سيدها وكسبها له يصنع به ما شاء وعليه نفقتها على التمام سواء كان لها كسب أو لم يكن لأنها مملوكة له ولم يجر بينهما عقد يسقط نفقتها ولا يملك به كسبها فأشبهت أمته القن أو ما قبل إسلامها ولأن الملك سبب لهذين الحكمين والحادث منهما لا يصلح مانعا لأن الاستيلاد لا يمنع منهما بدليل ما قبل إسلامها والإسلام لا يمنع بدليل ما لو وجد قبل ولادتها واجتماعهما لا يمنع لأنه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص عليه ولأنه إذا لم تلزمه نفقتها ولم يكن لها كسب أفضى إلى هلاكها وضياعها ولأنه يملك فاضل كسبها فيلزمه فضل نفقتها كسائر مماليكه

مسألة

قال ( وإذا عتقت أم الولد بموت سيدها فما كان في يدها من شيء فهو لورثة سيدها )

إنما كان كذلك لأن أم الولد أمة وكسبها لسيدها وسائر ما في يدها له فإذا مات سيدها فعتقت انتقل ما في يدها إلى ورثته كسائر ماله وكما في يد المدبرة وتخالف المكاتبة فإن كسبها في حياة سيدها لها فإذا عتقت بقي لها كما كان لها قبل العتق

مسألة

قال ( ولو أوصى لها بما في يدها كان لها إذا احتمله الثلث )

وجملته أن الوصية لأم الولد تصح فلا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم القائلين بثبوت حكم الاستيلاد وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي

وقد روى الإمام أحمد وسعيد بن منصور عنهشيم حدثنا حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب أوصى لأمهات أولاده بأربعة آلاف درهم ولأن أم الولد حرة في حال نفوذ الوصية لها لأن عتقها يتنجز بموته فلا تقع الوصية لها إلا في حال حريتها وأما قوله إذا احتمله الثلث فلأن الوصية كلها لا تلزم إلا في


423

الثلث فما دون وهذا منها وما زاد على الثلث لأنها تعتق من رأس المال فلا تحتسب من الثلث كقضاء الديون وأداء الواجبات

فصل وإن أوصى لمدبره أو مدبرته صحت الوصية أيضا إلا أنه تعتبر قيمته وما أوصى له به من الثلث لأن التدبير تبرع فكان من الثلث كالوصية فإن خرجا من الثلث عتق وكان ما أوصى به وصحت الوصية لأنها وقعت في حال حريته فأشبهت الوصية لأم ولده وإن لم يخرجا من الثلث اعتبرت قيمته من الثلث فيعتق منه بقدر الثلث ليعتق دون المال وإن كانت قيمته بقدر الثلث عتق ولا وصية له وإن فضل من الثلث شيء بعد عتقه فله من الوصية تمام الثلث ويقف ما زاد على إجازة الورثة

مسألة

قال ( وإذا مات عن أم ولده فعدتها حيضة )

إنما كان كذلك لأن الواجب عليها استبراء نفسها لخروجها عن ملك سيدها الذي كان يطؤها فكان ذلك بحيضة كما لو أعتقها سيدها في حياته وإنما سمى الخرقي هذا عدة لأن الاستبراء أشبه العدة في كونه يمنع النكاح وتحصل به معرفة براءتها من الحمل وقد ذكرنا هذه المسألة في العدد والخلاف فيها على ما مضى

مسألة

قال ( وإذا جنت أم الولد فداها سيدها بقيمتها أو دونها )

وجملته أن أم الولد إذا جنت تعلق أرش جنايتها برقبتها وعلى السيد أن يفديها بأقل الأمرين من قيمتها أو دونها

وبهذا قال الشافعي وحكى أبو بكر عبد العزيز قولا آخر أنه يفديها بأرش جنايتها بالغة ما بلغت لأنه لم يسلمها في الجناية فلزمه أرش جنايتها بالغة ما بلغت كالقن وقال أبو ثور وأهل الظاهر ليس عليه فداؤها وتكون جنايتها في ذمتها تتبع بها إذا عتقت لأنه لا يملك بيعها فلم يكن عليه فداؤها كالحرة

ولنا إنها مملوكة له كسبها لم يسلمها فلزمه أرش جنايتها كالقن لا تلزمه زيادة على قيمتهالأنه لم يمتنع من تسليمها وإنما الشرع منع ذلك لكونها لم تبقى محلا للبيع ولا لنقل الملك فيها وفارقت القن إذا لم يسلمها فأنه إن أمكن أن يسلمها للبيع فربما زاد فيها مزيدا أكثر من قيمتها فإذا امتنع مالكها من تسليمها أوجبنا عليه الإرش بكامله وفي مسألتنا لا يحتمل ذلك فيها فأن بيعها غير جائز فلم يكن عليه أكثر من قيمتها

فصل وإذا ماتت قبل فدائها فلا شيء على سيدها لأنه لم يتعلق بذمته شيء وإنما تعلق برقبتها فإذا ماتت سقط الحق لتلف متعلقه وإن نقصت قيمتها قبل فدائها وجب فداؤها بقيمتها يوم الفداء لأنها لو تلفت جميعها لسقط الفداء فوجب أن يسقط بعضه بتلف بعضها وإن زادت قيمتها زاد فداؤها لأن متعلق الحق زاد فزاد الفداء بزيادته كالرقيق القن وينبغي أن تحسب قيمتها معيبة بعيب الاستيلاد لأن


424

ذلك نقصها فاعتبر كالمرض وغيره من العيوب ولأن الواجب قيمتها في حال فدائها وقيمتها ناقصة عن قيمة غير أم الولد فيجب أن ينقص فداؤها وأن يكون مقدار قيمتها في حال كونها أم ولد والحكم في المدبرة كالحكم في أم الولد إلا أنها يجوز بيعها في رواية فيمكن تسليمها للبيع إن اختار سيدها وإن امتنع منه فهل يفديها بأقل الأمرين ويلزمه أرش الجناية بالغا ما بلغ يخرج على روايتين

فصل وإن كسبت بعد جنايتها شيئا فهو لسيدها لأن الملك ثابت له دون المجني عليه وإن ولدت فهو لسيدها أيضا لأنه منفصل عنها فأشبه الكسب وإن فداها في حال حملها فعليه قيمتها حاملا لأن الولد متصل بها فأشبه سمنها وإن أتلفها سيدها فعليه قيمتها لأنه أتلف حق غيره فأشبه ما لو أتلف الرهن وإن نقصها فعليه نقصها لأنه لما ضمن العين ضمن أجزاءها والله أعلم

مسألة

( فإن عادت فجنت فداها كما وصفت )

وجملته أن أم الولد إذا جنت جنايات لم تخل من أن تكون الجنايات كلها قبل فداء شيء منها أو بعده فإن كانت قبل الفداء تعلق أرش الجميع برقبتها ولم يكن عليه فيها كلها إلا قيمتها أو أرض جميعها وعليه الأقل منهما ويشترك المجني عليهم في الواجب لهم فإن وفى بها وإلا تحاصوا فيه بقدر أروش جناياتهم وإن كان الثاني بعد فدائها من الأولى فعليه فداؤها من التي بعدها كما فدى الأولى وقال أبو الخطاب عن أحمد رضي الله عنه رواية ثانية

إذا فداها بقيمتها مرة لم يلزمه فداؤها بعد ذلك لأنها جانية فلم يلزمه أكثر من قيمتها كما لو لم يكن فداها وقال الشافعي رضي الله عنه في أحد قوليه لا يضمنها ثانيا ويشارك الثاني الأول فيما أخذه كما لو كانت الجنايات قبل فدائها

ولنا إنها أم ولد جانية فلزمه فداؤها كالأولى ولأن ما أخذه الأول عوض جنايته أخذه بحق فلم يجز أن يشاركه غيره فيه كأرش جناية الحر أو الرقيق القن وفارق ما قبل الفداء لأن أرش الجنايات تعلق برقبتها في وقت واحد فلم يلزم السيد أكثر من قيمة واحدة كما لو كانت الجنايات على واحد

فصل فإن أبرأ بعضهم من حقه توفر الواجب على الباقين إذا كانت كلها قبل الفداء وإن كانت الجناية المعفو عنها بعد فدائه توفر أرشها على سيدها والله أعلم

مسألة

قال ( ووصية الرجل لأم ولده وإليها جائزة )

أما الوصية لها فقد ذكرناها وأما الوصية إليها فجائزة لأنها في حال نفوذ الوصية حرة فأشبهت زوجته أو غيرها من النساء ويعتبر لصحة الوصية إليها ما يعتبر في غيرها من العدالة والعقل وسائر الشروط وسواء كانت الوصية على أولادها أو غيرهم أو وصى إليها بتفريق ثلثه أو قضاء دينه أو إمضاء وصيته أو غير ذلك

مسألة

قال ( وله تزويجها وإن كرهت


425

وجملته أن للرجل تزويج أم ولده أحبت ذلك أم كرهت

وبهذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه وهو أحد قولي الشافعي واختيار المزني وقال في القديم ليس له تزويجها إلا برضاها لأنها قد ثبت لها حكم الحرية على وجه لا يملك السيد إبطالها فلم يملك تزويجها بغير رضاها كالمكاتبة وقال في الثالث ليس له تزويجها وإرضيت لأن ملكه فيها قد ضعف وهي لم تكمل فلم يملك تزويجها كاليتيمة وهل يزوجها الحاكم على هذا القول فيه خلاف

وقد روي عن أحمد رضي الله عنه أنه قيل له إن مالكا لا يرى تزويجها فقال وما نصنع بمالك هذا ابن عمر وابن عباس يقولان إذا ولدت من غيره كان لولدها حكمها

ولنا إنها أمة يملك الاستمتاع بها واستخدامها فملك تزويجها كالقن وفارقت المكاتبة فإنه لا يملك ذلك منها

والقول الثالث فاسد لذلك ولأنه يفضي إلى منع النكاح لامرأة بالغة محتاجة إليه وقولهم يزوجها الحاكم لا يصح فإن الحاكم لا يزوج إلا عند عدم الولي أو غيبته أو عضله ولم يوجد واحد منها

إذا ثبت هذا فإنه إذا زوجها فالمهر له لأنه بمنزلة كسبها وكسبها له وإذا عتقت بموته فإن كان زوجها عبدا فلها الخيار ولأنها عتقت تحت عبد وإن كان حرا فلا خيار لها

مسألة

قال ( ولا حد على من قذفها )

هذا قول أكثر أهل العلم

وقد روي عن أحمد رضي الله عنه أنه عليه الحد لأن ذلك يروى عن ابن عمر ولأن قذفها قذف لولدها الحر وفيها معنى يمنع بيعها فأشبهت الحرة والأول أصح لأنها أمة حكمها حكم الإماء في أكثر أحكامها ففي الحد أولى لأن الحدود تدرأ بالشبهات ويحتاط لإسقاطها ولأنها أمة تعتق بالموت أشبهت المدبرة وتفارق الحرة فإنها كاملة

فصل ولا يجب القصاص على الحرة بقتلها لعدم المكافأة وإن كان القاتل لها رقيقا وجب القصاص عليه لأنها أكمل منه وإن جنت على عبد أو أمة جناية فيها القصاص لزمها القصاص لأنها أمة أحكامها أحكام الإماء واستحقاقها العتق لا يمنع القصاص كالمدبرة

مسألة

قال ( وإن صلت مكشوفة الرأس كره لها ذلك وأجزأها )

إنما كره لها كشف رأسها في صلاتها لأنها قد أخذت شبها من الحرائر لامتناع بيعها وقد سئل أحمد رضي الله عنه عن أم الولد كيف تصلي قال تغطي رأسها وقدميها لأنها لا تباع وكان الحسن يحب للأمة إذا عهدها سيدها يعني وطئها أن لا تصلي إلا مجتمعة وإن صلت مكشوفة الرأس أجزأها لأنها أمة حكمها حكم الإماء

قال إبراهيم تصلي أم الولد بغير قناع وإن كانت بنت ستين سنة وقد روي عن أحمد رضي الله عنه رواية أخرى أن عورتها عورة الحرة وذكرنا ذلك في كتاب الصلاة والصحيح أن حكمها حكم الإماء وإنما خالفتهن في استحقاقها للعتق وامتناع نقل الملك فيها وهذا لا يوجب تغير الحكم في عورتها كالمدبرة


426

ولأن الأصل بقاء حكمها في إباحة كشف رأسها ولم يوجد ما ينقل عنه من نص ولا ما في معناه فيبقى الحكم على ما كان عليه

مسألة

قال ( وإذا قتلت أم الولد سيدها فعليها قيمة نفسها )

وجملته أن أم الولد إذا قتلت سيدها عتقت لأنها لا يمكن نقل علمك فيها وقد زال ملك سيدها بقتله فصارت حرة كما لو قتله غيرها وعليها قيمة نفسها إن لم يجب القصاص عليها وهذا قول أبي يوسف وقال الشافعي عليها الدية لأنها تصير حرة ولذلك لزمها موجب جنايتها والواجب على الحر بقتل الحر دية

ولنا إنها جناية من أم ولد فلم يجب بها أكثر من قيمتها كما لو جنت على أجنبي ولأن اعتبار الجناية في حق الجاني بحال الجناية بدليل ما لو جنى على عبد فأعتقه سيده وهي في حال الجناية أمة فإنها إنما عتقت بالموت الحاصل بالجناية فيكون عليها فداء نفسها بقيمتها كما يفديها سيدها إذا قتلت غيره ولأنها ناقصة بالرق أشبهت القن وتفارق الحر فإنه جنى وهو كامل وإنما تعلق موجب الجناية بها لأنها فوتت رقها بقتلها لسيدها فأشبه ما لو فوت المكاتب الجاني رقه بأدائه وأما إن قتلت سيدها عمدا ولم يكن لها منه ولد فعليها القصاص لورثة سيدها وإن كان له منها ولد وهو الوارث وحده فلا قصاص عليها لأنه لو وجب لوجب لولدها ولا يجب للولد على أمه قصاص وقد توقف أحمد رضي الله عنه عن هذه المسألة في رواية مهنا وقال دعنا من هذه المسائل وقياس مذهبه ما ذكرناه وإن كان لها منه ولد وله أولاد من غيرها لم يجب القصاص أيضا لأن حق ولدها من القصاص يسقط فيسقط كله وقد نقل مهنا عن أحمد رضي الله عنه أنه يقتلها أولاده من اغيرها وهذه الرواية تخالف أصول مذهبه والصحيح أنه لا قصاص عليها ويجب عليها فداء نفسها بقيمتها كما لو عفا بعض مستحقي القصاص عن حقه منه والله أعلم والحمد لله وحده وصلى الله على محمد