1
‌ كتاب إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد للإمام محمد بن إسماعيل المعروف بالأمير الصنعاني
3
بسم الله الرحمن الرحيم
الاجتهاد إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله ! < يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون > ! آل ( عمران 102 ) ! < يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا > ! النساء 1 ! < يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما > ! الأحزاب 70 71 أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار لقد قدر الله عز وجل لشريعة الإسلام خلودها وكفاءتها وصلاحيتها
4
لكل زمان ومكان فأوحى إلى عبده ورسوله محمد بن عبدالله النبي الأمي صلى الله عليه وسلم القرآن المجيد ذلك الدستور الكامل الخالد للبشرية جمعاء قائلا ! < وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد > ! فصلت 41 42 وأمر رسوله ببيانه وشرحه حيث قال ! < وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون > ! النحل 44 وأوجب طاعة رسوله على الأمة في كل ما يأمر وينهى قائلا ! < وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب > ! الحشر 7 فجعل الله عز وجل كتابه الكريم مع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم المصدر الأساسي للإسلام في العقائد والأحكام والعبادات والمعاملات وجميع أمور المعاش والمعاد مع هذا لم يهمل الله سبحانه وتعالى عقول هذه الأمة التي أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله ولم يعطل مداركها ولم يجمد أفكارها فتكون متحيرة مشدوهة أمام المسائل الجزئية التي تستجد مع تغير العصر بل دفعها إلى التفكير الدائم في الإنسان والكون والحياة وحثها على العمل الدؤب لصالح الأمة وحملها على الاجتهاد المنشود لاستنباط الجزئيات المستحدثة من الكليات المقررة والأصول الثابتة من الكتاب والسنة ! < وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا > ! النساء 83 لما كان إعمال الفكر في نصوص الكتاب والسنة وسيلة التعرف على الأحكام
5
غير المنصوص عليها وكان الاجتهاد طريقا حتميا للوقوف على مرامي الشريعة وسبيل الحفاظ على خلودها وصلاحيتها ومرونتها فتح الإسلام باب الاجتهاد على مصراعيه إلى ما شاء الله أمام علماء الأمة الأكفاء البررة العاملين بالكتاب والسنة وذلك لتغطية حاجات الناس حسب تجدد المصالح وتغير الأعراف وتقدم الزمن فأحببنا أن نقدم بين يدي كتاب إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد بحثا يتعلق بهذا الموضوع الهام وهذا البحث يحتوي على بابين الأول حكم الإجتهاد في المسائل الفقهية بعد الأئمة الأربعة والثاني حكم الإجتهاد في الحكم على الحديث في الأعصار المتأخرة
6
6

7
الباب الأول حكم الإجتهاد في المسائل الفقهية
الإجتهاد في اللغة الإجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد بفتح الجيم وضمها وهو المشقة والإجتهاد والتجاهد بذل الوسع والمجهود والتجاهد بذل الوسع كالإجتهاد وعلى هذا يقال اجتهد في الأمر أي بذل وسعه وطاقته في طلبه ليبلغ إلى نهايته سواء كان هذا الأمر من الأمور الحسية كالمشي والعمل أو الأمور المعنوية كاستخراج حكم أو نظرية عقلية أو شرعية أو لغوية فيقال بذل طاقته ووسعه في تحقيق أمر من الأمور التي تستلزم كلفة أو مشقة فقط ولا يقال اجتهد في حمل قلم أو كتابة سطر أو سطور عما ليس فيه مشقة
الإجتهاد في اصطلاح الأصوليين قد عرفه علماء الأصول بتعريفات تختلف عباراتها وتتحد معانيها في
8
الجملة ومغزاها فيما يلي الإجتهاد هو استفراغ الوسع وبذل المجهود في طلب الحكم الشرعي عقليا كان أو نقليا قطعيا كان أو ظنيا على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه
شروط الإجتهاد إن شروط الإجتهاد التي قررها الأصوليون فيها بعض الاختلاف من حيث الزيادة والنقصان ويمكن لنا أن نقسم هذه الشروط قسمين حتى يحتويا كل ما ذكر فيها بالإيجاز القسم الأول الشروط العامة شروط التكليف وهي 1 الإسلام 2 البلوغ 3 العقل
9
القسم الثاني الشروط التأهيلية وهي تتنوع إلى نوعين الأول الشروط الأساسية وهي 1 معرفة الكتاب 2 معرفة السنة 3 معرفة اللغة 4 معرفة أصول الفقه 5 معرفة مواضع الإجماع الثاني الشروط التكميلية وهي 1 معرفة البراءة الأصلية 2 معرفة مقاصد الشريعة
10
3 معرفة القواعد الكلية 4 معرفة مواضع الخلاف 5 العلم بالعرف الجاري في البلد 6 معرفة المنطق 7 عدالة المجتهد وصلاحه 8 حسن الطريقة وسلامة المسلك 9 الورع والعفة 10 رصانة الفكر وجودة الملاحظة 11 الإفتقار إلى الله تعالى والتوجه إليه بالدعاء 12 ثقته بنفسه وشهادة الناس له بالأهلية 13 موافقة عمله مقتضى قوله
11
أهمية الإجتهاد إن الإجتهاد في الإسلام أقوى دليل على أن ديننا الحنيف هو الدين الشامل الخالد الوحيد الذي يساير ركب الحضارة الإنسانية عبر العصور والأجيال ويرحب بكل التغيرات الطارئة والمشاكل الناجمة من تجدد الظروف والمصالح على اختلاف المجتمعات الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها ويعرض لها حلولا مناسبة في ضوء الأحكام الكلية والأصول الثابتة من الكتاب والسنة
الإجتهاد منحة إلهية مستمرة إن مسائل العصر تتجد ووقائع الوجود لا تنحصر ونصوص الكتاب والسنة محصورة محدودة فكان الإجتهاد في الأمور المستحدثة حاجة إسلامية ملحة لمسايرة ركب الحياة الإنسانية تلبية لهذه الحاجة قد قام الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم وأئمة الإسلام وفقهاء الأمة بالإجتهاد في المسائل المستجدة في عصورهم وصار الإجتهاد منحة ربانية مستمرة يتمتع بها المسلمون بجهود المجتهدين الأكفاء في كل زمان ومكان ولم تكن خاصة بعصر دون عصر وبمصر دون مصر حتى يفهم ونعوذ بالله تعالى أن رحمة الله عز وجل صارت عقيمة بعد ذلك وانقطعت عن العلماء المتأخرين المتأهلين ولا شك أن هذا الإعتقاد بإنتهاء الإجتهاد والمجتهدين تحجر رحمة الله الواسعة وحكم على قدره وقضائه بدون علم يشبه بصيحة في واد ونفخ في رماد أمام قول الله عز وجل ! < وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم > ! الجمعة 2 3
12
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره هذا ولا يسوغ لأحد أن يدعي أن الأئمة المجتهدين المتقدمين استوعبوا كل ما هو كائن إلى يوم القيامة لأن استيعاب ما كان وما يكون من صفات الله عز وجل التي لا يشاركه فيها أحد غيره ! < وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين > ! الأنعام 59 ولأجل هذا لم يكن الصحابة ومن بعدهم يجتهدون في المسائل الخيالية بل كانوا يكرهون الكلام فيما لم يقع ويمتنعون من الإجابة عن الإفتراضات عن مسروق بن الأجدع قال سألت أبي بن كعب عن شيء فقال أكان بعد قلت لا قال فاصبر حتى يكون فإن كان اجتهدنا لك رأينا وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال إياكم وهذه العضل فإنها إذا نزلت بعث الله لها من يقيمها ويفسرها
13
كل هذا التوقي من الكلام في الإفتراضات كان إيمانا بأن الجهود الإنسانية مهما بذلت في تدوين المسائل الخيالية والوقائع الفرضية لا تستوعبها وأما عند وقوعها فالله القادر القدير عالم الغيب والشهادة يقيض من يحلها ويجتهد فيها
مدى حرية التفكير والإجتهاد عند الأئمة واختلاف أصحابهم معهم إن الأئمة رحمهم الله كانوا يبذلون أقصى جهودهم للوصول إلى الحق في المسائل الإجتهادية ومع هذا لم يكونوا يقطعون بأن إجتهادهم هو مسك الختام والأمر الآخر الذي لا يجوز خلافه قطعا بل كانوا يحتاطون احتياطا لازما عند إبداء آرائهم في المسائل ويخافون في ذلك مخالفة النصوص الصريحة من الكتاب والسنة ولأجل هذا نصوا على الرجوع إلى السنة عند ظهور مخالفتهم إياها وأوصوا تلاميذهم وأصحابهم بترك أقوالهم المخالفة لها وهي مستفيضة في مكانها
14
وكذلك لا يتصور أن إماما من الأئمة الأعلام مهما بلغ من العلم والحفظ والضبط والإتقان والفضل والوجاهة يستقل بالحكم على الشيء ويستبد برأيه ويفرضه على الآخرين فرضا قال الله عز وجل ! < نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم > ! يوسف 76 ! < وقال > ! ! < قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا > ! الإسراء 85 وإني أعتقد وأدين بأن الأئمة كانوا أبعد من أن يتصفوا بهذه الصفة الكريهة من الاستبداد بالرأي وفرضه على الآخرين وكانوا يدورون حيث دار الحق بكل أمانة وإخلاص فالحق ليس محصورا في رأي أحد قطعا إلا النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم وما أحسن ما ورد عن الإمام أبي حنيفة من قوله عند الإفتاء هذا رأي النعمان بن ثابت يعني نفسه وهو أحسن ما قدرت عليه فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب ونقل عن الإمام الشافعي أنه قال ما ناظرت أحدا إلا قلت اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه فإن كان الحق معي اتبعني وإن كان الحق معه اتبعته انطلاقا من هذا المبدأ العادل من حرية التفكير وتقدير رأي الآخرين اختلفت الأئمة فيما بينهم في الأصول واختلف أصحابهم معهم أيضا في الأصول كما اختلفوا معهم في الفروع
15
فقد اختلف أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني مع شيخهما الإمام أبي حنيفة حتى في الأصول قال السبكي فإنهما يخالفان أصول صاحبهما وقال ابن خلكان في ترجمة أبي يوسف كان الغالب عليه مذهب أبي حنيفة وخالفه في مواضع كثيرة وقال إمام الحرمين الجويني استنكف محمد بن الحسن وأبو يوسف عن متابعته في ثلثي مذهبه ووافقا الشافعي رحمهم الله في أكثر المسائل وقال السيوطي وكذلك ابن وهب وابن الماجشون والمغيرة بن أبي حازم ومطرف بن كنانة لم يقلدوا شيخهم مالكا في كل ما قال بل خالفوه في مواضع واختاروا غير قوله وكذلك القول في المزني وأبي عبيد بن حربويه وابن خزيمة وابن سريج فإن كلا منهم خالف إمامه في أشياء واختار منها غير قوله يتضح من هذا أن اجتهاد المجتهد ورأيه لا يمكن أن يكون بمثابة حكم الله عز وجل ولو كان كذلك لما ساغ لأصحاب الأئمة أن يخالفوا آراء شيوخهم
16
وهكذا كان الفقه الإسلامي في القرون المشهود لها بالخير في ازدهار مستمر ونمو متواصل وتقدم دائم وكانت اجتهادات الأئمة بين الأخذ والعطاء والرد والقبول حتى في أوساط أصحابهم إلى أن فشا التقليد في نصف القرن الرابع وبدأ التعصب المذهبي يبيض ويفرخ ويصور الحكيم ولي الله الدهلوي ما حدث في الناس بعد المائة الرابعة قائلا ولم يأت قرن بعد ذلك إلا وهو أكثر فتنة وأوفر تقليدا وأشد انتزاعا للأمانة من صدور الرجال حتى اطمأنوا بترك الخوض في أمر الدين وبأن يقولوا ! < إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون > ! الزخرف 22 وإلى الله المشتكى وهو المستعان وبه الثقة وعليه التكلان
باب محزن من تأريخ المذاهب الفقهية نظرة على كتب المذاهب الفقهية وسير الأئمة المتبوعين وكتابات علماء المذاهب لتقويم مذاهبهم وترجيحها على المذاهب الأخرى تكشف ما بينها من أحقاد متأصلة واتهامات متبادلة وحروب متطاولة وهجمات عنيفة حتى على الأئمة وحط أقدارهم وتسفيه آرائهم ما يجعل الإنسان المسلم المنصف العادل يتيقن أن قول مقلدة المذاهب الشائع بينهم إن المذاهب كلها حق وعلى الصواب من الدعاوي المجردة التي لا دليل عليها والواقع التأريخي يصدق ذلك منذ نشوء التعصب الأعمى للمذاهب حتى يومنا هذا وإليكم بعض الأدلة على ما قلناه على سبيل المثال لا الحصر
1 كل حزب بما لديهم فرحون كل من مقلدة المذاهب يدعي أن الحق ما هو عليه وما عليه غيره فباطل وجوبا
17
قال الحصفكي وهو من أشهر المؤلفين الأحناف في الفقه الحنفي وفيها أي في الأشباه إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفنا قلنا وجوبا مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصواب وإذا سئلنا عن معتقدنا ومعتقد خصومنا قلنا وجوبا الحق ما نحن عليه والباطل ما عليه خصومنا وأيضا نسب الحصفكي أبيات إلى عبدالله بن المبارك في مدح الإمام أبي حنيفة ومنها
فلعنة ربنا أعداد رمل
على من رد قول أبي حنيفة
ونسب إلى أبي الحسن الكرخي الحنفي أنه قال كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة وحديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ وقال إمام الحرمين الجويني الشافعي نحن ندعي أن يجب على كافة العاقلين وعامة المسلمين شرقا وغربا بعدا وقربا انتحال مذهب الشافعي ويجب على العوام الطغام والجهال الأنذال أيضا انتحال مذهبه بحيث لا يبغون عنه حولا ولا يريدون به بدلا
18
وهكذا كل واحد يعظم إمامه ويرجح مذهبه ويدعو إلى التقيد به ويسفه مذاهب الآخرين ويبالغ في حط أقدارهم ويرفع إمامه إلى منزلة لم يبلغ بها أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
إقتداء المقلدين بعضهم لبعض في الصلاة وصل الخلاف المذهبي بين المقلدين إلى أن كثيرا من فقهاء الأحناف قد أفتوا ببطلان صلاة الحنفي وراء إمام شافعي قال ابن الهمام قال أبو اليسر اقتداء الحنفي بشافعي غير جائز لما روى مكحول النسفي في كتاب له سماه الشعاع أن رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه مفسد بناء على أنه عمل كثير ومنهم من قيد جواز الاقتداء به كقاضيخان بأن لا يكون متعصبا ولا شاكا في إيمانه ويحتاط في موضوع الخلاف وقد رد الشافعية على هذه التهجمات الحنفية بأن ألفوا كتبا ينتقصون فيها مذهب الحنفية ومن أشهرها كتاب مغيث الخلق في ترجيح القول الحق لأبي المعالي عبدالملك الجويني الشهير بإمام الحرمين ت 478 ه فقد عاب فيه مذهب الإمام أبي حنيفة في الصلاة وقال وهو يصور الصلاة التي جوزها الحنفية فإن من انغمس في مستنقع نبيذ ولبس جلد كلب غير مدبوغ وأحرم بالصلاة مبدلا بصيغة التكبير ترجمته تركيا أو هنديا ويقتصر في القرآن على ترجمة قوله ! < مدهامتان > ! ثم يترك الركوع وينقر النقرتين لا قعود بينهما ولا يقرأ التشهد ثم يحدث عمدا في آخر صلاته بدل التسليم ولو انفلت منه بأن سبقه
19
الحدث يعيد الوضوء في أثناء صلاته ويحدث بعده فإن لم يكن قاصدا في حدثه الأول تحلل عن صلاته على الصحة ثم قال والذي ينبغي أن يقطع به كل ذي دين أن مثل هذه الصلاة لا يبعث الله بها نبيا وما بعث محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه لدعاء الناس إليها وهي قطب الإسلام وعماد الدين وقد زعم أن هذا القدر أقل الواجب فهي الصلاة التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم وما عداها آداب وسنن فإذن تدقيق الشافعي رضي الله عنه يلائم الأصل ويوافقه فكان أولى من تدقيق أبي حنيفة رضي الله عنه لأنه يخالف الأصل
المحاريب الأربعة من أسوأ آثار التقليد على الأمة ما وقع من تقسيم القضاء والإفتاء والتدريس على علماء المذاهب الأربعة وتخصيص قاض لك مذهب من المذاهب يصور المقريزي هذه الظاهرة تصويرا محزنا فيقول فلما كانت سلطنة الملك الظاهر بيبرس البند قداري ولي بمصر والقاهرة أربعة قضاة وهم شافعي ومالكي وحنفي وحنبلي فاستمر ذلك من سنة خمس وستين وستمائة حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة وعقيدة الأشعري وعملت لأهلها المدارس والخوانك والزوايا والربط في سائر ممالك الإسلام وعودي من تمذهب بغيرها وأنكر عليه ولم يول قاض ولا قبلت شهادة أحد ولا قدم للخطابة
20
والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب وأفتى فقهاء هذه الأمصار بطول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها ولم ينته الأمر بوجوب تقليد المذاهب الأربعة بل صار كل مذهب منها كدين مستقل ونصوا على بطلان الصلاة خلف مخالف المذهب كما مضى وبالتالي كان إنشاء المقامات للمذاهب الأربعة في الحرم المكي أمرا حتميا قام به أشر ملوك الجراكسة فرج بن برقوق في أوائل المائة التاسعة وكان الأمر على ذلك حتى جمعهم الملك الإمام عبدالعزيز آل السعود خلف إمام واحد وهدم ابنه الملك سعود بن عبدالعزيز هذه المقامات الأربعة عند البناء الجديد لبيت الله الحرام فجزاهما الله خيرا وللأسف الشديد حتى الآن توجد المساجد الخاصة بأصحاب المذاهب في بعض البلدان وخاصة في شبه القارة الهندية
الزواج بين المقلدين لقد وصل الخلاف إلى أن منع بعض الفقهاء الأحناف تزوج الحنفي من المرأة الشافعية ثم صدرت فتوى من فقيه آخر ملقب بمفتي الثقلين فأجاز تزوج الحنفي بالشافعية وعلل ذلك بقوله تنزيلا لها منزلة أهل الكتاب وقال العلامة رشيد رضا وقد بلغ من إيذاء بعض المتعصبين لبعض في
21
طرابلس الشام في آخر القرن الماضي أن ذهب بعض شيوخ الشافعية إلى المفتي وهو رئيس العلماء وقال له اقسم المساجد بيننا وبين الحنفية فإنا فلانا من فقهائهم يعدنا كأهل الذمة بما أذاع في هذه الأيام من خلافهم في تزوج الرجل الحنفي بالمرأة الشافعية وقول بعضهم لا يصح لأنها تشك في إيمانها يعني أن الشافعية وغيرهم يجوزون أن يقول المسلم أنا مؤمن إن شاء الله وقول آخرين بل يصح نكاحها قياسا على الذمية
التناحر بين المذاهب قد حصل التناحر العجيب بن المذاهب بحيث لم يكن يحب صاحب مذهب أن تبقى المذاهب الأخرى وذلك تحت رعاية الدولة يقول المقريزي وكانت الأفريقية الغالب عليها السنن والآثار إلى أن قدم عبدالله بن فروج أبو محمد الفارسي بمذهب أبي حنيفة ثم غلب أسد بن الفرات بن سنان قاضي أفريقية بمذهب أبي حنيفة ثم أن المعز بن باديس حمل جميع أهل إفريقية على التمسك بمذهب مالك وترك ما عداها من المذاهب فرجع أهل إفريقية وأهل الأندلس كلهم إلى مذهب مالك إلى اليوم رغبة فيما عند السلطان وحرصا على طلب الدنيا فكان القضاء والإفتاء في جميع تلك المدن وسائر القرى لا يكون إلا لمن تسمى بالفقه على مذهب مالك فاضطرت العامة إلى أحكامهم وفتاواهم ففشا هذا المذهب هناك فشوا طبق تلك الأقطار كما فشا مذهب أبي حنيفة ببلاد المشرق وذكر الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي أن الملك الأفضل ابن
22
صلاح الدين ت 595 ه كان قد عزم في السنة التي توفي فيها على إخراج الحنابلة من بلده وأن يكتب إلى بقية إخوته بإخراجهم من البلاد وذكر أيضا أن عبدالغني المقدسي تعرض إلى مسألة صفات الله عز وجل في دمشق فغضب عليه أتباع المذاهب الأخرى فأمر الأمير صارم الدين برغش بنفيه من البلد وأرسل الأسارى من القلعة فكسروا منبر الحنابلة وتعطلت يومئذ صلاة الظهر في محراب الحنابلة
مدى انتشار الحروب وخراب البلاد بين المتمذهبين لم تكن الخلافات والنزاعات بين المقلدين مقتصرة على الآراء الفقهية فقط بل بلغ بهم التعصب إلى الحروب الطاحنة فيما بينهم يروى لنا التأريخ الشي الكثير من ذلك قال ياقوت الحموي وهو بصدد ذكر مدينة أصبهان وقد فشا الخراب في هذا الوقت وقبله في نواحيها لكثرة الفتن والتعصب بين الشافعية والحنفية والحروب المتصلة بين الحزبين فكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الأخرى وأحرقتها وخربتها لا يأخذهم في ذلك إل ولا ذمة ومع ذلك فقد قل أن تدوم بها دولة سلطان أو يقيم بها فيصلح فاسدها وكذلك الأمر في رساتيقها وقراها التي كل واحدة منها كالمدينة وهذا غيض من فيض مما وقع بين أتباع المذاهب الذي يندى له جبين التعصب أعاذنا الله جميعا من هذا الداء العضال الذي أصاب الأمة الإسلامية
23
المتلاحمة ففرقها ولنختم هذا الموضوع بما أورده اللكنوي في كتاب الفوائد البهية في ترجمة عيسى بن سيف الدين أبي بكر بن أيوب فقد قال فيه كان متغاليا في التعصب لمذهب أبي حنيفة قال له والده يوما كيف اخترت مذهب أبي حنيفة وأهلك كلهم شافعية فقال أترغبون عن أن يكون فيكم رجل واحد مسلم
رمتني بدائها وانسلت بعد هذا الاستعراض لتأريخ التناحرات المذهبية المقيتة آمل أن تتبلور حقيقة دعوى أن المذاهب كلها حق وعلى الصواب وتنكشف نوايا المقلدة الخبيثة ضد الأئمة الآخرين وحربهم الشعواء على المذاهب الأخرى مؤمنين إيمانا جازما بأن المذهب الذي هم عليه هو الحجة الشرعية الوحيدة على كل فرد من أفراد الأمة ولا يجوز لأحد أن يخرج عنه من المؤسف المحزن المخزي أن الجذوة التقليدية الجائرة لم تخمد حتى الآن في أوساط أتباع المذاهب في كثير من البلدان ولو كان الأمر بأيديهم لأخذوا الجزية من أتباع المذاهب الأخرى كما قال محمد بن موسى البلاساغوني المبتدع قاضي دمشق المتوفى 506 ه لو كان لي أمر لأخذت الجزية من الشافعية يتقطع القلب حزنا وأسى على رضاهم عن تلك الداهية الدهياء والمصيبة الصماء التي شتت شمل الأمة أسوأ تشتيت في الماضي وتمزقها في المستقبل شر ممزق
24
إذا لم ينتبهوا لخطرها المحدق وشرها المستطير إن تعجب فعجب من هؤلاء الذين يفترون على الدعاة المحايدين عن التقليد الأعمى والتعصب المذهبي الذين يتألمون من واقع المسلمين المرير ووضع الأمة المتدهور وينادون بوحدة الأمة بالرجوع إلى الكتاب والسنة والتحاكم إليهما في المسائل المختلف فيها مع الاحترام والتقدير والاعتبار باجتهادات الأئمة ورواد هذه الأمة ويرمونهم بالشذوذ والتقوقع والرجعية والتقهقر والاجتهاد واللامذهبية وعمالة الاستعمار والحرب على المذاهب والعداوة للأئمة رحمهم الله وذلك كله بأقلام من الدكاترة والمشايخ والمحدثين أيها القارىء الكريم قلي لي بالله من هو أحق بأن يتصف بتلك الصفات في ضوء ما مضى ذكره من النزاعات والخلافات بين المتمذهبين هكذا صار المعروف منكرا والمنكر معروفا وانعكست المفاهيم واختلت الموازين واحتجبت الحقائق ولكني أعتقد بأنها لا تغيب عن المسلم المنصف العادل مهما حاول المغرضون
فلو لبس الحمار ثياب خز
لقال الناس يالك من حمار
ولقد أدرك مدى هذه الخلافيات المذهبية بعض المغرضين الذين يقدمون أعذارا باردة لعدم تطبيق الشريعة الإسلامية كما نقرأها في المجلات والصحف اليومية ويقولون أن المذاهب مختلفة فلو طبقت الشريعة فعلى أي مذهب تطبق ولا شك هذا موطن ضعف لا يمكن علاجه إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة مع الاستنارة من آراء المجتهدين في القضايا وترجيحها على الأخرى حسب قوة الأدلة لا كثرة العاملين المتعصبين لمذهب في ميدان تصنيف الفقه الإسلامي
25
وإلا يكون عبارة عن تجميع آراء المذاهب بأدلتها الخاصة الذي لا يختلف عن الكتب القديمة للمذاهب شيئا كم نتمنى أن تعد موسوعة فقهية على هذا المنهج السليم المحايد كي تكون مرجعا موحدا لتلقي الأحكام في القضاء ودستورا شرعيا أقرب ما يمكن إلى الصواب وقانونا رسميا يجتمع عليه الشعب كله وكل هذا ممكن بأدنى توجيه من المسئولين القائمين على هذه الأمانة الإسلامية ! < وما ذلك على الله بعزيز > ! إبراهيم 20
باب الإجتهاد وأسبابه لما تغلغل المذهب في سويداء قلوبهم وغرز التقليد الجامد براثنه في جسم الأمة وفرطوا في القيام بالإجتهاد وفي المسائل واعتمدوا على الإحتكام إلى مذهب من المذاهب مهما كان دليله قوة وضعفا نادوا بسد باب الإجتهاد في منتصف القرن الرابع بدون دليل وبدون حق لأسباب تتلخص في النقاط التالية ضعف السلطان السياسي للخلفاء العباسيين مما أثر في حياة الفقه والفقهاء فلم يجدوا التشجيع الذي كان يحفزهم على الإنتاج الفقهي تدوين المذاهب وترتيب مسائلها وتبويبها مما جعل الفقهاء يركنون إلى هذه الثروة الفقهية ويستغنون بها عن البحث والاستنباط ضعف الثقة بالنفس والتهيب من الاجتهاد مما جعل الفقهاء يؤثرون التقليد على الخوض في ميدان الإجتهاد المطلق إدعاء الإجتهاد ممن ليسوا أهلا له فأفتوا بسد باب الإجتهاد دفعا لهذا
26
الفساد وحفظا لدين الله شيوع التحاسد بين العلماء مما جعل الكثير منهم يحجم عن الاجتهاد خوفا من أن يكيد له أعداؤه ويرموه بالإبتداع فوقفوا عند أقوال المتقدمين تعيين القضاة والمفتين على المذاهب مما كسر همم الفقهاء في الخوض في المسائل عدم إعتداد العامة بإجتهادات العلماء المعاصرين وثقتهم بالعلماء المتقدمين خوف الحكام من استمرار الإجتهاد لما كانت تسببه إجتهادات بعض المجتهدين لهم من تشويش وإحراج وقلق يتضح جليا بعد إمعان النظر في هذه الأسباب بأن مخاوف العلماء في استمرار الإجتهاد التقت مع رغبة الحكام والساسة على إغلاق الاجتهاد وإن اختلفت المقاصد والأهداف وكذلك ليس من بين هذه العوامل أي عامل ديني في منع الاجتهاد
متى انسد باب الإجتهاد اختلف العلماء القائلون بسد باب الإجتهاد في تعيين وقت بدء إغلاق باب الاجتهاد قال صاحب فواتح الرحموت ثم إن من الناس من حكم بوجوب الخلو من بعد العلامة النسفي واختتم الإجتهاد به وعنوا الإجتهاد في المذهب وأما الإجتهاد المطلق فقالوا
27
اختتم بالأئمة الأربعة حتى أوجبوا تقليد واحد من هؤلاء على الأمة وهذا كله هوس من هوساتهم لم يأتوا بدليل ولا يعبأ بكلامهم وإنما هم من الذين حكم الحديث أنهم أفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ولم يفهموا أن هذا إخبار بالغيب في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى وذكر ابن حزم وابن قيم الجوزية قول طائفة قالت ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر بن الهذيل ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد اللؤلؤي وهذا قول كثير من الحنفية وقال بكر بن العلاء القشيري المالكي ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة وقال آخرون ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي وسفيان الثوري ووكيع بن الجراح وعبدالله بن المبارك وقالت طائفة ليس لأحد أن يختار بعد الشافعي واختلفوا متى انسد باب الإجتهاد على أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان ومما يترتب على فتوى سد باب الإجتهاد أنه يجوز خلو العصر من المجتهد وذهب إليه الآمدي وابن الحاجب والكمال بن الهمام وابن السبكي والبهاري وغيرهم
28
وقال الرافعي الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم وقال الزركشي ولعله أخذه من كلام الرازي أو من قول الغزالي في الوسيط حيث صرح قائلا قد خلا العصر عن المجتهد المستقل ثم عقب على ذلك وقال ونقل الاتفاق عجيب والمسألة خلافية بيننا وبين الحنابلة وساعدهم بعض أئمتنا وقال الحنابلة بعدم جواز خلو العصر عن المجتهد وقال ابن بدران ذهب أصحابنا إلى أنه لا يجوز خلو العصر عن مجتهد وإلى ذلك ذهب طوائف ولم يذكر ابن عقيل خلاف هذا إلا عن بعض المحدثين
ردود العلماء على سد باب الإجتهاد إن سد باب الإجتهاد على العلماء الأكفاء من جنايات التقليد على الأمة قال الشوكاني فإن هذه المقالة بخصوصها أعني انسداد باب الإجتهاد لو لم يحدث من مفاسد التقليد إلا هي لكان فيها كفاية ونهاية فإنها حادثة رفعت الشريعة بأسرها استلزمت نسخ كلام الله ورسوله وتقديم غيرهما واستبدال غيرهما بهما
يا ناعي الإسلام قم وانعه
قد زال عرف وبدا منكر

29
وقد رد العلماء على هذه المقالة في كل عصر وإليكم بيان وجهات نظرهم حول سد باب الإجتهاد باختصار نصا أو إشارة قال أبو الحسن علي بن عمر المعروف بابن القصار المالكي البغدادي ت 397 ه في كتابه المقدمة في أصول الفقه الباب التاسع عشر في الإجتهاد وفيه تسعة فصول ثم قال الثالث فيمن يتعين عليه الإجتهاد أفتى أصحابنا رضي الله عنهم بأن العلم على قسمين فرض عين وفرض كفاية ففرض العين الواجب على كل أحد هو علمه بحالته التي هو فيها وأما فرض الكفاية العلم الذي لا يتعلق بحالة الإنسان فيجب على الأمة أن تكون منهم طائفة يتفقهون في الدين ليكونوا قدوة للمسلمين حفظا للشرع من الضياع والذي يتعين لهذا من الناس من جاد حفظه وحسن إدراكه وطابت سجيته ومن لا فلا وقال أبو الحسن علي بن محمد الماوردي ت 405 ه التقليد مختلف باختلاف أحوال الناس بما فيهم من آلة الاجتهاد المؤدي إليه أو عدمه لأن طلب العلم من فروض الكفاية ولو منع جميع الناس من التقليد وكلفوا الاجتهاد لتعين فرض العلم على الكافة وفي هذا اختلال نظام وفساد فلو كان يجمعهم التقليد لبطل الاجتهاد وسقط فرض العلم وفي هذا تعطيل الشريعة وذهاب العلم فلذلك وجب الاجتهاد على من تقع به الكفاية قال أبو محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري ت 456 ه بعد نقل قولهم
30
ليس لأحد أن يختار فأقوال في غاية الفساد وكيد للدين لإخفاء به وضلال مغلق وكذب على الله تعالى إذ نسبوا ذلك إليه أو دين جديد أتونا به من عند أنفسهم ليس من دين محمد صلى الله عليه وسلم في شيء وهي كما نرى متدافعة متفاسدة ودعاوي متفاضحة متكاذبة ليس بعضها بأولى من بعض ولا بعضها أدخل في الضلالة والحمق من بعض وقال القاضي حسين بن محمد بن أحمد المروزي ت 462 ه نقلا عن الزبير في المسكت لن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة في كل وقت وعهد وزمان وذلك قليل في كثير فأما أن يكون غير موجود كما قال الخصم فليس بصواب لأنه لو عدم المجتهدون لم تقم الفراض كلها ولو بطلت الفراض كلها لحلت النقمة بذلك في الخلق وقال ابن عقيل الحنبلي ت 514 ه لم يذكر خلاف هذا أي خلاف عدم جواز خلو العصر عن مجتهد في أصحابنا إلا عن بعض المحدثين وقال أبو محمد الحسين بن مسعود اللغوي المعروف بابن الفراء ت 516 ه
31
العلم ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية وذكر فرض العين ثم قال وفرض الكفاية هو أن يتعلم ما يبلغ رتبة الاجتهاد ومحل الفتوى والقضاء ويخرج من عداد المقلدين فعلى كافة الناس القيام بتعلمه غير أنه إذا قام من كل ناحية واحد أو اثنان سقط الفرض عن الباقين فإذا قعد الكل عن تعلمه عصوا جميعا لما فيها من تعطيل أحكام الشرع قال الله تعالى ! < فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين > ! التوبة 122 وقال أبو الفتح أحمد بن علي بن محمد المعروف بابن برهان ت 520 ه الباري سبحانه وتعالى قادر على التنصيص على حكم الحوادث والوقائع ولم يفعل ولكن نص على أصول ورد معرفة الحكم في الفروع إلى النظر والاجتهاد قال أبو الفتح محمد بن عبدالكريم الشهرستاني ت 548 ه ثم الاجتهاد من فروض الكفايات لا من فروض الأعيان حتى إذا اشتغل بتحصيله واحد سقط الفرض عن الجميع وإن قصر فيه أهل عصر عصوا بتركه وأشرفوا على خطر عظيم فإن الأحكام الاجتهادية إذا كانت مرتبة على الاجتهاد وترتيب المسبب على السبب ولم يوجد السبب كانت الأحكام عاطلة فلا بد إذن من مجتهد قال السيوطي فانظر كيف حكم بعصيان أهل العصر بأسرهم إذا قصروا في القيام بهذا الفرض وأقام على فرضيته دليلا عقليا قطعيا لا شبهة فيه
32
وقال العز بن عبدالسلام ت 660 ه شرحا لقول ابن الحاجب إنه لا يجوز تولية المقلد البتة ويرى هذا القائل أن رتبة الإجتهاد مقدور على تحصيلها وهي شرط في الفتوى والقضاء وهي موجودة إلى الزمان الذي أخبر صلى الله عليه وسلم عنه بانقطاع العلم ولم نصل إليه إلى الآن وإلا كانت الأمة مجتمعة على الخطأ وذلك باطل وقال السيوطي معلقا عليه فانظر كيف صرح بأن رتبة الاجتهاد غير متعذرة وإنها باقية إلى زمانه وبأنه يلزم من فقدها اجتماع الأمة على الباطل وهو محال وقال محمد بن محمد بن إبراهيم الأنصاري المعروف بابن سراقة الشافعي ت 662 ه ولو كان جميع العلم جليا لا يحتاج إلى بحث واجتهاد ولا إلى نظر واستنباط لكان علم التوحيد كذلك فكان العلم بالله سبحانه ضرورة وكان في ذلك سقوط المثوبة وإبطال الشريعة واستغنى عن العمل لطلب الثواب وخوف العقاب وهذه صفة الآخرة وحكم بقاء الخلق في الجنة قال السيوطي معلقا عليه فانظر كيف جعل ترك الإجتهاد مؤديا إلى إبطال الشريعة وهو نظير ما نص عليه غيره قال يحيى بن شرف النووي ت 676 ه المجتهد المطلق هو الذي يتأدى به فرض الكفاية
33
وقال أيضا بعد ذكر آداب المتعلم فبذلك تظهر له الحقائق وتنكشف المشكلات ويطع على الغوامض وحل المعضلات ويعرف مذاهب العلماء والراجح من المرجوح ويرتفع عن الجمود على محض التقليد ويلتحق بالأئمة المجتهدين أو يقاربهم إن وفق لذلك وقال ابن دقيق العيد ت 702 ه والأرض ما تخلو من قائم لله بالحجة والأمة الشريفة لا بد فيها من سالك إلى الحق على واضح المحجة إلى أن يأتي أمر الله في أشراط الساعة الكبرى ويتتابع بعده ما لا يبقى معه إلا قدوم الأخرى وقال أحمد بن عبدالحليم بن تيمية ت 728 ه بعد ذكر من يقول بوجوب التقليد بعد عصر أبي حنيفة ومالك مطلقا والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة والتقليد جائز في الجملة لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد وقال أبو عبدالله محمد بن أحمد الذهبي ت 748 ه يا مقلد ويا من زعم أن الإجتهاد قد انقطع وما بقي مجتهد لا حاجة لك في الاشتغال بأصول الفقه ولا فائدة في أصول الفقه إلا لمن يصير مجتهدا به فإذا عرفه ولم يفك تقليد إمامه لم يصنع شيئا بل أتعب نفسه وركب على نفسه الحجة في
34
مسائل وإن كان يقرؤه لتحصيل الوضائف وليتعال فهذا من الوبال وقال شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم ت 751 ه بصدد الرد على التقليد وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام وهم أعلى مرتبة وأجل قدرا وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك وأبعد منه قول من قال يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء وأبعد منه من قال يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة فيا لله العجب ماتت مذاهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام وبطلت جملة إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأئمة والفقهاء هل قال ذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه والذي أوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه علي من بعدهم إلى يوم القيامة لا يختلف الواجب ولا يتبدل وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال فهذا أيضا تابع لما أوجبه الله ورسوله وقال أيضا إن المقلدين حكموا على الله قدرا وشرعا بالحكم الباطل جهارا المخالف لما أخبر به رسوله فأخلوا الأرض من القائمين لله بحججه وقالوا لم يبق في الأرض عالم منذ الاعصار المتقدمة فقالت طائفة ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وقال تاج الدين بن السبكي ت 771 ه في الترشيح
35
قال لي الشيخ شهاب الدين بن النقيب جلست بمكة بين طائفة من العلماء وقعدنا نقول لو قدر الله تعالى بعد الأئمة الأربعة في هذا الزمان مجتهدا عارفا بمذاهبهم أجمعين ويركب لنفسه مذهبا من الأربعة بعد اعتبار هذه المذاهب المختلفة كلها لازدان الزمان به وانقاد الناس له فاتفق رأينا أن هذه الرتبة لا تعدو الشيخ تقي الدين السبكي ولا ينتهي لها سواه وقال بهاء الدين محمد بن عبدالبر السبكي ت 777 ه وشتان بين أجر من يأتي بالعبادة لفتوى له إنها واجبة أو سنة ومن يأتي بها وقد ثلج صدره عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك كذلك وهذا لا يصح إلا بالإجتهاد والناس في حضيض عن ذلك إلا من تغلغل بأصول الفقه وكرع من مناهله الصافية وقال أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي ت 790 ه إن الوقائع في الوجود لا تنحصر فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره فلا بد من حدوث وقائع لا تكون منصوص على حكمها ولا يوجد للأولين فيه اجتهاد وعند ذلك فإما أن يترك الناس مع أهوائهم أو ينظر فيها بغير اجتهاد شرعي وهو أيضا اتباع للهوى وذلك كله فساد فلا يكون بد من التوقف لا إلى غاية وهو معنى تعطيل التكليف لزوما وهو مؤد إلى تكليف ما لا يطاق فإذا لا بد من الإجتهاد في كل زمان لأن الوقائع المفروضة لا تختص بزمان دون زمان
36
وقال الزركشي ت 794 ه لما لم يكن بد ممن يعرف حكم الله في الوقائع وتعرف ذلك بالنظر غير واجب على التعيين فلا بد أن يكون وجود المجتهد من فروض الكفاية ولا بد أن يكون في كل قطر من تقوم به الكفاية ولهذا قالوا إن الإجتهاد من فروض الكفايات وقال أيضا لا يشترط في المجتهد أن يكون مشهورا في القبائل لأن العبرة بما فيه من الصفات لا بشهرته ولا يشترط أن يكون صاحب مذهب بل قوله مهما علم أنه مجتهد مقبول وقال أحمد بن محمد الدمنهوري ت 806 ه لا ينتفع إلا من رفع الله عن قلبه حجاب التقليد فإنه سبب لحرمان كل خير وسائق لك عواقة بل أكثر ما وقع الخلق في الكفر والنفاق منه كما أخبر الله تعالى عنهم ! < بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون > ! الزخرف 22 ! < وإنا على آثارهم مقتدون > ! الزخرف 23 ! < قالت لهم رسلهم > ! ! < أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون > ! الزخرف 24 وذلك إنما هو من ربط الجهل على قلوبهم وربط التقليد على أفهامهم حتى يدبروا ما يقال لهم ويستنكفوا عمن يرشدهم لظنهم الفاسد أنه لا يمكن أن يكون المتأخر أفضل من المتقدم ويعتقدون أن ذلك من قبيل المستحيل ولم يعلموا أن مواهب الله تعالى لا تنقطع
37
وفيض جوده لا ينفد وإنما حرم ذلك من حرمه وقال عز الدين بن جماعة ت 819 ه إحالة أهل زماننا وجود المجتهد يصدر عن جبن ما وإلا فكثيرا ما يكون القائلون لذلك من المجتهدين وما المانع من فضل الله واختصاص بعض الفيض والوهب والعطاء ببعض أهل الصفوة وقال محمد بن إبراهيم المعروف بالوزير اليماني ت 840 ه فإذا تقرر أن المواهب الربانية لا تنتهي إلى حد والعطايا اللدنية لا تقف على مقدار لم يحسن من العاقل أن يقطع على الخلق بتعسير ما الله قادر على تيسيره فيقنط بكلامه طامعا ويتحجر من فضل الله واسعا بل يخلي بين الناس وبين هممهم وطمعهم في فضل الله عليهم حتى يصل كل أحد إلى ما قسمه الله تعالى من الحظ في الفهم والعلم وسائر أفعال الخير وهذا مما لا يفتقر إلى حجاج لولا أهل المراء واللجاج وقال جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي ت 911 ه في مقدمة كتابه الرد على من أخلد إلى الأرض وبعد فإن الناس قد غلب عليهم الجهل وعمهم وأعماهم حب العناد وأصمهم فاستعظموا دعوى الإجتهاد وعدوه منكرا بين العباد ولم يشعر هؤلاء الجهلة إن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات في كل عصر وواجب على أهل كل زمان أن يقوم به طائفة في كل قطر وهذا كتاب في تحقيق ذلك
38
وقال محمد بن إسماعيل المعروف بالأمير الصنعاني ت 1182 ه فالحق الذي ليس عليه غبار الحكم بسهولة الإجتهاد في هذه الأعصار وإنه أسهل منه في الأعصار الخالية لمن له في الدين همة عالية ورزقه الله فهما صافيا وفكرا صحيحا ونباهة في علمي السنة والكتاب ثم قال تقول تعذر الاجتهاد ما هذا والله إلا من كفران النعمة وجحودها والإخلاد إلى ضعف الهمة وركودها إلا أنه لا بد مع ذلك أولا من غسل فكرته عن أدران العصبية وقطع مادة الوساوس المذهبية وسؤال للفتح من الفتاح العليم وتعرض لفضل الله فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فالعجب كل العجب بمن يقول يتعذر الإجتهاد في هذه الأعصار وإنه محال ما هذا إلا منع لما بسطه الله من فضله لفحول الرجال واستبعاد لما خرج من يديه واستصعاب لما لم يكن لديه وكم للأئمة المتأخرين من استنباطات رائقة واستدلالات صادقة ما حام حولها الأولون ولا عرفها منهم الناظرون ولا دارت في بصائر المستبصرين ولا جالت في أفكار المفكرين وقال محمد بن علي الشوكاني ت 1250 ه 2 بعد ما نقل قول الرافعي في الاتفاق على انه لا مجتهد اليوم وإذا أمعنت النظر وجدت هؤلاء المنكرين إنما أتوا من قبل أنفسهم فإنهم لما عكفوا على التقليد واشتغلوا بغير علم الكتاب والسنة وحكموا على غيرهم بما وقعوا فيه واستصعبنا ما سهله الله علي من رزقه العلم والفهم وأفاض على قلبه أنواع علوم الكتاب والسنة ولما كان هؤلاء الذين صرحوا بعدم وجود المجتهدين شافعية فها نحن نصرح لك من وجد من الشافعية بعد عصرهم ممن لا يخالف
39
مخالف في أنه جمع أضعاف علوم الإجتهاد فمنهم ابن عبدالسلام وتلميذه ابن دقيق العيد ثم تلميذه ابن سيد الناس ثم تلميذه زين الدين العراقي ثم تلميذه ابن حجر العسقلاني ثم تلميذه السيوطي فهؤلاء ستة أعلام كل واحد منهم تلميذ من قبله قد بلغوا من المعارف العلمية ما يعرفه من يعرف مصنفاتهم حق معرفتها وكل واحد منهم إمام كبير في الكتاب والسنة محيط بعلوم الإجتهاد إحاطة متضاعفة عالم بعلوم خارجة عنها ثم في المعاصرين لهؤلاء كثير من المماثلين لهم وجاء بعدهم من لا يقصر عن بلوغ مراتبهم والتعداد لبعهضم فضلا عن كلهم يحتاج إلى بسط طويل وقد قال الزركشي في البحر ما لفظه ولم يختلف اثنان في أن ابن عبدالسلام بلغ رتبة الاجتهاد وكذلك ابن دقيق العيد انتهى وهذا الإجماع من هذا الشافعي يكفي في مقابلة حكاية الاتفاق من ذلك الشافعي الرافعي ثم قال وما هذه بأول فاقرة جاء بها المقلدون ولا هي أول مقالة باطلة قالها المقصرون ومن حصر فضل الله على بعض خلقه وقصر فهم هذه الشريعة المطهرة على من تقدم عصره فقد تجرأ على الله عز وجل ثم على شريعته الموضوعة لكل عبادة ثم على عباده الذين تعبدهم الله بالكتاب والسنة ويالله العجب من مقالات هي جهالات وضلالات فإن هذه المقالة تستلزم رفع التعبد بالكتاب والسنة وأنه لم يبق إلا تقليد الرجال الذين هم متعبدون بالكتاب والسنة كتعبد من جاء بعدهم على حد سواء فإن كان التعبد بالكتاب والسنة مختصا بمن كانوا في العصور السابقة ولم يبق لهؤلاء إلى التقليد لمن تقدمهم ولا يتمكنون من معرفة أحكام الله من كتاب الله وسنة رسوله فما
40
الدليل على هذه التفرقة الباطلة والمقالة الزائفة وهل النسخ إلا هذا سبحانك هذا بهتان عظيم وقال عبدالقادر بن أحمد المعروف بابن بدران الدمشقي قد أطال العلماء النفس في هذا الموضوع وأورد كل من الفريقين حججا وأدلة وكأن القائلين بجواز خلو عصر عن مجتهد قاسوا جميع علماء الأمة على أنفسهم وخيلوا لها أنه لا أحد يبلغ أكثر من مبلغهم من العلم ثم رازوا انفسهم فوجدوها ساقطة في الدرك الأسفل من التقليد فمنعوا فضل الله تعالى وقالوا لا يمكن وجود مجتهد في عصرنا البتة بل غلا أكثرهم فقال لا مجتهد بعد الأربعمائة من الهجرة وينحل كلامهم هذا أن فضل الله كان مدرارا على أهل العصور الأربعة ثم أنه نضب فلم يبق منه قطرة تنزل على المتأخرين مع أن فضل الله لا ينضب وعطاؤه ومدده لا يقفان عند الحد الذي حدده أولئك وقال أحمد محمد شاكر القول بمنع الاجتهاد قول باطل لا برهان عليه من كتاب ولا سنة ولا تجد له شبه دليل وقال محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر الأسبق في بحثه عن الإجتهاد في الإسلام وإني مع احترامي لرأي القائلين باستحالة الإجتهاد أخالفهم في رأيهم وأقول إن في علماء المعاهد الدينية في مصر من توافرت فيهم شروط الإجتهاد ويحرم عليهم التقليد
41
وقال الدكتور وهبة الزحيلي وقد أحسن بعض العلماء كابن تيمية والحركات السلفية الحديثة إذ قرروا بقاء باب الإجتهاد مفتوحا لمن كان أهلا له ونقل أيضا عن محمد سعيد الباني لا دليل أصلا على سد باب الإجتهاد وإنما هي دعوى فارغة وحجة واهنة أوهن من بيت العنكبوت لأنها غير مستندة إلى دليل شرعي أو عقلي سوري المتوارث وقال أيضا والاجتهاد ممكن كل الإمكان اليوم ولا صعوبة فيه بشرط أن ندفن تلك الأوهام والخيالات ونمزق ذلك الران الذي خيم على عقولنا وقلوبنا من رواسب الماضي وآفات الخمول والظن الآثم بعدم إمكان الوصول إلى ما وصل إليه الأولون حتى عد ذلك كأنه ضرب من المستحيل هل هناك مستحيل بعد غزو الفضاء واختراع أنواع الآلات الحديثة العجيبة الصنع وقال الدكتور حسن أحمد مرعي أعتقد أن كل عاقل يوجب الاجتهاد على الكفاية ليعرف الناس منه أحكام ما يقومون به من أعمال في هذه الحياة حتى تكون حياتنا سائرة في ركاب الدين وإذا كنا نؤمن بخلو الزمان عن المجتهد فلم هذه الاجتماعات لفقهاء العالم الإسلامي مرة في القاهرة وأخرى في لاهور وثالثة في مكة ورابعة في الرياض وغيرها وغيرها
42
كان يكفينا ما بين أيدينا من كتب وتراث ولكن الحياة متجددة والأعراف مختلفة والعقول متفاوتة فاجتماعتنا هذه دليل حتى على أنه لا زال ركب المجتهدين يتتابع وسيظل هذا إن شاء الله حتى يأذن الله بفناء هذا العالم وقال محمد أبو زهرة إن قضية فتح باب الإجتهاد في المذهب الحنبلي قضية تضافرت عليها أقوال المتأخرين وأقوال المتقدمين حتى لقد قال ابن عقيل من متقدمي الفقهاء في ذلك المذهب الجليل إنه لا يعرف خلافا فيه بين المتقدمين ثم قال وإذا كان الإجتهاد مفتوحا وإذا كان العلية من أصحاب أحمد وأتباعه قد استنكروا أن يخلو زمن من المجتهدين المستقلين فإن ذلك المذهب يكون ظلا ظليلا لأحرار الفكر من الفقهاء ولذلك كثر فيه العلماء الفطاحل في كل العصور ثم قال قد أتى علينا بعد هذا العرض أن نقرر أن ذلك المذهب الأثري مذهب في عناصر أصوله كل الأسباب التي تنميه وقد وجد رجال علوا به وساروا به إلى الطريق الأمثل فأوجدوا فيه حياة تتسع لأحكام الحوادث في كل الأزمنة والأمكنة بعد هذا العرض السريع لاحتجاجات بعض العلماء القدامى والمعاصرين على القول بسد باب الإجتهاد أعتقد أن تبطل دعوى الإتفاق والإجماع عليه وتزول فكرة الخوف والذعر من أنه ليس الشجرة الملعونة في القرآن كما فهمه القائلون بذلك بل الإجتهاد واستكمال شرائطه ليس عسيرا بعد تدوين العلوم المختلفة وتعدد المصنفات فيها وتصفية كل دخيل عليها لأجل هذا قال الإمام الشوكاني
43
لا يخفي على من له أدنى فهم أن الإجتهاد قد يسره الله للمتأخرين تيسيرا لم يكن للسابقين لأن التفاسير للكتاب العزيز قد دونت وصارت في الكثرة إلى حد لا يمكن حصره والسنة المطهرة قد دونت وتكلم الأمة على التفسير والتجريح والتصحيح والترجيح بما هو زيادة على ما يحتاج إليه المجتهد وقد كان السلف الصالح ومن قبل هؤلاء المنكرين يرحل للحديث الواحد من قطر إلى قطر فالإجتهاد على المتأخرين أيسر وأسهل من الإجتهاد على المتقدمين ولا يخالف في هذا من له فهم صحيح وعقل سوي
توضيح بعض الأمور المهمة أريد أن أوضح بعض الأمور حتى لا تنشأ الأفكار الخاطئة لدى القاءى الكريم أولا إن العلماء الذين ردوا على القول بإغلاق باب الإجتهاد بعد الأئمة الأربعة لم يدعوا لأنفسهم الإجتهاد بل حاولوا الدفاع عن المواهب الإلهية التي حظى بها العلماء الفطاحل القادرين على الإجتهاد وإخراج الفقه الإسلامي من دائرة محدودة إلى ميدان واسع فسيح وذلك من الاستمداد من فقه الصحابة والتابعين وأتباعهم وفقه المذاهب الأربعة وغيرها من فقه أئمة الإجتهاد الآخرين ثانيا لا يعني الإجتهاد الآن إحداث آراء جديدة لوقائع مستحدثة فقط وإنما مجاله أيضا النظر في دلالة أدلة المذاهب الفقهية من حيث القوة والضعف وترجيحها على الأخرى بدون تقيد بمذهب معين ليجد الباحث عن الحق بغيته بدون أي تخبط
44
ويا ليتها دونت موسوعة فقهية على هذا النهج السديد خلت من رواسب التقليد الجامد ورجحت المسائل فيها قوة على الأدلة لا على أدلة المذهب ضعيفة كانت أو قوية حتى لا تكون نسخة ثانية من كتب الفقه القديمة ويكون الباحث عن المسألة فيها مشدوها حائرا فيما يترك وفيما يختار وهذا لا يتأتى إلا باستخدام العلماء الذين لهم اطلاع واسع على السنة النبوية المطهرة وفقهها مع العلم بالفقه العام وأصوله ليميز عند الاستدلال على المسائل بالأحاديث بين الصحيحة والضعيفة والموضوعة ثالثا ليس المقصود بهذا العرض أن يسمح لكل من هب ودب أن يتلاعب بالشريعة باسم الإجتهاد بل المقصود أن لا يشنع على من زينه الله عز وجل بعلم الشريعة وفقهها ولا يمنع بفضله سبحانه على من عنده كفاءة للخوض في المسائل ولا يتهم بالخروج على الأئمة لأجل الاجتهاد ولا يرمي بالشذوذ إذا خالف آراء الآخرين بالأدلة لأن أدلة الكتاب والسنة لا تكون شاذة بل هي مستقلة بذاتها لا تحتاج إلى دليل آخر فالعالم الجهبذ الذي رزقه الله سبحانه وتعالى فقه الشريعة والعلم بأحكامها ترحب أقواله وآراؤه مهما علم أنه مجتهد في المسائل ولا يشترط له أن يكون صاحب مذهب ! < ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم > ! الجمعة 3 قال محمد أبو زهرة ولقد كان ابن تيمية ينهى من عنده أدوات الاجتهاد عن التقليد ويوصي الدارس الفاحص أن لا يتبع إلا ما يوصله إليه الدليل غير معتمد على سواه ولا يتبع غير سبيله وأنه يفتح باب الإجتهاد على مصراعيه للقادر عليه وإن كان يستطيع أن يجتهد في بعض أبواب الفقه دون البعض الآخر وسعه أن يقلد فيما لا يستطيع أن يجتهد فيه ولا يسعه التقليد فيما يستطيع الإجتهاد فيه
45
الباب الثاني حكم تصحيح الأحاديث وتضعيفها في الأعصار المتأخرة لقد ثبت أن الإجتهاد من الفروض الدينية والشعائر الإسلامية ويستمر إلى ما شاء الله عز وجل حسب الوقائع والأحداث ولا ينتهي بتغير الظروف والأحوال ولا يبلى بمرور الزمان ولا يختص بعصر دون عصر بل هو منحة ربانية عامة فإذا كان كذلك فيجب القطع بأنه غير متعذر في أي مجال من المجالات لأن المتعذر غير مطاق والإجتهاد في المسائل الفقهية وطلب الحديث النبوي وتمييزه من حيث الصحة والحسن والضعف والوضع مطلوب شرعا وواجب على العلماء الأكفاء فلو أوجبه الله تعالى وهو متعذر لكان الله سبحانه قد كلف الإنسان ما لا يطيقه وهذا يستلزم القول بتكليف ما لا يطاق وهو سبحانه وتعالى يقول ! < ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون > ! المؤمنون 62
فكرة تعذر التصحيح والتضعيف في مصطلح الحديث عرفنا مما مضى في الباب الأول من جناية التقليد على الإجتهاد في المسائل الفقهية فكان من الطبيعي أن يتأثر الاجتهاد في تصحيح الحديث وتضعيفه بشيء من جفوة التقليد الجامد وتلحقه بعض رواسب القول بسد باب الإجتهاد
46
صاحب هذه الفكرة معلوم أن الشيخ تقي الدين أبا عمرو عثمان بن عبدالرحمن الشهرزوري المعروف بابن الصلاح 577 - 643 ه الذي هو أحد رواد مصطلح الحديث كان ممن يرى وجوب تقليد الأئمة الأربعة وسد باب الاجتهاد في الفقه بعدهم فأدخل فكرة منع الإجتهاد في التصحيح والتضعيف أيضا في كتابه علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح الذي هو من أشهر الكتب في مصطلح الحديث فقد قال الحافظ ابن حجر في تعريف كتابه وهو يبين التأريخ العلمي لعلوم الحديث إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح عبدالرحمن الشهرزوري نزيل دمشق فجمع لما ولى تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور فهذب فنونه وأملاه شيئا بعد شيء فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة فجمع شتات مقاصدها وضم إليها من غيرها نخب فوائدها فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره فلا يحصي كم ناظم له ومختصر ومستدرك عليه ومقتصر ومعارض له ومنتصر حقا هو كذلك كل من كتب بعده في علوم الحديث عال على كتابه وعكف عليه وسار بسيره ووافق على ما أثبت وقلما يخالف فيما دون إلا في مسألة تعذر التصحيح في الأعصار المتأخره حيث قال في مقدمته
47
إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثا صحيح الإسناد ولم نجده في أحد الصحيحين ولا منصوصا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان فآل الأمر إذا في معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف وصار معظم المقصود بما يتداول من الإسناد خارجا عن ذلك إبقاء سلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة زادها الله تعالى شرفا آمين فقد خولف ابن الصلاح في هذه المقالة من قبل كل من جاء بعده من رواد علوم الحديث ومشاهير علماء المصطلح كما نص عليه ابن حجر قائلا قد اعترض على ابن الصلاح كل من اختصر كلامه
مشاهير علماء المصطلح يردون على ابن الصلاح جزى الله تعالى علماء الأمة خير الجزاء على أنهم لا يخافون في الحق لومة لائم ولا يداهنون في الرد على ما يخالف الواقع ولا يسكتون على ما يظهر بطلانه وأيا كان قائله حتى ينكشف زيفه ويرد الحق إلى نصابه انطلاقا من هذا المبدأ الأصيل أفاض مشاهير علماء مصطلح الحديث في الرد على ابن الصلاح أيضا في قوله يتعذر التصحيح في الأعصار المتأخرة كما أفاض
48
العلماء الرواد في الفقه في الرد على القول بسد باب الاجتهاد في المسائل الفقهية وإليكم الآن مآخذ رواد علماء المصطلح في عصورهم على مقالة ابن الصلاح ليكون الدارس الفاحص على هدى وبصيرة من الأمر قال محيي الدين يحيى بن شرف النووي ت 676 ه معلقا على كلام ابن الصلاح والأظهر عندي جوازه أي التصحيح لمن تمكن وقويت معرفته وقال أحمد بن عبدالحليم بن تيمية ت 728 ه وهو بصدد ذكر الأحاديث الثلاثة عند البخاري التي نازعه فيها العلماء والمقصود هنا التمثيل بالحديث الذي يروي في الصحيح وينازع فيه بعض العلماء وأنه قد يكون الراجح تارة وتارة المرجوح ومثل هذا من موارد الاجتهاد في تصحيح الحديث كموارد الإجتهاد في الأحكام وهذا لا يكون إلا صدقا وجمهور متون الصحيح من هذا الضرب نصر الإمام ابن تيمية على أن الإجتهاد في تصحيح الحديث كالاجتهاد في الأحكام وقال بدر الدين بن جماعة ت 733 ه وأما ما صح سنده في كتاب أو جزء ولم يصححه إمام معتمد فلا يحكم بصحته لأن مجرد الإسناد لا يكفي فيه والاستقلال به متعذر في هذه الأعصار قلت مع غلبة الظن أنه لو صح لما أهمله أئمة الأعصار المتقدمة لشدة فحصهم واجتهادهم فإن بلغ أحد في هذه الأعصار أهلية ذلك والتمكن من
49
معرفته احتمل استقلاله وقال أيضا بعدما ذكر قول ابن الصلاح في مستدرك الحاكم بأن فيه تساهلا وما انفرد بتصحيحه لا يجزم به بل يجعل حسنا إلا أن يظهر ضعفه لعلة أو غيرها قلت في قوله يجعل حسنا نظر بل ينبغي أن يتتبع في أصله وسنده وسلامته ثم يحكم عليه لحاله وقال أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي ت 774 ه كذلك يوجد في معجمي الطبراني الكبير والأوسط ومسندي أبي يعلى والبزار وغير ذلك من المسانيد والمعاجم والفؤاد والأجزاء ما يتمكن المتبحر في هذا الشأن من الحكم بصحة كثير منه بعد النظر في حال رجاله وسلامته من التعليل الفاسد وقال زين الدين عبدالرحيم بن الحسين العراقي ت 802 ه لما تقدم أن البخاري ومسلما لم يستوعبا إخراج الصحيح فكأنه قيل فمن أين يعرف الصحيح الزائد على ما فيهما فقال أي ابن الصلاح خذه إذ تنص صحته أي حيث ينص على صحته إمام معتمد كأبي داود والترمذي والنسائي والدارقطني والخطابي والبيهقي في مصنفاتهم المعتمدة كذا قيده ابن الصلاح في مصنفاتهم ولم أقيد بها بل إذا صح الطريق إليهم صححوه ولو في غير مصنفاتهم أو صححه من لم يشتهر له تصنيف من الأئمة كيحيى بن سعيد القطان وابن معين ونحوهما فالحكم كذلك على الصواب
50
وإنما قيده ابن الصلاح بالمصنفات لأنه ذهب إلى أنه ليس لأحد في هذه الأعصار أن يصحح الأحاديث فلهذا لم يعتمد على صحة السند إلى من صححه في غير تصنيف مشهور وقال أيضا وهو بصدد الرد على قول ابن الصلاح في تساهل الحاكم في المستدرك حيث حكم على ما فيه ما لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن يحتج به ويعمل به إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه إن الحكم عليه بالحسن فقط تحكم فالحق أن ما انفرد بتصحيحه يتتبع بالكشف عنه ويحكم عليه بما يليه بحاله من الصحة والحسن والضعف ولكن ابن الصلاح رأيه أنه ليس لأحد أن يصحح في هذه الأعصار فلهذا قطع النظر عن الكشف عليه وقال أيضا ما رجحه النووي هو الذي عليه عمل أهل الحديث فقد صحح جماعة من المتأخرين أحاديث لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحا فمن المعاصرين لابن الصلاح ت 643 ه أبو الحسن علي بن محمد بن عبدالملك بن القطان ت 628 ه صاحب كتاب بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام وقد صحح في كتابه المذكور عدة أحاديث ثم ذكر الأمثلة وممن صحح أيضا من المعاصرين له الحافظ ضياء الدين محمد بن عبدالواحد المقدسي ت 643 ه جمع كتابا سماه المختارة التزم فيه الصحة
51
وذكر فيه أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها فيما أعلم وتوفي الضياء المقدسي في السنة التي مات فيها ابن الصلاح ت 643 ه وصحح الحافظ زكي الدين عبدالعظيم بن عبدالقوي المنذري ت 656 ه حديث غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر في جزء جمع فيه ما ورد في ذلك وتوفي الزكي المنذري سنة ست وخمسين وستمائة ثم صحح الطبقة التي تلي هذه أيضا فصحح الحافظ شرف الدين عبدالمؤمن بن خلف الدمياطي ت 705 ه وذكر مثال ذلك ثم صحح الطبقة التي تلي هذه وهم شيوخنا فصحح الشيخ تقي الدين السبكي ت 756 ه ثم ذكر مثال ذلك ولم يزل ذلك دأب من بلغ أهلية ذلك منهم إلا أن فيهم من لا يقبل ذلك منهم وكذا كان المتقدمون ربما صحح بعضهم شيئا فأنكر عليه تصحيحه والله أعلم وقال محمد بن إبراهيم الوزير اليماني ت 840 ه
52
الضرب الثاني من ضربي التصحيح أن لا ينص على صحة الحديث أحد من المتقدمين ولكن تبين لنا رجال إسناده وعرفناهم من كتب الجرح والتعديل الصحيحة بنقل الثقات سماعا أو غيره من طرق النقل كالإجازة والوجادة فهذا وقع فيه خلاف لابن الصلاح فإنه ذكر أنا لا نجزم بصحة ذلك لعدم خلو الإسناد في هذه الأعصار ممن يعتمد على كتابه من غير تمييز لما فيه وخالفه في دعواه النووي فقال الأظهر عندي جوازه لمن تمكن وقويت معرفته وقال زين الدين هو الذي عليه عمل أهل الحديث وقد ناقش شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر ت 852 ه رأي الشيخ ابن الصلاح ورأي المخالفين له مناقشة علمية دقيقة مفصلا كما نقله السيوطي فقال قال شيخ الإسلام قد اعترض على ابن الصلاح كل من اختصر كلامه وكلهم دفع في صدر كلامه من غير إقامة دليل ولا بيان تحليل ومنه من احتج بمخالفة أهل عصره ومن بعده له في ذلك كابن القطان ت 628 ه والضياء المقدسي ت 643 ه والزكي المنذري ت 656 ه ومن بعدهم كابن المواق ت 721 ه والدمياطي ت 750 ه والمزي ت 742 ه ونحوهم وليس بوارد لأنه لا حجة على ابن الصلاح بعمل غيره وإنما يحتج عليه بإبطال دليل أو معارضته بما هو أقوى منه ومنهم من قال لا سلف له في ذلك ولعله بناه على جواز خلو العصر من المجتهد وهذا إذا انضم إلى ما قبله من أنه لا سلف له فيما ادعاه وعمل أهل عصره
53
ومن بعدهم على خلاف ما قال انتهض دليلا للرد عليه قال ثم إن في عباراته مناقشات منها قوله فإنا لا نتجاسر ظاهره أن الأولى ترك التعرض له لما فيه من التعب والمشقة وإن لم ينهض إلى درجة التعذر فلا يحسن قوله بعد تعذر ومنها أنه ذكر مع الضبط الحفظ والإتقان وليست متغايرة ومنها أنه قابل بعدم الحفظ وجود الكتاب فأفهم أنه يعيب من حدث من كتابه ويصوب من حدث عن ظهر قلبه والمعروف من أئمة الحديث خلاف ذلك وحينئذ فإذا كان الراوي عدلا ولكن لا يحفظ ما يسمعه عن ظهر قلب واعتمد ما في كتابه فحدث منه فقد فعل اللازم له فحديثه على هذه الصورة صحيح قال وفي الجملة ما استدل به ابن الصلاح من كون الأسانيد ما منها إلا وفيه من لم يبلغ درجة الضبط المشترطة في الصحيح إن أراد أن جميع الإسناد كذلك فهو ممنوع لأن من جملته من يكون من رجال الصحيح وقل أن يخلو إسناد عن ذلك وإن أراد بعض الإسناد كذلك فمسلم ولكن لا ينهض دليلا على التعذر إلا في جزء ينفرد بروايته من وصف بذلك أما الكتاب المشهور الغني بشهرته عن اعتبار الإسناد منا إلى مصنفه كالمسانيد والسنن مما لا يحتاج في صحة نسبتها إلى مؤلفها إلى اعتبار إسناد معين فإن المصنف منهم إذا روى حديثا ووجدت الشرائط فيه مجموعة ولم يطلع المحدث المتقن المطلع فيه على علة لم يمتنع الحكم بصحته ولو لم ينص عليها أحد من المتقدمين
54
قال ثم ما اقتضاه كلامه من قبول التصحيح من المتقدمين ورده من المتأخرين قد يستلزم رد ما هو صحيح وقبول ما ليس بصحيح فكم من حديث حكم بصحته إمام متقدم اطلع المتأخر فيه على علة قادحة تمنع من الحكم بصحته ولا سيما إن كان ذلك المتقدم ممن لا يرى التفرقة بين الصحيح والحسن كابن خزيمة وابن حبان قال والعجب منه أي من ابن الصلاح كيف يدعي تعميم الخلل في جميع الأسانيد المتأخرة ثم يقبل تصحيح المتقدم وذلك التصحيح إنما يتصل للمتأخر بالإسناد الذي يدعي فيه الخلل فإن كان ذلك الخلل مانعا من الحكم بصحة الإسناد فهو مانع من الحكم بقبول ذلك التصحيح وإن كان لا يؤثر في الإسناد في مثل ذلك لشهرة الكتاب كما يرشد إليه كلامه فكذلك لا يؤثر في الإسناد المعين الذي يتصل به رواية ذلك الكتاب إلى مؤلفه وينحصر النظر في مثل أسانيد ذلك المصنف منه فصاعدا ولكن قد يقوى ما ذهب إليه ابن الصلاح بوجه آخر وهو ضعف نظر المتأخرين بالنسبة إلى المتقدمين وقيل إن الحامل لابن الصلاح على ذلك أن المستدرك للحاكم كتاب كبير جدا يصفو له منه صحيح كثير وهو مع حرصه على جمع الصحيح غزير الحفظ كثير الاطلاع واسع الرواية فيبعد كل البعد أن يوجد حديث بشرائط الصحة لم يخرجه وهذا قد يقبل لكنه لا ينهض دليلا على التعذر قلت والأحوط في مثل ذلك أن يعبر عنه بصحيح الإسناد ولا يطلق التصحيح لاحتمال علة للحديث خفيت عليه وقد رأيت من يعبر خشية من ذلك
55
بقوله صحيح إن شاء الله وقال محمد بن عبدالرحمن السخاوي ت 902 ه بعد ذكر قول ابن الصلاح في المستدرك للحاكم وأنه جعل ما لم يكن مردودا من أحاديثه دائرا بين الصحة والحسن احتياطا وحينئذ فلم يتحكم بغير دليل نعم جر سده باب التصحيح إلى عدم تمييز أحدهما من الآخر لاشتراكهما كما صرح به في الحجية والحق كما أرشد إليه البدر بن جماعة أن يتتبع الكتاب ويكشف عن أحاديثه ويحكم بما يليق به من الصحة أو الحسن أو الضعف وقد تنبه السيوطي إلى نكتة جديدة في هذا المبحث حيث قال لم يتعرض المصنف أي النووي ومن بعده كابن جماعة وغيره ممن اختصر ابن الصلاح والعراقي في الألفية والبلقيني وأصحاب النكت إلا للتصحيح فقط وسكتوا عن التحسين وقد ظهر لي أن يقال فيه إن من جوز التصحيح فالتحسين أولى ومنع منع فيحتمل أن يجوزه وقد حسن المزي حديث طلب العلم فريضة مع تصريح الحفاظ بتضعيفه وحسن جماعة كثيرون أحاديث صرح الحفاظ بتضعيفها ثم تأملت كلام ابن الصلاح فرأيته سوى بينه وبين التصحيح حيث قال فآل الأمر إذا في معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في كتبهم إلى آخره
56
وقد منع ووافق عليه المصنف وغيره أن يجزم بتضعيف الحديث اعتمادا على ضعف إسناده لاحتمال أن يكون له إسناد صحيح غيره فالحاصل أن ابن الصلاح سد باب التصحيح والتحسين والتضعيف على أهل هذا الزمان لضعف أهليتهم وإن لم يوافق على الأول ولا شك أن الحكم بالوضع أولى بالمنع قطعا إلا حيث لا يخفى كالأحاديث الطوال الركيكة التي وضعها القصاص أو ما فيه مخالفة للعقل أو الإجماع وأما الحكم للحديث بالتواتر أو الشهرة فلا يمتنع إذا وجدت الطرق المعتبرة في ذلك وينبغي التوقف على الحكم بالفردية والغرابة وعن العزة أكثر وقال زين الدين زكريا بن محمد الأنصاري السنكي ت 925 ه فابن الصلاح جعل ما انفرد الحاكم بتصحيحه ولم يكن مردودا دائرا بين الصحيح والحسن احتياطا لا حسنا مطلقا كما اقتضاه النظم وإن جرى عليه النووي وغيره مع أن في ذلك تحكما ويمكن تصحيح ذلك بأن يقال إنه حسن في الحكم من حيث الحجية وإن لم يتميز فيه الصحيح من الحسن اصطلاحا والحق أن يتتبع كتابه بالكشف عنه ويحكم بما يليق به من الصحة والحسن والضعف ولما كان رأي ابن الصلاح أنه ليس لأحد في هذه الأعصار أن يصحح حديثا قطع النظر عن تتبع ذلك وقال جمال الدين القاسمي ت 1332 ه بعد ما نقل كلام ابن الصلاح في تعذر التصحيح
57
وقد اقتفى أثر ابن الصلاح في كل ما ذكره من جاء بعده إلا في تعذر التصحيح في الأعصار المتأخرة فخالفه فيه جمع ممن لحقه ثم ذكر ردود العلماء على ابن الصلاح في هذا الأمر وقال أحمد محمد شاكر ذهب ابن الصلاح إلى أنه قد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد ومنع بناء على هذا من الجزم بصحة حديث لم نجده في أحد الصحيحين ولا منصوصا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة وبنى على قوله هذا أن ما صححه الحاكم من الأحاديث ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحا ولا تضعيفا حكمنا بأنه حسن إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن إسناده وعلله وهو الصواب والذي أراد أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة فكما حظروا الاجتهاد في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث وهيهات فالقول بمنع الاجتهاد قول باطل لا برهان عليه من كتاب ولا سنة ولا تجد له شبه دليل هكذا أبطل العلماء الفطاحل دعوى تعذر الاجتهاد في المسائل الفقهية وفي
58
الحكم على الحديث في الأعصار المتأخرة على السواء وقد ألف الأمير الصنعاني ت 1182 ه رسالة مستقلة في بطلان هذه الدعوى أسماها بإرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد فأجاد وأفاد وقال إنه لا مانه لمن وجد في هذه الأعصار حديثا لم يسبق عليه كلام إمام من الأئمة بتصحيح ولا غيره فتتبع كلام أئمة الرجال في أحوال رواته حتى حصل له من كلامهم ثقة روايته أو عدمها فجزم بأيهما على الحديث كما جزم من قبله من أئمة التصحيح والتضعيف من مثل البخاري وغيره ومستنده في ذلك مستند من قبله غاية الفرق أنه كثر الوسائط في حقه لتأخر عصره وهذا موجب لمشقة البحث عليه لكثرة الرواة الذين يبحث عن أحوالهم ولكن ربما كان ثوابهم أكثر لزيادة مشقة البحث هذا إذا كانت طريق المتأخر هي الرواية وأراد معرفة أحوال شيوخه وتحقيقها حتى يبلغ إلى مؤلف الكتاب الذي قرأه وأما إذا كانت طريقة الإجازة أو الوجادة فإنه لا كثرة للوسائط أصلا بل هو كالقدماء في ذلك وحينئذ فيكون مجتهدا فيما حكم بصحته مثلا فإنه كما أنه لا محيص عن القول بأن تصحيح الأئمة الأولين اجتهاد فإنه إنما بنوه على ما بلغ إليهم من أحوال الرواة ففرعوا عليه التصحيح وجعلوه عبارة عن ثقة الرواة وضبطهم كذلك لا محيص عن القول بان ما صححه من بعدهم إلى يومنا هذا أو ضعفوه أو حسنوه حكمه ما قاله الأولون من الأئمة إذ الأصل في الكل واحد وهو قبول أخبار من سلف عن أحوال الرواة وصفاتهم وإلا كان القول بخلاف هذا تحكما لا يقول به عالم وإذا عرفت هذا عرفت ضعف ما قاله ابن الصلاح بل بطلانه من أنه
59
ليس لنا الجزم بالتصحيح في هذه الأعصار وقد خالفه النووي ورجح زين الدين كلام النووي وهو الحق إن كلام الأمير هذا حقا أمير الكلام في هذا الموضوع ومسك الختام هنا انتهى ما أردت تقييده وأسأل الله تعالى أن أكون قد وفقت لإثبات ما رأيت من الحق فإن أصبت فمنه سبحانه وإن أخطأت فمني ومن الشيطان ونعوذ بالله من ذلك وأدعو الله عز وجل أن يرينا الحق ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه كي نكون ممن قال فيهم ! < الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب > ! الزمر 18 اللهم اجعل عملي هذا خالصا لوجهك الكريم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم الحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على سيدنا وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
60
60

61
الباب الثالث نبذة عن حياة المؤلف محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني 1099 - 1182 ه
نسبه ومولده هو الإمام الحافظ أبو إبراهيم محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد بن علي المعروف بالأمير الحسني اليمني الكحلاني الصنعاني ولد رحمه الله في مدينة كحلان في ليلة الجمعة منتصف جمادى الآخرة من عام 1099 ه تسعة وتسعين وألف من الهجرة
نشأته وبراعته في العلوم انتقل والده وأهله من كحلان إلى صنعاء فنشأ بها وأتم حفظ القرآن عن ظهر قلب وتعهده أبوه بالتربية والتعليم وكان من الفضلاء الراغبين في العلم الزاهدين في الدنيا ت 1142 ه وأسلمه إلى النحارير من أهل العلم حتى تخرج عليهم عالما فاضلا وبرع في جميع العلوم وفاق الأقران وتفرد برئاسة العلم في صنعاء وتظهر بالاجتهاد وعمل بالأدلة ونفر عن التقليد وزيف ما لا دليل عليه من الآراء الفقهية وجرت له مع أهل عصره خطوب ومحن ويذكره الشوكاني
62
بالاجتهاد المطلق ويعده من أئمة المجددين لمعالم الدين
شيوخه أخذ عن والده الفقه والنحو والبيان وعلوم الدين ومن شيوخه المعروفين صلاح بن حسين الكحلاني وزيد بن محمد بن الحسن بن القاسم ولازمه كل يوم حتى فرق بينهما موت الشيخ والقاضي علي بن محمد العنسي وهاشم بن يحيى الشامي وعبدالله بن علي الوزير الصنعاني وعبدالخالق بن الزين الزبيدي
تلاميذه من اجل تلاميذه أولاده إبراهيم وعبدالله والقاسم ومنه عبدالقادر بن أحمد وأحمد بن محمد قاطن وأحمد بن صالح بن أبي الرجال ومحمد بن إسحاق والحسن بن إسحاق بن المهدي وإسماعيل بن محمد بن إسحاق وغيرهم خلق كثير وقد كان رحمه الله كثير الأتباع من الخاصة والعامة الذين عملوا باجتهاده وتظهروا بذلك قرؤا عليه كتب الحديث وفيهم جماعة من الأجناد
مناصبه لما استكمل أدوات الرئاسة والتصدر أكب على الإفادة والتدريس واشتهر بنشر علم السنة النبوية وقد ولاه الإمام المنصور بالله الخطابة بجامع صنعاء فاستمر كذلك إلى أيام ولده الإمام المهدي
63
وولاه المهدي العباس سنة 1161 ه أوقاف صنعاء وبلادها فباشر أعمال الوقف بصدق وأمانة وعفاف واستمر إلى شوال سنة 1162 ه ثم اعتذر عنها ومن أعماله في هذه الحقبة تحريضه المهدي على بعت معلمين للصلاة إلى جميع القرى والمدن المنعزلة في البوادي وإزالة منكرات المعتقدات وإرشاد الناس إلى الطاعات فأرسل المهدي جماعة من الصالحين للعمل بذلك
مصنفاته مرتبة على حروف الهجاء 1 إجابة السائل شرح بغية الآمل بمنظومة الكافل في أصول الفقه 2 الإحراز لما في أساس البلاغة للزمخشري من كناية ومجاز 3 الإدراك لضعف أدلة تحريم التنباك 4 إسبال المظر شرح نخبة الفكر 5 إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد وهو كتابنا هذا 6 إستيفاء المقال في حقيقة الإرسال 7 الأنفاس الرحمانية على الإفاضية المدنية رسالة تتعلق بخلق أفعال العباد 8 الأنوار على كتاب الإيثار 9 الإيضاح والبيان في تحقيق عبارات قصص القرآن 10 إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة
64
11 بشرى الكئيب بلقاء الحبيب منظومة وشرحها في المعاذ 12 التحبير شرح كتاب التيسير أي تيسير الوصول إلى جامع الأصول 13 تطهير الاعتقاد عن درن الإلحاد 14 التنوير شرح الجامع الصغير ألفة قبل اطلاعه على شرح المناوي 15 توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار 16 ثمرات النظر في علم الأثر 17 جمع الشتيت شرح أبيات التثبيت للسيوطي في عالم البرزخ والمعاد 18 حاشية على البحر والزخار من كتاب الطهارة إلى الزكاة 19 حاشية على شرح الرضى على الكافية 20 الدراية شرح العناية في أصول الفقه 21 ديوان شعره جمعه ابنه عبدالله الأمير ورتبه على الحروف وهو في أكثر من 400 صفحة 22 رسالة في الرسالة جواب سؤال هل التحدي بالقرآن مستمر أم يرتفع إذا اختلت اللسان 23 رسالة في المفاضلة بين الصحاح والقاموس وأبان أنهما يشتركان في الجمع بين الحقيقة والمجاز 24 رسالة في إزالة أصنام لوثني الهند ألفها للمهدي العباس 25 الروض النضير في الخطب 26 الروضة الندية شرح التحفة العلوية 27 سبل السلام شرح بلوغ المرام 28 السهم الصائب للقول الكاذب رد بها على جماعة من الشيعة وقالوا إن تدريسه تفسير القرآن بالجامع من المنكر 29 السيف الباتر في يمين الصابر والشاكر اختصار عدة الصابرين لابن القيم
65
30 العدة شرح العمدى لابن دقيق العيد 31 فتح الخالق شرح ممادح رب الخلائق 32 قصب السكر نظم نخبة الفكر في علم الأثر 33 المسائل المرضية في بيان اتفاق أهل السنة والزيدية 34 منحة الغفار حاشية على ضوء النهار شرح الأزهار 35 منسك في الحج ومعه قصيدة له في المناسك عدد أبياتها 283 36 نصرة المعبود في الرد على أهل وحدة الوجود 37 نظم بلوغ المرام 38 نهاية التحرير في الرد على قولهم ليس في مختلف فيه نكير 39 هداية السول في علم الأصول 40 اليواقيت في المواقيت في بيان أوقات الصلاة بما دلت عليه الأدلة
ابتلاءاته قد ابتلى بلاء حسنا لأجل العمل بالحديث وتجمع العوام لقتله مرة بعد أخرى ولكن الله عز وجل حفظه من كيدهم ومكرهم وكفاه شرهم قال الشوكاني وليس الذنب في معاداة من كان كذلك للعامة الذين لا تعلق لهم بشيء من المعارف العلمية فإنهم أتباع كل ناعق إذا قال لهم من له هيئة أهل العلم إن هذا الأمر حق قالوا حق وإن قال باطل قالوا باطل إنما الذنب لجماعة قرؤوا شيئا من كتب الفقه ولم يمعنوا فيها ولا عرفوا غيرها فظنوا لقصورهم أن المخالفة لشيء منها مخالفة للشريعة صدق رحمه الله وهذا هو شأن من ينتسب إلى العلم في عصرنا في مخالفة العلم في عصرنا في مخالفة العمل بالحديث فهداهم الله
66
وفاته مات رحمه الله بصنعاء في يوم الثلاثاء ثالث شعبان سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف عن ثلاث وثمانين سنة ودفن بالحوطة التي في الجنوب الغربي من منارة مسجد المدرسة المنسوبة للإمام شرف الدين بأعلى صنعاء وقد رثاه جماعة من أكابر العلماء في عصره منهم السيد محمد بن هاشم الشامي الحسني الصنعاني وضمن قصيدته تأريخ وفاته محمد في جنات الخلد قد وصلا 1182 ه رحمه الله رحمة واسعة ونفع بعلمه وأجزل له المثوبة على إقامته السنة النبوية ونصره لها ودفاعه عنها وأعلى درجاته في الصالحين
كتابنا هذا هذا الكتاب دراسة علمية جادة في إثبات أن الحكم على الحديث من حيث الصحة والضعف في الأعصار المتأخرة مستعينا بأقوال علماء الجرح والتعديل ليس تقليدا لهم بل هو اجتهاد لا يختلف عن الاجتهاد في المسائل الفقهية وأن الاجتهاد الآن في أي مجال من المجالات أيسر بكثير من الاجتهاد في العصور
67
المتقدمة وذلك لتوفر أدوات الاجتهاد من مصادر التفسير والحديث ومراجع الفقه الإسلامي في كل مكان وبأدنى جهد وأقل وقت إن العلامة المؤلف قد مكنته مقدرته العلمية من إثبات هذا وذاك بكل دقة ومهارة وكفاءة وجدارة وإتماما للفائدة بين شروط الاجتهاد بالاختصار وكذا ذكر ما يدل على تعظيم الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الدين للسنة النبوية من أقوالهم في التحاكم إليها وفي آخر الكتاب تناول بعض شبهات المقلدين بالرد عليها ردا علميا مفحما فجزاه الله خيرا
صحة نسبته إلى المؤلف إن كتاب إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد معروف النسبة إلى مؤلفه الأمير الصنعاني ويذكره في قائمة مصنفاته كل من يترجم له وأدل دليل على صحة نسبته إلى مؤلفه أنه بنفسه يحيل إلى هذا الكتاب باسمه في بعض مؤلفاته حيث قال في سبل السلام 4238 طبعة جامة الإمام بالرياض في شرح حديث عمرو بن العاص إذا حكم الحاكم فاجتهد وقد بينا بطلان دعوى تعذر الاجتهاد في رسالتنا المسماة بإرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد بما لا يمكن دفعه وقال في كتابه توضيح الأفكار 1115 وهو يبين معنى قولهم هذا حديث صحيح وقد بسطنا هذا في رسالتنا المسماة بإرشاد النقاد بسطا شافيا
68
هذا والكتاب مطبوع ضمن الرسائل المنيرية 11 47 التي جمعها الأستاذ محمد منير الدمشقي رحمه الله وأجزل له المثوبة في الآخرة وله مخطوط يوجد في مكتبة الشيخ عبدالله آل إبراهيم السليم بمدينة بريدة منطقة القصيم بالسعودية نسخه محمد بن عبدالعزيز سنة 1296 ه بخط جيد يحتوي على 47 صفحة 2718 سم وفيه سقط ورقتين في الوسط راجع مقال مخطوطات مكتبات القصيم للأستاذ سليمان بن وائل التويجري المطبوع في مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي بكلية الشريعة بمكة المكرمة ص 339 العدد الثاني عام 1399 ه
عملي في هذا الكتاب أ المقدمة 1 حكم الاجتهاد في المسائل الفقهية 2 حكم الاجتهاد في الحكم على الحديث 3 نبذة عن حياة المؤلف والكتاب وخطة العمل فيه ب نص الكتاب 1 عزو الآيات إلى مواضعها من القرآن الكريم 2 تخريج الأحاديث والآثار 3 التعليقات لتوضيح نصوص الكتاب 4 وما بين المعكوفين هكذا زيادة زدتها للفصول وغيرها توضيحا للأمور أو بيانا لاختلاف النص
شكر وتقدير أشكر الله عز وجل أولا وآخرا على ما أتممت من تحقيق هذا الكتاب بفضله
69
70 ومنه وكرمه وبنعمته تتم الصالحات ولا يسعني بهذه المناسبة إلا أن أشكر الاخوة الذين ساعدوني في إنجاز هذا العمل المتواضع خاصة الأخ الفاضل بدر البدر الذي أشار علي بتحقيق الكتاب وأفادني بمراجعته والأخ الفاضل فلاح بن ثاني الذي وضع مكتبته تحت تصرف أثناء غيابه لمواصلة دراسته العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة الطيبة فجزاهم الله خير الجزاء وأدعو الله السميع المجيب أن يوفقني لما يحب ويرضى من نصرة كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولكل ما فيه الخير والفلاح في الدنيا والآخرة وهو المستعان وإليه الثقة والتكلان وإليك الآن نص الكتاب
70
70

71
72 إرشاد النقاد إلى تيسير الإجتهاد للإمام محمد بن إسماعيل المعروف بالأمير الصنعاني
72
72

73
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف الحمد لله الذي ذلل صعاب علوم الاجتهاد لعلماء الأمة وحفظها بأساطين الحفاظ وجهابذة الأئمة فتتبعوها من الأفواه والصدور وخلدوها للمتأخرين من الأمة في الأوراق والسطور واستنبطوا من القواعد ما لا يزول بمرور الدهور واطلعوا من انوار علم الكتاب والسنة على أنوار البصائر نورا على نور وأشهد أن لا إله إلا الله المتكفل بحفظ علوم الدين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي يحمل علمه من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين صلى الله عليه وعلى آله قرناء القرآن صلاة وسلاما يدومان ما دارت الأفلاك واختلف الملوان وبعد فإن السيد قاسم بن محمد الكبسي رحمه الله سأل عن المسائل العلمية والأبحاث العملية نزلت علينا نزول الغيث على الرياض بل العافية على الأجسام المراض
سؤال وخلاصة ما اشتمل عليه أنه هل يكون العمل من
74
المتأخرين بتصحيح الأئمة من أهل الحديث للحديث أو تحسنه أو تضعيفه تقليدا لأولئك الحفاظ من الأئمة والأعيان من الأمة فيما وصفوا به الحديث من تلك الصفات ويكون القائل لذلك والعامل به مقلدا أو يكون فيما قبله من كلامهم في ذلك وعمل به مجتهدا فإنه قال السيد الإمام محمد بن إبراهيم في الروض الباسم إن قول الثقة العارف الذي ليس له قاعدة في التصحيح معلومة الفساد إن الحديث صحيح يجب قبول قوله بالأدلة العقلية والسمعية الدالة على قبول خبر الواحد وليس ذلك بتقليد بل هو عمل بما أوجبه الله تعالى من قبول خبر الثقات هذا كلامه ولكنه خالف كلام القاضي العلامة الحسين بن محمد المغربي في شرح بلوغ المرام فإنه قال
75
من لم يكن أهلا للنقد والتصحيح فله أن يقلد في ذلك من صحح أو حسن ممن هو أهله فإن لم يكن أحد من الأئمة تكلم بذلك على الحديث وليس هو بأهل للنقد لم يجز له الاحتجاج بالحديث إذ لا يأمن من أن يحتج بما لا يحل الاحتجاج به قال ولهذا أحال جماعة من المتأخرين الاجتهاد المطلق لتعسر التصحيح والتقليد في التصحيح يخرجه عن القصد وهو الإجتهاد قال ولم يتيسر في الأعصار المتأخرة إلا ترجيح لبعض المذاهب على بعض بالنظر إلى قوة الدلالة أو إلى كثرة من صحح أو جلالته والواجب الرجوع إلى الظن القوى بحسب الإمكان رأيت السائل دامت إفادته جنح إلى ترجيح كلام القاضي قائلا إنه قد يفرق بين التصحيح والتضعيف وبين الرواية فإن تصحيح الحديث وتضعيفه مسألة اجتهادية ونظرية قد يختلف الإمامان العظيمان في الحديث الواحد فأحدهما يذهب إلى صحته أو حسنه والآخر إلى ضعفه أو وضعه باعتبار ما حصل لهما من البحث والنظر وليس حال الرواية كذلك فإن مدارها على الضبط والعدالة ومدار التصحيح والتحسين ونحوهما على قوة اليد في
76
معرفة الرجال والعلل المتعلقة بالأسانيد والمتون ومعرفة الشواهد والمتابعات والقاضي قد جزم بأن قول الحافظ في التصحيح تقليد وإذا نظرتم إلى تصرف العلامة الحسن بن أحمد الجلال في ضوء النهار لم يجد الإنسان في يده غير ما أشار إليه القاضي من الترجيح بقوة الدلالة أو كثرة من صحح أو جلالته ولم يكن ممن يعرف الأسانيد والعلل مثل المنذري وابن حجر والنووي ومن في طبقتهما من المتأخرين دع عنك الأئمة الكبار مثل الحاكم والدارقطني مع تصريحه في غير موضع من كتبه بالاجتهاد المطلق وكذا العلامة المقبلي سلك هذا المسلك ولم يزل هذا السؤال يخطر بالبال فأفضلوا بالجواب انتهى
الجواب ما حرر السائل لا زال مفيدا ولا برح في أنظاره العلمية سديدا وأقول الجواب يظهر إن شاء الله تعالى بذكر فصول تشتمل على إيضاح المسألة بمشيئة الله تعالى وهدايته
77
فصل في تعريف الحديث الصحيح رسم الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه نخبة الفكر الحديث الصحيح بأنه ما نقله عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ وقال وهو الصحيح لذاته وقريب منه رسم ابن الصلاح وزين الدين بأنه ما اتصل إسناده بنقل عدل ضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة قادحة
78
إذا عرفت هذا فهذه خمسة قيود ثلاثة وجودية واثنان عدميان وكلها إخبار كأنه قال الثقة حين قال حديث صحيح هذا الحديث رواته عدول مأمونوا الضبط متصل إسنادهم لم يخالف فيه الثقة ما رواه الناس وليس فيه أسباب خفية طرأت عليه تقدح في صحته وحينئذ قول الثقة صحيح يتضمن الإخبار بهذه الجمل الخمس وقد تقرر بالبرهان الصحيح أن الواجب أو الراجح العمل بخبر العدل والقبول له وتقرر أن قبوله ليس من التقليد لقيام الدليل على قبول خبره فالتصحيح مثلا والرواية للخبر قد اتفقا أنهما إخبار إما بالدلالة المطابقية أو التضمينية أو الإلزامية أما قبول خبره الدال بالمطابقة فلا كلام فيه كقوله زيد قائم أما قبول خبره الدال بالتضمن أو الإلتزام فيدل على قبوله أنهم جعلوا من طرق التعديل حكم مشترط العدالة بالشهادة وعمل العالم المشترط لها رواية من
79
لا يروي إلا عن عدل فإنهم صرحوا في الأصول وعلوم الحديث أن هذه طرق التعديل ومعلوم أن دلالة هذه الصورة على عدالة الراوي والشاهد التزامية فقول الثقة حديث صحيح يتضمن الإخبار بالقيود الخمسة والرواية لها ولا يقال إن إخباره بأنه صحيح إخبار على ظنه بحصول شرائط الصحة عند ظنه كما يدل له أنه صرح زين الدين وغيره بأن قول المحدثين هذا حديث صحيح فمرادهم فيما ظهر لنا عملا بظاهر الإسناد لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر لأنا نقول إخبار الثقة بأن زيدا عدل إخبار عن ظنه بأنه آت بالواجبات مجتنب للمقبحات بحسب ما رآه من ذلك وأخبر مع جواز أنه في نفس الأمر غير مسلم لكن هذه التجويزات لا يخاطب بها المكلف
من شروط الصحيح السلامة من الشذوذ والعلة فإن قلت من شروط الصحيح السلامة من الشذوذ والعلة وليس مدرك هذين الأمرين الإخبار بل تتبع الطرق والأسانيد والمتون كما أشار إليه السائل قلت أما أولا فالشذوذ والعلة نادران والحكم للغالب لا للنادر ألا
80
ترى أن الراجح العمل بالنص وإن جوز أنه منسوخ عملا بالأغلب وهو عدم النسخ وبرهان ندورهما يعرف من تتبع كلام أئمة الحديث على طرق الأحاديث من مثل البدر المنير وتلخيصه فإنهم يتكلمون على ما قيل في الحديث فتجد القدح بالشذوذ والإعلال نادرا جدا بل قال السيد محمد بن إبراهيم في التنقيح ظاهر الحديث المعل السلامة من العلة حتى تثبت بطريق مقبولة أما ثانيا فقول الثقة هذا صحيح أي غير شاذ ولا معلل إخبار بأنه لم يقع في رواته راو ثقة خالف الناس فيه ولا وجدت فيه علة تقدح في صحته
81
وهذا إخبار عن حال الرواي بصفة زائدة على مجرد عدالته وحفظه أو حال المتن بأن ألفاظه مصونة عن ذلك وليس هذا خبرا عن اجتهاد بل عن صفات الرواة والمتون فإنه إخبار بأنه تتبع أحوال الرواة حتى علم من أحوالهم صفات زائدة على مجرد العدالة وفي التحقيق هذا عائدة إلى تمام الضبط وتتبع مروياتهم حتى أحاط بألفاظها فالكل عائد إلى الإخبار عن الغير لا عن الاجتهاد الحاصل عن دليل ينقدح له منه رأي
تصحيح الأئمة وتضعيفهم للأحاديث اجتهاد أم تقليد وأنت إذا نظرت إلى الأئمة النقاد من الحفاظ كالحاكم أبي عبدالله وأبي الحسن الدارقطني وابن خزيمة ونحوهم كالمنذري وتصحيحهم لأحاديث وتضعيفهم لأحاديث واحتجاجهم على الأمرين مستندا إلى كلام من تقدمهم كيحيى بن معين وأحمد بن حنبل وأبي عبدالله البخاري ومسلم وغيرهم من أئمة هذا الشأن وأنه ثبت له عنهم أو عن أحدهم أنه قال فلان حجة أو ثبت أو عدل أو نحوها من عبارات التعديل وأنهم قالوا في غيره إنه ضعيف أو كذاب أو لا شيء أو نحوها ثم فرعوا على هذه الروايات صحة الحديث أو ضعفه باعتبار ما قاله من قبلهم فإنه تجنب ابن إسحاق من تجنبه من أهل الصحاح بقول مالك فيه مع أن ابن إسحاق إمام أهل المغازي
82
وقدحوا أيضا في الحارث الأعور بكلام الشعبي فيه ولم يلقوا ابن إسحاق ولا الحارث بل قبلوا كلام من تقدم فيهم من الأئمة وإذا حققت علمت أن تصحيح البخاري ومسلم وغيرهما مبني على ذلك وكذلك تضعيفهما فإنهما لم يلقيا إلا شيوخهما من الرواة وبينهم وبين الصحابة وسائط كثيرون اعتمدوا في ثقتهم وعدمها على الرواة من الأئمة قبلهم فلم يعرفوا عدالتهم وضبطهم إلا من أخبار أولئك الأئمة فإذا كان الواقع من مثل البخاري في التصحيح تقليدا لأنه بناه على إخبار غيره عن أحوال من صحح أحاديثهم كان كل قابل لخبر من تقدمه من الثقات مقلدا
83
وإن كان الواقع من البخاري من التصحيح اجتهادا مع ابتنائه على خبر الثقات فليكن قولنا بالصحة لخبر البخاري المتفرع عن إخبار الثقات اجتهادا فإنه لا فرق بين الإخبار بأن هؤلاء الرواة ثقات حفاظ وبين الإخبار بأن الحديث صحيح إلا بالإجمال والتفصيل وكأنهم عدلوا عن التفصيل إلى الإجمال اختصارا وتقريبا لأنهم لو أعقبوا كل حديث بقولهم رواته عدول حافظون رواه متصلا ولا شذوذ فيه ولا علة لطالت مسافة الكلام وضاق نطاق الكتاب الذي يؤلفونه عن استيفاء أحاديث الأحكام فضلا عما سواها من الأخبار على أن هذا التفصيل لا يخلو عن الإجمال إذ لم يذكر فيه كل راو على انفراده بصفاته بل في التحقيق أن قولهم عدل معدول به عن آت بالواجبات مجتنب للمقبحات محافظ على خصال المروءة متباعد عن أفعال الخسة فعدلوا عن هذه الإطالة إلى قولهم عدل فقولهم عدل خبر انطوت تحته غدة أخبار كما انطوت تحت قولهم صحيح وإذا عرفت هذا تبين لك صحة قول صاحب الروض الباسم وأنه الصواب فيما نقله السائل عنه ومثله قوله في التنقيح إنه إن نص على صحة الحديث أحد الحفاظ المرضيين المأمونين فيقبل ذلك منه للإجماع وغيره من الأدلة الدالة على قبول خبر الآحاد كما ذلك مبين في موضعه ولا يجوز ترك ذلك متى تعلق الحديث بحكم شرعي
84
فصل في جواز تصحيح الحديث وتضعيفه في هذه الأعصار إذا عرفت ما قررناه فاعلم أنه لا مانع لمن وجد في هذه الأعصار حديثا لم يسبق عليه كلام إمام من الأئمة بتصحيح ولا غيره فتتبع كلام ائمة الرجال في أحوال رواته حتى حصل له من كلامهم ثقة روايته أو عدمها فجزم بأيهما على الحديث كما جزم من قبله من أئمة التصحيح والتضعيف من مثل البخاري وغيره ومستنده في ذلك مستند من قبله كما أوضحناه غاية الفرق أنه كثر الوسائط في حقه لتأخر عصره فكانوا أكثر من الوسائط في حق من تقدمه لقرب عصرهم وهذا موجب لمشقة البحث عليه لكثرة الرواة الذين يبحث عن أحوالهم ولكن ربما كان ثوابهم أكثر لزيادة مشقة البحث
85
هذا إن كانت طريق المتأخر هي الرواية وأراد معرفة أحوال شيوخه وتحقيقها حتى يبلغ إلى مؤلف الكتاب الذي قرأه أما إذا كانت طريقة الإيجازة أو الوجادة فإنه لا كثرة للوسائط
86
أصلا بل هو كالقدماء في ذلك وحينئذ فيكون مجتهدا فيما حكم بصحته مثلا فإنه كما أنه لا محيص عن القول بأن تصحيح الأئمة الأولين اجتهاد فإنه إنما بنوح على ما بلغ إليهم من أحوال الرواة ففرعوا عليه التصحيح وجعلوه عبارة عن ثقة الرواة وضبطهم كذلك لا محيص عن القول بأن ما صححه من بعدهم إلى يومنا هذا أو ضعفوه أو حسنوه حكمه حكم ما قاله الأولون من الأئمة إذ الأصل في الكل واحد وهو قبول إخبار من سلف عن أحوال الرواة وصفاتهم وإلا كان القول بخلاف هذا تحكما لا يقول به عالم وإذا عرفت هذا عرفت ضعف ما قاله ابن الصلاح بل بطلانه من أنه ليس لنا الجزم بالتصحيح في هذه الأعصار وقد خالفه النووي ورجح زين الدين كلام النووي وهو الحق
87
ولعل القاضي شرف الدين أغتر بكلام ابن الصلاح في هذا الطرف وأما قول القاضي إن القول بتصحيح الأئمة الماضيين والعمل عليه تقليد لهم فلا أعلم فيه سلفا بل الحق ما قدرنا لك من قول الإمام صاحب العواصم رحمه الله
88
فصل في مناقشة القول بإستحالة الإجتهاد أما قول القاضي رحمه الله إنه أحال جماعة من المتأخرين الإجتهاد المطلق لتعسر التصحيح والأهلية لذلك فكلام لا يليق صدوره عن مثله فإنه علل الإحالة بالتعسر وغير خاف على ناظر أنه لو سلم التعسر لبعض طرق لا يصير محالا غايته أنه يصير متعسرا لا محالا
89
ولكن قد أطبقت عامة أهل المذاهب الأربعة في هذه الأعصار وما قبلها على ما قاله القاضي شرف الدين واشتد منهم النكير على مدعي الاجتهاد من علمائهم قائلين إنه قد تعذر ذلك من بعد الأئمة وضاق مجال الاجتهاد ولم يبق فيه لمن بعدهم سعة وأطالوا ذلك بما لا طائل تحته
90
فإنه غير خاف على من له نباهة أن هذا منهم تهويل ليس عليه تعويل ومجرد استبعاد لا يهول قعاقع الأذكياء النقاد وكأن أولئك المستبعدين لما رأوا كثرة اتباع الأئمة المتقدمين وعظمتم لما وهب الله لهم من العلم والدين في صدور الأعيان من المتأخرين ظنوا أنهم غير مخلوقين من سلالة من طين ولو نظروا بعين الإنصاف وتتبعوا أحوال الأسلاف والأخلاف لعلموا يقينا إن في المتأخرين عن أولئك الأئمة من هو أطول منهم في المعارف باعا وأكثر في علوم الاجتهاد اتساعا قد قيضهم الله لحفظ علوم الاجتهاد من كل ذي همة صادقة ونية صالحة من العباد قد قربوا للمتأخرين منها كل بعيد ومهدوها لهم كل تمهيد
91
فمنهم من قيضه الله لتتبع علم اللغة من أفواه الرجال ومن ألسنة النساء والصبيان في بطون الأودية ورؤوس الجبال فرحل إلى بواديهم ونزل معهم في موارد مياههم ومراعي مواشيهم وتتبعهم في البوادي والقفار وواصلهم تحت الأشجار والأحجار ولازمهم في الليل والنهار وصاحبهم في الأوطان ورافقهم في الأسفار وقام بإقامتهم في المضارب والخيام وبيوت الشعر والتلول والآكام
92
يعرف ذلك من رحلة الأصمعي والأزهري وغيرهما من كل ذي همة سري حتى جمعوا فنونها وأناطوا معانيها وأجروا عيونها وأظهروا مخزونها حتى أصبحت بحارا ذاخرة ورياضا ناضرة وأنواعا متكاثرة ومؤلفات فاخرة قد
93
فاق من عرفها من لاقى قس بن ساعدة وسحبان وصار دونه من اختلط بالعرب العرباء في كل مكان وعلم اللغة بأنواعه هو عمدة علوم الاجتهاد وبالتبحر فيه وعدمه تتفاوت النقاد وألقى الله في قولب أقوام محبة السنة النبوية والآثار السلفية ورزقهم همما تناطح السماك وتطاول الأطلس من الأفلاك فارتحلوا لطلبها من الأقطار وفارقوا الأوطان والأوطار وطووا في حبها الفيافي والقفار وقنعوا من الدنيا بالكفاف وتركوا لغيرهم اللذات والأتراف واتخذوا الزهد شعارا والقناعة دثار فسهر الأجفان ألذ إليهم وأطيب من المنام والجوع أشهى من الامتلاء من
94
نفيس الطعام يرتحلون لسماع الحديث الواحد من الأقطار الشاسعة ويطلبون من الأقاليم المتباعدة الواسعة ففي مثلهم يقال
طورا تراهم في الصعيد
وتارة في أرض آمد
فيبتغون من العلوم
بكل أرض كل شارد
يدعون أصحاب الحديث
بهم تجملت المشاهد
فهذا أبو عبدالله البخاري رحل بعد إحاطته بحديث شيوخ بلدته إلى الشام والكوفة والبصرة وبلخ وعسقلان وحمص ودمشق وكتب عن ألف شيخ وثمانين شيخا وجمع للمسلمين هذه الأحاديث التي تتبعها من الآفاق وصحب في تطلبها الرفاق بعد الرفاق في كتابه الجامع الصحيح يقرأه المحدث قراءة تحقيق واتقان في شهر من أشهر الزمان وغيره من أئمة هذا الشأن لهم أكمل منة على أهل الإيمان فإنه تعبوا في جمع الأحاديث للمتأخرين ووزعوا أوقاتهم في تحصيل ما فيه نفع المسلمين حتى لم يبق لهم وقت لغير نسخ الحديث أو السماع
95
ففي سير أعلام النبلاء في ترجمة الإمام الحافظ عبدالرحمن بن أبي حاتم صاحب التفسير والجرح والتعديل والمسند الذي ألفه في ألف جزء قال كنا في مصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة كل نهارنا مقسم لمجالس الشيوخ وبالليل النسخ والمقابلة قال فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا فقالوا هو عليل فرأينا في طريقنا سمكة أعجبتنا فاشتريناها فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس فلم يمكنا إصلاحه ومضينا إلى المجلس ولم نزل حتى أتى عليه ثلاثة أيام وكاد أن يتغير فأكلناه نيئا لم يكن لنا فراغ أن نعطيه من يشويه ثم قال لا يستطاع العلم براحة الجسم
96
وقي مثلهم يقال
إن علم الحديث علم رجال
تركوا الابتداع للاتباع

97
فإذا جن ليلهم كتبوه
وإذا أصبحوا غدوا للسماع
فأئمة الحديث جعل الله غذاءهم ولذتهم قراءة الحديث وكتابته ودراسته وروايته ورزقهم حفظا يبهر العقول ويكاد أن لا يصدقه من يسمع ما حكى عنهم في ذلك من المنقول
98
حفظ الله تعالى بهم السنة وبهم يتم على عباده كل منة قد حفظوا ألفاظ الأحاديث كحفظ القرآن وأحرزوا كل لفظ منه بتحقيق وإتقان وألفوا فيها الجوامع النافعة والمسانيد الواسعة ثم تعبوا في أحوال الرواة وصفاتهم ورحلتهم ومواليدهم وبلدانهم ووفاتهم حتى صار من عرف تراجمهم وأحوالهم كأنه شاهدهم وزاحمهم بل صار أعرف بأحوالهم من المشاهد لهم والمعاصر لأنه قد يخفى على من عاصرهم بعض أحوال من عارضه وشاهده وأما من طالع تراجمهم وتلقى عن الثقات أخبارهم فإنه يراهم قد جمعوا من أحوالهم وصنفوا من تعيين آثارهم ورحلهم ويقظتهم ومنامهم وتتبعوا أحوالهم من كل عارف موافق ومخالف حتى اجتمع لمن قرأ أخبارهم ما لم يجتمع لمن شاهدهم من الأوصاف وهذا أمر لا ينكره إلا من حرم الأنصاف
99
ألا ترى أن من عرف تراجم الأئمة الستة أهل الأمهات من كتب أئمة التأريخ عرف أحوالهم وأوصفاهم كأنه لاقاهم ورآهم لقاء خبرة ورؤية مخاللة وحصل له من الاطمئنان بأقوالهم ويقر في قلبه من إمامتهم في الدين وعظم نصحهم للمسلمين ما لا يحوم حوله قدح قادح ولا جرح جارح حتى لو جاءه من ينازعه في حفظ البخاري وتقواه لما فت ذلك في عضد يقينه بحفظه وهداه وكذلك غيره من الأئمة ومثلهم الرواة فإن الله يسر أقواما جعل هممهم العالية وأفكارهم الصافية مصروفة إلى تتبع أحوال رجال الحديث ورواته في القديم والحديث ثم ألفوا في الرجال ما يطلع الناظر على كل ما يقال من جرح وتعديل قال وقيل ذللوا للمتأخرين ما كان صعبا وصيروا بهمتهم ما كان ضيقا واسعا رحبا وجمعوا ما كان متفرقا ولفقوا ما كان ممزقا قد قربوا العلوم الحديثية أتم تقريب بإكمال وتقريب وتهذيب فاجتمع للمتأخرين من أحوال المتقدمين اجتماعا لم يتم للأولين فإنها اجتمعت لهم معارف العارفين وأقوال المتخالفين وكل من الأئمة ما زال حريصا على تقريب المعارف للمسلمين حتى ألفوا الكتب على حروف المعجم في الرجال والمتون وأتوا بما لم يأت به الأولون فلم
100
يبق للمتأخرين إلا الاقتطاف لثمرات المعارف والارتشاف بكؤوس قد أترعها لهم كل إمام عارف إبقاء ءلحجة الله على العباد وحفظا لعلوم الدين إلى يوم المعاد
101
فصل في تقريب الفهم إلى تيسير الاجتهاد بالأمثلة إذا عرفت هذا فكيف يحال في حق المتأخرين الاجتهاد المطلق لتعسر بعد هذه الأشياء التي ساقها الله إلى أئمة الإجتهاد على أيدي أهل الحفظ والورع والانتقاد ألا ترى أنك لو وجدت حديثا في مسند ابن أبي شيبة أو عبدالرزاق أو غيرهما ولم تجد فيه كلاما لأحد أئمة الحديث بإحدى الصفات الثلاث ورأيت من روياة الحجاج بن أرطأة مثلا فإنك تحكم بضعفه لكلام الأئمة في الحجاج كما يحكم بذلك الدارقطني والمنذري مثلا وما لاقاه الدارقطني ولا رآه بل وقف على ما وقفت عليه من كلام أئمة الجرح غاية الفرق أنها قد تكون طريق الدارقطني في ذلك السماع وطريقك
102
الوجادة وهذا لا يخرجك عن جواز التكلم بما تكلم به أو وجدت حديثا كذلك ثم نظرت كلام أئمة التعديل في رجاله فوجدتهم موثقين فأي مانع لك عن تصحيحه مثلا كما يفعله الحافظ المنذري وابن حجر فإنهما يتكلمان على عدة من الأحاديث تصحيحا وتحسينا وتضعيفا وطريقهما في ذلك تتبع أقوال أئمة الجرح والتعديل في رجاله كما أنها طريقة الناظر في هذه الأعصار وهما لم يلقيا إلا شيوخهما كما أنك لم تلق إلا من رويت عنه أو قرأت عليه إن كانت طريقك القراءة لا الوجادة أو الإجازة
103
فصل في الحكم بسهولة الاجتهاد في هذه الأعصار قد علمت مما سقناه أن الله وله الحمد والمنة قد قيض للمتأخرين أئمة من المتقدمين جمعوا لهم العلوم اللغوية والحديثية من الأفواه والصدور وحفظوها لهم في الأوراق والسطور وذللوا لهم صعاب المعارف وقادوها إلى كل ذكي عارف ودونوا الأصول واللغة بأنواعها مع انتشارها واتساعها وأدخلوا علوم الاجتهاد لأهلها من كل باب تارة بإيجاز وتارة بإسهاب وإطناب وهذا شيء لا شك فيه ولا ارتياب ولا يجهله إلا من ليس من أولي الألباب الذين نحوهم يساق هذا الخطاب وبعد هذا فالحق الذي ليس عليه غبار الحكم بسهولة الاجتهاد في هذه الأعصار وأنه أسهل منه في الأعصار الخالية لمن له في الدين همة عالية ورزقه الله فهما صافيا وفكرا صحيحا ونباهة في علمي السنة والكتاب
104
فإن الأحاديث في الأعصار الخالية كانت متفرقة في صدور الرجال وعلوم اللغة في أفواه سكان البوادي ورؤوس الجبال حتى جمعت متفرقاتها ونفقت ممزقاتها حتى لا يحتاج طالب العلم في هذه الأعصار إلى الخروج من الوطن وإلى شد الرحل والظعن فيا عجباه حين تفضل الله بجمعها من الأغوار والأنجاد وسهل سياقها للعباد حتى أينعت رياضها وأترعت حياضها وأجريت عيونها وتهدلت بثمراتها غصونها وفاض في ساحات تحقيقها معينها واشتد عضدها وجل ساعدها وكثر معينها تقول تعذر الاجتهاد ما هذا والله إلا كفران النعمة وجحودها والإخلاد إلى ضعف الهمة وركودها إلا أنه لا بد مع ذلك أولا من غسل فكرته عن أدران العصبية وقطع مادة الوساوس المذهبية وسؤال للفتح من الفتاح العليم وتعرض لفضل الله ! < وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم > ! الحديد 29 فالعجب كل العجب ممن يقول بتعذر الاجتهاد في هذه الأعصار وأنه محال ما هذا إلا منع لما بسطه الله من فضله لفحول الرجال واستبعاد لما خرج من يديه واستصعاب لما لم يكن لديه وكم للأئمة المتأخرين من استنباطات رائقة واستدلالات صادقة ما حام حولها الأولون ولا عرفها منهم الناظرون ولا دارت في بصائر المستبصرين ولا جالت في أفكار المفكرين
105
فصل في بيان أنه لا فرق بين المتقدمين والمتأخرين إلا بكثرة الوسائط وقلتها ومن هذا تعرف انه لا فرق بين اجتهاد من ذكره السائل من العلامه الجلال والمقبلي واجتهاد من تقدمها من الأئمة الأربعة الذين اتفقت الأمة على اجتهادهم وأن مرجعهما في تصحيح الأحاديث ليس بتقليد لأئمة التصحيح بل قبول رواية هذا الشافعي رضي الله عنه اتفقت الأمة على اجتهاده ومرجعه في صحة الحديث وعدمها إلى أئمة الحديث فإنه يقول في مواضع إذا لم يعمل بالحديث إنه لم يرتض رواية هذا الحديث ونحو هذه العبارة في محلات من تلخيص ابن حجر وتيسير البيان وغيرهما من الكتب المجموعة لسرد الأدلة والتفتيش عن أحوال رجالها كقوله في حديث بهز بن حكيم في الزكاة وهذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث ولو ثبت لقلنا به هذا
106
هو بعينه ما يقوله الجلال والمقبلي وكل من تقدمها وقدمنا لك أن البخاري نفسه إنما يعتمد ويصرح في التصحيح وغيره على أقوال من تقدمه من الرجال وإنه لم يلق إلا شيوخه والذين روى عنهم وصحح لهم أضعاف أضعاف شيوخه وحينئذ يعرف الناظر أنه لا فرق بين المتقدمين والمتأخرين إلا بكثرة الوسائط وقلتها وسيلان الأذهان وجمودها وحركات الهمم وركودها والفضل بيد الله لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع أما قول القاضي رحمه الله إنه لم يتيسر في الأعصار المتأخرة إلا ترجيح بعض المذاهب على بعض باعتبار قوة الدلالة أو كثرة من صحح أو جلالته فجوابه أن هذا الذي سماه ترجيحا هو الإجتهاد المطلق إنما ذنب المتأخر أنه تأخر زمنه عن زمان من قال بالقول الراجح والمرجوح فنظر كنظر من قبله من المجتهدين وجزم بأحد القولين نظرا إلى الدليل فسميتموه ترجيحا لقول غيره وليس كذلك فافرضوا أنه لم يتقدمه أحد فإنه لو كان زمانه سابقا ورأيتم ما أدعاه وما أقامه من البراهين على دعواه لقلتم أنه مجتهد مطلق
107
ولا يخفى أن تقدم الزمان وتأخره لا أثر له في جمع الأدلة والاستنباط منها قطعا بل قد أوضحنا لك أن الله قد جمع شمل الأدلة للمتأخرين ولكنكم نظرتم إلى تأخر زمانه وإنه قد قال بما جنح إليه قائل قبله فقلتم إن هذا للمجتهد الآخر رجح ما قاله من قبله بقوة الدلالة أو نحوها قلنا هو عين الاجتهاد ولا يضرنا تسميتكم له ترجيحا
108
فصل في سبب اختلاف الأقوال في الجرح والتعديل أما ما أشار إليه السائل دامت إفادته من أنه قد يختلف كلام إمامين من أئمة الحديث فيضعف هذا حديثا وهذا يصححه ويرمي هذا رجلا من الرواة بالجرح وآخر يعدله فهذا مما يشعر بأن التصحيح ونحوه من مسائل الاجتهاد الذي اختلفت فيه الآراء فجوابه أن الأمر كذلك أي أنه قد تختلف أقوالهم فإنه قال مالك في ابن إسحاق إنه دجال من الدجاجلة وقال فيه شعبة إنه أمير المؤمنين في الحديث
109
وشعبة إمام لا كلام في ذلك وإمامة مالك في الدين معلومة لا تحتاج إلى برهان فهذان إمامان كبيران اختلفا في رجل واحد من رواة الأحاديث ويتفرع على هذا الاختلاف في صحة حديث من رواية ابن إسحاق وفي
110
ضعفه فإنه قد يجد العالم المتأخر عن زمان هذين الإمامين كلام شعبة وتوثيقه لابن إسحاق فيصحح حديثا يكون من رواية ابن إسحاق قائلا قد ثبتت الرواية عن إمام من أئمة الدين وهو شعبة بأن ابن إسحاق حجة في روايته وهذا خبر من شعبة يجب قبوله وقد يجد العالم الآخر كلام مالك وقدحه في ابن اسحاق القدح الذي ليس وراءه ورواء ويرى حديثا من رواية ابن إسحاق فيضعف الحديث لذلك قائلا قد روى لي إمام وهو مالك بأن ابن إسحاق غير مرضي الرواية ولا يساوي فلسا فيجب رد خبر فيه ابن إسحاق فبسبب هذا الاختلاف حصل اختلاف الأئمة في التصحيح والتضعيف المتفرعين عن اختلاف ما بلغهم من حال بعض الرواة وكل ذلك راجع إلى
111
الرواية لا إلى الدراية فهو ناشىء عن اختلاف الأخبار فمن صحح أو ضعف فليس عن رأي ولا استنباط كما لا يخفى بل عمل بالرواية وكل من المصحح والمضعف مجتهد عامل برواية عدل فعرفت أن الاختلاف في ذلك ليس مداره على الرأي ولا هو من أدلة أن مسألة التصحيح وضده اجتهاد نعم وقد يأتي من له فحولة ونقادة ودراية بحقائق الأمور وحسن وسعة اطلاع على كلام الأئمة فإنه يرجع إلى الترجيح بين التعديل والتجريح فينظر في مثل هذه المسألة إلى كلام الجارح ومخرجه فيجده كلاما خرج مخرج الغضب الذي لا يخلو عنه البشر ولا يحفظ لسانه حال حصوله إلا من عصمه الله
112
فإنه لما قال ابن إسحاق اعرضوا علي علم مالك فأنا بيطاره فبلغ مالكا فقال تلك الكلمة الجافية التي لولا جلالة من قالها وما نرجوه من عفو الله من فلتات اللسان عند الغضب لكان القدح بها فيمن قالها أقرب إلى القدح فيمن قيلت فيه فلما وجدناه خرج مخرج الغضب لم نره قادحا في ابن إسحاق فإنه خرج مخرد جزاء السيئة بالسيئة على أن ابن إسحاق لم يقدح في مالك ولا في علمه غاية ما أفاد كلامه أنه أعلم من مالك وأنه بيطار علومه وليس في ذلك قدح على مالك ونظرنا كلام شعبة في ابن إسحاق فقدمنا قوله لأنه خرج مخرج النصح للمسلمين ليس له حامل عليه إلا ذلك وأما الجامد في ذهنه الأبله في نظره فإنه يقول قد تعارض هنا الجرح والتعديل فيقدم الجرح لأن الجارح أولى وإن كثر المعدلون وهذه القاعدة لو أخذت كلية لم يبق لنا عدل إلا الرسل فإنه ما
113
سلم فاضل من طاعن من ذلك لا من الخلفاء الراشدين ولا أحد من أئمة الدين كما قيل
فما سلم صديق من رافض
ولا نجا من ناصبي علي

114
ما سلم الله من بريته
ولا نبي الهدي فكيف أنا
القاعدة ظاهرية يعمل بها فيما تعارض فيه الجرح والتعديل من المجاهيل على أنه لك أن تقول كلام مالك ليس بقادح في ابن إسحاق لما علمت أنه خرج مخرج الغضب لا مخرج النصح للمسلمين فلم يعارض في ابن إسحاق جرح واعلم أن ذكرنا لابن إسحاق والكلام فيه مثال وطريق يسلك منه إلى نظائره وإذا عرفت هذا فهو الترجيح لايخرج ما ذكرناه عن كونه من باب قبول أخبار العدول بل هو منه إنما لما تعارض الخبران عندنا في حال هذا الراوي تتبعنا حقائق الخبرين ومحل صدورهما والباعث على التكلم بهما فظهر الاعتماد على أحدهما دون الآخر فهو من باب قبول الأخبار فهكذا يلزم الناظر البحث عن حقائق الأحوال وعن الباعث عن صدورها من أفواه الرجال فإنه يكون كلامه بعد ذلك أقوم قيلا وأحسن دليلا وأوفق نظرا وأجل قدرا فمن عمل برواية التعديل والتزكية ومن عمل برواية القدح والتجريح وإن
115
كان الكل قابلين لأخبار العدول عاملين بما يجب عليهم من قبول خبر المنقول فالكل مجتهدون ولكن تخالفت الآثار وتفاوتت الأنظار ومن هنا نحوه وقع اختلاف المجتهدين في عدة مسائل من أمهات الدين والكل مأجورون بالنص الثابت منهم من له أجر ومنهم من له أجران ومن هنا علمت أن اختلاف الأئمة في تصحيح خبر من إمام وتضعيفه من إمام آخر ناشىء عما تلقوه من أخبار العدول عن الرواة فهذا لإمام لم يبلغه عن الرواة هذا الخبر الذي حكم بصحته إلا العدالة والضبط فصحح أخبارهم ولهذا تجد من يتعقب بعض الأحاديث التي صححها إمام بقوله كيف تصحيحه وفيه فلان كذاب ونحو هذا ومعلوم أن من صحح هذا الحديث لم يبلغه أن في رجاله كذابا وهذا لإمام بلغه من أحوال رواة ذلك الخبر أو بعضهم عدم العدالة وسوء الحفظ أو انقطاع الخبر أو شذوذه حكم عليه بعدم الصحة وهذا معروف من جبلة العباد وطبائعهم فمن الناس من يغلب عليه حسن الظن في الناس وتلقي أقوالهم بالصدق ومن الناس من له نباهة وفطنة وطول خبرة لأحوال الناس فلا يكتفي بالظاهر بل يفتش عن الحقائق فيقع على الحق والصواب ولذا أطبق النقاد أن ما صححه الشيخان مقدم على ما صححه غيرهما في غير ما انتقد عليهما كما يأتي عند التعارض ثم ما انفرد البخاري بتصحيحه مقدم على ما انفرد به مسلم وما ذاك إلا لحذاقة البخاري ونقادته ومعرفته بأحوال الرواة وغيره ممن صحح يقبلون
116
تصحيحه ويجعلونه في رتبة أعلى من رتبة ما لم يصححه البخاري فهذا التفاضل نشأ من زيادة الإتقان لأحوال المخبرين ألا ترى أن الشافعي رضي الله عنه مع إمامته يروى عن ابن أبي يحيى ويعبر عنه بالثقة وغيره يقدحون فيه ويتجنبونه في الصحاح
117
وذلك من الاختلاف في أخبار المخبرين عنه فالشافعي رضي الله عنه ثبت له عدالته وضبطه ويأتي فيه ما أسلفناه من أنه لو عمل برواية أحد الراويين لترجيح قوي عنده عضد ما يعرفه من حال الراوي جاز ذلك فوثقه وغيره ثبت له غير ذلك فتجنبوه والكل عائد إلى اختلاف المخبرين
118
فصل في التفطن لأحوال المخبرين عن الرواة وإذا تقرر لك ما حققناه من أن المصححين والمحسنين والمضعفين رواة أحوال رجال الإسناد يعبرون عن ثقتهم وضبطهم واتصال ما رووه وسلامته من الشذوذ والعلة بقولهم صحيح وعن خلافه بضعيف وعما بين الأمرين بحسن كما عرف ذلك بعلم أصول الحديث فهم رواة مخبرون عن أحوال الرواة للحديث فلا بد حينئذ من معرفة أحوالهم كمعرفة أحوال رجال المتن وقد اختلفوا فيما يروونه كاختلاف رواة المتون فمنهم من يصحح الحديث فيأتي من يتتبع رجال ذلك الحديث فيجد في رجاله من ليس بصفة رواية الصحيح ولذا ترى النقاد من ائمة هذا الشأن يقولون في الاعتراض على بعض المصححين كيف يجزم بصحته وفي رواته فلان كذاب وكذا وكذا من التي لا يصح معها تصحيح روايته وهذا كثير جدا فيما يصححه الحاكم ويوجد قليلا فيما يصححه الترمذي وحينئذ لا بد من التفطن لأحوال المخبرين بالصحة وأنه لا بد فيهم من
119
النباهة وعدم التغفيل وصدق الديانة والنصحية للمسلمين فإن كان المخبر بالصحة مثل أبي عبدالله البخاري ومسلم ومن في طبقتهما ومن خرج على كتابيهما فخبره بالصحة مقبول قد تتبع أئمة هذا الشأن وفرسان هذا الميدان ما صححه الشيخان فوجدوه مبنيا على أساس صحيح وخبرة بالرواية ومعرفة وإتقان وإن وجد الشيء اليسير في رجالهما ممن انتقد الحفاظ من بعدهما كانتقاد الحافظ أبي الحسن الدارقطني على الشيخين فإن مجموع ما انتقده عليهما من الأحاديث مائة حديث وعشرة انفرد البخاري منها بثلاثة وسبعين حديثا واشترك هو ومسلم في اثنين وثلاثين حديثا وقد أجاب عنه غيره من الحفاظ بأجوبة فيها الغث والسمين وجملة من قدح فيه من رجال البخاري ثلاثمائة وثمانية وتسعون وقد دفع الحافظ ابن حجر ما قدح به فيهم بعض فيه تكلف وبعضه واضح لكن إذا عرفت عدة ما اشتمل عليه الكتابان من الأحاديث الصحيحة
120
والرجال الموثقين علمت أن صحة ما فيها الأغلب هي فالحكم له فيعمل بما فيها ما لم يظن أو يعلم أنه من المغلوب وذلك لأن العمل بالظن والظن يحصل بإخبار من غالب أخباره الصدق ولا يفت فيه تجويز أنه غير صادق فيما أخبر به من الصحة مثلا وقد صرح أئمة أصول الحديث بأنه لا يترك إلا من كثر خطأه ومعلوم أن خطأ صاحبي الصحيحين في الإخبار بالصحة قليل جدا ومحصور كما ذكرناه فأما أهل أصول الفقه فإنهم قائلون إنه لا يترك إلا من كان خطأه أكثر من صوابه كما عرف وبهذا التحقيق علمت مزية الصحيحين لا بما ادعاه ابن الصلاح من تلقي الأمة لهما بالقبول فإنه قول غير مقبول قد حققنا في ثمرات النظر في علم الأثر بطلانه بما لا مزيد فيه ومثله في البطلان قول العلامة الجلال في ديباجة ضوء النهار إنه يجب العمل بما حسنوه أو صححوه كما يجب العمل بالقرآن فإنه كلام باطل قد بينا وجه بطلانه في منحة الغفار حاشية ضوء النهار مع أن دعواه أعم من دعوى ابن الصلاح
121
نعم وإن كان المخبر بالصحة مثل أبي عبدالله الحاكم فقد تكلم الناس فيما أخبر به من الصحة واختلفوا فيه اختلافا كثيرا ولهم في الأحاديث التي صححها في مستدركه ثلاثة أقوال إفراط وتفريط وتوسط فأفرط أبو سعد الماليني وقال ليس فيه حديث على شرط الصحيح وفرط الحافظ السيوطي فجعله مثل الصحيح وضمه إليهما في كتاب الجامع الكبير وجعل العزو إليه معلما بالصحة كالعزو إلى الصحيحين وتوسع الحافظ أبو عبدالله الذهبي فقال فيه نحو الثلث صحيح ونحو الربع حسن وبقية ما فيه مناكير وعجائب وإذا عرفت هذا عرفت أن الأحوط الوقف في قبول خبر الحاكم بالصحة لأنه صار كتابة غير غالبة عليه الصحة بل الصحيح فيه مغلوب
122
وإن كان المخبر بالصحة مثل أبي عيسى الترمذي فقد أثنى عليه الأئمة وقالوا في كتابه ربع مقطوع به وربع على شرط أبي داود والنسائي وفيه غيرهما قد بين علته في كتابه وهذا ذكرناه لك معيارا ومقياسا وتمثيلا لأحوال رواة الصحة وأنهم كرواة المتون فيه الحجة الإمام وفيهم من فيه لين ومسارعة إلى الإخبار بالضعف والوضع كابن الجوزي فإنه يسارع إلى الحكم بالوضع في أحاديث عالية الرتبة عن صفة الوضع وانتقده الأئمة فابن الجوزي والحاكم أبو عبدالله في طرفي نقيض هذا يسارع إلى الإخبار بالصحة وهذا يسارع إلى الإخبار بالوضع
123
فمن هنا يتعين على الناظر ذي الهمة الدينية البحث عن أحوال الأئمة كالبحث عن أحوال رواة المتون ويطيل مراجعة التاريخ فإنه بذلك يطلع على حقائق أحوال أئمة هذا الشأن ويرى ما يوجب التوقف تارة والمضي أخرى والرد حينا ما
124
فصل في معرفة الحق من أقوال أئمة الجرح والتعديل قد يصعب على من يريد درك الحقائق وتجنب المهاوي والمزالق معرفة الحق من أقوال أئمة الجرح والتعديل بعد اتباع هذه المذاهب التي طال فيها القال والقيل وفرقت كلمة المسلمين وأنشأت بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم الدين وقدح بعضهم في بعض وانتهى الأمر إلى الطامة الكبرى من التفسيق والتكفير وشب على ذلك من أهل المذاهب الصغير وشاب عليه الكبير كل هذا من آثار هذه الاعتقادات المبتدعة في الإسلام والمجانبة لما جاء به سيد الأنام عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام فترى إماما من العلماء العاملين يقدح في راو من حفاظ علوم الدين بأنه كان يقول بخلق القرآن وتجد إماما آخر يقدح في راو آخر بأنه كان يقول بقدم القرآن وكذلك يقدحون بأمور ليست عمدة في الدين ولا يخرج المتصف بها عن زمرة المتقين ويقدحون بالقول بالقدر والإرجاء والنصب والتشيع ثم تراهم يصححون أحاديث جماعة من الرواة قد رموهم بتلك القوادح ألا ترى أن البخاري أخرج لجماعة رموهم بالقدر كهشام بن
125
أبي عبدالله الدستوائي أخرج له البخاري وقد قال فيه محمد بن سعد كان حجة إلا أنه كان يرى القدر وأخرج مالك لجماعة يرون القدر كما قاله ابن البرقي أنه سئل مالك كيف رويت عن داود بن الحصين وثور بن زيد
126
وذكر له جماعة كيف رويت لهم ولقد كانوا يرون القدر قال كانوا لأن يخروا من السماء على الأرض أسهل من أن يكذبوا وكم في الصحيحين من جماعة صححوا أحاديثهم وهم قدرية وخوارج ومرجئة إذا عرفت هذا فهو من صنيع أئمة الدين قد يعده الواقف عليه تناقضا ويراه لما قرره معارضا ويفت عنده من عضد أئمة هذا الشأن ويظن التصحيح صادرا عن مجازفة من غير إتقان وليس الأمر كذلك فإنه إذا حقق صنيع القوم وتتبع طرائقهم وقواعدهم نفى عنهم اللوم وعلم أنهم أجل من ذلك قدرا وأدق نظرا وأنصح لأهل الدين من جماعة الثغور المجاهدين وأنهم لا يعتمدون بعد إيمان الراوي إلا على صدق لهجته وضبط روايته وقد أقمنا برهان هذه الدعوى في رسالة ثمرات النظر في علم الأثر برهانا لا يدفعه إلا من ليس من الأذكياء ذوي النباهة والخطر
127
فصل في أن القوادح المذهبية لا يتلفت إليها إذا عرفت هذا فاعلم أن هذه القوادح المذهبية والابتداعات الاعتقادية ينبغي للناظر أن لا يلتفت إليها ولا يعرج في القدح عليها فإن القول بقدم القرآن مثلا بدعة كما أن القول بخلقه بدعة وقد اختار الحافظ ابن حجر رحمه الله لنفسه وحكاه عن الجماهير غيره أن الابتداع بمفسق لا يقدح به في الراوي إلا أن يكون داعية
128
وهذه مسألة قبول فساق التأويل وكفار التأويل وقد نقل في العواصم إجماع الصحابة على قبول فساق التأويل من عشر طرق ومثله في كفار التأويل من أربع طرق وإذا عرفت ورأيت أئمة الجرح والتعديل يقولون فلان ثقة حجة إلا أنه قدري أو يرى الإرجاء أو يقول بخلق القرآن أو نحو ذلك أخذت بقولهم ثقة وعملت به وأطرحت قولهم قدري ولا يقدح به في الرواية غاية ذلك أنه مبتدع ولا يضر الثقة بدعته من قبول روايته لما عرفت من كلام ابن حجر ومن كلام مالك
129
فإن قولهم ثقة قد أفاد الإخبار بأنه صدوق وقولهم يقول بخلق القرآن مثلا إخبار بأنه مبتدع ولا تضرنا بدعته في قبول خبره ومن هنا يتضح لك اختلال رسم العدالة الذي اتفق عليه الأصوليون والفروعيون وأئمة الحديث بأنها ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة وفسروا التقوى باجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة وقد أوضحنا اختلاله في ثمرات النظر وفي المسائل المهمة وفي منحة الغفار بما يعرف به أنه رسم دارس وقول لا يعول عليه من هو لدقائق العلوم ممارس وإن أطبق عليه الأكابر فكم ترك الأول والآخر وقد ناقضوه مناقضة ظاهرة بقبول فساق التأويل وكفاره والخوارج وغيرهم من أهل البدع المتكاثرة
علوم الاجتهاد في هذه الأعصار أقرب تناولا منها فيما سلف وبعد هذا فقد تقرر لك بما سقناه واتضح لك بما حققناه أن للناظر في هذه الأعصار أن يصحح ويضعف ويحسن كما فعله من قبله من الأئمة الكبار فإن
130
عطاء ربك لم يكن محظورا وإفضاله الممدود ليس على السابق محصورا وأن علوم الاجتهاد في هذه الأعصار أقرب تناولا منها فيما سلف من أزمنة الأئمة النظار إلا أنه لايخفى أن الاجتهاد موهبة من الله يهبه لمن يشاء من العباد فما كل من أحرز الفنون أجرى من قواعدها العيون ولا كل من عرف القواعد استحضرها عند ورود الحادثة التي يفتقر إلى تطبيقها على الأدلة والشواهد
وما كل من قاد الجياد يسوسها
ولا كل من أجرى يقال له مجرى
لكن على العبد طلب المعارف والتماسه من كل عارف وسهر الجفون في إحراز دقائق الفنون وإخلاص النية وطلب الفتح من بارىء البرية فالخير كله بيده ولا يلتمس إلا من عنده وكم قد رأينا وسمعنا من زكى عارف إمام يضيق عطن بحثه عند ورود حادثة من الأحكام فيتبع أقوال الرجال تقليدا ويعود عندها مقلدا مبلدا كأنه ما غرف من بحار الفنون ولا عرف شيئا من تلك الشئون نسأل الله أن يعلمنا ما جهلناه ويذكرنا ما نسيناه ويرزقنا العمل بما علمنا ويلهمنا إلى العلم بما جهلنا أنه ولي كل خير وإليه تعالى بالعلم والعمل القصد والسير وهو المقصود في النهاية والابتداء وأن إلى ربك المنتهى ومنه نستمد الهداية والتوفيق في كل بداية ونهاية وقد طال المقال وخرج عن مطابقة مقتضى السؤال وإن لم نخرج عن مطابقة مقتضى الحال فالمقام جدير بالإطالة والإسهاب حقيق بالزيادة على هذا الإطناب إذ الكلام في قواعد دينية ومباحث حديثية وخوض فيما هو من
131
أساس الدين وعليه دوران فلك الاجتهاد المجتهدين وكما قال
وقد أطال ثنائي طول لابنه
إن البناء على التنبال تنبال

132
بيان أن الفضل للمتقدمين ومن خالفهم في المسائل لم يدع الترفع عليهم إذا عرفت ما قررناه فالعلم أن الذي سهل الاجتهاد وألان منه الصعاب والشداد هو ما قدمنا لك من سعي أئمة الدين في جميع علوم الأولين وجمعها بعد الشتات في نفائس المصنفات فلنكثر لهم الدعاء ولنحسن عليهم الثناء ولا نكن من كفار النعم وأشباه النعم وإنما يعرف الفضل لأولي الفضل من هو منهم وإليه أشار من قال
إذا أفادك إنسان بفائدة
من العلوم فأكثر شكره أبدا
وقل فلان جزاه الله صالحة
أفادنيها وخل اللؤم والحسدا
وبهذا يبطل تشيع الجهال بأن من خالف الأوائل في بعض المسائل قد ادعى الترفع عليهم وقال إنه أعلم منهم وهذا خيال باطل وسوء ظن حاصل وإلا لزم أن التابعين قد ادعوا الفضل على السابقين الأولين من الأنصار والمهاجرين وأن الأئمة المتأخرين قد ادعوا أن لهم الفضل على المتقدمين وهيهات ما زال الفضل للمتقدم معروفا وما برح السابق بالتفضيل موصوفا
ولو قبل مبكاها بكيت صبابة
بسعدي شفيت النفس بعد التندم
133
ولكن بكت قبلي فيهج لي البكا
بكاها فقلت الفضل للمتقدم
شرائط الاجتهاد وكيفية تحصيله لأهل الذكاء من العباد ثم اعلم أن هنا زيادة إفادة لطالب الرشاد ألحقناها بإرشاد النقاد وهو أنه قد ظهر لك بما قررنا سهولة الاجتهاد وتيسره لأهل الهمة والأمجاد فلنذكر شرائطه وكيفية تحصيله لأهل الذكاء من العباد فنقول قال الإمام الكبير محمد بن إبراهيم الوزير صاحب كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم في كتابه القواعد ما لفظه اعلم أنه قد كثر استعظام الناس في هذا الزمان الاجتهاد واستبعادهم له حتى صار كالمستحيل فيما بينهم وما كان السلف يشددون هذا التشديد العظيم وليس هو بالهين ولكنه قريب مع الاجتهاد أي في تحصيله وصحة الذوق والسلامة من آفة البلادة ثم ذكر خمسة شروط بعد أن أبطل شرطية معرفته علم الكلام وأنه علم مبتدع لم يعهد في عصر النبوة ولا عهد الصحابة ثم عد خمسة ولم يرتبها كما نسوقه الأول معرفة علم العربية قال ويكفي فيه قراءة كتاب مثل مقدمة الشيخ ابن الحاجب قراءة فهم وإتقان وهذا على الاحتياط لا على الإيجاب وذلك لأن في العربية ما لا بد من معرفته وفيها ما لا يحتاج إلى
134
معرفته مثال ما لا يحتاج إلى معرفته كلامهم في عالم المستثنى ما هو ولم ارتفع الفاعل وانتصب المفعول ونحو ذلك مما لم يعرفه العرب بل قد نقل عن أبي الحسين البصري أنه قال ليس الشرط بعد معرفة الكتاب والسنة إلا أصول الفقه وإن أهل أصول الفقه قد نقلوا عن العربية والمعاني والبيان ما يحتاج إليه المجتهد انتهى كلام أبي الحسين الشرط الثاني معرفة أصول الفقه وهو رأسها وعمودها بل أصلها وأساسها بل سمعت عن أبي الحسين البصري صاحب كتاب المعتمد في أصول الفقه أنه لا يشترط سواه بعد معرفة الكتاب والسنة الشرط الثالث معرفة علم المعاني والبيان وقد اختلف فيه هل هو شرط أم لا قال السيد محمد والحق أن فيه ما هو شرط في بعض المسائل كالعربية وفيه ما ليس بشرط البتة وقد نقل أهل الأصول أكثر ما يحتاج إليه وقد تختلف عبارتهم والمعنى واحد الشرط الرابع معرفة الآيات القرآنية الشرعية وقد قيل إنها
135
خمس مائة آية ما صح ذلك وإنما هي مائتا آية أو قريب من ذلك ولا أعرف أحدا من العلماء أوجب حفظها غيبا بل شرطوا أن يعرف مواضعها حتى يتمكن عند الحاجة من الرجوع إليها فمن نقلها إلى كراسته وأفردها كفاه ذلك الشرط الخامس معرفة جملة من الأخبار النبوية ويكفى فيها معرفة كتاب جامع مثل الترمذي وسنن أبي داود والبخاري ومسلم وفيها ما لا يجب معرفته على مجتهد لأنها جامعة لأخبار النبي صلى الله عليه وسلم ومغازيه وبعوثه ولما ورد من تفسير القرآن الكريم من كلامه ولذكر الرقائق والجنة والنار وأحوال القيامة والفتن والآداب والفضائل وقصص الأنبياء المتقدمين وغير ذلك مما لا يحتاج إليه المجتهد والذي يدل على أن جملة من الأخبار تكفيه ولا يجب الإحاطة بها أن
136
الصحابة قد صح اجتهادهم في أحكامهم ولم يحيطوا بها علما وكذلك التابعون وأئمة الإسلام ولم يعلم أن أحدا أحاط بها ولذا قال الشافعي رضي الله عنه علمان لا يحيط بهما أحد الحديث واللغة وهذا صحيح وهو قول الجماهير والخلاف فيه شاذ قال والأولى من مريد الاجتهاد أن يعرف كتابا من كتب الأحكام التي اقتصر أهلها على ذكر أحاديث التحليل والتحريم وجمعوا جميع ما في الكتب الصحاح من ذلك وبينوا الصحيح من السقيم وعد كتبا من ذلك ثم قال وأنفعها كتاب تلخيص المختصر للحافظ ابن حجر فلا شك في كفايته للمجتهد وزيادة الكفاية انتهى كلامه رحمه الله
137
فصل في تعظيم السنن والانقياد إليها وترك الإعتراض عليها ويأتيك قريبا من أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم ما ينادي على أنهم لم يحيطوا بالأحاديث النبوية وأنهم صرحوا بأن قولهم إذا خالف الحديث رددنا قولهم وعملنا بالحديث قلت وقد منع أئمة الدين معارضة سنة سيد المرسلين بأقوال غيره من الأئمة المجتهدين
تعظيم الصحابة للسنن أولهم حبر الأمة وبحر علم الكتاب والسنة عبدالله بن عباس رضي الله عنه فإنه روى الأعمش عن فضيل بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عروة نهى أبو بكر وعمر عن المتعة قال ابن عباس أراهم سيهلكون أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما
138
وقال عبدالرزاق حدثنا معمر عن أيوب قال عروة لابن عباس رضي الله عنهما ألا تتق الله ترخص في المتعة فقال ابن عباس سل أمك يا عروة فقال عروة أما أبو بكر وعمر فلم يفعلا قال ابن عباس رضي الله عنه ما والله أراكم منتهين حتى يعذبكم الله أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثونا عن أبي بكر وعمر وفي صحيح مسلم عن ابن أبي مليكة أن عروة بن الزبير قال لرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الناس بالعمرة في هؤلاء الأشهر وليس فيها عمرة فقال ألا تسأل أمك عن ذلك فقال عروة إن أبا بكر وعمر لم يفعلا ذلك قال الرجل من ههنا هلكتم ما أرى الله إلا يعذبكم أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخبروني بأبي بكر وعمر ومراد ابن عباس أن عروة بن الزبير يسأل أمه أسماء بنت أبي بكر فإنها شهدت حجة الوداع وولدت في سفرها ومحل الاستدلال قول ابن عباس لا نقدم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام أحد من الناس كائنا من كان وناهيك بالشيخين رضي الله عنهما فإنه لو جاز تقدم كلام أحد على سنته صلى الله عليه وسلم لكان أحق الناس بذلك كلام صاحبيه رضي الله عنهما وليس كلامنا في المتعة إثباتا ولا نفيا فالكلام على ذلك في غير هذا الموضع إنما مرادنا ما ذكرنا
139
وأخرج الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سأله سائل عن متعة الحج فقال ابن عمر هي حلال فقال له الرجل إن أباك قد نهى عنها فقال أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم أأمر أبي أتبع أم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الرجل بل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صحيح مسلم إن ابن عمر لما حدث أنه صلى الله عليه وسلم أمرنا بالإذن للنساء في الخروج إلى المساجد قال بعض أولاده والله لا نأذن لهن وعلل كلامه بما يخشى من النساء إذا خرجن فأقسم ابن عمر أن لا يكلمه ولما روى أبو هريرة حديث أنه لا يدخل أحدكم يده في الإناء إذا استيقظ حتى يغسلها ثلاثا قال له قائل فكيف تصنع بالمهراس فقال لا تضربوا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمثال وأخرج الترمذي أنه قال أبو السائب كنا عند وكيع فقال رجل
140
قدري وعن إبراهيم النخعي أن الإشعار مثلة قال فرأيت وكيعا غضب غضبا شديدا وقال أقول لك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول قال إبراهيم ما أحقك بأن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا ولو تتبعنا أقوال الصحابة والتابعين لطال المقال واتسع نطاق الأقوال على أنه معلوم من آرائهم أنهم لا يقدمون على سنته صلى الله عليه وسلم قول أحد من الرجال كيف وهذا عمر رضي الله عنه لما أراد أبو بكر رضي الله عنه قتال مانعي الزكاة لم يساعده أولا على ذلك واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فاستدل عليه أبو بكر بقوله صلى الله عليه وسلم إلا بحقها يريد والزكاة من حقها فانشرح صدر عمر لما أمر به أبو بكر من قتال مانعي الزكاة
141
فلم يقبل عمر قول أبي بكر حتى أقام الدليل على السنة
تعظيم الأئمة للسنن وأما الأئمة الأربعة فإن كلا منهم مصرح بأنه لايقدم قوله على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أبو حنيفة رحمه الله فإنه قال الشيخ العلامة محمد حياة السندي نزيل طيبة رحمه الله في رسالته المسماة تحفة الأنام في العمل بحديث النبي عليه الصلاة والسلام ما لفظه في روضة العلماء في فضل الصحابة سئل أبو حنيفة إذا قلت قولا
142
وكتاب الله يخالفه قال اتركوا قولي لكتاب الله فقيل إذا كان خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالطه قال اتركوا قولي لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له إذا كان قول الصحابة يخالفه قال اتركوا قولي لقول الصحابة رضي الله عنهم وقال إنه روى له البيهقي في المدخل بإسناد صحيح إلى عبدالله بن المبارك قال سمعت أبا حنيفة يقول إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين وإذا جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نختار من قولهم وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم انتهى أما الشافعي رحمه الله فقال الشيخ محمد بن حياة روى البيهقي في السنن عند الكلام على القراءة بسنده قال الشافعي إذا قلت قولا وكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فما يصح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى فلا تقلدوني ونقل إمام الحرمين في نهايته عن الشافعي
143
إذا صح خبر يخالف مذهبي فاتبعوه واعلموا أنه مذهبي وقال مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري ذكره البيهقي أيضا وأما أحمد بن حنبل رحمه الله فقال أبو داود قلت لأحمد الأوزاعي هو أتبع أم مالك كأنه يريد أكثر اتباعا من مالك فقال لا تقلد في دينك أحدا من هؤلاء ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخذ به ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير وقال أحمد أيضا لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولاالثوري ولا الأوزاعي وخذ من حيث أخذوا وقال من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال وقال الشافعي أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحدا
144
وقال إذا صح الحديث على خلاف قولي فاضربوا قولي بالحائط واعملوا بحديث الضابط نقل هذا الشيخ محمد بن حياة السندي في رسالته التي تقدم ذكرها وعندما صح لنا هذا عن هؤلاء الأئمة جزاهم الله أفضل الجزاء من الأمة قلنا في أبيات
علام جعلتم أيها الناس ديننا
لأربعة لا شك في فضلهم عندي
هم علماء الدين شرقا ومغربا
ونور عيون الفضل والحق والزهد
ولكنهم كالناس ليس كلامهم
دليلا ولاتقليدهم في غد يجدي
ولا زعموا حاشاهم أن قولهم
دليل فيستهدي به كل من يهدي
بل صرحوا أنا نقابل قولهم
إذا خالفت المنصوص بالقدح والرد
وهذه نصوصهم رضي الله عنهم كما سمعت وأقوال أئمة العلم في هذه كثيرة جدا على أنه معلوم من صفات العالم أنه لا يرتضي أن يقدم على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صحته أو حسنه قول نفسه ولا قول غيره وإلا لم يكن عالما متبعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قلت وإذا عرفت تصريح الأئمة بأنه إذا صح الحديث بخلاف ما
145
قالوه فإنه لا يقلدهم أحد في قولهم المخالف للحديث عرفت بأن الآخر بقولهم مع مخالفة الحديث غير مقلد لهم لأن التقليد حقيقة هو الأخذ بقول الغير من غير حجة وهذا القول الذي خالف الحديث ليس قولا لهم لأنهم صرحوا بأنهم لا يتبعون فيما خالف الحديث وأن قولهم هو الحديث ولقد كثرت جنايات المقلدين على أئمتهم في تعصبهم له فمن تبين له شيء من ذلك أي من الأحاديث النبوية فلا يعذر في التقليد فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه وإن كان الرجل متبعا لاحد الأئمة الأربعة ورأى في بعض المسائل أن قول غيره أقوى منه فاتبعه كان قد أحسن في ذلك ولا يقدح ذلك في عدالته ولا دينه بلا نزاع بل هذا أولى بالحق وأحب إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فمن تعصب لواحد معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم ويرى أن قوله هو الصواب الذي يجب اتباعه دون الأئمة الآخرين فهو ضال جاهل بل قد يكون كافرا يستتاب فإن تاب وإلا قتل فإنه متى اعتقد أنه يجب على الناس اتباع واحد معين من هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم دون الآخرين فقد جعله بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك كفر انتهى نقله الشيخ محمد حياة رحمه الله
146
قلت وقوله من هؤلاء الأربعة بيان للواقع إذ هم في نظره المتبعون وإلا قال بالإطلاق من غير تقييد بالأربعة ثم من هنا يعرف بطلان قولهم وبعد الإلتزام يحرم الإنتقال إلا إلى ترجيح نفسه فإنا نقول بل يحرم الإلتزام إذ معناه تقليد معين من العلماء وعدم الرجوع إلى تقليد غيره فإنا نقول هذا الإلتزام للمعين هل كان إيثار التزام المقلد لمذهب من بين مذاهب العلماء عن نظر واجتهاد قضى له أرجحية مذهبه إلى غيره التزاما أو كان عن غير نظر بل تقليدا في تعيين التزام مذهبه إن كان الأول فدل على أنه مجتهد عارف بالنظر في الأدلة راجحها ومرجوحها وهذا لا يحل له التقليد فضلا عن الإلتزام وإن كان الثاني وإن تبعه سهوا وخطأ فلا اعتبار بالتزامه فإن شهوته ليس بدليل وما أحسن قول ابن الجوزي في تلبيس إبليس اعلم أن المقلد على غير ثقة فيما قلد فيه وفي التقليد إبطال منفعة العقل لأنه إنما خلق للتأمل والتدبر وقبيح بمن أعطى شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة انتهى
الأدلة معيار الحق من الباطل فإن قلت القائلون بجواز التقليد طائفة من العلماء ولهم أدلة على جوازه قلت القائلون بتحريمه طائفة أيضا من الأمة ولهم أدلة على ذلك ولا يهولنك القائلون وكثرتهم من الفريقين بل ارجع إلى الأدلة فهي معيار الحق من الباطل وبها تبين الحال جيده من العاطل
147
فصل في التوقف في تصديق المخبر حتى تقوم البينة وأقدم لك مقدمة نافعة قبل سرد الأدلة من الجانبين وهو أن لا شك أن لنا أصلا متفقا عليه وهو أنه لا يثبت حكم من الأحكام إلا بدليل يثمر علما أو أمارة تثمر ظنا وهذا أمر متفق عليه بين العلماء قاطبة بل بين كافة العقلاء من أهل الإيمان ومن أهل سائر الملل والأديان وإن هذا عام لأحكام الدنيا والدين شامل للموحدين والملحدين فإنه مغروز في العقول أنه لا يقدم أحد على فعل من الأفعال أو ترك من التروك إلا بعد اعتقاده عن علم أو ظن أن هذا الفعل ترك أو فعل لما يترتب عليه فائدة دينية أو دنيوية من جلب نفع أو دفع ضرر وهذا الإعتقاد ملزوم بعلم أو ظن عن دليل وأمارة وقال ملا على القاري رحمه الله تعالى قال وإن اشتهر بين الحنفية أن الحنفي إذا انتقل إلى مذهب الشافعي يعزر وإذا كان بالعكس فإنه يخلع عليه فهو قول مبتدع ومخترع وقال ملا علي القاري في رسالته في إشارة المسبحة وقد أغرب الكيداني حيث قال العاشر من المحرمات الإشارة بالسبابة كأهل الحديث أي مثل جماعة يجمعهم العلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
148
فهذا منه خطأ عظيم وجرم جسين منشأه الجهل بقواعد الأصول ومراتب الفروع من المنقول ولولا حسن الظن به وتأويل كلامه حينئذ لكان كفره صريحا وارتداده صحيحا فهل لمؤمن أن يحرم ما ثبت فعله عنه صلى الله عليه وسلم مما كاد نقله أن يكون متواترا ويمنع جواز ما عليه عامة العلماء كابرا عن كابر مكابرا والحال أن الإمام الأعظم والهمام الأقدم قال لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم مأخذه من الكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس الجلي في المسألة فإذا عرفت هذا فاعلم أنه لو لم يكن نص الإمام على المرام لكان من المتعين على أتباعه من العلماء الكرام أن يعملوا بما صح عنه عليه وعلى آله الصلاة والسلام وكذا لو صح عن الإمام فرضا نفي الإشارة وصح إثباتها عن صاحب البشارة فلا شك في ترجيح المثبت المسند إليه صلى الله عليه وسلم كيف وقد وجد نقله الصريح بما ثبت بالإسناد الصحيح فمن أنصف ولم يتعسف عرف أن هذا سبيل أهل التدين من السلف والخلف ومن عدل عن ذلك فهو هالك يوصف بالجهل المعاند المكابر ولو كان عند الناس من الأكابر انتهى فكل عاقل لا يقدم على فعل أو يحجم عنه إلا لاعتقاده نفعا أو دفعا والاعتقاد لا يكون إلا عن علم أو ظن والعلم لا يكون إلا عن دليل والظن لا يكون إلا عن أمارة ثم إن العقول مجبولة على أن لا تقبل قولا من الأقوال إلا لظن صدقه أو العلم به ولا ترده إلا لظن كذبه أو العلم بكذبه وظنهما صدق القول أو كذبه أو
149
علمهما بهما يتوقفان على الدليل والأمارة وإذا تقرر هذا فالعقلاء قاطبة وأهل الملل والنحل المختلفة متفقون على أنه لا يجب تصديق أحد واتباع قوله حتى يأتي ببرهان على ما قاله من دعواه أو إخباره عن أي أمر ألا ترى أن موسى عليه السلام لما قال لفرعون ! < إني رسول من رب العالمين > ! إلى قوله ! < قد جئتكم ببينة > ! إلى قوله قال فرعون ! < فأت بها إن كنت من الصادقين > ! الأعراف 104 106 وفي سياق قصصه في القرآن كلها نحو هذا وقال صالح ! < قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية > ! الأعراف 73 بعد قولهم ! < فأت بآية إن كنت من الصادقين > ! الشعراء 154 وسائر قصص الأنبياء كذلك وأما قوم هود ! < ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك > ! هود 53 فمن تعنتهم في كفرهم وجعلهم البينة غير البينة
بيان أن على المدعي إقامة البينة وإذا عرفت هذا عرفت أن كل عاقل لا يقبل قول قائل مدعيا ومخبرا ولا
150
يصدقه حتى يقيم البينة على ما قاله فإن هذا فرعون مع غلوه في كفره وكبريائه طلب من موسى البينة على دعواه أنه رسول من رب العالمين ولم يقابله بالرد لدعواه بصد وإعراض عن ما قاله وادعاه ولم يقل له صدقت ولا كذبت بل طلب منه البرهان كقوم صالح وكل أهل ملة من الملل الكفرية تطالب رسولها بالبينة على دعواه النبوة بل منهم من يعرف دعواه بأن عنده البرهان عليها قبل أن يطالبوه به ألا ترى أن موسى عليه السلام قال لفرعون في بعض محاورته ! < حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم > ! الآية الأعراف 105 وإذا أقام النبي عليه السلام البينة على دعوى النبوة فمن قومه من يصدقه وينقاد له كما كان من سحرة فرعون فإنهم لما شاهدوا تلقف عصاه لما أتوا به من سحر عظيم كما وصفه الله خروا سجدا ! < قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون > ! الأعراف 121 122 وتمادى فرعون ومن تبعه على كفرهم وتكذيبهم بعد علمه وعلم من بقي معه على كفره بصدق موسى كما قال تعالى فيهم ! < وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا > ! النمل 14 فأخبر الصادق في أخباره المطلع على إضمار القلب وإسراره بأنهم جحدوا بآياته المبصرة وأنفسهم بها متيقنة وقال موسى عليه السلام لفرعون ! < لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر > ! الإسراء 102 واعلم أن سر هذه الأخبار منه تعالى بأنهم جحدوا بها عن يقين أن الله تعالى كما جبل العقول على أن لا تقبل دعوى ولا تصدق خبرا إلا عن بينة تقام عليها
151
كذلك جبلها على قبولها وانقيادها وإذ عانها لقبول القول إذا أقيمت البينة عليه والبرهان وتصديقها للدعوى والخبر في أي شأن كما جعل الشبع عند الأكل فإن لم يقبل بعد إقامته فليس إلا مكابرة وظلما وعلوا وعدوانا ولو بسطنا الاستدلال لطال المقال إلا أن المسألة معلومة بالضرورة عند العقلاء مبسوطة في دواوين الإسلام فلا حاجة إلى الإطالة ويدل لذلك قوله ! < وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا > ! الإسراء 15 وقوله ! < لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل > ! النساء 165 وقوله ! < أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير > ! المائدة 19
152
فصل في أن مكابرة المكابرين سبب لهلاكهم ومعلوم أنه تعالى لم يبعث الرسل إلا لتقوم الحجة على العباد ولا تقوم إلا ببرهان ينقاد إليه عقول من أرسل إليهم وإلا لم يكن ذلك برهانا في حقهم والمفروض أنه برهان فمن أنكره وجحد به فلا يجحد به إلا عنادا وجهلا ومكابرة ولذلك أنه تعالى بعد إرساله رسله وإنبائهم للأمم بالبراهين على صدقهم وهي المعجزات يهلك من لم يتبعهم ويرسل عليهم المصائب السماوية والأرضية كما قال تعالى ! < فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون > ! العنكبوت 40 فصرح بأنه تعالى لم يظلمهم بإهلاكهم بأنواع العقوبات لأنه قد أقام عليهم براهين خفية ورسله علموا صدقهم ولكنهم عاندوا وجحدوا بآياته ورسله وقد كانت قريش تعلم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى به من البينات ولكنهم جحدوا بآياته وتعنتوا في طلب معجزات اقترحوها بأهوائهم كقولهم ! < لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه > ! الإسراء 90 93 فهذا تعنت وتشدد في الكفر مع أن لو جاءهم بكتاب من السماء لزادوا طغيانا كما قال تعالى
153
! < ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين > ! الأنعام 7 فاقترحوا ما تراه من أهوائهم وعنادهم وجهلهم ولا يجب على الرسل إلا البرهان الدال على صدقهم من المعجزات التي يعجز عنها قدرهم وقواهم لا أنه يجب عليهم أن يأتوا بمعجزة يقترحونها بتعنتهم ولو أتوا بها لتعنتوا ثانية وثالثة بل لو أدخلوا النار وردوا لعادوا لما نهو عنه ولذا قال تعالى ! < ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن > ! المؤمنون 71 بل حكى الله عن عنادهم فقال ! < ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون > ! الحجر 14 15 فليس على رسل الله بعد دعواهم الرسالة إلا إقامة البرهان على صدقهم كما حكى الله تعالى في كتابه عن كل نبي مع أمته ورسول مع قومه ولو تأمل الناظرون والمناظرون تأديبات القرآن وكيفية إقامة البرهان الذي هو في غاية البيان لاستغنوا به عن تأليف الينونان وتعلم آداب البحث لفلان وفلان والمقصود أن من اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد إقامة البرهان زادهم هدى وآتاهم تقواهم ومن عانده وكابره وجحد ما أتى الله به عاقبة الله بتقليب فؤاده وبصره كما قال تعالى ! < ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة > ! الأنعام 110 وكما قال تعالى ! < وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين > !
154
الحجر 11 13 أي سلكنا الذكر أدخلناه في قلوب المجرمين الذين قد أجرموا بتكذيب ما علموه حقا من النبوة والكتاب أي أدخلناه مكذبا به مستهزئا به وقوله ! < لا يؤمنون > ! بيان لذلك أو حال وهو إخبار أنه عاقبهم بتكذيبهم الذكر فجعلهم مجرمين لأنه قامت عليهم حجة الله ورسوله فكذبوها بغيا وحسدا وعدوانا فعاقبهم الله بأن لا يهتدوا للإيمان بعد ذلك ولا تزيدهم آياته إلا طغيانا كبيرا كما قال تعالى في القرآن ! < قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى > ! فصلت 44 ومراده بالذين لا يؤمنون هم من أنكروا وجحدوا وكابروا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أتى به في أول دعواه من برهان فالمعنى والذين لا يصدقون بما يجب عليهم تصديقه وكما قال تعالى ! < وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا > ! الإسراء 82 فالظالمون هم الذين ردوا آيات الرسل بعد علمهم بصدقها فعوقبوا بأن لا يهتدوا بكلام الله الذي هو شفاء ورحمة ولا يزدادون إلا خسارا بخلاف من قبل بما جاءت به الرسل أول مرة زادهم الله هدى ! < وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا > ! الأنفال 2 فهؤلاء لما قابلوا براهين الرسول بالقبول والتصديق لهم والإذعان زادتهم آياته إيمانا وأولئك لما قابلوها بالجحود والتكذيب والمكابرة والعصيان زادتهم آيات الله خسارا
155
هذا ومقصودنا إنما هو بيان أن الأصل الأصيل والأساس الذي ينبني عليه التأصيل أنه لا يقبل كلام أحد من دعوى يدعيها أو قصة يرويها إلا بإفاضة الدليل على دعواه والبرهان على صدق ما رواه فإذا قام البرهان وبينه بما تقبله العقول والأذهان وجب قبول قوله وتصديق منقوله
التقليد هو قبول قول الغير من دون حجة وإذا عرفت هذا الأصل الجليل عرفت أن المقلد قبل قول من قلده من غير أمارة ولا دليل فإن حقيقة التقليد قبول قول الغير من دون حجة مقاله أن يقول لك العالم مثلا المنى طاهر ويقول لك عالم آخر بل هو نجس فإن قبلت قوله فهذا قول صدر من العالم ولم يأت لك بدليل عليه وما قبولك عالمان وكلاهما قال لك قولا لازما ما لم يتبين لك دليله وكون القائل بأنه طاهر من ديار الشافعية وعلمائهم لا يصير أحد القولين أرجح من الآخر عقلا وشرعا فإن الديار والانتساب والاعتزاء إلى أي عالم من علماء الأمة لا يصير به أحد القائلين محقا والآخر مبطلا ضرورة عقلية وشرعية أن الأوطان لا أثر لها في ترجيح الأديان وأن الانتساب والاعتزاء إلى أي عالم من علماء الأمة لا يصير كلام من انتسب إليه حقا وكلام من لم ينسب إليه باطلا فإن قلت العالم إنما روى له معنى الأحاديث النبوية فالقائل إنه نجس روى لنا معنى الأحاديث الواردة بغسله والقائل بأنه 2
156
طاهر روى لنا معنى الأحاديث الدالة على الاكتفاء بفركه وقبول رواية الأخبار النبوية قد قام الدليل عليه واتفق الناس عليه وإن اختلفوا في قدر نصاب ما يجب قبوله من الواحد أو الإثنين أو الأربعة قلت نعم نحن قائلون بقيام الدليل على قبول خبر الآحاد بشروطه وأنه تجوز الرواية بالمعنى ولكنك واهم في جعل قول العالم رواية لك بالمعنى فإن القائل لك إنه نجس إنما أخبرك بالذي رجح عنده والقائل إنه طاهر إنما أخبرك بالذي رجح عنده إذ كل من العالمين قد عرف تعارض الأدلة في المسألة ورجح عنده نظر أحد الحكمين والآخر رجح عنده خلافة فهما مخبران لك عن رأيهما إذ الترجيح رأي محض يحصل لكل واحد عند تعارض الأدلة وكل منهما يجب عليه اتباع ما رجح له ولا يجب على غيره أن يتبعه في رأيه لا المجتهد ولا المقلد أما الأول فبالإجماع وأما الثاني فمحل النزاع
مبحث في جواز التقليد وعدم جوازه فأنا الأن في البحث في جواز التقليد للعالم في قوله من غير ذكره لدليله
157
فإن قلت قد قام الدليل على جواز التقليد قلت لمن قام هل للمقلد فالفرض أنه مقلد لا يعرف الأدلة وكيفية تطبيقها على المدعي ولا شرائط الاستنباط إذ لو كان كذلك لما كان مقلدا وهو خلاف المفروض أو قام دليل جواز التقليد للمجتهد فلا ينفع المقلد قيامه لغيره فإن قلت قام للمجتهد وقلده فيه المقلد قلت يمنع ذلك اتفاقهم أن مسألة جواز التقليد من مسائل الأصول ولا يجوز التقليد فيها وذلك لأن المطلوب فيها العلم ولا يحصل إلا بالدليل ولا يعرف الدليل إلا المجتهد فإن قلت لا نسلم أنه لا بد في مسائل الأصول من أن يكون عن علم ولا يجوز أن يكون عن ظن قلت إن سلم هذا فالظن بالحكم الشرعي لا يكون إلا عن أمارة شرعية ولا يعرفها إلا المجتهد فإن قلت إذا أمليت أدلة جواز الاجتهاد على المقلد فيهم المراد منها وعرفها واستند إليها وكان من أملاها راويا له قلت فإنك إذا أمليت عليه قوله تعالى ! < فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون > ! النحل 43 فهم منه أنه أمر منه تعالى بسؤال أهل العلم عما لا يعلمه وأخذ هذا الحكم من الآية فإن هذا القدر يفهمه منها كل من له أهلية الفهم ولا يحتاج إلى نحو ولا أصول ولا معان ولا بيان ولا غيرها وصار مجتهدا في وجوب سؤال أهل العلم عما لا يعلم لأن المفهوم عرفا من الأوامر هو الوجوب
158
ومعلوم عقلا أن الله تعالى إذا أمر بسؤالهم أنه قد أذن بقبول قولهم وإلا لم يكن للأمر بسوء اللهم فائدة قلت إذا قلتم تكلفة هذا في الاجتهاد فما أحسن هذا المراد وهذا هو ما أراده من يقول بوجوب الاجتهاد على جميع الأفراد مما له أهلية في فهم ما يراد وأحد الوجوه في الآية أن المراد فاسترووهم الآيات والأحاديث إن كنتم لا تعلمون فالآية أمر سؤالهم عن الآيات والأحاديث والآية إلى هذا المعنى أقرب لأنه تعالى علق عدم علمهم بالبينات والزبر فالأظهر اسألوهم عن البينات والزبر التي لا تعلمونها لا تسألوهم عن آرائهم وما ترجح لهم حتى تكون الآية دليلا على جواز التقليد وإذا فهم المقلد من هذه الآية هذا المعنى فأي مانع أن يفهم من غيرها ما يعمل به في غيرها من الأحكام ويجتهد
منع الاجتهاد كفران لنعمة الله عز وجل على العباد واعلم أنه ليس مع المانعين لذلك إلا مجرد الاستبعاد واستعظام من وارته اللحود من العلماء الأمجاد وأنه لا يكون إلا لهم الاجتهاد وليس للمتأخرين إلا جعل أقوال القدماء لأذهانهم كالأصفاد لا يخرجون عنها وإن ناطحت علومهم الأفلاك وجاوزت معارفهم أهل الكمال والإدراك وما أرى هذا والله إلا من كفران النعمة وجحود المنة فإن الله سبحانه
159
كمل عقول العباد ورزقهم فهم كلامه وما أراد وفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظ تعالى كتابه وسنة رسوله إلى يوم التناد بأن كثيرا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لا يحتاج في معناها إلى علم النحو وإلى علم الأصول بل في الأفهام والطباع والعقول ما سارع به إلى معرفة المراد منها عند قرعها الأسماع من دون نظر إلى شيء من تلك القواعد الأصولية والأصول النحوية فإن من قرع سمعه قوله تعالى ! < وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله > ! البقرة 110 يفهم معناه من دون أن يعرف أن ما كلمة شرط وتقدموا مجزوم بها لأنه شرطها وتجدوه مجزوم بها لأنه جزاؤه ومثلها ! < يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا > ! آل عمران 30 ومثلها ! < إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي > ! النحل 90 يفهم من الكل ما أريد منها من غير أن يعرف أسرار العلوم العربية ودقائق القواعد الأصولية ولذا ترى العامة يستفتون العالم ويفهمون كلامه وجوابه وهو كلام غير معرب في الأغلب بل تراهم يسمعون القرآن فيفهمون معناه ويبكون لقوارعه وما حواه ولا يعرفون إعرابا ولا غيره مما سقناه بل ربما كان موقع ما يسمعون في قلوبهم أعظم من موقعه في قلوب من حقق قواعد الاجتهاد وبلغ غاية الذكاء والانتقاد وهؤلاء العامة يحضرون الخطب في الجمع والأعياد ويذوقون الوعظ ويفهمونه ويفتت منه الأكباد وتدمع منه العيون ويدركون من ذلك ما لا يدركه العلماء المحققون ويسمعون أحاديث الترغيب والترهيب فيكثر منهم البكاء والنحيب
160
وأنت تراهم يقرؤون كتبا مؤلفة من الفروع الفهية كالأزهار للهادوية والمنهاج للشافعية والكبير للحنفية ومختصر خليل للمالكية ويفهمون ما فيها ويعرفون معانيها ويعتمدون عليها ويرجعون في الفتوى والخصومات إليها فليت شعري ما الذي خص الكتاب والسنة بالمنع عن معرفة معانيها وفهم تراكيبها ومبانيها والإعراض عن استخراج ما فيها حتى جعلت معانيها كالمقصورات في الخيام قد ضربت دونها السجوف ولم يبق لنا إليها إلا ترديد ألفاظها والحروف وإن استنباط معانهيا قد صار حجرا محجورا وحرما محرما محصورا
حديث اجتهاد الحاكم وبيان أن كلام الله وكلام رسوله أقرب إلى الأفهام وقال بعض العلماء المتأخرين في شرح بلوغ المرام في شرح حديث إن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ما لفظه إنه استدل بالحديث على اشتراط أن يكون الحاكم مجتهدا قال وهو المتمكن من أخذ الاحكام من الأدلة الشرعية قال ولكنه يعز وجوده بل كاد يعدم بالكلية
161
ومع تعذره فمن شرطه أي الحاكم أن يكون مقلدا مجتهدا في مذهب إمامه ومن شرطه أن يحقق أصول إمامه وأدلته وينزل أحكامه عليها فيما لا يجده منصوصا في مذهب إمامه اه وقد نقلناه في شرحنا سبل السلام وتعقباه بقولنا قلت ولا يخفى ما في هذا الكلام من البطلان وإن تتابع عليه الأعيان وما أرى هذه الدعوى التي تطابق عليها الأنظار إلا من كفران نعمة الله عليهم فإنهم أعني المدعين لهذه الدعوى والمقررين لها وهي دعوى عزة وجود المجتهدين في الاحكام بالكلية أو كيدودة عدمه مجتهدون يعرف أحدهم من القواعد التي يمكنه بها الاستنباط واستخراج الأحكام الشرعية من الأدلة النبوية ما لم يكن قد عرفه عتاب بن أسيد قاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة ولا أبو موسى الأشعري قاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليمن ولا معاذ بن جبل قاضيه فيها وعامله عليها ولا شريح قاضي عمر وعلي رضي الله عنهم في الكوفة من هذه الشرائط التي أفادها قول ذلك الشارح رحمه الله إن من شرط الحاكم أن يكون مجتهدا في مذهب إمامه وأن يحقق أصوله وأدلته إلى آخره هي شرائط المجتهد في الكتاب والسنة فإن هذا هو الاجتهاد الذي قال بعزة وجوده أو كيدودة عدمه بالكلية وسماه متعذرا هلا جعل هذا المقلد المجتهد أمامه كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم عوضا عن كلام إمامه وتتبع نصوص الكتاب والسنة عوضا عن تتبع نصوص إمامه
162
والعبارات كلها ألفاظ دالة على معانيها فهلا استبدل بألفاظ إمامه ومعانيها ألفاظ الشارع ومعانيها ونزل الأحكام عليها إذا لم يجده نصا شرعيا عوضا عن تنزيلها على مذهب إمامه فيما لم يجده منصوصا تالله لقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير من معرفة السنة والكتاب إلى معرفة كلام الشيوخ والأصحاب وتفهم مرامهم والتفتيش عن كلامهم ومن المعلوم يقينا أن كلام الله وكلام رسوله أقرب إلى الأفهام وأدنى إلى إصابة بلوغ المرام فإنه أبلغ الكلام بالإجماع وأعذبه في الأفواه والأسماع وأقربه إلى الفهم والانتفاع ولا ينكر هذا إلا جلمود الطباع ومن لا حظ له في النفع والانتفاع والأفهام التي فهم بها الصحابة الكلام الإلهي والخطاب النبوي هي كأفهامنا وأحلامهم كأحلامنا إذ لو كانت الأفهام متفاوتة تفاوتا يسقط معه فهم العبارات الإلهية والأحاديث النبوية لما كنا مكلفين ولا مأمورين ولا منهيين لا اجتهادا ولا تقليدا أما الأول فلاستحالته وأما الثاني فلأنا لا نقلد حتى نفهم جوازه وأدلته ولا يفهم ذلك إلا من أدلة الكتاب والسنة وقد تعذر ذلك كما قلتم وقد سبق بسط هذا
163
على أنا لا نشرط في هذا ما سلف من الشرائط في المجتهد التي ذكرناها عن مؤلف العواصم والقواصم إنما نقول إنه يستروي عن العالم الآية والحديث في الحكم الذي يتعلق به في الحالة الراهنة ثم يعمل به بعد فهمه إنما يشترط أن تؤخذ الرواية عمن يوثق بصدقه ودينه وورعه وشهرته بالعلم النافع من الكتاب والسنة وألا يسأله عن مذهب فلان ولا فلان وكيف وفي كتب الأصول نقل الإجماع على تحريم تقليد الأموات
تحريف معنى الأحاديث ليوافق المذهب جناية على أئمة المذاهب ولقد عظمت جنايات المقلدين على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أئمة مذاهبهم الذين تبرءوا عن إثبات مقال لهم يخالف نصا نبويا فإنها إذا وردت بخلاف ما قرره من قلدوه حرفوها عن مواضعها وحملوها على غير ما أراده صلى الله عليه وسلم كما قال بعض المعتزلة في حديث شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي وقد اعتقد ذلك المعتزلي أنه لا شفاعة للعصاة فقال مراده صلى الله عليه وسلم بأهل الكبائر المؤمنون أهل الصلاة لأن الصلاة كبيرة قال الله عز وجل ! < وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين > ! البقرة 45 فانظر أي تحريف أعجب من هذا الذي قاده إليه مذهبه واعتقاده أن لا شفاعة لأهل الكبائر وكونه تحريفا لا يحتاج إلى دليل ومثل قول بعض من اعتقد ندب صوم يوم الشك لأنه مذهب إمامه في حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم أنه مراده
164
بأبي القاسم عمار نفسه قال فقد عصاني وإنما وضع الظاهر موضع المضمر ولا يخفى ما في هذا الحمل من تحريف مع اتفاق الناس على كنية عمار أبو اليقطان ومثله قول ابن القيم في الهدى النبوي إن مراد عمار بيوم الشك آخر يوم من شعبان ولفظه والمنقول عن عمر وعلي وعمار وحذيفة وابن مسعود النهي عن صوم آخر يوم من شعبان تطوعا وهو الذي قال فيه عمار من صام اليوم الذي شك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم فأما الصوم يوم الغيم احتياطا على أنه إن كان من رمضان فهو فرضه وإلا فهو تطوع
165
قلت هذا من التحريف رعاية للمذهب لأن أحمد بن حنبل قائل بصوم يوم الشك فحمله رعاية المذهب على حمل حديث عمار على آخر يوم من شعبان تطوعا وهذا اليوم لا شك فيه قطعا بل هو يوم يقين من شعبان وكقدح بعض الحنفية في أبي هريرة رضي الله عنه كما ذكره الحافظ في فتح الباري لما روى حديث المصراة على خلاف يعتقدونه مذهبا
166
والحاصل أن من اعتقد مذهبا من المذاهب فإنه يؤدي ذلك إلى المحاماة عليه وإلى إخراج الآيات والأحاديث عن معانيها التي أرادها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن من قال بتحريم أكل طعام أهل الذمة وتحريم ذبائحهم حمل قوله
167
تعالى ! < وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم > ! المائدة 5 على حل أخذ الحبوب منهم كالحنطة والشعير فليحذر المؤمن المؤثر للحق على الخلق عن هذه الاعتقادات ورد الأحاديث والآيات إلى مثل تأويل الفرقة الباطنية وكل هذا من قبائح الاعتقادات المذهبية
168
وإني لأخاف ممن حرف الآيات والأحاديث ليوافق اعتقاده أن يقلب فؤاده وقلبه فلا يوفق لمعرفة الحق عقوبة كما فعله الله فيمن رد براهين النبوة وكذب بها كما أسلفناه في قوله ! < ونقلب أفئدتهم > ! الأنعام 110 ولو تتبعت ما وقع لأهل التقليد من التحريف لجاء منه مجلد وسيع ولكن مرادنا النصيحة لا التشنيع وهي تحصل بأقل مما سقناه وأيسر مما رقمناه
رد الأئمة على أدلة جواز التقليد فإن قلت قد ذكر العلماء أدلة لجواز التقليد واسعة وطرائق نافعة قلت نعم وقد ردها أئمة الاعتقاد وأوضحوا ما فيها من الفساد ولنذكر خلاصة كلام الفريقين فالدليل الأول قوله تعالى ! < فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون > ! النحل 43 قال فأمر سبحانه من لا يعلم أن يسأل من هو أعلم منه فالجواب أنا نقول أولا أن التزام مذهب إمام معين في جميع أقواله بحيث لا يحل الخروج عنه بحال بدعة وكل بدعة ضلالة فما معنى الاستدلال على البدعة أما كونه بدعة فلأنكم يا أسراء التقليد وغيركم لا يمكنكم أن تدعوا أنه كان في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلا من الصحابة يقلده في كل أقواله ولم يترك منها شيئا وأسقط أقوال غيره البتة فلم يأخذ منها شيئا ويتأول ما ورد من
169
الآيات والأحاديث ليوافق مذهب من قلده وهذا معلوم بالضرورة أنه لم يكن في الصحابة ولا في تابعيهم ولا تابع التابعين وهذه هي القرون الثلاثة التي خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب الحديث وما حدثت بدعة التقليد إلا في القرن الرابع الذي ذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أما الآية التي ذكرتم فإن الله تعالى أمر فيها من لا يعلم أن يسأل أهل الذكر والذكر هو القرآن والسنة كما ذكره الله في قوله مخاطبا لنساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ! < واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة > ! الأحزاب 34 وآياته القرآن والحكمة السنة وكما قال تعالى ! < هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة > ! الجمعة 2 فالأمر في الآية للجاهل أن يسأل أهل القرآن والحديث عنهما ليخبروه فإذا أخبروه وجب عليه اتباع ما أخبروه به
170
وهذا على أظهر الوجوه في تفسير الآية لمن له أدنى إلمام بالتفسير فكيف يستدل على أعظم قواعد الأصول بوجه مرجوح ويؤيد هذا الوجه الراجح معنا أن هذا كان شأن أهل العلم في الصحابة والتابعين يسأل الجاهل العالم أي عالم عن الآيات والسنة وليس لهم مقلد معين يتبعونه في أقواله فكان ابن عباس رضي الله عنهما يسأل الصحابة عما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعله لا يسأله عن غير ذلك وكذلك الصحابة كانوا يسألون نساءه صلى الله عليه وسلم عما يخفى عليهم من سننه سيما عائشة رضي الله عنها وكذلك التابعون كانوا يسألون الصحابة عن أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وسننه وكذلك أئمة الفقه قال الشافعي رضي الله عنه لأحمد بن حنبل يا أبا عبدالله أنت أعلم بالحديث مني فإذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شاميا كان أو كوفيا أو بصريا ولم يكن أحد قط من أهل العلم يسأل الرجل عن رأي رجل بعينه فيأخذ به ويطرح ما سواه
171
الثاني من أدلة جواز التقليد أنه صلى الله عليه وسلم قال في قصة صاحب الشجة ألا تسألوا إذا لم تعلموا إنما شفاء العي السوال فأرشدهم إلى السوال والجواب أنه صلى الله عليه وسلم إنما أرشد المفتين لصاحب الشيجة إلى السؤال عن حكمه صلى الله عليه وسلم وسنته فقال قتلوه قتلهم الله يدعو عليهم لما أفتوا بغير علم وفي هذا تحريم الافتاء بالتقليد فإن الإفتاء به ليس علما باتفاق الأمة وما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاعله فإنه حرام وهو أحد أدلة التحريم فالحديث حجة على تحريم التقليد لا على جوازه الثالث من أدلتهم قالوا قال أبو العسيف الذي زنا بامرأة مستأجرة وإني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم أخرجه البخاري قالوا فلم ينكر صلى الله عليه وسلم تقليد من هو أعلم منه
172
والجواب أن هذا سأل أهل العلم فأفتوه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنها سأل فهو يصلح عاضدا للآية وأن المراد سؤال أهل الذكر عن الكتاب والسنة لا عن رأيهم الرابع من أدلتهم قوله تعالى ! < والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه > ! التوبة 100 ومقلدهم تابع لهم فهو ممن رضي الله عنه والجواب صدق المقدمة الأولى وكذب الثانية فإن الأولى ضرورية الصدق وأما كذب الثانية فإن تفسير اتباعهم بالتقليد من تحريف الكلم عن مواضعه كيف وهذا التقليد الذي يريدونه بدعة حادثة لا يفسر بها كلام الله واتباعهم إنما هو سلوك طريقهم ومنهاجهم وقد نهوا عن التقليد فلم يكن في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يقلد بالاتفاق فكيف يقال من اتباعهم تقليدهم بل التابعون لهم بإحسان هم أهل العلم أئمة الكتاب والسنة الذين لا يقدمون على كتاب الله رأيا ولا قياسا ولا يجعلون كلام أحد عيارا على القرآن والسنن فالذي اتبعهم هو من اتبع الحجة وانقاد بالدليل ولم يتخذ رجلا بعينه إماما يقتدي بأقواله وسننه سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى ! < اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء > ! الأعراف 3
173
فأمر تعالى باتباع المنزل خاصة والمنزل هو الكتاب والسنة قال الله تعالى ! < وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا > ! الحشر 7 فالتقليد لا يكون اتباعا فإن الاتباع سلوك طريقة المتبع والإتيان بمثل ما أتى به وقد عقد أبو عمر بن عبدالبر بابا في الفرق بين الاتباع والتقليد وقال قال عبدالله بن خويز منداد البصري المالكي التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه وذلك ممنوع منه في الشريعة والاتباع ما ثبت عليه حجة الخامس من أدلة المقلدين الحديث المشهور أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم
174
والجواب أن الحديث قد روي عن عمر من طرق لا يصح منها شيء وقال البزار وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فهذا الكلام لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن صح فالاتباع غير التقليد فإن الاقتداء فعلك مثل فعل الغير على الوجه الذي فعله بالدليل الذي
175
فعله فلذلك قلنا من أبيات
وشتان ما بين المقلد في الهدى
ومن يقتدي فالضد يعرف بالضد
فمن قلد النعمان أصبح شاربا
نبيذا وفيه القول للبعض بالحد
ومن يقتدي أضحى إمام معارف
وكان أويسا في العبادة والزهد
فمقتديا في الحق كن لا مقلدا
وخل أخا التقليد في الأسر بالقد

176
فالمقلد لأبي حنيفة وهو المراد بالنعمان يجوز عنده شرب النبيذ وأبو حنيفة لم يشربه فالاقتداء به أن لا يشربه بل المقتدي به يكون إماما في العلم والزهد كأبي حنيفة ومثله قول الإمام الكبير محمد بن إبراهيم الوزير مؤلف العواصم والقواصم في الذب عن أبي القاسم من أبيات
هم قلدوهم فاقتديت بهم وكم
بين المقلد في الهدى والمقتدي
من قلد النعمان أصبح شاربا
لمثلث رجس خبيث مزبد
ولو اقتدى بأبي حنيفة لم يكن
إلا إماما راكعا في المسجد
وقال الله تعالى مخاطبا لرسوله صلى الله عليه وسلم بعد أن عد من الأنبياء عليهم السلام نحوا من بعضة عشر نبيا ! < فبهداهم اقتده > ! الأنعام 90 قال في الكشاف المراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين اه ومعلوم يقينا أن الله تعالى لم يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بتقليد رسله في أديانهم فعرفت أن الاقتداء والاتباع ليسا من التقليد في ورود ولا صدر
177
السادس من أدلة المقلدين قالوا حديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي أبو بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم معبد الجواب أن الاهتداء بهم اتباع الكتاب والسنة والقبول لما فيهما والدعاء إليهما وتحريم التقليد إذ لم يؤثر عنهم وقد صح عن ابن مسعود وهو ابن أم معبد النهي عن التقليد وقال لا يكون الرجل إمعة لا بصيرة له ثم من المعلوم أن أحدا منهم لم يكن يدع السنة بقول أي قائل ثم إن سنة الخلفاء الراشدين وطريقتهم اتباع الكتاب والسنة فالأخذ بسنتهما اتباع السنة النبوية والقرآن
178
ثم يقال لكم أيها المقلدون إنكم لا تقلدون أبا بكر وعمر ولا تجعلون قولهما حجة بل قلدتم أئمة من اتباع الأئمة وحرمتم تقليد غيرهم فأين أنتم من العمل بهذا الحديث لو كان مسوقا للتقليد فأنتم أول تارك له السابع من أدلة التقليد أن في كتاب عمر رضي الله عنه إلى شريح أنه يقضي بما قضى به الصالحون إن لم يجد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يقضي به والجواب إن كتاب عمر رضي الله عنه فيه دليل على عدم التقليد بل أمره باتباع الكتاب والسنة والمقلدون لا يقولون بذلك بل لا ينظرون في كتاب الله ولا سنة إنما ينظرون في كتب شيوخهم وأقوالهم ثم إنه قال إذا لم يجد فيها قضى بما قضى به الصالحون فأباح له عند تعذر وجدان الدليل من الأمرين الرجوع إلى ما قضى به الصالحون الذين لا يقضون إلا عن دليل من كتاب أو سنة أو قياس جلى
179
فأجاز له هنا الأخذ في القضاء برأي الصالحين في الحالة الراهنية لا أنه يجعل رأيه مقدما على الكتاب والسنة كما جعل المقلدون ثم هذا كلام عمر رضي الله عنه وليس بحجة الثامن قالوا كان الصحابة يفتون في عصره صلى الله عليه وسلم باطلاعه وهذا تقليد للمتقين الجواب أن فتواهم كان تبليغا عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يكن إفتاء بآرائهم ولذلك لما أفتوا صاحب الشجة بخلاف سنته قال قتلهم الله كما عرفت التاسع من أدلتهم قالوا قال الله تعالى ! < فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم > ! التوبة 112 فأوجب قبول إنذارهم وذلك تقليد لهم والجواب أن هذا جهل للفظ الإنذار إنما يقوم بالحجة فمن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أنذر كما أن النذير من أقام الحجة فمن لم يأت بالحجة لم يكن نذيرا وحينئذ فالمراد ! < ولينذروا قومهم > ! بإخبارهم إياهم بالحجج والبراهين على ما يفقهونهم به من الأحكام ألا ترى أن خزنة النار من الملائكة يقولون لمن فيها ! < ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير > !
180
الملك 8 10 قال الله تعالى ! < فاعترفوا بذنبهم > ! الملك 11 فإنهم أقروا أنه أتاهم النذير ولا يكون إلا لحجة فكذبوا ضلالا وعنادا وقالوا متأسفين ! < لو كنا نسمع > ! أي نعمل بما سمعناه ! < أو نعقل > ! أي نعمل بما عقلناه وإلا فمن المعلوم أنهم سمعوا وعقلوا ولكن ما عملوا فكأنهم لا سمع لهم ولا عقل فهم الذين يقولون سمعنا وعصينا ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا خيرا لهم وأقوم فعرفت أنه لا دليل في الآية للمقلدين العاشر من أدلتهم قالوا قد أمر الله تعالى بقبول شهادة الشاهد وذلك تقليد له الجواب أن هذا من أبطل الأدلة فإنا ما قبلنا قولهم إلا بنص ربنا وقول نبينا وإجماع أمة فلم يقبل قول الشاهد بمجرد كونه شهد به بل قبلناه لأن الله أمر بقبول شهادته كما أمرنا باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فإن سميتم ذلك تقليدا فلا يضرنا وأما أنتم قبلتم قول من قلدتموه وتركتم قول من عداه ولو كان آية من
181
الله أو حديثا نبويا لتأولتموها وأرجعتموها ناكصين على أعقابكم إلى قول إمامكم وكذلك قبولنا إقرار من أقر على نفسه بشيء وحكما به عليه لا يسمى تقليدا بل اتباعا لقول الله تعالى ! < بل الإنسان على نفسه بصيرة > ! القيامة 14 وإجماع الأمة وعمله صلى الله عليه وسلم في قبول إقرار ماعز والغامدية ورجمهما بإقرارهما ولا يقول احد إنه صلى الله عليه وسلم قلدهما الحادي عشر من أدلتهم قالوا قد جعل الله في فطر العباد تقليد المتعلمين للعالمين والأستاذين في العلوم والصنائع ولا تقوم مصالح الخلق إلا بهذا وذاك عام في كل علم وصناعة وقد فاوت الله بين الأذهان كما فاوت بين القوى في الأبدان فلا يحسن في حكمته وعدله ورحمته أن يفرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله والجواب أن هذا حق لا ينكر ولا ينكر أخذ العلم عن العلماء وينكر أخذه من الصحف والقراطيس بغير تعلم ولكنا نقتدي بالعالم ونهتدي بتعليمه ونستعين بفهمه ونستضيء بأنوار علومه وفرق بين تقليد العالم في جميع ما قاله وبين الاستعانة بفهمه وهو الثاني بمنزلة الدليل في الطريق والخريت الماهر لابن السبيل فهو دليل إلى دليل فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره ونظيره من استدل بالنجم على القبلة فإذا شاهد القبلة لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى
182
أما قوله إنه تعالى فاوت بين الأذهان فهذا مسلم وكلا منا فيمن له أهلية الخطاب وفهم أدلة ما يحتاجه من أدلة السنة والكتاب وهو بحمد الله الواحد الوهاب أمر ليس بالخفي ولا بالألغاز الذي لا يعرفه إلا الذكي بل قدمنا لك أن ألفاظهما أقرب تناولا وأسهل أخذا وأوضح معنى ولا بد للمكلف من تفهم معاني ما كلف به إما من كلام شيوخه أو من كلام ربه ورسوله صلى الله عليه وسلم ضرورة إنه لا يتم له التكليف إلا بالفهم وإلا معذورا غير مخاطب بشيء من الشرعيات فالفهم الذي يصرفه في حل عبارات شيوخه وبيان معانيها يصرفه في تفهم كلام ربه ورسوله صلى الله عليه وسلم والقدر الذي كلف الله به عباده وقد سهله ! < وما جعل عليكم في الدين من حرج > ! الحج 78 لا في فهم المراد ولا في الأفعال التي خاطب العباد وقد قدمنا أن الواجب على كل عبد ما يخصه من الأحكام وما يدعوه إليه حاجة وهو أمر سهل يسير فإن أكثر العلوم فضول كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه العلم نقطة كثرها الجهال فهذه زبدة أدلة مجوزي التقليد وأجوبتها ومن له فهم أو ألقى السمع وهو شهيد لا يخفاه بعد ذلك إذا كان له مطلبا وإياه يريد وقد ذكروا أدلة سماعها شغل الأسماع بغير فائدة تعود على سامعها ولا انتفاع تركناها لا نشغل بها الاوقات ويستغني بها عما هو أولى بالنظر بالاتفاق والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وعليه في كل فعل التعويل ومنه
183
ومنه نستمد الهداية في البكرة والأصيل إلى ما يقر بنا إلى جانبه وينزلنا في ظل رحمته الظليل وصلى الله على سيدنا محمد وآله خير آل وصحابته خير صحاب وقبيل ^