3
فصل في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس وأن ما يظن مخالفته للقياس فأحد الأمرين لازم فيه ولا بد إما أن يكون القياس فاسدا أو يكون ذلك الحكم لم يثبت بالنص كونه من الشرع
وسألت شيخنا قدس الله روحه عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم هذا خلاف القياس لما ثبت بالنص أو قول الصحابة أو بعضهم وربما كان مجمعا عليه كقولهم طهارة الماء إذا وقعت فيه نجاسة على خلاف القياس وتطهير النجاسة على خلاف القياس والوضوء من لحوم الإبل والفطر بالحجامة والسلم والإجارة والحوالة والكتابة والمضاربة والمزارعة والمساقاة والقرض وصحة صوم الآكل الناسي والمضي في الحج الفاسد كل ذلك على خلاف القياس فهل ذلك صواب أم لا
فقال ليس في الشريعة ما يخالف القياس وأنا أذكر ما حصلته من جوابه بخطه ولفظه وما فتح الله سبحانه لي بيمن إرشاده وبركة تعليمه وحسن بيانه وتفهيمه
لفظ القياس مجمل
أصل هذا أن تعلم أن لفظ القياس لفظ مجمل يدخل فيه القياس الصحيح والفاسد والصحيح هو الذي وردت به الشريعة وهو الجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين فالأول قياس الطرد والثاني قياس العكس وهو من العدل الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم فالقياس الصحيح مثل أن تكون
4
العلة التي علق بها الحكم في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط وكذلك القياس بإلغاء الفارق وهو أن لا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع فمثل هذا القياس أيضا لا تأتي الشريعة بخلافه وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأحكام بحكم يفارق به نظائره فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم ويمنع مساواته لغيره لكن الوصف الذي اختص به ذلك النوع قد يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر وليس من شرط القياس الصحيح أن يعلم صحته كل أحد فمن رأى شيئا من الشريعة مخالفا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه ليس مخالفا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر وحيث علمنا أن النص ورد بخلاف قياس علمنا قطعا أنه قياس فاسد بمعنى أن صورة النص امتازت عن تلك الصور التي يظن أنها مثلها بوصف أوجب تخصيص الشارع لها بذلك الحكم فليس في الشريعة ما يخالف قياسا صحيحا ولكن يخالف القياس الفاسد وإن كان بعض الناس لا يعلم فساده ونحن نبين ذلك فيما ذكر في السؤال
المشاركة غير المعارضة
فالذين قالوا المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة لأنها عمل بعوض والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض فلما رأوا العمل والربح في هذه العقود غير معلومين قالوا هي على خلاف القياس وهذا من غلطهم فإن هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض والمشاركات جنس غير جنس المعاوضات وإن كان فيها شوب المعاوضة وكذلك المقاسمة جنس غير جنس المعاوضة المحضة وإن كان فيها شوب المعاوضة حتى ظن بعض الفقهاء أنها بيع يشترط فيها شروط البيع الخاص
5
العمل الذي يقصد به المال أنواع ثلاثة
وإيضاح هذا أن العمل الذي يقصد به المال ثلاثة أنواع
النوع الأول
أحدها أن يكون العمل مقصودا معلوما مقدورا على تسليمه فهذه الإجارة اللازمة
النوع الثاني
الثاني أن يكون العمل مقصودا لكنه مجهول أو غرر فهذه الجعالة وهي عقد جائز ليس بلازم فإذا قال من رد عبدي الآبق فله مائة فقد يقدر على رده وقد لا يقدر وقد يرده من مكان قريب أو بعيد فلهذا لم تكن لازمة لكن هي جائزة فإن عمل العمل استحق الجعل وإلا فلا ويجوز أن يكون الجعل فيها إذا حصل بالعمل جزءا شائعا ومجهولا جهالة لا تمنع التسليم كقول أمير الغزو من دل على حصن فله ثلث ما فيه أو يقول للسرية التي يسير بها لكم خمس ما تغنمون أو ربعه وتنازعوا في السلب هل هو مستحق بالشرع كقول الشافعي أو بالشرط كقول أبي حنيفة ومالك على قولين وهما روايتان عن أحمد فمن جعله مستحقا بالشرط جعله من هذا الباب ومن ذلك إذا جعل للطبيب جعلا على الشفاء جاز كما أخذ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم القطيع من الشاء الذي جعله لهم سيد الحي فرقاه أحدهم حتى برئ والجعل كان على الشفاء لا على القراءة ولو استأجر طبيبا إجارة لازمة على الشفاء لم يصح لأن الشفاء غير مقدور له فقد يشفيه الله وقد لا يشفيه فهذا ونحوه مما تجوز فيه الجعالة دون الإجارة اللازمة
6
فصل النوع الثالث
وأما النوع الثالث فهو مالا يقصد فيه العمل بل المقصود فيه المال وهو المضاربة فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كالمجاعل والمستأجر له قصد في عمل العامل ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئا لم يكن له شيء وإن سمى هذا جعالة بجزء مما يحصل من العمل كان نزاعا لفظيا بل هذه مشاركة هذا بنفع ماله وهذا بنفع بدنه وما قسم الله من ربح كان بينهما على الإشاعة ولهذا لا يجوز أن يختص أحدهما بربح مقدر لأن هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة وهذا هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المزارعة فإنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها وهو ما ثبت على الماذيانات وأقبال الجداول ونحو ذلك فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه ولهذا قال الليث بن سعد وغيره إن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم أمر لو نظر فيه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز فتبين أن النهي عن ذلك موجب القياس فإن هذا لو شرط في المضاربة لم يجز فإن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر لم يكن ذلك عدلا بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم فإن حصل ربح اشتركا فيه وإن لم يحصل شيء اشتركا في المغرم وذهب نفع بدن هذا كما ذهب نفع مال هذا ولهذا كانت الوضيعة على المال لأن ذلك في مقابلة ذهاب نفع المال ولهذا كان الصواب أنه يجب في المضاربة الفاسدة بربح المثل فيعطى العامل ما جرت العادة أن يعطاه مثله إما نصفه أو ثلثه فأما أن يعطى شيئا مقدرا مضمونا في ذمة المالك كما يعطى في الإجارة والجعالة فهذا غلط ممن قاله وسبب غلطه ظنه أن هذه إجارة فأعطاه في فاسدها عوض المثل كما يعطيه في الصحيح المسمى
ومما يبين غلط هذا القول أن العامل قد يعمل عشر سنين أو أكثر فلو
7
أعطى أجرة المثل أعطى أضعاف رأس المال وهو في الصحيحة لا يستحق إلا جزءا من الربح إن كان هناك ربح فكيف يستحق في الفاسدة أضعاف ما يستحقه في الصحيحة وكذلك الذين أبطلوا المزارعة والمساقاة ظنوا أنهما إجارة بعوض مجهول فأبطلوها وبعضهم صحح منهما ما تدعو إليه الحاجة كالمساقاة على الشجر لعدم إمكان إجارتها بخلاف الأرض فإنه يمكن إجارتها وجوزوا من المزارعة ما يكون تبعا للمساقاة إما مطلقا وإما إذا كان البياض الثلث وهذا كله بناء على أن مقتضى الدليل بطلان المزارعة وإنما جوزت للحاجة ومن أعطى النظر حقه علم أن المزارعة أبعد عن الظلم والغرر من الإجارة بأجرة مسماة مضمونة في الذمة فإن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالزرع النابت في الأرض فإذا لزمته الأجرة ومقصوده من الزرع قد يحصل وقد لا يحصل كان في هذا حصول أحد المعاوضين على مقصوده دون الآخر فأحدهما غانم ولا بد والآخر متردد بين المغنم والمغرم وأما المزارعة فإن حصل الزرع اشتركا فيه وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان فلا يختص أحدهما بحصول مقصوده دون الآخر فهذا أقرب إلى العدل وأبعد عن الظلم والغرر من الإجارة
العدل هو الأصل في كل العقود
والأصل في العقود كلها إنما هو العدل الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب قال تعالى ! < لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط > ! والشارع نهى عن الربا لما فيه من الظلم وعن الميسر لما فيه من الظلم والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا وكلاهما أكل المال بالباطل وما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المعاملات كبيع الغرر وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وبيع السنين وبيع حبل الحبلة وبيع المزابنة والمحاقلة وبيع الحصاة وبيع الملاقيح والمضامين ونحو ذلك هي داخلة إما في الربا وإما في الميسر فالإجارة بالأجرة المجهولة مثل أن يكريه الدار بما يكسبه المكتري في حانوته من المال هو من الميسر وأما المضاربة والمساقاة والمزارعة
8
فليس فيها شيء من الميسر بل هي من أقوم العدل وهو مما يبين لك أن المزارعة التي يكون فيها البذر من العامل أولى بالجواز من المزارعة التي يكون فيها البذر من رب الأرض ولهذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يزارعون على هذا الوجه وكذلك عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن يعملوها من أموالهم والذين اشترطوا أن يكون البذر من رب الأرض قاسوا ذلك على المضاربة فقالوا المضاربة فيها المال من واحد والعمل من آخر فكذلك المزارعة ينبغي أن يكون البذر فيها من مالك الأرض وهذا القياس مع أنه مخالف للسنة الصحيحة ولأقوال الصحابة فهو من أفسد القياس فإن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه ويقتسمان الربح فهذا نظير الأرض في المزارعة وأما البذر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه بل يذهب كما يذهب نفع الأرض فإلحاقه بالنفع الذاهب أولى من إلحاقه بالأصل الباقي فالعامل إذا أخرج البذر ذهب عمله وبذره ورب الأرض يذهب نفع أرضه وبدن هذا كأرض هذا فمن جعل البذر كالمال في المضاربة كان ينبغي له أن يعيد مثل هذا البذر إلى صاحبه كما قال مثل ذلك في المضاربة فكيف ولو اشترط رب البذر عود نظيره لم يجوزوا ذلك
فصل الحوالة توافق القياس
وأما الحوالة فالذين قالوا إنها على خلاف القياس قالوا هي بيع دين بدين والقياس يأباه وهذا غلط من وجهين
أحدهما أن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام ولا إجماع وإنما ورد النهي عن بيع الكالىء بالكالىء والكالىء هو المؤخر الذي لم يقبض كما لو أسلم شيئا في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر فهذا لا يجوز بالاتفاق وهو بيع كالىء بكالىء وأما بيع الدين بالدين فينقسم إلى بيع واجب بواجب
9
كما ذكرنا وهو ممتنع وينقسم إلى بيع ساقط بساقط وساقط بواجب وواجب بساقط وهذا فيه نزاع
قلت الساقط بالساقط في صورة المقاصة والساقط بالواجب كما لو باعه دينا له في ذمته بدين آخر من غير جنسه فسقط الدين المبيع ووجب عوضه وهي بيع الدين ممن هو في ذمته وأما بيع الواجب بالساقط فكما لو أسلم إليه في كر حنطة بعشرة دراهم في ذمته فقد وجب له عليه دين وسقط له عنه دين غيره وقد حكى الإجماع على امتناع هذا ولا إجماع فيه قاله شيخنا واختار جوازه وهو الصواب إذ لا محذور فيه وليس بيع كالىء بكالىء فيتناوله النهي بلفظه ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى فإن المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة فإنه لم يتعجل أحدهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله وينتفع صاحب المؤخر بربحه بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة وأما ما عداه من الصور الثلاث فلكل منهما غرض صحيح ومنفعة مطلوبة وذلك ظاهر في مسألة التقاص فإن ذمتهما تبرأ من أسرها وبراءة الذمة مطلوب لهما وللشارع فأما في الصورتين الأخيرتين فأحدهما يعجل براءة ذمته والآخر ينتفع بما يربحه وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته والآخر يحصل على الربح وذلك في بيع العين بالدين جاز أن يفرغها من دين ويشغلها بغيره وكأنه شغلها به ابتداء إما بقرض أو بمعاوضة فكانت ذمته مشغولة بشيء فانتقلت من شاغل إلى شاغل وليس هناك بيع كالىء بكالىء وإن كان بيع دين بدين فلم ينه الشارع عن ذلك لا بلفظه ولا بمعنى لفظه بل قواعد الشرع تقتضي جوازه فإن الحوالة اقتضت نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فقد عاوض المحيل المحال من دينه بدين آخر في ذمة ثالث فإذا عاوضه من دينه على دين آخر في ذمته كان أولى بالجواز وبالله التوفيق
رجعنا إلى كلام شيخ الإسلام قال الوجه الثاني يعني مما يبين أن
10
الحوالة على وفق القياس أن الحوالة من جنس إيفاء الحق لا من جنس البيع فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي في ذمة المحيل ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحوالة في معرض الوفاء فقال في الحديث الصحيح مطل الغنى ظلم وإذا أتبع أحدكم على ملىء فليتبع فأمر المدين بالوفاء ونهاه عن المطل وبين أنه ظالم إذا مطل وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل على ملىء وهذا كقوله تعالى ! < فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان > ! أمر المستحق أن يطالب بالمعروف وأمر المدين أن يؤدي بإحسان ووفاء الدين ليس هو البيع الخاص وإن كان فيه شوب المعاوضة وقد ظن بعض الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاء الدين بسبب أن الغريم إذا قبض الوفاء صار في ذمة المدين مثله ثم إنه يقاص ما عليه بماله وهذا تكلف أنكره جمهور الفقهاء وقالوا بل نفس المال الذي قبضه يحصل به الوفاء ولا حاجة أن يقدر في ذمة المستوفي دينا وأولئك قصدوا أن يكون وفاء دين بدين مطلق وهذا لا حاجة إليه فإن الدين من جنس المطلق الكلي والمعين من جنس المعين فمن ثبت في ذمته دين مطلق كلي فالمقصود منه هو الأعيان الموجودة وأي معين استوفاه حصل به المقصود من ذلك الدين المطلق
فصل القرض يوافق القياس
وأما القرض فمن قال إنه على خلاف القياس فشبهته أنه بيع ربوي بجنسه مع تأخر القبض وهذا غلط فإن القرض من جنس التبرع بالمنافع كالعارية ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم منيحة فقال أو منيحة ذهب أو منيحة ورق وهذا من باب الإرفاق لا من باب المعاوضات فإن باب المعاوضات يعطي كل منهما أصل المال على وجه لا يعود إليه وباب القرض من جنس باب العارية والمنيحة وإفقار الظهر مما يعطى فيه أصل المال لينتفع بما يستخلف منه ثم يعيده
11
إليه بعينه إن أمكن وإلا فنظيره ومثله فتارة ينتفع بالمنافع كما في عارية العقار وتارة يمنحه ماشية ليشرب لبنها ثم يعيدها أو شجرة ليأكل ثمرها ثم يعيدها وتسمى العرية فإنهم يقولون أعراه الشجرة وأعاره المتاع ومنحه الشاة وأفقره الظهر وأقرضه الدراهم واللبن والثمر لما كان يستخلف شيئا بعد شيء كان بمنزلة المنافع ولهذا كان في الوقف يجري مجرى المنافع وليس هذا من باب البيع في شيء بل هو من باب الإرفاق والتبرع والصدقة وإن كان المقرض قد ينتفع أيضا بالقرض كما في مسألة السفتجة ولهذا كرهها من كرهها والصحيح أنها لا تكره لأن المنفعة لا تخص المقرض بل ينتفعان بها جميعا
فصل إزالة النجاسة توافق القياس
وأما إزالة النجاسة فمن قال إنها على خلاف القياس فقوله من أبطل الأقوال وأفسدها وشبهته أن الماء إذا لاقى نجاسة تنجس بها ثم لاقى الثاني والثالث كذلك وهلم جرا والنجس لا يزيل نجاسة وهذا غلط فإنه يقال فلم قلتم إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسة نجس فإن قلتم الحكم في بعض الصور كذلك قيل هذا ممنوع عند من يقول إن الماء لا ينجس إلا بالتغير
فإن قيل فيقاس ما لم يتغير على ما تغير
قيل هذا من أبطل القياس حسا وشرعا وليس جعل الإزالة مخالفة للقياس بأولى من جعل تنجيس الماء مخالفا للقياس بل يقال إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسة لا ينجس كما أنه إذا لاقاها حال الإزالة لا ينجس فهذا القياس أصح من ذلك القياس لأن النجاسة تزول بالماء حسا وشرعا وذلك معلوم بالضرورة من الدين بالنص والإجماع وأما تنجيس الماء بالملاقاة فمورد نزاع فكيف يجعل مورد النزاع حجة على مواقع الإجماع والقياس يقتضي رد
12
موارد النزاع إلى موارد الإجماع وأيضا فالذي تقتضيه العقول أن الماء إذا لم تغيره النجاسة لا ينجس فإنه باق على أصل خلقته وهو طيب فيدخل في قوله ! < ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث > ! وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقع فيها نجاسة فاستحالت بحيث لم يظهر لها لون ولا طعم ولا ريح
وقد تنازع الفقهاء هل القياس يقتضي نجاسة الماء بملاقاة النجاسة إلا ما استثناه الدليل أو القياس يقتضي أنه لا ينجس إذا لم يتغير على قولين الأول قول أهل العراق والثاني قول أهل الحجاز وفقهاء الحديث منهم من يختار هذا ومنهم من يختار هذا
وقول أهل الحجاز هو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص والمعقول فإن الله سبحانه أباح الطيبات وحرم الخبائث والطيب والخبيث يثبت للمحل باعتبار صفات قائمة به فما دامت تلك الصفة فالحكم تابع لها فإذا زالت وخلفتها الصفة الأخرى زال الحكم وخلفه ضده فهذا هو محض القياس والمعقول فهذا الماء والطعام كان طيبا لقيام الصفة الموجبة لطيبه فإذا زالت تلك الصفة وخلفتها صفة الخبث عاد خبيثا فإذا زالت صفة الخبث عاد إلى ما كان عليه وهذا كالعصير الطيب إذا تخمر صار خبيثا فإذا عاد إلى ما كان عليه عاد طيبا والماء الكثير إذا تغير بالنجاسة صار خبيثا فإذا زال التغير عاد طيبا والرجل المسلم إذا ارتد صار خبيثا فإذا عاد إلى الإسلام عاد طيبا والدليل على أنه طيب الحس والشرع أما الحس فلأن الخبث لم يظهر له فيه أثر بوجه ما لا في لون ولا طعم ولا رائحة ومحال صدق المشتق بدون المشتق منه وأما الشرع فمن وجوه أحدها
أنه كان طيبا قبل ملاقاته لما يتأثر به والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت رفعه وهذا يتضمن أنواع الاستصحاب الثلاثة المتقدمة استصحاب براءة الذمة من الإثم بتناوله شربا أو طبخا أو عجنا وملابسة استصحاب الحكم الثابت وهو الطهارة واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع
13
الثاني أنه لو شرب هذا الماء الذي قطرت فيه قطرة من خمر مثل رأس الذبابة لم يحد اتفاقا ولو شربه صبي وقد قطرت فيه قطرة من لبن لم تنشر الحرمة فلا وجه للحكم بنجاسته لا من كتاب ولا من سنة ولا قياس
والذين قالوا إن الأصل نجاسة الماء بالملاقاة تناقضوا أعظم تناقض ولم يمكنهم طرد هذا الأصل فمنهم من استثنى مقدار القلتين على خلافهم فيها ومنهم من استثنى ما لا يمكن نزحه ومنهم من استثنى ما إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر ومنهم من استثنى الجاري خاصة وفرقوا بين ملاقاة الماء في الإزالة إذا ورد على النجاسة وملاقاتها له إذا وردت عليه بفروق منها أنه وارد على النجاسة فهو فاعل وإذا وردت عليه فهو مورود منفعل وهو أضعف ومنها أنه إذا كان واردا فهو جار والجاري له قوة ومنها أنه إذا كان واردا فهو في محل التطهير وما دام في محل التطهير فله عمل وقوة والصواب أن مقتضى القياس أن الماء لا ينجس إلا بالتغير وأنه إذا تغير في محل التطهير فهو نجس أيضا وهو في حال تغيره لم يزلها وإنما خففها ولا تحصل الإزالة المطلوبة إلا إذا كان غير متغير وهذا هو القياس في المائعات كلها أن يسير النجاسة إذا استحالت في الماء ولم يظهر لها فيه لون ولا طعم ولا رائحة فهي من الطيبات لا من الخبائث وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الماء لا ينجس وصح عنه أنه قال إن الماء لا يجنب وهما نصان صريحان في أن الماء لا ينجس بالملاقاة ولا يسلبه طهوريته استعماله في إزالة الحدث ومن نجسه بالملاقاة أو سلب طهوريته بالاستعمال فقد جعله ينجس ويجنب والنبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في صحيح البخاري أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال ألقوها وما حولها وكلوه ولم يفصل بين أن يكون جامدا أو مائعا قليلا أو كثيرا فالماء بطريق الأولى يكون هذا حكمه وحديث التفريق بين الجامد والمائع حديث معلول وهو غلط من معمر من عدة وجوه بينها البخاري في صحيحه والترمذي في جامعه وغيرهما ويكفي أن الزهري الذي روى عنه معمر حديث التفصيل قد روى عنه الناس كلهم خلاف ما روى عنه معمر
14
وسئل عن هذه المسألة فأفتى بأنها تلقى وما حولها ويؤكل الباقي في الجامد والمائع والقليل والكثير واستدل بالحديث فهذه فتياه وهذا استدلاله وهذه رواية الأئمة عنه فقد اتفق على ذلك النص والقياس ولا يصلح للناس سواه وما عداه من الأقوال فمتناقض لا يمكن صاحبه طرده كما تقدم فظهر أن مخالفة القياس فيما خالف النص لا فيما جاء به النص
فصل طهارة الخمر باستحالتها توافق القياس
وعلى هذا الأصل فطهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس فإنها نجسة لوصف الخبث فإذا زال الموجب زال الموجب وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها بل وأصل الثواب والعقاب وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت وقد نبش النبي صلى الله عليه وسلم قبور المشركين من موضع مسجده ولم ينقل التراب وقد أخبر الله سبحانه عن اللبن أنه يخرج من بين فرث ودم وقد أجمع المسلمون على أن الدابة إذا علفت بالنجاسة ثم حبست وعلفت بالطاهرات حل لبنها ولحمها وكذلك الزرع والثمار إذا سقيت بالماء النجس ثم سقيت بالطاهر حلت لاستحالة وصف الخبث وتبدله بالطيب وعكس هذا أن الطيب إذا استحال خبيثا صار نجسا كالماء والطعام إذا استحال بولا وعذرة فكيف أثرت الاستحالة في انقلاب الطيب خبيثا ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيبا والله تعالى يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب ولا عبرة بالأصل بل بوصف الشيء نفسه ومن الممتنع بقاء حكم الخبث وقد زال اسمه ووصفه والحكم تابع للاسم والوصف دائر معه وجودا وعدما فالنصوص المتناولة لتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر لا تتناول الزرع والثمار والرماد والملح والتراب والخل لا لفظا ولا معنى ولا نصا ولا قياسا والمفرقون بين استحالة الخمر وغيرها قالوا الخمر نجست
15
بالاستحالة فطهرت بالاستحالة فيقال لهم وهكذا الدم والبول والعذرة إنما نجست بالاستحالة فتطهر بالاستحالة فظهر أن القياس مع النصوص وأن مخالفة القياس في الأقوال التي تخالف النصوص
فصل الوضوء من لحوم الإبل يوافق القياس
وأما قولهم إن الوضوء من لحوم الإبل على خلاف القياس لأنها لحم واللحم لا يتوضأ منه فجوابه أن الشارع فرق بين اللحمين كما فرق بين المكانين وكما فرق بين الراعيين رعاة الإبل ورعاة الغنم فأمر بالصلاة في مرابض الغنم دون أعطان الإبل وأمر بالتوضؤ من لحوم الإبل دون الغنم كما فرق بين الربا والبيع والمذكي والميتة فالقياس الذي يتضمن التسوية بين ما فرق الله بينه من أبطل القياس وأفسده ونحن لا ننكر أن في الشريعة ما يخالف القياس الباطل هذا مع أن الفرق بينهما ثابت في نفس الأمر كما فرق بين أصحاب الإبل وأصحاب الغنم فقال الفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل والسكينة في أصحاب الغنم وقد جاء أن على ذروة كل بعير شيطان وجاء أنها جن خلقت من جن ففيها قوة شيطانية والغاذى شبيه بالمغتذى ولهذا حرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير لأنها دواب عادية فالاغتذاء بها يجعل في طبيعة المغتذى من العدوان ما يضره في دينه فإذا اغتذى من لحوم الإبل وفيها تلك القوة الشيطانية والشيطان خلق من نار والنار تطفأ بالماء هكذا جاء الحديث ونظيره الحديث الآخر إن الغضب من الشيطان فإذا غضب أحدكم فليتوضأ فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في وضوئه ما يطفىء تلك القوة الشيطانية فتزول تلك المفسدة ولهذا أمرنا بالوضوء مما مست النار إما إيجابا منسوخا وإما استحبابا غير منسوخ وهذا الثاني أظهر لوجوه منها أن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع بين الحديثين ومنها أن رواة أحاديث الوضوء بعضهم متأخر الإسلام كأبي هريرة ومنها أن المعنى الذي أمرنا بالوضوء لأجله منها هو
16
اكتسابها من القوة النارية وهي مادة الشيطان التي خلق منها والنار تطفأ بالماء وهذا المعنى موجود فيها وقد ظهر اعتبار نظيره في الأمر بالوضوء من الغضب ومنها أن أكثر ما مع من ادعى النسخ أنه ثبت في أحاديث صحيحة كثيرة أنه صلى الله عليه وسلم أكل مما مست النار ولم يتوضأ وهذا إنما يدل على عدم وجوب الوضوء لا على عدم استحبابه فلا تنافي بين أمره وفعله وبالجملة فالنسخ إنما يصار إليه عند التنافي وتحقق التاريخ وكلاهما منتف وقد يكون الوضوء من مس الذكر ومس النساء من هذا الباب لما في ذلك من تحريك الشهوة فالأمر بالوضوء منهما على وفق القياس ولما كانت القوة الشيطانية في لحوم الإبل لازمة كان الأمر بالوضوء منها لا معارض له من فعل ولا قول ولما كان في ممسوس النار عارضة صح فيها الأمر والترك ويدل على هذا أنه فرق بينها وبين لحوم الغنم في الوضوء وفرق بينها وبين الغنم في مواضع الصلاة فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل وأذن في الصلاة في مرابض الغنم وهذا يدل على أنه ليس ذلك لأجل الطهارة والنجاسة كما أنه لما أمر بالوضوء من لحوم الإبل دون لحوم الغنم علم أنه ليس ذلك لكونها مما مسته النار ولما كانت أعطان الإبل مأوى الشيطان لم تكن مواضع للصلاة كالحشوش بخلاف مباركها في السفر فإن الصلاة فيها جائزة لأن الشيطان هناك عارض وطرد هذا المنع من الصلاة في الحمام لأنه بيت الشيطان وفي الوضوء من اللحوم الخبيثة كلحوم السباع إذا أبيحت للضرورة روايتان والوضوء منها أبلغ من الوضوء من لحوم الإبل فإذا عقل المعنى لم يكن بد من تعديته ما لم يمنع منه مانع والله أعلم
فصل الفطر بالحجامة يوافق القياس
أما الفطر بالحجامة فإنما اعتقد من قال إنه على خلاف القياس ذلك بناء على أن القياس الفطر بما دخل لا بما خرج وليس كما ظنوه بل الفطر
17
بها محض القياس وهذا إنما يتبين بذكر قاعدة وهي أن الشارع الحكيم شرع الصوم على أكمل الوجوه وأقومها بالعدل وأمر فيه بغاية الاعتدال حتى نهى عن الوصال وأمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور وجعل أعدل الصيام وأفضله صيام داود فكان من تمام الاعتدال في الصوم أن لا يدخل الإنسان ما به قوامه كالطعام والشراب ولا يخرج ما به قوامه كالقيء والاستمناء وفرق بين ما يمكن الاحتراز منه من ذلك وبين ما لا يمكن فلم يفطر بالاحتلام ولا بالقيء الذارع كما لا يفطر بغبار الطحين وما يسبق من الماء إلى الجوف عند الوضوء والغسل وجعل الحيض منافيا للصوم دون الجنابة لطول زمانه وكثرة خروج الدم وعدم التمكن من التطهير قبل وقته بخلاف الجنابة وفرق بين دم الحجامة ودم الجرح فجعل الحجامة من جنس القيء والاستمناء والحيض وخروج الدم من الجرح والرعاف من جنس الاستحاضة والاحتلام وذرع القيء فتناسبت الشريعة وتشابهت تأصيلا وتفصيلا وظهر أنها على وفق القياس الصحيح والميزان العادل ولله الحمد
فصل التيمم يوافق القياس
ومما يظن أنه على خلاف القياس باب التيمم قالوا إنه على خلاف القياس من وجهين أحدهما أن التراب ملوث لا يزيل درنا ولا وسخا ولا يطهر البدن كما لا يطهر الثوب والثاني أنه شرع في عضوين من أعضاء الوضوء دون بقيتها وهذا خروج عن القياس الصحيح
ولعمر الله أنه خروج عن القياس الباطل المضاد للدين وهو على وفق القياس الصحيح فإن الله سبحانه جعل من الماء كل شيء حي وخلقنا من التراب فلنا مادتان الماء والتراب فجعل منهما نشأتنا وأقواتنا وبهما تطهرنا وتعبدنا فالتراب أصل ما خلق منه الناس والماء حياة كل شيء وهما الأصل في الطبائع التي ركب الله عليهما هذا العالم وجعل قوامه بهما وكان أصل ما يقع به تطهير الأشياء من الأدناس والأقذار هو الماء في الأمر المعتاد فلم يجز العدول
18
عنه إلا في حال العدم والعذر بمرض أو نحوه وكان النقل عنه إلى شقيقه وأخيه التراب أولى من غيره وإن لوث ظاهرا فإنه يطهر باطنا ثم يقوي طهارة الباطن فيزيل دنس الظاهر أو يخففه وهذا أمر يشهده من له بصر نافذ بحقيقة الأعمال وارتباط الظاهر بالباطن وتأثر كل منهما بالآخر وانفعاله عنه
فصل التيمم في عضوين بوافق القياس
وأما كونه في عضوين ففي غاية الموافقة للقياس والحكمة فإن وضع التراب على الرءوس مكروه في العادات وإنما يفعل عند المصائب والنوائب والرجلان محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال وفي تتريب الوجه من الخضوع والتعظيم لله والذل له والانكسار لله ما هو أحب العبادات إليه وأنفعها للعبد ولذلك يستحب للساجد أن يترب وجهه لله وأن لا يقصد وقاية وجهه من التراب كما قال بعض الصحابة لمن رآه قد سجد وجعل بينه وبين التراب وقاية فقال ترب وجهك وهذا المعنى لا يوجد في تتريب الرجلين وأيضا فموافقة ذلك للقياس من وجه آخر وهو أن التيمم جعل في العضوين المغسولين وسقط عن العضوين الممسوحين فإن الرجلين تمسحان في الخف والرأس في العمامة فلما خفف عن المغسولين بالمسح خفف عن الممسوحين بالعفو إذ لو مسحا بالتراب لم يكن فيه تخفيف عنهما بل كان فيه انتقال من مسحهما بالماء إلى مسحهما بالتراب فظهر أن الذي جاءت به الشريعة هو أعدل الأمور وأكملها وهو الميزان الصحيح
أما كون تيمم الجنب كتيمم المحدث فلما سقط مسح الرأس والرجلين بالتراب عن المحدث سقط مسح البدن كله بالتراب عنه بطريق الأولى إذ في ذلك من المشقة والحرج والعسر مما يناقض رخصة التيمم ويدخل أكرم المخلوقات على الله في شبه البهائم إذا تمرغ في التراب فالذي جاءت به الشريعة لا مزيد في الحسن والحكمة والعدل عليه ولله الحمد
19
فصل السلم يوافق القياس
وأما السلم فمن ظن أنه على خلاف القياس توهم دخوله تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تبع ما ليس عندك فإنه بيع معدوم والقياس يمنع منه والصواب أنه على وفق القياس فإنه بيع مضمون في الذمة موصوف مقدور على تسليمه غالبا وهو كالمعاوضة على المنافع في الإجارة وقد تقدم أنه على وفق القياس وقياس السلم على بيع العين المعدومة التي لا يدري أيقدر على تحصيلها أم لا والبائع والمشتري منها على غرر من أفسد القياس صورة ومعنى وقد فطر الله العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان مالا يملكه ولا هو مقدور له وبين السلم إليه في مغل مضمون في ذمته مقدور في العادة على تسليمه فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكى والربا والبيع
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام لا تبع ما ليس عندك فيحمل على معنيين أحدهما أن يبيع عينا معينة وهي ليست عنده بل ملك للغير فيبيعها ثم يسعى في تحصيلها وتسليمها إلى المشتري والثاني أن يريد بيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمة وهذا أشبه فليس عنده حسا ولا معنى فيكون قد باعه شيئا لا يدري هل يحصل له أم لا وهذا يتناول أمورا أحدها بيع عين معينة ليست عنده الثاني السلم الحال في الذمة إذا لم يكن عنده ما يوفيه الثالث السلم المؤجل إذا لم يكن على ثقة من توفيته عادة فأما إذا كان على ثقة من توفيته عادة فهو دين من الديون وهو كالابتياع بثمن مؤجل فأي فرق بين كون أحد العوضين مؤجلا في الذمة وبين الآخر فهذا محض القياس والمصلحة وقد قال تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه > ! وهذا يعم الثمن والمثمن وهذا هو الذي فهمه
20
ترجمان القرآن من القرآن عبد الله بن عباس فقال أشهد أن السلف المضمون في الذمة حلال في كتاب الله وقرأ هذه الآية
فثبت أن إباحة السلم على وفق القياس والمصلحة وشرع على أكمل الوجوه وأعدلها فشرط فيه قبض الثمن في الحال إذ لو تأخر لحصل شغل الذمتين بغير فائدة ولهذا سمي سلما لتسليم الثمن فإذا أخر الثمن دخل في حكم الكالىء بالكالىء بل هو نفسه وكثرت المخاطرة ودخلت المعاملة في حد الغرر ولذلك منع الشارع أن يشترط فيه كونه من حائط معين لأنه قد يتخلف فيمتنع التسليم
والذين شرطوا أن يكون دائم الجنس غير منقطع قصدوا به إبعاده من الغرر بإمكان التسليم لكن ضيقوا ما وسع الله وشرطوا ما لم يشرطه وخرجوا عن موجب القياس والمصلحة أما القياس فإنه أحد العوضين فلم يشترط دوامه ووجوده كالثمن وأما المصلحة فإن في اشتراط ذلك تعطيل مصالح الناس إذ الحاجة التي لأجلها شرع الله ورسوله السلم الارتفاق من الجانبين هذا يرتفق بتعجيل الثمن وهذا يرتفق برخص المثمن وهذا قد يكون في منقطع الجنس كما قد يكون في متصله فالذي جاءت به الشريعة أكمل شيء وأقومه بمصالح العباد
فصل الكتابة توافق القياس
وأما الكتابة فمن قال هي على خلاف القياس قال هي بيع السيد ماله بماله وهذا غلط وإنما باع العبد نفسه بمال في ذمته والسيد لا حق له في ذمة العبد وإنما حقه في بدنه فإن السيد حقه في مالية العبد لا في إنسانيته وإنما يطالب العبد بما في ذمته بعد عتقه وحينئذ فلا ملك للسيد عليه وإذا عرف هذا فالكتابة بيعه نفسه بمال في ذمته ثم إذا اشترى نفسه كان كسبه له ونفعه له
21
وهو حادث على ملكه الذي استحقه بعقد الكتابة ومن تمام حكمة الشارع أنه أخر فيها العتق إلى حين الأداء لأن السيد لم يرض بخروجه عن ملكه إلا بأن يسلم له العوض فمتى لم يسلم له العوض وعجز العبد عنه كان له الرجوع في البيع فلو وقع العتق لم يمكن رفعه بعد ذلك فيحصل السيد على الحرمان فراعى الشارع مصلحة السيد ومصلحة العبد وشرع الكتابة على أكمل الوجوه وأشدها مطابقة للقياس الصحيح وهذا هو القياس في سائر المعاوضات وبه جاءت السنة الصحيحة الصريحة الذي لا معارض لها أن المشتري إذا عجز عن الثمن كان للبائع الرجوع في عين ماله وسواء حكم الحاكم بفلسه أم لا والنبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط حكم الحاكم ولا أشار إليه ولا دل عليه بوجه ما فلا وجه لاشتراطه وإنما المعنى الموجب للرجوع هو الفلس الذي حال بين البائع وبين الثمن وهذا المعنى موجود بدون حكم الحاكم فيجب ترتيب أثره عليه وهو محض العدل وموجب القياس فإن المشتري لو اطلع على عيب في السلعة كان له الفسخ بدون حكم حاكم ومعلوم أن الأعسار عيب في الذمة لو علم به البائع لم يرض بكون ماله في ذمة مفلس فهذا محض القياس الموافق للنص ومصالح العباد وبالله التوفيق
وطرد هذا القياس عجز الزوج عن الصداق أو عجزه عن الوطء وعجزه عن النفقة والكسوة وطرده عجز المرأة عن العوض في الخلع أن للزوج الرجعة وهذا هو الصواب بلا ريب فإنه لم يخرج البضع عن ملكه إلا بشرط سلامة العوض وطرده الصلح عن القصاص إذا لم يحصل له ما يصالح عليه فله العود إلى طلب القصاص فهذا موجب العدل ومقتضى قواعد الشريعة وأصولها وبالله التوفيق
22
فصل الإجارة توافق القياس
وأما الإجارة فالذين قالوا هي على خلاف القياس قالوا هي بيع معدوم لأن المنافع معدومة حين العقد ثم لما رأوا الكتاب قد دل على جواز إجارة الظئر للرضاع بقوله ! < فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن > ! قالوا إنها على خلاف القياس من وجهين أحدهما كونها إجارة والثاني أن الإجارة عقد على المنافع وهذه عقد على الأعيان ومن العجب أنه ليس في القرآن ذكر إجارة جائزة إلا هذه وقالوا هي على خلاف القياس والحكم إنما يكون على خلاف القياس إذا كان النص قد جاء في موضع يشابهه بنقيض ذلك الحكم فيقال هذا خلاف قياس ذلك النص وليس في القرآن ولا في السنة ذكر فساد إجارة شبه هذه الإجارة ومنشأ وهمهم ظنهم أن مورد عقد الإجارة لا يكون إلا منافع هي أعراض قائمة بغيرها لا أعيان قائمة بنفسها ثم افترق هؤلاء فرقتين فقالت فرقة إنما احتملناها على خلاف القياس لورود النص فلا نتعدى محله وقالت فرقة بل نخرجها على ما يوافق القياس وهو كون المعقود عليه أمرا غير اللبن بل هو إلقام الصبي الثدي ووضعه في حجر المرضعة ونحو ذلك من المنافع التي هي مقدمات الرضاع واللبن يدخل تبعا غير مقصود بالعقد ثم طردوا ذلك في مثل ماء البئر والعيون التي في الأرض المستأجرة وقالوا يدخل ضمنا وتبعا فإذا وقعت الإجارة على نفس العين والبئر لسقي الزرع والبستان قالوا إنما وردت الإجارة على مجرد إدلاء الدلو في البئر وإخراجه وعلى مجرد إجراء العين في أرضه مما هو قلب الحقائق وجعل المقصود وسيلة والوسيلة مقصودة إذ من المعلوم أن هذه الأعمال إنما هي وسيلة إلى المقصود بعقد الإجارة وإلا فهي بمجردها ليست مقصودة ولا معقودا عليها ولا قيمة لها أصلا وإنما هي كفتح الباب وكقود الدابة لمن اكترى دارا أو دابة
23
الرد على من جعل الإجارة على خلاف القياس
ونحن نتكلم على هذين الأصلين الباطلين على أصل من جعل الإجارة على خلاف القياس وعلى أصل من جعل إجارة الظئر ونحوها على خلاف القياس فنقول وبالله التوفيق
أما الأصل الأول فقولهم إن الإجارة بيع معدوم وبيع المعدوم باطل دليل مبني على مقدمتين مجملتين غير مفصلتين قد اختلط في كل منهما الخطأ بالصواب فأما المقدمة الأولى وهي كون الإجارة بيعا إن أردتم به البيع الخاص الذي يكون العقد فيه على الأعيان لا على المنافع فهو باطل وإن أردتم به البيع العام الذي هو معاوضة إما على عين وإما على منفعة فالمقدمة الثانية باطلة فإن بيع المعدوم ينقسم إلى بيع الأعيان وبيع المنافع ومن سلم بطلان بيع المعدوم فإنما يسلمه في الأعيان ولما كان لفظ البيع يحتمل هذا وهذا تنازع الفقهاء في الإجارة هل تنعقد بلفظ البيع على وجهين والتحقيق أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت بأي لفظ من الألفاظ عرف به المتعاقدان مقصودهما وهذا حكم شامل لجميع العقود فإن الشارع لم يحد لألفاظ العقود حدا بل ذكرها مطلقة فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من الألفاظ الفارسية والرومية والتركية فانعقادها بما يدل عليها من الألفاظ العربية أولى وأحرى ولا فرق بين النكاح وغيره وهذا قول جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وهو أحد القولين في مذهب أحمد قال شيخنا بل نصوص أحمد لا تدل إلا على هذا القول وأما كونه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج فإنما هو قول بن حامد والقاضي وأتباعه وأما قدماء أصحاب أحمد فلم يشترط أحد منهم ذلك وقد نص أحمد على أنه إذا قال أعتقت أمتي وجعلت عتقها صداقها أنه ينعقد النكاح قال بن عقيل وهذا يدل على أنه لا يختص النكاح بلفظ وأما بن حامد فطرد أصله وقال لا ينعقد حتى يقول مع ذلك تزوجتها وأما القاضي فجعل هذا موضع استحسان خارجا عن القياس فجوز النكاح في هذه الصورة خاصة بدون لفظ الإنكاح والتزويج
24
وأصول الإمام أحمد ونصوصه تخالف هذا فإن من أصوله أن العقود تنعقد بما يدل على مقصودها من قول أو فعل ولا يرى اختصاصها بالصيغ ومن أصوله أن الكناية مع دلالة الحال كالصريح كما قاله في الطلاق والقذف وغيرهما والذين اشترطوا لفظ الإنكاح والتزويج قالوا ما عداهما كناية فلا يثبت حكمها إلا بالنية وهي أمر باطن لا اطلاع للشاهد عليه إذ الشهادة إنما تقع على المسموع لا على المقاصد والنيات وهذا إنما يستقيم إذا كانت ألفاظ الصريح والكناية ثابتة بعرف الشرع وفي عرف المتعاقدين والمقدمتان غير معلومتين
أما الأولى فإن الشارع استعمل لفظ التمليك في النكاح فقال ملكتكها بما معك من القرآن وأعتق صفية وجعل عتقها صداقها ولم يأت معه بلفظ إنكاح ولا تزويج وأباح الله ورسوله النكاح ورد فيه الأمة إلى ما تتعارفه نكاحا بأي لفظ كان ومعلوم أن تقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية تقسيم شرعي فإن لم يقم عليه دليل شرعي كان باطلا فما هو الضابط لذلك
وأما المقدمة الثانية فكون اللفظ صريحا أو كناية أمر يختلف باختلاف عرف المتكلم والمخاطب والزمان والمكان فكم من لفظ صريح عند قوم وليس بصريح عند آخرين وفي مكان دون مكان وزمان دون زمان فلا يلزم من كونه صريحا في خطاب الشارع أن يكون صريحا عند كل متكلم وهذا ظاهر
اختلاف بيع المنافع عن بيع الأعيان
والمقصود أن قوله إن الإجارة نوع من البيع إن أراد به البيع الخاص فباطل وإن أراد به البيع العام فصحيح ولكن قوله إن هذا البيع لا يرد على معدوم دعوى باطلة فإن الشارع جوز المعاوضة العامة على المعدوم فإن قستم بيع المنافع على بيع الأعيان فهذا قياس في غاية الفساد فإن المنافع لا يمكن أن يعقد عليها في حال وجودها البتة بخلاف الأعيان وقد فرق بينهما الحس والشرع فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يؤخر العقد على الأعيان التي
25
لم تخلق إلى أن تخلق كما نهى عن بيع السنين وحبل الحبلة والثمر قبل أن يبدو صلاحه والحب حتى يشتد ونهى عن الملاقيح والمضامين ونحو ذلك وهذا يمتنع مثله في المنافع فإنه لا يمكن أن تباع إلا في حال عدمها فههنا أمران أحدهما يمكن إيراد العقد عليه في حال وجوده وحال عدمه فنهى الشارع عن بيعه حتى يوجد وجوز منه بيع ما لم يوجد تبعا لما وجد إذا دعت الحاجة إليه وبدون الحاجة لم يجوزه والثاني ما لا يمكن إيراد العقد عليه إلا في حال عدمه كالمنافع فهذا جوز العقد عليه ولم يمنع منه
فإن قلت أنا أقيس أحد النوعين على الآخر وأجعل العلة مجرد كونه معدوما
قيل هذا قياس فاسد لأنه يتضمن التسوية بين المختلفين وقولك إن العلة مجرد كونه معدوما دعوى بغير دليل بل دعوى باطلة فلم لا يجوز أن تكون العلة في الأصل كونه معدوما يمكن تأخير بيعه إلى زمن وجوده وعلى هذا التقدير فالعلة مقيدة بعدم خاص وأنت لم تبين أن العلة في الأصل مجرد كونه معدوما فقياسك فاسد وهذا كاف في بيان فساده بالمطالبة ونحن نبين بطلانه في نفسه فنقول ما ذكرناه علة مطردة وما ذكرته علة منتقضة فإنك إذا عللت بمجرد العدم ورد عليك النقض بالمنافع كلها وبكثير من الأعيان وما عللنا به لا ينتقض وأيضا فالقياس المحض وقواعد الشريعة وأصولها ومناسباتها تشهد لهذه العلة فإنه إذا كان له حال وجود وعدم كان في بيعه حال العدم مخاطرة وقمار وبذلك علل النبي صلى الله عليه وسلم المنع حيث قال أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق وأما ما ليس له إلا حال واحد والغالب فيه السلامة فليس العقد عليه مخاطرة ولا قمارا وإن كان فيه مخاطرة يسيرة فالحاجة داعية إليه ومن أصول
26
الشريعة أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما والغرر إنما نهي عنه لما فيه من الضرر بهما أو بأحدهما وفي المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضرر أعظم من ضرر المخاطرة فلا يزيل أدنى الضررين بأعلاهما بل قاعدة الشريعة ضد ذلك وهو دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما ولهذا لما نهاهم عن المزابنة لما فيها من ربا أو مخاطرة أباحها لهم في العرايا للحاجة لأن ضرر المنع من ذلك أشد من ضرر المزابنة ولما حرم عليهم الميتة لما فيها من خبث التغذية أباحها لهم للضرورة ولما حرم عليهم النظر إلى الأجنبية أباح منه ما تدعو إليه الحاجة للخاطب والمعامل والشاهد والطبيب
فإن قلت فهذا كله على خلاف القياس
قيل إن أردت أن الفرع اختص بوصف يوجب الفرق بينه وبين الأصل فكل حكم استند إلى هذا الفرق الصحيح فهو على خلاف القياس الفاسد وإن أردت أن الأصل والفرع استويا في المقتضى والمانع واختلف حكمهما فهذا باطل قطعا ليس في الشريعة منه مسألة واحدة والشيء إذا شابه غيره في وصف وفارقه في وصف كان اختلافهما في الحكم باعتبار الفارق مخالفا لاستوائهما باعتبار الجامع وهذا هو القياس الصحيح طردا وعكسا وهو التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين
وأما التسوية بينهما في الحكم مع افتراقهما فيما يقتضي الحكم أو يمنعه فهذا هو القياس الفاسد الذي جاء الشرع دائما بإبطاله كما أبطل قياس الربا على البيع وقياس الميتة على المذكى وقياس المسيح عيسى عليه الصلاة والسلام على الأصنام وبين الفارق بأنه عبد أنعم عليه بعبوديته ورسالته فكيف يعذبه بعبادة غيره له مع نهيه عن ذلك وعدم رضاه به بخلاف الأصنام فمن قال إن الشريعة تأتي بخلاف القياس الذي هو من هذا الجنس فقد أصاب وهو من كمالها واشتمالها على العدل والمصلحة والحكمة ومن سوى بين الشيئين
27
لاشتراكهما في أمر من الأمور يلزمه أن يسوي بين كل موجودين لاشتراكهما في مسمى الوجود وهذا من أعظم الغلط والقياس الفاسد الذي ذمه السلف وقالوا أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس وهو القياس الذي اعترف أهل النار في النار ببطلانه حيث قالوا ! < تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين > ! وذم الله أهله بقوله ! < ثم الذين كفروا بربهم يعدلون > ! أي يقيسونه على غيره ويسوون بينه وبين غيره في الإلهية والعبودية وكل بدعة ومقالة فاسدة في أديان الرسل فأصلها من القياس الفاسد فما أنكرت الجهمية صفات الرب وأفعاله وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه وكلامه وتكليمه لعباده ورؤيته في الدار الآخرة إلا من القياس الفاسد وما أنكرت القدرية عموم قدرته ومشيئته وجعلت في ملكه ما لا يشاء وأنه يشاء ما لا يكون إلا بالقياس الفاسد وما ضلت الرافضة وعادوا خيار الخلق وكفروا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وسبوهم إلا بالقياس الفاسد وما أنكرت الزنادقة والدهرية معاد الأجسام وانشقاق السماوات وطي الدنيا وقالت بقدم العالم إلا بالقياس الفاسد وما فسد ما فسد من أمر العالم وخرب ما خرب منه إلا بالقياس الفاسد وأول ذنب عصي الله به القياس الفاسد وهو الذي جر على آدم وذريته من صاحب هذا القياس ما جر فأصل شر الدنيا والآخرة جميعه من هذا القياس الفاسد وهذه حكمة لا يدريها إلا من له اطلاع على الواجب والواقع وله فقه في الشرع والقدر
فصل خطأ من أطلق أن بيع المعدوم لا يجوز
وأما المقدمة الثانية وهي أن بيع المعدوم لا يجوز فالكلام عليها من وجهين
28
أحدهما منع صحة هذه المقدمة إذ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كلام أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز لا بلفظ عام ولا بمعنى عام وإنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة كما فيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة فليست العلة في المنع لا العدم ولا الوجود بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر وهو ما لا يقدر على تسليمه سواء كان موجودا أو معدوما كبيع العبد الآبق والبعير الشارد وإن كان موجودا إذ موجب البيع تسليم المبيع فإذا كان البائع عاجزا عن تسليمه فهو غرر ومخاطرة وقمار فإنه لا يباع إلا بوكس فإن أمكن المشتري تسلمه كان قد قمر البائع وإن لم يمكنه ذلك قمره البائع وهكذا المعدوم الذي هو غرر نهي عنه للغرر لا للعدم كما إذا باعه ما تحمل هذه الأمة أو هذه الشجرة فالمبيع لا يعرف وجوده ولا قدره ولا صفته وهذا من الميسر الذي حرمه الله ورسوله ونظير هذا في الإجارة أن يكريه دابة لا يقدر على تسليمها سواء كانت موجودة أو معدومه وكذلك في النكاح إذا زوجه أمة لا يملكها أو ابنة لم تولد له وكذلك سائر عقود المعاوضات بخلاف الوصية فإنها تبرع محض فلا غرر في تعلقها بالموجود والمعدوم وما يقدر على تسليمه إليه وما لا يقدر وطرده الهبة إذ لا محذور في ذلك فيها وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم هبة المشاع المجهول في قوله لصاحب كبة الشعر حين أخذها من المغنم وسأله أن يهبها له فقال أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك
الوجه الثاني أن نقول بل الشرع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدو صلاحه والحب بعد اشتداده ومعلوم أن العقد إنما ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يخلق بعد والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعه قبل بدو صلاحه وأباحه بعد بدو الصلاح ومعلوم أنه إذا اشتراه قبل الصلاح بشرط القطع كالحصرم جاز فإنما نهى عن بيعه إذا كان قصده التبقية
29
إلى الصلاح ومن جوز بيعه قبل الصلاح وبعده بشرط القطع أو مطلقا وجعل موجب العقد القطع وحرم بيعه بشرط التبقية أو مطلقا لم يكن عنده لظهور الصلاح فائدة ولم يكن فرق بين ما نهى عنه من ذلك وما أذن فيه فإنه يقول موجب العقد التسليم في الحال فلا يجوز شرط تأخيره سواء بدا صلاحه أو لم يبد والصواب قول الجمهور الذي دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقياس الصحيح وقوله إن موجب العقد التسليم في الحال جوابه أن موجب العقد إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه المتعاقدان مما يسوغ لهما أن يوجباه وكلاهما منتف في هذه الدعوى فلا الشارع أوجب أن يكون كل مبيع مستحق التسليم عقيب العقد ولا العاقدان التزاما ذلك بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه وتارة يشترطان التأخير إما في الثمن وإما في المثمن وقد يكون للبائع غرض صحيح ومصلحة في تأخير التسليم للمبيع كما كان لجابر رضي الله عنه غرض صحيح في تأخير تسليم بعيره إلى المدينة فكيف يمنعه الشارع ما فيه مصلحة له ولا ضرر على الآخر فيها إذ قد رضى بها كما رضى صلى الله عليه وسلم على جابر بتأخير تسليم البعير ولو لم ترد السنة بهذا لكان محض القياس يقتضي جوازه ويجوز لكل بائع أن يستثني من منفعة المبيع ما له فيه غرض صحيح كما إذا باع عقارا واستثنى سكناه مدة أو دابة واستثنى ظهرها ولا يختص ذلك بالبيع بل لو وهبه واستثنى نفعه مدة أو أعتق عبده واستثنى خدمته مدة أو وقف عينا واستثنى غلتها لنفسه مدة حياته أو كاتب أمة واستثنى وطأها مدة الكتابة ونحوه وهذا كله منصوص أحمد وبعض أصحابه يقول إذا استثنى منفعة المبيع فلا بد أن يسلم العين إلى المشتري ثم يأخذها ليستوفي المنفعة بناء على هذا الأصل الذي قد تبين فساده وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقيب العقد وعن هذا الأصل قالوا لا تصح الإجارة إلا على مدة تلي العقد وعلى هذا بنوا ما إذا باع العين المؤجرة
30
فمنهم من أبطل البيع لكون المنفعة لا تدخل في البيع فلا يحصل التسليم ومنهم من قال هذا مستثنى بالشرع بخلاف المستثنى بالشرط وقد اتفق الأئمة على صحة بيع الأمة المزوجة وإن كانت منفعة البضع للزوج ولم تدخل في البيع واتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه كما إذا باع مخزنا له فيه متاع كثير لا ينقل في يوم ولا أيام فلا يجب عليه جمع دواب البلد ونقله في ساعة واحدة بل قالوا هذا مستثنى بالعرف فيقال وهذا من أقوى الحجج عليكم فإن المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعرف كما أنه أوسع من المستثنى بالشرع فإنه يثبت بالشرط مالا يثبت بالشرع كما أن الواجب بالنذر أوسع من الواجب بالشرع
الفرق بين المطلق ومطلق العقد
وأيضا فقولكم إن موجب العقد استحقاق التسليم عقيبه أتعنون أن هذا موجب العقد المطلق أو مطلق العقد فإن أردتم الأول فصحيح وإن أردتم الثاني فممنوع فإن مطلق العقد ينقسم إلى المطلق والمقيد وموجب العقد المقيد ما قيد به كما أن موجب العقد المقيد بتأجيل الثمن وثبوت خيار الشرط والرهن والضمين هو ما قيد به وإن كان موجبه عند إطلاقه خلاف ذلك فموجب العقد المطلق شيء وموجب العقد المقيد شيء والقبض في الأعيان والمنافع كالقبض في الدين والنبي صلى الله عليه وسلم جوز بيع الثمرة بعد بدو الصلاح مستحقة الإبقاء إلى كمال الصلاح ولم يجعل موجب العقد القبض في الحال بل القبض المعتاد عند انتهاء صلاحها ودخل فيما أذن فيه بيع ما هو معدوم لم يخلق بعد وقبض ذلك بمنزلة قبض العين المؤجرة وهو قبض يبيح التصرف في أصح القولين وإن كان قبضا لا يوجب انتقال الضمان بل إذا تلف المبيع قبل قبضه المعتاد كان من ضمان البائع كما هو مذهب أهل المدينة وأهل الحديث أهل بلدته وأهل سنته وهو مذهب الشافعي قطعا فإنه علق القول به على صحة الحديث وقد صح صحة لا ريب فيها من غير الطريق التي توقف الشافعي فيها فلا يسوغ
31
أن يقال مذهبه عدم وضع الجوائح وقد قال إن صح الحديث قلت به ورواه من طريق توقف في صحتها ولم تبلغه الطريق الأخرى التي لا علة لها ولا مطعن فيها وليس مع المنازع دليل شرعي يدل على أن كل قبض جوز التصرف ينقل الضمان وما لم يجوز التصرف لا ينقل الضمان فقبض العين المؤجرة يجوز التصرف ولا ينقل الضمان وقبض العين المستامة والمستعارة والمغصوبة يوجب الضمان ولا يجوز التصرف
فصل بيع مزارع القثاء والبطيخ وما شاكلها
ومن هذا الباب بيع المقاثي والمباطخ والباذنجان فمن منع بيعه إلا لقطة لقطة قال لأنه معدوم فهو كبيع الثمرة قبل ظهورها ومن جوزه كأهل المدينة وبعض أصحاب أحمد فقولهم أصح فإنه لا يمكن بيعها إلا على هذا الوجه ولا تتميز اللقطة المبيعة عن غيرها ولا تقوم المصلحة ببيعها كذلك ولو كلف الناس به لكان أشق شيء عليهم وأعظمه ضررا والشريعة لا تأتي به وقد تقدم أن ما لا يباع إلا على وجه واحد لا ينهى الشارع عن بيعه وإنما نهى الشارع عن بيع الثمار قبل بدو الصلاح لإمكان تأخير بيعها إلى وقت بدو الصلاح ونظير ما نهى عنه وأذن فيه سوى بيع المقاثي إذا بدا الصلاح فيها ودخول الأجزاء والأعيان التي لم تخلق بعد كدخول أجزاء الثمار وما يتلاحق في الشجر منها ولا فرق بينهما البتة
32
فصل صحة ضمان الحدائق والبساتين
وبنوا على هذا الأصل الذي لم يدل عليه دليل شرعي بل دل على خلافه وهو بيع المعدوم ضمان الحدائق والبساتين وقالوا هو بيع للثمر قبل ظهوره أو قبل بدو صلاحه ثم منهم من حكى الإجماع على بطلانه وليس مع المانعين كما ظنوه فلا النص يتناوله ولا معناه ولم تجمع الأمة على بطلانه فلا نص مع المانعين ولا قياس ولا إجماع ونحن نبين انتفاء هذه الأمور الثلاثة
أما الإجماع فقد صح عن عمر بن الخطاب أنه ضمن حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين وتسلف الضمان فقضى به دينا كان على أسيد وهذا بمشهد من الصحابة ولم ينكره منهم رجل واحد ومن جعل مثل هذا إجماعا فقد أجمع الصحابة على جواز ذلك وأقل درجاته أن يكون قول صحابي بل قول الخليفة الراشد ولم ينكره منهم منكر وهذا حجة عند جمهور العلماء وقد جوز بعض أصحاب أحمد ضمان البساتين مع الأرض المؤجرة إذ لا يمكن إفراد إحداهما عن الأخرى واختاره بن عقيل وجوز بعضهم ضمان الأشجار مطلقا مع الأرض وبدونها واختاره شيخنا وأفرد فيه مصنفا ففي مذهب أحمد ثلاثة أقوال وجوز مالك ذلك تبعا للأرض في قدر الثلث
قال شيخنا والصواب ما فعله عمر رضي الله عنه فإن الفرق بين البيع والضمان هو الفرق بين البيع والإجارة والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحب حتى يشتد ولم ينه عن إجارة الأرض للزراعة مع أن المستأجر مقصوده الحب بعمله فيخدم الأرض ويحرثها ويسقيها ويقوم عليها وهو نظير مستأجر
33
البستان ليخدم شجره ويسقيه ويقوم عليه والحب نظير الثمر والشجر نظير الأرض والعمل نظير العمل فما الذي حرم هذا وأحل هذا وهذا بخلاف المشتري فإنه يشتري ثمرا وعلى البائع مؤونة الخدمة والسقي والقيام على الشجر فهو بمنزلة الذي يشتري الحب وعلى البائع مؤونة الزرع والقيام عليه فقد ظهر انتفاء القياس والنص كما ظهر انتفاء الإجماع بل القياس الصحيح مع المجوزين كما معهم الإجماع القديم
فإن قيل فالثمر أعيان وعقد الإجارة إنما يكون على المنافع
قيل الأعيان هنا حصلت بعمله في الأصل المستأجر كما حصل الحب بعمله في الأرض المستأجرة
فإن قيل الفرق أن الحب حصل من بذره والثمر حصل من شجر المؤجر
قيل لا أثر لهذا الفرق في الشرع بل قد ألغاه الشارع في المساقاة والمزارعة فسوى بينهما والمساقي يستحق جزءا من الثمرة الناشئة من أصل الملك والمزارع يستحق جزءا من الزرع النابت في أرض المالك وإن كان البذر منه كما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة وإجماع الصحابة فإذا لم يؤثر هذا الفرق في المساقاة والمزارعة التي يكون النماء فيها مشتركا لم يؤثر في الإجارة بطريق الأولى لأن إجارة الأرض لم يختلف فيها كالاختلاف في المزارعة فإذا كانت إجارتها عندكم أجوز من المزارعة فإجارة الشجر أولى بالجواز من المساقاة عليها فهذا محض القياس وعمل الصحابة ومصلحة الأمة وبالله التوفيق
والذين منعوا ذلك وحرموه توصلوا إلى جوازه بالحيلة الباطلة شرعا وعقلا فإنهم يؤجرونه الأرض وليست مقصودة له البتة ويساقونه على الشجر من ألف جزء على جزء مساقاة غير مقصودة وإجارة غير مقصودة فجعلوا ما لم يقصد مقصودا وما قصد غير مقصود وحابوا في المساقاة أعظم محاباة وذلك حرام باطل في الوقف وبستان المولى عليه من يتيم أو سفيه أو مجنون ومحاباتهم إياه في إجارة الأرض لا تسوغ لهم محاباة المستأجر في المساقاة ولا يسوغ اشتراط أحد
34
العقدين في الآخر بل كل عقد مستقل بحكمه فأين هذا من فعل أمير المؤمنين وفقهه وأين القياس من القياس والفقه من الفقه فبينهما في الصحة بعد ما بين المشرقين
فصل إجارة الظئر توافق القياس
فهذا الكلام على المقام الأول وهو كون الإجارة على خلاف القياس وقد تبين بطلانه
وأما المقام الثاني وهو أن الإجارة التي أذن الله فيها في كتابه وهي إجارة الظئر على خلاف القياس فبناء منهم على هذا الأصل الفاسد وهو أن المستحق بعقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان وهذا الأصل لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح بل الذي دلت عليه الأصول أن الأعيان التي تحدث شيئا فشيئا مع بقاء أصلها حكمها حكم المنافع كالثمر في الشجر واللبن في الحيوان والماء في البئر ولهذا سوى بين النوعين في الوقف فإن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الفائدة فكما يجوز أن تكون فائدة الوقف منفعة كالسكنى وأن تكون ثمرة وأن تكون لبنا كوقف الماشية للانتفاع بلبنها وكذلك في باب التبرعات كالعارية لمن ينتفع بالمتاع ثم يرده والعرية لمن يأكل ثمر الشجرة ثم يردها والمنيحة لمن يشرب لبن الشاة ثم يردها والقرض لمن ينتفع بالدراهم ثم يرد بدلها القائم مقام عينها فكذلك في الإجارة تارة يكريه العين للمنفعة التي ليست أعيانا وتارة للعين التي تحدث شيئا من بعد شيء مع بقاء الأصل كلبن الظئر ونفع البئر فإن هذه الأعيان لما كانت تحدث شيئا بعد شيء مع بقاء الأصل كانت كالمنفعة والمسوغ للإجارة هو ما بينهما من القدر المشترك وهو حدوث المقصود بالعقد شيئا فشيئا سواء كان الحادث عينا أو منفعة وكونه جسما
35
أو معنى قائما بالجسم لا أثر له في الجواز والمنع مع اشتراكهما في المقتضى للجواز بل هذا النوع من الأعيان الحادثة شيئا فشيئا أحق بالجواز فإن الأجسام أكمل من صفاتها وطرد هذا القياس جواز إجارة الحيوان غير الآدمي لرضاعه فإن الحاجة تدعو إليه كما تدعو إليه في الظئر من الآدميين بطعامها وكسوتها ويجوز استئجار الظئر من البهائم بعلفها والماشية إذا عاوض على لبنها فهو نوعان أحدهما أن يشترى اللبن مدة ويكون العلف والخدمة على البائع فهذا بيع محض والثاني أن يسلمها ويكون علفها وخدمتها عليه ولبنها له مدة الإجارة فهذا إجارة وهو كضمان البستان سواء وكالظئر فإن اللبن يستوفي شيئا فشيئا مع بقاء الأصل فهو كاستئجار العين ليسقي بها أرضه وقد نص مالك على جواز إجارة الحيوان مدة للبنه ثم من أصحابه من جوز ذلك تبعا لنصه ومنهم من منعه ومنهم من شرط فيه شروطا ضيقوا بها مورد النص ولم يدل عليها نصه والصواب الجواز وهو موجب القياس المحض فالمجوزون أسعد بالنص من المانعين وبالله التوفيق
فصل حمل العاقلة الدية يوافق القياس
ومن هذا الباب قول القائل حمل العاقلة الدية عن الجاني على خلاف القياس ولهذا لا تحمل العمد ولا العبد ولا الصلح ولا الاعتراف ولا ما دون الثلث ولا تحمل جناية الأموال ولو كانت على وفق القياس لحملت ذلك كله
والجواب أن يقال لا ريب أن من أتلف مضمونا كان ضمانه عليه ولا تزر وازرة وزر أخرى ولا تؤخذ نفس بجريرة غيرها وبهذا جاء شرع الله سبحانه وجزاؤه وحمل العاقلة الدية غير مناقض لشيء من هذا كما سنبينه والناس متنازعون في العقل هل تحمله العاقلة ابتداء أو تحملا على قولين كما تنازعوا في صدقة الفطر
36
التي يجب أداؤها عن الغير كالزوجة والولد هل تجب ابتداء أو تحملا على قولين وعلى ذلك ينبني ما لو أخرجها من تحملت عنه عن نفسه بغير إذن المتحمل لها فمن قال هي واجبة على الغير تحملا قال تجزىء في هذه الصورة ومن قال هي واجبة عليه ابتداء قال لا تجزىء بل هي كأداء الزكاة عن الغير وكذلك القاتل إذا لم تكن له عاقلة هل تجب الدية في ذمة القاتل أو لا على قولين بناء على هذا الأصل والعقل فارق غيره من الحقوق في أسباب اقتضت اختصاصه بالحكم وذلك أن دية المقتول مال كثير والعاقلة إنما تحمل الخطأ ولا تحمل العمد بالاتفاق ولا شبهة على الصحيح والخطأ يعذر فيه الإنسان فإيجاب الدية في ماله فيه ضرر عظيم عليه من غير ذنب تعمده وإهدار دم المقتول من غير ضمان بالكلية فيه إضرار بأولاده وورثته فلا بد من إيجاب بدله فكان من محاسن الشريعة وقيامها بمصالح العباد أن أوجب بدله على من عليه موالاة القاتل ونصرته فأوجب عليهم إعانته على ذلك وهذا كإيجاب النفقات على الأقارب وكسوتهم وكذا مسكنهم وإعفافهم إذا طلبوا النكاح وكإيجاب فكاك الأسير من بلد العدو فإن هذا أسيف بالدية التي لم يتعمد سبب وجوبها ولا وجبت باختيار مستحقها كالقرض والبيع وليست قليلة فالقاتل في الغالب لا يقدر على حملها وهذا بخلاف العمد فإن الجاني ظالم مستحق للعقوبة ليس أهلا أن يحمل عنه بدل القتل وبخلاف شبه العمد لأنه قاصد للجناية متعمد لها فهو آثم معتد وبخلاف بدل المتلف من الأموال فإنه قليل في الغالب لا يكاد المتلف يعجز عن حمله وشأن النفوس غير شأن الأموال ولهذا لا تحمل العاقلة ما دون الثلث عند الإمام أحمد ومالك لقلته واحتمال الجاني حمله وعند أبي حنيفة لا تحمل ما دون أقل المقدر كأرش الموضحة وتحمل ما فوقه وعند الشافعي تحمل القليل والكثير طردا للقياس وظهر بهذا كونها لا تحمل العبد فإنه سلعة من السلع ومال من الأموال فلو حملت بدله لحملت بدل الحيوان
37
والمتاع وأما الصلح والاعتراف فعارض هذه الحكمة فيهما معنى آخر وهو أن المدعي والمدعى عليه قد يتواطآن على الإقرار بالجناية ويشتركان فيما تحمله العاقلة ويتصالحان على تغريم العاقلة فلا يسري إقراره ولا صلحه فلا يجوز إقراره في حق العاقلة ولا يقبل قوله فيما يجب عليها من الغرامة وهذا هو القياس الصحيح فإن الصلح والاعتراف يتضمن إقراره ودعواه على العاقلة بوجوب المال عليهم فلا يقبل ذلك في حقهم ويقبل بالنسبة إلى المعترف كنظائره فتبين أن إيجاب الدية على العاقلة من جنس ما أوجبه الشارع من الإحسان إلى المحتاجين كأبناء السبيل والفقراء والمساكين
وهذا من تمام الحكمة التي بها قيام مصلحة العالم فإن الله سبحانه قسم خلقه إلى غني وفقير ولا تتم مصالحهم إلا بسد خلة الفقير فأوجب سبحانه في فضول أموال الأغنياء ما يسد به خلة الفقراء وحرم الربا الذي يضر بالمحتاج فكان أمره بالصدقة ونهيه عن الربا أخوين شقيقين ولهذا جمع الله بينهما في قوله ! < يمحق الله الربا ويربي الصدقات > ! وقوله ! < وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون > ! وذكر الله سبحانه أحكام الناس في الأموال في آخر سورة البقرة وهي ثلاثة عدل وظلم وفضل فالعدل البيع والظلم الربا والفضل الصدقة فمدح المتصدقين وذكر ثوابهم وذم المرابين وذكر عقابهم وأباح البيع والتداين إلى أجل مسمى
والمقصود أن حمل الدية من جنس ما أوجبه من الحقوق لبعض العباد على بعض كحق المملوك والزوجة والأقارب والضيف ليست من باب عقوبة الإنسان بجناية غيره فهذا لون وذاك لون والله الموفق
38
فصل حديث المصراة يوافق القياس
ومما قيل فيه إنه على خلاف القياس حديث المصراة قالوا وهو يخالف القياس من وجوه منها أنه تضمن رد البيع بلا عيب ولا خلف في صفة ومنها أن الخراج بالضمان فاللبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه وقد ضمنه إياه ومنها أن اللبن من ذوات الأمثال وقد ضمنه إياه بغير مثله ومنها أنه إذا انتقل من التضمين بالمثل فإنما ينتقل إلى القيمة والتمر لا قيمة ولا مثل ومنها أن المال المضمون إنما يضمن بقدره في القلة والكثرة وقد قدر ها هنا الضمان بصاع
قال أنصار الحديث كل ما ذكرتموه خطأ والحديث موافق لأصول الشريعة وقواعدها ولو خالفها لكان أصلا بنفسه كما أن غيره أصل بنفسه وأصول الشرع لا يضرب بعضها ببعض كما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يضرب كتاب الله بعضه ببعض بل يجب اتباعها كلها ويقر كل منها على أصله وموضعه فإنها كلها من عند الله الذي أتقن شرعه وخلقه وما عدا هذا فهو الخطأ الصريح
فاسمعوا الآن هدم الأصول الفاسدة التي يعترض بها على النصوص الصحيحة أما قولكم إنه تضمن الرد من غير عيب ولا فوات صفة فأين في أصول الشريعة المتلقاة عن صاحب الشرع ما يدل على انحصار الرد بهذين الأمرين وتكفينا هذه المطالبة ولن تجدوا إلى إقامة الدليل على الحصر سبيلا ثم نقول بل أصول الشريعة توجب الرد بغير ما ذكرتم وهو الرد بالتدليس والغش فإنه هو والخلف في الصفة من باب واحد بل الرد بالتدليس أولى من الرد بالعيب فإن البائع يظهر صفة المبيع تارة بقوله وتارة بفعله فإذا أظهر للمشتري أنه على صفة فبان بخلافها كان قد غشه ودلس عليه فكان له الخيار بين الإمساك والفسخ ولو لم تأت الشريعة بذلك لكان هو محض القياس وموجب العدل فإن المشتري إنما بذل ماله في المبيع بناء على الصفة التي أظهرها له البائع ولو علم أنه على
39
خلافها لم يبذل له فيها ما بذل فإلزامه للمبيع مع التدليس والغش من أعظم الظلم الذي تتنزه الشريعة عنه وقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم الخيار للركبان إذا تلقوا واشترى منهم قبل أن يهبطوا السوق ويعلموا السعر وليس ها هنا عيب ولا خلف في صفة ولكن فيه نوع تدليس وغش
فصل الخراج بالضمان
وأما قولكم الخراج بالضمان فهذا الحديث وإن كان قد روي فحديث المصراة أصح منه باتفاق أهل الحديث قاطبة فكيف يعارض به مع أنه لا تعارض بينهما بحمد الله فإن الخراج اسم للغلة مثل كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذلك وأما الولد واللبن فلا يسمى خراجا وغاية ما في الباب قياسه عليه بجامع كونهما من الفوائد وهو من أفسد القياس فإن الكسب الحادث والغلة لم يكن موجودا حال البيع وإنما حدث بعد القبض وأما اللبن ها هنا فإنه كان موجودا حال العقد فهو جزء من المعقود عليه والشارع لم يجعل الصاع عوضا عن اللبن الحادث وإنما هو عوض عن اللبن الموجود وقت العقد في الضرع فضمانه هو محض العدل والقياس
وأما تضمينه بغير جنسه ففي غاية العدل فإنه لا يمكن تضمينه بمثله البتة فإن اللبن في الضرع محفوظ غير معرض للفساد فإذا حلب صار عرضة لحمضه وفساده فلو ضمن اللبن الذي كان في الضرع بلبن محلوب في الإناء كان ظلما تتنزه الشريعة عنه
وأيضا فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشتري وقد يكون أقل منه أو أكثر فيفضي إلى الربا لأن أقل الأقسام أن تجهل المساواة
وأيضا فلو وكلناه إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لكثر النزاع والخصام بينهما
40
ففصل الشارع الحكيم صلاة الله وسلامه عليه وعلى آله النزاع وقدره بحد لا يتعديانه قطعا للخصومة وفصلا للمنازعة وكان تقديره بالتمر أقرب الأشياء إلى اللبن فإنه قوت أهل المدينة كما كان اللبن قوتا لهم وهو مكيل كما أن اللبن مكيل فكلاهما مطعوم مقتات مكيل وأيضا فكلاهما يقتات به بلا صنعة ولا علاج بخلاف الحنطة والشعير والأرز فالتمر أقرب الأجناس التي كانوا يقتاتون بها إلى اللبن
فإن قيل فأنتم توجبون صاع التمر في كل مكان سواء كان قوتا لهم أو لم يكن
قيل هذا من مسائل النزاع وموارد الاجتهاد فمن الناس من يوجب ذلك ومنهم من يوجب في كل بلد صاعا من قوتهم ونظير هذا تعيينه صلى الله عليه وسلم الأصناف الخمسة في زكاة الفطر وأن كل بلد يخرجون من قوتهم مقدار الصاع وهذا أرجح وأقرب إلى قواعد الشرع وإلا فكيف يكلف من قوتهم السمك مثلا أو الأرز أو الدخن إلى التمر وليس هذا بأول تخصيص قام الدليل عليه وبالله التوفيق
فصل إعادة الصلاة لمن صلى منفردا خلف الصف توافق القياس
ومن ذلك ظن بعضهم أن أمره صلى الله عليه وسلم لمن صلى فذا خلف الصف بالإعادة على خلاف القياس فإن الإمام والمرأة فذان وصلاتهما صحيحة
وهذا من أفسد القياس وأبطله فإن الإمام يسن في حقه التقدم وأن يكون وحده والمأمومون يسن في حقهم الاصطفاف فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس والفرق بينهما أن الإمام إنما جعل ليؤتم به وتشاهد أفعاله وانتقالاته فإذا كان قدامهم حصل مقصود الإمامة وإذا كان في الصف لم
41
يشاهده إلا من يليه ولهذا جاءت السنة بالتقدم ولو كانوا ثلاثة محافظة على المقصود بالائتمام وأما المرأة فإن السنة وقوفها فذة إذا لم يكن هناك امرأة تقف معها لأنها منهية عن مصافة الرجال فموقفها المشروع أن تكون خلف الصف فذة وموقف الرجل المشروع أن يكون في الصف فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس وأفسده وهو قياس المشروع على غير المشروع
فإن قيل فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحت صلاتها
قيل هذا غير مسلم بل إذا كان صف النساء فحكم المرأة بالنسبة إليه في كونها فذة كحكم الرجل بالنسبة إلى صف الرجال لكن موقف المرأة وحدها خلف صف الرجال يدل على شيئين أحدهما أن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذر عليه الدخول في الصف ووقف معه فذا صحت صلاته للحاجة وهذا هو القياس المحض فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها الثاني وهو طرد هذا القياس إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدام الإمام فإنه يصلي قدامه وتصح صلاته وكلاهما وجه في مذهب أحمد وهو اختيار شيخنا رحمه الله
وبالجملة فليست المصافة أوجب من غيرها فإذا سقط ما هو أوجب منها للعذر فهي أولى بالسقوط ومن قواعد الشرع الكلية أنه لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة
فصل ركوب وحلب الرهن مقابل النفقة على وفق القياس
ومن ذلك قول بعضهم إن الحديث الصحيح وهو قوله الرهن مركوب ومحلوب وعلى الذي يركب ويحلب النفقة على خلاف القياس فإنه جوز لغير المالك أن يركب الدابة وأن يحلبها وضمنه ذلك بالنفقة لا بالقيمة فهو مخالف للقياس من وجهين
42
والصواب ما دل عليه الحديث وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه فإن الرهن إذا كان حيوانا فهو محترم في نفسه لحق الله سبحانه وللمالك فيه حق الملك وللمرتهن حق الوثيقة وقد شرع الله سبحانه الرهن مقبوضا بيد المرتهن فإذا كان بيده فلم يركبه ولم يحلبه ذهب نفعه باطلا وإن مكن صاحبه من ركوبه خرج عن يده وتوثيقه وإن كلف صاحبه كل وقت أن يأتي ليأخذ لبنه شق عليه غاية المشقة ولا سيما مع بعد المسافة وإن كلف المرتهن بيع اللبن وحفظ ثمنه للراهن شق عليه فكان مقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوض عنهما بالنفقة ففي هذا جمع بين المصلحتين وتوفير الحقين فإن نفقة الحيوان واجبة على صاحبه والمرتهن إذا أنفق عليه أدى عنه واجبا وله فيه حق فله أن يرجع ببدله ومنفعة الركوب والحلب تصلح أن تكون بدلا فأخذها خير من أن تهدر على صاحبها باطلا ويلزم بعوض ما أنفق المرتهن وإن قيل للمرتهن لا رجوع لك كان في ذلك إضرار به ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شيء يختار
فإن قيل ففي هذا أن من أدى عن غيره واجبا فإنه يرجع ببدله وهذا خلاف القياس فإنه إلزام له بما لم يلتزمه ومعاوضة لم يرض بها
قيل وهذا أيضا محض القياس والعدل والمصلحة وموجب الكتاب ومذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث أهل بلدته وأهل سنته فلو أدى عنه دينه أو أنفق على من تلزمه نفقته أو افتداه من الأسر ولم ينو التبرع فله الرجوع وبعض أصحاب أحمد فرق بين قضاء الدين ونفقة القريب فجوز الرجوع في الدين دون نفقة القريب قال لأنها لا تصير دينا
قال شيخنا والصواب التسوية بين الجميع والمحققون من أصحابه سووا
43
بينهما ولو افتداه من الأسر كان له مطالبته بالفداء وليس ذلك دينا عليه والقرآن يدل على هذا القول فإن الله تعالى قال ! < فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن > ! فأمر بإيتاء الأجر بمجرد الإرضاع ولم يشترط عقدا ولا إذن الأب وكذلك قوله ! < والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف > ! فأوجب ذلك عليه ولم يشترط عقدا ولا إذنا ونفقة الحيوان واجبة على مالكه والمستأجر والمرتهن له فيه حق فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على ربه كان أحق بالرجوع من الإنفاق على ولده فإن قال الراهن أنا لم آذن لك في النفقة قال هي واجبة عليك وأنا أستحق أن أطالبك بها لحفظ المرهون والمستأجر فإذا رضي المنفق بأن يعتاض بمنفعة الرهن وكانت نظير النفقة كان قد أحسن إلى صاحبه وذلك خير محض فلو لم يأت به النص لكان القياس يقتضيه وطرد هذا القياس أن المودع والشريك والوكيل إذا أنفق على الحيوان واعتاض عن النفقة بالركوب والحلب جاز ذلك كالمرتهن
فصل حكم الرسول على من وقع على جارية امرأته يوافق القياس
ومما قيل إنه من أبعد الأحاديث عن القياس حديث الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها وفي رواية أخرى وإن كانت طاوعته فهي ومثلها من ماله لسيدتها رواه أهل السنن وضعفه بعضهم من قبل إسناده وهو حديث حسن يحتجون بما هو دونه في القوة ولكن لإشكاله أقدموا على تضعيفه مع لين في سنده
44
قال شيخ الإسلام وهذا الحديث يستقيم على القياس مع ثلاثة أصول صحيحة كل منها قول طائفة من الفقهاء
الأصل الأول من غير مال غيره
أحدها أن من غير مال غيره بحيث فوت مقصوده عليه فله أن يضمنه بمثله وهذا كما لو تصرف في المغصوب بما أزال اسمه ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره أحدها أنه باق على ملك صاحبه وعلى الغاصب ضمان النقص ولا شيء عليه في الزيادة كقول الشافعي والثاني يملكه الغاصب بذلك ويضمنه لصاحبه كقول أبي حنيفة والثالث يخير المالك بين أخذه وتضمين النقص وبين المطالبة بالبدل وهذا أعدل الأقوال وأقواها فإن فوت صفاته المعنوية مثل أن ينسيه صناعته أو يضعف قوته أو يفسد عقله أو دينه فهذا أيضا يخير المالك فيه بين تضمين النقص وبين المطالبة بالبدل ولو قطع ذنب بغلة القاضي فعند مالك يضمنها بالبدل ويملكها لتعذر مقصودها على المالك في العادة أو يخير المالك
فصل الأصل الثاني ضمان المتلفات بالجنس
الأصل الثاني أن جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة حتى الحيوان فإنه إذا اقترضه رد مثله كما اقترض النبي صلى الله عليه وسلم بكرا ورد خيرا منه وكذلك المغرور يضمن ولده بمثلهم كما قضت به الصحابة وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره وقصة داود وسليمان عليهما السلام من هذا الباب فإن الماشية كانت قد أتلفت حرث القوم فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث كأنه ضمنهم ذلك بالقيمة ولم يكن لهم مال إلا الغنم فأعطاهم الغنم بالقيمة وأما سليمان فحكم بأن أصحاب الماشية يقومون على الحرث حتى يعود كما كان فضمنهم إياه بالمثل وأعطاهم الماشية يأخذون منفعتها عوضا عن المنفعة التي فاتت من غلة الحرث إلى أن يعود وبذلك أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز
45
فيمن أتلف له شجر فقال الزهري يغرسه حتى يعود كما كان وقال ربيعة وأبو الزناد عليه القيمة فغلظ الزهري القول فيهما وقول الزهري وحكم سليمان هو موجب الأدلة فإن الواجب ضمان المتلف بالمثل بحسب الإمكان كما قال تعالى ! < وجزاء سيئة سيئة مثلها > ! وقال ! < فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم > ! وقال ! < والحرمات قصاص > ! وقال ! < وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به > ! وإن كان مثل الحيوان والآنية والثياب من كل وجه متعذرا فقد دار الأمر بين شيئين الضمان بالدراهم المخالفة للمثل في الجنس والصفة والمقصود والانتفاع وإن ساوت المضمون في المالية والضمان بالمثل بحسب الإمكان المساوي للمتلف في الجنس والصفة والمالية والمقصود والانتفاع ولا ريب أن هذا أقرب إلى النصوص والقياس والعدل ونظير هذا ما ثبت بالسنة واتفاق الصحابة من القصاص في اللطمة والضربة وهو منصوص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد وقد تقدم تقرير ذلك وإذا كانت المماثلة من كل وجه متعذرة حتى في المكيل والموزون فما كان أقرب إلى المماثلة فهو أولى بالصواب ولا ريب أن الجنس إلى الجنس أقرب مماثلة من الجنس إلى القيمة فهذا هو القياس وموجب النصوص وبالله التوفيق
الأصل الثالث من مثل بعبده عتق عليه
والأصل الثالث أن من مثل بعبده عتق عليه وهذا مذهب فقهاء الحديث وقد جاءت بذلك آثار مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كعمر بن الخطاب وغيره
فهذا الحديث موافق لهذه الأصول الثلاثة الثابتة بالأدلة الموافقة للقياس العادل فإذا طاوعته الجارية فقد أفسدها على سيدتها فإنها مع المطاوعة تنقص قيمتها إذ تصير زانية ولا تمكن سيدتها من استخدامها حق الخدمة لغيرتها منها وطمعها في السيد واستشراف السيد إليها وتتشامخ على سيدتها فلا تطيعها كما كانت تطيعها قبل ذلك والجاني إذا تصرف في المال بما ينقص قيمته كان لصاحبه المطالبة بالمثل فقضى الشارع لسيدتها بالمثل وملكه الجارية إذ
46
لا يجمع لها بين العوض والمعوض وأيضا فلو رضيت سيدتها أن تبقى الجارية على ملكها وتغرمه ما نقص من قيمتها كان لها ذلك فإذا لم ترض وعلمت أن الأمة قد فسدت عليها ولم تنتفع بخدمتها كما كانت قبل ذلك كان من أحسن القضاء أن يغرم السيد مثلها ويملكها
فإن قيل فاطردوا هذا القياس وقولوا إن الأجنبي إذا زنى بجارية قوم حتى أفسدها عليهم أن لهم القيمة أو يطالبوه ببدلها
قيل نعم هذا موجب القياس إن لم يكن بين الصورتين فرق مؤثر وإن كان بينهما فرق انقطع الإلحاق فإن الإفساد الذي في وطء الزوج بجارية امرأته بالنسبة إليها أعظم من الإفساد الذي في وطء الأجنبي وبالجملة فجواب هذا السؤال جواب مركب إذ لا نص فيه ولا إجماع
فصل استكراه الأمة والعبد على الفاحشة
وأما إذا استكرهها فإن هذا من باب المثلة فإن الإكراه على الوطء مثلة فإن الوطء يجري مجرى الجناية ولهذا لا يخلو عن عقر أو عقوبة ولا يجري مجرى منفعة الخدمة فهي لما صارت له بإفسادها على سيدتها أوجب عليه مثلها كما في المطاوعة وأعتقها عليه لكونه مثل بها
قال شيخنا ولو استكره عبده على الفاحشة عتق عليه ولو استكره أمة الغير على الفاحشة عتقت عليه وضمنها بمثلها إلا أن يفرق بين أمة امرأته وبين غيرها فإن كان بينهما فرق شرعي وإلا فموجب القياس التسوية
وأما قوله تعالى ! < ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم > ! فهذا نهي عن إكراههن على كسب المال بالبغاء كما قيل إن عبد الله بن أبي رأس المنافقين كان له إماء يكرههن على البغاء وليس هذا استكراها للأمة على أن يزني بها هو فإن هذا بمنزلة التمثيل بها وذاك إلزام لها بأن تذهب هي فتزني
47
مع أنه يمكن أن يقال العتق بالمثلة لم يكن مشروعا عند نزول الآية ثم شرع بعد ذلك
قال شيخنا والكلام على هذا الحديث من أدق الأمور فإن كان ثابتا فهذا الذي ظهر في توجيهه وإن لم يكن ثابتا فلا يحتاج إلى الكلام عليه
نصوص الشرع معقولة
قال وما عرفت حديثا صحيحا إلا ويمكن تخريجه على الأصول الثابتة قال وقد تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع فما رأيت قياسا صحيحا يخالف حديثا صحيحا كما أن المعقول الصحيح لا يخالف المنقول الصحيح بل متى رأيت قياسا يخالف أثرا فلا بد من ضعف أحدهما لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفي كثير منه على أفاضل العلماء فضلا عمن هو دونهم فإن إدراك الصفة المؤثرة في الأحكام على وجهها ومعرفة المعاني التي علقت بها الأحكام من أشرف العلوم فمنه الجلي الذي يعرفه أكثر الناس ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم فلهذا صارت أقيسة كثير من العلماء تجيء مخالفة للنصوص لخفاء القياس الصحيح كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام انتهى
فإن قيل فهب أنكم خرجتم ذلك على القياس فما تصنعون بسقوط الحد عنه وقد وطىء فرجا لا ملك له فيه ولا شبهة ملك
قيل الحديث لم يتعرض بنفي ولا إثبات وإنما دل على الضمان وكيفيته فإن قيل فكيف تخرجون حديث النعمان بن بشير في ذلك أنها إن كانت أحلتها له جلد مائة جلدة وإن لم تكن أحلتها له رجم بالحجارة على القياس
قيل هو بحمد الله موافق للقياس مطابق لأصول الشريعة وقواعدها فإن إحلالها له شبهة كافية في سقوط الحد عنه ولكن لما لم يملكها بالإحلال كان الفرج محرما عليه وكانت المائة تعزيرا له وعقوبة على ارتكاب فرج حرام عليه وكان إحلال الزوجة له وطأها شبهة دارئة للحد عنه
48
فإن قيل تكيف تخرجون التعزير بالمائة على القياس
قيل هذا من أسهل الأمور فإن التعزير لا يتقدر بقدر معلوم بل هو بحسب الجريمة في جنسها وصفتها وكبرها وصغرها وعمر بن الخطاب قد تنوع تعزيره في الخمر فتارة بحلق الرأس وتارة بالنفي وتارة بزيادة أربعين سوطا على الحد الذي ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وتارة بتحريق حانوت الخمار وكذلك تعزير الغال وقد جاءت السنة بتحريق متاعه وتعزير مانع الصدقة بأخذها وأخذ شطر ماله معها وتعزير كاتم الضالة الملتقطة بإضعاف الغرم عليه وكذلك عقوبة سارق ما لا قطع فيه يضعف عليه الغرم وكذلك قاتل الذمي عمدا أضعف عليه عمر وعثمان ديته وذهب إليه أحمد وغيره
فإن قيل فما تصنعون بقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله
قيل نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة ولا منافاة بينه وبين شيء مما ذكرناه فإن الحد في لسان الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء فإنهم يريدون بالحدود عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة والحد في لسان الشارع أعم من ذلك فإنه يراد به هذه العقوبة تارة ويراد به نفس الجناية تارة كقوله تعالى ! < تلك حدود الله فلا تقربوها > ! وقوله ! < تلك حدود الله فلا تعتدوها > ! فالأول حدود الحرام والثاني حدود الحلال وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله حد حدودا فلا تعتدوها وفي حديث النواس بن سمعان الذي تقدم في أول الكتاب والسور أن حدود الله ويراد به تارة جنس العقوبة وإن لم تكن مقدرة فقوله صلى الله عليه وسلم لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله يريد به الجناية التي هي حق الله
49
فإن قيل فأين تكون العشرة فما دونها إذا كان المراد بالحد الجناية
قيل في ضرب الرجل امرأته وعبده وولده وأجيره للتأديب ونحوه فإنه لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط فهذا أحسن ما خرج عليه الحديث وبالله التوفيق
فصل المضي في الحج الفاسد يوافق القياس
وأما المضي في الحج الفاسد فليس مخالفا للقياس فإن الله سبحانه أمر بإتمام الحج والعمرة فعلى من شرع فيهما أن يمضي فيهما وإن كان متطوعا بالدخول باتفاق الأئمة وإن تنازعوا فيما سواه من التطوعات هل تلزم بالشروع أم لا فقد وجب عليه بالإحرام أن يمضي فيه إلى حين يتحلل ووجب عليه الإمساك عن الوطء فإذا وطىء فيه لم يسقط وطؤه ما وجب عليه من إتمام النسك فيكون ارتكابه ما حرمه الله عليه سببا لإسقاط الواجب عليه ونظير هذا الصائم إذا أفطر عمدا لم يسقط عنه فطره ما وجب عليه من إتمام الإمساك ولا يقال له قد بطل صومك فإن شئت أن تأكل فكل بل يجب عليه المضي فيه وقضاؤه لأن الصائم له حد محدود وهو غروب الشمس
فإن قيل فهلا طردتم ذلك في الصلاة إذا أفسدها وقلتم يمضي فيها ثم يعيدها
قيل من ها هنا ظن من ظن أن المضي في الحج الفاسد على خلاف القياس والفرق بينهما أن الحج له وقت محدود وهو يوم عرفة كما للصيام وقت محدود وهو الغروب وللحج مكان مخصوص لا يمكن إحلال المحرم قبل وصوله إليه كما لا يمكن فطر الصائم قبل وصوله إلى وقت الفطر فلا يمكنه فعله ولا فعل الحج ثانيا في وقته بخلاف الصلاة فإنه يمكنه فعلها ثانيا في وقتها وسر الفرق أن وقت الصيام والحج بقدر فعله لا يسع غيره ووقت الصلاة أوسع منها
50
فيسع غيرها فيمكنه تدارك فعلها إذا فسدت في أثناء الوقت ولا يمكن تدارك الصيام والحج إذا فسدا إلا في وقت آخر نظير الوقت الذي أفسدهما فيه والله أعلم
فصل عدم فطر من أكل ناسيا يوافق القياس
وأما من أكل في صومه ناسيا فمن قال عدم فطره ومضيه في صومه على خلاف القياس ظن أنه من باب ترك المأمور ناسيا والقياس أنه يلزمه الإتيان بما تركه كما لو حدث ونسي حتى صلى والذين قالوا بل هو على وفق القياس حجتهم أقوى لأن قاعدة الشريعة أن من فعل محظورا ناسيا فلا إثم عليه كما دل عليه قوله تعالى ! < ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا > ! وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء وقال قد فعلت وإذا ثبت أنه غير آثم فلم يفعل في صومه محرما فلم يبطل صومه وهذا محض القياس فإن العبادة إنما تبطل بفعل محظور أو ترك مأمور وطرد هذا القياس أن من تكلم في صلاته ناسيا لم تبطل صلاته وطرده أيضا أن من جامع في إحرامه أو صيامه ناسيا لم يبطل صيامه ولا إحرامه وكذلك من تطيب أو لبس أو غطى رأسه أو حلق رأسه أو قلم ظفره ناسيا فلا فدية عليه بخلاف قتل الصيد فإنه من باب ضمان المتلفات فهو كدية القتيل وأما اللباس والطيب فمن باب الترفه وكذلك الحلق والتقليم ليس من باب الإتلاف فإنه لا قيمة له في الشرع ولا في العرف وطرد هذا القياس أن من فعل المحلوف عليه ناسيا لم يحنث سواء حلف بالله أو بالطلاق أو بالعتاق أو غير ذلك لأن القاعدة أن من فعل المنهي عنه ناسيا لم يعد عاصيا والحنث في الأيمان كالمعصية في الإيمان فلا يعد حانثا من فعل المحلوف عليه ناسيا وطرد هذا أيضا أن من باشر النجاسة في الصلاة ناسيا لم تبطل صلاته بخلاف من ترك شيئا من فروض
51
الصلاة ناسيا أو ترك الغسل من الجنابة أو الوضوء أو الزكاة أو شيئا من فروض الحج ناسيا فإنه يلزمه الإتيان به لأنه لم يؤد ما أمر به فهو في وقت عهدة الأمر وسر الفرق أن من فعل المحظور ناسيا يجعل وجوده كعدمه ونسيان ترك المأمور لا يكون عذرا في سقوطه كما كان فعل المحظور ناسيا عذرا في سقوط الإثم عن فاعله
فإن قيل فهذا الفرق حجة عليكم لأن ترك المفطرات في الصوم من باب المأمورات ولهذا تشترط فيه النية ولو كان فعل المفطرات من باب المحظور لم يحتج إلى نية كفعل سائر المحظورات
قيل لا ريب أن النية في الصوم شرط ولولاها لما كان عبادة ولا أثيب عليه لأن الثواب لا يكون إلا بالنية فكانت النية شرطا في كون هذا الترك عبادة ولا يختص ذلك بالصوم بل كل ترك لا يكون عبادة ولا يثاب عليه إلا بالنية ومع ذلك فلو فعله ناسيا لم يأثم به فإذا نوى تركها لله ثم فعلها ناسيا لم يقدح نسيانه في أجره بل يثاب على قصد تركها لله ولا يأثم بفعلها ناسيا وكذلك الصوم
وأيضا فإن فعل الناسي غير مضاف إليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه فأضاف فعله ناسيا إلى الله لكونه لم يرده ولم يتعمده وما يكون مضافا إلى الله لم يدخل تحت قدرة العبد فلم يكلف به فإنه إنما يكلف بفعله لا بما يفعل فيه ففعل الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير وكذلك لو احتلم الصائم في منامه أو ذرعه القيء في اليقظة لم يفطر ولو استدعى ذلك أفطر به فلو كان ما يوجد بغير قصده كما يوجد بقصده لأفطر بهذا وهذا
52
التسوية بين الخطأ والنسيان في الصوم
فإن قيل فأنتم تفطرون المخطىء كمن أكل يظنه ليلا فبان نهارا أفطر
قيل هذا فيه نزاع معروف بين السلف والخلف والذين فرقوا بينهما قالوا فعل المخطىء يمكن الاحتراز منه بخلاف الناسي
ونقل عن بعض السلف أنه يفطر في مسألة الغروب دون مسألة الطلوع كما لو استمر الشك
قال شيخنا وحجة من قال لا يفطر في الجميع أقوى ودلالة الكتاب والسنة على قولهم أظهر فإن الله سبحانه سوى بين الخطأ والنسيان في عدم المؤاخذة ولأن فعل محظورات الحج يستوي فيه المخطىء والناسي ولأن كل واحد منهما غير قاصد للمخالفة وقد ثبت في الصحيح أنهم أفطروا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس ولم يثبت في الحديث أنهم أمروا بالقضاء ولكن هشام بن عروة سئل عن ذلك فقال لا بد من قضاء وأبوه عروة أعلم منه وكان يقول لا قضاء عليهم وثبت في الصحيحين أن بعض الصحابة أكلوا حتى ظهر لهم الخيط الأسود من الأبيض ولم يأمر أحدا منهم بقضاء وكانوا مخطئين وثبت عن عمر بن الخطاب أنه أفطر ثم تبين النهار فقال لا نقضي لأنا لم نتجانف لإثم وروي عنه أنه قال نقضي وإسناد الأول أثبت وصح عنه أنه قال الخطب يسير فتأول ذلك من تأوله على أنه أراد خفة أمر القضاء واللفظ لا يدل على ذلك
قال شيخنا وبالجملة فهذا القول أقوى أثرا ونظرا وأشبه بدلالة الكتاب والسنة والقياس قلت له فالنبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل يحتجم فقال أفطر الحاجم والمحجوم ولم يكونا عالمين بأن الحجامة تفطر ولم يبلغهما قبل ذلك قوله أفطر الحاجم والمحجوم ولعل الحكم إنما شرع ذلك اليوم
53
فأجابني بما مضمونه أن الحديث اقتضى أن ذلك الفعل مفطر وهذا كما لو رأى إنسانا يأكل أو يشرب فقال أفطر الآكل والشارب فهذا فيه بيان السبب المقتضي للفطر ولا تعرض فيه للمانع
وقد علم أن النسيان مانع من الفطر بدليل خارج فكذلك الخطأ والجهل والله أعلم
فصل حكم عمر في امرأة المفقود يوافق القياس
ومما ظن أنه على خلاف القياس ما حكم به الخلفاء الراشدون في امرأة المفقود فإنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أجل امرأته أربع سنين وأمرها أن تتزوج فقدم المفقود بعد ذلك فخيره عمر بين امرأته وبين مهرها فذهب الإمام أحمد إلى ذلك وقال ما أدري من ذهب إلى غير ذلك إلى أي شيء يذهب وقال أبو داود في مسائله سمعت أحمد وقيل له في نفسك شيء من المفقود فقال ما في نفسي منه شيء هذا خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمروها أن تتربص قال أحمد من ضيق علم الرجل أن لا يتكلم في امرأة المفقود
وقد قال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد إن مذهب عمر في المفقود يخالف القياس والقياس أنها زوجة القادم بكل حال إلا أن نقول الفرقة تنفذ ظاهرا وباطنا فتكون زوجة الثاني بكل حال وغلا بعض ا لمخالفين لعمر في ذلك فقالوا لو حكم حاكم بقول عمر في ذلك لنقض حكمه لبعده عن القياس
وطائفة ثالثة أخذت ببعض قول عمر وتركوا بعضه فقالوا إذا تزوجت ودخل بها الثاني فهي زوجته ولا ترد إلى الأول وإن لم يدخل بها ردت إلى الأول
54
تصرف الغريب بين الرد والوقف
قال شيخنا من خالف عمر لم يهتد إلى ما اهتدى إليه عمر ولم يكن له من الخبرة بالقياس الصحيح مثل خبرة عمر وهذا إنما يتبين بأصل وهو وقف العقود إذا تصرف الرجل في حق الغير بغير إذنه هل يقع تصرفه مردودا أو موقوفا على إجازته على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد إحداهما أنها تقف على الإجازة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والثانية أنها لا تقف وهو أشهر قولي الشافعي وهذا في النكاح والبيع والإجارة وظاهر مذهب أحمد التفصيل وهو أن المتصرف إذا كان معذورا لعدم تمكنه من الاستئذان وكان به حاجة إلى التصرف وقف العقد على الإجارة بلا نزاع عنده وإن أمكنه الاستئذان أو لم تكن به حاجة إلى التصرف ففيه النزاع فالأول مثل من عنده أموال لا يعرف أصحابها كالغصوب والعواري ونحوها فإذا تعذر عليه معرفة أرباب الأموال ويئس منها فإن مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد أنه يتصدق بها عنهم فإن ظهروا بعد ذلك كانوا مخيرين بين الإمضاء وبين التضمين وهذا مما جاءت به السنة في اللقطة فإن الملتقط يأخذها بعد التعريف ويتصرف فيها ثم إن جاء صاحبها كان مخيرا بين إمضاء تصرفه وبين المطالبة بها فهو تصرف موقوف لما تعذر الاستئذان ودعت الحاجة إلى التصرف وكذلك الموصي بما زاد على الثلث وصيته موقوفة على الإجازة عند الأكثرين وإنما يخيرون بعد الموت فالمفقود المنقطع خبره إن قيل إن امرأته تبقى إلى أن يعلم خبره بقيت لا أيما ولا ذات زوج إلى أن تبقى من القواعد أو تموت والشريعة لا تأتي بمثل هذا فلما أجلت أربع سنين ولم يكشف خبره حكم بموته ظاهرا
فإن قيل يسوغ للإمام أن يفرق بينهما للحاجة فإنما ذلك بعد اعتقاد موته وإلا فلو علمت حياته لم يكن مفقودا وهذا كما ساغ التصرف في الأموال التي تعذر معرفة أصحابها فإذا قدم الرجل تبينا أنه كان حيا كما إذا ظهر صاحب
55
المال والإمام قد تصرف في زوجته بالتفريق فيبقى هذا التفريق موقوفا على إجازته فإن شاء أجاز ما فعله الإمام وإن شاء رده وإذا أجازه صار كالتفريق المأذون فيه ولو أذن للإمام أن يفرق بينهما ففرق وقعت الفرقة بلا ريب وحينئذ فيكون نكاح الثاني صحيحا وإن لم يجز ما فعله الإمام كان التفريق باطلا فكانت باقية على نكاحه فتكون زوجته فكان القادم مخيرا بين إجازة ما فعله الإمام ورده وإذا أجاز فقد أخرج البضع عن ملكه وخروج البضع عن ملك الزوج متقوم عند الأكثرين كمالك والشافعي وأحمد في نص الروايتين والشافعي يقول هو مضمون بمهر المثل والنزاع بينهم فيما إذا شهد شاهدان أنه طلق امرأته ثم رجعا عن الشهادة فقيل لا شيء عليهما بناء على أن خروج البضع من ملك الزوج ليس بمتقوم وهذا قول أبى حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين اختارها متأخرو أصحابه كالقاضى أبى يعلى وأتباعه وقيل عليهما مهر المثل وهو قول الشافعى وهو وجه في مذهب أحمد وقيل عليهما المسمى وهو مذهب مالك وهو أشهر في نص أحمد وقد نص على ذلك فيما إذا أفسد نكاح امرأته برضاع أنه يرجع بالمسمى والكتاب والسنة يدلان على هذا القول فإن الله تعالى قال ! < واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا > ! وهذا هو المسمى دون مهر المثل ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوج المختلعة أن يأخذ ما أعطاها دون مهر المثل وهو سبحانه إنما يأمر في المعاوضات المطلقة بالعدل
فحكم أمير المؤمنين في المفقود ينبني على هذا الأصل والقول بوقف العقود عند الحاجة متفق عليه بين الصحابة ثبت ذلك عنهم في قضايا متعددة ولم يعلم أن أحدا منهم أنكر ذلك مثل قضية بن مسعود في تصدقه عن سيد الجارية التي ابتاعها بالثمن الذي كان له عليه في الذمة لما تعذرت عليه معرفته
56
وكتصدق الغال بالمال المغلول من الغنيمة لما تعذر قسمه بين الجيش وإقرار معاوية له على ذلك وتصويبه له وغير ذلك من القضايا مع أن القول بوقف العقود مطلقا هو الأظهر في الحجة وهو قول الجمهور وليس في ذلك ضرر أصلا بل هو إصلاح بلا إفساد فإن الرجل قد يرى أن يشتري لغيره أو يبيع له أو يؤجر له أو يستأجر له ثم يشاوره فإن رضي وإلا لم يحصل له ما يضره وكذلك في تزويج وليته ونحو ذلك وأما مع الحاجة فالقول به لا بد منه فمسألة المفقود هي مما يوقف فيها تفريق الإمام على إذن الزوج إذا جاء كما يقف تصرف الملتقط على إذن المالك إذا جاء والقول برد المهر إلى الزوج بخروج بضع امرأته عن ملكه ولكن تنازعوا في المهر الذي يرجع به هل هو ما أعطاها هو أو ما أعطاها الثاني وفيه روايتان عن أحمد إحداهما يرجع بما مهرها الثاني لأنها هي التي أخذته والصواب أنه إنما يرجع بما مهرها هو فإنه الذي يستحقه وأما المهر الذي أصدقها الثاني فلا حق له فيه وإذا ضمن الثاني للأول المهر فهل يرجع به عليها فيه روايتان عن أحمد إحداهما يرجع لأنها هي التي أخذته والثاني قد أعطاها المهر الذي عليه فلا يضمن مهرين بخلاف المرأة فإنها لما اختارت فراق الزوج الأول ونكاح الثاني فعليها أن ترد المهر لأن الفرقة جاءت من جهتها والثانية لا يرجع لأن المرأة تستحق المهر بما استحل من فرجها والأول يستحق المهر بخروج البضع عن ملكه فكان على الثاني وهذا المأثور عن عمر في مسألة المفقود وهو عند طائفة من الفقهاء من أبعد الأقوال عن القياس حتى قال بعض الأئمة لو حكم به حاكم نقض حكمه وهو مع هذا أصح الأقوال وأحراها في القياس وكل قول قيل سواه فهو خطأ فمن قال إنها تعاد إلى الأول بكل حال أو تكون مع الثاني بكل حال فكلا القولين خطأ إذ كيف تعاد إلى الأول وهو لا يختارها ولا يريدها وقد فرق بينه وبينها تفريقا سائغا في الشرع وأجاز هو ذلك التفريق فإنه وإن تبين للأمام أن الأمر بخلاف ما اعتقده فالحق في ذلك للزوج فإذا
57
أجاز ما فعله الإمام زال المحذور وأما كونها زوجة الثاني بكل حال مع ظهور زوجها وتبين أن الأمر بخلاف ما فعل الإمام فهو خطأ أيضا فإنه مسلم لم يفارق امرأته وإنما فرق بينهما بسبب ظهر أنه لم يكن كذلك وهو يطلب امرأته فكيف يحال بينه وبينها وهو لو طلب ماله أو بدله رد إليه فكيف لا ترد إليه امرأته وأهله أعز عليه من ماله وإن قيل حق الثاني تعلق بها قيل حقه سابق على حق الثاني وقد ظهر انتقاض السبب الذي به استحق الثاني أن تكون زوجة له وما الموجب لمراعاة حق الثاني دون الأول فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولهذا تعجب أحمد ممن خالفه فإذا ظهر صحة ما قاله الصحابة رضي الله عنهم وصوابه في مثل هذه المشكلات التي خالفهم فيها مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي فلأن يكون الصواب معهم فيما وافقهم هؤلاء بطريق الأولى
قال شيخنا وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله فرأيت الصحابة أفقه الأمة وأعلمها واعتبر هذا بمسائل الأيمان والنذور والعتق وغير ذلك ومسائل تعليق الطلاق بالشروط فالمنقول فيها عن الصحابة هو أصح الأقوال وعليه يدل الكتاب والسنة والقياس الجلي وكل قول سوى ذلك فمخالف للنصوص مناقض للقياس وكذلك في مسائل غير هذه مثل مسألة بن الملاعنة ومسألة ميراث المرتد وما شاء الله من المسائل لم أجد أجود الأقوال فيها إلا أقوال الصحابة وإلى ساعتي هذه ما علمت قولا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه لكن العلم بصحيح القياس وفاسده من أجل العلوم وإنما يعرف ذلك من كان خبيرا بأسرار الشرع ومقاصده وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد وما فيها من الحكمة البالغة والنعمة السابغة والعدل العام والله أعلم انتهى
58
فصل حكم علي في الزبية يوافق القياس
ومما أشكل على كثير من الفقهاء من قضايا الصحابة وجعلوه من أبعد الأشياء عن القياس مسألة التزاحم وسقوط المتزاحمين في البئر وتسمى مسألة الزبية
وأصلها أن قوما من أهل اليمن حفروا زبية للأسد فاجتمع الناس على رأسها فهوى فيها واحد فجذب ثانيا فجذب الثاني ثالثا فجذب الثالث رابعا فقتلهم الأسد فرفع ذلك إلى أمير المؤمنين كرم الله وجهه وهو على اليمن فقضى للأول بربع الدية وللثاني بثلثها وللثالث بنصفها وللرابع بكمالها وقال أجعل الدية على من حضر رأس البئر فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال هو كما قال رواه سعيد بن منصور في سننه ثنا أبو عوانة وأبو الأحوص عن سماك بن حرب عن حنش الصنعاني عن على فقال أبو الخطاب وغيره ذهب أحمد إلى هذا توقيفا على خلاف القياس
والصواب أنه مقتضى القياس والعدل وهذا يتبين بأصل وهو أن الجناية إذا حصلت من فعل مضمون ومهدر سقط ما يقابل المهدر واعتبر ما يقابل المضمون كما لو قتل عبدا بينه وبين غيره أو أتلف مالا مشتركا أو حيوانا سقط ما يقابل حقه ووجب عليه ما يقابل حق شريكه وكذلك لو اشترك اثنان في إتلاف مال أحدهما أو قتل عبده أو حيوانه سقط عن المشارك ما يقابل فعله ووجب على الآخر من الضمان بسقطه وكذلك لو اشترك هو وأجنبي في قتل نفسه كان على الأجنبي نصف الضمان وكذلك لو رمى ثلاثة بالمنجنيق فأصاب الحجر أحدهم فقتله فالصحيح أن ما قابل فعل المقتول ساقط ويجب ثلثا ديته على عاقلة الآخرين هذا مذهب الشافعي واختيار صاحب المغني والقاضي أبو يعلى في المجرد وهو الذي قضى به علي عليه السلام في مسألة القارصة والواقصة قال الشعبي وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن فركبت إحداهن على عنق الأخرى فقرصت الثالثة
59
المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت أي كسرت عنقها فماتت فرفع ذلك إلى علي عليه السلام فقضى بالدية أثلاثا على عواقلهن وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة لأنها أعانت على قتل نفسها
وإذا ثبت هذا فلو ماتوا بسقوط بعضهم فوق بعض كان الأول قد هلك بسبب مركب من أربعة أشياء سقوطه وسقوط الثاني والثالث والرابع وسقوط الثلاثة فوقه من فعله وجنايته على نفسه فسقط ما يقابله وهو ثلاثة أرباع الدية وبقي الربع الآخر لم يتولد من فعله وإنما تولد من التزاحم فلم يهدر وأما الثاني فلأن هلاكه كان من ثلاثة أشياء جذب من قبله له وجذبه هو لثالث ورابع فسقط ما يقابل جذبه وهو ثلثا الدية واعتبر ما لا صنع له فيه وهو الثلث الباقي وأما الثالث فحصل تلفه بشيئين جذب من قبله له وجذبه هو للرابع فسقط فعله دون السبب الآخر فكان لورثته النصف وأما الرابع فليس منه فعل البتة وإنما هو مجذوب محض فكان لورثته كمال الدية وقضى بها على عواقل الذين حضروا البئر لتدافعهم وتزاحمهم
فإن قيل على هذا سؤالان أحدهما أنكم لم توجبوا على عاقلة الجاذب شيئا مع أنه مباشر وأوجبتم على عاقلة من حضر البئر ولم يباشر وهذا خلاف القياس الثاني أن هذا هب أنه يتأتى لكم فيما إذا ماتوا بسقوط بعضهم على بعض فكيف يتأتى لكم في مسألة الزبية وإنما ماتوا بقتل الأسد فهو كما لو تجاذبوا فغرقوا في البئر
قيل هذان سؤالان قويان وجواب الأول أن الجاذب لم يباشر الإهلاك وإنما تسبب إليه والحاضرون تسببوا بالتزاحم وكان تسببهم أقوى من تسبب الجاذب لأنه ألجىء إلى الجذب فهو كما لو ألقى إنسان إنسانا على آخر فنفضه عنه لئلا يقتله فمات فالقاتل هو الملقى وأما السؤال الثاني فجوابه أن المباشر للتلف كالأسد والماء والنار لما لم يمكن الإحالة عليه ألغى فعله وصار الحكم
60
للسبب ففي مسألة الزبية ليس للرابع فعل البتة وإنما هو مفعول به محض فله كمال الدية والثالث فاعل ومفعول به فألغى ما يقابل فعله واعتبر فعل الغير به فكان قسطه نصف الدية والثاني كذلك إلا أنه جاذب لواحد والمجذوب جاذب لآخر فكان الذي حصل عليه من تأثير الغير فيه ثلث السبب وهو جذب الأول له فله ثلث الدية وأما الأول فثلاثة أرباع السبب من فعله وهو سقوط الثلاثة الذين سقطوا بجذبه مباشرة وتسببا وربعه من وقوعه بتزاحم الحاضرين فكان حظه ربع الدية وهذا أولى من تحميل عاقلة القتيل ما يقابل فعله ويكون لورثته وهذا هو خلاف القياس لأن الدية شرعت مواساة وجبرا فإذا كان الرجل هو القاتل لنفسه أو مشاركا في قتله لم يكن فعله بنفسه مضمونا كما لو قطع طرف نفسه أو أتلف مال نفسه فقضاء علي عليه السلام أقرب إلى القياس من هذا بكثير وهو أولى أيضا من أن يحمل فعل المقتول على عواقل الآخرين كما قاله أبو الخطاب في مسألة المنجنيق أنه يلغى فعل المقتول في نفسه وتجب ديته بكمالها على عاقلة الآخرين نصفين وهذا أبعد عن القياس مما قبله إذ كيف تتحمل العاقلة والأجانب جناية الإنسان على نفسه ولو تحملتها العاقلة لكانت عاقلته أولى بتحملها وكلا القولين يخالف القياس فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين رضي الله عنه
وهو أيضا أحسن من تحميل دية الرابع لعاقلة الثالث وتحميل دية الثالث لعاقلة الثاني وتحميل دية الثاني لعاقلة الأول وإهدار دية الأول بالكلية فإن هذا القول وإن كان له حظ من القياس فإن الأول لم يجن عليه أحد وهو الجاني على الثاني فديته على عاقلته والثاني على الثالث والثالث على الرابع والرابع لم يجن على أحد فلا شيء عليه فهذا قد توهم أنه في ظاهر القياس أصح من قضاء أمير المؤمنين ولهذا ذهب إليه كثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم إلا أن ما قضى به على أفقه فإن الحاضرين ألجئوا الواقعين بمزاحمتهم لهم فعواقلهم أولى بحمل الدية من عواقل
61
الهالكين وأقرب إلى العدل من أن يجمع عليهم بين هلاك أوليائهم وحمل دياتهم فتتضاعف عليهم المصيبة ويكسروا من حيث ينبغي جبرهم ومحاسن الشريعة تأبى ذلك وقد جعل الله سبحانه لكل مصاب حظا من الجبر وهذا أصل شرع حمل العاقلة الدية جبرا للمصاب وإعانة له
وأيضا فالثاني والثالث كما هما مجني عليهما فهما جانيان على أنفسهما وعلى من جذباه فحصل هلاكهم بفعل بعضهم ببعض فألغى ما قابل فعل كل واحد بنفسه واعتبر جناية الغير عليه
وهو أيضا أحسن من تحميل دية الرابع لعواقل الثلاثة ودية الثالث لعاقلة الثاني والأول ودية الثاني لعاقلة الأول خاصة وإن كان له أيضا حظ من قياس تنزيلا لسبب السبب منزلة السبب وقد اشترك في هلاك الرابع الثلاثة الذين قبله وفي هلاك الثالث الاثنان وانفرد بهلاك الثاني الأول ولكن قول علي عليه السلام أدق وأفقه
فصل الحكم في مسألة البصير والأعمى يوافق القياس
ومما يظن أنه يخالف القياس ما رواه علي بن رباح اللخمي أن رجلا كان يقود أعمى فوقعا في بئر فخر البصير ووقع الأعمى فوقه فقتله فقضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعقل البصير على الأعمى فكان الأعمى يدور في الموسم وينشد
يا أيها الناس لقيت منكرا
هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا
خرا معا كلاهما تكسرا
وقد اختلف الناس في هذه المسألة فذهب إلى قضاء عمر هذا عبد الله بن الزبير وشريح وإبراهيم النخعي والشافعي وإسحاق وأحمد وقال بعض الفقهاء
62
القياس أنه ليس على الأعمى ضمان البصير لأنه الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه وكان سبب وقوعه عليه وكذلك لو فعله قصدا منه لم يضمنه بغير خلاف وكان عليه ضمان الأعمى ولو لم يكن سببا لم يلزمه ضمان بقصده قال أبو محمد المقدسي في المغنى لو قيل هذا لكان له وجه إلا أن يكون مجمعا عليه فلا يجوز مخالفة الإجماع
والقياس حكم عمر لوجوه
أحدها أن قوده له مأذون فيه من جهة الأعمى وما تولد من مأذون فيه لم يضمن كنظائره
الثاني قد يكون قوده له مستحبا أو واجبا ومن فعل ما وجب عليه أو ندب إليه لم يلزمه ضمان ما تولد منه
الثالث أنه قد اجتمع على ذلك الإذنان إذن الشارع وإذن الأعمى فهو محسن بامتثال أمر الشارع محسن إلى الأعمى بقوده له وما على المحسنين من سبيل وأما الأعمى فإنه سقط على البصير فقتله فوجب عليه ضمانه كما لو سقط إنسان من سطح على آخر فقتله فهذا هو القياس
وقولهم هو الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه فهذا لا يوجب الضمان لأن قوده مأذون فيه من جهته ومن جهة الشارع وقولهم وكذلك لو فعله قصدا لم يضمنه فصحيح لأنه مسيء وغير مأذون له في ذلك لا من جهة الأعمى ولا من جهة الشارع فالقياس المحض قول عمر وبالله التوفيق
فصل حكم علي في التنازع على الولد يوافق القياس
ومما أشكل على جمهور الفقهاء وظنوه في غاية البعد عن القياس الحكم الذي حكم به علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة في الجماعة الذين وقعوا على امرأة في طهر واحد ثم تنازعوا الولد فأقرع بينهم فيه
63
ونحن نذكر هذه الحكومة ونبين مطابقتها للقياس فذكر أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن الخليل عن زيد بن أرقم قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل اليمن فقال إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليا يختصمون إليه في ولد قد وقعوا على امرأة في طهر واحد فقال لاثنين طيبا بالولد لهذا فقالا لا ثم قال لاثنين طيبا بالولد لهذا فقالا لا ثم قال لاثنين طيبا بالولد لهذا فقالا لا فقال أنتم شركاء متشاكسون إني مقرع بينكم فمن قرع فله الولد وعليه لصاحبيه ثلثا الدية فأقرع بينهم فجعله لمن قرع له فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أضراسه أو نواجذه وفي إسناده يحيى بن عبد الله الكندري الأجلح ولا يحتج بحديثه لكن رواه أبو داود والنسائي بإسناد كلهم ثقات إلى عبد خير عن زيد بن أرقم قال أتى علي بثلاثة وهو باليمن وقعوا على امرأة في طهر واحد فقال لاثنين أتقران لهذا قالا لا حتى سألهم جميعا فجعل كلما سأل اثنين قالا لا فأقرع بينهم فألحق الولد بالذي صارت له القرعة وجعل لصاحبيه عليه ثلثي الدية فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه وقد أعل هذا الحديث بأنه روى عن عبد خير بإسقاط زيد بن أرقم فيكون مرسلا قال النسائي وهذا أصوب قلت وهذا ليس بعلة ولا يوجب إرسالا للحديث فإن عبد خير سمع من علي وهو صاحب القصة فهب أن زيد بن أرقم لا ذكر له في المتن فمن أين يجيء الإرسال
وبعد فقد اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث فذهب إلى القول به إسحاق بن راهويه وقال هو السنة في دعوى الولد وكان الشافعي يقول به في القديم وأما الإمام أحمد فسئل عنه فرجح عليه حديث القافه وقال حديث القافة أحب إلى
وههنا أمران أحدهما دخول القرعة في النسب
64
والثاني تغريم من خرجت له القرعة ثلثي دية ولده لصاحبيه وكل منهما بعيد عن القياس فلذلك قالوا هذا من أبعد شيء عن القياس
فيقال القرعة قد تستعمل عند فقدان مرجح سواها من بينة أو إقرار أو قافة وليس ببعيد تعيين المستحق بالقرعة في هذه الحال إذ هي غاية المقدور عليه من أسباب ترجيح الدعوى ولها دخول في دعوى الأملاك المرسلة التي لا تثبت بقرينة ولا أمارة فدخولها في النسب الذي يثبت بمجرد الشبه الخفي المستند إلى قول القائف أولى وأحرى
وأما أمر الدية فمشكل جدا فإن هذا ليس بقتل يوجب الدية وإنما هو تفويت نسبة بخروج القرعة له فيمكن أن يقال وطء كل واحد صالح لجعل الولد له فقد فوته كل واحد منهم على صاحبه بوطئه ولكن لم يتحقق من كان له الولد منهم فلما أخرجته القرعة لأحدهم صار مفوتا لنسبه على صاحبيه فأجرى ذلك مجرى إتلاف الولد ونزل الثلاثة منزلة أب واحد فحصة المتلف منه ثلث الدية إذ قد عاد الولد له فيغرم لكل من صاحبيه ما يخصه وهو ثلث الدية
ووجه آخر أحسن من هذا أنه لما أتلفه عليهما بوطئه ولحوق الولد به وجب عليه ضمان قيمته وقيمة الولد شرعا هي ديته فلزمه لهما ثلثا قيمته وهي ثلثا الدية وصار هذا كمن أتلف عبدا بينه وبين شريكين له فإنه يجب عليه ثلثا القيمة لشريكيه فإتلاف الولد الحر عليهما بحكم القرعة كإتلاف الرقيق الذي بينهم ونظير هذا تضمين الصحابة المغرور بحرية الأمة لما فات رقهم على السيد بحريتهم وكانوا بصدد أن يكونوا أرقاء له وهذا من ألطف ما يكون من القياس وأدقه ولا تهتدي إليه إلا أفهام الراسخين في العلم وقد ظن طائفة أن هذا أيضا على خلاف القياس وليس كما ظنوا بل هو محض الفقه فإن الولد
65
تابع للأم في الحرية والرق ولهذا ولد الحر من أمة الغير رقيق وولد العبد من الحرة حر
قال الإمام أحمد إذا تزوج الحر بالأمة رق نصفه وإذا تزوج العبد بالحرة عتق نصفه فولد الأمة المزوجة بهذا المغرور كانوا بصدد أن يكونوا أرقاء لسيدها ولكن لما دخل الزوج على حرية المرأة دخل على أن يكون أولاده أحرارا والولد يتبع اعتقاد الواطئ فانعقد ولده أحرارا وقد فوتهم على السيد وليس مراعاة أحدهما بأولى من مراعاة الآخر ولا تفويت حق أحدهما بأولى من حق صاحبه فحفظ الصحابة الحقين وراعوا الجانبين فحكموا بحرية الأولاد وإن كانت أمهم رقيقة لأن الزوج إنما دخل على حرية أولاده ولو توهم رقهم لم يدخل على ذلك ولم يضيعوا حق السيد بل حكموا على الواطئ بفداء أولاده وأعطوا العدل حقه فأوجبوا فداءهم بمثلهم تقريبا لا بالقيمة ثم وفوا العدل بأن مكنوا المغرور من الرجوع بما غرمه على من غره لأن غرمه كان بسبب غروره والقياس والعدل يقتضي أن من تسبب إلى إتلاف مال شخص أو تغريمه أنه يضمن ما غرمه كما يضمن ما أتلفه إذ غايته أنه إتلاف بسبب وإتلاف المتسبب كإتلاف المباشر في أصل الضمان
فإن قيل وبعد ذلك كله فهذا خلاف القياس أيضا فإن الولد كما هو بعض الأم وجزء منها فهو بعض الأب وبعضيته للأب أعظم من بعضيته للأم ولهذا إنما يذكر الله سبحانه في كتابه تخليقه من ماء الرجل كقوله ! < فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب > ! وقوله ! < ألم يك نطفة من مني يمنى > ! ونظائرها من الآيات التي إن لم تختص بماء الرجل فهي فيه أظهر وإذا كان جزءا من الواطىء وجزءا من الأم فكيف كان ملكا لسيد الأم دون سيد الأب ويخالف القياس من وجه آخر وهو أن الماء بمنزلة
66
البذر ولو أن رجلا أخذ بذر غيره فزرعه في أرضه كان الزرع لصاحب البذر وإن كان عليه أجرة الأرض
قيل لا ريب أن الولد منعقد من ماء الأب كما هو منعقد من ماء الأم ولكن إنما تكون وصار مالا متقوما في بطن الأم فالأجزاء التي صار بها كذلك من الأم أضعاف أضعاف الجزء الذي من الأب مع مساواتها له في ذلك الجزء فهو أنما تكون في أحشائها من لحمها ودمها ولما وضعه الأب لم يكن له قيمة أصلا بل كان كما سماه الله ماء مهينا لا قيمة له ولهذا لو نزا فحل رجل على رمكة آخر كان الولد لمالك الأم باتفاق المسلمين وهذا بخلاف البذر فإنه مال متقوم له قيمة قبل وضعه في الأرض يعاوض عليه بالأثمان وعسب الفحل لا يعاوض عليه فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس
فإن قيل فهلا طردتم ذلك في النسب وجعلتموه للأم كما جعلتموه للأب قيل قد اتفق المسلمون على أن النسب للأب كما اتفقوا على أنه يتبع الأم في الحرية والرق وهذا هو الذي تقتضيه حكمة الله شرعا وقدرا فإن الأب هو المولود له والأم وعاء وإن تكون فيها والله سبحانه جعل الولد خليفة أبيه وشجنته والقائم مقامه ووضع الأنساب بين عباده فيقال فلان بن فلان ولا تتم مصالحهم وتعارفهم ومعاملاتهم إلا بذلك كما قال تعالى ! < يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا > ! فلولا ثبوت الأنساب من قبل الآباء لما حصل التعارف ولفسد نظام العباد فإن النساء
67
محتجبات مستورات عن العيون فلا يمكن في الغالب أن تعرف عين الأم فيشهد على نسب الولد منها فلو جعلت الأنساب للأمهات لضاعت وفسدت وكان ذلك مناقضا للحكمة والرحمة والمصلحة ولهذا إنما يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم
قال البخاري في صحيحه باب يدعى الناس بآبائهم يوم القيامة ثم ذكر حديث لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته يقال هذه غدرة فلان بن فلان
فكان من تمام الحكمة أن جعل الحرية والرق تبعا للأم والنسب تبعا للأب والقياس الفاسد إنما يجمع بين ما فرق الله بينه أو يفرق بين ما جمع الله بينه
فإن قيل فهلا طردتم ذلك في الولاء بل جعلتموه لموالي الأم والولاء لحمة كلحمة النسب
قيل لما كان الولاء من آثار الرق وموجباته كان تابعا له في حكمه فكان لموالي الأم ولما كان فيه شائبة النسب وهو لحمة كلحمته رجع إلى موالي الأب عند انقطاعه عن موالي الأم فروعي فيه الأمران ورتب عليه الأثران
فإن قيل فهلا جعلتم الولد في الدين تابعا لمن له النسب بل ألحقتموه بأبيه تارة وبأمه تارة
قيل الطفل لا يستقل بنفسه بل لا يكون إلا تابعا لغيره فجعله الشارع تابعا لخير أبويه في الدين تغليبا لخير الدينين فإنه إذا لم يكن له بد من التبعية لم يجز أن يتبع من هو على دين الشيطان وتنقطع تبعيته عمن هو على دين الرحمن فهذا محال في حكمة الله تعالى وشرعه
فإن قيل فاجعلوه تابعا لسابيه في الإسلام وإن كان معه أبواه أو أحدهما فإن تبعيته لأبويه قد انقطعت وصار السابي هو أحق به
68
قيل نعم وهكذا نقول سواء وهو قول إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ونص عليه أحمد واختاره شيخ الإسلام بن تيمية وقد أجمع الناس على أنه يحكم بإسلامه تبعا لسابيه إذا سبي وحده قالوا لأن تبعيته قد انقطعت عن أبويه وصار تابعا لسابيه واختلفوا فيما إذا سبي مع أحدهما على ثلاثة مذاهب أحدها يحكم بإسلامه نص عليه أحمد في إحدى الروايتين وهي المشهورة من مذهبه وهو قول الأوزاعي والثاني لا يحكم بإسلامه لأنه لم ينفرد عن أبويه والثالث أنه إن سبي مع الأب تبعه في دينه وإن سبي مع الأم وحدها فهو مسلم وهو قول مالك وقول الأوزاعي وفقهاء أهل الثغر أصح وأسلم من التناقض فإن السابي قد صار أحق به وقد انقطعت تبعيته لأبويه ولم يبق لهما عليه حكم فلا فرق بين كونهما في دار الحرب وبين كونهما أسيرين في أيدي المسلمين بل انقطاع تبعيته لهما في حال أسرهما وقهرهما وإذلالهما واستحقاق قتلهما أولى من انقطاعها حال قوة شوكتهما وخوف معرتهما فما الذي يسوغ له الكفر بالله والشرك به وأبواه أسيران في أيدي المسلمين ومنعه من ذلك وأبواه في دار الحرب وهل هذا إلا تناقض محض وأيضا فيقال لهم إذا سبي الأبوان ثم قتلا فهل يستمر الطفل على كفره عندكم أو تحكمون بإسلامه فمن قولكم أنه يستمر على كفره كما لو ماتا فيقال وأي كتاب أو سنة أو قياس صحيح أو معنى معتبر أو فرق مؤثر بين أن يقتلا في حال الحرب أو بعد الأسر والسبي وهل يكون المعنى الذي حكم بإسلامه لأجله إذا سبي وحده زائلا بسبائهما ثم قتلهما بعد ذلك وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلين وأيضا فهل تعتبرون وجود الطفل والأبوين في ملك ساب واحد أو يكون معهما في جملة العسكر فإن اعتبرتم الأول طولبتم بالدليل على ذلك وإن اعتبرتم الثاني فمن المعلوم انقطاع تبعيته لهما واستيلائهما عليه واختصاصه بسابيه ووجودهما بحيث لا يمكنان منه ومن تربيته وحضانته واختصاصهما به لا أثر له وهو كوجودهما
69
في دار الحرب سواء وأيضا فإن الطفل لما لم يستقل بنفسه لم يكن بد من جعله تابعا لغيره وقد دار الأمر بين أن يجعل تابعا لمالكه وسابيه ومن هو أحق الناس به وبين أن يجعل تابعا لأبويه ولا حق لهما فيه بوجه ولا ريب أن الأول أولى وأيضا فإن ولاية الأبوين قد زالت بالكلية وقد انقطع الميراث وولاية النكاح وسائر الولايات فما بال ولاية الدين الباطل باقية وحدها وقد نص الإمام أحمد على منع أهل الذمة أن يشتروا رقيقا من سبي المسلمين وكتب بذلك عمر بن الخطاب إلى الأمصار واشتهر ولم ينكره منكر فهو إجماع من الصحابة وإن نازع فيه بعض الأئمة وما ذاك إلا أن في تمليكه للكافر ونقله عن يد المسلم قطعا لما كان بصدده من مشاهدة معالم الإسلام وسماعه القرآن فربما دعاه ذلك إلى اختياره فلو كان تابعا لأبويه على دينهما لم يمنعا من شراه وبالله التوفيق
فإن قيل فيلزمكم على هذا أنه لو مات الأبوان أن تحكموا بإسلام الطفل لانقطاع تبعيته للأبوين ولا سيما وهو مسلم بأصل الفطرة وقد زال معارض الإسلام وهو تهويد الأبوين وتنصيرهما
قيل قد نص على ذلك الإمام أحمد في رواية جماعة من أصحابه واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإذا لم يكن له أبوان فهو على أصل الفطرة فيكون مسلما
فإن قيل فهل تطردون هذا فيما انقطع نسبة عن الأب مثل كونه ولد زنا أو منفيا بلعان
قيل نعم لوجود المقتضى لإسلامه بالفطرة وعدم المانع وهو وجود
70
الأبوين ولكن الراجح في الدليل قول الجمهور وأنه لا يحكم بإسلامه بذلك وهو الرواية الثانية عنه اختارها شيخ الإسلام وعلى هذا فالفرق بين هذه المسألة ومسألة المسبي أن المسبي قد انقطعت تبعيته لمن هو على دينه وصار تابعا لسابيه المسلم بخلاف من مات أبواه أو أحدهما فإنه تابع لأقاربه أو وصى أبيه فإن انقطعت تبعيته لأبويه فلم تنقطع لمن يقوم مقامهما من أقاربه أو أوصيائه والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن تهويد الأبوين وتنصيرهما بناء على الغالب وهذا لا مفهوم له لوجهين أحدهما أنه مفهوم لقب والثاني أنه خرج مخرج الغالب ومما يدل على ذلك العمل المستمر من عهد الصحابة وإلى اليوم بموت أهل الذمة وتركهم الأطفال ولم يتعرض أحد من الأئمة ولا ولاة الأمور لأطفالهم ولم يقولوا هؤلاء مسلمون ومثل هذا لا يهمله الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين
فإن قيل فهل تطردون هذا الأصل في جعله تبعا للمالك فتقولون إذا اشترى المسلم طفلا كافرا يكون مسلما تبعا له أو تتناقضون فتفرقون بينه وبين السابي وصورة المسألة فيما إذا زوج الذمي عبده الكافر من أمته فجاءت بولد أو تزوج الحر منهم بأمة فأولدها ثم باع السيد هذا الولد لمسلم
قيل نعم نطرده ونحكم بإسلامه قاله شيخنا قدس الله روحه ولكن جادة المذهب أنه باق على كفره كما لو سبي مع أبويه وأولى والصحيح قول شيخنا لأن تبعيته للأبوين قد زالت وانقطعت الموالاة والميراث والحضانة بين الطفل والأبوين وصار المالك أحق به وهو تابع له فلا يفرد عنه بحكم فكيف يفرد عنه في دينه وهذا طرد الحكم بإسلامه في مسألة السباء وبالله التوفيق
71
فصل كل ما في الشريعة يوافق العقل
فهذه نبذه يسيرة تطلعك على ما وراءها من أنه ليس في الشريعة شيء يخالف القياس ولا في المنقول عن الصحابة الذي لا يعلم لهم فيه مخالف وأن القياس الصحيح دائر مع أوامرها ونواهيها وجودا وعدما كما أن المعقول الصحيح دائر مع أخبارها وجودا وعدما فلم يخبر الله رسوله بما يناقض صريح العقل ولم يشرع ما يناقض الميزان والعدل
أمثلة من شبه نفاة القياس
ولنفاة الحكم والتعليل والقياس ها هنا سؤال مشهور وهو أن الشريعة قد فرقت بين المتماثلين وجمعت بين المختلفين فإن الشارع فرض الغسل من المنى وأبطل الصوم بإنزاله عمدا وهو طاهر دون البول والمذي وهو نجس وأوجب غسل الثوب من بول الصبية والنضح من بول الصبي مع تساويهما ونقص الشطر من صلاة المسافر الرباعية وأبقى الثلاثية والثنائية على حالهما وأوجب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها وحرم النظر إلى العجوز الشوهاء القبيحة المنظر إذا كانت حرة وجوزه إلى الأمة الشابة البارعة الجمال وقطع سارق ثلاثة دراهم دون مختلس ألف دينار أو منتهبها أو غاصبها ثم جعل ديتها خمسمائة دينار فقطعها في ربع دينار وجعل ديتها هذا القدر الكبير وأوجب حد الفرية على من قذف غيره بالزنى دون من قذفه بالكفر وهو شر منه واكتفى في القتل بشاهدين دون الزنى والقتل أكبر من الزنى وجلد قاذف الحر الفاسق دون العبد العفيف الصالح وفرق في العدة بين الموت والطلاق مع استواء حال الرحم فيهما وجعل عدة الحرة ثلاث حيض واستبراء الأمة بحيضة والمقصود العلم ببراءة الرحم وحرم المطلقة ثلاثا على الزوج المطلق ثم أباحها له إذا تزوجت بغيره وحالها في الموضعين واحدة وأوجب غسل غير
72
الموضع الذي خرجت منه الريح ولم يوجب غسله ولم يعتبر توبة القاتل وندمه قبل القدرة عليه واعتبر توبة المحارب قبل القدرة عليه وقبل شهادة العبد والمملوك عليه بأنه صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا ولم يقبل شهادته على آخاد الناس أنه قال كذا وكذا وأوجب الصدقة في السوائم وأسقطها عن العوامل وجعل الحرة القبيحة الشوهاء تحصن الرجل والأمة البارعة الجمال لا تحصنه ونقض الوضوء بمس الذكر دون مس سائر الأعضاء ودون مس العذرة والدم وأوجب الحد في القطرة الواحدة من الخمر ولم يوجبه بالأرطال الكثيرة من الدم والبول وقصر عدد المنكوحات على أربع وأطلق ملك اليمين من غير حصر وأباح للرجل أن يتزوج أربعا ولم يبح للمرأة إلا رجلا واحدا مع وجود الشهوة وقوة الداعي من الجانبين وجوز للرجل أن يستمتع من أمته بالوطء وغيره ولم يجوز للمرأة أن تستمتع من عبدها لا بوطء ولا غيره وفرق بين الطلقة الثالثة والثانية في تحريمها على المطلق بالثالثة دون الثانية وفرق بين لحم الإبل ولحم البقر والغنم والجواميس وغيرها فأوجب الوضوء من لحم الإبل وحده وفرق بين الكلب الأسود والأبيض في قطع الصلاة بمرور الأسود وحده وفرق بين الريح الخارجة من الدبر فأوجب بها الوضوء وبين الجشوة الخارجة من الحلق فلم يوجب بها الوضوء وأوجب الزكاة في خمس من الإبل وأسقطها عن عدة آلاف من الخيل وأوجب في الذهب والفضة والتجارة ربع العشر وفي الزروع والثمار العشر أو نصفه وفي المعدن الخمس وأوجب في أول نصاب من الإبل من غير جنسها وفي أول نصاب من البقر والغنم من جنسه وقطع يد السارق لكونها آلة المعصية فأذهب العضو الذي تعدى به على الناس ولم يقطع اللسان الذي يقذف به المحصنات الغافلات ولا الفرج الذي يرتكب به المحرم وأوجب على الرقيق نصف حد الحر مع أن حاجته إلى الزجر عن المحارم كحاجة الحر وجعل للقاذف إسقاط الحد باللعان في الزوجة دون الأجنبية وكلاهما قد ألحق به العار وجوز للمسافر المترفه في سفره رخصة القصر
73
والفطر دون المقيم المجهود الذي هو في غاية المشقة في سببه وأوجب على كل من نذر لله طاعة الوفاء بها وجوز لمن حلف على فعلها أن يتركها ويكفر يمينه وكلاهما قد التزم فعلها لله وحرم الذئب والقرد وما له ناب من السباع وأباح الضبع على قول ولها ناب تكسر به وجعل شهادة خزيمة بن ثابت وحده بشهادتين وغيره من الصحابة أفضل منه وشهادته بشهادة ورخص لأبي بردة بن نيار في التضحية بالعناق وقال لن تجزىء عن أحد بعدك وفرق بين صلاة الليل والنهار في السر والجهر ثم شرع الجهر في بعض صلاة النهار كالجمعة والعيدين وورث بن بن العم وإن بعدت درجته دون الخالة التي هي شقيقة الأم وحرم أخذ مال الغير إلا بطيبة من نفسه وسلطه على أخذ عقاره وأرضه بالشفعة ثم شرع الشفعة فيما يمكن التخلص من ضرر الشركة بقسمته دون ما لا يمكن قسمته كالجوهرة والحيوان وهو أولى بالشفعة وحرم صوم أول يوم من شوال وفرض صوم آخر يوم من رمضان مع تساوي اليومين وحرم على الإنسان نكاح بنت أخيه وأخته وأباح له نكاح بنت أخي أبيه وأخت أمه وحمل العاقلة ضمان جناية الخطأ على النفوس دون الجناية على الأموال وحرم وطء الحائض لأذى الدم وأباح وطء المستحاضة مع وجود الأذى ومنع بيع مد حنطة بمد وحفنة وجوز بيع مد حنطة بصاع فأكثر من الشعير فحرم ربا الفضل في الجنس الواحد دون الجنسين ومنع المرأة من الإحداد على أبيها وابنها فوق ثلاثة أيام وأوجب عليها أن تحد على الزوج وهو أجنبي أربعة أشهر وعشرا وسوى بين الرجل والمرأة في العبادات البدنية والمالية كالوضوء والغسل والصلاة والصوم والزكاة والحج وفي العقوبات كالحدود ثم جعلها على النصف من الرجل في الدية والشهادة والميراث والعقيقة وخص بعض الأزمنة على بعض وبعض الأمكنة على بعض بخصائص مع تساويها فجعل ليلة القدر خيرا من ألف شهر وجعل شهر رمضان سيد الشهور ويوم
74
الجمعة سيد الأيام ويوم عرفة ويوم النحر وأيام منى أفضل الأيام وجعل البيت أفضل بقاع الأرض
كيف يمكن القياس مع الفرق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات
قالوا وإذا كانت الشريعة قد جاءت بالتفريق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات كما جمعت بين الخطأ والعمد في ضمان الأموال وفي قتل الصيد وجمعت بين العاقل والمجنون والطفل والبالغ في وجوب الزكاة وجمعت بين الهرة والفأرة في طهارة كل منهما وجمعت بين الميتة وذبيحة المجوسي في التحريم وبين ما مات من الصيد أو ذبحه المحرم في ذلك وبين الماء والتراب في التطهير بطل القياس فإن مبدأه على هذين الحرفين وهما أصل قياس الطرد وقياس العكس
والجواب أن يقال الآن حمي الوطيس وحميت أنوف أنصار الله ورسوله لنصر دينه وما بعث به رسوله وآن لحزب الله أن لا تأخذهم في الله لومة لائم وأن لا يتحيزوا إلى فئة معينة وأن ينصروا الله ورسوله بكل قول حق قاله من قاله ولا يكونوا من الذين يقبلون ما قاله طائفتهم وفريقهم كائنا من كان ويردون ما قاله منازعوهم وغير طائفتهم كائنا ما كان فهذه طريقة أهل العصبية وحمية أهل الجاهلية ولعمر الله إن صاحب هذه الطريقة لمضمون له الذم إن أخطأ وغير ممدوح إن أصاب وهذا حال لا يرضى بها من نصح نفسه وهدى لرشده والله الموفق
وجواب هذا السؤال من طريقين مجمل ومفصل
الجواب المجمل عن هذه الشبه
أما المجمل فهو أن ما ذكرتم من الصور وأضعافها وأضعاف أضعافها فهو من أبين الأدلة على عظم هذه الشريعة وجلالتها ومجيئها على وفق العقول السليمة والفطر المستقيمة حيث فرقت بين أحكام هذه الصور المذكورة لافتراقها في الصفات التي اقتضت افتراقها في الأحكام ولو ساوت بينها في الأحكام لتوجه السؤال
75
وصعب الانفصال وقال القائل قد ساوت بين المختلفات وقرنت الشيء إلى غير شبيهه في الحكم وما امتازت صورة من تلك الصور بحكمها دون الصورة الأخرى إلا لمعنى قام بها أوجب اختصاصها بذلك الحكم ولا اشتركت صورتان في حكم لاشتراكهما في المعنى المقتضى لذلك الحكم ولا يضر افتراقهما في غيره كما لا ينفع اشتراك المختلفين في معنى لا يوجب الحكم فالاعتبار في الجمع والفرق إنما هو بالمعانى التي لأجلها شرعت تلك الأحكام وجودا وعدما
جواب بن الخطيب وأبي الحسن البصري
وقد اختلفت أجوبة الأصوليين عن هذا السؤال بحسب أفهامهم ومعرفتهم بأسرار الشريعة فأجاب بن الخطيب عنه بأن قال غالب أحكام الشريعة معللة برعاية المصالح المعلومة والخصم إنما بين خلاف ذلك في صور قليلة جدا وورود الصورة النادرة على خلاف الغالب لا يقدح في حصول الظن كما أن الغيم الرطب إذا لم يمطر نادرا لا يقدح في نزول المطر منه
وهذا الجواب لا يسمن ولا يغني من جوع وهو جواب أبي الحسين البصري بعينه
جواب أبي الحسن الآمدي
وأجاب عنه أبو الحسن الآمدي بأن التفريق بين الصور المذكورة في الأحكام إما لعدم صلاحية ما وقع جامعا أو لمعارض له في الأصل أو الفرع وأما الجمع بين المختلفات فإنما كان لاشتراكهما في معنى جامع صالح للتعليل أو لاختصاص كل صورة بعلة صالحة للتعليل فإنه لا مانع عند اختلاف الصور وإن اتحد نوع الحكم أن يعلل بعلل مختلفة
جواب أبي بكر الرازي
وأجاب عنه أبو بكر الرازي الحنفي بأن قال لا معنى لهذا السؤال فإنا لم نقل بموجب القياس من حيث اشتبهت المسائل في صورها وأعيانها وأسمائها
76
ولا أوجبنا المخالفة بينها من حيث اختلفت في الصور والأعيان والأسماء وإنما يجب القياس بالمعاني التي جعلت أمارات للحكم وبالأسباب الموجبة له فنعتبرها في مواضعها ثم لا نبالي باختلافها ولا اتفاقها من وجوه أخرى غيرها مثال ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حرم التفاضل في البر بالبر من جهة الكيل وفي الذهب بالذهب من جهة الوزن استدللنا به على أن الزيادة المحظورة معتبرة من جهة الكيل والوزن مع الجنس فحيث وجدا أوجبنا تحريم التفاضل وإن اختلفت المبيعات من وجوه أخر كالحمص وهو مكيل فحكمه حكم البر من حيث كونه مكيلا وإن خالفه من وجوه أخر وكالرصاص وهو موزون فحكمه كحكم الذهب في تحريم التفاضل وإن خالفه في أوصاف أخر فمتى عقل المعنى الذي به تعلق الحكم وجعل علامة له وجب اعتباره حيث وجد كما رجم ماعزا لزناه وحكم بإلقاء الفأرة وما حولها لما ماتت في السمن فعقلنا عموم المعنى لكل زان وعموم المعنى لكل مائع جاور النجاسة إلا أن المعنى تارة يكون جليا ظاهرا وتارة يكون خفيا غامضا فيستدل عليه بالدلائل التي نصبها الله عليه
جواب القاضي أبي يعلي
وأجاب عنه القاضي أبو يعلي بأن قال العقل إنما يمنع أن يجمع بين الشيئين المختلفين من حيث اختلفا في الصفات النفسية كالسواد والبياض وأن يفرق بين المثلين فيما تماثلا فيه من صفات النفس كالسوادين والبياضين وما يجرى ذلك وأما ما عدا ذلك فإنه لا يمتنع أن يجمع بين المختلفين في الحكم الواحد ألا ترى أن السواد والبياض قد اجتمعا في منافاة الحمرة وما يجري مجراها من الألوان فإن القعود في الموضع الواحد قد يكون حسنا إذا كان فيه نفع لا ضرر فيه وقد يكون قبيحا إذا كان فيه ضرر من غير نفع يوفي عليه وإن كان القعود المقصود في ذلك الموضع متيقنا وقد يكون القعود في مكانين مجتمعين في الحسن بأن يكون في كل منهما نفع لا ضرر فيه وإن كانا مختلفين على أن ذلك يؤكد صحة القياس وذلك أن المثلين في العقليات إنما وجب تساوي حكمهما لأن كل واحد منهما قد ساوى الآخر فيما لأجله قد وجب له الحكم إما لذاته كالسوادين أو لعلة أوجبت
77
ذلك كالأسودين وهكذا القول في المختلفين وعلى هذه الطريقة بعينها يجري القياس لأنا إنما نحكم للفرع بحكم الأصل إذا شاركه في علة الحكم كما أن الله تعالى إنما نص على حكم واحد في الشيئين إذا اشتركا فيما أوجب الحكم فيهما فقد بان بذلك صحة ما ذكرناه
جواب القاضي عبد الوهاب المالكي
وأجاب عنه القاضي عبد الوهاب المالكي بأن قال دعواكم بأن هذه الصور التي اختلفت أحكامها متماثلة في نفسها دعوى والأمثلة لا تشهد لها ألا ترى أنه لا يمتنع أن يتفق الصوم والصلاة في امتناع أدائهما من الحائض ويفترقان في وجوب القضاء والتماثل في العقليات لا يوجب التساوي في الأحكام الشرعيات
وأيضا فهذا يوجب منع القياس في العقليات
وأيضا فإن القياس جائز على العلة المنصوص عليها مع وجود المعنى الذي ذكره فهذه أجوبة النظار ونحن بعون الله وتوفيقه نفرد كل مسألة منها بجواب مفصل وهو المسلك الثاني الذي وعدنا به
الأجوبة بالتفصيل
الغسل من المني دون البول
أما المسألة الأولى وهي إيجاب الشارع صلى الله عليه وسلم الغسل من المني دون البول فهذا من أعظم محاسن الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة فإن المنى يخرج من جميع البدن ولهذا سماه الله سبحانه وتعالى سلالة لأنه يسيل من جميع البدن وأما البول فإنما هو فضلة الطعام والشراب المستحيلة في المعدة والمثانة فتأثر البدن بخروج المنى أعظم من تأثره بخروج البول وأيضا فإن الاغتسال من خروج المنى من أنفع شيء للبدن والقلب والروح بل جميع الأرواح القائمة بالبدن فإنها تقوى بالاغتسال والغسل يخلف عليه ما تحلل منه بخروج المنى وهذا أمر يعرف بالحس وأيضا فإن الجنابة توجب ثقلا وكسلا
78
والغسل يحدث له نشاطا وخفة ولهذا قال أبو ذر لما اغتسل من الجنابة كأنما ألقيت عني حملا وبالجملة فهذا أمر يدركه كل ذي حس سليم وفطرة صحيحة ويعلم أن الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب مع ما تحدثه الجنابة من بعد القلب والروح عن الأرواح الطيبة فإذا اغتسل زال ذلك البعد ولهذا قال غير واحد من الصحابة إن العبد إذا نام عرجت روحه فإن كان طاهرا أذن لها بالسجود وإن كان جنبا لم يؤذن لها ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الجنب إذا نام أن يتوضأ وقد صرح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته ويخلف عليه ما تحلل منه وإنه من أنفع شيء للبدن والروح وتركه مضر ويكفي شهادة العقل والفطرة بحسنه وبالله التوفيق
على أن الشارع لو شرع الاغتسال من البول لكان في ذلك أعظم حرج ومشقة على الأمة تمنعه حكمة الله ورحمته وإحسانه إلى خلقه
فصل الفرق بين بول الصبي والصبية
وأما غسل الثوب من بول الصبية ونضحه من بول الصبي إذا لم يطعما فهذا للفقهاء فيه ثلاثة أقوال
أحدها أنهما يغسلان جميعا
والثاني ينضحان
والثالث التفرقة وهو الذي جاءت به السنة وهذا من محاسن الشريعة وتمام حكمتها ومصلحتها
والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه
أحدها كثرة حمل الرجال والنساء للذكر فتعم البلوى ببوله فيشق عليه غسله
79
والثاني أن بوله لا ينزل في مكان واحد بل ينزل متفرقا ها هنا وههنا فيشق غسل ما أصابه كله بخلاف بول الأنثى
الثالث أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر وسببه حرارة الذكر ورطوبة الأنثى فالحرارة تخفف من نتن البول وتذيب منها ما لا يحصل مع الرطوبة وهذه معان مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق
فصل الفرق بين الصلاة الرباعية وغيرها في القصر
وأما نقصه الشطر من صلاة المسافر الرباعية دون الثلاثية والثنائية ففي غاية المناسبة فإن الرباعية تحتمل الحذف لطولها بخلاف الثنائية فلو حذف شطرها لأجحف بها ولزالت حكمة الوتر الذي شرع خاتمة العمل وأما الثلاثية فلا يمكن شطرها وحذف ثلثيها مخل بها وحذف ثلثها يخرجها عن حكمة شرعها وترا فإنها شرعت ثلاثا لتكون وتر النهار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم المغرب وتر النهار فأوتروا صلاة الليل
فصل الفرق بين قضاء الصوم دون الصلاة بالنسبة للحائض
وأما إيجاب الصوم على الحائض دون الصلاة فمن تمام محاسن الشريعة وحكمتها ورعايتها لمصالح المكلفين فإن الحيض لما كان منافيا للعبادة لم يشرع فيه فعلها وكان في صلاتها أيام الطهر ما يغنيها عن صلاة أيام الحيض فيحصل لها مصلحة الصلاة في زمن الطهر لتكررها كل يوم بخلاف الصوم فإنه لا يتكرر وهو شهر واحد في العام فلو سقط عنها فعله بالحيض لم يكن لها سبيل إلى تدارك نظيره وفاتت عليها مصلحته فوجب عليها أن تصوم شهرا في طهرها لتحصل مصلحة الصوم التي هي من تمام رحمة الله بعبده وإحسانه إليه بشرعه وبالله التوفيق
80
فصل الفرق بين النظر إلى الحرة والأمة
وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال فكذب على الشارع فأين حرم الله هذا وأباح هذا والله سبحانه إنما قال ! < قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم > ! ولم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال وأما إماء التسري اللأتي جرت العادة بصونهن وحجبهن فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في الأسواق والطرقات ومجامع الناس وأذن للرجال في التمتع بالنظر إليهن فهذا غلط محض على الشريعة وأكد هذا الغلط أن بعض الفقهاء سمع قولهم إن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها وعورة الأمة ما لا يظهر غالبا كالبطن والظهر والساق فظن أن ما يظهر غالبا حكمه حكم وجه الرجل وهذا إنما هو في الصلاة لا في النظر فإن العورة عورتان عورة في النظر وعورة في الصلاة فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك والله أعلم
فصل الفرق بين السارق وبين المختلس والمنتهب والغاصب
وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم وترك قطع المختلس والمنتهب والغاصب فمن تمام حكمة الشارع أيضا فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه فإنه ينقب الدور ويهتك الحرز ويكسر القفل ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك فلو لم يشرع قطعه لسرق الناس بعضهم بعضا وعظم الضرر واشتدت
81
المحنة بالسراق بخلاف المنتهب والمختلس فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس فيمكنهم أن يأخذوا على يديه ويخلصوا حق المظلوم أو يشهدوا له عند الحاكم وأما المختلس فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره فلا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس فليس كالسارق بل هو بالخائن أشبه وأيضا فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حرز مثله غالبا فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخليك عنه وغفلتك عن حفظه وهذا يمكن الاحتراز منه غالبا فهو كالمنتهب وأما الغاصب فالأمر فيه ظاهر وهو أولى بعدم القطع من المنتهب ولكن يسوغ كف عدوان هؤلاء بالضرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال كما سيأتي
فإن قيل فقد وردت السنة بقطع جاحد العارية وغايته أنه خائن والمعير سلطه على قبض ماله والاحتراز منه ممكن بأن لا يدفع إليه المال فبطل ما ذكرتم من الفرق
قيل لعمر الله لقد صح الحديث بأن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت يدها فاختلف الفقهاء في سبب القطع هل كان سرقتها وعرفها الراوي بصفتها لأن المذكور هو سبب القطع كما يقوله الشافعي وأبو حنيفة ومالك أو كان السبب المذكور هو سبب القطع كما يقوله أحمد ومن وافقه ونحن في هذا المقام لا ننتصر لمذهب معين البتة فإن كان الصحيح قول الجمهور اندفع السؤال وإن كان الصحيح هو القول الآخر فموافقته للقياس والحكمة والمصلحة ظاهرة جدا فإن العارية من مصالح بني آدم التي لا بد لهم منها ولا غنى لهم عنها وهي واجبة عند حاجة المستعير وضرورته إليها إما بأجرة أو مجانا ولا يمكن المعير كل وقت أن يشهد على العارية
82
ولا يمكن الاحتراز بمنع العارية شرعا وعادة وعرفا ولا فرق في المعنى بين من توصل إلى أخذ متاع غيره بالسرقة وبين من توصل إليه بالعارية وجحدها وهذا بخلاف جاحد الوديعة فإن صاحب المتاع فرط حيث ائتمنه
فصل الفرق بين دية اليد وقطعها في السرقة
وأما قطع اليد في ربع دينار وجعل ديتها خمسمائة دينار فمن أعظم المصالح والحكمة فإنه احتاط في الموضعين للأموال والأطراف فقطعها في ربع دينار حفظا للأموال وجعل ديتها خمسمائة دينار حفظا لها وصيانة وقد أورد بعض الزنادقة هذا السؤال وضمنه بيتين فقال
يد بخمس مىء من عسجد وديت
ما يالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا الا السكوت له
ونستجير بمولانا من العار
فأجابه بعض الفقهاء بأنها كانت ثمينة لما كانت أمينة فلما خانت هانت وضمنه الناظم قوله
يد بخمس مىء من عسجد وديت
لكنها قطعت في ربع دينار
حماية الدم أغلاها وأرخصها
خيانة المال فانظر حكمة الباري
وروى أن الشافعي رحمه الله أجاب بقوله
هناك مظلومة غالت بقيمتها
وههنا ظلمت هانت على الباري
وأجاب شمس الدين الكردي بقوله
قل للمعري عار أيما عار
جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عار
83
لا تقدحن زناد الشعر عن حكم
شعائر الشرع لم تقدح بأشعار
فقيمة اليد نصف الألف من ذهب
فإن تعدت فلا تسوى بدينار
فصل تخصيص القطع في ربع دينار
وأما تخصيص القطع بهذا القدر فلأنه لا بد من مقدار يجعل ضابطا لوجوب القطع إذ لا يمكن أن يقال يقطع بسرقة فلس أو حبة حنطة أو تمرة ولا تأتي الشريعة بهذا وتنزه حكمة الله ورحمته وإحسانه عن ذلك فلا بد من ضابط وكانت الثلاثة دراهم أول مراتب الجمع وهي مقدار ربع دينار وقال إبراهيم النخعي وغيره من التابعين كانوا لا يقطعون في الشيء التافه فإن عادة الناس التسامح في الشيء الحقير من أموالهم إذا لا يلحقهم ضرر بفقده وفي التقدير بثلاثة دراهم حكمة ظاهرة فإنها كفاية المقتصد في يومه له ولمن يمونه غالبا وقوت اليوم للرجل وأهله له خطر عند غالب الناس وفي الأثر المعروف من أصبح آمنا في سر به معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها
فصل القذف بالزنى يخالف القذف بالكفر
وأما إيجاب حد الفرية على من قذف غيره بالزنى دون الكفر ففي غاية المناسبة فإن القاذف غيره بالزنى لا سبيل للناس إلى العلم بكذبه فجعل حد الفرية تكذيبا له وتبرئة لعرض المقذوف وتعظيما لشأن هذه الفاحشة التي يجلد من رمى بها مسلما وأما من رمى غيره بالكفر فإن شاهد حال المسلم واطلاع المسلمين عليها كاف في تكذيبه ولا يلحقه من العار بكذبه عليه في ذلك ما يلحقه بكذبه عليه في الرمي بالفاحشة ولا سيما إن كان المقذوف امرأة
84
فإن العار والمعرة التي تلحقها بقذفه بين أهلها وتشعب ظنون الناس وكونهم بين مصدق ومكذب لا يلحق مثله بالرمي بالكفر
فصل الاكتفاء في القتل بشاهدين دون الزنى يوافق القياس
وأما اكتفاؤه في القتل بشاهدين دون الزنى ففي غاية الحكمة والمصلحة فإن الشارع احتاط للقصاص والدماء واحتاط لحد الزنى فلو لم يقبل في القتل إلا أربعة لضاعت الدماء وتواثب العادون وتجرءوا على القتل وأما الزنى فإنه بالغ في ستره كما قدر الله ستره فاجتمع على ستره شرع الله وقدره فلم يقبل فيه إلا أربعة يصفون الفعل وصف مشاهدة ينتفي معها الاحتمال وكذلك في الإقرار لم يكتف بأقل من أربع مرات حرصا على ستر ما قدر الله ستره وكره إظهاره والتكلم به وتوعد من يحب إشاعته في المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة
فصل جلد قاذف الحر دون قاذف العبد يوافق القياس
وأما جلد قاذف الحر دون العبد فتفريق لشرعه بين ما فرق الله بينهما بقدره فما جعل الله سبحانه العبد كالحر من كل وجه لا قدرا ولا شرعا وقد ضرب الله سبحانه لعباده الأمثال التي أخبر فيها بالتفاوت بين الحر والعبد وأنهم لا يرضون أن تساويهم عبيدهم في أرزاقهم فالله سبحانه وتعالى فضل بعض خلقه على بعض وفضل الأحرار على العبيد في الملك وأسبابه والقدرة على التصرف وجعل العبد مملوكا والحر مالكا ولا يستوي المالك والمملوك وأما التسوية بينهما في أحكام الثواب والعقاب فذلك موجب العدل والإحسان فإنه يوم الجزاء لا يبقى هناك عبد وحر ولا مالك ولا مملوك
85
فصل التفريق في العدة يوافق القياس
وأما تفريقه في العدة بين الموت والطلاق وعدة الحرة وعدة الأمة وبين الاستبراء والعدة مع أن المقصود العلم ببراءة الرحم في ذلك كله فهذا إنما يتبين وجهه إذا عرفت الحكمة التي لأجلها شرعت العدة وعرف أجناس العدد وأنواعها
الحكمة في تشريع العدة
فأما المقام الأول ففي شرع العدة عدة حكم منها العلم ببراءة الرحم وأن لا يجتمع ماء الواطئين فأكثر في رحم واحد فتختلط الأنساب وتفسد وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعة والحكمة ومنها تعظيم خطر هذا العقد ورفع قدره وإظهار شرفه ومنها تطويل زمان الرجعة للمطلق إذ لعله أن يندم ويفيء فيصادف زمنا يتمكن فيه من الرجعة ومنها قضاء حق الزوج وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد ومنها الاحتياط لحق الزوج ومصلحة الزوجة وحق الولد والقيام بحق الله الذي أوجبه ففي العدة أربعة حقوق وقد أقام الشارع الموت مقام الدخول في استيفاء المعقود عليه فإن النكاح مدته العمر ولهذا أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق وفي تحريم الربيبة عند جماعة من الصحابة ومن بعدهم كما هو مذهب زيد بن ثابت وأحمد في إحدى الروايتين عنه فليس المقصود من العدة مجرد براءة الرحم بل ذلك من بعض مقاصدها وحكمها
أجناس العدد
المقام الثاني في أجناسها وهي أربعة في كتاب الله وخامس بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنس الأول أم باب العدة ! < وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن > ! الثاني ! < والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا > ! الثالث ! < والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء > !
86
الرابع ! < واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر > ! الخامس قول النبي صلى الله عليه وسلم لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرىء بحيضة ومقدم هذه الأجناس كلها الحاكم عليها كلها وضع الحمل فإذا وجد فالحكم له ولا التفات إلى غيره وقد كان بين السلف نزاع في المتوفي عنها أنها تتربص أبعد الأجلين ثم حصل الاتفاق على انقضائها بوضع الحمل وأما عدة الوفاة فتجب بالموت سواء دخل بها أو لم يدخل كما دل عليه عموم القرآن والسنة الصحيحة واتفاق الناس فإن الموت لما كان انتهاء العقد وانقضاءه استقرت به الأحكام من التوارث واستحقاق المهر وليس المقصود بالعدة ههناء مجرد استبراء الرحم كما ظنه بعض الفقهاء لوجوبها قبل الدخول ولحصول الاستبراء بحيضة واحدة ولاستواء الصغيرة والآيسة وذوات القروء في مدتها فلما كان الأمر كذلك قالت طائفة هي تعبد محض لا يعقل معناه وهذا باطل لوجوه منها أنه ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة يعقله من عقله ويخفى على من خفي عليه ومنها أن العدد ليست من باب العبادات المحضة فإنها تجب في حق الصغيرة والكبيرة والعاقلة والمجنونة والمسلمة والذمية ولا تفتقر إلى نية ومنها أن رعاية حق الزوجين والولد والزوج الثاني ظاهر فيها فالصواب أن يقال هي حريم لانقضاء النكاح لما كمل ولهذا تجد فيها رعاية لحق الزوج وحرمة له ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من احترامه ورعاية حقوقه تحريم نسائه بعده ولما كانت نساؤه في الدنيا هن نساؤه في الآخرة قطعا لم يحل لأحد أن يتزوج بهن بعده بخلاف غيره فإن هذا ليس معلوما في حقه فلو حرمت المرأة على غيره لتضررت ضررا محققا بغير نفع معلوم ولكن لو تأيمت على أولادها كانت محمودة على ذلك وقد كانوا في الجاهلية يبالغون في احترام حق الزوج وتعظيم حريم هذا العقد غاية المبالغة من تربص
87
سنة في شر ثيابها وحفش بيتها فخفف الله عنهم ذلك بشريعته التي جعلها رحمة وحكمة ومصلحة ونعمة بل هي من أجل نعمه عليهم على الإطلاق فله الحمد كما هو أهله
وكانت أربعة أشهر وعشرا على وفق الحكمة والمصلحة إذ لا بد من مدة مضروبة لها وأولى المدد بذلك المدة التي يعلم فيها بوجود الولد وعدمه فإنه يكون أربعين يوما نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة فهذه أربعة أشهر ثم ينفخ فيه الروح في الطور الرابع فقدر بعشرة أيام لتظهر حياته بالحركة إن كان ثم حمل
فصل الحكمة في عدة الطلاق
وأما عدة الطلاق فلا يمكن تعليلها بذلك لأنها إنما تجب بعد المسيس بالاتفاق ولا ببراءة الرحم لأنه يحصل بحيضة كالاستبراء وإن كان براءة الرحم بعض مقاصدها ولا يقال هي تعبد لما تقدم وإنما يتبين حكمها إذا عرف ما فيها من الحقوق ففيها حق الله وهو امتثال أمره وطلب مرضاته وحق للزوج المطلق وهو اتساع زمن الرجعة له وحق للزوجة وهو استحقاقها للنفقة والسكنى ما دامت في العدة وحق للولد وهو الاحتياط في ثبوت نسبه وأن لا يختلط بغيره وحق للزوج الثاني وهو أن لا يسقي ماءه زرع غيره ورتب الشارع على كل واحد من هذه الحقوق ما يناسبه من الأحكام فرتب على رعاية حقه هو لزوم المنزل وأنها لا تخرج ولا تخرج هذا موجب القرآن ومنصوص إمام أهل الحديث وإمام أهل الرأي ورتب على حق المطلق تمكينه من الرجعة ما دامت في العدة وعلى حقها استحقاق النفقة والسكنى وعلى حق الولد ثبوت نسبه وإلحاقه بأبيه دون غيره وعلى حق الزوج الثاني دخوله على بصيرة ورحم بريء غير مشغول بولد لغيره فكان في جعلها ثلاثة قروء رعاية لهذه الحقوق
88
وتكميلا لها وقد دل القرآن على أن العدة حق للزوج عليها بقوله ! < يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها > ! فهذا دليل على أن العدة للرجل على المرأة بعد المسيس وقال تعالى ! < وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا > ! فجعل الزوج أحق بردها في العدة فإذا كانت العدة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر طالت مدة التربص لينظر في أمرها هل يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان كما جعل الله سبحانه للمولي تربص أربعة أشهر لينظر في أمره هل يفيء أو يطلق وكما جعل مدة تسيير الكفار أربعة أشهر لينظروا في أمرهم ويختاروا لأنفسهم
فإن قيل هذه العلة باطلة فإن المختلعة والمفسوخ نكاحها بسبب من الأسباب والمطلقة ثلاثا والموطوءة بشبهة والمزني بها تعتد بثلاثة أقراء ولا رجعة هناك فقد وجد الحكم بدون علته وهذا يبطل كونها علة
عدة المختلعة
قيل شرط النقض أن يكون الحكم في صورة ثابتا بنص أو إجماع وأما كونه قولا لبعض العلماء فلا يكفي في النقض به وقد اختلف الناس في عدة المختلعة فذهب إسحاق وأحمد في أصح الروايتين عنه دليلا أنها تعتد بحيضة واحدة وهو مذهب عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس وقد حكى إجماع الصحابة ولا يعلم لهما مخالف وقد دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة دلالة صريحة وعذر من خالفها أنها لم تبلغه أو لم تصح عنده أو ظن الإجماع على خلاف موجبها وهذا القول هو الراجح في الأثر والنظر أما رجحانه أثرا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر المختلعة قط أن تعتد بثلاث حيض بل قد روى أهل السنن عنه من حديث الربيع بنت معوذ أن ثابت بن قيس ضرب امرأته فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي فأتى أخوها يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت فقال خذ الذي لها عليك وخل سبيلها قال نعم فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم
89
أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها وذكر أبو داود والنسائي من حديث بن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أو أمرت أن تعتد بحيضة قال الترمذي الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة وهذه الأحاديث لها طرق يصدق بعضها بعضا وأعل الحديث بعلتين إحداهما إرساله والثانية أن الصحيح فيه أمرت بحذف الفاعل والعلتان غير مؤثرتين فإنه قد روي من وجوه متصلة ولا تعارض بين أمرت وأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ من المحال أن يكون الآمر لها بذلك غير رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وإذا كان الحديث قد روي بلفظ محتمل ولفظ صريح يفسر المحتمل ويبينه فكيف يجعل المحتمل معارضا للمفسر بل مقدما عليه ثم يكفي في ذلك فتاوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جعفر النحاس في كتاب الناسخ والمنسوخ هو إجماع من الصحابة وأما اقتضاء النظر له فإن المختلعة لم تبق لزوجها عليها عدة وقد ملكت نفسها وصارت أحق ببضعها فلها أن تتزوج بعد براءة رحمها فصارت العدة في حقها بمجرد براءة الرحم وقد رأينا الشريعة جاءت في هذا النوع بحيضة واحدة كما جاءت بذلك في المسبية والمملوكة بعقد معاوضة أو تبرع والمهاجرة من دار الحرب ولا ريب أنها جاءت بثلاثة أقراء في الرجعية والمختلعة فرع متردد بين هذين الأصلين فينبغي إلحاقها بأشبههما بها فنظرنا فإذا هي بذوات الحيضة أشبه
تقسيم النساء بالنسبة إلى العدة
ومما يبين حكمة الشريعة في ذلك أن الشارع قسم النساء إلى ثلاثة أقسام أحدها المفارقة قبل الدخول فلا عدة عليها ولا رجعة لزوجها فيها الثاني المفارقة بعد الدخول إذا كان لزوجها عليها رجعة فجعل عدتها ثلاثة قروء ولم يذكر سبحانه العدة بثلاثة قروء إلا في هذا القسم كما هو مصرح به في القرآن في قوله تعالى ! < والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا > !
90
وكذلك في سورة الطلاق لما ذكر الاعتداد بالأشهر الثلاثة في حق من إذا بلغت أجلها خير زوجها بين إمساك بمعروف أو مفارقتها بإحسان وهي الرجعية قطعا فلم يذكر الأقراء أو بدلها في حق بائن البتة القسم الثالث من بانت عن زوجها وانقطع حقه عنها بسبي أو هجرة أو خلع فجعل عدتها حيضة للاستبراء ولم يجعلها ثلاثا إذ لا رجعة للزوج وهذا في غاية الظهور والمناسبة وأما الزانية والموطوءة بشبهة فموجب الدليل أنها تستبرأ بحيضة فقط ونص عليه أحمد في الزانية واختاره شيخنا في الموطوءة بشبهة وهو الراجح وقياسهما على المطلقة الرجعية من أبعد القياس وأفسده
الحكمة في عدة المطلقة ثلاثا
فإن قيل فهب أن هذا قد سلم لكم فيما ذكرتم من الصور فإنه لا يسلم معكم في المطلقة ثلاثا فإن الإجماع منعقد على اعتدادها بثلاثة قروء مع انقطاع حق زوجها من الرجعة والقصد مجرد استبراء رحمها
قيل نعم هذا سؤال وأرد وجوابه من وجهين أحدهما أنه قد اختلف في عدتها هل هي بثلاثة قروء أو بقرء واحد فالجمهور بل الذي لا يعرف الناس سواه أنها ثلاثة قروء وعلى هذا فيكون وجهه أن الطلقة الثالثة لما كانت من جنس الأوليين أعطيت حكمهما ليكون باب الطلاق كله بابا واحدا فلا يختلف حكمه والشارع إذا علق الحكم بوصف لمصلحة عامة لم يكن تخلف تلك المصلحة والحكمة في بعض الصور مانعا من ترتب الحكم بل هذه قاعدة الشريعة وتصرفها في مصادرها ومواردها الوجه الثاني أن الشارع حرمها عليه حتى تنكح زوجا غيره عقوبة له ولعن المحلل والمحلل له لمناقضتهما ما قصده الله سبحانه من عقوبته وكان من تمام هذه العقوبة أن طول مدة تحريمها عليه فكان ذلك أبلغ فيما قصده الشارع من العقوبة فإنه إذا علم أنها لا تحل له حتى تعتد بثلاثة قروء ثم يتزوجها آخر بنكاح رغبة مقصود لا تحليل موجب للعنة ويفارقها وتعتد من فراقه ثلاثة قروء أخر طال عليه الانتظار وعيل صبره
91
فأمسك عن الطلاق الثلاث وهذا واقع على وفق الحكمة والمصلحة والزجر فكان التربص بثلاثة قروء في الرجعية نظرا للزوج ومراعاة لمصلحته لما لم يوقع الثالثة المحرمة لها وههنا كان تربصها عقوبة له وزجرا لما اوقع الطلاق المحرم لما أحل الله له وأكدت هذه العقوبة بتحريمها عليه إلا بعد زوج وإصابة وتربص ثان
وقيل بل عدتها حيضة واحدة وهي اختيار أبي الحسين بن اللبان فإن كان مسبوقا بالإجماع فالصواب اتباع الإجماع وأن لا يلتفت إلى قوله وإن لم يكن في المسألة إجماع فقوله قوي ظاهر والله أعلم
عدة المخيرة وحكمتها
فإن قيل لقد جاءت السنة بأن المخيرة تعتد ثلاث حيض كما رواه بن ماجه من حديث عائشة قالت أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض
قيل ما أصرحه من حديث لو ثبت ولكنه حديث منكر بإسناد مشهور وكيف يكون عند أم المؤمنين هذا الحديث وهي تقول الأقراء الأطهار فإن صح الحديث وجب القول به ولم تسع مخالفته ويكون حكمه حكم المطلقة ثلاثا في اعتدادها بثلاثة قروء ولا رجعة لزوجها عليها فإن الشارع يخصص بعض الأعيان والأفعال والأزمان والأماكن ببعض الأحكام وأن لم يظهر لنا موجب التخصيص فكيف وهو ظاهر في مسألة المخيرة فإنها لو جعلت عدتها حيضة واحدة لبادرت إلى التزوج بعدها وأيس منها زوجها فإذا جعلت ثلاث حيض طال زمن انتظارها وحبسها عن الأزواج ولعلها تتذكر زوجها فيها وترغب في رجعته ويزول ما عندها من الوحشة ولو قيل إن اعتداد المختلعة بثلاث حيض لهذا المعنى بعينه لكان حسنا على وفق حكمة الشارع ولكن هذا مفقود في المسببة والمهاجرة والزانية والموطوءة بشبهة
عدة الآيسة والصغيرة وحكمتها
فإن قيل فهب أن هذا كله قد سلم لكم فكيف يسلم لكم في الآيسة والصغيرة التي لا يوطأ مثلها
92
قيل هذا إنما يرد على من جعل علة العدة مجرد براءة الرحم فقط ولهذا أجابوا عن هذا السؤال بأن العدة ها هنا شرعت تعبدا محضا غير معقول المعنى وأما من جعل هذا بعض مقاصد العدة وأن لها مقاصد أخر من تكميل شأن هذا العقد واحترامه وإظهار خطره وشرفه فجعل لهم حريم بعد انقطاعه بموت أو فرقة فلا فرق في ذلك بين الآيسة وغيرها ولا بين الصغيرة والكبيرة مع أن المعنى الذي طولت له العدة في الحائض في الرجعية والمطلقة ثلاثا موجود بعينه في حق الآيسة والصغيرة وكان مقتضى الحكمة التي تضمنت النظر في مصلحة الزوج في الطلاق الرجعي وعقوبته وزجره في الطلاق المحرم التسوية بين النساء في ذلك وهذا ظاهر جدا وبالله التوفيق
فصل الحكمة في تحريم المرأة بعد الطلاق الثالث
وأما تحريم المرأة على الزوج بعد الطلاق الثلاث وإباحتها له بعد نكاحها للثاني فلا يعرف حكمته ألا من له معرفة بأسرار الشريعة وما اشتملت عليه من الحكم والمصالح الكلية فنقول وبالله التوفيق
لما كان إباحة فرج المرأة للرجل بعد تحريمه عليه ومنعه منه من أعظم نعم الله عليه وإحسانه إليه كان جديرا بشكر هذه النعمة ومراعاتها والقيام بحقوقها وعدم تعريضها للزوال وتنوعت الشرائع في ذلك بحسب المصالح التي علمها الله في كل زمان ولكل أمة فجاءت شريعة التوراة بإباحتها له بعد الطلاق ما لم تتزوج فإذا تزوجت حرمت عليه ولم يبق له سبيل إليها وفي ذلك من الحكمة والمصلحة ما لا يخفى فإن الزوج إذا علم أنه إذا طلق المرأة وصار أمرها بيدها وأن لها أن تنكح غيره وأنها إذا نكحت غيره حرمت عليه أبدا كان تمسكه بها أشد وحذره من مفارقتها أعظم وشريعة التوراة جاءت بحسب الأمة الموسوية فيها من الشدة والإصر ما يناسب حالها ثم جاءت شريعة الإنجيل
93
بالمنع من الطلاق بعد التزوج البتة فإذا تزوج بامرأة فليس له أن يطلقها ثم جاءت الشريعة الكاملة الفاضلة المحمدية التي هي أكمل شريعة نزلت من السماء على الإطلاق وأجلها وأفضلها وأعلاها وأقومها بمصالح العباد في المعاش والمعاد بأحسن من ذلك كله وأكمله وأوفقه للعقل والمصلحة فإن الله سبحانه أكمل لهذه الأمة دينها وأتم عليها نعمته وأباح لها من الطيبات ما لم يبحه لأمة غيرها فأباح للرجل أن ينكح من أطايب النساء أربعا وأن يتسرى من الإماء بما شاء وليس التسرى في شريعة أخرى غيرها ثم أكمل لعبده شرعه وأتم عليه نعمته بأن ملكه أن يفارق امرأته ويأخذ غيرها إذ لعل الأولى لا تصلح له ولا توافقه فلم يجعلها غلا في عنقه وقيدا في رجله وإصرا على ظهره وشرع له فراقها على أكمل الوجوه لها وله بأن يفارقها واحدة ثم تتربص ثلاثة قروء والغالب أنها في ثلاثة أشهر فأن تاقت نفسه إليها وكان له فيها رغبة وصرف مقلب القلوب قلبه إلى محبتها وجد السبيل إلى ردها ممكنا والباب مفتوحا فراجع حبيبته واستقبل أمره وعاد إلى يده ما أخرجته يد الغضب ونزغات الشيطان منها ثم لا يؤمن غلبات الطباع ونزغات الشيطان من المعاودة فمكن من ذلك أيضا مرة ثانية ولعلها أن تذوق من مرارة الطلاق وخراب البيت ما يمنعها من معاودة ما يغضبه ويذوق هو من ألم فراقها ما يمنعه من التسرع إلى الطلاق فإذا جاءت الثالثة جاء مالا مرد له من أمر الله وقيل له قد اندفعت حاجتك بالمرة الأولى والثانية ولم يبق لك عليها بعد الثالثة سبيل فإذا علم أن الثالثة فراق بينه وبينها وأنها القاضية أمسك عن إيقاعها فإنه إذا علم أنها بعد الثالثة لا تحل له إلا بعد تربص ثلاثة قروء وتزوج بزوج راغب في نكاحها وإمساكها وأن الأول لا سبيل له إليها حتى يدخل بها الثاني دخولا كاملا يذوق فيه كل واحد منهما عسيلة صاحبه بحيث يمنعهما ذلك من تعجيل الفراق ثم يفارقها بموت أو طلاق أو خلع ثم تعتد من ذلك
94
عدة كاملة تبين له حينئذ يأسه بهذا الطلاق الذي هو من أبغض الحلال إلى الله وعلم كل واحد منهما أنه لا سبيل له إلى العود بعد الثالثة لا باختياره ولا باختيارها وأكد هذا المقصود بأن لعن الزوج الثاني إذا لم ينكح نكاح رغبة يقصد فيه الإمساك بل نكح نكاح تحليل ولعن الزوج الأول إذا ردها بهذا النكاح بل ينكحها الثاني كما نكحها الأول ويطلقها كما طلقها الأول وحينئذ فتباح للأول كما تباح لغيره من الأزواج
وأنت إذا وازنت بين هذا وبين الشريعتين المنسوختين ووازنت بينه وبين الشريعة المبدلة المبيحة ما لعن الله ورسوله فاعله تبين لك عظمة هذه الشريعة وجلالتها وهيمنتها على سائر الشرائع وأنها جاءت على أكمل الوجوه وأتمها وأحسنها وأنفعها للخلق وأن الشريعتين المنسوختين خير من الشريعة المبدلة فإن الله سبحانه شرعهما في وقت ولم يشرع المبدلة أصلا
وهذه الدقائق ونحوها مما يختص الله سبحانه بفهمه من يشاء فمن وصل إليها فليحمد الله ومن لم يصل إليها فليسلم لأحكم الحاكمين وأعلم العالمين وليعلم أن شريعته فوق عقول العقلاء ووفق فطر الألباء
وقل للعيون الرمد لا تتقدمي
إلى الشمس واستغشي ظلام اللياليا
وسامح ولا تنكر عليها وخلها
وإن أنكرت حقا فقل خل ذا ليا
غيره
عاب التفقه قوم لا عقول لهم
وما عليه إذا عابوه من ضرر
ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة
أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
فصل غسل أعضاء الوضوء دون الموضع الذي خرجت منه الريح يوافق القياس
وأما إيجابه لغسل المواضع التي لم تخرج منها الريح وإسقاطه غسل الموضع الذي خرجت منه فما أوفقه للحكمة وما أشده مطابقة للفطرة فإن حاصل
95
السؤال لم كان الوضوء في هذه الأعضاء الظاهرة دون باطن المقعدة مع أن باطن المقعدة أولى بالوضوء من الوجه واليدين والرجلين
وهذا سؤال معكوس من قلب منكوس فإن من محاسن الشريعة أن كان الوضوء في الأعضاء الظاهرة المكشوفة وكان أحقها به إمامها ومقدمها في الذكر والفعل وهو الوجه الذي نظافته ووضاءته عنوان على نظافة القلب وبعده اليدان وهما آلة البطش والتناول والأخذ فهما أحق الأعضاء بالنظافة والنزاهة بعد الوجه ولما كان الرأس مجمع الحواس وأعلى البدن وأشرفه كان أحق بالنظافة لكن لو شرع غسله في الوضوء لعظمت المشقة واشتدت البلية فشرع مسح جميعه وأقامه مقام غسله تخفيفا ورحمة كما أقام المسح على الخفين مقام غسل الرجلين
ولعل قائلا يقول وما يجزئ مسح الرأس والرجلين من الغسل والنظافة ولم يعلم هذا القائل أن إمساس العضو بالماء إمتثالا لأمر الله وطاعة له وتعبدا يؤثر في نظافته وطهارته مالا يؤثر غسله بالماء والسدر بدون هذه النية والتحاكم في هذا إلى الذوق السليم والطبع المستقيم كما أن معك الوجه بالتراب امتثالا للأمر وطاعة وعبودية تكسبه وضاءة ونظافة وبهجة تبدو على صفحاته للناظرين ولما كانت الرجلان تمس الأرض غالبا وتباشر من الأدناس ما لا تباشره بقية الأعضاء كانت أحق بالغسل ولم يوفق للفهم عن الله ورسوله من اجتزأ بمسحهما من غير حائل
فهذا وجه اختصاص هذه الأعضاء بالوضوء من بين سائرها من حيث المحسوس وأما من حيث المعنى فهذه الأعضاء هي آلات الأفعال التي يباشر بها العبد ما يريد فعله وبها يعصي الله سبحانه ويطاع فاليد تبطش والرجل تمشي والعين تنظر والأذن تسمع واللسان يتكلم فكان في غسل هذه
96
الأعضاء امتثالا لأمر الله وإقامة لعبوديته ما يقتضي إزالة ما لحقها من درن المعصية ووسخها
وقد أشار صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بعينه حيث قال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن عمرو بن عبسة قال قلت يا رسول الله حدثني عن الوضوء قال ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينثر إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء ثم يمسح برأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء فإن هو قام فصلي فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو أهله أو هو له أهل وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئه نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئه كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئه مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب وفي مسند الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطهور وعليه عقد فيتوضأ فإذا وضأ يديه انحلت عقدة وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة وإذا مسح رأسه انحلت عقدة وإذا وضأ رجليه انحلت عقدة فيقول الرب عز وجل للذي وراء الحجاب انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه ما سألني عبدي هذا فهو له وفيه أيضا عن أبي أمامة يرفعه إيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفيه نزلت خطيئته من كفيه مع أول قطرة فإذا تمضمض واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرة فإذا غسل وجهه نزلت
97
خطيئته من سمعه وبصره مع أول قطرة فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلم من كل ذنب هو له ومن كل خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه فإذا قام إلى الصلاة رفع الله بها درجته وإن قعد قعد سالما وفيه أن مقصود المضمضة كمقصود غسل الوجه واليدين سواء وأن حاجة اللسان والشفتين إلى الغسل كحاجة بقية الأعضاء فمن أنكس قلبا وأفسد فطرة وأبطل قياسا ممن يقول إن غسل باطن المقعدة أولى من غسل هذه الأعضاء وإن الشارع فرق بين المتماثلين هذا إلى ما في غسل هذه الأعضاء المقارن لنية التعبد لله من انشراح القلب وقوته واتساع الصدر وفرح النفس ونشاط الأعضاء فتميزت من سائر الأعضاء بما أوجب غسلها دون غيرها وبالله التوفيق
فصل قياس توبة التائب على توبة المحارب
وأما اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه دون غيره فيقال أين في نصوص الشارع هذا التفريق بل نصه على اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه إما من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره بطريق الأولى فإنه إذا دفعت توبته عنه حد حرابه مع شدة ضررها وتعديه فلأن تدفع التوبة ما دون حد احراب بطريق الأولى والأحرى وقد قال الله تعالى ! < قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف > ! وقال النبي صلى الله عليه وسلم التائب من الذنب كمن لا ذنب له والله تعالى جعل الحدود عقوبة لأرباب الجرائم ورفع العقوبة عن التائب شرعا وقدرا فليس في شرع الله ولا قدره عقوبة تائب البتة وفي الصحيحين من حديث أنس قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي قال ولم يسأله عنه فحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة
98
قام إليه الرجل فأعاد قوله قال أليس قد صليت معنا قال نعم قال فإن الله عز وجل قد غفر لك ذنبك فهذا لما جاء تائبا بنفسه من غير أن يطلب غفر الله له ولم يقم عليه الحد الذي اعترف به وهو أحد القولين في المسألة وهو إحدى الروايتين عن أحمد وهو الصواب
فإن قيل فماعز جاء تائبا والغامدية جاءت تائبة وأقام عليهما الحد
قيل لا ريب أنهما جاءا تائبين ولا ريب أن الحد أقيم عليهما وبهما احتج أصحاب القول الآخر وسألت شيخنا عن ذلك فأجاب بما مضمونه بأن الحد مطهر وأن التوبة مطهره وهما اختارا التطهير بالحد على التطهير بمجرد التوبة وأبيا إلا أن يطهرا بالحد فأجابهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد فقال في حق ما عز هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه ولو تعين الحد بعد التوبة لما جاز تركه بل الإمام مخير بين أن يتركه كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به اذهب فقد غفر الله لك وبين أن يقيمه كما أقامه على ماعز والغامدية لما اختارا إقامته وأبيا إلا التطهير به ولذلك رددهما النبي صلى الله عليه وسلم مرارا وهما يأبيان إلا إقامته عليهما وهذا المسلك وسط بين مسلك من يقول لا تجوز إقامته بعد التوبة البتة وبين مسلك من يقول لا أثر للتوبة في إسقاطه البتة وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط والله أعلم
فصل قبول رواية العبد وشهادته
وأما قوله وقبل شهادة العبد عليه صلى الله عليه وسلم بأنه قال كذا وكذا ولم يقبل شهادته على واحد من الناس بأنه قال كذا وكذا فمضمون السؤال أن رواية العبد مقبولة دون شهادته
والجواب أنه لا يلزم الشارع قول فقيه معين ولا مذهب معين وهذا المقام
99
لا ينتصر فيه إلا الله ورسوله فقط وهذا السؤال كذب على الشارع فإنه لم يأت عنه حرف واحد أنه قال لا تقبلوا شهادة العبد بل ردوها ولو كان عالما مفتيا فقيها من أولياء الله ومن أصدق الناس لهجة بل الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والميزان العادل قبول شهادة العبد فيما تقبل فيه شهادة الحر فإنه من رجال المؤمنين فيدخل في قوله تعالى ! < واستشهدوا شهيدين من رجالكم > ! كما دخل في قوله تعالى ! < ما كان محمد أبا أحد من رجالكم > ! وهو عدل بالنص والإجماع فيدخل في قوله تعالى ! < وأشهدوا ذوي عدل منكم > ! كما دخل في قوله صلى الله عليه وسلم يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ويدخل في قوله وأقيموا الشهادة لله وفي قوله ولا تكتموا الشهادة وفي قوله يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله الآية كما دخل في جميع ما فها من الأوامر ويدخل في قوله صلى الله عليه وسلم فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وقال أنس بن مالك ما علمت أحدا رد شهادة العبد رواه الإمام أحمد عنه وهذا أصح من غالب الإجماعات التي يدعيها المتأخرون فالشهادة على الشارع بأنه أبطل شهادة العبد وردها شهادة بلا علم ولم يأمر الله برد شهادة صادق أبدا وإنما أمر بالتثبت في شهادة الفاسق
فصل صدقة السائمة وإسقاطها عن العوامل
وأما إيجاب الشارع الصدقة في السائمة وإسقاطها عن العوامل فقد اختلف في هذه المسألة للاختلاف في الحديث الوارد فيها وفي الباب حديثان أحدهما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه ليس في الإبل العوامل صدقة رواه الدارقطني من حديث غالب بن عبيد الله عن عمرو والثاني حديث علي بن أبي طالب مرفوعا ليس في البقر العوامل شيء رواه أبو داود ثنا النفيلي ثنا زهير ثنا أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث عن علي
100
قال زهير أحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس على العوامل شيء قال أبو داود وروى حديث النفيلي شعبه وسفيان وغيرهما عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على لم يرفعوه ورواه نعيم بن حماد ثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على موقوفا ليس في الإبل العوامل ولا في البقر العوامل صدقة ورواه الدارقطنى من حديث صقر بن حبيب سمعت أبا رجاء عن بن عباس عن على موقوفا قال بن حبان ليس هو من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يعرف بإسناد منقطع نقله الصقر عن أبي رجاء وهو يأتي بالمقلوبات وروى من حديث جابر وبن عباس مرفوعا وموقوفا والموقوف أشبه
وبعد فللعلماء في المسألة قولان فقال مالك في الموطأ النواضح والبقر السواني وبقر الحرث إني أرى أن يؤخذ من ذلك كله الزكاة إذا وجبت فيه الصدقة قال بن عبد البر وهذا قول الليث بن سعد ولا أعلم أحدا قال به من فقهاء الأمصار غيرهما
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه والأوزاعي وأبو ثور وأحمد وأبو عبيد وإسحاق وداود لا زكاة في البقر العوامل ولا الإبل العوامل وإنما الزكاة في السائمة منها وروى قولهم ذلك عن طائفة من الصحابة منهم علي وجابر ومعاذ بن جبل
وكتب عمر بن عبد العزيز أنه ليس في البقر العوامل صدقة وحجة هؤلاء مع الأثر النظر فإن ما كان من المال معدا لنفع صاحبه به كثياب بذلته وعبيد خدمته وداره التي يسكنها ودابته التي يركبها وكتبه التي ينتفع بها وينفع غيره فليس فيها زكاة ولهذا لم يكن في حلى المرأة التي تلبسه وتعيره زكاة فطرد هذا أنه لا زكاة في بقر حرثه وإبله التي يعمل فيها بالدولاب وغيره فهذا
101
محض القياس كما أنه موجب النصوص والفرق بينها وبين السائمة ظاهر فإن هذه مصروفة عن جهة النماء إلى العمل فهي كالثياب والعبيد والدار والله تعالى أعلم
فصل تحصين الحرة للرجل دون الأمة يوافق القياس وأما قوله وجعل الحرة القبيحة الشوهاء تحصن الرجل والأمة البارعة الجمال لا تحصنه فتعبير سيء عن معنى صحيح فإن حكمة الشارع اقتضت وجوب حد الزنى على من كملت عليه نعمة الله بالحلال فيتخطاه إلى الحرام ولهذا لم يوجب كمال الحد على من لم يحصن واعتبر للإحصان أكمل أحواله وهو أن يتزوج بالحرة التي يرغب الناس في مثلها دون الأمة التي لم يبح الله نكاحها إلا عند الضرورة فالنعمة بها ليست كاملة ودون التسري الذي هو في الرتبة دون النكاح فإن الأمة ولو كانت ما عسى أن تكون لا تبلغ رتبة الزوجة لا شرعا ولا عرفا ولا عادة بل قد جعل الله لكل منهما رتبة والأمة لا تراد لما تراد له الزوجة ولهذا كان له أن يملك من لا يجوز له نكاحها ولا قسم عليه في ملك يمينه فأمته تجري في الابتذال والامتهان والاستخدام مجرى دابته وغلامه بخلاف الحرائر وكان من محاسن الشريعة أن اعتبرت في كمال النعمة على من يجب عليه الحد أن يكون قد عقد على حرة ودخل بها إذ بذلك يقضي كمال وطره ويعطي شهوته حقها ويضعها مواضعها هذا هو الأصل ومنشأ الحكمة ولا يعتبر ذلك في كل فرد فرد من أفراد المحصنين ولا يضر تخلفه في كثير من المواضع إذ شأن الشرائع الكلية أن تراعي الأمور العامة المنضبطة ولا ينقضها تخلف الحكمة في أفراد الصور كما هذا شأن الخلق فهو موجب حكمة الله في خلقه وأمره في قضائه وشرعه وبالله التوفيق
102
فصل نقض الوضوء بمس ذكره دون غيره يوافق القياس
وأما قوله ونقض الوضوء بمس الذكر دون سائر الأعضاء ودون مس العذرة والبول فلا ريب أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالوضوء من مس الذكر وروى عنه خلافه وأنه سئل عنه فقال للسائل هل هو إلا بضعة منك وقد قيل إن هذا الخبر لم يصح وقيل بل هو منسوخ وقيل بل هو محكم دال على عدم الوجوب وحديث الأمر دال على الاستحباب فهذه ثلاثة مسالك للناس في ذلك
وسؤال السائل ينبني على صحة حديث الأمر بالوضوء وأنه للوجوب ونحن نجيبه على هذا التقدير فنقول
هذا من كمال الشريعة وتمام محاسنها فإن مس الذكر مذكر بالوطء وهو في مظنة الانتشار غالبا والانتشار الصادر عن المس في مظنة خروج المذى ولا يشعر به فأقيمت هذه المظنة مقام الحقيقة لخفائها وكثرة وجودها كما أقيم النوم مقام الحدث وكما أقيم لمس المرأة بشهوة مقام الحدث وأيضا فإن مس الذكر يوجب انتشار حرارة الشهوة وثورانها في البدن والوضوء يطفىء تلك الحرارة وهذا مشاهد بالحس ولم يكن الوضوء من مسه لكونه نجسا ولا لكونه مجرى النجاسة حتى يورد السائل مس العذرة والبول ودعواه بمساواة مس الذكر للأنف من أكذب الدعاوي وأبطل القياس وبالله التوفيق
فصل إيجاب الحد بشرب قطرة من الخمر دون غيرها يوافق القياس
وأما قوله أوجب الحد في القطرة الواحدة من الخمر دون الأرطال الكثيرة من البول فهذا أيضا من كمال الشريعة ومطابقتها للعقول والفطر وقيامها
103
بالمصالح فإن ما جعل الله سبحانه في طباع الخلق النفرة عنه ومجانبته اكتفى بذلك عن الوازع عنه بالحد لأن الوازع الطبيعي كاف في المنع منه وأما ما يشتد تقاضي الطباع له فإنه غلظ العقوبة عليه بحسب شدة تقاضي الطبع له وسد الذريعة إليه من قرب وبعد وجعل ما حوله حمى ومنع من قربانه ولهذا عاقب في الزنى بأشنع القتلات وفي السرقة بإبانة اليد وفي الخمر بتوسيع الجلد ضربا بالسوط ومنع قليل الخمر وإن كان لا يسكر إذ قليله داع إلى كثيره ولهذا كان من أباح من نبيذ التمر المسكر القدر الذي لا يسكر خارجا عن محض القياس والحكمة وموجب النصوص وأيضا فالمفسدة التي في شرب الخمر والضرر المختص والمتعدى أضعاف الضرر والمفسدة التي في شرب البول وأكل القاذورات فإن ضررها مختص بمتناولها
فصل قصر عدد الزوجات على أربع دون ملك اليمين يوافق القياس
وأما قوله وقصر عدد المنكوحات على أربع وأباح ملك اليمين بغير حصر فهذا من تمام نعمته وكمال شريعته وموافقتها للحكمة والرحمة والمصلحة فإن النكاح يراد للوطء وقضاء الوطر ثم من الناس من يغلب عليه سلطان هذه الشهوة فلا تندفع حاجته بواحدة فأطلق له ثانية وثالثة ورابعة وكان هذا العدد موافقا لعدد طباعه وأركانه وعدد فصول سنته ولرجوعه إلى الواحدة بعد صبر ثلاث عنها والثلاث أول مراتب الجمع وقد علق الشارع بها عدة أحكام ورخص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثا وأباح للمسافر أن يمسح على خفيه ثلاثا وجعل حد الضيافة المستحبة أو الموجبة ثلاثا وأباح للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثا فرحم الضرة بأن جعل غاية انقطاع زوجها عنها ثلاثا ثم يعود فهذا محض الرحمة والحكمة والمصلحة وأما الإماء فلما كن بمنزلة سائر الأموال من الخيل والعبيد وغيرها لم يكن لقصر المالك على
104
أربعة منهن أو غيرها من العدد معنى فكما ليس في حكمة الله ورحمته أن يقصر السيد على أربعة عبيد أو أربع دواب وثياب ونحوها فليس في حكمته أن يقصره على أربع إماء وأيضا فللزوجة حق على الزوج اقتضاه عقد النكاح يجب على الزوج القيام به فإن شاركها غيرها وجب عليه العدل بينهما فقصر الأزواج على عدد يكون العدل فيه أقرب مما زاد عليه ومع هذا فلا يستطيعون العدل ولو حرصوا عليه ولا حق لإمائه عليه في ذلك ولهذا لا يجب لهن قسم ولهذا قال تعالى ! < فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم > ! والله أعلم
فصل إباحة التعدد للرجل دون المرأة توافق القياس
وأما قوله وأنه أباح للرجل أن يتزوج بأربع زوجات ولم يبح للمرأة أن تتزوج بأكثر من زوج واحد فذلك من كمال حكمة الرب تعالى وإحسانه ورحمته بخلقه ورعايه مصالحهم ويتعالى سبحانه عن خلاف ذلك وينزه شرعه أن يأتي بغير هذا ولو أبيح للمرأة أن تكون عند زوجين فأكثر لفسد العالم وضاعت الأنساب وقتل الأزواج بعضهم بعضا وعظمت البلية واشتدت الفتنة وقامت سوق الحرب على ساق وكيف يستقيم حال امرأة فيها شركاء متشاكسون وكيف يستقيم حال الشركاء فيها فمجيء الشريعة بما جاءت به من خلاف هذا من أعظم الأدلة على حكمة الشارع ورحمته وعنايته بخلقه
فإن قيل فكيف روعي جانب الرجل وأطلق له أن يسيم طرفه ويقضي وطره وينتقل من واحدة إلى واحدة بحسب شهوته وحاجته وداعي المرأة داعيه وشهوتها شهوته
قيل لما كانت المرأة من عادتها أن تكون مخبأة من وراء الخدور
105
ومحجوبة في كن بيتها وكان مزاجها أبرد من مزاج الرجل وحركتها الظاهرة والباطنة أقل من حركته وكان الرجل قد أعطي من القوة والحرارة التي هي سلطان الشهوة أكثر مما أعطيته المرأة وبلي بما لم تبل به أطلق له من عدد المنكوحات ما لم يطلق للمرأة وهذا مما خص الله به الرجال وفضلهم به على النساء كما فضلهم عليهن بالرسالة والنبوة والخلافة والملك والإمارة وولاية الحكم والجهاد وغير ذلك وجعل الرجال قوامين على النساء ساعين في مصالحهن يدأبون في أسباب معيشتهن ويركبون الأخطار ويجوبون القفار ويعرضون أنفسهم لكل بلية ومحنة في مصالح الزوجات والرب تعالى شكور حليم فشكر لهم ذلك وجبرهم بأن مكنهم مما لم يمكن منه الزوجات وأنت إذا قايست بين تعب الرجال وشقائهم وكدهم ونصبهم في مصالح النساء وبين ما ابتلي به النساء من الغيرة وجدت حظ الرجال من تحمل ذلك التعب والنصب والدأب أكثر من حظ النساء من تحمل الغيرة فهذا من كمال عدل الله وحكمته ورحمته فله الحمد كما هو أهله
وأما قول القائل إن شهوة المرأة تزيد على شهوة الرجل فليس كما قال والشهوة منبعها الحرارة وأين حرارة الأنثى من حرارة الذكر ولكن المرأة لفراغها وبطالتها وعدم معاناتها لما يشغلها عن أمر شهوتها وقضاء وطرها يغمرها سلطان الشهوة ويستولي عليها ولا يجد عندها ما يعارضه بل يصادف قلبا فارغا ونفسا خالية فيتمكن منها كل التمكن فيظن الظان أن شهوتها أضعاف شهوة الرجل وليس كذلك ومما يدل على هذا أن الرجل إذا جامع امرأته أمكنه أن يجامع غيرها في الحال وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وطاف سليمان على تسعين امرأة في ليلة ومعلوم أن له عند كل امرأة شهوة وحرارة باعثة على الوطء والمرأة إذا قضى الرجل وطره فترت شهوتها وانكسرت نفسها ولم تطلب قضاءها من غيره في ذلك الحين فتطابقت حكمة القدر والشرع والخلق والأمر ولله الحمد
106
فصل جوز استمتاع السيد بأمته دون السيدة بعبدها يوافق القياس
وأما قوله أباح للرجل أن يستمتع من أمته بملك اليمين بالوطء وغيره ولم يبح للمرأة أن تستمتع من عبدها لا بوطء ولا غيره فهذا أيضا من كمال هذه الشريعة وحكمتها فإن السيد قاهر لمملوكه حاكم عليه مالك له والزوج قاهر لزوجته حاكم عليها وهي تحت سلطانه وحكمه شبه الأسير ولهذا منع العبد من نكاح سيدته للتنافي بين كونه مملوكها وبعلها وبين كونها سيدته وموطوءته وهذا أمر مشهور بالفطرة والعقول قبحه وشريعة أحكم الحاكمين منزهة عن أن تأتي به
فصل الفرق بين الطلقات في تحريم الزوجة يوافق القياس
وأما قوله وفرق بين الطلقات فجعل بعضها محرما للزوجة وبعضها غير محرم فقد تقدم من بيان حكمة ذلك ومصلحته ما فيه كفاية
فصل الوضوء من أكل لحوم الإبل دون غيره يوافق القياس
وأما قوله وفرق بين لحم الإبل وغيره من اللحوم في الوضوء فقد تقدم في الفصل الذي قبل هذا جواب هذا السؤال وأنه على وفق الحكمة ورعاية المصلحة
فصل الفرق بين الكلب الأسود وغيره في قطع الصلاة يوافق القياس
وأما قوله وفرق بين الكلب الأسود وغيره في قطع الصلاة فهذا سؤال أورده عبد الله بن الصامت على أبي ذر وأورده أبو ذر على النبي صلى الله عليه وسلم
107
وأجاب عنه بالفرق البين فقال الكلب الأسود شيطان وهذا إن أريد به أن الشيطان يظهر في صورة الكلب الأسود كثيرا كما هو الواقع فظاهر وليس بمستنكر أن يكون مرور عدو الله بين يدي المصلى قاطعا لصلاته ويكون مرورة قد جعل تلك الصلاة بغيضة إلى الله مكروهة له فيأمر المصلي بأن يستأنفها وإن كان المراد به أن الكلب الأسود شيطان الكلاب فإن كل جنس من أجناس الحيوانات فيها شياطين وهي ما عتا منها وتمرد كما أن شياطين الإنس عتاتهم ومتمردوهم والإبل شياطين الأنعام وعلى ذروة كل بعير شيطان فيكون مرور هذا النوع من الكلاب وهو من أخبثها وشرها مبغضا لتلك الصلاة إلى الله تعالى فيجب على المصلي أن يستأنفها وكيف يستبعد أن يقطع مرور العدو بين الإنسان وبين وليه حكم مناجاته له كما قطعها كلمة من كلام الآدميين أو قهقهة أو ريح أو ألقى عليه الغير نجاسة أو نومه الشيطان فيها
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن شيطانا تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي
وبالجملة فللشارع في أحكام العبادات أسرار لا تهتدي العقول إلى إدراكها على وجه التفصيل وإن أدركتها جملة
فصل الفرق بين الريح والجشوة يوافق القياس
وأما قوله وفرق بين الريح الخارجة من الدبر وبين الجشوة فأوجب الوضوء من هذه دون هذه فهذا أيضا من محاسن هذه الشريعة وكمالها كما فرق بين البلغم الخارج من الفم وبين العذرة في ذلك ومن سوى بين الريح والجشاء فهو كمن سوى بين البلغم والعذرة والجشاء من جنس العطاس الذي هو ريح تحتبس في الدماغ ثم تطلب لها منفذا فتخرج من الخياشيم فيحدث
108
العطاس وكذلك الجشاء ريح تحتبس فوق المعدة فتطلب الصعود بخلاف الريح التي تحتبس تحت المعدة ومن سوى بين الجشوة والضرطة في الوصف والحكم فهو فاسد العقل والحس
فصل الفرق بين الخيل والإبل في وجوب الزكاة يوافق القياس
وأما قوله أوجب الزكاة في خمس من الإبل وأسقطها عن آلاف من الخيل فلعمر الله أنه أوجب الزكاة في هذا الجنس دون هذا كما في سنن أبي داود من حديث عاصم بن ضمرة عن علي كرم الله وجهه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهما درهم وليس في تسعين ومائة شيء فإذا بلغت مائتين ففيهما خمسة دراهم ورواه سفيان عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي وقال بقية حدثني أبو معاذ الأنصاري عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة يرفعه عفوت لكم عن صدقة الجبهة والكسعة والنخة قال بقية الجبهة الخيل والكسعة البغال والحمير والنخة المربيات في البيوت وفي كتاب عمرو بن حزم لا صدقة في الجبهة والكسعة والكسعة الحمير والجبهة الخيل
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة
والفرق بين الخيل والإبل أن الخيل تراد لغير ما تراد له الإبل فإن الإبل تراد للدر والنسل والأكل وحمل الأثقال والمتاجر والانتقال عليها من بلد إلى بلد وأما الخيل فإنما خلقت للكر والفر والطلب والهرب وإقامة الدين وجهاد أعدائه وللشارع قصد أكيد في اقتنائها وحفظها والقيام عليها وترغيب النفوس في ذلك بكل طريق ولذلك عفا عن أخذ الصدقة منها ليكون
109
ذلك أرغب للنفوس فيما يحبه الله ورسوله من اقتنائها ورباطها وقد قال الله تعالى ! < وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل > ! فرباط الخيل من جنس آلات السلاح والحرب فلو كان عند الرجل منها ما عساه أن يكون ولم يكن للتجارة لم يكن عليه فيه زكاة بخلاف ما أعد للنفقة فإن الرجل إذا ملك منه نصابا ففيه الزكاة وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بعينه في قوله قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة أفلا تراه كيف فرق بين ما أعد للإنفاق وبين ما أعد لإعلاء كلمة الله ونصر دينه وجهاد أعدائه فهو من جنس السيوف والرماح والسهام وإسقاط الزكاة في هذا الجنس من محاسن الشريعة وكمالها
فصل الفرق بين مقادير الزكاة في الأنواع المختلفة يوافق القياس
وأما قوله أوجب في الذهب والفضة والتجارة ربع العشر وفي الزروع والثمار نصف العشر أو العشر وفي المعدن الخمس فهذا أيضا من كمال الشريعة ومراعاتها للمصالح فإن الشارع أوجب الزكاة مواساة للفقراء وطهرة للمال وعبودية للرب وتقربا إليه بإخراج محبوب العبد له وإيثار مرضاته ثم فرضها على أكمل الوجوه وأنفعها للمساكين وأرفقها بأرباب الأموال ولم يفرضها في كل مال بل فرضها في الأموال التي تحتمل المواساة ويكثر فيها الربح والدر والنسل ولم يفرضها فيما يحتاج العبد إليه من ماله ولا غنى له عنه كعبيده وإمائه ومركوبه وداره وثيابه وسلاحه بل فرضها في أربعة أجناس من المال المواشي والزروع والثمار والذهب والفضة وعروض التجارة فإن هذه أكثر أموال الناس الدائرة بينهم وعامة تصرفهم فيها وهي التي تحتمل المواساة دون ما أسقط الزكاة فيه ثم قسم كل جنس من هذه الأجناس
110
بحسب حاله وإعداده للنماء إلى ما فيه الزكاة إلى مالا زكاة فيه فقسم المواشي إلى قسمين سائمة ترعى بغير كلفة ولا مشقة ولا خسارة فالنعمة فيها كاملة والمنة بها وافرة والكلفة فيها يسيرة والنماء فيها كثير فخص هذا النوع بالزكاة وإلى معلوفة بالثمن أو عاملة في مصالح أربابها في دواليبهم وحروثهم وحمل أمتعتهم فلم يجعل في ذلك زكاة لكلفة المعلوفة وحاجة المالكين إلى العوامل فهي كثيابهم وعبيدهم وإمائهم وأمتعتهم
ثم قسم الزروع والثمار إلى قسمين قسم يجري مجرى السائمة من بهيمة الأنعام في سقيه من ماء السماء بغير كلفة ولا مشقة فأوجب فيه العشر وقسم يسقى بكلفة ومشقة ولكن كلفته دون كلفة المعلوفة بكثير إذ تلك تحتاج إلى العلف كل يوم فكان مرتبة بين مرتبه السائمة والمعلوفة فلم يوجب فيه زكاة ما شرب بنفسه ولم يسقط زكاته جملة واحدة فأوجب فيه نصف العشر
ثم قسم الذهب والفضة إلى قسمين أحدهما ما هو معد للثمنية والتجارة به والتكسب ففيه الزكاة كالنقدين والسبائك ونحوها وإلى ما هو معد للانتفاع دون الربح والتجارة كحلية المرأة وآلات السلاح التي يجوز استعمال مثلها فلا زكاة فيه
ثم قسم العروض إلى قسمين قسم أعد للتجارة ففيه الزكاة وقسم أعد للقنية والاستعمال فهو مصروف عن جهة النماء فلا زكاة فيه
ثم لما كان حصول النماء والربح بالتجارة من أشق الأشياء وأكثرها معاناة وعملا خففها بأن جعل فيها ربع العشر ولما كان الربح والنماء بالزروع والثمار التي تسقى بالكلفة أقل كلفة والعمل أيسر ولا يكون في كل السنة جعله ضعفه وهو نصف العشر ولما كان التعب والعمل فيما يشرب بنفسه أقل والمؤنة أيسر جعله ضعف ذلك وهو العشر واكتفى فيه بزكاة عامة خاصة فلو أقام عنده بعد ذلك عدة أحوال لغير التجارة لم يكن فيه زكاة لأنه قد انقطع نماؤه وزيادته بخلاف الماشية وبخلاف ما لو أعد للتجارة فإنه عرضة للنماء ثم لما كان الركاز
111
مالا مجموعا محصلا وكلفة تحصيله أقل من غيره ولم يحتج إلى أكثر من استخراجه كان الواجب فيه ضعف ذلك وهو الخمس
فانظر إلى تناسب هذه الشريعة الكاملة التي بهر العقول حسنها وكمالها وشهدت الفطر بحكمتها وأنه لم يطرق العالم شريعة أفضل منها ولو اجتمعت عقول العقلاء وفطر الألباء واقترحت شيئا يكون أحسن مقترح لم يصل اقتراحها إلى ما جاءت به
ولما لم يكن كل مال يحتمل المواساة قدر الشارع لما يحتمل المواساة نصبا مقدرة لا تجب الزكاة في أقل منها ثم لما كانت تلك النصب تنقسم إلى مالا يجحف المواساة ببعضه أوجب الزكاة منها وإلى ما يجحف المواساة ببعضه فجعل الواجب من غيره كما دون الخمس والعشرين من الإبل ثم لما كانت المواساة لا تحتمل كل يوم ولا كل شهر إذ فيه إجحاف بأرباب الأموال جعلها كل عام مرة كما جعل الصيام كذلك ولما كانت الصلاة لا يشق فعلها كل يوم وظفها كل يوم وليلة ولما كان الحج يشق تكرر وجوبه كل عام جعله وظيفة العمر
وإذا تأمل العاقل مقدار ما أوجبه الشارع في الزكاة وجده مما لا يضر المخرج فقده وينفع الفقير أخذه ورآه قد راعى فيه حال صاحب المال وجانبه حق الرعاية ونفع الآخذ به وقصد إلى كل جنس من أجناس الأموال فأوجب الزكاة في أعلاه وأشرفه فأوجب زكاة العين في الذهب والورق دون الحديد والرصاص والنحاس ونحوها وأوجب زكاة السائمة في الإبل والبقر والغنم دون الخيل والبغال والحمير ودون ما يقل اقتناؤه كالصيود على اختلاف أنواعها ودون الطير كله وأوجب زكاة الخارج من الأرض في أشرفه وهو الحبوب والثمار دون البقول والفواكه والمقاثي والمباطخ والأنوار
وغير خاف تميز ما أوجب فيه الزكاة عما لم يوجبها في جنسه ووصفه ونفعه وشدة الحاجة إليه وكثرة وجوده وأنه جار مجرى الأموال لما عداه من أجناس
112
الأموال بحيث لو فقد لأضر فقده بالناس وتعطل عليهم كثير من مصالحهم بخلاف ما لم يوجب فيه الزكاة فإنه جار مجرى الفضلات والتتمات التي لو فقدت لم يعظم الضرر بفقدها وكذلك راعى في المستحقين لها أمرين مهمين أحدهما حاجة الآخذ والثاني نفعه فجعل المستحقين لها نوعين نوعا يأخذ لحاجته ونوعا يأخذ لنفعه وحرمها على من عداهما
فصل قطع آلة السرقة دون غيرها يوافق القياس
وأما قوله وقطع يد السارق التي باشر بها الجناية ولم يقطع فرج الزاني وقد باشر به الجناية ولا لسان القاذف وقد باشر به القذف فجوابه أن هذا من أدل الدلائل على أن هذه الشريعة منزلة من عند أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين
ونحن نذكر فصلا نافعا في الحدود ومقاديرها وكمال ترتبها على أسبابها واقتضاء كل جناية لما رتب عليها دون غيرها وأنه ليس وراء ذلك للعقول اقتراح ونورد أسئلة لم يوردها هذا السائل وننفصل عنها بحول الله وقوته أحسن انفصال والله المستعان وعليه التكلان
إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لما خلق العباد وخلق الموت والحياة وجعل ما على الأرض زينة لها ليبلو عباده ويختبرهم أيهم أحسن عملا لم يكن في حكمته بد من تهيئة أسباب الابتلاء في أنفسهم وخارجا عنها فجعل في أنفسهم العقول الصحيحة والأسماع والأبصار والإرادات والشهوات والقوى والطبائع والحب والبغض والميل والنفور والأخلاق المتضادة المتقضية لآثارها اقتضاء السبب لمسببه والتي في الخارج الأسباب التي تطلب النفوس حصولها فتنافس فيه وتكره حصوله فتدفعه عنها ثم أكد أسباب هذا الابتلاء بأن وكل بها قرناء من الأرواح الشريرة الظالمة الخبيثة وقرناء من الأرواح الخيرة العادلة الطيبة وجعل
113
دواعي القلب وميوله مترددة بينهما فهو إلى داعي الخير مرة وإلى داعي الشر مرة ليتم الابتلاء في دار الامتحان وتظهر حكمة الثواب والعقاب في دار الجزاء وكلاهما من الحق الذي خلق الله السماوات والأرض به ومن أجله وهما مقتضى ملك الرب وحمده فلا بد أن يظهر ملكه وحمده فيهما كما ظهر في خلق السماوات والأرض وما بينهما وأوجب ذلك في حكمته ورحمته وعدله بحكم إيجابه على نفسه أن أرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه ليتم ما اقتضته حكمته في خلقه وأمره وأقام سوق الجهاد لما حصل من المعاداة والمنافرة بين هذه الأخلاق والأعمال والإرادات كما حصل بين من قامت به فلم يكن بد من حصول مقتضى الطباع البشرية وما قارنها من الأسباب من التنافس والتحاسد والانقياد لدواعي الشهوة والغضب وتعدي ما حد له والتقصير عن كثير مما تعبد به وسهل ذلك عليها اغترارها بموارد المعصية مع الإعراض من مصادرها وإيثارها ما تتعجله من يسير اللذة في دنياها على ما تتأجله من عظيم اللذة في أخراها ونزولها على الحاضر المشاهد وتجافيها عن الغائب الموعود وذلك موجب ما جبلت عليه من جهلها وظلمها فاقتضت أسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وحكمته البالغة ونعمته السابغة ورحمته الشاملة وجوده الواسع أن لا يضرب عن عباده الذكر صفحا وأن لا يتركهم سدى ولا يخليهم ودواعي أنفسهم وطبائعهم بل ركب في فطرهم وعقولهم معرفة الخير والشر والنافع والضار والألم واللذة ومعرفة أسبابها ولم يكتف بمجرد ذلك حتى عرفهم به مفصلا على ألسنة رسله وقطع معاذيرهم بأن أقام على صدقهم من الأدلة والبراهين مالا يبقي معه لهم عليه حجة ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة وأن الله لسميع عليم وصرف لهم طرق الوعد والوعيد والترغيب والترهيب وضرب لهم الأمثال وأزال عنهم كل إشكال ومكنهم من القيام بما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه غاية التمكين وأعانهم عليه بكل سبب وسلطهم على قهر طباعهم بما
114
يجرهم إلى إيثار العواقب على المبادى ورفض اليسير الفاني من اللذة إلى العظيم الباقي منها وأرشدهم إلى التفكر والتدبر وإيثار ما تقضي به عقولهم وأخلاقهم من هذين الأمرين وأكمل لهم دينهم وأتم عليهم نعمته بما أوصله إليهم على ألسنة رسله من أسباب العقوبة والمثوبة والبشارة والنذارة والرغبة والرهبة وتحقيق ذلك بالتعجيل لبعضه في دار المحنة ليكون علما وأمارة لتحقيق ما أخره عنهم في دار الجزاء والمثوبة ويكون العاجل مذكرا بالآجل والقليل المنقطع بالكثير المتصل والحاضر الفائت مؤذنا بالغائب الدائم فتبارك رب العالمين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وسبحانه وتعالى عما يظنه به من لم يقدره حق قدره ممن أنكر أسماءه وصفاته وأمره ونهيه ووعده ووعيده وظن به ظن السوء فأرداه ظنه فأصبح من الخاسرين
الحكمة في شرع الحدود
فكان من بعض حكمته سبحانه ورحمته أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأموال كالقتل والجراح والقذف والسرقة فأحكم سبحانه وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ولا القتل ولا في الزنى الخصاء ولا في السرقة إعدام النفس وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائه وصفاته من حكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وعدله لتزول النوائب وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان ويقتنع كل إنسان بما أتاه مالكه وخالقه فلا يطمع في استلاب غيره حقه
تفاوت العقوبات بتفاوت الجنايات
ومعلوم أن لهذه الجنايات الأربع مراتب متباينة في القلة والكثرة ودرجات متفاوتة في شدة الضرر وخفته كتفاوت سائر المعاصي في الكبر والصغر وما بين ذلك
115
ومن المعلوم أن النظرة المحرمة لا يصلح إلحاقها في العقوبة بعقوبة مرتكب الفاحشة ولا الخدشة بالعود بالضربة بالسيف ولا الشتم الخفيف بالقذف بالزنى والقدح في الأنساب ولا سرقة اللقمة والفلس بسرقة المال الخطير العظيم فلما تفاوتت مراتب الجنايات لم يكن بد من تفاوت مراتب العقوبات وكان من المعلوم أن الناس لو وكلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنسا ووصفا وقدرا لذهبت بهم الآراء كل مذهب وتشعبت بهم الطرق كل مشعب ولعظم الاختلاف واشتد الخطب فكفاهم أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين مؤنة ذلك وأزال عنهم كلفته وتولى بحكمته وعلمه ورحمته تقديره نوعا وقدرا ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة ويليق بها من النكال ثم بلغ من سعة رحمته وجوده أن جعل تلك العقوبات كفارات لأهلها وطهرة تزيل عنهم المؤاخذة بالجنايات إذا قدموا عليه ولا سيما إذا كان منهم بعدها التوبة النصوح والإنابة فرحمهم بهذه العقوبات أنواعا من الرحمة في الدنيا والآخرة وجعل هذه العقوبات دائرة على ستة أصول قتل وقطع وجلد ونفي وتغريم مال وتعزير
موجب القتل
فأما القتل فجعله عقوبة أعظم الجنايات كالجناية على الأنفس فكانت عقوبته من جنسه وكالجناية على الدين بالطعن فيه والارتداد عنه وهذه الجناية أولى بالقتل وكف عدوان الجاني عليه من كل عقوبة إذ بقاؤه بين أظهر عباده مفسدة لهم ولا خير يرجى في بقائه ولا مصلحة فإذا حبس شره وأمسك لسانه وكف أذاه والتزم الذل والصغار وجريان أحكام الله ورسوله عليه وأداء الجزية لم يكن في بقائه بين أظهر المسلمين ضرر عليهم والدنيا بلاغ ومتاع إلى حين وجعله أيضا عقوبة الجناية على الفرج المحرمة لما فيها من المفاسد العظيمة واختلاط الأنساب والفساد العام
موجب القطع
وأما القطع فجعله عقوبة مثله عدلا وعقوبة السارق فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد ولم تبلغ جنايته حد العقوبة بالقتل فكان
116
أليق العقوبات به إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس وأخذ أموالهم ولما كان ضرر المحارب أشد من ضرر السارق وعدوانه أعظم ضم إلى قطع يده قطع رجله ليكف عدوانه وشر يده التي بطش بها ورجله التي سعى بها وشرع أن يكون ذلك من خلاف لئلا يفوت عليه منفعة الشق بكماله فكف ضرره وعدوانه ورحمه بأن أبقى له يدا من شق ورجلا من شق
موجب الجلد
وأما الجلد فجعله عقوبة الجناية على الأعراض وعلى العقول وعلى الأبضاع ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغا يوجب القتل ولا إبانة طرف إلا الجناية على الأبضاع فإن مفسدتها قد انتهضت سببا لأشنع القتلات ولكن عارضها في البكر شدة الداعي وعدم المعوض فانتهض ذلك المعارض سببا لإسقاط القتل ولم يكن الجلد وحده كافيا في الزجر فغلظ بالنفي والتغريب ليذوق من ألم الغربة ومفارقة الوطن ومجانبة الأهل والخلطاء ما يزجره عن المعاودة وأما الجناية على العقول بالسكر فكانت مفسدتها لا تتعدى السكران غالبا ولهذا لم يحرم السكر في أول الإسلام كما حرمت الفواحش والظلم والعدوان في كل ملة وعلى لسان كل نبي وكانت عقوبة هذه الجناية غير مقدرة من الشارع بل ضرب فيها بالأيدي والنعال وأطراف الثياب والجريد وضرب فيها أربعين فلما استخف الناس بأمرها وتتابعوا في ارتكابها غلظها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أمرنا باتباع سنته وسنته من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلها ثمانين بالسوط ونفي فيها وحلق الرأس وهذا كله من فقه السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الشارب في المرة الرابعة ولم ينسخ ذلك ولم يجعله حدا لا بد منه فهو عقوبة ترجع إلى اجتهاد الإمام في المصلحة فزيادة أربعين والنفي والحلق أسهل من القتل
117
فصل موجب تغريم المال وأما تغريم المال وهو العقوبة المالية فشرعها في مواضع منها تحريق متاع الغال من الغنيمة ومنها حرمان سهمه ومنها إضعاف الغرم على سارق الثمار المعلقة ومنها إضعافه على كاتم الضالة الملتقطة ومنها أخذ شطر مال مانع الزكاة ومنها عزمه صلى الله عليه وسلم على تحريق دور من لا يصلي في الجماعة لولا ما منعه من إنفاذه ما عزم عليه من كون الذرية والنساء فيها فتتعدى العقوبة إلى غير الجاني وذلك لا يجوز كما لا يجوز عقوبة الحامل ومنها عقوبة من أساء على الأمير في الغزو بحرمان سلب القتيل لمن قتله حيث شفع فيه هذا المسىء وأمر الأمير بإعطائه فحرم المشفوع له عقوبة للشافع الآمر
التغريم نوعان مقدر وغير مقدر
وهذا الجنس من العقوبات نوعان نوع مضبوط ونوع غير مضبوط
التغريم المقدر
فالمضبوط ما قابل المتلف إما لحق الله سبحانه كإتلاف الصيد في الإحرام أو لحق الآدمي كإتلاف ماله وقد نبه الله سبحانه على أن تضمين الصيد متضمن للعقوبة بقوله ! < ليذوق وبال أمره > ! ومنه مقابلة الجاني بنقيض قصده من الحرمان كعقوبة القاتل لمورثه بحرمان ميراثه وعقوبة المدبر إذا قتل سيده ببطلان تدبيره وعقوبة الموصي له ببطلان وصيته ومن هذا الباب عقوبة الزوجة الناشزة بسقوط نفقتها وكسوتها
التغريم غير المقدر
وأما النوع الثاني غير المقدر فهذا الذي يدخله اجتهاد الأئمة بحسب المصالح ولذلك لم تأت فيه الشريعة بأمر عام وقدر لا يزاد فيه ولا ينقص كالحدود ولهذا اختلف الفقهاء فيه هل حكمه منسوخ أو ثابت والصواب أنه يختلف
118
باختلاف المصالح ويرجع فيه إلى اجتهاد الأئمة في كل زمان ومكان بحسب المصلحة إذ لا دليل على النسخ وقد فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الأئمة
موجب التعزير ومواضعه
وأما التعزير ففي كل معصية لا حد فيها ولا كفارة فإن المعاصي ثلاثة أنواع نوع فيه الحد ولا كفارة فيه ونوع فيه الكفارة ولا حد فيه ونوع لا حد فيه ولا كفارة فالأول كالسرقة والشرب والزنا والقذف والثاني كالوطء في نهار رمضان والوطء في الإحرام والثالث كوطء الأمة المشتركة بينه وبين غيره وقبلة الأجنبية والخلوة بها ودخول الحمام بغير مئزر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير ونحو ذلك فأما النوع الأول فالحد فيه مغن عن التعزير وأما النوع الثاني فهل يجب مع الكفارة فيه تعزير أم لا على قولين وهما في مذهب أحمد وأما النوع الثالث ففيه التعزير قولا واحدا لكن هل هو كالحد فلا يجوز للإمام تركه أو هو راجع إلى اجتهاد الإمام في إقامته وتركه كما يرجع إلى اجتهاده في قدره على قولين للعلماء الثاني قول الشافعي والأول قول الجمهور
وما كان من المعاصي محرم الجنس كالظلم والفواحش فإن الشارع لم يشرع له كفارة ولهذا لا كفارة في الزنى وشرب الخمر وقذف المحصنات والسرقة وطرد هذا أنه لا كفارة في قتل العمد ولا في اليمين الغموس كما يقوله أحمد وأبو حنيفة ومن وافقهما وليس ذلك تخفيفا عن مرتكبهما بل لأن الكفارة لا تعمل في هذا الجنس من المعاصي وإنما عملها فيما كان مباحا في الأصل وحرم لعارض كالوطء في الصيام والإحرام وطرد هذا وهو الصحيح وجوب الكفارة في وطء الحائض وهو موجب القياس لو لم تأت الشريعة به فكيف وقد جاءت به مرفوعة وموقوفة وعكس هذا الوطء في الدبر ولا كفارة فيه ولا يصح قياسه على الوطء في الحيض لأن هذا الجنس لم يبح قط ولا تعمل فيه الكفارة ولو وجبت فيه الكفارة لوجبت في الزنى واللواط بطريق الأولى فهذه قاعدة الشارع في الكفارات وهي في غاية المطابقة للحكمة والمصلحة
119
فصل إيقاع العقوبة بقيام الحجة
وكان من تمام حكمته ورحمته أنه لم يأخذ الجناة بغير حجة كما لم يعذبهم في الآخرة إلا بعد إقامة الحجة عليهم وجعل الحجة التي يأخذهم بها إما منهم وهي الإقرار أو ما يقوم مقامه من إقرار الحال وهو أبلغ وأصدق من إقرار اللسان فإن من قامت عليه شواهد الحال بالجناية كرائحة الخمر وقيئها وحبل من لا زوج لها ولا سيد ووجود المسروق في دار السارق وتحت ثيابه أولى بالعقوبة ممن قامت عليه شهادة إخباره عن نفسه التي تحتمل الصدق والكذب وهذا متفق عليه بين الصحابة وإن نازع فيه بعض الفقهاء وإما أن تكون الحجة من خارج عنهم وهي البينة واشترط فيها العدالة وعدم التهمة فلا أحسن في العقول والفطر من ذلك ولو طلب منها الاقتراح لم تقترح أحسن من ذلك ولا أوفق منه للمصلحة
الحكمة في عدم جعل العقوبة من جنس الذنب
فإن قيل كيف تدعون أن هذه العقوبات لاصقة بالعقول وموافقة للمصالح وأنتم تعلمون أنه لا شيء بعد الكفر بالله أفظع ولا أقبح من سفك الدماء فكيف تردعون عن سفك الدم بسفكه وهل مثال ذلك إلا إزالة نجاسة بنجاسة ثم لو كان ذلك مستحسنا لكان أولى أن يحرق ثوب من حرق ثوب غيره وأن يذبح حيوان من ذبح حيوان غيره وأن تخرب دار من خرب دار غيره وأن يجوز لمن شتم أن يشتم شاتمه وماالفرق في صريح العقل بين هذا وبين قتل من قتل غيره أو قطع من قطعه وإذا كان إراقة الدم الأول مفسدة وقطع الطرف كذلك فكيف زالت تلك المفسدة بإراقة الدم الثاني وقطع الطرف الثاني وهل هذا إلا مضاعفة للمفسدة وتكثير لها ولو كانت المفسدة الأولى تزول بهذه المفسدة الثانية لكان فيه ما فيه إذ كيف تزال مفسدة بمفسدة نظيرها من كل وجه فكيف والأولى لا سبيل إلى إزالتها وتقرير ذلك بما ذكرناه من عدم
120
إزالة مفسدة تحريق الثياب وذبح المواشي وخراب الدور وقطع الأشجار بمثلها ثم كيف حسن أن يعاقب السارق بقطع يده التي اكتسب بها السرقة ولم تحسن عقوبة الزاني بقطع فرجه الذي اكتسب به الزنى ولا القاذف بقطع لسانه الذي اكتسب به القذف ولا المزور على الإمام والمسلمين بقطع أنامله التي اكتسب بها التزوير ولا الناظر إلى ما لا يحل له بقلع عينه التي اكتسب بها الحرام فعلم أن الأمر في هذه العقوبات جنسا وقدرا وسببا ليس بقياس وإنما هو محض المشيئة ولله التصرف في خلقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد
فالجواب وبالله التوفيق والتأييد من طريقين مجمل ومفصل
أما المجمل فهو أن من شرع هذه العقوبات ورتبها على أسبابها جنسا وقدرا فهو عالم الغيب والشهادة وأحكم الحاكمين وأعلم العالمين ومن أحاط بكل شيء علما وعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون وأحاط علمه بوجوه المصالح دقيقها وجليلها وخفيها وظاهرها ما يمكن اطلاع البشر عليه وما لا يمكنهم وليست هذه التخصيصات والتقديرات خارجة عن وجوه الحكم والغايات المحمودة كما أن التخصيصات والتقديرات الواقعة في خلقه كذلك فهذا في خلقه وذاك في أمره ومصدرهما جميعا عن كمال علمه وحكمته ووضعه كل شى في موضعه الذي لا يليق به سواه ولا يتقاضى إلا إياه كما وضع قوة البصر والنور للباصر في العين وقوة السمع في الأذن وقوة الشم في الأنف وقوة النطق في اللسان والشفتين وقوة البطش في اليد وقوة المشي في الرجل وخص كل حيوان وغيره بما يليق به ويحسن أن يعطاه من أعضائه وهيئاته وصفاته وقدره فشمل إتقانه وإحكامه لكل ما شمله خلقه كما قال تعالى ! < صنع الله الذي أتقن كل شيء > ! وإذا كان سبحانه قد أتقن خلقه غاية الإتقان وأحكمه غاية الإحكام فلأن يكون أمره في غاية الإتقان والإحكام أولى وأحرى ومن لم يعرف ذلك مفصلا لم يسعه أن ينكره مجملا ولا يكون جهله بحكمة الله في خلقه وأمره وإتقانه كذلك وصدوره عن محض العلم والحكمة مسوغا له إنكاره
121
في نفس الأمر وسبحان الله ما أعظم ظلم الإنسان وجهله فإنه لو اعترض على أي صاحب صناعة كانت ممن تقصر عنها معرفته وإدراكه على ذلك وسأله عما اختصت به صناعته من الأسباب والآلات والأفعال والمقادير وكيف كان كل شيء من ذلك على الوجه الذي هو عليه لا أكبر ولا أصغر ولا على شكل غير ذلك يسخر منه ويهزأ به وعجب من سخف عقله وقلة معرفته هذا ما تهيئه بمشاركته له في صناعته ووصوله فيها إلى ما وصل إليه والزيادة عليه والاستدراك عليه فيها هذا مع أن صاحب تلك الصناعة غير مدفوع عن العجز والقصور وعدم الإحاطة والجهل بل ذلك عنده عتيد حاضر ثم لا يسعه إلا التسليم له والاعتراف بحكمته وإقراره بجهله وعجزه عما وصل إليه من ذلك فهلا وسعه ذلك مع أحكم الحاكمين وأعلم العالمين ومن أتقن كل شيء فأحكمه وأوقعه على وفق الحكمة والمصلحة
وقد كان هذا الوجه وحده كافيا في دفع كل شبهة وجواب كل سؤال وهذا غير الطريق التي سلكها نفاة الحكم والتعليل ولكن مع هذا فنتصدى للجواب المفصل بحسب الاستعداد وما يناسب علومنا الناقصة وأفهامنا الجامدة وعقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة فنقول وبالله التوفيق
ولكم في القصاص حياة
أما قوله كيف تردعون عن سفك الدم بسفكه وإن ذلك كإزالة النجاسة بالنجاسة سؤال في غاية الوهن والفساد وأول ما يقال لسائله هل ترى ردع المفسدين والجناة عن فسادهم وجناياتهم وكف عدوانهم مستحسنا في العقول موافقا لمصالح العباد أو لا تراه كذلك فإن قال لا أراه كذلك كفانا مؤنة جوابه بإقراره على نفسه بمخالفة جميع طوائف بني آدم على اختلاف مللهم ونحلهم ودياناتهم وآرائهم ولولا عقوبة الجناة والمفسدين لأهلك الناس بعضهم بعضا وفسد نظام العالم وصارت حال الدواب والأنعام والوحوش أحسن من حال بني آدم وإن قال بل لا تتم المصلحة إلا بذلك
122
قيل له من المعلوم أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله وعند هذا فلا بد من إفساد شيء منه بحسب جريمته في الكبر والصغر والقلة والكثرة ومن المعلوم ببدائه العقول أن التسوية في العقوبات مع تفاوت الجرائم غير مستحسن بل مناف للحكمة والمصلحة فإنه إن ساوى بينهم في أدنى العقوبات لم تحصل مصلحة الزجر وإن ساوى بينها في أعظمها كان خلاف الرحمة والحكمة إذ لا يليق أن يقتل بالنظرة والقبلة ويقطع بسرقة الحبة والدينار وكذلك التفاوت بين العقوبات مع استواء الجرائم قبيح في الفطر والعقول وكلاهما تأباه حكمة الرب تعالى وعدله وإحسانه إلى خلقه فأوقع العقوبة تارة بإتلاف النفس إذا انتهت الجناية في عظمها إلى غاية القبح كالجناية على النفس أو الدين أو الجناية التي ضررها عام فالمفسدة التي في هذه العقوبة خاصة والمصلحة الحاصلة بها أضعاف أضعاف تلك المفسدة كما قال تعالى ! < ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون > ! فلولا القصاص لفسد العالم وأهلك الناس بعضهم بعضا ابتداء واستيفاء فكأن في القصاص دفعا لمفسدة التجري على الدماء بالجناية وبالاستيفاء وقد قالت العرب في جاهليتها القتل أنفى للقتل وبسفك الدماء تحقن الدماء فلم تغسل النجاسة بالنجاسة بل الجناية نجاسة والقصاص طهرة وإذا لم يكن بد من موت القاتل ومن استحق القتل فموته بالسيف أنفع له في عاجلته وآجلته والموت به أسرع الموتات وأوحاها وأقلها ألما فموته به مصلحة له ولأولياء القتيل ولعموم الناس وجرى ذلك مجرى إتلاف الحيوان بذبحه لمصلحة الآدمي فإنه حسن وإن كان في ذبحه إضرار بالحيوان فالمصالح المرتبة على ذبحه أضعاف أضعاف مفسدة إتلافه ثم هذا السؤال الفاسد يظهر فساده وبطلانه بالموت الذي حتمه الله على عباده وساوى فيه بين جميعهم ولولاه لما هنأ العيش ولا وسعتهم الأرزاق ولضاقت عليهم المساكن والمدن والأسواق والطرقات
123
وفي مفارقة البغيض من اللذة والراحة ما في مواصلة الحبيب والموت مخلص للحي والموت مريح لكل منهما من صاحبه ومخرج من دار الابتلاء والامتحان وباب للدخول في دار الحيوان
جزى الله عنا الموت خيرا فإنه
أبر بنا من كل بر وأعطف
يعجل تخليص النفوس من الأذى
ويدني إلى الدار التي هي أشرف
فكم لله سبحانه على عباده الأحياء والأموات في الموت من نعمة لا تحصى فكيف إذا كان فيه طهرة للمقتول وحياة للنوع الإنساني وتشف للمظلوم وعدل بين القاتل والمقتول فسبحان من تنزهت شريعته عن خلاف ما شرعها عليه من اقتراح العقول الفاسدة والآراء الضالة الجائرة
مقابلة الإتلاف بمثله في كل الأحوال مفسدة
وأما قوله لو كان ذلك مستحسنا في العقول لاستحسن في تحريق ثوبه وتخريب داره وذبح حيوانه مقابلته بمثله
فالجواب عن هذا أن مفسدة تلك الجنايات تندفع بتغريمه نظير ما أتلفه عليه فإن المثل يسد مسد المثل من كل وجه فتصير المقابلة مفسدة محضة كما ليس له أن يقتل ابنه أو غلامه مقابلة لقتله هو ابنه أو غلامه فإن هذا شرع الظالمين المعتدين الذي تنزه عنه شريعة أحكم الحاكمين على أن للمقابلة في إتلاف المال بمثل فعله مساغا في الاجتهاد وقد ذهب إليه بعض أهل العلم كما تقدم الإشارة إليه في عقوبة الكفار بإفساد أموالهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا أو كان يغيظهم وهذا بخلاف قتل عبده إذا قتل عبده أو قتل فرسه أو عقر فرسه فإن ذلك ظلم لغير مستحق ولكن السنة اقتضت التضمين بالمثل لا إتلاف النظير كما غرم النبي صلى الله عليه وسلم إحدى زوجتيه التي كسرت إناء صاحبتها إناء بدله وقال إناء بإناء ولا ريب أن هذا أقل فسادا وأصلح للجهتين لأن المتلف ماله إذا أخذ نظيره صار كمن لم يفت عليه شيء وانتفع بما أخذه عوض ماله فإذا مكناه من إتلافه كان زيادة في إضاعة المال وما يراد من التشفي
124
وإذاقة الجاني ألم الإتلاف فحاصل بالغرم غالبا ولا التفات إلى الصور النادرة التي لا يتضرر الجاني فيها بالغرم ولاشك أن هذا أليق بالعقل وأبلغ في الصلاح وأوفق للحكمة وأيضا فإنه لو شرع القصاص في الأموال ردعا للجاني لبقي جانب المجني عليه غير مراعي بل يبقى متألما موتورا غير مجبور والشريعة إنما جاءت بجبر هذا وردع هذا
المصلحة في تخيير المجني عليه في بعض الأحوال دون بعض
فإن قيل فخيروا المجني عليه بين أن يغرم الجاني أو يتلف عليه نظير ما أتلفه هو كما خيرتموه في الجناية على طرفه وخيرتم أولياء القتيل بين إتلاف الجاني النظير وبين أخذ الدية
قيل لا مصلحة في ذلك للجاني ولا للمجني عليه ولا لسائر الناس وإنما هو زيادة فساد لا مصلحة فيه بمجرد التشفي ويكفي تغريبه وتعزيره في التشفي والفرق بين الأموال والدماء في ذلك ظاهر فإن الجناية على النفوس والأعضاء تدخل من الغيظ والحنق والعداوة على المجني عليه وأوليائه مالا تدخله جناية المال ويدخل عليهم من الغضاضة والعار واحتمال الضيم والحمية والتحرق لأخذ الثأر مالا يجبره المال أبدا حتى إن أولادهم وأعقابهم ليعيرون بذلك ولأولياء القتيل من القصد في القصاص وإذاقة الجاني وأوليائه ما أذاقه للمجني عليه ما ليس لمن حرق ثوبه أو عقرت فرسه والمجني عليه موتور هو وأولياؤه فإن لم يوتر الجاني وأولياؤه ويجرعوا من الألم والغيظ ما يجرعه الأول لم يكن عدلا وقد كانت العرب في جاهليتها تعيب على من يأخذ الدية ويرضى بها من درك ثأره وشفاء غيظه كقول قائلهم يهجو من أخذ الدية من الإبل
وإن الذي أصبحتم تحلبونه
دم غير أن اللون ليس بأشقرا
وقال جرير يعير من أخذ الدية فاشترى بها نخلا
ألا أبلغ بني حجر بن وهب
بأن التمر حلو في الشتاء
125
وقال آخر
إذا صب ما في الوطب فاعلم بأنه
دم الشيخ فاشرب من دم الشيخ أو دع
وقال آخر
خليلان مختلف شكلنا
أريد العلاء ويبغي السمن
أريد دماء بني مالك
ورأى المعلى بياض اللبن
وهذا وإن كانت الشريعة قد أبطلته وجاءت بما هو خير منه وأصلح في المعاش والمعاد من تخيير الأولياء بين إدراك الثأر ونيل التشفي وبين أخذ الدية فإن القصد به أن العرب لم تكن تعير من أخذ بدل ماله ولم تعده ضعفا ولا عجزا البتة بخلاف من أخذ بدل دم وليه فما سوى الله بين الأمرين في طبع ولا عقل ولا شرع والإنسان قد يخرق ثوبه عند الغيظ ويذبح ماشيته ويتلف ماله فلا يلحقه في ذلك من المشقة والغيظ ولازدراء به ما يلحق من قتل نفسه أو جدع انفه أو قلع عينه
فصل الحكمة في إتلاف بعض الأعضاء التي وقعت بها المعصية دون بعض
وأما معاقبة السارق بقطع يده وترك معاقبة الزاني بقطع فرجه ففي غاية الحكمة والمصلحة وليس في حكمة الله ومصلحة خلقه وعنايته ورحمته بهم أن يتلف على كل جان كل عضو عصاه به فيشرع قلع عين من نظر إلى المحرم وقطع أذن من استمع إليه ولسان من تكلم به ويد من لطم غيره عدوانا ولا خفاء بما في هذا من الإسراف والتجاوز في العقوبة وقلب مراتبها وأسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة تأبى ذلك وليس مقصود الشارع مجرد الأمن من المعاودة ليس إلا ولو أريد هذا لكان قتل صاحب الجريمة فقط وإنما المقصود الزجر والنكال والعقوبة على الجريمة وأن يكون إلى كف عدوانه
126
أقرب وأن يعتبر به غيره وأن يحدث له ما يذوقه من الألم توبة نصوحا وأن يذكره ذلك بعقوبة الآخرة إلى غير ذلك من الحكم والمصالح
الحكمة في قطع السارق
ثم إن في حد السرقة معنى آخر وهو أن السرقة إنما تقع من فاعلها سرا كما يقتضيه اسمها ولهذا يقولون فلان ينظر إلى فلان مسارقة إذا كان ينظر إليه نظرا خفيا لا يريد أن يفطن له والعازم على السرقة مختف كاتم خائف أن يشعر بمكانه فيؤخذ به ثم هو مستعد للهرب والخلاص بنفسه إذا أخذ الشيء واليدان للإنسان كالجناحين للطائر في إعانته على الطيران ولهذا يقال وصلت جناح فلان إذا رأيته يسير منفردا فانضممت إليه لتصحبه فعوقب السارق بقطع اليد قصا لجناحه وتسهيلا لأخذه إن عاود السرقة فإذا فعل به هذا في أول مرة بقي مقصوص أحد الجناحين ضعيفا في العدو ثم يقطع في الثانية رجله فيزداد ضعفا في عدوه فلا يكاد يفوت الطالب ثم تقطع يده الأخرى في الثالثة ورجله الأخرى في الرابعة فيبقى لحما على وضم فيستريح ويريح
الحكمة في حد الزنى
وأما الزاني فإنه يزني بجميع بدنه والتلذذ بقضاء شهوته يعم البدن والغالب من فعله وقوعه برضا المزني بها فهو غير خائف ما يخافه السارق من الطلب فعوقب بما يعم بدنه من الجلد مرة والقتل بالحجارة مرة ولما كان الزنى من أمهات الجرائم وكبار المعاصي لما فيه من اختلاط الأنساب الذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين وفي هذا هلاك الحرث والنسل فشاكل في معانيه أو في أكثرها القتل الذي فيه هلاك ذلك فزجر عنه بالقصاص ليرتدع عن مثل فعله من يهم به فيعود ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم الموصل إلى إقامة العبادات الموصلة إلى نعيم الآخرة
ثم إن للزاني حالتين إحداهما أن يكون محصنا قد تزوج فعلم ما يقع به من العفاف عن الفروج المحرمة واستغنى به عنها وأحرز نفسه عن التعرض لحد
127
الزنى فزال عذره من جميع الوجوه في تخطي ذلك إلى مواقعة الحرام والثانية أن يكون بكرا لم يعلم ما علمه المحصن ولا عمل ما عمله فحصل له من العذر بعض ما أوجب له التخفيف فحقن دمه وزجر بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجلد ردعا على المعاودة للاستمتاع بالحرام وبعثا له على القنع بما رزقه الله من الحلال وهذا في غاية الحكمة والمصلحة جامع للتخفيف في موضعه والتغليظ في موضعه وأين هذا من قطع لسان الشاتم والقاذف وما فيه من الإسراف والعدوان
ثم إن قطع فرج الزاني فيه من تعطيل النسل وقطعه عكس مقصود الرب تعالى من تكثير الذرية وذريتهم فيما جعل لهم من أزواجهم وفيه من المفاسد أضعاف ما يتوهم فيه من مصلحة الزجر وفيه إخلاء جميع البدن من العقوبة وقد حصلت جريمة الزنى بجميع أجزائه فكان من العدل أن تعمه العقوبة ثم إنه غير متصور في حق المرأة وكلاهما زان فلا بد أن يستويا في العقوبة فكان شرع الله سبحانه أكمل من اقتراح المقترحين
الجزاء من جنس العمل
وتأمل كيف جاء إتلاف النفوس في مقابلة أكبر الكبائر وأعظمها ضررا وأشدها فسادا للعالم وهي الكفر الأصلي والطارئ والقتل وزني المحصن وإذا تأمل العاقل فساد الوجود رآه من هذه الجهات الثلاث وهذه هي الثلاث التي أجاب النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود بها حيث قال له يا رسول الله أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قال قلت ثم أي قال أن تزاني بحليلة جارك فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك ! < والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون > ! الآية
اختلاف الحد لاختلاف الجريمة
ثم لما كان سرقة الأموال تلي ذلك في الضرر وهو دونه جعل عقوبته قطع
128
الطرف ثم لما كان القذف دون سرقة المال في المفسدة جعل عقوبته دون ذلك وهو الجلد ثم لما كان شرب المسكر أقل مفسدة من ذلك جعل حده دون حد هذه الجنايات كلها ثم لما كانت مفاسد الجرائم بعد متفاوتة غير منضبطة في الشدة والضعف والقلة والكثرة وهي ما بين النظرة والخلوة والمعانقة جعلت عقوباتها راجعة إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور بحسب المصلحة في كل زمان ومكان وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم فمن سوى بين الناس في ذلك وبين الأزمنة والأمكنة والأحوال لم يفقه حكمة الشرع واختلفت عليه أقوال الصحابة وسيرة الخلفاء الراشدين وكثير من النصوص ورأى عمر قد زاد في حد الخمر على أربعين والنبي صلى الله عليه وسلم إنما جلد أربعين وعزر بأمور لم يعزر بها النبي صلى الله عليه وسلم وأنفذ على الناس أشياء عفا عنها النبي صلى الله عليه وسلم فيظن ذلك تعارضا وتناقضا وإنما أتى من قصور علمه وفهمه وبالله التوفيق
فصل جعل حد الرقيق على النصف من حد الحر يوافق القياس
وأما قوله وجعل حد الرقيق على النصف من حد الحر وحاجتهما إلى الزجر واحدة فلا ريب أن الشارع فرق بين الحر والعبد في أحكام وسوى بينهما في أحكام فسوى بينهما في الإيمان والإسلام ووجوب العبادات البدنية كالطهارة والصلاة والصوم لاستوائهما في سببهما وفرق بينهما في العبادات المالية كالحج والزكاة والتكفير بالمال لافتراقهما في سببهما وأما الحدود فلما كان وقوع المعصية من الحر أقبح من وقوعها من العبد من جهة كمال نعمة الله تعالى عليه بالحرية وأن جعله مالكا لا مملوكا ولم يجعله تحت قهر غيره وتصرفه فيه ومن جهة تمكنه بأسباب القدرة من الاستغناء عن المعصية بما عوض الله عنها من المباحات فقابل النعمة التامة بضدها واستعمل القدرة في المعصية فاستحق من العقوبة
129
أكثر مما يستحقه من هو أخفض منه رتبة وأنقص منزلة فإن الرجل كلما كانت نعمة الله عليه أتم كانت عقوبته إذا ارتكب الجرائم أتم ولهذا قال تعالى في حق من أتم نعمته عليهن من النساء ! < يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما > ! وهذا على وفق قضايا العقول ومستحسناتها فإن العبد كلما كملت نعمة الله عليه ينبغي له أن تكون طاعته له أكمل وشكره له أتم ومعصيته له أقبح وشدة العقوبة تابعة لقبح المعصية ولهذا كان أشد الناس عذابا يوم القيامة عالما لم ينفعه الله بعلمه فإن نعمة الله عليه بالعلم أعظم من نعمته على الجاهل وصدور المعصية منه أقبح من صدورها من الجاهل ولا يستوي عند الملوك والرؤساء من عصاهم من خواصهم وحشمهم ومن هو قريب منهم ومن عصاهم من الأطراف والبعداء فجعل حد العبد أخف من حد الحر جمعا بين حكمة الزجر وحكمة نقصه ولهذا كان على النصف منه في النكاح والطلاق والعدة إظهارا لشرف الحرية وخطرها وإعطاء لكل مرتبة حقها من الأمر كما أعطاها حقها من القدر ولا تنتقض هذه الحكمة بإعطاء العبد في الآخرة أجرين بل هذا محض الحكمة فإن العبد كان عليه في الدنيا حقان حق لله وحق لسيده فأعطي بإزاء قيامه بكل حق أجرا فاتفقت حكمة الشرع والقدر والجزاء والحمد لله رب العالمين
فصل شرع اللعان في حق الزوجة دون غيرها يوافق القياس
وأما قوله وجعل للقاذف إسقاط الحد باللعان في الزوجة دون الأجنبية وكلاهما قد ألحق بهما العار فهذا من اعظم محاسن الشريعة فإن قاذف الأجنبية مستغن عن قذفها لا حاجة إليه البتة فإن زناها لا يضره شيئا ولا يفسد عليه فراشه ولا يعلق عليه أولادا من غيره وقذفها عدوان محض وأذى لمحصنة
130
غافلة مؤمنة فترتب عليه الحد زجرا له وعقوبة وأما الزوجة فإنه يلحقه بزناها من العار والمسبة وإفساد الفراش وإلحاق ولد غيره به وانصراف قلبها عنه إلى غيره فهو محتاج إلى قذفها ونفي النسب الفاسد عنه وتخلصه من المسبة والعار لكونه زوج بغي فاجرة ولا يمكن إقامة البينة على زناها في الغالب وهي لا تقر به وقول الزوج عليها غير مقبول فلم يبق سوى تحالفهما بأغلظ الأيمان وتأكيدها بدعائه على نفسه باللعنة ودعائها على نفسها بالغضب إن كانا كاذبين ثم يفسخ النكاح بينهما إذ لا يمكن أحدهما أن يصفو للآخر أبدا فهذا أحسن حكم يفصل به بينهما في الدنيا وليس بعده أعدل منه ولا أحكم ولا أصلح ولو جمعت عقول العالمين لم يهتدوا إليه فتبارك من أبان ربوبيته ووحدانيته وحكمته وعلمه في شرعه وخلقه
فصل تخصيص المسافر بالرخص دون غيره يوافق القياس
وأما قوله وجوز للمسافر المترفه في سفره رخصة الفطر والقصر دون المقيم المجهود الذي هو في غاية المشقة فلا ريب أن الفطر والقصر يختص بالمسافر ولا يفطر المقيم إلا لمرض وهذا من كمال حكمة الشارع فإن السفر في نفسه قطعة من العذاب وهو في نفسه مشقة وجهد ولو كان المسافر من أرفه الناس فإنه في مشقة وجهد بحسبه فكان من رحمة الله بعباده وبره بهم أن خفف عنهم شطر الصلاة واكتفى منهم بالشطر وخفف عنهم أداء فرض الصوم في السفر واكتفى منهم بأدائه في الحضر كما شرع مثل ذلك في حق المريض والحائض فلم يفوت عليهم مصلحة العبادة بإسقاطها في السفر جملة ولم يلزمهم بها في السفر كإلزامهم في الحضر وأما الإقامة فلا موجب لإسقاط بعض الواجب فيها ولا تأخيره وما يعرض فيها من المشقة والشغل فأمر لا ينضبط ولا ينحصر فلو جاز لكل مشغول وكل مشقوق عليه الترخص ضاع الواجب واضمحل بالكلية وإن جوز للبعض دون البعض لم ينضبط
131
فإنه لا وصف يضبط ما تجوز معه الرخصة وما لا تجوز بخلاف السفر على أن المشقة قد علق بها من التخفيف ما يناسبها فإن كانت مشقة مرض وألم يضر به جاز معها الفطر والصلاة قاعدا أو على جنب وذلك نظير قصر العدد وإن كانت مشقة تعب فمصالح الدنيا والآخرة منوطة بالتعب ولا راحة لمن لا تعب له بل على قدر التعب تكون الراحة فتناسبت الشريعة في أحكامها ومصالحها بحمد الله ومنه
فصل الفرق بين نذر الطاعة والحلف عليها يوافق القياس
وأما قوله وأوجب على من نذر لله طاعة الوفاء بها وجوز لمن حلف عليها أن يتركها ويكفر يمينه وكلاهما قد التزم فعلها لله فهذا السؤال يورد على وجهين
أحدهما أن يحلف ليفعلنها نحو أن يقول والله لأصومن الاثنين والخميس ولأتصدقن كما يقول لله على أن أفعل ذلك
والثاني أن يحلف بها كما يقول إن كلمت فلانا فلله علي صوم سنة وصدقة ألف
فإن أورد على الوجه الأول فجوابه أن الملتزم الطاعة لله لا يخرج التزامه لله عن أربعة أقسام أحدها التزام بيمين مجردة الثاني التزام بنذر مجرد الثالث التزام بيمين مؤكدة بنذر الرابع التزام بنذر مؤكد بيمين فالأول نحو قوله والله لأتصدقن والثاني نحو لله علي أن أتصدق والثالث نحو والله إن شفى الله مريضي فعلي صدقة كذا والرابع نحو إن شفى الله مريضي فوالله لأتصدقن وهذا كقوله تعالى ! < ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين > ! فهذا نذر مؤكد بيمين وإن لم يقل فيه فعلي إذ ليس ذلك من شرط النذر بل إذا قال إن سلمني الله تصدقت
132
أو لأتصدقن فهو وعد وعده الله فعليه أن يفي به وإلا دخل في قوله ! < فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون > ! فوعد العبد ربه نور يجب عليه أن يفي له به فإنه جعله جزاء وشكرا له على نعمته عليه فجرى مجرى عقود المعاوضات لا عقود التبرعات وهو أولى باللزوم من أن يقول ابتداء لله علي كذا فإن هذا التزام منه لنفسه أن يفعل ذلك والأول تعليق بشرط وقد وجد فيجب فعل المشروط عنده لالتزامه له بوعده فإن الالتزام تارة يكون بصريح الإيجاب وتارة يكون بالوعد وتارة يكون بالشروع كشروعه في الجهاد والحج والعمرة والالتزام بالوعد آكد من الالتزام بالشروع وآكد من الالتزام بصريح الإيجاب فإن الله سبحانه ذم من خالف ما التزمه له بالوعد وعاقبه بالنفاق في قلبه ومدح من وفى بما نذره له وأمر بإتمام ما شرع فيه له من الحج والعمرة فجاء الالتزام بالوعد آكد الأقسام الثلاثة وإخلافة يعقب النفاق في القلب وأما إذا حلف يمينا مجردة ليفعلن كذا فهذا حض منه لنفسه وحث على فعله باليمين وليس إيجابا عليها فإن اليمين لا توجب شيئا ولا تحرمه ولكن الحالف عقد اليمين بالله ليفعلنه فأباح الله سبحانه له حل ما عقده بالكفارة ولهذا سماها الله تحلة فإنها تحل عقد اليمين وليست رافعة لإثم الحنث كما يتوهمه بعض الفقهاء فإن الحنث قد يكون واجبا وقد يكون مستحبا فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب وإن كان مباحا فالشارع لم يبح سبب الإثم وإنما شرعها الله حلا لعقد اليمين كما شرع الله الاستثناء مانعا من عقدها فظهر الفرق بين ما التزم لله وبين ما التزم بالله فالأول ليس فيه إلا الوفاء والثاني يخير فيه بين الوفاء وبين الكفارة حيث يسوغ ذلك وسر هذا أن ما التزم له آكد مما التزم به فإن الأول متعلق بإلهيته والثاني بربوبيته فالأول من أحكام إياك نعبد والثاني من أحكام إياك نستعين وإياك نعبد قسم الله من هاتين الكلمتين وإياك نستعين قسم
133
العبد كما في الحديث الصحيح الإلهي هذه بيني وبين عبدي نصفين وبهذا يخرج الجواب عن إيراد هذا السؤال على الوجه الثاني وأن ما نذره لله من هذه الطاعات يجب الوفاء به وما أخرجه مخرج اليمين يخير بين الوفاء به وبين التكفير لأن الأول متعلق بإلهيته والثاني بربوبيته فوجب الوفاء بالقسم الأول ويخير الحالف في القسم الثاني وهذا من أسرار الشريعة وكمالها وعظمها
ويزيد ذلك وضوحا أن الحالف بالتزام هذه الواجبات قصده ألا تكون ولكراهته للزومها له حلف بها فقصده ألا يكون الشرط فيها ولا الجزاء ولذلك يسمى نذر اللجاج والغضب فلم يلزمه الشارع به إذا كان غير مريد له ولا متقرب به إلى الله فلم يعقده لله وإنما عقده به فهو يمين محضة فإلحاقه بنذر القربة إلحاق له بغير شبهه وقطع له عن الإلحاق بنظيره وعذر من ألحقه بنذر القربة شبهه به في اللفظ والصورة ولكن الملحقون له باليمين أفقه وأرعى لجانب المعاني وقد اتفق الناس على أنه لو قال إن فعلت كذا فإنا يهودي أو نصراني فحنث أنه لا يكفر بذلك إن قصد اليمين لأن قصد اليمين منع من الكفر وبهذا وغيره احتج شيخ الإسلام بن تيمية على أن الحلف بالطلاق والعتاق كنذر اللجاج والغضب وكالحلف بقوله إن فعلت كذا فأنا يهودي او نصراني وحكاه إجماع الصحابة في العتق وحكاه غيره إجماعا لهم في الحلف بالطلاق على أنه لا يلزم
قال لأنه قد صح عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة ولا يعرف له في الصحابة مخالف ذكره بن بزيزة في شرح أحكام عبد الحق الإشبيلي فاجتهد خصومه في الرد عليه بكل ممكن وكان حاصل ما ردوا به قوله أربعة أشياء أحدها وهو عمدة القوم أنه خلاف مرسوم السلطان والثاني أنه خلاف الأئمة الأربعة والثالث أنه خلاف القياس على الشرط والجزاء
134
المقصودين كقوله إن أبرأتني فأنت طالق ففعلت والرابع أن العمل قد استمر على خلاف هذا القول فلا يلتفت إليه فنقض حججهم وأقام نحوا من ثلاثين دليلا على صحة هذا القول وصنف في المسألة قريبا من ألف ورقة ثم مضى لسبيله راجيا من الله أجرا أو أجرين وهو ومنازعوه يوم القيامة عند ربهم يختصمون
فصل الفرق بين الضبع وغيره من كل ذي ناب يوافق القياس
وأما قولهم وحرم كل ذي ناب من السباع وأباح الضبع ولها ناب فلا ريب أنه حرم كل ذي ناب من السباع وإن كان بعض العلماء خفي عليه تحريمه فقال بمبلغ علمه وأما الضبع فروي عنه فيها حديث صححه كثير من أهل العلم بالحديث فذهبوا إليه وجعلوه مخصصا لعموم أحاديث التحريم كما خصت العرايا لأحاديث المزابنة وطائفة لم تصححه وحرموا الضبع لأنها من جملة ذات الأنياب وقالوا وقد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وصحت صحة لا مطعن فيها من حديث علي وبن عباس وأبي هريرة وأبي ثعلبة الخشني قالوا وأما حديث الضبع فتفرد به عبد الرحمن بن أبي عمارة وأحاديث تحريم ذوات الأنياب كلها تخالفه قالوا ولفظ الحديث يحتمل معنيين أحدهما أن يكون جابر رفع الأكل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيدا فقط ولا يلزم من كونها صيدا جواز أكلها فظن جابر أن كونها صيدا يدل على أكلها فأفتى به من قوله ورفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما سمعه من كونها صيدا
ونحن نذكر لفظ الحديث ليتبين ما ذكرناه فروى الترمذي في جامعه من حديث عبيد بن عمير الليثي عن عبد الرحمن بن أبي عمارة قال قلت لجابر بن عبد الله آكل الضبع قال نعم قلت أصيد هي قال نعم
135
قلت أسمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم قال الترمذي سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال هو صحيح وهذا يحتمل أن المرفوع منه هو كونها صيدا ويدل على ذلك أن جرير بن حازم قال عن عبيد بن عمير عن بن أبي عمارة عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الضبع فقال هي صيد وفيها كبش قالوا وكذلك حديث إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر يرفعه الضبع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن ويؤكل قال الحاكم حديث صحيح وقوله ويؤكل يحتمل الوقف والرفع وإذا احتمل ذلك لم تعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تبلغ مبلغ التواتر في التحريم قالوا ولو كان حديث جابر صريحا في الإباحة لكان فردا وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة ادعى الطحاوي وغيره تواترها فلا يقدم حديث جابر عليها قالوا والضبع من أخبث الحيوان وأشرهه وهو مغرى بأكل لحوم الناس ونبش قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم ويأكل الجيف ويكسر بنابه قالوا والله سبحانه قد حرم علينا الخبائث وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذوات الأنياب والضبع لا يخرج عن هذا وهذا وقالوا وغاية حديث جابر يدل على أنها صيد يفدي في الإحرام ولا يلزم من ذلك أكلها وقد قال بكر بن محمد سئل أبو عبد الله يعني الإمام أحمد عن محرم قتل ثعلبا فقال عليه الجزاء هي صيد ولكن لا يؤكل وقال جعفر بن محمد سمعت أبا عبد الله سئل عن الثعلب فقال الثعلب سبع فقد نص على أنه سبع وأنه يفدي في الإحرام ولما جعل النبي صلى الله عليه وسلم في الضبع كبشا ظن جابر أنه يؤكل فأفتى به
والذين صححوا الحديث جعلوه مخصصا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما حتى قالوا ويحرم أكل كل ذي ناب من السباع إلا الضبع وهذا لا يقع مثله في الشريعة أن يخصص مثلا على مثل من كل وجه من غير فرقان بينهما
136
وبحمد الله إلى ساعتي هذه ما رأيت في الشريعة مسألة واحدة كذلك أعنى شريعة التنزيل لا شريعة التأويل ومن تأمل ألفاظه صلى الله عليه وسلم الكريمة تبين له اندفاع هذا السؤال فإنه إنما حرم ما اشتمل على الوصفين أن يكون له ناب وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين وهو كونها ذات ناب وليست من السباع العادية ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبهها فإن الغاذي شبيه بالمغتذي ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم ولا تعد الضبع من السباع لغة ولا عرفا والله أعلم
فصل الحكمة في جعل شهادة خزيمة بشهادتين
وأما قوله وجعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادتين دون غيره ممن هو أفضل منه فلا ريب أن هذا من خصائصه ولو شهد عنده صلى الله عليه وسلم أو عند غيره لكان بمنزلة شاهدين اثنين وهذا التخصيص إنما كان لمخصص اقتضاه وهو مبادرته دون من حضر من الصحابة إلى الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بايع الأعرابي وكان فرض على كل من سمع هذه القصة أن يشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بايع الأعرابي وذلك من لوازم الإيمان والشهادة بتصديقه صلى الله عليه وسلم وهذا مستقر عند كل مسلم ولكن خزيمة تفطن لدخول هذه القضية المعينة تحت عموم الشهادة لصدقه في كل ما يخبر به فلا فرق بين ما يخبر به عن الله وبين ما يخبر به عن غيره في صدقه في هذا وهذا ولا يتم الإيمان إلا بتصديقه في هذا وهذا فلما تفطن خزيمة دون من حضر لذلك استحق أن تجعل شهادته بشهادتين
137
فصل الحكمة في تخصيص أبي بردة بإجزاء تضحيته بعناق
وأما تخصيصه أبا بردة بن نيار بإجزاء التضحية بالعناق دون من بعده فلموجب أيضا وهو أنه ذبح قبل الصلاة متأولا غير عالم بعدم الإجزاء فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن تلك ليست بأضحية وإنما هي شاه لحم أراد إعادة الأضحية فلم يكن عنده إلا عناق هي أحب إليه من شاتي لحم فرخص له في التضحية بها لكونه معذورا وقد تقدم منه ذبح تأول فيه وكان معذورا بتأويله وذلك كله قبل استقرار الحكم فلما استقر الحكم لم يكن بعد ذلك يجزئ إلا ما وافق الشرع المستقر وبالله التوفيق
فصل الحكمة في التفريق بين صلاة الليل وصلاة النهار
وأما التفريق بين صلاة الليل وصلاة النهار في الجهر والإسرار ففي غاية المناسبة والحكمة فإن الليل مظنة هدو الأصوات وسكون الحركات وفراغ القلوب واجتماع الهمم المشتتة بالنهار فالنهار محل السبح الطويل بالقلب والبدن والليل محل مواطأة القلب للسان ومواطأة اللسان للأذن ولهذا كانت السنة تطويل قراءة الفجر على سائر الصلوات وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بالستين إلى المائة وكان الصديق يقرأ فيها بالبقرة وعمر بالنحل وهود وبني إسرائيل ويونس ونحوها من السور لأن القلب أفرغ ما يكون من الشواغل حين انتباهه من النوم فإذا كان أول ما يقرع سمعه كلام الله الذي فيه الخير كله بحذافيره صادفه خاليا من الشواغل فتمكن فيه من غير مزاحم وأما النهار فلما كان بضد ذلك كانت قراءة صلاته سرية إلا إذا عارض في ذلك معارض أرجح منه كالمجامع العظام في العيدين والجمعة والإستسقاء والكسوف
138
فإن الجهر حينئذ أحسن وأبلغ في تحصيل المقصود وأنفع للجمع وفيه من قراءة كلام الله عليهم وتبليغه في المجامع العظام ما هو من أعظم مقاصد الرسالة والله أعلم
فصل الحكمة في تقديم العصبة البعداء على ذوي الأرحام الأقربين
وأما قوله وورث بن ابن العم وإن بعدت درجته دون الخالة التي هي شقيقة للأم فنعم وهذا من كمال الشريعة وجلالتها فإن بن العم من عصبته القائمين بنصرته وموالاته والذب عنه وحمل العقل عنه فبنو أبيه هم أولياؤه وعصبته والمحامون دونه وأما قرابة الأم فإنهم بمنزلة الأجانب وإنما ينتسبون إلى آبائهم فهم بمنزلة أقارب البنات كما قال القائل
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا
بنوهن أبناء الرجال الأباعد
فمن كمال حكمة الشارع أن جعل الميراث لأقارب الأب وقدمهم على أقارب الأم وإنما ورث معهم أقارب الأم من ركض الميت معهم في بطن الأم وهم أخواته أو من قربت قرابته جدا وهن جداته لقوة إيلادهن وقرب أولادهن منه فإذا عدمت قرابة الأب انتقل الميراث إلى قرابة الأم وكانوا أولى من الأجانب فهذا الذي جاءت به الشريعة أكمل شيء وأعدله وأحسنه
فصل الحكمة في الفرق بين الشفعة وأخذ مال الغير
وأما قوله وحرم أخذ مال الغير إلا بطيب نفس منه ثم سلطه على أخذ عقاره وأرضه بالشفعة ثم شرع الشفعة فيما يمكن التخلص من ضرر الشركة فيه بالقسمة دون مالا يمكن قسمته كالجوهرة والحيوان فهذا السؤال قد أورده على وجهين أحدهما على أصل الشفعة وأن الاستحقاق بها مناف لتحريم أخذ مال الغير
139
إلا بطيب نفس منه والثاني أنه خص بعض المبيع بالشفعة دون بعض مع قيام السبب الموجب للشفعة وهو ضرر الشركة
ونحن بحمد الله وعونه نجيب عن الأمرين فنقول
الحكمة في تشريع الشفعة
من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد ورودها بالشفعة ولا يليق بها غير ذلك فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه بقاه على حاله وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخلطاء يكثر فيهم بغى بعضهم على بعض شرع الله سبحانه رفع هذا الضرر بالقسمة تارة وانفراد كل من الشريكين بنصيبه وبالشفعة تارة وانفراد أحد الشريكين بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبي ويزول عنه ضرر الشركة ولا يتضرر البائع لأنه يصل إلى حقه من الثمن وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد ومن هنا يعلم أن التحيل لإسقاط الشفعة مناقض لهذا المعنى الذي قصده الشارع ومضاد له
ثم اختلفت أفهام العلماء في الضرر الذي قصد الشارع رفعه بالشفعة
فقالت طائفة هو الضرر اللاحق بالقسمة لأن كل واحد من الشريكين إذا طالب شريكه بالقسمة كان عليه في ذلك من المؤنة والكلفة والغرامة والضيق في مرافق المنزل ماهو معلوم فإنه قبل القسمة ربما ارتفق بالدار والأرض كلها وبأي موضع شاء منها فإذا وقعت الحدود ضاقت به الدار وقصر على موضع منها وفي ذلك من الضرر عليه مالا خفاء به فمكنه الشارع بحكمته ورحمته من رفع هذه المضرة عن نفسه بإن يكون أحق بالمبيع من الأجنبي الذي يريد الدخول عليه
140
وحرم الشارع على الشريك أن يبيع نصيبه حتى يؤذن شريكه فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به وإن أذن في البيع وقال لا غرض لي فيه لم يكن له الطلب بعد البيع هذا مقتضى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا معارض له بوجه وهو الصواب المقطوع به وهذه طريقة من يرى أنه لا شفعة إلا فيما يقبل القسمة
وقالت طائفة أخرى إنما شرعت الشفعة لرفع الضرر اللاحق بالشركة فإذا كانا شريكين في عين من الأعيان بإرث أو هبة أو وصية أو ابتياع أو نحو ذلك لم يكن رفع ضرر أحدهما بأولى من رفع ضرر الآخر فإذا باع نصيبه كان شريكه أحق به من الأجنبي إذ في ذلك إزالة ضرره مع عدم تضرر صاحبه فإنه يصل إلى حقه من الثمن ويصل هذا إلى استبداده بالمبيع فيزول الضرر عنهما جميعا وهذا مذهب من يرى الشفعة في الحيوان والثياب والشجر والجواهر والدور الصغار التي لا يمكن قسمتها وهذا قول أهل مكة وأهل الظاهر ونص عليه الإمام أحمد في رواية حنبل قال قيل لأحمد فالحيوان دابة تكون بين رجلين أو حمار أو ما كان من نحو ذلك قال هذا كله أو كد لأن خليطه الشريك أحق به بالثمن وهذا لا يمكن قسمته فإذا عرضه على شريكه وإلا باعه بعد ذلك وقال إسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن الرجل يعرض على شريكه عقارا بينه وبينه أو نخلا فقال الشريك لا أريد فباعه ثم طلب الشفعة بعد قال له الشفعة في ذلك واحتج لهذا القول بحديث جابر الصحيح قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم وهذا يتناول المنقول والعقار وفي كتاب الخراج عن يحي بن آدم عن زهير عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان له شرك في نخل أو ربعه فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن رضي أخذ وإن كره ترك وهذا الإسناد على شرط مسلم وفي الترمذي من حديث عبد العزيز بن رفع عن بن أبي مليكة عن بن عباس قال
141
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشريك شفيع والشفعة في كل شيء تفرد به أبو حمزة السكري عن عبد العزيز بهذا الإسناد ورواه أبو الأحوص سلام بن سليم عن عبد العزيز ولم يذكر بن عباس ولفظه قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شيء الأرض والدار والجارية والخادم وكذلك رواه أبو بكر بن عياش وإسرائيل بن يونس عن عبد العزيز مرسلا فهذا علة هذا الحديث على أن أبا حمزة السكري ثقة احتج به صاحبا الصحيح وإن قلنا الزيادة من الثقة مقبولة فرفع الحديث إذا صحيح وإلا فغايته أن يكون مرسلا قد عضدته الآثار المرفوعة والقياس الجلي وقد روى أبو جعفر الطحاوي عن محمد بن خزيمة عن يوسف بن عدي عن عبيد الله بن إدريس عن بن جريج عن عطاء عن جابر قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شيء ورواة هذا الحديث ثقات وهو غريب بهذا الإسناد قالوا ولأن الضرر بالشركة فيما لا ينقسم أبلغ من الضرر بالعقار الذي يقبل القسمة فإذا كان الشارع مريدا لرفع الضرر الأدنى فالأعلى أولى بالرفع قالوا ولو كانت الأحاديث مختصة بالعقار والعروض المنقسمة فإثبات الشفعة فيها تنبيه على ثبوتها فيما لا يقبل القسمة
وقال الآخرون الأصل عدم انتزاع الإنسان مال غيره إلا برضاه ولكن تركنا ذلك في الأرض والعقار لثبوت هذا النص فيه وأما الآثار المتضمنة لثبوتها في المنقول فضعيفة معلولة وقوله في الحديث الصحيح فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة يدل على اختصاصها بذلك وقول جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط يقتضي انحصارها في ذلك قالوا وقد قال عثمان بن عفان لا شفعة في بئر ولا فحل والأرف يقطع كل شفعة
142
والفحل النخل والأرف بوزن الغرف المعالم والحدود وقال أحمد ما أصحه من حديث قالوا والفرق بين المنقول وغيره أن الضرر في غير المنقول يتأبد بتأبده وفي المنقول لا يتأبد فهو ضرر عارض فهو كالمكيل والموزون قالوا والضرر في العقار يكثر جدا فإنه يحتاج الشريك إلى إحداث المرافق وتغيير الأبنية وتضييق الواسع وتخريب العامر وسوء الجوار وغير ذلك مما يختص بالعقار فأين ضرر الشركة في العبد والجوهرة والسيف من هذا الضرر
قال المثبتون للشفعة إنما كان الأصل عدم انتزاع ملك الإنسان منه إلا برضاه لما فيه من الظلم له والإضرار به فأما ما لا يتضمن ظلما ولا إضرارا بل مصلحة له بإعطائه الثمن فلشريكه دفع ضرر الشركة عنه فليس الأصل عدمه بل هو مقتضى أصول الشريعة فإن اصول الشريعة توجب المعاوضة للحاجة والمصلحة الراجحة وإن لم يرض صاحب المال وترك معاوضته ها هنا لشريكه مع كونه قاصدا للبيع ظلم منه وإضرار بشريكه فلا يمكنه الشارع منه بل من تأمل مصادر الشريعة ومواردها تبين له أن الشارع لا يمكن هذا الشريك من نقل نصيبه إلى غير شريكه وأن يلحق به من الضرر مثل ما كان عليه أو أزيد منه مع أنه لا مصلحة له في ذلك
وأما الآثار فقد جاءت بهذا وهذا ولو قدر عدم صحتها بالشفعة في المنقول فهي لم تنف ذلك بل نبهت عليه كما ذكرنا وأما تأبد الضرر وعدمه ففرق فاسد فإن من المنقول ما يكون تأبده كتأبد العقار كالجوهرة والسيف والكتاب والبئر وإن لم يتأبد ضرره مدى الدهر فقد يطول ضرره كالعبد والجارية ولو بقي ضرره مدة فإن الشارع مريد لدفع الضرر بكل طريق ولو قصرت مدته وأما تفريقكم بكثرة الضرر في العقار وقلته في المنقول فلعمر الله
143
إن الضرر في العقار يكثر من تلك الجهات ولكن يمكن رفعه بالقسمة وأما الضرر في المنقول فإنه لا يمكن رفعه بقسمته على أن هذا منتقض بالأرض الواسعة التي ليس فيها شيء مما ذكرتم
فصل رأي من يقصر الشفعة على الجوار
وقالت طائفة ثالثة بل الضرر الذي قصد الشارع رفعه هو ضرر سوء الجوار والشركة في العقار والأرض فإن الجار قد يسيء الجوار غالبا أو كثيرا فيعلى الجدار ويتبع العثار ويمنع الضوء ويشرف على العورة ويطلع على العثرة ويؤذي جاره بأنواع الأذى ولا يأمن جاره بوائقه وهذا مما يشهد به الواقع وأيضا فالجار له من الحرمة والحق والذمام ما جعله الله له في كتابه ووصى به جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية الوصية وعلق النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالله واليوم الآخر بإكرامه وقال الإمام أحمد الجيران ثلاثة جار له حق وهو الذمي الأجنبي له حق الجوار وجار له حقان وهو المسلم الأجنبي له حق الجوار وحق الإسلام وجار له ثلاثة حقوق وهو المسلم القريب له حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة ومثل هذا ولو لم يرد في الشريك فأدنى المراتب مساواته به فيما يندفع به الضرر لا سيما والحكم بالشفعة ثبت في الشركة لإفضائها إلى ضرر المجاورة فإنهما إذا اقتسما تجاورا
قالوا ولهذا السبب اختصت بالعقار دون المنقولات إذ المنقولات لا تتأتى فيها المجاورة فإذا ثبتت في الشركة في العقار لإفضائها إلى المجاورة فحقيقة المجاورة أولى بالثبوت فيها
قالوا وهذا معقول النصوص لو لم ترد بالثبوت فيها فكيف وقد صرحت بالثبوت فيها أعظم من تصريحها بالثبوت للشريك ففي صحيح البخاري من حديث
144
عمر بن الشريد قال جاء المسور بن مخرمة فوضع يده على منكبي فانطلقت معه إلى سعد بن أبي وقاص فقال أبو رافع ألا تأمر هذا أن يشتري مني بيتي الذي في داره فقال لا أزيده على أربعمائة منجمة فقال قد أعطيت خمسمائة نقدا فمنعته ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الجار أحق بصقبه ما بعتك وروى عمرو بن الشريد أيضا عن أبيه الشريد بن سويد الثقفي قال قلت يا رسول الله أرض ليس لأحد فيها قسم ولا شريك إلا الجوار قال الجار أحق بسقبه أخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه وإسناده صحيح وقال البخاري هو أصح من رواية عمرو عن أبي رافع يعني المتقدم وقال أيضا كلا الحديثين عندي صحيح وعن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جار الدار أولى بالدار رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح انتهى وقد صح سماع الحسن من سمرة وغاية هذا أنه كتاب ولم تزل الأمة تعمل بالكتب قديما وحديثا وأجمع الصحابة على العمل بالكتب وكذلك الخلفاء بعدهم وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتب فإن لم يعمل بما فيها تعطلت الشريعة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي فيعمل بها من تصل إليه ولا يقول هذا كتاب وكذلك خلفاؤه بعده والناس إلى اليوم فرد السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل والحفظ يخون والكتاب لا يخون وروى قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جار الدار أحق بالدار رواه بن ماجه من طريق عيسى بن يونس عن سعيد عن قتادة وكلهم أئمة ثقات وروى أهل السنن الأربعة من حديث ميزان الكوفة عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا وهذا حديث صحيح فلا يرد
145
فإن قيل قد قال الترمذي تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث وقال وكيع عنه لو أن عبد الملك روى حديثا آخر مثل حديث الشفعة لطرحت حديثه وكذلك قال يحيى القطان وقال أحمد هو حديث منكر وقال يحيى بن معين هو حديث لم يحدث به إلا عبد الملك فأنكر الناس عليه ولكنه ثقة صدوق
فالجواب أن عبد الملك هذا حافظ ثقة صدوق ولم يتعرض له أحد بجرح البتة وأثنى عليه أئمة زمانه ومن بعدهم وإنما أنكر عليه من أنكر هذا الحديث ظنا منهم أنه مخالف لرواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ولا يحتمل مخالفة العرزمي لمثل الزهري وقد صح هذا عن جابر من رواية الزهري عن أبي سلمة عنه ومن رواية بن جريج عن أبي الزبير عنه وعن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه فخالفهم العرزمي ولهذا شهد الأئمة بإنكار حديثه ولم يقدموه على حديث هؤلاء قال مهنا بن يحيى الشامي سألت أحمد بن حنبل عن حديث عبد الملك هذا فقال قد أنكره شعبة فقلت لأي شيء أنكره فقال حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ما قال عبد الملك عن عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وسنبين إن شاء الله أن حديث عبد الملك عن جابر لا يناقض حديث أبي سلمة عنه بل مفهومه يوافق منطوقه وسائر أحاديث جابر يصدق بعضها بعضا
وروى جرير بن عبد الحميد عن منصور عن الحكم عن علي وعبد الله قالا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجوار وهذا وإن كان منقطعا فإن الثوري رواه عن منصور عن الحكم عمن سمع عليا وعبد الله فهو يصلح للاستشهاد وإن لم يكن عليه وحده الاعتماد وفي سنن بن ماجه من حديث شريك القاضي
146
عن سماك عن عكرمة عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان له أرض وأراد بيعها فليعرضها على جاره ورجال هذا الإسناد محتج بهم في الصحيح وفي سنن النسائي من حديث أبي الزبير عن جابر قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجوار رواه عن الفضلي بن موسى الشيباني عن الحسين بن واقد عن أبي الزبير وهو على شرط مسلم وقال شعيب بن أيوب الصريفيني ثنا أبو أمامة عن سعيد بن أبي عروبة ثنا قتادة عن سليمان اليشكري عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان له جار في حائط أو شريك فلا يبعه حتى يعرضه عليه وهؤلاء ثقات كلهم وعلة هذا الحديث ما ذكره الترمذي قال سمعت محمدا يعني البخاري يقول سليمان اليشكري يقال إنه مات في حياة جابر بن عبد الله قال ولم يسمع منه قتادة ولا أبو بشر قال ويقال إنما يحدث قتادة عن صحيفة سليمان اليشكري وكان له كتاب عن جابر بن عبد الله قلت وغاية هذا أن يكون كتابا والأخذ عن الكتب حجة وقال محمد بن عمران بن أبي ليلى عن أبيه حدثني بن أبي ليلى يعني محمد بن عبد الرحمن عن نافع عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الجار أحق بسقبه ما كان وقال بن أبي شيبة ثنا وكيع عن هشام بن المغيرة الثقفي قال سمعت الشعبي يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفيع أولى من الجار والجار أولى من الجنب وإسناده إلى الشعبي صحيح قالوا ولأن حق الأصيل وهو الجار أسبق من حق الدخيل وكل معنى اقتضى ثبوت الشفعة للشريك فمثله في حق الجار فإن الناس يتفاوتون في الجوار تفاوتا فاحشا ويتأذى بعضهم ببعض ويقع بينهم من العداوة ما هو معهود والضرر بذلك دائم متأبد ولا يندفع ذلك إلا برضاء الجار إن شاء أقر الدخيل على جواره له وإن شاء انتزع الملك بثمنه واستراح من مؤنة المجاورة ومفسدتها
وإن كان الجار يخاف التأذي بالمجاورة على وجه اللزوم كان كالشريك
147
يخاف التأذي بشريكه على وجه اللزوم قالوا ولا يرد علينا المستأجر مع المالك فإن منفعة الإجارة لا تتأبد عادة وأيضا فالملك بالإجارة ملك منفعة ولا لزوم بين ملك الجار وبين منفعة دار جاره بخلاف مسألتنا فإن الضرر بسبب اتصال الملك بالملك كما أنه في الشركة حاصل بسبب اتصال الملك بالملك فوجب بحكم عناية الشارع ورعايته لمصالح العباد إزالة الضررين جميعا على وجه لا يضر البائع وقد أمكن ها هنا فيبعد القول به فهذا تقرير قول هؤلاء نصا وقياسا
رد المبطلين لشفعة الجوار
قال المبطلون لشفعة الجوار لا تضرب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر قال إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق قال الشافعي ثنا سعيد بن سالم ثنا بن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة فيها وفي الموطأ من حديث بن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم فإذا صرفت الطرق ووقعت الحدود فلا شفعة وقال سعيد بن منصور ثنا إسماعيل بن زكريا عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عوف بن عبد الله عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال إذا صرفت الحدود وعرف الناس حدودهم فلا شفعة بينهم وقال أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عثمان بن عفان إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شفعة فيها وهذا قول بن العباس
148
قالوا ولا ريب أن الضرر اللاحق بالشركة هو ما توجبه من التزاحم في المرافق والحقوق والإحداث والتغيير والإفضاء إلى التقاسم الموجب لنقص قيمة ملكه عليه
قالوا وقد فرق الله بين الشريك والجار شرعا وقدرا ففي الشركة حقوق لا توجد في الجوار فإن الملك في الشركة مختلط وفي الجوار متميز ولكل من الشريكين على صاحبه مطالبة شرعية ومنع شرعي أما المطالبة ففي القسمة وأما المنع فمن التصرف فلما كانت الشركة محلا للطلب ومحلا للمنع كانت محلا للاستحقاق بخلاف الجوار فلم يجز إلحاق الجار بالشريك وبينهما هذا الاختلاف
والمعنى الذي وجبت به الشفعة رفع مؤنة المقاسمة وهي مؤنة كثيرة والشريك لما باع حصته من غير شريكه فهذا الدخيل قد عرضه لمؤنة عظيمة فمكنه الشارع من التخلص منها بانتزاع الشقص على وجه لا يضر بالبائع ولا بالمشتري ولم يمكنه الشارع من الانتزاع قبل البيع لأن شريكه مثله ومساو له في الدرجة فلا يستحق عليه شيئا إلا ولصاحبه مثل ذلك الحق عليه فإذا باع صار المشتري دخيلا والشريك أصيل فرجح جانبه وثبت له الاستحقاق
قالوا وكما أن الشارع يقصد رفع الضرر عن الجار فهو أيضا يقصد رفع الضرر عن المشتري ولا يزيل ضرر الجار بإدخال الضرر على المشتري فإنه محتاج إلى دار يسكنها هو وعياله فإذا سلط الجار على إخراجه وانتزاع داره منه أضر به إضرارا بينا وأي دار اشتراها وله جار فحاله معه هكذا وتطلبه دارا لا جار لها كالمتعذر عليه أو كالمتعسر فكان من تمام حكمة الشارع أن أسقط الشفعة بوقوع الحدود وتصريف الطرق لئلا يضر الناس بعضهم بعضا ويتعذر على من أراد شراء دار لها جار أن يتم له مقصوده وهذا بخلاف
149
الشريك وإن المشتري لا يمكنه الانتفاع بالحصة التي اشتراها والشريك يمكنه ذلك بانضمامها إلى ملكه فليس على المشتري ضرر في انتزاعها منه وإعطائه ما اشتراها به
قالوا وحينئذ فتعين حمل أحاديث شفعة الجوار على مثل ما دلت عليه أحاديث شفعة الشركة فيكون لفظ الجار فيها مرادا به الشريك ووجه هذا الإطلاق المعنى والاستعمال أما المعنى فإن كل جزء من ملك الشريك مجاور لملك صاحبه فهما جاران حقيقة وأما الاستعمال فإنهما خليطان متجاوران ولذا سميت الزوجة جارة كما قال الأعشى
أجارتنا بيني فإنك طالقة
فتسمية الشريك جارا أولى وأحرى وقال حمل بن مالك كنت بين جارتين لي هذا إن لم يحتمل إلا إثبات الشفعة فأما إن كان المراد بالحق فيها حق الجار على جاره فلا حجة فيها على إثبات الشفعة وأيضا فإنه إنما أثبت له على البائع حق العرض عليه إذا أراد البيع فأين ثبوت حق الانتزاع من المشتري ولا يلزم من ثبوت هذا الحق ثبوت حق الانتزاع فهذا منتهى إقدام الطائفتين في هذه المسألة
خير الأقوال في شفعة الجوار
والصواب القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه وهو قول البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث أنه إن كان بين الجارين حق مشترك من حقوق الأملاك من طريق أو ماء أو نحو ذلك ثبتت الشفعة وإن لم يكن بينهما حق مشترك البتة بل كان كل واحد منهما متميز ملكه وحقوق ملكه فلا شفعة وهذا الذي نص عليه أحمد في رواية أبي طالب فإنه سأله عن الشفعة لمن هي فقال إذا كان طريقهما واحدا فإذا صرفت الطرق وعرفت الحدود فلا شفعة وهو قول عمر بن عبد العزيز وقول القاضيين سوار بن عبيد الله وعبيد الله بن الحسن العنبري وقال أحمد في رواية
150
بن مشيش أهل البصرة يقولون إذا كان الطريق واحدا كان بينهم الشفعة مثل دارنا هذه على معنى حديث جابر الذي يحدثه عبد الملك انتهى
فأهل الكوفة يثبتون شفعة الجوار مع تميز الطرق والحقوق وأهل المدينة يسقطونها مع الاشتراك في الطريق والحقوق وأهل البصرة يوافقون أهل المدينة إذا صرفت الطرق ولم يكن هناك اشتراك في حق من حقوق الأملاك ويوافقون أهل الكوفة إذا اشترك الجاران في حق من حقوق الأملاك كالطريق وغيرها وهذا هو الصواب وهو أعدل الأقوال وهو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية
وحديث جابر الذي أنكره من أنكره علي عبد الملك صريح فيه فإنه قال الجار أحق بسقبه ينتظر به وإن كان غائبا اذا كان طريقهما واحدا فأثبت الشفعة بالجوار مع اتحاد الطريق ونفاها به مع اختلاف الطريق بقوله فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة فمفهوم حديث عبد الملك هو بعينه منطوق حديث أبي سلمة فأحدهما يصدق الآخر ويوافقه لا يعارضه ويناقضه وجابر روى اللفظين فالذي دل عليه حديث أبي سلمة عنه من إسقاط الشفعة عند تصريف الطرق وتمييز الحدود هو بعينه الذي دل عليه حديث عبد الملك عن عطاء عنه بمفهومه والذي دل عليه حديث عبد الملك بمنطوقه هو الذي دلت عليه سائر أحاديث جابر بمفهومها فتوافقت السنن بحمد الله وائتلفت وزال عنها ما يظن بها من التعارض وحديث أبي رافع الذي رواه البخاري يدل على مثل ما دل عليه حديث عبد الملك فإنه دل على الأخذ بالجوار حالة الشركة في الطريق فإن البيتين كانا في نفس دار سعد والطريق واحد بلا ريب
والقياس الصحيح يقتضي هذا القول فإن الاشتراك في حقوق الملك شقيق الاشتراك في الملك والضرر الحاصل بالشركة فيها كالضرر الحاصل بالشركة
151
في الملك أو أقرب إليه ورفعه مصلحة للشريك من غير مضرة على البائع ولا على المشتري فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك موجود في الخلطة في حقوقه فهذا المذهب أوسط المذاهب وأجمعها للأدلة وأقربها إلى العدل وعليه يحمل الاختلاف عن عمر رضي الله عنه فحيث قال لا شفعة ففيما إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق وحيث أثبتها ففيما إذا لم تصرف الطرق فإنه قد روي عنه هذا وهذا وكذلك ما روي عن علي كرم الله وجهه فإنه قال إذا حدت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ومن تأمل أحاديث شفعة الجوار رآها صريحة في ذلك وتبين له بطلان حملها على الشريك وعلى حق الجوار غير الشفعة وبالله التوفيق
فإن قيل بقي عليكم أن في حديث جابر وأبي هريرة فإذا وقعت الحدود فلا شفعة فأسقط الشفعة بمجرد وقوع الحدود وعند أرباب هذا القول إذا حصل الاشتراك في الطريق فالشفعة ثابتة وإن وقعت الحدود وهذا خلاف الحديث
فالجواب من وجهين أحدهما أن من الرواة من اختصر أحد اللفظين ومنهم من جود الحديث فذكرهما ولا يكون إسقاط من اسقط أحد اللفظين مبطلا لحكم اللفظ الآخر الثاني أن تصريف الطرق داخل في وقوع الحدود فإن الطريق إذا كانت مشتركة لم تكن الحدود كلها واقعة بل بعضها حاصل وبعضها منتف فوقوع الحدود من كل وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق والله أعلم
فصل السر في الفرق بين بعض الأيام وبعضها الآخر
وأما قوله وحرم صوم أول يوم من شوال وفرض صوم آخر يوم من رمضان مع تساويهما فالمقدمة الأولى صحيحة والثانية كاذبة فليس اليومان
152
متساويين وإن اشتركا في طلوع الشمس وغروبها فهذا يوم من شهر الصيام الذي فرضه الله على عباده وهذا يوم عيدهم وسرورهم الذي جعله الله تعالى شكران صومهم وإتمامه فهم فيه أضيافه سبحانه والجواد الكريم يحب من ضيفه أن يقبل قراه ويكره أن يمتنع من قبول ضيافته بصوم أو غيره ويكره للضيف أن يصوم إلا بإذن صاحب المنزل فمن أعظم محاسن الشريعة فرض صوم آخر يوم من رمضان فإنه إتمام لما أمر الله به وخاتمة العمل وتحريم صوم أول يوم من شوال فإنه يوم يكون فيه المسلمون أضياف ربهم تبارك وتعالى وهم في شكران نعمته عليهم فأي شيء أبلغ وأحسن من هذا الإيجاب والتحريم
فصل السر في تحريم بعض القريبات وتحليل البعض الآخر
وأما قوله وحرم عليه نكاح بنت أخيه وأخته وأباح له نكاح بنت أخي أبيه وبنت أخت أمه وهما سواء فالمقدمة الأولى صادقة والثانية كاذبة فليستا سواء في نفس الأمر ولا في العرف ولا في العقول ولا في الشريعة وقد فرق الله سبحانه بين القريب والبعيد شرعا وقدرا وفطرة ولو تساوت القرابة لم يكن فرق بين البنت وبنت الخالة وبنت العمة وهذا من أفسد الأمور والقرابة البعيدة بمنزلة الأجانب فليس من الحكمة والمصلحة أن تعطى حكم القرابة القريبة وهذا مما فطر الله عليه العقلاء وما خالف شرعه في ذلك فهو إما مجوسية تتضمن التسوية بين البنت والأم وبنات الأعمام والخالات في نكاح الجميع وإما حرج عظيم على العباد في تحريم نكاح بنات أعمامهم وعماتهم وأخوالهم وخالاتهم فإن الناس ولاسيما العرب أكثرهم بنو عم بعضهم لبعض إما بنوة عم دانية أوقاصية فلو منعوا من ذلك لكان عليهم فيه حرج عظيم وضيق فكان ما جاءت به الشريعة أحسن الأمور وألصقها بالعقول السليمة والفطر المستقيمة والحمد لله رب العالمين
153
فصل السر في الفرق بين تحميل العاقلة دية الخطأ في النفوس دون الأموال
وأما قوله وحمل العاقلة جناية الخطأ على النفوس دون الاموال قد تقدم أن هذا من محاسن الشريعة وذكرنا من الفرق بين الأموال والنفوس ماأغنى عن إعادته
فصل السر في الفرق بين الحائض والمستحاضة
وأما قوله وحرم وطء الحائض لأجل الأذى وأباح وطء المستحاضة مع وجود الأذى وهما متساويان فالمقدمة الأولى صادقة والثانية فيها إجمال فإن أريد أن أذى الاستحاضة مساو لأذى الحيض كذبت المقدمة وإن أريد أنه نوع آخر من الأذى لم يكن التفريق بينهما تفريقا بين المتساويين فبطل سؤاله على كلا التقديرين
ومن حكمة الشارع تفريقه بينهما فإن أذى الحيض أعظم وأدوم وأضر من أذى الاستحاضة ودم الاستحاضة عرق وهو في الفرج بمنزلة الرعاف في الأنف وخروجه مضر وانقطاعه دليل على الصحة ودم الحيض عكس ذلك ولا يستوي الدمان حقيقة ولا عرفا ولا حكما ولا سببا فمن كمال الشريعة تفريقها بين الدمين في الحكم كما افترقا في الحقيقة وبالله التوفيق
فصل السرفى الفرق بين اتحاد الجنس واختلافه في تحريم الربا
وأما قوله وحرم بيع مد حنطة بمد وحفنة وجوز بيعه بقفيز شعير فهذا من محاسن الشريعة التي لايهتدي إليها إلا أولو العقول الوافرة ونحن نشير
154
إلى حكمة ذلك إشارة بحسب عقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة وشرع الرب تعالى وحكمته فوق عقولنا وعباراتنا فنقول
الربا نوعان والحكمة في تحريم النوعين الربا نوعان جلى وخفى فالجلى حرم لما فيه من الضررالعظيم والخفى حرم لأنه ذريعة إلى الجلى فتحريم الأول قصدا وتحريم الثاني وسيلة
ربا النسيئة
فأما الجلى فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده آلافا مؤلفة وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس ويدافع من وقت إلى وقت فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه فيأكل مال أخيه بالباطل ويحصل أخوه على غاية الضرر فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا ولعن آكله وموكله وكاتبه وشاهديه وآذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره ولهذا كان من أكبر الكبائر
وسئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا شك فيه فقال هو أن يكون له دين فيقول له أتقضي أم تربي فإن لم يقضه زاده في المال وزاده هذا في الأجل وقد جعل الله سبحانه الربا ضد الصدقة فالمرابي ضد المتصدق قال الله تعالى ! < يمحق الله الربا ويربي الصدقات > ! وقال ! < وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون > ! وقال ! < يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين > ! ثم ذكر الجنة التي
155
أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء وهؤلاء ضد المرابين فنهى سبحانه عن الربا الذي هو ظلم للناس وأمر بالصدقة التي هي إحسان إليهم
وفي الصحيحين من حديث بن عباس عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الربا في النسيئة ومثل هذا يراد به حصر الكمال وأن الربا الكامل إنما هو في النسيئة كما قال تعالى ! < إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون > ! إلى قوله ! < أولئك هم المؤمنون حقا > ! وكقول بن مسعود إنما العالم الذي يخشى الله
فصل ربا الفضل والحكمة في تحريمه
وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرما والرما هو الربا فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة وذلك أنهم إذا باعوا درهما بدرهمين ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين إما في الجودة وإما في السكة وإما في الثقل والخفة وغير ذلك تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر وهو عين ربا النسيئة وهذه ذريعة قريبة جدا فمن حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذريعة ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدا ونسيئة فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول وهي تسد عليهم باب المفسدة
آراءالعلماء في الأنواع التي يحرم فيها ربا الفضل
فإذا تبين هذا فنقول الشارع نص على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان وهي الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس وتنازعوا فيما عداها فطائفة قصرت التحريم عليها وأقدم من يروي هذا عنه قتادة وهو مذهب أهل الظاهر واختيار
156
بن عقيل في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس قال لأن علل القياسيين في مسألة الربا علل ضعيفة وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس وطائفة حرمته في كل مكيل وموزون بجنسه وهذا مذهب عمار وأحمد في ظاهر مذهبه وأبي حنيفة وطائفة خصته بالطعام وإن لم يكن مكيلا ولا موزونا وهو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد وطائفة خصته بالطعام إذا كان مكيلا أو موزونا وهو قول سعيد بن المسيب ورواية عن أحمد وقول للشافعي وطائفة خصته بالقوت وما يصلحه وهو قول مالك وهو أرجح هذه الأقوال كما ستراه وأما الدراهم والدنانير فقالت طائفة العلة فيهما كونهما موزونين وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه ومذهب أبي حنيفة وطائفة قالت العلة فيهما الثمنية وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى وهذا هو الصحيح بل الصواب فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمنية فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات بل الجميع سلع وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة ولا يقوم هو بغيره إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض فتفسد معاملات الناس ويقع الخلف ويشتد الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم ولو جعلت ثمنا واحدا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير مثل أن يعطي صحاحا ويأخذ مكسرة أو خفافا
157
ويأخذ ثقالا أكثر منها لصارت متجرا أو جر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بد فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد التوصل بها إلى السلع فإذا صارت في أنفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات
فصل السر في تحريم ربا النساء في المطعوم وما يصلح المطعوم
وأما الأصناف الأربعة المطعومة فحاجة الناس إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها لأنها أقوات العالم وما يصلحها فمن رعاية مصالح العباد أن منعوا من بيع بعضها ببعض إلى أجل سواء اتحد الجنس أو اختلف ومنعوا من بيع بعضها ببعض حالا متفاضلا وإن اختلفت صفاتها وجوز لهم التفاضل فيها مع اختلاف أجناسها
وسر ذلك والله أعلم أنه لو جوز بيع بعضها ببعض نساء لم يفعل ذلك أحد إلا إذا ربح وحينئذ تسمح نفسه ببيعها حالة لطمعه في الربح فيعز الطعام على المحتاج ويشتد ضرره وعامة أهل الأرض ليس عندهم دراهم ولا دنانير لا سيما أهل العمود والبوادي وإنما يتناقلون الطعام بالطعام فكان من رحمة الشارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النساء فيها كما منعهم من ربا النساء في الأثمان إذ لو جوز لهم النساء فيها لدخلها إما أن تقضي وإما أن تربي فيصير الصاع الواحد لو أخذ قفزانا كثيرة ففطموا عن النساء ثم فطموا عن بيعها متفاضلا يدا بيد إذ تجرهم حلاوة الربح وظفر الكسب إلى التجارة فيها نساء وهو عين المفسدة وهذا بخلاف الجنسين المتباينين فإن حقائقهما وصفاتهما ومقاصدهما مختلفة ففي إلزامهم المساواة في بيعها إضرار بهم ولا يفعلونه وفي تجويز النساء بينها ذريعة إلى إما أن تقضي وإما أن تربي فكان من تمام رعاية مصالحهم أن قصرهم على بيعها يدا بيد كيف شاءوا فحصلت لهم مصلحة المبادلة واندفعت عنهم مفسدة إما أن تقضي وإما أن تربي وهذا بخلاف ما إذا بيعت بالدراهم أو غيرها من الموزونات نساء فإن الحاجة داعية إلى ذلك فلو منعوا
158
منه لأضر بهم ولامتنع السلم الذي هو من مصالحهم فيما هم محتاجون إليه أكثر من غيرهم والشريعة لا تأتي بهذا وليس بهم حاجة في بيع هذه الأصناف بعضها ببعض نساء وهو ذريعة قريبة إلى مفسدة الربا فأبيح لهم في جميع ذلك ما تدعو إليه حاجتهم وليس بذريعة إلى مفسدة راجحة ومنعوا مما لا تدعو الحاجة إليه ويتذرع به غالبا إلى مفسدة راجحة
يوضح ذلك أن من عنده صنف من هذه الأصناف وهو محتاج إلى الصنف الآخر فإنه يحتاج إلى بيعه بالدراهم ليشتري الصنف الآخر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا أو تبيعه بذلك الصنف نفسه بما يساوي وعلى كلا التقديرين يحتاج إلى بيعه حالا بخلاف ما إذا أمكن من النساء فإنه حينئذ يبيعه بفضل ويحتاج أن يشتري الصنف الآخر بفضل لأن صاحب ذلك الصنف يربى عليه كما أربي هو على غيره فينشأ من النساء تضرر بكل واحد منهما والنساء ها هنا في صنفين وفي النوع الأول في صنف واحد وكلاهما منشأ الضرر والفساد
وإذا تأملت ما حرم فيه النساء رأيته إما صنفا واحدا أو صنفين مقصودهما واحد أو متقارب كالدراهم والدنانير والبر والشعير والتمر والزبيب فإذا تباعدت المقاصد لم يحرم النساء كالبر والثياب والحديد والزيت
يوضح ذلك أنه لو مكن من بيع مد حنطة بمدين كان ذلك تجارة حاضرة فتطلب النفوس التجارة المؤخرة للذة الكسب وحلاوته فمنعوا من ذلك حتى منعوا من التفرق قبل القبض إتماما لهذه الحكمة ورعاية لهذه المصلحة فإن المتعاقدين قد يتعاقدان على الحلول والعادة جارية بصبر أحدهما على الآخر وكما يفعل أرباب الحيل يطلقون العقد وقد تواطئوا على أمر آخر كما يطلقون عقد النكاح وقد اتفقوا على التحليل ويطلقون بيع السلعة إلى أجل وقد اتفقوا على أنه يعيدها إليه بدون ذلك الثمن فلو جوز لهم التفرق قبل القبض لأطلقوا
159
البيع حالا وأخروا الطلب لأجل الربح فيقعوا في نفس المحذور
وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان بجنسها لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأقوات وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر والعين لأن التبر ليس فيه صنعة يقصد لأجلها فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع ألا يفاضل بينها ولهذا قال تبرها وعينها سواء فظهرت حكمة تحريم ربا النساء في الجنس والجنسين وربا الفضل في الجنس الواحد وأن تحريم هذا تحريم المقاصد وتحريم الآخر تحريم الوسائل وسد الذرائع ولهذا لم يبح شيء من ربا النسيئة
فصل السر في إباحة العرايا ونحوها من ربا الفضل
وأما ربا الفضل فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا فإن ما حرم سدا للذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد وعلى هذا فالمصوغ والحلية إن كانت صياغته محرمة كالآنية حرم بيعه بجنسه وغير جنسه وبيع هذا هو الذي أنكره عبادة على معاوية فانه يتضمن مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان وهذا لا يجوز كآلات الملاهي وأما إن كانت الصياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء وما أبيح من حلية السلاح وغيرها فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها فإنه سفه وإضاعة للصنعة والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك فالشريعة لا تأتي به ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه فلم يبق إلا أن يقال لا يجوز بيعها بجنسها البتة بل يبيعها بجنس آخر وفي هذا من الحرج والعسر والمشقة ما تتقيه الشريعة فإن أكثر الناس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك والبائع لا يسمح ببيعه ببر وشعير وثياب وتكليف الاستصناع لكل من احتاج إليه إما متعذر أو متعسر والحيل باطلة في الشرع وقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر لشهوة الرطب وأين هذا من الحاجة إلى بيع
160
المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه فلم يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلع فلو لم يجز بيعه بالدراهم فسدت مصالح الناس والنصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها ما هو صريح في المنع وغايتها أن تكون عامة أو مطلقة ولا ينكر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي وهي بمنزلة نصوص وجوب الزكاة في الذهب والفضة والجمهور يقولون لم تدخل في ذلك الحلية ولا سيما فإن لفظ النصوص في الموضعين قد ذكر تارة بلفظ الدراهم والدنانير كقوله الدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير وفي الزكاة قوله في الرقة ربع العشر والرقة هي الورق وهي الدراهم المضروبة وتارة بلفظ الذهب والفضة فإن حمل المطلق على المقيد كان نهيا عن الربا في النقدين وإيجابا للزكاة فيهما ولا يقتضي ذلك نفي الحكم عن جملة ما عداهما بل فيه تفصيل فتجب الزكاة ويجري الربا في بعض صوره لا في كلها وفي هذا توفية الأدلة حقها وليس فيه مخالفة بشيء لدليل منها
يوضحه أن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع لا من جنس الأثمان ولهذا لم تجب فيها الزكاة فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع وإن كانت من غير جنسها فإن هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان وأعدت للتجارة فلا محذور في بيعها بجنسها ولا يدخلها إما أن تقضي وإما أن تربي إلا كما يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل ولا ريب أن هذا قد يقع فيها لكن لو سد على الناس ذلك لسد عليهم باب الدين وتضرروا بذلك غاية الضرر
يوضحه أن الناس على عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم كانوا يتخذون الحلية وكان النساء يلبسنها وكن يتصدقن بها في الأعياد وغيرها والمعلوم بالضرورة أنه كان يعطيها للمحاويج ويعلم أنهم يبيعونها ومعلوم قطعا أنها لا تباع بوزنها فإنه سفه ومعلوم أن مثل الحلقة والخاتم والفتخة لا تساوي دينارا ولم يكن
161
عندهم فلوس يتعاملون بها وهم كانوا أتقى لله وأفقه في دينه وأعلم بمقاصد رسوله من أن يرتكبوا الحيل أو يعلموها الناس
يوضحه أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة أنه نهى أن يباع الحلي إلا بغير جنسه أو بوزنه والمنقول عنهم إنما هو في الصرف
يوضحه أن تحريم ربا الفضل إنما كان سدا للذريعة كما تقدم بيانه وما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة كما أبيحت العرايا من ربا الفضل وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال حرم لسد ذريعة التشبيه بالنساء الملعون فاعله وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها لأن الحاجة تدعو إلى ذلك وتحريم التفاضل إنما كان سدا للذريعة فهذا محض القياس ومقتضى أصول الشرع ولاتتم مصلحة الناس إلا به أو بالحيل والحيل باطلة في الشرع وغاية ما في ذلك جعل الزيادة في مقابلة الصياغة المباحة المتقومة بالأثمان في الغصوب وغيرها وإذا كان أرباب الحيل يجوزون بيع عشرة بخمسة عشر في خرقة تساوي فلسا ويقولون الخمسة في مقابلة الخرقة فكيف ينكرون بيع الحلية بوزنها وزيادة تساوي الصناعة وكيف تأتي الشريعة الكاملة الفاضلة التي بهرت العقول حكمة وعدلا ورحمة وجلالة بإباحة هذا وتحريم ذلك وهل هذا إلا عكس للمعقول والفطر والمصلحة والذي يقضي منه العجب مبالغتهم في ربا الفضل أعظم مبالغة حتى منعوا بيع رطل زيت برطل زيت وحرموا بيع الكسب بالسمسم وبيع النشا بالحنطة وبيع الخل بالزبيب ونحو ذلك وحرموا بيع مد حنطة ودرهم بمد ودرهم وجاءوا إلى ربا الفضل النسيئة ففتحوا للتحيل عليه كل باب فتارة بالعينة وتارة بالمحلل وتارة بالشرط المتقدم المتواطأ عليه ثم يطلقون العقد من غير اشتراط
162
وقد علم الله والكرام الكاتبون والمتعاقدان ومن حضر أنه عقد ربا مقصوده وروحه بيع خمسة عشر مؤجلة بعشرة نقدا ليس إلا ودخول السلعة كخروجها حرف جاء لمعنى في غيره فهلا فعلوا ها هنا كما فعلوا في مسألة مد عجوة ودرهم بمد ودرهم وقالوا قد يجعل وسيلة إلى ربا الفضل بأن يكون المد في أحد الجانبين يساوي بعض مد في الجانب الآخر فيقع التفاضل فيالله العجب كيف حرمت هذه الذريعة إلى ربا الفضل وأبيحت تلك الذرائع القريبة الموصلة إلى ربا النسيئة بحتا خالصا وأين مفسدة بيع الحلية بجنسها ومقابلة الصياغة بحظها من الثمن إلى مفسدة الحيل الربوية التي هي أساس كل مفسدة وأصل كل بلية وإذا حصحص الحق فليقل المتعصب الجاهل ما شاء وبالله التوفيق
فإن قيل الصفات لا تقابل بالزيادة ولو قوبلت بها لجاز بيع الفضة الجيدة بأكثر منها من الرديئة وبيع التمر الجيد بأزيد منه من الرديء ولما أبطل الشارع ذلك علم أنه منع من مقابلة الصفات بالزيادة
قيل الفرق بين الصنعة التي هي أثر فعل الآدمي وتقابل بالأثمان ويستحق عليها الأجرة وبين الصفة التي هي مخلوقة لله لا أثر للعبد فيها ولا هي من صنعته فالشارع بحكمته وعدله منع من مقابلة هذه الصفة بزيادة إذ ذلك يفضي إلى نقض ما شرعه من المنع من التفاضل فإن التفاوت في هذه الأجناس ظاهر والعاقل لا يبيع جنسا بجنسه إلا لما هو بينهما من التفاوت فإن كانا متساويين من كل وجه لم يفعل ذلك فلو جوز لهم مقابلة الصفات بالزيادة لم يحرم عليهم ربا الفضل وهذا بخلاف الصياغة التي جوز لهم المعاوضة عليها معه
يوضحه أن المعاوضة إذا جازت على هذه الصياغة مفردة جازت عليها مضمومة إلى غير أصلها وجوهرها ولا فرق بينهما في ذلك
يوضحه أن الشارع لا يقول لصاحب هذه الصياغة بع هذا المصوغ بوزنه واخسر صياغتك ولا يقول له لا تعمل هذه الصياغة واتركها ولا يقول له
163
تحيل على بيع المصوغ بأكثر من وزنه بأنواع الحيل ولم يقل قط لا تبعه إلا بغير جنسه ولم يحرم على أحد أن يبيع شيئا من الأشياء بجنسه
فإن قيل فهب أن هذا قد سلم لكم في المصوغ فكيف يسلم لكم في الدراهم والدنانير المضروبة إذا بيعت بالسبائك مفاضلا وتكون الزيادة في مقابلة صناعة الضرب
قيل هذا سؤال قوي وارد وجوابه ان السكة لا تتقوم فيه الصناعة للمصلحة العامة المقصودة منها فإن السلطان يضربها لمصلحة الناس العامة وإن كان الضارب يضربها بأجرة فإن القصد بها أن تكون معيارا للناس لا يتجرون فيها كما تقدم والسكة فيها غير مقابلة بالزيادة في العرف ولو قوبلت بالزيادة فسدت المعاملة وانتقضت المصلحة التي ضربت لأجلها واتخذها الناس سلعة واحتاجت إلى التقويم بغيرها ولهذا قام الدرهم مقام الدرهم من كل وجه وإذا أخذ الرجل الدراهم رد نظيرها وليس المصوغ كذلك ألا ترى أن الرجل يأخذ مائة خفافا ويرد خمسين ثقالا بوزنها ولا يأبي ذلك الآخذ ولا القابض ولا يرى أحدهما أنه قد خسر شيئا وهذا بخلاف المصوغ والنبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه لم يضربوا درهما واحدا وأول من ضربها في الإسلام عبد الملك بن مروان وإنما كانوا يتعاملون بضرب الكفار
فإن قيل فيلزمكم على هذا أن تجوزوا بيع فروع الأجناس بأصولها متفاضلا فجوزوا بيع الحنطة بالخبز متفاضلا والزيت بالزيتون والسمسم بالشيرج
قيل هذا سؤال وارد أيضا وجوابه أن التحريم إنما يثبت بنص أو إجماع أو تكون الصورة المحرمة بالقياس مساوية من كل وجه للمنصوص على تحريمها والثلاثة منتفية في فروع الأجناس مع أصولها وقد تقدم أن غير الأصناف الأربعة لا يقوم مقامها ولا يساويها في إلحاقها بها وأما الأصناف الأربعة ففرعها إن خرج عن كونه قوتا لم يكن من الربويات وإن كانت قوتا كان جنسا قائما بنفسه
164
وحرم بيعه بجنسه الذي هو مثله متفاضلا كالدقيق بالدقيق والخبز بالخبز ولم يحرم بيعه بجنس آخر وإن كان جنسهما واحدا فلا يحرم السمسم بالشيرج ولا الهريسة بالخبز فإن هذه الصناعة لها قيمة فلا تضيع على صاحبها ولم يحرم بيعها بأصولها في كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا حرام إلا ما حرمه الله كما أنه لا عبادة إلا ما شرعها الله وتحريم الحلال كتحليل الحرام
الكلام في بيع اللحم بالحيوان
فإن قيل فهذا ينتقض عليكم ببيع اللحم بالحيوان فإنكم إن منعتموه نقضتم قولكم وإن جوزتموه خالفتم النص وإذا كان النص قد منع من بيع اللحم بالحيوان فهو دليل على المنع من بيع الخبز بالبر والزيت بالزيتون وكل ربوي بأصله
قيل الكلام في هذا الحديث في مقامين أحدهما في صحته والثاني في معناه أما الأول فهو حديث لا يصح موصولا وإنما هو صحيح مرسلا فمن لم يحتج بالمرسل لم يرد عليه ومن رأى قبول المرسل مطلقا أو مراسيل سعيد بن المسيب فهو حجة عنده قال أبو عمر لا أعلم حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان متصلا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب كما ذكره مالك في موطئه وقد اختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث والعمل به والمراد منه فكان مالك يقول معنى الحديث تحريم التفاضل في الجنس الواحد حيوانه بلحمه وهو عنده من باب المزابنة والغرر والقمار لأنه لا يدري هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر وبيع اللحم باللحم لا يجوز متفاضلا فكان بيع الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيب في جلده بلحم إذا كانا من جنس واحد قال وإذا اختلف الجنسان فلا خلاف عن مالك وأصحابه أنه جائز حينئذ بيع اللحم بالحيوان وأما أهل الكوفة كأبي حنيفة وأصحابه فلا يأخذون بهذا الحديث
165
ويجوزون بيع اللحم بالحيوان مطلقا وأما أحمد فيمنع بيعه بحيوان من جنسه ولا يمنع بيعه بغير جنسه وإن منعه بعض أصحابه وأما الشافعي فيمنع بيعه بجنسه وبغير جنسه وروى الشافعي عن بن عباس أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق فقسمت على عشرة أجزاء فقال رجل أعطوني جزءا منها بشاة فقال أبو بكر لا يصلح هذا قال الشافعي ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفا من الصحابة والصواب في هذا الحديث إن ثبت أن المراد به إذا كان الحيوان مقصودا للحم كشاة يقصد لحمها فتباع بلحم فيكون قد باع لحما بلحم أكثر منه من جنس واحد واللحم قوت موزون فيدخله ربا الفضل وأما إذا كان الحيوان غير مقصود به اللحم كما إذا كان غير مأكول أو مأكولا لا يقصد لحمه كالفرس تباع بلحم إبل فهذا لا يحرم بيعه به بقي إذا كان الحيوان مأكولا لا يقصد لحمه وهو من غير جنس اللحم فهذا يشبه المزابنة بين الجنسين كبيع صبرة تمر بصبرة زبيب وأكثر الفقهاء لا يمنعون من ذلك إذ غايته التفاضل بين الجنسين والتفاضل المتحقق جائز بينهما فكيف بالمظنون وأحمد في إحدى الروايتين عنه يمنع ذلك لا لأجل التفاضل ولكن لأجل المزابنة وشبه القمار وعلى هذا فيمتنع بيع اللحم بحيوان من غير جنسه والله أعلم
فصل الفرق بين مدة الإحداد على الزوج وغيره
وأما قوله ومنع المرأة من الإحداد على أمها وأبيها فوق ثلاث وأوجبه على زوجها أربعة أشهر وعشرا وهو أجنبي فيقال هذا من تمام محاسن هذه الشريعة وحكمتها ورعايتها لمصالح العباد على أكمل الوجوه فإن الإحداد على الميت من تعظيم مصيبة الموت التي كان أهل الجاهلية يبالغون فيها أعظم مبالغة
166
ويضيفون إلى ذلك شق الجيوب ولطم الخدود وحلق الشعور والدعاء بالويل والثبور وتمكث المرأة سنة في أضيق بيت وأوحشه لا تمس طيبا ولا تدهن ولا تغتسل إلى غير ذلك مما هو تسخط على الرب تعالى وأقداره فأبطل الله سبحانه برحمته ورأفته سنة الجاهلية وأبدلنا بها الصبر والحمد والاسترجاع الذي هو أنفع للمصاب في عاجلته وآجلته ولما كانت مصيبة الموت لا بد أن تحدث للمصاب من الجزع والألم والحزن مما تتقاضاه الطباع سمح لها الحكيم الخبير في اليسير من ذلك وهو ثلاثة أيام تجدبها نوع راحة وتقضي بها وطرا من الحزن كما رخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا وما زاد على الثلاث فمسدته راجحة فمنع منه بخلاف مفسدة الثلاث فإنها مرجوحة مغمورة بمصلحتها فإن فطام النفوس على مألوفاتها بالكلية من أشق الأمور عليها فأعطيت بعض الشيء ليسهل عليها ترك الباقي فإن النفس إذا أخذت بعض مرادها قنعت به فإن سئلت ترك الباقي كانت إجابتها إليه أقرب من إجابتها لو حرمت بالكلية
ومن تأمل أسرار الشريعة وتدبر حكمها رأى ذلك ظاهرا على صفحات أوامرها ونواهيها باديا لمن نظره نافذ فإذا حرم عليهم شيئا عوضهم عنه بما هو خير لهم وأنفع وأباح لهم منه ما تدعو حاجتهم إليه ليسهل عليهم تركه كما حرم عليهم بيع الرطب بالتمر وأباح لهم منه العرايا وحرم عليهم النظر إلى الأجنبية وأباح لهم منه نظر الخاطب والمعامل والطبيب وحرم عليهم أكل المال بالمغالبات الباطلة كالنرد والشطرنج وغيرهما وأباح لهم أكله بالمغالبات النافعة كالمسابقة والنضال وحرم عليهم لباس الحرير وأباح لهم منه اليسير الذي تدعو الحاجة إليه وحرم عليهم كسب المال بربا النسيئة وأباح لهم كسبه بالسلم وحرم عليهم في الصيام وطء نسائهم وعوضهم عن ذلك بأن أباحه لهم ليلا فسهل عليهم تركه بالنهار وحرم عليهم الزنى وعوضهم بأخذ ثانية
167
وثالثة ورابعة ومن الإماء ما شاءوا فسهل عليهم تركه غاية التسهيل وحرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم عنه بالاستخارة ودعائها ويا بعد ما بينهما وحرم عليهم نكاح أقاربهم وأباح لهم منه بنات العم والعمة والخال والخالة وحرم عليهم وطء الحائض وسمح لهم في مباشرتها وأن يصنعوا بها كل شيء إلا الوطء فسهل عليهم تركه غاية السهولة وحرم عليهم الكذب وأباح لهم المعاريض التي لا يحتاج من عرفها إلى الكذب معها البتة وأشار إلى هذا صلى الله عليه وسلم بقوله إن في المعاريض مندوحة عن الكذب وحرم عليهم الخيلاء بالقول والفعل وأباحها لهم في الحرب لما فيها من المصلحة الراجحة الموافقة لمقصود الجهاد وحرم عليهم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وعوضهم عن ذلك بسائر أنواع الوحوش والطير على اختلاف أجناسها وأنواعها وبالجملة فما حرم عليهم خبيثا ولا ضارا إلا أباح لهم طيبا بإزائه أنفع لهم منه ولا أمرهم بأمر إلا وأعانهم عليه فوسعتهم رحمته ووسعهم تكليفه
والمقصود أنه أباح للنساء لضعف عقولهن وقلة صبرهن الإحداد على موتاهن ثلاثة أيام وأما الإحداد على الزوج فإنه تابع للعدة وهو من مقتضياتها ومكملاتها فإن المرأة إنما تحتاج إلى التزين والتجمل والتعطر لتتحبب إلى زوجها وترد لها نفسه ويحسن ما بينهما من العشرة فإذا مات الزوج واعتدت منه وهي لم تصل إلى زوج آخر فاقتضى تمام حق الأول وتأكيد المنع من الثاني قبل بلوغ الكتاب أجله أن تمنع مما تصنعه النساء لأزواجهن مع ما في ذلك من سد الذريعة إلى طمعها في الرجال وطمعهم فيها بالزينة والخضاب والتطيب فإذا بلغ الكتاب أجله صارت محتاجة إلى ما يرغب في نكاحها فأبيح لها من ذلك ما يباح لذات الزوج فلا شيء أبلغ في الحسن من هذا المنع والإباحة ولو اقترحت عقول العالمين لم تقترح شيئا أحسن منه
168
فصل الحكمة في مساواة المرأة للرجل في بعض الأحكام دون بعض
وأما قوله وسوى بين الرجل والمرأة في العبادات البدنية والحدود وجعلها على النصف منه في الدية والشهادة والميراث والعقيقة فهذا أيضا من كمال شريعته وحكمتها ولطفها فإن مصلحة العبادات البدنية ومصلحة العقوبات الرجال والنساء مشتركون فيها وحاجة أحد الصنفين إليها كحاجة الصنف الآخر فلا يليق التفريق بينهما نعم فرقت بينهما في أليق المواضع بالتفريق وهو الجمعة والجماعة فخص وجوبهما بالرجال دون النساء لأنهن لسن من أهل البروز ومخالطة الرجال وكذلك فرقت بينهما في عبادة الجهاد التي ليس الإناث من أهلها وسوت بينهما في وجوب الحج لاحتياج النوعين إلى مصلحته وفي وجوب الزكاة والصيام والطهارة وأما الشهادة فإنما جعلت المرأة فيها على النصف من الرجل لحكمة أشار إليها العزيز الحكيم في كتابه وهي أن المرأة ضعيفة العقل قليلة الضبط لما تحفظه وقد فضل الله الرجال على النساء في العقول والفهم والحفظ والتمييز فلا تقوم المرأة في ذلك مقام الرجل وفي منع قبول شهادتها بالكلية إضاعة لكثير من الحقوق وتعطيل لها فكان من أحسن الأمور وألصقها بالعقول أن ضم إليها في قبول الشهادة نظيرها لتذكرها إذا نسيت فتقوم شهادة المرأتين مقام شهادة الرجل ويقع من العلم أو الظن الغالب بشهادتهما ما يقع بشهادة الرجل الواحد وأما الدية فلما كانت المرأة أنقص من الرجل والرجل أنفع منها ويسد ما لا تسده المرأة من المناصب الدينية والولايات وحفظ الثغور والجهاد وعمارة الأرض وعمل الصنائع التي لا تتم مصالح العالم إلا بها والذب عن الدنيا والدين لم تكن قيمتهما مع ذلك متساوية وهي الدية فإن دية الحر جارية مجرى قيمة العبد وغيره من الأموال فاقتضت حكمة الشارع أن جعل قيمتها على النصف من قيمته لتفاوت ما بينهما
169
فإن قيل لكنكم نقضتم هذا فجعلتم ديتهما سواء فيما دون الثلث
قيل لا ريب أن السنة وردت بذلك كما رواه النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها وقال سعيد بن المسيب إن ذلك من السنة وإن خالف فيه أبو حنيفة والشافعي والليث والثوري وجماعة وقالوا هي على النصف في القليل والكثير ولكن السنة أولى والفرق فيما دون الثلث وما زاد عليه أن ما دونه قليل فجبرت مصيبة المرأة فيه بمساواتها للرجل ولهذا استوى الجنين الذكر والأنثى في الدية لقلة ديته وهي الغرة فنزل ما دون الثلث منزلة الجنين
وأما الميراث فحكمة التفضيل فيه ظاهرة فإن الذكر أحوج إلى المال من الأنثى لأن الرجال قوامون على النساء والذكر أنفع للميت في حياته من الأنثى وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله بعد أن فرض الفرائض وفاوت بين مقاديرها ! < آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا > ! وإذا كان الذكر أنفع من الأنثى وأحوج كان أحق بالتفضيل
فإن قيل فهذا ينتقض بولد الأم
قيل بل طرد هذه التسوية بين ولد الأم ذكرهم وأنثاهم فإنهم إنما يرثون بالرحم المجرد فالقرابة التي يرثون بها قرابة أنثى فقط وهم فيها سواء فلا معنى لتفضيل ذكرهم على أنثاهم بخلاف قرابة الأب
وأما العقيقة فأمر التفضيل فيها تابع لشرف الذكر وما ميزه الله به على الأنثى ولما كانت النعمة به على الوالد أتم والسرور والفرحة به أكمل كان الشكران عليه أكثر فإنه كلما كثرت النعمة كان شكرها أكثر والله أعلم
170
فصل الحكمة في تفضيل بعض الأزمنة والأمكنة على بعض
وأما قوله وخص بعض الأزمنة والأمكنة وفضل بعضها على بعض مع تساويها إلخ فالمقدمة الأولى صادقة والثانية كاذبة وما فضل بعضها على بعض إلا لخصائص قامت بها اقتضت التخصيص وما خص سبحانه شيئا إلا بمخصص ولكنه قد يكون ظاهرا وقد يكون خفيا واشتراك الأزمنة والأمكنة في مسمى الزمان والمكان كاشتراك الحيوان في مسمى الحيوانية والإنسان في مسمى الإنسانية بل وسائر الأجناس في المعنى الذي يعمها وذلك لا يوجب استواءها في أنفسها والمختلفات تشترك في أمور كثيرة والمتفقات تتباين في أمور كثيرة والله سبحانه أحكم وأعلم من أن يفضل مثلا على مثل من كل وجه بلا صفة تقتضي ترجيحه هذا مستحيل في خلقه وأمره كما أنه سبحانه لا يفرق بين المتماثلين من كل وجه فحكمته وعدله تأبى هذا وهذا وقد نزه سبحانه نفسه عمن يظن به ذلك وأنكر عليه زعمه الباطل وجعله حكما منكرا ولو جاز عليه ما يقول هؤلاء لبطلت حججه وأدلته فإن مبناها على أن حكم الشيء حكم مثله وعلى ألا يسوي بين المختلفين فلا يجعل الأبرار كالفجار ولا المؤمنين كالكفار ولا من أطاعه كمن عصاه ولا العالم كالجاهل وعلى هذا مبنى الجزاء فهو حكمه الكوني والديني وجزاؤه الذي هو ثوابه وعقابه وبذلك حصل الاعتبار ولأجله ضربت الأمثال وقصت علينا أخبار الأنبياء وأممهم ويكفي في بطلان هذا المذهب المتروك الذي هو من أفسد مذاهب العالم أنه يتضمن لمساواة ذات جبريل لذات إبليس وذات الأنبياء لذات أعدائهم ومكان البيت العتيق بمكان الحشوش وبيوت الشياطين وأنه لا فرق بين هذه الذوات في الحقيقة وإنما خصت هذه الذات عن هذه الذات بما خصت به لمحض المشيئة المرجحة مثلا على مثل بلا موجب بل قالوا ذلك في جميع
171
الأجسام وأنها متماثلة فجسم المسك عندهم مساو لجسم البول والعذرة وإنما امتاز عنه بصفة عرضية وجسم الثلج عندهم مساو لجسم النار في الحقيقة وهذا مما خرجوا به عن صريح المعقول وكابروا فيه الحس وخالفهم فيه جمهور العقلاء من أهل الملل والنحل وما سوى الله بين جسم السماء وجسم الأرض ولا بين جسم النار وجسم الماء ولا بين جسم الهواء وجسم الحجر وليس مع المنازعين في ذلك إلا الاشتراك في أمر عام وهو قبول الانقسام وقيام الأبعاد الثلاثة والإشارة الحسية ونحو ذلك مما لا يوجب التشابه فضلا عن التماثل وبالله التوفيق
فصل الجمع بين المختلفات في الحكم لاشتراكها في سببه
وأما قوله إن الشريعة جمعت بين المختلفات كما جمعت بين الخطأ والعمد في ضمان الأموال فغير منكر في العقول والفطر والشرائع والعادات اشتراك المختلفات في حكم واحد باعتبار اشتراكها في سبب ذلك الحكم فإنه لا مانع من اشتراكها في أمر يكون علة لحكم من الأحكام بل هذا هو الواقع وعلى هذا فالخطأ والعمد اشتركا في الإتلاف الذي هو علة للضمان وإن افترقا في علة الإثم وربط الضمان بالإتلاف من باب ربط الأحكام بأسبابها وهو مقتضى العدل الذي لا تتم المصلحة إلا به كما أوجب على القاتل خطأ دية القتيل ولذلك لا يعتمد التكليف فيضمن الصبي والمجنون والنائم ما أتلفوه من الأموال وهذا من الشرائع العامة التي لا تتم مصالح الأمة إلا بها فلو لم يضمنوا جنايات أيديهم لأتلف بعضهم أموال بعض وادعى الخطأ وعدم القصد وهذا بخلاف أحكام الإثم والعقوبات فإنها تابعة للمخالفة وكسب العبد ومعصيته ففرقت الشريعة فيها بين العامد والمخطيء وكذلك البر والحنث في الأيمان فإنه نظير الطاعة والعصيان في الأمر والنهي فيفترق الحال فيه بين العامد والمخطئ
172
وأما جمعها بين المكلف وغيره في الزكاة فهذه مسألة نزاع واجتهاد وليس عن صاحب الشرع نص بالتسوية ولا بعدمها والذين سووا بينهما رأوا ذلك من حقوق الأموال التي جعل الله سبحانه الأموال سببا في ثبوتها وهي حق للفقراء في نفس هذا المال سواء كان مالكه مكلفا أو غير مكلف كما جعل في ماله حق الإنفاق على بهائمه ورقيقه وأقاربه فكذلك جعل في ماله حقا للفقراء والمساكين
فصل الفارة كالهرة في الطهارة
وأما جمعها بين الهرة والفأرة في الطهارة فهذا حق وأي تفاوت في ذلك وكان السائل رأى أن العداوة التي بينهما توجب اختلافهما في الحكم كالعداوة التي بين الشاة والذئب وهذا جهل منه فإن هذا أمر لا تعلق له بطهارة ولا نجاسة ولا حل ولا حرمة والذي جاءت به الشريعة من ذلك في غاية الحكمة والمصلحة فإنها لو جاءت بنجاستهما لكان فيه أعظم حرج ومشقة على الأمة لكثرة طوفانهما على الناس ليلا ونهارا وعلى فرشهم وثيابهم وأطعمتهم كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله في الهرة إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات
فصل ذبيحة غير الكتابي مثل الميتة
وأما جمعها بين الميتة وذبيحة غير الكتابي في التحريم وبين ميتة الصيد وذبيحة المحرم له فأي تفاوت في ذلك وكأن السائل رأي أن الدم لما احتقن في الميتة كان سببا لتحريمها وما ذبحه المحرم أو الكافر غير الكتابي لم يحتقن دمه فلا وجه لتحريمه وهذا غلط وجهل فإن علة التحريم لو انحصرت في احتقان الدم لكان للسؤال وجه فأما إذا تعددت علل التحريم لم يلزم من انتفاء
173
بعضها انتفاء الحكم إذا خلفه علة أخرى وهذا أمر مطرد في الأسباب والعلل العقلية فما الذي ينكر منه في الشرع
تصرف الشارع في الأسماء اللغوية
فإن قيل أليس قد سوت الشريعة بينهما في كونهما ميتة وقد اختلفا في سبب الموت فتضمنت جمعها بين مختلفين وتفريقها بين متماثلين فإن الذبح واحد صورة وحسا وحقيقة فجعلت بعض صوره مخرجا للحيوان عن كونه ميتة وبعض صوره موجبا لكونه ميتة من غير فرق
قيل الشريعة لم تسو بينهما في اسم الميتة لغة وإنما سوت بينهما في الإسم الشرعي فصار اسم الميتة في الشرع أعم منه في اللغة والشارع يتصرف في الأسماء اللغوية بالنقل تارة وبالتعميم تارة وبالتخصيص تارة وهكذا يفعل أهل العر ف فهذا ليس بمنكر شرعا ولا عرفا وأما الجمع بينهما في التحريم فلأن الله سبحانه حرم علينا الخبائث والخبث الموجب للتحريم قد يظهر لنا وقد يخفى فما كان ظاهرا لم ينصب عليه الشارع علامة غير وصفه وما كان خفيا نصب عليه علامة تدل على خبثه فاحتقان الدم في الميتة سبب ظاهر وأما ذبيحة المجوسي والمرتد وتارك التسمية ومن أهل بذبيحته لغير الله فنفس ذبيحة هؤلاء أكسبت المذبوح خبثا أوجب تحريمه ولا ينكر أن يكون ذكر اسم الأوثان والكواكب والجن على الذبيحة يكسبها خبثا وذكر اسم الله وحده يكسبها طيبا إلا من قل نصيبه من حقائق العلم والإيمان وذوق الشريعة وقد جعل الله سبحانه ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح فسقا وهو الخبيث ولا ريب أن ذكر اسم الله على الذبيحة يطيبها ويطرد الشيطان عن الذابح والمذبوح فإذا أخل بذكر اسمه لابس الشيطان الذابح والمذبوح فأثر ذلك خبثا في الحيوان والشيطان يجري في مجاري الدم من الحيوان والدم مركبه وحامله وهو أخبث الخبائث فإذا ذكر الذابح اسم الله خرج الشيطان مع الدم فطابت الذبيحة فإذا لم يذكر اسم الله لم يخرج الخبث وأما إذا ذكر اسم عدوه من الشياطين والأوثان فإن ذلك يكسب الذبيحة خبثا آخر
174
يوضحه أن الذبيحة تجري مجرى العبادة ولهذا يقرن الله سبحانه بينهما كقوله ! < فصل لربك وانحر > ! وقوله ! < قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين > ! وقال تعالى ! < والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم > ! فأخبر أنه إنما سخرها لمن يذكر اسمه عليها وأنه إنما يناله التقوى وهو التقرب إليه بها وذكر اسمه عليها فإذا لم يذكر اسمه عليها كان ممنوعا من أكلها وكانت مكروهة لله فأكسبتها كراهيته لها حيث لم يذكر عليها اسمه أو ذكر عليها اسم غيره وصف الخبث فكانت بمنزلة الميتة وإذا كان هذا في متروك التسمية وما ذكر عليه اسم غير الله فما ذبحه عدوه المشرك به الذي هو من أخبث البرية أولى بالتحريم فإن فعل الذابح وقصده وخبثه لا ينكر أن يؤثر في المذبوح كما أن خبث الناكح ووصفه وقصده يؤثر في المرأة المنكوحة وهذه أمور إنما يصدق بها من أشرق فيه نور الشريعة وضياؤها وباشر قلبه بشاشة حكمها وما اشتملت عليه من المصالح في القلوب والأبدان وتلقاها صافية من مشكاة النبوة وأحكم العقد بينها وبين الأسماء والصفات التي لم يطمس نور حقائقها ظلمة التأويل والتحريف
فصل الجمع بين الماء والتراب في التطهير
وأما جمعها بين الماء والتراب في التطهير فلله ما أحسنه من جمع وألطفه وألصقه بالعقول السليمة والفطر المستقيمة وقد عقد الله سبحانه الإخاء بين الماء والتراب قدرا وشرعا فجمعهما الله عز وجل وخلق منهما آدم وذريته فكانا أبوين اثنين لأبوينا وأولادهما وجعل منهما حياة كل حيوان وأخرج منهما أقوات الدواب والناس والأنعام وكانا أعم الأشياء وجودا وأسهلها تناولا
175
وكان تعفير الوجه في التراب لله من أحب الأشياء إليه ولما كان عقد هذه الأخوة بينهما قدرا أحكم عقد وأقواه كان عقد الأخوة بينهما شرعا أحسن عقد وأصحه فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم
فصل شرح الباقي من كتاب أمير لمؤمنين عمر
فهذا ما يتعلق بقول أمير المؤمنين رضي الله عنه واعرف الأشباه والنظائر وفي لفظ واعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فلنرجع إلى شرح باقي كتابه
ثم قال وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر عند الخصومة أوالخصوم شك أبو عبيد فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذخر
هذا الكلام يتضمن أمرين
التحذير من الغضب
أحدهما التحذير مما يحول بين الحاكم وبين كمال معرفته بالحق وتجريد قصده له فإنه لايكون خير الأقسام الثلاثة إلاباجتماع هذين الأمرين فيه والغضب والقلق والضجر مضاد لهما فإن الغضب غول العقل يغتاله كما تغتاله الخمر ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان والغضب نوع من الغلق والإغلاق الذي يغلق على صاحبه باب حسن التصور والقصد وقد نص أحمد على ذلك في رواية حنبل وترجم عليه أبو بكر في كتابه الشافي وزاد المسافر وعقد له بابا فقال في كتاب الزاد باب النية في الطلاق والإغلاق قال أبو عبد الله في رواية حنبل عن عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا طلاق ولا عتاق في إغلاق فهذا الغضب
176
وأوصى بعض العلماء لولى أمر فقال إياك والغلق والضجر فإن صاحب الغلق لا يقدم عليه صاحب حق وصاحب الضجر لا يصبر على حق
التحريض على تنفيذ الحق والصبر عليه
والأمر الثاني التحريض على تنفيذ الحق والصبر عليه وجعل الرضا بتنفيذه في موضع الغضب والصبر في موضع القلق والضجر والتحلى به واحتساب ثوابه في موضع التأذي فإن هذا دواء ذلك الداء الذي هو من لوازم الطبيعة البشرية وضعفها فما لم يصادفه هذا الدواء فلا سبيل إلى زواله هذا مع ما في التنكر للخصوم من إضعاف نفوسهم وكسر قلوبهم وإخراس ألسنتهم عن التكلم بحججهم خشية معرة التنكر ولا سيما أن يتنكر لإحد الخصمين دون الآخر فإن ذلك الداء العضال
العبودية نوعان عامة وخاصة
وقوله فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذخر هذا عبودية الحكام وولاة الأمر التي تراد منهم ولله سبحانه على كل أحد عبودية بحسب مرتبته سوى العبودية العامة التي سوى بين عباده فيها فعلى العالم من عبوديته نشر السنة والعلم الذي بعث الله به رسوله ما ليس على الجاهل وعليه من عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره وعلى الحاكم من عبوديه إقامة الحق وتنفيذه وإلزامه من هو عليه به والصبر على ذلك والجهاد عليه ما ليس على المفتي وعلى الغني من عبوديه أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما
وتكلم يحيى بن معاذ الرازي يوما في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقالت له امرأة هذا واجب قد وضع عنا فقال هبي أنه قد وضع عنكن سلاح اليد واللسان فلم يوضع عنكن سلاح القلب فقالت صدقت جزاك الله خيرا
وقد غر إبليس أكثر الخلق بأن حسن لهم القيام بنوع من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع وعطلوا هذه العبوديات فلم يحدثوا
177
قلوبهم بالقيام بها وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقل الناس دينا فإن الدين هو القيام لله بما أمر به فتارك حقوق الله التي تجب عليه أسوأ حالا عند الله ورسوله من مرتكب المعاصي فإن ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهي من أكثر من ثلاثين وجها ذكرها شيخنا رحمه الله في بعض تصانيفه ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أن أكثر من يشار إليهم بالدين هم أقل الناس دينا والله المستعان وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطان أخرس كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين وخيارهم المتحزن المتلمظ ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل وجد واجتهد واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون وهو موت القلوب فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل
وقد ذكر الإمام أحمد وغيره أثرا أن الله سبحانه أوحى إلى ملك من الملائكة أن اخسف بقرية كذا وكذا فقال يا رب كيف وفيهم فلان العابد فقال به فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه في يوما قط
وذكر أبو عمر في كتاب التمهيد أن الله سبحانه أوحى إلى نبي من أنبيائه أن قل لفلان الزاهد أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت به الراحة وأما انقطاعك إلي فقد اكتسبت به العز ولكن ماذا عملت فيما لي عليك فقال يا رب وأي شيء لك علي قال هلى واليت في وليا أو عاديت في عدوا
178
فصل عاقبة الإخلاص لله
قوله فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن تزين بما ليس فيه شانه الله هذا شقيق كلام النبوة وهو جدير بأن يخرج من مشكاة المحدث الملهم وهاتان الكلمتان من كنوز العلم ومن أحسن الإنفاق منهما نفع غيره وانتفع غاية الانتفاع فأما الكلمة الأولى فهي منبع الخير وأصله والثانية أصل الشر وفصله فإن العبد إذا خلصت نيته لله تعالى وكان قصده وهمه وعمله لوجهه سبحانه كان الله معه فإنه سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ورأس التقوى والإحسان خلوص النية لله في إقامة الحق والله سبحانه لا غالب له فمن كان معه فمن ذا الذي يغلبه أو يناله بسوء فإن كان الله مع العبد فمن يخاف وإن لم يكن معه فمن يرجو وبمن يثق ومن ينصره من بعده فإذا قام العبد بالحق على غيره وعلى نفسه أولا وكان قيامه بالله ولله لم يقم له شيء ولو كادته السماوات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها وجعل له فرجا ومخرجا وإنما يؤتى العبد من تفريطه وتقصيره في هذه الأمور الثلاثة أو في اثنين منها أو في واحد فمن كان قيامه في باطل لم ينصر وإن نصر نصرا عارضا فلا عاقبة له وهو مذموم مخذول وإن قام في حق لكن لم يقم فيه لله وإنما قام لطلب المحمدة والشكور والجزاء من الخلق أو التوصل إلى غرض دنيوي كان هو المقصود أولا والقيام في الحق وسيلة إليه فهذا لم تضمن له النصرة فإن الله إنما ضمن النصرة لمن جاهد في سبيله وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا لا لمن كان قيامه لنفسه ولهواه فإنه ليس من المتقين ولا من المحسنين وإن نصر فبحسب ما معه من الحق فإن الله لا ينصر إلا الحق وإذا كانت الدولة لأهل الباطل فبحسب ما معهم من الصبر والصبر منصور أبدا فإن كان صاحبه محقا كان منصورا له العاقبة وإن كان مبطلا
179
لم يكن له عاقبة وإذا قام العبد في الحق لله ولكن قام بنفسه وقوته ولم يقم بالله مستعينا به متوكلا عليه مفوضا إليه بريا من الحول والقوة إلا به فله من الخذلان وضعف النصرة بحسب ما قام به من ذلك ونكتة المسألة أن تجريد التوحيدين في أمر الله لا يقوم له شيء البتة وصاحبه مؤيد منصور ولو توالت عليه زمر الأعداء
قال الإمام أحمد حدثنا داود أنبأنا شعبة عن واقد بن محمد بن زيد عن بن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت من أسخط الناس برضاء الله عز وجل كفاه الله الناس ومن أرضى الناس بسخط الله وكله إلى الناس
والعبد إذا عزم على فعل أمر فعليه أن يعلم أولا هل هو طاعة لله أم لا فإن لم يكن طاعة فلا يفعله إلا أن يكون مباحا يستعين به على الطاعة وحينئذ يصير طاعة فإذا بان له أنه طاعة فلا يقدم عليه حتى ينظر هل هو معان عليه أم لا فإن لم يكن معانا عليه فلا يقدم عليه فيذل نفسه وإن كان معانا عليه بقي عليه نظر آخر وهو أن يأتيه من بابه فإن أتاه من غير بابه أضاعه أو فرط فيه أو أفسد منه شيئا فهذه الأمور الثلاثة أصل سعادة العبد وفلاحه وهي معنى قول العبد ! < إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم > ! فأسعد الخلق أهل العبادة والاستعانة والهداية إلى المطلوب وأشقاهم من عدم الأمور الثلاثة ومنهم من يكون له نصيب من ! < إياك نعبد > ! ونصيبه من ! < وإياك نستعين > ! معدوم أو ضعيف فهذا مخذول مهين محزون ومنهم من يكون نصيبه من ! < وإياك نستعين > ! قويا ونصيبه من ! < إياك نعبد > ! ضعيفا أو مفقودا فهذا له نفوذ وتسلط وقوة ولكن لا عاقبة له بل عاقبته أسوأ عاقبة ومنهم من يكون له نصيب من ! < إياك نعبد وإياك نستعين > ! ولكن نصيبه من الهداية إلى المقصود ضعيف جدا كحال كثير من العباد
180
والزهاد الذين قل علمهم بحقائق ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق
وقول عمر رضي الله عنه فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه إشارة إلى أنه لا يكفي قيامه في الحق لله إذا كان على غيره حتى يكون أول قائم به على نفسه فحينئذ يقبل قيامه به على غيره وإلا فكيف يقبل الحق ممن أهمل القيام به على نفسه
وخطب عمر بن الخطاب يوما وعليه ثوبان فقال أيها الناس ألا تسمعون فقال سلمان لا نسمع فقال عمر ولم يا أبا عبد الله قال إنك قسمت علينا ثوبا ثوبا وعليك ثوبان فقال لا تعجل يا عبد الله يا عبد الله فلم يجبه أحد فقال يا عبد الله بن عمر فقال لبيك يا أمير المؤمنين فقال نشدتك الله الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك قال نعم اللهم نعم فقال سلمان أما الآن فقل نسمع
فصل عقوبة المتزين بما ليس فيه
وأما قوله ومن تزين بما ليس فيه شانه الله لما كان المتزين بما ليس فيه ضد المخلص فإنه يظهر للناس أمرا وهو في الباطن بخلافه عامله الله بنقيض قصده فإن المعاقبة بنقيض القصد ثابتة شرعا وقدرا ولما كان المخلص يعجل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة والمهابة في قلوب الناس عجل للمتزين بما ليس فيه من عقوبته أن شانه الله بين الناس لأنه شأن باطنه عند الله وهذا موجب أسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وحكمته في قضائه وشرعه
هذا ولما كان من تزين للناس بما ليس فيه من الخشوع والدين والنسك والعلم وغير ذلك قد نصب نفسه للوازم هذه الأشياء ومقتضايتها فلا بد أن تطلب منه فإذا لم توجد عنده افتضح فيشينه ذلك من حيث ظن أنه يزينه وأيضا
181
فإنه أخفى عن الناس ما أظهر لله خلافه فأظهر الله من عيوبه للناس ما أخفاه عنهم جزاء له من جنس عمله وكان بعض الصحابة يقول أعوذ بالله من خشوع النفاق قالوا وما خشوع النفاق قال أن ترى الجسد خاشعا والقلب غير خاشع وأساس النفاق وأصله هو التزين للناس بما ليس في الباطن من الإيمان فعلم أن هاتين الكلمتين من كلام أمير المؤمنين مشتقة من كلام النبوة وهما من أنفع الكلام وأشفاه للسقام
فصل المقبول من أعمال العباد وغير المقبول
وقوله فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصا والأعمال أربعة واحد مقبول وثلاثة مردودة فالمقبول ما كان لله خالصا وللسنة موافقا والمردود ما فقد منه الوصفان أو أحدهما وذلك أن العمل المقبول هو ما أحبه الله ورضيه وهو سبحانه إنما يحب ما أمر به وما عمل لوجهه وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها بل يمقتها ويمقت أهلها قال تعالى ! < الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا > !
قال الفضيل بن عياض هو اخلص العمل وأصوبه فسئل عن معنى ذلك فقال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا فالخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة ثم قرأ قوله ! < فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا > !
فإن قيل فقد بان بهذا أن العمل لغير الله مردود غير مقبول والعمل لله وحده مقبول فبقي قسم آخر وهو أن يعمل العمل لله ولغيره فلا يكون لله محضا ولا للناس محضا فما حكم هذا القسم هل يبطل العمل كله أم يبطل ما كان لغير الله ويصح ما كان لله
182
قيل هذا القسم تحته أنواع ثلاثة
أحدها ان يكون الباعث الأول على العمل هو الإخلاص ثم يعرض له الرياء وإرادة غير الله في إثنائه فهذا المعول فيه على الباعث الأول ما لم يفسخه بإرادة جازمة لغير الله فيكون حكمه حكم قطع النية في أثناء العبادة وفسخها أعنى قطع ترك استصحاب حكمها
الثاني عكس هذا وهو أن يكون الباعث الأول لغير الله ثم يعرض له قلب النية لله فهذا لا يحتسب له بما مضى من العمل ويحتسب له من حين قلب نيته ثم إن كانت العبادة لا يصح آخرها إلا بصحة أولها وجبت الإعادة كالصلاة وإلا لم تجب كمن أحرم لغير الله ثم قلب نيته لله عند الوقوف والطواف
الثالث أن يبتدئها مريدا بها الله والناس فيريد أداء فرضه والجزاء والشكور من الناس وهذا كمن يصلي بالأجرة فهو لو لم يأخذ الأجرة صلى ولكنه يصلي لله وللأجرة وكمن يحج ليسقط الفرض عنه ويقال فلان حج أو يعطي الزكاة كذلك فهذا لا يقبل منه العمل وإن كانت النية شرطا في سقوط الفرض وجبت عليه الإعادة فإن حقيقة الإخلاص التي هي شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد والحكم المعلق بالشرط عدم عند عدمه فإن الإخلاص هو تجريد القصد طاعة للمعبود ولم يؤمر إلا بهذا وإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عهدة الأمر وقد دلت السنة الصريحة على ذلك كما في قوله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل يوم القيامه أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فهو كله للذي أشرك به وهذا هو معنى قوله تعالى ! < فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا > !
فصل جزاء المخلص في دنياه وآخرته
وقوله فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته يريد به تعظيم
183
جزاء المخلص وأنه رزق عاجل إما للقلب أو للبدن أو لهما ورحمته مدخرة في خزائنه فإن الله سبحانه يجزئ العبد على ما عمل من خير في الدنيا ولا بد ثم في الآخرة يوفيه أجره كما قال تعالى ! < وإنما توفون أجوركم يوم القيامة > ! فما يحصل في الدنيا من الجزاء على الأعمال الصالحة ليس جزاء توفية وإن كان نوعا آخر كما قال تعالى عن إبراهيم ! < وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين > ! وهذا نظير قوله تعالى ! < وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين > ! فأخبر سبحانه أنه أتى خليله أجره في الدنيا من النعم التي أنعم بها عليه في نفسه وقلبه وولده وماله وحياته الطيبة ولكن ليس ذلك أجر توفية وقد دل القرآن في غير موضع على أن لكل من عمل خيرا أجرين عمله في الدنيا ويكمل له أجره في الآخرة كقوله تعالى ! < للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين > ! وفي الآية الأخرى ! < والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون > ! وقال في هذه السورة ! < من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون > ! وقال فيها عن خليله ! < وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين > ! فقد تكرر هذا المعنى في هذه السورة دون غيرها في أربعة مواضع لسر بديع فإنها سورة النعم التي عدد الله سبحانه فيها أصول النعم وفروعها فعرف عبادة أن لهم عنده في الآخرة من النعم أضعاف هذه بما لا يدرك تفاوته وأن هذه من بعض نعمه العاجلة عليهم وأنهم إن أطاعوه زادهم إلى هذه النعم نعما أخرى ثم في الآخرة يوفيهم أجور أعمالهم تمام التوفية وقال تعالى ! < وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله > ! فلهذا قال أمير المؤمنين فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام
فهذا بعض ما يتعلق بكتاب أمير المؤمنين رضي الله عنه من الحكم والفوائد والحمد لله رب العالمين
184
ذكر تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم وذكر الإجماع على ذلك
قد تقدم قوله تعالى ! < وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون > ! وأن ذلك يتناول القول على الله بغير علم في أسمائه وصفاته وشرعه ودينه
وتقدم حديث أبي هريرة المرفوع من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه
لا ضير على من لا يعلم ان يقول الله أعلم
وروى الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوما يتمارون في القرآن فقال إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا ولا يكذب بعضه بعضا فما علمتم منه فقولوا وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه فأمر من جهل شيئا من كتاب الله أن يكله إلى عالمه ولا يتكلف القول بما لا يعلمه
وروى مالك بن مغول عن أبي حصين عن مجاهد عن عائشة أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر رأسها قالت فقلت ألا عذرتني عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت ما لا أعلم
وروى أيوب عن بن أبي مليكة قال سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن آية فقال أي أرض تقلني وأي سماء تظلني وأين أذهب وكيف أصنع إذا أنا قلت في كتاب الله بغير ما أراد الله بها
وذكر البيهقي من حديث مسلم البطين عن عزرة التميمي قال قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة وابردها على كبدي ثلاث مرات قالوا يا أمير المؤمنين وما ذاك قال أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول الله أعلم
185
وذكر أيضا عن علي رضي الله عنه قال خمس إذا سافر فيهن رجل إلى اليمن كن فيه عوضا من سفره لا يخشى عبد إلا ربه ولا يخاف إلا ذنبه ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم ولا يستحي من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول الله أعلم والصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد
وقال الزهري عن خالد بن أسلم وهو أخو زيد بن أسلم خرجنا مع بن عمر نمشي فلحقنا أعرابي فقال أنت عبد الله بن عمر قال نعم قال سألت عنك فدللت عليك فأخبرني أترث العمة قال لا أدري قال أنت لا تدري قال نعم اذهب إلى العلماء بالمدينة فاسألهم فلما أدبر قبل يديه وقال نعما قال أبو عبد الرحمن سئل عما لا يدري فقال لا أدري
وقال بن مسعود من كان عنده علم فليقل به ومن لم يكن عنده علم فليقل الله أعلم فإن الله قال لنبيه ! < قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين > !
وصح عن بن مسعود وبن عباس من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون
وقال بن شبرمة سمعت الشعبي إذا سئل عن مسألة شديدة قال رب ذات وبر لا تنقاد ولا تنساق ولو سئل عنها الصحابة لعضلت بهم
وقال أبو حصين الأسدي إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر
وقال بن سيرين لأن يموت الرجل جاهلا خير له من أن يقول ما لا يعلم
وقال القاسم من إكرام الرجل نفسه أن لا يقول إلا ما أحاط به علمه وقال يا أهل العراق والله لا نعلم كثيرا مما تسألوننا عنه ولأن يعيش الرجل جاهلا إلا أن يعلم ما فرض الله عليه خير له من أن يقول على الله ورسوله ما لا يعلم
186
وقال مالك من فقه العالم أن يقول لا أعلم فإنه عسى أن يتهيأ له الخير وقال سمعت بن هرمز يقول ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون ذلك أصلا في أيديهم يفزعون إليه
وقال الشعبي لا أدري نصف العلم
وقال بن جبير ويل لمن يقول لما لا يعلم إني أعلم
وقال الشافعي سمعت مالكا يقول سمعت بن عجلان يقول إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتلة وذكره بن عجلان عن بن عباس
وقال عبد الرحمن بن مهدي جاء رجل إلى مالك فسأله عن شيء فمكث أياما ما يجيبه فقال يا أبا عبد الله إني أريد الخروج فأطرق طويلا ورفع رأسه فقال ما شاء الله يا هذا إني أتكلم فيما أحتسب فيه الخير ولست أحسن مسألتك هذه
وقال بن وهب سمعت مالكا يقول العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق قال وكان يقال التأني من الله والعجلة من الشيطان وهذا الكلام قد رواه الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال التأني من الله والعجلة من الشيطان وإسناده جيد
وقال بن المنكدر العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم وقال بن وهب قال لي مالك وهو ينكر كثرة الجواب في المسائل يا عبد الله ما علمت فقل وإياك أن تقلد الناس قلادة سوء
وقال مالك حدثني ربيعة قال قال لي أبو خلدة وكان نعم القاضي يا ربيعة أراك تفتي الناس فإذا جاءك الرجل يسألك فلا يكن همك أن تتخلص مما سألك عنه
وكان بن المسيب لا يكاد يفتي إلا قال اللهم سلمني وسلم مني
187
وقال مالك ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني هل تراني موضعا لذلك سألت ربيعة وسألت يحيى بن سعيد فأمراني بذلك فقيل له يا أبا عبد الله فلو نهوك قال كنت أنتهي
وقال بن عباس لمولاه عكرمة اذهب فأفت الناس وأنا لك عون فمن سألك عما يعنيه فأفته ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته فإنك تطرح عن نفسك ثلثي مؤنة الناس
تكرير السؤال وفوائده
وكان أيوب إذا سأله السائل قال له أعد فإن أعاد السؤال كما سأله عنه أولا أجابه وإلا لم يجبه وهذا من فهمه وفطنته رحمه الله وفي ذلك فوائد عديدة منها أن المسألة تزداد وضوحا وبيانا بتفهم السؤال ومنها أن السائل لعله أهمل فيها أمرا يتغير به الحكم فإذا أعادها ربما بينه له ومنها أن المسؤل قد يكون ذاهلا عن السؤال أولا ثم يحضر ذهنه بعد ذلك ومنها أنه ربما بان له تعنت السائل وأنه وضع المسألة فإذا غير السؤال وزاد فيه ونقص فربما ظهر له أن المسألة لا حقيقة لها وأنها من الأغلوطات أو غير الواقعات التي لا يجب الجواب عنها فإن الجواب بالظن إنما يجوز عند الضرورة فإن وقعت المسألة صارت حال ضرورة فيكون التوفيق إلى الصواب أقرب والله أعلم
ذكر تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به وإلى ما يجب المصير إليه وإلى ما يسوغ من غير إيجاب
فأما النوع الأول فهو ثلاثة أنواع أحدها الإعراض عما أنزل الله وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء الثاني تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله الثالث التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول
188
المقلد والفرق بين هذا وبين النوع الأول أن الأول قلد قبل تمكنه من العلم والحجة وهذا قلد بعد ظهور الحجة له فهو أولى بالذم ومعصية الله ورسوله
وقد ذم الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التقليد في غير موضع من كتابه كما في قوله تعالى ! < وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون > ! وقال تعالى ! < وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم > ! وقال تعالى ! < وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا > ! وهذا في القرآن كثير يذم فيه من أعرض عما أنزله وقنع بتقليد الآباء
فإن قيل إنما ذم من قلد الكفار وآباءه الذين لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ولم يذم من قلد العلماء المهتدين بل قد أمر بسؤال أهل الذكر وهم أهل العلم وذلك تقليد لهم فقال تعالى ! < فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون > ! وهذا أمر لمن لا يعلم بتقليد من يعلم
فالجواب أنه سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم ومأجور غير مأزور كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد الواجب والسائغ إن شاء الله
وقال تعالى ! < ولا تقف ما ليس لك به علم > ! والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم كما سيأتي وقال تعالى ! < قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون > !
189
وقال تعالى ! < اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء > ! فأمر باتباع المنزل خاصة والمقلد ليس له علم أن هذا هو المنزل وإن كان قد تبينت له الدلالة في خلاف قول من قلده فقد علم أن تقليده في خلافه اتباع لغير المنزل وقال تعالى ! < فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا > ! فمنعنا سبحانه من الرد إلى غيره وغير رسوله وهذا يبطل التقليد وقال تعالى ! < أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة > ! ولا وليجة أعظم ممن جعل رجلا بعينه مختارا على كلام الله وكلام رسوله وكلام سائر الأمة يقدمه على ذلك كله ويعرض كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة على قوله فما وافقه منها قبله لموافقته لقوله وما خالفه منها تلطف في رده وتطلب له وجوه الحيل فإن لم تكن هذه وليجة فلا ندري ما الوليجة وقال تعالى ! < يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا > ! وهذا نص في بطلان التقليد
فإن قيل إنما فيه ذم من قلد من أضله السبيل أما من هداه السبيل فأين ذم الله تقليده
قيل جواب هذا السؤال في نفس السؤال فإنه لا يكون العبد مهتديا حتى يتبع ما أنزل الله على رسوله فهذا المقلد إن كان يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو مهتد وليس بمقلد وإن كان لم يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو جاهل ضال بإقراره على نفسه فمن أين يعرف أنه على هدى في تقليده وهذا جواب كل سؤال يوردونه في هذا الباب وأنهم إذا كانوا إنما يقلدون أهل الهدى فهم في تقليدهم على هدى
فإن قيل فأنتم تقرون أن الأئمة المقلدين في الدين على هدى فمقلدوهم
190
على هدى قطعا لأنهم سالكون خلفهم
قيل سلوكهم خلفهم مبطل لتقليدهم لهم قطعا فإن طريقتهم كانت اتباع الحجة والنهي عن تقليدهم كما سنذكره عنهم إن شاء الله فمن ترك الحجة وارتكب ما نهوا عنه ونهى الله ورسوله عنه قبلهم فليس على طريقتهم وهو من المخالفين لهم وإنما يكون على طريقتهم من اتبع الحجة وانقاد للدليل ولم يتخذ رجلا بعينه سوى الرسول صلى الله عليه وسلم يجعله مختارا على الكتاب والسنة يعرضهما على قوله وبهذا يظهر بطلان فهم من جعل التقليد اتباعا وإيهامه وتلبيسه بل هو مخالف للاتباع وقد فرق الله ورسوله وأهل العلم بينهما كما فرقت الحقائق بينهما فإن الاتباع سلوك طريق المتبع والإتيان بمثل ما أتي به
الاتباع والتقليد
قال أبو عمر في الجامع باب فساد التقليد ونفيه والفرق بينه وبين الاتباع قال أبو عمر قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من كتابه فقال ! < اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله > ! روي عن حذيفة وغيره قال لم يعبدوهم من دون الله ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم وقال عدي بن حاتم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب فقال يا عدي ألق هذا الوثن من عنقك وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية ! < اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله > ! قال فقلت يا رسول الله إنا لم نتخذهم أربابا قال بلى أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل لكم فتحرمونه فقلت بلى قال فتلك عبادتهم
قلت الحديث في المسند والترمذي مطولا
وقال أبو البختري في قوله عز وجل ! < اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله > ! قال أما إنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم ولكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية
191
وقال وكيع ثنا سفيان والأعمش جميعا عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي ثابت عن أبي البختري قال قيل لحذيفة في قوله تعالى ! < اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله > ! أكانوا يعبدونهم فقال لا ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه
وقال تعالى ! < وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم > ! فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء فقالوا ! < إنا بما أرسلتم به كافرون > ! وفي هؤلاء ومثلهم قال الله عز وجل ! < إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم > ! وقال تعالى معاتبا لأهل الكفر وذاما لهم ! < ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين > ! وقال ! < وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا > ! ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد كما لو قلد رجلا فكفر وقلد آخر فأذنب وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجهها كان كل واحد ملموما على التقليد بغير حجة لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه وقال الله عز وجل ! < وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون > !
قال فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة وما كان في معناهما بدليل جامع ثم ساق من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
192
يقول إني لا أخاف على أمتي من بعدي إلا من أعمال ثلاثة قالوا وما هي يا رسول الله قال أخاف عليهم زلة العالم ومن حكم جائر ومن هوى متبع وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
قلت والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله وبيان زلة العالم ليبينوا بذلك فساد التقليد وأن العالم قد يزل ولا بد إذ ليس بمعصوم فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل قوله منزلة قول المعصوم فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض وحرموه وذموا أهله وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم فإنهم يقلدون العالم فيما زل فيه وفيما لم يزل فيه وليس لهم تمييز بين ذلك فيأخذون الدين بالخطأ ولا بد فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ويشرعون ما لم يشرع ولا بد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه فالخطأ واقع منه ولا بد وقد ذكر البيهقي وغيره من حديث كثير هذا عن أبيه عن جده مرفوعا اتقوا زلة العالم وانتظروا فيئته
وذكر من حديث مسعود بن سعد عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم
ومن المعلوم أن المخوف في زلة العالم تقليده فيها إذ لولا التقليد لم يخف من زلة العالم على غيره
فإذا عرف أنها زلة لم يجز له أن يتبعه فيها باتفاق المسلمين فإنه اتباع للخطأ على عمد ومن لم يعرف أنها زلة فهو أعذر منه وكلاهما مفرط فيما أمر به وقال الشعبي قال عمر يفسد الزمان ثلاثة أئمة مضلون وجدال
193
المنافق بالقرآن والقرآن حق وزلة العالم وقد تقدم أن معاذا كان لا يجلس مجلسا للذكر إلا قال حين يجلس الله حكم قسط هلك المرتابون الحديث وفيه وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم وقد يقول المنافق كلمة الحق قلت لمعاذ ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق قال لي اجتنب من كلام الحكيم المشبهات التي يقال ما هذه ولا يثنيك ذلك عنه فإنه لعله يراجع وتلق الحق إذا سمعته فإن على الحق نورا
وذكر البيهقي من حديث حماد بن زيد عن المثنى بن سعيد عن أبي العالية قال قال بن عباس ويل للأتباع من عثرات العالم قيل وكيف ذاك يا أبا العباس قال يقول العالم من قبل رأيه ثم يسمع الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيدع ما كان عليه وفي لفظ فيلقى من هو أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منه فيخبره فيرجع ويقضي الأتباع بما حكم
وقال تميم الداري اتقوا زلة العالم فسأله عمر ما زلة العالم قال يزل بالناس فيؤخذ به فعسى أن يتوب العالم والناس يأخذون بقوله
وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال قال معاذ بن جبل يا معشر العرب كيف تصنعون بثلاث دنيا تقطع أعناقكم وزلة عالم وجدال منافق بالقرآن فسكتوا فقال أما العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم وإن افتتن فلا تقطعوا منه إياسكم فإن المؤمن يفتتن ثم يتوب وأما القرآن فله منار كمنارالطريق فلا يخفى على أحد فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه وما شككتم فكلوه إلى عالمه وأما الدنيا فمن جعل الله الغني في قلبه فقد أفلح ومن لا فليس بنافعته دنياه
وذكر أبو عمر من حديث حسين الجعفي عن زائدة عن عطاء بن السائب
194
عن أبي البختري قال قال سلمان كيف أنتم عند ثلاث زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم وأما مجادلة المنافق بالقرآن فإن للقرآن منارا كمنار الطريق فلا يخفى على أحد فما عرفتم منه فخذوه وما لم تعرفوه فكلوه إلى الله وأما دنيا تقطع أعناقكم فانظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم
قال أبو عمر وتشبه زلة العالم بانكسار السفينة لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير
قال أبو عمر وإذا صح وثبت ان العالم يزل ويخطىء لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه
وقال غير أبي عمر كما أن القضاة ثلاثة قاضيان في النار وواحد في الجنة فالمفتون ثلاثة ولا فرق بينهما إلا في كون القاضي يلزم بما أفتى به والمفتي لا يلزم به
وقال بن وهب سمعت سفيان بن عيينة يحدث عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن بن مسعود أنه كان يقول اغد عالما أو متعلما ولا تغد إمعة فيما بين ذلك قال بن وهب فسألت سفيان عن الإمعة فحدثني عن أبي الزناد عن أبي الأحوص عن أبي مسعود قال كنا ندعو الإمعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيأتي معه بغيره وهو فيكم المحقب دينه الرجال
وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصري ثنا أبو مسهر ثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله عن السائب بن يزيد بن أخت نمر أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول إن حديثكم شر الحديث إن كلامكم شر الكلام فإنكم قد حدثتم الناس حتى قيل قال فلان وقال فلان ويترك كتاب الله من كان منكم قائما فليقم بكتاب الله وإلا فليجلس فهذا قول عمر لأفضل قرن على وجه الأرض فكيف لو أدرك ما أصبحنا فيه من ترك
195
كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة لقول فلان وفلان فالله المستعان
حديث علي لكميل بن زياد
قال أبو عمر وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة لكميل بن زياد النخعي وهو حديث مشهور عند أهل العلم يستغني عن الإسناد لشهرته عندهم ياكميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير والناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق ثم قال آه إن ها هنا علما وأشار بيده إلى صدره لو أصبت له حملة بل قدأصبت لقنا غير مأمون يستعمل آلة الدين للدنيا ويستظهر بحجج الله على كتابه وبنعمه على معاصيه أو حامل حق لا بصيرة له في إحيائه ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة لا يدري أين الحق أن قال أخطأ وإن أخطأ لم يدر مشغوف بما لا يدري حقيقته فهو فتنة لمن فتن به وإن من الخير كله من عرفه الله دينه وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف دينه
النهي عن الإستنان بالرجال
وذكر أبو عمر عن أبي البختري عن علي قال إياكم والاستنان بالرجال فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار فيموت وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت وهو من أهل الجنة فإن كنتم لابد فاعلين فبالأموات لا بالأحياء
وقال بن مسعود لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لاأسوه في الشر
قال أبو عمر وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يذهب
196
العلماء ثم يتخذ الناس رءوسا جهالا يسألون فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون قال أبو عمر وهذا كله نفي للتقليد وإبطال له لمن فهمه وهدى لرشده
ثم ذكر من طريق يونس بن عبد الأعلى ثنا سفيان بن عيينة قال اضطجع ربيعة مقنعا رأسه وبكى فقيل له ما يبكيك قال رياء ظاهر وشهوة خفية والناس عند علمائهم كالصبيان في إمامهم ما نهوهم عنه انتهوا وما أمروا به ائتمروا
وقال عبد الله بن المعتمر لا فرق بين بهيمة تنقاد وإنسان يقلد
ثم ساق من حديث جامع بن وهب أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن بكر بن عمر عن عمرو بن أبي نعيمة عن مسلم بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال علي مالم أقل فليتبوأ مقعده من النار ومن استشار أخاه فأشار عليه بغير رشده فقد خانه ومن أفتى بفتيا بغير ثبت فإنما إثمها على من أفتاه وقد تقدم هذا الحديث من رواية أبي داود وفيه دليل على تحريم الإفتاء بالتقليد فإنه إفتاء بغير ثبت فإن الثبت الحجة التي يثبت بها الحكم باتفاق الناس كما قال أبو عمر
الرد على من أجاز التقليد بحجج عقلية
وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية بعد ما تقدم فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني وأنا أورده قال يقال لمن حكم بالتقليد هل لك من حجة فيما حكمت به فإن قال نعم بطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد وإن قال حكمت به بغير حجة قيل له فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال وقد حرم الله ذلك إلا بحجة قال الله عزوجل ! < إن عندكم من سلطان بهذا > ! أي من حجة بهذا فإن قال أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت كبيرا من العلماء وهولا يقول إلا بحجة خفيت علي قيل له إذا جاز تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك فتقليد معلم معلمك أولى لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك
197
كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك فإن قال نعم ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أبى ذلك نقض قوله وقيل له كيف تجوز تقليد من هو أصغر وأقل علما ولا تجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علما وهذا تناقض فإن قال لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك قيل له وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك فإن قلد قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع والتابع من دونه في قياس قوله والأعلى للأدنى أبدا وكفى بقول يؤول إلى هذا تناقضا وفسادا
وقال أبو عمر قال أهل العلم والنظر حد العلم التبيين وإدراك المعلوم على ما هو به فمن بان له الشيء فقد علمه قالوا والمقلد لا علم له ولم يختلفوا في ذلك ومن ها هنا والله أعلم قال البحتري
عرف العالمون فضلك
بالعلم وقال الجهال بالتقليد
وأرى الناس مجمعين على
فضلك من بين سيد ومسود
وقال أبو عبد الله بن خواز منداد البصري المالكي التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه وذلك ممنوع منه في الشريعة والاتباع ما ثبت عليه حجة
وقال في موضع آخر من كتابه كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله بدليل يوجب ذلك فأنت مقلده والتقليد في دين الله غير صحيح وكل من أوجب الدليل عليك اتباع قوله فأنت متبعه والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع
198
وقال وذكر محمد بن حارث في أخبار سحنون بن سعيد عنه قال كان مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى بن هرمز فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما وإذا سأله بن دينار وذووه لا يجيبهم فتعرض له بن دينار يوما فقال له يا أبا بكر لم تستحل مني ما لا يحل لك فقال له يا بن أخي وما ذاك قال يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما وأسألك أنا وذووي فلا تجيبنا فقال أوقع ذلك يا بن أخي في قلبك قال نعم قال إني قد كبرت سني ودق عظمي وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان إذا سمعا مني حقا قبلاه وإن سمعا خطأ تركاه وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه
قال بن حارث هذا والله الدين الكامل والعقل الراجح لا كمن يأتي بالهذيان ويريد أن ينزل قوله من القلوب منزلة القرآن
قال أبو عمر يقال لمن قال بالتقليد لم قلت به وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا فإن قال قلدت لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحصها والذي قلدته قد علم ذلك فقلدت من هو أعلم مني قيل له أما العلماء إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية عن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض وكلهم عالم ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه فإن قال قلدته لأني اعلم أنه على صواب قيل له علمت ذلك بدليل من كتاب الله أو سنة أو إجماع فإن قال نعم أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل وإن قال قلدته لأنه أعلم مني قيل له فقلد كل من هو أعلم منك فإنك تجد من ذلك خلقا كثيرا ولا تخص من قلدته إذ علتك فيه أنه أعلم منك فإن قال قلدته لأنه أعلم الناس قيل له فإنه إذا أعلم من
199
الصحابة وكفى بقول مثل هذا قبحا فإن قال أنا أقلد بعض الصحابة قيل له فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله على أن القول لا يصح لفضل قائله وإنما يصح بدلالة الدليل عليه
وقد ذكر بن مزين عن عيسى بن دينار قال عن القاسم عن مالك قال ليس كلما قال رجل قولا وإن كان له فضل يتبع عليه لقول الله عز وجل ! < الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه > ! فإن قال قصري وقلة علمي يحملني على التقليد قيل له أما من قلد فيما ينزل به من أحكام شريعته عالما يتفق له على علمه فيصدر في ذلك عما يخبره فمعذور لأنه قد أدى ما عليه وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك ولكن من كانت هذه حاله هل تجوز له الفتيا في شرائع دين الله فيحمل غيره على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك ويصيرها إلى غير من كانت في يديه بقول لا يعرف صحته ولا قام الدليل عليه وهو مقر أن قائله يخطىء ويصيب وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما خالفه فيه فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظه الفروع لزمه أن يجيزه للعامة وكفى بهذا جهلا وردا للقرآن وقال الله تعالى ! < ولا تقف ما ليس لك به علم > ! وقال ! < أتقولون على الله ما لا تعلمون > ! وقد أجمع العلماء على أن مالم يتبين ولم يتيقن فليس بعلم وإنما هو ظن والظن لا يغني من الحق شيئا ثم ذكر حديث بن عباس من أفتى بفتيا وهو يعمى عنها كان إثمها عليه موقوفا ومرفوعا قال وهب عن النبي صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث
قال ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد ثم ذكر من طريق بن وهب أخبرني يونس عن بن شهاب أخبرني أبو عثمان بن مسنة أن رسول الله
200
صلى الله عليه وسلم قال إن العلم بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء ومن طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل له يا رسول الله وما الغرباء قال الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله وكان يقال العلماء غرباء لكثرة الجهال ثم ذكر عن مالك عن زيد بن أسلم في قوله نرفع درجات من نشاء قال بالعلم وقال بن عباس في قول الله تعالى ! < يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات > ! قال يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات
وروى هشام بن سعد عن زيد بن أسلم في قوله ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض قال بالعلم وإذا كان المقلد ليس من العلماء باتفاق العلماء لم يدخل في شيء من هذه النصوص وبالله التوفيق
فصل نهى الأئمة عن تقليدهم
وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة فقال الشافعي مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري ذكره البيهقي
وقال إسماعيل بن يحيى المزني في أول مختصره اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله لأقربه على من أراده مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه
وقال أبو داود قلت لأحمد الأوزاعي هو أتبع من مالك قال لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخذ به ثم التابعي بعد الرجل فيه مخير
وقد فرق أحمد بين التقليد والاتباع فقال أبو داود سمعته يقول الاتباع
201
أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ثم هو من بعد في التابعين مخير وقال أيضا لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الثوري ولا الأوزاعي وخذ من حيث أخذوا وقال من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال
وقال بشر بن الوليد قال أبو يوسف لا يحل لأحد ان يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا
وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب فكيف بمن ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله
وقال جعفر الفريابي حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني الهيثم بن جميل قال قلت لمالك بن أنس يا أبا عبد الله إن عندنا قوما وضعوا كتبا يقول أحدهم ثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا وفلان عن إبراهيم بكذا ويأخذ بقول إبراهيم قال مالك وصح عندهم قول عمر قلت إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم فقال مالك هؤلاء يستتابون والله أعلم
فصل في عقد مجلس مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة منقاد للحق حيث كان
قال المقلد نحن معاشر المقلدين ممتثلون قول الله تعالى ! < فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون > ! فأمر الله سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه وهذا نص قولنا وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم من لا يعلم إلى سؤال من يعلم فقال في حديث صاحب الشجة ألا سألوا إذا لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال وقال أبو العسيف الذي زنى بامرأة مستأجره وإني سألت أهل العلم فأخبروني أنما علي ابنى جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم
202
فلم ينكر عليه تقليد من هو أعلم منه وهذا عالم الأرض عمر قد قلد أبا بكر فروى شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي أن أبا بكر قال في الكلالة أقضي فيها فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريء هو ما دون الولد والوالد فقال عمر بن الخطاب إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر وصح عنه أنه قال له رأينا لرأيك تبع وصح عن بن مسعود أنه كان يأخذ بقول عمر
وقال الشعبي عن مسروق كان ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يفتون الناس بن مسعود وعمر بن الخطاب وعلي وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وأبو موسى وكان ثلاثة منهم يدعون قولهم لقول ثلاثة كان عبد الله يدع قوله لقول عمر وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي وكان زيد يدع قوله لقول أبي بن كعب وقال جندب ما كنت أدع قول بن مسعود لقول أحد من الناس وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن معاذا قد سن لكم سنة فكذلك فافعلوا في شأن الصلاة حيث أخر فصلى ما فاته من الصلاة مع الإمام بعد الفراغ وكانوا يصلون ما فاتهم أولا ثم يدخلون مع الإمام
قال المقلد وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر وهم العلماء أو العلماء والأمراء وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به فإنه لولا التقليد لم يكن هناك طاعة تختص بهم
وقال تعالى ! < والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه > ! وتقليدهم اتباع لهم ففاعله ممن رضي الله عنهم ويكفي في ذلك الحديث المشهور أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم
وقال عبد الله بن مسعود من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات
203
فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وقال اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد بن أم عبد وقد كتب عمر إلى شريح أن اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بما قضى به الصالحون وقد منع عمر عن بيع أمهات الأولاد وتبعه الصحابة وألزم بالطلاق الثلاث وتبعوه أيضا واحتلم مرة فقال له عمرو بن العاص خذ ثوبا غير ثوبك فقال لو فعلتها صارت سنة وقال أبي بن كعب وغيره من الصحابة ما استبان لك فاعمل به وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه
وقد كان الصحابة يفتون ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي بين أظهرهم وهذا تقليد لهم قطعا إذ قولهم لا يكون حجة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى ! < فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون > ! فأوجب عليهم قبول ما أنذروهم به إذا رجعوا إليهم وهذا تقليد منهم للعلماء
وصح عن بن الزبير أنه سئل عن الجد والإخوة فقال أما الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذته خليلا فإنه أنزله أبا وهذا ظاهر في تقليده له وقد أمر الله سبحانه بقبول شهادة الشاهد وذلك تقليد له وجاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارص والقاسم والمقوم للمتلفات وغيرها والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد وذلك تقليد محض
204
وأجمعت الأمة على قبول قول المترجم والرسول والمعرف والمعدل وإن اختلفوا في جواز الاكتفاء بواحد وذلك تقليد محض لهؤلاء
وأجمعوا على جواز شراء اللحمان والثياب والأطعمة وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلها وتحريمها اكتفاء بتقليد أربابها ولو كلف الناس كلهم الاجتهاد وأن يكونوا علماء فضلاء لضاعت مصالح العباد وتعطلت الصنائع والمتاجر وكان الناس كلهم علماء مجتهدين وهذا مما لا سبيل إليه شرعا والقدر قد منع من وقوعه
وقد أجمع الناس على تقليد الزوج للنساء اللاتي يهدين إليه زوجته وجواز وطئها تقليدا لهن في كونها هي زوجته
وأجمعوا على أن الأعمى يقلد في القبلة وعلى تقليد الأئمة في الطهارة وقراءة الفاتحة وما يصح به الاقتداء وعلى تقليد الزوجة مسلمة كانت أو ذمية أن حيضها قد انقطع فيباح للزوج وطؤها بالتقليد ويباح للولي تزويجها بالتقليد لها في انقضاء عدتها وعلى جواز تقليد الناس للمؤذنين في دخول أوقات الصلوات ولا يجب عليهم الاجتهاد ومعرفة ذلك بالدليل
وقد قالت الأمة السوداء لعقبة بن الحارث أرضعتك وأرضعت امرأتك فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بفراقها وتقليدها فيما أخبرته به من ذلك
وقد صرح الأئمة بجواز التقليد فقال حفص بن غياث سمعت سفيان يقول إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى تحريمه فلا تنهه
وقال محمد بن الحسن يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه ولا يجوز له تقليد من هو مثله
وقد صرح الشافعي بالتقليد فقال في الضبع بعير قلته تقليدا لعمر وقال في
205
مسألة بيع الحيوان بالبراءة من العيوب قلته تقليدا لعثمان وقال في مسألة الجد مع الإخوة إنه يقاسمهم ثم قال وإنما قلت بقول زيد وعنه قبلنا أكثر الفرائض وقد قال في موضع آخر من كتابه الجديد قلته تقليدا لعطاء
وهذا أبو حنيفة رحمه الله قال في مسائل الآبار ليس معه فيها إلا تقليد من تقدمه من التابعين فيها وهذا مالك لا يخرج عن عمل أهل المدينة ويصرح في موطئه بأنه أدرك العمل على هذا وهو الذي عليه أهل العلم ببلدنا ويقول في غير موضع ما رأيت أحدا أفتدي به يفعله ولو جمعنا ذلك من كلامه لطال
وقد قال الشافعي في الصحابة رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا ونحن نقول ونصدق أن رأى الشافعي والأئمة معه لنا خير من رأينا لأنفسنا
وقد جعل الله سبحانه في فطر العباد تقليد المتعلمين للأستاذين والمعلمين ولا تقوم مصالح الخلق إلا بهذا وذلك عام في كل علم وصناعة وقد فاوت الله سبحانه بين قوى الأذهان كما فاوت بين قوى الأبدان فلا يحسن في حكمته وعدله ورحمته أن يفرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله والجواب عن معارضه في جميع مسائل الدين دقيقها وجليلها ولو كان كذلك لتساوت أقدام الخلائق في كونهم علماء بل جعل سبحانه هذا عالما وهذا متعلما وهذا متبعا للعالم مؤتما به بمنزلة المأموم مع الإمام والتابع مع المتبوع وأين حرم الله تعالى على الجاهل أن يكون متبعا للعالم مؤتما به مقلدا له يسير بسيره وينزل بنزوله وقد علم الله سبحانه أن الحوادث والنوازل كل وقت نازلة بالخلق فهل فرض على كل منهم فرض عين أن يأخذ حكم نازلته من الأدلة الشرعية بشروطها ولوازمها وهل ذلك في إمكان أحد فضلا عن كونه مشروعا وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحوا البلاد وكان الحديث العهد بالإسلام يسألهم فيفتونه ولا يقولون له عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل ولا يعرف
206
ذلك عن أحد منهم البتة وهل التقليد إلامن لوازم التكليف ولوازم الوجود فهو من لوازم الشرع والقدر والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد وذلك فيما تقدم بيانه من الأحكام وغيرها
ونقول لمن احتج على إبطاله كل حجة أثرية ذكرتها فأنت مقلد لحملها ورواتها إذ لم يقم دليل قطعي على صدقهم فليس بيدك إلا تقليد الراوي وليس بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد وكذلك ليس بيد العامي إلا تقليد العالم فما الذي سوغ لك تقليد الراوي والشاهد ومنعنا من تقليد العالم وهذا سمع بأذنه ما رواه وهذا عقل بقلبه ما سمعه فأدى هذا مسموعه وأدى هذا معقوله وفرض على هذا تأدية ما سمعه وعلى هذ تأدية ما عقله وعلى من لم يبلغ منزلتهما القبول منهما
ثم يقال للمانعين من التقليد أنتم منعتموه خشية وقوع المقلد في الخطأ بأن يكون من قلده مخطئا في فتواه ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب الحق ولا ريب أن صوابه في تقليده للعالم أقرب من صوابه في اجتهاده هو لنفسه وهذا كمن أراد شراء سلعة لا خبرة له بها فإنه إذا قلد عالما بتلك السلعة خبيرا بها أمينا ناصحا كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده لنفسه وهذا متفق عليه بين العقلاء
قال أصحاب الحجة عجبا لكم معاشر المقلدين الشاهدين على أنفسهم مع شهادة أهل العلم بأنهم ليسوا من أهله ولا معدودين في زمرة أهله كيف أبطلتم مذهبكم بنفس دليلكم فما للمقلد وما للاستدلال وأين منصب المقلد من منصب المستدل وهل ما ذكرتم من الأدلة إلا ثيابا استعرتموها من صاحب الحجة فتجملتم بها بين الناس وكنتم في ذلك متشبعين بما لم تعطوه ناطقين من العلم بما شهدتم على أنفسكم أنكم لم تؤتوه وذلك ثوب زور لبستموه ومنصب لستم من
207
أهله غصبتموه فاخبرونا هل صرتم إلى التقليد لدليل قادكم إليه وبرهان دلكم عليه فنزلتم به من الاستدلال أقرب منزل وكنتم به عن التقليد بمعزل أم سلكتم سبيله اتفاقا وتخمينا من غير دليل وليس إلى خروجكم عن أحد هذين القسمين سبيل وأيهما كان فهو بفساد مذهب التقليد حاكم والرجوع إلى مذهب الحجة منه لازم ونحن إن خاطبناكم بلسان الحجة قلتم لسنا من أهل هذه السبيل وإن خاطبناكم بحكم التقليد فلا معنى لما أقمتموه من الدليل
والعجب أن كل طائفة من الطوائف وكل أمة من الأمم تدعى أنها على حق حاشا فرقة التقليد فإنهم لا يدعون ذلك ولو ادعوه لكانوا مبطلين فإنهم شاهدون على أنفسهم بأنهم لم يعتقدوا تلك الأقوال لدليل قادهم إليه وبرهان دلهم عليه وإنما سبيلهم محض التقليد والمقلد لا يعرف الحق من الباطل ولا الحالي من العاطل
وأعجب من هذا أن أئمتهم نهوهم عن تقليدهم فعصوهم وخالفوهم وقالوا نحن على مذاهبهم وقد دانوا بخلافهم في أصول المذهب الذي بنوا عليه فإنهم بنوا على الحجة ونهوا عن التقليد وأوصوهم إذا ظهر الدليل أن يتركوا أقوالهم ويتبعوه فخالفوهم في ذلك كله وقالوا نحن من أتباعهم تلك أمانيهم وما أتباعهم إلا من سلك سبيلهم واقتفى آثارهم في أصولهم وفروعهم
وأعجب من هذا أنهم مصرحون في كتبهم ببطلان التقليد وتحريمه وأنه لا يحل القول به في دين الله ولو اشترط الإمام على الحاكم أن يحكم بمذهب معين لم يصح شرطه ولا توليته ومنهم من صحح التولية وأبطل الشرط وكذلك المفتي يحرم عليه الإفتاء بما لا يعلم صحته باتفاق الناس والمقلد لا علم له بصحة القول وفساده إذ طريق ذلك مسدودة عليه ثم كل منهم يعرف من نفسه أنه مقلد لمتبوعه لا يفارق قوله ويترك له كل ما خالفه من
208
كتاب أو سنة أو قول صاحب أو قول من هو أعلم من متبوعه أو نظيره وهذا من أعجب العجب
وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أنه لم يكن في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلا منهم يقلده في جميع أقواله فلم يسقط منها شيئا وأسقط أقوال غيره فلم يأخذ منها شيئا ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في عصر التابعين ولا تابعي التابعين فليكذبنا المقلدون برجل واحد سلك سبيلهم الوخيمة في القرون الفضيلة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمقلدون لمتبوعهم في جميع ما قالوه يبيحون به الفروج والدماء والأموال ويحرمونها ولا يدرون أذلك صواب أم خطأ على خطر عظيم ولهم بين يدي الله موقف شديد يعلم فيه من قال على الله ما لا يعلم أنه لم يكن على شيء
وأيضا فنقول لكل من قلد واحدا من الناس دون غيره ما الذي خص صاحبك أن يكون أولى بالتقليد من غيره فإن قال لأنه أعلم أهل عصره وربما فضله على من قبله مع جزمه الباطل أنه لم يجيء بعده أعلم منه قيل له وما يدريك ولست من أهل العلم بشهادتك على نفسك أنه أعلم الأمة في وقته فإن هذا إنما يعرفه من عرف المذاهب وأدلتها وراجحها من مرجوحها فما للأعمى ونقد الدراهم وهذا أيضا باب آخر من القول على الله بلا علم ويقال له ثانيا فأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي وبن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وعائشة وبن عباس وبن عمر رضي الله عنهم أعلم من صاحبك بلا شك فهلا قلدتهم وتركته بل سعيد بن المسيب والشعبي وعطاء وطاوس وأمثالهم أعلم وأفضل بلا شك فلم تركت تقليد الأعلم الأفضل الأجمع لأدوات الخير والعلم والدين ورغبت عن أقواله ومذاهبه إلى من هو دونه فإن قال لأن صاحبي ومن قلدته أعلم به مني فتقليدي له أوجب علي مخالفة قوله لقول من
209
قلدته لأن وفور علمه ودينه يمنعه من مخالفة من هو فوقه وأعلم منه إلا لدليل صار إليه هو أولى من قول كل واحد من هؤلاء قيل له ومن أين علمت أن الدليل الذي صار إليه صاحبك الذي زعمت أنت أنه صاحبك أولى من الدليل الذي صار إليه من هو أعلم منه وخير منه أو هو نظيره وقولان معا متناقضان لا يكونان صوابا بل أحدهما هو الصواب ومعلوم أن ظفر الأعلم الأفضل بالصواب أقرب من ظفر من هو دونه فإن قلت علمت ذلك بالدليل فههنا إذا قد انتقلت عن منصب التقليد إلى منصب الاستدلال وأبطلت التقليد
ثم يقال لك ثالثا هذا لا ينفعك شيئا البتة فيما اختلف فيه فإن من قلدته ومن قلده غيرك قد اختلفا وصار من قلده غيرك إلى موافقة أبي بكر وعمر أو علي وبن عباس أو عائشة وغيرهم دون من قلدته فهلا نصحت نفسك وهديت لرشدك وقلت هذان عالمان كبيران ومع أحدهما من ذكر الصحابة فهو أولى بتقليدي إياه
ويقال له رابعا إمام بإمام ويسلم قول الصحابي فيكون أولى بالتقليد
ويقال خامسا إذا جاز أن يظفر من قلدته بعلم خفي على عمر بن الخطاب وعلى علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وذويهم فأحق وأحق وأجوز وأجوز أن يظفر نظيره ومن بعده بعلم خفي عليه هو فإن النسبة بين من قلدته وبين نظيره ومن بعده أقرب بكثير من النسبة بين من قلدته وبين الصحابة والخفاء على من قلدته أقرب من الخفاء على الصحابة
ويقال سادسا إذا سوغت لنفسك مخالفة الأفضل الأعلم لقول المفضول فهلا سوغت لها مخالفة المفضول لمن هو أعلم منه وهل كان الذي ينبغي ويجب إلا عكس ما ارتكبت
ويقال سابعا هل أنت في تقليد إمامك وإباحة الفروج والدماء والأموال ونقلها عمن هي بيده إلى غيره موافق لأمر الله أو رسوله أو إجماع أمته أو قول أحد من الصحابة فإن قال نعم قال ما يعلم الله ورسوله وجميع العلماء بطلانه وإن قال لا فقد كفانا مؤنته وشهد على نفسه بشهادة الله ورسوله وأهل العلم عليه
210
ويقال ثامنا تقليدك لمتبوعك يحرم عليك تقليده فإنه نهاك عن ذلك وقال لا يحل لك أن تقول بقوله حتى تعلم من أين قاله ونهاك عن تقليده وتقليد غيره من العلماء فإن كنت مقلدا له في جميع مذهبه فهذا من مذهبه فهلا اتبعته فيه
ويقال تاسعا هل أنت على بصيرة في أن من قلدته أولى بالصواب من سائر من رغبت عن قوله من الأولين والآخرين أم لست على بصيرة فإن قال أنا على بصيرة قال ما يعلم بطلانه وإن قال لست على بصيرة وهو الحق قيل له فما عذرك غدا بين يدي الله حين لا ينفعك من قلدته بحسنة واحدة ولا يحمل عنك سيئة واحدة إذا حكمت وأفتيت بين خلقه بما لست على بصيرة منه هل هو صواب أم خطأ
ويقال عاشرا هل تدعى عصمة متبوعك أو تجوز عليه الخطأ والأول لا سبيل إليه بل تقر ببطلانه فتعين الثاني وإذا جوزت عليه الخطأ فكيف تحلل وتحرم وتوجب وتريق الدماء وتبيح الدماء وتبيح الفروج وتنقل الأموال وتضرب الأبشار بقول من أنت مقر بجواز كونه مخطئا
ويقال حادي عشر هل تقول إذا أفتيت أو حكمت بقول من قلدته إن هذا هو دين الله الذي أرسل به رسوله وأنزل به كتابه وشرعه لعباده ولا دين له سواه أو تقول إن دين الله الذي شرعه لعباده خلافه أو تقول لا أدري ولا بد لك من قول من هذه الأقوال ولا سبيل لك إلى الأول قطعا فإن دين الله الذي لا دين له سواه لا تسوغ مخالفته وأقل درجات مخالفه أن يكون من الآثمين والثاني لا تدعيه فليس لك ملجأ إلا الثالث فيالله العجب كيف تستباح الفروج والدماء والأموال والحقوق وتحلل وتحرم بأمر أحسن أحواله وأفضلها لا أدري
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ويقال ثاني عشر على أي شيء كان الناس قبل أن يولد فلان وفلان وفلان الذين قلدتموهم وجعلتم أقوالهم بمنزلة نصوص الشارع وليتكم اقتصرتم
211
على ذلك بل جعلتموها أولى بالاتباع من نصوص الشارع أفكان الناس قبل وجود هؤلاء على هدى أو على ضلالة فلا بد من أن تقروا بأنهم كانوا على هدى فيقال لهم فما الذي كانوا عليه غير اتباع القرآن والسنن والآثار وتقديم قول الله ورسوله وآثار الصحابة على ما يخالفها والتحاكم إليها دون قول فلان أو رأي فلان وإذا كان هذا هو الهدى فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تؤفكون فإن قالت كل فرقة من المقلدين وكذلك يقولون صاحبنا هو الذي ثبت على ما مضى عليه السلف واقتفى منهاجهم وسلك سبيلهم قيل لهم فمن سواه من الأئمة هل شارك صاحبكم في ذلك أو انفرد صاحبكم بالاتباع وحرمه من عداه فلا بد من واحد من الأمرين فإن قالوا بالثاني فهم أضل سبيلا من الأنعام وإن قالوا بالأول فيقال فكيف وقفتم لقبول قول صاحبكم كله ورد قول من هو مثله أو أعلم منه كله فلا يرد لهذا قول ولا يقبل لهذا قول حتى كأن الصواب وقف على صاحبكم والخطأ وقف على من خالفه ولهذا أنتم موكلون بنصرته في كل ما قاله وبالرد على من خالفه في كل ما قاله وهذه حال الفرقة الأخرى معكم
ويقال ثالث عشر فمن قلدتموه من الأئمة قد نهوكم عن تقليدهم فأنتم أول مخالف لهم قال الشافعي مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه وقال أحمد لا تقلد دينك أحدا
ويقال رابع عشر هل أنتم موقنون بأنكم غدا موقوفون بين يدي الله وتسألون عما قضيتم به في دماء عباده وفروجهم وأبشارهم وأموالهم وعما أفتيتم به في دينه محرمين ومحللين وموجبين فمن قولهم نحن موقنون بذلك فيقال لهم فإذا سألكم من أين قلتم ذلك فماذا جوابكم فإن قلتم جوابنا إنا حللنا وحرمنا وقضينا بما في كتاب الأصل لمحمد بن الحسن مما رواه عن أبي حنيفة
212
وأبي يوسف من رأى واختيار وبما في المدونة من رواية سحنون عن بن القاسم من رأى واختيار وبما في الأم من رواية الربيع من رأى واختيار وبما في جوابات غير هؤلاء من رأي واختيار وليتكم اقتصرتم على ذلك أو صعدتم إليه أو سمت هممكم نحوه بل نزلتم عن ذلك طبقات فإذا سئلتم هل فعلتم ذلك عن امري أو أمر رسولي فماذا يكون جوابكم إذا فإن أمكنكم حينئذ أن تقولوا فعلنا ما أمرتنا به وأمرنا به رسولك فزتم وتخلصتم وإن لم يمكنكم ذلك فلا بد أن تقولوا لم تامرنا بذلك ولا رسولك ولا أئمتنا ولا بد من أحد الجوابين وكأن قد
ويقال خامس عشر إذا نزل عيسى بن مريم إماما عدلا وحكما مقسطا فبمذهب من يحكم وبرأي من يقضي ومعلوم أنه لا يحكم ولا يقضي إلا بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم التي شرعها الله لعباده فذلك الذي يقضى به أحق وأولى الناس به عيسى بن مريم هو الذي أوجب عليكم أن تقضوا به وتفتوا ولا يحل لأحد أن يقضى ولا يفتي بشيء سواه البتة فإن قلتم نحن وأنتم في هذا السؤال سواء قيل أجل ولكن نفترق في الجواب فنقول يا ربنا إنك لتعلم أنا لم نجعل أحدا من الناس عيارا على كلامك وكلام رسولك وكلام أصحاب رسولك ونرد ما تنازعنا فيه إليه ونتحاكم إلى قوله ونقدم أقواله على كلامك وكلام رسولك وكلام أصحاب رسولك وكان الخلق عندنا أهون أن نقدم كلامهم وآراءهم على وحيك بل أفتينا بما وجدناه في كتابك وبما وصل إلينا من سنة رسولك وبما أفتى به أصحاب نبيك وإن عدلنا عن ذلك فخطأ منا لا عمد ولا نتخذ من دونك ولا دون رسولك ولا المؤمنين وليجة ولم نفرق ديننا ونكون شيعا ولم نقطع أمرنا بيننا زبرا وجعلنا أئمتنا قدوة لنا ووسائط بيننا وبين رسولك في نقلهم ما بلغوه إلينا عن رسولك
213
فاتبعناهم في ذلك وقلدناهم فيه إذ أمرتنا أنت وأمرنا رسولك بأن نسمع منهم ونقبل ما بلغوه عنك وعن رسولك فسمعا لك ولرسولك وطاعة ولم نتخذهم أربابا نتحاكم إلى أقوالهم ونخاصم بها ونوالي ونعادي عليها بل عرضنا أقوالهم على كتابك وسنة رسولك فما وافقهما قبلناه وما خالفهما أعرضنا عنه وتركناه وإن كانوا اعلم منا بك وبرسولك فمن وافق قوله قول رسولك كان أعلم منهم في تلك المسألة فهذا جوابنا ونحن نناشدكم الله هل أنتم كذلك حتى يمكنكم هذا الجواب بين يدي من لا يبدل القول لديه ولا يروج الباطل عليه
ويقال سادس عشر كل طائفة منكم معاشر طوائف المقلدين قد أنزلت جميع الصحابة من أولهم إلى آخرهم وجميع التابعين من أولهم إلى آخرهم وجميع علماء الأمة من أولهم إلى آخرهم إلا من قلدتموه في مكان من لا يعتد بقوله ولا ينظر في فتاواه ولا يشتغل بها ولا يعتد بها ولا وجه للنظر فيها إلا للتمحل وإعمال الفكر وكده في الرد عليهم إذا خالف قولهم قول متبوعهم وهذا هو المسوغ للرد عليهم عندهم فإذا خالف قول متبوعهم نصا عن الله ورسوله فالواجب التمحل والتكلف في إخراج ذلك النص عن دلالته والتحيل لدفعه بكل طريق حتى يصح قول متبوعهم فيالله لدينه وكتابه وسنة رسوله ولبدعة كادت تثل عرش الإيمان وتهد ركنه لولا أن الله ضمن لهذا الدين أن لا يزال فيه من يتكلم بأعلامه ويذب عنه فمن أسوأ ثناء على الصحابة والتابعين وسائر علماء المسلمين وأشد استخفافا بحقوقهم وأقل رعاية لواجبهم وأعظم استهانة بهم ممن لا يلتفت إلى قول رجل واحد منهم ولا إلى فتواه غير صاحبه الذي اتخذه وليجة من دون الله ورسوله
ويقال سابع عشر من أعجب أمركم أيها المقلدون انكم اعترفتم وأقررتم على أنفسكم بالعجز عن معرفة الحق بدليله من كلام الله وكلام رسوله مع سهولته
214
وقرب مأخذه واستيلائه على أقصى غايات البيان واستحالة التناقض والاختلاف عليه فهو نقل مصدق عن قائل معصوم وقد نصب الله سبحانه الأدلة الظاهرة على الحق وبين لعباده ما يتقون فادعيتم العجز عن معرفة ما نصب عليه الأدلة وتولى بيانه ثم زعمتم أنكم قد عرفتم بالدليل أن صاحبكم أولى بالتقليد من غيره وأنه أعلم الأمة وأفضلها في زمانه وهلم جرا وغلاة كل طائفة منكم توجب اتباعه وتحرم اتباع غيره كما هو في كتب أصولهم فعجبا كل العجب لمن خفي عليه الترجيح فيما نصب الله عليه الأدلة من الحق ولم يهتد إليها واهتدى إلى ان متبوعه أحق وأولى بالصواب ممن عداه ولم ينصب الله على ذلك دليلا واحدا
ويقال ثامن عشر أعجب من هذا كله من شأنكم معاشر المقلدين أنكم إذا وجدتم آية من كتاب الله توافق رأي صاحبكم أظهرتم أنكم تأخذون بها والعمدة في نفس الأمر على ما قاله لا على الآية وإذا وجدتم آية نظيرها تخالف قوله لم تأخذوا بها وتطلبتم لها وجوه التأويل وإخراجها عن ظاهرها حيث لم توافق رأيه وهكذا تفعلون في نصوص السنة سواء وإذا وجدتم حديثا صحيحا يوافق قوله أخذتم به وقلتم لنا قوله صلى الله عليه وسلم كيت وكيت وإذا وجدتم مائة حديث صحيح بل وأكثر تخالف قوله لم تلتفتوا إلى حديث منها ولم يكن لكم منها حديث واحد فتقولون لنا قوله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا وإذا وجدتم مرسلا قد وافق رأيه أخذتم به وجعلتموه حجة هناك وإذا وجدتم مائة مرسل تخالف رأيه أطرحتموها كلها من أولها إلى آخرها وقلتم لا نأخذ بالمرسل
ويقال تاسع عشر أعجب من هذا كله أنكم إذا أخذتم بالحديث مرسلا كان أو مسندا لموافقته رأي صاحبكم ثم وجدتم فيه حكما يخالف رأيه لم تأخذوا به
215
في ذلك الحكم وهو حديث واحد وكأن الحديث حجة فيما وافق رأي من قلدتموه وليس بحجة فيما خالف رأيه
ولنذكر من هذا طرفا فإنه من عجيب أمرهم
المقلدون يتضاربون في أقوالهم
فاحتج طائفة منهم في سلب طهورية الماء المستعمل في رفع الحدث بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة والمرأة بفضل وضوء الرجل وقالوا الماء المنفصل عن أعضائهما هو فضل وضوئهما وخالفوا نفس الحديث فجوزوا لكل منهما أن يتوضأ بفضل طهور الآخر وهو المقصود بالحديث فإنه نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خلت بالماء وليس عندهم للخلوة أثر ولا لكون الفضلة فضلة امرأة أثر فخالفوا نفس الحديث الذي احتجوا به وحملوا الحديث على غير محمله إذ فضل الوضوء بيقين هو الماء الذي فضل منه ليس هو الماء المتوضأ به فإن ذلك لا يقال له فضل الوضوء فاحتجوا به فيما لم يرد به وأبطلوا الاحتجاج به فيما أريد به
ومن ذلك احتجاجهم على نجاسة الماء بالملاقاة وإن لم يتغير بنهيه صلى الله عليه وسلم أن يبال في الماء الدائم ثم قالوا لو بال في الماء الدائم لم ينجسه حتى ينقص عن قلتين
واحتجوا على نجاسته أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا ثم قالوا لو غمسها قبل غسلها لم ينجس الماء ولا يجب عليه غسلها وإن شاءان يغمسها قبل الغسل فعل
واحتجوا في هذه المسألة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بحفر الأرض التي بال فيها البائل وإخراج ترابها ثم قالوا لا يجب حفرها بل لو تركت حتى يبست بالشمس والريح طهرت
216
واحتجوا على منع الوضوء بالماء المستعمل بقوله صلى الله عليه وسلم يابني عبد المطلب إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس يعني الزكاة ثم قالوا لا تحرم الزكاة على بني عبد المطلب
واحتجوا على أن السمك الطافي إذا وقع في الماء لا ينجسه بخلاف غيره من ميتة البر فإنه ينجس الماء بقوله صلى الله عليه وسلم في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته ثم خالفوا هذا الخبر بعينه وقالوا لا يحل ما مات في البحر من السمك ولا يحل شيء مما فيه أصلا غير السمك
واحتج أهل الرأي على نجاسة الكلب وولوغه بقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات ثم قالوا لا يجب غسله سبعا بل يغسل مرة ومنهم من قال ثلاثا
واحتجوا على تفريقهم في النجاسة المغلظة بين قدر الدرهم وغيره بحديث لا يصح من طريق غطيف عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يرفعه تعاد الصلاة من قدر الدرهم ثم قالوا لا تعاد الصلاة من قدر الدرهم
واحتجوا بحديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة في الزكاة في زيادة الإبل على عشرين ومائة أنها ترد إلى أول الفريضة فيكون في كل خمس شاة وخالفوه في اثنى عشر موضعا منه ثم احتجوا بحديث عمرو بن حزم أن ما زاد على مائتي درهم فلا شيء فيه حتى يبلغ أربعين فيكون فيها درهم وخالفوا الحديث بعينه في نص ما فيه في أكثر من خمسة عشر موضعا
واحتجوا على أن الخيار لا يكون أكثر من ثلاثة أيام بحديث المصراة وهذا من إحدى العجائب فإنهم من أشد الناس إنكارا له ولا يقولون به فإن كان حقا وجب اتباعه وإن لم يكن صحيحا لم يجز الاحتجاج به في تقدير
217
الثلاث مع أنه ليس في الحديث تعرض لخيار الشرط فالذي أريد بالحديث ودل عليه خالفوه والذي احتجوا عليه به لم يدل عليه
واحتجوا لهذه المسألة أيضا بخبر حبان بن منقذ الذي كان يغبن في البيع فجعل له النبي صلى الله عليه وسلم الخيار ثلاثة أيام وخالفوا الخبر كله فلم يثبتوا الخيار بالغبن ولو كان يساوي عشر معشار ما بذله فيه وسواء قال المشتري لا خلابة أو لم يقل وسواء غبن قليلا أو كثيرا لا خيار له في ذلك كله
واحتجوا في إيجاب الكفارة على من أفطر في نهار رمضان بأن في بعض ألفاظ الحديث أن رجلا أفطر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفر ثم خالفوا هذا اللفظ بعينه فقالوا إن استف دقيقا أو بلع عجينا أو أهليلجا أو طيبا أفطر ولا كفارة عليه
واحتجوا على وجوب القضاء على من تعمد القيء بحديث أبي هريرة ثم خالفوا الحديث بعينه فقالوا إن تقيأ أقل من ملء فيه فلا قضاء عليه
واحتجوا على تحديد مسافة الفطر والقصر بقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام إلا مع زوج أو ذي محرم وهذا مع أنه لادليل فيه البتة على ما ادعوه فقد خالفوه نفسه فقالوا يجوز للممولكة والمكاتبة وأم الولد السفر مع غير زوج ومحرم
واحتجوا على منع المحرم من تغطية وجهه بحديث بن عباس في الذي وقصته ناقته وهو محرم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا وهذا من العجب فإنهم يقولون إذا مات المحرم جاز تغطية رأسه ووجهه وقد بطل إحرامه
واحتجوا على إيجاب الجزاء على من قتل ضبعا في الإحرام بحديث جابر أنه أفتى بأكلها وبالجزاء على قاتلها وأسند ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
218
ثم خالفوا الحديث بعينه فقالوا لا يحل أكلها
واحتجوا فيمن وجبت عليه ابنة مخاض فأعطى ابنة لبون تساوي ابنة مخاض أو حمارا يساويها أنه يجزئه بحديث أنس الصحيح وفيه من وجبت عليه ابنة مخاض وليست عنده وعنده ابنة لبون فإنها تؤخذ منه ويرد عليه الساعي شاتين أو عشرين درهما وهذا من العجب فإنهم لا يقولون بما دل عليه الحديث من تعيين ذلك ويستدلون به على ما لم يدل عليه بوجه ولا أريد به
واحتجوا على إسقاط الحدود في دار الحرب إذا فعل المسلم أسبابها بحديث لا تقطع الأيدي في الغزو وفي لفظ في السفر ولم يقولوا بالحديث فإن عندهم لا أثر للسفر ولا للغزو في ذلك
واحتجوا في إيجاب الأضحية بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأضحية وأن يطعم منها الجار والسائل فقالوا لا يجب أن يطعم منها جار ولا سائل
واحتجوا في إباحة ما ذبحه غاصب أو سارق بالخبر الذي فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعى إلى الطعام مع رهط من أصحابه فلما أخذ لقمة قال إني أجد لحم شاة أخذت بغير حق فقالت المرأة يا رسول الله إني أخذتها من امرأة فلان بغير علم زوجها فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تطعم الأسارى وقد خالفوا هذا الحديث فقالوا ذبيحة الغاصب حلال ولا تحرم على المسلمين
واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم جرح العجماء جبار في إسقاط الضمان بجناية المواشي ثم خالفوه فيما يدل عليه وأريد به فقالوا من ركب دابة أو قادها أو ساقها فهو ضامن لمن عضت بفمها ولا ضمان عليه فيما أتلفت برجلها
219
واحتجوا على تأخير القود إلى حين البرء بالحديث المشهور أن رجلا طعن آخر في ركبته بقرن فطلب القود فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يبرأ فأبى فأفاده قبل أن يبرأ الحديث وخالفوه في القصاص من الطعنة فقالوا لا يقتص منها
واحتجوا على إسقاط الحد عن الزاني بأمة ابنه أو أم ولده بقوله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك وخالفوه فيما دل عليه فقالوا ليس للأب من مال ابنه شيء البتة ولم يبيحوا له من مال ابنه عود أراك فما فوقه وأوجبوا حبسه في دينه وضمان ما أتلفه عليه
واحتجوا على أن الإمام يكبر إذا قال المقيم قد قامت الصلاة بحديث بلال أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبقني بآمين وبقول أبي هريرة لمروان لا تسبقني بآمين ثم خالفوا الخبر جهارا فقالوا لا يؤمن الإمام ولا المأموم
واحتجوا على وجوب مسح ربع الرأس بحديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعمامته ثم خالفوه فيما دل عليه فقالوا لا يجوز المسح على العمامة ولا أثر للمسح عليها البتة فإن الفرض سقط بالناصية والمسح على العمامة غير واجب ولا مستحب عندهم
واحتجوا لقولهم في استحباب مساوقة الإمام بقوله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به قالوا والائتمام به يقتضي أن يفعل مثل فعله سواء ثم خالفوا الحديث فيما دل عليه فإن فيه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون
واحتجوا على أن الفاتحة لا تتعين في الصلاة بحديث المسيء في صلاته حيث قال له اقرأ ما تيسر معك من القرآن وخالفوه فيما دل عليه صريحا
220
في قوله ? < ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا > ? وقوله ? < ارجع فصل فأنك لم تصل > ? فقالوا من ترك الطمأنينة فقد صلى وليس الأمر بها فرضا لازما مع أن الأمر بها وبالقراءة سواء في الحديث
واحتجوا على إسقاط جلسة الاستراحة بحديث أبي حميد حيث لم يذكرها فيه وخالفوه في نفس ما دل عليه من رفع اليدين عند الركوع والرفع منه
واحتجوا على إسقاط فرض الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والسلام في الصلاة بحديث بن مسعود فإذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك ثم خالفوه في نفس ما دل عليه فقالوا صلاته تامة قال ذلك أو لم يقله
واحتجوا على جواز الكلام والإمام يخطب على المنبر يوم الجمعة بقوله صلى الله عليه وسلم للداخل أصليت يا فلان قبل أن تجلس قال لا قال قم فاركع ركعتين وخالفوه في نفس ما دل عليه فقالوا من دخل والإمام يخطب جلس ولم يصل
واحتجوا على كراهية رفع اليدين في الصلاة بقوله صلى الله عليه وسلم ما بالهم رافعي أيديهم كأنها أذناب خيل شمس ثم خالفوه في نفس ما دل عليه فإن فيه إنما يكفي أحدكم أن يسلم على أخيه من عن يمينه وشماله السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله فقالوا لا يحتاج إلى ذلك ويكفيه غيره من كل مناف للصلاة
واحتجوا في استخلاف الإمام إذا أحدث بالخبر الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وأبو بكر يصلي بالناس فتأخر أبو بكر وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس ثم خالفوه في نفس ما دل عليه فقالوا من فعل مثل ذلك بطلت صلاته وأبطلوا صلاة من فعل مثل فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ومن حضر من الصحابة فاحتجوا بالحديث فيما لم يدل
221
عليه وأبطلوا العمل به في نفس ما دل عليه
واحتجوا لقولهم إن الإمام إذا صلى جالسا لمرض صلى المأمومون خلفه قياما بالخبر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج فوجد أبا بكر يصلي بالناس قائما فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم وجلس وصلى بالناس وتأخر أبو بكر ثم خالفوا الحديث في نفس ما دل عليه وقالوا إن تأخر الإمام لغير حدث وتقدم الآخر بطلت صلاة الإمامين وصلاة جمع المأمومين
واحتجوا على بطلان صوم من أكل يظنه ليلا فبان نهارا بقوله صلى الله عليه وسلم إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بن أم مكتوم ثم خالفوا الحديث في نفس ما دل عليه فقالوا لا يجوز الأذان للفجر بالليل لا في رمضان ولا في غيره ثم خالفوه من جهة أخرى فإن في نفس الحديث وكان بن مكتوم رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت وعندهم من أكل في ذلك الوقت بطل صومه
واحتجوا على المنع من استقبال القبلة واستدبارها بالغائط بقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها وخالفوا الحديث نفسه وجوزوا استقبالها واستدبارها بالبول
واحتجوا على عدم شرط الصوم في الاعتكاف بالحديث الصحيح عن عمر أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوفي بنذره وهم لا يقولون بالحديث فإن عندهم أن نذر الكافر لا ينعقد ولا يلزم الوفاء به بعد الإسلام
واحتجوا على الرد بحديث تحوز المرأة ثلاث مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لا عنت عليه ولم يقولوا بالحديث في حيازتها مال لقيطها وقد قال به عمر بن الخطاب وإسحاق بن راهوية وهو الصواب
222
واحتجوا في توريث ذوي الأرحام بالخبر الذي فيه التمسوا له وارثا أو ذا رحم فلم يجدوا فقال أعطوه الكبر من خزاعة ولم يقولوا به في أن من لا وارث له يعطي ماله للكبر من قبيلته
واحتجوا في منع القاتل ميراث المقتول بخبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا يرث قاتل ولا يقتل مؤمن بكافر فقالوا بأول الحديث دون آخره
واحتجوا على جواز التيمم في الحضر مع وجود الماء للجنازة إذا خاف فوتها بحديث أبي جهيم بن الحارث في تيمم النبي صلى الله عليه وسلم لرد السلام ثم خالفوه فيما دل عليه في موضعين أحدهما أنه تيمم بوجهه وكفيه دون ذراعيه والثاني أنهم لم يكرهوا رد السلام للمحدث ولم يستحبوا التيمم لرد السلام
واحتجوا في جواز الاقتصار في الاستنجاء على حجرين بحديث بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب لحاجته وقال له ائتني بأحجار فأتاه بحجرين وروثه فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال هذه ركس ثم خالفوه فيما هو نص فيه فأجازوا الاستجمار بالروث واستدلوا به على ما لا يدل عليه من الاكتفاء بحجرين
واحتجوا على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم حاملا أمامه بنت أبي العاص بن الربيع إذا قام حملها وإذا ركع أو سجد وضعها ثم قالوا من صلى كذلك بطلت صلاته وصلاة من ائتم به قال بعض أهل العلم ومن العجب إبطالهم هذه الصلاة وتصحيحهم الصلاة بقراءة مدهامتان بالفارسية ثم يركع قدر نفس ثم يرفع قدر حد السيف أو لا يرفع بل يخر كما هو ساجدا ولا يضع على الأرض يديه ولا رجليه وإن أمكن أن لا يضع ركبتيه صح ذلك ولا جبهته بل يكفيه وضع رأس أنفه كقدر نفس واحد
223
ثم يجلس مقدار التشهد ثم يفعل فعلا ينافي الصلاة من فساء أو ضراط أو ضحك أو نحو ذلك
واحتجوا على تحريم وطء المسبية والمملوكة قبل الاستبراء بقول النبي صلى الله عليه وسلم لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة ثم خالفوا صريحه فقالوا إن أعتقها وزوجها وقد وطئها البارحة حل للزوج أن يطأها الليلة
واحتجوا في ثبوت الحضانة للخالة بخبر بنت حمزة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بها لخالتها ثم خالفوه فقالوا لو تزوجت الخالة بغير محرم للبنت كابن عمها سقطت حضانتها
واحتجوا على المنع من التفريق بين الأخوين بحديث علي في نهيه عن التفريق بينهما ثم خالفوه فقالوا لا يرد المبيع إذا وقع كذلك وفي الحديث الأمر برده
واحتجوا على جريان القصاص بين المسلم والذمي بخبر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أقاد يهوديا من مسلم لطمه ثم خالفوه فقالوا لا قود في اللطمة والضربة لا بين مسلمين ولا بين مسلم وكافر
واحتجوا على أنه لا قصاص بين العبد وسيده بقوله صلى الله عليه وسلم من لطم عبده فهو حر ثم خالفوه فقالوا لا يعتق بذلك واحتجوا أيضا بالحديث الذي فيه من مثل بعبده عتق عليه فقالوا لم يوجب عليه القود ثم قالوا لا يعتق عليه
واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب في العين نصف الدية ثم خالفوه في عدة مواضع منها قوله وفي العين القائمة السادة لموضعها ثلث الدية ومنها قوله في السن السوداء ثلث الدية
224
واحتجوا على جواز تفضيل بعض الأولاد على بعض بحديث النعمان بن بشير وفيه أشهد على هذا غيري ثم خالفوه صريحا فإن في الحديث نفسه إن هذا لا يصلح وفي لفظ إني لا أشهد على جور فقالوا بل هذا يصلح وليس بجور ولكل أحد أن يشهد عليه
واحتجوا على أن النجاسة تزول بغير الماء من المائعات بحديث إذا وطىء أحدكم الأذى بنعليه فإن التراب لهما طهور ثم خالفوه فقالوا لو وطىء العذرة بخفيه لم يطهرهما التراب
واحتجوا على جواز المسح على الجبيرة بحديث صاحب الشجة ثم خالفوه صريحا فقالوا لا يجمع بين الماء والتراب بل إما أن يقتصر على غسل الصحيح إن كان أكثر ولا يتيمم وإما أن يقتصر على التيمم إن كان الجريح أكثر ولا يغسل الصحيح
واحتجوا على جواز تولية أمراء أو حكام أو متولين مرتين واحدا بعد واحد بقول النبي صلى الله عليه وسلم أميركم زيد فإن قتل فعبد الله بن رواحة فإن قتل فجعفر ثم خالفوا الحديث نفسه فقالوا لا يصح تعليق الولاية بالشرط ونحن نشهد بالله أن هذه الولاية من أصح ولاية على وجه الأرض وأنها أصح من كل ولاياتهم من أولها إلى آخرها
واحتجوا على تضمين المتلف ما أتلفه ويملك هو ما أتلفه بحديث القصعة التي كسرتها إحدى أمهات المؤمنين فرد النبي صلى الله عليه وسلم على صاحبة القصعة نظيرتها ثم خالفوه جهارا فقالوا إنما يضمن بالدراهم والدنانير ولا يضمن بالمثل
واحتجوا على ذلك أيضا بخبر الشاة التي ذبحت بغير إذن صاحبها وأن
225
النبي صلى الله عليه وسلم لم يردها على صاحبها ثم خالفوه صريحا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يملكها الذابح بل أمر بإطعامها الأسارى
واحتجوا على سقوط القطع بسرقة الفواكه وما يسرع إليه الفساد بخبر لا قطع في ثمر ولا كثر ثم خالفوا الحديث نفسه في عدة مواضع أحدها أن فيه فإذا آواه إلى الجرين ففيه القطع وعندهم لا قطع فيه آواه إلى الجرين أو لم يؤوه الثاني أنه قال إذا بلغ ثمن المجن وفي الصحيح أن ثمن المجن كان ثلاثة دراهم وعندهم لا يقطع في هذا القدر الثالث أنهم قالوا ليس الجرين حرزا فلو سرق منه ثمرا يابسا ولم يكن هناك حافظ لم يقطع
واحتجوا في مسالة الآبق يأتي به الرجل أن له أربعين درهما بخبر فيه أن من جاء بآبق من خارج الحرم فله عشرة دراهم أو دينار وخالفوه جهرة فأوجبوا أربعين
واحتجوا على خيار الشفعة على الفور بحديث بن البيلماني الشفعة كحل العقال ولا شفعة لصغير ولا لغائب ومن مثل به فهو حر فخالفوا جميع ذلك إلا قوله الشفعة كحل العقال
واحتجوا على امتناع القود بين الأب والابن والسيد والعبد بحديث لا يقاد والد بولده ولا سيد بعبده وخالفوا الحديث نفسه فإن تمامه ومن مثل بعبده فهو حر
واحتجوا على أن الولد يلحق بصاحب الفراش دون الزاني بحديث بن وليدة زمعة وفيه الولد للفراش ثم خالفوا الحديث نفسه صريحا فقالوا الأمة لا تكون فراشا وإنما كان هذا القضاء في أمة ومن العجب أنهم قالوا إذا عقد على أمه وابنته وأخته ووطئها لم يحد للشبهة وصارت فراشا بهذا العقد الباطل المحرم وأم ولده وسريته التي يطؤها ليلا ونهارا ليست فراشا له
ومن العجائب أنهم احتجوا على جواز صوم رمضان بنية ينشئها من النهار
226
قبل الزوال بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل عليها فيقول هل من غداء فتقول لا فيقول فإني صائم ثم قالوا لو فعل ذلك في صوم التطوع لم يصح صومه والحديث إنما هو في التطوع نفسه
واحتجوا على المنع من بيع المدبر بأنه قد انعقد فيه سبب الحرية وفي بيعه إبطال لذلك وأجابوا عن بيع النبي صلى الله عليه وسلم المدبر بأنه قد باع خدمته ثم قالوا لا يجوز بيع خدمة المدبر أيضا
واحتجوا على إيجاب الشفعة في الأراضي والأشجار التابعة لها بقوله قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شرك في ربعة أو حائط ثم خالفوا نص الحديث نفسه فإن فيه ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به فقالوا يحل له أن يبيع قبل إذنه ويحل له أن يتحيل لإسقاط الشفعة وإن باع بعد إذن شريكه فهو أحق أيضا بالشفعة ولا أثر للاستئذان ولا لعدمه
واحتجوا على المنع من بيع الزيت بالزيتون إلا بعد العلم بأن ما في الزيتون من الزيت أقل من الزيت المفرد بالحديث الذي فيه النهي عن بيع اللحم بالحيوان ثم خالفوه نفسه فقالوا يجوز بيع اللحم بالحيوان من نوعه وغير نوعه
واحتجوا على أن عطية المريض المنجزة كالوصية لا تنفذ إلا في الثلث بحديث عمران بن حصين أن رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته لا مال له سواهم فجزأهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة ثم خالفوه في موضعين فقالوا لا يقرع بينهم البتة ويعتق من كل واحد سدسه
وهذا كثير جدا والمقصود أن التقليد حكم عليكم بذلك وقادكم إليه قهرا ولو حكمتم الدليل على التقليد لم تقعوا في مثل هذا فإن هذه الأحاديث إن كانت
227
حقا وجب الانقياد لها والأخذ بما فيها وإن لم تكن صحيحة لم يؤخذ بشيء مما فيها فأما أن تصحح ويؤخذ بها فيما وافق قول المتبوع وتضعف أو ترد إذا خالفت قوله أو تؤول فهذا من أعظم الخطأ والتناقض
فإن قلتم عارض ما خالفناه منها ما هو أقوى منه ولم يعارض ما وافقناه منها ما يوجب العدول عنه واطراحه
قيل لا تخلو هذه الأحاديث وأمثالها أن تكون منسوخة أو محكمة فإن كانت منسوخة لم يحتج بمنسوخ البتة وإن كانت محكمة لم يجز مخالفة شيء منها البتة
فإن قيل هي منسوخة فيما خالفناها فيه ومحكمة فيما وافقناها فيه
قيل هذا مع أنه ظاهر البطلان يتضمن ما لا علم لمدعيه به فهو قائل ما لا دليل له عليه فأقل ما فيه أن معارضا لو قلب عليه هذه الدعوى بمثلها سواء لكانت دعواه من جنس دعواه ولم يكن بينهما فرق ولا فرق وكلاهما مدع ما لا يمكنه إثباته فالواجب اتباع سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحكيمها والتحاكم إليها حتى يقوم الدليل القاطع على نسخ المنسوخ منها أو تجمع الأمة على العمل بخلاف شيء منها وهذا الثاني محال قطعا فإن الأمة ولله الحمد لم تجمع على ترك العمل بسنة واحدة إلا سنة ظاهرة النسخ معلوم للأمة ناسخها وحينئذ يتعين العمل بالناسخ دون المنسوخ وأما أن تترك السنن لقول أحد من الناس فلا كائنا من كان وبالله التوفيق
الوجه العشرون أن فرقة التقليد قد ارتكبت مخالفة أمر الله وأمر رسوله وهدى أصحابه وأحوال أئمتهم وسلكوا ضد طريق أهل العلم أما أمر الله فإنه أمر برد ما تنازع فيه المسلمون إليه وإلى رسوله والمقلدون قالوا إنما نرده إلى من قلدناه وأما أمر رسوله فإنه صلى الله عليه وسلم أمر عند الاختلاف بالأخذ بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين وأمر أن يتمسك بها ويعض عليها بالنواجذ وقال المقلدون بل عند الاختلاف نتمسك بقول من قلدناه ونقدمه
228
على كل ما عداه وأما هدي الصحابة فمن المعلوم بالضرورة أنه لم يكن فيهم شخص واحد يقلد رجلا واحدا في جميع أقواله ويخالف من عداه من الصحابة بحيث لا يرد من أقواله شيئا ولا يقبل من أقوالهم شيئا وهذا من أعظم البدع وأقبح الحوادث وأما مخالفتهم لأئمتهم فإن الأئمة نهوا عن تقليدهم وحذروا منه كما تقدم ذكر بعض ذلك عنهم
وأما سلوكهم ضد طريق أهل العلم فإن طريقهم طلب أقوال العلماء وضبطها والنظر فيها وعرضها على القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال خلفائه الراشدين فما وافق ذلك منهم قبلوه ودانوا الله به وقضوا به وأفتوا به وما خالف ذلك منها لم يلتفتوا إليه وردوه وما لم يتبين لهم كان عندهم من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغة الاتباع لا واجبة الاتباع من غير أن يلزموا بها أحدا ولا يقولوا إنها الحق دون ما خالفها هذه طريقة أهل العلم سلفا وخلفا وأما هؤلاء الخلف فعكسوا الطريق وقلبوا أوضاع الدين فزيفوا كتاب الله وسنة رسوله وأقوال خلفائه وأصحابه فعرضوها على أقوال من قلدوه فما وافقها منها قالوا لنا وانقادوا له مذعنين وما خالف أقوال متبوعهم منها قالوا احتج الخصم بكذا وكذا ولم يقبلوه ولم يدينوا به واحتال فضلاؤهم في ردها بكل ممكن وتطلبوا لها وجوه الحيل التي تردها حتى إذا كانت موافقة لمذاهبهم وكانت تلك الوجوه بعينها قائمة فيها شنعوا على منازعهم وأنكروا عليه ردها بتلك الوجوه بعينها وقالوا لا ترد النصوص بمثل هذا ومن له همة تسموا إلى الله ومرضاته ونصر الحق الذي بعث الله به رسوله أين كان ومع من كان لا يرضى لنفسه بمثل هذا المسلك الوخيم والخلق الذميم
الوجه الحادي والعشرون أن الله سبحانه ذم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وهؤلاء هم أهل التقليد بأعيانهم بخلاف أهل العلم فإنهم وإن اختلفوا لم يفرقوا دينهم ولم يكونوا شيعا بل شيعة واحدة
229
متفقة على طلب الحق وإيثاره عند ظهوره وتقديمه على كل ما سواه فهم طائفة واحدة قد اتفقت مقاصدهم وطريقهم فالطريق واحد والقصد واحد والمقلدون بالعكس مقاصدهم شتى وطرقهم مختلفة فليسوا مع الأئمة في القصد ولا في الطريق
الوجه الثاني والعشرون أن الله سبحانه ذم الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون والزبر الكتب المصنفة التي رغبوا بها عن كتاب الله وما بعث الله به رسوله فقال تعالى ! < يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون > ! فأمر تعالى الرسل بما أمر به أممهم أن يأكلوا من الطيبات وأن يعملوا صالحا وأن يعبدوه وحده وأن يطيعوا أمره وحده وأن لا يتفرقوا في الدين فمضت الرسل وأتباعهم على ذلك ممتثلين لأمر الله قابلين لرحمته حتى نشأت خلوف قطعوا أمرهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون فمن تدبر هذه الآيات ونزلها على الواقع تبين له حقيقة الحال وعلم من أي الحزبين هو والله المستعان
الوجه الثالث والعشرون أن الله سبحانه قال ! < ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون > ! فخص هؤلاء بالفلاح دون من عداهم والداعون إلى الخير هم الداعون إلى كتاب الله وسنة رسوله لا الداعون إلى رأي فلان وفلان
الوجه الرابع والعشرون أن الله سبحانه ذم من إذا دعي إلى الله ورسوله أعرض ورضي بالتحاكم إلى غيره وهذا شأن أهل التقليد قال تعالى ! < وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا > ! فكل من أعرض عن الداعي له إلى ما أنزل الله ورسوله إلى غيره فله نصيب من هذا الذم فمستكثر ومستقل
230
الوجه الخامس والعشرون أن يقال لفرقة التقليد دين الله عندكم واحد وهو في القول وضده فدينه هو الأقوال المختلفة المتضادة التي يناقض بعضها بعضا ويبطل بعضها بعضا كلها دين الله فإن قالوا بلى هذه الأقوال المتضادة المتعارضة التي يناقض بعضها بعضا كلها دين الله خرجوا عن نصوص أئمتهم فإن جميعهم على أن الحق في واحد من الأقوال كما أن القبلة في جهة من الجهات وخرجوا عن نصوص القرآن والسنة والمعقول الصريح وجعلوا دين الله تابعا لآراء الرجال وإن قالوا الصواب الذي لا صواب غيره أن دين الله واحد وهو ما أنزل الله به كتابه وأرسل به رسوله وارتضاه لعباده كما أن نبيه واحد وقبلته واحدة فمن وافقه فهو المصيب وله أجران ومن أخطأه فله أجر واحد على اجتهاده لا على خطئه
قيل لهم فالواجب إذا طلب الحق وبذل الاجتهاد في الوصول إليه بحسب الإمكان لأن الله سبحانه أوجب على الخلق تقواه بحسب الاستطاعة وتقواه فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه فلا بد أن يعرف العبد ما أمر به ليفعله وما نهى عنه ليجتنبه وما أبيح له ليأتيه ومعرفة هذا لا تكون إلا بنوع اجتهاد وطلب وتحر للحق فإذا لم يأت بذلك فهو في عهدة الأمر ويلقى الله ولما يقض ما أمره
الوجه السادس والعشرون أن دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عامة لمن كان في عصره ولمن يأتي بعده إلى يوم القيامة والواجب على من بعد الصحابة هو الواجب عليهم بعينه وإن تنوعت صفاته وكيفياته باختلاف الأحوال ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة لم يكونوا يعرضون ما يسمعون منه صلى الله عليه وسلم على أقوال علمائهم بل لم يكن لعلمائهم قول غير قوله ولم يكن أحد منهم يتوقف في قبول ما سمعه منه على موافقة موافق أو رأي ذي رأي أصلا وكان هذا هو الواجب الذي لا يتم الإيمان إلا به وهو بعينه الواجب
231
علينا وعلى سائر المكلفين إلى يوم القيامة ومعلوم أن هذا الواجب لم ينسخ بعد موته ولا هو مختص بالصحابة فمن خرج عن ذلك فقد خرج عن نفس ما أوجبه الله ورسوله
الوجه السابع والعشرون أن أقوال العلماء وآراءهم لا تنضبط ولا تنحصر ولم تضمن لها العصمة إلا إذا اتفقوا ولم يختلفوا فلا يكون اتفاقهم إلا حقا ومن المحال أن يحيلنا الله ورسوله على ما لا ينضبط ولا ينحصر ولم يضمن لنا عصمته من الخطأ ولم يقم لنا دليلا على أن أحد القائلين أولى بأن نأخذ قوله كله من الآخر بل يترك قول هذا كله ويؤخذ قول هذا كله هذا محال أن يشرعه الله أو يرضى به إلا إذا كان أحد القائلين رسولا والآخر كاذبا على الله فالفرض حينئذ ما يعتمده هؤلاء المقلدون مع متبوعهم ومخالفيهم
الوجه الثامن والعشرون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ وأخبر أن العلم يقل فلا بد من وقوع ما أخبر به الصادق ومعلوم أن كتب المقلدين قد طبقت شرق الأرض وغربها ولم تكن في وقت قط أكثر منها في هذا الوقت ونحن نراها في كل عام في ازدياد وكثرة والمقلدون يحفظون منها ما يمكن حفظه بحروفه وشهرتها في الناس خلاف الغربة بل هي المعروف الذي لا يعرفون غيره فلو كانت هي العلم الذي بعث الله به رسوله لكان الدين كل وقت في ظهور وزيادة والعلم في شهرة وظهور وهو خلاف ما أخبر به الصادق
الوجه التاسع والعشرون أن الاختلاف كثير في كتب المقلدين وأقوالهم وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه بل هو حق يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض وقد قال تعالى ! < ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا > !
الوجه الثلاثون أنه لا يجب على العبد أن يقلد زيدا دون عمرو بل
232
يجوز له الانتقال من تقليد هذا إلى تقليد الآخر عند المقلدين فإن كان قول من قلده أولا هو الحق لا سواه فقد جوزتم له الانتقال عن الحق إلى خلافه وهذا محال وإن كان الثاني هو الحق وحده فقد جوزتم الإقامة على خلاف الحق وإن قلتم القولان المتضادان المتناقضان حق فهو أشد إحالة ولا بد لكم من قسم من هذه الأقسام الثلاثة
الوجه الحادي والثلاثون أن يقال للمقلد بأي شيء عرفت أن الصواب مع من قلدته دون من لا تقلده فإن قال عرفته بالدليل فليس بمقلد وإن قال عرفته تقليدا له فإنه أفتى بهذا القول ودان به وعلمه ودينه وحسن ثناء الأمة عليه يمنعه أن يقول غير الحق قيل له أفمعصوم هو عندك أم يجوز عليه الخطأ فإن قال بعصمته أبطل وإن جوز عليه الخطأ قيل له فما يؤمنك أن يكون قد أخطأ فيما قلدته فيه وخالف فيه غيره فإن قال وإن أخطأ فهو مأجور قيل أجل هو مأجور لاجتهاده وأنت غير مأجور لأنك لم تأت بموجب الأجر بل قد فرطت في الاتباع الواجب فأنت إذا مأزور فإن قال كيف يأجره الله على ما أفتى به ويمدحه عليه ويذم المستفتي على قبوله منه وهل يعقل هذا قيل له المستفتي إن هو قصر وفرط في معرفته الحق مع قدرته عليه لحقه الذم والوعيد وإن بذل جهده ولم يقصر فيما أمر به واتقى الله ما استطاع فهو مأجور أيضا وأما المتعصب الذي جعل قول متبوعه عبارا على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة يزنها به فما وافق قول متبوعه منها قبله وما خالفه رده فهذا إلى الذم والعقاب أقرب منه إلى الأجر والصواب وإن قال وهو الواقع اتبعته وقلدته ولا أدري أعلي صواب هو أم لا فالعهدة على القائل وأنا حاك لأقواله قيل له فهل تتخلص بهذا من الله عند السؤال لك عما حكمت به بين عباد الله وأفتيتهم به فوالله إن للحكام والمفتين لموقفا للسؤال لا يتخلص فيه إلا من عرف الحق وحكم به وأفتى به وأما من عداهما فسيعلم عند انكشاف الحال أنه لم يكن على شيء
233
الوجه الثاني والثلاثون أن نقول أخذتم بقول فلان لأن فلانا قاله أو لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله فإن قلتم لأن فلانا قاله جعلتم قول فلان حجة وهذا عين الباطل وإن قلتم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله كان هذا أعظم وأقبح فإنه مع تضمنه للكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقويلكم عليه ما لم يقله وهو أيضا كذب على المتبوع فإنه لم يقل هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد دار قولكم بين أمرين لا ثالث لهما إما جعل قول غير المعصوم حجة وإما تقويل المعصوم ما لم يقله ولا بد من واحد من الأمرين فإن قلتم بل منهما بد وبقي قسم ثالث وهو أنا قلنا كذا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نتبع من هو أعلم منا ونسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم ونرد ما لم نعلمه إلى استنباط أولي العلم فنحن في ذلك متبعون ما أمرنا به نبينا قيل وهل ندندن إلا حول اتباع أمره صلى الله عليه وسلم فحيهلا بالموافقة على هذا الأصل الذي لا يتم الإيمان والإسلام إلا به فنناشدكم بالذي أرسله إذا جاء أمره وجاء قول من قلدتموه هل تتركون قوله لأمره صلى الله عليه وسلم وتضربون به الحائط وتحرمون الأخذ به والحالة هذه حتى تتحقق المتابعة كما زعمتم أم تأخذون بقوله وتفوضون أمر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الله وتقولون هو أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منا ولم يخالف هذا الحديث إلا وهو عنده منسوخ أو معارض بما هو أقوى منه أو غير صحيح عنده فتجعلون قول المتبوع محكما وقول الرسول متشابها فلو كنتم قائلين بقوله لكون الرسول أمركم بالأخذ بقوله لقدمتم قول الرسول أين كان
ثم نقول في الوجه الثالث والثلاثين وأين أمركم الرسول بأخذ قول واحد من الأمة بعينه وترك قول نظيره ومن هو أعلم منه وأقرب إلى الرسول وهل هذا إلا نسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنه أمر بما لم يأمر به قط
234
يوضحه الوجه الرابع والثلاثون أن ما ذكرتم بعينه حجة عليكم فإن الله سبحانه أمر بسؤال أهل الذكر والذكر هو القرآن والحديث الذي أمر الله نساء نبيه أن يذكرنه بقوله ! < واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة > ! فهذا هو الذكر الذي أمرنا الله باتباعه وأمر من لا علم عنده أن يسأل أهله وهذا هو الواجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم بالذكر الذي أنزله على رسوله ليخبروه به فإذا أخبروه به لم يسعه غير اتباعه وهذا كان شأن أئمة أهل العلم لم يكن لهم مقلد معين يتبعونه في كل ما قال فكان عبد الله بن عباس يسأل الصحابة عما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعله أو سنه لا يسألهم عن غير ذلك وكذلك الصحابة كانوا يسألون أمهات المؤمنين خصوصا عائشة عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وكذلك التابعون كانوا يسألون الصحابة عن شأن نبيهم فقط وكذلك أئمة الفقه كما قال الشافعي لأحمد يا أبا عبد الله أنت أعلم بالحديث مني فإذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شاميا كان أو كوفيا أو بصريا ولم يكن أحد من أهل العلم قط يسأل عن رأي رجل بعينه ومذهبه فيأخذ به وحده ويخالف له ما سواه
الوجه الخامس والثلاثون أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أرشد المستفتين كصاحب الشجة بالسؤال عن حكمه وسنته فقال قتلوه قتلهم الله فدعا عليهم لما أفتوا بغير علم وفي هذا تحريم الإفتاء بالتقليد فإنه ليس علما باتفاق الناس فإن ما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاعله فهو حرام وذلك أحد أدلة التحريم فما احتج به المقلدون هو من أكبر الحجج عليهم والله الموفق وكذلك سؤال أبي العسيف الذي زنى بامرأة مستأجره لأهل العلم فإنهم لما أخبروه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في البكر الزاني أقره على ذلك ولم ينكره فلم يكن سؤالهم عن رأيهم ومذاهبهم
الوجه السادس والثلاثون قولهم إن عمر قال في الكلالة إني لأستحي من الله
235
أن أخالف أبا بكر وهذا تقليد منه له فجوابه من خمسة أوجه
أحدها أنهم اختصروا الحديث وحذفوا منه ما يبطل استدلالهم ونحن نذكره بتمامه قال شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي إن أبا بكر قال في الكلالة أقضي فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريء هو ما دون الولد والوالد فقال عمر بن الخطاب إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر فاستحى عمر من مخالفة أبي بكر في اعترافه بجواز الخطأ عليه وأنه ليس كلامه كله صوابا مأمونا عليه الخطأ ويدل على ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقر عند موته أنه لم يقض في الكلالة بشيء وقد اعترف أنه لم يفهمها
الوجه الثاني أن خلاف عمر لأبي بكر أشهر من أن يذكر كما خالفه في سبي أهل الردة فسباهم أبو بكر وخالفه عمر وبلغ خلافه إلى أن ردهن حرائر إلى أهلهن إلا من ولدت لسيدها منهن ونقض حكمه ومن جملتهن خولة الحنفية أم محمد بن علي فأين هذا من فعل المقلدين بمتبوعهم وخالفه في أرض العنوة فقسمها أبو بكر ووقفها عمر وخالفه في المفاضلة في العطاء فرأي أبو بكر التسوية ورأي عمر المفاضلة ومن ذلك مخالفته له في الاستخلاف وصرح بذلك فقال إن أستخلف فقد استخلف أبو بكر وإن لم أستخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف قال بن عمر والله ما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمت أنه لا يعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا وأنه غير مستخلف فهكذا يفعل أهل العلم حين تتعارض عندهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول غيره لا يعدلون بالسنة شيئا سواها لا كما يصرح به المقلدون صراحا وخلافه له في الجد والإخوة معلوم أيضا
الثالث أنه لو قدر تقليد عمر لأبي بكر في كل ما قاله لم يكن في ذلك مستراح لمقلدي من هو بعد الصحابة والتابعين ممن لا يداني الصحابة ولا يقاربهم فإن كان كما زعمتم لكم أسوة بعمر فقلدوا أبا بكر واتركوا تقليد غيره والله ورسوله
236
وجميع عباده يحمدونكم على هذا التقليد ما لا يحمدونكم على تقليد غير أبي بكر
الرابع أن المقلدين لأئمتهم لم يستحيوا مما استحيا منه عمر لأنهم يخالفون أبا بكر وعمر معه ولا يستحيون من ذلك لقول من قلدوه من الأئمة بل قد صرح بعض غلاتهم في بعض كتبه الأصولية أنه لا يجوز تقليد أبي بكر وعمر ويجب تقليد الشافعي فبا لله العجب الذي أوجب تقليد الشافعي حرم عليكم تقليد أبي بكر وعمر ونحن نشهد الله علينا شهادة نسأل عنها يوم نلقاه أنه إذا صح عن الخليفتين الراشدين اللذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباعهما والاقتداء بهما قول وأطبق أهل الأرض على خلافه لم نلتفت إلى أحد منهم ونحمد الله أن عافانا مما ابتلى به من حرم تقليدهما وأوجب تقليد متبوعه من الأئمة وبالجملة فلو صح تقليد عمر لأبي بكر لم يكن في ذلك راحة لمقلدي من لم يأمر الله ولا رسوله بتقليده ولا جعله عيارا على كتابه وسنة نبيه ولا هو جعل نفسه كذلك
الخامس أن غاية هذا أن يكون عمر قد قلد أبا بكر في مسألة واحدة فهل في هذا دليل على جواز اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع لا يلتفت إلى قول من سواه بل ولا إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت نصوص قوله فهذا والله هو الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة
الوجه السابع والثلاثون قولهم إن عمر قال لأبي بكر رأينا لرأيك تبع فالظاهر أن المحتج بهذا سمع الناس يقولون كلمة تكفي العاقل فاقتصر من الحديث على هذه الكلمة واكتفى بها والحديث من أعظم الأشياء إبطالا لقوله ففي صحيح البخاري عن طارق بن شهاب قال جاء وفد بزاخة من أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألون الصلح فخيرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية فقالوا هذه المجلية قد عرفناها فما المخزية قال ننزع منكم الحلقة والكراع ونغنم ما أصبنا لكم وتردون لنا ما أصبتم منا وتدون لنا قتلانا وتكون
237
قتلاكم في النار وتتركون أقواما يتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة رسوله والمهاجرين أمرا يعذرونكم به فعرض أبو بكر ما قال على القوم فقام عمر بن الخطاب فقال قد رأيت رأيا سنشير عليك أما ما ذكرت من الحرب المجلية والسلم المخزية فنعم ما ذكرت وما ذكرت من أن نغنم ما أصبنا منكم وتردون ما أصبتم منا فنعم ما ذكرت وأما ما ذكرت من أن تدون قتلانا وتكون قتلاكم في النار فإن قتلانا قاتلت فقتلت على ما أمر الله أجورها على الله ليس لها ديات فتتابع القوم على ما قال عمر فهذا هو الحديث الذي في بعض ألفاظه قد رأيت رأيا ورأينا لرأيك تبع فأي مستراح في هذا لفرقة التقليد
الوجه الثامن والثلاثون قولهم إن بن مسعود كان يأخذ بقول عمر فخلاف بن مسعود لعمر أشهر من أن يتكلف إيراده وإنما كان يوافقه كما يوافق العالم العالم وحتى لو أخذ بقوله تقليدا لعمر فإنما ذلك في نحو أربع مسائل نعدها وكان من عماله وكان عمر أمير المؤمنين وأما مخالفته له ففي نحو مائة مسألة منها أن بن مسعود صح عنه أن أم الولد تعتق من نصيب ولدها ومنها أنه كان يطبق في الصلاة إلى أن مات وعمر كان يضع يديه على ركبتيه ومنها أن بن مسعود كان يقول في الحرام هي يمين وعمر يقول طلقة واحدة ومنها أن بن مسعود كان يحرم نكاح الزانية على الزاني أبدا وعمر كان يتوبهما وينكح أحدهما الآخر ومنها أن بن مسعود كان يرى بيع الأمة طلاقها وعمر يقول لا تطلق بذلك إلى قضايا كثيرة
والعجب أن المحتجين بهذا لا يرون تقليد بن مسعود ولا تقليد عمر وتقليد مالك وأبي حنيفة والشافعي أحب إليهم وآثر عندهم ثم كيف ينسب إلى بن مسعود تقليد الرجال وهو يقول لقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أعلمهم بكتاب الله ولو أعلم أن أحدا أعلم مني لرحلت إليه قال شقيق فجلست في حلقة من أصحاب رسول الله فما سمعت أحدا يرد ذلك عليه وكان يقول والذي لا إله إلا هو ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم حيث نزلت وما من آية إلا وأنا أعلم فيما أنزلت ولو أعلم أحدا
238
هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه وقال أبو موسى الأشعري كنا حينا وما نرى بن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من كثرة دحولهم ولزومهم له وقال أبو مسعود البدري وقد قام عبد الله بن مسعود ما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم فقال أبو موسى لقد كان يشهد إذا ما غبنا ويؤذن له إذا ما حجبنا وكتب عمر إلى أهل الكوفة إني بعثت إليكم عمارا أميرا وعبد الله معلما ووزيرا وهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أهل بدر فخذوا عنهما واقتدوا بهما فإني آثرتكم بعبد الله على نفسي وقد صح عن بن عمر أنه استفتى بن مسعود في البتة وأخذ بقوله ولم يكن ذلك تقليدا له بل لما سمع قوله فيها تبين له أنه الصواب فهذا هو الذي كان يأخذ به الصحابة من أقوال بعضهم بعضا وقد صح عن بن مسعود أنه قال أغد عالما أو متعلما ولا تكونن إمعة فأخرج الإمعة وهو المقلد من زمرة العلماء والمتعلمين وهو كما قال رضي الله عنه فإنه لا مع العلماء ولا مع المتعلمين للعلم والحجة كما هو معروف ظاهر لمن تأمله
الوجه التاسع والثلاثون قولهم إن عبد الله كان يدع قوله لقول عمر وأبو موسى كان يدع قوله لقول علي وزيد يدع قوله لقول أبي بن كعب فجوابه أنهم لم يكونوا يدعون ما يعرفون من السنة تقليدا لهؤلاء الثلاثة كما تفعله فرقة التقليد بل من تأمل سيرة القوم رأى أنهم كانوا إذا ظهرت لهم السنة لم يكونوا يدعونها لقول أحد كائنا من كان وكان بن عمر يدع قول عمر إذا ظهرت له السنة وبن عباس ينكر على من يعارض ما بلغه من السنة بقوله قال أبو بكر وعمر ويقول يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر فرحم الله بن عباس ورضى عنه فوالله لو شاهد خلفنا هؤلاء الذين إذا قيل لهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
239
قالوا قال فلان وفلان لمن لا يداني الصحابة ولا قريبا من قريب وإنما كانوا يدعون أقوالهم لأقوال هؤلاء لأنهم يقولون القول ويقول هؤلاء فيكون الدليل معهم فيرجعون إليهم ويدعون أقوالهم كما يفعل أهل العلم الذين هو أحب إليهم مما سواه وهذا عكس طريقة فرقه أهل التقليد من كل وجه وهذا هو الجواب عن قول مسروق ما كنت أدع قول بن مسعود لقول أحد من الناس
الوجه الأربعون قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال قد سن لكم معاذ فاتبعوه فعجبا لمحتج بهذا على تقليد الرجال في دين الله وهل صار ما سنه معاذ سنة إلا بقوله صلى الله عليه وسلم فاتبعوه كما صار الأذان سنة بقوله صلى الله عليه وسلم وإقراره وشرعه لا بمجرد المنام
فإن قيل فما معنى الحديث
قيل معناه أن معاذا فعل فعلا جعله الله لكم سنة وإنما صار سنة لنا حين أمر به النبي صلى الله عليه وسلم لا لأن معاذا فعله فقط وقد صح عن معاذ أنه قال كيف تصنعون بثلاث دنيا تقطع أعناقكم وزلة عالم وجدال منافق بالقرآن فأما العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم وإن افتتن فلا تقطعوا منه إياسكم فإن المؤمن يفتتن ثم يتوب وأما القرآن فإن له منارا كمنار الطريق لا يخفى على أحد فما علمتم منه فلا تسألوا عنه أحدا وما لم تعلموه فكلوه إلى عالمه وأما الدنيا فمن جعل الله غناه في قلبه فقد أفلح ومن لا فليست بنافعته دنياه فصدع رضي الله عنه بالحق ونهى عن التقليد في كل شيء وامر باتباع ظاهر القرآن وأن لا يبالي بمن خالف فيه وأمر بالتوقف فيما أشكل وهذا كله خلاف طريقة المقلدين وبالله التوفيق
الوجه الحادي والأربعون قولكم إن الله سبحانه أمر بطاعة أولي الأمر وهم العلماء وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به فجوابه أن أولي الأمر قد قيل
240
هم الأمراء وقيل هم العلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد والتحقيق أن الآية تتناول الطائفتين وطاعتهم من طاعة الرسول لكن خفي على المقلدين أنهم إنما يطاعون في طاعة الله إذا أمروا بأمر الله ورسوله فكان العلماء مبلغين لأمر الرسول والأمراء منفذين له فحينئذ تجب طاعتهم تبعا لطاعة الله ورسوله فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيثار التقليد عليها
الوجه الثاني والأربعون أن هذه الآية من أكثر الحجج عليهم وأعظمها إبطالا للتقليد وذلك من وجوه أحدها الأمر بطاعة الله التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه الثاني طاعة رسوله ولا يكون العبد مطيعا لله ورسوله حتى يكون عالما بأمر الله ورسوله ومن أقر على نفسه بأنه ليس من أهل العلم بأوامر الله ورسوله وإنما هو مقلد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيق طاعة الله ورسوله ألبتة الثالث أن أولي الأمر قد نهوا عن تقليدهم كما صح ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة وذكرناه نصا عن الأئمة الأربعة وغيرهم وحينئذ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبة بطل التقليد وإن لم تكن واجبة بطل الأستدلال الرابع أنه سبحانه قال في الآية نفسها فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وهذا صريح في إبطال التقليد والمنع من رد المتنازع فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد
فإن قيل فما هي طاعتهم المختصة بهم إذ لو كانوا إنما يطاعون فيما يخبرون به عن الله ورسوله كانت الطاعة لله ورسوله لا لهم
قيل وهذا هو الحق وطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال ولهذا قرنها بطاعة الرسول ولم يعد العامل وأفرد طاعة الرسول وأعاد العامل لئلا يتوهم
241
أنه إنما يطاع تبعا كما يطاع أولو الأمر تبعا وليس كذلك بل طاعته واجبة استقلالا سواء كان ما أمر به ونهى عنه في القرآن أو لم يكن
الوجه الثالث والأربعون قولهم إن الله سبحانه وتعالى أثنى على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وتقليدهم هو اتباعهم بإحسان فما أصدق المقدمة الأولى وما أكذب الثانية بل الآية من أعظم الأدلة ردا على فرقة التقليد فإن اتباعهم هو سلوك سبيلهم ومنهاجهم وقد نهوا عن التقليد وكون الرجل إمعة وأخبروا أنه ليس من أهل البصيرة ولم يكن فيهم ولله الحمد رجل واحد على مذهب هؤلاء المقلدين وقد أعاذهم الله وعافاهم مما ابتلى به من يرد النصوص لآراء الرجال وتقليدها فهذا ضد متابعتهم وهو نفس مخالفتهم فالتابعون لهم بإحسان حقا هم أولو العلم والبصائر الذين لا يقدمون على كتاب الله وسنة رسوله رأيا ولا قياسا ولا معقولا ولا قول أحد من العالمين ولا يجعلون مذهب أحد عيارا على القرآن والسنن فهؤلاء أتباعهم حقا جعلنا الله منهم بفضله ورحمته
يوضحه الوجه الرابع والأربعون أن أتباعهم لو كانوا هم المقلدين الذين هم مقرون على أنفسهم وجميع أهل العلم أنهم ليسوا من أولي العلم لكان سادات العلماء الدائرون مع الحجة ليسوا من أتباعهم والجهال أسعد بأتباعهم منهم وهذا عين المحال بل من خالف واحدا منهم للحجة فهو المتبع له دون من أخذ قوله بغير حجة وهكذا القول في أتباع الأئمة رضي الله عنهم معاذ الله أن يكونوا هم المقلدين لهم الذين ينزلون آراءهم منزلة النصوص بل يتركون لها النصوص فهؤلاء ليسوا من أتباعهم وإنما أتباعهم من كان على طريقتهم واقتفى منهاجهم
ولقد أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة بن الحنبلي وهي وقف على الحنابلة والمجتهد ليس منهم فقال إنما أتناول ما أتناوله منها
242
على معرفتي بمذهب أحمد لا على تقليدي له ومن المحال أن يكون هؤلاء المتأخرون على مذهب الأئمة دون أصحابهم الذين لم يكونوا يقلدونهم فأتبع الناس لمالك بن وهب وطبقته ممن يحكم الحجة وينقاد للدليل أين كان وكذلك أبو يوسف ومحمد أتبع لأبي حنيفة من المقلدين له مع كثرة مخالفتهما له وكذلك البخاري ومسلم وأبو داود والأثرم وهذه الطبقة من أصحاب أحمد أتبع له من المقلدين المحض المنتسبين إليه وعلى هذا فالوقف على أتباع الأئمة أهل الحجة والعلم أحق به من المقلدين في نفس الأمر
الوجه الخامس والأربعون قولهم يكفي في صحة التقليد الحديث المشهور أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم جوابه من وجوه
أحدها أن هذا الحديث قد روي من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ومن حديث سعيد بن المسيب عن بن عمر ومن طريق حمزة الجزري عن نافع عن بن عمر ولا يثبت شيء منها قال بن عبد البر حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد أن أبا عبد الله بن مفرح حدثهم ثنا محمد بن أيوب الصموت قال قال لنا البزار وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فهذا الكلام لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم
الثاني أن يقال لهؤلاء المقلدين فكيف استجزتم ترك تقليد النجوم التي يهتدي بها وقلدتم من هو دونهم بمراتب كثيرة فكان تقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد آثر عندكم من تقليد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي فما دل عليه الحديث خالفتموه صريحا واستدللتم به على تقليد من لم يتعرض له بوجه
الثالث أن هذا يوجب عليكم تقليد من ورث الجد مع الأخوة منهم ومن أسقط الإخوة به معا وتقليد من قال الحرام يمين ومن قال هو طلاق وتقليد من حرم الجمع بين الأختين بملك اليمين ومن أباحه وتقليد من جوز للصائم أكل البرد ومن منع منه وتقليد من قال تعتد المتوفي عنها
243
بأقصى الأجلين ومن قال بوضع الحمل وتقليد من قال يحرم على المحرم استدامة الطيب وتقليد من أباحه وتقليد من جوز بيع الدرهم بالدرهمين وتقليد من حرمه وتقليد من أوجب الغسل من الإكسال وتقليد من أسقطه وتقليد من ورث ذوي الأرحام ومن أسقطهم وتقليد من رأى التحريم برضاع الكبير ومن لم يره وتقليد من منع تيمم الجنب ومن أوجبه وتقليد من رأى الطلاق الثلاث واحدا ومن رآه ثلاثا وتقليد من أوجب فسخ الحج إلى العمرة ومن منع منه وتقليد من أباح لحوم الحمر الأهلية ومن منع منها وتقليد من رأى النقض بمس الذكر ومن لم يره وتقليد من رأى بيع الأمة طلاقها ومن لم يره وتقليد من وقف المولى عند الأجل ومن لم يقفه وأضعاف أضعاف ذلك مما اختلف فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن سوغتم هذا فلا تحتجوا لقول على قول ومذهب على مذهب بل اجعلوا الرجل مخيرا في الأخذ بأي قول شاء من أقوالهم ولا تنكروا على من خالف مذهبكم واتبع قول أحدهم وإن لم تسوغوه فأنتم أول مبطل لهذا الحديث ومخالف له وقائل بضد مقتضاه وهذا مما لا انفكاك لكم منه
الرابع أن الاقتداء بهم هو اتباع القرآن والسنة والقبول من كل من دعا إليهما منهم فإن الاقتداء بهم يحرم عليكم التقليد ويوجب الاستدلال وتحكيم الدليل كما كان عليه القوم رضي الله عنهم وحينئذ فالحديث من أقوى الحجج عليكم وبالله التوفبق
الوجه السادس والأربعون قولكم قال عبد الله بن مسعود من كان مستنا منكم فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد فهذا من أكبر الحجج عليكم من وجوه فإنه نهى عن الاستنان بالأحياء وأنتم تقلدون الأحياء والأموات الثاني أنه عين المستن بهم بأنهم خير الخلق وأبر الأمة وأعلمهم وهم الصحابة رضي الله عنهم وأنتم معاشر المقلدين لا ترون تقليدهم ولا الاستنان بهم وإنما ترون تقليد فلان وفلان ممن هو دونهم بكثير الثالث أن الاستنان بهم هو الإقتداء
244
بهم وهو بأن يأتي المقتدي بمثل ما أتوا به ويفعل كما فعلوا وهذا يبطل قبول قول أحد بغير حجة كما كان الصحابة عليه الرابع أن بن مسعود قد صح عنه النهي عن التقليد وأن يكون الرجل إمعة لا بصيرة له فعلم أن الاستنان عنده غير التقليد
الوجه السابع والأربعون قولكم قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وقال اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر فهذا من أكبر حججنا عليكم في بطلان ما أنتم عليه من التقليد فإنه خلاف سنتهم ومن المعلوم بالضرورة أن أحدا منهم لم يكن يدع السنة إذا ظهرت لقول غيره كائنا من كان ولم يكن له معها قول ألبتة وطريقة فرقة التقليد خلاف ذلك
يوضحه الوجه الثامن والأربعون أنه صلى الله عليه وسلم قرن سنتهم بسنته في وجوب الاتباع والأخذ بسنتهم ليس تقليدا لهم بل اتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما أن الأخذ بالأذان لم يكن تقليدا لمن رآه في المنام والأخذ بقضاء ما فات المسبوق من صلاته بعد سلام الإمام لم يكن تقليدا لمعاذ بل اتباعا لما أمرنا بالأخذ بذلك فاين التقليد الذي أنتم عليه من هذا
يوضحه الوجه التاسع والأربعون أنكم أول مخالف لهذين الحديثين فإنكم لا ترون الأخذ بسنتهم ولا الاقتداء بهم واجبا وليس قولهم عندكم حجة وقد صرح بعض غلاتكم بأنه لا يجوز تقليدهم ويجب تقليد الشافعي فمن العجائب احتجاجكم بشيء أنتم أشد الناس خلافا له وبالله التوفيق
يوضحه الوجه الخمسون أن الحديث بجملته حجة عليكم من كل وجه فإنه أمر عند كثرة الاختلاف بسنته وسنة خلفائه وأمرتم أنتم برأي فلان ومذهب فلان الثاني أنه حذر من محدثات الأمور وأخبر أن كل محدثة بدعة
245
وكل بدعة ضلالة ومن المعلوم بالاضطرار أن ما أنتم عليه من التقليد الذي ترك له كتاب الله وسنة رسوله ويعرض القرآن والسنة عليه ويجعل معيارا عليهما من أعظم المحدثات والبدع التي برأ الله سبحانه القرون التي فضلها وخيرها على غيرها وبالجمله فما سنه الخلفاء الراشدون أو أحدهم للأمة فهو حجة لا يجوز العدول عنها فأين هذا من قول فرقة التقليد ليست سنتهم حجة ولا يجوز تقليدهم فيها
يوضحه الوجه الحادي والخمسون أنه صلى الله عليه وسلم قال في نفس هذا الحديث فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا وهذا ذم للمختلفين وتحذير من سلوك سبيلهم وإنما كثر الاختلاف وتفاقم أمره بسبب التقليد وأهله وهم الذين فرقوا الدين وصيروا أهله شيعا كل فرقة تنصر متبوعها وتدعو إليه وتذم من خالفها ولا يرون العمل بقولهم حتى كأنهم ملة أخرى سواهم يدأبون ويكدحون في الرد عليهم ويقولون كتبهم وكتبنا وأئمتهم وأئمتنا ومذهبهم ومذهبنا هذا والنبي واحد والقرآن واحد والدين واحد والرب واحد فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمة سواء بينهم كلهم وأن لا يطيعوا إلا الرسول ولا يجعلوا معه من يكون أقواله كنصوصه ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله فلو اتفقت كلمتهم على ذلك وانقاد كل واحد منهم لمن دعاه إلى الله ورسوله وتحاكموا كلهم إلى السنة وآثار الصحابة لقل الاختلاف وإن لم يعدم من الأرض ولهذا تجد أقل الناس اختلافا أهل السنة والحديث فليس على وجه الأرض طائفة أكثر اتفاقا وأقل اختلافا منهم لما بنوا على هذا الأصل وكلما كانت الفرقة عن الحديث أبعد كان اختلافهم في أنفسهم أشد وأكثر فإن من رد الحق مرج عليه أمره واختلط عليه والتبس عليه وجه الصواب فلم يدر أين يذهب كما قال تعالى ! < بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج > !
246
الوجه الثاني والخمسون قولكم إن عمر كتب إلى شريح أن اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله فإن لم يكن في سنة رسول الله فبما قضى به الصالحون فهذا من أظهر الحجج عليكم على بطلان التقليد فإنه أمره أن يقدم الحكم بالكتاب على كل ما سواه فإن لم يجده في الكتاب ووجده في السنة لم يلتفت إلى غيرها فإن لم يجده في السنة قضى بما قضى به الصحابة ونحن نناشد الله فرقة التقليد هل هم كذلك أو قريبا من ذلك وهل إذا نزلت بهم نازلة حدث أحد منهم نفسه أن يأخذ حكمها من كتاب الله ثم ينفذه فإن لم يجدها في كتاب الله أخذها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يجدها في السنة أفتى فيها بما أفتى به الصحابة والله يشهد عليهم وملائكته وهم شاهدون على أنفسهم بأنهم إنما يأخذون حكمها من قول من قلدوه وإن استبان لهم في الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة خلاف ذلك لم يلتفتوا إليه ولم يأخذوا بشيء منه إلا بقول من قلدوه فكتاب عمر من أبطل الأشياء وأكسرها لقولهم وهذا كان سير السلف المستقيم وهديهم القويم
فلما انتهت النوبة إلى المتأخرين ساروا عكس هذا السير وقالوا إذا نزلت النازلة بالمفتي أو الحاكم فعليه أن ينظر أولا هل فيها اختلاف أم لا فإن لم يكن فيها اختلاف لم ينظر في كتاب ولا في سنة بل يفتي ويقضي فيها بالإجماع وإن كان فيها اختلاف اجتهد في أقرب الأقوال إلى الدليل فأفتى به وحكم به وهذا خلاف ما دل عليه حديث معاذ وكتاب عمر وأقوال الصحابة والذي دل عليه الكتاب والسنة وأقوال الصحابة أولى فإنه مقدور مأمور فإن علم المجتهد بما دل عليه القرآن والسنة أسهل عليه بكثير من علمه باتفاق الناس في شرق الأرض وغربها على الحكم وهذا إن لم يكن متعذرا فهو أصعب شيء وأشقه إلا فيما هو من لوازم الإسلام فكيف يحيلنا الله ورسوله على ما لا وصول لنا إليه
247
ويترك الحوالة على كتابه وسنة رسوله اللذين هدانا بهما ويسرهما لنا وجعل لنا إلى معرفتهما طريقا سهلة التناول من قرب ثم ما يدريه فلعل الناس اختلفوا وهو لا يعلم وليس عدم العلم بالنزاع علما بعدمه فكيف يقدم عدم العلم على أصل العلم كله ثم كيف يسوغ له ترك الحق المعلوم إلى أمر لا علم له به وغايته أن يكون موهوها وأحسن أحواله أن يكون مشكوكا فيه شكا متساويا أو راجحا ثم كيف يستقيم هذا على رأي من يقول انقراض عصر المجمعين شرط في صحة الإجماع فما لم ينقرض عصرهم فلمن نشأ في زمنهم أن يخالفهم فصاحب هذا السلوك لا يمكنه أن يحتج بالإجماع حتى يعلم أن العصر انقرض ولم ينشأ فيه مخالف لأهله وهل أحال الله الأمة في الاهتداء بكتابه وسنة رسوله على ما لا سبيل لهم إليه ولا اطلاع لأفرادهم عليه وترك إحالتهم على ما هو بين أظهرهم حجة عليهم باقية إلى آخر الدهر متمكنون من الاهتداء به ومعرفة الحق منه وهذا من أمحل المحال وحين نشأت هذه الطريقة تولد عنها معارضة النصوص بالإجماع المجهول وانفتح باب دعواه وصار من لم يعرف الخلاف من المقلدين إذا احتج عليه بالقرآن والسنة قال هذا خلاف الإجماع وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام وعابوا من كل ناحية على من ارتكبه وكذبوا من ادعاه فقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله من ادعى الإجماع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا هذه دعوى بشر المريسي والأصم ولكن بقول لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغنا
وقال في رواية المروزي كيف يجوز للرجل أن يقول أجمعوا إذا سمعتهم يقولون أجمعوا فاتهمهم لو قال إني لم أعلم مخالفا كان
وقال في رواية أبي طالب هذا كذب ما علمه أن الناس مجمعون ولكن يقال ما أعلم فيه اختلافا فهو أحسن من قوله إجماع الناس
248
وقال في رواية أبي الحارث لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع لعل الناس اختلفوا
ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة والسنة على الإجماع وجعل الإجماع في المرتبة الثالثة قال الشافعي الحجة كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الأئمة وقال في كتاب اختلافه مع مالك والعلم طبقات الأولى الكتاب والسنة الثابتة ثم الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة الثالثة أن يقول الصحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة الرابعة اختلاف الصحابة والخامسة القياس فقدم النظر في الكتاب والسنة على الإجماع ثم أخبر أنه إنما يصار إلى الإجماع فيما لم يعلم فيه كتابا ولا سنة وهذا هو الحق
وقال أبو حاتم الرازي العلم عندنا ما كان عن الله تعالى من كتاب ناطق ناسخ غير منسوخ وما صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا معارض له وما جاء عن الألباء من الصحابة ما اتفقوا عليه فإذا اختلفوا لم يخرج من اختلافهم فإذا خفي ذلك ولم يفهم فعن التابعين فإذا لم يوجد عن التابعين فعن أئمة الهدى من أتباعهم مثل أيوب السختياني وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وسفيان ومالك والأوزاعي والحسن بن صالح ثم ما لم يوجد عن أمثالهم فعن مثل عبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن إدريس ويحيى بن آدم وبن عيينة ووكيع بن الجراح ومن بعدهم محمد بن إدريس الشافعي ويزيد بن هارون والحميدي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي وأبي عبيد القاسم بن سلام انتهى
فهذا طريق أهل العلم وأئمة الدين جعل أقوال هؤلاء بدلا عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة بمنزلة التيمم إنما يصار إليه عند عدم الماء فعدل هؤلاء المتأخرون المقلدون إلى التيمم والماء بين أظهرهم أسهل من التيمم بكثير
ثم حدثت بعد هؤلاء فرقة هم أعداء العلم وأهله فقالوا إذا نزلت بالمفتي
249
أو الحاكم نازلة لم يجز أن ينظر فيها في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا أقوال الصحابة بل إلى ما قاله مقلده ومتبوعه ومن جعله عيارا على القرآن والسنة فما وافق قوله أفتى به وحكم به وما خالفه لم يجز له أن يفتي به ولا يقضي به وإن فعل ذلك تعرض لعزله عن منصب الفتوى والحكم واستفتى له ما تقول السادة والفقهاء فيمن ينتسب إلى مذهب إمام معين يقلده دون غيره ثم يفتي أو يحكم بخلاف مذهبه هل يجوز له ذلك أم لا وهل يقدح ذلك فيه أم لا فينغض المقلدون رؤوسهم ويقولون له لا يجوز ذلك ويقدح فيه ولعل القول الذي عدل إليه هو قول أبي بكر وعمر وبن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأمثالهم فيجيب هذا الذي انتصب للتوقيع عن الله ورسوله بأنه لا يجوز له مخالفة قول متبوعه لأقوال من هو أعلم بالله ورسوله منه وإن كان مع أقوالهم كتاب الله وسنة رسوله وهذا من أعظم جنايات فرقة التقليد على الدين ولو أنهم لزموا حدهم ومرتبتهم وأخبروا إخبارا مجردا عما وجدوه من السواد في البياض من أقوال لا علم لهم بصحيحها من باطلها لكان لهم عذر ما عند الله ولكن هذا مبلغهم من العلم وهذه معاداتهم لأهله وللقائمين لله بحججه وبالله التوفيق
الوجه الثالث والخمسون قولكم منع عمر من بيع أمهات الأولاد وتبعه الصحابة وألزم بالطلاق الثلاث وتبعوه أيضا جوابه من وجوه أحدها أنهم لم يتبعوه تقليدا له بل أداهم اجتهادهم في ذلك إلى ما أداه إليه اجتهاده ولم يقل أحد منهم قط إني رأيت ذلك تقليدا لعمر الثاني أنهم لم يتبعوه كلهم فهذا بن مسعود يخالفه في أمهات الأولاد وهذا بن عباس يخالفه في الإلزام بالطلاق الثلاث وإذا اختلف الصحابة وغيرهم فالحاكم هو الحجة الثالث أنه ليس في اتباع قول عمر رضي الله عنه في هاتين المسألتين وتقليد الصحابة لو فرض له في ذلك ما يسوغ تقليد من هو دونه بكثير في كل ما يقوله وترك قول من هو مثله
250
ومن هو فوقه وأعلم منه فهذا من أبطل الاستدلال وهو تعلق ببيت العنكبوت فقلدوا عمر واتركوا تقليد فلان وفلان فأما وأنتم تصرحون بأن عمر لا يقلد وأبو حنيفة والشافعي ومالك يقلدون فلا يمكنكم الاستدلال بما أنتم مخالفون له فكيف يجوز للرجل أن يحتج بما لا يقول به
الوجه الرابع والخمسون قولكم إن عمرو بن العاص قال لعمر لما احتلم خذ ثوبا غير ثوبك فقال لو فعلت صارت سنة فأين في هذا من الإذن من عمر في تقليده والإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله وغاية هذا أنه تركه لئلا يقتدي به من يراه ويفعل ذلك ويقول لولا أن هذا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعله عمر فهذا هو الذي خشيه عمر والناس مقتدون بعلمائهم شاءوا أم أبوا فهذا هو الواقع وإن كان الواجب فيه تفصيل
الوجه الخامس والخمسون قولكم قد قال أبي ما اشتبه عليك فكله إلى عالمه فهذا حق وهو الواجب على من سوى الرسول فإن كل أحد بعد الرسول لا بد أن يشتبه عليه بعض ما جاء به وكل من اشتبه عليه شيء وجب عليه أن يكله إلى من هو أعلم منه فإن تبين له صار عالما مثله وإلا وكله إليه ولم يتكلف مالا علم به فهذا هو الواجب علينا في كتاب ربنا وسنة نبينا وأقوال أصحابه وقد جعل الله سبحانه فوق كل ذي علم عليم فمن خفي عليه بعض الحق فوكله إلى من هو أعلم منه فقد أصاب فأي شيء في هذا من الإعراض عن القرآن والسنن وآثار الصحابة واتخاذ رجل بعينه معيارا على ذلك وترك النصوص لقوله وعرضها عليه وقبول كل ما أفتى به ورد كل ما خالفه وهذا الأثر نفسه من أكبر الحجج على بطلان التقليد فإن أوله ما استبان لك فاعمل به وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه ونحن نناشدكم الله إذا استبانت لكم السنة هل تتركون قول من قلدتموه لها وتعملون بها وتفتون أو تقضون بموجبها أم تتركونها وتعدلون
251
عنها إلى قوله وتقولون هو أعلم بها منا فأبي رضي الله عنه مع سائر الصحابة على هذه الوصية وهي مبطلة للتقليد قطعا وبالله التوفيق ثم نقول هل وكلتم ما اشتبه عليكم من المسائل إلى عالمها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هم أعلم الأمة وأفضلها أم تركتم أقوالهم وعدلتم عنها فإن كان من قلدتموه ممن يوكل ذلك إليه فالصحابة أحق أن يوكل ذلك إليهم
الوجه السادس والخمسون قولكم كان الصحابة يفتون ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي بين أظهرهم وهذا تقليد من المستفتين لهم وجوابه أن فتواهم إنما كانت تبليغا عن الله ورسوله وكانوا بمنزلة المخبرين فقط لم تكن فتواهم تقليدا لرأي فلان وفلان وإن خالفت النصوص فهم لم يكونوا يقلدون في فتواهم ولا يفتون بغير النصوص ولم يكن المستفتون لهم يعتمدون إلا على ما يبلغونهم إياه عن نبيهم فيقولون أمر بكذا وفعل كذا ونهى عن كذا هكذا كانت فتواهم فهي حجة على المستفتين كما هي حجة عليهم ولا فرق بينهم وبين المستفتين لهم في ذلك إلا في الواسطة بينهم وبين الرسول وعدمها والله ورسوله وسائر أهل العلم يعلمون أنهم وأن مستفتيهم لم يعلموا إلا بما علموه عن نبيهم وشاهدوه وسمعوه منه وهؤلاء بواسطة وهؤلاء بغير واسطة ولم يكن فيهم من يأخذ قول واحد من الأمة يحلل ما حلله ويحرم ما حرمه ويستبيح ما أباحه وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من أفتى بغير السنة منهم كما أنكر على أبي السنابل وكذبه وأنكر على من أفتى برجم الزاني البكر وأنكر عن من أفتى باغتسال الجريح حتى مات وأنكر على من أفتى بغير علم كمن يفتي بما لا يعلم صحته وأخبر أن إثم المستفتى عليه فإفتاء الصحابة في حياته نوعان أحدهما كان يبلغه ويقرهم عليه فهو حجة بإقراره لا بمجرد إفتائهم الثاني ما كانوا يفتون به مبلغين له عن نبيهم فهم فيه رواة لا مقلدون ولا مقلدون
252
الوجه السابع والخمسون قولكم وقد قال تعالى ! < فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم > ! فأوجب قبول نذارتهم وذلك تقليد لهم جوابه من وجوه أحدها أن الله سبحانه إنما أوجب عليهم قبول ما أنذروهم به من الوحي الذي ينزل في غيبتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد فأين في هذا حجة لفرقة التقليد على تقديم آراء الرجال على الوحي الثاني أن الآية حجة عليهم ظاهرة فإنه سبحانه نوع عبوديتهم وقيامهم بأمره إلى نوعين أحدهما نفير الجهاد والثاني التفقه في الدين وجعل قيام الدين بهذين الفريقين وهم الأمراء والعلماء أهل الجهاد وأهل العلم فالنافرون يجاهدون عن القاعدين والقاعدون يحفظون العلم للنافرين فإذا رجعوا من نفيرهم استدركوا ما فاتهم من العلم بإخبار من سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنا للناس في الآية قولان أحدهما أن المعنى فهلا نفر من كل فرقة طائفة تتفقه وتنذر القاعدة فيكون المعنى في طلب العلم وهذا قول الشافعي وجماعة من المفسرين واحتجوا به على قبول خبر الواحد لأن الطائفة لا يجب أن تكون عدد التواتر والثاني أن المعنى فلولا نفر من كل قرية طائفة تجاهد لتتفقه القاعدة وتنذر النافرة للجهاد إذا رجعوا إليهم ويخبرونهم بما نزل بعدهم من الوحي وهذا قول الأكثرين وهو الصحيح لأن النفير إنما هو الخروج للجهاد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وإذا استنفرتم فانفروا وأيضا فإن المؤمنين عام في المقيمين مع النبي صلى الله عليه وسلم والغائبين عنه والمقيمون مرادون ولا بد فإنهم سادات المؤمنين فكيف لا يتناولهم اللفظ وعلى قول أولئك يكون المؤمنون خاصا بالغائبين عنه فقط والمعنى وما كان المؤمنون لينفروا إليه كلهم فلولا نفر إليه كل قرية منهم طائفة وهذا خلاف ظاهر لفظ المؤمنين وإخراج للفظ النفير عن مفهومه في القرآن والسنة وعلى كلا القولين فليس في الآية ما يقتضي صحة القول بالتقليد
253
المذموم بل هي حجة على فساده وبطلانه فإن الإنذار إنما يقوم بالحجة فمن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أنذر كما أن النذير من أقام الحجة فمن لم يأت بحجة فليس بنذير فإن سميتم ذلك تقليدا فليس الشأن في الأسماء ونحن لا ننكر التقليد بهذا المعنى فسموه ما شئتم وإنما ننكر نصب رجل معين يجعل قوله عيارا على القرآن والسنن فما وافق قوله منها قبل وما خالفه لم يقبل ويقبل قوله بغير حجة ويرد قول نظيره أو أعلم منه والحجة معه فهذا الذي أنكرناه وكل عالم على وجه الأرض يعلن إنكاره وذمه وذم أهله
الوجه الثامن والخمسون قولكم إن بن الزبير سئل عن الجد والإخوة فقال أما الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذته خليلا يريد أبا بكر رضي الله عنه فإنه أنزله أبا فأي شيء في هذا مما يدل على التقليد بوجه من الوجوه وقد تقدم من الأدلة الشافية التي لا مطمع في دفعها ما يدل على أن قول الصديق في الجد أصح الأقوال على الإطلاق وبن الزبير لم يخبر بذلك تقليدا بل أضاف المذهب إلى الصديق لينبه على جلالة قائله وأنه ممن لا يقاس غيره به لا ليقبل قوله بغير حجة وتترك الحجة من القرآن والسنة لقوله فابن الزبير وغيره من الصحابة كانوا أتقى لله وحجج الله وبيناته أحب إليهم من أن يتركوها لآراء الرجال ولقول أحد كائنا من كان وقول بن الزبير إن الصديق أنزله أبا متضمن للحكم والدليل معا
الوجه التاسع والخمسون قولكم وقد أمر الله بقبول شهادة الشاهد وذلك تقليد له فلو لم يكن في آفات التقليد غير هذا الاستدلال لكفى به بطلانا وهل قبلنا قول الشاهد إلا بنص كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع الأمة على قبول قوله فإن الله سبحانه نصبه حجة يحكم الحاكم بها كما يحكم بالإقرار
254
وكذلك قول المقر أيضا حجة شرعية وقبوله تقليد له كما سميتم قبول شهادة الشاهد تقليدا فسموه ما شئتم فإن الله سبحانه أمرنا بالحكم بذلك وجعله دليلا على الأحكام فالحاكم بالشهادة والإقرار منفذ لأمر الله ورسوله ولو تركنا تقليد الشاهد لم يلزم به حكم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي بالشاهد وبالإقرار وذلك حكم بنفس ما أنزل الله لا بالتقليد فالاستدلال بذلك على التقليد المتضمن للإعراض عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وتقديم آراء الرجال عليها وتقديم قول الرجل على من هو أعلم منه واطراح قول من عداه جملة من باب قلب الحقائق وانتكاس العقول والإفهام وبالجملة فنحن إذا قبلنا قول الشاهد لم نقبله لمجرد كونه شهد به بل لأن الله سبحانه أمرنا بقبول قوله فأنتم معاشر المقلدين إذا قبلتم قول من قلدتموه قبلتموه لمجرد كونه قاله أو لأن الله أمركم بقبول قوله وطرح قول من سواه
الوجه الستون قولكم وقد جاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارص والقاسم والمقوم والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد وذلك تقليد محض أتعنون به أنه تقليد لبعض العلماء في قبول أقوالهم أو تقليد لهم فيما يخبرون به فإن عنيتم الأول فهو باطل وإن عنيتم الثاني فليس فيه ما تستروحون إليه من التقليد الذي قام الدليل على بطلانه وقبول قول هؤلاء من باب قبول خبر المخبر والشاهد لا من باب قبول الفتيا في الدين من غير قيام دليل على صحتها بل لمجرد إحسان الظن بقائلها مع تجويز الخطأ عليه فأين قبول الإخبار والشهادات والأقارير إلى التقليد في الفتوى والمخبر بهذه الأمور يخبر عن أمر حسي طريق العلم به إدراكه بالحواس والمشاعر الظاهرة والباطنة وقد أمر الله سبحانه بقول خبر المخبر به إذا كان ظاهر الصدق والعدالة وطرد هذا ونظيره قبول خبرالمخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه قال أو فعل وقبول خبر المخبر عمن أخبر عنه بذلك وهلم جرا فهذا حق لا ينازع فيه أحد
255
وأما تقليد الرجل فيما يخبر به عن ظنه فليس فيه أكثر من العلم بأن ذلك ظنه واجتهاده فتقليدنا له في ذلك بمنزلة تقليدنا له فيما يخبر به عن رؤيته وسماعه وإدراكه فأين في هذا ما يوجب علينا أو يسوغ لنا أن نفتي بذلك أو نحكم به وندين الله به ونقول هذا هو الحق وما خالفه باطل ونترك له نصوص القرآن والسنة وآثار الصحابة وأقوال من عداه من جميع أهل العلم
ومن هذا الباب تقليد الأعمى في القبلة ودخول الوقت لغيره وقد كان بن أم مكتوم لا يؤذن حتى يقلد غيره في طلوع الفجر ويقال له أصبحت أصبحت وكذلك تقليد الناس للمؤذن في دخول الوقت وتقليد من في المطمورة لمن يعلمه بأوقات الصلاة والفطر والصوم وأمثال ذلك ومن ذلك التقليد في قبول الترجمة في الرسالة والتعريف والتعديل والجرح كل هذا من باب الأخبار التي أمر الله بقبول المخبر بها إذا كان عدلا صادقا وقد أجمع الناس على قبول خبر الواحد في الهدية وإدخال الزوجة على زوجها وقبول خبر المرأة ذمية كانت أو مسلمة في انقطاع دم حيضها لوقته وجواز وطئها وإنكاحها بذلك وليس هذا تقليدا في الفتيا والحكم وإذا كان تقليدا لها فإن الله سبحانه شرع لنا أن نقبل قولها ونقلدها فيه ولم يشرع لنا أن نتلقى أحكامه عن غير رسوله فضلا عن أن نترك سنة رسوله لقول واحد من أهل العلم ونقدم قوله على قول من عداه من الأمة
الوجه الحادي والستون قولكم وأجمعوا على جواز شراء اللحمان والأطعمة والثياب وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلها اكتفاء بتقليد أربابها جوابه أن هذا ليس تقليدا في حكم من أحكام الله ورسوله من غير دليل بل هو اكتفاء بقبول قول الذابح والبائع وهو اقتداء واتباع لأمر الله ورسوله حتى لو كان الذابح والبائع يهوديا أو نصرانيا أو فاجرا اكتفينا بقوله في ذلك ولم نسأله عن أسباب الحل كما قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله إن ناسا يأتوننا باللحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لا فقال سموا وأنتم وكلوا فهل يسوغ لكم
256
تقليد الكفار والفساق في الدين كما تقلدونهم في الذبائح والأطعمة فدعوا هذه الاحتجاجات الباردة وادخلوا معنا في الأدلة الفارقة بين الحق والباطل لنعقد معكم عقد الصلح اللازم على تحكيم كتاب الله وسنة رسوله والتحاكم إليهما وترك أقوال الرجال لهما وأن ندور مع الحق حيث كان ولا نتحيز إلى شخص معين غير الرسول نقبل قوله كله ونرد قول من خالفه كله وإلا فاشهدوا بأنا أول منكر لهذه الطريقة وراغب عنها داع إلى خلافها والله المستعان
الوجه الثاني والستون قولكم لو كلف الناس كلهم الاجتهاد وأن يكونوا علماء ضاعت مصالح العباد وتعطلت الصنائع والمتاجر وهذا مما لا سبيل إليه شرعا وقدرا فجوابه من وجوه
أحدها أن من رحمة الله سبحانه بنا ورأفته أنه لم يكلفنا بالتقليد فلو كلفنا به لضاعت أمورنا وفسدت مصالحنا لأنا لم نكن ندري من نقلد من المفتين والفقهاء وهم عدد فوق المئتين ولا يدري عددهم في الحقيقة إلا الله فإن المسلمين قد ملأوا الأرض شرقا وغربا وجنوبا وشمالا وانتشر الإسلام بحمد الله وفضله وبلغ ما بلغ الليل فلو كلفنا بالتقليد لوقعنا في أعظم العنت والفساد ولكلفنا بتحليل الشيء وتحريمه وإيجاب الشيء وإسقاطه معا إن كلفنا بتقليد كل عالم وإن كلفنا بتقليد الأعلم فالأعلم فمعرفة ما دل عليه القرآن والسنن من الأحكام أسهل بكثير من معرفة الأعلم الذي اجتمعت فيه شروط التقليد ومعرفة ذلك مشقة على العالم الراسخ فضلا عن المقلد الذي هو كالأعمى وإن كلفنا بتقليد البعض وكان جعل ذلك إلى تشهينا واختيارنا صار دين الله تبعا لإرادتنا واختيارنا وشهواتنا وهو عين المحال فلا بد أن يكون ذلك راجعا إلى من أمر الله باتباع قوله وتلقي الدين من بين شفتيه وذلك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله وأمينه على وحيه وحجته على خلقه ولم يجعل الله هذا المنصب لسواه بعده أبدا
الثاني أن بالنظر والاستدلال صلاح الأمور لا ضياعها وبإهماله وتقليد من يخطئ ويصيب إضاعتها وفسادها كما الواقع شاهد به
257
والثالث أن كل واحد منا مأمور بأن يصدق الرسول فيما أخبر به ويطيعه فيما أمر وذلك لا يكون إلا بعد معرفة أمره وخبره ولم يوجب الله سبحانه من ذلك على الأمة إلا ما فيه حفظ دينها ودنياها وصلاحها في معاشها ومعادها وبإهمال ذلك تضيع مصالحها وتفسد أمورها فما خراب العالم إلا بالجهل ولا عمارته إلا بالعلم وإذا ظهر العلم في بلد أو محلة قل الشر في أهلها وإذا خفي العلم هناك ظهر الشر والفساد ومن لم يعرف هذا فهو ممن لم يجعل الله له نورا قال الإمام أحمد ولولا العلم كان الناس كالبهائم وقال الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثا والعلم يحتاج إليه كل وقت
الرابع أن الواجب على كل عبد أن يعرف ما يخصه من الأحكام ولا يجب عليه أن يعرف ما لا تدعوه الحاجة إلى معرفته وليس في ذلك إضاعة لمصالح الخلق ولا تعطيل لمعاشهم فقد كان الصحابة رضي الله عنهم قائمين بمصالحهم ومعاشهم وعمارة حروثهم والقيام على مواشيهم والضرب في الأرض لمتاجرهم والصفق بالأسواق وهم أهدى العلماء الذين لا يشق في العلم غبارهم
الخامس أن العلم النافع هو الذي جاء به الرسول دون مقدرات الأذهان ومسائل الخرص والألغاز وذلك بحمد الله تعالى أيسر شيء على النفوس تحصيله وحفظه وفهمه فإنه كتاب الله الذي يسره للذكر كما قال تعالى ! < ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر > ! قال البخاري في صحيحه قال مطر الوراق هل من طالب علم فيعان عليه ولم يقل فتضيع عليه مصالحه وتتعطل معايشه عليه وسنة رسوله وهي بحمد الله تعالى مضبوطة محفوظة وأصول الأحكام التي تدور عليها نحو خمسمائة حديث وفرشها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث وإنما الذي هو في غاية الصعوبة والمشقة مقدرات الأذهان وأغلوطات المسائل والفروع والأصول التي ما أنزل الله بها من سلطان التي كل مالها في نمو وزيادة وتوليد والدين كل ماله في غربة ونقصان والله المستعان
الوجه الثالث والستون قولكم قد أجمع الناس على تقليد الزوج لمن يهدي
258
إليه زوجته ليلة الدخول وعلى تقليد الأعمى في القبلة والوقت وتقليد المؤذنين وتقليد الأئمة في الطهارة وقراءة الفاتحة وتقليد الزوجة في انقطاع دمها ووطئها وتزويجها
فجوابه ما تقدم أن استدلالكم بهذا من باب المغاليط وليس هذا من التقليد المذموم على لسان السلف والخلف في شيء ونحن لم نرجع إلى أقوال هؤلاء لكونهم أخبروا بها بل لأن الله ورسوله أمر بقبول قولهم وجعله دليلا على ترتب الأحكام فإخبارهم بمنزلة الشهادة والإقرار فأين في هذا ما يسوغ التقليد في أحكام الدين والإعراض عن القرآن والسنن ونصب رجل بعينه ميزانا على كتاب الله وسنة رسوله
الوجه الرابع والستون قولكم أمر النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن الحارث أن يقلد المرأة التي أخبرته بأنها أرضعته وزوجته فيالله العجب فأنتم لا تقلدونها في ذلك ولو كانت إحدى أمهات المؤمنين ولا تأخذون بهذا الحديث وتتركونه تقليدا لمن قلدتموه دينكم وأي شيء في هذا مما يدل على التقليد في دين الله وهل هذا إلا بمنزلة قبول خبر المخبر عن أمر حسي يخبر به وبمنزلة قبول الشاهد وهل كان مفارقة عقبة لها تقليدا لتلك الأمة أو اتباعا لرسول الله حيث أمره بفراقها فمن بركة التقليد أنكم لا تأمرونه بفراقها وتقولون هي زوجتك حلال وطؤها وأما نحن فمن حقوق الدليل علينا أن نأمر من وقعت له هذه الواقعة بمثل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لعقبة بن الحارث سواء ولا نترك الحديث تقليدا لأحد
الوجه الخامس والستون قولكم قد صرح الأئمة بجواز التقليد كما قال سفيان إذا رأيت الرجل يعمل العمل وأنت ترى غيره فلا تنهه وقال محمد بن الحسن يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه ولا يجوز له تقليد مثله وقال الشافعي في غير موضع قلته تقليدا لعمر وقلته تقليدا لعثمان وقلته تقليدا لعطاء
جوابه من وجوه أحدها أنكم إن ادعيتم أن جميع العلماء صرحوا بجواز
259
التقليد فدعوى باطلة فقد ذكرنا من كلام الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام في ذم التقليد وأهله والنهي عنه ما فيه كفاية وكانوا يسمون المقلد الإمعة ومحقب دينه كما قال بن مسعود الإمعة الذي يحقب دينه الرجال وكانوا يسمونه الأعمى الذي لا بصيرة له ويسمون المقلدين أتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يركنوا إلى ركن وثيق كما قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة وكما سماه الشافعي حاطب ليل ونهى عن تقليده وتقليد غيره فجزاه الله عن الإسلام خيرا لقد نصح لله ولرسوله والمسلمين ودعا إلى كتاب الله وسنة رسوله وأمر باتباعهما دون قوله وأمرنا بأن نعرض أقواله عليهما فنقبل منها ما وافقهما ونرد ما خالفهما فنحن نناشد المقلدين هل حفظوا في ذلك وصيته وأطاعوه أم عصوه وخالفوه وإن ادعيتم أن من العلماء من جوز التقليد فكان ما رأى
الثاني أن هؤلاء الذين حكيتم عنهم أنهم جوزوا التقليد لمن هو أعلم منهم هم من أعظم الناس رغبة عن التقليد واتباعا للحجة ومخالفة لمن هو أعلم منهم فأنتم مقرون أن أبا حنيفة أعلم من محمد بن الحسن ومن أبي يوسف وخلافهما له معروف وقد صح عن أبي يوسف أنه قال لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا
الثالث أنكم منكرون أن يكون من قلدتموه من الأئمة مقلدا لغيره أشد الإنكار وقمتم وقعدتم في قول الشافعي قتله تقليدا لعمر وقلته تقليدا لعثمان وقلته تقليدا لعطاء واضطربتم في حمل كلامه على موافقة الاجتهاد أشد الاضطراب وادعيتم أنه لم يقلد زيدا في الفرائض وإنما اجتهد فوافق اجتهاده اجتهاده ووقع الخاطر على الخاطر حتى وافق اجتهاده في مسائل المعادة حتى في الأكدرية وجاء الاجتهاد حذو القذة بالقذة فكيف نصبتموه مقلدا ها هنا ولكن هذا التناقض جاء من بركة التقليد ولو انبعتم العلم من حيث هو واقتديتم بالدليل وجعلتم الحجة إماما لما تناقضتم هذا التناقض وأعطيتم كل ذي حق حقه
260
الرابع أن هذا من أكبر الحجج عليكم فإن الشافعي قد صرح بتقليد عمر وعثمان وعطاء مع كونه من أئمة المجتهدين وأنتم مع إقراركم بأنكم من المقلدين لا ترون تقليد واحد من هؤلاء بل إذا قال الشافعي وقال عمر وعثمان وبن مسعود فضلا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن تركتم تقليد هؤلاء وقلدتم الشافعي وهذا عين التناقض فخالفتموه من حيث زعمتم أنكم قلدتموه فإن قلدتم الشافعي فقلدوا من قلده الشافعي فإن قلتم بل قلدناهم فيما قلدهم فيه الشافعي قيل لم يكن ذلك تقليدا منكم لهم بل تقليدا له وإلا فلو جاء عنهم خلاف قوله لم تلتفتوا إلى أحد منهم
الخامس أن من ذكرتم من الأئمة لم يقلدوا تقليدكم ولا سوغوه بتة بل غاية ما نقل عنهم من التقليد في مسائل يسيرة لم يظفروا فيها بنص عن الله ورسوله ولم يجدوا فيها سوى قول من هو أعلم منهم فقلدوه وهذا فعل أهل العلم وهو الواجب فإن التقليد إنما يباح للمضطر وأما من عدل عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وعن معرفة الحق بالدليل مع تمكنه منه إلى التقليد فهو كمن عدل إلى الميتة مع قدرته على المذكى فإن الأصل أن لا يقبل قول الغير إلا بدليل عند الضرورة فجعلتم أنتم حال الضرورة رأس أموالكم
الوجه السادس والستون قولكم قال الشافعي رأي الصحابة لنا خير من رأينا لأنفسنا ونحن نقول ونصدق رأي الشافعي والأئمة لنا خير من رأينا لأنفسنا جوابه من وجوه
أحدها أنكم أول مخالف لقوله ولا ترون رأيهم لكم خيرا من رأي الأئمة لأنفسهم بل تقولون رأي الأئمة لأنفسهم خير لنا من رأي الصحابة لنا فإذا جاءت الفتيا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسادات الصحابة وجاءت الفتيا عن الشافعي وأبي حنيفة ومالك تركتم ما جاء عن الصحابة وأخذتم بما أفتى به الأئمة فهلا كان رأي الصحابة لكم خيرا من رأي الأئمة لكم لو نصحتم أنفسكم
الثاني أن هذا لا يوجب صحة تقليد من سوى الصحابة لما خصهم الله
261
به من العلم والفهم والفضل والفقه عن الله ورسوله وشاهدوا الوحي والتلقي عن الرسول بلا واسطة ونزول الوحي بلغتهم وهي غضة محضة لم تشب ومراجعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أشكل عليهم من القرآن والسنة حتى يجليه لهم فمن له هذه المزية بعدهم ومن شاركهم في هذه المنزلة حتى يقلد كما يقلدون فضلا عن وجوب تقليده وسقوط تقليدهم أو تحريمه كما صرح به غلاتهم وتالله إن بين علم الصحابة وعلم من قلدتموه من الفضل كما بينهم وبينهم في ذلك
قال الشافعي في الرسالة القديمة بعد أن ذكرهم وذكر من تعظيمهم وفضلهم وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به عليهم وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا قال الشافعي وقد أثنى الله على الصحابة في القرآن والتوراة والإنجيل وسبق لهم من الفضل على لسان نبيهم ما ليس لأحد بعدهم وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل احد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وقال بن مسعود إن الله نظر في قلوب عباده فوجد قلب محمد خير قلوب العباد ثم نظر في قلوب الناس بعده فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته وجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنة خلفائه الراشدين وبالاقتداء بالخليفتين وقال أبو سعيد كان أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود بالعلم ودعا لابن عباس بأن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل وضمه إليه مرة وقال اللهم علمه الحكمة وتأول عمر في المنام القدح الذي شرب منه حتى رأى الري يخرج من تحت أظفاره وأوله بالعلم وأخبر أن القوم إن أطاعوا أبا بكر وعمر يرشدوا وأخبر أنه لو كان
262
بعده نبي لكان عمر وأخبر أن الله جعل الحق على لسانه وقلبه وقال رضيت لكم ما رضي لكم بن أم عبد يعني عبد الله بن مسعود وفضائلهم ومناقبهم وما خصهم الله به من العلم والفضل أكثر من أن يذكر فهل يستوي تقليد هؤلاء وتقليد من بعدهم ممن لا يدانيهم ولا يقاربهم
الثالث أنه لم يختلف المسلمون أنه ليس قول من قلدتموه حجة وأكثر العلماء بل الذي نص عليه من قلدتموه أن أقوال الصحابة حجة يجب اتباعها ويحرم الخروج منها كما سيأتي حكاية ألفاظ الأئمة في ذلك وأبلغهم فيه الشافعي ونبين أنه لم يختلف مذهبه أن قول الصحابي حجة ونذكر نصوصه في الجديد على ذلك إن شاء الله وأن من حكى عنه قولين في ذلك فإنما حكى ذلك بلازم قوله لا بصريحه وإن كان قول الصحابي حجة فقبول قوله حجة واجب متعين وقبول قول من سواه أحسن أحواله أن يكون سائغا فقياس أحد القائلين على الآخر من أفسد القياس وأبطله
الوجه السابع والستون قولكم وقد جعل الله سبحانه في فطر العباد تقليد المتعلمين للمعلمين والأستاذين في جميع الصنائع والعلوم إلى آخره فجوابه أن هذا حق لا ينكره عاقل ولكن كيف يستلزم ذلك صحة التقليد في دين الله وقبول قول المتبوع بغير حجة توجب قبول قوله وتقديم قوله على قول من هو أعلم منه وترك الحجة لقوله وترك أقوال أهل العلم جميعا من السلف والخلف لقوله فهل جعل الله ذلك في فطرة أحد من العالمين ثم يقال بل الذي فطر الله عليه عباده طلب الحجة والدليل المثبت لقول المدعي فركز سبحانه في فطر الناس أنهم لا يقبلون قول من لم يقم الدليل على صحة قوله ولأجل ذلك أقام الله سبحانه البراهين القاطعة والحجج الساطعة والأدلة الظاهرة والآيات الباهرة على صدق رسله إقامة للحجة وقطعا للمعذرة هذا وهم
263
أصدق خلقه وأعلمهم وأبرهم وأكملهم فأتوا بالآيات والحجج والبراهين مع اعتراف أممهم لهم بأنهم أصدق الناس فكيف يقبل قول من عداهم بغير حجة توجب قبول قوله والله تعالى إنما أوجب قبول قولهم بعد قيام الحجة وظهور الآيات المستلزمة لصحة دعواهم لما جعل الله في فطر عباده من الانقياد للحجة وقبول قول صاحبها وهذا أمر مشترك بين جميع أهل الأرض مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم الانقياد للحجة وتعظيم صاحبها وإن خالفوه عنادا وبغيا فلفوات أغراضهم بالانقياد ولقد أحسن القائل
أبن وجه قول الحق في قلب سامع
ودعه فنور الحق يسري ويشرق
سيؤنسه رشدا وينسى نفاره
كما نسي التوثيق من هو مطلق
ففطره الله وشرعه من أكبر الحجج على فرقة التقليد
الوجه الثامن والستون قولكم إن الله سبحانه فاوت بين قوى الأذهان كما فاوت بين قوى الأبدان فلا يليق بحكمته وعدله أن يفرض على كل أحد معرفة الحق بدليله في كل مسألة إلى آخره فنحن لا ننكر ذلك ولا ندعي أن الله فرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله في كل مسألة من مسائل الدين دقه وجلة وإنما أنكرنا ما أنكره الأئمة ومن تقدمهم من الصحابة والتابعين وما حدث في الإسلام بعد انقضاء القرون الفاضلة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصب رجل واحد وجعل فتاويه بمنزلة نصوص الشارع بل تقديمها عليه وتقديم قوله على أقوال من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من جميع علماء أمته والاكتفاء بتقليده عن تلقي الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة وأن يضم إلى ذلك أنه لا يقول إلا بما في كتاب الله وسنة رسوله وهذا مع تضمنه للشهادة بما لا يعلم الشاهد والقول على الله بلا علم والإخبار عمن خالفه وإن كان أعلم منه أنه غير مصيب للكتاب
264
والسنة ومتبوعي هو المصيب أو يقول كلاهما مصيب للكتاب والسنة وقد تعارضت أقوالهما فيجعل أدلة الكتاب والسنة متعارضة متناقضة والله ورسوله يحكم بالشيء وضده في وقت واحد ودينه تبع لآراء الرجال وليس له في نفس الأمر حكم معين فهو إما أن يسلك هذا المسلك أو يخطئ من خالف متبوعه ولا بد له من واحد من الأمرين وهذا من بركة التقليد عليه
إذا عرفت هذا فنحن إنما قلنا ونقول إن الله تعالى أوجب على العباد أن يتقوه بحسب استطاعتهم وأصل التقوى معرفة ما يتقى ثم العمل به فالواجب على كل عبد أن يبذل جهده في معرفة ما يتقيه مما أمره الله به ونهاه عنه ثم يلتزم طاعة الله ورسوله وما خفي عليه فهو فيه أسوة أمثاله ممن عدا الرسول فكل أحد سواه قد خفي عليه بعض ما جاء به ولم يخرجه ذلك عن كونه من أهل العلم ولم يكلفه الله ما لا يطيق من معرفة الحق واتباعه قال أبو عمر وليس أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد خفي عليه بعض أمره فإذا أوجب الله سبحانه على كل أحد ما استطاعه وبلغته قواه من معرفة الحق وعذره فيما خفي عليه منه فأخطأ أو قلد فيه غيره كان ذلك هو مقتضى حكمته وعدله ورحمته بخلاف ما لو فرض على العباد تقليد من شاءوا من العلماء وأن يختار كل منهم رجلا ينصبه معيارا على وحيه ويعرض عن أخذ الأحكام واقتباسها من مشكاة الوحي فإن هذا ينافي حكمته ورحمته وإحسانه ويؤدي إلى ضياع دينه وهجر كتابه وسنة رسوله كما وقع فيه من وقع وبالله التوفيق
الوجه التاسع والستون قولكم إنكم في تقليدكم بمنزلة المأموم مع الإمام والمتبوع مع التابع فالركب خلف الدليل جوابه إنا والله حولها ندندن ولكن الشأن في الإمام والدليل والمتبوع الذي فرض الله على الخلائق
265
أن تأتم به وتتبعه وتسير خلفه وأقسم سبحانه بعزته أن العباد لو أتوه من كل طريق أو استفتحوا من كل باب لم يفتح لهم حتى يدخلوا خلفه فهذا لعمر الله هو إمام الخلق ودليلهم وقائدهم حقا ولم يجعل الله منصب الإمامة بعده إلا لمن دعا إليه ودل عليه وأمر الناس أن يقتدوا به ويأتموا به ويسيروا خلفه وأن لا ينصبوا لنفوسهم متبوعا ولا إماما ولا دليلا غيره بل يكون العلماء مع الناس بمنزلة أئمة الصلاة مع المصلين كل واحد يصلي طاعة لله وامتثالا لأمره وهم في الجماعة متعاونون متساعدون بمنزلة الوفد مع الدليل كلهم يحج طاعة لله وامتثالا لأمره لا أن المأموم يصلي لأجل كون الإمام يصلي بل هو يصلي صلى إمامه أو لا بخلاف المقلد فإنه إنما ذهب إلى قول متبوعه لأنه قاله لا لأن الرسول قاله ولو كان كذاك لدار مع قول الرسول أين كان ولم يكن مقلدا فاحتجاجهم بإمام الصلاة ودليل الحاج من أظهر الحجج عليهم
يوضحه الوجه السبعون أن المأموم قد علم أن هذه الصلاة التي فرضها الله سبحانه على عباده وأنه وإمامه في وجوبها سواء وأن هذا البيت هو الذي فرض الله حجه على كل من استطاع إليه سبيلا وأنه هو والدليل في هذا الفرض سواء فهو لم يحج تقليدا للدليل ولم يصل تقليدا للإمام وقد استأجر النبي صلى الله عليه وسلم دليلا يدله على طريق المدينة لما هاجر الهجرة التي فرضها الله عليه وصلى خلف عبد الرحمن بن عوف مأموما والعالم يصلي خلف مثله ومن هو دونه بل خلف من ليس بعالم وليس من تقليده في شيء
يوضحه الوجه الحادي والسبعون أن المأموم يأتي بمثل ما يأتي به الإمام سواء والركب يأتون بمثل ما يأتي به الدليل ولو لم يفعلا ذلك لما كان هذا متبعا فالمتبع للأئمة هو الذي يأتي بمثل ما أتوا به سواء من معرفة الدليل وتقديم الحجة وتحكيمها حيث كانت ومع من كانت فهذا
266
يكون متبعا لهم وأما مع إعراضه عن الأصل الذي قامت عليه إمامتهم ويسلك غير سبيلهم ثم يدعي أنه مؤتم بهم فتلك أمانيهم ويقال لهم هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين
الوجه الثاني والسبعون قولكم إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحوا البلاد وكان الناس حديثي عهد بالإسلام وكانوا يفتونهم ولم يقولوا لأحد منهم عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل جوابه أنهم لم يفتوهم بآرائهم وإنما بلغوهم ما قاله نبيهم وفعله وأمر به فكان ما أفتو هم به هو الحكم وهو الحجة وقالوا لهم هذا عهد نبينا إلينا وهوعهدنا إليكم فكان ما يخبرونهم به هو نفس الدليل وهو الحكم فإن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الحكم وهو دليل الحكم وكذلك القرآن وكان الناس إذ ذاك إنما يحرصون على معرفة ما قاله نبيهم وفعله وأمر به وإنما تبلغهم الصحابة ذلك فأين هذا من زمان إنما يحرص أشباه الناس فيه على ما قاله الآخر فالآخر وكلما تأخر الرجل أخذوا كلامه وهجروا أو كادوا يهجرون كلام من فوقه حتى تجد أتباع الأئمة أشد الناس هجرا لكلامهم وأهل كل عصر إنما يقضون ويفتون بقول الأدنى فالأدنى إليهم وكلما بعد العهد ازداد كلام المتقدم هجرا ورغبة عنه حتى إن كتبه لا تكاد تجد عندهم منها شيئا بحسب تقدم زمانه لكن أين قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للتابعين لينصب كل منكم لنفسه رجلا يختاره ويقلده دينه ولا يلتفت إلى غيره ولا يتلق الأحكام من الكتاب والسنة بل من تقليد الرجال فإذا جاءكم عن الله ورسوله شيء وعمن نصبتموه إماما تقلدونه فخذوا بقوله ودعوا ما بلغكم عن الله ورسوله فوالله لو كشف الغطاء لكم وحقت الحقائق لرأيتم نفوسكم وطريقكم مع الصحابة كما قال الأول
نزلوا بمكة في قبائل هاشم
ونزلت بالبيداء أبعد منزل
267
وكما قال الثاني
سارت مشرقة وسرت مغربا
شتان بين مشرق ومغرب وكما قال الثالث
أيها المنكح الثريا سهيلا
عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت
وسهيل إذا استقل يماني
الوجه الثالث والسبعون قولكم إن التقليد من لوازم الشرع والقدر والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد كما تقدم بيانه من الأحكام جوابه أن التقليد المنكر المذموم ليس من لوازم الشرع وإن كان من لوازم القدر بل بطلانه وفساده من لوازم الشرع كما عرف بهذه الوجوه التي ذكرناها وأضعافها وإنما الذي من لوازم الشرع المتابعة وهذه المسائل التي ذكرتم أنها من لوازم الشرع ليست تقليدا وإنما هي متابعة وامتثال للأمر فإن أبيتم إلا تسميتها تقليدا فالتقليد بهذا الاعتبار حق وهو من الشرع ولا يلزم من ذلك أن يكون التقليد الذي وقع النزاع فيه من الشرع ولا من لوازمه وإنما بطلانه من لوازمه
يوضحه الوجه الرابع والسبعون أن ما كان من لوازم الشرع فبطلان ضده من لوازم الشرع فلو كان التقليد الذي وقع فيه النزاع من لوازم الشرع لكان بطلان الاستدلال واتباع الحجة في موضع التقليد من لوازم الشرع فإن ثبوت أحد النقيضين يقتضي انتفاء الآخر وصحة أحد الضدين يوجب بطلان الآخر ونحرره دليلا فنقول لو كان التقليد من الدين لم يجز العدول عنه إلى الاجتهاد والاستدلال لأنه يتضمن بطلانه
فإن قيل كلاهما من الدين أو أحدهما أكمل من الآخر فيجوز العدول عن المفضول إلى الفاضل
268
قيل إذا كان قد انسد باب الاجتهاد عندكم وقطعتم طريقه وصار الفرض هو التقليد فالعدول عنه إلى ما قد سد بابه وقطعت طريقه يكون عندكم معصية وفاعله آثما وفي هذا من قطع طريق العلم وإبطال حجج الله وبيناته وخلو الأرض من قائم لله بحججه ما يبطل هذا القول ويدحضه وقد ضمن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة وهؤلاء هم أولو العلم والمعرفة بما بعث الله به رسوله فإنهم على بصيرة وبينة بخلاف الأعمى الذي قد شهد على نفسه بأنه ليس من اولي العلم والبصائر
والمقصود أن الذي هو من لوازم الشرع المتابعة والاقتداء وتقديم النصوص على آراء الرجال وتحكيم الكتاب والسنة في كل ما تنازع فيه العلماء وأما الزهد في النصوص والاستغناء عنها بآراء الرجال وتقديمها عليها والإنكار على من جعل كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة نصب عينيه وعرض أقوال العلماء عليها ولم يتخذ من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة فبطلانه من لوازم الشرع ولا يتم الدين إلا بإنكاره وإبطاله فهذا لون والاتباع لون والله الموفق
الوجه الخامس والسبعون قولكم كل حجة أثرية احتججتم بها على بطلان التقليد فأنتم مقلدون لحملتها ورواتها وليس بيد العالم إلا تقليد الراوي ولا بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد ولا بيد العامي إلا تقليد العالم إلى آخره جوابه ما تقدم مرارا من أن هذا الذي سميتموه تقليدا هو اتباع أمر الله ورسوله ولو كان هذا تقليدا لكان كل عالم على وجه الأرض بعد الصحابة مقلدا بل كان الصحابة الذين أخذوا عن نظرائهم مقلدين ومثل هذا الاستدلال لا يصدر إلا من مشاغب أو ملبس يقصد لبس الحق بالباطل والمقلد لجهله أخذ نوعا
269
صحيحا من أنواع التقليد واستدل به على النوع الباطل منه لوجود القدر المشترك وغفل عن القدر الفارق وهذا هو القياس الباطل المتفق على ذمه وهو أخو هذا التقليد الباطل كلاهما في البطلان سواء
وإذا جعل الله سبحانه خبر الصادق حجة وشهادة العدل حجة لم يكن متبع الحجة مقلدا وإذا قيل إنه مقلد للحجة فحيهلا بهذا التقليد وأهله وهل ندندن إلا حوله والله المستعان
الوجه السادس والسبعون قولكم أنتم منعتم من التقليد خشية وقوع المقلد في الخطأ بأن يكون من قلده مخطئا في فتواه ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب الحق ولا ريب أن صوابه في تقليده لمن هو أعلم منه أقرب من اجتهاده هو لنفسه كمن أراد شراء سلعة لا خبرة له بها فإنه إذا قلد عالما بتلك السلعة خبيرا بها أمينا ناصحا كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده لنفسه
جوابه من وجوه
أحدها أنا منعنا التقليد طاعة لله ورسوله والله ورسوله منع منه وذم أهله في كتابه وأمر بتحكيمه وتحكيم رسوله ورد ما تنازعت فيه الأمة إليه وإلى رسوله وأخبر أن الحكم له وحده ونهى أن يتخذ من دونه ودون رسوله وليجة وأمر أن يعتصم بكتابه ونهى أن يتخذ من دونه أولياء وأربابا يحل من اتخذهم ما أحلوه ويحرم ما حرموه وجعل من لا علم له بما أنزله على رسوله بمنزلة الأنعام وأمر بطاعة أولي الأمر إذا كانت طاعتهم طاعة لرسوله بأن يكونوا متبعين لأمره مخبرين به وأقسم بنفسه سبحانه أنا لا نؤمن حتى نحكم الرسول خاصة فيما شجر بيننا لا نحكم غيره ثم لا نجد في أنفسنا حرجا مما حكم به كما يجده المقلدون إذا جاء حكمه خلاف قول من قلدوه وأن نسلم لحكمه تسليما كما يسلم المقلدون لأقوال من قلدوه بل تسليما أعظم من تسليمهم
270
وأكمل والله المستعان وذم من حاكم إلى غير الرسول وهذا كما أنه ثابت في حياته فهو ثابت بعد مماته فلو كان حيا بين أظهرنا وتحاكمنا إلى غيره لكنا من أهل الذم والوعيد فسنته وما جاء به من الهدى ودين الحق لم يمت وإن فقد من بين الأمة شخصه الكريم فلم يفقد من بيننا سنته ودعوته وهديه والعلم والإيمان بحمد الله مكانهما من ابتغاهما وجدهما وقد ضمن الله سبحانه حفظ الذكر الذي أنزله على رسوله فلا يزال محفوظا بحفظ الله محميا بحمايته لتقوم حجة الله على عباده قرنا بعد قرن إذ كان نبيهم آخر الأنبياء ولا نبي بعده فكان حفظه لدينه وما أنزله على رسوله مغنيا عن رسول آخر بعد خاتم الرسل والذي أوجبه الله سبحانه وفرضه على الصحابة من تلقي العلم والهدى من القرآن والسنة دون غيرهما هو بعينه واجب على من بعدهم وهو محكم لم ينسخ ولا يتطرق إليه النسخ حتى ينسخ الله العالم أو يطوي الدنيا وقد ذم الله تعالى من إذا دعى إلى ما أنزله وإلى رسوله صد وأعرض وحذره أن تصيبه مصيبة بإعراضه عن ذلك في قلبه ودينه ودنياه وحذر من خالف عن أمره واتبع غيره أن تصيبه فتنة أو يصيبه عذاب أليم فالفتنة في قلبه والعذاب الأليم في بدنه وروحه وهما متلازمان فمن فتن في قلبه بإعراضه عما جاء به ومخالفته له إلى غيره أصيب بالعذاب الأليم ولا بد وأخبر سبحانه أنه إذا قضى أمرا على لسان رسوله لم يكن لأحد من المؤمنين أن يختار من أمره غير ماقضاه فلا خيرة بعد قضائه لمؤمن البتة
ونحن نسأل المقلدين هل يمكن أن يخفي قضاء الله ورسوله على من قلدتموه دينكم في كثير من المواضع أم لا فإن قالوا لا يمكن أن يخفى عليه ذلك أنزلوه فوق منزلة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة كلهم فليس أحد منهم إلا وقد خفي عليه بعض ما قضى الله ورسوله به فهذا الصديق أعلم الأمة به خفي عليه ميراث الجدة حتى اعلمه به محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة وخفي عليه أن الشهيد لا دية له حتى أعلمه به عمر فرجع إلى قوله وخفي على عمر تيمم
271
الجنب فقال لو بقي شهرا لم يصل حتى يغتسل وخفي عليه دية الأصابع فقضى في الإبهام والتي تليها بخمس وعشرين حتى أخبر أن في كتاب آل عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيها بعشر عشر فترك قوله ورجع إليه وخفي عليه شأن الاستئذان حتى أخبره به أبو موسى وأبو سعيد الخدري وخفي عليه توريث المرأة من دية زوجها حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان الكلابي وهو أعرابي من أهل البادية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها وخفي عليه حكم إملاص المرأة حتى سأل عنه فوجده عند المغيرة بن شعبة وخفي عليه أمر المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر وخفي عليه سقوط طواف الوداع عن الحائض فكان يردهن حتى يطهرن ثم يطفن حتى بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك فرجع عن قوله وخفي عليه التسوية بين دية الأصابع وكان يفاضل بينها حتى بلغته السنة في التسوية فرجع إليها وخفي عليه شأن متعة الحج وكان ينهى عنها حتى وقف على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها فترك قوله وأمر بها وخفي عليه جواز التسمي بأسماء الأنبياء فنهى عنه حتى أخبره به طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم كناه أبا محمد فأمسك ولم يتماد على النهي هذا وأبو موسى ومحمد بن مسلمة وأبو أيوب من أشهر الصحابة ولكن لم يمر بباله رضي الله عنه أمر هو بين يديه حتى نهى عنه وكما خفي عليه قوله تعالى ! < إنك ميت وإنهم ميتون > ! وقوله ! < وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم > ! حتى قال والله كأني ما سمعتها قط قبل وقتي هذا وكما خفي عليه حكم الزيادة في المهر على مهر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته حتى ذكرته تلك المرأة بقوله تعالى ! < وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا > ! فقال كل أحد أفقه من عمر حتى النساء وكما خفي عليه أمر الجد والكلالة وبعض أبواب الربا فتمنى أن
272
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إليهم فيها عهدا وكما خفي عليه يوم الحديبية أن وعد الله لنبيه وأصحابه بدخول مكة مطلق لا يتعين لذاك العام حتى بينه له النبي صلى الله عليه وسلم وكما خفي عليه جواز استدامة الطيب للمحرم وتطيبه بعد النحر وقبل طواف الإفاضة وقد صحت السنة بذلك وكما خفي عليه أمر القدوم على محل الطاعون والفرار منه حتى أخبر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها فإن وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارا منه هذا وهو أعلم الأمة بعد الصديق على الإطلاق وهو كما قال بن مسعود لو وضع علم عمر في كفة ميزان وجعل علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر قال الأعمش فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال والله إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم وخفي على عثمان بن عفان أقل مدة الحمل حتى ذكره بن عباس بقوله تعالى ! < وحمله وفصاله ثلاثون شهرا > ! مع قوله ! < والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين > ! فرجع إلى ذلك وخفي على أبي موسى الأشعري ميراث بنت الابن مع البنت السدس حتى ذكر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثها ذلك وخفي على بن العباس تحريم لحوم الحمر الأهلية حتى ذكر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمها يوم خيبر وخفي على بن مسعود حكم المفوضة وترددوا إليه فيها شهرا فأفتاهم برأيه ثم بلغه النص بمثل ما أفتى به
وهذا باب واسع لو تتبعناه لجاء سفرا كبيرا فنسأل حينئذ فرقة التقليد هل يجوز أن يخفي على من قلدتموه بعض شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما خفي ذلك على سادات الامة أولا فإن قالوا لا يخفى عليه وقد خفي على الصحابة مع قرب عهدهم بلغوا في الغلو مبلغ مدعي العصمة في الأئمة وإن قالوا بل يجوز أن يخفى عليهم وهو الواقع وهم مراتب في الخفاء في القلة والكثرة قلنا فنحن نناشدكم الله الذي هو عند لسان كل قائل وقلبه وإذا قضى الله
273
ورسوله أمرا خفي على من قلدتموه هل تبقى لكم الخيرة بين قبول قوله ورده أم تنقطع خيرتكم وتوجبون العمل بما قضاه الله ورسوله عينا لا يجوز سواه فأعدوا لهذا السؤال جوابا وللجواب صوابا فإن السؤال واقع والجواب لا زم والمقصود أن هذا هو الذي منعنا من التقليد فأين معكم حجة واحدة تقطع العذر وتسوغ لكم ما ارتضيتموه لأنفسكم من التقليد
الوجه الثاني أن قولكم صواب المقلد في تقليده لمن هو أعلم منه أقرب من صوابه في اجتهاده دعوى باطلة فإنه إذا قلد من قد خالفه غيره ممن هو نظيره أو أعلم منه لم يدر على صواب هو من تقليده أو على خطأ بل هو كما قال الشافعي حاطب ليل إما أن يقع بيده عود أو أفعى تلدغه وأما إذا بذل اجتهاده في معرفة الحق فإنه بين أمرين إما أن يظفر به فله أجران وإما أن يخطئه فله أجر فهو مصيب للأجر ولا بد بخلاف المقلد المتعصب فإنه إن أصاب لم يؤجر وإن أخطأ لم يسلم من الإثم فأين صواب الأعمى من صواب البصير الباذل جهده
الوجه الثالث أنه إنما يكون أقرب إلى الصواب إذا عرف أن الصواب مع من قلده دون غيره وحينئذ فلا يكون مقلدا له بل متبعا للحجة وأما إذا لم يعرف ذلك البتة فمن أين لكم أنه أقرب إلى الصواب من باذل جهده ومستفرغ وسعه في طلب الحق
الوجه الرابع أن الأقرب إلى الصواب عند تنازع العلماء من امتثل أمر الله فرد ما تنازعوا فيه إلى القرآن والسنة وأما من رد ما تنازعوا فيه إلى قول متبوعه دون غيره فكيف يكون أقرب إلى الصواب
الوجه الخامس أن المثال الذي مثلتم به من أكبر الحجج عليكم فإن من أراد شراء سلعة أو سلوك طريق حين اختلف عليه اثنان أو أكثر وكل منهم يأمره بخلاف ما يأمره به الآخر فإنه لا يقدم على تقليد واحد منهم بل يبقى
274
مترددا طالبا للصواب من أقوالهم فلو أقدم على قبول قول أحدهم مع مساواة الآخر له في المعرفة والنصيحة والديانة أو كونه فوقه في ذلك عد مخاطرا مذموما ولم يمدح إن أصاب وقد جعل الله في فطر العقلاء في مثل هذا أن يتوقف أحدهم ويطلب ترجيح قول المختلفين عليه من خارج حتى يستبين له الصواب ولم يجعل في فطرهم الهجم على قبول قول واحد واطراح قول من عداه
الوجه السابع والسبعون أن نقول لطائفة المقلدين هل تسوغون تقليد كل عالم من السلف والخلف أو تقليد بعضهم دون بعض فإن سوغتم تقليد الجميع كان تسويغكم لتقليد من انتميتم إلى مذهبه كتسويغكم لتقليد غيره سواء فكيف صارت أقوال هذا العالم مذهبا لكم تفتون وتقضون بها وقد سوغتم من تقليد هذا ما سوغتم من تقليد الآخر فكيف صار هذا صاحب مذهبكم دون هذا وكيف استجزتم أن تردوا أقوال هذاوتقبلوا اقوال هذا وكلاهما عالم يسوغ اتباعه فإن كانت أقواله من الدين فكيف ساغ لكم دفع الدين وإن لم تكن أقواله من الدين فكيف سوغتم تقليده وهذا لا جواب لكم عنه
يوضحه الوجه الثامن والسبعون أن من قلدتموه إذا روى عنه قولان وروايتان سوغتم العمل بهما وقلتم مجتهد له قولان فيسوغ لنا الأخذ بهذا وهذا وكان القولان جميعا مذهبا لكم فهلا جعلتم قول نظيره من المجتهدين بمنزلة قوله الآخر وجعلتم القولين جميعا مذهبا لكم وربما كان قول نظيره ومن هو أعلم منه أرجح من قوله الآخر وأقرب إلى الكتاب والسنة
يوضحه الوجه التاسع والسبعون أنكم معاشر المقلدين إذا قال بعض أصحابكم ممن قلدتموه قولا خلاف قول المتبوع أو خرجه على قوله جعلتموه وجها وقضيتم وأفتيتم وألزمتم بمقتضاه فإذا قال الإمام الذي هو نظير متبوعكم أو
275
فوقه قولا يخالفه لم تلتفتوا إليه ولم تعدوه شيئا ومعلوم أن واحدا من الأئمة الذين هم نظير متبوعكم أجل من جميع أصحابه من أولهم إلى آخرهم فقدروا أسوأ التقادير أن يكون قوله بمنزلة وجه في مذهبكم فيالله العجب صار من أفتى أو حكم بقول واحد من مشايخ المذهب أحق بالقبول ممن أفتى بقول الخلفاء الراشدين وبن مسعود وبن عباس وأبي بن كعب وأبي الدرداء ومعاذ بن جبل وهذا من بركة التقليد عليكم
وتمام ذلك الوجه الثمانون أنكم إن رمتم التخلص من هذه الخطة وقلتم بل يسوغ تقليد بعضهم دون بعض وقال كل فرقة منكم يسوغ أو يجب تقليد من قلدناه دون غيره من الأئمة الذين هم مثله أو أعلم منه كان أقل ما في ذلك معارضة قولكم بقول الفرقة الأخرى في ضرب هذه الأقوال بعضها ببعض ثم يقال ما الذي جعل متبوعكم أولى بالتقليد من متبوع الفرقة الأخرى بأي كتاب أم بأية سنة وهل تقطعت الأمة أمرها بينها زبرا وصار كل حزب بما لديهم فرحون إلا بهذا السبب فكل طائفة تدعو إلى متبوعها وتنأى عن غيره وتنهى عنه وذلك مفض إلى التفريق بين الأمة وجعل دين الله تابعا للتشهي والأغراض وعرضة للاضطراب والاختلاف وهذا كله يدل على أن التقليد ليس من عند الله للاختلاف الكثير الذي فيه ويكفي في فساد هذا المذهب تناقض أصحابه ومعارضة أقوالهم بعضها ببعض ولو لم يكن فيه من الشناعة إلا إيجابهم تقليد صاحبهم وتحريمهم تقليد الواحد من أكابر الصحابة كما صرحوا به في كتبهم
الوجه الحادي والثمانون أن المقلدين حكموا على الله قدرا وشرعا بالحكم الباطل جهارا المخالف لما أخبر به رسوله فأخلوا الأرض من القائمين لله بحججه وقالوا لم يبق في الأرض عالم منذ الأعصار المتقدمة فقالت طائفة ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر بن الهذيل ومحمد بن الحسن
276
والحسن بن زياد اللؤلؤي وهذا قول كثير من الحنفية وقال بكر بن العلاء القشيري المالكي ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة وقال آخرون ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي وسفيان الثوري ووكيع بن الجراح وعبد الله بن المبارك وقالت طائفة ليس لأحد أن يختار بعد الشافعي واختلف المقلدون من أتباعه فيمن يؤخذ بقوله من المنتسبين إليه ويكون له وجه يفتي ويحكم به من ليس كذلك وجعلوهم ثلاث مراتب طائفة أصحاب وجوه كابن سريج والقفال وأبي حامد وطائفة أصحاب احتمالات لا أصحاب وجوه كأبي المعالي وطائفة ليسوا أصحاب وجوه ولا احتمالات كأبي حامد وغيره واختلفوا متى انسد باب الاجتهاد على أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان وعند هؤلاء أن الأرض قد خلت من قائم لله بحجة ولم يبق فيها من يتكلم بالعلم ولم يحل لأحد بعد أن ينظر في كتاب الله ولا سنة رسوله لأخذ الأحكام منهما ولا يقضي ويفتي بما فيهما حتى يعرضه على قول مقلده ومتبوعه فإن وافقه حكم به وأفتى به وإلا رده ولم يقبله وهذا أقوال كما ترى قد بلغت من الفساد والبطلان والتناقض والقول على الله بلا علم وإبطال حججه والزهد في كتابه وسنة رسوله وتلقي الأحكام منهما مبلغها ويأبى الله إلا أن يتم نوره ويصدق قول رسوله إنه لا تخلو الأرض من قائم لله بحججه ولن تزال طائفة من أمته على محض الحق الذي بعثه به وأنه لا يزال يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها ويكفي في فساد هذه الأقوال أن يقال لأربابها فإذا لم يكن لأحد أن يختار بعد من ذكرتم فمن أين وقع لكم اختيار تقليدهم دون غيرهم وكيف حرمتم على الرجل أن يختار ما يؤديه إليه اجتهاده من القول الموافق لكتاب الله وسنة رسوله وأبحتم لأنفسكم اختيار قول من قلدتموه وأوجبتم على الأمة تقليده وحرمتم تقليد من سواه ورجحتموه على تقليد من سواه فما الذي سوغ لكم هذا الاختيار الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس
277
ولا قول صاحب وحرم اختيار ما عليه الدليل من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة
ويقال لكم فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المائتين عندك ولا عند غيرك فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة أن تختار قول مالك دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين أو من هو مثله من فقهاء الأمصار أو ممن جاء بعده وموجب هذا القول أن أشهب وبن الماجشون ومطرف بن عبد الله وأصبغ بن الفرج وسحنون بن سعيد وأحمد بن المعدل ومن في طبقتهم من الفقهاء كان لهم أن يختاروا إلى انسلاخ ذي الحجة من سنة مائتين فلما استهل هلال المحرم من سنة إحدى ومائتين وغابت الشمس من تلك الليلة حرم عليهم في الوقت بلا مهلة ما كان مطلقا لهم من الاختيار
ويقال للآخرين أليس من المصائب وعجائب الدنيا تجويزكم الاختيار والاجتهاد والقول في دين الله بالرأي والقياس لمن ذكرتم من أئمتكم ثم لا تجيزون الاختيار والاجتهاد لحفاظ الإسلام وأعلم الأمة بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة وفتاواهم كأحمد بن حنبل والشافعي وإسحاق بن راهويه ومحمد بن إسماعيل البخاري وداود بن علي ونظرائهم على سعة علمهم بالسنن ووقوفهم على الصحيح منها والسقيم وتحريهم في معرفة أقوال الصحابة والتابعين ودقة نظرهم ولطف استخراجهم للدلائل ومن قال منهم بالقياس فقياسه من أقرب القياس إلى الصواب وأبعده عن الفساد وأقربه إلى النصوص مع شدة ورعهم وما منحهم الله من محبة المؤمنين لهم وتعظيم المسلمين علمائهم وعامتهم لهم فإن احتج كل فريق منهم بترجيح متبوعه بوجه من وجوه التراجيح من تقدم زمان أو زهد أو ورع أو لقاء شيوخ وأئمة لم يلقهم من بعده أو كثرة أتباع لم يكونوا لغيره أمكن الفريق الآخر أن يبدوا لمتبوعهم من الترجيح بذلك أو غيره ما هو مثل هذا أو فوقه وأمكن غير هؤلاء كلهم أن يقولوا لهم جميعا نفوذ قولكم هذا إن لم تأنفوا من التناقض يوجب عليكم أن تتركوا قول متبوعكم لقول من
278
هو أقدم منه من الصحابة والتابعين وأعلم وأورع وأزهد وأكثر أتباعا وأجل فأين أتباع بن عباس وبن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل بل أتباع عمر وعلي من أتباع الأئمة المتأخرين في الكثرة والجلالة
وهذا أبو هريرة قال البخاري حمل العلم عنه ثمانمائة رجل ما بين صاحب وتابع وهذا زيد بن ثابت من جملة أصحاب عبد الله بن عباس وأين في أتباع الأئمة مثل عطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وجابر بن زيد وأين في أتباعهم مثل السعيدين والشعبي ومسروق وعلقمة والأسود وشريح وأين في أتباعهم مثل نافع وسالم والقاسم وعروة وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن فما الذي جعل الأئمة بأتباعهم أسعد من هؤلاء بأتباعهم ولكن أولئك وأتباعهم على قدر عصرهم فعظمهم وجلالتهم وكبرهم منع المتأخرين من الاقتداء بهم وقالوا بلسان قالهم وحالهم هؤلاء كبار علينا لسنا من زبونهم كما صرحوا وشهدوا على أنفسهم فإن أقدارهم تتقاصر عن تلقي العلم من القرآن والسنة وقالوا لسنا أهلا لذلك لا لقصور الكتاب والسنة ولكن لعجزنا نحن وقصورنا فاكتفينا بمن هو أعلم بهما منا
فيقال لهم فلم تنكرون على من اقتدى بهما وحكمهما وتحاكم إليهما وعرض أقوال العلماء عليهما فما وافقهما قبله وما خالفهما رده فهب أنكم لم تصلوا إلى هذا العنقود فلم تنكرون على من وصل إليه وذاق حلاوته وكيف تحجزتم الواسع من فضل الله الذي ليس على قياس عقول العالمين ولا اقتراحاتهم وهم وإن كانوا في عصركم ونشأوا معكم وبينكم وبينهم نسب قريب فالله يمن على من يشاء من عباده وقد أنكر الله سبحانه على من رد النبوة بأن الله صرفها عن عظماء القرى ومن رؤسائها وأعطاها لمن ليس كذلك بقوله ! < أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون > ! وقد
279
قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أم آخره وقد أخبر الله سبحانه عن السابقين بأنهم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين وأخبر سبحانه أنه بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ثم قال ! < وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم > ! ثم أخبر أن ! < ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم > !
وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد وذكرنا من مآخذهما وحجج أصحابهما وما لهم وعليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظر في كتاب من كتب القوم من أولها إلى آخرها ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدا وذلك بحول الله وقوته ومعونته وفتحه فله الحمد والمنة وما كان فيه من صواب فمن الله هو المان به وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان وليس الله ورسوله ودينه في شيء منه وبالله التوفيق
فصل في تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف النصوص وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص وذكر إجماع العلماء على ذلك
لا حكم بما يخالف النصوص
قال الله تعالى ! < وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا > ! وقال تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم > ! وقال تعالى ! < إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون > ! وقال تعالى ! < إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما > !
280
وقال تعالى ! < اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون > ! وقال تعالى ! < وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون > ! وقال تعالى ! < إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين > ! وقال تعالى ! < له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا > ! وقال تعالى ! < ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون > ! ! < ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون > ! ! < ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون > ! فأكد هذا التأكيد وكرر هذا التقرير في موضع واحد لعظم مفسدة الحكم بغير ما أنزله وعموم مضرته وبلية الأمة به وقال ! < قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون > ! وأنكر تعالى على من حاج في دينه بما ليس له به علم فقال ! < ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون > ! ونهى أن يقول أحد هذا حلال وهذا حرام لما لم يحرمه الله ورسوله نصا وأخبر أن فاعل ذلك مفتر على الله الكذب فقال ! < ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم > ! والآيات في هذا المعنى كثيرة
وأما السنة ففي الصحيحين من حديث بن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديث اللعان وقول النبي صلى الله عليه وسلم أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء وإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية فجاءت به على النعت المكروه فقال النبي صلى الله عليه وسلم
281
لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن يريد والله ورسوله أعلم بكتاب الله قوله تعالى ! < ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله > ! ويريد بالشأن والله أعلم أنه كان يحدها لمشابهة ولدها للرجل الذي رميت به ولكن كتاب الله فصل الحكومة وأسقط كل قول وراءه ولم يبق للاجتهاد بعده موقع
أقوال العلماء في العمل بالنص
وقال الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال أرسل عمر بن الخطاب إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا فذهبت معه إلى عمر رضي الله عنه فسأله عن ولاد من ولاد الجاهلية فقال أما الفراش فلفلان وأما النطفة فلفلان فقال عمر صدقت ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالفراش
قال الشافعي وأخبرني من لا أتهم عن بن أبي ذئب قال أخبرني مخلد بن خفاف قال ابتعت غلاما فاستغللته ثم ظهرت منه على عيب فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز فقضى لي برده وقضى علي برد غلته فأتيت عروة فأخبرته فقال أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان فعجلت إلى عمر فأخبرته بما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر فما أيسر هذا علي من قضاء قضيته اللهم إنك تعلم أني لم أرد فيه إلا الحق فبلغتني فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرد قضاء عمر وأنفذ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به علي له
قال الشافعي وأخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن بن أبي ذئب قال قضى سعد بن إبراهيم على رجل بقضية برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن فأخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قضى به فقال سعد لربيعة هذا بن أبي ذئب وهو عندي ثقة يخبرني عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قضيت به
282
فقال له ربيعة قد اجتهدت ومضى حكمك فقال سعد واعجبا أنفذ قضاء سعد بن أم سعد وأرد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أرد قضاء بن أم سعد وأنفذ قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بكتاب القضية فشقه وقضى للمقضي عليه فليوحشنا المقلدون ثم أوحش الله منهم
وقال أبو النضر هاشم بن القاسم حدثنا محمد بن راشد عن عبدة بن أبي لبابة عن هشام بن يحيى المخزومي أن رجلا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت يوم النحر ألها أن تنفر فقال عمر لا فقال له الثقفي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفتأتي في مثل هذه المرأة بغير ما أفتيت به فقام إليه عمر يضربه بالدرة ويقول له لم تستفتيني في شيء قد أفتى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه أبو داود بنحوه
وقال أبو بكر بن أبي شيبة ثنا صالح بن عبد الله ثنا سفيان بن عامر عن عتاب بن منصور قال قال عمر بن عبد العزيز لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال الشافعي أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس وتواتر عنه أنه قال إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط وصح عنه أنه قال إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ولم آخذ به فاعلموا أن عقلي قد ذهب وصح عنه أنه قال لا قول لأحد مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعد بن إياس عن بن مسعود أن رجلا سأله عن رجل تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته فطلق امرأته ليتزوج أمها فقال لا بأس فتزوجها الرجل وكان عبد الله على بيت المال فكان يبيع نفاية بيت المال يعطي الكثير ويأخذ القليل حتى قدم المدينة فسأل أصحاب
283
محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا لا تحل لهذا الرجل هذه المرأة ولا تصلح الفضة إلا وزنا بوزن فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم يجده ووجد قومه فقال إن الذي أفتيت به صاحبكم لا يحل وأتى الصيارفة فقال يا معشر الصيارفة إن الذي كنت أبايعكم لا يحل لا تحل الفضة إلا وزنا بوزن
وفي صحيح مسلم من حديث الليث عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن أبا هريرة وبن عباس وأبا سلمة بن عبد الرحمن تذاكروا في المتوفى عنها الحامل تضع عند وفاة زوجها فقال بن عباس تعتد آخر الأجلين فقال أبو سلمة تحل حين تضع فقال أبو هريرة وأنا مع بن أخي فأرسلوا إلى أم سلمة فقالت قد وضعت سبيعة بعد وفاة زوجها بيسير فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزوج
وقد تقدم من ذكر رجوع عمر رضي الله عنه وأبي موسى وبن عباس عن اجتهادهم إلى السنة ما فيه كفاية
وقال شداد بن حكيم عن زفر بن الهذيل إنما نأخذ بالرأي ما لم نجد الأثر فإذا جاء الأثر تركنا الرأي وأخذنا بالأثر وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة لا قول لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صح الخبر عنه وقد كان إمام الأئمة بن خزيمة رحمه الله تعالى له أصحاب ينتحلون مذهبه ولم يكن مقلدا بل إماما مستقلا كما ذكر البيهقي في مدخله عن يحيى بن محمد العنبري قال طبقات أصحاب الحديث خمسة المالكية والشافعية والحنبلية والراهوية والخزيمية أصحاب بن خزيمة
وقال الشافعي إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ثابت ولا يترك لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث أبدا إلا حديث وجد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر يخالفه وقال في كتاب اختلافه مع مالك ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر على من سمعهما مقطوع إلا بإتيانهما
284
وقال الشافعي قال لي قائل دلني على أن عمر عمل شيئا ثم صار إلى غيره لخبر نبوي قلت له حدثنا سفيان عن الزهري عن بن المسيب أن عمر كان يقول الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث امرأة الضبابي من ديته فرجع إليه عمر وأخبرنا بن عيينة عن عمرو وبن طاوس أن عمر قال أذكر الله امرأ سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئا فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال كنت بين جاريتين لي فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فألقت جنينا ميتا فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرة فقال عمر لو لم نسمع فيه هذا لقضينا فيه بغير هذا أو قال إن كدنا لنقضي فيه برأينا فترك اجتهاده رضي الله عنه للنص
وهذا هو الواجب على كل مسلم إذ اجتهاد الرأي إنما يباح للمضطر كما تباح له الميتة والدم عند الضرورة فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم
وكذلك القياس إنما يصار إليه عند الضرورة قال الإمام أحمد سألت الشافعي عن القياس فقال عند الضرورة ذكره البيهقي في مدخله
وكان زيد بن ثابت لا يرى للحائض أن تنفر حتى تطوف طواف الوداع وتناظر في ذلك هو وعبد الله بن عباس فقال له بن عباس إما لا فسل فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع زيد يضحك ويقول ما أراك إلا قد صدقت ذكره البخاري في صحيحه بنحوه
وقال بن عمر كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا حتى زعم رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها فتركناها من أجل ذلك
وقال عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطاب نهى عن الطيب
285
قبل زيارة البيت وبعد الجمرة فقالت عائشة طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق قال الشافعي فترك سالم قول جده لروايتها قلت لا كما تصنع فرقة التقليد
وقال الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان لنعطينك جملة تغنيك إن شاء الله لا تدع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا أبدا إلا أن يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافه فتعمل بما قلت لك في الأحاديث إذا اختلفت قال الأصم وسمعت الربيع يقول سمعت الشافعي يقول إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت وقال أبو محمد الجارودي سمعت الربيع يقول سمعت الشافعي يقول إذا وجدتم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف قولي فخذوا بالسنة ودعوا قولي فإني أقول بها وقال أحمد بن علي بن ماهان الرازي سمعت الربيع يقول سمعت الشافعي يقول كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي
وقال حرملة بن يحيى قال الشافعي ما قلت وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال بخلاف قولي مما يصح فحديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى لا تقلدوني وقال الحاكم سمعت الأصم يقول سمعت الربيع يقول سمعت الشافعي يقول وروى حديثا فقال له رجل تأخذ بهذا يا أبا عبد الله فقال متى رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا صحيحا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب وأشار بيده إلى رؤوسهم وقال الحميدي سأل رجل الشافعي عن مسألة فأفتاه وقال قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا فقال الرجل أتقول بهذا قال أرأيت في وسطي زنارا أتراني خرجت من الكنيسة أقول قال النبي صلى الله عليه وسلم وتقول لي أتقول بهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم
286
ولا أقول به وقال الحاكم أنبأني أبو عمرون السماك مشافهة أن أبا سعيد الجصاص حدثهم قال سمعت الربيع بن سليمان يقول سمعت الشافعي يقول وسأله رجل عن مسألة فقال روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا وكذا فقال له السائل يا أبا عبد الله أتقول بهذا فارتعد الشافعي واصفر وحال لونه وقال ويحك أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فلم أقل به نعم على الرأس والعينين نعم على الرأس والعينين قال وسمعت الشافعي يقول ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي وجعل يردد هذا الكلام
وقال الربيع قال الشافعي لم أسمع أحد نسبته عامة أو نسب نفسه إلى علم يخالف في أن فرض الله اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم لحكمه فإن الله لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه وإنه لا يلزم قول رجل قال إلا بكتاب الله وسنة رسوله وإن ما سواهما تبع لهما وإن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد لا يختلف فيه الفرض وواجب قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله وقال الشافعي ثم تفرق أهل الكلام في تثبيت خبر الواحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقا متباينا وتفرق عنهم ممن نسبته العامة إلى الفقه تفرقا أتى بعضهم فيه أكثر من التقليد أو التحقيق من النظر والغفلة والاستعجال بالرياسة وقال عبد الله بن أحمد قال أبي قال لنا الشافعي إذا صح لكم الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فقولوا لي حتى أذهب إليه
وقال الإمام أحمد كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله وقال الربيع قال الشافعي لا نترك الحديث
287
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لا يدخله القياس ولا موضع للقياس لموقع السنة وقال الربيع وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي أنه قضى في بروع بنت واشق أنكحت بغير مهر فمات زوجها فقضى لها بمهر نسائها وقضى لها بالميراث فإن كان ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو أولى الأمور بنا ولا حجة في قول أحد دون النبي صلى الله عليه وسلم ولا في قياس ولا في شيء إلا طاعة الله بالتسليم له وإن كان لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لأحد أن يثبت عنه ما لم يثبت ولم أحفظه من وجه يثبت مثله هو مرة عن معقل بن يسار ومرة عن معقل بن سنان ومرة عن بعض أشجع لا يسمى
وقال الربيع سألت الشافعي عن رفع الأيدي في الصلاة فقال يرفع المصلي يديه إذا افتتح الصلاة حذو منكبيه وإذا أراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ولا يفعل ذلك في السجود قلت له فما الحجة في ذلك فقال أنبأنا بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قولنا قال الربيع فقلت له فإنا نقول يرفع في الابتداء ثم لا يعود قال الشافعي أنا مالك عن نافع أن بن عمر كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك قال الشافعي وهو يعني مالكا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ثم خالفتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبن عمر فقلتم لا يرفع يديه إلا في ابتداء الصلاة وقد رويتم عنهما أنهما رفعاهما في الابتداء وعند الرفع من الركوع أفيجوز لعالم أن يترك فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل بن عمر لرأي نفسه أو فعل النبي صلى الله عليه وسلم لرأي بن عمر ثم القياس على قول بن عمر ثم يأتي موضع آخر يصيب فيه فيترك علي بن عمر ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف لم ينهه بعض هذا عن بعض أرأيت إذا جاز له أن يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفع يديه في مرتين
288
أو ثلاث وعن بن عمر فيه اثنتين أنأخذ بواحدة ونترك واحدة أيجوز لغيره ترك الذي أخذ به وأخذ الذي ترك أو يجوز لغيره ترك ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له فإن صاحبنا قال فما معنى الرفع قال معناه تعظيم لله واتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى الرفع في الأولى معنى الرفع الذي خالفتم فيه النبي صلى الله عليه وسلم عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع ثم خالفتم فيه روايتكم عن النبي صلى الله عليه وسلم وبن عمر معا ويروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر رجلا أو أربعة عشر رجلا وروى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه ومن تركه فقد ترك السنة
قلت وهذا تصريح من الشافعي بأن تارك رفع اليدين عند الركوع والرفع منه تارك للسنة ونص أحمد على ذلك أيضا في إحدى الروايتين عنه
وقال الربيع سألت الشافعي عن الطيب قبل الإحرام بما يبقى ريحه بعد الإحرام وبعد رمي الجمرة والحلاق وقبل الإفاضة فقال جائز وأحبه ولا أكرهه لثبوت السنة فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم والأخبار عن غير واحد من الصحابة فقلت وما حجتك فيه فذكر الأخبار فيه والآثار ثم قال أنا بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم قال قال عمر من رمى الجمرة فقد حل له ما حرم عليه إلا النساء والطيب قال سالم وقالت عائشة طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع
قال الشافعي وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون وأهل العلم فأما ما تذهبون إليه من ترك السنة وغيرها وترك ذلك لغير شيء بل لرأي أنفسكم فالعلم إذا إليكم تأتون منه ما شئتم وتدعون ما شئتم
289
وقال في الكتاب القديم رواية الزعفراني في مسألة بيع المدبر في جواب من قال له إن بعض أصحابك قد قال خلاف هذا قال الشافعي فقلت له من تبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وافقته ومن خلط فتركها خالفته حتى صاحبي الذي لا أفارق الملازم الثابت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن بعد والذي أفارق من لم يقل بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن قرب
وقال في خطبة كتابه إبطال الاستحسان الحمد لله على جميع نعمه بما هو أهله وكما ينبغي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله بعثه بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فهدى بكتابه ثم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ثم أنعم عليه وأقام الحجة على خلقه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال ! < ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة > ! وقال ! < وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم > ! وفرض عليهم اتباع ما أنزل إليهم وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم فقال ! < وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا > ! فأعلم أن معصيته في ترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجعل لهم إلا اتباعه وكذلك قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ! < ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله > ! مع ما علم الله نبيه ثم فرض اتباع كتابه فقال ! < فاستمسك بالذي أوحي إليك > ! وقال ! < وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم > ! وأعلمهم أنه أكمل لهم دينهم فقال عز وجل ! < اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا > ! إلى أن
290
قال ثم من عليهم بما آتاهم من العلم فأمرهم بالاقتصار عليه وأن لا يقولوا غيره إلا ما علمهم فقال لنبيه ! < وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان > ! وقال لنبيه ! < قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم > ! وقال لنبيه ! < ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله > ! ثم أنزل على نبيه أن غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يعني والله أعلم ما تقدم من ذنبه قبل الوحي وما تأخر قبل أن يعصمه فلا يذنب فعلم ما يفعل به من رضاه عنه وأنه أول شافع ومشفع يوم القيامة وسيد الخلائق وقال لنبيه ! < ولا تقف ما ليس لك به علم > ! وجاءه صلى الله عليه وسلم رجل في امرأة رجل رماها بالزنى فقال له يرجع فأوحى الله إليه آية اللعان فلاعن بينهما وقال قل ! < لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله > ! وقال ! < إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام > ! الآية وقال لنبيه ! < يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها > ! فحجب عن نبيه علم الساعة وكان من عدا ملائكة الله المقربين وأنبياءه المصطفين من عباد الله أقصر علما من ملائكته وأنبيائه والله عز وجل فرض على خلقه طاعة نبيه ولم يجعل لهم من الأمر شيئا
وقد صنف الإمام أحمد رضي الله عنه كتابا في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم رد فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضة سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك الاحتجاج بها فقال في أثناء خطبته إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه وخاصة وعامة وناسخة ومنسوخه وما قصد له الكتاب فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعبر عن كتاب الله الدال على معانيه شاهده
291
في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه واصطفاهم له ونقلوا ذلك عنه فكانوا هم أعلم الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم وما قصد له الكتاب فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جابر ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به ثم ساق الآيات الدالة على طاعة الرسول فقال جل ثناؤه في أول آل عمران ! < واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون > ! وقال ! < قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين > ! وقال في النساء ! < فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما > ! وقال ! < ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا > ! وقال ! < وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا > ! وقال ! < يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا > ! وقال ! < ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين > ! وقال ! < إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما > ! وقال في المائدة ! < وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين > ! وقال ! < يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين > ! وقال ! < يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون > !
292
وقال ! < وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين > ! وقال ! < إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون > ! وقال ! < وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون > ! وقال ! < قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين > ! وقال ! < لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم > ! وقال ! < إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم > ! وقال ! < يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما > ! وقال ! < وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا > ! وقال ! < لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا > ! وقال ! < يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم > ! وقال ! < يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم > ! فكان الحسن يقول لا تذبحوا قبل ذبحه ! < يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم > !
293
وقال ! < ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما > ! وقال ! < والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى > ! وقال ! < وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب > ! وقال ! < وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين > ! وقال ! < فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور > ! وقال ! < إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا > ! وقال ! < أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه > ! قال بن عباس هو جبريل وقاله مجاهد ! < ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك > ! قال سعيد بن جبير الأحزاب الملل ثم ذكر حديث يعلي بن أمية طفت مع عمر فلما بلغنا الركن الغربي الذي يلي الأسود جررت بيده ليستلم فقال ما شأنك فقلت ألا تستلم فقال ألم تطف مع النبي صلى الله عليه وسلم فقلت بلى قال أفرأيته يستلم هذين الركنين الغربيين قال لا قال أليس لك فيه أسوة حسنة قلت بلى قال فانفذ عنك قال وجعل معاوية يستلم الأركان كلها فقال له بن عباس لم تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما فقال معاوية ليس شيء من البيت مهجورا فقال بن عباس لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة فقال معاوية صدقت
ثم ذكر أحمد الاحتجاج على إبطال قول من عارض السنن بظاهر القرآن
294
وردها بذلك وهذا فعل الذين يستمسكون بالمتشابه في رد المحكم فإن لم يجدوا لفظا متشابها غير المحكم يردونه به استخرجوا من المحكم وصفا متشابها وردوه به فلهم طريقان في رد السنن أحدهما ردها بالمتشابه من ا لقرآن أو من السنن الثاني جعلهم المحكم متشابها ليعطلوا دلالته وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق فعكس هذه الطريق وهي أنهم يردون المتشابه إلى المحكم ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه لهم فتتفق دلالته مع دلالة المحكم وتوافق النصوص بعضها بعضا ويصدق بعضها بعضا فإنها كلها من عند الله وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره
ولنذكر لهذا الأصل أمثلة لشدة حاجة كل مسلم إليه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب المثال الأول رد الجهمية النصوص المحكمة غاية الإحكام المبينة بأقصى غاية البيان أن الله موصوف بصفات الكمال من العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر والوجه واليدين والغضب والرضا والفرح والضحك والرحمة والحكمة وبالأفعال كالمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا ونحو ذلك والعلم بمجيء الرسول بذلك وإخباره به عن ربه إن لم يكن فوق العلم بوجوب الصلاة والصيام والحج والزكاة وتحريم الظلم والفواحش والكذب فليس يقصر عنه فالعلم الضروري حاصل بأن الرسول أخبر عن الله بذلك وفرض على الأمة تصديقه فيه فرضا لا يتم أصل الإيمان إلا به فرد الجهمية ذلك بالمتشابه من قوله ! < ليس كمثله شيء > ! ومن قوله ! < هل تعلم له سميا > ! ومن قوله ! < قل هو الله أحد > ! ثم استخرجوا من هذه النصوص المحكمة المبينة احتمالات وتحريفات جعلوها به من قسم المتشابه
295
المثال الثاني ردهم المحكم المعلوم بالضرورة أن الرسل جاؤوا به من إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه بمتشابه قول الله تعالى ! < وهو معكم أين ما كنتم > ! وقوله ! < ونحن أقرب إليه من حبل الوريد > ! وقوله ! < ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا > ! ونحو ذلك ثم تحيلوا وتمحلوا حتى ردوا نصوص العلو والفوقية بمتشابهه
المثال الثالث رد القدرية النصوص الصريحة المحكمة في قدرة الله على خلقه وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن بالمتشابه من قوله ! < ولا يظلم ربك أحدا > ! ! < وما ربك بظلام للعبيد > ! ! < إنما تجزون ما كنتم تعملون > ! ثم استخرجوا لتلك النصوص المحكمة وجوها أخر أخرجوها به من قسم المحكم وأدخلوها في المتشابه
المثال الرابع رد الجبرية النصوص المحكمة في إثبات كون العبد قادرا مختارا فاعلا بمشيئته بمتشابه قوله ! < وما تشاؤون إلا أن يشاء الله > ! وما تذكرون إلا أن يشاء الله وقوله ! < من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم > ! وأمثال ذلك ثم استخرجوا لتلك النصوص من الاحتمالات التي يقطع السامع أن المتكلم لم يردها ما صيروها به متشابهة
المثال الخامس رد الخوارج والمعتزلة النصوص الصريحة المحكمة غاية الإحكام في ثبوت الشفاعة للعصاة وخروجهم من النار بالمتشابه من قوله ! < فما تنفعهم شفاعة الشافعين > ! وقوله ! < ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته > ! وقوله ! < ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها > ! ونحو ذلك وفعلوا فيها فعل من ذكرناه سواء
المثال السادس رد الجهمية النصوص المحكمة التي قد بلغت في صراحتها
296
وصحتها إلى أعلى الدرجات في رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى في عرصات القيامة وفي الجنة بالمتشابه من قوله ! < لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار > ! وقوله لموسى ! < لن تراني > ! وقوله ! < وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء > ! ونحوها ثم أحالوا المحكم متشابها وردوا الجميع
المثال السابع رد النصوص الصريحة الصحيحة التي تفوت العدد على ثبوت الأفعال الاختيارية للرب سبحانه وقيامها به كقوله ! < كل يوم هو في شأن > ! وقوله ! < فسيرى الله عملكم ورسوله > ! وقوله ! < إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون > ! وقوله ! < فلما جاءها نودي > ! وقوله ! < فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا > ! وقوله ! < وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها > ! وقوله ! < قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها > ! وقوله ! < لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء > ! وقوله ? < ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا > ? وقوله ! < هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك > ! وقوله ? < إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب الله قبله مثله ولم يغضب بعده مثله > ? وقوله إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي الحديث وأضعاف أضعاف ذلك من النصوص التي تزيد على الألف فردوا هذا كله مع إحكامه بمتشابه قوله لا أحب الآفلين
المثال الثامن رد النصوص المحكمة الصريحة التي في غاية الصحة والكثرة على أن الرب سبحانه إنما يفعل ما يفعله لحكمة وغاية محمودة وجودها خير من عدمها ودخول لام التعليل في شرعه وقدره أكثر من أن يعد فردوها بالمتشابه من قوله ! < لا يسأل عما يفعل وهم يسألون > ! ثم جعلوها كلها متشابهة
المثال التاسع رد النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة الدالة على ثبوت الأسباب شرعا وقدرا كقوله بما كنتم تعملون بما كنتم تكسبون
297
! < بما قدمت أيديكم > ! ! < بما قدمت يداك > ! ! < بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون > ! ! < ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة > ! ! < ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم > ! ! < ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا > ! وقوله ! < يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام > ! ! < يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا > ! وقوله ! < ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد > ! وقوله ! < فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات > ! وقوله ! < فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب > ! وقوله ! < قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم > ! وقوله في العسل ! < فيه شفاء للناس > ! وقوله في القرآن ! < وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين > ! إلى أضعاف أضعاف ذلك من النصوص المثبتة للسببية فردوا ذلك كله بالمتشابه من قوله ! < هل من خالق غير الله > ! وقوله ! < فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم > ! ! < وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى > ! وقول النبي صلى الله عليه وسلم ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم ونحو ذلك وقوله إني لا أعطي أحدا ولا أمنعه وقوله للذي سأله عن العزل عن أمته اعزل عنها فسيأتيها ما قدر لها وقوله لا عدوى ولا طيرة وقوله فمن أعدى الأول وقوله أرأيت إن منع الله الثمرة ولم يقل منعها البرد والآفة التي تصيب الثمار ونحو ذلك من المتشابه الذي إنما يدل على أن مالك السبب وخالقه يتصرف فيه بأن يسلبه سببيته إن شاء ويبقيها عليه إن شاء كما سلب النار قوة الإحراق عن الخليل ويالله العجب أترى من أثبت الأسباب وقال إن الله خالقها أثبت خالقا غير الله
وأما قوله ! < فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى > ! فغاب عنهم فقه الآية وفهمها والآية من أكبر معجزات النبي صلى الله عليه وسلم والخطاب بها خاص لأهل بدر وكذلك القبضة التي رمى بها النبي صلى الله عليه وسلم فأوصلها الله سبحانه إلى جميع وجوه المشركين وذلك
298
خارج عن قدرته صلى الله عليه وسلم وهو الرمي الذي نفاه عنه وأثبت له الرمي الذي هو في محل قدرته وهو الحذف وكذلك القتل الذي نفاه عنهم هو قتل لم تباشره أيديهم وإنما باشرته أيدي الملائكة فكان أحدهم يشتد في أثر الفارس وإذا برأسه قد وقع أمامه من ضربة الملك ولو كان المراد ما فهمه هؤلاء الذين لا فقه لهم في فهم النصوص لم يكن فرق بين ذلك وبين كل قتل وكل فعل من شرب أو زنا أو سرقة أو ظلم فإن الله خالق الجميع وكلام الله ينزه عن هذا وكذلك قوله ? < ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم > ? لم يرد أن الله حملهم بالقدر وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم متصرفا بأمر الله منفذا له فالله سبحانه أمره بحملهم فنفذ أوامره فكأن الله هو الذي حملهم وهذا معنى قوله ? < والله إني لا أعطي أحدا شيئا ولا أمنعه > ? ولهذا قال ? < وإنما أنا قاسم > ? فالله سبحانه هو المعطي على لسانه وهو يقسم ما قسمه بأمره وكذلك قوله في العزل ? < فسيأتيها ما قدر لها > ? ليس فيه إسقاط الأسباب فإن الله سبحانه إذا قدر خلق الولد سبق من الماء ما يخلق منه الولد ولو كان أقل شيء فليس من كل الماء يكون الولد ولكن أين في السنة أن الوطء لا تأثير له في الولد البتة وليس سببا له وأن الزوج أو السيد إن وطىء أو لم يطأ فكلا الأمرين بالنسبة إلى حصول الولد وعدمه على حد سواء كما يقوله منكرو الأسباب وكذلك قوله ? < لا عدوى ولا طيرة > ? ولو كان المراد به نفي السبب كما زعمتم لم يدل على نفي كل سبب وإنما غايته أن هذين الأمرين ليسا من أسباب الشر كيف والحديث لا يدل على ذلك وإنما ينفي ما كان المشركون يثبتونه من سببية مستمرة على طريقة واحدة لا يمكن إبطالها ولا صرفها عن محلها ولا معارضتها بما هو أقوى منها لا كما يقوله من قصر علمه إنهم كانوا يرون ذلك فاعلا مستقلا بنفسه
فالناس في الأسباب لهم ثلاث طرق إبطالها بالكلية وإثباتها على وجه لا يتغير ولا يقبل سلب سببيتها ولا معارضتها بمثلها أو أقوى منها كما يقوله الطبائعية
299
والمنجمون والدهرية والثالث ما جاءت به الرسل ودل عليه الحس والعقل والفطرة إثباتها أسبابا وجواز بل وقوع سلب سببيتها عنها إذا شاء الله ودفعها بأمور أخرى نظيرها أو أقوى منها مع بقاء مقتضى السببية فيها كما تصرف كثير من أسباب الشر بالتوكل والدعاء والصدقة والذكر والاستغفار والعتق والصلة وتصرف كثير من أسباب الخير بعد انعقادها بضد ذلك فلله كم من خير انعقد سببه ثم صرف عن العبد بأسباب أحدثها منعت حصوله وهو يشاهد السبب حتى كأنه أخذ باليد وكم من شر انعقد سببه ثم صرف عن العبد بأسباب أحدثها منعت حصوله ومن لا فقه له في هذه المسألة فلا انتفاع له بنفسه ولا بعلمه والله المستعان وعليه التكلان
المثال العاشر رد الجهمية النصوص المحكمة الصريحة التي تفوت العد على ان الله سبحانه تكلم ويتكلم وكلم ويكلم وقال ويقول وأخبر ويخبر ونبأ وأمر ويأمر ونهى وينهى ورضى ويرضى ويعطي ويبشر وينذر ويحذر ويوصل لعباده القول ويبين لهم ما يتقون ونادى وينادي وناجى ويناجي ووعد وأوعد ويسأل عباده يوم القيامة ويخاطبهم ويكلم كلا منهم ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب ويراجعه عبده مراجعة وهذه كلها أنواع للكلام والتكليم وثبوتها بدون ثبوت صفة التكلم له ممتنع فردها الجهمية مع إحكامها وصراحتها وتعيينها للمراد منها بحيث لا تحتمل غيره بالمتشابه من قوله ! < ليس كمثله شيء > !
المثال الحادي عشر ردوا محكم قوله ! < ألا له الخلق والأمر > ! وقوله ! < ولكن حق القول مني > ! وقوله ! < قل نزله روح القدس من ربك بالحق > ! وقوله ! < وكلم الله موسى تكليما > ! وقوله ! < إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي > ! وغيرها من النصوص المحكمة بالمتشابه من قوله ! < خالق كل شيء > ! وقوله
300
! < إنه لقول رسول كريم > ! والآيتان حجة عليهم فإن صفات الله جل جلاله داخلة في مسمى اسمه فليس ! < الله > ! أسما لذات لا سمع لها ولا بصر لها ولا حياة لها ولا كلام لها ولا علم وليس هذا رب العالمين وكلامه تعالى وعلمه وحياته وقدرته ومشيئته ورحمته داخلة في مسمى اسمه فهو سبحانه بصفاته وكلامه الخالق وكل ما سواه مخلوق وأما إضافة القرآن إلى الرسول فإضافة تبليغ محض لا إنشاء والرسالة تستلزم تبليغ كلام المرسل ولو لم يكن للمرسل كلام يبلغه الرسول لم يكن رسولا ولهذا قال غير واحد من السلف من أنكر أن يكون الله متكلما فقد أنكر رسالة رسله فإن حقيقة رسالتهم تبليغ كلام من أرسلهم فالجهمية وإخوانهم ردوا تلك النصوص المحكمة بالمتشابه ثم صيروا الكل متشابها ثم ردوا الجميع فلم يثبتوا لله فعلا يقوم به يكون به فاعلا كما لم يثبتوا له كلاما يقوم به يكون به متكلما فلا كلام له عندهم ولا أفعال بل كلامه وفعله عندهم مخلوق منفصل عنه وذلك لا يكون صفة له لأنه سبحانه إنما يوصف بما قام به لا بما لم يقم به
المثال الثاني عشر وقد تقدم ذكره مجملا فنذكره هنا مفصلا رد الجهمية النصوص المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده من ثمانية عشر نوعا
أحدها التصريح بالفوقية مقرونة بأداة من المعينة لفوقية الذات نحو ! < يخافون ربهم من فوقهم > !
الثاني ذكرها مجردة عن الأداة كقوله ! < وهو القاهر فوق عباده > !
الثالث التصريح بالعروج إليه نحو ! < تعرج الملائكة والروح إليه > ! وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم
الرابع التصريح بالصعود إليه كقوله ! < إليه يصعد الكلم الطيب > !
الخامس التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه كقوله ! < بل رفعه الله إليه > ! وقوله ! < إني متوفيك ورافعك إلي > !
301
السادس التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتا وقدرا وشرفا كقوله ! < وهو العلي العظيم > ! ! < وهو العلي الكبير > ! إنه علي كبير
السابع التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله ! < تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم > ! ! < تنزيل من حكيم حميد > ! ! < قل نزله روح القدس من ربك بالحق > ! وهذا يدل على شيئين على أن القرآن ظهر منه لا من غيره وأنه الذي تكلم به لا غيره الثاني على علوه على خلقه وأن كلامه نزل به الروح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله
الثامن التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض كقوله ! < إن الذين عند ربك > ! وقوله ! < وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون > ! ففرق بين من له عموما ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصا وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه إنه عنده على العرش
التاسع التصريح بأنه سبحانه في السماء وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين إما أن تكون في بمعنى على وإما أن يراد بالسماء العلو لا يختلفون في ذلك ولا يجوز حمل النص على غيره
العاشر التصريح بالاستواء مقرونا بأداة على مختصا بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات مصاحبا في الأكثر لأداة ثم الدالة على الترتيب والمهلة وهو بهذا السياق صريح في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العلو والارتفاع ولا يحتمل غيره البتة
الحادي عشر التصريح برفع الأيدي إلى الله سبحانه كقوله صلى الله عليه وسلم إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا
الثاني عشر التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى أسفل
302
الثالث عشر الإشارة إليه حسا إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به وما يجب له ويمتنع عليه من أفراخ الجهمية والمعتزله والفلاسفة في أعظم مجمع على وجه الأرض يرفع أصبعه إلى السماء ويقول اللهم اشهد ليشهد الجميع أن الرب الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه
الرابع عشر التصريح بلفظ الأين الذي هو عند الجهمية بمنزلة متى في الاستحالة ولا فرق بين اللفظين عندهم البتة فالقائل أين الله ومتى كان الله عندهم سواء كقول أعلم الخلق به وأنصحهم لأمته وأعظمهم بيانا عن المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلا بوجه أين الله في غير موضع
الخامس عشر شهادته التي هي أصدق شهادة عند الله وملائكته وجميع المؤمنين لمن قال إن ربه في السماء بالإيمان وشهد عليه أفراخ جهم بالكفر وصرح الشافعي بأن هذا الذي وصفته من أن ربها في السماء إيمان فقال في كتابه في باب عتق الرقبة المؤمنة وذكر حديث الأمة السوداء التي سودت وجوه الجهمية وبيضت وجوه المحمدية فلما وصفت الإيمان قال أعتقها فإنها مؤمنة وهي إنما وصفت كون ربها في السماء وأن محمدا عبده ورسوله فقرنت بينهما في الذكر فجعل الصادق المصدوق مجموعهما هو الإيمان
السادس عشر إخباره سبحانه عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى فيكذبه فيما أخبر به من أنه سبحانه فوق السماوات فقال ! < يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا > ! فكذب فرعون موسى في إخباره إياه بأن ربه فوق السماء وعند الجهمية لا فرق بين الإخبار بذلك وبين الإخبار بأنه يأكل ويشرب وعلى زعمهم يكون فرعون قد نزه الرب عما لا يليق به وكذب موسى في إخباره بذلك إذ من قال عندهم إن ربه فوق السماوات فهو كاذب فهم في هذا التكذيب موافقون لفرعون مخالفون لموسى ولجميع الأنبياء ولذلك سماهم أئمة السنة فرعونية قالوا وهم شر من الجهمية فإن الجهمية يقولون إن
303
الله في كل مكان بذاته وهؤلاء عطلوه بالكلية وأوقعوا عليه الوصف المطابق للعدم المحض فأي طائفة من طوائف بني آدم أثبتت الصانع على أي وجه كان قولهم خيرا من قولهم
السابع عشر إخباره صلى الله عليه وسلم أنه تردد بين موسى وبين الله ويقول له موسى ارجع إلى ربك فسله التخفيف فيرجع إليه ثم ينزل إلى موسى فيأمره بالرجوع إليه سبحانه فيصعد إليه سبحانه ثم ينزل من عنده إلى موسى عدة مرار
الثامن عشر إخباره تعالى عن نفسه وإخبار رسوله عنه أن المؤمنين يرونه عيانا جهرة كرؤية الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدر والذي تفهمه الأمم على اختلاف لغاتها وأوهامها من هذه الرؤية رؤية المقابلة والمواجهة التي تكون بين الرائي والمرئي فيها مسافة محدودة غير مفرطة في البعد فتمتنع الرؤية ولا في القرب فلا تمكن الرؤية لا تعقل الأمم غير هذا فإما أن يروه سبحانه من تحتهم تعالى الله أو من خلفهم أو من أمامهم أو عن أيمانهم أو عن شمائلهم أو من فوقهم ولابد من قسم من هذه الأقسام إن كانت الرؤية حقا وكلها باطل سوى رؤيتهم له من فوقهم كما في حديث جابر الذي في المسند وغيره بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار قد أشرف عليهم من فوقهم وقال يا أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله ! < سلام قولا من رب رحيم > ! ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية ولهذا طرد الجهمية أصلهم وصرحوا بذلك وركبوا النفيين معا وصدق اهل السنة بالأمرين معا وأقروا بهما وصار من أثبت الرؤية ونفى علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه مذبذبا بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء
فهذه أنواع من الأدلة السمعية المحكمة إذا بسطت أفرادها كانت ألف دليل على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه فترك الجهمية ذلك كله وردوه
304
بالمتشابه من قوله ! < وهو معكم أين ما كنتم > ! ورده زعيمهم المتأخر بقوله ! < قل هو الله أحد > ! وبقوله ! < ليس كمثله شيء > ! ثم ردوا تلك الأنواع كلها متشابهة فسلطوا المتشابه على المحكم وردوه به ثم ردوا المحكم متشابها فتارة يحتجون به على الباطل وتارة يدفعون به الحق ومن له أدنى بصيرة يعلم أنه لا شيء في النصوص أظهر ولا أبين دلالة من مضمون هذه النصوص فإذا كانت متشابهة فالشريعة كلها متشابهة وليس فيها شيء محكم البتة ولازم هذا القول لزوما لا محيد عنه أن ترك الناس بدونها خير لهم من إنزالها إليهم فإنها أوهمتهم وأفهمتهم غير المراد وأوقعتهم في اعتقاد الباطل ولم يتبين لهم ما هو الحق في نفسه بل أحيلوا فيه على ما يستخرجونه بعقولهم وأفكارهم ومقايسهم فنسأل الله مثبت القلوب تبارك وتعالى أن يثبت قلوبنا على دينه وما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا إنه قريب مجيب
المثال الثالث عشر رد الرافضة النصوص الصحيحة الصريحة المحكمة المعلومة عند خاص الأمة وعامتها بالضرورة في مدح الصحابة والثناء عليهم ورضاء الله عنهم ومغفرته لهم وتجاوزه عن سيئاتهم ووجوب محبة الأمة واتباعهم لهم واستغفارهم لهم واقتدائهم بهم بالمتشابه من قوله ? < لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض > ? ونحوه كما ردوا المحكم الصريح من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم كفعل إخوانهم من الخوارج حين ردوا النصوص الصحيحة المحكمة في موالاة المؤمنين ومحبتهم وإن ارتكبوا بعض الذنوب التي تقع مكفرة بالتوبة النصوح والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة ودعاء المسلمين لهم في حياتهم وبعد موتهم وبالامتحان في البرزخ وفي موقف القيامة وبشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة وبصدق التوحيد وبرحمة أرحم الراحمين فهذه عشرة أسباب تمحق أثر الذنوب فإن عجزت هذه الأسباب عنها فلابد من دخول النار ثم يخرجون منها فتركوا ذلك كله بالمتشابه من نصوص الوعيد وردوا المحكم من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم التي يحتمل أن يكونوا قصدوا بها طاعة الله فاجتهدوا فأداهم إجتهادهم إلى
305
ذلك فحصلوا فيه على الأجر المفرد وكان حظ أعدائهم منه تكفيرهم واستحلال دمائهم وأموالهم وإن لم يكونوا قصدوا ذلك كان غايتهم أن يكونوا قد أذنبوا ولهم من الحسنات والتوبة وغيرها ما يرفع موجب الذنب فاشتركوا هم والرافضة في رد المحكم من النصوص وأفعال المؤمنين بالمتشابه منها فكفروهم وخرجوا عليهم بالسيف يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان ففساد الدنيا والدين من تقديم المتشابه على المحكم وتقديم الرأي على الشرع والهوى على الهدى وبالله التوفيق
المثال الرابع عشر رد المحكم الصريح الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا من وجوب الطمأنينة وتوقف اجزاء الصلاة وصحتها عليه كقوله لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في ركوعه وسجوده وقوله لمن تركها صل فإنك لم تصل وقوله ثم اركع حتى تطمئن راكعا فنفى إجزاءها بدون الطمأنينة ونفى مسماها الشرعي بدونها وأمر بالإتيان بها فرد هذا المحكم الصريح بالمتشابه من قوله اركعوا واسجدوا المثال الخامس عشر رد المحكم الصريح من تعيين التكبير للدخول في الصلاة بقوله إذا قمت إلى الصلاة فكبر وقوله تحريمها التكبير وقوله لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يستقبل القبلة ويقول الله أكبر وهي نصوص في غاية الصحة فردت بالمتشابه من قوله ! < وذكر اسم ربه فصلى > !
المثال السادس عشر رد النصوص المحكمة الصريحة الصحيحة في تعيين قراءة فاتحة الكتاب فرضا بالمتشابه من قوله فاقرءوا ما تيسر منه وليس ذلك في الصلاة وإنما هو بدل عن قيام الليل وبقوله للأعرابي ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن وهذا يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة للصلاة وأن يكون الأعرابي لا يحسنها وأن يكون لم يسىء في قراءتها فأمره أن يقرأ معها ما تيسر من القرآن وأن يكون أمره بالاكتفاء بما تيسر عنها فهو متشابه يحتمل هذه الوجوه فلا يترك له المحكم الصريح
306
المثال السابع عشر رد المحكم الصريح من توقف الخروج من الصلاة على التسليم كما في قوله تحليلها التسليم وقوله إنما يكفي أحدكم أن يسلم على أخيه من عن يمينه وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله فأخبر أنه لا يكفي غير ذلك فرد بالمتشابه من قول بن مسعود فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك وبالمتشابه من عدم أمره للأعرابي بالسلام
المثال الثامن عشر رد المحكم الصريح في اشتراط النية لعبادة الوضوء والغسل كما في قوله ! < وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء > ! وقوله وإنما لامرىء ما نوى وهذا لم ينو رفع الحدث فلا يكون له بالنص فردوا هذا بالمتشابه من قوله ! < إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم > ! ولم يأمر بالنية قالوا فلو أوجبناها بالسنة لكان زيادة على نص القرآن فيكون نسخا والسنة لا تنسخ القرآن فهذه ثلاث مقدمات إحداها أن القرآن لم يوجب النية الثانية أن إيجاب السنة لها نسخ القرآن الثالثة أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز وبنوا على هذه المقدمات إسقاط كثير مما صرحت السنة بإيجابه كقراءة الفاتحة والطمأنينة وتعيين التكبير للدخول في الصلاة والتسليم للخروج منها ولا يتصور صدق المقدمات الثلاث في موضع واحد أصلا بل إما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فأما آية الوضوء فالقرآن قد نبه على أنه لم يكتف من طاعات عبادة إلا بما أخلصوا له فيه الدين فمن لم ينو التقرب إليه جملة لم يكن ما أتى به طاعة البتة فلا يكون معتدا به مع أن قوله ! < إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم > ! إنما يفهم المخاطب منه غسل الوجه وما بعده لأجل الصلاة كما يفهم من قوله إذا واجهت الأمير فترجل وإذا دخل الشتاء فاشتر الفرو ونحو ذلك فإن لم يكن القرآن قد دل على النية ودلت عليها السنة لم يكن وجوبها ناسخا للقرآن وإن كان زائدا عليه ولو كان كل ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخا له لبطلت أكثر سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع في صدورها وأعجازها وقال القائل هذه زيادة على
307
ما في كتاب الله فلا تقبل ولا يعمل بها وهذا بعينه هو الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيقع وحذر منه كما في السنن من حديث المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة مال المعاهد وفي لفظ يوشك أن يقعد الرجل على أريكته فيحدث بحديثي فيقول بيني وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله قال الترمذي حديث حسن وقال البيهقي إسناده صحيح وقال صالح بن موسى عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يفترقا حتى يردا على الحوض فلا يجوز التفريق بين ما جمع الله بينهما ويرد أحدهما بالآخر بل سكوته عما نطق به ولا يمكن أحدا يطرد ذلك ولا الذين أصلوا هذا الأصل بل قد نقضوه في أكثر من ثلاثمائة موضع منها ما هو مجمع عليه ومنهاما هو مختلف فيه
السنة لا تعارض القرآن
والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه أحدها أن تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها الثاني أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له الثالث أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه ولا تخرج عن هذه الأقسام فلا تعارض القرآن بوجه ما فما كان منها زائدا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته وليس هذا تقديما لها على كتاب الله بل امتثال لما أمر الله به
308
من طاعة رسوله ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى وسقطت طاعته المختصة به وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة خاصة تختص به وقد قال الله تعالى ! < من يطع الرسول فقد أطاع الله > ! وكيف يمكن أحدا من أهل العلم أن لا يقبل حديثا زائدا على كتاب الله فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب ولا حديث خيار الشرط ولا أحاديث الشفعة ولا حديث الرهن في الحضر مع أنه زائد على ما في القرآن ولا حديث ميراث الجدة ولا حديث تخيير الأمة إذا أعتقت تحت زوجها ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة ولا حديث وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان ولا أحاديث إحداد المتوفي عنها زوجها مع زيادتها على ما في القرآن من العدة فهلا قلتم إنها نسخ للقرآن وهو لاينسخ بالسنة وكيف أوجبتم الوتر مع أنه زيادة محضة على القرآن بخبر مختلف فيه وكيف زدتم على كتاب الله فجوزتم الوضوء بنبيذ التمر بخبر ضعيف وكيف زدتم على كتاب الله فشرطتم في الصداق أن يكون أقله عشرة دراهم بخبر لا يصح البتة وهو زيادة محضة على القرآن وقد أخذ الناس بحديث لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم وهو زائد على القرآن وأخذوا كلهم بحديث توريثه صلى الله عليه وسلم بنت الابن السدس مع البنت وهو زائد على ما في القرآن وأخذ الناس كلهم بحديث استبراء المسبية بحيضة وهو زائد على ما في كتاب الله وأخذوا بحديث من قتل قتيلا فله سلبه وهو زائد على ما في القرآن من قسمة الغنائم وأخذوا كلهم بقضائه صلى الله عليه وسلم الزائد على ما في القرآن من أن أعيان بني الأبوين يتوارثون دون بني العلات الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه ولو تتبعنا هذا لطال جدا فسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل في صدورنا وأعظم وأفرض
309
علينا أن لا نقبلها إذا كانت زائدة على ما في القرآن بل على الرأس والعينين وكذلك فرض على الأمة الأخذ بحديث القضاء بالشاهد واليمين وإن كان زائدا على ما في القرآن وقد أخذ به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمهور التابعين والأئمة والعجب ممن يرده لأنه زائد على ما في كتاب الله ثم يقضي بالنكول ومعاقد القمط ووجوه الآجر في الحائط وليست في كتاب الله ولا سنة رسوله وأخذتم أنتم وجمهور الأمة بحديث لا يقاد الوالد بالولد مع ضعفه وهو زائد على ما في القرآن وأخذتم أنتم والناس بحديث أخذ الجزية من المجوس وهو زائد على ما في القرآن وأخذتم مع سائر الناس بقطع رجل السارق في المرة الثانية مع زيادته على ما في القرآن وأخذتم أنتم والناس بحديث النهي عن الاقتصاص من الجرح قبل الاندمال وهو زائد على ما في القرآن وأخذت الأمة بأحاديث الحضانة وليست في القرآن وأخذتم أنتم والجمهور باعتداد المتوفي عنها في منزلها وهو زائد على ما في القرآن وأخذتم مع الناس بأحاديث البلوغ بالسن والإنبات وهي زائدة على ما في القرآن إذ ليس فيه إلا الاحتلام وأخذتم مع الناس بحديث الخراج بالضمان مع ضعفه وهو زائد على ما في القرآن وبحديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ وهو زائد على ما في القرآن وأضعاف أضعاف ما ذكرنا بل أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها لم تنقص عنها فلو ساغ لنا رد كل سنة زائدة كانت على نص القرآن لبطلت سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها إلا سنة دل عليها القرآن وهذا هو الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيقع ولابد من وقوع خبره
أنواع السنن الزائدة عن القرآن
فإن قيل السنن الزائدة على ما دل عليه القرآن تارة تكون بيانا له وتارة تكون منشئة لحكم لم يتعرض القرآن له وتارة تكون مغيرة لحكمه وليس نزاعنا في القسمين الأولين فإنهما حجة باتفاق ولكن النزاع في القسم
310
الثالث وهو الذي ترجمته بمسألة الزيادة على النص وقد ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخي وجماعة كثيرة من أصحاب أبي حنيفة إلى أنها نسخ ومن ها هنا جعلوا إيجاب التغريب مع الجلد نسخا كما لو زاد عشرين صوتا على الثمانين في حد القذف
وذهب أبو بكر الرازي إلى أن الزيادة إن وردت بعد استقرار حكم النص منفرده عنه كانت ناسخة وإن وردت متصلة بالنص قبل إستقرار حكمه لم تكن ناسخة وإن وردت ولا يعلم تاريخها فإن وردت من جهة يثبت النص بمثلها فإن شهدت الأصول من عمل السلف أو النظر على ثبوتهما معا أثبتناهما وإن شهدت بالنص منفردا عنها أثبتناه دونها وإن لم يكن في الأصول دلالة على أحدهما فالواجب أن يحكم بورودهما معا ويكونان بمنزلة الخاص والعام إذا لم يعلم تاريخهما ولم يكن في الأصول دلالة على وجوب القضاء بأحدهما على الآخر فإنهما يستعملان معا وإن كان ورود النص من جهة توجب العلم كالكتاب والخبر المستفيض وورود الزيادة من جهة أخبار الآحاد لم يجز إلحقاها بالنص ولا العمل بها وذهب بعض أصحابنا إلى أن الزيادة إن غيرت حكم المزيد عليه تغييرا شرعيا بحيث إنه لو فعل على حد ما كان يفعل قبلها لم يكن معتدا به بل يجب استئنافه كان نسخا نحو ضم ركعة إلى ركعتي الفجر وإن لم يغير حكم المزيد عليه بحيث لو فعل على حد ما كان يفعل قبلها كان معتدا به ولا يجب استئنافه لم يكن نسخا ولم يجعلوا إيجاب التغريب مع الجلد نسخا وإيجاب عشرين جلدة مع الثمانين نسخا وكذلك إيجاب شرط منفصل عن العبادة لا يكون نسخا كإيجاب الوضوء بعد فرض الصلاة ولم يختلفوا أن إيجاب زيادة عبادة على عبادة كإيجاب الزكاة بعد إيجاب الصلاة لا يكون نسخا ولم يختلفوا أيضا أن إيجاب صلاة سادسة على الصلوات الخمس لا يكون نسخا
فالكلام معكم في الزيادة المغيرة في ثلاثة مواضع في المعنى والاسم والحكم
311
أما المعنى فإنها تقيد معنى النسخ لأنه الإزالة والزيادة تزيل حكم الاعتداد بالمزيد عليه وتوجب استئنافه بدونها وتخرجه عن كونه جميع الواجب وتجعله بعضه وتوجب التأثيم على المقتصر عليه بعد ان لم يكن إثما وهذا معنى النسخ
وعليه يرتب الاسم فإنه تابع للمعنى فإن الكلام في زيادة شرعية مغيرة للحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عن المزيد عليه فإن اختل وصف من هذه الأوصاف لم يكن نسخا فإن لم تغير حكما شرعيا بل رفعت حكم البراءة الأصلية لم تكن نسخا كإيجاب عبادة بعد أخرى وإن كانت الزيادة مقارنة للمزيد عليه لم تكن نسخا وإن غيرته بل تكون تقييدا أو تخصيصا
وأما الحكم فإن كان النص المزيد عليه ثابتا بالكتاب أو السنة المتواترة لم يقبل خبرالواحد بالزيادة عليه وإن كان ثابتا بخبر الواحد قبلت الزيادة فإن اتفقت الأمة على قبول خبر الواحد في القسم الأول علمنا أنه ورد مقارنا للمزيد عليه فيكون تخصيصا لا نسخا قالوا وإنما لم يقبل خبر الواحد بالزيادة على النص لأن الزيادة لو كانت موجودة معه لنقلها إلينا من نقل النص إذ غير جائز أن يكون المراد إثبات النص معقودا بالزيادة فيقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على إبلاغ النص منفردا عنها فواجب إذا أن يذكرها معه ولو ذكرها لنقلها إلينا من نقل النص فإن كان النص مذكورا في القرآن وزيادة واردة من جهة السنة فغير جائز أن يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على تلاوة الحكم المنزل في القرآن دون أن يعقبها بذكر الزيادة لأن حصول الفراغ من النص الذي يمكننا استعماله بنفسه يلزمنا اعتقاد مقتضاه من حكمه كقوله ! < الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة > ! فإن كان الحد هو الجلد والتغريب فغير جائز أن يتلو النبي صلى الله عليه وسلم الآية على الناس عارية من ذكر النفي عقبها لأن سكوته عن ذكر الزيادة معها يلزمنا اعتقاد موجبها وأن
312
الجلد هو كمال الحد فلو كان معه تغريب لكان بعض الحد لا كماله فإذا أخلى التلاوة من ذكر النفي عقيبها فقد أراد منا اعتقاد ان الجلد المذكور في الآية هو تمام الحد وكماله فغير جائز إلحاق الزيادة معه إلا على وجه النسخ ولهذا كان قوله واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ناسخا لحديث عبادة بن الصامت الثيب بالثيب جلد مائة والرجم وكذلك لما رجم ماعزا ولم يجلده كذلك يجب أن يكون قوله ! < الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة > ! ناسخا لحكم التغريب في قوله البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام
والمقصود أن هذه الزيادة لو كانت ثابتة مع النص لذكرها النبي صلى الله عليه وسلم عقيب التلاوة ولنقلها إلينا من نقل المزيد عليه إذ غير جائز عليهم أن يعلموا أن الحد مجموع الأمرين وينقلوا بعضه دون بعض وقد سمعوا الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر الأمرين فامتنع حينئذ العمل بالزيادة إلا من الجهة التي ورد منها الأصل فإذا وردت من جهة الآحاد فإن كانت قبل النص فقد نسخها النص المطلق عاريا من ذكرها وإن كانت بعده فهذا يوجب نسخ الآية بخبر الواحد وهو ممتنع فإن كان المزيد عليه ثابتا بخبر الواحد جاز إلحاق الزيادة بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به فإن كانت واردة مع النص في خطاب واحد لم تكن نسخا وكانت بيانا
فالجواب من وجوه أحدها أنكم أول من نقض هذا الأصل الذي أصلتموه فإنكم قبلتم خبر الوضوء بنبيذ التمر وهو زائد على ما في كتاب الله مغير لحكمه فإن الله سبحانه جعل حكم عادم الماء التيمم والخبر يقتضي أن يكون حكمه الوضوء بالنبيذ فهذه الزيادة بهذا الخبر الذي لا يثبت رافعة لحكم شرعي غير مقارنة له ولا مقاومة بوجه وقبلتم خبر الأمر بالوتر مع رفعه لحكم شرعي وهو اعتقاد كون الصلوات الخمس هي جميع الواجب ورفع التأثيم
313
بالاقتصار عليها وإجزاء الإتيان في التعبد بفريضة الصلاة والذي قال هذه الزيادة هو الذي قال سائر الأحاديث الزائدة على ما في القرآن والذي نقلها إلينا هو الذي نقل تلك بعينه أو أوثق منه أو نظيره والذي فرض علينا طاعة رسوله وقبول قوله في تلك الزيادة هو الذي فرض علينا طاعته وقبول قوله في هذه والذي قال لنا ! < وما آتاكم الرسول فخذوه > ! هو الذي شرع لنا هذه الزيادة على لسانه والله سبحانه ولاه منصب التشريع عنه ابتداء كما ولاه منصب البيان لما أراده بكلامه بل كلامه كله بيان عن الله والزيادة بجميع وجوهها لا تخرج عن البيان بوجه من الوجوه بل كان السلف الصالح الطيب إذا سمعوا الحديث عنه وجدوا تصديقه في القرآن ولم يقل أحد منهم قط في حديث واحد أبدا إن هذا زيادة على القرآن فلا نقبله ولا نسمعه ولا نعمل به ورسول الله صلى الله عليه وسلم أجل في صدورهم وسنته أعظم عندهم من ذلك وأكبر ولا فرق أصلا بين مجيء السنة بعدد الطواف وعدد ركعات الصلاة ومجيئها بفرض الطمأنينة وتعيين الفاتحة والنية فإن الجميع بيان لمراد الله أنه أوجب هذه العبادات على عباده على هذا الوجه فهذا الوجه هو المراد فجاءت السنة بيانا للمراد في جميع وجوهها حتى في التشريع المبتدأ فإنها بيان لمراد الله من عموم الأمر بطاعته وطاعة رسوله فلا فرق بين بيان هذا المراد وبين بيان المراد من الصلاة والزكاة والحج والطواف وغيرها بل هذا بيان المراد من شيء وذاك بيان المراد من أعم منه فالتغريب بيان محض للمراد من قوله ! < أو يجعل الله لهن سبيلا > ! وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بأن التغريب بيان لهذا السبيل المذكور في القرآن فكيف يجوز رده بأنه مخالف للقرآن معارض له ويقال لو قبلناه لأبطلنا به حكم القرآن وهل هذا إلا قلب للحقائق فإن حكم القرآن العام والخاص يوجب علينا قبوله فرضا لا يسعنا مخالفته فلو خالفناه لخالفنا القرآن ولخرجنا عن حكمه ولابد ولكان في ذلك مخالفة للقرآن والحديث معا
314
يوضحه الوجه الثاني ان الله سبحانه نصب رسول الله صلى الله عليه وسلم منصب المبلغ المبين عنه فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن الله أن هذا شرعه ودينه ولا فرق بين ما يبلغه عنه من كلامه المتلو ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع ومخالفة هذا كمخالفة هذا
يوضحه الوجه الثالث أن الله سبحانه أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وجاء البيان عن رسوله صلى الله عليه وسلم بمقادير ذلك وصفاته وشروطه فوجب على الأمة قبوله إذ هو تفصيل لما أمر الله به كما يجب علينا قبول الأصل المفصل وهكذا أمر الله سبحانه بطاعته وطاعة رسوله فإذا أمر الرسول بأمر كان تفصيلا وبيانا للطاعة المأمور بها وكان فرض قبوله كفرض قبول الأصل المفصل ولا فرق بينهما
بيان السنة على أنواع
يوضحه الوجه الرابع أن البيان من النبي صلى الله عليه وسلم أقسام أحدها بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيا الثاني بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك كما بين أن الظلم المذكور في قوله ! < ولم يلبسوا إيمانهم بظلم > ! هو الشرك وأن الحساب اليسير هو العرض وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وسواد الليل وأن الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل كما فسر قوله ! < أو يأتي بعض آيات ربك > ! أنه طلوع الشمس من مغربها وكما فسر قوله ! < مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة > ! بأنها النخلة وكما فسر قوله ! < يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة > ! أن ذلك في القبر حين يسأل من ربك وما دينك وكما فسر الرعد بأنه ملك من الملائكة موكل بالسحاب وكما فسر اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله بأن ذلك باستحلال ما أحلوه لهم من الحرام وتحريم ما حرموه من الحلال وكما فسر القوة التي أمر الله أن نعدها لأعدائه بالرمي وكما فسر قوله ! < من يعمل سوءا يجز به > ! بأنه ما يجزى به العبد في الدنيا من النصب والهم والخوف واللأواء
315
وكما فسر الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله الكريم وكما فسر الدعاء في قوله ! < وقال ربكم ادعوني أستجب لكم > ! بأنه العبادة وكما فسر أدبار النجوم بأنه الركعتان قبل الفجر وأدبار السجود بالركعتين بعد المغرب ونظائر ذلك الثالث بيانه بالفعل كما بين أوقات الصلاة للسائل بفعله الرابع بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن فنزل القرآن ببيانها كما سئل عن قذف الزوجة فجاء القرآن باللعان ونظائره الخامس بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنا كما سئل عن رجل أحرم في جبة بعد ما تضمخ بالخلوق فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبة ويغسل أثر الخلوق السادس بيانه للأحكام بالسنة ابتداء من غير سؤال كما حرم عليهم لحوم الحمر والمتعة وصيد المدينة ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وأمثال ذلك السابع بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له وعدم نهيهم عن التأسي به الثامن بيانه جواز الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده أو يعلمهم يفعلونه التاسع بيانه إباحة الشيء عفوا بالسكوت عن تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقا العاشر أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف فيحيل الرب سبحانه وتعالى على رسوله في بيانها كقوله تعالى ! < وأحل لكم ما وراء ذلكم > ! فالحل موقوف على شروط النكاح وانتفاء موانعه وحضور وقته وأهلية المحل فإذا جاءت السنة ببيان ذلك كله لم يكن الشيء منه زائدا على النص فيكون نسخا له وإن كان رفعا لظاهر إطلاقه
فهكذا كل حكم منه صلى الله عليه وسلم زائد على القرآن هذا سبيله سواء بسواء وقد قال تعالى ! < يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين > ! ثم جاءت السنة بأن القاتل والكافر والرقيق لا يرث ولم يكن نسخا للقرآن مع أنه زائد عليه قطعا أعني في موجبات الميراث فإن القرآن أوجبه بالولادة وحدها فزادت السنة مع وصف الولادة اتحاد الدين وعدم الرق والقتل فهلا قلتم إن
316
هذه زيادة على النص فيكون نسخا والقرآن لا ينسخ بالسنة كما قلتم ذلك في كل موضع تركتم فيه الحديث لأنه زائد على القرآن
الوجه الخامس أن تسميتكم للزيادة المذكورة نسخا لا توجب بل لا يجوز مخالفتها فإن تسمية ذلك نسخا اصطلاح منكم والأسماء المتواضع عليها التابعة للاصطلاح لا توجب رفع أحكام النصوص فأين سمي الله ورسوله ذلك نسخا وأين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم حديثي زائدا على ما في كتاب الله فردوه ولا تقبلوه فإنه يكون نسخا لكتاب الله وأين قال الله إذا قال رسولي قولا زائدا على القرآن فلا تقبلوه ولا تعملوا به وردوه وكيف يسوغ رد سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقواعد قعدتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان
المراد بالنسخ في السنة الزائدة على القرآن
الوجه السادس أن يقال ما تعنون بالنسخ الذي تضمنته الزيادة بزعمكم أتعنون أن حكم المزيد عليه من الإيجاب والتحريم والإباحة بطل بالكلية أم تعنون به تغير وصفه بزيادة شيء عليه من شرط أو قيد أو حال أو مانع أو ما هو أعم من ذلك فإن عنيتم الأول فلا ريب أن الزيادة لا تتضمن ذلك فلا تكون ناسخة وإن عنيتم الثاني فهو حق ولكن لا يلزم منها بطلان حكم المزيد عليه ولا رفعه ولا معارضته بل غايتها مع المزيد عليه كالشروط والموانع والقيود والمخصصات وشيء من ذلك لا يكون نسخا يوجب إبطال الأول ورفعه رأسا وإن كان نسخا بالمعنى العام الذي يسميه السلف نسخا وهو رفع الظاهر بتخصيص أو تقييد أو شرط أو مانع فهذا كثير من السلف يسميه نسخا حتى سمي الاستثناء نسخا فإن أردتم هذا المعنى فلا مشاحة في الاسم ولكن ذلك لا يسوغ رد السنن الناسخة للقرآن بهذا المعنى ولا ينكر أحد نسخ القرآن بالسنة بهذا المعنى بل هو متفق عليه بين الناس وإنما تنازعوا في جواز نسخه بالسنة النسخ الخاص الذي هو رفع أصل الحكم وجملته بحيث يبقى بمنزلة ما لم يشرع البتة وإن
317
أردتم بالنسخ ما هو أعم من القسمين وهو رفع الحكم بجملته تارة وتقييد مطلقه وتخصيص عامه وزيادة شرط أو مانع تارة كنتم قد أدرجتم في كلامكم قسمين مقبولا ومردودا كما تبين فليس الشأن في الألفاظ فسموا الزيادة ما شئتم فإبطال السنن بهذا الاسم مما لا سبيل إليه
يوضحه الوجه السابع أن الزيادة لو كانت ناسخة لما جاز اقترانها بالمزيد لأن الناسخ لا يقارن المنسوخ وقد جوزتم اقترانها به وقلتم تكون بيانا أو تخصيصا فهلا كان حكمها مع التأخر كذلك والبيان لا يجب اقترانه بالمبين بل يجوز تأخيره إلى وقت حضور العمل وما ذكرتموه من إيهام اعتقاد خلاف الحق فهو منتقض بجواز بل وجوب تأخير الناسخ وعدم الإشعار بأنه سينسخه ولا محذور في اعتقاد موجب النص ما لم يأت ما يرفعه أو يرفع ظاهره فحينئذ يعتقد موجبه كذلك فكان كل من الاعتقادين في وقته هو المأمور به إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
يوضحه الوجه الثامن أن المكلف إنما يعتقده على إطلاقه وعمومه مقيدا بعدم ورود ما يرفع ظاهره كما يعتقد المنسوخ مؤبدا اعتقادا مقيدا بعدم ورود ما يبطله وهذا هو الواجب عليه الذي لا يمكنه سواه
الوجه التاسع أن إيجاب الشرط الملحق بالعبادة بعدها لا يكون نسخا وإن تضمن رفع الإجزاء بدونه كما صرح بذلك بعض أصحابكم وهو الحق فكذلك إيجاب كل زيادة بل أولى أن لا تكون نسخا فإن إيجاب الشرط يرفع إجزاء المشروط عن نفسه وعن غيره وإيجاب الزيادة إنما يرفع إجزاء المزيد عن نفسه خاصة
الوجه العاشر ان الناس متفقون على أن إيجاب عبادة مستقلة بعد الثانية لا يكون نسخا وذلك أن الأحكام لم تشرع جملة واحدة وإنما شرعها
318
أحكم الحاكمين شيئا بعد شيء وكل منها زائد على ما قبله وكان ما قبله جميع الواجب والإثم محطوط عمن اقتصر عليه وبالزيادة تغير هذان الحكمان فلم يبق الأول جميع الواجب ولم يحط الإثم عمن اقتصر عليه ومع ذلك فليس الزائد ناسخا للمزيد عليه إذ حكمه من الوجوب وغيره باق فهذه الزيادة المتعلقة بالمزيد لا تكون ناسخا له حيث لم ترفع حكمه بل هو باق على حكمه وقد ضم إليه غيره
يوضحه الوجه الحادي عشر ان الزيادة إن رفعت حكما خطابيا كانت نسخا وزيادة التغريب وشروط الحكم وموانعه وحراحق لا ترفع حكم الخطاب وإن رفع حكم الاستصحاب
يوضحه الوجه الثاني عشر أن ما ذكروه من كون الأول جميع الواجب وكونه مجزئا وحده وكون الإثم محطوطا عمن اقتصر عليه إنما هو من أحكام البراءة الأصلية فهو حكم استصحابي لم نستفده من لفظ الأمر الأول ولا أريد به فإن معنى كون العبادة مجزئة أن الذمة بريئة بعد الإتيان بها وحط الذم عن فاعلها معناه أنه قد خرج من عهدة الأمر فلا يلحقه ذم والزيادة وإن رفعت هذه الأحكام لم ترفع حكما دل عليه لفظ المزيد
تخصيص القرآن بالسنة
يوضحه الوجه الثالث عشر أن تخصيص القرآن بالسنة جائز كما أجمعت الأمة على تخصيص قوله ! < وأحل لكم ما وراء ذلكم > ! بقوله صلى الله عليه وسلم لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها وعموم قوله تعالى ! < يوصيكم الله في أولادكم > ! بقوله صلى الله عليه وسلم لا يرث المسلم الكافر وعموم قوله تعالى ! < والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما > ! بقوله صلى الله عليه وسلم لا قطع
319
في ثمر ولا كثر ونظائر ذلك كثيرة فإذا جاز التخصيص وهو رفع بعض ما تناوله اللفظ وهو نقصان من معناه فلأن تجوز الزيادة التي لا تتضمن رفع شيء من مدلوله ولا نقصانه بطريق الأولى والأحرى
الوجه الرابع عشر أن الزيادة لا توجب رفع المزيد لغة ولا شرعا ولا عرفا ولا عقلا ولا تقول العقلاء لمن ازداد خيره أو ماله أو جاهله أو علمه أو ولده إنه قد ارتفع شيء مما في الكيس بل تقول في
الوجه الخامس عشر أن الزيادة قررت حكم المزيد وزادته بيانا وتأكيدا فهي كزيادة العلم والهدى والإيمان قال تعالى ! < وقل رب زدني علما > ! وقال ! < وما زادهم إلا إيمانا وتسليما > ! وقال ! < وزدناهم هدى > ! وقال ! < ويزيد الله الذين اهتدوا هدى > ! فكذلك زيادة الواجب على الواجب إنما يزيده قوة وتأكيدا وثبوتا فإن كانت متصلة به اتصال الجزاء والشرط كان ذلك أقوى له وأثبت وآكد ولا ريب أن هذا أقرب إلى المعقول والمنقول والفطرة من جعل الزيادة مبطلة للمزيد عليه ناسخة له
الوجه السادس عشر أن الزيادة لم تتضمن النهي عن المزيد ولا المنع منه وذلك حقيقة النسخ وإذا انتفت حقيقة النسخ استحال ثبوته
الوجه السابع عشر أنه لابد في النسخ من تنافي الناسخ والمنسوخ وامتناع اجتماعهما والزيادة غير منافية للمزيد عليه ولا اجتماعهما ممتنع
الوجه الثامن عشر أن الزيادة لو كانت نسخا لكانت إما نسخا بانفرادها عن المزيد أو بانضمامها إليه والقسمان محال فلا يكون نسخا أما الأول فظاهر لأنها لا حكم لها بمفردها البتة فإنها تابعة للمزيد عليه في حكمه وأما الثاني
320
فكذلك أيضا لأنها إذا كانت ناسخة بانضمامها إلى المزيد كان الشيء ناسخا لنفسه ومبطلا لحقيقته وهذا غير معقول وأجاب بعضهم عن هذا بأن النسخ يقع على حكم الفعل دون نفسه وصورته وهذا الجواب لا يجدي عليهم شيئا والإلزام قائم بعينه فإنه يوجب أن يكون المزيد عليه قد نسخ حكم نفسه وجعل نفسه إذا انفرد عن الزيادة غير مجزىء بعد أن كان مجزئا
الوجه التاسع عشر أن النقصان من العبادة لا يكون نسخا لما بقي منها فكذلك الزيادة عليها لا تكون نسخا لها بل أولى لما تقدم
الوجه العشرون ان نسخ الزيادة للمزيد عليه إما أن يكون نسخا لوجوبه أو لإجزائه أو لعدم وجوب غيره أو لأمر رابع وهذا كزيادة التغريب مثلا على المائة جلدة لا يجوز أن تكون ناسخة لوجوبها فإن الوجوب بحالة ولا لإجزائها لأنها مجزئة عن نفسها ولا لعدم وجوب الزائد لأنه رفع لحكم عقلي وهو البراءة الأصلية فلو كان رفعها نسخا كان كلما أوجب الله شيئا بعد الشهادتين قد نسخ به ما قبله والأمر الرابع غير متصور ولا معقول فلا يحكم عليه
فإن قيل بل ها هنا أمر رابع معقول وهو الاقتصار على الأول فإنه نسخ بالزيادة وهذا غير الأقسام الثلاثة
فالجواب أنه لا معنى للاقتصار غير عدم وجوب غيره وكونه جميع الواجب وهذا هو القسم الثالث بعينه غيرتم التعبير عنه وكسوتموه عبارة أخرى
الوجه الحادي والعشرون أن الناسخ والمنسوخ لابد أن يتواردا على محل واحد يقتضي المنسوخ ثبوته والناسخ رفعه أو بالعكس وهذا غير متحقق في الزيادة على النص
الوجه الثاني والعشرون ان كل واحد من الزائد والمزيد عليه دليل قائم
321
بنفسه مستقل بإفادة حكمه وقد أمكن العمل بالدليلين فلا يجوز إلغاء أحدهما وإبطاله وإلقاء الحرب بينه وبين شقيقه وصاحبه فإن كل ما جاء من عند الله فهو حق يجب اتباعه والعمل به ولا يجوز إلغاؤه وإبطاله إلا حيث أبطله الله ورسوله بنص آخر ناسخ له لا يمكن الجمع بينه وبين المنسوخ وهذا بحمد الله منتف في مسألتنا فإن العمل بالدليلين ممكن ولا تعارض بينهما ولا تناقض بوجه فلا يسوغ لنا إلغاء ما اعتبره الله ورسوله كما لا يسوغ لنا اعتبار ما ألغاه وبالله التوفيق
الوجه الثالث والعشرون انه إن كان القضاء بالشاهد واليمين ناسخا للقرآن وإثبات التغريب ناسخا للقرآن فالوضوء بالنبيذ أيضا ناسخ للقرآن ولا فرق بينهما البتة بل القضاء بالنكول ومعاقد القمط يكون ناسخا للقرآن وحينئذ فنسخ كتاب الله بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها أولى من نسخه بالرأي والقياس والحديث الذي لا يثبت وإن لم يكن ناسخا للقرآن لم يكن هذا نسخا له وأما أن يكون هذا نسخا وذاك ليس بنسخ فتحكم باطل وتفريق بين متماثلين
الوجه الرابع والعشرون أن ما خالفتموه من الأحاديث التي زعمتم أنها زيادة على نص القرآن إن كانت تستلزم نسخه فقطع رجل السارق في المرة الثانية نسخ لأنه زيادة على القرآن وإن لم يكن هذا نسخا فليس ذلك نسخا
الوجه الخامس والعشرون أنكم قلتم لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم وذلك زيادة على ما في القرآن فإن الله سبحانه أباح استحلال البضع بكل ما يسمى مالا وذلك يتناول القليل والكثير فزدتم على القرآن بقياس في غاية الضعف وبخبر في غاية البطلان فإن جاز نسخ القرآن بذلك فلم لا يجوز نسخه بالسنة الصحيحة الصريحة وإن كان هذا ليس بنسخ لم يكن الآخر نسخا
322
الوجه السادس والعشرون أنكم أوجبتم الطهارة للطواف بقوله الطواف بالبيت صلاة وذلك زيادة على القرآن فإن الله إنما أمر بالطواف ولم يأمر بالطهارة فكيف لم تجعلوا ذلك نسخا للقرآن وجعلتم القضاء بالشاهد واليمين والتغريب في حد الزنى نسخا للقرآن
الوجه السابع والعشرون أنكم مع الناس اوجبتم الاستبراء في جواز وطء المسبية بحديث ورد زائد على كتاب الله ولم تجعلوا ذلك نسخا له وهو الصواب بلا شك فهلا فعلتم ذلك في سائر الأحاديث الزائدة على القرآن
الوجه الثامن والعشرون أنكم وافقتم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها بخبر الواحد وهو زائد على كتاب الله تعالى قطعا ولم يكن ذلك نسخا فهلا فعلتم ذلك في خبر القضاء بالشاهد واليمين والتغريب ولم تعدوه نسخا وكل ما تقولونه في محل الوفاق يقوله لكم منازعوكم في محل النزاع حرفا بحرف
الوجه التاسع والعشرون أنكم قلتم لا يفطر المسافر ولا يقصر في أقل من ثلاثة أيام والله تعالى قال ! < فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر > ! وهذا يتناول الثلاثة وما دونها فأخذتم بقياس ضعيف أو أثر لا يثبت في التحديد بالثلاث وهو زيادة على القرآن ولم تجعلوا ذلك نسخا فكذلك الباقي
الوجه الثلاثون أنكم منعتم قطع من سرق ما يسرع إليه الفساد من الأموال مع أنه سارق حقيقة ولغة وشرعا لقوله لا قطع في ثمر ولا كثر ولم تجعلوا ذلك نسخا للقرآن وهو زائد عليه
الوجه الحادي والثلاثون أنكم رددتم السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسح على العمامة وقلتم إنها زائدة على نص الكتاب فتكون ناسخة له فلا تقبل ثم ناقضتم فأخذتم بأحاديث المسح على الخفين وهي زائدة على القرآن ولا فرق بينهما واعتذرتم بالفرق بأن أحاديث المسح
323
على الخفين متواترة بخلاف المسح على العمامة وهو اعتذار فاسد فإن من له اطلاع على الحديث لا يشك في شهرة كل منها وتعدد طرقها واختلاف مخارجها وثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا
الوجه الثاني والثلاثون أنكم قبلتم شهادة المرأة الواحدة على الرضاع والولادة وعيوب النساء مع أنه زائد على ما في القرآن ولم يصح الحديث به صحته بالشاهد واليمين ورددتم هذا ونحوه بأنه زائد على القرآن
الوجه الثالث والثلاثون أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنه لا يحرم اقل من خمس رضعات ولا تحرم الرضعة والرضعتان وقلتم هي زائدة على القرآن ثم أخذتم بخبر لا يصح بوجه ما في أنه لا قطع في أقل من عشرة دراهم أو ما يساويها ولم تروه زيادة على القرآن وقلتم هذا بيان للفظ السارق فإنه مجمل والرسول بينة بقوله لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم فيالله العجب كيف كان هذا بيانا ولم يكن حديث التحريم بخمس رضعات بيانا لمجمل قوله ! < وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم > ! ولا تأتون بعذر في آية القطع إلا كان مثله أو أولى منه في آية الرضاع سواء بسواء
الوجه الرابع والثلاثون أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسح على الجوربين وقلتم هي زائدة على القرآن وجوزتم الوضوء بالخمر المحرمه من نبيذ التمر المسكر بخبر لا يثبت وهو خلاف القرآن الوجه الخامس والثلاثون أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصوم عن الميت والحج عنه وقلتم هو زائد على قوله تعالى ! < وأن ليس للإنسان إلا ما سعى > ! ثم جوزتم أن تعمل أعمال الحج كلها عن المغمى عليه ولم تروه زائدا على قوله ! < وأن ليس للإنسان إلا ما سعى > ! وأخذتم بالسنة
324
الصحيحة وأصبتم في حمل العاقلة الدية عن القاتل خطأ ولم تقولوا هو زائد على قوله ! < ولا تزر وازرة وزر أخرى > ! ! < ولا تكسب كل نفس إلا عليها > ! واعتذاركم بأن الإجماع ألجأكم إلى ذلك لا يفيد لأن عثمان البتي وهو من فقهاء التابعين يرى أن الدية على القاتل وليس على العاقلة منها شيء ثم هذا حجة عليكم أن تجمع الأمة على الأخذ بالخبر وإن كان زائدا على القرآن
الوجه السادس والثلاثون أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اشتراط المحرم ان يحل حيث حبس وقلتم هو زائد على القرآن فإن الله أمر بإتمام الحج والعمرة والإحلال خلاف الإتمام ثم أخذتم وأصبتم بحديث تحريم لبن الفحل وهو زائد على ما في القرآن قطعا
الوجه السابع والثلاثون ردكم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوضوء من مس الفرج وأكل لحوم الإبل وقلتم ذلك زيادة على القرآن لأن الله تعالى إنما ذكر الغائط ثم أخذتم بحديث ضعيف في إيجاب الوضوء من القهقهة وخبر ضعيف في إيجابه من القيء ولم يكن إذ ذاك زائدا على ما في القرآن إذ هو قول متبوعكم فمن العجب إذا قال من قلدتموه قولا زائدا على ما في القرآن قبلتموه وقلتم ما قاله إلا بدليل وسهل عليكم مخالفة ظاهر القرآن حينئذ وإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا زائدا على ما في القرآن قلتم هذا زيادة على النص وهو نسخ والقرآن لا ينسخ بالسنة فلم تأخذوا به واستصعبتم خلاف ظاهر القرآن فهان خلافه إذا وافق قول من قلدتموه وصعب خلافه إذا وافق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
الوجه الثامن والثلاثون أنكم أخذتم بخبر ضعيف لا يثبت في إيجاب المضمضة والاستنشاق في الغسل من الجنابة ولم تروه زائدا على القرآن ورددتم
325
السنة الصحيحة الصريحة في أمر المتوضىء بالاستنشاق وقلتم هو زائد على القرآن فهاتوا لنا الفرق بين ما يقبل من السنن الصحيحة وما يرد منها فإما أن تقبلوها كلها وإن زادت على القرآن وإما أن تردوها كلها إذا كانت زائدة على القرآن وأما التحكم في قبول ما شئتم منها ورد ماشئتم منها فما لم يأذن به الله ولا رسوله ونحن نشهد الله شهادة يسألنا عنها يوم نلقاه أنا لا نرد لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة واحدة صحيحة أبدا إلا بسنة صحيحة مثلها نعلم أنها ناسخة لها
الوجه التاسع والثلاثون أنكم رددتم السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القسم للبكر سبعا يفضلها بها على من عنده من النساء وللثيب ثلاثا إذا أعرس بهما وقلتم هذا زائد على العدل المأمور به في القرآن ومخالف له فلو قبلناه كنا نسخنا به القرآن ثم أخذتم بقياس فاسد واه لا يصح في جواز نكاح الأمة لواجد الطول غير خائف العنت إذا لم تكن تحته حرة وهو خلاف ظاهر القرآن وزائد عليه قطعا
الوجه الأربعون ردكم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسقاط نفقة المبتوتة وسكناها وقلتم هو مخالف للقرآن فلو قبلناه كان نسخا للقرآن به ثم أخذتم بخبر ضعيف لا يصح أن عدة الأمة قرءان وطلاقها طلقتان مع كونه زائدا على ما في القرآن قطعا
الوجه الحادي والأربعون ردكم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخيير ولي الدم بين الدية أو القود أو العفو بقولكم إنها زائدة على ما في القرآن ثم أخذتم بقياس من أفسد القياس أنه لو ضربه بأعظم دبوس يوجد حتى ينثر دماغه على الأرض فلا قود عليه ولم تروا ذلك مخالفا لظاهر القرآن والله تعالى يقول ! < النفس بالنفس > ! ويقول ! < فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم > !
326
الوجه الثاني والأربعون أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله لا يقتل مسلم بكافر وقوله المؤمنون تتكافأ دماؤهم وقلتم هذا خلاف ظاهر القرآن لأن الله تعالى يقول ! < النفس بالنفس > ! وأخذتم بخبر لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا قود إلا بالسيف وهو مخالف لظاهر القرآن فإنه سبحانه قال ! < وجزاء سيئة سيئة مثلها > ! وقال ! < فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم > !
الوجه الثالث والأربعون أنكم أخذتم بخبر لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنه لا جمعة إلا في مصر جامع وهو مخالف لظاهر القرآن قطعا وزائد عليه ورددتم الخبر الصحيح الذي لا شك في صحته عند أحد من أهل العلم في أن كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا وقلتم هو خلاف ظاهر القرآن في وجوب الوفاء بالعقد
الوجه الرابع والأربعون أنكم أخذتم بخبر ضعيف لا تقطع الأيدي في الغزو وهو زائد على القرآن وعديتموه إلى سقوط الحدود على من فعل أسبابها في دار الحرب وتركتم الخبر الصحيح الذي لا ريب في صحته في المصراة وقلتم هو خلاف ظاهر القرآن من عدة أوجه
الوجه الخامس والأربعون أنكم أخذتم بخبر ضعيف بل باطل في أنه لا يؤكل الطافي من السمك وهو خلاف ظاهر القرآن إذ يقول تعالى ! < أحل لكم صيد البحر وطعامه > ! فصيده ما صيد منه حيا وطعامه قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما مات فيه صح ذلك عن الصديق وبن عباس وغيرهما ثم تركتم الخبر الصحيح المصرح بأن ميتته حلال مع موافقته لظاهر القرآن
الوجه السادس والأربعون أنكم أخذتم وأصبتم بحديث تحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وهو زائد على ما في القرآن ولم تروه
327
ناسخا ثم تركتم حديث حل لحوم الخيل الصحيح الصريح وقلتم هو مخالف لما في القرآن زائد عليه وليس كذلك
الوجه السابع والأربعون أنكم أخذتم بحديث المنع من توريث القاتل مع أنه زائد على القرآن وحديث عدم القود على قاتل ولده وهو زائد على ما في القرآن مع أن الحديثين ليسا في الصحة بذاك وتركتم الأخذ بحديث إعتاق النبي صلى الله عليه وسلم لصفية وجعل عتقها صداقها فصارت بذلك زوجة وقلتم هذا خلاف ظاهر القرآن والحديث في غاية الصحة
الوجه الثامن والأربعون أنكم أخذتم بالحديث الضعيف الزائد على ما في القرآن وهو كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه فقلتم هذا يدل على وقوع طلاق المكره والسكران وتركتم السنة الصحيحة التي لا ريب في صحتها فيمن وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به وقلتم هو خلاف ظاهر القرآن بقوله ! < لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل > ! والعجب أن ظاهر القرآن مع الحديث متوافقان متطابقان فإن منع البائع من الوصول إلى الثمن وإلى عين ماله إطعام له بالباطل الغرماء فخالفتم ظاهر القرآن مع السنة الصحيحة الصريحة
الوجه التاسع والأربعون أنكم أخذتم بالحديث الضعيف وهو من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له ولم تقولوا هو زائد على القرآن في قوله ! < وأن ليس للإنسان إلا ما سعى > ! وتركتم الحديث الصحيح في بقاء الإحرام بعد الموت وأنه لا ينقطع به وقلتم هو خلاف ظاهر القرآن في قوله ! < هل تجزون إلا ما كنتم تعملون > ! وخلاف ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم إذا مات بن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاث
الوجه الخمسون رد السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في
328
وجوب الموالاة حيث أمر الذي ترك لمعة من قدمه بأن يعيد الوضوء والصلاة وقالوا هو زائد على كتاب الله ثم أخذوا بالحديث الضعيف الزائد على كتاب الله في أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة
الوجه الحادي والخمسون رد الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنه لا نكاح إلا بولي وأن من أنكحت نفسها فنكاحها باطل وقالوا هو زائد على كتاب الله فإن الله تعالى يقول ! < فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن > ! وقال ! < فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف > ! ثم أخذوا بالحديث الضعيف الزائد على القرآن قطعا في اشتراط الشهادة في صحة النكاح والعجب أنهم استدلوا على ذلك بقوله لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل ثم قالوا لا يفتقر إلى حضور الولي ولا عدالة الشاهدين
فهذا طرف من بيان تناقض من رد السنن بكونها زائدة على القرآن فتكون ناسخة فلا تقبل
الوجه الثاني والخمسون أنكم تجوزون الزيادة على القرآن بالقياس الذي أحسن أحواله أن يكون للأمة فيه قولان أحدهما أنه باطل مناف للدين والثاني أنه صحيح مؤخر عن الكتاب والسنة فهو في المرتبة الأخيرة ولا تختلفون في جواز إثبات حكم زائد على القرآن به فهلا قلتم إن ذلك يتضمن نسخ الكتاب بالقياس
فإن قيل قد دل القرآن على صحة القياس واعتباره وإثبات الأحكام به فما خرجنا عن موجب القرآن ولا زدنا على ما في القرآن إلا بما دلنا عليه القرآن
قيل فهلا قلتم مثل هذا سواء في السنة الزائدة على القرآن وكان قولكم ذلك في السنة أسعد وأصلح من القياس الذي هو محل آراء المجتهدين وعرضة
329
للخطأ بخلاف قول من ضمنت لنا العصمة في أقواله وفرض الله علينا اتباعه وطاعته
فإن قيل القياس بيان لمراد الله ورسوله من النصوص وأنه أريد بها إثبات الحكم في المذكور في نظيره وليس ذلك زائدا على القرآن بل تفسير له وتبيين
قيل فهلا قلتم إن السنة بيان لمراد الله من القرآن تفصيلا لما أجمله وتبيينا لما سكت عنه وتفسيرا لما أبهمه فإن الله سبحانه أمر بالعدل والإحسان والبر والتقوى ونهى عن الظلم والفواحش والعدوان والإثم وأباح لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث فكل ما جاءت به السنة فإنها تفصيل لهذا المأمور به والمنهى عنه والذي أحل لنا هو الذي حرم علينا
وهذا يتبين بالمثال التاسع عشر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في حديث النعمان بن بشير أن يعدل بين الأولاد في العطية فقال اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم وفي الحديث إني لا أشهد على جور فسماه جورا وقال إن هذا لا يصلح وقال أشهد على هذا غيري تهديدا له وإلا فمن الذي يطيب قلبه من المسلمين أن يشهد على ما حكم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه جور وأنه لا يصلح وأنه على خلاف تقوى الله وأنه خلاف العدل وهذا الحديث من تفاصيل العدل الذي أمر الله به في كتابه وقامت به السماوات والأرض وأسست عليه الشريعة فهو أشد موافقة للقرآن من كل قياس على وجه الأرض وهو محكم الدلالة غاية الإحكام فرد بالمتشابه من قوله كل أحد أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين فكونه أحق به يقتضى جواز تصرفه فيه كما يشاء وبقياس متشابه على إعطاء الأجانب ومن المعلوم بالضرورة أن هذا المتشابه من العموم والقياس لا يقاوم هذا المحكم المبين غاية البيان
330
المثال العشرون رد المحكم الصحيح الصريح في مسألة المصراة بالمتشابه من القياس وزعمهم أن هذا حديث يخالف الأصول فلا يقبل فيقال الأصول كتاب الله وسنة رسوله وإجماع أمته والقياس الصحيح الموافق للكتاب والسنة فالحديث الصحيح أصل بنفسه فكيف يقال الأصل يخالف نفسه هذا من أبطل الباطل والأصول في الحقيقة اثنان لا ثالث لهما كلام الله وكلام رسوله وما عداهما فمردود إليهما فالسنة أصل قائم بنفسه والقياس فرع فكيف يرد الأصل بالفرع قال الإمام أحمد إنما القياس أن تقيس على أصل فأما أن تجيء إلى الأصل فتهدمه ثم تقيس فعلى أي شيء تقيس وقد تقدم بيان موافقة حديث المصراة للقياس وإبطال قول من زعم أنه خلاف القياس وأنه ليس في الشريعة حكم يخالف القياس الصحيح وأما القياس الباطل فالشريعة كلها مخالفة له ويالله العجب كيف وافق الوضوء بالنبيذ المشتد للأصول حتى قبل وخالف خبر المصراة للأصول حتى رد
المثال الحادي والعشرون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في العرايا بالمتشابه من قوله التمر بالتمر مثلا بمثل سواء بسواء فإن هذا لا يتناول الرطب بالتمر
فإن قيل فأنتم رددتم خبر النهي عن بيع الرطب بالتمر مع أنه محكم صريح صحيح بحديث العرايا وهو متشابه
قيل فإذا كان عندكم محكما صحيحا فكيف رددتموه بالمتشابه من اشتراط المساواة بين التمر والتمر فلا بحديث النهي أخذتم ولا بحديث العرايا بل خالفتم الحديثين معا وأما نحن فأخذنا بالسنن الثلاثة وتركنا كل سنة على وجهها ومقتضاها ولم نضرب بعضها ببعض ولم نخالف شيئا منها فأخذنا بحديث النهي عن بيع التمر بالتمر متفاضلا وأخذنا بحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر مطلقا وأخذنا بحديث العرايا وخصصنا به عموم حديث النهي
331
عن بيع الرطب بالتمر اتباعا لسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها وإعمالا لأدلة الشرع جميعها فإنها كلها حق ولا يجوز ضرب الحق بعضه ببعض وإبطال بعضه ببعض والله الموفق
المثال الثاني والعشرون رد حديث القسامة الصحيح الصريح المحكم بالمتشابه من قوله لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه والذي شرع الحكم بالقسامة هو الذي شرع أن لا يعطى أحد بدعواه المجردة وكلا الأمرين حق من عند الله لا اختلاف فيه ولم يعط في القسامة بمجرد الدعوى وكيف يليق بمن بهرت حكمة شرعه العقول أن لا يعطى المدعي بمجرد دعواه عودا من أراك ثم يعطيه بدعوى مجردة دم أخيه المسلم وإنما أعطاه ذلك بالدليل الظاهر الذي يغلب على الظن صدقه فوق تغليب الشاهدين وهو اللوث والعداوة والقرينة الظاهرة من وجود العدو مقتولا في بيت عدوه فقوى الشارع الحكيم هذا السبب باستحلاف خمسين من أولياء القتيل الذين يبعد أو يستحيل اتفاقهم كلهم على رمي البريء بدم ليس منه بسبيل ولا يكون فيهم رجل رشيد يراقب الله ولو عرض على جميع العقلاء هذا الحكم والحكم بتحليف العدو الذي وجد القتيل في داره بأنه ما قتله لرأوا أن مابينهما من العدل كما بين السماء والأرض ولو سئل كل سليم الحاسة عن قاتل هذا لقال من وجد في داره والذي يقضي منه العجب أن يرى قتيل يتشحط في دمه وعدوه هارب بسكين ملطخة بالدم ويقال القول قوله فيستحلفه بالله ما قتله ويخلي سبيله ويقدم ذلك على أحسن الأحكام وأعدلها وألصقها بالعقول والفطر الذي لو اتفقت العقلاء لم يهتدوا لأحسن منه بل ولا لمثله وأين ما تضمنه الحكم بالقسامة من حفظ الدماء إلى ما تضمنه تحليف من لا يشك مع القرائن التي تفيد القطع أنه الجاني
نظير هذا إذا رأينا رجلا من أشراف الناس حاسر الرأس بغير عمامة وآخر
332
أمامه يشتد عدوا وفي يده عمامة وعلى رأسه أخرى فإنا ندفع العمامة التي بيده إلى حاسر الرأس ونقبل قوله ولا نقول لصاحب اليد القول قولك مع يمينك وقوله صلى الله عليه وسلم لو يعطى الناس بدعواهم لا يعارض القسامة بوجه فإنه إنما نفى الإعطاء بدعوى مجردة وقوله ولكن اليمين على المدعى عليه هو في مثل هذه الصورة حيث لا تكون مع المدعي إلا مجرد الدعوى وقد دل القرآن على رجم المرأة بلعان الزوج إذا نكلت وليس ذلك إقامة للحد بمجرد أيمان الزوج بل بها وبنكولها وهكذا في القسامة إنما يقبل فيها باللوث الظاهر والأيمان المتعددة المغلظة وهاتان بينتا هذين الموضعين والبينات تختلف بحسب حال المشهود به كما تقدم بأربعة شهود وثلاثة بالنص وإن خالفه من خالفه في بينة الإعسار واثنان وواحد ويمين ورجل وامرأتان ورجل واحد وامرأة واحدة وأربعة أيمان وخمسون يمينا ونكول وشهادة الحال ووصف المالك اللقطة وقيام القرائن والشبه الذي يخبر به القائف ومعاقد القمط ووجوه الآجر في الحائط وكونه معقودا ببناء أحدهما عند من يقول بذلك فالقسامة مع اللوث أقوى البينات
المثال الثالث والعشرون رد السنة الثابتة المحكمة في النهي عن بيع الرطب بالتمر بالمتشابه من قوله ! < وأحل الله البيع > ! وبالمتشابه من قياس في غاية الفساد وهو قولهم الرطب والتمر إما أن يكونا جنسين وإما أن يكونا جنسا واحدا وعلى التقديرين فلا يمنع بيع أحدهما بالآخر وأنت إذا نظرت إلى هذا القياس رأيته مصادما للسنة أعظم مصادمة ومع أنه فاسد في نفسه بل هما جنس واحد أحدهما أزيد من الآخر قطعا بلينته فهو أزيد أجزاء من الآخر بزيادة لا يمكن فصلها وتمييزها ولا يمكن أن يجعل في مقابلة تلك الأجزاء من الرطب ما يتساويان به عند الكمال إذ هو ظن وحسبان فكان المنع من بيع أحدهما بالآخر محض القياس لو لم تأت به سنة وحتى لو لم يكن ربا ولا القياس يقتضيه لكان أصلا
333
قائما بنفسه يجب التسليم والانقياد له كما يجب التسليم لسائر نصوصه المحكمة ومن العجب رد هذه السنة بدعوى أنها مخالفة للقياس والأصول وتحريم بيع الكسب بالسمسم ودعوى أن ذلك موافق للأصول فكل أحد يعلم أن جريان الربا بين التمر والرطب أقرب إلى الربا نصا وقياسا ومعقولا من جريانه بين الكسب والسمسم المثال الرابع والعشرون رد المحكم الصريح الصحيح من السنة بالإقراع بين الأعبد الستة الموصى بعتقهم وقالوا هذا خلاف الأصول بالمتشابه من رأي فاسد وقياس باطل بأنهم إما أن يكون كل واحد منهم قد استحق العتق فلا يجوز نقله عنه إلى غيره أو لم يستحقه فلا يجوز أن يعتق منهم أحد وهذا الرأي الباطل كما أنه في مصادمة السنة فهو فاسد في نفسه فإن العتق إنما استحق في ثلث ماله ليس إلا والقياس والأصول تقتضي جمع الثلث في محل واحد كما إذا أوصى بثلاثة دراهم وهي كل ماله فلم يجز الورثة فإنا ندفع إلى الموصى له درهما ولا نجعله شريكا بثلث كل درهم ونظائر ذلك فهذا المعتق لعبيده كأنه أوصى بعتق ثلثهم إذ هذا هو الذي يملكه وفيه صحت الوصية فالحكم بجمع الثلث في اثنين منهم أحسن عقلا وشرعا وفطرة من جعل الثلث شائعا في كل واحد منهم فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة خير من حكم غيره بالرأي المحض
المثال الخامس والعشرون رد السنة الصريحة المحكمة في تحريم الرجوع في الهبة لكل أحد إلا للوالد برأي متشابه فاسد اقتضى عكس السنة وأنه يجوز الرجوع في الهبة لكل أحد إلا لوالد أو لذي رحم محرم أو لزوج او زوجة أو يكون الواهب قد أثيب منها ففي هذه المواضع الأربعة يمتنع الرجوع وفرقوا بين الأجنبي والرحم بأن هبة القريب صلة ولا يجوز قطعها وهبة الأجنبي تبرع وله أن يمضيه وأن لا يمضيه وهذا مع كونه مصادما للسنة مصادمة محضة فهو فاسد لأن الموهوب له حين قبض العين الموهوبة دخلت في ملكة وجاز له التصرف فيها فرجوع الواهب فيها
334
انتزاع لملكة منه بغير رضاه وهذا باطل شرعا وعقلا وأما الوالد فولده جزء منه وهو وماله لأبيه وبينهما من البعضية ما يوجب شدة الاتصال بخلاف الأجنبي
فإن قيل لم نخالفه إلا بنص محكم صريح صحيح وهو حديث سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها قال البيهقي قال لنا أبو عبد الله يعني الحاكم هذا حديث صحيح إلا أن يكون الحمل فيه على شيخنا يريد أحمد بن إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي ورواه الحاكم من حديث عمرو بن دينار عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الواهب أحق بهبته ما لم يثب وفي كتاب الدارقطني من حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها وفي الغيلانيات ثنا محمد بن إبراهيم بن يحيى عن محمد بن عبد الله عن عطاء عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم من وهب هبة فارتجع بها فهو أحق بها ما لم يثب منها ولكنه كالكلب يعود في قيئه
فالجواب أن هذه الأحاديث لا تثبت ولو ثبتت لم تحل مخالفتها ووجب العمل بها وبحديث لا يحل لواهب أن يرجع في هبته ولا يبطل أحدهما بالآخر ويكون الواهب الذي لا يحل له الرجوع من وهب تبرعا محضا لا لأجل العوض والواهب الذي له الرجوع من وهب ليتعوض من هبته ويثاب منها فلم يفعل المتهب وتستعمل سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها ولا يضرب بعضها ببعض أما حديث بن عمر فقال الدارقطني لا يثبت مرفوعا والصواب عن بن عمر عن عمر قوله وقال البيهقي ورواه علي بن سهل بن المغيرة عن عبيد الله بن موسى ثنا حنظلة بن أبي سفيان قال سمعت سالم بن عبد الله فذكره وهو غير محفوظ بهذا الإسناد وإنما يروى عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وإبراهيم ضعيف انتهى وقال الدارقطني غلط فيه علي بن سهل انتهى وإبراهيم
335
بن إسماعيل هذا قال أبو نعيم لا يساوي حديثه فلسين وقال أبو حاتم الرازي لا يحتج به وقال يحيى بن معين إبراهيم بن إسماعيل المكي ليس بشيء وقال البيهقي والمحفوظ عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه عن عمر من وهب هبة فلم يثب منها فهو أحق بها إلا لذي رحم محرم قال البخاري هذا أصح وأما حديث عبيد الله بن موسى عن حنظلة فلا أراه إلا وهما وأما حديث حماد بن سلمة فمن رواية عبد الله بن جعفر الرقي عن بن المبارك وعبد الله هذا ضعيف عندهم وأما حديث بن عباس فمحمد بن عبد الله فيه هو العزرمي ولا تقوم به حجة قال الفلاس والنسائي هو متروك الحديث وفيه إبراهيم بن يحيى قال مالك ويحيى بن سعيد وبن معين هو كذاب وقال الدارقطني متروك الحديث فإن لم تصح هذه الأحاديث لم يلتفت إليها وإن صحت وجب حملها على من وهب للعوض وبالله التوفيق
المثال السادس والعشرون رد السنة المحكمة في القضاء بالقافة وقالوا هو خلاف الأصول ثم قالوا لو ادعاه اثنان ألحقناه بهما وكان هذا مقتضى الأصول
نظير هذا المثال السابع والعشرون رد السنة المحكمة الثابتة في جعل الأمة فراشا وإلحاق الولد بالسيد وإن لم يدعه وقالوا هو خلاف الأصول والأمة لا تكون فراشا ثم قالوا لو تزوجها وهو بأقصى بقعة من المشرق وهي بأقصى بقعة من المغرب وأتت بولد لستة أشهر لحقه وإن علمنا بأنهما لم يتلاقيا قط وهي فراش بالعقد فأمته التي يطؤها ليلا ونهارا ليست بفراش وهذه فراش وهذا مقتضى الأصول وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف الأصول على لازم قولهم
ونظير هذا قياس الحدث على السلام في الخروج من الصلاة بكل واحد
336
منهما ودعوى أن ذلك موجب الأصول مع بعد ما بين الحدث والسلام وترك قياس نبيذ التمر المسكر على عصير العنب المسكر في تحريم قليل كل منهما مع شدة الأخوة بينهما ودعوى أن ذلك خلاف الأصول
ونظيره أن الذمي لو منع دينارا واحدا من الجزية انتقض عهده وحل ماله ودمه ولو حرق الكعبة البيت الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاهر بسب الله ورسوله أقبح سب على رؤوس المسلمين فعهده باق ودمه معصوم وعدم النقض بذلك مقتضى الأصول والنقض بمنع الدينار مقتضى الأصول
ونظيره أيضا إباحة قراءة القرآن بالعجمية وأنه مقتضى الأصول ومنع رواية الحديث بالمعنى وهو خلاف الأصول
ونظيره إسقاط الحد عمن استأجر امرأة ليزني بها أو تغسل ثيابه فزنى بها وأن هذا مقتضى الأصول وإيجاب الحد على الأعمى إذا وجد على فراشه امرأة فظنها زوجته فبانت أجنبية
ونظيره أيضا منع المصلي من الصلاة بالوضوء من ماء يبلغ قناطير مقنطرة وقعت فيه قطرة دم أو بول وإباحتهم له أن يصلي في ثوب ربعه متلطخ بالبول وإن كان عذرة فقدر راحة الكف
ونظيره دعواهم أن الإيمان واحد والناس فيه سواء وهو مجرد التصديق وليست الأعمال داخلة في ماهيته وأن من مات ولم يصل صلاة قط في عمره مع قدرته وصحة جسمه وفراغه فهو مؤمن وتكفيرهم من يقول مسيجد أو فقيه بالتصغير أو يقول للخمر أو للسماع المحرم ما أطيبه وألذه
ونظير ذلك أنه لو شهد عليه أربعة بالزنى فقال صدقوا سقط عنه الحد بتصديقهم ولو قال كذبوا علي حد
337
ونظيره أنه لا يصح استئجار دار تجعل مسجدا يصلي فيه المسلمون وتصح إجارتها كنيسة يعبد فيها الصليب والنار
ونظيره أنه لو قهقه في صلاته بطل وضوءه ولو غنى في صلاته أو قذف المحصنات أو شهد بالزور فوضوءه بحاله
ونظيره أنه لو وقع في البئر فأرة تنجست البئر فإذا نزع منها دلو فالدلو والماء نجسان ثم هكذا إلى تمام كذا وكذا دلوا فإذا نزع الدلو الذي قبل الأخير فرشرش على حيطان البئر نجسها كلها فإذا جاءت النوبة إلى الدلو الأخير قشقش النجاسة كلها من البئر وحيطانها وطينها بعد أن كانت نجسة
ونظيره إنكار كون القرعة التي ثبت فيها ستة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها آيتان من كتاب الله طريقا للأحكام الشرعية وإثبات حل الوطء بشهادة الزور التي يعلم المقدوح أنها شهادة زور وبها فرق الشاهدان بين الرجل والمرأة
ونظير هذا إيجاب الاستبراء على السيد إذا ملك امرأة بكرا لا يوطأ مثلها مع القطع ببراءة رحمها وإسقاطه عمن أراد وطء الأمة التي وطئها سيدها البارحة ثم اشتراها هو فملكها لغيره ثم وكله في تزويجها منه فقالوا يحل له وطؤها وليس بين وطء بائعها ووطئه هو إلا ساعة من نهار
ونظير هذا في التناقض إباحة نكاح المخلوقة من ماء الزاني مع كونها بعضه مع تحريم المرضعة من لبن امرأته لكون اللبن ثاب بوطئه فقد صار فيه جزء منه فيالله العجب كيف انتهض هذا الجزء اليسير سببا للتحريم ثم يباح له وطؤها وهي جزؤه الحقيقي وسلالته وأين تشنيعكم وإنكاركم لاستمناء الرجل بيده عند الحاجة خوفا من العنت ثم تجوزون له وطء بنته المخلوقة من مائه حقيقة
ونظير هذا لو ادعى على ذمي حقا وأقام به شاهدين عبدين عالمين صالحين
338
مقبولة شهادتهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تقبل شهادتهما عليه فإن أقام به شاهدين كافرين حرين قبلت شهادتهما عليه مع كونهما من أكذب الخلق على الله وأنبيائه ودينه
ونظير هذا لو تداعيا حائطا لأحدهما عليه خشبتان وللآخر عليه ثلاث خشبات ولا بينة فهو كله لصاحب الخشبات الثلاث فلو كان لأحدهما ثلاث خشبات وللآخر مائة خشبة فهو بينهما نصفين
ونظير هذا لو اغتصب نصراني رجلا على ابنته أو امرأته أو حرمته وزنى بها ثم شدخ رأسها بحجر أو رمى بها من أعلى شاهق حتى ماتت فلا حد عليه ولا قصاص فلو قتله المسلم صاحب الحرمة بقصبة محددة قتل به
ونظير هذا أنه لو أكره على قتل ألف مسلم أو أكثر بسجن شهر وأخذ شيء من ماله فقتلهم فلا قود عليه ولا دية حتى إذا أكره بالقتل على عتق أمته أو طلاق زوجته لزمه حكم العتق والطلاق ولم يكن الإكراه مانعا من نفوذ حكمنا عليه مع أن الله سبحانه أباح التكلم بكلمة الكفر مع الإكراه ولم يبح قتل المسلم بالإكراه أبدا
ونظير هذا إبطال الصلاة بتسبيح من نابه شيء في صلاته وقد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وتصحيح صلاة من ركع ثم خر ساجدا من غير أن يقيم صلبه وقد أبطلها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في ركوعه وسجوده ودعوى أن ذلك مقتضى الأصول
نظيره أيضا إبطال الصلاة بالإشارة لرد السلام أو غيره وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته برد السلام وأشار الصحابة برءوسهم تارة وبأكفهم تارة وتصحيحها مع ترك الطمأنينة وقد أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ونفى الصلاة بدونها وأخبر أن صلاة النقر صلاة المنافقين وأخبر حذيفة أن من
339
صلى كذلك لقي الله على غير الفطرة التي فطر الله عليها رسوله صلى الله عليه وسلم وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من لا يتم ركوعه ولا سجوده أسوأ الناس سرقة وهذا يدل على أنه أسوأ حالا عند الله من سراق الأموال
ونظير هذا قولهم لو أن رجلا مسلما طاهر البدن عليه جنابة غمس يده في بئر بنية رفع الحدث صارت البئر كلها نجسة يحرم شرب مائها والوضوء منه والطبخ به فلو اغتسل فيها مائة نصراني قلف عابدو الصليب أو مائة يهودي فماؤها باق على حاله طاهر مطهر يجوز الوضوء منه وشربه والطبخ به
ونظيره لو ماتت فأرة في ماء فصب ذلك الماء في بئر لم ينزح منها إلا عشرون دلوا فقط وتطهر بذلك ولو توضأ رجل مسلم طاهر الأعضاء بماء فسقط ذلك الماء في البئر فلابد أن تنزح كلها
ونظير هذا قولهم لو عقد على أمه أو أخته أو بنته ووطئها وهو يعلم أن الله حرم ذلك فلا حد عليه لأن صورة العقد شبهة ولو رأى امرأة في الظلمة ظنها امرأته فوطئها فعليه الحد ولم يكن ذلك شبهة
ونظيره قولهم لو أنه رشا شاهدين فشهدا بالزور المحض أن فلانا طلق امرأته ففرق الحاكم بينهما جاز له أن يتزوجها ويطأها حلالا بل ويجوز لأحد الشاهدين ذلك فلو حكم حاكم بصحة هذا العقد لم يجز نقض حكمه ولو حكم حاكم بالشاهد واليمين لنقض حكمه وقد حكم به النبي صلى الله عليه وسلم
ونظير ذلك قولهم لو تزوج امرأة فخرجت مجنونة برصاء من قرنها إلى قدمها مجذومة عمياء مقطوعة الأطراف فلا خيار له وكذلك إذا وجدت هي الزوج كذلك فلا خيار لها وإن خرج الزوج من خيار عباد الله وأغناهم وأجملهم وأعلمهم وليس له أبوان في الإسلام وللزوجة أبوان في الإسلام فلها الفسخ بذلك
340
ونظيره قولهم يصح نكاح الشغار ويجب فيه مهر المثل وقد صح نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وتحريمه إياه ولا يصح نكاح من أعتق أمة وجعل عتقها صداقها وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم
ونظيره قولهم يصح نكاح التحليل وقد صح لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن فعله من رواية عبد الله بن مسعود وأبي هريرة وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة ولا يصح نكاح الأمة لمضطر خائف العنت عادم الطول إذا كانت تحته حرة ولو كانت عجوزا شوهاء لا تعفه
ونظيره قولهم يجوز بيع الكلب وقد منع منه النبي صلى الله عليه وسلم وتحريم بيع المدبر وقد باعه رسول الله صلى الله عليه وسلم
ونظيره قولهم للجار أن يمنع جاره أن يغرز خشبة هو محتاج إلى غرزها في حائطه وقد نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن منعه وتسليطهم إياه على انتزاع داره كلها منه بالشفعة بعد وقوع الحدود وتصريف الطرق وقد أبطلها النبي صلى الله عليه وسلم
ونظيره قولهم لا يحكم بالقسامة لأنها خلاف الأصول ثم قالوا يحلف الذين وجدوا القتيل في محلتهم ودارهم خمسين يمينا ثم يقضى عليهم بالدية فيالله العجب كيف كان هذا وفق الأصول وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف الأصول
ونظيره قولهم لو تزوج امرأة فقالت له امرأة أخرى أنا أرضعتك وزوجتك أو قال له رجل هذه أختك من الرضاعة جاز له تكذيبها ووطء الزوجة مع أن هذه هي الواقعة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن الحارث بفراق امرأته لأجل قول الأمة السوداء إنها أرضعتهما ولو اشترى طعاما أو ماء فقال له رجل هذا ذبيحة مجوسي أو نجس لم يسعه أن يتناوله مع أن الأصل في الطعام والماء الحل والأصل في الأبضاع التحريم ثم قالوا
341
لو قال المخبر هذا الطعام والشراب لفلان سرقه أو غصبه منه فلان وسعه أن يتناوله
ونظير هذا قولهم لو أسلم وتحته أختان وخيرناه فطلق إحداهما كانت هي المختارة والتي أمسكها هي المفارقة قالوا لأن الطلاق لا يكون إلا في زوجة وأصحاب أبي حنيفة تخلصوا من هذا بأنه إن عقد على الأختين في عقد واحد فسد نكاحهما واستأنف نكاح من شاء منهما وإن تزوج واحدة بعد واحدة فنكاح الأولى هو الصحيح ونكاح الثانية فاسد ولكن لزمهم نظيره في مسألة العبد إذا تزوج بدون إذن سيده كان موقوفا على إجازته فلو قال له طلقها طلاقا رجعيا كان ذلك إجازة منه للنكاح فلو قال له طلقها ولم يقل رجعيا لم يكن إجازة للنكاح مع ان الطلاق في هذا النكاح لا يكون رجعيا إلا بعد الإجازة وقبل الدخول وأما قبل الإجازة والدخول فلا ينقسم إلى بائن ورجعي
المثال الثامن والعشرون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح بكونها خلاف الأصول وبالمتشابه من نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس قالوا والعام عندنا يعارض الخاص فقد تعارض حاظر ومبيح فقدمنا الحاظر احتياطا فإنه يوجب عليه إعادة الصلاة وحديث الإتمام يجوز له المضي فيها وإذا تعارضا صرنا إلى النص الذي يوجب الإعادة لتتيقن براءة الذمة فيقال لا ريب أن قوله صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته حديث واحد قاله صلى الله عليه وسلم في وقت واحد وقد وجبت طاعته في شطره فتجب طاعته في الشطر الآخر وهو محكم خاص لا يحتمل إلا وجها واحدا لا يحتمل غيره البتة وحديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي عام
342
مجمل قد خص منه عصر يومه بالإجماع وخص منه قضاء الفائتة والمنسية بالنص وخص منه ذوات الأسباب بالسنة كما قضى النبي صلى الله عليه وسلم سنة الظهر بعد العصر وأقر من قضى سنة الفجر بعد صلاة الفجر وقد أعلمه أنها سنة الفجر وأمر من صلى في رحله ثم جاء مسجد جماعة ان يصلي معهم وتكون له نافلة وقاله في صلاة الفجر وهي سبب الحديث وأمر الداخل والإمام يخطب أن يصلي تحية المسجد قبل أن يجلس وأيضا فإن الأمر بإتمام الصلاة وقد طلعت الشمس فيها أمر بإتمام لا بابتداء والنهي عن الصلاة في ذلك الوقت نهي عن ابتدائها لا عن استدامتها فإنه لم يقل لا تتموا الصلاة في ذلك الوقت وإنما قال لا تصلوا وأين أحكام الابتداء من الدوام وقد فرق النص والإجماع والقياس بينهما فلا تؤخذ أحكام الدوام من أحكام الابتداء ولا أحكام الابتداء من أحكام الدوام في عامة مسائل الشريعة فالإحرام ينافي ابتداء النكاح والطيب دون استدامتهما والنكاح ينافي قيام العدة والردة دون استدامتهما والحدث ينافي ابتداء المسح على الخفين دون استدامته وزوال خوف العنت ينافي ابتداء النكاح على الأمة دون استدامته عند الجمهور والزنا من المرأة ينافي ابتداء عقد النكاح دون استدامته عند الإمام أحمد ومن وافقه والذهول عن نية العبادة ينافي ابتداءها دون استدامتها وفقد الكفاءة ينافي لزوم النكاح في الابتداء دون الدوام وحصول الغنى ينافي جواز الأخذ من الزكاة ابتداء ولا ينافيه دواما وحصول الحجر بالسفه والجنون ينافي ابتداء العقد من المحجور عليه ولا ينافي دوامه وطريان ما يمنع الشهادة من الفسق والكفر والعداوة بعد الحكم بها لا يمنع العمل بها على الدوام ويمنعه في الابتداء والقدرة على التكفير بالمال تمنع التكفير بالصوم ابتداء لا دواما والقدرة على هدي التمتع تمنع الانتقال إلى الصوم ابتداء لا دواما والقدرة على الماء تمنع ابتداء التيمم اتفاقا وفي منعه لاستدامة الصلاة بالتيمم خلاف بين أهل العلم ولا يجوز إجارة العين المغصوبة ممن لا يقدر على تخليصها ولو غصبها بعد العقد من لا يقدر
343
المستأجر على تخليصها منه لم تنفسخ الإجارة وخير المستأجر بين فسخ العقد وإمضائه ويمنع أهل الذمة من ابتداء إحداث كنيسة في دار الإسلام ولا يمنعون من استدامتها ولو حلف لا يتزوج ولا يتطيب أولا يتطهر فاستدام ذلك لم يحنث وإن ابتدأه حنث وأضعاف اضعاف ذلك من الأحكام التي يفرق فيها بين الابتداء والدوام فيحتاج في ابتدائها إلى ما لا يحتاج إليه في دوامها وذلك لقوة الدوام وثبوته واستقرار حكمه وأيضا فهو مستصحب بالأصل وأيضا فالدافع أسهل من الرافع وأيضا فأحكام التبع يثبت فيها مالا يثبت في المتبوعات والمستدام تابع لأصله الثابت فلو لم يكن في المسألة نص لكان القياس يقتضي صحة ما ورد به النص فكيف وقد توارد عليه النص والقياس
فقد تبين أنه لم يتعارض في هذه المسألة عام وخاص ولا نص وقياس بل النص فيها والقياس متفقان والنص للعام لا يتناول مورد الخاص ولا هو داخل تحت لفظه ولو قدر صلاحية لفظه له فالخاص بيان لعدم إرادته فلا يجوز تعطيل حكمه وإبطاله بل يتعين إعماله واعتباره ولا تضرب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض وهذه القاعدة أولى من القاعدة التي تتضمن إبطال إحدى السنتين وإلغاء أحد الدليلين والله الموفق
ثم نقول الصورة التي أبطلتم فيها الصلاة وهي حالة طلوع الشمس وخالفتم السنة أولى بالصحة من الصورة التي وافقتم فيها السنة فإنه إذا ابتدأ العصر قبل الغروب فقد ابتدأها في وقت نهي وهو وقت ناقص بل هو أولى الأوقات بالنقصان كما جعله النبي صلى الله عليه وسلم وقت صلاة المنافقين حين تصير الشمس بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار وإنما كان النهي عن الصلاة قبل ذلك الوقت حريما له وسدا للذريعة وهو بخلاف من ابتدأ الصلاة قبل طلوع الشمس فإن الكفار حينئذ لا يسجدون لها بل ينتظرون بسجودهم طلوعها فكيف يقال تبطل صلاة من ابتدأها في وقت تام لا يسجد فيه الكفار
344
للشمس وتصح صلاة من ابتدأها وقت سجود الكفار للشمس سواء وهو الوقت الذي تكون فيه بين قرني الشيطان فإنه حينئذ يقارنها ليقع السجود له كما يقارنها وقت الطلوع ليقع السجود له فإذا كان ابتداؤها وقت مقارنة الشيطان لها غير مانع من صحتها فلأن تكون استدامتها وقت مقارنة الشيطان غير مانع من الصحة بطريق الأولى والأخرى فإن كان في الدنيا قياس صحيح فهذا من أصحه فقد تبين ان الصورة التي خالفتم فيها النص أولى بالجواز قياسا من الصورة التي وافقتموه فيها
وهذا مما حصلته عن شيخ الإسلام قدس الله روحه وقت القراءة عليه وهذه كانت طريقته وإنما يقرر أن القياس الصحيح هو ما دل عليه النص وأن من خالف النص للقياس فقد وقع في مخالفة القياس والنص معا وبالله التوفيق
ومن العجب أنهم قالوا لو صلى ركعة من العصر ثم غربت الشمس صحت صلاته وكان مدركا لها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر وهذا شطر الحديث وشطره الثاني ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر
المثال التاسع والعشرون رد السنة الثابتة المحكمة الصريحة في دفع اللقطة إلى من وصف عفاصها ووعاءها ووكاءها وقالوا هو مخالف للأصول فكيف يعطي المدعي بدعواه من غير بينة ثم لم ينشبوا أن قالوا من ادعى لقيطا عند غيره ثم وصف علامات في بدنه فإنه يقضى له به بغير بينة ولم يروا ذلك خلاف الأصول وقالوا من ادعى خصيا ومعاقد قمطة من جهته قضى له به ولم يكن ذلك خلاف الأصول ومن ادعى حائطا ووجوه الآجر من جهته قضي له به ولم يكن ذلك خلاف الأصول ومن ادعى مالا على غيره فأنكر ونكل عن اليمين قضي له بدعواه ولم يكن ذلك خلاف الأصول وإذا ادعى الزوجان ما في البيت قضي لكل واحد منهما بما يناسبه ولم يكن ذلك خلاف الأصول
345
ونحن نقول ليس في الأصول ما يبطل الحكم بدفع اللقطة إلى واصفها البتة بل هو مقتضى الأصول فإن الظن المستفاد بوصفه أعظم من الظن المستفاد بمجرد النكول بل وبالشاهدين فوصفه بينة ظاهرة على صحة دعواه لا سيما ولم يعارضه معارض فلا يجوز إلغاء دليل صدقه مع عدم معارض أقوى منه فهذا خلاف الأصول حقا لا موجب السنة
المثال الثلاثون رد السنة الثابتة المحكمة الصريحة في صحة صلاة من تكلم فيها جاهلا أو ناسيا بأنها خلاف الأصول ثم قالوا من أكل في رمضان أو شرب ناسيا صح صومه مع اعترافهم بأن ذلك على خلاف الأصول والقياس لكن تبعنا فيه السنة فما الذي منعكم من تقديم السنة الأخرى على القياس والأصول كما قدمتم خبر القهقهة في الصلاة والوضوء بنبيذ التمر وآثار الآبار على القياس والأصول
المثال الحادي والثلاثون رد السنة الثابتة المحكمة في اشتراط البائع منفعة المبيع مدة معلومة بأنها خلاف الأصول ثم قالوا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع في الحال مع العلم بأنها لو قطعت لم تكن مالا ينتفع به ولا يساوي شيئا البتة ثم لهما أن يتفقا على بقائها إلى حين الكمال ودعوى أن ذلك موافق للأصول وهو عين ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم
المثال الثاني والثلاثون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تخيير النبي صلى الله عليه وسلم الولد بين أبويه وقالوا هو خلاف الأصول ثم قالوا إذا زوج الولي غير الأب الصغيرة صح وكان النكاح لازما فإذا بلغت انقلب جائزا وثبت لها الخيار بين الفسخ والإمضاء وهذا وفق الأصول فياللعجب أين في الأصول التي هي كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة المستند إلى الكتاب والسنة موافقة هذا الحكم للأصول ومخالفة حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخيير بين الأبوين للأصول
346
المثال الثالث والثلاثون رد السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في رجم الزانيين الكتابيين بأنها خلاف الأصول وسقوط الحد عمن عقد على أمه ووطئها وأن هذا هو مقتضى الأصول فياعجبا لهذه الأصول التي منعت إقامة الحد على من أقامه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسقطته عمن لم يسقطه عنه فإنه ثبت عنه أنه أرسل البراء بن عازب إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن يضرب عنقه ويأخذ ماله فوالله ما رضي له بحد الزاني حتى حكم عليه بضرب العنق وأخذ المال وهذا هو الحق المحض فإن جريمته أعظم من جريمة من زنى بامرأة أبيه من غير عقد فإن هذا ارتكب محظورا واحدا والعاقد عليها ضم إلى جريمة الوطء جريمة العقد الذي حرمه الله فانتهك حرمة شرعه بالعقد وحرمة أمه بالوطء ثم يقال الأصول تقتضي سقوط الحد عنه وكذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم اليهوديين هو من أعظم الأصول فكيف رد هذا الأصل العظيم بالرأي الفاسد ويقال أنه مقتضى الأصول
فإن قيل إنما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجم بما في التوراة إلزاما لهما بما اعتقدا صحته
قيل هب أن الأمر كذلك أفحكم بحق يجب اتباعه وموافقته وتحرم مخالفته أم بغير ذلك فاختاروا أحد الجوابين ثم اذهبوا إلى ما شئتم
المثال الرابع والثلاثون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الوفاء بالشروط في النكاح وإنها أحق الشروط بالوفاء على الإطلاق بأنها خلاف الأصول والأخذ بحديث النهي عن بيع وشرط الذي لا يعلم له إسناد يصح مع مخالفته للسنة الصحيحة والقياس ولانعقاد الإجماع على خلافه ودعوى أنه موافق للأصول
أما مخالفته للسنة الصحيحة فإن جابرا باع بعيره وشرط ركوبه إلى المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم قال من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه
347
المبتاع فجعله للمشتري بالشرط الزائد على عقد البيع وقال من باع ثمرة قد أبرت فهي للبائع إلا أن يشترطها المبتاع فهذا بيع وشرط ثابت بالسنة الصحيحة الصريحة
وأما مخالفته للإجماع فالأمة مجمعة على جواز اشتراط الرهن والكفيل والضمين والتأجيل والخيار ثلاثة أيام ونقد غير نقد البلد فهذا بيع وشرط متفق عليه فكيف يجعل النهي عن بيع وشرط موافقا للأصول وشروط النكاح التي هي أحق الشروط بالوفاء مخالفة للأصول
المثال الخامس والثلاثون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في دفع الأرض بالثلث والربع مزارعة بأنها خلاف الأصول والأخذ بالحديث الذي لا يثبت بوجه أنه نهى عن قفيز الطحان وهو أن يدفع حنطته إلى من يطحنها بقفيز منها أو غزلة إلى من ينسجه ثوبا بجزء منه أو زيتونة إلى من يعصره بجزء منه ونحو ذلك مما لا غرر فيه ولا خطر ولا قمار ولا جهالة ولا أكل مال بالباطل بل هو نظير دفع ماله إلى من يتجر فيه بجزء من الربح بل أولى فإنه قد لا يربح المال فيذهب عمله مجانا وهذا لا يذهب عمله مجانا فإنه يطحن الحب ويعصر الزيتون ويحصل على جزء منه يكون به شريكا لمالكه فهو أولى بالجواز من المضاربة فكيف يكون المنع منه موافقا للأصول والمزارعة التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون خلاف الأصول
المثال السادس والثلاثون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة التي رواها بضعة وعشرون صحابيا في أن المدينة حرم يحرم صيدها ودعوى أن ذلك خلاف الأصول ومعارضتها بالمتشابه من قوله صلى الله عليه وسلم يا أبا عمير ما فعل النغير ويالله العجب أي الأصول التي خالفتها هذه السنن وهي من أعظم الأصول فهلا رد حديث أبي عمير لمخالفته هذه الأصول ونحن نقول معاذ الله
348
أن نرد لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة صحيحة غير معلومة النسخ أبدا وحديث أبي عمير يحتمل أربعة أوجه قد ذهب إلى كل منها طائفة أحدها أن يكون متقدما على أحاديث تحريم المدينة فيكون منسوخا الثاني أن يكون متأخرا عنها معارضا لها فيكون ناسخا الثالث أن يكون النغير مما صيد خارج المدينة ثم أدخل المدينة كما هو الغالب من الصيود الرابع أن يكون رخصة لذلك الصغير دون غيره كما رخص لأبي بردة في التضحية بالعناق دون غيره فهو متشابه كما ترى فكيف يجعل أصلا يقدم على تلك النصوص الكثيرة المحكمة الصريحة التي لا تحتمل إلا وجها واحدا
المثال السابع والثلاثون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير نصاب المعشرات بخمسة أوسق بالمتشابه من قوله فيما سقت السماء العشر وما سقي بنضح أو غرب فنصف العشر قالوا وهذا يعم القليل والكثير وقد عارضه الخاص ودلالة العام قطعية كالخاص وإذا تعارضا قدم الأحوط وهو الوجوب فيقال يجب العمل بكلا الحديثين ولا يجوز معارضة أحدهما بالآخر وإلغاء أحدهما بالكلية فإن طاعة الرسول فرض في هذا وفي هذا ولا تعارض بينهما بحمد الله بوجه من الوجوه فإن قوله فيما سقت السماء العشر إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وما يجب فيه نصفه فذكر النوعين مفرقا بينهما في مقدار الواجب وأما مقدار النصاب فسكت عنه في هذا الحديث وبينه نصا في الحديث الآخر فكيف يجوز العدول عن النص الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير ما دل عليه البتة إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يتعلق فيه بعموم لم يقصد وبيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصها من النصوص ويالله العجب كيف يخصون عموم القرآن والسنة بالقياس الذي أحسن أحواله أن يكون مختلفا في الاحتجاج به وهو محل اشتباه واضطراب
349
إذ ما من قياس إلا وتمكن معارضته بقياس مثله أو دونه أو أقوى منه بخلاف السنة الصحيحة الصريحة فإنها لا يعارضها إلا سنة ناسخة معلومة التأخر والمخالفة ثم يقال إذا خصصتم عموم قوله فيما سقت السماء العشر بالقصب والحشيش ولا ذكر لهما في النص فهلا خصصتموه بقوله لا زكاة في حب ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق وإذا كنتم تخصون العموم بالقياس فهلا خصصتم هذا العام بالقياس الجلي الذي هو من أجلى القياس وأصحه على سائر أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة فإن الزكاة الخاصة لم يشرعها الله ورسوله في مال إلا وجعل له نصابا كالمواشي والذهب والفضة ويقال أيضا فهلا أوجبتم الزكاة في قليل كل مال وكثيره عملا بقوله تعالى ! < خذ من أموالهم صدقة > ! وبقوله صلى الله عليه وسلم ما من صاحب إبل ولا بقر لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر وبقوله ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا صفحت له يوم القيامة صفائح من نار وهلا كان هذا العموم عندكم مقدما على أحاديث النصب الخاصة وهلا قلتم هناك تعارض مسقط وموجب فقدمنا الموجب احتياطا وهذا في غاية الوضوح وبالله التوفيق
المثال الثامن والثلاثون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز النكاح بما قل من المهر ولو خاتما من حديد مع موافقتها لعموم القرآن في قوله ! < أن تبتغوا بأموالكم > ! وللقياس في جواز التراضي بالمعاوضة على القليل والكثير بأثر لا يثبت وقياس من أفسد القياس على قطع يد السارق وأين النكاح من اللصوصية وأين استباحة الفرج به من قطع اليد في السرقة وقد تقدم مرارا أن أصح الناس قياسا أهل الحديث وكلما كان الرجل إلى الحديث أقرب كان قياسه أصح وكلما كان عن الحديث أبعد كان قياسه أفسد
المثال التاسع والثلاثون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة فيمن أسلم وتحته
350
أختان أنه يخير في إمساك من شاء منهما وترك الأخرى بأنه خلاف الأصول وقالوا قياس الأصول يقتضي أنه إن نكح واحدة بعد واحدة فنكاح الثانية هو المردود ونكاح الأولى هو الصحيح من غير تخيير وإن نكحهما معا فنكاحهما باطل ولا تخيير وكذلك حديث من أسلم على عشر نسوة وربما أولوا التخيير بتخييره في ابتداء العقد على من شاء من المنكوحات ولفظ الحديث يأبى هذا التأويل أشد الإباء فإنه قال أمسك أربعا وفارق سائرهن رواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان أسلم فذكره قال مسلم هكذا روى معمر هذا الحديث بالبصرة فإن رواه عنه ثقة خارج البصريين حكمنا له بالصحة أو قال صار الحديث صحيحا وإلا فالإرسال أولى قال البيهقي فوجدنا سفيان بن سعيد الثوري وعبد الرحمن بن محمد المحاربي وعيسى بن يونس وثلاثتهم كوفيون حدثوا به عن معمر متصلا وهكذا روي عن يحيى بن أبي كثير وهو يماني وعن الفضل بن موسى وهو خراساني عن معمر متصلا عن النبي صلى الله عليه وسلم فصح الحديث بذلك وقد روى عن أيوب السختياني عن نافع وسالم عن بن عمر متصلا قال أبو علي الحافظ تفرد به سوار بن محيشر عن أيوب وسوار بصري ثقة قال الحاكم رواة هذا الحديث كلهم ثقات تقوم الحجة بروايتهم وقد روى أبو داود عن فيروز الديلمي قال قلت يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان قال طلق أيتهما شئت
فهذان الحديثان هما الأصول التي نرد ما خالفها من القياس أما أن نقعد قاعدة ونقول هذا هو الأصل ثم نرد السنة لأجل مخالفة تلك القاعدة فلعمر الله لهدم ألف قاعدة لم يؤصلها الله ورسوله أفرض علينا من رد حديث واحد وهذه القاعدة معلومة البطلان من الدين فإن أنكحه الكفار لم يتعرض لها صلى الله عليه وسلم كيف وقعت وهل صادفت الشروط المعتبرة في الإسلام فتصح أم لم تصادفها فتبطل وإنما اعتبر حالها وقت إسلام الزوج فإن كان ممن يجوز له المقام مع امرأته أقرهما ولو كان في الجاهلية قد وقع على غير شرطه من الولي والشهود وغير ذلك
351
وإن لم يكن الآن ممن يجوز له الاستمرار لم يقر عليه كما لو أسلم وتحته ذات رحم محرم أو أختان أو أكثر من أربع فهذا هو الأصل الذي أصلته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما خالفه فلا يلتفت إليه والله الموفق
المثال الأربعون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يفرق بين من أسلم وبين امرأته إذا لم تسلم معه بل متى أسلم الآخر فالنكاح بحاله ما لم تتزوج هذه سنته المعلومة قال الشافعي أسلم أبو سفيان بن حرب بمر الظهران وهي دار خزاعة وخزاعة مسلمون قبل الفتح وفي دار الإسلام ورجع إلى مكة وهند بنت عتبة مقيمة على غير الإسلام فأخذت بلحيته وقالت اقتلوا الشيخ الضال ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة وقد كانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار الإسلام وأبو سفيان بها مسلم وهند كافرة ثم أسلمت قبل انقضاء العدة واستقرا على النكاح لأن عدتها لم تنقض حتى أسلمت وكان كذلك حكيم بن حزام وإسلامه وأسلمت امرأة صفوان بن أمية وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة وصارت دارهما دار الإسلام وظهر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وهرب عكرمة إلى اليمن وهي دار حرب وصفوان يريد اليمن وهي دار حرب ثم رجع صفوان إلى مكة وهي دار الإسلام وشهد حنينا وهو كافر ثم أسلم فاستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول وذلك أنه لم تنقض عدتها
وقد حفظ أهل العلم بالمغازي أن امرأة من الأنصار كانت عند رجل بمكة فأسلمت وهاجرت إلى المدينة فقدم زوجها وهي في العدة فاستقرا على النكاح قال الزهري لم يبلغني أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها وإنه لم يبلغنا أن امرأة فرق بينها وبين زوجها إذا قدم وهي في عدتها
352
وفي صحيح البخاري عن بن عباس قال كان المشركون على منزلتين من النبي صلى الله عليه وسلم أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه وأهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حل لها النكاح فإن هاجرت قبل أن تنكح ردت إليه
وفي سنن أبي داود عن بن عباس قال رد رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يحدث شيئا بعد ست سنين وفي لفظ لأحمد ولم يحدث شهادة ولا صداقا وعند الترمذي ولم يحدث نكاحا قال الترمذي هذا حديث حسن ليس بإسناده بأس وقد روى بإسناد ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها على أبي العاص بنكاح جديد قال الترمذي في إسناده مقال وقال الإمام أحمد وهذا حديث ضعيف والصحيح أنه أقرهما على النكاح الأول وقال الدارقطني هذا حديث لا يثبت والصواب حديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها بالنكاح الأول وقال الترمذي في كتاب العلل له سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال حديث بن عباس في هذا الباب أصح من حديث عمرو بن شعيب فكيف تجعل هذا الحديث الضعيف أصلا ترد به السنة الصحيحة المعلومة ويجعل خلاف الأصول
فإن قيل إنما جعلناها خلاف الأصول لقوله تعالى ! < لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن > ! وقوله ! < ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك > ! وقوله ! < ولا تمسكوا بعصم الكوافر > ! ولأن اختلاف الدين مانع من ابتداء النكاح فكان مانعا من دوامه كالرضاع
353
قيل لا تخالف السنة شيئا من هذه الأصول إلا هذا القياس الفاسد فإن هذه الأصول إنما دلت على تحريم نكاح الكافر ابتداء والكافرة غير الكتابيين وهذا حق لا خلاف فيه بين الأمة ولكن أين في هذه الأصول ما يوجب تعجل الفرقة بالإسلام وأن لا تتوقف على انقضاء العدة ومعلوم أن افتراقهما في الدين سبب لافتراقهما في النكاح ولكن توقف السبب على وجود شرطه وانتفاء مانعه لا يخرجه عن السببية فإذا وجد الشرط وانتفى المانع عمل عمله واقتضى أثره والقرآن إنما دل على السببية والسنة دلت على شرط السبب ومانعه كسائر الأسباب التي فصلت السنة شروطها وموانعها كقوله ! < وأحل لكم ما وراء ذلكم > ! وقوله ! < فانكحوا ما طاب لكم من النساء > ! وقوله ! < فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره > ! وقوله ! < والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا > ! ونظائر ذلك فلا يجوز أن يجعل بيان الشروط والموانع معارضة لبيان الأسباب والموجبات فتعود السنة كلها أو أكثرها معارضة للقرآن وهذا محال
المثال الحادي والأربعون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة بأن ذكاة الجنين ذكاة أمه بأنها خلاف الأصول وهو تحريم الميتة فيقال الذي جاء على لسانه تحريم الميتة هو الذي أباح الأجنة المذكورة فلو قدر أنها ميتة لكان استثناؤها بمنزلة استثناء السمك والجراد من الميتة فكيف وليست بميتة فإنها جزء من أجزاء الأم والذكاة قد أتت على جميع أجزائها فلا يحتاج أن يفرد كل جزء منها بذكاة والجنين تابع للأم جزء منها فهذا هو مقتضى الأصول الصحيحة ولو لم ترد السنة بالإباحة فكيف وقد وردت بالإباحة الموافقة للقياس والأصول
فإن قيل فالحديث حجة عليكم فإنه قال ذكاة الجنين ذكاة امه
354
والمراد التشبيه أي ذكاته كذكاة امه وهذا يدل على أنه لا يباح إلا بذكاة تشبه ذكاة الأم
قيل هذا السؤال شقيق قول القائل كلمة تكفي العاقل فلو تأملتم الحديث لمتستحسنوا إيراد هذا السؤال فإن لفظ الحديث هكذا عن أبي سعيد قال قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة وفي بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله قال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه فأباح لهم أكله معللا بأن ذكاة الأم ذكاة له فقد اتفق النص والأصل والقياس ولله الحمد
المثال الثاني والأربعون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في إشعار الهدي بأنها خلاف الأصول إذ الإشعار مثله ولعمر الله أن هذه السنة خلاف الأصول الباطلة وما ضرها ذلك شيئا والمثلة المحرمة هي العدوان الذي لا يكون عقوبة ولا تعظيما لشعائر الله فأما شق صفحة سنام البعير المستحب أو الواجب ذبحه ليسيل دمه قليلا فيظهر شعار الإسلام وإقامة هذه السنة التي هي من أحب الأشياء إلى الله فعلى وفق الأصول وأي كتاب أو سنة حرم ذلك حتى يكون خلافا للأصول
وقياس الإشعار على المثلة المحرمة من أفسد قياس على وجه الأرض فإنه قياس ما يحبه الله ويرضاه على ما يبغضه ويسخطه وينهى عنه ولو لم يكن في حكمة الإشعار إلا تعظيم شعائر الله وإظهارها وعلم الناس بأن هذه قرابين الله عز وجل تساق إلى بيته تذبح له ويتقرب بها إليه عند بيته كما يتقرب إليه بالصلاة إلى بيته عكس ما عليه أعداؤه المشركون الذين يذبحون لأربابهم ويصلون لها فشرع لأوليائه وأهل توحيده أن يكون نسكهم وصلاتهم لله وحده وأن يظهروا شعائر توحيده غاية الإظهار ليعلوا دينه على كل دين فهذه هي الأصول الصحيحة التي جاءت السنة بالإشعار على وفقها ولله الحمد
355
المثال الثالث والأربعون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو أن امرءا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح متفق عليه وفي أفراد مسلم من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد اطلع رجل من جحر في حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه مدرى يحك بها رأسه فقال لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل النظر وفي صحيح مسلم عن أنس أن رجلا اطلع من بعض حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه بمشقص أو بمشاقص قال وكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يختله ليطعنه وفي سنن البيهقي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من اطلع على قوم بغير إذنهم فرموه فأصابوا عينه فلا دية له ولا قصاص
فردت هذه السنن بأنها خلاف الأصول فإن الله إنما أباح قلع العين بالعين لا بجناية النظر ولهذا لو جنى عليه بلسانه لم يقطع ولو استمع عليه بأذنه لم يجز أن يقطع أذنه
فيقال بل هذه السنن من أعظم الأصول فما خالفها فهو خلاف الأصول وقولكم إنما شرع الله سبحانه أخذ العين بالعين فهذا حق في القصاص وأما العضو الجاني المتعدي الذي لا يمكن دفع ضرره وعدوانه إلا برميه فإن الآية لا تتناوله نفيا ولا إثباتا والسنة جاءت ببيان حكمه بيانا ابتدائيا لما سكت عنه القرآن لا مخالفا لما حكم به القرآن وهذا اسم آخر غير فقء العين قصاصا وغير دفع الصائل الذي يدفع بالأسهل فالأسهل إذ المقصود دفع ضرر صياله فإذا اندفع بالعصا لم يدفع بالسيف وأما هذا المتعدي بالنظر المحرم الذي لا يمكن الاحتراز منه فإنه إنما يقع على وجه الاختفاء والختل فهو قسم آخر غير الجاني وغير الصائل الذي لم يتحقق عدوانه ولا يقع هذا
356
غالبا إلا على وجه الاختفاء وعدم مشاهدة غير الناظر إليه فلو كلف المنظور إليه إقامة البينة على جنايته لتعذرت عليه ولو أمر بدفعه بالأسهل فالأسهل ذهبت جناية عدوانه بالنظر إليه وإلى حريمه هدرا والشريعة الكاملة تأبى هذا وهذا فكان أحسن ما يمكن وأصلحه وأكفه لنا وللجاني ما جاءت به السنة التي لا معارض لها ولا دافع لصحتها من خذف ما هنالك وإن لم يكن هناك بصر عاد لم يضر خذف الحصاة وإن كان هنالك بصر عاد لا يلومن إلا نفسه فهو الذي عرضه صاحبه للتلف فأدناه إلى الهلاك والخاذف ليس بظالم له والناظر خائن ظالم والشريعة أكمل وأجل من أن تضيع حق هذا الذي قد هتكت حرمته وتحيله في الانتصار على التعزير بعد إقامة البينة فحكم الله فيه بما شرعه على لسان رسوله ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون
المثال الرابع والأربعون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وضع الجوائح بأنها خلاف الأصول كما في صحيح مسلم عن جابر يرفعه لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك بغير حق وروى سفيان بن عيينة عن حميد عن سليمان عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين وأمر بوضع الجوائح فقالوا هذه خلاف الأصول فإن المشتري قد ملك الثمرة وملك التصرف فيها وتم نقل الملك إليه ولو ربح فيها كان الربح له فكيف تكون من ضمان البائع
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقوا عليه فتصدقوا عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك وروى مالك عن أبي الرجال عن أمه عمرة أنه سمعها تقول ابتاع رجل ثمر حائط في زمن رسول الله
357
صلى الله عليه وسلم فعالجه وأقام عليه حتى تبين له النقصان فسأل رب الحائط أن يضع عنه فحلف لا يفعل فذهبت أم المشتري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تألى أن لا يفعل خيرا فسمع بذلك رب المال فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هو له
والجواب أن وضع الجوائح لا يخالف شيئا من الأصول الصحيحة بل هو مقتضى أصول الشريعة ونحن بحمد الله نبين هذا بمقامين أما الأول فحديث وضع الجوائح لا يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا وهو أصل بنفسه فيجب قبوله وأما ما ذكرتم من القياس فيكفي في فساده شهادة النص له بالإهدار كيف وهو فاسد في نفسه وهذا يتبين بالمقام الثاني وهو أن وضع الجوائح كما هو موافق للسنة الصحيحة الصريحة فهو مقتضى القياس الصحيح فإن المشتري لم يتسلم الثمرة ولم يقبضها القبض التام الذي يوجب نقل الضمان إليه فإن قبض كل شيء بحسبه وقبض الثمار إنما يكون عند كمال إدراكها شيئا فشيئا فهو كقبض المنافع في الإجارة وتسليم الشجرة إليه كتسليم العين المؤجرة من الأرض والعقار والحيوان وعلق البائع لم تنقطع عن المبيع فإن له سقي الأصل وتعاهده كما لم تنقطع علق المؤجر عن العين المستأجرة والمشتري لم يتسلم التسليم التام كما لم يتسلم المستأجر التسليم التام فإذا جاء أمر غالب اجتاح الثمرة من غير تفريط من المشتري لم يحل للبائع إلزامه بثمن ما أتلفه الله سبحانه منها قبل تمكنه من قبضها القبض المعتاد وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق فذكرالحكم وهو قوله ! < ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا > ! وعلة الحكم وهو قوله أرأيت إن منع الله الثمرة إلى آخره وهذا الحكم نص لا يحتمل التأويل والتعليل وصف مناسب لا يقبل الإلغاء ولا المعارضة وقياس الأصول لا يقتضي غير ذلك ولهذا لو تمكن
358
من القبض المعتاد في وقته ثم أخره لتفريط منه أو لانتظار غلاء السعر كان التلف من ضمانه ولم توضع عنه الجائحة
وأما معارضة هذه السنة بحديث الذي أصيب في ثمار ابتاعها فمن باب رد المحكم بالمتشابه فإنه ليس فيه أنه أصيب فيها بجائحة فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامة بل لعله أصيب فيها بانحطاط سعرها وإن قدر أن المصيبة كانت جائحة فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامة بل لعلها جائحة خاصة كسرقة اللصوص التي يمكن الاحتراز منها ومثل هذا لا يكون جائحة تسقط الثمن عن المشتري بخلاف نهب الجيوش والتلف بآفة سماوية وإن قدر أن الجائحة عامة فليس في الحديث ما يبين أن التلف لم يكن بتفريطه في التأخير ولو قدر أن التلف لم يكن بتفريطه فليس فيه أنه طلب الفسخ وأن توضع عنه الجائحة بل لعله رضي بالمبيع ولم يطلب الوضع والحق في ذلك له إن شاء طلبه وإن شاء تركه فأين في الحديث أنه طلب ذلك وأن النبي صلى الله عليه وسلم منع منه ولا يتم الدليل إلا بثبوت المقدمتين فكيف يعارض نص قوله الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير معنى واحد وهو نص فيه بهذا الحديث المتشابه ثم قوله فيه ليس لكم فيه إلا ذلك دليل على أنه لم يبق لبائعي الثمار في ذمة المشتري غير ما أخذه وعندكم المال كله في ذمته فالحديث حجة عليكم
وأما المعارضة بخبر مالك فمن أبطل المعارضات وأفسدها فأين فيه أنه أصابته جائحة بوجه ما وإنما فيه أنه عالجه وأقام عليه حتى تبين له النقصانومثل هذا لا يكون سببا لوضع الثمن وبالله التوفيق
المثال الخامس والأربعون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الإعادة على من صلى خلف الصف وحده كما في المسند بإسناد صحيح وصحيحي بن حبان وبن خزيمة عن علي بن شيبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف فوقف حتى انصرف الرجل فقال له استقبل
359
صلاتك فلا صلاة لفرد خلف الصف وفي السنن وصحيحي بن حبان وبن خزيمة عن وابصة بن معبد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد صلاته وفي مسند الإمام أحمد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل صلى وحده خلف الصف قال يعيد صلاته فردت هذه السنن المحكمة بأنها خلاف الأصول ولعمر الله إنها هي محض الأصول وما خالفها فهو خلاف الأصول وردت بالمتشابه من حديث بن عباس حيث أحرم عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم فأداره إلى يمينه ولم يأمره باستقبال الصلاة وهذا من أفسد الرد فإنه لا يشترط أن تكون تكبيرة الإحرام من المأمومين في حال واحد بل لو كبر أحدهم وحده ثم كبر الآخر بعده صحت القدوة ولم يكن السابق فذا وإن أحرم وحده فالاعتبار بالمصافة فيما تدرك به الركعة وهو الركوع وأفسد من هذا الرد رد الحديث بأن الإمام يقف فذا وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل وأعظم في صدور أهلها أن تعارض بهذا وأمثاله وأقبح من هذه المعارضة معارضتها بأن المرأة تقف خلف الصف وحدها فإن هذا هو موقفها المشروع بل الواجب كما أن موقف الإمام المشروع أن يكون وحده أمام الصف وأما موقف الفذ خلف الصف فلم يشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم البتة بل شرع الأمر بإعادة الصلاة لمن وقف فيه وأخبر أنه لا صلاة له
فإن قيل فهب أن هذه المعارضات لم يسلم منها شيء فما تصنعون بحديث أبي بكرة حين ركع دون الصف ثم مشى راكعا حتى دخل في الصف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم زادك الله حرصا ولا تعد ولم يأمره بإعادة الصلاة وقد وقعت منه تلك الركعة فذا
قيل نقبله على الرأس والعينين وتمسك قوله صلى الله عليه وسلم لا تعمد
360
فلو فعل أحد ذلك غير عالم بالنهي لقلنا له كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء فإن عاد بعد علمه بالنهي فإما أن يجتمع مع الإمام في الركوع وهو في الصف أو لا فإن جامعه في الركوع وهو في الصف صحت صلاته لأنه أدرك الركعة وهو غير فذ كما لو أدركها قائما وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل في الصف فقد قيل تصح صلاته وقيل لا تصح له تلك الركعة ويكون فذا فيها والطائفتان احتجوا بحديث أبي بكرة والتحقيق أنه قضية عين يحتمل دخوله في الصف قبل رفع الإمام ويحتمل أنه لم يدخل فيه حتى رفع الإمام وحكاية الفعل لا عموم لها فلا يمكن أن يحتج بها على الصورتين فهي إذا مجملة متشابهة فلا يترك لها النص المحكم الصريح فهذا مقتضى الأصول نصا وقياسا وبالله التوفيق
المثال السادس والأربعون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز الأذان للفجر قبل دخول وقتها كما في الصحيحين من حديث سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان بن أم مكتوم وفي صحيح مسلم عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى ينفجر الفجر وهو في الصحيحين من حديث بن مسعود ولفظه لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو قال ينادي بليل ليرجع قائمكم وينتبه نائمكم قال مالك لم تزل الصبح ينادى لها قبل الفجر فردت هذه السنة لمخالفتها الأصول والقياس على سائر الصلوات وبحديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن بن عمر أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي ألا إن العبد نام ألا إن العبد نام فرجع فنادى ألا إن العبد نام ولا ترد السنة الصحيحة بمثل ذلك فإنها أصل بنفسها وقياس وقت الفجر على غيره من الأوقات لو لم يكن فيه إلا مصادمته للسنة لكفى
361
في رده فكيف والفرق قد أشار إليه صلى الله عليه وسلم وهو ما في النداء قبل الوقت من المصلحة والحكمة التي لا تكون في غير الفجر وإذا اختص وقتها بأمر لا يكون في سائر الصلوات امتنع الإلحاق
وأما حديث حماد عن أيوب فحديث معلول عند أئمة الحديث لا تقوم به حجة قال أبو داود لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة وقال إسحاق بن إبراهيم بن حبيب سألت عليا وهو بن المديني عن حديث أيوب عن نافع عن بن عمر أن بلالا أذن بليل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ارجع فناد إن العبد نام فقال هو عندي خطأ لم يتابع حماد بن سلمة على هذا إنما روى أن بلالا كان ينادي بليل قال البيهقي قد تابعه سعيد بن رزين وهو ضعيف وأما حماد بن سلمة فإنه أحد أئمة المسلمين حتى قال الإمام أحمد إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة فاتهمه فإنه كان شديدا على أهل البدع قال البيهقي إلا أنه لما طعن في السن ساء حفظه فلذلك ترك البخاري الاحتجاج بحديثه وأما مسلم فاجتهد في أمره وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ أكثر من اثني عشر حديثا أخرجها في الشواهد دون الاحتجاج به وإذا كان الأمر كذلك فالاحتياط لمن راقب الله عز وجل أن لا يحتج بما يجد من حديثه مخالفا لأحاديث الثقات الأثبات وهذا الحديث من جملتها
ثم ذكر من طريق الدارقطني عن معمر عن أيوب قال أذن بلال مرة بليل قال الدارقطني هذا مرسل ثم ذكر من طريق إبراهيم وعبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة عن عبد العزيز بن أبي رواد عن بن عمر أن بلالا قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما حملك على ذلك قال استيقظت وأنا وسنان فظننت أن الفجر قد طلع فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادي في المدينة ألا إن العبد قد نام وأقعده إلى جانبه حتى طلع الفجر ثم قال
362
هكذا رواه إبراهيم عن عبد العزيز وخالفه شعيب بن حرب فقال عن عبد العزيز عن نافع عن مؤذن لعمر يقال له مسروح أنه أذن قبل الصبح فأمره عمر أن ينادي ألا إن العبد قد نام قال أبو داود ورواه حماد بن زيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع أو غيره أن مؤذنا لعمر يقال له مسروح أو غيره ورواه الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر كان لعمر مؤذن يقال له مسعود فذكر نحوه قال أبو داود وهذا أصح من ذلك يعني حديث عمر أصح قال البيهقي وروى من وجه آخر عن عبد العزيز موصولا ولا يصح رواه عامر بن مدرك عنه عن نافع عن بن عمر أن بلالا أذن قبل الفجر فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن ينادي إن العبد نام فوجد بلال وجدا شديدا
قال الدارقطني وهم فيه عامر بن مدرك والصواب عن شعيب بن حرب عن عبد العزيز عن نافع عن مؤذن عمر عن عمر من قوله وروى عن أنس بن مالك ولا يصح وروى عن أبي يوسف القاضي عن بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس أن بلالا أذن قبل الفجر فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصعد فينادي ألا إن العبد نام ففعل وقال ليت بلالا لم تلده أمه وابتل من نضح جبينه قال الدارقطني تفرد به أبو يوسف عن سعيد يعني موصولا وغيره يرسله عن سعيد عن قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم والمرسل أصح ورواه الدارقطني من طريق محمد بن القاسم الأسدي ثنا الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس ثم قال محمد بن القاسم الأسدي ضعيف جدا وقال البخاري كذبه الإمام أحمد وروى عن حميد بن هلال أن بلالا أذن ليلة بسواد فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى مقامه فينادي إن العبد نام ورواه إسماعيل بن مسلم عن حميد عن أبي قتادة وحميد لم يلق أبا قتادة فهو مرسل بكل حال وروى عن شداد مولى عياض قال جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر فقال لا تؤذن حتى
363
يطلع الفجر وهذا مرسل قال أبو داود شداد مولى عياض لم يدرك بلالا
وروى الحسن بن عمارة عن طلحة بن مصرف عن سويد بن غفلة عن بلال قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أؤذن حتى يطلع الفجر وعن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال مثله ولم يروه هكذا غير الحسن بن عمارة وهو متروك ورواه الحجاج بن أرطاة عن طلحة وزبيد عن سويد بن غفلة أن بلالا لم يؤذن حتى ينشق الفجر هكذا رواه لم يذكر فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم وكلاهما ضعيفان
وروى عن سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال لا تؤذن وجمع سفيان أصابعه الثلاث لا تؤذن حتى يقول الفجر هكذا وصف سفيان بين السبابتين ثم فرق بينهما قال وروينا عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن بن مسعود ما دل على أذان بلال بليل وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر معاني تأذينه بالليل وذلك اولى بالقبول لأنه موصول وهذا مرسل
وروى عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن الأسود قال قالت لي عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوتر من الليل رجع إلى فراشه فإذا أذن بلال قام فكان بلال يؤذن إذا طلع الفجر فإن كان جنبا اغتسل وإن لم يكن توضأ ثم صلى ركعتين وروى الثوري عن أبي إسحاق في هذا الحديث قال ما كان المؤذن يؤذن حتى يطلع الفجر
وروى شعبة عن أبي إسحاق عن الأسود سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل قالت كان ينام أول الليل فإذا كان السحر أوى ثم يأتي فراشه فإن كانت له حاجة إلى أهله ألم بهم ثم ينام فإذا سمع النداء وربما قالت الأذان وثب وربما قالت قام فإذا كان جنبا أفاض عليه الماء وربما قالت اغتسل وإن لم يكن جنبا توضأ ثم خرج للصلاة وقال زهير بن معاوية عن أبي إسحاق في هذا الحديث فإذا كان عند النداء الأول وثب
364
قال البيهقي وفي روايته ورواية شعبة كالدليل على أن هذا النداء كان قبل طلوع الفجر وهي موافقة لرواية القاسم عن عائشة وذلك أولى من رواية من خالفها
وروى عن عبد الكريم عن نافع عن بن عمر عن حفصة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أذن المؤذن صلى الركعتين ثم خرج إلى المسجد وحرم الطعام وكان لا يؤذن إلا بعد الفجر قال البيهقي هكذا في هذه الرواية وهو محمول إن صح على الأذان الثاني والصحيح عن نافع بغير هذا اللفظ ورواه مالك عن نافع عن بن عمر عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة والحديث في الصحيحين
فإن قيل عمدتكم في هذا إنما هو على حديث بلال ولا يمكن الاحتجاج به فإنه قد اضطرب الرواة فيه هل كان المؤذن بلالا أو بن أم مكتوم وليست إحدى الروايتين أولى من الأخرى فتتساقطان فروى شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن قال سمعت عمتي أنيسة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن بن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال رواة البيهقي وبن حبان في صحيحه
فالجواب أن هذا الحديث قد رواه بن عمر وعائشة وبن مسعود وسمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن بلالا يؤذن بليل وهذا الذي رواه صاحبا الصحيح ولم يختلف عليهم في ذلك وأما حديث أنيسة فاختلف عليها في ثلاثة أوجه أحدها كذلك رواه محمد بن أيوب عن أبي الوليد وبن عمر عن شعبة الثاني كحديث عائشة وبن عمر إن بلالا يؤذن بليل هكذا رواه محمد بن يونس الكديمي عن أبي الوليد عن شعبة وكذلك رواه أبو داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق عن شعبة الثالث روى على الشك إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بن أم مكتوم او قال بن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال كذلك رواه سليمان بن حرب وجماعة والصواب
365
رواية أبي داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق لموافقتها لحديث بن عمر وعائشة وأما رواية أبي الوليد وبن عمر فمما انقلب فيها لفظ الحديث وقد عارضها رواية الشك ورواية الجزم بأن المؤذن بليل هو بلال وهو الصواب بلا شك فإن بن أم مكتوم كان ضرير البصر ولم يكن له علم بالفجر فكان إذا قيل له طلع الفجر أذن وأما ما ادعاه بعض الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الأذان نوبا بين بلال وبن أم مكتوم وكان كل منهما في نوبته يؤذن بليل فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يأكلواويشربوا حتى يؤذن الآخر فهذا كلام باطل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجئ في ذلك أثر قط لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل ولكن هذه طريقة من يجعل غلط الرواة شريعة ويحملها على السنة وخبر بن مسعود وبن عمر وعائشة وسمرة الذي لم يختلف عليهم فيه أولى بالصحة والله أعلم المثال السابع والأربعون رد السنة الصحيحة الصريحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة على القبر كما في الصحيحين من حديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر منبوذ فصفهم وتقدم فكبر عليه أربعا وفيهما من حديث أبي هريرة أنه صلى على قبر امرأة سوداء كانت تقم المسجد وفي صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة بعد ما دفنت وفي سنن البيهقي والدارقطني عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر بعد شهر وفيهما عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ميت بعد ثلاث وفي جامع الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أم سعد بعد شهر فردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها وهذا حديث صحيح والذي قاله هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي صلى على القبر فهذا قوله وهذا فعله ولا يناقض أحدهما الآخر فإن الصلاة المنهي عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر فهذه صلاة الجنازة على الميت التي لا تختص بمكان بل فعلها في غير
366
المسجد أفضل من فعلها فيه فالصلاة عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه فإنه المقصود بالصلاة في الموضعين ولا فرق بين كونه على النعش وعلى الأرض وبين كونه في بطنها بخلاف سائر الصلوات فإنها لم تشرع في القبور ولا إليها لأنها ذريعة إلى اتخاذها مساجد وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك فأين ما لعن فاعله وحذر منه وأخبر أن أهله شرار الخلق كما قال إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم احياءوالذين يتخذون القبور مساجد إلى ما فعله صلى الله عليه وسلم مرارا متكررا وبالله التوفيق
المثال الثامن والأربعون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في النهي عن الجلوس على فراش الحرير كما في صحيح البخاري من حديث حذيفة نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن الحرير والديباج وأن نجلس عليه وقال هو لهم في الدنيا ولنا في الآخرة ولو لم يأت هذا النص لكان النهي عن لبسه متناولا لافتراشه كما هو متناول للالتحاف به وذلك لبس لغة وشرعا كما قال أنس قمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس ولو لم يأت اللفظ العام المتناول لافتراشه بالنهي لكان القياس المحض موجبا لتحريمه إما قياس المثل أو قياس الأولى فقد دل على تحريم الافتراش النص الخاص واللفظ العام والقياس الصحيح ولا يجوز رد ذلك كله بالمتشابه من قوله ! < خلق لكم ما في الأرض جميعا > ! ومن القياس على ما إذا كان الحرير بطانة الفراش دون ظهارته فإن الحكم في ذلك التحريم على أصح القولين والفرق على القول الآخر مباشرة الحرير وعدمها كحشو الفراش به فإن صح الفرق بطل القياس وإن بطل الفرق منع الحكم
وقد تمسك بعموم النهي عن افتراش الحرير طائفة من الفقهاء فحرموه على الرجال والنساء وهذه طريقة الخراسانيين من أصحاب الشافعي وقابلهم من
367
أباحه للنوعين والصواب التفصيل وأن من أبيح له لبسه أبيح له افتراشه ومن حرم عليه حرم عليه وهذا قول الأكثرين وهي طريقة العراقيين من الشافعية
المثال التاسع والأربعون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في خرص الثمار في الزكاة والعرايا وغيرها إذا بدا صلاحها كما رواه الشافعي عن عبد الله بن نافع عن محمد بن صالح التمار عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في زكاة الكرم يخرص كما يخرص النخل ثم تؤدى زكاته زبيبا كما تؤدى زكاة النخل تمرا وبهذا الإسناد بعينه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث من يخرص على الناس كرومهم وثمارهم وقال أبو داود الطيالسي ثنا شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن قال سمعت عبد الرحمن بن مسعود بن نيار يقول أتانا سهل بن أبي حثمة إلى مجلسنا فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا خرصتم فدعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ورواه أبو داود في السنن وروى فيها أيضا عن عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه ثم يخير يهود فيأخذونه بذلك الخرص أم يدفعونه إليهم بذلك الخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق وروى الشافعي عن مالك عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليهود خيبر أقركم على ما أقركم الله على أن التمر بيننا وبينكم قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص عليهم ثم يقول إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي وكانوا يأخذونه وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرص حديقة المرأة وهو ذاهب إلى تبوك وقال لأصحابه اخرصوها فخرصوها بعشرة أوسق فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا المرأة عن الحديقة فقالت بلغ عشرة أوسق وفي الصحيحين من حديث زيد بن ثابت
368
رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها تمرا وصح عن عمر بن الخطاب أنه بعث سهل بن أبي حثمة على خرص التمر وقال إذا أتيت أرضا فأخرصها ودع لهم قدر ما يأكلون فردت هذه السنن كلها بقوله تعالى ! < إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه > ! قالوا والخرص من باب القمار والميسر فيكون تحريمه ناسخا لهذه الآثار وهذا من أبطل الباطل فإن الفرق بين القمار والميسر والخرص المشروع كالفرق بين البيع والربا والميتة والمذكى وقد نزه الله رسوله وأصحابه عن تعاطي القمار وعن شرعه وعن إدخاله في الدين ويالله العجب أكان المسلمون يقامرون إلى زمن خيبر ثم استمروا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين ثم انقضى عصر الصحابة وعصر التابعين على القمار ولا يعرفون أن الخرص قمار حتى بينه بعض فقهاء الكوفة وهذا والله الباطل حقا والله الموفق
المثال الخمسون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في صفة صلاة الكسوف وتكرار الركوع في كل ركعة كحديث عائشة وبن عباس وجابر وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري كلهم روى عن النبي صلى الله عليه وسلم تكرار الركوع في الركعة الواحدة فردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال كنت يوما أرمي بأسهم وأنا بالمدينة فانكسفت الشمس فجمعت أسهمي وقلت لأنظرن ماذا أحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم في كسوف الشمس فكنت خلف ظهره فجعل يسبح ويكبر ويدعو حتى حسر عنها فصلى ركعتين وقرأ بسورتين رواه مسلم في صحيحه وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة قال انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين وهذا لا يناقض رواية من روى أنه ركع في كل ركعة ركوعين فهي ركعتان وتعدد ركوعهما كما يسميان سجدتين مع تعدد سجودهما كما قال بن عمر حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها وكثيرا ما يجيء في السنن إطلاق السجدتين على الركعتين فسنة رسول الله
369
صلى الله عليه وسلم يصدق بعضها بعضا لا سيما والذين رووا تكرار الركوع أكثر عددا وأجل وأخص برسول الله صلى الله عليه وسلم من الذين لم يذكروه
فإن قيل ففي حديث أبي بكرة فصلى ركعتين نحوا مما تصلون وهذا صريح في إفراد الركوع
قيل هذا الحديث رواه شعبة عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي بكرة دون الزيادة المذكورة وهو الذي رواه البخاري في صحيحه وزاد إسماعيل بن علية هذه الزيادة فإن رجحنا بالحفظ والإتقان فشعبة شعبة وإن قبلنا الزيادة فرواية من زاد في كل ركعة ركوعا آخر زائدة على رواية من روى ركوعا واحدا فتكون أولى
فإن قيل فما تصنعون بالسنة المحكمة الصريحة من رواية سمرة بن جندب والنعمان بن بشير وعبد الله بن عمرو أنه صلاها ركعتين كل ركعة بركوع واحد وبحديث قبيصة الهلالي عنه صلى الله عليه وسلم وإذا رأيتم ذلك فصلوها كإحدى صلاة صليتموها من المكتوبة وهذه الأحاديث في المسند وسنن النسائي وغيرهما
قيل الجواب من ثلاثة أوجه أحدها أن أحاديث تكرار الركوع أصح إسنادا وأسلم من العلة والاضطراب لا سيما حديث عبد الله بن عمرو فإن الذي في الصحيحين عنه أنه قال كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي أن الصلاة جامعة فركع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين في سجدة ثم قام فركع ركعتين في سجدة ثم جلس حتى جلي عن الشمس فهذا أصح وأصرح من حديث كل ركعة بركوع فلم يبق إلا حديث سمرة بن جندب والنعمان بن بشير وليس منهما شيء في الصحيح الثاني أن رواتها من الصحابة أكبر وأكثر وأحفظ وأجل من سمرة والنعمان بن بشير فلا ترد روايتهم بها الثالث أنها متضمنة لزيادة فيجب الأخذ بها وبالله التوفيق
370
المثال الحادي والخمسون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الجهر في صلاة الكسوف كما في صحيح البخاري من حديث الأوزاعي عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ قراءة طويلة يجهر بها في صلاة الكسوف قال البخاري تابعه سليمان بن كثير وسفيان بن حسين عن الزهري
قلت أما حديث سليمان بن كثير ففي مسند أبي داود الطيالسي حدثنا سليمان بن كثير عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة في صلاة الكسوف وقد تابعه عبد الرحمن بن نمر عن الزهري وهو في الصحيحين أنه سمع بن شهاب يحدث عن عروة عن عائشة كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ان الصلاة جامعة فاجتمع الناس فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر وافتتح القرآن وقرأ قراءة طويلة يجهر بها فذكر الحديث قال البخاري حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة قلت يريد قول سمرة صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كسوف لم نسمع له صوتا وهو أصرح منه بلا شك وقد تضمن زيادة الجهر فهذه ثلاث ترجيحات
والذي ردت به هذه السنة المحكمة هو المتشابه من قول بن عباس أنه صلى الكسوف فقرأ نحوا من سورة البقرة قالوا فلو سمع ما قرأ لم يقدره بسورة البقرة وهذا يحتمل وجوها أحدها أنه لم يجهر الثاني أنه جهر ولم يسمعه بن عباس الثالث أنه سمع ولم يحفظ ما قرأ به فقدره بسورة البقرة فإن بن عباس لم يجمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وإنما جمعه بعده الرابع أن يكون نسي ما قرأ به وحفظ قدر قراءته فقدرها بالبقرة ونحن نرى الرجل ينسى ما قرأ به الإمام في صلاة يومه فكيف يقدم هذا اللفظ المجمل على الصريح المحكم الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا
ومن العجب أن أنسا روى ترك جهر النبي صلى الله عليه وسلم ببسم الله الرحمن الرحيم ولم يصح عن صحابي خلافه فقلتم كان صغيرا يصلي خلف
371
الصفوف فلم يسمع البسملة وبن عباس أصغر سنا منه بلا شك وقدمتم عدم سماعه للجهر على من سمعه صريحا فهلا قلتم كان صغيرا فلعله صلى خلف الصف فلم يسمعه جهر
وأعجب من هذا قولكم إن أنسا كان صغيرا لم يسمع تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك حجا وعمرة وقدمتم قول بن عمر عليه أنه أفرد الحج وأنس إذ ذاك له عشرون سنة وبن عمر لم يستكملها وهو بسن أنس وقوله أفرد الحج مجمل وقول أنس سمعته يقول لبيك عمرة وحجا محكم مبين صريح لا يحتمل غير ما يدل عليه وقد قال بن عمر تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج وبدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فقدمتم على حديث أنس الصحيح الصريح المحكم الذي لم يختلف عليه فيه حديثا ليس مثله في الصراحة والبيان ولم يذكر رواية لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وقد اختلف عليه فيه
المثال الثاني والخمسون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الاكتفاء في بول الغلام الذي لم يطعم بالنضح دون الغسل كما في الصحيحين عن أم قيس أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فبال عليه فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فنضحه ولم يغسله
وفي الصحيحين أيضا عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم فأتى بصبي فبال عليه فدعا بماء فأتبعه ولم يغسله وفي سنن أبي داود عن أمامة بنت الحارث قالت كان الحسين بن علي عليهما السلام في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فبال عليه فقالت البس ثوبا وأعطني إزارك حتى أغسله فقال إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من
372
بول الذكر وفي المسند وغيره عن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بول الغلام الرضيع ينضح وبول الجارية يغسل قال قتادة هذا ما لم يطعما فإذا طعما غسلا جميعا قال الحاكم أبو عبد الله هذا حديث صحيح الإسناد فإن أبا الأسود الدؤلي صح سماعه عن علي عليه السلام وقال الترمذي حديث حسن وفي سنن أبي داود من حديث أبو السمح خادم النبي صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام وفي المسند من حديث أم كرز الخزاعية قالت أتى النبي صلى الله عليه وسلم بغلام فبال عليه فأمر به فنضح وأتى بجارية فبالت عليه فأمر به فغسل وعند بن ماجه عن أم كرز الخزاعية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بول الغلام ينضح وبول الجارية يغسل وصح الإفتاء بذلك عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة وأم سلمة ولم يأت عن صحابي خلافهما فردت هذه السنن بقياس متشابه على بول الشيخ وبعموم لم يرد به هذا الخاص وهو قوله إنما يغسل الثوب من أربع من البول والغائط والمني والدم والقيء والحديث لا يثبت فإنه من رواية علي بن زيد بن جدعان عن ثابت بن حماد قال بن عدي لا أعلم رواه عن علي بن زيد غير ثابت بن حماد وأحاديثه مناكير ومعلولات ولو صح وجب العمل بالحديثين ولا يضرب أحدهما بالآخر ويكون البول فيه مخصوصا ببول الصبي كما خص منه بول ما يؤكل لحمه بأحاديث دون هذه في الصحة والشهرة
المثال الثالث والخمسون رد السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في
373
الوتر بواحدة مفصولة كما في الصحيحين عن بن عمر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى وفي الصحيحين أيضا من حديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة وفي صحيح مسلم عن أبي مجلز قال سألت بن عباس عن الوتر فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ركعة من آخر الليل وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم فإذا صلى القاعد ركعتين وجب بهذا النص أن تعدل صلاة القائم ركعة فلو لم تصح لكانت صلاة القاعد أتم من صلاة القائم والاعتماد على الأحاديث المتقدمة وصح الوتر بواحدة مفصولة عن عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبي أيوب ومعاوية بن أبي سفيان
وقال الحاكم أبو عبد الله ثنا عبد الله بن سليمان ثنا أحمد بن صالح ثنا عبد الله بن وهب عن سليمان بن بلال عن صالح بن كيسان عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا توتروا بثلاث تشبهوا بالمغرب أوتروا بخمس أو سبع رواه بن حبان والحاكم في صحيحيهما وقال الحاكم رواته كلهم ثقات وله شاهد آخر بإسناد صحيح ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا طاهر بن عمرو بن الربيع بن طارق ثنا بن أبي الليث ثنا يزيد بن أبي حبيب عن عراك بن مالك عن أبي هريرة فذكر مثله سواء وزاد أوتروا بخمس أو سبع أو تسع أو بإحدى عشرة ركعة أو أكثر من ذلك
فردت هذه السنن بحديثين باطلين وقياس فاسد أحدهما نهي عن البتراء وهذا لا يعرف له إسناد لا صحيح ولا ضعيف وليس في شيء من كتب الحديث المعتمد عليها ولو صح فالبتراء صفة للصلاة التي قد بتر ركوعها وسجودها فلم يطمئن
374
فيها الثاني حديث يروى عن بن مسعود مرفوعا وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب وهذا الحديث وإن كان أصح من الأول فإنه في سنن الدارقطني فهو من رواية يحيى بن زكريا قال الدارقطني يقال له بن أبي الحواجب ضعيف ولم يروه عن الأعمش مرفوعا غيره ورواه الثوري في الجامع وغيره عن الأعمش موقوفا على بن مسعود وهو الصواب
وأما القياس الفاسد فهو أن قالوا رأينا المغرب وتر النهار وصلاة الوتر وتر الليل وقد شرع الله سبحانه وتر النهار موصولا فهكذا وتر الليل وقد صحت السنة بالفرق بين الوترين من وجوه كثيرة أحدها الجمع بين الجهر والسر في وتر النهار دون وتر الليل الثاني وجوب الجماعة أو مشروعيتها فيه دون وتر الليل الثالث أنه صلى الله عليه وسلم فعل وتر الليل على الراحلة دون وتر النهار الرابع أنه قال في وتر الليل إنه ركعة واحدة دون وتر النهار الخامس أنه أوتر بتسع وخمس موصولة دون وتر النهار السادس أنه نهى عن تشبيه وتر الليل بوتر النهار كما تقدم السابع أن وتر الليل اسم للركعة وحدها ووتر النهار اسم لمجموع صلاة المغرب كما في صحيح مسلم من حديث بن عمر وبن عباس أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الوتر ركعة من آخر الليل الثامن أن وتر النهار فرض ووتر الليل ليس بفرض باتفاق الناس التاسع أن وتر النهار يقضى بالاتفاق وأما وتر الليل فلم يقم على قضائه دليل فإن المقصود منه قد فات فهو كتحية المسجد ورفع اليدين في محل الرفع والقنوت إذا فات وقد توقف الإمام أحمد في قضاء الوتر وقال شيخنا لا يقضى لفوات المقصود منه بفوات وقته قال وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا منعه من قيام الليل نوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة ولم يذكر الوتر العاشر أن المقصود من وتر الليل جعل ما تقدمه من الأشفاع كلها وترا وليس المقصود منه إيتار الشفع الذي يليه خاصة وكان الأقيس ما جاءت به السنة أن يكون ركعة مفردة توتر جميع ما قبلها وبالله التوفيق
375
المثال الرابع والخمسون رد السنة الصحيحة الصريحة أنه لا يجوز التنفل إذا أقيمت صلاة الفرض كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة وقال الإمام أحمد في روايته إلا التي أقيمت وفي الصحيحين عن عبد الله بن مالك بن بحينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لاث به الناس وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح أربعا الصبح أربعا وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن سرجس قال دخل رجل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح فصلى ركعتين قبل أن يصل إلى الصف فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له يا فلان بأي صلاتيك اعتددت بالتي صليت وحدك أو بالتي صليت معنا وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل فكلمه بشيء لا ندري ما هو فلما انصرف أحطنا به نقول ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال لي يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعا وعند مسلم أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي والمؤذن يقيم الصلاة فقال أتصلي الصبح أربعا وقال أبو داود الطيالسي في مسنده ثنا أبو عامر الخراز عن بن مليكة عن بن عباس قال كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة فجذبني النبي صلى الله عليه وسلم فقال أتصلي الصبح أربعا وكان عمر بن الخطاب إذا رأى رجلا يصلي وهو يسمع الإقامة ضربه وقال حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن بن عمر أنه أبصر رجلا يصلي الركعتين والمؤذن يقيم فحصبه وقال أتصلي الصبح أربعا
فردت هذه السنن كلها بما رواه حجاج بن نصر المتروك عن عباد بن كثير الهالك عن ليث عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة وزاد إلا ركعتي الصبح فهذه الزيادة كاسمها زيادة في الحديث لا أصل لها
376
فإن قيل فقد كان أبو الدرداء يدخل المسجد والناس صفوف في صلاة الفجر فيصلي الركعتين في ناحية المسجد ثم يدخل مع القوم في الصلاة وكان بن مسعود يخرج من داره لصلاة الفجر ثم يأتي الصلاة فيصلي ركعتين في ناحية المسجد ثم يدخل معهم في الصلاة
قيل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله في مقابلة أبي الدرداء وبن مسعود والسنة سالمة لا معارض لها ومعها أصح قياس يكون فإن وقتها يضيق بالإقامة فلم يقبل غيرها بحيث لا يجوز لمن حضر أن يؤخرها ويصليها بعد ذلك والله الموفق
المثال الخامس والخمسون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في استحباب صلاة النساء جماعة لا منفردات كما في المسند والسنن من حديث عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزورها في بيتها وجعل لها مؤذنا كان يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها قال عبد الرحمن فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا وقال الوليد بن جميل حدثتني جدتي عن أم ورقة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أو أذن لها ان تؤم أهل دارها وكانت قد قرأت القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الإمام أحمد ثنا وكيع ثنا سفيان عن ميسرة أبي حازم عن رائطة الحنفية ان عائشة امت نسوة في المكتوبة فأمتهن بينهن وسطا تابعه ليث عن عطاء عن عائشة وروى الشافعي عن أم سلمة أنها أمت نساء فقامت وسطهن ولو لم يكن في المسألة إلا عموم قوله صلى الله عليه وسلم تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة لكفى وروى البيهقي من حديث يحيى بن يحيى أنا بن لهيعة عن الوليد بن أبي الوليد عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا خير في جماعة النساء إلا في صلاة أو جنازة والاعتماد على ما تقدم فردت هذه السنن بالمتشابه من قوله صلى الله عليه وسلم لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة
377
وهذا إنما هو في الولاية والإمامة العظمى والقضاء وأما الرواية والشهادة والفتيا والإمامة فلا تدخل في هذا ومن العجب أن من خالف هذه السنة جوز للمرأة أن تكون قاضية تلي أمور المسلمين فكيف أفلحوا وهي حاكمة عليهم ولم يفلح أخواتها من النساء إذا أمتهن
المثال السادس والخمسون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي رواها عنه خمسة عشر نفسا من الصحابة أنه كان يسلم في الصلاة عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله منهم عبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وجابر بن سمرة وأبو موسى الأشعري وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمر والبراء بن عازب ووائل بن حجر وأبو مالك الأشعري وعدي بن عميرة الضمري وطلق بن علي وأوس بن أوس وأبو رمثة والأحاديث بذلك ما بين صحيح وحسن فرد ذلك بخمسة أحاديث مختلف في صحتها
أحدها حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمه واحدة رواه الترمذي
والثاني حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن مصعب بن ثابت عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم في آخر الصلاة تسليمة واحدة السلام عليكم
الثالث حديث عبد المهيمن بن عباس عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم تسليمة واحدة لا يزيد عليها رواه الدارقطني
الرابع حديث عطاء بن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن عن سمرة بن جندب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم مرة واحدة في الصلاة قبل وجهه فإذا سلم عن يمينه سلم عن يساره رواه الدارقطني
الخامس حديث يحيى بن راشد عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم مرة واحدة وهذه الأحاديث لا تقاوم تلك ولا تقاربها حتى تعارض بها
378
أما حديث عائشة فحديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث قال البخاري زهير بن محمد من أهل الشام يروي مناكير وقال يحيى ضعيف والحديث من رواية عمرو بن أبي سلمة عنه قال الطحاوي هو وإن كان ثقة فإن رواية عمرو بن أبي سلمة عنه تضعف جدا وهكذا قال يحيى بن معين فيما حكي لي عنه غير واحد من أصحابنا منهم على بن عبد الرحمن بن المغيرة وزعم أن فيها تخليطا كثيرا قال والحديث أصله موقوف على عائشة هكذا رواه الحفاظ
فإن قيل فإذا ثبت ذلك عن عائشة فبمن نعارضها في ذلك من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
قيل له بأبي بكر وعمر وعلي بن أبي طالب عليهم السلام وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسهل بن سعد الساعدي وذكر الأسانيد عنهم بذلك ثم قال فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعلي وبن مسعود وعمار ومن ذكرنا معهم يسلمون عن أيمانهم وعن شمائلهم ولا ينكر ذلك عليهم غيرهم على قرب عهدهم برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظهم لأفعاله فما ينبغي لأحد خلافه لو لم يكن روى في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف وقد روى عنه ما يوافق فعلهم
وأما حديث سعد بن أبي وقاص فحديث معلول بل باطل والدليل على بطلانه أن الذي رواه هكذا الدراوردي خاصة وقد خالف في ذلك جميع من رواه عن مصعب بن ثابت كعبد الله بن المبارك ومحمد بن عمرو ثم قد رواه إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن سعد كما رواه الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده وعن يساره حتى يرى بياض خده رواه مسلم في صحيحه فقد صح رواية سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
379
سلم تسليمتين ومعه من ذكرنا من الصحابة وبان بذلك بطلان رواية الدراوردي
وأما حديث عبد المهيمن بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده فقال الدارقطني عبد المهيمن ليس بالقوي وقال بن حبان بطل الاحتجاج به
وأما حديث عطاء بن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن فمن رواية روح ابنه عنه قال الإمام أحمد منكر الحديث وتركه يحيى
وأما حديث يحيى بن راشد عن يزيد مولى سلمة فقال يحيى بن معين يحيى بن راشد ليس بشيءوقال النسائي ضعيف وقال أبو عمر بن عبد البر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسلم تسليمة واحدة من حديث سعد بن أبي وقاص ومن حديث عائشة ومن حديث أنس إلا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث لأن حديث سعد أخطأ فيه الدراوردي فرواه على غير ما رواه الناس بتسليمة واحدة وغيره يروي فيه بتسليمتين ثم ذكر حديثه عن مصعب بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة ثم قال وهذا وهم عندهم وغلط وإنما الحديث كما رواه بن المبارك وغيره عن مصعب بن ثابت عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه كان يسلم عن يمينه وعن يساره وقد روى هذا الحديث بالتسليمتين من طريق مصعب ثم ساق طرقه بالتسليمتين عن سعد ثم ساق من طريق بن المبارك عن مصعب عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن أبيه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن شماله وكأني أنظر إلى صفحة خده فقال الزهري ما سمعنا هذا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له إسماعيل بن محمد أكل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت قال لا قال فنصفه قال لا قال فاجعل هذا في النصف الذي لم تسمع
380
قال وأما حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة فلم يرفعه أحد إلا زهير بن محمد وحده عن هشام بن عروة رواه عنه عمرو بن أبي سلمة وزهير بن محمد ضعيف عند الجميع كثير الخطأ لا يحتج به وذكر يحيى بن معين هذا الحديث فقال عمرو بن أبي سلمة وزهير ضعيفان لا حجة فيهما
وأما حديث انس فلم يأت إلا من طريق أيوب السختياني عن أنس ولم يسمع أيوب من أنس عندهم شيئا
قال وقد روى عن الحسن مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة ذكره وكيع عن الربيع عنه قال والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابرا عن كابر ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد لأنه لا يخفى لوقوعه في كل يوم مرارا
قلت وهذا أصل قد نازعهم فيه الجمهور وقالوا عمل أهل المدينة كعمل غيرهم من أهل الأمصار ولا فرق بين عملهم وعمل أهل الحجاز والعراق والشام فمن كانت السنة معهم فهم أهل العمل المتبع وإذا اختلف علماء المسلمين لم يكن عمل بعضهم حجة على بعض وإنما الحجة اتباع السنة ولا تترك السنة لكون عمل بعض المسلمين على خلافها أو عمل بها غيرهم ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها لتركت السنن وصارت تبعا لغيرها فإن عمل بها ذلك الغير عمل بها وإلا فلا والسنة هي العيار على العمل وليس العمل عيارا على السنة ولم تضمن لنا العصمة قط في عمل مصر من الأمصار دون سائرها والجدران والمساكن والبقاع لا تأثير لها في ترجيح الأقوال وإنما التأثير لأهلها وسكانها ومعلوم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهدوا التنزيل
381
وعرفوا التأويل وظفروا من العلم بما لم يظفر به من بعدهم فهم المقدمون في العلم على من سواهم كما هم المقدمون في الفضل والدين وعملهم هو العمل الذي لا يخالف وقد انتقل أكثرهم عن المدينة وتفرقوا في الأمصار بل أكثر علمائهم صاروا إلى الكوفة والبصرة والشام مثل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وأبي موسى وعبد الله بن مسعود وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان ومعاذ بن جبل وانتقل إلى الكوفة والبصرة نحو ثلاثمائة صحابي ونيف وإلى الشام ومصر نحوهم فكيف يكون عمل هؤلاء معتبرا ما داموا في المدينة فإذا خالفوا غيرهم لم يكن عمل من خالفوه معتبرا فإذا فارقوا جدران المدينة كان عمل من بقي فيها هو المعتبر ولم يكن خلاف ما انتقل عنها معتبرا هذا من الممتنع وليس جعل عمل الباقين معتبرا أولى من جعل عمل المفارقين معتبرا فإن الوحي قد انقطع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق إلا كتاب الله وسنة رسوله فمن كانت السنة معه فعمله هو العمل المعتبر حقا فكيف تترك السنة المعصومة لعمل غير معصوم
ثم يقال أرأيتم لو استمر عمل أهل مصر منالأمصار التي انتقل إليها الصحابة على ما أداه إليهم من صار إليهم من الصحابة ما الفرق بينه وبين عمل أهل المدينة المستمر على ما أداه إليهم من بها من الصحابة والعمل إنما استند إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله فكيف يكون قوله وفعله الذي أداه من بالمدينة موجبا للعمل دون قوله وفعله الذي أداه غيرهم هذا إذا كان النص مع عمل أهل المدينة فكيف إذا كان مع غيرهم النص وليس معهم نص يعارضه وليس معهم إلا مجرد العمل ومن المعلوم أن العمل لا يقابل النص بل يقابل العمل بالعمل ويسلم النص عن المعارض
وأيضا فنقول هل يجوز أن يخفى على أهل المدينة بعد مفارقة جمهور الصحابة
382
لها سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون علمها عند من فارقها أم لا فإن قلتم لا يجوز أبطلتم أكثر السنن التي لم يروها أهل المدينة وإن كانت من رواية إبراهيم عن علمقة عن عبد الله ومن رواية أهل بيت علي عنه ومن رواية أصحاب معاذ عنه ومن رواية أصحاب أبي موسى عنه ومن رواية أصحاب عمرو بن العاص وابنه عبد الله وأبي الدرداء ومعاوية وأنس بن مالك وعمار بن ياسر وأضعاف هؤلاء وهذا مما لا سبيل إليه وإن قلتم يجوز أن يخفى على من بقي في المدينة بعض السنن ويكون علمها عند غيرهم فكيف تترك السنن لعمل من قد اعترفتم بأن السنة قد تخفى عليهم
وأيضا فإن عمر بن الخطاب كان إذا كتب إليه بعض الأعراب بسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل بها ولو لم يكن معمولا بها بالمدينة كما كتب إليه الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فقضى به عمر
وأيضا فإن هذه السنة التي لم يعمل بها أهل المدينة لو جاء من رواها إلى المدينة وعمل بها لم يكن عمل من خالفه حجة عليه فكيف يكون حجة عليه إذا خرج من المدينة
وأيضا فإن هذا يوجب أن يكون جميع أهل الأمصار تبعا للمدينة فيما يعملون به وأنه لا يجوز لهم مخالفتهم في شيء فإن عملهم إذا قدم على السنة فلأن يقدم على عمل غيرهم أولى وإن قيل إن عملهم نفسه سنة لم يحل لأحد مخالفتهم ولكن عمر بن الخطاب ومن بعده من الخلفاء لم يأمر أحد منهم أهل الأمصار أن لا يعملوا بما عرفوه من السنة وعلمهم إياه الصحابة إذا خالف عمل أهل المدينة وأنهم لا يعملون إلا بعمل أهل المدينة بل مالك نفسه منع الرشيد من ذلك
383
وقد عزم عليه وقال له قد تفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاد وصار عند كل طائفة منهم علم ليس عند غيرهم وهذا يدل على أن عمل أهل المدينة ليس عنده حجة لازمة لجميع الأمة وإنما هو اختيار منه لما رأى عليه العمل ولم يقل قط في موطئه ولا غيره لا يجوز العمل بغيره بل يخبر إخبارا مجردا أن هذا عمل أهل بلده فإنه رضي الله عنه وجزاه عن الإسلام خيرا ادعى إجماع أهل المدينة في نيف وأربعين مسألة ثم هي ثلاثة أنواع أحدها لا يعلم أن أهل المدينة خالفهم فيه غيرهم والثاني ما خالف فيه أهل المدينة غيرهم وإن لم يعلم اختلافهم فيه والثالث ما فيه الخلاف بين أهل المدينة أنفسهم ومن ورعه رضي الله عنه لم يقل إن هذا إجماع الأمة الذي لا يحل خلافه
وعند هذا فنقول ما عليه العمل إما أن يراد به القسم الأول أو هو والثاني أوهما والثالث فإن أريد الأول فلا ريب أنه حجة يجب اتباعه وإن أريد الثاني والثالث فأين دليله وأيضا فأحق عمل أهل المدينة أن يكون حجة العمل القديم الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وزمن خلفائه الراشدين وهذا كعملهم الذي كأنه مشاهد بالحس ورأى عين من إعطائهم أموالهم التي قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على من شهد معه خبير فأعطوها اليهود على أن يعملوها بأنفسهم وأموالهم والثمرة بينهم وبين المسلمين يقرونهم ما أقرهم الله ويخرجونهم متى شاءوا واستمر هذا العمل كذلك بلا ريب إلى أن استأثر الله بنبيه صلى الله عليه وسلم مدة أربعة أعوام ثم استمر مدة خلافة الصديق وكلهم على ذلك ثم استمر مدة خلافة عمر رضي الله عنهم إلى أن أجلاهم قبل أن يستشهد بعام فهذا هو العمل حقا فكيف ساغ خلافه وتركه لعمل حادث
384
ومن ذلك عمل الصحابة مع نبيهم صلى الله عليه وسلم على الاشتراك في الهدي البدنة عن عشرة والبقرة عن سبعة فياله من عمل ما أحقه وأولاه بالاتباع فكيف يخالف إلى عمل حادث بعده مخالف له
ومن ذلك عمل أهل المدينة الذي كأنه رأى عين في سجودهم في ! < إذا السماء انشقت > ! مع نبيهم صلى الله عليه وسلم ومعهم أبو هريرة وإنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعوام وبعض الرابع وقد أخبر عن عمل الصحابة مع نبيهم في آخر أمره فهذا والله هو العمل فكيف يقدم عليه عمل من بعدهم بما شاء الله من السنين ويقال العمل على ترك السجود
ومن ذلك عمل الصحابة مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقد قرأ السجدة على المنبر في خطبته يوم الجمعة ثم نزل عن المنبر فسجد وسجد معه أهل المسجد ثم صعد فهذا العمل حق فكيف يقال العمل على خلافه ويقدم العمل الذي يخالف ذلك عليه
ومن ذلك عمل الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم في اقتدائهم به وهو جالس وهذا كأنه رأي عين سواء كانت صلاتهم خلفه قعودا أو قياما فهذا عمل في غاية الظهور والصحة فمن العجب ان يقدم عليه رواية جابر الجعفي عن الشعبي وهما كوفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يؤمن أحد بعدي جالسا وهذه من أسقط روايات أهل الكوفة
ومن ذلك أن سليمان بن عبد الملك عام حج جمع ناسا من أهل العلم فيهم عمر بن عبد العزيز وخارجة بن زيد بن ثابت والقاسم بن محمد وسالم وعبيد الله ابنا عبد الله بن عمر ومحمد بن شهاب الزهري وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فسألهم عن الطيب قبل الإفاضة فكلهم أمره بالطيب وقال القاسم أخبرتني عائشة أنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ولحله
385
قبل أن يطوف بالبيت ولم يختلف عليه أحد منهم إلا أن عبد الله بن عبيد الله قال كان عبد الله رجلا جادا مجدا كان يرمي الجمرة ثم يذبح ثم يحلق ثم يركب فيفيض قبل أن يأتي منزله قال سالم صدق ذكره النسائي فهذا عمل أهل المدينة وفتياهم فأي عمل بعد ذلك يخالفه يستحق التقديم عليه
ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن قاسم بن مسلم عن أبي جعفر قال ما بالمدينة اهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع وزارع علي وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وبن سيرين وعامل عمر بن الخطاب الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا وكذا فهذا والله هو العمل الذي يستحق تقديمه على كل عمل خالفه والذي من جعله بينه وبين الله فقد استوثق
فيالله العجب أي عمل بعد هذا يقدم عليه وهل يكون عمل يمكن أن يقال إنه إجماع أظهر من هذا وأصح منه
وأيضا فالعمل نوعان نوع لم يعارضه نص ولا عمل قبله ولا عمل مصر آخر غيره وعمل عارضه واحد من هذه الثلاثة فإن سويتم بين أقسام هذا العمل كلها فهي تسوية بين المختلفات التي فرق النص والعقل بينها وإن فرقتم بينها فلابد من دليل فارق بين ما هو معتبر منها وما هو غير معتبر ولا تذكرون دليلا قط إلا كان دليل من قدم النص أقوى وكان به أسعد
وأيضا فإنا نقسم عليكم هذا العمل من وجه آخر ليتبين به المقبول من المردود فنقول عمل أهل المدينة وإجماعهم نوعان أحدهما ما كان من طريق النقل والحكاية والثاني ما كان من طريق الاجتهاد والاستدلال فالأول على ثلاثة أضرب أحدها نقل الشرع مبتدأ من جهة النبي صلى الله عليه وسلم
386
وهو أربعة أنواع أحدها نقل قوله والثاني نقل فعله والثالث نقل تقريره لهم على أمر شاهدهم عليه أو أخبرهم به الرابع نقلهم لترك شيء قام سبب وجوده ولم يفعله الثاني نقل العمل المتصل زمنا بعد زمن من عهده صلى الله عليه وسلم والثالث نقل لأماكن وأعيان ومقادير لم تتغير عن حالها
نقل قوله صلى الله عليه وسلم
ونحن نذكر أمثلة هذه الأنواع فأما نقل قوله فظاهر وهو الأحاديث المدنية التي هي أم الأحاديث النبوية وهي أشرف أحاديث أهل الأمصار ومن تأمل أبواب البخاري وجده أول ما يبدأ في الباب بها ما وجدها ثم يتبعها بأحاديث أهل الأمصار وهذه كمالك عن نافع عن بن عمر وبن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ومالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وأبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وبن شهاب عن سالم عن أبيه وبن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ويحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة وبن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن بن عباس ومالك عن موسى بن عقبة عن كريب عن أسامة بن زيد والزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب وأمثال ذلك
نقل فعله صلى الله عليه وسلم
أما نقل فعله فكنقلهم أنه توضأ من بئر بضاعة وأنه كان يخرج كل عيد إلى المصلى فيصلي به العيد هو والناس وأنه كان يخطبهم قائما على المنبر وظهره إلى القبلة ووجهه إليهم وأنه كان يزور قباء كل سبت ما شيا وراكبا وأنه كان يزورهم في دورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم ونحو ذلك
نقل تقريره صلى الله عليه وسلم
وأما نقل التقرير فكنقلهم إقراره لهم على تلقيح النخل وعلى تجاراتهم التي كانوا يتجرونها وهي على ثلاثة أنواع تجارة الضرب في الأرض وتجارة الإدارة وتجارة السلم فلم ينكر عليهم منها تجارة واحدة وإنما حرم عليهم فيها الربا الصريح ووسائله المفضية إليه أو التوسل بتلك المتاجر إلى الحرام كبيع
387
السلاح لمن يقاتل به المسلم وبيع العصير لمن يعصره خمرا وبيع الحرير لمن يلبسه من الرجال ونحو ذلك مما هو معاونة على الإثم والعدوان وكإقرارهم على صنائعهم المختلفة من تجارة وخياطة وصياغة وفلاحة وإنما حرم عليهم فيها الغش والتوسل بها إلى المحرمات وكإقرارهم على إنشاد الأشعار المباحة وذكر أيام الجاهلية والمسابقة على الأقدام وكإقرارهم على المهادنة في السفر وكإقرارهم على الخيلاء في الحرب ولبس الحرير فيه وإعلام الشجاع منهم بعينه بعلامة من ريشة أو غيرها وكإقرارهم على لبس ما نسجه الكفار من الثياب وعلى إنفاق ما ضربوه من الدراهم وربما كان عليها صور ملوكهم ولم يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه مدة حياتهم دينارا ولا درهما وإنما كانوا يتعاملون بضرب الكفار وكإقراره لهم بحضرته على المزاح المباح وعلى الشبع في الأكل وعلى النوم في المسجد وعلى شركة الأبدان وهذا كثير من أنواع السنن احتج به الصحابة وأئمة الإسلام كلهم وقد احتج به جابر في تقرير الرب في زمن الوحي كقوله كنا نعزل والقرآن ينزل فلو كان شيء ينهى عنه لنهي عنه القرآن وهذا من كمال فقه الصحابة وعلمهم واستيلائهم على معرفة طرق الأحكام ومداركها وهو يدل على أمرين أحدهما أن أصل الأفعال الإباحة ولا يحرم منها إلا ما حرمه الله على لسان رسوله الثاني أن علم الرب تعالى بما يفعلون في زمن شرع الشرائع ونزول الوحي وإقراره لهم عليه دليل على عفوه عنه والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أنه في الوجه الأول يكون معفوا عنه استصحابا وفي الثاني يكون العفو عنه تقريرا لحكم الاستصحاب ومن هذا النوع تقريره لهم على أكل الزروع التي تداس بالبقر من غير أمر لهم بغسلها وقد علم صلى الله عليه وسلم أنها لابد أن تبول وقت الدياس ومن ذلك تقريره لهم على الوقود في بيوتهم وعلى أطعمتهم بأرواث الإبل وأخثاء البقر وأبعار الغنم وقد علم أن دخانها ورمادها يصيب ثيابهم وأوانيهم ولم يأمرهم باجتناب ذلك وهو دليل
388
على أحد أمرين ولابد طهارة ذلك أو أن دخان النجاسة ورمادها ليس بنجس ومن ذلك تقريرهم على سجود أحدهم على ثوبه إذا اشتد الحر ولا يقال في ذلك إنه ربما لم يعلمه لأن الله قد علمه وأقرهم عليه ولم يأمر رسوله بإنكاره عليهم فتأمل هذا الموضع ومن ذلك تقريرهم على الأنكحة التي عقدوها في حال الشرك ولم يتعرض لكيفية وقوعها وإنما أنكر منها ما لا مساغ له في الإسلام حين الدخول فيه ومن ذلك تقريرهم على ما بأيديهم من الأموال التي اكتسبوها قبل الإسلام بربا أو غيره ولم يأمر بردها بل جعل لهم بالتوبة ما سلف من ذلك ومنه تقرير الحبشة باللعب في المسجد بالحراب وتقريره عائشة على النظر إليهم وهو كتقريره النساء على الخروج والمشي في الطرقات وحضور المساجد وسماع الخطب التي كان ينادى بالاجتماع لها وتقريره الرجال على استخدامهن في الطحن والغسل والطبخ والعجن وعلف الفرس والقيام بمصالح البيت ولم يقل للرجال قط لا يحل لكم ذلك إلا بمعاونتهن أو استرضائهن حتى يتركن الأجرة وتقريره لهم على الإنفاق عليهن بالمعروف من غير تقدير فرض ولا حب ولا خبز ولم يقل لهم لا تبرأ ذممكم من الأنفاق الواجب إلا بمعاوضة الزوجات من ذلك على الحب الواجب لهن مع فساد المعاوضة من وجوه عديدة أو بإسقاط الزوجات حقهن من الحب بل أقرهم على ما كانوا يعتادون نفقته قبل الإسلام وبعده وقرر وجوبه بالمعروف وجعله نظير نفقة الرقيق في ذلك ومنه تقريرهم على التطوع بين أذان المغرب والصلاة وهو يراهم ولا ينهاهم ومنه تقريرهم على بقاء الوضوء وقد خفقت رؤوسهم من النوم في انتظار الصلاة ولم يأمرهم بإعادته وتطرق احتمال كونه لم يعلم ذلك مردود بعلم الله به وبأن القوم أجل وأعرف بالله ورسوله أن لا يخبروه بذلك وبأن خفاء مثل ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يراهم ويشاهدهم خارجا إلى الصلاة ممتنع ومنه تقريرهم على جلوسهم في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا ومنه تقريرهم على مبايعة عميانهم على
389
مبايعتهم وشرائهم بأنفسهم من غير نهي لهم عن ذلك يوما ما وهو يعلم أن حاجة الأعمى إلى ذلك كحاجة البصير ومنه تقريرهم على قبول الهدية التي يخبرهم بها الصبي والعبد والأمة وتقريرهم على الدخول بالمرأة التي يخبرهم بها النساء أنها امرأته بل الاكتفاء بمجرد الإهداء من غير إخبار ومنه تقريرهم على قول الشعر وإن تغزل أحدهم فيه بمحبوبته وإن قال فيه ما لو أقر به في غيره لأخذ به كتغزل كعب بن زهير بسعاد وتغزل حسان في شعره وقوله فيه
كأن خبيئة من بيت رأس
يكون مزاجها عسل وماء
ثم ذكر وصف الشراب إلى أن قال
ونشربها فتتركنا ملوكا
وأسدا لا ينهنهنا اللقاء
فأقرهم على قول ذلك وسماعه لعلمه ببر قلوبهم ونزاهتهم وبعدهم عن كل دنس وعيب وأن هذا إذا وقع مقدمة بين يدي ما يحبه الله ورسوله من مدح الإسلام وأهله وذم الشرك وأهله والتحريض على الجهاد والكرم والشجاعة فمفسدته مغمورة جدا في جنب هذه المصلحة مع ما فيه من مصلحة هز النفوس واستمالة إصغائها وإقبالها على المقصود بعده وعلى هذا جرت عادة الشعراء بالتغزل بين يدي الأغراض التي يريدونها بالقصيد ومنه تقريرهم على رفع الصوت بالذكر بعد السلام بحيث كان من هو خارج المسجد يعرف انقضاء الصلاة بذلك ولا ينكره عليهم
فصل نقل الصحابة ما تركه صلى الله عليه وسلم
وأما نقلهم لتركه صلى الله عليه وسلم فهو نوعان وكلاهما سنة أحدهما تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله كقوله في شهداء أحد ولم يغسلهم ولم
390
يصل عليهم وقوله في صلاة العيد لم يكن أذان ولا إقامة ولا نداء وقوله في جمعه بين الصلاتين ولم يسبح بينهما ولا على أثر واحدة منهما ونظائره والثاني عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله فحيث لم ينقله واحد منهم البتة ولا حدث به في مجمع أبدا علم أنه لم يكن وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائما بعد الصبح والعصر او في جميع الصلوات وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ركوع الثانية وقوله اللهم اهدنا فيمن هديت يجهر بها ويقول المأمومون كلهم آمين ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير ولا رجل ولا امرأة البتة وهو مواظب عليه هذه المواظبة لا يخل به يوما واحدا وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار ولطواف الزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف ومن ها هنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة فإن تركه صلى الله عليه وسلم سنة كما أن فعله سنة فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق
فإن قيل من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم
فهذا سؤال بعيد جدا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه ولو صح هذا السؤال وقبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح وقال من أين لكم أنه لم ينقل واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة وقال من أين لكم أنه لم ينقل واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته وقال من أين لكم أنه لم ينقل واستحب لنا آخر لبس السواد والطرحة للخطيب وخروجه بالشاويش يصيح بين يديه ورفع المؤذنين أصواتهم كلما ذكر الله واسم رسوله جماعة وفرادى وقال
391
من أين لكم أن هذا لم ينقل واستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقال من أين لكم أن إحياءهما لم ينقل وانفتح باب البدعة وقال كل من دعا إلى بدعة من أين لكم أن هذا لم ينقل ومن هذا تركه أخذ الزكاة من الخضراوات والمباطخ وهم يزرعونها بجواره بالمدينة كل سنة فلا يطالبهم بزكاة ولا هم يؤدونها إليه
فصل نقل الصحابة الأعيان وتعيين الأماكن
وأما نقل الأعيان وتعيين الأماكن فكنقلهم الصاع والمد وتعيين موضع المنبر وموقفه للصلاة والقبر والحجرة ومسجد قباء وتعيين الروضة والبقيع والمصلى ونحو ذلك ونقل هذا جار مجرى نقل مواضع المناسك كالصفا والمروة ومنى ومواضع الجمرات ومزدلفة وعرفة ومواضع الإحرام كذي الحليفة والجحفة وغيرهما
فصل نقل الصحابة العمل المستمر
وأما نقل العمل المستمر فكنقل الوقوف والمزارعة والأذان على المكان المرتفع والأذان للصبح قبل الفجر وتثنية الأذان وإفراد الإقامة والخطبة بالقرآن وبالسنن دون الخطبة الصناعية بالتسجيع والترجيع التي لا تسمن ولا تغني من جوع فهذا النقل وهذا العمل حجة يجب اتباعها وسنة متلقاة بالقبول على الرأس والعينين وإذا ظفر العالم بذلك قرت به عينه واطمأنت إليه نفسه
392
فصل الاختلاف في العمل الذي طريقه الاجتهاد
وأما العمل الذي طريقه الاجتهاد والاستدلال فهو معترك النزال ومحل الجدال قال القاضي عبد الوهاب وقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه
أحدها أنه ليس بحجة أصلا وأن الحجة هي إجماع أهل المدينة من طريق النقل ولا يرجح به أيضا أحد الاجتهادين على الآخر وهذا قول أبي بكر وأبي يعقوب الرازي والقاضي أبي بكر بن منتاب والطيالسي والقاضي أبي الفرج والشيخ أبي بكر الأبهري وأنكروا أن يكون هذا مذهبا لمالك أو لأحد من معتمدي أصحابه
والوجه الثاني أنه وإن لم يكن حجة فإنه يرجح به اجتهادهم على اجتهاد غيرهم وبه قال بعض أصحاب الشافعي
والثالث أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة وإن لم يحرم خلافه كإجماعهم من طريق النقل وهذا مذهب قوم من أصحابنا وهو الذي عليه كلام أحمد بن المعدل وأبي بكر وغيرهما وذكر الشيخ أن في رسالة مالك إلى الليث بن سعد ما يدل عليه وقد ذكر أبو مصعب في مختصره مثل ذلك والذي صرح به القاضي أبو الحسين بن أبي عمر في مسألته التي صنفها على أبي بكر الصيرفي نقضا لكلامه على أصحابنا في إجماع أهل المدينة وإلى هذا يذهب جل أصحابنا المغاربة أو جميعهم
فأما حال الأخبار من طريق الآحاد فلا تخلو من ثلاثة أمور إما أن يكون صحبها عمل أهل المدينة مطابقا لها أو أن يكون عملهم بخلافها أو أن لا يكون منهم عمل أصلا لا بخلاف ولا بوفاق فإن كان عملهم موافقا لها كان ذلك آكد في صحتها ووجوب العمل بها إذا كان العمل من طريق النقل وإن كان من طريق
393
الاجتهاد كان مرجحا للخبر على ما ذكرنا من الخلاف وإن كان عملهم بخلافه نظر فإن كان العمل المذكور على الصفة التي ذكرناها فإن الخبر يترك للعمل عندنا لا خلاف بين أصحابنا في ذلك وهذا أكبر الغرض بالكلام في هذه المسألة وهذا كما نقوله في الصاع والمد وزكاة الخضروات وغير ذلك وإن كان العمل منهم اجتهادا فالخبر أولى منه عند جمهور أصحابنا إلا من قال منهم إن الإجماع من طريق الاجتهاد حجة وإن لم يكن بالمدينة عمل يوافق موجب الخبر أو يخالفه فالواجب المصير إلى الخبر فإنه دليل منفرد عن مسقط أو معارض
هذا جملة قول أصحابنا في هذه المسألة وقد تضمن ما حكاه أن عملهم الجاري مجرى النقل حجة فإذا أجمعوا عليه فهو مقدم على غيره من أخبار الآحاد وعلى هذا الحرف بنى المسألة وقررها وقال والذي يدل على ما قلناه أنهم إذا أجمعوا على شيء نقلا أو عملا متصلا فإن ذلك الأمر معلوم بالنقل المتواتر الذي يحصل العلم به وينقطع العذر فيه ويجب ترك أخبار الآحاد له لأن المدينة بلدة جمعت من الصحابة من يقع العلم بخبرهم فيما أجمعوا على نقله فما هذا سبيله إذا ورد خبر واحد بخلافه كان حجة على ذلك الخبر وترك له كما لو روى لنا خبر واحد فيما تواتر به نقل جميع الأمة لوجب ترك الخبر للنقل المتواتر من جميعهم فيقال من المحال عادة أن يجمعوا على شيء نقلا أو عملا متصلا من عندهم إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتكون السنة الصحيحة الثابتة قد خالفته هذا من أبين الباطل وإن وقع ذلك فيما أجمعوا عليه من طريق الاجتهاد فإن العصمة لم تضمن لاجتهادهم فلم يجمعوا من طريق النقل ولا العمل المستمر على هذه الشريطة على بطلان خيار المجلس ولا على التسليمة الواحدة ولا على القنوت في الفجر قبل الركوع ولا على ترك الرفع عند الركوع والرفع منه ولا على ترك السجود في المفصل ولا على ترك الاستفتاح والاستعاذة قبل
394
الفاتحة ونظائر ذلك كيف وقدماؤهم الذين نقلوا العلم الصحيح الثابت الذي كأنه رأي عين عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بخلاف ذلك فكيف يقال إن تركه عمل مستمر من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن هذا من المحال بل نقلهم للصاع والمد والوقوف والأخاير وترك زكاة الخضراوات حق ولم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تخالفه البتة ولهذا رجع أبو يوسف إلى ذلك كله بحضرة الرشيد لما ناظره مالك وتبين له الحق فلا يلحق بهذا عملهم من طريق الاجتهاد ويجعل ذلك نقلا متصلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتترك له السنن الثابتة فهذا لون وذلك لون وبهذا التمييز والتفصيل يزول الاشتباه ويظهر الصواب
ومن المعلوم أن العمل بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين والصحابة بالمدينة كان بحسب من فيها من المفتين والأمراء والمحتسبين على الأسواق ولم تكن الرعية تخالف هؤلاء فإذا أفتى المفتون نفذه الوالي وعمل به المحتسب وصار عملا فهذا هو الذي لا يلتفت إليه في مخالفة السنن لا عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه والصحابة فذاك هو السنة فلا يخلط أحدهما بالآخر فنحن لهذا العمل أشد تحكيما وللعمل الآخر إذا خالف السنة أشد تركا وبالله التوفيق
وقد كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يفتي وسليمان بن بلال المحتسب ينفذ فتواه فتعمل الرعية بفتوى هذا وتنفيذ هذا كما يطرد العمل في بلد أو إقليم ليس فيه إلا قول مالك على قوله وفتواه ولا يجوزن العمل هناك بقول غيره من أئمة الإسلام فلو عمل به أحد لاشتد نكيرهم عليه وكذلك كل بلد أو إقليم لم يظهر فيه إلا مذهب أبي حنيفة فإن العمل المستمر عندهم على قوله وكل طائفة اطرد عندهم عمل من وصل إليهم قوله ومذهبه ولم يألفوا غيره ولا فرق في هذا
395
العمل بين بلد وبلد والعمل الصحيح ما وافق السنة وإذا أردت وضوح ذلك فانظر العمل في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في جهره بالاستفتاح في الفرض في مصلى النبي صلى الله عليه وسلم وعمل الصحابة به ثم العمل في زمن مالك بوصل التكبير بالقراءة من غير استفتاح ولا تعوذ وانظر العمل في زمن الصحابة كعبد الله بن عمر في اعتبار خيار المجلس ومفارقته لمكان التبايع ليلزم العقد ولا يخالفه في ذلك صحابي ثم العمل به في زمن التابعين وإمامهم وعالمهم سعيد بن المسيب يعمل به ويفتي به ولا ينكره عليه منكر ثم صار العمل في زمن ربيعة وسليمان بن بلال بخلاف ذلك وانظر إلى العمل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة خلفه وهم يرفعون أيديهم في الصلاة في الركوع والرفع منه ثم العمل في زمن الصحابة بعده حتى كان عبد الله بن عمر إذا رأى من لا يرفع يديه حصبه وهو عمل كان رأي عين وجمهور التابعين يعمل به بالمدينة وغيرها من الأمصار كما حكاه البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما عنهم ثم صار العمل بخلافه وانظر إلى العمل الذي كأنه رأي عين من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء سهيل وأخيه في المسجد والصحابة معه وصلت عائشة على سعد بن أبي وقاص في المسجد وصلى على عمر بن الخطاب في المسجد ذكره مالك عن نافع عن عبد الله قال الشافعي ولا نرى أحدا من الصحابة حضر موته فتخلف عن جنازته فهذا عمل مجمع عليه عندكم قاله لبعض المالكية وروى هشام عن أبيه أن أبا بكر صلى عليه في المسجد فهذا العمل حق ولو تركت السنن للعمل لتعطلت سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرست رسومها وعفت آثارها وكم من عمل قد اطرد بخلاف السنة الصريحة على تقادم الزمان وإلى الآن وكل وقت تترك سنة ويعمل بخلافها ويستمر عليها العمل فتجد يسيرا من السنة معمولا به على نوع تقصير وخذ بلا حساب
396
ما شاء الله من سنن قد أهملت وعطل العمل بها جملة فلو عمل بها من يعرفها لقال الناس تركت السنة فقد تقرر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل البتة وإنما يقع من طريق الاجتهاد والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردودا وكل عمل طريقه النقل فإنه لا يخالف سنة صحيحة البتة
فلنرجع إلى الأمثلة التي ترك فيها المحكم للمتشابه فنقول
المثال السابع والخمسون ترك السنة المحكمة الصحيحة في الجهر بآمين في الصلاة كقوله في الصحيحين إذا أمن الأمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ولولا جهره بالتأمين لما أمكن المأموم أن يؤمن معه ويوافقه في التأمين وأصرح من هذا حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته وفي لفظ وطول بها رواه الترمذي وغيره وإسناده صحيح وقد خالف شعبة سفيان في هذا الحديث فقال وخفض بها صوته وحكم أئمة الحديث وحفاظه في هذا لسفيان فقال الترمذي سمعت محمد بن إسماعيل يقول حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل في هذا الباب أصح من حديث شعبة أخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع فقال عن حجر أبي العنبس وإنما كنيته أبو السكن وزاد فيه علقمة بن وائل وإنما هو حجر بن عنبس عن وائل بن حجر ليس فيه علقمة وقال وخفض بها صوته والصحيح أنه جهر بها قال الترمذي وسألت أبا زرعة عن حديث سفيان وشعبة هذا فقال حديث سفيان أصح من حديث شعبة وقد روى العلاء بن صالح عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان وقال الدارقطني كذا قال شعبة وأخفى بها صوته ويقال إنه وهم فيه لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا ورفع صوته بآمين وهو الصواب وقال البيهقي لا أعلم اختلافا بين أهل العلم بالحديث أن سفيان وشعبة إذا اختلفا
397
فالقول قول سفيان وقال يحيى بن سعيد ليس أحد أحب إلي من شعبة ولا يعدله عندي أحد وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان وقال شعبة سفيان أحفظ مني فهذا ترجيح لرواية سفيان وترجيح ثان وهو متابعة العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة بن كهيل له وترجيح ثالث وهو أن أبا الوليد الطيالسي وحسبك به رواه عن شعبة بوفاق الثوري في متنه فقد اختلف على شعبة كما ترى قال البيهقي فيحتمل أن يكون تنبه لذلك فعاد إلى الصواب في متنه وترك ذكر ذلك علقمة في إسناده وترجيح رابع وهو أن الروايتين لو تقاومتا لكانت رواية الرفع متضمنه لزيادة وكانت أولى بالقبول وترجيح خامس وهو موافقتها وتفسيرها لحديث أبي هريرة وإذا أمن الإمام فأمنوا فإن الإمام يقول آمين والملائكة تقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له وترجيح سادس وهو ما رواه الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته بآمين ولأبي داود بمعناه وزاد بيانا فقال قال آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول وفي رواية عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال آمين يرفع بها صوته ويأمر بذلك وذكر البيهقي عن علي كرم الله وجهه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول آمين إذا قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين وعنه أيضا رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ولا الضالين رفع صوته بآمين وعند أبي داود عن بلال أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لا تسبقني بآمين قال الربيع سئل الشافعي عن الإمام هل يرفع صوته بآمين قال نعم ويرفع بها من خلفه أصواتهم فقلت وما الحجة فقال أنبأنا مالك وذكر حديث أبي هريرة المتفق على صحته ثم قال ففي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمن الإمام فأمنوا دلالة على أنه أمر الإمام أن يجهر بآمين لأن من خلفه لا يعرفون وقت تأمينه إلا بأن يسمع تأمينه ثم بينه
398
@ بن شهاب فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول آمين فقلت للشافعي فإنا نكره للإمام أن يرفع صوته بآمين فقال هذا خلاف ما روى صاحبنا وصاحبكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن عندنا وعندهم علم إلا هذا الحديث الذي ذكرناه عن مالك فينبغي أن يستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بآمين وأنه أمر الإمام أن يجهر بها فكيف ولم يزل أهل العلم عليه وروى وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول آمين يرفع بها صوته ويحكي مدة إياها وكان أبو هريرة يقول للإمام لا تسبقني بآمين وكان يؤذن له أنبأنا مسلم بن خالد عن بن جريج عن عطاء كنت أسمع الأئمة بن الزبير ومن بعده يقولون آمين ومن خلفهم آمين حتى إن للمسجد للجة وقوله كان أبو هريرة يقول للإمام لا تسبقني بآمين يريد ما ذكره البيهقي بإسناده عن أبي رافع ان أبا هريرة كان يؤذن لمروان بن الحكم فاشترط عليه أن لايسبقه بالضالين حتى يعلم أنه قد وصل إلى الصف فكان مروان إذا قال ولا الضالين قال أبو هريرة آمين يمد بها صوته وقال إذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء غفر لهم وقال عطاء أدركت مائتين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين سمعت لهم رجة بآمين # فرد هذا كله بقوله تعالى ! < وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا > ! والذي أنزلت عليه هذه الآية هو الذي رفع صوته بالتأمين والذين أمروا بها رفعوا به أصواتهم ولا معارضة بين الآية والسنة بوجه ما # المثال الثامن والخمسون ترك القول بالسنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن الصلاة الوسطى صلاة العصر بالمتشابه من قوله ! < وقوموا لله قانتين > ! وهذا عجب من العجب وأعجب منه تركها بأن في مصحف عائشة < وصلاة العصر >

399
وأعجب منهما تركها بأن صلاة الظهر تقام في شدة الحر وهي في وسط النهار فأكدها الله تعالى بقوله ! < والصلاة الوسطى > ! وأعجب من ذلك تركها بأن المغرب وسطى بين الثنائية والرباعية فهي أحق بهذا الاسم من غيرها وأعجب منه تركها بأن صلاة العشاء قبلها صلاة آخر النهار وبعدها صلاة أول النهار وهي وسطى بينهما فهي أحق بهذا الاسم من غيرها وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصه الصريح المحكم الذي لا يحتمل إلا ما دل عليه أولى بالاتباع والله الموفق
المثال التاسع والخمسون ترك السنة الصحيحة الصريحة في قول الإمام ربنا ولك الحمد كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده قال اللهم ربنا ولك الحمد وفيهما أيضا عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد وفي صحيح مسلم عن بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ملءالسماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد فردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد
المثال الستون رد السنة الصحيحة المحكمة في إشارة المصلى في التشهد بأصبعه كقول بن عمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في الصلاة
400
وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام رواه مسلم وعنده أيضا عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ووضع أصبعه التي تلي الإبهام فدعا بها وعنده أيضا عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في الصلاة وضع يديه على ركبتيه وأشار بأصبعه ورواه خفاف بن إيماء بن رحضة ووائل بن حجر وعبادة بن الصامت ومالك بن بهز الخزاعي عن أبيه كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك وسئل بن عباس عنه فقال هو الإخلاص فردوا ذلك كله بحديث لا يصح وهو ما رواه محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن أبي غطفان المري عن أبي هريرة مرفوعا التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ومن أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعدها قال الدارقطني قال لنا بن أبي داود أبو غطفان هذا مجهول وآخر الحديث زيادة في الحديث ولعله من قول بن إسحاق والصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يشير في الصلاة
المثال الحادي والستون رد السنة الصحيحة الصريحة في ضفر رأس المرأة الميتة ثلاث ضفائر كقوله في الصحيحين في غسل ابنته اجعلن رأسها ثلاثة قرون قالت أم عطية ضفرنا رأسها وناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون وألقيناه من خلفها فرد ذلك بأنه يشبه زينة الدنيا وإنما يرسل شعرها شقين على ثدييها وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالاتباع
المثال الثاني والستون ترك السنة الصحيحة الصريحة التي رواها الجماعة عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره ولم يقل على صدره غير مؤمل بن إسماعيل وفي صحيح مسلم عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة ثم كبر ثم التحف
401
بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى فلما أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما وكبر فرفع فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما سجد سجد بين كفيه وزاد أحمد وأبو داود ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة قال أبو حازم ولا أعلمه إلا ينهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي السنن عن بن مسعود أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على اليسرى وقال علي من السنة في الصلاة وضع الكف على الكف تحت السرة رواه أحمد وقال مالك في موطئه وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة ثم ذكر حديث سهل بن سعد وذكر عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري أنه قال من كلام النبوة إذا لم تستح فافعل ما شئت ووضع إحدى اليدين على الأخرى في الصلاة يضع اليمنى على اليسرى وتعجيل الفطر والاستيناء بالسحور
وذكر أبو عمر في كتابه من حديث الحارث بن غطيف أو غطيف بن الحارث قال مهما رأيت شيئا فنسيته فإني لم أنس أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة وعن قبيصة بن ثابت عن أبيه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا يمينه على شماله في الصلاة وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من السنة وضع اليمين على الشمال في الصلاة وعنه أيضا أنه كان إذا قام إلى الصلاة وضع يمينه على رسغه فلا يزال كذلك حتى يركع إلا أن يصلح ثوبه أو يحك جسده وقال علي عليه السلام في قوله تعالى ! < فصل لربك وانحر > ! أنه وضع اليمين على الشمال في الصلاة تحت صدره وذكر بن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال هكذا ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة
402
وقال أبو الدرداء من أخلاق النبيين وضع اليمين على الشمال في الصلاة وقال بن الزبير صف القدمين ووضع اليد على اليد من السنة ذكر هذه الآثار أبوعمر بأسانيدها وقال هي آثار ثابتة وقال وهب بن بقية ثنا محمد بن المطلب عن أبان بن بشير المعلم ثنا يحيى بن أبي كثير ثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث من النبوة تعجيل الفطر وتأخير السحور ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة وقال سعيد بن منصور ثنا هشيم أنا منصور بن زاذان عن محمد بن أبان الأنصاري عن عائشة قالت ثلاث من النبوة تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة فردت هذه الآثار برواية بن القاسم عن مالك قال تركه أحب إلى ولا أعلم شيئا قط ردت به سواه
المثال الثالث والستون رد السنة المحكمة الصريحة في تعجيل الفجر وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيها بالستين إلى المائة ثم ينصرف منها والنساء لا يعرفن من الغلس وإن صلاته كانت التغليس حتى توفاه الله وإنه إنما أسفر بها مرة واحدة وكان بين سحوره وصلاته قدر خمسين آية فرد ذلك بمجمل حديث رافع بن خديج أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الإسفار بها دواما لا ابتداء فيدخل فيها مغلسا ويخرج منها مسفرا كما كان يفعله صلى الله عليه وسلم فقوله موافق لفعله لا مناقض له وكيف يظن به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه
المثال الرابع والستون رد السنة الثابتة المحكمة الصريحة في امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشفق كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقت صلاة الظهر ما لم تحضر صلاة العصر ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط نور الشفق ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس
403
وفي صحيحه أيضا عن أبي موسى أن سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المواقيت فذكر الحديث وفيه ثم أمره فأقام المغرب حين وجبت الشمس فلما كان في اليوم الثاني قال ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق وفي لفظ فصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق ثم قال الوقت ما بين هذين وهذا متأخر عن حديث جبريل لأنه كان بمكة وهذا قول وذلك فعل وهذا يدل على الجواز وذلك يدل على الاستحباب وهذا في الصحيح وذلك في السنن وهذا يوافق قوله صلى الله عليه وسلم وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت التي بعدها وإنما خص منه الفجر بالإجماع فما عداها من الصلوات داخل في عمومه والفعل إنما يدل على الاستحباب فلا يعارض العام ولا الخاص
المثال الخامس والستون رد السنة الصريحة المحكمة الثابتة في وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله وأنهم كانوا يصلونها مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يذهب أحدهم إلى العوالي قدر أربعة أميال والشمس مرتفعة وقال أنس صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر فأتاه رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله إنا نريد أن ننحر جزورا لنا وإنا نحب أن تحضرها قال نعم فانطلق وانطلقنا معه فوجد الجزور لم تنحر فنحرت ثم قطعت ثم طبخ منها ثم أكلنا منها قبل أن تغيب الشمس ومحال أن يكون هذا بعد المثلين وفي صحيح مسلم عنه وقت صلاة الظهر ما لم تحضر العصر ولا معارض لهذه السنن لا في الصحة ولا في الصراحة والبيان فردت هذه السنن بالمجمل من قوله صلى الله عليه وسلم مثلكم ومثل أهل الكتاب قبلكم كمثل رجل استأجر أجراء فقال من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط فعملت اليهود ثم قال من يعمل لي إلى صلاة العصر على قيراط فعملت النصارى ثم قال من يعمل لي
404
إلى أن تغيب الشمس على قيراطين فعملتم أنتم فغضبت اليهود والنصارى وقالوا نحن أكثر عملا وأقل أجرا فقال هل ظلمتم من أجركم شيئا قالوا لا قال فذلكم فضلي أوتيه من أشاء ويالله العجب أي دلالة في هذا على أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل مثلين بنوع من أنواع الدلالة وإنما يدل على أن صلاة العصر إلى غروب الشمس أقصر من نصف النهار إلى وقت العصر وهذا لا ريب فيه
المثال السادس والستون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في المنع من تخليل الخمر كما في صحيح مسلم عن أنس سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر تتخذ خلا قال لا وفي المسند وغيره من حديث أنس قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي حجره يتيم وكان عنده خمر حين حرمت الخمر فقال يا رسول الله أصنعها خلا قال لا فصبها حتى سال الوادي وقال أحمد ثنا وكيع ثنا سفيان عن السدي عن أبي هريرة عن انس أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا فقال أهرقها فقال أفلا نجعلها خلا قال لا وروى الحاكم والبيهقي من حديث أنس أيضا قال كان في حجر أبي طلحة يتامى فاشترى لهم خمرا فلما أنزل الله تحريم الخمر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال أأجعله خلا قال لا قال فأهرقه وفي الباب عن أبي الزبير عن جابر وصح ذلك عن عمر بن الخطاب ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف فردت بحديث مجمل لا يثبت وهو ما رواه الفرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن أم سلمة أنها كانت لها شاة تحلبها ففقدها النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما فعلت بشاتك فقلت ماتت قال أفلا انتفعتم بإهابها قلت إنها ميتة قال فإن دباغها يحل كما يحل الخل الخمر قال الحاكم تفرد به الفرج بن فضالة عن يحيى والفرج
405
ممن لا يحتج بحديثه ولم يصح تحليل خل الخمر من وجه وقد فسر رواية الفرج فقال يعني أن الخمر إذا تغيرت فصارت خلا حلت فعلى هذا التفسير الذي فسره راوي الحديث يرتفع الخلاف وقد قال الدارقطني كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن فرج بن فضالة ويقول حدث عن يحيى بن سعد الأنصاري أحاديث مقلوبة منكرة وقال البخاري الفرج بن فضالة منكر الحديث
وردت بحديث واه من رواية مغيرة بن زياد عن أبي الزبير عن جابر يرفعه خير خلكم خل خمركم ومغيرة هذا يقال له أبو هشام المكفوف صاحب مناكير عندهم ويقال إنه حدث عن عطاء بن أبي رباح وأبي الزبير بجملة من المناكير وقد حدث عن عبادة بن نسي بحديث غريب موضوع فكيف يعارض بمثل هذه الرواية الأحاديث الصحيحة المحفوظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي عن تخليل الخمر ولم يزل أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينكرون ذلك قال الحاكم سمعت أبا الحسن علي بن عيسى الحيري يقول سمعت محمد بن إسحاق يقول سمعت قتيبة بن سعيد يقول قدمت المدينة أيام مالك فتقدمت إلى قاض فقلت عندك خل خمر فقال سبحان الله في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثم قدمت بعد موت مالك فذكرت ذلك لهم فلم ينكر علي وأما ما روى عن علي من اصطباغه بخل الخمر وعن عائشة أنه لا بأس به فهو خل الخمر الذي تخللت بنفسها لا باتخاذها
المثال السابع والستون رد السنة الصحيحة الصريحة في تسبيح المصلى إذا نابه شيء في صلاته كما في الصحيحين من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال التسبيح في الصلاة للرجال والتصفيق للنساء وفي الصحيحين أيضا عن سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فذكر الحديث وقال
406
في آخره فقال النبي صلى الله عليه وسلم مالي أراكم أكثرتم التصفيق من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء وذكر البيهقي من حديث إبراهيم بن طهمان عن الأعمش عن ذكوان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استؤذن على الرجل وهو يصلي فإذنه التسبيح وإذا استؤذن على المرأة وهي تصلي فإذنها التصفيق قال البيهقي رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات فردت هذه السنن بأنها معارضة لأحاديث تحريم الكلام في الصلاة وقد تعارض مبيح وحاظر فيقدم الحاظر والصواب أنه لا تعارض بين سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجه وكل منها له وجه والذي حرم الكلام في الصلاة ومنع منه هو الذي شرع التسبيح المذكور وتحريم الكلام كان قبل الهجرة وأحاديث التسبيح بعد ذلك فدعوى نسخها بأحاديث تحريم الكلام محال ولا تعارض بينهما بوجه ما فإن سبحان الله ليس من الكلام الذي منع منه المصلي بل هو مما أمر به أمر إيجاب أو استحباب فكيف يسوى بين المأمور والمحظور وهل هذا إلا من أفسد قياس واعتبار
المثال الثامن والستون رد السنة الثابتة في إثبات سجدات المفصل والسجدة الأخيرة من سورة الحج كما روى أبو داود في السنن حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي ثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا نافع بن يزيدعن الحارث بن سعيد العتقي عن عبد الله بن منير عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي سورة الحج سجدتان تابعه محمد بن إسماعيل السلمي عن سعيد بن أبي مريم وقال بن وهب أنا بن لهيعة عن مشرح بن عاهان عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلت سورة الحج بسجدتين فمن لم يسجد فيهما فلا يقرأهما وحديث
407
بن لهيعة يحتج منه بما رواه عنه العبادلة كعبد الله بن وهب وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن يزيد المقرئ قال أبو زرعة بن لهيعة كان بن المبارك وبن وهب يتبعان أصوله وقال عمرو بن علي من كتب عنه قبل احتراق كتبه مثل بن المبارك وبن المقرئ أصح ممن كتب عنه بعد احتراقها وقال بن وهب كان بن لهيعة صادقا وقد انتقى النسائي هذا الحديث من جملة حديثه وأخرجه واعتمده وقال ما أخرجت من حديث بن لهيعة قط إلا حديثا واحدا أخبرناه هلال بن العلاء ثنا معافي بن سليمان عن موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث عن بن لهيعة فذكره
وقال بن وهب حدثني الصادق البار والله عبد الله بن لهيعة وقال الإمام حمد من كان مثل بن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه وقال بن عيينة كان عند بن لهيعة الأصول وعندنا الفروع وقال أبو داود سمعت أحمد يقول ما كان محدث مصر إلا بن لهيعة وقال أحمد بن صالح الحافظ كان بن لهيعة صحيح الكتاب طالبا للعلم
وقال بن حبان كان صالحا لكنه يدلس عن الضعفاء ثم احترقت كتبه وكان أصحابنا يقولون سماع من سمع منه قبل احتراق كتبه مثل العبادلة بن وهب وبن المبارك والمقرى والقعنبي فسماعهم صحيح وقد صح عن أبي هريرة أنه سجد مع النبي صلى الله عليه وسلم في ! < إذا السماء انشقت > ! وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سجد في النجم ذكره البخاري
فردت هذه السنن برأي فاسد وحديث ضعيف أما الرأي فهو أن آخر الحج السجود فيها سجود الصلاة لاقترانه بالركوع بخلاف الأولى فإن السجود فيها مجرد عن ذكر الركوع ولهذا لم يكن قوله تعالى ! < يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين > ! من مواضع السجدات بالاتفاق وأما الحديث
408
الضعيف فما رواه أبو داود ثنا محمد بن رافع ثنا أزهر بن القاسم ثنا أبو قدامة عن مطر الوراق عن عكرمة عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة
فأما الرأي فيدل على فساده وجوه منها أنه مردود بالنص ومنها أن اقتران الركوع بالسجود في هذا الموضع لا يخرجه عن كونه موضع سجدة كما أن اقترانه بالعبادة التي هي أعم من الركوع لا يخرجه عن كونه سجدة وقد صح سجوده صلى الله عليه وسلم في النجم وقد قرن السجود فيها بالعبادة كما قرنه بالعبادة في سورة الحج والركوع لم يزده إلا تأكيدا ومنها أكثر السجدات المذكورة في القرآن متناولة لسجود الصلاة فإن قوله تعالى ! < ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها > ! يدخل فيه سجود المصلين قطعا وكيف لا وهو أجل السجود وأفرضه وكيف لا يدخل هو في قوله ! < فاسجدوا لله واعبدوا > ! وفي قوله ! < كلا لا تطعه واسجد واقترب > ! وقد قال قبل ! < أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى > ! ثم قال ! < كلا لا تطعه واسجد واقترب > ! فأمره بأن يفعل هذا الذي نهاه عنه عدو الله فإرادة سجود الصلاة بآية السجدة لا تمنع كونها سجدة بل تؤكدها وتقويها يوضحه أن مواضع السجدات في القرآن نوعان إخبار وأمر فالإخبار خبر من الله تعالى عن سجود مخلوقاته له عموما أو خصوصا فسن للتالي والسامع وجوبا أو استحبابا أن يتشبه بهم عند تلاوة آية السجدة أو سماعها وآيات الأوامر بطريق الأولى وهذا لا فرق فيه بين أمر وأمر فكيف يكون الأمر بقوله ! < فاسجدوا لله واعبدوا > ! مقتضيا للسجود دون الأمر بقوله ! < يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا > ! فالساجد إما متشبه بمن أخبر عنه أو ممتثل لما أمر به وعلى التقديرين يسن له السجود في آخر الحج كما يسن له السجود في أولها فلما سوت السنة بينهما سوى القياس الصحيح والاعتبار الحق بينهما وهذا السجود شرعه الله ورسوله عبودية عند تلاوة هذه الآيات واستماعها وقربة إليه وخضوعا
409
لعظمته وتذللا بين يديه واقتران الركوع ببعض آياته مما يؤكد ذلك ويقويه لا يضعفه ويوهيه والله المستعان
وأما قوله تعالى ! < يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين > ! فإنما لم يكن موضع سجدة لأنه خبر خاص عن قول الملائكة لامرأة بعينها أن تديم العبادة لربها بالقنوت وتصلي له بالركوع والسجود فهو خبر عن قول الملائكة لها ذلك وإعلام من الله تعالى لنا أن الملائكة قالت ذلك لمريم فسياق ذلك غير سياق آيات السجدات
وأما الحديث الضعيف فإنه من رواية أبي قدامة واسمه الحارث بن عبيد قال الإمام أحمد رضي الله عنه هو مضطرب الحديث وقال يحيى ليس بشيء وقال النسائي ليس بالقوي وقال الأزدي ضعيف وقال بن حبان لا يحتج به إذا انفرد قلت وقد أنكر عليه هذا الحديث وهو موضع الإنكار فإن أبا هريرة رضي الله عنه شهد سجوده صلى الله عليه وسلم في المفصل في ! < إذا السماء انشقت > ! و ! < اقرأ باسم ربك الذي خلق > ! ذكره مسلم في صحيحه وسجد معه حتى لو صح خبر أبي قدامة هذا لوجب تقديم خبر أبي هريرة عليه لأنه مثبت فمعه زيادة علم والله أعلم
المثال التاسع والستون رد السنة الثابتة الصحيحة في سجود الشكر كحديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج نحو أحد فخر ساجدا فأطال السجود ثم قال إن جبريل أتاني وبشرني فقال إن الله تعالى يقول لك من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت لله تعالى شاكرا وكحديث سعد بن أبي وقاص في سجوده صلى الله عليه وسلم شاكرا لربه لما أعطاه ثلث أمته ثم سجد ثانية فأعطاه الثلث الآخر ثم سجد ثالثة فأعطاه الثلث الباقي وكحديث أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه أمر يسر به خر ساجدا شكرا لله تعالى وأتاه بشير
410
يبشره بظفر جند له على عدوهم فقام وخر ساجدا وسجد كعب بن مالك لما بشر بتوبة الله عليه وسجد أبو بكر حين جاءه قتل مسيلمة الكذاب وسجد علي كرم الله وجهه حين وجد ذا الثدية في الخوارج الذين قتلهم ولا أعلم شيئا يدفع هذه السنن والآثار مع صحتها وكثرتها غير رأي فاسد وهو أن نعم الله سبحانه وتعالى لا تزال واصلة إلى عبده فلا معنى لتخصيص بعضها بالسجود وهذا من أفسد رأي وأبطله فإن النعم نوعان مستمرة ومتجددة فالمستمرة شكرها بالعبادات والطاعات والمتجددة شرع لها سجود الشكر شكرا لله عليها وخضوعا له وذلا في مقابلة فرحة النعم وانبساط النفس لها وذلك من أكبر أدوائها فإن الله سبحانه لا يحب الفرحين ولا الأشرين فكان دواء هذا الداء الخضوع والذل والانكسار لرب العالمين وكان في سجود الشكر من تحصيل هذا المقصود ما ليس في غيره ونظير هذا السجود عند الآيات التي يخوف الله بها عباده كما في الحديث إذا رأيتم آية فاسجدوا وقد فزع النبي صلى الله عليه وسلم عند رؤية انكساف الشمس إلى الصلاة وأمر بالفزع إلى ذكره ومعلوم أن آياته تعالى لم تزل مشاهدة معلومة بالحس والعقل ولكن تجددها يحدث للنفس من الرهبة والفزع إلى الله ما لا تحدثه الآيات المستمرة فتجدد هذه النعم في اقتضائها لسجود الشكر كتجدد تلك الآيات في اقتضائها للفزع إلى السجود والصلوات ولهذا لما بلغ فقيه الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس موت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم خر ساجدا فقيل له أتسجد لذلك فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم آية فاسجدوا وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا فلو لم تأت النصوص بالسجود عند تجدد النعم لكان هو محض القياس ومقتضى عبودية الرغبة كما أن السجود عند الآيات مقتضى عبودية الرهبة وقد أثنى الله سبحانه على الذين
411
يسارعون في الخيرات ويدعونه رغبا ورهبا ولهذا فرق الفقهاء بين صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء بأن هذه صلاة رهبة وهذه صلاة رغبة فصلوات الله وسلامه على من جاءت سنته وشريعته بأكمل ما جاءت به شرائع الرسل وسننهم وعلى آله
المثال السبعون رد السنة الثابتة الصحيحة بجواز ركوب المرتهن للدابة المرهونة وشربه لبنها بنفقته عليها كما روى البخاري في صحيحه ثنا محمد بن مقاتل أنا عبد الله أنا زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدار يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة وهذا الحكم من أحسن الأحكام وأعدلها ولا أصلح للراهن منه وما عداه ففساده ظاهر فإن الراهن قد يغيب ويتعذر على المرتهن مطالبته بالنفقة التي تحفظ الرهن ويشق عليه أو يتعذر رفعه إلى الحاكم وإثبات الرهن وإثبات غيبة الراهن وإثبات أن قدر نفقته عليه هي قدر حلبه وركوبه وطلبه منه الحكم له بذلك وفي هذا من العسر والحرج والمشقة ما ينافي الحنيفية السمحة فشرع الشارع الحكيم القيم بمصالح العبادللمرتهن أن يشرب لبن الرهن ويركب ظهره وعليه نفقته وهذا محض القياس لو لم تأت به السنة الصحيحة وهو يخرج على أصلين أحدهما أنه إذا أنفق على الرهن صارت النفقة دينا على الراهن لأنه واجب أداه عنه ويتعسر عليه الإشهاد على ذلك كل وقت واستئذان الحاكم فجوز له الشارع استيفاء دينه من ظهر الرهن ودره وهذا مصلحة محضة لهما وهي بلا شك أولى من تعطيل منفعة ظهره وإراقة لبنه أو تركه يفسد في الحيوان أو يفسده حيث يتعذر الرفع إلى الحاكم لا سيما ورهن الشاة ونحوها إنما يقع غالبا بين أهل البوادي حيث لا حاكم ولو كان فلم يول الله ولا رسوله الحاكم هذا الأمر الأصل الثاني أن
412
ذلك معاوضة في غيبة أحد المعاوضين للحاجة والمصلحة الراجحة وذلك أولى من الأخذ بالشفعة بغير رضا المشتري لأن الضرر في ترك هذه المعاوضة أعظم من الضرر في ترك الأخذ بالشفعة وأيضا فإن المرتهن يريد حفظ الوثيقة لئلا يذهب ماله وذلك إنما يحصل ببقاء الحيوان والطريق إلى ذلك إما النفقة عليه وذلك مأذون فيه عرفا كما هو مأذون فيه شرعا
وقد أجرى العرف مجرى النطق في أكثر من مائة موضع منها نقد البلد في المعاملات وتقديم الطعام إلى الضيف وجواز تناول اليسير مما يسقط من الناس من مأكول وغيره والشرب من خوابي السيل ومصانعه في الطرق ودخول الحمام وإن لم يعقد عقد الإجارة مع الحمامي لفظا وضرب الدابة المستأجرة إذا حرنت في السير وإيداعها في الخان إذا قدم بلدة أو ذهب في حاجة ودفع الوديعة إلى من جرت العادة بدفعها إليه من امرأة أو خادم او ولد وتوكيل الوكيل لما لا يباشره مثله بنفسه وجواز التخلي في دار من أذن له بالدخول إلى داره والشرب من مائه والاتكاء على الوسادة المنصوبة وأكل الثمرة الساقطة من الغصن الذي على الطريق وإذن المستأجر للدار لمن شاء من أصحابه أو أضيافه في الدخول والمبيت والثوى عنده والانتفاع بالدار وإن لم يتضمنهم عقد الإجارة لفظا اعتمادا على الإذن العرفي وغسل القميص الذي استأجره للبس مدة يحتاج فيها إلى الغسل ولو وكل غائبا أو حاضرا في بيع شيء والعرف قبض ثمنه ملك ذلك ولو اجتاز بحرث غيره في الطريق ودعته الحاجة إلى التخلي فيه فله ذلك إن لم يجد موضعا سواه إما لضيق الطريق أو لتتابع المارين فيها فكيف بالصلاة فيه والتيمم بترابه ومنها لو رأى شاة غيره تموت فذبحها حفظا لماليتها عليه كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعا وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع من ذلك ويقول هذا تصرف في ملك الغير ولم يعلم هذا اليابس أن التصرف في ملك الغير
413
إنما حرمه الله لما فيه من الإضرار به وترك التصرف ها هنا هو الإ ضرار
ومنها لو استأجر غلاما فوقعت الأكلة في طرفه فتيقن أنه إن لم يقطعه سرت إلى نفسه فمات جاز له قطعه ولا ضمان عليه ومنها لو رأى السيل يمر بدار جاره فبادر ونقب حائطه وأخرج متاعه فحفظه عليه جاز ذلك ولم يضمن نقب الحائط ومنها لو قصد العدو مال جاره فصالحه ببعضه دفعا عن بقيته جاز له ولم يضمن ما دفعه إليه ومنها لو وقعت النار في دار جاره فهدم جانبا منها على النار لئلا تسري إلى بقيتها لم يضمن ومنها لو باعه صبرة عظيمة أو حطبا أو حجارة ونحو ذلك جاز له أن يدخل ملكه من الدواب والرجال ما ينقلها به وإن لم يأذن له في ذلك لفظا ومنها لو جذ ثماره أو حصد زرعه ثم بقي من ذلك ما يرغب عنه عادة جاز لغيره التقاطه وأخذه وإن لم يأذن فيه لفظا ومنها لو وجد هديا مشعرا منحورا ليس عنده أحد جاز له أن يقتطع منه ويأكل منه ومنها لو أتى إلى دار رجل جاز له طرق حلقه الباب عليه وإن كان تصرفا في بابه لم يأذن له فيه لفظا ومنها الاستناد إلى جداره والاستظلال به ومنها الاستمداد من محبرته وقد أنكر الإمام أحمد على من استأذنه في ذلك
وهذا أكثر من أن يحصر وعليه يخرج حديث عروة بن الجعد البارقي حيث أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم دينارا يشتري له به شاة فاشترى شاتين بدينار فباع إحداهما بدينار وجاءه بالدينار والشاة الأخرى فباع وأقبض وقبض بغير إذن لفظي اعتمادا منه على الإذن العرفي الذي هو أقوى من اللفظي في أكثر المواضع ولا إشكال بحمد الله في هذا الحديث بوجه ما وإنما الإشكال في استشكاله فإنه جار على محض القواعد كما عرفته
414
فصل الشرط العرفي كاللفظي
ومن هذا الشرط العرفي كاللفظي وذلك كوجوب نقد البلد عند الإطلاق ووجوب الحلول حتى كأنه مشترط لفظا فانصرف العقد بإطلاقه إليه وإن لم يقتضه لفظه ومنها السلامة من العيوب حتى يسوغ له الرد بوجود العيب تنزيلا لاشتراط سلامة المبيع عرفا منزلة اشتراطها لفظا ومنها وجوب وفاء المسلم فيه في مكان العقد وإن لم يشترطه لفظا بناء على الشرط العرفي ومنها لو دفع ثوبه إلى من يعرف أنه يغسل أو يخيط بالأجرة أو عجينة لمن يخبزه أو لحما لمن يطبخه أو حبا لمن يطحنه أو متاعا لمن يحمله ونحو ذلك ممن نصب نفسه للأجرة على ذلك وجب له أجرة مثله وإن لم يشترط معه ذلك لفظا عند جمهور أهل العلم حتى عند المنكرين لذلك فإنهم ينكرونه بألسنتهم ولا يمكنهم العمل إلا به بل ليس يقف الإذن فيما يفعله الواحد من هؤلاء وغيرهم على صاحب المال خاصة لأن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض في الشفقة والنصيحة والحفظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهذا جاز لأحدهم ضم اللقطة ورد الآبق وحفظ الضالة حتى إنه يحسب ما ينفقه على الضالة والآبق واللقطة وينزل إنفاقه عليها منزلة إنفاقه لحاجة نفسه لما كان حفظا لمال أخيه وإحسانا إليه فلو علم المتصرف لحفظ مال أخيه أن نفقته تضيع وأن إحسانه يذهب باطلا في حكم الشرع لما أقدم على ذلك ولضاعت مصالح الناس ورغبوا عن حفظ أموال بعضهم بعضا وتعطلت حقوق كثيرة وفسدت أموال عظيمة ومعلوم أن شريعة من بهرت شريعته العقول وفاقت كل شريعة واشتملت على كل مصلحة وعطلت كل مفسدة تأبى ذلك كل الإباء وأين هذا من إجازة أبي حنيفة تصرف الفضولي ووقف العقود تحصيلا لمصلحة المالك ومنع المرتهن من الركوب والحلب بنفقته فيالله العجب يكون هذا
415
الإحسان للراهن وللحيوان ولنفسه بحفظ الرهن حراما لا إعتبار به شرعا مع إذن الشارع فيه لفظا وإذن المالك عرفا وتصرف الفضولي معتبرا مرتبا عليه حكمه
هذا ومن المعلوم أنا في إبراء الذمم أحوج منا إلى العقود على أولاد الناس وبناتهم وإمائهم وعبيدهم ودورهم وأموالهم فالمرتهن محسن بإبراء ذمة المالك من الإنفاق على الحيوان مؤد لحق الله فيه ولحق مالكه ولحق الحيوان ولحق نفسه متناول ما أذن له فيه الشارع من العوض بالدر والظهر وقد أوجب الله سبحانه وتعالى على الآباء إيتاء المراضع أجرهن بمجرد الإرضاع وإن لم يعقدوا معهن عقد إجارة فقال تعالى ! < فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن > !
فإن قيل فهذا ينتقض عليكم بما لو كان الرهن دارا فخرب بعضها فعمرها ليحفظ الرهن فإنه لا يستحق السكنى عندكم بهذه العمارة ولا يرجع بها
قيل ليس كذلك بل يحتسب له بما أنفقه لأن فيه إصلاح الرهن ذكره القاضي وابنه وغيرهما وقد نص الإمام أحمد في رواية أبي حرب الجرجاني في رجل عمل في قناة رجل بغير إذنه فاستخرج الماء لهذا الذي عمل أجر في نفقته إذا عمل ما يكون منفعة لصاحب القناة هذا مع أن الفرق بين الحيوان والدار ظاهر لحاجة الحيوان إلى الإنفاق ووجوبه على مالكه بخلاف عمارة الدار فإن صح الفرق بطل السؤال وإن بطل الفرق ثبت الاستواء في الحكم
فإن قيل في هذا مخالفة للأصول من وجهين أحدهما أنه إذا أدى عن غيره واجبا بغير إذنه كان متبرعا ولم يلزمه القيام له بما أداه عنه الثاني أنه لو لزمه عوضه فإنما يلزمه نظير ما أداه فأما ان يعاوض عليه بغير جنس ما أداه بغير اختياره فأصول الشرع تأبى ذلك
قيل هذا هو الذي ردت به هذه السنة ولأجله تأولها من تأولها على
416
أن المراد بها أن النفقة على المالك فإنه الذي يركب ويشرب وجعل الحديث دليلا على جواز تصرف الراهن في الرهن بالركوب والحلب وغيره ونحن نبين ما في هذين الأصلين من حق وباطل
فأما الأصل الأول فقد دل على فساده القرآن والسنة وآثار الصحابة والقياس الصحيح ومصالح العباد أما القرآن فقوله تعالى ! < فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن > ! وقد تقدم تقرير الدلالة منه وقد اعترض بعضهم على هذا الاستدلال بأن المراد به أجورهن المسماة فإنه أمر لهم بوفائها لا أمر لهم بإيتاء ما لم يسموه من الأجرة ويدل عليه قوله تعالى ! < وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى > ! وهذا التعاسر إنما يكون حال العقد بسبب طلبها الشطط من الأجر أو حطها عن أجر المثل وهذا اعتراض فاسد فإنه ليس في الآية ذكر التسمية ولا يدل عليها بدلالة من الدلالات الثلاث أما اللفظيتان فظاهر وأما اللزومية فلانفكاك التلازم بين الأمر بإيتاء الأجر وبين تقدم تسميته وقد سمى الله سبحانه وتعالى ما يؤتيه العامل على عمله أجرا وإن لم يتقدم له تسمية كما قال تعالى عن خليله عليه السلام ! < وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين > ! وقال تعالى ! < ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين > ! ومعلوم أن الأجر ما يعود إلى العامل عوضا عن عمله فهو كالثواب الذي يثوب إليه أي يرجع من عمله وهذا ثابت سواء سمي او لم يسم وقد نص الإمام أحمد رضي الله عنه على أنه إذا افتدى الأسير رجع عليه بما غرمه عليه ولم يختلف قوله فيه واختلف قوله فيمن أدى دين غيره عنه بغير إذنه فنص في موضع على أنه يرجع عليه فقيل له هو متبرع بالضمان فقال وإن كان متبرعا بالضمان ونص في موضع آخر على أنه لا يرجع فإنه قال إذا لم يقل اقض عني ديني كان متبرعا ونص على أنه يرجع على السيد بنفقة عبده الآبق إذا رده وقد كتب عمر بن الخطاب
417
إلى عامله في سبي العرب ورقيقهم وقد كان التجار اشتروه فكتب إليه أيما حر اشتراه التجار فاردد عليهم رؤوس أموالهم وقد قيل إن جميع الفرق تقول بهذه المسألة وإن تناقضوا ولم يطردوها
فأبو حنيفة يقول إذا قضي بعض الورثة دين الميت ليتوصل بذلك إلى أخذ حقه من التركة بالقسمة فإنه يرجع على التركة بما قضاه وهذا واجب قد أداه عن غيره بغير إذنه وقد رجع به ويقول إذا بنى صاحب العلو السفل بغير إذن المالك لزم الآخر غرامة ما يخصه وإذا أنفق المرتهن على الرهن في غيبة الراهن رجع بما أنفق وإذا اشترى اثنان من واحد عبدا بألف فغاب أحدهما فأدى الحاضر جميع الثمن ليستلم العبد كان له الرجوع
والشافعي يقول إذا أعار عبد الرجل ليرهنه فرهنه ثم إن صاحب الرهن قضى الدين بغير إذن المستعير وافتك الرهن رجع بالحق وإذا استاجر جمالا ليركبها فهرب الجمال فأنفق المستأجر على الجمال رجع بما أنفق وإذا ساقى رجلا على نخله فهرب العامل فاستأجر صاحب النخل من يقوم مقامه رجع عليه به واللقيط إذا أنفق عليه أهل المحلة ثم استفاد مالا رجعوا عليه وإن أذن له في الضمان فضمن ثم أدى الحق بغير إذنه رجع عليه
وأما المالكية والحنابلة فهم أعظم الناس قولا بهذا الأصل والمالكية أشد قولا به ومما يوضح ذلك أن الحنفية قالوا في هذه المسائل إن هذه الصور كلها أحوجته إلى استيفاء حقه أو حفظ ماله فلولا عمارة السفل لم يثبت العلو ولو لم يقض الوارث الغرماء لم يتمكن من أخذ حقه من التركة بالقسمة ولو لم يحفظ الرهن بالعلف لتلف محل الوثيقة ولو لم يستأجر على الشجر من يقوم مقام العامل لتعطلت الثمرة وحقه متعلق بذلك كله فإذا أنفق كانت نفقته ليتوصل إلى حقه بخلاف من أدى دين غيره فإنه لا حق له هناك يتوصل إلى استيفائه بالأداء فافترقا وتبين أن هذه القاعدة لا تلزمنا وأن من ادى عن غيره واجبا
418
من دين أو نفقة على قريب أو زوجة فهو إما فضولي وهو جدير بأن يفوت عليه ما فوته على نفسه أو متفضل فحوالته على الله دون من تفضل عليه فلا يستحق مطالبته وزادت الشافعية وقالت لما ضمن له المؤجر تحصيل منافع الجمال ومعلوم أنه لا يمكنه استيفاء تلك المنافع إلا بالعلف دخل في ضمانه لتلك المنافع إذنه له في تحصيلها بالإنفاق عليها ضمنا وتبعا فصار ذلك مستحقا عليه بحكم ضمانه عن نفسه لا بحكم ضمان الغير عنه
يوضحه أن المؤجر والمساقي قد علما أنه لا بد للحي من قوام ولا بد للنخيل من سقي وعمل عليها فكأنه قد حصل الإذن فيها في الإنفاق عرفا والإذن العرفي يجري مجرى الإذن اللفظي وشاهده ما ذكرتم من المسائل فيقال هذا من أقوى الحجج عليكم في مسألة علف المرتهن للرهن واستحقاقه للرجوع بما غرمه وهذا نصف المسافة وبقي نصفها الثاني وهو المعاوضة عليها بركوبه وشربه وهي أسهل المسافتين وأقربهما إذ غايتها تسليط الشارع له على هذه المعاوضة التي هي من مصلحة الراهن والمرتهن والحيوان وهي اولى من تسليط الشفيع على المعاوضة عن الشقص المشفوع لتكميل ملكه وانفراده به وهي أولى من المعاوضة في مسألة الظفر بغير اختيار من عليه الحق فإن سبب الحق فيها ليس ثابتا والآخذ ظالم في الظاهر ولهذا منعه النبي صلى الله عليه وسلم من الأخذ وسماه خائنا بقوله أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك وأما ها هنا فسبب الحق ظاهر وقد أذن في المعاوضة للمصلحة التي فيها فكيف تمنع هذه المعاوضة التي سبب الحق فيها ظاهر وقد أذن فيها الشارع وتجوز تلك المعاوضة التي سبب الحق فيها غير ظاهر وقد منع منها الشارع فلا نص ولا قياس
ومما يدل على أن من أدى عن غيره واجبا أنه يرجع عليه به قوله تعالى ! < هل جزاء الإحسان إلا الإحسان > ! وليس من جزاء هذا المحسن بتخليص من
419
أحسن إليه بأداء دينه وفك أسره منه وحل وثاقه أن يضيع عليه معروفه وإحسانه وأن يكون جزاؤه منه بإضاعة ماله ومكافأته عليه بالإساءة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من أسدى إليكم معروفا فكافئوه وأي معروف فوق معروف هذا الذي افتك أخاه من أسر الدين وأي مكافأة أقبح من إضاعة ماله عليه وذهابه وإذا كانت الهدية التي هي تبرع محض قد شرعت المكافأة عليها وهي من أخلاق المؤمنين فكيف يشرع جواز ترك المكافآت على ما هو من أعظم المعروف وقد عقد الله سبحانه وتعالى الموالاة بين المؤمنين وجعل بعضهم اولياء بعض فمن أدى عن وليه واجبا كان نائبه فيه بمنزلة وكيله وولي من أقامه الشرع للنظر في مصالحه لضعفه او عجزه
ومما يوضح ذلك أن الأجنبي لو أقرض رب الدين قدر دينه وأحاله به على المدين ملك ذلك وأي فرق شرعي أو معنوي بين أن يوفيه ويرجع به على المدين أو يقرضه ويحتال به على المدين وهل تفرق الشريعة المشتملة على مصالح العباد بين الأمرين ولو تعين عليه ذبح هدي أو أضحية فذبحها عنه أجنبي بغير إذنه أجزأت وتأدي الواجب بذلك ولم تكن ذبيحة غاصب وما ذاك إلا لكون الذبح قد وجب عليه فأدى هذا الواجب غيره وقام مقام تاديته هو بحكم النيابة عنه شرعا وليس الشأن في هذه المسألة لوضوحها واقتضاء أصول الشرع وفروعه لها وإنما الشأن فيمن عمل في مال غيره عملا بغير إذنه ليتوصل بذلك العمل إلى حقه أو فعله حفظا لمال المالك واحترازا له من الضياع فالصواب أنه يرجع عليه بأجرة عمله وقد نص عليه الإمام أحمد رضي الله عنه في عدة مواضع منها أنه إذا حصد زرعه في غيبته فإنه نص على أنه يرجع عليه بالأجرة وهذا من أحسن الفقه فإنه إذا مرض أو حبس او غاب فلو ترك زرعه بلا حصاد لهلك وضاع فإذا علم من يحصده له أنه يذهب عليه عمله ونفقته ضياعا لم يقدم على ذلك وفي ذلك من إضاعة المال وإلحاق الضرر بالمالك ما تأباه الشريعة الكاملة
420
فكان من أعظم محاسنها أن أذنت للأجنبي في حصاده والرجوع على مالكه بما أنفق عليه حفظا لما له ومال المحسن إليه وفي خلاف ذلك إضاعة لماليهما أو مال أحدهما ومنها ما نص عليه فيمن عمل في قناة رجل بغير إذنه فاستخرج الماء قال لهذا الذي عمل نفقته ومنها لو انكسرت سفينته فوقع متاعه في البحر فخلصه رجل فإنه لصاحبه وله عليه أجرة مثله وهذا أحسن من أن يقال لا أجرة له فلا تطيب نفسه بالتعرض للتلف والمشقة الشديدة ويذهب عمله باطلا أو يذهب مال الآخر ضائعا وكل منهما فساد محض والمصلحة في خلافه ظاهرة والمؤمنون يرون قبيحا أن يذهب عمل مثل هذا ضائعا ومال هذا ضائعا ويرون من أحسن الحسن أن يسلم مال هذا وينجح سعي هذا والله الموفق
المثال الحادي والسبعون رد السنة الثابتة الصريحة المحكمة في صحة ضمان دين الميت الذي لم يخلف وفاء كما في الصحيحين عن أبي قتادة قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة ليصلى عليها فقال أعليه دين فقالوا نعم ديناران فقال أترك لهما وفاء قالوا لا قال صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة هما علي يا رسول الله فصلى عليه فردت هذه السنة برأي لا يقاومها وهو أن الميت قد خربت ذمته فلا يصح ضمان شيء خراب في محل خراب بخلاف الحي القادر فإن ذمته بصدد العمارة فيصح ضمان دينه وإن لم يكن له وفاء في الحال وأما إذا خلف وفاء فإنه يصح الضمان في الحال تنزيلا لذمته بما خلفه من الوفاء منزلة الحي القادر قالوا وأما الحديث فإنما هو إخبار عن ضمان متقدم على الموت فهو إخبار منه بالتزام سابق لا إنشاء للالتزام حينئذ وليس في ذلك ما ترد به السنة الصريحة ولا يصح حملها على الإخبار لوجوه أحدها أن في بعض ألفاظ الحديث فقال أبو قتادة أنا الكفيل به يا رسول الله فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه النسائي بإسناد
421
صحيح الثاني أن في بعض طرق البخاري فقال أبو قتادة صل عليه يا رسول الله وعلي دينه فقوله وعلي دينه كالصريح في الالتزام أو صريح فيه فإن هذه الواو للاستئناف وليس قبلها ما يصح أن يعطف ما بعدها عليه كما لو قال صل عليه وأنا ألتزم ما عليه أو وأنا ملتزم ما عليه الثالث ان الحكم لو اختلف لقال له النبي صلى الله عليه وسلم هل ضمنت ذلك في حياته أو بعد موته ولا سيما فإن الظاهر منه الإنشاء وأدنى الأحوال أن يحتملهما على السواء فإن كان أحدهما باطلا في الشرع والآخر صحيحا فكيف يقره على قول محتمل لحق وباطل ولم يستفصله عن مراده به الرابع أن القياس يقتضي صحة الضمان وإن لم يخلف وفاء فإن من صح ضمان دينه إذا خلف وفاء صح ضمانه وإن لم يكن له مال كالحي وأيضا فمن صح ضمان دينه حيا صح ضمان دينه ميتا وأيضا فإن الضمان لا يوجب الرجوع وإنما يوجب مطالبة رب الدين للضامن فلا فرق بين أن يخلف الميت وفاء أو لم يخلفه وأيضا فالميت أحوج إلى ضمان دينه من الحي لحاجته إلى تبريد جلده ببراءة ذمته وتخليصه من ارتهانه بالدين وأيضا فإن ذمة الميت وإن خربت من وجه وهو تعذر مطالبته لم تخرب من جهة بقاء الحق فيها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس من ميت يموت إلا وهو مرتهن بدينه ولا يكون مرتهنا وقد خربت ذمته وأيضا فإنه لو خربت ذمته لبطل الضمان بموته فإن الضامن فرعه وقد خربت ذمة الأصل فلما استديم الضمان ولم يبطل بالموت علم أن الضمان لا ينافي الموت فإنه لو نافاه ابتداء لنافاه استدامة فإن هذا من الأحكام التي لا يفرق فيها بين الدوام والابتداء لا تحاد سبب الابتداء والدوام فيها فظهر أن القياس المحض مع السنة الصحيحة والله الموفق
المثال الثاني والسبعون ترك السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في جمع التقديم والتأخير بين الصلاتين للعذر كحديث أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
422
إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما وفي لفظ له كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل وقت العصر ثم يجمع بينهما وهو في الصحيحين وكقول معاذ بن جبل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها مع العصر فيصليهما جميعا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب وهو في السنن والمسند وإسناده صحيح وعلته واهية وكقول بن عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا زاغت الشمس وهو في منزلة جمع بين الظهر والعصر قبل ان يركب وإذا لم تزغ في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينه وبين العشاء وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا كان العشاء نزل فجمع بينهما وهذا متابع لحديث معاذ وفي بعض طرق هذا الحديث وإذا سافر قبل أن تزول الشمس أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر وكقول بن عمر وقد أخر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما ثم أخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك إذ جد به السير
كل هذه سنن في غاية الصحة والصراحة ولا معارض لها فردت بأنها أخبار آحاد وأوقات الصلاة ثابتة بالتواتر كحديث إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم وصلاته به كل صلاة في وقتها ثم قال الوقت ما بين هذين فهذا في أول الأمر بمكة وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالسائل في المدينة سواء صلى به كل صلاة في أول وقتها وآخره وقال الوقت ما بين هذين وقال في حديث عبد الله بن عمرو وقت صلاة الظهر ما لم تحضر العصر ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط نور الشفق ووقت
423
صلاة العشاء إلى نصف الليل وقال وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت التي تليها ويكفي للسائل وقد سأله عن المواقيت ثم بينها له بفعله الوقت فيما بين هذين فهذا بيان بالقول والفعل وهذه أحاديث محكمة صحيحة صريحة في تفصيل الأوقات مجمع عليها بين الأمة وجميعهم احتجوا بها في أوقات الصلاة فقدمتم عليها أحاديث مجملة محتملة في الجمع غير صريحة فيه لجواز أن يكون المراد بها الجمع في الفعل وأن يراد بها الجمع في الوقت فكيف يترك الصريح المبين للمجمل المحتمل وهل هذا إلا ترك للمحكم وأخذ بالمتشابه وهو عين ما أنكرتموه في هذه الأمثلة
فالجواب أن يقال الجميع حق فإنه من عند الله وما كان من عند الله فإنه لا يختلف فالذي وقت هذه المواقيت وبينها بقوله وفعله هو الذي شرع الجمع بقوله وفعله فلا يؤخذ ببعض السنة ويترك بعضها والأوقات التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله نوعان بحسب حال أربابها أوقات السعة والرفاهية وأوقات العذر والضرورة ولكل منها أحكام تخصها وكما أن واجبات الصلاة وشروطها تختلف باختلاف القدرة والعجز فهكذا أوقاتها وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم وقت النائم والذاكر حين يستيقظ ويذكر أي وقت كان وهذا غير الأوقات الخمسة وكذلك جعل أوقات المعذورين ثلاثة وقتين مشتركين ووقتا مختصا فالوقتان المشتركان لأرباب الأعذار هما أربعة لأرباب الرفاهية ولهذا جاءت الأوقات في كتاب الله نوعين خمسة وثلاثة في نحو عشر آيات من القرآن فالخمسة لأهل الرفاهية والسعة والثلاثة لأرباب الأعذار وجاءت السنة بتفصيل ذلك وبيانه وبيان أسبابه فتوافقت دلالة القرآن والسنة والاعتبار الصحيح الذي هو مقتضى حكمة الشريعة وما اشتملت عليه من المصالح فأحاديث الجمع مع أحاديث الإفراد بمنزلة أحاديث الأعذار والضرورات مع أحاديث الشروط والواجبات فالسنة يبين بعضها بعضا لا يرد بعضها ببعض ومن تأمل أحاديث الجمع وجدها كلها صريحة
424
في جمع الوقت لا في جمع الفعل وعلم أن جمع الفعل اشق وأصعب من الإفراد بكثير فإنه ينتظر بالرخصة أن يبقى من وقت الأولى قدر فعلها فقط بحيث إذا سلم منها دخل وقت الثانية فأوقع كل واحدة منهما في وقتها وهذا أمر في غاية العسر والحرج والمشقة وهو مناف لمقصود الجمع وألفاظ السنة الصحيحة الصريحة ترده كما تقدم وبالله التوفيق
المثال الثالث والسبعون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بخمس متصلة وسبع متصلة كحديث أم سلمة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام رواه الإمام أحمد وكقول عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرهن متفق عليه وكحديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعناه ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنعه في الأولى وفي لفظ عنها فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع ركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة ولم يسلم إلا في السابعة وفي لفظ صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن وكلها أحاديث صحاح صريحة لا معارض لها فردت هذه بقوله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى وهو حديث صحيح ولكن الذي قاله هو الذي أوتر بالتسع والسبع والخمس وسننه كلها حق يصدق بعضها بعضا فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاب السائل له عن صلاة الليل بأنها مثنى مثنى ولم يسأله عن الوتر وأما السبع والخمس والتسع والواحدة فهي صلاة
425
الوتر والوتر إسم للواحدة المنفصلة مما قبلها وللخمس والسبع والتسع المتصلة كالمغرب اسم للثلاث المتصلة فإن انفصلت الخمس والسبع والتسع بسلامين كالإحدى عشرة كان الوتر اسما للركعة المفصولة وحدها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشى الصبح أوتر بواحدة توتر له ما صلى فاتفق فعله صلى الله عليه وسلم وقوله وصدق بعضه بعضا وكذلك يكون ليس إلا وإن حصل تناقض فلابد من أحد أمرين إما أن يكون أحد الحديثين ناسخا للآخر أو ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان الحديثان من كلامه وليس أحدهما منسوخا فلا تناقض ولا تضاد هناك البتة وإنما يؤتى من يؤتى هناك من قبل فهمه وتحكيمه آراء الرجال وقواعد المذهب على السنة فيقع الاضطراب والتناقض والاختلاف والله المستعان
قد تم بحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات الجزء الثاني من كتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين
تأليف الإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية ويليه إن شاء الله الجزء الثالث وأوله
فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد
نسأل الله جلت قدرته أن يعيننا بفيض منه وان يساعدنا على إتمامه إنه على ما يشاء قدير
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم