39
39
مقدمة المؤلف الشيخ محمد جمال الدين القاسمي
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمدك يا ذا الجلال والإكرام على ما أكملت لنا من دين الإسلام ونصلي ونسلم على نبي الهدى والرحمة المبعوث بالكتاب والحكمة خاتم النبيين وإمام المرشدين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه أجمعين
أما بعد فإن موعظة العامة والتصدي لإرشادهم في الدروس العامة من الأمور المهمة المنوطة بخاصة الأمة إذ هم أمناء الشرع ونور سراجه ومصابيح علومه وحفاظ سياجه وكان السلف يملون مما وقر في صدورهم ما يرونه أمس بحالهم وزمنهم ومكانهم ولما امتد الفتوح في الإسلام ابتدئ بجمع الهدي النبوي للأنام ثم اتسع العمران وعظمت الحضارة فأخذ ينمو التفريع والتخريج والانبساط في الفنون على نسبتها في الغزارة واستبحرت في فنون العلم الأسفار ودنت لمقتطفه مباحثه الكبار وصار المعول في بثه عليها والملجأ في تعرف حقائقه عليها وتنوعت في كل فن مصنفاته وزخرت من كل بحث مؤلفاته حتى حار طالبه في انتقاء الأحسن واستوقف كثرتها نظره في تخير الأتقن وأصبح التبصر في أجودها عنوان الذكاء والوقوف على أنفعها آية النباهة والارتقاء ولما كانت عظة العوام بإيقافهم على جواهر دين الإسلام وإعلامهم محاسن الدين وواجباته ونوافله ومحظوراته وما يأمر به من الأخلاق الكريمة ويزجر عنه من المساوئ الذميمة ليرتقوا إلى ما فيه صلاحهم ونجاحهم فيفوزوا بما في الاعتصام به سعادتهم وفلاحهم من أوجب الواجبات وآكد المفروضات لما أخذ الله على العلماء من الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيقف المدعوون على شرائعه تعالى فيما أمر وزجر ووعد وأوعد وبشر وأنذر فلزم الداعي إلى الله
40
40
تعالى أن يجتهد بفطنته لما يعينه في دعوته فينتخب من المدونات أنفعها وينتقي من لباب لبابها أرفعها إذ كثير مما اعتيد في المحافل تدريسه لم يكن على بناء إفادة العامة تأسيسه ولا برهان بعد عيان
موضوع ذكرى العامة موضوع جليل لا يصلح له إلا كل حكيم نبيل أتدري من المذكر أو الواعظ أو المرشد هو إنسان حافظ لحدود الله قائم على إرشاد العقول وتهذيب النفوس وتثقيف الأذهان وتنوير المدارك وتصحيح المعتقدات وإبانة سر العبادات وإماطة ما غشي الأفهام القاصرة من غياهب الجهالة وتراث الضلالة
المذكر وارث محمدي واقف على مقاصد التشريع وحكمته عالم مواضع الخلاف والوفاق سائس لسامعيه بما يلائمهم من الأحكام لا يصعد بهم قمم الشدة والتعسير ولا يهبط بهم إلى حضيض الترخيص غلوا في التيسير بل يسير بهم على جادة الحق وسواء الطريق
المذكر ينشر العلم النافع بين الناس ويحثهم على العمل به ويخاطبهم على قدر عقولهم ويتنزل لإرشادهم إلى لغتهم يعاشر بالنصح ويخالطهم لتأليف قلوبهم
المذكر هو العامل الأكبر في إخراج الناس من ظلمات الجهالة إلى نور العلم وتحريرهم من رق الخرافات والوهم وهو كالسراج فإذا لم ينتفع بضوئه فلا فائدة في وجوده وحق ما قيل لا يكون العالم عالما حتى يظهر أثر علمه في قومه إذ ليس مسؤولا عن نفسه وحدها بل عنها وعن عشيرته وأمته فمن الواجب عليه أن يعلم ويعظ ويبلغ كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
وعلى الجملة فالمذكر لا بد أن يكون كاملا في تعليمه كاملا في إرشاده كاملا في أخلاقه
وغير خاف أن مذكر العامة على قوة ملكته وسعة مداركه يضطر إلى مادة تعينه على ذكراه وتمد ذاكرته إذا أم مبتغاه ولكن أين تلك المادة الممدة فإني لم أر بين المصنفات على كثرتها ما ألف لذكرى العامة مستوفيا للشروط التامة بأن يفقهوا معناه ويدركوا منطوقه ومغزاه ويكون وافيا بحاجياتهم آتيا على جميع كمالياتهم مجردا عن دقائق المسائل قريب الأخذ للمتناول فيستعين به المذكر ويهتدي به المستبصر ولم أزل أترقب من نفحات التوفيق ما يهدئ البال إلى أن
41
41
رأيت بعد ما لونت في عام التدريس كل كتاب نفيس الأعوام الطوال أن من أنفع ما يقتبس منه عظة المؤمنين مواضيع تنتخب من إحياء علوم الدين للعلامة الإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي عليه الرحمة والرضوان ثم اتفق أن تذاكرت مع حكيم إمام واستطلعت رأيه الصائب في هذا المرام فقال متأسفا إن هذا الموضوع لم يصنف فيه إلا أن أحسن ما لدينا لذلك هو الإحياء بعد تجريده فعددت ذلك من بدائع الموافقات وأتذكر الآن أن أحد الأعلام في دمشق أشار على من استشاره من المدرسين بالإحياء فأخذ المدرس في قراءته بالحرف عملا بالأمر الصرف ثم شكا له ضيق صدره من مباحث لا تفقهها العوام ولا ينتفع بها إلا خاصة الأنام فأجابه بأن أمره كان لفصول تنتخب منه وقد تحققت بذلك كمال حذقه رحمه الله ورضي عنه لذلك عزمت سنة 1323 على اختصاره في جزأين موجزين على الشريطة السالفة أساير فيهما ترتيب أصله بلا مخالفة والمأمول أن تحظى بالغاية المتوخاة والضالة المنشودة وبالله المستعان وعليه التكلان
42
42
كتاب العلم
فضيلة العلم
شواهده من القرآن آيات كثيرة منها قوله عز وجل ! < شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط > ! فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه وثنى بالملائكة وثلث بأهل العلم وناهيك بهذا شرفا وفضلا وقال الله تعالى ! < يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات > ! وقال عز وجل ! < قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون > ! وقال تعالى ! < إنما يخشى الله من عباده العلماء > ! وقال تعالى ! < ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم > ! رد حكمه في الوقائع إلى استنباطهم وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء في كشف حكم الله تعالى
وأما الأخبار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويلهمه رشده وقال صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة الأنبياء ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوة ولا
43
43
شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة وقال صلى الله عليه وسلم إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم وقال صلى الله عليه وسلم في تفضيل العلم على العبادة والشهادة فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي فانظر كيف جعل العلم مقارنا لدرجة النبوة وكيف حط رتبة العمل المجرد عن العلم وإن كان العابد لا يخلو عن علم بالعبادة التي يواظب عليها ولولاه لم تكن عبادة وقال صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب
ومن وصايا لقمان لابنه يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله سبحانه يحيى القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء
فضيلة التعلم
أما الآيات فقوله تعالى ! < فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين > ! وقوله عز وجل ! < فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون > !
وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وقال صلى الله عليه وسلم لأن تغدو فتتعلم بابا من العلم خير من أن تصلي مئة ركعة وقال صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم
44
44
وقال أبو الدرداء لأن أتعلم مسألة أحب إلي من قيام ليلة وقال أيضا العالم والمعلم شريكان في الخير وسائر الناس همج لا خير فيهم وقال الشافعي رضي الله عنه طلب العلم أفضل من النافلة وقال فتح الموصلي رحمه الله أليس المريض إذا منع الطعام والشراب والدواء يموت قالوا بلى قال كذلك القلب إذا منع عنه الحكمة والعلم ثلاثة أيام يموت ولقد صدق فإن غذاء القلب العلم والحكمة وبهما حياته كما أن غذاء الجسد الطعام ومن فقد العلم فقلبه مريض وموته لازم ولكنه لا يشعر به إذ حب الدنيا وشغله بها أبطل إحساسه فنعوذ بالله من يوم كشف الغطاء فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وقال ابن مسعود رضي الله عنه عليكم بالعلم قبل أن يرفع ورفعه موت رواته وإن أحدا لم يولد عالما وإنما العلم بالتعلم
فضيلة التعليم
أما الآيات فقوله عز وجل ! < ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون > ! والمراد هو التعليم والإرشاد وقوله تعالى ! < وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه > ! وهو إيجاب للتعليم وقوله تعالى ! < وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون > ! وهو تحريم للكتمان كما قال
45
45
تعالى في الشهادة ! < ومن يكتمها فإنه آثم قلبه > ! وقال تعالى ! < ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا > ! وقال تعالى ! < ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة > ! وقال تعالى ! < ويعلمهم الكتاب والحكمة > ! وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن لأن يهدي الله ربك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها وقال صلى الله عليه وسلم من علم علما فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار وقال صلى الله عليه وسلم إن الله سبحانه ملائكته وأهل سمواته وأرضه حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير وقال صلى الله عليه وسلم إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع
46
46
به أو ولد صالح يدعو له وقال صلى الله عليه وسلم الدال على الخير كفاعله وقال صلى الله عليه وسلم رحمة الله على خلفائي قيل ومن خلفاؤك قال الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله
ومن الآثار ما روي عن معاذ أنه قال تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه من لا يعلمه صدقة وبذله لأهله قربة وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة والدليل على الدين والمصبر على البأساء والضراء يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة سادة هداة يقتدى بهم أدلة في الخير تقتص آثارهم وترمق أفعالهم يبلغ العبد به منازل الأبرار والدرجات العلى والتفكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام به يطاع الله عز وجل وبه يعبد وبه يوحد ويمجد وبه يتورع وبه توصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام وهو إمام والعمل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء وقال الحسن رحمه الله لولا العلماء لصار الناس مثل
47
47
البهائم أي إنهم بالتعلم يخرجون الناس من حد البهيمية إلى حد الإنسانية
بيان العلم الذي هو فرض عين
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم فمنه ما يدرك به التوحيد ويعلم به ذات الله تعالى وصفاته ومنه ما تعرف به العبادات والحلال والحرام وما يحرم من المعاملات وما يحل ومنه ما تعلم به أحوال القلب ما يحمد منها كالصبر والشكر والسخاء وحسن الخلق وحسن المعاشرة والصدق والإخلاص وما يذم كالحقد والحسد والغش والكبر والرياء والغضب والعداوة والبغضاء والبخل فمعرفة ما تكتسب به الأولى وما تجتنب به الثانية فرض عين كتصحيح المعتقدات والعبادات والمعاملات
48
48
كتاب عقيدة أهل السنة
في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام
عقيدتهم في ذاته تعالى وتقدس أنه إله واحد لا شريك له قديم لا أول له مستمر الوجود لا آخر له أبدي لا نهاية له دائم لا انصرام له لم يزل ولا يزال موصوفا بنعوت الجلال لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم وأنه ليس بجسم مصور ولا يماثل موجودا ولا يماثله موجود ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول مرئي الذات بالأبصار في دار القرار نعمة منه ولطفا بالأبرار وإتماما منه للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم وأنه تعالى حي قادر جبار قاهر لا يعتريه قصور ولا عجز ولا تأخذه سنة ولا نوم ولا يعارضه فناء ولا موت وأنه المنفرد بالخلق والاختراع المتوحد بالإيجاد والإبداع وأنه عالم بجميع المعلومات محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السموات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويدرك حركة الذر في جو
49
49
الهواء ويعلم السر وأخفى ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفا به في أزل الآزال وأنه تعالى مدير للكائنات مدبر للحادثات فلا يجري في الملك والملكوت أمر إلا بقضائه وقدره وحكمته ومشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا راد لأمره ولا معقب لحكمه وأنه تعالى سميع بصير لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق ولا يحجب سمعه بعد ولا يدفع رؤيته ظلام لا يشبه سمعه وبصره سمع وبصر الخلق كما لا تشبه ذاته ذات الخلق وأنه تعالى متكلم آمر ناه واعد متوعد وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله عليهم السلام وأنه تعالى كلم موسى عليه السلام بكلامه الذي هو صفة ذاته لا خلق من خلقه وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة لمخلوق فينفد وأنه سبحانه وتعالى لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله وفائض من عدله على أحسن الوجوه وأكملها وأتمها وأعدلها وأنه حكيم في أفعاله عادل في أقضيته فكل ما سواه من إنس وجن وملك وسماء وأرض وحيوان ونبات وجماد ومدرك ومحسوس حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا وأنشأه إنشاء بعد أن لم يكن شيئا إذ كان في الأزل موجودا وحده ولم يكن معه غيره فأحدث الخلق بعد ذلك إظهارا لقدرته وتحقيقا لما سبق من إرادته ولما حق في الأزل من كلمته لا لافتقاره إليه وحاجته وأنه متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لا عن وجوب ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان وأنه عز وجل يثيب عباده المؤمنين على الطاعات يحكم الكرم والوعد لا بحكم اللزوم له إذ لا يجب عليه لأحد فعل ولا يتصور منه ظلم ولا يجب لأحد عليه حق وأن حقه في الطاعات واجب على الخلق بإيجابه على ألسنة أنبيائه عليهم السلام لا بمجرد العقل ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة فبلغوا أمره ونهيه ووعيده فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاؤوا به وأنه بعث النبي الأمي القرشي محمدا صلى الله عليه وسلم برسالته إلى العرب والعجم والجن والإنس وأنه ختم الرسالة والنبوة ببعثته فجعله آخر المرسلين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وأنزل عليه كتابه الحكيم وشرح به دينه القويم وهدى به الصراط المستقيم وألزم الخلق تصديقه في جميع ما أخبر به وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من يموت كما بدأهم يعودون
50
50
وأنه تعالى قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته
وندين بأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنا والسرقة وشرب الخمور وندين بأن لا ننزل أحدا من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة ولا نارا إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ونرجو الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين ونقول إن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا لما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونؤمن بعذاب القبر وأن الله عز وجل يوقف العباد في الموقف ويحاسب المؤمنين وندين بحب السلف الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه عليه السلام ونثني عليهم بما أثنى الله به عليهم ونتولاهم أجمعين ونقول إن الإمام الفاضل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضوان الله عليه وإن الله أعز به الدين وأظهره على المرتدين وقدمه المسلمون بالإمامة كما قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة وسموه بأجمعهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه وإن الذين قاتلوه قاتلوه ظلما وعدوانا ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافتهم خلافة النبوة ونتولى سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكف عما شجر بينهم ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين وما كان في معناه ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا ولا نقول على الله ما لا نعلم ونرى الصدقة عن موتى المسلمين والدعاء لهم ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك ونقول إن الصالحين يجوز أن يخصهم الله بآيات يظهرها عليهم
51
51
كتاب أسرار الطهارة
قال تعالى ! < ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم > ! وقال تعالى ! < فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين > !
وقال صلى الله عليه وسلم مفتاح الصلاة الطهور وعنه بني الدين على النظافة ففطن ذوو البصائر بهذه الظواهر أن أهم الأمور تطهير السرائر إذ يبعد أن يكون المراد بقوله صلى الله عليه وسلم الطهور نصف الإيمان عمارة الظاهر بالتنظيف بإفاضة الماء وإلقائه وتخريب الباطن وإبقاءه مشحونا بالأخباث والأقذار هيهات هيهات والطهارة لها أربع مراتب
المرتبة الأولى تطهير الظاهر عن الأحداث وعن الأخباث والفضلات
المرتبة الثانية تطهير الجوارح عن الجرائم والآثام
المرتبة الثالثة تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة
52
52
المرتبة الرابعة تطهير السر عما سوى الله تعالى وهو طهارة الأنبياء صلوات الله عليهم والصديقين ولن ينال العبد الطبقة العالية إلا أن يجاوز الطبقة السافلة فلا يصل إلى طهارة السر عن الصفات المذمومة وعمارته بالمحمودة ما لم يفرغ من طهارة القلب عن الخلق المذموم وعمارته بالخلق المحمود ولن يصل إلى ذلك من لم يفرغ من طهارة الجوارح عن المناهي وعمارتها بالطاعات وكلما عز المطلوب وشرف صعب مسلكه وكثرت عقباته فلا تظن أن هذا الأمر يدرك بالمنى وينال بالهوينا نعم من عميت بصيرته عن تفاوت هذه الطبقات لم يفهم من مراتب الطهارة إلا الدرجة الأخيرة التي هي كالقشرة الأخيرة الظاهرة بالإضافة إلى اللب المطلوب فصار يمعن فيها ويستوعب جميع أوقاته في الاستنجاء وغسل الثياب وتنظيف الظاهر وطلب المياه الجارية الكثيرة ظنا منه بحكم الوسوسة وتخبل العقل أن الطهارة المطلوبة الشريفة هي هذه فقط وجهالة بسيرة الأولين واستغراقهم جميع الهم والفكر في تطهير القلب وتساهلهم في أمر الظاهر حتى إن عمر رضي الله عنه مع علو منصبه توضأ من ماء في جرة نصرانية ولقد كانوا يصلون على الأرض في المساجد وكانوا يقتصرون على الحجارة في الاستنجاء فكانت عنايتهم كلهم بنظافة الباطن ولم ينقل عن أحد منهم سؤال في دقائق النجاسات وقد انتهت النوبة إلى طائفة يسمون الرعونة نظافة فأكثر أوقاتهم في تزيينهم الظواهر كفعل الماشطة بعروسها والباطن هنا خراب مشحون بخبائث الكبر والعجب والجهل والرياء والنفاق ولا يستنكرون ذلك ولا يتعجبون منه ولو اقتصر مقتصر على الاستنجاء بالحجر أو صلى على الأرض من غير سجادة مفروشة أو توضأ من آنية كافر أقاموا عليه القيامة وشدوا عليه النكير ولقبوه بالقذر فانظر كيف صار المنكر معروفا والمعروف منكرا وكيف اندرس من الدين رسمه كما اندرس حقيقته وعلمه إذا عرفت هذه المقدمة فلنتكلم الآن من مراتب الطهارة على الرابعة وهي نظافة الظاهر فنقول طهارة الظاهر ثلاثة أقسام
53
53
طهارة عن الخبث وطهارة عن الحدث وطهارة عن فضلات البدن وهي التي تحصل بالقلم والاستحداد استعمال النورة والختان وغيرها
القسم الأول في طهارة الخبث
والنظر فيه يتعلق بالمزال والمزال به والإزالة
الطرف الأول في المزال وهي النجاسة
الأعيان ثلاثة جمادات وحيوانات وأجزاء حيوانات أما الجمادات فطاهرة كلها إلا الخمر وكل منتبذ مسكر والحيوانات طاهرة كلها إلا الكلب والخنزير فإذا ماتت فكلها نجسة إلا خمسة
1 الآدمي
2 والسمك
3 والجراد
4 ودود التفاح وفي معناه كل ما يستحيل من الأطعمة
5 وكل ما ليس له نفس سائلة كالذباب والخنفساء وغيرهما فلا ينجس الماء بوقوع شيء منها فيه
وأما أجزاء الحيوانات فقسمان
أحدهما ما يقطع منه وحكمه حكم الميت والشعر لا ينجس بالجز والموت والعظم ينجس
الثاني الرطوبات الخارجة من باطنه فكل ما ليس مستحيلا ولا له مقر فهو طاهر كالدمع والعرق واللعاب والمخاط وما له مقر وهو مستحيل فنجس إلا ما هو مادة الحيوان كالمني والبيض والقيح والدم والروث والبول نجس من
54
54
الحيوانات كلها ولا يعفى عن شيء من هذه النجاسات قليلها وكثيرها إلا عن خمسة
الأول أثر النجو بعد الإستجمار بالأحجار يعفى عنه ما لم يعد المخرج
والثاني طين الشوارع وغبار الروث في الطريق يعفى عنه مع تيقن النجاسة بقدر ما يتعذر الإحتراز عنه وهو الذي لا ينسب المتلطخ به إلى تفريط أو سقطة
الثالث ما على أسفل الخف من نجاسة لا يخلو الطريق عنها فيعفى عنه بعد الدلك للحاجة
الرابع دم البراغيث ما قل منه أو كثر إلا إذا جاوز حد العادة سواء كان في ثوبك أو في ثوب غيرك فلبسته
الخامس دم البثرات وما ينفصل منها من قيح وصديد دلك ابن عمر رضي الله عنه بثرة على وجهه فخرج منها الدم وصلى ولم يغسل وفي معناه ما يترشح من لطخات الدماميل التي تدوم غالبا وكذلك أثر الفصد إلا ما يقع نادرا من جراح أو غيره فيلحق بدم الاستحاضة ولا يكون في معنى البثرات التي لا يخلو الإنسان عنها في أحواله ومسامحة الشرع في هذه النجاسات الخمس تعرفك أن أمر الطهارة على التساهل وما أبدع فيها وسوسة لا أصل لها
الطرف الثاني في المزال به
وهو إما جامد وإما مائع أما الجامد فحجر الاستنجاء وهو مطهر تطهير تخفيف بشرط أن يكون صلبا طاهرا منشفا غير محترم وأما المائعات فلا تزال النجاسات بشيء منها إلا الماء ولا كل ماء بل الطاهر الذي لم يتفاحش تغيره بمخالطة ما يستغنى عنه ويخرج الماء عن الطهارة بأن يتغير بملاقاة النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه فإن لم يتغير بملاقاة النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه لم ينجس لقوله صلى الله عليه وسلم خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو
55
55
ريحه
الطرف الثالث في كيفية الإزالة
النجاسة إن كانت حكمية وهي التي ليس لها جرم محسوس فيكفي إجراء الماء على جميع مواردها وإن كانت عينية فلا بد من إزالة العين وبقاء اللون بعد الحت والقرص معفو عنه ويعفى عن الرائحة إذا عسر إزالتها والعصر مرات متواليات يقوم مقام الحت والقرص في اللون والمزيل للوسواس أن يعلم أن الأشياء خلقت طاهرة ببقين فما لا يشاهد عليه نجاسة ولا يعلمها يقينا يصلي معها
القسم الثاني طهارة الأحداث
آداب قضاء الحاجة
ومنها الوضوء والغسل والتيمم ويتقدمها الاستنجاء فلنورد كيفيتها على الترتيب مع آدابها وسننها مبتدئين بسبب الوضوء وآداب قاضي الحاجة إن شاء الله تعالى
ينبغي أن يبعد عن أعين الناظرين في الصحراء وأن يستتر بشيء إن وجده وأن لا يكشف عورته قبل الإنتهاء إلى موضع الجلوس وأن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها وأن يتقي الجلوس في متحدث الناس وأن لا يبول في الماء الراكد وتحت الشجرة المثمرة وفي الثقب وأن يتقي الموضع الصلب ومهبات الرياح في البول استنزاها من رشاشه وأن يتكئ في جلوسه على الرجل اليسرى وإن كان في بنيان يقدم الرجل اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج ولا يستصحب شيئا عليه اسم الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يقول عند الدخول بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث وعند الخروج الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى علي ما ينفعني وأن يستبرئ من البول بالنتر ثلاثا ولا يكثر التفكر في الاستبراء فيتوسوس
56
56
ويشق عليه الأمر وما يحس به من بلل فيقدر انه بقية الماء وقد كان أخفهم استبراء أفقههم فتدل الوسوسة على قلة الفقه ومن الرخصة أن يبول الإنسان قريبا من صاحبه مستترا عنه فعل ذلك رسول صلى الله عليه وسلم مع شدة حيائه ليبين للناس ذلك
كيفية الاستنجاء
ثم يستنجي لمقعدته بثلاثة أحجار ومثلها كل خشن طاهر ثم يستنجي بالماء بأن يفيضه باليمنى على محل النجو ويدلك باليسرى حتى لا يبقى أثر يدركه الكف بحس اللمس ويترك الاستقصاء فيه بالتعرض للباطن فإن ذلك منبع الوسواس وليعلم أن كل ما لا يصل إليه الماء فهو باطن ولا يثبت حكم النجاسة للفضلات الباطنة ما لم تظهر وكل ما هو ظاهر وثبت له حكم النجاسة فحد طهوره أن يصل الماء إليه فيزيله ولا معنى للوسواس
كيفية الوضوء
إذا فرغ من الاستنجاء وأراد القيام إلى الصلاة اشتغل بالوضوء ويبتدئ بالسواك ثم يجلس للوضوء مستقبل القبلة ويسمي ثم يغسل يديه ثلاثا قبل أن يدخلهما الإناء ثم يأخذ غرفة لفيه فيتمضمض بها ثلاثا ويغرغر إلا أن يكون صائما ثم يأخذ غرفة لأنفه ويستنشق ثلاثا ويصعد الماء بالنفس إلى خياشيمه ويستنثر ما فيها ثم يغرف غرفة لوجهه فيغسله من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى ما يقبل من الذقن في الطول ومن الأذن إلى الأذن في العرض ويوصل الماء إلى منابت الشعور الأربعة الحاجبين والشاربين والعذارين والأهداب لأنها خفيفة في الغالب وإلى منابت اللحية الخفيفة وأما الكثيفة فيفيض الماء على ظاهرها ويندب تخليلها ويدخل الأصابع في محاجر العينين وموضع الرمص ومجتمع الكحل وينقيهما ثم يغسل يديه إلى مرفقيه ثلاثا ويحرك الخاتم ويبدأ باليمين ثم يستوعب رأسه بالمسح بأن يبل يديه ويلصق رؤوس أصابع يده اليمنى باليسرى ويضعهما على مقدمة الرأس
57
57
ويمرهما إلى القفا ثم يردهما إلى المقدمة ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما بماء جديد ثم يمسح رقبته بماء جديد ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ويخلل أصابعهما فإذا فرغ رفع رأسه إلى السماء وقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين واجعلني من عبادك الصالحين
ما يكره في الوضوء
يكره في الوضوء أن يزيد على الثلاث وأن يسرف في الماء توضأ صلى الله عليه وسلم ثلاثا وقال من زاد فقد أساء وظلم وقال سيكون قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور ويقال من وهن علم الرجل ولوعه بالماء في الطهور ويكره أن ينفض اليد فيرش الماء وأن يلطم وجهه بالماء لطما
الاعتبار بالطهارة
متى فرغ من وضوئه وأقبل على الصلاة فينبغي أن يخطر بباله أنه طهر ظاهره وهو موضع نظر الخلق فينبغي أن يستحي من مناجاة الله تعالى من غير تطهر قلبه وهو موضع نظر الرب سبحانه وليتحقق أن طهارة القلب بالتوبة والخلو عن الأخلاق المذمومة والتخلق بالأخلاق الحميدة أولى من أن يقتصر على طهارة الظاهر كمن أراد أن يدعو ملكا إلى بيته فتركه مشحونا بالقاذورات واشتغل بتجصيص ظاهر الباب البراني من الدار وما أجدره بالتعرض للمقت والبوار
كيفية الغسل
يغسل يديه ثلاثا ثم يستنجي ويزيل ما على بدنه من نجاسة إن كانت ثم يتوضأ وضوءه للصلاة كما وصفنا إلا غسل القدمين فإنه يؤخرهما ثم يصب الماء على رأسه ثم على شقه الأيمن ثم الأيسر ثم يدلك ما أقبل من بدنه وما أدبر ويخلل شعر الرأس واللحية ويوصل الماء إلى منابت ما كثف منه وما خف وليس على المرأة نقض الضفائر إلا إذا علمت أن الماء لا يصل إلى خلال الشعور ويتعهد معاطف البدن
58
58
والغسل الواجب بأربعة بخروج المني والتقاء الختانين والحيض والنفاس وما عداه من الأغسال سنة كغسل العيدين والجمعة والإحرام والوقوف بعرفة ولدخول مكة ولمن غسل ميتا
كيفية التيمم
من تعذر عليه استعمال الماء لفقده من بعد الطلب أو المانع له عن الوصول إليه من سبع أو حابس أو كان الماء الحاضر يحتاج إليه لعطشه أو لعطش رفيقه أو كان ملكا لغيره ولم يبعه إلا بأكثر من ثمن المثل أو كان به جراحة أو مرض وخاف من استعماله فساد العضو أو شدة الضنى فينبغي أن يصبر حتى يدخل عليه وقت الفريضة ثم يقصد صعيدا طيبا عليه تراب طاهر بحيث يثور منه غبار ويضرب عليه كفيه ضاما بين أصابعه ويمسح بهما جميع وجهه مرة واحدة ولا يكلف إيصال الغبار إلى ما تحت الشعور خف أو كثف ثم ينزع خاتمه ويضرب ضربة ثانية ويفرج فيها بين أصابعه ويمسح بكفه اليسرى يده اليمنى وبكفه اليمنى يده اليسرى وإذا صلى به الفرض فله أن يتنفل كيف شاء ويعيد التيمم لفرض ثان
القسم الثالث من النظافة التنظيف عن الفضلات الطاهرة
وهي نوعان أوساخ وأجزاء
النوع الأول الأوساخ والرطوبات المترشحة وهي ثمانية
الأول ما يجتمع في شعر الرأس من الدرن والقمل فالتنظيف عنه مستحب بالغسل والترجيل والتدهين إزالة للشعث عنه وكان صلى الله عليه وسلم يدهن الشعر ويرجله غبا ويأمر به
الثاني ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن والمسح يزيل ما يظهر منه وما يجتمع في قعر صماخي أذنيه فينبغي أن ينظف برفق عند الخروج من الحمام
59
59
الثالث ما يجتمع في داخل الأنف ويزيله بالاستنشاق والاستنثار
الرابع ما يجتمع على الأسنان وطرف اللسان فيزيله السواك والمضمضة
الخامس ما يجتمع في اللحية من الوسخ والقمل إذا لم يتعهد ويستحب إزالة ذلك بالغسل والتسريح بالمشط وترك الشعث في اللحية إظهارا للزهد وقلة المبالاة بالنفس محذور وتركه شغلا بما هو أهم منه محبوب وهذه أحوال باطنة بين العبد وبين الله عز وجل والناقد بصير والتلبيس غير رائج عليه بحال
السادس وسخ البراجم وهي معاطف ظهور الأنامل كانت العرب لا تكثر غسل ذلك لتركها غسل اليد عقيب الطعام فيجتمع في تلك الغضون وسخ فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بغسل البراجم
السابع تنظيف الرواحب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العرب بتنظيفها وهي رؤوس الأنامل وما تحت الأظفار من الوسخ لأنها كانت لا يحضرها المقراض في كل وقت فتجتمع فيها أوساخ
الثامن الدرن الذي يجتمع على جميع البدن برشح العرق وغبار الطريق وذلك يزيله الحمام
آداب الحمام
لا بأس بدخول الحمام دخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حمامات الشام وقال بعضهم نعم البيت بيت الحمام يطهر البدن ويذكر النار روي ذلك عن أبي الدرداء وأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهما وقال بعضهم بئس البيت بيت الحمام يبدي العورة ويذهب الحياء فهذا تعرض لآفته وذاك تعرض لفائدته ولا بأس بطلب فائدته عند الاحتراز من آفته ولكن على داخل الحمام وظائف من السنن والواجبات فعليه واجبان في عورته وواجبان في عورة غيره أما الواجبان في عورته فهو أن يصونها عن نظر الغير ويصونها عن مس الغير فلا يتعاطى أمرها وإزالة وسخها إلا بيده ويمنع الدلاك من مس الفخذ وما بين السرة إلى العانة والواجبان في
60
60
عورة الغير أن يغض بصر نفسه عنها وأن ينهى عن كشفها لأن النهي عن الكشف واجب وعليه ذكر ذلك وليس عليه القبول
وأما السنن فمنها النية وهو أن لا يدخل لعاجل دنيا ولا عابثا لأجل هوى بل يقصد به التنظف المحبوب تزينا للصلاة ويقدم رجله اليسرى عند الدخول ولا يعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق في الأول وأن لا يكثر صب الماء بل يقتصر على قدر الحاجة فإنه المأذون فيه بقرينة الحال والزيادة عليه لو علمه الحمامي لكرهه لا سيما الماء الحار فله مؤنة وفيه تعب وأن يتذكر حر النار بحر الحمام ويقدر نفسه محبوسا في البيت الحار ساعة ويقيسه إلى جهنم فإنه أشبه بيت بجهنم النار من تحت والظلام من فوق نعوذ بالله من ذلك ولا بأس بأن يصافح الداخل ويقول عافاك الله ولا بأس بأن يدلكه غيره ويغمز ظهره وأطرافه ثم مهما فرغ من الحمام شكر الله عز وجل على هذه النعمة ويكره طبا صب الماء البارد على الرأس عند الخروج وكذا شربه ويكره للمرأة دخوله إلا لضرورة بمئزر سابغ
النوع الثاني فيما يحدث في البدن من الأجزاء وهي ثمانية
الأول شعر الرأس ولا بأس بحلقه لمن أراد التنظيف ولا بأس بتركه لمن يدهنه ويرجله
الثاني شعر الشارب يندب قص ما طال عن الشفة منه ولا بأس بترك السبالين
الثالث شعر الإبط تستحب إزالته في كل أربعين يوما فأقل
الرابع شعر العانة تستحب إزالته بالحلق أو بالنورة في المدة المتقدمة
الخامس الأظفار وتقليمها مستحب لشناعة صورتها إذا طالت ولما يجتمع فيها من الوسخ وليس في ترتيب قلمها مروي صحيح
السادس والسابع زيادة السرة وقلفة الحشفة أما السرة فتقطع في أول
61
61
الولادة وأما التطهير بالختان فلا بأس به في اليوم السابع من الولادة وإن خيف منه خطر فالأولى تأخيره
الثامن ما طال من اللحية روي عن بعض الصحابة والتابعين أخذ ما زاد عن القبضة وقال آخرون تركها عافية أحب والأمر في هذا قريب إن لم ينته إلى الطول المفرط فإنه قد يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنبز إليه فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النية وفي اللحية عشر خصال مكروهة وبعضها أشد كراهة من بعض خضابها بالسواد وتبييضها بالكبريت ونتفها ونتف الشيب منها والنقصان والزيادة فيها وتسريحها تصنعا لأجل الرياء وتركها شعثة إظهارا للزهد والنظر إلى سوادها عجبا بالشباب وإلى بياضها تكبرا بعلو السن وخضابها بالحمرة من غير نية تشبها بالصالحين فأما الخضاب بالسواد فقد روي فيه نهي لأنه قد يفضي إلى الغرور والتلبيس وأما تبييضها بالكبريت فقد يكون استعجالا لإظهار علو السن توصلا إلى التوقير وترفعا عن الشباب وإظهارا لكثرة العلم ظنا بأن كثرة الأيام تعطيه فضلا وهيهات فلا يزيد كبر السن الجاهل إلا جهلا فالعلم ثمرة العقل وهي غريزة ولا يؤثر الشيب فيها ومن كانت غريزته الحمق فطول المدة يؤكد حماقته وقد كان الشيوخ يقدمون الشباب بالعلم كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم ابن عباس وهو حديث السن على أكابر الصحابة ويسأله دونهم وقال ابن عباس رضي الله عنه ما آتى الله عز وجل عبده علما إلا شابا والخير كله في الشباب ثم تلا قوله عز وجل ! < قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم > ! وقوله تعالى ! < إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى > ! وقوله تعالى ! < وآتيناه الحكم > !
62
62
صبيا ) وقال أيوب السختياني أدركت الشيخ ابن ثمانين سنة يتبع الغلام يتعلم منه وقيل لأبي عمرو بن العلاء أيحسن من الشيخ أن يتعلم من الصغير فقال إن كان الجهل يقبح به فالتعلم يحسن به
63
63
كتاب أسرار الصلاة ومهماتها
الصلاة عماد الدين وعصام اليقين وسيدة القربات وغرة الطاعات وقد استقصيت أصولها وفروعها في فن الفقه فنقتصر هنا على ما لا بد منه للمريد من أعمالها الظاهرة وأسرارها الباطنة
فضيلة الأذان
قال صلى الله عليه وسلم لا يسمع نداء المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة وقال صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن وذلك محبوب مستحب إلا في الحيعلتين فإنه يقول فيهما لا حول ولا قوة إلا بالله وفي قوله قد قامت الصلاة أقامها الله وأدامها وفي التثويب أي قول مؤذن الفجر الصلاة خير من النوم صدقت وبررت وعند الفراغ يقول اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته
64
64
فضيلة المكتوبة
قال الله تعالى ! < إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا > ! وقال صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر وسئل صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل فقال الصلاة لمواقيتها وكان أبو بكر رضي الله عنه يقول إذا حضرت الصلاة قوموا إلى ناركم التي أوقدتموها فأطفئوها
فضيلة إتمام الأركان
قال صلى الله عليه وسلم من صلى صلاة لوقتها وأسبغ وضوءها وأتم ركوعها وسجودها وخشوعها عرجت وهي بيضاء مسفرة تقول حفظك الله كما حفظتني ومن صلى لغير وقتها ولم يسبغ وضوءها ولم يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها عرجت وهي سوداء مظلمة تقول ضيعك الله كما ضيعتني حتى إذا كانت حيث شاء الله لفت كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجهه
65
65
فضيلة الجماعة
قال صلى الله عليه وسلم صلاة الجمع تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة وروى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم فقد ناسا في بعض الصلوات فقال لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها فأحرق عليهم بيوتهم وقال عثمان رضي الله عنه مرفوعا من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة ومن شهد الصبح فكأنما قام ليلة وقال محمد بن واسع ما أشتهي من الدنيا إلا ثلاثة أخا أن تعوجت قومني وقوتا من الرزق عفوا بغير تبعة وصلاة في جماعة يرفع عني سهوها ويكتب لي فضلها وقال الحسن لا تصلوا خلف رجل لا يختلف إلى العلماء وقال ابن عباس رضي الله عنه من سمع المنادي فلم يجب لم يرد خيرا ولم يرد به
فضيلة السجود
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مسلم يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة
66
66
وحط عنه بها سيئة وقال صلى الله عليه وسلم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء وقال تعالى ! < سيماهم في وجوههم من أثر السجود > ! يعني نور الخشوع فإنه يشرق من الباطن على الظاهر
وجوب الخشوع
قال الله تعالى ! < وأقم الصلاة لذكري > ! ظاهر الأمر الوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل في صلاته كيف يكون مقيما لها لذكره تعالى وقال سبحانه ! < ولا تكن من الغافلين > ! وقال تعالى ! < قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون > ! جعل أول مراتب الفلاح الخشوع في الصلاة إعلاما بأن من فقده فهو بمراحل عن الفوز والنجاح الذي هو معنى الفلاح وقال صلى الله عليه وسلم إنما الصلاة تمسكن وتواضع وتضرع وتضع يديك تقول اللهم اللهم فمن لم يفعل فهي خداج وروي من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم
67
67
يزدد من الله إلا بعدا وحكي عن مسلم بن يسار أنه كان يصلي في مسجد البصرة فسقط حائط المسجد ففزع أهل السوق لهدته فما التفت ولما هنيء بسلامته عجب وقال ما شعرت بها وقال ابن عباس ركعتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه
فضيلة المسجد وموضع الصلاة
قال الله عز وجل ! < إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر > ! وقال صلى الله عليه وسلم من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة وقال صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس وقال صلى الله عليه وسلم لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد وقال صلى الله عليه وسلم يأتي على الناس زمان يتحلقون في مساجدهم وليس همهم إلا الدنيا وليس لله فيهم حاجة فلا تجالسوهم
68
68
أعمال الصلاة الظاهرة
إذا فرغ المصلي من الوضوء والطهارة من الخبث في البدن والمكان والثياب وستر العورة من السرة إلى الركبة فعليه أن ينتصب قائما متوجها إلى القبلة وليقرب من جدار الحائط فإن ذلك يقصر مسافة البصر ويمنع تفرق الفكر وليحجر على بصره أن يجاوز موضع سجوده وليدم هذا القيام كذلك إلى الركوع من غير التفات ثم ينوي أداء الصلاة بقلبه ويرفع يديه إلى حذو منكبيه مقبلا بكفيه إلى القبلة ويبسط الأصابع ولا يقبضها ولا يتكلف فيها تفريجا ولا ضما بل يتركها على مقتضى طبعها ويكبر ثم يضع اليدين على صدره ويضع اليمنى على اليسرى ولا ينفض يديه إذا فرغ من التكبير بل يرسلهما إرسالا خفيفا رفيقا وينبغي أن يضم الهاء من قوله الله ضمة خفيفة من غير مبالغة ولا يدخل بين الهاء والألف شبه الواو بين باء أكبر ورائه ألفا كأنه يقول أكبار ويجزم راء التكبير ولا يضمها
القراءة
ثم يبتدى بدعاء الاستفتاح عقب التكبير قائلا الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكره وأصيلا أو وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي و مماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين أو سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ثم يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يقرأ الفاتحة ويقول بعدها آمين ولا يصلها بقوله ولا الضالين ويجهر بالقراءة في الصبح والمغرب والعشاء إلا أن يكون مأموما ويجهر بالتأمين ثم يقرأ السورة أو قدر ثلاث آيات من القرآن فما فوقها ولا يصل آخر السورة بتكبيرة الهوي بل يفصل بينهما بقدر قوله سبحان الله ويقرأ في الصبح من السور الطوال من المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الظهر والعصر والعشاء من أوساطه وفي الصبح في السفر ! < قل يا أيها الكافرون > ! و ! < قل هو الله أحد > ! وكذلك في ركعتي الفجر والطواف والتحية
69
69
الركوع ولواحقه
ثم يركع ويراعي فيه أمورا وهو أن يكبر للركوع وأن يرفع يديه مع تكبيرة الركوع وأن يمد التكبير إلى تمام الركوع وأن يضع راحتيه على ركبتيه في الركوع وأصابعه منشورة موجهة نحو القبلة على طول الساق وأن ينصب ركبتيه ولا يثنيهما وأن يمد ظهره مستويا لا يكون رأسه أخفض ولا أرفع وأن يجافي مرفقيه عن جنبيه وتضم المرأة مرفقيها إلى جنبيها وأن يقول سبحان ربي العظيم ثلاثا والزيادة إلى السبعة وإلى العشرة حسن إن لم يكن إماما ثم يرتفع من الركوع إلى القيام ويرفع يديه ويقول سمع الله لمن حمده ويطمئن في الإعتدال ويقول ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد ويقنت في الصبح في الركعة الثانية بالكلمات المأثورة
السجود
ثم يهوي إلى السجود مكبرا فيضع ركبتيه على الأرض ويضع جبهته وكفيه مكشوفة ويكبر عند الهوي ولا يرفع يديه مع غير الركوع ويجافي مرفقيه عن جنبيه ولا تفعل المرأة ذلك ويفرج بين رجليه ولا تفعل المرأة ذلك ويرفع بطنه عن فخذيه ولا تفعل المرأة ذلك ويضع يديه على الأرض حذاء منكبيه ولا يفرج بين أصابعهما بل يضمهما ولا يفترش ذراعيه على الأرض ويقول سبحان ربي الأعلى ثلاثا فإن زاد فحسن إلا أن يكون إماما ثم يرفع من السجود فيطمئن جالسا معتدلا فيرفع رأسه مكبرا ويجلس على رجله اليسرى وينصب قدمه اليمنى ويضع يديه على فخذيه والأصابع منشورة ولا يتكلف ضمها ولا تفريجها ويقول رب اغفر لي وارحمني وارزقني واهدني واجبرني وعافني واعف عني ويأتي بالسجدة الثانية كذلك ويصلي الركعة الثانية كالأولى ويعيد التعوذ في الابتداء
التشهد
ثم يتشهد في الركعة الثانية التشهد الأول ثم يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويقبض أصابعه اليمنى إلا المسبحة ويشير بها
70
70
عند قوله إلا الله ويجلس في هذا التشهد على رجله اليسرى كما بين السجدتين وفي التشهد الأخير يستكمل الدعاء المأثور بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويجلس فيه على وركه الأيسر لأنه ليس مستوفزا للقيام بل هو مستقر ويضع رجله اليسرى خارجة من تحته وينصب اليمنى ثم يقول السلام عليكم ورحمة الله ويلتفت يمينا بحيث بري خده الأيمن وشمالا كذلك وينوي بالسلام من على يمينه من الملائكة والمسلمين في الأولى وينوي مثل ذلك في الثانية ولا يرفع صوته إلا بقدر ما يسمع روحه
المنهيات
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الحاقن والحاقب والحازق وعن صلاة الجائع والمتلثم فأما الحاقن فمن البول والحاقب من الغائط والحازق صاحب الخف الضيق فإن كل ذلك يمنع الخشوع وفي معناه الجائع المهتم وفهم نهي الجائع من قوله صلى الله عليه وسلم إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء والنهي عن التلثم من حديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغطي الرجل فاه في الصلاة وقال الحسن كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع ويكره أيضا أن ينفخ في الأرض عند السجود وأن يسوي الحصا بيده وأن يستند في قيامه إلى حائط وقال بعض السلف أربعة في الصلاة من الجفاء الالتفات ومسح الوجه وتسوية الحصا وأن تصلي بطريق من يمر بين يديك
تمييز الفرائض والسنن
ما تقدم يشتمل على فرائض وسنن وهيئات فالسنن من الأفعال رفع اليدين في تكبيرة الإحرام وعند الهوي إلى الركوع وعند الرفع منه والجلسة للتشهد الأول
71
71
والتورك والافتراش هيئات تابعة للجلسة وترك الالتفات هيئة للقيام وتحسين لصورته والسنن من الأذكار دعاء الاستفتاح والتعوذ وقول آمين وقراءة السورة وتكبيرات الانتقالات والذكر في الركوع والسجود والاعتدال والتشهد الأول والصلاة فيه على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء في التشهد الأخير والتسليمة الثانية هذه السنن وما عداها فهو واجب واعلم أن الصلاة كالإنسان فروحها وحياتها أعني الخشوع وحضور القلب والإخلاص كروح الإنسان وحياته وأركانها تجري منها مجرى قلبه ورأسه وكبده إذ يفوت وجود الصلاة بفواتها كما ينعدم الإنسان بعدمها والسنن تجري منها مجرى اليدين والعينين والرجلين منه فهي لا تفوت الحياة بفواتها ولكن يصير المرء بفقدها مشوه الخلقة مذموما والهيئات تجري منها مجرى أسباب الحسن من الحاجبين واللحية والأهداب وحسن اللون ونحوها فمن اقتصر على أقل ما يجزئ من الصلاة كان كمن أهدى إلى ملك من الملوك عبدا مقطوع الأطراف فالصلاة قربة وتحفة تتقرب بها إلى حضرة ملك الملوك كوصيفة يهديها طالب القربة من السلاطين إليهم وهذه التحفة تعرض على الله عز وجل ثم ترد عليك يوم العرض الأكبر فإليك الخيرة في تحسين صورتها وتقبيحها فإن أحسنت فلنفسك وإن أسأت فعليها
بيان الشروط الباطنة من أعمال القلب
اشتراط الخشوع وحضور القلب
إعلم أن أدلة ذلك كثيرة فمن ذلك قوله تعالى ! < وأقم الصلاة لذكري > ! وظاهر الأمر الوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيما للصلاة لذكره وقوله تعالى ! < ولا تكن من الغافلين > ! نهي وظاهره التحريم وقوله تعالى ! < حتى تعلموا ما تقولون > ! تعليل لنهي السكران وهو
72
72
مطرد في الغافل المستغرق الهم بالوسواس وأفكار الدنيا وقوله صلى الله عليه وسلم إنما الصلاة تمسكن وتواضع حصر بالألف واللام وكلمة إنما للتحقيق والتوكيد وقوله صلى الله عليه وسلم من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء والمنكر وقال صلى الله عليه وسلم كم من قائم حظه من صلاته التعب والنصب وما أراد به إلاالغافل وقال صلى الله عليه وسلم ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها والتحقيق فيه أن المصلي مناج ربه عز وجل كما ورد به الخبر والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة البتة ولو حلف الإنسان وقال لأشكرن فلانا وأثني عليه وأسأله حاجة ثم جرت الألفاظ الدالة على هذه المعاني على لسانه في النوم لم يبر في يمينه ولو جرت على لسانه في ظلمة وذلك الإنسان حاضر وهو ولا يعرف حضوره ولا يراه لا يصير بارا في يمينه إذ لا يكون كلامه خطابا ونطقا معه ما لم يكن هو حاضرا في قلبه فلو كانت تجري هذه الكلمات على لسانه وهو حاضر إلا أنه في بياض النهار غافل لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار ولم يكن له قصد يوجبه الخطاب إليه عند نطقه لم يصر بارا في يمينه ولا شك في أن المقصود من القراءة والأذكار الحمد والثناء والتضرع والدعاء والمخاطب هو الله عز وجل والقلب بحجاب الغفلة محجوب عنه فلا يراه ولا يشاهده بل هو غافل عن المخاطب واللسان يتحرك بحكم العادة فما أبعد هذا عن المقصود بالصلاة التي شرعت لتصقيل القلب وتجديد ذكر الله عز وجل ورسوخ عقد الإيمان به
وبالجملة فحضور القلب هو روح الصلاة ومن عرف سر الصلاة علم أن الغفلة تضادها
73
73
بيان المعاني الباطنة التي بها تتميز حياة الصلاة
يجمع تلك المعاني على كثرتها ست جمل حضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء فلنذكر تفاصيلها ثم أسبابها ثم العلاج في اكتسابها
أما التفاصيل فالأول حضور القلب ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلم به فيكون العلم بالفعل والقول مقرونا بهما ولا يكون الفكر جائلا في غيرهما والتفهم لمعنى الكلام أمر وراء حضور القلب وهو اشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة تمنعه عن الفحشاء والمنكر والتعظيم وراء الحضور والفهم زائد عليهما والهيبة زائدة على التعظيم وهي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم والإجلال والرجاء الطمع بمثوبته تعالى ويقابله الخوف من عقابه تعالى بتقصيره والحياء استشعار تقصيره وتوهم ذنب
وأما أسباب هذه المعاني الستة فاعلم أن حضور القلب سببه الهمة فإن قلبك تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما يهمك ومهما أهمك أمر حضر القلب فيه شاء أم أبى فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلا بل جائلا فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى وأن الصلاة وسيلة إليها
وأما التفهم فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذهن إلى إدراك المعنى وعلاجه ما تقدم مع الإقبال على الفكر والتشمر لدفع الخواطر وعلاج دفعها قطع موادها أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها
وأما التعظيم فهي حالة للقلب تتولد من معرفتين
إحداهما معرفة جلال الله عز وجل وعظمته وهو من أصول الإيمان
الثانية معرفة حقارة النفس وخستها وكونها عبدا مسخرا مربوبا حتى يتولد من المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه فيعبر عنه بالتعظيم
وأما الهيبة والخوف فحالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة الله وسطوته ونفوذ
74
74
مشيئته فيه مع قلة المبالاة به وأنه لو أهلك الأولين والآخرين لم ينقص من ملكه ذرة وكلما زاد العلم بالله زادت الخشية والهيبة
وأما الرجاء فسببه معرفة لطف الله عز وجل وكرمه وعميم إنعامه ولطائف صنعه ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة بلطفه انبعث من مجموعهما الرجاء لا محالة
وأما الحياء فباستشعاره التقصير في العبادة وعلمه بالعجز عن القيام بعظم حق الله عز وجل ويقوي ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها وقلة إخلاصها وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعالها مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال الله عز وجل والعلم بأنه مطلع على السر وخطرات القلب وإن دقت وخفيت وهذه المعارف إذا حصلت يقينا انبعث منها بالضرورة حالة تسمى الحياء
فهذه أسباب هذه الصفات وكل ما طلب تحصيله فعلاجه إحضار سببه ففي معرفة السبب معرفة العلاج ورابطة جميع هذه الأسباب الإيمان واليقين
بيان الدواء النافع في حضور القلب
اعلم أن المؤمن لا بد أن يكون معظما لله عز وجل وخائفا منه وراجيا له ومستحيا من تقصيره فلا ينفك عن هذه الأحوال بعد إيمانه وإن كانت قوتها بقدر قوة يقينه فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا تفرق الفكر وتقسيم الخاطر وغيبة القلب عن المناجاة والغفلة عن الصلاة ولا ينهى عن الصلاة إلا الخواطر الواردة الشاغلة فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه فلتعلم سببه
وسبب موارد الخواطر إما أن يكون أمرا خارجا أو أمرا باطنا
أما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر فإن ذلك قد يختطف الهم حتى يتبعه وينصرف فيه ثم تنجر منه الفكرة إلى غيره ويتسلسل ويكون الإبصار سببا للافتكار ومن قويت نيته وعلت همته لم يلهه ما جرى على حواسه ولكن الضعيف لا بد وأن يتفرق به فكره وعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه ويقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره ويحترز من الصلاة على الشوارع وفي المواضع المنقوشة المصنوعة وعلى الفرش المصبوغة
75
75
وأما الأسباب الباطنة فهي أشد فإن من تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لم ينحصر فكره في فن واحد بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب فهذا طريقه أن يرد النفس قهرا إلى فهم ما يقرؤه في الصلاة ويشغلها به عن غيره ويعينه على ذلك أن يستعد له قبل التحريم بأن يجدد على نفسه ذكر الآخرة وموقف المناجاة وخطر المقام بين يدي الله سبحانه وهول المطلع ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة عما يهمه فلا يترك لنفسه شغلا يلتفت إليه خاطره
فإن كان لا يسكن هائج أفكاره بهذا الدواء المسكن فلا ينجيه إلا المسهل الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق وهو أن ينظر في الأمور الصارفة عن إحضار القلب ولا شك أنها تعود إلى مهماته وأنها إنما صارت مهمات بشهواته فيعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع تلك العلائق كما روي أنه صلى الله عليه وسلم لما لبس الخميصة التي أتاه بها أبو جهم وعليها علم وصلى بها نزعها بعد صلاته وقال صلى الله عليه وسلم اذهبوا بها إلى أبي جهم فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي وائتوني بإنبجانية أبي جهم
بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة
إذا سمعت نداء المؤذن فأحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة وتشمر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة فإن المسارعين إلى هذا النداء هم ينادون باللطف يوم العرض الأكبر
وأما الطهارة فإذا أتيت بها في مكانك وهو طرفك الأبعد ثم في ثيابك وهو غلافك الأقرب ثم في بشرتك وهو قشرك الأدنى فلا تغفل عن لبك الذي هو ذاتك وهو قلبك فاجتهد له تطهرا بالتوبة والندم على ما فرطت وتصميم العزم على الترك في المستقبل فطهر بها باطنك فإنه موقع نظر معبودك
76
76
وأما ستر العورة فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق فإن ظاهر بدنك موقع لنظر الخلق فما بالك في عورات باطنك وفضائح سرائرك التي لا يطلع عليها إلا ربك عز وجل فاحضر تلك الفضائح ببالك وطالب نفسك بسترها وتحقق أنه لا يستر عن عين الله سبحانه ساتر وإنما يكفرها الندم والحياء والخوف فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث وجود الخوف والحياء من مكامنها فتذل به نفسك ويستكن تحت الخجلة قلبك وتقوم بين يدي الله عز وجل قيام العبد المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسا رأسه من الحياء والخوف
وأما الاستقبال فهو صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله تعالى أفترى أن صرف القلب من سائر الأمور إلى أمر الله عز وجل ليس مطلوبا منك هيهات فلا مطلوب سواه وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها والتفاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه الله عز وجل فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك واعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها فلا ينصرف القلب إلى الله عز وجل إلا بالتفرغ عما سواه
وأما الاعتدال قائما فإنما هو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله عز وجل تنبيها على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبرؤ عن الترؤس والتكبر مع ذكر خطر القيام بين يدي الله عز وجل في هول المطلع عند العرض للسؤال واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله عز وجل وهو مطلع عليك فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله
وأما النية فعزم على إجابة الله عز وجل في امتثال أمره بالصلاة وإتمامها رجاء لثوابه وخوفا من عقابه وطلبا للقربة منه متقلدا للمنة منه بإذنه لك في المناجاة مع كثرة عصيانك فعظم في نفسك قدر مناجاته وانظر من تناجي وكيف تناجي وبماذا تناجي وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك من الهيبة ويصفر وجهك من الخوف
وأما التكبير فإذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذبه قلبك فإن كان في
77
77
قلبك شيء هو أكبر من الله سبحانه أو كان هواك أغلب عليك من أمر الله عز وجل وأنت أطوع له منك لله تعالى فقد اتخذته إلهك وكبرته فيكون قولك الله أكبر كلاما باللسان المجرد وقد تخلف القلب عن مساعدته وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرمه سبحانه وعفوه
وأما دعاء الاستفتاح فأول كلماته قولك وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض وليس المراد بالوجه الوجه الظاهر فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة والله سبحانه يتقدس عن أن تحده الجهات حتى تقبل بوجه بدنك عليه وإنما وجه القلب هو الذي تتوجه به إلى فاطر السموات والأرض فانظر إليه أمتوجه إلى أمانيه وهمه في البيت والسوق متبع للشهوات أو مقبل على فاطر السموات وإياك أن تكون أول مفاتحتك للمناجاة بالكذب ولن ينصرف الوجه إلى الله تعالى إلا بإنصرافه عما سواه فاجتهد في الحال في صرفه إليه وإن عجزت عنه على الدوام فليكن قولك في الحال صادقا وإذا قلت حنيفا مسلما فينبغي أن يخطر ببالك أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده فإن لم تكن كذلك كنت كاذبا فاجتهد في أن تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من الأحوال وإذا قلت وما أنا من المشركين فأخطر ببالك الشرك الخفي كمن يقصد بعبادته وجه الله وحمد الناس فكن حذرا متقيا من هذا الشرك واستشعر الخجلة في قلبك إن وصفت نفسك بأنك لست من المشركين من غير براءة عن هذا الشرك فإن اسم الشرك يقع على القليل والكثير منه وإذا قلت محياي ومماتي لله فاعلم أن هذا حال عبد مفقود لنفسه موجود لسيده وأنه إن صدر ممن رضاه وغضبه وقيامه وقعوده ورغبته في الحياة ورهبته من الموت لأمور الدنيا لم يكن ملائما للحال وإذا قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف قلبك عن الله عز وجل حسدا لك على مناجاتك مع الله عز وجل وسجودك له مع أنه لعن بسبب سجدة واحدة تركها وأن استعاذتك بالله سبحانه منه بترك ما يحبه وتبديله بما يحب الله عز وجل لا بمجرد قولك فإن من قصده سبع أو عدو ليفترسه أو ليقتله فقال أعوذ منك بهذا الحصن الحصين وهو ثابت على مكانه ذلك لا ينفعه بل لا يفيده إلا بتبديل المكان فكذلك من يتبع الشهوات التي هي محاب الشيطان ومكاره الرحمن فلا يغنيه مجرد القول ومن اتخذ إلهه هواه فهو في
78
78
ميدان الشيطان لا في حصن الله تعالى واعلم أن من مكايده أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرأ فاعلم أن كل ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس فإن حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها فإذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم فانو به التبرك لابتداء القراءة لكلام الله سبحانه وافهم أن معناها أن الأمور كلها بالله سبحانه وإذا كانت الأمور به تعالى فلا جرم كان الحمد لله ومعناه أن الشكر لله إذ النعم من الله ومن يرى من غير الله نعمة أو يقصد غير الله سبحانه بشكره لا من حيث أنه مسخر من الله عز وجل ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير الله تعالى فإذا قلت ! < الرحمن الرحيم > ! فأحضر في قلبك جميع أنواع لطفه لتتضح لك رحمته فينبعث به رجاؤك ثم استثر من قلبك التعظيم والخوف بقولك ! < مالك يوم الدين > ! أما العظمة فلأنه لا ملك إلا له وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه ثم جدد الإخلاص بقولك ! < إياك نعبد > ! وجدد العجز والاحتياج والتبرؤ من الحول والقوة بقولك ! < وإياك نستعين > ! وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته وأن له المنة إذ وفقك لطاعته ثم عين سؤالك ولا تطلب إلا أهم حاجاتك وقل ! < اهدنا الصراط المستقيم > ! الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك وزده شرحا وتفصيلا وتأكيدا واستشهادا بالذين أفاض عليهم نعمة الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين ثم التمس الإجابة وقل آمين ولو لم يكن لك من صلاتك حظ سوى ذكر الله في جلاله وعظمته فناهيك بذلك غنيمة فكيف بما ترجوه من ثوابه وفضله وكذلك ينبغي أن تفهم ما تقرؤه من السور فلا تغفل عن أمره ونهيه ووعده ووعيده ومواعظه وأخبار أنبيائه وذكر منته وإحسانه ولكل واحد حق فالرجاء حق الوعد والخوف حق الوعيد والعزم حق الأمر والنهي والاتعاظ حق الموعظة والشكر حق المنة والاعتبار حق أخبار الأنبياء وتكون هذه المعاني بحسب درجات الفهم ويكون الفهم بحسب وفور العلم وصفاء القلب ودرجات ذلك لا تنحصر والصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار الكلمات فهذا حق القراءة وهو حق الأذكار والتسبيحات أيضا ثم يراعي الهيبة في القراءة فيرتل ولا يسرد فإن ذلك أيسر للتأمل
وأما دوام القيام فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله عز وجل على نعت واحد
79
79
من الحضور قال صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل مقبل على المصلي ما لم يلتفت وكما تحب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات فكذلك تجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة فإذا التفت إلى غيره فذكره باطلاع الله عليك وبقبح التهاون بالمناجى عند غفلة المناجي ليعود إليه والزم الخشوع للقلب فإن الخلاص عن الالتفات باطنا وظاهرا ثمرة الخشوع ومهما خشع الباطن خشع الظاهر قال صلى الله عليه وسلم وقد رأى رجلا مصليا يعبث بلحيته أما هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه فإن الرعية بحكم الراعي ولهذا ورد في الدعاء اللهم أصلح الراعي والرعية وهو القلب والجوارح
وأما الركوع والسجود فينبغي أن تجدد عندهما ذكر كبرياء الله سبحانه وترفع يديك مستجيرا بعفو الله عز وجل من عقابه ثم تستأنف له ذلا وتواضعا بركوعك وتجتهد في ترقيق قلبك وتجديد خشوعك وتستشعر ذلك وعز مولاك واتضاعك وعلو ربك وتستعين على تقرير ذلك في قلبك بلسانك فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة وأنه أعظم من كل شيء عظيم وتكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار ثم ترتفع من ركوعك مؤكدا للرجاء في نفسك بقولك سمع الله لمن حمده أي أجاب لمن شكره ثم تردف ذلك بالشكر المتقاضي للمزيد فتقول ربنا لك الحمد وتكثر الحمد بقولك ملء السموات وملء الأرض ثم تهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة فتمكن أعز أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما حائلا فتسجد على الأرض فافعل فإنه أجلب للخشوع وأدل على الذل وإذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى أصله وأنك من التراب خلقت وإليه تعود فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله وقل سبحان ربي الأعلى وأكده بالتكرار فإن الكرة الواحدة ضعيفة الآثار فإذا رق وظهر ذلك فلتصدق رجاءك في رحمة الله فإن رحمته تسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر والبطر فارفع رأسك مكبرا وسائلا
80
80
حاجتك وقائلا رب اغفر وارحم ثم أكد التواضع بالتكرار فعد إلى السجود ثانيا كذلك
وأما التشهد فإذا جلست له فاجلس متأدبا وصرح بأن جميع ما تدلي به من الصلوات والطيبات أي من الأخلاق الطاهرة لله وكذلك الملك لله وهو معنى التحيات وأحضر في قلبك النبي صلى الله عليه وسلم وقل سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك ما هو أوفى منه ثم تسلم على نفسك وعلى عباد الله الصالحين ثم تأمل أن يرد الله سبحانه عليك سلاما وافيا بعدد عباده الصالحين ثم تشهد له تعالى بالوحدانية ولمحمد نبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة مجددا عهد الله سبحانه بإعادة كلمتي الشهادة ومستأنفا للتحصن بها ثم ادع في آخر صلاتك بالدعاء المأثور مع التواضع والخشوع والضراعة والابتهال وصدق الرجاء بالإجابة وأشرك في دعائك أبويك وسائر المؤمنين واقصد عند التسليم السلام على الملائكة والحاضرين وانو ختم الصلاة به واستشعر شكر الله سبحانه على توفيقه لإتمام هذه الطاعة ثم أشعر قلبك الوجل والحياء من التقصير في الصلاة وخف أن لا تقبل صلاتك وأن تكون ممقوتا بذنب ظاهر أو باطن فترد صلاتك في وجهك وترجو مع ذلك أن يقبلها بكرمه وفضله
هذا تفصيل صلاة الخاشعين ! < الذين هم في صلاتهم خاشعون > ! ! < والذين هم على صلاتهم يحافظون > ! و ! < الذين هم على صلاتهم دائمون > ! والذين هم يناجون الله على قدر استطاعتهم في العبودية فليعرض الإنسان نفسه على هذه الصلوات فبالقدر الذي يسر له منها ينبغي أن يفرح وعلى ما يفوته ينبغي أن يتحسر وفي مداواة ذلك ينبغي أن يجتهد وأما صلاة الغافلين فهي مخطرة إلا أن يتغمده الله برحمته نسأله تعالى أن يتغمدنا برحمته ومغفرته إذ لا وسيلة لنا إلا الاعتراف بالعجز عن القيام بطاعته
ومفتاح مزيد الدرجات هي الصلوات قال الله عز وجل ! < قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون > !
81
) فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضا فقال ! < والذين هم على صلاتهم يحافظون > ! ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات ! < أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون > ! فوصفهم بالفلاح أولا وبوراثة الفردوس آخرا وما عندي أن هذرمة اللسان مع غفلة القلب تنتهي إلى هذا الحد ولذلك قال الله عز وجل في أضدادهم ! < ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين > ! فالمصلون هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتمتعون بقربه ودنوه من قلوبهم فنسأل الله أن يجعلنا منهم
الإمامة
على الإمام وظائف قبل الصلاة وفي القراءة وفي أركان الصلاة وبعد السلام
أما الوظائف التي هي قبل الصلاة فست
أولها أن لا يتقدم للإمامة على قوم يكرهونه وأن لا يتقدم ووراءه من هو أفقه منه إلا إذا امتنع من هو أولى منه فله التقدم ويكره عند ذلك المدافعة
ثانيها أن يراعي الإمام أوقات الصلوات فيصلي في أوائلها ليدرك رضوان الله تعالى ففضل أول الوقت على آخره كفضل الآخرة على الأولى ولا ينبغي أن يؤخر الصلاة لانتظار كثرة الجمع بل عليه المبادرة لحيازة فضيلة أول الوقت فهي أفضل من كثرة الجماعة ومن تطويل السورة وقد تأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الفجر وكانوا في سفر وإنما تأخر للطهارة فلم ينتظر وقدم عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم حتى فاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة فقام يقضيها فأشفقوا من
82
82
ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أحسنتم هكذا فافعلوا وذهب مرة يصلح بين قوم فتأخر عن صلاة الظهر فقدموا أبا بكر رضي الله عنه حتى جاء صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فقام إلى جانبه وليس على الإمام انتظار المؤذن وإنما على المؤذن انتظار الإمام
ثالثها أن يؤم مخلصا لله عز وجل ومؤديا أمانة الله تعالى في طهارته وجميع شروط صلاته أما الإخلاص فبأن لا يأخذ عليها أجرة قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية عليه الرحمة
ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضا وأجرة بل رزق للإعانة على الطاعة وكذلك المال الموقوف على أعمال البر والموصى به أو المنذور له ليس كالأجرة والجعل انتهى قال الحارثي فالقائل بالمنع من أخذ الأجرة على نوع القرب لا يمنع من أخذ المشروط في الوقف
وأما الأمانة فهي الطهارة باطنا عن الفسق والكبائر والإصرار على الصغائر فالمترشح للإمامة ينبغي أن يحترز عن ذلك بجهده فإنه كالوفد والشفيع للقوم فينبغي أن يكون خير القوم وكذا الطهارة ظاهرا عن الحدث والخبث فإنه لا يطلع عليه سواه فإن تذكر في أثناء صلاته حدثا أو خرج منه ريح فلا ينبغي أن يستحي بل يأخذ بيد من يقرب منه ويستخلفه
رابعها أن لا يكبر حتى تستوي الصفوف فليلتفت يمينا وشمالا فإن رأى خللا أمر بالتسوية قيل كانوا يتحاذون بالمناكب ويتضامون بالكعاب ولا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة والمؤذن يؤخر الإقامة عن الأذان بقدر استعداد الناس للصلاة
83
83
خامسها أن يرفع صوته بتكبيرة الإحرام وسائر التكبيرات ولا يرفع المأموم صوته إلا بقدر ما يسمع نفسه وليؤخر المأموم تكبيره عن تكبيرة الإمام فيبتدىء بعد فراغه
وأما وظائف القراءة فثلاث
أولها أن يسر بدعاء الاستفتاح والتعوذ كالمنفرد ويجهر بالفاتحة والسورة بعدها في جميع الصبح وأولتي العشاء والمغرب وكذلك المنفرد ويجهر بقوله آمين في الصلاة الجهرية وكذا المأموم ويقرن المأموم تأمينه بتأمين الإمام معا لا تعقيبا
الثانية أن يكون للإمام في القيام ثلاث سكتات أولاهن إذا كبر لدعاء الاستفتاح الثانية إذا فرغ من الفاتحة الثالثة إذا فرغ من السورة قبل أن يركع وهي أخفها وذلك بقدر ما تنفصل القراءة عن التكبير فقد نهي عن التعجيل فيه ولا يقرأ المأموم وراء الإمام إلا الفاتحة وإن لم يسمع المأموم في الجهرية لبعده أو كان في السرية فلا بأس بقراءته السورة
الثالثة التخفيف أولى سيما إذا كثر الجمع لقوله صلى الله عليه وسلم إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ اقرأ سورة سبح والسماء والطارق والشمس وضحاها
84
84
وأما وظائف الأركان فثلاثة
أولها أن يخفف الركوع والسجود فلا يزيد في التسبيحات على ثلاث
الثانية في المأموم ينبغي أن لا يسابق الإمام في الركوع والسجود بل يتأخر فلا يهوي للسجود إلا إذا وصلت جبهة الإمام إلى الأرض ولا يهوي للركوع حتى يستوي الإمام راكعا
الثالثة لا يزيد في دعاء التشهد على مقدار التشهد حذرا من التطويل ولا يخص نفسه بالدعاء بل يأتي بصيغة الجمع فيقول اللهم اغفر لنا
وأما وظائف التحلل فثلاث
أولها أن ينوي بالتسليمتين السلام على القوم والملائكة
الثانية أن يثبت عقب السلام سيما إذا كان خلفه نسوة فلا يقوم حتى ينصرفن
الثالثة إذا وثب فينبغي أن يقبل بوجهه على الناس
فضل الجمعة وآدابها
اعلم أن هذا يوم عظيم عظم الله به الإسلام وخص به المسلمين قال الله تعالى ! < إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع > ! فحرم الاشتغال بأمور الدنيا وبكل صارف عن السعي إلى الجمعة وقال صلى الله عليه وسلم خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة وقال صلى الله عليه وسلم من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع الله على قلبه والعذر مثل المطر والوحل والفزع والمرض والتمريض إذا لم يكن للمريض قيم ونحوها ويستحب الغسل فيه ولا بأس من تقريبه من الرواح ليكون أقرب عهدا بالنظافة ويستحب فيه أخذ الشعر وقلم الظفر وقص الشارب وتطييب الرائحة ولبس أحسن الثياب ويستحب البكور إلى الجامع وأن يكون في سعيه خاشعا متواضعا مبادرا إلى ندائه تعالى إلى الجمعة وينبغي أن لا يتخطى رقاب الناس ولا يمر بين أيديهم والبكور يسهل عليه ذلك فقد ورد وعيد شديد في تخطي
85
85
الرقاب ومهما كان الصف الأول متروكا خاليا فله أن يتخطى رقاب الناس لأنهم ضيعوا حقهم وتركوا مواضع الفضيلة قال الحسن البصري رضي الله عنه تخطوا رقاب الذين يقعدون على أبواب الجامع يوم الجمعة فإنه لا حرمة لهم وإذا دخل المسجد فليركع ركعتين وإن كان الإمام يخطب ولا يمر بين يدي الناس بل يجلس إلى أقرب أسطوانه أو حائط حتى لا يمرون بين يديه أعني بين يدي المصلي فإن ذلك منهي عنه ومن اجتاز به فينبغي أن يدفعه فإن لم يجد أسطوانه فلينصب بين يديه شيئا طوله قدر ذراع ليكون ذلك علامة لحده ويندب طلب الصف الأول فإن فضله كثير والقرب من الخطيب ليستمع الخطبة وتكره الصلاة في الأسواق والرحاب الخارجة عن المسجد وعليه أن يقطع الكلام عند خروج الخطيب بل يشتغل بجواب المؤذن ثم باستماع الخطبة وقال صلى الله عليه وسلم من قال لصاحبه والإمام يخطب أنصت فقد لغا ومن لغا والإمام يخطب فلا جمعة له وهذا يدل على أن الإسكات ينبغي أن يكون بإشارة أو رمي حصاة لا بالنطق فإذا قضيت الصلاة فليرجع إلى شأنه ذاكرا الله عز وجل مفكرا في آلائه شاكرا الله تعالى على توفيقه خائفا من تقصيره وكان صلى الله عليه وسلم يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته ويستحب أن يكثر الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم وفي ليلته وأن يتصدق فيه إلا على من سأل والإمام يخطب قال ابن مسعود إذا سأل الرجل في المسجد فقد استحق أن لا يعطى يعني هؤلاء السؤال في الجامع الذين يتخطون رقاب الناس إلا أن يسأل قائما أو قاعدا في مكانه من غير تخط وكره بعض السلف شراء الماء في المسجد من السقاء ليشربه أو يسبله حتى لا يكون مبتاعا في المسجد فإن البيع والشراء في المسجد مكروه وقالوا لا بأس لو أعطى الفضة خارج المسجد ثم شرب أو سبل في المسجد وينبغي أن يزيد في الجمعة في أنواع خيراته فإن الله سبحانه إذا أحب عبدا استعمله في الأوقات الفاضلة بفواضل الأعمال
86
86
مسائل متفرقة يحتاج إلى معرفتها
مسألة
الفعل القليل وإن كان لا يبطل الصلاة فهو مكروه إلا لحاجة وذلك في دفع المار وقتل العقرب وحاجته إلى الحك الذي يشوش عليه الخشوع ومهما تثاءب فلا بأس أن يضع يده على فيه وإن عطس حمد الله عز وجل في نفسه ولم يحرك لسانه وإن تجشأ فينبغي أن لا يرفع رأسه إلى السماء
مسألة
يسن أن يقف الواحد عن يمين الإمام متأخرا عنه قليلا والمرأة الواحدة تقف خلف الإمام فإن كان معها رجل وقف الرجل عن يمين الإمام وهي خلف الرجل
مسألة
المسبوق إذا أدرك آخر صلاة الإمام فهو أول صلاته فليوافق الإمام وليبن عليه وليقنت في الصبح في آخر صلاة نفسه وإن قنت مع الإمام وإن أدرك مع الإمام بعض القيام فلا يشتغل بالدعاء وليبدأ بالفاتحة وليخففها فإن ركع الإمام قبل تمامها وقدر على لحوقه في اعتداله عن الركوع فليتم فإن عجز وافق الإمام وركع وكان لبعض الفاتحة حكم جميعها فتسقط عنه بالسبق وإن ركع الإمام وهو في السورة فليقطعها وإن أدرك الإمام في السجود أو التشهد كبر للإحرام ثم جلس ولم يكبر بخلاف ما إذا أدركه في الركوع فإنه يكبر ثانيا في الهوي لأن ذلك انتقال محسوب له ولا يكون مدركا للركعة ما لم يطمئن راكعا في الركوع والإمام بعد في حد الراكعين فإن لم يتم طمأنينته إلا بعد مجاوزة الإمام حد الراكعين فاتته الركعة
مسألة
من فاتته الظهر إلى وقت العصر فليصل الظهر أولا ثم العصر فإن وجد جماعة فليصل العصر ثم ليصل الظهر بعده فإن الجماعة بالأداء أولى
مسألة
من صلى ثم رأى على ثوبه نجاسة فالأحب قضاء الصلاة ولا يلزمه ولو رأى
87
87
النجاسة في أثناء الصلاة رمى بالثوب وأتم وأصل هذا قصة خلع النعلين حيث أخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عليهما نجاسة فخلعهما ولم يستأنف الصلاة
مسألة
من ترك التشهد الأول أو شك فلم يدر أصلى ثلاثا أو أربعا أخذ باليقين وسجد سجدتي السهو قبل السلام فإن نسي فبعد السلام مهما تذكر على القرب
مسألة
الوسوسة في نية الصلاة سببها خبل في العقل أو جهل بالشرع لأن امتثال أمر الله عز وجل مثل امتثال أمر غيره وتعظيمه كتعظيم غيره في حق القصد ومن دخل عليه عالم فقام له فلو قال نويت أن أنتصب قائما تعظيما لدخول زيد الفاضل لأجل فضله متصلا بدخوله مقبلا عليه بوجهي كان سفيها عقله بل كما يراه ويعلم فضله تنبعث داعية التعظيم فتقيمه ويكون معظما إلا إذا قام لشغل آخر أو في غفلة واشتراط كون الصلاة ظهرا أداء فرضا في كونه امتثالا كاشتراط كون القيام مقرونا بالدخول مع الإقبال بالوجه على الداخل وانتفاء باعث آخر سواه وقصد التعظيم به ليكون تعظيما فإنه لو قام مدبرا عنه أو صبر فقام بعد ذلك بمدة لم يكن معظما ثم هذه الصفات لا بد وأن تكون معلومة وأن تكون مقصودة ثم لا يطول حضورها في النفس في لحظة واحدة وإنما يطول نظم الألفاظ الدالة عليها إما تلفظا باللسان وإما تفكرا بالقلب فمن لم يفهم نية الصلاة على هذا الوجه فكأنه لم يفهم النية فليس فيه إلا أنك دعيت إلى أن تصلي في وقت فأجبت وقمت فالوسوسة محض الجهل
مسألة
لا ينبغي أن يتقدم المأموم على الإمام في الركوع والسجود والرفع منهما ولا في سائر الأعمال ولا ينبغي أن يساويه بل يتبعه ويقفو أثره فهذا معنى الاقتداء فإن تقدم عليه ففي بطلان صلاته خلاف وقد شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم النكير فيه وقال أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار
88
88
مسألة
حق على من حضر الصلاة إذا رأى من غيره إساءة في صلاته أن يغيره وينكر عليه وإن صدر من جاهل رفق بالجاهل وعلمه فمن ذلك الأمر بتسوية الصفوف ومنع المنفرد بالوقوف خارج الصف والإنكار على من يرفع رأسه قبل الإمام إلى غير ذلك من الأمور وعن عمر رضي الله عنه قال تفقدوا إخوانكم في الصلاة فإذا فقدتموهم فإن كانوا مرضى فعودوهم وإن كانوا أصحاء فعاتبوهم والعتاب إنكار على من ترك الجماعة ولا ينبغي أن يتساهل فيه وقد كان الأولون يبالغون فيه
بيان نوافل العبادات
اعلم أن ما عدا الفرائض من الصلوات يسمى نافلة وتطوعا فمنه ما يتعلق بأسباب كالكسوف والاستسقاء ومنه ما يتعلق بأوقات كرواتب الصلاة ونحوها فمن الثاني راتبة الصبح وهي ركعتان يدخل وقتها بطلوع الفجر فإن دخل المسجد وقد قامت الصلاة فليشتغل بالمكتوبة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ثم إذا فرغ من المكتوبة قام إليهما وصلاهما وراتبة الظهر أربع قبلها وأربع بعدها وله الاقتصار على ركعتين قبل وبعد وراتبة العصر وهي أربع ركعات قبلها ولم تكن مواظبته صلى الله عليه وسلم عليها كمواظبته على نافلة الظهر وراتبة المغرب وهما ركعتان بعد الفريضة وأما ركعتان قبلها بين أذان المؤذن وإقامته على سبيل المبادرة فكان يفعله كثير من الصحب وصح أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها على سبيل التخيير وراتبة العشاء بعدها ركعتان أو أربع وأما الوتر فوقته بعد العشاء وأكثره إحدى عشرة ركعة وله أن يوتر بتسع وسبع وخمس وثلاث موصولة بتسليمة واحدة أو مفصولة بتسليمتين وجعله بعد التهجد في آخر الليل أفضل وأما صلاة الضحى فأكثر ما نقل في عدد ركعاتها ثمان وأقله ركعتان ووقتها بعد إشراق الشمس وارتفاعها وأما صلاة العيدين فهي سنة مؤكدة وشعار
89
89
من شعائر الدين ويستحب يوم العيد الاغتسال والتزين والتطيب وأما صلاة التراويح فهي عشرون ركعة وكيفيتها معروفة وأما صلاة الخسوف فركعتان ينادي لهما ويصليهما الإمام بالناس جماعة في المسجد وفي كل منهما ركوعان وسجودان ثم يخطب بعدهما ويأمر الناس بالصدقة والتوبة ووقتها عند ابتداء الخسوف إلى تمام الانجلاء وأما صلاة الاستسقاء فإذا غارت الأنهار وانقطعت الأمطار فيستحب للإمام أن يأمر الناس أولا بصيام ثلاثة أيام وما أطاقوا من الصدقة والخروج من المظالم والتوبة من المعاصي ثم يخرج بهم اليوم الرابع وبالعجائز والصبيان في ثياب بذلة واستكانة متواضعين ولو خرج أهل الذمة أيضا متميزين لم يمنعوا فإذا اجتمعوا في المصلى الواسع من الصحراء نودي الصلاة جامعة فصلى بهم الإمام ركعتين مثل صلاة العيد بغير تكبير ثم يخطب خطبتين ويكثر من الاستغفار والدعاء وأما صلاة الجنائز فكيفيتها معروفة وهي من فرائض الكفايات وإنما تصير نفلا في حق من لم تتعين عليه بحضور غيره وأما تحية المسجد فركعتان وهي سنة مؤكدة وإن اشتغل بفرض أو قضاء تأدى به التحية وحصل الفضل إذ المقصود أن لا يخلو ابتداء دخوله عن العبادة الخاصة بالمسجد وأما ركعتا الوضوء بعده فمستحبتان لأن الوضوء قربة ومقصودها الصلاة وأما صلاة الاستخارة فمن هم بأمر فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ركعتين يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب و ! < قل يا أيها الكافرون > ! وفي الثانية الفاتحة و ! < قل هو الله أحد > ! فإذا فرغ دعا وقال اللهم إني استخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فقدره لي وبارك لي فيه ثم يسره لي وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فاصرفني عنه واصرفه عني واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به ويسمي حاجته
الأوقات التي تكره فيها الصلاة
هي خمسة بعد العصر وبعد الصبح ووقت الزوال ووقت الطلوع والغروب تكره فيها صلاة لا سبب لها أما ما له سبب كقضاء راتبة وكسوف وجنازة فلا تكره فيها وسر النهي التوقي من مضاهاة عبدة الشمس وبعث الداعية والنشاط ففي تعطيل هذه الأوقات زيادة تحريض وبعث على انتظار قضاء الوقت
90
90
ما يقضى من النوافل
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بعد العصر فقيل له أما نهيتنا عن هذا فقال هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني عنهما الوفد وقالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غلبه نوم أو مرض فلم يقم تلك الليلة صلى من أول النهار اثنتي عشرة ركعة فمن كان له ورد فعاقه عن ذلك عذر فينبغي أن لا يرخص لنفسه في تركه بل يتداركه في وقت آخر حتى لا تميل نفسه إلى الدعة والرفاهية فتداركه حسن على سبيل مجاهدة النفس فيقصد به أن لا يفتر في دوام عمله
91
91
كتاب أسرار الزكاة
جعل الله تعالى الزكاة أحد مباني الإسلام وأردف بذكرها الصلاة التي هي أعلى الأعلام فقال تعالى ! < وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة > ! وقال صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا وشدد الوعيد على المقصرين فيها فقال ! < والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم > ! ومعنى الإنفاق في سبيل الله إخراج الزكاة قال الأحنف بن قيس كنت في نفر من قريش فمر أبو ذر فقال بشر
92
92
الكانزين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم وبكي في أقفائهم يخرج من جباههم ولهذا التشديد صار من مهمات الدين الكشف عن أسرار الزكاة ومعانيها الظاهرة والباطنة وفي ذلك فصول
أداء الزكاة وشروطها
اعلم أنه يجب على مؤدي الزكاة مراعاة أمور
الأول البدار عقيب الحول وفي زكاة الفطر لا يؤخرها عن يوم الفطر ويدخل وقت وجوبها بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان ووقت تعجيلها شهر رمضان كله ومن آخر زكاة ماله مع التمكن عصى ولم يسقط عنه بتلف ماله وتمكنه بمصادفة المستحق وتعجيل الزكاة جائز
الثاني أن لا ينقل الصدقة إلى بلد آخر فإن أعين المساكين في كل بلدة تمتد إلى أموالها وفي النقل تخييب للظنون فإن فعل ذلك أجزأه في قول ولكن الخروج عن شبهة الخلاف أولى فليخرج زكاة كل مال في تلك البلدة ثم لا بأس أن يصرف إلى الغرباء في تلك البلدة
الثالث أن يقسم ماله بعدد الموجودين من الأصناف الثمانية في بلده ويوجد في جميع البلاد أربعة أصناف الفقراء والمساكين والغارمون والمسافرون أعني أبناء السبيل وليس عليه التسوية بين آحاد الصنف
93
93
سر كون الزكاة من مباني الإسلام
في ذلك ثلاثة معان
المعنى الأول أن التلفظ بكلمتي الشهادة التزام للتوحيد وشهادة بإفراد المعبود وشرط تمام الوفاء به أن لا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد فإن المحبة لا تقبل الشركة والتوحيد باللسان قليل الجدوى وإنما يمتحن به درجة الحب بمفارقة المحبوب و الأموال محبوبة عند الخلائق لأنها آلة تمتعهم بالدنيا وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون عن الموت مع أن فيه لقاء المحبوب فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب واستنزلوا عن المال الذي هو مرموقهم ومعشوقهم ولذلك قال الله تعالى ! < إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة > ! وذلك بالجهاد وهو مسامحة بالمهجة شوقا إلى لقاء الله عز وجل والمسامحة بالمال أهون ولما فهم هذا المعنى في بذل الأموال انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام قسم صدقوا التوحيد ونزلوا عن جميع أموالهم فلم يدخروا دينارا ولا درهما كما جاء أبو بكر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع أمواله وقسم دون هؤلاء وهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات فيكون قصدهم في الادخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهها وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة وقد ذهب جماعة من التابعين إلى أن في المال حقوقا سوى الزكاة كالنخعي والشعبي وعطاء ومجاهد قال الشعبي بعد أن قيل له هل في المال حق سوى الزكاة قال نعم أما سمعت
94
94
قوله عز وجل ! < وآتى المال على حبه ذوي القربى > ! الآية واستدلوا بقوله عز وجل ! < ومما رزقناهم ينفقون > ! وبقوله تعالى ! < وأنفقوا من ما رزقناكم > ! فهو داخل في حق المسلم على المسلم ومعناه أنه يجب على الموسر مهما وجد محتاجا أن يزيل حاجته عدا مال الزكاة والقسم الثالث الذين يقتصرون على أداء الوجوب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون منه وهي أقل الرتب وقد اقتصر جميع العوام عليه لبخلهم بالمال وميلهم إليه وضعف حبهم للآخرة
المعنى الثاني التطهير من صفة البخل فإنه من المهلكات قال تعالى ! < ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون > ! وإنما تزول صفة البخل بأن تتعود بذل المال فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير اعتيادا والزكاة بهذا المعنى طهرة أي تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك وإنما طهارته بقدر بذله وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه إلى الله تعالى
المعنى الثالث شكر النعمة فإن لله عز وجل على عبده نعمة في نفسه وماله فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن والمالية شكر لنعمة المال وما أخس من ينظر
95
95
إلى الفقير وقد ضيق عليه الرزق وأحوج إليه ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه بربع العشر أو العشر من ماله
وظائف المزكي
الأولى التعجيل عن وقت الوجوب إظهارا للرغبة في الامتثال بإيصال السرور إلى قلوب الفقراء ومبادرة لعوائق الزمان أن يعوق عن الخيرات وعلما بأن في التأخير آفات مع ما يتعرض العبد له من العصيان لو أخر عن وقت الوجوب ومهما ظهرت داعية الخير من الباطن فينبغي أن يغتنم فإن ذلك لمة الملك وما أسرع تقلب المؤمن والشيطان يعدكم الفقر ويأمر بالفحشاء والمنكر وله لمة عقيب لمة الملك فليغتنم الفرصة فيه
الوظيفة الثانية الإسرار فإن ذلك أبعد عن الرياء والسمعة قال تعالى ! < وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم > ! وقد بالغ في فضل الإخفاء جماعة حتى اجتهدوا أن لا يعرف القابض المعطي فكان بعضهم يوصل إلى يد الفقير على يد غيره بحيث لا يعرف المعطي وكان يستكتم المتوسط شأنه ويوصيه بأن لا يفشيه كل ذلك توصلا إلى رضاء الرب واحترازا من الرياء والسمعة ومهما كا الشهرة مقصودة له حبط عمله
الثالثة أن يظهر حيث يعلم أن في إظهاره ترغيبا للناس في الاقتداء ويحرس سره من داعية الرياء فقد قال تعالى ! < إن تبدوا الصدقات فنعما هي > ! وذلك حيث يقتضي الحال الإبداء إما للاقتداء وإما لأن السائل إنما سأل على ملأ من الناس
96
96
فلا ينبغي أن يترك التصدق خيفة من الرياء في الإظهار بل ينبغي أن يتصدق ويحفظ سره عن الرياء بقدر الإمكان وهذا لأن في الإظهار محذورا ثالثا سوى المن والرياء وهو هتك ستر الفقير فإنه ربما يتأذى بأن يرى في صورة المحتاج فمن أظهر السؤال فهو الذي هتك ستر نفسه فلا يحذر هذا المعنى في إظهاره وقد قال الله تعالى ! < وأنفقوا من ما رزقناهم سرا وعلانية > ! ندب إلى العلانية أيضا لما فيها من فائدة الترغيب فليكن العبد دقيق التأمل في وزن هذه الفائدة بالمحذور الذي فيها ومن عرف الفوائد والغوائل ولم ينظر بعين الشهوة اتضح له الأولى والأليق بكل حال
الرابعة أن لا يفسد صدقته بالمن والأذى قال الله تعالى ! < لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى > ! والمن أن يذكرها ويتحدث بها أو يستخدمه بالعطاء أو يتكبر عليه لأجل عطائه والأذى أن يظهرها أو يعيره بالفقر أو ينتهره أو يوبخه بالمسألة وأصل المن أن يرى نفسه محسنا إلى الفقير ومنعما عليه وحقه أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حق الله عز وجل منه الذي هو طهرته ونجاته من النار وأنه لو لم يقبله لبقي مرتهنا به فحقه أن يتقلد منة الفقير ومهما عرف المعاني الثلاثة التي ذكرها في الفصل قبل لم ير نفسه محسنا إلا إلى نفسه إما ببذل ماله إظهار لحب الله تعالى أو تطهيرا لنفسه عن رذيلة البخل أو شكرا على نعمة المال طلبا للمزيد
وأما الأذى فمنبعه رؤيته أنه خير من الفقير وهذا جهل لأنه لو عرف فضل الفقر على الغنى وخطر الأغنياء لما استحقر الفقير بل تمنى درجته كيف وقد جعله الله تعالى متجرة له حتى يخلصه من عهدته بقبوله منه
الخامسة أن يستصغر العطية فإنه إن استعظمها أعجب بها والعجب من
97
97
المهلكات وهو محبط للأعمال قيل لا يتم المعروف إلا بثلاث تصغيره وتعجيله وستره
السادسة أن ينتقي من ماله أجوده وأحبه إليه وأجله وأطيبه فإن الله تعالى طيب ولا يتقبل إلا طيبا وإذا لم يكن المخرج من جيد المال فهو من سوء الأدب إذ قد يمسك الجيد لنفسه أو لعبده أو أهله فيكون قد آثر على الله عز وجل غيره ولو فعل هذا بضيفه وقدم إليه أردأ طعام في بيته لأوغر بذلك صدره وقد قال تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه > ! أي لا تأخذوه إلا مع كراهية وحياء وهو معنى الإغماض
السابعة أن يطلب بصدقته من تزكو به الصدقة ولا يكتفي بأن يكون من عموم الأصناف الثمانية فإن في عمومهم خصوص صفات فليراع خصوصها وهي ستة
الأولى أن يطلب الأتقياء لأنهم يستعينون بالمال على التقوى فيكون شريكا لهم في طاعتهم بإعانته إياهم
الثانية أن يكون من أهل العلم خاصة فإن ذلك إعانة له على العلم والعلم أشرف العبادات مهما صحت فيه النية وكان ابن المبارك يخصص بمعروفه أهل العلم فقيل له لو عممت فقال إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجته لم يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم فتفريغهم للعلم أفضل
98
98
الثالثة أن يكون صادقا في تقواه وعلمه بالتوحيد وتوحيده أنه إذا أخذ العطاء حمد الله عز وجل وشكره ورأى أن النعمة منه وأن الواسطة مسخر بتسخير الله إذ سلط عليه دواعي الفعل ويسر له الأسباب فأعطى ومن لم يصف باطنه عن رؤية الوسائط إلا من حيث أنهم وسائط فكأنه لم ينفك عن الشرك الخفي فليتق الله سبحانه في تصفية توحيده عن كدورات الشرك وشوائبه
الرابعة أن يكون مخفيا حاجته لا يكثر البث والشكوى أو يكون من أهل المروءة ممن ذهبت نعمته وبقيت عادته فهو يتعيش في جلباب التحمل قال الله تعالى ! < يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا > ! أي لا يلحون في السؤال لأنهم أغنياء بيقينهم أعزة بصبرهم وهذا ينبغي أن يطلب بالفحص عن أهل الدين في كل محلة وبالكشف عن بواطن أحوال أهل الخير والتجمل فثواب صرف المعروف إليهم أضعاف ما يصرف إلى المجاهرين بالسؤال
الخامسة أن يكون معيلا أو محبوسا بمرض أو بسبب من الأسباب فيوجد فيه معنى قوله عز وجل ! < للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله > ! أي حبسوا في طريق الآخرة بعيلة أو ضيق معيشة أو إصلاح قلب ! < لا يستطيعون ضربا في الأرض > ! لأنهم مقصوصو الجناح مقيدو الأطراف فبهذه الأسباب كان عمر رضي الله عنه يعطي أهل البيت القطيع من الغنم العشرة فما فوقها وكان صلى الله عليه وسلم يعطي العطاء على مقدار العيلة وسئل عمر رضي الله عنه عن جهد البلاء فقال كثرة العيال وقلة المال
99
99
السادسة أن يكون من الأقارب وذوي الأرحام فتكون صدقة وصلة رحم وفي صلة الرحم من الثواب ما لا يحصى قال علي رضي الله عنه لأن أصل أخا من إخواني بدرهم أحب إلي من أن أتصدق بعشرين درهما والأصدقاء وإخوان الخير أيضا يقدمون على المعارف كما يتقدم الأقارب على الأجانب فليراع هذه الدقائق فهذه هي الصفات المطلوبة وفي كل صفة درجات فينبغي أن يطلب أعلاها فإن وجد من جمع جملة من هذه الصفات فهي الذخيرة الكبرى والغنيمة العظمى
مصارف الزكاة وأصناف قابضيها
اعلم أنه لا يستحق الزكاة إلا مسلم اتصف بصفة من صفات الأصناف الثمانية المذكورين في كتاب الله تعالى
الصنف الأول الفقراء والفقير هو الذي ليس له مال ولا قدرة على الكسب فمن قدر على كسب فإن ذلك يخرجه عن الفقر وإن كان متفقها ويمنعه الاشتغال بالكسب عن التفقه فهو فقير ولا تعتبر قدرته وإن كان متعبدا يمنعه الكسب من وظائف العبادات وأوراد الأوقات فليكتسب لأن الكسب أولى من ذلك
الصنف الثاني المساكين والمسكين هو الذي لا يفي دخله بخرجه فقد يملك ألف درهم وهو مسكين وقد لا يملك إلا فأسا وحبلا وهو غني والدويرة التي يسكنها والثوب الذي يستره على قدر حاله لا يسلبه اسم المسكين وكذا أثاث البيت أعني ما يحتاج إليه وذلك ما يليق به وكذا كتب الفقه لا تخرجه عن المسكنة فإنه محتاج إليها
الصنف الثالث العاملون وهم السعاة الذين يجمعون الزكوات ويدخل فيه الكاتب والمستوفي والحافظ والنقال
100
100
الصنف الرابع المؤلفة قلوبهم على الإسلام وهو الشريف الذي أسلم وهو مطاع في قومه وفي إعطائه تقريره على الإسلام وترغيب نظائره وأتباعه
الصنف الخامس الأرقاء يدفع إلى السيد ما يفك به رقبة العبد ويدفع للعبد أيضا ما يفك به رقبته
الصنف السادس الغارمون والغارم هو الذي استقرض في طاعة أو مباح وهو فقير فإن استقرض في معصية فلا يعطى إلا إذا تاب وإن كان غنيا لم يقض دينه إلا إذا كان قد استقرض لمصلحة وإطفاء فتنة
الصنف السابع الغزاة الذين لهم مرسوم في ديوان المرتزقة فيصرف إليهم سهم وإن كانوا أغنياء إعانة لهم على الغزو
الصنف الثامن ابن السبيل وهو الذي شخص من بلده ليسافر في غير معصية أو اجتاز فيه فيعطى إن كان فقيرا وإن كان له مال ببلد آخر أعطي بقدر بلغته
وظائف القابض وهي أربع
الأولى أن يفهم أن الله عز وجل أوجب صرفه إليه ليكفى همه ويكون عونا له على الطاعة فإن استعان به على المعصية كان كافرا لأنعم الله عز وجل مستحقا للبعد
101
101
والمقت من الله سبحانه
الثانية أن يشكر المعطي ويدعو له ويثني عليه ويكون شكره دعاؤه بحيث لا يخرج عن كونه واسطة ولكنه طريق وصول نعمة الله سبحانه إليه وللطريق حق من حيث جعله الله طريقا وواسطة وذلك لا ينافي رؤية النعمة من الله سبحانه فقد قال صلى الله عليه وسلم من لم يشكر الناس لم يشكر الله وقد أثنى الله عز وجل على عباده في مواضع على أعمالهم وهو خالقها نحو قوله تعالى ! < نعم العبد إنه أواب > ! إلى غير ذلك وقال صلى الله عليه وسلم من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه ومن تمام الشكر أن يستر عيوب العطاء إن كان فيه عيب ولا يحقره ولا يذمه ولا يعيره بالمنع إذا منع ويفخم عنده نفسه وعند الناس صنيعه فوظيفة المعطي الاستصغار ووظيفة القابض تقلد المنة والاستعظام وعلى كل عبد القيام بحقه وكل ذلك لا يناقض رؤية النعمة من الله عز وجل فإن من لا يرى الواسطة واسطة فقد جهل وإنما المنكر أن يرى الواسطة أصلا
الثالثة أن ينظر فيما يأخذه فإن لم يكن من حله تورع عنه فلا يأخذ ممن أكثر كسبه من الحرام إلا إذا ضاق الأمر عليه وكان ما يسلم له لا يعرف له مالكا معينا فله أن يأخذ بقدر الحاجة فإن فتوى الشرع في مثل هذا أن يتصدق به وذلك إذا عجز عن الحلال
الرابعة أن يتوقى مواقع الريبة والاشتباه في مقدار ما يأخذه فلا يأخذ إلا المقدار المباح ولا يأخذ إلا إذا تحقق أنه موصوف بصفة الاستحقاق ثم إذا تحققت حاجته فلا يأخذن مالا كثيرا بل ما يتمم كفايته من وقت أخذه إلى سنة فهذا أقصى ما يرخص فيه من حيث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ادخر لعياله قوت سنة ومن العلماء من ذهب إلى أن للفقير أن يأخذ مقدار ما يشتري به ضيعة فيستغني به طول عمره أو يهيئ بضاعة
102
102
ليتجر بها ويستغني لأن هذا هو الغنى وقد قال عمر رضي الله عنه إذا أعطيتم فأغنوا حتى ذهب قوم إلى أن من افتقر فله أن يأخذ بقدر ما يعود به إلى مثل حاله ولو عشرة آلاف درهم ولما تبرع أبو طلحة رضي الله عنه ببستانه قال له صلى الله عليه وسلم اجعله في قرابتك فهو خير لك فأعطاه حسان وأبا قتادة فحائط من تخل لرجلين كثير مغن
صدقة التطوع وفضلها وآداب أخذها وإعطائها
فضيلة الصدقة
من الأخبار قوله صلى الله عليه وسلم تصدقوا ولو بتمرة وفي رواية اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة وقال صلى الله عليه وسلم كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس وقال صلى الله عليه وسلم صدقة السر تطفيء غضب
103
103
الرب عز وجل وسئل صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل قال أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفاقة ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان وقال صلى الله عليه وسلم ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين المتعفف إقرؤوا إن شئتم ! < لا يسألون الناس إلحافا > ! وقال صلى الله عليه وسلم ما من مسلم يكسو مسلما إلا كان في حفظ الله عز وجل ما دامت عليه منه رقعة
ومن الآثار قول عروة لقد تصدقت عائشة رضي الله عنها بخمسين ألفا وإن درعها لمرقع وكان عمر رضي الله عنه يقول اللهم اجعل الفضل عند خيارنا لعلهم يعودون به على أولي الحاجة منا وقال ابن أبي الجعد إن الصدقة لتدفع سبعمائة باب من السوء وفضل سرها على علانيتها بسبعين ضعفا
104
104
وجوب فضل إخفاء الصدقة
قال الله تعالى ! < إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم > ! وفي الإخفاء خمسة معان
الأول أنه أبقى للستر على الآخذ فإن أخذه ظاهرا هتك ستر المروءة وكشف عن الحاجة وخروج عن هيئة التعفف والتصون المحبوب الذي يحسب الجاهل أهله أغنياء من التعفف
الثاني أنه أسلم لقلوب الناس وألسنتهم فإنهم ربما يحسدون أو ينكرون عليه أخذه ويظنون أنه أخذ مع الاستغناء والحسد وسوء الظن والغيبة من الذنوب الكبائر وصيانتهم عن هذه الجرائم أولى قال أيوب السختياني إني لأترك لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث في جيراني حسد وقال آخر خشية أن يقول إخواني من أين له هذا
الثالث إعانة المعطي على إسرار العمل فإن فضل السر على الجهر في الإعطاء أكثر والإعانة على إتمام المعروف معروف دفع رجل إلى بعض العلماء شيئا ظاهرا فرده ودفع إليه شيئا آخر في السر فقبل فقيل له في ذلك فقال إن هذا عمل بالأدب في إخفاء معروفه فقبلته وذاك أساء أدبه في عمله فرددته عليه ورد بعضهم ما دفع إليه علانية وقال له إنك أشركت غير الله سبحانه فيما كان لله تعالى ولم تقنع بالله عز وجل فرددت عليك شركك
الرابع أن في إظهار الأخذ ذلا وامتهانا وليس للمؤمن أن يذل نفسه
الخامس الاحتراز عن شبهة الشركة لحديث من أهدي له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها والأعمال بالنيات فينبغي للمخلص أن يكون مراقبا لنفسه حتى لا يتدلى بحبل الغرور ولا ينخدع بمكر الشيطان
نسأل الله الكريم حسن العون والتوفيق
105
105
كتاب أسرار الصوم
أعظم الله على عباده المنة بما دفع عنهم كيد الشيطان وخيب ظنه إذ جعل الصوم حصنا لأوليائه وجنة وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم الصوم نصف الصبر قال تعالى ! < إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب > ! فقد جاز ثواب الصوم قانون التقدير والحساب وناهيك في معرفة فضله قوله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يقول الله عز وجل إنما يذر شهوته وطعامه لأجلي فالصوم لي وأنا الذي أجزي به وهو موعود بلقاء الله تعالى في جزاء صومه قال صلى الله عليه وسلم للصائم فرحتان فرحة عند إفطاره وفرحة عند
106
106
لقاء ربه وقيل في قوله تعالى ! < فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون > ! كان عملهم الصيام لأنه قال ! < إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب > ! فيفرغ للصائم جزاؤه إفراغا ويجازف جزافا فلا يدخل تحت وهم و تقدير وجدير بأن يكون كذلك لأن الصوم إنما كان له ومشرفا بالنسبة إليه وإن كانت العبادات كلها له لمعنيين
أحدهما أن الصوم كف وترك وهو في نفسه سر ليس فيه عمل يشاهد وجميع الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى والصوم لا يراه إلا الله عز وجل فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرد
والثاني أنه قهر لعدو الله عز وجل فإن وسيلة الشيطان الشهوات وإنما تقوى بالأكل والشرب وفي قمع عدو الله نصرة الله سبحانه وناصر الله تعالى موقوف على النصرة له قال تعالى ! < إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم > ! فمن هذا الوجه صار الصوم باب العبادة وصار جنة وإذا عظمت فضيلته إلى هذا الحد فلا بد من بيان شروطه الظاهرة والباطنة بذكر أركانه وسننه وشروطه الباطنة
الواجبات والسنن الظاهرة واللوازم بإفساده
أما الواجبات الظاهرة فستة
الأول مراقبة أول شهر رمضان وذلك برؤية الهلال فإن غم فاستكمال ثلاثين يوما من شعبان ونعني بالرؤية العلم ويحصل بذلك قول عدل واحد ولا يثبت هلال شوال إلا بقول عدلين احتياطا للعبادة ومن سمع عدلا ووثق بقوله وغلب على ظنه صدقه لزمه الصوم وإن لم يقض القاضي به
107
107
الثاني النية ولا بد لكل ليلة من نية معينة جازمة ينوي فريضة صوم رمضان لله تعالى
الثالث الإمساك عن إيصال شيء إلى الجوف عمدا مع ذكر الصوم فيفسد صومه بالأكل والشرب والسعوط والحقنة ولا يفسد بالفصد والحجامة والاكتحال وإدخال الميل في الأذن والإحليل وما يصل بغير قصد من غبار الطريق أو ذبابة تسبق إلى جوفه أو ما يسبق إلى جوفه في المضمضة فلا يفطر إلا إذا بالغ في المضمضة فيفطر لأنه مقصر وهو الذي أردنا بقولنا عمدا فأما ذكر الصوم فأردنا به الاحتراز عن الناسي فإنه لا يفطر
الرابع الإمساك عن الجماع فإن جامع ناسيا لم يفطر وإن جامع ليلا أو احتلم فأصبح جنبا لم يفطر
الخامس الإمساك عن الاستمناء وهو إخراج المني قصدا بجماع أو بغير جماع فإن ذلك يفطر ولا يفطر بقبلة زوجته ولا بمضاجعتها ما لم ينزل لكن يكره ذلك إلا أن يكون شيخا أو مالكا لأربه فلا بأس بالتقبيل وتركه أولى
السادس الإمساك عن إخراج القيء فالاستقاء يفسد الصوم وإن ذرعه القيء لم يفسد صومه وإذا ابتلع نخامة من حلقه أو صدره لم يفسد صومه رخصة لعموم البلوى به إلا أن يبتلعه بعد وصوله إلى فيه فإنه يفطر عند ذلك
108
108
وأما لوازم الإفطار فأربعة
القضاء والكفارة والفدية وإمساك بقية النهار تشبها بالصائمين
أما القضاء فوجوبه عام على كل مسلم مكلف ترك الصوم بعذر أو بغير عذر فالحائض تقضي الصوم وكذا المرتد أما الكافر والصبي والمجنون فلا قضاء عليهم ولا يشترط التتابع في قضاء رمضان ولكن يقضي كيف شاء متفرقا ومجموعا
وأما الكفارة فلا تجب إلا بالجماع وما عداه لا تجب به كفارة والكفارة عتق رقبة فإن أعسر فصوم شهرين متتابعين وإن عجز فإطعام ستين مسكينا مدا مدا
وأما إمساك بقية النهار فيجب على من عصى بالفطر أو قصر فيه ويجب الإمساك إذا شهد بالهلال عدل واحد يوم الشك والصوم في السفر أفضل من الفطر إلا إذا لم يطق
وأما الفدية فتجب على الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولديهما لكل يوم مد حنطة لمسكين واحد مع القضاء والشيخ الهرم إذا لم يصم تصدق عن كل يوم مدا
سنن الصيام
تأخير السحور تعجيل الفطر بالتمر أو الماء قبل الصلاة الجود في شهر رمضان مدارسة القرآن الاعتكاف في العشر الأخير ولا يخرج المعتكف إلا لحاجة الإنسان ولا بأس في المسجد بالطيب وعقد النكاح وبالأكل والنوم وغسل اليد في الطست فكل ذلك قد يحتاج إليه
أنواع الصوم ودرجاته
اعلم أن الصوم ثلاث درجات صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص أما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية
109
109
أسرار الصوم وشروطه الباطنة
هي ستة أمور
الأول غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله تعالى
الثاني حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء
الثالث كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه ولذلك سوى الله عز وجل بين السمع وأكل السحت فقال تعالى ! < سماعون للكذب أكالون للسحت > !
الرابع كف بقية الجوارح من اليد والرجل عن الآثام وعن المكاره وكف البطن عن الشبهات وقت الإفطار فلا معنى للصوم عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام فمثال هذا الصائم مثال من يبني قصرا ويهدم مصرا وقد قال صلى الله عليه وسلم كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش فقيل هو الذي يفطر على الحرام وقيل هو الذي يمسك عن الطعام الحلال ويفطر على لحوم الناس بالغيبة وهو حرام وقيل هو الذي لا يحفظ جوارحه عن الآثام
الخامس أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ فما من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن ملئ من حلال وكيف يستفاد من الصوم قهر عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره وربما يزيد عليه في ألوان الطعام حتى استمرت العادات أن يدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل من الطعام فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى وإذا دفعت المعدة من ضحوة نهار
110
110
إلى العشاء حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ثم أطعمت من اللذات وأشبعت زادت لذتها وتضاعفت قوتها وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلاة من الطعام فهو عن الملكوت محجوب
السادس أن يكون قلبه بعد الإفطار مضطربا بين الخوف والرجاء إذ ليس يدري أيقبل صومه فهو من المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين وليكن كذلك في آخر كل عبادة يفرغ منها
التطوع بالصيام
اعلم أن استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة وفواضل الأيام بعضها يوجد في كل سنة وبعضها يوجد في كل شهر وبعضها في كل أسبوع أما السنة فبعد أيام رمضان يوم عرفة ويوم عاشوراء والعشر الأول من ذي الحجة وكان صلى الله عليه وسلم يكثر صوم شعبان وفي الخبر أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم لأنه ابتداء السنة فبناؤها على الخير أحب وأرجى لدوام بركته وفي الخبر إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان ولهذا يستحب أن يفطر قبل رمضان أياما فإن وصل شعبان برمضان فجائز ولا يجوز أن يقصد استقبال رمضان بيومين أو ثلاثة إلا أن يوافق وردا له وكره بعض الصحابة أن يصام رجب كله حتى لا يضاهى بشهر رمضان
وأما ما يتكرر في الشهر فأول الشهر وأوسطه وآخره ووسطه الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر
111
111
وأما في الأسبوع فالاثنين والخميس والجمعة فيستحب فيها الصيام وتكثير الخيرات لتضاعف أجورها ببركه هذه الأوقات
وإذا ظهرت أوقات الفضيلة فالكمال في أن يفهم الإنسان معنى الصوم وأن سره تصفيه القلب وتفريغ الهم لله عز وجل
112
112
كتاب أسرار الحج
جعل الله البيت العتيق مثابة للناس وأمنا وأكرمه بالنسبة إلى نفسه تشريفا وتحصينا ومنا وجعل زيارته والطواف به حجابا بين العبد وبين العذاب ومجنا والحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وتمام الإسلام وكمال الدين وأجدر بها أن تصرف العناية إلى شرحها وتفصيل أركانها وسننها وآدابها وفضائلها وأسرارها
فضائل الحج وفضيلة البيت ومكة والمدينة وشد الرحال إلى المساجد
قال الله عز وجل ! < وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق > ! قال قتادة لما أمر الله عز وجل إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج نادى يا أيها الناس إن الله عز وجل بنى بيتا فحجوه وقال صلى الله عليه وسلم من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه
113
113
ويروى أن الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة وكل من حجها متعلق بأستارها يسعون حولها حتى تدخل الجنة وعن الحسن البصري رضي الله عنه أن صدقة درهم فيها بمئة ألف وكذلك كل حسنة بمئة ألف ويقال إن السيئات تضاعف بها كما تضاعف الحسنات ولما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة استقبل الكعبة وقال إنك لخير أرض الله عز وجل وأحب بلاد الله تعالى إلي ولولا أني أخرجت منك لما خرجت
وما بعد مكة بقعة أفضل من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأعمال فيها أيضا مضاعفة قال صلى الله عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وبعد مدينته الأرض المقدسة فإن الصلاة فيها بخمسمائة صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وما بعد هذه البقاع الثلاث فالمواضع فيها متساوية إلا الثغور فإن المقام بها للمرابطة فيها فيه فضل عظيم ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى لأن المساجد بعد المساجد الثلاثة متماثلة ولا بلد إلا وفيه مسجد فلا معنى للرحلة إلى مسجد آخر
شروط وجوب الحج وصحة أركانه وواجباته ومحظوراته
أما الشرائط فشرط صحة الحج اثنان الوقت والإسلام فيصح حج الصبي ويحرم بنفسه إن كان مميزا ويحرم عنه وليه إن كان صغيرا ويفعل به ما يفعل في الحج من الطواف والسعي وغيره وأما الوقت فهو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر فمن أحرم بالحج في غير هذه المدة فهي
114
114
عمرة وجميع السنة وقت العمرة وأما شروط وقوعه عن حجة الإسلام فالبلوغ والعقل والوقت
وأما شرط لزومه فالاستطاعة وهي نوعان
أحدهما المباشرة وذلك له أسباب
أما في نفسه فبالصحة وأما في الطريق فبأن تكون خصبة آمنة بلا بحر مخطر ولا عدو قاهر وأما في المال فبأن يجد نفقة ذهابه وإيابه إلى وطنه وأن يملك نفقة من تلزمه نفقته في هذه المدة وأن يملك ما يقضي به ديونه وأن يقدر على راحلة أو كرائها بمحمل أو زاملة إن استمسك على الزاملة
وأما النوع الثاني فاستطاعة المعضوب بماله وهو أن يستأجر من يحج عنه بعد فراغ الأجير عن حجة الإسلام لنفسه ومن استطاع لزمة الحج وله التأخير ولكنه فيه على خطر فإن تيسر له ولو في آخر عمره سقط عنه وإن مات قبل الحج لقي الله عز وجل عاصيا بترك الحج وكان الحج في تركته يحج عنه وإن لم يوص كسائر ديونه ومن مات ولم يحج مع اليسار فأمره شديد عند الله تعالى قال عمر رضي الله عنه لقد هممت أن أكتب في الأمصار بضرب الجزية على من لم يحج ممن يستطيع إليه سبيلا وعن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاووس لو علمت رجلا غنيا وجب عليه الحج ثم مات قبل أن يحج ما صليت عليه وبعضهم كان له جار موسر فمات ولم يحج فلم يصل عليه
وأما الأركان التي لا يصح الحج دونها فخمسة الإحرام والطواف والسعي بعده والوقوف بعرفة والحلق على قول وأركان العمرة كذلك إلا الوقوف
115
115
وأما وجوه أداء الحج والعمرة فثلاثة
الأول الإفراد وذلك أن يقدم الحج وحده فإذا فرغ خرج إلى الحل فأحرم واعتمر
الثاني القران وهو أن يجمع فيقول لبيك بحجة وعمرة فيصير محرما بهما ويكفيه أعمال الحج وتندرج العمرة تحت الحج وعلى القارن دم شاة إلا المكي
الثالث التمتع وهو أن يجاوز الميقات محرما بعمرة ويتحلل بمكة ويتمتع يمحظورات الإحرام إلى وقت الحج ثم يحرم بالحج ويلزمه دم شاة فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم النحر متفرقة أو متتابعة وسبعة إذا رجع إلى الوطن
وأما محظورات الحج والعمرة فستة
الأول اللبس للقميص والسراويل والخف والعمامة بل ينبغي أن يلبس إزار ورداء و نعلين ولا بأس بالمنطقة و الاستظلال في المحمل و لكن لا ينبغي أن يغطي رأسه وللمرأة أن تلبس كل مخيط بعد أن لا تستر وجهها بما يماسه فإن إحرامها في وجهها
الثاني الطيب فليتجنب كل ما يعده العقلاء طيبا فإن تطيب أو لبس فعليه دم شاة
الثالث الحلق والقلم وفيهما الفدية أعني دم شاة ولا بأس بالكحل ودخول الحمام والفصد والحجامة وترجيل الشعر
الرابع الجماع وهو مفسد قبل التحلل الأول وفيه بدنه أو بقرة أو سبع شياه وإن كان بعد التحلل الأول لزمه البدنة ولم يفسد حجه
الخامس مقدمات الجماع كالقبلة والملامسة فهو محرم وفيه شاة ويحرم النكاح والإنكاح ولا دم فيه لأنه لم ينعقد
السادس قتل صيد البر أعني ما يؤكل فإن قتل صيدا فعليه مثله من النعم يراعي فيه التقارب في الخلقة وصيد البحر حلال ولا جزاء فيه
116
116
ترتيب الأعمال الظاهرة من أول السفر إلى الرجوع
وهي عشر جمل
الجملة الأولى في السير
من أول الخروج إلى الإحرام وفيها مسائل
الأولى في المال ينبغي أن يبدأ بالتوبة ورد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع ويرد ما عنده من الودائع ويستصحب من المال الحلال الطيب ما يكفيه لذهابه وإيابه من غير تقتير بل على وجه يمكنه معه التوسع في الزاد والرفق بالضعفاء والفقراء ويتصدق بشيء قبل خروجه فإن اكترى فليظهر للمكاري كل ما يريد أن يحمله من قليل أو كثير ليحصل رضاه فيه
الثانية في الرفيق ينبغي أن يلتمس رفيقا صالحا محبا للخير معينا عليه إن نسى ذكره وإن ذكر أعانه وإن جبن شجعه وإن عجز قواه وإن ضاق صدره صبره ويودع رفقاءه المقيمين وإخوانه وجيرانه فيودعهم ويلتمس أدعيتهم والسنة في الوداع أن يقول أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك وكان صلى الله عليه وسلم يقول لمن أراد السفر في حفظ الله وكنفه زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك الخير أينما كنت
الثالثة في الخروج من الدار ينبغي إذا هم بالخروج أن يصلي ركعتين فإذا فرغ رفع يديه ودعا الله عن إخلاص وقال اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد والأصحاب احفظنا وإياهم من كل آفة وعاهة اللهم إنا نسألك في مسيرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضي اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال والولد
الرابعة إذا حصل على باب الدار قال بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله رب أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أذل أو أذل أو أزل أو أزل أو
117
117
أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي اللهم إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة بل خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك وقضاء فرضك واتباع سنة نبيك
الخامسة في الركوب فإذا ركب قال ! < سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون > !
الجملة الثانية في آداب الإحرام من الميقات إلى دخول مكة
الأدب الأول أن يغتسل وينوي به غسل الإحرام أعني إذا انتهى إلى الميقات الذي يحرم الناس منه ويتمم غسله بالتنظيف ويسرح لحيته ورأسه ويقلم أظفاره ويقص شاربه ويستكمل النظافة التي ذكرناها في الطهارة
الثاني أن يفارق الثياب المخيطة ويلبس ثوبي الإحرام فيرتدي ويتزر بثوبين أبيضين ويتطيب في ثيابه وبدنه
الثالث أن يصبر بعد لبس الثياب حتى تنبعث به راحلته إن كان راكبا أو يبدأ بالسير إن كان راجلا فعند ذلك ينوي الإحرام بالحج أو بالعمرة قرانا أو إفرادا كما أراد ويقول لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك بحجة حقا تعبدا ورقا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد
الرابع يستحب تجديد التلبية في دوام الإحرام خصوصا عند اصطدام الرفاق و عند اجتماع الناس و عند كل صعود وهبوط وعند كل ركوب ونزول رافعا بها صوته بحيث لا يبح حلقه فإنه لا ينادي أصم ولا غائبا كما ورد في الخبر وكان صلى الله عليه وسلم إذا أعجبه شيء قال لبيك إن العيش عيش الآخرة
118
118
الجملة الثالثة في آداب دخول مكة إلى الطواف
يستحب أن يغتسل بذي طوى وإذا وقع بصره على البيت فليقل لا إله إلا الله والله أكبر اللهم أنت السلام ومنك السلام ودارك دار السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام اللهم هذا بيتك عظمته وكرمته وشرفته اللهم فزده تعظيما وزده تشريفا وتكريما وزده مهابة وزد من حجه برأ وكرامة اللهم افتح لي أبواب رحمتك وأدخلني جنتك وأعذني من الشيطان الرجيم ثم لا يعرج على شيء دون الطواف وهو طواف القدوم إلا أن يجد الناس في المكتوبة فيصلي معهم ثم يطوف
الجملة الرابعة في الطواف
فإذا أراد افتتاح الطواف إما للقدوم وإما لغيره فينبغي أن يراعي أمورا ستة
الأول أن يراعي شروط الصلاة من طهارة الحدث والخبث في الثوب والبدن والمطاف وستر العورة فالطواف بالبيت صلاة ولكن الله سبحانه أباح فيه الكلام وليضطبع قبل ابتداء الطواف وهو أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه اليمنى ويجمع طرفيه على منكبه الأيسر فيرخي طرفا وراء ظهره وطرفا على صدره ويقطع التلبية عند ابتداء الطواف ويشتغل بالأدعية المروية
الثاني إذا فرغ من الاضطباع فليجعل البيت على يساره وليقف عند الحجر الأسود وليتنح عنه قليلا ليكون الحجر قدامه فيمر بجميع الحجر بجميع بدنه في إبتداء طوافه وليجعل بينه وبين البيت قدر ثلاث خطوات ليكون قريبا من البيت فإنه أفضل
الثالث أن يقول قبل مجاورة الحجر بل في ابتداء الطواف بسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ويطوف
الرابع أن يرمل في ثلاثة أشواط ويمشي في الأربعة الأخر على الهيئة المعتادة ومعنى الرمل الإسراع في المشي مع تقارب الخطا وهو دون العدو وفوق المشي
119
119
المعتاد والمقصود منه ومن الاضطباع إظهار الشطارة والجلادة والقوة هكذا كان القصد أولا قطعا لطمع الكفار وبقيت تلك السنة والأفضل الرمل مع الدنو من البيت فإن لم يمكنه للزحمة فالرمل مع البعد أفضل فليخرج إلى حاشية المطاف وليرمل ثلاثة ثم ليقرب إلى البيت في المزدحم وليمش أربعة وإن أمكنه استلام الحجر في كل شوط فهو الأحب وإن منعه الزحمة أشار باليد وقبل وكذلك استلام الركن اليماني يستحب من سائر الأركان
الخامس إذا تم الطواف سبعة فليأت الملتزم وهو بين الحجر والباب وهو موضع استجابة الدعوة وليلزق بالبيت وليتعلق بالأستار وليلصق بطنه بالبيت وليضع عليه خده الأيمن وليبسط عليه ذراعيه وكفيه وليقل اللهم يا رب البيت العتيق أعتق رقبتي من النار اللهم هذا مقام العائذ بك من النار وليدع بحوائجه الخاصة ويستغفر من ذنوبه
السادس إذا فرغ من ذلك ينبغي أن يصلي خلف المقام ركعتين وهما ركعتا الطواف وليدع بعد ركعتي الطواف وليقل اللهم يسر لي اليسرى وجنبني العسرى واغفر لي في الأخرى والأولى
الجملة الخامسة في السعي
فإذا فرغ من الطواف فليخرج من باب الصفا فإذا انتهى إلى الصفا وهو جبل فيرقى فيه درجا في حضيض الجبل ثم يسعى بينه وبين المروة سبع مرات والطهارة مستحبة للسعي وليست بواجبة بخلاف الطواف
الجملة السادسة في الوقوف وما قبله
الحاج إذا انتهى يوم عرفة إلى عرفات فلا يتفرغ لطواف لقدوم ودخول مكة قبل الوقوف وإذا وصل قبل ذلك بأيام فطاف طواف القدوم فيمكث محرما إلى اليوم السابع من ذي الحجة فيخطب الإمام بمكة خطبة بعد الظهر عند الكعبة ويأمر الناس بالاستعداد للخروج إلى منى يوم التروية والمبيت بها وبالغدو منها إلى عرفة
120
120
لإقامة فرض الوقوف بعد الزوال إذ وقت الوقوف من الزوال إلى طلوع الفجر الصادق من يوم النحر فينبغي أن يخرج إلى منى ملبيا ويمكث هذه الليلة بمنى فإذا أصبح يوم عرفة صلى الصبح فإذا طلعت الشمس على ثبير جبل سار إلى عرفات وليغتسل للوقوف ويجمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين وقصر الصلاة وليكثر من أنواع التحميد والتسبيح والتهليل والثناء على الله عز وجل والدعاء والتوبة ولا يصوم في هذا اليوم ليقوى على المواظبة على الدعاء ولا يقطع التلبية يوم عرفة بل الأحب أن يلبي تارة ويكب على الدعاء أخرى وليدع بما بدا له وليستغفر له ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات وليلح في الدعاء وليعظم المسألة فإن الله لا يتعاظمه شيء
الجملة السابعة في بقية أعمال الحج
إذا أفاض من عرفة بعد غروب الشمس فينبغي أن يكون على السكينة والوقار فإذا بلغ المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء قاصرا لها بأذان وإقامتين ثم يمكث تلك الليلة بمزدلفة ويتزود الحصى منها ففيها أحجار رخوة فيأخذ سبعين حصاة فإنها بقدر الحاجة ثم ليغلس بصلاة الصبح وليأخذ في المسير حتى إذا انتهى إلى المشعر الحرام وهو آخر المزدلفة فيقف ويدعو إلى الإسفار ثم يدفع منها قبل طلوع الشمس حتى ينتهي إلى موضع يقال له وادي محسر فيستحب له أن يحرك دابته حتى يقطع عرض الوادي وإن كان راجلا أسرع في المشي ثم إذا أصبح يوم النحر خلط التلبية بالتكبير فيلبي تارة ويكبر أخرى فينتهي إلى منى ومواضع الجمرات وهي ثلاثة فيتجاوز الأولى والثانية فلا شغل له معهما يوم النحر حتى ينتهي إلى جمرة العقبة ويرمي بعد طلوع الشمس سبع حصيات رافعا يده مستقبلا القبلة أو الجمرة قائلا مع كل حصاة الله أكبر على طاعة الرحمن ورغم الشيطان اللهم تصديقا بكتابك واتباعا لسنة نبيك ثم ليذبح الهدي إن كان معه والأولى أن يذبح بنفسه وليقل بسم الله والله أكبر اللهم منك وبك وإليك تقبل مني كما تقبلت من خليلك إبراهيم والتضحية بالبدن أفضل ثم بالبقر ثم بالشاة والضأن
121
121
أفضل من المعز والبيضاء أفضل من الغبراء والسوداء وليأكل منه إن كان من هدي التطوع ولا يضحين بالعرجاء والجدعاء والعجفاء ثم ليحلق بعد ذلك ومهما حلق بعد رمي الجمرة فقد حصل له التحلل الأول وحل له كل المحظورات إلا النساء والصيد ثم يفيض إلى مكة ويطوف كما وصفناه وهذا الطواف طواف ركن في الحج ويسمى طواف الزيارة وأول وقته بعد نصف الليل من ليلة النحر وأفضل وقته يوم النحر ولا تحل له النساء إلى أن يطوف فإذا طاف تم التحلل وحل الجماع وارتفع الإحرام بالكلية ولم يبق إلا رمي أيام التشريق والمبيت بمنى وهي واجبات بعد زوال الإحرام على سبيل الإتباع للحج
وأسباب التحلل ثلاثة الرمي والحلق والطواف الذي هو ركن ومهما أتى باثنين من هذه الثلاثة فقد تحلل أحد التحللين ولا حرج عليه في التقديم والتأخير بهذه الثلاثة مع الذبح ولكن الأحسن أن يرمي ثم يذبح ثم يحلق ثم يطوف
ثم إذا فرغ من الطواف عاد إلى منى للمبيت والرمي فيبيت تلك الليلة بمنى فإذا أصبح اليوم الثاني من العيد وزالت الشمس اغتسل للرمي وقصد الجمرة الأولى ورمى إليها بسبع حصيات فإذا تعداها وقف مستقبل القبلة وحمد الله تعالى وهلل وكبر ودعا مع حضور القلب وخشوع الجوارح ثم يتقدم إلى الجمرة الوسطى ويرمي كما رمى الأولى ويقف كما وقف للأولى ثم يتقدم إلى جمرة العقبة ويرمي سبعا ويرجع إلى منزله ويبيت تلك الليلة بمنى ويصبح فإذا صلى الظهر في اليوم الثاني من أيام التشريق رمى في هذا اليوم إحدى وعشرين حصاة كاليوم الذي قبله ثم هو مخير بين المقام بمنى وبين العودة إلى مكة فإن خرج من منى قبل غروب الشمس فلا شيء عليه وإن صبر إلى الليل فلا يجوز له الخروج بل لزمه المبيت حتى يرمي يوم النفر الثاني واحدا وعشرين حجرا كما سبق وفي ترك المبيت والرمي إراقة دم وله أن يزور البيت في ليالي منى بشرط أن لا يبيت إلا بمنى ولا يتركن حضور الفرائض مع الإمام في مسجد الخيف فإن فضله عظيم
الجملة الثامنة في صفة العمرة وما بعدها إلى طواف الوداع
من أراد أن يعتمر قبل حجه أو بعده فليغتسل ويلبس ثياب الإحرام كما سبق
122
122
في الحج ويحرم بالعمرة من ميقاتها وينوي العمرة ويلبي ويصلي ركعتين ويدعو بما شاء ثم يعود إلى مكة وهو يلبي حتى يدخل المسجد الحرام فإذا دخل المسجد ترك التلبية وطاف سبعا وسعى سبعا كما وصفنا فإذا فرغ حلق رأسه وقد تمت عمرته والمقيم بمكة ينبغي أن يكثر الاعتمار والطواف وليكثر شرب ماء زمزم وليرتو حتى يتضلع
الجملة التاسعة في طواف الوداع
مهما عن له الرجوع إلى الوطن بعد الفراغ من إتمام الحج والعمرة فلينجز أولا أشغاله وليشد رحاله وليجعل آخر أشغاله وداع البيت ووداعه بأن يطوف به سبعا كما سبق ولكن من غير رمل واضطباع فإذا فرغ منه صلى ركعتين خلف المقام وشرب من ماء زمزم ثم يأتي الملتزم ويدعو ويتضرع قائلا اللهم أصحبني العافية في بدني والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك أبدا ما أبقيتني واجمع لي خير الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير
الجملة العاشرة في زيارة المدينة وآدابها
من قصد زيارة المدينة فليصل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه كثيرا وليغتسل قبل الدخول وليتطيب وليلبس أنظف ثيابه فإذا دخلها فليدخلها متواضعا معظما ويقصد المسجد ويصلي فيه بجنب المنبر ركعتين ثم يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيقف عند وجهه وذلك بأن يستدبر القبلة ويستقبل جدار القبر على نحو من أربعة أذرع من السارية التي في زاوية جدار القبر وليس من السنة أن يمس الجدار ولا أن يقبله فإن المس والتقبيل للمشاهد عادة النصارى واليهود بل الوقوف من بعد أقرب للاحترام فيقف ويقول السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا نبي الله السلام عليك يا أمين الله السلام عليك يا حبيب الله السلام عليك يا صفوة الله السلام عليك يا أبا القاسم السلام عليك يا سيد المرسلين السلام عليك يا خاتم النبيين السلام عليك يا رسول رب العالمين السلام عليك يا قائد الخير السلام عليك يا فاتح البر السلام عليك يا نبي الرحمة السلام عليك يا هادي الأمة
123
123
السلام عليك وعلى أهل بيتك وأصحابك الطيبين جزاك الله عنا أفضل ما جزى نبيا عن قومه ورسولا عن أمته وصلى عليك أفضل الصلاة وأكمل ما صلى على أحد من خلقه كما استنقذنا بك من الضلالة وبصرنا بك من العماية وهدانا بك من الجهالة أشهد أنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت عدوك وهديت أمتك وعبدت ربك حتى أتاك اليقين فصلى الله عليك وعلى أهل بيتك الطيبين وسلم وشرف وكرم وعظم ثم يتأخر قدر ذراع ويسلم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم يتأخر قدر ذراع أيضا ويسلم على الفاروق عمر رضي الله عنه ويقول السلام عليكما يا وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعاونين له على القيام بالدين ما دام حيا والقائمين في أمته بعده بأمور الدين تتبعان في ذلك آثاره وتعملان بسنته فجزاكما الله خير ما جزى وزيري نبي عن دينه ثم يأتي الروضة فيصلي فيها ركعتين ويكثر من الدعاء ما استطاع ويستحب له أن يأتي أحدا ويزور قبور الشهداء وأن يأتي البقيع ويزور خياره وأن يأتي قباء في كل سبت ويصلي فيه وإن أمكنه الإقامة بالمدينة مع مراعاة الخدمة فلها فضل عظيم ثم إذا عزم على الخروج من المدينة فيستحب أن يأتي القبر الشريف ويعيد دعاء الزيارة ويسأل الله تعالى أن يرزقه العودة إليه ثم يصلي ركعتين في الروضة فإذا خرج فليخرج رجله اليسرى ثم اليمنى وليتصدق على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدر عليه
سنن الرجوع من السفر
يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون فإذا أشرف على مدينته يحرك الدابة ويرسل إلى أهله من يخبرهم بقدومه كيلا يقدم عليهم بغتة ولا ينبغي أن يطرق أهله ليلا وإذا دخل البلد فليقصد المسجد أولا وليصل ركعتين وإذا استقر في منزله فلا ينبغي أن ينسى ما أنعم الله به عليه من زيارة حرمه وقبر نبيه صلى الله عليه وسلم فيكفر تلك النعمة بأن يعود إلى الغفلة واللهو والخوض في المعاصي فما ذلك علامة الحج المبرور بل علامته أن يعود راغبا في الآخرة متأهبا للقاء رب البيت بعد لقاء البيت
124
124
الباب الثالث في الآداب الدقيقة والأعمال الباطنة
دقائق الآداب وهي سبعة
الأول أن تكون النفقة حلالا والهم مجردا لله تعالى وتعظيم شعائره ومن حج عن غيره فينبغي أن يكون قصده زيارة بيت الله تعالى ومعاونة أخيه المسلم بإسقاط الفرض عنه لا أن يتخذ ذلك مكسبه ومتجره ليتوصل بالدين إلى الدنيا فيطلب الدنيا بعمل الآخرة بل ليتوصل بالدنيا إلى الدين أي التمكن من الحج والزيارة فيه
الثاني التوسع في الزاد وطيب النفس بالبذل والإنفاق من غير تقتير ولا إسراف بل على الاقتصاد وبذل الزاد في طريق الحج نفقة في سبيل الله عز وجل قال ابن عمر من كرم الرجل طيب زاده في سفره
الثالث ترك الرفث والفسوق والجدال كما نطق به القرآن والرفث اسم جامع لكل لغو وفحش من الكلام ويدخل فيه مغازلة النساء ومداعبتهن والتحدث بشأن الجماع ومقدماته فإن ذلك يهيج داعية الجماع المحظور والداعي إلى المحظور محظور والفسق اسم جامع لكل خروج عن طاعة الله عز وجل والجدل هو المبالغة في الخصومة والمماراة بما يورث الضغائن ويناقض حسن الخلق فلا ينبغي أن يكون كثير الاعتراض على رفيقه وجماله وعلى غيرهم من أصحابه بل يلين جانبه ويخفض جناحه للسائرين إلى بيت الله عز وجل ويلزم حسن الخلق وليس حسن الخلق كف الأذى بل احتمال الأذى
الرابع أن يجتنب زي المترفين المتكبرين فلا يميل إلى أسباب التفاخر والتكاثر فيكتب في ديوان المتكبرين ويخرج عن حزب الصالحين وفي الحديث إنما الحاج الشعث التفث يقول الله تعالى ! < ثم ليقضوا تفثهم > ! والتفث الشعث والاغبرار وقضاؤه بالحلق وقص الشارب والأظفار
125
125
الخامس أن يرفق بالدابة فلا يحملها ما لا تطيق ولا يقف عليها الوقوف الطويل وينزل أحيانا عنها إحسانا إليها
السادس أن يتقرب بإراقة دم وإن لم يكن واجبا عليه ويجتهد أن يكون من سمين النعم ونفيسه وليأكل منه إن كان تطوعا وليس المقصود اللحم إنما المقصود تزكية النفس وتطهيرها عن صفة البخل وتزيينها بجمال التعظم لله عز وجل ! < لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم > !
السابع أن يكون طيب النفس بما أنفقه من نفقة وهدي وبما أصابه من خسران ومصيبة في مال أو بدن إن أصابه ذلك فله بكل أذى احتمله وخسران أصابه ثواب فلا يضيع منه شيء عند الله عز وجل ويقال من علامة قبول الحج ترك ما كان عليه من المعاصي وأن يتبدل بإخوانه البطالين إخوانا صالحين وبمجالس اللهو والغفلة مجالس الذكر واليقظة
طريق الاعتبار بأعمال الحج الباطنة والتذكر لأسرارها ومعانيها
في كل واحد من أعمال المناسك تذكره للمتذكر وعبرة للمعتبر إذا انفتح بابها انكشف لكل خارج من أسرارها ما يقتضيه صفاء قلبه وغزارة فهمه وقد شرف الله البيت العتيق بالإضافة إلى نفسه ونصبه مقصدا لعباده وجعل ما حواليه حرما لبيته تفخيما لأمره وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره ووضعه على مثال حضرة الملوك يقصده الزوار من كل فج عميق ومن كل أوب سحيق شعثا غبرا متواضعين لرب البيت خضوعا لجلاله مع الاعتراف بتنزيهه عن أن يحويه بيت أو يكتنفه بلد ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبوديتهم وأتم في إذعانهم وانقيادهم وفي الإحرام والتلبية إجابة نداء الله عز وجل وفي دخول مكة تذكر الانتهاء إلى حرم الله فليخش أن لا يكون أهلا للقرب وليرج الرحمة وفي مشاهدة البيت إحضار عظمة البيت في القلب وتقدير مشاهدته لرب البيت لشدة تعظيمه إياه وفي الطواف بالبيت تشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش الطائفين حوله وما القصد طواف الجسم بل طواف القلب بذكر الرب وفي التعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم طلب القرب حبا وشوقا للبيت ولرب البيت وتبركا بالمماسة والإلحاح في طلب المغفرة وسؤال الأمان كالمذنب المتعلق بشاب من أذنب إليه المتضرع إليه في عفوه عنه المظهر
126
[
126
له أنه لا ملجأ له منه إلا إليه وأنه لا يفارق ذيله إلا بالعفو عنه وفي السعي بين الصفا والمروة مضاهاة تردد العبد بفناء الملك جائيا وذاهبا مرة بعد أخرى إظهارا للخلوص في الخدمة ورجاء للملاحظة بعين الرحمة كالذي دخل على الملك وخرج وهو لا يدري ما الذي يقضي به الملك في حقه من قبول أو رد فلا يزال يتردد على فناء الدار مرة بعد أخرى يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولى وفي الوقوف بعرفة ورؤية ازدحام الخلق وارتفاع الأصوات باختلاف اللغات تذكر اجتماع الأمم في عرصات القيامة وتحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرد والقبول وفي تذكر ذلك إلزام القلب الضراعة والابتهال إلى الله عز وجل ورجاء الحشر في زمرة الفائزين المرحومين وتحقيق الرجاء بالإجابة فالموقف شريف والرحمة إنما تصل من حضرة الجلال إلى كافة الخلق بواسطة القلوب النقية ولا ينفك الموقف عن طبقات من الصالحين وأرباب القلوب فإذا اجتمعت هممهم وتجردت للضراعة والابتهال قلوبهم وارتفعت إلى الله سبحانه أيديهم وامتدت إليه أعناقهم وشخصت نحو السماء أبصارهم مجتمعين بهمة واحدة على طلب الرحمة فلا تظنن أنه يخيب أملهم ويضيع سعيهم ويدخر عنهم رحمة تغمرهم وفي رمي الجمار انقياد للأمر إظهارا للرق والعبودية وقصد رمي وجه الشيطان وقصم ظهره وفي زيارة المدينة ومشاهدتها تذكر أنها البلدة التي اختارها الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم وجعل إليها هجرته وأنها داره التي شرع فيها فرائض ربه عز وجل وسننه وجاهد عدوه وأظهر بها دينه إلى أن توفاه الله عز وجل وأنها العرصة التي اختارها الله سبحانه لنبيه ولأول المسلمين وأفضلهم عصابة وأن فرائض الله سبحانه أول ما أقيمت في تلك العرصة وأنها جمعت أفضل خلق الله حيا وميتا صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم
127
127
كتاب آداب تلاوة القرآن
قد امتن الله على عباده بنبيه المرسل وكتابه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه حتى اتسع على أهل الافتكار طريق الاعتبار بما فيه من القصص والأخبار واتضح به سلوك المنهج القويم والصراط المستقيم بما فصل فيه من الأحكام وفرق بين الحلال والحرام فهو الضياء والنور وبه النجاة من الغرور وفيه شفاء لما في الصدور من تمسك به فقد هدي ومن عمل به فقد فاز قال تعالى ! < إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون > ! ومن أسباب حفظه في القلوب والمصاحف استدامة تلاوته والمواظبة على دراسته مع القيام بآدابه وشروطه والمحافظة على ما فيه من الأعمال الباطنة والآداب الظاهرة وذلك ما لا بد من بيانه وتفصيله
فضل القرآن وأهله وذم المقصرين في تلاوته
قال صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن ثم رأى أحدا أوتي أفضل مما أوتي فقد استصغر ما عظمه الله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم أفضل عبادة أمتي تلاوة القرآن وقال
128
128
صلى الله عليه وسلم خيركم من تعلم القرآن وعلمه وقال ابن مسعود إذا أردتم العلم فانثروا القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين وقال عمرو بن العاص من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه
وقد جاء في ذم تلاوة الغافلين قوله صلى الله عليه وسلم ما آمن بالقرآن من استحل محارمه وقوله صلى الله عليه وسلم إقرأ القرآن ما نهاك فإن لم ينهك فلست تقرؤه وقال أنس رب تال للقرآن والقرآن يلعنه وقال ابن مسعود أنزل القرآن ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملا إن أحدهم ليقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به وقال بعض العلماء إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم يقول ألا لعنة الله على الظالمين وهو ظالم نفسه ألا لعنة الله على الكاذبين وهو منهم
129
129
ظاهر آداب التلاوة
الأدب الأول في حال القارئ وهو أن يكون على الوضوء واقفا على هيئة الأدب والسكون إما قائما وإما جالسا مستقبل القبلة مطرقا رأسه غير متربع ولا متكئ ولا جالس على هيئة التكبر فإن قرأ على غير وضوء أو كان مضطجعا في الفراش فله أيضا فضل ولكنه دون ذلك قال الله تعالى ! < الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض > ! فأثنى على الكل ولكن قدم القيام في الذكر ثم القعود ثم الذكر مضطجعا
الثاني في مقدار القراءة وللقراء عادات مختلفة في الاستكثار والاختصار والمأثور عن عثمان وزيد بن ثابت وابن مسعود وأبي بن كعب رضي الله عنهم أنهم كانوا يختمون القرآن في كل جمعة يقسمونه سبعة أحزاب
الثالث الترتيل هو المستحب في هيئة القرآن لأنا سنبين أن المقصود من القراءة التفكر والترتيل معين عليه ولذلك نعتت أم سلمة رضي الله عنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي تنعت قراءته مفسرة حرفا حرفا قال ابن عباس رضي الله عنهما لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله هذرمة وجلي أن الترتيل والتؤدة أقرب إلى التوقير والاحترام وأشد
130
130
تأثيرا في القلب من الهذرمة والاستعجال
الرابع البكاء وهو مستحب مع القراءة ومنشؤه الحزن وذلك أن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد والمواثيق والعهود ثم يتأمل تقصيره في أوامره وزواجره فيحزن لا محالة ويبكي
الخامس أن يراعي حق الآيات فإذا مر بآية سجدة سجد وكذلك إذا سمع من غيره سجدة سجد إذا سجد التالي ولا يسجد إلا إذا كان على طهارة وقد قيل في كمالها إنه يكبر رافعا يديه لتحريمه ثم يكبر للهوي للسجود ثم يكبر للارتفاع ثم يسلم
السادس أن يقول في مبتدأ قراءته أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وفي أثناء القراءة إذا مر بآية تسبيح سبح وكبر وإذا مر بآية دعاء واستغفار دعا واستغفر وإن مر بمرجو سأل أو بمخوف استعاذ يفعل ذلك بلسانه أو بقلبه
السابع الإسرار بالقراءة أبعد عن الرياء والتصنع فهو أفضل في حق من يخاف ذلك على نفسه فإن لم يخف ولم يكن في الجهر ما يشوش على مصل فالجهر أفضل لأن العمل فيه أكثر ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر فيه ولأنه يطرد النوم في رفع الصوت ويزيد في نشاطه للقراءة ويقلل من كسله فمتى حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل
الثامن تحسين القراءة وترتيبها من غير تمطيط مفرط يغير النظم فذلك سنة وفي الحديث زينوا القرآن بأصواتكم وفي آخر ليس منا من لم يتغن بالقرآن فقيل أراد به الاستغناء وقيل أراد به الترنم وترديد الألحان به وهو أقرب عند أهل اللغة واستمع صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى فقال لقد أوتي هذا من مزامير آل
131
131
داود ويروى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا اجتمعوا أمروا أحدهم أن يقرأ سورة من القرآن
أعمال الباطن في التلاوة وهي سبعة
الأول فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله سبحانه وتعالى ولطفه بخلقه في إيصال كلامه إلى أفهام خلقه
الثاني التعظيم للمتكلم فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر ولن تحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته وجلاله وأفعاله فإذا حضر بباله العرش والكرسي والسموات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار وعلم أن الخالق لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد وأن الكل في قبضة قدرته مترددون بين فضله ورحمته وبين نقمته وسطوته إن أنعم فبفضله وإن عاقب فبعدله فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام
الثالث حضور القلب وترك حديث النفس والتجرد له عند قراءته وصرف الهم إليه عن غيره كان بعض السلف إذا قرأ سورة لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية وهذه الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم فإن المعظم للكلام الذي يتلوه ويستبشر به ويستأنس لا يغفل عنه وفي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلا له فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره
الرابع التدبر وهو وراء حضور القلب فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ولكنه يقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبره والمقصود من القراءة التدبر ولذلك سن فيه الترتيل لأن الترتيل في الظاهر ليتمكن من التدبر بالباطن قال علي رضي الله عنه لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر فيها وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد فليردد إلا أن يكون خلف إمام وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة بآية يرددها
الخامس التفهم وهو أن يستوضح عن كل آية ما يليق بها إذ القرآن يشتمل
132
132
على ذكر صفات الله عز وجل وذكر أفعاله وذكر أحوال الأنبياء وأحوال المكذبين لهم وأنهم كيف أهلكوا وذكر أوامره وزواجره وذكر الجنة والنار أما صفات الله عز وجل فكقوله ! < ليس كمثله شيء وهو السميع البصير > ! وكقوله تعالى ! < الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر > ! فليتأمل معاني هذه الأسماء والصفات لينكشف له أسرارها
وأما أفعاله تعالى فكذكره خلق السموات والأرض وغيرها فليفهم التالي منها صفات الله عز وجل وجلاله إذ الفعل يدل على الفاعل فتدل عظمته على عظمته فينبغي أن يشهد في الفعل الفاعل دون الفعل فمن عرف الحق رآه في كل شيء ولهذا ينبغي إذا قرأ التالي قوله عز وجل ! < أفرأيتم ما تحرثون > ! ! < أفرأيتم ما تمنون > ! ! < أفرأيتم الماء الذي تشربون > ! ! < أفرأيتم النار التي تورون > ! فلا يقصر نظره على الماء والنار والحرث والمني بل يتأمل في المني وهو نطفة متشابهة الأجزاء ثم ينظر في كيفية انقسامها إلى اللحم والعظم والعروق والعصب وكيفية تشكل أعضائها بالأشكال المختلفة من الرأس واليد والرجل والكبد والقلب وغيرها ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات الشريفة من السمع والبصر والعقل وغيرها ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات المذمومة من الغضب والشهوة والكبر والجهل والتكذيب والمجادلة كما قال تعالى ! < أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين > ! فيتأمل هذه العجائب ليترقى منها إلى أعجب العجائب وهو الصنعة التي منها صدرت هذه الأعاجيب فلا يزال ينظر إلى الصنعة ويرى الصانع وأما أحوال الأنبياء عليهم السلام فإذا سمع منها أنهم كذبوا وضربوا وقتل بعضهم ثم سمع نصرتهم في آخر الأمر فهم قدرة الله عز وجل وإرادته لنصرة الحق وأما أحوال المكذبين كعاد وثمود وما جرى عليهم فليكن فهمه منه استشعار الخوف من سطوته ونقمته وليكن حظه منه الاعتبار في نفسه
133
133
السادس التخلي عن موانع الفهم فإن أكثر الناس منعوا عن فهم القرآن لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن ومن حجب الفهم أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف بإخراجها عن مخارجها وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله عز وجل فلا يزال يحملهم على ترديد الحروف يخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه فهذا يكون تأمله مقصورا على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني وأعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعا لمثل هذا التلبيس
السابع التخصيص وهو أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن فإن سمع أمرا أو نهيا قدر أنه المنهي والمأمور وإن سمع وعدا أو وعيدا فكذلك وإن سمع قصص الأولين والأنبياء علم أن السمر غير مقصود وإنما المقصود أن تعتبر به وتأخذ من بضاعته ما تحتاج إليه فما من قصة في القرآن إلا وسياقها لفائدة في حق النبي صلى الله عليه وسلم وأمته ولذلك قال تعالى ! < ما نثبت به فؤادك > ! فليقدر العبد أن الله ثبت فؤاده بما يقصه عليه من أحوال الأنبياء وصبرهم على الإيذاء وثباتهم في الدين لانتظار نصر الله تعالى وكيف لا يقدر هذا والقرآن ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لرسول الله خاصة بل هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين ولذلك أمر الله تعالى الكافة بشكر نعمة الكتاب فقال تعالى ! < واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به > ! وإذا قصد بالخطاب جميع الناس فقد قصد الآحاد كما قال تعالى ! < لأنذركم به ومن بلغ > ! قال محمد القرظي من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله وإذا قدر ذلك لم يتخذ دراسة القرآن عمله بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه الذي كتبه إليه ليتأمله ويعمل بمقتضاه
134
134
ولذلك قال بعض العلماء هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا عز وجل بعهوده نتدبرها في الصلوات وننفذها في الطاعات
الثامن التأثر وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون له بحسب كل فهم حال ووجد يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيره ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه فإن التضييق غالب على آيات القرآن فلا ترى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقرونا بشروط يقصر العارف عن نيلها كقوله عز وجل ! < وإني لغفار > ! ثم أتبع ذلك بأربعة شروط ! < لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى > ! وقوله تعالى ! < والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر > ! ذكر أربعة شروط وحيث اقتصر ذكر شرطا جامعا فقال تعالى ! < إن رحمة الله قريب من المحسنين > ! فالإحسان يجمع الكل وهكذا من يتصفح القرآن من أوله إلى آخره ومن فهم ذلك فجدير بأن يكون حاله الخشية والحزن وإلا كان حظه من التلاوة حركة اللسان مع صريح اللعن على نفسه في قوله تعالى ! < ألا لعنة الله على الظالمين > ! وفي قوله تعالى ! < كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون > ! وفي قوله ! < فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا > ! وفي قوله تعالى ! < ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون > ! إلى غير ذلك من الآيات فالقرآن يراد للعمل به وأما مجرد حركة اللسان فقليل الجدوى وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل وحظ العقل تفسير المعاني وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ
135
135
كتاب الأذكار والدعوات
فضيلة الذكر
من الآيات قوله سبحانه وتعالى ! < فاذكروني أذكركم > ! وقال تعالى ! < اذكروا الله ذكرا كثيرا > ! وقال تعالى ! < الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم > ! وقال تعالى ! < فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم > ! قال ابن عباس أي بالليل والنهار في البر والبحر والسفر والحضر والغنى والفقر والمرض والصحة والسر والعلانية وقال تعالى ! < واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين > ! وقال تعالى في ذم المنافقين ! < ولا يذكرون الله إلا قليلا > !
ومن الأخبار قوله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه وقال صلى الله عليه وسلم من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله عز
136
136
وجل وسئل صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل فقال أن تموت ولسانك رطب بذكر الله عز وجل وقال صلى الله عليه وسلم قال الله تبارك وتعالى إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه وإذا تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا الحديث
ومن الآثار قول الحسن الذكر ذكران ذكر الله عز وجل بين نفسك وبين الله عز وجل ما أحسنه وأعظم أجره وأفضل من ذلك ذكر الله سبحانه عند ما حرم الله عز وجل
فضيلة مجالس الذكر
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله عز وجل إلا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله تعالى فيمن عنده
فضيلة التهليل
قال صلى الله عليه وسلم أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له وقال صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو
137
137
على كل شيء قدير كل يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مئة حسنة ومحيت عنه مئة سيئة الحديث
فضيلة التسبيح والتحميد وبقية الأذكار
قال صلى الله عليه وسلم من سبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا وثلاثين وكبر ثلاثا وثلاثين وختم المئة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت ذنوبه وقال صلى الله عليه وسلم من قال سبحان الله وبحمده في اليوم مئة مرة حطت خطاياه وقال صلى الله عليه وسلم أحب الكلام إلى الله تعالى أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت وقال صلى الله عليه وسلم كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
سر فضيلة الذكر
إن قلت ما بال ذكر الله سبحانه مع خفته على اللسان وقلة التعب فيه صار
138
138
أفضل وأنفع من جملة العبادات مع كثرة المشقة فيها فاعلم أن تحقيق هذا لا يليق إلا بعلم المكاشفة والقدر الذي يسمح بذكره في علم المعاملة أن المؤثر النافع هو الذكر على الدوام مع حضور القلب فأما الذكر باللسان والقلب لاه فهو قليل الجدوى بل حضور القلب مع الله تعالى على الدوام أو في أكثر الأوقات هو المقدم على العبادات بل به تشرف سائر العبادات وهو غاية ثمرة العبادات العملية وللذكر أول وآخر فأوله يوجب الأنس والحب وآخره يوجب الأنس والحب ويصدر عنه والمطلوب ذلك الأنس والحب
فضيلة الدعاء
قال الله تعالى ! < وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي > ! وقال تعالى ! < ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين > ! وقال تعالى ! < وقال ربكم ادعوني أستجب لكم > ! وقال تعالى ! < قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى > ! وقال صلى الله عليه وسلم الدعاء مخ العبادة وقال صلى الله عليه وسلم سلوا الله تعالى من فضله فإنه تعالى يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج
آداب الدعاء
الأول أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة ورمضان من الأشهر ويوم الجمعة من الأسبوع ووقت السحر من الليل قال تعالى ! < وبالأسحار هم يستغفرون > !
139
139
الثاني أن يغتنم الأحوال الشريفة كحال زحف الصفوف في سبيل الله تعالى وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلوات المكتوبة وخلف الصلوات وبين الأذان والإقامة وحالة السجود وبالحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضا إذ وقت السحر وقت صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المشوشات ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهم وتعاون القلوب على استدرار رحمة الله عز وجل
الثالث أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه ثم ينبغي أن يمسح بهما وجهه في آخر الدعاء قال عمر رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مد يديه في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه وقال ابن عباس كان صلى الله عليه وسلم إذا دعا ضم كفيه وجعل بطونهما مما يلي وجهه فهذه هيئات اليد ولا يرفع بصره إلى السماء
الرابع خفض الصوت بين المخافتة والجهر قالت عائشة في قوله تعالى ! < ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها > ! أي بدعائك وقد أثنى تعالى على نبيه زكريا عليه السلام حيث قال ! < إذ نادى ربه نداء خفيا > ! وقال تعالى ! < ادعوا ربكم تضرعا وخفية > !
الخامس أن لا يتكلف السجع في الدعاء والأولى أن لا يجاوز الدعوات المأثورة فإنه قد يعتدي في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته فما كل أحد يحسن الدعاء
السادس التضرع والخشوع والرغبة والرهبة قال تعالى ! < ادعوا ربكم تضرعا وخفية > !
السابع أن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاءه فيه قال صلى الله عليه وسلم لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مكره له وقال صلى الله عليه وسلم إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا
140
140
يتعاظمه شيء وقال صلى الله عليه وسلم ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله عز وجل لا يستجيب دعاء من قلب غافل
الثامن أن يلح في الدعاء ويكرره ثلاثا وأن لا يستبطئ الإجابة
التاسع أن يفتتح الدعاء بذكر الله تعالى ولا يبدأ بالسؤال ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويختم بها أيضا
العاشر وهو الأدب الباطن وهو الأصل في الإجابة التوبة ورد المظالم والإقبال على الله عز وجل بكنه الهمة فذلك هو السبب القريب في الإجابة
فضيلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
قال الله تعالى ! < إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما > ! وقال صلى الله عليه وسلم من صلى علي من أمتي كتب له عشر حسنات وقيل يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد عبدك وعلى وعلى آله وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وروي أن عمر رضي الله عنه سمع بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم
141
141
يبكي ويقول بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته فقال عز وجل ! < من يطع الرسول فقد أطاع الله > ! بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أخبرك بالعفو عنك قبل أن يخبرك بالذنب فقال تعالى ! < عفا الله عنك لم أذنت لهم > ! بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا قد أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون يقولون ! < يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا > ! بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان موسى أعطاه الله حجرا تتفجر منه الأنهار فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء صلى الله عليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان سليمان أعطاه الله الريح غدوها شهر ورواحها شهر فماذا بأعجب من البراق حين سرت عليه إلى السماء السابعة ثم صليت الصبح من ليلتك بالأبطح صلى الله عليك بأبي أنت وأمي لئن كان عيسى بن مريم أعطاه الله إحياء الموتى فماذا بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتك وهي مشوية فقالت الذراع لا تأكلني فإني مسمومة بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد اتبعك في قلة سنك وقصر عمرك ما لم يتبع نوحا في كثرة سنه وطول عمره ولقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل ولقد لبست الصوف وركبت الحمار وأردفت خلفك ووضعت طعامك على الأرض ولعقت أصابعك تواضعا منك فصلى الله عليك وسلم
142
142
فضيلة الاستغفار
قال الله عز وجل ! < والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم > ! وقال تعالى ! < ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما > ! وقال تعالى ! < فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا > ! وقال تعالى ! < والمستغفرين بالأسحار > ! وقال تعالى ! < كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون > ! وكان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم وقال صلى الله عليه وسلم من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب وقال صلى الله عليه وسلم إني لأستغفر الله تعالى وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة وكان صلى الله عليه وسلم يقول في الاستغفار اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت
143
143
المؤخر وأنت على كل شيء قدير وعن الفضيل رحمه الله استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين وعن رابعة العدوية رحمها الله استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير
وأما أوراد الصباح والمساء وخلف الصلوات وفي السحر فلنا فيها كتاب مستقل فليرجع إليه من أحب ذلك
آداب النوم
الأول الطهارة والسواك
الثاني أن يعد طهوره وسواكه وينوي القيام للعبادة عند التيقظ
الثالث أن لا يبيت من له وصية إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه فإنه لا يأمن القبض من النوم
الرابع أن ينام تائبا من كل ذنب سليم القلب لجميع المسلمين لا يحدث نفسه بظلم أحد ولا يعزم على معصية إن استيقظ
الخامس أن يقتصد في تمهيد الفرش الناعمة
السادس أن لا ينام ما لم يبلغه النوم ولا يتكلف استجلابه إلا إذا قصد به الاستعانة على القيام في آخر الليل
السابع أن ينام مستقبل القبلة
الثامن الدعاء عند النوم بما ورد ومنه قراءة الإخلاص والمعوذتين وينفث بهن
144
144
في يديه ويمسح بهما وجهه وسائر جسده وآية الكرسي والتسبيح ثلاثا وثلاثين والتحميد كذلك والتكبير كذلك
التاسع أن يتذكر عند النوم أن النوم نوع وفاة والتيقظ نوع بعث وليتحقق أنه يتوفى على ما هو الغالب عليه من حب الله وحب لقائه أو حب الدنيا ويحشر على ما يتوفى عليه
العاشر الدعاء عند التنبه وليقل أولا الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ثم ليقرأ خواتم آل عمران ! < إن في خلق السماوات والأرض > ! الآيات وليسبح عشرا وليحمد كذلك وليكبر كذلك وليهلل كذلك قالت عائشة رضي الله عنها كان صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته قال اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ثم يفتتح الصلاة ويصلي ركعتين خفيفتين ثم يصلي مثنى مثنى ما تيسر له ويختم بالوتر إن لم يكن قد صلى الوتر وكان ربما جهر بالقراءة وربما أسر وأكثر ما صح عنه في قيام الليل ثلاث عشرة ركعة
بيان أن الأوراد للمتجرد للعبادة
اعلم أن الأوراد والأذكار المروية والوظائف الليلية والنهارية إنما تستحب للمتجرد للعبادة الذي لا شغل له غيرها أصلا بحيث لو ترك العبادة لجلس بطالا وأما العالم الذي ينفع الناس بعلمه في فتوى أو تدريس أو تصنيف فترتيبه الأوراد يخالف ترتيب العابد فإنه يحتاج إلى المطالعة للكتب وإلى التصنيف والإفادة ويحتاج إلى مدة لها لا محالة فإن أمكنه استغراق الأوقات فيه فهو أفضل ما يشتغل به بعد
145
145
المكتوبات ورواتبها ويدل على ذلك ما ذكرناه في فضيلة التعليم والتعلم في كتاب العلم وكيف لا يكون كذلك وفي العلم المواظبة على ذكر الله تعالى وتأمل ما قال الله تعالى وقال رسوله وفيه منفعة الخلق وهدايتهم إلى طريق الآخرة ورب مسألة واحدة يتعلمها المتعلم فيصلح بها عبادة عمره ولو لم يتعلمها لكان سعيه ضائعا وأما العامي والمتعلم فحضوره مجالس العلم والوعظ أفضل من اشتغاله بالأوراد وكذلك المحترف الذي يحتاج إلى الكسب لعياله فليس له أن يضيع العيال ويستغرق الأوقات في العبادات بل ورده في وقت الصناعة حضور السوق والاشتغال بالكسب ولكن ينبغي أن لا ينسى ذكر الله تعالى في صناعته
فضيلة قيام الليل
من الآيات قوله تعالى ! < تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون > ! وقوله تعالى ! < أم من هو قانت آناء الليل > ! وقوله عز وجل ! < والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما > ! وقوله سبحانه ! < كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم > ! ومن الأخبار قول صلى الله عليه وسلم ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها ) وقوله صلى الله عليه وسلم إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم
146
146
يسأل الله تعالى خيرا إلا أعطاه إياه وقوله صلى الله عليه وسلم عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم
الأسباب المسهلة لقيام الليل
منها أن لا يكثر الأكل فيكثر الشرب فيغلبه النوم ويثقل عليه القيام ومنها أن لا يترك القيلولة بالنهار فإنها سنة الاستعانة على قيام الليل ومنها أن يعرف فضل قيام الليل بسماع هذه الآيات والأخبار حتى يستحكم به رجاؤه وشوقه إلى ثوابه فيهيجه الشوق لطلب المزيد والرغبة في درجات الجنان ومنها وهو أشرف البواعث الحب وقوة الإيمان بأنه في قيامه لا يتكلم بحرف إلا وهو مناج به ربه وهو مطلع عليه مع مشاهدة ما يخطر بقلبه وأن تلك الخطرات من الله تعالى خطاب معه فإذا أحب الله تعالى أحب لا محالة الخلوة به وتلذذ بالمناجاة فتحمله لذة المناجاة بالحبيب على طول القيام
بيان لذة المناجاة عقلا ونقلا
لا ينبغي أن تستبعد هذه اللذة إذ يشهد لها العقل والنقل فأما العقل فليعتبر حال المحب لشخص بسبب جماله أو لملك بسبب إنعامه وأمواله أنه كيف يتلذذ به في الخلوة ومناجاته حتى لا يأتيه النوم طول ليله فإن قلت إن الجميل يتلذذ بالنظر إليه وإن الله تعالى لا يرى فاعلم أنه لو كان الجميل المحبوب وراء ستر أو كان في بيت مظلم لكان المحب يتلذذ بمجاورته المجردة دون النظر ودون الطمع في أمر آخر سواه وكان يتنعم بإظهار حبه عليه وذكره بلسانه بمسمع منه وإن كان ذلك أيضا معلوما عنده فإن قلت إنه ينتظر جوابه فيتلذذ بسماع جوابه وليس يسمع كلام الله تعالى فاعلم إنه إن كان يعلم أنه لا يجيبه ويسكت عنه فقد بقيت أيضا لذة في عرض أحواله عليه ورفع سريرته إليه كيف والموقن يسمع من الله تعالى كل ما يرد على خاطره في
147
147
أثناء مناجاته فيتلذذ به وكذا الذي يخلو بالملك ويعرض عليه حاجاته في جنح الليل يتلذذ به في رجاء إنعامه والرجاء في حق الله تعالى أصدق وما عند الله أبقى وأنفع مما عند غيره وكيف لا يتلذذ بعرض الحاجات عليه في الخلوات وأما النقل فيشهد له أحوال قوام الليل في تلذذهم بقيام الليل واستقصارهم له كما يستقصر المحب ليلة وصال الحبيب حتى قيل لبعضهم كيف أنت والليل قال ما راعيته قط يريني وجهه ثم ينصرف وما تأملته بعد وقال علي بن بكار منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى طلوع الفجر وقال الفضيل بن عياض إذا غربت الشمس فرحت بالظلام لخلوتي بربي وإذا طلعت حزنت لدخول الناس علي وقال أبو سليمان أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا وقال بعضهم ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة وقال بعضهم لذة المناجاة ليست من الدنيا إنما هي من الجنة أظهرها الله تعالى لأوليائه لا يجدها سواهم وقال ابن المنكدر ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث قيام الليل ولقاء الإخوان والصلاة في الجماعة وقيل لبعضهم كيف الليل عليك فقال ساعة أنا فيها بين حالتين أفرح بظلمته إذا جاء واغتم بفجره إذا طلع ما تم فرحي به قط
148
148
طرق القسمة لأجزاء الليل
إحياء الليل له سبع مراتب
الأولى إحياء كل الليل وهو شأن الأقوياء الذين تجردوا لعبادة الله تعالى وتلذذوا بمناجاته وصار ذلك غذاء لهم وحياة لقلوبهم فلم يتعبوا بطول القيام وردوا المنام إلى النهار اشتهر ذلك عن أربعين من التابعين
الثانية أن يقوم نصف الليل
الثالثة أن يقوم ثلث الليل من النصف الأخير
الرابعة أن يقوم سدس الليل الأخير أو خمسه
الخامسة أن لا يراعي التقدير فينام ويقوم في أجزاء الليل مطلقا
السادسة أن يقوم مقدار أربع ركعات أو ركعتين وحيث يتعذر عليه القيام في وسط الليل فلا ينبغي أن يهمل القيام قبل الصبح وقت السحر ولا يدركه الصبح نائما وهذه هي الرتبة السابعة
وأما قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث المقدار فلم يكن على ترتيب واحد بل ربما كان يقوم نصف الليل أو ثلثه أو تلثيه أو سدسه يختلف ذلك من الليالي ودل عليه قوله تعالى في الموضعين ! < إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه > ! ) فأدنى من ثلثي الليل كأنه نصفه ونصف سدسه
149
فإن كسر قوله ! < ونصفه وثلثه > ! كان نصف الثلثين وثلثه فيقرب من الثلث والربع وإن نصب كان نصف الليل وثلثه وقالت عائشة رضي الله عنها كان صلى الله عليه وسلم يقوم إذا سمع الصارخ يعني الديك وهذا يكون السدس فما دونه
150
150
كتاب آداب الأكل والدعوة والضيافة
إن الله تعالى أحسن تدبير الكائنات فخلق الأرض والسموات وأنزل الماء الفرات من المعصرات فأخرج به الحب والنبات وقدر الأرزاق والأقوات وحفظ بالمأكولات قوى الحيوانات وأعان على الطاعات والأعمال الصالحات بأكل الطيبات فشكرا له على ممر الأوقات
ولما كان مقصد ذوي الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب ولا طريق إلى الوصول للقائه إلا بالعلم والعمل ولا يمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات والتناول منها بقدر الحاجة على تكرر الأوقات فمن هذا الوجه قال بعض السلف إن الأكل من الدين وعليه نبه قوله تعالى ! < كلوا من الطيبات واعملوا صالحا > ! وها نحن نرشد إلى وظائف الدين في الأكل فرائضها وسننها وآدابها
151
151
بيان ما لا بد للآكل من مراعاته
وهو ثلاثة أقسام
القسم الأول في الآداب المتقدمة على الأكل وهي خمسة
الأول أن يكون الطعام بعد كونه حلالا في نفسه طيبا في جهة مكسبه موافقا للسنة والورع لم يكتسب بسبب مكروه في الشرع ولا بحكم هوى ومداهنة في دين وقد أمر الله تعالى بأكل الطيب وهو الحلال وقدم النهي عن الأكل بالباطل على القتل تفخيما لأمر الحرام وتعظيما لبركة الحلال فقال تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل > ! إلى قوله ! < ولا تقتلوا أنفسكم > ! فالأصل في الطعام كونه طيبا وهو من الفرائض وأصول الدين
الثاني غسل اليد لأنها لا تخلو عن لوث في تعاطي الأعمال فغسلها أقرب إلى النظافة والنزاهة
الثالث أن ينوي بأكله أن يتقوى به على طاعة الله تعالى ليكون مطيعا بالأكل ومن ضرورة هذه النية أن لا يمد اليد إلى الطعام إلا وهو جائع فيكون الجوع أحد ما لا بد من تقديمه على الأكل ثم ينبغي أن يرفع اليد قبل الشبع ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب
الرابع أن يرضى بالموجود من الرزق والحاضر من الطعام
الخامس أن يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده فإن خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل وحده
القسم الثاني في آدابه حالة الأكل
وهو أن يبدأ ببسم الله في أوله وبالحمد لله في آخره ويجهر به ليذكر غيره ويأكل باليمنى ويصغر اللقمة ويجود مضغها وما لم يبتلعها لا يمد اليد إلى الأخرى فإن
152
152
ذلك عجلة في الأكل وأن لا يذم مأكولا كان صلى الله عليه وسلم لا يعيب مأكولا كان إذا أعجبه أكله وإلا تركه وأن يأكل مما يليه إلا الفاكهة فله أن يجيل يده فيها ولا يضع على الخبز قصعة ولا غيرها إلا ما يؤكل به ولا يمسح يده بالخبز ولا ينفخ في الطعام الحار بل يصبر إلى أن يسهل أكله ولا يجمع بين التمر والنوى في طبق ولا يجمع في كفه بل يضع النواة من فيه على ظهر كفه ثم يلقيها وكذا كل ما له عجم وثفل وأن لا يترك ما استرذله من الطعام ويطرحه في القصعة بل يتركه مع الثفل حتى لا يلتبس على غيره فيأكله وأن لا يكثر الشرب في أثناء الطعام إلا إذا غص بلقمة أو صدق عطشه
وأما الشرب فأدبه أن يأخذ الكوز بيمينه ويقول بسم الله ويشربه مصا لا عبا ولا يشرب قائما ولا مضطجعا وينظر في الكوز قبل الشرب ولا يتجشأ ولا يتنفس في الكوز بل ينحيه عن فمه بالحمد ويرده بالتسمية والكوز وكل ما يدار على القوم يدار يمنة وقد شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لبنا وأبو بكر رضي الله عنه عن شماله وأعرابي عن يمينه فناول الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن ويشرب في ثلاثة أنفاس يحمد الله في أواخرها ويسمي الله في أوائلها
القسم الثالث ما يستحب بعد الطعام
وهو أن يمسك قبل الشبع ثم يغسل يده ويتخلل ويرمي المخرج بالخلال وأن يشكر الله تعالى بقلبه على ما أطعمه فيرى الطعام نعمة منه قال الله تعالى ! < كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله > ! فإن أكل طعام الغير فليدع له وليقل اللهم أكثر خيره وبارك له فيما رزقته واجعلنا وإياه من الشاكرين وإن أفطر عند قوم فليقل أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وليكثر الاستغفار والحزن على ما أكل من شبهة ويستحب عقيب الطعام أن يقول الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا
آداب الاجتماع على الأكل وهي سبعة
الأول أن لا يبتدئ بالطعام ومعه من يستحق التقديم بكبر سن أو زيادة فضل إلا أن يكون هو المتبوع والمقتدى به فحينئذ ينبغي أن لا يطول عليهم الانتظار إذا اشرأبوا للأكل واجتمعوا له
153
153
الثاني أن لا يسكتوا على الطعام ولكن يتكلمون بالمعروف
الثالث أن يرفق برفيقه في القصعة فلا يقصد أن يأكل زيادة عما يأكله فإن ذلك حرام إن لم يكن موافقا لرضا رفيقه مهما كان الطعام مشتركا بل ينبغي أن يقصد الإيثار ولا يأكل تمرتين في دفعة إلا إذا فعلوا ذلك أو استأذنهم فإن قلل رفيقه نشطه ورغبه في الأكل وقال له كل ولا يزيد في قوله كل على ثلاث فإن ذلك إلحاح وإضجار فأما الحلف عليه بالأكل فممنوع قال الحسن بن علي رضي الله عنهما الطعام أهون من أن يحلف عليه
الرابع أن لا يحوج رفيقه إلى أن يقول له كل أو يتفقده في الأكل بل يحمل عن أخيه مؤنة ذلك ولا ينبغي أن يدع شيئا مما يشتهيه لأجل نظر الغير إليه فإن ذلك تصنع بل يجري على المعتاد ولا ينقص من عادته شيئا في الوحدة ولكن يعود نفسه حسن الأدب في الوحدة حتى لا يحتاج إلى التصنع عند الاجتماع نعم لو قلل من أكله إيثارا لإخوانه ونظرا لهم عند الحاجة إلى ذلك فهو حسن وإن زاد في الأكل على نية المساعدة وتحريك نشاط القوم في الأكل فهو حسن
الخامس أن غسل اليد في الطست لا بأس به قال أنس إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها روي أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير فصب الرشيد على يده في الطست فلما فرغ قال يا أبا معاوية أتدري من صب على يدك فقال لا قال صبه أمير المؤمنين فقال يا أمير المؤمنين إنما أكرمت العلم وأجللته فأجلك الله وأكرمك كما أجللت العلم وأهله وليصب صاحب المنزل بنفسه الماء على يد ضيفه هكذا فعل مالك بالشافعي رضي الله عنهما في أول نزوله
154
154
عليه وقال لا يروعك ما رأيت مني فخدمة الضيف فرض
السادس أن لا ينظر إلى أصحابه ولا يراقب أكلهم فيستحيون بل يغض بصره عنهم ويشتغل بنفسه ولا يمسك قبل إخوانه إذا كانوا يحتشمون الأكل بعده بل يمد اليد ويقبضها ويتناول قليلا قليلا إلى أن يستوفوا فإن امتنع لسبب فليعتذر إليهم دفعا للخجلة عنهم
السابع أن لا يفعل ما يستقذره غيره فلا ينفض يده في القصعة وعاء الأكل ولا يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فيه وإذا أخرج شيئا من فيه صرف وجهه عن الطعام وأخذ بيساره ولا يغمس اللقمة الدسمة في الخل فقد يكرهه غيره واللقمة التي قطعها بسنه لا تغمس في المرقة والخل ولا يتكلم بما يذكر من المستقذرات
فضل تقديم الطعام إلى الزائرين وآدابه
تقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كثير قال الحسن كل نفقة ينفقها الرجل يحاسب عليها إلا نفقته على إخوانه في الطعام فإن الله أكرم من أن يسأله عن ذلك وقال علي رضي الله عنه لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن أعتق رقبة وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول من كرم المرء طيب زاده في سفره وبذله لأصحابه وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن ولا يتفرقون إلا عن ذواق
وأما آدابه فبعضها في الدخول وبعضها في تقديم الطعام أما الدخول فليس من السنة أن يقصد قوما متربصا لوقت طعامهم فيدخل عليهم وقت الأكل فإن ذلك من المفاجأة وقد نهي عنه قال الله تعالى ! < لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه > ! يعني منتظرين حينه ونضجه أما إذا كان جائعا فقصد بعض إخوانه ليطعمه ولم يتربص به وقت أكله فلا بأس به وفيه إعانة لأخيه على حيازة ثواب الإطعام وهي عادة السلف فإن دخل ولم يجد صاحب الدار وكان واثقا بصداقته عالما بفرحه إذا أكل من طعامه فله أن يأكل بغير إذنه إذ المراد من الإذن الرضاء لا سيما في الأطعمة وأمرها على السعة فرب رجل يصرح بالإذن ويحلف وهو غير راض فأكل طعامه مكروه ورب غائب لم يأذن وأكل طعامه محبوب
155
155
وقد قال تعالى ! < أو صديقكم > ! قال الحسن الصديق من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب كان محمد بن واسع وأصحابه يدخلون منزل الحسن فيأكلون ما يجدون بغير إذن فكان الحسن يدخل ويرى ذلك فيسر به ويقول هكذا كنا ومشى قوم إلى منزل سفيان الثوري فلم يجدوه ففتحوا الباب وأنزلوا السفرة وجعلوا يأكلون فدخل الثوري وجعل يقول ذكرتموني أخلاق السلف هكذا كانوا
وأما آداب التقديم فترك التكلف أولا وتقديم ما حضر كان الفضيل يقول إنما تقاطع الناس بالتكلف يدعو أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه ومن التكلف أن يقدم جميع ما عنده فيجحف بعياله ويؤذي قلوبهم قال بعضهم دخلنا على جابر رضي الله عنه فقدم لنا خبزا وخلا وقال لولا أنا نهينا عن التكلف لتكلفت لكم
الأدب الثاني وهو للزائر أن لا يقترح ولا يتحكم بشيء بعينه فربما يشق على المزور إحضاره فإن خيره أخوه بين طعامين فليختر أيسرهما عليه فإن علم أنه يسر باقتراحه ويتيسر عليه ذلك فلا يكره له الاقتراح قال بعضهم الأكل على ثلاثة أنواع مع الفقراء بالإيثار ومع الإخوان بالانبساط ومع أبناء الدنيا بالأدب
الأدب الثالث أن يشهي المزور أخاه الزائر ويلتمس منه الاقتراح مهما كانت
156
156
نفسه طيبة بفعل ما يفترح فذلك حسن وفيه أجر وفضل جزيل
الأدب الرابع أن لا يقول له هل أقدم لك طعاما بل ينبغي أن يقدم إن كان فإن أكل وإلا فيرفعه
مسائل
الأولى رفع الطعام على المائدة فيه تيسير للأكل فلا كراهة فيه بل هو مباح ما لم ينته إلى الكبر والتعاظم وما يقال إنه بدعة فجوابه أنه ليس كل ما أبدع منهيا بل المنهي بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمرا من الشرع مع بقاء علته وليس في المائدة إلا رفع الطعام عن الأرض لتيسير الأكل ونحوه مما لا كراهة فيه
الثانية الأكل والشرب متكئا مكروه مضر للمعدة ومثله الأكل مضطجعا ومنبطحا
الثالثة السنة البداءة بالطعام قبل الصلاة وفي الحديث إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤوا بالعشاء وكان ابن عمر رضي الله عنهما ربما سمع قراءة الإمام ولا يقوم من عشائه نعم إن كانت النفس لا تتوق إلى الطعام ولم يكن في تأخير الطعام ضرر فالأولى تقديم الصلاة
بيان ما يخص الدعوة والضيافة فضيلة الضيافة
قال صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه وفي أثر لا خير فيمن لا يضيف وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الإيمان قال إطعام الطعام وبذل
157
157
السلام وقال صلى الله عليه وسلم في الكفارات والدرجات إطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام
أما الدعوة فينبغي للداعي أن يعمد بدعوته الأتقياء دون الفساق قال صلى الله عليه وسلم أكل طعامك الأبرار وفي أثر لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي ولا يقتصر على الأغنياء خاصة بل يضم معهم الفقراء قال صلى الله عليه وسلم شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويحرم منها الفقراء وينبغي أن لا يهمل أقاربه في ضيافته فإن إهمالهم إيحاش وقطع رحم وكذلك يراعي الترتيب في أصدقائه ومعارفه فإن في تخصيص البعض إيحاشا لقلوب الباقين وينبغي أن لا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب الإخوان وإدخال السرور على قلوب المؤمنين وينبغي أن لا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة وإذا حضر تأذى بالحاضرين بسبب من الأسباب وينبغي أن لا يدعو إلا من يحب إجابته
وأما الإجابة فهي سنة مؤكدة وقد قيل بوجوبها في بعض المواضع ولها خمسة آداب
الأول أن لا يميز الغني بالإجابة عن الفقير فذلك هو التكبر المنهي عنه
الثاني أن لا يمتنع عن الإجابة لبعد المسافة كما لا يمتنع لفقر الداعي وعدم جاهه بل كل مسافة يمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع لأجلها
158
158
الثالث أن لا يمتنع لكونه صائما بل يحضر فإن كان يسر أخاه إفطاره فليفطر وليحتسب في إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه ما يحتسب في الصوم وأفضل وذلك في صوم التطوع وإن تحقق أنه متكلف فليتعلل وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما من أفضل الحسنات إكرام الجلساء بالإفطار فالإفطار عبادة بهذه النية وحسن خلق فثوابه فوق ثواب الصوم ومهما لم يفطر فضيافته الطيب والمجمرة والحديث الطيب
الرابع أن يمتنع عن الإجابة إن كان الطعام طعام شبهة أو كان يقام في الموضع منكر أو كان الداعي ظالما أو فاسقا أو متكلفا طلبا للمباهاة والفخر
الخامس أن لا يقصد بالإجابة قضاء شهوة البطن فيكون عاملا في أبواب الدنيا بل يحسن نيته ليصير بالإجابة عاملا للآخرة فينوي الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإكرام أخيه المؤمن وزيارته ليكونا من المتحابين في الله وينوي صيانة نفسه عن أن يساء به الظن في امتناعه ويطلق اللسان فيه بأن يحمل على تكبر أو سوء خلق أو استحقار أخ مسلم أو ما يجري مجراه وكان بعض السلف يقول أنا أحب أن يكون لي في كل عمل نية حتى في الطعام والشراب فإن المباح يلتحق بوجوه الخيرات بالنية
وأما الحضور فأدبه أن يدخل الدار ولا يتصدر فيأخذ أحسن الأماكن بل يتواضع ولا يطول الانتظار عليهم ولا يعجل بحيث يفاجئهم قبل تمام الاستعداد ولا يضيق المكان على الحاضرين بالزحمة بل إن أشار إليه صاحب المكان بموضع لا يخالفه البتة فإنه قد يكون رتب في نفسه موضع كل واحد فمخالفته تشوش عليه ولا يجلس في مقابلة باب الحجرة الذي للنساء وسترهم ولا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام فإنه دليل على الشره ويخص بالتحية والسؤال من يقرب منه إذا جلس وإذا دخل ضيف للمبيت فليعرفه صاحب المنزل
159
159
عند دخوله القبلة وبيت الماء وموضع الوضوء وأن يغسل صاحب المنزل يده قبل القوم وقبل الطعام لأنه يدعو الناس إلى كرمه ويتأخر في آخر الطعام عنهم وعلى الضيف إذا دخل فرأى منكرا أن يغيره إن قدر وإلا أنكر بلسانه وانصرف
وأما إحضار الطعام فله آداب خمسة
الأول تعجيل الطعام فذلك من إكرام الضيف ومهما حضر الأكثرون وغاب واحد أو اثنان وتأخروا عن الوقت الموعود فحق الحاضرين في التعجيل أولى من حق أولئك في التأخير وأحد المعنيين في قوله تعالى ! < هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين > ! أنهم أكرموا بتعجيل الطعام إليهم دل عليه قوله تعالى ! < فما لبث أن جاء بعجل حنيذ > ! وقوله ! < فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين > ! والروغان الذهاب بسرعة وقيل في خفية قال حاتم الأصم العجلة من الشيطان إلا في خمسة فإنها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إطعام الضيف وتجهيز الميت وتزويج البكر وقضاء الدين والتوبة من الذنب
الثاني ترتيب الأطعمة بتقديم الفاكهة أولا إن كانت فذلك أوفق في الطب فإنها أسرع استحالة فينبغي أن تقع في أسفل المعدة وفي القرآن تنبيه على تقديم الفاكهة في قوله تعالى ! < وفاكهة مما يتخيرون > ! ثم قال ! < ولحم طير مما يشتهون > ! ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم والثريد فإن جمع إليه حلاوة بعده فقد جمع الطيبات ودل على حصول الإكرام باللحم قوله تعالى في ضيف إبراهيم إذ أحضر العجل الحنيذ أي المحنوذ وهو الذي أجيد نضجه وهو أحد معنيي الإكرام أعني تقديم اللحم قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه أكل الطيبات يورث الرضاء عن الله وتتم هذه الطيبات بشرب الماء
160
160
البارد وصب الماء الفاتر على اليد عند الغسل قال المأمون شرب الماء بثلج يخلص الشكر وقال بعضهم الحلاوة بعد الطعام خير من كثرة الألوان والتمكن على المائدة خير من زيادة لونين وتزيين المائدة بالبقول مستحب أيضا
الثالث أن يقدم من الألوان ألطفها حتى يستوفي منها من يريد ولا يكثر الأكل بعده وعادة المترفين تقديم الغليظ ليستأنف حركة الشهوة بمصادفة اللطيف بعده وهو خلاف السنة فإنه حيلة في استكثار الأكل ويستحب أن يقدم جميع الألوان دفعة أو يخبر بما عنده
الرابع أن لا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكنهم من الاستيفاء حتى يرفعوا الأيدي عنها فلعل منهم من يكون بقية ذلك اللون أشهى عنده مما استحضروه أو بقيت فيه حاجة إلى الأكل فيتنغص عليه بالمبادرة
الخامس أن يقدم من الطعام قدر الكفاية فإن التقليل عن الكفاية نقص في المروءة والزيادة عليه تصنع قال ابن مسعود رضي الله عنه نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه وكره جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة وينبغي أن يعزل أولا نصيب أهل البيت حتى لا تكون أعينهم طامحة إلى رجوع شيء منه فلعله لا يرجع فتضيق صدورهم وتنطلق في الضيفان ألسنتهم
فأما الانصراف فله ثلاثة آداب
الأول أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار وهو سنة وذلك من إكرام الضيف وتمام الإكرام طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الدخول والخروج وعلى المائدة
الثاني أن ينصرف الضيف طيب النفس وإن جرى في حقه تقصير فذلك من حسن الخلق والتواضع
الثالث أن لا يخرج إلا برضاء صاحب المنزل وإذنه ويراعي قلبه في قدر الإقامة وإذا نزل ضيفا فلا يزيد على ثلاثة أيام فربما يتبرم به ويحتاج إلى
161
161
إخراجه نعم لو ألح رب البيت عليه عن خلوص قلب فله المقام إذ ذاك ويستحب أن يكون عنده فراش لضيف ينزل به
آداب متفرقة
الأول حكي عن إبراهيم النخعي أنه قال الأكل في السوق دناءة ونقل عن بعض السلف فعله ووجه الجمع أنه يختلف بعادات البلاد وأحوال الأشخاص فمن لا يليق ذاك به لحاله أو عادة بلاده كان شرها وقلة مروءة ومن لا فلا حرج
الثاني قال بعض الأطباء لا تنكح من النساء إلا فتاة ولا تأكل من اللحم إلا فتيا ولا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه ولا تشربن دواء إلا من علة ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها ولا تأكلن طعاما إلا أجدت مضغه ولا تشربن فوق الطعام ولا تحبس البول والغائط وإذا أكلت بالنهار فنم وإذا أكلت بالليل فامش قبل أن تنام ولو مئة خطوة
الثالث يستحب أن يحمل الطعام إلى أهل الميت ولما جاء نعي جعفر بن أبي طالب قال صلى الله عليه وسلم إن آل جعفر شغلوا بميتهم عن صنع طعامهم فاحملوا إليهم ما يأكلون فذلك سنة وإذا قدم ذلك إلى الجمع حل الأكل منه
الرابع لا ينبغي أن يحضر طعام ظالم فإن أكره فليقلل الأكل
تتمة
حكي أن بعضهم كان يمتنع عن إجابة الدعوة ويقول انتظار المرقة ذل وقال آخر إذا وضعت يدي في قصعة غيري فقد ذلت له رقبتي وقد أنكر بعضهم هذا
162
162
الكلام وقال هذا خلاف السنة قال الغزالي وليس كذلك فإنه ذل إذا كان الداعي لا يفرح بالإجابة ولا يتقلد بها منة وكان يرى ذلك يدا له على المدعو ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحضر لعلمه أن الداعي له يتقلد منة ويرى ذلك شرفا وذخرا لنفسه في الدنيا والآخرة فهذا يختلف باختلاف الحال فمن ظن به أنه يستثقل الإطعام وأنه يفعل ذلك مباهاة أو تكلفا فليس من السنة إجابته بل الأولى التعلل ولذلك قال بعض الصوفية لا تجب إلا دعوة من يرى أنك أكلت رزقك وأنه سلم إليك وديعة كانت لك عنده ويرى لك الفضل عليه في قبول تلك الوديعة منه فإذا علم المدعو أنه لا منة في ذلك فلا ينبغي أن يرد
163
163
كتاب آداب النكاح
الترغيب فيه
قال الله تعالى ! < وأنكحوا الأيامى منكم > ! وهذا أمر وقال تعالى ! < فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن > ! وهذا منع من العضل ونهي عنه وقال تعالى في وصف الرسل ومدحهم ! < ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية > ! فذكر ذلك في معرض الامتنان وإظهار الفضل ومدح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء فقال ! < والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين > ! الآية وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فقد رغب عني وقال من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن
164
164
للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء هذا يدل على أن سبب الترغيب فيه خوف الفساد في العين والفرج والوجاء هو عبارة عن رض الخصيتين للفحل حتى تزول فحولته فهو مستعار للضعف عن الوقاع بالصوم وقال صلى الله عليه وسلم إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير وهذا أيضا تعليل الترغيب لخوف الفساد وقال صلى الله عليه وسلم كل عمل ابن آدم ينقطع إلا ثلاث ولد صالح يدعو له الحديث ولا يوصل إلى هذا إلا بالنكاح
وأما الآثار فقال ابن عباس رضي الله عنه لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج يحتمل أنه جعله من النسك أو تتمة له أو أراد أنه لا يسلم قلبه لغلبة الشهوة إلا بالتزوج ولا يتم النسك إلا بفراغ القلب وكان يجمع غلمانه لما أدركوا ويقول إن أردتم النكاح أنكحتكم فإن العبد إذا زنى نزع الإيمان من قلبه
وأما فوائد النكاح فخمسة الولد وكسر الشهوة وتدبير المنزل وكثرة العشيرة ومجاهدة النفس بالقيام بهن
ما يراعى من أحوال المرأة
الخصال المطيبة للعيش التي لا بد من مراعاتها في المرأة ليدوم العقد وتتوفر مقاصده ثمان الدين والخلق والحسن وخفة المهر والولادة والبكارة والنسب وأن لا تكون قرابة قريبة
الأولى أن تكون صالحة ذات دين فهذا هو الأصل وبه ينبغي أن يقع الاعتناء فإنها إن كانت ضعيفة الدين في صيانة نفسها وفرجها أزرت بزوجها وسودت بين الناس وجهه وشوشت بالغيرة قلبه وتنغص بذلك عيشه فإن سلك سبيل الحمية
165
165
والغيرة لم يزل في بلاء وإن سلك سبيل التساهل كان متهاونا بدينه وعرضه ومنسوبا إلى قلة الحمية والأنفة وإن كانت فاسدة الدين باستهلاك ماله أو بوجه آخر لم يزل العيش مشوشا معه فإن سكت ولم ينكره كان شريكا في المعصية مخالفا لقوله تعالى ! < قوا أنفسكم وأهليكم نارا > ! وإن أنكر وخاصم تنغص العمر ولهذا بالغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحريض على ذات الدين فقال تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسبها ودينها فعليك بذات الدين تربت يداك )
الثانية حسن الخلق فإنها إذا كانت سليطة بذيئة اللسان كافرة للنعم كان الضرر منها أكثر من النفع والصبر على لسان النساء مما يمتحن به الأولياء
الثالثة حسن الوجه فذلك أيضا مطلوب إذ به يحصل التحصن والطبع لا يكتفي بالدميمة غالبا وما نقلناه من الحث على الدين ليس زجرا عن رعاية الجمال بل هو زجر عن النكاح لأجل الجمال المحض مع الفساد في الدين فإن الجمال وحده في غالب الأمر يرغب في النكاح ويهون أمر الدين ويدل على الالتفات إلى معنى الجمال أن الإلف والمودة تحصل به غالبا وقد ندب الشرع إلى مراعاة أسباب الألفة ولذلك استحب النظر فقال إذا أوقع الله في نفس أحدكم من امرأة فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما أي يؤلف بينهما وكان بعض الورعين لا ينكحون كرائمهم إلا بعد النظر احترازا من الغرور وقال الأعمش كل تزويج يقع على غير نظر فآخره هم وغم وروي أن رجلا تزوج على عهد عمر رضي الله عنه وكان قد
166
166
خضب فنصل خضابه فاستعدى عليه أهل المرأة إلى عمر وقالوا حسبناه شابا فأوجعه عمر ضربا وقال غررت القوم والغرور يقع في الجمال والخلق جميعا فيستحب إزالة الغرور في الجمال بالنظر وفي الخلق بالوصف والاستيصاف ولا يستوصف في أخلاقها وجمالها إلا من هو بصير صادق خبير بالظاهر والباطن لا يميل إليها فيفرط في الثناء ولا يحسدها فيقصر وقل من يصدق فيه بل الخداع والإغراء أغلب والاحتياط فيه مهم
الرابعة أن تكون خفيفة المهر فقد نهي عن المغالاة في المهر وتزوج بعض الصحابة على نواة من ذهب يقال قيمتها خمسة دراهم وزوج سعيد بن المسيب ابنته من أبي هريرة رضي الله عنه على درهمين ثم حملها هو إليه ليلا فأدخلها من الباب ثم انصرف ثم جاءها بعد سبعة أيام فسلم عليها وفي خبر من بركة المرأة سرعة تزويجها وسرعة رحمها أي الولادة ويسر مهرها وكما تكره المغالاة في المهر من جهة المرأة فيكره السؤال عن مالها من جهة الرجل ولا ينبغي أن ينكح طمعا في المال وإذا أهدى إليهم فلا ينبغي أن يهدي ليضطرهم إلى المقابلة بأكثر منه وكذلك إذا أهدوا إليه فنية طلب الزيادة نيه فاسدة وداخل في قوله تعالى ! < ولا تمنن تستكثر > ! أي تعطي لتطلب أكثر
الخامسة أن تكون المرأة ولودا فإن عرفت بالعقر فليمتنع عن تزويجها
السادسة أن تكون بكرا قال صلى الله عليه وسلم لجابر وقد نكح ثيبا هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك
السابعة أن تكون نسيبة أعني أن تكون من أهل بيت الدين والصلاح فإنها
167
167
ستربي بناتها وبنيها فإذا لم تكن مؤدبة لم تحسن التأديب والتربية وفي خبر تخيروا لنطفكم فإن العرق نزاع
الثامنة أن لا تكون من القرابة القريبة فإن ذلك يقلل الشهوة فهذه هي الخصال المرغبة في النساء
ويجب على الولي أيضا أن يراعي خصال الزوج ولينظر لكريمته فلا يزوجها ممن ساء خلقه أو خلقه أو ضعف دينه أو قصر عن القيام بحقها أو كان لا يكافئها في نسبها ومهما زوج ابنته ظالما أو فاسقا أو مبتدعا أو شارب خمر فقد جنى على دينه وتعرض لسخط الله لما قطع من حق الرحم وسوء الاختيار قال رجل للحسن قد خطب ابنتي جماعة فممن أزوجها قال ممن يتقي الله فإن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها
آداب المعاشرة بعد العقد إلى الفراق والنظر فيما على الزوج والزوجة
أما الزوج فعليه مراعاة الاعتدال والأدب في اثني عشر أمرا في الوليمة والمعاشرة والدعابة والسياسة والغيرة والنفقة والتعليم والقسم والتأديب في النشوز والوقاع والولادة والمفارقة بالطلاق
الأدب الأول الوليمة وهي مستحبة قال أنس رضي الله عنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أثر صفرة فقال ما هذا فقال تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب فقال بارك الله لك أو لم ولو بشاة وأو لم رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية بتمر وسويق وتستحب تهنئته فيقول
168
168
من دخل على الزوج بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير ويستحب إظهار النكاح قال صلى الله عليه وسلم فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت
الأدب الثاني حسن الخلق معهن واحتمال الأذى منهن ترحما عليهن قال تعالى ! < وعاشروهن بالمعروف > ! وقال في تعظيم حقهن ! < وأخذن منكم ميثاقا غليظا > ! وقال ! < والصاحب بالجنب > ! قيل هي المرأة وليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها والحلم عند طيشها وغضبها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كانت أزواجه يراجعنه الكلام وتهجره الواحدة منهن يوما إلى الليل
الثالث أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزح والملاعبة فهي التي تطيب قلوب النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق وأرى عائشة لعب الحبشة بالمسجد واستوقفته طويلا وهو يقول لها حسبك وقال صلى الله عليه وسلم خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي وقال عمر رضي الله عنه ينبغي للرجل أن يكون مع أهله مثل الصبي وقال صلى الله عليه وسلم لجابر هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك ووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت والله لقد كان ضحوكا إذا ولج سكيتا إذا خرج آكلا ما وجد غير سائل عما فقد
الرابع أن لا ينبسط في الدعابة وحسن الخلق والموافقة باتباع هواها إلى حد يفسد خلقها ويسقط بالكلية هيبته عندها بل يراعي الاعتدال فيه فلا يدع الهيبة والانقباض مهما رأى منكرا ولا يفتح باب المساعدة على المنكرات البتة بل مهما رأى ما يخالف الشرع والمروءة تنمر وامتعض فبالعدل قامت السموات والأرض فكل ما جاوز حده انعكس على ضده فينبغي أن يسلك سبيل الاقتصاد في المخالفة
169
169
والموافقة وتتبع الحق في جميع ذلك ليسلم من شرهن فإن الغالب عليهن سوء الخلق ولا يعتدل ذلك منهن إلا بنوع لطف ممزوج بسياسة وعليه أن ينظر إلى أخلاقها أولا بالتجربة ثم ليعاملها بما يصلحها كما يقتضيه حالها
الخامس الاعتدال في الغيرة وهو أن لا يتغافل عن مبادئ الأمور التي تخشى غوائلها ولا يبالغ في إساءة الظن والتعنت وتجسس البواطن فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتبع عورات النساء وفي رواية أن تبغت النساء ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره قال قبل دخول المدينة لا تطرقوا النساء ليلا فخالفه رجلان فسبقا فرأى كل واحد في منزله ما يكره وفي الحديث إن من الغيرة غيرة يبغضها الله عز وجل وهي غيرة الرجل على أهله من غير ريبة لأن ذلك من سوء الظن الذي نهينا عنه وأما الغيرة في محلها فلا بد منها وهي محمودة وذلك في الريبة وكان قد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء في حضور المسجد سيما في العيدين فالخروج للمسجد مباح للمرأة العفيفة مباح برضاء زوجها ولكن القعود أسلم وينبغي أن لا تخرج إلا لمهم فإن الخروج للنظارات والأمور التي ليست مهمة تقدح في المروءة وربما تفضي إلى الفساد فإذا خرجت فينبغي أن تغض بصرها عن الرجال ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط فإن لم تكن فتنة فلا إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن متنقبات ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء لأمروا بالتنقيب أو منعن من الخروج إلا لضرورة
السادس الاعتدال في النفقة فلا ينبغي أن يقتر عليهن في الإنفاق ولا ينبغي أن يسرف بل يقتصد قال تعالى ! < وكلوا واشربوا ولا تسرفوا > ! قال ابن
170
170
سيرين يستحب للرجل أن يعمل لأهله في كل جمعة حلاوة وينبغي أن يأمرها بالتصدق ببقايا الطعام وما يفسد لو ترك فهذا أقل درجات الخير وللمرأة أن تفعل ذلك بحكم الحال من غير تصريح إذن من الزوج ولا ينبغي أن يستأثر عن أهله بمأكول طيب فلا يطعمهم منه فإن ذلك مما يوعز الصدور ويبعد عن المعاشرة بالمعروف ولا ينبغي أن يصف عندهم طعاما ليس يريد إطعامهم إياه وإذا أكل فيقعد العيال كلهم على مائدته وأهم ما يجب عليه مراعاته في الإنفاق أن يطعمها من الحلال ولا يدخل مداخل السوء لأجلها فإن ذلك جناية عليها لا مراعاة لها
السابع أن يتعلم المتزوج من علم الحيض وأحكامه ما يحترز به الاحتراز الواجب ويعلم زوجته أحكام الصلاة ويخوفها من الله إن تساهلت في أمر الدين فإن كان الرجل قائما بتعليمها فليس لها الخروج لسؤال العلماء وإن قصر علم الرجل ولكن ناب عنها في السؤال فأخبرها بجواب المفتي فليس لها الخروج فإن لم يكن ذلك فلها الخروج للسؤال بل عليها ذلك ويعصى الرجل بمنعها
الثامن إذا كان له نسوة فينبغي أن يعدل بينهن ولا يميل إلى بعضهن فإن خرج إلى سفر وأراد استصحاب واحدة أقرع بينهن فإن ظلم امرأة بليلتها قضى لها فإن القضاء واجب عليه وإنما عليه العدل في العطاء والمبيت وأما في الحب والوقاع فذلك لا يدخل تحت الاختيار وكان صلى الله عليه وسلم يطاف به محمولا في مرضه في كل يوم وكل ليلة فيبيت عند كل واحدة منهن ومهما وهبت واحدة ليلتها لصاحبتها ثبت الحق لها
التاسع التأديب في النشوز ومهما وقع بينهما خصام ولم يلتئم أمرهما فإن كان من جانبهما جميعا أو من الرجل فلا تسلط الزوجة على زوجها ولا يقدر على إصلاحها فلا بد من حكمين أحدهما من أهله والآخر من أهلها لينظرا بينهما ويصلحا أمرهما ! < إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما > ! وأما إذا كان النشوز من المرأة خاصة فالرجال قوامون على النساء فله أن يؤدبها ويحملها على الطاعة قهرا ولكن
171
171
ينبغي أن يتدرج في تأديبها وهو أن يقدم أولا الوعظ والتحذير والتخويف فإن لم ينجح ولاها ظهره في المضجع أو انفرد عنها بالفراش وهجرها وهو في البيت معها من ليلة إلى ثلاث ليال فإن لم ينجح ذلك فيها ضربها ضربا غير مبرح ولا يضرب وجهها فذلك منهي عنه
العاشر في آداب الجماع يستحب أن يقدم عليه الحديث والمؤانسة وأن يغطي رأسه ويغض صوته ثم إذا قضى وطره فليتمهل على أهله حتى تقضي هي أيضا نهمتها ولا يأتيها في المحيض حتى تطهر وله أن يستمتع بجميع بدن الحائض ولا يأتيها في غير المأتى إذ حرم غشيان الحائض لأجل الأذى والأذى في غير المأتى دائم فهو أشد تحريما من إتيان الحائض وقوله تعالى ! < فأتوا حرثكم أنى شئتم > ! أي في أي وقت شئتم وله أن يستمني بيديها وأن يستمتع بما تحت الإزار بما يشتهي سوى الوقاع وله أن يؤاكل الحائض ويخالطها في المضاجعة وغيرها ومن الآداب أن لا يعزل فما من نسمة قدر الله كونها إلا وهي كائنة فإن عزل فمن العلماء من أباحه ومنهم من أحله برضاها وحرمه بدون رضاها لئلا يؤذيها والصحيح الأول وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه أنه قال كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل وفي لفظ آخر كنا نعزل فبلغ ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا وقد يبعث على العزل استبقاء جمال المرأة وسمنها لدوام التمتع واستبقاء حياتها خوفا من خطر الطلق أو الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب ودخول مداخل السوء فإن قلة الحرج معين على الدين
الحادي عشر في آداب الولادة وهي خمسة
الأول أن لا يكثر فرحه بالذكر وحزنه بالأنثى فإنه لا يدري الخير له في أيهما فكم من صاحب ابن يتمنى أن لا يكون له أو يتمنى أن تكون بنتا بل الثواب فيهن أكثر قال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت له ابنتان أو أختان فأحسن إليهما ما
172
172
صحبتاه كنت أنا وهو في الجنة كهاتين
الثاني أن يؤذن في أذن المولود حين ولادته
الثالث أن يسميه اسما حسنا ومن كان له اسم مكروه يستحب تبديله
الرابع العقيقة عن الذكر بشاتين وعن الأنثى بشاة وأن يتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة
الخامس أن يحنكه بتمرة أو حلاوة روي ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم
الثاني عشر في الطلاق وهو أبغض المباحات إلى الله تعالى وإنما يكون مباحا إذا لم يكن فيه إيذاء بالباطل ومهما طلقها فقد آذاها ولا يباح إيذاء الغير إلا بجناية من جانبها أو بضرورة من جانبه قال تعالى ! < فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا > ! أي لا تطلبوا حيلة للفراق وإن كرهها أبوه لا لغرض فاسد فليطلقها برا به ومهما آذت زوجها وبذت على أهله فهي جانية وكذلك مهما كانت سيئة الخلق أو فاسدة الدين وإن كان الأذى من الزوج فلها أن تفتدي ببذل مال ويكره للرجل أن يأخذ منها أكثر مما أعطى فإن ذلك إجحاف بها وتحامل عليها وتجارة على البضع قال تعالى ! < فلا جناح عليهما فيما افتدت به > ! فرد ما أخذته فما دونه لائق بالفداء فإن سألت الطلاق بغير ما بأس فهي آثمة ثم ليراع الزوج في الطلاق أربعة أمور
173
173
الأول أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه فإن الطلاق في الحيض أو الطهر الذي جامع فيه برعي حرام وإن كان واقعا لما فيه من تطويل العدة عليها فإن فعل ذلك فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها
الثاني أن يقتصر على طلقة واحدة لأنها تفيد المقصود ويستفيد بها الرجعة إن ندم في العدة وإذا طلق ثلاثا ربما ندم فيحتاج إلى أن يتزوجها محلل وإلى الصبر مدة وعقد المحلل منهي عنه ويكون هو الساعي فيه
الثالث أن يتلطف في التعلل بتطليقها من غير تعنيف واستخفاف وتطييب قلبها بهدية على سبيل الإمتاع والجبر لما فجعها به من أذى الفراق قال تعالى ! < ومتعوهن > ! وجه الحسن بن علي رضي الله عنهما بعض أصحابه لطلاق امرأتين من نسائه وقال قل لهما اعتدا وأمره أن يدفع إلى كل واحدة عشرة آلاف درهم
الرابع أن لا يفشي سرها لا في الطلاق ولا عند النكاح فقد ورد في إفشاء سر النساء وعيد عظيم
حقوق الزوج على الزوجة
على الزوجة طاعة الزوج في كل ما طلب منها مما لا معصية فيه وقد ورد في تعظيم حق الزوج عليها أخبار كثيرة قال صلى الله عليه وسلم أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة وقال صلى الله عليه وسلم إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها قال ابن عباس أتت امرأة من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني امرأة أيم وأريد أن أتزوج فما حق الزوج قال إن من حق الزوج على الزوجة إذا أرادها فراودها عن نفسها وهي على ظهر بعير لا تمنعه ومن حقه أن لا تعطي شيئا من بيته إلا بإذنه فإن
174
174
فعلت ذلك كان الوزر عليها والأجر له ومن حقه أن لا تصوم تطوعا إلا بإذنه فإن فعلت جاعت وعطشت ولم يتقبل منها وإن خرجت من بيتها بغير إذنه لعنتها الملائكة حتى ترجع إلى بيته أو تتوب فحقوق الزوج على الزوجة كثيرة وأهمها أمران أحدهما الصيانة والستر والآخر ترك المطالبة مما وراء الحاجة والتعفف عن كسبه إذا كان حراما ومن حقها على الوالدين تعليمها حسن المعاشرة وآداب العشرة مع الزوج كما روي أن أسماء بن خارجة الفزاري قال لابنته عند التزوج إنك خرجت من العش الذي فيه درجت فصرت إلى فراش لا تعرفينه وقرين لا تألفينه فكوني له أرضا يكن لك سماء وكوني له مهادا يكن لك عمادا وكوني له أمة يكن لك عبدا لا تلحفي به فيقلاك ولا تباعدي عنه فينساك إن دنا منك فاقربي منه وإن نأى فابعدي عنه واحفظي أنفه وسمعه وعينه فلا يشمن منك إلا طيبا ولا يسمع إلا حسنا ولا ينظر إلا جميلا فالقول الجامع في آداب المرأة من غير تطويل أن تكون قاعدة في قعر بيتها لازمة لمغزلها لا يكثر صعودها وإطلاعها قليلة الكلام لجيرانها لا تدخل عليهم إلا في حال يوجب الدخول تحفظ بعلها في غيبته وحضرته وتطلب مسرته في جميع أمورها ولا تخونه في نفسها وماله ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه فإن خرجت بإذنه فمختفية في هيئة رثة تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق محترزة من أن يسمع غريب صوتها أو يعرفها بشخصها لا تتعرف إلى صديق بعلها في حاجاتها بل تتنكر على من تظن أنه يعرفها أو تعرفه همها صلاح شأنها وتدبير بيتها مقبلة على صلاتها وصيامها وإذا استأذن صديق لبعلها على الباب وليس البعل حاضرا لم تستفهم ولم تعاوده في الكلام غيرة على نفسها وبعلها وتكون قانعة من زوجها بما رزق الله وتقدم حقه على حق نفسها وحق سائر
175
175
أقاربها متنظفة في نفسها مستعدة في الأحوال كلها للتمتع بها إن شاء مشفقة على أولادها حافظة للستر عليهم قصيرة اللسان عن سب الأولاد ومراجعة الزوج
ومن آدابها أن لا تتفاخر على الزوج بجمالها ولا تزدري زوجها لقبحه
ومن آدابها ملازمة الصلاح والانقباض في غيبة زوجها والرجوع إلى اللعب والانبساط وأسباب اللذة في حضور زوجها
ومما يجب عليها من حقوق النكاح إذا مات عنها زوجها أن لا تحد عليه أكثر من أربعة أشهر وعشرة وتتجنب الطيب والزينة في هذه المدة قال صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ويلزمها لزوم مسكن النكاح إلى آخر العدة وليس لها الانتقال إلى أهلها ولا الخروج إلا لضرورة
ومن آدابها أن تقوم بكل خدمة في الدار تقدر عليها كما كان عليه نساء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين
176
176
كتاب آداب الكسب والمعاش
فضل الكسب والحث عليه
أما من الكتاب فقوله تعالى ! < وجعلنا النهار معاشا > ! فذكره في معرض الامتنان وقال تعالى ! < وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون > ! فجعلها ربك نعمة وطلب الشكر عليها وقال تعالى ! < فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله > ! وأما الأخبار فمنها قوله صلى الله عليه وسلم لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه وكان صلى الله عليه وسلم جالسا مع أصحابه ذات يوم فنظروا إلى شاب ذي جلد وقوة وقد بكر يسعى فقالوا ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم لا تقولوا هذا فإنه أن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان وقيل يا رسول الله أي الكسب أطيب قال عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور وقال صلى الله عليه وسلم خير الكسب كسب العامل إذا نصح أي بأن
177
177
أتقن وتجنب الغش وقام بحق الصنعة وقال عمر رضي الله عنه لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة وقال ابن مسعود رضي الله عنه إني لأكره أن أرى الرجل فارغا لا في أمر دنياه ولا في أمر آخرته وقيل لأحمد بن حنبل رضي الله عنه ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده وقال لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي فقال أحمد هذا رجل جهل العلم أما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي وقوله صلى الله عليه وسلم حين ذكر الطير فقال تغدو خماصا وتروح بطانا فذكر انها تغدو في طلب الرزق وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم ومن ليس له مال موروث فلا ينجيه من ذلك إلا الكسب والتجارة نعم ترك الكسب أفضل لعالم مشتغل بتربية علم الظاهر مما ينتفع الناس به في دينهم كالمفتي أي الفقيه والمفسر والمحدث وأمثالهم أو رجل مشتغل بمصالح المسلمين كالسلطان والقاضي والشاهد فهؤلاء إذا كان يكفون من الأموال المرصدة للمصالح أو الأوقاف المسبلة على الفقراء أو العلماء فإقبالهم على ما هم فيه أفضل من اشتغالهم بالكسب ولهذا أشار الصحابة على أبي بكر رضي الله عنهم بترك التجارة لما ولي الخلافة إذ كان ذلك يشغله عن المصالح وكان يأخذ كفايته من مال المصالح ورأى ذلك أولى ثم لما توفي أوصى برده إلى بيت المال ولكنه رآه في الابتداء أولى
بيان العدل واجتناب الظلم في المعاملة
اعلم أن المعاملة قد تجري على وجه يشتمل على ظلم يتعرض به المعامل لسخط
178
178
الله تعالى وهذا الظلم يعنى به ما استضر به الغير وهو منقسم إلى ما يعم ضرره وإلى ما يخص المعامل
القسم الأول فيما يعم ضرره وهو أنواع
الأول الاحتكار فبائع الطعام يدخر الطعام ينتظر به غلاء الأسعار وهو ظلم عام وصاحبه مذموم في الشرع وذلك في وقت قلة الأطعمة وحاجة الناس إليه حتى يكون في تأخير بيعه ضرر ما أما إذا اتسعت الأطعمة وكثرت واستغنى الناس عنها ولم يرغبوا فيها إلا بقيمة قليلة فانتظر صاحب الطعام ذلك ولم ينتظر قحطا فليس في هذا إضرار وأما إذا كان الزمان زمان قحط كان في ادخاره إضرار فلا ريب في تحريمه
ومع عدم الضرار لا يخلو احتكار الأقوات عن كراهية فإنه ينتظر مبادئ الضرار وهو ارتفاع الأسعار وانتظار مبادئ الضرار محذور كانتظار عين الضرار ولكنه دونه وانتظار عين الضرار أيضا هو دون الإضرار فبقدر درجات الإضرار تتفاوت درجات الكراهية والتحريم
الثاني ترويج الزيف من الدراهم في أثناء النقد فهو ظلم إذ يستضر به المعامل إن لم يعرف وإن عرف فسيروجه على غيره فيتردد في الأيدي ويعم الضرر ويتسع الفساد ويكون وزر الكل ووباله راجعا إليه لأنه هو الذي فتح هذا الباب قال بعضهم إنفاق درهم زيف أشد من سرقة مائة درهم لأن السرقة معصية واحدة وقد تمت وانقطعت وإنفاق الزيف قد يكون عليه وزرها بعد موته إلى مئة سنة أو مئتي سنة إلى أن يفنى ذلك الدرهم ويكون عليه ما فسد من نقص أموال الناس وطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مئة سنة أو أكثر يعذب بها في قبره ويسأل عنها إلى آخر انقراضها قال تعالى ! < ونكتب ما قدموا وآثارهم > ! أي نكتب أيضا ما أخروه من آثار أعمالهم كما نكتب ما قدموه وفي مثله قوله تعالى ! < ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر > ! وإنما أخر آثار أعماله من
179
179
سنة سيئة عمل بها غيره وفي الزيف أمور منها أنه إذا رد عليه شيء منه فينبغي أن يطرحه في بئر بحيث لا تمتد إليه اليد وإياه أن يروجه في بيع آخر فإن أفسده بحيث لا يمكن التعامل جاز ومنها أنه يجب على التاجر تعلم النقد لئلا يسلم إلى أحد زيفا وهو لا يدري فيكون آثما بتقصيره في تعلم ذلك العلم فلكل عمل علم به يتم نصح المسلمين فيجب تحصيله ومنها أنه إن كان في ماله قطعة نقرتها ناقصة عن نقد البلد فعليه أن يخبر به معامله وأن لا يعامل به إلا من لا يستحل الترويج في جملة النقد بطريق التلبيس فأما من يستحل ذلك فتسليمه إليه تسليط له على الفساد فهو كبيع العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمرا وذلك محظور وإعانة على الشر ومشاركة فيه وسلوك طريق الحق بمثال هذا في التجارة أشد من المواظبة على نوافل العبادات والتخلي لها
القسم الثاني ما يخص ضرره المعامل
فكل ما يستضر به المعامل فهو ظلم وإنما العدل بأن لا يضر بأخيه المسلم والضابط الكلي فيه أن لا يحب لأخيه إلا ما يحب لنفسه فكل ما عومل به وشق عليه وثقل على قلبه فينبغي أن لا يعامل غيره به بل ينبغي أن يستوي عنده درهمه ودرهم غيره هذه جملته وأما تفصيله ففي أربعة أمور
الأول أن لا يثني على السلعة بما ليس فيها لأنه كذب فإن قبل المشتري ذلك فهو تلبيس وظلم وإن لم يقبل فهو كذب وإسقاط مروءة وأما الثناء على السلعة بذكر القدر الموجود فيها من غير مبالغة وإطناب فلا بأس به ولا ينبغي أن يحلف عليها البتة فإنه إن كان كاذبا فقد جاء باليمين الغموس وهي من الكبائر وإن كان صادقا فقد جعل الله تعالى عرضة لأيمانه وقد أساء فيه إذ الدنيا أخس من أن يقصد ترويجها بذكر اسم الله من غير ضرورة وفي الخبر ويل للتاجر من بلى والله ولا والله وويل للصانع من غد وبعد غد وفي الخبر اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للكسب
180
180
الثاني أن يظهر جميع عيوب المبيع خفيها وجليها ولا يكتم منها شيئا فذلك واجب فإن أخفاه كان ظالما غاشا والغش حرام وكان تاركا للنصح في المعاملة والنصح واجب ومهما أظهر أحسن وجهي الثوب وأخفى الثاني كان غاشا وكذلك إذا عرض الثياب في المواضع المظلمة وكذلك إذا عرض أحسن فردي الخف أو النعل وأمثاله ويدل على تحريم الغش ما روي أنه مر صلى الله عليه وسلم برجل يبيع طعاما فأعجبه فأدخل يده فرأى بللا فقال ما هذا قال أصابته السماء فقال فهلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس من غشنا فليس منا ويدل على وجوب النصح بإظهار العيوب ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايع جريرا على الإسلام ذهب لينصرف فجذب ثوبه واشترط عليه النصح لكل مسلم فكان جرير إذا قام إلى السلعة يبيعها بصر عيوبها ثم خيره وقال إن شئت فخذ وإن شئت فاترك فقيل له إنك إذا فعلت مثل هذا لم ينفذ لك بيع فقال إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم وكان واثلة بن الأسقع واقفا فباع رجل ناقة له بثلثمائة درهم فغفل واثلة وقد ذهب الرجل بالناقة فسعى وراءه وجعل يصيح به يا هذا أشتريتها للحم أو للظهر فقال بل للظهر فقال إن بخفها نقبا قد رأيته وإنها لا تتابع السير فعاد فردها فنقصها البائع مئة درهم وقال لواثلة رحمك الله أفسدت علي بيعي فقال إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل لأحد يبيع بيعا إلا أن يبين آفته ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا تبيينه فقد فهموا
181
181
من النصح أن لا يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه ولم يعتقدوا أن ذلك من الفضائل وزيارة المقامات بل اعتقدوا أنه من شروط الإسلام الداخلة تحت بيعتهم وهذا الأمر وإن كان يشق على النفس إلا أنه يتيسر على العبد باعتقاد أمرين
أحدهما أن تلبيسه العيوب وترويجه السلع لا يزيد في رزقه بل يمحقه ويذهب ببركته وقد يهلك الله ما يجمعه من التلبيسات دفعة واحدة فقد حكي أن واحدا كان له بقرة يحلبها ويخلط بلبنها الماء ويبيع فجاء سيل فغرق البقرة فقال بعض أولاده إن تلك المياه المتفرقة التي صببناها في اللبن اجتمعت دفعة واحدة وأخذت البقرة كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم البيعان إذا صدقا ونصحا بورك لهما في بيعهما وإذا كتما وكذبا نزعت بركة بيعهما وفي الحديث يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا فإذا تخاونا رفع يده عنهما فإذا لا يزيد مال من خيانة كما لا ينقص من صدقة
والمعنى الثاني الذي لا بد من اعتقاده ليتم له النصح ويتيسر عليه أن يعلم أن ربح الآخرة وغناها خير من ربح الدنيا وأن فوائد أموال الدنيا تنقضي بانقضاء العمر وتبقى مظالمها وأوزارها فكيف يستخير العاقل أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير والخير كله في سلامة الدين وفي الحديث ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ومن علم أن هذه الأمور قادحة في إيمانه وأن إيمانه رأس ماله في تجارته في الآخرة لم يضيع رأس ماله المعد لعمر لا آخر له بسبب ربح ينتفع به أياما معدودة وعن بعض التابعين أنه قال لو دخلت الجامع وهو غاص بأهله وقيل لي من خير هؤلاء ومن شرهم لقلت خيرهم أنصحهم لهم وشرهم أغشهم لهم والغش حرام في البيوع والصنائع جميعا ولا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه بل ينبغي أن يحسن الصنعة ويحكمها ثم يبين عيبها إن كان فيها غيب فبذلك يتخلص وسأل رجل حذاء ابن سالم فقال كيف لي أن أسلم في بيع النعال فقال اجعل الوجهين سواء ولا تفضل اليمنى على الأخرى وجود الحشو وليكن شيئا واحدا تاما وقارب بين الخرز ولا تطبق
182
182
إحدى النعلين على الأخرى ومن ذلك ما سئل عنه أحمد بن حنبل رحمه الله من الرفو بحيث لا يتبين قال لا يجوز لمن يبيعه أن يخفيه وإنما يحل للرفاء إذا علم أنه يظهره أو أنه لا يريدها للبيع فإن قلت فلا تتم المعاملة مهما وجب على الإنسان أن يذكر عيوب المبيع فأقول ليس كذلك إذ شرط التاجر أن لا يشتري للبيع إلا الجيد الذي يرتضيه لنفسه لو أمسكه ولا يحتاج إلى تلبيس فمن تعود هذا لم يشتر المعيب فإن وقع في يده معيب نادرا فليذكره وليقنع بقيمته باع ابن سيرين شاة فقال للمشتري أبرأ إليك من عيب فيها أنها تقلب العلف برجلها فهكذا كانت سيرة أهل الدين
الثالث أن لا يكتم في المعيار وذلك بتعديل الميزان والاحتياط فيه وفي الكيل فينبغي أن يكيل كما يكتال قال الله تعالى ! < ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون > ! ولا يخلص من هذا إلا بأن يرجح إذا أعطى وينقص إذا أخذ إذ العدل الحقيقي قلما يتصور فليستظهر بظهور الزيادة والنقصان فإن من استقصى حقه بكماله يوشك أن يتعداه وكان بعضهم يقول لا أشتري الويل من الله بحبة وكل من خلط بالطعام ترابا أو غيره ثم كاله فهو من المطففين في الوزن وقس على هذا سائر التقديرات حتى في الذرع الذي يتعاطاه البزاز إذا اشترى أرسل الثوب في وقت الذرع ولم يمده مدا وإذ باعه مده في الذرع ليظهر تفاوتا في القدر فكل ذلك من التطفيف المعرض صاحبه للويل
الرابع أن يصدق في سعر الوقت ولا يخفي منه شيئا فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان ونهى عن النجش أما تلقي الركبان فهو أن يستقبل الرفقة ويتلقى المتاع ويكذب في سعر البلد فقد قال صلى الله عليه وسلم لا تتلقوا الركبان ومن تلقاها فصاحب
183
183
السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق ونهى أيضا أن يبيع حاضر لباد وهو أن يقدم البدوي البلد ومعه قوت يريد أن يتسارع إلى بيعه فيقول له الحضري اتركه عندي حتى أغالي في ثمنه وأنتظر ارتفاع سعره ونهى أيضا عن النجش وهو أن يتقدم إلى البائع بين يدي الراغب المشتري ويطلب السلعة بزيادة وهو لا يريدها وإنما يريد تحريك رغبة المشتري فيها فهذه المناهي تدل على أنه لا يجوز أن يلبس على البائع والمشتري في سعر الوقت ويكتم منه أمرا لو علمه لما أقدم على العقد ففعل هذا من الغش الحرام المضاد للنصح الواجب ومن ذلك أنه ليس له أن يغتنم فرصة وينتهز غفلة صاحب المتاع ويخفي من البائع غلاء السعر أو من المشتري تراجع الأسعار فإن فعل ذلك كان ظالما تاركا للعدل والنصح للمسلمين ومهما باع مرابحة بأن يقول بعت بما قام علي أو بما اشتريته فعليه أن يصدق ثم يجب عليه أن يخبر بما حدث بعد العقد من عيب أو نقصان
الإحسان في المعاملة
قد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعا والعدل سبب النجاة فقط وهو يجري من التجارة مجرى سلامة رأس المال والإحسان سبب الفوز ونيل السعادة وهو يجري من التجارة مجرى الربح ولا يعد من العقلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس ماله فكذا في معاملات الآخرة ولا ينبغي للمتدين أن يقتصر على العدل واجتناب الظلم ويدع أبواب الإحسان وقد قال الله تعالى ! < وأحسن كما أحسن الله إليك > ! وقال عز وجل ! < إن الله يأمر بالعدل والإحسان > ! وقال سبحانه ! < إن رحمة الله قريب من المحسنين > ! وينال المعامل رتبة الإحسان بواحد من ستة أمور
الأول في المغابنة فينبغي أن لا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة فأما أصل المغابنة فمأذون فيه لأن البيع للربح ولا يمكن ذلك إلا بغبن ولكن يراعى فيه التقريب ومن قنع بربح قليل كثرت معاملاته واستفاد من تكررها ربحا كثيرا وبه تظهر البركة
184
184
الثاني في احتمال الغبن والمشتري إن اشترى طعاما من ضعيف أو شيئا من فقير فلا بأس أن يحتمل الغبن ويتساهل ويكون به محسنا وداخلا في قوله صلى الله عليه وسلم رحم الله سهل البيع وسهل الشراء وأما احتمال الغبن من الغني فليس محمودا بل هو تضييع مال من غير أجر ولا حمد وكان كثير من السلف يستقصون في الشراء ويهبون مع ذلك الجزيل من المال فقيل لبعضهم في ذلك فقال إن الواهب يعطي فضله وإن المغبون يغبن عقله
الثالث في استيفاء الثمن وسائر الديون والإحسان فيه مرة بالمسامحة وحط البعض ومرة بالإمهال والتأخير ومرة بالمساهلة في طلب جودة النقد وكل ذلك مندوب إليه ومحثوث عليه وفي الخبر من أقرض دينارا إلى أجل فله بكل يوم صدقة إلى أجله فإذا حل الأجل فأنظره بعده فله بكل يوم مثل ذلك الدين صدقة ونظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل يلازم رجلا بدين فأومأ إلى صاحب الدين بيده أي ضع الشطر ففعل فقال للمديون قم فأعطه
الرابع في توفية الدين ومن الإحسان فيه حسن القضاء وذلك بأن يمشي إلى صاحب الحق ولا يكلفه أن يمشي إليه يتقاضاه فقد قال صلى الله عليه وسلم خيركم أحسنكم قضاء ومهما قدر على قضاء الدين فليبادر إليه ولو قبل وقته وإن عجز فلينو
185
185
قضاءه مهما قدر ومهما كلمه مستحق الحق بكلام خشن فليتحمله وليقابله باللطف اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم لما ردد عليه كلامه صاحب الدين فهم به أصحابه فقال دعوه فإن لصاحب الحق مقالا ومن الإحسان أن يميل الحكم إلى من عليه الدين لعسره
الخامس أن يقبل من يستقيله فإنه لا يستقيل إلا متندم مستضر بالبيع ولا ينبغي أن يرضي لنفسه أن يكون سبب استضرار أخيه وفي الخبر من أقال نادما صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة
السادس أن يقصد في معاملته جماعة من الفقراء بالنسيئة وهو في الحال عازم على أن لا يطالبهم إن لم يظهر لهم ميسرة وكان من السلف من يقول لفقير خذ ما تريد فإن يسر لك فاقض وإلا فأنت في حل منه وسعة فهذه طرق تجارات السلف وبالجملة فالتجارة محك الرجال وبها يمتحن دين الرجل وورعه
شفقة التاجر على دينه
لا ينبغي للتاجر أن يشغله معاشه عن معاده فيكون عمره ضائعا وصفقته خاسرة وما يفوته من الربح في الآخرة لا يفي به ما ينال في الدنيا فيكون ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة بل العاقل ينبغي أن يشفق على نفسه وشفقته على نفسه بحفظ رأس ماله ورأس ماله دينه وتجارته فيه وإنما تتم شفقته على دينه بمراعاة سبعة أمور
الأول حسن النية في ابتداء التجارة فلينو بها الاستعفاف عن السؤال وكف الطمع عن الناس استغناء بالحلال عنهم واستعانة بما يكسبه على الدين وقياما بكفاية العيال ليكون من جملة المجاهدين به ولينو النصح للمسلمين وأن يحب لسائر الخلق ما يحب لنفسه ولينو اتباع طريق العدل والإحسان في معاملته كما ذكرناه ولينو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل ما يراه في السوق فإذا أضمر هذه النيات كان
186
186
عاملا في طريق الآخرة فإن استفاد مالا فهو مزيد وإن خسر في الدنيا ربح في الآخرة
الثاني أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات فإن الصناعات والتجارات لو تركت بطلت المعايش وهلك أكثر الخلق فانتظام أمر الكل بتعاون الكل وتكفل كل فريق بعمل ومن الصناعات ما هي مهمة ومنها ما يستغنى عنها لرجوعها إلى طلب التنعم والتزيين في الدنيا فليشتغل بصناعة مهمة ليكون لقيامه بها كافيا عن المسلمين مهما في الدين
الثالث أن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة وأسواق الآخرة المساجد قال الله تعالى ! < رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة > ! وكان السلف يبتدرون عند الأذان ويخلون الأسواق لأهل الذمة والصبيان
الرابع أن لا يقتصر على هذا بل يلازم ذكر الله سبحانه في السوق ويشتغل بالتهليل والتسبيح فذكر الله في السوق بين الغافلين أفضل
الخامس أن لا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة وذلك بأن يكون أول داخل وآخر خارج
السادس أن لا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشبهات ومظان الريب ويستفتي قلبه فإذا وجد فيه حزازة اجتنبه وإذا حمل إليه سلعة رابه أمرها سأل عنها وكل منسوب إلى ظلم أو خيانة أو سرقة أو ربا فلا يعامله
السابع ينبغي أن يراقب جميع مجاري معاملته مع كل واحد من معامليه فإنه مراقب ومحاسب فليعد الجواب ليوم الحساب
187
187
كتاب الحلال والحرام
فضيلة الحلال ومذمة الحرام
قال الله تعالى ! < كلوا من الطيبات واعملوا صالحا > ! أمر بالأكل من الطيبات قبل العمل وقيل إن المراد به الحلال وقال تعالى ! < ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل > ! وقال تعالى ! < إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا > ! وقال تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين > ! ثم قال ! < فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله > ! ثم قال ! < وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم > ! ثم قال ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) جعل أكل الربا في أول الأمر مؤذنا بمحاربة الله وفي آخره متعرضا للنار والآيات الواردة في الحلال والحرام لا تحصى وروى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال طلب الحلال فريضة على كل مسلم وقال بعض العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة
188
188
على كل مسلم المراد به طلب علم الحلال والحرام وجعل المراد بالحديثيين واحدا ولما ذكر صلى الله عليه وسلم الحريص على الدنيا قال رب أشعث أغبر مشرد في الأسفار مطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام يرفع يديه فيقول يا رب فأنى يستجاب لذلك وقال صلى الله عليه وسلم كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به وأما الآثار فقد ورد أن الصديق رضي الله عنه شرب لبنا من كسب عبده ثم سأل عبده فقال تكهنت لقوم فأعطوني فأدخل أصابعه في فيه وجعل يقيء حتى ظننت أن نفسه ستخرج ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء وكذلك شرب عمر رضي الله عنه من لبن إبل الصدقة غلطا فأدخل أصابعه وتقيأ وقال سهل التستري لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون فيه أربع خصال أداء الفرائض بالسنة وأكل الحلال بالورع واجتناب النهي ظاهرا وباطنا والصبر على ذلك إلى الموت وكان بشر الحافي رحمه الله من الورعين فقيل له من أين تأكل فقال من حيث تأكلون ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك وقال يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة وهكذا كانوا يحترزون من الشبهات
أصناف الحلال ومداخله
اعلم أن تفصيل الحلال والحرام إنما يتولى بيانه كتب الفقه ويستغني المريد عن
189
189
تطويله بأن يكون له طعمه معينة يعرف بالفتوى حلها وكان لا يأكل من غيرها فأما من يتوسع في الأكل من وجوه متفرقة فيفتقر إلى علم الحلال والحرام كله ونحن الآن نشير إلى مجامعه في سياق يقسم وذلك أن المال إنما يحرم إما لمعنى في عينه أو لخلل في جهة اكتسابه
القسم الأول الحرام لصفة في عينه كالخمر والخنزير وغيرهما وتفصيله أن الأعيان المأكولة على وجه الأرض لا تعدو ثلاثة أقسام فإنها إما أن تكون من المعادن كالملح والطين وغيرهما أو من النبات أو من الحيوانات فأما المعادن فهي أجزاء الأرض وجميع ما يخرج منها فلا يحرم أكله إلا من حيث أنه يضر بالآكل أو في بعضها ما يجري مجرى السم والخبز لو كان مضرا لحرم أكله والطين الذي يعتاد أكله لا يحرم إلا من حيث الضرر
وأما النبات فلا يحرم منه إلا ما يزيل العقل ويزيل الحياة أو الصحة فمزيل العقل البنج والخمر وسائر المسكرات ومزيل الحياة السموم ومزيل الصحة الأدوية في غير وقتها وكأن مجموع هذا يرجع إلى الضرر إلا الخمر والمسكرات فإن الذي لا يسكر منها أيضا حرام مع قلته
وأما الحيوانات فتنقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل وتفصيله في كتب الفقه وما يحل أكله فإنما يحل إذا ذبح ذبحا شرعيا روعي فيه شروط الذابح والآلة والمذبح على ما يذكر في كتب الفقه وما لم يذبح ذبحا شرعيا أو مات فهو حرام ولا يحل إلا ميتتان السمك والجراد
القسم الثاني ما يحرم لخلل في جهة إثبات اليد عليه ويتحصل منه أقسام
الأول ما يؤخذ من غير مالك كنيل المعادن وإحياء الموات والاصطياد والاحتطاب والاستقاء من الأنهار والاحتشاش فهذا حلال وشرطه أن لا يكون المأخوذ مختصا بذي حرمة من الآدميين
الثاني المأخوذ قهرا ممن لا حرمة له وهو الفيء والغنيمة وسائر أملاك الكفار المحاربين وذلك حلال للمسلمين إذا أخرجوا منها الخمس وقسموها بين المستحقين بالعدل ولم يأخذوها من كافر له حرمة وأمان وعهد
الثالث ما يؤخذ تراضيا بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي فيه الشروط المصححة مع ما تعبد الشرع به من اجتناب الشروط المفسدة
الرابع ما يحصل بغير اختيار كالميراث وهو حلال إذا كان الموروث قد اكتسب
190
190
من وجه حلال ثم كان ذلك بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصايا وتعديل القسمة بين الورثة وإخراج الحج والزكاة والكفارة إن كان واجبا وبقي أقسام أخر ونحن أشرنا إلى جملتها ليعلم المريد أن كل ما يأكلها من جهتها ينبغي أن يستفتي فيه أهل العلم ولا يقدم عليه بالجهل فإنه كما يقال للعالم لم خالفت علمك يقال للجاهل لم لازمت جهلك ولم تتعلم بعد أن قيل لك طلب العلم فريضة على كل مسلم
درجات الحلال والحرام
اعلم أن الحرام كله خبيث لكن بعضه أخبث من بعض والحلال كله طيب ولكن بعضه أطيب من بعض وأصفى من بعض ولذا كان الورع عن الحرام على درجات فمنه الورع عن كل ما تحرمه فتاوى الفقهاء ومنه الورع عما يتطرق إليه احتمال التحريم ومنه ما لا شبهة في حله ولكن يخاف منه أداؤه إلى محرم وهو ترك ما لا بأس به مخافة مما به بأس ومنه ما لا يخاف منه أن يؤدي إلى ما به بأس ولكنه يتناول لغير الله ولا على نيه التقوي به على عبادة الله أو تتطرق إلى أسبابه المسهلة له كراهية أو معصية
وقد حكي عن ابن سيرين أنه ترك لشريكه أربعة آلاف درهم لأنه حاك في قلبه شيء مع اتفاق العلماء على أنه لا بأس به وكان لبعضهم مائة درهم على إنسان فحملها إليه فأخذ تسعة وتسعين وتورع عن استيفاء الكل خيفة الزيادة وكان بعضهم يتجر فكل ما يستوفيه يأخذه بنقصان حبة وما يعطيه يزنه بزيادة حبة ومن ذلك الاحتراز عما يتسامح به الناس فإن ذلك حلال في الفتوى ولكن يخاف من فتح بابه أن ينجر إلى غيره وتألف النفس الاسترسال وتترك الورع كما تورع بعضهم من أخذ تراب من حائط بيت كان يسكنه بكراء وكما روي أن عمر بن عبد العزيز كان يوزن بين يديه مسك للمسلمين فأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة وقال لما استبعد ذلك منه وهل ينتفع منه إلا بريحه ومنه أن بعضهم كان عند محتضر فمات ليلا فقال اطفئوا السراج فقد حدث للورثة حق في الدهن وأخذ الحسن رضي الله عنه تمرة من تمر الصدقة وكان صغيرا فقال صلى الله عليه وسلم كخ كخ أي ألقها وتقيأ
191
191
الصديق رضي الله عنه من اللبن الذي سقاه إياه رفيقه وكان تكهن فأعطي اللبن أجرة له وذلك خيفة من أن يحدث الحرام فيه قوة مع أنه شربه عن جهل وكان لا يجب إخراجه ولكن تخلية البطن عن الخبيث من ورع الصديقين وبالجملة فكلما كان العبد أشد تشديدا على نفسه كان أخف ظهرا يوم القيامة وأبعد عن أن تترجح كفة سيئاته على كفة حسناته وإذا علمت حقيقة الأمر فإليك الخيار فإن شئت فاستكثر من الاحتياط وإن شئت فرخص فلنفسك تحتاط وعلى نفسك ترخص والسلام
مراتب الشبهات
قال صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه فهذا الحديث نص في إثبات الأقسام الثلاثة والمشكل منها القسم المتوسط الذي لا يعرفه كثير من الناس وهو الشبهة فلا بد من بيانها فإن ما لا يعرفه الكثير فقد يعرفه القليل فنقول
الحلال المطلق ما خلا عن ذاته الصفات الموجبة للتحريم في عينه وانحل عن أسبابه تحريم أو كراهة
والحرام المحض هو ما فيه صفة محرمة لا يشك فيها كالخمر لشدته المطربة والبول لنجاسته أو حصل بسبب منهي عنه قطعا كالمحصل بالظلم والربا ونظائره وهذان طرفان ظاهران ويلتحق بالطرفين ما تحقق أمره ولكنه احتمل تغيره ولم يكن لذلك الاحتمال سبب يدل عليه والاحتمال المعدوم دلالته كالاحتمال المعدوم في نفسه وأما الشبهة فما اشتبه علينا أمره بأن تعارض لنا فيه اعتقادان صدرا عن سببين مقتضيين للاعتقادين وللشبهة مثارات
المثار الأول للشبهة الشك في السبب المحلل والمحرم
فإن تعادل الاحتمالان كان الحكم لما عرف قبله فيستصحب ولا يترك بالشك وإن غلب أحد الاحتمالين عليه بأن صدر دلالة معتبرة كان الحكم للغالب ولا
192
192
يتبين هذا إلا بالأمثال والشواهد فلنقسمه إلى أقسام أربعة
القسم الأول أن يكون التحريم معلوما من قبل ثم يقع الشك في المحلل فهذه شبهة يجب اجتنابها ويحرم الإقدام عليها
القسم الثاني أن يعرف الحل ويشك في المحرم فالأصل الحل وله الحكم
القسم الثالث أن يكون الأصل التحريم ولكن طرأ ما أوجب تحليله بظن غالب فهو مشكوك فيه والغالب حله فهذا ينظر فيه فإن استند غلبة الظن إلى سبب معتبر شرعا فالذي يختار فيه أنه يحل وأن اجتنابه من الورع مثاله أن يرمي إلى صيد فيغيب ثم يدركه ميتا وليس عليه أثر سوى سهمه ولكن يحتمل أنه مات بسقطة أو بسبب آخر فالمختار أنه حلال لأن الجرح سبب ظاهر وقد تحقق والأصل أنه لم يطرأ عليه غيره فطريانه مشكوك فيه فلا يدفع اليقين بالشك
القسم الرابع أن يكون الحل معلوما ولكن يغلب على الظن طريان محرم بسبب معتبر في غلبة الظن شرعا فيرفع الاستصحاب ويقضي بالتحريم مثاله أن يؤدي اجتهاده إلى نجاسة أحد الإناءين بالاعتماد على علامة معينة توجب غلبة الظن فتوجب تحريم شربه كما توجب منع الوضوء به
المثار الثاني للشبهة شك منشؤه الاختلاط
وذلك بأن يختلط الحرام بالحلال ويشتبه الأمر ولا يتميز والخلط أنواع نوع يقع بعدد محصور كما لو اختلطت ميتة بذكية أو بعشر مذكاة أو اختلطت رضيعة بعشر نسوة فهذه شبهة يجب اجتنابها بالإجماع لأنه لا مجال للاجتهاد والعلامات في هذا وإذا اختلطت بعدد محصور صارت الجملة كالشيء الواحد فتقابل فيه يقين التحريم والتحليل فضعف الاستصحاب وجانب الحظر أغلب في نظر الشرع فلذلك ترجح
ونوع يقع فيه حرام محصور بحلال غير محصور كما لو اختلطت رضيعة أو عشر رضائع بنسوة بلد كبير فلا يلزم بهذا اجتناب نكاح أهل البلد بل له أن ينكح من شاء منهن وذلك لغلبة الحل والحاجة جميعا إذ كل من ضاع له رضيع أو قريب أو محرم
193
193
بمصاهرة أو سبب من الأسباب فلا يمكن أن يسد عليه باب النكاح وكذلك من علم أن مال الدنيا خالطه حرام قطعا لا يلزمه ترك الشراء والأكل فإن ذلك حرج وما في الدين من حرج ويعلم هذا بأنه لما سرق في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم مجن وغل واحد في الغنيمة عباءة لم يمتنع أحد من شراء المجان والعباء في الدنيا وكذلك كل ما سرق وكذلك كان يعرف أن في الناس من يرابي في الدراهم والدنانير وما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الناس الدراهم والدنانير بالكلية وأما إذا اختلط حرام لا يحصر بحلال لا يحصر كحكم الأموال في زماننا هذا فإنه لا يحرم بهذا الاختلاط أن يتناول شيء بعينه احتمل أنه حرام وأنه حلال إلا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على أنه من الحرام وقول القائل أكثر الأموال حرام في زماننا غلط منشئوه استكثار النفوس الفساد واستعظامها له وإن كان نادرا حتى ربما يظن أن الزنا وشرب الخمر قد شاع كما شاع الحرام فيتخيل أنهم الأكثرون وهو خطأ فإنهم الأقلون وإن كان فيهم كثرة وبالجملة فالأصل الحل ولا يرفع إلا بعلامة معينة
المثار الثالث للشبهة أن يتصل بالسبب المحلل معصية
كالبيع في وقت النداء يوم الجمعة والذبح بالسكين المغصوبة والبيع على بيع الغير والسوم على سومه فكل نهي ورد في العقود ولم يدل على فساد العقد فإن الامتناع من جميع ذلك ورع لأن تناول الحاصل من هذه الأمور مكروه والكراهة تشبه التحريم ومثله كل تصرف يفضي في سياقه إلى معصية كبيع العنب من الخمار وبيع السلاح من قطاع الطريق وقد اختلف العلماء في صحة ذلك وفي حل الثمن المأخوذ منه والأقيس أن ذلك صحيح والمأخوذ حلال والرجل عاص بعقده كما يعصى بالذبح بالسكين المغصوب والذبيحة حلال فإنه يعصي عصيان الإعانة على المعصية ولا يتعلق ذلك بعين العقد والمأخوذ من هذا مكروه كراهية شديدة وتركه من الورع المهم
194
194
تنبيه
لا ينبغي للإنسان أن يشتغل بدقائق الورع إلا بحضرة عالم متقن فإنه إذا جاوز ما رسم له وتصرف بذهنه من غير سماع كان ما يفسده أكثر مما يصلحه والمتنطعون هم الذين يخشى عليهم أن يكونوا ممن قيل فيهم ! < الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا > ! ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي
البحث والسؤال في الحرام والحلال
اعلم أن كل من قدم إليك طعاما أو هدية أو أردت أن تشتري منه أو تتهب فليس لك أن تفتش عنه وتسأل وتقول هذا مما لا أتحقق حله فلا آخذه بل أفتش عنه وليس لك أيضا أن تترك البحث مطلقا بل السؤال لا بد منه من مواقع الريبة ومنشأ الريبة بالنسبة لصاحب المال أن يكون مشكوكا فيه أو معلوما بنوع ظني يستند إلى دلالة وبالنسبة للمال أن يختلط حرامه بحلاله ويكون الحرام أكثر من يقين وجوده فإذا كان الحرام هو الأقل واحتمل أن لا يكون موجودا في الحال لم يكن الأكل حراما ولكن السؤال احتياط والامتناع عنه ورع وإنما يسأل من صاحب اليد إذا لم يكن متهما فإن كان متهما بأنه ليس يدري طريق كسب الحلال أو بأنه لا ثقة في أخباره وأمانته فليسأل من غيره فإذا أخبره عدل واحد قبله وإن أخبره فاسق علم من قرينة حاله أنه لا يكذب حيث لا غرض له فيه جاز قبوله لأن المطلوب ثقة النفس والمفتي هو القلب في مثل هذا الوضع وللقلب التفاتات إلى قرائن خفية يضيق عنها نطاق النطق فليتأمل فيه فإذا أطمأن القلب كان الاحتراز حتما واجبا
كيفية خروج التائب من المظالم المالية
اعلم أن كل من تاب وفي يده مال مختلط فعليه وظيفة في تمييز الحرام وإخراجه ووظيفة أخرى في مصرف المخرج فلينظر فيهما
195
195
النظر الأول في كيفية التمييز والإخراج من تاب وفي يده ما هو حرام معلوم العين من غصب أو وديعة أو غيره فأمره سهل فعليه تمييز الحرام وإن كان ملتبسا مختلطا فإما أن يكون من ذوات الأمثال كالحبوب والنقود والأدهان أو يكون في أعيان متمايزة كالدور والثياب فإن كان في المتماثلات أو كان شائعا في المال كله كمن اكتسب المال بتجارة كذب في بعضها وكمن غصب دهنا وخلطه بدهن نفسه وفعل ذلك في الحبوب أو الدراهم والدنانير فإن كل معلوم القدر مثل أن يعلم أن قدر النصف من جملة ماله حرام فعليه تمييز النصف وإن أشكل فله طريقان الأخذ باليقين والأخرى الأخذ بغالب الظن والورع في الطريق الأولى فلا يستبقي إلا القدر الذي يتيقن أنه حلال
فأما إذا اشتبه دار أو ثوب بأمثالهما وكان فيهما تفاوت أخذ الحاكم من طالب بيعها قيمة الأنفس وصرف إلى الممتنع منه مقدار قيمة الأقل ويوقف قدر التفاوت إلى البيان والاصطلاح
مسألة
من ورث مالا ولم يدر مورثه من أين اكتسبه أمن حلال أم من حرام ولم يكن ثم علامة فهو حلال باتفاق العلماء وإن علم أن فيه حراما وشك في قدره أخرج مقدار الحرام بالتحري وإن علم أن بعض ماله كان من الظلم فيلزمه إخراج ذلك القدر بالاجتهاد وقال بعض العلماء لا يلزمه والإثم على المورث
النظر الثاني في المصرف فإذا أخرج الحرام فله ثلاثة أحوال إما أن يكون له مالك معين فيجب الصرف إليه أو إلى وارثه وإن كان غائبا فينتظر حضوره أو الإيصال إليه وإن كانت له زيادة ومنفعة فلتجمع فوائده إلى وقت حضوره وإما أن يكون لمالك غير معين وقع اليأس من الوقوف على عينه ولا يدري أنه مات عن وارث أم لا فهذا لا يمكن الرد فيه للمالك ويوقف حتى يتضح الأمر فيه وربما لا يمكن الرد لكثرة الملاك فهذا ينبغي أن يتصدق به لئلا يضيع وتفوت المنفعة على المالك وعلى غيره وله أن يتصدق على نفسه وعياله إذا كان فقيرا
196
196
كتاب آداب الألفة والأخوة والصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق
فضيلة الألفة والأخوة
اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق والتفرق ثمرة سوء الخلق فحسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر وحسن الخلق لا يخفى في الدين فضيلته وهو الذي مدح الله سبحانه به نبيه صلى الله عليه وسلم إذ قال ! < وإنك لعلى خلق عظيم > ! وقال النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق وقال صلى الله عليه وسلم بعثت لأتمم محاسن الأخلاق ولا يخفى أن ثمرة الخلق الحسن الألفة وانقطاع الوحشة وقد ورد في الثناء على نفس الألفة سيما إذا كانت الرابطة هي التقوى والدين وحب الله من الآيات والأخبار والآثار ما فيه كفاية ومقنع قال الله تعالى مظهرا عظيم منته على المؤمنين ! < فأصبحتم بنعمته إخوانا > ! أي بالألفة وذم التفرقة وزجر عنها
197
197
فقال تعالى ! < واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا > ! وقال صلى الله عليه وسلم إن أقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون وقال صلى الله عليه وسلم المؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وقال صلى الله عليه وسلم من أراد الله به خيرا رزقه خليلا صالحا إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه وعنه ما تحاب اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حبا لصاحبه وعنه صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول حقت محبتي للذين يتزاورون من أجلي وحقت محبتي للذين يتحابون من أجلي وحقت محبتي للذين يتباذلون من أجلي وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي وعنه صلى الله عليه وسلم إن أحبكم إلى الله الذين يألفون أو يؤلفون وإن أبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الإخوان ومن الآثار ما روي عن الفضيل رحمه الله تعالى أنه قال هاه تريد أن تسكن الفردوس وتجاور الرحمن في داره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بأي عمل عملته بأي شهوة تركتها بأي غيظ كظمته بأي رحم
198
198
وصلتها بأي زلة لأخيك غفرتها بأي قريب باعدته في الله بأي بعيد قاربته في الله وقال أيضا نظر الرجل إلى وجه أخيه على المودة والرحمة عبادة
تحقيق المحبة في الله
هو أن يحب المرء لا يحبه لذاته بل إلى حظوظه الأخروية منه كمن يحب أستاذه لأنه يتوسل به إلى تحصيل العلم وتحسين العمل ومقصوده من العلم والعمل الفوز في الآخرة فهذا من جملة المحبين في الله وكذلك من يحب تلميذه لأنه يتلقف منه العلم وينال بواسطته رتبة التعليم فهو محب في الله بل الذي يتصدق بأمواله لله ويجمع الضيفان ويهيئ لهم الأطعمة اللذيذة الغريبة تقربا إلى الله فأحب طباخا لحسن صنعته في الطبخ فهو من جملة المحبين في الله وكذا لو أحب من يتولى له إيصال الصدقة إلى المستحقين فقد أحبه في الله أو أحب من يخدمه بنفسه في غسل ثيابه وكنس بيته وطبخ طعامه ويفرغه بذلك للعلم أو العمل ومقصوده من استخدامه في هذه الأعمال الفراغ للعبادة فهو محب في الله أو أحب من ينفق عليه من ماله ويواسيه بكسوته وطعامه ومسكنه وجميع أغراضه التي يقصدها في دنياه ومقصوده من جملة ذلك الفراغ للعلم والعمل المقرب إلى الله فهو محب في الله فقد كان جماعة من السلف تكفل بكفايتهم جماعة من أولي الثروة وكان المواسي والمواسى جميعا من المتحابين في الله وكذا من نكح امرأة صالحة ليتحصن بها عن وسواس الشيطان ويصون بها دينه أو ليولد له منها ولد صالح أو أحب زوجته لأنها آلة إلى هذه المقاصد الدينية فهو محب في الله وكذا إذا اجتمع في قلبه محبة الله والدنيا كمن أحب من يعلمه الدين ويكفيه مهمات الدنيا بالمواساة في المال فهو محب في الله وليس من شرط حب الله أن لا يحب في العاجل حظ البتة إذ الدعاء الذي أمر به الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه فيه جمع بين الدنيا والآخرة ! < ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة > ! وفي المأثور اللهم إني أسألك رحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة ثم إذا قوي الحب في الله حمل على الموالاة والنصرة والذب بالنفس
199
199
والمال واللسان وتتفاوت الناس فيه بحسب تفاوتهم في حب الله عز وجل إلا أنه يمتحن الحب بالمقابلة بحظوظ النفس وقد يغلب بحيث لا يبقي للنفس حظا إلا فيما هو حظ المحبوب وقد يكون الحب بحيث يترك به بعض الحظوظ دون بعض كما تسمح نفسه بأن يشاطر محبوبه في نصف ماله أو في ثلثه أ وفي عشره فمقادير الأموال موازين المحبة إذ لا يعرف درجة المحبوب إلا بمحبوب يترك في مقابلته فمن استغرق الحب جميع قلبه لم يبق له محبوب سواه فلا يمسك لنفسه شيئا مثل أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه سلم ابنته التي هي قرة عينه وبذل جميع ماله فحصل من هذا أن كل من أحب عالما أو عابدا أو أحب شخصا راغبا في علم أو في عبادة أو في خير فإنما أحبه في الله ولله وله فيه من الأجر والثواب بقدر قوة حبه
بيان البغض في الله
اعلم أن كل من يحب في الله لا بد أن يبغض في الله فإنك إن أحببت إنسانا لأنه مطيع لله ومحبوب عند الله فإن عصاه فلا بد أن تبغضه لأنه عاص لله وممقوت عند الله ومن أحب لسبب فبالضرورة يبغض لضده وإظهار البغض يكون بكف اللسان عن مكالمته ومحادثته والإعراض والتباعد عنه وقلة الالتفات إليه أو بالاستخفاف والتغليظ في القول وذلك بحسب درجات الفسق والمعصية الصادرة منه أما ما يجري مجرى الهفوة التي يعلم أنه متندم عليها ولا يصر عليها فالأولى فيه الستر والإغماض
الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته
اعلم أنه لا يصلح للصحبة كل إنسان قال صلى الله عليه وسلم المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ولا بد أن يتميز بخصال وصفات يرغب بسببها في صحبته وجملتها أن يكون عاقلا حسن الخلق غير فاسق ولا حريص على الدنيا أما العقل فهو
200
200
رأس المال وهو الأصل فلا خير في صحبة الأحمق فإلى الوحشة والقطيعة ترجع عاقبتهما وإن طالت وقد قيل مقاطعة الأحمق قربان إلى الله وأما حسن الخلق فلا بد منه فإن من غلبه غضب أو شهوة أو بخل أو جبن وأطاع هواه فلا خير في صحبته وأما الفاسق المصر على فسقه فلا فائدة في صحبته بل مشاهدته تهون أمر المعصية على النفس وتبطل نفرة القلب عنها ولأن من لا يخاف الله لا تؤمن غائلته ولا يوثق بصداقته بل يتغير بتغير الأعراض قال الله تعالى ! < ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه > ! وقال تعالى ! < فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا > ! وقال تعالى ! < واتبع سبيل من أناب إلي > ! وفي مفهوم ذلك زجر عن الفاسق وأوصى علقمة ابنه فقال يا بني إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك وإن صحبته زانك وإن قعدت بك مؤونة مانك واصحب من إذا مددت يدك بخير مدها وإن رأى منك حسنة عدها وإن رأى سيئة سدها اصحب من إذا سألته أعطاك وإن سكت ابتداك وإن نزلت بك نازلة واساك اصحب من إذا قلت صدق قولك وإن حاولت أمرا آمرك وإن تنازعتهما آثرك قال علي رضي الله عنه
( إن أخاك الحق من كان معك
ومن يضر نفسه لينفعك )
( ومن إذا ريب زمان صدعك
شتت فيه شمله ليجمعك )
وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله لا تصحب إلا أحد رجلين رجلا ترتفق به في أمر دنياك أو رجلا تزيد معه وتنتفع به في أمر آخرتك والاشتغال بغير هذين حمق كبير وأما الحريص على الدنيا فصحبته سم قاتل لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه فمجالسة
201
201
الحريص على الدنيا تحرك الحرص ومجالسة الزاهد تزهد في الدنيا فلذلك تكره صحبة طلاب الدنيا وتطلب صحبة العلماء والحكماء قال لقمان لابنه يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن القلوب لتحيا بالحكمة كما تحيا الأرض الميتة بوابل المطر
حقوق الأخوة والصحبة
اعلم أن لأخيك عليك حقا في المال وفي الإعانة بالنفس وفي اللسان والقلب وفي العفو وفي الدعاء وفي الوفاء والإخلاص وفي التخفيف وفي ترك التكلف والتكليف وذلك يجعلها ثماني جمل
الحق الأول في المال
روي أن مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى وذلك لأنهما يتعاونان على غرض واحد وكذلك الأخوان إنما تتم أخوتهما إذا ترافقا في مقصد واحد فهما من وجه كالشخص الواحد وهذا يقتضي المساهمة في السراء والضراء والمشاركة في المآل والحال وارتفاع الاختصاص والاستئثار والمواساة بالمال مع الأخوة على ثلاث مراتب
أدناها أن تنزله منزلة خادمك فتقوم بحاجته من فضلة مالك فإذا سنحت له حاجة وكانت عندك فضلة عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الأخوة
الثانية أن تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك ونزوله منزلتك حتى تسمح بمشاطرته في المال
والثالثة هي العليا أن تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك وهذه رتبة الصديقين ومنتهى رتبة المتحابين ومنتهى هذه الرتبة الإيثار بالنفس أيضا فإن لم تصادف نفسك في رتبة من هذه الرتب مع أخيك فاعلم أن عقد الأخوة لم ينعقد بعد في الباطن وإنما الجاري بينكما مخالطة رسمية لا وقع لها في العقل والدين فقد قال ميمون بن مهران من رضي من الإخوان بترك الإفضال فليؤاخ أهل
202
202
القبور وأما الدرجة الأولى فليست أيضا مرضية عند ذوي الدين روي أن عتبة الغلام رحمه الله جاء إلى منزل رجل كان قد آخاه فقال أحتاج من مالك إلى أربعة آلاف فقال خذ ألفين فأعرض عنه وقال آثرت الدنيا على الله أما استحييت أن تدعي الأخوة في الله وتقول هذا وأما الرتبة العليا فهي التي وصف الله تعالى المؤمنين بها في قوله ! < وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون > ! أي كانوا خلطاء في الأموال لا يميز بعضهم رحله عن بعض وكان منهم من لا يصحب من قال نعلي لأنه أضافه إلى نفسه وفهم من كان يعتق أمته إذا حدثته بمجيء أخيه وأخذه من ماله حاجته في غيبته سرورا بما فعل وقال زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما لرجل هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه فيأخذ منه ما يريد بغير إذن قال لا قال فلستم بإخوان وقال ابن عمر رضي الله عنهما أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال أخي فلان أحوج مني إليه فبعث به إليه فبعثه ذلك الإنسان إلى آخر فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجع إلى الأول بعد أن تداوله سبعة وقال أبو سليمان الداراني لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له ولما كان الإنفاق على الإخوان أفضل من الصدقات على الفقراء قال علي رضي الله عنه لعشرون درهما أعطيها أخي في الله أحب إلي من أن أتصدق بمئة درهم على المساكين ومن الصفاء في الأخوة الانبساط في بيوت الإخوان كما كان عليه كثير من السلف وقد قال تعالى ! < أو صديقكم > ! وقال ! < أو ما ملكتم مفاتحه > ! إذ كان الأخ يدفع مفاتيح بيته إلى أخيه ويفوض إليه التصرف كما يريد وكان يتحرج عن الأكل بحكم التقوى حتى أنزل الله هذه الآية وأذن لهم في الانبساط في طعام الإخوان والأصدقاء
203
203
الحق الثاني في الإعانة بالنفس
وذلك في قضاء الحاجات والقيام بها قبل السؤال وتقديمها على الحاجات الخاصة وهذه أيضا لها درجات فأدناها القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة ولكن مع البشاشة والاستبشار وإظهار الفرح وقبول المنة قال بعضهم إذا استقضيت أخاك حاجة فلم يقضها فذكره ثانية فلعله أن يكون قد نسي فإن لم يقضها فكبر عليه واقرأ هذه الآية ! < والموتى يبعثهم الله > ! وكان في السلف من يتفقد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة يقوم بحاجتهم يتردد كل يوم إليهم ويمونهم من ماله فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه بل كانوا يرون منهم ما لم يروا من أبيهم في حياته وكان أحدهم يتردد إلى باب دار أخيه يقوم بحاجته من حيث لا يعرفه أخوه وبهذا تظهر الشفقة والأخوة إذا لم تثمر الشفقة حتى يشفق على أخيه كما يشفق على نفسه فلا خير فيها قال ميمون بن مهران من لم تنتفع بصداقته لم تضرك عداوته وبالجملة فينبغي أن تكون حاجه أخيك مثل حاجتك أو أهم من حاجتك وأن تكون متفقدا لأوقات الحاجة غير غافل عن أحواله كما لا تغفل عن أحوال نفسك وتغنيه عن السؤال إلى الاستعانة ولا ترى لنفسك حقا بسبب قيامك بها بل تتقلد منة بقبوله سعيك في حقه وقيامك بأمره وقال عطاء تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث فإن كانوا مرضى فعودوهم أو مشاغيل فأعينوهم أو كانوا نسوا فذكروهم وقال سعيد بن العاص لجليسي علي ثلاث إذا دنا رحبت به وإذا حدث أقبلت عليه وإذا جلس أوسعت له وقد قال تعالى ! < رحماء بينهم > ! إشارة إلى الشفقة والإكرام ومن تمام الشفقة أن لا ينفرد بطعام لذيذ أو بحضور في مسرة دونه بل يتنغص لفراقه ويستوحش بانفراده عن أخيه
204
204
الحق الثالث في اللسان
وذلك بالسكوت مرة وبالنطق أخرى أما السكوت فهو أن يسكت عن ذكر عيوبه في غيبته وحضرته بل يتجاهل عنه ويسكت عن الرد عليه فيما يتكلم به ولا يماريه ولا يناقشه وأن يسكت عن التجسس والسؤال عن أحواله وإذا رآه في طريق أو حاجة لم يفاتحه بذكر غرضه من مصدره ومورده ولا يسأل فربما يثقل عليه ذكره أو يحتاج إلى أن يكذب فيه وليسكت عن أسراره التي بثها إليه ولا يبثها إلى غيره البتة ولا إلى أخص أصدقائه ولا يكشف شيئا منها ولو بعد القطيعة والوحشة فإن ذلك من لؤم الطبع وخبث الباطن وأن يسكت عن القدح في أحبابه وأهله وولده وأن يسكت عن حكاية قدح غيره فيه فإن الذي سبك من بلغك ولا ينبغي أن يخفي ما يسمع من الثناء عليه فإن السرور أولا به يحصل من المبلغ للمدح ثم من القائل وإخفاء ذلك من الحسد وبالجملة فليسكت عن كل كلام يكرهه جملة وتفصيلا إلا إذا وجب عليه النطق في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ولم يجد رخصة في السكوت فإذ ذاك لا يبالي بكراهته فإن ذلك إحسان إليه في التحقيق وإن كان يظن إنها إساءة في الظاهر أما ذكر مساوئه وعيوبه ومساوئ أهله فهو من الغيبة وذلك حرام في حق كل مسلم ويزجرك عنه أمران
أحدهما أن تطالع أحوال نفسك فإن وجدت فيها شيئا واحدا مذموما فهون على نفسك ما تراه من أخيك وقدر أنه عاجز عن قهر نفسه في تلك الخصلة الواحدة كما أنك عاجز عما أنت مبتلى به ولا تستثقله بخصلة مذمومة فأي الرجال المهذب
والأمر الثاني أن تعلم أنك لو طلبت منزها عن كل عيب اعتزلت عن الخلق كافة ولن تجد من تصاحبه أصلا فما من أحد من الناس إلا وله محاسن ومساوئ فإذا غلبت المحاسن المساوئ فهو الغاية والمنتهى فالمؤمن الكريم أبدا يحضر في نفسه محاسن أخيه لينبعث من قلبه التوقير والود والاحترام وأما المنافق اللئيم فإنه أبدا يلاحظ المساوئ والعيوب قال ابن المبارك المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العثرات وقال الفضيل الفتوة العفو عن زلات الإخوان ولذلك قال
205
205
عليه السلام استعيذوا بالله من جار السوء الذي إن رأى خيرا ستره وإن رأى شرا أظهره
بحث سوء الظن
وكما يجب عليك السكوت بلسانك عن مساوئه يجب عليك السكوت بقلبك وذلك بترك إساءة الظن فسوء الظن غيبة بالقلب وهو منهي عنه أيضا وحده أن لا تحمل فعله على وجه فاسد ما أمكن أن يحمل على وجه خير فأما ما انكشف بيقين ومشاهدة فاحمله على سهو ونسيان إن أمكن وسوء الظن يدعو إلى التجسس والتحسس وقد قال صلى الله عليه وسلم لا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا والتجسس في تطلع الأخبار والتحسس بالمراقبة بالعين فستر العيوب والتجاهل والتغافل عنها شيمة أهل الدين واعلم أنه لا يتم إيمان المرء ما لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه وأقل درجات الأخوة أن يعامل أخاه بما يحب أن يعامله به ومنشأ التقصير في ستر العورة أو السعي في كشفها الداء الدفين وهو الحقد والحسد ومن في قلبه سخيمة على مسلم فإيمانه ضعيف وأمر مخطر وقلبه خبيث لا يصلح للقاء الله
ومن ذلك أن يسكت عن إفشاء سره الذي استودعه وله أن ينكره وإن كان كاذبا فليس الصدق واجبا في كل مقام فإنه كما يجوز للرجل أن يخفي عيوب نفسه وأسراره وإن احتاج إلى الكذب فله أن يفعل ذلك في حق أخيه فإن أخاه نازل منزلته وهما كشخص واحد لا يختلفان إلا بالبدن هذه حقيقة الأخوة وقد قال عليه السلام من ستر عورة أخيه ستره الله تعالى في الدنيا والآخرة وقال عليه السلام
206
206
إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهو أمانة وقال المجالس بالأمانة وفي رواية إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة ولا يحل لأحدهما أن يفشي على صاحبه ما يكره قيل لبعضهم كيف حفظك للسر قال أنا قبره فإن صدور الأحرار قبور الأسرار وأفشى بعضهم سرا له إلى أخيه ثم قال له حفظت فقال بل نسيت وقال العباس لابنه عبد الله إني أرى هذا الرجل يعني عمر رضي الله عنه يقدمك على الأشياخ فاحفظ مني خمسا لا تفشين له سرا ولا تغتابن عنده أحدا ولا يجربن عليك كذبا ولا تعصين له أمرا ولا يطلعن منك على خيانة فقال الشعبي كل كلمة من هذه الخمس خير من ألف
ومن ذلك السكوت عن المماراة والمدافعة في كل ما يتكلم به أخوك قال ابن عباس لا تمار سفيها فيؤذيك ولا حليما فيقليك وقد قال صلى الله عليه وسلم من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة ومن ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة هذا مع أن تركه مبطلا واجب وقد جعل ثواب النفل أعظم لأن السكوت عن الحق أشد على النفس من السكوت على الباطل وإنما الأجر على قدر
207
207
النصب وأشد الأسباب لإثارة نار الحقد بين الإخوان المماراة والمناقشة فإنها عين التدابر والتقاطع فإن التقاطع يقع أولا بالآراء ثم بالأقوال ثم بالأبدان وقال عليه السلام لا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا وقد قال صلى الله عليه وسلم المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحرمه ولا يخذله بحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم وأشد الاحتقار المماراة فإن من رد على غيره كلاما فقد نسبه إلى الجهل أو الغفلة والسهو عن فهم الشيء على ما هو عليه وكل ذلك استحقار وإيغار للصدر وإيحاش وفي حديث أبي أمامة قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتمارى فغضب وقال ذروا المراء لقلة خيره وذروا المراء فإن نفعه قليل وإنه يهيج العداوة بين الإخوان وقال بعض السلف من لاحى الإخوان وماراهم قلت مروءته وذهبت كرامته وقال غيره إياك ومماراة الرجال فإنك لن تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم قال الحسن لا تشترى عداوة رجل بمودة ألف رجل وعلى الجملة فلا باعث على المماراة إلا إظهار التميز بمزيد العقل والفضل واحتقار المردود عليه بإظهار جهله وهذا يشتمل على التكبر والاحتقار والإيذاء والشتم بالحمق والجهل ولا معنى للمعاداة إلا هذا فكيف تضام الأخوة والمصافاة فقد روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه وقد قال عليه السلام إنكم لا تسعون
208
208
الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط وجه وحسن خلق والمماراة مضادة لحسن الخلق واعلم أن قوام الأخوة بالموافقة في الكلام والفعل والشفقة
الحق الرابع على اللسان بالنطق
الأخوة كما تقتضي السكوت عن المكاره تقتضي أيضا النطق بالمحاب بل هو أخص بالأخوة لأن من قنع بالسكوت صحب أهل القبور وإنما يراد الإخوة ليستفاد منهم لا ليتخلص عن أذاهم والسكوت معناه كف الأذى فعليه أن يتودد إليه بلسانه ويتفقده في أحواله التي يحب أن يتفقد فيها كالسؤال عن عارض إن عرض وإظهار شغل القلب بسببه واستبطاء العافية عنه وكذا جملة أحواله التي يكرهها ينبغي أن يظهر بلسانه وأفعاله كراهتها وجملة أحواله التي يسر بها ينبغي أن يظهر بلسانه مشاركته له في السرور بها فمعنى الأخوة المساهمة في السراء والضراء وقد قال عليه السلام إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره وإنما أمر بالإخبار لأن ذلك يوجب زيادة حب فإن عرف أنك تحبه أحبك بالطبع لا محالة فلا يزال الحب يتزايد من الجانبين ويتضاعف والتحاب بين المؤمنين مطلوب في الشرع ومحبوب في الدين ولذلك علم النبي صلى الله عليه وسلم فيه الطريق فقال تهادوا تحابوا
ومن ذلك أن تدعوه بأحب أسمائه إليه في غيبته وحضوره قال عمر رضي الله عنه ثلاث يصفين لك ود أخيك أن تسلم عليه إذا لقيته أولا وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب أسمائه إليه
ومن ذلك أن تثني عليه بما تعرف من محاسن أحواله عند من يؤثر هو الثناء عنده فإن ذلك من أعظم الأسباب في جلب المحبة وكذلك الثناء على أولاده وأهله
209
209
وصنعته وفعله حتى على عقله وخلقه وهيئته وخطه وشعره وتصنيفه وجميع ما يفرح به وذلك من غير كذب وإفراط ولكن تحسين ما يقبل التحسين لا بد منه وآكد من ذلك أن تبلغه ثناء من أثنى عليه مع إظهار الفرح فإن إخفاء ذلك محض الحسد
ومن ذلك أن تشكره على صنيعه في حقك بل على نيته وإن لم يتم ذلك وأعظم من ذلك تأثيرا في جلب المحبة الذب عنه في غيبته مهما قصد بسوء أو تعرض لعرضه بكلام صريح أو تعريض فحق الأخوة التشمير في الحماية والنصرة وتبكيت المتعنت وتغليط القول عليه والسكوت عن ذلك موغر للصدر ومنفر للقلب وتقصير في حق الأخوة وإهماله لتمزيق عرضه كإهماله لتمزيق لحمه فأخسس بأخ يراك والكلاب تفترسك وتمزق لحومك وهو ساكت لا تحركه الشفقة والحمية للدفع عنك وتمزيق الأعراض أشد على النفوس من تمزيق اللحوم ولذلك شبهه الله تعالى بأكل لحوم الميتة فقال ! < أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا > ! فإذن حماية الأخوة بدفع ذم الأعداء وتعنت المتعنتين واجب في عقد الأخوة وقال بعضهم ما ذكر أخ لي بغيب إلا تصورته جالسا فقلت فيه ما يحب أن يسمع لو حضر
ومن ذلك التعليم والنصيحة فليس حاجة أخيه إلى العلم بأقل من حاجته إلى المال فإن كنت غنيا بالعلم فعليك مواساته من فضلك وإرشاده إلى كل ما ينفعه في الدين والدنيا فإن علمته وأرشدته ولم يعمل بمقتضى العلم فعليك النصيحة وذلك بأن تذكر آفات ذلك الفعل وفوائد تركه وتخوفه بما يكرهه في الدنيا والآخرة لينزجر عنه وتنبهه على عيوبه ولكن ينبغي أن يكون ذلك في سر لا يطلع عليه أحد فما كان على الملأ فهو فضيحة وما كان في السر فهو شفقة ونصيحة قال ذو النون لا تصحب مع الله إلا بالموافقة ولا مع الخلق إلا بالمناصحة ولا مع النفس إلا بالمخالفة
ولا تظنن أن في نصح أخيك إيحاشا لقلبه فإن في تنبيهه على ما لا يعلمه عين الشفقة وهو استمالة القلوب أعني قلوب العقلاء وأما الحمقى فلا يلتفت إليهم
210
210
فإن من ينبهك على فعل مذموم تعاطيته أو صفة مذمومة اتصفت بها لتزكي نفسك عنها كان كمن ينبهك على حية أو عقرب تحت ذيلك وقد همت بإهلاكك فإن كنت تكره ذلك فما أشد حمقك والصفات الذميمة عقارب وحيات وهي في الآخرة مهلكات فإنها تلدغ القلوب والأرواح وألمها أشد مما يلدغ الظواهر والأجساد وهي مخلوقة من نار الله الموقدة ولذلك كان عمر رضي الله عنه يستهدي ذلك من إخوانه ويقول رحم الله امرأ أهدى إلى أخيه عيوبه ومن كتاب بعض السلف لأخيه اعلم أن من قرأ القرآن وآثر الدنيا لم آمن أن يكون بآيات الله من المستهزئين وقد وصف الله الكاذبين ببغضهم للناصحين إذ قال ! < ولكن لا تحبون الناصحين > ! وهذا في عيب هو غافل عنه فأما ما يظهره فلا بد من التلطف بنصحه بالتعريض مرة والتصريح أخرى إلى حد لا يؤدي إلى الإيحاش فإن علمت أن النصح غير مؤثر فيه وأنه مضطر من طبعه إلى الإصرار عليه فالسكوت عنه أولى وهذا كله فيما يتعلق بمصالح أخيك في دينه أو دنياه أما ما يتعلق بتقصيره في حقك فالواجب فيه الاحتمال والعفو والصفح والتعامي عنه والتعرض لذلك ليس من النصح في شيء نعم إن كان بحيث يؤدي استمراره عليه إلى القطيعة فالعتاب في السر خير من القطيعة والتعريض به خير من التصريح والمكاتبة خير من المشافهة والاحتمال خير من الكل
الحق الخامس العفو عن الزلات والهفوات
هفوة الصديق إن كانت في دينه فلا بد من التلطف في نصحه كما قدمنا فإن أصر فمن السلف من رأى مقاطعته ومنهم من رأى إدامة حق مودته وبغض عمله وأما زلته في حقه بما يوجب إيحاشه فلا خلاف في أن الأولى العفو والاحتمال بل كل ما يحتمل تنزيله على وجه حسن ويتصور تمهيد عذر فيه قريب أو بعيد فهو واجب بحق الأخوة فقد قيل ينبغي أن تستنبط لزلة أخيك سبعين عذرا فإن لم يقبله قلبك فرد اللوم على نفسك فتقول لقلبك ما أقساك يعتذر إليك أخوك سبعين عذرا فلا تقبله فأنت المعيب لا أخوك وقال الأحنف حق الصديق أن تحتمل منه ثلاثا ظلم
211
211
الغضب وظلم الدالة وظلم الهفوة ومهما اعتذر إليك أخوك كاذبا كان أو صادقا فاقبل عذره فالمؤمن إن غضب فهو سريع الرضاء وينبغي أن لا يبالغ في البغضة عند الوقيعة قال تعالى ! < عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة > ! وقال عمر رضي الله عنه لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا وهو أن تحب تلف صاحبك
الحق السادس الدعاء للأخ
فتدعو له في حياته ومماته بكل ما يحبه لنفسه ولأهله وكل متعلق به كما تدعو لنفسك وفي الحديث إذا دعا الرجل لأخيه في ظهر الغيب قال الملك ولك مثل ذلك وفي حديث آخر دعوة الرجل لأخيه في ظهر الغيب لا ترد وكان أبو الدرداء يقول إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي أسميهم بأسمائهم وكان محمد بن يوسف الأصفهاني يقول وأين مثل الأخ الصالح أهلك يقتسمون ميراثك ويتنعمون بما خلفت وهو منفرد بحزنك مهتم بما قدمت وما صرت إليه يدعو لك في ظلمة الليل وأنت تحت أطباق الثرى وعن بعض السلف الدعاء للأموات بمنزلة الهدايا للأحياء
الحق السابع الوفاء والإخلاص
ومعنى الوفاء الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه فإن الحب إنما يراد للآخرة فإن انقطع قبل الموت حبط العمل وضاع السعي وروي أنه صلى الله عليه وسلم أكرم عجوزا دخلت عليه فقيل له في ذلك فقال إنها كانت
212
212
تأتينا أيام خديجة وإن كرم العهد من الدين فمن الوفاء للأخ مراعاة جميع أصدقائه وأقاربه والمتعلقين به ومراعاتهم أوقع في قلب الصديق من مراعاة الأخ في نفسه فإن فرحه بتفقد من يتعلق به أكثر لدلالته على قوة الشفقة والحب ومن ثمرات المودة في الله أن لا تكون مع حسد في دين ودنيا وكيف يحسده وكل ما هو لأخيه فإليه ترجع فائدته وبه وصف الله تعالى المحبين في الله تعالى فقال ! < ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم > ! ووجود الحاجة هو الحسد
ومن الوفاء أن لا يتغير حاله في التواصل مع أخيه وإن ارتفع شأنه واتسعت ولايته وعظم جاهه والترفع على الإخوان بما يتجدد من الأحوال لؤم قال الشاعر
( إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا
من كان يألفهم بالمنزل الخشن )
واعلم أنه ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق بالدين بل من الوفاء له المخالفة والنصح لله
ومن آثار الصدق والإخلاص وتمام الوفاء أن تكون شديد الجزع من المفارقة نفور الطبع عن أسبابها كما قيل
( وجدت مصيبات الزمان جميعها
سوى فرقة الأحباب هينة الخطب )
وأنشد ابن عيينة هذا البيت وقال لقد عهدت أقواما فارقتهم منذ ثلاثين سنة ما يخيل إلي أن حسرتهم ذهبت من قلبي
ومن الوفاء أن لا يسمع بلاغات الناس على صديقه
213
213
ومن الوفاء أن لا يصادق عدو صديقه قال الشافعي رحمه الله إذا أطاع صديقك عدوك فقد اشتركا في عداوتك
الحق الثامن التخفيف وترك التكلف والتكليف
وذلك بأن لا يكلف أخاه ما يشق عليه بل يروح سره من مهماته وحاجاته ويرفهه على أن يحمله شيئا من أعبائه فلا يكلفه القيام بحقوقه بل لا يقصد بمحبته إلا الله تعالى استعانة به على دينه واستئناسا بلقائه وتقربا إلى الله تعالى بالقيام بحقوقه وتحمل مؤنته قال بعضهم من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه منه فقد ظلمهم ومن اقتضى منهم مثل ما يقتضونه فقد أتعبهم ومن لم يقتض فهو المتفضل عليهم وتمام التخفيف بطي بساط التكليف حتى لا يستحي منه فيما لا يستحي من نفسه وقال علي رضي الله عنه شر الأصدقاء من تكلف لك ومن أحوجك إلى مداراة وألجأك إلى اعتذار وقال الفضل إنما تقاطع الناس بالتكلف يزور أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه ذلك عنه وكان جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما يقول أثقل إخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي
ومن التخفيف وترك التكلف أن لا يعترض في نوافل العبادات كان طائفة من الصوفية يصطحبون على أن أحدهم إن أكل النهار كله لم يقل له صاحبه صم وإن صام الدهر كله لم يقل له أفطر وإن نام الليل كله لم يقل له قم وإن صلى الليل كله لم يقل له نم وتستوي حالاته عنده بلا مزيد ولا نقصان وقد قيل من
214
214
سقطت كلفته دامت ألفته ومن خفت مؤنته دامت مودته وقال بعضهم إذا عمل الرجل في بيت أخيه أربع خصال فقد تم أنسه به إذا أكل عنده ودخل الخلاء وصلى ونام فذكر ذلك لبعض المشايخ فقال بقيت خامسة وهو أن يحضر مع الأهل في بيت أخيه لأن البيت يتخذ للاستخفاء في هذه الأمور الخمس وإلا فالمساجد أروح لصلاة المتعبدين فإذا فعل هذه الخمس فقد تم الإخاء وارتفعت الحشمة وتأكد الانبساط وقول العرب في تسليمهم يشير إلى ذلك إذ يقول أحدهم لصاحبه مرحبا وأهلا وسهلا أي لك عندنا مرحب وهو السعة في القلب والمكان ولك عندنا أهل تأنس بهم بلا وحشة لك منا ولك عندنا سهولة في ذلك كله أي لا يشتد علينا شيء مما تريد
ولا يتم التخفيف وترك التكلف إلا بأن يرى نفسه دون إخوانه ويحسن الظن بهم ويسيء الظن بنفسه ولا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له فهذه أقل الدرجات وهو النظر بعين المساواة والكمال في رؤية الفضل للأخ ومهما رأى الفضل لنفسه فقد احتقر أخاه وهذا في عموم المسلمين مذموم قال صلى الله عليه وسلم بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم
ومن تتمة الانبساط وترك التكلف أن يشاور إخوانه في كل ما يقصده ويقبل إشارتهم فقد قال تعالى ! < وشاورهم في الأمر > ! فهذا جامع حقوق الصحبة ولا يتم ذلك إلا بأن تنزل نفسك منزلة الخادم لهم فتقيد بحقوقهم جميع جوارحك
أما البصر فبأن تنظر إليهم نظر مودة يعرفونها منك وتنظر إلى محاسنهم وتتعامى عن عيوبهم ولا تصرف بصرك عنهم في وقت إقبالهم عليك وكلامهم معك روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي كل من جلس إليه نصيبا من وجهه لا يظن جليسه إلا أنه أكرم الناس عليه وكان عليه السلام أكثر الناس تبسما وضحكا في وجوه أصحابه وتعجبا مما يحدثونه
وأما السمع فبأن تسمع كلامهم متلذذا بسماعه ومصدقا به ومظهرا للاستبشار به ولا تقطع حديثهم عليهم بمرادة ولا منازعة ومداخلة واعتراض فإن أرهقك عارض اعتذرت إليهم
215
215
وأما اللسان فقد ذكرنا حقوقه ومن ذلك أن لا يرفع صوته عليهم ولا يخاطبهم إلا بما يفقهون
وأما اليدان فأن لا يقبضهما عن معاونتهم في كل ما يتعاطى باليد
وأما الرجلان فبأن لا يتقدمهم إلا بقدر ما يقدمونه ولا يقرب منهم إلا بقدر ما يقربونه ويقوم لهم إذا أقبلوا ولا يقعد إلا بقعودهم ويقعد متواضعا حيث يقعد
خاتمة في جملة من آداب المعيشة والمجالسة مع أصناف الخلق
قال بعض الحكماء إن أردت حسن المعيشة فالق صديقك وعدوك بوجه الرضا وتوقر من غير كبر وتواضع في غير مذلة وكن في جميع أمورك في أوسطها فكلا طرفي قصد الأمور ذميم ولا تنظر في عطفيك ولا تكثر الالتفات ولا تقف على الجماعات وإذا جلست فلا تستوفز وتحفظ من تشبيك أصابعك والعبث بلحيتك وخاتمك وتخليل أسنانك وإدخال أصبعك في أنفك وكثرة بصاقك وتنخمك وكثرة التمطي والتثاؤب في وجوه الناس وفي الصلاة وغيرها وليكن مجلسك هادئا وحديثك منظوما مرتبا وأصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك من غير إظهار تعجب مفرط ولا تسأله إعادته واسكت عن المضاحك ولا تحدث عن إعجابك بولدك ولا شعرك ولا تصنيفك وسائر ما يخصك ولا تتصنع تصنع المرأة في التزين ولا تتبذل تبذل العبد ولا تلح في الحاجات ولا تشجع أحدا على الظلم ولا تعلم أهلك وولدك فضلا عن غيرهم مقدار مالك فإنهم إن رأوه قليلا هنت عندهم وإن كان كثيرا لم تبلغ قط رضاهم وخوفهم من غير عنف ولن لهم من غير ضعف وإذا خاصمت فتوقر وتحفظ من جهلك وتجنب عجلتك وتفكر في حجتك ولا تكثر الإشارة بيدك ولا تكثر الالتفات إلى من وراءك وإذا هدأ غيظك فتكلم ولا تجعل مالك أكرم من عرضك وإذا دخلت مجلسا فالأدب فيه البداية بالتسليم وترك التخطي لمن سبق والجلوس حيث اتسع وحيث يكون أقرب إلى التواضع وأن تحيي بالسلام من قرب منك عند الجلوس ولا تجلس على الطريق فإن جلست فأدبه غض البصر ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف وعون الضعيف وإرشاد
216
216
الضال ورد السلام وإعطاء السائل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والارتياد لموضع البصاق ولا تبصق في جهة القبلة وإياك أن تمازح لبيبا أو غير لبيب فإن اللبيب يحقد عليك والسفيه يجترئ عليك ومن بلي في مجلس بمزاح أو لغط فليذكر الله عند قيامه قال النبي صلى الله عليه وسلم من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك
بيان حق المسلم والرحم والجوار
اعلم أن الإنسان لحاجته لمخالطة من هو من جنسه لم يكن له بد من تعلم آداب المخالطة وكل مخالط ففي مخالطته أدب والأدب على قدر حقه وحقه على قدر رابطته إما القرابة وهي أخصها أو أخوة الإسلام وهي أعمها وينطوي في معنى الأخوة الصداقة والصحبة وإما الجوار وإما صحبة السفر والمكتب والدرس والصداقة أو الأخوة ولكل واحد من هذه الروابط درجات فالقرابة لها حق ولكن حق الرحم المحرم آكد وللمحرم حق ولكن حق الوالدين آكد وكذلك حق الجار ولكن يختلف بحسب قربه من الدار وبعده ويظهر التفاوت عند النسبة حتى إن البلدي في بلاد الغربة يجري مجرى القريب في الوطن لاختصاصه بحق الجوار في البلد وكذلك حق المسلم يتأكد بتأكد المعرفة والاختلاط
حقوق المسلم
هي أن تسلم عليه إذا لقيته وتجيبه إذا دعاك وتشمته إذا عطس وتعوده إذا مرض وتشهد جنازته إذا مات وتبر قسمه إذا أقسم عليك وتنصح له إذا استنصحك وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب عنك ومنها أن تحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك قال صلى الله عليه وسلم مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى والسهر
217
217
وعنه صلى الله عليه وسلم المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا
ومنها أن لا يؤذي أحدا من المسلمين بفعل ولا قول قال صلى الله عليه وسلم المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم والمهاجر من هجر السوء واجتنبه وعنه صلى الله عليه وسلم لا يحل لمسلم أن يروع مسلما
ومنها أن يتواضع لكل مسلم ولا يتكبر عليه قال صلى الله عليه وسلم إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد
ومنها أن لا يسمع بلاغات الناس بعضهم على بعض ولا يبلغ بعضهم ما يسمع من بعض ففي الحديث لا يدخل الجنة قتات
ومنها أن لا يزيد في الهجر لمن يعرفه على ثلاثة أيام مهما غضب عليه قال صلى الله عليه وسلم لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام وقالت عائشة رضي الله عنها ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله وفي الحديث ما زاد الله رجلا بعفو إلا عزا
218
218
ومنها أن يحسن إلى كل من قدر عليه منهم ما استطاع لا يميز بين الأهل وغير الأهل وفي أثر اصنع المعروف في أهله وفي غير أهله فإن أصبت أهله فهو أهله وإن لم تصب أهله فأنت من أهله وفي آخر رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس واصطناع المعروف إلى كل بر وفاجر ولم يكن أحد يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أقبل عليه بوجهه ثم لم يصرفه عنه حتى يفرغ من كلامه
ومنها أن لا يدخل على أحد منهم إلا بإذنه بأن يستأذن ثلاثا فإن لم يؤذن له انصرف
ومنها أن يخالق الجميع بخلق حسن ويعامله بحسب طريقته
ومنها أن يوقر المشايخ ويرحم الصبيان وفي الحديث ليس منا من لم يوقر كبيرنا ولم يرحم صغيرنا والتلطف بالصبيان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا قدم من سفره تلقي بالصبيان ثم يأمر بهم فيرفعون إليه فيرفع منهم بين يديه ومن خلفه ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم وكان يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة وليسميه فيأخذه فيضعه في حجره فربما بال الصبي ثم يغسل ثوبه صلى الله عليه وسلم بعد
ومنها أن يكون مع كافة الخلق مستبشرا طلق الوجه رقيقا قال صلى الله عليه وسلم أتدرون على من حرمت النار قالوا الله ورسوله أعلم قال على اللين الهين السهل القريب وقال صلى الله عليه وسلم اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة
ومنها أن لا يعد مسلما بوعد إلا ويفي به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العدة عطية
219
219
وقال العدة دين وقال ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان
ومنها أن ينصف الناس من نفسه ولا يأتي إليهم إلا بما يحب أن يؤتى إليه قال صلى الله عليه وسلم يا أبا الدرداء أحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمنا وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما
ومنها أن يزيد في توقير من تدل هيئته وثيابه على علو منزلته فينزل الناس منازلهم
ومنها أن يصلح ذات البين بين المسلمين مهما وجد إليه سبيلا قال صلى الله عليه وسلم أفضل الصدقة إصلاح ذات البين وفي الحديث ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا وهذا يدل على وجوب الإصلاح بين الناس لأن ترك الكذب واجب ولا يسقط الواجب إلا بواجب آكد منه وقال صلى الله عليه وسلم كل الكذب مكتوب إلا أن يكذب الرجل في الحرب فإن الحرب خدعة أو يكذب بين اثنين فيصلح بينهما أو يكذب لامرأته ليرضيها
ومنها أن يستر عورات المسلمين كلهم قال صلى الله عليه وسلم من ستر على مسلم ستره
220
220
الله تعالى في الدنيا والآخرة وقال صلى الله عليه وسلم لا يرى المؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إلا دخل الجنة وقال صلى الله عليه وسلم يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تغتابوا الناس ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته وروي عن بعض الخلفاء أنه كان يعس من الليل فسمع صوت رجل في بيت يتغنى فتسور عليه فوجد عنده امرأة وعنده خمر فقال يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته فقال وأنت أيها الأمير لا تعجل فإن كنت عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاثا قال الله تعالى ! < ولا تجسسوا > ! وقد تجسست وقال الله تعالى ! < وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها > ! وقد تسورت علي وقد قال الله تعالى ! < لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم > ! الآية وقد دخلت بيتي بغير إذن ولا سلام فقال الأمير هل عندك من خير إن عفوت عنك قال نعم والله لئن عفوت عني لا أعود إلى مثلها أبدا فعفا عنه وخرج وتركه وقد قال صلى الله عليه وسلم كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل السوء سرا ثم يخبر به وقال صلى الله عليه وسلم من أسمع خبر قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم
221
221
القيامة
ومنها أن يتقي مواضع التهم صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن ولألسنتهم عن الغيبة فإنهم إذا عصوا الله بذكره وكان هو السبب فيه كان شريكا قال الله تعالى ! < ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم > ! وقال صلى الله عليه وسلم كيف ترون من سب أبويه فقالوا وهل من أحد يسب أبويه فقال نعم يسب أبوي غيره فيسبون أبويه وقال عمر رضي الله عنه من أقام نفسه مقام التهم فلا يلومن من أساء به الظن
ومنها أن يشفع لكل من له حاجة من المسلمين إلى من له عنده منزلة ويسعى في قضاء حاجته بما يقدر قال صلى الله عليه وسلم اشفعوا تؤجروا
ومنها أن يبدأ من يلقى بالسلام قبل الكلام ويصافحه عند السلام قال الله تعالى ! < وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها > ! وقال صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أو لا أدلكم على عمل إذا عملتموه تحاببتم قالوا بلى يا رسول الله قال أفشوا السلام بينكم وعنه صلى الله عليه وسلم يسلم الراكب على الماشي وإذا سلم عن القوم واحد أجزأ عنهم وكان
222
222
أنس رضي الله عنه يمر على الصبيان فيسلم عليهم ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك وروي أنه صلى الله عليه وسلم مر في المسجد يوما وعصبة من الناس قعود فأومأ بيده بالسلام وقال صلى الله عليه وسلم إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم فإن بداله أن يجلس فليجلس ثم إذا قام فليسلم فليست الأولى بأحق من الأخيرة وروي أن من تمام التحية المصافحة وقال الحسن المصافحة تزيد في الود ولا بأس بقبلة يد المعظم في الدين تبركا به وتوقيرا له وروي أنه صلى الله عليه وسلم أذن في تقبيل يده ورأسه والانحناء عند السلام منهي عنه والالتزام والتقبيل قد ورد عند القدوم من السفر والأخذ بالركاب في توقير العلماء ورد به الأثر فعل ذلك ابن عباس بركاب زيد ابن ثابت وقال صلى الله عليه وسلم لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن توسعوا وتفسحوا ويستحب للداخل إذا سلم ولم يجد مجلسا أن لا ينصرف بل يقعد وراء الصف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد إذ إقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما أحدهما فوجد فرجة فجلس فيها وأما الثاني فجلس خلفهم وأما الآخر فأدبر ذاهبا فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه وسلمت أم هانئ على النبي صلى الله عليه وسلم
223
223
فقال من هذه فقيل له أم هانئ فقال عليه السلام مرحبا يا أم هانئ
ومنها أن يصون عرض أخيه ونفسه وماله عن ظلم غيره مهما قدر ويرد عنه ويناضل دونه وينصره فإن ذلك يجب عليه بمقتضى أخوة الإسلام وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من امرئ مسلم ينصر مسلما في موضع ينتهك فيه عرضه وتستحل حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصره وما من امرئ خذل مسلما في موطن تنتهك فيه حرمته إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته
ومنها تشميت العاطس قال عليه السلام في العاطس يقول الحمد لله على كل حال ويقول الذي يشمته يرحمكم الله ويرد عليه العاطس فيقول يهديكم الله ويصلح بالكم ويستحب إذا عطس أن يغض صوته ويخمر وجهه وإذا تثاءب أن يضع يده على فيه
ومنها أنه إذا بلي بذي شر فينبغي أن يجامله ويتقيه قال بعضهم خالص المؤمن مخالصة وخالق الفاجر مخالقة فإن الفاجر يرضى بالخلق الحسن في الظاهر وقال أبو الدرداء إنا لنبش في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم وهذا معنى المداراة وهو مع من يخاف شره قال الله تعالى ! < ادفع بالتي هي أحسن > ! قال ابن عباس في معنى قوله تعالى ! < ويدرؤون بالحسنة السيئة > ! أي الفحش والأذى
224
224
بالسلام والمداراة وقال في قوله تعالى ! < ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض > ! قال بالرغبة والرهبة والحياء والمداراة وقالت عائشة رضي الله عنها استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ائذنوا له فبئس رجل العشيرة هو فلما دخل آلان له القول حتى ظننت أن له عنده منزلة فلما خرج قلت له لما دخل قلت الذي قلت ثم ألنت له القول فقال يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس إتقاء فحشه وفي الخبر ما وقى الرجل به عرضه فهو له صدقة وقال محمد بن الحنفية ليس بحكيم من لا يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له فرجا
ومنها أن يختلط بالمساكين ويحسن إلى الأيتام كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين وقد روي أن سليمان عليه السلام في ملكه كان إذا دخل المسجد فرأى مسكينا جلس إليه وقال مسكين جالس مسكينا وفي الخبر لا تغبطن فاجرا بنعمة فإنك لا تدري إلام يصير بعد الموت فإن من ورائه طالبا حثيثا
225
225
وأما اليتيم فقال صلى الله عليه وسلم من ضم يتيما حتى يستغني فقد وجبت له الجنة وقال صلى الله عليه وسلم أنا وكافل اليتيم كهاتين وهو يشير بأصبعيه وقال صلى الله عليه وسلم من وضع يده على رأس يتيم ترحما كانت له بكل شعرة تمر عليها يده حسنة وقال صلى الله عليه وسلم خير بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه
ومنها النصيحة لكل مسلم والجهد في إدخال السرور على قلبه قال صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وعنه من أقر عين مؤمن أقر الله عينه يوم القيامة وعنه من فرج عن مؤمن مغموم أو أعان مظلوما غفر له وعنه إن من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على قلب المؤمن وأن يفرج عنه غما أو يقضي عنه دينا أو يطعمه من جوع
ومنها أن يعود مرضاهم وأدب العائد خفة الجلسة وقلة السؤال وإظهار الرقة والدعاء بالعافية وغض البصر عن عورات الموضع وعند الاستئذان لا يقابل الباب ويدق برفق ولا يقول أنا إذا قيل له من وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم إذا عاد
226
226
المسلم أخاه أو زاره قال الله تعالى طبت وطاب ممشاك وتبوأت منزلا في الجنة وعن عثمان رضي الله عنه قال مرضت فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بسم الله الرحمن الرحيم أعيذك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد من شر ما تجد قاله مرارا ويستحب للعليل أيضا أن يقول أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وقال طاووس أفضل العبادة أخفها وجملة أدب المريض حسن الصبر وقلة الشكوى والضجر والفزع إلى الدعاء والتوكل بعد الدواء على خالق الدواء
ومنها أن يشيع جنائزهم قال صلى الله عليه وسلم من شيع جنازة فله قيراط من الأجر فإن وقف حتى دفن فله قيراطان والقيراط مثل أحد جبل عظيم في المدينة المنورة والقصد من التشييع قضاء حق المسلمين والاعتبار
ومنها أن يزور قبورهم والمقصود من ذلك الدعاء والاعتبار وترقيق القلب قال صلى الله عليه وسلم ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه وعن حاتم الأصم من مر بالمقابر فلم يتفكر لنفسه ولم يدع لهم فقد خان نفسه وخانهم وقال ميمون بن مهران خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة فلما نظر إلى القبور بكى
227
227
وقال يا ميمون هذه قبور آبائي كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذاتهم أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلاث وأصاب الهوام من أبدانهم ثم بكى وقال والله ما أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله
وآداب المعزي خفض الجناح وإظهار الحزن وقلة الحديث وترك التبسم
وآداب تشييع الجنازة لزوم الخشوع وترك الحديث وملاحظة الميت والتفكر في الموت والاستعداد له والإسراع بالجنازة سنة
فهذه جمل آداب تنبه على آداب المعاشرة مع عموم الخلق والجملة الجامعة فيه أن لا تستصغر منهم أحدا حيا كان أو ميتا فتهلك لأنك لا تدري لعله خير منك فإنه وإن كان فاسقا فلعله يختم لك بمثل حاله ويختم له بالصلاح ولا تنظر إليهم في حال دنياهم بعين التعظيم فإن الدنيا صغيرة عند الله صغير ما فيها ولا تبذل لهم دينك لتنال من دنياهم فتصغر في أعينهم ثم تحرم دنياهم ولا تعادهم بحيث تظهر العداوة إلا إذا رأيت منكرا في الدين فتعادي أفعالهم القبيحة ولا تسكن إليهم في ثنائهم عليك في وجهك وحسن بشرهم لك فقد لا يكون لذلك حقيقة باطنا ولا تشك إليهم أحوالك فيكلك الله إليهم ولا تطمع أن يكونوا لك في الغيب والسر كما في العلانية فذلك طمع كاذب ولا تطمع فيما في أيديهم فتستعجل الذل وإذا سألت أخا منهم حاجة فقضاها فهو أخ مستفاد وإن لم يقض فلا تعاتبه فيصير عدوا تطول عليك مقاساته ولا تشتغل بوعظ من لا ترى فيه مخايل القبول فلا يسمع منك ويعاديك وليكن وعظه عرضا واسترسالا من غير تنصيص على الشخص وإذا بلغك منهم غيبة أو رأيت منهم شرا فكل أمرهم إلى الله واستعذ بالله من شرهم ولا تشغل نفسك بالمكافأة فيزيد الضرر وكن فيهم سميعا لحقهم أصم عن باطلهم نطوقا بحقهم واحذر صحبة أكثر الناس فإنهم لا يقيلون عثرة ولا يغفرون زلة ولا يسترون عورة ويحاسبون على النقير والقطمير ويحسدون على القليل والكثير ولا تعول على مودة من لم تخبره حق الخبرة بأن تصحبه مدة فتجربه في أحواله أو تعامله بالدينار والدرهم أو تقع في شدة فتحتاج إليه أو تسافر معه فإن رضيته في هذه
228
228
الأحوال فاتخذه أبا لك إن كان كبيرا وابنا لك إن كان صغيرا أو أخا إن كان مثلا لك فهذه جملة آداب المعاشرة مع أصناف الخلق
حقوق الجوار
اعلم أن الجوار يقتضي حقا وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام فيستحق الجار المسلم ما يستحق كل مسلم وزيادة إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم الجيران ثلاثة جار له حق واحد وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق فالجار الذي له ثلاثة حقوق الجار المسلم ذو الرحم فله حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم وأما الذي له حقان فالجار المسلم له حق الجوار وحق الإسلام وأما الذي له حق واحد فالجار المشرك فانظر كيف اثبت للمشرك حقا بمجرد الجوار وقال صلى الله عليه وسلم أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما وقال صلى الله عليه وسلم ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه وقال صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره وقال صلى الله عليه وسلم لا يؤمن عبد حتى يأمن جاره بوائقه وقال صلى الله عليه وسلم لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول ما لي
229
229
أراكم عنها معرضين والله لأرمينها بين أكتافكم وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب ذلك وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وتؤذي جيرانها فقال صلى الله عليه وسلم هي في النار وعن النبي صلى الله عليه وسلم أربعون دارا جار قال الزهري يعني أربعين عن يمينه ويساره وخلفه وبين يديه واعلم أنه ليس حق الجوار كف الأذى فقط بل احتمال الأذى بل لا بد فوقه من الرفق وإسداء الخير والمعروف وحكي أن ابن المقفع بلغه أن جارا له يبيع داره في دين ركبه وكان يجلس في ظل داره فقال ما قمت إذا بحرمة ظل داره إن باعها معدما فدفع إليه ثمن الدار وقال لا تبعها وجملة حق الجار أن يبدأ بالسلام ولا يكثر عن حاله السؤال ويعوده في المرض ويعزيه في المصيبة ويقوم معه في العزاء ويهنئه في الفرح ويظهر الشركة في السرور معه ويصفح عن زلاته ولا يطلع من السطح إلى عوراته ولا يضايقه في وضع الجذع على جداره ولا يضيق طريقه إلى الدار ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره ويستر ما ينكشف له من عوراته وينعشه من صرعته إذا نابته نائبة ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته ولا يسمع عليه كلاما ويغض بصره عن حرمته ولا يديم النظر إلى خادمته ويتلطف لولده في كلمته ويرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه هذا إلى جملة الحقوق التي ذكرناها لعامة المسلمين
230
230
حقوق الأقارب والرحم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى أنا الرحمن وهذه الرحم شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل قال أتقاهم لله وأوصلهم لرحمه وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وقال صلى الله عليه وسلم الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة ولما أراد أبو طلحة أن يتصدق بحائط كان له يعجبه عملا بقوله تعالى ! < لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون > ! قال يا رسول الله هي في سبيل الله وللفقراء والمساكين فقال عليه السلام وجب أجرك واقسمه في أقاربك
حقوق الوالدين والولد
لا يخفى أنه إذا تأكد حق القرابة والرحم فأخص الأرحام وأمسها الولادة فيتضاعف تأكد الحق فيها قال صلى الله عليه وسلم بر أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك وقال رجل يا رسول الله هل بقي علي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد وفاتهما قال نعم
231
231
الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وقال صلى الله عليه وسلم إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولى الأب وعنه صلى الله عليه وسلم رحم الله والدا أعان ولده على بره أي لم يحمله على العقوق بسوء عمله وعنه صلى الله عليه وسلم ساووا بين أولادكم في العطية وعنه أيضا من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه ويستحب الرفق بالولد رأى الأقرع بن حابس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقبل ولده الحسن فقال إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم فقال عليه السلام إن من لا يرحم لا يرحم وقال معاوية للأحنف بن قيس ما تقول في الولد قال يا أمير المؤمنين ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا ونحن لهم أرض ذليلة وسماء ظليلة
232
232
وبهم نصول على كل جليلة فإن طلبوا فأعطهم وإن غضبوا فأرضهم يمنحوك ودهم ويحبوك جهدهم ولا تكن عليهم قفلا ثقيلا فيملوا حياتك ويودوا وفاتك ويكرهوا قربك فقال معاوية لله أنت يا أحنف لقد أرضيتني عمن سخطت عليه من ولدي ووصله بعطية عظمى
واعلم أن أكثر العلماء على أن طاعة الوالدين واجبة في الشبهات وإن لم تجب في الحرام المحض وليس للولد أن يسافر في مباح أو نافلة إلا بإذنهما وقال صلى الله عليه وسلم حق كبير الإخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده
233
233
كتاب العزلة والمخالطة
اعلم أن من السلف من آثر العزلة لفوائدها كالمواظبة على العبادة والفكر وتربية العلم والتخلص من ارتكاب المناهي التي يتعرض الإنسان لها بالمخالطة كالرياء والغيبة والسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومسارقة الطبع الأخلاق الرديئة والأعمال الخبيثة من جلساء السوء إلى غير ذلك وأما أكثر السلف فذهبوا إلى استحباب المخالطة واستكثار المعارف والإخوان والتآلف والتحبب إلى المؤمنين والإستعانة بهم في الدين تعاونا على البر والتقوى وإن فوائد العزلة المتقدمة يمكن نيلها من المخالطة بالمجاهدة ومغالبة النفس وبالجملة فللمخالطة فوائد عظيمة تفوت بالعزلة
فإن قلت ما هي فوائد المخالطة والدواعي إليها فاعلم أنها هي التعليم والتعلم والنفع والانتفاع والتأديب والتأدب والاستئناس والإيناس ونيل الثواب وإنالته في القيام بالحقوق أو اعتياد التواضع أو استفادة التجارب من مشاهدة الأحوال والاعتبار بها
فأما العلم والتعليم فهما أعظم العبادات في الدنيا ولا يتصور ذلك إلا بالمخالطة والمحتاج إلى التعلم لما هو فرض عليه عاص بالعزلة ومن كان يقدر على التبرز في علوم الشرع والعقل فالعزلة في حقه قبل التعلم غاية الخسران ولهذا قال النخعي وغيره تفقه ثم اعتزل ومن اعتزل قبل التعلم فهو في الأكثر مضيع أوقاته بنوم أو فكر في هوس وغايته أن يستغرق في الأوقات بأوراد يستوعبها ولا ينفك في أعماله بالبدن والقلب عن أنواع من الغرور ويكون في أكثر أحواله
234
234
ضحكة للشيطان وهو يرى نفسه من العباد فالعلم هو أصل الدين ولا خير في عزلة العوام والجهال
وأما التعليم ففيه ثواب عظيم مهما صحت نية المعلم والمتعلم
وأما الانتفاع بالناس فبالكسب والمعاملة إذ لا يتأتى إلا بالمخالطة ومن اكتسب من وجهه وتصدق منه كان أفضل من المعتزل المشتغل بالنافلة
وأما النفع فهو أن ينفع الناس إما بماله أو ببدنه فيقوم بحاجاتهم على سبيل الحسبة ففي النهوض بقضاء حوائج المسلمين ثواب وذلك لا ينال إلا بالمخالطة ومن قدر عليه مع القيام بحدود الشرع فهو أفضل له من العزلة
وأما التأديب بنصح الغير والتأدب ونعني به الارتياض بمقاساة الناس والمجاهدة في تحمل أذاهم كسرا للنفس وقهرا للشهوات فهي من الفوائد التي تستفاد بالمخالطة
وأما الاستئناس والإيناس فهو مستحب لأمر الدين وذلك فيمن يستأنس بمشاهدة أحواله وأقواله في الدين وقد يتعلق بحظ النفس ويستحب إذا كان الغرض منه ترويح القلب لتهييج دواعي النشاط في العبادة فإن القلوب إذا كربت عميت والنفس لا تألف الحق على الدوام ما لم تروح وفي تكليفها الملازمة داعية للفترة وقد قال ابن عباس لولا مخافة الوسواس لم أجالس الناس فلا يستغني المعتزل إذن عن رفيق يستأنس بمشاهدته ومحادثته في اليوم والليلة ساعة فليجتهد في طلب من لا يفسد عليه في ساعته تلك سائر ساعاته فقد قال صلى الله عليه وسلم المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل وليحرص أن يكون حديثه عند اللقاء في أمور الدين والقصور عن الثبات على الحق ففي ذلك متروح للنفس وفيه مجال رحب لكل مشغول بإصلاح نفسه
وأما نيل الثواب فبحضور الجنائز وعيادة المرضى وحضور الجماعة في سائر الصلوات أيضا لا رخصة في تركه إلا لخوف ضرر ظاهر يقاوم ما يفوت من فضيلة الجماعة ويزيد عليه وذلك لا يتفق إلا نادرا وكذلك في حضور الإملاكات والدعوات ثواب من حيث إنه إدخال سرور على قلب مسلم
وأما إنالة الثواب فهو أن يأذن بعيادته وتعزيته في المصائب وتهنئته على النعم
235
235
فإنهم ينالون بذلك ثوابا فينبغي أن يزن ثواب هذه المخالطات بآفاتها التي ذكرناها وعند ذلك قد ترجح العزلة وقد ترجح المخالطة
وأما التواضع فإنه من أفضل المقامات ولا يقدر عليه في الوحدة وقد يكون الكبر سببا في اختيار العزلة أو مخافة أن لا يوقر في المحافل أو لا يقدم أو يرى الترفع عن مخالطتهم أرفع لمحله وأبقى على اعتقاد الناس في تعبده وزهده وعلامة هؤلاء أنهم يحبون أن يزاروا ولا يحبون أن يزوروا ويفرحون بتقرب العوام والأمراء إليهم ولو كان الاشتغال بنفسه هو الذي يبغض إليه المخالطة وزيارة الناس لبغض إليه زياراتهم له ولكن اعتزاله سببه شدة اشتغاله بالناس لأن قلبة متجرد للالتفات إلى نظرهم إليه بعين الوقار والاحترام والعزلة بهذا السبب جهل من وجوه
أحدهما أن التواضع والمخالطة لا تنقص عن منصب من هو متكبر بعلمه أو دينه
الثاني أن الذي شغل نفسه بطلب رضاء الناس عنه وتحسين اعتقادهم فيه مغرور لأنه لو عرف الله حق المعرفة علم أن الخلق لا يغنون عنه من الله شيئا وأن ضرره ونفعه بيد الله بل رضاء الناس غاية لا تنال فرضاء الله أولى بالطلب ولذلك قال الشافعي ليونس بن عبد الأعلى والله ما أقول لك إلا نصحا إنه ليس إلى السلامة من الناس من سبيل فانظر ماذا يصلحك فافعله فإذن من حبس نفسه في البيت لتحسن اعتقادات الناس فيه فهو في عناء حاضر في الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون وبالجملة فلا تستحب العزلة إلا لمستغرق الأوقات في علم بحيث لو خالطه الناس لضاعت أوقاته أو كثرت آفاته
وأما التجارب فإنها تستفاد من المخالطة للخلق ومجاري أحوالهم والعقل الغريزي ليس كافيا في تفهم مصالح الدين والدنيا وإنما تفيدها التجربة والممارسة ولا خير في عزلة من لم تحنكه التجارب فالصبي إذا اعتزل بقي غمرا جاهلا بل ينبغي أن يشتغل بالتعلم ويحصل له في مدة التعلم ما يحتاج إليه من التجارب ويحصل بقية التجارب بسماع الأحوال وبالجهل يحبط العمل الكثير وبالعلم يزكو
236
236
العمل القليل ولولا ذلك ما فضل العلم على العمل وقد قضى الشرع بتفضيل العالم على العابد حتى قال صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي إذا عرفت ما تقدم من الفوائد والآفات يتبين لك الأفضل من المخالطة والعزلة وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال
237
237
كتاب آداب السفر
اعلم أن كل من سافر وكان مطلبه العلم والدين أو الكفاية للاستعانة على الدين كان من سالكي سبيل الآخرة وكان له في سفره شروط وآداب إن أهملها كان من عمال الدنيا وأتباع الشيطان وإن واظب عليها لم يخل سفره عن فوائد تلحقه بأعمال الآخرة وإليك جملة من أقسام الأسفار
القسم الأول السفر في طلب العلم وهو إما واجب وإما نفل وذلك بحسب كون العلم واجبا أو نفلا وذلك العلم إما علم بأمور دينية أو بأخلاقه في نفسه أو بآيات الله في أرضه وقد قال عليه السلام من خرج من بيته في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع ورحل جابر بن عبد الله من المدينة مسيرة شهر في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه عن عبد الله بن أنيس حتى سمعه عنه وقال الشعبي لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى ما كان سفره ضائعا وأما علمه بنفسه وأخلاقه فذلك مهم فإن من لا يطلع على خبائث صفاته لا يقدر على تطهير القلب منها والنفس في الوطن مع مواتاة الأسباب لا تظهر خبائث أخلاقها لاستئناسها بما يوافق طبعها من المألوفات فإذا امتحنت بمشاق الغربة وقع الوقوف على عيوبها فيمكن الاشتغال بعيوبها وأما آيات الله في أرضه ففي مشاهدتها فوائد للمستبصر ففيها قطع متجاورات وفيها الجبال
238
238
والبراري والبحار وأنواع الحيوان والنبات وما من شيء منها إلا وهو شاهد لله بالوحدانية
القسم الثاني أن يسافر لأجل العبادة من حج أو جهاد وفي الحديث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى
القسم الثالث أن يكون السفر للهرب من سبب مشوش للدين وذلك أيضا حسن فالفرار مما لا يطاق من سنن الأنبياء والمرسلين وقد كان من عادة السلف رضي الله عنهم مفارقة الوطن خيفة من الفتن وروي أن بعضهم قيل له إلى أين قال بلغني عن قرية فيها رخص أريد أن أقيم بها فقيل له وتفعل هذا قال نعم إذا بلغك أن قرية فيها رخص فأقم بها فانه أسلم لدينك وأقل لهمك وهذا هرب من غلاء السعر
القسم الرابع السفر هربا مما يقدح في البدن كالطاعون أو في المال كغلاء السعر أو ما يجري مجراه ولا حرج في ذلك بل ربما يجب الفرار في بعض المواضع وربما يستحب في بعض بحسب وجوب ما يترتب عليه من الفوائد أو استحبابه ولكن يستثنى الطاعون منه فلا ينبغي أن يفر منه لورود النهي فيه وبالجملة فالسفر ينقسم إلى مذموم ومحمود ومباح والمذموم منه حرام كالسفر للعاق لوالديه ومنه مكروه كالخروج من بلد الطاعون والمحمود منه واجب كالحج وطلب العلم الذي هو فريضة على كل مسلم ومنه مندوب كزيارة العلماء للتخلق بأخلاقهم وآدابهم وتحريك الرغبة للاقتداء بهم واقتباس الفوائد العلمية من أنفاسهم وأما المباح فمرجعه إلى النية فمهما كان قصده بطلب المال مثلا التعفف عن السؤال ورعاية ستر المروءة على الأهل والعيال والتصدق بما يفضل عن مبلغ الحاجة صار هذا المباح بهذه النية من أعمال الآخرة ولو خرج إلى الحج وباعثه الرياء والسمعة لخرج عن كونه من أعمال الآخرة لقوله صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات
239
239
آداب المسافر من أول نهوضه إلى آخر رجوعه
الأدب الأول أن يبدأ برد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لمن تلزمه نفقته وبرد الودائع إن كانت عنده ولا يأخذ لزاده إلا الحلال الطيب وليأخذ قدرا يوسع به على رفقائه ولا بد في السفر من طيب الكلام وإطعام الطعام ومن إظهار مكارم الأخلاق والسفر من أسباب الضجر ومن أحسن خلقه في الضجر فهو الحسن الخلق وتمام حسن خلق المسافر بالإحسان إلى المكاري ومعاونة الرفقة بكل ممكن وإعانة المنقطع بمركوب أو زاد وتمام ذلك مع الرفقاء بمزاح ومطايبة في بعض الأوقات من غير فحش ومعصية ليكون ذلك شفاء لضجر السفر ومشاقه
الثاني أن يختار رفيقا فلا يخرج وحده فالرفيق ثم الطريق وليكن رفيقه ممن يعينه على الدين فيذكره إذا نسي ويعينه ويساعده إذا ذكر فإن المرء على دين خليله ولا يعرف الرجل إلا برفيقه وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر الرجل وحده وقال إذا كنتم ثلاثة في السفر فأمروا أحدكم وليؤمروا أحسنهم أخلاقا وأرفقهم بالأصحاب وأسرعهم إلى الإيثار وطلب الموافقة وإنما يحتاج إلى الأمير لأن الآراء تختلف في مصالح السفر ولا نظام إلا في الوحدة ولا فساد إلا من الكثرة وإنما انتظم أمر العالم لأن مدبر الكل واحد و ! < لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا > !
الثالث أن يودع رفقاء الحضر والأهل والأصدقاء وليدع عند الوداع بقوله لمودعه استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك وليدع المقيم له بقوله زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك للخير حيث توجهت وليصل المسافر قبل سفره ركعتين صلاة الاستخارة وإذا حصل على باب الدار فليقل بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله رب أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي فإذا ركب فليقل ! < سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون > !
240
240
الرابع أن يرفق بالدابة إن كان راكبا فلا يحملها ما لا تطيق ولا يضربها في وجهها فإنه منهي عنه ويستحب أن ينزل عن الدابة أحيانا يروحها بذلك ويدخل السرور على المكاري ويروض بدنه حذرا من خدر الأعضاء بطول الركوب وليحذر أن يحمل فوق المشروط شيئا وإن خف فإن القليل يجر إلى الكثير قال رجل لابن المبارك وهو على دابة احمل لي هذه الرقعة إلى فلان فقال حتى استأذن المكاري فإني لم أشارطه على هذه الرقعة فانظر كيف لم يلتفت إلى قول الفقهاء إن هذا مما يتسامح فيه ولكن سلك طريق الورع
الخامس أن يحتاط إن كان في قافلة فلا يمشي منفردا لأنه ربما يغتال أو ينقطع ويكون بالليل متحفظا عند النوم وينبغي أن يتناوب الرفقاء في الحراسة بالليل وأن يستصحب مرآة ومقراضا ومسواكا ومشطا وليحذر التنطع في الطهارة فقد كان الأولون يكتفون بالتيمم ويغنون أنفسهم عن نقل الماء ولا يبالون بالوضوء من الغدران ومن المياه كلها ما لم يتيقنوا نجاستها حتى توضأ عمر رضي الله عنه من ماء في جرة نصرانية
السادس في آداب الرجوع من السفر كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم يرسل إلى المدينة من يبشر بقدومه وكان صلى الله عليه وسلم ينهى أن يطرق المرء أهله ليلا فيقدم عليهم بغتة فيرى ما يكرهه وكان صلى الله عليه وسلم إذا قدم دخل المسجد أولا وصلى ركعتين ثم دخل البيت وينبغي أن يحمل لأهل بيته وأقاربه تحفة من مطعوم أو غيره على قدر إمكانه فإن الأعين تمتد إلى القادم من السفر والقلوب تفرح به فيتأكد الاستحباب في تأكيد فرحهم وإظهار التفات القلب في السفر إلى ذكرهم بما يستصحب في الطريق لهم
هذه جملة من الآداب الظاهرة وأما الآداب الباطنة ففي الفصل الأول بيان
241
241
جملة منها وجملته أن لا يسافر إلا إذا كان زيادة في علمه في السفر وينوي في دخول كل بلدة أن يرى شيوخها الحكماء ويجتهد أن يستفيد من كل واحد أدبا أو كلمة لينتفع بها وينفع بها وإذا قصد زيارة أخ له فلا يقم عنده أكثر من ثلاثة أيام فذلك حد الضيافة إلا إذا شق على أخيه مفارقته ولا يشغل نفسه بما لا فائدة فيه فإن ذلك يقطع بركة سفره
ما لا بد للمسافر من تعلمه من رخص السفر
اعلم أن المسافر يحتاج في أول سفره إلى أن يتزود لدنياه وآخرته أما زاد الدنيا فالطعام والشراب وما يحتاج إليه من نفقة فإن خرج من غير زاد فلا بأس به إذا كان سفره في قافلة أو بين قرى متصلة وإن ركب البادية وحده أو مع قوم لا طعام معهم ولا شراب فإن كان ممن يصبر على الجوع أسبوعا أو عشرا مثلا أو يكتفي بالحشيش فله ذلك وإن لم يكن له قوة الصبر على الجوع ولا الاجتزاء بالحشيش فخروجه من غير زاد معصية فإنه ألقى نفسه بيده إلى التهلكة وليس معنى التوكل التباعد عن الأسباب بالكلية وإلا لوجب أن يصبر حتى يسخر الله له ملكا أو شخصا آخر حتى يصب الماء في فيه
وأما زاد الآخرة فهو العلم الذي يحتاج إليه في طهارته وصومه وصلاته وعباداته وذلك أن السفر يفيد في الطهارة رخصتين مسح الخفين والتيمم وفي صلاة الفرض رخصتين القصر والجمع وفي النفل رخصتين أداءه على الراحلة وأداءه ماشيا وفي الصوم رخصة واحدة وهي الفطر
فأما المسح على الخفين فقال صفوان بن عسال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن فكل من لبس الخف على طهارة مبيحة للصلاة ثم أحدث فله أن يمسح على خفه من وقت حدثه ثلاثة أيام ولياليهن إن كان مسافرا أو يوما وليلة إن كان مقيما
وأما التيمم فالتراب بدل عن الماء عند العذر كبعده عن منزله بحيث لو مشى إليه لم يلحقه غوث القافلة إن صاح أو استغاث أو نزل على الماء عدو أو سبع أو
242
242
احتاج إليه لعطشه أو عطش أحد رفقائه فيتيمم في هذه الصور وإن بيع الماء بثمن المثل لزمه الشراء أو بعبن لم يلزمه
وأما القصر فله أن يقتصر في كل واحدة من الظهر والعصر والعشاء على ركعتين ولا يصير مسافرا إلا بمفارقة عمران البلد
وأما الجمع بين الظهر والعصر في وقتيهما وبين المغرب والعشاء في وقتيهما فذلك أيضا في كل سفر طويل مباح وفي جوازه في السفر القصير قول ثم إن قدم العصر إلى الظهر فلينو الجمع بين الظهر والعصر في وقتيهما قبل الفراغ من الظهر وليؤذن للظهر وليقم وعند الفراغ يقيم للعصر وإن أخر الظهر إلى العصر فيجري على هذا الترتيب
وأما النافلة فقد جوز أداؤها على الراحلة كي لا يتعوق عن الرفقة بسببها وكان صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته أينما توجهت به دابته وأوتر عليه السلام على الراحلة وليس على المتنفل الراكب في الركوع والسجود إلا الإيماء ويجعل سجوده أخفض من ركوعه
وأما استقبال القبلة فلا يجب لا في ابتداء الصلاة ولا في دوامها ولكن صوب الطريق بدل عن القبلة فليكن في جميع صلاته إما مستقبلا للقبلة أو متوجها في صوب الطريق لتكون له جهة يثبت فيها وجوز للمسافر أيضا التنفل له ماشيا فيومئ بالركوع والسجود ولا يقعد للتشهد وحكمه حكم الراكب لكن ينبغي أن يتحرم بالصلاة مستقبلا للقبلة وكل هارب من عدو أو سيل أو سبع فله أن يصلي الفريضة راكبا أو ماشيا كما ذكرناه في التنفل
وأما الفطر في رمضان للمسافر فهو مرخص له والصوم أفضل له إلا أن كان يضره فالإفطار له أفضل
243
243
كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
اعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين والمهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين لو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لفشت الضلالة وشاعت الجهالة وخربت البلاد وهلك العباد فنعوذ بالله أن يندرس من هذا القطب عمله وعلمه وأن ينمحي بالكلية حقيقته ورسمه وأن تستولي على القلوب مداهنة الخلق وتنمحي عنها مراقبة الخالق وأن يسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات إسترسال البهائم وأن يعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم فلا معاذ إلا به ولا ملجأ إلا إليه
ينحصر هذا الكتاب في مقاصد
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضيلته والمذمة في إهماله
دل على ذلك من الآيات قوله تعالى ! < ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون > ! ففي الآية بيان الإيجاب فإن قوله تعالى ! < ولتكن > ! أمر وظاهر الأمر الإيجاب وفيها بيان أن الفلاح منوط به إذ حصر بقوله ! < وأولئك هم المفلحون > ! وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين وأنه إذا قام به أمة سقط الفرض عن الآخرين وقال تعالى ! < والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة > ! فقد
244
244
نعت المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف فالذي هجر الأمر بالمعروف خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية وقال تعالى ! < لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون > ! وهذا غاية التشديد إذ علل استحقاقهم للعنة بتركهم النهي عن المنكر وقال عز وجل ! < كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر > ! وهذا يدل على فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ بين أنهم كانوا خير أمة وقال تعالى ! < فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون > ! فبين أنهم استفادوا النجاة بالنهي عن السوء وقال تعالى ! < وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان > ! وهو أمر جزم ومعنى التعاون الحث عليه وتسهيل طرق الخير وسد سبل الشر والعدوان بحسب الإمكان وقال تعالى ! < لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون > ! فبين أنهم أثموا بترك النهي وقال تعالى ! < فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض > ! الآية فبين أنه أهلك جميعهم إلا قليلا منهم كانوا ينهون عن الفساد وقال تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين > ! وذلك هو الأمر بالمعروف للوالدين والأقربين وقال تعالى ! < لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما > !
ومن الأخبار ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا
245
245
يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده وقد روي في ذلك من الأحاديث ما لا يحصى وبهذه الأدلة يظهر كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبا وأن فرضه لا يسقط مع القدرة إلا بقيام قائم به
الشروط التي بها يتحقق التصدي للإنكار
الأول كونه منكرا وهو ما كان محذور الوقوع في الشرع ولفظ المنكر أعم من لفظ المعصية فإن من رأى صبيا أو مجنونا يشرب الخمر فعليه أن يريق الخمر وكذا أن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو بهيمة فعليه أن يمنعه منه وليس ذلك معصية في حق المجنون ولا يختص المنكر بالكبائر بل كشف العورة في الحمام والخلوة بالأجنبية وإتباع النظر للنسوة الأجنبيات كل ذلك من الصغائر ويجب النهي عنها
الثاني أن يكون المنكر ظاهرا بغير تجسس فكل من ستر معصية في داره وأغلق بابه لا يجوز الدخول عليه بغير إذنه لتعرف المعصية ولا أن يتجسس عليه وقد نهى الله تعالى عنه في قوله ! < ولا تجسسوا > ! وكذا لو رئي فاسق وتحت ذيله شيء لم يجز أن يكشف عنه
الثالث أن يكون كونه منكرا معلوما بغير اجتهاد فكل ما هو في محل الاجتهاد فلا نكران فيه فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي ما هو من مجاري الاجتهاد يعني المسائل المختلف فيها بين الأئمة إذ لا يعلم خطأ المخالف قطعا بل ظنا فلا بد أن يكون المنكر متفقا عليه وكذا إنما ينكر على الفرق المبتدعة في خطئهم المعلوم على القطع بخلاف الخطأ في مظان الاجتهاد
درجات القيام بالإنكار
الأولى التعريف أي تعريف المزجور أن ما يفعله منكر فإنه قد يقدم عليه بجهله فلعله إذا عرف أنه منكر تركه فيجب تعريفه باللطف من غير عنف فإن في
246
246
التعريف كشفا للعورة وإيذاء للقلب فلا بد وأن يعالج دفع أذاه بلطف الرفق فتقول له إن الإنسان لا يولد عالما ولقد كنا جاهلين فعلمنا العلماء فالصواب هو كذا وكذا فيتلطف به هكذا ليصل التعريف من غير إيذاء فإن إيذاء المسلم حرام محذور كما أن تقريره على المنكر محظور وليس من العقلاء من يغسل الدم بالدم أو بالبول ومن آذى بالإنكار فهذا مثاله
الدرجة الثانية النهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله تعالى وذلك فيمن يقدم على الأمر وهو عالم بكونه منكرا كالذي يواظب على الشرب أو على الظلم أو على اغتياب المسلمين أو ما يجري مجراه فينبغي أن يوعظ ويخوف بالله تعالى وتورد عليه الأخبار الواردة بالوعيد في ذلك وتحكى له سيرة السلف وعبادة المتقين وكل ذلك بشفقة ولطف من غير عنف وغضب بل ينظر إليه نظر المترحم عليه
الدرجة الثالثة التعنيف بالقول الغليظ وذلك عند العجز عن المنع باللطف وظهور مبادئ الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح وذلك مثل قول إبراهيم عليه السلام ! < أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون > ! ولا يفحش في سبه ولهذه الرتبة أدبان
أحدهما أن لا يقدم عليها إلا عند الضرورة والعجز عن اللطف
والثاني أن لا ينطق إلا بالصدق ولا يسترسل فيه فيطيل لسانه بما لا يحتاج إليه بل يقتصر على قدر الحاجة
الدرجة الرابعة التغيير باليد وذلك كإراقة الخمر وإتلاف المنكر المتمول أو دفعه عن محرم وليس إلى آحاد الرعية إلا الدفع وأما الإراقة والإتلاف فإلى الولاة ومأذونيهم كالضرب والحبس
آداب القائم بالأمر والنهي
جملتها ثلاث صفات العلم والورع وحسن الخلق
أما العلم فليعلم مواقع الأمر والنهي ليقتصر على حد الشرع فيه
وأما الورع فليردعه عن مخالفة معلومة ولا يحمله على مجاوزة الحد المأذون شرعا غرض من الأغراض وليكون كلامه مقبولا فإن الفاسق يهزأ به إذا أمر أو نهى ويورث ذلك جراءة عليه
247
247
وأما حسن الخلق فليتمكن به من اللطف والرفق وهو أصل الباب وأساسه والعلم والورع لا يكفيان فيه فإن الغضب إذا هاج لم يكف مجرد العلم والورع في قمعة ما لم يكن في الطبع قبول له بحسن الخلق وبوجود هذه الصفات الثلاث يصير الإرشاد من القربات وبه تندفع المنكرات وإن فقدت لم يندفع المنكر وقد حكي أن المأمون وعظه واعظ وعنف له في القول فقال يا رجل ارفق فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق فقال تعالى ! < فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى > ! فليكن اقتداء المرشد في الرفق بالأنبياء صلوات الله عليهم المنكرات المألوفة في العادات
منكرات المساجد
اعلم أن المنكرات تنقسم إلى مكروهة ومحظورة فإذا قلنا هذا منكر مكروه فاعلم أن المنع منه مستحب والسكوت عليه مكروه وليس بحرام وإذا قلنا منكر محظور أو قلنا منكر مطلقا فنريد به المحظور ويكون السكوت عليه مع القدرة محظورا فمما يشاهد كثيرا في المساجد إساءة الصلاة بترك الطمأنينة في الركوع والسجود وهو منكر مبطل للصلاة بنص الحديث فيجب النهي عنه ومن رأى مسيئا في صلاته فسكت عليه فهو شريكه ومنها قراءة القرآن ملحونة فيجب النهي عن ذلك وتلقين الصحيح والذي يكثر اللحن في القرآن إن كان قادرا على التعلم فليمنع عن القراءة قبل التعلم فانه عاص به ومنها تراسل المؤذنين في الأذان وتطويلهم بمد كلماته فذلك منكر مكروه ومنها كلام القصاص والوعاظ الذين يمزجون بكلامهم الكذب والأضاليل والخرافات فيجب الإنكار عليهم ومنها التحلق يوم الجمعة لبيع الأدويه والأطعمة والتعويذات وكقيام السؤال وقراءتهم القرآن وإنشادهم الأشعار وما يجري مجراه فكل ذلك منكر يمنعون منه ومنها بيع الأطعمة والأدوية والكتب وكذا الخياطة فيطلب المنع منه لأن المساجد لم تبن لهذا ومنها دخول المجانين المعروفين الآن بالمجاذيب والصبيان والسكارى فإنهم يجنبون المساجد وقد أوسعنا الكلام
248
248
على منكرات المساجد وبدعها وعوائدها في كتاب أفردناه لذلك فليرجع إليه من أراده
منكرات الأسواق
من المنكرات المعتادة في الأسواق الكذب في المرابحة وإخفاء العيب فمن قال اشتريت هذه السلعة مثلا بعشرة وأربح فيها كذا وكان كاذبا فهو فاسق وعلى من عرف ذلك أن يخبر المشتري بكذبه فإن سكت مراعاة لقلب البائع كان شريكا له في الخيانة وعصى بسكوته وكذا إذا علم به عيبا فيلزمه أن ينبه المشتري عليه وإلا كان راضيا بضياع مال أخيه المسلم وهو حرام وكذا التفاوت في الذراع والمكيال والميزان يجب على كل من عرفه تغييره بنفسه أو رفعه إلى الوالي حتى يغيره ومنها بيع الملاهي وتلبيس انخراق الثياب بالرفو وكل ما يؤدي إلى التلبيسات وذلك يطول إحصاؤه فليقس بما ذكرناه ما لم نذكره
منكرات الشوارع
من المنكرات المعتادة فيها وضع الخشب وأحمال الحبوب والأطعمة على الطرق وإخراج الأجنحة فكل ذلك منكر إن كان يؤدي إلى تضييق الطرق واستضرار المارة وإن لم يؤد إلى ضرر أصلا لسعة الطريق فلا يمنع منه نعم يجوز وضع الحطب وأحمال الأطعمة في الطريق في القدر الذي ينقل إلى البيوت فإن ذلك يشترك في الحاجة إليه الكافة ولا يمكن المنع منه وكذلك ربط الدواب على الطريق بحيث يضيق الطريق وينجس المجتازين منكر يجب المنع منه إلا بقدر حاجة النزول والركوب وهذا لأن الشوارع مشتركة المنفعة وليس لأحد أن يختص بها إلا بقدر الحاجة والمرعي هو الحاجة التي تراد الشوارع لأجلها في العادة دون سائر الحاجات ومنها سوق الدواب وعليها الشوك بحيث يمزق ثياب الناس فذلك منكر إن أمكن شدها وضمها بحيث لا تمزق أو أمكن العدول بها إلى موضع واسع وإلا فلا منع إذ حاجة أهل البلد تمس إلى ذلك نعم لا تترك ملقاة على الشوارع إلا بقدر مدة النقل وكذلك تحميل الدواب من الأحمال ما لا تطيقه منكر بحيث منع الملاك منه وكذلك طرح القمامة على جوانب الطرق وتبديد قشور البطيخ أو رش الماء بحيث يخشى منه التزلق والتعثر كل ذلك من المنكرات وكذلك إرسال الماء من الميازيب المتخرجة
249
249
من الحائط في الطريق الضيقة فإن ذلك ينجس الثياب أو يضيق الطريق وكذلك الثلج الذي يطرحه شخص في الطريق والماء الذي يجتمع فيه من ميزاب معين فعلى الأول والثاني كسح الطريق منهما وأما مياه المطر فتلك على محتسبي البلدة كسحها من الطريق وكذلك إذا كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس فيجب منعه منه
منكرات الحمامات
منها كشف العورات والنظر إليها ومن جملتها كشف الدلاك عن الفخذ وما تحت السرة لتنحية الوسخ بل من جملتها إدخال اليد تحت الإزار فإن مس عورة الغير حرام كالنظر إليها ومنها الانبطاح على الوجه بين يدي الدلاك لتغميز الأفخاذ والأعجاز فهذا مكروه إن كان مع حائل ولا يحرم إلا إذا خشي حركة الشهوة ومنها أن يكون في مداخل بيوت الحمام ومجاري مياهها حجارة ملساء مزلقة يزلق عليها الغافلون فهذا منكر ويجب قلعه وإزالته وينكر على الحمامي إهماله فإنه يفضي إلى السقطة وقد تؤدي السقطة إلى انكسار عضو أو انخلاعه وكذلك ترك الصابون على أرض الحمام منكر وفي الحمام أمور أخر مكروهة تقدمت في كتاب الطهارة
منكرات الضيافة
منها فرش الحرير للرجال وتبخير البخور في مجمرة ذهب أو فضة والشرب في أواني الفضة ومنها سماع القينات أي النساء المغنيات ومنها أن يكون الطعام حراما أو الموضع مغصوبا ومنها أن يكون فيها من يتعاطى شرب الخمر فلا يجوز الحضور وإن كان فيها مضحك بالحكايات وأنواع النوادر فإن كان يضحك بالفحش والكذب لم يجز الحضور وعند الحضور يجب الإنكار عليه وإن كان ذلك بمزح لا كذب فيه ولا فحش فهو مباح أعني ما يقل منه فأما إتخاذه صنعة وعادة فليس بمباح ومنها الإسراف في الطعام والبناء فهو منكر بل في المال منكران أحدهما الإضاعة والآخر الإسراف فالإضاعة تفويت مال بلا فائدة يعتد بها كإحراق الثوب وتمزيقه وفي معناه صرف المال إلى النائحة والمنكرات وقد يطلق على الصرف إلى المباحات في جنسها ولكن مع المبالغة والمبالغة تختلف بالإضافة إلى الأحوال قال تعالى ! < ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا > ! وقال تعالى ! < ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا > !
250
وقال تعالى ! < والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما > ! فمن لم يملك إلا مائة دينار مثلا ومعه عياله وأولاده ولا معيشة لهم سواه فأنفق الجميع في وليمة فهو مسرف يجب منعه منه وكذا لو صرف جميع ماله إلى نقوش حيطانه وتزيين بنيانه فهو أيضا إسراف محرم وأما فعل ذلك ممن له مال كثير فليس بحرام لأن التزيين من الأغراض الصحيحة وكذلك القول في التجمل بالثياب والأطعمة فذلك مباح في جنسه ويصير إسرافا باعتبار حال الرجل وثروته
المنكرات العامة
اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خاليا في هذا الزمان عن منكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف فأكثر الناس جاهلون بالشرع في البلاد فكيف في القرى والبوادي فواجب أن يكون في كل مسجد ومحلة من البلد فقيه يعلم الناس دينهم وكذا في كل قرية وواجب على كل فقيه فرغ من فرض عينه وتفرغ لفرض الكفاية أن يخرج إلى من يجاور بلده من أهل السواد والعرب ويعلمهم دينهم وفرائض شرعهم فإن قام بهذا الأمر واحد سقط الحرج عن الباقين وبالجملة فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه فيصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات ثم يعلم ذلك أهل بيته ثم يتعدى بعد الفراغ منهم إلى جيرانه ثم إلى أهل محلته ثم إلى أهل بلده ثم إلى أهل السواد المكتنف ببلده ثم إلى أهل البوادي وهكذا إلى أقصى العالم فإن قام به الأدنى سقط عن الأبعد وإلا حرج به كل قادر عليه قريبا كان أو بعيدا
251
251
كتاب الآداب النبوية والأخلاق المحمدية
بيان تأديب الله تعالى صفية محمدا صلوات الله عليه بالقرآن
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير الضراعة والابتهال دائم السؤال من الله تعالى أن يزينه بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق فكان يقول في دعائه اللهم حسن خلقي وخلقي ويقول اللهم جنبني منكرات الأخلاق فاستجاب الله تعالى دعاءه وفاء بقوله عز وجل ! < ادعوني أستجب لكم > ! فأنزل عليه القرآن وأدبه فكان خلقه القرآن وإنما أدبه القرآن بمثل قوله تعالى ! < خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين > ! وقوله ! < إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي > ! وقوله ! < واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور > ! وقوله ! < فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين > ! وقوله ! < ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم > !
252
وقوله ! < والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس > ! وقوله ! < اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا > ! وأمثال هذه التأديبات في القرآن لا تحصر وهو عليه الصلاة والسلام المقصود الأول بالتأديب والتهذيب ثم منه يشرق النور على كافة الخلق فإنه أدب بالقرآن وأدب الخلق به ولذلك قال صلى الله عليه وسلم بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ثم رغب الخلق في محاسن الأخلاق ثم لما أكمل الله تعالى خلقه أثنى عليه فقال تعالى ! < وإنك لعلى خلق عظيم > ! ثم بين صلوات الله عليه للخلق أن الله يحب مكارم الأخلاق ويبغض سفسافها قال علي رضي الله عنه يا عجبا لرجل مسلم يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لقد كان ينبغي له أن يسارع إلى مكارم الأخلاق فإنها مما تدل على سبيل النجاة وفي الحديث إن الله حف الإسلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ومن ذلك حسن المعاشرة وكرم الصنيعة ولين الجانب وبذل المعروف وإطعام الطعام وإفشاء السلام وعيادة المريض المسلم وتشييع الجنازة وحسن الجوار لمن جاورت مسلما كان أو كافرا وتوقير ذي الشيبة المسلم وإجابة الطعام والدعاء عليه والعفو والإصلاح بين الناس والجود والكرم والسماحة وكظم الغيظ واجتناب المحارم والغيبة والكذب والبخل والشح والجفاء والمكر والخديعة والنميمة وسوء ذات البين وقطيعة الأرحام وسوء الخلق والتكبر والفخر والاختيال والاستطالة والبذخ والفحش والتفحش والحقد والحسد والطيرة والبغي والعدوان والظلم قال أنس رضي الله عنه فلم يدع نصيحة جميلة إلا وقد دعانا إليها وأمرنا بها ولم يدع غشا أو عيبا إلا حذرناه ونهانا عنه ويكفي من ذلك كله هذه الآية ! < إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن > !
253
253
الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) وقال معاذ أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا معاذ أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وترك الخيانة وحفظ الجار ورحمة اليتيم ولين الكلام وبذل السلام وحسن العمل وقصر الأمل ولزوم الإيمان والتفقه في القرآن وحب الآخرة والجزع من الحساب وخفض الجناح وأنهاك أن تسب حكيما أو تكذب صادقا أو تطيع آثما أو تعصي إماما عادلا أو تفسد أرضا وأوصيك باتقاء الله عند كل حجر وشجر ومدر وأن تحدث لكل ذنب توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية فهكذا أدب عباد الله ودعاهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب
بيان جمل من محاسن أخلاقه صلوات الله عليه
كان صلى الله عليه وسلم أحلم الناس وأشجع الناس وأعدل الناس وأعف الناس لم تمس يده قط يد امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها أو تكون ذات محرم منه وكان أسخى الناس لا يبيت عنده دينار ولا درهم وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه وفجأه الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط ويضع سائر ذلك في سبيل الله لا يسأل شيئا إلا أعطاه ثم يعود على قوت عامه فيؤثر منه حتى إنه ربما احتاج قبل انقضاء العام فاستقرض وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويخدم في مهنة أهله وكان أشد الناس حياء لا يثبت بصره في وجه أحد ويجيب دعوة الحر والعبد ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن ويكافئ عليها ويأكلها ولا يأكل الصدقة ولا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين يغضب لربه ولا يغضب لنفسه وقد وجد من أصحابه قتيلا بين اليهود فلم يجف عليهم ولا زاد على مر الحق بل وداه بمائة ناقة وإن بأصحابه لحاجة إلى بعير واحد يتقوون به وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع يأكل ما حضر ولا يرد ما وجد إن وجد تمرا
254
254
دون خبز أكله وإن وجد شواء أكله وإن وجد خبز بر أو شعير أكله وإن وجد حلواء أو عسلا أكله وإن وجد لبنا دون خبز اكتفى به وإن وجد بطيخا أو رطبا أكله لا يأكل متكئا ولا على خوان لم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام متوالية حتى لقي الله تعالى إيثارا على نفسه لا فقرا ولا بخلا وكان صلى الله عليه وسلم أشد الناس تواضعا وأسكتهم في غير كبر وأبلغهم في غير تطويل وأحسنهم بشرا لا يهوله شيء من أمور الدنيا خاتمه من فضة يلبسه في خنصره الأيمن والأيسر يركب الحمار ويردف خلفه عبده أو غيره يعود المرضى في أقصى المدينة يحب الطيب ويجالس الفقراء ويؤاكل المساكين ويكرم أهل الفضل ويتألف أهل الشرف بالبر لهم يصل رحمه ولا يجفو على أحد يقبل معذرة المعتذر إليه يمزح ولا يقول إلا حقا ضحكه التبسم من غير قهقهة يرى اللعب المباح فلا ينكره يسابق أهله وترفع الأصوات عليه من الجفاة فيصبر لم يرتفع على عبيده في مأكل ولا ملبس لا يمضي له وقت في غير عمل لله تعالى أو فيما لا بد له منه من صلاح نفسه يخرج إلى بساتين أصحابه لا يحتقر مسكينا لفقره ولا يهاب ملكا لملكه يدعو هذا وهذا إلى الله دعاء مستويا قد جمع الله تعالى له السيرة الفاضلة والسياسة التامة وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب نشأ في بلاد الجهل والصحاري في فقر وفي رعاية الغنم يتيما لا أب له ولا أم فعلمه الله تعالى جميع محاسن الأخلاق والطرق الحميدة وأخبار الأولين والآخرين وما فيه النجاة والفوز في الآخرة والغبطة والخلاص في الدنيا وفقنا الله لطاعته في أمره والتأسي به في فعله آمين يا رب العالمين
بيان جملة أخرى من آدابه وأخلاقه
مما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ما ضرب بيده أحدا قط إلا أن يضرب بها في سبيل الله تعالى وما انتقم من شيء صنع إليه قط إلا أن تنتهك حرمة الله وما خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه إثم أو قطيعة رحم فيكون أبعد الناس من ذلك وما كان يأتيه أحد حر أو عبد أو أمة إلا قام معه في حاجته وقال أنس رضي الله عنه والذي بعثه بالحق ما قال لي في شيء قط كرهه لم فعلته ولا لامني نساؤه إلا قال
255
255
دعوه إنما كان هذا بكتاب وقدر وكان من خلقه أن يبدأ من لقيه بالسلام ومن قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف وكان إذا لقي أحدا من أصحابه بدأه بالمصافحة وكان لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر الله وكان لا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته وأقبل عليه فقال ألك حاجة ولم يكن يعرف مجلسه من مجلس أصحابه لأنه كان حيث انتهى به المجلس جلس وكان يكرم من دخل عليه حتى ربما بسط له ثوبه يجلسه عليه وكان يوثر الداخل عليه بالوسادة التي تحته وكان يعطي كل من جلس إليه نصيبه من وجهه حتى كأن مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف مجلسه وتوجهه للجالس إليه ومجلسه مع ذلك حياء وتواضع وأمانة قال تعالى ! < فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك > ! ولقد كان يدعو أصحابه بكناهم إكراما لهم واستمالة لقلوبهم ويكني من لم تكن له كنية فكان يدعى بما كناه بها ويكني أيضا النساء اللاتي لهن الأولاد واللاتي لم يلدن ويكني أيضا الصبيان فيستلين به قلوبهم وكان أبعد الناس غضبا وأسرعهم رضاء وكان أرأف الناس بالناس وخير الناس للناس وأنفع الناس للناس ولم تكن ترفع في مجلسه الأصوات وكان إذا قام من مجلسه قال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
بيان كلامه وضحكه صلوات الله عليه
كان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس منطقا وأحلاهم كلاما ويقول أنا أفصح العرب وكان يتكلم بجوامع الكلم لا فضول ولا تقصير يحفظه سامعه ويعيه وكان جهير الصوت أحسن الناس نغمة لا يتكلم في غير حاجة ولا يقول في الرضاء والغضب إلا الحق ويعرض عمن تكلم بغير جميل ويكني عما اضطره الكلام إليه مما يكره وكان إذا سكت تكلم جلساؤه ولا يتنازع عنده في الحديث ويعظ بالجد والنصيحة وكان أكثر الناس تبسما وصحكا في وجوه أصحابه وتعجبا مما تحدثوا به
256
256
وخلطا لنفسه بهم ولربما ضحك حتى تبدو نواجذه وكان ضحك أصحابه عنده التبسم اقتداء به وتوقيرا له وكان إذا نزل به الأمر فوض الأمر إلى الله وتبرأ من الحول والقوة واستنزل الهدى فيقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم
أخلاقه صلوات الله عليه في الطعام والشراب
كان صلى الله عليه وسلم يأكل ما وجد وإذا وضعت المائدة قال بسم الله اللهم اجعلها نعمة مشكورة تصل بها نعمة الجنة وكان لا يأكل الحار ويقول إن الله لم يطعمنا نارا فابردوه وكان يأكل مما يليه ويأكل خبز الشعير والقثاء بالرطب وكان أكثر طعامه الماء والتمر وأحب الطعام إليه اللحم وكان يأكل الثريد باللحم ويحب القرع وكان يحب من الشاة الذراع والكتف ولا يحب منها الكليتين ولا الذكر والأنثيين ولا المثانة والغدد والحياء ويكره ذلك وكان لا يأكل الثوم ولا البصل وما ذم طعاما قط إن أعجبه أكله وإن كرهه تركه وكان يعاف الضب والطحال ولا يحرمهما وكان إذا فرغ قال الحمد لله اللهم لك الحمد أطعمت فأشبعت وسقيت فأرويت لك الحمد غير مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه وكان إذا أكل اللحم
257
257
غسل يديه غسلا جيدا وكان يشرب في ثلاث دفعات ويمص الماء مصا ولا يعبه عبا ولا يتنفس في الإناء بل ينحرف عنه وكان ربما قام في بيته فأخذ ما يأكل بنفسه أو يشرب
أخلاقه صلوات الله عليه في اللباس
كان صلى الله عليه وسلم يلبس من الثياب ما وجد وأكثر لباسه البياض وكانت ثيابه كلها مشمرة فوق الكعبين وكان قميصه مشدود الأزرار وربما حل الأزرار وكان له ثوبان لجمعته خاصة سوى ثيابه في غير الجمعة وكان ربما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره فأم به الناس وكان له كساء أسود يلبسه ثم وهبه وكان يتختم وربما خرج وفي خاتمة خيط مربوط يتذكر به الشيء وكان يختم به على الكتب وكان يلبس القلانس تحت العمائم وبغير عمامة وربما نزع قلنسوته من رأسه فجعلها سترة بين يديه ثم يصلي إليها وكان إذا لبس ثوبا لبسه من قبل ميامنه ويقول الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في الناس وإذا نزع ثوبه أخرجه من مياسره وكان إذا لبس جديدا أعطى خلق ثيابه مسكينا ثم يقول ما من مسلم يكسو مسلما لله إلا كان في ضمان الله وحرزه حيا وميتا وكان له فراش من أدم حشوه ليف وكانت له عباءة تفرش له حيثما تنقل تثنى طاقتين تحته وكان من خلقه تسمية دوابه وسلاحه ومتاعه
عفوه صلى الله عليه وسلم مع القدرة
كان صلى الله عليه وسلم أحلم الناس وأرغبهم في العفو مع القدرة فقد كان في حرب فرأى رجل من المشركين في المسلمين غرة فجاء حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف فقال من يمنعك مني فقال الله قال فسقط السيف من يده فأخذ رسول الله السيف وقال من يمنعك مني فقال كن خير آخذ قال قل أشهد أن لا إله إلا
258
258
الله وأني رسول الله فقال لا غير أني لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله فجاء أصحابه فقال جئتكم من عند خير الناس وكم استؤذن صلى الله عليه وسلم في قتل من أساء إليه وقيل دعنا يا رسول الله نضرب عنقه وهو يأبى وينهي ثم يقبل معذرة المعتذر إليه وربما قال رحم الله أخي موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر وكان صلى الله عليه وسلم يقول لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر
إغضاؤه صلوات الله عليه عما كان يكرهه
كان صلى الله عليه وسلم رقيق البشرة لطيف الظاهر والباطن يعرف في وجهه غضبه ورضاه وكان لا يشافه أحدا بما يكرهه بال أعرابي في المسجد بحضرته فهم به الصحابة فقال صلى الله عليه وسلم لا تزرموه أي لا تقطعوا عليه البول ثم قال له إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا
سخاؤه وجوده صلوات الله عليه
كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأسخاهم وكان في شهر رمضان كالريح المرسلة لا يمسك شيئا وكان علي رضي الله عنه إذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم قال كان أجود الناس كفا وأوسع الناس صدرا وأصدق الناس لهجة وأوفاهم ذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله وما سئل عن شيء قط إلا أعطاه وإن رجلا أتاه فسأله فأعطاه غنما سدت ما
259
259
بين جبلين فرجع إلى قومه وقال أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة وما سئل شيئا قط فقال لا وحمل إليه تسعون ألف درهم فوضعها على حصير ثم مال إليها فقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منها وجاءه رجل فسأله فقال ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا جاءنا شيء قضيناه فقال عمر يا رسول الله ما كلفك الله ما لا تقدر عليه فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال الرجل
أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا
فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وعرف السرور في وجهه ولما قفل من حنين جاءت الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى شجرة فخطفت رداءه فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أعطوني ردائي لو كان لي عدد هذه العضاة نعما لقسمتها بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا
شجاعته صلى الله عليه وسلم
كان صلوات الله عليه أكرم الناس وأشجعهم قال علي رضي الله عنه لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسا وقال أيضا كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ولما غشيه المشركون نزل عن بغلته فجعل يقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب فما رئي يومئذ أحد أشد منه
260
260
تواضعه صلوات الله عليه
كان صلى الله عليه وسلم أشد الناس تواضعا في علو منصبه وكان يركب الحمار موكفا عليه قطيفة وكان مع ذلك يستردف وكان يعود المريض ويتبع الجنازة ويجيب دعوة المملوك ويخصف النعل ويرقع الثوب وكان يصنع في بيته مع أهله في حاجتهم وكان أصحابه لا يقومون له لما عرفوا من كراهته لذلك وكان يمر على الصبيان فيسلم عليهم وكان يجلس بين أصحابه مختلطا بهم كأنه أحدهم فيأتي الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل عنه وكان إذا جلس مع الناس إن تكلموا في معنى الآخرة أخذ معهم وإن تحدثوا في طعام أو شراب تحدث معهم رفقا بهم وتواضعا لهم وكانوا يتناشدون الشعر بين يديه أحيانا ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية ويضحكون فيتبسم هو إذا ضحكوا ولا يزجرهم إلا عن حرام
خلقته الكريمة صلوات الله عليه
وكان صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير وكان أزهر اللون ولم يكن بالآدم ولا الشديد البياض وكان شعره ليس بالسبط ولا الجعد وشعر رأسه يضرب إلى شحمة أذنيه لم يبلغ شيبه عشرين شعرة بيضاء في رأسه ولا في لحيته وكان واسع الجبهة أزج الحاجبين سابغهما أهدب الأشفار مفلج الأسنان كث اللحية وكان يعفي لحيته ويأخذ من شاربه وكان عظيم المنكبين بين كتفيه خاتم النبوة وكان يمشي الهوينا كأنما يتقلع من صخر
شذرة من معجزاته صلوات الله عليه
اعلم أن من شاهد أحواله صلى الله عليه وسلم وأصغى إلى سماع أخباره المشتملة على أخلاقه وأفعاله وأحواله وعاداته وسجاياه وسياسته لأصناف الخلق وهدايته إلى ضبطهم وتألفه أصناف الخلق وقوده إياهم إلى طاعته مع ما يروى من عجائب أجوبته في مضايق
261
261
الأسئلة وبدائع تدبيراته في مصالح الخلق ومحاسن إشاراته في تفصيل ظاهر الشرع الذي يعجز العقلاء عن إدراك أوائل دقائقها في طول أعمارهم لم يبق له ريب ولا شك في أن ذلك استمداد من تأييد سماوي وقوة إلهية وأن ذلك كله لا يتصور لمفتر ولا ملبس بل كانت شمائله وأحواله شواهد قاطعة بصدقه حتى إن العربي القح كان يراه فيقول والله ما هذا وجه كذاب فكان يشهد له بالصدق بمجرد شمائله فكيف من شاهد أخلاقه ومارس أحواله في جميع مصادره وموارده وإنما أوردنا بعض أخلاقه لتعرف محاسن الأخلاق وليتنبه لصدقه صلى الله عليه وسلم وعلو منصبه ومكانته العظيمة عند الله إذ آتاه الله جميع ذلك وهو أمي لم يمارس العلم ولم يطالع الكتب ولم يسافر قط في طلب علم بل نشأ بين أظهر الجهال من الأعراب يتيما ضعيفا مستضغفا فمن أين حصل له محاسن الأخلاق والآداب ومعرفة مصالح الفقه مثلا دون غيره من العلوم فضلا عن معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه وغير ذلك من خواص النبوة لولا صريح الوحي ومن أين لقوة البشر الاستقلال بذلك فلو لم يكن له إلا هذه الأمور الظاهرة لكفى وقد ظهر من آياته ومعجزاته ما لا يستريب فيه محصل فلنذكر من جملتها ما استفاضت به الأخبار من غير تطويل فنقول استفاض أنه صلى الله عليه وسلم أطعم النفر الكثير من الطعام القليل في منزل جابر ومنزل أبي طلحة ويوم الخندق ومرة أطعم أكثر من ثمانين رجلا من أقراص شعير حملها أنس في يده فأكلوا كلهم حتى شبعوا من ذلك وفضل لهم ونبع الماء من بين أصابعه صلوات الله عليه فشرب أهل العسكر كلهم وهم عطاش وتوضؤوا من قدح صغير ضاق عن أن يبسط عليه السلام يده فيه وأراق وضوءه في عين تبوك ولا ماء فيها ومرة أخرى في بئر الحديبية فجاشتا بالماء فشرب من عين تبوك أهل الجيش وهم ألوف حتى رووا وشرب من بئر الحديبية ألف وخمسمائة ولم يكن فيها قبل ذلك ماء ورمى صلوات الله عليه جيش العدو بقبضة من تراب فعميت عيونهم ونزل بذلك القرآن في قوله تعالى ! < وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى > ! وحن الجزع الذي كان يخطب عليه إليه لما عمل له المنبر حتى سمع منه جميع أصحابه مثل صوت الإبل فضمه إليه فسكن ودعا اليهود إلى تمني الموت وأخبرهم بأنهم لا يتمنونه فحيل بينهم وبين تمنيه كما أخبر وأخبر عليه السلام بالغيوب فأنذر عثمان بأن بلوى تصيبه بعدها الجنة وبأن
262
262
عمارا تقتله الفئة الباغية وأن الحسن يصلح الله به بين فئتين من المسلمين عظيمتين وأخبر عليه السلام عن رجل قاتل في سبيل الله أنه من أهل النار فظهر ذلك بأن ذلك الرجل قتل نفسه وهذه كلها أشياء إلهية لا تعرف البتة بشيء من وجوه تقدمت المعرفة بها لا بنجوم ولا بكشف ولا بخط ولا بزجر لكن بإعلام الله تعالى له ووحيه إليه واتبعه سراقة بن مالك فساخت قدما فرسه في الأرض حتى استغاثه فدعا له فانطلق الفرس وأنذره بأن سيوضع في ذراعيه سوار كسرى فكان كذلك وأخبر بمقتل الأسود العنسي الكذاب ليلة قتله وهو بصنعاء اليمن وأخبر بمن قتله وأخبر عليه السلام أنه يقتل أبي بن خلف الجمحي فخدشه يوم أحد خدشا لطيفا فكانت منيته فيه وأطعم عليه الصلاة والسلام السم فمات الذي أكله معه وعاش هو صلى الله عليه وسلم بعده أربع سنين وكلمه الذراع المسموم وأخبر عليه السلام بمصارع صناديد قريش ووقفهم على مصارعهم رجلا رجلا فلم يتعد واحد منهم ذلك الموضع وأنذر عليه السلام بأن طوائف من أمته يغزون في البحر فكان كذلك وزويت له الأرض فأري مشارقها ومغاربها وأخبر بأن ملك أمته سيبلغ ما زوي له منها فكان كذلك فقد بلغ ملكهم من أول المشرق من بلاد الترك إلى آخر
263
263
المغرب من بحر الأندلس وبلاد البربر وأخبر فاطمة ابنته رضي الله عنها بأنها أول أهله لحوقا به فكان كذلك وأخبر نساءه أطولهن يدا أسرعهن لحوقا به فكانت زينب أطولهن يدا بالصدقة وأولهن لحوقا به رضي الله عنها ومسح ضرع شاة لا لبن لها فدرت وكان ذلك سبب إسلام ابن مسعود رضي الله عنه وفعل ذلك مرة أخرى في خيمة أم معبد الخزاعية وندرت عين بعض أصحابه فردها عليه السلام بيده فكانت أصح عينيه وأحسنهما وتفل في عين علي رضي الله عنه وهو أرمد يوم خيبر فصح من وقته وبعثه بالراية إلى غير ذلك من آياته ومعجزاته صلى الله عليه وسلم ومن يستريب في انخراق العادة على يده ويزعم أن آحاد هذه الوقائع لم ينقل تواترا بل المتواتر هو القرآن فقط كمن يستريب في شجاعة علي رضي الله عنه وسخاوة حاتم الطائي ومعلوم أن آحاد وقائعهم غير متواترة ولكن مجموع الوقائع يورث علما ضروريا ثم لا يتمارى في تواتر القرآن وهو المعجزة الكبرى الباقية بين الخلق وليس لنبي معجزة باقية سواه صلى الله عليه وسلم إذ تحدى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغاء الخلق وفصحاء العرب وجزيرة العرب حينئذ مملوءة بآلاف منهم والفصاحة صنعتهم وبها منافستهم ومباهاتهم وكان ينادي بين أظهرهم أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة من مثله إن شكوا فيه وقال لهم ! < قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل > !
264
264
هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) قال ذلك تعجيزا لهم فعجزوا عن ذلك حتى عرضوا أنفسهم للقتل ونساءهم وذراريهم للسبي وما استطاعوا أن يعارضوا ولا أن يقدحوا في جزالته وحسنه ثم انتشر ذلك بعده في أقطار العالم شرقا وغربا قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر إلى زماننا هذا فلم يقدر أحد على معارضته فأعظم بغباوة من ينظر في أحواله ثم في أقواله ثم في أفعاله ثم في أخلاقه ثم في معجزاته ثم في استمرار شرعه إلى الآن ثم في انتشاره في أقطار العالم ثم في إذعان ملوك الأرض له في عصره وبعد عصره مع ضعفه ويتمه ثم يتمارى بعد ذلك في صدقه فما أعظم توفيق من آمن به وصدقه واتبعه في كل ورد وصدر فنسأل الله تعالى أن يوفقنا للاقتداء به في الأخلاق والأفعال والأحوال والأقوال بمنه وسعة جوده آمين
265
2
265
كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق ومعالجة أمراض القلب
الحمد لله الذي صرف الأمور بتدبيره وزين صورة الإنسان بحسن تقويمه وتقديره وفوض تحسين الأخلاق إلى اجتهاد العبد وتشميره واستحثه على تهذيبها بتخويفه وتحذيره وسهل على خواص عباده تهذيب الأخلاق بتوفيقه وتيسيره والصلاة والسلام على محمد عبد الله ونبيه وبشيره ونذيره الذي كان تلوح أنوار النبوة من بين أساريره ويستنشق حقيقة الحق من مخايله وتباشيره وعلى آله وأصحابه الذين حسموا مادة الباطل فلم يتدنسوا بقليله ولا بكثيره
أما بعد فالخلق الحسن صفة سيد المرسلين وأفضل أعمال الصديقين وهو على التحقيق شطر الدين وثمرة مجاهدة المتقين ورياضة المتعبدين والأخلاق السيئة هي السموم القاتلة والمخازي الفاضحة والرذائل الواضحة والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة كما أن الأخلاق الجميلة هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان وجوار الرحمن والأخلاق الخبيثة أمراض القلوب وأسقام النفوس إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد وأين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد ومهما اشتدت عناية الأطباء بضبط قوانين العلاج للأبدان وليس في مرضها إلا فوت الحياة الفانية فالعناية بضبط قوانين العلاج
266
266
لأمراض القلوب في مرضها وفوت حياة باقية أولى وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كل ذي لب إذ لا يخلو قلب من القلوب عن أسقام لو أهملت تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت فيحتاج العبد إلى تأنق في معرفة عللها وأسبابها ثم إلى تشمير في علاجها وإصلاحها فمعالجتها هو المراد بقوله تعالى ! < قد أفلح من زكاها > ! وإهمالها هو المراد بقوله ! < وقد خاب من دساها > ! ونحن نشير في هذا الكتاب إلى جمل من أمراض القلوب وكيفية القول في معالجتها بعونه تعالى
بيان فضيلة حسن الخلق ومذمة سوء الخلق
قال الله تعالى لنبيه مثنيا عليه ومظهرا نعمته لديه ! < وإنك لعلى خلق عظيم > ! وقالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن وقال صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق وعنه صلى الله عليه وسلم الدين حسن الخلق وهو أن لا تغضب وقيل يا رسول الله ما الشؤم قال سوء الخلق وقال صلى الله عليه وسلم اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن وقيل له يا رسول الله إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وهي سيئة
267
267
الخلق تؤذي جيرانها بلسانها قال لا خير فيها هي من أهل النار وقال صلى الله عليه وسلم إن الله استخلص هذا الدين لنفسه ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم بهما وقيل يا رسول الله أي المؤمنين أفضلهم إيمانا قال أحسنهم خلقا وقال صلى الله عليه وسلم إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق وقال صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر لا عقل كالتدبير ولا حسب كحسن الخلق وعن الحسن من ساء خلقه عذب نفسه وقال وهب مثل السيئ الخلق كمثل الفخارة المكسورة لا ترقع ولا تعاد طينا وقال الفضيل لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب من أن يصحبني عابد سيئ الخلق
ما قاله السلف في حسن الخلق وشرح ماهيته
اعلم أنه روي عنهم في ذلك ما هو كالثمرة والغاية من ذلك ما قاله الحسن رحمه الله حسن الخلق بسط الوجه وبذل الندى وكف الأذى وقال الواسطي هو أن لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله تعالى وقال
268
268
أيضا هو إرضاء الخلق في السراء والضراء وقيل غير ذلك مما هو من ثمرات حسن الخلق وأما حقيقة الخلق فهي هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سميت تلك الهيئة خلقا حسنا وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا وإنما قلنا إنها هيئة راسخة لأن من يصدر عنه بذل المال على الندور لحاجة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ وإنما اشترطنا أن تصدر منه الأفعال بسهولة من غير روية لأن من تكلف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد وروية لا يقال خلقه السخاء والحلم وأمهات الأخلاق وأصولها أربعة الحكمة والشجاعة والعفة والعدل ونعني بالحكمة حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأحوال الاختيارية ونعني بالعدل حالة للنفس وقوة بها يسوس الغضب والشهوة ويحملها على مقتضى الحكمة ويضبطها في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها ونعني بالشجاعة كون قوة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها ونعني بالعفة تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع فمن اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلها وقد أشار القرآن إلى هذه الأخلاق في أوصاف المؤمنين فقال تعالى ! < إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون > ! فالإيمان بالله وبرسوله من غير ارتياب هي قوة اليقين وهي ثمرة العقل ومنتهى الحكمة والمجاهدة بالمال هو السخاء الذي يرجع إلى ضبط قوة الشهوة والمجاهدة بالنفس هي الشجاعة التي ترجع إلى استعمال قوة الغضب على شرط العقل وحد الاعتدال فقد وصف الله تعالى الصحابة فقال ! < أشداء على الكفار رحماء بينهم > ! إشارة إلى أن للشدة موضعا وللرحمة موضعا فليس الكمال في الشدة بكل حال ولا في الرحمة بكل حال
269
269
بيان قبول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة
اعلم أن بعض من غلبت عليه البطالة استثقل المجاهدة والرياضة والاشتغال بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق فلم تسمح نفسه بأن يكون ذلك لقصوره ونقصه وخبث دخلته فزعم أن الأخلاق لا يتصور تغييرها فإن الطباع لا تتغير فنقول لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسنوا أخلاقكم وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد وكل ذلك تغيير للأخلاق والقول الكاشف للغطاء عن ذلك أن نقول الموجودات منقسمة
إلى ما لا مدخل للآدمي واختياره في أصله وتفصيله كالسماء والكواكب بل أعضاء البدن داخلا وخارجا وسائر أجزاء الحيوانات وبالجملة كل ما هو حاصل كامل وقع الفراغ من وجوده وكماله
وإلى ما وجد وجودا ناقصا وجعل فيه قوة لقبول الكمال بعد أن وجد شرطه وشرطه قد يرتبط باختيار العبد فإن النواة ليست بتفاح ولا نخل إلا أنها خلقت خلقة يمكن أن تصير نخلة إذا انضاف التربية إليها ولا تصير تفاحا أصلا ولا بالتربية فإذا صارت النواة متأثرة بالاختيار حتى تقبل بعض الأحوال دون بعض فكذلك الغضب والشهوة لو أردنا قمعهما وقهرهما بالكلية حتى لا يبقى لهما أثر لم نقدر عليه أصلا ولو أردنا سلاستهما وقودهما بالرياضة والمجاهدة قدرنا عليه وقد أمرنا بذلك وصار ذلك سبب نجاتنا ووصولنا إلى الله تعالى نعم الجبلات مختلفة بعضها سريعة القبول وبعضها بطيئة القبول وليس المقصود من المجاهدة قمع هذه الصفات بالكلية ومحوها وهيهات فإن الشهوة خلقت لفائدة وهي ضرورية في الجبلة فلو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان ولو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النسل ولو انقطع الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه ولهلك ومهما بقي أصل الشهوة فيبقى لا محالة حب المال الذي يوصله إلى الشهوة حتى يحمله ذلك على
270
270
إمساك المال وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية بل المطلوب ردها إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط والمطلوب في صفة الغضب حسن الحمية وذلك بأن يخلو عن التهور وعن الجبن جميعا وبالجملة أن يكون في نفسه قويا ومع قوته منقادا للعقل ولذلك قال الله تعالى ! < أشداء على الكفار رحماء بينهم > ! وصفهم بالشدة وإنما تصدر الشدة عن الغضب ولو بطل الغضب لبطل الجهاد وكيف يقصد قلع الشهوة والغضب بالكلية والأنبياء عليهم السلام لم ينفكوا عن ذلك إذ قال صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر وكان إذا تكلم بين يديه بما يكرهه يغضب حتى تحمر وجنتاه ولكن لا يقول إلا حقا فكان عليه الصلاة والسلام لا يخرجه غضبه عن الحق وقال تعالى ! < والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس > ! ولم يقل والفاقدين الغيظ فرد الغضب والشهوة إلى حد الاعتدال بحيث لا يقهر واحد منهما العقل ولا يغلبه بل يكون العقل هو الضابط لهما والغالب عليهما ممكن وهو المراد بتغيير الخلق فإنه ربما تستولي الشهوة على الإنسان بحيث لا يقوى عقله على دفعها عن الانبساط إلى الفواحش وبالرياضة تعود إلى حد الاعتدال فدل أن ذلك ممكن والتجربة والمشاهدة تدل على ذلك دلالة لا شك فيها والذي يدل على أن المطلوب هو الوسط في الأخلاق دون الطرفين أن السخاء خلق محمود شرعا وهو وسط بين طرفي التبذير والتقتير وقد أثنى الله تعالى عليه فقال ! < والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما > ! وقال تعالى ! < ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط > ! وكذلك المطلوب في شهوة الطعام الاعتدال دون الشره والجمود قال الله تعالى ! < وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين > ! وقال في الغضب ! < أشداء على الكفار رحماء بينهم > ! وقال صلى الله عليه وسلم خير الأمور أوساطها
271
271
بيان السبب الذي به ينال حسن الخلق على الجملة
قد عرفت أن حسن الخلق يرجع إلى اعتدال قوة العقل وكمال الحكمة وإلى اعتدال قوة الغضب والشهوة وكونها للعقل مطيعة وللشرع أيضا وهذا الاعتدال يحصل على وجهين
أحدهما بجود إلهي وكمال فطري بحيث يخلق الإنسان ويولد كامل العقل حسن الخلق قد كفي سلطان الشهوة والغضب بل خلقتا معتدلتين منقادتين للعقل والشرع
والوجه الثاني اكتساب هذه الأخلاق بالمجاهدة والرياضة وأعني به حمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجود وهو بذل المال فلا يزال يطالب نفسه ويواظب عليه تكلفا مجاهدا نفسه فيه حتى يصير ذلك طبعا له وتيسير عليه فيصير به جوادا وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع وقد غلب عليه الكبر فطريقه أن يواظب على أفعال المتواضعين مدة مديدة وهو فيها مجاهد نفسه ومتكلف إلى أن يصير ذلك خلقا له وطبعا فيتيسر عليه وجميع الأخلاق المحمودة شرعا تحصل بهذا الطريق وغايته أن يصير الفعل الصادر منه لذيذا فالسخي هو الذي يستلذ بذل المال دون الذي يبذله عن كراهة والمتواضع هو الذي يستلذ التواضع ولن ترسخ الأخلاق الدينية في النفس ما لم تتعود النفس جميع العادات الحسنة وما لم تترك جميع الأفعال السيئة وما لم يواظب عليها مواظبة من يشتاق إلى الأفعال الجميلة ويتنعم بها ويكره الأفعال القبيحة ويتألم بها كما قال صلى الله عليه وسلم وجعلت قرة عيني في الصلاة ومهما كانت العبادات وترك المحظورات مع كراهة واستثقال فهو النقصان ولا ينال كمال السعادة به ولذلك قال الله تعالى ! < وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين > ! ثم لا يكفي في نيل السعادة الموعودة على حسن الخلق استلذاذ الطاعة واستكراه المعصية في زمان دون زمان بل ينبغي أن يكون ذلك على الدوام وفي جملة العمر ولا ينبغي أن يستبعد مصير الصلاة إلى حد تصير هي قرة العين ومصير العبادات لذيذة فإن
272
272
العادة تقتضي في النفس عجائب أغرب من ذلك فإنا نرى المقامر المفلس قد يغلب عليه من الفرح واللذة بقماره وما هو فيه ما يستثقل معه فرح الناس بغير قمار مع أن القمار ربما سلبه ماله وخرب بيته وتركه مفلسا ومع ذلك فهو يحبه ويلتذ به وذلك لطول إلفه له وصرف نفسه إليه مدة وكذلك اللاعب بالحمام قد يقف طول النهار في حر الشمس قائما على رجليه وهو لا يحس بألمهما لفرحه بالطيور وحركاتها وطيرانها وتحلقها في جو السماء فكل ذلك نتيجة العادة والمواظبة على نمط واحد على الدوام مدة مديدة ومشاهدة ذلك في المخالطين والمعارف وإذا كانت النفس بالعادة تستلذ الباطل وتميل إليه فكيف لا تستلذ الحق لو ردت إليه مدة والتزمت المواظبة عليه بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج عن الطبع يضاهي الميل إلى أكل الطين فقد يغلب على بعض الناس ذلك بالعادة فأما ميله إلى الحكمة وحب الله تعالى ومعرفته وعبادته فهو كالميل إلى الطعام والشراب فإنه مقتضى طبع القلب فإنه أمر رباني وميله إلى مقتضيات الشهوة غريب من ذاته وعارض على طبعه وإنما غذاء القلب الحكمة والمعرفة وحب الله عز وجل ولكن انصرف عن مقتضى طبعه لمرض قد حل به كما قد يحل المرض بالمعدة فلا تشتهي الطعام والشراب وهما سببان لحياتها فكل قلب مال إلى حب شيء سوى الله تعالى فلا ينفك عن مرض بقدر ميله إلا إذا كان أحب ذلك الشيء لكونه معينا له على حب الله تعالى وعلى دينه فعند ذلك لا يدل ذلك على المرض فإذن قد عرفت بهذا قطعا أن هذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة وهي تكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداء فتصير طبعا وهذا من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح أعني النفس والبدن فإن كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة وكل فعل يجري على الجوارح فإنه قد يرتفع منه أثر إلى القلب والأمر فيه دور
وإذا تحققت أن الأخلاق الحسنة تارة تكون بالطبع والفطرة وتارة تكون باعتياد الأفعال الجميلة وتارة بمشاهدة أرباب الفعال الجميلة ومصاحبتهم وهم قرناء الخير إخوان الصلاح إذ الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعا فمن تظاهرت في حقه الجهات الثلاث حتى صار ذا فضيلة طبعا واعتيادا وتعلما فهو غاية الفضيلة ومن كان رذلا بالطبع واتفق له قرناء السوء فتعلم منهم وتيسرت له أسباب الشر حتى اعتادها فهو في غاية البعد من الله عز وجل وبين الرتبتين من اختلفت فيه هذه الجهات ولكل درجة في القرب والبعد بحسب ما تقتضيه صفته وحالته ! < فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره > !
273
! < وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون > !
بيان تفصيل الطريق إلى تهذيب الأخلاق
قد عرفت من قبل أن الاعتدال في الأخلاق هو صحة النفس والميل عن الاعتدال سقم ومرض فيها كما أن الاعتدال في مزاج البدن هو صحة له والميل عن الاعتدال مرض فيه فلنتخذ البدن مثالا فنقول مثال النفس في علاجها بمحو الرذائل والأخلاق الرديئة عنها وجلب الفضائل والأخلاق الجميلة إليها مثال البدن في علاجه بمحو العلل عنه وكسب الصحة له وجلبها إليه وكما أن الغالب على أصل المزاج الاعتدال وإنما تعتري المعدة المضرة بعوارض الأغذية والأهوية والأحوال فكذلك كل مولود يولد معتدلا صحيح الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه أي بالاعتياد والتعليم تكتسب الرذائل وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملا وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية بالغذاء فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم وكما أن البدن إن كان صحيحا فشأن الطبيب تمهيد القانون الحافظ للصحة وإن كان مريضا فشأنه جلب الصحة إليه فكذلك النفس منك إن كانت زكية طاهرة مهذبة فينبغي أن تسعى لحفظها وجلب مزيد القوة إليها واكتساب زيادة صفائها وإن كانت عديمة الكمال والصفاء فينبغي أن تسعى لجلب ذلك إليها وكما أن العلة الموجبة للمرض لا تعالج إلا بضدها فإن كانت من حرارة فبالبرودة وبالعكس فكذلك الرذيلة التي هي مرض القلب علاجها بضدها فيعالج مرض الجهل بالتعلم ومرض البخل بالتسخي ومرض الكبر بالتواضع ومرض الشره بالكف عن المشتهى تكلفا وكما أنه لا بد من الاحتمال لمرارة الدواء وشدة الصبر عن المشتهيات لعلاج الأبدان المريضة فكذلك لا بد من احتمال مرارة المجاهدة والصبر لمداواة مرض القلب بل أولى فإن مرض البدن يخلص منه بالموت ومرض القلب والعياذ بالله تعالى مرض
274
274
يدوم بعد الموت أبد الآباد وبالجملة فالطريق الكلي في معالجة القلوب هو سلوك مسلك المضادة لكل ما تهواه النفس وتميل إليه وقد جمع الله ذلك كله في كتابه العزيز في كلمة واحدة فقال تعالى ! < وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى > ! والأصل المهم في المجاهدة الوفاء بالعزم فإذا عزم على ترك شهوة فقد تيسرت أسبابها ويكون ذلك ابتلاء من الله تعالى واختبارا فينبغي أن يصبر ويستمر فإنه إن عود نفسه ترك العزم ألفت ذلك ففسدت عافانا الله تعالى من فسادها
بيان الطريق الذي يعرف به الإنسان عيوب نفسه
اعلم أن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه فمن كانت بصيرته نافذة لم تخف عليه عيوبه فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق
الطريق الأول أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس مطلع على خفايا الآفات ويتبع إشارته في مجاهدته وهذا شأن التلميذ مع أستاذه فيعرفه أستاذه عيوب نفسه ويعرفه طريق علاجه
الطريق الثاني أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا يلاحظ أحواله وأفعاله فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه ينبهه عليه فهكذا كان يفعل الأكابر من أئمة الدين كان عمر رضي الله عنه يقول رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي وكان يسأل حذيفة ويقول له أنت صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين فهل ترى علي شيئا من آثار النفاق فهو على جلالة قدره وعلو منصبه هكذا كانت تهمته لنفسه رضي الله عنه فكل من كان أوفر عقلا وأعلى منصبا كان أقل إعجابا وأعظم اتهاما لنفسه وفرحا بتنبيه غيره على عيوبه وقد آل الأمر في أمثالنا إلى
275
275
أن أبغض الخلق إلينا من ينصحنا ويعرفنا عيوبنا ويكاد هذا أن يكون مفصحا عن ضعف الإيمان فإن الأخلاق السيئة حيات وعقارب لداغة فلو نبهنا منبه على أن تحت ثوبنا عقربا لتقلدنا منه منة وفرحنا به واشتغلنا بإزالة العقرب وقتلها وإنما نكايتها على البدن ولا يدوم ألمها يوما فما دونه ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب أخشى أن تدوم بعد الموت أبد الآباد ثم إنا لا نفرح بمن ينبهنا عليها ولا نشتغل بإزالتها بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثل مقالته فنقول له وأنت أيضا تصنع كيت وكيت وتشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه ويشبه أن يكون ذلك من قساوة القلب التي أثمرتها كثرة الذنوب وأصل كل ذلك ضعف الإيمان فنسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا ويبصرنا بعيوبنا ويشغلنا بمداواتها ويوفقنا للقيام بشكر من يطلعنا على مساوينا بمنه وفضله
الطريق الثالث أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه فإن عين السخط تبدي المساويا ولعل انتفاع الانسان بعدو مشاحن يذكر عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه إلا أن الطبع مجبول على تكذيب العدو وحمل ما يقوله على الحسد ولكن البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه فإن مساويه لا بد وأن تنتشر على ألسنتهم
الطريق الرابع أن يخالط الناس فكل ما رآه مذموما فيما بين الخلق فليطالب نفسه به وينسبها إليه فإن المؤمن مرآة المؤمن فيرى من عيوب غيره عيوب نفسه ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى فما يتصف به غيره فلا ينفك هو عن أصله أو عن أعظم منه أو عن شيء منه فليتفقد نفسه ويطهرها عن كل ما يذمه من غيره وناهيك بهذا تأديبا فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب وهذا كله من حيل من فقد شيخا مربيا ناصحا في الدين وإلا فمن وجده فقد وجد الطبيب فليلازمه فإنه يخلصه من مرضه
بيان تمييز علامات حسن الخلق
اعلم أن كل إنسان جاهل بعيوب نفسه فإذا جاهد نفسه أدنى مجاهدة حتى ترك فواحش المعاصي ربما يظن بنفسه أنه قد هذب نفسه وحسن خلقه واستغنى عن المجاهدة فلا بد من إيضاح علامة حسن الخلق فإن حسن الخلق هو الإيمان وسوء الخلق هو النفاق وقد ذكر الله تعالى صفات المؤمنين والمنافقين في
276
276
كتابه وهي بجملتها ثمرة حسن الخلق وسوء الخلق فلنورد جملة من ذلك لتعلم آية حسن الخلق قال الله تعالى ! < قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون > ! وقال عز وجل ! < التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين > ! وقال عز وجل ! < إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم > ! وقال تعالى ! < وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما > ! إلى آخر السورة فمن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات فوجود جميع هذه الصفات علامة حسن الخلق وفقد جميعها علامة سوء الخلق ووجود بعضها دون بعض يدل على البعض دون البعض فليشتغل بتحصيل ما فقده وحفظ ما وجده وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن بصفات كثيرة وأشار بجميعها إلى محاسن الأخلاق فقال المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه وقال عليه السلام من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه وقال صلى الله عليه وسلم من كان
277
277
يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره وقال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وذكر أن صفات المؤمنين هي حسن الخلق فقال صلى الله عليه وسلم أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا وقال لا يحل لمؤمن أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه وقال عليه السلام لا يحل لمسلم أن يروع مسلما وقال صلى الله عليه وسلم إنما يتجالس المتجالسان بأمانه الله عز وجل فلا يحل لأحدهما أن يفشي على أخيه ما يكرهه
وأولى ما يمتحن به حسن الخلق الصبر على الأذى واحتمال الجفا فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يمشي ومعه أنس فأدركه أعرابي فجذبه جذبا شديدا وكان عليه برد غليظ الحاشية قال أنس رضي الله عنه حتى نظرت إلى عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جذبه فقال يا محمد هب لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحك ثم أمر بإعطائه ولما أكثرت قريش إيذاءه قال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون
حكي أن الأحنف بن قيس قيل له ممن تعلمت الحلم فقال من قيس بن عاصم قيل له وما بلغ من حلمه قال بينما هو جالس في داره إذ أتته جارية له بسفود عليه شواء فسقط من يدها فوقع على ابن له صغير فمات
278
278
فدهشت الجارية فقال لها لا روع عليك أنت حرة لوجه الله تعالى
وروي أن عليا كرم الله وجهه دعا غلاما فلم يجبه فدعاه ثانيا وثالثا فلم يجبه فقام إليه فرآه مضطجعا فقال أما تسمع يا غلام قال بلى قال فما حملك على ترك إجابتي قال أمنت عقوبتك فتكاسلت فقال امض فأنت حر لوجه الله تعالى
وقالت امرأة لمالك بن دينار رحمه الله يا مرائي فقال يا هذه وجدت اسمي الذي أضله أهل البصرة
فهذه نفوس قد ذللت بالرياضة فاعتدلت أخلاقها ونقيت من الغش والغل والحقد بواطنها فأثمرت الرضا بكل ما قدره الله تعالى وهو منتهى حسن الخلق فمن لم يصادف من نفسه هذه العلامات فلا ينبغي أن يغتر بنفسه فيظن بها حسن الخلق بل ينبغي أن يشتغل بالرياضة والمجاهدة إلى أن يبلغ درجة حسن الخلق فإنها درجه رفيعة لا ينالها إلا المقربون والصديقون
بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول نشوئهم ووجه تأديبهم وتحسين أخلاقهم
اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها والصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه وقد قال الله تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا > ! ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن
279
279
الأخلاق ويحفظه من قرناء السوء ولا يعوده التنعم ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال ومهما رأى فيه مخايل التمييز فينبغي أن يحسن مراقبته وأول ذلك ظهور أوائل الحياء فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه وهذه بشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب فالصبي المستحي لا ينبغي أن يهمل بل يستعان على تأديبه بحيائه وتمييزه وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام فينبغي أن يؤدب فيه مثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه وأن يقول عليه بسم الله عند أخذه وأن يأكل مما يليه وأن لا يبادر إلى الطعام قبل غيره وأن لا يحدق في النظر إليه ولا إلى من يأكل وأن لا يسرع في الأكل وأن يجيد المضغ وأن لا يوالي بين اللقم ولا يلطخ يده ولا ثوبه وأن يعود الخبز القفار في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث يرى الأدم حتما وأن يقبح عنده كثرة الأكل بأن يشبه كل من يكثر الأكل بالبهائم وبأن يذم بين يديه الصبي الذي يكثر الأكل ويمدح عنده الصبي المتأدب القليل الأكل وأن يحبب إليه الإيثار بالطعام وقلة المبالاة به والقناعة بالطعام الخشن أي طعام كان وأن يحبب إليه من الثياب ما ليس بملون وحرير ويقرر عنده أن ذلك شأن النساء والمخنثين وأن الرجال يستنكفون منه ويكرر ذلك عليه ومهما رأى على صبي ثوبا من الحرير أو ملونا فينبغي أن يستنكره ويذمه وأن يحفظ عن الصبيان الذين عودوا التنعم والرفاهية ولبس الثياب الفاخرة وعن مخالطة كل من يسمعه ما يرغبه فيه فإن الصبي مهما أهمل في ابتداء نشوئه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذابا حسودا سروقا نماما لحوحا ذا فضول وضحك وكياد ومجانة وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب ثم يشتغل في المكتب فيتعلم القرآن وأحاديث الأخيار وحكايات الأبرار وأحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين ولا يحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذر الفساد ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا يكاشفه ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه
280
280
فإن أظهر ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة فعند ذلك إن عاد ثانيا فينبغي أن يعاتب سرا ويعظم الأمر فيه ويقال له إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا وأن يطلع عليك في مثل هذا فتفتضح بين الناس ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح ويسقط وقع الكلام من قلبه وليكن الأب حافظا هيئة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحيانا والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح وينبغي أن يمنع عن النوم نهارا فإنه يورث الكسل ولا يمنع منه ليلا ولكن يمنع الفرش الوطيئة حتى تتصلب أعضاؤه ولا يسخف بدنه فلا يصبر على التنعم بل يعود الخشونة في المفرش والملبس والمطعم وينبغي أن يمنع من كل ما يفعله في خفية فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه قبيح فإذا تعود ترك فعل القبيح ويعود في بعض النهار المشي والحركة والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل ويعود أن لا يكشف أطرافه ولا يسرع المشي ويمنع من أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والداه أو بشيء من مطاعمه وملابسه بل يعود التواضع والإكرام لكل من عاشره والتلطف في الكلام معهم ويمنع من أن يأخذ من الصبيان شيئا بداله بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ وأن الأخذ لؤم وخسة ودناءة وأن ذلك من دأب الكلب فإنه يبصبص في انتظار لقمة والطمع فيها وبالجملة يقبح إلى الصبيان حب الذهب والفضة والطمع فيهما ويحذر منهما أكثر مما يحذر من الحيات والعقارب فإن آفة حب الذهب والفضة أضر من آفة السموم على الصبيان بل وعلى الكبار أيضا وينبغي أن يعود أن لا يبصق في مجلسه ولا يتمخط ولا يتثاءب بحضرة غيره ولا يستدبر غيره ولا يضع رجلا على رجل ولا يضع كفه تحت ذقنه ولا يعمد رأسه بساعده فإن ذلك دليل الكسل ويعلم كيفية الجلوس ويمنع كثرة الكلام ويبين له أن ذلك يدل على الوقاحة وأنه فعل أبناء اللئام ويمنع اليمين رأسا صادقا كان أو كاذبا حتى لا يعتاد ذلك في الصغر ويعود حسن الاستماع مهما تكلم غيره مممن هو أكبر منه سنا وأن يقوم لمن فوقه ويوسع له المكان ويجلس بين يديه ويمنع من لغو الكلام وفحشه ومن اللعن والسب ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك فإن ذلك يسري لا محالة من قرناء السوء وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكتاب أن يلعب لعبا جميلا يستريح إليه من تعب المكتب فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه إلى التعلم دائما يميت قلبه ويبطل ذكاءه وينغص عليه العيش حتى يطلب الحيلة
281
281
في الخلاص منه رأسا وينبغي أن يعلم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه وكل من هو أكبر منه سنا من قريب وأجنبي وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم وأن يترك اللعب بين أيديهم ومهما بلغ سن التمييز فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان ويعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع ويخوف من السرقة وأكل الحرام ومن الخيانة والكذب والفحش فإذا وقع نشوؤه كذلك في الصبا فمهما قارب البلوغ أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور
282
282
كتاب آفات اللسان
بيان خطر اللسان
اعلم أن خطر اللسان عظيم ولا نجاة منه إلا بالنطق بالخير فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يستقيم إيمان العبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ولا يدخل الجنة رجل لا يأمن جاره بوائقه وقال معاذ بن جبل قلت يا رسول الله أنؤاخذ بما نقول فقال يا ابن جبل وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول يا لسان قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم وعنه صلى الله عليه وسلم من كف لسانه ستر الله عورته ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره وقال صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت وعنه عليه الصلاة والسلام اخزن لسانك إلا من خير فإنك بذلك تغلب الشيطان
283
283
جمل من آفات اللسان
الآفة الأولى الكلام فيما لا يعني
اعلم أن رأس مال العبد أوقاته فمهما صرفها إلى ما لا يعنيه ولم يدخر بها ثوابا في الآخرة فقد ضيع رأس ماله ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وسببه الباعث عليه هو الحرص على معرفة ما لا حاجة به إليه أو تزجية الأوقات بحكايات أحوال لا فائدة فيها وعلاج ذلك كله أن يعلم أن أنفاسه رأس ماله وأن لسانه شبكة يقدر أن يقتنص بها الخيرات الحسان فإهماله ذلك وتضييعه خسران مبين
الآفة الثانية فضول الكلام
وهو أيضا مذموم وهذا يتناول الخوض فيما لا يعني والزيادة فيما يعني على قدر الحاجة فإن من يعنيه أمر يمكنه أن يذكره بكلام مختصر ويمكنه أن يجسمه ويكرره ومهما تادى مقصوده بكلمة واحدة فذكر كلمتين فالثانية فضول أي فضل عن الحاجة وهو أيضا مذموم لما سبق وإن لم يكن فيه إثم ولا ضرر
واعلم أن فضول الكلام لا ينحصر بل المهم محصور في كتاب الله تعالى قال الله عز وجل ! < لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس > ! وقال صلى الله عليه وسلم طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه وأنفق الفضل من ماله فانظر كيف قلب الناس الأمر في ذلك فأمسكوا فضل المال وأطلقوا فضل اللسان قال عطاء إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو تنطق لحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها أتنكرون أن عليكم
284
284
حافظين ! < كراما كاتبين > ! ! < عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد > ! أما يستحي أحدكم إذا نشرت صحيفته التي أملاها صدر نهاره كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه وقال ابن عمر إن أحق ما طهر الرجل لسانه وفي أثر ما أوتي رجل شرا من فضل في لسان
الآفة الثالثة الخوض في الباطل
وهو الكلام في المعاصي كحكاية أحوال النساء ومجالس الخمر ومقامات الفساق وتكبر الجبابرة ومراسمهم المذمومة وأحوالهم المكروهة فإن ذلك مما لا يحل الخوض فيه وأكثر الناس يتجالسون للتفرج بالحديث ولا يعدو كلامهم التفكه بأعراض الناس أو الخوض في الباطل وأنواع الباطل لا يمكن حصرها لكثرتها وتفننها فلذلك لا مخلص منها إلا بالاقتصار على ما يعني من مهمات الدين والدنيا وفي الحديث أعظم الناس خطايا يوم القيام أكثرهم خوضا في الباطل وإليه الإشارة بقوله تعالى ! < وكنا نخوض مع الخائضين > ! وبقوله تعالى ! < فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم > ! وعنه صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله بها رضوانه إلى يوم القيامة وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة
285
285
الآفة الرابعة المراء والجدال
وذلك منهي عنه قال صلى الله عليه وسلم لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه وعنه صلى الله عليه وسلم ما ضل قوم بعد أن هداهم الله إلا أوتوا الجدل وعنه لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وإن كان محقا
وقال بلال بن سعد إذا رأيت الرجل لجوجا مماريا معجبا برأيه فقد تمت خسارته وقال ابن أبي ليلى لا أماري صاحبي فإما أن أكذبه وإما أن أغضبه وما ورد في ذم المراء والجدال أكثر من أن يحصى
وحد المراء هو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما في اللفظ وإما في المعنى وإما في قصد المتكلم وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض فكل كلام سمعته فإن كان حقا فصدق به وإن كان باطلا أو كذبا ولم يكن متعلقا بأمور الدين فاسكت عنه
والواجب إن جرى الجدل في مسألة علمية السكوت أو السؤال في معرض الاستفادة لا على وجه العناد والنكادة أو التلطف في التعريف لا في معرض الطعن وأما قصد إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في كلامه ونسبته إلى القصور والجهل فيه فهي المجادلة المحظورة التي لا نجاة من إثمها إلا بالسكوت وما الباعث عليها إلا الترفع بإظهار العلم والفضل والتهجم على الغير بإظهار نقصه وهما صفتان مهلكتان ولا تنفك المماراة عن الإيذاء وتهييج الغضب وحمل المعترض عليه على أن يعود فينصر كلامه بما يمكنه من حق أو باطل ويقدح في قائله بكل ما يتصور له فيثور
286
286
الشجار بين المتماريين وأما علاجه فهو بأن يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله والسبعية الباعثة له على تنقيص غيره
الآفة الخامسة الخصومة
وهي أيضا مذمومة وهي وراء الجدال والمراء وحقيقتها لجاج في الكلام ليستوفي به مال أو حق مقصود وفي الحديث إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ولا تكون الخصومة مذمومة إلا إن كانت بالباطل أو بغير علم كالذي يدافع قبل أن يعلم الحق في أي جانب أو يمزج بخصومته كلمات مؤذية لا حاجة لها في نصرة الحجة وإظهار الحق أو يحمله على الخصومة محض العناد لقهر الخصم وكسره مع أنه قد يستحقر ذلك القدر من المال وفي الناس من يصرح به ويقول إنما قصدي عناده وكسر غرضه وإني إن أخذت منه هذا المال ربما رميت به في بئر ولا أبالي وهذا مقصوده اللدد والخصومة واللجاج وهو مذموم جدا فأما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على قدر الحاجة ومن غير قصد عناد وإيذاء ففعله ليس بحرام ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا فإن ضبط اللسان في الخصومة على قدر الاعتدال متعذر والخصومة توغر الصدر وتهيج الغضب وإذا هاج نسي المتنازع فيه وبقي الحقد بين المتخاصمين حتى يفرح كل واحد بمساءة صاحبه ويحزن بمسرته ويطلق اللسان في عرضه فمن بدأ بالخصومة فقد تعرض لهذه المحذورات وأقل ما فيه تشويش خاطره حتى إنه في صلاته يشتغل بمحاجة خصمه فلا يبقى الأمر على حد الواجب فالخصومة مبدأ كل شر وكذا المراء والجدال فينبغي أن لا يفتح بابه إلا لضرورة وعند الضرورة ينبغي أن يحفظ اللسان والقلب عن تبعات الخصومة وذلك متعذر جدا نعم أقل ما يفوته في الخصومة والمراء والجدال طيب الكلام وقد قال الله تعالى ! < وقولوا للناس حسنا > ! وقال ابن عباس رضي الله عنهما من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه السلام وإن كان مجوسيا إن الله تعالى يقول ! < وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن > !
287
287
منها أو ردوها ) وقال ابن عباس أيضا لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه وفي الحديث الكلمة الطيبة صدقة وقال عمر رضي الله عنه البر شيء هين وجه طليق وكلام لين وقال بعض الحكماء الكلام اللين يغسل الضغائن المستكنة في الجوارح وقال آخر كل كلام لا يسخط ربك إلا أنك ترضي به جليسك فلا تكن به عليه بخيلا فلعله يعوضك منه ثواب المحسنين
الآفة السادسة التقعر في الكلام
وهو التشدق وتكلف السجع والفصاحة والتصنع فيه فإنه من التكلف الممقوت إذ ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده ومقصود الكلام التفهيم للغرض وما وراء ذلك تصنع مذموم ولا يدخل في هذا تحسين ألفاظ التذكير والخطابة من غير إفراط ولا إغراب فلرشاقة اللفظ تأثير في ذلك
الآفة السابعة الفحش والسب وبذاءة اللسان
وهو مذموم ومنهي عنه ومصدره الخبث واللؤم قال صلى الله عليه وسلم إياكم والفحش فإن الله تعالى لا يحب الفحش ولا التفحش ونهى رسول الله عليه السلام عن أن تسب قتلى بدر من المشركين فقال لا تسبوا هؤلاء فإنه لا يخلص إليهم شيء مما تقولون وتؤذون الأحياء ألا إن البذاء لؤم وقال عليه السلام ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء وعنه إن
288
288
الله لا يحب الفاحش المتفحش الصياح في الأسواق وحد الفحش هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة وأكثر ذلك يجري في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به فإن لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه وأهل الصلاح يتحاشون عنها بل يدلون عليها بالرموز والكناية قال ابن عباس إن الله حيي كريم يعفو ويكنو كنى باللمس عن الجماع فالمسيس والمس والدخول كنايات عن الوقاع وليست بفاحشة وهناك عبارات فاحشة يستقبح ذكرها ويستعمل أكثرها في الشتم والتعبير وكل ما يستحيا منه فلا ينبغي أن يذكر ألفاظه الصريحة فإنه فحش
والباعث على الفحش إما قصد الإيذاء وإما الاعتياد الحاصل من مخالطة الفساق وأهل الخبث واللؤم ومن عادتهم السب
روي أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوصني فقال عليك بتقوى الله وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء تعلمه فيه يكن وباله عليه وأجره لك ولا تسبن شيئا قال فما سببت شيئا بعده وعنه صلى الله عليه وسلم سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر وعنه صلى الله عليه وسلم ملعون من سب والديه وفي رواية من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه قالوا يا رسول الله كيف يسب الرجل والديه قال يسب أبا الرجل فيسب الآخر أباه
289
289
الآفة الثامنة اللعن
اللعن إما لحيوان أو جماد أو إنسان وكل ذلك مذموم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن ليس بلعان واللعن عبارة عن الطرد والإبعاد من الله تعالى وذلك غير جائز إلا على من اتصف بصفة تبعده من الله عز وجل وهو الكفر والظلم وفي لعن فاسق معين خطر فليتجتنب ولو بعد موته بل قد يكون أشد إن كان فيه أذى للحي وفي الحديث لا تسبوا الأموات فتؤذوا به الأحياء ويقرب من اللعن الدعاء على الإنسان بالشر حتى الدعاء على الظالم فإنه مذموم وفي الخبر إن المظلوم ليدعو على الظالم حتى يكافئه
الآفة التاسعة الغناء والشعر
والمذموم منهما ما اشتمل على محرم أو دعاء إليه كتشبيب بمعين وهجاء وتشبه بالنساء وتهييج لفاحشة ولحوق بأهل الخلاعة والمجون وصرف الوقت إليه ونحو ذلك وما خلا عن ذلك فهو مباح
الآفة العاشرة المزاح
والمنهي عنه المذموم منه هو المداومة عليه والإفراط فيه فأما المداومة فلأنه اشتغال باللعب والهزل وأما الإفراط فيه فإنه يورث كثرة الضحك والضغينة في بعض الأحوال ويسقط المهابة والوقار وأما ما يخلو عن هذه الأمور فلا يذم كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إني لأمزح ولا أقول إلا حقا ألا إن مثله يقدر على أن يمزح ولا يقول إلا حقا وأما غيره إذا فتح باب المزاح كان غرضه أن يضحك
290
290
الناس كيفما كان وقد قال عمر من مزح استخف به وقال سعيد بن العاص لابنه يا بني لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا الدنيء فيجترىء عليك وقيل لكل شيء بذر وبذر العداوة المزاح ويقال المزاح مسلبة للنهى مقطعة للأصدقاء ومن الغلط العظيم أن يتخذ المزاح حرفة يواظب عليه ويفرط فيه ثم يتمسك بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وهو كمن يدور نهاره مع الزنوج ينظر إليهم وإلى رقصهم ويتمسك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة في النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد وهو خطأ وبالجملة فإن كنت تقدر على أن تمزح ولا تقول إلا حقا ولا تؤذي قلبا ولا تفرط فيه وتقتصر عليه أحيانا على الندور فلا حرج عليك فيه من مطايباته صلى الله عليه وسلم ما روي أن عجوزا أتته فقال لها لا يدخل الجنة عجوز فبكت فقال لها إنك لست بعجوز يومئذ قال الله تعالى ! < إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا > ! وجاءت إمرأة إليه صلى الله عليه وسلم فقالت إن زوجي يدعوك قال ومن هو أهو الذي بعينه بياض قالت والله ما بعينه بياض فقال بلى إن بعينه بياضا فقالت لا والله فقال صلى الله عليه وسلم ما من أحد إلا وبعينه بياض وأراد بالبياض المحيط بالحدقة
وجاءت امرأة أخرى فقال يا رسول الله احملني على بعير فقال بل نحملك على ابن البعير فقالت ما أصنع به إنه لا يحملني فقال صلى الله عليه وسلم ما من بعير إلا وهو ابن بعير
وقال أنس كان لأبي طلحة ابن يقال له أبو عمير وكان رسول الله
291
291
يأتيهم ويقول أبا عمير ما فعل النغير النغير كان يلعب به وهو فرخ العصفور وقالت عائشة رضي الله عنها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر فقال تعالي حتى أسابقك فشددت علي درعي ثم خططنا خطا فقمنا عليه واستبقنا فسبقني وقال هذه مكان ذي المجاز وذلك أنه جاء يوما ونحن بذي المجاز وأنا جارية قد بعثني أبي بشيء فقال أعطينيه فأبيت وسعيت وسعى في أثري فلم يدركني
وقالت أيضا كان عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسودة بنت زمعة فصنعت خزيرا وجئت به فقلت لسودة كلي فقالت لا أحبه فقلت والله لتأكلن أو لألطخن به وجهك فقالت ما أنا ذائقته فأخذت بيدي من الصحفة شيئا منه فلطخت به وجهها ورسول الله جالس بيني وبينها فخفض لها ركبته لتستقيد فتناولت من الصحفة شيئا فمسحت به وجهي وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك وعن أبي سلمة أنه كان صلى الله عليه وسلم يدلع لسانه للحسن بن علي رضي الله عنهما فيرى الصبي لسانه فيهش له
وقال عيينة الفزاري والله ليكونن لي الابن قد تزوج وبقل وجهه وما قبلته قط فقال صلى الله عليه وسلم إن من لا يرحم لا يرحم
292
292
فأكثر هذه المطايبات منقولة مع النساء والصبيان وكان ذلك منه صلى الله عليه وسلم معالجة لضعف قلوبهم من غير ميل إلى هزل
وقال صلى الله عليه وسلم مرة لصهيب وبه رمد وهو يأكل تمرا أتأكل التمر وأنت رمد فقال إنما آكل بالشق الآخر يا رسول الله فتبسم صلى الله عليه وسلم قال بعض الرواة حتى نظرت إلى نواجذه
وكان نعيمان الأنصاري رجلا مزاحا لا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى منها ثم أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم فيقول يا رسول الله هذا قد اشتريته لك واهديته لك فإذا جاء صاحبها يتقاضاه بالثمن جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله أعطه ثمن متاعه فيقول له صلى الله عليه وسلم أولم تهده لنا فيقول يا رسول الله إنه لم يكن عندي ثمنه وأحببت أن تأكل منه فيضحك النبي صلى الله عليه وسلم ويأمر لصاحبه بثمنه فهذه مطايبات يباح مثلها على الندور لا على الدوام
الآفة الحادية عشرة السخرية والاستهزاء
وهو محرم قال تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن > ! ومعنى السخرية الاستهانة والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائض على وجه يضحك منه وقد يكون ذلك بالمحاكاة في القول والفعل وقد يكون بالإشارة والإيماء ومرجع ذلك إلى استحقار الغير والضحك عليه والاستهانة به والاستصغار له وعليه نبه قوله تعالى ! < عسى أن يكونوا خيرا منهم > ! أي لا تستحقره استصغارا فلعله خير منك وهذا إنما يحرم في حق من يتأذى به فأما من جعل نفسه مسخرة وربما فرح من أن يسخر به كانت السخرية في حقه من جملة المرح وقد سبق ما يذم منه وما يمدح
293
293
وإنما المحرم استصغار يتأذى به المستهزأ به لما فيه من التحقير والتهاون وذلك تارة بأن يضحك على كلامه إذا تخبط فيه ولم ينتظم أو على أفعاله إذا كانت مشوشة كالضحك على حفظه وعلى صنعته أو على صورته وخلقته لعيب فيه فالضحك من جميع ذلك داخل في السخرية المنهي عنها
الآفة الثانية عشرة إفشاء السر
وهو منهي عنه لما فيه من الإيذاء والتهاون بحق المعارف والأصدقاء قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة وعنه الحديث بينكم أمانة فافشاء السر خيانة وهو حرام إذا كان فيه إضرار ولؤم إن لم يكن فيه إضرار
الآفة الثالثة عشرة الوعد الكاذب
فإن اللسان سباق إلى الوعد ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد خلفا وذلك من أمارات النفاق قال الله تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود > ! وقال صلى الله عليه وسلم العدة عطية وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل عليه السلام في كتابه العزيز فقال ! < إنه كان صادق الوعد > ! ولما حضرت عبد الله بن عمر الوفاة قال إنه كان خطب إلي ابنتي رجل من قريش وقد كان مني إليه شبه الوعد فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق أشهدكم أني قد زوجته ابنتي
وعن عبد الله بن أبي الخنساء قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث وبقيت له بقية فواعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك فنسيت يومي والغد فأتيته اليوم الثالث وهو في مكانه فقال يا فتى لقد شققت علي أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك
وكان ابن مسعود لا يعد وعدا إلا ويقول إن شاء الله وهو الأولى ثم
294
294
إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر فإن كان عند الوعد عازما على أن لا يفي فهذا هو النفاق قال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان وقال صلى الله عليه وسلم أربع من كن فيه كان منافقا ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وهذا ينزل على من إذا وعد وهو على عزم الخلف أو ترك الوفاء من غير عذر فأما من عزم على الوفاء فعن له عذر منعه من الوفاء لم يكن منافقا وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق ولكن ينبغي أن يحترز من صورة النفاق أيضا كما يحترز من حقيقته ولا ينبغي أن يجعل نفسه معذورا من غير ضرورة فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وعد أبا الهيثم خادما فأتى بثلاثة من السبي فأعطى اثنين وبقي واحد فأتت فاطمة رضي الله عنها تطلب منه خادما وتقول ألا ترى أثر الرحى بيدي فذكر موعده لأبي الهيثم فجعل يقول كيف بموعدي لأبي الهيثم فآثره على فاطمة لما كان قد سبق من موعده له مع أنها كانت تدير الرحى بيدها الضعيفة ولقد كان صلى الله عليه وسلم جالسا يقسم غنائم هوازن بحنين فوقف عليه رجل من الناس فقال إن لي عندك موعدا يا رسول الله قال صدقت فاحتكم ما شئت فقال أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها قال هي لك وقال احتكمت يسيرا
الآفة الرابعة عشرة الكذب في القول واليمين
وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب قال صلى الله عليه وسلم إياكم والكذب فإنه مع
295
295
الفجور وهما في النار وعنه إن الكذب باب من أبواب النفاق وعنه كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت به كاذب ومر صلى الله عليه وسلم برجلين يتبايعان شاة ويتحالفان يقول أحدهما والله لا أنقصك من كذا وكذا ويقول الآخر والله لا أزيدك على كذا وكذا فمر بالشاة وقد اشتراها أحدهما فقال أوجب أحدهما بالإثم والكفارة وعنه صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم المنان بعطيته والمنفق سلعته بالحلف الفاجر والمسبل إزاره وعنه صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين بإثم ليقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان وقال عليه السلام لمعاذ أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء بالعهد وبذل الطعام وخفض الجناح
بيان ما رخص فيه من الكذب
اعلم أن الكذب إنما حرم لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره وقد يتعلق به مصلحة فيكون مأذونا فيه وربما كان واجبا كما إذا كان في الصدق سفك دم امرئ قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب وكما إذا كان لا يتم
296
296
مقصود الحرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه أو تعاشر الزوجين إلا بالكذب فالكذب مباح إلا أنه يقتصر فيه على حد الضرورة لئلا يتجاوز إلى ما يستغنى عنه وفي معنى ذلك وردت أحاديث كثيرة قال ثوبان الكذب كله إثم إلا ما نفع به مسلما أو دفع عنه ضررا
بيان الحذر من الكذب بالمعاريض
قد نقل عن السلف إن في المعاريض مندوحة عن الكذب وإنما أرادوا إذا اضطر الإنسان إلى الكذب فأما إذا لم تكن حاجة وضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا ولكن التعريض أهون ومثال التعريض ما روي أن مطرفا دخل على زياد فاستبطأه فتعلل بمرض وقال ما رفعت جنبي مذ فارقت الأمير إلا ما رفعني الله وكان معاذ بن جبل عاملا لعمر رضي الله عنه فلما رجع قالت له امرأته ما جئت به مما يأتي به العمال إلى أهلهم وما كان قد أتاها بشيء فقال كان عندي ضاغط قالت كنت أمينا عند رسول الله وأبي بكر فبعث عمر معك ضاغطا وقامت بذلك بين نسائها واشتكت عمر فلما بلغه ذلك دعا معاذا وقال بعثت معك ضاغطا قال ما أجد ما أعتذر به إليها إلا ذلك فضحك عمر وأعطاه شيئا فقال أرضها به ومعنى قوله ضاغطا رقيبا وأراد به الله تعالى وكان النخعي إذا طلبه من يكره أن يخرج إليه وهو في الدار قال للجارية قولي له اطلبه في المسجد ولا تقولي ليس ههنا كيلا يكون كذبا ومما تباح به المعاريض قصد تطييب قلب الغير بالمزاح كقوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة
297
297
عجوز وقوله للأخرى الذي في عينه بياض وللأخرى نحملك على ولد البعير كما تقدم
ومما يتسامح به ما جرت به العادة في المبالغة كقوله قلت لك كذا مائة مرة فإنه لا يريد به تفهيم المرات بعددها بل تفهيم المبالغة إلا أنه إذا لم يكن قال ذلك إلا مرة واحدة كان كذبا
وأما ما يعتاد التساهل به في الكذب في مثل أن يقال كل الطعام فيقول لا أشتهيه فذلك منهي عنه وهو حرام إن لم يكن فيه غرض صحيح ومثل ذلك أن يقول يعلم الله فيما لا يعلمه
وأما الكذب في حكاية المنام فالإثم فيه عظيم وفي الحديث إن من أعظم الفرية أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يري عينيه في المنام ما لم ير أو يقول علي ما لم أقل
الآفة الخامسة عشرة الغيبة
قد نص الله سبحانه على ذمها في كتابه الكريم وشبه صاحبها بآكل لحم الميتة فقال تعالى ! < ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه > ! وقال صلى الله عليه وسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه والغيبة تتناول العرض وقال صلى الله عليه وسلم يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته
298
298
ومن تتبع عورته يفضحه ولو في جوف بيته وعن مجاهد انه قال في قوله تعالى ! < ويل لكل همزة لمزة > ! الهمزة الطعان في الناس واللمزة الذي يأكل لحوم الناس وقال بعضهم أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة ولكن في الكف عن أعراض الناس وقال ابن عباس إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك
بيان معنى الغيبة وحدودها
اعلم أن حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه سواء ذكرته بنقص في بدنه أو نسبه أو في خلقه أو في فعله أو في قوله أو في دينه أو في دنياه حتى في ثوبه وداره ودابته أما البدن فذكرك العمش والحول والقرع والقصر والطول والسواد والصفرة وجميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه كيفما كان وأما النسب فبأن تقول أبوه فاسق أو خسيس أو زبال أو نحوه مما يكرهه وأما الخلق فبأن تقول سيئ الخلق بخيل متكبر مراء شديد الغضب جبان متهور وما يجري مجراه وأما في أفعاله فكقولك هو سارق كذاب شارب خمر خائن ظالم متهاون بالصلاة أو الزكاة لا يحترز من النجاسات ليس بارا بوالديه ونحوه وأما فعله فكقولك إنه قليل الأدب متهاون بالناس كثير الكلام كثير الأكل نؤوم يجلس في غير موضعه وأما في ثوبه فكقولك إنه واسع الكم طويل الذيل وسخ الثياب ونحوه
والقول الجامع في الغيبة ما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم الغيبة ذكرك أخاك بما يكرهه وإنما حرم الذكر باللسان لما فيه من تفهيم الغير نقصان أخيه وتعريفه بما يكرهه ولذا كان التعريض به كالتصريح والفعل فيه كالقول والإشارة والإيماء
299
299
والغمز والهمز والكتابة والحركة وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام فمن أومأ بيده إلى قصر أحد أو طوله أو حاكاه في المشي كما يمشي فهو غيبة والكتابة عن شخص في عيب به غيبة لأن القلم أحد اللسانين وكذا قولك من قدم من السفر أو بعض من مر بنا اليوم إذا كان المخاطب يفهمه فهو غيبة وكذا من يفهم عيب الغير بصيغة الدعاء كقوله الحمد لله الذي لم يبتلنا بكذا وكذلك قد يقدم مدح من يريد غيبته فيقول ما أحسن أحوال فلان لكن ابتلي بما يبتلى به كلنا وهو كذا فيذكر نفسه ومقصوده أن يذم غيره في ضمن ذلك ومن ذلك أن يذكر عيب إنسان فلا يتنبه له بعض الحاضرين فيقول سبحان الله ما أعجب هذا حتى يصغى إليه ويعلم ما يقول فيذكر الله تعالى ويستعمل اسمه آلة له في تحقيق خبثه وكذلك يقول ساءني ما جرى على صديقنا من الاستخفاف به فيكون كاذبا في دعوى الاغتمام لأنه لو اغتم به لاغتم بإظهار ما يكرهه وكذلك يقول ذلك المسكين قد بلي بآفة عظيمة تاب الله علينا وعليه وهو في كل ذلك يظهر الدعاء والله مطلع على خبث ضميره وخفي قصده وهو لجهله لا يدري أنه قد تعرض لمقت عظيم ومن ذلك الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب فإنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيندفع فيها وكان يستخرج الغيبة منه بهذا الطريق فيقول عجيب ما علمت أنه كذلك كنت أحسب فيه غير هذا عافانا الله من بلائه فإن كل ذلك تصديق للمغتاب والتصديق بالغيبة غيبة بل الساكت شريك المغتاب إلا أن ينكر بلسانه أو بقلبه إن خاف وفي الحديث من أذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على نصره أذله الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق وفي رواية من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يرد عن عرضه يوم القيامة
الأسباب الباعثة على الغيبة
منها التشفي وذلك إذا جرى سبب غضب به عليه فإنه إذا هاج غضبه
300
300
فيشتفي بذكر مساوئه فسبق اللسان إليه بالطبع إن لم يكن ثم دين وازع وقد يمتنع تشفي الغيظ عند الغضب فيحتقن في الباطن فيصير حقدا ثابتا فيكون سببا دائما لذكر المساوئ فالحقد والغضب من البواعث العظيمة على الغيبة
ومنها موافقة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام فإنهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الأعراض فيرى أنه لو أنكر عليهم أو قطع المجلس استثقلوه ونفروا عنه فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة وقد يغضب رفقاؤه فيضطر إلى أن يغضب لغضبهم إظهارا للمساهمة في السراء والضراء فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوئ
ومنها إرادة التصنع والمباهاة وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره
ومنها الحسد يحسد من يثني الناس عليه ويحبونه ويكرمونه فيريد زوال تلك النعمة عنه فلا يجد سبيلا إليه إلا بالقدح فيه حتى يكفوا عن الثناء عليه وإكرامه لأنه يثقل عليه ذلك
ومنها اللعب والهزل وتزجية الوقت بالضحك فيذكر عيوب غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة والتعجب
ومنها السخرية والاستهزاء استحقارا له ومنشؤه التكبر واستجهال المستهزأ به
وثمة أسباب غامضة فيها دسائس للشيطان وهي أن يذكر إنسان في حالة التعجب أو الرحمة أو الغضب لله تعالى فيقول مثلا تعجبت من فلان كيف يجلس بين يدي فلان وهو جاهل فيكون تعجبه من المنكر لصدقه أو يقول مسكين فلان غمني أمره وما ابتلي به وهو صادق في الاغتمام وكذا قد يغضب على منكر قارفه إنسان فيظهر غضبه ويذكر اسمه والواجب في ذلك ستر اسمه وعدم إظهاره على غيره ولا عذر في ذكر الاسم في ذلك
بيان العلاج الذي به يمنع اللسان عن الغيبة
اعلم أن مساوئ الأخلاق كلها إنما تعالج بمعجون العلم والعمل وعلاج كف اللسان عن الغيبة إجمالا أن يعلم أنه يتعرض لسخط الله تعالى إذا اغتاب لارتكابه ما نهى الله عنه فمهما آمن العبد بما ورد من الأخبار في الغيبة لم يطلق لسانه بها خوفا من ذلك وينفعه أيضا أن يتدبر في نفسه فإن وجد فيها عيبا اشتغل
301
301
بعيب نفسه وذكر قوله صلى الله عليه وسلم طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ومهما وجد عيبا فينبغي أن يستحي من أن يترك ذم نفسه ويذم غيره بل ينبغي أن يتحقق أن عجز غيره عن نفسه في التنزه عن ذلك الغيب كعجزه وهذا إن كان ذلك عيبا يتعلق بفعله واختياره وإن كان أمرا خلقيا فالذم له ذم للخالق فإن من ذم صنعة فقد ذم صانعها وإذا لم يجد العبد عيبا في نفسه فليشكر الله تعالى ولا يلوثن نفسه بأعظم العيوب فإن ثلب الناس وأكل لحم الميتة من أعظم العيوب بل لو أنصف لعلم أن ظنه بنفسه أنه برئ من كل عيب جهل بنفسه وهو من أعظم الذنوب وينفعه أيضا أن يعلم أن تألم غيره كتألمه بغيبة غيره له فإذا كان لا يرضى لنفسه أن يغتاب فينبغي أن لا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه وبالجملة فمن قوي إيمانه انكف عن الغيبة لسانه
بيان تحريم الغيبة بالقلب وذلك بسوء الظن
اعلم أن سوء الظن حرام مثل سوء القول فكما يحرم عليك أن تحدث غيرك بلسانك بمساوئ الغير فليس لك أن تحدث نفسك وتسيء الظن بأخيك ولست أعني به إلا عقد القلب وحكمه على غيره ظنا بأمر سيئ فأما الخواطر وحديث النفس فهو معفو عنه ولكن المنهي عنه أنه يظن والظن عبارة عما تركن إليه النفس ويميل إليه القلب فقد قال تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم > ! وسبب تحريمه أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل فإن لم ينكشف كذلك فإنما الشيطان يلقيه إليك فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق وقد قال الله تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة > ! وفي الحديث إن الله حرم من المسلم دمه وماله وأن يظن به ظن السوء وحينئذ فإذا خطر لك وسواس سوء الظن فينبغي أن تدفعه عن نفسك
302
302
وتقرر عليها أن حاله عندك مستور كما كان وأن ما رأيته منه يحتمل الخير والشر فإن قلت فبماذا يعرف عقد الظن والشكوك تختلج والنفس تحدث فتقول أمارة عقد الظن أن يتغير القلب معه عما كان فينفر عنه نفورا ما ويستثقله ويفتر عن مراعاته وتفقده وإكرامه والاغتمام بسببه والمخرج منه أن لا يحققه أي لا يحقق في نفسه بعقد ولا فعل لا في القلب ولا في الجوارح وربما يلقي الشيطان أن هذا من فطنتك وسرعة تنبهك وذكائك وأن المؤمن ينظر بنور الله تعالى وهو على التحقيق ناظر بغرور الشيطان وظلمته ومهما عرفت هفوة مسلم بحجة فانصحه في السر ولا يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه
ومن ثمرات سوء الظن التجسس فإن القلب لا يقنع بالظن ويطلب التحقيق فيشتغل بالتجسس وهو أيضا منهي عنه قال الله تعالى ! < ولا تجسسوا > ! فالغيبة وسوء الظن والتجسس منهي عنه في آية واحدة ومعنى التجسس أن لا يترك عباد الله تحت ستر الله فيتوصل إلى الاطلاع وهتك الستر حتى ينكشف له ما لو كان مستورا عنه كان أسلم لقلبه ودينه وقد مضى في كتاب الأمر بالمعروف حكم التجسس وحقيقته
بيان الأعذار المرخصة في الغيبة
اعلم أنه إذا لم يمكن التوصل إلى غرض صحيح في الشرع إلا بذكر مساوئ الغير فإنه يرخص فيه ولا إثم وذلك في أمور
منها التظلم وذلك كمظلوم يرفع ظلامته على إنسان إلى أمير ليستوفي له حقه إذ لا يمكنه استيفاء حقه إلا بنسبته إلى الظلم قال صلى الله عليه وسلم إن لصاحب الحق مقالا وعنه مطل الغني ظلم
ومنها الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى منهج الصلاح
ومنها الاستفتاء كما يقول للمفتي ظلمني أبي أو زوجتي أو أخي إذا لم يفد
303
303
الإبهام أو التعريض وذلك لما روي عن هند بنت عتبة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي أفآخذ من غير علمه فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فذكرت الشح والظلم لها ولولدها ولم يزجرها عليه السلام إذ كان قصدها الاستفتاء
ومنها تحذير المسلم من الشر كما إذا علمت من إنسان ضررا فحذرت شخصا منه وكالمزكي يطعن في الشاهد إذا سئل عنه وكذلك المستشار في التزويج وإيداع الأمانة له أن يذكر ما يعرفه على قصد النصح للمستشير لا على قصد الوقيعة
ومنها أن يكون الإنسان معروفا بلقب يعرب عن عيبه كالأعرج والأعمش فلا حرج في ذكره لضرورة التعريف ولأن ذلك قد صار بحيث لا يكرهه صاحبه لو علمه بعد أن قد صار مشهورا به نعم إن وجد عنه معدلا وأمكنه التعريف بعبارة أخرى فهو أولى ولذلك يقال للأعمى البصير عدولا عن اسم النقص
ومنها أن يكون مجاهرا بالفسق متظاهرا به ولا يكره أن يذكر به فلا غيبة له بما يتظاهر به
بيان كفارة الغيبة
اعلم أن الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب ويتأسف على ما فعله ليخرج من حق الله سبحانه ثم يستحل المغتاب ليحله فيخرج من مظلمته إن قدر عليه ولم يخش محذورا وقال الحسن يكفيه الاستغفار دون الاستحلال وفي الحديث أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال اللهم
304
304
إني قد تصدقت بعرضي على الناس أي لا أطلب مظلمة في القيامة منه ولا أخاصمه وليس المراد إباحة تناول عرضه بل العفو عن جريمته وقد قال تعالى ! < خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين > ! وفي الحديث أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك
الآفة السادسة عشرة النميمة
قال الله تعالى ! < هماز مشاء بنميم > ! وقال تعالى ! < ويل لكل همزة لمزة > ! قيل الهمزة النمام وقال تعالى ! < حمالة الحطب > ! قيل إنها كانت نمامة حمالة للحديث وقال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة نمام وعنه صلى الله عليه وسلم أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الإخوان الملتمسون للبراء العثرات
305
305
وحد النميمة هو كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو كرهه ثالث وسواء كان الكشف بالقول أو بالكتابة أو بالرمز أو بالإيماء وسواء كان المنقول من الأعمال أو من الأقوال وسواء كان ذلك عيبا ونقصا في المنقول عنه أو لم يكن بل حقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه بل كل ما رآه الإنسان من أحوال الناس فينبغي أن يسكت عنه إلا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع لمعصية كما إذا رأى من يتناول مال غيره فعليه أن يشهد به مراعاة لحق المشهود عليه
والباعث على النميمة إما إرادة السوء للمحكي عنه أو إظهار الحب للمحكي له أو التفرج بالحديث والخوض في الفضول والباطل
وكل من حملت إليه نميمة فعليه أن لا يسارع إلى صدقه لقوله تعالى ! < إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا > ! وأن ينهاه وينصح له وأن لا يظن بالغائب سوءا وأن لا يحمله ذلك على التجسس
وقال الحسن من نم إليك نم عليك وهذا إشارة إلى أن النمام ينبغي أن يبغض ولا يوثق بقوله ولا بصداقته وكيف لا وهو لا ينفك عن الغدر والخيانة والإفساد بين الناس وهو ممن يسعى في قطع ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض وقال تعالى ! < إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق > ! والنمام منهم وقال صلى الله عليه وسلم إن من شرار الناس من اتقاه الناس لشره والنمام منهم وقيل لمحمد بن كعب القرظي أي خصال المؤمن أوضع له فقال كثرة الكلام وإفشاء السر وقبول قول كل أحد وقال بعضهم لو صح ما نقله النمام إليك لكان هو المجترئ بالشتم عليك والمنقول عنه أولى بحلمك لأنه لم يقابلك بشتمك
306
306
الآفة السابعة عشرة كلام ذي الوجهين
وهو ذو اللسانين الذي يتردد بين المتعاديين ويكلم كل واحد منهما بكلام يوافقه من الثناء عليه في معاداته وذمه الآخر ووعده بأن ينصره على خصمه وهو من علامات النفاق نعم إذا دخل على متعاديين وجامل كل واحد منهما وكان صادقا فيه لم يكن ذا لسانين ولا منافقا فإن الإنسان قد يصادق متعاديين وأما لو نقل كلام كل واحد منهما إلى الآخر فهو ذو لسانين وهو شر من النمام لأن النمام ينقل من أحد الجانبين فقط وهذا يزيد النقل من الجانب الآخر ويزيد أن يحسن لكل واحد منهما ما هو عليه من المعاداة مع صاحبه نعم من ابتلي بمراعاة أحد الجانبين في قول ما لضرورة وخاف من تركه فهو معذور فإن اتقاء الشر جائز قال أبو الدرداء رضي الله عنه إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم وقالت عائشة استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إئذنوا له فبئس رجل العشيرة هو ثم لما دخل ألان له القول فلما خرج قلت يا رسول الله قلت فيه ما قلت ثم ألنت له القول فقال يا عائشة إن شر الناس الذي يكرم اتقاء شره ولكن هذا ورد في الإقبال وفي الكشر والتبسم وإلا فلا يجوز الثناء ولا التصديق ولا تحريك الرأس في معرض التقرير على كل كلام باطل فإن فعل فهو منافق بل ينبغي أن ينكر فإن لم يقدر فيسكت بلسانه وينكر بقلبه وللضرورات حكمها
الآفة الثامنة عشرة المدح
وهو منهي عنه في بعض المواضع أما الذم فهو الغيبة والوقيعة وقد ذكرنا حكمها والمدح يدخله ست آفات أربع من المادح واثنتان في الممدوح فأما المادح
فالأولى أنه قد يفرط فيه فينتهي به إلى الكذب
والثانية أنه قد يدخله الرياء فإنه بالمدح مظهر للحب وقد لا يكون مضمرا له ولا معتقدا لجميع ما يقوله فيصير به مرائيا منافقا
والثالثة أنه قد يقول ما لا يتحققه ولا سبيل له إلى الإطلاع عليه
والرابعة أنه قد يفرح الممدوح وهو ظالم أو فاسق وذلك غير جائز قال
307
307
الحسن من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعصى الله في الأرض
وأما الممدوح فيضره من وجهين
أحدهما أنه يحدث فيه كبرا وإعجابا وهما مهلكان
الثاني هو أنه إذا أثنى عليه فرح وفتر ورضي عن نفسه وقل تشميره للعمل
فإن سلم المدح من هذه الآفات في حق المادح والممدوح لم يكن به بأس بل ربما كان مندوبا إليه
وعلى الممدوح أن يكون شديد الاحتراز عن آفة الكبر والعجب وآفة الفتور ويتذكر أنه يعلم من نفسه ما لا يعلمه المادح وأنه لو انكشف له جميع أسراره وما يجري على خواطره لكف المادح عن مدحه وكان علي رضي الله عنه إذا أثني عليه يقول اللهم اغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرا مما يظنون وعلى المادح أن لا يجزم القول إلا بعد خبرة باطنة سمع عمر رضي الله عنه رجلا يثني على رجل فقال أسافرت معه قال لا قال أخالطته في المبايعة والمعاملة قال لا قال فأنت جاره صباحه ومساءه قال لا فقال والله الذي لا إله إلا هو لا أراك تعرفه وفي الحديث إن كان أحدكم لا بد مادحا أخاه فليقل أحسب فلانا ولا أزكي على الله أحدا
الآفة التاسعة عشرة الخطأ في دقائق لفظية
ينبغي التنبيه لدقائق الخطأ في فحوى الكلام والحذر عن الغفلة عنها لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته مثاله ما جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم لا يقل أحدكم ما شاء الله وشئت ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت وذلك لأن في العطف المطلق تشريكا وتسوية وهو على خلاف الاحترام وكان إبراهيم يكره أن يقول الرجل أعوذ
308
308
بالله وبك ولولا الله وفلان ويجوز أن يقول أعوذ بالله ثم بك ولولا الله ثم فلان وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن أحدكم ليشرك حتى يشرك بكلبه فيقول لولاه لسرقنا الليلة
وقال عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم قال عمر فوالله ما حلفت بها منذ سمعتها
وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقولن أحدكم عبدي ولا أمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله وليقل غلامي وجاريتي ولا يقل المملوك ربي ولا ربتي وليقل سيدي وسيدتي فكلكم عبيد الله والرب الله سبحانه وتعالى
وقال صلى الله عليه وسلم لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يكن سيدكم فقد أسخطتم ربكم
فعلى المتكلم أن يوافقه ورع حافظ ومراقبة لازمة ليسلم عن الخطر
الآفة العشرون سؤال العوام عن الغوامض
من حق العوام الاشتغال بالعمل الصالح إلا أن الفضول خفيف على القلب والعامي قد يفرح بالخوض في العلم إذ الشيطان يخيل إليه أنه من العلماء وأهل الفضل ولا يزال يحبب إليه ذلك حتى قد يتكلم بما هو كفر ولا يدري وكل من سأل عن علم غامض ولم يبلغ فهمه تلك الدرجة فهو مذموم فإنه بالإضافة إليه عامي وفي الحديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال وفي قصة موسى والخضر عليهما السلام تنبيه على المنع من السؤال
309
309
قبل أوان استحقاقه إذ قال ! < فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا > ! فلما سأل عن السفينة أنكر عليه حتى اعتذر وقال ! < لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا > ! فلما لم يصبر حتى سأل ثلاثا قال ! < هذا فراق بيني وبينك > ! وفارقه فسؤال العوام عن غوامض الدين من أعظم الآفات فيجب منعهم من ذلك وزجرهم
310
310
كتاب ذم الغضب والحقد والحسد
إن الغضب شعلة نار اقتبست من نار الله الموقدة التي تطلع الأفئدة وإنها لمستكنة في طي الفؤاد استكنان الجمر تحت الرماد ويستخرجها الكبر الدفين في قلب كل جبار عنيد كاستخراج الحجر النار من الحديد وقد انكشف للناظرين بنور اليقين إن الإنسان ينزع منه عرق إلى الشيطان اللعين فمن استفزته نار الغضب فقد قويت فيه قرابة الشيطان حيث قال ! < خلقتني من نار وخلقته من طين > ! فإن شأن الطين السكون والوقار وشأن النار التلظي والاستعار والحركة والاضطراب ومن نتائج الغضب الحقد والحسد وبهما هلك من هلك وفسد من فسد ومفيضهما مضغة إذا صلحت صلح الجسد وإذا كان الحقد والحسد والغضب مما يسوق العبد إلى مواطن العطب فما أحوجه إلى معرفة معاطبه ومساوئه ليحذر ذلك ويتقيه ويميطه عن القلب إن كان وينفيه وهاك بيان ذلك بعونه تعالى
بيان ذم الغضب
قال الله تعالى ! < إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين > ! الآية ذم الكفار بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب بالباطل ومدح المؤمنين بما أنزل عليهم من السكينة وروي أن رجلا قال يا رسول الله مرني بعمل وأقلل قال لا تغضب ثم أعاد عليه
311
311
فقال لا تغضب وقال صلى الله عليه وسلم ما تعدون الصرعة فيكم قلنا الذي لا تصرعه الرجال قال ليس ذلك ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب
وعن جعفر الغضب مفتاح كل شر وقال بعض الأنصار رأس الحمق الحدة وقائده الغضب ومن رضي بالجهل استغنى عن الحلم والحلم زين ومنفعة والجهل شين ومضرة والسكوت عن جواب الأحمق جوابه وقال الحسن من علامات المسلم قوة في دين وحزم في لين وإيمان في يقين وعلم في حلم وكيس في رفق وإعطاء في حق وقصد في غنى وتجمل في فاقة وإحسان في قدرة وتحمل في رفاقة وصبر في شدة لا يغلبه الغضب ولا تجمح به الحمية ولا تغلبه شهوة ولا تفضحه بطنة ولا يستخفه حرصه ولا تقصر به نيته فينصر المظلوم ويرحم الضعيف ولا يبخل ولا يبذر ولا يسرف ولا يقتر يغفر إذا ظلم ويعفو عن الجاهل نفسه منه في عناء والناس منه في رخاء
درجات الناس مع الغضب
اعلم أن قوة الغضب محلها القلب ومعناها غليان دم القلب وانتشاره في العروق وارتفاعه إلى أعالي البدن كما ترتفع النار والماء الذي يغلي في القدر فلذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين والبشرة لصفائها تحكي لون ما وراءها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها
ثم إن الناس في هذه القوة على درجات ثلاث من التفريط والإفراط والاعتدال
312
312
أما التفريط ففقد هذه القوة أو ضعفها وذلك مذموم وهو الذي يقال فيه إنه لا حمية له وقد وصف الله سبحانه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالشدة والحمية فقال ! < أشداء على الكفار > ! وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم ! < جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم > ! وإنما الغلظة والشدة من آثار قوة الحمية وهو الغضب
وأما الإفراط فهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين وطاعته ولا يبقى للمرء معه بصيرة وفكرة ولا اختيار بل يصير في صورة المضطر ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون وشدة الرعدة في الأطراف وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام واضطراب الحركة والكلام حتى يظهر الزبد على الأشداق وتحمر الأحداق وتنقلب المناخر وتستحيل الخلقة ولو رأى الغضبان في حال غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره فإن الظاهر عنوان الباطن وإنما قبحت صورة الباطن أولا ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا فتغير الظاهر ثمرة تغير الباطن فقس المثمر بالثمرة فهذا أثره في الجسد
وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام الذي يستحي منه ذو العقل ويستحي منه قائله عند فتور الغضب وذلك مع تخبط النظم واضطراب اللفظ
وأما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن وقد يمزق ثوب نفسه ويلطم نفسه وقد يضرب بيده على الأرض وربما يعتريه مثل الغشية وربما يضرب الجمادات والحيوانات أو يكسر القصعة أو يشتم البهيمة أو ترفسه دابة فيرفسها ويقابلها بذلك كالمجنون
وأما أثره في القلب فالحقد والحسد وإضمار السوء والشماتة بالمساءات والحزن بالسرور والعزم على إفشاء السر وهتك الستر والاستهزاء وغير ذلك من القبائح فهذه ثمرة الغضب المفرط
وأما ثمرة الحمية الضعيفة فقلة الأنفة مما يؤنف منه من التعرض للحرم والزوجة واحتمال الذل من الأخساء وصغر النفس وهو أيضا مذموم إذ من
313
313
ثمراته عدم الغيرة على الحرم وهو صونها قال صلى الله عليه وسلم إن سعدا لغيور وأنا أغير من سعد والله أغير مني وإنما خلقت الغيرة لحفظ الأنساب ولو تسامح الناس بذلك لاختلطت الأنساب ولذلك قيل كل أمة وضعت الغيرة في رجالها وضعت الصيانة في نسائها
ومن ضعف الغضب الخور والسكوت عند مشاهدة المنكرات وقد قال تعالى ! < ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله > !
ففقد الغضب مذموم وإنما المحمود غضب ينتظر إشارة العقل والدين فينبعث حيث تجب الحمية وينطفيء حيث يحسن الحلم وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده وهو الوسط الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال خير الأمور أوساطها
زوال الغضب بالرياضة وغيرها
اعلم أنه ما دام الإنسان يحب شيئا ويكره شيئا فلا يخلو من الغيظ والغضب لأنه من مقتضى الطبع إلا أنه قد تفيد الرياضة في محو قوته وذلك بالمجاهدة وتكلف الحلم والاحتمال مدة حتى يصير الحلم والاحتمال خلقا راسخا فالرياضة ليست لينعدم غيظ القلب لأنه غير ممكن ولكن ليستعمله على حد يستحبه الشرع ويستحسنه العقل وذلك بكسر سورته وتضعيفه حتى لا يشتد هيجان الغيظ في الباطن وينتهي ضعفه إلى أن لا يظهر أثره في الوجه وقد يتصور فقد الغيظ بغلبة نظر التوحيد أو بأن يعلم أن الله يحب منه أن لا يغتاظ فتطفئ شدة حبه لله تعالى غيظه أو بأن يشتغل القلب بضروري أهم من الغضب فلا يكون في القلب متسع للغضب لاشتغاله بغيره فإن استغراق القلب ببعض المهمات يمنع الإحساس بما عداه
314
314
بيان الأسباب المهيجة للغضب
قد عرفت أن علاج كل علة بحسم مادتها وإزالة أسبابها فلا بد من معرفة أسباب الغضب وأسبابه المهيجة له هي الزهو والعجب والمزاح والهزل والهزء والتعبير والمماراة والمضادة والغدر وشدة الحرص على حصول المال والجاه وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعا ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلا بد من إزالتها بأضدادها فينبغي أن تميت الزهو بالتواضع وتميت العجب بمعرفتك بنفسك وتزيل الفخر بأنك من جنس أقل مخلوق إذ الناس يجمعهم في الانتساب أب واحد وإنما الفخر بالفضائل والفخر والعجب أكبر الرذائل وأما المزاح فتزيله بالتشاغل بالمهمات الدينية التي تستوعب العمر وتفضل عنه وأما الهزل فتزيله بالجد في طلب الفضائل والأخلاق الحسنة والعلوم الدينية التي تبلغك إلى سعادة الآخرة وأما الهزء فتزيله بالتكرم على إيذاء الناس وبصيانة النفس عن أن يستهزأ بك وأما التعيير فبالحذر عن القول القبيح وصيانة النفس عن مر الجواب وأما شدة الحرص فبالصبر على مر العيش وبالقناعة بقدر الضرورة طلبا لعز الاستغناء وترفعا عن ذل الحاجة وكل خلق من هذه الأخلاق وصفة من هذه الصفات يفتقر في علاجه إلى رياضة وتحمل مشقة وحاصل رياضتها الرجوع إلى معرفة غوائلها لترغب النفس عنها وتنفر عن قبحها ثم المواظبة على مواظبة أضدادها مدة مديدة حتى تصير بالعادة هينة مألوفة على النفس فإذا انمحت عن النفس فقد زكت وتطهرت عن هذه الرذائل وتخلصت أيضا من الغضب الذي يتولد منها وأشد البواعث للغضب عند أكثر الجهال تسميتهم الغضب شجاعة وعزة نفس حتى تميل النفس إليه وتستحسنه وهذا من الجهل بل هو مرض قلب ونقصان عقل ويعالج هذا الجاهل بأن تتلى عليه حكايات أهل الحلم والعفو وما استحسن منهم من كظم الغيظ فإن ذلك منقول عن الأنبياء والعلماء
بيان علاج الغضب بعد هيجانه
ما تقدم هو حسم لمواد الغضب حتى لا يهيج فإذا جرى سبب هيجه فعنده يجب التثبت حتى لا يضطر صاحبه إلى العمل به على الوجه المذموم وإنما يعالج الغضب عند هيجانه بمعجون العلم والعمل أما العلم فهو أمور
الأول أن يتفكر فيما ورد في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال
315
315
فيرغب في ثوابه وتمنعه الرغبة في الأجر عن الانتقام وينطفئ عنه غيظه
الثاني أن يخوف نفسه بعقاب الله لو أمضى غضبه وهل يأمن من غضب الله عليه يوم القيامة وهو أحوج ما يكون إلى العفو
الثالث أن يحذر نفسه عاقبة العداوة والانتقام وتشمر العدو لمقابلته والسعي في هدم أغراضه والشماتة بمصائبه وهو لا يخلو عن المصائب فيخوف نفسه بعواقب الغضب في الدنيا إن كان لا يخاف من الآخرة
الرابع أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب بأن يتذكر صورة غيره في حالة الغضب ويتفكر في قبح الغضب في نفسه ومشابهة صاحبه للكلب الضاري والسبع العادي ومشابهة الحليم الهادي التارك للغضب للأنبياء والأولياء والعلماء والحكماء ويخير نفسه بين أن يتشبه بالكلاب والسباع وأراذل الناس وبين أن يتشبه بالعلماء والأنبياء في عادتهم لتميل نفسه إلى حب الاقتداء بهؤلاء إن كان قد بقي معه مسكة من عقل
الخامس أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام ويمنعه من كظم الغيظ مثل قول الشيطان له إن هذا يحمل منك على العجز والذلة وتصير حقيرا في أعين الناس فيقول لنفسه ما أعجبك تأنفين من الاحتمال الآن ولا تأنفين من خزي يوم القيامة ولا تحذرين من أن تصغري عند الله والملائكة والنبيين فمهما كظم الغيظ فينبغي أن يكظمه لله وذلك يعظمه عند الله فما له وللناس وأما العمل فأن تقول بلسانك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وإن كنت قائما فاجلس وإن كنت جالسا فاضطجع ويستحب أن يتوضأ بالماء البارد فإن الغضب من النار والنار لا يطفئها إلا الماء
فضيلة كظم الغيظ
قال الله تعالى ! < وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين > ! دلت الآية على أن الكاظمين من المتقين وأن مغفرة ربهم تنالهم وجنته أعدت لهم فما أفضل هذا الجزاء
316
316
وقال صلى الله عليه وسلم من كف غضبه كف الله عنه عذابه ومن اعتذر إلى ربه قبل الله عذره ومن خزن لسانه ستر الله عورته وقال صلى الله عليه وسلم أشدكم من غلب نفسه عند الغضب وأحلمكم من عفا عند القدرة وروي أن رجلا من جفاة الأعراب قال لعمر رضي الله عنه والله ما تقضي بالعدل ولا تعطي الجزل فغضب عمر حتى عرف ذلك في وجهه فقال له رجل يا أمير المؤمنين ألم تسمع قول الله تعالى ! < خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين > ! وإن هذا من الجاهلين فسكن عمر رضي الله عنه وعفا عنه
فضيلة الحلم
اعلم أن الحلم أفضل من كظم الغيظ لأن كظم الغيظ عبارة عن التحلم أي تكلف الحلم ولا يحتاج إلى كظم الغيظ إلا من هاج غيظه ويحتاج فيه إلى مجاهدة شديدة ولكن إذا تعود ذلك مدة صار ذلك اعتيادا فلا يهيج الغيظ وإن هاج فلا يكون في كظمه تعب وهو الحلم الطبيعي وهو دلالة كمال العقل واستيلائه وإنكسار قوة الغضب وخضوعها للعقل ولكن ابتداؤه التحلم وكظم الغيظ تكلفا وفي الحديث إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم إشارة إلى أن اكتساب الحلم طريقه التحلم أولا وتكلفه كما أن اكتساب العلم طريقه التعلم وعنه صلى الله عليه وسلم إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم وعن الحسن في قوله تعالى ! < وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما > ! قال حلماء
317
317
إن جهل عليهم لم يجهلوا وعن مجاهد في آية ! < وإذا مروا باللغو مروا كراما > ! أي إذا أوذوا صفحوا وعن علي رضي الله عنه ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك وأن لا تباهي الناس بعبادة الله وإذا أحسنت حمدت الله تعالى وإذا أسأت استغفرت الله تعالى وقال أكثم دعامة العقل الحلم وجماع الأمر الصبر وقال معاوية لا يبلغ العبد مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله وصبره شهوته ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم وقال معاوية لعمرو بن الأهتم أي الرجال أشجع قال من رد جهله بحلمه قال أي الرجال أسخى قال من بذل دنياه لصلاح دينه وقال معاوية لعرابة بم سدت قومك قال كنت أحلم عن جاهلهم وأعطي سائلهم وأسعى في حوائجهم فمن فعل مثل فعلي فهو مثلي ومن جاوزني فهو أفضل مني ومن قصر عني فأنا خير منه وقال أنس بن مالك في قوله تعالى ! < ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم > ! هو الرجل يشتمه أخوه فيقول إن كنت كاذبا فغفر الله لك وإن كنت صادقا فغفر الله لي وعن علي ابن الحسين رضي الله عنهما أنه سبه رجل فرمى إليه بخميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم فقال بعضهم جمع له خمس خصال محمودة الحلم وإسقاط الأذى وتخليص الرجل مما يبعده من الله عز وجل وحمله على الندم
318
318
والتوبة ورجوعه إلى المدح بعد الذم اشترى جميع ذلك بشيء من الدنيا يسير
بيان القدر الذي يجوز به الانتصار من الكلام
اعلم أن كل ظلم صدر من شخص فلا يجوز مقابلته بمثله فلا تجوز مقابلة الغيبة بالغيبة ولا مقابلة التجسس بالتجسس ولا السب بالسب وكذلك سائر المعاصي وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقابلة التعيير فقال إن امرؤ عيرك بما فيك فلا تعيره بما فيه وقال قوم تجوز المقابلة بما لا كذب فيه قالوا والنهي النبوي عن مقابلة التعيير بمثله نهي تنزيه والأفضل تركه ولكنه لا يعصى به قالوا والذي يرخص فيه أن تقول من أنت ويا أحمق ويا جاهل إذ ما من أحد إلا وفيه حمق وجهل فقد آذاه بما ليس بكذب وكذلك قوله يا سيئ الخلق يا ثلابا للأعراض وكان ذلك فيه وكذلك قوله لو كان فيك حياء لما تكلمت وما أحقرك في عيني بما فعلت واستدلوا بالحديث المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم فأثبت للمظلوم انتصارا إلى أن يعتدي
فهذا القدر هو الذي أباحه هؤلاء وهو رخصة في الإيذاء جزاء على إيذائه السابق قال الغزالي ولا تبعد الرخصة في هذا القدر ولكن الأفضل تركه فإنه يجره إلى ما وراءه ولا يمكنه الاقتصار على قدر الحق فيه والسكوت عن أصل الجواب لعله أيسر من الشروع في الجواب والوقوف على حد الشرع فيه ولكن من الناس من لا يقدر على ضبط نفسه في فورة الغضب ولكن يعود سريعا وفي الحديث خير بني آدم البطيء الغضب السريع الفيء وشرهم السريع الغضب البطيء الفيء
319
319
معنى الحقد ونتائجه الوخيمة وفضيلة الرفق
اعلم أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقدا ومعنى الحقد أن يلزم قلبه استثقاله والبغضة له والنفار عنه وأن يدوم ذلك ويبقى وقد قال صلى الله عليه وسلم المؤمن ليس بحقود والحقد ثمرة الغضب والحقد يثمر أمورا منكرة
الأول الحسد وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عنه فتغتم بنعمة إن أصابها وتسر بمصيبة إن نزلت به وهذا من فعل المنافقين
الثاني أن يزيد على إضمار الحسد في الباطن فيشمت بما أصابه من البلاء
الثالث أن تهجره وتصارمه وتنقطع عنه وإن طلبك وأقبل عليك
الرابع وهو دونه أن تعرض عنه استصغارا له
الخامس أن تتكلم فيه بما لا يحل من كذب وغيبة وإفشاء سر وهتك ستر وعورة
السادس أن تحاكيه استهزاء به وسخرية منه
السابع إيذاؤه بالضرب وما يؤلم بدنه
الثامن أن تمنعه حقه من قضاء دين أو صله رحم أو رد مظلمة وكل ذلك حرام وأقل درجات الحقد لو احترز عن هذه الآفات الثماني أن يترك البشاشة أو الرفق والعناية والقيام بحاجاته أو المعاونة على المنفعة له وكله مما ينقص الدرجة في الدين ويفوت الثواب الجزيل
ولما حلف أبو بكر رضي الله عنه أن لا ينفق على مسطح وكان قريبه لأمر ما نزل قوله تعالى ! < ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم > !
320
فقال أبو بكر نعم نحب ذلك وعاد إلى الإنفاق عليه والأولى أن يبقى على ما كان عليه فإن أمكنه أن يزيد في الإحسان مجاهدة للنفس وإرغاما للشيطان فذلك مقام الصديقين وهو من فضائل أعمال المقربين
فضيلة العفو والإحسان
اعلم أن معنى العفو أن يستحق حقا فيسقطه ويبرأ عنه من قصاص أو غرامة قال الله تعالى ! < خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين > ! وقال تعالى ! < وأن تعفوا أقرب للتقوى > ! وقال صلى الله عليه وسلم التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله والعفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله والصدقة لا تزيد المال إلا كثرة فتصدقوا يرحمكم الله ) وقال صلى الله عليه وسلم أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك وروي عن الحسن البصري رحمه الله أنه دخل على أمير يعرض له بالعفو فذكر الحسن قصة يوسف عليه السلام وما صنع به إخوته ومن بيعهم إياه وطرحهم له في الجب فقال باعوا أخاهم وأحزنوا أباهم وذكر ما لقي من كيد النساء ومن الحبس ثم قال أيها الأمير ماذا صنع الله به أداله منهم ورفع ذكره وأعلى كلمته وجعله على خزائن الأرض فماذا صنع حين أكمل له أمره وجمع له أهله قال ! < لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين > ! فعفا ذلك
321
321
الأمير وروي أن ابن مسعود سرقت له دراهم فجعلوا يدعون على من أخذها فقال لهم اللهم إن كان حملته على أخذها حاجة فبارك له فيها وإن كان حملته جراءة على الذنب فاجعله آخر ذنوبه وقال معاوية عليكم بالحلم والاحتمال فإذا أمكنتكم الفرصة فعليكم بالصفح والإفضال
فضيلة الرفق
اعلم أن الرفق محمود ويضاده العنف والحدة والعنف نتيجة الغضب والفظاظة والرفق واللين نتيجة حسن الخلق والسلامة ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وحفظها على حد الاعتدال ولأجل هذا أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرفق وبالغ فيه فقال من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من خير الدنيا والآخرة وقال صلى الله عليه وسلم إذا أحب الله أهل بيت أدخل عليهم الرفق وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة عليك بالرفق فإنه لا يدخل في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه
وسر الترغيب في الرفق والثناء عليه هو كون الطباع إلى العنف والحدة أميل وإن كان العنف في محله حسنا فإن الحاجة قد تدعو إليه ولكن على الندور والكامل من يميز مواقع الرفق عن مواقع العنف فيعطي كل أمر حقه
322
322
ذم الحسد
اعلم أن الحسد أيضا من نتائج الحقد الذميم وللحسد من الفروع الذميمة ما لا يكاد يحصى وقد ورد في ذمه أخبار كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وقوله لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله ومن الآثار قول بعض السلف إن أول خطيئة كانت هي الحسد حسد إبليس آدم عليه السلام على رتبته فأبى أن يسجد له فحمله الحسد على المعصية وعن ابن سيرين رحمه الله ما حسدت أحدا على شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على أمر الدنيا وهي حقيرة في الجنة وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار وقال بعضهم الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلا ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضا ولا ينال من الخلق إلا جزعا وغما ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالا
حقيقة الحسد وحكمه وأقسامه
الحسد نوعان
أحدهما كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه
وثانيهما عدم محبة زوالها وتمني مثلها وهذا يسمى غبطة فالأول حرام بكل حال إلا نعمة أصابها فاجر وهو يستعين بها على محرم كإفساد وإيذاء فلا يضر محبة زوالها عنه من حيث هي آلة الفساد ويدل على تحريم الحسد الأخبار التي نقلناها وإن هذه الكراهة تسخط لقضاء الله في تفضيل بعض عباده على بعض وذلك لا عذر فيه ولا رخصة وأي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون لك
323
323
منه مضرة وإلى هذا أشار القرآن بقوله ! < إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها > ! وهذا الفرح شماتة والحسد والشماتة يتلازمان وقال تعالى ! < ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا > ! أي لا تضيق صدورهم به ولا يغتمون فأثنى عليهم بعدم الحسد وأما المنافسة فليست بحرام بل قد تكون مطلوبة قال تعالى ! < وفي ذلك فليتنافس المتنافسون > ! وقال تعالى ! < سابقوا إلى مغفرة من ربكم > ! وقال صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله علما فهو يعمل به ويعلمه الناس فلا حرج على من يغبط غيره في نعمة ويشتهي لنفسه مثلها مهما لم يحب زوالها عنه ولم يكره دوامها له وأما تمني عين نعمة الغير بانتقالها إليه لرغبته فيها بحيث يكون مطلوبه تلك النعمة لا زوالها فهو مذموم لقوله تعالى ! < ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض > ! وأما تمنيه لمثل ذلك فليس مذموما فاعرف الفرق
أسباب الحسد
للحسد المذموم مداخل كثيرة وأسباب عديدة
فمنها العداوة والبغضاء وهذا أشد أسباب الحسد فإن من آذاه شخص بسبب من الأسباب وخالفه في غرض بوجه من الوجوه أبغضه قلبه وغضب عليه ورسخ في نفسه الحقد والحقد يقتضي منه التشفي والانتقام فإن عجز المتنغص عن أن يتشفى بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان وربما يحيل ذلك على كرامة نفسه عند
324
324
الله تعالى فمهما أصابت عدوه بلية فرح بها وظنها مكافأة له من جهة الله على بغضه وأنها لأجله ومهما أصابته نعمة ساءه ذلك لأنه ضد مراده وربما يخطر له أنه لا منزلة له عند الله حيث لم ينتقم له من عدوه الذي آذاه بل أنعم عليه وبالجملة فالحسد يلزم البغض والعداوة ولا يفارقهما وإنما غاية التقي أن لا يبغي وأن يكره ذلك من نفسه
ومنها التعزز وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره
ومنها حب الرياسة وطلب الجاه بأن يكون منفردا عديم النظير غير مشارك في المنزلة يسوءه وجود مناظر له في المنزلة
ومنها خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله بحيث يشق عليه أن يوصف عنده حسن حال عبد فيما أنعم عليه ويفرح بذكر فوات مقاصد أحد واضطراب أموره وتنغص عيشه فهو أبدا يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وهذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث في النفس ورذالة في الطبع ومعالجته شديدة لأنه خبث في الجبلة لا عن عارض حتى يتصور زواله وقد يجتمع بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد فيعظم فيه الحسد بذلك ويقوي قوة لا يقدر معها على الإخفاء والمجاملة بل ينتهك حجاب المجاملة وتظهر العداوة بالمكاشفة أعاذنا المولى من ذلك بلطفه وكرمه
بيان الدواء الذي ينفي مرض الحسد عن القلب
اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا تداوي أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين وأنه لا ضرر فيه على المحسود في الدنيا والدين بل ينتفع به فيهما ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك فارقت الحسد لا محالة أما كونه ضررا عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى وكرهت نعمته التي قسمها بين عباده وعدله الذي أقامه في ملكة بخفي حكمته فاستنكرت ذلك واستبشعته وهذه جناية في حدقة التوحيد وقذى في عين الإيمان وناهيك بهما جناية على الدين وقد انضاف إلى ذلك أنك فارقت أولياءه وأنبياءه في حبهم الخير لعباده تعالى وشاركت إبليس والكفار في محبتهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب وأما كونه ضررا في الدنيا فهو أنك تتألم بحسدك في الدنيا أو تتعذب به ولا تزال في كمد
325
325
وغم إذ أعداؤك لا يخليهم الله تعالى عن نعم يفيضها عليهم فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم فتبقى مغموما ضيق الصدر فقد نزل بك ما يشتهيه الأعداء لك وتشتهيه لأعدائك فقد كنت تريد المحنة لعدوك فتنجزت في الحال محنتك وغمك نقدا ولا تزول النعمة عن المحسود بحسدك ولو لم تكن تؤمن بالبعث والحساب لكان مقتضى الفطنة إن كنت عاقلا أن تحذر من الحسد لما فيه من ألم القلب ومساءته مع عدم النفع فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة فما أعجب من يتعرض لسخط الله من غير نفع يناله بل مع ضرر يحتمله وألم يقاسيه فيهلك دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك وأما أن المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فواضح أما منفعته في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساوئه فهذه هدايا تهديها إليه إذ تهدي إليه حسناتك حتى تلقاه يوم القيامة مفلسا محروما كما حرمت في الدنيا عن النعمة فإذا تأملت هذا عرفت أنك عدو نفسك وصديق عدوك إذ تعاطيت ما تضررت به في الدنيا والآخرة وانتفع به عدوك في الدنيا والآخرة وصرت مذموما عند الخالق والخلائق شقيا في الحال والمآل ونعمة المحسود دائمة شئت أم أبيت باقية ومن تفكر بهذا بذهن صاف وقلب حاضر انطفأت نار الحسد من قلبه وأما العمل النافع فيه فهو أن يكلف نفسه نقيض ما يتقاضاه الحسد وذلك بالتواضع للمحسود والثناء والمدح وإظهار السرور بالنعمة فتعود القلوب إلى التآلف والتحاب وبذلك تستريح القلوب من ألم الحسد وغم التباغض فهذه هي أدوية الحسد وهي نافعة جدا إلا أنها مرة على القلوب جدا ولكن النفع في الدواء المر فمن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل حلاوة الشفاء وإنما تهون مرارة هذا الدواء أعني التواضع للأعداء والتقرب إليهم بالمدح والثناء بقوة العلم بالمعاني التي ذكرناها وقوة الرغبة في ثواب الرضاء بقضاء الله تعالى
326
326
كتاب ذم الدنيا
الآيات الواردة في ذم الدنيا وأمثلتها كثيرة وأكثر القرآن مشتمل على ذم الدنيا وصرف الخلق عنها ودعوتهم إلى الآخرة بل هو مقصود الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولم يبعثوا إلا لذلك فلا حاجة إلى الاستشهاد بآيات القرآن لظهورها وإنما نورد بعض الأخبار الواردة فيها فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على شاة ميتة فقال أترون هذه الشاة هينة على أهلها قالوا من هوانها ألقوها قال والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء وقال صلى الله عليه وسلم حب الدنيا رأس كل خطيئة وقال صلى الله عليه وسلم إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون
بيان الدنيا المذمومة
اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا تكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي وما الذي ينبغي أن يجتنب منها وما الذي لا يجتنب فلا بد وأن نبين الدنيا المذمومة المأمور
327
327
باجتنابها لكونها عدوة قاطعة لطريق الله ما هي فنقول
دنياك وآخرتك عبارة عن حالتين من أحوال قلبك فالقريب الداني يسمى دنيا وهو كل ما قبل الموت والمتراخي المتأخر يسمى آخرة وهو ما بعد الموت فكل ما لك فيه حظ ونصيب وغرض وشهوة ولذة عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك إلا أن جميع ما لك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم بل هو ثلاثة أقسام
القسم الأول ما يصحبك في الآخرة ويبقى معك ثمرته بعد الموت وهو العلم النافع والعمل الصالح
القسم الثاني وهو المقابل له على الطرف الأقصى كل ما فيه حظ عاجل ولا ثمرة له في الآخرة أصلا كالتلذذ بالمعاصي كلها والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الحاجات والضرورات الداخلة في جملة الرفاهية والرعونات أي في السرف فحظ العبد من هذا كله هي الدنيا المذمومة
القسم الثالث وهو متوسط بين الطرفين كل حظ عاجل معين على أعمال الآخرة وهو ما لا بد منه ليتأتي للإنسان البقاء والصحة التي بها يصل إلى العلم والعمل وهذا ليس من الدنيا كالقسم الأول لأنه معين على الأول ووسيلة إليه فمهما تناوله العبد على قصد الاستعانة به على العلم والعمل لم يكن به متناولا للدنيا ولم يصر به من أبناء الدنيا وكانت الدنيا في حقه مزرعة للآخرة وإن أخذ ذلك بقصد حظ النفس فهو من الدنيا فإذن الدنيا حظ نفسك العاجل الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة ويعبر عنه بالهوى وإليه الإشارة بقوله تعالى ! < ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى > ! ومجامع الهوى خمسة أمور وهي ما جمعه الله تعالى في قوله ! < أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد > !
328
328
والأعيان التي تحصل منها هذه الخمسة سبعة يجمعها قوله تعالى ! < زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا > ! وبالجملة فكل ما ليس لله فهو من الدنيا وما هو لله فذلك ليس من الدنيا
بيان حقيقة الدنيا في نفسها
اعلم أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة للإنسان فيها حظ وله في إصلاحها شغل وإنما الأعيان الموجودة التي لدينا عبارة عنها فهي الأرض وما عليها قال الله تعالى ! < إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا > ! فالأرض فراش للآدميين ومهاد ومسكن ومستقر وما عليها لهم ملبس ومطعم ومشرب ومنكح ويجمع ما على الأرض ثلاثة أقسام المعادن والنبات والحيوان
أما النبات فيطلبه الآدمي للاقتيات والتداوي
وأما المعادن فيطلبها للآلات والأواني كالنحاس والرصاص وللنقد كالذهب والفضة ولغير ذلك من المقاصد
وأما الحيوان فينقسم إلى الإنسان والبهائم أما البهائم فيطلب منها لحومها للمآكل وظهورها للمركب والزينة وأما الإنسان فقد يطلب الآدمي ليستخدم كالغلمان أو ليتمتع به كالجواري والنسوان ويطلب قلوب الناس ليملكها بأن يغرس فيها التعظيم والإكرام وهو الذي يعبر عنه بالجاه إذ معنى الجاه ملك قلوب الآدميين فهذه هي الأعيان التي يعبر عنها بالدنيا وقد جمعها الله تعالى في قوله ! < زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين > ! وهذا من الإنس ! < والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة > ! وهذا من الجواهر والمعادن وفيه تنبيه على غيرها من اللآلئ واليواقيت وغيرها ! < والخيل المسومة والأنعام > ! وهي البهائم والحيوانات ! < والحرث > ! وهو النبات والزرع فهذه هي أعيان الدنيا إلا أن لها مع العبد علاقتين علاقة مع القلب وهو حبه لها وحظه منها وانصراف همه إليها حتى يصير قلبه كالعبد أو المحب المستهتر بالدنيا ويدخل في هذه العلاقة جميع
329
329
صفات القلب المعلق بالدنيا كالكبر والغل والحسد والرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة وحب الثناء وحب التكاثر والتفاخر وهذه هي الدنيا الباطنة وأما الظاهرة فهي كالأعيان التي ذكرناها
العلاقة الثانية مع البدن وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان لتصلح لحظوظه وحظوظ غيره وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون بها والخلق إنما نسوا أنفسهم ومآبهم ومنقلبهم بالدنيا لهاتين العلاقتين علاقة القلب بالحب وعلاقة البدن بالشغل ولو عرف نفسه وعرف ربه وعرف حكمة الدنيا وسرها علم أن هذه الأعيان التي سميناها دنيا لم تخلق إلا لقوامه ليتقوى بها على إصلاح دينه حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن أقبل على الله تعالى بكنه همته وبقي ملازما لسياسة الشهوات ومراقبا لها حتى لا يجاوز حدود الورع والتقوى ولا يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية وهم الصحابة فقد كانوا على المنهج القصد وعلى السبيل الواضح فإنهم ما كانوا يأخذون الدنيا للدنيا بل للدين وما كانوا يترهبون ويهجرون الدنيا بالكلية وما كان لهم في الأمور تفريط ولا إفراط بل كان أمرهم بين ذلك قواما وذلك هو العدل والوسط بين الطرفين وهو أحب الأمور إلى الله تعالى
330
330
كتاب ذم البخل وذم المال
ما ذكرناه في كتاب ذم الدنيا لم يكن نظرا في المال خاصة بل في الدنيا عامة والمال بعض أجزائها الجدير بإفراد البحث عنه إذ فيه آفات وغوائل وللإنسان من فقده صفة الفقر ومن وجوده وصف الغنى وهما حالتان يحصل بهما الاختيار والامتحان ثم للفاقد حالتان القناعة والحرص وإحداهما مذمومة والأخرى محمودة وللحريص حالتان طمع فيما في أيدي الناس وتشمر للحرف والصناعات مع اليأس عن الخلق والطمع شر الحالتين وللواجد حالتان إمساك بحكم البخل والشح وإنفاق وإحداهما مذمومة والأخرى محمودة وللمنفق حالتان تبذير واقتصاد والمحمود هو الاقتصاد وهذه أمور متشابهة وكشف الغطاء عن الغموض فيها مهم ونحن نشرحه بعونه تعالى
بيان ذم المال وكراهة حبه
قال الله تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون > ! وقال تعالى ! < إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم > ! فمن اختار ماله وولده على ما عند الله فقد خسر وغبن خسرانا مبينا وقال تعالى ! < إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى > !
331
331
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقال تعالى ! < ألهاكم التكاثر > ! وقال صلى الله عليه وسلم تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم تعس ولا انتعش وإذا شيك فلا انتقش بين أن محبهما عابد لهما ومن عبد حجرا فهو عابد صنم أي من قطعه ذلك عن الله تعالى وعن أداء حقه فهو كعابد صنم وهو شرك إلا أن الشرك خفي وجلي نعوذ بالله منهما وقال صلى الله عليه وسلم يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وقال صلى الله عليه وسلم ما ذئبان ضاريان أرسلا في غنم بأكثر إفسادا فيها من حب الشرف والمال والجاه في دين الرجل المسلم وقال صلى الله عليه وسلم هلك المكثرون إلا من قال به في عباد الله هكذا وهكذا وقليل ما هم وعن يحيى بن معاذ قال الدرهم عقرب فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه فإنه إن لدغك قتلك سمه قيل وما رقيته قال أخذه من حله
332
332
ووضعه في حقه وعنه رحمه الله مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلها للعبد في ماله عند موته قيل وما هما قال يؤخذ منه كله ويسأل عنه كله
بيان مدح المال والجمع بينه وبين الذم
اعلم أن الله تعالى قد سمي المال خيرا في مواضع من كتابه العزيز فقال جل وعز ! < إن ترك خيرا > ! وقال تعالى ممتنا على عباده ! < ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا > ! وقال صلى الله عليه وسلم نعم المال الصالح للرجل الصالح ولا تقف على وجه الجمع بين الذم والمدح إلا بأن تعرف حكمة المال ومقصوده وآفاته حتى ينكشف لك أنه خير من وجه وشر من وجه وأنه محمود من حيث هو خير ومذموم من حيث هو شر فإنه ليس بخير محض ولا هو شر محض بل هو سبب الأمرين جميعا وما هذا وصفه فيمدح تارة ويذم أخرى
بيان تفصيل آفات المال وفوائده
قدمنا أن المال فيه خير وشر فمن عرف فوائده وغوائله أمكنه أن يحترز من شره ويستدر من خيره أما الفوائد فدنيوية ودينية أما الدنيوية فمعروفة وأما الدينية فتنحصر في ثلاثة أنواع
النوع الأول أن ينفقه على نفسه إما في عبادة كالسفر للحج والعلم وإما فيما يقويه على العبادة من مطعم وملبس ومسكن ومنكح وضرورات المعيشة وما لا يتوصل إلى العبادة إلا به فهو عبادة
النوع الثاني ما يصرفه إلى الناس وهو أربعة أقسام الصدقة والمروءة ووقاية العرض وأجرة الاستخدام
أما الصدقة فلا يخفى ثوابها
وأما المروءة فنعني بها صرف المال إلى الأغنياء والاشراف في ضيافة وهدية وإعانة وما يجري مجراها فإن هذه لا تسمى صدقة بل الصدقة ما يسلم إلى المحتاج
333
333
إلا أن هذا من الفوائد الدينية إذ به يكتسب العبد الإخوان والأصدقاء وبه يكتسب صفة السخاء ويلتحق بزمرة الأسخياء فلا يوصف بالجود إلا من يصطنع المعروف ويسلك سبيل المروءة والفتوة وهذا أيضا مما يعظم الثواب فيه فقد وردت أخبار كثيرة في الهدايا والضيافات وإطعام الطعام من غير اشتراط الفقر والفاقة في مصارفها
وأما وقاية العرض فنعني به بذل المال لدفع هجو الشعراء وثلب السفهاء ودفع شرهم وهو أيضا مع تنجز فائدته في العاجلة من الحظوظ الدينية ففي الحديث ما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة وكيف لا وفيه منع المغتاب عن معصية الغيبة واحتراز عما يثور من كلامه من العداوة التي تحمل في المكافأة والانتقام على مجاوزة حدود الشريعة
وأما الاستخدام فهو أن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان كثيرة ولو تولاها بنفسه ضاعت أوقاته
النوع الثالث ما لا يصرفه إلى إنسان معين ولكن يحصل به خير عام كبناء المساجد والقناطر والرباطات ودور المرضى وغير ذلك من الأوقاف المرصدة للخيرات وهي من الخيرات المؤبدة الدارة بعد الموت المستجلبة بركة أدعية الصالحين وناهيك بها خيرا فهذه جملة فوائد المال في الدين
وأما الآفات فدينية ودنيوية وأما الدينية فثلاث
الأولى أن تجر إلى المعاصي فإن المال يحرك داعية المعاصي وارتكاب الفجور
الثانية أنه يجر إلى التنعم في المباحات والتمرن عليه حتى يصير مألوفا عنده ومحبوبا لا يصبر عنه وإذا اشتد أنسه به ربما لا يقدر على التوصل إليه بالكسب الحلال فيقتحم الشبهات ويخوض في الكذب والنفاق وسائر الأخلاق الرديئة لينتظم له أمر دنياه ويتيسر له تنعمه وذلك من شؤم المال
الثالثة أنه يلهيه إصلاح ماله عن ذكر الله تعالى وكل ما شغل العبد عن الله فهو خسران وأما الآفات الدنيوية فكثيرة كالخوف والحزن والغم والهم والتعب في
334
334
دفع الحساب وتجشم المصاعب في حفظ المال وكسبه والفكر في خصومة الشركاء ومنازعتهم
وأودية أفكار الدنيا لا نهاية لها فإن ترياق المال أخذه من حله وصرفه في الخيرات وما عدا ذلك سموم وآفات نسأله تعالى السلامة والعون بلطفه وكرمه
بيان ذم الحرص والطمع ومدح القناعة والاقتصاد
ينبغي للفقير أن يكون قانعا منقطع الطمع عن الخلق غير متلفت إلى ما في أيديهم ولا حريصا على اكتساب المال كيف كان لئلا يتدنس بذل الحرص فيجره إلى مساوئ الأخلاق وارتكاب المنكرات وقد جبل الآدمي على الحرص والطمع وقلة القناعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا وعلاج ذلك لا يكون إلا بأمور
الأول الاقتصاد في المعيشة والرفق في الإنفاق وهو الأصل في القناعة فإن من كثر خرجه واتسع إنفاقه لم تمكنه القناعة وفي الحديث ما عال من اقتصد وعنه صلى الله عليه وسلم ثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب وعنه صلى الله عليه وسلم الاقتصاد وحسن السمت والهدي الصالح جزء من بضعة وعشرين جزءا من النبوة
الثاني أن يتحقق بأن الرزق الذي قدر له لا بد وأن يأتيه وإن لم يشتد حرصه
الثالث أن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء وما في الحرص والطمع من الذل والمداهنة
335
335
الرابع أن يكثر تأمله في تنعم الكفرة والحمقى ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء والأولياء ويستمع أحاديثهم ويطالع أحوالهم ويخير عقله بين أن يكون على مشابهة الفجار أو الأبرار فيهون عليه الصبر على القليل والقناعة باليسير
الخامس أن يفهم ما في جمع المال من الخطر كما ذكرنا في آفات المال ويتم ذلك بأن ينظر أبدا إلى من دونه في الدنيا لا إلى من فوقه فبهذه الأمور يقدر على اكتساب خلق القناعة وعماد الأمر الصبر
بيان فضيلة السخاء
اعلم أن المال إن كان مفقودا فينبغي أن يكون حال العبد القناعة وقلة الحرص وإن كان موجودا فينبغي أن يكون حاله الإيثار والسخاء واصطناع المعروف والتباعد عن الشح والبخل فإن السخاء من أخلاق الأنبياء عليهم السلام وهو أصل من أصول النجاة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أحاديث كثيرة منها خلقان يحبهما الله تعالى حسن الخلق والسخاء وخلقان يبغضهما سوء الخلق والبخل وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله في قضاء حوائج الناس وعنه صلى الله عليه وسلم إن من موجبات المغفرة بذل الطعام وإفشاء السلام وحسن الكلام وقال أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل شيئا على الإسلام إلا أعطاه وأتاه رجل فسأله فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة فرجع إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة وقال صلى الله عليه وسلم إن السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار وإن البخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار وجاهل سخي أحب أحب إلى الله من عالم بخيل وأدوأ الداء
336
336
البخل وقال صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة وكل ما انفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة وما وقى به الرجل عرضه فهو له صدقة وما أنفق الرجل من نفقة فعلى الله خلقها وقال صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة والدال على الخير كفاعله والله يحب إغاثة اللهفان وعن الحسن بن علي الكرم هو التبرع بالمعروف قبل السؤال والإطعام في المحل والرأفة بالسائل مع بذل النائل وعن عبد الله بن جعفر أمطر المعروف مطرا فإن أصاب الكرام كانوا له أهلا وإن أصاب اللئام كنت له أهلا ومن سخاء السلف ما حكي أن ابن عامر اشترى دارا بتسعين ألف درهم فلما كان الليل سمع بكاء أهلها فسأل فقيل يبكون لدراهم فقال يا غلام إيتهم فأعلمهم أن المال والدار لهم جميعا وكان الليث بن سعد لا يتكلم كل يوم حتى يتصدق على ثلثمائة وستين مسكينا وعن أسماء بن خارجة أن عبد الملك سأله عن خصال حدث بها عنه فأجابه أسماء ما
337
337
مددت رجلي بين يدي جليس لي قط ولا صنعت طعاما قط فدعوت عليه قوما إلا كانوا أمن علي مني عليهم ولا نصب لي رجل وجهه قط يسألني شيئا فاستكثرت شيئا أعطيته إياه وعن الشافعي أن حماد بن أبي سليمان انقطع زره وهو راكب فمر على خياط وأراد النزول فبادره الخياط وحلف عليه أن لا ينزل وأصلح له زره وهو راكب فأخرج له صرة فيها عشرة دنانير وسلمها له واعتذر إليه من قلتها قال الشافعي لا أزال أحب حمادا لما بلغني عنه وأنشد الشافعي لنفسه
( يا لهف قلبي على مال أجود به
على المقلين من أهل المروءات )
( إن اعتذاري إلى من جاء يسألني
ما ليس عندي من إحدى المصيبات )
وعن الربيع بن سليمان قال أخذ رجل بركاب الشافعي رحمه الله فقال يا ربيع أعطه أربعة دنانير واعتذر إليه عني وقام رجل إلى سعيد بن العاص فسأله فأمر له بمائة ألف درهم فبكى فقال له سعيد ما يبكيك قال أبكي على الأرض أن تأكل مثلك فأمر له بمائة ألف أخرى وروي أن عليا كرم الله وجهه بكى فقيل ما يبكيك فقال لم يأتني ضيف منذ سبعة أيام أخاف أن يكون الله قد أهانني وروي أن رجلا أتى صديقا له فدق عليه الباب فقال ما جاء بك قال علي أربعمائة درهم دين فوزن أربعمائة درهم وأخرجها إليه وعاد يبكي فسألته امرأته فقال أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي فرحم الله من هذه أخلاقهم وغفر لهم
بيان ذم البخل
قال الله تعالى ! < ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون > ! وقال تعالى ! < ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة > !
338
وقال صلى الله عليه وسلم إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم حملهم على أن يسفكوا دماءهم ويستحلوا محارمهم وقال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة بخيل وعنه صلى الله عليه وسلم إن الله يبغض البخيل في حياته السخي عند موته وقال صلى الله عليه وسلم خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق وعن علي كرم الله وجهه سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يده ولم يؤمر بذلك قال الله تعالى ! < ولا تنسوا الفضل بينكم > ! وقال الشعبي لا أدري أيهما أبعد غورا في نار جهنم البخل أو الكذب وقال بشر بن الحارث البخيل لا غيبة له قال النبي صلى الله عليه وسلم إنك إذا لبخيل وقال صلى الله عليه وسلم لوفد بني لحيان من سيدكم قالوا جد بن قيس إلا أنه رجل فيه بخل فقال صلى الله عليه وسلم وأي داء أدوأ من البخل ولكن سيدكم عمرو بن الجموح وكان عمرو يولم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج وعن علي رضي
339
339
الله عنه قال والله ما استقصى كريم قط حقه قال الله تعالى ! < فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض > ! وقال بشر النظر إلى البخيل يقسي القلب ولقاء البخلاء كرب على قلوب المؤمنين وقال ابن المعتز أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه
بيان الإيثار وفضله
اعلم أن السخاء والبخل كل منهما ينقسم إلى درجات فأرفع درجات السخاء الإيثار وهو أن يجود بالمال مع الحاجة إليه وإنما السخاء عبارة عن بذل ما لا يحتاج إليه لمحتاج أو لغير محتاج والبذل مع الحاجة أشد وكما أن السخاوة قد تنتهي إلى أن يسخو الإنسان على غيره مع الحاجة فالبخل قد ينتهي إلى أن يبخل على نفسه مع الحاجة فكم من بخيل يمسك المال ويمرض فلا يتداوى ويشتهي الشهوة فلا يمنعه منها إلا البخل بالثمن ولو وجدها مجانا لأكلها فهذا بخيل على نفسه مع الحاجة وذلك يؤثر على نفسه غيره مع أنه محتاج إليه فانظر ما بين الرجلين فإن الأخلاق عطايا يضعها الله حيث يشاء وليس بعد الإيثار درجة في السخاء وقد أثنى الله على الصحابة رضي الله عنهم به فقال ! < ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة > ! فقد روي أنه نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فلم يجد عند أهله شيئا فدخل عليه رجل من الأنصار فذهب بالضيف إلى أهله ثم وضع بين يديه الطعام وأمر امرأته بإطفاء السراج وجعل يمد يده إلى الطعام كأنه يأكل ولا يأكل حتى أكل الضيف الطعام فلما أصبح قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد عجب الله من صنيعكم الليلة إلى ضيفكم ونزلت ! < ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة > ! فالسخاء خلق من أخلاق الله تعالى والإيثار أعلى درجات السخاء وكان ذلك من دأب
340
340
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سماه الله تعالى عظيما فقال تعالى ! < وإنك لعلى خلق عظيم > !
قيل خرج عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما إلى ضيعة له فنزل على نخيل قوم وفيه غلام أسود يعمل فيه إذ أتى الغلام بقوته فدخل الحائط كلب ودنا من الغلام فرمى إليه الغلام بقرص فأكله ثم رمى إليه الثاني والثالث فأكله وعبد الله ينظر إليه فقال يا غلام كم قوتك كل يوم قال ما رأيت قال فلم آثرت به هذا الكلب قال ما هي بأرض كلاب إنه جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت أن أشبع وهو جائع قال فما أنت صانع اليوم قال أطوي يومي هذا فقال عبد الله بن جعفر ألام على السخاء إن هذا الغلام لأسخى مني فاشترى الحائط والغلام وما فيه من الآلات فأعتق الغلام ووهبه منه
وقال عمر رضي الله عنه أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال إن أخي كان أحوج مني إليه فبعث به إليه فلم يزل كل واحد يبعث به إلى آخر حتى تداوله سبعة أبيات ورجع إلى الأول
وقال حذيفة العدوي انطلقت يوم اليرموك من أيام فتوح الشام أطلب ابن عم لي ومعي شيء من ماء وأنا أقول إن كان به رمق سقيته ومسحت به وجهه فإذا أنا به فقلت أسقيك فأشار إلي أن نعم فإذا رجل يقول آه فأشار ابن عمي إلي انطلق به إليه قال فجئته فإذا هو هشام بن العاص فقلت أسقيك فسمع به آخر فقال آه فأشار هشام انطلق به إليه فجئته فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات رحمة الله عليهم أجمعين
بيان حد السخاء والبخل وحقيقتهما
اعلم أن المال خلق لحكمة وهو صلاحه لحاجات الخلق فيمكن إمساكه عن
341
341
صرفه إلى ما خلق الصرف إليه ويمكن بذله بالصرف إلى ما لا يحسن الصرف إليه ويمكن التصرف فيه بالعدل وهو أن يحفظ حيث يجب الحفظ ويبذل حيث يجب البذل فالإمساك حيث يجب البذل بخل والبذل حيث يجب الإمساك تبذير وبينهما وسط هو المحمود وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه إذ لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالسخاء وقد قيل له ! < ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط > ! وقال تعالى ! < والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما > ! فالجود وسط بين الإسراف والإقتار وبين البسط والقبض وهو أن يقدر بذله وإمساكه بقدر الواجب ولا بد أن يكون قلبه طيبا به غير منازع له فيه ثم إن الواجب بذله قسمان واجب بالشرع وواجب بالمروءة والعادة والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة فإن منع واحدا منهما فهو بخيل ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل كالذي يمنع أداء الزكاة ويمنع عياله وأهله النفقة أو يؤديها ولكنه يشق عليه فإنه بخيل بالطبع أو الذي يتيمم الخبيث من ماله ولا يطيب قلبه أن يعطي من أطيب ماله أو من وسطه فهذا كله بخل
ومن واجب المروءة ترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات فإن ذلك مستقبح واستقباح ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص فمن كثر ماله استقبح منه ما لا يستقبح من الفقير من المضايقة ويستقبح من الرجل المضايقة مع أهله وأقاربه ما لا يستقبح مع الأجانب ويستقبح من الجار ما لا يستقبح مع البعيد ويستقبح في الضيافة من المضايقة ما لا يستقبح في المعاملة وبالجملة فالبخيل هو الذي يمنع حيث ينبغي أن لا يمنع إما بحكم الشرع وإما بحكم المروءة ومن أدى واجب الشرع وواجب المروءة اللائقة به فقد تبرأ من البخل نعم لا يتصف بصفة الجود والسخاء ما لم يبذل زيادة على ذلك لطلب الفضيلة ونيل الدرجات فاصطناع المعروف وراء ما توجبه العادة والمروءة هو الجود ولكن بشرط أن يكون عن طيب نفس ولا يكون عن طمع ورجاء خدمة أو مكافأة أو شكر أو ثناء فإن من طمع في الشكر والثناء فهو بياع وليس بجواد فإنه يشتري المدح بماله ومثله من يبعثه عليه الخوف من الهجاء أو ملامة الخلق فإنه ليس من الجود لأنه مضطر إليه بهذه البواعث وهي أعواض معجلة له عليه فهو معتاض لا جواد
342
342
بيان علاج البخل
اعلم أن البخل سببه حب المال ولحب المال سببان
أحدهما حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل
الثاني أن يحب عين المال ويلتذ بوجوده وإن علم أنه زائد عن حاجاته بقية عمره وقدمنا أن علاج كل علة بمضادة سببها فيعالج حب الشهوات بالقناعة باليسير وبالصبر ويعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت والنظر في موت الأقران وطول تعبهم في جمع المال وضياعه بعدهم ويعالج التفات القلب إلى الولد بأن خالقه خلق معه رزقه وكم من ولد لم يرث من أبيه مالا وحاله أحسن ممن ورث وبأن يعلم أنه يجمع المال لولده يريد أن يترك ولده بخير وينقلب هو إلى شر ويعالج قلبه أيضا بكثرة التأمل في الأخبار الواردة في ذم البخل ومدح السخاء وما توعد الله به على البخل من العقاب العظيم ومن الأدوية النافعة كثرة التأمل في أحوال البخلاء ونفرة الطبع عنهم واستقباحهم له فإنه ما من بخيل إلا ويستقبح البخل من غيره ويستثقل البخيل من أصحابه فيعلم أنه مستثقل ومستقذر في قلوب الناس مثل سائر البخلاء في قلبه ويعالج قلبه أيضا بأن يتفكر في مقاصد المال وأنه لماذا خلق فلا يحفظ منه إلا قدر حاجته والباقي يدخره لنفسه في الآخرة بأن يحصل له ثواب بذله فهذه الأدوية من جهة المعرفة والعلم فإذا عرف بنور البصيرة أن البذل خير له من الإمساك في الدنيا والآخرة هاجت رغبته في البذل إن كان عاقلا فإذا تحركت الشهوة فينبغي أن يجيب الخاطر الأول ولا يتوقف فإن الشيطان يعده الفقر ويخوفه ويصده عنه
343
343
كتاب ذم الجاه والرياء
اعلم أصلحك الله أن أصل الجاه هو انتشار الصيت والاشتهار وهو مذموم بل المحمود الخمول إلا من شهره الله لنشر دينه من غير تكلف طلب الشهرة منه قال الله تعالى ! < تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا > ! جمع بين إرادة الفساد والعلو في الأرض وبين أن الدار الآخرة للخالي عن الإرادتين جميعا وقال عز وجل ! < من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون > ! وهذا أيضا متناول بعمومه لحب الجاه فإنه أعظم لذة من لذات الحياة الدنيا وأكثر زينة من زينتها وفي الحديث حسب امرئ من الشر أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه إلا من عصمه الله إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم وروي في فضيلة الخمول عنه صلى الله عليه وسلم رب أشعت أغبر ذي طمرين
344
344
لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره وعنه صلى الله عليه وسلم ألا أدلكم على أهل الجنة كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره وأهل النار كل متكبر مستكبر جواظ والأخبار في مذمة الشهرة وفضيلة الخمول كثيرة ومعلوم أن المطلوب بالشهرة وانتشار الصيت هو الجاه والمنزلة في القلوب وحب الجاه منشأ كل فساد ثم إن المذموم هو طلب الشهرة والحرص عليها فأما وجودها من الله تعالى من غير تكلف من العبد فليس بمذموم
بيان الحد الذي يباح فيه الجاه
اعلم أن الجاه والمال هما ركنا الدنيا ومعنى المال ملك الأعيان المنتفع بها ومعنى الجاه ملك القلوب المطلوب تعظيمها وطاعتها أي القدرة على التصرف فيها ليستعمل بواسطتها أربابها في أغراضه فحكم الجاه حكم ملك الأموال فإنه عرض من أعراض الحياة الدنيا وينقطع بالموت والدنيا مزرعة الآخرة فكل ما خلق في الدنيا فيمكن أن يتزود منه للآخرة فحب الجاه والمال لأجل التوسل بهما إلى مهمات البدن غير مذموم وحبهما لأعيانهما فيما يجاوز ضرورة البدن وحاجته مذموم ولكنه لا يوصف صاحبه بالفسق والعصيان ما لم يحمله الحب على مباشرة معصية وما لم يتوصل إلى اكتسابه بكذب وخداع وارتكاب محظور وما لم يتوصل إلى اكتسابه بعبادة فإن التوصل إلى الجاه والمال بالعبادة جناية على الدين وهو حرام
والقول الفصل في طلب المنزلة والجاه في قلوب الناس أن يقال يطلب ذلك على ثلاثة أوجه وجهان مباحان ووجه محظور
345
345
أما الوجه المحظور فهو أن يطلب قيام المنزلة في قلوبهم باعتقادهم فيه صفة هو منفك عنها مثل العلم والورع والنسب فيظهر لهم أنه علوي أو عالم أو ورع وهو لا يكون كذلك فهذا حرام لأنه كذب وتلبيس إما بالقول أو بالمعاملة
وأما أحد المباحين فهو أن يطلب المنزلة بصفة هو متصف بها كقول يوسف صلى الله عليه وسلم في ما أخبر عنه الرب تعالى ! < اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم > ! فإنه طلب المنزلة في قلبه بكونه حفيظا عليما وكان محتاجا إليه وكان صادقا فيه
والثاني أن يطلب إخفاء عيب من عيوبه ومعصية من معاصيه حتى لا يعلم فلا تزول منزلته به فهذا أيضا مباح لأن حفظ الستر على القبائح جائز ولا يجوز هتك الستر كالذي يخفي عمن يريد استئجاره أنه يشرب الخمر ولا يلقي إليه أنه ورع فإن قوله إني ورع تلبيس وعدم إقراره بالشرب لا يوجب اعتقاد الورع بل يمنع العلم بالشرب
ومن جملة المحظورات تحسين الصلاة بين يديه ليحسن فيه اعتقاده فإن ذلك رياء وهو ملبس إذ يخيل إليه أنه من المخلصين الخاشعين لله وهو مراء بما يفعله فكيف يكون مخلصا فطلب الجاه بهذا الطريق حرام وكذا بكل معصية وذلك يجري مجرى اكتساب المال بالحرام من غير فرق وكما لا يجوز له أن يتملك مال غيره بتلبيس في عوض أو غيره فلا يجوز له أن يتملك قلبه بتزوير وخداع فإن ملك القلوب أعظم من ملك الأموال
سبب حب المدح وبغض الذم
لا يعرف طريق العلاج لذلك ما لم يعرف سببه لأن ما لا يعرف سببه لا يمكن معالجته إذ العلاج عبارة عن حل أسباب المرض
لحب المدح والتذاذ القلب به أسباب
الأول وهو الأقوى شعور النفس بالكمال ومهما شعرت بكمالها ارتاحت واهتزت وتلذذت والمدح يشعر نفس الممدوح بكمالها
السبب الثاني أن المدح يدل على أن قلب المادح مملوك للممدوح وأنه مريد له ومعتقد فيه ومسخر تحت مشيئته وملك القلوب محبوب والشعور بحصوله لذيذ
346
346
الثالث أن ثناء المثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه لا سيما إذا كان ممن يعتد بثنائه في ملأ فيكون المدح ألذ والذم أشد على النفس فأما العلة الأولى وهي استشعار الكمال فتندفع بأن يعلم الممدوح أنه غير صادق في قوله كما إذا مدح بأنه نسيب أو سخي أو عالم بعلم أو متورع عن المحظورات وهو يعلم من نفسه ضد ذلك فتزول اللذة التي سببها استشعار الكمال وتبقى لذة الاستيلاء على قلبه وعلى لسانه وما بعدها فإن كان يعلم أن المادح ليس يعتقد ما يقوله ويعلم خلوه عن هذه الصفة بطلت اللذة الثانية وهو استيلاؤه على قلبه فبطلت اللذات كلها
بيان علاج حب الجاه
اعلم أن من غلب على قلبه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق مشغوفا بالتودد إليهم والمراءاة لأجلهم ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتا إلى ما يعظم منزلته عندهم وذلك بذر النفاق وأصل الفساد ويجر ذلك لا محالة إلى التساهل في العبادات والمراءاة بها وإلى اقتحام المحظورات للتوصل إلى اقتناص القلوب فإذن حب الجاه من المهلكات فيجب علاجه وإزالته عن القلب وعلاجه مركب من علم وعمل أما العلم فهو أن يعلم السبب الذي لأجله أحب الجاه وهو كمال القدرة على قلوب الناس إن صفا وسلم فآخره الموت فليس هو من الباقيات الصالحات فلا ينبغي أن يترك به الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا انقطاع لها وأما العمل فبأن يأنس بالخمول ليسقط من نفوسهم ويستعين عليه بالأخبار الواردة في ذم الجاه ومدح الخمول وينظر في أحوال السلف وإيثارهم ثواب الآخرة على زخرف الدنيا
بيان وجه العلاج لحب المدح وكراهة الذم
اعلم أن أكثر الخلق إنما هلكوا بخوف مذمة الناس وحب مدحهم فصارت حركاتهم كلها موقوفة على ما يوافق رضا الناس رجاء للمدح وخوفا من الذم وذلك من المهلكات فيجب معالجته وطريقه ملاحظة الأسباب التي لأجلها يحب المدح ويكره الذم فمن الأسباب استشعار الكمال بسبب قول المادح فطريقك فيه أن ترجع إلى عقلك وتقول لنفسك هذه الصفة التي يمدحك بها أنت متصف بها أم لا فإن كنت متصفا بها فإن كانت كالثروة والجاه فهذه لا تستحق المدح فالفرح بها كالفرح بنبات الأرض الذي يصير على القرب هشيما تذروه الرياح وهذا من قلة
347
347
العقل وإن كانت كالعلم والورع فهذه وإن استحقت المدح إلا أنه لا ينبغي الفرح بها لأن الخاتمة غير معلومة وإن كانت الصفة التي مدحت بها أنت خال عنها ففرحك بالمدح غاية الجنون
ومن الأسباب الحشمة التي اضطرت المادح إلى المدح وهو أيضا يرجع إلى قدرة عارضة لا ثبات لها ولا تستحق الفرح بل ينبغي أن يغمك مدح المادح وتكرهه وتغضب به كما نقل ذلك عن السلف لأن آفات المدح على الممدوح عظيمة كما تقدم في آفات اللسان وقال النبي صلى الله عليه وسلم مرة للمادح ويحك قصمت ظهره
بيان علاج كراهة الذم
يفهم ذلك مما تقدم والقول الوجيز فيه أن من ذمك لا يخلو من ثلاثة أحوال إما قد يكون قد صدق فيما قال وقصد به النصح والشفقة وإما أن يكون صادقا ولكن قصده الإيذاء والتعنت وإما أن يكون كاذبا
فإن كان صادقا وقصده النصح فلا ينبغي أن تذمه وتغضب عليه وتحقد بسببه بل ينبغي أن تتقلد منته فإن من أهدى إليك عيوبك فقد أرشدك إلى المهلك حتى تتقيه فينبغي أن تفرح به وتشتغل بإزالة الصفة المذمومة عن نفسك إن قدرت عليها فأما اغتمامك بسببه وكراهتك له وذمك إياه فإنه غاية الجهل
وإن كان قصده التعنت فأنت قد انتفعت بقوله إذ أرشدك إلى عيبك إن كنت جاهلا به لتقلع عنه وذلك من أسباب سعادتك فينبغي أن تفرح به لأن تنبهك بقوله غنيمة وجميع مساوئ الأخلاق مهلكة في الآخرة والإنسان إنما يعرفها من قول أعدائه فينبغي أن تغتنمه وأما قصد العدو التعنت فجناية منه على دين نفسه وهو نعمة منه عليك فلم تغضب عليه بقول انتفعت به أنت وتضرر هو به
الحالة الثالثة أن يفتري عليك بما أنت بريء منه عند الله تعالى فينبغي أن لا تكره ذلك ولا تشتغل بذمه بل تتفكر في ثلاثة أمور
أحدها إن خلوت من ذلك العيب فلا تخلو عن أمثاله وأشباهه وما ستره الله من عيوبك أكثر فاشكر الله تعالى إذ لم يطلعه على عيوبك ودفعه عنك بذكر ما أنت بريء عنه
والثاني أن ذلك كفارة لبقية مساوئك وذنوبك وكل من اغتابك فقد أهدى
348
348
إليك حسناته وكل من مدحك فقد قطع ظهرك فما بالك تفرح بقطع الظهر وتحزن لهدايا الحسنات التي تقربك إلى الله تعالى وأنت تزعم أنك تحب القرب من الله
وأما الثالث فهو أن المسكين قد جنى على دينه حتى سقط من عين الله وأهلك نفسه بافترائه وتعرض لعقابه الأليم فلا ينبغي أن تغضب عليه مع غضب الله عليه فتشمت به الشيطان وتقول اللهم أهلكه بل ينبغي أن تقول اللهم أصلحه اللهم تب عليه اللهم ارحمه كما قال صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر لقومي اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون لما أن كسروا ثنيته وشجوا وجهه وقتلوا عمه حمزة يوم أحد
ومما يهون عليك كراهية المذمة قطع الطمع فإن من استغنيت عنه مهما ذمك لم يعظم أثر ذلك في قلبك وأصل الدين القناعة وبهما ينقطع الطمع عن المال والجاه وما دام الطمع قائما كان حب الجاه والمدح في قلب من طمعت فيه غالبا وكانت همتك إلى تحصيل المنزلة في قلبه مصروفة ولا ينال ذلك إلا بهدم الدين فلا ينبغي أن يطمع طالب الجاه ومحب المدح ومبغض الذم في سلامة دينه فإن ذلك بعيد جدا
بيان ذم الرياء
وهو طلب الجاه والمنزلة بالعبادات اعلم أن الرياء حرام والمرائي عند الله ممقوت وقد شهدت لذلك الآيات والأخبار
أما الآيات فقوله تعالى ! < فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون > ! وقوله عز وجل ! < والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور > ! قال مجاهد هم أهل الرياء وقال تعالى ! < إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا > ! فمدح
349
349
المخلصين بنفي كل إرادة سوى وجه الله والرياء ضده وقال تعالى ! < فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا > ! نزل ذلك فيمن يطلب الأجر والحمد بعباداته وأعماله
ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل من عمل لي عملا أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا منه بريء وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك وقال صلى الله عليه وسلم إن أخوف ما اخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال الرياء يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جاز العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء وقال صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله عز وجل عملا فيه مثقال ذرة من رياء وقال صلى الله عليه وسلم إن أدنى الرياء شرك وقال صلى الله عليه وسلم إن في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله رجلا تصدق بيمينه فكان يخفيها عن شماله ولذلك ورد إن فضل عمل السر على عمل الجهر بسبعين ضعفا
350
350
وروي أن المسيح عليه السلام كان يقول إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه ولحيته ويمسح شفتيه لئلا يرى الناس أنه صائم وإذا أعطى بيمينه فليخف عن شماله وإذا صلى فليرخ ستر بابه
ومن الآثار ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلا يطأطئ رقبته فقال يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب ورأى أبو أمامة الباهلي رجلا في المسجد يبكي في سجوده فقال أنت أنت لو كان هذا في بيتك وقال الضحاك لا يقولن أحدكم هذا لوجه الله ولوجهك ولا يقولن هذا لله وللرحم فإن الله تعالى لا شريك له
بيان حقيقة الرياء وجوامع ما يراءى به
اعلم أن الرياء مشتق من الرؤية وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم خصال الخير والمراءى به كثير ويجمعه خمسة أقسام وهي مجامع ما يتزين به العبد للناس وهو البدن والزي والقول والعمل والأتباع والأشياء الخارجة فأما الرياء في الدين بالبدن فكإظهار النحول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين غلبة خوف الآخرة وكتشعيث الشعر ليدل به على استغراق الهم بالدين وعدم التفرغ لتسريح الشعر ومثله خفض الصوت وإغارة العينين ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم أو متوقر للدين أو ضعيف القوة من الجوع وعن هذا روي إذا صام أحدكم فليدهن رأسه ويرجل شعره ويكحل عينيه لما يخاف عليه من نزغ الشيطان بالرياء
وأما الرياء بالهيئة والزي فمثل تشعيث الشعر وحلق الشارب وإطراق الرأس في المشي والهدء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه وغلظ الثياب ولبس الصوف وتشميرها إلى قريب من الساق وتقصير الأكمام كل ذلك يرائي به ليظهر أنه متبع للسنة ومقتد بالصالحين ومن ذلك لبس المرقعة والصلاة على السجادة ولبس الثياب الزرق تشبها بالصوفية مع الإفلاس من حقائق التصوف في الباطن ومنه التقنع فوق العمامة وإسبال الرداء على العينين ومنه الطيلسان يلبسه من هو خال عن العلم
351
351
ليوهم أنه من أهل العلم والمراؤون بالزي على طبقات كل طبقة منهم يرى منزلته في زي مخصوص فيثقل عليه الانتقال إلى ما دونه وإلى ما فوقه وإن كان مباحا بل هو عنده بمنزلة الذبح وذلك لخوفه أن يقول الناس قد بدا له من الزهد ورجع عن تلك الطريقة ورغب في الدنيا
وأما الرياء بالقول فرياء أهل الدين بالوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ الأخبار والآثار لإظهار شدة العناية بأحوال الصالحين وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق وإظهار الغضب للمنكرات وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي وتضعيف الصوت في الكلام والمبادرة إلى أن الحديث صحيحأو غير صحيح لإظهار الفضل فيه والمجادلة على قصد إفحام الخصم
وأما الرياء بالعمل فكمراءاة المصلي بطول القيام وطول السجود والركوع وإطراق الرأس وترك الالتفات
وأما المراءاة بالأصحاب والزائرين والمخالطين كالذي يتكلف أن يستزير عالما من العلماء ليقال إن فلانا قد زار فلانا أو عابدا من العباد ليقال إن أهل الدين يتبركون بزيارته ويترددون إليه أو أميرا من الأمراء ليقال إنهم يتبركون به وكالذي يكثر ذكر الشيوخ وطواف البلاد ليتباهى عند خصمه
فهذه مجامع ما يرائي به المراؤون وكلهم يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في قلوب العباد لاعتقاده أنه نوع قدرة وكمال في الحال وإن كان سريع الزوال لا يغتر به إلا الجهال ولكن أكثر الناس جهال
ومن المرائين من لا يقنع بقيام منزلته بل يلتمس مع ذلك إطلاق اللسان بالثناء والحمد ومنهم من يريد انتشار الصيت ومنهم من يريد الاشتهار عند الأمراء لتقبل شفاعته فيقوم له جاه عند العامة ومنهم من يقصد التوصل بذلك إلى جمع حطام وكسب مال ولو كان من الحرام وهؤلاء شر طبقات المرائين
حكم الرياء
اعلم أن الرياء إما أن يكون بالعبادات أو بغير العبادات فأما المراءاة بما ليس من العبادات فقد تكون مباحة كتسوية العمامة والشعر وتحسين الثوب لئلا تزدريه أعين الناس واحترازا من ألم المذمة وطلبا لراحة الأنس بالإخوان وقد تكون طاعة كما
352
352
إذا كان متبوعا وعمله المذكور يرغب في اتباعه واستمالة القلوب إليه وقد تكون مذمومة كما إذا حملت على ما لا يجوز أو دعت إلى أمور محظورات وبالجملة فحكمها تابع للغرض المطلوب بها وأما العبادات كالصدقة والصلاة والصيام والغزو والحج فالمرائي فيها يبطل عبادته ويعصي ويأثم والمعني فيه أمران
أحدهما يتعلق بالعباد وهو التلبيس والمكر لأنه خيل اليهم أنه مخلص مطيع لله وأنه من أهل الدين وليس كذلك
الثاني يتعلق بالله وهو أنه مهما قصد بعبادة الله تعالى خلق الله فهو مستهزئ بالله كما ورد ومثاله أن يتمثل بين يدي ملك من الملوك طول النهار كما جرت عادة الخدم وإنما وقوفه لملاحظة جارية من جواريه أو غلام من غلمانه فإن هذا استهزاء بالملك إذا لم يقصد التقرب إليه بخدمته بل قصد بذلك عبدا من عبيده فأي استحقار يزيد على أن يقصد العبد بطاعة الله تعالى مراءاة عبد ضعيف لا يملك له ضرا ولا نفعا وهل ذلك إلا لأنه يظن أن ذلك العبد أقدر على تحصيل أغراضه من الله وأنه أولى بالتقرب إليه من الله إذ آثره على ملك الملوك فجعله مقصود عبادته وأي استهزاء يزيد على رفع العبد فوق المولى فهذا من كبائر المهلكات ولذا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر ولو لم يكن في الرياء إلا أنه يسجد ويركع لغير الله لكان فيه كفاية فإنه وإن لم يقصد التقرب إلى الله فقد قصد غير الله وعن هذا كان شركا خفيا وذلك غاية الجهل ولا يقدم عليه إلا من خدعه الشيطان وأوهم عنده أن العباد يملكون من مصالح حاله أكثر مما يملكه الله تعالى مع أن العباد كلهم عاجزون عن أنفسهم لا يملكون لها ضرا ولا نفعا فكيف يملكون لغيرهم هذا في الدنيا فكيف في يوم ! < لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا > ! بل تقول الأنبياء فيه نفسي نفسي فكيف يستبدل الجاهل عن ثواب الآخرة ما يرتقبه بطمعه الكاذب في الدنيا من الناس فلا ينبغي أن نشك في أن المرائي بطاعة الله في سخط الله تعالى
درجات الرياء
اعلم أن أغلظ أنواع الرياء هو الرياء بأصل الإيمان وصاحبه مخلد في النار وهو الذي يظهر كلمتي الشهادة وباطنه مشحون بالتكذيب وهذا هو النفاق المذكور
353
353
في القرآن الكريم في مواضع شتى وذلك مما يقل في زماننا ويلحق به من يجحد الجنة والنار والدار الآخرة أو يعتقد طي بساط الشرع والأحكام ميلا إلى أهل الإباحة أو يعتقد كفرا وهو يظهر خلافه فهؤلاء من المنافقين المرائين المخلدين في النار
وقسم من الرياء دون الأول بكثير كمن يحضر الجمعة أو الصلاة ولولا خوف المذمة لكان لا يحضرها أو يصل رحمه أو يبر والديه لا عن رغبة لكن خوفا من الناس أو يزكي أو يحج كذلك فيكون خوفه من مذمة الناس أعظم من خوفه من عقاب الله وهذا غاية الجهل وما أجدر صاحبه بالمقت
وقسم يرائي بالنوافل يكسل عنها في الخلوة ثم يبعثه الرياء على فعلها كحضور الجماعة وعيادة المريض واتباع الجنازة وصوم عرفة وعاشوراء خوفا من المذمة وطلبا للمحمدة ويعلم الله تعالى أنه لو خلا بنفسه لما زاد على أداء الفرائض وهذا أيضا عظيم ولكن دون ما قبله
وقسم يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة كالذي غرضه أن يخفف الركوع والسجود ولا يطول القراءة فإذا رآه الناس أحسن الركوع والسجود وترك الالتفات وتمم القعود بين السجدتين وكذلك الذي يعتاد إخراج الزكاة من الدنانير الرديئة أو من الحب الرديء فإذا اطلع عليه غيره أخرجها من الجيد خوفا من مذمته وكذلك الصائم يصون صومه عن الغيبة والرفث لأجل الخلق لا إكمالا لعبادة الصوم خوفا من المذمة فهذا أيضا من الرياء المحظور لأن فيه تقديما للمخلوقين على الخالق فإن قال المرائي إنما فعلت ذلك صيانة لألسنتهم عن الغيبة فيقال له هذه مكيدة للشيطان عندك وتلبيس وليس الأمر كذلك فإن ضررك من نقصان صلاتك وهي خدمة منك لمولاك أعظم من ضررك بغيبة غيرك فلو كان باعثك الدين لكانت شفقتك على نفسك أكثر
وقسم يرائي بفعل ما لا نقصان في تركه ولكن فعله في حكم التكملة والتتمة لعبادته كالتطويل في الركوع والسجود ومد القيام وتحسين الهيئة ورفع اليدين والمبادرة إلى التكبيرة الأولى وتحسين الاعتدال والزيادة في القراءة على الصورة المعتادة وكذلك كثرة الخلوة في صوم رمضان وطول الصمت مما لو خلا بنفسه لكان لا يقدم عليه
وقسم يرائي بزيادات خارجة عن نفس النوافل أيضا كحضوره الجماعة قبل
354
354
القوم وقصده للصف الأول وتوجهه إلى يمين الإمام وما يجري مجراه وكل ذلك مما يعلم الله منه أنه لو خلا بنفسه لكان لا يبالي أين وقف ومتى يحرم بالصلاة فهذه درجات الرياء بالإضافة إلى ما يراءى به وبعضه أشد من بعض والكل مذموم
بيان المراءى لأجله
اعلم أن للمرائي مقصودا لا محالة وإنما يرائي لإدراك مال أو جاه أو غرض من الأغراض وله درجات
أشدها أن يكون مقصوده التمكن من معصية كالذي يرائي بعباداته ويظهر التقوى والورع وغرضه أن يعرف بالأمانة فيولى منصبا أو يسلم إليه تفرقة مال ليستأثر بما قدر عليه منه أو يودع الودائع فيأخذها أو يتوصل إلى التحبب بامرأة لفجور ونحوه أو يحضر مجالس العلم والتذكير وقصده النظر لأمرد فهؤلاء أبغض المرائين إلى الله تعالى لأنهم جعلوا طاعة ربهم سلما إلى معصيته ويقرب منهم من يقترف جريمة وهو مصر عليها فيظهر التقوى لينفي التهمة عن نفسه
ثانيها أن يكون غرضه نيل حظ من حظوظ الدنيا من مال أو نكاح امرأة جميلة أو شريفة كالذي يظهر العلم والعبادة ليرغب في تزويجه أو إعطائه فهذا رياء محظور لأنه طلب بطاعة الله متاع الحياة الدنيا ولكنه دون الأول
الثالثة أن لا يقصد نيل حظ وإدراك مال أو نكاح ولكن يظهر عبادته خوفا من أن ينظر إليه بعين النقص ولا يعد من الخاصة والزهاد ويعتقد أنه من جملة العامة كالذي يمشي مستعجلا فيطلع عليه الناس فيحسن المشي ويترك العجلة كيلا يقال إنه من أهل اللهو والسهو لا من أهل الوقار
وكذلك يسبق إلى الضحك أو يبدو منه المزاح فيخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار فيتبع ذلك بالاستغفار وتنفس الصعداء وإظهار الحزن ويقول ما أعظم غفلة الآدمي عن نفسه والله يعلم منه أنه لو كان في خلوة لما كان يثقل عليه ذلك وإنما يخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار لا بعين التوقير وكالذي يرى جماعة يصلون التراويح ويتهجدون أو يصومون الخميس والاثنين أو يتصدقون فيوافقهم خيفة أن ينسب إلى الكسل ويلحق بالعوام ولو خلا بنفسه لكان لا يفعل شيئا من ذلك وكالذي يعطش يوم عرفة أو عاشوراء فلا يشرب خوفا من أن يعلم الناس أنه غير صائم أو يدعى إلى طعام فيمتنع ليظن أنه صائم وقد لا يصرح بإني صائم ولكن يقول لي عذر وهو جمع بين خبيثين فإنه يري أنه صائم ثم يري أنه مخلص
355
355
ليس بمراء وأنه يحترز من أن يذكر عبادته للناس فيكون مرائيا فيريد أن يقال إنه ساتر لعبادته ثم إن اضطر إلى شرب لم يصبر عن أن يذكر لنفسه فيه عذرا تصريحا أو تعريضا بأن يتعلل بمرض يقتضي فرط العطش ويمنع من الصوم أو يقول أفطرت تطييبا لقلب فلان لأنه محب للإخوان شديد الرغبة في أن يأكل الإنسان من طعامه وقد ألح علي اليوم ولم أجد بدا من تطييب قلبه ومثل أن يقول إن أبوي أو أحدهما يشفقان علي يظنان أن لو صمت لمرضت فلا يدعاني أصوم فهذا وما يجري مجراه من آفات الرياء فلا يسبق إلى الإنسان إلا لرسوخ عرق الرياء في الباطن
أما المخلص فإنه لا يبالي كيف نظر الخلق إليه فإن لم يكن له رغبة في الصوم وقد علم الله ذلك منه فلا يريد أن يعتقد غيره ما يخالف علم الله فيكون ملبسا وإن كان له رغبة في الصوم لله قنع بعلم الله تعالى ولم يشرك فيه غيره وقد يخطر له أن في إظهاره اقتداء غيره به وتحريك رغبة الناس فيه وفيه مكيدة وغرور فهذه درجات الرياء ومراتب أصناف المرائين وجميعهم تحت مقت الله وغضبه ومن أشد المهلكات
بيان الرياء الخفي الذي هوأخفى من دبيب النمل
اعلم أن الرياء جلي وخفي فالجلي هو الذي يبعث على العمل ويحمل عليه ولو قصد الثواب وهو أجلاه وأخفى منه قليلا هو ما لا يحمل على العمل بمجرده إلا أنه يخفف العمل الذي يريد به وجه الله كالذي يعتاد التهجد كل ليلة ويثقل عليه فإذا نزل عنده ضيف تنشط له وخف عليه وأخفى من ذلك ما لا يؤثر في العمل ولا بالتسهيل والتخفيف أيضا ولكنه مع ذلك مستبطن في القلب وأجلى علاماته أن يسر باطلاع الناس على طاعته فرب عبد يخلص في عمله ولا يعتقد الرياء بل يكرهه ويرده ويتمم العمل كذلك ولكن إذا اطلع عليه الناس سره ذلك وارتاح له وروح ذلك عن قلبه شدة العبادة وهذا السرور يدل على رياء خفي منه يرشح السرور ولولا التفات القلب إلى الناس ما ظهر سروره عند اطلاع الناس فلقد كان الرياء مستكنا في القلب استكنان النار في الحجر فأظهر منه اطلاع الخلق أثر الفرح والسرور ثم إذا استشعر لذة السرور بالاطلاع ولم يقابل ذلك بكراهية فيصير ذلك قوتا وغذاء للعرق الخفي من الرياء حتى يتحرك على نفسه حركة خفية فيتقاضى تقاضيا خفيا أن يتكلف سببا يطلع عليه بالتعريض أو بالشمائل كخفض
356
356
الصوت وآثار الدموع وأخفى من ذلك أن يختفي بحيث لا يريد الإطلاع ولا يسر بظهور طاعته ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يقابلوه بالبشاشة والتوقير وأن يثنوا عليه وأن ينشطوا في قضاء حوائجه وأن يسامحوه في البيع والشراء وأن يوسعوا له في المكان فإن قصر فيه مقصر ثقل ذلك على قلبه ووجد لذلك استبعادا في نفسه كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها ومهما لم يكن وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم يكن خاليا عن شوب خفي من الرياء أخفى من دبيب النمل وكل ذلك يوشك أن يحبط الأجر ولا يسلم منه إلا الصديقون
ولم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي يجتهدون في إخفائها أعظم مما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم كل ذلك رجاء أن تخلص أعمالهم الصالحة فيجازيهم الله في يوم القيامة بإخلاصهم إذ علموا أن الله لا يقبل في القيامة إلا الخالص وعلموا شدة حاجتهم وفاقتهم في القيامة وأنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ولا يجزي والد عن ولده
فإذن شوائب الرياء الخفي كثيرة لا تنحصر ومهما أدرك من نفسه تفرقة بين أن يطلع على عبادته إنسان أو بهيمة ففيه شعبة من الرياء فلو كان مخلصا لما بالى بالناس لعلمه أنهم لا يقدرون على رزق ولا أجل ولا زيادة ثواب ونقصان عقاب
فإن قلت فما نرى أحدا ينفك عن السرور إذا عرفت طاعاته فالسرور مذموم كله أو بعضه محمود وبعضه مذموم فنقول السرور منقسم إلى محمود ومذموم فالمحمود مثل أن يكون قصده إخفاء الطاعة والإخلاص لله ولكن لما اطلع عليه الخلق علم أن الله أطلعهم وأظهر الجميل من أحواله فيستدل به على حسن صنع الله به وألطافه به إذ لا لطف أعظم من ستر القبيح وإظهار الجميل فيكون فرحه بجميل نظر الله له لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم وقد قال تعالى ! < قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا > !
ومثل أن يظن رغبة المطلعين على الاقتداء به في الطاعة فيتضاعف بذلك أجره فيكون له أجر العلانية بما اظهر وأجر السر بما قصده أولا ومن اقتدي به في طاعة فله
357
357
مثل أجر أعمال المقتدين به من غير أن ينقص من أجورهم شيء وتوقع ذلك جدير بأن يكون سبب السرور
ومثل أن يحمده المطلعون على طاعته فيفرح بطاعتهم لله في مدحهم وبحبهم للمطيع وبميل قلوبهم إلى الطاعة فهذا فرح بحسن إيمان عباد الله وعلامة الإخلاص في هذا الورع أن يكون فرحه بحمدهم غيره مثل فرحه بحمدهم إياه
وأما السرور المذموم فهو أن يكون فرحه لقيام منزلته في قلوب الناس حتى يمدحوه ويعظموه ويقوموا بقضاء حوائجه ويقابلوه بالإكرام فهذا مكروه
بيان ما يحبط العمل من الرياء وما لا يحبط
إذا عقد العبد العبادة على الإخلاص ثم ورد عليه وارد الرياء فلا يخلو إما أن يرد عليه بعد فراغه من العمل أو قبل الفراغ فإن ورد بعد الفراغ سرور مجرد بالظهور من غير إظهار فهذا لا يفسد العمل إذ العمل قد تم على نعت الإخلاص سالما عن الرياء إلا إذا ظهرت له بعده رغبة في الإظهار فتحدث به وأظهره فهذا مخوف وفي الآثار والأخبار ما يدل على أنه محبط وأما إذا ورد وارد الرياء قبل الفراغ من العمل وكان عقد على الإخلاص فإن كان مجرد سرور فلا يؤثر في العمل وإن كان رياء باعثا على العمل وختم العبادة به حبط أجره لأن الواجب عليه أداء عمل خالص لوجه الله والخالص ما لا يشوبه شيء فلا يكون مؤديا للواجب مع هذا الشوب وأما الرياء الذي يقارن حال العقد كأن يبتدئ الصلاة على قصد الرياء فإن استمر عليه حتى سلم فلا خلاف في أنه يقضي ولا يعتد بصلاته وإن ندم عليه في أثناء ذلك واستغفر ورجع قبل التمام فالأرجح أنه لا تنعقد صلاته مع قصد الرياء فليستأنف لأن باعثه في الرياء في ابتداء العقد دون امتثال الأمر فلم ينعقد افتتاحه فلم يصح ما بعده
بيان دواء الرياء وطريق معالجة القلب فيه
عرفت مما سبق أن الرياء محبط للأعمال وسبب للمقت عند الله تعالى وأنه من كبائر المهلكات وما هذا وصفه فجدير بالتشمير عن ساق الجد في إزالته
وفي علاجه مقامان
أحدهما قلع عروقه وأصوله التي منها انشعابه
358
358
والثاني دفع ما يخطر منه في الحال
المقام الأول في قلع عروقه وأصوله
وأصله حب المنزلة والجاه وإذا فصل رجع إلى ثلاثة أصول وهي حب لذة المحمدة والفرار من ألم الذم والطمع فيما في أيدي الناس فهذه الثلاثة هي التي تحرك المرائي إلى الرياء وعلاجه أن يعلم مضرة الرياء وما يفوته من صلاح قلبه وما يحرم عنه في الحال من التوفيق وفي الآخرة من المنزلة عند الله تعالى وما يتعرض له من العقاب والمقت الشديد والخزي الظاهر فمهما تفكر العبد في هذا الخزي وقابل ما يحصل له من العباد والتزين لهم في الدنيا بما يفوته في الآخرة وبما يحبط عليه من ثواب الأعمال فإنه يسهل عليه قطع الرغبة عنه كمن يعلم أن العسل لذيذ ولكن إذا بان له أن فيه سما أعرض عنه ثم أي غرض له في مدحهم وإيثار ذم الله لأجل حمدهم ولا يزيده حمدهم رزقا ولا أجلا ولا ينفعه يوم فقره وفاقته وهو يوم القيامة وأما الطمع فيما في أيديهم فبأن يعلم أن الله تعالى هو المسخر للقلوب بالمنع والإعطاء وأن الخلق مضطرون فيه ولا رازق إلا الله ومن طمع في الخلق لم يخل من الذل والخيبة وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنة والمهانة فكيف يترك ما عند الله برجاء كاذب ووهم فاسد وقد يصيب وقد يخطئ وإذا أصاب فلا تفي لذته بألم منته ومذلته وأما ذمهم فلم يحذر منه ولا يزيده ذمهم شيئا ما لم يكتب الله عليه ولا يعجل أجله ولا يؤخر رزقه ولا يجعله من أهل النار إن كان من أهل الجنة ولا يبغضه إلى الله إن كان محمودا عند الله فالعباد كلهم عجزة لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا فإذا قرر في قلبه آفة هذه الأسباب وضررها فترت رغبته وأقبل على الله قلبه والعاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره ويقل نفعه فهذا من الأدوية العلمية القالعة مغارس الرياء وأما الدواء العملي فهو أن يعود نفسه إخفاء العبادات وإغلاق الأبواب دونها كما تغلق الأبواب دون الفواحش فلا تنازعه نفسه إلى طلب علم غير الله به
المقام الثاني في دفع العارض منه أثناء العبادة
وذلك لا بد أيضا من تعلمه فإن من جاهد نفسه بقلع مغارس الرياء وقطع الطمع واستحقار مدح المخلوقين وذمهم فقد لا يتركه الشيطان في أثناء العبادة بل يعارضه بخطرات الرياء فإذا خطر له معرفة اطلاع الخلق دفع ذلك بأن قال ما
359
359
لك وللخلق علموا أو لم يعلموا والله عالم بحالك فأي فائدة في علم غيره فإن هاجت الرغبة إلى لذة الحمد ذكر ما رسخ في قلبه من قبل آفة الرياء وتعرضه للمقت الإلهي وخسرانه الأخروي
بيان الرخصة في قصد إظهار الطاعات
اعلم أن في إسرار الأعمال فائدة الإخلاص والنجاة من الرياء وفي الإظهار فائدة الاقتداء وترغيب الناس في الخير ولكن فيه آفة الرياء قال الحسن إن السر أحرز العملين ولكن في الإظهار أيضا فائدة ولذلك أثنى الله تعالى على السر والعلانية فقال ! < إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم > ! والإظهار قسمان
أحدهما في نفس العمل والآخر بالتحدث بما عمل
القسم الأول إظهار نفس العمل كالصدقة في الملأ لترغيب الناس فيها كما روي عن الأنصاري الذي جاء بالصرة فتتابع الناس بالعطية لما رأوه فقال النبي صلى الله عليه وسلم من سن سنة فعمل بها كان له أجرها وأجر من اتبعه وتجري سائر الأعمال هذا المجرى من الصلاة والصيام والحج والغزو وغيره ولكن الاقتداء في الصدقة على الطباع أغلب فالسر أفضل من علانية لا قدوة فيها أما العلانية للقدوة فأفضل من السر ويدل على ذلك أن الله عز وجل أمر الأنبياء بإظهار العمل للاقتداء وقوله عليه السلام له أجرها واجر من عمل بها ولكن على من يظهر العمل وظيفتان
إحداهما أن يظهره حيث يعلم أن يقتدى به أو يظن ظنا ورب رجل يقتدي به أهله دون جيرانه وربما يقتدي به جيرانه دون أهل السوق وربما يقتدي به أهل محلته وإنما العالم المعروف هو الذي يقتدي به الناس كافة فغير العالم إذا أظهر بعض الطاعات ربما نسب إلى الرياء والنفاق وذموه ولم يقتدوا به فليس له الإظهار من
360
360
غير فائدة وإنما يصح الإظهار بنية القدوة ممن هو في محل القدوة على من هو في محل الاقتداء به
الثانية أن يراقب قلبه فإنه ربما يكون فيه حب الرياء الخفي فيدعوه إلى الإظهار بعذر الاقتداء وإنما شهوته التجمل بالعمل وبكونه مقتدى به فليحذر العبد خدع النفس فإن النفس خدوع والشيطان مترصد وحب الجاه على القلب غالب وقلما تسلم الأعمال الظاهرة عن الآفات فلا ينبغي أن يعدل بالسلامة شيئا والسلامة في الإخفاء وفي الإظهار من الأخطار ما لا يقوى عليه أمثالنا فالحذر من الإظهار أولى بنا وبجميع الضعفاء
القسم الثاني أن يتحدث بما فعله بعد الفراغ وحكمه حكم إظهار العمل نفسه والخطر في هذا أشد لأن مؤنة النطق خفيفة على اللسان وقد تجري في الحكاية زيادة ومبالغة وللنفس لذة في إظهار الدعاوي عظيمة إلا أنه لو تطرق إليه الرياء لم يؤثر في إفساد العبادة الماضية بعد الفراغ منها فهو من هذا الوجه أهون والحكم فيه أن من قوي قلبه وتم إخلاصه وصغر الناس في عينه واستوى عنده مدحهم وذمهم وذكر ذلك عند من يرجو الاقتداء به والرغبة في الخير بسببه فهو جائز بل مندوب إليه إن صفت النية وسلمت عن جميع الآفات لأنه ترغيب في الخير والترغيب في الخير خير وقد نقل مثل ذلك عن جماعة من السلف الأقوياء
بيان الخطأ في ترك الطاعات خوفا من الرياء
من الناس من يترك العمل خوفا من أن يكون مرائيا به وذلك غلط وموافقة للشيطان وجر إلى البطالة وترك للخير فما دمت تجد باعثا دينيا على العمل فلا تترك العمل وجاهد خاطر الرياء وألزم قلبك الحياء من الله إذا دعتك نفسك إلى أن تستبدل بحمده حمد المخلوقين وهو مطلع على قلبك بل إن قدرت على أن تزيد في العمل حياء من ربك وعقوبة لنفسك فافعل فإن قال لك الشيطان أنت مراء فاعلم كذبه وخدعه بما تصادف في قلبك من كراهية الرياء وإبائه وخوفك منه وحيائك من الله تعالى وإن لم يبق باعث ديني بل تجرد باعث الرياء فاترك العمل عند ذلك
361
361
بيان ما على المريد قبل العمل وبعده وفيه
اعلم أن أولى ما يلزم المريد قلبه في سائر أوقاته القناعة بعلم الله في جميع طاعاته ولا يقنع بعلم الله إلا من لا يخاف إلا الله لا يرجو إلا الله فأما من خاف غيره وارتجاه اشتهى اطلاعه على محاسن أحواله فإن كان في هذه الرتبة فليلزم قلبه كراهة ذلك من جهة العقل والإيمان لما فيه من خطر التعرض للمقت وإحباط العمل وليراقب نفسه عند الطاعات العظيمة الشاقة فإن النفس تكاد تغلي حرصا على الإفشاء فينبغي أن يثبت قدمه ويتذكر في مقابلة عظم عمله ملك الآخرة ونعيم الجنة أبد الآباد وعظم غضب الله على من طلب بطاعته ثوابا من عباده ثم يلزم قلبه ذلك بعد الفراغ حتى لا يظهره ولا يتحدث به وإذا فعل جميع ذلك فينبغي أن يكون وجلا من عمله خائفا أنه ربما داخله من الرياء الخفي ما لم يقف عليه فيكون شاكا في قبوله ورده مجوزا أن يكون الله قد أحصى عليه من نيته الخفية ما مقته بها ورد عمله بسببها ويكون هذا الشك والخوف في دوام عمله وبعده وأما في الابتداء فيكون متيقنا أنه مخلص ما يريد بعمله إلا الله حتى يصح عمله وخوفه لذلك الشك جدير بأن يكفر خاطر الرياء إن كان قد سبق وهو غافل عنه
والذي يتقرب إلى الله بالسعي في حوائج الناس وإفادة العلم ينبغي أن يلزم نفسه رجاء الثواب على دخول السرور على قلب من قضى حاجته فقط ورجاء الثواب على عمل المتعلم بعلمه فقط دون شكر ومكافأة وحمد وثناء من المتعلم والمنعم عليه فإن ذلك يحبط الأجر فمهما توقع من المتعلم مساعدة في شغل وخدمة أو مرافقة في المشي في الطريق ليستكبر باستتباعه أو ترددا منه في حاجة فقد أخذ أجره فلا ثواب له غيره نعم إن لم يتوقع هو ولم يقصد إلا الثواب على عمله بعلمه ليكون له مثل أجره ولكن خدمه التلميذ بنفسه فقبل خدمته فنرجو أن لا يحبط ذلك أجره إذا كان لا يريده ولا يستبعده منه لو قطعه ويجب على المتعلم أن يلزم قلبه حمد الله ويتعلم لله ويعبد لله ويخدم المعلم لله لا يكون له في قلبه منزلة ولا في قلب الخلق فإن العباد أمروا ألا يعبدوا إلا الله ولا يريدوا بطاعتهم غيره
وأما المعتزل عن الناس فينبغي له أن يلزم قلبه ذكر الله والقناعة بعلمه ولا يخطر بقلبه معرفة الناس زهده واستعظامهم محله فإن ذلك يغرس الرياء في صدره حتى تتيسر عليه العبادات في خلوته به وإنما سكونه لمعرفة الناس باعتزاله واستعظامهم لمحله وهو ولا يدري أنه المخفف للعمل عليه فاستشعار النفس عز
362
362
العظمة في القلوب يكون باعثا في الخلوة فينبغي أن يلزم نفسه الحذر منه وعلامة سلامته أن يكون الخلق عنده والبهائم بمثابة واحدة فلو تغيروا عن اعتقادهم به لم يجزع ولم يضق به ذرعا إلا كراهة ضعيفة إن وجدها في قلبه فيردها في الحال بعقله وإيمانه ولو كان في عبادة واطلع الناس كلهم عليه لم يزده ذلك خشوعا ولم يدخله سرور بسبب إطلاعهم عليه ومن علامة الصدق فيه أنه لو كان له صاحبان أحدهما غني والآخر فقير فلا يجد عن إقبال الغني زيادة هزة في نفسه لإكرامه إلا إذا كان في الغني زيادة علم أو زيادة ورع فيكون مكرما له بذلك الوصف لا بالغنى فمن كان استرواحه إلى مشاهدة الأغنياء أكثر فهو مراء أو طماع
ومكايد النفس وخفاياها في هذا الفن لا تنحصر ولا ينجيك منها إلا أن تخرج ما سوى الله من قلبك وتتجرد بالشفقة على نفسك بقية عمرك ولا ترضى لها بالنار بسبب شهوات منغصة في أيام متقاربة
363
363
كتاب ذم الكبر والعجب
ما ورد في ذم الكبر
قال تعالى ! < سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق > ! وقال تعالى ! < كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار > ! وقال تعالى ! < واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد > ! وقال تعالى ! < إنه لا يحب المستكبرين > ! وقال ! < إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين > !
وقال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر وقال عليه السلام يقول الله تعالى الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن
364
364
نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنم ولا أبالي وقال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة بخيل ولا جبار وقال صلى الله عليه وسلم لا ينظر الله إلى رجل يجر إزاره بطرا وجاء في فضل التواضع قوله صلى الله عليه وسلم ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله وعنه صلى الله عليه وسلم طوبى لمن تواضع في غير مسكنة وأنفق مالا جمعه في غير معصية ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة وعنه عليه السلام من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله ومن اقتصد أغناه الله ومن بذر أفقره الله ومن أكثر ذكر الله أحبه الله
وقال الفضيل وقد سئل عن التواضع أن تخضع للحق وتنقاد له ولو سمعته من صبي قبلته ولو سمعته من أجهل الناس قبلته
بيان حقيقة الكبر وآفته
اعلم أن الكبر ينقسم إلى باطن وظاهر فالباطن هو خلق في النفس والظاهر هو أعمال تصدر من الجوارح وتلك الأعمال أكثر من أن تحصى وآفته عظيمة وغائلته هائلة وكيف لا تعظم آفته وقد قال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال
365
365
ذرة من كبر وإنما صار حجابا دون الجنة لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة والكبر وعزة النفس يغلق تلك الأبواب كلها لأن المتكبر لا يقدر على أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه ولا يقدر على التواضع وهو رأس أخلاق المتقين ولا يقدر على ترك الحقد ولا يقدر أن يدوم على الصدق ولا يقدر على ترك الغضب ولا يقدر على كظم الغيظ ولا يقدر على ترك الحسد ولا يقدر على النصح اللطيف ولا يقدر على قبول النصح ولا يسلم من الإزراء بالناس ومن اغتيابهم وبالجملة فما من خلق ذميم إلا وصاحب العز والكبر مضطر إليه ليحفظ به عزه وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه خوفا من أن يفوته عزه فمن هذا لم يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة منه وشر أنواع الكبر ما يمنع من استفادة العلم وقبول الحق والانقياد له وفيه وردت الآيات التي فيها ذم الكبر والمتكبرين
ومنشؤه استحقار الغير وازدراؤه واستصغاره ولذلك شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبر بهاتين الآفتين بقوله الكبر بطر الحق وغمص الخلق أي ازدراؤهم واستحقارهم وهم عباد الله أمثاله أو خير منه وهذه الآفة الأولى وبطر الحق هو رده وهي الآفة الثانية فكل من رأى أنه خير من أخيه واحتقر أخاه وازدراه ونظر إليه بعين الاستصغار أو رد الحق وهو يعرفه فقد تكبر ونازع الله في حقه
ووجه الآفة الأولى أن الكبر والعز والعظمة لا تليق إلا بالملك القادر فأما العبد المملوك الضعيف العاجز الذي لا يقدر على شيء فمن أين يليق بحاله الكبر واستعظام النفس واستحقار الغير فمهما تكبر العبد فقد نازع الله تعالى في صفة لا تليق إلا بجلاله ومثاله أن يأخذ الغلام تاج الملك فيضعه على رأسه ويجلس على سريره فما أعظم استحقاقه للمقت وما أعظم تهدفه للخزي والنكال وما أشد استجراءه على مولاه وما أقبح ما تعاطاه فالخلق كلهم عباد الله وله العظمة والكبرياء عليهم فمن تكبر على عبد من عباد الله فقد نازع الله في حقه
ووجه الآفة الثانية أن من سمع الحق من عبد من عباد الله واستنكف عن قبوله وتشمر لجحده فما ذاك إلا للترفع والتعاظم واستحقار غيره حتى تأبى أن ينقاد له وذلك من أخلاق الكافرين والمنافقين إذ وصفهم الله تعالى فقال ! < وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون > !
366
) فكل من يتضح له الحق على لسان أحد ويأنف من قبوله أو يناظر للغلبة والإفحام لا ليغتنم الحق إذا ظفر به فقد شاركهم في هذا الخلق وكذلك من تحمله الأنفة على عدم قبول الوعظ كما قال تعالى ! < وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم > !
بيان ما به التكبر
اعلم أنه لا يتكبر إلا من استعظم نفسه ولا يستعظمها إلا وهو يعتقد لها صفة من صفات الكمال وجماع ذلك يرجع إلى كمال ديني أو دنيوي فالديني هو العلم والعمل والدنيوي هو النسب والجمال والقوة والمال وكثرة الأنصار فهذه سبعة أسباب
الأول العلم وما أسرع الكبر إلى بعض العلماء فلا يلبث أن يستشعر في نفسه كمال العلم فيستعظم نفسه ويستحقر الناس ويستجهلهم ويستخدم من خالطه منهم وقد يرى نفسه عند الله تعالى أعلى وأفضل منهم فيخاف عليهم أكثر مما يخاف على نفسه ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم وسبب كبره بالعلم أمران
أحدهما أن يكون اشتغاله بما يسمى علما وليس علما في الحقيقة فإن العلم الحقيقي ما يعرف به العبد ربه ونفسه وخطر أمره في لقاء الله والحجاب منه وهذا يورث الخشية والتواضع دون الكبر قال تعالى ! < إنما يخشى الله من عباده العلماء > !
ثانيهما أن يخوض في العلم وهو خبيث الدخلة رديء النفس سيئ الأخلاق فإنه لم يشتغل أولا بتهذيب نفسه وتزكية قلبه بأنواع المجاهدات فبقي خبيث الجوهر فإذا خاض في العلم صادف العلم من قلبه منزلا خبيثا فلم يطب ثمره ولم يظهر في الخير أثره وقد ضرب وهب لهذا مثلا فقال العلم كالغيث ينزل من السماء حلوا صافيا فتشربه الأشجار بعروقها فتحوله على قدر طعومها فيزداد المر مرارة والحلو كأنه متنزه عن الناس مستقذر لهم وليس يعلم المسكين أن الورع ليس في الجبهة
367
367
حلاوة فكذلك العلم يحفظه الرجال فتحوله على قدر هممها وأهوائها فيزيد المتكبر كبرا والمتواضع تواضعا وهذا لأن من كانت همته الكبر هو جاهل فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبر به فازداد كبرا وإذا كان الرجل خائفا مع علمه فازداد علما علم أن الحجة قد تأكدت عليه فيزداد خوفا
الثاني العمل والعبادة وليس يخلو عن رذيلة الكبر واستمالة قلوب الناس العباد فيترشح منهم الكبر في الدين والدنيا أما في الدنيا فهو أنهم يتوقعون ذكرهم بالورع والتقوى وتقديمهم على سائر الناس وكأنهم يرون عبادتهم منة على الخلق وأما في الدين فهو أن يرى الناس هالكين ويرى نفسه ناجيا وهو الهالك تحقيقا مهما رأى ذلك قال صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم وإنما قال ذلك لأن هذا القول منه يدل على أنه مزدر بخلق الله مغتر آمن من مكره غير خائف من سطوته وكيف لا يخاف ويكفيه شرا احتقاره لغيره قال صلى الله عليه وسلم كفى بالمرء شرا أن يحقر أخاه المسلم وكثير من العباد إذا استخف به مستخف أو آذاه مؤذ استبعد أن يغفر الله له ولا يشك في أنه صار ممقوتا عند الله وذلك لعظم قدر نفسه عنده وهو جهل وجمع بين الكبر والعجب والاغترار بالله وقد ينتهي الحق والغباوة ببعضهم إلى أن يتحدى ويقول سترون ما يجري عليه وإذا أصيب بنكبة زعم أن ذلك من كراماته وأن الله ما أراد إلا الانتقام له مع أنه يرى طبقات من الكفار يسبون الله ورسوله وعرف جماعة آذوا الأنبياء صلوات الله عليهم فمنهم من قتلهم ومنهم من ضربهم ثم إن الله أمهل أكثرهم ولا يعاقبهم في الدنيا بل ربما أسلم بعضهم فلم يصبه مكروه في الدنيا ولا في الآخرة أفيظن هذا الجاهل المغرور أنه أكرم على الله من أنبيائه وأنه قد انتقم له بما لم ينتقم لأنبيائه به ولعله في مقت الله بإعجابه وكبره وهو غافل عن هلاك نفسه فهذه عقيدة المغترين وأما الأكياس من العباد فيقولون ما كان يقوله السلف بعد انصرافه من عرفات كنت أرجو الرحمة لجميعهم لولا كوني فيهم فانظر إلى الفرق بين الرجلين هذا يتقي الله ظاهرا وباطنا وهو وجل على نفسه مزدر لعمله وذاك يضمر من الرياء والكبر والغل ما هو ضحكة للشيطان به ثم إنه يمتن على الله بعمله ومن آثار الكبر في العابد أن يعبس وجهه
368
368
كأنه متنزه عن الناس مستقذر لهم وليس يعلم المسكين أن الورع ليس في الجبهة حتى تقطب ولا في الرقبة حتى تطأطأ ولا في الذيل حتى يضم إنما الورع في القلوب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم التقوى ههنا وأشار إلى صدره فقد كان صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق وأتقاهم وكان أوسعهم خلقا وأكثرهم بشرا وتبسما وانبساطا كما قال تعالى ! < واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين > !
الثالث التكبر بالحسب والنسب فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب وإن كان أرفع منه عملا وعلما وقد يتكبر بعضهم فيأنف من مخالطة الناس ومجالستهم وقد يجري على لسانه التفاخر به فيقول لغيره من أنت ومن أبوك فأنا فلان ابن فلان ومع مثلي تتكلم وقد روي أن أبا ذر رضي الله عنه قال قاولت رجلا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له يا ابن السوداء فغضب صلى الله عليه وسلم وقال يا أبا ذر ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل فقال أبو ذر فاضطجعت وقلت للرجل قم فطأ على خدي فانظر كيف نبهه صلى الله عليه وسلم على أن ذلك جهل وانظر كيف تاب وقلع من نفسه شجرة الكبر إذ عرف أن العز لا يقمعه إلا الذل
الرابع التفاخر بالجمال وذلك أكثر ما يجري بين النساء ويدعو ذلك إلى التنقص والثلب والغيبة وذكر عيوب الناس
الخامس الكبر بالمال وذلك يجري بين الأمراء والتجار في لباسهم وخيولهم ومراكبهم فيستحقر الغني الفقير ويتكبر عليه وكل ذلك جهل بفضيلة الفقر وآفة الغنى
السادس الكبر بالقوة وشدة البطش والتكبر به على أهل الضعف
السابع التكبر بالأتباع والأنصار والعشيرة والأقارب
فهذه مجامع ما يتكبر به العباد بعضهم على بعض
369
369
نسأله تعالى العون بلطفه ورحمته
بيان أخلاق المتواضعين ومجامع ما يظهر فيه أثر التواضع والتكبر
اعلم أن التكبر يظهر في شمائل الرجل كصعر في وجهه ونظره شزرا وإطراقه رأسه وجلوسه متربعا أو متكئا وفي أقواله حتى في صوته ونغمته وصيغته في الإيراد ويظهر في مشيته وتبختره وقيامه وجلوسه وحركاته وسكناته فمن المتكبرين من يجمع ذلك كله ومنهم من يتكبر في بعض ويتواضع في بعض فمنها التكبر بأن يحب قيام الناس له أو بين يديه ومنها أن لا يمشي إلا ومعه غيره يمشي خلفه ومنها أن لا يزور غيره وإن كان يحصل من زيارته خير لغيره في الدين وهو ضد التواضع ومنها أن يستنكف من جلوس غيره بالقرب منه إلا أن يجلس بين يديه والتواضع خلافه ومنها أن لا يتعاطى بيده شغلا في بيته والتواضع خلافه روي أن عمر بن عبد العزيز أتاه ليلة ضيف وكان يكتب فكاد السراج يطفأ فقال الضيف أقوم إلى المصباح فأصلحه فقال ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه قال أفأنبه الغلام فقال هي أول نومة نامها فقام وملأ المصباح زيتا فقال الضيف قمت أنت بنفسك يا أمير المؤمنين فقال ذهبت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر ما نقص مني شيء وخير الناس من كان عند الله متواضعا
ومنها أن لا يأخذ متاعه ويحمله إلى بيته وهو خلاف عادة المتواضعين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك وقال علي لا ينقص الرجل الكامل من كماله ما حمل من شيء إلى عياله ومنها اللباس إذ يظهر به التكبر والتواضع وعلامة المتكبر فيه حرصه على التزين للناس للشهرة والمخيلة وأما طلب التجمل لذاته في غير سرف ولا مخيلة فليس من الكبر والمحبوب الوسط من اللباس الذي لا يوجب شهرة بالجودة ولا بالرداءة وقد قال صلى الله عليه وسلم كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير سرف ولا مخيلة إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ومنها أن يتواضع بالاحتمال إذا
370
370
سب وأوذي وأخذ حقه فذلك هو الأصل
وبالجملة فمجامع حسن الأخلاق والتواضع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيه فينبغي أن يقتدى به ومنه ينبغي أن يتعلم
وقد قال ابن أبي سلمة قلت لأبي سعيد الخدري ما ترى فيما أحدث الناس من الملبس والمشرب والمركب والمطعم فقال يا ابن أخي كل لله واشرب لله والبس لله وكل شيء من ذلك دخله زهو أو مباهاة أو رياء أو سمعة فهو معصية وسرف وعالج في بيتك من الخدمة ما كان يعالج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته كان يحلب الشاة ويخصف النعل ويرقع الثوب ويأكل مع خادمه ويشتري الشيء من السوق ولا يمنعه الحياء أن يعلقه بيده يصافح الغني والفقير ويسلم مبتدئا على كل من استقبله من صغير أو كبير يجيب إذا دعي ولا يحقر ما دعي إليه لين الخلق جميل المعاشرة طليق الوجه شديد في غير عنف متواضع في غير مذلة جواد من غير سرف رقيق القلب زادت عائشة رضي الله عنها وإنه صلى الله عليه وسلم لم يمتلئ قط شبعا ولم يبث إلى أحد شكوى وإن كانت الفاقة لأحب إليه من اليسار والغنى
فمن طلب التواضع فليقتد به صلى الله عليه وسلم ومن لم يرض لنفسه بذلك فما أشد جهله فلقد كان أعظم خلق الله منصبا في الدنيا والدين فلا عز ولا رفعة إلا في الاقتداء به
بيان الطريق في معالجة الكبر واكتساب التواضع
اعلم أن الكبر من المهلكات وإزالته فرض عين ولا يزول بمجرد التمني بل بالمعالجة وفي معالجته مقامان
أحدهما قلع شجرته من مغرسها في القلب
الثاني دفع العارض منه بالأسباب التي قد يتكبر بها
371
371
المقام الأول في استئصال اصله
علاجه علمي وعملي ولا يتم الشفاء إلا بمجموعهما
أما العلمي فهو أن يعرف نفسه ويعرف ربه تعالى ويكفيه ذلك في إزالة الكبر فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه لا يليق به إلا التواضع وإذا عرف ربه علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله أما معرفته ربه وعظمته ومجده فالقول فيه يطول وأما معرفته نفسه فهو أيضا يطول ولكنا نذكر من ذلك ما ينفع في إثارة التواضع ويكفيه أن يعرف معنى آية واحدة في كتاب الله فإن في القرآن علم الأولين والآخرين لمن فتحت بصيرته قال تعالى ! < قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره > ! فقد أشارت الآية إلى أول خلق الإنسان وإلى آخر أمره وإلى وسطه فلينظر الإنسان ذلك ليفهم معنى هذه الآية أما أول الإنسان فهو أنه لم يكن شيئا مذكورا وقد كان في حيز العدم دهورا وأي شيء أخس من العدم ثم خلقه الله من أقذر الأشياء إذ خلقه من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم جعله عظما ثم كسا العظم لحما فهذا بداية وجوده فما صار شيئا مذكورا إلا وهو على أخس الأوصاف والنعوت إذ لم يخلق في إبتدائه كاملا بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع ولا يبصر ولا يحس ولا يتحرك ولا ينطق ولا يبطش ولا يدرك ولا يعلم فبدأ بموته قبل حياته وبضعفه قبل قوته وبجهله قبل علمه وبعماه قبل بصره وبصممه قبل سمعه وببكمه قبل نطقه وبضلاله قبل هداه وبفقره قبل غناه وبعجزه قبل قدرته فهذا معنى قوله تعالى ! < من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره > ! ثم امتن عليه فقال ! < ثم السبيل يسره > ! وهذا إشارة إلى ما تيسر له في مدة حياته إلى الموت وإنما خلقه من التراب الذليل الذي يوطأ بالأقدام والنطفة القذرة بعد عدمها ليعرف خسة ذاته فيعرف بها ذاته فيعرف بها نفسه وإنما أكمل النعمة عليه ليعرف بها ربه ويعلم بها عظمته وجلاله وأنه لا يليق الكبرياء إلا به جل وعلا فمن كان هذا بدءه وهذه أحواله فمن أين له البطر والكبرياء والفخر والخيلاء وهو على التحقيق أضعف الضعفاء ولكن هذه عادة الخسيس إذا رفع من خسته شمخ بأنفه وتعظم وذلك لدلالة خسة أوله ولا حول ولا قوة إلا بالله نعم لو أكمله وفوض إليه أمره وأدام له الوجود باختياره
372
372
لجاز أن يطغى وينسى المبدأ والمنتهى ولكنه سلط عليه في دوام وجوده الأمراض والآفات يهدم البعض من أجزائه البعض شاء أم أبى فيجوع كرها ويعطش كرها ويمرض كرها ويموت كرها لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا خيرا ولا شرا يريد أن يعلم الشيء فيجهله ويريد أن يذكر الشيء فينساه ويريد أن ينسى الشيء ويغفل عنه فلا يغفل عنه ولا يأمن في لحظة من ليله أو نهاره أن يسلب سمعه وبصره وتفلج أعضاؤه ويختلس عقله ويختطف روحه ويسلب جميع ما يهواه في دنياه فهو مضطر ذليل إن ترك بقي وإن اختطف فني عبد مملوك لا يقدر على شيء من نفسه ولا شيء من غيره فأي شيء أذل منه لو عرف نفسه وأنى يليق الكبر به لولا جهله فهذا وسط أحواله فليتأمله وأما آخره فهو الموت المشار إليه بقوله تعالى ! < ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره > ! ومعناه أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه وإدراكه وحركته فيعود جمادا كما كان أول مرة لا يبقى إلا شكل أعضائه وصورته لا حس فيه ولا حركة ثم يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة ثم تبلى أعضاؤه وتتفتت أجزاؤه وتنخر عظامه ويأكل الدود أجزاءه فيصير روثا في أجواف الديدان ويكون جيفة يهرب منه الحيوان ويستقذره كل إنسان ويهرب منه لشدة الإنتان وليته بقي كذلك فما أحسنه لو ترك لا بل يحييه بعد طول البلى ليقاسي شديد البلا فيخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرقة ويخرج إلى أهوال القيامة فينظر إلى قيامة قائمة وسماء مشققة ممزقة وأرض مبدلة وجبال مسيرة ونجوم منكدرة وشمس منكسفة وأحوال مظلمة وملائكة غلاظ شداد وجهنم تزفر وجنة ينظر إليها المجرم فيتحسر ويرى صحائف منشورة فيقال له اقرأ كتابك فيقول وما هو فيقال كان قد وكل بك في حياتك التي كنت تتكبر بنعيمها وتفتخر بأسبابها ملكان رقيبان يكتبان عليك ما تنطق به أو تعمله من قليل أو كثير وصغير وكبير قد نسيت ذلك وأحصاه الله عليك فهلم إلى الحساب واستعد للجواب أو تساق إلى دار العذاب فينقطع قلبه فزعا من هول هذا الخطاب قبل أن تنتشر الصحيفة ويشاهد ما فيها من مخازيه فإذا شاهده قال ! < يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها > ! فهذا آخر أمره وهو معنى قوله تعالى ! < ثم إذا شاء أنشره > ! فما لمن هذا حاله والتكبر والتعظم بل
373
373
ماله وللفرح فضلا عن البطر فقد ظهر له أول حاله ووسطه ولو ظهر آخره والعياذ بالله تعالى ربما اختار أن يصير مع البهائم ترابا ولا يكون إنسانا يسمع خطابا أو يلقى عذابا فمن هذا حاله في العاقبة إلا أن يعفو الله عنه وهو على شك من العفو فكيف يفرح ويبطر وكيف يتكبر ويتجبر حقا يكفيه ذلك حزنا وخوفا وإشفاقا ومهانة وذلا فهذا هو العلاج العلمي القامع لأصل الكبر
وأما العلاج العملي فهو التواضع لله بالفعل ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين كما وصفناه من شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أحوال الصالحين ولا يتم التواضع بعد المعرفة إلا بالعمل ولذلك أمر العرب الذين تكبروا على الله ورسوله بالإيمان وبالصلاة جميعا وقيل الصلاة عماد الدين وفي الصلاة أسرار لأجلها كانت عمادا ومن جملتها ما فيها من التواضع بالمثول قائما وبالركوع وبالسجود وقد كان العرب قديما يأنفون من الانحناء فكان يسقط من يد الواحد سوطه فلا ينحني لأخذه وينقطع شراك نعله فلا ينكس رأسه لإصلاحه فلما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والضعة أمروا به لتنكسر بذلك خيلاؤهم ويزول كبرهم ويستقر التواضع في قلوبهم وبه أمر سائر الخلق
المقام الثاني فيما يعرض من التكبر بالأسباب السبعة المتقدمة
ذكرنا في كتاب ذم الجاه أن الكمال الحقيقي هو العلم والعمل فأما ما عداه مما يفنى بالموت فكمال وهمي ونحن نذكر طريق العلاج من العلم والعمل في جميع أسبابه السبعة
الأول النسب فمن يعتريه الكبر من جهة النسب فليداو قلبه بمعرفة أن هذا جهل من حيث أنه تعزز بكمال غيره ومن كان خسيسا فمن أين تجبر خسته بكمال غيره وبمعرفة نسبه الحقيقي أعني أباه وجده فإن أباه القريب نطفة قذرة وجده البعيد تراب وقد عرف الله تعالى نسبه فقال ! < وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين > ! فإذا كان أصله من التراب وفصله من النطفة فمن أين تأتيه الرفعة فهذا هو النسب الحقيقي للإنسان ومن عرفه لا يتكبر بالنسب
374
374
الثاني الكبر بالجمال ودواؤه أن ينظر إلى باطنه نظر العقلاء ولا ينظر إلى الظاهر نظر البهائم ومهما نظر إلى باطنه رأى من القبائح ما يكدر عليه تعززه بالجمال إذ خلق من أقذار ووكل به في جميع أجزائه الأقذار وسيموت فيصير جيفة أقذر من سائر الأقذار وجماله لا بقاء له بل هو في كل حين يتصور أن يزول بمرض أو سبب من الأسباب فكم من وجوه جميلة قد سمحت بهذه الأسباب فمعرفة ذلك تنزع من القلب داء الكبر بالجمال لمن أكثر تأملها
الثالث الكبر بالقوة ويمنعه من ذلك أن يعلم ما سلط الله عليه من العلل والأمراض وأنه لو توجع عرق واحد في يده لصار أعجز من كل عاجز أو أن شوكة لو دخلت في رجله لأعجزته وأن حمى يوم تحلل من قوته ما لا ينجبر في مدة فمن لا يطيق شوكة ولا يقاوم بقة فلا ينبغي أن يفتخر بقوته ثم إن قوي الإنسان فلا يكون أقوى من حمار أو بقرة أو فيل أو جمل وأي افتخار في صفة يسبقك بها البهائم
السبب الرابع والخامس الغنى وكثرة المال وفي معناه كثرة الأتباع والأنصار والتكبر بالمناصب والولايات وكل ذلك تكبر بمعنى خارج عن ذات الإنسان وهذا أقبح أنواع الكبر فلو ذهب ماله أو احترقت داره لعاد ذليلا وكم في اليهود من يزيد عليه في الغنى والثروة والتجمل فأف لشرف يسبقه به يهودي أو يأخذه سارق في لحظة فيعود ذليلا مفلسا
السادس الكبر بالعلم وهو أعظم الآفات وعلاجه بأمرين
أحدهما أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكد وأنه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل عشره من العالم فإن من عصى الله تعالى عن معرفة وعلم فجنايته أفحش وخطره أعظم
ثانيهما أن يعرف أن الكبر لا يليق إلا بالله عز وجل وحده وأنه إذا تكبر صار ممقوتا عند الله بغيضا فهذا مما يزيل التكبر ويبعث على التواضع وإذا دعته نفسه للتكبر على فاسق أو مبتدع فليتذكر ما سبق من ذنوبه وخطاياه لتصغر نفسه في عينه وليلاحظ إبهام عاقبته وعاقبة الآخر فلعله يختم له بالسوء ولذاك بالحسنى حتى يشغله الخوف عن التكبر عليه ولا يمنعه ترك التكبر عليه أن يكرهه ويغضب لفسقه بل يبغضه ويغضب لربه إذ أمره أن يغضب عليه من غير تكبر عليه
السابع التكبر بالورع والعبادة وذلك فتنة عظيمة على العباد وسبيله أن يلزم قلبه التواضع لسائر العباد قال وهب بن منبه ما تم عقل عبد حتى
375
375
يكون فيه خصال وعد منها خصلة قال بها ساد مجده وبها علا ذكره أن يرى الناس كلهم خيرا منه وإنما الناس عنده فرقتان فرقة هي أفضل منه وأرفع وفرقة هي شر منه وأدنى فهو يتواضع للفرقتين جميعا بقلبه وإن رأى من هو خير منه سره ذلك وتمنى أن يلحق به وإن رأى من هو شر منه قال لعل هذا ينجو وأهلك أنا فلا تراه إلا خائفا من العاقبة ويقول لعل بر هذا باطن فذلك خير له ولا أدري لعل فيه خلقا كريما بينه وبين الله فيرحمه الله ويتوب عليه ويختم له بأحسن الأعمال وبري ظاهر فذلك شر لي فلا يأمن فيما أظهره من الطاعة أن يكون دخلها الآفات فأحبطتها قال فحينئذ كمل عقله وساد أهل زمانه
والذي يدل على فضيلة هذا الإشفاق قوله تعالى ! < يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون > ! أي أنهم يؤتون الطاعات وهم على وجل عظيم من قبولها وقال تعالى ! < إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون > ! وقال تعالى ! < إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين > ! وقد وصف الله تعالى الملائكة عليهم السلام مع تقدسهم عن الذنوب ومواظبتهم على العبادات بالدؤوب على الإشفاق فقال تعالى مخبرا عنهم ! < يسبحون الليل والنهار لا يفترون > ! ! < وهم من خشيته مشفقون > ! فمتى زال الإشفاق والحذر غلب الأمن من مكر الله وذلك يوجب الكبر وهو سبب الهلاك فالكبر دليل الأمن والأمن مهلك والتواضع دليل الخوف وهو مسعد
فإذن ما يفسده العابد بإضمار الكبر واحتقار الخلق أكثر مما يصلحه بظاهر الأعمال
فهذه معارف بها يزال داء الكبر عن القلب إلا أن النفس بعد هذه المعرفة قد تضمر التواضع وتدعي البراءة من الكبر وهي كاذبة فإذا وقعت الواقعة عادت إلى
376
376
طبعها فعن هذا لا ينبغي أن يكتفى في المداواة بمجرد المعرفة بل ينبغي أن تكمل بالعمل وتجرب بأفعال المتواضعين في مواقع هيجان الكبر من النفس وبيانه أن يمتحن النفس بالامتحانات الدالة على استخراج ما في الباطن والامتحانات كثيرة فمنها وهو أولها أن يناظر في مسألة مع واحد من أقرانه فإن ظهر شيء من الحق على لسان صاحبه فثقل عليه قبوله والانقياد له والشكر له على تنبيهه فذلك يدل على أن فيه كبرا دفينا فليتق الله فيه ويشتغل بعلاجه أما من حيث العلم فبأن يذكر نفسه خسة نفسه وخطر عاقبته وأن الكبر لا يليق إلا بالله تعالى وأما العمل فبأن يكلف نفسه ما ثقل عليه من الاعتراف بالحق وأن يطلق اللسان بالحمد والثناء ويقر على نفسه بالعجز ويشكره على الاستفادة ويقول ما أحسن ما فطنت له وقد كنت غافلا عنه فجزاك الله خيرا كما نبهتني له فالحكمة ضالة المؤمن فإذا وجدها ينبغي أن يشكر من دله عليها فإذا واظب على ذلك مرات متوالية صار ذلك له طبعا وسقط ثقل الحق عن قلبه وطاب له قبوله ومهما ثقل عليه الثناء على أقرانه بما فيهم ففيه كبر
الامتحان الثاني أن يجتمع مع الأقران والأمثال في المحافل ويقدمهم على نفسه ويمشي خلفهم ويجلس في الصدور تحتهم فإن ثقل ذلك عليه فهو متكبر فليواظب عليه تكلفا حتى يسقط عنه ثقله فبذلك يزايله الكبر
وههنا للشيطان مكيدة وهو أن يجلس في صف النعال أو يجلس بينه وبين الأقران بعض الأرذال فيظن أن ذلك تواضع وهو عين الكبر فإن ذلك يخف على نفوس المتكبرين إذ يوهمون أنهم تركوا مكانهم بالاستحقاق والتفضل فيكون قد تكبر بإظهار التواضع أيضا بل ينبغي أن يقدم أقرانه ويجلس بجنبهم ولا ينحط عنهم إلى صف النعال فذلك هو الذي يخرج خبث الكبر من الباطن
الامتحان الثالث أن يجيب دعوة الفقير ويمر إلى السوق في حاجة الرفقاء والأقارب فإن ثقل ذلك عليه فهو كبر فإن هذه الأفعال من مكارم الأخلاق والثواب عليها جزيل فنفور النفس عنها ليس إلا لخبث في الباطن فليشتغل بإزالته بالمواظبة عليه مع تذكر جميع ما ذكرناه من المعارف التي تزيل داء الكبر
الامتحان الرابع أن يحمل حاجة نفسه وحاجة أهله ورفقائه من السوق إلى البيت فإن أبت نفسه ذلك فهو كبر أو رياء
وكل ذلك من أمراض القلوب وعلله المهلكة له إن لم تتدارك وقد أهمل
377
377
الناس طب القلوب واشتغلوا بطب الأجساد مع أن الأجساد قد كتب عليها الموت لا محالة والقلوب لا تدرك السعادة إلا بسلامتها إذ قال تعالى ! < إلا من أتى الله بقلب سليم > !
بيان غاية الرياضة في خلق التواضع
اعلم أن هذا الخلق كسائر الأخلاق له طرفان ووسط فطرفه الذي يميل إلى الزيادة يسمى تكبرا وطرفه الذي يميل إلى النقصان يسمى تخاسسا ومذلة والوسط يسمى تواضعا والمحمود أن يتواضع في غير مذلة وتخاسس فإن
( كلا طرفي قصد الأمور ذميم
)
وأحب الأمور إلى الله تعالى أوساطها فمن يتقدم على أمثاله فهو متكبر ومن يتأخر عنهم فهو متواضع أي وضع شيئا من قدره الذي يستحقه والعالم إذا دخل عليه دنيء فتنحى له عن مجلسه وأجلسه فيه ثم تقدم وسوى له نعله وغدا إلى باب الدار خلفه فقد تخاسس وتذلل وهو أيضا غير محمود بل المحمود عند الله العدل وهو أن يعطي كل ذي حق حقه فينبغي أن يتواضع بمثل هذا لأقرانه ومن يقرب من درجته فأما تواضعه للسوقي فبالقيام والبشر في الكلام والرفق في السؤال وإجابة دعوته والسعي في حاجته وأمثال ذلك وأن لا يرى نفسه خيرا منه فلا يحتقره ولا يستصغره وهو لا يعرف خاتمة أمره
بيان ذم العجب وآفاته
اعلم أن العجب مذموم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى ! < ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا > ! ذكر ذلك في معرض الإنكار وقال عز وجل ! < وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا > ! فرد على الكفار في إعجابهم بحصونهم وشوكتهم وقال
378
378
تعالى ! < وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا > ! وهذا أيضا يرجع إلى العجب بالعمل وقد يعجب الإنسان بعمل هو مخطئ فيه كما يعجب بعمل هو مصيب فيه وقال صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه وقال ابن مسعود الهلاك في اثنتين القنوط والعجب وإنما جمع بينهما لأن السعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب والجد والتشمر والقانط لا يسعى ولا يطلب والمعجب يعتقد أنه قد سعد وقد ظفر بمراده فلا يسعى وقد قال تعالى ! < فلا تزكوا أنفسكم > ! أي لا تعتقدوا أنها بارة وقال تعالى ! < لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى > ! والمن نتيجة استعظام الصدقة واستعظام العمل هو العجب
بيان آفة العجب
اعلم أن آفات العجب كثيرة فإن العجب يدعو إلى الكبر لأنه أحد أسبابه فيتولد من العجب الكبر ومن الكبر الآفات الكثيرة التي لا تخفى هذا مع العباد وأما مع الله تعالى فالعجب يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها فبعض ذنوبه لا يذكرها لظنه أنه مستغن عن تفقدها وما يتذكره منها فيستصغره فلا يجتهد في إزالته بل يظن أنه يغفر له وأما العبادات والأعمال فإنه يستعظمها ويمن على الله بفعلها وينسى نعمة الله عليه بالتوفيق والتمكين منها ثم إذا أعجب بها عمي عن آفاتها وذلك أن المعجب يغتر بنفسه وبرأيه ويأمن مكر الله وعذابه ويظن أنه عند الله بمكان وأن له عند الله منة وحقا بأعماله التي هي نعمة من نعمه ويخرجه العجب إلى أن يثني على نفسه ويحمدها ويزكيها وإن أعجب برأيه وعمله وعقله منع ذلك من الاستفادة ومن
379
379
الاستشارة والسؤال فيستبد بنفسه ورأيه ويستنكف من سؤال من هو أعلم منه وربما يعجب بالرأي الخطأ الذي خطر له فيفرح بكونه من خواطره ولا يفرح بخواطر غيره فيصر عليه ولا يسمع نصح ناصح ولا وعظ واعظ بل ينظر إلى غيره بعين الاستجهال ويصر على خطاياه
فهذا وأمثاله من آفات العجب فلذلك كان من المهلكات ومن أعظم آفاته أن يغتر في السعي لظنه أنه قد فاز وأنه وقد استغنى وهو الهلاك الصريح نسأل الله العظيم حسن التوفيق لطاعته
بيان علاج العجب على الجملة
اعلم أن علاج كل علة هو مقابلة سببها بضده وعلة العجب الجهل المحض فعلاجه المعرفة المضادة لذلك الجهل وذلك أن المعجب بجماله أو قوته أو نسبه وما لا يدخل تحت اختياره إنما يعجب بما ليس إليه لأن كل ذلك من فضل الله وإنما هو محل لفيضان جوده تعالى فله الشكر والمنة لا لك إذ أفاض على عبده ما لا يستحق وآثره به على غيره من غير سابقة ووسيلة فإذن منشأ العجب بذلك هو الجهل وإزالة ذلك بالعلم المحقق بأن العبد وعمله وأوصافه كلها من عند الله تعالى نعمة ابتدأه بها قبل الاستحقاق وهذا ينفي العجب والإدلال ويورث الخضوع والشكر والخوف من زوال النعمة قال الله تعالى ! < ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا > ! قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهو خير الناس ما منكم من أحد ينجيه عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ومهما غلب الخوف على القلب شغله خشية سلب هذه النعمة عن الإعجاب بها وأنى لذي بصيرة أن يعجب بعمله ولا يخاف على نفسه فإذن هذا هو العلاج القامع لمادة العجب من القلب
380
380
بيان أقسام ما به العجب وتفصيل علاجه
اعلم أن مجموع ما به العجب ثمانية أقسام
الأول أن يعجب ببدنه في جماله وهيئته وصحته وقوته وحسن صوته وينسى أنه نعمة من الله تعالى وهو بعرضة الزوال في كل حال وعلاجه التفكر في أقذار باطنه في أول أمره وفي آخره وفي الوجوه الجميلة والأبدان الناعمة كيف تمزقت في التراب وأنتنت في القبور حتى استقذرتها الطباع
الثاني البطش والقوة كما حكي عن قوم عاد حين قالوا فيما أخبر الله عنهم ! < من أشد منا قوة > ! وعلاجه أن يعلم أن حمى يوم تضعف قوته وأنه إذا أعجب بها ربما سلبها الله تعالى بأدنى آفة يسلطها عليه
الثالث العجب بالعقل والكياسة والتفطن لدقائق الأمور من مصالح الدين والدنيا وثمرته الاستبداد بالرأي وترك المشورة واستجهال الناس المخالفين له ولرأيه ويخرج إلى قلة الإصغاء إلى أهل العلم إعراضا عنهم بالاستغناء بالرأي والعقل وعلاجه أن يشكر الله تعالى على ما رزق من العقل ويتفكر أنه بأدنى مرض يصيب دماغه كيف يوسوس ويجن بحيث يضحك منه فلا يأمن أن يسلب عقله إن أعجب به ولم يقم بشكره ويستقصر علمه وعقله وليعلم أنه ما أوتي من العلم إلا قليلا وإن اتسع علمه وأن ما جهله مما عرفه الناس أكثر مما عرفه فكيف بما لم يعرفه الناس من علم الله تعالى وأن يتهم عقله وينظر إلى الحمقى كيف يعجبون بعقولهم ويضحك الناس منهم فيحذر أن يكون منهم وهو لا يدري فإن القاصر العقل لا يعلم قصور عقله فينبغي أن يعرف مقدار عقله من غيره لا من نفسه ومن أعدائه لا من أصدقائه فإن من يداهنه يثني عليه فيزيده عجبا وهو لا يظن بنفسه إلا الخير ولا يفطن لجهل نفسه فيزداد به عجبا
الرابع العجب بالنسب الشريف حتى يظن بعضهم أنه ينجو بشرف نسبه ونجاة آبائه وأنه مغفور له وعلاجه أن يعلم أنه مهما خالف آباءه في أفعالهم وأخلاقهم وظن أنه ملحق بهم فقد جهل وإن اقتدى بآبائه فما كان من أخلاقهم العجب بل الخوف ومذمة النفس ولقد شرفوا بالطاعة والعلم والخصال الحميدة لا بالنسب فليشرف بما شرفوا به ولذلك قال تعالى ! < يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى > !
381
أي لا تفاوت في أنسابكم لاجتماعكم في اصل واحد ثم ذكر فائدة النسب فقال ! < وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا > ! ثم بين أن الشرف بالتقوى لا بالنسب فقال ! < إن أكرمكم عند الله أتقاكم > ! وقال صلى الله عليه وسلم إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية أي كبرها كلكم بنو آدم وآدم من تراب ولما نزل قوله تعالى ! < وأنذر عشيرتك الأقربين > ! ناداهم بطنا بعد بطن حتى قال يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم اعملا لأنفسكما فإني لا أغني عنكما من الله شيئا فبين أنهم إذا مالوا إلى الدنيا لم ينفعهم نسب قريش فمن عرف هذه الأمور وعلم أن شرفه بقدر تقواه وقد كان من عادة آبائه التواضع اقتدى بهم في التقوى والتواضع وإلا كان طاعنا في نسب نفسه بلسان حاله مهما انتمى إليهم ولم يشبههم في التواضع والتقوى والخوف والإشفاق
الخامس العجب بنسب الأمراء وأعوانهم دون نسب العلم والدين وهذا غاية الجهل وعلاجه أن يتفكر في منكراتهم وما جروا على الناس من المحظورات فيشكر الله أن عصمه من تبعاتهم
السادس العجب بكثرة العدد من الأولاد والخدم والعشيرة والأقارب كما قال الكفار ! < نحن أكثر أموالا وأولادا > ! وكما قال المؤمنون يوم حنين لا نغلب اليوم من قلة وعلاجه ما ذكرناه في الكبر وهو أن يتفكر في ضعفه وضعفهم وأن كلهم عجزة لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ثم كيف يعجب وهم سيفارقونه إذا مات ودفن وحده ذليلا مهانا ويسلمونه إلى البلى والحيات والعقارب ولا يغنون عنه
382
382
شيئا ويهربون منه يوم القيامة ! < يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه > ! فكيف تعجب بمن يفارقك في أشد أحوالك ويهرب منك وكيف تتكل على من لا ينفعك وتنسى نعم من يملك نفعك وضرك
السابع العجب بالمال كما أخبر تعالى عن ذاك الكافر إذ قال ! < أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا > ! وعلاجه أن يتفكر في آفات المال وكثرة حقوقه وإلى أن في اليهود من يزيد عليه في المال وينظر إلى فضيلة الفقراء وخفة حسابهم وكيف يتصور من المؤمن أن يعجب بماله ولا يخلو من تقصير في القيام بحقوق المال من أخذه من حله ووضعه في حقه وأن مآل المتهور في الجمع والمنع إلى الخزي والبوار
الثامن العجب بالرأي الخطأ قال تعالى ! < أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا > ! وقال تعالى ! < وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا > ! وقد أخبر رسول الله صلوات الله عليه أن بذلك هلكت الأمم السالفة إذ افترقت فرقا وكل معجب برأيه ! < كل حزب بما لديهم فرحون > ! وعلاجه أن يتهم رأيه أبدا فلا يغتر به إلا أن يشهد له قاطع من كتاب أو سنة أو دليل عقل صحيح جامع لشروط الأدلة ولن يعرف الإنسان أدلة الشرع والعقل وشروطها ومكامن الغلط فيها إلا بقريحة تامة وعقل ثاقب وجد وتشمير في الطلب وممارسة للكتاب والسنة ومجالسة لأهل العلم طول العمر ومدارسة للعلوم ومع ذلك فلا يؤمن عليه الغلط في بعض الأمور والصواب لمن لم يتفرغ لاستغراق عمره في العلم أن لا يخوض في المذاهب بل يشتغل بالتقوى واجتناب المعاصي وأداء الطاعات والشفقة على المسلمين نسأله تعالى العصمة من الضلال ونعوذ به من الاغترار بخيالات الجهال
383
383
كتاب ذم الغرور
إن مفتاح السعادة التيقظ والفطنة ومنبع الشقاوة الغرور والغفلة والمغرور هو الذي لم تنفتح بصيرته ليكون بهداية نفسه كفيلا وبقي في العمى فاتخذ الهوى قائدا والشيطان دليلا ولما كان الغرور أم الشقاوات ومنبع الهلكات لزم شرح مداخله ومجاريه وتفصيل ما يكثر وقوع الغرور فيه ليحذره المريد بعد معرفته فيتقيه فالموفق من العباد من عرف مداخل الآفات والفساد فأخذ منها حذره وبنى على الحزم والبصيرة أمره
بيان ذم الغرور وحقيقته
اعلم أن قوله تعالى ! < فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور > ! وقوله تعالى ! < ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني > ! الآية كاف في ذم الغرور وقال صلى الله عليه وسلم الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله فالغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع عن شبهة وخدعة من الشيطان فمن اعتقد أنه على
384
384
خير إما في العاجل أو في الآجل عن شبهة فاسدة فهو مغرور وأكثر الناس يظنون بأنفسهم الخير وهم مخطئون فيه فأكثر الناس إذن مغرورون وإن اختلفت أصناف غرورهم
وأشد الغرور غرور الكفار وغرور العصاة والفساق فأما غرور الكفار فقد أشير إليه في قوله تعالى ! < أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون > ! وعلاج هذا الغرور إما التصديق بالإيمان وإما بالبرهان أما التصديق بمجرد الإيمان فهو أن يصدق الله تعالى في قوله ! < ما عندكم ينفد وما عند الله باق > ! وفي قوله عز وجل ! < وما عند الله خير > ! وقوله ! < والآخرة خير وأبقى > ! وقوله ! < فلا تغرنكم الحياة الدنيا > ! وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك طوائف من الكفار فصدقوه وآمنوا به ولم يطالبوه بالبرهان ومنهم من قال نشدتك الله أبعثك الله رسولا فكان يقول نعم فيصدق هذا إيمان العامة وهو يخرج من الغرور
وأما المعرفة بالبيان والبرهان فأن تعرف فساد ما وسوس به الشيطان من الغرور بالتبصر في دعوى الأنبياء والعلماء وتصديقهم فإنه أيضا يزيل الغرور وهو مدرك يقين العوام وأكثر الخواص ومثالهم مريض لا يعرف دواء علته وقد اتفق الأطباء وأهل الصناعة من عند آخرهم على أن دواءه النبت الفلاني فإنه تطمئن نفس المريض إلى تصديقهم ولا يطالبهم بتصحيح ذلك بالبراهين الطبية بل يثق بقولهم ويعمل به ولو بقي معتوه يكذبهم في ذلك وهو يعلم بالتواتر وقرائن الأحوال أنهم أكثر منه عددا وأغزر منه فضلا وأعلم منه بالطب بل لا علم له بالطب فيعلم كذبه
385
385
بقولهم ولا يعتقد كذبهم بقوله ولا يغتر في علمه بسببه ولو اعتمد قوله وترك قول الأطباء كان معتوها مغرورا فكذلك من نظر إلى المقرين بالآخرة والمخبرين عنها والقائلين بأن التقوى هي الدواء النافع في الوصول إلى سعادتها وجدهم خير خلق الله وأعلاهم رتبة في البصيرة والمعرفة والعقل وهم الأنبياء والحكماء والعلماء واتبعهم علية الخلق على أصنافهم وشذ منهم آحاد ممن غلبت عليهم الشهوة ومالت نفوسهم إلى التمتع فعظم عليهم ترك الشهوات وعظم عليهم الاعتراف بأنهم من أهل النار فجحدوا الآخرة وكذبوا الأنبياء فكما أن قول الصبي والمعتوه لا يزيل طمأنينة القلب إلى ما اتفق عليه الأطباء فكذلك قول هذا الغبي الذي استرقته الشهوات لا يشكك في صحة أقوال الأنبياء والعلماء وهذا القدر من الإيمان كاف لجملة الخلق وهو يقين جازم يستحث على العمل لا محالة والغرور يزول به
وأما غرور العصاة من المسلمين فبقولهم إن الله كريم وإنا نرجو عفوه واتكالهم على ذلك وإهمالهم الأعمال وتحسين ذلك بتسمية تمنيهم واغترارهم رجاء وظنهم أن الرجاء مقام محمود في الدين وأن نعمة الله واسعة ورحمته شاملة وكرمه عميم وأين معاصي العباد في بحار كرمه وإنا موحدون فنرجوه بوسيلة الإيمان وربما كان مستدرجاتهم التمسك بصلاح الآباء وعلو رتبتهم كاغترار العلوية بنسبهم ومخالفة سيرة آبائهم في الخوف والتقوى والورع وظنهم أنهم أكرم على الله من آبائهم إذ آباؤهم مع غاية الورع والتقوى كانوا خائفين وهم مع غاية الفسق والفجور آمنون وذلك نهاية الاغترار بالله تعالى أينسى المغرور أن نوحا عليه السلام أراد أن يستصحب ولده معه في السفينة فلم يرد فكان من المغرقين ! < فقال رب إن ابني من أهلي > ! فقال تعالى ! < يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح > ! وأن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه فلم ينفعه ومن ظن أنه ينجو بتقوى أبيه كمن ظن أنه يشبع بأكل أبيه ويروى بشرب أبيه ويصير عالما بعلم أبيه ويصل إلى الكعبة ويراها بمشي أبيه فالتقوى فرض عين فلا يجزي فيه والد عن ولده شيئا وكذا العكس
بيان الغلط في تسمية التمني والغرور رجاء
فإن قلت فأين الغلط في قول العصاة والفجار إن الله كريم وإنا نرجو رحمته
386
386
ومغفرته وقد قال أنا عند ظن عبدي بي فالجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف عن ذلك فقال الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني وهذا هو التمني على الله تعالى غير الشيطان اسمه فسماه رجاء حتى خدع به الجهال وقد شرح الله الرجاء فقال ! < إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله > ! يعني أن الرجاء بهم أليق وهذا لأنه ذكر أن ثواب الآخرة أجر وجزاء على الأعمال قال الله تعالى ! < جزاء بما كانوا يعملون > ! وقال تعالى ! < وإنما توفون أجوركم يوم القيامة > ! أفترى أن من استؤجر على إصلاح أوان وشرط له أجرة عليها وكان الشارط كريما يفي بالوعد مهما وعد ولا يخلف بل يزيد فجاء الأجير وكسر الأواني وأفسد جميعها ثم جلس ينتظر الأجر ويزعم أن المستأجر كريم افتراه العقلاء في انتظاره متمنيا مغرورا أو راجيا وهذا للفرق بين الرجاء والغرة قيل للحسن قوم يقولون نرجو الله ويضيعون العمل فقال هيهات هيهات تلك أمانيهم يترجحون فيها من رجا شيئا طلبه ومن خاف شيئا هرب منه
وكما أن الذي يرجو في الدنيا ولدا وهو بعد لم ينكح فهو معتوه فكذلك من رجا رحمة الله ولم يعمل صالحا ولم يترك المعاصي فهو مغرور فكما أنه إذا نكح بقي مترددا في الولد يخاف ويرجو فضل الله في خلق الولد ودفع الآفات عن الرحم وعن الأم إلى أن يتم فهو كيس فكذلك إذا آمن وعمل الصالحات وترك السيئات وبقي مترددا بين الخوف والرجاء يخاف أن لا يقبل منه ويرجو أن يثبته حتى يموت على التوحيد ويحرس قلبه عن الميل إلى الشهوات بقية عمره حتى لا يميل إلى المعاصي فهو كيس ومن عدا هؤلاء فهم المغرورون بالله ! < وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا > !
387
387
موضع الرجاء المحمود
فإن قلت فأين موضع الرجاء المحمود فاعلم أنه محمود في موضعين
أحدهما في حق العاصي المنهمك إذا خطرت له التوبة فقال له الشيطان وأنى تقبل توبتك فيقنطه من رحمة الله تعالى فيجب عند هذا أن يقمع القنوط بالرجاء ويتذكر أن الله يغفر الذنوب جميعا وأن الله كريم يقبل التوبة عن عباده وأن التوبة طاعة تكفر الذنوب قال تعالى ! < وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى > ! فإذا توقع المغفرة مع التوبة فهو راج وإن توقع المغفرة مع الإصرار فهو مغرور
الثاني أن تفتر نفسه عن فضائل الأعمال ويقتصر على الفرائض فيرجى نفسه نعيم الله تعالى وما وعد به الصالحين حتى ينبعث من الرجاء نشاط العبادة فيقبل على الفضائل ويتذكر قوله تعالى ! < قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون > ! الآيات
فالرجاء الأول يقمع القنوط المانع من التوبة والرجاء الثاني يقمع الفتور المانع من النشاط والتشمر فكل توقع حث على توبة أو على تشمر في العبادة فهو رجاء وكل رجاء أوجب فتورا في العبادة وركونا إلى البطالة فهو غرة كما إذا خطر له أن يترك الذنب ويشتغل بالعمل ففتره الشيطان عن التوبة والعبادة وقال له لك رب كريم فهذا غرة وعند هذا يجب أن يستعمل الخوف فيخوف نفسه بغضب الله وعظيم عقابه ويقول إنه مع انه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب وإنه مع أنه كريم خلد الكفار في النار أبد الآباد وقد خوفني عقابه فكيف لا أخافه وكيف أغتر به
فالخوف والرجاء قائدان وسائقان يبعثان الناس على العمل فما لا يبعث على العمل فهو تمن وغرور ورجاء كافة الخلق هو سبب فتورهم وسبب إقبالهم على الدنيا وسبب إعراضهم عن الله تعالى وإهمالهم السعي للآخرة فذلك غرور وقد كان السلف يبالغون في التقوى والحذر من الشبهات والشهوات ويبكون على أنفسهم في الخلوات وأما الآن فترى الخلق آمنين مسرورين غير خائفين مع إكبابهم على المعاصي وإنهماكهم في الدنيا وإعراضهم عن الله تعالى زاعمين أنهم واثقون
388
388
بكرم الله وعفوه كأنهم يزعمون أنهم عرفوا من فضله وكرمه ما لم يعرفه الأنبياء والصحابة والسلف الصالحون فإن كان هذا الأمر يدرك بالمنى وينال بالهوينا فعلى ماذا كان بكاء أولئك وخوفهم وحزنهم وقد قال تعالى ! < ولمن خاف مقام ربه جنتان > ! ! < ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد > ! والقرآن من أوله إلى آخره تحذير وتخويف لا يتفكر فيه متفكر إلا ويطول حزنه ويعظم خوفه إن كان مؤمنا
بيان بعض أصناف المغترين
فمنهم فرقة أحكموا العلوم الشرعية والعقلية وأهملوا تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي واغتروا بعلمهم وظنوا أنهم عند الله بمكان لا يعذب مثلهم ولو نظروا بعين البصيرة لعلموا أن العلم إنما يراد لمعرفة الحلال والحرام ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة وكيفية علاجها والفرار منها فهي علوم لا تراد إلا للعمل وكل علم يراد للعمل فلا قيمة له دون العمل وقد ورد فيمن لا يعمل بعلمه ما فيه أشد الترهيب كقوله تعالى ! < مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا > ! فأي خزي أعظم من التمثيل بالحمار
وفرقة أخرى أحكموا العلم والعمل فواظبوا على الطاعات الظاهرة وتركوا المعاصي إلا أنهم لم يتفقدوا قلوبهم ليمحوا عنها الصفات الذميمة من الكبر والحسد والرياء وطلب العلا وإرادة السوء للأقران والنظراء وطلب الشهرة في البلاد والعباد فهؤلاء زينوا ظواهرهم وأهملوا بواطنهم ونسوا قوله صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم فتعهدوا الأعمال وما تعهدوا القلوب والقلب هو الأصل إذ لا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم ومثال هؤلاء قبور الموتى ظاهرها مزين وباطنها جيفة
389
389
وفرقة اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات وتفاصيل المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح العباد وخصصوا اسم الفقه بها وربما ضيعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة فلم يتفقدوا الجوارح كاللسان عن الغيبة ولا البطن عن الحرام ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر والحسد والرياء وسائر المهلكات فهؤلاء مغرورون من وجهين من حيث العمل ومن حيث العلم
أما من العمل فقد قدمنا أولا وجه الغرور فيه ومثالهم مثال المريض إذا تعلم نسخة الدواء واشتغل بتكرارها وتعليمها المرضى ولم يشتغل بشربها واستعمالها أفترى أن ذلك يغني عنه من مرضه شيئا هيهات هيهات فلا بد من شربه وصبره على مرارته على أنه بعد على خطر من شفائه
وأما غروره من حيث العلم فحيث اقتصر على علم المعاملات وظن أنه علم الدين وترك علم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وربما طعن في المحدثين وقال إنهم نقلة أخبار وحملة أسفار لا يفقهون وترك أيضا علم تهذيب الأخلاق وترك الفقه عن الله تعالى بإدراك جلاله وعظمته وهو الذي يورث الخوف والهيبة والخشوع ويحمل على التقوى فإن الفقه هو الفقه عن الله ومعرفة صفاته المخوفة والمرجوة ليستشعر القلب الخوف ويلازم التقوى إذ قال تعالى ! < فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون > ! والذي يحصل به الإنذار غير هذا العلم
وفرقة اشتغلوا بالوعظ والتذكير والتكلم في أخلاق النفس والزهد والإخلاص وهم مغرورون يظنون بأنفسهم أنهم إذا تكلموا بهذه الصفات ودعوا الخلق إليها فقد صاروا موصوفين بها وهم منفكون عنها عند الله لحرصهم على السمعة وحسدهم لمن يتقدمهم من أقرانهم وغيظهم على من يثني على معاصريهم وجمعهم لحطام الدنيا فهؤلاء أعظم الناس غرة
وفرقة منهم قنعوا بحفظ كلام الزهاد وأحاديثهم في ذم الدنيا فهم يحفظون الكلمات ويؤدونها من غير إحاطة بمعانيها ولو في الأسواق مع الجلساء وكل منهم يظن أنه إذا حفظ كلام الزهاد فقد أفلح ونال الغرض وصار مغفورا له من غير أن يحفظ باطنه عن الآثام وغرور هؤلاء أظهر من غرور من قبلهم
390
390
وفرقة اشتغلوا بعلم النحو واللغة والشعر وغريب اللغة واغتروا به وزعموا أنهم قد غفر لهم وأنهم من علماء الأمة فأفنوا أعمارهم في ذلك وأعرضوا عن معرفة معاني الشريعة والعمل بها كمن ضيع عمره في تصحيح مخارج الحروف في القرآن واقتصر عليه وهو غرور إذ المقصود من الحروف المعاني وإنما الحروف أدوات فاللب هو العمل والذي فوقه كالقشر للعمل فالقانعون به مغترون إلا من اتخذه منزلا فلم يعرج عليه إلا بقدر حاجته فتجاوزه حتى وصل إلى لباب العمل فحمل نفسه عليه فصفاها من الشوائب والآفات
غرور أرباب العبادة وهم فرق عديدة
منهم فرقة تعمقوا حتى خرجوا إلى العدوان والسرف كالذي يغلب عليه الوسوسة في الوضوء فيبالغ فيه ولا يرضى المحكوم بطهارته في الشرع ويقدر الاحتمالات البعيدة قريبة في النجاسة ولو انقلب هذا الاحتياط من الماء إلى الطعام لكان أشبه بسيرة الصحابة إذ توضأ عمر رضي الله عنه بماء في جرة نصرانية مع ظهور احتمال النجاسة وكان مع هذا يدع أبوابا من الحلال مخافة من الوقوع في الحرام
ومنهم فرقة غلب عليها الوسوسة في نية الصلاة فلا يدعه الشيطان حتى يعقد نية صحيحة على زعمه وقد يوسوسون في التكبير حتى قد يغيرون صيغة التكبير لشدة الاحتياط فيه على زعمهم يفعلون ذلك في أول الصلاة ثم يغفلون في جميع الصلاة فلا يحضرون قلوبهم ويغترون بذلك ويظنون أنهم على خير عند ربهم
وفرقة تغلب عليهم الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة وسائر الأذكار من مخارجها فلا يزال يحتاط في التشديدات والفرق بين الضاد والظاء وتصحيح المخارج في جميع صلاته لا يهمه غيره ذاهلا عن معنى القرآن والاتعاظ به وصرف الفهم إلى أسراره وهذا من أقبح أنواع الغرور فإنه لم يكلف الخلق في تلاوة القرآن من تحقيق مخارج الحروف إلا بما جرت به عادتهم في الكلام ومثال هؤلاء مثال من حمل رسالة إلى مجلس سلطان وأمر أن يؤديها على وجهها فأخذ يؤدي الرسالة ويتأنق في مخارج الحروف ويكررها ويعيدها مرة بعد أخرى وهو في ذلك غافل عن مقصود الرسالة ومراعاة حرمة المجلس فما أحراه بأن يقام عليه التأديب ويحكم عليه بفقد العقل
391
391
وفرقة اغتروا بقراءة القرآن فيهذونه هذا وربما يختمونه في اليوم والليلة مرة ولسان أحدهم يجري وقلبه يتردد في أودية الأماني إذ لا يتفكر في معاني القرآن لينزجر بزواجره ويتعظ بمواعظه ويقف عند أوامره ونواهيه ويعتبر بمواضع الاعتبار فيه فهو مغرور يظن أن المقصود من إنزال القرآن الهمهمة به مع الغفلة عنه ومثاله مثال عبد كتب إليه مولاه كتابا وأشار عليه فيه بالأوامر والنواهي فلم يصرف عنايته إلى فهمه والعمل به ولكن اقتصر على حفظه فهو مستمر على خلاف ما أمره به مولاه إلا أنه يكرر الكتاب بصوته ونغمته كل يوم مائة مرة فهو مستحق للعقوبة ومهما ظن أن ذلك هو المراد منه فهو مغرور نعم تلاوته إنما تراد لكيلا ينسى بل لحفظه وحفظه يراد لمعناه ومعناه يراد للعمل به والانتفاع بمعانيه وقد يكون له صوت طيب فهو يقرؤه ويلتذ به ويغتر باستلذاذه ويظن أن ذلك لذة مناجاة الله تعالى وسماع كلامه وإنما هي لذته في صوته فليتفقد قلبه وليخش ربه
وفرقة اغتروا بالصوم وربما صاموا الدهر أو الأيام الشريفة وهم فيها لا يحفظون ألسنتهم عن الغيبة وخواطرهم عن الرياء وبواطنهم عن الحرام عند الإفطار وألسنتهم عن الهذيان بأنواع الفضول طول النهار وهو مع ذلك يظن بنفسه الخير فيهمل الفرائض ويطلب النفل ثم لا يقوم بحقه وذلك غاية الغرور
وفرقة اغتروا بالحج فيخرجون إلى الحج من غير خروج عن المظالم وقضاء الديون واسترضاء الوالدين وطلب الزاد الحلال وقد يفعلون ذلك بعد سقوط حجة الإسلام ويضيعون في الطريق الصلاة والفرائض ولا يحذرون من الرفث والخصام ثم يحضر البيت بقلب ملوث بذميم الأخلاق لم يقدم تطهيره على حضوره وهو مع ذلك يظن أنه على خير من ربه فهو مغرور
وفرقة جاوروا بمكة والمدينة واغتروا بذلك ولم يراقبوا قلوبهم ولم يطهروا ظاهرهم وباطنهم فقلوبهم معلقة ببلادهم ملتفتة إلى قول من يعرفه إن فلانا مجاور بمكة وتراه يقول قد جاورت بمكة كذا وكذا سنة ثم إنه قد يجاور ويمد عين طمعه إلى أوساخ أموال الناس ويظهر فيه الرياء وجملة من المهلكات كان عنها بمعزل لو ترك المجاورة ولكن حب المحمدة وأن يقال إنه من المجاورين ألزمه المجاورة مع التضمخ بهذه الرذائل فهو أيضا مغرور
392
392
وفرقة زهدت في المال وقنعت من اللباس والطعام بالدون ومن المسكن بالمساجد أو المدارس وظنت أنها أدركت رتبة الزهاد وهو مع ذلك راغب بالرياسة والجاه إما بالعلم أو بالوعظ أو بمجرد الزهد فقد ترك أهون الأمرين وباء بأعظم المهلكين فهذا مغرور إذ ظن أنه من الزهاد في الدنيا وهو لم يفهم معنى الدنيا ولم يدر أن منتهى لذاتها الرياسة وأن الراغب فيها لا بد وأن يكون منافقا وحسودا ومتكبرا ومرائيا ومتصفا بجميع خبائث الأخلاق وقد يؤثر الخلوة والعزلة وهو مع ذلك مغرور إذ يتطاول بذلك على الناس وينظر إليهم بعين الاستحقار ويعجب بعمله ويتصف بجملة من خبائث القلوب وربما يعطى المال فلا يأخذه خيفة من أن يقال بطل زهده فهو راغب في حمد الناس وهو من ألذ أبواب الدنيا ويرى نفسه أنه زاهد في الدنيا وهو مغرور ومع ذلك فربما لا يخلو عن توقير الأغنياء وتقديمهم على الفقراء والميل إلى المريدين له والمثنين عليه والنفرة عن المائلين إلى غيره وكل ذلك خدعة وغرور من الشيطان نعوذ بالله منه
وفي العباد من يشدد على نفسه في أعمال الجوارح ولا يخطر له مراعاة القلب وتفقده وتطهيره من الرياء والكبر والعجب وسائر المهلكات ويتوهم أنه مغفور له لعمله الظاهر وأنه غير مؤاخذ بأحوال القلب وقد يظن أن العبادات الظاهرة تترجح بها كفة حسناته وهيهات وذرة من ذي تقوى وخلق واحد من أخلاق الأكياس أفضل من أمثال الجبال عملا بالجوارح ثم لا يخلو هذا المغرور من سوء خلقه مع الناس وخشونته وتلوث باطنه بالرياء وحب الثناء فإذا قيل له أنت من أوتاد الأرض وأولياء الله وأحبابه فرح المغرور بذلك وصدق به وظن أن تزكية الناس له دليل على كونه مرضيا عند الله ولا يدري أن ذلك لجهل الناس بخبائث باطنه
وفرقة حرصت على النوافل ولم يعظم اعتدادها بالفرائض ترى أحدهم يفرح بصلاة الضحى وبصلاة الليل وأمثال هذه النوافل ولا يجد للفريضة لذة ولا يشتد حرصه على المبادرة بها في أول الوقت وينسى قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه ما تقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم
393
393
غرور المتصوفة وهم فرق كثيرة
ففرقة منهم اغتروا بالزي والهيئة والمنطق فيجلسون على السجادات مع إطراق الرأس وإدخاله في الجيب كالمتفكر وفي تنفس الصعداء وفي خفض الصوت في الحديث ولم يتعبوا أنفسهم قط في المجاهدة والرياضة ومراقبة القلب وتطهير الباطن والظاهر من الآثام الخفية والجلية وكل ذلك من أوائل منازل التصوف مع أنهم لم يحوموا قط حولها ولم يسوموا أنفسهم شيئا منها
وفرقة ادعت علم المعرفة ومشاهدة الحق ومجاوزة المقامات والأحوال والملازمة في عين الشهود والوصول إلى القرب ولا يعرف هذه الأمور إلا بالأسامي والألفاظ لأنه تلقف من ألفاظ الطامات كلمات فهو يرددها ويظن أن ذلك أعلى من علم الأولين والآخرين فهو ينظر إلى الفقهاء والمفسرين والمحدثين وأصناف العلماء بعين الازدراء فضلا عن العوام حتى إن الفلاح ليترك فلاحته والحائك يترك حياكته ويلازمهم ويتلقف منهم تلك الكلمات المزيفة فيرددها كأنه يتكلم عن الوحي ويخبر عن سر الأسرار ويستحقر بذلك جميع العباد والعلماء ويقول إنهم عن الله محجوبون ويدعي لنفسه الوصول إلى الحق وأنه من المقربين وهو عند الله من المنافقين وعند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين لم يحكم قط علما ولم يهذب خلقا ولم يرتب عملا ولم يراقب قلبا سوى اتباع الهوى وتلقف الهذيان وحفظه
وفرقة وقعت في الإباحة وطووا بساط الشرع ورفضوا الأحكام وسووا بين الحلال والحرام فبعضهم يقول إن الله مستغن عن عملي فلم أتعب نفسي وبعضهم يقول الأعمال بالجوارح ولا وزن لها وإنما النظر إلى القلوب وقلوبنا والهة بحب الله وواصلة إلى معرفة الله وإنما نخوض في الدنيا بأبداننا وقلوبنا عاكفة في الحضرة الربوبية فنحن مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب ويزعمون أنهم قد ترقوا عن رتبة العوام واستغنوا عن تهذيب النفس بالأعمال البدنية وأن الشهوات لا تصدهم عن طريق الله لقلوبهم فيها وكل هذا من وساوس يخدعهم الشيطان بها والإباحية من الكفار المارقين نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين
وفرقة ادعوا حسن الخلق والتواضع والسماحة فتصدوا لخدمة الصوفية فجمعوا قوما وتكلفوا بخدمتهم واتخذوا ذلك شبكة للرياسة وجمع المال فيجمعون من الحرام والشبهات وينفقون عليهم لتكثر أتباعهم وينتشر بالخدمة اسمهم وما باعثهم إلا الرياء والسمعة
394
394
وثمة فرق أخر لا يحصى غرورها والغرض من ذلك التنبيه على أمثلة تعرف الأجناس دون الاستيعاب فإن ذلك يطول
غرور أرباب الأموال
والمغترون منهم فرق ففرقة منهم يحرصون على بناء المساجد وما يظهر للناس ليتخلد ذكرهم أو يذيع صيتهم وهم يظنون أنهم قد استحقوا المغفرة بذلك وقد يكون بناؤها من جهات محظورة تعرضوا لسخط الله في كسبها وكان الواجب ردها إلى ملاكها إما بأعيانها وإما رد بدلها عند العجز وقد يكون الأهم التفرقة على المساكين وهم لا يفعلون ذلك خيفة أن لا يظهر ذلك للناس فيكون غرضهم في البناء الرياء وجلب الثناء مع أن صرف المال إلى من في جواره أو بلده من فقراء وأيتام أهم وأفضل وأولى من الصرف إلى المساجد وزينتها فما خف عليهم الصرف إلى المساجد إلا ليظهر ذلك بين الناس وهناك محظور آخر وهو أنه قد يصرف المال إلى زخرفة المسجد وتزيينه بالنقوش المنهي عنها لشغلها قلوب المصلين والمقصود من الصلاة الخشوع وحضور القلب وذلك يفسد قلوب المصلين فوبال ذلك كله يرجع إليه وهو مع ذلك يغتر به ويرى أنه من الخيرات مع أنه تعرض لما لا يرضي الله تعالى
وفرقة ينفقون الأموال في الصدقات على المساكين ويطلبون به المحافل الجامعة ومن الفقراء من عادته الشكر وإفشاء المعروف ويكرهون التصدق في السر ويرون إخفاء الفقير لما يأخذه منهم جناية عليهم وكفرانا وربما يحرصون على إنفاق المال في الحج فيحجون مرة بعد أخرى وربما تركوا جيرانهم جياعا ولذلك قال ابن مسعود في آخر الزمان يكثر الحاج بلا سبب يهون عليهم السفر ويبسط لهم في الرزق ويرجعون محرومين مسلوبين يهوي بأحدهم بعيره بين الرمال والقفار وجاره مأسور إلى جنبه لا يواسيه وقال أبو نصر التمار إن رجلا جاء يودع بشر بن الحارث وقال قد عزمت على الحج فتأمرني بشيء فقال له كم أعددت للنفقة فقال ألفي درهم قال بشر فأي شيء تبتغي لحجتك تزهدا أو اشتياقا إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله قال ابتغاء مرضاة الله
395
395
قال فإن اصبت مرضاة الله تعالى وأنت في منزلك وتنفق ألفي درهم وتكون على يقين من مرضاة الله تعالى أتفعل ذلك قال نعم قال اذهب فأعطها عشرة أنفس مديون يقضي دينه وفقير يرم شعثه ومعيل يحيي عياله ومربي يتيم يفرحه وإن قوي قلبك تعطيها واحدا فافعل فإن إدخالك السرور على قلب مسلم وإغاثة اللهفان وكشف الضر وإعانة الضعيف أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام قم فأخرجها كما أمرناك وإلا فقل لنا ما في قلبك فقال يا أبا نصر سفري أقوى في قلبي فتبسم بشر رحمه الله تعالى وأقبل عليه وقال له المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات اقتضت النفس أن تقضي به وطرا فأظهرت الأعمال الصالحات وقد آلى الله على نفسه أن لا يقبل إلا عمل المتقين
وفرقة من أرباب الأموال اشتغلوا بها يحفظون الأموال ويمسكونها بحكم البخل ثم يشتغلون بالعبادات البدنية التي لا يحتاج فيها إلى نفقة كصيام النهار وقيام الليل وختم القرآن وهم مغرورون لأن البخل المهلك قد استولى على بواطنهم فهو يحتاج إلى قمعه بإخراج المال فقد اشتغل بطلب فضائل وهو مستغن عنها ومثاله مثال من دخل في ثوبه حية وقد أشرف على الهلاك وهو مشغول بطبخ دواء يسكن به الصفراء ومن قتلته الحية متى يحتاج إلى دواء ولذلك قيل لبشر إن فلانا الغني كثير الصوم والصلاة فقال المسكين ترك حاله ودخل في حال غيره وإنما حال هذا إطعام الطعام للجياع والإنفاق على المساكين فهذا أفضل له من تجويعه نفسه ومن صلاته لنفسه مع جمعه للدنيا ومنعه للفقراء
وفرقة غلبهم البخل فلا تسمح نفوسهم إلا بأداء الزكاة فقط ثم إنهم يخرجون من المال الخبيث الرديء الذي يرغبون عنه ويطلبون من الفقراء من يخدمهم ويتردد في حاجاتهم أو من يحتاجون إليه في المستقبل للاستسخار في خدمة أو من لهم فيه على الجملة غرض أو يسلمون إلى من يعينه واحد من الأكابر ممن يستظهر بحشمه لينال بذلك عنده منزلة فيقوم بحاجاته وكل ذلك مفسدات للنية ومحبطات للعمل وصاحبه مغرور ويظن أنه مطيع لله تعالى وهو فاجر إذ طلب بعبادة الله عوضا من غيره وغرور أصحاب الأموال لا يحصى وإنما ذكرنا هذا القدر للتنبيه على أجناس الغرور
396
396
وفرقة أخرى من عوام أرباب الأموال اغتروا بحضور مجالس الذكر واعتقدوا أن ذلك يغنيهم ويكفيهم واتخذوا ذلك عادة ويظنون أن لهم على مجرد سماع الوعظ دون العمل والاتعاظ أجرا وهم مغرورون لأن فضل مجلس الذكر لكونه مرغبا في الخير فإن لم يهيج الرغبة فلا خير فيه والرغبة محمودة لأنها تبعث على العمل فإن ضعفت عن الحمل على العمل فلا خير فيها وما يراد لغيره فإذا قصر عن الأداء إلى ذلك الغير فلا قيمة له وربما يغتر بما يسمعه من الواعظ وتدخله رقة كرقة النساء فيبكي ولا عزم وربما يسمع كلاما مخوفا فلا يزيد على أن يصفق بيديه ويقول يا سلام سلم أو نعوذ بالله أو سبحان الله ويظن أنه قد أتى بالخير كله وهو مغرور وإنما مثاله مثال المريض الذي يحضر مجالس الأطباء فيسمع ما يجري أو الجائع الذي يحضر عنده من يصف له الأطعمة اللذيذة الشهية ثم ينصرف وذلك لا يغني عنه من مرضه وجوعه شيئا فكذلك سماع وصف الطاعات دون العمل بها لا يغني من الله شيئا فكل وعظ لم يغير منك صفة تغييرا يغير أفعالك حتى تقبل على الله تعالى إقبالا قويا أو ضعيفا وتعرض عن الدنيا فذلك الوعظ زيادة حجة عليك فإذا رأيته وسيلة لك كنت مغرورا
فإن قلت ما ذكرته من مداخل الغرور أمر لا يمكن الاحتراز منه إذ لا يقوى أحد على الحذر من خفايا هذه الآفات قلت الإنسان إذا فترت همته في شيء أظهر اليأس منه واستعظم الأمر واستوعر الطريق وإذا صح منه الهوى اهتدى إلى الحيل واستنبط بدقيق النظر خفايا الطريق في الوصول إلى الغرض حتى أن الإنسان إذا أراد أن يستنزل الطير المحلق في جو السماء مع بعده منه استنزله وإذا أراد أن يستسخر السباع والفيلة وعظيم الحيوانات استسخرها إلى غير ذلك من دقائق حيل الآدمي كل ذلك لأن همه أمر دنياه فلو أهمه أمر آخرته فليس عليه إلا شغل واحد وهو تقويم قلبه ولما تخاذل عن تقويم قلبه ظنه محالا وليس ذلك بمحال لأنه شيء لم يعجز عنه السلف الصالحون ومن اتبعهم بإحسان فلا يعجز عنه أيضا من صدقت إرادته وقويت همته بل لا يحتاج إلى عشر تعب الخلق في استنباط حيل الدنيا ونظم أسبابها
فإن قلت قد قربت الأمر فيه مع أنك أكثرت في ذكر مداخل الغرور فبم ينجو العبد من الغرور فاعلم أنه ينجو منه بثلاثة أمور بالعقل والعلم والمعرفة فهذه ثلاثة أمور لا بد منها
397
397
أما العقل فأعني به الفطرة الغريزية والنور الأصلي الذي به يدرك الإنسان حقائق الأشياء لأن أساس السعادات كلها العقل والكياسة
وأما المعرفة فأن يعرف نفسه وربه ويعرف الدنيا والآخرة فإذا عرف ذلك ثار من قلبه بمعرفة الله حب الله وبمعرفة الآخرة شدة الرغبة فيها وبمعرفة الدنيا الرغبة عنها ويصير أهم أموره ما يوصله إلى الله تعالى وينفعه في الآخرة وإذا غلبت هذه الإرادة على قلبه صحت نيته في الأمور كلها واندفع عنه كل غرور منشؤه تجاذب الأغراض والنزوع إلى الدنيا والجاه والمال وما دامت الدنيا أحب إليه من الآخرة وهوى نفسه أحب إليه من رضاء الله تعالى فلا يمكنه الخلاص من الغرور فإذا غلب حب الله على قلبه بمعرفته بالله وبنفسه الصادرة عن كمال عقله فيحتاج إلى المعنى الثالث وهو العلم أعني العلم بما يقربه من الله وما يبعده عنه فيعرف من العبادات شروطها فيراعيها وآفاتها فيتقيها ومن العادات أسرار المعايش وما هو مضطر إليه فيأخذه بأدب الشرع وما هو مستغن عنه فيعرض عنه ومن المهلكات يعلم جميع العقبات المانعة في طريق الله فإن المانع من الله الصفات المذمومة في الخلق فيعلم المذموم ويعلم طريق علاجه ويعرف من المنجيات الصفات المحمودة التي لا بد وأن توضع خلفا عن المذمومة بعد محوها
فإذا أحاط بجميع ذلك أمكنه الحذر من الأنواع التي أشرنا إليها من الغرور وأصل ذلك كله أن يغلب حب الله على القلب ويسقط حب الدنيا منه حتى تقوى به الإرادة وتصح به النية ولا يحصل ذلك إلا بالمعرفة التي ذكرناها نسأل الله العون والتوفيق وحسن الخاتمة آمين
398
398
كتاب التوبة
حقيقة التوبة
اعلم أن التوبة معنى ينتظم من ثلاثة أمور علم وحال وفعل والأول موجب للثاني والثاني موجب للثالث إيجابا اقتضاه سنة الله في الملك والملكوت أما العلم فهو معرفة عظم ضرر الذنوب وكونها سموما مهلكة وحجابا بين العبد وبين كل محبوب فإذا عرف ذلك معرفة محققة بيقين غالب على قلبه ثار من هذه المعرفة تألم للقلب بسبب فوات المحبوب فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم فإن كان فواته بفعله تأسف على الفعل المفوت فيسمى تألمه بسبب فعله المفوت لمحبوبه ندما فإذا غلب هذا الألم على القلب واستولى انبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى تسمى إرادة وقصدا إلى فعل له تعلق بالحال وبالماضي وبالاستقبال أما تعلقه بالحال فبالترك للذنب الذي كان ملابسا وأما بالاستقبال فبالعزم على ترك الذنب المفوت للمحبوب إلى آخر العمر وأما بالماضي فبتلافي ما فات بالخير والقضاء إن كان قابلا للخير فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك يطلق اسم التوبة على مجموعها وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم كالمقدمة والترك كالثمرة وبهذا الاعتبار جاء في الأثر الندم توبة إذ لا يخلو الندم عن علم أوجبه وأثمره وعن عزم يتبعه ويتلوه
بيان وجوب التوبة وفضلها
اعلم أن وجوب التوبة ظاهر بالأخبار والآيات وهو واضح بنور البصيرة عند
399
399
من شرح الله بنور الإيمان صدره فإن من عرف أن لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء الله تعالى وأن كل محجوب عنه شقي لا محالة محول بينه وبين ما يشتهي محترق بنار الفراق ونار الجحيم وعلم أن لا مبعد عن لقاء الله إلا اتباع الشهوات ولا مقرب من لقائه إلا الإقبال على الله بدوام ذكره وعلم أن الذنوب سبب كونه محجوبا مبعدا عن الله تعالى فلا يشك في أن الانصراف عن طريق البعد واجب للوصول إلى القرب وإنما يتم الانصراف بالعلم والندم والعزم وهكذا الإيمان الحاصل عن البصيرة ومن لم يترشح لهذا المقام فيلاحظ ما ورد من الآيات والآثار فقد قال تعالى ! < وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون > ! وهذا أمر على العموم وقال تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا > ! ومعنى النصوح الخالص لله تعالى خاليا عن الشوائب
ويدل على فضل التوبة قوله تعالى ! < إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين > ! وقال ( عليه الصلاة والسلام ) التائب من الذنب كمن لا ذنب له والأخبار في ذلك كثيرة
وجوب التوبة على الفور وعلى الدوام
لا يخفى أن وجوبها على الفور أمر لا يستراب فيه إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من نفس الإيمان وهو واجب على الفور والعلم بضرر الذنوب إنما أريد ليكون باعثا على تركها فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان وهو المراد بقوله ( عليه الصلاة والسلام ) لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وذلك لكون
400
400
الزنا مبعدا عن الله تعالى موجبا للمقت كسائر المعاصي لأنها للإيمان كالمأكولات المضرة للأبدان فكما أنها تغير مزاج الإنسان ولا تزال تجتمع حتى تفسده فيموت دفعة كذلك تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان عملا تحق الكلمة عليه بأنه من الهالكين
وأما وجوب التوبة على الدوام وفي كل حال فهو أن كل بشر فلا يخلو عن معصية بجوارحه فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب فإن خلا في بعض الأحوال عن الهم فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المذهلة عن ذكر الله فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله وكل ذلك نقص وله أسباب وترك أسبابه بالتشاغل بضدها رجوع عن طريق إلى ضده والمراد بالتوبة الرجوع ولا يتصور الخلو في حق الآدمي عن هذا النقص وإنما يتفاوتون بالمقادير فأما الأصل فلا بد منه ولهذا قال عليه السلام إنه ليغان على قلبي حتى استغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة الحديث ولذلك أكرمه الله تعالى بأن قال ! < ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر > ! وإذا كان هذا حاله فكيف حال غيره
وإنما أطلقنا الوجوب في كل حال والتوبة عن بعض ما ذكر من الفضائل لا الفرائض لأنا نعني بالواجب ما لا بد منه للوصول به إلى القرب المطلوب من رب العالمين والمقام المحمود بين الصديقين والتوبة عن جميع ما ذكرناه واجبة في الوصول إليه كما يقال الطهارة واجبة في صلاة التطوع أي لمن يريدها فإنه لا يتوصل إليها إلا بها
واعلم أنه قد سبق أن الإنسان لا يخلو في مبدأ خلقته من اتباع الشهوات أصلا وليس معنى التوبة تركها فقط بل تمام التوبة بتدارك ما مضى وكل شهوة اتبعها الإنسان ارتفع منها ظلمة إلى قلبه كما يرتفع عن نفس الإنسان ظلمة إلى وجه المرآة الصقيلة فإن تراكمت ظلمة الشهوات صارت رينا كما يصير بخار النفس في
401
401
وجه المرآة عند تراكمه خبثا كما قال تعالى ! < كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون > ! فإذا تراكم الرين صار طبعا فيطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم وطال زمانه غاص في جرم الحديد وأفسده وصار لا يقبل الصقل بعده وصار كالمطبوع من الخبث ولا يكفي في تدارك اتباع الشهوات تركها في المستقبل بل لا بد من محو تلك الأريان التي انطبعت في القلب كما لا يكفي في ظهور الصور في المرآة قطع الأنفاس والبخارات المسودة لوجهها في المستقبل ما لم يشتغل بمحو ما انطبع فيها من الأريان وكما يرتفع إلى القلب ظلمة من المعاصي والشهوات فيرتفع إليه نور من الطاعات وترك الشهوات فتنمحي ظلمة المعصية بنور الطاعة وإليه الإشارة بقوله عليه السلام أتبع السيئة الحسنة تمحها فإذن لا يستغني العبد في حال من أحواله عن محو آثار السيئات عن قلبه بمباشرة حسنات تضاد آثارها آثار تلك السيئات
ولقد صدق أبو سليمان الداراني حيث قال لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على تفويت ما مضى منه في غير الطاعة لكان خليقا أن يحزنه ذلك إلى الممات فكيف من يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله وإنما قال هذا لأن العاقل إذا ملك جوهرة نفيسة وضاعت منه بغير فائدة بكى عليها لا محالة وإن ضاعت منه و صار ضياعها سبب هلاكه كان بكاؤه منها أشد وكل ساعة من العمر بل كل نفس جوهرة نفيسة لا خلف لها ولا بدل منها فإنها صالحة لأن توصلك إلى سعادة الأبد وتنقذك من شقاوة الأبد وأي جوهر أنفس من هذا فإذا ضيعتها في الغفلة فقد خسرت خسرانا مبينا فإن كنت لا تبكي على هذه المصيبة فذلك لجهلك ومصيبتك بجهلك أعظم من كل مصيبة ونوم الغفلة يحول بينه وبين معرفته والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فعند ذلك ينكشف لكل مفلس إفلاسه ولكل مصاب مصيبته وقد رفع الناس عن التدارك كما قال تعالى ! < وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها > ! وقد قيل في
402
402
معنى الآية إنه يقول حالتئذ يا ملك الموت أخرني يوما أتوب فيه إلى ربي وأتزود صالحا لنفسي فيقول فنيت الأيام فلا يوم فيقول فأخرني ساعة فيقول فنيت الساعات فلا ساعة فيغلق عليه باب التوبة فيتغرغر بروحه وتزهق نفسه ولمثل هذا يقال ! < وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن > ! وقوله تعالى ! < إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب > ! معناه عن قرب عهد بالخطيئة بأن يتندم عليها ويمحو أثرها بحسنة يردفها بها قبل أن يتراكم الرين على القلب فلا يقبل المحو ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أتبع السيئة الحسنة تمحها ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين
أحدهما أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير رينا وطبعا فلا يقبل المحو
الثاني أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو فيأتي الله بقلب غير سليم ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم
بيان أن التوبة الصحيحة مقبولة
اعلم أن التوبة إذا استجمعت شرائطها فهي مقبولة لا محالة فإن نور الحسنة يمحو عن وجه القلب ظلمة السيئة كما لا طاقة لظلام الليل مع بياض النهار وكما أن استعمال الثوب في الأعمال الخسيسة يوسخ الثوب وغسله بالصابون والماء الحار ينظفه لا محالة فاستعمال القلب في الشهوات يوسخ القلب وغسله بماء الدموع وحرقة الندم ينظفه ويطهره ويزكيه وكل قلب زكي طاهر فهو مقبول كما أن كل ثوب نظيف فهو مقبول فإنما عليك التزكية والتطهير وأما القبول فمبذول قد سبق به القضاء الأزلي الذي لا مرد له وهو المسمى فلاحا في قوله ! < قد أفلح من زكاها > !
فمن يتوهم أن التوبة تصح ولا تقبل كمن يتوهم أن الشمس تطلع والظلام لا يزول والثوب يغسل بالصابون والوسخ لا يزول إلا أن يغوص الوسخ لطول تراكمه في تجاويف الثوب فلا يقوى الصابون على قلعه فمثال ذلك أن تتراكم الذنوب حتى
403
403
تصير طبعا ورينا على القلب فمثل هذا القلب لا يرجع ولا يتوب نعم قد يقول باللسان تبت فيكون ذلك كقول القصار بلسانه قد غسلت الثوب وذلك لا ينظف الثوب أصلا ما لم يغير صفة الثوب باستعمال ما يضاد الوصف المتمكن به فهذا حال امتناع أصل التوبة وهو غير بعيد بل هو الغالب على كافة الخلق المقبلين على الدنيا المعرضين عن الله بالكلية
هذا البيان كاف عند ذوي البصائر في قبول التوبة ولكنا نعضد جناحه ببعض آيات وأخبار فكل استبصار لا يشهد له الكتاب والسنة ولا يوثق به قال تعالى ! < غافر الذنب وقابل التوب > ! وقال سبحانه ! < وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات > ! وقال صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يبسط يده بالتوبة لمسيء الليل إلى النهار ولمسيء النهار إلى الليل حتى تطلع الشمس من مغربها وبسط اليد كناية عن طلب التوبة وقال صلى الله عليه وسلم التائب من الذنب كمن لا ذنب له
بيان ما تكون عنه التوبة وهي الذنوب
اعلم أن التوبة ترك الذنب ولا يمكن ترك الشيء إلا بعد معرفته وإذا كانت التوبة واجبة كان ما لا يتوصل إليها إلا به واجبا فمعرفة الذنوب إذا واجبة والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر الله تعالى في ترك أو فعل ثم إن مثارات الذنوب تنحصر في أربع صفات صفات ربوبية وصفات شيطانية وصفات بهيمية وصفات سبعية
فأما ما يقتضي النزوع إلى الصفات الربوبية فمثل الكبر والفخر وحب المدح والثناء وحب دوام البقاء وطلب الاستعلاء على الكافة حتى كأنه يريد أن يقول أنا ربكم الأعلى وهذا يتشعب منه جملة من كبائر الذنوب غفل عنها الخلق ولم يعدوها
404
404
ذنوبا وهي المهلكات العظيمة التي هي كالأمهات لأكثر المعاصي
الثانية هي الصفة الشيطانية التي منها يتشعب الحسد والبغي والحيلة والخداع والأمر بالفساد والمنكر وفيه يدخل الغش والنفاق والدعوة إلى البدع والضلال
الثالثة الصفة البهيمية ومنها يتشعب الشره والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج ومنه يتشعب الزنا واللواط والسرقة وأكل مال الأيتام وجمع الحطام لأجل الشهوات
الرابعة الصفة السبعية ومنها يتشعب الغضب والحقد والتهجم على الناس بالضرب والشتم والقتل واستهلاك الأموال ويتفرع عنها جمل من الذنوب
فهذه أمهات الذنوب ومنابعها ثم تتفجر الذنوب من هذه المنابع على الجوارح فبعضها في القلب خاصة كالكفر والبدعة والنفاق وإضمار السوء للناس وبعضها على العين والسمع وبعضها على اللسان وبعضها على البطن والفرج وبعضها على اليدين والرجلين وبعضها على جميع البدن ولا حاجة إلى بيان تفصيل ذلك فإنه واضح
انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر
اعلم أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر وقد كثر الاختلاف فيها فقال قائلون لا صغيرة ولا كبيرة بل كل مخالفة لله فهي كبيرة وهذا ضعيف إذ قال تعالى ! < إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما > ! وقال تعالى ! < الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم > ! وقال بعض السلف كل ما أوعد الله عليه بالنار فهو من الكبائر وقد روي عن الصحابة والتابعين في عدد الكبائر أقوال وذهب أبو طالب المكي إلى أنها سبع عشرة جمعها من الأخبار والآثار
أربع في القلب وهي الشرك بالله والإصرار على معصيته والقنوط من رحمته والأمن من مكره وأربع في اللسان وهي شهادة الزور وقذف المحصن والسحر واليمين الغموس وهي التي يحق بها باطلا أو يبطل بها حقا وقيل هي
405
405
التي يقتطع بها مال امرئ مسلم باطلا ولو سواكا من أراك سميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار وثلاث في البطن وهي شرب الخمر والمسكر من كل شراب وأكل مال اليتيم ظلما وأكل الربا وهو يعلم واثنتان في الفرج وهما الزنا واللواط واثنتان في اليدين وهما القتل والسرقة وواحدة في الرجلين وهو الفرار من الزحف أن يفر الواحد من اثنين والعشرة من العشرين وواحدة في جميع الجسد وهو عقوق الوالدين وجملة عقوقهما أن يقسما عليه في حق فلا يبر قسمهما وإن سألاه حاجة فلا يعطيهما وإن يسباه فيضربهما ويجوعان فلا يطعمهما هذا كلام أبي طالب وهو قريب إلا أنه لم يرد تفصيلها بعد ولا حد جامع بل ورد بألفاظ مختلفات والحق في ذلك أن الذنوب منقسمة في نظر الشرع إلى ما يعلم استعظامه إياها وإلى ما يعلم أنها معدودة في الصغائر وإلى ما يشك فيه فلا يدرى حكمه وربما قصد الشارع الإبهام ليكون العباد على وجل وحذر فلا يتجرؤون على الصغائر ثم إن اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها فيكف نفسه عن الوقاع مجاهدا نفسه فإن امتنع لعجز أو خوف فهذا لا يصلح للتكفير أصلا
بيان ما تعظم به الصغائر من الذنوب
اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب منها الإصرار والمواظبة ولذلك قيل لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار فكبيرة واحدة تنصرم ولا يتبعها مثلها يكون العفو عنها أرجى من صغيرة يواظب عليها العبد ومثال ذلك قطرات من الماء تقع على الحجر على توال فتؤثر فيه وذلك القدر لو صب عليه دفعة واحدة لم يؤثر ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الأعمال أدومها وإن قل
ومنها أن يستصغر الذنب فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله تعالى وكلما استصغره كبر عند الله تعالى لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب عنه وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به واستصغاره يصدر عن الإلف به وذلك يوجب شدة الأثر في القلب والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات والمحذور
406
406
تسويده بالسيئات وقد روي أن المؤمن يرى ذنبه كحبل فوقه يخاف أن يقع عليه والمنافق يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فأطاره وكذلك يعظم من العالم ما لا يعظم من الجاهل ويتجاوز عن العامي في أمور لا يتجاوز في أمثالها عن العارف لأن الذنب والمخالفة يكبر بقدر معرفة المخالف
ومنها السرور بالصغيرة والفرح بها فكلما غلبت حلاوة الصغيرة عند العبد كبرت وعظم أثرها في تسويد قلبه كمن يقول أما رأيتني كيف مزقت عرضه وكيف فضحته حتى خجلته وكيف روجت عليه الزائف وكيف خدعته فهذا وأمثاله مما تكبر به الصغائر فإن الذنوب مهلكات
ومنها أن يتهاون بستر الله عليه وحلمه عنه وإمهاله إياه ولا يدري أنه إنما يمهل مقتا ليزداد بالإمهال إثما فيظن أن تمكنه من المعاصي عناية من الله به وذلك لأمنه من مكر الله وجهله بمكامن الغرور بالله
ومنها أن يأتي الذنب ويظهره بأن يذكره بعد إتيانه أو يأتيه في مشهد غيره فإن ذلك جناية منه على ستر الله الذي سدله عليه وتحريك لرغبة الشر فيمن أسمعه ذنبه أو أشهده فعله فهما جنايتان انضمتا إلى جناية فتغلظت بهما فإن انضاف إلى ذلك ترغيب الغير فيه صارت جناية رابعة وتفاحش الأمر
ومنها أن يكون المذنب عالما يقتدى به فإذا فعله بحيث يرى ذلك منه كبر ذنبه وفي الخبر من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا وكما يتضاعف وزر العالم على الذنب فكذلك يتضاعف ثوابه على الحسنات إذا اتبعوا فحركات المقتدى بفعالهم في طوري الزيادة والنقصان تتضاعف آثارها إما بالربح وإما بالخسران
تمام التوبة وشروطها ودوامها
ذكرنا أن التوبة عبارة عن ندم يورث عزما وقصدا فالندم هو توجع القلب عند شعوره بفوات المحبوب وعلامته طول الحسرة والحزن واسكاب الدمع والفكر فمن استشعر عقوبة نازلة بولده طال عليه مصيبته وبكاؤه وأي عزيز أعز
407
407
عليه من نفسه وأي عقوبة أشد من النار وأي سبب أدل على نزول العقوبة من المعاصي وأي مخبر أصدق من الله ورسوله ولو حدثه إنسان واحد يتطبب أن مرض ولده لا يبرأ وأنه سيموت منه لطال في الحال حزنه فليس ولده بأعز من نفسه ولا الطبيب بأعلم ولا أصدق من الله ورسوله ولا الموت بأشد من النار ولا المرض بأدل على الموت من المعاصي على سخط الله تعالى والتعرض بها إلى النار فألم الندم كلما كان أشد كان تكفير الذنوب به أرجى فعلامة صحة الندم رقة القلب وغزارة الدمع ومن علامته أن تتمكن مرارة تلك الذنوب في قلبه بدلا من حلاوتها فيستبدل بالميل كراهية وبالرغبة نفرة كمن ينفر عن عسل فيه سم ولو كان في غاية الجوع والشهوة للحلاوة فوجدان التائب مرارة الذنب كذلك يكون وذلك لعلمه بأن كل ذنب فذوقه ذوق العسل وعمله عمل السم ولا تصح التوبة ولا تصدق إلا بمثل هذا الإيمان ولما عز مثل هذا الإيمان عزت التوبة والتائبون فلا ترى إلا معرضا عن الله تعالى متهاونا بالذنوب مصرا عليها فهذا شرط تمام الندم وينبغي أن يدوم إلى الموت وينبغي أن يجد هذه المرارة في جميع الذنوب
وأما القصد الذي ينبعث منه وهو إرادة التدارك فله تعلق بالحال وهو يوجب ترك كل محظور هو ملابس له وأداء كل فرض هو متوجه عليه في الحال وله تعلق بالماضي وهو تدارك ما فرط وبالمستقبل وهو دوام الطاعة ودوام ترك المعصية إلى الموت
ومن أهم ما يجب تداركه الحقوق المالية فمن تناول مالا بغضب أو خيانة أو غبن في معاملة بنوع تلبيس كترويج زائف أو ستر عيب من المبيع أو نقص أجرة أجير أو أكل أجرته فكل ذلك يجب أن يفتش عنهم ليستحلهم أو ليؤدي حقوقهم لهم أو لورثتهم وليحاسب نفسه على الحبات والدوانق قبل أن يحاسب في القيامة وليناقش قبل أن يناقش فمن لم يحاسب نفسه في الدنيا طال في الآخرة حسابه فإن عجز فلا يبقى له طريق إلا أن يكثر من الحسنات بقدر كثرة مظالمه فهذا طريق كل تائب في رد المظالم الثابتة في ذمته أما أمواله الحاضرة فليرد إلى المالك ما يعرف له مالكا معينا وما لا يعرف له مالكا فعليه أن يتصدق به فإن اختلط الحلال بالحرام فعليه أن يعرف قدر الحرام بالاجتهاد ويتصدق بذلك المقدار
وأما الجناية على القلوب بمشافهة الناس بما يسوؤهم أو بعيبهم في الغيبة فليطلب كل من تعرض له بلسانه أو آذى قلبه بفعل من أفعاله فمن وجده وأحله
408
408
بطيب قلب منه فذلك كفارته ومن مات أو غاب أو تعذر استحلاله فقد فات أمره ولا يتدارك إلا بتكثير الحسنات
ومن مهمات التائب إذا لم يكن عالما أن يتعلم ما يجب عليه في المستقبل وما يحرم عليه حتى يمكنه الاستقامة
أقسام العباد في دوام التوبة
اعلم أن التائبين في التوبة على أربع طبقات
الطبقة الأولى أن يتوب العاصي ويستقيم على التوبة إلى آخر عمره فيتدارك ما فرط من أمره ولا يحدث نفسه بالعود إلى ذنوبه إلا الزلات التي لا ينفك البشر عنها في العادات فهذا هو الاستقامة على التوبة وصاحبه هو السابق بالخيرات المستبدل بالسيئات حسنات واسم هذه التوبة التوبة النصوح واسم هذه النفس الساكنة النفس المطمئنة التي ترجع إلى ربها راضية مرضية
الطبقة الثانية تائب سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات وترك كبائر الفواحش كلها إلا أنه ليس ينفك عن ذنوب تعتريه لا عن عمد ولكن يبتلى بها في مجاري أحواله من غير أن يقدم عزما على الإقدام عليها ولكنه كلما أقدم عليها لام نفسه وندم وتأسف وجدد عزمه على أن يتشمر للاحتراز من أسبابها التي تعرضه لها وهذه النفس جديرة بأن تكون هي النفس اللوامة إذ تلوم صاحبها على ما يستهدف له من الأحوال الذميمة لا عن تصميم عزم وقصد وهذه أيضا رتبة عالية وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى وهي أغلب أحوال التائبين لأن الشر معجون بطينة الآدمي قلما ينفك عنه وإنما غاية سعيه أن يغلب خيره شره حتى يثقل ميزانه فترجح كفة الحسنات فأما أن تخلو بالكلية كفة السيئات فذلك في غاية البعد وهؤلاء لهم حسن الوعد من الله تعالى إذ قال تعالى ! < الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة > ! فكل إلمام يقع بصغيرة لا عن توطين نفسه عليه فهو جدير بأن يكون من اللمم المعفو عنه قال تعالى ! < والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم > ! فأثنى عليهم مع ظلمهم لأنفسهم
409
409
لتندمهم ولومهم أنفسهم عليه وفي الخبر لا بد للمؤمن من ذنب يأتيه الفينة بعد الفينة أي الحين بعد الحين وفي الخبر كل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون فكل ذلك أدلة قاطعة على أن هذا القدر لا ينقص التوبة ولا يلحق صاحبها بدرجة المصرين
الطبقة الثالثة أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة ثم تغلبه الشهوة في بعض الذنوب فيقدم عليها عن قصد لعجزه عن قهر الشهوة إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات وتارك جملة من الذنوب وهو يود لو كفي شرها في حال قضاء الشهوة وعند الفراغ يتندم ويقول ليتني لم أفعله وسأتوب عنه وأجاهد نفسي في قهرها لكنه يسول نفسه ويسوف توبته يوما بعد يوم فهذه النفس هي التي تسمى النفس المسولة وصاحبها من الذين قال الله تعالى فيهم ! < وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا > ! فأمره من حيث مواظبته على الطاعات وكراهته لما تعاطاه مرجو فعسى الله أن يتوب عليه وعاقبته مخطرة من حيث تسويفه وتأخيره فربما يختطف قبل التوبة ويقع أمره في المشيئة إن تداركه الله بفضله ألحقه بالسابقين وإلا فيخشى عليه
الطبقة الرابعة أن يتوب ويجري مدة على الاستقامة ثم يعود إلى مقارفة الذنب من غير أن يحدث نفسه بالتوبة ومن غير أن يتأسف على فعله بل ينهمك انهماك الغافل في اتباع شهواته فهذا من جملة المصرين وهذه النفس هي النفس الأمارة بالسوء الفرارة من الخير ويخاف على هذا سوء الخاتمة وانتظاره مع هذه الحالة المغفرة من الله تعالى غرور فإن المقصر عن الطاعة المصر على الذنوب الغير السالك سبيل المغفرة المنتظر للغفران يعد عند أرباب القلوب من المعتوهين كما أن من خرب بيته وضيع ماله وترك نفسه وعياله جياعا يزعم أنه ينتظر فضل الله بأن يرزقه كنزا يجده تحت الأرض في بيته الخرب يعد عند ذوي البصائر من الحمقى المغرورين
410
410
فطلب المغفرة بالطاعات كطلب العلم بالجهد والتكرار وطلب المال بالتجارة والعجب من عقل هذا المعتوه وترويجه حماقته إذ يقول إن الله كريم وجنته ليست تضيق على مثلي ومعصيتي ليست تضره ثم تراه يركب البحار ويقتحم الأوعار في طلب الدينار وإذا قيل له إن الله كريم ودنانير خزائنه ليست تقصر عن فقرك وكسلك بترك التجارة ليس يضرك فاجلس في بيتك فعساه يرزقك من حيث لا تحتسب فيستحمق قائل هذا الكلام ويستهزئ به ويقول ما هذا الهوس السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة وإنما ينال ذلك بالكسب وهكذا قدره مسبب الأسباب وأجرى به سنته ولا تبديل لسنة الله ولا يعلم المغرور أن رب الآخرة ورب الدنيا واحد وأن سنته لا تبديل لها فيهما جميعا وأنه قد أخبر إذ قال ! < وأن ليس للإنسان إلا ما سعى > ! فنعوذ بالله من الضلال
ما يفعله التائب بعد الذنب
اعلم أن الواجب على التائب إن كان جرى عليه ذنب إما عن قصد وشهوة غالبة أو عن إلمام بحكم الاتفاق هو أن يبادر إلى التوبة والندم والاشتغال بالتكفير بحسنة تضادها فإن لم تساعده النفس على العزم على الترك لغلبة الشهوة فقد عجز عن أحد الواجبين فلا ينبغي أن يترك الواجب الثاني وهو أن يدرأ بالحسنة السيئة فيمحوها فيكون ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا فالحسنات المكفرة للسيئات إما بالقلب وإما باللسان وإما بالجوارح ولتكن الحسنة في محل السيئة وفيما يتعلق بأسبابها فأما بالقلب فليكفره بالتضرع إلى الله تعالى في سؤال المغفرة والعفو ويتذلل تذلل العبد الآبق ويخفض من كبره فيما بين العباد وكذلك يضمر بقلبه الخيرات للمسلمين والعزم على الطاعات وأما باللسان فبالاعتراف بالظلم والاستغفار فيقول رب ظلمت نفسي وعملت سوءا فاغفر لي ذنوبي وكذلك يكثر من ضروب الاستغفار المأثورة وأما بالجوارح فبالطاعات والصدقات وأنواع العبادات وبالجملة فينبغي أن يحاسب نفسه كل يوم ويجمع سيئاته ويجتهد في دفعها بالحسنات
واعلم أنه ليس كل استغفار نافعا ففي خبر المستغفر من الذنب وهو مصر
411
411
عليه كالمستهزئ بآيات الله وقال بعض السلف الاستغفار باللسان توبة الكذابين وقالت رابعة استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير وذلك لأن الاستغفار الذي هو توبة الكذابين هو الاستغفار بمجرد اللسان من غير أن يكون للقلب فيه شركة كما يقول الإنسان بحكم العادة وعن رأس الغفلة أستغفر الله وكما يقول إذا سمع صفة النار نعوذ بالله منها من غير أن يتأثر به قلبه وهذا يرجع إلى مجرد حركة اللسان ولا جدوى له فأما إذا انضاف إليه تضرع القلب إلى الله تعالى وابتهاله في سؤال المغفرة عن صدق إرادة وخلوص نية ورغبة فهذه حسنة في نفسها فتصلح لأن تدفع بها السيئة وعلى هذا تحمل الأخبار الواردة في فضل الاستغفار حتى قال صلى الله عليه وسلم ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة ثم إن للتوبة ثمرتين
إحداهما تكفير السيئات حتى يصير كمن لا ذنب له
والثانية نيل الدرجات
وللتكفير أيضا درجات فبعضه محو لأصل الذنب بالكلية وبعضه تخفيف له ويتفاوت ذلك بتفاوت درجات التوبة فالاستغفار بالقلب والتدارك بالحسنات وإن خلا عن حل عقدة الإصرار فليس يخلو عن الفائدة أصلا فلا ينبغي أن تظن أن وجودها كعدمها فإنه لا تخلو ذرة من خير عن أثر كما لا تخلو شعيرة تطرح في الميزان عن أثر فإياك أن تستصغر ذرات الطاعات فلا تأتيها وذرات المعاصي فلا تنفيها فإذن التضرع والاستغفار بالقلب حسنة لا تضيع عند الله أصلا بل أقول الاستغفار باللسان أيضا حسنة إذ حركة اللسان بها عن غفلة خير من حركة اللسان في تلك الساعات بغيبة مسلم أو فضول كلام فرابعة بقولها استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير لا تظن أنها تذم حركة اللسان من حيث أنه ذكر الله بل تذم غفلة القلب فهو محتاج إلى الاستغفار من غفلة قلبه لا من حركة لسانه
412
412
دواء التوبة وطريق العلاج لحل عقدة الإصرار
اعلم أن شفاء التوبة لا يحصل إلا بالدواء وكل داء حصل من سبب فدواؤه إبطاله ولا يبطل الشيء إلا بضده ولا سبب للإصرار إلا الغفلة والشهوة ولا يضاد الغفلة إلا العلم ولا يضاد الشهوة إلا الصبر على قطع الأسباب المحركة للشهوة
وأما الأنواع النافعة في حل عقدة الإصرار وحمل الناس على ترك الذنوب فهي أربعة أنواع
الأول أن يذكر ما في القرآن من الآيات المخوفة للمذنبين والعاصين وكذا ما ورد من الأخبار والآثار في ذم المعاصي ومدح التائبين
الثاني حكايات الأنبياء والسلف الصالحين وما جرى عليهم من المصائب بسبب ذنوبهم فذلك شديد الوقع ظاهر النفع في قلوب الخلق مثل أحوال آدم صلى الله عليه وسلم في عصيانه وما لقيه من الإخراج من الجنة ونحوها فإنه لم يرد بها القرآن والأخبار ورود الأسمار بل الغرض بها الاعتبار والاستبصار لتعلم أن الأنبياء عليهم السلام لم يتجاوز عنهم في الذنوب الصغار فكيف يتجاوز عن غيرهم في الذنوب الكبار فهذا أيضا مما ينبغي أن يكثر جنسه على أسماع المصرين فإنه نافع في تحريك دواعي التوبة
الثالث أن يقرر عندهم أن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع على الذنوب وأن كل ما يصيب العبد من المصائب فهو بسبب جناياته فينبغي أن يخوف به وفي خبر إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وقال بعض السلف ليست اللعنة سوادا في الوجه ونقصانا في المال إنما اللعنة أن لا تخرج من ذنب إلا وقعت في مثله أو شر منه وهو كما قال لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد فإذا لم يوفق للخير ويسر له الشر فقد أبعد والحرمان عن رزق التوفيق أعظم حرمان وكل ذنب فإنه يدعو إلى ذنب آخر ويتضاعف فيحرم العبد به عن رزقه النافع من مجالسة العلماء المنكرين للذنوب ومن مجالسة الصالحين بل يمقته الله تعالى ليمقته الصالحون وبالجملة فالأخبار كثيرة في آفات الذنوب في الدنيا فمن ابتلي بشيء منها كان عقوبة له وإن أصابته نعمة كانت استدراجا له ويحرم جميل الشكر حتى يعاقب على كفرانه وأما
413
413
المطيع فمن بركة طاعته أن تكون كل نعمة في حقه جزاء على طاعته ويوفق لشكرها وكل بلية كفارة لذنوبه وزيادة في درجاته
الرابع ذكر ما ورد من العقوبات على آحاد الذنوب كالخمر والزنا والسرقة وغير ذلك
والمدار في هذا الباب على الفكر النافع وهو الفكر في عقاب الآخرة وأهوالها وشدائدها وحسرات العاصين في الحرمان عن النعيم المقيم وليعتبر بأنه لو مرض فأخبره طبيب نصراني بأن شرب الماء البارد يضره ويسوقه إلى الموت وكان الماء البارد ألذ الأشياء عنده تركه مع أن الموت ألمه لحظة ومفارقته للدنيا لا بد منها فيقول كيف يليق بعقلي أن يكون قول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات عندي دون قول نصراني طبيب يدعي الطب بلا معجزة على طبه وكيف يكون عذاب النار عندي أخف من عذاب المرض وكل يوم في الآخرة بمقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا ومتى استشعر قلبه ذلك انبعث خوفه وإذا قوي الخوف تيسر بمعونته الصبر وتوفيق الله وتيسيره من وراء ذلك فمن أعطى من قلبه حسن الإصغاء واستشعر الخوف فاتقى وانتظر الثواب وصدق بالحسنى فسييسره الله تعالى لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسيسره الله للعسرى فلا يغني عنه ما اشتغل به من ملاذ الدنيا مهما هلك وتردى وما على الأنبياء إلا شرح طرق الهدى وإنما لله الآخرة والأولى
414
414
كتاب الصبر والشكر
فضيلة الصبر
قد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعا وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر وجعلها ثمرة له فقال عز من قائل ! < وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا > ! وقال تعالى ! < ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون > ! وقال تعالى ! < أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا > ! وقال تعالى ! < إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب > ! فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر ووعد الصابرين بأنه معهم فقال تعالى ! < إن الله مع الصابرين > ! وجمع لهم بين أمور لم يجمعها لغيرهم فقال تعالى ! < أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون > ! ومن الأخبار قوله صلى الله عليه وسلم الصبر نصف
415
415
الإيمان وسئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال الصبر والسماحة
حقيقة الصبر وأقسامه
اعلم أن الصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى وباعث الدين هو ما هدي إليه الإنسان من معرفة الله ورسوله ومعرفة المصالح المتعلقة بالعواقب وهي الصفة التي بها فارق الإنسان البهائم في قمع الشهوات وباعث الهوى هو مطالبة الشهوات بمقتضاها فمن ثبت حتى قهره واستمر على مخالفة الشهوة التحق بالصابرين وإن تخاذل وضعف حتى غلبته الشهوة ولم يصبر في دفعها التحق بأتباع الشياطين
ثم إن باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال
أحدها أن يقهر داعي الهوى فلا تبقى له قوة المنازعة ويتوصل إليه بدوام الصبر وعند هذا يقال من صبر ظفر والواصلون إلى هذه الرتبة هم الأقلون فلا جرم هم الصديقون المقربون ! < الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا > !
الحالة الثانية أن تغلب دواعي الهوى وتسقط بالكلية منازعة باعث الدين فيسلم نفسه إلى جند الشياطين ولا يجاهد وهؤلاء هم الغافلون وهم الأكثرون وهم الذين استرقتهم شهواتهم وغلبت عليهم شقوتهم فحكموا أعداء الله في قلوبهم ! < أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة > ! فخسرت صفقتهم
الحالة الثالثة أن يكون الحرب سجالا بين الجندين فتارة له اليد عليها وتارة لها عليه وهذا من المجاهدين يعد لا من الظافرين وأهل هذه الحالة هم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم
والتاركون للمجاهدة مع الشهوات مطلقا يشبهون بالأنعام بل هم أضل
416
416
سبيلا إذ البهيمة لم تخلق لها المعرفة والقدرة التي بها تجاهد مقتضى الشهوات وهذا قد خلق له ذلك وعطله فهو الناقص حقا
وإذا دامت التقوى وقوي التصديق بما في العاقبة من الحسنى تيسر الصبر
بيان مظان الحاجة إلى الصبر وأن العبد لا يستغني عنه في حال من الأحوال
اعلم أن جميع ما يلقى العبد في هذه الحياة لا يخلو من نوعين ما يوافق هواه وما لا يوافقه بل يكرهه وهو محتاج إلى الصبر في كل واحد منهما وهو في جميع الأحوال لا يخلو عن هذين النوعين فإذن لا يستغني قط عن الصبر
النوع الأول ما يوافق الهوى وهو الصحة والسلامة والمال والجاه وكثرة العشيرة واتساع الأسباب وكثرة الأتباع والأنصار وجميع ملاذ الدنيا وما أحوج العبد إلى الصبر على هذه الأمور فإنه إن لم يضبط نفسه عن الاسترسال والركون إليها والانهماك في ملاذها المباحة أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان ولذلك حذر الله عباده من فتنة المال والزوج والولد فقال تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله > ! وقال عز وجل ! < إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم > ! فالرجل كل الرجل من يصبر على العافية ومعنى الصبر عليها أن لا يركن إليها وأن لا يرسل نفسه في الفرح بها وأن يرعى حقوق الله في ماله بالإنفاق وفي بدنه ببذل المعونة للخلق وفي لسانه ببذل الصدق وكذلك في سائر ما أنعم الله به عليه وهذا الصبر متصل بالشكر وإنما كان الصبر على السراء أشد لأنه مقرون بالقدرة والجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه إذا حضرته الأطعمة اللذيذة وقدر عليها فلهذا عظمت فتنة السراء
النوع الثاني ما لا يوافق الهوى والطبع وذلك إما أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصي أو لا يرتبط باختياره كالمصائب أو لا يرتبط باختياره ولكن له اختيار في إزالته كالتشفي من المؤذي بالانتقام منه فهذه ثلاثة أقسام
القسم الأول ما يرتبط باختياره وهما ضربان
417
417
الضرب الأول الطاعة والعبد يحتاج إلى الصبر عليها لأن منها ما تنفر عنه النفس بسبب الكسل كالصلاة أو بسبب البخل كالزكاة أو بسببهما جميعا كالحج والجهاد وكل ذلك يحتاج إلى صبر
الضرب الثاني المعاصي وقد جمع الله تعالى أنواع المعاصي في قوله تعالى ! < وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي > ! فما أحوج العبد إلى الصبر عنها سيما ما لا يثقل منها على النفس كالغيبة والكذب والمراء والثناء على النفس تعريضا وتصريحا وأنواع المزح المؤذي للقلوب وضروب الكلمات التي يقصد بها الإزراء والاستحقار والقدح في الموتى ولمصير ذلك معتادا في المحاورات بطل استقباحها من القلوب لعموم الأنس بها وهي من أكبر الموبقات
القسم الثاني ما لا يرتبط هجومه باختياره وله اختيار في دفعه كما لو أوذي بفعل أو قول وجني عليه في نفسه أو ماله فالصبر على ذلك بترك المكافأة تارة يكون واجبا وتارة يكون فضيلة قال تعالى ! < واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا > ! وقال تعالى ! < ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور > ! أي تصبروا على المكافأة ولذلك مدح الله تعالى العافين عن حقوقهم في القصاص وغيره فقال تعالى ! < وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين > ! وقال صلى الله عليه وسلم صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك
القسم الثالث ما لا يدخل تحت حصر الاختيار كالمصائب مثل موت الأعزة وهلاك الأموال وزوال الصحة بالمرض وعمى العين وفساد الأعضاء وسائر أنواع البلاء فالصبر على ذلك من أعلى مقامات الصبر وإنما ينال درجة الصبر في المصائب بترك الجزع وشق الجيوب وضرب الخدود والمبالغة في الشكوى وإظهار الكآبة وتغيير العادة في الملبس والمفرش والمطعم لأن هذه الأمور داخلة تحت
418
418
اختياره فينبغي أن يجتنب جميعها ويظهر الرضاء بقضاء الله تعالى ويبقى مستمرا على عادته ويعتقد أن ذلك كان وديعة فاسترجعت كما روي عن أم سليم رحمها الله قالت توفي ابن لي وزوجي أبو طلحة غائب فقمت فسجيته في ناحية البيت فهيأت له إفطاره فجعل يأكل فقال كيف الصبي فقلت بحمد الله لم يكن منذ اشتكى بأسكن منه الليلة ثم تصنعت له أحسن ما كنت أتصنع له قبل ذلك حتى أصاب مني حاجته ثم قلت ألا تعجب من جيراننا قال ما لهم قلت أعيروا عارية فلما طلبت منهم واسترجعت جزعوا فقال بئس ما صنعوا فقلت هذا ابنك كان عارية من الله تعالى وإن الله قبضه إليه فحمد الله واسترجع ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال اللهم بارك لهما في ليلتهما قال الراوي فلقد رأيت لهم بعد ذلك في المسجد سبعة كلهم قد قرؤوا القرآن
ولا يخرجه عن حد الصابرين توجع القلب ولا فيضان العين بالدمع لأن ذلك مقتضى البشرية ولذلك لما مات إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم فاضت عيناه فقيل له في ذلك فقال هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء بل ذلك لا يخرج أيضا عن مقام الرضاء
وقد ظهر لك بهذه التقسيمات أن وجوب الصبر عام في جميع الأحوال والأفعال حتى من اعتزل وحده لا يستغني عن الصبر على وساوس الشيطان باطنا
419
419
فإن اختلاج الخواطر لا يسكن ولا يزال في شغل دائم بسببها يضيع به الزمان وقد يتفكر في وجوه الحيل لقضاء الشهوات ولا تظنن أن الشيطان يخلو عنه قلب فارغ بل هو سيال يجري من ابن آدم مجرى الدم وسيلانه مثل الهواء في القدح فإنك إن أردت أن يخلو القدح عن الهواء من غير أن تشغله بالماء أو بغيره فقد طمعت في غير مطمع بل بقدر ما يخلو من الماء يدخل فيه الهواء لا محالة فكذلك القلب المشغول بفكر مهم في الدين يخلو عن جولان الشيطان وإلا فمن غفل ولو في لحظة فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان ولذلك قال تعالى ! < ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين > ! وفي خبر إن الله تعالى يبغض الشاب الفارغ وهذا لأن الشاب إذا تعطل عن عمل يشغل باطنه بمباح يستعين به على دينه كان ظاهره فارغا ولم يبق قلبه فارغا بل يعشش فيه الشيطان ويبيض ويفرخ ثم تزدوج أفراخه أيضا وهكذا ولذا قال الحلاج لما سئل عن التصوف هي نفسك إن لم تشغلها شغلتك فإذن حقيقة الصبر وكماله الصبر عن كل حركة مذمومة وحركة الباطن أولى بالصبر عن ذلك وهذا صبر دائم لا يقطعه إلا الموت نسأل الله حسن التوفيق بمنه وكرمه
دواء الصبر وما يستعان به عليه
اعلم أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ووعد الشفاء فالصبر وإن كان شاقا أو ممتنعا فتحصيله ممكن بمعجون العلم والعمل وقد قدمنا أن الصبر عبارة عن مصارعة باعث الدين مع باعث الهوى وكل مصارعين أردنا أن يغلب أحدهما الآخر فلا طريق لنا فيه إلا تقوية من أردنا أن تكون له اليد العليا وتضعيف الآخر فلزمنا ههنا تقوية باعث الدين وتضعيف باعث الشهوة فأما تقوية باعث الدين فإنما تكون بطريقين
أحدهما إطماعه في فوائد المجاهدة وثمراتها في الدين والدنيا وذلك بأن
420
420
يكثر فكره في الأخبار التي أوردناها في فضل الصبر وفي حسن عواقبه في الدنيا والآخرة
الثاني أن يصارع باعث الهوى بالتدريج إلى أن يقمع تلك الصفات التي رسخت فيه
وأما تضعيف باعث الشهوة فبقطع الأسباب المهيجة له كغض البصر الذي يحرك القلب أو الفرار من الصور المشتهاة بالكلية أو تسلية النفس بالمباح من الجنس الذي يشتهيه كالنكاح فإن كل ما يشتهيه الطبع ففي المباحات من جنسه ما يغني عن المحظورات منه ومن عود نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما أراد فهذا منهاج العلاج في جميع أنواع الصبر
بيان فضيلة الشكر
اعلم أن الله تعالى قرن الشكر بالذكر في كتابه فقال تعالى ! < فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون > ! وقال تعالى ! < ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم > ! وقال تعالى ! < وسنجزي الشاكرين > ! وقطع تعالى بالمزيد مع الشكر فقال سبحانه ! < لئن شكرتم لأزيدنكم > ! ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر
حقيقة الشكر
اعلم أن الشكر ينتظم من علم وحال وعمل فالعلم معرفة النعمة من
421
421
المنعم والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه والعمل هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه ويتعلق ذلك العمل بالقلب وبالجوارح وباللسان أما بالقلب فقصد الخير وإضماره لكافة الخلق وأما باللسان فإظهار الشكر لله تعالى بالتحميدات الدالة عليه وأما بالجوارح فاستعمال نعم الله تعالى في طاعته والتوقي من الاستعانة بها على معصيته
بيان الشكر في حق الله تعالى
اعلم أن العبد لا يكون شاكرا لمولاه إلا إذا استعمل نعمته في محبته أي فيما أحبه لعبده لا لنفسه وأما إذا استعمل نعمته فيما كرهه فقد كفر نعمته كما إذا أهملها وعطلها وإن كان هذا دون الأول إلا أنه كفران للنعمة بالتضييع وكل ما خلق في الدنيا إنما خلق إلة للعبد ليتوصل به إلى سعادته
ثم إن فعل الشكر وترك الكفر لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله تعالى عما يكرهه ولتمييز ذلك مدركان
أحدهما السمع ومستنده الآيات والأخبار
الثاني بصيرة القلب وهو النظر بعين الاعتبار لإدراك حكمة الله تعالى في كل موجود خلقه إذ ما خلق شيئا في العالم إلا وفيه حكمة وتحت الحكمة مقصود وذلك المقصود هو المحبوب وتلك الحكمة منقسمة إلى جلية وخفية أما الجلية فكالعلم بأن الحكمة في خلق الشمس أن يحصل بها الفرق بين الليل والنهار فيكون النهار معاشا والليل لباسا فتتيسر الحركة عند الإبصار والسكون عند الاستتار فهذا من جملة حكم الشمس لا كل الحكم فيها بل فيها حكم أخرى كثيرة دقيقة وكذلك معرفة الحكمة في الغيم ونزول الأمطار وذلك لانشقاق الأرض بأنواع النبات مطعما للخلق ومرعى للأنعام وقد انطوى القرآن على جملة من الحكم الجلية التي تحملها أفهام الخلق دون الدقيق الذي يقصرون عن فهمه إذ قال تعالى ! < أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا > ! الآية وأما الحكمة في سائر الكواكب فخفية لا يطلع عليها كافة الخلق والقدر الذي يحتمله فهم الخلق إنها زينة للسماء لتستلذ العين بالنظر إليها وأشار إليه قوله تعالى ! < إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب > !
422
) فجميع أجزاء العالم سماؤه وكواكبه ورياحه وبحاره وجباله ومعادنه ونباته وحيواناته وأعضاء حيواناته لا تخلو ذرة من ذراته عن حكم كثيرة من حكمة واحدة إلى عشر إلى ألف إلى عشرة آلاف وكذا أعضاء الحيوان تنقسم إلى ما يعرف حكمتها كالعلم بأن العين للإبصار واليد للبطش والرجل للمشي وهكذا فإذن كل من استعمل شيئا في جهة غير الجهة التي خلق لها ولا على الوجه الذي أريد به فقد كفر فيه نعمة الله تعالى فمن ضرب غيره بيده فقد كفر نعمة اليد إذ خلقت له اليد ليدفع بها عن نفسه ما يهلكه ويأخذ ما ينفعه لا ليهلك بها غيره ومن نظر إلى وجه غير المحرم فقد كفر نعمة العين إذ خلقت ليبصر بها ما ينفعه في دينه ودنياه ويتقي بها ما يضره فيهما وكذا من نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا وهما حجران لا منفعة في أعيانهما ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث أن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته وقد يعجز عما يحتاج إليه ويملك ما يستغني عنه فخلقت لتقدر بهما الأموال فتتداولهما الأيدي ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل ولحكمة أخرى وهي التوسل بهما إلى سائر الأشياء ولحكم أخرى فكل من عمل فيهما عملا يخالف الغرض المقصود منهما فقد كفر نعمة الله فيهما فإذن من كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما وكذا من كسر غصنا من شجرة من غير حاجة ناجزة مهمة ومن غير غرض صحيح فقد كفر نعمة الله تعالى في خلق الأشجار وخلق اليد أما اليد فإنها لم تخلق للعبث بل للطاعة والأعمال المعينة على الطاعة وأما الشجر فإنما خلقه الله تعالى وجعل له العروق وساق إليه الماء وخلق فيه قوة الاغتذاء والنماء ليبلغ منتهى نشوئه فينتفع به عباده فكسره قبل منتهى نشوئه لا على وجه ينتفع به عباده مخالفة لمقصود الحكمة وعدول عن العدل فإن كان له غرض صحيح فله ذلك إذ الشجر والحيوان جعلا فداء لأغراض الإنسان فإنهما جميعا فانيان هالكان فإفناء الأخس في بقاء الأشرف مدة ما أقرب إلى العدل من تضييعهما جميعا وإليه الإشارة بقوله تعالى ! < وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه > ! وبالجملة فمن فهم حكمة الله تعالى في جميع أنواع الموجودات قدر على القيام بوظيفة الشكر واستقصاء ذلك يطول
423
423
السبب الصارف للخلق عن الشكر
اعلم أنه لم يقصر بالخلق عن شكر النعمة إلا الجهل والغفلة فإنهم منعوا بالجهل والغفلة عن معرفة النعم ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها ثم إنهم إن عرفوا نعمة ظنوا أن الشكر عليها أن يقول بلسانه الحمد لله الشكر لله ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن يستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت بها وهي طاعة الله عز وجل فلا يمنع من الشكر بعد حصول هاتين المعرفتين إلا غلبة الشهوة واستيلاء الشيطان
ما يشترك فيه الصبر والشكر
اعلم أنه ما من نعمة من النعم الدنيوية إلا ويجوز أن تكون بلاء بالإضافة ونعمة كذلك فرب عبد تكون له الخيرة في الفقر والمرض ولو صح بدنه وكثر ماله لبطر وبغى قال الله تعالى ! < ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض > ! وقال تعالى ! < كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى > ! وكذلك الزوجة والولد والقريب وأمثالها فإن الله تعالى لم يخلق شيئا إلا وفيه حكمة ونعمة أيضا فإذن في خلق الله تعالى البلاء نعمة أيضا إما على المبتلى أو على غير المبتلى فإذن كل حالة لا توصف بأنها بلاء مطلق ولا نعمة مطلقة فيجتمع فيها على العبد وظيفتان الصبر والشكر جميعا فإن قلت فهما متضادان فكيف يجتمعان إذ لا صبر إلا على غم ولا شكر إلا على فرح فاعلم أن الشيء الواحد قد يغتم به من وجه ويفرح به من وجه آخر فيكون الصبر من حيث الاغتمام والشكر من حيث الفرح وفي كل فقر ومرض وخوف وبلاء في الدنيا خمسة أمور ينبغي أن يفرح العاقل بها ويشكر عليها
أحدهما أن كل مصيبة ومرض فيتصور أن يكون أكبر منها إذ مقدورات الله تعالى لا تتناهى فلو ضعفها الله وزادها ماذا كان يرده ويحجزه فليشكر إذ لم تكن أعظم منها في الدنيا
الثاني أنه كان يمكن أن تكون مصيبته في دينه وفي الخبر اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا
424
424
الثالث أنه ما من عقوبة إلا ويتصور أن تؤخر إلى الآخرة ومصائب الدنيا يتسلى عنها بأسباب أخر تهون المصيبة فيخف وقعها ومصيبة الآخرة تدوم فلعله لم تؤخر عقوبته إلى الآخرة وعجلت عقوبته في الدنيا فلم لا يشكر الله على ذلك
الرابع أن هذه المصيبة والبلية كانت مكتوبة عليه في أم الكتاب وكان لا بد من وصولها إليه وقد وصلت ووقع الفراغ واستراح من بعضها أو من جميعها فهذه نعمة
الخامس أن ثوابها أكثر منها فإن مصائب الدنيا طرق إلى الآخرة وكل بلاء في الأمور الدنيوية مثاله الدواء الذي يؤلم في الحال وينفع في المآل فمن عرف هذا تصور منه أن يشكر على البلايا ومن لم يعرف هذه النعم في البلاء لم يتصور منه الشكر لأن الشكر يتبع معرفة النعمة بالضرورة ومن لا يؤمن بأن ثواب المصيبة أكبر من المصيبة لم يتصور منه الشكر على المصيبة والأخبار الواردة في ثواب الصبر على المصائب كثيرة ويكفي في ذلك قوله تعالى ! < إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب > !
ثم مع فضل النعمة في البلاء كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ في دعائه من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة وكان يستعيذ من شماتة الأعداء وغيرها وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم سلوا الله العافية فما أعطي أحد أفضل من العافية إلا اليقين وأشار باليقين إلى عافية القلب عن مرض الجهل والشك فعافية القلب أعلى من عافية البدن وفي دعائه صلى الله عليه وسلم وعافيتك أحب إلي
فنسأل الله تعالى المان بفضله على جميع خلقه العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة لنا ولجميع المسلمين
425
425
كتاب الخوف والرجاء
الرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود فلا يقود إلى قرب الرحمن إلا أزمة الرجاء ولا يصد عن نار الجحيم إلا سياط التخويف فلا بد إذا من بيان حقائقهما
بيان حقيقة الرجاء
قد علم أرباب القلوب أن الدنيا مزرعة الآخرة والقلب كالأرض والإيمان كالبذر فيه والطاعات جارية مجرى تقليب الأرض وتطهيرها ومجرى حفر الأنهار وسياقة الماء إليها والقلب المستهتر بالدنيا المستغرق بها كالأرض السبخة التي لا ينمو فيها البذر ويوم القيامة يوم الحصاد ولا يحصد أحد إلا ما زرع ولا ينمو زرع إلا من بذر الإيمان وقلما ينفع إيمان مع خبث القلب وسوء أخلاقه كما لا ينمو بذر في أرض سبخة فينبغي أن يقاس رجاء العبد المغفرة برجاء صاحب الزرع فكل من طلب أرضا طيبة وألقى فيها بذرا جيدا غير عفن ولا مسوس ثم أمده بما يحتاج إليه وهو سوق الماء إليه في أوقاته ثم نقى الشوك عن الأرض والحشيش وكل ما يمنع نبات البذر أو يفسده ثم جلس منتظرا من فضل الله تعالى دفع الصواعق والآفات المفسدة إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته سمي انتظاره رجاء وإن بث البذر في أرض صلبة سبخة مرتفعة لا ينصب إليها الماء ولم يشتغل بتعهد البذر أصلا ثم انتظر الحصاد منه سمي انتظاره حمقا وغرورا لا رجاء وإن بث البذر في أرض طيبة لكن لا ماء لها وأخذ ينتظر مياه الأمطار حيث لا تغلب الأمطار ولا تمتنع أيضا سمي انتظاره تمنيا لا
426
426
رجاء فإذن اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره وهو فضل الله تعالى بصرف القواطع والمفسدات فالعبد إذ بث بذر الإيمان وسقاه بماء الطاعات وطهر القلب عن شوك الأخلاق الرديئة وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته على ذلك إلى الموت وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة كان انتظاره رجاء حقيقيا محمودا في نفسه باعثا له على المواظبة والقيام بمقتضى أسباب الإيمان في إتمام أسباب المغفرة إلى الموت وإن قطع عن بذر الإيمان تعهده بماء الطاعات أو ترك القلب مشحونا برذائل الأخلاق وانهمك في طلب لذات الدنيا ثم انتظر المغفرة فانتظاره حمق وغرور قال صلى الله عليه وسلم الأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله وقال تعالى ! < فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا > ! وقال تعالى ! < فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا > ! وذم الله تعالى صاحب البستان إذ دخل جنته وقال ! < ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا > ! فإذن العبد المجتهد في الطاعات المجتنب للمعاصي حقيق بأن ينتظر من فضل الله تمام النعمة وما تمام النعمة إلا بدخول الجنة وأما العاصي فإذا تاب وتدارك جميع ما فرط منه من تقصير فحقيق بأن يرجو قبول التوبة وإنما الرجاء بعد تأكد الأسباب ولذلك قال تعالى ! < إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله > ! معناه أولئك يستحقون أن يرجوا رحمة الله وقال تعالى ! < إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا من ما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور > ! فأما من ينهمك فيما يكرهه الله تعالى ولا يذم نفسه عليه ولا يعزم على التوبة والرجوع فرجاؤه المغفرة حمق كرجاء من بث البذر في أرض سبخة وعزم على أن لا يتعهده بسقي ولا تنقية قال يحيى بن معاذ من أعظم الاغترار عندي
427
427
التمادي في الذنوب على رجاء العفو من غير ندامة وتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة وانتظار زرع الجنة ببذر النار وطلب دار المطيعين بالمعاصي وانتظار الجزاء بغير عمل والتمني على الله عز وجل مع الإفراط
( ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليبس )
فإذن حال الرجاء يورث طول المجاهدة بالأعمال والمواظبة على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال ومن آثاره التلذذ بدوام الإقبال على الله تعالى والتنعم بمناجاته والتلطف في التملق له فإن هذه الأحوال لا بد وأن تظهر على كل من يرجو ملكا من الملوك أو شخصا من الأشخاص فكيف لا يظهر ذلك في حق الله تعالى فإن كان لا يظهر فليستدل به على الحرمان عن مقام الرجاء والنزول في حضيض الغرور والتمني
بيان حقيقة الخوف
اعلم أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال والعلم بأسباب المكروه وهو السبب الباعث المثير لإحراق القلب وتألمه وذلك الإحراق هو الخوف فالخوف من الله تعالى تارة يكون لمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وأنه لو أهلك العالمين لم يبال ولم يمنعه مانع وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي وتارة يكون بهما جميعا وبحسب معرفته بعيوب نفسه ومعرفته بجلال الله تعالى واستغنائه وأنه لا يسأل عما يفعل وهو يسألون تكون قوة خوفه فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه وبربه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أنا أخوفكم لله وكذلك قال الله تعالى ! < إنما يخشى الله من عباده العلماء > ! ثم إذا كملت المعرفة أورثت جلال الخوف واحتراق القلب ثم يفيض أثر الحرقة من القلب على البدن وعلى الجوارح وعلى الصفات أما في البدن فبالنحول والبكاء وأما في الجوارح فبكفها عن المعاصي وتقييدها بالطاعات تلافيا لما فرط واستعدادا للمستقبل وأما في الصفات فبأن يقمع الشهوات ويكدر اللذات فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة كما يصير العسل مكروها عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سما فتحترق الشهوات
428
428
بالخوف وتتأدب الجوارح ويحصل في القلب الذبول والخشوع والاستكانة ويفارقه الكبر والحقد والحسد ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والضنة بالأنفاس واللحظات ومؤاخذة النفس بالخطرات والخطوات والكلمات وما ورد في فضيلة الخوف خارج عن الحصر وناهيك دلالة على فضيلته جمع الله تعالى للخائفين الهدى والرحمة والعلم والرضوان وهي مجامع مقامات أهل الجنان قال الله تعالى ! < هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون > ! وقال تعالى ! < رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه > ! وكل ما دل على فضيلة العلم دل على فضيلة الخوف لأن الخوف ثمرة العلم
الدواء الذي يستجلب به الخوف
اعلم أن من قعد به القصور عن الارتفاع إلى مقام الاستبصار فسبيله أن يعالج نفسه بسماع الأخبار والآثار فيطالع أحوال الخائفين وأقوالهم وينسب عقولهم ومناصبهم إلى مناصب الراجين المغرورين فلا يتمارى في أن الاقتداء بهم أولى لأنهم الأنبياء والأولياء والعلماء وأما الآمنون فهم الفراعنة والجهال والأغبياء أما رسولنا صلى الله عليه وسلم فهو سيد الأولين والآخرين وكان أشد الناس خوفا حتى روي أنه سمع قائلا يقول لطفل مات هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة فغضب وقال ما يدريك أنه كذلك والله إني رسول الله وما أدري ما يصنع بي إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك أيضا على جنازة عثمان بن مظعون وكان من المهاجرين الأولين لما قالت أم
429
429
سلمة هنيئا لك الجنة فكانت تقول أم سلمة بعد ذلك والله لا أزكي أحدا بعد عثمان وروي في حديث آخر عن رجل من أهل الصفة استشهد فقالت أمه هنيئا لك هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت في سبيل الله فقال صلى الله عليه وسلم وما يدريك لعله كان يتكلم بما لا ينفعه ويمنع ما لا يضره وفي حديث آخر أنه دخل صلى الله عليه وسلم على بعض أصحابه وهو عليل فسمع امرأة تقول هنيئا لك الجنة فقال صلى الله عليه وسلم من هذه المتألية على الله تعالى وما يدريك لعل فلانا كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه وكيف لا يخاف المؤمنون كلهم وهو صلى الله عليه وسلم يقول شيبتني هود وأخواتها سورة الواقعة وإذا الشمس كورت وعم يتساءلون فقال العلماء لعل ذلك لما في سورة هود من الإبعاد كقوله تعالى ! < ألا بعدا لعاد قوم هود > ! ! < ألا بعدا لثمود > ! ! < ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود > ! مع علمه صلى الله عليه وسلم بأنه لو شاء الله ما أشركوا إذ لو شاء لآتى كل نفس هداها وفي سورة الواقعة ! < ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة > !
430
أي جف القلم بما هو كائن وتمت السابقة حتى نزلت الواقعة إما خافضة قوما كانوا مرفوعين في الدنيا وإما رافعة قوما كانوا مخفوضين في الدنيا وفي سورة التكوير أهوال يوم القيامة وانكشاف الخاتمة وهو قوله تعالى ! < وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت > ! وفي عم يتساءلون ! < يوم ينظر المرء ما قدمت يداه > ! الآية وقوله تعالى ! < لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا > !
والقرآن من أوله إلى آخره مخاوف لمن قرأه بتدبر ولو لم يكن فيه إلا قوله تعالى ! < وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى > ! لكان كافيا إذ علق المغفرة على أربعة شروط يعجز العبد عن آحادها وأشد منه قوله تعالى ! < فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين > ! وقوله تعالى ! < ليسأل الصادقين عن صدقهم > ! وقوله تعالى ! < سنفرغ لكم أيها الثقلان > ! وقوله تعالى ! < أفأمنوا مكر الله > ! الآية وقوله ! < وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد > ! وقوله ! < فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره > ! الآيتين وكذلك قوله تعالى ! < والعصر إن الإنسان لفي خسر > ! إلى آخر السورة فهذه أربعة شروط للخلاص من الخسران وإنما كان خوف الأنبياء مع ما فاض عليهم من النعم لأنهم لم يأمنوا مكر الله تعالى ! < فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون > ! وخوف الكاملين لا يصدر إلا عن كمال المعرفة بأسرار الله تعالى
431
431
وخفايا أفعاله ومعاني صفاته فأجهل الناس من أمنه وهو ينادي بالتحذير من الأمن وكيف يؤمن تغير الحال وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن وإن القلب أشد تقلبا من القدر في غليانها وقد قال معاذ بن جبل رضي الله عنه إن المؤمن لا يسكن روعه حتى يترك جسر جهنم وراءه وروي عن مخاوف الأنبياء والصحابة والتابعين ومن بعدهم ما لا يحصى ونحن أجدر بالخوف منهم ولكن صدتنا عن ملاحظة أحوالنا غفلتنا وقسوتنا فلا قرب الرحيل ينبهنا ولا كثرة الذنوب تحركنا ولا خطر الخاتمة يزعجنا ومن العجائب أنا إذا أردنا المال في الدنيا زرعنا وغرسنا واتجرنا وركبنا البحار والبراري وخاطرنا ونجتهد في طلب أرزاقنا ثم إذا طمحت أعيننا نحو الملك الدائم المقيم قنعنا بأن نقول بألسنتنا اللهم اغفر لنا وارحمنا والذي إليه رجاؤنا جل جلاله يقول ! < وأن ليس للإنسان إلا ما سعى > ! ! < ولا يغرنكم بالله الغرور > ! ! < يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم > ! ثم كل ذلك لا ينبهنا ولا يخرجنا عن أودية غرورنا وأمانينا فما هذه إلا محنة هائلة إن لم يتفضل الله علينا بتوبة نصوح يتداركنا بها فنسأل الله تعالى أن يتوب علينا بمنه وفضله
432
432
كتاب الفقر والزهد
فضيلة الفقر والفقراء الراضين الصادقين
عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يحب الفقير المتعفف أبا العيال وعنه صلى الله عليه وسلم يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام و عنه صلى الله عليه وسلم من أصبح منكم معافى في جسمه آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ولما طلبت سادات العرب وأغنياؤهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينحي عن مجلسه فقراء الصحابة ترفعا عن مجالستهم إذا جلسوا إليه نزل قوله تعالى ! < واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم > ! يعني الفقراء ! < تريد زينة الحياة الدنيا > ! يعني الأغنياء ! < ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا > ! يعني الأغنياء واستأذن ابن أم مكتوم على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده رجل من أشراف
433
433
قريش فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى ! < عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى > ! يعني ابن أم مكتوم ! < أما من استغنى فأنت له تصدى > ! يعني هذا الشريف وقال يحيى بن معاذ حبك للفقراء من أخلاق المرسلين وإيثارك مجالستهم من علامة الصالحين وفرارك من صحبتهم من علامة المنافقين وعن علي رضي الله عنه مرفوعا أحب العباد إلى الله تعالى الفقير القانع برزقه الراضي عن الله تعالى
آداب الفقير في فقره
اعلم أن للفقير آدابا في باطنه وظاهره ومخالطته وأفعاله ينبغي أن يراعيها
فأما أدب باطنه فأن لا يكون فيه كراهية لما ابتلاه الله تعالى به من الفقر أعني أنه لا يكون كارها فعل الله تعالى من حيث أنه فعله وإن كان كارها للفقر
وأما أدب ظاهره فأن يظهر التعفف والتجمل ولا يظهر الشكوى والفقر بل يستر فقره ففي الحديث إن الله تعالى يحب الفقير المتعفف أبا العيال وقال تعالى ! < يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف > !
وأما في أعماله فأدبه أن لا يتواضع لغني لأجل غناه قال علي كرم الله وجهه ما أحسن تواضع الغني للفقير رغبة في ثواب الله تعالى وأحسن منه تيه الفقير على الغني ثقة بالله عز وجل فهذه رتبة وأقل منها أن لا يخالط الأغنياء ولا يرغب في مجالستهم لأن ذلك من مبادئ الطمع وينبغي أن لا يسكت عن ذكر الحق مداهنة للأغنياء وطمعا في العطاء
وأما أدبه في أفعاله فأن لا يفتر بسبب الفقر عن عبادة ولا يمنع بذل قليل ما يفضل عنه فإن ذلك جهد المقل وفضله أكثر من أموال كثيرة تبذل عن ظهر غنى
434
434
آداب الفقير في قبول العطاء إذا جاءه بغير سؤال
ينبغي أن يلاحظ الفقير فيما جاءه ثلاثة أمور نفس المال وغرض المعطي وغرضه في الأخذ
أما نفس المال فينبغي أن يكون حلالا خاليا عن الشبهات فإن كان فيه شبهة فليحترز من أخذه
وأما غرض المعطي فلا يخلو إما أن يكون غرضه تطييب قلبه وطلب محبته وهو الهدية أو الثواب وهو الصدقة والزكاة أو الذكر والرياء والسمعة
أما الأول وهو الهدية فلا بأس بقبولها فإن قبولها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن ينبغي أن لا يكون فيها منة فإن كان فيها منه فالأولى تركها فإن علم أن بعضها مما تعظم المنة فليرد البعض دون البعض
الثاني أن يكون للثواب المجرد وذلك صدقة أو زكاة فعليه أن ينظر في صفات نفسه هل هو مستحق للزكاة فإن اشتبه عليه فهو محل شبهة وإن كانت صدقة وكان يعطيه لدينه فلينظر إلى باطنه فإن كان مقارفا لمعصية في السر لو علمها المعطي لنفر طبعه ولما تقرب إلى الله بالتصدق عليه فهذا حرام أخذه كما لو أعطاه لظنه أنه عالم أو علوي ولم يكن فإن أخذه حرام محض لا شبهة فيه
الثالث أن يكون غرض السمعة والرياء والشهرة فينبغي أن يرد عليه قصده الفاسد ولا يقبله إذ يكون معينا على غرضه الفاسد
وأما غرضه في الأخذ فينبغي أن ينظر أهو محتاج إليه فيما لا بد له منه أو مستغن عنه فإن كان محتاجا إليه وقد سلم من الشبهة والآفات التي ذكرناها في المعطي فالأفضل له الأخذ قال صلى الله عليه وسلم من أتاه شيء من هذا المال من غير مسألة ولا استشراف فإنما هو رزق ساقه الله إليه فلا يرده فأما إذا كان ما أتاه زائدا على حاجته فلا يخلو إما أن يكون حاله الاشتغال بنفسه أو التكفل بأمور الفقراء والإنفاق عليهم لما في طبعه من الرفق والسخاء فإن كان مشغولا بنفسه فلا وجه لأخذه
435
435
وإمساكه وإن كان متكفلا بحقوق الفقراء فليأخذ ما زاد على حاجته فإنه غير زائد على حاجة الفقراء وليبادر به إلى الصرف إليهم وبالجملة فالزيادة على قدر الحاجة إنما تأتيك ابتلاء وفتنة لينظر الله إليك ماذا تعمل فيه وقدر الحاجة يأتيك رفقا بك فلا تغفل عن الفرق بين الرفق والابتلاء قال الله تعالى ! < إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا > !
تحريم السؤال من غير ضرورة وآداب المضطر إليه
اعلم أنه قد وردت مناه كثيرة في السؤال وتشديدات قال صلى الله عليه وسلم من سأل عن غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم ومن سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ووجهه عظم يتقعقع وليس عليه لحم وفي لفظ آخر كانت مسألته خدوشا وكدوحا في وجهه وهذه الألفاظ صريحة في التحريم والتشديد وكان صلى الله عليه وسلم يأمر كثيرا بالتعفف عن السؤال وسمع عمر رضي الله عنه سائلا يسأل بعد المغرب فقال لواحد من قومه عش الرجل فعشاه ثم سمعه ثانيا يسأل فقال ألم أقل لك عش الرجل قال قد عشيته فنظر عمر فإذا تحت يده مخلاة مملوءة خبزا فقال لست سائلا ولكنك تاجر ثم أخذ المخلاة ونثرها يبن يدي أبل الصدقة وضربه بالدرة وقال لا تعد ولولا أن سؤاله كان حراما لما ضربه ولا أخذ مخلاته وإنما استجاز ذلك رضي الله عنه لكونه لاح له فيه أنه رآه مستغنيا عن السؤال وعلم أن من أعطاه شيئا فإنما أعطاه على اعتقاد أنه محتاج وقد كان كاذبا فلم يدخل في ملكه بأخذه مع التلبيس وعسر تمييز ذلك ورده إلى أصحابه إذ لا يعرف أصحابه بأعيانهم فبقي مالا لا مالك له فوجب صرفه إلى المصالح وإبل الصدقة وعلفها من المصالح نعم يباح السؤال بضرورة أو حاجة مهمة قريبة من الضرورة فالضرورة كسؤال الجائع عند
436
436
خوفه على نفسه موتا أو مرضا وسؤال العاري وبدنه مكشوف ليس معه ما يواريه وهو مباح ما دام السائل عاجزا عن الكسب فإن القادر على الكسب وهو بطال ليس له السؤال إلا إذا استغرق طلب العلم أوقاته وأما المستغني فهو الذي يطلب الشيء وعنده مثله وأمثاله فسؤاله حرام قطعا وأما المحتاج حاجة مهمة فكالمريض الذي يحتاج إلى دواء وكمن له جبة لا قميص تحتها في الشتاء وهو يتأذى بالبرد وكمن يسأل الكراء لفرس ولا ينبغي أن يأخذ ما يعلم أن باعثه الحياء فإنه حرام محض وما يشك فيه فليستفت قلبه فيه وليترك حزاز القلب فإنه الإثم وليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه وإدراك ذلك بقرائن الأحوال سهل على من قويت فطنته وضعف حرصه وشهرته فإن قوي الحرص وضعفت الفطنة تراءى له ما يوافق غرضه فلا يتفطن للقرائن الدالة على الكراهة وبهذه الدقائق يطلع على سر قوله صلى الله عليه وسلم إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وقد ورد في وعيد من يسأل وهو غني قوله صلى الله عليه وسلم من سأل عن ظهر غنى فإنما يسأل جمرا فليستقل منه أو ليستكثر وقد ورد في حد الغنى المحرم للسؤال آثار مختلفة متنوعة يمكن تنزيلها على اختلاف أحوال المحتاجين إذ الحاجة لا تقبل الضبط فأمرها منوط باجتهاد العبد ونظره لنفسه بينه وبين الله تعالى فيستفتي فيه قلبه ويعمل به إن كان سالكا طريق الآخرة نسأله تعالى حسن التوفيق بلطفه
فضيلة الزهد وحقيقته
قال تعالى ! < ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى > ! وقال تعالى ! < من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب > ! وفي حديث عمر رضي الله عنه أنه لما نزل قوله تعالى ! < والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله > !
437
) قال صلى الله عليه وسلم تبا للدنيا تبا للدينار والدرهم فقلنا يا رسول الله نهانا الله عن كنز الذهب و الفضة فأي شيء ندخر فقال صلى الله عليه وسلم ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة صالحة تعينه على أمر آخرته وعنه صلى الله عليه وسلم السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس قريب من النار والبخل ثمرة الرغبة في الدنيا والسخاء ثمرة الزهد والثناء على الثمرة ثناء على المثمر لا محالة وعنه صلى الله عليه وسلم ازهد في الدنيا بحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس
ثم إن أصناف ما فيه الزهد تكاد تخرج عن الحصر وقد ذكر الله تعالى في آية واحدة سبعة منها فقال تعالى ! < زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا > ! ثم رده في آية أخرى إلى خمسة فقال عز وجل ! < اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد > ! ثم رده في موضع آخر إلى اثنين فقال تعالى ! < إنما الحياة الدنيا لعب ولهو > ! ثم رد الكل إلى واحد في موضع آخر فقال ! < ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى > !
438
) فالهوى لفظ يجمع جميع حظوظ النفس في الدنيا فينبغي أن يكون الزهد فيه
والحاصل أن الزهد عبارة عن الرغبة عن حظوظ النفس كلها إلى ما هو خير منها علما بأن المتروك حقير بالإضافة إلى المأخوذ
واعلم أنه قد يظن أن تارك المال زاهد وليس كذلك فإن ترك المال وإظهار الخشونة سهل على من أحب المدح بالزهد بل لا بد من الزهد في حظوظ النفس وينبغي أن يعول الزاهد في باطنه على ثلاث علامات
الأولى أن لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود كما قال تعالى ! < لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم > !
الثانية أن يستوي عنده ذامه ومادحه
الثالثة أن يكون أنسه بالله تعالى والغالب على قلبه حلاوة الطاعة
439
439
كتاب النية والأخلاص والصدق
فضيلة النية
قال الله تعالى ! < ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه > ! وقال تعالى ! < إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما > ! والمراد بتلك الإرادة هي النية وقال صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه وفي حديث أنس بن مالك لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال إن بالمدينة أقواما ما قطعنا واديا ولا وطئنا موطئا يغيظ الكفار ولا أنفقنا نفقة ولا أصابتنا مخمصة إلا شركونا في ذلك وهم بالمدينة قالوا وكيف ذلك يا رسول الله وليسوا معنا قال حبسهم العذر فشركوا
440
440
بحسن النية وقال صلى الله عليه وسلم يبعث كل عبد على ما مات عليه وفي حديث أبي هريرة من تزوج امرأة على صداق وهو لا ينوي أداءه فهو زان ومن ادان دينا وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق
تفضيل الأعمال المتعلقة بالنية
اعلم أن الأعمال تنقسم إلى ثلاثة أقسام طاعات ومعاص ومباحات
فأما المعاصي فلا تتغير عن موضعها بالنية أعني أن المعصية لا تنقلب طاعة بالنية كالذي يغتاب إنسانا مراعاة لقلب غيره أو يطعم فقيرا من مال غيره أو يبني مدرسة أو مسجدا بمال حرام وقصده الخير فهذا كله جهل والنية لا تؤثر في إخراجه عن كونه ظلما وعدوانا ومعصية بل قصده الخير بالشر على خلاف مقتضى الشرع شر آخر فإن عرفه فهو معاند للشرع وإن جهله فهو عاص بجهله إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم والخيرات إنما يعرف كونها خيرات بالشرع فكيف يمكن أن يكون الشر خيرا هيهات ولذلك قال سهل رحمه الله تعالى ما عصي الله تعالى بمعصية أعظم من الجهل قيل يا أبا محمد هل تعرف شيئا أشد من الجهل قال نعم الجهل بالجهل وهو كما قال لأن الجهل بالجهل يسد بالكلية باب التعلم فمن يظن بنفسه أنه عالم فكيف يتعلم وكذلك أفضل ما أطيع الله تعالى به العلم ورأس العلم العلم بالعلم كما أن رأس الجهل الجهل بالجهل وقد قال تعالى ! < فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون > ! نعم للنية دخل في المعاصي وهو أنه إذا انضاف إليها قصود خبيثة تضاعف وزرها وعظم وبالها
441
441
القسم الثاني الطاعات وهي مرتبطة بالنيات في أصل صحتها وفي تضاعف فضلها أما الأصل فهو أن ينوي بها عبادة الله تعالى لا غير فإن نوي الرياء صارت معصية وأما تضاعف الفضل فبكثرة النيات الحسنة فإن الطاعة الواحدة يمكن أن ينوي بها خيرات كثيرة فيكون له بكل نية ثواب إذ كل واحدة حسنة ثم تضاعف كل حسنة بعشرة أمثالها كما ورد ومثاله القعود في المسجد فإنه طاعة ويمكن أن ينوي فيه نيات كثيرة حتى يصير من فضائل أعمال المتقين
أولها أن يعتقد أنه بيت الله وأن داخله زائر الله
ثانيها أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون في صلاة
ثالثها الترهب بكف السمع والبصر والأعضاء عن الحركات والترددات
رابعها عكوف الهم على الله ولزوم السر للفكر في الآخرة ودفع الشواغل الصارفة عنه بالاعتزال إلى المسجد
خامسها التجرد لذكر الله أو لاستماع ذكره وللتذكر به
سادسها أن يقصد إفادة العلم بأمر معروف ونهي عن منكر إذ المسجد لا يخلو عمن يسيء في صلاته أو يتعاطى ما لا يحل له فيأمره بالمعروف ويرشده إلى الدين فيكون شريكا معه في خيره الذي يعلم منه فتتضاعف خيراته
سابعها أن يستفيد أخا في الله فإن ذلك غنيمة وذخيرة للدار الآخرة والمسجد معشش أهل الدين المحبين لله وفي الله
ثامنها أن يترك الذنوب حياء من الله تعالى وحياء من أن يتعاطى في بيت الله ما يقتضي هتك الحرمة فهذا طريق تكثير النيات وقس به سائر الطاعات إذ ما من طاعة إلا وتحتمل نيات كثيرة وإنما تحضر في قلب العبد المؤمن بقدر جده في طلب الخير وتشمره له فبهذا تزكو الأعمال وتتضاعف الحسنات
القسم الثالث المباحات وما من شيء من المباحات إلا ويحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات كالتطيب مثلا فإنه بقصد التلذذ والتنعم مباح وأما إذا نوى به اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وترويح جيرانه ليستريحوا بروائحه ودفع الرائحة الكريهة عن نفسه التي تؤدي إلى إيذاء مخالطيه وزيادة فطنته وذكائه ليسهل عليه درك مهمات دينه بالفكر فهذا وأمثاله من النيات الحسنة التي لا يعجز عنها من غلب طلب الخير على قلبه مما ينال بها معالي الدرجات وأما من قصد بالتطيب إظهار التفاخر بكثرة المال أو رياء الخلق ليذكر بذلك أو ليتودد إلى قلوب النساء الأجنبيات أو
442
442
لغير ذلك فهذا يجعل الطيب معصية ويكون في القيامة أنتن من الجيفة والمباحات كثيرة لا يمكن إحصاء النيات فيها فقس بهذا الواحد ما عداه ولهذا قال بعض السلف إني لأستحب أن يكون لي في كل شيء نية حتى في أكلي وشربي ونومي ودخولي للخلاء وكل ذلك مما يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى لأن كل ما هو سبب لبقاء البدن وفراغ القلب من مهمات البدن فهو معين على الدين فمن قصد من الأكل التقوي على العبادة ومن الوقاع تحصين دينه وتطييب قلب أهله والتوصل به إلى ولد صالح يعبد الله تعالى بعده كان مطيعا بأكله ونكاحه وبالجملة فإياك ثم إياك أن تستحقر شيئا من حركاتك فلا تحترز من غرورها وشرورها ولا تعد جوابها يوم السؤال والحساب فإن الله مطلع عليك وشهيد ! < ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد > ! وقد قال الحسن إن الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول بيني وبينك الله فيقول والله ما أعرفك فيقول بلى أنت أخذت لبنة من حائطي وأخذت خيطا من ثوبي فهذا وأمثاله من الأخبار قطع قلوب الخائفين فإن كنت من أولي العزم والنهى ولم تكن من المغترين فانظر لنفسك الآن ودقق الحساب على نفسك قبل أن يدقق عليك
فضيلة الإخلاص وحقيقته
قال الله تعالى ! < وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين > ! وقال تعالى ! < ألا لله الدين الخالص > ! وقال تعالى ! < إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله > ! وقال تعالى ! < فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا > ! وعن علي كرم الله وجهه لا تهتموا لقلة العمل واهتموا للقبول فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن
443
443
جبل أخلص العمل يجزك منه القليل وقال يعقوب المكفوف المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته
واعلم أن كل شيء يتصور أن يشوبه غيره فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سمي خالصا ويسمى الفعل المصفى المخلص إخلاصا والإخلاص يضاده الإشراك فمن ليس مخلصا فهو مشرك إلا أن الشرك درجات وقد جرى العرف على تخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب فإذا امتزج قصد التقرب بباعث آخر من رياء أو غيره من حظوظ النفس فقد خرج عن الإخلاص ومثاله أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب أو يحج ليصح مزاجه بحركة السفر أو ليتخلص من عدو له أو يصلي بالليل لغرض دنيوي أو يتعلم العلم أو يخدم العلماء والصوفية لذلك أو يعود مريضا ليعاد إذا مرض أو يشيع جنازة ليشيع جنائز أهله أو يفعل شيئا من ذلك ليعرف بالخير ويذكر به وينظر إليه بين الصلاح والوقار فمهما كان باعثه التقرب إلى الله تعالى ولكن انضاف إليه خطرة من هذه الخطرات حتى صار العمل أخف عليه بسبب هذه الأمور فقد خرج عمله عن حد الإخلاص وخرج عن أن يكون خالصا لوجه الله تعالى وتطرق إليه الشرك وبالجملة كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس ويميل إليه القلب قل أم كثر إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه وزال به إخلاصه فإن الخالص من العمل هو الذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من الله تعالى وهذا لا يتصور إلا من محب لله لم يبق لحب الدنيا في قلبه قرار ولذا كان علاج الإخلاص كسر حظوظ النفس وقطع الطمع عن الدنيا والتجرد للآخرة بحيث يغلب ذلك على القلب فإذ ذاك يتيسر الإخلاص وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه الله ويكون فيها مغرورا لأنه لا يرى وجه الآفة فيها فليكن العبد شديد التفقد والمراقبة لهذه الدقائق وإلا التحق بأتباع الشياطين وهو
444
444
لا يشعر
فضيلة الصدق ودرجاته
قال الله تعالى ! < رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه > ! وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا
والصدق درجات
الأولى صدق اللسان وحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه فلا يتكلم إلا بالصدق وكمال صدق القول الاحتراز عن المعاريض فقد قيل في المعاريض مندوحة عن الكذب وذلك لأنها تقوم مقام الكذب إلا أن ذلك مما تمس إليه الحاجة وتقتضيه المصلحة في بعض الأحوال وفي تأديب الصبيان والنسوان ومن يجري مجراهم وفي الحذر عن الظلمة وفي قتال الأعداء والاحتراز عن إطلاعهم على الأسرار فمن اضطر إلى شيء من ذلك فصدقه فيه أن يكون نطقه فيه لله فيما يأمره الحق به ويقتضيه الدين فإذا نطق به فهو صادق وإن كان كلامه مفهما غير ما هو عليه لأن الصدق ما أريد لذاته بل للدلالة على الحق والدعاء إليه فلا ينظر إلى صورته بل إلى معناه نعم في مثل هذا الموضع ينبغي أن يعدل إلى المعاريض ما وجد إليه سبيلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توجه إلى سفر ورى بغيره وذلك كي لا ينتهي الخبر إلى الأعداء فيقصد وليس هذا من الكذب في شيء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو أنمى خيرا ورخص في النطق على وفق المصلحة في ثلاثة مواضع من أصلح بين اثنين ومن كان له زوجتان ومن كان في مصالح الحرب والصدق ههنا يتحول إلى النية فلا يراعى فيه الإ صدق النية وإرادة الخير فمهما صح قصده وصدقت نيته وتجردت للخير إرادته صار صادقا وصديقا
445
445
كيفما كان لفظه ثم التعريض فيه أولى وطريقه ما حكي عن بعضهم أنه كان يطلبه بعض الظلمة وهو في داره فقال لزوجته خطي بأصبعك دائرة وضعي الأصبع على الدائرة وقولي ليس هو ههنا واحترز بذلك عن الكذب ودفع الظالم عن نفسه فكان قوله صدقا وأفهم الظالم أنه ليس في الدار وهذا الذي ذكرناه من الاحتراز عن صريح اللفظ وعن المعاريض إلا عند الضرورة هو الكمال الأول في صدق الأول وهناك كمال ثان وهو أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه كقوله ! < وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض > ! فإن قلبه إن كان منصرفا عن الله تعالى مشغولا بأماني الدنيا وشهواته فهو كذب وكقوله ! < إياك نعبد > ! وكقوله أنا عبد الله فإنه إذا لم يتصف بحقيقة العبودية وكان له مطلب سوى الله لم يكن كلامه صدقا ولو طولب يوم القيامة بالصدق في قوله أنا عبد الله لعجز عن تحقيقه فإنه إن كان عبدا لنفسه أو عبدا لدنيا أو عبدا لشهواته لم يكن صادقا في قوله وكل ما تقيد العبد به فهو عبد له كما قال صلى الله عليه وسلم تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم وعبد الخميصة سمى كل من تقيد قلبه بشيء عبدا له وإنما العبد الحق لله عز وجل من أعتق من غير الله تعالى واشتغل بالله وبمحبته وتقيد ظاهره وباطنه بطاعته فلا يكون له مراد إلا الله تعالى
الدرجة الثانية الصدق في النية والإرادة ويرجع ذلك إلى الإخلاص وهو أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى فإن مازجه شوب من حظوظ النفس بطل صدق النية
الثالثة صدق العزم وهو الجزم فيه بقوة والصادق فيه هو الذي تصادف عزيمته في الخيرات كلها قوة تامة ليس فيها ميل ولا ضعف ولا تردد بل تسخو نفسه أبدا بالعزم المصمم الجازم على الخيرات كمن يقول إن رزقني الله مالا تصدقت بشطره وإن أعطاني الله ولاية عدلت فيها ولم أعص الله تعالى بظلم وميل إلى خلق فصدق هذه العزيمة هو سخاء نفسه بما نوى
الرابعة في الوفاء بالعزم فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال إذ لا مشقة في
446
446
الوعد والعزم والمؤونة فيه خفيفة فإذا حقت الحقائق وحصل التمكن وهاجت الشهوات انحلت العزيمة وغلبت الشهوات ولم يتفق الوفاء بالعزم وهذا يضاد الصدق فيه ولذلك قال الله تعالى ! < رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه > ! فقد روي عن أنس أن عمه أنس بن النضر لم يشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك على قلبه وقال أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه أما والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع قال فشهد أحدا في العام القابل فاستقبله سعد بن معاذ فقال إلى أين فقال واها لريح الجنة إني أجد ريحها دون أحد فقاتل حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين رمية وضربة وطعنة فقالت أخته ما عرفت أخي إلا بثيابه فنزلت هذه الآية ! < رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه > !
وقال مجاهد رجلان خرجا على ملأ من الناس قعود فقالا إن رزقنا الله تعالى مالا لنصدقن فبخلوا به فنزلت ! < ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون > ! فجعل العزم عهدا وجعل الخلف فيه كذبا والوفاء به صدقا
الخامسة الصدق في الأعمال وهو أن يجتهد حتى لا تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو به فمن وقف على هيئة الخشوع في صلاته لا يرائي غيره ولكنه في الباطن قائم في السوق بين يدي شهوة من شهواته فهو كاذب بلسان الحال في عمله غير صادق فيه فالصدق فيه هو استواء السريرة والعلانية بأن يكون باطنه مثل ظاهره أو خيرا من ظاهره
447
447
( إذا السر والإعلان في المؤمن استوى
فقد عز في الدارين واستوجب الثنا )
( فإن خالف الإعلان سرا فماله
على سعيه فضل سوى الكد والعنا )
ثم درجات الصدق لا نهاية لها وقد يكون للعبد صدق في بعض الأمور دون بعض فإن كان صادقا في الجميع فهو الصديق حقا
448
448
كتاب المحاسبة والمراقبة
بيان لزوم المحاسبة
قال الله تعالى ! < ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين > ! وقال تعالى ! < ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا > ! وقال تعالى ! < يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد > ! وقال تعالى ! < يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره > ! وقال تعالى ! < ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون > ! وقال تعالى ! < يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه > ! وقال تعالى ! < واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه > !
449
استدل بذلك أرباب البصائر أن الله تعالى لهم بالمرصاد وأنهم سيناقشون في الحساب ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات فتحققوا أنهم لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات ومحاسبتها في الخطرات واللحظات فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه وحضر عند السؤال جوابه وحسن منقلبه ومآبه ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته وطالت في عرصات القيامة وقفاته وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته فحتم على كل حزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد فانقضاء هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل
بيان مشارطة النفس
إذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ قلبه لمشارطة النفس فيقول لها ما لي بضاعة إلا العمر ومهما فني فقد فني رأس المال ووقع اليأس عن التجارة وطلب الربح وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه وأنسأ في أجلي وأنعم علي به ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يوما واحدا حتى أعمل فيه صالحا فاحسبي أنك قد توفيت ثم قد رددت فإياك ثم إياك أن تضيعي هذا اليوم فإن كل نفس من الأنفاس جوهرة لا قيمة لها فلا تميلي إلى الكسل والدعة والاستراحة فيفوتك من درجات عليين ما يدركه غيرك وتبقى عندك حسرة لا تفارقك وإن دخلت الجنة فألم الغبن وحسرته لا يطاق وقد قال بعضهم هب أن المسيء قد عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين أشار به إلى الغبن والحسرة وقال الله تعالى ! < يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن > ! فهذه وصيته لنفسه في
450
450
أوقاته ثم ليستأنف لها وصية في أعضائه السبعة وهي العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل فيوصيها بحفظها عن معاصيها
أما العين فيحفظها عن النظر إلى وجه من ليس له بمحرم أو إلى عورة مسلم أو النظر إلى مسلم بعين الاحتقار ثم إذا صرفها عن هذا لم يقنع به حتى يشغلها بما فيه تجارتها وربحها وهو ما خلقت له من النظر إلى عجائب صنع الله بعين الاعتبار والنظر إلى أعمال الخير للاقتداء والنظر في كتاب الله وسنة رسوله ومطالعة كتب الحكمة للاتعاظ والاستفادة
وهكذا ينبغي أن يفصل الأمر عليها في عضو عضو لا سيما اللسان والبطن
أما اللسان فلأنه منطلق بالطبع ولا مؤونة عليه في الحركة وجنايته عظيمة بالغيبة والكذب والنميمة وتزكية النفس ومذمة الخلق والأطعمة واللعن والدعاء على الأعداء والمماراة في الكلام وغير ذلك مما ذكرناه في كتاب آفات اللسان فهو بصدد ذلك كله مع أنه خلق للذكر والتذكير وتكرار العلم والتعليم وإرشاد عبد الله إلى طريق الله وإصلاح ذات البين وسائر خيراته
وأما البطن فيكلفه ترك الشره وتقليل الأكل من الحلال واجتناب الشبهات ويمنعه من الشهوات وهكذا يشرط عليها في جميع الأعضاء واستقصاء ذلك يطول ولا تخفى معاصي الأعضاء وطاعتها ثم يستأنف وصيتها في وظائف الطاعات التي تتكرر عليه في اليوم والليلة وكيفية الاستعداد لها بأسبابها وكذا فيمن يشتغل بشيء من أعمال الدنيا من ولاية أو تجارة أو تدريس قلما يخلو يوم عن مهم جديد وواقعة جديدة يحتاج إلى أن يقضي حق الله فيها فعليه أن يشترط على نفسه الاستقامة فيها والانقياد للحق في مجاريها ويحذرها مغبة الإهمال ويعظها كما يوعظ العبد الآبق المتمرد فإن النفس بالطبع متمردة عن الطاعات مستعصية عن العبودية ولكن الوعظ والتأديب يؤثر فيها ! < وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين > !
451
451
فضيلة المراقبة
روي أن جبريل عليه السلام سأل النبي صلوات الله عليه عن الإحسان فقال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك وقد قال تعالى ! < أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت > ! وقال تعالى ! < ألم يعلم بأن الله يرى > ! وقال تعالى ! < إن الله كان عليكم رقيبا > ! وقال الله تعالى ! < والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم بشهاداتهم قائمون > ! وسئل بعضهم عن قوله تعالى ! < رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه > ! فقال معناه ذلك لمن راقب ربه عز وجل وحاسب نفسه وتزود لمعاده وقال رجل للجنيد بم أستعين على غض البصر فقال بعلمك أن نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه
حقيقة المراقبة
المراقبة هي ملاحظة الرقيب وانصراف الهم إليه ويعنى بها حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة وتثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح وفي القلب أما الحالة فهي مراعاة القلب للرقيب وملاحظته إياه وأما المعرفة فهي العلم بأن الله مطلع على الضمائر عالم بالسرائر رقيب على أعمال العباد قائم على كل نفس بما كسبت وأن سر القلب في حقه مكشوف كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف ثم للمراقب
452
452
في أعماله نظران نظر قبل العمل ونظر في العمل أما قبل العمل فلينظر همه وحركته أهي لله خاصة أو لهوى النفس ومتابعة الشيطان فيتوقف فيه ويتثبت حتى ينكشف له ذلك بنور الحق فإن كان لله تعالى أمضاه وإن كان لغير الله استحيا من الله وانكف عنه ثم لام نفسه على رغبته فيه وهمه به وميله إليه وعرفها سوء فعلها وأنها عدوة نفسها وأما النظر الثاني للمراقبة عند الشروع في العمل فذلك بتفقد كيفية العمل ليقضي حق الله فيه ويحسن النية في إتمامه ويتعاطاه على أكمل ما يمكنه
وهذا ملازم له في جميع أحواله لأنه لا يخلو إما أن يكون في طاعة أو في معصية أو في مباح فمراقبته في الطاعات بالإخلاص والإكمال ومراعاة الأدب وحراستها عن الآفات وإن كان في معصية فمراقبته بالتوبة والندم والإقلاع والحياء والاشتغال بالتفكير وإن كان في مباح فمراقبته بمراعاة الأدب ثم بشهود المنعم في النعمة وبالشكر عليها ولا يخلو العبد في جملة أحواله عن بلية لا بد له من الصبر عليها ونعمة لا بد له من الشكر عليها وكل ذلك من المراقبة بل لا ينفك العبد في كل حال من فرض الله تعالى عليه إما فعل يلزمه مباشرته أو محظور يلزمه تركه أو ندب حث عليه ليسارع به إلى مغفرة الله تعالى ويسابق به عباد الله أو مباح فيه صلاح جسمه وقلبه وفيه عون له على طاعته ولكل واحد من ذلك حدود لا بد من مراعاتها بدوام المراقبة ! < ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه > ! ومن كان فارغا من الفرائض وقدر على الفضائل فينبغي أن يلتمس أفضل الأعمال ليشتغل بها فإن من فاته مزيد ربح وهو قادر على دركه فهو مغبون والأرباح تنال بمزايا الفضائل
بيان محاسبة النفس بعد العمل
قال تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد > ! وهذه إشارة إلى المحاسبة على ما مضى من الأعمال وقال تعالى ! < وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون > ! والتوبة نظر في الفعل بعد الفراغ منه بالندم عليه وقال تعالى ! < إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون > !
453
وقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأستغفر الله تعالى وأتوب إليه في اليوم مائة مرة وقال عمر رضي الله عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وقال مالك بن دينار رحم الله عبدا قال لنفسه ألست صاحبة كذا ألست صاحبة كذا ثم ذمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان له قائدا إذا علمت هذا فينبغي أن يكون للمرء في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم حرصا منهم على الدنيا وكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة وقلة التوفيق ومعنى المحاسبة مع الشريك أن ينظر في رأس المال وفي الربح والخسران ليتبين له الزيادة من النقصان فإن كان من فضل حاصل استوفاه وشكره وإن كان من خسران طالبه بضمانه وكلفه تداركه في المستقبل فكذلك رأس مال العبد في دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل وخسرانه المعاصي وموسم هذه التجارة جملة النهار ومعاملة نفسه الأمارة بالسوء فليحاسبها على الفرائض أولا فإن أداها على وجهها شكر الله تعالى عليه ورغبها في مثلها وإن فوتها من أصلها طالبها بالقضاء وإن أداها ناقصة كلفها الجبران بالنوافل وإن ارتكب معصية اشتغل بعقوبتها ومعاتبتها ليستوفي منها ما يتدارك به ما فرط كما يصنع التاجر بشريكه وليتكفل بنفسه من الحساب ما سيتولاه غيره في صعيد القيامة
توبيخ النفس ومعاتبتها
اعلم أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك وقد خلقت أمارة بالسوء ميالة إلى الشر فرارة من الخير وأمرت بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها وخالقها ومنعها عن شهواتها وفطامها عن لذاتها فإن أهملتها جمحت وشردت ولم تظفر بها بعد ذلك وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة والعذل والملامة رجوت أن تصير النفس المطمئنة المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد الله راضية مرضية فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها قال الله تعالى ! < وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين > !
454
وسبيلك أن تقبل عليها فتقرر عندها جهلها وغباوتها وأنها أبدا تتعزز بفطنتها وهدايتها ويشتد أنفها واستنكافها إذا نسبت إلى الحمق فتقول لها يا نفس ما أعظم جهلك تدعين الحكمة والذكاء والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وحمقا أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار وأنك صائرة إلى إحداهما على القرب فمالك تشتغلين باللهو وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب وأن البعيد ليس بآت أما تتدبرين قوله تعالى ! < اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم > ! ويحك يا نفس إن كانت جراءتك على معصية الله لاعتقادك أن الله لا يراك فما أعظم كفرك وإن كان مع علمك باطلاعه عليك فما أشد وقاحتك وأقل حياءك
ويحك يا نفس لو واجهك عبد من عبيدك بل أخ من إخوانك بما تكرهينه كيف كان غضبك عليه ومقتك له فبأي جسارة تتعرضين لمقت الله وغضبه وشديد عقابه أفتظنين أنك تطيقين عذابه هيهات هيهات جربي نفسك إن ألهاك البطر عن أليم عذابه فاحتبسي ساعة في الشمس أو في بيت الحمام أو قربي أصبعك من النار ليتبين لك قدر طاقتك أم تغترين بكرم الله وفضله فما لك لا تعولين على كرم الله تعالى في مهمات دنياك فإذا أرهقتك حاجة إلى شهوة من شهوات الدنيا مما لا ينقضي إلا بالدينار والدرهم فما لك تنزعين الروح في طلبها وتحصيلها من وجوه الحيل فلم لا تعولين على كرم الله تعالى حتى يعثر بك على كنز أو يسخر عبدا من عبيده فيحمل إليك حاجته من غير سعي منك ولا طلب أفتحسبين أن الله كريم في الآخرة دون الدنيا وقد عرفت أن سنة الله لا تبديل لها وأن رب الآخرة والدنيا واحد وأن ليس للإنسان إلا ما سعى يا نفس أما تستعدين للشتاء بقدر طول مدته فتجمعين له القوت والكسوة والحطب وجميع الأسباب ولا تتكلين في ذلك على فضل الله وكرمه حتى يدفع عنك البرد من غير جبة ولبد وحطب وغير ذلك فإنه قادر على ذلك أفتظنين أن العبد ينجو بغير سعي هيهات كما لا يندفع برد الشتاء إلا بالجبة والنار وسائر الأسباب فلا يندفع حر النار وبردها إلا بحصن التوحيد وخندق الطاعات
455
455
وإنما كرم الله تعالى في أن عرفك طريق التحصن ويسر لك أسبابه لا في أن يدفع عنك العذاب دون حصنه انظري يا نفس بأي بدن تقفين بين يدي الله وبأي لسان تجيبين وأعدي للسؤال جوابا وللجواب صوابا واعملي بقية عمرك في أيام قصار لأيام طوال وفي دار زوال لدار مقامة وفي دار حزن ونصب لدار نعيم وخلود واعلمي أنه ليس للدين عوض ولا للإيمان بدل ولا للجسد خلف ومن كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن لم يسر فاتعظي يا نفس بهذه الموعظة واقبلي هذه النصيحة فإن من أعرض عن الموعظة فقد رضي بالنار
فهذه طريق القوم في معاتبة نفوسهم ومقصودهم منها التنبيه والاسترعاء ومن أهمل المعاتبة لم يكن لنفسه مراعيا ويوشك أن لا يكون الله عنه راضيا
456
456
كتاب التفكر
فضيلة التفكر
اعلم أنه قد أمر الله تعالى بالتفكر والتدبر في كتابه العزيز في مواضع لا تحصى وأثنى على المتفكرين فقال تعالى ! < الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا > ! وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما إن قوما تفكروا في الله عز وجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله وروي في السنة تفكر ساعة خير من عبادة سنة وقال حاتم من العبرة يزيد العلم ومن الذكر يزيد الحب ومن التفكر يزيد الخوف وقال الشافعي رحمه الله تعالى استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر ثم إن ثمرة الفكر هي العلم واستجلاب معرفة ليست حاصلة وإذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح فالفكر إذن هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها لأنه الذي ينقل من المكارة إلى المحاب ويهدي إلى استثمار العلوم ونتاج المعارف والفوائد
457
457
بيان مجاري الفكر
اعلم أن أنواع مجاري الفكر أربعة الطاعات والمعاصي والصفات المهلكات والصفات المنجيات
فأما المعاصي فينبغي أن يفتش الإنسان صبيحة كل يوم جميع أعضائه السبعة ثم بدنه هل هو في الحال ملابس لمعصية بها فيتركها أو لابسها بالأمس فيتداركها بالترك والندم أو هو متعرض لها في نهاره فيستعد للاحتراز والتباعد عنها فينظر في اللسان ويقول إنه متعرض للغيبة والكذب وتزكية النفس والاستهزاء بالغير والمماراة والممازحة والخوض فيما لا يعني إلى غير ذلك من المكاره فيقرر أولا في نفسه أنها مكروهة عند الله تعالى ويتفكر في شواهد القرآن والسنة على شدة العذاب فيها فيحترز منها ويتفكر في سمعه أنه يصغي به إلى الغيبة والكذب وفضول الكلام وإلى اللهو وأنه ينبغي أن يحترز عنه ويتفكر في بطنه أنه إنما يعصي الله تعالى فيه بالأكل والشرب إما بكثرة الأكل من الحلال وذلك مكروه عند الله وإما بأكل الحرام والشبهة فيتفكر في الاحتراز عن مداخله ويتفكر في طريق الحلال وموارده ويقرر على نفسه أن العبادات كلها ضائعة مع أكل الحرام وأن أكل الحلال هو أساس العبادات كلها فهكذا يتفكر في أعضائه حتى يحفظها
وأما الطاعات فينظر أولا في الفرائض المكتوبة عليه أنه كيف يؤديها وكيف يحرسها عن النقصان والتقصير أو كيف يجبر نقصانها بالنوافل
ثم يرجع إلى عضو فيتفكر في الأفعال التي تتعلق به مما يحبه الله تعالى فيقول إن العين خلقت للنظر في ملكوت السموات والأرض عبرة ولتستعمل في طاعة الله تعالى وتنظر في كتاب الله وسنة رسوله وأنا قادر على أن أشغل العين بمطالعة القرآن والسنة فلم لا أفعله وأنا قادر على أن أنظر إلى فلان المطيع بعين التعظيم فأدخل السرور على قلبه فلم لا أفعله وكذلك يقول في سمعه إني قادر على استماع كلام ملهوف أو استماع حكمة وعلم فمالي أعطله وقد أنعم الله علي به وأودعنيه لأشكره فمالي أكفر نعمة الله فيه بتضييعه وتعطيله وكذلك يتفكر في اللسان ويقول إني قادر على أن أتقرب إلى الله تعالى بالتعليم والوعظ والتودد إلى قلوب أهل الصلاح وبالسؤال عن أحوال الفقراء وإدخال السرور على قلب زيد الصالح وعمرو العالم بكلمة طيبة وكل كلمة طيبة فإنها صدقة وكذلك يتفكر في ماله فيقول أنا قادر على أن أتصدق بالمال الفلاني فإني مستغن عنه ومهما احتجت
458
458
إليه رزقني الله تعالى مثله وإن كنت محتاجا الآن فأنا إلى ثواب الإيثار أحوج مني إلى ذلك المال وهكذا يفتش عن جميع أعضائه وجملة بدنه وأمواله بل عن دوابه وأولاده فإن كل ذلك أدواته وأسبابه ويقدر على أن يطيع الله تعالى بها فيستنبط بدقيق الفكر وجوه الطاعات الممكنة بها ويتفكر فيما يرغبه في البدار إلى تلك الطاعات ويتفكر في إخلاص النية فيها وقس على هذا سائر الطاعات
وأما الصفات المهلكة التي محلها القلب فيعرفها مما تقدم وهي استيلاء الشهوة والغضب والبخل والكبر والعجب والرياء والحسد وسوء الظن والغفلة والغرور وغير ذلك ويتفقد من قلبه هذه الصفات ويتفكر في طريق العلاج لها مما سلف ذكره
وأما المنجيات فهي التوبة والندم على الذنوب والصبر على البلاء والشكر على النعماء والخوف والرجاء والزهد في الدنيا والإخلاص والصدق في الطاعات ومحبة الله وتعظيمه والرضا بأفعاله والشوق إليه والخشوع والتواضع له مما تقدم ذكره فيتفكر كل يوم في قلبه ما الذي يعوزه من هذه الصفات التي هي المقربة إلى الله تعالى فإذا افتقر إلى شيء منها فليعلم أنها أحوال لا يثمرها إلا علوم وأن العلوم لا يثمرها إلا أفكار فإذا أراد أن يكتسب لنفسه أحوال التوبة والندم فليفتش ذنوبه أولا وليتفكر فيها وليجمعها على نفسه وليعظمها في قلبه ثم لينظر في الوعيد والتشديد الذي ورد في الشرع فيها وليحقق عند نفسه أنه متعرض لمقت الله تعالى حتى ينبعث له حال الندم وإذا أراد أن يستثير من قلبه حال الشكر فلينظر في إحسان الله وأياديه عليه وفي إرساله جميل ستره عليه وإذا أراد حال المحبة والشوق فليتفكر في جلال الله وجماله وعظمته وكبريائه وذلك بالنظر في عجائب حكمته وبدائع صنعه وإذا أراد حال الخوف فلينظر أولا في ذنوبه الظاهرة والباطنة ثم لينظر في الموت وسكراته ثم فيما بعده من سؤال القبر وحياته وعقاربه وديدانه ثم في هول النداء عند نفخة الصور ثم في هول المحشر عند جميع الخلائق على صعيد واحد ثم في المناقشة في الحساب والمضايقة في النقير والقطمير ثم ليحضر في قلبه صورة جهنم وأهوالها وسلاسلها وأغلالها وزقومها وصديدها وأنواع العذاب
459
459
فيها وأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها وأنهم إذا رأوها من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وهلم جرا إلى جميع ما ورد في القرآن من شرحها وإذا أراد أن يستجلب حال الرجاء فلينظر إلى الجنة ونعيمها وأشجارها وحورها وولدانها ونعيمها المقيم وملكها الدائم فهكذا طريق الفكر الذي يطلب به العلوم التي تثمر اجتلاب أحوال محبوبة أو التنزه عن صفات مذمومة
وأما ذكر مجامع تلك الأحوال فلا يوجد فيه أنفع من قراءة القرآن بالتفكر فإن القرآن جامع لجميع المقامات والأحوال وفيه شفاء للعالمين فيه ما يورث الخوف والرجاء والصبر والشكر والمحبة والشوق وسائر الأحوال وفيه ما يزجر عن سائر الصفات المذمومة فينبغي أن يقرأه العبد ويردد الآية التي هو محتاج إلى التفكر فيها مرة بعد أخرى ولو مائة مرة فقراءة آية بتفكر وفهم خير من ختمة بغير تدبر وفهم فليتوقف في التأمل فيها ولو ليلة واحدة فإن تحت كل كلمة منها أسرارا لا تنحصر ولا يوقف عليها إلا بدقيق الفكر عن صفاء القلب بعد صدق المعاملة
460
460
وكذلك مطالعة أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قد أوتي جوامع الكلم وكل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكمة ولو تأملها العالم حق التأمل لم ينقطع فيها نظره طول عمره
بيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى
اعلم أن كل ما في الوجود مما سوى الله تعالى فهو فعل الله وخلقه وكل ذرة من الذرات ففيها عجائب وغرائب تظهر بها حكمة الله وقدرته وجلاله وعظمته وإحصاء ذلك غير ممكن فلنذكر من الموجودات ما يدرك بحس البصر فإنه الأقرب إلى الأفهام وذلك من الآيات التي حث على التفكر فيها القرآن الكريم
آية الإنسان
من آياته تعالى الإنسان المخلوق من النطفة وأقرب شيء إليك نفسك وفيك من العجائب الدالة على عظمة الله تعالى ما تنقضي الأعمار في الوقوف على عشر عشيره وأنت غافل عنه فيا من هو غافل عن نفسه وجاهل بها كيف تطمع في معرفة غيرك وقد أمرك الله تعالى بالتدبر في نفسك في كتابه العزيز فقال ! < وفي أنفسكم أفلا تبصرون > ! وذكر أنه مخلوق من نطفة قذرة فقال ! < قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره > ! وقال تعالى ! < ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون > ! وقال تعالى ! < ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى > ! وقال تعالى ! < ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم > ! ثم ذكر تعالى كيف جعل النطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظاما فقال تعالى ! < ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة > ! الآية فتكرير ذكر النطفة في الكتاب العزيز ليس ليسمع لفظه ويترك التفكر في معناه فانظر الآن إلى النطفة وهي قطرة من الماء قذرة
461
461
لو تركت ساعة ليضربها الهواء فسدت وأنتنت كيف أخرجها رب الأرباب من الصلب والترائب وكيف جمع بين الذكر والأنثى وألقى الألفة والمحبة في قلوبهم وكيف قادهم بسلسلة المحبة والشهوة إلى الاجتماع وكيف استخرج النطفة من الرجل بحركة الوقاع وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق وجمعه في الرحم ثم كيف خلق المولود من النطفة وسقاه بماء الحيض وغذاه حتى نما وكبر وكيف جعل النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ثم كيف جعلها مضغة ثم كيف قسم أجزاء النطفة وهي متشابهة متساوية إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم ثم كيف ركب من اللحوم والأعصاب والعروق الأعضاء الظاهرة فدور الرأس وشق السمع والبصر والأنف والفم وسائر المنافذ ثم مد اليد والرجل وقسم رؤوسها بالأصابع وقسم الأصابع بالأنامل ثم كيف ركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل واحد على شكل مخصوص ومقدار مخصوص لعمل مخصوص وفي آحاد هذه الأعضاء من العجائب والآيات ما لو ذهبنا إلى وصفها لانقضى فيها الأعمار
فانظر الآن إلى العظام وهي أجسام صلبة قوية كيف خلقها من نطفة سخيفة رقيقة ثم جعلها قواما للبدن وعمادا له ثم قدرها بمقادير مختلفة وأشكال مختلفة فمنه صغير وكبير وطويل ومستدير ومجوف ومصمت وعريض ودقيق ولما كان الإنسان محتاجا إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه مفتقرا للتردد في حاجاته لم يجعل عظمه عظما واحدا بل عظاما كثيرة بينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة وقدر شكل كل واحدة منها على وفق الحركة المطلوبة بها ثم وصل مفاصلها وربط بعضها ببعض بأوتار أنبتها من أحد طرفي العظم وألصقه بالعظم الآخر كالرباط له ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة منه وفي الآخر حفرا غائصة فيه موافقة لشكل الزوائد لتدخل فيها وتنطبق عليها فصار الإنسان إن أراد تحريك جزء من بدنه لم يمتنع عليه ولولا المفاصل لتعذر عليه ذلك ثم انظر كيف خلق عظام الرأس وكيف جمعها وركبها فألف بعضها إلى بعض بحيث استوى به كرة الرأس كما تراه فمنها ما يخص القحف واللحي الأعلى واللحي الأسفل
462
462
والبقية هي الأسنان بعضها عريضة تصلح للطحن وبعضها حادة تصلح للقطع وهي الأنياب والأضراس والثنايا ثم جعل الرقبة مركبا للرأس ثم ركب الرقبة على الظهر وركب الظهر من اسفل الرقبة إلى منتهى عظم العجز من أربع وعشرين خرزة ثم وصل عظام الظهر بعظام الصدر وعظام الكتف وعظام اليدين وعظام العانة وعظام العجز ثم عظام الفخذين والساقين وأصابع الرجلين وتعداد ذلك يطول فانظر كيف خلق جميع ذلك من نطفة سخيفة رقيقة والقصد أن ينظر في مدبرها وخالقها كيف قدرها وخالف بين أشكالها وخصصها بعددها المخصوص لأنه لو زاد عليها واحدا لكان وبالا على الإنسان يحتاج إلى قلعه ولو نقص منها واحدا لكان نقصانا يحتاج إلى جبره ثم أمر الأعصاب والعروق والأوردة والشرايين وعددها ومنابتها وانشعابها أعجب من هذا كله وشرحه يطول وكل ذلك صنع الله في قطرة ماء قذرة فترى من هذا صنعه في قطرة ماء فما صنعه في ملكوت السموات وكواكبها واختلاف صورها وتفاوت مشارقها ومغاربها فلا تظنن أن ذرة من ملكوت السموات تنفك عن حكمة وحكم بل هي أحكم خلقا وأتقن صنعا وأجمع للعجائب من بدن الإنسان بل لا نسبة لجميع ما في الأرض إلى عجائب السموات ولذلك قال تعالى ! < أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها > ! فارجع الآن إلى النطفة وتأمل حالها أولا وما صارت إليه ثانيا وتأمل أنه لو اجتمع الجن والإنس على أن يخلقوا للنطفة سمعا أو بصرا أو عقلا أو قدرة أو علما أو روحا أو يخلقوا فيها عظما أو عرقا أو عصبا أو جلدا أو شعرا هل يقدرون على ذلك بل لو أرادوا أن يعرفوا كنه حقيقته وكيفية خلقته بعد أن خلق الله تعالى ذلك لعجزوا عنه فالعجب منك لو نظرت إلى صورة تأنق النقاش في تصويرها لكثر تعجبك منه وأنت ترى النطفة القذرة كانت معدومة فخلقها خالقها في الأصلاب والترائب ثم أخرجها منها وشكلها فأحسن تشكيلها وقدرها فأحسن تقديرها وتصويرها وقسم أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة فأحكم العظام في أرجائها وحسن أشكال أعضائها وزين ظاهرها وباطنها ورتب عروقها وأعصابها وجعلها مجرى لغذائها ليكون ذلك سبب بقائها وجعلها سميعة بصيرة عالمة ناطقة وخلق لها الظهر أساسا لبدنها والبطن حاويا لآلات غذائها والرأس جامعا لحواسها ففتح العينين ورتب طبقاتها وأحسن شكلها ولونها وهيئتها ثم
463
463
حماها بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع الأقذاء عنها ثم أظهر في مقدار عدسة منها صورة السموات مع اتساع أكنافها وتباعد أقطارها فهو ينظر إليها ثم شق أذنيه وأودعهما ماء مرا ليحفظ سمعها ويدفع الهوام عنها وحوطها بصدفة الأذن لتجمع الصوت فترده إلى صماخها ولتحس بدبيب الهوام إليها وجعل فيها تحريفات واعوجاجات لتكثر حركة ما يدب فيها ويطول طريقه فيتنبه من النوم صاحبها إذا قصدها دابة في حال النوم ثم رفع الأنف من وسط الوجه وأحسن شكله وفتح منخريه وأودع فيه حاسة الشم ليستدل باستنشاق الروائح على مطاعمه وأغذيته وليستنشق بمنفذ المنخرين روح الهواء غذاء لقلبه وترويحا لحرارة باطنه وفتح الفم وأودعه اللسان ناطقا وترجمانا ومعربا عما في القلب وزين الفم بالأسنان ولتكون آلة الطحن والكسر والقطع فأحكم أصولها وحدد رؤوسها وبيض لونها ورتب صفوفها متساوية الرؤوس متناسقة الترتيب كأنها الدر المنظوم وخلق الشفتين وحسن لونها وشكلها لتنطبق على الفم فتسد منفذه وليتم بها حروف الكلام ثم خلق الحنجرة وهيأها لخروج الصوت وخلق للسان قدرة للحركات والتقطيعات لتقطع الصوت في مخارج مختلفة تختلف بها الحروف ليتسع بها طريق النطق بكثرتها ثم خلق الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوته والطول والقصر حتى اختلفت بسببها الأصوات فلا يتشابه صوتان بل يظهر بين كل صوتين فرقان حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت في الظلمة ثم زين الرأس بالشعر والأصداغ وزين الوجه باللحية والحاجبين وزين الحاجب برقة الشعر واستقواس الشكل وزين العينين بالأهداب ثم خلق الأعضاء الباطنة وسخر كل واحد لفعل مخصوص فسخر المعدة لنضج الغذاء والكبد لإحالة الغذاء إلى الدم والمثانة لقبول الماء حتى تخرجه في طريق الإحليل والعروق تخدم الكبد في إيصال الدم إلى سائر أطراف البدن ثم خلق اليدين وطولهما لتمتد إلى المقاصد وعرض الكف وقسم الأصابع الخمس وقسم كل أصبع بثلاث أنامل ووضع الأربع في جانب والإبهام في جانب لتدور الإبهام على الجميع وبهذا الترتيب صلحت اليد للقبض والإعطاء ثم خلق الأظفار على رؤوسها زينة للأنامل وعمادا لها من ورائها حتى لا تتقطع وليلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا تتناولها الأنامل وليحك بها بدنه عند الحاجة ثم هدى اليد إلى موضع الحك حتى تمتد إليه
464
464
ولو في النوم والغفلة من غير حاجة إلى طلب ولو استعان بغيره لم يعثر على موضع الحك إلا بعد تعب طويل ثم خلق هذا كله من النطفة وهي في داخل الرحم في ظلمات ثلاث فسبحانه ما أعظم شأنه وأظهر برهانه ثم انظر مع كمال قدرته إلى تمام رحمته فإنه لما ضاق الرحم عن الصبي لما كبر كيف هداه السبيل حتى تنكس وتحرك وخرج من ذلك المضيق وطلب المنفذ كأنه عاقل بصير بما يحتاج إليه ثم لما خرج واحتاج إلى الغذاء كيف هداه إلى التقام الثدي ثم لما كان بدنه سخيفا لا يحتمل الأغذية الكثيفة كيف دبر له في خلق اللبن اللطيف واستخرجه من بين الفرث والدم سائغا خالصا وكيف خلق الثديين وجمع فيهما اللبن وأنبت منها حلمتين على قدر ما ينطبق عليهما فم الصبي ثم فتح في حلمة الثدي ثقبا ضيقا جدا حتى لا يخرج اللبن منه إلا بعد المص تدريجا فإن الطفل لا يطيق منه إلا القليل ثم كيف هداه للامتصاص حتى يستخرج من ذلك المضيق اللبن الكثير عند شدة الجوع ثم انظر إلى عطفه ورحمته ورأفته كيف أخر خلق الأسنان إلى تمام الحولين لأنه في الحولين لا يتغذى إلا باللبن فيستغني عن السن وإذا كبر لم يوافقه اللبن السخيف ويحتاج إلى طعام غليظ ويحتاج الطعام إلى المضغ والطحن فأنبت له الأسنان عند الحاجة لا قبلها ولا بعدها فسبحانه كيف أخرج تلك العظام الصلبة في تلك اللثاث اللينة ثم حنن قلوب الوالدين عليه للقيام بتدبيره في الوقت الذي كان عاجزا عن تدبير نفسه فلو لم يسلط الله الرحمة على قلوبهما لكان الطفل أعجز الخلق عن تدبير نفسه ثم انظر كيف رزقه القدرة والتمييز والعقل والهداية تدريجا حتى بلغ وتكامل فصار مراهقا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا إما كفورا أو شكورا مطيعا أو عاصيا مؤمنا أو كافرا تصديقا لقوله تعالى ! < هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا > ! فانظر إلى اللطف والكرم ثم إلى القدرة والحكمة تبهرك عجائب الحضرة الربانية والعجب كل العجب ممن يرى خطا حسنا أو نقشا حسنا على حائط فيستحسنه فيصرف جميع همته إلى التفكر في النقاش والخطاط وأنه كيف نقشه وخطه وكيف اقتدر عليه ولا يزال يستعظمه في نفسه ويقول ما أحذقه
465
465
وما أكمل صنعته وأحسن قدرته ثم ينظر إلى هذه العجائب في نفسه وفي غيره ثم يغفل عن صانعه ومصوره فلا يدهشه عظمته ولا يحيره جلاله وحكمته
فهذه نبذة من عجائب بدنك التي لا يمكن استقصاؤها فهو أقرب مجال لفكرك وأجلى شاهد على عظمة خالقك وأنت غافل عن ذلك مشغول ببطنك وفرجك لا تعرف من نفسك إلا أن تجوع فتأكل وتشبع فتنام وتشتهي فتجامع وتغضب فتقاتل والبهائم تشاركك في معرفة ذلك وإنما خاصية الإنسان التي حجبت البهائم عنها معرفة الله تعالى بالنظر في ملكوت السموات والأرض وعجائب الآفاق والأنفس إذ بها يدخل العبد في زمرة الملائكة المقربين ويحشر في زمرة النبيين والصديقين مقربا من حضرة رب العالمين وليست هذه المنزلة للبهائم ولا لإنسان رضي من الدنيا بشهوات البهائم فإنه شر من البهائم بكثير إذ لا قدرة للبهيمة على ذلك وأما هو فقد خلق الله له القدرة ثم عطلها وكفر نعمة الله فيها فأولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا وإذا عرفت طريق الفكر في نفسك فتفكر في الأرض التي هي مقرك ثم في أنهارها وبحارها وجبالها ومعادنها ثم ارتفع منها إلى ملكوت السموات
آية الأرض
من آياته تعالى أن خلق الأرض فراشا ومهادا وسلك فيها سبلا فجاجا وجعلها ذلولا لتمشوا في مناكبها وجعلها قارة لا تتحرك وأرسى فيها الجبال أوتادا لها تمنعها من أن تميد ثم وسع أكنافها حتى عجز الآدميون عن بلوغ جميع جوانبها وقد أكثر تعالى في كتابه العزيز من ذكر الأرض ليتفكر في عجائبها فظهرها مقر الأحياء وبطنها مرقد الأموات قال الله تعالى ! < ألم نجعل الأرض > !
466
466
كفاتا أحياء وأمواتا ) فانظر إلى الأرض وهي ميتة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأخضرت وأنبتت عجائب النبات وخرجت منها أصناف الحيوانات ثم انظر كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب وكيف أودع المياه تحتها ففجر العيون وأسال الأنهار تجري على وجهها وأخرج من الحجارة اليابسة ومن التراب الكدر ماء رقيقا صافيا زلالا وجعل به كل شيء حي فأخرج به فنون الأشجار والنبات من حب وعنب وقضب وزيتون ونخل ورمان وفواكه كثيرة لا تحصى مختلفة الأشكال والألوان والطعوم والصفات والروائح يفضل بعضها على بعض في الأكل تسقى بماء واحد وتخرج من أرض واحدة فإن قلت إن اختلافها باختلاف بذورها وأصولها فمتى كان في النواة نخلة مطوقة بعناقيد الرطب ومتى كان في حبة واحدة سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ثم انظر إلى أرض البوادي وفتش ظاهرها وباطنها فتراها ترابا متشابها فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ألوانا مختلفة ونباتا متشابها وغير متشابه لكل واحد طعم وريح ولون وشكل يخالف الآخر فانظر إلى كثرتها واختلاف أصنافها وكثرة أشكالها ثم اختلاف طبائع النبات وكثرة منافعه وكيف أودع الله تعالى العقاقير المنافع الغريبة فهذا النبات يغذي وهذا يقوي وهذا يحيي وهذا يقتل وهذا يبرد وهذا يسخن وهذا يفرح وهذا ينوم فلم تنبت من الأرض ورقة ولا نبتة إلا وفيها منافع لا يقوى البشر على الوقوف على كنهها وكل واحد من هذا النبات يحتاج الفلاح في تربيته إلى عمل مخصوص ولو أردنا أن نذكر اختلاف أجناس النبات وأنواعه ومنافعه وأحواله وعجائبه لانقضت الأيام في
467
467
وصف ذلك فيكفيك من كل نبذة يسيرة تدل على طريق الفكر فهذه عجائب النبات
آية أصناف الحيوانات
اعلم أن من آياته تعالى أصناف الحيوانات وانقسامها إلى ما يطير وإلى ما يمشي وانقسام ما يمشي إلى ما يمشي على رجلين وعلى أربع وعلى عشر وعلى مائة كما يشاهد في بعض الحشرات ثم انقسامها في المنافع والصور والأشكال والأخلاق والطباع فانظر إلى طيور الجو وإلى وحوش البر وإلى البهائم الأهلية تر فيها من العجائب ما لا تشك معه في عظمة خالقها وقدرة مقدرها وحكمة مصورها وكيف يمكن أن يستقصى ذلك بل لو أردنا أ ن نذكر عجائب البقة أو النملة أو النحلة أو العنكبوت وهي من صغار الحيوانات في بنائها بيتها وفي جمعها غذاءها وفي إلفها لزوجها وفي ادخارها لنفسها وفي حذقها في هندسة بيتها وفي هدايتها إلى حاجاتها لم نقدر على ذلك وكل يشهد بشكله وصورته وحركته وهدايته وعجائب صنعته لفاطره الحكيم وخالقه القادر العليم فالبصير يرى في هذا الحيوان الصغير من عظمة الخالق المدبر وجلاله وكمال قدرته وحكمته ما تتحير فيه الألباب والعقول فضلا عن سائر الحيوانات
وهذا الباب أيضا لا حصر له فإن الحيوانات وأشكالها وطباعها غير محصورة وإنما سقط تعجب القلوب منها لأنسها بكثرة المشاهدة نعم إذا رأى حيوانا ولو دودا تجدد تعجبه وقال سبحان الله ما أعجبه والإنسان أعجب الحيوانات وليس يتعجب من نفسه بل لو نظر إلى الأنعام التي ألفها ونظر إلى أشكالها وصورها ثم إلى منافعها وفوائدها من جلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها التي جعلها الله لباسا لخلقه وأكنانا لهم في ظعنهم وإقامتهم وآنية لأشربتهم وأوعية لأغذيتهم وصوانا لأقدامهم وجعل ألبانها ولحومها أغذية لهم ثم جعل بعضها زينة للركوب وبعضها حاملة للأثقال قاطعة للبوادي والمفازات البعيدة لأكثر الناظر التعجب من حكمة خالقها ومصورها فإنه ما خلقها إلا بعلم محيط بجميع منافعها سابق على خلقه إياها فسبحان من الأمور مكشوفة في علمه من غير تفكر ومن غير
468
468
تأمل وتدبر ومن غير استعانة بوزير أو مشير فهو العليم الخبير الحكيم القدير فلقد استخرج بأقل القليل مما خلقه صدق الشهادة من قلوب العارفين بتوحيده فما للخلق إلا الإذعان لقهره وقدرته والاعتراف بربوبيته والإقرار بالعجز عن معرفة جلاله وعظمته فمن ذا الذي يحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وإنما غاية معرفتنا الاعتراف بالعجز عن معرفته فنسأل الله تعالى أن يكرمنا بهدايته بمنه ورأفته
آية البحار
من آياته تعالى البحار العميقة المكتنفة لأقطار الأرض وفيها من عجائب الحيوان والجواهر أضعاف ما تشاهده على وجه الأرض كما أن سعته أضعاف سعة الأرض أنظر كيف خلق الله اللؤلؤ ودوره في صدفه تحت الماء وانظر كيف أنبت المرجان من صم الصخور ثم تأمل ما عداه من العنبر وأصناف النفائس التي يقذفها البحر وتستخرج منه ثم انظر إلى عجائب السفن كيف أمسكها الله تعالى على وجه الماء وسير فيها التجار وطلاب الأموال وغيرهم وسخر لهم الفلك لتحمل أثقالهم
وأعجب من ذلك كله الماء ما هو أظهر من كل ظاهر وهو كيفية قطرة الماء وهو جسم رقيق لطيف سيال مشف متصل الأجزاء كأنه شيء واحد لطيف التركيب سريع القبول للتقطيع به حياة كل ما على وجه الأرض من حيوان ونبات فلو احتاج العبد إلى شربة ماء ومنع منها لبذل جميع خزائن الأرض وملك الدنيا في تحصيلها لو ملك ذلك ثم لو شربها ومنع من إخراجها لبذل جميع خزائن الأرض وملك الدنيا في إخراجها
فالعجب من الآدمي كيف يستعظم الدينار والدرهم ونفائس الجواهر ويغفل عن نعمة الله في شربة ماء إذا احتاج إلى شربها أو الاستفراغ عنها بذل جميع الدنيا فيها فتأمل في عجائب المياه والأنهار والآبار والبحار ففيها متسع للفكر ومجال وكل ذلك شواهد متظاهرة وآيات متناصرة ناطقة بلسان حالها مفصحة عن جلال بارئها معربة عن كمال حكمته
آية الهواء وعجائب الجو
ومن آياته تعالى الهواء اللطيف فإن شاء جعله نشرا بين يدي رحمته كما قال
469
469
سبحانه ! < وأرسلنا الرياح لواقح > ! فيصل بحركته روح الهواء إلى الحيوانات والنباتات فتستعد للنماء وإن شاء جعله عذابا على العصاة من خليقته كما قال تعالى ! < إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر > !
ثم انظر إلى عجائب الجو وما يظهر فيه من الغيوم والرعود والبروق والأمطار والثلوج والشهب والصواعق فهي عجائب ما بين السماء والأرض وقد أشار القرآن إلى جملة ذلك في قوله تعالى ! < وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين > ! وهذا هو الذي بينهما وأشار إلى تفصيله في مواضع شتى حيث قال تعالى ! < والسحاب المسخر بين السماء والأرض > ! وحيث تعرض للرعد والبرق والسحاب والمطر فتأمل السحاب الكثيف المظلم كيف تراه يجتمع في جو صاف لا كدورة فيه وكيف يخلقه الله تعالى إذا شاء ومتى شاء وهو مع رخاوته حامل للماء الثقيل وممسك له في جو السماء إلى أن يأذن الله في إرسال الماء وتقطيع القطرات حتى يصيب الأرض قطرة قطرة فلو اجتمع الأولون والآخرون على أن يخلقوا منها قطرة لعجزوا وكل ذلك من فضل الجبار القادر لا إله إلا هو
آية السموات
ومن آياته تعالى ملكوت السموات وما فيها من الكواكب وقد عظم الله تعالى أمر السموات والنجوم في كتابه فما من سورة إلا وتشتمل على تفخيمها في مواضع وكم من قسم في القرآن بها كقوله تعالى ! < والسماء والطارق > ! وقوله تعالى ! < فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم > ! وقد علمت أن عجائب النطفة القذرة عجز عن معرفتها الأولون والآخرون وما أقسم الله بها فما
470
470
ظنك بما أقسم الله تعالى به وأحال الأرزاق عليه وأضافها إليه فقال تعالى ! < وفي السماء رزقكم وما توعدون > ! وأثنى على المتفكرين فيه فقال ! < ويتفكرون في خلق السماوات والأرض > ! فارفع رأسك إلى السماء وانظر فيها وفي كواكبها وطلوعها وغروبها وشمسها وقمرها واختلاف مشارقها ومغاربها ودؤوبها في الحركة على الدوام من غير فتور في حركتها ومن غير تغير في سيرها بل تجري جميعا في منازل مرتبة بحساب مقدر لا يزيد ولا ينقص إلى أن يطويها الله تعالى طي السجل للكتب وتدبر كثرة كواكبها واختلاف ألوانها وكيفية أشكالها ثم انظر إلى مسير الشمس في فلكها في مدة سنة ثم هي تطلع في كل يوم وتغرب ولولا طلوعها وغروبها لما اختلف الليل والنهار ولم تعرف المواقيت ولأطبق الظلام على الدوام أو الضياء على الدوام فكان لا يتميز وقت المعاش عن وقت الاستراحة وانظر إلى إيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل وإدخاله الزيادة والنقصان عليهما على ترتيب مخصوص وانظر كيف أمسكها من غير عمد ترونها ومن غير علاقة من فوقها وعجائب السموات لا مطمع في إحصاء عشر عشير جزء من أجزائها وإنما هذا تنبيه على طريق الفكر وعلى الجملة فما من كوكب من الكواكب إلا ولله تعالى فيه حكم كثيرة وكل العالم كبيت واحد والسماء سقفه فالعجب منك أنك تدخل بيت غني فتراه مزوقا بالصبغ مموها بالذهب فلا ينقطع تعجبك منه ولا تزال تذكره وتصف حسنه طول عمرك وأنت أبدا تنظر إلى هذا البيت العظيم وإلى أرضه وإلى سقفه وإلى هوائه وإلى عجائب أمتعته وغرائب حيواناته ثم لا تتحدث فيه ولا تلتفت بقلبك إليه ليس لك هم إلا شهوتك اشتغلت بأنواع الغرور وغفلت عن النظر في جمال ملكوت السموات والأرض فاستكثر من معرفة عجيب صنع الله تعالى لتكون معرفتك بجلاله وعظمته أتم والله الملهم
471
471
كتاب ذكر الموت وما بعده
فضيلة ذكر الموت
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أكثروا من ذكر هاذم اللذات وعنه صلوات الله عليه أكثروا من ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا وعنه عليه الصلاة والسلام كفى بالموت واعظا وعنه أكيس الناس أكثرهم ذكرا للموت وأشدهم استعدادا له أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة
وعن مطرف بن عبد الله قال إن هذا الموت قد نغص على أهل النعيم نعيمهم فاطلبوا نعيما لا موت فيه
واعلم أن المنهمك في الدنيا المكب على غرورها المحب لشهواتها يغفل قلبه لا
472
472
محالة عن ذكر الموت فلا يذكره وإذا ذكر به كرهه ونفر منه أولئك هم الذين قال الله فيهم ! < قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون > ! ثم الناس إما منهمك وإما تائب مبتدئ وإما عارف منته
أما المنهمك فلا يذكر الموت وإن ذكره فيذكره للتأسف على دنياه ويشتغل بمذمته وهذا يزيده ذكر الموت من الله بعدا
وأما التائب فإنه يكثر من ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف والخشية فيفي بتمام التوبة
وأما العارف فإنه يذكر الموت دائما لأنه موعد للقائه لحبيبه والمحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب
ثم إن أنجع طريق في ذكر الموت أن يكثر ذكر أشكاله وأقرانه الذين مضوا قبله فيتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم ويتأمل كيف محا التراب الآن حسن صورهم وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم وانقطعت آثارهم وأنه مثلهم وستكون عاقبته كعاقبتهم فملازمة هذه الأفكار مع دخول المقابر ومشاهدة المرضى هو الذي يجدد ذكر الموت في القلب فيستعد له ويتجافى عن دار الغرور ومهما طاب قلبه بشيء من الدنيا ينبغي أن يتذكر في الحال أنه لا بد من مفارقته نظر ابن مطيع ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها ثم بكى فقال والله لولا الموت لكنت بك مسرورا ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى رحمه الله تعالى
فضيلة قصر الأمل
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وخذ من حياتك لموتك ومن صحتك لسقمك وعن
473
473
علي رضي الله عنه رفعه إن أشد ما اخاف عليكم خصلتان اتباع الهوى وطول الأمل فأما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق وأما طول الأمل فإنه الحب للدنيا
وسبب طول الأمل حب الدنيا والأنس بها والجهل باستبعاد الموت فجأة ولا يدري أن ذلك غير بعيد فإن الموت لا وقت له من شباب وشيب وكهولة ومن صيف وشتاء وخريف وربيع ومن ليل ونهار فلا يقدر نزول الموت به مع رؤياه من مات بين يديه ولا يقدر أن تشيع جنازته وهو لا يزال يشيع الجنائز فما أغفله وما أجهله فسبيله أن يقيس نفسه بغيره ويعلم أنه لا بد وأن تحمل جنازته ويدفن في قبره ولا علاج لذلك إلا الإيمان باليوم الآخر وبما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب فمهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا فإن حب الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير
المبادرة إلى العمل وحذر آفة التأخير
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك وقال صلى الله عليه وسلم نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ أي إنه لا يغتنمهما ثم يعرف قدرهما عند زوالهما وكان الحسن يقول في موعظته المبادرة المبادرة فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله عز وجل رحم الله امرأ نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه ثم قرأ هذه الآية ! < إنما نعد لهم عدا > ! يعني الأنفاس آخر العدد خروج نفسك آخر العدد فراق أهلك آخر العدد دخولك في قبرك
وسبب التأخير هو الأنس بالدنيا وشهواتها والتسويف فلا يزال يسوف ويؤخر ولا يخوض في شغل إلا ويتعلق بإتمام ذلك الشغل عشرة أشغال أخر وهكذا على
474
474
التدرج يؤخر يوما بعد يوم ويفضي به شغل إلى شغل بل إلى أشغال إلى أن تخطفه المنية في وقت لا يحتسبه فتطول عند ذلك حسرته وأكثر أهل النار وصياحهم من سوف يقولون واحزناه من سوف والمسوف المسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم هو معه غدا وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخا ويظن أنه يتصور أن يكون للخائض في الدنيا فراغ قط هيهات فما يفرغ منها إلا من اطرحها
( فما قضى أحد منها لبانته
وما انتهى أرب إلا إلى أرب )
نساله تعالى أن لا يجعل لنا بعد الموت حسرة إنه سميع الدعاء
بيان سكرة الموت والاعتبار بالجنائز وزيارة القبور
اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها لكان جديرا بأن يتنغص عليه عيشه ويتكدر عليه سروره ويفارقه سهوه وغفلته وحقيقا بأن يطول فيه فكره ويعظم له استعداده لا سيما وهو في كل نفس بصدده كما قال بعض الحكماء كرب بيد سواك لا تدري متى يغشاك
واعلم أن الجنائز عبرة للبصير وفيها تنبيه وتذكير لا لأهل الغفلة فإنها لا تزيدهم مشاهدتها إلا قسوة لأنهم يظنون أنهم أبدا إلى جنازة غيرهم ينظرون ولا يحسبون أنهم لا محالة على الجنائز يحملون أو يحسبون ذلك ولكنهم على القرب لا يقدرون ولا يتفكرون أن المحمولين على الجنائز هكذا يحسبون فبطل حسبانهم وانقرض على القرب زمانهم فلا ينظر عبد إلى جنازة إلا ويقدر نفسه محمولا عليها فإنه محمول عليها على القرب وكأن قد ولعله في غد أو بعد غد قال ثابت البناني كنا نشهد الجنائز فلا نرى إلا متقنعا باكيا فهكذا كان خوفهم من الموت والآن لا ننظر إلى جماعة يحضرون جنازة إلا وأكثرهم يضحكون ويلهون ولا يتكلمون إلا في ميراثه وما خلفه لورثته ولا يتفكر أقرانه وأقاربه إلا في الحيلة التي بها يتناول بعض ما خلفه ولا يتفكر واحد منهم إلى ما شاء الله في جنازة نفسه وفي حاله إذا حمل عليها ولا سبب لهذه الغفلة إلا قسوة القلوب بكثرة المعاصي والذنوب حتى
475
475
نسينا الله تعالى واليوم الآخر والأهوال التي بين أيدينا فصرنا نلهو ونغفل ونشتغل بما لا يعنينا فنسأل الله تعالى اليقظة من هذه الغفلة
فمن آداب حضور الجنازة التفكر والتنبه والاستعداد و المشي أمامها على هيئة التواضع ومن آدابه حسن الظن بالميت وإن كان فاسقا وإساءة الظن بالنفس وإن كان ظاهرها الصلاح فإن الخاتمة مخطرة لا يدرى حقيقتها
وأما زيارة القبور فهي مستحبة على الجملة للتذكر والاعتبار وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ثم أذن في ذلك بعد وأما النساء فلا يفي خير زيارتهن بشرها لأنهن يكثرن الهجر على رؤوس المقابر ولا يخلون في الطريق عن تكشف وتبرج وهذه عظائم والزيارة سنة فكيف يحتمل ذلك لأجلها نعم لا بأس بخروج المرأة في ثياب بذلة ترد أعين الرجال عنها وذلك بشرط الاقتصار على الدعاء وترك الحديث على رأس القبر
والمستحب في زيارة القبور أن يقف مستدبر القبلة مستقبلا لوجه الميت وأن يسلم ولا يمسح القبر ولا يمسه ولا يقبله فإن ذلك من عادة النصارى قال نافع كان ابن عمر رأيته مائة مرة أو أكثر يجيء إلى القبر فيقول السلام على النبي السلام على أبي بكر السلام على أبي وينصرف وكان بعض السلف إذا وقف على باب المقابر يقول آنس الله وحشتكم ورحم غربتكم وتجاوز عن سيئاتكم وقبل الله حسناتكم فالمقصود من زيارة القبور للزائر الاعتبار بها وللمزور الانتفاع بدعائه فلا ينبغي أن يغفل الزائر عن الدعاء لنفسه وللميت ولا عن الاعتبار به وإنما يحصل له الاعتبار به بأن يتصور في قلبه الميت كيف تفرقت أجزاؤه وكيف يبعث من قبره وأنه على القرب سيلحق به ويستحب الثناء على الميت وأن لا يذكر إلا بالجميل قال صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا
بيان المأثور عند موت الولد
حق على من مات ولده أو قريب من أقاربه أن ينزله في تقدمه عليه في الموت
476
476
منزلة ما لو كان في سفر فسبقه الولد إلى البلد الذي هو مستقره ووطنه فإنه لا يعظم عليه تأسفه لعلمه أنه لاحق به على القرب وليس بينهما إلا تقدم وتأخر وهكذا الموت فإن معناه السبق إلى الوطن إلى أن يلحق المتأخر وإذا اعتقد هذا قل جزعه وحزنه لا سيما وقد ورد في موت الولد من الثواب ما يعزى به كل مصاب فعن أبي هريرة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه خلفي وإنما ذكر السقط تنبيها بالأدنى على الأعلى وإلا فالثواب على قدر محل الولد من القلب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار فقالت امرأة أو اثنان يا رسول الله قال أو اثنان وليخلص الوالد الدعاء لولده عند الموت فإنه أرجى دعاء وأقربه إلى الإجابة وقف أبو سنان على قبر ابنه فقال اللهم إني قد غفرت له ما وجب لي عليه فاغفر له ما وجب لك عليه فإنك أجود وأكرم ووقف أعرابي على قبر ابنه فقال اللهم إني قد وهبت له ما قصر فيه من بري فهب له ما قصر فيه من طاعتك وينبغي أن يتذكر عند موت الولد الفجائع الكبرى ليتسلى بها عن شدة الجزع فما من مصيبة إلا ويتصور ما هو أعظم منها وما يدفعه الله في كل حال فهو الأكثر
ذكرى ما بعد الموت من البرزخ وأهوال القيامة
كما أن للموت شدة في أحواله وسكراته وخطرا في خوف العاقبة كذلك الخطر في مقاساة ظلمة القبر وديدانه ثم لمنكر ونكير وسؤالهما ثم لعذاب القبر وخطره إن كان مغضوبا عليه وأعظم من ذلك كله الأخطار التي بين يديه من نفخ الصور
477
477
والبعث يوم النشور والعرض على الجبار والسؤال عن القليل والكثير ونصب الميزان لمعرفة المقادير ثم جواز الصراط ثم انتظار النداء عند فصل القضاء إما بالإسعاد وإما بالإشقاء فهذه أحوال وأهوال لا بد لك من معرفتها ثم الإيمان بها على سبيل الجزم والتصديق ثم تطويل الفكر في ذلك لينبعث من قلبك دواعي الاستعداد لها وأكثر الناس لم يدخل الإيمان باليوم الآخر صميم قلوبهم ولم يتمكن من سويداء أفئدتهم ويدل على ذلك شدة تشمرهم واستعدادهم لحر الصيف وبرد الشتاء وتهاونهم بحر جهنم وزمهريرها مع ما تكتنفه من المصاعب والأهوال بل إذا سئلوا عن اليوم الآخر نطقت به ألسنتهم ثم غفلت عنه قلوبهم ومن أخبر بأن ما بين يديه من الطعام مسموم فقال لصاحبه الذي أخبره صدقت ثم مد يده لتناوله كان مصدقا بلسانه ومكذبا بعمله وتكذيب العمل أبلغ من تكذيب اللسان فمثل نفسك وقد بعثت من قبرك مبهوتا من شدة الصعقة شاخص العين نحو النداء وقد ثار الخلق ثورة واحدة من القبور التي طال فيها بلاهم وقد أزعجهم الرعب مضافا إلى ما كان عندهم من الهموم والغموم وشدة الانتظار لعاقبة الأمر كما قال الله تعالى ! < ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون > ! فتفكر في الخلائق وذلهم وانكسارهم واستكانتهم انتظارا لما يقضى عليهم من سعادة أو شقاوة وأنت فيما بينهم منكسر كانكسارهم متحير كتحيرهم فكيف حالك وحال قلبك هنالك وقد بدلت الأرض غير الأرض والسموات وطمس الشمس والقمر وأظلمت الأرض واشتبك الناس وهم حفاة عراة مشاة وازدحموا في الموقف شاخصة أبصارهم منفطرة قلوبهم فتأمل يا مسكين في طول هذا اليوم وشدة الانتظار فيه والخجلة والحياء من الافتضاح عند العرض على الجبار تعالى وأنت عار مكشوف ذليل متحير مبهوت منتظر لما يجري عليك القضاء بالسعادة أو بالشقاوة وأعظم بهذه الحال فإنها عظيمة واستعد لهذا اليوم العظيم شأنه القاهر سلطانه القريب أوانه يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت ! < وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد > ! يوم ترى السماء فيه قد
478
478
انفطرت والكواكب من هوله قد انتثرت والنجوم الزواهر قد انكدرت والشمس قد كورت والجبال قد سيرت والعشار قد عطلت والوحوش قد حشرت والبحار قد سجرت والنفوس إلى الأبدان قد زوجت والجحيم قد سعرت والجنة قد أزلفت
وقد وصف الله بعض دواهي يوم القيامة وأكثر من أساميه لتقف بكثرة أساميه على كثرة معانيه فليس المقصود بكثرة الأسامي تكرير الأسامي والألقاب بل الغرض تنبيه أولي الألباب فتحت كل اسم من أسماء القيامة سر وفي كل نعت من نعوتها معنى فاحرص على معرفة معانيها فمن أساميها يوم القيامة ويوم الحسرة ويوم الندامة ويوم المحاسبة ويوم الزلزلة ويوم الصاعقة ويوم الواقعة ويوم القارعة ويوم الغاشية ويوم الراجفة ويوم الحاقة ويوم الطامة ويوم الصاخة
479
479
ويوم التلاق ويوم التناد ويوم الجزاء ويوم الوعيد ويوم العرض ويوم الوزن ويوم الفصل ويوم الجمع ويوم البعث ويوم الخزي ويوم عسير ويوم الدين ويوم النشور ويوم الخلود ويوم لا ريب فيه ويوم لا تجزي
480
480
نفس عن نفس شيئا ويوم تشخص فيه الأبصار ويوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم
فالويل كل الويل للغافلين يرسل الله لنا سيد المرسلين وينزل عليه الكتاب المبين ويخبرنا بهذه الصفات من نعوت يوم الدين ثم يعرفنا غفلتنا ويقول ! < اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم > ! ثم يعرفنا قرب القيامة فيقول ! < اقتربت الساعة وانشق القمر > ! ! < إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا > ! ! < وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا > ! ثم يكون أحسن أحوالنا أن نتخذ دراسة هذا القرآن عملا فلا نتدبر معانيه ولا ننظر في كثرة أوصاف هذا اليوم وأساميه ولا نستعد للتخلص من دواهيه فنعوذ بالله من هذه الغفلة إن لم يتداركنا الله بواسع رحمته
صفة السؤال
ثم تفكر يا مسكين بعد هذه الأحوال فيما يتوجه عليك من السؤال شفاها من غير ترجمان فتسأل عن القليل والكثير والنقير والقطمير فبينا أنت في كرب القيامة وعرقها وشدة عظائمها إذ نزلت ملائكة من أرجاء السماء إلى موقف العرض على الجبار فيقومون صفا صفا محدقين بالخلائق من الجوانب وينادون واحدا بعد واحد فعند ذلك ترتعد الفرائص وتضطرب الجوارح وتبهت العقول ويتمنى أقوام أن يذهب بهم إلى النار ولا تعرض قبائح أعمالهم على الجبار ولا يكشف سترهم على ملأ الخلائق وقبل الابتداء بالسؤال يظهر نور العرش ! < وأشرقت الأرض بنور ربها > !
481
) وأيقن قلب كل عبد بإقبال الجبار لمساءلة العباد وظن كل واحد أنه ما يراه أحد سواه وأنه المقصود بالأخذ والسؤال دون من عداه فيبدأ سبحانه بالأنبياء ! < يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب > ! فيا لشدة يوم تذهل فيه عقول الأنبياء من شدة الهيبة ثم يؤخذ واحد واحد فيسأله الله تعالى شفاها عن قليل عمله وكثيره وعن سره وعلانيته وعن جميع جوارحه وأعضائه فكيف ترى حياءك وخجلتك وهو يعد عليك إنعامه ومعاصيك وأياديه ومساويك فإن أنكرت شهدت عليك جوارحك وأنت بقلب خافق وطرف خاشع وأعطيت كتابك الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فكم من فاحشة نسيتها فتذكرتها وكم من طاعة غفلت عن آفاتها فانكشف لك عن مساويها فليت شعري بأي قدم تقف بين يديه وبأي لسان تجيب وبأي قلب تعقل ما تقول وفي الخبر لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن أربع خصال عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وماذا عمل فيما علم فأعظم يا مسكين بحياتك عند ذلك وبخطرك ثم لا تغفل عن الفكر في الميزان وتطاير الكتب إلى الشمائل والأيمان ! < فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية > !
صفة الخصماء ورد المظالم
اعلم أنه لا ينجو من خطر الميزان إلا من حاسب في الدنيا نفسه ووزن فيها بميزان الشرع أعماله وأقواله وخطراته ولحظاته وإنما حسابه لنفسه أن يتوب عن كل معصية قبل أن يموت توبة نصوحا ويتدارك ما فرط من تقصيره في فرائض الله تعالى ويرد المظالم حبة بعد حبة حتى يموت ولم يبق عليه مظلمة ولا فريضة فهذا يدخل الجنة بغير حساب وإن مات قبل رد المظالم أحاط به خصماؤه فهذا يأخذ بيده
482
482
وهذا يقبض على ناصيته وهذا يقول ظلمتني وهذا يقول شتمتني وهذا يقول استهزأت بي وهذا يقول جاورتني فأسأت جواري وهذا يقول عاملتني فغششتني وهذا يقول أخفيت عيب سلعتك عني وهذا يقول كذبت في سعر متاعك وهذا يقول رأيتني محتاجا وأنت غني فما أكرمتني وهذا يقول وجدتني مظلوما وكنت قادرا على دفع الظلم عني فما راعيتني فبينما أنت كذلك وقد أنشبت الخصماء فيك مخالبهم وأنت مبهوت متحير من كثرتهم إذ قرع سمعك نداء الجبار جل جلاله ! < اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم > ! فعند ذلك ينخلع قلبك وتتذكر ما أنذرك الله على لسان رسوله حيث قال ! < ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء > ! فما أشد ترحك اليوم بتمضمضك بأعراض الناس وتناولك أموالهم وما أشد حسراتك في ذلك اليوم إذا وقف بك على بساط العدل وكشف عن فضائحك ومساويك فاحذر من التعرض لسخط الله وعقابه الأليم واستقم على صراطه المستقيم فمن استقام في هذا العالم على الصراط المستقيم خف على صراط الآخرة ونجا ومن عدل عن الاستقامة في الدنيا وأثقل ظهره بالأوزار وعصى تعثر في أول قدم من الصراط وتردى
القول في أهوال جهنم وقانا الله عذابها
يا أيها الغافل عن نفسه المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدنيا المشرفة على الانقضاء والزوال دع التفكر فيما أنت مرتحل عنه واصرف الفكر إلى موردك فإنك أخبرت بأن النار مورد للجميع إذ قال سبحانه ! < وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا > ! فأنت من الورود على يقين ومن النجاة في شك فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد فعساك تستعد للنجاة منه وتأمل في حال الخلائق وقد قاسوا من
483
483
دواهي القيامة ما قاسوا فبينما هم في كربها وأهوالها وقوفا ينتظرون حقيقة أنبائها وتشفيع شفعائها إذ أحاطت المجرمين ظلمات ذات شعب وأظلت عليهم نار ذات لهب وسمعوا لها زفيرا يفصح عن شدة الغيظ و الغضب فعند ذلك أيقن المجرمون بالعطب وجثت الأمم على الركب حتى أشفق البرءاء من سوء المنقلب فهناك تسوق الزبانية المجرمين إلى العذاب الشديد وينكسونه في قعر الجحيم ويقولون له ! < ذق إنك أنت العزيز الكريم > ! فاسكنوا دارا يخلد فيها الأسير ويوقد فيها السعير شرابهم فيها الحميم ومستقرهم الجحيم شدت أقدامهم إلى النواصي واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي ينادون من أكنافها ويصيحون في نواحيها وأطرافها يا مالك قد نضجت منا الجلود يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود فتقول الزبانية هيهات لات حين أمان ولا خروج لكم من دار الهوان فاخسؤوا فيها ولاتكلمون ولو أخرجتم منها لكنتم إلى ما نهيتم عنه تعودون فعند ذلك يقنطون وعلى ما فرطوا في جنب الله يتأسفون ولا ينجيهم الندم ولا يغنيهم الأسف يدعون بالويل والثبور وتغلي بهم النار كغلي القدور تهشم بمقامع الحديد جباههم فيتفجر الصديد من أفواههم وهم مع ذلك يتمنون الموت فلا يموتون فكيف بك لو نظرت إليهم وقد اسودت وجوههم أشد سواد من الحميم وأعميت أبصارهم وأبكمت ألسنتهم وكسرت عظامهم ومزقت جلودهم ولهيب النار سار في بواطن أجزائهم وحيات
484
484
الهاوية وعقاربها متشبثة بظواهر أعضائهم هذا بعض جملة أحوالهم وانظر إلى تفاوت الدركات فإن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا فكما أن إكباب الناس على الدنيا يتفاوت فمن منهمك مستكثر كالغريق فيها ومن خائض فيها إلى حد محدود فكذلك تناول النار لهم متفاوت فإن الله لا يظلم مثقال ذرة فلا تترادف أنواع العذاب على كل من في النار كيفما كان بل لكل واحد حد معلوم على قدر عصيانه وذنبه إلا أن أقلهم عذابا لو عرضت عليه الدنيا لافتدى بها من شدة ما هو فيه فيا لحسرة هؤلاء وقد بلوا بما بلوا به ولم يبق معهم شيء من نعيم الدنيا ولذاتها
فانظر يا مسكين في هذه الأهوال والعجب منك حيث تضحك وتلهو وتشتغل بمحقرات الدنيا ولست تدري بماذا سبق القضاء في حقك فإن قلت فليت شعري ماذا موردي وإلى ماذا مآلي ومرجعي وما الذي سبق به القضاء في حقي فلك علامة تستأنس بها وتصدق رجاءك بسببها وهو أن تنظر إلى أحوالك وأعمالك فإن كلا ميسر لما خلق له فإن كان قد يسر لك سبيل الخير فأبشر فإنك مبعد عن النار وإن كنت لا تقصد خيرا إلا وتحيط بك العوائق فتدفعه ولا تقصد شرا إلا ويتيسر لك أسبابه فاعلم أنك مقضي عليك فإن دلالة هذا على العاقبة كدلالة المطر على النبات ودلالة الدخان على النار فقد قال الله تعالى ! < إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم > ! فاعرض نفسك على الآيتين وقد عرفت مستقرك من الدارين
صفة الجنة وأصناف نعيمها
اعلم أن تلك الدار التي عرفت همومها وغمومها يقابلها دار أخرى فتأمل في نعيمها وسرورها فإن من بعد من إحداهما استقر لا محالة في الأخرى فسق نفسك بسوط التقوى لتنال الملك العظيم وتسلم من العذاب الأليم فتفكر في أهل الجنة وفي وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم جالسين على منابر الياقوت متكئين على أرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر والعسل محفوفة
485
485
بالغلمان والولدان مزينة بالحور العين من الخيرات الحسان كأنهن الياقوت والمرجان لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ينظرون فيها إلى وجه الملك الكريم وقد أشرقت في وجوههم نضرة النعيم وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون لا يخافون فيها ولا يحزنون ومن ريب المنون آمنون فيا عجبا لمن يؤمن بدار هذه صفتها ويوقن بأنه لا يموت أهلها ولا تحل الفجائع بمن نزل بفنائها كيف يأنس ويتهنأ بعيش دونها والله لو لم يكن فيها إلا سلامة الأبدان مع الأمن من الموت والجوع والعطش وسائر أصناف الحدثان لكان جديرا بأن يهجر الدنيا بسببها وأن لا يؤثر عليها ما التصرم والتنغص من ضرورته كيف وأهلها ملوك آمنون وفي أنواع السرور ممتعون لهم فيها كل ما يشتهون وإلى وجه الله الكريم ينظرون وينالون بالنظر من الله ما لا ينظرون معه إلى سائر نعيم الجنان ومهما أردت أن تعرف صفة الجنة فاقرأ القرآن فليس وراء بيان الله تعالى بيان وأقرأ قوله تعالى ! < ولمن خاف مقام ربه جنتان > ! إلى آخر سورة الرحمن واقرأ سورة الواقعة وسورة الإنسان وغيرها من السور ففيها ما يدلك على أن ثمة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كما ورد في الأثر ويكفي من الاطلاع على جملتها ما بينا وقد ورد في تفصيل صفاتها كثير من الأخبار المدونة في الأسفار الكبار واعلم أن درجات الآخرة متفاوتة فإن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا وكما أن بين الناس في الطاعات الظاهرة والأخلاق الباطنة المحمودة تفاوتا ظاهرا فكذلك فيما يجازون به تفاوت ظاهر فإن كنت تطلب أعلى الدرجات فاجتهد أن لا يسبقك أحد بطاعة الله تعالى فقد أمرك الله بالمسابقة والمنافسة فيها فقال تعالى ! < وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين > !
486
وقال تعالى ! < إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون > !
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل ونستغفرك من كل ما زلت به القدم أو طغى به القلم يا واسع المغفرة يا أرحم الراحمين
قال مؤلفه رحمه الله
تم بحمده تعالى اختصار إحياء علوم الدين ليلة الجمعة السادسة عشرة من ربيع الثاني قبيل العشاء سنة 1324 ه في دارنا ظاهر باب الجابية في زقاق العلامة المكتبي على يد جامعه الفقير محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح القاسمي الدمشقي عفا المولى عن زلله بمنه وفضله آمين ^